######OpenITI# #META# Author: الشنقيطي #META# Title: أضواء البيان في تفسير القرآن #META# Date: ت 1393 ه #META# Tafsir_type: تفاسير حديثة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.2] # قوله تعالى { الحمد لله }. لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا ~~زمانيا. وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية السماوات والأرض في ~~قوله # وله الحمد في السماوات والأرض # الروم 18 الآية - وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية الدنيا ~~والآخرة في قوله # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة # القصص 70 الآية - وقال في أول سورة سبأ # وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير # سبأ 1 والألف واللام في { الحمد } لاستغراق جميع المحامد. وهو ثناء ~~أثنى به تعالى على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به. وقوله ~~تعالى { رب العالمين }. لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في ~~موضع آخر بقوله # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ # الشعراء 23-24 الآية. قال بعض العلماء اشتقاق العالم من العلامة، لأن ~~وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال ~~والجلال. قال تعالى # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # آل عمران 190 والآية في اللغة العلامة. ### || [1.3] # هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على ~~وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة ~~الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو ~~الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ~~ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، ~~كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير ~~وغيره أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام { الرحمن } رحمن ~~الدنيا والآخرة، و { الرحيم } رحيم الآخرة. وقد أشار تعالى إلى هذا ~~الذي ذكرنا حيث قال # ثم استوى على العرش الرحمن # الفرقان 59 وقال # الرحمن على العرش استوى # طه 5، فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير ~~ومثله قوله تعالى # أولم يروا إلى الطير فوقهم ms0001 صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # الملك 19 أي ومن رحمانيته لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في ~~جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى # الرحمن علم القرآن # الرحمن 1-2 إلى قوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # الرحمن 13 وقال # وكان بالمؤمنين رحيما # الأحزاب 43 فخصهم باسمه الرحيم. فإن قيل كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، ~~وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم # " رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما " # فالظاهر في الجواب - والله أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، ~~لكنه لا يختص بهم في الآخرة، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضا، فيكون معنى ~~رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما. والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في ~~الدنيا أيضا أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما # الأحزاب 43، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات ~~إلى النور رحمة بهم في الدنيا، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا. ~~وكذلك قوله تعالى # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد ~~يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رءوف رحيم # التوبة 117، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع ~~على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة ~~في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا. والعلم عند الله تعالى. ### || [1.4] # لم يبينه هنا - وبينه في قوله # ومآ أدراك ما يوم الدين ثم مآ أدراك ما يوم ~~الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا # الانفطار 17-19 الآية. والمراد بالدين في الآية الجزاء. ومنه قوله تعالى # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق # النور 25 أي جزاء أعمالهم بالعدل. ### || [1.5] # قوله تعالى { إياك نعبد }. أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق ~~معنى لا إله إلا الله لأن معناها مركب من أمرين نفي وإثبات. فالنفي خلع ~~جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات إفراد ~~رب السموات ms0002 والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد ~~أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو { إياك }. ~~وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة. وفي ~~المعاني في مبحث القصر أن تقديم المعمول من صيغ الحصر. وأشار إلى الإثبات ~~منها بقوله { نعبد }. وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات ~~أخر كقوله # يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # البقرة 21 الآية - فصرح بالإثبات منها بقوله { اعبدوا ربكم } ~~وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله # فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # البقرة 22 وكقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36 فصرح بالإثبات بقوله { أن اعبدوا الله } وبالنفي ~~بقوله { واجتنبوا الطاغوت } وكقوله # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # البقرة 256 فصرح بالنفي منها بقوله # فمن يكفر بالطاغوت # البقرة 256 وبالإثبات بقوله # ويؤمن بالله # البقرة 256 وكقوله # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني # الزخرف 26-27 الآية - وكقوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25 وقوله # وسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { وإياك نستعين ~~}. أي لا نطلب العون إلا منك وحدك. لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد ~~منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله { وإياك نستعين } بعد قوله { ~~إياك نعبد } ، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من ~~يستحق العبادة. لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا ~~جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله # فاعبده وتوكل عليه # هود 123 الآية - وقوله # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت # التوبة 129 الآية - وقوله # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # المزمل 9 وقوله # قل هو الرحمن آمنا به وعليه ms0003 توكلنا # الملك 29 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [1.6-7] # وقوله تعالى { صراط الذين أنعمت عليهم }. لم يبين هنا ~~من هؤلاء الذين أنعم عليهم. وبين ذلك في موضع آخر بقوله # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا # النساء 69. تنبيهان الأول يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه. لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني ~~والقرآن العظيم. - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك ~~على أن صراطهم هو الصراط المستقيم. وذلك في قوله { اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ، وقد بين ~~الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين. وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أبا ~~بكر رضي الله عنه من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله ~~عليهم.. الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق. الثاني ~~قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم. وقد صرح تعالى بأن مريم ~~ابنة عمران صديقة في قوله # وأمه صديقة # المائدة 75 الآية - وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى { صراط ~~الذين أنعمت عليهم } الفاتحة 7 أو لا؟ الجواب أن دخولها ~~فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي هل ما في القرآن ~~العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور ~~تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل؟ فذهب قوم إلى أنهن ~~يدخلن في ذلك. وعليه فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين ~~الأول إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع. ~~والثاني ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، ~~كقوله تعالى في مريم نفسها # وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين # التحريم 12، وقوله في امرأة العزيز # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت ~~من الخاطئين # يوسف 29، وقوله في بلقيس # وصدها ما كانت ms0004 تعبد من دون الله إنها كانت ~~من قوم كافرين # النمل 43، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم # قلنا اهبطوا منها جميعا # البقرة 38 الآية - فإنه تدخل فيه حواء إجماعا. وذهب كثير إلى أنهن لا ~~يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات # إلى قوله # أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما # الأحزاب 35 وقوله تعالى # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم # النور 30، ثم قال # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن # النور 31 الآية - فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن. وأجابوا عن حجة أهل ~~القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع. # وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق. وعن ~~الآيات بأن دخول الإناث فيها. إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ~~ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه. وعلى هذا القول ~~فمريم غير داخلة في الآية. وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله # وما شمول من للأنثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا # وقوله { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين }. قال ~~جماهير من علماء التفسير { المغضوب عليهم } اليهود و { ~~الضآلين } النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. واليهود والنصارى وإن كانوا ~~ضالين جميعا مغضوبا عليهم جميعا، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن ~~شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدا، ~~فكان الغضب أخص صفاتهم. والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص ~~صفاتهم. وعلى هذا فقد يبين أن { المغضوب عليهم } اليهود. قوله ~~تعالى فيهم # فبآءو بغضب على غضب # البقرة 90 الآية - وقوله فيهم أيضا # هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه # المائدة 60 الآية - وقوله # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب # الأعراف 152 الآية - وقد يبين أن الضالين النصارى، قوله تعالى # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا ms0005 من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل # المائدة 77. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.2] # قوله تعالى { هدى للمتقين }. صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن ~~هدى للمتقين، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل ~~الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في ~~آيات أخر كقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت 44 وقوله # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # الإسراء 82 وقوله # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # التوبة 124-125 وقوله تعالى # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا # المائدة 64 الآيتين. ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص ~~الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح ~~الحق. ### || [2.3] # قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون }. عبر في هذه الآية ~~الكريمة ب " من " التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا ~~كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه. ولكنه ~~بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة وسد ~~الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # البقرة 219، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على ~~أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور. ومنه قوله تعالى # حتى عفوا # الأعراف 95 أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء العفو ~~نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ~~ومنه قول الشاعر # خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة. وقوله تعالى # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # الإسراء 29 فنهاه ms0006 عن البخل بقوله # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # الإسراء 29. ونهاه عن الإسراف بقوله # ولا تبسطها كل البسط # الإسراء 29 فيتعين الوسط بين الأمرين كما بينه بقوله # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # الفرقان 67 فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل ~~والاقتصاد. فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع في محل ~~الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله { ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ، والإعطاء في محل المنع ~~مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله { ولا ~~تبسطها كل البسط } وقد قال الشاعر # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما فإنها فلتات ~~من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا ~~كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين # البقرة 215 الآية - وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه ~~في قوله # فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة # الأنفال 36 الآية - وقد قال الشاعر # إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع # فإن قيل هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على ~~الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة ~~إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # الحشر 9. فالظاهر في الجواب - والله تعالى أعلم - هو ما ذكره بعض ~~العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا. ~~وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع ~~بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم # " وابدأ بمن تعول " # ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس ~~يسألهم ما ms0007 لهم، فلا يجوز له ذلك، والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة ~~واجبة وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول ~~بأن قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون } يعني به الزكاة. فالأمر واضح، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [2.7] # قوله تعالى { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~وعلى أبصارهم غشاوة } الآية - لا يخفى أن الواو في قوله { ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم } محتملة في الحرفين أن تكون ~~عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في ~~موضع آخر أن قوله { وعلى سمعهم } معطوف على قوله { على ~~قلوبهم } وأن قوله { وعلى أبصارهم } استئناف، والجار ~~والمجرور خبر المبتدأ الذي هو { غشاوة } وسوغ الابتداء بالنكرة فيه ~~اعتمادها على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو ~~الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله # ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدم الخبر # فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار، وذلك في ~~قوله تعالى # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة # الجاثية 23. والختم الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا ~~يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، ومنه ~~قول الحارث بن خالد بن العاص # هويتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # وعلى قراءة من نصب " غشاوة " فهي منصوبة بفعل محذوف أي وجعل على أبصارهم ~~غشاوة كما في سورة الجاثية، وهو كقوله # علفتها تبنا وماءا باردا حتى شتت همالة عيناها # وقول الآخر # ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا # وقول الآخر # إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا # كما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور، فإن ~~قيل قد يكون الطبع على الأبصار أيضا، كما في قوله تعالى في سورة النحل # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم # النحل 108 الآية. فالجواب أن الطبع على الأبصار المذكور ms0008 في آية النحل هو ~~الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى. ### || [2.8] # لم يذكر هنا بيانا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق # التوبة 101. ### || [2.15] # قوله تعالى { الله يستهزىء بهم }. لم يبين هنا شيئا من ~~استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله # قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # الحديد 13. ### || [2.18] # قوله تعالى { صم بكم عمي } الآية - ظاهر هذه الآية أن ~~المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى. ولكنه تعالى بين في موضع أخر ~~أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، ~~وأبصارهم وذلك في قوله جل وعلا # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق به ما ~~كانوا به يستهزئون # الأحقاف 26. ### || [2.19] # قوله تعالى { أو كصيب من السمآء } الآية الصيب المطر، وقد ~~ضرب الله في هذه الآية مثلا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الهدى والعلم بالمطر. لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر ~~حياة الأجسام. وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # الأعراف 58. وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في ~~الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم # " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا. فكانت ~~منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، ~~وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك ~~مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من ~~لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". # قوله تعالى { فيه ظلمات }. ضرب الله تعالى في هذه الآية ms0009 المثل لما ~~يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر ~~المضروب مثلا للقرآن، وبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم. لأنها ~~تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن ~~كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله # البقرة 143. لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة، ويوما آخر جهة ~~أخرى، كما قال تعالى # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها # البقرة 143. وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى ~~يقينه، بقوله # وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله # البقرة 143 وكقوله تعالى # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن # الإسراء 60 لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان ~~سببا لاعتقاد الكفار أنه صلى الله عليه وسلم كاذب. لزعمهم أن هذا الذي ~~أخبر به لا يمكن وقوعه. فهو سبب لزيادة الضالين ضلالا. وكذلك الشجرة ~~الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. فهي سبب أيضا لزيادة ضلال ~~الضالين ضلالا. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. ~~فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قرأ # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم # الصافات 64 قالوا ظهر كذبه. # لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار. وكقوله ~~تعالى # وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # المدثر 31. لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى # عليها تسعة عشر # المدثر 30. قال بعض رجال قريش هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم، ~~واحتلال الجنة بالقوة. لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنا سندخلها. والله تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء، وله ~~الحكمة البالغة في ذلك كله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قوله ms0010 ~~تعالى { ورعد }. ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر ~~التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضا منها في آيات أخر كقوله # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة # فصلت 13 الآية - وكقوله # من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ # النساء 47 الآية - وكقوله # إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد # سبأ 46. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن ~~مطعم رضي الله عنه أنه قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~المغرب بالطور. فلما بلغ هذه الآية # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # الطور 35 - إلى قوله - # المسيطرون # الطور 37 كاد قلبي أن يطير. إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي ~~خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم # يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو # المنافقون 4، والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة ~~بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. قوله تعالى { وبرق }. ضرب تعالى ~~المثل بالبرق لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. ~~وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك. كما تكشف ~~بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله # وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # النساء 174 وقوله # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # الشورى 52 وقوله # واتبعوا النور الذي أنزل معه # الأعراف 157. قوله تعالى { والله محيط بالكافرين }. قال بعض ~~العلماء محيط بالكافرين أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى # لتأتنني به إلا أن يحاط بكم # يوسف 66 أي تهلكوا عن آخركم. وقيل تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك ~~لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه. ~~وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر # أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم # ومنه أيضا بمعنى الهلاك قوله تعالى # وأحيط بثمره # الكهف 42 الآية. وقوله تعالى # وظنوا أنهم أحيط بهم # يونس 22 الآية. ### || [2.20] # قوله تعالى { يكاد البرق يخطف أبصارهم }. أي يكاد نور ~~القرآن ms0011 لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد ~~يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفا. لأن البصر كلما كان أضعف ~~كان النور أشد إذهابا له. كما قال الشاعر # مثل النهار يزيد أبصار الورى نورا ويعمي أعين الخفاش # وقال الآخر # خفافيش أعماها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم # وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف. فشدة ضوء النور تزيدها عمى. ~~وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # الرعد 19 وقوله # وما يستوي الأعمى والبصير # فاطر 19 إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء يكاد البرق يخطف ~~أبصارهم أي يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. قوله تعالى { ~~كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم ~~قاموا }. ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا ~~أضاء لهم مشوا في ضوئه وإذا أظلم وقفوا، كما أن المنافقين، إذا كان ~~القرآن موافقا لهواهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم، ~~والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، ~~وإذا كان غير موافق لهواهم، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله ~~المأمور به فيه وقفوا وتأخروا. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله # وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق ~~يأتوا إليه مذعنين # النور 48-49. وقال بعض العلماء { كلما أضآء لهم مشوا ~~فيه } أي إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا هذا الدين حق، ما ~~أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير، { وإذآ أظلم عليهم قاموا ~~} أي وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور. قالوا ما ~~أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه. وهذا الوجه يدل له قوله ~~تعالى # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # الحج 11. وقال بعض ms0012 العلماء إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه، وإظلامه ~~عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه. ### || [2.21-22] # قوله تعالى { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي ~~جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم }. ~~أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها ~~مفصلة في آيات أخر. البرهان الأول خلق الناس أولا المشار إليه بقوله { ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } ~~البقرة21 لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك ~~في آيات كثيرة كقوله # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده # الروم 27 الآية وقوله # كما بدأنآ أول خلق نعيده # الأنبياء 104، وكقوله # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # الإسراء 51 الآية، وكقوله # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # يس 79، وقوله # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس # ق 15 الآية، وكقوله # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5، وكقوله # ولقد علمتم النشأة الأولى # الواقعة 62 الآية. ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد ~~الأول، كما في قوله # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # يس 78 الآية، وقوله # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * ~~أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # مريم 66-67. ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله # فوربك لنحشرنهم # مريم 68 الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثاني خلق السموات ~~والأرض المشار إليه بقوله { الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بنآء } البقرة 22 لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على ~~خلق الأعظم، فهو على غيره قادر من باب أحرى. وأوضح الله تعالى هذا ~~البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57، وقوله # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # يس 81، وقوله # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم ms0013 يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى # الأحقاف 33، وقوله # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم # الإسراء 99، وقوله # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها # النازعات 27-28 الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثالث إحياء ~~الأرض بعد موتها. فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له ~~هنا بقوله { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم } البقرة 22، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # فصلت 39، وقوله # وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # ق 11، يعني خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاما رميما. وقوله # ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # الروم 19، وقوله تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # الأعراف 57، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.23] # قوله تعالى { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا }. لم يصرح هنا باسم هذا العبد الكريم، صلوات الله وسلامه ~~عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله # وآمنوا بما نزل على محمد # محمد 2 صلوات الله وسلامه عليه. ### || [2.24] # قوله تعالى { فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة }. هذه الحجارة قال كثير من العلماء إنها حجارة من ~~كبريت. وقال بعضهم إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها. وهذا القول يبينه ~~ويشهد له قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 الآية... ### || [2.25] # قوله تعالى { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار }. لم يبين هنا ~~أنواع هذه الأنهار، ولكنه بين ذلك في قوله # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى # محمد 15. قوله تعالى { ولهم فيهآ أزواج مطهرة }. لم ~~يبين هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه ms0014 بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله # وعندهم قاصرات الطرف عين # الصافات 48، وقوله # كأنهن الياقوت والمرجان # الرحمن 58، وقوله # وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون # الواقعة 22-23 وقوله # وكواعب أترابا # النبأ 33 إلى غير ذلك من الآيات المبينة لجميل صفاتهن. والأزواج جمع زوج ~~بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجة بالهاء لغة لا لحن، كما زعمه البعض. ~~وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إنها زوجتي " # ، أخرجه مسلم. ومن شواهده قول الفرزدق # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقول الآخر # فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي ثم تصدعوا ### || [2.27] # قوله تعالى { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل }. لم ~~يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أن من الأرحام بقوله # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # محمد 22. وأشار في موضع آخر إلى أن منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز ~~قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وذلك في قوله # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون ~~حقا # النساء 150-151. ### || [2.29] # قوله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ~~ثم استوى إلى السمآء }. ظاهره أن ما في الأرض جميعا خلق ~~بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، ~~تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير # ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # وذلك في قوله # وقدر فيهآ أقواتها # فصلت 10، ثم قال { ثم استوى إلى السمآء } الآية. ### || [2.30] # قوله تعالى { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة } الآية. في قوله { خليفة } وجهان من التفسير ~~للعلماء أحدهما أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام. لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل لأنه صار خلفا ~~من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله. وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى ~~فاعل. وقيل لأنه إذا مات يخلفه من بعده، ms0015 وعليه فهو من فعيلة بمعنى ~~مفعول. وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية. الثاني أن ~~قوله خليفة مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد ~~إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى # إن المتقين في جنات ونهر # القمر 54 يعني وأنهار، بدليل قوله # فيهآ أنهار من مآء غير آسن # محمد 15 الآية، وقوله # واجعلنا للمتقين إماما # الفرقان 74، وقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # النساء 4. ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علفة المري # وكان بنو فزارة شر عم وكنت لهم كشر بني الأخينا # وقول العباس بن مرداس السلمي # فقلنا اسلموا إنا أخوكم وقد سلمت من الإحن الصدور # وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي # بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب # وقول الآخر # كلوا في بعض بطنكم تعفو فإن زمانكم زمن خميص # وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين. فاعلم أنه قد دلت ~~آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة الخلائف من آدم وبنيه ~~لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى { قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء } الآية. ومعلوم أن آدم عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض # فاطر 39 الآية، وقوله # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض # الأنعام 165 الآية، وقوله # ويجعلكم حلفآء # النمل 62 الآية. ونحو ذلك من الآيات. ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد ~~بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك ~~الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا. وأن المراد بخلافة آدم الخلافة ~~الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن ~~آخر. تنبيه قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة هذه الآية أصل في نصب ~~إمام وخليفة. يسمع له ويطاع. لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ~~ولا خلاف في وجوب ذلك بين ms0016 الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم ~~حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال ودليلنا قول الله تعالى { إني ~~جاعل في الأرض خليفة } ، وقوله تعالى # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # ص 26، وقال # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # النور 55، أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على ~~تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بنى ساعدة ~~في التعيين، حتى قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر ~~والمهاجرون عن ذلك. وقالوا لهم إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ~~ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير ~~واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها. ~~ولقال قائل إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم. فما لتنازعكم وجه، ~~ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة ~~عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا ~~عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين ~~والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه من ~~الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به ~~الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به ~~كأبى بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام ~~القوطي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع ~~كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة رضي الله عنهم. ~~ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، كما قال تعالى # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # الحديد 25 لأن قوله { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ~~فيه إشارة إلى إعمال ms0017 السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة. وقالت الإمامية ~~إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع. وعن الحسن البصري والجاحظ والبلخي ~~أنها تجب بالعقل والشرع معا. واعلم أن ما تتقوله الإمامية من المفتريات ~~على أبي بكر وعمر وأمثالهم من الصحابة، وما تتقوله في الاثني عشر إماما، ~~وفي الإمام المنتظر المعصوم، ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة كله ~~باطل لا أصل له. وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك فعليك بكتاب " منهاج ~~السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية " ، للعلامة الوحيد الشيخ ~~تقي الدين أبي العباس بن تيمية - تغمده الله برحمته - فإنه جاء فيه بما ~~لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على إبطال جميع تلك ~~الخرافات المختلقة. فإذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين، ~~فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور. الأول ما لو نص صلى الله عليه وسلم ~~على أن فلانا هو الإمام. فإنها تنعقد له بذلك. # وقال بعض العلماء إن إمامة أبي بكر رضي الله عنه من هذا القبيل لأن ~~تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في إمامة الصلاة وهي أهم شيء، فيه ~~الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى وهو ظاهر. الثاني هو اتفاق أهل الحل ~~والعقد على بيعته. وقال بعض العلماء إن إمامة أبي بكر منه لإجماع أهل ~~الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف. ولا عبرة بعدم رضى ~~بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة رضي الله عنه من عدم قبوله بيعة أبي بكر ~~رضي الله عنه. الثالث أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي ~~بكر لعمر رضي الله عنهما. ومن هذا القبيل جعل عمر رضي الله عنه الخلافة ~~شورى بين ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راض. ~~الرابع أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له ~~الأمر وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين ~~وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان ~~على ms0018 عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب ~~الأمر له، كما قاله ابن قدامة في المغني. ومن العلماء من يقول تنعقد له ~~الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ~~ومال إليه القرطبي، وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع وقيل ببيعة أربعة. ~~وقيل غير ذلك. هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى. ~~ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله - في " ~~المنهاج " أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ ~~أحكام الإمامة. لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام. واعلم ~~أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط الأول أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر ~~بن مالك. وقيل أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع. ومن كان من ~~أولاد مالك بن النضر أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف. هل هو قرشي أو ~~لا؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع. قال ~~القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام الأول أن يكون ~~من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم # " الأئمة من قريش " # وقد اختلف في هذا. قال مقيده عفا الله عنه الاختلاف الذي ذكره القرطبي ~~في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيا ضعيف. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على ~~تقديم قريش في الإمامة على غيرهم. وأطبق عليه جماهير العلماء من ~~المسلمين. وحكى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل، ~~ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال " إن أدركني أجلي ~~وأبو عبيدة حي استخلفته ". # فذكر الحديث وفيه " فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن ~~جبل ". ومعلوم أن معاذا غير قرشي وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر ~~أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور. فاشتراط كونه قرشيا هو الحق، ولكن ~~النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط ~~بإقامتهم الدين وإطاعتهم ms0019 لله ورسوله. فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن ~~يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم. فمن الأدلة الدالة على ذلك ما ~~رواه البخاري في صحيحه عن معاوية رضي الله عنه حيث قال " باب الأمراء من ~~قريش " حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال كان محمد بن جبير بن ~~مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو ~~يحدث أنه سيكون ملك قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ~~قال أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب ~~الله، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولئك جهالكم، فإياكم ~~والأماني التي تضل أهلها. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما ~~أقاموا الدين " # انتهى من صحيح البخارى بلفظه. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم # " ما أقاموا الدين " # لأن لفظة " ما " فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله إن هذا الأمر في قريش، ~~وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة أقامتهم الدين، ومفهومه أنهم إن ~~لم يقيموه لم يكن فيهم. وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث. ~~وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه وقد ~~ورد في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه نظير ما وقع في حديث معاوية، ~~ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير. فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة ~~أبي بكر وفيها. فقال أبو بكر وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله ~~واستقاموا على أمره. وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء ~~الأول وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به. كما في الأحاديث ~~التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال # " الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا " # - الحديث. وفيه # " فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله ms0020 " # وليس في هذا ما يقتضى خروج الأمر عنهم. # الثاني وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم. فعند أحمد وأبي يعلى ~~من حديث ابن مسعود رفعه # " إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم، بعث الله عليكم من ~~يلحاكم كما يلحى القضيب " # ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ~~عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن ~~عبيد الله، وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد ~~الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه # " لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته " # الحديث. وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة ~~وفاته، وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار. أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه ~~بسند صحيح إلى عطاء ولفظه قال لقريش # " أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون ~~كما تلحى هذه الجريدة " # ، وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به. الثالث ~~الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه ~~الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه # " استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على ~~عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء " # ، ورجاله ثقاة، إلا أن فيه انقطاعا. لأن رواية سالم بن أبي الجعد لم ~~يسمع من ثوبان، وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه. ~~وأخرج أحمد من حديث ذى مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة ~~بعدهما راء وهو ابن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود لهم " # وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى ~~قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية " ما أقاموا الدين " أنهم إذا لم ~~يقيموا الدين ms0021 خرج الأمر عنهم. انتهى. واعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن ~~العاص - الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور - إنه سيكون ملك من ~~قحطان إذا كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يعني به القحطاني الذي ~~صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه " # أخرجه البخاري في " كتاب الفتن " في " باب تغير الزمان حتى يعبدوا ~~الأوثان " ، وفي " كتاب المناقب " في " باب ذكر قحطان ". # وأخرجه مسلم في " كتاب الفتن وأشراط الساعة " في " باب لا تقوم الساعة ~~حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء " وهذا ~~القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين. وقال بعض العلماء اسمه جهجاه. وقال ~~بعضهم اسمه شعيب بن صالح. وقال ابن حجر في الكلام على حديث القحطاني هذا ~~ما نصه " وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج ". وتقدم ~~الجمع بينه وبين حديث # " لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت. وأن الكعبة يخربها ذو السوقتين من ~~الحبشة " # ، فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، ~~وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، ~~وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل ~~اليمن بعدها. ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله " الإيمان يمان " أي ~~يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني ~~عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا. انتهى منه بلفظه ~~والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. الثاني من شروط الإمام الأعظم كونه ~~ذكرا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري ~~وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~بلغه أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال # " لن يفلح ms0022 قوم ولوا أمرهم امرأة " # الثالث من شروط الإمام الأعظم كونه حرا. فلا يجوز أن يكون عبدا، ولا ~~خلاف في هذا بين العلماء. فإن قيل ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة ~~العبد. فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " # ولمسلم من حديث أم الحصين " اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم ~~بكتاب الله ". ولمسلم أيضا من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال " أوصاني ~~خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف " فالجواب ~~من أوجه الأول أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود. فإطلاق العبد ~~الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعا أن يلي ~~ذلك. ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي. ويشبه هذا الوجه قوله تعالى # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # الزخرف 81 على أحد التفسيرات. الوجه الثاني أن المراد باستعمال العبد ~~الحبشي أن يكون مؤمرا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد وهو أظهرها. # فليس هو الإمام الأعظم. الوجه الثالث أن يكون أطلق عليه اسم العبد. ~~نظرا لاتصافه بذلك سابقا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتيم ~~على البالغ باعتبار اتصافه به سابقا في قوله تعالى # وآتوا اليتامى أموالهم # النساء 2 الآية - وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار. أما لو تغلب عبد ~~حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب، إخمادا للفتنة وصونا للدماء، ما لم يأمر ~~بمعصية، كما تقدمت الإشارة إليه. والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة ~~الزبيب المأكور المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه ~~التحقير وتقبيح الصورة. لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك ~~على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتى. ويشبه قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " كأنه زبيبة " # ، قول الشاعر يهجو شخصا أسود # دنس الثياب كأن فروة رأسه غرست فأنبت جانباها فلفلا ms0023 # الرابع من شروطه أن يكون بالغا، فلا تجوز إمامة الصبي إجماعا لعدم ~~قدرته على القيام بأعباء الخلافة. الخامس أن يكون عاقلا، فلا تجوز إمامة ~~المجنون ولا المعتوه، وهذا لا نزاع فيه. السادس أن يكون عدلا فلا تجوز ~~إمامة فاسق، واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى # قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # البقرة 124، ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام، لأن العدل لا يكون ~~غير مسلم. السابع أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، ~~مجتهدا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث. الثامن أن يكون ~~سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين، ~~أعني العلم وسلامة الجسم، قوله تعالى في طالوت # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم # البقرة 247. التاسع أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير ~~الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من ~~الظالم، والأخذ للمظلوم، كما قال لقيط الإيادي # وقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا # العاشر أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب ~~الرقاب، ولا قطع الأعضاء، ويدل لذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن ~~الإمام لا بد أن يكون كذلك، قاله القرطبي. مسائل الأولى إذا طرأ على ~~الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة، هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام ~~عليه أو لا؟ قال بعض العلماء إذا صار فاسقا أو داعيا إلى بدعة جاز ~~القيام عليه لخلعه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه ~~لخلعه إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان. فقد أخرج الشيخان ~~في صحيحيهما # " عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، ~~وأن لا ننازع الأمر أهله. قال " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من ~~الله برهان " ". # وفي صحيح مسلم من حديث ms0024 # " عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول " خيار أئمتكم الذين يحبونكم وتحبونهم، وتصلون عليهم ويصلون ~~عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم " ~~قال قلنا يا رسول الله أفلا تنابذهم عند ذلك؟ قال " لا ما أقاموا فيكم ~~الصلاة. إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما ~~يأتي من معصية الله تعالى، ولا ينزعن يدا من طاعة ". # وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي ~~وتابع " ، قالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال " لا ما صلوا ". # وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر. فإنه ليس أحد يفارق الجماعة ~~شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ". # وأخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس ~~في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ". # والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان ~~مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان ~~الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه كفر بواح، أي ~~ظاهر باد لا لبس فيه. وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول ~~بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع ~~الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك. ودام الأمر بضع عشرة ~~سنة حتى ولي المتوكل الخلافة. فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة. واعلم ~~أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله ~~تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا ms0025 لبس فيها ولا ~~مطعن، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، ~~فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " # ، أخرجه الشيخان وأبو داود. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار # " لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا. إنما الطاعة في المعروف " # وفي الكتاب العزيز # ولا يعصينك في معروف # الممتحنة 12. المسألة الثانية هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون ~~الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال الأول قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا محتجين ~~بأن عليا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه. وبأن ذلك ~~يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه. وبأنه لما جاز ~~بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى. ~~القول الثاني قول جماهير العلماء من المسلمين إنه لا يجوز تعدد الإمام ~~الأعظم، بل يجب كونه واحدا، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه ~~المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ". # ولمسلم أيضا من حديث عرفجة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق ~~جماعتكم فاقتلوه ". # وفي رواية # " فاضربوه بالسيف كائنا من كان ". # ولمسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما # " ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع. فإن ~~جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " # ، ثم قال سمعته أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعاه قلبي. ~~وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع علي لم يدع الإمامة ~~لنفسه، ms0026 وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ويدل لذلك ~~إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط لا كل منهما. وأن ~~الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين ~~في وقت واحد، يرده قوله صلى الله عليه وسلم # " فاقتلوا الآخر منهما " # ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن. القول الثالث التفصيل في ~~منع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار ~~المتنائية كالأندلس وخراسان. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما ~~نصه لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك على ما ~~يأتى بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. والمشار إليه في كلامه ~~نصب خليفتين. وممن قال بجواز ذلك الأستاذ أبو إسحق كما نقله عنه إمام ~~الحرمين، ونقله عنه ابن كثير والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة. # وقال ابن كثير قلت وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق، ~~والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب. المسألة الثالثة هل للإمام أن يعزل ~~نفسه؟ قال بعض العلماء له ذلك. قال القرطبي والدليل على أن له عزل نفسه ~~قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه أقيلوني أقيلوني، وقول الصحابة رضي الله ~~عنهم لا نقيلك ولا نستقيلك. قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ~~فمن ذا يؤخرك؟ رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك؟ ~~وقال فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه. ولقالت له ليس لك أن ~~تقول هذا. وقال بعض العلماء ليس له عزل نفسه. لأنه تقلد حقوق المسلمين ~~فليس له التخلي عنها. قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان عزله لنفسه ~~لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من ~~نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزله نفسه. ولذا ~~أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما، بعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد ms0027 ~~أن بايعه أهل العراق. حقنا لدماء المسلمين وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، ~~جده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله # " إن ابني هذا سيد. ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين " # أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. المسألة الرابعة هل ~~يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ قال بعض العلماء لا يجب. لأن إيجاب الإشهاد ~~يحتاج إلى دليل من النقل. وهذا لا دليل عليه منه. وقال بعض العلماء يجب ~~الإشهاد عليه. لئلا يدعي مدع أن الإمامة عقدت له سرا، فيؤدي ذلك إلى ~~الشقاق والفتنة. والذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة. قالوا يكفي ~~شاهدان، خلافا للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقدا ومعقودا له، ~~مستنبطا ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو ~~عبد الرحمن بن عوف ومعقود له، وهو عثمان، وبقي الأربعة الآخرون شهودا، ~~ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير، والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [2.31] # قوله تعالى { ثم عرضهم على الملائكة }. يعني مسميات ~~الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية. وقد أشار إلى أنها المسميات ~~بقوله { أنبئوني بأسمآء هؤلاء } الآية، كما هو ظاهر. ### || [2.33] # قوله تعالى { وما كنتم تكتمون }. لم يبين هنا هذا الذي كانوا ~~يكتمون. وقد قال بعض العلماء هو ما كان يضمره إبليس من الكبر. وعلى هذا ~~القول فقد بينه قوله تعالى # إلا إبليس أبى واستكبر # البقرة 34 الآية. ### || [2.34] # قوله تعالى { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم }. لم ~~يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة ~~الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم، فقال في الحجر # وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين # الحجر 28-29، وقال في سورة ص # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # ص 71-72. ms0028 قوله تعالى { إلا إبليس أبى واستكبر }. لم ~~يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # الأعراف 12، وقوله # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من ~~حمإ مسنون # الحجر 33. تنبيه مثل قياس إبليس نفسه على عنصره، الذي هو النار، وقياسه ~~آدم على عنصره، الذي هو الطين، واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم. ولا ~~ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله ~~تعالى { اسجدوا لآدم } يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. ~~وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود # والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى # فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا ~~لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه الأول أنه فاسد الاعتبار. لمخالفة النص ~~الصريح كما تقدم قريبا. الثاني أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل ~~الطين خير من النار. لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، ~~وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها ~~نخلة. وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من ~~الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة، تعلم أن الطين خير ~~من النار. الثالث أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين ~~فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم. لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف ~~الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعا والفرع وضيعا، كما قال الشاعر # إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا # وقال الآخر # وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهله ### || [2.37] # قوله تعالى { فتلقى آدم من ربه كلمات }. لم يبين هنا ~~ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # الأعراف 23. ### || [2.40] # قوله تعالى { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم }. لم يبين هنا ما ms0029 هذه النعمة التي أنعمها عليهم، ~~ولكنه بينها في آيات أخر. كقوله # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى # البقرة 57. وقوله # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب # البقرة 49 الآية، وقوله # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون # القصص 5-6 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم }. لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه بين ذلك في ~~مواضع أخر كقوله # وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار # المائدة 12، فعهدهم هو المذكور في قوله # لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا # المائدة 12 وعهده هو المذكور في قوله # لأكفرن عنهم سيئاتهم # آل عمران 195 الآية. وأشار إلى عهدهم أيضا بقوله # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه # آل عمران 187، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.42] # قوله تعالى { ولا تلبسوا الحق بالباطل }. الحق الذي ~~لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة. والباطل الذي لبسوا به ~~الحق هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له، كصفات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا يبينه قوله تعالى # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # البقرة 85 الآية -، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم. ### || [2.45] # قوله تعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة }. الاستعانة ~~بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها. وأما نتيجة الاستعانة ~~بالصلاة، فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج ~~الاستعانة بها النهي عما لا يليق وذلك في قوله # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # العنكبوت 45 وأنها تجلب الرزق، وذلك في قوله # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # طه 132. ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر ms0030 بادر إلى الصلاة. ~~وإيضاح ذلك أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه، هان عليه ~~كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله، ورهبة منه، فيتباعد عن كل ما لا ~~يرضي الله، فيرزقه الله ويهديه. ### || [2.46] # قوله تعالى { الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم } ~~الآية. المراد بالظن هنا اليقين، كما يدل عليه قوله تعالى # وبالآخرة هم يوقنون # البقرة 4، وقوله # والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون # المؤمنون 60. ### || [2.48] # قوله تعالى { ولا يقبل منها شفاعة } الآية - ظاهر هذه ~~الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة. ولكنه بين في مواضع آخر أن ~~الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم، بدون إذن رب ~~السموات والأرض. أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، ~~والإجماع. فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28، وقد قال # ولا يرضى لعباده الكفر # الزمر 7، وقال تعالى عنهم مقررا له # فما لنا من شافعين # الشعراء 100، وقال # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # المدثر 48، إلى غير ذلك من الآيات. وقال في الشفاعة بدون إذنه # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # البقرة 255، وقال # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # النجم 26. وقال # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # طه 109 إلى غير ذلك من الآيات وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير ~~إذنه، من أنواع الكفر به جل وعلا، كما صرح بذلك في قوله # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18. تنبيه هذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعا ~~مطلقا، يستثنى منه شفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في نقله من ~~محل من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ~~الصحيح، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة. ### || [2.49] # قوله تعالى { يسومونكم ms0031 سوء العذاب }. بينه بقوله بعده { ~~يذبحون أبنآءكم } الآية. ### || [2.50] # قوله تعالى { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم }. لم ~~يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # الشعراء 63، وقوله # ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا # طه 77. قوله تعالى { وأغرقنا آل فرعون } الآية. لم يبين هنا ~~كيفية إغراقهم ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله # فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ~~ربي سيهدين فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ~~وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه ~~أجمعين ثم أغرقنا الآخرين # الشعراء 60-66، وقوله # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم # طه 78. وقوله # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # الدخان 24، وقوله { رهوا } أي ساكنا على حالة انفلاقه حتى يدخلوا ~~فيه، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.51] # قوله تعالى { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة }. لم ~~يبين هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة؟ ولكنه بين في سورة الأعراف ~~أنها متفرقة، وأنه واعده أولا ثلاثين، ثم أتمها بعشر. وذلك في قوله ~~تعالى # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة # الأعراف 142. ### || [2.53] # الظاهر في معناه أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وإنما عطف على ~~نفسه. تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. لأن ذلك الكتاب الذي هو ~~التوراة موصوف بأمرين أحدهما أنه مكتوب كتبه الله لنبيه موسى عليه، وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام. والثاني أنه فرقان، أي فارق بين الحق والباطل، ~~فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرا لتغاير الصفتين. كقول ~~الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم # بل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا ~~بالمغايرة في اللفظ. كقول الشاعر # إني لأعظم في صدر الكمي على ما كان في من التجدير والقصر # والقصر هو ms0032 التجدير بعينه. وقول الآخر # وقددت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا # والمين هو الكذب بعينه. وقول الآخر # ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها الناي والبعد # والبعد هو النأي بعينه. وقول عنترة في معلقته # حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # والإقفار هو الإقواء بعينه. والدليل من القرآن على أن الفرقان هو ما ~~أوتيه موسى. قوله تعالى # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # الأنبياء 48. ### || [2.54] # قوله تعالى { إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل }. لم يبين هنا من أي شيء هذا العجل المعبود من دون الله؟ ~~ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار # الأعراف 148، وقوله # ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم ~~فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم ~~عجلا جسدا له خوار # طه 87-88، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرآن، وتقديره ~~باتخاذكم العجل إلها، كما أشار له في سورة طه بقوله # فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى # طه 87-88. ### || [2.63] # قوله تعالى { ورفعنا فوقكم الطور } أوضحه بقوله # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة # الأعراف 171. قوله تعالى { خذوا مآ آتيناكم بقوة }. لم ~~يبين هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بين في موضع آخر أنه الكتاب الفارق ~~بين الحق والباطل، وذلك في قوله # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم ~~تهتدون # البقرة 53. ### || [2.65] # قوله تعالى { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت }. أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة الأعراف في قوله # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر # الأعراف 163 الآيات. ### || [2.68] # قوله تعالى { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~}. لم يبين مقصودهم بقولهم ما هي، إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم ~~بقولهم في الموضع الأول ما هي أي ما سنها؟ بدليل قوله { قال إنه ~~يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر } الآية، وأن ~~مرادهم بقولهم ما هي في الموضع الآخر هل هي عاملة أو ms0033 لا؟ وهل فيها عيب أو ~~لا؟ وهل فيها وشي مخالف للونها أو لا؟ بدليل قوله # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ~~ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها # البقرة 71. ### || [2.72] # قوله تعالى { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها }. لم ~~يصرح هل هذه النفس ذكر أو أنثى؟ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله # فقلنا اضربوه ببعضها # البقرة 73. ### || [2.73] # قوله تعالى { كذلك يحيي الله الموتى ويريكم ~~آياته } الآية. أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل ~~على بعث الناس بعد الموت. لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على ~~إحياء جميع النفوس. وقد صرح بهذا في قوله # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # لقمان 28. ### || [2.74] # قوله تعالى { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة } الآية. لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ~~ذلك في مواضع أخر كقوله # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية # المائدة 13، وقوله # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # الحديد 16 الآية. ### || [2.78] # قوله تعالى { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني }. اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين أحدهما ~~أن المراد بالأمنية القراءة، أي لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون ~~إدراك معانيها. وهذا القول لا يتناسب مع قوله { ومنهم أميون ~~}. لأن الأمي لا يقرأ. الثاني أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون ~~الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة، ويدل لهذا القول قوله تعالى # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم # البقرة 111، وقوله # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب # النساء 123. ### || [2.85] # قوله تعالى { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ~~الآية. يعني تقتلون إخوانكم. ويبين أن ذلك هو المراد، كثرة وروده كذلك في ~~القرآن نحو قوله # ولا تلمزوا أنفسكم # الحجرات 11 أي لا يلمز أحدكم أخاه، وقوله # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا # النور 12 أي بإخوانهم، وقوله # فاقتلوا أنفسكم # البقرة 54 أي بأن يقتل البريء من عبادة العجل من عبده منهم، إلى غير ms0034 ذلك ~~من الآيات. ويوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم # " إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم. كمثل الجسد الواحد إذا أصيب ~~منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ". # قوله تعالى { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض }. يتبين مما قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى ~~منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو ~~عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه. ### || [2.87] # قوله تعالى { وآتينا عيسى ابن مريم البينات }. لم ~~يبين هنا ما هذه البينات ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم # آل عمران 49 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { وأيدناه ~~بروح القدس }. هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى # نزل به الروح الأمين # الشعراء 193 الآية، وقوله # فأرسلنآ إليهآ روحنا # مريم 17 الآية. ### || [2.92] # قوله تعالى { ولقد جآءكم موسى بالبينات }. لم يبين ~~هنا ما هذه البينات وبينها في مواضع أخر كقوله # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # الأعراف 133، وقوله # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء # الأعراف 107-108 الآية، وقوله # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق # الشعراء 63 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.93] # قوله تعالى { خذوا مآ آتيناكم بقوة واسمعوا }. قال ~~بعض العلماء هو من السمع بمعنى الإجابة، ومنه قولهم سمعا وطاعة أي إجابة ~~وطاعة، ومنه سمع الله لمن حمده في الصلاة أي أجاب دعاء من حمده، ويشهد ~~لهذا المعنى قوله # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا # النور 51، وهذا قول الجمهور، وقيل إن المراد بقوله { واسمعوا } أي ~~بآذانكم، ولا تمتنعوا من أصل الاستماع. ويدل لهذا الوجه أن بعض الكفار ~~ربما امتنع ms0035 من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام الأنبياء، كما في قوله ~~تعالى عن نوح مع قومه # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # نوح 7. وقوله عن قوم نبينا صلى الله عليه وسلم # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # فصلت 26، وقوله # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # الحج 72، وقوله { قالوا سمعنا وعصينا }. لأن السمع الذي لا ~~ينافي العصيان هو السمع بالآذان دون السمع بمعنى الإجابة. ### || [2.96] # قوله تعالى { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما ~~هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر }. معنى الآية أن أحد ~~المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة وطول عمره لا يزحزحه، أي لا يبعده عن ~~العذاب، فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله { أن يعمر } فاعل ~~اسم الفاعل الذي هو " مزحزحه " على أصح الأعاريب. وفي لو، من قوله { لو ~~يعمر } وجهان الأول وهو قول الجمهور إنها حرف مصدري، وهي وصلتها في ~~تأويل مفعول به ل يود، والمعنى يود أحدهم، أي يتمنى تعمير ألف سنة، ولو ~~قد تكون حرفا مصدريا لقول قتيلة بنت الحارث # ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق # أي ما كان ضرك منك. وقال بعض العلماء إن لو هنا هي الشرطية والجواب ~~محذوف وتقديره لو يعمر ألف سنة، لكان أحب شيء إليه، وحذف جواب لو مع ~~دلالة المقام عليه واقع في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله ~~تعالى # كلا لو تعلمون علم اليقين # التكاثر 5 أي لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر، وقوله # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # الرعد 31 أي لكان هذا القرآن أو لكفرتم بالرحمن. ومنه في كلام العرب قول ~~الشاعر # فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # أي لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه. إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله ~~قد أوضح هذا المعنى مبينا أن ms0036 الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ~~ذلك المتاع وجاءه العذاب، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه ~~شيئا بعد انقضائه وحلول العذاب محله. وذلك في قوله # أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جآءهم ما كانوا ~~يوعدون مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون # الشعراء 205-207، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول ~~الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره. ### || [2.97] # قوله تعالى { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله ~~على قلبك بإذن الله } الآية. ظاهر هذه الآية أن جبريل ~~ألقى القرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع قراءة، ~~ونظيرها في ذلك قوله تعالى # نزل به الروح الأمين على قلبك # الشعراء 193-194 الآية. ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك أن الملك ~~يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى ~~تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # القيامة 16-19، وقوله # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما # طه 114. ### || [2.100] # قوله تعالى { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ~~منهم }. ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق ~~منهم، وصرح في موضع آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعاهد لهم ~~وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم ~~في كل مرة وهم لا يتقون # الأنفال 55-56، وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم. وذلك ~~في قوله # ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا ~~منهم # المائدة 13. ### || [2.101] # قوله تعالى { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق ~~لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ~~كتاب الله ورآء ظهورهم } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة ~~أن كثيرا من ms0037 اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به. وبين في ~~موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر. وذلك في قوله ~~تعالى # ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # آل عمران 110. ### || [2.108] # قوله تعالى { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل }. لم يبين هنا هذا الذي سئله موسى من قبل ما هو؟ ~~ولكنه بينه في موضع آخر. وذلك في قوله # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة # النساء 153 الآية. ### || [2.109] # قوله تعالى { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره }. هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر ~~في قوله { بأمره }. قال بعض العلماء هو واحد الأوامر. وقال بعضهم هو ~~واحد الأمور، فعلى القول الأول، بأنه الأمر الذي هو ضد النهي، فإن الأمر ~~المذكور هو المصرح به في قوله # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # التوبة 29، وعلى القول بأنه واحد الأمور، فهو ما صرح الله به في الآيات ~~الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم # الحشر 2-3 الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على ~~التحقيق. ### || [2.114] # قوله تعالى { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه وسعى في خرابهآ } الآية. قال بعض ~~العلماء نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام ~~في عمرة الحديبية عام ست. وعلى هذا القول فالخراب معنوي، وهو خراب ~~المساجد بمنع العبادة فيها. وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # الفتح25 الآية. وقال بعض العلماء الخراب ms0038 المذكور هو الخراب الحسي. ~~والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ~~ويشهد له قوله جل وعلا # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # الإسراء7. ### || [2.116] # قوله تعالى { وقالوا اتخذ الله ولدا }. هذا الولد المزعوم ~~- على زاعمه لعائن الله - قد جاء مفصلا في آيات أخر كقوله # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون # التوبة 30 وقوله # ويجعلون لله البنات # النحل 57 الآية. ### || [2.124] # قوله تعالى { قال لا ينال عهدي الظالمين }. يفهم من هذه ~~الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين. وقد صرح تعالى في مواضع ~~أخر بأن منهم ظالما وغير ظالم، كقوله # ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # الصافات 113، وقوله # وجعلها كلمة باقية في عقبه # الزخرف 28 الآية. ### || [2.127] # قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل }. ذكر في هذه الآية رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت. ~~وبين في سورة الحج أنه أراه موضعه بقوله # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # الحج 26 أي عينا له محله وعرفناه به. قيل دله عليه بمزنة كان ظلها قدر ~~مساحته، وقيل دله عليه بريح تسمى الخجوج كنست عنه حتى ظهر أسه القديم ~~فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. ### || [2.128-129] # قوله تعالى { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنآ أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب ~~علينآ إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم }. لم يبين هنا من هذه الأمة التي أجاب الله ~~بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبين هنا أيضا هذا الرسول المسؤول ~~بعثه فيهم من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرسول ~~هو سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ms0039 مبين ~~وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # الجمعة 2-3 لأن الأميين العرب بالإجماع، والرسول المذكور نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم إجماعا، ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي ~~دعا به إبراهيم، ولا ينافي ذلك عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى ~~الأسود والأحمر. ### || [2.130] # قوله تعالى { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } الآية. لم ~~يبين هنا ما ملة إبراهيم وبينها بقوله # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # الأنعام 161، فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث الله به ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم. وكذا في قوله # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم # النحل 123 الآية. ### || [2.132] # قوله تعالى { إن الله اصطفى لكم الدين } الآية. أشار ~~إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } ، وصرح بذلك في قوله # إن الدين عند الله الإسلام # آل عمران 19، وقوله # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # آل عمران 85. ### || [2.136] # قوله تعالى { ومآ أنزل إلى إبراهيم }. لم يبين هنا هذا ~~الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ~~ما في تلك الصحف # بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى # الأعلى 16-17، وذلك في قوله # إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى # الأعلى 18-19. قوله تعالى { ومآ أوتي موسى وعيسى }. لم يبين ~~هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بينه في مواضع أخر، فذكر أن ما أوتيه ~~موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله # صحف إبراهيم وموسى # الأعلى 19، وذلك كقوله # ثم آتينا موسى الكتاب # الأنعام 154 وهو التوراة بالإجماع. وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل ~~كما في قوله # وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل # الحديد 27. قوله تعالى { النبيون من ربهم لا نفرق ~~بين أحد منهم }. أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم ms0040 ~~والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيين وأن لا ~~يفرقوا بين أحد منهم حيث قال { قولوا آمنا بالله ومآ ~~أنزل إلينا } إلى قوله { وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم } ولم يذكر هنا هل ~~فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه، ولكنه بين كل ذلك في غير ~~هذا الموضع، فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله # البقرة 285 وذكر جزاءهم على ذلك بقوله # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان ~~الله غفورا رحيما # النساء 153. ### || [2.142] # قوله تعالى { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم }. لم يبين هنا الصراط المستقيم. ولكنه بينه ~~بقوله # اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # الفاتحة 6-7. ### || [2.143] # قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } الآية. أي ~~خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى # كنتم خير أمة أخرجت للناس # آل عمران 110، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # قوله تعالى { ويكون الرسول عليكم شهيدا }. لم يبين هنا ~~هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد ~~عليهم في الآخرة، وذلك في قوله # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون ~~الله حديثا # النساء 41-42. قوله تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليهآ إلا لنعلم } الآية. ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه ~~الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين ~~أنه لا يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ms0041 ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور # آل عمران 154 فقوله { والله عليم بذات الصدور } بعد قوله ~~{ وليبتلي } دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئا لم يكن ~~عالما به، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن العليم بذات الصدور ~~غني عن الاختبار، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله ~~فيها اختباره لخلقه. ومعنى { إلا لنعلم } أي علما يترتب عليه ~~الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالما به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ~~ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا ~~يخفى وقوله { من يتبع الرسول } أشار إلى أن الرسول هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم بقوله مخاطبا له { وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليهآ } الآية. لأن هذا الخطاب له إجماعا. قوله تعالى { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم }. أي صلاتكم إلى بيت المقدس على ~~الأصح، ويستروح ذلك من قوله قبله { وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليهآ } الآية. ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، ~~والخلاف فيها معروف في الأصول. ### || [2.144] # قوله تعالى { فلنولينك قبلة ترضاها }. بينه قوله بعده ~~{ فول وجهك شطر المسجد الحرام } الآية. ### || [2.159] # قوله تعالى { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون }. لم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين # البقرة 161. ### || [2.164] # قوله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } الآية. لم ~~يبين هنا وجه كونهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب # ق 6-8، وقوله # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير ولقد زينا السمآء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا ~~لهم عذاب السعير # الملك 3-5، وقوله في الأرض # هو الذي جعل لكم الأرض ms0042 ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور # الملك 15. قوله تعالى { واختلاف الليل والنهار }. لم يبين ~~هنا وجه كون اختلافهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون # القصص 71-73، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { والسحاب ~~المسخر بين السمآء والأرض }. لم يبين هنا كيفية تسخيره، ~~ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # الأعراف 57، وقوله # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله # النور 43. ### || [2.165] # قوله تعالى { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون ~~العذاب } الآية. المراد بالذين ظلموا الكفار وقد بين ذلك بقوله في ~~آخر الآية # وما هم بخارجين من النار # البقرة 167، ويدل لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررا له # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، وقوله جل وعلا # والكافرون هم الظالمون # البقرة 254، وقوله # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # يونس 106. ### || [2.166] # قوله تعالى { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا } الآية. أشار هنا إلى تخاصم أهل النار. وقد بين منه غير ما ~~ذكر هنا في مواضع أخر كقوله # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل ~~كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر الليل والنهار ms0043 إذ تأمروننآ ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا # سبأ 31-33 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.168] # قوله تعالى { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }. لم يذكر هنا ~~ما يترتب على خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة النور بقوله # ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر ~~بالفحشآء والمنكر # النور 21 الآية. ### || [2.169] # قوله تعالى { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }. لم ~~يبين هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أخر فذكر ~~أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو أن الله حرم البحائر والسوائب ونحوها، ~~وأن له أولادا، وأن له شركاء، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. فصرح ~~بأنه لم يحرم ذلك بقوله # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب # المائدة 103، وقوله # وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله # الأنعام 140 الآية، وقوله # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا # يونس 59 الآية، وقوله # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام # النحل 116، إلى غير ذلك من الآيات. ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله # سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18 ونحوها من الآيات، ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه # البقرة 116 الآية، ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل ما أجمل ~~في اسم الموصول الذي هو ما، من قوله { وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون }. ### || [2.173] # قوله تعالى { إنما حرم عليكم الميتة والدم } ~~الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بين في ~~موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو قوله # أحل لكم صيد البحر وطعامه # المائدة 96 الآية. إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض ~~العلماء من أن المراد بطعامه قديده المجفف بالملح مثلا، وأن المراد ~~بصيده الطري منه. فهو خلاف الظاهر. لأن القديد من صيده فهو صيد جعل ~~قديدا، وجمهور ms0044 العلماء على أن المراد بطعامه ميتته. منهم أبو بكر ~~الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري - رضي الله ~~عنهم أجمعين - وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن ~~البصري، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير ~~المسفوح من الدماء ليس بحرام، وهو قوله # إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا # الأنعام 145، فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر ~~تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله { ~~مسفوحا } فائدة. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمين " # أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. وسيأتي ~~الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء الله تعالى. وعنه صلى الله عليه ~~وسلم في البحر # " هو الحل ميتته " # ، أخرجه مالك وأصحاب السنن والإمام أحمد والبيهقي والدراقطني في ~~سننيهما، والحاكم في المستدرك، وابن الجارود في المنتفى، وابن أبي شيبة. ~~وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث ~~وعموم قوله تعالى { وطعامه } يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا. وقد ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، ~~وهو حوت ألقاه البحر ميتا وقصته مشهورة. وحاصل تحرير فقه هذه المسالة أن ~~ميتة البحر على قسمين قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات ~~كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها. أما الذي لا يعيش إلا في ~~الماء كالحوت، فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة - رحمه ~~الله - فيما مات منه في البحر وطفا على وجه الماء، فقال فيه هو مكروه ~~الأكل، بخلاف ما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل ~~عنده. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر كالضفادع، والسلحفاة، ~~والسرطان، وترس الماء، فقد اختلف فيه العلماء. فذهب مالك بن أنس إلى أن ~~ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه، ms0045 ووجد طافيا أو ~~بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين. # وقال ابن نافع وابن دينار ميتة البحر مما يعيش في البر نجسة. ونقل ابن ~~عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في ~~البر فيكون نجسا. وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك ~~مباحة الأكل، وإن ماتت فيه. وفي المدونة ولا بأس بأكل الضفادع وإن ماتت. ~~لأنها من صيد الماء اه. أما ميتة الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين ~~العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ~~ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. أما كلب الماء وخنزيره، فالمشهور من ~~مذهب مالك، فيهما الكراهة. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا ~~على ما يكره، وكلب ماء وخنزيره. وقال الباجي أما كلب البحر وخنزيره، فروى ~~ابن شعبان أنه مكروه، وقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم في المدونة لم يكن ~~مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول أنتم تقولون خنزير. وقال ابن ~~القاسم وأنا أتقيه ولو أكله رجل لم أره حراما. هذه هو حاصل مذهب مالك في ~~المسألة وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر أو لا قوله ~~تعالى # أحل لكم صيد البحر وطعامه # المائدة 96 ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، ~~وهو الحق ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في البحر # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث وفيه التصريح من النبي بأن ميتة البحر ~~حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى ~~معرفة كان من صيغ العموم. كقوله # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # النور 63 وقوله # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # إبراهيم 34. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم # وما معرفا بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى # وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم # " ميتته ms0046 " # يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر. ومذهب الشافعي - رحمه الله - في هذه ~~المسالة هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال، بلا خلاف، سواء كان ~~طافيا على الماء أم لا. وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح ~~الأقوال فيه وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف ~~العراقيين أن ميتته كله حلال. للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان ~~أحدهما منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا. الثاني التفصيل بين ما ~~يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة، فتباح ميتة البحري منه، وبين ما لا ~~يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن ~~حجة الأول أظهر. # لعموم قوله صلى الله عليه وسلم # " الحل ميتته " # وقوله تعالى # وطعامه # المائدة 96، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - فهو أن كل ~~ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما ~~يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما ~~لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ~~ما يعيش في البر، بأنه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ~~ذكاة كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرناعلى خصوص ما لا يعيش إلا في البحر ا ~~ه. وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة ~~يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم. ومذهب ~~الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري ~~منه أصلا. لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر وهو الحوت بأنواعه ~~فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء. ~~فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، ~~بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه أنه مستخبث. ~~والله تعالى يقول # ويحرم عليهم ms0047 الخبآئث # الأعراف 157. وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه " ~~حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية ~~عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه " # اه. قال أبو داود " روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي ~~الزبير أوقفوه على جابر. وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن ~~أبي ذئب. عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم اه. ~~وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، ~~وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص ~~كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ~~ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور. قال النووي ~~في شرح المهذب ما نصه وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو ~~أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء. فكيف ~~وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله ~~عنهم المنتشرة؟ وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل ~~بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. # قال البيهقي يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيئ الحفظ. قال وقد رواه ~~غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال وقال الترمذي سألت ~~البخاري عن هذا الحديث. فقال ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال ~~ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئا. قال البيهقي وقد رواه أيضا ~~يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعا، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا ~~يحتج به. قال روواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر ~~مرفوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال ورواه بقية ms0048 بن الوليد عن ~~الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. ~~فكيف بما يخالف؟ قال وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما ~~رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # اه. وقال البيهقي في السنن الكبرى في باب " منكره أكل الطافي " ما نصه ~~أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ حدثنا محمد ~~بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، ~~حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه أنه كان ~~يقول " ما ضرب به البحر أو جزر عنه أو صيد فيه فكل، وما مات فيه ثم طفا ~~فلا تأكل ". وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، ~~وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفا وعبد الرزاق وعبد ~~الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان ~~الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا وهو ~~واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا ~~علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، ~~حدثنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان ~~على حافته فكله " # قال سليمان لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد ثم ذكر البيهقي ~~بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن ~~النووي، قال مقيده عفا الله عنه فتحصل أن حديث جابر في النهي عن أكل ~~السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به. وحكى ~~النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر ~~أثبت. # وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق ~~رضي الله ms0049 عنه، وبالآية والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم ~~الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور. لأن رفعه جاء من ~~طرق متعددة وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعا التي قدمنا، ضعفوها ~~بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيء الحفظ. وقد رواه غيره ~~مرفوعا، مع أن يحيى بن سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ~~ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعا عند البيهقي والدارقطني، ~~ضعفوها بأنه واهم فيها. قالوا خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري ~~موقوفا. ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور وهو محمد بن عبد الله بن ~~الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي ثقة ثبت. وإن قال ابن حجر في التقريب إنه ~~قد يخطئ في حديث الثوري فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية ابن ~~الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في ~~صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضا برواية عبد العزيز ~~بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا. ~~ورواية يحيى بن أبي أنيسة له عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا، وإن كان عبد ~~العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين، لاعتضاد ~~روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك أيضا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي ~~الزبير، عن جابر مرفوعا عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن ~~يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت، لما رأيت من طرق الرفع التي ~~روي بها. وبعضها صحيح كرواية أبي أحمد المذكورة والرفع زيادة، وزيادة ~~العدل مقبولة. قال في مراقي السعود # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ # إلخ... نعم لقائل أن يقول هو معارض بما هو أقوى منه، لأن عموم قوله ~~تعالى # أحل لكم صيد البحر وطعامه # المائدة 96، وقوله صلى الله عليه ولسم في البحر # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # ، أقوى من حديث جابر هذا، ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس، لأنه لا فرق في ~~القياس ms0050 بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، ~~وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة. فالدليل على ~~كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم. والمراد ~~بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا ~~على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن ~~رواحة رضي الله عنه # وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين # يحكى في نوادر المجانين أن مجنونا مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من ~~بني طفاوة يختصمون في غلام. # فقال لهم المجنون ألقوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني راسب، ~~وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة. وقال البخاري في صحيحه باب قول الله ~~تعالى # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم # المائدة 96 قال عمر صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر ~~الطافي حلال، وقال ابن عباس طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا ~~تأكله اليهود، ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النبي صلى الله عليه وسلم كل ~~شيء في البحر مذبوحه، وقال عطاء أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج ~~قلت لعطاء صيد الأنهار وقلات السيل، أصيد بحر هو؟ قال نعم. ثم تلا # هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا # فاطر 12، وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي لو أن ~~أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. وقال ابن ~~عباس كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء في ~~المري ذبح الخمر النينان والشمس. انتهى من البخاري بلفظه. ومعلوم أن ~~البخاري - رحمه الله - لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحا ثابتا ~~عنده. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات ~~التي ذكرها البخاري ما نصه قوله قال عمر هو ابن الخطاب ms0051 " صيده " ما اصطيد ~~و " طعامه " ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق ~~عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة قال لما قدمت البحرين سألني أهلها ~~عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال فقال ~~عمر قال الله تعالى في كتابه # أحل لكم صيد البحر وطعامه # المائدة 96 فصيده ما صيد، وطعامه ما قذف به. قوله وقال أبو بكر هو ~~الصديق الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من ~~رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال أشهد على أبي ~~بكر أنه قال السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي لمن أراد أكله، وأخرجه ~~الدارقطني، وكذا عبد بن حميد والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر ~~أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن ~~أبي بكر أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله. فإنه ذكي. قوله وقال ابن ~~عباس طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص ~~عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى # أحل لكم صيد البحر وطعامه # المائدة 96 قال طعامه ميتته. # وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه ~~طافيا، في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله، ~~قوله والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله. وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن ~~عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجري فقال لا بأس ~~به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري ~~به. وقال في روايته سألت ابن عباس عن الجري، فقال لا بأس به، إنما تحرمه ~~اليهود ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. ~~والجري - بفتح الجيم - قال ابن التين - وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط ~~الصحاح، وكسر الراء الثقيلة - قال ويقال له ms0052 أيضا الجريت، وهو ما لا قشر ~~له. وقال ابن حبيب من المالكية إنما أكرهه، لأنه يقال إنه من الممسوخ. ~~وقال الأزهري الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل سمك لا قشر له. ~~ويقال له أيضا المرماهي والسلور مثله. وقال الخطابي هو ضرب من السمك ~~يشبه الحيات، وقال غيره نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين. قوله وقال شريح ~~صاحب النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء في البحر مذبوح، وقال عطاء أما ~~الطير فأرى أن تذبحه، وصله المصنف في التاريخ وابن منده في المعرفة من ~~رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول كل شيء في البحر مذبوح. قال فذكرت ذلك ~~لعطاء. فقال أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني وأبو نعيم في ~~الصحابة مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في ~~الأطعمة من طريق عمرو بن دينار سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر ~~دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم. وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن ~~سرجس رفعه أن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف. ~~والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضا. وأخرج عبد ~~الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي الحوت ذكي كله، قوله وقال ابن ~~جريج قلت لعطاء صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال نعم، ثم تلا # هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا # فاطر 12 وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه ~~الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي داود عن ابن جريج أتم من ~~هذا، وفيه وسألته عن حيتان بركة القشيري - وهي بئر عظيمة في الحرم - ~~أتصاد؟ قال نعم. وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال ~~حيث يكون أكثر فهو صيد. # وقلات - بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة - ووقع في رواية ms0053 الأصيلي ~~مثلثة، والصواب الأول جمع قلت بفتح أوله مثل بحر وبحار، وهو النقرة في ~~الصخرة، يستنقع فيها الماء. قوله وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، ~~وقال الشعبي لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة ~~بأسا. أما قول الحسن الأول فقيل إنه ابن علي. وقيل البصري. ويؤيد الأول ~~أنه وقع في رواية " وركب الحسن عليه السلام " وقوله على سرج من جلود، أي ~~متخذ من جلود كلاب الماء. وأما قول الشعبي فالضفادع جمع ضفدع - بكسر أوله ~~وفتح الدال وبكسرها أيضا - وحكى ضم أوله مع فتح الدال. والضفادي بغير ~~عين لغة فيه، قال ابن التين لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك ~~أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره. وعن ~~الحنفية، ورواية عن الشافعي لا بد من التذكية. قال مقيده - عفا الله عنه- ~~ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها، لقوله تعالى # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3 وهي ليست من حيوان البحر لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ~~ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول ~~خليل والبحري ولو طالت حياته ببر. وقال ابن حجر متصلا بالكلام السابق، ~~وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس عن أبيه ~~أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن ~~قال لا بأس بأكلها، و السلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة ~~بعدها فاء، ثم الف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة، حكاه ابن سيده، وهي ~~رواية عبدوس. وحكى أيضا في المحكم بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضا ~~سلحفية كلأول لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة. قوله وقال ابن عباس ~~كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني كذا في النسخ ~~القديمة وفي بعضها " ما صاده " قبل لفظ نصراني. قلت وهذا التعليق وصله ~~البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. ms0054 قال كل ما ألقى البحر ~~وما صيد منه، صاده يهودي أو نصراني أو مجوسي. قال ابن التين مفهومه أن ~~صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي ~~شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد ~~المجوسي السمك. انتهى، من فتح الباري بلفظه. وقول أبي الدرداء في المري ~~ذبح الخمر النينان والشمس، المشهور في لفظه، أن ذبح فعل ماض، والخمر ~~مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفا على الفاعل الذي هو ~~النينان، وهي جمع نون وهو الحوت، والمري - بضم الميم وسكون الراء بعدها ~~تحتانية على الصحيح، خلافا لصاحب الصحاح والنهاية، فقد ضبطاه بضم الميم ~~وكسر الراء المشددة نسبة إلى المر وهو الطعم المشهور، و المري المذكور ~~طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك ويوضع في الشمس ~~فيتغير عن طعم الخمر ويصير خلا، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم ~~الخمر وإزالة الإسكار عنه، هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، ~~فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء ~~هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن ~~جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. # وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يرى إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء ~~يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال ~~إجماعا، قال ابن حجر في الفتح وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري ~~المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر ~~حلال، وأن طهارته، وحله يتعدى إلى غيره كالملح. حتى يصير الحرام النجس ~~بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر وهو قول أبي ~~الدرداء وجماعة. قال مقيده - عفا الله عنه- والظاهر منع أكل الضفادع ~~مطلقا، لثبوت النهي عن قتلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال ~~أبو داود في سننه حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن ms0055 ابن أبي ذئب، عن ~~سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتلها. وقال النسائي في سننه أخبرنا قتيبة قال حدثنا ~~ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب، عن عبد ~~الرحمن بن عثمان، أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقال النووي في ~~شرح المهذب وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، ~~والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ~~الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال سأل طبيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وسيأتي لتحريم أكل ~~الضفدع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله # قل لا أجد في مآ أوحي إلي # الأنعام 145 الآية. وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام ~~أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن أبي بكر ~~الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم، أن جميع ميتات البحر كلها ~~حلال إلا الضفدع، قاله النووي. # ونقل عن أحمد - رحمه الله - ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال ~~الأوزاعي لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد لا يؤكل التمساح، ولا ~~الكوسج. لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال ~~كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد ما حرم ~~نظيره في البر فهو حرام في البحر ككلب الماء، وخنزيره. وإنسانه، وهو قول ~~الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في ~~المغني، ومنع بعض ms0056 العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى. ~~تنبيه الدم أصله دمي، يائي اللام، وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ~~ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول ~~دمي بادغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضا في جمع ~~التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ~~ثبتت أيضا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي # ولو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين # وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول ~~في الماضي دميت يده كرضي، ومنه قوله # هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت # وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفا كما في يرضى ويسعى ويخشى، ~~ومنه قول الشاعر # ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما # وتقول في الوصف أصبح جرحه داميا، ومنه قول الراجز # نرد أولالها على أخراها نردها دامية كلاها # والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي ~~لتطرفها بعد الكسر، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويات اللام في الأصل. ~~لأنها من الرضوان والقوة والشجو. وقال بعضهم الأصل فيه دمي بفتح الميم، ~~وقيل بإسكانها، والله تعالى أعلم. قوله تعالى { فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه }. لم يبين هنا سبب اضطراره، ~~ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب ~~الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع، وهو قوله # فمن اضطر في مخمصة # المائدة 3 وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في ~~قوله # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم # المائدة 3، والمتجانف المائل، ومنه قوله الأعشى # تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا # فيفهم من الآية أن الباغي والعادي، كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما ~~يفهم منها. # وقال بعض العلماء الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام ~~المسلمين، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم ms0057 الذي ~~تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل ~~سفر في معصية الله ا ه. وقال بعض العلماء إثم الباغي والعادي أكلهما ~~المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله { فمن اضطر }. ~~وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام، الأكل من ~~الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة ~~إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا. ونقل القرطبي عن قتادة، و الحسن، والربيع، ~~وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى غير باغ، أي في أكله فوق حاجته، ولا عاد بأن ~~يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضا عن السدي أن المعنى ~~غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. ~~وقال القرطبي أيضا، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما المعنى غير باغ على ~~المسلمين، ولا عاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج ~~على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، ~~وهذا صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد، يقال بغت المرأة تبغي ~~بغاء إذا فجرت. قال الله تعالى # ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء # النور 33، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول خرج الرجل ~~في بغاء إبل له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر # لا يمنعنك من بغا ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من ~~والأيامن كالأشائم # وذكر القرطبي عن مجاهد أن المراد بالاضطرار في هذه الآية الإكراه على ~~أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية ~~الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي ~~الجوع كما ذكرنا. وقد قدمنا أن آية # فمن اضطر في مخمصة # المائدة 3 مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # النحل 106 بطريق الأولى، وحديث # " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة المسألة الأولى ms0058 أجمع العلماء على ~~أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضا ~~على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع هل له أن ~~يشبع من الميتة أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت. فذهب ~~مالك - رحمه الله تعالى - إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال ~~في موطئه إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى ~~يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. # قال ابن عبد البر حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا ~~كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه. وذهب ابن ~~الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما ~~يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة وإذا ~~حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن ~~إسحاق المالكي في مختصره، حيث قال وللضرورة ما يسد غير آدمي. وقال ابن ~~العربي ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما ~~إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشيخ منها. ومذهب الشافعي على القولين ~~المذكورين عن المالكية، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد ~~بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا ~~يجاوز سد الرمق ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي إنه الصحيح. ورجح أبو ~~علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضا. ~~وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو أنه إن كان بعيدا من العمران حل ~~الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة، وهو أنه ~~إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه ~~يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع ~~بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة ~~إلى ms0059 العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل ~~الخلاف. قال النووي وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن ~~وهو الراجح. وعن الإمام أحمد - رحمه الله - في هذه المسالة روايتان ~~أيضا. قال ابن قدامة في المغني وفي الشبع روايتان أظهرهما لا يباح، وهو ~~قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال ~~الحسن يأكل قدر ما يقيمه. لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثنى ما ~~اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه ~~بعد سد الرمق غير مضطر، فلم يحل له الأكل للآية. يحققه أنه بعد سد رمقه ~~كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل كذا ههنا. والثانية يباح له الشبع. ~~اختارها أبو بكر. لما روى جابر بن سمرة # " أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته أسلخها حتى نقدد ~~شحمها ولحمها ونأكله؟ فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ~~فقال " هل عندك غنى يغنيك "؟ قال لا. قال " فكلوها ولم يفرق " # رواه أبو داود. ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده أن النبي أذن ~~له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت ~~منها. # ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرق بين ما ~~إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة ~~كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الشبع لأنه ~~إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن ~~الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى ~~تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل، والله ~~أعلم. انتهى من المغني بلفظه. وقال إمام الحرمين وليس معنى الشبع أن ~~يمتلئ حتى لا يجد مساغا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه ~~اسم جائع أمسك أه. قاله النووي. المسألة ms0060 الثانية حد الاضطرار المبيح ~~لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا. قال الزرقاني في شرح قول ~~مالك في الموطأ ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة أه. وحد الاضطرار أن ~~يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف ~~معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد. وقال النووي في شرح المهذب ~~الثانية في حد الضرورة. قال أصحابنا لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي ~~لتناول الميتة ونحوها، قالوا ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف ~~على الهلاك. فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له ~~أكلها لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم ~~يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ~~ذلك. فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض ~~فكذلك في أصح الوجهين، وقيل إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل ~~يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ~~ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما الحل. قال إمام الحرمين وغيره ولا يشترط ~~فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفى غلبة الظن. انتهى منه بلفظه. ~~وقال ابن قدامة في المغني إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف ~~التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من ~~الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو ~~يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور. وحد الاضطرار عند ~~الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ~~ظنا، والله تعالى أعلم. # المسألة الثالثةهل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح ~~من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب. لقوله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة ms0061 195 وقوله # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما # النساء 29. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول إن الرخصة قد تكون واجبة، ~~كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، ~~وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا، وهو ~~اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة - رحمهم الله - وقال مسروق من ~~اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، ~~إلا أن يعفو الله عنه. وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا وليس أكل ~~الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان ~~عاصيا، نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل ~~إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة - رحمهم ~~الله - وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه وهو اجتناب النجاسة، ~~والأخذ بالعزيمة. وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما ~~نصه وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان أحدهما يجب، وهو قول ~~مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. قال الأثرم سئل أبو عبد الله عن ~~المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ~~دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول الله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 195، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة ~~وقال الله تعالى # ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما # النساء 29، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان ~~معه طعام حلال. والثاني لا يلزمه، لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه ~~خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى ~~مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال قد كان الله أحله لي، ~~لأني مضطر، ms0062 ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة فلا ~~تجب عليه كسائر الرخص. ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة، ~~وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه. ~~وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة. لأن ~~الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة ~~هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟ اختلف العلماء في ذلك فذهب مالك إلى ~~أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع. # ففي موطئه ما نصه وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها و هو ~~يجد ثمرا لقوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك؟ قال مالك إن ظن أن أهل ذلك ~~الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، ~~رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا، وذلك أحب ~~إلي من أن يأكل الميتة. وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقا بما أصاب ~~من ذلك. فإن أكل الميتة خير له عندي. وله في أكل الميتة على هذا الوجه ~~سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة ~~أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار. قال مالك وهذا أحسن ما ~~سمعت. أه. وقال ابن حبيب إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في ~~الأكل. فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد ~~نفسه. الباجي يريد أنه يدعوه أولا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى ~~استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه. وقال خليل بن إسحق المالكي في ~~مختصره الذي قال فيه مبينا لما به الفتوى عاطفا على ما يقدم المضطر على ~~الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه. هذا هو حاصل المذهب ~~المالكي في هذه المسألة. ومذهب الشافعي فيها هو ما ذكره النووي في شرح ms0063 ~~المهذب بقوله المسألة الخامسة إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب ~~فثلاثة أوجه، وقيل ثلاثة أقوال أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل ~~الطعام، والثالث يتخير بينهما. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف ~~مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي ولو كان صاحب الطعام ~~حاضرا، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ~~ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه ~~إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العرافيون والطبريون وغيرهم أنه ~~لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله ~~أصلا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على ~~نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا ~~يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه، فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان ~~غائبا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي يشتريه بالثمن ~~الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجيء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ~~ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلا وقلنا طعام الغير أولى من الميتة، ~~يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا، والله أعلم. # وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. ~~قال الخرقي في مختصره ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه، أكل ~~الميتة أه. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه، وبهذا ~~قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك إن كانوا يصدقونه أنه مضطر ~~أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه ~~أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما يأكل الطعام وهو قول عبد الله ~~بن دينار. لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو ~~بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، ~~والعدول إلى المنصوص عليه أولى. ولأن حقوق الله ms0064 تعالى مبنية على المسامحة ~~والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق. ولأن حق الآدمي تلزمه ~~غرامته وحق الله لا عوض له. المسالة السادسة إذا كان المضطر إلى الميتة ~~محرما وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد؟ اختلف العلماء في ذلك، ~~فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله - والشافعي في أصح القولين إلى ~~أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي - رحمه الله تعالى - قول بتقديم الصيد وهو ~~مبني على القول بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة. والصحيح أن ذكاة ~~المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم. لأنه يشاركها ~~في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة ~~زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة. وممن قال بتقديم الصيد للمحرم ~~على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم ~~عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحل الميتة. ~~واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد ~~للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا ~~وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق، لأنه بالضرورة وعدم ~~وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرا حلالا فليس بميتة، ولذا تجب ~~ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ~~ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم ~~الأدمي. قال الباجي إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل ~~الميتة. لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير ~~والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا ~~وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء ~~كان مسلما، أو ذميا. # وإن وجد إنسان معصوم ميتا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه ~~المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه. ~~لحديث # " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " # واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال لا حجة في ms0065 الحديث ههنا. لأن ~~الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا ~~في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا ~~يجب به صيانة الميت، قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدميا غير معصوم ~~كالحربي والمرتد، فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من ~~الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، والله تعالى ~~أعلم. المسألة السابعة هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه ~~للعلماء أربعة اقوال الأول المنع مطلقا. الثاني الإباحة مطلقا. الثالث ~~الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها دون العطش. الرابع عكسه. وأصح ~~هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقا. قال مقيده - عفا الله عنه - ~~الظاهر أن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل ~~بن حجر رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر ~~فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال إنما أصنعها للدواء، فقال " إنه ليس بدواء ~~ولكنه داء " # والظاهر إباحتها. لإساغة غصة خيف بها الهلاك. وعليه جل أهل العلم. ~~والفرق بين إساغة الغصة وبين شربها للجوع أو العطش أن إزالتها للغصة ~~معلومة وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش. قال الباجي وهل لمن يجوز ~~له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك لا يشربها ولن ~~تزيده إلا عطشا. وقال ابن القاسم يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ~~ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب من غص ~~بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج. أما ~~التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل. وإذا قلنا إنه لا يجوز التداوي ~~بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به ~~البرء من الجوع والعطش أه بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة، وما ~~نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه النووي عن ~~الشافعي، قال ms0066 وقد نقل الروياني أن الشافعي - رحمه الله - نص على المنع من ~~شربها للعطش. معللا بأنها تجيع وتعطش. وقال القاضي أبو الطيب سألت من ~~يعرف ذلك فقال الأمر كما قال الشافعي إنها تروي في الحال ثم تثير عطشا ~~عظيما. وقال القاضي حسين في تعليقه قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش ~~وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في ~~دفع العطش. # وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسالة أنها لا تنفع في الدواء فثبت ~~تحريمها مطلقا والله تعالى أعلم. أه من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما ~~اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من ~~جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع ~~في العطش خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى. ومن مر ببستان لغيره ~~فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة ~~فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه وإن كان ~~غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه. فقيل له أن يأكل في بطنه ~~من غير أن يحمل منه شيئا، وقيل ليس له ذلك، وقيل بالفرق بين المحوط عليه ~~فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقا ما ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عموم قوله # " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا " # ، وعموم قوله تعالى # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم # النساء 29، ونحو ذلك من الأدلة. وحجة من قال بالإباحة مطلقا ما أخرجنه ~~أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا أتى أحكدم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن ~~فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن ~~أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل " # اه. وما رواه الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن ms0067 عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة " # ، قال هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وما رواه ~~الترمذي أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال # " من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه " # قال فيه حديث حسن. وما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال # " إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثبانا ". # قال أبو عبيد قال أبو عمرو هو يحمل الوعاء الذي يحمل فيه الشيء، فإن ~~حملته بين يديك فهو ثبان، يقال قد تثبنت ثبانا، فإن حملته على ظهرك فهو ~~الحال. يقال منه قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك، ~~فإن جعلته في حضنك فهو خبنة، ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع " ولا يتخذ ~~خبنة " ، يقال فيه خبنت أخبن خبنا، قاله القرطبي. # وما روي عن أبي زينب التيمي، قال سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن ~~سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب ~~المغني وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ~~ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح # " عن عباد ابن شرحبيل اليشكري الغبري - رضي الله عنه - قال أصابتنا ~~عاما مخمصة، فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته ~~وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال " ما اطعمته إذ كان جائعا أو ~~ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد ~~إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق " # ، فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل ~~المخمصة. وقال القرطبي في تفسيره عقب نقله لما قدمنا عن عمر - رضي الله ~~عنه - قال أبو عبيد وإنما يوجه هذا الحديث، أنه رخص فيه ms0068 للجائع المضطر، ~~الذي لا شيء معه يشتري به، ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته. ثم قال ~~قلت لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه. فإن كانت ~~هناك عادة بعمل ذلك كما ان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان ~~فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم. والله أعلم ~~اه منه. وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط ~~دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس إن كان عليها حائط ~~فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني ~~وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند ~~الضرورة وبين مال الكتابي الذمي فلا يجوز بحال غير ظاهر. ويجب حمل حديث ~~العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ~~ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [2.177] # قوله تعالى { وآتى المال على حبه } الآية. لم يبين هنا هل ~~هذا المصدر مضاف إلى فاعله فيكون الضمير عائدا إلى من آتى المال، ~~والمفعول محذوفا، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائدا إلى المال، ~~ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى ~~على حبه، أي حب مؤتي المال لذلك المال وهو قوله تعالى # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # آل عمران 92، ولا يخفى أن بين القولين تلازما في المعنى. قوله تعالى { ~~وحين البأس }. لم يبين هنا ما المراد بالبأس. ولكنه أشار في موضع ~~آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا # الأحزاب 18، كما هو ظاهر من سياق الكلام. ### || [2.183-184] # قوله تعالى { كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما ~~معدودات }. قال بعض العلماء هي ms0069 ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء. وقال ~~بعض العلماء هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بينها تعالى بقوله # شهر رمضان # البقرة 185 الآية. ### || [2.185] # قوله تعالى { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن }. ~~لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا ~~الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله # إنا أنزلناه في ليلة القدر # القدر 1، وقوله # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # الدخان 3. لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق. وفي معنى ~~إنزاله وجهان الأول أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما ~~قال به بعضهم. ### || [2.186] # قوله تعالى { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان }. ذكر في هذه الآية أنه جل ~~وعلا قريب يجيب دعوة الداعي، وبين في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جل ~~وعلا وهي قوله # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # الأنعام 41 الآية. وقال بعضهم التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ~~ظاهر سياق الآية، والوعد المطلق في دعاء المؤمنين. وعليه فدعاؤهم لا يرد، ~~إما أن يعطوا ما سألوا أو يدخر لهم خير منه أو يدفع عنهم من السوء بقدره. ~~وقال بعض العلماء المراد بالدعاء العبادة، وبالإجابة الثواب، وعليه فلا ~~إشكال. ### || [2.187] # قوله تعالى { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود }. بينه قوله { من الفجر } ، والعرب تسمي ضوء ~~الصبح خيطا، وظلام الليل المختلط به خيطا، ومنه قول أبي دواد الإيادي # قلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا # وقول الآخر # الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم ### || [2.189] # قوله تعالى { ولكن البر من اتقى }. لم يصرح هنا ~~بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا ms0070 عاهدوا والصابرين ~~في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوآ وأولئك هم المتقون # البقرة 177، والكلام في الآية على حذف مضاف، أي ولكن ذا البر من اتقى، ~~وقيل ولكن البر بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول ~~الخنساء # لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار # أي ذات إقبال، وقول الشاعر # وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب # أي كخلالة أبي مرحب، وقول الآخر # لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندى # أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى. ### || [2.190] # قوله تعالى { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم }. فيه ثلاثة أوجه للعلماء الأول أن المراد بالذين ~~يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ ~~الفانية، وأصحاب الصوامع. الثاني أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على ~~قتالهم مطلقا. الثالث أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على ~~قتال الكفار، فكأنه يقول لهم هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، ~~وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى ~~يبينه ويشهد له قوله تعالى # وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة # التوبة 36. ### || [2.196] # قوله تعالى { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي }. ~~اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم هو صد ~~العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم المراد به حبس ~~المحرم بسبب مرض ونحوه. وقال قوم المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ~~ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا { فإذآ أمنتم } ، يشير إلى أن ~~المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم. لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب ~~انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه ~~لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، ~~فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على ~~الأمن من المرض، كما في حديث # " من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص " # ، أخرجه ابن ماجه ms0071 في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من ~~المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف. وقد يجاب أيضا بأنه يخاف ~~وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، ~~والعلوص الذي هو وجع البطن. لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من ~~وقوعها. فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به ~~بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها. لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من ~~أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على ~~الشفاء من المرض خلاف الظاهر. وحاصل تحرير هذه المسالة في مبحثين الأول ~~في معنى الإحصار في اللغة العربية. الثاني في تحقيق المراد به في الآية ~~الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله ~~تعالى. اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون إن الإحصار هو ما كان عن مرض ~~أو نحوه، قالوا تقول العرب أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد ~~إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب حصره العدو يحصره ~~بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ~~ما كان من العدو قوله تعالى # وخذوهم واحصروهم # التوبة 5 ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية. ~~قوله تعالى # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # البقرة 273 الآية. وقول ابن ميادة # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول # وعكس بعض علماء العربية، فقال الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ~~ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب. # وقال جماعة من علماء العربية إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، ~~وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر ~~والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري. قال مقيده - عفا الله عنه ~~- لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من ms0072 العدو كما سترى تحقيقه إن ~~شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار. وأما المراد به في ~~الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال الأول أن المراد ~~به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس ~~وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم - ~~وبه قال مروان وإسحاق، وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، ~~وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم الله. وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ~~ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ ~~من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول ~~متركبة من أمرين الأول أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى { فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي } البقرة 196 نزلت في صد ~~المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام ~~الحديبية عام ست بإطباق العلماء. وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول ~~قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، ~~الذي هو سبب نزولها، قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه. وروي عن مالك ~~- رحمه الله - أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول ~~الجمهور وإليه اشار في مراقي السعود بقوله # واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب # وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في ~~اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرآن العليم الذي هو في ~~أعلى درجات الفصاحة والإعجاز. الأمر الثاني ما ورد من الآثار في أن ~~المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي ~~في مسنده، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلا حصر العدو. قال ~~النووي في شرح المهذب إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضا ~~ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان ms0073 يقول " ~~أليس حسبتم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حبس أحدكم عن الحج ~~طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما ~~قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ". ومن ذلك ما رواه مالك في ~~الموطأ والبيهقي عن ابن عمر أنه قال " المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف ~~بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي ~~لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى ". # ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضا عن أيوب السختياني عن ~~رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض ~~الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن ~~عمر، والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر ~~حتى أحللت بعمرة. والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك. قال ابن عبد ~~البر هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه كما رواه ~~حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل ~~يزيد بن عبد الله بن الشخير. ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي ~~أيضا عن سليمان بن يسار " أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة ~~وهو محرم، فسأل - على الماء الذي كان عليه - عن العلماء، فوجد عبد الله ~~بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، ~~فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من ~~إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي ". قال مالك وعلى ~~هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب ~~الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا ~~بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عاما قابلا ويهديان، فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ms0074 إذا رجع إلى أهله. ومن ذلك ما رواه ~~مالك في الموطأ والبيهقي أيضا عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول " ~~المحرم لا يحله إلا البيت " ، والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما ~~جزم به الزرقاني في شرح الموطأ. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد ~~بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه. ~~القول الثاني في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان ~~من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم. وممن قال ~~بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم ~~النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود وهو مذهب أبي حنيفة. ~~وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله. ~~وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ~~الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو ~~الأنصاري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " # فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق. وفي رواية لأبي داود وابن ~~ماجة من عرج، أو كسر، أو مرض، فذكر معناه. وفي رواية ذكرها أحمد في رواية ~~المروزي من حبس بكسر أو مرض، هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، ~~وحسنه الترمذي. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة هذا ~~رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد ~~صحيحة. وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث ~~عكرمة هذا من وجهين الأول ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى. قال وقد حمله ~~بعض أهل العلم إن صح على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج ~~بغير مرض. فقد روينا عن ابن عباس ثابتا عنه قال لا حصر إلا حصر عدو ~~والله أعلم. انتهى منه بلفظه. الوجه الثاني هو حمل ms0075 حله المذكور في الحديث ~~على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر، والتحقيق جواز ~~الاشتراط في الحج بأن يحرم، ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول ~~من منع الاشتراط، لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج ~~الشيخان # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ضباعة بنت الزبير. فقال لها لعلك أردت الحج؟ قالت والله ما أجدني إلا ~~وجعة. فقال لها " حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني " # وكانت تحت المقداد بن الأسود. وقد أخرج مسلم في صحيحه وأحمد وأصحاب ~~السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن ضباعة بنت الزبير قالت يا رسول الله إني امرأة ثقيلة، وإني أريد ~~الحج، فكيف تأمرني أأهل؟ قال أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني، قال ~~فأدركت ". # وللنسائي في رواية " وقال # " فإن لك على ربك ما استثنيت ". # القول الثالث في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ~~ما كان من العدو. وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز ~~التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ ~~حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض ~~بنفي الفارق. ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة ~~نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول، ~~كما عليه الجمهور وهو الحق. # قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال ~~المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن ~~المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل ~~إلا بعمرة. لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى { ~~فإذآ أمنتم } البقرة 196 الآية. ولا سيما على قول من قال من ~~العلماء إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم. وأما ~~حديث ms0076 عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة رضي الله ~~عنهم، فلا تنهض به حجة. لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام. ~~بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، ~~وأصحاب السنن، وغيرهم، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير ~~ابن عبد المطلب # " حجي واشترطي " # ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان ~~للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن ~~الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه اشار في مراقي ~~السعود بقوله # والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا # وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في ~~الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، فإن قيل يمكن الجمع بين ~~الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه ~~حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره، على أنه يحل، وعليه ~~حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى. ~~وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم # " فقد حل وعليه حجة أخرى ". # فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم، لأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها ~~المشركون. قال البخاري في صحيحه في باب " من قال ليس على المحصر بدل " ما ~~نصه وقال مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه. لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل ~~شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له، والحديبية ~~خارج من الحرم. انتهى منه بلفظه. وقد قال مالك في الموطأ إنه بلغه أن ms0077 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، ~~وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه ~~الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ~~ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا لشيء انتهى بلفظه من الموطأ. # ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن ~~طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات. وخرج معه جماعة ~~معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين. لأن الشافعي - رحمه ~~الله - قال والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت. لأنا علمنا ~~من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر ~~عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال أه. ~~فهذا الشافعي - رحمه الله - جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ~~ضرورة، في نفس، ولا مال. وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي. ~~وقال ابن حجر في الفتح ويمكن الجمع بين هذا إن صح، وبين الذي قبله، بأن ~~الأمر كان على طريق الاستحباب. لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير ~~عذر. وقال الشافعي في عمرة القضاء إنما سميت عمرة القضاء والقضية ~~للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، لا على ~~أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة أه. وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن ~~عمر قاله ابن حجر. وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه " وقال ~~روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك، فإنه ~~يحل ولا يرجع. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا ~~بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من ms0078 طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه فإن كانت ~~حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه أه. فإذا ~~علمت هذا وعلمت أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن روى عنه عكرمة الحديث ~~الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيما ~~إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ~~التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحجاج بن ~~عمرو وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن ~~الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء ~~الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح. # لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام أه. وأما على قول من قال إنه ~~لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت، ~~وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا، فيهدي أو يصوم ~~إن لم يجد هديا، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر، كما تقدم. ~~فهو من حيث إن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، ~~يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هديا أه. وفي ~~المسألة قول رابع وهو أنه لا إحصار بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعذر، ~~كائنا ما كان، وهو ضعيف جدا، ولا معول عليه عند العلماء. لأن حكم ~~الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة، ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا ~~دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى { فإن ~~أحصرتم } البقرة 196. وأما قوله { فما استيسر من ~~الهدي } البقرة 196 فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، ~~وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ~~ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن ms0079 بن القاسم، والشعبي، والنخعي، و ~~الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير ~~وغيره. وقال جماعة من أهل العلم إن المراد بما استيسر من الهدي، إنما هو ~~الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وسالم، و ~~القاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم. قال ابن كثير والظاهر ~~أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم ~~أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي الصحيحين عن ~~جابر قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر ~~كل سبعة منا في بقرة ". قال مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى أن التحقيق ~~في هذه المسالة أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديا، ~~وذلك شامل لجميع الأنعام من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، ~~والناقة والبقرة أولى بالإجزاء. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت " أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنما ". فروع تتعلق بهذه ~~المسالة الفرع الأول إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعا، وجمهور ~~العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلا كان أو حرما، وقد ~~نحر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية وجزم الشافعي وغيره بأن ~~الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل لا من الحرم، واستدل لذلك ~~بدليل واضح من القرآن وهو قوله تعالى # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله # الفتح 25 فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم ~~لكان بالغا محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه، ~~قال " لما حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية، ~~وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم " ، وعقده أحمد البدوي ~~الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله # ونحروا وحلقوا وحملت شعورهم لبيت ريح قد غلت ms0080 # قال ابن عبد البر في الاستذكار فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل، وتعقبه ~~ابن حجر في فتح الباري بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في ~~الحرم، قال وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جندب الأسلمي قال قلت يا رسول ~~الله ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم. أخرجه النسائي من طريق إسرائيل ~~عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن ~~قال عن ناجية عن أبيه لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن ~~أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز، والله أعلم، ~~انتهى كلام ابن حجر. وخالف في هذه المسالة ابو حنيفة - رحمه الله - ~~الجمهور وقال لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى ~~الحرم، فإذا بلغ الهدي محله حل، وقال إن الموضع الذي نحر فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه ~~الآية { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } البقرة 196، ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في ~~الحل، وأن القرآن دل على ذلك، وأن قوله { ولا تحلقوا رؤوسكم ~~} البقرة 196 الآية، معطوف على قوله { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } البقرة 196 لا على قوله { فما استيسر من ~~الهدي } البقرة 196، أو أن المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه، ~~وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر، ولو كان في الحل. قال مقيده - عفا ~~الله عنه- التحقيق في هذه المسالة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس رضي ~~الله عنهما، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله ولا يحل حتى ~~يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان ~~لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل. قال ~~البخاري في صحيحه في " باب من قال ليس على المحصر بدل " ما نصه وقال روح ~~عن شبل، عن ابن أبي ms0081 نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما إنما ~~البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا ~~يرجع. # وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع ~~أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله اه محل الغرض منه بلفظه، ولا ~~ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه كما ترى. الفرع الثاني إذا لم يكن مع ~~المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون ~~هدي؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه لقوله تعالى { فإن ~~احصرتم فما استيسر من الهدي } البقرة 196، فلا يجوز ~~له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف ~~مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسالة، فقالا لا هدي على المحصر إن لم ~~يكن ساقه معه قبل الإحصار. وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى { فإن ~~احصرتم فما استيسر من الهدي } البقرة 196، فتعليقه ما ~~استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي ~~بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن ~~الهدي فهل يلزمه بدل عنه أو لا؟ قال بعض العلماء لا بدل له إن عجز عنه، ~~وممن قال لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة - رحمه الله - فإن المحصر عنده ~~إذا لم يجد هديا يبقى محرما حتى يجد هديا، أو يطوف بالبيت. وقال بعض ~~من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هديا حل بدونه، وإن تيسر له بعد ذلك ~~هدي أهداه. وقال جماعة إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول ~~في بدل الهدي. فقال بعضهم هو صوم عشرة أيام قياسا على من عجز عما استيسر ~~من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن ~~الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نص ~~عليه الشافعي في كتاب الوسط، فتقوم ms0082 الشاة ويتصدق بقيمتها طعاما، فإن عجز ~~صام عن كل مد يوما، وقيل إطعام كإطعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة ~~مساكين، وقيل بدله صوم ثلاثة ايام، وقيل بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ~~ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مدا، وليس على ~~شيء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع، والله تعالى ~~أعلم. الفرع الثالث هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير أو لا ~~يلزمه شيء من ذلك؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه ~~الله - ومحمد، إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن ~~الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي. # واحتج أهل هذا القول بأن الله قال { فما استيسر من الهدي } ~~البقرة 196، ولم يذكر الحلق ولو كان لازما لبينه. واحتج أبو حنيفة ومحمد ~~لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال، ~~وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمراة إذا منعهما السيد والزوج ~~لا يؤمران بالحلق إجماعا. وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان ~~على الخلاف في الحلق، هل هو نسك أو إطلاق من محظور؟ وذهب جماعة من أهل ~~العلم منهم مالك وأصحابه إلى أن المحصر عليه أن يحلق، قال مقيده - عفا ~~الله عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من ~~لزوم الحلق، لقوله تعالى { فإن احصرتم فما استيسر من ~~الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } البقرة 196. ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة # " عنه صلى الله عليه وسلم، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية، وهو ~~محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال " اللهم ارحم المحلقين. قالوا ~~والمقصرين يا رسول الله؟ قال اللهم ارحم المحلقين. قالوا والمقصرين يا ~~رسول الله؟ قال والمقصرين ". # فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق على المحصر، وقياس من قال بعدم ~~اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها، ظاهر السقوط، لأن ~~الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة مثلا، كل ms0083 ذلك منع منه المحصر ~~وصد عنه، فسقط عنه، لأنه حيل بينه وبينه، ومنع منه. وأما الحلاق فلم يحل ~~بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل ~~نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته ~~الحج وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. وعلى القول الصحيح من أن ~~الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة اشياء وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق. ~~وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح. الفرع الرابع قد ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، ~~وفي حجة الوداع، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين أحدهما ~~قوله تعالى { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } البقرة 196. والثاني قوله تعالى في سورة الحج # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام # الحج 28 الآية. فالمراد بقوله # ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم # الحج 28 الآية، ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا، وقد قال تعالى ~~بعده عاطفا ب ثم التي هي للترتيب # ثم ليقضوا تفثهم # الحج 29 الآية. وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو ~~نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث على الشعر ~~ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت # حقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا # روى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا # ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا وينزعوا عنهم قملا وصئبانا # ومنه قول الآخر # قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا # فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر. ولكن إذا ~~عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه، والتعبير بنفي الحرج يدل ~~بعمومه على سقوط الإثم والدم معا، وقيل فيمن حلق قبل ms0084 أن ينحر محصرا كان ~~أو غيره، إنه عليه دم، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم ~~عن علقمة، قال عليه دم. قال إبراهيم وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~مثله. ذكره في المحصر. قال الشوكاني في نيل الأوطار والظاهر عدم وجوب ~~الدم لعدم الدليل. قال مقيده - عفا الله عنه- الظاهر أن الدليل عند من ~~قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم، لما صده المشركون ~~عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد ~~والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه # " قوموا فانحروا ثم احلقوا ". # وللبخاري عن المسور أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، ~~وأمر أصحابه بذلك اه. فدل فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر، ومن ~~قدم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ~~أخل بنسك فعليه دم. قال مقيده - عفا الله عنه- الذي تدل عليه نصوص السنة ~~الصحيحة أن النحر مقدم على الحلق، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه ~~من إثم ولا دم، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب من سأله، بأنه ظن ~~الحلق قبل النحر فحلق قبل أن ينحر، بأن قال له افعل ولا حرج. ومن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان في صحيحيهما أيضا عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، قيل له في الذبح والحلق والرمي ~~والتقديم والتأخير فقال لا حرج ". # وفي رواية للبخاري، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه # " سأله رجل فقال حلقت قبل أن أذبح، قال اذبح ولا حرج، وقال رميت بعد ما ~~أمسيت، فقال إفعل ولا حرج ". # وفي رواية للبخاري # " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي، قال لا حرج. قال ~~حلقت قبل أن ms0085 أذبح، قال لا حرج " # والأحاديث بمثل هذا كثيرة. وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل ~~أن ينحر لا شيء عليه من إثم ولا فدية لأن قوله لا حرج، نكرة في سياق ~~النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح. والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في ~~العموم، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم ~~وفدية، والله تعالى أعلم. ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم ~~الحلق جاهلا، أو ناسيا، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق ~~عليه يدل على أن السائل جاهل لأن بعض تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس ~~فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على ~~التخصيص بالنسيان والجهل، وقد تقرر أيضا في علم الأصول أن جواب المسؤول ~~لمن ساله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة ~~الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أشار ~~له في مراقي السعود في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفا ~~على ما يمنع اعتباره # أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤال أو جرى على الذي غلب # كما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى # الطلاق مرتان # البقرة 229 الآية. وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا ~~مفهوم له. وقال الشوكاني في نيل الأوطار وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور ~~لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا ~~يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها. ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على ~~وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، انتهى ~~محل الغرض منه بلفظه. ### || [2.198] # قوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم }. لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء ~~الحج. وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # المزمل 20 لأن الضرب ms0086 في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية ~~يسافرون يطلبون ربح التجارة. وقوله تعالى # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # الجمعة 10 أي بالبيع والتجارة، بدليل قوله قبله # وذروا البيع # الجمعة 9 أي فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرما ~~عليكم عند النداء لها. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة ~~المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد لأن الحمل على الغالب أولى، ~~ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، ~~كما ذكرنا. ### || [2.199] # قوله تعالى { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس }. لم يبين ~~هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظه حيث، التي هي كلمة تدل ~~على المككان، كما تدل حين على الزمان. ولكنه يبين ذلك بقوله # فإذآ أفضتم من عرفات # البقرة 198 الآية. وسبب نزولها أن قريشا كانوا يقفون يوم عرفة ~~بالمزدلفة، ويقولون نحن قطان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ~~لأن عرفات خارج عن الحرم وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، ~~لا من المزدلفة كفعل قريش. وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير ~~عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، ~~وترتيبها عليها في مطلق الذكر، ونظيره قوله تعالى # فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا ~~مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين ~~آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة # البلد 13-17. وقول الشاعر # إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده # وقال بعض العلماء المراد بقوله { ثم أفيضوا } الآية. أي من ~~مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم. قال ابن جرير في هذا ~~القول ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح. ### || [2.212] # قوله تعالى { زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا }. لم يبين هنا سخرية هؤلاء ~~الكفار من هؤلاء المؤمنين ms0087 ولكنه بين في موضع آخر أنها الضحك منهم ~~والتغامز، وهو قوله تعالى # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # المطففين 29-30. قوله تعالى { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة }. لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين على هؤلاء الكفرة، ~~ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون # المطففين 34-35. وقوله # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون # الأعراف 49. ### || [2.216] # قوله تعالى { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~}. لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه بها في قوله # فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا # النساء 19. ### || [2.217] # قوله تعالى { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا }. لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ~~ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد ~~المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم # المائدة 3 الآية.. وبين في مواضع أخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين ~~كقوله في براءة، والصف والفتح # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # التوبة 33. ### || [2.219] # قوله تعالى { قل فيهمآ إثم كبير }. لم يبين هنا ما هذا الإثم ~~الكبير؟ ولكنه بين في آية أخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصد ~~عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي قوله # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # المائدة 91. ### || [2.221] # قوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات } الآية. ظاهر عمومه ~~شمول الكتابيات، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا ~~التحريم، وهي قوله تعالى # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # المائدة 5، فإن قيل الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين # البينة 1، وقوله # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين # البينة 6، وقوله ms0088 # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين # البقرة 105، والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في ~~اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون # التوبة 30-31. ### || [2.222-223] # قوله تعالى { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله }. لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه ~~بلفظه " حيث " ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين. ~~إحداهما هي قوله هنا { فأتوا حرثكم } البقرة 223 لأن قوله { ~~فأتوا } أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله { حرثكم } يبين أن ~~الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك ~~هو القبل دون الدبر كما لا يخفى لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ~~ضروري. الثانية قوله تعالى # فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم # البقرة 187، لأن المراد بما كتب الله لكم، الولد، على قول الجمهور، وهو ~~اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة والحسن ~~البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم. ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما ~~هو بالجماع في القبل. فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى ~~الجماع، فيكون معنى الآية فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ~~ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله # وابتغوا ما كتب الله لكم # البقرة 187 يعني الولد. ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى { أنى ~~شئتم } البقرة 223 يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة ~~شاء الرجل، سواء كانت المرأة مستلقية أو باركة أو على جنب، أو غير ذلك، ~~ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه قال ~~كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، ms0089 فنزلت { ~~نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~البقرة 223. فظهر من هذا أن جابرا رضي الله عنه يرى أن معنى الآية، ~~فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها. والمقرر في علوم ~~الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده ~~صاحب طلعة الأنوار بقوله # تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق # وقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى { فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } ما نصه وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل { أنى ~~شئتم } شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ~~ذكرناه، وبأحاديث صحيحة، حسان شهيرة، رواها عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اثنا عشر صحابيا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان ~~النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، و النسائي، ~~والترمذي، وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه ~~تحريم المحل المكروه. ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه " إظهار ~~إدبار من أجاز الوطء في الأدبار " قلت وهذا هو الحق المتبع، و الصحيح في ~~المسألة. # ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة ~~عالم بعد أن تصح عنه، وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف ~~هذا، وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضي الله عنه، وكذلك كذب نافع من ~~أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، ~~وكذب من نسب ذلك إليه، وروى الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي ~~الحباب. قال قلت لابن عمر ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال وما ~~التحميض؟ فذكرت له الدبر. فقال هل يفعل ذلك احد من المسلمين؟ وأسند عن ~~خزيمة بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن " # ، ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي ms0090 هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " تلك اللوطية الصغرى " # يعنى إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال كان بدأ عمل قوم لوط ~~إتيان النساء في أدبارهن، قال ابن المنذر وإذا ثبت الشيء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه، من القرطبي بلفظه. وقال القرطبي ~~أيضا ما نصه وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناسا ~~بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، ~~فقال كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال ألستم قوما عربا؟ ألم ~~يقل الله تعالى { نسآؤكم حرث لكم } البقرة 223 وهل يكون ~~الحرث إلا في موضع المنبت؟ منه بلفظه أيضا. ومما يؤيد أنه لا يجوز إتيان ~~النساء في أدبارهن، أن الله تعالى حرم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض ~~له، مبينا أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله { قل هو أذى ~~فاعتزلوا النسآء في المحيض } البقرة 222 الآية. فمن باب ~~أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة. ولا ينتقض ذلك بجواز وطء ~~المستحاضة لأن دم الاستحاضة ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة ~~الدبر لأنه دم انفجار العرق فهو كدم الجرح، ومما يؤيد منع الوطء في الدبر ~~إطباق العلماء على أن الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها معيبة ترد بذلك ~~العيب. قال ابن عبد البر لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئا جاء عن عمر ~~بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي، أن الرتقاء لا ترد بالرتق. والفقهاء ~~كلهم على خلاف ذلك. قال القرطبي وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس ~~بموضع وطء ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. # فإن قيل قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل فلا ينافي أنها توطأ في ~~الدبر، فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل ~~لكان العقم موجبا للرد. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به ~~في تفسير قوله ms0091 تعالى { فأتوا حرثكم } البقرة 223 الآية، فإذا ~~تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام. فاعلم أن من روي عنه ~~جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب ~~حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر، ~~كما يبينه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن، قال ابن كثير في تفسير قوله ~~{ فأتوا حرثكم أنى شئتم } البقرة 223 ما نصه قال أبو ~~محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده حدثنا عبد الله بن صالح، ~~حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال قلت ~~لابن عمر ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال وما التحميض؟ فذكر الدبر. ~~فقال وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث. ~~وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل ~~ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم، منه بلفظه، وقد علمت أن قوله { أنى ~~شئتم } البقرة 223 لا دليل فيه للوطء في الدبر. لأنه مرتب بالفاء ~~التعقيبية، على قوله { نسآؤكم حرث لكم } البقرة 223 ومعلوم ~~أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي ~~الفخذين، والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث. لأن ذلك يسمى ~~استمناء لا جماعا. والكلام في الجمع. لأن المراد بالإتيان في قوله { ~~فأتوا حرثكم } البقرة 223 الجماع والفارق موجود. لأن عكن البطن ~~ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم. وقد عرفنا ~~من قوله { قل هو أذى فاعتزلوا النسآء } البقرة 222 ~~الآية، أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. وقال بعض العلماء معنى قوله { ~~من حيث أمركم الله } البقرة 222 أي من المكان الذي أمركم ~~الله تعالى بتجنبه. لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا ~~القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله { من ~~حيث أمركم الله } البقرة 222 يبينه { قل هو أذى ~~فاعتزلوا ms0092 النسآء } البقرة 222 الآية. لأن من المعلوم أن محل ~~الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ~~ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده. لأن ما نهى الله ~~عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله { أمركم الله } ~~البقرة 222، على النهي في قوله { ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن } البقرة 222 والخلاف في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ ~~معروف في الأصول، وقد أشار له في مراقي السعود بقوله # والنهي فيه غابر الخلاف أو أنه أمر بالائتلاف وقيل لا قطعا كما في ~~المختصر وهو لدى السبكي رأى ما انتصر # ومراده بغابر الخلاف هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشيء، هل ~~هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ يعني أن ~~ذلك الخلاف أيضا في النهي عن الشيء هل هو عين الأمر بضده؟ أو ضد من ~~أضداده إن تعددت؟ أو مستلزم لذلك؟ أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ وزاد في ~~النهي قولين أحدهما أنه أمر بالضد اتفاقا. والثاني أنه ليس أمرا به ~~قطعا، وعزا الأخير لابن الحاجب في مختصره وأشار إلى أن السبكي في جمع ~~الجوامع ذكر أنه لم ير ذلك القول لغير ابن الحاجب. وقال الزجاج معنى { ~~من حيث أمركم الله } أي من الجهات التي يحل فيها أن تقرب ~~المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو ~~معتكفات. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد { من حيث ~~أمركم الله } البقرة 222 يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [2.225] # قوله تعالى { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }. لم ~~يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا ~~حنث، ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب، هو عقد ~~اليمين بالنية والقصد، وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة، هي إطعام ~~عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ms0093 ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ~~ثلاثة أيام، وذلك في قوله # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم ~~إذا حلفتم # المائدة 89 الآية. ### || [2.228] # قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء }. ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، ولكنه بين ~~في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن ~~عدتهن وضع الحمل، في قوله # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4، وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلا، ~~بقوله # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ~~وسرحوهن سراحا جميلا # الأحزاب 49. أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر، فقد بين أن عدتهن ثلاثة ~~اشهر في قوله # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن # الطلاق 4. قوله تعالى { ثلاثة قروء } البقرة 228 فيه إجمال لأن ~~القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # ويطلق القرء لغة أيضا على الطهر ومنه قول الأعشى. # أفي كل يوم أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة ~~مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا # ومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض، وقد ~~اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار أو ~~الحيضات؟ وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب ~~إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر، مالك، والشافعي، وأم المؤمنين ~~عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، والفقهاء السبعة، وأبان بن ~~عثمان، والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وهو رواية عن أحمد، وممن قال بأن ~~القروء الحيضات، الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، ~~وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجماعة من ~~التابعين ms0094 وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد. واحتج كل من الفريقين ~~بكتاب وسنة، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر ~~لنا أن دليله أرجح، أما الذين قالوا القروء الحيضات، فاحتجوا بأدلة كثيرة ~~منها قوله تعالى # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن # الطلاق 4. قالوا فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل ~~العدة بالحيض، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها، واستدلوا أيضا بقوله ~~{ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن } البقرة 228. قالوا هو الولد، أو الحيض، واحتجوا بحديث # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # قالوا إنه صلى الله عليه وسلم هو مبين الوحي وقد أطلق القرء على الحيض، ~~فدل ذلك على أنه المراد في الآية، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين، ~~وحديث استبرائها بحيضة. # وأما الذين قالوا القروء الأطهار، فاحتجوا بقوله تعالى # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 قالوا عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر لا الحيض كما هو صريح ~~الآية، ويزيده إيضاحا قوله صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عمر المتفق ~~عليه # " فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما ~~أمر الله " # قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه، ~~بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينا أن ذلك هو ~~معنى قوله تعالى # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 وهو نص من كتاب الله وسنة نبيه في محل النزاع. قال مقيده - ~~عفا الله عنه- الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا، فصل في محل النزاع. لأن ~~مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا ~~على أنها الأطهار. ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في محل ~~النزاع. لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله ~~تعالى. وقد صرح فيه ms0095 النبي صلى الله عليه وسلم، بأن الطهر هو العدة ~~مبينا أن ذلك هو مراد الله جل وعلا، بقوله # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 فالإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم # " فتلك العدة " # ، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق. لأن معنى قوله " فليطلقها ~~طاهرا " أي في حال كونها طاهرا، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو ~~العدة مصرحا بأن ذلك هو مراد الله في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن ~~العدة بالطهر. وأنث الإشارة لتأنيث الخبر، ولا تخلص من هذا الدليل لمن ~~يقول هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء، و النزاع في خصوص القروء ~~كما قال بهذا بعض العلماء. وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، ~~وإجماع أهل اللسان العربي، على أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء لا ~~شيء آخر زائد على ذلك. وقد قال تعالى # وأحصوا العدة # الطلاق 1 وهي زمن التربص إجماعا، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة قروء التي ~~هي معمول قوله تعالى { يتربصن } البقرة 228 في هذه الآية فلا يصح ~~لأحد أن يقول إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئا يسمى العدة. ~~زائدا على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم. ~~وفي القاموس وعدة المرأة أيام أقرائها، وأيام إحدادها على الزوج، وهو ~~تصريح منه بأن العدة هي نفس القروء لا شيء زائد عليها، وفي اللسان وعدة ~~المرأة أيام أقرائها، وعدتها أيضا أيام إحدادها على بعلها، وإمساكها عن ~~الزينة. شهورا كان أو أقراء أو وضع حمل حملته من زوجها. # فهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة ~~معه إلى كلام آخر، وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله { ثلاثة ~~قروء } البقرة 228 لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار. لأنها ~~مذكرة والحيضات مؤنثة. وجواب بعض العلماء عن هذا بأن لفظ القرء مذكر ~~ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جيء بها مراعاة للفظ وهو مذكر لا ~~للمعنى المؤنث. يقال فيه إن اللفظ إذا كان مذكرا، ومعناه ms0096 مؤنثا، لا ~~تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرد العدد من التاء ~~كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي # وكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوض كاعبان ومعصر # فجرد لفظ الثلاث من التاء. نظرا إلى أن مسمى العدد نساء، مع أن لفظ ~~الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر # وإن كلابا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر # فجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر. نظرا إلى معنى القبيلة، وكذلك ~~العكس كقوله # ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي # فإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظا. نظرا إلى أن المراد ~~بها أنفس ذكور، وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير وتلحقه ~~التاء في الأول ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة ~~تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظا ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقها له ~~لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي ~~يجوز أن يكون غيره بدلا عنه ولم تدل عليه قرينة كما ترى. فإن قيل ذكر ~~بعض العلماء أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ~~ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى ~~كثيرا، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين، قال الأشموني في ~~شرح قول ابن مالك # ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكره # في الضد جرد إلخ... ما نصه الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن ~~كان اسما فبلفظه، تقول ثلاثة أشخص، قاصدا نسوة، وثلاث أعين قاصدا ~~رجال. لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي ~~المعنى أو يكثر فيه قصد المعنى. فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، ~~فالأول كقوله ثلاث شخوص كاعبان ومعصر. وكقوله وإن كلابا.. البيت. ~~والثاني كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود اه منه. وقال الصبان في حاشيته عليه ~~وبما ذكره الشارح يرد ما استدل به بعض العلماء ms0097 في قوله تعالى { ثلاثة ~~قروء } البقرة 228. # بأربعة شهدآء # النور 4 على أن الأقراء الأطهار لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير ~~مقبولة. لأن الحيض جمع حيضة فلو أريد الحيض لقيل ثلاث، ولو أريد النساء ~~لقيل بأربع. # ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين، منه بلفظه. ~~فالجواب، والله تعالى أعلم، أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدل عليه استقراء ~~اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقا، وجزم بجواز مراعاة المعنى في ~~لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب التسهيل وشارحه ~~الدماميني بأن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة. قال الصبان في ~~حاشيته ما نصه قوله فبلفظه ظاهره أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما ~~نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه ~~مؤنثا، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان اه. ويخالفه أيضا ما في ~~التسهيل وشرحه للدماميني. وعبارة التسهيل تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن ~~كان واحد المعدودات مؤنث المعنى حقيقة أو مجازا. قال الدماميني استفيد ~~منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى لا باللفظ. فلهذا يقال ثلاثة طلحات. ~~ثم قال في التسهيل وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجيء بالعدد على ~~حسب التأويل، ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة، وعشر ~~أبطن، يريد قبائل. والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص، وتسعة وقائع، أي ~~مشاهد، فتأمل. انتهى منه بلفظه. وما جزم به صاحب التسهيل وشارحه، من تعين ~~مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كون القرء في الآية هو الطهر كما ذكرنا. ~~وفي حاشية الصبان أيضا ما نصه قوله جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ~~ليس قياسيا، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه ~~مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان، أي ولو لم يكن هناك ~~مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن لتسهيل. وشرحه أن العبرة بالمعنى، ~~فتأمل اه منه. وأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى # واللائي يئسن من المحيض # الطلاق 4 الآية - فيقال فيه ms0098 إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء ~~الحيضات، لأن الأقراء لا تقال في الأطهار إلا في الأطهار التي يتخللها ~~حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد ~~بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر. لأن الطهر المراد يلزمه وجود ~~الحيض وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فانتفاء الحيض يلزمه انتفاء ~~الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضا على انتفاء الأطهار، المدلول ~~عليه بانتفاء الحيض. وأما الاستدلال بآية { ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } البقرة 228 فهو ~~ظاهر السقوط. لأن كون القروء الأطهار لا يبيح للمعتدة كتم الحيض. لأن ~~العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها. فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة ~~انقضاء الطهر، ولو ادعت حيضا لم يكن، كانت كاتمة. لعدم انقضاء الطهر كما ~~هو واضح. وأما الاستدلال بحديث # " دعي الصلاة ايام أقرائك " # فيقال فيه إنه لا دليل في الحديث ألبتة على محل النزاع. لأنه لا يفيد ~~شيئا زائدا على أن القرء يطلق على الحيض. وهذا مما لا نزاع فيه. أما ~~كونه يدل على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ~~ولا خلاف بين العلماء القائلين بوقوع الاشتراك في أن إطلاق المشترك على ~~أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع ~~آخر. ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة والجارية مثلا، فهل تقول ~~إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين # المائدة 45 الآية - يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله # فيها عين جارية # الغاشية 12. والحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من ~~معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # مناسب للحيض دون الطهر. لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض دون وقت ~~الطهر. ولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه ms0099 ~~الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلا. لأنه كل ما أطلقه على ~~أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله مع أنا ~~قدمنا تصريح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه بأن ~~الطهر هو العدة وكل هذا على تقدير صحة حديث # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # لأن من العلماء من ضعفه، ومنهم من صححه. والظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن ~~درجة القبول، إلا أنه لا دليل فيه لمحل النزاع. ولو كان فيه لكان مردودا ~~بما هو أقوى منه وأصرح في محل النزاع، وهو ما قدمنا. وكذلك اعتداد الأمة ~~بحيضتين على تقدير ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم، لا يعارض ما قدمنا. ~~لأنه أصح منه وأصرح في محل النزاع. واستبراؤها بحيضة مسالة اخرى. لأن ~~الكلام في العدة لا في الاستبراء. ورد بعض العلماء الاستدلال بالآية ~~والحديث الدالين على أنها الأطهار، بأن ذلك يلزمه الاعتداد بالطهر الذي ~~وقع فيه الطلاق كما عليه جمهور القائلين بأن القروء الأطهار فيلزم عليه ~~كون العدة قرءين وكسرا من الثالث، وذلك خلاف ما دلت عليه الآية من أنها ~~ثلاثة قروء كاملة مردود بأن مثل هذا لا تعارض به نصوص الوحي الصريحة، ~~وغاية ما في الباب إطلاق ثلاثة قروء على اثنين وبعض الثالث. ونظيره قوله # الحج أشهر معلومات # البقرة 197 والمراد شهران وكسر. وادعاء أن ذلك ممنوع في أسماء العدد ~~يقال فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذكر أن بقية الطهر ~~الواقع فيه الطلاق عدة. # مبينا أن ذلك مراد الله في كتابه، وما ذكره بعض أجلاء العلماء - رحمهم ~~الله - من أن الآية والحديث المذكورين يدلان على أن الأقراء الحيضات بعيد ~~جدا من ظاهر اللفظ كما ترى. بل لفظ الآية والحديث المذكورين صريح في ~~نقيضه، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة والله تعالى أعلم، ونسبة العلم ~~إليه أسلم. قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج ms0100 ~~كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها. ولكنه أشار في ~~موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # الأحزاب 49. وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى ~~أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى { ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } البقرة 228. لأن ~~الإشارة بقوله { ذلك } راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية ~~بثلاثة قروء. واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم ~~الإصلاح بتلك الرجعة، في قوله { إن أرادوا إصلاحا } البقرة ~~228 ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر أن زوج ~~الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها. لتخالعه أو ~~نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك ~~فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا # البقرة 231. فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعا، كما دل عليه مفهوم ~~الشرط المصرح به في قوله # ولا تمسكوهن ضرارا # البقرة 231 الآية وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم ~~بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. ~~قوله تعالى { وللرجال عليهن درجة }. لم يبين هنا ما هذه ~~الدرجة التي للرجال على النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر وهو قوله ~~تعالى # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم # النساء 34 فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة. وذلك لأن الذكورة شرف ~~وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك. لأن الأنثى ~~يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي، وذلك إنما هو لجبر النقص ~~الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن ~~الحلي ونحوه. وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين ms0101 الطبيعيين، ~~بقوله # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # الزخرف 18. لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها المراد جبره، والتغطية ~~عليه بالحلي كما قال الشاعر # وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا ~~كان الجمال موفرا كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا # ولأن عدم إبانتها في الخصام إذا ظلمت دليل على الضعف الخلقي، كما قال ~~الشاعر # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب فلم يعتذر ~~عذر البرئ ولم تزل به سكتة حتى يقال مريب # ولا عبرة بنوادر النساء. لأن النادر لا حكم له. وأشار بقوله # وبمآ أنفقوا من أموالهم # النساء 34 إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته يناسب حاله، أن يكون ~~قائما على الضعيف الناقص خلقة. ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه ~~مضاعفا على ميراثها. لأن من يقوم على غيره مترقت للنقص، ومن يقوم عليه ~~غيره مترقب للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة. ~~كما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله # نسآؤكم حرث لكم # البقرة 223 لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة لا ينبغي أن يرغم على ~~الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا لمعنى أن آلة الازدراع بيد ~~الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها ~~إن أرادت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل ~~النسل منه، الذي هو أعظم الغرض من النكاح بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي ~~كارهة كما هو ضروري. ### || [2.229] # قوله تعالى { الطلاق مرتان }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن ~~الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو ~~الطلاق الذي تملك بعده الرجعة لا مطلقا، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي ~~لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج. وهي المذكورة في قوله # فإن طلقها فلا تحل له من بعد # البقرة 230 الآية وعلى هذا القول فقوله ms0102 { أو تسريح بإحسان } ~~البقرة 229 يعني به عدم الرجعة. وقال بعض العلماء الطلقة الثالثة هي ~~المذكورة في قوله تعالى { أو تسريح بإحسان } البقرة 229 وروي ~~هذا مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم. تنبيه ذكر بعض العلماء أن هذه ~~الآية الكريمة التي هي قوله تعالى { الطلاق مرتان } البقرة 229 ~~الآية. ويؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد وأشار البخاري بقوله " ~~باب من جوز الطلاق الثلاث. لقول الله تعالى { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } البقرة 229. ~~والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني من أنه ~~تعالى لما قال { الطلاق مرتان } البقرة 229 علمنا أن إحدى ~~المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع ~~الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق وجعل الآية دليلا ~~لنقيض ذلك، قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ~~ناهض. لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين ~~اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور هو خصوص ~~الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء ~~التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى { أو ~~تسريح بإحسان } البقرة 229 عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ~~ولا يخفى عدم ظهوره. ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ ~~واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف ~~فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء الله تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله ~~في آخر الكلام إيضاحا تاما. فنقول وبالله نستعين اعلم أن من أدلة ~~القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في ~~الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه. فإن فيه " فلما فرغا قال عويمر ~~كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين ". أخرج ms0103 ~~البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه ووجه الدليل منه أنه أوقع ~~الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث. بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان فلم ~~يصادف تطليقه الثلاث محلا، ورد هذا الاعتراض. بأن الاحتجاج بالحديث من ~~حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، ~~فلو كان ممنوعا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان. وبأن الفرقة لم ~~يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة، ولا إجماع. والعلماء ~~مختلفون في ذلك. فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما ~~تتحقق بلعان الزوجين معا، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى ~~أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، ~~وهو قول سحنون من أصحاب مالك. وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما إلى أنها ~~لا تقع حتى يوقعها الحاكم. واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد ~~أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرق بين رجل وامرأته قذفها، ~~وأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " # وأخرج أيضا في صحيحه عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال # " لاعن رسول الله بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرق بينهما " # ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر، وبه تعلم أن قول يحيى بن معين إن ~~الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين خطأ يعني في خصوص حديث سهل بن سعد ~~المتقدم، لا مطلقا، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر كما ترى قال ~~ابن عبد البر إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود. وقال ابن حجر في ~~فتح الباري ما نصه " ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة ~~الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين، إنما المراد به في حديث سهل بخصوصه، ~~فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، ~~وقال بعده لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد ثم أخرج ms0104 من طريق ابن عيينة، عن ~~عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، " فرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين أخوي بني العجلان " اه محل الغرض منه بلفظه، وقد قدمنا في ~~حديث سهل " فكانت سنة المتلاعنين ". واختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من ~~كلام الزهري فيكون مرسلا وبه قال جماعة من العلماء؟ أو هو من كلام سهل ~~فهو مرفوع متصل؟ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق ~~عياض بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل. قال فطلقها ثلاث تطليقت عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة. # قال سهل حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في ~~المتلاعنين، أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. هذا الحديث سكت عليه ~~أبو داود، والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار ورجاله رجال الصحيح. ~~قال مقيده - عفا الله عنه - ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته ~~عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج ~~البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه. لأن المطلع على ~~غوامض إشارات البخاري - رحمه الله - يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي ~~داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم ~~يخرجها. لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية ~~الثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل ~~بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته صلى الله عليه وسلم وتقريره له. بناء على أن ~~الفرقة بنفس اللعان كما ترى. وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد ~~البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين إلى أن الفرقة لا تقع حتى ~~يوقعها الزوج، وذهب ابو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف وبهذا تعلم أن كون ~~الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا ms0105 قطعيا، حتى ترد به دلالة تقرير النبي ~~صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، الثابت في ~~الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه صلى الله ~~عليه وسلم أنفذ ذلك، فإن قيل قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى ~~أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى ~~عنها. فالجواب أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى. للملاعنة بعدم ~~طلاق أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعا إليه صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم ~~الطلاق والوفاة. والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي ~~البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق أو بالفسخ، بدليل أن ~~البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلا. فعلم ~~أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق. وأوضح دليل في ذلك ما صح ~~عنه صلى الله عليه وسلم من حديث # " فاطمة بنت قيس رضي الله عنها " أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات ~~فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى " # أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في ~~أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن ~~عباس المتقدم. # وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا. وما وقع في ~~بعض الروايات عن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لها السكنى والنفقة " # فقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر. وقال الدارقطني السنة بيد فاطمة ~~قطعا، وأيضا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت ~~عمر بسنتين. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - ونحن نشهد بالله ~~شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، ms0106 أنها كذب على عمر وكذب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها ~~لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول ~~امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت بيني وبينكم كتاب الله. قال ~~الله # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 حتى قال # لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # الطلاق 1 فأي أمر يحدث بعد الثلاث، رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ~~ومسلم، بمعناه. فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب الله معها. وهذا المذهب بحسب ~~الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها. وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال ~~غير هذا. فمنهم من أوجبهما معا، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم ~~من عكس. فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح ~~من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم ~~الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن. وأيضا فالتصريح بأنه صلى الله عليه ~~وسلم أنفذ الثلاث دفعة. في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن ~~عباس المذكور. لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وهذا الصحابي حفظ إنفاذ ~~الثلاث، والمثبت مقدم على النافي. فإن قيل إنفاذه صلى الله عليه وسلم ~~الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان. ~~لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية. فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر ~~الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان. ويدل لهذا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير ~~اللعان، وقال " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " # كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد فالجواب من أربعة أوجه الأول ~~الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين الأولى أنه مرسل. ~~لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن ~~كانت ولادته في عهده صلى الله عليه وسلم، وذكره في الصحابة من أجل ~~الرؤية، وقد ms0107 ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء ~~صرح فيه بالسماع. # الثانية أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث لا أعلم أحدا رواه غير ~~مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من ~~كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني سمع من أبيه ~~قليلا. قال ابن حجر في التقريب روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله ~~أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا. قال مقيده ~~- عفا الله عنه - أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل ~~صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل. ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته ~~عن الصحابة. كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره. والإعلال الثاني بأن ~~رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه أن مسلما أخرج في صحيحه عدة ~~أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم ~~إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به ~~يرده. الوجه الثاني وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه صلى الله ~~عليه وسلم أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية ~~المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل، كما تقرر في ~~الأصول بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا. ووجه ~~استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنها غير لازمة. لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت ~~الحاجة. الوجه الثالث أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري رحمه ~~الله أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله " باب من جوز الطلاق الثلاث ~~" وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ ~~الثلاث دفعة. الوجه الرابع هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع ~~الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو ~~من كلام. وممن قال بأن ms0108 اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، ~~وحماد، وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ~~وعن الضحاك والشعبي إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته. وبهذا كله تعلم أن ~~رد الاحتجاج بتقريره صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع ~~الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن ~~الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته صلى الله عليه وسلم لا دليل ~~فيه، بل نقول لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة، ولو كانت ~~الفرقة بنفس اللعان كما تقدم. # ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، ~~فإن فيه " فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي " الحديث وقد ~~أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها فبت طلاقي ظاهر في أنه ~~قال لها أنت طالق ألبتة، قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا ~~الحديث غير ناهض فيما يظهر. لأن مرادها بقولها فبت طلاقي أي بحصول الطلقة ~~الثالثة. ويبينه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت ~~طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها فبت طلاقي، ~~وأنه لم يكن دفعة واحدة، ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح. وقد ~~أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضا # " أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم اتحل للأول؟ قال لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول " # فإن قوله ثلاثا ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث ~~بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل ~~على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة، ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع ~~له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث ~~الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة. ~~فإنه قال فيها ما نصه وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من ms0109 سياقه أنها ~~قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له ~~طلاق. فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، ~~فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبين خطأ من وجد بينهما ~~ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب اه محل الحاجة منه بلفظه. ~~ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال # " أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات ~~جميعا، فقام مغضبا، فقال " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " # وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه أن المطلق يظن الثلاث المجموعة واقعة، ~~فلو كانت لا تقع لبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تقع. لأنه لا ~~يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد قال ابن كثير في حديث ~~محمود هذا إن إسناده جيد، وقال الحافظ في بلوغ المرام رواته موثقون وقال ~~في الفتح رجاله ثقات، فإن قيل غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وتصريحه ~~بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع. لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " # وفي رواية # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # فالجواب أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدل له ما ~~سيأتي قريبا عن ابن عمر من قوله لمن سأله وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد ~~حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ~~ولا سيما على قوم الحاكم إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح ~~ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له # " كانت تبين منك وتكون معصية " # ، ويؤيده أيضا ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال ~~لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، ms0110 عصيت ~~ربك، وبانت منك امرأتك. وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية التشديد لا ~~التخفيف بعدم الإلزام، ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني # " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال " فقلت يا رسول الله أرأيت لو ~~طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال " لا، كانت تبين منك وتكون ~~معصية " # ، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال ~~النسائي وأبو حاتم لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، ~~وقال البخاري ليس فيمن روى عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة كان ~~نسيا، وقال ابن حبان كان من خيار عباد الله، غير أنه كثير الوهم سيء ~~الحفظ، يخطئ ولا يدري فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به وأيضا ~~الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله " أرأيت لو طلقتها " إلخ ~~مما تفرد به عطاء المذكور. وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا ~~الزيادة المذكورة. وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعل عبد ~~الحق في أحكامه، هذا الحديث بأن في إسناده معلى بن منصورن وقال رماه أحمد ~~بالكذب. قال مقيده - عفا الله عنه - أما عطاء الخراساني المذكور فهو من ~~رجال مسلم في صحيحه، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في التقريب ~~ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع. أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج ~~له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال ~~فيه ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ ومن كان كذلك فليس مردود الحديث، لا ~~سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما، فإنه قال في السنن الكبرى ما نصه أخبرنا ~~أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن ~~محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو ابن ~~أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال ms0111 كانت عائشة ~~الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما قتل علي رضي الله عنه ~~قالت لتهنك الخلافة، قال بقتل علي تظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق، يعني ~~ثلاثا قال فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت ~~لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت متاع قليل من ~~حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى ثم قال لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي ~~أنه سمع جدي يقول # " " أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له ~~حتى تنكح زوجا غيره " لراجعتها ". # وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، ~~عن سويد بن غفلة اه منه بلفظه. وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد ~~بن حيان الرازي، قال فيه ابن حجر في التقريب حافظ ضعيف، وكان ابن معين ~~حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي ~~الري قال فيه في التقريب صدوق كثير الخطأ وروى من غير هذا الوجه وروى ~~نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد ~~حديث ابن عمر المذكور أيضا ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال " ~~وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله ~~فيما أمرك به من طلاق امرأتك ". ولا سيما على قول الحاكم إنه مرفوع، وعلى ~~ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع. فما ذكره بعض أهل ~~العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة. بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة ~~لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة لأن ابن عمر لا يسأل ~~عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع. ومن ~~أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، # " عن عبادة بن الصامت. " قال طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ms0112 ذلك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله. وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان ~~وظلم، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له " # وفي رواية # " إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة، ~~وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه " # وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد ~~الله، ولا يحتج بواحد منهم. # وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة ~~بن الصامت عن أبيه عن جده. ومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال ~~قلت لفاطمة بنت قيس حدثيني عن طلاقك، قالت طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج ~~إلى اليمن. فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أبي أسامة ~~عن هشام بن عروة عن أبيه، # " عن فاطمة بنت قيس قالت " يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا، فأخاف ~~أن يقتحم علي فأمرها فتحولت ". # وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن ~~المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن إلخ.. وفيه عن أبي ~~سلمة ايضا أنها قالت " فطلقني البتة ". قالوا فهذه الروايات ظاهرة، ~~في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولا سيما حديث الشعبي. لقولها فيه ~~فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يحتاج إلى الإخبار ~~بإجازته إلا الثلاث المجتمعة، ورد الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض ~~الروايات الصحيحة. كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضا أن فاطمة ~~أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث ~~تطليقات. فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ~~ذلك وقع مفرقا لا دفعة، ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة ~~تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ ~~ألبتة والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة. لتعبيرها في بعض الروايات ~~بلفظ طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ طلقني ألبتة، وفي ms0113 بعضها بلفظ فطلقني ~~آخر ثلاث تطليقات. فلم تخص لفظا منها عن لفظ. لعلمها بتساوي الصيغ. ولو ~~علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه. قالوا والشعبي قال لها حدثيني عن ~~طلاقك أي عن كيفيته وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه ~~عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث، فلو ~~كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها. وتثبت حتى يعلم منها ~~بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده ~~هكذا ذكره بعض الأجلاء. والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه. لأن الروايات ~~التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند ~~الله تعالى. ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال قال أبو داود ~~هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان ~~والحاكم # " عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك. فقال والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة والله ما أردت ~~إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " # ، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا ~~الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، و الحاكم. وقال فيه ابن ماجه سمعت أبا ~~الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول ما أشرف هذا الحديث. وقال الشوكاني في ~~نيل الأوطار قال ابن كثير قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر، فهو ~~حسن إن شاء الله. وهو نص في محل النزاع. لأن تحليفه صلى الله عليه وسلم ~~لركانة ما أراد بلفظ ألبتة إلا واحدة دليل على أنه لو أراد بها أكثر من ~~الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ ألبتة. لأن ألبتة كناية ~~والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة، لما كان لتحليفه معنى مع ~~اعتضاد هذا الحديث بما قدمنا من الأحاديث. وبما سنذكره ms0114 بعده إن شاء الله ~~تعالى، وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه بأن في ~~إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد ~~المطلب الهاشمي. قال فيه ابن حجر في التقريب لين الحديث، وقد ضعفه غير ~~واحد. وقيل إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه لين الحديث. ~~وذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه. يقال ثلاثا، وتارة قيل واحدة. ~~وأصحها أنه طلقها ألبتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى. وقال ابن عبد ~~البر في التمهيد تكلموا في هذا الحديث، وقد قدمنا آنفا تصحيح أبي داود، ~~وابن حبان، والحاكم له، وأن ابن كثير قال إنه حسن وإنه معتضد بالأحاديث ~~المذكورة قبله، كحديث ابن عمر عند الدارقطني، وحديث الحسن عند البيهقي، ~~وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما على رواية ~~فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم. ~~ويعتضد أيضا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد. ~~قال قلت لأيوب هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك أنها ثلاث غير الحسن؟ قال ~~لا ثم قال اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن ~~أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ثلاث فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال نسي. ~~وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وتكلم ~~في هذا الحديث من ثلاث جهات الأولى أن البخاري لم يعرفه مرفوعا، وقال ~~إنه موقوف على أبي هريرة ويجاب عن هذا بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل ~~مقبولة، وقد رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعا وجلالتهما ~~معروفة. # قال في مراقي السعود # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ. الخ.. # الثانية أن كثيرا نسيه، ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من ~~روى ms0115 عنه. لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور. وقد ~~روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول حدثني ربيعة عني ولم ينكر ~~عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله # وإن يرده بلا أذكر أو ما يقتضي نسيانه فقد رأوا الحكم للذاكر عند ~~المعظم وحكى الإسقاط عن بعضهم كقصة الشاهد واليمين إذ نسيه سهيل ~~الذي أخذ عنه، فكان بعد عن ربيعة عن نفسه يرويه لن يضيعه # الثالثة تضعيفة بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم إنه مجهول، ويجاب ~~عنه بأن ابن حجر قال في التقريب إنه مقبول، ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني ~~من حديث زاذان عن علي رضي الله عنه قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلا طلق ألبتة فغضب، وقال # " أتتخذون آيات الله هزوا؟ أو دين الله هزوا. أو لعبا؟ من طلق ألبتة ~~ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " # ، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني كوفي ضعيف. ومن أدلتهم ما ~~رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن انس ~~قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت معاذ بن جبل يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته " # وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذارع وهو ضعيف أيضا. فهذه الأحاديث وإن ~~كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها ~~يدل على أن لها أصلا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها ~~بعضا فصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء ~~كحديث طلاق ركانة ألبتة، وحسنه ابن كثير ومنها ما هو صحيح، وهو رواية ~~إنفاذه صلى الله عليه وسلم طلاق عويمر ثلاثا مجموعة، عند أبي داود. وقد ~~علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ~~ومعلى بن ms0116 منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم. # لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا # وقال النووي في شرح مسلم ما نصه واحتج الجمهور بقوله تعالى # ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # الطلاق 1. قالوا معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه. # لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيا، ~~فلا يندم اه محل الغرض منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - ومما يؤيد ~~هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال ~~كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت ~~أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة. ثم يقول يا ابن عباس، ~~إن الله قال # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # الطلاق 2 وإنك، لم تتق الله. فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك ~~امرأتك. وأخرج له ابو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن ~~عباس للآية بأنها يدخل في معناها ومن يتق الله، ولم يجمع الطلاق في لفظة ~~واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في ~~لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة. لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو ~~معنى كلامه، الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدا في محل النزاع. لأنه مفسر ~~به قرآنا، وهو ترجمان القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم # " اللهم علمه التأويل " # وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى ~~غير واحد عليه الإجماع، واحتج المخالفون بأربعة أحاديث الأول حديث ابن ~~إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى، وصححه ~~بعضهم قال # " طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا ~~شديدا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال ثلاثا في مجلس ~~واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما ms0117 تلك واحدة، فارتجعها إن ~~شئت فارتجعها " # قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه. ~~الأول أنه لا دليل فيه ألبتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة ~~المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام. لأن لفظ المتن أن ~~الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا ~~يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن ~~تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى. إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، ~~على كونها بلفظ واحد. بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد. بل ~~الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال بلفظ ~~واحد وترك ذكر المجلس. إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب ~~كما ترى. وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول ~~بالقول بالموجب، فيقال سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها ~~بلفظ واحد فافهم. # وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم. ~~الثاني أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في ~~عكرمة. قال ابن حجر في التقريب داود بن الحصين الموي مولاهم أبو سليمان ~~المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج اه. وإذا كان غير ثقة في ~~عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة. مع أنا قدمنا أنه لو كان ~~صحيحا لما كانت فيه حجة. الثالث ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه ~~قال فيه ما نصه الثالث أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة ~~كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي. لجواز أن يكون بعض ~~رواته حمل ألبتة على الثلاث، فقال طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف ~~الاستدلال بحديث ابن عباس اه منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن ~~الحصين المذكور عن عكرمة ms0118 عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل ~~فيه أصلا على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن ~~إسحاق المذكور. الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من ~~جعل الثلاث واحدة هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر من أنه طلق ~~امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن ~~الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم ~~وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه وأما حديث ابن عمر فالروايات ~~الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة. وقال القرطبي في تفسيره ~~ما نصه والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله ~~وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة. غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح ~~بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، و ابن أبي ذئب، ~~وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق ~~تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي ~~والحسن اه منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور. ~~الحديث الثالث من أدلتهم هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن ~~صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني بعض بني أبي رافع، ~~مولى النبي صلى الله عليه وسلم. عن عكرمة، عن ابن عباس، قال # " طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، ~~فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم " فقالت ما يغني عني إلا كما تغني ~~هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ~~صلى الله عليه وسلم حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه أترون ~~فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا ~~نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم طلقها. ففعل، فقال راجع امرأتك أم ~~ركانة، فقال إني طلقتها ثلاثا يا رسول ms0119 الله، قال قد علمت، راجعها، وتلا ~~{ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن وأحصوا العدة } الطلاق 1 ". # قال مقيده - عفا الله عنه - والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط. لأن ~~ابن جريج قال أخبرني بعض بني أبي رافع وهي رواية عن مجهول لا يدري من هو؟ ~~فسقوطها كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا ~~الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها ألبتة، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ ~~الطلقات المجتمعة كما تقدم. الحديث الرابع هو ما أخرجه مسلم في صحيحه ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحق أخبرنا ~~وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ~~ابن عباس، قال كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب إن الناس ~~قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج. وحدثنا ~~ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس ~~عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل ~~واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة ~~عمر؟ فقال ابن عباس نعم. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، ~~عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة. عن طاوس، أن ~~أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ فقال قد كان ذلك، ~~فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم ~~في صحيحه. وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم بن ~~ميسرة. ms0120 وقال بدله عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا ~~طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس بلى، كان ~~الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس ~~يعني عمر قد تتابعوا فيها، قال أجيزوهن عليهم. # وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة. الأول أن الثلاث المذكورة فيه ~~التي كانت تجعل واحدة، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة ~~بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن ~~تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث ~~مرات، في وقت واحد. فطلاقه هذا طلاق الثلاث. لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث ~~مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة، ~~من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة ~~واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق. بكلمات متعددة؟ فإن قال ~~لا يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه ~~غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة. ~~وعلى ما أوقع بكلمات متعددة، وهو أسعد بظاهر اللفظ، قيل له وإذن فجزمك ~~بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ ~~واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع. ومما يدل على أنه لا يلزم ~~من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد ~~الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن ~~المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات. ~~لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ms0121 ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه ~~لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث. فقال " باب طلاق الثلاث ~~المتفرقة قبل الدخول بالزوجة " ثم قال أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال ~~حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء جاء إلى ~~ابن عباس رضي الله عنهما فقال يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى ~~الواحدة؟ قال نعم، فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا ~~الحديث ليس بلفظ واحد بل بألفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي ~~رحمه الله من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد ~~المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة أن رجلا ~~طلق امرأته ثلاثا فتزوجت. # الحديث فإنه قال فيه ما نصه ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم ~~واحد؟ بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا وقال ثلاثا، إلا ~~من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. ~~كما يقال قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا، اه منه بلفظه. ~~وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي رحمه الله. من ~~الحديث. لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة ~~مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم رحمه الله في حديث عائشة المذكور ~~آنفا. وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور الثلاث المفرقة ~~بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ابن سريج فإنه قال يشبه أن ~~يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكانوا ~~أولا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس ~~في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه. مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل ~~عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ms0122 ابن حجر في الفتح. وقال ~~إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر إن الناس استعجلوا في أمر ~~كانت لهم فيه أناة. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه وأما حديث ابن عباس ~~فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر ~~إذا قال لها أنت طالق. أنت طالق، أنت طالق. ولم ينو تأكيدا، ولا ~~استئنافا، يحكم بوقوع طلقة. لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على ~~الغالب الذي هو إرادة التأكيد. فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه وكثر ~~استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند ~~الإطلاق على الثلاث. عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - وهذا الوجه لا إشكال فيه. لجواز تغير الحال عند ~~تغير القصد. لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل ~~لهذا كما قدمنا. وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن ~~الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على ~~عزو ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه ليس في شيء من روايات ~~حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا ~~من الشرع، ولا من العقل كما ترى. قال مقيده - عفا الله عنه - ويدل لكون ~~الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن ~~الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أحمد، وأبي يعلى، من قوله طلق امرأته ~~ثلاثا في مجلس واحد وقوله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال ثلاثا في ~~مجلس واحد. # لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ ~~واحدا لقال بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف ~~الأعم وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر الجواب الثاني، عن حديث ابن عباس ~~هو أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع ms0123 قبل ذلك ~~واحدة. لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو يستعملونها نادرا. ~~وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها. ومعنى قوله فأمضاه عليهم على هذا ~~القول أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا ~~التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي. وكذا أورده البيهقي ~~بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال معنى هذا الحديث عندي أنما تطلقون ~~أنتم ثلاثا. كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع ~~عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا ~~الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى { الطلاق مرتان } ~~البقرة 229 عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، ~~والكيا الطبري، قال مقيده - عفا الله عنه - ولا يخفى ما في هذا الجواب من ~~التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء. الجواب الثالث عن حديث ابن عباس ~~رضي الله عنهما، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ ~~إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في باب من جعل الثلاث ~~واحدة، عن الإمام الشافعي ما نصه قال الشافعي فإن كان معنى قول ابن عباس ~~أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني ~~أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن ~~عباس علم ان كان شيئا فنسخ، فإن قيل فما دل على ما وصفت؟ قيل لا يشبه أن ~~يكون ابن عباس يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه ~~بشيء لم يعلمه، كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف. قال الشيخ ~~ورواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل. ~~قال الشافعي فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر ~~رضي الله عنه، قيل قد علمنا أن ابن عباس رضي الله عنهما يخالف عمر رضي ~~الله عنه في نكاح ms0124 المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات ~~الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه خلافه؟ اه محل الحاجة من البيهقي بلفظه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح ~~الباري ما نصه الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه ~~قال يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي ويقويه ما ~~أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الرجل ~~إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا. # فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله " ~~باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ". وقال ابن كثير في تفسير قوله ~~تعالى { الطلاق مرتان } البقرة 229 الآية. بعد أن ساق حديث أبي ~~داود المذكور آنفا ما نصه ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن ~~إبراهيم، عن علي بن الحسين به، وقال ابن أبي حاتم حدثنا هارون بن إسحاق، ~~حدثنا عبدة يعني ابن سليمان عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال ~~لامرأته لا أطلقك أبدا، ولا آويك أبدا، قالت وكيف ذلك؟ قال أطلق حتى ~~إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، ~~فأنزل الله عز وجل { الطلاق مرتان } البقرة 229 قال فاستقبل ~~الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من ~~طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، ~~عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم، ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب ~~به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا وقال ~~هذا أصح، ورواه الحاكم في مشتدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن ~~يعلى بن شبيب به، وقال صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه. حدثنا محمد بن ~~أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا ~~سلمة ms0125 بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ~~قالت لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، ~~وكان بين رجل من النصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال والله ~~لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي ~~راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله عز وجل { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } البقرة 229 فوقت ~~الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي ~~عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا ~~تفسير هذه الآية اه من ابن كثير بلفظه. وفي هذه الروايات دلالة واضحة ~~لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري - رحمه الله - ادعاء النسخ ~~مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري. # فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ من أوجه متعدة، قال بعده ما نصه ~~قلت نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع. أحدها ~~أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، ~~وإنما قال ما تقدم يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ ~~للحكم الذي رواه مرفوعا. ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء ~~كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ. الثاني ~~إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب. فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف ~~الظاهر حتما. الثالث أن تغليظه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضا. ~~لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر، ~~محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من ~~إجماعهم على الخطأ اه محل الحاجة من فتح الباري بلفظه، ولا إشكال فيه. ~~لأن كثيرا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ~~ذلك ms0126 في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ~~ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن ~~بن عوف. ولا من الاستئذان ثلاثا، حتى أخبره أبو موسى الأشعري، وأبو سعيد ~~الخدري، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب ~~السكنى المتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك. والعباس بن ~~عبد المطلب، وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، لم يكن عندهما علم بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إنا معاشر الأنبياء لا نورث " # الحديث حتى طلبا ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمثال هذا ~~كثيرة جدا، وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، ~~واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلما روى عن جابر رضي الله ~~عنه، أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر، وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا وهذا مثل ما ~~وقع في طلاق الثلاث طبقا " ما أشبه الليلة بالبارحة ". # فإلا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها # فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويدعي ايتحالته في ~~الأخرى، مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل أن ذلك الأمر كان ~~يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، ~~في مسالة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر. ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال ~~نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له ما لبائك تجر وبائي لا تجر؟ فإن قيل نكاح ~~المتعة صح النص بنسخه. قلنا قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد ~~الثلاث. وممن جزم بنسخ جعل ms0127 الثلاث واحدة، الإمام أبو داود - رحمه الله ~~تعالى - ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ~~ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه " باب نسخ المراجعة بعد التطليقات ~~الثلاث " ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن # البقرة 228 الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ~~وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك، وقال { الطلاق مرتان } البقرة 229 ~~الآية. وأخرج نحوه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ~~ابن حجر في التقريب صدوق يهم، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن ~~أبيه أنه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها ~~كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ~~أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله { ~~الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } البقرة 229 فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان ~~طلق منهم أو لم يطلق. ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ~~ويؤيده أن كثيرا جدا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك، ~~كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد ~~الثلاث، قال بعض العلماء إنه قوله تعالى { الطلاق مرتان } ~~البقرة 229 كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا ~~عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر كما جهل ~~كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر، مع أنه صلى الله عليه وسلم ~~صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة، في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع ~~أيضا، كما جاء في رواية عند مسلم. ومع أن القرآن دل على تحريم غير ~~الزوجة والسرية، بقوله # والذين هم لفروجهم ms0128 حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم # المؤمنون 5-6 ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما ~~يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى # فما استمتعتم به منهن # النساء 24 الآية. والذين قالوا بالنسخ، قالوا في معنى قول عمر " إن ~~الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة " ، أن المراد بالأناة، أنهم ~~كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد. ومعنى استعجالهم ~~أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث. وقد ~~قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ~~ينافيه قوله فلو أمضيناه عليهم. يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا، ونظيره ~~قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة " فنهانا عنها " عمر. فظاهر كل منهما ~~أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معا كما رأيت، وليست الأناة في ~~المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة. وعلى القول ~~الأول إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت ~~طالق. فالظاهر في امضائه لها عليهم أنه من حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى ~~التأسيس كما تقدم. ولا إشكال في ذلك. أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، فتعمد مخالفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجعلها ثلاثا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ~~فلا يخفى بعده، والعلم عند الله تعالى. الجواب الرابع عن حديث ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه ~~الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير، وعطاء بن ~~أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن ~~إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في ~~السنن الكبرى. والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي في السنن الكبرى إن ~~البخاري لم يخرج هذا الحديث. لمخالفة هؤلاء لرواية ms0129 طاوس عن ابن عباس. ~~وقال الأثرم سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس كان الطلاق الثلاث على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، طلاق ~~الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال برواية الناس عن ابن عباس من وجوه ~~خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. ~~قال مقيده - عفا الله عنه - فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره ~~الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كادت تزلزل قواعده، وتغير عقائده، أبو ~~عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - قال للأثرم وابن منصور إنه ~~رفض حديث ابن عباس قصدا. لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ ~~واحد. # لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل ~~البخاري - وهو هو - ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدا. ~~لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد. ولا شك أنهما ما تركاه إلا ~~لموجب يقتضي ذلك، فإن قيل رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة ~~المذكورين موقوفة على ابن عباس، و المرفوع لا يعارض بالموقوف. فالجواب أن ~~الصحابي إذا خالف ما روى ففيه للعلماء قولان وهما روايتان عن أحمد - رحمه ~~الله -. الأولى أنه لا يحتج بالحديث. لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك ~~العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال. وعلى الرواية ~~الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته لا بقوله. فإنه ~~لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه ~~احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا فإن ~~مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما ~~روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا ~~قويا لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، ~~والقرطبي، وابن سريج فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم ms0130 واحد واحدة ~~يدل على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد كما سترى بيانه في ~~كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا. واعلم أن ابن عباس لم ~~يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود ~~من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن ابن عباس قال إذا قال أنت ~~طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من ~~طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، أن ذلك من قول عكرمة لا من ~~قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة ~~الحفاظ لإسماعيل، في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة. الجواب الخامس ~~هو ادعاء ضعفه وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، ~~والقرطبي. قال ابن العربي المالكي زل قوم في آخر الزمان فقالوا إن الطلاق ~~الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن ~~علي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى ~~الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ~~ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه ~~وقالوا إن قوله أنت طالق ثلاثا كذب. لأنه لم يطلق ثلاثا، كما لو قال ~~طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال أحلف ثلاثا كانت يمينا ~~واحدة. # ولقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، ~~فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون ~~نكاح المتعة جائزا، ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة ~~الهاشمي # يا من يرى المتعة في دينه حلا وإن كانت بلا مهر ولا يرى تسعين ~~تطليقة تبين منه ربة الخدر من ههنا طابت مواليدكم فاغتنموها يا بني ~~الفطر # وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحل والعقد في الأحكام، على أن الطلاق ~~الثلاث في كلمة، وإن كان حراما في ms0131 قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين، ~~لازم. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل ~~البخاري، وقد قال في صحيحه " باب جواز الطلاق الثلاث " لقوله تعالى { ~~الطلاق مرتان } البقرة 229. وذكر حديث اللعان فطلقها ثلاثا قبل ~~أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يغير عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يقر على الباطل. ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته ~~الشريعة حكمه وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت، لا أصل له في كتاب ولا ~~رواية له عن أحد. وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في ~~كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها. وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير ~~مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة. فإن قيل ففي صحيح مسلم عن ابن ~~عباس وذكر حديث أبي الصهباء المذكور. قلنا هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه ~~الأول أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة؟ ولم يعرف لها ~~في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين. وقد سبق ~~العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم ~~فلا تقبلوا منهم ألا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل. ولا تجد هذه ~~المسالة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا. الثاني أن هذا الحديث لم يرو إلا ~~عن ابن عباس ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من ~~الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على ~~جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا ~~طاوس؟ اه محل الغرض من كلام ابن العربي، وقال ابن عبد البر ورواية طاوس ~~وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق ~~والمشرق والمغرب. وقد قيل إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - إن مثل هذا لا يثبت به ms0132 تضعيف هذا الحديث. # لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس وهو إمام، عن ~~طاوس، عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضا إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ. ~~وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلا إلا واحد، كما أشار إليه ~~العراقي في ألفيته بقوله # ففي الصحيح أخرجا المسيبا وأخرج الجعفي لابن تغلبا # يعني أن الشيخين أخرجا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه ~~سعيد. وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال العبدي ولم يرو عنه ~~غير الحسن البصري هذا مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى ~~عنه أيضا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما. ~~والحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن ~~تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي ~~متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ~~ووجهه أن توافر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار، فإن لم يشتهر ~~دل على أنه لم يقع. لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة ~~مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم ~~فيه بعدم صحة الخبر # وخبر الآحاد في السني حيث دواعي نقله تواترا نرى لها لو قاله تقررا # وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما ~~يجزم فيه بعدم صحة الخبر. والمنقول آحادا فيما تتوافر الدواعي إلى نقله ~~خلافا للرافضة اه منه بلفظه. ومراده أن مما يجزم بعدم صحته، الخبر ~~المنقول آحادا مع توافر الدواعي إلى نقله. وقال ابن الحاجب في مختصره ~~الأصولي مسألة إذا انفرد واحد فيما تتوافر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه ~~خلق كثير. كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب ~~قطعا خلافا للشيعة اه محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة مناقشات ~~وأجوبة عنها معروفة في الأصول. قال ms0133 مقيده - عفا الله عنه - ولا شك أنه ~~على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل ~~واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من خلافة ~~عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~في زمن أبي بكر، وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك. فالدواعي إلى نقل ما ~~كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، متوافرة ~~توافرا لا يمكن إنكاره، لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر فسكوت جميع ~~الصحابة عنه وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة ~~على أحد أمرين أحدهما أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها ~~بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي ~~وصححه النووي والقرطبي وابن سريج. # وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم والنبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " # فمن قال أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ونوى التأكيد فواحدة، وإن نوى ~~الاستئناف بكل واحدة فثلاث. واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات ~~اللافظين به لا إشكال فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم # " وإنما لكل امرئ ما نوى ". # والثاني أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا مع توافر الدواعي ~~إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني، وقال القرطبي في المفهم في الكلام ~~على حديث طاوس المذكور وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ~~ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن ~~واحد؟ قال فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ~~ببطلانه اه منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جدا ~~بحسب المقرر في الأصول كما ترى. الجواب السادس عن حديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على ms0134 أن المراد بها ألبتة كما قدمنا في ~~حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضا، قال الحافظ ابن حجر في فتح ~~الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه وهو قوي ويؤيده إدخال البخاري في ~~هذا الباب، الآثار التي فيها ألبتة، والأحاديث التي فيها التصريح ~~بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن ألبتة إذا أطلقت حمل على ~~الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ ألبتة ~~على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث. وإنما المراد ~~لفظ ألبتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة واحدة، ~~فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اه من فتح الباري بلفظه. ~~وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ~~ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه، لم نطل به ~~الكلام. لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من ~~جهة النقل فإنه لا يمكن من جهة العقل، وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان ~~اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق. لأن من ~~اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء ~~على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث فمن ~~اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعا وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة ~~إجماعا. # الجواب السابع هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاوس المذكور ليس فيه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به ~~واقره، لا فيما لم يعلم به، قال مقيده - عفا الله عنه - ولا يخفى ضعف هذا ~~الجواب. لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه صلى ~~الله عليه وسلم وأقره. الجواب الثامن أن حديث ابن عباس المذكور في غير ~~المدخول ms0135 بها خاصة. لأنه إن قال لها أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال ~~ثلاثا لم يصادف لفظ الثلاث محلا. لوقوع البينونة قبلها. وحجة هذا القول ~~أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، ~~والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم ~~والسبب كما هنا قال في مراقي السعود # وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب # وما ذكره الأبي - رحمه الله - من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في ~~حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود. بأنه لا ~~دليل عليه. وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما. ~~وما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود ~~التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض ~~أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر. لأن هذه المسالة من مسائل ~~المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها ~~مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم ~~الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إن ~~اتحد الحكم والسبب كما هنا. نعم لقائل أن يقول إن كلام ابن عباس في رواية ~~أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا ~~عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له. لأنه إنما خص ~~غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع ~~اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام واردا جوابا ~~لسؤال. لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال فلا يتعين كونه لإخراج ~~حكم المفهوم عن المنطوق. وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار ~~مفهوم المخالفة بقوله # أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب # ومحل الشاهد منه قوله. # أو النطق انجلب للسؤل. وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن ms0136 أيوب ~~السختياني عن غير واحد عن طاوس وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ~~ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته. ولذا قال النووي في شرح مسلم ~~ما نصه وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم ~~مجهولين، عن طاوس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها والله أعلم، انتهى منه ~~بلفظه. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود بعد أن ساق الحديث المذكور ما ~~نصه الرواة عن طاوس مجاهيل انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ~~ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاوس فيها، وقال العلامة ابن القيم رحمه ~~الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه البواية ما نصه وهذا لفظ ~~الحديث وهو بأصح إسناد انتهى محل الغرض منه بلفظه فانظره مع ما تقدم. هذا ~~ملخص كلام العلماء في هذه المسالة مع ما فياه من النصوص الشرعية، قال ~~مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب ~~إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين ~~أحدهما أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ ~~واحد والثاني أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد فإن ذلك منسوخ ولم يشتهر ~~العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع نظيره في نكاح المتعة. ~~أما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في السنن الكبرى ما نصه فإن كان معنى ~~قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~واحدة، يعني أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه - والله ~~أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ، فإن قيل فما دل على ما ~~وصفت؟ قيل لا يشبه أن يكون ابن عباس يروى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه خلاف. قال الشيخ رواية عكرمة ms0137 عن ابن عباس قد مضت في النسخ وفيها ~~تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعي فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر ~~فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنهم قيل قد علمنا أن ابن عباس ~~يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي ~~بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيه خلاف ما قال؟ اه محل الغرض منه بلفظه. ومعناه واضح في أن ~~الحق دائر بين الأمرين المذكورين. # لأن قوله فإن كان معنى قول ابن عباس إلخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى ~~أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ~~واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخا، ونحن نقول إن الظاهر لنا دوران ~~الحق بين الأمرين كما قال الشافعي رحمه الله تعالى إما أن يكون معنى حديث ~~طاوس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد كأنت ~~طالق أنت طالق، أنت طالق. وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث ~~دخولا لا يمكن نفيه، ولا سيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي ~~جزم العلامة ابن القيم رحمه الله بأن إسنادها أصح إسناد، فإن لفظها أن ~~أبا الصهباء قال لابن عباس أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا ~~قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس بلى! كان الرجل إذا طلق امرأته ~~ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال ~~أجيزوهن عليهم، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثا وهو أظهر في كونها ~~متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - ~~في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح. فقد قال في زاد المعاد ms0138 ~~ما نصه وأما استدلالكم بحديث عائشة # " أن رجلا طلق ثلاثا فتزوجت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم هل تحل ~~للأول؟ قال لا حتى تذوق العسيلة " # فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني. ~~ولكن اين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا ~~يقال فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا، غلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو ~~المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا ~~وسلم عليه ثلاثا انتهى منه بلفظه. وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق ~~للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم - رحمه الله ~~تعالى - بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ ~~متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى ~~قال ما نصه وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر أنت طالق، ~~أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة فغلظ عليهم عمر رضي الله عنه فجعلها ~~ثلاثا، قال الشيخ ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل اه ~~منه بلفظه ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق ~~لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم - رحمه الله - بأنه لا يدل إلا ~~على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة وهي واضحة ~~جدا فيما ذكرنا، ويؤيده أيضا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على ~~أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، ~~وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة ~~بألفاظ متعددة لأنها تأكيد للصيغة الأولى، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما ~~نصه قال الشيخ ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثا تترى، روى جابر بن ~~يزيد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل طلق امرأته ثلاثا قبل ~~أن يدخل بها، قال عقدة كانت ms0139 بيده أرسلها جميعا. # وإذا كانت تترى فليس بشيء. قال سفيان الثوري تترى يعني أنت طالق، أنت ~~طالق، أنت طالق. فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة ~~عن ابن عباس ما دل على ذلك انتهى منه بلفظه. فهذه أدلة واضحة على أن ~~الثلاث في حديث طاوس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به ~~الإمام النسائي - رحمه الله - وصححه النووي والقرطبي وابن سريج وأبو يحيى ~~الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، ~~وتؤيده روية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفا ~~مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاوس المذكور بلفظ ~~واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل. لأن ~~روايات حديث طاوس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة ~~بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل ~~على أنها بلفظ واحد لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ ~~متفرقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن ~~وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا ~~يمكن إنكاره، ونقول الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة ~~قصد التاسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو ~~الأغلب كما قدمنا، وتغيير معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال ~~فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ~~ترى. وبالجملة بلفظ رواية أيوب التي أخرجها أبو داود. وقال العلامة ابن ~~القيم - رحمه الله - إنها بأصح إسناد مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في ~~الصحيحين، الذي فيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بأنها لا تحل ~~للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول. # وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها ~~في حديث ms0140 طاوس بلفظ واحد تفريق لا وجه له مع اتحاد لفظ المتن في رواية أبي ~~داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقا في ~~المعنى بين رواية أيوب وغيرها من روايات حديث طاوس. ونحن نقول للقائلين ~~برد الثلاث إلى واحدة إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس ~~أنها مجتمعة أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه فهو أولى ~~بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن ~~كانت متفرقة فلا حجة لكم أصلا في حديث طاوس على محل النزاع. لأن النزاع ~~في خصوص الثلاث بلفظ واحد. أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة. وفي ~~حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته ~~مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقا بين معاني ألفاظ ~~رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة لا متفرقة. وأما على كون معنى حديث ~~طاوس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ كما جزم ~~به أبو داود رحمه الله، وجزم به ابن حجر في فتح الباري، وهو قول الشافعي ~~كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء. وقد رأيت النصوص الدالة على ~~االنسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة. أنه في الزمن الذي كان لا ~~فرق فيه بين واحدة وثلاث، ولو متفرقة لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة. ~~متفرقة كانت أو لا. وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر هو من لم ~~يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع. وإدعاء أن مثل هذا لا ~~يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلما روى ~~عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، ~~وفي بعض من زمن عمر قال فنهانا عنها عمر. وهذه الصورة هي التي ms0141 وقعت في ~~جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما ~~واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى. لأن كل واحدة منهما، روى فيها ~~مسلم في صحيحه عن صحابي جليل، أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، ثم غير حكمها ~~عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما. وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن ~~يقال. # لأن نسبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - وخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنهم تركوا ما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم ~~عمدا غير لائق، ومعلوم أنه ابطل بلا شك. وقد حكى غير واحد من العلماء أن ~~الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة. والظاهر ~~أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر ~~الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قدمنا كلام أبي بكر بن ~~العربي القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن ~~أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن ~~عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ~~ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر - ~~رضي الله عنه - فالظهر عدم نهوضه. لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجا أحله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة ويتجرأ هو على منعه ~~بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7 الآية، ويقول # ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون # يونس 59 ويقول # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # الشورى 21؟ والمروي ms0142 عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو ~~التعزير الشرعي المعروف، كالضرب. أما تحريم المباح من الفروج فليس من ~~أنواع التعزيرات. لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له وإباحته لمن ~~حرمه عليه. لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل ~~لغيره. لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام ~~في نفس الأمر، ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه " فمن قضيت له ~~فلا يأخذ من حق أخيه شيئا، فكأنما أقطع له قطعة من نار " ويشير له قوله ~~تعالى # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # الأحزاب 37 لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارا لقضائه وطره منها ~~ما حلت لغيره. وقد قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ما نصه وفي الجملة ~~فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء - أعني قول ~~جابر إنها كانت تفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في ~~الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ~~ذلك. # ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على ~~وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، ~~فالمخالف بعد هذا الإجماع منا بذله، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث ~~الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اه منه بلفظه. وحاصل خلاصة هذه ~~المسالة أن البحث فيها من ثلاث جهات الأولى من جهة دلالة النص القولي أو ~~الفعلي الصريح. الثانية من جهة صناعة علم الحديث والأصول. الثالثة من جهة ~~أقوال أهل العلم فيها أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة ~~الأربعة وأتباعهم وجل الصحابة وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ ~~واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم. وأما من جهة نص ~~صريح ms0143 من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله فلم يثبت من لفظ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك ~~أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ ألبتة، وأن النبي حلفه ما ~~أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان ~~لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال يا رسول ~~الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال لا، كانت تبين ~~منك، وتكون معصية. وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق ~~الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيبا المذكور قال ~~فيه ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت ~~عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك ~~حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك. ولا سيما ~~على قول الحاكم إنه مرفوع ويعتضد بالحديث المذكور قبله. لتحليفه ركانة ~~وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد ~~الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية فأنفذها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الثلاث المجتمعة وببقية الأحاديث ~~المتقدمة. وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا ~~وأن بعضها يشد بعضا فيصلح المجموع للاحتجاج. ولا سيما أن بعضها صححه بعض ~~العلماء وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم. وقد عرفت أن حديث داود بن ~~الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروي باللفظ الصريح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، ~~فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة. # لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأحرى آية تصرح بعدم ~~لزومها. وقد قدمنا عن النووي وغيره أن ms0144 العلماء استدلوا على وقوع الثلاث ~~دفعة بقوله تعالى # وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا # الطلاق 1 قالوا معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه. لوقوع ~~البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم. ~~وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى ~~الآية وهو واضح جدا. فاتضح أنه ليس في كتاب الله ولا في صريح قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث. أما من ~~جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم ~~له حكم الرفع. لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين. وقد علمت أوجه ~~الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، ~~وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في ~~شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضا أن بعض ~~رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح. وأنه لا وجه للفرق ~~بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن ~~تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج. وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا ~~دليل إذن في حديث طاوس عن ابن عباس على محل النزاع، فإن قيل أنتم تارة ~~تقولون إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون ليس معاه أنها بلفظ واحد، ~~بل بألفاظ متفرقة، فالجواب أن معنى كلامنا أن الطلقات في حديث طاوس لا ~~يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ ~~هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسالة. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه ~~أسلم. قوله تعالى { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~}. لم يبين في هذه الآية ولا في غيرها من آيات الطلاق ms0145 حكمة كون الطلاق ~~بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة ~~حقل تزرع فيه النطفة كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح ~~للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه. ~~ليختار حقلا صالحا لزراعته وذلك في قوله تعالى # نساؤكم حرث لكم # البقرة 223 كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا ~~يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون }. # صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى ~~زوجته، إلا على سبيل الخلع، إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فيما بينهما، ~~فلا جناح عليهما إذن في الخلع. أي لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه ~~هو في الأخذ. وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج ~~زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن ~~السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع. وذلك في قوله ~~تعالى # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا # النساء 20-21. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب ~~النفس من المرأة. وذلك في قوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # النساء 4. وأشار إلى ذلك بقوله # ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة # النساء 24. تنبيه أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا ~~يعد طلاقا. لأن الله تعالى قال { الطلاق مرتان } البقرة 229 ثم ~~ذكر الخلع بقوله { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } ~~البقرة 229. فلم يعتبره طلاقا ثالثا ms0146 ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله # فإن طلقها فلا تحل له من بعد # البقرة 230 الآية. وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان ~~وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما ~~نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن ~~أحمد. قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا ~~يعد طلاقا ليس بظاهر عندي. لما تقدم مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم من ~~أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله { أو تسريح بإحسان } ~~البقرة 229 وهو مرسل حسن. قال في فتح الباري والأخذ بهذا الحديث أولى، ~~فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح. قال # " إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة. فإما أن يمسكها ~~فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا ". # وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند ~~خوفهما ألا يقيما حدود الله. لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله فإن ~~طلقها إنما كرره. ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله # فلا تحل له من بعد # البقرة 230 الآية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى { أو تسريح ~~بإحسان } البقرة 229 يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي ~~المذكورة في قوله # فإن طلقها فلا تحل له # البقرة 230 الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا. لأن الله ~~تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج. فاستثنى منه ~~صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق ~~الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا مالك، وأبو حنيفة، والشافعي ~~في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال ~~سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، ~~والثوري، والأوزاعي، وأبو عثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. ~~غير أن الحنفية عندهم ms0147 أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين، أو ~~أطلق فهو واحدة بائنة. وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع ~~وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعرى عن النية فليس هو بشيء بالكلية، ~~قاله ابن كثير. ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق ما رواه مالك عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها ~~اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك ~~فقال تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. قال الشافعي ولا أعرف ~~جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر قاله ابن كثير والعلم عند الله ~~تعالى. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله وتكلم فيه بأن في سنده ابن ~~أبي ليلى، وأنه سيئ الحفظ، وروى مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى ~~أعلم. الفرع الأول ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من ~~الصداق. وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله { فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } البقرة 229 وقد تقرر في الأصول أن ~~الموصولات من صيغ العموم. لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في ~~مراقي السعود بقوله # صيغه كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع # وهذا هو مذهب الجمهور، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه وقد ~~اختلف العلماء - رحمهم الله - في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما ~~أعطاها. فذهب الجمهور إلى جواز ذلك. لعموم قوله تعالى { فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } البقرة 229. وقال ابن جرير حدثنا ~~يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة أن ~~عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثم دعاها فقال كيف ~~وجدت؟ فقالت ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني. # فقال لزوجها اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ~~كثير ms0148 مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن ~~أبي عروبة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب ~~فشكت زوجها فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها كيف وجدت مكانك؟ ~~قالت ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال خذ ولو عقاصها. ~~وقال البخاري وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. وقال عبد الرزاق أخبرنا ~~معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته ~~قالت كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت فكانت ~~مني زلة يوما، فقلت له أختلع منك بكل شيء أملكه قال نعم، قالت ففعلت. ~~قالت فخاصم عمي معاذ ابن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن ~~يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا أنه ~~يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص ~~شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وقبيصة ~~بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي. وهذا مذهب مالك، والليث، ~~والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان ~~الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. ~~فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها ~~شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن ~~راهويه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء ~~وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، ~~والربيع بن أنس. وقال معمر والحكم كان علي يقول لا يأخذ من المختلعة فوق ~~ما أعطاها. وقال الأوزاعي القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق ~~إليها، قلت ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة عن ابن ~~عباس في قصة ثابت بن ms0149 قيس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ~~منها الحديقة ولا يزداد. وبما روى عبد بن حميد حيث قال أخبرنا قبيصة عن ~~سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ ~~منها أكثر مما أعطاها، يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى { ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به } البقرة 229 أي من ~~الذي أعطاها. لتقدم قوله { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } البقرة 229 أي من ذلك وهكذا كان ~~يقرؤها الربيع بن أنس فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه رواه ابن جرير، ~~ولهذا قال بعده { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } البقرة ~~229 اه من ابن كثير بلفظه. # الفرع الثاني اختلف العلماء في عدة المختلعة فذهب أكثر أهل العلم إلى ~~أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة منهم مالك، وأبو ~~حنيفة والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، ~~وروي ذلك عن عمر، و علي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن ~~يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، ~~والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان ~~الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو العبيد. قال الترمذي وهو قول ~~أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق فتعتد ~~كسائر المطلقات، قاله ابن كثير. قال مقيده - عفا الله عنه - وكون الخلع ~~طلاقا ظاهر من جهة المعنى لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته ~~في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق. لأنه لا يملك لها فراقا شرعا ~~إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ~~ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس # " أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي صلى الله عليه وسلم ms0150 فقالت يا رسول ~~الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟ قالت ~~نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " ~~فإن قوله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " # ، فيه دليل على ان العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج. وقول ~~البخاري عقب سوقه للحديث المذكور. قال أبو عبد الله لا يتابع فيه عن ابن ~~عباس لا يسقط الاحتجاج به. لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ~~ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره ومراده بذلك خصوص طريق خالد ~~الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن ~~خالد. وهو الحذاء عن عكرمة مرسلا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد ~~الحذاؤ مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب ~~الموصولة، وصلها الإسماعيلي قاله الحافظ في الفتح فظهر اعتضاد الطرق ~~المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة. # وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وأمره ففارقها يظهر ~~فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض. بدليل التصريح في الرواية ~~الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم ~~الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون ~~طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب والسنة يدلان ~~على أنالمفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ. والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب ~~حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران أحدهما ما ذكرنا آنفا من أن أكثر ~~أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء. الثاني أنه لا ~~ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو ~~- رحمه الله تعالى - يقول في أشهر الروايتين عنه إن الخلع فسخ لا طلاق، ~~ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة، ms0151 ~~فظهر عدم الملازمة عنده فإن قيل هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا ~~صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون ~~الخلع طلاقا، فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم # " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " # أن الطلاق المأمور به من قبله صلى الله عليه وسلم هو عوض المال إذ لا ~~يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه كما يدل له ~~الحديث المذكور دلالة واضحة. وقال بعض العلماء تعتد المختلعة بحيضة ~~ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، ~~والربيع بنت معوذ، وعمها. وهو صحابي. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني ~~مرفوعا والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول، وعلى تقدير صحة ~~الحديث بذلك فلا كلام. ولو خالف أكثر اهل العلم وقد قدمنا عدم الملازمة ~~بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر ~~وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن ~~الرجعة ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها ~~رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل. وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء ~~لا يخلو من نظر أيضا، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في ~~تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب ~~على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات، أن الرحم لم يشتمل على حمل منه. ودلالة ~~ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة ~~لا رجعة بعدها إجماعا. فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة ~~الثالثة حيضة واحدة، وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه ~~واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة. # ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا، بنص ~~قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن ms0152 تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # الأحزاب 49 مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو ~~كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت ~~العدة في الطلاق قبل الدخول. ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد ~~بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق. صيانة للأنساب، ~~كان الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا. لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ~~ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح. فإن قيل فما وجه ~~اعتداد المختلعة بحيضة؟ قلنا إن كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين ~~الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما ~~فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة. وبين الطلاق قبل الدخول ~~فلم يوجب فيه عدة أصلا. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق ~~بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني. ~~الفرع الثالث اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد ~~الخلع على ثلاثة أقوال الأول لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها وبانت ~~منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن ~~زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ~~ثور كما نقله عنهم ابن كثير. الثاني أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير ~~سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع. وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد ~~البر وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي الله عنه. الثالث أنه يلحقها طلاقه ~~ما دامت في العدة مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، ~~والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، و إبراهيم، والزهري، ~~والحاكم والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير. وروي ذلك ~~عن ابن مسعود، وأبي الدرداء. قال ابن عبد البر وليس ذلك بثابت ms0153 عنهما. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال. لأن ~~المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية لا يقع عليها ~~طلاق. لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله ~~تعالى. الفرع الرابع ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها ~~عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء. # لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي ~~أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا إن رد إليها ~~الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور. وقال ~~سفيان الثوري إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، ~~وإن كان سمي طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة وبه يقول داود بن ~~علي الظاهري اه من ابن كثير. الفرع الخامس أجمع العلماء على أن للمختلع ~~أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم ~~منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فو قول باطل مردود ولا وجه له ~~بحال. كما هو ظاهر والعلم عند الله تعالى. ### || [2.231] # قوله تعالى { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } الآية. ~~ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فبلغن أجلهن } البقرة ~~231 انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن ~~العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى # وبعولتهن أحق بردهن في ذلك # البقرة 228. لأن الإشارة في قوله { ذلك } راجعة إلى زمن العدة المعبر ~~عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى # والمطلقات يتربصن # البقرة 228 الآية. فاتضح من تلك الآية أن معنى { فبلغن أجلهن ~~} البقرة 231 أي قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها. قوله تعالى ~~{ ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } الآية. صرح تعالى في ~~هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها. لأجل الاعتداء ~~عليها بأخذه ما أعطاها. لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه. ابتغاء ~~السلامة ms0154 من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له ~~عضلها، حتى تفتدى منه وذلك في قوله تعالى # ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # النساء 19 واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة. فقال جماعة منهم ~~هي الزنا، وقال قوم هي النشوز والعصيان وبذاء اللسان. والظاهر شمول الآية ~~للكل كما اختاره ابن جرير. وقال ابن كثير إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت ~~بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها. لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من ~~عموم الآية. ### || [2.233] # قوله تعالى { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ~~فلا جناح عليكم } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل ~~إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم ~~الأجرة المعينة في العقد، ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك ولكنه بينه في ~~سورة الطلاق بقوله تعالى # وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى # الطلاق 6 والمراد بتعاسرهم امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، ~~وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به. ### || [2.234] # قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا }. ظاهر ~~هذه الآية الكريمة أن كل متوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بين في ~~موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا كانت عدتها وضع ~~حملها، وذلك في قوله # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 ويزيده إيضاحا ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية في الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها ~~بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها هو الحق، كما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم خلافا لمن قال تعتد بأقصى الأجلين. ويروى عن علي ~~وابن عباس والعلم عند الله تعالى. تنبيهان الأول هاتان الآيتان أعني قوله ~~تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } البقرة ~~234 وقوله # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 ms0155 من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح ~~بينهما، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله # وإن يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتما معتبر # وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم { وأولات الأحمال } الطلاق 4 ~~مخصص لعموم { والذين يتوفون منكم } البقرة 234 الآية. مع ~~أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها، وعليه فلا ~~عموم في آية البقرة. لأن قوله { ويذرون أزواجا } البقرة 234 جمع ~~منكر فلا يعم بخلاف قوله # وأولات الأحمال # الطلاق 4 فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ ~~العموم، كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم # وما معرفا بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى # الثاني الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف. لدلالة المقام عليه أي ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا كقول ~~العرب السمن منوان بدرهم. أي منوان منه بدرهم. ### || [2.241] # ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء ~~أطلقت قبل الدخول أم لا؟ فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله ~~تعالى # يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا # الأحزاب 28 مع قوله # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 الآية - وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلى الله ~~عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي ~~السعود بقوله # وما به قد خوطب النبي تعميمه في المذهب السني # وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به صلى الله ~~عليه وسلم إلا بدليل على العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع. وإذا عرفت ~~ذلك فاعلم أن أزواج النبي مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر ~~أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول. وفرض الصداق معا. لأن المطلقة بعد ~~الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول ms0156 وبعد فرض الصداق تستحق نصف ~~الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئا، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها ~~وذلك في قوله تعالى # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن # البقرة 236 ثم قال # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # البقرة 237 فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظهر معقول. وقد ذكر ~~تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان ~~مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ~~وسرحوهن سراحا جميلا # الأحزاب 49. لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل ~~واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، ~~وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، ~~وعقده في مراقي السعود بقوله # وناقل ومثبت والآمر بعد النواهي ثم هذا الآخر # على إباحة إلخ. فقوله ثم هذا الآخر على إباحة، يعني أن النص الدال على ~~أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. ~~والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى # على الموسع قدره وعلى المقتر قدره # البقرة 236 فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم ~~يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى # على الموسع قدره # البقرة 236 الآية هذا هو الظاهر وظاهر قوله # ومتعوهن # البقرة 236 وقوله { وللمطلقات متاع } البقرة 241 يقتضي وجوب ~~المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا، ~~واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال # حقا على المحسنين # البقرة 236 وقال { حقا على المتقين } البقرة 241 قالوا فلو ~~كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر ~~الواجب. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الاستدلال على عدم ms0157 وجوبها لا ~~ينهض فيما يظهر. لأن قوله # على المحسنين # البقرة 236 و { على المتقين } البقرة 241 تأكيد للوجوب وليس ~~لأحد أن يقول لست متقيا مثلا. لوجوب التقوى على جميع الناس قال القرطبي ~~في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه وقوله على المتقين تأكيد ~~لإيجابها. لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد ~~قال تعالى في القرآن # هدى للمتقين # البقرة 2، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. ~~فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من ~~تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم. ### || [2.243] # قوله تعالى { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ~~أحياهم }. المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال ~~بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من ~~الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران. والتقدم في الميدان. ~~وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله # وقاتلوا في سبيل الله # البقرة 190 الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا # الأحزاب 16 وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال. لأنها تبين أن الفرار ~~من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب ~~ابن أم صاحب # إذا أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيبك أن تقدما فإن المنية من يخشها ~~فسوف تصادفه أينما وإن تتخطاك أسبابها فإن قصاراك أن تهرما # وقال زهير # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # وقال أبو الطيب # وإذا لم يكن من الموت بلد فمن العجز أن تكون جبانا # ولقد أجاد من قال # في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة والمرء في الجبن لا ينجو من القدر # وهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم ms0158 جواز الفرار ~~من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا ~~كنت خارجا عنها. تنبيه لم تأت لفظة ألم تر ونحوها في القرآن مما تقدمه ~~لفظ ألم، معداة إلا بالحرف الذي هو إلى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم ~~والتحقيق عدم لزومه وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول ~~امرئ القيس # ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ### || [2.245] # قوله تعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة }. لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف ~~الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك. ~~وذلك في قوله تعالى # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء # البقرة 261. ### || [2.251] # قوله تعالى { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ~~مما يشآء }. لم يبين هنا شيئا مما علمه، وقد بين في مواضع أخر أن ~~مما علمه صنعة الدروع كقوله # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم # الأنبياء 80 الآية وقوله # وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد # سبأ 10-11. ### || [2.252] # قوله تعالى { وإنك لمن المرسلين }. يفهم من تأكيده هنا ~~بإن واللام أن الكفار ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح ~~بهذا المفهوم في قوله # ويقول الذين كفروا لست مرسلا # الرعد 43 الآية. ### || [2.253] # قوله تعالى { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات }. لم ~~يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام بقوله # وكلم الله موسى تكليما # النساء 164 وقوله # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # الأعراف 144. قال ابن كثير منهم من كلم الله يعني موسى ومحمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ms0159 ابن حبان عن أبي ~~ذر رضي الله عنه قال مقيده - عفا الله عنه - تكليم آدم الوارد في صحيح ~~ابن حبان يبينه قوله تعالى # وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة # البقرة 35 وأمثالها من الآيات فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك، ويظهر ~~من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك قال ~~القرطبي في تفسير قوله تعالى { منهم من كلم الله } البقرة ~~253 ما نصه وقد # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال نعم نبي ~~مكلم " # ، قال ابن عطيه وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا ~~تبقى خاصية موسى اه وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى # فإما يأتينكم مني هدى # البقرة 38 في سورة البقرة ما نصه لأن آدم كان هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ~~ولده، فغير جائز أن يكون معنيا وهو - الرسول صلى الله عليه وسلم - بقوله # فإما يأتينكم مني هدى # البقرة 38 أي رسل اه محل الحجة منه بلفظه. وفيه وفي كلام ابن كثير ~~المتقدم عن صحيح ابن حبان التصريح بأن آدم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في ~~حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ~~أول الرسل ويشهد له قوله تعالى # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده # النساء 163 والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين الأول أن آدم أرسل ~~لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل لهذا الجمع ما ~~ثبت في الصحيحين وغيرهما، ويقول # " ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " # الحديث فقوله إلى أهل الأرض لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل ~~الأرض، لكان ذلك الكلام حشوا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. ويتأنس ~~له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له. ms0160 الوجه الثاني أن آدم أرسل ~~إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول ~~أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة ~~له وحده، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # وما كان الناس إلا أمة واحدة # يونس 19 الآية. أي على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح، وقوله # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين # البقرة 213 الآية. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى { ورفع بعضهم ~~درجات }. أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كقوله # لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # الإسراء 79 أو قوله # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28 الآية. وقوله # إني رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158 وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1 وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله # واتخذ الله إبراهيم خليلا # النساء 125 وقوله # إني جاعلك للناس إماما # البقرة 124 إلى غير ذلك من الآيات وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود ~~وهو قوله # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا # الإسراء 55 وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس وهو قوله # ورفعناه مكانا عليا # مريم 57 وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله # وآتينا عيسى ابن مريم البينات # البقرة 87 الآية. تنبيه في هذه الآية الكريمة أعني قوله تعالى { تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض } البقرة 253 الآية. ~~إشكال قوي معروف. ووجهه أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من ~~يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى ~~الله " # وثبت أيضا في حديث أبي سعيد المتفق عليه # " لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة " # الحديث، وفي رواية # " لا تفضلوا بين أنبياء الله " # ، وفي رواية # " لا تخيروني من بين الأنبياء " # وقال القرطبي ms0161 في تفسير هذه الآية ما نصه وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ~~ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين انبياء الله " # ، رواها الأئمة الثقاة، أي لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل ~~من فلان اه. قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه والجواب من ~~وجوه. أحدها أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر. الثاني أن ~~هذا قاله من باب الهضم والتواضع. الثالث أن هذا نهي عن التفضيل في مثل ~~هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. الرابع لا تفضلوا ~~بمجرد الآراء والعصبية، الخامس ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى ~~الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به اه منه بلفظه ~~وذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع ~~التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص ~~والكرامات فقد قال ما نصه قلت وأحسن من هذا قول من قال إن المنع من ~~التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما ~~التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات ~~المتباينات. # وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ~~ولذلك منهم رسل وأولو عزم ومنهم من اتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات. قال الله تعالى # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا # الإسراء 55 قلت وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، ~~والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من ~~الوسائل وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال إن الله فضل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا بم يا ابن عباس فضله على ~~أهل السماء؟ فقال إن الله تعالى قال # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # الأنبياء 29 وقال لمحمد صلى الله عليه ms0162 وسلم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 1-2 قالوا فما فضله على الأنبياء؟ قال قال الله تعالى # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # إبراهيم 4 وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28 فأرسله إلى الجن والإنس، وذكره أبو محمد الدارمي في مسنده، وقال ~~أبو هريرة خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~أولو العزم من الرسل وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم ~~أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل. فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، ~~واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا ~~مما لا خفاء به اه. محل الغرض منه بلفظه. واختار ابن عطية كما نقله عنه ~~القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالا كقوله صلى الله عليه وسلم # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # ولم يعين ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله # " لا تفضلوني على موسى " # وقوله # " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " # ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى، قوله تعالى # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا ~~يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # البقرة 262 يفهم من هذه الآية أن من اتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له ~~هذا الثواب المذكور هنا في قوله # لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون # البقرة 262 وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى # البقرة 264 الآية. ### || [2.257] # قوله تعالى { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور }. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي ~~المؤمنين، وصرح في آية أخرى بانه وليهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليهم وأن بعضهم أولياء بعض وذلك في ms0163 قوله تعالى # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا # المائدة 55 الآية وقال # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # التوبة 71 وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين ~~وهو قوله تعالى # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # محمد 11، وصرح في موضع آخر بأن نبيه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم، وهو قوله تعالى # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # الأحزاب 6 وبين في آية البقرة هذه، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي ~~إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى { الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ~~البقرة 257 وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن ~~أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون # يونس 62-63، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وأنه أيضا يتولى الصالحين وهو قوله تعالى # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين # الأعراف 196. قوله تعالى { يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور }. المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم ~~منها أن طرق الضلال متعددة. لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة. لإفراده ~~النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # الأنعام 153 قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه ولهذا وحد تعالى ~~لفظ النور وجمع الظلمات. لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة ~~كما قال # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # الأنعام 153 وقال تعالى # وجعل الظلمات والنور # الأنعام 1 وقال تعالى # عن اليمين وعن الشمال # ق 17 إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار ~~الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه. قوله تعالى { والذين كفروا ms0164 ~~أوليآؤهم الطاغوت } البقرة 257 الآية. قال بعض العلماء ~~الطاغوت الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه # آل عمران 175 أي يخوفكم من أوليائه وقوله تعالى # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا ~~أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا # النساء 76 وقوله # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # الكهف 50 الآية وقوله # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء # الأعراف 30 الآية. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ ~~الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # يس 60 الآية وقال # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # النساء 117 وقال عن خليله إبراهيم # يأبت لا تعبد الشيطان # مريم 44 الآية وقال # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # الأنعام 121 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [2.264] # قوله تعالى { كالذي ينفق ماله رئآء الناس }. بين أن ~~المراد بالذي الذي بقوله { لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا } البقرة 264 قوله تعالى # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # البقرة 273 الآية لم يبين هنا سبب فقرهم. ولكنه بين في سورة الحشر أن ~~سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم # الحشر 8 الآية. ### || [2.275] # قوله تعالى { فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف } الآية. معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ~~ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي ترك المعاملة بالربا. خوفا من ~~الله تعالى وامتثالا لأمره { فله ما سلف } البقرة 275 أي ما مضى ~~قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا ~~يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في ~~آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل ~~نزول التحريم # ليس على الذين ms0165 آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا # المائدة 93 الآية. وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل ~~التحريم # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف # النساء 22 أي لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله ~~تعالى # وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف # النساء 23. وقال في الصيد قبل التحريم # عفا الله عما سلف # المائدة 95 الآية. وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله # وما كان الله ليضيع إيمانكم # البقرة 143 أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا ~~المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما استغفروا لقربائهم ~~الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم # التوبة 113 وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون # التوبة 115 فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه. ### || [2.276] # قوله تعالى { يمحق الله الربا }. صرح في هذه الآية الكريمة ~~بأنه يمحق الربا أي يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ~~ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه ~~في مواضع أخر كقوله # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله # الروم 39 وقوله # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث # المائدة 100 الآية. وقوله # ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم # الأنفال 37 كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية. واعلم أن ~~الله صرح بتحريم الربا بقوله # وحرم الربا # البقرة 275 وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم ms0166 ~~فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون # البقرة 278-279. وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي من قبره يوم القيامة إلا ~~كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا # البقرة 275 والأحاديث في ذلك كثيرة جدا. واعلم أن الربا منه ما أجمع ~~المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك كربا الجاهلية، وهو أن يزيده ~~في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين وربا النساء بين الذهب والذهب، ~~والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البر والبر، وبين الشعير ~~والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح وكذلك بين هذه الأربعة ~~بعضها مع بعض. وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل، بين كل ~~واحد من الستة المذكورة فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب، ولا بين الفضة ~~والفضة، ولا بين البر والبر، ولا بين الشعير والشعير، ولا بين التمر ~~والتمر، ولا بين الملح و الملح، ولو يدا بيد. والحق - الذي لا شك فيه - ~~منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة، فإن قيل ثبت ~~في الصحيح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا ربا إلا في النسيئة " # وثبت في الصحيح # " عن أبي المنهال أنه قال سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف ~~فقالا كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف، فقال " ما كان منه يدا بيد فلا ~~بأس، وما كان منه نسيئة فلا " # فالجواب من أوجه الأول أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بجواز الفضل ~~ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة، والبراء، وزيد، إنما هو في جنسين ~~مختلفين، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، ~~وأنه في الجنس الواحد ممنوع. # واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى، فإنه قال بعد أن ms0167 ساق الحديث ~~الذي ذكرنا آنفا عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ما نصه رواه البخاري ~~في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن ~~محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد ~~بن حاتم بن ميمون عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، ~~قال باع شريك لى ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فذكره وبمعناه ~~رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان، وكذلك رواه أحمد بن روح، عن ~~سفيان وروى عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال ~~باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل. عندي أن هذا خطأ، والصحيح ~~ما رواه علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ~~ابن جريج، فيكون الخبر واردا في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال ما ~~كان منه يدا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا، وهو المراد بحديث ~~أسامة والله أعلم. والذي يدل على ذلك أيضا ما أخبرنا أبو الحسين بن ~~الفضل القطان ببغداد أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن ~~عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت، ~~قال سمعت أبا المنهال قال سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما ~~يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب دينا، رواه ~~البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة ~~اه من البيهقي بلفظه، وهو واضح جدا فيما ذكرنا. من أن المراد بجواز ~~الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد، وفي تكملة المجموع بعد أن ساق ~~الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه ولا حجة لمتعلق فيهما. لأنه يمكن ~~حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربويا، ~~ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج، فإنه ms0168 غير محرر ولا سيما على ~~ما كانت العرب تفعل. والثاني أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية ~~أخرى عن أبي المنهال. قال سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف ~~فكلاهما يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ~~دينا، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه. # وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينا، فهو يبين أن المراد صرف الجنس ~~بجنس آخر. وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ~~المنهال، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في الصحيح وكلها ~~أسانيدها في غاية الجودة. ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي ~~بن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي وعلي بن ~~المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ~~ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ~~ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله إن رواية من قال إنه ~~باع دراهم بدراهم خطأ عنده اه منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري ما ~~نصه وقال الطبري معنى حديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة " إذا اختلفت ~~أنواع البيع اه محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر. وقال في فتح ~~الباري أيضا ما نصه. تنبيه وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله ~~يعني البخاري، سمعت سليمان بن حرب يقول لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا ~~في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلا ولا بأس به يدا بيد، ولا ~~خير فيه نسيئة. قلت وهذا موافق اه منه بلفظه. وعلى هامش النسخة أن بعد ~~قوله وهذا موافق بياضا بالأصل، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث ~~البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء. لأنه قد ثبت في الصحيح ~~عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها ~~بعضا، فإن قيل هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة ms0169 في الصحيح ~~بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ. إذ لقائل أن يقول لا ~~منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين ~~أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جميعا بين الروايتين. فإن ~~إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثا آخر ~~واردا في الجنسين، وتحريم النساء فيهما، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض. ~~فالجواب على تسليم هذا بأمرين أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة. والثاني ~~أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من ~~أحاديث إباحته. ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال ~~باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني ~~فقلت هذا أمر لا يصح، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد، ~~فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~ونحن نبيع هذا البيع، فقال # " ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا " # ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك. ~~هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في ~~حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم ~~المدينة مهاجرا. وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى ~~الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ~~ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضا، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد ~~الأنصاري رضي الله عنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر ~~بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " الذهب بالذهب وزنا بوزن " # هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ له في صحيحه أيضا # " عن ms0170 فضالة بن عبيد قال اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ~~ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال " لا تباع حتى تفصل " # وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة رضي الله عنه قال " كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين ~~والثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنا بوزن " # وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله ~~على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ~~تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك ~~الميزان " # هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضا # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر ~~جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا؟ قال لا ~~والله يا رسول الله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين ~~بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلا تفعل بع الجمع ~~بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا " # والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم ~~بتحريم ربا الفضل بعد فتح خير. فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في ~~الصحيح أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة ~~مهاجرا، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست ~~سنين وأكثر منها، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة ~~بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وأيضا فالبراء وزيد رضي ~~الله عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله ~~صلى الله عليه ms0171 وسلم، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا ~~الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل. # ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي للخلاف فيها ~~دون رواية المتحمل بالغا وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، نحو عشر سنين. لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي ~~أنه روى بإسناده إلى زيد بن جارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد ~~بن حبته، وعبد الله بن عمر. وعن الواقدي أو أول غزوة شهداها الخندق، وممن ~~قال بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي. وناهيك به علما ~~واطلاعا. وقول راوي الحديث إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ. خلاف ~~معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم. فإن قيل ~~ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعا بعد إباحته، يدل على النسخ في ~~حديث البراء وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ~~ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أسامة؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء ~~وزيد. لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، وقيل ثمان ~~عشرة، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين، كما ~~قدمنا ما يدل عليه. فالجواب أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل ~~وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم. الجواب الثاني عن حديث ~~أسامة أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ~~ناطقة بمنع ربا الفضل منهم أبو سعيد، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة ~~وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، ~~وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله وغيرهم وروايات جل من ذكرنا ~~ثابتة في الصحيح، كرواية أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن ~~الخطاب، وأبي ms0172 بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله، وغيرهم. وإذا ~~عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ، من رواية ~~الواحد. وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة ~~الأدلة كما عقده في مراقي السعود، في مبحث الترجيح، باعتبار حال المروي ~~بقوله # وكثرة الدليل والرواية مرجح لدى ذوي الدرايه # والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الداري أن الشافعي أومأ ~~إليه، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية. الجواب الثالث عن حديث أسامة ~~أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في ~~الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع ~~مقدم على الدال على الإباحة. لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقد ~~قدمناه عن صاحب المراقي، وهو الحق خلافا للغزالي، وعيسى بن ابان وأبي ~~هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا هما سواء. الجواب الرابع عن حديث ~~أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه. لأنها ~~مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على ~~الأعم. لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول. ومن ~~مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ. فإن في رواته أبا ~~هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ. ومنها غير ذلك. وقال ~~ابن حجر في فتح الباري ما نصه واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، ~~واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل منسوخ لكن النسخ لا ~~يثبت بالاحتمال، وقيل المعنى في قوله لا ربا الربا الأغلظ الشديد ~~التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب لا عالم في البلد ~~إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، ~~وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم. فيقدم عليه ~~حديث أبي سعيد. لأن دلالته بالمنطوق. ويحمل حديث اسامة على الربا الأكبر ~~كما تقدم، والله أعلم اه منه. وقوله النسخ ms0173 لا يثبت بالاحتمال مردود بما ~~قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية ~~في الدلالة على النسخ، وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول ~~بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه " باب ما يستدل به ~~على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه ~~عنه " أخبرنا ابو عبد الله الحافظ أنا أبو الفضل بن إبراهيم حدثنا أحمد ~~بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الأعلى حدثنا داود بن أبي هند عن ~~أبي نضرة قال سالت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به باسا، وإني ~~لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال ما زاد فهو ربا، ~~فأنكرت ذلك لقولهما، فقال لا احدثكم إلا ما سمعت من # " رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان ~~تمر النبي صلى الله عليه وسلم هو الدون، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم " إنى لك هذا " قال انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع. فإن سعر ~~هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " أربيت؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت " # فقال أبو سعيد، فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال ~~فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس قال فحدثني أبو الصهباء أنه ~~سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم. وقال وكان ~~تمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون. أخبرنا محمد بن عبد الله ~~الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي ~~الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن ~~عيسى، حدثنا جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي ~~القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول كنت أخدم ms0174 ابن عباس ~~تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال إن هذا ~~يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن ~~عباس قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه. وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا ~~الإسناد ابن المبارك، والظاهر أن الأصل أبو المبارك كما يأتي. أخبرنا أبو ~~الحسين ابن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا ~~يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن ~~سعد بن إياس، عن عبد الله بن مسعود، أن رجلا من بني شمخ بن فزارة، سأله ~~عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته. ليتزوج أمها، قال لا ~~بأس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت ~~المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قم المدينة. فسأل أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصح الفضة إلا ~~وزنا بوزن. فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال ~~إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل فقالوا إنها قد نثرت له بطنها، قال وإن ~~كان. وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، ~~لا تحل الفضة بالفضة، إلا وزنا بوزن اه من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح ~~برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل، وقال ابن ~~حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه، وخالف فيه. # يعني منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد ~~روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية، سألت أبا مجلز ~~عن الصرف فقال كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره، ما كان منه ~~عينا بعين، يدا بيد، وكان يقول إنما الربا في النسيئة، فلقيه ms0175 أبو سعيد ~~فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير ~~بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، مثلا بمثل، فما زاد ~~فهو ربا، فقال ابن عباس. أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد ~~النهي. اه من فتح الباري بلفظه. وفي تكملة المجموع لتقي الدين السبكي ~~بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه رواه الحاكم في المستدرك، وقال هذا حديث ~~صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر. فإن ~~حيان بن عبيد الله المذكور، قال ابن عدي عامة ما يرويه إفرادات يتفرد ~~بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال وهذا ~~الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان. قال البيهقي وحيان ~~تكلموا فيه. واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من ~~سقمه. لأمر غير ما نحن فيه وهو قوله وكذلك ما يكال ويوزن، وقد تكلم فيه ~~بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ~~ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشيء أنبه عليه، لئلا يغتر به وهو أنه أعله ~~بثلاثة أشياء أحدها أنه منقطع. لأن ابا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ~~ابن عباس. والثاني لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل. ~~لمخالفة سعيد بن جبير. والثالث أن حيان بن عبيد الله مجهول، فأما قوله ~~إنه منقطع فغير مقبول. لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه، وأدرك أبا ~~سعيد. ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت، وأما مخلفة سعيد ~~بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وأما قوله إن ~~حيان بن عبيد الله مجهول، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل ~~مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، ~~وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس ~~بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان ms0176 بن عبيد الله بن حيان بن بشر ~~بن عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميدو، والضحاك وعن أبيه، وروى عن ~~عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو ~~داود، وعبيد الله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل ~~منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا. # كما أشرت إليه. فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه ~~من طريق إسحاق بن راهويه، فقال في إسناده أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن ~~عبيد الله، وكان رجل صدق فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن ~~عبادة، فروح محدث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، ~~بصري بلدي المشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن ~~راهويه فناهيك به، ومن يثني عليه إسحاق. وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن ~~عبيد الله هذا. وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، وقال ~~إنه سأل أباه عنه فقال صدوق، ثم قال وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي ~~الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال سمعته بأمر بالصرف يعني ابن عباس، ~~وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك فلقيته بمكة، فقلت إنه بلغني أنك ~~رجعت قال نعم، إنما كان ذلك رأيا مني، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصرف، رويناه في سنن ابن ماجه، ومسند ~~الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان ~~بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم إنه مجهول لا يدري من هو؟ وهو غير ~~مقبول منه. لما تبين. ثم قال وعن أبي الجوزاء قال كنت أخدم ابن عباس رضي ~~الله عنهما تسع سنين ثم ساق حديث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا ~~عن البيهقي، ثم قال رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو ~~المبارك، وهو مجهول. ms0177 ثم قال وروينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون ~~وإسكان العين، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل. فمن زاد فقد أربى " # فقال ابن عباس أتوب إلى الله مما كنت أفتي به، ثم رجع. رواه الطبراني ~~بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف ~~بالرواية عن أبي سعيد، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة، وعن أبي الجوزاء ~~قال سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يدا بيد، فقال لا أرى ~~فيما كان يدا بيد بأسا، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه ~~الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال سمعت ابن عباس يقول اللهم إني ~~أتوب إليك من الصرف. إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني ورجاله ثقاة، مشهورون مصرحون ~~بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم. # وعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال قال أبو سعيد لابن عباس تب ~~إلى الله تعالى، فقال أستغفر الله وأتوب إليه، قال ألم تعلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال # " إني أخاف عليكم الربا " # ، قال فضيل بن مرزوق قلت لعطية ما الربا؟ قال الزيادة والفضل بينهما، ~~رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن ~~معين صالح وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي، وعن بكر بن عبد الله ~~المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يدا بيد ~~إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى ~~الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري وقال له يا ابن عباس أكلت الربا ~~وأطعمته؟ قال أو فعلت؟ قال نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الذهب ms0178 بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل تبره وعينه. فمن زاد أو استزاد ~~فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، ~~فمن زاد أو استزاد فقد أربى " # حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله ~~تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد ~~فقد أربى " # وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة رواه الطبراني بسند فيه مجهول، و إنما ~~ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا. فمن زاد واستزاد بالواو ~~لا بأو والله أعلم. وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب ~~معاني الآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال قلت لابن عباس أرأيت الذي ~~يقول الدينار بالدينار؟ وذكر الحديث ثم قال قال أبو سعيد ونزع عنها ابن ~~عباس وروى الطحاوي أيضا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبي ~~الصهباء أن ابن عباس. نزل عن الصرف وهذا أصرح من رواية مسلم، وروى ~~الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلا من أهل ~~العراق قال لعبد الله بن عمر إن ابن عباس قال وهو علينا أمير من أعطى ~~بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثا إلى أن قال فقيل لابن عباس ما ~~قال ابن عمر قال فاستغفر ربه وقال إنما هو رأي مني وعن أبي هاشم الواسطي ~~وسمه يحيى بن دينار عن زياد قال كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف ~~قبل أن يموت بسبعين يوما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار وذكر أيضا عن ~~أبي حرة قال سال رجل ابن سيرين عن شيء فقال لا علم لي به. # فقال الرجل أن يكون فيه برأيك. فقال إني أكره أن أقول فيه برأيي ثم يبدو ~~لي غيره فأطلبك فلا أجدك إن ابن عباس قد رأى في الصرف ms0179 رأيا ثم رجع، وذكر ~~أيضا عن ابن سيرين عن الهذيل بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين قال ~~سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه فقلت إن الناس يقولون. فقال الناس ~~يقولون ما شاءوا اه من تكملة المجموع، ثم قال بعد هذا فهذه عدة روايات ~~صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في ~~رجوعه أيضا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى، وفي تكملة ~~المجموع أيضا قبل هذا ما نصه وروى عن أبي الزبير المكي وسمه محمد بن ~~تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة. قال سمعت أبا أسيد ~~الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي ~~وأغلظ له قال فقال ابن عباس ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذا يا ابا أسيد فقال أبو أسيد أشهد ~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ~~ملح بصاع ملح لا فضل بينهما في شيء من ذلك ". # فقال ابن عباس إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي ولم اسمع فيه بشيء رواه ~~الحاكم في المستدرك، وقال إنه صحيح على شرط مسلم رحمه الله وفي سنده عتيق ~~بن يعقوب الزبيري قال الحاكم إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أسيد بضم ~~الهمزة. وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن ~~عباس عن بيع الذهب والفضة فقال هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدا بيد ~~قال ابو صالح فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال ~~ابو سعيد والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال يا ابن عباس ~~ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه ~~بنقصان أو بزيادة يدا بيد؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما ما أنا بأقدمكم ~~صحبة لرسول الله صلى ms0180 الله عليه وسلم، وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب ~~يقولان سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن وقد ~~قدمنا رجوع ابن عمر وابن مسعود عن ذلك وقد قدمنا الجواب عما روي عن ~~البراء بن عازب وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد رضي الله عنهم وثبت عن سعيد ~~بن جبير أن ابن عباس لم يرجع وهي شهادة على نفي مطلق، والمثبت مقدم على ~~النافي لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي، وقال ابن عبد البر رجع ابن ~~عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل واحد، ومن خالفها رد إليها، ~~قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ردوا الجهالات إلى السنة اه وقال ~~العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار، ما نصه وأما ما أخرجه مسلم ~~عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدا بيد كما تقدم، فليس ذلك مرويا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ~~ولو كان مرفوعا، لما رجع ابن عباس واستغفر، لما حدثه أبو سعيد بذلك كما ~~تقدم، وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب ~~وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على ~~تحريم ربا الفضل، وقال حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ~~أحفظ، وروى عنه الحازمي أيضا أنه قال كان ذلك برأيي. # وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركت ~~رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى تسليم أن ذلك الذي ~~قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب. لأنها أخص منه مطلقا ~~اه منه بلفظه، وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انقعد بعد هذا الخلاف على ~~منع ربا الفضل. قال في تكملة المجموع ما نصه الفصل الثالث في بيان انقراض ~~الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه، قال ابن المنذر أجمع علماء الأمصار ~~مالك بن ms0181 أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل ~~العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه ~~من أهل مصر والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ~~ومحمد بن علي، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا ~~شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح، متفاضلا يدا بيد، ولا نسيئة، ~~وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ اه محل الغرض منه بلفظه. ونقل ~~النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال ~~وهذا يدل على نسخه، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة ~~بإجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه اه، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع ~~عن ذلك، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ فيه خلاف معروف في الأصول، هل ~~يلغى الواحد والاثنان أو لا بد من اتفاق كل وهو المشهور، وهل إذا مات وهو ~~مخالف ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعا وهو الظاهر، أو لا يكون ~~إجماعا. # لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته، خلاف معروف في الأصول أيضا. ~~وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها، وعلمت أن الأحاديث ~~الصحيحة، المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه، علمت أن الحق الذي لا شك فيه ~~تحريم ربا الفضل، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه، وجواز الفضل بين ~~الجنسين المختلفين يدا بيد، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقا، وبين ~~التمر والبر، والشعير والملح مطلقا، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس، ~~وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص ~~عليها في الحديث. فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة. ~~والتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين. هما ثمن الأشياء ~~غالبا في جميع أقطار الدنيا، وهو قول مالك والشافعي، والعلة فيهما قاصرة ~~عليهما عندهما، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما ~~موزون جنس، وهو مذهب ms0182 أبي حنيفة، وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة ~~الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار، وقيل وغلبة العيش فلا يمنع ربا ~~الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام ~~المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر، وقيل يشترط مع الاقتيات والادخار ~~غلبة العيش، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر. لأنه أخص أوصاف الأربعة ~~المذكورة ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في ~~بيتين وهما # رباء نسا في النقد حرم ومثله جعام، وإن جنساهما قد تعددا وخص ربا فضل ~~بنقد ومثله طعام الربا، إن جنس كل توحدا # وقد كنت حررت على مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في ~~نظم لي طويل في فروع مالك بقولي # وكل ما يذاق من طعام ربا النسا فيه من الحرام مقتاتا أو مدخرا أو ~~لا اختلف ذاك الطعام جنسه أو ائتلف وإن يكن يطعم للدواء مجردا ~~فامنع ذو انتفاء ولربا الفضل شروط يحرم بها، وبانعدامها ينعدم هي ~~اتحاد الجنس فيما ذكرا مع اقتياته وأن يدخرا وما لحد الادخار مده ~~والتادلى بستة قد حده والخلف في اشتراط كونه اتخذ للعيش عرفا، ~~وبالإسقاط اخذ تظهر فائدته في أربع غلبة العيش بها لم تقع والأربع ~~التي حوى ذا البيت بيض وتين وجراد زيت في البيض والزيت والربا قد ~~انحظر رعيا لكون شرطها لم يعتبر وقد رعى اشتراطها في المختصر في ~~التين وحده ففيه ما حظر ورعى خلف في الجراد باد لذكره الخلاف في الجراد ~~وحبة بحبتين تحرم إذا الربا قليله محرم # ثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي # وقول إن البيض ما فيه الربا إلى ابن شعبان الإمام نسبا # وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم فكل مطعوم يحرم ~~فيه عنده الربا كالأقوات، والإدام، والحلاوات، والفواكه والأدوية. واستدل ~~على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطعام بالطعام مثلا بمثل ms0183 " ~~الحديث. والطعام اسم لكل ما يؤكل قال تعالى # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل # آل عمران 93 الآية وقال تعالى # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا # عبس 24-28 الآية وقال تعالى # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # المائدة 5 والمراد ذبائحهم. وقالت عائشة رضي الله عنها مكثنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء. # " وعن أبي ذر رضي الله عنه في حديثه الطويل، في قصة إسلامه، قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " فمن كان يطعمك؟ " قلت ما كان لي طعام إلا ~~ماء زمزم فسمنت حتى كسرت عكن بطني، قال " إنها مباركة إنها طعام طعم " # رواه مسلم وقال لبيد # لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها # يعني بطعامها الفريسة، قالوا والنبي صلى الله عليه وسلم علق في هذا ~~الحديث الربا على اسم الطعام، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه ~~علته، كالقطع في السرقة في قوله # والسارق والسارقة # المائدة 38 الآية قالوا ولأن الحب ما دام مطعوما يحرم فيه الربا. فإذا ~~زرع وخرج عن أن يكون مطعوما لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار ~~مطعوما حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوما، ولذا كان ~~الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند الشافعية. لأن الله تعالى قال # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني # البقرة 249 ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر، ~~ولقول الشاعر # فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # والنقاخ الماء البارد، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة ~~الطعم فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما. قال مقيده - عفا الله ~~عنه - الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي ~~من نظر، و الله تعالى أعلم. لأن معمرا ms0184 المذكور لما قال قد كنت أسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " الطعام بالطعام مثلا بمثل " # قال عقبة وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم، وهذا صريح ~~في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف ~~المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، وعقده في مراقي السعود بقوله في ~~مبحث المخصص المنفصل عاطفا على ما يخصص العموم # والعرف حيث قارن الخطابا ودع ضمير البعض والأسبابا # وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس، وهو ~~مذهب أبي حنيفة، وعليه يحرم الربا في كل مكيل، ولو غير طعام كالجص ~~والنورة والأشنان. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف ~~النوعان فلا بأس به " # قال العلامة الشوكاني في نيل الأوطار حديث أنس وعبادة أشار إليه في ~~التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقة أبو زرعة وغيره، ~~وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا، ويشهد لصحته حديث عبادة ~~المذكور أولا وغيره من الأحاديث اه منه بلفظه. واستدلوا أيضا بما رواه ~~البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال " أكل تمر خيبر هكذا " ~~قال إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال لا تفعل، ~~بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا، وقال في الميزان مثل ذلك، ~~ووجه الدلالة منه، أن قوله في الميزان، يعني في الموزون. لأن نفس الميزان ~~ليست من أموال الربا، واستدلوا أيضا بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه ~~الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، ~~والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا " # ثم قال # " وكذلك ما يكال أو يوزن أيضا ms0185 " # وأجيب من جهة المانعين، بأن حديث الدارقطني لم يثبت، وكذلك حديث الحاكم، ~~وقد بينا سابقا ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور، وقد ذكرنا آنفا ~~كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضا وأنه يشهد لصحته ~~حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو ~~زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقال فيه ابن حجر في التقريب صدوق سيء الحفظ، ~~وكان عابدا مجاهدا، ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور، هو ما أخرجه ~~عنه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود. أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح ~~بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم " # اه فإن قوله صلى الله عليه وسلم # " سواء بسواء، مثلا بمثل " # يدل على الضبط بالكيل والوزن، وهذا القول أظهرها دليلا. وأجابوا عن ~~حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة الأول جواب البيهقي قال وقد قيل ~~إن قوله وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه. الثاني جواب ~~القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد لأن الميزان نفسه لا ~~ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح، الثالث ~~حمل الموزون على الذهب والفضة جمعا بين الأدلة والظاهر أن هذه الإجابات ~~لا تنهض. لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر، وقصد ما يوزن بقوله وكذلك ~~الميزان لا لبس فيه، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر ~~والله تعالى أعلم. وفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن ~~الأئمة الأربعة ومن وافقهم الأول مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم أنه لا ربا ~~أصلا في غير الستة، ويروى هذا القول عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة ~~وعثمان البتي. الثاني مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة ~~فيها كونها منتفعا بها، حكاه عنه القاضي حسين. الثالث مذهب ابن سيرين. ~~وأبي بكر الآودني من الشافعية أن العلة الجنسية. فيحرم الربا في كل ms0186 شيء ~~بيع بجنسه كالتراب متفاضلا والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين. الرابع ~~مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته ~~دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ~~ديناران. الخامس مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس فحرم ~~التفاضل في الحنطة بالشعير والباقلي بالحمص، والدخن بالذرة مثلا. السادس ~~مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة. فحرم ~~الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة كالمواشي، والزرع وغيرها. السابع مذهب ~~سعيد بن المسيب وقول الشافعي في القديم إن العلة كونه مطعوما يكال أو ~~يوزن ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب، أو يؤكل ولا يكال ولا ~~يوزن، كالسفرجل والبطيخ وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة فيها ~~خوف الإطالة المملة. فروع الفرع الأول الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة، ~~فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل. ودليل ذلك ما أخرجه مسلم والنسائي ~~عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر - ~~لا يعلم كيلها - بالكيل المسمى من التمر. الفرع الثاني لا يجوز التراخي ~~في قبض ما يحرم فيه ربا النساء، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من ~~حديث مالك بن أوس رضي الله عنه. قال أقبلت أقول من يصطرف الدراهم، فقال ~~طلحة أرنا الذهب حتى يأتي الخازن ثم تعال فخذ ورقك، فقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه، أو لتنقدنه ورقه، ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " الذهب بالورق ربا إلا ها وها، والبر بالبر ربا إلا ها وها، والشعير ~~بالشعير ربا إلا ها وها، والتمر بالتمر ربا إلا ها وها ". # الفرع الثالث لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب، ومع أحدهما شيء ~~آخر. ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر عن ابن وهب من حديث ~~فضالة بن عبيد الأنصاري قال أتي رسول الله ms0187 صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر ~~بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الذهب بالذهب وزنا بوزن ". # وروى مسلم نحوه أيضا عن أبي بكر بن شيبة وقتيبة بن سعيد من حديث فضالة ~~بن عبيد - رضي الله عنه - ونحوه. أخرجه النسائي، وأبو داود والترمذي ~~وصححه. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر ~~صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه الحديث. قال في التلخيص ~~له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، ~~وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر ~~دينارا، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي ~~عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة. قال الحافظ والجواب ~~المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا بل المقصود من الاستدلال ~~محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها ~~فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب. وحينئذ ينبغي ~~الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقاة فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم ~~فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وبعض هذه الروايات التي ذكرها ~~الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود اه منه بلفظه. وقد قدمنا بعض ~~روايات مسلم. الفرع الرابع لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه ~~بأكثر من وزنه، ودليل ذلك ما صح عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة والذهب ~~بالذهب إلا مثلا بمثل، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى. وقد أخرج البيهقي ~~في السنن الكبرى عن مجاهد أنه قال كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه ~~صائغ فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر ~~من ms0188 وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، ~~فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله بن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب ~~المسجد أو إلى دابته يريد أن يركبها. # ثم قال عبد الله بن عمر الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ~~هذا عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم. ثم قال البيهقي ~~وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فنهاه أبو ~~الدرداء وما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النهي عن ذلك. روى ~~البيهقي أيضا عن أبي رافع أنه قال قلت لعمر بن الخطاب إني أصوغ الذهب ~~فأبيعه بوزنه وآخذ لعمالة يدي أجرا قال لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا ~~بوزن ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن ولا تأخذ فضلا اه منه. وما ذكره ~~البيهقي - رحمه الله - أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية هو ~~قوله أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما قالوا ~~حدثنا أبو العباس الأصم أنا الربيع، أنبأنا الشافعي أنا مالك. وأخبرنا ~~علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق ~~حدثنا عبد الله يعني القعني عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن ~~معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له ~~أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا ~~مثلا بمثل. فقال معاوية ما أرى بهذا بأسا. فقال له أبو الدرداء من ~~يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ~~لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فذكر له ذلك. فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل ~~ووزنا بوزن، ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على ~~عمر ms0189 وقد ذكره الشافعي في رواية المزني اه منه بلفظه. ونحو هذا أخرجه ~~مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه من رواية أبي ~~الأشعث قال غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما ~~غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع ~~الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال إني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر ~~والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، ~~فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام ~~خطيبا فقال ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد ~~القصة ثم قال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره ~~معاوية، أو قال وإن رغم ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء. # قال حماد هذا أو نحوه اه. هذا لفظ مسلم في صحيحه وهذه النصوص الصحيحة ~~تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح ~~المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا. وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك ~~فيه. وأجاز مالك بن أنس رحمه الله تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقدا ~~وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حليا قدر وزن النقد بدون الأجرة. لضرورة السفر ~~كما أشار إليه خليل بن إسحاق في مختصره بقوله بخلاف تبر يعطيه المسافر ~~وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر من نصوص ~~السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز. لضرورة السفر كما استظهر عدم جوازه ابن ~~رشد، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر والأظهر خلافه يعني ولو اشتدت ~~الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة، كما قرره شراح المختصر. الفرع الخامس ~~اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين ~~نظرا إلى ms0190 أنها سند، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها فيمنع بيعها ~~بالفضة ولو يدا بيد مثلا بمثل، ويمنع بيعها بالذهب أيضا ولو يدا بيد. ~~لأنه صرف ذهب موجود أو فضة موجودة بفضة غائبة، وإنما الموجود سند بها فقط ~~فيمنع فيها لعدم المناجزة. بسبب عدم حضور أحد النقدين أو لا يمنع فيها ~~شيء من ذلك. نظرا إلى أنها بمثابة عروض التجارة فذهب كثير من المتاخرين ~~إلى أنها كعروض التجارة، فيجوز الفضل والنساء بينها وبين الفضة والذهب ~~وممن أفتى بأنها كعروض التجارة العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل، ~~وشرح مختصر خليل، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية. ~~قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنها ليست ~~كعروض التجارة، وأنها سند بفضة وأن المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن ~~قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو ~~يدا بيد. لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها. لأنها ليست ~~متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلا. فإن قيل لا فرق بين الأوراق وبين فلوس ~~الحديد. لأن كلا منهما ليس متمولا في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله ~~له السلطان من المعاملة فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أنا إذا حققنا أن ~~الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلا، وأن حقيقتها سند بفضة، فما ~~المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد، والنصوص صريحة في منعه بين ~~النقدين، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها بل مذهب مالك أن ~~فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ~~ممنوع عندهم. # وما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس ~~الحديد، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع ~~الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # الحديد 25 فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من ~~الحديد من الأشياء ms0191 المنتفع بها، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها ~~لا منفعة فيها أصلا، لما قالوا بالجواز لأن ما هو سند لا شك أن المبيع ~~فيه ما هو سند به لا نفس السند. ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع ~~في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح وغيره أنه الرزق المكتوب فيها لا ~~نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق. الثاني أن هناك فرقا ~~بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري ~~قديما وحديثا إلا في المحقرات فلا يشترى بها شيء له بال بخلاف الأوراق، ~~فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس. الثالث أنا لو فرضنا أن كلا من ~~الأمرين محتمل فالنبي يقول # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # ويقول # " فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " # ويقول # " والإثم ما حاك في النفس " # الحديث وقال الناظم # وذو احتياط في أمور الدين من فرض شك إلى يقين # وقد قدمنا مرارا أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة. لأن ~~ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح الله تعالى ~~بأن مرتكبه محارب الله. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه. ومن ~~أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه كما إذا كان البيع ظاهره الحلية، ~~ولكنه يمكن أن يكون مقصودا به التوصل إلى الربا الحرام، عن طريق الصورة ~~المباحة في الظاهر كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة ~~بعينها بثمن أقل من الأول نقدا، أو لأقرب من الأجل الأول، أو بأكثر ~~لأبعد فظاهر العقدين الإباحة. لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما ~~وهذا لا مانع منه، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ ~~دراهم أكثر منها لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة ~~فيؤول الأمر إلى أنه دفع دراهم وأخذ أكثر منها لأجل، وهو عين الربا ~~الحرام ومثل هذا ممنوع عند مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، ms0192 وأبي حنيفة ~~والحسن بن صالح، وروي عن الشعبي والحكم وحماد كما في الاستذكار وأجازه ~~الشافعي. # واستدل المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك ~~على زيد بن أرقم، وقالت أبلغي زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن لم يتب. وقال الشافعي إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة، ~~وإذا اختلف صحابيان في شيء رجحنا منهما من يوافقه القياس والقياس هنا ~~موافق لزيد. لأنهما عقدان كل منهما صحيح في نفسه. وقال الشافعي أيضا لو ~~كان هذا ثابتا عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء. لأنه أجل غير ~~معلوم والبيع إليه لا يجوز. واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن ~~عائشة، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى ~~العطاء والله تعالى أعلم. وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة ~~رأيها، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~البيع الذي ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة ويسميه ~~المالكية بيوع الآجال، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي # بيوع الآجال إذا كان الأجل أو ثمن كأخويهما تحل وإن يك الثمن غير ~~الأول وخالف الأجل وقت الأجل فانظر إلى السابق بالإعطاء هل عاد له ~~أكثر أو عاد أقل فإن يكن أكثر مما دفعه فإن ذاك سلف بمنفعة وإن يكن ~~كشيئه أو قلا عن شيئه المدفوع قبل حلا # قوله تعالى { ويربي الصدقات } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة ~~أنه تعالى يربي الصدقات وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، ~~وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه الله تعالى وهو قوله تعالى # ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون # الروم 39. ### || [2.282-283] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه }. ظاهر هذه الآية ~~الكريمة أن كتابة الدين واجبة. لأن الأمر من الله يدل على الوجوب - ولكنه ~~أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله { وإن كنتم على ms0193 سفر ~~ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } البقرة 283 لأن ~~الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت ~~الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله { فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ~~البقرة 283 فالتحقيق أن الأمر في قوله { فاكتبوه } البقرة 282 للندب ~~والإرشاد. لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا، فالندب إلى الكتابة فيه ~~إنما هو على جهة الحيطة للناس قاله القرطبي. وقال بعضهم إن أشهدت فحزم، ~~وإن ائتمنت ففي حل وسعة ابن عطية، وهذا القول هو الصحيح قاله القرطبي ~~أيضا. وقال الشعبي كانوا يرون أن قوله { فإن أمن } البقرة 283 ~~الآية ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن ~~أبي سعيد الخدري وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه الله ~~تعالى بقوله { فإن أمن بعضكم بعضا } البقرة 283 وتمسك جماعة ~~بظاهر الأمر في قوله { فاكتبوه } البقرة 282 فقالوا إن كتب الدين ~~واجب فرض بهذه الآية بيعا كان أو فرضا. لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو ~~اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره. وقال ابن جريج من أدان فليكتب ومن باع ~~فليشهد اه من القرطبي وسيأتي له زيادة بيان إن شاء الله قريبا. تنبيه ~~أخذ بعض العلماء من قوله تعالى { وإن كنتم على سفر } البقرة ~~283 الآية. أن الرهن لا يكون مشروعا إلا في السفر كما قاله مجاهد ~~والضحاك وداود والتحقيق جوازه في الحضر. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ~~أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من ~~شعير. وفي الصحيحين أنها درع من حديد. وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ~~ماجه عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ ~~منه شعيرا لأهله. ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مثل حديث عائشة ~~فدل الحديث الصحيح على أن قوله { وإن كنتم على سفر } البقرة ~~283 لا مفهوم مخالفة له. لأنه جرى على المر الغالب، إذ ms0194 الغالب أن الكاتب ~~لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالبا في السفر، والجري على الغالب من ~~موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما ذكرناه في هذا الكتاب مرارا والعلم عند ~~الله تعالى. قوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم }. ظاهر هذا ~~الأمر الوجوب أيضا فيجب على من باع أن يشهد وبهذا قال أبو موسى الأشعري ~~وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي ~~وابنه أبو بكر وعطاء وإبراهيم قاله القرطبي وانتصر له ابن جرير الطبري ~~غاية الانتصار وصرح بأن من لم يشهد مخالف لكتاب الله وجمهور العلماء على ~~أن الإشهاد على المبايعة وكتابة الدين أمر مندوب إليه لا واجب ويدل لذلك ~~قوله تعالى { فإن أمن بعضكم بعضا } الآية. # وقال ابن العربي المالكي إن هذا قول الكافة قال وهو الصحيح ولم يحك عن ~~أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكتب قال ونسخة كتابه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء بن ~~خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبدا أو ~~أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم. وقد باع ولم يشهد ~~واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب ~~مع الرهن لخوف المنازعة اه. قال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ~~ما نصه قلت وقد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك وحديث العداء هذا أخرجه ~~الدارقطني وأبو داود وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل قاتلنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا. ثم ~~أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا. وقال في آخره قال ~~الأصمعي سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال الإباق والسرقة والزنا ~~وسألته عن الخبثة فقال بيع أهل عهد المسلمين. وقال الإمام أبو محمد بن ~~عطية والوجوب في ذلك قلق أما في الوثائق فصعب شاق وأما ما كثر فربما يقصد ~~التاجر الاستئلاف بترك ms0195 الإشهاد. وقد يكون عادة في بعض البلاد. وقد يستحي ~~من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في الائتمان ~~ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر ~~يمنع منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا { ~~وأشهدوا إذا تبايعتم } البقرة 282 منسوخ بقوله { فإن ~~أمن بعضكم بعضا } البقرة 283 وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري ~~وأنه تلا { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه } البقرة 282 إلى قوله { فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ~~البقرة 283 قال نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس وهذا قول الحسن ~~والحكم وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري وهذا لا معنى له. لأن هذا حكم غير ~~الأول وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا. قال الله عز وجل { وإن كنتم ~~على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن ~~أمن بعضكم بعضا } البقرة 283 أي فلم يطالبه برهن - { ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته } البقرة 283 قال ولو جاز أن ~~يكون هذا ناسخا للأول، لجاز أن يكون قوله عز وجل # وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد ~~منكم من الغآئط # النساء 43 الآية. ناسخا لقوله عز وجل # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة6 الآية. ولجاز أن يكون قوله عز وجل # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين # النساء92 ناسخا لقوله عز وجل # فتحرير رقبة # النساء 92. وقال بعض العلماء إن قوله تعالى { فإن أمن بعضكم ~~بعضا } البقرة 283 لم يتبين بآخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على ~~الأمر بالإشهاد بل وردا معا ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا ~~جميعا في حالة واحدة، قال وقد روي عن ابن عباس أنه قال لما قيل له إن ~~آية الدين منسوخة قال لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال ~~والإشهاد إنما جعل للطمأنينة وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا ~~منها الكتاب ومنها الرهن ومنها الإشهاد ms0196 ولا خلاف بين علماء الأمصار أن ~~الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، ~~وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا وبرا وبحرا وسهلا وجبلا من غير ~~إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير. ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير ~~على تاركه، قلت هذا كله استدلال حسن وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ~~ترك الإشهاد وهو ما أخرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي ~~الله عنه قال أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من ~~المدينة ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان ~~أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال من أين القوم؟ فقلنا من الربذة وجنوب ~~الربذة قال ومعنا جمل أحمر فقال تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا نعم قال بكم؟ ~~قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر. قال فما استوضعنا شيئا وقال قد أخذته، ثم ~~أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا أعطيتم ~~جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ~~ليخفركم. ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه فلما كان ~~العشاء أتانا رجل، فقال السلام عليكم أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال ~~فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن ~~خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي الحديث. وفيه فطفق الأعرابي ~~يقول هلم شاهدا يشهد أني بعتك قال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك بعته، ~~فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال بم تشهد؟ قال بتصديقك ~~يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهادة خزيمة بشهادة رجلين. # أخرجه النسائي، وغيره اه من القرطبي بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه ~~- وفميا نقلنا ms0197 الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما لا ~~فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره، ولم يبين الله تعالى في هذه الآية ~~أعني قوله جلا وعلا { وأشهدوا إذا تبايعتم } البقرة 282 ~~وقوله # وأشهدوا ذوى عدل منكم # الطلاق 2. وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في ~~غير هذا الموضع. ### || [2.286] # قوله تعالى { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ~~}. لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا؟ وأشار إلى أنه أجابه بقوله في ~~الخطأ # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به # الأحزاب 5 الآية. وأشار إلى أنه اجابه في النسيان بقوله # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # الأنعام 68 فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك ولا يقدح في ~~هذا أن آية { { وإما ينسينك الشيطان } مكية وآية { لا ~~تؤاخذنا إن نسينآ } مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي ~~كعكسه. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } قال الله ~~تعالى نعم. قوله تعالى { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا ~~كما حملته على الذين من قبلنا }. لم يبين هنا هل أجاب ~~دعاءهم هذا أو لا؟ ولم يبين الإصر الذي كان محمولا على من قبلنا، وبين ~~أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # الأعراف 157 وقوله # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # البقرة 286 وقوله # وما جعل عليكم في الدين من حرج # الحج 78 وقوله # يريد الله بكم اليسر # البقرة 185 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل ~~على من قبلنا بقوله # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم # البقرة 54. لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر، والإصر ~~الثقل في التكليف ومنه قول النابغة # يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.7] # قوله تعالى { وما يعلم ms0198 تأويله إلا الله }. يحتمل أن ~~المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن ~~المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن ~~من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في ~~القرآن. يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد. لأن الحمل على الأغلب ~~أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق ~~التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله # هذا تأويل رؤياي من قبل # يوسف 100 وقوله # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله # الأعراف 53 الآية. وقوله # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله # يونس 39 وقوله # ذلك خير وأحسن تأويلا # النساء 59 إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري وأصل التأويل من ~~آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه ورجع يؤول أولا، وأولته أنا صيرته إليه، ~~وقال وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى # على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا # قال ويعني بقوله تأول حبها مصير حبها، ومرجعه وإنما يريد بذلك أن حبها ~~كان صغيرا في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار ~~قديما كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيرا مثل أمه. ~~قال وقد ينشد هذا البيت # على أنها كانت توابع حبها توالي ربعي السقاب فأصحبا اه # وعليه فلا شاهد فيه، والربعي السقب. الذي ولد في أول النتاج ومعنى أصحب ~~انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرئ القيس # ولست بذي رثية إمر إذا قيد مستكرها أصحبا # والرثية وجع المفاصل. والإمر بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء ~~هو الذي يأتمر لكل أحد. لضعفه وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب ~~اللسان # ولكنها كانت نوى أجنبية توالى ربعي السقاب فأصحبا # وأطالا في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضا. تنبيه اعلم أن التأويل يطلق ~~ثلاثة إطلاقات الأول هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، ~~وهذا ms0199 هو معناه في القرآن. الثاني يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا ~~المعنى # " قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس " اللهم فقهه في الدين، وعلمه ~~التأويل " # وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل قوله تعالى كذا أي ~~تفسيره وبيانه. وقول عائشة الثابت في الصحيح " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده # " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي " # يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به، والله تعالى أعلم. الثالث هو معناه ~~المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى ~~محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسالة التأويل عند أهل ~~الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح الأولى أن ~~يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو ~~التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله صلى الله ~~عليه وسلم الثابت في الصحيح # " الجار أحق بصقبه " # فإن ظاهره المبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في هذا الحديث على ~~خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه الحديث ~~الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة. الحالة ~~الثانية أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلا وليس بدليل ~~في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ~~ومثل له الشافعية، والمالكية، و الحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة - رحمه ~~الله - المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها، فنكاحها باطل، باطل " على المكاتبة، والصغيرة، وحمله أيضا - رحمه ~~الله - المسكين في قوله # ستين مسكينا # المجادلة 4 على المد، فأجاز إعطاء ستين مدا لمسكين واحد. الحالة ~~الثالثة أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلا، وهذا يسمى في اصطلاح ~~الأصوليين لعبا، كقول بعض الشيعة. # إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة # البقرة 67 يعني عائشة رضي الله عنها، وأشار في مراقي السعود إلى حد ~~التأويل، وبيان ms0200 الأقسام الثلاثة بقوله معرفا للتاويل # حمل لظاهر على المرجوح واقسمه للفاسد والصحيح صحيحه وهو القريب ما ~~حمل مع قوة الدليل عند المستدل وغيره الفاسد والبعيد وما خلا فلعبا ~~يفيد # إلى أن قال # فجعل مسكين بمعنى المد عليه لائح سمات البعد كحمل مرأة على الصغيره ~~وما ينافي الحرة الكبيره وحمل ما ورد في الصيام على القضاء مع ~~الالتزام # أما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره، فهو ~~عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك - رحمه الله - وأشار له ~~في المراقي بقوله # والخلف في فهم الكتاب صير إياه تأويلا لدى المختصر # والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية المدونة قوله تعالى { والراسخون ~~في العلم يقولون آمنا به } آل عمران 7 الآية. لا يخفى أن ~~هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله { والراسخون في العلم ~~} مبتدأ، وخبره يقولون، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده، ~~والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله ~~{ والراسخون } معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم ~~تأويله الراسخون في العلم أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو ~~استئنافية لا عاطفة، قال ابن قدامة في روضة الناظر ما نصه ولأن في الآية ~~قرائن تدل على أن الله سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح ~~عند قوله تعالى # وما يعلم تأويله إلا الله # آل عمران 7 لفظا ومعنى أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال ~~ويقولون آمنا به بالواو أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك ~~للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما. ولأن قولهم آمنا به، ~~يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه سيما إذا تبعوه بقولهم ~~كل من عند ربنا، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه ~~صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم. ولأن لفظة أما لتفصيل الجمل فذكره ~~لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء ~~تأويله يدل على قسم آخر يخالفهم ms0201 في هذه الصفة، وهم الراسخون. ولو كانوا ~~يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه ~~غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اه من الروضة ~~بلفظه. ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في ~~القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له ~~في ذلك الإثبات شريك كقوله # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65 وقوله # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # الأعراف 187. وقوله # كل شيء هالك إلا وجهه # القصص 88. فالمطابق لذلك أن يكون قوله { وما يعلم تأويله ~~إلا الله } آل عمران 7 معناه أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله ~~الخطابي وقال لو كانت الواو في قوله { والراسخون } آل عمران 7 ~~للنسق لم يكن لقوله # كل من عند ربنا # آل عمران 7 فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله { إلا الله } وأن ~~قوله { والراسخون } ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة ~~القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة، و عروة بن ~~الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب، نقله عنهم القرطبي ~~وغيره ونقله ابن جرير عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي ~~والأخفش والفراء وأبي عبيد. وقال أبو نهيك الأسدي إنكم تصلون هذه الآية ~~وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ~~ربنا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس وبه قال مجاهد ~~والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر ~~لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف ~~قول الشاعر # الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامة # فيحتمل أن يكون البرق مبتدأ والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعا ~~مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على ~~التأويل الثاني أي لامعا. # واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن ms0202 الله سبحانه وتعالى مدحهم بالرسوخ ~~في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال. قال القرطبي قال شيخنا أبو العباس ~~أحمد بن عمرو هذا القول هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون ~~أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء ~~هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه. قال مقيده ~~- عفا الله عنه - يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم ~~هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم ويقولون فيما لم يقفوا على ~~علم حقيقته من كلام الله جل وعلا { آمنا به كل من عند ~~ربنا } آل عمران 7 بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة ~~الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. ~~وقال بعض العلماء والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا ~~معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم علمه التأويل " # أي التفسير وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم ~~يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. والذين قالوا هي ~~استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه ~~إلا الله، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران الأول قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما " التفسير على أربعة أنحاء تفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير ~~تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ~~". فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير ~~لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر. وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور. الثاني ~~أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله إذ لم يقم ~~دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من ~~لغة العرب. فالجزم بأن معناها كذا على التعيين ms0203 تحكم بلا دليل. تنبيهان ~~الأول اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل ~~من ثلاث جهات الأولى أنها حال من المعطوف وهو الراسخون، دون المعطوف عليه ~~وهو لفظ الجلالة. و المعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معا ~~كقولك جاء زيد وعمرو راكبين. وقوله تعالى # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين # إبراهيم 33. وهذا الإشكال ساقط. لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون ~~المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى # وجآء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22 فقوله صفا حال من المعطوف وهو الملك، دون المعطوف عليه وهو ~~لفظة ربك. # وقوله تعالى # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا # الحشر 10 الآية. فجملة يقولون حال من واو الفاعل في قوله الذين جاءوا، ~~وهو معطوف على قوله # للفقرآء المهاجرين # الحشر 8 وقوله # والذين تبوءوا الدار والإيمان # الحشر 9 فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بينه ابن كثير وغيره. ~~الجهة الثانية من جهات الإشكال المذكور هي ما ذكره القرطبي عن الخطابي ~~قال عنه واحتج له بعض أهل اللغة، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه ~~قائلين آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ~~ينكرونه ويستبعدونه. لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ولا تذكر ~~حالا إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال. ولو جاز ذلك ~~لجاز أن يقال عبد الله راكبا يعني أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك ~~مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا له ~~كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب # أرسلت فيها قطما لكالكا يقصر يمشي ويطول باركا # أي يقصر ماشيا، وهذا الإشكال أيضا ساقط. لأن الفعل العامل في الحال ~~المذكورة غير مضمر. لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون ~~المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره وهو واضح. الجهة ~~الثالثة من جهات الإشكال المذكورة هي أن المعروف في اللغة العربية أن ms0204 ~~الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم ~~بهذه الحال التي هي يقولون آمنا. إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله ~~بقولهم آمنا به. لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون ~~تأويله وهو باطل، وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة ~~يقولون على القول بالعطف. التنبيه الثاني إذا كانت جملة يقولون لا يصح أن ~~تكون حالا لما ذكرنا فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟ الجواب ~~والله تعالى أعلم أنها معطوفة بحرف محذوف والعطف بالحرف المحذوف، أجازه ~~ابن مالك وجماعة من علماء العربية. والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصا ~~بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في ~~القرآن، وفي كلام العرب. فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى # وجوه يومئذ ناعمة # الغاشية 8 الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى # وجوه يومئذ خاشعة # الغاشية 2 بالحرف المحذوف الذي هو الواو ويدل له إثبات الواو في نظيره ~~في قوله تعالى في سورة القيامة # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه ~~يومئذ باسرة # القيامة 22-24 الآية. وقوله تعالى في عبس # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة # عبس 38-40 الآية. وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت # التوبة 92 الآية. قال يعني وقلت بالعطف بواو محذوفة وهو أحد احتمالات ~~ذكرها ابن هشام في المغني، وجعل بعضهم منه # إن الدين عند الله الإسلام # آل عمران 19 على قراءة فتح همزة إن قال هو معطوف بحرف محذوف على قوله # شهد الله أنه لا إله إلا هو # آل عمران 18 أي وشهد أن الدين عند الله الإسلام وهو أحد احتمالات ذكرها ~~صاحب المغني أيضا ومنه حديث # " تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره " # يعني ومن درهمه ومن صاع إلخ. حكاه الأشموني وغيره، والحديث المذكور ~~أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن ومن شواهد حذف حرف العطف قول ms0205 ~~الشاعر # كيف أصبحت كيف أمسيت مما يغرس الود في فؤاد الكريم # يعني وكيف أمسيت وقول الحطيئة # إن امرأ رهطه بالشام منزله برمل يبرين جار شد ما اغتربا # أي ومنزله برمل يبرين. وقيل الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة وعليه ~~فلا شاهد في البيت، وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور ~~خلافا لابن جني والسهيلي. ولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله ~~كحقيقة الروح. لأن الله تعالى يقول # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # الإسراء 85 الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو ~~بقوله # وعنده مفاتح الغيب # الأنعام 59 الآية. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنها الخمس ~~المذكورة في قوله تعالى # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث # لقمان 34 الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور وكنعيم الجنة لقوله ~~تعالى # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # السجدة 17 الآية. وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم كقوله ~~تعالى # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # الحجر 92-93 وقوله # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # الأعراف 6 مع قوله # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # الرحمن 39 وقوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # القصص 78 وكقوله # وروح منه # النساء 171 والرسوخ الثبوت. ومنه قول الشاعر # لقد رسخت في القلب مني مودة لليلى أبت آياتها أن تغيرا ### || [3.10] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم شيئا، وذكر أنهم وقود النار أي حطبها الذي تتقد فيه، ولم ~~يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وبين ~~في مواضع أخر أنهم ادعوا ذلك ظنا منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد ~~في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا ~~يستحقون فيها ذلك أيضا فكذبهم في آيات كثيرة فمن الآيات الدالة على أنهم ~~ادعوا ذلك قوله تعالى # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ ms0206 35 وقوله # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # مريم 77 يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا وقوله # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50 أي بدليل ما أعطاني في الدنيا وقوله # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # الكهف 36 قياسا منه للآخرة على الدنيا ورد الله عليهم هذه الدعوى في ~~آيات كثيرة كقوله هنا { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم } الآية. وقوله # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # المؤمنون 55-56 وقوله # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # سبأ 37 وقوله # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # آل عمران 178 وقوله # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين # الأعراف 182-183 إلى غير ذلك من الآيات. وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود ~~النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون # آل عمران 116. ### || [3.11] # قوله تعالى { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم }. لم يبين ~~هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم الله بها. وبين في ~~مواضع أخر أن منهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وأن ~~ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي، ~~كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان، ~~وغير ذلك كما جاء مفصلا في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون # العنكبوت 14 ونحوها من الآيات وكقوله في قوم هود # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # الذاريات 41 الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم صالح # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # هود 67 الآية ونحوها من الآيات وكقوله في ms0207 قوم لوط # فجعلنا عاليها سافلها # الحجر 74 الآية ونحوها من الآيات وكقوله في قوم شعيب # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان ~~عذاب يوم عظيم # الشعراء 189 ونحوها من الآيات. ### || [3.13] # قوله تعالى { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } ~~الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي علامة على صحة دين ~~الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به ~~الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به. وصرح في موضع آخر أن وقعة بدر ~~بينة أي لا لبس في الحق معها وذلك في قوله # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # الأنفال 42. وصرح أيضا بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو ~~قوله # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # الأنفال 41 الآية. ### || [3.14] # قوله تعالى { والخيل المسومة والأنعام والحرث }. ~~لم يبين هنا كم يدخل تحت لفظ الأنعام من الأصناف. ولكنه قد بين في مواضع ~~أخر أنها ثمانية أصناف هي الجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة ~~والتيس والعنز كقوله تعالى # ومن الأنعام حمولة وفرشا # الأنعام 142 ثم بين الأنعام بقوله # ثمانية أزواج من الضأن اثنين # الأنعام 143 يعني الكبش والنعجة # ومن المعز اثنين # الأنعام43 يعني التيس والعنز إلى قوله # ومن الإبل اثنين # الأنعام 144 يعني الجمل والناقة # ومن البقر اثنين # الأنعام144 يعني الثور والبقرة وهذه الثمانية هي المرادة بقوله # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # الزمر 6 وهي المشار إليها بقوله # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا # الشورى 11 الآية. تنبيه ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " من حمر النعم " # يعني الإبل وقول حسان رضي الله عنه # وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء # أي إبل وشاء. ### || [3.31] # قوله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله } الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن اتباع ~~نبيه موجب لمحبته جلا وعلا ذلك المتبع، ms0208 وذلك يدل على أن طاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 وقال تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7. تنبيه يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم هي اتباعه صلى الله عليه وسلم، فالذي يخالفه ~~ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر. إذ لو كان محبا له لأطاعه، ومن المعلوم ~~عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر # لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع # وقول ابن أبي ربيعة المخزومي # ومن لو نهاني من حبه عن الماء عطشان لم أشرب # وقد أجاد من قال # قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان ~~رهن الموت من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد ### || [3.40] # قوله تعالى { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني ~~الكبر }. لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة ~~مريم أنه بلغ من الكبر عتيا. وذلك في قوله تعالى عنه # وقد بلغت من الكبر عتيا # مريم 8 والعتي اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر. وقال ابن ~~جرير في تفسيره وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد أو كفر فهو عات ~~وعاس قوله تعالى عن زكريا { وامرأتي عاقر } آل عمران 40 لم يبين ~~هنا هل كانت كذلك أيام شبابها، ولكنه بين في سورة مريم أنها كانت كذلك ~~قبل كبرها بقوله عنه. # وكانت امرأتي عاقرا # مريم 8 الآية. ### || [3.41] # قوله تعالى { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ~~أيام إلا رمزا }. لم يبين هل المانع له من كلام الناس بكم ~~طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك. أو لا مانع له إلا الله وهو صحيح لا علة ~~له. ولكنه بين في سورة مريم، أنه لا بأس عليه. وأن انتفاء التكلم عنه لا ~~لبكم، ms0209 ولا مرض وذلك في قوله تعالى # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا # مريم 10. لأن قوله سويا حال من فاعل تكلم مفيد لكون انتفاء التكلم ~~بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي يتعذر عليك ~~تكليمهم ولا تطيقه، في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم ~~ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى { واذكر ربك ~~كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } آل عمران 41. وعن ابن ~~عباس " أن سويا عائد إلى الليالي " أي كاملات مستويات، فيكون صفة ~~الثلاث، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران. ### || [3.45] # قوله تعالى { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه } الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة التي ~~أطلقت على عيسى. لأنها هي السبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ~~ولكنه بين في موضع آخر. أنها لفظة كن وذلك في قوله # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن # آل عمران 59 وقيل الكلمة بشارة الملائكة لها بأنها ستلده واختاره ابن ~~جرير، والأول قول الجمهور. ### || [3.46] # قوله تعالى { ويكلم الناس في المهد }. لم يبين هنا ما ~~كلمهم به في المهد. ولكنه بينه في سورة مريم بقوله # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا # مريم 29-33. ### || [3.47] # قوله تعالى { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم ~~يمسسني بشر } الآية. أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى ~~وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا # مريم 16-17. إلى آخر القصة وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، ~~معبرا في التحريم بالنفخ في فرجها، وفي الأنبياء بالنفخ فيها. ### || [3.52] # قوله تعالى { فلمآ أحس عيسى ms0210 منهم الكفر قال من ~~أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله } الآية. لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه ~~بين في سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في نصرة الله ودينه، وذلك في قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله # الصف 14 الآية. ### || [3.54] # لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع ~~آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله # النساء 157 وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى ~~عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # النساء 157، وقوله # وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه # النساء 157-158 الآية. ### || [3.55] # قوله تعالى { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك }. قال ~~بعض العلماء أي منيمك ورافعك إلي أي في تلك النومة ويستأنس لهذا التفسير ~~بالآيات التي جاء فيها إطلاق الوفاة على النوم كقوله # وهو الذي يتوفاكم بالليل # الأنعام 60 الآية. وقوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # الزمر 42. ### || [3.65] # قوله تعالى { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم } ~~الآية. لم يبين هنا ما وجه محاجتهم في إبراهيم. ولكنه بين في موضع آخر ~~أن محاجتهم في إبراهيم هي قول اليهود إنه يهودي، والنصارى إنه نصراني ~~وذلك في قوله # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ~~أأنتم أعلم أم الله # البقرة 140 وأشار إلى ذلك هنا بقوله # والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا # آل عمران 66-67 الآية. ### || [3.90] # قوله تعالى { ن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم } الآية. قال بعض ~~العلماء يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، وهذا ~~التفسير يشهد ms0211 له قوله تعالى # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار # النساء 18 وقد تقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد ~~الحكم والسبب كما هنا. وقال بعض العلماء معنى. لن تقبل توبتهم لن يوفقوا ~~للتوبة حتى تقبل منهم ويشهد له قوله تعالى # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا # النساء 137 فعدم غفرانه لهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يغفر لصاحبه ~~ونظيرها قوله تعالى # لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ~~إلا طريق جهنم # النساء 168-169. ### || [3.91] # قوله تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } الآية. صرح ~~في هذه الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة لا يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به. وصرح في مواضع أخر أنه لو زيد بمثله لا يقبل منه ~~أيضا كقوله # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم # المائدة 36 وبين في مواضع أخر، أنه لا يقبل فداء في ذلك اليوم منهم ~~بتاتا كقوله # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا # الحديد 15 وقوله # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ # الأنعام 70 وقوله # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # البقرة 123 والعدل الفداء. ### || [3.97] # قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين }. ~~صرح في هذه الآية، أنه غني عن خلقه، وأن كفر من كفر منهم لا يضره شيئا، ~~وبين هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله عن نبيه موسى # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # إبراهيم 8 وقوله # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر # الزمر 7 وقوله # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # التغابن 6 وقوله # قالوا اتخذ ms0212 الله ولدا سبحانه هو الغني # يونس 68 إلى غير ذلك من الآيات، فالله تبارك وتعالى يأمر الخلق وينهاهم. ~~لا لأنه تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم، بل نفع طاعتهم لهم وضرر معصيتهم ~~عليهم، كما قال تعالى # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # الإسراء 7 وقال # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # فصلت 46 وقال # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # فاطر 15. وثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ~~يرويه عن ربه أنه قال # " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا " # الحديث. تنبيه قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين } آل عمران 97 بعد قوله { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا } آل عمران 97 يدل على أن ~~من لم يحج كافر والله غني عنه. وفي المراد يقوله { ومن كفر } أوجه ~~للعلماء. الأول أن المراد بقوله { ومن كفر } أي ومن جحد فريضة الحج، ~~فقد كفر والله غني عنه، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، قاله ابن ~~كثير. ويدل لهذا الوجه ما روي عن عكرمة ومجاهد من أنهما قالا لما نزلت # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # آل عمران 85 قالت اليهود فنحن مسلمون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا " # فقالوا لم يكتب علينا، وأبو أن يحجوا " قال الله تعالى { ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين } آل عمران 97. الوجه الثاني أن ~~المراد بقوله { ومن كفر } أي ومن لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في ~~الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة كقوله للمقداد الثابت في الصحيحين حين ~~سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب ms0213 # " لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن ~~يقول الكلمة التي قال " # الوجه الثالث حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر. ~~وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " من ملك زادا وراحلة ولم يحج ببيت الله فلا يضره، مات يهوديا، أو ~~نصرانيا. وذلك بأن الله قال { ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين } " # آل عمران 97. روى هذا الحديث الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~مردويه كما نقله عنهم ابن كثير وهو حديث ضعيف ضعفه غير واحد لأن في ~~إسناده هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، وهلال هذا. ~~قال الترمذي مجهول، وقال البخاري منكر الحديث، وفي إسناده أيضا الحارث ~~الذي رواه عن علي رضي الله عنه. قال الترمذي إنه يضعف في الحديث. وقال ~~ابن عدي هذا الحديث ليس بمحفوظ انتهى بالمعنى من ابن كثير. وقال ابن حجر ~~في الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف. في هذا الحديث أخرجه الترمذي ~~من رواية هلال بن عبد الله الباهلي، حدثنا ابو إسحاق، عن الحارث، عن علي ~~رفعه " من ملك زادا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن ~~يموت يهوديا أو نصرانيا ". وقال غريب وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد ~~الله مجهول، والحارث يضعف، وأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال لا نعلمه عن ~~علي إلا من هذا الوجه، وأخرجه ابن عدي، والعقيلي في ترجمة هلال، ونقلا ~~عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال البيهقي في الشعب تفرد به هلال وله ~~شاهد من حديث أبي أمامة. أخرجه الدارمي بلفظ " من لم يمنعه عن الحج حاجة ~~ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس، فمات فليمت إن شاء يهوديا، أو إن ~~شاء نصرانيا " أخرجه من رواية شريك، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن ~~بن سابط عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب، وأخرجه ابن ms0214 أبي ~~شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث، عن عبد الرحمن مرسلا لم يذكر أبا أمامة ~~وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وابن عدي أورده في ~~الكامل في ترجمة أبي المهزوم يزيد بن سفيان عن أبي هريرة مرفوعا نحوه " ~~ونقل عن القلاس أنه كذب أبا المهزوم، وهذا من غلط ابنا لجوزي في تصرفه. ~~لأن الطريق إلى أبي أمامة ليس فيها من اتهم بالكذب. وقد صح عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال " من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات ~~يهوديا أو نصرانيا " والعلم عند الله تعالى. ### || [3.102] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته } الآية. أكثر العلماء على أنها منسوخة بقوله # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16. وقال بعضهم هي مبينة للمراد منها فقوله حق تقاته. أي بقدر ~~الطاقة والله تعالى أعلم. ### || [3.103] # قوله تعالى { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا }. لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة ولكنه بين في موضع ~~آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمرا عظيما حتى لو أنفق ما في الأرض ~~كله. لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئا وذلك في قوله # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين ~~قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه ~~عزيز حكيم # الأنفال 62-63. ### || [3.106] # قوله تعالى { وتسود وجوه }. بين في هذه الآية الكريمة أن من ~~أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله { ~~فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم } آل عمران 106 الآية. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك ~~الكذب على الله وهو قوله تعالى # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # الزمر 60. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما ms0215 أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما # يونس 27 وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور وهو قوله تعالى # ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # عبس 40-42. وهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، ~~وهو الكفر بالله تعالى، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون ~~وهو قوله # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # طه 102 وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسودا والعيون زرقا، ألا ترى الشاعر ~~لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة ~~العيون، واسوداد الوجوه في قوله # وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود ### || [3.113] # قوله تعالى { من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون }. ذكر هنا من صفات ~~هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي مستقيمة على الحق ~~وأنها تتلو آيات الله آناء الليل وتصلي وتؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى ~~عن المنكر. وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن بالله وهو ~~قوله # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به # البقرة 121. وذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إليهم وأنهم خاشعون لله لا يشترون بآياته ثمنا قليلا. وهو قوله # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا # آل عمران 199. وذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن وهو قوله ~~تعالى # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل ~~إليك # الرعد 36، وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق، ~~وهو قوله # والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق # الأنعام 114 الآية، وذكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا ~~لأذقانهم سجدا وسبحوا ربهم وبكوا، وهو قوله # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ~~ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون ~~للأذقان ms0216 يبكون ويزيدهم خشوعا # الإسراء 107-109. وقال في بكائهم عند سماعه أيضا # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق # المائدة 83 وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب، تؤتى أجرها ~~مرتين وهو قوله # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ~~وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا # القصص 51-54. ### || [3.119] # قوله تعالى { وتؤمنون بالكتاب كله } الآية. يعني وتؤمنون ~~بالكتب كلها كما يدل له قوله تعالى # وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب # الشورى 15 وقوله # كل آمن بالله وملائكته وكتبه # البقرة 285 الآية. ### || [3.133] # قوله تعالى { وجنة عرضها السماوات والأرض }. يعني ~~عرضها كعرض السموات والأرض كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # الحديد 21 وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية الحديد ~~جنسها الصادق بجميع السموات كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى. ### || [3.140] # قوله تعالى { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح ~~مثله }. المراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من ~~القتل والجراح، كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة ~~كقوله # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ~~فقد رأيتموه وأنتم تنظرون # آل عمران 143 وقوله { ويتخذ منكم شهدآء } آل عمران 140 ~~الآية وقوله # حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم # آل عمران 152 وقوله # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم # آل عمران 153 ونحو ذلك من الآيات. وأما المراد بالقرح الذي مس القوم ~~المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وعليه فإليه ~~الإشارة بقوله # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ms0217 معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق ~~الله ورسوله فإن الله شديد العقاب # الأنفال 12-13 ويحتمل أيضا أنه هزيمة المشركين أولا يوم أحد كما ~~سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى، وقد أشار إلى القرحين معا بقوله # أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها # آل عمران 165 فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أحد، ~~والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر. لأن ~~المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون، وأسر ~~سبعون. وهذا قول الجمهور وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت ~~المشركين هي ما اصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة، حيث قتل حملة اللواء من ~~بني عبد الدار، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة وبقي لواؤهم ~~ساقطا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية وفي ذلك يقول حسان # فلولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب # وعلى هذا الوجه فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى { ~~ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } ~~آل عمران 152 الآية. ومعنى تحسونهم تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس ~~الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل ومنه قول جرير # تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في أجم الحصيد # وقول الآخر # حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبددوا # وقول رؤبة # إذا شكونا سنة حسوسا تأكل بعد الأخضر اليبيسا # يعني بالسنة الحسوس السنة المجدبة التي تأكل كل شيء، وقد قدمنا في ترجمة ~~هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن، ~~وكلاهما حق فنذكرهما معا، وما يشهد لكل واحد منهما. قال بعض العلماء ~~وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد. # لأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله مثليها تدل على أن القرح ~~الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر. لأنه لم ينقل ms0218 أحد أن الكفار يوم ~~أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون، ولا حجة في قوله # تحسونهم # آل عمران 152. لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من ~~المشركين، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد، كما هو معلوم. فإن قيل ~~ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله { قرح مثله } آل عمران 140 ~~وبين التثنية في قوله # قد أصبتم مثليها # آل عمران 165 فالجواب والله تعالى أعلم أن المراد بالتثنية قتل سبعين ~~وأسر سبعين يوم بدر، في مقابلة سبعين يوم أحد، كما عليه جمهور العلماء. ~~والمراد بإفراد المثل تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم، ~~والقراءتان السبعيتان في قوله { إن يمسسكم قرح فقد مس ~~القوم قرح } آل عمران 140 بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما ~~واحد فهما لغتان كالضعف والضعف. وقال الفراء القرح بالفتح الجرح وبالضم ~~ألمه اه. ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي # قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا ### || [3.142] # أنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد ~~التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه، وبين غيره ~~وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # البقرة 214 وقوله # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما ~~تعملون # التوبة 16 وقوله # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين # العنكبوت 1-3. وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة، وذلك أن أبانا آدم ~~كان في الجنة يأكل منها رغدا حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور، وأرغد ~~عيش. كما قال له ربه # إن لك ألا ms0219 تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # طه 118-119 ولو تناسلنا فيها لكنا في ارغد عيش وأتم نعمة، ولكن إبليس ~~عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة، ~~إلى دار الشقاء والتعب. وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا ~~بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف. فعلى العاقل منا - معاشر بني آدم ~~- أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من ~~وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة ~~بالسوء حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم، كما قال العلامة ابن القيم ~~تغمده الله برحمته # ولكننا سبي العدو فهل ترى نرد إلى أوطاننا ونسلم # ولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون ~~نصب أعيننا دائما. ### || [3.146] # قوله تعالى { وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير } الآية. هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ { قاتل } ~~بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل فيها أن يكون لفظة ربيون وعليه فليس ~~في قتل ضمير أصلا ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميرا عائدا إلى ~~النبي، وعليه فمعه خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده ~~على الظرف قبله ووصفه بما بعده والجملة حالية والرابط الضمير وسوغ إتيان ~~الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلما وهذا هو أجود الأعاريب ~~المذكورة في الآية على هذا القول، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل ~~المذكور يظهر أن في الآية إجمالا. والآيات القرآنية مبينة أن النبي ~~المقاتل غير مغلوب بل هو غالب كما صرح تعالى بذلك في قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # المجادلة 21. وقال قبل هذا # أولئك في الأذلين # المجادلة 20 وقال بعده # إن الله قوى عزيز # المجادلة 21. وأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا # الأنفال 65 الآية. وقوله # فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم ألف ms0220 يغلبوا ألفين # الأنفال 66 وقوله # الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون في بضع سنين # الروم 1-4 وقوله # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة # البقرة 249 وقوله # قل للذين كفروا ستغلبون # آل عمران 12 إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب بل ~~هو قسم مقابل للغالب بقوله # ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب # النساء 74 فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعا على النبي ~~المقاتل. لأن الله كتب وقضى له في أزله أنه غالب وصرح بأن المقتول غير ~~غالب. وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين، غلبة بالحجة والبيان، ~~وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا ~~منهم بالقتال في سبيل الله. لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب. ~~لأنه لم يغالب في شيء وتصريحه تعالى، بأنه كتب أن رسله غالبون شامل ~~لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن، ~~وشامل أيضا لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في ~~قوله # إنا لننصر رسلنا # غافر 51 الآية وفي قوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # الصافات 171-172 أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد. ~~لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر. لأنها نصر خاص، ~~والغلبة لغة القهر والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك ~~الأخص. وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير - رحمه الله - ومن ~~تبعه في تفسير قوله { إنا لننصر } الآية. # من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصره المنصوص في ~~الآية، حينئذ يحمل على أحد أمرين أحدهما أن الله ينصره بعد الموت، بأن ~~يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا ~~من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك. الثاني حمل الرسل في قوله # إنا لننصر رسلنا # غافر 51 على خصوص نبينا صلى الله ms0221 عليه وسلم وحده، أنه لا يجوز حمل ~~القرآن عليه لأمرين أحدهما أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه ~~بغير دليل من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين ~~هو المنصور بعيد جدا، غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا ~~دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده صلى الله عليه وسلم فهو ~~بعيد جدا أيضا، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل ~~كثيرة، لا نزاع فيها. الثاني أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر ~~الذي هو في اللغة إعانة المظلوم، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر ~~غلبة بقوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # المجادلة 21 الآية، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر عليك أن الله ~~جعل المقتول قسما مقابلا للغالب في قوله # ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب # النساء 74 وصرح تعالى بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل ~~لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين # الأنعام 34 ولا شك أن قوله تعالى # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # المجادلة 21 من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها وقد نفى جل وعلا عن ~~المنصور أن يكون مغلوبا نفيا باتا بقوله # إن ينصركم الله فلا غالب لكم # آل عمران 160 وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى { كتب الله ~~لأغلبن } الآية أن بعض الناس قال أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا ~~الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعما أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن ~~الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان. لأن صورة السبب لا يمكن ~~إخراجها، ويدل له قوله قبله # أولئك في الأذلين # المجادلة 20 وقوله بعده # إن الله قوي عزيز # المجادلة 21. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان ~~بالقراءة السبعية بقراءة شاذة، فيشهد ms0222 للبيان الذي بينا به، أن نائب ~~الفاعل { ربيون } آل عمران 146 وأن بعض القراء غير السبعة قرأ { ~~قاتل معه ربيون } آل عمران 146 بالتشديد. لأن التكثير ~~المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين. ولهذه القراءة ~~رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جنى. # أن نائب الفاعل { ربيون } آل عمران 146 ومال إلى ذلك الألوسي في ~~تفسيره مبينا أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النبي. لأن ~~{ وكأين } آل عمران 146 إخبار بعدد كثير أي كثير من أفراد النبي ~~قتل خلاف الظاهر، وهو كما قال، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور ~~محتمل لأمرين، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه { ربيون } آل عمران ~~146 لا ضمير النبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير غالب، ونحن ~~نقول دل القرآن في آيات أخر، على أن نائب الفاعل ضمير النبي، لتصريحه ~~في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله # ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون # البقرة 87 وقوله # قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم فلم قتلتموهم # آل عمران 183 الآية، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب { ~~ربيون } على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النبي فالجواب من ~~ثلاثة أوجه الأول أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم ~~على الأعم، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا ~~في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقا ~~لربنا في قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # المجادلة 21 سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم بالسيف ~~والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا. لأن الآيات التي دلت على قتل بعض ~~الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير حهاد، كما ~~يوضحه. الوجه الثاني وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم ~~أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم، في غير جهاد، ومقاتله إلا ~~موضع النزاع وحده. الوجه الثالث أن ما ms0223 رجحناه من أن نائب الفاعل { ~~ربيون } تتفق عليه آيات القرآن اتفاقا واضحا، لا لبس فيه على ~~مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه آيتان، حيث حملنا ~~الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال فيه، ولا ~~يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله. لأن الله حكم للرسل بالغلبة، ~~والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر ~~بها في شيء لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النبي لصار المعنى ~~أن كثيرا من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه ~~صيغة { وكأين } آل عمران 146 المميزة بقوله # من نبي # المجادلة 21 وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ~~ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # المجادلة 21 وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن، وعرفت أنه تعالى، بين أن ~~المقتول غير الغالب، كما تقدم، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه ~~بعضا، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضا، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على ~~أن نائب الفاعل { ربيون } آل عمران 146 وأنه لم يقتل رسول في جهاد، ~~كما جزم به الحسن البصري وسعيد بن جبير، و الزجاج، والفراء، وغير واحد، ~~وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن، لا بأقوال العلماء، ولذا لم ننقل ~~أقوال من رجح ما ذكرنا. # وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النبي من أن سبب النزول ~~يدل على ذلك. لأن سبب نزولها " أن الصائح صاح قتل محمد صلى الله عليه ~~وسلم " وأن قوله # أفإن مات أو قتل # آل عمران 144 يدل على ذلك وأن قوله { فما وهنوا لمآ أصابهم ~~في سبيل الله } آل عمران 146 يدل على أن الربيين لم يقتلوا لأنهم ~~لو قتلوا لما قال عنهم { فما وهنوا لمآ أصابهم } آل عمران ~~146 الآية. فهو كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها فالترجيح بسبب ~~النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل ms0224 النبي لكانت ~~قراءة الجمهور قاتل بصيغة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ~~ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله # أفإن مات أو قتل # آل عمران 144 ظاهر السقوط. لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا ~~يدل على وقوع نسبة أصلا لا إيجابا ولا سلبا حتى يرجح بها غيرها. وإذا ~~نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~الوقت لم يقتل ولم يمت والترجيح بقوله { فما وهنوا } آل عمران 146 ~~سقوطه كالشمس في رابعة النهار وأعظم دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة ~~والكسائي # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم # البقرة 191 كل الأفعال من القتل لا من القتال وهذه القراءة السبعية ~~المتواترة فيها. # فإن قاتلوكم # البقرة 191 بلا ألف بعد القاف فعل ماض من القتل { فاقتلوهم } ~~البقرة 191 أفتقولون هذا لا يصح لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله. ~~بل المعنى قتلوا بعضكم وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون قتلونا ~~وقتلناهم يعنون وقوع القتل على البعض كما لا يخفى. وقد أشرنا إلى هذا ~~البيان في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [3.156] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو ~~كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا مات بعض إخوانهم يقولون لو ~~أطاعونا فلم يخرجوا إلى الغزو ما قتلوا، ولم يبين هنا هل يقولون لهم ذلك ~~قبل السفر إلى الغزو ليثبطوهم أو لا؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا # آل عمران 168. ولكنه بين في آيات أخر أنهم يقولون لهم ذلك قبل الغزو ~~ليثبطوهم كقوله # وقالوا لا تنفروا في الحر # التوبة 81 الآية. وقوله # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا # الأحزاب 18 وقوله # وإن منكم لمن ليبطئن # النساء 72 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [3.157] ms0225 # ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال ~~مغفرة من الله ورحمة خيرا له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في ~~آية أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب ~~والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه ~~مالا قليلا فانيا بملك لا ينفد ولا ينقضي أبدا وهي قوله # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده ~~من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم # التوبة 111 وقال تعالى # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # الإنسان 20 وبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل ~~الدنيا من حطامها وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام ~~الدنيا وهي قوله تعالى # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # يونس 58 وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله { فبذلك ~~فليفرحوا } أي دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه. ~~وقال تعالى # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون # الزخرف 32. ### || [3.159] # قوله تعالى { فاعف عنهم واستغفر لهم } الآية. قد قدمنا ~~في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى # صراط الذين أنعمت عليهم # الفاتحة 7 أن الجموع المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة العقلاء من الذكور ~~إذا وردت في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم اختلف ~~العلماء فيها هل يدخل فيها النساء أو لا يدخلن؟ إلا بدليل على دخولهن ~~وبذلك تعلم أن قوله تعالى { واستغفر لهم } يحتمل دخول النساء ~~فيه وعدم دخولهن بناء على الاختلاف المذكور ولكنه تعالى بين في موضع آخر ~~أنهن داخلات في جملة من أمر صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لهم وهو ~~قوله تعالى # فاعلم أنه لا إله إلأ الله واستغفر ms0226 لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات # محمد 19. ### || [3.163] # قوله تعالى { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط ~~من الله } الآية. ذكر في هذه الآية أن من اتبع رضوان الله ليس كمن ~~باء بسخط منه. لأن همزة الإنكار بمعنى النفي ولم يذكر هنا صفة من اتبع ~~رضوان الله، ولكن أشار إلى بعضها في موضع آخر وهو قوله # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ~~ذو فضل عظيم # آل عمران 173-174. وأشار إلى بعض صفات من باء بسخط من الله بقوله # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ~~ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون # المائدة 80 وبقوله هنا # ومن يغلل يأت بما غل # آل عمران 161. ### || [3.165] # قوله تعالى { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم }. ذكر في هذه الآية أن ما أصاب المسلمين يوم أحد إنما ~~جاءهم من قبل أنفسهم، ولم يبين تفصيل ذلك هنا ولكنه فصله في موضع آخر وهو ~~قوله # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم # آل عمران 152. وهذا هو الظاهر في معنى الآية. لأن خير ما يبين به القرآن ~~القرآن. وأما على القول الآخر فلا بيان بالآية، وهو أن معنى { قل هو ~~من عند أنفسكم } " أنهم خيروا يوم بدر بين قتل أسارى بدر، وبين ~~أسرهم وأخذ الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل قدر الأسارى، ~~فاختاروا الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل سبعون قدر أسارى بدر ~~" ، كما رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، وعقده أحمد ~~البدوى الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله # والمسلمون خيروا بين الفدا وقدرهم في قابل يستشهدا وبين قتلهم فمالوا ~~للفدا ms0227 لأنه على القتال عضدا وأنه أدى إلى الشهاده وهي قصارى الفوز ~~والسعاده # ونظمه هذا للمغازي جل اعتماده فيه على عيون الأثر لابن سيد الناس ~~اليعمري، قال في مقدمته # أرجوزة على عيون الأثر جل اعتماد نظمها في السير # وذكر شارحه أن الألف في قوله يستشهدا مبدلة من نون التوكيد الخفيفة ~~وأنها في البيت كقوله # ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات # وعلى هذا القول فالمعنى قل هو من عند أنفسكم حيث اخترتم الفداء واستشهاد ~~قدر الأسارى منكم. ### || [3.169] # قوله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا } الآية. نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية عن ظن ~~الموت بالشهداء، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم فرحون بما ~~آتاهم الله من فضله، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون. ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل ~~الدنيا حقيقتها أو لا؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء ولكن لا تشعرون # البقرة 154 لأن نفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى كما هو ~~ظاهر. ### || [3.173] # قوله تعالى { الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم } الآية. قال جماعة من العلماء المراد بالناس القائلين ~~إن الناس قد جمعوا لكم، نعيم بن مسعود الأشجعي، أو أعرابي من خزاعة كما ~~أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع ويدل لهذا توحيد المشار إليه في قوله ~~تعالى # إنما ذلكم الشيطان # آل عمران 175 الآية. قال صاحب الإتقان، قال الفارسي ومما يقوي أن المراد ~~به واحد قوله { إنما ذلكم الشيطان } فوقعت الإشارة بقوله ~~ذلكم إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعا لقال إنما أولئكم الشيطان، ~~فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ اه منه بلفظه. ### || [3.178] # ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين ويمهلهم لزيادة الإثم عليهم ~~وشدة العذاب. وبين في موضع آخر أنه لا يمهلهم متنعمين هذا الإمهال إلا ~~بعد أن يبتليهم بالبأساء ms0228 والضراء، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم ~~وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة، كقوله # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # الأعراف 94-95 وقوله # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون فلولا إذ ~~جآءهم بأسنا تضرعوا # الأنعام 42-43 إلى قوله # أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # الأنعام 44. وبين في موضع آخر أن ذلك الاستدراج من كيده المتين، وهو ~~قوله # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين # القلم 44-45. وبين في موضع آخر أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج فيظنون ~~أنه من المسارعة لهم في الخيرات، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيرا من ذلك ~~الذي أوتوه في الدنيا، كقوله تعالى # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # المؤمنون 55-56 وقوله # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # مريم 77 وقوله # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # الكهف 36 وقوله # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50 وقوله # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا # سبأ 35 الآية. كما تقدم، والبأساء الفقر والفاقة، والضراء المرض على قول ~~الجمهور، وهما مصدران مؤنثان لفظا بألف التأنيث الممدودة. ### || [3.186] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، ~~وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك ~~البلاء والأذى واتقوا الله، فإن صبرهم وتقاهم من عزم الأمور، أي من ~~الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها. وقد بين في موضع آخر أن ~~من جملة هذا البلاء الخوف والجوع وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص ~~فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله { فإن ذلك ~~من عزم الأمور } وذلك الموضع هو قوله تعالى # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ~~الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ms0229 ~~وإنآ إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون # البقرة 155-157 وبقوله # مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه # التغابن 11 ويدخل في قوله { ومن يؤمن بالله } الصبر عند الصدمة ~~الأولى، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء، ويدل على دخوله فيه قوله قبله # مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله # التغابن 11. وبين في موضع آخر أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ ~~عظيم وبخت كبير، وهو قوله # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # فصلت 35 وبين في موضع آخر أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # الزمر 10. ### || [3.191] # قوله تعالى { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ~~ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار }. ذكر في هذه الآية أن من جملة ما يقوله أولو الألباب تنزيه ~~ربهم عن كونه خلق السموات والأرض باطلا، لا لحكمة سبحانه وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. وصرح في موضع آخر بأن الذين يظنون ذلك هم الكفار، وهددهم ~~على ذلك الظن السيء بالويل من النار، وهو قوله # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # ص 27. ### || [3.198] # قوله تعالى { وما عند الله خير للأبرار }. لم يبين هنا ~~ما عنده للأبرار، ولكنه بين في موضع آخر أنه النعيم، وهو قوله # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # الإنسان 5. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.2] # قوله تعالى { وآتوا اليتامى أموالهم } الآية. أمر الله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا في ~~ذلك شرطا، ولكنه بين بعد هذا أن هذا الإيتاء المأمور به مشروط بشرطين ~~الأول بلوغ اليتامى. والثاني إيناس الرشد منهم، وذلك في قوله تعالى # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم # النساء 6 وتسميتهم يتامى في الموضعين، إنما هي باعتبار يتمهم الذي كانوا ~~متصفين به قبل البلوغ، إذ لا ms0230 يتم بعد البلوغ إجماعا، ونظيره قوله تعالى # فألقي السحرة ساجدين # الشعراء 46 يعني الذين كانوا سحرة، إذ لا سحر مع السجود لله. وقال بعض ~~العلماء معنى إيتائهم أموالهم إجراء النفقة والكسوة زمن الولاية عليهم. ~~وقال أبو حنيفة إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله على كل حال. لأنه ~~يصير جدا، ولا يخفي عدم اتجاهه، والله تعالى أعلم. قوله تعالى { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا ~~كبيرا }. ذكر في هذه الآية الكريمة أن أكل أموال اليتامى حوب كبير، اي ~~إثم عظيم، ولم يبين مبلغ هذا الحوب من العظم، ولكنه بينه في موضع آخر وهو ~~قوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # النساء 10. ### || [4.3] # قوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء } الآية. لا يخفى ما يسبق ~~إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط، ~~وهذا الجزاء، وعليه، ففي الآية نوع إجمال، والمعنى كما قالت أم المؤمنين، ~~عائشة رضي الله عنها أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره. فإن كانت ~~جميلة، تزوجها من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها ~~وعضلها أن تنكح غيره لئلا يشاركه في مالها. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ~~يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما ~~طاب لهم من النساء سواهن. أي كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة ~~المال، والجمال، فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مال وجمال إلا ~~بالإقساط إليها، والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة، وهذا المعنى الذي ~~ذهبت إليه أم المؤمنين، عائشة، رضي الله عنها، يبينه ويشهد له قوله تعالى # ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن # النساء 127 وقالت، رضي الله عنها إن المراد بما يتلى عليكم في الكتاب ~~هو قوله تعالى { وإن ms0231 خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } ~~النساء 3 الآية، فتبين أنها يتامى النساء بدليل تصريحه بذلك في قوله { ~~في يتامى النسآء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ~~لهن } الآية. فظهر من هذا أن المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج ~~اليتيمات فدعوهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن، وجواب الشرط دليل ~~واضح على ذلك. لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر ~~الأقوال. لدلالة القرآن عليه، وعليه فاليتامى جمع يتيمة على القلب، كما ~~قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم لما عرف أن جمع الفعلية فعائل، وهذا القلب ~~يطرد في معتل اللام كقضية، ومطية، ونحو ذلك ويقصر على السماع فيما سوى ~~ذلك. قال ابن خويز منداد يؤخذ من هذه الآية جواز اشتراء الوصي وبيعه من ~~مال اليتيم لنفسه بغير محاباة، وللسلطان النظر فيما وقع من ذلك، وأخذ بعض ~~العلماء من هذه الآية أن الولي إذا اراد نكاح من هو وليها جاز أن يكون هو ~~الناكح والمنكح وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ~~ثور، وقاله من التابعين الحسن وربيعة وهو قول الليث. وقال زفر والشافعي ~~لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها ولي آخر أقرب منه أو ~~مساو له. وقال أحمد في إحدى الروايتين يوكل رجلا غيره فيزوجها منه، ~~وروي هذا عن المغيرة بن شعبة، كحما نقله القرطبي، وغيره. # وأخذ مالك بن أنس من تفسير عائشة لهذه الآية، كما ذكرنا الرد إلى صداق ~~المثل فيما فسد من الصداق، أو وقع الغبن في مقداره. لأن عائشة رضي الله ~~عنها، قالت " ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق " فدل على أن للصداق سنة ~~معروفة لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك للناس مناكح ~~عرفت لهم، وعرفوا لها يعني مهورا وأكفاء. ويؤخذ ايضا من هذه الآية ~~جواز تزويج اليتيمة إذا أعطيت حقوقها وافية، وما قاله كثير من العلماء ~~من أن اليتيمة لا تزوج حتى تبلغ، محتجين بأن قوله تعالى # ويستفتونك في النسآء # النساء 127 اسم ينطلق على الكبار دون ms0232 الصغار، فو ظاهر السقوط. لأن الله ~~صرح بأنهن يتامى، بقوله # في يتامى النسآء # النساء 127 وهذا الاسم أيضا قد يطلق على الصغار، كما في قوله تعالى # يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم # البقرة 49 وهن إذ ذاك رضيعات فالظاهر المتبادر من الآية جواز نكاح ~~اليتيمة مع الإقساط في الصداق، وغيره من الحقوق. ودلت السنة على أنها لا ~~تجبر، فلا تزوج إلا برضاها، وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء. ~~تنبيه قال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه واتفق كل من يعاني العلوم ~~على أن قوله تعالى { وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى } النساء 3 ليس له مفهوم إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم ~~يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين، أو ثلاثا، أو ~~أربعا، كمن خاف فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك وأن حكمها ~~أعم من ذلك اه منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر في ~~الآية على ما فسرتها به عائشة، وارتضاه القرطبي، وغير واحد من المحققين ~~ودل عليه القرآن أن لها مفهوما معتبرا. لأن معناها وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتيمات فانكحوا ما طاب لكم من سواهن، ومفهومه أنهم إن لم يخافوا عدم ~~القسط لم يؤمروا بمجاوزتهن إلى غيرهن، بل يجوز لهم حينئذ الاقتصار عليهن ~~وهو واضح كما ترى، إلا أنه تعالى لما أمر بمجاوزتهن إلى غيرهن عند خوفهم ~~أن لا يقسطوا فيهن، أشار إلى القدر الجائز من تعدد الزوجات، ولا إشكال في ~~ذلك والله أعلم. وقال بعض العلماء معنى الآية { { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى }. أي إن خشيتم ذلك فتحرجتم من ظلم ~~اليتامى، فاخشوا أيضا وتحرجوا من ظلم النساء بعدم العدل بينهن، وعدم ~~القيام بحقوقهن، فقللوا عدد المنكوحات ولا تزيدوا على أربع، وإن خفتم عدم ~~إمكان ذلك مع التعدد فاقتصروا على الواحدة. لأن المرأة شبيهة باليتيم، ~~لضعف كل واحد منهما وعدم قدرته على المدافعة عن حقه فكما خشيتم من ظلمه ~~فاخشوا من ظلمها. # وقال بعض ms0233 العلماء كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم ولا يتحرجون من الزنى ~~فقيل لهم في الآية إن خفتم الذنب في مال اليتيم فخافوا ذنب الزنا، ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولا تقربوا الزنا. وهذا أبعد الأقوال فيما ~~يظهر والله تعالى أعلم. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ايضا أن من كان في ~~حجره يتيمة لا يجوز له نكاحها إلا بتوفيته حقوقها كاملة، وأنه يجوز نكاح ~~أربع ويحرم الزيادة عليها، كما دل على ذلك أيضا إجماع المسلمين قبل ظهور ~~المخالف الضال، وقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة # " اختر منهن أربعا وفارق سائرهن " # وكذا قال للحارث بن قيس الأسدي وأنه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير ~~واحدة والخوف في الآية. قال بعض العلماء معناه الخشية، وقال بعض العلماء ~~معناه العلم. أي وإن علمتم ألا تقسطوا - الآية. ومن إطلاق الخوف بمعنى ~~العلم. قول أبي محجن الثقفي. # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنني ~~بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # فقوله أخاف يعني أعلم. تنبيه عبر تعالى عن النساء في هذه الآية " بما " ~~التي هي لغير العاقل في قوله { فانكحوا ما طاب لكم } النساء 3 ~~ولم يقل من طاب. لأنها هنا أريد بها الصفات لا الذوات. أي ما طاب لكم من ~~بكر أو ثيب، أو ما طاب لكم لكونه حلالا، وإذا كان المراد الوصف عبر عن ~~العاقل " بما " كقولك ما زيد في الاستفهام تعني أفاضل؟ وقال بعض العلماء ~~عبر عنهن " بما " إشارة إلى نقصانهن وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض ~~والله تعالى أعلم. ### || [4.7] # لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان ~~والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله # يوصيكم الله في أولادكم # النساء 11 الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # النساء 176. ### || [4.11] # قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين }. لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى ms0234 في ~~الميراث مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو ~~قوله تعالى # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم # النساء 34 لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائما، و ~~المقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائما، والحكمة في إيثار ~~مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرا لنقصة المترقب ظاهرة جدا. قوله ~~تعالى { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك وإن كانت واحدة فلها النصف } الآية. صرح تعالى في ~~هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا، فلهن الثلثان ~~وقوله { فوق اثنتين } يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن ~~الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي ~~دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى ~~أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا. الأول قوله ~~تعالى { للذكر مثل حظ الأنثيين } النساء 11 إذ الذكر ~~يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في ~~صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين. لأن الثلثين ليسا بحظ لهما ~~أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع، إذ ما من صورة يجتمع فيها ~~الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن ~~الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلا إن معرفة أن ~~للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حظ الأنثيين. لأنه ~~ما علم من الآية إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين. فلو كانت معرفة حظ ~~الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ساقط. لأن المستخرج هو الحظ ~~المعين للأنثيين وهو الثلثان، و الذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو ~~معرفة حظ الأنثيين مطلقا، فلا دور لانفكاك الجهة. واعترضه بعضهم أيضا ~~بأن للابن مع البنتين النصف، فيدل على أن فرضهما النصف، ويؤيد الأول أن ~~البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إن انفردتا عنه، استحقتا ms0235 ~~أكثر من ذلك. لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف، بعدما كانت معه تأخذ ~~الثلث، ويزيده إيضاحا أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع، ~~فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى. فبهذا يظهر أنه جل وعلا، أشار إلى ~~ميراث البنتين بقوله { للذكر مثل حظ الأنثيين } النساء ~~11 كما بينا، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات، وحكم الواحدة منهن بقوله { ~~فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } النساء 11 ومما يزيده ~~إيضاحا، أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله { فإن كن } إذ لو ~~لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ~~ظاهر. # الموضع الثاني هو قوله تعالى في الأختين # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك # النساء 176. لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا ~~نزاع. فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين، علم أن البنتين كذلك من باب ~~أولى، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب، أعني مفهوم الموافقة الذي ~~المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل ~~القياس، خلافا للشافعي وقوم، كما علم في الأصول، فالله تبارك وتعالى لما ~~بين أن للأختين الثلثين، أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك ~~لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط، ولم يذكر حكم ما ~~زاد على الاثنتين من الأخوات، أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من ~~الأخوات غير الثلثين. لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه ~~الأخوات، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به، وهو دليل ~~على أنه قصد أخذه منه، ويزيد ما ذكرنا إيضاحا ما أخرجه الإمام أحمد، ~~وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، عن جابر رضي الله عنه، قال # " جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا ~~رسول الله، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، ~~ولم يدع ms0236 لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال صلى الله عليه وسلم ~~" يقضي الله تعالى، في ذلك " # فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال " ~~اعط ابنتي سعد الثلثين، واعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك ". وما يروى ~~عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أنه قال للبنتين النصف. لأن الله تعالى، ~~قال { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك } النساء 11 فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه ~~أمور، الأول أنه مردود بمثله لأن الله قال ايضا { وإن كانت ~~واحدة فلها النصف } النساء 11 فصرح بأن النصف للواحدة جاعلا ~~كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن ~~المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من ~~مفهوم الظرف لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم، إلا ما قال فيه ~~بعض العلماء إنه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر ~~والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط قال في مراقي السعود مبينا ~~مراتب مفهوم المخالفة # أعلاه لا يرشد إلا العلما فما لمنطوق بضعف انتمى فالشرط فالوصف الذي ~~يناسب فمطلق الوصف الذي يقارب فعدد ثمة تقديم يلي وهو حجة على النهج ~~الجلي # وقال صاحب جمع الجوامع ما نصه مسألة الغاية قيل منطوق والحق مفهوم يتلوه ~~الشرط، فالصفة المناسبة، فمطلق الصفة غير العدد، فالعدد، فتقديم المعمول ~~إلخ، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله { وإن كانت واحدة ~~فلها النصف } النساء 11 أقوى من مفهوم الظرف في قوله { فإن ~~كن نسآء فوق اثنتين } النساء 11 الثاني دلالة الآيات ~~المتقدمة على أن للبنتين الثلثين، الثالث تصريح النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك في حديث جابر المذكور آنفا. الرابع أنه روي عن ابن عباس ~~الرجوع عن ذلك. قال الألوسي في تفسيره ما نصه وفي شرح الينبوع نقلا عن ~~الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في شرح فرائض الوسيط، صح رجوع ابن ~~عباس رضي الله عنهما ms0237 عن ذلك فصار إجماعا اه. منه بلفظه. تنبيهان الأول ~~ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في تفسيره من أن المفهوم في قوله { ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } مفهوم عدد غلط. والتحقيق هو ~~ما ذكرنا من أنه مفهوم شرط، وهو اقوى من مفهوم العدد بدرجات كما رايت ~~فيما تقدم. قال في نشر البنود على مراقي السعود في شرح قوله # وهو ظرف علة وعدد ومنه شرط غاية معتمد # ما نصه والمراد بمفهوم الشرط ما فهم من تعليق حكم على شيء بأداة شرط ~~كإن وإذا، وقال في شرح هذا البيت أيضا قبل هذا ما نصه ومنها الشرط نحو # وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن # الطلاق 6 مفهوم انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط أي فغير أولات حمل لا ~~يجب الإنفاق عليهن ونحو من تطهر صحت صلاته اه منه بلفظه. فكذلك قوله { ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } النساء 11 علق فيه فرض ~~النصف على شرط هو كون البنت واحدة، ومفهومه أنه إن انتفى الشرط الذي هو ~~كونها واحدة انتفى المشروط الذي هو فرض النصف كما هو ظاهر، فإن قيل كذلك ~~المفهوم في قوله { فإن كن نسآء فوق اثنتين } النساء 11 ~~لتعليقه بالشرط فالجواب من وجهين الأول أن حقيقة الشرط كونهن نساء. وقوله ~~فوق اثنتين وصف زائد، وكونها واحدة هو نفس الشرط لا وصف زائد، وقد عرفت ~~تقديم مفهوم الشرط على مفهوم الصفة ظرفا كانت أو غيره. الثاني أنا لو ~~سلمنا جدليا أنه مفهوم شرط لتساقط المفهومان لاستوائهما ويطلب الدليل من ~~خارج، وقد ذكرنا الأدلة على كون البنتين ترثان الثلثين كما تقدم. الثاني ~~إن قيل فما الفائدة في لفظة فوق اثنتين إذا كانت الاثنتان كذلك؟ فالجواب ~~من وجهين الأول هو ما ذكرنا من أن حكم الاثنتين أخذ من قوله قبله { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } النساء 11 كما تقدم وإذن فقوله ~~{ فوق اثنتين } تنصيص على حكم الثلاث فصاعدا كما تقدم. الثاني ~~أن لفظة { فوق } ذكرت لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ ~~عددهن ما ms0238 بلغ. وأما ادعاء أن لفظة { فوق } زائدة وادعاء أن { فوق ~~اثنتين } معناه اثنتان فما فوقهما فكله ظاهر السقوط كما ترى، ~~والقرآن ينزه عن مثله وإن قال به جماعة من أهل العلم. ### || [4.12] # قوله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث }. المراد ~~في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس وعند التعدد يشتركون ~~في الثلث ذكرهم وأنثاهم، سواء إخوة الأم بدليل بيانه تعالى أن الإخوة من ~~الأب أشقاء أولا، يرث الواحد منهم كل المال، وعند اجتماعهم يرثون المال ~~كله للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال في المنفرد منهم وهو يرثها إن لم يكن ~~لها ولد، وقال في جماعتهم وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين. وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة هم الإخوة من الأب، ~~كانوا أشقاء أو لأب. كما أجمعوا على أن قوله { وإن كان رجل ~~يورث كلالة } الآية. أنها في إخوة الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص وله ~~أخ أو أخت من أم. والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع كما ~~قال الناظم # ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة لا والد يبقى ولا ~~مولود فانقطع الأبناء والجدود # وهذا قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأكثر الصحابة وهو الحق إن ~~شاء الله تعالى. واعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد و ~~الوالد، وعلى الميت الذي لم يخلف والدا ولا ولدا، وعلى الوارث الذي ليس ~~بوالد ولا ولد. وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد. إلا أنه ~~استعمال غير شائع واختلف في اشتقاق الكلالة. واختار كثير من العلماء أن ~~أصلها من تكاله إذا أحاط به ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته ~~بالعدد لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله ولا فرعه. ~~وقال بعض العلماء أصلها من الكلال بمعنى الإعياء لأن الكلالة أضعف من ~~قرابة الآباء والأبناء. وقال بعض العلماء أصلها ms0239 من الكل بمعنى الظهر ~~وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره، واختلف في إعراب قوله كلالة. فقال ~~بعض العلماء هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف. أي يورث في حال كونه ~~ذا كلالة أي قرابة غير الآباء والأبناء، واختاره الزجاج وهو الأظهر، وقيل ~~هي مفعول له، أي يورث لأجل الكلالة أي القرابة، وقيل هي خبر كان، ويورث ~~صفة لرجل، أي كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وقيل غير ذلك ~~والله تعالى أعلم. ### || [4.15] # قوله تعالى { فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا }. لم ~~يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن ~~السبيل بالحد كقوله في البكر # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # النور 2 الآية. وقوله في الثيب { الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم } لأن هذه الآية باقية الحكم كما ~~صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه وإن كانت ~~منسوخة التلاوة. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن حكم الرجم مأخوذ ~~أيضا من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة وهي قوله تعالى # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون # آل عمران 23 فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان ~~ورجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، فذمه تعالى في هذا الكتاب للمعرض ~~عما في التوراة من رجم الزاني المحصن، دليل قرآني واضح على بقاء حكم ~~الرجم، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد قوله صلى الله ~~عليه وسلم الثابت في الصحيح # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " # الحديث. ### || [4.22] # قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء ~~} الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها ~~الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب هل هو العقد أو ms0240 الوطء، ولكنه بين في ~~موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس وذلك في ~~قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن # الأحزاب 49 فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه. وقد أجمع العلماء على أن ~~من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن ~~محرم على الأب إجماعا، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى ~~مريدا به الجماع بعد العقد، وذلك في قوله # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره # البقرة 230. لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل لا بد معه من ~~الوطء كما قال صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظي " لا، حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك " يعني الجماع ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن ~~سعيد بن المسيب. لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة. ومن هنا قال ~~بعض العلماء لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع، وقال بعضهم هو حقيقة في ~~الجماع مجاز في العقد. لأنه سببه وقال بعضهم بالعكس. تنبيه قال بعض ~~العلماء إن لفظة { ما } النساء 22 من قوله { ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم } النساء 22 مصدرية وعليه فقوله { من النسآء } ~~النساء 22 متعلق بقوله { تنكحوا } النساء 22 لا بقوله { نكح } ~~النساء 22 وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم ~~أي لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو ~~اختيار ابن جرير، والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن { ما } ~~النساء 22 موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # النساء 3 وقد قدمنا وجه ذلك. لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له ~~سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم أن سبب نزولها. أنه لما توفي ~~أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ms0241 ذلك، فقال ارجعي إلى بيتك فنزلت { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم } النساء 22 الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - نكاح زوجات ~~الآباء كان معروفا عند العرب، وممن فعل ذلك أبو قيس بن الأسلت المذكور، ~~فقد تزوج أم عبيد الله وكانت تحت الأسلت أبيه، وتزوج الأسود بن خلف ابنة ~~أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت تحت أبيه خلف، وتزوج ~~صفوان بن أمية فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد. # وكانت تحت أبيه أمية، كما نقله ابن جرير عن عكرمة قائلا إنه سبب نزول ~~الآية، وتزوج عمرو بن أمية زوجة أبيه بعده فولدت له مسافرا وأبا معيط، ~~وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكانوا إخوة مسافر وأبي معيط ~~وأعمامهما، وتزوج منظور بن زبان بن سيار الفزاري زوجة أبيه مليكة بنت ~~خارجة، كما نقله القرطبي وغيره ومليكة هذه هي التي قال فيها منظور ~~المذكور بعد أن فسخ نكاحها منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # ألا لا أبالي اليوم ما فعل الدهر إذا منعت مني مليكة والخمر فإن تك ~~قد أمست بعيدا مزارها فحي ابنة المري ما طلع الفجر # وأشار إلى تزويج منظور هذا زوجة أبيه ناظم عمود النسب، بقوله في ذكر ~~مشاهير فزارة. # منظور الناكح مقتا وحلف خمسين ماله على منع وقف # وقوله وحلف إلخ قال شارحه إن معناه أن عمر بن الخطاب حلفه خمسين يمينا ~~بعد العصر في المسجد أنه لم يبلغه نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح ~~أزواج الآباء، وذكر السهيلي وغيره أن كنانة بن خزيمة تزوج زوجة أبيه ~~خزيمة فولدت له النضر بن كنانة، قال وقد قال صلى الله عليه وسلم # " ولدت من نكاح لا من سفاح " # قال فدل على أن ذلك كان سائغا لهم. قال ابن كثيرة وفيما نقله السهيلي ~~من قصة كنانة نظر، وأشار إلى تضعيف ما ذكره السهيلي ناظم عمود النسب ~~بقوله # وهند بنت مر أم حارثه شخيصه وأم عنز ثالثه برة أختها عليها خلفا ~~كنانة خزيمة وضعفا ms0242 أختهما عاتكة ونسلها عذرة التي الهوى يقتلها # وذكر شارحه أن الذي ضعف ذلك هو السهيلي نفسه، خلافا لظاهر كلام ابن ~~كثير. ومعنى الأبيات أن هند بنت مر أخت تميم بن مر بن أد بن طابخة بن ~~إلياس هي أم ثلاثة من أولاد وائل بن قاسط وهم الحارث وشخيص وعنز، وأن ~~أختها برة بنت مر كانت زوجة خزيمة بن مدركة فتزوجها بعد ابنه كنانة، وأن ~~ذلك مضعف، وأن أختهما عاتكة بنت مر هي أم عذرة أبي القبيلة المشهورة بأن ~~الهوى يقتلها، وقد كان من مختلقات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج ~~أقاربهم، كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه أو أخوه مثلا ثوبا على ~~زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها، إن شاء نكحها بلا مهر وإن شاء أنكحها ~~غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدى منه، إلى أن نهاهم الله عن ذلك ~~بقوله # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها # النساء 19 الآية. وأشار إلى هذا ناظم عمود النسب بقوله # القول فيما اختلقوا واخترقوا ولم يقد إليه إلا النزق # ثم شرع يعدد مختلقاتهم إلى أن قال # وإن من ألقى على زوج أبيه ونحوه بعد التوى ثوبا يريه أولى بها من ~~نفسها إن شاء نكح أو أنكح أو أساء بالعضل كي يرثها أو تفتدى ومهرها ~~في النكحتين للردى # وأظهر الأقوال في قوله تعالى { إلا ما قد سلف } النساء 22 أن ~~الاستثناء منقطع، أي لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو ~~معفو عنه كما تقدم، والعلم عند الله تعالى. ### || [4.23] # قوله تعالى { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ~~الآية. يفهم منه أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم ~~صرح به تعالى في قوله # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم ~~إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا # الأحزاب 37 وقوله # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم # الأحزاب 4 وقوله # ما كان محمد ms0243 أبآ أحد من رجالكم # الأحزاب 40 الآية. أما تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من دليل ~~خارج وهو تصريحه صلى الله عليه وسلم بأنه # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # والعلم عند الله تعالى. ### || [4.24] # قوله تعالى { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم } الآية. اعلم أولا أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة ~~إطلاقات الأول المحصنات العفائف. ومنه قوله تعالى # محصنات غير مسافحات # النساء 25 أي عفائف غير زانيات. الثاني المحصنات الحرائر. ومنه قوله ~~تعالى # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # النساء 25 أي على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد. الثالث أن يراد ~~بالإحصان التزوج. ومنه على التحقيق قوله تعالى # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة # النساء 25 الآية - أي فإذا تزوجن. وقول من قال من العلماء إن المراد ~~بالإحصان في قوله # فإذآ أحصن # النساء 25 الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية. لأن سياق الآية في ~~الفتيات المؤمنات حيث قال # ومن لم يستطع منكم طولا # النساء 25 الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه والأظهر والله ~~أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج. لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ~~سبحانه وتعالى # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات # النساء 25 والله أعلم. والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، ~~فتعين أن المراد بقوله { فإذآ أحصن } أي تزوجن كما فسره ابن عباس ~~وغيره اه محل الغرض منه بلفظه. فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى { ~~والمحصنات من النسآء } النساء 24 الآية - أوجه من التفسير ~~هي أقوال للعلماء، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها. قال بعض ~~العلماء المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات، أي ~~حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح أو ملك شرعي ~~بالرق، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح أو ~~تسر شرعي، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير وعطاء والسدي، وحكي ms0244 عن بعض ~~الصحابة واختاره مالك في الموطأ. وقال بعض العلماء المراد بالمحصنات في ~~الآية الحرائر، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع، وأحل لكم ~~ما ملكت أيمانكم من الإماء، وعليه فالاستثناء منقطع. وقال بعض العلماء ~~المراد بالمحصنات المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات. ~~لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن ~~السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي ~~يدل القرآن لصحته. لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك ~~النكاح، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات # النساء 25 وقوله # وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك # الأحزاب 50 وقوله # والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم # النساء 36 وقوله # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم # المؤمنون 5-6 في الموضعين، فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية. ~~وقوله # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم # النور 33 فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون ~~المنكوحات كما هو ظاهر، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر. لأن المعنى عليه ~~وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ ~~الآية كما ترى. وصرح العلامة ابن القيم - رحمه الله - بأن هذا القول ~~مردود لفظا ومعنى، فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، كما ~~دلت عليه الآيات الأخر التي ذكرنا، ويؤيده سبب النزول. لأن سبب نزولها ~~كما أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ~~وابن ماجه وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال أصبنا سبيا ~~من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسالنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { والمحصنات من النسآء ~~إلا ما ملكت أيمانكم } فاستحللنا فروجهن. وروى الطبراني عن ~~ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر، ونظير هذا التفسير الصحيح قول ms0245 ~~الفرزدق. # وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق # تنبيه فإن قيل عموم قوله تعالى { إلا ما ملكت أيمانكم } ~~لا يختص بالمسببات، بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل ~~آخر فهي تحل له بملكك اليمين ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك، والآية وإن ~~نزلت في خصوص المسببات كما ذكرنا، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص ~~الأسباب، فالجواب أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم فحكموا بأن ~~بيع الأمة مثلا يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية، ويروى ~~هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسعيد ~~بن المسيب والحسن ومعمر، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، ولكن التحقيق في ~~هذه المسالة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبيات دون غيرها من ~~المملوكات بسبب آخر غير السبي، كالبيع مثلا وليس من تخصيص العام بصورة ~~سببه. وأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث. قال ابن كثير ~~في تفسير هذه الآية بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق، ~~ما نصه وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس ~~طلاقا لها. لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه ~~هذه المنفعة، وباعها مسلوبة عنه، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج ~~في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ ~~نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ ~~والبقاء، فاختارت الفسخ. وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما ~~قال هؤلاء، ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خيرها دل على بقاء ~~النكاح، وأن المراد من الآية المسببات فقط والله أعلم اه منه بلفظه. # فإن قيل إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح. لأنها لا تملك الاستمتاع ~~ببضع الأمة، بخلاف الرجل، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح، كما قال بهذا ~~جماعة، ولا يرد على هذا القول حديث بربرة، فالجواب هو ms0246 ما حرره العلامة ~~ابن القيم رحمه الله، وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها، فهي ~~تملك المعاوضة عليه وتزويجها، وأخذ مهرها، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع ~~بالبضع، فإذا حققت ذلك، علمت أن التحقيق في معنى الآية وحرمت عليكم ~~المحصنات أي المتزوجات، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فلا منع ~~في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء، لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما ~~قررنا، وكانت أم المؤمنين جورية بنت الحارث رضي الله عنها متزوجة برجل ~~اسمه مسافع، فسبيت في غزوة بني المصطلق وقصتها معروفة. قال ناظم قرة ~~الأبصار في جورية رضي الله عنها # وقد سباها في غزاة المصطلق من بعلها مسافع بالمنزلق # ومراده بالمنزلق السيف، ثم إن العلماء اختلفوا في السبي، هل يبطل حكم ~~الزوجية الأولى مطلقا ولو سبي الزوج معها، وهو ظاهر الآية أو لا يبطله ~~إلا إذا سبيت وحدها دونه؟ فإن سبي معها فحكم الزوجية باق، وهو قول أبي ~~حنيفة وبعض أصحاب احمد والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } الآية. يعني ~~كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك، وهذا المعنى ~~تدل له آيات من كتاب الله كقوله تعالى # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض # النساء 21 الآية. فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق ~~كاملا، هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله # فما استمتعتم به منهن # الآية. وقوله # وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة # النساء 4 وقوله # ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا # البقرة 229 الآية. فالآية في عقد النكاح، لا في نكاح المتعة كما قال به ~~من لا يعلم معناها، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود ~~الأجرة في نكاح المتعة. لأن الصداق لا يسمى أجرا، فالجواب أن القرآن جاء ~~فيه تسمية الصداق أجرا في موضع لا نزاع فيه. لأن الصداق لما كان في ~~مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله # وكيف تأخذونه # النساء 21 الآية. صار له شبه قوي بأثمان المنافع ms0247 فسمي أجرا، وذلك ~~الموضع هو قوله تعالى # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن # النساء 25 أي مهورهن بلا نزاع، ومثله قوله تعالى # والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن # المائدة 5 الآية. أي مهورهن فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح ~~المتعة، فإن قيل كان ابن عباس وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والسدي ~~يقرأون، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، وهذا يدل على أن الآية في ~~نكاح المتعة، فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن قولهم إلى أجل مسمى لم يثبت ~~قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبه في المصاحف العثمانية، وأكثر ~~الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنا لا ~~يستدل به على شيء. # لأنه باطل من أصله. لأنه لما لم ينقله إلا على أنه قرآن فبطل كونه ~~قرآنا ظهر بطلانه من أصله. الثاني أنا لو مشينا على أنه يحتج به، ~~كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم، أو على أنه تفسير منهم للآية ~~بذلك، فهو معارض بأقوى منه. لأن جمهور العلماء على خلافه. ولأن الأحاديث ~~الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة، وصرح صلى الله عليه ~~وسلم بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة، كما ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث سبرة بن معيد الجهني - رضي الله عنه - أنه غزا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة. فقال # " يأيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا ". # وفي رواية لمسلم في حجة الوداع، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك يوم فتح مكة، وفي حجة الوداع أيضا والجمع واجب إذا ~~أمكن، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث. الثالث أنا لو سلمنا تسليما ~~جدليا أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة فإن إباحتها منسوخة كما صح ~~نسخ ذلك ms0248 في الأحاديث المتفق عليها عنه صلى الله عليه وسلم وقد نسخ ذلك ~~مرتين الأولى يوم خيبر كما ثبت في الصحيح والآخرة يوم فتح مكة، كما ثبت ~~في الصحيح أيضا. وقال بعض العلماء نسخت مرة واحدة يوم الفتح، والذي وقع ~~في خيبر تحريم لحوم الحمر الأهلية فقط، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف ~~أيضا لتحريم المتعة. واختار هذا القول العلامة ابن القيم - رحمه الله - ~~ولكن بعض الروايات الصحيحة، صريحة في تحريم المتعة يوم خيبر أيضا، ~~فالظاهر أنها حرمت مرتين كما جزم به غير واحد، وصحت الرواية به. والله ~~تعالى أعلم. الرابع أنه تعالى صرح بأنه يجب حفظ الفرج عن غير الزوجة ~~والسرية في قوله تعالى # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # المؤمنون 6 في الموضعين، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله # فمن ابتغى ورآء ذلك # المؤمنون 7 الآية. ومعلوم أن المستمتع بها ليست مملوكة ولا زوجة، ~~فمبتغيها إذن من العادين بنص القرآن، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما ~~كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث، والعدة والطلاق، ~~والنفقة، ولو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق ووجبت لها ~~النفقة، كما هو ظاهر، فهذه الآية التي هي # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون # المؤمنون 5-7 صريحة في منع الاستمتاع بالنساء الذي نسخ. وسياق الآية ~~التي نحن بصددها يدل دلالة واضحة على أن الآية في عقد النكاح كما بينا لا ~~في نكاح المتعة، لأنه تعالى ذكر المحرمات التي لا يجوز نكاحها، بقوله ~~تعالى # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # النساء 23 إلخ.. ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين } النساء 24 ثم بين أن من نكحتم منهن ~~واستمتعتم بها يلزمكم أن تعطوها مهرها، مرتبا لذلك بالفاء على النكاح ~~بقوله { فما استمتعتم به منهن } النساء 24 الآية. كما ~~بيناه واضحا والعلم عند ms0249 الله تعالى. ### || [4.25] # قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا ~~يجوز نكاحها، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله { من ~~فتياتكم المؤمنات } فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من ~~الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى ~~وهي قوله تعالى # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # المائدة 5 فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم ~~منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات، وخالف الإمام أبو ~~حنيفة - رحمه الله - فأجاز نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن ~~عنده طول ينكح به الحرائر. لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في ~~أصوله - رحمه الله. أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين، فإنها إن كانت ~~كتابية فجمهور العلماء على إباحة وطئها بالملك، لعموم قوله تعالى # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # المؤمنون 6 الآية. ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم. وأما ~~إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم ~~فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين. قال ابن عبد البر وعليه جماعة ~~فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه فهو شذوذ لا بعد خلافا، ولم ~~يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر من ~~جهة الدليل والله تعالى أعلم، جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة ~~وثن أو مجوسية. لأن أكثر السبايا في عصره صلى الله عليه وسلم من كفار ~~العرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم ~~وطأهن بالملك لكفرهن ولو كان حراما لبينه، بل قال صلى الله عليه وسلم # " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة " # ولم يقل حتى يسلمن ولو كان ذلك شرطا لقاله وقد أخذ الصحابة سبايا فارس ~~وهن مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن. قال ms0250 العلامة ابن القيم - ~~رحمه الله - في زاد المعاد ما نصه ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء ~~الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم ~~يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع ~~منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو ~~عهد بالإسلام ويخفى عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع ~~السبايا، وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة مما ~~يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من ~~البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا، ~~فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده ~~جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاوس وغيره، وقواه صاحب ~~المغني فيه ورجح أدلته، وبالله التوفيق. # اه. كلام ابن القيم - رحمه الله - بلفظه وهو واضح جدا. قوله تعالى { ~~فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب }. لم يبين هنا هذا العذاب الذي ~~على المحصنات - وهن الحرائر - الذي نصفه على الإماء، ولكنه بين في موضع ~~آخر أنه جلد مائة بقوله # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # النور 2 فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة ويلحق بها العبد ~~الزاني فيجلد خمسين، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى { فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب } النساء 25 وعموم ~~الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص. لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة ~~إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد فأجرى في العبد لاتصافه بالرق الذي ~~هو مناط تشطير الجلد، وهذه الآية عند الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص ~~بالقياس، بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى ~~قياسا، والخلاف في كونه قياسا معروف في الأصول. أما الرجم فمعلوم أنه ~~لا يتشطر، فلم يدخل في المراد بالآية. تنبيه قد علمت مما تقدم أن التحقيق ~~في معنى أحصن أن ms0251 المراد به تزوجن، وذلك هو معناه على كلتا القراءتين ~~قراءته بالبناء للفاعل والمفعول، خلافا لما اختاره ابن جرير من أن معنى ~~قراءة { أحصن } بفتح الهمزة والصاد مبنيا للفاعل أسلمن، وأن معنى { ~~أحصن } بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للمفعول زوجين، وعليه فيفهم من ~~مفهوم الشرط في قوله { فإذآ أحصن } الآية. أن الأمة التي لم ~~تتزوج لا حد عليها إذا زنت. لأنه تعالى علق حدها في الآية بالإحصان، ~~وتمسك بمفهوم هذه الآية ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وسعيد بن ~~جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي في رواية فقالوا لا حد على ~~مملوكة حتى تتزوج، والجواب عن هذا والله أعلم أن مفهوم هذه الآية فيه ~~إجمال وقد بينته السنة الصحيحة، وإيضاحه أن تعليق جلد الخمسين المذكور في ~~الآية على إحصان الأمة، يفهم منه أن الأمة التي لم تحصن ليست كذلك فقط، ~~فيحتمل أنها لا تجلد ويحتمل أنها تجلد أكثر من ذلك أو اقل أو ترجم إلى ~~غير ذلك من المحتملات، ولكن السنة الصحيحة دلت على أن غير المحصنة من ~~الإماء كذلك، لا فرق بينها وبين المحصنة، والحكمة في التعبير بخصوص ~~المحصنة دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحهما عن أبي ~~هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا سئل النبي عن الأمة إذا ~~زنت ولم تحصن، قال # " إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ~~ولو بضفير " # قال ابن شهاب لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة. وحمل الجلد في الحديث ~~على التأديب غير ظاهر، لا سيما وفي بعض الروايات التصريح بالحد، فمفهوم ~~هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاب فيه ~~بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه، والظاهر أن السائل ما ساله إلا ~~لأنه أشكل عليه مفهوم هذه الآية فالحديث نص في محل النزاع، ولو كان جلد ~~غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه صلى الله عليه وسلم. وبهذا ~~تعلم أن الأقوال ms0252 المخالفة لهذا لا يعول عليها، كقول ابن عباس ومن وافقه ~~المتقدم آنفا، وكالقول بأن غير المحصنة تجلد مائة، وهو المشهور عن داود ~~بن علي الظاهري، ولا يخفى بعده وكالقول بأن الأمة المحصنة ترجم وغير ~~المحصنة تجلد خمسين، وهو قول أبي ثور، ولا يخفى شدة بعده ولعلم عند الله ~~تعالى. ### || [4.34] # قوله تعالى { واللاتي تخافون نشوزهن } الآية. ذكر في هذه ~~الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء، ولم يبين هل يحصل من الرجال ~~نشوز أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أن النشوز أيضا قد يحصل من الرجال، ~~وهو قوله تعالى # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا # النساء 128 الآية. وأصل النشوز في اللغة الارتفاع، فالمرأة الناشز كأنها ~~ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها، وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج ~~عن طاعة الزوج، وكأن نشوز الرجل ارتفاعه أيضا عن المحل الذي فيه الزوجة ~~وتركه مضاجعتها والعلم عند الله تعالى. ### || [4.40] # قوله تعالى { وإن تك حسنة يضاعفها } الآية. لم يبين في هذه ~~الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة، ولا أكثره ولكنه بين في موضع آخر ~~أن أقل ما تضاعف به عشر أمثالها، وهو قوله # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # الأنعام 160. وبين في موضع آخر أن المضاعفة ربما بلغت سبعمائة ضعف إلى ~~ما شاء الله، وهو قوله # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل # البقرة 261 الآية كما تقدم. ### || [4.42] # قوله تعالى { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض } الآية. على القراءات الثلاث ~~معناه أنهم يتمنون أن يستووا بالأرض، فيكونوا ترابا مثلها على اظهر ~~الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ~~يليتني كنت ترابا # النبأ 40. قوله تعالى { ولا يكتمون الله حديثا }. بين في ~~موضع آخر أن عدم الكتم المذكور هنا، إنما هو باعتبار إخبار أيديهم ~~وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم ~~وهو قوله تعالى # اليوم نختم على ms0253 أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # يس 65 فلا يتنافى قوله { ولا يكتمون الله حديثا } مع قوله ~~عنهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23 وقوله عنهم أيضا # ما كنا نعمل من سوء # النحل 28 وقوله عنهم # بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا # غافر 74 للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى. ### || [4.43] # قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون }. ~~بين تعالى في هذه الآية زوال السكر بأنه هو أن يثوب للسكران عقله، حتى ~~يعلم معنى الكلام الذي يصدر منه بقوله { حتى تعلموا ما ~~تقولون } النساء 43. ### || [4.44] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب مع اشترائهم ~~الضلالة يريدون إضلال المسلمين ايضا. وذكر في موضع آخر أنهم كثير، وأنهم ~~يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد وأنهم ~~ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق وهو قوله تعالى # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # البقرة 109. وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا ~~يقع من المسلمين، وإنما يقع منهم - أعني المتمنين الضلال للمسلمين - وهو ~~قوله # ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون # آل عمران 69. ### || [4.47] # قوله تعالى { أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت }. ~~لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن ~~لعنه لهم هو مسخهم قردة ومن مسخه الله قردا غضبا عليه فهو ملعون بلا ~~شك، وذلك قوله تعالى # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # البقرة 65 وقوله # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين # الأعراف 166 والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل ms0254 منهم القردة ~~والخنازير # المائدة 60 لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، كما قاله ~~الألوسي في تفسيره وهو ظاهر واللعنة في اللغة الطرد والإبعاد، والرجل ~~الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته تقول له العرب رجل لعين، ومنه قول ~~الشاعر # ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين # وفي اصطلاح الشرع اللعنة الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعلوم أن المسخ ~~من أكبر أنواع الطرد والإبعاد. ### || [4.48] # قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ~~افترى إثما عظيما }. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا ~~يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء وأن من أشرك به فقد افترى ~~إثما عظيما. وذكر في مواضع أخر أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم ~~يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له كقوله # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # الفرقان 70 الآية فإن الاستثناء راجع لقوله # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # الفرقان68 وما عطف عليه لا معنى الكل جمع في قوله # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # الفرقان 68 الآية. وقوله # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38 وذكر في موضع آخر أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا عن ~~الحق، وهو قوله في هذه السورة الكرمة أيضا # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا ~~بعيدا # النساء 116 وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # المائدة 72 وقوله # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين # الأعراف 50. وذكر في موضع آخر أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوي ms0255 به الريح في مكان سحيق # الحج 31. وصرح في موضع آخر بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقررا ~~له # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13. وذكر في موضع آخر أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم ~~يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # الأنعام 82 وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن معنى بظلم بشرك. ### || [4.49] # قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل ~~الله يزكي من يشآء } الآية. أنكر تعالى عليهم في هذه الآية ~~تزكيتهم أنفسهم بقوله { ألم تر إلى الذين } النساء 49 وبقوله # انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما ~~مبينا # النساء 50 وصرح بالنهي العام عن تزكية النفس وأحرى نفس الكافر التي هي ~~أخس شيء وأنجسه بقوله # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى # النجم 32 ولم يبين هنا كيفية تزكيتهم أنفسهم. ولكنه بين ذلك في مواضع ~~أخر، كقوله عنهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # المائدة 18 وقوله # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # البقرة 111 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [4.57] # قوله تعالى { وندخلهم ظلا ظليلا }. وصف في هذه الآية ~~الكرمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله # أكلها دآئم وظلها # الرعد 35 ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله # وظل ممدود # الواقعة 30 وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله { إن ~~المتقين في ظلال وعيون } المرسلات 41 الآية. وذكر في موضع ~~آخر أنهم في تلك الظلال متكؤون مع أزواجهم على الأرائك وهو قوله # هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # يس 56 والأرائك جمع أريكة وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين ~~للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أهل النار ليس كذلك بقوله # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ms0256 ولا يغني من اللهب # المرسلات 29-31 وقوله # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال في سموم وحميم ~~وظل من يحموم لا بارد ولا كريم # الواقعة 41-44. ### || [4.59] # قوله تعالى { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~} الآية. أمر الله في هذه الآية الكريمة، بأن كل شيء تنازع فيه الناس من ~~أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. لأنه تعالى قال # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 وأوضح هذا المأمور به هنا بقوله # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # الشورى 10 الآية، ويفهم من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز التحاكم إلى ~~غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد أوضح تعالى هذا المفهوم ~~موبخا للمتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~مبينا أن الشيطان أضلهم ضلالا بعيدا عن الحق بقوله # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # النساء 60 وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # البقرة 256. ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة ~~الوثقى وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان. ~~لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه ~~مع الإيمان بالله. لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه، ~~كما هو صريح قوله # فمن يكفر بالطاغوت # البقرة 265 الآية. تنبيه استدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمة، أعني ~~قوله تعالى { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~} الآية، على بطلان القياس قالوا لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب ~~والسنة دون القياس، وأجاب الجمهور بأنه لا دليل لهم في الآية. لأن إلحاق ~~غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب ms0257 ~~والسنة، بل قال بعضهم الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة ~~الله العمل بالكتاب وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس. ~~لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون ~~بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئا وراء ذلك. وقد علم من قوله ~~تعالى { فإن تنازعتم } النساء 59 أنه عند عدم النزاع يعمل ~~بالمتفق عليه، وهو الإجماع قاله الألوسي في تفسيره. ### || [4.61] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يصدون عن ذلك صدودا أي يعرضون إعراضا. وذكر ~~في موضع آخر أنهم إذا دعوا إليه صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم لووا ~~رؤوسهم، وصدوا وستكبروا، وهو قوله # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون # المنافقون 5. ### || [4.65] # أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن ~~أحد حتى يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم ~~به ظاهرا وباطنا ويسلمه تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا ~~منازعة، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، ~~والانقياد التام ظاهرا وباطنا لما حكم به صلى الله عليه وسلم، وهي قوله ~~تعالى # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا # النور 51 الآية. ### || [4.72] # قوله تعالى { فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم ~~الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا }. ذكر في هذه ~~الآية الكريمة أن المنافقين إذا سمعوا بأن المسلمين أصابتهم مصيبة أي من ~~قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم، أو نحو ذلك يقولون إن عدم حضورهم معهم ~~من نعم الله عليهم. وذكر في مواضع أخر أنهم يفرحون بالسوء الذي أصاب ~~المسلمين، كقوله تعالى # وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها # آل عمران 120 وقوله # وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل ويتولوا وهم فرحون # التوبة 50 وقوله تعالى # ولئن أصابكم فضل ms0258 من الله ليقولن كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما # النساء 73 ذكر في هذه الآية الكريمة، أن المنافقين إذا سمعوا أن ~~المسلمين أصابهم فضل من الله، أي نصر وظفر وغنيمة، تمنوا أن يكونوا معهم ~~ليفوزوا بسهامهم من الغنيمة. وذكر في مواضع أخر أن ذلك الفضل الذي يصيب ~~المؤمنين يسوءهم لشدة عداوتهم الباطنة لهم، كقوله تعالى # إن تمسسكم حسنة تسؤهم # آل عمران 120 وقوله # إن تصبك حسنة تسؤهم # التوبة 50. ### || [4.74] # قوله تعالى { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه سوف يؤتى المجاهد في ~~سبيله أجرا عظيما سواء أقتل في سبيل الله، أم غلب عدوه، وظفر به. وبين ~~في موضع آخر أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # التوبة 52 والحسنى صيغة تفضيل. لأنها تأنيث الأحسن. ### || [4.84] # قوله تعالى { وحرض المؤمنين }. لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه ~~المؤمنين، ما هو، وصرح في موضع آخر بأنه القتال، وهو قوله # حرض المؤمنين على القتال # الأنفال 65 وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية { فقاتل في ~~سبيل الله } النساء 84 وقوله في آخرها { عسى الله أن يكف ~~بأس الذين كفروا } النساء 84 الآية. ### || [4.88] # قوله تعالى { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا }. أنكر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله ~~لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم # المائدة 41 وقوله # من يضلل الله فلا هادي له # الأعراف 186 ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع ~~والابتهال إلى الله تعالى أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ~~ومن ms0259 أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون # ربنا لا تزغ قلوبنا # آل عمران 8 الآية. ### || [4.95] # ذكر في هذه الآية الكريمة أنه فضل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وأجرا عظيما، ولم يتعرض لتفضيل بعض ~~المجاهدين على بعض، ولكنه بين ذلك في موضع آخر وهو قوله # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى # الحديد 10 وقوله في هذه الآية الكريمة # غير أولى الضرر # النساء 95 يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة ~~يحصل ثواب المجاهد. وهذا المفهوم صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن ~~بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، ~~قالوا وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال نعم حبسهم العذر " وفي هذا المعنى ~~قال الشاعر # يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا إنا ~~أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر فقد راحا # تنبيه يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة { وكلا وعد الله ~~الحسنى } أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين. لأن القاعدين لو كانوا ~~تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى. وهي الجنة والثواب ~~الجزيل. ### || [4.101-102] # قوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } الآية. قال بعض العلماء المراد بالقصر في قوله { ~~أن تقصروا } في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها، ومعنى قصر كيفيتها ~~أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن. كأن يصلي بعضهم مع ~~الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة ~~الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا ~~من قصر كيفيتها ويدل على أن المراد ms0260 هو هذا القصر من كيفيتها. قوله تعالى ~~بعده يليه مبينا له { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ~~ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } الآية. وقوله تعالى # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # البقرة 239 ويزيده إيضاحا أنه قال هنا # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة # النساء103 وقال في آية البقرة # فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون # البقرة 239. لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ~~ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف. وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن، ~~فشرط الخوف في قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } النساء 101 معتبر أي وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا ~~تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله # فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة # النساء 103 وصرح باشتراط الخوف أيضا لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي ~~والراكب بقوله # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # البقرة 239. ثم قال # فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم # البقرة 239 الآية. يعني فإذا أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتم بركوعها ~~وسجودها، وقيامها وقعودها، على أكمل هيئة وأتمها، وخير ما يبين القرآن ~~القرآن، ويدل على أن المراد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ~~ذكرنا، أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله باب صلاة الخوف وقول الله ~~تعالى { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا ~~مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة ~~أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون ~~عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } ~~النساء 101-102 وما ذكره ابن ms0261 حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في ~~الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولا، ~~وبالسنة فعلا، لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة ~~لينبه على أن قصر الكيفية الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة ~~في قوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } النساء 101 ~~ويؤيده أيضا أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، وقد كان صلى الله عليه ~~وسلم يقصر هو وأصحابه في السفر وهم في غاية الأمن، كما وقع في حجة الوداع ~~وغيرها، وكما قال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة # " أتموا فإنا قوم سفر ". # وممن قال بأن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية لا الكمية مجاهد، ~~والضحاك، والسدي، نقله عنهم ابن كثير وهو قول أبي أبي بكر الرازي الحنفي. ~~ونقل ابن جرير نحوه عن ابن عمر ولما نقل ابن كثير هذا القول عمن ذكرنا ~~قال وعتضدوا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في ~~السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر ". وقد روى هذا ~~الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو ~~داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة أربعتهم عن مالك به. قالوا " فإذا كان ~~أصل الصلاة في السفر اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية؟ لأن ~~ما هو الأصل لا يقال فيه فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ". وأصرح ~~من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإمام أحمد، حدثنا وكيع وسفيان وعبد ~~الرحمن عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه ~~قال # " صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة ~~الجمعة ركعتان تمام غير قصر " # ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ". وهكذا رواه النسائي وابن ماجه ~~وابن حبان في صحيحه من طرق ms0262 عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، ~~وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحا ~~به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى، وإن كان يحيى بن ~~معين وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضاص ~~فقال، فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي، من طريق الثوري عن زبيد عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق ~~يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة عن عمر، ~~فالله أعلم. # وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي ~~عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ، ~~كلاهما عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال " فرض الله ~~الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر اربعا، وفي ~~السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها فكذلك ~~يصلى في السفر ". ورواه ابن ماجه من حديث اسامة بن زيد عن طاوس نفسه، ~~فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي ~~الله عنها لأنها أخبرت أن اصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر ~~فلما استقر ذلك صح أن يقال إن فرض صلاة الحضر اربع، كما قاله ابن عباس ~~والله أعلم. ولكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على ان صلاة السفر ركعتان ~~وأنها تامة غير مقصورة كما هو مصرح به في حديث عمر - رضي الله عنه واعلم ~~أن حديث عائشة المذكور تكلم فيه من ثمان جهات الأولى أنه معارض بالإجماع. ~~قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه المسمى بالقبس. قال ~~علماؤنا هذا الحديث مردود بالإجماع. الثانية أنها هي خالفته، والراوي من ~~أعلم الناس بما روى فهي رضى الله عنها كانت تتم في السفر، قالوا ms0263 ~~ومخالفتها لروايتها توهن الحديث. الثالثة إجماع فقهاء الأمصار على أنه ~~ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم. الرابعة أن غيرها من الصحابة ~~خالفها كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم فقالوا " إن الصلاة فرضت في الحضر ~~اربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " وقد قدمنا رواية مسلم وغيره له ~~عن ابن عباس. الخامسة دعوى أنه مضطرب. لأنه رواه ابن عجلان عن صالح بن ~~كيسان عن عروة عن عائشة قالت " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ~~" وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت " فرض الله ~~الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين " الحديث. قالوا ~~فهذا اضطراب. السادسة أنه ليس على ظاهره. لأن المغرب، والصبح لم يزد ~~فيهما، ولم ينقص. السابعة أنه من قول عائشة لا مرفوع. الثامنة قول إمام ~~الحرمين لو صح لنقل متواترا. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذه ~~الاعتراضات الموردة على حديث عائشة المذكور كلها ساقطة، أما معارضته ~~بالإجماع فلا يخفى سقوطها. لأنه لا يصح فيه إجماع، وذكر ابن العربي نفسه ~~الخلاف فيه. وقال القرطبي بعد ذكره دعوى ابن العربي الإجماع المذكور قلت ~~وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه من ~~الإجماع. # وأما معارضته بمخالفة عائشة له فهي أيضا ظاهرة السقوط. لأن العبرة ~~بروايتها لا برأيها كما هو التحقيق عند الجمهور، وقد بيناه في سورة ~~البقرة في الكلام على حديث طاوس المتقدم في الطلاق. وأما معارضته بإجماع ~~فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم، ~~فجوابه أن فقهاء الأمصار لم يجمعوا على ذلك، فقد ذهب جماعة من العلماء ~~إلى أن المسافر لا يصح اقتداؤه بالمقيم لمخالفتهما في العدد، والنية، ~~واحتجوا بحديث # " لا تختلفوا على إمامكم " # وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس وداود الظاهري وغيرهم. وأما معارضته ~~بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس، فجوابه ما قدمناه آنفا عن ابن كثير ~~من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن ms0264 يقال إن فرض صلاة الحضر ~~أربع كما قال ابن عباس. وأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط. لأنه ليس ~~فيه اضطراب أصلا، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد. لأن الله، هو ~~المشرع والرسول هو المبين، فإذا قيل فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ~~ذلك عن الله فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 ونظيره حديث # " إن إبراهيم حرم مكة " # مع حديث # " إن مكة حرمها الله " # الحديث. وأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط ~~أيضا. لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر، مع أن ~~بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قالت " فرضت ~~صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر ~~لطول القراءة وصلاة المغرب. لأنها وتر النهار " وعند أحمد من طريق ابن ~~كيسان في حديث عائشة المذكور " إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا ". وهذه ~~الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر، وأما رده بأنه غير ~~مرفوع فهو ظاهر السقوط. لأنه مما لا مجال فيه للرأي فله حكم المرفوع، ولو ~~سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من ~~النبي صلى الله عليه وسلم في زمنها معه، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه ~~فهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل. وأما قول إمام الحرمين ~~إنه لو ثبت النقل متواترا فهو ظاهر السقوط. لأن مثل هذا لا يرد بعدم ~~التواتر، فإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث ~~عن عائشة وابن عباس وعمر - رضي الله عنهم - فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق ~~الحديث عن عمر، وابن عباس، وعائشة قال ما نصه وإذا كان كذلك فيكون ~~المراد بقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة } النساء 101 قصر الكيفية كما في صلاة ms0265 الخوف. # ولهذا قال { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~النساء 101 الآية. ولهذا قال بعدها { وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة } النساء 102 الآية. فبين المقصود من القصر ها هنا، ~~وذكر صفته وكيفيته اه. محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا ~~وهو اختيار بن جرير. وعلى هذا القول فالآية في صلاة الخوف وقصر الصلاة في ~~السفر عليه مأخوذ من السنة لا من القرآن، وفي معنى الآية الكريمة أقوال ~~أخر. أحدها أن معنى { أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا } الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة ~~الخوف كما قدمنا آنفا من حديث ابن عباس عند مسلم، والنسائي، وأبي داود، ~~وابن ماجه. وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس. وقد روى نحوه أبو داود، ~~والنسائي من حديث حذيفة قال # " فصلى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا " # ورواه النسائي أيضا من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة، الثوري وإسحاق ومن ~~تبعهما. وروي عن أحمد بن حنبل وعطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، ~~وقتادة، وحماد، والضحاك. وقال بعضهم يصلى الصبح في الخوف ركعة، وإليه ذهب ~~ابن حزم، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي. وبالاقتصار على ركعة واحدة في ~~الخوف، قال ابو هريرة، وابو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من ~~قيده بشدة الخوف. وعلى هذا القول فالقصر في قوله تعالى { أن تقصروا ~~من الصلاة } النساء 101 قصر كمية. وقال جماعة إن المراد بالقصر في ~~قوله { أن تقصروا من الصلاة } هو قصر الصلاة في السفر. قالوا ~~ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله { إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } النساء 101. لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه ~~الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة. وقد تقرر ~~في الأصول، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج ~~الغالب، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله # اللاتي في حجوركم # النساء 103 لجريانه على الغالب. ms0266 قال في مراقي السعود في ذكر موانع ~~اعتبار مفهوم المخالفة # أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب # واستدل من قال إن المراد بالآية قصر الرباعية في السفر بما أخرجه مسلم ~~في صحيحه، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، عن يعلى بن أمية قال قلت ~~لعمر بن الخطاب { فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~النساء 101 فقد أمن الناس. قال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عن ذلك، فقال # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". # فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره يدل على أن يعلى بن أمية، وعمر ~~بن الخطاب رضي الله عنهما، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في ~~السفر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، أقر عمر على فهمه لذلك، وهو دليل ~~قوي، ولكنه معارض بما تقدم عن عمر من أنه قال " صلاة السفر ركعتان تمام ~~غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم " ويؤيده حديث عائشة، وحديث ~~ابن عباس المتقدمان. وظاهر الآيات المتقدمة الدالة على أن المراد بقوله { ~~أن تقصروا من الصلاة } قصر الكيفية في صلاة الخوف، كما ~~قدمنا، والله تعالى أعلم، وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون ~~إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ~~ثلاثية، وقد تكون ثنائية ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا ~~يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى رجالا، وركبانا مستقبلي القبلة، ~~وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، ~~وهيئاتها، وكيفياتها مفصلة في كتب الحديث والفروع، وسنذكر ما ذهب إليه ~~الأئمة الأربعة منها إن شاء الله. أما مالك بن أنس، فالصورة التي أخذ بها ~~منها هي أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة في الثنائية، وركعتين في ~~الرباعية والثلاثية، ثم تتم باقي الصلاة، وهو اثنتان في الرباعية، وواحدة ~~في الثنائية والثلاثية، ثم يسلمون ويقفون وجاه العدو، وتأتي الطائفة ~~الأخرى فيجدون الإمام قائما ينتظرهم، ms0267 وهو مخير في قيامه بين القراءة، ~~والدعاء، والسكوت إن كانت ثنائية، وبين الدعاء والسكوت إن كانت رباعية أو ~~ثلاثية. وقيل ينتظرهم في الرباعية والثلاثية جالسا فيصلي بهم باقي ~~الصلاة، وهو ركعة في الثنائية، والثلاثية، وركعتان في الرباعية، ثم يسلم ~~ويقضون ما فاتهم بعد سلامه، وهو ركعة في الثنائية، وركعتان في الرباعية ~~والثلاثية. فتحصل أن هذه الصورة، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة أو ~~اثنتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ويقفون في وجه العدو، ثم تأتي الأخرى ~~فيصلي بهم الباقي، ويسلم ويتمون لأنفسهم. قال ابن يونس في هذه الصورة ~~التي ذكرنا، وحديث القاسم أشبه بالقرآن، وإلى الأخذ به رجع مالك اه. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - مراد ابن يونس، أن الحديث الذي رواه مالك في ~~الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن ~~خوات، عن سهل بن أبي حثمة، بالكيفية التي ذكرنا، هو الذي رجع إليه مالك، ~~ورجحه أخيرا على ما رواه، أعني مالكا، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن ~~خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة ~~الخوف. # الحديث، و الفرق بين رواية القاسم بن محمد، وبين رواية يزيد بن رومان، ~~أن رواية يزيد بن رومان فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة ~~الأخرى الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم ~~بهم، وقد عرفت أن رواية القاسم عند مالك في الموطأ، أنه يصلي بالطائفة ~~الأخرى الركعة الباقية ثم يسلم فيتمون بعد سلامه لأنفسهم. قال ابن عبد ~~البر مشيرا إلى الكيفية التي ذكرنا، وهي رواية القاسم بن محمد، عند ~~مالك، وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما ~~اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات إن الإمام لا ينتظر المأموم، ~~وإن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، وحديث القاسم هذا الذي أخرجه ~~مالك في الموطأ موقوف على سهل، إلا أن له حكم الرفع. لأنه لا مجال للرأي ms0268 ~~فيه والتحقيق أنه مرسل صحابي. لأن سهلا كان صغيرا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وجزم الطبري، وابن حبان، وابن السكن، وغيرهم بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم توفي وسهل المذكور ابن ثماني سنين، وزعم ابن حزم، أنه ~~لم يرد عن أحد من السلف القول بالكيفية التي ذكرنا أنها رجع إليها مالك، ~~ورواها في موطئه عن القاسم بن محمد، هذا هو حاصل مذهب مالك في كيفية صلاة ~~الخوف. قال أولا بأن الإمام يصلي بالطائفة الأولى، ثم تتم لأنفسها، ثم ~~تسلم، ثم يصلي بقية الصلاة بالطائفة الأخرى وينتظرها حتى تتم، ثم يسلم ~~بها ورجع إلى أن الأمام يسلم إذا صلى بقية صلاته مع الطائفة الأخرى، ولا ~~ينتظرهم حتى يسلم بهم بل يتمون لأنفسهم بعد سلامه، كما بينا. والظاهر أن ~~المبهم في رواية يزيد بن رومان في قول صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، الحديث، أنه أبوه خوات بن جبير الصحابي، رضي ~~الله عنه، لا سهل بن حثمة، كما قال بعضهم. قال الحافظ في الفتح ولكن ~~الراجح أنه أبوه خوات بن جبير. لأن أبا أويس، روى هذا الحديث، عن يزيد بن ~~رومان شيخ مالك فيه فقال عن صالح بن خوات، عن أبيه، أخرجه ابن منده في ~~معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي، من طريق عبيد الله بن عمر، ~~عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه ~~بأنه ابوه خوات، وقال إنه محقق من رواية مسلم وغيره، قلت وسبقه إلى ذلك ~~الغزالي، فقال إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير اه. محل الغرض ~~منه بلفظه. ولم يفرق المالكية بين كون العدو إلى جهة القبلة وبين كونه ~~إلى غيرها، وأما إذا اشتد الخوف والتحم القتال، ولم يمكن لأحد منهم ترك ~~القتال فإنهم يصلونها رجالا وركبانا إيماء مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها، كما نص عليه تعالى بقوله # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # البقرة 239. الآية. وأما الشافعي - رحمه الله - فإنه اختار ms0269 من هيئات ~~صلاة الخوف أربعا إحداها هي التي ذكرنا آنفا عند اشتداد الخوف والتحام ~~القتال، حتى لا يمكن لأحد منهم ترك القتال، فإنهم يصلون كما ذكرنا رجالا ~~وركبانا إلخ الهيئة. الثانية هي التي صلاها صلى الله عليه وسلم ببطن ~~نخل، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى صلاتهم كاملة ثم يسلمون جميعهم الإمام ~~والمأمومون ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت في وجه العدو فيصلي بهم مرة ~~أخرى هي لهم فريضة وله نافلة، وصلاة بطن نخل هذه رواها جابر وأبو بكرة، ~~فأما حديث جابر فرواه مسلم أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى ~~بالطائفة الأخرى ركعتين. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ~~وصلى بكل طائفة ركعتين. وذكره البخاري مختصرا ورواه الشافعي والنسائي ~~وابن خزيمة من طريق الحسن عن جابر وفيه أنه سلم من الركعتين أولا ثم صلى ~~ركعتين بالطائفة الأخرى. وأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود والنسائي ~~وابن حبان والحاكم والدارقطني، وفي رواية بعضهم أنها الظهر، وفي رواية ~~بعضهم أنها المغرب، وإعلال ابن القطان لحديث أبي بكرة هذا بأنه أسلم بعد ~~وقوع صلاة الخوف بمدة، مردود بأنا لو سلمنا أنه لم يحضر صلاة الخوف ~~فحديثه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لهم حكم الوصل كما هو معلوم، واعلم أن ~~حديث أبي بكرة ليس فيه أن ذلك كان ببطن نخل. وقد استدل الشافعية بصلاة ~~بطن نخل هذه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. واعلم أن هذه الكيفية ~~التي ذكرنا أنها هي كيفية صلاة بطن نخل كما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما ~~قد دل بعض الروايات عند مسلم والبخاري وغيرهما على أنها هي صلاة ذات ~~الرقاع، وجزم ابن حجر بأنهما صلاتان، والله تعالى أعلم. وقد دل بعض ~~الروايات على أن صلاة نخل هي صلاة عسفان والله تعالى أعلم. الهيئة ~~الثالثة من الهيئات التي اختارها الشافعي صلاة عسفان، وكيفيتها كما قال ~~جابر رضي الله عنه قال " شهدت مع رسول ms0270 الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا ~~وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا ثم ركع ~~وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود ~~والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ~~وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم ~~انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام ~~الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود ~~والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسلمنا جميعا " هذا لفظ مسلم في صحيحه وأخرج نحوه ~~النسائي والبيهقي من رواية ابن عباس ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان ~~والحاكم من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت وهو صحابي. # وقول ابن حجر في التقريب في الكنى إنه تابعي الظاهر أنه سهو منه رحمه ~~الله، وإنما قلنا إن هذه الكيفية من الكيفيات التي اختارها الشافعي مع ~~أنها مخالفة للصورة التي صحت عنه في صلاة عسفان. لأنه أوصى على العمل ~~بالحديث إذا صح، وأنه مذهبه، و الصورة التي صحت عن الشافعي - رحمه الله - ~~في مختصر المزني والأم أنه قال صلى بهم الإمام وركع وسجد بهم جميعا إلا ~~صفا يليه أو بعض صف ينتظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف ~~الذي حرسهم، فإذا ركع ركع بهم جميعا وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولا ~~إلا صفا أو بعض صف يحرسه منهم، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين ~~حرسوا ثم يتشهدون ثم سلم بهم جميعا معا، وهذا نحو صلاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعسفان، قال ولو تأخر الصف الذي حرس إلى الصف الثاني ~~وتقدم الثاني ms0271 فحرس فلا بأس انتهى بواسطة نقل النووي. والظاهر أن الشافعي ~~- رحمه الله - يرى أن الصورتين أعني التي ذكرنا في حديث جابر وابن عباس ~~وأبي عياش الزرقي والتي نقلناها عن الشافعي كلتاهما جائزة واتباع ما ثبت ~~في الصحيح أحق من غيره، وصلاة عسفان المذكورة صلاة العصر. وقد جاء في بعض ~~الروايات عند أبي داود وغيره أن مثل صلاة عسفان التي ذكرنا صلاها أيضا ~~صلى الله عليه وسلم يوم بني سليم. الرابعة من الهيئات التي اختارها ~~الشافعي - رحمه الله - هي صلاة ذات الرقاع، والكيفية التي اختارها ~~الشافعي منها هي التي قدمنا رواية مالك لها عن يزيد بن رومان، وهي أن ~~يصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ويذهبون ~~إلى وجوه العدو وهو قائم في الثانية يطيل القراءة حتى يأتي الآخرون فيصلي ~~بهم الركعة الباقية ويجلس ينتظرهم حتى يصلوا ركعتهم الباقية، ثم يسلم ~~بهم، وهذه الكيفية قد قدمنا أن مالكا رواها عن يزيد بن رومان عن صالح بن ~~خوات بن جبير عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات ~~الرقاع، وأخرجها الشيخان من طريقه فقد رواه البخاري عن قتيبة عن مالك ~~ومسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك نحو ما ذكرنا، وقد قدمنا أن مالكا قال ~~بهذه الكيفية أولا ثم رجع عنها إلى أن الإمام يسلم ولا ينتظر إتمام ~~الطائفة الثانية صلاتهم حتى يسلم بهم. # وصلاة ذات الرقاع لها كيفية أخرى غير هذه التي اختار الشافعي وهي ثابتة ~~في الصحيحين من حديث ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى ~~الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في ~~مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ركعة، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى هؤلاء ركعة ~~وهؤلاء ركعة. هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري بمعناه، ولم تختلف الطرق عن ابن ~~عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا ~~على التعاقب ms0272 وهو الراجح من حيث المعنى. لأن إتمامهم في حالة واحدة يستلزم ~~تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من ~~حديث ابن مسعود ولفظه ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فصلوا ~~لأنفسهم ركعة، ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ~~ركعة ثم سلموا. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت ~~الطائفة الأولى بعدها، واعلم أن ما ذكره الرافعي وغيره من كتب الفقه من ~~أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى ~~فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا مخالف للروايات ~~الثابتة في الصحيحين وغيرهما، وقال ابن حجر في الفتح إنه لم يقف عليه في ~~شيء من الطرق وأما الإمام أحمد - رحمه الله - فإن جميع أنواع صلاة الخوف ~~الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم جائزة عنده، والمختار منها عنده صلاة ذات ~~الرقاع التي قدمنا اختيار الشافعي لها أيضا، هي أن يصلي الإمام بالطائفة ~~الأولى ركعة ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون ويذهبون إلى وجوه العدو. ثم تأتي ~~الطائفة الخرى فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم يصلون ركعة فإذا أتموها ~~وتشهدوا سلم بهم. وأما الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - فالمختار منها ~~عنده، أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة إن كان مسافرا، أو كانت ~~صبحا مثلا، واثنتين إن كان مقيما، ثم تذهب هذه الطائفة الأولى إلى ~~وجوه العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى ويصلي بهم ما بقي من الصلاة ويسلم، ~~وتذهب هذه الطائفة الأخيرة إلى وجوه العدو، وتجيء الطائفة الأولى، وتتم ~~بقية صلاتها بلا قراءة. لأنهم لاحقون، ثم يذهبون إلى وجوه العدو، وتجيء ~~الطائفة الأخرى فيتمون بقية صلاتهم بقراءة. لأنهم مسبوقون، واحتجوا لهذه ~~الكيفية بحديث ابن عمر المتقدم وقد قدمنا أن هذه الكيفية ليست في رواية ~~الصحيحين وغيرهما لحديث ابن عمر. # وقد قدمنا أيضا من حديث ابن مسعود عند أبي داود أن الطائفة الأخرى لما ~~صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخرى أتموا لأنفسهم فوالوا ~~بين الركعتين، ثم ذهبوا إلى ms0273 وجوه العدو فجاءت الطائفة الأولى فصلوا ~~ركعتهم الباقية. هذا هو حاصل المذاهب الأربعة في صلاة الخوف. وقال النووي ~~في شرح المهذب صلاة ذات الرقاع أفضل من صلاة بطن نخل على أصح الوجهين. ~~لأنها أعدل بين الطائفتين. ولأنها صحيحة بالإجماع وتلك صلاة مفترض خلف ~~متنفل وفيها خلاف للعلماء. والثاني وهو قول أبي إسحاق، صلاة بطن نخل أفضل ~~لتحصل كل طائفة فضيلة جماعة تامة. واعلم أن الإمام في الحضرية يصلي بكل ~~واحدة من الطائفتين ركعتين، وفي السفرية ركعة ركعة، ويصلي في المغرب ~~بالأولى ركعتين عند الأكثر. وقال بعضهم يصلي بالأولى في المغرب ركعة، ~~واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وإن جزم جماعة كثيرة من ~~المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع قبل خيبر، والدليل على ذلك الحديث الصحيح ~~أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ~~مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع. قال البخاري في صحيحه ~~حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو سامة، حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي ~~موسى رضي الله عنه قال " بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن ~~باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، ~~والآخر أبو رهم، إما قال بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين ~~رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، ~~فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر " الحديث...، وفيه التصريح بأن قدوم ~~أبي موسى، حين افتتاح خيبر. وقد قال البخاري أيضا حدثنا محمد بن ~~العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى ~~رضي الله عنه قال " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن في ~~ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا ~~نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع ". الحديث فهذان الحديثان ~~الصحيحان فيهما الدلالة ms0274 الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، وقد قال ~~البخاري رحمه الله باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة ~~من غطفان فنزل نخلا وهي بعد خيبر. لأن أبا موسى جاء بعد خيبر إلخ. وإنما ~~بينا هذا ليعلم به أنه لا حجة في عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق على أنها ~~غير مشروعة في الحضر، بدعوى أن ذات الرقاع قبل الخندق وأن صلاة الخوف ~~كانت مشروعة قبل غزوة الأحزاب التي هي غزوة الخندق، وأنه صلى الله عليه ~~وسلم ما تركها مع أنهم شغلوه وأصحابه عن صلاة الظهر والعصر إلى الليل إلا ~~لأنها لم تشرع في الحضر، بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد ~~الخندق وأشار أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات الرقاع ~~بقوله # ثم إلى محارب وثعلبه ذات الرقاع ناهزوا المضاربه ولم يكن حرب وغورث ~~جرى بهاله الذي لدعثور جرى مع النبي وعلى المعتمد جرت لواحد بلا ~~تعدد # والناظم هذا يرى أنها قبل خيبر تبعا لابن سيد الناس ومن وافقه، ومما ~~اختلف فيه العلماء من كيفيات صلاة الخوف صلاة ذي قرد، وهي أن تصلى كل ~~واحدة مع الإمام ركعة واحدة وتقتصر عليها، وقد قدمنا ذلك من حديث ابن ~~عباس عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه. ومن حديث حذيفة عند أبي ~~داود، والنسائي، وهذه الكيفية هي التي صلاها حذيفة بن اليمان لما قال ~~سعيد بن العاص بطبرستان أيكم صلى صلاة الخوف مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال حذيفة أنا. وصلى بهم مثل ما ذكرنا كما أخرجه النسائي عنه، وعن ~~زيد بن ثابت ورواه أبو داود عن ثعلبة بن زهدم وهو الذي رواه من طريقه ~~النسائي، ولفظ أبي داود عن ثعلبة بن زهدم، قال كنا مع سعيد بن العاص ~~بطبرستان فقام فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف؟ فقال حذيفة أنا. فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. قال ~~أبو داود وكذا رواه عبيد الله بن ms0275 عبد الله ومجاهد عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويزيد الفقير وأبو موسى. قال أبو داود رجل من التابعين ليس ~~بالأشعري جميعا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال بعضهم ~~عن شعبة في حديث يزيد الفقير إنهم قضوا ركعة أخرى، وكذلك رواه سماك ~~الحنفي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه زيد بن ~~ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي ~~صلى الله عليه وسلم ركعتين اه. منه بلفظه. وقال القرطبي في تفسيره ما ~~نصه قال السدي إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن ~~تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا. ~~ويكون للإمام ركعتان، وروي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وكعب وفعله ~~حذيفة بطبرستان، وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك، وروي عن ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ~~ولم يقضوا، وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بأصحابه كذلك يوم غزوة محارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، وبكون كل من الطائفتين ~~تقتصر على ركعة واحدة. # قال أيضا إسحاق وروي عن الإمام أحمد وجمهور العلماء على أن الاقتصار ~~على ركعة واحدة في الخوف لا يجوز، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بذلك من ~~وجهين الأول أن المراد بقول الصحابة الذين رووا ذلك ولم يقضوا أنهم بعد ~~ما أمنوا وزال الخوف، لم يقضوا تلك الصلاة التي صلوها في حالة الخوف ~~وتكون فيه فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلى على تلك الهيئة ~~المخالفة لهيئة صلاة الأمن وهذا القول له وجه من النظر. الوجه الثاني أن ~~قولهم في الحديث ولم يقضوا ms0276 أي في علم من روى ذلك. لأنه قد روي أنهم قضوا ~~ركعة في تلك الصلاة بعينها، ورواية من زاد أولى قاله القرطبي وابن عبد ~~البر، ويدل له ما تقدم من رواية يزيد الفقير عن جابر من طريق شعبة عند ~~أبي داود، أنهم قضوا ركعة أخرى والمثبت مقدم على النافي ويؤيد هذه ~~الرواية كثرة الروايات الصحيحة بعدم الاقتصار على واحدة في كيفيات صلاة ~~الخوف والله تعالى أعلم. وحاصل ما تقدم بيانه من كيفيات صلاة الخوف خمس، ~~وهي صلاة المسايفة الثابتة في صريح القرآن، وصلاة بطن نخل، وصلاة ~~عسفان، وصلاة ذات الرقاع، وصلاة ذي قرد. وقد أشار الشيخ أحمد البدوي ~~الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات قرد بقوله # فغزوة الغابة وهي ذو قرد خرج في إثر لقاحه وجد وناشها سلمة بن ~~الأكوع وهو يقول اليوم يوم الرضع وفرض الهادي له سهمين لسبقه الخيل ~~على الرجلين واستنقذوا ابن حصن عشرا وقسم النبي فيهم جزرا # وقد جزم البخاري في صحيحه بأن غزوة ذات قرد قبل خيبر بثلاث ليال، وأخرج ~~نحو ذلك مسلم في صحيحه عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال فرجعنا من ~~الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا ~~إلى خيبر، فما في الصحيح أثبت مما يذكره اهل السير مما يخالف ذلك، كقول ~~ابن سعد إنها كانت في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وكقول ابن إسحاق ~~إنها كانت في شعبان من سنة ست بعد غزوة لحيان بأيام. ومال ابن حجر في فتح ~~الباري إلى الجمع بين ما في الحديث الصحيح وبين ما ذكره أهل السير بتكرر ~~الخروج إلى ذي قرد، وقرد بفتحتين في رواية الحديث وأهل اللغة يذكرون أنه ~~بضم ففتح أو بضمتين، وقد وردت صلاة الخوف على كيفيات أخر غير ما ذكرنا. # قال ابن القصار المالكي إن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة ~~مواضع. وقال ابن العربي المالكي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين ms0277 مرة. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر ~~والله تعالى أعلم، أن أفضل الكيفيات الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في ~~صلاة الخوف، ما كان أبلغ في الاحتياط للصلاة والتحفظ من العدو. تنبيهان ~~الأول آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة. لأن الأمر ~~بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم. إذ لو كانت غير ~~لازمة لما أمر بها في وقت الخوف. لأنه عذر ظاهر. الثاني لا تختص صلاة ~~الخوف بالنبي صلى الله عليه وسلم بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، ~~والاستدلال على خصوصها به صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { وإذا ~~كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } النساء 102 الآية. ~~استدلال ساقط. وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم # التوبة 103 الآية. واشتراط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم، إنما ورد ~~لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير بين لهم بفعلك. لكونه أوضح من القول كما ~~قاله ابن العربي وغيره، وشذ عن الجمهور أبو يوسف والمزني وقال بقولهما ~~الحسن بن زياد واللؤلؤي وإبراهيم بن عليه فقالوا إن صلاة الخوف لم تشرع ~~بعده صلى الله عليه وسلم واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله { وإذا كنت ~~فيهم } الآية. ورد عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده صلى الله عليه ~~وسلم، وبقوله صلى الله عليه وسلم # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. تنبيه فإن قيل قد قررتم ~~ترجيح أن آية { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة } النساء 101 في صلاة الخوف لا ~~صلاة السفر، وإذن فمفهوم الشرط في قوله { وإذا ضربتم في ~~الأرض } يفهم منه أن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر. فالجواب أن هذا ~~المفهوم قال به ابن الماجشون، فمنع صلاة الخوف في الحضر، واستدل بعضهم ~~أيضا لمنعها فيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق، ~~وفات عليه العصران وقضاهما بعد المغرب، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يصلها ms0278 إلا في سفر، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضا، وأجابوا ~~بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضا. لجريه على الغالب كما تقدم، أو لأنه ~~نزل في حادثة واقعة مبينا حكمها. كما روي عن مجاهد قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها، فهم بهم ~~المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت، وهذه الحادثة وقعت وهم ~~مسافرون ضاربون في الأرض، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم ~~المخالفة كون المنطوق نازلا على حادثة واقعة، ولذا لم يعتبر مفهوم ~~المخالفة في قوله # إن أردن تحصنا # النور 33 ولا في قوله # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # آل عمران 28 لأن كلا منهما نزل على حادثة واقعة فالأول نزل في إكراه ~~ابن أبي جواريه على الزنا، وهن يردن التحصن من ذلك. والثاني نزل في قوم ~~من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين، فنزل القرآن في كل منهما ~~ناهيا عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها، وأشار إليه في ~~المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة # أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع # وأجابوا عن كونه صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق بأن ذلك كان ~~قبل نزول صلاة الخوف، كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي، وبه تعلم عدم ~~صحة قول من قال إن غزوة ذات الرقاع التي صلى بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف، كانت قبل الخندق، وأجابوا عن كونه لم يصلها إلا في ~~السفر، بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي، وعلتها هي الخوف لا ~~السفر، فمتى وجد الخوف وجد حكمها، كما هو ظاهر. نكتة فإن قيل لم لا تكون ~~كل هيئة من هيئات صلاة الخوف ناسخة للتي قبلها. لأنهم كانوا يأخذون ~~بالأحدث فالأحدث، فالجواب من وجهين. الأول هو ما تقدم من أن العدو تارة ~~يكون إلى جهة القبلة وتارة إلى غير جهتها ms0279 إلى آخر ما تقدم، وكل حالة تفعل ~~فيها الهيئة المناسبة لها كما هو ظاهر. الثاني هو ما حققه بعض الاصوليين ~~كابن الحاجب والرهوني وغيرهما من أن الأفعال لا تعارض بينها أصلا، إذ ~~الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا لا كليا حتى ينافي فعلا آخر، فليس ~~للفعل الواقع قدر مشترك بينه وبين غيره، فيجوز أن يقع الفعل واجبا في ~~وقت، وفي وقت آخر بخلافه، وإذن فلا مانع من جواز الفعلين المختلفين في ~~الهيئة لعبادة واحدة وعقده في مراقي السعود بقوله # ولم يكن تعارض الأفعال في كل حالة من الأحوال # وما ذكره المحلى من دلالة الفعل على الجواز المستمر دون القول بحث فيه ~~صاحب نشر البنود في شرح البيت المتقدم آنفا، والعلم عند الله تعالى. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { أن يفتنكم الذين ~~كفروا } النساء 101 معناه ينالونكم بسوء فروع تتعلق بهذه الآية ~~الكريمة على القول بأنها في قصر الرباعية، كما يفهم من حديث يعلى بن أمية ~~عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~مسلم وأحمد وأصحاب السنن كما تقدم. # الفرع الأول أجمع العلماء على مشروعية قصر الرباعية في السفر خلافا لمن ~~شذ وقال لا قصر إلا في حج أو عمرة، ومن قال لا قصر إلا في خوف، ومن قال ~~لا قصر إلا في سفر طاعة خاصة، فإنها أقوال لا معول عليها عند أهل العلم، ~~واختلف العلماء في الإتمام في السفر، هل يجوز أو لا؟ فذهب بعض العلماء ~~إلى أن القصر في السفر واجب. وممن قال بهذا القول أبو حنيفة - رحمه الله ~~- وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ويروى عن ابن عباس وجابر، وبه قال الثوري ~~وعزاه الخطابي في المعالم لأكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار، ونسبه إلى ~~علي وعمر وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن قال وقال ~~حماد بن أبي سليمان يعيد من صلى في السفر اربعا اه. منه بواسطة نقل ~~الشوكاني - رحمه الله - وحجة هذا القول الذي هو ms0280 وجوب القصر ما قدمنا من ~~الأحاديث عن عائشة، وابن عباس، وعمر - رضي الله عنهم - بأن الصلاة فرضت ~~ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ودليل هؤلاء واضح، وذهب ~~جماعة من أهل العلم إلى جواز الإتمام والقصر، كما يجوز الصوم والإفطار، ~~إلا أنهم اختلفوا هل القصر أو الإتمام أفضل؟ وبهذا قال عثمان بن عفان، ~~وسعد بن أبي وقاص، وعائشة رضي الله عنهم. قال النووي في شرح المهذب وحكاه ~~العبدري عن هؤلاء - يعني من ذكرنا - وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ~~والحسن البصري ومالك وأحمد وأبي ثور وداود، وهو مذهب أكثر العلماء ورواه ~~البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة. وعن أنس والمسور بن ~~مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود وابن المسيب وأبي قلابة، واحتج أهل هذا ~~القول بأمور. الأول قوله تعالى { فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة } النساء 101 الآية. لأن التعبير برفع ~~الجناح دليل لعدم اللزوم. الأمر الثاني هو ما قدمنا في حديث يعلى بن أمية ~~عن عمر بن الخطاب من # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في القصر في السفر " صدقة تصدق ~~الله بها عليكم " # الحديث - فكونه صدقة وتخفيفا يدل على عدم اللزوم. الأمر الثالث هو ما ~~رواه النسائي والبيهقي والدارقطني # " عن عائشة - رضي الله عنها - أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأفطر هو صلى الله عليه وسلم وقصر الصلاة وصامت هي وأتمت الصلاة، ~~فأخبرته بذلك، فقال لها " أحسنت ". # قال النووي في شرح المهذب هذا الحديث رواه النسائي والدارقطني والبيهقي ~~بإسناد حسن أو صحيح، قال وقال البيهقي في السنن الكبرى. # قال الدارقطني إسناده حسن، وقال في معرفة السنن والآثار هو إسناد صحيح. ~~قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن ما جاء في هذا الحديث من أن عمرة ~~عائشة المذكورة في رمضان لا يصح. لأن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط. لأنه لم يعتمر إلا ~~أربع عمر الأولى عمرة الحديبية التي صده فيها ms0281 المشركون عن البيت الحرام ~~عام ست. الثانية عمرة القضاء التي وقع عليها عقد الصلح في الحديبية، وهي ~~عام سبع. الثالثة عمرة الجعرانة بعد فتح مكة عام ثمان وكل هذه العمر ~~الثلاث في شهر ذي القعدة بالإجماع وبالروايات الصحيحة. الرابعة عمرته مع ~~حجه في حجة الوداع، ورواية النسائي ليس فيها أن العمرة المذكورة في رمضان ~~ولفظه أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي. قال حدثنا أبو نعيم. قال حدثنا العلاء ~~بن زهير الأزدي. قال حدثنا عبد الرحمن بن الأسود # " عن عائشة " أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت ~~وأفطرت وصمت. قال " أحسنت يا عائشة، وما عاب علي " # اه. الأمر الرابع ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم ~~". # قال النووي في شرح المهذب رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما. قال ~~البيهقي قال الدارقطني إسناده صحيح وضبطه ابن حجر في التلخيص بلفظ يقصر ~~بالياء، وفاعله ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، وتتم بتاءين وفاعله ~~ضمير يعود إلى عائشة فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات ~~الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~البيهقي أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ ~~حدثنا المحاملي حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمر بن ~~سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم. قال علي هذا إسناد صحيح ~~اه. قال البيهقي وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، ~~وطلحة بن عمرو وكلهم ضعيف. الخامس إجماع العلماء على أن المسافر إذا ~~اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجبا حتما لما جاز صلاة أربع ~~خلف الإمام. وأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن ~~المراد ms0282 بكون صلاة السفر ركعتين أي لمن اراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث " ~~تمام غير قصر " بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من ~~تعسف وأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا إن قوله تعالى { فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } النساء 101 في ~~صلاة الخوف كما قدمنا فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا ولو سلمنا أنه في ~~قصر الرباعية فالتعبير بلفظ # فلا جناح عليكم # البقرة 233 لا ينافي الوجوب كما اعترفتم بنظيره في قوله تعالى # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # البقرة 158. لأن السعي فرض عند الجمهور وعن قوله في الحديث # " صدقة تصدق الله بها عليكم " # بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبولها في قوله # " فاقبلوا صدقته " # والأمر يقتضي الوجوب فليس لناعدم قبولها مع قوله صلى الله عليه وسلم # " فاقبلوها " # ، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لا يصح واحد ~~منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت ~~في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقل عنها عروة أنها تأولت. وقال العلامة ابن القيم - ~~رحمه الله - في زاد المعاد ما نصه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا ~~الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب، ~~كيف وهي القائلة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت ~~صلاة السفر فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه. وقال الزهري لهشام بن عروة لما حدثه عن أبيه ~~عنها بذلك، فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال تأولت كما تأول عثمان فإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل ~~حينئذ وجه، ولا يصح أن ms0283 يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد ~~أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ~~ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي ~~تراهم يقصرون. وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم، فإنها أتمت كما أتم ~~عثمان، وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم ~~مع مخالفة غيره له والله أعلم اه. محل الغرض منه بلفظه. قال مقيده - عفا ~~الله عنه- أما استبعاد مخالفة عائشة - رضي الله عنها - للنبي صلى الله ~~عليه وسلم في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له صلى الله عليه وسلم بعد ~~وفاته، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة ولا شك أن المنع من مخالفته ~~في حياته باق بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد ألبتة مخالفة ~~ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة فعلا كان أو قولا أو تقريرا، ولا ~~يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدى الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاد ~~ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا في ذلك، والحديث المذكور فيه إثبات أنها روت عنه ذلك والمثبت ~~مقدم على النافي فبهذا يعتضد الحديث الذي صححه بعضهم وحسنه بعضهم كما ~~تقدم. # والتحقيق أن سند النسائي المتقدم الذي روى به هذا الحديث صحيح، وإعلال ~~ابن حبان له بأن فيه العلاء بن زهير الأزدي. وقال فيه إنه يروي عن الثقاة ~~ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به، مردود بأن العلاء المذكور ثقة ~~كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره، وإعلال بعضهم له بأن عبد الرحمن بن ~~الأسود لم يدرك عائشة مردود بأنه أدركها. قال الدارقطني وعبد الرحمن أدرك ~~عائشة فدخل عليها وهو مراهق، وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه دخل على ~~عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، وذكر صاحب الكمال أنه سمع منها، وذكر ~~البخاري في تاريخه وابن أبي شيبة ما يشهد لذلك، قاله ابن حجر وإعلال ~~الحديث المذكور بأنه ms0284 مضطرب. لأن بعض الرواة يقول عن عبد الرحمن بن الأسود ~~عن أبيه عن عائشة وبعضهم يقول عن عبد الرحمن عن عائشة مردود ايضا، بأن ~~رواية من قال عن أبيه خطأ والصواب عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. قال ~~البيهقي بعد أن ساق أسانيد الروايتين قال أبو بكر النيسابوري هكذا قال ~~أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة، ومن قال عن ابيه في هذا الحديث فقد ~~أخطأ اه. فالظاهر ثبوت هذا الحديث وهو يقوي حجة من لم يمنع إتمام ~~الرباعية في السفر وهم أكثر العلماء، وذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن قصر ~~الرباعية في السفر سنة، وأن من اتم أعاد في الوقت. لأن الثابت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يواظب على القصر في أسفاره وكذلك أبو بكر وعمر ~~وعثمان في غير أيام منى ولم يمنع مالك الإتمام. للأدلة التي ذكرنا والعلم ~~عند الله تعالى. الفرع الثاني اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر ~~فيها الصلاة. فقال مالك والشافعي وأحمد هي أربعة برد، والبريد أربعة ~~فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وتقريبه بالزمان مسيرة يومين سيرا معتدلا، ~~وعندهم اختلاف في قدر الميل معروف واستدل من قال بهذا القول بما رواه ~~مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر ~~الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك وذلك نحو من اربعة برد اه. # وريم موضع. قال بعض شعراء المدينة # فكم من حرة بين المنقى إلى أحد إلى جنبات ريم # وبما رواه مالك عن نافع عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ~~ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك وبين ذات النصب والمدينة ~~اربعة برد، وبما قال مالك إنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة ~~في مثل ما بين مكة والطائف وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين ~~مكة وجدة. قال مالك وذلك اربعة برد وذلك احب ماتقصر فيه الصلاة إلي، وبما ~~رواه ms0285 مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة كل ~~هذه الآثار المذكورة في الموطأ، وممن قال بهذا ابن عمر وابن عباس كما ~~ذكرناه عنهما. وقال البخاري - رحمه الله - في صحيحه وكان ابن عمر وابن ~~عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا اه. ~~وبه قال الحسن البصري والزهري والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور نقله عنهم ~~النووي، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسافة ~~ثلاثة أيام، وممن قال به أبو حنيفة، وهو قول عبد الله بن مسعود وسويد بن ~~غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري وعن أبي حنيفة أيضا ~~يومان وأكثر الثالث، واحتج أهل هذا القول بحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد ~~الثابتين في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا تسافر المراة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم " # وبحديث # " مسح المسافر على الخف ثلاثة أيام ولياليهن " # ، ووجه الاحتجاج بهذا الحديث الأخير أنه يقتضي أن كل مسافر يشرع له مسح ~~ثلاثة ايام ولا يصح العموم في ذلك إلا إذا قدر أقل مدة السفر بثلاثة ~~أيام. لأنها لو قدرت بأقل من ذلك لا يمكنه استيفاء مدته. لانتهاء سفره ~~فاقتضى ذلك تقديره بالثلاثة وإلا لخرج بعض المسافرين عنه اه. والاستدلال ~~بالحديثين غير ظاهر فيما يظهر لي. لأن المراد بالحديث الأول أن المراة لا ~~يحل لها سفر مسافة ثلاثة ايام إلا مع ذي محرم، وهذا لا يدل على تحديد أقل ~~ما يسمى سفرا، ويدل له أنه ورد في بعض الروايات الصحيحة # " لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم ". # وفي بعض الروايات الصحيحة " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة " وفي رواية لمسلم مسيرة يوم وفي ~~رواية له ليلة، وفي رواية أبي داود لا تسافر بريدا، ورواه الحاكم وقال ~~صحيح الإسناد. وقال البيهقي في السنن الكبرى وهذه الرواية في الثلاثة ~~واليومين واليوم صحيحة، ms0286 وكأن النبي صلى الله عليه وسلم # " " سئل عن المرأة تسافر ثلاثا من غير محرم، فقال " لا " ، وسئل عنها ~~تسافر يومين من غير محرم فقال " لا " ، ويوما فقال " لا " # فأدى كل واحد منهم ما حفظ ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدا للسفر اه. ~~منه بلفظه. فظهر من هذا أن الاستدلال على أقل السفر بالحديث غير متجه كما ~~ترى لا سيما أن ابن عمر باويه قد خالفه كما تقدم، والقاعدة عند الحنفية ~~أن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى. وأما الاستدلال بحديث توقيت مسح ~~المسافر بثلاثة أيام بلياليهن فهو أيضا غير متجه، لأنه إذا انتهى سفره ~~قبلها صار مقيما وزال عنه اسم السفر وليس في الحديث أنه لا بد من أن ~~يسافر ثلاثة بل غاية ما يفيده الحديث أن المسافر له في المسح على الخف ~~مدة ثلاثة ايام، فإن مكثها مسافرا فذلك، وإن أتم سفره قبلها صار غير ~~مسافر ولا إشكال في ذلك، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القصر يجوز في ~~مسيرة يوم تام، وممن قال به الأوزاعي وابن المنذر واحتجوا بما تقدم في ~~بعض الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق اسم السفر على ~~مسافة يوم والسفر هو مناط القصر، وبما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، ~~عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم ~~التام، وظاهر صنيع البخاري أنه يختار أنها يوم وليلة. لأنه قال باب في كم ~~يقصر الصلاة وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا لأن ~~قوله وسمى النبي إلخ بعد قوله في كم يقصر الصلاة يدل على أن ذلك هو ~~مناط القصر عنده كما هو ظاهر. وذهب بعض العلماء إلى جواز القصر في قصير ~~السفر وطويله، وممن قال بهذا داود الظاهري قال عنه بعض أهل العلم حتى إنه ~~لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر، واحتج أهل هذا القول بإطلاق الكتاب ~~والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة، وبما رواه مسلم ms0287 في صحيحه عن يحيى ~~بن يزيد الهنائي قال سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ~~ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين " # هذا لفظ مسلم وبما رواه مسلم أيضا في الصحيح عن جبير بن نفير قال " ~~خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على راس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا ~~فصلى ركعتين فقلت له. فقال رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له. ~~فقال إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل " وأجيب من ~~جهة الجمهور بأنه لا دليل في حديثي مسلم المذكورين. # لأنه ليس المراد بهما أن تلك المسافة المذكورة فيهما هي غاية السفر، بل ~~معناه أنه كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر. لأن الظاهر ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن ~~يصليها فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد من المدينة، وكذلك حديث ~~شرحبيل المذكور، فقوله إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين محمول ~~على ما ذكرناه في حديث أنس وهو كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي ~~الحليفة وأدركته الصلاة فصلى ركعتين لا أن ذا الحليفة غاية سفره قاله ~~النووي وغيره، وله وجه من النظر ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~القصر صريحا فيما دون مرحلتين كما جزم به النووي. قال مقيده - عفا الله ~~عنه - قال ابن حجر في تلخيص الحبير وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة ". # ا.ه وسكت عليه فإن كان صحيحا فهو ظاهر في قصر الصلاة في المسافة ~~القصيرة ظهورا أقوى من دلالة حديثي مسلم المتقدمين. قال مقيده - عفا ~~الله عنه - هذا الذي ذكرنا هو حاصل كلام العلماء في تحديد مسافة القصر ~~والظاهر أنه ليس في تحديدها نص صريح، وقد اختلف فيها على نحو من عشرين ~~قولا، وما ms0288 رواه البيهقي والدارقطني والطبراني عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد " # ضعيف. لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك وكذبه الثوري. وقال ~~الأزدي لا تحل الرواية عنه وراويه عنه إسماعيل بن عياش وروايته عن غير ~~الشاميين ضعيفة وعبد الوهاب المذكور حجازي لا شامي والصحيح في هذا الحديث ~~أنه موقوف على ابن عباس رواه عنه الشافعي بإسناد صحيح ورواه عنه مالك في ~~الموطأ بلاغا وقد قدمناه. والظاهر أن الاختلاف في تحديد المسافة من نوع ~~الاختلاف في تحقيق المناط فكل ما كان يطلق عليه اسم السفر في لغة العرب ~~يجوز القصر فيه. لأنه ظاهر النصوص ولم يصرف عنه صارف من نقل صحيح ومطلق ~~الخروج من البلد لا يسمى سفرا، وقد كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى ~~قباء وإلى أحد ولم يقصر الصلاة، والحديثان اللذان قدمنا عن مسلم محتملان ~~وحديث سعيد بن منصور المتقدم لا نعلم أصحيح هو أم لا؟ فإن كان صحيحا كان ~~نصا قويا في قصر الصلاة في المسافة القصيرة والطويلة، وقصر أهل مكة مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دليل عند بعض العلماء على ~~القصر في المسافة غير الطويلة، وبعضهم يقول القصر في مزدلفة، ومنى، ~~وعرفات من مناسك الحج والله تعالى أعلم. # قال مقيده - عفا الله عنه - أقوى الأقوال فيما يظهر لي حجة، هو قول من ~~قال إن كل ما يسمى سفرا ولو قصيرا تقصر فيه الصلاة، لإطلاق اسفر في ~~النصوص، ولحديثي مسلم المتقدمين، وحديث سعيد بن منصور، وروى ابن أبي ~~شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر يقول " إني لأسافر ~~الساعة من النهار فأقصر ". وقال الثوري سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر ~~يقول " لو خرجت ميلا قصرت الصلاة ". قال ابن حجر في الفتح إسناد كل ~~منهما صحيح اه. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث يبتدئ المسافر ~~القصر، إذا جاوز بيوت بلده بأن خرج من البلد ms0289 كله، ولا يقصر في بيته إذا ~~نوى السفرن ولا في وسط البلد، وهذا هو قول جمهور العلماء منهم الأئمة ~~الأربعة، وأكثر فقهاء الأمصار، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قصر بذي الحليفة، وعن مالك أنه إذا كان في البلد بساتين مسكونة أن ~~حكمها حكم البلد، فلا يقصر حتى يجاوزها، واستدل الجمهور. على أنه لا يقصر ~~إلا إذا خرج من البلد، بأن القصر مشروط بالضرب في الأرض، ومن لم يخرج من ~~البلد لم يضرب في الأرض، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أراد السفر قصر ~~وهو في منزله، وذكر ابن المنذر، عن الحارث بن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا ~~فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن ~~مسعود قال وروينا معناه عن عطاء، وسليمان بن موسى قال وقال مجاهد لا يقصر ~~المسافر نهارا حتى يدخل الليل، وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، ~~وعن عطاء. أنه قال إذا جاوز حيطان داره فله القصر. قال النووي فهذان ~~المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذي الحليفة، حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء، وموافقيه ~~منابذ للسفر اه. منه، وهو ظاهر كما ترى. الفرع الرابع اختلف العلماء في ~~قدر المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها لزمه الإتمام، فذهب مالك، ~~والشافعي، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين إلى أنها أربعة أيام، ~~والشافعية يقولون لا يحسب فيها يوم الدخول، ولا يوم الخروج، ومالك يقول ~~إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح أتم. وقال ابن القاسم في العتبية يلغي يوم ~~دخوله ولا يحسبه، والرواية المشهورة عن أحمد، أنها ما زاد على إحدى ~~وعشرين صلاة. وقال ابو حنيفة - رحمه الله- هي نصف شهر، واحتج من قال ~~بأنها أربعة أيام، بما ثبت في الصحيح من حديث العلاء بن الحضرمي - رضي ~~الله عنه - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر " # هذا لفظ مسلم، وفي رواية له ms0290 عنه # " المهاجر إقامة ثلاث ليال بعد الصدر بمكة " # ، وفي رواية له عنه # " يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا " # ، وأخرجه البخاري في المناقب، عن العلاء بن الحضرمي أيضا بلفظ. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاث للمهاجر بعد الصدر " # اه. قالوا فأذن النبي صلى الله عليه وسلم، للمهاجرين في ثلاثة الأيام ~~يدل على أن من أقامها في حكم المسافر، وأن ما زاد عليها يكون إقامة ~~والمقيم عليه الإتمام، وبما أخرجه مالك في الموطأ بسند صحيح، عن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم ~~تاجرا أن يقيم ثلاثا وأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف، بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما رخص لهم في الثلاث. لأنها مظنة قضاء حوائجهم، ~~وتهيئة أحوالهم للسفر، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة ايام، ~~والاستدلال المذكور له وجه من النظر. لأنه يعتضد بالقياس. لأن القصر شرع ~~لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة ايام، فإنها مظنة لإذهاب مشقة ~~السفر عنه، واحتج الإمام أحمد، على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ~~ثبت في الصحيح من حديث جابر، وابن عباس - رضي الله عنهم - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة، ~~فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، اليوم الرابع، والخامس، والسادس، ~~والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام ~~" # وقد أجمع على إقامتها، وهي إحدى وعشرون صلاة. لأنها أربعة أيام كاملة، ~~وصلاة الصبح من الثامن " قال فإذا أجمع أن يقيم، كما أقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. وروى الأثرم، عن ~~أحمد - رحمه الله - أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس، وحمل ~~الإمام أحمد حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة ~~الوداع عشرا يقصر الصلاة على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه، وأن أنسا أراد ~~مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة. قال مقيده - عفا ms0291 الله عنه - وهذا لا ينبغي ~~العدول عنه لظهور وجهه، ووضوح أنه الحق. تنبيه حديث أنس هذا الثابت في ~~الصحيح، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضا، عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- قال " أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا ~~سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا ". # لأن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في غزوة الفتح، وحديث أنس، في حجة ~~الوداع، وحديث ابن عباس، محمول على أنه صلى الله عليه وسلم، ما كان ~~ناويا الإقامة، والإقامة المجردة عن نية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور، ~~و الله تعالى أعلم. واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - لأنها نصف شهر، بما ~~روى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال # " اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمسة عشر، يقصر ~~الصلاة " # وضعف النووي في الخلاصة، رواية خمسة عشر. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ~~وليس بجيد. لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي، ~~من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس كذلك، واختار أبو ~~حنيفة رواية خمسة عشر، عن رواية سبعة عشر، ورواية ثمانية عشر، ورواية ~~تسعة عشر. لأنها أقل ما ورد فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقا، وأرجح ~~الروايات، وأكثرها ورودا في الروايات الصحيحة رواية تسعة عشر وبها أخذ ~~إسحاق ابن راهويه وجمع البيهقي بين الروايات، بأن من قال تسعة عشر، عد ~~يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة ~~حذف أحدهما. أما رواية خمسة عشر، فالظاهر فيها أن الراوي ظن، أن الأصل ~~رواية سبعة عشر فحذف منها، يوم الدخول، ويوم الخروج، فصار الباقي خمسة ~~عشر، واعلم أن الإقامة المجردة عن النية فيها أقوال للعلماء أحدها أنه ~~يتم بعد أربعة أيام. والثاني بعد سبعة عشر يوما. والثالث ثمانية عشر. ~~والرابع تسعة عشر. والخامس عشرين يوما. والسادس يقصر أبدا حتى يجمع على ~~الإقامة. والسابع للمحارب أن يقصر، وليس ms0292 لغيره القصر بعد إقامة أربعة ~~ايام. وأظهر هذه الأقوال أنه لا يقصر حتى ينوي الإقامة ولو طال مقامه من ~~غير نية الإقامة، ويدل له قصر النبي صلى الله عليه وسلم مدة إقامته في ~~مكة عام الفتح، كما ثبت في الصحيح وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ~~حبان والبيهقي عن جابر قال # " أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ". # وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال ~~والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير ~~عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن ~~أنس فقال " بضع عشرة " وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي ~~بعد إخراجه له ولا أراه محفوظا، وقد روي من وجه آخر عن جابر " بضع عشرة ~~" اه. # وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل وقال الصحيح عن ~~الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال ابن حجر ويحيى لم يسمع من أنس. ~~وقال النووي في شرح المهذب قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو ~~إمام مجمع على جلالته وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث ~~صحيح. لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند اه. ~~منه وعقده صاحب المراقي بقوله # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ # إلخ... واستدل أيضا من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم ~~السفر بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عمران بن حصين - رضي الله ~~عنهما - قال " غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام ~~بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول # " يا أهل البلدة صلوا اربعا فإنا سفر " # فقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فإنا سفر مع إقامته ~~ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عيه ~~إسم المسافر، ويؤيده حديث # " إنما الأعمال بالنيات " # وهذا ms0293 الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال ~~ابن حجر وإنما حسن الترمذي حديثه لشاهده ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما ~~علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق اه. ~~وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقرونا بغيره. وقال الترمذي في حديثه ~~في السفر حسن صحيح وقال صدوق ربما رفع الموقوف ووثقه يعقوب بن شيبة. وقال ~~بعض أهل العلم اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري، وعبد الوراث، ~~وخلق. وقال الدارقطني إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب ~~للصواب فيه، لكن يتقى منه ما كان بعد الاختلاط. اه. إلى غير ذلك من ~~الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، " وقد أقام الصحابة ~~برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه ~~بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه. وقد روى ~~أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل عن ابن عمر أنه قال " كنت بأذربيجان لا ~~أدري قال أربعة اشهر أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين " وأخرجه ~~البيهقي. وقال ابن حجر في التلخيص إن إسناده صحيح اه. ومذهب مالك الفرق ~~بين العسكر بدار الحرب فلا يقصر وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام ~~صحاح. الفرع الخامس إذا تزوج المسافر ببلد أو مر على بلد فيه زوجته أتم ~~الصلاة. لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ~~وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال ~~بهذا القول بما رواه الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي في ~~مسنديهما عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - " أنه صلى بأهل منى اربعا ~~وقال يا ايها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة المقيم ". # قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد بعد أن ساق هذا ~~الحديث وهذا أحسن ms0294 ما اعتذر به عن عثمان. يعني في مخالفته النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى وأعل البيهقي حديث ~~عثمان هذا بانقطاعه وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف. قال ابن ~~القيم قال أبو البركات بن تيمية ويمكن المطالبة بسبب الضعف فإن البخاري ~~ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد ~~وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ~~ومالك وأصحابهما اه. منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر ~~لي والله تعالى أعلم أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في ~~السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح ~~مسلم أنه " صدقة تصدق الله بها " اه. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق ~~عليه ذلك كالصوم في السفر ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة " أنها كانت تصلي أربعا قال فقلت لها لو صليت ركعتين فقالت يا ابن ~~أختي إنه لا يشق علي " وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به والله ~~أعلم. الفرع السادس لا يجوز للمسافر في معصية القصر. لأن الترخيص له ~~والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم # المائدة 3 الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير ~~متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له ~~والعاصي بسفره متجانف لإثم والضرورة اشد في اضطرار المخمصة منها في ~~التخفيف بقصر الصلاة ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل ~~على منعه به فيما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من ~~دلالة اللفظ عند الجمهور لا من القياس خلافا للشافعي وقوم كما بيناه ~~مرارا في هذا الكتاب وهو المعروف بإلغاء الفارق وتنقيح المناط، ويسميه ~~الشافعي القياس في معنى الأصل، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد وخالف في ms0295 ~~هذه المسألة أبو حنيفة - رحمه الله - فقال يقصر العاصي بسفره كغيره ~~لإطلاق النصوص. ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس معصية بعينه، وبه قال ~~الثوري والأوزاعي والقول الأول أظهر عندي والله أعلم. ### || [4.103] # قوله تعالى { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا }. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على ~~المؤمنين كتابا أي شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا أي له ~~أوقات يجب بدخولها ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع ~~أخر كقوله # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # الإسراء 78 فأشار بقوله { لدلوك الشمس } وهو زوالها عن كبد ~~السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله { إلى غسق ~~الليل } وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله { وقرآن ~~الفجر } إلى صلاة الصبح وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة. لأنها ركن ~~فيها من التعبير عن الشيء باسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحا ~~كليا، ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة كما قاله جماعة من ~~العلماء. قوله تعالى # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون # الروم 17-18 قالوا المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة وأشار بقوله { ~~حين تمسون } إلى صلاة المغرب والعشاء وبقوله { وحين تصبحون ~~} إلى صلاة الصبح وبقوله { وعشيا } إلى صلاة العصر وبقوله { وحين ~~تظهرون } إلى صلاة الظهر، وقوله تعالى # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل # هود 114. وأقرب الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح ~~أوله وصلاة الظهر والعصر آخره أي في النصف الأخير منه وأشار بزلف من ~~الليل إلى صلاة المغرب والعشاء. وقال ابن كثير يحتمل أن الآية نزلت قبل ~~فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة ~~قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد ~~بطرفي النهار بالصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والمراد بزلف من الليل ~~قيام الليل. قال مقيده - عفا ms0296 الله عنه - الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ~~ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بعيد. لأن الآية نزلت في أبي اليسر ~~في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، ~~وهي آية مدنية في سورة مكية وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة ~~لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخرا، أما أول وقت الظهر ~~فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله ~~تعالى # أقم الصلاة لدلوك الشمس # الإسراء 78 فاللام للتوقيت ودلوك الشمس زوالها عن كبد السماء على ~~التحقيق. وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين. كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض ~~الشمس الحديث، ومعنى تدحض تزول عن كبد السماء. وفي رواية مسلم حين تزول. # وفي الصحيحين عن جابر - رضي الله عنه - كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الظهر بالهاجرة، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه خرج ~~حين زاغت الشمس فصلى الظهر وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس " # الحديث أخرجه الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني ~~والحاكم في المستدرك وقال هو حديث صحيح. وقال الترمذي حديث حسن فإن قيل ~~في إسناده عبد الرحمن بن الحرث بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن بن أبي ~~الزناد، وحكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف وكلهم مختلف فيهم، فالجواب أنهم ~~توبعوا فيه فقد أخرجه عبد الرزاق عن العمري عن عمر بن نافع بن جبير بن ~~مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه. قال ابن دقيق العيد هي متابعة حسنة، ~~وصححه ابن العربي، وابن عبد البر إ.ه، مع أن بعض رواياته ليس في إسنادها ~~عبد الرحمن بن أبي الزناد بل سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث المذكور، عن ~~حكيم بن حكيم المذكور، فتسلم هذه الرواية من التضعيف بعبد الرحمن بن أبي ~~الزناد، ومن ms0297 هذه الطريق أخرجه ابن عبد البر، وقال إن الكلام في إسناده لا ~~وجه له، وكذلك أخرجه من هذا الوجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي، وعن ~~جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~جاءه جبريل، عليه السلام، فقال له قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس " ~~الحديث، أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم. ~~وقال الترمذي قال محمد يعني البخاري، حديث جابر، أصح شيء في المواقيت. ~~قال عبد الحق يعني في إمامة جبريل، وهو ظاهر، وعن بريدة - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن وقت الصلاة، فقال " صل ~~معنا هذين اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا - رضي الله عنه - فأذن ثم ~~أمره فأقام الظهر " # الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة إلى ~~أن قال ثم أمره، فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول قد انتصف ~~النهار، وهو كان أعلم منهم " # الحديث، رواه مسلم أيضا، والأحاديث في الباب كثيرة جدا. وأما الإجماع، ~~فقد أجمع جميع المسلمين على أن اول وقت صلاة الظهر هو زوال الشمس عن كبد ~~السماء، كما هو ضروري من دين الإسلام. وأما آخر وقت صلاة الظهر، فالظاهر ~~من أدلة السنة فيه، أنه عندما يصير ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل ~~الزوال، فإن في الأحاديث المشار إليها آنفا، أنه في اليوم الأول صلى ~~العصر عندما صار ظل كل شيء مثله في إمامة جبريل، وذلك عند انتهاء وقت ~~الظهر، وأصح شيء في ذلك ما اخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو - ~~رضي الله عنهما - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر " # وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه إذا جاء وقت العصر، فقد ذهب وقت الظهر، ~~والرواية المشهورة عن مالك - رحمه الله تعالى - أن هذا الذي ذكرنا تحديده ~~بالأدلة، هو وقت ms0298 الظهر الاختياري، وأن وقتها الضروري يمتد بالاشتراك مع ~~العصر إلى غروب الشمس. وروي نحوه عن عطاء، وطاوس، والظاهر أن حجة أهل هذا ~~القول الأدلة الدالة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت، فمن حديث ابن ~~عباس المشار إليه سابقا " فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى ~~فيه العصر في الأول " وعن ابن عباس أيضا قال # " جمع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف، ولا سفر " # متفق عليه، وفي رواية لمسلم " من غير خوف، ولا مطر " فاستدلوا بهذا على ~~الاشتراك، وقالوا أيضا الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم ~~الثاني، فينبغي أن يزاد في وقت الظهر. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر ~~سقوط هذا الاستدلال، أما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس " فصلى ~~الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر، في اليوم الأول " ~~فيجاب عنه بما أجاب به الشافعي - رحمه الله - وهو أن معنى صلاته للظهر في ~~اليوم الثاني فراغه منها، كما هو ظاهر اللفظ، ومعنى صلاته للعصر في ذلك ~~الوقت، في اليوم الأول ابتداء الصلاة، فيكون قد فرغ من صلاة الظهر في ~~اليوم الثاني عند كون ظل الشخص مثله، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول ~~ابتداء الصلاة، عند كون ظل الشخص مثله أيضا، فلا يلزم الاشتراك، ولا ~~إشكال في ذلك. لأن آخر وقت الظهر، هو أول وقت العصر، ويدل لصحة هذا الذي ~~قاله الشافعي، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - ~~" وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس " فهو دليل صحيح واضح في أنه ~~ابتدأ صلاة الظهر في اليوم الثاني قريبا من وقت كون ظل الشخص مثله، ~~وأتمها عند كون ظله مثله كما هو ظاهر، ونظير هذا التأويل الذي ذهب إليه ~~الشافعي. قوله تعالى # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن # الطلاق 2 وقوله تعالى # فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن # البقرة 232 فالمراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء ~~الأجل. # وأما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس، المتفق عليه أنه صلى الله ms0299 ~~عليه وسلم " جمع بالمدينة من غير خوف، ولا سفر " فيجاب عنه بأنه يتعين ~~حمله على الجمع الصوري جمعا بين الأدلة، وهو أنه صلى الظهر في آخر وقتها ~~حين لم يبق من وقتها إلا قدر ما تصلى فيه، وعند الفراغ منها دخل وقت ~~العصر فصلاها في أوله، ومن صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها ~~كانت صورة صلاته صورة الجمع، وليس ثم جمع في الحقيقة. لأنه أدى كلا من ~~الصلاتين في وقتها المعين لها، كما هو ظاهر، وستأتي له زيادة إيضاح إن ~~شاء الله. وأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل، فهو ~~ظاهر السقوط. لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع، والزيادة في الأوقات ~~المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية. وأما صلاة العصر، فقد دلت نصوص السنة على ~~أن لها وقتا اختياريا، ووقتا ضروريا، أما وقتها الاختياري فأوله ~~عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، ويدخل وقتها بانتهاء ~~وقت الظهر المتقدم بيانه، ففي حديث ابن عباس المتقدم " فصلى العصر حين ~~صار ظل كل شيء مثله ". وفي حديث جابر المتقدم أيضا " فصلى العصر حين صار ~~ظل كل شيء مثله " وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر، كما صرحت به ~~الأحاديث المذكورة وغيرها. وقال الشافعي أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء ~~مثله، وزاد أدنى زيادة. قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان مراد الشافعي ~~أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا ~~بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور لا مخالف ~~له، وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر ~~عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة مع أن الظاهر إمكان ~~تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما. وشذ أبو حنيفة - ~~رحمه الله - من بين عامة العلماء فقال يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل ~~مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرا كان أول وقت العصر. ms0300 ونقل النووي في شرح ~~المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال لم يقل هذا أحد غير أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وحجته حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة ~~العصر فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب ~~الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين ". فقال أهل الكتاب أي ربنا أعطيت هؤلاء ~~قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن أكثر عملا. قال الله ~~تعالى " هل ظلمتكم من أجركم من شيء، قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء ~~" # متفق عليه. قال فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر ومن حين ~~يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس وهو ربع النهار، وليس بأقل من وقت ~~الظهر، بل هو مثله. وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ~~ضرب المثل لا بيان تحديد أوقات الصلاة، والمقصود من الأحاديث الدالة على ~~انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة، وقد ~~تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها مع ~~أن الحديث ليس فيه تصريح بأن أحد الزمنين أكثر من الآخر وإنما فيه أن ~~عملهم أكثر، وكثرة العمل لا تستلزم كثرة الزمن لجواز أن يعمل بعض الناس ~~عملا كثيرا في زمن قليل، ويدل لهذا أن هذه الأمة وضعت عنها الآصار ~~والأغلال التي كانت عليهم. قال ابن عبد البر خالف أبو حنيفة في قوله هذا ~~الآثار والناس وخالفه أصحابه، فإذا تحققت أن الحق كون أول وقت العصر ~~عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال. فاعلم أن آخر وقت ~~العصر جاء في بعض الأحاديث تحديده بأن يصير ظل كل شيء مثليه، وجاء في ~~بعضها تحديده بما ms0301 قبل اصفرار الشمس، وجاء في بعضها امتداده إلى غروب ~~الشمس، ففي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيانه لآخر ~~وقت العصر في اليوم الثاني، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وفي ~~حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وأحمد، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر ~~الشمس، وفي حديث أبي موسى عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، ثم أخر ~~العصر فانصرف منها والقائل يقول احمرت الشمس، وروى الإمام أحمد ومسلم ~~وأصحاب السنن الأربع نحوه من حديث بريدة الأسلمي، وفي حديث عبد الله بن ~~عمرو عند مسلم وقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول. وفي ~~حديث أبي هريرة المتفق عليه ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ~~فقد أدرك العصر. والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات في تحديد آخر وقت ~~العصر أن مصير ظل الشيء مثليه هو وقت تغيير الشمس من البياض والنقاء إلى ~~الصفرة، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، كما قاله بعض المالكية. وقال ~~ابن قدامة في المغني أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء ~~نقية، فقد صلاها في وقتها، وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم ~~استحباب ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبا من الآخر اه. # منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري. وأما الروايات الدالة على ~~امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، ~~وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ، ويدل لهذا الجمع ما ~~رواه الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام ~~فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا " # ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده ~~بلا عذر، وأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس أي غيبوبة قرصها بإجماع ~~المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة ms0302 جبريل " فصلى المغرب حين ~~وجبت الشمس " ، وفي حديث سلمة بن الكوع - رضي الله عنه - أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ". ~~أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، ~~والأحاديث بذلك كثيرة، واختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض ~~العلماء ليس لها إلا وقت واحد وهو قدر ما تصلي فيه من أول وقتها مع ~~مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل ~~هذا القول أن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية ~~في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا فلو كان لها وقت آخر لأخرها في ~~الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات غيرها. والتحقيق أن وقت المغرب ~~يمتد ما لم يغب الشفق. فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ~~المتقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق " # الحديث والمراد بثور الشفق ثوراته وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس أنه ~~حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم وحديث ~~بريدة المتقدم عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع ثم أخر المغرب حتى كان ~~عند سقوط الشفق وفي لفظ " فصلى المغرب قبل سقوط الشفق " ، والجواب عن ~~أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه ~~الأول أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار ~~في كل الصلوات ما سوى الظهر. والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه ~~الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر ~~الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها. # والثالث أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها ~~قاله الشوكاني - رحمه الله - ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة ~~المغرب عند أول وقتها ومذهب الإمام مالك - رحمه الله - امتداد الوقت ~~الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر. وقال البيهقي في السنن ~~الكبرى روينا عن ms0303 ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع ~~الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة ~~للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضا من أنه ~~صلى الله عليه وسلم " جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا ~~سفر " ، فقد روى الشيخان في صحيحهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر، ~~والعصر، والمغرب، والعشاء " # ومعناه أنه يصلي السبع جميعا في وقت واحد والثماني كذلك كما بينته ~~رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال صلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم " سبعا جميعا وثمانيا جميعا ". وفي لفظ لمسلم وأحمد ~~وأصحاب السنن إلا ابن ماجه " جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ~~بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال أراد ألا ~~يحرج أمته، وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح. ~~وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر. وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب ~~حمله على الجمع الصوري لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، ~~وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث ولا يكون بينها خلاف ومما يدل على أن الحمل ~~المذكور متعين، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ " صليت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر ~~وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء " فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد ~~صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري فرواية النسائي هذه ~~صريحة في محل النزاع مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور. وقد تقرر في ~~الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، ~~وكذلك المحدثون وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان. # وبين القاصر من حيث السند أو الدلالة على ما يعتمد # ويؤيده ما رواه الشيخان عن عمرو بن ms0304 دينار أنه قال " يا أبا الشعثاء أظنه ~~أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال وأنا أظنه " وأبو ~~الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس والراوي أدرى بما روى من غيره. # لأنه قد يعلم من سياق الكلام قرائن لا يعلمها الغائب، فإن قيل ثبت في ~~صحيح البخاري وغيره أن أيوب السختياني قال لأبي الشعثاء لعل ذلك الجمع في ~~ليلة مطيرة، فقال أبو الشعثاء عسى. فالظاهر في الجواب والله تعالىأعلم ~~أنا لم ندع الجزم أبي الشعثاء بذلك ورواية الشيخين عنه بالظن، والظن لا ~~ينافي احتمال النقيض وذلك النقيض المحتمل هو مراده بعسى والله تعالى ~~أعلم. ومما يؤيد حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن ~~عمر - رضي الله عنهم - كلاهما ممن روي عنه الجمع المذكور بالمدينة مع أن ~~كلا منهما روي عنه ما يدل على أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري. ~~أما ابن مسعود فقد رواه عنه الطبراني كما ذكره ابن حجر في فتح الباري. ~~وقال الشوكاني في نيل الأوطار رواه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير ~~والأوسط كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ # " جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء، فقيل له في ذلك فقال " صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي " # مع أن ابن مسعود روى عنه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي ~~أنه قال # " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا ~~صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها " # فنفى ابن مسعود للجمع المذكور يدل على أن الجمع المروي عنه الجمع ~~الصوري. لأن كلا من الصلاتين في وقتها وإلا لكان قوله متناقضا والجمع ~~واجب متى ما أمكن. وأما ابن عمر فقد روى عنه الجمع المذكور بالمدينة عبد ~~الرزاق كما قاله الشوكاني أيضا مع أنه روى عنه ابن جرير أنه قال # " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر ~~فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع ms0305 بينهما " # قاله الشوكاني أيضا وهذا هو الجمع الصوري فهذه الروايات معينة للمراد ~~بلفظ جمع. واعلم أن لفظة جمع فعل في سياق الإثبات، وقد قرر أئمة الأصول ~~أن الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه. قال ابن الحاجب في مختصره ~~الأصولي في مبحث العام، ما نصه الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه مثل ~~صلى داخل الكعبة فلا يعم الفرض والنفل. إلى أن قال وكان يجمع بين ~~الصلاتين لا يعم وقتيهما وأما تكرر الفعل فمستفاد من قول الراوي كان يجمع ~~كقولهم كان حاتم يكرم الضيف إلخ. قال شارحه العضد ما نصه وإذا قال كان ~~يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فلا يعم جمعهما ~~بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير في وقت الثانية، وعمومه في الزمان لا ~~يدل عليه أيضا، وربما توهم ذلك من قوله كان يفعل، فإنه يفهم منه التكرار ~~كما إذا قيل كان حاتم يكرم الضيف وهو ليس مما ذكرناه في شيء. # لأنه لا يفهم من الفعل، وهو يجمع. بل من قول الراوي، وهو كان، حتى لو ~~قال جمع لزال التوهم، انتهى محل الغرض منه بلفظه بحذف يسير لما لا حاجة ~~إليه في المراد عندنا فقوله حتى لو قال جمع زال التوهم، يدل على أن قول ~~ابن عباس في الحديث المذكور جمع لا يتوهم فيه العموم، وإذن فلا تتعين ~~صورة من صور الجمع، إلا بدليل منفصل. وقد قدمنا الدليل على أن المراد ~~الجمع الصوري. وقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما لا يفيد العموم ما ~~نصه، والفعل المثبت، ونحو كان يجمع في السفر. قال شارحه صاحب الضياء ~~اللامع ما نصه، ونحو كان يجمع في السفر أي بين الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء، لا عموم له أيضا. لأنه فعل في سياق الثبوت فلا يعم جمعهما ~~بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية، بهذا فسر الرهوني ~~كلام ابن الحاجب إلى أن قال وإنما خص المصنف هذا الفعل الأخير بالذكر مع ~~كونه فعلا في سياق الثبوت. لأن في كان معنى زائد، وهو اقتضاؤها ms0306 مع ~~المضارع التكرار عرفا فيتوهم منها العموم نحو كان حاتم يكرم الضيفان. ~~وبهذا صرح الفهري والرهوني وذكر ولي الدين عن الإمام في المحصول أنها لا ~~تقتضي التكرار عرفا ولا لغة. قال ولي الدين والفعل في سياق الثبوت لا ~~يعم كالنكرة المثبتة، إلا أن تكون في معرض الامتنان كقوله تعالى # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # الفرقان 48 اه. من الضياء اللامع لابن حلولو. قال مقيدة - عفا الله عنه ~~- وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين، ~~وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن وينحل عند الجماعة من البلاغيين عن مصدر ~~وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في معناه إجماعا، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف ~~بمعرف فهو نكرة في المعنى، ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات، وعلى هذا ~~جماهير العلماء وما زعمه بعضهم من أن الجمع الصوري لم يرد في لسان الشارع ~~ولا أهل عصره، فهو مردود بما قدمنا عن ابن عباس عند النسائي وابن عمر عند ~~عبدالرزاق وبما رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه والشافعي وابن ماجه ~~والدارقطني والحاكم من حديث حمنة بنت جحش - رضي الله عنها - # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وهي مستحاضة، فإن قويت على أن ~~تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي حتى تطهري وتصلين الظهر والعصر ~~جمعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين ~~فافعلي وتغتسلين مع الصبح " # قال وهذا أعجب الأمرين إلي، ومما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن ~~عباس جمع صوري ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء # " أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء والمغرب ~~والعشاء ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل " # وفيه رفعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم من طريق ~~عبدالله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة ~~العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي ~~هريرة لابن عباس في ms0307 رفعه. انتهى من فتح الباري. وما ذكره الخطابي وابن ~~حجر في الفتح من أن قوله صلى الله عليه وسلم " صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي " ~~ففي حديث ابن عباس وابن مسعود المتقدمين يقدح في حمله على الجمع الصوري. ~~لأن القصد إليه لا يخلو من حرج، وأنه أضيق من الإيتان بكل صلاة في وقتها. ~~لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما يصعب إدراكه على الخاصة فضلا عن العامة. ~~يجاب عنه بما أجاب به العلامة الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار وهو ~~أن الشارع صلى الله عليه وسلم، قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها وبالغ ~~في التعريف والبيان حتى انه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة ~~فضلا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل ~~الأخرى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، ~~كما كان ديدنه صلى الله عليه وسلم، حتى قالت عائشة - رضي الله عنها - # " ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله " # ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من صلاة كل ~~منهما في أول وقتها، وومن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ~~ابن الماجشون والطحاوي وإمام الحرمين والقرطبي وقواه ابن سيد الناس. بما ~~قدمنا عن ابي الشعثاء ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب في باب ~~المواقيت من كتاب الصلاة، فإن قيل. الجمع الصوري الذي حملتم عليه حديث ~~ابن عباس هو فعل كل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها وهذا ليس ~~برخصة. بل هو عزيمة فأي فائدة إذن في قوله صلى الله عليه وسلم. " لئلا ~~تحرج أمتي " مع كون الأحاديث المعينة للأوقات تشمل الجمع الصوري، وهل حمل ~~الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء ~~مضمونه، فالجواب، هو ما أجاب به العلامة الشوكاني - رحمه الله - أيضا، ~~وهو أنه لا شك أن الأقوال الصادرة منه صلى الله عليه وسلم، في أحاديث ~~توقيت الصلوات شاملة للجمع الصوري كما ذكره المعترض، فلا ms0308 يصح أن يكون رفع ~~الحرج منسوبا إليها. # بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا لما عرفناك منه أنه صلى الله عليه وسلم ~~ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها ~~متحتم لملازمته صلى الله عليه وسلم، لذلك طول عمره فكان في جمعه جمعا ~~صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل. وقد كان اقتداء الصحابة ~~بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة - رضي الله عنهم - من ~~نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم صلى الله عليه وسلم، بالنحر حتى دخل ~~صلى الله عليه وسلم على أم سلمة مغموما فأشارت عليه بأن يحر ويدعو ~~الحلاق يحلق له ففعل. فنحروا جميعا وكادوا يهلكون غما من شدة تراكم ~~بعضهم على بعض حال الحلق ومما يؤيد أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز لغير ~~عذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر " # وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف. ومما يدل على ذلك أيضا ما قاله ~~الترمذي، في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه جميع ما في كتابي هذا من ~~الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، ~~والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر " # إلخ. وبه تعلم أن الترمذي يقول إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل ~~بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري، ~~فيتعين. قال مقيدة - عفا الله عنه - روي عن جماعة من أهل العلم أنهم ~~أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ~~ابن سيرين، وربيعة، وأشهب وابن المنذر، والقفال الكبير. وحكاه الخطابي، ~~عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر، وغيره وحجتهم ما تقدم في الحديث ~~من قوله " لئلا تحرج أمتي " وقد عرفت مما سبق ms0309 أن الأدلة تعين حمل ذلك على ~~الجمع الصوري، كما ذكر، والعلم عند الله تعالى. تنبيه قد اتضح من هذه ~~الأدلة التي سقناها، أن الظهر لا يمتد لها وقت إلى الغروب، وأن المغرب لا ~~يمتد لها وقت إلى الفجر، ولكن يتعين حمل هذا الوقت المنفي بالأدلة على ~~الوقت الاختياري، فلا ينافي امتداد وقت الظهر الضروري إلى الغروب، وقت ~~المغرب الضروري إلى الفجر، كما قاله مالك - رحمه الله - لقيام الأدلة على ~~اشتراك الظهر والعصر في الوقت عند الضرورة، وكذلك المغرب والعشاء، وأوضح ~~دليل على ذلك جواز كل من جمع التقديم، وجمع التأخير في السفر، فصلاة ~~العصر مع الظهر عند زوال الشمس دليل على اشتراكها مع الظهر في وقتها عند ~~الضرورة، وصلاة الظهر بعد خروج وقتها في وقت العصر في جمع التأخير دليل ~~على اشتراكها معها في وقتها عند الضرورة أيضا، وكذلك المغرب والعشاء، ~~أما جمع التأخير بحيث يصلي الظهر في وقت العصر والمغرب في وقت العشاء، ~~فهو ثابت في الروايات المتفق عليها. # فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر ~~الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما ". # قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث. قوله ثم يجمع بينهما أي في وقت العصر، ~~وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده " ثم نزل فجمع بينهما " ~~ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عقيل # " يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها ~~وبين العشاء حين يغيب الشفق " # وله من رواية شبابة، عن عقيل " حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما ~~" اه. منه بلفظه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء " # ولا يمكن حمل هذا الجمع على الجمع الصوري. لأن الروايات الصحيحة التي ~~ذكرنا آنفا فيها التصريح بأنه صلى الظهر في وقت العصر، ms0310 والمغرب بعد ~~غيبوبة الشفق. وقال البيهقي في السنن الكبرى اتفقت رواية يحيى بن سعيد ~~الأنصاري، وموسى بن عقبة، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، وعمر بن ~~محمد بن زيد، عن نافع، على أن جمع ابن عمر بين الصلاتين كان بعد غيبوبة ~~الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال بعد هذا بقليل، ~~ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب، فقد رواه سالم بن عبدالله، ~~وأسلم مولى عمر وعبدالله بن دينار، وإسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي ذؤيب، ~~وقيل ابن ذؤيب عن ابن عمر نحو روايتهم، ثم ساق البيهقي أسانيد روايتهم. ~~وأما جمع التقديم بحيث يصلي العصر عند زوال الشمس مع الظهر في أول وقتها، ~~والعشاء مع المغرب عند غروب الشمس في أول وقتها، فهو ثابت أيضا عنه صلى ~~الله عليه وسلم وإن أنكره من أنكره العلماء، وحاول تضعيف أحاديثه، فقد ~~جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما ~~هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج # " ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما ~~شيئا " # وكان ذلك بعد الزوال، فهذا حديث صحيح فيه التصريح بأنه صلى العصر مقدمة ~~مع الظهر بعد الزوال، وقد روى أبو داود، وأحمد، والترمذي. وقال حسن غريب، ~~وابن حيان، والدارقطني، والبيهقي والحاكم عن معاذ - رضي الله عنه - أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها ~~إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر ~~جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع ~~العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب ". # وإبطال جمع التقديم بتضعيف هذا الحديث، كما حاوله الحاكم، وابن حازم لا ~~عبرة به لما رأيت آنفا من أن جمع التقديم، أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ~~جابر الطويل وعن ابن عباس - رضي الله ms0311 عنهما - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " أنه كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل ~~أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين ~~الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم ~~تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما " # رواه أحمد، ورواه الشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه # " إذا سار قبل أن تزول الشمس آخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في ~~وقت العصر " # ورواه البيهقي، والدارقطني، وروي عن الترمذي أنه حسنه، فإن قيل حديث ~~معاذ معلول بتفرد قتيبة فيه، عن الحفاظ، وبأنه معنعن بيزيد عن أبي حبيب، ~~عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع، كما قاله ابن حازم، وبأن في إسناده ~~أبا الطفيل وهو مقدوح فيه بأنه كان حامل راية المختار بن أبي عبيد، وهو ~~يؤمن بالرجعة، وبأن الحاكم قال هو موضوع، وبأن أبا داود قال ليس في جمع ~~التقديم حديث قائم، وحديث ابن عباس في إسناده حسين بن عبدالله بن ~~عبيدالله بن عباس عن عبدالمطلب وهو ضعيف، فالجواب أن إعلاله بتفرد قتيبة ~~به مردود من وجهين. الأول أن قتيبة بن سعيد - رحمه الله تعالى - بالمكانة ~~المعروفة له، من العدالة والضبط والإتقان، وهذا الذي رواه لم يخالف فيه ~~غيره، بل زاد ما لم يذكره غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقرر في ~~علم الحديث أن زيادات العدول مقبولة لا سيما وهذه الزيادة التي هي جمع ~~التقديم، تقدم ثبوتها في صحيح مسلم من حديث جابر، وسيأتي إن شاء الله ~~أيضا أنها صحت من حديث أنس. الوجه الثاني أن قتيبة لم يتفرد به بل تابعه ~~فيه المفضل بن فضالة. # قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد ما نصه فإن ~~أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل ~~بن فضالة عن الليث بن سعد، عن هشام بن ms0312 سعد، عن أبي الزبير، عن أبي ~~الطفيل، عن معاذ فذكره، فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من ~~المفضل، وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به اه. منه بلفظه. ورواه البيهقي في ~~السنن الكبرى قال أخبرنا أبو علي الروذباري أنبأنا أبو بكر بن داسه حدثنا ~~أبو داود، ثم ساق السند المقتدم آنفا، أعني سند أبي داود الذي ساقه ابن ~~القيم، والمتن فيه التصريح بجمع التقديم، وكذلك رواه النسائي والدارقطني، ~~كما قاله ابن حجر في التلخيص. فاتضح أن قتيبة لم يتفرد بهذا الحديث. لأن ~~أبا داود والنسائي والدارقطني والبيهقي، أخرجوه من طريق أخرى متابعة ~~لرواية قتيبة. وقال ابن حجر في التلخيص إن في سند هذه الطريق هشام بن سعد ~~وهو لين الحديث. قال مقيدة - عفا الله عنه - هشام بن سعد المذكور من رجال ~~مسلم وأخرج له البخاري تعليقا وبه تعلم صحة طريق المفضل المتابعة لطريق ~~قتيبة، ولذا قال البيهقي في السنن الكبرى قال الشيخ، وإنما أنكرو من هذا ~~رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي ~~الطفيل، فهي محفوظة صحيحة. واعلم أنه لا يخفى أن ما يروى عن البخاري - ~~رحمه الله - من أنه سأل قتيبة عمن كتب معه هذا الحديث عن الليث بن سعد ~~فقال كتبه معي خالد المدائني فقال البخاري كان خالد المدائني يدخل على ~~الشيوخ يعني يدخل في روايتهم ما ليس منها، أنه لا يظهر كونه قادحا في ~~رواية قتيبة. لأن العدل الضابط لا يضره أخذ آلاف الكذابين معه. لأنه إنما ~~يحدث بما علمه ولا يضره كذب غيره كما هو ظاهر. والجواب عما قاله ابن حزم ~~من أنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له منه سماع من ~~وجهين الأول أن العنعنة ونحوها لها حكم التصريح بالتحديث عند المحدثين ~~إلا إذا كان المعنعن مدلسا، ويزيد بن أبي حبيب قال فيه الذهبي في تذكرة ~~الحفاظ كان حجة حافظا للحديث وذكر من جملة من روى عنهم أبا الطفيل ~~المذكور وقال ms0313 فيه ابن حجر في التقريب ثقة فقيه، وكان يرسل ومعلوم أن ~~الإرسال غير التدليس. لأن الإرسال في اصطلاح المحدثين هو رفع التابعي ~~مطلقا أو الكبير خاصة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل إسقاط ~~راو مطلقا وهو قول الأصوليين فالإرسال مقطوع فيه بحذف الواسطة بخلاف ~~التدليس فإن الإسناد يحذف فيه الراوي شيخه المباشر له ويسند إلى شيخ شيخه ~~المعاصر بلفظ محتمل للسماع مباشرة وبواسطة، نحو عن فلان وقال فلان فلا ~~يقطع فيه بنفي الواسطة بل هو يوهم الاتصال. # لأنه لا بد فيه من معاصرة من أسند إليه أعني شيخ شيخه، وإلا كان منقطعا ~~كما هو معروف في علوم الحديث وقول ابن حزم لم يعرف له منه سماع ليس ~~بقادح. لأن المعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقى وأحرى السماع فمسلم بن ~~الحجاج لا يشترط في صحيحه إلا المعاصرة فلا يشترط اللقى وأحرى السماع ~~وإنما اشترط اللقى البخاري قال العراقي في ألفيته. # وصححوا وصل معنعن سلم من دلسه رواية واللقا علم وبعضهم حكى بذا ~~إجماعا ومسلم لم يشرط اجتماعا # لكن تعاصر إلخ. وبالجملة فلا يخفى إجماع المسلمين على صحة أحاديث مسلم ~~مع أنه لا يشترط إلا المعاصرة وبه تعلم أن قول ابن حزم ومن وافقه إنه لا ~~تعرف رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لا تقدح في حديثه لما علمت من ~~أن العنعنة من غير المدلس لها حكم التحديث، ويزيد بن أبي حبيب مات سنة ~~ثماني وعشرين بعد المائة، وقد قارب الثمانين. وأبو الطفيل ولد عام أحد ~~ومات سنة عشر ومائة على الصحيح، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما ~~واجتماعهما في قيد الحياة زمنا طويلا، ولا غرو في حكم ابن حزم على ~~رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة، فإنه قد ارتكب أشد من ~~ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري # " ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعارف " # بأنه غير متصل ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد ms0314 قال هشام ~~بن عمار ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري وأن البخاري بعيد جدا ~~من التدليس وإلى رد هذا على ابن حازم أشار العراقي في ألفيته بقوله # وإن يكون أول الإسناد حذف مع صيغة الجزم فتعليقا عرف ولو إلى آخره ~~أما الذي لشيخه عزا بقال فكذى عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حازم ~~المخالف # مع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة - رحمهم الله - الاحتجاج ~~بالمرسل، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقا فهو ~~بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج ~~بعنعنة المدلس من باب أولى كما صرح به غير واحد وهو اضح والجواب عن القدح ~~في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين الأول أن أبا ~~الطفيل صحابي وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~قاله مسلم وعقده ناظم عمود النسب بقوله # آخر من مات من الأصحاب له أبو الطفيل عامر بن واثلة # وأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبدالله بن عمرو بن جحش الليثي ~~نسبة إلى ليث بن بكر بن كنانة، والصحابة كلهم - رضي الله عنهم - عدول وقد ~~جاءت تزكيتهم في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في ~~محله والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور وهو الحق وقال في ~~مراقي السعود # وغيره رواية والصحب تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من ~~رآه إمام مؤتمن # والوجه الثاني هو ما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار وهو أن ~~أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين - رضي الله عنه - وأنه ~~لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة، والجواب عن قول الحاكم إنه موضوع ~~بأنه غير صحيح بل هو ثابت وليس بموضوع. قال العلامة ابن القيم - رحمه ~~الله - وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم يعني الحاكم، وقال ابن ~~القيم أيضا في زاد المعاد قال الحاكم هذا الحديث موضوع وإسناده على شرط ms0315 ~~الصحيح لكن رمي بعلة عجيبة، قال الحاكم حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن ~~بالوية، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد ~~عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " كان في عزوة تبوك إلى أن قال وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر ~~والعصر جمعا ثم سار " # الحديث قال الحاكم هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن ~~ثم لا نعرف له علة بها فلو كان الحديث عن الليث عن أبي الزبير عن أبي ~~الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ~~لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا، ثم نظرنا فلم ~~نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه ~~السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل ~~غير أبي الطفيل، فقلنا الحديث شاذ وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال ~~كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلى ابن ~~المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة ~~سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من ~~قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث ~~علة ثم قال فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون اه. محل الغرض ~~منه بتصرف يسير لا يخل بشيء من المعنى. # وانظره فإن قوله ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به ~~فيه أن سنده الذي ساق فيه عن يزيد عن أبي الطفيل. وبهذا تعلم أن حكم ~~الحاكم على هذا الحديث بأنه موضوع لا وجه له أما رجال إسناده فهم ثقات ~~باعترافه هو، وقد قدمنا لك أن قتيبة تابعه فيه المفضل بن فضالة عند أبي ~~داود ms0316 والنسائي والبيهقي والدارقطني، وانفراد الثقة الضابط بما لم يروه ~~غيره لا يعد شذوذا، وكم من حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما انفرد به عدل ~~ضابط عن غيره، وقد عرفت أن قتيبة لم يتفرد به، وأما متنه فهو بعيد من ~~الشذوذ أيضا. وقد قدمنا أن مثله رواه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله ~~عنه وصح أيضا مثله من حديث أنس. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ~~وقد روى إسحاق بن راهوية حدثنا شبابة، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب ~~عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل " # وهذا إسناد كما ترى. وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج ~~بحديثه وقد روى له مسلم في صحيحه، فهذا الإسناد على شرط الشيخين اه. محل ~~الغرض منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق حديث إسحاق هذا ~~ما نصه وأعل بتفرد إسحاق به عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق ~~وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان اه. منه بلفظه. وروى الحاكم في ~~الأربعين بسند صحيح عن أنس نحو حديث إسحاق المذكور ونحوه لأبي نعيم في ~~مستخرج مسلم قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ساق حديث أنس المتفق عليه، ~~ما نصه وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح # " صلى الظهر والعصر ثم ركب " # ولأبي نعيم في مستخرج مسلم # " كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل ". # وقال ابن حجر في تلخيص الحبير بعد أن ساق حديث الحاكم المذكور بسنده ~~ومتنه ما نصه. وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذري من هذا ~~الوجه والعلائي، وتعجب من كون الحاكم لم يورده في المستدرك قال وله طريق ~~أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ساق الحديث بها وقال تفرد به يعقوب بن ~~محمد. ولا يقدح في رواية الحاكم هذه ما ذكره ابن حجر في الفتح من أن ~~البيهقي ساق سند ms0317 الحاكم المذكور ثم ذكر المتن ولم يذكر فيه زيادة جمع ~~التقديم لما قدمنا من أن من حفظ حجة على من لم يحفظ وزيادة العدول مقبولة ~~كما تقدم. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث معاذ الذي نحن ~~بصدده ما نصه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. # وقال البيهقي هو محفوظ صحيح، وعن أنس قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى ~~الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل " # رواه الإسماعيلي والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب في ~~ثبوت الجمع أخبار صحيحة هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله في المعنى ~~الاستنباط من صورة الإجماع وهي الجمع بعرفات ومزدلفة إذ لا يخفى أن سببه ~~احتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ~~انتهى محل الغرض منه بلفظه. والجواب عن قول أبي داود ليس في جمع التقديم ~~حديث قائم. هو ما رأيت من أنه ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وصح من حديث ~~أنس من طريق إسحاق بن راهوية وأخرجه الحاكم بسند صحيح في الأربعين وأخرجه ~~أبو نعيم في مستخرج مسلم والإسماعيلي والبيهقي وقال إسناده صحيح بلفظ # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى ~~الظهر والعصر جميعا " # إلى آخر ما تقدم. قال الشوكاني في نيل الأوطار قد عرفت أن أحاديث جمع ~~التقديم بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبو داود ليس في جميع ~~التقديم حديث قائم، والجواب عن تضعيف حديث ابن عباس المقتدم في جمع ~~التقديم بأن في إسناده حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس بن عبدالمطلب ~~وهو ضعيف، هو أنه روى من طريقين أخريين بهما يعتضد الحديث حتى يصير أقل ~~درجاته الحسن. الأول أخرجها يحيى بن عبدالحميد الحماني عن أبي خالد ~~الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. والثانية منهما رواها ~~إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن ms0318 ~~بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه قاله ابن حجر في التلخيص ~~والشوكاني في نيل الأوطار. وقال ابن حجر في التلخيص أيضا، يقال إن ~~الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده. ~~وبهذا كله تعلم أن كلا من جمع التقديم وجمع التأخير في السفر ثابت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه صورة مجمع عليها وهي التي رواها مسلم ~~عن جابر في حديثه الطويل في الحج كما قدمنا، وهي جمع التقديم ظهر عرفات ~~وجمع التأخير عشاء المزدلفة. قال البيهقي في السنن الكبرى والجمع بين ~~الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة ~~والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم عن أصحابه ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفات ثم بالمزدلفة ~~اه. # منه بلفظه. وروى البيهقي في السنن الكبرى أيضا عن الزهري أنه سأل سالم ~~بن عبدالله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألم ~~تر إلى صلاة الناس بعرفة اه. منه بلفظه. وقال العلامة ابن القيم - رحمه ~~الله - في زاد المعاد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ويدل على جمع التقديم ~~جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه ~~بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة ~~والحاجة أولى. قال الشافعي وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر. لأن يتصل ~~له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر، والتأخير أرفق بالمزدلفة. لأن يتصل له ~~المسير ولا يقطعه للنزول للمغرب لما في ذلك من التضييق على الناس اه. من ~~زاد المعاد. فبهذه الأدلة التي سقناها في هذا المبحث تعلم أن العصر ~~مشتركة مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وأن العشاء مشتركة مع المغرب في ~~وقتها عند الضرورة أيضا، وأن الظهر مشتركة مع العصر في وقتها عند ~~الضرورة، وأن المغرب مشتركة مع العشاء في وقتها عند الضرورة أيضا، ولا ~~يخفى أن الأئمة الذين خالفوا ms0319 مالكا - رحمه الله تعالى - في امتداد وقت ~~الضرورة للظهر إلى الغروب وامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر كالشافعي ~~وأحمد - رحمهما الله - ومن وافقهما أنهم في الحقيقة موافقون له لا ~~عترافهم بأن الحائض إذا طهرت قبل الغروب بركعة صلت الظهر والعصر معا، ~~وكذلك إذا طهرت قبل طلوع الفجر بركعة صلت المغرب والعشاء كما قدمنا عن ~~ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف، فلو كان الوقت خرج بالكلية لم يلزمها أن ~~تصلي الظهر ولا المغرب للإجماع على أن الحائض لا تقضي ما فات وقته من ~~الصلوات وهي حائض. وقال النووي في شرح المهذب فرع. قد ذكرنا أن الصحيح ~~عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بما تجب به العصر، وبه قال عبدالرحمن بن ~~عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة وأحمد وغيرهم. وقال الحسن وحماد ~~وقتادة والثوري وأبو حنيفة ومالك وداود لا تجب عليه اه. منه بلفظه، ~~ومالك يوجبها بقدر ما تصلى فيه الأولى من مشتركتي الوقت مع بقاء ركعة فهو ~~أربع في المغرب والعشاء وخمس في الظهر والعصر للحاضر، وثلاث للمسافر. ~~وقال ابن قدامة في المغني " وروى هذا القول - يعنى إدراك الظهر مثلا بما ~~تدرك به العصر في الحائض تطهر، عن عبدالرحمن بن عوف وابن عباس وطاوس ~~ومجاهد والنخعي والزهري وربيعة ومالك والليث و الشافعي وإسحاق وأبو ثور. ~~قال الإمام أحمد عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده قال لا ~~تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها، إلى أن قال ولنا ما روى الأثرم ~~وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن عباس ~~أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء، ~~فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا. # ولأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها ~~كما يلزمه فرض الثانية " اه. منه بلفظه مع حذف يسير وهو تصريح من هذا ~~العالم الجليل الحنبلي بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر، وللظهر إلى ~~الغروب كقول مالك - رحمه الله تعالى - وأما أول وقت ms0320 العشاء فقد أجمع ~~المسلمون على أنه يدخل حين يغيب الشفق. وفي حديث جابر وابن عباس ~~المتقدمين في إمامة جبريل في بيان أول وقت العشاء ثم صلى العشاء حين غاب ~~الشفق. وفي حديث بريدة المتقدم عند مسلم وغيره ثم أمره فأقام العشاء حين ~~غاب الشفق. وفي حديث أبي موسى عند مسلم وغيره ثم أمره فأقام العشاء حين ~~غاب الشفق، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا وهو أمر لا نزاع فيه. فإذا ~~علمت إجماع العلماء على أن أول وقت العشاء هو مغيب الشفق، فاعلم أن ~~العلماء اختلفوا في الشفق، فقال بعض العلماء هو الحمرة وهو الحق. وقال ~~بعضهم هو البياض الذي بعد الحمرة، ومما يدل على أن الشفق هو الحمرة ما ~~رواه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة ". # قال الدار قطني في الغرائب هو غريب وكل رواته ثقات، وقد أخرج بان خزيمة ~~في صحيحه عن عبدالله بن عمر مرفوعا، # " ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق " # الحديث. قال ابن خزيمة إن صحت هذه اللفظة أغنت عن غيرها من الروايات، ~~لكن تفرد بها محمد بن يزيد. قال ابن حجر في التلخيص محمد بن يزيد هو ~~الواسطي وهو صدوق، وروى هذا الحديث ابن عساكر وصحح البيهقي وقفه على ابن ~~عمر. وقال الحاكم أيضا إن رفعة غلط، بل قال البيهقي روي هذا الحديث عن ~~عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس، ولا يصح فيه شيء ولكن ~~قد علمت أن الإسناد الذي رواه ابن خزيمة به في صحيحه ليس فيه مما يوجب ~~تضعيفه إلا محمد بن يزيد، وقد علمت أنه صدوق، ومما يدل على أن الحمرة ~~الشفق ما رواه البيهقي في سننه عن النعمان بن بشير. قال # " أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء " كان صلى الله عليه وسلم يصليها ~~لسقوط القمر الثالثة " # لما حققه غير واحد من أن البياض لا يغيب إلا بعد ثلث الليل وسقوط القمر ~~لثالثة الشهر قبل ذلك ms0321 كما هو معلوم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار ومن ~~حجج القائلين بأن الشفق الحمرة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم # " أنه صلى العشاء لسقوط القمر الثالثة الشهر " # أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. قال ابن العربي وهو صحيح وصلى ~~قبل غيبوبة الشفق. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي وقد علم كل من له ~~علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو ~~الذي حد صلى الله عليه وسلم خروج أكثر الوقت به فصح يقينا أن وقتها داخل ~~قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي ~~هو البياض فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل يقينا بالشفق الذي هو الحمرة ~~اه. وابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعا لما تقدم في حديث جبريل ~~وحديث التعليم، وهذا الحديث وغير ذلك انتهى منه بلفظه وهو دليل واضح على ~~أن الشفق الحمرة لا البياض، وفي القاموس الشفق الحمرة ولم يذكر البياض. ~~وقال الخليل والفراء وغيرهما من أئمة اللغة. الشفق الحمرة وما روي عن ~~الإمام أحمد - رحمه الله - من أن الشفق في السفر هو الحمرة وفي الحضر هو ~~البياض الذي بعد الحمرة لا يخالف ما ذكرنا. لأنه من تحقيق المناط لغيبوبة ~~الحمرة التي هي الشفق عند أحمد وإيضاحه أن الإمام أحمد - رحمه الله - ~~يقول " الشفق هو الحمرة " والمسافر. لأنه في الفلاة والمكان المتسع يعلم ~~سقوط الحمرة، أما الذي في الحضر فالأفق يستتر عنه بالجدران فيستظهر حتى ~~يغيب البياض ليستدل بغيبوبته على مغيب الحمرة، فاعتباره لغيبة الياض ~~لدلالته على مغيب الحمرة لا لنفسه اه. من المغني لابن قدامة. وقال أبو ~~حنيفة - رحمه الله - ومن وافقه، الشفق البياض الذي بعد الحمرة، وقد علمت ~~أن التحقيق أنه الحمرة، وأما آخر وقت العشاء فقد جاء في بعض الروايات ~~الصحيحة انتهاؤه عند ثلث الليل الأول، وفي بعض الروايات الصحيحة نصف ~~الليل، وفي بعض الروايات الصحيحة ما يدل على امتداده إلى طلوع الفجر. فمن ~~الروايات بانتهائه إلى ثلث الليل، ما أخرجه ms0322 البخاري في صحيحه عن عائشة - ~~رضي الله عنها - # " كانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول ". # وفي حديث أبى موسى، وبريدة المتقدمين في تعليم من سأل عن مواقيت الصلاة ~~عند مسلم وغيره # " أنه صلى الله عليه وسلم في الليلة الأولى أقام العشاء حين غاب الشفق، ~~وفي الليلة الثانية أخره حتى كان ثلث الليل الأول، ثم قال الوقت فيما بين ~~هذين ". # وفي حديث جابر، وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل # " أنه في الليلة الأولى صلى العشاء حين مغيب الشفق، وفي الليلة الثانية ~~صلاها حين ذهب ثلاث الليل، وقال الوقت فيما بين هذين الوقتين " # إلى غير ذلك من الروايات الدالة على انتهاء وقت العشاء عند ذهاب ثلث ~~الليل الاول. ومن الروايات الدالة على امتداده إلى نصف الليل، ما أخرجه ~~الشيخان في صحيحهما عن أنس - رضي الله عنه - قال # " أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال ~~قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها " # قال أنس كأني أنظر إلى وبيض خاتمة ليلتئذ. وفي حديث عبدالله بن عمرو ~~المتقدم عند أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبي داود # " ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل " # وفي بعض رواياته # " فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل ". # ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الفجر ما رواه أبو قتادة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت ~~الآخرى " # رواه مسلم في صحيحه. واعلم أن عموم هذا الحديث مخصوص بإجماع المسلمين ~~على أن وقت الصبح لا يمتد بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، فلا وقت للصبح ~~بعد طلوع الشمس إجماعا، فإن قيل يمكن تخصيص حديث أبي قتادة هذا ~~بالأحاديث الدالة على أنتهاء وقت العشاء إلى نصف الليل. فالجواب أن الجمع ~~ممكن، وهو واجب إذا أمكن وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه ~~الجمع أن التحديد ms0323 بنصف الليل للوقت الاختياري والامتداد إلى الفجر للوقت ~~الضروري. ويدل لهذا إطباق من ذكرنا سابقا من العلماء على أن الحائض إذا ~~طهرت قبل الصبح بركعة صلت المغرب، والعشاء، ومن خالف من العلماء فيما ~~ذكرنا سابقا إنما خالف في المغرب لا في العشاء، مع أن الأثر الذي قدمنا ~~في ذلك عن عبدالرحمن بن عوف، وابن عباس لا يبعد أن يكون في حكم المرفوع. ~~لأن الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، كما تقرر في علوم ~~الحديث، ومعلوم أن انتهاء أوقات العبادات كابتدائها لا مجال للرأي فيه. ~~لأنه تعبدي محض. وبهذا تعرف وجه الجمع بين ما دل على انتهائه بنصف الليل ~~وما دل على امتداده إلى الفجر، ولكن يبقى الإشكال بين روايات الثلث ~~وروايات النصف، والظاهر في الجمع والله تعالى أعلم أنه جعل كل ما بين ~~الثلث والنصف وهو السدس ظرفا لآخر وقت العشاء الاختياري. وإذن فالآخرة ~~أول وآخر وإليه ذهب ابن سريج من الشافعية، وعلى أن الجميع بهذا الوجه ليس ~~بمقنع فليس هناك طريق إلا الترجيح بين الروايات. فبعض العلماء رجح روايات ~~الثلث بأنها أحوط في المحافظة على الوقت المختار وبأنها محل وفاق لاتفاق ~~الروايات على أن من صلى العشاء قبل الثلث فهو مؤد صلاته في وقتها ~~الاختياري، وبعضهم رجح روايات النصف بأنها زيادة صحيحة وزيادة العدل ~~مقبولة. # وأما أول وقت صلاة الصبح فهو عند طلوع الفجر الصادق بإجماع المسلمين وهو ~~الفجر الذي يحرم الطعام والشراب على الصائم. وفي حديث أبي موسى، وبريدة ~~المتقدمين عند مسلم وغيره # " وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم ~~بعضا ". # الحديث. وفي حديث جابر المتقدم. في إمامة جبريل أيضا # " ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم " # ومعلوم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب لا يحرم الطعام على الصائم، ~~ولا تجوز به صلاة الصبح والصادق بخلاف ذلك فيهما، وأما آخر وقت صلاة ~~الصبح فقد جاء في بعض الروايات تحديده بالإسفار، وجاء في بعضها امتداده ~~إلى طلوع الشمس، ms0324 فمن الروايات الدالة على انتهائه بالإسفار ما في حديث ~~جابر المذكور آنفا # " ثم جاءه حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ". # وفي حديث ابن عباس المتقدم آنفا # " ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض " # الحديث. وهذا في بيانه لآخر وقت الصبح المختار في اليوم الثاني. وفي ~~حديث أبي موسى وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره # " ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول طعلت الشمس أو كادت ~~". # ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الشمس ما أخرجه مسلم في صحيحه ~~وغيره من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - # " ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس ". # وفي رواية لمسلم # " ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول " # والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات أن الوقت المنتهي إلى الإسفار هو ~~وقت الصبح الاختياري، والممتد إلى طلوع الشمس وقتها الضروري، وهذا هو ~~مشهور مذهب مالك. وقال بعض المالكية لا ضروري للصبح فوقتها كله إلى طلوع ~~الشمس وقت اختيار، وعليه فوجه الجمع هو ما قدمنا عن ابن سريج في الكلام ~~على آخر وقت العشاء، والعلم عند الله تعالى. فهذا الذي ذكرنا هو تفصيل ~~الأوقات الذي أجمل في قوله تعالى { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } النساء103 وبين بعض البيان في ~~قوله تعالى # أقم الصلاة لدلوك الشمس # الإسراء78 الآية. وقوله # وأقم الصلاة طرفي النهار # هود114 الآية. وقوله # فسبحان الله حين تمسون # الروم17 الآية. والعلم عند الله تعالى. ### || [4.104] # نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن، وهو الضعف في ~~طلب أعدائهم الكافرين، وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل ~~والجراح فالكفار كذلك، والمسلم يرجو من الله من الثواب والرحمة ما لا ~~يرجوه الكافر فهو أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات ~~متعددة كقوله # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح ~~مثله # آل عمران 139-140 وكقوله # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم ولن يتركم ms0325 أعمالكم # محمد 35 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [4.111] # قوله تعالى { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على ~~نفسه }. ذكر في هذه الآية أن من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص ~~نفسه لا غيرها، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى # الأنعام 164 وقوله # ومن أسآء فعليها # الجاثية 15 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [4.113] # قوله تعالى { وعلمك ما لم تكن تعلم } الآية. ذكر في هذه ~~الآية الكريمة أنه علم نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يكن يعلمه، وبين في ~~مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # الشورى 52 الآية. وقوله # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # يوسف 3 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [4.114] # قوله تعالى { لا خير في كثير من نجواهم } الآية. ذكر ~~في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه. ~~ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن ~~به المؤمنين وهو قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ~~وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي ~~إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن ~~الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون # المجادلة 9-10 وقوله في هذه الآية الكريمة { أو إصلاح بين ~~الناس } النساء 114 لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار ~~أو لا. ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح ~~بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم # الحجرات 10. وقوله # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهم # الحجرات 9 فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن ms0326 غيرهم ليس كذلك كما هو ~~ظاهر، وكقوله تعالى # فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم # الأنفال 1. وقال بعض العلماء إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في ~~قوله { إلا من أمر بصدقة أو معروف } يبينه. قوله ~~تعالى # والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر # العصر 1-3 وقوله # إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # النبأ 38 والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة، والأمر بالمعروف المذكور ~~إنما هو في الدنيا والعلم عند الله تعالى. ### || [4.117] # قوله تعالى { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا }. المراد في ~~هذه الآية. بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # يس 60 الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له # يأبت لا تعبد الشيطان # مريم 44 وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية وقوله # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم # الأنعام 137 ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين ~~في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه ~~وإيثاره على ما جاءت به الرسل من عند الله تعالى كقوله # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # الأنعام 121 وقوله # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # التوبة 31 الآية # " فإن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم كيف ~~اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم " إنهم أحلوا لهم ما ~~حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم " # وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا ويفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبس ~~فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل، فهو كافر ~~بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى اتباعه للشيطان بما ~~شاء من الأسماء. لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو ~~معلوم. ### || [4.118] # قوله تعالى { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا }. بين هنا فيما ذكر عن الشيطان ms0327 كيفية اتخاذه لهذا النصيب ~~المفروض بقوله # ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن ~~خلق الله # النساء 119 والمراد بتبتيك آذان الأنعام شق أذن البحيرة مثلا وقطعها ~~ليكون ذلك سمة وعلامة لكونها بحيرة أو سائبة كما قاله قتادة والسدي ~~وغيرهما، وقد أبطله تعالى بقوله # ما جعل الله من بحيرة # المائدة 103 الآية والمراد ببحرها شق أذنها كما ذكرنا والتبتيك في اللغة ~~التقطيع ومنه قول زهير # حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها بتك # أي قطع، كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر كقوله # لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # الأعراف 16-17 وقوله # أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن ~~إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته # الإسراء 62 الأية. ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه إبليس ببني آدم ~~أنه يتخذ منهم نصيبا مفروضا وأنه يضلهم تحقق لإبليس، أولا ولكنه بين في ~~آية أخرى أن ظنه هذا تحقق له وهي قوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # سبأ 20 الآية. ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه ~~بينه في مواضع أخر كقوله # ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين # الحجر 39-40 وقوله # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # النحل 100 إلى غير ذلك من الآيات ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو ~~الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # هود 17 وقوله # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # يوسف 103 وقوله # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك # الأنعام 116 وقوله # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # الصافات 71. وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في ~~النار. ### || [4.119] # قوله تعالى { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله }. قال ~~بعض العلماء معنى هذه الآية أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة ~~الإسلام التي خلقهم الله عليها، ms0328 وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله # الروم 30 إذ المعنى على التحقيق لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها ~~بالكفر. فقوله { لا تبديل لخلق الله } خبر أريد به الإنشاء ~~إيذانا بأنه لا ينبغي إلا أن يمتثل، حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة، ~~ونظيره قوله تعالى # فلا رفث ولا فسوق # البقرة 197 الآية أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ويشهد لهذا ما ثبت في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما ~~تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء " # وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار بن أبي حمار التميمي. قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم ". # وأما على القول بأن المراد في الآية بتغيير خلق الله خصاء الدواب، ~~والقول بأن المراد به الوشم، فلا بيان في الآية المذكورة، وبكل من ~~الأقوال المذكورة. قال جماعة من العلماء، وتفسير بعض العلماء لهذه الآية ~~بأن المراد بها خصاء الدواب يدل على عدم جوازه. لأنه مسوق في معرض الذم ~~واتباع تشريع الشيطان، أما خصاء بني آدم فهو حرام إجماعا. لأنه مثلة، ~~وتعذيب وقطع عضو، وقطع نسل من غير موجب شرعي، ولا يخفى أن ذلك حرام. وأما ~~خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت به المنفعة إما لسمن ~~أو غيره، وجمهور العلماء على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي، واستحسنه بعضهم ~~إذا كان اسمن من غيره، ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز، وخصى عروة ~~بن الزبير بغلا له، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ذلك. لأنه ~~لا يقصد به التقرب إلى غير الله، وإنما يقصد به تطييب لحم ما يؤكل وتقوية ~~الذكر إذا انقطع أمله ms0329 عن الأنثى، ومنهم من كره ذلك لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " # قاله القرطبي، واختاره ابن المنذر قال لأن ذلك ثابت عن ابن عمر وكان ~~يقول هو نماء خلق الله، وكره ذلك عبد الملك بن مروان. وقال الأوزاعي ~~كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل. وقال ابن المنذر وفيه حديثان أحدهما عن ~~ابن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل ~~والخيل ". # والآخر حديث ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهىا عن صبر الروح وخصاء البهائم " # والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره ~~الإخصاء، ويقول فيه تمام الخلق. قال أبو عمر يعني في ترك الإخصاء تمام ~~الخلق، وروى نماء الخلق. قال القرطبي بعد أن ساق هذا الكلام الذي ذكرنا ~~قلت " أسند أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن ~~عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا تخصوا ما ينمي خلق الله " # رواه عن الدارقطني شيخه قال حدثنا عباس بن محمد، حدثنا قراد، حدثنا أبو ~~مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل فذكره. قال الدارقطني ورواه عبد الصمد بن ~~النعمان عن أبي مالك " اه. من القرطبي بلفظه، وكذلك على القول بأن ~~المراد بتغيير خلق الله الوشم، فهو يدل أيضا على أن الوشم حرام. وقد ثبت ~~في الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال لعن الله الواشمات ~~والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز ~~وجل، ثم قال ألا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب ~~الله عز وجل، يعني قوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7. وقالت طائفة من العلماء المراد بتغيير خلق الله في هذه الآية ~~هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ~~للاعتبار وللانتفاع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة. وقال ms0330 ~~الزجاج إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل، فحرموها على أنفسهم وجعل ~~الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس، فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا ما ~~خلق الله. وما روي عن طاوس - رحمه الله - من أنه كان لا يحضر نكاح سوداء ~~بأبيض ولا بيضاء بأسود، ويقول هذا من قول الله تعالى فليغيرن خلق الله ~~فهو مردود بأن اللفظ وإن كان يحتمله، فقد دلت السنة على أنه غير مراد ~~بالآية فمن ذلك إنفاذه صلى الله عليه وسلم نكاح مولاه زيد بن حارثة رضي ~~الله عنه وكان أبيض بظئره بركة أم أسامة وكانت حبشية سوداء ومن ذلك ~~إنكاحه صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية ~~وأسامة أسود، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب، ~~وقد سها طاوس - رحمه الله - مع علمه وجلالته عن هذا. قال مقيده - عفا ~~الله عنه - ويشبه قول طاوس هذا في هذه الآية ما قال بعض علماء المالكية ~~من أن السوداء تزوج بولاية المسلمين العامة بناء على أن مالكا يجيز ~~تزويج الدنية بولاية عامة مسلم إن لم يكن لها ولي خاص مجبر. # قالوا والسوداء دنية مطلقا. لأن السواد شوه في الخلقة، وهذا القول ~~مردود عند المحققين من العلماء، والحق أن السوداء قد تكون شريفة، وقد ~~تكون جميلة، وقد قال بعض الأدباء # وسوداء الأديم تريك وجها ترى ماء النعيم جرى عليه رآها ناظري قرنا ~~إليها وشكل الشيء منجذب إليه # وقال آخر # ولي حبشية سلبت فؤادي ونفسي لا تتوق إلى سواها كان شروطها طرق ثلاث ~~تسير بها النفوس إلى هواها # وقال آخر في سوداء # أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده لا شك إذ لونكما واحد ~~أنكما من طينة واحده # وأمثاله في كلام الأدباء كثيرة. وقوله { ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام } النساء 119 يدل على أن تقطيع آذان ~~الأنعام لا يجوز وهو كذلك. أما قطع أذن البحيرة والسائبة تقربا بذلك ~~للأصنام فهو كفر بالله إجماعا، وأما تقطيع آذان البهائم لغير ذلك ~~فالظاهر أيضا ms0331 أنه لا يجوز، ولذا أمرنا صلى الله عليه وسلم " أن نستشرف ~~العين، والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا ~~شرقاء ". أخرجه أحمد، وأصحاب السنن الأربع، والبزار، وابن حبان، والحاكم، ~~والبيهقي من حديث علي - رضي الله عنه - وصححه الترمذي، وأعله الدارقطني، ~~والمقابلة المقطوعة طرف الأذن، والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن، والشرقاء ~~مشقوقة الأذن طولا، والخرقاء التي خرقت أذنها خرقا مستديرا فالعيب في ~~الأذن مراعى عند جماعة العلماء. قال مالك والليث المقطوعة الأذن لا تجزئ، ~~أو جل الأذن قاله القرطبي، والمعروف من مشهور مذهب مالك أن الذي يمنع ~~الإجزاء قطع ثلث الأذن فما فوقه لا ما دونه فلا يضر، وإن كانت سكاء وهي ~~التي خلقت بلا أذن. فقال مالك، والشافعي لا تجزئ، وإن كانت صغيرة الأذن ~~أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك، وإن كانت مشقوقة الأذن الميسم أجزأت ~~عند الشافعي، وجماعة الفقهاء. قاله القرطبي في تفسير هذه الآية والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [4.123] # قوله تعالى { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب } الآية. لم يبين هنا شيئا من أمانيهم، ولا من أماني أهل ~~الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب ~~الكاذبة # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ 35 وقوله عنهم # إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين # الأنعام 29 ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم # البقرة 111 الآية. وقوله # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه # المائدة 18 الآية. ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره بعض العلماء من أن سبب ~~نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون نحن أولى ~~بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت ~~قبله فأنزل الله { ليس بأمانيكم } الآية. لا ينافي ما ذكرنا. ~~لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ### || [4.125] # قوله ms0332 تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ~~وهو محسن } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسنا. لأن استفهام الإنكار ~~مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى، وهو قوله تعالى # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى # لقمان 22 ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى ~~بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا أي مخلصا عمله لله لا ~~يشرك فيه به شيئا مراقبا فيه لله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله ~~تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، و تريد به الإذعان والانقياد ~~التام، ومنه قول زيد بن نفيل العدوي # وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا وأسلمت وجهي لمن ~~أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا ### || [4.127] # قوله تعالى { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى ~~النسآء } الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ~~ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء # النساء 3 الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ~~فقوله هنا { وما يتلى } النساء 127 في محل رفع معطوفا على الفاعل ~~الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن ~~أيضا { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى ~~النسآء } النساء 127 الآية. وذلك قوله تعالى # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى # النساء 103 الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو ~~تحريم هضم حقوق اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره ~~فليتركها ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما ~~قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله { وترغبون أن ~~تنكحوهن } النساء 127 هو عن أي ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن ~~وجمالهن. أي كما ms0333 أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل ~~لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن كما تقدم ~~عن عائشة - رضي الله عنها. وقال بعض العلماء الحرف المحذوف هو في أي ~~ترغبون في نكاحهن إن كن متصفات بالجمال وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون ~~فيهن، والذين قالوا بالمجاز واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ~~ومجازه معا أجازوا ذلك في المجاز العقلي كقولك أغناني زيد وعطاؤه، ~~فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء مجاز عقلي فجاز ~~جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز ~~عقلي عندهم. لأنه سببه فيجوز جمعهما. وقال بعض العلماء إن قوله { وما ~~يتلى عليكم } النساء 127 في محل جر معطوفا على الضمير، وعليه ~~فتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيما يتلى عليكم وهذا الوجه ~~يضعفه أمران الأول أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا ~~يفتي فيه لظهور أمره. الثاني أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة ~~الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلا بقراءة ~~حمزة، والأرحام بالفخض عطفا على الضمير من قوله تساءلون به، وبوروده في ~~الشعر كقوله # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب # بجر الأيام عطفا على الكاف، ونظيره قول الآخر # نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى نفانف # بجر الكعب معطوفا على الضمير قبله، وقول الآخر # وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا # فقوله ولا الأرض بالجر معطوفا على الضمير، وقول الآخر # أمر على الكتيبة لست أدري أحنفي كان فيها أم سواها # فسواها في محل جر بالعطف على الضمير، وأجيب عن الآية بجواز كونها قسما، ~~والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في ~~قوله تعالى # فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون # الحاقة 38-39 الآية. وعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ، ولا يقاس عليه، وصحح ms0334 ~~العلامة ابن القيم - رحمه الله - جواز العطف على الضمير المخفوض من غير ~~إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى # حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين # الأنفال 64 فقال إن قوله { ومن } في محل جر عطفا على الضمير المجرور ~~في قوله { حسبك } وتقرير المعنى عليه حسبك الله. أي كافيك، وكافي من ~~اتبعك من المؤمنين، وأجاز ابن القيم والقرطبي في قوله { ومن ~~اتبعك } أن يكون منصوبا معطوفا على المحل. لأن الكاف مخفوض في محل ~~نصب ونظيره قول الشاعر # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند # بنصب الضحاك كما ذكرنا، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين # الحجر 20 فقال ومن عطف على ضمير الخطاب في قوله لكم وتقرير المعنى عليه، ~~وجعلنا لكم ولمن لستم له برازقين فيها معايش، وكذلك إعراب وما يتلى بأنه ~~مبتدأ خبره محذوف أو خبره في الكتاب، وإعرابه منصوبا على أنه مفعول لفعل ~~محذوف تقديره، ويبين لكم ما يتلى، وإعرابه مجرورا على أنه قسم، كل ذلك ~~غير ظاهر. وقال بعض العلماء إن المراد بقوله { وما يتلى ~~عليكم في الكتاب } النساء 127 آيات المواريث. لأنهم كانوا لا ~~يورثون النساء فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله ~~آيات المواريث. وعلى هذا القول فالمبين لقوله { وما يتلى ~~عليكم في الكتاب } هو قوله # يوصيكم الله في أولادكم # النساء 11 الآيتين. وقوله في آخر السورة # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # النساء 176 الآية. والظاهر أن قول أم المؤمنين أصح وأظهر. تنبيه المصدر ~~المنسبك من أن وصلتها في قوله { وترغبون أن تنكحوهن } ~~النساء 127 أصله مجرور بحرف مخلوف، وقد قدمنا الخلاف هل هو عن، وهو ~~الأظهر، أو هو في، وبعد حذف حرف الجر الذكور فالمصدر في محل نصب على ~~التحقيق، وبه قال الكسائي والخليل وهو الأقيس لضعف الجار عن العمل ~~محذوفا. وقال الأخفش هو في محل جر بالحرف المحذوف بدليل قول الشاعر # وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي ولا دين بها ms0335 أنا طالبه # بجر دين عطفا على محل أن تكون أي لكونها حبيبة ولا لدين، ورد أهل القول ~~الأول الاحتجاج بالبيت بأنه من عطف التوهم كقول زهير # بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا # بجر سابق لتوهم دخول الباء على المعطوف عليه الذي هو خبر ليس وقول الآخر # مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها # بجر ناعب لتوهم الباء وأجاز سيبويه الوجهين. واعلم أن حرف الجر لا يطرد ~~حذفه إلا في المصدر المنسبك من أن، وأن وصلتهما عند الجمهور خلافا لعلي ~~بن سليمان الأخفش القائل بأنه مطرد في كل شيء عند أمن اللبس، وعقده ابن ~~مالك في الكافية بقوله # وابن سليمان اطراده رأي إن لم يخف لبس كمن زيد نأى # وإذا حذف حرف الجر مع غير أن، وأن نقلا على مذهب الجمهور، وقياسا عند ~~أمن اللبس في قول الأخفش فالنصب متعين، والناصب عند البصريين الفعل، وعند ~~الكوفيين نزع الخافض كقوله # تمرون الديار ولن تعوجوا كلامكم علي إذن حرام # وبقاؤه مجرورا مع حذف الحرف شاذ كقول الفرزدق # إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع # أي أشارت الأصابع بالأكف أي مع الأكف إلى كليب وقوله تعالى { وأن ~~تقوموا لليتامى بالقسط } الآية. القسط العدل، ولم يبين ~~هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # الأنعام 152 وقوله # قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ~~والله يعلم المفسد من المصلح # البقرة 220 وقوله # فأما اليتيم فلا تقهر # الضحى 9 وقوله # وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى # البقرة 177 الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط ~~لليتامى. ### || [4.128] # قوله تعالى { وأحضرت الأنفس الشح } الآية. ذكر تعالى في ~~هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي جعل شيئا حاضرا لها كأنه ~~ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه. وأشار في موضع آخر أنه لا يفلح ~~أحد إلا إذا ms0336 وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # الحشر 9 ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض ~~العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها ~~المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [4.129] # قوله تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ~~ولو حرصتم } هذا العدل الذي ذكر تعالى هنا أنه لا يستطاع هو ~~العدل في المحبة، والميل الطبيعي. لأنه ليس تحت قدرة البشر بخلاف العدل ~~في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا # النساء 3. أي تجوروا في الحقوق الشرعية، والعرب تقول عال يعول إذا جار ~~ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب # بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل # أي غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر # قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين # أي جاروا، وقول الآخر # ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي # أي جار ومال. أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري # وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل # وقول جرير # الله نزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل # وقوله تعالى # ووجدك عآئلا فأغنى # الضحى 8 فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر. ومنه قوله تعالى # وإن خفتم عيلة # التوبة 28 الآية. فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر ~~يائية العين. وقال الشافعي - رحمه الله - معنى قوله # ألا تعولوا # النساء 3. أي يكثر عيالكم من عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم ~~إن هذا لا يصح وإن المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على وزن أفعل فهو ~~معيل إذا كثر عياله فلا وجه له. لأن الشافعي من أدرى الناس باللغة ~~العربية. ولأن عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر # وأن الموت يأخذ كل حي ms0337 بلا شك وإن أمشى وعالا # يعني وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ألا تعيلوا بضم ~~التاء من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة. ### || [4.130] # قوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ~~}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إن افترقا أغنى الله كل واحد ~~منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطا ~~والآخر جزاء. وقد ذكر أيضا أن النكاح سبب للغنى بقوله # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله # النور 32. ### || [4.133] # قوله تعالى { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت ~~بآخرين } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب ~~الناس الموجودين وقت نزولها، وأتى بغيرهم بدلا منهم، وأقام الدليل على ~~ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلا ~~منهم وهو قوله تعالى # إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء ~~كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين # الأنعام 133. وذكر في موضع آخر أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك ~~المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيرا منهم، وهو قوله ~~تعالى # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # محمد 38. وذكر في موضع آخر أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على ~~الله بعزيز # إبراهيم 19-20 أي ليس بممتنع ولا صعب. ### || [4.139] # قوله تعالى { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا }. ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلا. ~~وبين في موضع آخر أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله، والمؤمنين، ~~وهو قوله تعالى # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # المنافقون 8 أي وذلك بإعزاز الله لهم والعزة الغلبة، ومنه قوله تعالى # وعزني في الخطاب # ص 23. أي غلبني في الخصام، ومن كلام العرب من عزيز يعنون من غلب استلب ~~ومنه قول الخنساء # كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ms0338 ذاك من عزبزا ### || [4.140] # قوله تعالى { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم ~~إذا مثلهم }. هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة ~~الأنعام في قوله تعالى # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # الأنعام68 وقوله هنا { فلا تقعدوا معهم } لم يبين فيه حكم ما ~~إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بينه في الأنعام بقوله # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # الأنعام 68. ### || [4.141] # قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا }. في معنى هذه الآية أوجه للعلماء. منها أن ~~المعنى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلا، وهذا ~~مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس - رضي الله عنهم - ويشهد له قوله في ~~أول الآية { فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن ~~يجعل الله للكافرين } النساء 141 الآية. وهو ظاهر. قال ابن ~~عطية وبه قال جميع أهل التأويل كما نقله عنه القرطبي وضعفه ابن العربي ~~زاعما أن آخر الآية غير مردود إلى أولها. ومنها أن المراد بأنه لا يجعل ~~لهم على المؤمنين سبيلا يمحوا به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح ~~بيضتهم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان ~~أنه قال " وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا ~~من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون ~~بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " ويدل لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # غافر 51 الآية. وقوله # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # الروم 47، وقوله # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا # النور 55 إلى غير ذلك من ms0339 الآيات. ومنها أن المعنى أنه لا يجعل لهم عليهم ~~سبيلا إلا أن يتواصوا بالبالطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن ~~التوبة فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم كما قال تعالى # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # الشورى 30. قال ابن العربي وهذا نفيس جدا وهو راجع في المعنى إلى ~~الأول. لأنهم منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في ~~الأمرين، ومنها أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فهو بخلاف ~~الشرع، ومنها أن المراد بالسبيل الحجة أي ولن يجعل لهم عليهم حجة، ويبينه ~~قوله تعالى # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # الفرقان 33 وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر ~~للعبد المسلم، والعلم عند الله تعالى. ### || [4.142] # قوله تعالى { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا }. بين ~~في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ~~ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ونظيرها في ذمهم على التهاون ~~بالصلاة. قوله تعالى # ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى # التوبة 54 الآية. وقوله # فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون # الماعون 4-5 الآية. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين ~~المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # المؤمنون 1-2 وقوله # والذين هم على صلواتهم يحافظون # المؤمنون 9 وقوله # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة # النور 36-37 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [4.145] # قوله تعالى { إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات ~~النار عياذا بالله تعالى. وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة ~~يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله # ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب # غافر 46. وذكر في موضع آخر أنه ms0340 يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذابا لا ~~يعذبه أحدا من العالمين وهو قوله تعالى # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد ~~منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين # المائدة 115 فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار عذابا المنافقون وآل ~~فرعون ومن كفر من أصحاب المائدة، كما قاله ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان. ### || [4.153] # قوله تعالى { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم ~~البينات فعفونا عن ذلك } الآية. لم يبين هنا سبب عفوه ~~عنهم ذنب اتخاذ العجل إلها ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم ~~خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو ~~التواب الرحيم # البقرة 54. ### || [4.154] # قوله تعالى { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } الآية. لم ~~يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أو لا، ولكنه ~~بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت # البقرة 65 الآية. وقوله # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت # الأعراف 163 الآية. ### || [4.156] # قوله تعالى { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا ~~عظيما }. لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم ~~العذراء، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت ~~بولد لغير رشده في زعمهم الباطل - لعنهم الله - وذلك في قوله # فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا # مريم 27 يعنون ارتكاب الفاحشة # يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا # مريم 28 أي زانية فكيف تفجرين ووالداك ليسا كذلك، وفي القصة أنهم رموها ~~بيوسف النجار وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يتعجب. منه قوله ~~تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # النساء 160 الآية. لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ~~ظلمهم ولكنه بينها في سورة الأنعام بقوله ms0341 # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # الأنعام 146. ### || [4.165] # قوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } الآية. لم يبين هنا ~~ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة ~~الرسل ولكنه بينها في سورة طه بقوله # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # طه 134 وأشار لها في سورة القصص بقوله # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # القصص 47. ### || [4.171] # قوله تعالى { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق }. هذا الغلو الذي نهوا عنه هو ~~وقول غير الحق هو قول بعضهم إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم هو الله، وقول ~~بعضهم هو إله مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا كما بينه ~~قوله تعالى # وقالت النصارى المسيح ابن الله # التوبة 30 وقوله # لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم # المائدة 17 وقوله # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # المائدة 73 وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله { إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم } النساء 171 الآية، وقوله # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله # النساء 172 الآية، وقوله # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام # المائدة 75. وقوله # قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا # المائدة 17. وقال بعض العلماء يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في ~~هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضا واعتمده القرطبي وعليه ~~فيكون الغلو المنهي عنه شاملا للتفريط والإفراط. وقد قرر العلماء ms0342 أن ~~الحق واسطة بين التفريط والإفراط وهو معنى قول مطرف بن عبد الله الحسنة ~~بين سيئتين وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى ولقد أجاد من ~~قال # ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا عبد الله ورسوله ". # قوله تعالى { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~}. ليست لفظة من في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على ~~الله، ولكن من هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به ~~عيسى حيا من الله تعالى. لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن من هنا ~~لابتداء الغاية. قوله تعالى # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # الجاثية 13 أي كائنا مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي ~~عن أبي بن كعب أنه قال " خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ~~ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى عليه الصلاة والسلام. فلما ~~أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى عليه السلام " وهذه ~~الإضافة للتفضيل. لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا كقوله # وطهر بيتي للطآئفين # الحج 26. وقوله # ناقة الله # الأعراف 73 الآية. وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ~~ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله أي من خلقه، وكان عيسى يبرئ ~~الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل سمي ~~روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، ~~والعرب تسمي النفخ روحا. # لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة. # فقلت له ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا # وعلى هذا القول فقوله " وروح " معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي ~~هو فاعل ألقاها، قاله القرطبي والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء وروح ~~منه أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة ms0343 من الله لمن اتبعه، قيل ومنه وأيده بروح ~~منه، أي برحمة منه، حكاه القرطبي أيضا، وقيل روح منه أي برهان منه وكان ~~عيسى برهانا وحجة على قومه والعلم عند الله تعالى. ### || [4.174] # قوله تعالى { وأنزلنآ إليكم نورا مبينا }. المراد بهذا ~~النور المبين القرآن العظيم. لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور ~~الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا # الشورى 52 الآية وقوله # واتبعوا النور الذي أنزل معه # الأعراف 157 ونحو ذلك من الآيات. ### || [4.176] # قوله تعالى { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك } الآية. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين يرثان الثلثين، ~~والمراد بهما الأختان لغير أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ~~ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعدا، ولكنه أشار في موضع آخر ~~إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ وهو قوله ~~تعالى في البنات # فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك # النساء 11 ومعلوم أن البنات أمس رحما وأقوى سببا في الميراث من ~~الأخوات، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب ~~أولى، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني مفهوم الموافقة الذي ~~المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل ~~القياس، خلافا للشافعي وقوم، وكذلك المساوي على التحقيق فقوله تعالى # فلا تقل لهما أف # الإسراء 23 يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما وقوله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # الزلزلة 7 الآية. يفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير ~~وشر وقوله # وأشهدوا ذوي عدل منكم # الطلاق2 يفهم من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلا من العدول، ~~ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، يفهم منه من باب أولى ~~النهي عن التضحية بالعمياء، وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم ms0344 ~~يفهم منه بالمساواة منع أحراقه وإغراقه، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~البول في الماء الراكد، يفهم منه كذلك أيضا النهي عن البول في إناء وصبه ~~فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم # " من أعتق شركا له في عبد " # الحديث. يفهم منه كذلك أن الأمة كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير ~~العلماء وإنما خالف فيه بعض الظاهرية. ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا، لا ~~أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن البنات وإن كثرن ليس لهن غير ~~الثلثين، علم أن الأخوات كذلك من باب أولى والعلم عند الله تعالى. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم }. لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من ~~حلية بهيمة الأنعام. ولكنه بينه بقوله # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # المائدة 3، إلى قوله # وما ذبح على النصب # المائدة 3، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن ~~كانت من الأنعام. فإنها تحرم بهذه العوارض. والتحقيق أن الأنعام هي ~~الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن ~~عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت ~~أمه ووجد في بطنها ميتا. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن ذكاة أمه ذكاة له " # كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال ~~الترمذي إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [5.2] # قوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا }. يعني إن شئتم، فلا ~~يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقرار في ~~القرآن، فإن كل شيء كان جائزا، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ~~ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا { وإذا ~~حللتم فاصطادوا } وقوله # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # الجمعة 10، وقوله # فالآن باشروهن # البقرة 187 الآية، وقوله # فإذا تطهرن فأتوهن # البقرة 222 الآية. ولا ينقض هذا بقوله تعالى ms0345 # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # التوبة 5 الآية، لأن قتلهم كان واجبا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر ~~الأربعة سواء قلنا إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # التوبة 2، أو قلنا إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى # منهآ أربعة حرم # التوبة 36. وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في ~~القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل ~~التحريم من إباحة أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزا فمنع للإحرام، ~~ثم أمر به بعد الإحلال بقوله { وإذا حللتم فاصطادوا } ~~فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجبا ~~قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله { ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم } الآية، فيرجع لما كان عليه قبل ~~التحريم، وهو الوجوب. وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية. قال ابن ~~كثير في تفسير هذه الآية وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على ~~السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده، ~~واجبا، وإن كان مستحبا فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال إنه للوجوب ~~ينتقض عليه بآيات كثيرة. ومن قال إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ~~ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول، والله ~~أعلم، انتهى منه بلفظه. وفي هذه المسالة أقوال أخر عقدها في مراقي السعود ~~بقوله # والأمر للوجوب بعد الحظل وبعد سؤل قد أتى للأصل أو يقتضي إباحة ~~للأغلب إذا تعلق بمثل السبب إلا فذي المذهب والكثير له إلى إيجابه ~~مصير # وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام ~~المعروف. " بإلحاق الفرد بالأغلب " حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود ~~في كتاب الاستدلال بقوله # ومنه الاستقراء بالجزئي على ثبوت الحكم للكلى # فإن يعم غير ذي الشقاق فهو حجة بالاتفاق # وهو في البعض إلى الظن انتسب يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب # فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن ms0346 الاستقراء الام في القرآن دل على ما اخترنا، ~~واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع ~~الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق، والعلم عند ~~الله. # قوله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام أن تعتدوا } الآية. نهى الله المسلمين في ~~هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام ~~في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعا. كما روى ~~ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال " كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد ~~اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون ~~العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا ~~أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية " أه، بلفظه من ابن كثير. ويدل لهذا ~~قوله قبل هذا { ولا آمين البيت الحرام } المائدة 2، وصرح ~~بمثل هذه الآية في قوله # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا # المائدة 8 الآية، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد ~~الحرام بالفعل على قراءة الجمهور { أن صدوكم } بفتح الهمزة، لأن معناها ~~لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم ~~الهدي معكوفا أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، ~~وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن ~~الكفار في ذلك الوقت، بقوله # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # الفتح 25. وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى ~~الله فيه، بأن يطيع الله فيه. وفي الحديث # " أد الأمانة ms0347 إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". # وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن ما يدعو إليه من مكارم ~~الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~ولا يجرمنكم } معناه لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ~~ونظيره من كلام العرب قول الشاعر # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أي حملتهم على أن يغضبوا. وقال بعض العلماء { ولا يجرمنكم } أي ~~لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله { أن تعتدوا } أي ~~لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم. وقرأ بعض السبعة { شنآن } بشكون ~~النون، ومعنى الشنآن على القراءتين، أي بفتح النون، وبسكونها البغض. مصدر ~~" شنأه " إذا أبغضه. وقيل على قراءة سكون النون يكون وصفا كالغضبان، ~~وعلى قراءة { إن صدوكم } بكسر الهمزة. # فالمعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن ~~تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم. وإبطال هذه القراءة - بأن الآية نزلت بعد ~~صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه ~~لاشتراط الصد بعد وقوعه - مردود من وجهين الأول منهما أن قراءة { إن ~~صدوكم } بصيغة الشرط قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو من السبعة. الثاني أنه لا مانع من أن يكون معنى هذه ~~القراءة إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدل عليه صيغة ~~{ إن } ، لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل ~~السيئ على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.5] # قوله تعالى { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ~~وهو في الآخرة من الخاسرين }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن ~~المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكه أشار في موضع آخر ~~إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر # البقرة 217. ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط ~~العمل بالموت على الكفر، ms0348 وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافا لمالك القائل ~~بإحباط الردة العمل مطلقا، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.6] # قوله تعالى { وأرجلكم إلى الكعبين }. في قوله { ~~وأرجلكم } ثلاث قراآت واحدة شاذة، واثنتان متواترتان. أما الشاذة ~~فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن. وأما المتواترتان فقراءة النصب، وقراءة ~~الخفض. أما النصب فهو قراءة نافع. وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية ~~حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة. وأما الجر فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، ~~وأبي عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر. أما قراءة النصب فلا إشكال فيها لأن ~~الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وإنما أدخل ~~مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين ~~المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء ~~حسبما في الآية الكريمة. وأما على قراءة الجر ففي الآية الكريمة إجمال، ~~وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، ~~وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء ~~والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم # " ويل للأعقاب من النار ". # اعلم أولا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم ~~الآيتين، كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة { ~~وأرجلكم } بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن ~~قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل ~~قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها ~~النصب، أو الرفع. وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن ~~الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا ~~عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه. وممن صرح ~~به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له - ~~مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع ~~المسألة تتبعا ms0349 كافيا. والتحقيق أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب ~~اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين. فمنه في النعت ~~قول امرئ القيس # كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل # بخفض " مزمل " بالمجاورة، مع أنه نعت " كبير " المرفوع بأنه خبر " كأن " ~~وقول ذي الرمة # تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب # إذ الرواية بخفض " غير " ، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت " ~~سنة " المنصوب بالمفعولية. ومنه في العطف قول النابغة # لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب # بخفض " موثق " لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على " أسير " المرفوع ~~بالفاعلية. وقول امرئ القيس # وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل # بجر " قدير " لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على " صفيف " المنصوب بأنه ~~مفعول اسم الفاعل الذي هو " منضج " والصفيف فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف ~~من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول ~~في القدر من اللحم لينضج بالطبخ. وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن ~~الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه " الصبان " في حاشيته ~~على " الأشموني " من أن قوله " أو قدير " معطوف على " منضج " بتقدير ~~المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لاوي الصفيف، ~~وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي ~~لتقدير " طابخ " محذوف. وما ذكره العيني من أنه معطوف على " شواء " ، فهو ~~ظاهر السقوط أيضا. وقد رده عليه " الصبان " ، لأن المعنى يصير بذلك ~~وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفا. والتحقيق هو ما ذكرنا من الخفض ~~بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف ~~قول زهير # لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر # بجر " القطر " لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على " سوافي " المرفوع، ~~بأنه فاعل غير. ومنه في التوكيد قول الشاعر # يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب # بجر ms0350 " كلهم " على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد " ذوي ~~" المنصوب بالمفعولية. ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف - كالآية ~~التي بصددها - قوله تعالى # وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون # الواقعة 22-23، على قراءة حمزة، والكسائي. ورواية المفضل عن عاصم بالجر ~~لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله # ولحم طير مما يشتهون # الواقعة 21 مع أن قوله # وحور عين # الواقعة 22 حكمه الرفع فقيل، إنه معطوف على فاعل " يطوف " الذي هو # ولدان مخلدون # الواقعة 17. وقيل هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه. أي ~~وفيها حور عين، أو لهم حور عين. وإذن فهو من العطف بحسب المعنى. وقد أنشد ~~سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة # بادت وغير آيهن مع البلا إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج أما سواء ~~قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء # لأن الرواية بنصب " رواكد " على الاستثناء، ورفع مشجج عطفا عليه، لأن ~~المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، ~~وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو ~~المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافا لمن قال في قراءة الجر إن العطف على ~~أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال إنه معطوف على جنات ~~النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حور على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة ~~حور. # ولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف ~~بهن مع الشراب، لقوله تعالى # حور مقصورات في الخيام # الرحمن 72. والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط ~~كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له. وأجيب عن الأول بجوابين، ~~الأول أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم ~~وحور. قاله الزجاج وغيره. الجواب الثاني أن الحور قسمان 1 - حور مقصورات ~~في الخيام، 2 - وحور يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم ~~لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن ms0351 كالشراب، ~~فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا. وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما ~~رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول ~~بالعطف على # ولدان مخلدون # الواقعة 17، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، ~~والقصر في الخيام ينافي ذلك. وممن جزم بأن خفض { وأرجلكم } ~~لمجاورة المخفوض البيهقي في السنن الكبرى، فإنه قال ما نصه باب قراءة من ~~قرأ { وأرجلكم } نصبا، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها ~~خفضا، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله ~~بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن ~~غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، وأبي محمد يعقوب بن ~~إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم { وأرجلكم } بالنصب. قال وبلغني ~~عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصبا، وعن عبد الله بن عامر ~~اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن ~~الكسائي، كل هؤلاء نصبوها. ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش ~~كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اه كلام البيهقي. ومن أمثلة ~~الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى # عذاب يوم محيط # هود 84 بخفض { محيط } مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى # عذاب يوم أليم # هود 26، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم ~~في القرآن نعتا للعذاب. وقوله تعالى # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # البروج 21-22 على قراءة من قرأ بخفض { محفوظ } كما قاله القرطبي ومن ~~كلام العرب " هذا جحر ضب خرب " بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر ~~المبتدأ. وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحنا لا يتحمل إلا ~~لضرورة الشعر باطلة، والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس ~~هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح، ~~وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا فإن قيل قراءة الجر الدالة على مسح ms0352 ~~الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفا ~~على المحل. # لأن الرؤوس مجرورة بالباء في محل نصب على حد قول ابن مالك في الخلاصة # وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن # وابن مالك وإن كان أورد هذا في " إعمال المصدر " فحكمه عام، أي وكذلك ~~الفعل والوصف كما أشار له في الوصف بقوله # واجرر أو انصب تابع الذي انخفض كمبتغي جاه وما لا من نهض # فالجواب أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر - كما ذكر - تأباه السنة ~~الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار بخلاف ~~بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الثابتة عنه قولا وفعلا. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد ~~الله ابن عمرو رضي الله عنهما. قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن ~~نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته # " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار " # ، وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أسبغوا الوضوء، ويلن للأعقاب من النار " # وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء، أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار " # وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، عن جابر رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ويل للأعقاب من النار ". # وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ويل للأعقاب من النار " # وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ويل للأعقاب من النار " # ، قال فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر ~~إليهما. وثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي ~~وابن عباس ms0353 ومعاوية وعبد الله بن زيد ابن عاصم، والمقداد بن معد يكرب # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو ~~مرتين أو ثلاثا " # على اختلاف رواياتهم. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ". ثم قال " هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ". # والأحاديث في الباب كثيرة جدا، وهي صحيحة صريحة في وجوب غسل الرجلين في ~~الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما. وقال بعض العلماء المراد بمسح الرجلين ~~غسلهما. والعرب تطلق المسح على الغسل أيضا، وتقول تمسحت بمعنى توضأت ~~ومسح المطر الأرض أي غسلها، ومسح الله ما بك أي غسل عنك الذنوب والأذى. ~~ولا مانع من كون المراد بالمسح في الأرجل هو الغسل، المراد به في الرأس ~~المسح الذي ليس بغسل، وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا عن حمل اللفظ ~~على حقيقته ومجازه، لأنهما مسألتان كل منهما منفردة عن الأخرى مع أن ~~التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو ~~العباس بن تيمية - رحمه الله - في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو ~~الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله، وجمع ابن جرير الطبري في ~~تفسيره بين قراءة النصب والجر بأن قراءة النصب يراد بها غسل الرجلين، لأن ~~العطف فيها على الوجوه والأيدي إلى المرافق، وهما من المغسولات بلا نزاع، ~~وأن قراءة الخفض يراد بها المسح مع الغسل، يعني الدلك باليد أو غيرها. ~~والظاهر أن حكمة هذا في الرجلين دون غيرهما. أن الرجلين هما أقرب أعضاء ~~الإنسان إلى ملابسة الأقذار لمباشرتهما الأرض فناسب ذلك أن يجمع لهما بين ~~الغسل بالماء والمسح أي الدلك باليد ليكون ذلك أبلغ في التنظيف. وقال بعض ~~العلماء المراد بقراءة الجر المسح، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف. وعليه فالآية تشير إلى المسح على ~~الخف في قراءة الخفض، و المسح على الخفين - إذا لبسمها طاهرا - متواتر ~~عن ms0354 رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يخالف فيه إلا من لا عبرة به، ~~والقول بنسخه بآية المائدة يبطل بحديث جرير أنه بال ثم توضأ، ومسح على ~~خفيه، فقيل له تفعل هكذا؟ قال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن ~~إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، متفق عليه. ويوضح عدم النسخ أن آية ~~المائدة نزلت في غزوة " المريسيع ". ولا شك أن إسلام جرير بعد ذلك، مع أن ~~المغيرة بن شعبة روى المسح على الخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة " تبوك " وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم. وممن صرح بنزول آية ~~المائدة في غزوة " المريسيع " ابن حجر في فتح الباري، وأشار له البدوي ~~الشنقيطي في نظم المغازي بقوله في غزوة المريسيع # والإفك في قفولهم ونقلا أن التيمم بها قد أنزلا # والتيمم في آية المائدة، وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو ~~من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقا ساترا لمحل ~~الفرض، فقال مالك وأصحابه لا يمسح على شيء غير الجلد. فاشترطوا في المسح ~~أن يكون الممسوح خفا من جلود، أو جوربا مجلدا ظاهره وباطنه، يعنون ما ~~فوق القدم وما تحتها لا باطنه الذي يلي القدم. واحتجوا بأن المسح على ~~الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها وقالوا إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يمسح على غير الجلد. فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر ~~قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي " هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقتصر ~~عليها ولا تعدي محلها "؟ ومن فروعها اختلافهم في بيع " العرايا " من ~~العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز إلحاقا بالرطب بالتمر أو لا؟. وجمهور ~~العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط ~~الجلد، لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك وهي موجودة في المسح على غير ~~الجلد، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه ms0355 مسح على الجوربين، ~~والموقين. قالوا. والجورب لفافة الرجل، وهي غير جلد. وفي القاموس الجورب ~~لفافة الرجل، وفي اللسان الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسية " كورب ~~". وأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل ~~العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف. وقيل إنهما شيء ~~واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة. وقيل إنهما متغايران، وفي القاموس ~~الجرموق - كعصفور - الذي يلبس فوق الخف وفي القاموس أيضا الموق خف غليظ ~~يلبس فوق الخف، وفي اللسان الجرموق، خف صغير، وقيل خف صغير يلبس فوق ~~الخف، في اللسان أيضا الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب. والموق ~~الخف اه. قالوا والتساخين الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا نفس الجلد لا أثر ~~له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح ~~عليه، جلدا كان أو غيره. مسائل تتعلق بالمسح على الخفين الأولى أجمع ~~العلماء على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر. وقال الشيعة ~~والخوارج لا يجوز، وحكي نحوه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن داود، ~~والتحقيق عن مالك، وجل أصحابه، القول بجواز المسح على الخف في الحضر ~~والسفر. وقد روي عنه المنع مطلقا، وروي عنه جوازه في السفر دون الحضر. ~~قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا أنكره إلا مالكا في رواية أنكرها أكثر ~~أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في ~~الحضر والسفر، وعليه جميع أصحابه، وجميع أهل السنة. # وقال الباجي رواية الإنكار في " العتبية " وظاهرها المنع، وإنما معناها ~~أن الغسل أفضل من المسح، قال ابن وهب آخر ما فارقت مالكا على المسح في ~~الحضر والسفر. وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فما قاله ابن الحاجب عن مالك ~~من جوازه في السفر دون الحضر غير صحيح، لأن المسح على الخف متواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال الزرقاني في شرح " الموطأ " وجمع بعضهم ~~رواته فجاوزوا الثمانين، ms0356 منهم العشرة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن ~~البصري، حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين، اه. وقال النووي في ~~شرح " المهذب " وقد نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على ~~جواز المسح على الخف، ويدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في مسح ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، ~~واتفاق الصحابة، فمن بعدهم عليه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي روينا جواز ~~المسح على الخفين عن عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ~~وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى ~~الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن ~~مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن ~~عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله ~~بن الحارث بن جزء، وأبي زيد الأنصاري رضي الله عنهم. قلت ورواء خلائق من ~~الصحابة، غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن ~~وغيرها. قال الترمذي وفي الباب عن عمر، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ~~ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان ~~بن عسال، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبي بكرة وبلال، وخزيمة ~~بن ثابت. قال ابن المنذر وروينا عن الحسن البصري، قال حدثني سبعون من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يمسح على الخفين. قال وروينا عن ابن المبارك، قال ليس في المسح على ~~الخفين اختلاف، اه. وقد ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه صلى ~~الله عليه وسلم مسح على الخف في غزوة تبوك، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه ~~وسلم، وثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسح على الخف، ولا شك أن ذلك بعد نزول آية المائدة كما ~~تقدم، وفي سنن أبي داود أنهم لما ms0357 قالوا لجرير إنما كان ذلك قبل نزول ~~المائدة، قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. # وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا تدل على عدم نسخ المسح على الخفين، وأنه ~~لا شك في مشروعيته، فالخلاف فيه لا وجه له ألبتة. المسألة الثانية اختلف ~~العلماء في غسل الرجل والمسح على الخف أيهما أفضل؟ فقالت جماعة من أهل ~~العلم غسل الرجل أفضل من المسح على الخف، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن ~~الرخصة في المسح، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابهم، ونقله ~~ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابنه رضي الله عنهما، ورواه البيهقي عن ~~أبي أيوب الأنصاري. وحجة هذا القول أن غسل الرجل هو الذي واظب عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في معظم الأوقات، ولأنه هو الأصل، ولأنه أكثر ~~مشقة. وذهبت طائفة من اهل العلم إلى أن المسح أفضل، وهو أصح الروايات عن ~~الإمام أحمد، وبه قال الشعبي، والحكم، وحماد. واستدل أهل هذا القوم بقوله ~~صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات حديث المغيرة بن شعبة # " بهذا أمرني ربي ". # ولفظه في سنن أبي داود # " عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، ~~فقلت يا رسول الله أنسيت؟ قال " بل أنت نسيت. بهذا أمرني ربي عز وجل ~~". # واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بن عسال الآتي ~~إن شاء الله تعالى # " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين " # الحديث. قالوا والأمر إذا لم يكن للوجوب، فلا أقل من أن يكون للندب، قال ~~مقيده عفا الله عنه وأظهر ما قيل في هذه المسألة عندي، هو ما ذكره ابن ~~القيم رحمه الله، وعزاه لشيخه تقي الدين رحمه الله، وهو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يتكلف ضد حاله التي كان عليها قدماه، بل إن كانتا ~~في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم ~~يلبس الخف ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة، اه. ms0358 ويشترط في ~~الخف أن يكون قويا يمكن تتابع المشي فيه في مواضع النزول، وعند الحط ~~والترحال، وفي الحوائج التي يتردد فيها في المنزل، وفي المقيم نحو ذلك، ~~كما جرت عادة لابسي الخفاف. المسألة الثالثة إذا كان الخف مخرقا، ففي ~~جواز المسح عليه خلاف بين العلماء، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه إن ظهر من ~~تخريقه قدر ثلث القدم لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ذلك جاز المسح ~~عليه، واحتجوا بأن الشرع دل على أن الثلث آخر حد اليسير، وأول حد الكثير. ~~وقال بعض أهل العلم لا يجوز المسح على خف فيه خرق يبدو منه شيء من القدم، ~~وبه قال أحمد بن حنبل، والشافعي في الجديد، ومعمر بن راشد. # واحتج أهل هذا القول بأن المنكشف من الرجل حكمه الغسل، والمستور حكمه ~~المسح، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز، فكما أنه لا يجوز له أن يغسل ~~إحدى رجليه ويمسح على الخف في الأخرى، لا يجوز له غسل بعض القدم مع مسح ~~الخف في الباقي منها. وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الخرق الكبير ~~يمنع المسح على الخف دون الصغير. وحددوا الخرق الكبير بمقدار ثلاثة ~~أصابع. قيل من أصابع الرجل الأصاغر، وقيل من أصابع اليد. وقال بعض أهل ~~العلم يجوز المسح على جميع الخفاف، وإن تخرقت تخريقا كثيرا ما دامت ~~يمكن تتابع المشي فيها. ونقله ابن المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق، ويزيد ~~بن هارون، وأبي ثور. وروى البيهقي في السنن الكبرى عن سفيان الثوري أنه ~~قال امسح عليهما ما تعلقا بالقدم، وإن تخرقا، قال وكانت كذلك خفاف ~~المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة، اه. وقال البيهقي قول معمر بن راشد في ~~ذلك أحب إلينا، وهذا القول الذي ذكرنا عن الثوري، ومن وافقه هو اختيار ~~الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله. وقال ابن المنذر وبقول الثوري أقول، ~~لظاهر إباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين قولا عاما ~~يدخل فيه جميع الخفاف. اه، نقله عنه النووي، وغيره، وهو قوي. وعن ~~الأوزاعي ms0359 إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه، وعلى ما ظهر من رجله. هذا ~~حاصل كلام العلماء في هذه المسالة. وأقرب الأقوال عندي، المسح على الخف ~~المخرق ما لم يتفاحش خرقه حتى يمنع تتابع المشي فيه لإطلاق النصوص، مع أن ~~الغالب على خفاف المسافرين، والغزاة عدم السلامة من التخريق، والله تعالى ~~أعلم. المسألة الرابعة اختلف العلماء في جواز المسح على النعلين، فقال ~~قوم يجوز المسح على النعلين. وخالف في ذلك جمهور العلماء، واستدل ~~القائلون بالمسح على النعلين بأحاديث، منها ما رواه أبو داود في سننه، ~~حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي، ~~هو عبد الرحمن بن ثروان عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح الجوربين والنعلين " # قال أبو داود، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن ~~المعروف عن المغيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وروى ~~هذا الحديث البيهقي. ثم قال قال أبو محمد رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا ~~الخبر، وقال أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان مع مخالفتهما ~~الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا مسح على الخفين، وقال لا ~~نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس، وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي ~~العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، فسمعته يقول علي بن شيبان يقول سمعت ~~أبا قدامة السرخسي يقول قال عبد الرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري لو ~~حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان الحديث ضعف أو ~~واه، أو كلمة نحوها، اه. # وروى البيهقي أيضا عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال حدثت ~~أبي بهذا الحديث، فقال أبي ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي ~~إن عبد الرحمن بن مهدي، يقول هو منكر، وروى البيهقي أيضا عن علي بن ~~المديني أنه قال حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن ms0360 المغيرة أهل ~~المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة، ~~إلا أنه قال ومسح على الجوربين، وخالف الناس. وروي أيضا عن يحيى بن معين ~~أنه قال في هذا الحديث الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس، ثم ذكر ~~أيضا ما قدمنا عن أبي داود من أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث بهذا ~~الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ~~الخفين، وقال أبو داود وروي هذا الحديث أيضا عن أبي موسى الأشعري، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بالقوي ولا بالمتصل، وبين البيهقي، ~~مراد أبي داود بكونه غير متصل وغير قوي، فعدم اتصاله، إنما هو لأن راويه ~~عن أبي موسى الأشعري هو الضحاك بن عبد الرحمن، قال البيهقي والضحاك بن ~~عبد الرحمن لم يثبت سماعه من ابي موسى، وعدم قوته، لأن في إسناده عيسى بن ~~سنان، قال البيهقي وعيسى بن سنان ضعيف، اه. وقال فيه ابن حجر في التقريب ~~لين الحديث، واعترض المخالفون تضعيف الحديث المذكور في المسح على ~~الجوربين والنعلين، قالوا أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وما سكت عنه فأقل ~~درجاته عنده الحسن قالوا وصححه ابن حبان، وقال الترمذي حسن صحيح، قالوا ~~وأبو قيس وثقه ابن معين، وقال العجلي ثقة ثبت، وهزيل وثقه العجلي، وأخرج ~~لهما معا البخاري في صحيحه، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة، بل ~~رويا أمرا زائدا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما ~~حديثان قالوا ولا نسلم عدم سماع الضحاك بن عبد الرحمن من أبي موسى، لأن ~~المعاصرة كافية في ذلك كما حققه مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه. ولأن عبد ~~الغني قال في الكمال سمع الضحاك من أبي موسى، قالوا وعيسى بن سنان، وثقه ~~ابن معين وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في " الجنائز " حديثا في سنده ~~عيسى بن سنان هذا، وحسنه. ويعتضد الحديث المذكور أيضا بما جاء في بعض ~~روايات حديث ابن عمر، الثابت في الصحيح # " أن عبيد ms0361 بن جريج، قال له يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر ~~أحدا من أصحابك يصنعها، قال ما هن؟ فذكرهن، وقال فيهن رأيتك تلبس ~~النعال السبتية، قال أما النعال السبتية، " فإني رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأنا أحب ~~أن ألبسها ". # قال البيهقي، بعد أن ساق هذا الحديث بسنده ورواه البخاري في الصحيح، عن ~~عبد الله بن يوسف عن مالك، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، ورواه جماعة عن ~~سعيد المقبري، ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان عن المقبري، فزاد فيه ويمسح ~~عليها. وهو محل الشاهد قال البيهقي. وهذه الزيادة إن كانت محفوظة فلا ~~ينافي غسلهما، فقد يغسلهما في النعل، ويمسح عليهما. ويعتضد الاستدلال ~~المذكور أيضا في المسح على النعلين بما رواه البيهقي بإسناده عن زيد بن ~~وهب، قال بال علي، وهو قائم ثم توضأ، ومسح على النعلين، ثم قال وبإسناده ~~قال حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان، قال " بال علي وهو ~~قائم ثم توضأ ومسح على النعلين ثم خرج فصلى الظهر ". وأخرج ~~البيهقي أيضا نحوه عن أبي ظبيان بسند آخر، ويعتضد الاستدلال المذكور بما ~~رواه البيهقي أيضا من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، ~~عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه " # ثم قال هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير هذا ~~أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة. وروي عن زيد بن الحباب عن ~~الثوري هكذا، وليس بمحفوظ. ثم قال أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا ~~سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثني أبي ~~ثنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان فذكره بإسناده " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مسح على النعلين " اه. قال البيهقي بعد أن ساقه والصحيح رواية ~~الجماعة، ورواه عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن سعد، عن زيد بن ms0362 أسلم، ~~فحكيا في الحديث " رشا على الرجل وفيها النعل " ، وذلك يحتمل أن يكون ~~غسلها في النعل، فقد رواه سليمان بن بلال، ومحمد بن عجلان، وورقاء بن ~~عمر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، فحكوا في الحديث غسله ~~رجليه، والحديث حديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، ~~مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه، ويعتضد الاستدلال ~~المذكور أيضا بما رواه البيهقي أيضا، أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا ~~أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مسدد، وعباد بن موسى، قالا ثنا هشيم، ~~عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد قال # " أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه ". # وقال مسدد إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه حماد بن سلمة عن ~~يعلى بن عطاء، عن أوس الثقفي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وهو منقطع " # أخبرناه أبو بكر بن فورك، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا ~~أبو داود الطيالسي، ثنا حماد بن سلمة، فذكره. وهذا الإسناد غير قوي، وهو ~~يحتمل ما احتمل الحديث الأول، اه كلام البيهقي. ولا يخفى أن حاصله أن ~~أحاديث المسح على النعلين منها ما هو ضعيف لا يحتج به، ومنها ما معناه ~~عنده " إنه صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في النعلين ". ثم استدل ~~البيهقي على أن المراد بالوضوء في النعلين غسل الرجلين فيهما بحديث # " ابن عمر، الثابت في الصحيحين، أنه قال أما النعال السبتية " فإني ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ~~ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها " # اه. ومراد البيهقي أن معنى قول ابن عمر " ويتوضأ " فيها أنه يغسل رجليه ~~فيها، وقد علمت أنا قدمنا رواية ابن عيينة التي ذكرها البيهقي عن ابن ~~عجلان، عن المقبري، وفيها زيادة، " ويمسح عليها ". وقال البيهقي - رحمه ~~الله ms0363 - في منع المسح على النعلين والجوربين والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ~~ما خصته سنة ثابتة، أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على المسح على النعلين ~~ولا على الجوربين واحد منهما، اه. وأجيب من جهة المخالفين بثبوت المسح ~~على الجوربين والنعلين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إن الترمذي ~~صحح المسح على الجوربين والنعلين، وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة، وحسنه ~~أيضا من حديث الضحاك عن أبي موسى، وصحح ابن حبان المسح على النعلين من ~~حديث أوس، وصحح ابن خزيمة حديث ابن عمر في المسح على النعال السبتية. ~~قالوا وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب، عن الثوري في المسح على ~~النعلين، حديث جيد قالوا وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في ~~رجليه، ويمسح عليهما. ويقول كذلك " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعل " ، وصححه ابن القطان. وقال ابن حزم المنع من المسح على الجوربين ~~خطأ، لأنه خلاف السنة الثابتة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف ~~الآثار. هذا حاصل ما جاء في المسح على النعلين والجوربين. # قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان المراد بالمسح على النعلين والجوربين ~~أن الجوربين ملصقان بالنعلين، بحيث يكون المجموع ساترا لمحل الفرض مع ~~إمكان تتابع المشي فيه، والجوربان صفيقان فلا إشكال. وإن كان المراد ~~المسح على النعلين بانفرادهما، ففي النفس منه شيء، لأنه حينئذ لم يغسل ~~رجله، ولم يمسح على ساتر لها، فلم يأت بالأصل، ولا بالبدل. والمسح على ~~نفس الرجل ترده الأحاديث الصحيحة المصرحة بمنع ذلك بكثرة، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم # " ويل للأعقاب من النار " # ، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة اختلف العلماء في توقيت المسح على ~~الخفين. فذهب جمهور العلماء إلى توقيت المسح بيوم وليلة المقيم، وثلاثة ~~ايام بلياليهن للمسافر. وإليه ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشافعي، ~~وأحمد، وأصحابهم وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق بن ~~راهويه، وداود الظاهري، ومحمد بن جرير الطبري، والحسن بن صالح بن حسين. ~~وممن قال به من الصحابة علي ms0364 بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس وحذيفة، ~~والمغيرة، وأبو زيد الأنصاري. وروي أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~وعن جميعهم. وممن قال به من التابعين شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، ~~والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. وقال أبو عمر بن عبد البر أكثر التابعين ~~والفقهاء على ذلك. وقال أبو عيسى الترمذي التوقيت ثلاثا للمسافر، ويوما ~~وليلة للمقيم هو قول عامة العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم. وقال ~~الخطابي التوقيت قول عامة الفقهاء، قاله النووي. وحجة أهل هذا القول ~~بتوقيت المسح الأحاديث الواردة بذلك، فمن ذلك حديث علي رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم، يوم وليلة " # ، أخرجه مسلم، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان. ~~ومن ذلك أيضا حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر ~~فلبس خفيه أن يمسح عليهما " # أخرجه ابن خزيمة، والدارقطني، وابن أبي شيبة، وابن حبان والبيهقي، ~~والترمذي في العلل، والشافعي، وابن الجارود، والأثرم في سننه، وصححه ~~الخطابي، وابن خزيمة، وغيرهما. ومن ذلك أيضا حديث صفوان بن عسال ~~المرادي قال " أمرنا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - أن نمسح على ~~الخفين إذا نحن أدخلناها على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا ~~أقمنا، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جنابة " ~~أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة والترمذي، وصححاه والنسائي، وابن ماجه، ~~والشافعي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي. قال الشوكاني في نيل الأوطار ~~وحكى الترمذي عن البخاري، أنه حديث حسن، ومداره على عاصم بن أبي النجود، ~~وهو صدوق، سيء الحفظ. # وقد تابعه جماعة، ورواه عنه أكثر من أربعين نفسا قاله ابن منده اه. ~~وذهبت جماعة من أهل العلم إلى عدم توقيت المسح وقالوا إن من لبس خفيه، ~~وهو طاهر، مسح عليهما ما بدا له، ولا يلزمه خلعهما إلا من جنابة. وممن ~~قال بهذا القول مالك، وأصحابه، والليث بن ms0365 سعد، والحسن البصري. ويروى عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن، و الشعبي، وربيعة، وهو قول الشافعي في القديم، ~~وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعقبة بن عامر رضي الله ~~عنهم. وحجة أهل هذا القول ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أنس رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إذا توضأ أحدكم، فلبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا ~~يخلعهما إن شاء، إلا من جنابة ونحوه ". # وأخرجه الدارقطني. وهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم وغيره، يعتضد ~~بما رواه الدارقطني عن ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من عدم التوقيت. ويؤيده أيضا ما رواه أبو داود، وابن ماجه، ~~وابن حبان، عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، أنه زاد في حديث التوقيت ما ~~لفظه ولو استزدناه لزادنا، وفي لفظ " لو مضى السائل على مسألته لجعلها ~~خمسا " يعني ليالي التوقيت للمسح. وحديث خزيمة هذا الذي فيه الزيادة ~~المذكورة صححه ابن معين، وابن حبان وغيرهما، وبه تعلم أن ادعاء النووي ~~في " شرح المهذب " الاتفاق على ضعفه، غير صحيح. وقول البخاري - رحمه الله ~~- إنه لا يصح عنده لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، مبني على شرطه، ~~وهو ثبوت اللقى. وقد أوضح مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في مقدمة صحيحه، ~~أن الحق هو الاكتفاء بإمكان اللقى بثبوت المعاصرة، وهو مذهب جمهور ~~العلماء. فإن قيل حديث خزيمة الذي فيه الزيادة، ظن فيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو استزيد لزاد، وقد رواه غيره، ولم يظن هذا الظن، ولا ~~حجة في ظن صحابي خالفه غيره فيه. فالجواب أن خزيمة هو ذو الشهادتين الذي ~~جعله صلى الله عليه وسلم بمثابة شاهدين، وعدالته، وصدقه، يمنعانه من ~~أن يجزم بأنه لو استزيد لزاد إلا وهو عارف أن الأمر كذلك، بأمور أخر ~~اطلع هو عليها، ولم يطلع عليها غيره. ومما يؤيد عدم التوقيت ما رواه أبو ~~داود، وقال ليس بالقوي # " عن أبي بن عمارة رضي الله عنه " أنه قال يا رسول ms0366 الله امسح على ~~الخفين؟ قال نعم قال يوما قال نعم، قال ويومين، قال نعم، قال وثلاثة ~~ايام، قال نعم، وما شئت ". # وهذا الحديث وإن كان لا يصلح دليلا مستقلا، فإنه يصلح لتقوية غيره من ~~الأحاديث التي ذكرنا. # فحديث أنس في عدم التوقيت صحيح. ويعتضد بحديث خزيمة الذي فيه الزيادة، ~~وحديث ميمونة، وحديث أبي بن عمارة، وبالآثار الموقوفة على عمر، وابنه، ~~وعقبة بن عامر، رضي الله عنهم. تنبيه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - ~~أنه لا يمكن الجمع في هذه الأحاديث بحمل المطلق على المقيد، لأن المطلق ~~هنا فيه التصريح بجواز المسح أكثر من ثلاث للمسافر، والمقيم، و المقيد ~~فيه التصريح بمنع الزائد على الثلاث للمسافر واليوم والليلة للمقيم. فهما ~~متعارضان في ذلك الزائد، فالمطلق يصرح بجوازه، والمقيد يصرح بمنعه، فيجب ~~الترجيح بين الأدلة، فترجح أدلة التوقيت بأنها أحوط، كما رجحها بذلك ابن ~~عبد البر، وبأن رواتها من الصحابة أكثر، وبأن منها ما هو ثابت في صحيح ~~مسلم، وهو حديث علي رضي الله عنه المتقدم. وقد ترجح أدلة عدم التوقيت ~~بأنها تضمنت زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وبأن القائل بها مثبت أمرا، ~~والمانع منها ناف له، والمثبت أولى من النافي. قال مقيده عفا الله عنه ~~والنفس إلى ترجيح التوقيت أميل، لأن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض ~~العلماء # وإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفا فاستبن # وقال الآخر # وذو احتياط في أمور الدين من فر من شك إلى يقين # ومصداق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # فالعامل بأدلة التوقيت طهارته صحيحة باتفاق الطائفتين، بخلاف غيره فإحدى ~~الطائفتين تقول ببطلانها بعد الوقت المحدد، والله تعالى أعلم. واعلم أن ~~القائلين بالتوقيت اختلفوا في ابتداء مدة المسح. فذهب الشافعي، وأبو ~~حنيفة، وأصحابهما، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وسفيان الثوري، وداود في ~~أصح الروايتين، وغيرهم، إلى أن ابتداء مدة التوقيت من أول حدث يقع بعد ~~ليس الخف، وهذا قول جمهور العلماء. واحتج أهل هذا القول بزيادة ms0367 رواها ~~الحافظ القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان من الحدث إلى الحدث. قال ~~النووي في " شرح المهذب " وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. واحتجوا أيضا ~~بالقياس وهو أن المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها ~~قياسا على الصلاة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ابتداء المدة من حين ~~يمسح بعد الحدث. وممن قال بهذا، الأوزاعي، وأبو ثور، وهو إحدى الروايتين ~~عن أحمد، وداود، ورجح هذا القول النووي، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واحتج أهل هذا القول بأحاديث التوقيت في ~~المسح، وهي أحاديث صحاح. ووجه احتجاجهم بها أن قوله صلى الله عليه وسلم # " يمسح المسافر ثلاثة أيام " # صريح، في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح. ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء ~~المدة من المسح، وهذا هو أظهر الأقوال دليلا فيما يظهر لي، والله تعالى ~~أعلم. # وفي المسألة قول ثالث، وهو أن ابتداء المدة من حين لبس الخف، وحكاه ~~الماوردي والشاشي، عن الحسن البصري، قاله النووي، والله تعالى أعلم. ~~المسالة السادسة اختلف العلماء هل يكفي مسح ظاهر الخف، أو لا بد من مسح ~~ظاهره وباطنه. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يكفي مسح ظاهره. وممن ~~قال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، والوزاعي، وحكاه ابن المنذر، عن الحسن، ~~وعروة بن الزبير، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وغيرهم. وأصح الروايات عن ~~أحمد أن الواجب مسح أكثر أعلى الخف، وأبو حنيفة يكفي عنده مسح قدر ثلاثة ~~أصابع من أعلى الخف. وحجة من اقتصر على مسح ظاهر الخف دون أسفله، حديث # " علي رضي الله عنه قال " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى ~~بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر ~~خفيه " # أخرجه أبو داود، والدارقطني. قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده حسن. ~~وقال في التلخيص إسناده صحيح. واعلم أن هذا الحديث لا يقدح فيه بأن في ~~إسناده عبد خير بن يزيد الهمداني، وأن البيهقي قال لم يحتج بعبد ms0368 خير ~~المذكور صاحبا الصحيح، اه. لأن عبد خير المذكور، ثقة مخضرم مشهور، قيل ~~إنه صحابي. والصحيح أنه مخضرم وثقه يحيى بن معين، والعجلي، وقال فيه ابن ~~حجر في التقريب مخضرم ثقة من الثانية لم يصح له صحبة. وأما كون الشيخين ~~لم يخرجا له، فهذا ليس بقادح فيه باتفاق أهل العلم. وكم من ثقة عدل لم ~~يخرج له الشيخان! وذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - إلى أن الواجب مسح ~~أقل جزء من أعلاه، وأن مسح أسفله مستحب. وذهب الإمام مالك - رحمه الله - ~~إلى أنه يلزم مسح أعلاه وأسفله معا، فإن اقتصر على أعلاه أعاد في الوقت، ~~ولم يعد أبدا، وإن اقتصر على أسفله أعاد أبدا. وعن مالك أيضا أن مسح ~~أعلاه واجب، ومسح أسفله مندوب. واحتج من قال بمسح كل من ظاهر الخف ~~وأسفله، بما رواه ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن وراد، كاتب المغيرة ~~بن شعبة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله " # أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، ~~والبيهقي، وابن الجارود. وقال الترمذي هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور ~~غير الوليد بن مسلم، وسالت ابا زرعة ومحمدا عن هذا الحديث فقالا ليس ~~بصحيح. ولا شك أن هذا الحديث ضعيف. وقد احتج مالك لمسح أسفل الخف بفعل ~~عروة بن الزبير رضي الله عنهما. # المسألة السابعة أجمع العلماء على اشتراط الطهارة المائية للمسح على ~~الخف، وأن من لبسهما محدثا، أو بعد تيمم، لا يجوز له المسح عليهما. ~~واختلفوا في اشتراط كمال الطهارة، كمن غسل رجله اليمنى فأدخلها في الخف ~~قبل أن يغسل رجله اليسرى، ثم غسل رجله اليسرى فأدخلها أيضا في الخف، هل ~~يجوز له المسح على الخفين إذا أحدث بعد ذلك؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى ~~اشتراط كمال الطهارة، فقالوا في الصورة المذكورة لا يجوز له المسح لأنه ~~لبس أحد الخفين قبل كمال الطهارة. وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه، ~~ومالك وأصحابه، وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد. واحتج أهل هذا ms0369 القول ~~بالأحاديث الواردة باشتراط الطهارة للمسح على الخفين، كحديث المغيرة بن ~~شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال # " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما " # ، متفق عليه، ولأبي داود عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان، فمسح عليهما ~~". # وعن أبي هريرة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال له لما نبهه على أنه ~~لم يغسل رجليه # " إني أدخلتهما طاهرتان ". # وفي حديث صفوان بن عسال المتقدم " أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن ~~أدخلناهما على طهر " ، الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث. قالوا والطهارة ~~الناقصة كلا طهارة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط كمال الطهارة ~~وقت لبس الخف فأجازوا لبس خف اليمنى قبل غسل اليسرى والمسح عليه، إذا ~~أحدث بعد ذلك، لأن الطهارة كملت بعد لبس الخف. قالوا والدوام كالابتداء. ~~وممن قال بهذا القول الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، ~~والمزني، وداود. واختار هذا القول ابن المنذر، قاله النووي. قال مقيده ~~عفا الله عنه منشأ الخلاف في هذه المسالة هو قاعدة مختلف فيها، " وهي هل ~~يرتفع الحدث عن كل عضو من أعضاء الوضوء بمجرد غسله، أو لا يرتفع الحدث عن ~~شيء منها إلا بتمام الوضوء "؟ وأظهرهما عندي أن الحدث معنى من المعاني لا ~~ينقسم ولا يتجزأ، فلا يرتفع منه جزء، وأنه قبل تمام الوضوء محدث، والخف ~~يشترط في المسح عليه أن يكون وقت لبسه غير محدث - والله تعالى أعلم، اه. ~~تنبيه جمهور العلماء على اشتراط النية في الوضوء والغسل، لأنهما قربة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إنما الأعمال بالنيات " # ، وخالف أبو حنيفة قائلا إن طهارة الحدث لا تشترط فيها النية، كطهارة ~~الخبث. واختلف العلماء أيضا في الغاية في قوله { إلى المرافق } ، هل هي ~~داخلة فيجب غسل المرافق في الوضوء؟ - وهو مذهب الجمهور - أو خارجة فلا ~~يجب غسل المرافق فيه؟ والحق اشتراط النية، ووجوب غسل المرافق، والعلم عند ~~الله تعالى. # واختلف العلماء في مسح الرأس في الوضوء ms0370 هل يجب تعميمه، فقال مالك وأحمد، ~~وجماعة يجب تعميمه. ولا شك أن الأحوط في الخروج من عهدة التكليف بالمسح. ~~وقال الشافعي، وأبو حنيفة لا يجب التعميم. واختلفوا في القدر المجزئ، فعن ~~الشافعي أقل ما يطلق عليه اسم المسح كاف، وعن أبي حنيفة الربع، وعن بعضهم ~~الثلث، وعن بعضهم الثلثان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح ~~على العمامة " ، وحمله المالكية على ما إذا خيف بنزعها ضرر، وظاهر الدليل ~~الإطلاق. " وثبت # " عنه صلى الله عليه وسلم المسح على الناصية والعمامة " # ولا وجه للاستدلال به على الاكتفاء بالناصية، لأنه لم يرد أنه صلى الله ~~عليه وسلم اكتفى بها، بل مسح معها على العمامة، فقد ثبت في مسح الرأس ~~ثلاث حالات المسح على الرأس، والمسح على العمامة، والجمع بينهما بالمسح ~~على الناصية، والعمامة. والظاهر من الدليل جواز الحالات الثلاث المذكورة، ~~والعلم عند الله تعالى. وما قدمنا من حكاية الإجماع على عم الاكتفاء في ~~المسح على الخف بالتيمم، مع أن فيه بعض خلاف كما يأتي، لأنه لضعفه عندنا ~~كالعدم، ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية الكريمة خوف الإطالة. قوله ~~تعالى { فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه } الآية. اعلم أن لفظة { من } في هذه الآية ~~الكريمة محتملة، لأن تكون للتبعيض، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار ~~يعلق باليد. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، أي مبدأ ذلك المسح كائن من ~~الصعيد الطيب، فلا يتعين ماله غبار، وبالأول قال الشافعي، وأحمد، ~~وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعا. فإذا علمت ذلك، ~~فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله ~~تعالى { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } فقوله { ~~من حرج } نكرة في سياق النفي زيدت قبلها { من } والنكرة إذا كانت كذلك، ~~فهي نص في العموم، كما تقرر في الأصول، قال في مراقي السعود عاطفا على ~~صيغ العموم # وفي سياق المنفي منها يذكر إذا بنى أو زيد من منكر # فالآية تدل على عموم النفي في ms0371 كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون { من } ~~لابتداء الغاية، لأن كثيرا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، ~~فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة. ويؤيد ~~هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل " # ، وفي لفظ " فعنده مسجده وطهوره " الحديث. فهذا نص صحيح صريح في أن من ~~أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب ~~الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد. وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري ~~من تعين كون { من } للتبعيض غير صحيح. فإن قيل ورد في الصحيح ما يدل على ~~تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد، دون غيره من أنواع الصعيد، فقد ~~أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا ~~الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء " # ، الحديث، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره ~~من الصعيد ليس كذلك، فالجواب من ثلاثة أوجه الأول أن كون الأمر مذكورا ~~في معرض الامتنان، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في ~~الأصول، قال في مراقي السعود في موانع اعتبار مفهوم المخالفة # أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع # ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله، خص اللحم ~~الطري منه في قوله # وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا # النحل 14، لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، ~~فيجوز أكل القديد مما في البحر. الثاني أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو ~~لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق ms0372 كما هو معلوم في الأصول. الثالث ~~أن التربة فرد من أفراد الصعيد. وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون ~~مخصصا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # البقرة 238، أو ذكرا في نصيبن كحديث # " أيما إهاب دبغ فقد طهر " # عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث # " هلا انتفعتم بجلدها " # يعني شاة ميتة عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة ~~الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في ~~الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في مراقي السعود عاطفا على ~~ما لا يخصص به العموم # وذكر ما وافقه من مفرد ومذهب الراوي على المعتمد # ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام، إلا أبو ثور ~~محتجا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم ~~اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، والصعيد ~~في اللغة وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابن ~~الأعرابي، والزجاج. قال الزجاج لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة قال ~~الله تعالى # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا # الكهف 8 أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال تعالى # فتصبح صعيدا زلقا # الكهف 40، ومنه قول ذي الرمة # كأنه بالضحى ترمى الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم # وإنما سمي صعيدا، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات ~~على غير قياس، ومنه حديث # " إياكم والجلوس في الصعدات " # ، قاله القرطبي وغيره عنه. واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب، ~~فقالت طائفة " الطيب " ، هو الطاهر، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله، ترابا ~~كان أو رملا، أو حجارة، أو معدنا، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهرا. وهذا ~~مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم. وقالت طائفة الطيب الحلال، فلا ~~يجوز التيمم بتراب مغصوب. وقال الشافعي، وأبو يوسف الصعيد الطيب التراب ~~المنبت، بدليل قوله تعالى # والبلد الطيب يخرج نباته ms0373 بإذن ربه # الأعراف 58 الآية. فإذا علمت هذا، فاعلم أن المسالة لها واسطة وطرفان ~~طرف أجمع جميع المسلمين على جواز التيمم به، وهو التراب المنبت الطاهر ~~الذي هو غير منقول، ولا مغصوب. وطرف أجمع جميع المسلمين على منع التيمم ~~به، وهو الذهب والفضة الخالصان، والياقوت والزمرد، والأطعمة كالخبز ~~واللحم وغيرهما، والنجاسات وغير هذا هو الواسطة التي اختلف فيها العلماء، ~~فمن ذلك المعادن. فبعضهم يجيز التيمم عليها كمالك، وبعضهم يمنعه كالشافعي ~~ومن ذلك الحشيش، فقد روى ابن خويز منداد عن مالك أنه يجيز التيمم على ~~الحشيش إذا كان دون الأرض، ومشهور مذهب مالك المنع، ومن ذلك التيمم على ~~الثلج، فروي عن مالك في المدونة، والمبسوط جوازه قيل مطلقا. وقيل عند ~~عدم الصعيد، وفي غيرهما منعه. واختلف عنه في التيمم على العود، فالجمهور ~~على المنع، وفي مختصر الوقار أنه جائز، وقيل يجوز في العود المتصل بالأرض ~~دون المنفصل عنها، وذكر الثعلبي أن مالكا قال لو ضرب بيده على شجرة، ثم ~~مسح بها أجزأه، قال وقال الأوزاعي، والثوري يجوز بالأرض، وكل ما عليها من ~~الشجر والحجر، والمدر وغيرها حتى قالا لو ضرب بيده على الجمد، والثلج ~~أجزاء. وذكر الثعلبي عن أبي حنيفة أنه يجيزه بالكحل، والزرنيخ، والنورة، ~~والجص، والجوهر المسحوق، ويمنعه بسحالة الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، ~~لأن ذلك ليس من جنس الأرض. وذكر النقاش عن ابن علية، وابن كيسان أنهما ~~أجازاه بالمسك، والزعفران، وأبطل ابن عطية هذا القول، ومنعه إسحاق بن ~~راهويه بالسباخ، وعن ابن عباس نحوه، وعنه فيمن أدركه التيمم، وهو في طين ~~أنه يطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به، قاله القرطبي. وأما التراب ~~المنقول في طبق أو غيره، فالتيمم به جائز في مشهور مذهب مالك، وهو قول ~~جمهور المالكية، ومذهب الشافعي، وأصحابه. وعن بعض المالكية، وجماعة من ~~العلماء منعه. # وما طبخ كالجص، والآجر ففيه أيضا خلاف عن المالكية، والمنع أشهر. ~~واختلفوا أيضا في التيمم على الجدار، فقيل جائز مطلقا، وقيل ممنوع ~~مطلقا، وقيل بجوازه للمريض دون غيره، وحديث أبي ms0374 جهيم الآتي يدل على ~~الجواز مطلقا. والظاهر أن محله فيما إذا كان ظاهر الجدار من أنواع ~~الصعيد، ومشهور مذهب مالك جواز التيمم على المعادن غير الذهب، والفضة ما ~~لم تنقل، وجوازه على الملح غير المصنوع، ومنعه بالأشجار، والعيدان ونحو ~~ذلك وأجازه أحمد، والشافعي، والثوري على البلد، والوسائد. ونحو ذلك إذا ~~كان عليه غبار. والتيمم في اللغة القصد، تيممت الشيء قصدته، وتيممت ~~الصعيد تعمدته، وأنشد الخليل قول عامر بن مالك، ملاعب الألسنة # يممته الرمح شزرا ثم قلت له هذي البسالة لا لعب الزحاليق # ومنه قول امرئ القيس # تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامى # وقول أعشى باهلة # تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمة ذي شزن # وقول حميد بن ثور # سل الربع أني يممت أم طارق وهل عادة للربع أن يتكلما # والتيمم في الشرع القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين منه بنية ~~استباحة الصلاة عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله، وكون التيمم بمعنى ~~القصد يدل على اشتراط النية في التيمم، وهو ا لحق. مسائل في أحكام التيمم ~~المسألة الأولى لم يخالف أحد من جميع المسلمين في التيمم، عن الحدث ~~الأصغر، وكذلك عن الحدث الأكبر، إلا ما روي عن عمر، وابن مسعود، وإبراهيم ~~النخعي من التابعين أنهم منعوه، عن الحدث الأكبر. ونقل النووي في شرح ~~المهذب عن ابن الصباغ وغيره القول برجوع عمر، وعبد الله بن مسعود عن ذلك، ~~واحتج لمن منع التيمم، عن الحدث الأكبر بأن آية النساء ليس فيها إباحته ~~إلا لصاحب الحدث الأصغر. حيث قال # أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا # المائدة 6، الآية، ورد هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه الأول أنا لا نسلم ~~عدم ذكر الجنابة في آية النساء، لأن قوله تعالى { أو لامستم النساء } ، ~~فسره ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما، بأن المراد به الجماع، ~~وإذا فذكر التيمم بعد الجماع المعبر عنه باللمس، أو الملامسة بحسب ~~القراءتين، والمجيء من الغائط دليل على شمول ms0375 التيمم لحالتي الحدث الأكبر، ~~والأصغر. الثاني أنه تعالى في سورة المائدة، صرح بالجنابة غير معبر عنها ~~بالملامسة، ثم ذكر بعدها التيمم، فدل على أن يكون عنها أيضا حيث قال # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا # المائدة 6 ثم قال # فلم تجدوا مآء فتيمموا # المائدة 6، الآية. فهو عائد إلى المحدث، والجنب جميعا، كما هو ظاهر. ~~الثالث تصريحه صلى الله عليه وسلم بذلك الثابت عنه في الصحيح فقد أخرج ~~الشيخان في صحيحيهما عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أنه قال أجنبت فلم ~~أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال # " إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ~~ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه ". # وأخرجا في صحيحيهما أيضا من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال " ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس. فإذا هو برجل ~~معتزل، فقال # " ما منعك أن تصلي " # ؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء، قال # " عليك بالصعيد، فإنه يكفيك ". # والأحاديث في الباب كثيرة. المسألة الثانية اختلف العلماء، هل تكفي ~~للتيمم ضربة واحدة أو لا؟ فقال جماعة تكفي ضربة واحدة للكفين والوجه، ~~وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وعطاء، ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق، ونقله ~~ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث، ودليله ~~حديث عمار المتفق عليه المتقدم آنفا. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا بد ~~من ضربتين إحداهما للوجه، والأخرى للكفين، ومنهم من قال بوجوب الثانية، ~~ومنهم من قال بسنيتهما كمالك، وذهب ابن المسيب، وابن شهاب، وابن سيرين ~~إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للذراعين. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - الظاهر من جهة الدليل الاكتفاء بضربة واحدة. لأنه ~~لم يصح من أحاديث الباب شيء مرفوعا، إلا حديث عمار المتقدم، وحديث أبي ~~جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال " أقبل رسول الله صلى الله ms0376 ~~عليه وسلم، من نحو بئر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه ~~السلام، أخرجه البخاري موصولا، ومسلم تعليقا، وليس في واحد منهما ما ~~يدل على أنهما ضربتان كما رأيت، وقد دل حديث عمار أنها واحدة. المسألة ~~الثالثة هل يلزم في التيمم مسح غير الكفين؟ اختلف العلماء في ذلك، فأوجب ~~بعضهم المسح في التيمم إلى المرفقين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ~~وأصحابهما، والثوري، وابن أبي سلمة، والليث، كلهم يرون بلوغ التيمم ~~بالمرفقين فرضا واجبا، وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن ~~نافع، وإليه ذهب إسماعيل القاضي. قال ابن نافع من تيمم إلى الكوعين أعاد ~~الصلاة أبدا، وقال مالك في المدونة يعيد في الوقت، وروي التيمم إلى ~~المرفقين مرفوعا، عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة ~~وعمار، والأسلع، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء الله ~~تعالى، وبه كان يقول ابن عمر، وقال ابن شهاب يمسح في التيمم إلى الآباط. ~~واحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين، ~~وبأن ابن عمر كان يفعله، وبالقياس على الوضوء، وقد قال تعالى فيه { ~~وأيديكم إلى المرافق } المائدة 6. # قال مقيده - عفا الله عنه- الذي يظهر من الأدلة - والله تعالى أعلم - أن ~~الواجب في التيمم هو مسح الكفين فقط، لما قدمنا من أن الأحاديث الواردة ~~في صفة التيمم لم يصح منها شيء ثابت الرفع إلا حديث عمار وحديث أبي جهيم ~~المتقدمين. أما حديث أبي جهيم، فقد ورد بذكر اليدين مجملا، كما رأيت، ~~وأما حديث عمار فقد ورد بذكر الكفين في الصحيحين، كما قدمنا آنفا. وورد ~~في غيرهما بذكر المرفقين، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى ~~الآباط، فأما رواية المرفقين، ونصف الذراع، ففيهما مقال سيأتي، وأما ~~رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره إن كان ذاك وقع بأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فكل تيمم للنبي صلى الله عليه وسلم ms0377 بعده فهو ناسخ له. وإن كان ~~وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار ~~على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره. ولا سيما الصحابي المجتهد، ~~قاله ابن حجر في الفتح. وأما فعل ابن عمر، فلم يثبت رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والموقوف على ابن عمر لا يعارض به مرفوع متفق عليه، وهو ~~حديث عمار. وقد روى أبو داود عن ابن عمر بسند ضعيف، أنه قال " مر رجل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو ~~بول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكك، فضرب بيده ~~على حائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه " ومدار ~~الحديث على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين، وأحمد والبخاري وأبو حاتم. ~~وقال أحمد والبخاري ينكر عليه حديث التيمم. أي هذا، زاد البخاري خالفه ~~أيوب، وعبيد الله والناس، فقالوا عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال أبو داود ~~لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ورووه من فعل ابن عمر، وقال الخطابي لا يصح. لأن محمد بن ~~ثابت ضعيف جدا، ومحمد بن ثابت هذا هو العبدي، أبو عبد الله البصري، قال ~~فيه في التقريب صدوق، لين الحديث. واعلم أن رواية الضحاك بن عثمان، وابن ~~الهاد لهذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ليس في واحدة منهما متابعة محمد ~~بن ثابت على الضربتين، ولا على الذراعين. لأن الضحاك لم يذكر التيمم في ~~روايته، وابن الهاد قال في روايته " مسح وجهه ويديه ". # قاله ابن حجر، والبيهقي، وروى الدارقطني والحاكم، والبيهقي من طريق علي ~~بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال # " التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى ms0378 المرفقين ". # قال الدارقطني وقفه يحيى القطان، وهشيم وغيرهما، وهو الصواب، ثم رواه من ~~طريق مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، قاله ابن حجر، مع أن علي بن ~~ظبيان ضعفه القطان، وابن معين، وغير واحد. وهو ابن ظبيان بن هلال العبسي ~~الكوفي، قاضي بغداد، قال فيه في التقريب ضعيف. ورواه الدارقطني من طريق ~~سالم عن ابن عمر مرفوعا بلفظ " تيممنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ~~ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا من المرافق إلى الأكف " ، الحديث، لكن في ~~إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك. قال البيهقي رواه معمر وغيره عن ~~الزهري موقوفا، وهو الصحيح، ورواه الدارقطني أيضا من طريق سليمان بن ~~أبي داود الحراني، وهو متروك أيضا عن سالم، ونافع جميعا عن ابن عمر ~~مرفوعا بلفظ " وفي التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ~~" ، قال أبو زرعة حديث باطل، ورواه الدارقطني، والحاكم من طريق عثمان بن ~~محمد الأنماطي عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين " # ، ومن طريق أبي نعيم عن عزرة بسنده المذكور، قال " جاء رجل، فقال ~~أصابتني جنابة، وإني تمعكت في التراب، فقال اضرب، فضرب بيده الأرض فمسح ~~وجهه، ثم ضرب يديه فمسح بهما إلى المرفقين ". ضعف ابن الجوزي هذا الحديث ~~بأن فيه عثمان بن محمد، ورد على ابن الجوزي بأن عثمان بن محمد لم يتكلم ~~فيه أحد، كما قاله ابن دقيق العيد، لكن روايته المذكورة شاذة، لأن أبا ~~نعيم رواه عن عزرة موقوفا، أخرجه الدارقطني، والحاكم أيضا. وقال ~~الدارقطني في حاشية السنن، عقب حديث عثمان بن محمد كلهم ثقات، والصواب ~~موقوف، قال ذلك كله ابن حجر في التلخيص، وقال في التقريب في عثمان بن ~~محمد المذكور مقبول، وقال في التلخيص أيضا وفي الباب عن الأسلع قال " ~~كنت اخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فأراني ~~التيمم، فضربت ms0379 بيدي الأرض واحدة، فمسحت بها وجهي ثم ضربت بها الأرض فمسحت ~~بها يدي إلى المرفقين " رواه الدارقطني، والطبراني، وفيه الربيع بن بدر، ~~وهو ضعيف، وعن أبي أمامة رواه الطبراني، وإسناده ضعيف أيضا. ورواه ~~البزار، وابن عدي من حديث عائشة مرفوعا " التيمم ضربتان ضربة للوجه، ~~وضربة لليدين إلى المرفقين ". # تفرد به الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة عنها قال أبو حاتم حديث ~~منكر، والحريش شيخ لا يحتج به. وحديث # " أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر " تكفيك ضربة للوجه، وضربة ~~للكفين " # رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، ~~وهو ضعيف، ولكنه حجة عند الشافعي. وحديث عمار " كنت في القوم حين نزلت ~~الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين ". ~~رواه البزار، ولا شك أن الرواية المتفق عليها عن عمار أولى منه. وقال ابن ~~عبد البر أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ~~ضربتين فكلها مضطربة، اه، منه. فبهذا كله تعلم أنه لم يصح في الباب إلا ~~حديث عمار، وأبي جهيم المتقدمين، كما ذكرنا. فإذا عرفت نصوص السنة في ~~المسالة فاعلم أن الواجب في المسح الكفان فقط، ولا يبعد ما قاله مالك ~~رحمه الله من وجوب الكفين، وسنية الذراعين إلى المرفقين، لأن الوجوب دل ~~عليه الحديث المتفق عليه في الكفين. وهذه الروايات الواردة بذكر اليدين ~~إلى المرفقين تدل على السنية، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن ~~بعضها يشد بعضا، لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر ~~بها يقوي بعضها بعضا حتى يصلح مجموعها للاحتجاج لا تخاصم بواحد أهل بيت، ~~فضعيفان يغلبان قويا، وتعتضد أيضا بالموقوفات المذكورة. والأصل إعمال ~~الدليلين، كما تقرر في الأصول. المسألة الرابعة هل يجب الترتيب في التيمم ~~أو لا؟ ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه إلى أن تقديم الوجه ~~على اليدين ركن من اركان التيمم، وحكى النووي عليه اتفاق الشافعية، وذهبت ~~جماعة منهم مالك، وجل أصحابه إلى ms0380 أن تقديم الوجه على اليدين سنة. ودليل ~~تقديم الوجه على اليدين أنه تعالى قدمه في آية النساء، وآية المائدة، حيث ~~قال فيهما { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } المائدة 6. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم # " أبدأ بما بدأ الله به " # يعني قوله # إن الصفا والمروة # البقرة 158 الآية، وفي بعض رواياته " ابدؤوا " بصيغة الأمر. وذهب الإمام ~~أحمد، ومن وافقه إلى تقديم اليدين، مستدلا بما ورد في صحيح البخاري في ~~باب " التيمم ضربة " من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له # " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ~~ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه " # ، الحديث. ومعلوم أن " ثم " تقتضي الترتيب، وأن الواو لا تقتضيه عند ~~الجمهور، وإنما تقتضي مطلق التشريك، ولا ينافي ذلك أن يقوم دليل منفصل ~~على أن المعطوف بالواو مؤخر عما قبله، كما دل عليه الحديث المتقدم في ~~قوله { إن الصفا والمروة } الآية، وكما في قول حسان # هجوت محمدا وأجبت عنه # وعلى رواية " الواو " فحديث البخاري هذا نص في تقديم اليدين على الوجه، ~~وللاسماعيلي من طريق هارون الحمال، عن أبي معاوية ما لفظه " إنما يكفيك ~~أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، ~~وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك " قاله ابن حجر في الفتح، وأكثر ~~العلماء على تقديم الوجه مع الاختلاف في وجوب ذلك، وسنيته. المسألة ~~الخامسة هل يرفع التيمم الحدث أو لا؟ وهذه المسألة من صعاب المسائل ~~لإجماع المسلمين على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن ~~استعماله، وإجماعهم على أن الحدث مبطل للصلاة، فإن قلنا لم يرتفع حدثه، ~~فكيف صحت صلاته، وهو محدث؟ وإن قلنا صحت صلاته، فكيف نقول لم يرتفع حدثه؟ ~~اعلم أولا أن العلماء اختلفوا في هذه المسالة إلى ثلاثة مذاهب الأول أن ~~التيمم لا يرفع الحدث. الثاني أنه يرفعه رفعا كليا. الثالث أنه يرفعه ~~رفعا مؤقتا. حجة القول ms0381 الأول أن التيمم لا يرفع الحدث ما ثبت في صحيح ~~البخاري من حديث عمران المتقدم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فرأى رجلا معتزلا لم يصل ~~مع القوم، فقال " ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم "؟ قال أصابتني جنابة ~~ولا ماء. قال " عليك بالصعيد فإنه يكفيك ". إلى أن قال " وكان آخر ذلك ~~أن أعطي الذي اصابته الجنابة إناء من ماء. قال " اذهب فأفرغه عليك " # ، الحديث. ولمسلم في هذا الحديث " وغسلنا صاحبنا " يعني الجنب المذكور. ~~وهذا نص صحيح في أن تيممه الأول لم يرفع جنابته. ومن الأدلة على أنه لا ~~يرفع الحدث ما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم ~~موصولا، ورواه البخاري تعليقا # " عن عمرو بن العاص رضي الله عنه " أنه تيمم عن الجنابة من شدة البرد. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " صليت بأصحابك وأنت جنب، فقال ~~عمرو إني سمعت الله يقول { ولا تقتلوا أنفسكم } النساء 29 ~~الآية. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه " # قال ابن حجر في التلخيص في الكلام على حديث عمرو هذا واختلف فيه على عبد ~~الرحمن بن جبير. فقيل عنه عن أبي قيس عن عمرو، وقيل عنه عن عمرو بلا ~~واسطة، لكن الرواية التي فيها أبو قيس، ليس فيها ذكر التيمم، بل فيها أنه ~~غسل مغابنه فقط. وقال أبو داود روى هذه القصة الأوزاعي عن حسان بن عطية، ~~وفيه " فتيمم ". # ورجح الحاكم إحدى الروايتين على الأخرى. وقال البيهقي يحتمل أن يكون فعل ~~ما في الروايتين جميعا، فيكون قد غسل ما أمكن، وتيمم عن الباقي. وله ~~شاهد من حديث ابن عباس، وحديث أبي أمامة، عند الطبراني، انتهى من التلخيص ~~لابن حجر. قال مقيده عفا الله عنه ما أشار إليه البيهقي من الجمع بين ~~الروايتين متعين، لأن الجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في الأصول، وعلوم ~~الحديث. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم # " صليت بأصحابك وأنت جنب " # ، فإنه أثبت بقاء جنابته مع التيمم. ومن ms0382 الأدلة على أن التيمم لا يرفع ~~الحدث حديث أبي ذر عند أحمد، وأصحاب السنن الأربع، وصححه الترمذي، وأبو ~~حاتم من حديث أبي ذر، وابن القطان من حديث أبي هريرة عند البزار، ~~والطبراني، قاله ابن حجر في التلخيص. وذكر في الفتح أنه صححه ابن حبان، ~~والدارقطني من حديث أبي ذر " أنه صلى الله عليه وسلم قال # " أن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد ~~الماء فليمسه بشرته " # الحديث. قال ابن حجر في التلخيص بعد أن ذكر هذا الحديث عن اصحاب السنن ~~من رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر واختلف ~~فيه على أبي قلابة، فقيل هكذا. وقيل عنه عن رجل من بني عامر، وهذه رواية ~~أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد، وقيل عن أيوب عنه عن أبي المهلب ~~عن أبي ذر، وقيل عنه بإسقاط الواسطة، وقيل في الواسطة محجن، أو ابن محجن، ~~أو رجاء بن عامر، أو رجل من بني عامر، وكلها عند الدارقطني، والاختلاف ~~فيه كله على أيوب، ورواه ابن حبان، والحاكم من طريق خالد الحذاء كرواية ~~أبي داود، وصححه أيضا أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد ~~وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال إنه مجهول. هكذا قاله ابن حجر في ~~التلخيص. وقال في التقريب في ابن بجدان المذكور لا يعرف حاله، تفرد عنه ~~أبو قلابة وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار قال حدثنا مقدم بن محمد، ~~ثنا عمي القاسم بن يحيى، ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي ~~هريرة رفعه # " الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق ~~الله، وليمسه بشرته، فإن ذلك خير ". # وقال لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الأوسط ~~من هذا الوجه مطولا، أخرجه في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، وساق فيه قصة ~~أبي ذر وقال لم يروه إلا هشام، عن ابن سيرين، ولا عن ms0383 هشام إلا القاسم، ~~تفرد به مقدم، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل إن إرساله ~~أصح، انتهى من التلخيص بلفظه، وقد رايت تصحيح هذا الحديث للترمذي، وأبي ~~حاتم، وابن القطان، وابن حبان. # ومحل الشاهل منه قوله # " فإن وجد الماء فليمسه بشرته " # ، لأن الجنابة لو كان التيمم رفعها، لما احتيج إلى إمساس الماء البشرة. ~~واحتج القائلون بأن التيمم يرفع الحدث بأن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~صرح بأنه طهور في قوله في الحديث المتفق عليه # " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # ، وبأن في الحديث المار آنفا # " التيمم وضوء المسلم " # ، وبأن الله تعالى قال { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم } المائدة 6 الآية، وبالإجماع على أن ~~الصلاة تصح به كما تصح بالماء، ولا يخفى ما بين القولين المتقدمين من ~~التناقض، قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر من الدلة تعين القول الثالث، ~~لأن الأدلة تنتظم به ولا يكون بينهما تناقض والجمع واجب متى أمكن. قال في ~~مراقي السعود # والجمع واجب مى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا # والقول الثالث المذكور هو أن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا لا كليا، ~~وهذا لا مانع منه عقلا ولا شرعا، وقد دلت عليه الأدلة، لأن صحة الصلاة ~~به المجمع عليها بلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزوما شرعيا لا شك ~~فيه. ووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضا ~~يلزمه لزوما شرعيا لا شك فيه، وأن الحدث مطلقا لم يرتفع بالكلية، ~~فيتعين الارتفاع المؤقت. هذا هو الظاهر، ولكنه يشكل عليه ما تقدم في حديث ~~عمرو بن العاص، أنه صلى الله عليه وسلم قال له # " صليت بأصحابك وأنت جنب " # ، وقد تقرر عند علماء العربية أن وقت عامل الحال هو بعينه وقت الحال، ~~فالحال وعاملها إذا مقترنان في الزمان، فقولك جاء زيد ضاحكا مثلا، لا ~~شك في أن وقت المجيء فيه هو بعينه وقت الضحك، وعليه فوقت صلاته، هو بعينه ~~وقت كونه جنبا، لأن الحال هي ms0384 كونه جنبا وعاملها قوله صليت، فيلزم أن ~~وقت الصلاة والجنابة متحد، ولا يقدح فيما ذكرنا أن الحال المقدرة لا ~~تقارن عاملها في الزمان، كقوله تعالى # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # الزمر 73 لأن الخلود متأخر عن زمن الدخول أي مقدرين الخلود فيها، لأن ~~الحال في الحديث المذكور ليست من هذا النوع. فالمقارنة بينها وبين عاملها ~~في الزمن لا شك فيها، وإذا كانت الجنابة حاصلة له في نفس وقت الصلاة، كما ~~هو مقتضى هذا الحديث، فالرفع المؤقت المذكور لا يستقيم، ويمكن الجواب عن ~~هذا من وجهين الأول أنه صلى الله عليه وسلم قال له # " وأنت جنب " # قبل أن يعلم عذره بخوفه الموت إن اغتسل. والمتيمم من غير عذر مبيح جنب ~~قطعا، وبعد أن علم عذره المبيح للتيمم الذي هو خوف الموت أقره وضحك، ولم ~~يأمره بالإعادة، فدل على أنه صلى باصحابه وهو غير جنب، وهذا ظاهر الوجه. ~~الثاني أنه أطلق عليه اسم الجنابة نظرا إلى أنها لم ترتفع بالكلية، ولو ~~كان في وقت صلاته غير جنب. كإطلاق اسم الخمر على العصير في وقت هو فيه ~~ليس بخمر في قوله # إني أراني أعصر خمرا # يوسف 36 نظرا إلى مآله في ثاني حال، والعلم عند الله تعالى. ومن ~~المسائل التي تبنى على الاختلاف في التيمم، هل يرفع الحدث أو لا؟ جواز ~~وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع ~~الحدث يجوز وطؤها قبل الاغتسال، والعكس بالعكس. وكذلك إذا تيمم ولبس ~~الخفين. فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، ~~والعكس بالعكس. وكذلك ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب ~~إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث ~~بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله، ~~وبعده على خلافه. المسالة السادسة هل يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ~~فريضتان أو لا؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز به فريضتان، أو فرائض ما ~~لم يحدث، وعليه ms0385 كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد في أشهر الروايتين، ~~والحسن البصري، وأبو حنيفة، وابن المسيب، والزهري. وذهب مالك، والشافعي، ~~وأصحابهما إلى أنه لا تصلى به إلا فريضة واحدة. وعزاه النووي في شرح ~~المهذب لأكثر العلماء، وذكر أن ابن المنذر حكاه عن علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وابن عمر، والشافعي، والنخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ~~والليث، وإسحاق، وغيرهم. واحتج أهل القول الأول بأن النصوص الواردة في ~~التيمم، ليس فيها التقييد بفرض واحد، وظاهرها الإطلاق، وبحديث # " الصعيد الطيب وضوء المسلم " # الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح # " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # ، وقوله تعالى { ولكن يريد ليطهركم } المائدة 6 الآية. ~~واحتج أهل القول الثاني بما روي عن ابن عباس رضي عنهما أنه قال من السنة ~~ألا يصلي بالتيمم إلا مكتوبة واحدة، ثم يتيمم للأخرى، وقول الصحابي من ~~السنة له حكم الرفع على الصحيح عند المحدثين، والأصوليين، أخرج هذا ~~الحديث الدارقطني، والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد ~~عنه، والحسن ضعيف جدا قال فيه ابن حجر في التقريب متروك، وقال فيه مسلم، ~~في مقدمة صحيحه حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا ابو داود قال قال لي شعبة ~~ائت جرير بن حازم، فقل له لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه ~~يكذب. # وقال البيهقي لما ساق هذا الحديث في سننه الحسن بن عمارة لا يحتج به اه ~~وهو أبو محمد البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد، واحتجوا أيضا بما روي عن ~~ابن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص موقوفا عليهم، أما ابن عمر فرواه عنه ~~البيهقي، وعن الحاكم من طريق عامر الأحول، عن نافع عن ابن عمر قال يتيمم ~~لكل صلاة، وإن لم يحدث، قال البيهقي وهو أصح ما في الباب قال ولا نعلم له ~~مخالفا من الصحابة. قال مقيده عفا الله عنه ومثل هذا يسمى إجماعا ~~سكوتيا، وهو حجة عند أكثر العلماء، ولكن أثر ابن عمر هذا الذي صححه ~~البيهقي، وسكت ابن حجر على تصحيحه له في ms0386 التلخيص، والفتح، تكلم فيه بعض ~~أهل العلم بأن عامرا الأحول ضعفه سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقيل ~~لم يسمع من نافع، وضعف هذا الأثر ابن حزم ونقل خلافه عن ابن عباس وقال ~~ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر أن البيهقي قال لا نعلم له مخالفا. وتعقب ~~بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس، أنه لا يجب. وأما عمرو بن العاص فرواه ~~عنه الدارقطني، والبيهقي، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. أن عمرو ~~بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه كان يفتي قتادة، وهذا فيه إرسال شديد ~~بين قتادة، وعمرو، قاله ابن حجر في التلخيص، والبيهقي في السنن الكبرى ~~وهو ظاهر، وأما علي فرواه عنه الدارقطني أيضا بإسناد فيه حجاج بن أرطاة ~~والحارث الأعور قاله ابن حجر أيضا، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ~~بالإسناد الذي فيه المذكوران. أما حجاج بن أرطاة، فقد قال فيه ابن حجر ~~في التقريب صدوق كثير الخطأ، والتدليس، وأما الحارث الأعور فقال فيه ابن ~~حجر في التقريب كذبه الشعبي في رايه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وقال ~~فيه مسلم في مقدمة صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جابر عن مغيرة عن ~~الشعبي قال حدثني الحارث الأعور الهمداني، وكان كذابا. حدثنا أبو عامر ~~عبد الله بن براد الأشعري، حدثنا أبو أسامة عن مفضل عن مغيرة قال ~~سمعت الشعبي يقول حدثني الحارث الأعور وهو يشهد أنه أحد الكذابين وقد ~~ذكر البيهقي هذا الاثر عن علي في التيمم، في باب التيمم لكل فريضة، وسكت ~~عن الكلام في المذكورين أعني حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور، لكنه قال في ~~حجاج في باب المنع من التطهير بالنبيذ لا يحتج به. وضعفه في باب الوضوء ~~من لحوم الإبل، وقال في باب الدية أرباع مشهور بالتدليس، وأنه يحدث عمن ~~لم يلقه، ولم يسمع منه، قاله الدارقطني، وضعف الحارث الأعور في باب منع ~~التطهير بالنبيذ أيضا. # وقال في باب أصل القسامة قال الشعبي كان كذابا. المسالة السابعة إذا ~~كان في بدنه نجاسة، ms0387 ولم يجد الماء، هل يتيمم لطهارة تلك النجاسة الكائنة ~~في بدنه - فيكون التيمم بدلا عن طهارة الخبث عند فقد الماء. كطهارة ~~الحدث - أو لا يتيمم لها؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يتيمم عن الخبث، ~~وإنما يتيمم عن الحدث فقط. واستدلوا بأن الكتاب والسنة إنما دلا على ذلك ~~كقوله { أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا } ~~المائدة 6. وتقدم في حديث عمران بن حصين، وحديث عمار بن ياسر المتفق ~~عليهما التيمم عند الجنابة، وأما عن النجاسة فلا، وذهب الإمام أحمد إلى ~~أنه يجوز عن النجاسة إلحاقا لها بالحدث، واختلف أصحابه في وجوب إعادة ~~تلك الصلاة. وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو ثور إلى أنه يمسح موضع النجاسة ~~بتراب ويصلي، نقله النووي عن ابن المنذر. ### || [5.15] # قوله تعالى { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا ~~يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } ~~الآية. لم يبين هنا شيئا من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما كانوا يخفون من الكتاب، يعني التوراة والإنجيل، وبين ~~كثيرا منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني ~~المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون # آل عمران 23. يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن ~~بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له، ومن ذلك، ما أخفوه من صفات الرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول، ~~كما بينه تعالى بقوله # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # البقرة 89. ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ~~ومعاصيهم، كما قال تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # النساء 160، وقوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم ms0388 شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # الأنعام 146. فإنهم أنكروا هذا، وقالوا لم يحرم علينا إلا ما كان محرما ~~على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين # آل عمران 93. ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقد بينها تعالى بقوله # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد # الصف 6 إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم. ### || [5.27] # قوله تعالى { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } ~~الآية. قال جمهور العلماء إنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل، وقابيل. ~~وقال الحسن البصري رحمه الله هما رجلان من بني إسرائيل، ولكن القرآن يشهد ~~لقول الجماعة، ويدل على عدم صحة قول الحسن، وذلك في قوله تعالى # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه # المائدة 31، ولا يخفى على أحد أنه ليس في بني إسرائيل رجل يجهل الدفن ~~حتى يدله عليه الغراب، فقصة الاقتداء بالغراب في الدفن، ومعرفته منه تدل ~~على أن الواقعة وقعت في أول الأمر قبل أن يتمرن الناس على دفن الموتى، ~~كما هو واضح، ونبه عليه غير واحد من العلماء، والله تعالى أعلم. ### || [5.32] # قوله تعالى { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض } ~~الآية. صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ولم يتعرض هنا ~~لحكم من قتل نفسا بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، ~~فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ms0389 بالنفس # المائدة 45 الآية، وفي قوله # كتب عليكم القصاص في القتلى # البقرة 178، وقوله # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # الإسراء 33 الآية. واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينته ~~السنة، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر ~~المسلم إجماعا، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعا، وأن العبد ~~يقتل كذلك بالعبد إجماعا، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة ~~العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس ليس بين العبيد قصاص، ~~لأنهم أموال. لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى # كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد # البقرة 178 الآية، وأن المرأة تقتل بالرجل، لأنها إذا قتلت بالمرأة، ~~فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما. ~~وروي عن جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه ~~لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها. فإن لم ~~يلتزموه أخذوا ديتها. وروي عن علي والحسن أنها إن قتلت رجلا قتلت به، ~~وأخذ أولياؤه أيضا زيادة ديته على ديتها، أو أخذوا دية المقتول ~~واستحيوها. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي رضي الله عنه، ~~والحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح ~~لأن الشعبي لم يلق عليا. وقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا ~~إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن ~~علي. وقال ابن حجر في فتح الباري في باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار ~~في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن ولا يثبت عن علي، ولكن ~~هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر ~~فيه أن أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص نصف الدية، ~~وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه، وأنه إما القصاص فقط، وإما الدية ~~فقط، لأنه تعالى قال # كتب ms0390 عليكم القصاص في القتلى # البقرة 178 ثم قال # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف # البقرة 178 الآية، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص. # وقال صلى الله عليه وسلم # " من قتل له قتيل فهو بخير النظريين " # الحديث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء. ~~وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل ~~بالمرأة، بل تجب الدية، قاله ابن كثير، وروي عن الليث والزهري أنها إن ~~كانت زوجته لم يقتل بها، وإن كانت غير زوجته قتل بها. والتحقيق قتله بها ~~مطلقا. كما سترى أدلته، فمن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة إجماع العلماء ~~على أن الصحيح السليم الأعضاء إذا قتل اعور أو أشل، أو نحو ذلك عمدا وجب ~~عليه القصاص، ولا يجب لأوليائه شيء في مقابلة ما زاد به من الأعضاء ~~السليمة على المقتول. ومن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة ما ثبت في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس # " أنه صلى الله عليه وسلم رض راس يهودي بالحجارة قصاصا بجارية فعل بها ~~كذلك " # وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص ~~في القتل بغير المحدد، والسلاح. وقال البيهقي في السنن الكبرى، في باب ~~قتل الرجل بالمرأة أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكرياء يحيى بن ~~محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، ثنا الحكم بن ~~موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به ~~مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة ". # وروي هذا الحديث موصولا أيضا النسائي، وابن حبان والحاكم، وفي تفسير ~~ابن كثير ما نصه وفي الحديث الذي رواه النسائي، وغيره " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كتب في ms0391 كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمراة، وكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لعمرو بن حزم الذي فيه أن الرجل يقتل ~~بالمرأة، رواه مالك، والشافعي، ورواه أيضا الدارقطني، وأبو داود، وابن ~~حبان، والحاكم، والدارمي وكلام علماء الحديث في كتاب عمرو بن حزم هذا ~~مشهور بين مصحح له، ومضعف وممن صححه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وعن ~~أحمد أنه قال أرجو أن يكون صحيحا. وصححه أيضا من حيث الشهرة لا من حيث ~~الإسناد، جماعة منهم الشافعي فإنه قال لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت ~~عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عبد البر هو كتاب ~~مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن ~~الإسناد. # لأنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول، قال ويدل على شهرته ما روى ~~ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال ~~وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~العقيلي هذا حديث ثابت محفوظ، وقال يعقوب بن سفيان لا أعلم في جميع الكتب ~~المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم قد شهد ~~عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك ~~بسنده إليهما وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن ~~حزم في محلاه. والتحقيق صحة الاحتجاج به، لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كتبه ليبين به أحكام الديات، والزكوات وغيرها، ~~ونسخته معروفة في كتب الفقه. والحديث ولا سيما عند من يحتج بالمرسل ~~كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات. ومن أدلة قتله بها عموم حديث # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # الحديث، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله، ومن أوضح الأدلة في قتل الرجل ~~بالمراة قوله تعالى # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس # المائدة ms0392 45 الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس " # الحديث، أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة من حديث عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه. فعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل ~~بالمراة، لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح ~~لتخصيص النص به. نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان الأول ما وجه ~~الاستدلال بقوله تعالى # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس # المائدة 45 الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # المائدة 48. السؤال الثاني لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية ~~والحديث المذكورين بقوله تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى # البقرة 178، لأن هذه الآية أخص من تلك، لأنها فصلت ما أجمل في ~~الأولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحا في قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر # البقرة 178 الآية. الجواب عن السؤال الأول أن التحقيق الذي عليه ~~الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع، أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، مما كان شرعا لمن قبلنا أنه يكون شرعا ~~لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~لا من حيث إنه كان شرعا لمن قبلنا، لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا ~~لنعتبر به، ونعمل بما تضمن. # والنصوص الدالة على هذا كثيرة جدا، ولأجل هذا امر الله في القرآن ~~العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، كما في ~~قوله تعالى في قوم لوط # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137-138. ففي قوله { أفلا تعقلون } توبيخ لمن مر بديارهم، ~~ولم يعتبر بما وقع لهم، ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من ms0393 قبلهم دمر الله عليهم # محمد 10، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال # وللكافرين أمثالها # محمد 10. وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا ~~فيها # وما هي من الظالمين ببعيد # هود 83، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ~~ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن. وقال تعالى # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب # يوسف 111 فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ~~ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام، قال ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام 90، وأمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا، لأنه قدوتنا، ولأن الله ~~تعالى يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 الآية، ويقول # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون # آل عمران 31 الآية، ويقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7 الآية. ويقول # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله، إلا ما قام فيه دليل على ~~الخصوص به صلى الله عليه وسلم، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعا ~~لنا، إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ~~في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي رحمه الله في أصح الروايات عنه، ~~فقال إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا على ~~أنه مشروع لنا، وخالف أيضا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # المائدة 48 وللثاني بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعا، ~~فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في ~~قوله # فبهداهم اقتده # الأنعام 90، والدين في قوله # شرع لكم من الدين # الشورى 13 الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد دون الفروع العملية، ~~لأنه تعالى قال في العقائد # ومآ أرسلنا من ms0394 قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25، وقال # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36، وقال # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45. وقال في الفروع العملية # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # المائدة 48، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم # " إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد " # ، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال مقيده ~~عفا الله عنه وغفر له أما حمل الهدى في آية # فبهداهم اقتده # الأنعام 90 والدين في آية # شرع لكم من الدين # الشورى 13 على خصوص التوحيد دون الفروع العملية، فهو غير مسلم، أما ~~الأول فلما أخرجه البخاري في صحيحه، في تفسير سورة ص، عن مجاهد " أنه سال ~~ابن عباس من أين أخذت السجدة في ص فقال أو ما تقرأ # ومن ذريته داوود # الأنعام 84 # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام 90، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا نص ~~صحيح صريح عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل سجود التلاوة ~~في الهدى في قوله { فبهداهم اقتده } ، ومعلوم أن سجود التلاوة ~~فرع من الفروع لا أصل من الأصول. وأما الثاني فلأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صرح في حديث جبريل الصحيح المشهور أن اسم " الدين " يتناول الإسلام، ~~والإيمان، والإحسان، حيث قال # " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " # ، وقال تعالى # إن الدين عند الله الإسلام # آل عمران19 وقال # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # آل عمران 85، الآية. وصرح صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور بأن ~~الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وفي حديث ~~ابن عمر المتفق عليه، " بني الإسلام على خمس " الحديث، ولم يقل أحد إن ~~الإسلام هو خصوص العقائد، دون الأمور العملية، فدل على أن الدين لا يختص ~~بذلك في قوله # شرع لكم من الدين ما وصى به ms0395 نوحا # الشورى 13 الآية، وهو ظاهر جدا، لأن خير ما يفسر به القرآن هو كتاب ~~الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الخطاب الخاص بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في نحو قوله # فبهداهم اقتده # الأنعام 90، فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21، الآية إلى غيرها مما تقدم من الآيات، وقد علمنا ذلك من ~~استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به صلى الله ~~عليه وسلم، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول ~~سورة الطلاق # إذا طلقتم النسآء # الطلاق 1 الآية، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله { يأيها ~~النبي } ، وقال في سورة التحريم # يأيها النبي لم تحرم # التحريم 1، ثم قال # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # التحريم 2، فدل على عموم حكم الخطاب بقوله { يأيها النبي } ، ~~ونظير ذلك أيضا في سورة الأحزاب في قوله تعالى # يا أيها النبي اتق الله # الأحزاب 1، ثم قال # إن الله كان بما تعملون خبيرا # الأحزاب 2، فقوله { بما تعملون } يدل على عموم الخطاب بقوله { يأيها ~~النبي } ، وكقوله # وما تكون فى شأن # يونس 61، ثم قال # ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا # يونس 61، الآية. ومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب، أما ~~آية الروم فقوله تعالى # فأقم وجهك للدين حنيفا # الروم 30، ثم قال # منيبين إليه # الروم 31، وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { فاقم وجهك } ، الآية. وتقرير المعنى فأقم وجهك يا ~~نبي الله، في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكما في الخطاب ~~الخاص به صلى الله عليه وسلم لقال منيبا إليه، بالإفراد، لإجماع أهل ~~اللسان العربي على أن الحال الحقيقية أعني التي لم تكن سببية تلزم ~~مطابقتها لصاحبها إفرادا وجمعا وثنية، وتأنيثا وتذكيرا، فلا يجوز أن ~~تقول جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات، وأما آية الأحزاب، فقوله ~~تعالى في قصة زينب بنت جحش ms0396 الأسدية رضي الله عنها # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # الأحزاب 37، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد صرح ~~تعالى بشمول حكمته لجميع المؤمنين في قوله # لكي لا يكون على المؤمنين حرج # الأحزاب 37، الآية، وأشار إلى هذا ايضا في الأحزاب بقوله # خالصة لك من دون المؤمنين # الأحزاب 50، لأن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم في قوله # وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي # الأحزاب 50، الآية، لو كان حكمه خاصا به صلى الله عليه وسلم لأغنى ذلك ~~عن قوله # خالصة لك من دون المؤمنين قد # الأحزاب 50 كما هو ظاهر. وقد ردت عائشة رضي الله عنها على من زعم أن ~~تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه، ~~فلم يعده طلاقا مع أن الخطاب في ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم، في قوله ~~تعالى # يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن # الأحزاب 28، الآيتين. وأخذ مالك رحمه الله بينونة الزوجة بالردة من قوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65، وهو خطاب خاص به صلى الله عليه وسلم. وحاصل تحرير المقام في ~~مسألة " شرع من قبلنا " أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعا لنا ~~إجماعا، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم بين لنا في ~~شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ~~في قوله تعالى # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # المائدة 45 الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله # كتب عليكم القصاص في القتل # البقرة 178، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا وهو أمران أحدهما ما لم ~~يثبت بشرعنا أصلا أنه كان شرعا لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما ~~نهانا صلى الله عليه وسلم عن تصديقه لا يكون مشروعا لنا إجماعا. # والثاني ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا ~~أنه غير مشروع لنا كالآصار، ms0397 والأغلال التي كانت على من قبلنا، لأن الله ~~وضعها هنا، كما قال تعالى # ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # الأعراف 157 وقد ثبت في صحيح مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قرأ # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا # البقرة 286 أن الله قال نعم قد فعلت ". ومن تلك الآصار التي وضعها الله ~~عنا، على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ما وقع لعبدة العجل، حيث لم ~~تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم ~~خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو ~~التواب الرحيم # البقرة 54. والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه ~~كان شرعا لمن قبلنا، ولمن يبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير ~~مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعا لنا، وهو مذهب الجمهور، ~~وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # المائدة 45، الآية، يلزمنا الأخذ بما تضمنته من الأحكام. مع أن ~~القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله # كتب عليكم القصاص في القتلى # البقرة 187، وقوله # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # الإسراء 33، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما ~~فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال صلى الله عليه وسلم # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس " # ، الحديث. وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال باب قول الله تعالى ~~{ أن النفس بالنفس } ، إلى قوله # فأولئك هم الظالمون # المائدة 45، ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم، وقال ابن حجر والغرض من ذكر ~~هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في ~~أهل الكتاب، فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام فهو أصل في ~~القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله صلى ms0398 الله عليه وسلم # " كتاب الله القصاص " # أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى # والسن بالسن # المائدة 45 في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل ~~في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما ~~أوضحنا دليله. فمن ذلك قول المالكية وغيرهم إن القرينة الجازمة ربما قامت ~~مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على ~~صدقه، وكذب المرأة، في قوله تعالى # وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من ~~دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه ~~قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم # يوسف 26-27 الآية، فذكره تعالى لهذا مقررا له يدل على جواز العمل به، ~~ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من استنكه فشم في فيه ريح الخمر، لأن ~~ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. وأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من ~~غير أن يراها فتزفها إليه ولائد، لا يثبت بقولهن أمر - أن يجامعها من غير ~~بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتمادا على ~~القرينة، وتنزيلا لها منزلة البينة. وكذلك الضيف ينزل بساحة قوم ~~فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن ~~أهل الطعام له في الأكل، اعتمادا على القرينة. وأخذ المالكية وغيرهم ~~إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في ~~غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على ~~صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق ~~القميص فقال سبحان الله متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف، ولا يشق ~~قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله # وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون # يوسف 18، وأخذ المالكية ضمان الغرم من قوله ms0399 تعالى في قصة يوسف وأخوته # ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم # يوسف 72، وأخذ بعض الشافعية ضمان لوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى ~~في قصة يعقوب وبنيه # لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله ~~لتأتنني به إلا أن يحاط بكم # يوسف 66. وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء ~~الآجال من قوله تعالى في قصة صالح # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # هود 65. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم ب " أبقيت ~~لك حجة؟ " ، ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # النمل 21، وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة ~~موسى، وصهره شعيب أو غيره # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك ومآ أريد أن أشق عليك # القصص 27 الآية، وأمثال هذا كثيرة جدا، وقوله تعالى # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # المائدة 48، لا يخالف ما ذكرنا، لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها ~~أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ~~ذلك. # وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ~~ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # المائدة 45، الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة كالعكس على ~~التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم ~~قوله # والأنثى بالأنثى # البقرة 178، وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريبا. والجواب عن ~~السؤال الثاني - الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور ~~في قوله تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى # البقرة 178؟ - هو ما تقرر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان ~~محتملا لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق بمنعه ذلك من الاعتبار. قال ~~صاحب جمع الجوامع في الكلام على مفهوم المخالفة وشرطه ms0400 ألا يكون المسكوت ~~ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر، فإذا علمت ~~ذلك، فاعلم أن قوله تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى # البقرة 178 يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ~~ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، ولا لعكسه بالمنطوق. ~~ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر. لأن سبب نزول الآية، أن قبيلتين من العرب ~~اقتتلتا، فقالت إحداهما نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبأمتنا فلانة بنت ~~فلان تطاولا منهم عليهم، وزعما أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن ~~أنثاهم أيضا بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولا عليهم، وإظهارا لشرفهم ~~عليهم، ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم ~~نحوه عن سعيد بن جبير، نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب ~~النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير، لأنهم كان بينهم ~~قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قريظة. فالجميع متفق على أن سبب ~~نزولها أن قوما يتطاولون على قوم، ويقولون إن العبد منا لا يساويه العبد ~~منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، ~~وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبينا أنهم سواء، وليس المتطاول ~~منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا. وأما قتل ~~الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، ~~منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد. وممن قال بهذا ابو بكر، ~~وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير - رضي الله عنهم - وعمر بن عبد العزيز، ~~وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في ~~المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة يقتل الحر بالعبد وهو مروي عن سعيد بن ~~المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، واحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، ~~بقوله صلى الله عليه وسلم " المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من ~~سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم " الحديث. # أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم وصححه. فعموم المؤمنين يدخل ~~فيه العبيد، وكذلك عموم النفس في ms0401 قوله تعالى # أن النفس بالنفس # المائدة 45، الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم # " والنفس بالنفس " # في الحديث المتقدم، واستدلوا أيضا بما رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه " # ، رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي حسن غريب، وفي ~~رواية لأبي داود، والنسائي " ومن خصي عبده خصيناه " ، هذه هي أدلة من قال ~~بقتل الحر بالعبد. وأجيب عنها من جهة الجمهور بما ستراه الآن إن شاء ~~الله تعالى، أما دخول قتل الحر بالعبد في عموم المؤمنين في حديث # " المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ". # وعموم النفس بالنفس في الآية. والحديث المذكورين، فاعلم أولا أن دخول ~~العبيد في عمومات نصوص الكتاب والسنة اختلف فيه علماء الأصول على ثلاثة ~~أقوال الأول وعليه أكثر العلماء أن العبيد داخلون في عمومات النصوص، ~~لأنهم من جملة المخاطبين بها. الثاني وذهب إليه بعض العلماء من المالكية، ~~والشافعية، وغيرهم أنهم لا يدخلون فيها إلا بدليل منفصل، واستدل لهذا ~~القول بكثرة عدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى # والمطلقات يتربصن # البقرة 228 الآية، فالإماء لا يدخلن فيه. الثالث وذهب إليه الرازي من ~~الحنفية أن النص العام إن كان من العبادات، فهم داخلون فيه، وإن كان من ~~المعاملات لم يدخلوا فيه، وأشار في مراقي السعود إلى أن دخولهم في الخطاب ~~العام هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل بقوله # والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر # وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص، وجوب صلاة الجمعة على ~~المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا ~~يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد ~~بالعقوبة ببدنه ينبني أيضا على الخلاف المذكور، قاله صاحب نشر البنود ~~شرح مراقي السعود في شرح البيت المذكور آنفا، فإذا علمت هذا، فاعلم أنه ~~على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال. وعلى ~~القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم ms0402 النصوص التي ذكرناها ~~يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد، وأما ~~حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه الأول أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية ~~الحسن عن سمرة، لأنه لم يسمع منه، وقال قوم لم يسمع منه إلا حديث ~~العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه عنه. قال البيهقي في ~~السنن الكبرى في كتاب " الجنايات " ما نصه وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا ~~عن رواية الحسن عن سمرة، وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث ~~العقيقة. # وقال أيضا في باب " النهي عن بيع الحيوان بالحيوان " إن أكثر الحفاظ لا ~~يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. الثاني أن الحسن كان ~~يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد، ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده، قال ~~البيهقي أيضا ما نصه قال قتادة ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال لا يقتل ~~حر بعبد، قال الشيخ يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه ~~لضعفه. الثالث ما ذكره صاحب منتقى الأخبار من أن أكثر العلماء قال بعدم ~~قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم ~~تقدم الملك مانعا من القصاص. الرابع أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها ~~الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي ~~تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في ~~الأصول. الخامس ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله ~~تعالى # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # الإسراء 33، وولي العبد سيده، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد # البقرة 178 الآية ما نصه. قال ابن العربي ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى ~~أن قالوا يقتل الحر بعبد نفسه. ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل عبده قتلناه " # وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى # ومن قتل مظلوما فقد ms0403 جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل # الإسراء 33، والولي ها هنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه، وقد ~~اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت ~~المال اه. وتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة، ~~بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية ~~الحسن عن سمرة فيما تقدم. ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له. السادس أن ~~الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر. السابع ما قيل من أنه ~~منسوخ. قال الشوكاني ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. الثامن مفهوم ~~قوله تعالى # والعبد بالعبد # البقرة 178، ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب ~~النزول. واحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة منها ~~ما رواه الدارقطني، بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده " أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي صلى ~~الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده ~~به، وأمره أن يعتق رقبة " ورواية إسماعيل بن عياش، عن الشاميين قوية ~~صحيحة. # ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي، قال في نيل الأوطار ولكن دونه في إسناد ~~هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم لم يكن ~~عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. وأسند البيهقي هذا الحديث، فقال أخبرنا أبو ~~بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين ~~الصابوني الأنطاكي، قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن ~~عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي إلى آخر السند ~~المتقدم بلفظ المتن، ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري، ~~وقال فيه ابن حجر في التقريب صدوق يهم، فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من ~~نظر. والظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفت أن ~~الحق كونه قويا في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرح به ms0404 أئمة الحديث ~~كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند ~~البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي ~~فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قتل عبده متعمدا ~~فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من ~~المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك. ومن ~~أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي، وغيره عن عمر بن ~~الخطاب، " أنه جاءته جارية اتهمها سيدها فأقعدها في النار فاحترق ~~فرجها، فقال رضي الله عنه والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده " # ، لأقدناها منك فبرزه، وضربه مائة سوط، وقال للجارية اذهبي فأنت حرة ~~لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله ". قال أبو صالح، وقال الليث وهذا ~~القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر ~~البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث. ~~وقال فيه الشوكاني هو منكر الحديث، كما قال البخاري ومن أدلتهم على أن ~~الحر لا يقتل بعبد، ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لا يقتل حر بعبد " # قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث وفي هذا الإسناد ضعف، وإسناده ~~المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جدا. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث ~~فيه جويبر وغيره من المتروكين، ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما ~~رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفي، عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال " من السنة ألا يقتل حر بعبد " تفرد بهذا الحديث جابر ~~المذكور، وقد ضعفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب ضعيف رافضي. # وقال فيه ms0405 النسائي متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن ~~الكبرى في باب " النهي عن الإمامة جالسا " عن الدارقطني أنه متروك. ومن ~~أدلتهم أيضا ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، ~~عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما قال كان لزنباع عبد يسمى سندرا، أو ابن سندره، فوجده يقبل جارية ~~له فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال " من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله " ~~فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقده منه، فقال يا رسول الله ~~أوص بي، فقال # " أوصي بك كل مسلم ". # قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، ~~وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصرا، ولا يحتج به، وقد قدمنا في ~~آية التيمم تضعيف حجاج بن أرطاة. وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس ~~بالقوي، والله أعلم، هكذا قال البيهقي. قال مقيده عفا الله عنه سوار بن ~~أبي حمزة من رجال مسلم، وقال فيه ابن حجر في التقريب صدوق له أوهام، ومن ~~أدلتهم أيضا ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال # " جاء رجل مستصرخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال حادثة لي يا رسول ~~الله، فقال " ويحك ما لك "؟ فقال شر، أبصر لسيده جارية فغار فجب ~~مذاكيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " علي بالرجل " ، فطلب فلم ~~يقدر عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اذهب فأنت حر " ، فقال يا ~~رسول الله على من نصرتي؟ قال " على كل مؤمن " ، أو قال " على كل ~~مسلم " # ، ومن أدلتهم، ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي جعفر عن بكير ~~أنه قال مضت السنة بألا يقتل الحر المسلم بالعبد، وإن قتله عمدا، وعليه ~~العقل. ومن أدلتهم أيضا ما أخرجه البيهقي أيضا عن الحسن، وعطاء، ms0406 ~~والزهري وغيرهم من قولهم " إنه لا يقتل حر بعبد " وأخرج أحمد وابن أبي ~~شيبة والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده " أن أبا بكر وعمر ~~كانا لا يقتلان الحر بالعبد " وهذه الروايات الكثيرة، وإن كانت لا يخلو ~~شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضا، ويقويه حتى يصلح المجموع ~~للاحتجاج. # قال الشوكاني في نيل الأوطار ما نصه وثانيا بالأحاديث القاضية، بأنه ~~لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا فتصلح ~~للاحتجاج. قال مقيده عفا الله عنه وتعتضد هذه الأدلة على ألا يقتل حر ~~بعبد بإطباقهم على عدم القصاص للعبد من الحر فيما دون النفس، فإذا لم ~~يقتص له منه في الأطراف، فعدم القصاص في النفس من باب أولى ولم يخالف في ~~أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى، ~~وتعتضد أيضا بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، ~~لا الدية. وقيده جماعة بما إذا لم تزد قيمته عن دية الحر، وتعتضد أيضا ~~بأن شبه العبد بالمال أقوى من شبهه بالحر، من حيث إنه يجزي فيه ما يجري ~~من المال من بيع وشراء، وإرث وهدية، وصدقة إلى غير ذلك من أنواع التصرف، ~~وبأنه لو قذفه حر ما وجب عليه الحد عند عامة العلماء، إلا ما روي عن ابن ~~عمر والحسن، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أم الولد خاصة. ويدل على عدم حد ~~الحر بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول # " من قذف مملوكه - وهو بريء مما يقول - جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما ~~قال " # ، وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء ~~في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على ~~منعه، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد ~~بن ثابت، ومعاوية رضي الله ms0407 عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ~~وعكرمة، والحسن، والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ~~عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره، ~~ورواه البيهقي عن عمر، وعلي، وعثمان وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، و النخعي، ~~والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في ~~الآية والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن ابي عبد الرحمن، ~~عن ابن البيلماني، عن ابن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد " # وهو مرسل من رواية ضعيف، فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد ~~أرسل، وترجم البيهقي في السنن الكبرى لهذا الحديث بقوله باب بيان ضعف ~~الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر ~~طرقه، وبين ضعفها كلها. # ومن جملة ما قال أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال قال أبو الحسن ~~علي بن عمر الدارقطني الحافظ ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا ~~وصل الحديث، فكيف بما يرسله، والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير قوله ~~تعالى # الحر بالحر والعبد بالعبد # البقرة 178 الآية ما نصه، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر " # لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرفوعا، قال الدارقطني لم يسنده غير إبراهيم بن أبي ~~يحيى، وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة ~~إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله " فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل ~~المسلم بالكافر، فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه مبينا بطلان تلك الأدلة التي لا يعول ~~عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب " كتابة العلم " ، وفي باب " لا ~~يقتل المسلم بالكافر " أن أبا جحيفة ms0408 سأل عليا رضي الله عنه هل عندكم شيء ~~ما ليس في القرآن؟ فقال لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهما ~~يعطيه الله رجلا في كتابه، وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة؟ ~~قال العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. فهذا نص صحيح قاطع ~~للنزاع مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ~~ولم يصح في الباب شيء يخالفه، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث ~~علي هذا ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا، وقال القرطبي في تفسيره قلت ~~فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى # أن النفس بالنفس # المائدة 45، الآية. وعموم قوله تعالى # كتب عليكم القصاص فى القتلى # البقرة 178 فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق ا لمقام في حكم ~~القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين ~~والكفار. وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع ~~للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري ~~بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، ~~والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، ~~كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه ~~للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حرا، ولا من كافر جرح مسلما، ~~وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره والجرح كالنفس في الفعل، ~~والفاعل والمفعول، إلا ناقصا جرح كاملا، يعني فلا يقتص منه له، ورواية ~~ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقا للأكثر، ومن لا يقتل بقتله، لا ~~يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وممن قال بهذا مالك، ~~والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم ~~صاحب المغني، وغيره. # وقال أبو حنيفة لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل ~~بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا ~~الحر بالعبد، ولا العبد بالحر. ويقطع المسلم ms0409 بالكافر، والكافر بالمسلم. ~~لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا ~~الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المراة، ولا يؤخذ طرفها ~~بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. وأجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري ~~بينهما القصاص في النفس، يجرى في الطرف بينهما، الحرين، وما ذكره ~~المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم ~~لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة، لأن المماثلة قد ~~وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة ~~الأصابع بكاملة الأصابع. وأما اليسار واليمين، فيجريان مجرى النفس ~~لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعا، ~~وأن العلة فيهما ليست، كما ذكر المخالف، قاله ابن قدامة في المغني. ومن ~~الدليل على جريان القصاص في الأطراف، بين من جرى بينهم في الأنفس، قوله ~~تعالى # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص # المائدة 54. وما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد، فيما ~~دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقا لأبي حنيفة، معللين ~~بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفا، ~~وبأن أنفس العبيد مال أيضا كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها ~~في قوله تعالى # والعبد بالعبد # البقرة 178. واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط الأول ~~كونه عمدا، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضا. الثاني كونهما يجري ~~بينهما القصاص في النفس. الثالث إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة، ~~لأن الله تعالى يقول # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # النحل 126 الآية، ويقول # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # البقرة 194، فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت ~~الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا ~~زيادة، فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى # والعين بالعين والأنف بالأنف ms0410 والأذن بالأذن ~~والسن بالسن # المائدة 45، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من ~~مفصليهما. # واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه ~~القصاص نظرا إلى أنه يمكن من غير زيادة، وممن قال بهذا مالك، فأوجب ~~القصاص في قطع العظم من غير المفصل، إلا فيما يخشى منه الموت، كقطع ~~الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا، وهو ~~مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن ~~البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان ~~الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن ~~كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يجب القصاص في شيء من العظام، ~~إلا في السن. واستدل من قال بأنه لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، ~~بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران ~~بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، # " أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية. فقال يا رسول الله أريد ~~القصاص، فقال " خذ الدية بارك الله لك فيها " # ولم يقض له بالقصاص. قال ابن عبد البر ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ~~ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن ~~جارية ضعيف أعرابي أيضا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة، اه. من ~~ابن كثير. وقال ابن حجر في التقريب في دهثم المذكور متروك، وفي نمران ~~المذكور مجهول، واختلاف العلماء في ذلك، إنما هو من اختلافهم في تحقيق ~~مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص يقولون إنه يمكن من غير حيف، والذين ~~يقولون بعدمه، يقولون لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر. ومن هنا ~~منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت ~~بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى ms0411 أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، ~~وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر ~~الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة. وقالوا ما سمعنا بأحد قاله ~~قبله، واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ ~~بالشلاء، ونحو ذلك، كما هو ظاهر. تنبيه إذا اقتص المجني عليه من الجاني، ~~فيما دون النفس، فمات من القصاص، فلا شيء على الذي اقتص منه، عند مالك، ~~والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، ~~وغيرهم. وقال أبو حنيفة تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي، وعطاء، ~~وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي ~~سليمان، و الزهري، والثوري، تجب الدية على عاقلة المقتص له. # وقال ابن مسود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي، يسقط ~~عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله، قاله ابن كثير. ~~والحق أن سراية القود غير مضمونة، لأن من قتله القود، قتله الحق، كما ~~روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرها، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق ~~بينهما ظاهر جدا. واعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ~~ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك ~~أنهما قالا بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم. واعلم ~~أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص ~~منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له. والدليل على ذلك، ما رواه ~~الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، # " أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال " أقدني، فقال " حتى تبرأ " ، ثم جاء إليه، فقال أقدني، ~~فأقاده، فقال يا رسول الله عرجت، فقال " قد نهيتك قعصيتني، فأبعدك الله ~~وبطل عرجك " # ، # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه " # تفرد به أحمد، قاله ابن كثير. وقال بعض العلماء ms0412 بجواز تعجيل القصاص ~~قبل البرء، وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفا، أن سراية ~~الجناية بعد القصاص هدر، وقال أبو حنيفة، والشافعي ليست هدرا، بل هي ~~مضمونة، والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر، لأنه استعجل ~~ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه. وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل ~~مفهوم. قوله تعالى { أنه من قتل نفسا بغير نفس } ~~الآية. فاعلم أن مفهوم قوله { أو فساد فى الأرض } ، هو المذكور ~~في قوله تعالى # إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض # المائدة 33. قال ابن كثير في تفسيره المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي ~~صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في ~~الأرض، يطلق على أنواع من الشر، وقد قال الله تعالى # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # البقرة 205. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف ~~السبيل، ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي أن يقتلوا، أو ~~يصلبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، وظاهر ~~هذه الآية الكريمة أن الإمام مخير فيها، يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما ~~هو مدلول، أو لأنها تدل على التخيير. # ونظيره في القرآن قوله تعالى # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # البقرة 196، وقوله تعالى # فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة # المائدة 89، وقوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما # المائدة 95. وكون الإمام مخيرا بينهما مطلقا من غير تفصيل، هو مذهب ~~مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم ~~النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي، عن أبي ثور، وسعيد بن ms0413 المسيب، وعمر بن ~~عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال وهو مروي عن ابن ~~عباس. ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى ~~تقدير محذوف، لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال، والافتقار إلى تقدير ~~محذوف، فالاستقلال مقدم، لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير ~~المحذوف، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله # كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال # إلى قوله # كذاك ترتيب لإيجاب العمل بما له الرجحان مما يحتمل # والرواية المشهورة عن ابن عباسن أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها ~~قيود مقدرة، وإيضاحه أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا، ولم يأخذوا المال، ~~أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف إذا ~~أخذوا المال ولم يقتلوا أحدا، أو ينفوا من الأرض، إذا أخافوا السبيل، ~~ولم يقتلوا أحدا، ولم يأخذوا مالا، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو ~~مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء ~~الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة. قاله ابن كثير، ونقله القرطبي، ~~وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم. ونقل ~~القرطبي، عن أبي حنيفة، إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ~~ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل، فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ~~ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، ولا يخفى أن الظاهر المتبادر من ~~الآية، هو القول الأول. لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص ~~من كتاب، أو سنة، وتفسير الصحابي لهذا بذلك، ليس له حكم الرفع، لإمكان أن ~~يكون عن اجتهاد منه، ولا نعلم أحدا روى في تفسير هذه الآية بالقيود ~~المذكورة، خبرا مرفوعا، إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس، حدثنا ~~علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي ~~حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، ~~فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت ms0414 في أولئك النفر العرنيين إلى أن ~~قال. # قال أنس # " فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال ~~من سرق، وأخاف السبيل، فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل ~~فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام، فاصلبه " # وهذا الحديث لو كان ثابتا لكان قاطعا للنزاع، ولكن فيه ابن لهيعة، ~~ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به، وهذا الحديث ليس راويه عنه ~~ابن المبارك، ولا ابن وهب. لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما، وابن ~~جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه، لأنه قال في سوقه للحديث ~~المذكور وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتصحيح ما قلنا في ذلك ~~بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، ~~إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفا، وذكرنا معه محل الغرض من المتن، ولكن ~~هذا الحديث، وإن كان ضعيفا، فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل ~~العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور. واعلم أن الصلب المذكور في قوله # أو يصلبوا # المائدة 33، اختلف فيه العلماء. فقيل يصلب حيا، ويمنع من الشراب، ~~والطعام، حتى يموت، وقيل يصلب حيا، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوبا، وقيل ~~يقتل أولا، ثم يصلب بعد القتل، وقيل ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل يترك حتى ~~يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمنا يحصل فيه اشتهار ذلك. لأن ~~صلبه ردع لغيره. وكذلك قوله # أو ينفوا من الأرض # المائدة 33، اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضا، فقال بعضهم ~~معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار ~~الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن ~~جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. ~~وقال آخرون هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو ~~نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو ~~الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ms0415 ومقاتل بن حيان، إنهم ينفون، ولا ~~يخرجون من أرض الإسلام. وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن، ~~لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض، ~~إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك. # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا ~~إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا # وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يخفى عدم ظهوره. واختار ابن جرير، أن ~~المراد بالنفي في هذه الآية، أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه، ~~وروي نحوه عن مالك أيضا، وله اتجاه. لأن التغريب عن الأوطان نوع من ~~العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر، وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية. # لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء، فعلم أن ~~المراد بالأرض أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها، والله تعالى أعلم. ~~مسائل من أحكام المحاربين المسألة الأولى اعلم أن جمهور العلماء يثبتون ~~حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء، لعموم قوله تعالى # ويسعون فى الأرض فسادا # المائدة 33، وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ~~ومالك، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه، حتى يدخله بيتا، ~~فيقتله ويأخذ ما معه، إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي ~~المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال القاضي ابن العربي ~~المالكي كنت أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار ~~بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، ~~حكمت فيهم بحكم المحاربين، وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي ~~أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محاربا في المصر. لأنه يلحقه ~~الغوث. وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محاربا في المصر أيضا، ~~لعموم الدليل. وقال ابو حنيفة وأصحابه لا تكون المحاربة إلا في الطرق، ~~وأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ~~ممن ms0416 يغيثه، ويعينه، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة، إلا إذا ~~كان عندهم سلاح. ومن جملة السلاح العصي، والحجارة عند الأكثر. لأنها تتلف ~~بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافا لأبي حنيفة. المسألة الثانية إذا ~~كان المال الذي أتلفه المحارب، اقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، ~~أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقتل عبدا، أو كافرا، ~~وهو حر مسلم، فهل يقطع في اقل من النصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟ ~~اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا ~~قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك يقطع ولو لم يأخذ نصابا لأنه ~~يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي وهو الصحيح. لأن الله تعالى، حدد ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ربع دينار لوجوب القطع في السرقة، ولم ~~يحدد في قطع الحرابة شيئا، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم ~~على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس ~~الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، ~~وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب ~~المال، فإن منع منه، أو صيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم ~~المحاربين، اه كلام ابن العربي. ويشهد لهذا القول، عدم اشتراط الإخراج ~~من حرز يأخذه المحارب في قطعه، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ، فهو قول ~~أكثر العلماء، وعن الشافعي، وأحمد فيه روايتان، والتحقيق عدم اشتراط ~~المكافأة في قتل الحرابة. لأن القتل فيها ليس على مجرد القتل، وإنما هو ~~على الفساد العام من إخافة السبيل، وسلب المال. ### || [5.33-34] # قال الله تعالى { إنما جزآء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا }. ~~فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين، وهما المحاربة، ~~والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء، ~~اه من القرطبي. قال مقيده، عفا الله عنه ومما ms0417 يدل على عدم اعتبار ~~المكافأة في قتل الحرابة، إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في ~~الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل، فهو دليل على ~~أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة. المسألة ~~الثالثة إذا حمل المحاربون على قافلة مثلا، فقتل بعضهم بعض القافلة، ~~وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد، فهل يقتل الجميع، أو لا يقتل إلا من ~~باشر القتل، فيه خلاف، والتحقيق قتل الجميع، لأن المحاربة مبنية على ~~حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله، إلا بقوة ~~الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته، ولو قتل بعضهم، وأخذ بعضهم المال ~~جاز قتلهم كلهم، وصلبهم كلهم. لأنهم شركاء في كل ذلك، وخالف في هذا ~~الشافعي رحمه الله فقال لا يجب الحد إلا على من ارتكب المعصية، ولا يتعلق ~~بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير. المسألة الرابعة إذا ~~كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن ~~كلهم؟ ويصير القتل للأولياء إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا نظرا إلى ~~أن حكم الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في الجميع، وهو قول أبي ~~حنيفة، أو لا يسقط الحد عن غير المذكور من صبي، أو مجنون، أو أب، وهو قول ~~أكثر العلماء، وهو الظاهر. المسألة الخامسة إذا تاب المحاربون بعد القدرة ~~عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئا من إقامة الحدود المذكورة عليهم، ~~وأما إن جاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل. ~~لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في ~~الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ ~~العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم. وهذا قول أكثر العلماء مع ~~الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح ~~قوله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } المائدة 34 الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، ~~وتضمينهم ms0418 ما استهلكوا. لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه، وقال قوم من ~~الصحابة والتابعين لا يطلب المحارب الذي جاء تائبا قبل القدرة عليه إلا ~~بما وجد معه من المال، وأما ما استهلكه، فلا يطلب به، وذكر الطبري هذا عن ~~مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه. # قال القرطبي وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بحارثة بن ~~بدر الغداني، فإنه كان محاربا، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط ~~الأموال والدم عنه كتابا منشورا، ونحوه ذكره ابن جرير. قال ابن خويز ~~منداد واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد ~~له مال، هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه، كما يسقط عن السارق؟ يعني ~~عند مالك، والمسلم، والذمي في ذلك سواء ومعنى قوله # فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا # المائدة 32 اختلف فيه العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال معناها أن من ~~قتل نبيا، أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياه، بأن شد ~~عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا، نقله القرطبي، وابن جرير وغيرهما، ~~ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. وعن ابن عباس أيضا أنه قال المعنى، أن من ~~انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها، فهو كمن قتل الناس جميعا. لأن انتهاك حرمة ~~الأنفس، سواء في الحرمة والإثم، ومن ترك قتل نفس واحدة واستحياها خوفا ~~من الله، فهو كمن أحيا الناس جميعا، لاستواء الأنفس في ذلك. وعن ابن ~~عباس { فكأنما قتل الناس جميعا } ، أي عند المقتول إذ لا ~~غرض له في حياة أحد بعد موته هو، ومن أحياها واستنقذها من هلكة، فكأنما ~~أحيا الناس جميعا عند المستنقذ، وقال مجاهد المعنى أن الذي يقتل النفس ~~المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابا ~~عظيما، ولو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس ~~منه. واختار هذا القول ابن جرير، وقال ابن زيد المعنى أن من قتل ms0419 نفسا ~~يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا، قال ومن أحياها، أي عفا ~~عمن وجب له قتله، وقال الحسن أيضا هو العفو بعد المقدرة، وقيل المعنى أن ~~من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها وجب ~~على الكل شكره، وقيل كان هذا مختصا ببني إسرائيل، وقيل المعنى أن من ~~استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع، لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم، ~~فكأنما حرم دماء الناس جميعا، ذكر هذه الأقوال القرطبي، وابن كثير، وابن ~~جرير وغيرهم، واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير، وعزاه لسعيد بن جبير. ~~وقال البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى { ومن أحياها }. قال ابن عباس ~~من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعا. وقال القرطبي إحياؤه عبارة ~~عن الترك، والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع، إنما ~~هو لله تعالى، وهذا الإحياء، كقول نمروذ لعنه الله # أنا أحيي وأميت # البقرة 258، فسمى الترك إحياء. وكذلك قال ابن جرير، قوله تعالى { ~~إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا } الآية، اعلم أن هذه الآية اختلف في ~~سبب نزولها، فقيل نزلت في قوم من المشركين، وقيل نزلت في قوم من أهل ~~الكتاب، وقيل نزلت في الحرورية. وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات ~~في الصحاح، وغيرها، أنها نزلت في قوم " عرينة " ، و " عكل " ، الذين ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة، فأمر لهم صلى ~~الله عليه وسلم بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها فانطلقوا، ~~فلما صحوا وسمنوا، قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا ~~اللقاح، فبلغه صلى الله عليه وسلم خبرهم، فأرسل في أثرهم سرية فجاؤوا ~~بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة ~~يستسقون، فلا يسقون حتى ماتوا. وعلى هذا القول، فهي نازلة في قوم سرقوا، ~~وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها، والذي ~~يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطاع الطريق من المسلمين، كما ms0420 قاله جماعة ~~من الفقهاء بدليل قوله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم } المائدة 34 الآية، فإنها ليست في الكافرين ~~قطعا. لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه، كما تقبل قبلها إجماعا ~~لقوله تعالى # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38، وليست في المرتدين، لأن المرتد يقتل بردته وكفره، ولا يقطع ~~لقوله صلى الله عليه وسلم عاطفا على ما يوجب القتل " والتارك لدينه ~~المفارق للجماعة " ، وقوله " من بدل دينه فاقتلوه " ، فيتعين أنها في ~~المحاربين من المسلمين، فإن قيل وهل يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب ~~لله ورسوله؟ فالجواب نعم. والدليل قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله # البقرة 278-279. تنبيه استشكل بعض العلماء تمثيله صلى الله عليه وسلم ~~بالعرنيين، لأنه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل، مع أن المرتد يقتل ~~ولا يمثل به. واختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم ~~أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وقال محمد بن سيرين ~~كان ذلك قبل نزول الحدود، وقال أبو الزناد إن هذه الآية معاتبة له صلى ~~الله عليه وسلم على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو ~~داود. والتحقيق في الجواب هو أنه صلى الله عليه وسلم فعل بهم ذلك ~~قصاصا، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم إنما سمل ~~أعينهم قصاصا، لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي ~~في مغازيه بقوله # وبعدها انتهبها الألى انتهوا لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا ~~فشربوا ألبانها ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتص منهم النبي أن مثلوا ~~بعبده ومقلتيه سملوا # واعترض على الناظم شارح النظم حماد لفظة بعبده، لأن الثابت أنهم مثلوا ~~بالرعاء، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.35] # قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة } الآية. اعلم أن جمهور العلماء على ms0421 ~~أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، ~~واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك ~~لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما ~~عنده من خير الدنيا والآخرة. وأصل الوسيلة الطريق التي تقرب إلى الشيء، ~~وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء، لأنه لا وسيلة إلى الله ~~تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالآيات المبينة ~~للمراد من الوسيلة كثيرة جدا كقوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا # الحشر 7، وكقوله # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني # آل عمران 31، وقوله # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # النور 54، إلى غير ذلك من الآيات. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك؟ أنشد ~~له بيت عنترة # إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي # قال يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس، فالمعنى ~~{ وابتغوا إليه الوسيلة } ، واطلبوا حاجتكم من الله، لأنه وحده هو الذي ~~يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى # إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه # العنكبوت 17 الآية، وقوله # واسألوا الله من فضله # النساء 32 الآية، وفي الحديث # " إذا سألت فسأل الله ". # قال مقيده عفا الله عنه التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة ~~العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ~~ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفسير ابن عباس داخل في هذا، لأن ~~دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي ~~الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ~~ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية ~~الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه ms0422 تخبط في الجهل والعمى وضلال ~~مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر ~~الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # الزمر 3 وقوله # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله ~~وجنته ورحمته هي اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن حاد عن ذلك فقد ضل ~~سواء السبيل، # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به # النساء 123، الآية. والظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب ~~أيضا إلى المحبوب، لأنه وسيلة لنيل المقصود منه، ولذا أنشد بيت عنترة ~~المذكور ابن جرير، والقرطبي وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا وجمع الوسيلة ~~الوسائل، ومنه قول الشاعر # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل # وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضا في قوله تعالى # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب # الإسراء 57 الآية، وليس بالمراد بالوسيلة أيضا المنزلة التي في الجنة ~~التي أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو ~~الله أن يعطيه إياها، لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو. ### || [5.41] # قوله تعالى { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا }. في هذا الآية الكريمة إجمال، لأن المشار إليه ~~بقوله { هذا } ، ومفسر الضمير في قوله { فخذوه } ، وقوله { لم تؤتوه } لم ~~يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع أخر. اعلم أولا ~~أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية الذين زنيا بعد الإحصان، وكان ~~اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، ~~واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصن الذي يعلمون أن حده في كتاب ~~الله " التوراة " الرجم أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه والإركاب على ~~حمار، فلما زنى المذكوران قالوا ms0423 فيما بينهم تعالوا نتحاكم إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك ~~واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم ~~فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد ~~بقوله { هذا } وقوله { فخذوه } ، وقوله { وإن لم تؤتوه } هوالحكم المحرف ~~الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله { ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن ~~أوتيتم هذا } يعني المحرف والمبدل الذي هو الجلد والتحميم { ~~فخذوه وإن لم تؤتوه } بأن حكم بالحق الذي هو الرجم { ~~فاحذروا } أن تقبلوه. وذكر تعالى هذا أيضا في قوله # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله # آل عمران 23، يعني التوراة ليحكم بينهم يعني في شأن الزانيين المذكورين # ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون # آل عمران 23 أي عما في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا { ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } هو معنى قوله ~~عنهم، { وإن لم تؤتوه فاحذروا } والعلم عند الله تعالى. ### || [5.44-45] # قوله تعالى { بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهدآء } الآية. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار ~~والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين ~~هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتقلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ~~ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، ~~بل حرفوه وبدلوه عمدا كقوله # يحرفون الكلم عن مواضعه # النساء 46 الآية. وقوله # يحرفون الكلم من بعد مواضعه # المائدة 41 الآية، وقوله تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا } الأنعام 91، وقوله # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله # البقرة 79 الآية، وقوله جل وعلا # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب # آل عمران 78 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه إن قيل ما الفرق بين ~~التوراة والقرآن، فإن كلا منهما ms0424 كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات ~~الله وسلامه عليهم، والتوراة حرفت، وبدلت كما بيناه آنفا، والقرآن محفوظ ~~من التحريف والتبديل، لو حرف منه أحد حرفا واحدا فأبدله بغيره، أو زاد ~~فيه حرفا أو نقص فيه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلا ~~عن كبارهم. فالجواب أن الله استحفظهم التوراة، واستودعهم إياها، فخانوا ~~الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدا والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه ~~إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، ~~كما أوضحه بقوله # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # الحجر 9، وقوله # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # فصلت 42 الآية، إلى غير ذلك من الآيات و " الباء " في قوله { بما ~~استحفظوا } متعلقة بالرهبان والأحبار، لأنهم إنما صاروا في تلك ~~المرتبة بسبب ما استحفظوا من كتاب الله. وقيل متعلقة ب { يحكم } والمعنى ~~متقارب. قوله تعالى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون }. اختلف العلماء في هذه الآية ~~الكريمة هل هي في المسلمين، أو في الكفار، فروي عن الشعبي أنها في ~~المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضا أنها في ~~المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من ~~الملة، وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال ليس الكفر الذي تذهبون ~~إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم ~~يخرجاه، قاله ابن كثير. قال بعض العلماء والقرآن العظيم يدل على أنها في ~~اليهود، لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } ~~، وأنهم يقولون { إن أوتيتم هذا } يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم ~~الله { فخذوه وإن لم تؤتوه } أي المحرف، بل أوتيتم حكم الله الحق { ~~فاحذروا } فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق. # وقد قال تعالى بعدها { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس } المائدة 45 الآية، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن ~~الآية ms0425 في أهل الكتاب، كما دل عليه ما ذكر البراء بن عازب، وحذيفة بن ~~اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة وعبيد الله بن ~~عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة نقله عنهم ~~ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي. وقال القرطبي في تفسيره ~~{ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون } المائدة 44 - و { الظالمون } المائدة 45 و # الفاسقون # المائدة 47 نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، ~~وقد تقدم وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل ~~فيه إضمار، أي { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } ردا للقرآن ~~وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد. ~~فالآية عامة على هذا قال ابن مسعود، والحسن هي عامة في كل من لم يحكم ~~بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلا ~~له. فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرم فهو من فساق المسلمين ~~وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في ~~رواية { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } فقد فعل فعلا ~~يضاهي أفعال الكفار، وقيل أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ~~فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، ~~والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس قال ~~ويدل على ذلك على ثلاثة أشياء. منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله ~~تعالى { للذين هادوا } المائدة 44 فعاد الضمير عليهم. ومنها أن ~~سياق الكلام يدل على ذلك. ألا ترى أن بعده { وكتبنا عليهم } ~~المائدة 45، فهذا الضمير لليهود بإجماع. وأيضا فإن اليهود هم الذين ~~أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة ~~إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له " من " هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه ~~من الأدلة والتقرير واليهود ms0426 الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. ويروى أن حذيفة سئل عن هذه ~~الآيات، أهي في بني إسرائيل، فقال نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل ~~بالنعل، وقيل { الكافرون } للمسلمين، و { الظالمون } لليهود و ~~{ الفاسقون } للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال لأنه ~~ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن ~~شبرمة والشعبي أيضا. # قال طاوس وغيره ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف ~~إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر. وإن حكم ~~به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران ~~للمذنبين. قال القشيري ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله ~~فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضا أخذ الله على ~~الحكام ثلاثة أشياء ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا ~~يشتروا بآياته ثمنا قليلا، انتهى كلام القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه ~~الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية { هم الكافرون } المائدة ~~44 نازلة في المسلمين، لأنه تعالى قال قبلها مخاطبا لمسلمي. هذه الأمة ~~{ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا } المائدة 44، ثم قال { ومن لم يحكم بمآ ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } المائدة 44 فالخطاب ~~للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون ~~كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلا له، أو قاصدا به جحد أحكام الله ~~وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنبا ~~فاعل قبيحا، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين، وسياق ~~القرآن ظاهر أيضا في أن آية { فأولئك هم الظالمون } ~~المائدة 45 في اليهود لأنه قال قبلها { وكتبنا عليهم فيهآ ~~أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن ms0427 لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ~~المائدة 45. فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضا في ~~أن آية # فأولئك هم الفاسقون # المائدة 47 في النصارى، لأنه قال قبلها # وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن ~~لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون # المائدة47. واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق ~~كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مرادا به المعصية تارة، والكفر المخرج ~~من الملة أخرى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } معارضة ~~للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، ~~{ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } معتقدا أنه مرتكب حراما ~~فاعل قبيحا فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر ~~القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في ~~النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ~~ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { وكتبنا عليهم ~~فيهآ أن النفس بالنفس } الآية. # قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل ~~المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم ~~الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى { فمن ~~تصدق به فهو كفارة له } الآية. ومن المعلوم أن الكافر ~~ليس من المتصدقين الذين تكون صدقتهم كفارة لهم، لأن الكفر سيئة لا تنفع ~~معها حسنة، نبه على هذا إسماعيل القاضي في أحكام القرآن كما نقله ابن حجر ~~في فتح الباري، وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضا على عدم ~~دخول العبد، بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه، لأن الحق لسيده غير ~~مسلم، لأن من العلماء من يقول إن الأمور المتعلقة ببدن العبد، كالقصاص له ~~العفو فيها دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال إن ~~معنى { فهو كفارة له } المائدة 45، أن التصدق بالجناية كفارة ~~للجاني، لا للمجني عليه، فلا ms0428 مانع أيضا من الاستدلال المذكور بالآية، ~~لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق، لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما ~~هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى، في معرض التقرير والإثبات، مع ~~أن هذا القول ضعيف في معنى الآية. وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم ~~على أن معناها فهو كفارة للمتصدق، وهو أظهر. لأن الضمير فيه عائد إلى ~~مذكور، وذلك في المؤمن قطعا دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جدا. ~~تنبيه احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد، ~~لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله { أن النفس بالنفس } المائدة ~~45 لكونهما نفسين بنفس واحدة. وممن قال بهذا متمسكا بهذا الدليل ابن ~~الزبير، و الزهري، و ابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، ~~وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن ابي موسى، عن ابن عباس، وروي عن معاذ بن ~~جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من ~~الباقين حصصهم من الدية. لأن كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال ~~بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة ~~في المغني. وقالوا مقتضى قوله تعالى { الحر بالحر } ، وقوله { ~~وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } المائدة 45 ~~أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، قالوا ولأن التفاوت في الأوصاف ~~يمنع القصاص، بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. وقال ~~ابن المنذر لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد، وعدم قتل الجماعة بالواحد ~~رواية عن الإمام أحمد. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد. ومذهب الأئمة ~~الثلاثة أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل ~~سبعة بواحد، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وروي نحو ~~ذلك عن علي رضي الله عنه، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ~~ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال الله أكبر ~~نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل ms0429 عبد الله بن خباب. # فقالوا كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه دونكم القوم، فما لبث أن ~~قتلهم علي وأصحابه، نقله القرطبي عن الدارقطني في سننه. ويزيد قتل ~~الجماعة بالواحد، ما رواه الترمذي عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لو أن أهل السماء، وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في ~~النار " # قال فيه الترمذي حديث غريب نقله عنه القرطبي. وروى البيهقي في السنن ~~الكبرى نحوه عن ابن عباس مرفوعا، وزاد " إلا أن يشاء " ، وروى البيهقي ~~ايضا عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله عز وجل يوم القيامة مكتوبا ~~بين عينيه آيس من رحمة الله ". # وروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ~~وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما ~~نقله عنهم ابن قدامة في المغني أن الجماعة تقتل بالواحد، ورواه البيهقي ~~عن عمر، وعلي رضي الله عنهما أيضا، ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة، ~~فصار إجماعا سكوتيا، واعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل ~~الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر. وإذن فالخلاف واقع بين الصحابة، ~~والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا، لم يجز العمل بأحد القولين ~~إلا بترجيح. قال مقيده، عفا الله عنه ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل ~~الجماعة بالواحد، بأن الله تعالى قال # ولكم في القصاص حياة # البقرة 179، يعني أن من علم أنه يقتل إذا قتل يكون ذلك رادعا وزاجرا ~~عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل ~~مسلما، أخذ واحدا من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل ~~وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل يصدق على ~~كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحدا لوجب ~~حد القذف على جميعهم، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.47] # قوله تعالى ms0430 { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله ~~فيه }. لم يبين هنا شيئا مما أنزل في الإنجيل الذي أمر أهل الإنجيل ~~بالحكم به، وبين في مواضع أخر أن من ذلك البشارة بمبعث نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ووجوب اتباعه. والإيمان به كقوله # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد # الصف 6، وقوله تعالى # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # الأعراف 157 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. لطيفة لها مناسبة بهذه الآية ~~الكريمة ذكر بعض العلماء أن نصرانيا قال لعالم من علماء المسلمين ناظرني ~~في الإسلام والمسيحية أيهما أفضل؟ فقال العالم للنصراني هلم إلى المناظرة ~~في ذلك، فقال النصراني المتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه؟ فقال ~~العالم المتفق عليه أحق بالاتباع من المختلف فيه. فقال النصراني إذن ~~يلزمكم اتباع عيسى معنا، وترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لأننا نحن ~~وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد عليهما الصلاة والسلام، ~~فقال المسلم أنتم الذين تمتنعون من اتباع المتفق عليه، لأن المتفق عليه ~~الذي هو عيسى قال لكم # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # الصف 6، فلو كنتم متبعين عيسى حقا لاتبعتم محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه ولا غيره، فانقطع النصراني. ~~ولا شك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى، لاتبعوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. قوله تعالى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون }. قد قدمنا أن هذه الآية في النصارى، ~~والتي قبلها في اليهود، والتي قبل تلك في المسلمين، كما يقتضيه ظاهر ~~القرآن. وقد قدمنا أن الكفر، والظلم، والفسق كلها يطلق على المعصية بما ~~دون الكفر، وعلى الكفر المخرج من الملة نفسه. فمن الكفر بمعنى المعصية. ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " لما سألته المرأة عن سبب كون النساء أكثر أهل النار، إن ذلك واقع بسبب ~~كفرهن ms0431 " # ثم فسره بأنهن يكفرن العشير، ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملة، قوله ~~تعالى # قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون # الكافرون 1-2 الآية. ومن الظلم بمعنى الكفر قوله تعالى # والكافرون هم الظالمون # البقرة 254، وقوله # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # يونس 106، وقوله # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد # فاطر 32 الآية، ومن الفسق بمعنى الكفر قوله # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # السجدة 20 الآية، ومنه بمعنى المعصية قوله في الذين قذفوا عائشة، رضي ~~الله عنها # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون # النور 4. ومعلوم أن القذف ليس بمخرج عن الملة، ويدل له قوله تعالى # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم # النور 11، ومن الفسق بمعنى المعصية أيضا، قوله في الوليد بن عقبة # يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا # الحجرات 6 الآية. وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ~~فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله، لقصد معارضته ورده، والامتناع ~~من التزامه، فهو كافر ظالم فاسق كلها بمعناها المخرج من الملة، ومن كان ~~امتناعه من الحكم لهوى، وهو يعتقد قبح فعله، فكفره وظلمه وفسقه غير ~~المخرج من الملة، إلا إذا كان ما امتنع من الحكم به شرطا في صحة إيمانه، ~~كالامتناع من اعتقاد ما لا بد من اعتقاده، هذا هو الظاهر في الآيات ~~المذكورة، كما قدمنا والعلم عند الله تعالى. ### || [5.51] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض }. ~~ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ~~ولكنه بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة، لأنها لا ~~تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين ~~النصارى دائمة إلى يوم القيامة، بقوله # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به ms0432 فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة # المائدة 14، وبين مثل ذلك في اليهود أيضا، حيث قال فيهم # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة # المائدة 64، والظاهر أنها في اليهود فميا بينهم، كما هو صريح السياق، ~~خلافا لمن قال إنها بين اليهود، والنصارى. وصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود ~~معللا له بعدم عقولهم في قوله # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون # الحشر 14. تنبيه أخذ بعض العلماء من قوله تعالى { بعضهم ~~أولياء بعض } أن اليهودي، والنصراني، يتوارثان، ورده بعض ~~العلماء، بأن المراد بالآية، ولاية اليهود لخصوص اليهود، والنصارى لخصوص ~~النصارى، وعلى هذا المعنى فلا دليل في الآية لتوارث اليهود والنصارى. ~~قوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم }. ذكر في ~~هذه الآية الكريمة، أن من تولى اليهود، والنصارى، من المسلمين، فإنه ~~يكون منهم بتوليه إياهم. وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، ~~والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمنا ما تولاهم، وهو قوله تعالى # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ~~ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون # المائدة 80-81. ونهى في موضع آخر عن توليهم مبينا سبب التنفير منه. ~~وهو قوله # يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله ~~عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور # الممتحنة 13. وبين في موضع آخر أن محل ذلك، فيما إذا لم تكن الموالاة ~~بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة # آل عمران 28 فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع ~~موالاة الكفار مطلقا ms0433 وإيضاح، لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند ~~الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ~~ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة. # ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختيارا # ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدا اختيارا، رغبة فيهم ~~أنه كافر مثلهم. ### || [5.52-53] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، ~~يعتذرون عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، ~~أي دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم، كما قال الشاعر # إذا ما الدهر جر على أناس كلا كله أناخ بآخرينا # يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلوا علينا، وإما بظفر الكفار ~~بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، زعما ~~منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر. يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين ~~على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين ~~يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم، إنهم لمع المسلمين وبين ~~في هذه الآية أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، ~~أنها لا تدور إلا على اليهود، والكفار، ولا تدور على المسلمين، بقوله { ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } ~~الآية، وعسى من الله نافذة، لأنه الكريم العظيم الذي لا يطمع إلا فيما ~~يعطي. والفتح المذكور قيل هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل الفتح ~~الحكم، كقوله # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # الأعراف 89، وعليه فهو حكم الله بقتل مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، ~~وإجلاء بني النضير، وقيل هو فتح مكة، وهو راجع إلى الأول. وبين تعالى ~~في موضع آخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين، أنهم منهم، إنما هو الفرق أي ~~الخوف، وأنهم لو وجدوا محلا يستترون فيه عن المسلمين لسارعوا إليه، لشدة ~~بغضهم للمسلمين، وهو قوله # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجئا أو ~~مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ms0434 يجمحون # التوبة 56-57 ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين، ونظيرها قوله # اتخذوا أيمانهم جنة # المجادلة 16. وبين تعالى في موضع آخر، أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى ~~عنهم المؤمنون، وأنهم إن رضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عنهم، وهو قوله # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم ~~فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين # التوبة 96. وبين في موضع آخر أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين، وإن ~~الله ورسوله أحق بالإرضاء، وهو قوله # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # التوبة 62. وبين في موضع آخر أنهم يحلفون لهم ليرضوا عنهم، بسبب أن لهم ~~عذرا صحيحا، وأن الله أمرهم بالإعراض عنهم، لا لأن لهم عذرا صحيحا، ~~بل مع الإعلام بأنهم رجس، ومأوام النار بسبب ما كسبوا من النفاق، وهو ~~قوله # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون # التوبة 95. وبين في موضع آخر. # أن أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم وهو قوله # وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يهلكون أنفسهم # التوبة 42 الآية. وهذه الأسباب لحلف المنافقين التي ذكرت في هذه الآيات ~~راجعة جميعا إلى السبب الأول، الذي هو الخوف. لأن خوفهم من المؤمنين هو ~~سبب رغبتهم في إرضائهم، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم، ولذا حلفوا لهم، ~~ليرضوهم، وليعرضوا عنهم، خوفا من أذاهم، كما هو ظاهر. تنبيه قوله في هذه ~~الآية الكريمة { ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا } فيه ثلاث قراءات سبعيات. الأولى { يقول } بلا واو مع ~~الرفع، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر. الثانية { ويقول } بإثبات ~~الواو مع رفع الفعل أيضا، وبها قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي. الثالثة ~~بإثبات الواو، ونصب { يقول } عطفا على { أن يأتي بالفتح } ~~المائدة 52 وبها قرأ أبو عمرو. ### || [5.54] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } الآية. ~~أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن ms0435 الله ~~يأتي عوضا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم ~~ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، ~~وبهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فأمره بلين الجانب للمؤمنين، ~~بقوله # واخفض جناحك للمؤمنين # الحجر 88، وقوله # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # الشعراء 215، وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير # التوبة 73، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك # آل عمران 159 الآية وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على ~~الكافرين، من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، ~~بقوله # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # الفتح 29. وقد قال الشاعر في رسول الله صلى الله عليه وسلم # وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد وأعطى إذا ما ~~طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند # وقال الآخر فيه # وما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد # ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت ~~المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة، لأن اللين في محل ~~الشدة ضعف، وخور، والشدة في محل اللين حمق، وخرق، وقد قال أبو الطيب ~~المتنبي # إذا قيل حلم قل فللحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل ### || [5.66] # قوله تعالى { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ~~ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل ~~الكتاب لو أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعمل بما فيه، ليسر ~~الله لهم الأرزاق وأرسل عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض. وبين في ~~مواضع أخر أن ذلك ليس خاصا بهم، كقوله عن نوح وقومه # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ms0436 ويجعل لكم أنهارا # نوح 10-12 وقوله عن هود وقومه # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم # هود 52 الآية وقوله عن نبينا عليه الصلاة والسلام وقومه # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى # هود 3 وقوله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # النحل 97 الآية. على أحد الأقوال وقوله # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # الأعراف 96 الآية. وقوله # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # الطلاق 2-3 وقوله # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # طه 132 ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى، سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، ~~وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # الروم 41 الآية، ونحوها من الآيات. قوله تعالى { منهم أمة ~~مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون }. ذكر تعالى ~~في هذه الآية الكريمة، أن أهل الكتاب قسمان طائفة منهم مقتصدة في عملها، ~~وكثير منهم سيئ العمل، وقسم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام في قوله # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير # فاطر 32 ووعد الجميع بالجنة بقوله # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # فاطر 33. وذكر القسم الرابع وهو الكفار منها بقوله # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا # فاطر 36 الآية. وأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم، أن ~~المقتصد هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك، وأن السابق ~~بالخيرات هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن ~~بعض الجائزات، خوفا من أن يكون سببا لغيره، وأن الظالم هو المذكور في ~~قوله # خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم # التوبة 102 الآية، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.67] # قوله تعالى ms0437 { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك } الآية. أمر تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بتبليغ ما أنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات متعددة كقوله # اليوم أكملت لكم دينكم # المائدة 3، وقوله # وما على الرسول إلا البلاغ # النور 54، وقوله # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # الذاريات 54، ولو كان يمكن أن يكتم شيئا، لكتم قوله تعالى # وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه # الأحزاب 37، فمن زعم أنه صلى الله عليه وسلم، كتم حرفا مما أنزل ~~عليه، فقد أعظم الافتراء، على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ### || [5.71] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين، ~~تتخللهما توبة من الله عليهم، وبين تفصيل ذلك في قوله # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين # الإسراء 4 الآية فبين جزاء عماهم، وصممهم في المرة الأولى بقوله # فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ ~~أولي بأس شديد # الإسراء 5، وبين جزاء عماهم، وصممهم في المرة الآخرة بقوله # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # الإسراء 7، وبين التوبة التي بينهما بقوله # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا # الإسراء 6. ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم ~~بقوله # وإن عدتم عدن # الإسراء 8 فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته ~~التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم، وذراريهم وأجلى بني ~~قينقاع، وبني النضير. كما ذكر تعالى طرفا من ذلك في سورة الحشر، وهذا ~~البيان الذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين، وكثير منهم لم يذكره، ~~ولكن ظاهر القرآن يقتضيه، لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية من ~~قتل الرسل وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة # كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون # المائدة ms0438 70. ومعنى { وحسبوا ألا تكون فتنة } ظنوا ألا ~~يصيبهم بلاء وعذاب من الله، بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء، لزعمهم ~~الباطل، أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وقوله { كثير منهم } أحسن، ~~أوجه الإعراب فيه. أنه بدل من واو الفاعل في قوله { عموا وصموا } ، ~~كقولك جاء القوم أكثرهم، وقوله { ألا تكون فتنة } قرأه حمزة، ~~والكسائي، وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب، فوجه قراءة النصب ظاهر، ~~لأن الحسبان بمعنى الظن، ووجه قراءة الرفع، تنزيل اعتقادهم لذلك - ولو ~~كان باطلا - منزلة العلم. فتكون أن مخففة من الثقيلة، والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [5.74] # أشار في هذه الآية، إلى أن الذين قالوا # إن الله ثالث ثلاثة # المائدة 73 لو تابوا إليه من ذلك، لتاب عليهم، وغفر لهم، لأنه استعطفهم ~~إلى ذلك أحسن استعطاف، وألطفه، بقوله { أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه } ، ثم أشار إلى أنهم إن فعلوا ذلك غفر لهم ~~بقوله { والله غفور رحيم } ، وصرح بهذا المعنى عاما لجميع ~~الكفار بقوله # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38 الآية. ### || [5.75] # قوله تعالى { وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام }. ~~ذكر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في ~~مواضع أخر، أن جميع الرسل كانوا كذلك. كقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام # الفرقان 20 الآية، وقوله # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام # الأنبياء 8 الآية، وقوله # وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام # الفرقان 7 الآية، وقوله تعالى { انظر كيف نبين لهم ~~الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } معنى قول { يؤفكون } ~~يصرفون عن الحق، والمراد بصرفهم عنه، قول بعضهم إن الله هو المسيح بن ~~مريم، وقول بعضهم إن الله ثالث ثلاثة، وقول بعضهم عزير ابن الله - سبحانه ~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وعلى من يقول ذلك لعائن الله إلى يوم ~~القيامة، فإنهم يقولون هذا الأمر الذي لم يقل أحد أشنع منه ولا أعظم، مع ~~ظهور أدلة التوحيد المبينة له، ولذا قال تعالى { انظر كيف ~~نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } على سبيل ~~التعجب ms0439 من أمرهم، كيف يؤفكون إلى هذا الكفر مع وضوح أدلة التوحيد؟! ### || [5.78] # قوله تعالى { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داوود وعيسى ابن مريم } الآية. قال بعض ~~العلماء الذين لعنوا على لسان داود الذين اعتدوا في السبت، والذين لعنوا ~~على لسان عيسى ابن مريم، هم الذين كفروا من أهل المائدة، وعليه فلعن ~~الأولين مسخهم قردة، كما بينه تعالى بقوله # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # البقرة 65، وقوله # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين # الأعراف 166، ولعن الآخرين هو المذكور في قوله # فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين # المائدة 115، وذكر غير واحد أنه مسخهم خنازير، وهذا القول مروي عن ~~الحسن، وقتادة، ومجاهد، والباقر نقله الألوسي في تفسيره، وقال واختاره ~~غير واحد، ونقله القرطبي عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وأبي مالك، وذكر ~~أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض من قال بهذا القول إن أهل ~~أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود عليه الصلاة والسلام " اللهم ألبسهم ~~اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين " ، فمسخهم الله قردة، وأصحاب ~~المائدة لما كفروا، قال عيسى عليه الصلاة والسلام " اللهم عذب من كفر ~~بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما ~~لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير ". وإن هذا معنى لعنهم على لسان داود، ~~وعيسى ابن مريم، وفي الآية أقوال غير هذا تركنا التعرض لها، لأنها ليست ~~مما نحن بصدده. ### || [5.89] # قوله تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان }. قد قدمنا في ~~سورة البقرة أن المراد بما عقدتم الأيمان، هو ما قصدتم عقد اليمين فيه، ~~لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد نحو " لا والله " و " بلى والله " ، ~~ومنه قول الفرزدق # ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم # وهذا العقد معنوي، ومنه قول الحطيئة # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا ms0440 فوقه الكربا # وقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة ع عاصم { عقدتم } بالتخفيف بلا ألف. ~~وقراه ابن ذكوان عن ابن عامر { عاقدتم } بألف بوزن فاعل، وقرأه ~~الباقون بالتشديد من غير ألف، والتضعيف والمفاعلة معناهما مجرد الفعل ~~بدليل قراءة { عقدتم } بلا ألف، ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها ~~بعضا " وما " في قوله { بما عقدتم } مصدرية على التحقيق لا ~~موصولة، كما قاله بعضهم زاعما أن ضمير الربط محذوف. وفي المراد باللغو ~~في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان الأول أن اللغو ما يجري على ~~لسان الإنسان من غير قصد، كقوله " لا والله " و " بلى والله ". وذهب إلى ~~هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها، وروي عن ابن عمر، ~~وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعروة بن ~~الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، كما ~~نقله عنهم ابن كثير، وغيره. القول الثاني أن اللغو هو أن يحلف على ما ~~يعتقده، فيظهر نفيه وهذا هو مذهب مالك بن أنس، وقال إنه أحسن ما سمع في ~~معنى اللغو، وهو مروي أيضا عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس في أحد ~~قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، ~~وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء ~~الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، ~~والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن ~~سعيد، وربيعة، كما نقله عنهم ابن كثير. والقولان متقاربان، واللغو ~~يشملهما. لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلا، وفي الثاني لم يقصد ~~إلا الحق والصواب، وغير هذين القولين من الأقوال تركته لضعفه في نظري، ~~واللغو في اللغة هو الكلام بما لا خبر فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث # " إذا قلت لصاحبك، والإمام يخطب يوم الجمعة انصت، فقد لغوت أو لغيت ". # وقول العجاج # ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم # مسائل من أحكام الأيمان المسألة الأولى اعلم أن الأيمان أربعة أقسام ~~اثنان فيهما الكفارة بلا خلاف، ms0441 واثنان مختلف فيهما. # قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه الأيمان في الشريعة على ~~أربعة أقسام قسمان فيهما الكفارة، قسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني ~~في سننه، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن هشام، ~~حدثنا عبثر عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال ~~الأيمان أربعة، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان ~~يكفران، فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول ~~والله لأفعلن كذا وكذا، فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يكفران، فالرجل ~~يحلف والله ما فعلت كذا وكذا، وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ~~ولم يفعله. قال ابن عبد البر وذكر سفيان الثوري في جامعه، وذكره المرزوي ~~عنه أيضا، قال سفيان الأيمان أربعة، يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل ~~والله " لا أفعل " ثم يفعل، أو يقول " والله لأفعلن " ثم لا يفعل. ~~ويمينان لا يكفران، وهو أن يقول الرجل " والله ما فعلت " ، وقد فعل أو ~~يقول " والله لقد فعلت " وما فعل. قال المروزي أما اليمينان الأوليان، ~~فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان. وأما اليمينان ~~الأخريان، فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم ~~يفعل كذا وكذا، أو أنه فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف ~~عليه، فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري، وأصحاب ~~الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد. وقال الشافعي لا إثم عليه، وعليه ~~الكفارة. قال المرزوي وليس قول الشافعي في هذا بالقوي، قال وإن كان ~~الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل، متعمدا للكذب فهو آثم، ولا ~~كفارة عليه في قول عامة العلماء. مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، ~~وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد. وكان الشافعي يقول يكفر. قال وقد ~~روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي، قال المروزي أميل إلى قول مالك ~~وأحمد، اه محل الغرض من القرطبي بلفظه، وهو حاصل تحرير ms0442 المقام في حلف ~~الإنسان " لأفعلن " أو " لا أفعل ". وأما حلفه على وقوع أمر غير فعله، أو ~~عدم وقوعه، كأن يقول والله لقد وقع في الوجود كذا، أو لم يقع في الوجود ~~كذا، فإن حلف على ماض أنه واقع، وهو يعلم عدم وقوعه متعمدا الكذب فهي ~~يمين غموس، وإن كان يعتقد وقوعه فظهر نفيه فهي من يمين اللغو كما قدمنا، ~~وإن كان شاكا فهو كالغموس، وجعله بعضهم من الغموس. وإن حلف على مستقبل ~~لا يدري أيقع أم لا؟ فهو كذلك أيضا يدخل في يمين الغموس، وأكثر العلماء ~~على أن يمين الغموس لا تكفر لأنها أعظم إثما من أن تكفرها كفارة ~~اليمين. # وقد قدمنا قول الشافعي بالكفارة فيها، وفيها عند المالكية تفصيل، وهو ~~وجوب الكفارة في غير المتعلقة بالزمن الماضي منها، واعلم أن اليمين ~~منقسمة أيضا إلى يمين منعقدة على بر، ويمين منعقدة على حنث، فالمنعقدة ~~بر، هي التي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله " والله لا أفعل كذا " ، ~~والمنعقدة على حنث، هي التي يلزم صاحبها حل اليمين بفعل ما حلف عليه، أو ~~بالكفارة كقوله " والله لأفعلن كذا " ، ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على ~~حنث حتى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه، إلا إذا كانت مؤقتة بوقت فيحنث ~~بفواته، ولكن إن كانت بطلاق كقوله على طلاقها " لأفعلن كذا " فإنه يمنع ~~من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه، لأنه لا يدري أيبر في يمينه أم يحنث؟ ~~ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء منهم مالك ~~وأصحابه. وقال بعض العلماء لا يمنع من الوطء، لأنها زوجته، والطلاق لم ~~يقع بالفعل، وممن قال به أحمد. المسألة الثانية اعلم أن اليمين لا ~~تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق لقوله صلى الله ~~عليه وسلم # " من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت " # ، ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا من كان، كما أنها لا تجوز بإجماع من ~~يعتد به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله، ~~فقول بعض أهل ms0443 العلم بانعقاد اليمين به صلى الله عليه وسلم لتوقف إسلام ~~المرء على الإيمان ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم. المسالة الثالثة ~~يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء الأول إبرارها بفعل ما حلف ~~عليه. الثاني الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق. ~~الثالث الاستثناء بنحو إن شاء الله، والتحقيق أنه حل لليمين لا بدل من ~~الكفارة، كما زعمه ابن الماجشون، ويشترط فيه قصد التلفظ به، والاتصال ~~باليمين، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال، والعطاس، وما ذهب إليه ابن ~~عباس وغيره من جواز تراخي الاستثناء. فالتحقيق فيه أن المراد به أن ~~العبد يلزمه إذا قال " لأفعلن كذا " أن يقول إن شاء الله، كما صرح به ~~تعالى في قوله # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # الكهف 23-24 فإن نسي الاستثناء بإن شاء، وتذكره ولو بعد فصل، فإنه يقول ~~إن شاء الله. ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى الله وتعليقها ~~بمشيئته، لا من حيث إنه يحل اليمين التي مضت وانعقدت. ويدل لهذا أنه ~~تعالى قال لأيوب # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # ص 44، ولو كان تدارك الاستثناء ممكنا لقال له قل إن شاء الله، ويدل له ~~أيضا أنه ولو كان كذلك لما علم انعقاد يمين لإمكان أن يلحقها الاستثناء ~~المتأخر، واعلم أن الاستثناء بإن شاء الله يفيد في الحلف بالله إجماعا. ~~واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق، كأن يقول إن دخلت ~~الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو أنت ~~حرة إن شاء الله، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفيد في شيء من ذلك، لأن ~~هذه ليست أيمانا، وإنما هي تعليقات للعتق والظهار والطلاق. والاستثناء ~~بالمشيئة إنما ورد به الشرع في اليمين دون التعليق، وهذا مذهب مالك ~~وأصحابه، وبه قال الحسن، والأوزاعي، وقتادة، ورجحه ابن العربي وغيره. ~~وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يفيد في ذلك كله، وبه قال الشافعي. وأبو ~~حنيفة، وطاوس، وحماد، ms0444 وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وفرق ~~قوم بين الظهار وبين العتق والطلاق، لأن الظهار فيه كفارة فهو يمين تنحل ~~بالاستثناء، كاليمين بالله والنذر، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي ~~موسى، وجزم هو به. المسالة الرابعة لو فعل المحلوف عن فعله ناسيا، ففيه ~~للعلماء ثلاثة مذاهب الأول لا حنث عليه مطلقا، لأنه معذور بالنسيان، ~~والله تعالى يقول # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به # الأحزاب 5، وقال صلى الله عليه وسلم # " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه " # ، وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، فإن العلماء تلقوه ~~بالقبول قديما وحديثا، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ~~" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # البقرة 286، قال الله نعم " ومن حديث ابن عباس قال الله " قد فعلت " ~~وكون من فعل ناسيا لا يحنث هو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، ~~وإسحاق، ورواية عن أحمد، كما قاله صاحب المغني، ووجه هذا القول ظاهر ~~للأدلة التي ذكرنا. الثاني وذهب قوم إلى أنه يحنث مطلقا، وهو مشهور ~~مذهب مالك، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري وقتادة، وربيعة وأبو ~~حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم صاحب المغني، ووجه هذا القول ~~عند القائل به أنه فعل ما حلف لا يفعله عمدا، فلما كان عامدا للفعل ~~الذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين، ولا يخفى عدم ظهوره. الثالث ~~وذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما، فلا يعذر بالنسيان في ~~الطلاق والعتق، ويعذر به في غيرهما، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، كما ~~قاله صاحب المغني قال واختاره الخلال، وصاحبه، وهو قول أبي عبيد. # قال مقيده عفا الله عنه وهذا القول الأخير له وجه من النظر، لأن في ~~الطلاق والعتق حقا لله وحقا للآدمي، والحالف يمكن أن يكون متعمدا في ~~نفس الأمر، ويدعي النسيان لأن العمد من القصود الكامنة ms0445 التي لا تظهر ~~حقيقتها للناس، فلو عذر بادعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق ~~الآدميين، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة إذا حلف لا يفعل ~~أمرا من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه، فليس له الامتناع عن ذلك، ~~والتعلل باليمين بل عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير لقوله ~~تعالى # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس # البقرة 224 الآية، أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من ~~البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، ونظير الآية قوله تعالى في ~~حلف أبي بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح، لما قال في عائشة رضي الله ~~عنها ما قال # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # النور 22. وقوله صلى الله عليه وسلم # " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي ~~كفارته التي افترض الله عليه " # ، متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقوله صلى الله عليه وسلم # " إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " # ، متفق عليه أيضا من حديث أبي موسى. وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الرحمن بن سمرة # " يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسال الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير ~~مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين ~~فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك " # ، متفق عليه أيضا، والأحاديث في الباب كثيرة. وهذا هو الحق في المسألة ~~خلافا لمن قال كفارتها تركها متمسكا بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو ~~داود والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها # " فليكفر عن يمينه " # ، وهي الصحاح، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { أو تحرير ~~رقبة }. لم يقيد هنا { رقبة } كفارة اليمين بالإيمان، وقيد به ~~كفارة القتل خطأ. وهذه ms0446 من مسائل المطلق والمقيد في حالة اتفاق ~~الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء يقولون فيه بحمل المطلق ~~على المقيد فتقيد رقبة اليمين والظهار بالقيد الذي في ~~رقبة القتل خطأ، حملا للمطلق على المقيد، وخالف في ذلك أبو ~~حنيفة ومن وافقه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب في سورة النساء عند قوله تعالى # فتحرير رقبة مؤمنة # النساء 92، ولذلك لم نطل الكلام بها هنا، والمراد بالتحرير الإخراج من ~~الرق، وربما استعملته العرب في الإخراج من الأسر والمشقات، وتعب ~~الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم # إني نذرت لك ما في بطني محررا # آل عمران 35 أي من تعب أعمال الدنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب ~~التميمي # أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال # يعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم. ### || [5.90] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس } الآية. يفهم من هذه ~~الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين، لأن الله تعالى قال إنها رجس، ~~والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل إن أصله من الركس، ~~وهو العذرة والنتن. قال بعض العلماء ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله ~~تعالى في شراب أهل الجنة # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # الإنسان 21، لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه، أن خمر ~~الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى ~~خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # الصافات 47، وكقوله # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # الواقعة 19، بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول وأهلها ~~يصدعون. أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها، وقوله { ولا ~~ينزفون } على قراءة فتح الزاي مبنيا للمفعول، فمعناه أنهم لا ~~يسكرون، والنزيف السكران، ومنه قول حميد بن ثور # نزيف ترى ردع العبير بجيبها كما ضرج الضاري النزيف المكلما # يعني أنها في ثقل حركتها كالسكران، وأن حمرة العبير الذي هو الطيب في ~~جيبها كحمرة الدم على الطريد الذي ضرجه الجوارح ms0447 بدمه فأصابه نزيف الدم من ~~جرح الجوارح له، ومنه أيضا قول امرئ القيس # وإذ هي تمشي كمشي النزيف يصرعه بالكثيب البهر # وقوله أيضا # نزيف إذا قامت لوجه تمايلت تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا # وقول ابن أبي ربيعة أو جميل # فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # وعلى قراءة { ينزفون } بكسر الزاي مبنيا للفاعل، ففيه وجهان من ~~التفسير للعلماء أحدهما أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو ~~السكر. ونظيره قولهم أحصد الزرع إذا حان حصاده وأقطف العنب إذا حان ~~قطافه، وهذا القول معناه راجع إلى الأول. والثاني أنه من أنزف القوم إذا ~~فنيت خمورهم، ومنه قول الحطيئة # لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا لبئس الندامى أنتم آل ابجرا # وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة ~~والليث، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين ~~والقرويين، كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره. واستدلوا لطهارة عينها ~~بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر، ومال قمار وأنصاب وأزلام ~~ليست نجسة العين، وإن كانت محرمة الاستعمال. وأجيب من جهة الجمهور بأن ~~قوله { رجس } يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع، أو نص خرج ~~بذلك، وما لم يخرجه نص ولا إجماع، لزم الحكم بنجاسته، لأن خروج بعض ما ~~تناوله العام بمخصص من المخصصات، لا يسقط الاحتجاج به في الباقي، كما هو ~~مقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود # وهو حجة لدى الأكثر إن مخصص له معينا يبن # وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في ~~اللسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به، ويؤيده أن قوله ~~تعالى في المسكر { فاجتنبوه } يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع ~~معه بشيء من المسكر، وما معه في الآية بوجه من الوجوه، كما قاله القرطبي ~~وغيره. قال مقيده عفا الله عنه لا يخفى على منصف أن التضمخ بالطيب ~~المذكور والتلذذ بريحه واستطابته. واستحسانه مع أنه مسكر، والله يصرح في ~~كتابه بأن الخمر رجس فيه ما فيه، ms0448 فليس للمسلم أن يتطيب بما يسمع ربه ~~يقول فيه إنه { رجس } كما هو واضح، ويؤيده " أنه صلى الله عليه وسلم ~~أمر بإراقة الخمر " فلو كانت فيها منفعة أخرى لبينها، كما بين جواز ~~الانتفاع بجلود الميتة، ولما أراقها. واعلم أن ما استدل به سعيد بن ~~الحداد القروي على طهارة عين الخمر بأن الصحابة أراقوها في طرق المدينة، ~~ولو كانت نجسة، لما فعلوا ذلك ولنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق، لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، ~~بل يمكن التحرز منها، لأن المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر كثيرة ~~جدا بحيث تكون نهرا أو سيلا في الطرق يعمها كلها، وإنما أريقت ~~في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، قاله القرطبي، وهو ظاهر. ### || [5.95] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم }. هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها ~~مخالفتها أنهم إن حلوا من إحرامهم، جاز لهم قتل الصيد، وهذا المفهوم مصرح ~~به في قوله تعالى # وإذا حللتم فاصطادوا # المائدة 2، يعني إن شئتم كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة. ~~قوله تعالى { ومن قتله منكم متعمدا } الآية. ذهب جمهور ~~العلماء إلى أن معنى هذه الآية الكريمة { ومن قتله منكم ~~متعمدا } لقتله ذاكرا لإحرامه، وخالف مجاهد - رحمه الله - ~~الجمهور قائلا إن معنى الآية { ومن قتله منكم متعمدا } ~~لقتله في حال كونه ناسيا لإحرامه، واستدل لذلك بقوله تعالى { ~~ومن عاد فينتقم الله منه } ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء ~~الله تعالى. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ~~تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون فيها قرينة دالة على ~~عدم صحة ذلك القول. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن في الآية قرينة واضحة دالة ~~على عدم صحة قول مجاهد رحمه الله، وهي قوله تعالى { ليذوق وبال ~~أمره } ، فإنه يدل على أنه متعمدا أمرا لا يجوز، أما الناسي فهو ~~غير آثم إجماعا، فلا يناسب أن يقال فيه { ليذوق وبال ~~أمره } ، كما ms0449 ترى، والعلم عند الله تعالى. ### || [5.96] # قوله تعالى { أحل لكم صيد البحر } الآية. ظاهر عموم هذه ~~الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة، وهو كذلك، كما ~~بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله { وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما } المائدة 96، فإنه ~~يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم، كما هو ظاهر. مسائل تتعلق ~~بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم المسألة الأولى اجمع العلماء على منع ~~صيد البر للمحرم بحج أو عمرة. وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي ~~والغزال ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، لما ثبت ~~في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، # " أنه كان مع قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حلال ~~وهم محرمون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محرم أمامهم، ~~فأبصروا حمارا وحشيا وأبو قتادة مشغول يخصف نعله فلم يؤذنوه، ~~وأحبوا لو أنه أبصره فأبصره فأسرج فرسه. ثم ركب ونسي سوطه ورمحه فقال لهم ~~ناولوني السوط والرمح، فقالوا والله لا نعينك عليه، فغضب فنزل فأخذهما ~~فركب فشد على الحمار فعقره ثم جاء به، وقد مات فوقعوا فيه ~~يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فأدركوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فسألوه فقررهم على اكله، وناوله أبو قتادة عضد ~~الحمار الوحشي، فأكل منها صلى الله عليه وسلم " # ولمسلم # " هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء، قالوا لا، قال فكلوه ". # وللبخاري # " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها قالوا لا، قال فكلوا ~~ما بقى من لحمها " # وقد أجمع جميع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي ~~صاده، ولا لمحرم غيره، ولا لحلال غير محرم لأنه ميتة. واختلف العلماء في ~~أكل المحرم مما صاده حلال على ثلاثة أقوال، قيل لا يجوز له الأكل مطلقا، ~~وقيل يجوز مطلقا، وقيل بالتفصيل بين ما صاده لأجله، وما صاده لا لأجله ~~فيمنع الأول دون الثاني. ms0450 واحتج أهل القول الأول بحديث الصعب بن جثامة رضي ~~الله عنه # " أنه أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو ~~بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال إنا لم نرده عليك ~~إلا أنا حرم " # متفق عليه، ولأحمد ومسلم # " لحم حمار وحشي ". # واحتجوا أيضا بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي له عضو من لحم صيد فرده، وقال إنا ~~لا نأكله إنا حرم " # أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. # واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى { وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما } المائدة 96، ويروى هذا القول عن علي وابن عباس ~~وابن عمر، والليث والثوري وإسحاق وعائشة وغيرهم. واحتج من قال بجواز أكل ~~المحرم ما صاده الحلال مطلقا بعموم الأحاديث الواردة بجواز أكل المحرم ~~من صيد الحلال، كحديث طلحة بن عبيد الله عند مسلم، والإمام أحمد " أنه ~~كان في قوم محرمين فأهدي لهم طير، وطلحة راقد، فمنهم من أكل ومنهم من ~~تورع فلم يأكل فلما استيقظ طلحة رضي الله عنه وفق من أكله وقال " أكلناه ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وكحديث البهزي واسمه زيد بن كعب، ~~أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم في حمار وحشي عقير في بعض وادي الروحاء ~~وهو صاحبه " شأنكم بهذا الحمار، فأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه ~~في الرفاق وهم محرمون " ، أخرجه الإمامان مالك في موطئه وأحمد في مسنده، ~~والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، كما قاله ابن حجر، وممن قال بإباحته ~~مطلقا أبو حنيفة وأصحابه. قال مقيده، عفا الله عنه أظهر الأقوال وأقواها ~~دليلا، هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم، فلا يحل له، وبين ما ~~صاده الحلال، لا لأجل المحرم، فإنه يحل له. والدليل على هذا أمران الأول ~~أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء ~~أحدهما، ولا طريق للجمع إلا هذه الطريق. ومن عدل عنها لا بد أن يلغي ~~نصوصا صحيحة. ms0451 الثاني أن جابرا رضي الله عنه، روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم ما لم تصيدوه، أو يصد لكم " # ، رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن ~~حبان، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني. وقال الشافعي هذا أحسن حديث روي في ~~هذا الباب وأقيس، فإن قيل في إسناد هذا الحديث، عمرو بن أبي عمرو، مولى ~~المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مولاه المطلب، عن جابر، وعمرو مختلف فيه، ~~قال فيه النسائي ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك. وقال ~~الترمذي في مولاه المطلب أيضا لا يعرف له سماع من جابر، وقال فيه ~~الترمذي أيضا في موضع آخر قال محمد لا أعرف له سماعا من أحد من ~~الصحابة، إلا قوله حدثني من شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فالجواب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي رد هذا الحديث، لأن عمرا المذكور ~~ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روى عنه مالك بن أنس، وكل ذلك يدل ~~على أنه ثقة، وقال فيه ابن حجر في التقريب ثقة ربما وهم، وقال فيه النووي ~~في شرح المهذب أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت، لأن البخاري، ~~ومسلما رويا له في صحيحيهما، واحتجا به، وهما القدوة في هذا الباب. # وقد احتج به مالك، وروى عنه وهو القدوة، وقد عرف من عادته أنه لا يروي ~~في كتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه ليس به بأس، وقال ابو زرعة ~~هو ثقة، وقال أبو حاتم لا بأس به. وقال ابن عدي لا بأس به، لأن مالكا ~~روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، قلت وقد عرف أن الجرح لا يثبت ~~إلا مفسرا، ولم يفسره ابن معين، والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور، ~~وقول الترمذي إن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب، لا يعرف له سماع من ~~جابر، وقول البخاري للترمذي لا أعرف له سماعا من أحد من ms0452 الصحابة إلا ~~قوله حدثني من شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس في شيء من ذلك ~~ما يقتضي رد روايته، لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء ~~بالمعاصرة. ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع، كما أوضحه الإمام ~~مسلم بن الحجاج - رحمه الله تعالى - في مقدمة صحيحه، بما لا مزيد عليه مع ~~أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عنه الترمذي، أن المطلب مولى عمرو ~~بن أبي عمرو المذكور، صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك. وقال النووي في شرح ~~المهذب وأما إدراك المطلب لجابر. فقال ابن أبي حاتم، وروى عن جابر قال ~~ويشبه أن يكون أدركه، هذا هو كلام ابن أبي حاتم، فحصل شك في إدراكه، ~~ومذهب مسلم بن الحجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط ~~في اتصال الحديث اللقاء، بل يكتفي بإمكانه، والإمكان حاصل قطعا، ومذهب ~~علي بن المديني، والبخاري، والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم ~~الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلا لبعض كبار التابعين، وقد ~~سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة. أو ~~قول أكثر العلماء، أو غير ذلك مما سبق. وقد اعتضد هذا الحديث، فقال به من ~~الصحابة رضي الله عنهم، من سنذكره في فرع مذاهب العلماء اه، كلام ~~النووي، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات، على مذاهب ~~الأئمة الأربعة. لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت ~~احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله. قال مقيده عفا الله عنه نعم يشترط ~~في قبول رواية المدلس التصريح بالسماع والمطلب المذكور مدلس، لكن مشهور ~~مذهب مالك، وأبي حنيفة وأحمد - رحمهم الله تعالى - صحة الاحتجاج بالمرسل، ~~ولا سيما إذا اعتضد بغيره كما هنا، وقد علمت من كلام النووي موافقة ~~الشافعين. # واحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة ~~الحديث لمن ms0453 فوقها، إلا وهو جازم بالعدالة والثقة فيمن حذفه، حتى قال بعض ~~المالكية إن المرسل مقدم على المسند. لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا ~~وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف بخلاف المسند، فإنه يحيل الناظر ~~عليه، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة، وإلى هذا أشار في مراقي السعود ~~بقوله في مبحث المرسل # وهو حجة ولكن رجحا عليه مسند وعكس صححا # ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت ~~صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا ~~الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي، عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر، كما نقله ابن حجر في التلخيص وغيره وهو يقويه. ~~وإن كان عثمان المذكور ضعيفا لأن الضعيف يقوي المرسل، كما عرف في ~~علوم الحديث، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح، وأنه نص في محل النزاع، وهو ~~جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولا، فاتضح بهذا أن الأحاديث ~~الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من ~~أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده ~~من أجله، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين خلافا لمن قال ~~لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي ضيد من أجله. ويروى هذا عن ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم # " أو يصد لكم " # ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة، " هل منكم أحد أمره أن يحمل ~~عليها، أو أشار لها؟ قالوا لا، قال فكلوه " فمفهومه أن إشارة واحد منهم ~~تحرمه عليهم كلهم، ويدل له أيضا ما روه أبو داود عن علي " أنه دعي ~~وهو محرم إلى طعام عليه صيد فقال " أطعموه حلالا فإنا حرم " ، وهذا ~~مشهور مذهب مالك عند أصحابه مع اختلاف قوله في ذلك. المسألة الثانية لا ~~تجوز زكاة المحرم للصيد بأن يذبحه مثلا، فإن ذبحه فهو ميتة ms0454 لا يحل أكله ~~لأحد كائنا من كان إذ لا فرق بين قتله بالعقر وقتله بالذبح، لعموم قوله ~~تعالى # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # المائدة 95، وبهذا قال مالك وأصحابه كما نقله عنهم القرطبي وغيره، وبه ~~قال الحسن، والقاسم وسالم، والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في ~~أحد قوليه، وقال الحكم والثوري وأبو ثور لا بأس بأكله، قال ابن المنذر هو ~~بمنزلة ذبيحة السارق. # وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني يأكله الحلال، وهو أحد قولي ~~الشافعي، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. واحتج أهل هذا القول ~~بأن من اباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال، والظاهر هو ما تقدم ~~من أن ذبح المحرم لا يحل الصيد، ولا يعتبر ذكاة له، لأن قتل الصيد حرام ~~عليه، ولأن ذكاته لا تحل له هو أكله إجماعا، وإذا كان الذبح لا يفيد ~~الحل للذابح، فأولى وأحرى ألا يفيد لغيره، لأن الفرع تبع للأصل في ~~أحكامه، فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله، قاله القرطبي، وهو ظاهر. ~~المسالة الثالثة الحيوان البري ثلاثة أقسام قسم هو صيد إجماعا، وهو ما ~~كالغزال من كل وحشي حلال الأكل، فيمنع قتله للمحرم، وإن قتله فعليه ~~الجزاء. وقسم ليس بصيد إجماعا، ولا بأس بقتله، وقسم اختلف فيه. أما ~~القسم الذي لا بأس بقتله، وليس بصيد إجماعا فهو الغراب، والحدأة ~~والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. وأما القسم المختلف فيه فكالأسد، ~~والنمر، والفهد والذئب، وقد روى الشيخان في صحيحهما عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل، والحرم ~~الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور ". # وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح " # ثم عد الخمس المذكورة آنفا، ولا شك أن الحية أولى بالقتل من العقرب. ~~وقد أخرج مسلم عن ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~محرما بقتل حية بمنى " ، وعن ابن عمرو " سئل ms0455 ما يقتل الرجل من الدواب ~~وهو محرم؟ فقال " حدثتني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية " ~~رواه مسلم أيضا. والأحاديث في الباب كثيرة، والجاري على الأصول تقييد ~~الغراب بالأبقع، وهو الذي فيه بياض، لما روى مسلم من حديث عائشة في عد ~~الفواسق الخمس المذكورة، والغراب الأبقع. و المقرر في الأصول حمل المطلق ~~على المقيد، وما أجاب به بعض العلماء من أن روايات الغراب بالإطلاق متفق ~~عليها، فهي أصح من رواية القيد بالأبقع لا ينهض، إذ لا تعارض بين مقيد ~~ومطلق، لأن القيد بيان للمراد من المطلق. ولا عبرة بقول عطاء، ومجاهد، ~~بمنع قتل الغراب للمحرم، لأنه خلاف النص الصريح الصحيح، وقول عامة أهل ~~العلم، ولا عبرة أيضا بقول إبراهيم النخعي أن في قتل الفأرة جزاء ~~لمخالفته أيضا للنص، وقول عامة العلماء، كما لا عبرة أيضا بقول الحكم، ~~وحماد، " لا يقتل المحرم العقرب، ولا الحية " ولا شك أن السباع العادية ~~كالأسد، والنمر، والفهد، أولى بالقتل من الكلب، لنها أقوى منه عقرا، ~~وأشد منه فتكا. # واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالكلب العقور، فروى سعيد بن منصور ~~عن أبي هريرة بإسناد حسن، أنه الأسد، قاله ابن حجر، وعن زيد بن أسلم أنه ~~قال وأي كلب أعقر من الحية. وقال زفر المراد به هنا الذئب خاصة، وقال ~~مالك في الموطأ كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، ~~والنمر، والفهد، والذئب، فهو عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول ~~الجمهور. وقال أبو حنيفة المراد بالكلب هنا هو الكلب المتعارف خاصة. ولا ~~يحلق به في هذا الحكم سوى الذئب، واحتج الجمهور بقوله تعالى # وما علمتم من الجوارح مكلبين # المائدة 4 فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله صلى الله عليه وسلم، في ولد أبي ~~لهب # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فقتله الأسد " # رواه الحاكم وغيره بإسناد حسن. قال مقيده عفا الله عنه التحقيق أن ~~السباع العادية ليست من الصيد، فيجوز قتلها ms0456 للمحرم، وغيره في الحرم ~~وغيره. ملا تقرر في الأصول من أن العلة تعمم معلولها، لأن قوله " العقور ~~" علة لقتل الكلب فيعلم منه أن كل حيوان طبعه العقر كذلك. ولذا لم يختلف ~~العلماء في أن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة المتفق عليه # " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " # أن هذه العلة التي هي في ظاهر الحديث الغضب تعمم معلولها فيمتنع الحكم ~~للقاضي بكل مشوش للفكر، مانع من استيفاء النظر في المسائل كائنا ما كان ~~غضبا أو غيره كجوع وعطش مفرطين، وحزن وسرور مفرطين، وحقن وحقب مفرطين، ~~ونحو ذلك، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله في مبحث العلة # وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تخرم # ويدل لهذا ما اخرجه أبو داود، والترمذي، و ابن ماجه، والإمام أحمد من ~~حديث أبي سعيد الخدري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل المحرم فقال الحية، ~~والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، واكللب العقور والحدأة ~~والسبع العادي " # وهذا الحديث حسنه الترمذي. وضعف ابن كثير رواية يزيد بن أبي زياد، وقال ~~فيه ابن حجر في التلخيص فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وفيه لفظة منكرة ~~وهي قوله " ويرمي الغراب ولا يقتله " ، وقال النووي في شرح المهذب إن صح ~~هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتل الغراب كتأكيد قتل ~~الحية وغيرها. قال مقيده عفا الله عنه تضعيف هذا الحديث، ومنع الاحتجاج ~~به متعقب من وجهين الأول أنه على شرط مسلم، لأن يزيد بن أبي زياد من ~~رجال صحيحه وأخرج له البخاري تعليقا، ومنع الاحتجاج بحديث على شرط مسلم ~~لا يخلو من نظر، وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه. # أن من أخرج حديثهم في غير الشواهد والمتابعات أقل أحوالهم قبول الرواية ~~فيزيد بن أبي زياد عند مسلم مقبول الرواية، وإليه الإشارة بقول العراقي ~~في ألفيته # فاحتاج أن ينزل في الإسناد إلى يزيد بن أبي زياد # الوجه الثاني أنا لو فرضنا ضعف هذا الحديث فإنه يقويه ms0457 ما ثبت من ~~الأحاديث المتفق عليها من جواز قتل الكلب العقور في الإحرام وفي الحرم ~~والسبع العادي، إما أن يدخل في المراد به، أو يلحق به إلحاقا صحيحا لا ~~مراء فيه، وما ذكره الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - من أن الكلب العقور ~~يلحق به الذئب فقط، لأنه أشبه به من غيره لا يظهر، لأنه لا شك في أن فتك ~~الأسد والنمر مثلا أشد من عقر الكلب والذئب، وليس من الواضح أن يباح قتل ~~ضعيف الضرر، ويمنع قتل قويه، لأن فيه علة الحكم وزيادة، وهذا النوع من ~~الإلحاق من دلالة اللفظ عند أكثر أهل الأصول، لا من القياس، خلافا ~~للشافعي وقوم، كما قدمنا في سورة النساء. وقال القرطبي في تفسير هذه ~~الآية ما نصه قلت العجب من أبي حنيفة - رحمه الله - يحمل التراب على البر ~~بعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق، والعقر، كما ~~فعل مالك، والشافعي، رحمهما الله. واعلم أن الصيد عند الشافعي هو مأكول ~~اللحم فقط. فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه والصغار منه، والكبار ~~عنده سواء، إلا المتولد من بين مأكول اللحم، وغير مأكوله، فلا يجوز ~~اصطياده عنده، وإن كان يحرم أكله، كالسمع وهو المتولد من بين الذئب، ~~والضبع، وقال ليس في الرخمة والخنافس، والقردان والحلم، وما لا يؤكل لحمه ~~شيء. لأن هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى { وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما } المائدة 96، فدل أن الصيد الذي حرم ~~عليهم، هو ما كان حلالا لهم قبل الإحرام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد. أما ~~مالك - رحمه الله - فذهب إلى أن كل ما لا يعدو من السباع، كالهر والثعلب، ~~والضبع، وما أشبهها، لا يجوز قتله. فإن قتله فداه، قال وصغار الذئاب لا ~~أرى أن يقتلها المحرم، فإن قتلها فداها، وهي مثل فراخ الغربان. قال مقيده ~~عفا الله عنه أما الضبع فليست مثل ما ذكر معها لورود النص فيها، دون ~~غيرها. بأنها صيد يلزم فيه الجزاء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولم ms0458 يجز ~~مالك للمحرم قتل الزنبور، وكذلك النمل والذباب والبراغيث، وقال إن قتلها ~~محرم يطعم شيئا، وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور، وبعض ~~العلماء شبههه بالعقرب، وبعضهم يقول إذا ابتدأ بالأذى جاز قتله، وإلا ~~فلا، وأقيسها ما ثبت عن عمر بن الخطاب. # لأنه مما طبيعته أن يؤذي. وقد قدمنا عن الشافعي، وأحمد، وغيرهم، أنه لا ~~شيء في غير الصيد المأكول، وهو ظاهر القرآن العظيم. المسألة الرابعة ~~أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصيد المحرم عليه، فعليه جزاؤه، ~~كما هو صريح قوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره # المائدة 95. اعلم أولا أن المراد بقوله # ومن قتله منكم متعمدا # المائدة 95 أنه متعمد قتله، ذاكر إحرامه، كما هو صريح الآية. وقول عامة ~~العلماء. وما فسره به مجاهد، من أن المراد أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه، ~~مستدلا بقوله تعالى بعده # ومن عاد فينتقم الله منه # المائدة 95 قال لو كان ذاكرا لإحرامه، لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. ~~وقال إن كان ذاكرا لإحرامه، فقد بطل حجه لارتكابه محظور الإحرام غير ~~صحيح، ولا ظاهر لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل. ولأن قوله تعالى # ليذوق وبال أمره # المائدة 95، يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور، والناسي للإحرام غير ~~متعمد محظورا. إذا علمت ذلك، فاعلم أن قاتل الصيد متعمدا، عالما ~~بإحرامه، عليه الجزاء المذكور، في الآية، بنص القرآن العظيم، وهو قول ~~عامة العلماء. خلافا لمجاهد، ولم يذكر الله تعالى، في هذه لآية الكريمة ~~حكم الناسي، والمخطئ. والفرق بينهما أن الناسي هو من يقصد قتل الصيد ~~ناسيا إحرامه، والمخطئ هو من يرمي غير الصيد، كما لو رمى غرضا فيقتل ~~الصيد من غير قصد لقتله. ولا خلاف بين العلماء أنهما لا أثم عليهما، ~~لقوله تعالى # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به # الأحزاب 5 الآية. ولما قدمنا في صحيح مسلم " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قرأ # ربنا ms0459 لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # البقرة 286 أن الله قال قد فعلت ". أما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه ~~العلماء. فذهب جماعة من العلماء منهم المالكية، والحنفية، والشافعية، إلى ~~وجوب الجزاء، في الخطأ، والنسيان، لدلالة الأدلة. على أن غرم المتلفات لا ~~فرق فيه بين العامد، وبين غيره، وقالوا لا مفهوم مخالفة لقوله متعمدا ~~لأنه جري على الغالب، إذ الغالب ألا يقتل المحرم الصيد إلا عامدا، ~~وجرى النص على الغالب من موانع اعتبار دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته، ~~وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في موانع اعتبار مفهوم المخالفة # أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب # ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى # اللاتي في حجوركم # النساء 23 لجريه على الغالب، وقال بعض من قال بهذا القول، كالزهري وجب ~~الجزاء في العمد بالقرآن العظيم، وفي الخطأ والنسيان بالسنة، قال ابن ~~العربي إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس، و عمر ~~فنعما هي، وما أحسنها إسوة. # واحتج أهل هذا القول. بأنه صلى الله عليه وسلم " سئل عن الضبع فقال # " هي صيد " # ، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ، فدل على ~~العموم، وقال ابن بكير من علماء المالكية قوله سبحانه { متعمدا } ~~لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وذكر التعمد لبيان أن الصيد ليس كابن آدم ~~الذي ليس في قتله عمدا كفارة. وقال القرطبي في تفسيره إن هذا القول ~~بوجوب " الجزاء على المخطئ، والناسي والعامد " ، قاله ابن عباس، وروي عن ~~عمر، وطاوس، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي، وابو ~~حنيفة، وأصحابهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الناسي، والمخطئ لا جزاء ~~عليهما، وبه قال القرطبي، وأحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين، وسعيد بن ~~جبير، وأبو ثور، وهو مذهب داود، وروي أيضا عن ابن عباس، وطاوس، كما نقله ~~عنهم القرطبي. واحتج أهل هذا القول بأمرين الأول مفهوم قوله تعالى # ومن قتله منكم متعمدا # المائدة 95 الآية، فإنه يدل على أن ms0460 غير المتعمد ليس كذلك. الثاني أن ~~الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها، فعليه الدليل. قال مقيده عفا الله ~~عنه هذا القول قوي جدا من جهة النظر، والدليل. المسالة الخامسة إذا صاد ~~المحرم الصيد، فاكل منه، فعليه جزاء واحد لقتله، وليس في أكله إلا ~~التوبة والاستغفار، وهذا قول جمهور العلماء، وهو ظاهر الآية خلافا لأبي ~~حنيفة القائل بأن عليه أيضا جزاء ما أكل يعني قيمته، قال القرطبي وخالفه ~~صاحباه في ذلك، ويروى مثل قول أبي حنيفة عن عطاء. المسألة السادسة إذا ~~قتل المحرم الصيد مرة بعد مرة، حكم عليه بالجزاء في كل مرة، في قول ~~جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر قوله ~~تعالى # ومن قتله منكم متعمدا # المائدة 95 الآية، لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء، وقال بعض ~~العلماء لا يحكم عليه بالجزاء إلا مرة واحدة، " فإن عاد لقتله مرة ثانية ~~لم يحكم عليه، وقيل له ينتقم الله منك " ، لقوله تعالى # ومن عاد فينتقم الله منه # المائدة 95 الآية. ويروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وإبراهيم، ومجاهد، وشريح، كما نقله عنهم القرطبي، وروي عن ابن عباس أيضا ~~أنه يضرب حتى يموت. المسالة السابعة إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله، ~~فهل يجب على المحرم جزاء لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو ~~لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أن المحرم ~~الدال يلزمه جزاؤه كاملا، ويروى نحو ذلك عن علي، وابن عباس، وعطاء، ~~ومجاهد وبكر المزني، وإسحاق، ويدل لهذا القول سؤال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أصحابه، " هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي "؟ ~~فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل. # ويفهم من ذلك لزوم الجزاء، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يمكن ~~تضمين المباشر، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصيد. لأنه حلال، والدال ~~متسبب، وهذا القول هو الأظهر، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة، ~~ومنهم من ms0461 اشترط خفاء الصيد بحيث لا يراه دون الدلالة، كأبي حنيفة، وقال ~~الإمام الشافعي وأصحابه، لا شيء على الدال. وروي عن مالك نحوه، قالوا لأن ~~الصيد يضمن بقتله، وهو لم يقتله وإذا علم المحرم أن الحلال صاده من ~~أجله فأكل منه، فعليه الجزاء كاملا عند مالك، كما صرح بذلك في موطئه، ~~وأما إذا دل المحرم محرما آخر على الصيد فقتله، فقال بعض العلماء ~~عليهما جزاء واحد بينهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، وحماد بن ~~أبي سليمان كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وقال بعض العلماء على كل ~~واحد منهما جزاء كامل، وبه قال الشعبي، وسعيد بن جبير، والحارث العكلي، ~~وأصحاب الراي، كما نقله عنهم أيضا صاحب المغني. وقال بعض العلماء الجزاء ~~كله على المحرم المباشر، وليس على المحرم الدال شيء، وهذا قول الشافعي، ~~ومالك، وهو الجاري على قاعدة تقديم المباشر على المتسبب في الضمان، ~~والمباشر هنا يمكن تضمينه لأنه محرم، وهذا هو الأظهر، وعليه فعلى الدال ~~الاستغفار والتوبة، وبهذا تعرف حكم ما لو دل محرم محرما، ثم دل هذا ~~الثاني محرما ثالثا، وهكذا، فقتله الأخير، إذ لا يخفى من الكلام ~~المتقدم أنهم على القول الأول شركاء في جزاء واحد. وعلى الثاني على كل ~~واحد منهم جزاء، وعلى الثالث لا شيء إلا على من باشر القتل. المسالة ~~الثامنة إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم، كما إذا ~~حذفوه بالحجارة والعصي حتى مات، فقال مالك وأبو حنيفة على كل واحد منهم ~~جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحدا، فإنهم يقتلون به جميعا، لأن كل ~~واحد قاتل. وكذلك هنا كل واحد قاتل صيدا فعليه جزاء. وقال الشافعي ومن ~~وافقه عليهم كلهم جزاء واحد، لقضاء عمر وعبد الرحمن، قاله القرطبي، ثم ~~قال أيضا وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا فمرت بهم ضبع ~~فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له ذلك، ~~فقال عليكم كلكم كبش، قالوا أو على كل واحد منا كبش، قال " إنكم لمعزز ms0462 ~~بكم عليكم كلكم كبش ". قال اللغويون لمعزز بكم أي لمشدد عليكم. وروي عن ~~ابن عباس في قوم أصابوا ضبعا فقال " عليهم كبش يتخارجونه بينهم " ~~ودليلنا قول الله سبحانه # ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم # المائدة 95. وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصيد قاتل ~~نفسا على التمام والكمال بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب ~~عليهم القصاص. وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم فثبت ما قلناه. وقال ~~ابو حنيفة إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وهم محلون، فعليهم جزاء واحد، ~~بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل أو الحرم، فإن ذلك لا يختلف. وقال ~~مالك على كل واحد منهم جزاء كامل. بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله ~~الحرم، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه ~~صفة تعلق بها نهي فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره ~~القاضي أبو زيد الدبوسي، قال السر فيه أن الجناية في الإحرام على ~~العبادة. وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحلون صيدا ~~في الحرم فإنما أتلفوا دابة محترمة، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة فإن كل ~~واحد منهم قاتل دابة. ويشتركون في القيمة، قال ابن العربي وأبو حنيفة ~~أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا، اه ~~من القرطبي. المسألة التاسعة اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين قسم له مثل ~~من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير. وجمهور ~~العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف الإمام أبو ~~حنيفة - رحمه الله تعالى - الجمهور، فقال إن المماثلة معنوية، وهي ~~القيمة، أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن ~~كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو ~~يشتري بها طعاما، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من ~~شعير، أو صاعا من تمر. واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - بأنه ms0463 لو كان الشبه ~~من طريق الخلقة والصورة معتبرا في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، وفي ~~الظبي شاة، لما أوقفه على عدلين يحكمان به، لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى ~~الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه، ~~ويختلف فيه وجه النظر. ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم ~~المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم # المائدة 95 الآية، فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون ~~المعنوي، ثم قال { من النعم } فصرح ببيان جنس المثل، ثم قال # يحكم به ذوا عدل منكم # المائدة 95 وضمير { به } راجع إلى المثل من النعم، لأنه لم يتقدم ذكر ~~لسواه حتى يرجع إليه الضمير. ثم قال # هديا بالغ الكعبة # المائدة 95 والذي يتصور أن يكون هديا مثل المقتول من النعم، فأما ~~القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، وادعاء أن ~~المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، فاتضح أن المراد مثل من ~~النعم، وقوله لو كان الشبه الخلقي معتبرا لما أوقفه على عدلين؟ أجيب عنه ~~بأن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من كبر وصغر، وما لا ~~جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص، قاله ~~القرطبي. # قال مقيده عفا الله عنه المراد ب المثلية في الآية التقريب، وإذا فنوع ~~المماثلة قد يكون خفيا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة، ~~ككون الشاة مثلا للحمامة لمشابهتها لها في عب الماء والهدير. وإذا عرفت ~~التحقيق في الجزاء بالمثل من النعم، فاعلم أن قاتل الصيد مخير بينه، ~~وبين الإطعام، والصيام، كما هو صريح الآية الكريمة، لأن " أو " حرف ~~تخيير، وقد قال تعالى # أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما # المائدة 95، وعليه جمهور العلماء. فإن اختار جزاء بالمثل من النعم، وجب ~~ذبحه في الحرم خاصة، لأنه حق لمساكين الحرم، ولا يجزئ في غيره كما نص ~~عليه تعالى بقوله ms0464 { هديا بالغ الكعبة } المائدة 95 والمراد ~~الحرم كله، كقوله # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # الحج 33 مع أن المنحر الأكبر مني، وإن اختار الطعام، فقال مالك أحسن ما ~~سمعت فيه، أنه يقوم الصيد بالطعام، فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان ~~كل مد يوما. وقال ابن القاسم عنه إن قوم الصيد بالدراهم، ثم ~~قوم الدراهم بالطعام، أجزأه. والصواب الأول. فإن بقي أقل من مد تصدق ~~به عند بعض العلماء، وتممه مدا كاملا عند بعض آخر، أما إذا صام، فإنه ~~يكمل اليوم المنكسر بلا خلاف. وقال الشافعي إذا اختار الإطعام، أو ~~الصيام، فلا يقوم الصيد الذي له مثل، وإنما يقوم مثله من النعم ~~بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم عن كل ~~مد يوما، ويتمم المنكسر. والتحقيق أن الخيار لقاتل الصيد الذي هو دافع ~~الجزاء. وقال بعض العلماء الخيار للعدلين الحكمين، وقال بعضهم ينبغي ~~للمحكمين إذا حكما بالمثل أن يخيرا قاتل الصيد بين الثلاثة المذكورة. ~~وقال بعض العلماء إذا حكما بالمثل لزمه، والقرآن صريح في أنه لا يلزمه ~~المثل من النعم، إلا إذا اختاره على الإطعام والصوم، للتخيير المنصوص ~~عليه بحرف التخيير في الآية. وقال بعض العلماء هي على الترتيب، فالواجب ~~الهدي، فإن لم يجد فالإطعام، فإن لم يجد فالصوم، ويروى هذا عن ابن ~~عباس، والنخعي وغيرهما، ولا يخفى أن في هذا مخالفة لظهر القرآن، بلا ~~دليل. وقال أبو حنيفة يصوم عن كل مدين يوما واحدا اعتبارا بفدية ~~الأذى، قاله القرطبي. واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة، أنه يصوم عدل ~~الطعام المذكور، ولو زاد الصيام عن شهرين، أو ثلاثة. # وقال بعض العلماء لا يتجاوز صيام الجزاء شهرين. لأنهما أعلى الكفارات، ~~واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الآية يخالفه. وقال ~~يحيى بن عمر من المالكية إنما يقال كم رجلا يشبع من هذا الصيد، فيعرف ~~العدد، ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا العدد؟ فإن شاء أخرج ذلك الطعام، ~~وإن شاء صام عدد أمداده، قال القرطبي ms0465 وهذا قول حسن احتاط فيه. لأنه قد ~~تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام. واعلم أن ~~الأنواع الثلاثة واحد منها يشترط له الحرم إجماعا، وهو الهدي كما تقدم، ~~وواحد لا يشترط له الحرم إجماعا، وهو الصوم، وواحد اختلف فيه، وهو ~~الإطعام. فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يطعم إلا في الحرم، وذهب بعضهم إلى ~~أنه يطعم في موضع إصابة الصيد، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم حيث شاء. ~~وأظهرها أنه حق لمساكين الحرم. لأنه بدل عن الهدي، أو نظير له، وهو حق ~~لهم إجماعا، كما صرح به تعالى بقوله # هديا بالغ الكعبة # المائدة 95، وأما الصوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق، ~~فله فعلها في أي موضع شاء. وأما إن كان الصيد لا مثل له من النعم ~~كالعصافير. فإنه يقوم، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام، فيخرجه لكل مسكين ~~مد، أو يصوم عن كل مد يوما. فنحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ~~ثلاثة أشياء هي الهدي، بمثله، والإطعام، والصيام. وأن ما لا مثل له يخير ~~فيه بين شيئين فقط وهما الإطعام، والصيام على ما ذكرنا. واعلم أن المثل ~~من النعم له ثلاث حالات الأولى أن يكون تقدم فيه حكم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم. الثانية أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو ~~التابعين مثلا. الثالثة ألا يكون تقدم فيه حكم منه صلى الله عليه وسلم، ~~ولا منهم رضي الله عنهم. فالذي حكم صلى الله عليه وسلم فيه لا يجوز لأحد ~~الحكم فيه بغير ذلك، وذلك كالضبع، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى فيها ~~بكبش، قال ابن حجر في التلخيص ما نصه حديث " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى في الضبع بكبش " أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان وأحمد، والحاكم ~~في المستدرك من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار # " عن جابر بلفظ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال " هو ~~صيد، ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم " # ، ولفظ الحاكم ms0466 " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه ~~المحرم كبشا " ، وجعله من الصيد وهو عند ابن ماجه إلا أنه لم يقل ~~نجديا، قال الترمذي سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق وقد أعل ~~بالوقف. # وقال البيهقي هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه البيهقي من طريق الأجلح ~~عن أبي الزبير عن جابر عن عمر قال " لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في ~~الضبع بكبش ". الحديث، ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير به موقوفا، ~~وصحح وقفه في هذا الباب الدارقطني، ورواه الدارقطني والحاكم من طريق ~~إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل " # وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، والبيهقي من طريق عمرو بن أبي ~~عمرو عن عكرمة عنه، وقد أعل بالإرسال. ورواه الشافعي من طريق ابن جريج عن ~~عكرمة مرسلا وقال لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار ~~المتقدم، وقال البيهقي وروي عن ابن عباس موقوفا أيضا. قال مقيده عفا ~~الله عنه قضاؤه صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح ~~البخاري وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت ~~صحيحا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى. كما هو ~~الصحيح عند المحدثين لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة ~~كما هو معروف، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ.. إلخ # وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو ممن بعدهم. فقال بعض ~~العلماء يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد، لأن الله ~~قال # يحكم به ذوا عدل منكم # المائدة 95، وقد حكما بأن هذا مثل لهذا. وقال بعض العلماء لا بد من حكم ~~عدلين من جديد، وممن قال به مالك، قال القرطبي ولو اجتزأ بحكم الصحابة ~~رضي الله عنهم لكان حسنا. وروي عن ms0467 مالك أيضا أنه يستأنف الحكم في كل ~~صيد ما عدا حمام مكة، وحمار الوحش، والظبي، والنعامة، فيكتفي فيها بحكم ~~من مضى من السلف، وقد روي عن عمر " أنه حكم هو وعبد الرحمن بن عوف في ظبي ~~بعنز " أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما. وروي عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد ~~رضي الله عنهما " أنهما حكما في الظبي بتيس أعفر " ، وعن ابن عباس وعمر، ~~وعثمان وعلي، وزيد بن ثابت ومعاوية، وابن مسعود وغيرهم، " أنهم قالوا في ~~النعامة بدنة " ، أخرجه البيهقي وغيره. وعن ابن عباس وغيره " أن في حمار ~~الوحش والبقرة بقرة، وأن في الأيل، بقرة ". وعن جابر " أن عمر قضى في ~~الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة " ، ~~أخرجه مالك والبيهقي، وروى الأجلح بن عبد الله هذا الأثر عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح موقوف على عمر كما ذكره البيهقي ~~وغيره، وقال البيهقي وكذلك رواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر ~~عن عمر من قوله، وعن ابن عباس " أنه قضى في الأرنب بعناق، وقال هي تمشي ~~على اربع، والعناق كذلك، وهي تأكل الشجر، والعناق كذلك وهي تجتر، والعناق ~~كذلك " رواه البيهقي. # وعن ابن مسعود " أنه قضى في اليربوع بحفر أو جفرة " رواه البيهقي أيضا، ~~وقال البيهقي قال ابو عبيد قال أبو زيد الجفر من أولاد المعز ما بلغ ~~أربعة أشهر وفصل عن أمه، وعن شريح أنه قال لو كان معي حكم حكمت في الثعلب ~~بجدي، وروي عن عطاء أنه قال في الثعلب شاة، وروي عن عمر وأربد رضي الله ~~عنهما " أنهما حكما في ضب قتله أربد المذكور بجدي قد جمع الماء والشجر " ~~رواه البيهقي وغيره. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه " أنه حكم في أم ~~حبين بجلان من الغنم " ، والجلان الجدي، رواه البيهقي وغيره. تنبيه أقل ~~ما يكون جزاء من النعم عند مالك شاة تجزئ ضحية، فلا جزاء عنده بجفرة ولا ~~عناق، مستدلا بأن جزاء الصيد كالدية لا فرق فيها بين الصغير ms0468 والكبير، ~~وبأن الله قال # هديا بالغ الكعبة # المائدة 95 فلا بد أن يكون الجزاء يصح هديا، ففي الضب واليربوع عنده ~~قيمتها طعاما. قال مقيده عفا الله عنه قول الجمهور في جزاء الصغير ~~بالصغير، والكبير بالكبير، هو الظاهر، وهو ظاهر قوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم # المائدة 95 قال ابن العربي وهذا صحيح، وهو اختيار علمائنا يعني مذهب ~~الجمهور الذي هو اعتبار الصغر والكبر والمرض ونحو ذلك كسائر المتلفات. ~~المسألة العاشرة إذا كان ما أتلفه المحرم بيضا، فقال مالك في بيض ~~النعامة عشر ثمن البدنة، وفي بيض الحمامة المكية عشر ثمن شاة، قال ابن ~~القاسم وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر، فإن ~~استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء الكبير من ذلك الطير، قال ابن الموار ~~بحكومة عدلين وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر قيمته. قال مقيده عفا ~~الله عنه وهو الأظهر، قال القرطبي روى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة # " أن النبي صلى الله عليه سلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه " # أخرجه الدارقطني، وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " في بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين " # ، قاله القرطبي، وإن قتل المحرم فيلا فقيل فيه بدنة من الهجان العظام ~~التي لها سنامان، وإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما، ~~فيكون عليه ذلك. # قال القرطبي والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب وينظر إلى منتهى ما ينزل ~~المركب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام إلى الحد الذي نزل ~~فيه والفيل فيه، وهذا عدله من الطعام وأما إن نظر إلى قيمته فهو يكون له ~~ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه، فيكثر الطعام وذلك ضرر اه. قال مقيده عفا ~~الله عنه هذا الذي ذكره القرطبي في اعتبار مثل الفيل طعاما فيه أمران ~~الأول أنه لا يقدر عليه غالبا، لأن نقل الفيل إلى الماء، وتحصيل المركب ~~ورفع الفيل فيه، ونزعه ms0469 منه، لا يقدر عليه آحاد الناس غالبا، ولا ينبغي ~~التكليف العام إلا بما هو مقدور غالبا لكل أحد. والثاني أن كثرة القيمة ~~لا تعد ضررا، لأنه لم يجعل عليه إلا قيمة ما أتلف في الإحرام، ومن أتلف ~~في الإحرام حيوانا عظيما لزمه جزاء عظيم، ولا ضرر عليه، لأن عظم الجزاء ~~تابع لعظم الجناية كما هو ظاهر. المسالة الحادية عشرة أجمع العلماء على ~~أن صيد الحرم المكي ممنوع، وأن قطع شجره، ونباته حرام، إلا الإذخر لقوله ~~صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة # " إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكة، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا ~~تلتقط لقطته، إلا لمعرف " # فقال العباس إلا الإذخر، فإنه لا بد لهم منه، فإنه للقيون والبيوت، فقال # " إلا الإذخر " # ، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وعن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال # " لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد " # ، فقال العباس إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إلا الإذخر " # متفق عليه أيضا. وفي لفظ " لا يعضد شجرها " ، بدل قوله " لا يختلى ~~شوكها " ، والأحاديث في الباب كثيرة. واعلم أن شجر الحرم ونباته طرفان، ~~وواسطة طرف لا يجوز قطعه إجماعا، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير ~~تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعا، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، ~~والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير ~~المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه. وقال ~~قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة، وقال بعض ~~العلماء إن نبت أولا في الحل، ثم نزع فغرس في الحرم جاز قطعه، وإن نبت ~~أولا في الحرم، فلا يجوز قطعه، ويحرم قطع الشوك والعوسج، قال ابن قدامة ~~في المغني، وقال القاضي، وأبو الخطاب لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، ~~وعمرو بن دينار، والشافعي، لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان. ms0470 # قال مقيده عفا الله عنه قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين ~~الأول أن السباع تتعرض لأذى الناس، وتقصده بخلاف الشوك. الثاني أنه مخالف ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # " لا يعضد شوكه " # ، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار. قال في مراقي السعود # والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى # وفساد الاعتبار قادح مبطل للدليل، كما تقرر في الأصول، واختلف في قطع ~~اليابس من الشجر، والحشيش، فأجازه بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد. ~~لأنه كالصيد الميت لا شيء على من قده نصفين، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " ولا يختلى خلاه " # لأن الخلا هو الرطب من النبات، فيفهم منه أنه لا بأس بقطع اليابس. وقال ~~بعض العلماء لا يجوز قطع اليابس منه، واستدلوا له بأن استثناء الإذخر ~~إشارة إلى تحريم اليابس، وبأن في بعض طرق حديث أبي هريرة ولا يحتش ~~حشيشها، والحشيش في اللغة اليابس من الشعب، ولا شك أن تركه أحوط. واختلف ~~أيضا في جواز ترك البهائم ترعى فيه، فمنعه أبو حنيفة، وروي نحوه عن ~~مالك، وفيه عن أحمد روايتان، ومذهب الشافعي جوازه، واحتج من منعه بأن ما ~~حرم اتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، واحتج من أجازه بأمرين ~~الأول حديث ابن عباس قال " أقبلت راكبا على أتان، فوجدت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فدخلت في الصف وأرسلت ~~الأتان ترتع " متفق عليه، ومنى من الحرم. الثاني أن الهدي كان يدخل ~~الحرم بكثرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن أصحابه، ولم ينقل ~~عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم. وهذا القول أظهر، ~~والله تعالى أعلم. وممن قال به عطاء، واختلف في أخذ الورق، والمساويك من ~~شجر الحرم إذا كان أخذ الورق بغير ضرب يضر بالشجرة، فمنعه بعض العلماء ~~لعموم الأدلة، وأجازه الشافعي، لأنه لا ضرر فيه على الشجرة، وروي عن ~~عطاء، وعمرو بن دينار، أنهما رخصا في ورق السنا للاستمشاء بدون ms0471 نزع أصله، ~~والأحوط ترك ذلك كله، والظاهر أن من أجازه استدل لذلك بقياسه على الإذخر ~~بجامع الحاجة. وقال ابن قدامة في المغني ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من ~~الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا ما سقط من الورق، نص عليه ~~أحمد، ولا نعلم فيه خلافا، لأن الخبر إنما ورد في القطع، وهذا لم يقطع ~~فأما إن قطعه آدمي، فقال أحمد لم أسمع إذا قطع أنه ينتفع به، وقال في ~~الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وذلك لأنه ممنوع من اتلافه ~~لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به، كالصيد يذبحه ~~المحرم. # ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به، لأنه انقطع بغير فعله، فأبيح ~~له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه، لأن ~~الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا تحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا اه. وقال ~~في المغني أيضا ويباح أخذ الكمأة من الحرم، وكذلك الفقع، لأنه لا أصل ~~له، فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق، ~~وما سقط من الشجر، وما أنبت الناس. واختلف في عشب الحرم المكي، هل يجوز ~~أخذه لعلف البهائم؟ والأصح المنع لعموم الأدلة. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن ~~الحلال إذا قتل صيدا في الحرم المكي. فجمهور العلماء منهم الأئمة ~~الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أن عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم ~~المتقدم، إلا أن أبا حنيفة قال ليس فيه الصوم، لأنه إتلاف محض من غير ~~محرم. وخالف في ذلك داود بن علي الظاهري، محتجا بأن الأصل براءة الذمة ~~ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبق على الأصل الذي هو براءة الذمة وقوله ~~هذا قوي جدا. واحتج الجمهور " بأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في حمام ~~الحرم المكي بشاة شاة " ، روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، ~~ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعا سكوتيا، واستدلوا أيضا بقياسه ~~على صيد المحرم، بجامع أن الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى، وهذا ms0472 الذي ~~ذكرنا عن جمهور العلماء من أن كل ما يضمنه المحرم يضمنه من في الحرم ~~يستثنى منه شيئان الأول منهما القمل، فإنه مختلف في قتله في الإحرام، وهو ~~مباح في الحرم بلا خلاف. والثاني الصيد المائي مباح في الإحرام بلا خلاف، ~~واختلف في اصطياده من آبار الحرم وعيونه، وكرهه جابر بن عبد الله، لعموم ~~قوله عليه الصلاة والسلام # " لا ينفر صيدها " # فثبتت حرمة الصيد لحرمة المكان، وظاهر النص شمول كل صيد، ولأنه صيد غير ~~مؤذ فأشبه الظباء، وأجازه بعض العلماء محتجا بأن الإحرام لم يحرمه، ~~فكذلك الحرم، وعن الإمام أحمد روايتان في ذلك بالمنع والجواز. وكذلك ~~اختلف العلماء أيضا في شجر الحرم المكي وخلاه، هل يجب على من قطعهما ~~ضمان؟ فقالت جماعة من أهل العلم، منهم مالك، وأبو ثور، وداود لا ضمان في ~~شجره ونباته، وقال ابن المنذر لا أجد دليلا أوجب به في شجر الحرم فرضا ~~من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك نستغفر الله تعالى. ~~والذين قالوا بضمانه، منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة ~~قال يضمن كله بالقيمة، وقال الشافعي، وأحمد يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، ~~والصغيرة بشاة، والخلا بقيمته والغصن بما نقص، فإن نبت ما قطع منه، فقال ~~بعضهم يسقط الضمان، وقال بعضهم بعدم سقوطه. # واستدل من قال في الدوحة بقرة، وفي الشجرة الجزلة شاة بآثار رويت في ذلك ~~عن بعض الصحابة كعمر وابن عباس، والدوحة هي الشجرة الكبيرة، والجزلة ~~الصغيرة. المسألة الثانية عشرة حرم المدينة اعلم أن جماهير العلماء على ~~أن المدينة حرم أيضا لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها، وخالف أبو حنيفة ~~الجمهور، فقال إن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له أحكام ~~الحرم من تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترد ~~هذا القول، وتقضي بأن ما بين لابتي المدينة حرم لا ينفر صيده، ولا يختلي ~~خلاه إلا لعلف، فمن ذلك حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ms0473 # " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة " # ، الحديث متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال # " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني ~~عشر ميلا حول المدينة حمى " # متفق عليه أيضا، وكان أبو هريرة يقول " لو رأيت الظباء ترتع في المدينة ~~ما ذعرتها " وعن أبي هريرة أيضا في المدينة قال # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم شجرها أن يخبط أو يعضد " # رواه الإمام أحمد، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على ~~المدينة، فقال # " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم ~~في مدهم وصاعهم " # متفق عليه. وللبخاري عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المدينة حرام من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من ~~أحدث فيها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " # ، ولمسلم عن عاصم الأحول، قال سألت أنسا أحرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة؟ فقال نعم هي حرام لا يختلى خلاها " ، الحديث. وعن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إني حرمت المدنية، حرام ما بين مأزميها ألا يهراق فيها دم، ولا يحمل ~~فيها سلاح ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف " # ، رواه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع ~~عضاهها، ولا يصاد صيدها " # ، رواه مسلم أيضا. وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " المدينة حرام ما بين عير إلى ثور " # ، الحديث متفق عليه. وعن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المدينة # " لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ~~ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة ~~إلا أن يعلف رجل بعيره ms0474 " # ، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها ". # وقال # " المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يخرج عنها أحد رغبة إلا أبدل ~~الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له ~~شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة " # ، رواه مسلم. وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها " # رواه مسلم أيضا. وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال # " أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة، فقال " إنها حرم ~~آمن " # رواه مسلم في صحيحه أيضا. وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه ~~أبي سعيد رضي الله عنهما " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة ". # قال وكان أبو سعيد الخدري يجد في يد أحدنا الطير، فيأخذه فيفكه من يده، ~~ثم يرسله، رواه مسلم في صحيحه أيضا، وعن عبد الله بن عبادة الزرقي، " ~~أنه كان يصيد العصافير في بئر إهاب، وكانت لهم، قال فرآني عبادة، وقد ~~أخذت عصفورا فانتزعه مني فأرسله، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة " # وكان عبادة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه البيهقي. وعن ~~إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال اصطدت طيرا بالقنبلة، ~~فخرجت به في يدي فلقيني أبي عبدالرحمن بن عوف، فقال ما هذا في يدك؟ فقلت ~~اصطدته بالقنبلة، فعرك أذني عركا شديدا، وانتزعه من يدي، فأرسله، فقال # " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صيد ما بين لابتيها " # رواه البيهقي أيضا، والقنبلة آلة يصاد بها النهس وهو طائر. وعن أبي ~~أيوب الأنصاري رضي الله ms0475 عنه " أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى ~~زاوية فطردهم عنه " ، قال مالك ولا أعلم إلا أنه قال " أفي حرم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصنع هذا " ، رواه البيهقي أيضا. # وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه " أنه وجد رجلا بالأسواف - وهو موضع ~~بالمدينة - وقد اصطاد نهسا فأخذه زيد من يده فأرسل، ثم قال أما علمت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم صيد ما بين لابتيها " ، رواه البيهقي، ~~والرجل الذي اصطاد النهس هو شرحبيل بن سعد والنهي بضم النون وفتح الهاء ~~بعدهما سين مهملة - طير صغير فوق العصفور شبيه بالقنبرة. والأحاديث في ~~الباب كثيرة جدا، ولا شك في أن النصوص الصحيحة الصريحة التي أوردناها في ~~حرم المدينة لا شك معها، ولا لبس في أنها حرام، لا ينفر صيدها، لا يقطع ~~شجرها، ولا يختلى خلاها إلا لعلف، وما احتج به بعض أهل العلم على أنها ~~غير حرام من قوله صلى الله عليه وسلم # " ما فعل النعير يا أبا عمير " # ، لا دليل فيه، لأنه محتمل لأن يكون ذلك قبل تحريم المدينة، ومحتمل لأن ~~يكون صيد في الحل، ثم أدخل المدينة. وقد استدل به بعض العلماء على جواز ~~إمساك الصيد الذي صيد في الحل وإدخاله المدينة، وما كان محتملا لهذه ~~الاحتمالات لا تعارض به النصوص الصريحة الصحيحة الكثيرة التي لا لبس فيها ~~ولا احتمال، فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء القائلين بحرمة المدينة، وهم ~~جمهور علماء الأمة اختلفوا في صيد حرم المدينة هل يضمنه قاتله أو لا؟ ~~وكذلك شجرها، فذهب كثير من العلماء منهم مالك والشافعي في الجديد، ~~وأصحابهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد، و عليه أكثر أهل العلم إلى أنه ~~موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصيد وج. واستدلوا أيضا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم # " المدينة حرم ما بين عير وثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى فيها ~~محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم ~~القيامة صرفا ولا عدلا " # ، فذكره صلى ms0476 الله عليه وسلم لهذا الوعيد الشديد في الآخرة، ولم يذكر ~~كفارة في الدنيا دليل على أنه لا كفارة تجب فيه في الدنيا، وهو ظاهر. ~~وقال ابن أبي ذئب، وابن المنذر يجب في صيد الحرم المدني الجزاء الواجب في ~~صيد الحرم المكي، وهو قول الشافعي في القديم. واستدل أهل هذا القول بأنه ~~صلى الله عليه وسلم صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة ~~مثل تحريم إبراهيم لمكة، ومماثلة تحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من ~~انتهك الحرمة فيهما. قال القرطبي، قال القاضي عبد الوهاب وهذا القول أقيس ~~عندي على أصولنا لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة ~~فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام اه. قال مقيده عفا الله عنه ومذهب ~~الجمهور في تفضيل مكة، وكثرة مضاعفة الصلاة فيها زيادة على المدينة بمائة ~~ضعف أظهر لقيام الدليل عليه، والله تعالى أعلم. # وذهب بعض من قال بوجوب الجزاء في الحرم المدني إلى أن الجزاء فيه هو أخذ ~~سلب قاتل الصيد، أو قاطع الشجر فيه. قال مقيده عفا الله عنه وهذا القول ~~هو أقوى الأقوال دليلا. لما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه " أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه ~~فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه، أن يرد على غلامهم أو عليهم ~~ما أخذ من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبى أن يرده عليهم " ، رواه مسلم في صحيحه، وأحمد وما ذكره ~~القرطبي في تفسيره رحمه الله من أن هذا الحكم خاص بسعد رضي الله عنه، ~~مستدلا بأن قوله " نفلنيه " أي أعطانيه ظاهر في الخصوص به دون غيره فيه ~~عندي أمران الأول أن هذا لا يكفي في الدلالة على الخصوص، لأن الأصل ~~استواء الناس في الأحكام الشرعية إلا بدليل، وقوله " نفلنيه " ليس بدليل، ~~لاحتماله أنه نفل كل من وجد قاطع شجر، أو قاتل صيد بالمدينة ثيابه، كما ~~تنفل سعدا، ms0477 وهذا هو الظاهر. الثاني أن سعدا نفسه روي عنه تعميم الحكم، ~~وشموله لغيره، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله ~~قال " رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلبه ثيابه فجاء مواليه، فقال إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم، وقال # " من رأيتموه يصيد فيه شيئا فلكم سلبه " # فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إن ~~شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم " وفي لفظ " من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه ~~ثيابه " وروى هذا الحديث أيضا الحاكم وصححه، وهو صريح في العموم وعدم ~~الخصوص بسعد كما ترى، وفيه تفسير المراد بقوله " نفلنيه " وأنه عام لكل ~~من وجد أحدا يفعل فيها ذلك. وتضعيف بعضهم لهذا الحديث بأن في إسناده ~~سليمان بن أبي عبد الله غير مقبول، لأن سليمان بن أبي عبد الله مقبول، ~~قال فيه الذهبي تابعي وثق، وقال فيه ابن حجر في التقريب مقبول. والمقبول ~~عنده كما بينه في مقدمة تقريبه هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم ~~يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله فهو مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، ~~وقال فيه ابن أبي حاتم ليس بمشهور، ولكن يعتبر بحديثه اه. # وقد تابع سليمان بن أبي عبد الله في هذا الحديث عامر بن سعد عند مسلم ~~وأحمد، ومولى لسعد عند أبي داود كلهم عن سعد رضي الله عنه، فاتضح رد ~~تضعيفه مع ما قدمنا من أن الحاكم صححه، وأن الذهبي قال فيه تابعي موثق. ~~والمراد بسلب قاطع الشجر أو قاتل الصيد في المدينة أخذ ثيابه. قال بعض ~~العلماء حتى سراويله. والظاهر ما ذكره بعض أهل العلم من وجوب ترك ما يستر ~~العورة المغلظة، والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء السلب هنا سلب ~~القاتل، وفي مصرف هذا السلب ثلاثة أقوال أصحها أنه للسالب كالقتيل، ~~ودليله حديث سعد المذكور. والثاني أنه لفقراء المدينة. والثالث أنه ms0478 لبيت ~~المال، والحق الأول. وجمهور العلماء على أن حمى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه، أن قدره اثنا عشر ميلا ~~من جهات المدينة لا يجوز قطع شجره، ولا خلاه، كما رواه جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يهش هشا ~~رقيقا " # أخرجه أبو داود والبيهقي، ولم يضعفه أبو داود، والمعروف عن أبي داود ~~رحمه الله إنه إن سكت عن الكلام في حديث فأقل درجاته عنده الحسن. وقال ~~النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث جابر المذكور رواه أبو داود بإسناد ~~غير قوي لكنه لم يضعفه اه، ويعتضد هذا الحديث بما رواه البيهقي بإسناده ~~عن محمد بن زياد قال " كان جدي مولى لعثمان بن مظعون، وكان يلي أرضا ~~لعثمان فيها بقل وقثاء. قال فربما أتاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف ~~النهار، واضعا ثوبه على راسه يتعاهد الحمى، ألا يعضد شجره، ولا يخبط. ~~قال فيجلس إلي فيحدثني، وأطعمه من القثاء والبقل، فقال له يوما أراك ~~لا تخرج من ها هنا. قال قلت أجل. قال إني أستعملك على ما ها هنا فمن رأيت ~~يعضد شجرا أو يخبط فخذ فأسه، وحبله، قال قلت آخذ رداءه، قال لا " وعامة ~~العلماء على أن صيد الحمى المذكور غير حرام، لأنه ليس بحرم، وإنما هو حمى ~~حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخيل وإبل الصدقة والجزية، ونحو ذلك. ~~واختلف في شجر الحمى هل يضمنه قاطعه؟ والأكثرون على أنه لا ضمان فيه، ~~وأصح القولين عند الشافعية، وجوب الضمان فيه بالقيمة، ولا يسلب قاطعه، ~~وتصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية. المسالة الثالثة عشرة اعلم أن ~~جماهير العلماء على إباحة صيد وج، وقطع شجره. وقال الشافعي رحمه الله ~~تعالى أكره صيد وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم. # واختلفوا فيه على القول بحرمته، هل فيه جزاء كحرم ms0479 المدينة أو لا شيء ~~فيه؟ ولكن يؤدب قاتله، وعليه أكثر الشافعية. وحجة من قال بحرمة صيد وج ما ~~رواه أبو داود، وأحمد والبخاري في تاريخه، عن الزبير بن العوام رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " صيد وج محرم " # الحديث. قال ابن حجر في التلخيص سكت عليه أبو داو وحسنه المنذري، وسكت ~~عليه عبد الحق، فتعقبه ابن القطان بما نقل عن البخاري، أنه لم يصح، وكذا ~~قال الأزدي. وذكر الذهبي، أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه، ~~وقال ابن حبان في رواية المنفرد به، وهو محمد بن عبد الله بن إنسان ~~الطائفي كان يخطئ، ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره فإن كان أخطأ ~~فيه فهو ضعيف، وقال العقيلي لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف، وقال ~~النووي في شرح المهذب إسناده ضعيف. وذكر البخاري في تاريخه في ترجمة عبد ~~الله بن إنسان أنه لا يصح. وقال ابن حجر في التقريب في حمد بن عبد الله ~~بن إنسان الثقفي الطائفي المذكور لين الحديث، وكذلك أبوه عبد الله الذي ~~هو شيخه في هذا الحديث قال فيه أيضا لين الحديث، وقال ابن قدامة في ~~المغني في هذا الحديث في صيد وج ضعفه أحمد ذكره الخلال في كتاب العلل، ~~فإذا عرفت هذا ظهر لك حجة الجمهور في إباحة صيد وج وشجره كون الحديث لم ~~يثبت، والأصل براءة الذمة، ووج - بفتح الواو، وتشديد الجيم - أرض ~~بالطائف. وقال بعض العلماء هو واد بصحراء الطائف، وليس المراد به نفس ~~بلدة الطائف. وقيل هو كل أرض الطائف، وقيل هو اسم لحصون الطائف وقيل، ~~لواحد منها وربما التبس وج المذكور بوح - بالحاء المهملة - وهي ناحية ~~نعمان فإذا عرفت حكم صيد المحرم، وحكم صيد مكة، والمدينة، ووج، مما ~~ذكرنا فاعلم أن الصيد المحرم إذا كان بعض قوائمه في الحل، وبعضها في ~~الحرم، أو كان على غصن ممتد في الحل، وأصل شجرته في الحرم، فاصطياده حرام ~~على التحقيق تغليبا لجانب حرمة الحرم فيهما. أما إذا ms0480 كان أصل الشجرة في ~~الحل، وأغصانها ممتدة في الحرم، فاصطاد طيرا واقعا على الأغصان الممتدة ~~في الحرم، فلا إشكال في أنه مصطاد في الحرم، لكون الطير في هواء الحرم. ~~واعلم أن ما ادعاه بعض الحنفية، من أن أحاديث تحديد حرم المدينة مضطربة ~~لأنه وقع في بعض الروايات باللابتين، وفي بعضها بالحرتين، وفي بعضها ~~بالجبلين، وفي بعضها بالمأزمين، وفي بعضها بعير وثور، غير صحيح لظهور ~~الجمع بكل وضوح. لأن اللابتين هما الحرتان المعروفتان، وهما حجارة سود ~~على جوانب المدينة والجبلان هما المأزمان، وهما عير وثور والمدينة بين ~~الحرتين، كما أنها أيضا بين ثور وعير، كما يشاهده من نظرها. وثور جبيل ~~صغير يميل إلى الحمرة بتدوير خلف أحد من جهة الشمال. فمن ادعى من العلماء ~~أنه ليس في المدينة جبل يسمى ثورا، فغلط منه. لأنه معروف عند الناس إلى ~~اليوم، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح. واعلم أنه على قراءة الكوفيين # فجزآء مثل # المائدة 95 الآية. بتنوين جزاء، ورفع مثل فالأمر واضح، وعلى قراءة ~~الجمهور { فجزآء مثل } بالإضافة، فأظهر الأقوال أن الإضافة ~~بيانية، أي جزاء هو مثل ما قتل من النعم، فيرجع معناه إلى الأول، والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [5.105] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }. قد يتوهم الجاهل من ~~ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن ~~نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه ~~المأمور، وذلك في قوله { إذا اهتديتم } ، لأن من ترك الأمر ~~بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة، وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهما ~~الألوسي في تفسيره، وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي ~~عبيد القاسم بن سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن ~~عمر وابن مسعود. فمن العلماء من قال { إذا اهتديتم } أي أمرتم ~~فلم يسمع منكم، ومنهم من قال يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في ~~الآية، وهو ظاهر جدا ولا ينبغي ms0481 العدول عنه لمنصف. ومما يدل على أن تارك ~~الأمر بالمعروف غير مهتد، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى # والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر # العصر 1-3 فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء ~~الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل. وقد دلت الآيات كقوله تعالى # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # الأنفال 25، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا ~~عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده. فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحهما ~~عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دخل عليها فزعا مرعوبا يقول # " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم ياجوج ~~ومأجوج، مثل هذه وحلق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها " # فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال # " نعم إذا كثر الخبث ". # وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، ~~فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ ~~من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم ~~نجوا، ونجوا جميعا " # ، أخرجه البخاري والترمذي. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال يا أيها ~~الناس إنكم تقرؤون هذه الآية { يأيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } المائدة ~~105 وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب ~~منه " # ، رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، أنه ms0482 كان الرجل يلقى الرجل ~~فيقول يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد ~~وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ~~ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال { لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ~~ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ~~ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ~~ولكن كثيرا منهم فاسقون } المائدة 78-81، ثم قال " ~~كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ~~ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب ~~بعضكم ببعض ثم ليلعننكم كما لعنهم ". # رواه أبو داود و الترمذي وقال حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا ~~فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان ~~داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان متكئا، فقال لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على ~~الحق أطرا ". # ومعنى تأطروهم أي تعطفوهم، ومعنى تقصرونه تحبسونه، والأحاديث في الباب ~~كثيرة جدا، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر داخل في قوله { إذا اهتديتم } المائدة 105، ويؤيده كثرة ~~الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون # آل عمران 104، وقوله # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # آل عمران 110. وقوله # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ~~ما ms0483 كانوا يفعلون # المائدة 78-79، وقوله # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # الكهف 29، وقوله # فاصدع بما تؤمر # الحجر 94، وقوله # أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون # الأعراف 165، وقوله # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # الأنفال 25. والتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم ~~وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم ~~وطالحهم وبه فسرها جماعة من أهل العلم والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما ~~قدمنا طرفا منها. # مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المسالة الأولى اعلم أن ~~كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة ~~الصحيحة على " أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه ~~حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها ". وقد دل القرآن العظيم على أن ~~المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضا، أما السنة المذكورة فقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور بها في ~~النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون أي فلان ما ~~أصابك، ألم تكن تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول كنت آمركم ~~بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " # ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. ~~ومعنى تندلق أقتابه تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء، وعن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ~~كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك ~~كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " # أخرجه الإمام أحمد، وابن ابي شيبة، وعبد بن حميد والبزار، وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حيان وابن مردويه والبيهقي، ~~كما نقله عنهم الشوكاني وغيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما " أنه جاءه ~~رجل فقال له يا ابن عباس ms0484 إني اريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، ~~فقال ابن عباس أو بلغت ذلك؟ فقال أرجو، قال فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة ~~أحرف في كتاب الله فافعل، قال وما هي؟ قال قوله تعالى # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # البقرة 44 الآية، وقوله تعالى # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 3، وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # هود 88 الآية، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، وابن عساكر، ~~كما نقله عنهم أيضا الشوكاني وغيره. واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد ~~الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض ~~النار، ليس على الأمر بالمعروف. وإنما هو على ارتكابه المنكر عالما ~~بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح، ولا ~~طالح، والوعيد على المعصية، لا على الأمر بالمعروف، لأنه في حد ذاته ليس ~~فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال # لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم # وقال الآخر # وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض # وقال الآخر # فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا # وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضا، فهي قوله ~~تعالى # فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة # المدثر 49-51 والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكر ~~- بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من ~~عدم المبالاة بها، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم. المسألة الثانية يشترط ~~في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به، أن ما يأمر به معروف، وأن ما ~~ينهى عنه منكر، لأنه إن كان جاهلا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى ~~عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق ~~منكرا، والمنكر معروفا و الله تعالى يقول # قل ms0485 هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني # يوسف 108 الآية، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، ~~وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى ~~الله بالحكمة، وحسن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق. لقوله تعالى # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # النحل 125 الآية، فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر ~~أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا، إلا ~~لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس، لأن الأمر بالمعروف ~~وظيفة الرسل، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس، لأنهم مجبولون بالطبع ~~على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال ~~العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قص الله عنه # وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ ~~أصابك # لقمان 17 الآية، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل # " أو مخرجي هم؟ " # يعني قريشا أخبره ورقة " أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا ~~عودي " ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال " ما ترك الحق لعمر ~~صديقا " ، واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا قام على ذلك ~~دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو إجماع ~~المسلمين. وأما إن كان من مسائل الاجتهاد، فيما لا نص فيه فلا يحكم على ~~أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرا، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، ~~والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله. واعلم أن الدعوة إلى الله ~~بطريقين طريق لين، وطريق قسوة. أنا طريق اللين فهي الدعوة إلى الله ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه. # فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب وإن لم تنجح تعينت طريق ~~القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، ~~وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ms0486 وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد # الحديد 25 الآية. ففيه الإشارة إلى أعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم ~~تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع ~~بالقرآن. المسألة الثالثة يشترط في جواز الأمر بالمعروف، ألا يؤدي إلى ~~مفسدة أعظم من ذلك المنكر، لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين. قال ~~في مراقي السعود # وارتكب لأخف من ضرين وخيرن لدى استوا هذين # ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، ~~كما يدل له ظاهر قوله تعالى # فذكر إن نفعت الذكرى # الأعلى 9، وقوله صلى الله عليه وسلم # " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، ~~وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع ~~عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيهن كالقابض على الجمر، ~~للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " # ، وفي لفظ # " قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا، أو منهم قال " بل أجر خمسين ~~منكم " # ، أخرجه الترمذي، والحاكم وصححاه، وأبو داود وابن ماجه وابن جرير، و ~~البغوي في معجمه، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~والبيهقي في الشعب من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وقال الراوي ~~هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني، # " وقد سأله عن قوله تعالى { عليكم أنفسكم } والله لقد سألت ~~عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " بل ائتمر " # إلى آخر الحديث. وهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى ~~المتبع الخ مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف. فدل الحديث على أنه إن عدمت ~~فائدته سقط وجوبه. تنبيه الأمر بالمعروف له ثلاث حكم الأولى إقامة حجة ~~الله على خلقه، كما قال تعالى # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء 165. الثانية خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما ~~قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت، ms0487 # قالوا معذرة إلى ربكم # الأعراف 164 الآية، وقال تعالى # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # الذاريات 54، فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة، لكان ملوما. الثالثة ~~رجاء النفع المأمور، كما قال تعالى # معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون # الأعراف 164، وقال تعالى # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # الذاريات 55، وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا دفع إيهام الإضطراب عن ~~آيات الكتاب في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى # فذكر إن نفعت الذكرى # الأعلى 9، ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته وأولاده ~~ونحوهم، وينهاهم عن المنكر. لقوله تعالى # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم 6 الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " # ، الحديث. المسألة الرابعة اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة ~~حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال # " أفضل الجهاد كلمة تدل عند سلطان جائر " # ، أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن. وعن طارق بن شهاب رضي الله ~~عنه # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وضع رجله في الغرز أي ~~الجهاد أفضل؟ قال كلمة حق عند سلطان جائر " # رواه النسائي بإسناد صحيح. كما قاله النووي رحمه الله، واعلم أن الحديث ~~الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث ~~الأولى أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل ~~منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ~~ينفع نصحه ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف. لأن ذلك هو ~~مظنة الفائدة. الثانية ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره، وتأدية نصحه ~~لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهة منكره ~~والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان. الثالثة أن يكون راضيا ~~بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعا له عليه، فهذا شريكه في الإثم، ~~والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة ms0488 عن أم المؤمنين، أم سلمة هند ~~بنت أبي أمية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر ~~فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال لا ما ~~أقاموا فيكم الصلاة " # أخرجه مسلم في صحيحه. فقوله صلى الله عليه وسلم # " فمن كره " # يعني بقلبه، ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم، وأدى ~~وظيفته. ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع ~~عليها، فهو عاص كفاعلها. ونظيره حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند ~~مسلم، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " # وقوله في هذه الآية الكريمة { عليكم أنفسكم } صيغة إغراء ~~يعني الزموا حفظها كما أشار له في الخلاصة بقوله # والفعل من أسمائه عليك وهكذا دونك مع إليك ### || [5.106] # قوله تعالى { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن ~~الآثمين }. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كاتم الشهادة آثم، وبين في ~~موضع آخر أن هذا الإثم من الآثام القلبية، وهو قوله # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # البقرة 283، ومعلوم أن منشأ الآثام والطاعات جميعا من القلب، لأنه إذا ~~صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله. ### || [5.110] # قوله تعالى { وإذ تخرج الموتى بإذني }. معناه إخراجهم ~~من قبورهم أحياء بمشيئة الله، وقدرته كما أوضحه بقوله # وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله # آل عمران 49. قوله تعالى { وإذ كففت بني إسرائيل عنك ~~إذ جئتهم بالبينات } الآية. لم يذكر هنا كيفية كفه إياهم ~~عنه، ولكنه بينه في مواضع أخر، كقوله # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # النساء 157، وقوله # وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه # النساء 157-158 الآية، وقوله # ومطهرك من الذين كفروا # آل عمران 55، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [5.111] # قوله تعالى { وإذ أوحيت إلى الحواريين } الآية. ms0489 قال ~~بعض أهل العلم المراد بالإيحاء إلى الحواريين الإلهام، ويدل له ورود ~~الإيحاء في القرآن بمعنى الإلهام كقوله # وأوحى ربك إلى النحل # النحل 68 الآية يعني ألهمها، قال بعض العلماء ومنه # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # القصص 7، وقال بعض العلماء معناه أوحيت إلى الحواريين إيحاء حقيقيا ~~بواسطة عيسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # قوله تعالى { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }. في ~~قوله تعالى { يعدلون } وجهان للعلماء أحدهما أنه من العدول عن الشيء ~~بمعنى الانحراف، والميل عنه، وعلى هذا فقوله { بربهم } متعلق بقوله ~~{ كفروا } ، وعليه فالمعنى إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن ~~طريق الحق إلى الكفر والضلال، وقيل على هذا الوجه إن " الباء " بمعنى " ~~عن " أي يعدلون عن ربهم، فلا يتوجهون إليه بطاعة، ولا إيمان. والثاني أن ~~" الباء " متعلقة بيعدلون، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرا في العبادة من ~~قول العرب عدلت فلانا بفلان إذا جعلته له نظيرا وعديلا. ومنه قول جرير # أثعلبة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا # يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالا لبني ثعلبة، وبني رياح، وهذا ~~الوجه الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره # تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب ~~العالمين # الشعراء 97-98، وقوله تعالى # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # البقرة 165، وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق ~~والخالق - قبحهم الله تعالى - كقوله # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # الرعد 16، وقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # النحل 17، وقوله # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء # الروم 28، الآية إلى غير ذلك من الآيات، وعدل الشيء في اللغة مثله، ~~ونظيره، قال بعض علماء العربية إذا كان من جنسه، فهو عدل - بكسر العين - ~~وإذا كان من غير جنسه، فهو عدل - بفتح ms0490 العين - ومن الأول قول مهلهل # على أن ليس عدلا من كليب إذا برزت مخبأة الخدور على أن ليس عدلا من ~~كليب إذا اضطرب العضاه من الدبور على أن ليس عدلا من كليب غداة ~~بلابل الأمر الكبير # يعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس ~~بن مرة البكري لا يكافؤونه، ولا يعادلنه في الشرف. ومن الثاني قوله تعالى # أو عدل ذلك صياما # المائدة 95، لأن المراد نظير الإطعام من الصيام، وليس من جنسه، وقوله # وإن تعدل كل عدل # الأنعام 70، وقوله # ولا يقبل منها عدل # البقرة 123 والعدل الفداء، لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدي تؤخذ بدله قوله ~~تعالى # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم # الأنعام 3 الآية في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير ~~وكل واحد منها لا مصداق في كتاب الله تعالى الأول أن المعنى، وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض، اي وهو الإله المعبود في السماوات وفي الأرض، لأنه ~~جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة " يعلم " ~~حال، أو خبر وهذا المعنى يبينه، ويشهد له قوله تعالى # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # الزخرف 84 أي، وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة ~~الكافرين غيره، لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ~~ومعبوداتهم ليست شركاء لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # النجم 23 # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # يونس 66. وهذا القول في الآية أظهر الأقوال، واختاره القرطبي. الوجه ~~الثاني أن قوله { في السماوات وفي الأرض } يتعلق بقوله { ~~يعلم سركم } أي وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ويبين ~~هذا القول ويشهد له قوله تعالى # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض # الفرقان 6 الآية. قال النحاس وهذا القول من أحسن ما قيل ms0491 في الآية نقله ~~عنه القرطبي. الوجه الثالث وهو اختيار ابن جرير، أن الوقف تام على قوله ~~في { السماوات } وقوله { وفي الأرض } يتعلق بما بعده، أي يعلم ~~سركم وجهركم في الأرض، ومعنى هذا القول إنه - جل وعلا - مستو على عرشه ~~فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ~~ذلك. ويبين هذا القول، ويشهد له قوله تعالى # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور * أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا # الملك 16-17؟ الآية، وقوله # الرحمن على العرش استوى # طه 5، مع قوله { وهو معكم أين ما كنتم } الحديد 4، وقوله # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين # الأعراف 7 وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة الأعراف. ~~واعلم أن ما يزعمه الجهمية " من أن الله تعالى في كل مكان " مستدلين بهذه ~~الآية على أنه في الأرض ضلال مبين، وجهل بالله تعالى، لأن جميع الأمكنة ~~الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض الذي هو ~~أعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، ~~فالسماوات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله ~~المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال إنه حال ~~فيها، أو في كل جزء من أجزائها. لا وكلا، هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا ~~علمت ذلك فاعلم أن رب السماوات والأرض أكبر من كل شيء وأعظم من كل " شيء ~~محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين # سبأ 3، سبحانه وتعالى علوا كبيرا لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على ~~نفسه # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه 110. ### || [6.7] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار لو نزل ms0492 الله عليهم كتابا مكتوبا ~~في قرطاس، أي صحيفة إجابة لما اقترحوه، كما قال تعالى عنهم # ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه # الإسراء 93 الآية، فعاينوا ذلك الكتاب المنزل، ولمسته أيديهم، لعاندوا، ~~وادعوا أن ذلك من أجل أنه سحرهم، وهذا العناد واللجاج العظيم والمكابرة ~~الذي هو شأن الكفار بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # الحجر 14-15. وقوله # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم # الطور 44، وقوله # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # الأنعام 111، وقوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية # يونس 96-97 الآية، وقوله # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101، وقوله # وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها # الأنعام 25 إلى غير ذلك من الآيات، وذكر تعالى نحو هذا العناد واللجاج ~~عن فرعون وقومه في قوله # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين # الأعراف 132. ### || [6.8] # قوله تعالى { وقالوا لولا أنزل عليه ملك }. لم يبين ~~هنا ماذا يريدون بإنزال الملك المقترح، ولكنه بين في موضع آخر أنهم ~~يريدون بإنزال الملك أن يكون نذيرا آخر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك في قوله # وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # الفرقان 7، الآية. قوله تعالى { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر ثم لا ينظرون }. يعني أنه لو نزل عليهم الملائكة وهم ~~على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، لجاءهم من الله العذاب من غير إمهال ~~ولا إنظار، لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك، كما بينه ~~تعالى بقوله # ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين # الحجر 8. وقوله # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين # الفرقان 22 الآية. ### || [6.9] # أي لو بعثنا إلى البشر ms0493 رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم ~~مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من ~~شدة النور، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في ~~قبول رسالة الرسول البشري. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي ~~أن يكون من نوع المرسل إليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # الإسراء 95. ### || [6.10] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزؤوا برسل قبل نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك، ولم يفصل هنا كيفية ~~استهزائهم، ولا كيفية العذاب الذي أهلكوا به، ولكنه فصل كثيرا من ذلك ~~من مواضع أخر متعددة في ذكر نوح وقومه وهود وقومه، وصالح وقومه، ولوط ~~وقومه، وشعيب وقومه، إلى غير ذلك. فمن استهزائهم بنوح قولهم له " بعد أن ~~كنت نبيا صرت نجارا " ، وقد قال الله تعالى عن نوح # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # هود 38، وذكر ما حاق بهم بقوله # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # العنكبوت 14 وأمثالها من الآيات. ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم ~~من قولهم # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # هود 54، وقوله عنهم أيضا # قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك # هود 53 الآية. وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله. # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # الذاريات 41 الآية، وأمثالها من الآيات. ومن استهزائهم بصالح، قولهم ~~فيما ذكر الله عنهم # ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # الأعراف 77 وقولهم # قالوا يصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا # هود 62 الآية، وذكر ما حاق بهم بقوله # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين # هود 67، ونحوها من الآيات. ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم # النمل 56 الآية. وقولهم له أيضا # لئن لم تنته يلوط ms0494 لتكونن من المخرجين # الشعراء 167، وذكر ما حاق بهم بقوله # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # الحجر 74، ونحوها من الآيات. ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله ~~عنهم # قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت ~~علينا بعزيز # هود 91، وذكر ما حاق بهم بقوله # فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم # الشعراء 189 ونحوها من الآيات. ### || [6.14] # قوله تعالى { وهو يطعم ولا يطعم }. يعني أنه تعالى هو الذي ~~يرزق الخلائق، وهو الغني المطلق فليس بمحتاج إلى رزق. وقد بين تعالى هذا ~~بقوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين # الذاريات 56-58، وقراءة الجمهور على أن الفعلين من الإطعام، والأول مبني ~~للفاعل، والثاني مبني للمفعول، كما بيناه، وأوضحته الآية الأخرى. وقرأ ~~سعيد بن جبير ومجاهد، والأعمش. الفعل الأول كقراءة الجمهور، والثاني بفتح ~~الياء والعين مضارع طعم الثلاثي بكسر العين في الماضي، أن أنه يرزق ~~عباده، ويطعمهم وهو جل وعلا، لا يأكل، لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه ~~المخلوق من الغذاء، لأنه جل وعلا الغني لذاته، الغني المطلق، سبحانه ~~وتعالى علوا كبيرا، # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # فاطر 15. والقراءة التي ذكرنا عن سعيد ومجاهد، والأعمش موافقة لأحد ~~الأقوال في تفسير قوله تعالى # الله الصمد # الإخلاص 2 قال بعض العلماء { الصمد } السيد الذي يلجأ إليه عند ~~الشدائد والحوائج. وقال بعضهم هو السيد الذي تكامل سؤدده وشرفه وعظمته، ~~وعلمه وحكمته، وقال بعضهم { الصمد } هو الذي # لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # الاخلاص 3-4، وعليه فما بعده تفسير له. وقال بعضهم هو الباقي بعد فناء ~~خلقه. وقال بعضهم { الصمد } هو الذي لا جوف له، ولا يأكل الطعام، وهو ~~محل الشاهد، وممن قال بهذا القول ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~ومجاهد، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وسعيد بن جبير ms0495 وعطاء بن أبي رباح، ~~وعطية العوفي، والضحاك، والسدي. كما نقله عنهم ابن كثير وابن جرير ~~وغيرهما. قال مقيده عفا الله عنه من المعروف في كلام العرب، إطلاق الصمد ~~على السيد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له، فمن الأول قول ~~الزبرقان # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد # وقول الآخر # علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد # وقول الآخر # ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # ومن الثاني قول الشاعر # شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا # فإذا علمت ذلك، فالله تعالى هو السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد ~~والحاجات، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ~~ونحوه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. قوله تعالى { قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم } الآية. يعني أول من أسلم ~~من هذه الأمة التي أرسلت إليها، وليس المراد أول من أسلم من جميع الناس ~~كما بينه تعالى بآيات كثيرة تدل على وجود المسلمين. قبل وجوده صلى الله ~~عليه وسلم، ووجود أمته كقوله عن إبراهيم # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # البقرة 131، وقوله عن يوسف # توفني مسلما وألحقني بالصالحين # يوسف 101، وقوله # يحكم بها النبيون الذين أسلموا # المائدة 44 وقوله عن لوط وأهله، # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 36، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.17] # أشار تعالى بقوله هنا فهو على كل شيء قدير بعد قوله { وإن يمسسك ~~بخير } إلى أن فضله وعطاءه الجزيل لا يقدر أحد على رده، عمن ~~أراده له تعالى. كما صرح بذلك في قوله # وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من ~~يشآء # يونس 107 الآية. ### || [6.19] # قوله تعالى { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ }. صرح في هذه الآية الكريمة بأنه صلى الله عليه وسلم منذر ~~لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنا من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار ~~به عام لكل من ms0496 بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار، وهو كذلك. ~~أما عموم إنذاره لكل من بلغه، فقد دلت عليه آيات أخر أيضا كقوله # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158، وقوله # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1. وأما دخول من لم يؤمن به النار، فقد صرح به تعالى في قوله # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # هود 17. وأما من لم تبلغه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فله حكم أهل ~~الفترة الذين لم يأتهم رسول، والله تعالى أعلم. ### || [6.28] # قوله تعالى { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون }. هذه الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا ~~الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا ~~يكون لو وجد كيف يكون. لأنه يعلم أن رد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا ~~مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح ~~به بقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون } ، وهذا المعنى جاء مصرحا به في آيات أخر. فمن ذلك أنه ~~تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا يخرجون ~~إليها معه صلى الله عليه وسلم، والله ثبطهم عنها لحكمة. كما صرح به في ~~قوله # ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم # التوبة 46 الآية. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون. ~~كما صرح به تعالى في قومه # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # التوبة 47 الآية. ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا ~~في طغيانهم يعمهون # المؤمنون 75 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.33] # قوله تعالى { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ~~الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، بأنه يعلم أن رسوله صلى الله ~~عليه وسلم يحزنه ما يقوله الكفار من تكذيبه صلى ms0497 الله عليه وسلم، وقد نهاه ~~تعالى عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر كقوله # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # فاطر 8 الآية، وقوله # فلا تأس على القوم الكافرين # المائدة 68، وقوله # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # الكهف 6، وقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3 الباخع هو المهلك نفسه، ومنه قول غيلان بن عقبة. # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر # وقوله { لعلك باخع } في الآيتين يراد به النهي عن ذلك، ونظيره # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك # هود 12 أي لا تهلك نفسك حزنا عليهم في الأول، ولا تترك بعض ما يوحى ~~إليك في الثاني. ### || [6.36] # قوله تعالى { والموتى يبعثهم الله } الآية. قال جمهور ~~علماء التفسير المراد بالموتى في هذه الآية الكفارن وتدل لذلك آيات من ~~كتاب الله، كقوله تعالى # أو من كان ميتا فأحييناه # الأنعام 122 الآية، وقوله # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات # فاطر 22، وقوله # ومآ أنت بمسمع من في القبور # فاطر 22 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.37] # قوله تعالى { قل إن الله قادر على أن ينزل آية ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون }. ذكر في هذه الآية الكريمة ~~أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على رسوله، وأشار لحكمة ~~عدم إنزالها بقوله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } وبين في ~~موضع آخر أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها، لنزل بهم ~~العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، ~~وبراء، جوفاء، من صخرة صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، ~~فعقروها # وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ # الأعراف 77 فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال، وذلك في قوله # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا # الإسراء 59 وبين في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما اقترحوا من الآيات، ~~لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها وغيرها، ms0498 وتلك ~~الآية هي هذا القرآن العظيم. وذلك في قوله # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم # العنكبوت 51 فأنكاره جل وعلا عليهم عدم الاكتفاء بهذا الكتاب عن الآيات ~~المقترحة يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية، وهو كذلك ألا ترى أنه آية ~~واضحة، ومعجزة باهرة، أعجزت جميع أهل الأرض، وهي باقية تتردد في آذان ~~الخلق غضة طرية حتى يأتي أمر الله. بخلاف غيره من معجزات الرسل صلوات ~~الله عليهم وسلامه فإنها كلها مضت وانقضت. ### || [6.40-41] # قوله تعالى { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين بل إياه تدعون } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن المشركين إذ أتاهم عذاب من الله، أو أتتهم الساعة أخلصوا ~~الدعاء الذي هو مخ العبادة لله وحده، ونسوا ما كانوا يشركون به. لعلمهم ~~أنه لا يكشف الكروب إلا الله وحده جل وعلا. ولم يبين هنا نوع العذاب ~~الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص لله، ولم يبين هنا أيضا إذا كشف عنهم ~~العذاب هل يستمرون على أخلاصهم، أو يرجعون إلى كفرهم وشركهم، ولكنه بين ~~كل ذلك في مواضع أخر. فبين أن العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص، ~~هو نزول الكروب التي يخاف من نزلت به الهلاك، كأن يهيج البحر عليهم ~~وتلتطم أمواجه، ويغلب على ظنهم أنهم سيغرقون فيه إن لم يخلصوا الدعاء لله ~~وحده، كقوله تعالى # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين فلمآ أنجاهم إذا ~~هم يبغون في الأرض بغير الحق # يونس 22-23، وقوله # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # الإسراء67 وقوله # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # العنكبوت65، وقوله # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # لقمان32 إلى غير ذلك من الآيات. وبين أنهم إذا كشف الله عنهم ms0499 ذلك الكرب، ~~رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك في مواضع كثيرة كقوله # فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان ~~كفورا # الإسراء 67 وقوله # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت 65، وقوله # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ~~تشركون # الأنعام 64، وقوله # فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير ~~الحق # يونس 23 إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى أن رجوعهم للشرك بعد أن ~~نجاهم الله من الغرق من شدة جهلهم، وعماهم لأنه قادر على أن يهلكهم في ~~البر كقدرته على إهلاكهم في البحر، وقادر على أن يعيدهم في البحر مرة ~~أخرى، ويهلكهم فيه بالغرق فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا وجه لها. لأنها ~~من جهلهم وضلالهم، وذلك في قوله # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم ~~أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ~~ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا # الإسراء 68-69. ### || [6.52] # قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه }. نهى الله جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم عن طرد ضعفاء المسلمين ~~وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأمره في آية ~~أخرى أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة ~~في الدنيا، ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك وهي قوله # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا # الكهف 28 كما أمره هنا بالسلام عليهم، وبشارتهم برحمة ربهم جل وعلا في ~~قوله # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام ~~عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة # الأنعام 54، الآية، وبين في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه ~~كفار العرب من نبينا صلى الله عليه وسلم فنهاه الله عنه، طلبه أيضا قوم ms0500 ~~نوح من نوح، فأبى كقوله تعالى عنه # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا # هود 29 الآية، وقوله # ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم # هود 30 الآية، وقوله # ومآ أنا بطارد المؤمنين # الشعراء 114، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى # تشابهت قلوبهم # البقرة 118، الآية. ### || [6.53] # أجرى الله تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسول ضعفاء الناس، ولذلك " لما ~~سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا صلى الله عليه وسلم أأشرف الناس ~~يتبعونه، أم ضعفاؤهم؟ فقال بل ضعفاؤهم. قال هم أتباع الرسل ". فإذا عرفت ~~ذلك فاعلم أنه تعالى اشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض، فإن ~~أهل المكانة والشرف والجاه يقولون لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا ~~إليه هؤلاء، لأنا أحق منهم بكل خير كما قال هنا { وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ } الآية إنكارا منهم أن يمن الله على هؤلاء ~~الضعفاء دونهم، زعما منهم أنهم أحق بالخير منهم، وقد رد الله قولهم هنا ~~بقوله { أليس الله بأعلم }. وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر ~~كقوله تعالى # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه وإذ لم # الأحقاف 11 الآية، وقوله # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا # مريم73. والمعنى أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل، ومتاعا من ضعفاء ~~المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير، وأن اتباع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لو كان خيرا ما سبقوهم إليه، ورد الله افترائهم هذا بقوله # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ~~ورءيا # مريم74، وقوله # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # المؤمنون 55-56، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.57-58] # قوله تعالى { ما عندي ما تستعجلون به } الآية. أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار، أن ~~تعجيل العذاب عليهم الذي يطلبونه منه صلى ms0501 الله عليه وسلم ليس عنده. وإنما ~~هو عند الله إن شاء عجله، وإن شاء أخره عنهم، ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو ~~كان عنده لعجله عليهم بقوله { قل لو أن عندي ما ~~تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم } الأنعام ~~58 الآية. وبين في مواضع أخر أنهم ما حملهم على استعجال العذاب إلا الكفر ~~والتكذيب، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم هائل لا يستعجل به ~~إلا جاهل مثلهم، كقوله # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون # هود 8، وقوله # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها # الشورى 18 الآية، وقوله # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # العنكبوت 54، وقوله # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~ماذا يستعجل منه المجرمون # يونس 50. وبين في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلا لا يأتيهم ~~العذاب قبله لعجله عليهم، وهو قوله # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # العنكبوت 53، الآية. تنبيه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { قل لو ~~أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر } الأنعام 58 ~~الآية، صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم ~~لعجله عليهم، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ارسل الله إليه ملك الجبال، وقال له إن ~~شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها - فقال صلى ~~الله عليه وسلم " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك ~~به شيئا ". # والظاهر في الجواب هو ما أجاب به ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه ~~الآية، وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي ~~يطلبون تعجيله في وقت طلبهم لعجله عليهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم ~~طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم ~~إهلاكهم، ولا يخفى ms0502 الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره. ### || [6.59] # قوله تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا ~~هو } الآية. بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير # لقمان 34 فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية ~~المذكورة ". والمفاتح الخزائن جمع مفتح بفتح الميم، بمعنى المخزن، وقيل ~~هي المفاتيح جمع مفتح، بكسر الميم، وهو المفتاح وتدل له قراءة ابن ~~السميقع. مفاتيح بياء بعد التاء جمع مفتاح، وهذه الآية الكريمة تدل على ~~أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم ~~خالقهم جل وعلا. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت " من زعم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية " ، ~~والله يقول # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65 أخرجه مسلم والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره صلى الله ~~عليه وسلم ان يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله تعالى # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي # الأنعام 50. ولذا لما رميت عائشة رضي الله عنها بالإفك، لم يعلم، أهي ~~بريئة أم لا حتى أخبره الله تعالى بقوله # أولئك مبرءون مما يقولون # النور 26. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله ~~للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه، وقالوا له # إنا أرسلنا إلى قوم لوط # هود 70، ولما جاؤوا لوطا لم يعلم أيضا أنهم ملائكة، ولذا { سيء ~~بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب } هود 77 ~~يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قال # لو أن لي بكم قوة أو آوي ms0503 إلى ركن شديد # هود 80 ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له # إنا رسل ربك لن يصلوا إليك # هود 81 الآيات. ويعقوب عليه السلام ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو ~~في مصر لا يدري خبره حتى أظهره الله خبر يوسف. وسليمان عليه السلام مع أن ~~الله سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه ~~الهدهد، وقال له # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # النمل 22 الآيات. ونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أنه ~~ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتى قال # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق # هود 45 الآية، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله # ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # هود 46. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود # ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب # هود 31 الآية، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم # أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا ~~سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # البقرة 31-32. فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل، والملائكة لا ~~يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ~~ما شاء، كما أشار له بقوله # وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشآء # آل عمران 179، وقوله # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # الجن 26-27، الآية. تنبيه لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا ~~الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير ~~الوحي من الضلال المبين، وبعض منها يكون كفرا. ولذا ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما " # ، ولا خلاف بين العلماء في ms0504 منع العيافة والكهانة والعرافة، والطرق ~~والزجر، والنجوم وكل ذلك يدخل في الكهانة، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء ~~الإطلاع على علم الغيب. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال # " ليسوا بشيء " # وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه فمن قال إنه ينزل الغيث غدا. ~~وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا، وكذلك من قال إنه يعلم ~~ما في الرحم فإنه كافر، فإن لم يجزم، وقال إن النوء ينزل به الماء عادة، ~~وإنه سبب الماء عادة، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر ~~إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة اهل الكفر وجهلا ~~بلطيف حكمته، لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء. قال الله ~~تعالى " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب " على ما يأتي بيانه في ~~الواقعة إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي وكذلك قول الطبيب إذا كان ~~الثدي الأيمن مسود الحلمة، فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، ~~وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا ~~واجبا في الخلقة لم يكفر، ولم يفسق. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر ~~فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة، أو المفصلة في أن تكون قبل أن ~~تكون فلا ريبة في كفره أيضا. # فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر، فقد قال علماؤنا يؤدب ولا يسجن، أما ~~عدم كفره فلأن جماعة قالوا إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسبما ~~أخبر الله عنه من قوله # والقمر قدرناه منازل # يس 39. وأما أدبهم، فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدرون الفرق ~~بين هذا وغيره فيشوشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى ~~يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به. قلت ومن هذا الباب ما جاء في صحيح ~~مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم ms0505 تقبل له صلاة أربعين ليلة " # ، والعراف هو الحازي والمنجم الذي يدعي علم الغيب، وهي العرافة وصاحبها ~~عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها. وقد ~~يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالرجز والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ~~ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة، قاله ~~القاضي عياض. والكهانة ادعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في ~~الكافي من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحت، ~~والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، ~~وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. اه من القرطبي بلفظه، ~~وقد رأيت تعريفه للعراف والكاهن. وقال البغوي العراف الذي يدعي معرفة ~~الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك، وقال أبو ~~العباس بن تيمية العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في ~~معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالطرق قيل الخط الذي يدعي به الإطلاع ~~على الغيب، وقيل إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، والزجر هو العيافة، ~~وهي التشاؤم والتيامن بالطير، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ~~ومواقعها وأسمائها وألوانها وجهاتها التي تطير إليها. ومنه قول علقمة بن ~~عبدة التميمي # ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لا بد مشؤوم # وكان أشد العرب عيافة بنو لهب حتى قال فيهم الشاعر # خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة لهبي إذا الطير مرت # وإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب # في مدلج بن بكر القيافة كما للهب كانت العيافة # ولقد صدق من قال # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع # ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الإطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما ~~استأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك كقوله # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65، وقوله هنا { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ ~~إلا هو } ونحو ذلك. وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية أن حلوان ~~الكاهن لا يحل له، ولا يرد ms0506 لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين في نظائر ~~نظمها بعض علماء المالكية بقوله # وأي مال حرموا أن ينتفع موهوبه به ورده منع حلوان كاهن وأجرة الغنا ~~ونائح ورشوة مهر الزنا # هكذا قيل. والله تعالى أعلم. ### || [6.60] # قوله تعالى { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما ~~جرحتم بالنهار } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم ~~وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أن وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه ~~تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى ~~قد مات صاحبها، ولذا يمسك روحه عنده، وذلك في قوله تعالى # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون # الزمر 42. ### || [6.61] # قوله تعالى { ويرسل عليكم حفظة } الآية. لم يبين هنا ماذا ~~يحفظون وبينه في مواضع أخر فذكر أن مما يحفظونه بدن الإنسان بقوله # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # الرعد 11، وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر، بقوله # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # الانفطار 10-12، وقوله # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # ق 17-18، وقوله # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # الزخرف 80. ### || [6.68] # قوله تعالى { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره }. نهى ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة عن مجالسة ~~الخائضين في آياته، ولم يبين كيفية خوضهم فيها التي هي سبب منع مجالستهم، ~~ولم يذكر حكم مجالستهم هنا، وبين ذلك كله في موضع آخر فبين أن خوضهم فيها ~~بالكفر والاستهزاء بقوله # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم # النساء 140، الآية. وبين أن من جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم ~~بقوله ms0507 # إنكم إذا مثلهم # النساء 140، وبين حكم من جالسهم ناسيا، ثم تذكر بقوله هنا { وإما ~~ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين } الأنعام 68، كما تقدم في سورة النساء. ### || [6.76] # قوله تعالى { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال ~~هذا ربي }. الآيات قوله { هذا ربي } في المواضع الثلاثة ~~محتمل، لأنه كان يظن ذلك، كما روي عن ابن عباس وغيره ومحتمل، لأنه جازم ~~بعدم ربوبية غير الله. ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة ~~استفهام الإنكار والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة الثاني أما بطلان الأول، ~~فالله تعالى نفى كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله # وما كان من المشركين # النحل 123 في عدة آيات، ونفى الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، ~~فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما. وأما كونه جازما موقنا بعدم ~~ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى { فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي } إلى آخره " ~~بالفاء " على قوله تعالى # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # الأنعام 75 فدل على أنه قال ذلك موقنا مناظرا ومحاجا لهم، كما دل ~~عليه قوله تعالى # وحآجه قومه # الأنعام 80 الآية، وقوله # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه # الأنعام 83 الآية والعلم عند الله تعالى. ### || [6.82] # قوله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } الآية. المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه، وقد بينه قوله تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، وقوله # والكافرون هم الظالمون # البقرة 254، وقوله # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # يونس 106. ### || [6.83] # قوله تعالى { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم } الآية. ~~قال مجاهد وغيره هي قوله تعالى # وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن # الأنعام 81 الآية، وقد صدقه الله، ms0508 وحكم له بالأمن والهداية، فقال # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # الأنعام 82. والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم، كما في قوله # لا أحب الآفلين # الأنعام 76، لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح ~~حجة على انتفاء الربوبية عنها، وقد استدل إبراهيم عليه، وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله { لا أحب ~~الآفلين } فعدم إدخال هذه الحجة في قوله { وتلك حجتنآ } ~~الأنعام 83 غير ظاهر، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة ~~صدر القرطبي، والعلم عند الله تعالى. ### || [6.88] # قوله تعالى { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون }. ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة ~~الكريمة لو أشركوا بالله لحبط جميع أعمالهم. وصرح في موضع آخر بأنه أوحي ~~هذا إلى نبينا، والأنبياء قبله عليهم كلهم صلوات الله وسلامه، وهو قوله # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65 الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله # قل إن كان للرحمن ولد # الزخرف 81 الآية على القول بأن " إن " شرطية وقوله # لو أردنآ أن نتخذ لهوا # الأنبياء 17 الآية، وقوله # لو أراد الله أن يتخذ ولدا # الزمر 4 الآية. ### || [6.93] # قوله تعالى { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله }. أي ~~لا أحد أظلم ممن قال { سأنزل مثل مآ أنزل الله } ونظيرها ~~قوله تعالى # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا # الأنفال 31، وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع ~~العرب بسورة واحدة منه، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله # فأتوا بسورة من مثله # البقرة 23، وفي يونس بقوله # قل فأتوا بسورة مثله # يونس 38، وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # هود 13، وتحداهم به كله في الطور بقوله # فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين # الطور 34. ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان ~~بمثله في قوله # قل لئن ms0509 اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # الإسراء 88، فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة. قوله تعالى { والملائكة ~~باسطوا أيديهم } الآية. لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه ~~الأيدي، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله # أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون # الأنعام 93 الآية، وصرح بذلك في قوله # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # الأنفال 50، وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد النتاول بالسوء كقوله # ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء # الممتحنة 2، وقوله # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني # المائدة 28 الآية. ### || [6.94] # قوله تعالى { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركآء }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون ~~يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم، وصرح تعالى بأن كل ~~واحد يأتي فردا في قوله # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # مريم 95، وقوله في هذه الآية { كما خلقناكم أول مرة } ~~أي منفردين لا مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا حول عندكم، حفاة عراة غرلا، ~~أي غير مختونين # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # الأنبياء 104، وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضا ~~فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان # من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # قوله تعالى { لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الأنداد التي كانوا يعبدونها ~~في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلات ~~في الدنيا، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدا كقوله # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # الأحقاف 6، وقوله # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # مريم 82، وقوله # إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ms0510 # العنكبوت 25، وقوله # أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون # الشعراء 92-93، وقوله هنا { وما نرى معكم شفعآءكم ~~الذين زعمتم } الأنعام 94 الآية. ### || [6.96] # قوله تعالى { وجعل الليل سكنا }. أي مظلما ساجيا ليسكن ~~فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكد بالنهار كما بينه قوله تعالى # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا # يونس 67، وقوله # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله # القصص 71-73 الآية، وقوله { لتسكنوا فيه } يعني الليل، { ~~ولتبتغوا من فضله } يعني بالنهار # ومن آياته الليل والنهار # فصلت 37 الآية. ### || [6.97] # قوله تعالى { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها في ظلمات البر والبحر } الآية. ظاهر هذه الآية ~~الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط كقوله # وبالنجم هم يهتدون # النحل 16، ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير ~~الاهتداء بها وهما تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين بها، كقوله # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # الملك 5 الآية. وقوله # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى ~~الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم ~~عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ~~ثاقب # الصافات 6-10، وقوله # وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك ~~تقدير العزيز العليم # فصلت 12. ### || [6.98] # قوله تعالى { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ~~فمستقر } الآية. ولم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة، ولكنه ~~بين في مواضع أخر أن كيفيته أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم ~~زوجها حواء، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كقوله # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # النساء ms0511 1 وقوله # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # الأعراف 189 الآية. ### || [6.103] # قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } الآية. أشار في مواضع أخر ~~إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية كقوله # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # القيامة 22-23، وقوله # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # يونس 26 والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # المطففين 15 يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه وهو كذلك. ### || [6.105] # قوله تعالى { وليقولوا درست } الآية. يعني ليزعموا إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما تعلم هذه القرآن بالدرس والتعليم من ~~غيره من أهل الكتاب، كما زعم كفار مكة أنه صلى الله عليه وسلم تعلم هذا ~~القرآن من جبر ويسار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، وقد أوضح الله تعالى ~~بطلان افترائهم هذا في آيات كثيرة كقوله # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # النحل 103، وقوله # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر إن هذآ إلا ~~قول البشر سأصليه سقر # المدثر 24-26، ومعنى يؤثر يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره في ~~زعمهم الباطل، وقوله # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون فقد جآءوا ظلما وزورا ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض # الفرقان 4-6 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وفي قوله { درست } ثلاث ~~قراءات سبعيات. قرأه ابن كثير، وأبو عمر " دارست " بألف بعد الدال مع ~~إسكان السين وفتح التاء من المفاعلة بمعنى دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى ~~حصلت هذا العلم. وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر " درست " بإسقاط الألف، ~~مع إسكان السين وفتح التاء أيضا، بمعنى درست هذا على أهل الكتاب حتى ~~تعلمته منهم. وقرأه ابن عامر " درست " بفتح الدال والراء والسين ~~وإسكان التاء على أنها تاء التأنيث، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات ~~المذكورة في قوله ms0512 { وكذلك نصرف الآيات } الأنعام 105. قال ~~القرطبي وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى ولئلا يقولوا انقطعت ~~وانمحت، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها. اه. وقال القرطبي { ~~وليقولوا درست } الواو للعطف على مضمر أي نصرف الآيات لتقوم ~~الحجة وليقولوا درست وقيل { وليقولوا درست } صرفناها. قال ~~مقيده عفا الله عنه ومعناهما آيل إلى شيء واحد ويشهد له القرآن في آيات ~~كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحا في هذا الكتاب ليهدي به قوما، ~~ويجعله حجة على آخرين كقوله # لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا # مريم 97 وقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت 44، وقوله # ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك ~~يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء # المدثر 31 كما قال هنا { وليقولوا درست ولنبينه ~~لقوم يعلمون } فالأشقياء يقولون تعلمته من البشر بالدراسة وأهل ~~العلم، والسعادة يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه. ### || [6.112] # قوله تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل ~~لكل نبي عدوا، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن، وصرح ~~في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين # الفرقان 31 فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن وذكر في ~~هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح بذلك في قوله # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # البقرة 14 الآية. وقد جاء الخبر بذلك مرفوعا من حديث أبي ذر عند الإمام ~~أحمد وغيره والعرب تسمي كل متمرد شيطانا سواء كان من الجن أو من الإنس ~~كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث # " الكلب الأسود شيطان " # وقوله، شياطين بدل من قوله { عدوا } ، أو مفعول أول { جعلنا } ، ~~والثاني { عدوا } أي جعلنا شياطين الإنس ms0513 والجن عدوا. ### || [6.116] # قوله تعالى { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله }. ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ~~ضلال، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في ~~الأمم الماضية كقوله # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # الرعد 1، وقوله # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # يوسف 103، وقوله # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # الصافات 71، وقوله # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # الشعراء 8 إلى غير من الآيات. ### || [6.119] # قوله تعالى { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } الآية. ~~التحقيق أنه فصله لهم بقوله # قل لآ أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلآ أن يكون ميتة # الأنعام 145 الآية، ومعنى الآية أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم، ~~وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصل لكم المحرم أكله عليكم في قوله ~~{ قل لا أجد في مآ أوحي إلي } الآية، وليس هذا منه. وما ~~يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3 الآية. فهو غلط. لأن قوله تعالى { حرمت عليكم ~~الميتة } من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، ~~وقوله { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } الأنعام 119 من ~~سورة الأنعام، وهي مكية. فالحق هو ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. ### || [6.123] # قوله تعالى { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها، ولم يبين ~~المراد بالأكابر هنا، ولا كيفية مكرهم، وبين جميع ذلك في مواضع أخر فبين ~~أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف، والنعمة في الدنيا، بقوله # ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون # سبأ 34، وقوله # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # الزخرف 23. ونحو ذلك من الآيات. وبين ms0514 أن مكر الأكابر المذكور هو أمرهم ~~بالكفر بالله تعالى، وجعل الأنداد له بقوله # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا # سبأ 33، وقوله # ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم # نوح 22-23 الآية. وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان ~~أحدهما أن " أكابر " مضاف إلى " مجرميها " وهو المفعول الأول لجعل التي ~~بمعنى صير، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور، أعني في كل قرية. ~~والثاني أن " مجرميها " مفعول أول. و " أكابر " مفعول ثان، أي جعلنا ~~مجرميها أكابرها، والأكابر جمع الأكبر. ### || [6.124] # قوله تعالى { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله }. يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى ~~تأتيهم الملائكة بالرسالة، كما أتت الرسل، كما بينه تعالى في آيات أخر، ~~كقوله # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا # الفرقان 21 الآية. وقوله # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # الإسراء 92 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.125] # قوله تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام } الآية. جاء # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية الكريمة، فقيل ~~كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ - صلى الله عليه وسلم - قال " نور يقذف فيه، ~~فينشرح له، وينفسح ". قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال " الإنابة ~~إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء ~~الموت " # ويدل لهذا قوله تعالى # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # الزمر 22. ### || [6.130] # قوله تعالى { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم } الآية. قال بعض العلماء المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين ~~يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم، ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم ~~منذرون لقومهم في قوله # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين # الأحقاف 29؟ وقال بعض العلماء { رسل منكم } أي من مجموعكم ~~الصادق بخصوص الإنس لأنه لا رسل من ms0515 الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ~~ربما أطلق فيه المجموع مرادا بعضه، كقوله # وجعل القمر فيهن نورا # نوح 16، وقوله # فكذبوه فعقروها # الشمس 14، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # القمر 29. واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله وغيره من أجلاء ~~العلماء في تفسير هذه الآية من أن قوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير، لا يجوز القول ~~به. لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى، لأن الله ذكر البحرين ~~الملح والعذب، بقوله # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج # فاطر 12، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منها جميعا بقوله # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها # فاطر 12 والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض ~~للآية صريحا، كما ترى. ### || [6.131] # النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا ~~يهلك قوما في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحدا إلا بعد ~~الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كما بين هذا ~~المعنى في آيات كثيرة كقوله # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15، وقوله # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء 165، وقوله # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # فاطر 24، وقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [6.132] # قوله تعالى { ولكل درجات مما عملوا }. بين في موضع آخر ~~أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل ~~الدنيا، وهو قوله # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # الإسراء 21. ### || [6.141] # قوله تعالى { وآتوا حقه يوم حصاده }. اختلف العلماء في ~~المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من ~~العلماء هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا أنس بن مالك، وابن ~~عباس وطاوس، ms0516 والحسن وابن زيد وابن الحنفية، و الضحاك وسعيد بن المسيب، ~~ومالك، نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس وسعيد وغيرهما، ونقله ~~ابن جرير عن ابن عباس وأنس والحسن وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب وقتادة ~~وطاوس ومحمد ابن الحنفية، والضحاك وابن زيد. وقال قوم ليس المراد به ~~الزكاة، وإنما المراد به أنه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة ~~والضغث ونحو ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب، وحمله بعضهم على الندب قال ~~القرطبي وقال علي بن الحسين، وعطاء والحكم، وحماد وسعيد بن جبير، ومجاهد ~~هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندبا، وروي عن ابن عمر ومحمد ابن ~~الحنفية أيضا، ورواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم، قال مجاهد ~~إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من ~~الشماريخ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه ~~زكاته. وقال قوم هو حق واجب غيرالزكاة، وهو غير محدد بقدر معين، وممن ~~قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير. وقال قوم هي منسوخة بالزكاة، واختاره ~~ابن جرير، وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء، وأيده بأن هذه ~~السورة مكية، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة. ~~وقال ابن كثير في القول بالنسخ نظر، لأنه قد كان شيئا واجبا في الأصل، ~~ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا وكان هذا في السنة ~~الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير. ومراده أن شرع الزكاة ~~بيان لهذا الحق لا نسخ له، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس ومحمد بن ~~الحنفية، والحسن والنخعي وطاوس، وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريج، ~~نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضا، ونقله عن السدي وعطية، ونقله ابن ~~جرير أيضا عن ابن عباس وابن الحنفية، وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن، ~~والسدي وعطية، واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ ~~إلا بعد التذرية والتنقية، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ، ms0517 فدل على ~~عدم الأخذ يوم الحصاد فعلم أن الآية منسوخة، أو أنها على سبيل الندب، ~~فالأمر واضح. وعلى أن المراد بها الزكاة، فقد اشير إلى أن هذا الحق ~~المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة، وهو المذكور في ~~قوله # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض # البقرة 267 الآية، وبينته السنة، فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه يحتاج هنا ~~إلى بيان ثلاثة اشياء الأول تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض. ~~الثاني تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه. الثالث تعيين القدر الواجب ~~فيه وسنبينها إن شاء الله مفصلة. اعلم أولا أنه لا خلاف بين العلماء في ~~وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. واختلف فيما سواها مما ~~تنبته الأرض فقال قوم لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض، وروي ذلك ~~عن الحسن، وابن سيرين والشعبي. وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى، ~~والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإليه ذهب ابو ~~عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي ~~موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. ~~ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبيه، كما نقله عنهم ~~القرطبي. واستدل أهل هذا القول بما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن عبد الله بن عمرو، أنه قال إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي رواية عن أبيه عن جده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال # " والعشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير " # ، وعن موسى بن طلحة عن عمر أنه قال # " إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة الحنطة، ~~والشعير، والتمر، والزبيب ". # وعن أبي بردة عن أبي موسى، ومعاذ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر ~~دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا ms0518 الصدقة إلا من هذه الأربعة، الحنطة، والشعير، ~~والتمر، و الزبيب " # رواها كلها الدارقطني، قاله ابن قدامة في المغني. قال مقيده عفا الله ~~عنه أما ما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أنه صلى ~~الله عليه وسلم إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة، فإسناده واه لأنه من ~~رواية محمد بن عبيد الله العزرمي، وهو متروك، قاله ابن حجر في التلخيص، ~~وما رواه الدارقطني من حديث موسى بن طلحة، عن عمر أنه صلى الله عليه وسلم ~~إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة، قال فيه أبو زرعة موسى عن عمر مرسل، ~~قاله ابن حجر أيضا، وما عزاه للدارقطني عن أبي بردة عن أبي موسى، ومعاذ ~~رواه الحاكم والبيهقي عن أبي بردة عنهما. وقال البيهقي رواته ثقات، وهو ~~متصل، قاله ابن حجر أيضا، وقال مالك وأصحابه تجب الزكاة في كل مقتات ~~مدخر، وذلك عنده في ثمار الأشجار، إنما هو التمر والزبيب فقط، ومشهور ~~مذهبه وجوب الزكاة في الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق. # ولكنها تخرج من زيته بعد العصر، فيخرج عشره أو نصف عشره على ما سيأتي، ~~فإن لم يبلغ حبه خمسة أوسق فلا زكاة عنده في زيته وحكم السمسم وبزر الفجل ~~الأحمر والقرطم حكم الزيتون في مشهور مذهبه يخرج من زيتها إن بلغ حبها ~~النصاب. وقال اللخمي لا يضم زيت بعضها إلى بعض لاختلاف أجناسها، ومشهور ~~مذهبه عدم وجوبها في التين، وأوجبها فيه جماعة من أصحابه بمقتضى أصوله ~~وقال ابن عبد البر أظن مالكا ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخر. ~~ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عده مع الفواكه التي لا تيبس، ولا ~~تدخر كالرمان والفرسك، والذي تجب فيه من الحبوب عنده هو ما يقتات ويدخر، ~~وذلك الحنطة والشعير والسلت والعس والدخن والذرة والأرز والعدس والجلبان ~~واللوبيا والجلجلان والترمس والفول والحمص والبسيلة. ومشهور مذهبه أن ~~الكرسنة لا زكاة فيها، لأنها علف، وعن أشهب وجوب الزكاة فيها، وهي من ~~القطاني على مشهور مذهبه في باب الربا، ms0519 دون باب الزكاة. وقيل هي البسيلة، ~~وجميع أنواع القطاني عند مالك جنس واحد في الزكاة، فلو حصد وسقا من فول ~~ووسقا من حمص، وآخر من عدس وآخر من جلبان، وآخر من لوبيا وجب عليه أن ~~يضم بعضها إلى بعض، ويخرج الزكاة منها كل واحد يحسبه، وكذلك يضم عنده ~~القمح والشعير والسلت بعضها إلى بعض كالصنف الواحد، وتخرج الزكاة منها كل ~~بحسبه، ولا يضم عنده تمر إلى زبيب ولا حنطة إلى قطنية، ولا تمر إلى حنطة ~~ولا أي جنس إلى جنس آخر غير ما ذكرنا عنه ضمه لتقارب المنفعة فيه عنده، ~~والنوع الواحد كالتمر والزبيب، والحنطة يضم بعض انواعه إلى بعض كصيحاني ~~وبرني وسمراء ومحمولة وزبيب أسود وزبيب أحمر ونحو ذلك. ولا زكاة عند ~~مالك رحمه الله في شيء من الفواكه غير ما ذكرنا، كالرمان والتفاح والخوخ ~~والإجاص، والكمثري، واللوز، والجوز، والجلوز، ونحو ذلك كما لا زكاة عنده ~~في شيء من الخضراوات. قال في الموطأ السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، ~~والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان ~~والفرسل والتين، وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال ولا ~~في القضب، ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى ~~يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب اه. ~~والفرسك - بكسر الفاء والسين بينها راء ساكنة آخره كاف - الخوخ، وهي لغة ~~يمانية، وقيل نوع مثله في القدر، وهو أجرد أملس أحمر وأصفر جيد، وقيل ما ~~ليس ينفلق عن نواة من الخوخ، وإذا كان الزرع أو الثمر مشتركا بين اثنين ~~فأكثر، فقد قال فيه مالك في الموطأ في النخيل يكون بين الرجلين فيجذان ~~منه ثمانية أوسق من التمر أنه لا صدقة عليهما فيها، وأنه إن كان لأحدهما ~~منها ما يجذ منه خمسة أوسق، وللآخر ما يجذ أربعة أوسق أو أقل من ذلك في ~~أرض واحدة، كانت الصدقة على صاحب الخمسة الأوسق، وليس على الذي جذ ms0520 أربعة ~~أوسق أو أقل منها صدقة، وكذلك العمل في الشركاء كلهم في كل زرع من الحبوب ~~كلها يحصد، أو النخل يجذ أو الكرم يقطف، فإنه إذا كان كل رجل منهم يجذ من ~~التمر، أو يقطف من الزبيب خمسة أوسق، أو يحصد من الحنطة خمسة أوسق، فعليه ~~الزكاة، ومن كان حقه أقل من خمسة أوسق فلا صدقة عليه. # وإنما تجب الصدقة على من بلغ جذاذه أو قطافه أو حصاده خمسة أوسق، انتهى ~~من موطأ مالك رحمه الله. وإذا أمسك ذلك الحب أو التمر الذي أخرج زكاته ~~سنين، ثم باعه فحكمه عند مالك ما ذكره في موطئه حيث قال السنة عندنا أن ~~كل ما أخرجت زكاته من هذه الأصناف كلها الحنطة والتمر والزبيب والحبوب ~~كلها، ثم أمسكه صاحبه بعد أن أدى صدقته سنين ثم باعه، أنه ليس عليه في ~~ثمنه زكاة حتى يحول على ثمنه الحول من يوم باعه، إذا كان أصل تلك الأصناف ~~من فائدة أو غيرها، وأنه لم يكن للتجارة. وإنما ذلك بمنزلة الطعام ~~والحبوب والعروض يفيدها الرجل، ثم يمسكها سنين، ثم يبيعها بذهب أو ورق ~~فلا يكون عليه في ثمنها زكاة حتى يحول عليها الحول من يوم باعها، فإن ~~كان أصل تلك العروض للتجارة فعلى صاحبها فيها الزكاة حين يبيعها، إذا كان ~~حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها به، انتهى في الموطأ، وهذا في ~~المحتكر، أما المدير فإنه يقومها بعد حول من زكاته، كما في المدونة عن ~~ابن القاسم. هذا هو حاصل مذهب مالك رحمه الله فيما تجب فيه الزكاة من ~~الثمار والحبوب، ومذهب الشافعي رحمه الله، أنه لا تجب الزكاة في شيء من ~~ثمار الأشجار أيضا، إلا فيما كان قوتا يدخر، وذلك عنده التمر والزبيب ~~فقط، كما تقدم عن مالك، ولا تجب عنده في سواهما من الثمار كالتين والتفاح ~~والسفرجل والرمان، ونحو ذلك، لأنه ليس من الأقوات ولا من الأموال ~~المدخرة، ولا تجب عنده في طلع الفحال، لأنه لا يجيء منه الثمار. واختلف ~~قوله في الزيتون، ms0521 فقال في القديم، تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر رضي ~~الله عنه أنه جعل في الزيت العشر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ~~في الزيتون الزكاة، وقال في الجديد لا زكاة في الزيتون. لأنه ليس بقوت ~~فهو كالخضراوات. # واختلف قول الشافعي رحمه الله أيضا في الورس، فقال في القديم تجب فيه ~~الزكاة، ملا روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى بني خفاش، أن ~~أدوا زكاة الذرة والورس، وقال في الجديد لا زكاة فيه، لأنه نبت لا يقتات، ~~فأشبه الخضراوات، وقال الشافعي رحمه الله من قال لا عشر في الورس لم يوجب ~~في الزعفران، ومن قال يجب في الورس، فيحتمل أن يوجب في الزعفران، لأنهما ~~طيبان، ويحتمل ألا يوجب في الزعفران ويفرق بينهما بأن الورس شجر له ساق ~~والزعفران نبات، واختلف قوله أيضا في العسل فقال في القديم يحتمل أن تجب ~~فيه، ووجهه ما روي أن بني شبابة بطن من فهم، كانوا يؤدون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من نحل كان عندهم العشر من عشر قرب قربة، وقال ~~في الجديد لا تجب لأنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض. واختلف قوله ~~أيضا في القرطم، وهو حب العصفر، فقال في القديم تجب إن صح فيه حديث أبي ~~بكر رضي الله عنه، وقال في الجديد لا تجب لأنه ليس بقوت، فأشبه ~~الخضراوات، قاله كله صاحب المهذب، وقال النووي في شرح المهذب الأثر ~~المروي عن عمر " أنه جعل في الزيت العشر " ضعيف، رواه البيهقي، وقال ~~إسناده منقطع، وراويه ليس بقوي، قال وأصح ما روي في الزيتون قول الزهري ~~مضت السنة في زكاة الزيتون، أن يؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصره، فيما سقت ~~السماء أن كان بعلا العشر، وفيما سقي برش الناضح نصف العشر، وهذا موقوف ~~لا يعلم اشتهاره، ولا يحتج به على الصحيح. وقال البيهقي وحديث معاذ بن ~~جبل، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أعلى، وأولى أن يؤخذ به، يعني ~~روايتهما # " أن النبي صلى ms0522 الله عليه وسلم قال لهما، لما بعثهما إلى اليمن لا ~~تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة الشعير، والحنطة، والتمر، ~~والزبيب ". # وأما الأثر المذكور عن ابن عباس فضعيف أيضا، والأثر المذكور عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ضعيف أيضا، ذكره الشافعي وضعفه هو وغيره، واتفق ~~الحفاظ على ضعفه، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على ضعفه، قال البيهقي ولم ~~يثبت في هذا إسناد تقوم به حجة، قال والأصل عدم الوجوب فلا زكاة فيما لم ~~يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح، وأما حديث بني ~~شبابة في العسل فرواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب ~~عن أبيه، عن جده بإسناد ضعيف، قال الترمذي في جامعه لا يصح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذا كبير شيء، قال البيهقي قال الترمذي في كتاب ~~العلل قال البخاري ليس في زكاة العسل شيء يصح. # فالحاصل أن جميع الآثار، والأحاديث التي في هذا الفصل ضعيفة، انتهى كلام ~~النووي. وقال ابن حجر في التلخيص في أثر عمر المذكور في الزيتون رواه ~~البيهقي بإسناد منقطع، والراوي له عثمان بن عطاء ضعيف. قال وأصح ما في ~~الباب قول ابن شهاب " مضت السنة في زكاة الزيتون " الخ. وقال في التلخيص ~~أيضا في أثر ابن عباس المذكور في الزيتون ذكره صاحب المهذب، عن ابن ~~عباس، وضعفه النووي، وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي ~~سليم. وقال ابن حجر ايضا روى الحاكم في تاريخ " نيسابور " من طريق عروة، ~~عن عائشة مرفوعا " الزكاة في خمس في البر، والشعير. والأعناب والنخيل، ~~والزيتون " ، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، وهو الوقاصي متروك الحديث. ~~وقال ابن حجر في الأثر المذكور عن أبي بكر أنه كان يأخذ الزكاة من حب ~~العصفر، وهو القرطم، لم أجد له أصلا، وقال في التلخيص أيضا في خبر أخذه ~~صلى الله عليه وسلم زكاة العسل، أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه ms0523 وسلم قال # " في العسل في كل عشرة أزقاق زق " # ، وقال في إسناده مقال، ولا يصح، وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف ~~الحفظ. وقد خولف، وقال النسائي هذا حديث منكر، ورواه البيهقي، وقال تفرد ~~به صدقة، وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار، ذكره ~~المروزي، ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال هو ~~عن نافع، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، ونقل الحاكم في تاريخ " ~~نيسابور " ، عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال حدث محمد بن يحيى الذهلي ~~بحديث كاد أن يهلك، حدث عن عارم، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن ~~أبيه، عن ابن عمر مرفوعا " أخذ من العسل العشر ". قال أبو حاتم وإنما هو ~~عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كذلك حدثناه عارم، ~~وغيره قال ولعله سقط من كتابه عمرو بن شعيب، فدخله هذا الوهم. قال ~~الترمذي وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، قلت رواه أبو داود والنسائي من ~~رواية عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال " ~~جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له، ~~وسأله أن يحمي واديا له يقال له " سلبة " فحماه له، فلما ولى عمر كتب ~~إلى سفيان بن وهب، إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء. # قال الدارقطني يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن ~~شعيب مسندا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب، عن عمر ~~مرسلا قلت فهذه علته، وعبد الرحمن، وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان، ~~ولكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد، عن عمرو ~~بن شعيب عند ابن ماجه، وغيره كما مضى. # " قال الترمذي وفيه عن أبي سيارة، قلت هو المتعي، قال ms0524 " قلت يا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي نحلا، قال " العشور " ، قال قلت يا ~~رسول الله أحم لي جبلها " # رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي من رواية سليمان بن موسى، عن أبي ~~سيارة، وهو منقطع. قال البخاري لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة، وليس في ~~زكاة العسل شيء يصح، وقال أبو عمر لا تقوم بهذا حجة. قال وعن أبي هريرة ~~قلت رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، ورواه أيضا ~~من حديث سعد بن أبي ذباب " أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على ~~قومه، وأنه قال لهم # " أدوا العشر في العسل " # ، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعله في صدقات المسلمين " ، وفي إسناده ~~منير بن عبد الله ضعفه البخاري، والأزدي، وغيرهما. قال الشافعي وسعد بن ~~أبي ذباب، يحكي ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه ~~بشيء. وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه، وقال الزعفراني عن الشافعي ~~الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه، وقال ~~البخاري لا يصح فيه شيء. وقال ابن المنذر ليس فيه شيء ثابت، وفي الموطأ ~~عن عبد الله بن أبي بكر قال " جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي، وهو ~~بمنى ألا تأخذ من الخيل، ولا من العسل صدقة " ، انتهى كلام ابن حجر ~~بلفظه. وقال في التلخيص أيضا إن حديث معاذ، أنه لم يأخذ زكاة العسل، ~~وأنه قال " لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء " ، أخرجه ~~أبو داود في المراسيل، والحميدي في مسنده، وابن أبي شيبة، والبيهقي من ~~طريق طاوس عنه، وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ، لكن قال البيهقي هو قوي. لأن ~~طاوسا كان عارفا بقضايا معاذ. قال مقيده، عفا الله عنه ولا شك أن إخراج ~~زكاته أحوط، وهو مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - ونقله صاحب المغني عن ~~مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق. وحجتهم الأحاديث ~~التي رأيت، ولا شيء فيه عند مالك، والشافعي ms0525 في الجديد، وابن أبي ليلى، ~~والحسن بن صالح، وابن المنذر، وغيرهم. # وحجتهم عدم صحة ما ورد فيه، وأن الأصل براءة الذمة، وأنه مائع خارج من ~~حيوان فأشبه اللبن. وقال أبو حنيفة إن كان في أرض للعشر ففيه الزكاة، ~~وإلا فلا زكاة فيه، ونصاب العسل، قيل خمسة أفراق، وهو قول الزهري، وقيل ~~خمسة أوسق، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة تجب في قليله ~~وكثيره. والفرق ستة عشر رطلا بالعراقي، وقيل ستون رطلا، وقيل مائة ~~وعشرون رطلا، وقيل ثلاثة آصع، وقيل غير ذلك. قاله في المغني. وأما ~~الحبوب فلا تجب الزكاة عند الشافعي إلا فيما يقتات، ويدخر منها، ولا زكاة ~~عنده في شيء من الفواكه التي لا تقتات، ولا تدخر، ولا في شيء من ~~الخضراوات، فمذهبه يوافق مذهب مالك، كما قدمنا، إلا أن الشافعي لا يضم ~~بعض الأنواع إلى بعض، ومالك يضم القطاني بعضها إلى بعض في الزكاة، وكذلك ~~القمح والشعير والسلت، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - ~~فهو وجوب الزكاة فيما تنبته الأرض، مما ييبس، ويبقى. مما يكال. فأوصاف ~~المزكي عنده مما تنبته الأرض ثلاثة وهي الكيل، والبقاء، واليبس. فما كان ~~كذلك من الحبوب والثمار وجبت فيه عنده، سواء كان قوتا أم لا، وما لم يكن ~~كذلك لم تجب فيه. فتجب عنده في الحنطة، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، ~~والدخن، والقطاني، كالباقلا، والعدس، والحمص، والأبازير. كالكمون، ~~والكراويا، والبزر كبزر، الكتاب، والقثاء، والخيار. وحب البقول، كالرشاد، ~~وحب الفجل، والقرطم، والسمسم، ونحو ذلك من سائر الحبوب. كما تجب عنده ~~أيضا فيما جمع الأوصاف المذكورة من الثمار، كالتمر والزبيب واللوز، ~~والفستق والبندق. ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه كالخوخ والإجاص ~~والكمثري والتفاح والتين والجوز، ولا في شيء من الخضر كالقثاء، والخيار، ~~والباذنجان، واللفت، والجزر، ونحو ذلك. ويروى نحو ما ذكرنا عن أحمد في ~~الحبوب، عن عطاء، وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو عبد الله بن حامد لا شيء في ~~الأبازير، ولا البزر. ولا حب البقول. قال صاحب المغني ولعله لا يوجب ms0526 ~~الزكاة إلا فيما كان قوتا، أو أدما. لأن ما عداه لا نص فيه، ولا هو في ~~معنى المنصوص فيبقى على النفس الأصلي، ولا زكاة في مشهور مذهب أحمد - ~~رحمه الله - فيما ينبت من المباح الذي لا يملك، إلا بأخذه البطم، وشعير ~~الجبل، وبزر قطونا، وبزر البقلة، وحب النمام، وبزر الأشنان، ونحو ذلك، ~~وعن القاضي انه تجب فيه الزكاة، إذا نبت بأرضه. والصحيح الأول فإن تساقط ~~في أرضه حب كحنطة مثلا فنبت ففيه الزكاة. لأنه يملكه، ولا تجب الزكاة ~~فيما ليس بحب، ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل، والإدخار، أو لم يوجدا، فلا ~~تجب في ورق مثل ورق السدر، والخطمي، والأشنان، والصعتر، والآس، ونحوه. # لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا زكاة عنده في الأزهار ~~كالزعفران، والعصفر، والقطن. لأنها ليست بحب، ولا ثمر، ولا هي بمكيل، فلم ~~تجب فيها زكاة. كالخضراوات. قال الإمام أحمد رحمه الله ليس في القطن شيء، ~~وقال ليس في الزعفران زكاة، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر. قاله ~~ابن قدامة في المغني. واختلفت عن أحمد - رحمه الله - الرواية في الزيتون ~~فروى عنه ابنه صالح أن فيه الزكاة وروي عنه أنه لا زكاة فيه وهو اختيار ~~أبي بكر وظاهر كلام الخرقي يقتضيه. قاله أيضا صاحب المغني، وأما أبو ~~حنيفة - رحمه الله - فإنه قائل بوجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض طعاما ~~كان أو غيره، وقال أبو يوسف عنه إلا الحطب والحشيش، والقصب والتبن، ~~والسعف وقصب الذريرة، وقصب السكر اه. والذريرة قصب يجاء به من الهند، ~~كقصب النشاب، أحمر يتداوى به، وممن قال مثل قول أبي حنيفة النخعي، وروي ~~نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول حماد بن ابي سليمان شيخ أبي حنيفة ~~ونصره ابن العربي المالكي في أحكامه. قال وأما أبو حنيفة فجعل الآية ~~مرآته فأبصر الحق. هذا هو حاصل مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم. في ~~تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض، وسنشير إن شاء الله إلى دليل ~~كل واحد منهم ms0527 فيما ذهب إليه. أما أبو حنيفة فقد احتج على وجوب الزكاة في ~~كل ما تنبته الأرض من قليل وكثير بعموم هذه الآية الكريمة التي نحن ~~بصددها. لأن الله قال فيها { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~الأنعام 141 الآية وبعموم قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض # البقرة 267 الآية. وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم # " فيما سقت السماء العشر " # الحديث ولم يقبل تخصيصه بحديث # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " # لأن القاعدة المقررة في أصوله رحمه الله أن العام قطعي الشمول، والتناول ~~لجميع أفراده كما أشار له في " مراقي السعود " بقوله # وهو على فرد يدل حتما وفهم الاستغراق ليس جزما بل هو عند الجل ~~بالرجحان والقطع فيه مذهب النعمان # فما كان أقل من خمسة أوسق يدخل عنده دخولا مجزوما به في عموم الآيات ~~المذكورة، والحديث. فلا يلزم عنده تخصيص العام بالخاص، بل يتعارضان. ~~وتقديم ما دل على الوجوب أولى من تقديم ما دل على غيره للاحتياط في ~~الخروج من عهدة الطلب. وأما مالك والشافعي - رحمهما الله تعالى - فحجتهما ~~في قولهما إنه لا زكاة غير النخل والعنب عن الأشجار، ولا في شيء من ~~الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر. # ولا زكاة في الفواكه ولا الخضراوات، لأن النص والإجماع دلا على وجوب ~~الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب. وكل واحد منهما مقتات مدخر ~~فألحقوا بها كل ما كان في معناها لكونه مقتاتا ومدخرا غير التمر ~~مقتاتا ومدخرا. ولم يريا أن في الأشجار مقتاتا ولا مدخرا غير التمر ~~والزبيب، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار، ولذا قال جماعة من ~~أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك لأنه كالزبيب في ~~الاقتيات والإدخار. وقال ابن عبد البر الظاهر أن مالكا ما كان يعلم أن ~~التين كذلك وأما الحبوب فيوجد فيها الاقتيات والإدخار فألحقا بالحنطة ~~والشعير كل ما كان مقتاتا مدخرا كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ~~ذلك. - فهو إلحاق منهما - رحمهما الله - للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة ~~التي ms0528 هي عندهما الاقتيات والإدخار. لأن كونه مقتاتا مدخرا مناسب لوجوب ~~الصدقة فيه. لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون. وأما أحمد - ~~رحمه الله - فحجته في قوله إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال أن ما لا ~~ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه صلى ~~الله عليه وسلم، ولا زمن الخلفاء الراشدين. ودليله في اشتراطه الكيل قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " # قال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب في الوسق، وهو خاص ~~بالمكيل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. أما دليل الجمهور منهم مالك ~~والشافعي وأحمد رحمهم الله على أن الفواكه والخضراوات. لا زكاة فيها ~~فظاهر. لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جدا والفواكه كانت كثيرة ~~بالطائف، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ ~~الزكاة من شيء من ذلك. قال القرطبي في تفسير هذه الآية. وقد كان بالطائف ~~الرمان والفرسك والأترج، فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~ذكره، ولا أحد من خلفائه، قلت وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في ~~المسالة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء، وأما الآية فقد اختلف فيها هل هي ~~محكمة أو منسوخة، أو محمولة على الندب؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل ~~القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة. أفيجوز أن ~~يتوهم متوهم، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل ~~بها في دار الهجرة ومستقر الوحي، ولا خلافه أبي بكر حتى عمل بذلك ~~الكوفيون؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا، أو قال به. قلت ومما يدل على هذا ~~من معنى التنزيل قوله تعالى # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # المائدة 67 أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو بيانه - حاشاه من ذلك - ~~وقال ms0529 تعالى # اليوم أكملت لكم دينكم # المائدة 3، ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا. وقال جابر ~~بن عبد الله - رضي الله عنهما - فيما رواه الدارقطني إن المقاثئ كانت ~~تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن تزكى ~~أثمان الخضر إذا أينعت وبلغ الثمن مائتي درهم، وقاله الأوزاعي في ثمن ~~الفواكه، ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يساله عن الخضراوات وهي البقول فقال ليس ~~فيها شيء وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش ~~وأبي موسى وعائشة ذكر أحاديثهم الدارقطني - رحمه الله - وقال الترمذي ليس ~~يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، واحتج بعض أصحاب ~~أبي حنيفة - رحمه الله - بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة " # قال أبو عمر وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو ~~من قول إبراهيم قلت وإذا سقط الإستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها لم ~~يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم # " فيما سقت السماء العشر " # بما ذكرنا اه. كلام القرطبي. وحجة من قال بأنه لا زكاة في غير الأربعة ~~المجمع عليها التي هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب هي الأحاديث التي ~~قدمنا في أول هذا المبحث، وفيها حديث معاذ وأبي موسى الذي تقدم عن ~~البيهقي أنه قوي متصل. وقال أبو يوسف ومحمد ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ~~ما كانت له ثمرة باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة وكان ~~محمد يعتبر في العصفر، والكتان البزر. فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتاب ~~خمسة أوسق. كان العصفر والكتان تبعا للبزر وأخذ منه العشر أو نصف العشر، ~~وأما القطن فليس عنده فيما دون خمسة أحمال شيء، والحمل ثلاثمائة ms0530 من ~~بالعراقي، والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منهما شيء. فإذا بلغ ~~احدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، وقال أبو يوسف وكذلك قصب السكر الذي ~~يكون فيه منه السكر، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج فيه ما في ~~الزعفران، وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون ~~البقول، وهو مخالف لما عليه أهل مذهبه مالك وأصحابه. قاله القرطبي. تنبيه ~~من قال لا زكاة في الرمان وهم جمهور العلماء، ومن قال لا زكاة في الزيتون ~~يلزم على قول كل منهم، أن تكون الآية التي نحن بصددها التي هي قوله تعالى ~~{ وآتوا حقه يوم حصاده } الأنعام 141 منسوخة أو مرادا بها ~~غير الزكاة لأنها على تقدير أنها محكمة، وأنها في الزكاة المفروضة لا ~~يمكن معها القول بعدم الزكاة الزيتون والرمان، لأنها على ذلك صريحة فيها. # لأن المذكورات في قوله تعالى { والنخل والزرع مختلفا ~~أكله والزيتون والرمان متشابها وغير ~~متشابه } الأنعام 141 يرجع إلى كلها الضمير في قوله { كلوا من ~~ثمره } الأنعام 141، وقوله { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~الأنعام 141 كما هو واضح لا لبس فيه فيدخل فيه الزيتون والرمان دخولا ~~أوليا لا شك فيه، فقول أكثر أهل العلم بعدم الزكاة في الرمان يقوي القول ~~بنسخ الآية، أو أنها في غير الزكاة المفروضة - والله تعالى أعلم - وعن ~~أبي يوسف أنه أوجب الزكاة في الحناء، واعلم أن مذهب داود بن علي الظاهري ~~في هذه المسألة قوي جدا من جهة النظر. لأنه قال ما أنبتته الأرض ضربان ~~موسق وغير موسق فما كان موسقا وجبت الزكاة فيما بلغ منه خمسة أوسق لقوله ~~صلى الله عليه وسلم # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا زكاة فيما دونها منه " # وما كان غير موسق ففي قليله وكثيره الزكاة لعموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " فيما سقت السماء العشر " # ولا يخصص بحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة لأنه غير موسق أصلا. قال ~~مقيده- عفا الله عنه - وهذا القول هو اسعد الأقوال بظاهر النصوص وفيه نوع ~~من الجمع ms0531 بينها إلا أنه يرد عليه ما قدمنا من أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يتعرض للخضراوات مع كثرتها في المدينة ولا الفواكه مع كثرتها بالطائف، ~~ولو كان العموم شاملا لذلك لبينه صلى الله عليه وسلم، وإذا عرفت كلام ~~العلماء في تعيين ما تجب فيه الزكاة وأدلة اقوالهم مما ذكرنا. فاعلم أن ~~جمهور العلماء قالوا لا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق فصاعدا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " # الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ومسلم ~~من حديث جابر - رضي الله عنه -. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة مالك ~~والشافعي وأحمد - رحمهم الله - وأصحابهم، وهو قول ابن عمر، وجابر وأبي ~~أمامة بن سهل، وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد، والحسن وعطاء ومكحول ~~الحكم والنخعي، وأهل المدينة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف ~~ومحمد وسائر أهل العلم، كما نقله عنهم ابن قدامة وغيره. وقال ابن قدامة ~~في المغني لا نعلم أحدا خالف فيه إلا أبا حنيفة، ومن تابعه، ومجاهدا، ~~وقد اجمع جميع العلماء على أن الوسق ستون صاعا. # وهو بفتح الواو وكسرها والفتح أشهر وأفصح. وقيل هو بالكسر اسم وبالفتح ~~مصدر، ويجمع على أوسق في القلة وأوساق وعلى وسوق في الكثرة. واعلم أن ~~الصاع أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم. والمد بالتقريب ملء اليدين ~~المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، وتحديده بالضبط وزن رطل وثلث ~~بالبغدادي فمبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، ومن الصيعان ~~ثلاثمائة، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل. والرطل وزن مائة وثمانية ~~وعشرين درهما مكيا. وزاد بعض أهل العلم أربعة أسباع درهم، كل درهم وزن ~~خمسين وخمسي حبة من مطلق الشعير كما حرره علماء المالكية ومالك - رحمه ~~الله - من أدرى الناس بحقيقة المد والصاع كما هو معلوم، وقيل فيه غير ما ~~ذكرنا. وأما الحكم الثالث من أحكام هذه المسالة الثلاثة المذكورة في أول ~~هذا المبحث وهو تعيين القدر الواجب إخراجه. فلا خلاف فيه بين العلماء ms0532 وهو ~~العشر فيما ليس في سقيه مشقة. كالذي يسقيه المطر أو النهر أو عروقه في ~~الأرض، وأما ما يسقى بالآلة كالذي يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر، وهذا ~~ثابت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث جابر وابن عمر، فإن سقى تارة بمطر ~~السماء مثلا وتارة بالسانية فإن استويا فثلاثة أرباع العشر بلا خلاف بين ~~العلماء وإن كان أحد المرين أغلب. فقيل يغلب الأكثر ويكون الأقل تبعا ~~له، وبه قال أحمد وأبو حنيفة والثوري وعطاء، وهو أحد قولي الشافعي، وقيل ~~يؤخذ بالتقسيط، وهذان القولان كل منهما شهره بعض المالكية، وحكى بعضهم ~~رواية عن مالك أن المعتبر ما حيى به الزرع وتم، وممن قال بالتقسيط من ~~الحنابلة ابن حامد، فإن جهل المقدار وجب العشر احتياطا، كما نص عليه ~~الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في رواية عبد الله. قاله في المغني. ~~وعلله بأن الأصل وجوب العشر وإنما يسقط نصفه بتحقق الكلفة. وإذا لم يتحقق ~~المسقط وجب البقاء على الأصل وهو ظاهر جدا. وإن اختلف الساعي ورب المال ~~في أيهما سقى به أكثر؟ فالقول قول رب المال بغير يمين، لأن الناس لا ~~يستحلفون على صدقاتهم، ولا وقص في الحبوب والثمار، بل كل ما زاد على ~~النصاب أخرج منه بحسبه. مسائل تتعلق بهذا المبحث المسالة الأولى قد قدمنا ~~إجماع العلماء على وجوب الزكاة في التمر والزبيب. وجمهورهم على أنهما ~~يخرصان إذا بدا صلاحهما، لأن المالكين يحتاجون إلى أكل الرطب والعنب. ~~فبسبب ذلك شرع خرص التمر والعنب، ويخرص كل واحد منهما شجرة شجرة - حتى ~~يعلم قدر ما في الجميع الآن من الأوساق، ثم يسقط منه قدر ما ينقصه ~~الجفاف. فلو كان فيه خمسة أوسق من العنب أو الرطب وإذا جف كانت أربعة ~~أوسق مثلا. # فلا زكاة فيه، لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، لا من الرطب ~~والعنب وإذا خرص على الوجه الذي ذكرنا خلى بين مالكيه، وبينه، وبعد ~~الجذاذ يأتون بقدر الزكاة على الخرص المذكور تمرا أو زبيبا، وبذلك يحصل ~~الجمع بين الاحتياط للفقراء ms0533 والرفق بأرباب الثمار، فإن اصابته بعد الخرص ~~جائحة اعتبرت وسقطت زكاة ما اجتاحته الجائحة، فإن بقي بعدها خمسة أوسق ~~فصاعدا أخرج الزكاة وإلا فلا، ولا خلاف في اعتبار الجائحة بعد الخرص بين ~~العلماء. وممن قال بخرص النخيل والأعناب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، ~~وأحمد - رحمهم الله تعالى - وعمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة، ومروان ~~والقاسم بن محمد، والحسن وعطاء والزهري، وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن ~~أبي المخارق، وأبو عبيد، وأبو ثور وأكثر أهل العلم كما نقله عنهم ابن ~~قدامة في المغني، وحكي عن الشعبي، أن الخرص بدعة، ومنعه الثوري، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفا ~~للقائمين على الثمار لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم فلا. قال مقيده ~~عفا الله عنه لا يخفى أن هذا القول تبطله نصوص السنة الصحيحة الصريحة، ~~فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله ~~عنه، قال # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة " تبوك " فأتينا وادي ~~القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اخرصوها " ~~، فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق " وقال ~~أحصيها حتى نرجع إليك، إن شاء الله، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك " # فذكر الحديث. قال # " ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ قالت بلغ عشرة أوسق " # فهذا الحديث المتفق عليه دليل واضح على مشروعية الخرص، كما ترى. وعن ~~عتاب بن أسيد رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم ~~كرومهم وثمارهم " # أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه وابن حبان. وعن عتاب رضي الله عنه ~~أيضا قال " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب، كما يخرص ~~النخل فتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا " أخرجه أيضا أبو ~~داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني. والتحقيق في ms0534 حديث عتاب ~~هذا، أنه من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، لأنه لم يدرك ~~عتابا، لأن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات يوم مات أبو بكر رضي الله ~~عنهما، وقد أثبت الحجة بمراسيل سعيد كثير ممن يقولون بعدم الاحتجاج ~~بالمرسل، وقال النووي في شرح المهذب إن من أصحابنا من قال يحتج بمراسيل ~~ابن السيب مطلقا، والأصح أنه إنما يحتج بمراسيله، إذا اعتضدت بأحد أربعة ~~أمور أن يسند أو يرسل من جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة، أو أكثر ~~العلماء، وقد وجد ذلك هنا. # فقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على وجوب الزكاة في ~~التمر، والزبيب. قال مقيده عفا الله عنه وبما ذكره النووي تعلم اتفاق ~~الشافعية على الاحتجاج بهذا المرسل، والأئمة الثلاثة يحتجون بالمرسل ~~مطلقا فظهر إجماع المذاهب الأربعة على الاحتجاج بمثل هذا المرسل، وروى ~~هذا الحديث الدارقطني بسند فيه الواقدي متصلان فقال عن سعيد بن المسيب، ~~عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد. وعن عائشة رضي الله عنها قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل ~~حين يطيب قبل أن يوكل منه، ثم يخير يهود يأخذونه بذلك الخرص، أو يدفعونه ~~إليهم بذلك الخرص، لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق " # أخرجه أحمد وأبو داود، وقد أعل بأن فيه واسطة بين ابن جريج والزهري، ولم ~~يعرف، وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج ~~مدلس فلعله تركها تدليسا قاله ابن حجر، وقال ذكر الدارقطني الاختلاف فيه ~~قال فرواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، ~~وأرسله معمر ومالك، وعقيل فلم يذكروا ابا هريرة، وأخرج أبو داود من طريق ~~ابن جريج أخبرني ابو الزبير أنه سمع جابرا يقول خرصها ابن رواحة أربعين ~~ألف وسق. وقال ابن حجر في التلخيص أيضا روى أحمد من حديث ابن عمر # " أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم ms0535 " # الحديث. وروى أبو داود والدارقطني من حديث جابر # " لما فتح الله على رسوله خيبر أقرهم، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد ~~الله بن رواحة فخرصها عليهم " # الحديث ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس. وروى الدارقطني # " عن سهل بن أبي خيثمة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه ~~خارصا فجاء رجل، فقال يا رسول الله إن أبا خيثمة قد زاد علي " # الحديث، ثم ذكر ابن حجر حديث عتاب، وحديث عائشة اللذين قدمناهما، ثم قال ~~وفي الصحابة، لأبي نعيم من طريق # " الصلت بن زبيد بن الصلت عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استعمله على الخرص، فقال " ثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم ~~يسرقون، ولا نصل إليهم ". # فبهذا الحديث ذكرنا كله تعلم أن الخرص حكم ثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا ظن وتخمين باطل، بل هو اجتهاد ورد به الشرع في معرفة قدر ~~الثمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم ~~المتلفات ووقت الخرص حتى يبدو صلاح الثمر، كما قدمنا لما قدمنا، من ~~الرواية " بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الخارص فيخرص عليهم النخل ~~حين يطيب قبل أن يؤكل " ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. # والجمهور القائلون بالخرص اختلفوا في حكمه، فقيلك هو سنة، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كان يأمر به، وقيل واجب لما تقدم في حديث عتاب من ~~قوله " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب " الحديث ~~المتقدم، قالوا الأمر للوجوب، ولأنه إن ترك الخرص قد يضيع شيء من حق ~~الفقراء، والأظهر عدم الوجوب، لأن الحكم بأن هذا الأمر واجب يستوجب تركه ~~العقاب يحتاج إلى دليل ظاهر قوي، و الله تعالى اعلم. واختلف العلماء ~~القائلون بالخرص هل على الخارص أن يترك شيئا، فقال بعض العلماء عليه أن ~~يترك الثلث أو الربع، لما رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، ~~وابن حبان، والحاكم وصححاه عن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه ms0536 قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " # فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي ~~حثمة. وقد قال البزار إنه انفرد به، وقال ابن القطان لا يعرف حاله، ~~فالجواب أن له شاهدا بإسناد متفق عليه على صحته " أن عمر بن الخطاب أمر ~~به، قاله الحاكم، ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعا " ~~خففوا، في الخرص " الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة. وممن قال بهذا القول ~~الإمام أحمد، وإسحاق، والليث، وأبو عبيد وغيرهم، ومشهور مذهب مالك. ~~والصحيح في مذهب الشافعي أن الخارص لا يترك شيئا. قال مقيده عفا الله ~~عنه والقول بأنه يترك الثلث أو الربع هو الصواب لثبوت الحديث الذي صححه ~~ابن حبان، والحاكم بذلك، ولم يثبت ما يعارضه، ولأن الناس يحتاجون إلى أن ~~يأكلوا ويطعموا جيرانهم وضيوفهم، وأصدقاءهم، وسؤالهم، ولأن بعض الثمر ~~يتساقط وتنتابه الطير وتأكل منه المارة، فإن لم يترك لهم الخارص شيئا. ~~فالظاهر أن لهم الأكل بقدر ما كان يلزم إسقاطه، ولا يحسب عليهم. وهذا ~~مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو مقتضى ما دل عليه الحديث المذكور، فإن ~~زاد الثمر أو نقص عما خرصه به الخارص، فقال بعض العلماء لا زكاة عليه ~~فيما زاد، وتلزمه فيما نقص، لأنه حكم مضى. وقال بعضهم يندب الإخراج في ~~الزائد، ولا تسقط عنه زكاة ما نقص. # قال مقيده عفا الله عنه، أما فيما بينه وبين الله، فلا شك أنه لا تجب ~~عليه زكاة شيء لم يوجد، وأما فيما بينه وبين الناس، فإنها قد تجب عليه ~~قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، وإن زادت على تخريص عارف فالأحب ~~الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب تأويلان. قال شارحه المواق من المدونة ~~قال مالك من خرص عليه اربعة أوسق فرفع خمسة أوسق أحببت له أن يزكي ابن ~~يونس، قال بعض شيوخنا لفظة أحببت ها هنا على الإيجاب، وهو صواب كالحاكم ~~يحكم بحكم، ms0537 ثم يظهر أنه خطأ صراح ابن عرفة، على هذا حملها الأكثر، وحملها ~~ابن رشد، وعياض على الاستحباب. قال مقيده عفا الله عنه ووجوب الزكاة في ~~الزائد هو الأظهر، وعليه أكثر المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وأما ~~النقص، فإذا ثبت ببينة أنها نقصت عما خرصت به، فالظاهر أنه تسقط عنه زكاة ~~ما نقصت به، وإن ادعى غلط الخارص. فقد قال بعض أهل العلم لم تقبل دعواه ~~لأن الخارص أمين، وقال بعض العلماء تقبل دعواه غلط الخارص، إذا كانت ~~مشبهة، أما إذا كانت بعيدة، كدعواه زيادة النصف، أو الثلثين فلا يقبل ~~قوله في الجميع، وهذا التفصيل هو مذهب الشافعي، وأحمد إلا أن بعض ~~الشافعية قال، يسقط عنه من الكثير الذي ادعى قدر النقص الذي تقبل دعواه ~~فيه، وأما إن ادعى أن الخارص جار عليه عمدا، فلا تقبل دعواه عليه بلا ~~خلاف، كما لو ادعى جور الحاكم، أو كذب الشاهد، وكذا أذا ادعى أنه غلط في ~~الخرص، ولم يبين قدر ما زاد لم يقبل منه نص عليه علماء الشافعية، وإن ~~ادعى رب الثمر أنه أصابته جائحة أذهبت بعضه، فالظاهر تصديقه فيما يشبه ~~قوله، كما لو ادعى أن بعضه سرق بالليل مثلا قيل بيمين. وقيل لا وإن أضاف ~~هلاك الثمرة إلى سبب يكذبه الحس، كأن يقول هلكت بحريق وقع في البحرين في ~~وقت كذا، وعلمنا أنه لم يحترق في ذلك الوقت لم يلتفت إلى كلامه، فإن علم ~~وقوع السبب الذي ذكر، وعموم أثره صدق بلا يمين، وإن اتهم حلف، قيل ~~وجوبا، وقيل استحبابا، وإن لم يعرف عدم السبب المذكور ولا وجوده، ~~فالصحيح أنه يكلف بالبينة على وجود أصل السبب، ثم القول قوله في الهلاك ~~به، وهذا التفصيل الأخير للشافعية ذكره النووي في شرح المهذب، ووجهه ~~ظاهر، والله تعالى أعلم. وجمهور العلماء على أنه لا يخرص غير التمر، ~~والزبيب، فلا يخرص الزيتون والزرع ولا غيرهما، وأجازه بعض العلماء في ~~الزيتون، وأجازه بعضهم في سائر الحبوب. والصحيح أنه لا يجوز إلا في التمر ~~والعنب لثلاثة أمور ms0538 الأول أن النص الدال على الخرص لم يرد إلا فيهما كما ~~تقدم في حديث عتاب بن أسيد وغيره من الأحاديث. # الثاني أن غيرهما ليس في معناهما، لأن الحاجة تدعو غالبا إلى أكل الرطب ~~قبل أن يكون تمرا، والعنب قبل أن يكون زبيبا، وليس غيرهما كذلك الثالث ~~أن ثمرة النخل ظاهرة مجتمعة في عذوقها، والعنب ظاهر أيضا مجتمع في ~~عناقيده، فحزرهما ممكن بخلاف غيرهما من الحبوب، فإنه متفرق في شجره ~~والزرع مستتر في سنبله. والظاهر أن ما جرت العادة بالحاجة إلى أكله لا ~~يحسب، لما قدمنا، وقال المالكية يحسب عليهم كلما أكلوه من الحب، ولا يحسب ~~ما تأكله الدواب في درسها. المسالة الثانية لا يجوز إخراج زكاة الثمار ~~إلا من التمر اليابس والزبيب اليابس، وكذلك زكاة الحبوب لا يجوز إخراجها، ~~إلا من الحب اليابس بعد التصفية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وأجرة ~~القيام على الثمار والحبوب حتى تيبس وتصفى من خالص مال رب الثمرة والزرع، ~~فإن دفع زكاة التمر بسرا أو رطبا أو دفع مكاة الزبيب عنبا لم يجزه ~~ذلك، لأنه دفع غير الواجب، لأن الواجب تمر وزبيب يابسان إجماعا. وقد قال ~~ابن قدامة في المغني فإن كان المخرج للرطب رب المال لم يجزه ولزمه إخراج ~~الفضل بعد التجفيف، لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير عن ~~الماشية الكبار، وهو نص صريح منه في أن الرطب غير الواجب، وأن منزلته من ~~التمر الذي هو الواجب كمنزلة صغار الماشية من الكبار التي هي الواجبة في ~~زكاة الماشية. وقال النووي في شرح المهذب ما نصه فلو أخرج الرطب والعنب ~~في الحال لم يجزئه بلا خلاف، ولو أخذه الساعي غرمه بلا خلاف، لأنه قبضه ~~بغير حق، وكيف يغرمه فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف في آخر الباب ~~الصحيح الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه، أنه يلزمه ~~قيمته. والثاني يلزمه مثله وهما مبنيان على أن الرطب والعنب مثليان أم ~~لا، والصحيح المشهور أنهما ليسا مثليين ولو جف عند ms0539 الساعي، فإن كان قدر ~~الزكاة أجزأ، وإلا رد التفاوت أو أخذه كذا قاله العراقيون وغيرهم، وحكى ~~ابن كج وجها أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض، قال الرافعي وهذا الوجه أولى ~~والمختار ما سبق انتهى كلام النووي بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب ~~والعنب بلا خلاف عند الشافعية. وقال صاحب المهذب ما نصه فإن أخذ الرطب ~~وجب رده، وإن فات وجب رد قيمته، ومن أصحابنا من قال يجب رد مثله، والمذهب ~~الأول لأنه لا مثل له، لأنه يتفاوت، ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض اه. ~~منه بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب في زكاة التمر، وهذا الذي ذكرنا ~~عن عامة العلماء من أن الزكاة لا تؤخذ إلا من التمر والزبيب اليابسين، هو ~~مذهب مالك وعامة أصحابه وفي الموطأ ما نصه. # قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل تخرص على أهلها وثمرها في ~~رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمرا عند الجذاذ إلى أن قال ~~وكذلك العمل في الكرم انتهى محل الفرض منه بلفظه، وفيه تصريح مالك رحمه ~~الله بأن الأمر المجتمع عليه من علماء زمنه، أن الزكاة تخرج تمرا، وهو ~~يدل دلالة واضحة على أن من ادعى جواز إخراجها من الرطب أو البسر، فدعواه ~~مخالفة للأمر المجتمع عليه عند مالك وعلماء زمنه. ومن أوضح الأدلة على ~~ذلك، أن البلح الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب كبلح مصر وعنبها، لا ~~يجوز الإخراج منه مع تعذر الواجب الذي هو التمر والزبيب اليابسان، بل ~~تدفع الزكاة منه ثمنه أو قيمته عند مالك وأصحابه، فلم يجعلوا العنب ~~والرطب أصلا، ولم يقبلوهما بدلا عن الأصل، وقالوا بوجوب الثمن إن بيع، ~~والقيمة إن أكل. قال خليل في مختصره وثمن غير ذي الزيت وما لا يجف ومراده ~~بقوله وما لا يجف أن الرطب والعنب اللذين لا ييبسان يجب الإخراج من ~~ثمنهما لا من نفس الرطب والعنب، وفي المواق في شرح قول خليل، وإن لم يجف ~~ما نصه. قال مالك إن كان رب ms0540 هذا النخل لا يكون تمرا، ولا هذا العنب ~~زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق ~~أخذ من ثمنه انتهى محل الغرض منه بلفظه، وهو نص صريح عن مالك أنه لا يرى ~~إخراج الرطب، والعنب في الزكاة لعدوله عنهما إلى الثمن في حال تعذر التمر ~~والزبيب اليابسين، فكيف بالحالة التي لم يتعذرا فيها. والحاصل أن إخراج ~~الرطب والعنب عما يبس من رطب وعنب، لم يقل به أحد من العلماء، ولا دل ~~عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قياس وأما الذي لا ييبس كبلح مصر وعنبها ~~ففيه قول مرجوح عند المالكية بإجزاء الرطب والعنب، ونقل هذا القول عن ابن ~~رشد، وسترى إن شاء الله في آخر هذا المبحث كلام الشافعية والحنابلة فيه، ~~فإن قيل فما الدليل على أنه لا يجزئ إلا التمر والزبيب اليابسان دون ~~الرطب والعنب؟ فالجواب أن ذلك دلت عليه عدة أدلة الأول هو ما قدمنا من ~~حديث عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل فتؤخذ ~~زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا " # وقد قدمنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان ~~والدارقطني، وقد قدمنا أنه من مراسيل سعيد بن المسيب، وقدمنا أيضا أن ~~الاحتجاج بمثل هذا المرسل من مراسيل سعيد صحيح عند الأئمة الأربعة، فإذا ~~علمت صحة الاحتجاج بحديث سعيد بن المسيب هذا. # فاعلم أنه نص صريح في " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخرص العنب ~~والنخل، وأن تؤخذ زكاة العنب زبيبا، وصدقة النخل تمرا، فمن ادعى جواز ~~أخذ زكاة النخل رطبا أو بسرا " فدعواه مخالفة لما أمر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه أمر بأخذها في حال كونها تمرا في النخل وزبيبا في ~~العنب، ومعلوم أن الحال وصف لصاحبها قيد لعاملها. فكون زكاة النخل تمرا ~~وصف لها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجها في حال كونها متصفة به. ~~وكذلك كونها ms0541 تمرا قيد لأخذها، فهو تقييد من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأخذها بأن يكون في حال كونها تمرا، فيفهم منه أنها لا تؤخذ على غير تلك ~~الحال ككونها رطبا مثلا وإذا اتضح لك أن أخذها رطبا - مثلا - مخالف ~~لما أمر به صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه قال في الحديث المتفق عليه # " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " # ، وفي الكتاب العزيز # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # النور 63 الآية. ومما يوضح لك أن إخراج الرطب مثلا في الزكاة مخالف ~~لما سنه وشرعه صلى الله عليه وسلم من أخذها تمرا، وزبيبا يابسين ما ~~ذكره البيهقي في السنن الكبرى في باب " كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب " ~~فإنه قال فيه وأخبرنا أبو الحسن بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني. أنبأ ~~بشر بن أحمد. أنبأ أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء. ثنا علي ابن عبد الله - ~~ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، أخبرني الزهري عن سعيد بن ~~المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أمر عتاب بن أسيد أن يخرص العنب كما يخرص النخل " # ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا " قال فتلك سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النخل والعنب - اه. منه بلفظه، وفيه التصريح ~~بأن إخراج التمر والزبيب هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمخرج ~~الرطب والعنب مخالف لسننه صلى الله عليه وسلم كما ترى. الدليل الثاني ~~إجماع المسلمين على أن زكاة الثمار والحبوب من نوع ما تجب الزكاة في ~~عينه، والعين الواجبة فيها الزكاة هي التمر والزبيب اليابسان. لا الرطب ~~والعنب بدليل إجماع القائلين بالنصاب في الثمار. على أن خمسة الأوسق التي ~~هي النصاب لا تعتبر من الرطب، ولا من العنب، فمن كان عنده خمسة أوسق من ~~الرطب أو العنب، ولكنها إذا جفت نقصت عن خمسة أوسق فلا زكاة عليه. لأن ~~النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، فلو أخرج الزكاة من الرطب أو ~~العنب لكان مخرجا من غير ms0542 ما تجب في عينه الزكاة كما ترى، ويدل له ما ~~ذكره الزرقاني في شرح الموطأ، فإنه قال فيه في شرح قول مالك. # ثم يؤدون الزكاة على ما خرص عليهم ما نصه، ومبنى التخريص أن يحزر ما في ~~النخل أو العنب من التمر اليابس إذا جذ على حسب جنسه، وما علم من حاله ~~أنه يصير إليه عند الإتمار. لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرا. انتهى محل ~~الفرض منه بلفظه. وقد تقرر عند جماهير العلماء أن لفظة إنما للحصر وهو ~~الحق. فقول الزرقاني لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرا معناه حصر أخذ زكاة ~~النخل في خصوص التمر دون غيره من رطب ونحوه، معللا بذلك اعتبار النصاب ~~من التمر اليابس. لأن الإخراج مما تجب في عينه الزكاة من الثمار والحبوب ~~وهو واضح، ولا يرد على ما ذكرناه أن وقت وجوب الزكاة هو وقت طيب الثمر ~~قبل أن يكون يابسا، لإجماع العلماء على أنه لا يجب إخراجها بالفعل إلا ~~بعد أن يصير تمرا يابسا ولإجماعهم أيضا على أنه إن أصابته جائحة ~~اعتبرت، فتسقط زكاة ما أجيح، كما تسقط زكاة الكل إن لم يبق منه نصاب. ~~وسيأتي له زيادة إيضاح. الدليل الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يأخذها تمرا بعد الجذاذ لا بلحا ولا رطبا، والله جل وعلا يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 الآية، ويقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7 الآية، ويقول # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 الآية، ويقول # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني # آل عمران 31 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. قال البخاري في صحيحه # " باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس الصدقة " # حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي. حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان ~~عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالتمر عند صرام النخل فيجيء ~~هذا بتمره وهذا من تمره حتى ms0543 يصير عنده كوما من تمر، فجعل الحسن والحسين ~~رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجها من فيه. فقال " أما علمت أن ~~آل محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يأكلون الصدقة " # اه. فهذا الحديث الصحيح نص صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ ~~صدقة النخل تمرا بعد الجذاذ، وقد تقرر في الأصول أن صيغة المضارع بعد ~~لفظة كان في نحو كان يفعل كذا تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك ~~الفعل، فقول أبي هريرة في هذا الحديث المرفوع الصحيح كان صلى الله عليه ~~وسلم # " يؤتى بالتمر عند صرام النخل ". # الحديث يدل دلالة واضحة على أن إخراج التمر عند الجذاذ هو الذي كان يفعل ~~دائما في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يأخذ في الزكاة ذلك التمر ~~اليابس، فمن ادعى جواز إخراج زكاة النخل رطبا أو بلحا فهو مخالف لما ~~كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حجر في " فتح الباري " ~~في شرح هذا الحديث المذكور آنفا ما نصه " قال الإسماعيلي قوله عند صرام ~~النخل. أي بعد أن يصير تمرا، لأن النخل قد يصرم وهو رطب، فيتمر في ~~المريد، ولكن ذلك لا يتطاول فحسن أن ينسب إلى الصرام كما في قوله تعالى { ~~وآتوا حقه يوم حصاده } الأنعام 141 فإن المراد بعد أن يداس ~~وينقى والله تعالى أعلم " اه. منه بلفظه وهو واضح فيما ذكرنا. وبما ~~ذكرنا تعلم أن ما يدعيه بعض أهل العلم من المتاخرين من جواز إخراج زكاة ~~النخل رطبا وبسرا غير صحيح، ولا وجه له، ولا دليل عليه، وأما إن كان ~~التمر لا ييبس، كبلح مصر وعنبها فقد قدمنا عن مالك وأصحابه أن الزكاة ~~تخرج من ثمنه إن بيع، أو قيمته إن أكل، لا من نفس الرطب أو العنب. وقد ~~قدمنا عن ابن رشد قولا مرجوحا بإجزاء الرطب والعنب في خصوص ما لا ييبس. ~~ومذهب الشافعي رحمه الله في زكاة ms0544 ما لا ييبس أنه على القول بأن القسمة ~~تمييز حق لا بيع، فيجوز القسم ويجعل العشر أو نصفه متميزا في نخلات، ثم ~~ينظر المصدق فإن رأى أن يفرق عليهم فعل، وإن رأى البيع وقسمة الثمن فعل، ~~وأما على القول بأن القسمة بيع فلا تجوز في الرطب والعنب، ويقبض المصدق ~~عشرها مشاعا، بالتخلية بينه وبينها، ويستقر عليه ملك المساكين، ثم يبيعه ~~ويأخذ ثمنه ويفرقه عليهم، وهكذا الحكم عنده فيما إذا احتيج إلى قطع ~~الثمرة رطبا خوفا عليها من العطش ونحوه. وحكم هذه المسألة في المذهب ~~الحنبلي فيه قولان. أحدهما أنه يخير الساعي بين أن يقاسم رب المال الثمرة ~~قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبهم نخلة مفردة، وياخذ ثمرتها. وبين أن ~~يجذها ويقاسمه إياها بالكيل، ويقسم الثمرة في الفقراء، وبين أن يبيعها من ~~رب المال أو غيره قبل الجذاذ أو بعده، ويقسم ثمنها في الفقراء. القول ~~الثاني أن عليه الزكاة من تمر وزبيب يابسين، قاله أبو بكر. وذكر أن أحمد ~~- رحمه الله - نص عليه. قاله صاحب المغني، وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب ~~أحمد - رحمه الله - في المسالتين. أعني الثمر الذي لا ييبس، والذي احتيج ~~لقطعه قبل اليبس. المسألة الثالثة اختلف في وقت وجوب الزكاة فيما تنبته ~~الأرض من ثمر وحب. # فقال جمهور العلماء تجب في الحب إذا اشتد، وفي الثمر إذا بدا صلاحه ~~فتعلق الوجوب عند طيب التمر. ووجوب الإخراج بعد الجذاذ. وفائدة الخلاف ~~أنه لو تصرف في الثمر والحب قبل الوجوب لم يكن عليه شيء، وإن تصرف في ذلك ~~بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة عنه. ومن فوائده أيضا أنه إذا مات بعد ~~وقت الوجوب زكيت على ملكه، وإن مات قبل الوجوب زكيت على ملك الورثة، وقال ~~القرطبي في تفسير هذه الآية واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة ~~أقوال. الأول أنه وقت الجذاذ. قاله محمد بن مسلمة لقوله تعالى { يوم ~~حصاده } الأنعام 141. الثاني يوم الطيب. لأن ما قبل الطيب يكون علفا ~~لا قوتا ولا طعاما، فإذا طاب وحان الأكل الذي ms0545 أنعم الله به، وجب الحق ~~الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء وقت ~~الحصاد لما قد وجب يوم الطيب. الثالث أنه يكون بعد تمام الخرص. لأنه ~~حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطا لوجوبها كمجيء الساعي في ~~الغنم، وبه قال المغيرة، والصحيح الأول لنص التنزيل، والمشهور في المذهب ~~الثاني، وبه قال الشافعي. اه منه. وقد قدمنا أن مالكا - رحمه الله - ~~يقول بأن كل ما أكله المالك أو تصدق به يحسب عليه، وجمهور العلماء ~~يخالفونه - رحمه الله - في ذلك. واحتجوا لأن ما يأكله لا يحسب عليه بقوله ~~تعالى { كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده } الأنعام 141. وبالحديث المتقدم. أن على الخارص أن يدع الثلث ~~أو الربع. وقوله تعالى { يوم حصاده } قرأه ابن عامر وأبو عمرو ~~وعاصم بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان كالصرام والصرام ~~والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف. فائدة ينبغي لصاحب الحائط إذا اراد ~~الجذاذ ألا يمنع المساكين من الدخول، وأن يتصدق عليهم لقوله تعالى في ذم ~~أصحاب أهل الجنة المذكورة في سورة القلم # إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين # القلم 17 الآيات، والعلم عند الله تعالى قوله تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا # الأنعام 145 الآية. هذه الآية الكريمة صريحة في أنه لم يحرم من ~~المطعومات إلا هذه الأربعة المذكورة فيها، التي هي الميتة، والدم، ولحم ~~الخنزير، وما أهل به لغير الله، ولكنه تعالى بين في بعض المواضع تحريم ~~غير المذكورات كتصريحه بتحريم الخمر في سورة المائدة بقوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # المائدة 90. وقال بعض العلماء لا يحرم مطعوم إلا هذه الأربعة المذكورة، ~~وهو قول يروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة قال القرطبي ويروى عنهم أيضا ~~خلافه، وقال البخاري في صحيحه حدثنا علي بن عبد الله. # حدثنا سفيان. قال عمرو قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول ms0546 الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية فقال " قد كان يقول ذلك الحكم بن ~~عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما # الأنعام 145 اه. وقال ابن خويز منداد من المالكية تضمنت هذه الآية ~~تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثنى في الآية من الميتة، والدم، ~~ولحم الخنزير. ولهذا قلنا إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان، ~~والخنزير مباحة. وقال القرطبي روي عن عائشة وابن عباس وابن عمر إباحة أكل ~~لحوم السباع، والحمر، و البغال، وذكر حديث البخاري الذي قدمنا آنفا. ثم ~~قال وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال لا بأس بها. فقيل له ~~حديث أبي ثعلبة الخشني. فقال لا ندع كتاب ربنا لحديث أعرابي يبول على ~~ساقيه. وسئل الشعبي عن لحم الفيل، والأسد. فتلا هذه الآية. وقال القاسم ~~كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع. ذلك ~~حلال. وتتلو هذه الآية # قل لا أجد في مآ أوحي إلي # الأنعام 145 الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - اعلم أنا نريد في هذا ~~المبحث أن نبين حجة من قال بعدم تحريم لحوم السباع والحمير ونحوها، وحجة ~~من قال بمنعها، ثم نذكر الراجح بدليله. واعلم أولا أن دعوى أنه لا يحرم ~~مطعوم غير الأربعة المذكورة في هذه الآية باطلة. بإجماع المسلمين لإجماع ~~جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر فهو دليل قاطع على ~~تحريم غير الأربعة. ومن زعم أن الخمر حلال لهذه الآية. فهو كافر بلا نزاع ~~بين العلماء، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذين استدلوا بهذه الآية على عدم ~~تحريم ما ذكر قالوا إن الله حصر المحرمات فيها في الأربعة المذكورة، ~~وحصرها أيضا في النحل فيها في قوله # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به # النحل 115 لأن إنما أداة حصر عند الجمهور، والنحل بعد الأنعام، بدليل ~~قوله في ms0547 النحل # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل # النحل 118 الآية. والمقصوص المحال عليه هو المذكور في الأنعام في قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # الأنعام 146 الآية، ولأنه تعالى قال في الأنعام # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # الأنعام 148 الآية. ثم صرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل في قوله # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء # النحل 35 الآية. فدل ذلك على أن النحل بعد الأنعام، وحصر التحريم أيضا ~~في الأربعة المذكورة في سورة البقرة في قوله # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله # البقرة 173 فقالوا هذا الحصر السماوي الذي ينزل به الملك مرة بعد مرة في ~~مكة في الأنعام، والنحل، وفي المدينة عند تشريع الأحكام في البقرة لا ~~يمكننا معارضته، ولا إخراج شيء منه إلا بدليل قطعي المتن. متواتر كتواتر ~~القرآن العظيم. فالخمر مثلا دل القرآن على أنها محرمة فحرمناها، لأن ~~دليلها قطعي. أما غيرها، كالسباع والحمر والبغال فأدلة تحريمها أخبار ~~آحاد يقدم عليها القاطع وهو الآيات المذكورة آنفا. تنبيه اعلم أن ما ~~ذكره القرطبي وغيره من أن زيادة تحريم السباع والحمر مثلا بالسنة على ~~الأربعة المذكورة في الآيات - كزيادة التغريب بالسنة على جلد الزاني مائة ~~الثابت بالقرآن - وزيادة الحكم بالشاهد واليمين في الأموال الثابت بالسنة ~~على الشاهدين، أو الشاهد والمرأتين المذكور في قوله تعالى # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # البقرة 282 الآية. غير ظاهر عندي. لوضوح الفرق بين الأمرين، لأن زيادة ~~التغريب والحكم بالشاهد واليمين على آية # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # النور 2 الآية. في الأول، وآية { فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان } الآية. في الثاني زيادة شيء لم يتعرض له ~~القرآن بنفي ولا إثبات، ومثل هذه الزيادة لا مانع منه عند جمهور العلماء، ~~لأن الزيادة على النص ليست نسخا له عند الجمهور، خلافا لأبي حنيفة ms0548 - ~~رحمه الله. وبناء على ذلك منع التغريب والحكم بالشاهد واليمين، لأن ~~الزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد، لأنه قطعي المتن وليست ~~كذلك، أما زيادة محرم آخر على قوله # قل لا أجد في مآ أوحي إلي # الأنعام 145 الآية. فليست زيادة شيء سكت عنه القرآن كالأول، وإنما هي ~~زيادة شيء نفاه القرآن لدلالة الحصر القرآني على نفي التحريم عن غير ~~الأربعة المذكورة، وبين الأمرين فرق واضح، وبه تعلم أن مالكا - رحمه ~~الله - ليس ممن يقول بأن الزيادة على النص نسخ، اللهم إلا إذا كانت ~~الزيادة أثبتت ما كان منفيا بالنص قبلها، فكونها إذن ناسخة واضح، وهناك ~~نظر آخر، قال به بعض العلماء وهو أن إباحة غير الربعة المذكورة من ~~الإباحة العقلية المعروفة عند أهل الأصول بالبراءة الأصلية، وهي استصحاب ~~العدم الأصلي، لأن الأصل عدم تحريم شيء إلا بدليل، كما قاله جمع من أهل ~~الأصول. وإذا كانت إباحته عقلية فرفعها ليس بنسخ حتى يشترط في ناسخها ~~التواتر، وعزا ابن كثير في تفسيره هذا القول بعدم النسخ للأكثرين من ~~المتأخرين. قال مقيده - عفا الله عنه - وكونه نسخا أظهر عندي، لأن الحصر ~~في الآية يفهم منه إباحة ما سوى الأربعة شرعا فتكون إباحة شرعية لدلالة ~~القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ بلا خلاف، وأشار في مراقي السعود ~~إلى أن الزيادة التي لا تناقض الحكم الأول ليست نسخا بقوله # وليس نسخا كل ما أفادا فيما رسا بالنص الازديادا # وهذا قول جمهور العلماء، ووجهوه بعدم منافاة الزيادة للمزيد وما لا ~~ينافي لا يكون ناسخا، وهو ظاهر. واعلم أن مالك بن أنس - رحمه الله - ~~اختلفت عنه الرواية في لحوم السباع، فروي عنه أنها حرام، وهذا القول هو ~~الذي اقتصر عليه في الموطأ لأنه ترجم فيه بتحريم أكل كل ذي ناب من ~~السباع، ثم ساق حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه بإسناده عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع " ثم ساق ~~بإسناده حديث أبي هريرة مرفوعا # " أكل ms0549 كل ذي ناب من السباع حرام " # ثم قال وهو الأمر عندنا وهذا صريح في أن الصحيح عنده تحريمها، وجزم ~~القرطبي بأن هذا هو الصحيح من مذهبه، وروي عنه أيضا أنها مكروهة وهو ~~ظاهر المدونة وهو المشهور عند أهل مذهبه، ودليل هذا القول هو الآيات التي ~~ذكرنا، ومن جملتها الآية التي نحن بصددها. وما روى عن ابن عباس وابن عمر ~~وعائشة من إباحتها، وهو قول الأوزاعي. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي ~~يظهر رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه ~~بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام، ويزاد على الأربعة المذكورة في ~~الآيات، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن لأن المحرمات المزيدة عليها ~~حرمت بعدها. وقد قرر العلماء أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف ~~زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، وقد اشترط عامة النظار في التناقض ~~اتحاد الزمان، لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها، كما لو قلت لم ~~يستقبل بيت المقدس قد استقبل بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ، ~~وبالثانية ما قبله، فكلتاهما تكون صادقة، وقد أشرت في أرجوزتي في فن ~~المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف. أعني ~~الإيجاب والسلب، من زمان ومكان، وشرط وإضافة، وقوة وفعل، وتحصيل وعدول، ~~وموضوع ومحمول، وجزء وكل، بقولي # والاتحاد لازم بينهما فيما سوى الكيف كشرط علما والجزء والكل مع ~~المكان والفعل والقوة والزمان إضافة تحصيل أو عدول ووحدة الموضوع ~~والمحمول # فوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حراما غير الأربعة المذكورة، فحصرها ~~صادق قبل تحريم غيرها بلا شك، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد. فذلك لا ~~ينافي الحصر الأول لتجدده بعده، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، وبه ~~يتضح أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن ~~منعه أكثر أهل الاصول. # وإذا عرفت ذلك فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا، ~~وأقوال العلماء فيها. فمن ذلك كل ms0550 ذي ناب من السباع، فالتحقيق تحريمه لما ~~قدمنا من حديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها، وتحريمها، ~~أما حديث أبي ثعلبة، فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه مسلم في ~~صحيحه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ # " كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام ". # والأحاديث في الباب كثيرة، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب ~~من السباع. والتحقيق أن أكل كل ذي مخلب من الطير منهي عنه، ولا عبرة بقول ~~من قال من المالكية وغيرهم أنه لم يثبت النهي عنه صلى الله عليه وسلم، ~~لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم # " نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير " # اه. فقرن في الصحيح بما صرح بأنه حرام مع أن كلا منهما ذو عداء ~~وافتراس، فدل كل ذلك على أنه منهي عنه. والأصل في النهي التحريم، وبتحريم ~~ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير. قال جمهور العلماء منهم الأئمة ~~الثلاثة وداود. وقد قدمنا أنه الصحيح عن مالك في السباع، وأن مشهور مذهبه ~~الكراهة، وعنه قول بالجواز وهو أضعفها، والحق التحريم لما ذكرنا. ومن ذلك ~~الحمر الأهلية، فالتحقيق أيضا أنها حرام، وتحريمها لا ينبغي أن يشك فيه ~~منصف لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بتحريمها، وقد روى البخاري ومسلم ~~تحريمها من حديث علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، ~~وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وأبي ~~ثعلبة الخشني رضي الله عنهم، وأحاديثهم دالة دلالة صريحة على التحريم، ~~فلفظ حديث أبي ثعلبة عند البخاري، ومسلم # " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية " # وهذا صريح صراحة تامة في التحريم، ولفظ حديث أنس عندهما أيضا " إن الله ~~ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " ، وفي رواية لمسلم " ~~فإنها رجس من عمل الشيطان " وفي رواية له أيضا " فإنها رجس أو نجس ". ~~قال مقيده - عفا ms0551 الله عنه - حديث أنس هذا المتفق عليه الذي صرح فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن لحوم الحمر الأهلية رجس. صريح في تحريم ~~أكلها، ونجاسة لحمها، وأن علة تحريمها ليست لأنها لم يخرج خمسها، ولا ~~أنها حمولة كما زعمه بعض أهل العلم. والله تعالى أعلم-. ولا تعارض هذه ~~الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بما رواه أبو داود من حديث # " غالب بن أبجر المزني رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا ~~سمان حمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال " أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما ~~حرمتها من أجل جوال القرية " # اه. والجوال جمع جالة، وهي التي تأكل الجلة، وهي في الأصل البعر، ~~والمراد به هنا أكل النجاسات كالعذرة. قال النووي في شرح المهذب اتفق ~~الحفاظ على تضعيف هذا الحديث. قال الخطابي والبيهقي هو حديث يختلف في ~~إسناده. يعنون مضطربا، وما كان كذلك لا تعارض به الأحاديث المتفق عليها. ~~وأما البغال فلا يجوز أكلها أيضا. لما رواه أحمد والترمذي من حديث جابر ~~قال # " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر ~~الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير " # أصل حديث جابر هذا في الصحيحين كما تقدم. وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس ~~به. قاله ابن حجر والشوكاني. وقال ابن كثير في تفسيره وروى الإمام أحمد ~~وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال " ذبحنا يوم خيبر ~~الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال ~~والحمير، ولم ينهنا عن الخيل " ، وهو دليل واضح على تحريم البغال، ويؤيده ~~أنها متولدة عن الحمير وهي حرام قطعا. لصحة النصوص بتحريمها. وأما الخيل ~~فقد اختلف في جواز أكلها العلماء. فمنعها مالك - رحمه الله - في أحد ~~القولين، وعنه أنها مكروهة، وكل من القولين صححه بعض المالكية، والتحريم ~~أشهر عندهم. وقال أبو حنيفة - رحمه الله - أكره ms0552 لحم الخيل، وحمله أبو بكر ~~الرازي على التنزيه. وقال لم يطلق ابو حنيفة فيها التحريم، وليست عنده ~~كالحمار الأهلي. وصحح عنه صاحب المحيط، وصاحب الهداية، وصاحب الذخيرة ~~التحيرم، وهو قول أكثر الحنفية. وممن رويت عنه كراهة لحوم الخيل ~~الأوزاعي، وأبو عبيد وخالد بن الوليد رضي الله عنه، وابن عباس والحكم. ~~ومذهب الشافعي وأحمد - رحمهما الله تعالى - جواز أكل الخيل، وبه قال أكثر ~~أهل العلم. وممن قال به عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن ~~مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، ~~وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي ~~سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم. كما نقله عنهم النووي، ~~في " شرح المهذب " وسنبين - إن شاء الله - حجج الجميع وما يقتضي الدليل ~~رجحانه. اعلم أن من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث أما الآية فقوله ~~تعالى # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # النحل 8 الآية. فقال قد قال تعالى # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون # النحل 5 فهذه للأكل. وقال { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها } فهذه للركوب لا للأكل، وهذا تفصيل من خلقها وامتن بها، ~~وأكد ذلك بأمور أحدها أن اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب ~~والزينة، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها يقتضي خلف ظاهر ~~الآية. ثانيها عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم ~~التحريم. ثالثها أن الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة ~~الامتنان. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لا سيما وقد وقع ~~الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة ~~بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة. وأما الحديث فهو ما رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، عن خالد بن الوليد رضي الله ~~عنه قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال ~~والحمير ". # ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة. بأن آية النحل نزلت في مكة ~~اتفاقا، والإذن في أكل ms0553 الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ~~ست سنين، فلو فهم النبي صلى الله عليه وسلم المنع من الآية لما أذن في ~~الأكل، وأيضا آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من ~~التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما. كلاهما ~~صريح في جواز أكل الخيل. والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. ~~وأيضا فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة، فهي إنما تدل على ترك ~~الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا ~~لم يتعين واحد منهما بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز. وأيضا فلو ~~سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة. فإنه ~~ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب ~~والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة المذكور في ~~الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت " إنا لم نخلق لهذا. إنا خلقنا للحرث " ~~فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع ~~بها في أشياء غير الحرث اتفاقا. وأيضا فلو سلم الاستدلال المذكور للزم ~~منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب ~~والزينة. ولا قائل بذلك. وأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها. فهو ~~استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول. كما ~~أشار له في مراقي السعود بقوله # أما قران اللفظ في المشهور فلا يساوي في سوى المذكور # وأما الاستدلال بأن الآية الكريمة سيقت للامتنان فيجاب عنه بأنه قصد به ~~ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب. فخوطبوا بما عرفوا وألفوا، ولم ~~يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، ~~بخلاف الأنعام فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل. # فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه. فلو لزم ~~من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا. وأما ~~الاستدلال بأن الإذن في أكلها. سبب ms0554 لفنائها وانقراضها فيجاب عنه بأنه أذن ~~في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام ~~لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل. قاله ابن حجر، وأما ~~الاستدلال بحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه فهو مردود من وجهين الأول ~~أنه ضعفه علماء الحديث. فقد قال ابن حجر في فتح الباري في باب " لحوم ~~الخيل " ما نصه " وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون، ~~والدارقطني، والخطابي، و ابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون ". وقال النووي ~~في " شرح المهذب " واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم. على أن حديث ~~خالد المذكور حديث ضعيف، وذكر أسانيد بعضهم بذلك. وحديث خالد المذكور مع ~~أنه مضطرب. في إسناده صالح بن يحيى ابن المقدام بن معد يكرب. ضعفه غير ~~واحد، وقال فيه ابن حجر في " التقريب " لين. وفيه أيضا والده يحيى ~~المذكور الذي هو شيخه في هذا الحديث. قال فيه في " التقريب " مستور. ~~الوجه الثاني أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد. فإنه معارض بما هو أقوى ~~منه كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم ~~الخيل " # وفي لفظ في الصحيح # " وأذن في لحوم الخيل " # وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت # " نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه " # متفق عليهما. ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أن ~~الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله ~~تعالى، ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض أهل العلم. # وإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفا فاستبن # ومن ذلك الكلب فإن أكله حرام عند عامة العلماء، وعن مالك قول ضعيف جدا ~~بالكراهة. ولتحريمه أدلة كثيرة. منها ما تقدم في ذي الناب من السباع. لأن ~~الكلب سبع ذو ناب، ومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه، وقد ثبت ms0555 النهي عن ~~ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري، مقرونا بحلوان الكاهن، ~~ومهر البغي، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة، وأخرجه مسلم من حديث رافع ~~بن خديج، رضي الله عنه، بلفظ " ثمن الكلب خبيث " الحديث. # وذلك نص في التحريم لقوله تعالى # ويحرم عليهم الخبآئث # الأعراف 157 الآية. فإن قيل ما كل خبيث يحرم لما ورد في الثوم أنه ~~خبيث، وفي كسب الحجام أنه خبيث. مع أنه لم يحرم واحد منهما. فالجواب أن ~~ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلا على تحريمه، وما أخرجه دليل يخرج، ~~ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه، كما هو الحكم في جل عمومات ~~الكتاب، والسنة يخرج منها بعض الأفراد بمخصص، وتبقى حجة في الباقي. وهذا ~~مذهب الجمهور، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله # وهو حجة لدى الأكثر إن مخصص له معينا يبن # فإن قيل تحريم الخبائث لعلة الخبث، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك ~~نقضا في العلة تخصيصا لها. فالجواب أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص ~~للعلة، لا إبطال لها. قال في مراقي السعود # منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم ~~لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح # إلخ... كما حررناه في غير هذا الموضع. ومن الأدلة على تحريم الكلب ما ~~ثبت في الصحيحين من الأحاديث الصريحة في تحريم اقتنائه، وأن اقتناءه ينقص ~~أجر مقتنيه كل يوم، فلو كان أكله مباحا، لكان اقتناؤه مباحا. وإنما رخص ~~صلى الله عليه وسلم، في كلب الصيد، والزرع، والماشية للضرورة. فمن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من اتخذ كلبا إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط " # ، ومنه أيضا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث سفيان بن أبي زهير ~~الشنائي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سولم، يقول # " من اقتنى كلبا لا يغنى عنه زرعا، ms0556 ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم ~~قيراط " # ، ورواه البخاري عن ابن عمر بثلاث طرق بلفظ " نقص كل يوم من عمله ~~قيراطان " ، وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عمر من طرق في بعضها قيراط، وفي ~~بعضها قيراطان. والأحاديث في الباب كثيرة وهذا أوضح دليل على أن الكلب لا ~~يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل وهو ظاهر، ومن ذلك ما ثبت ~~في صحيح مسلم من حديث جابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن المغفل، رضي ~~الله عنهم. من أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ولو كانت مباحة ~~الأكل لما أمر بقتلها، ولم يرخص صلى الله عليه وسلم فيها إلا لضرورة ~~الصيد، أو الزرع، أو الماشية. وإذا عرفت أن في كلب الصيد، وما ذكر معه ~~بعض المنافع المباحة، كالانتفاع بصيده، أو حراسته الماشية، أو الزرع، ~~فاعلم أن العلماء اختلفوا في بيعه. # فمنهم من قال بيعه تابع للحمه، ولحمه حرام، فبيعه حرام، وهذا هو أظهر ~~الأقوال دليلا لما قدمنا من أن ثمن الكلب خبيث، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عنه مقرونا بحلوان الكاهن، ومهر البغي، وهو نص صحيح صريح ~~في منع بيعه. ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عباس رضي ~~الله عنهما مرفوعا قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب " # وقال إن جاء يطلب ثمن الكلب، فاملأ كفه ترابا. قال النووي في شرح ~~المهذب، وابن حجر في الفتح إسناده صحيح، وروى أبو داود أيضا من حديث أبي ~~هريرة مرفوعا # " لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي " # قال ابن حجر في الفتح إسناده حسن، وقال النووي في شرح المهذب إسناده حسن ~~صحيح. وإذا حققت ذلك، فاعلم أن القول بمنع بيع الكلب الذي ذكرنا أنه هو ~~الحق. عام في المأذون في اتخاذه وغيره لعموم الأدلة، وممن قال بذلك أبو ~~هريرة، والحسن البصري، والأوزاعي، وربيعة، والحكم، وحماد، والشافعي، ~~وأحمد، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو المشهور الصحيح من مذهب ms0557 مالك. ~~خلافا لما ذكره القرطبي في المفهم من أن مشهور مذهبه الكراهة، وروي عن ~~مالك أيضا جواز بيع كلب الصيد. ونحوه دون الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو ~~قول سحنون. لأنه قال ابيع كلب الصيد وأحج بثمنه. وأجاز بيعه أبو حنيفة ~~مطلقا إن كانت فيه منفعة من صيد، أو حراسة لماشية مثلا، وحكى نحوه ابن ~~المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي قاله النووي. وإن قتل الكلب المأذون فيه ~~ككلب الصيد، ففيه القيمة عند مالك، ولا شيء فيه عند أحمد والشافعي، ~~وأوجبها فيه أبو حنيفة مطلقا إن كانت فيه منفعة. وحجة من قال لا قيمة ~~فيه أن القيمة ثمن والنص الصحيح نهى عن ثمن الكلب، وجاء فيه التصريح بأن ~~طالبه تملأ كفه ترابا، وذلك أبلغ عبارة في المنع منه. واحتج من أوجبها ~~بأنه فوت منفعة جائزة فعليه غرمها. واحتج من أجاز بيع الكلب، وألزم قيمته ~~إن قتل بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~" نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد " ، وعن عمر رضي الله عنه أنه غرم رجلا ~~عن كلب قتله عشرين بعيرا وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب ~~صيد قتله رجل بأربعين درهما، وقضى في كلب ماشية بكبش. واحتجوا أيضا بأن ~~الكلب المأذون فيه تجوز الوصية به والانتفاع به فأشبه الحمار. وأجاب ~~الجمهور بأن الأحاديث والآثار المروية في جواز بيع كلب الصيد ولزوم قيمته ~~كلها ضعيفة قال النووي في " شرح المهذب " ما نصه " وأما الجواب عما ~~احتجوا به من الأحاديث والآثار فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين " ، وهكذا ~~أوضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها، والاحتجاج بجواز الوصية به ~~وشبهه بالحمار مردود بالنصوص الصحيحة المصرحة بعدم حلية ثمنه، وما ذكره ~~ابن عاصم المالكي في " تحفته " من قوله # واتفقوا أن كلاب البادية يجوز بيعها ككلب الماشية # فقد رده عليه رحمه الله علماء المالكية، وقد قدمنا أنه قول سحنون. واعلم ~~أن ما روي عن جابر وابن عمر مرفوعا مما يدل على جواز بيع كلب ms0558 الصيد كله ~~ضعيف كما بين تضعيفه ابن حجر في فتح الباري في باب " ثمن الكلب ". قال ~~القرطبي وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من ~~فقعس. ومن ذلك القرد فإنه لا يجوز أكله، قال القرطبي في تفسيره قال أبو ~~عمر يعني ابن عبد البر أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. ~~قال وما علمت أحدا رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب ~~سئل مجاهد عن أكل القرد فقال ليس من بهيمة الأنعام. قلت ذكر ابن المنذر ~~أنه قال روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم. قال يحكم به ذوا ~~عدل. قال فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير ~~الصيد، وفي " بحر المذهب " للروياني على مذهب الشافعي. وقال الشافعي يجوز ~~بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع اه. وقال النووي في " شرح ~~المهذب " القرد حرام عندنا، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، ومكحول والحسن ~~وابن حبيب المالكي. وقال ابن قدامة في المغني وقال ابن عبد البر لا أعلم ~~بين علماء المسلمين خلافا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن ~~الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم # " نهى عن لحم القرد " # ولأنه سبع، فيدخل في عموم الخبر، ولأنه مسخ ايضا فيكون من الخبائث ~~المحرمة. وقد قدمنا جزم ابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية بأنه حرام، ~~وقال الباجي الأظهر عندي من مذهب مالك وأصحابه. أنه ليس بحرام. ومن ذلك ~~الفيل فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وقد قدمنا أن التحقيق ~~فيها التحريم لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب الجمهور. ~~وممن صححه من المالكية ابن عبد البر والقرطبي. وقال بعض المالكية كراهته ~~أخف من كراهة السبع، وأباحه أشهب، وعن مالك في المدونة كراهة الانتفاع ~~بالعاج وهو ms0559 سن الفيل. # وقال ابن قدامة في المغني والفيل محرم. قال أحمد ليس هو من أطعمة ~~المسلمين، وقال الحسن هو مسخ وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، ورخص في أكله ~~الشعبي، ولنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، وهو من أعظمها نابا، ولأنه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة ~~للخبائث اه. وقال النووي في شرح المهذب الفيل حرام عندنا، وعند أبي ~~حنيفة والكوفيين، والحسن. وأباحه الشعبي، و ابن شهاب، ومالك في رواية. ~~وحجة الأولين أنه ذو ناب اه. ومن ذلك الهر، والثعلب، والدب فهي عند مالك ~~من ذوات الناب من السباع. وعنه رواية أخرى أنها مكروهة كراهة تنزيه، ولا ~~تحريم فيها قولا واحدا. والهر الأهلي والوحشي عنده سواء. وفرق بينهما ~~غيره من الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة فمنعوا الأهلي. قال ابن قدامة ~~في المغني فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا ومالك وأبي حنيفة والشافعي. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر، وقال ابن ~~قدامة في المغني أيضا واختلفت الرواية في الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد ~~تحريمه. وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لأنه سبع، فيدخل في عموم ~~النهي، ونقل عن أحمد إباحته، واختاره الشريف أبو جعفر، ورخص فيه عطاء ~~وطاوس وقتادة والليث، وسفيان بن عيينة والشافعي، لأنه يفدى في الإحرام ~~والحرم إلى أن قال واختلفت الرواية عن أحمد في سنور البر، والقول فيه ~~كالقول في الثعلب. وحكى النووي اتفاق الشافعية على إباحة الثعلب. وقال ~~صاحب المهذب وفي سنور الوحش وجهان أحدهما لا يحل. لأنه يضطاد بنابه فلم ~~يحل كالأسد والفهد. والثاني يحل. لأنه حيوان ينتوع إلى حيوان وحشي وأهلي، ~~فيحرم الأهلي منه، ويحل الوحشي كالحمار. وأما الدب فهو سبع ذو ناب عند ~~مالك والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة. وقال أحمد إن كان الدب ذا ناب منع ~~أكله، وإن لم يكن ذا ناب فلا بأس بأكله. واختلف العلماء في جواز أكل ~~الضبع وهو عند مالك كالثعلب. وقد قدمنا عنه أنه سبع ms0560 في رواية، وفي أخرى ~~أنه مكروه، ولا قول فيه بالتحريم، والأحاديث التي قدمناها في سورة ~~المائدة بأن الضبع صيد تدل على إباحة أكلها، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه ~~كان يأكل الضباع. قاله القرطبي، ورخص في أكلها الشافعي وغيره، وقال ~~البيهقي في السنن الكبرى قال الشافعي وما يباع لحم الضباع بمكة إلا بين ~~الصفا والمروة. وحجة مالك في مشهور مذهبه أن الضبع من جملة السباع، فيدخل ~~في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخص سبعا منها عن سبع، ~~قال القرطبي وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض ~~به حديث النهي لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس مشهورا ~~بنقل العلم ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. # قال أبو عمر وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة، ~~روى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن ~~أبي عمار اه. قال مقيده - عفا الله عنه - للمخالف أن يقول أحاديث النهي ~~عامة في كل ذي ناب من السباع، ودليل إباحة الضبع خاص، ولا يتعارض عام ~~وخاص لأن الخاص يقضي على العام فيخصص عمومه به كما هو مقرر في الأصول. ~~ومن ذلك القنفذ فقد قال بعض العلماء بتحريمه، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي ~~هريرة، وأجاز أكله الجمهور. منهم مالك والشافعي والليث وأبو ثور وغيرهم. ~~واحتج من منعه بما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال ذكر ~~القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال # " هو خبيث من الخبائث ". # واحتج من إباحه - وهم الجمهور - بأن الحديث لم يثبت، ولا تحريم إلا ~~بدليل. قال البيهقي في السنن الكبرى - بعد أن ساق حديث أبي هريرة المذكور ~~في خبث القنفذ - هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف. ~~وممن كره أكل القنفذ. أبو حنيفة وأصحابه. قاله القرطبي وغيره. ومن ذلك ~~حشرات الأرض، كالفأرة، والحيات، والأفاعي، والعقارب، والخنفساء ms0561 والعظاية، ~~والضفادع، والجرذان، والوزغ، والصراصير، والعناكب، وسام أبرص، والجعلان، ~~وبنات وردان، والديدان، وحمار قبان، ونحو ذلك. فجمهور العلماء على تحريم ~~أكل هذه الأشياء لأنها مستخبثة طبعا، والله تعالى يقول # ويحرم عليهم الخبآئث # الأعراف 157. ومن قال بذلك الشافعي وابو حنيفة، وأحمد وابن شهاب وعروة ~~وغيرهم - رحمهم الله تعالى -. ورخص في أكل ذلك مالك، واشترط في جواز أكل ~~الحيات أن يؤمن سمها. وممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات، الأوزاعي، ~~وابن أبي ليلى، واحتجوا بما رواه أبو داود والبيهقي، من حديث ملقام بن ~~تلب، عن أبيه تلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، رضي الله عنه قال ~~صحبت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما. واحتجوا ~~أيضا بأن الله حرم أشياء، وأباح أشياء، فما حرم فهو حرام، وما أباح فهو ~~مباح، وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة، رضي الله عنها في الفأرة ما هي ~~بحرام، وقرأت قوله تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما # الأنعام 145 الآية. ويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلب مستور لا يعرف ~~حاله، وبأن قول أبيه تلب بن ثعلبة، رضي الله عنه، لم أسمع لحشرة الأرض ~~تحريما لا يدل على عدم تحريمها، كما قاله الخطابي، والبيهقي. # لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم، وبأنه تعالى لم ~~يسكت عن هذا. لأنه حرم الخبائث، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، ~~فضلا عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب، إنما ~~يدعوهم لذلك شدة الجوع، كما قال أحد شعرائهم # أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن غريبا لديكم يأكل الحشرات # والربى جمع ربية، وهي الفأرة. قاله القرطبي، وفي اللسان أنها دوبية بين ~~الفأرة وأم حبين، ولتلك الحاجة الشديدة لما سئل بعض العرب عما يأكلون. ~~قال كل ما دب ودرج، إلا أم حبين، فقال لتهن أم حبين العافية. وقد ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل الفأرة، وما ~~ذكر معها من الفواسق، فدل ms0562 ذلك على عدم إباحتها. واعلم أن ما ذكره بعض أهل ~~العلم كالشافعي. من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل ~~القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام. لقوله تعالى # ويحرم عليهم الخبآئث # الأعراف 157 الآية. استدلال ظاهر لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ~~ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم. لأنه لا ينضبط. لأن معنى الخبث معروف ~~عندهم، فما اتصف به فهو حرام، للآية. ولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض ~~المستخبثات، كالثوم. لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة ~~فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا. ويدخل فيه أيضا كل ما نص الشرع على أنه ~~خبيث، إلا لدليل يدل على إباحته، مع إطلاق اسم الخبث عليه. واستثنى بعض ~~أهل العلم من حشرات الأرض الوزغ، فقد ادعى بعضهم الإجماع على تحريمه، كما ~~ذكره ابن قدامة في المغني عن ابن عبد البر. قال مقيده - عفا الله عنه - ~~ويدل له حديث أم شريك المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ~~الأوزاغ، وكذلك روى الشيخان أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله ~~عنه، موصولا عند مسلم، ومحتملا للإرسال عند البخاري، فإن قوله وزعم سعد ~~بن أبي وقاص أنه أمر بقتله، محتمل لأن يكون من قول عائشة، ومحتمل لأن ~~يكون من قول عروة، وعليهما، فالحديث متصل، ويحتمل أن يكون من قول الزهري، ~~فيكون منقطعا، واختاره ابن حجر في الفتح، وقال كأن الزهري وصله لمعمر ~~وصله لمعمر، وأرسله ليونس. اه، ومن طريق يونس رواه البخاري، ومن طريق ~~معمر رواه مسلم، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا، الترغيب ~~في قتل الوزغ، وكل ذلك يدل على تحريمه. واختلف العلماء أيضا في ابن آوى ~~وابن عرس فقال بعض العلماء بتحريم أكلهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي ~~حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال في المغني سئل أحمد عن ابن آوى، وابن ~~عرس. # فقال كل شيء ينهش بأنيابه من السباع، وبهذا قال أبو ms0563 حنيفة، وأسحابه اه. ~~ومذهب الشافعي - رحمه الله - الفرق بينهما، فابن عرس حلال عند الشافعية ~~بلا خلاف، لأنه ليس له ناب قوي، فهو كالضب، واختلف الشافعية في ابن آوى. ~~فقال بعضهم يحل أكله، لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب. والثاني لا يحل. ~~لأنه مستخبث كريه الرائحة، ولأنه من جنس الكلاب، قاله النووي، والظاهر من ~~مذهب مالك كراهتهما. وأما الوبر، واليربوع، فأكلهما جائز عند مالك ~~وأصحابه. وهو مذهب الشافعي، وعليه عامة أصحابه، إلا أن في الوبر وجها ~~عندهم بالتحريم. وقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة، فدل ذلك على أنه ~~صيد، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضا جواز أكل اليربوع، والوبر. وممن قال ~~بإباحة الوبر عطاء وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، و ابن المنذر، وأبو ~~يوسف. وممن قال بإباحة اليربوع أيضا عروة، وعطاء الخراساني، وأبو ثور، ~~وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني. وقال القاضي من الحنابلة بتحريم ~~الوبر، قال في المغني، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وقال ~~أيضا إن أبا حنيفة. قال في اليربوع أيضا هو حرام، وروي ذلك عن أحمد ~~أيضا، وعن ابن سيرين والحكم، وحماده. لأنه يشبه الفأر، ونقل النووي في ~~شرح المهذب عن صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الوبر، واليربوع، والضب، ~~والقنفذ، وابن عرس. وممن قال بإباحة الخلد والضربوب مالك وأصحابه. وأما ~~الأرنب فالتحقيق أن أكلها مباح لما ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله ~~عنه، أنه صلى الله عليه وسلم " أهدي له عضو من أرنب فقبله " ، وفي بعض ~~الروايات " فأكل منه " ، وقال ابن قدامة في المغني أكل الأرنب سعد بن أبي ~~وقاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، ~~وأبو ثور، وابن المنذر. ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها، إلا شيئا روي ~~عن عمرو بن العاص. اه. وأما الضب فالتحقيق أيضا جواز أكله لما ثبت في ~~الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال " كلوا أو أطعموا ~~فإنه حلال ". وقال " لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي " يعني ms0564 الضب، ولما ~~ثبت أيضا في الصحيحين من حديث خالد، رضي الله عنه " أنه أكل ضبا في بيت ~~ميمونة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه " ، وقد قدمنا قول صاحب ~~البيان عن أبي حنيفة بتحريم الضب. ونقله في المغني عن أبي حنيفة أيضا، ~~والثوري تحريم الضب، ونقل عن علي النهي عنه، ولم نعلم لتحريمه مستندا، ~~إلا ما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر، رضي الله عنه، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتي بضب، فأبى أن يأكله " قال " إني ~~لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت " # وأخرج مسلم نحوه أيضا من حديث أبي سعيد مرفوعا، فكأنه في هذا الحديث ~~علل الامتناع منه باحتمال المسخ، أو لأنه ينهش، فأشبه ابن عرس، ولكن هذا ~~لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة التي قدمناها بإباحة أكله، وكان بعض ~~العرب يزعمون أن الضب من الأمم التي مسخت، كما يدل له قول الراجز # قالت - وكنت رجلا فطينا- هذا - لعمر الله - إسرائينا # فإن هذه المرأة العربية أقسمت على أن الضب إسرائيلي مسخ. وأما الجراد ~~فلا خلاف بين العلماء في جواز أكله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث # " عبد الله بن أبي أوفى أنه قال " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبع غزوات نأكل الجراد " # اه. وميتة الجراد من غير ذكاة حلال عند جماهير العلماء لحديث # " أحلت لنا ميتتان ودمان " # الحديث. وخالف مالك الجمهور، فاشترط في جواز أكله ذكاته، وذكاته عنده ما ~~يموت به بقصد الزكاة، وهو معنى قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، ~~وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به، ولو لم يعجل كقطع جناح. واحتج له ~~المالكية بعدم ثبوت حديث ابن عمر المذكور " أحلت لنا ميتتان " الحديث. ~~لأن طرقه لا تخلو من ضعف في افسناد، أو وقف، والأصل الاحتياج إلى الذكاة ~~لعموم # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3، وقال ابن كثير في تفسير آية المائدة. ما نصه وقد قال أبو عبد ~~الله محمد بن إدريس الشافعي حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ms0565 ~~عن ابن عمر مرفوعا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحل لنا ~~ميتتان ودمان. فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال ~~" ، وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه، والدارقطني والبيهقي من حديث عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي ورواه إسماعيل بن ~~أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر ~~مرفوعا. قلت وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه ~~سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم ~~عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي وهو أصح. اه من ابن كثير، وهو دليل ~~لما قاله المالكية، والله تعالى أعلم. قال مقيده - عفا الله عنه- لكن ~~للمخالف أن يقول إن الرواية الموقوفة على ابن عمر من طريق سليمان ابن ~~بلال عن زيد بن أسلم عنه صحيحة، ولها حكم الرفع. لأن قول الصحابي أحل ~~لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع. # لأنه من المعلوم أنهم لا يحل لهم، ولا يحرم عليهم، إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم. كما تقرر في علوم الحديث، وأشار النووي في شرح المهذب إلى أن ~~الرواية الصحيحة الموقوفة على ابن عمر لها حكم الرفع، كما ذكرنا وهو ~~واضح، وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير زكاة. والمالكية ~~قالوا لم يصح الحديث مرفوعا، وميتة الجراد داخلة في عموم قوله # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3 الآية، وافتقار الجراد إلى الزكاة بما يموت به، كقطع رأسه ~~بنية الذكاة أو صلقه أو قليه. كذلك رواية أيضا عن الإمام أحمد نقلها عنه ~~النووي في شرح مسلم وشرح المهذب، والله تعالى أعلم. وأما الطير فجميع ~~أنواعه مباحة الأكل إلا أشياء منها اختلف فيها العلماء. فمن ذلك كل ذي ~~مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد كالصقر والشاهين والبازي والعقاب والباشق، ~~ونحو ذلك. وجمهور العلماء على تحريم كل ذي مخلب من الطير كما قدمنا، ~~ودليلهم ثبوت النهي عنه في صحيح مسلم وغيره، ms0566 وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي ~~حنيفة. ومذهب مالك - رحمه الله - إباحة أكل ذي المخلب من الطير لعموم ~~قوله تعالى # قل لا أجد # الأنعام 145 الآية. ولأنه لم يثبت عنده نص صريح في التحريم. وممن قال ~~كقول مالك الليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد، وقال مالك لم أر أحدا من أهل ~~العلم يكره سباع الطير، وقال ابن القاسم لم يكره مالك أكل شيء من الطير ~~كله الرخم والعقبان والنسور والحدأة والغربان، وجميع سباع الطير وغير ~~سباعها، ما أكل الجيف منها، وما لم يأكلها. ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، ~~وروى على كراهة أكل الخطاف ابن رشد لقلة لحمها مع تحرمها بمن عششت عنده، ~~انتهى من المواق في شرحه لقول خليل في مختصره وطير، ولو جلالة. ومن ذلك ~~الحدأة والغراب الأبقع لما تقدم من أنهما من الفواسق التي يحل قتلها في ~~الحل والحرم، وإباحة قتلها دليل على منع أكلها، وهو مذهب الجمهور خلافا ~~لمالك، ومن وافقه كما ذكرنا آنفا. وقالت عائشة رضي الله عنها إني لأعجب ~~ممن يأكل الغراب، وقد أذن صلى الله عليه وسلم في قتله، وقال صاحب " ~~المهذب " بعد أن ذكر تحريم أكل الغراب الأبقع، ويحرم الغراب الأسود ~~الكبير لأنه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع. وفي الغداف، وغراب الزرع ~~وجهان أحدهما لا يحل للخبر. والثاني يحل لأنه مستطاب يلقط الحب فهو ~~كالحمام والدجاج، وقال ابن قدامة في " المغني " ويحرم منها ما يأكل الجيف ~~كالنسور والرخم وغراب البين وهو أكبر الغربان والأبقع. قال عروة ومن يأكل ~~الغراب، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم فاسقا؟ والله ما هو من ~~الطيبات اه. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر المتبادر أن كل شيء أذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله بغير الذكاة الشرعية أنه محرم ~~الأكل، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزا لما أذن صلى الله عليه وسلم في ~~إتلافه كما هو واضح. # وقال النووي الغراب الأبقع حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة، والأسود ~~الكبير فيه طريقان إحداهما أنه حرام. والأخرى أن فيه وجهين ms0567 أصحهما ~~التحريم. وغراب الزرع فيه وجهان مشهوران أصحهما أنه حلال، وهو الزاغ، وهو ~~أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين اه، منه بالمعنى في شرح ~~المهذب. ومن ذلك الصرد. والهدهد. والخطاف. والخفاش وهو الوطواط. ومذهب ~~الشافعي تحريم أكل الهدهد والخطاف. قال صاحب " المهذب " ويحرم أكل الهدهد ~~والخطاف. لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما، وقال النووي في ~~" شرح المهذب " أما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد ~~الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن قتل أربع من ~~الدواب النملة والنخلة، والهدهد والصرد " رواه أبو داود بإسناد صحيح على ~~شرط البخاري ومسلم ذكره في آخر كتابه، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد ~~بإسناد على شرط البخاري، وأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل، رواه ~~البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وهو من تابعي ~~التابعين، أو من التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن ~~قتل الخطاطيف " ، ثم قال قال البيهقي هذا منقطع. قال وروى حمزة النصيبي ~~فيه حديثا مسندا إلا أنه كان يرمى بالوضع اه. ومما ذكره النووي تعلم ~~أن الصرد والهدهد لا يجوز أكلهما في مذهب الشافعي لثبوت النهي عن قتلهما، ~~وقال النووي أيضا وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا عليه أنه ~~قال " لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما ~~خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم، قال البيهقي ~~إسناده صحيح. قال مقيده - عفا الله عنه - والظاهر في مثل هذا الذي صح عن ~~عبد الله بن عمرو من النهي عن قتل الخفاش والضفدع أنه في حكم المرفوع ~~لأنه لا مجال للرأي فيه. لأن علم تسبيح الضفدع وما قاله الخفاش لا يكون ~~بالرأي، وعليه فهو يدل على منع أكل الخفاش والضفدع. وقال ابن قدامة في " ~~المغني " ويحرم الخطاف والخشاف أو الخفاش وهو الوطواط، قال الشاعر # مثل النهار يزيد أبصار الورى ورا ويعمي أعين الخفاش ms0568 # قال أحمد ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال لا أدري، وقال النخعي ~~أكل الطير حلال إلا الخفاش، وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تأكلها ~~العرب اه. # من المغني. والخشاف هو الخفاش، وقد قدمنا عن مالك وأصحابه جواز أكل جميع ~~أنواع الطير واستثنى بعضهم من ذلك الوطواط. وفي الببغا والطاوس وجهان ~~للشافعية قال البغوي وغيره وأصحهما التحريم. وفي العندليب والحمرة لهم ~~أيضا وجهان والصحيح إباحتهما، وقال أبو عاصم العبادي يحرم ملاعب ظله وهو ~~طائر يسبح في الجو مرارا كأنه ينصب على طائر، وقال أبو عاصم أيضا ~~والبوم حرام كالرخم، قال والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو وبالعين ~~المهملة حرام على أصح القولين، قال الرافعي هذا يقتضي أن الضوع غير ~~البوم، قال لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس ~~الهام، وقال المفضل هو ذكر البوم، قال الرافعي فعلى هذا إن كان في الضوع ~~قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من الجنس الواحد لا يفترقان، ~~قاله النووي ثم قال قلت الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما ~~في الحكم. وأما حشرات الطير، كالنحل، والزنانير، والذباب، والبعوض، ونحو ~~ذلك فأكلها حرام عند الشافعي وأحمد، وأكثر العلماء لأنها مستخبثة طبعا، ~~والله تعالى يقول # ويحرم عليهم الخبآئث # الأعراف 157. ومن ذلك الجلالة وهي التي تأكل النجس، وأصلها التي تلتقط ~~الجلة بتثليث الجيم وهي البعر، والمراد بها عند العلماء التي تأكل ~~النجاسات من الطير والدواب. ومشهور مذهب الإمام مالك جواز أكل لحم ~~الجلالة مطلقا، أما لبنها وبولها فنجسان في مشهور مذهبه ما دام النجس ~~باقيا في جوفها، ويطهر لبنها وبولها عنده إن أمسكت عن أكل النجس، وعلفت ~~علفا طاهرا مدة يغلب على الظن فيها عدم بقاء شيء في جوفها من الفضلات ~~النجسة، وكره كثير من العلماء لحم لجلالة ولبنها، وحجتهم حديث ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة قال النووي في " شرح ~~المهذب " حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد ms0569 ~~صحيحة، قال الترمذي هو حديث حسن صحيح اه. وقال النووي في حد الجلالة ~~والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار ~~بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرقها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا، ~~وأكل لحم الجلالة وشرب لبنها مكروه عند الشافعية، والصحيح عندهم أنها ~~كراهة تنزيه، وقيل كراهة تحريم. وقال ابن قدامة في " المغني " قال أحمد ~~أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في المجرد هي التي تأكل القذر، ~~فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها. وفي بيضها روايتان وإن ~~كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكون ~~أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن ~~تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير، وقا لالليث إنما ~~كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع وما أشبهه، وقال ابن ~~أبي موسى في الجلالة روايتان إحداهما أنها محرمة. # والثانية أنها مكروهة غير محرمة، وهذا قول الشافعي، وكره أبو حنيفة ~~لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها. لأن ~~الحيوانات لا تتنجس بأكل النجاسات. بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس ~~أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا، ولو ~~نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس ~~اه. والظاهر كراهة ركوب الجلالة، وهو مكروه عند الشافعي، وأحمد وعمر ~~وابنه عبد الله، وروي عن ابن عمر مرفوعا كراهة ركوب الجلالة، أخرجه ~~البيهقي وغيره. والسخلة المرباة بلبن الكلبة حكمها حكم الجلالة فيما ~~يظهر، فيجري فيها ما جرى فيها، والله تعالى أعلم. ومن ذلك الزروع والثمار ~~التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها فأكثر العلماء على أنها طاهرة، وأن ذلك ~~لا ينجسها، وممن قال بذلك مالك والشافعي وأصحابهما خلافا للإمام أحمد، ~~وقال ابن قدامة في " المغني " وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، ~~أو سمدت بها، وقال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم. ولا يحكم ~~بتنجيسها، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاتسحالة. ms0570 كالدم يستحيل ~~في أعضاء الحيوان لحما، ويصير لبنا. وهذا قول اكثر الفقهاء. منهم أبو ~~حنيفة والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول مكتل عرة ~~مكتل بر، والعرة عذرة الناس، ولنا ما روي عن ابن عباس كنا نكري أراضي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس، ~~ولأنها تتغذى بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر، فعلى ~~هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات. كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات ". اه ~~من المغني بلفظه. ### || [6.148] # قوله تعالى { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ ~~أشركنا } الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنهم سيقولون لو شاء الله ~~ما أشركنا، وذكر في غير هذا الموضع أنهم قالوا ذلك بالفعل، كقوله في ~~النحل # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا # النحل 35 الآية، وقوله في الزخرف # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # الزخرف 20 الآية. ومرادهم أن الله لما كان قادرا على منعهم من الإشراك، ~~ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا بقوله { ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن } الآية، وكذبهم في الزخرف بقوله # ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # الزخرف 20، وقال في الزمر # ولا يرضى لعباده الكفر # الزمر 7 الآية. ### || [6.151] # قوله تعالى { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا } الآية. الظاهر في قوله ما حرم ربكم ~~عليكم، أنه مضمن معنى ما وصاكم به فعلا، أو تركا. لأن كلا من ترك ~~الواجب، وفعل الحرام حرام، فالمعنى وصاكم ألا تشركوا، وأن تحسنوا ~~بالوالدين إحسانا. وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله { ذلكم ~~وصاكم به } الأنعام 151 الآية. قوله تعالى { ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق } الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل. ونهى في سورة ~~الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه غير واقع في ~~الحال بقوله # ولا تقتلوا أولادكم ms0571 خشية إملاق # الإسراء 31، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم معناه حين سأله عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه # " أي الذنب أعظم؟ فقال " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ، قال ثم أي؟ قال ~~" أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " ، قال ثم أي؟ قال " أن تزاني حليلة ~~جارك " ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } الفرقان 68 ~~الآية ". # وأخذ بعض اهل العلم من هذه الآية منع العزل. لأنه وأد خفي، وحديث جابر " ~~كنا نعزل والوحي ينزل " ، يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم إنه ~~لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها، والإملاق ~~الفقر، وقال بعض أهل العلم الإملاق الجوع. وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل ~~الإملاق الإنفاق، يقال أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن عليا قال لامرأته ~~أملقي ما شئت من مالك. وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد، ذكره القرطبي، ~~وغيره، والصحيح الأول. ### || [6.152] # قوله تعالى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده } الآية. قد يتوهم غير العارف من ~~مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم الغاية في قوله { حتى ~~يبلغ أشده } الأنعام 152 إنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ~~ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مرادا بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد ~~يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله، إن أونس منه الرشد، كما بينه ~~تعالى بقوله # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # النساء 6 الآية. والتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل ~~قوله تعالى # إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا # النساء 6 الآية. والبلوغ يكون بعلامات كثيرة، كالإنبات، واحتلام الغلام، ~~وحيض الجارية، وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمسة عشرة سنة. ~~ومن العلماء من قال إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول ~~عن علي، وبه أخذ الفرزدق ms0572 في قوله يرثي يزيد بن المهلب # ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من ~~خوافق تلتقي في ظل معتبط الغبار مثار # والأشد، قال بعض العلماء هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل ~~واحده شد كفلس وأفلس، قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة، ~~ومعناه حسن، لأن العرب تقول بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على ~~أفعل غير معهود، كما قاله الجوهري، وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو ~~جمع نعم من قولهم بؤس ونعم، قاله القرطبي، وقال أيضا وأصل الأشد النهار ~~إذا ارتفع، يقال. أتيته شد النهار، وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت ~~عنترة # عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم # وقال الآخر # تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق # قال مقيده - عفا الله عنه - ومنه قول كعب بن زهير # شد النهار ذراعا عيطل نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل # فقوله " شد النهار " ، يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله # يوما يظل به الحرباء مصطخدا كأن ضاحيه بالشمس محلول # فشد النهار بدل من قوله يوما، بدل بعض من كل، كما أن قوله " بوما " ~~بدل من إذا في قوله قبل ذلك # كأن أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل # لأن الزمن المعبر عنه " بإذا " هو بعينه اليوم المذكور في قوله " يوما ~~يظل؟ البيت، ونظيره في القرآن، قوله تعالى # فإذا جآءت الطآمة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ~~ما سعى # النازعات 34-35، وقوله # فإذا جآءت الصآخة يوم يفر المرء # عبس 33-34 الآية، وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله ~~" ذراعا عطيل " خبر كأن في قوله " كأن أوب ذراعيها " البيت. # وقال السدي الأشد ثلاثون سنة، وقيل أربعون سنة، وقيل ستون سنة، ولا يخفى ~~أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا، وإن جازت لغة، كما قال ~~سحيم بن وثيل # أخو خمسين مجتمع أشدى ونجذني مداورة الشؤون # تنبيه قال مالك وأصحابه إن الرشد الذي ms0573 يدفع به المال إلى من بلغ النكاح، ~~هو حفظ المال وحسن النظر في التصرف فيه، وإن كان فاسقا شريبا، كما أن ~~الصالح التقي إذا كان لا يحسن النظر في المال لا يدفع إليه ماله، قال ابن ~~عاصم المالكي في تحفته # وشارب الخمر إذا ما ثمرا لما يلي من ماله لن يحجرا وصالح ليس يجيد ~~النظرا في المال إن خيف الضياع حجرا # وقال الشافعي ومن وافقه لا يكون الفاسق العاصي رشيدا، لأنه لا سفه أعظم ~~من تعريضه نفسه لسخط الله وعذابه بارتكاب المعاصي، والله تعالى أعلم. ~~قوله تعالى { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها }. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة ~~بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، وذكر أن من أخل بإيفائه من غير قصد منه ~~لذلك، لا حرج عليه لعدم قصده، ولم يذكر هنا عقابا لمن تعمد ذلك، ولكن ~~توعده بالويل في موضع آخر، ووبخه بأنه لا يظن البعث ليوم القيامة، وذلك ~~في قوله # ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا ~~يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين # المطففين 1-6. وذكر في موضع آخر أن إيفاء الكيل والميزان خير لفاعله، ~~وأحسن عاقبة، وهو قوله تعالى # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا # الإسراء 35. قوله تعالى { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى }. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالعدل في القول، ولو ~~كان على ذي قرابة، وصرح في موضع آخر بالأمر بذلك، ولو كان على نفسه أو ~~والديه، وهو قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين # النساء 135 الآية. قوله تعالى { وبعهد الله أوفوا } الآية. ~~أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالإيفاء بعهد الله، وصرح في موضع آخر أن ~~عهد الله سيسأل عنه يوم القيامة، بقوله # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # الإسراء 34 أي عنه. ### || [6.157] # قوله تعالى { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا ms0574 الكتاب ~~لكنآ أهدى منهم } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن ~~من حكم إنزال القرآن العظيم قطع عذر كفار مكة. لئلا يقولوا لو أنزل علينا ~~كتاب لعملنا به، ولكنا أهدى من اليهود والنصارى، الذين لم يعملوا بكتبهم، ~~وصرح في موضع آخر أنهم أقسموا على ذلك، وأنه لما أنزل عليهم ما زادهم ~~نزوله إلا نفورا وبعدا عن الحق، لاستكبارهم ومكرهم السيئ، وهو قوله ~~تعالى # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ~~ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله # فاطر 42-43. قوله تعالى { فمن أظلم ممن كذب بآيات ~~الله وصدف عنها } الآية. قال بعض العلماء إن هذا الفعل أعني ~~صدف في هذه الآية لازم، ومعناه أعرض عنها، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد، ~~وقتادة. وقال السدي صدف في هذه الآية متعدية للمفعول، والمفعول محذوف، ~~والمعنى أنه صد غيره عن اتباع آيات الله، والقرآن يدل لقول السدي، لأن ~~إعراض هذا الذي لا أحد أظلم منه عن آيات الله صرح به في قوله { فمن ~~أظلم ممن كذب بآيات الله } إذ لا إعراض أعظم من ~~التكذيب، فدل ذلك على أن المراد بقوله { وصدف عنها } أنه صد غيره ~~عنها فصار جامعا بين الضلال والإضلال. وعلى القول الأول فمعنى صدف ~~مستغنى عنه بقوله " كذب " ، ونظير الآية على القول الذي يشهد له ~~القرآن، وهو قول السدي. قوله تعالى # وهم ينهون عنه وينأون عنه # الأنعام 26. وقوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب # النحل 88 الآية. وقد يوجه قول ابن عباس وقتادة ومجاهد بأن المراد ~~بتكذيبه، وإعراضه أنه لم يؤمن بها قلبه، ولم تعمل بها جوارحه، ونظيره ~~قوله تعالى # فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى # القيامة 31-32 ونحوها من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب ~~بقلبه، وترك العمل بجوارحه، قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن أشار إلى هذا ~~ولكن كلام السدي أقوى وأظهر والله أعلم اه. ms0575 وإطلاق صدف بمعنى أعرض كثير ~~في كلام العرب، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث # عجبت لحكم الله فينا وقد بدا له صدفنا عن كل حق منزل # وروي أن ابن عباس أنشد بيت أبي سفيان هذا لهذا المعنى، ومنه أيضا قول ~~ابن الرقاع # إذا ذكرت حديثا قلن أحسنه وهن عن كل سوء يتقي صدف # أي معرضات. ### || [6.158] # قوله تعالى { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~أو يأتي ربك } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة إتيان ~~الله جل وعلا وملائكته يوم القيامة، وذكر ذلك في موضع آخر، وزاد فيه أن ~~الملائكة يجيؤون صفوفا وهو قوله تعالى # وجآء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22، وذكره في موضع آخر، وزاد فيه أنه جل وعلا يأتي في ظلل من ~~الغمام وهو قوله تعالى # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # البقرة 210 الآية، ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمر ~~كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئا من صفات ~~المخلوقين. فسبحان من أحاط بكل شيء علما # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه 110. ### || [6.162] # قوله تعالى { قل إن صلاتي ونسكي } الآية. قال بعض العلماء ~~المراد بالنسك هنا النحر، لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من ~~أعظم العبادات هي النحر. فأمر الله تعالى نبيه أن يقول إن صلاته ونحره ~~كلاهما خالص لله تعالى، ويدل لهذا قوله تعالى # فصل لربك وانحر # الكوثر 2، وقال بعض العلماء النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال ~~بعضهم المراد بقوله { وانحر } وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في ~~الصلاة - والله تعالى أعلم. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.2] # قوله تعالى { فلا يكن في صدرك حرج منه } الآية. قال ~~مجاهد، وقتادة، والسدي { حرج } أي شك. أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا ~~القرآن حقا، وعلى هذا القول فالآية، كقوله تعالى # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين # البقرة 147 وقوله # الحق من ربك فلا تكن من ms0576 الممترين # آل عمران 60، وقوله # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين # يونس 94. والممتري هو الشاك. لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا ~~القول فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد نهى غيره عن الشك في ~~القرآن، كقول الراجز # إياك أعني واسمعي يا جارة # وكقوله تعالى # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # الإنسان 24، وقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65، وقوله # ولئن اتبعت أهوآءهم # البقرة 120 الآية. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا من ذلك، ~~ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه صلى الله عليه ~~وسلم. وجمهور العلماء على أن المراد بالحرج في الآية الضيق. أي لا يكن في ~~صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به لشدة تكذيبهم لك، لأن تحمل عداوة الكفار، ~~والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم ~~مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة " # ، أخرجه مسلم. والثلغ الشدخ وقيل ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا ~~البطش مما يضيق به الصدر. ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك # هود 12، وقوله # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # الحجر 97، وقوله # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # الكهف 6 وقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3. ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب الضيق. ~~وذلك معروف في كلامهم، ومنه قوله تعالى # ليس على الأعمى حرج # النور 61، وقوله # وما جعل عليكم في الدين من حرج # الحج 78، وقوله # يجعل صدره ضيقا حرجا # الأنعام 125 أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ~~ربيعة، أو جميل # فخرجت خوف يمينها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرج # وقول العرجبي # عوجي علينا ربة ms0577 الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي # والمراد بالإحراج في البيتين الإدخال في الحرج. بمعنى الضيق كما ذكرنا. ~~قوله تعالى { لتنذر به وذكرى للمؤمنين }. لم يبين هنا ~~المفعول به لقوله النذر، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله # وتنذر به قوما لدا # مريم 97، وقوله # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم # يس 6، إلى غير ذلك من الآيات. كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في ~~آيات أخر، كقوله # لينذر بأسا شديدا من لدنه # الكهف 2 الآية، وقوله # فأنذرتكم نارا تلظى # الليل 14، وقوله # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا # النبأ 40 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد جمع تعالى في هذه الآية ~~الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله { لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين } فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل لذلك قوله ~~تعالى # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # مريم 97، وقوله # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # الذاريات 55، وقوله # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # ق 45. ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين. أنه ~~قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم # يس 11. لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصورا عليهم، صار الإنذار كأنه ~~مقصور عليهم، لأن ما لا نفع فيه فهو كالعدم. ومن أساليب اللغة العربية ~~التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء. وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث أن ~~الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين. أحدهما عام لجميع الناس كقوله # يأيها المدثر قم فأنذر # المدثر 1-2، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1. وهذا الإنذار العام هو الذي قصر على المؤمنين قصرا إضافيا ~~في قوله { إنما تنذر من اتبع الذكر } الآية. لأنهم هم ~~المنتفعون به دون غيرهم. والثاني إنذار خاص بالكفار لأنهم هم الواقعون ~~فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبينا أنه ~~خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله { لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا } ، وقوله هنا { لتنذر به ~~وذكرى للمؤمنين } اه. والإنذار في اللغة ms0578 العربية الإعلام ~~المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا. ### || [7.4] # خوف الله تعالى في هذه اللآية الكيرمة الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه ~~وسلم، بأنه أهلك كثيرا من القرى بسبب تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها ~~بياتا أي ليلا، ومنهم من أهلكها وهم قائلون، أي في حال قيلولتهم، ~~والقيلولة الاستراحة وسط النهار. يعني فاحذروا تكذيب رسولي صلى الله عليه ~~وسلم لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر ~~كقوله # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون # الأنعام 10، وقوله # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # الحج 45، وقوله # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك ~~مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا ~~نحن الوارثين # القصص 58، وقوله # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم # محمد 10، ثم بين أنه يريد تهديدهم بذلك بقوله # وللكافرين أمثالها # محمد 10 إلى غير ذلك من الآيات. وقد هدد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم ~~عذابه ليلا في حالة النوم، أو ضحى في حالة اللعب، في قوله تعالى # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون # الأعراف 97-98. وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم ~~بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم ~~لرؤوف رحيم # النحل 45-47. ### || [7.5] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في ~~حال البينات، أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم ~~بأنهم كانوا ظالمين. وأوضح هذا المعنى في قوله # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا ~~بعدها قوما آخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم ~~منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى مآ ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ms0579 قالوا ~~يويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم ~~حتى جعلناهم حصيدا خامدين # الأنبياء 11-15. قال ابن جرير - رحمه الله - في هذه الآية الدلالة ~~الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " # حدثنا بذلك ابن حميد. حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة ~~الزراد قال قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " # قال قلت لعبد الله كيف يكون ذلك؟ قال فقرأ هذه الآية { فما كان ~~دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا ~~كنا ظالمين } الأعراف 5. ### || [7.6] # لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين ~~أرسل إليهم. وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ~~ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم. قال في الأول # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم # المائدة 109. وقال في الثاني # ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين # القصص 65. وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعلمون، وهو ~~قوله تعالى # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # الحجر 92-93. وهنا إشكال معروف وهو أنه تعالى قال هنا { فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } الأعراف ~~6، وقال أيضا # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # الحجر 92-93، وقال # وقفوهم إنهم مسئولون # الصافات 24، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # القصص 78، وقال # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # الرحمن 39. وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب وسنزيده إيضاحا هنا إن شاء الله تعالى. اعلم ~~أولا أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة. أخص من السؤال المثبت فيها. ~~لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالا عن ذنوب خاصة. فإنه قال # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # القصص 78 فخصه بكونه عن الذنوب، وقال # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه ms0580 إنس ولا جآن # الرحمن 39 فخصه بذلك أيضا. فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والموؤودة مثلا ~~ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه. لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ~~ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى # ليسأل الصادقين عن صدقهم # الأحزاب 8 الآية، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # المائدة 116 الآية. # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم # المائدة 119 الآية، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات المراد به سؤال ~~الاستخبار والاستعلام. لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي ~~هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع. لأنه ~~نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ ~~وتقريع كقوله # وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون # الصافات 24-25. وقوله # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون # الطور 15. إلى غير ذلك من الآيات وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا ~~المذكور - والعلم عند الله تعالى-. ### || [7.7] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقص على عباده يوم القيامة ما كانوا ~~يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبا عما فعلوه أيام ~~فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط ~~علمه بكل ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير، وبين هذا المعنى في آيات ~~كثيرة كقوله # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم # المجادلة 7، وقوله # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم # الحديد 4 وقوله # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في ms0581 الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # يونس 61. تنبيه في هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة النافين ~~صفات المعاني، القائلين إنه تعالى عالم بذاته، لا بصفة قامت بذاته، هي ~~العلم، وهكذا في قولهم قادر مريد، حي سميع، بصير متكلم، فإنه هنا أثبت ~~لنفسه صفة العلم بقوله { فلنقصن عليهم بعلم } ونظيره ~~قوله تعالى # أنزله بعلمه # النساء 166 الآية. وهي أدلة قرآنية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك ~~عاقل في بطلانه وتناقضه. ### || [7.8-9] # قوله تعالى { والوزن يومئذ الحق }. بين تعالى في هذه ~~الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق أي لا جور فيه، ولا ظلم، ~~فلا يزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن. وأوضح هذا المعنى في ~~مواضع أخر كقوله # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # الأنبياء 47، وقوله # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها # النساء 40 الآية إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن ~~من ثقلت موازينهم أفلحوا، ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، ولم يفصل ~~الفلاح والخسران هنا. وقد جاء في بعض المواضع ما يدل على أن المراد ~~بالفلاح هنا كونه في عيشة راضية في الجنة، وأن المراد بالخسران هنا كونه ~~في الهاوية من النار، وذلك في قوله # فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ~~وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ومآ أدراك ~~ما هيه نار حامية # القارعة 6-11. وبين أيضا خسران من خفت موازينه بقوله # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار ~~وهم فيها كالحون # المؤمنون 103-104 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.10] # قوله تعالى { وجعلنا لكم فيها معايش } الآية. لم يبين هنا ~~كيفية هذه المعايش التي جعل لنا ms0582 في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر ~~كقوله # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا ~~وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم # عبس 24-32. وقوله # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # السجدة 27، وقوله # وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى # طه 53-54. وذكر كثيرا من ذلك في سورة النحل كقوله # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون # النحل 5 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.12] # قوله تعالى { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك }. ~~قال بعض العلماء، معناه ما منعك أن تسجد، و " لا " صلة، ويشهد لهذا قوله ~~تعالى في سورة " ص " # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # ص75 الآية. وقد أوضحنا زيادة لفظة " لا " وشواهد ذلك من القرآن، ومن ~~كلام العرب في سورة البلد. في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب " والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين }. ذكر في هذه ~~الآية الكريمة أن إبليس - لعنه الله - خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس ~~هو الجان الذي هو أبو الجن. فقد زاد في مواضع أخر أوصافا للنار التي ~~خلقه منها. من ذلك أنها نار السموم. كما في قوله # والجآن خلقناه من قبل من نار # الرحمن 15، والمارج أخص من مطلق النار لأنه اللهب الذي لا دخان فيه. ~~وسميت نار السموم لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها. وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة رضي الله عنها مرفوعا # " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف ~~لكم " # ورواه عنها أيضا الإمام أحمد. ### || [7.13] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده حيث ~~كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرا حقيرا ذليلا، متصفا ms0583 ~~بنقيض ما كان يحاوله من العلو و العظمة، وذلك في قوله { إنك من ~~الصاغرين } ، والصغار أشد الذل والهوان، وقوله # اخرج منها مذءوما مدحورا # الأعراف 18، ونحو ذلك من الآيات، ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما ~~أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك. وصرح تعالى بهذا المعنى ~~في قوله # إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه # غافر 56. وبين في مواضع أخر كثيرا من العواقب السيئة التي تنشأ عن ~~الكبر - أعاذنا الله والمسلمين منه - فمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم ~~آيات الله، والاهتداء بها كما في قوله تعالى # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق # الأعراف 146 الآية. ومن ذلك أنه من أسباب الثواء في النار كما في قوله ~~تعالى # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين # الزمر 60، وقوله # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # الصافات 35، ومن ذلك أن صاحبه لا يحبه الله تعالى كما في قوله # لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~إنه لا يحب المستكبرين # النحل 23، ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به ولا يستعيذ إلا مما هو ~~شر. كما في قوله # وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل ~~متكبر لا يؤمن بيوم الحساب # غافر 27 إلى غير ذلك من نتائجه السيئة، وعواقبه الوخيمة، ويفهم من مفهوم ~~المخالفة في الآية أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله. وقد أشار تعالى ~~إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # الفرقان 63، وقوله # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين # القصص 83 وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على ~~أحد " # ، وقد قال الشاعر # تواضع تكن كالبدر تبصر وجهه على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان ~~يعلو بنفسه إلى صفحات الجو ms0584 وهو وضيع # وقال أبو الطيب المتنبي # ولو لم يعل إلا ذو محل تعالى الجيش وانحط القتام ### || [7.14-15] # لم يبين هنا في سورة الأعراف الغاية التي أنظره إليها، وقد ذكرها في " ~~الحجر " و " ص " مبينا أن غاية ذلك الإنظار هو يوم الوقت المعلوم. لقوله ~~في سورة " الحجر " و " ص " # فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم # الحجر 37-38 فقد طلب الشيطان الإنظار إلى يوم البعث، وقد أعطاه الله ~~الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم. وأكثر العلماء يقولون المراد به وقت ~~النفخة الأولى، والعلم عند الله تعالى. ### || [7.17] # قوله تعالى { ولا تجد أكثرهم شاكرين }. هذا الذي ذكر ~~إبليس أنه سيوقع بين آدم فيه قاله ظنا منه أنهم سيطيعونه فيما يدعوهم ~~إليه حتى يهلكهم، وقد بين تعالى في سورة " سبأ " أن ظنه هذا صدق فيهم ~~بقوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه # سبأ 20 الآية. كما تقدمت الإشارة إليه. ### || [7.18] # بين في هذه الآية الكريمة أنه قال لإبليس اخرج منها في حال كونك مذءوما ~~مدحورا. والمذءوم المعيب أو الممقوت، والمدحور المبعد عن الرحمة، ~~المطرود، وأنه أوعده بملء جهنم منه، وممن تبعه. وأوضح هذا المعنى في آيات ~~أخر كقوله تعالى # قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين # ص 84-85 وقوله # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا # الإسراء 63-64، وقوله # فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس ~~أجمعون # الشعراء 94-95 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.27] # قوله تعالى { يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كمآ ~~أخرج أبويكم من الجنة }. حذر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة بني آدم أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم، وصرح في موضع آخر. ~~أنه حذر آدم من مكر إبليس قبل أن يقع فيما وقع فيه، ولم ينجه ذلك التحذير ~~من عدوه وهو قوله تعالى # فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى # طه ms0585 117. ### || [7.28] # قوله تعالى { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ ~~آباءنا } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا فعلوا ~~فاحشة. استدلوا على أنها حق وصواب، بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأنهم ~~ما فعلوها، إلا لأنها صواب ورشد. وبين في موضع آخر أن هذا واقع من جميع ~~الأمم، وهو قوله تعالى # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # الزخرف 23. ورد الله عليهم هذا التقليد الأعمى في آيات كثيرة، كقوله # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # البقرة 170، وقوله # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # المائدة 104، وقوله # قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم # الزخرف 24، وقوله # إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين فهم على آثارهم ~~يهرعون # الصافات 69-70 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.29-30] # قوله تعالى { كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة }. في هذه الآية الكريمة للعلماء وجهان من ~~التفسير الأول أن معنى { كما بدأكم تعودون } أي كما سبق لكم ~~في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه. فمن سبق له العلم ~~بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، ~~ويدل لهذا الوجه قوله بعده { فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة }. وهو ظاهر كما ترى، ومن الآيات الدالة عليه ~~أيضا قوله تعالى # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن 2، وقوله # ولذلك خلقهم # هود 119 الآية، أي ولذلك الاختلاف إلى شقي، وسعيد خلقهم. الوجه الثاني ~~أن معنى قوله { كما بدأكم تعودون } ، أي كما خلقكم أولا، ولم ~~تكونوا شيئا، فإنه يعيدكم مرة أخرى. ويبعثكم من قبوركم أحياء بعد أن متم ~~وصرتم عظاما رميما، والآيات الدالة على هذا الوجه كثيرة جدا، كقوله # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينا # الأنبياء 104 الآية، وقوله # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده # الروم 27 الآية، وقوله # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # يس 79 الآية، وقوله # يأيها الناس إن ms0586 كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ~~أنه قد يكون في الآية وجهان، وكل واحد منهما حق، ويشهد له القرآن، فنذكر ~~الجميع، لأنه كله حق، والعلم عند الله تعالى قوله تعالى { إنهم ~~اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون ~~أنهم مهتدون }. وبين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار ~~اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما ~~يخالف ما شرعه الله تعالى، ومع ذلك يظنون أنفسهم على هدى. وبين في موضع ~~آخر أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملا، والعياذ بالله تعالى، وهو قوله ~~جل وعلا # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # الكهف 103-104. تنبيه هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ~~ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسا ~~ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي ~~كالشمس في رابعة النهار لجاجا في الباطل، وعنادا، فلذلك كان غير معذور. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [7.32] # قوله تعالى { قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق }. أمر الله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم " أن يسأل سؤال إنكار من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده، كاللباس في الطواف، والطيبات من الرزق كالأنعام، ~~والحرث التي حرمها الكفار، وكاللحم والودك الذي حرمه بعض العرب في ~~الجاهلية في الحج. وصرح في مواضع أخر أن من قال ذلك على الله فهو مفتر ~~عليه جل وعلا، كقوله # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون # النحل 116، وقوله # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله ~~قد ضلوا وما كانوا مهتدين # الأنعام 140، وقوله ms0587 # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # يونس 59، وطلبهم في موضع آخر طلب إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون ~~لهم أن الله حرم هذا، ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم إن شهد لهم شهود زور ~~أن يشهد معهم، وهو قوله تعالى # قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم # الأنعام 150 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.38] # قوله تعالى { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت ~~أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار }. لم يبين هنا السبب الذي مكنهم من ~~إضلالهم، ولكنه بين في موضع آخر أن السبب الذي مكنهم من ذلك هو كونهم ~~سادتهم وكبراءهم، ومعلوم أن الأتباع يطيعون السادة الكبراء فيما يأمرونهم ~~به، وهو قوله تعالى # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا ربنآ آتهم ضعفين من العذاب # الأحزاب 67-68 الآية. وبسط ذلك في سورة " سبأ " بقوله # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل ~~كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا # سبأ 31-33. قوله تعالى { فآتهم عذابا ضعفا من النار }. ~~وبين تعالى في هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات أن الأتباع يسألون ~~الله يوم القيامة أن يضاعف العذاب للمتبوعين، وبين في مواضع أخر أن ~~مضاعفة العذاب للمتبوعين لا تنفع الأتباع، ولا تخفف عنهم من العذاب كقوله # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون # الزخرف 39، وقوله هنا { قال لكل ضعف } الآية، وقوله # وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من ~~فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون # الأعراف 39، وقوله # قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله ~~قد حكم بين العباد # غافر 48 إلى غير ذلك من ms0588 الآيات. ### || [7.43] # قوله تعالى { ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من ~~تحتهم الأنهار }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جل وعلا، ~~ينزع ما في صدور أهل الجنة من الحقد، والحسد الذي كان في الدنيا، وأنهم ~~تجري من تحتهم الأنهار في الجنة، وذكر في موضع آخر أن نزع الغل من صدورهم ~~يقع في حال كونهم إخوانا على سرر متقابلين آمنين من النصب، والخروج من ~~الجنة. وهو قوله تعالى في " الحجر " # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين # الحجر 47-48. ### || [7.46] # قوله تعالى { وبينهما حجاب } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن بين أهل الجنة، وأهل النار حجابا يوم القيامة، ولم يبين هذا ~~الحجاب هنا، ولكنه بينه في سورة الحديد بقوله # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # الحديد 13 الآية. قوله تعالى { يعرفون كلا بسيماهم }. ذكر ~~تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف، يعرفون كلا من أهل الجنة، ~~وأهل النار بسيماهم، ولم يبين هنا سيما أهل الجنة، ولا أهل النار، ولكنه ~~أشار لذلك في مواضع أخر، كقوله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # آل عمران 106 الآية. فبياض الوجوه وحسنها. سيما أهل الجنة، وسوادها ~~وقبحها، وزرقة العيون، سيما أهل النار، كما قال أيضا في سيما أهل الجنة # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # المطففين 24، وقال # وجوه يومئذ ناضرة # القيامة 22 الآية، وقال في سيما أهل النار # كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما # يونس 27 الآية. وقال # ووجوه يومئذ عليها غبرة # عبس 40 الآية، وقال # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # طه 102. ### || [7.48] # قوله تعالى { قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف ~~قالوا لرجال من أهل النار يعرفونهم بسيماهم لم ينفعكم ما كنتم تجمعونه في ~~الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا. ~~وبين في مواضع أخر وجه ذلك وهو أن الإنسان ms0589 يوم القيامة، يحشر فردا، لا ~~مال معه، ولا ناصر، ولا خادم، ولا خول. وأن استكباره في الدنيا يجزى به ~~عذاب الهون في الآخرة، كقوله. # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم # الأنعام 94، وقوله # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا # مريم 80، وقوله # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # مريم 95، وقوله # فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق # الأحقاف 20 الآية. ### || [7.53] # قوله تعالى { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من ~~شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار، إذا ~~عاينوا الحقيقة يوم القيامة يقرون بأن الرسل جاءت بالحق، ويتمنون أحد ~~أمرين أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل، ~~ويعلملوا بما يرضي الله، ولم يبين هنا هل يشفع لهم أحد؟ وهل يردون؟ وماذا ~~يفعلون لو ردوا؟ وهل اعترافهم ذلك بصدق الرسل ينفعهم؟ ولكنه تعالى بين ~~ذلك كله في مواضع أخر، فبين أنهم لا يشفع لهم أحد بقوله # فما لنا من شافعين # الشعراء 100 الآية، وقوله # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # المدثر 48، وقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28 مع قوله # ولا يرضى لعباده الكفر # الزمر 7، وقوله # فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين # التوبة 96، وبين أنهم لا يردون في مواضع متعددة، كقوله # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # السجدة 12-13. فقوله # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم # السجدة 13 الآية. دليل على أن النار وجبت لهم، فلا يردون، ولا يعذرون، ~~وقوله # وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير # فاطر 37. فصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا. بالإمهال مدة يتذكرون فيها. ~~وإنذار الرسل، وهو دليل ms0590 على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى، وأشار إلى ذلك ~~بقوله # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # إبراهيم 44 جوابا لقولهم # أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع ~~الرسل # إبراهيم 44، وقوله # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا # غافر 12 بعد قوله تعالى عنهم # فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # غافر 11، وقوله # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف خفي # الشورى 45 الآية، بعد قوله # وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~إلى مرد من سبيل # الشورى 44، وقوله هنا { قد خسروا أنفسهم } الآية بعد قوله ~~{ فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد } ~~الأعراف 53 الآية. فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا، وعلى وجوب ~~العذاب، وأنه لا محيص لهم عنه. وبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ~~الكفر والطغيان. وهو قوله # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # الأنعام 28 الآية، وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنه تعالى يعلم ~~المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد كيف يكون لو وجد، فهو تعلى ~~أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع ~~كيف يكون كما صرح به في قوله # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # الأنعام 28، ويعلم أن المتخلفين من المنافقين عن غزوة تبوك لا يحضرونها ~~لأنه هو الذي ثبطهم عنها لحكمة كما بينه بقوله # ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم # التوبة46 الآية. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما ~~صرح به في قوله # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة # التوبة 47 الآية، ونظير ذلك قوله تعالى # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا ~~في طغيانهم يعمهون # المؤمنون 75 إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا ~~بقولهم # لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا # الأعراف 43 لا ينفعهم كقوله تعالى # فاعترفوا بذنبهم ms0591 فسحقا لأصحاب السعير # الملك 11، وقوله # بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # الزمر 71، ونحو ذلك من الآيات. ### || [7.54] # قوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام }. لم يفصل هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة ~~" فصلت " بقوله # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها # فصلت 9-12. قوله تعالى { ثم استوى على العرش يغشي ~~الليل النهار } الآية. هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات ~~الصفات كقوله # يد الله فوق أيديهم # الفتح 10 ونحو ذلك. أشكلت على كثير من الناس إشكالا ضل بسببه خلق لا ~~يحصى كثرة، فصار قوم إلى تعطيل وقوم إلى التشبيه - سبحانه وتعالى علوا ~~كبيرا عن ذلك كله - والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه ~~أي لبس ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات ~~الصفات متركب من أمرين أحدهما تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في ~~صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. والثاني الإيمان بكل ما وصف ~~الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. لأنه لا ~~يصف الله اعلم بالله من الله # أأنتم أعلم أم الله # البقرة 140، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي قال فيه # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # النجم 3-4 فمن نفى عن الله وصفا أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته ~~له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعما أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله ~~جل وعلا، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا. # سبحانك هذا بهتان عظيم # النور 16. ومن ms0592 اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال، ~~ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع ~~تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال ~~والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، ~~والآية التي أوضح الله بها هذا. هي قوله تعالى # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11 فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله { ليس ~~كمثله شيء } وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله { وهو ~~السميع البصير } فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع ~~الاتصاف بصفات الكمال والجلال. والظاهر أن السر في تعبيره بقوله { وهو ~~السميع البصير } دون أن يقول مثلا وهو العلي العظيم أو نحو ذلك ~~من الصفات الجامعة. # أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات. فبين أن الله متصف بهما، ~~ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى، وبين صفات خلقه. ~~ولذا جاء بقوله { وهو السميع البصير } بعد قوله { ليس ~~كمثله شيء } ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا ~~لبس معه ولا شبهة البتة، وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحا تاما ~~بحسب طاقتنا، وبالله جل وعلا التوفيق. اعلم أولا أن المتكلمين قسموا ~~صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام صفة نفسية، وصفة سلبية، وصفة معنى، وصفة ~~معنوية، وصفة فعلية، وصفة جامعة، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية. لأن ~~كل صفى فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة، فهي ~~صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية فبينهما عموم وخصوص من وجه، ~~يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة، وتتفرد الفعلية في نحو ~~الاستواء، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجودا قبل كل شيء، ~~وأنه فوق كل شيء، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية، وليستا من ~~صفات الأفعال، ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق ~~النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز، وأن فيه من الجراءة على ~~الله جل ms0593 وعلا ما الله عالم به، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود ~~فقط وهو صحيح، لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز، وإن كان ~~المقصود به صحيحا. لأن الصفة النفسية في الإصطلاح لا تكون إلا جنسا أو ~~فصلا، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، والفصل كالنطق بالنسبة إلى ~~الإنسان والفرس والحمار، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها ~~عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، ~~فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلا المشارك له في الجوهرية ~~والجسمية والنمائية والحساسية، ووصف الله جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحا ~~ما بينا لك. من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى. لأنه جل وعلا واحد ~~في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته، ولا ~~من صفاته، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل - سبحانه وتعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا - لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة. والفصل هو ~~الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض سبحان رب السماوات ~~والأرض وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وسنبين لك أن جميع الصفات على ~~تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك ~~يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها، ~~ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق، ~~ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به لأن الكل من باب واحد، لأن ~~جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد، لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من ~~الحوادث. # فمن ذلك الصفات السبع. المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي القدرة، ~~والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. فقد قال تعالى في ~~وصف نفسه بالقدرة # والله على كل شيء قدير # البقرة 284. وقال في وصف الحادث بها # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم # المائدة 34 فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله، وأثبت لبعض ~~الحوادث قدرة مناسبة لحالهم ms0594 من الضعف والافتقار والحدوث والفناء، وبين ~~قدرته، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه. وقال في وصف ~~نفسه بالإرادة # فعال لما يريد # هود 107، # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82، # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # البقرة 185، ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق بها # تريدون عرض الدنيا # الأنفال 67 الآية # إن يريدون إلا فرارا # الأحزاب 13، # يريدون ليطفئوا نور الله # الصف 8، ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله ~~وجلاله، وللمخلوق إرادة أيضا مناسبة لحاله، وبين إرادة الخالق والمخلوق ~~من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالعلم # والله بكل شيء عليم # البقرة 282، # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه # النساء 166 الآية # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين # الأعراف 7. وقال في وصف الحادث به # قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم # الذاريات 28، وقال # وإنه لذو علم لما علمناه # يوسف 68 ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله، ~~وللمخلوق علم مناسب لحاله، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ~~ذات الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالحياة # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # البقرة255 # هو الحي لا إله إلا هو # غافر 65 الآية. # وتوكل على الحي الذي لا يموت # الفرقان 58، ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق بها # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا # مريم 15، # وجعلنا من المآء كل شيء حي # الأنبياء 30، # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي # يونس 31. فله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله، وللمخلوق أيضا ~~حياة مناسبة لحاله. وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات ~~الخالق والمخلوق. وقال في وصف نفسه بالسمع والبصر # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11، # وأن الله سميع بصير # الحج 61 ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بهما # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا # الإنسان ms0595 2، # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # مريم 38 الآية ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان ~~بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله. وبين سمع الخالق وبصره، ~~وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. # وقال في وصف نفسه بالكلام # وكلم الله موسى تكليما # النساء 164، # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # الأعراف 144، # فأجره حتى يسمع كلام الله # التوبة 6 ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف المخلوق به # فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين # يوسف 54. # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم # يس 65 الآية # قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا # مريم 29، ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله ~~وجلاله. وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله. وبين كلام الخالق والمخلوق من ~~المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها ~~كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني. والمعتزلة ينفونها ويثبتون ~~أحكامها فيقولون هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا ~~بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته هكذا فرارا منهم من تعدد ~~القديم. ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل. لأن من ~~المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا ~~عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون ~~أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات، استحال أن ~~تقول هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة. ~~قال في " مراقي السعود " # وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلي الحق # وأما الصفات المعنوية عندهم فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع ~~المذكورة، وهي كونه تعالى قادرا، مريدا عالما حيا، سميعا بصيرا، ~~متكلما. والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الإتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين ~~لها صفات زائدة على صفات المعاني، مبني على ما يسمونه الحال المعنوية. ~~زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم. والتحقيق الذي ms0596 لا شك فيه ~~أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات ~~يتخيلونها. لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين ~~النقيضين البتة. فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا ~~يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم ~~قطعا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعا، و هذا مما لا شك فيه كما ~~ترى. وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة ~~الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا ~~أنها صفات زائدة على صفات المعاني. مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية ~~الاتصاف بها. وأما الصفات السلبية عندهم فهي خمس، وهي عندهم القدم، ~~والبقاء، والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم ~~بالقيام بالنفس. وضابط الصفة السلبية عندهم هي التي لا تدل بدلالة ~~المطابقة على معنى وجودي أصلا، إنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن ~~الله. # أما الصفة التي تدل على معنى وجودي فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، ~~فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل ~~القدرة مثلا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل ~~على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا؟ فالجواب أن القدرة ~~مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى ~~بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة ~~مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه ~~نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا، وهكذا في باقي المعاني. أما ~~القدم عندهم مثلا فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا ~~سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن ~~القدم. والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف ~~بهما نفسه في قوله تعالى # هو الأول والآخر # الحديد 3 الآية، جاء في القرآن الكريم وصف ms0597 الحادث بهما أيضا، قال في ~~وصف الحادث بالقدم # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم # يس 39، وقال # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # يوسف 95، وقال # أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون # الشعراء 75-76، وقال في وصف الحادث بالبقاء # وجعلنا ذريته هم الباقين # الصافات 77، وقال # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # النحل 96، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية المذكورتين في الآية. قال # ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين # المرسلات 16-17، ووصف نفسه بأنه واحد، قال # وإلهكم إله واحد # البقرة 163، وقال في وصف الحادث بذلك. # يسقى بمآء واحد # الرعد 4 وقال في وصف نفسه بالغنى، # والله هو الغني الحميد # فاطر 15، # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # إبراهيم 8، وقال في وصف الحادث بالغنى # ومن كان غنيا فليستعفف # النساء 6 الآية، # إن يكونوا فقرآء يغنهم الله # النور 32 الآية، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق ~~بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه ~~وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ~~ذات الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني. وأما الصفة النفسية ~~عندهم فهي واحدة، وهي الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من ~~جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، ~~فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود ~~المخلوق، كما بينا. ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما ~~أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم. وأما الصفات الفعلية، فإن ~~وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل ~~المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، ~~قال # إن الله هو الرزاق # الذاريات 58 الآية، # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # سبأ 39، وقال # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # هود 6 الآية. وقال في وصف الحادث بذلك ms0598 # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # النساء 8 الآية، وقال # وعلى المولود له رزقهن # البقرة 233 الآية، ووصف نفسه بالعمل، فقال # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما # يس 71 الآية، وقال في وصف الحادث به # جزآء بما كانوا يعملون # السجدة 17 ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال # الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان # الرحمن 1-4. وقال في وصف الحادث به # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة # الجمعة 2 الآية. وجمع المثالين في قوله تعالى # تعلمونهن مما علمكم الله # المائدة 4، ووصف نفسه بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في ~~قوله تعالى # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما ~~نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك ~~هذا قال نبأني العليم الخبير # التحريم 3. ووصف نفسه بالإيتاء، فقال # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك # البقرة 258، وقال # يؤتي الحكمة من يشآء # البقرة 269، وقال # ويؤت كل ذي فضل فضله # هود 3، وقال # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # المائدة 54. وقال في وصف الحادث بذلك # وآتيتم إحداهن قنطارا # النساء 20، # وآتوا اليتامى أموالهم # النساء 2، # وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة # النساء 4. وأمثال هذا كثيرة جدا في القرآن العظيم. ومعلوم أن ما وصف به ~~الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله. ~~وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضا، على الوجه المناسب لحاله، ~~وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وأما ~~الصفات الجامعة، كالعظم والكبر والعلو، والملك والتكبر والجبروت، ونحو ~~ذلك. فإنها أيضا يكثر جدا وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم. ~~ومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق، كمنافاة ذات ~~الخالق لذات المخلوق. قال في وصف نفسه جلا وعلا بالعلو والعظم والكبر # ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم # البقرة 255، # إن الله كان عليا كبيرا ms0599 # النساء 34، # عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال # الرعد 9. وقال في وصف الحادث بالعظم # فكان كل فرق كالطود العظيم # الشعراء 63 # إنكم لتقولون قولا عظيما # الإسراء 40، # ولها عرش عظيم # النمل 23، # عليه توكلت وهو رب العرش العظيم # التوبة 129 إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بالكبر # لهم مغفرة وأجر كبير # فاطر 7، وقال # إن قتلهم كان خطئا كبيرا # الإسراء 31، وقال # إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير # الأنفال 73، وقال # وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله # البقرة 143، وقال # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # البقرة 45. وقال في وصف الحادث بالعلو # ورفعناه مكانا عليا # مريم 57، # وجعلنا لهم لسان صدق عليا # مريم 50 إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالملك # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس # الجمعة 1 الآية # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس # الحشر 23 الآية. وقال # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # القمر 55. وقال في وصف الحادث به # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان # يوسف 43 الآية، # وقال الملك ائتوني به # يوسف 50، # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # الكهف 79، # أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه # البقرة 247، # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء # آل عمران 26 إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالعزة # فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم # البقرة 209، # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم # الجمعة 1، # أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب # ص 9. وقال في وصف الحادث بالعزة # قالت امرأة العزيز # يوسف 51 الآية، # فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب # ص 23. وقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر # الحشر 23. وقال في وصف الحادث بهما # كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار # غافر 35، # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين # الزمر 60، # وإذا ms0600 بطشتم بطشتم جبارين # الشعراء 130 إلى غير ذلك من الآيات. وقال في وصف نفسه بالقوة # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # الذاريات 58 # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # الحج 40. وقال في وصف الحادث بها # وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن ~~الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة # فصلت 15 الآية # ويزدكم قوة إلى قوتكم # هود 52 الآية # إن خير من استأجرت القوي الأمين # القصص 26. # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة # الروم 54 الآية إلى غير ذلك من الآيات. وأمثال هذا من الصفات الجامعة ~~كثيرة في القرآن، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة ~~على الوجه اللائق بكماله، وجلاله. وإنما وصف به المخلوق منها مخالف لما ~~وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث، ولا إشكال في ~~شيء من ذلك، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون. هل هي من صفات ~~المعاني أو من صفات الأفعال، وإن كان الحق الذي لا يخفى على من أنار الله ~~بصيرته. أنها صفات معان أثبتها الله، جل وعلا، لنفسه، كالرأفة والرحمة. ~~قال في وصفه جل وعلا بهما # إن ربكم لرؤوف رحيم # النحل 7 وقال في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بهما # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # التوبة 128 وقال في وصف نفسه بالحلم # ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم ~~حليم # الحج 59. وقال في وصف الحادث به # فبشرناه بغلام حليم # الصافات 101. # إن إبراهيم لأواه حليم # التوبة 114. وقال في وصف نفسه بالمغفرة { إن الله غفور رحيم ~~}. # لهم مغفرة وأجر عظيم # الحجرات 3 ونحو ذلك من الآيات. وقال في وصف الحادث بها # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # الشورى 43. # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # الجاثية 14 الآية. # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى # البقرة 263 ونحو ذلك من الآيات. ووصف نفسه جل وعلا بالرضى ووصف الحادث ms0601 ~~به أيضا فقال # رضي الله عنهم ورضوا عنه # المائدة 119 ووصف نفسه جل وعلا بالمحبة، ووصف الحادث بها، فقال # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم # المائدة 54، # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # آل عمران 31 الآية. ووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه # المائدة 60 الآية، # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه # النساء 93 الآية. وقال في وصف الحادث بالغضب # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا # الأعراف 150 وأمثال هذا كثير جدا. والمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ~~ذلك، مع إيضاح أن كل ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات ~~الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع أوهام المشابهة بين صافته جل ~~وعلا، وبين صفات خلقه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. فإذا حققت كل ~~ذلك علمت أنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء ~~على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على ~~عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال، والجلال. ~~القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده. ~~الموضع الأول بحسب ترتيب المصحف الكريم. قوله هنا في سورة الأعراف # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل ~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين # الأعراف 54. الموضع الثاني قوله تعالى في سورة يونس # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ~~ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا ~~وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده # يونس 3-4 الآية. ms0602 الموضع الثالث قوله تعالى في سورة الرعد # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ~~ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون وهو الذي مد ~~الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل ~~النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي ~~الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون # الرعد 2-4. الموضع الرابع قوله تعالى في سورة طه # مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة ~~لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ~~العلى الرحمن على العرش استوى له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى # طه 2-6. الموضع الخامس قوله في سورة الفرقان # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا # الفرقان 58-59. الموضع السادس قوله تعالى في سورة السجدة # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر ~~الأمر من السمآء إلى الأرض # السجدة 4-5. الآية. الموضع السابع قوله تعالى في سورة الحديد # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما ~~يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها ~~وهو معكم أين ما كنتم # الحديد 4. وقال جل وعلا في وصف الحادث بالاستواء على بعض المخلوقات # لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه # الزخرف 13، # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك # المؤمنون 28، الآية، # واستوت على الجودي # هود 44 الآية ونحو ذلك من الآيات. وقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ~~ذلك، وأن للخالق جل وعلا استواء لائقا بكماله ms0603 وجلاله، وللمخلوق أيضا ~~استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات ~~الخالق والمخلوق. على نحو # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11 كما تقدم إيضاحه. وينبغي للناظر في هذه المسالة التأمل في ~~أمور الأمر الأول أن جميع الصفات من باب واحد، لأن الموصوف بها واحد، ~~ولا يجوز في حقه مشابهة الحوادث في شيء من صفاتهم، فمن أثبت مثلا أنه ~~سميع بصير، وسمعه، وبصره مخالفان لأسماع الحوادث وأبصارهم، لزمه مثل ذلك ~~في جميع الصفات. كالاستواء، واليد، ونحو ذلك من صفاته جل وعلا، ولا يمكن ~~الفرق بين ذلك بحال. الأمر الثاني أن الذات والصفات من باب واحد أيضا، ~~فكما أنه جل وعلا، له ذات مخالفة لجميع ذوات الخلق، فله تعالى صفات ~~مخالفة لجميع صفات الخلق. الأمر الثالث في تحقيق المقام في الظاهر ~~المتبادر السابق إلى الفهم من آيات الصفات. كالاستواء واليد مثلا. اعلم ~~أولا أنه غلط في خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر ~~المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا في الآيات ~~القرآنية. # هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا، ~~لأن اعتقاد ظاهره كفر. لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر، ولا يخفى ~~على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول. أن الله وصف نفسه في كتابه بما ~~ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق ~~به جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم قيل له # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # النحل 44 لم يبين حرفا واحدا من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء، ~~على أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال ~~المبين. حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على ~~نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، و النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms0604 كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا ~~من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، # سبحانك هذا بهتان عظيم # النور 16. ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على ~~الله جل وعلا، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحق الذي لا يشك فيه أدنى ~~عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~فظاهره المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان. هو ~~التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. فبمجرد إضافة الصفة إليه، ~~جل وعلا، يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها ~~الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل، أن السابق إلى الفهم ~~المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته، وجميع صفاته، لا ~~والله لا ينكر ذلك إلا مكابر. والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات ~~الصفات، لا يليق بالله. لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه، ~~بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله ~~جل وعلا، وعدم الإيمان بها. مع أنه جل وعلا، هو الذي وصف بها نفسه، فكان ~~هذا الجاهل مشبها أولا، ومعطلا ثانيا. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء ~~وانتهاء، ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، ~~طاهرا من أقذار التشبيه. لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه أن وصف ~~الله جلا وعلا، بالغ من الكمال، والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة ~~بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال ~~والجلالة الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن ~~مشابهة صفات الخلق على نحو قوله # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11، فلو قال متنطع بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد، ~~ونحو ذلك لنعقلها. قلنا أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ ~~فلا بد أن يقول لا. فنقول معرفة كيفية الإتصاف متوقفة على ms0605 معرفة كيفية ~~الذات، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه هو، كما أثنى على ~~نفسه # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه110 # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى11، # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد # الإخلاص 1-4، # فلا تضربوا لله الأمثال # النحل 74. فتحصل من جميع هذا البحث أن الصفات من باب واحد، وأن الحق ~~فيها متركب من أمرين الأول تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الخلق. والثاني ~~الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إثباتا، أو نفيا. وهذا هو معنى قوله تعالى # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11، والسلف الصالح، رضي الله عنهم ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ~~ولا كان يشكل عليهم. الا ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط، وأما من جهة ~~العلم، فهو عامي # وكيف أخاف الناس والله قابض على الناس والسبعين في راحة اليد # ومراده بالسبعين سبع سماوات، وسبع أرضين. فمن علم مثل هذا من كون ~~السماوات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، فإنه عالم بعظمة ~~الله وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق، ومن كان كذلك ~~زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين، وهذا الذي ~~ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والإيمان بما وصف به نفسه، ~~أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. هو معنى قول الإمام مالك - رحمه ~~الله - الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة. ويروى ~~نحو قول مالك هذا عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأم سلمة رضي الله ~~عنها - والعلم عند الله تعالى-. ### || [7.56] # قوله تعالى { إن رحمة الله قريب من المحسنين }. ~~ذكر في هذه الآية الكريمة أن رحمته جل وعلا قريب من عباده المحسنين، ~~وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله # ورحمتي وسعت كل شيء ms0606 فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة # الأعراف 156 الآية. ووجه تذكير وصف الرحمة مع أنها مؤنثة في قوله { ~~قريب } ولم يقل قريبة، فيه للعلماء أقوال تزيد على العشرة. نذكر منها ~~إن شاء الله بعضا، ونترك ما يظهر لنا ضعفه أو بعده عن الظاهر. منها أن ~~الرحمة مصدر بمعنى الرحم، فالتذكير باعتبار المعنى. ومنها أن من أساليب ~~اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في ~~الأنثى فتقول هذه المرأة قريبتي أي في النسب ولا تقول قريب مني. وإن كانت ~~قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث. فتقول داره قريب وقريبة مني، ويدل ~~لهذا الوجه قوله تعالى # وما يدريك لعل الساعة قريب # الشورى 17، وقوله تعالى # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # الأحزاب 63 وقول امرئ القيس # له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا # ومنها أن وجه ذلك إضافة الرحمة إلى الله جل وعلا. ومنها أن قوله { ~~قريب } صفة موصوف محذوف أي شيء قريب من المحسنين. ومنها أنها شبهت ~~بفعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه الذكر والأنثى. ومنها أن الأسماء التي ~~على فعيل ربما شبهت بالمصدر الآتي على فعيل، فأفردت لذلك. قال بعضهم ~~ولذلك أفرد الصديق في قوله # أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم # النور 61، وقول الشاعر # وهن صديق لمن لم يشب اه # والظهير في قوله # والملائكة بعد ذلك ظهير # التحريم 4 إلى غير ذلك من الأوجه. ### || [7.57] # قوله تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته }. على قراءة عاصم { بشرا } بضم الباء الموحدة، وإسكان ~~الشين جمع بشير، لأنها تنتشر أمام المطر مبشرة به، وهذا المعنى يوضحه ~~قوله تعالى # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # الروم 46 الآية، وقوله { بين يدي رحمته } ، يعني برحمته ~~المطر كما جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته # الشورى 28 الآية، وقوله # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # الروم 50. قوله تعالى { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه ms0607 لبلد ميت } الآية. بين في هذه الآية الكريمة أنه يحمل ~~السحاب على الريح، ثم يسوقه إلى حيث يشاء من بقاع الأرض، وأوضح هذا ~~المعنى في آيات كثيرة كقوله # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت # فاطر 9 الآية. وقوله # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # السجدة 27 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.63] # قوله تعالى { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم } الآية. أنكر تعالى في هذه ~~السورة الكريمة على قوم نوح، وقوم هود عجبهم من إرسال رجل. وبين في مواضع ~~أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك. قال في عجب قوم نبينا صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # يونس 2، وقال # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم # ق 2 الآية، وقال عن الأمم السابقة # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد # التغابن 6، وقال # كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه # القمر 23-24 الآية، وقال # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون # المؤمنون 34، وصرح بأن هذا العجب من إرسال بشر مانع للناس من الإيمان ~~بقوله # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # الإسراء 94. ورد الله عليهم ذلك في آيات كثيرة كقوله # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا # الأنبياء 7 الآية، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام # الفرقان 20 الآية، وقوله # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # الأنعام 9 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [7.64] # قوله تعالى { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }. لم ~~يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # القمر 11 الآية، وقوله # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # العنكبوت 14. ### || [7.71] # قوله تعالى { أتجادلوني في أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم } الآية. لم يبين هنا شيئا من هذا ms0608 الجدال الواقع بين هود ~~عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين عاد. ولكنه أشار إليه في مواضع أخر ~~كقوله # قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ ~~بناصيتهآ إن ربي على صراط مستقيم # هود 53-56. ### || [7.72] # قوله تعالى { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } ~~الآية. لم يبين هنا كيفية قطعه دابر عاد، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # الحاقة 6 الآية، وقوله # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # الذاريات 41 الآية، ونحو ذلك من الآيات. ### || [7.77] # قوله تعالى { فعقروا الناقة } الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة ~~أن عقرها باشرته جماعة، ولكنه تعالى بين في سورة القمر أن المراد أنهم ~~نادوا واحدا منهم. فباشر عقرها، وذلك في قوله تعالى # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # القمر 29. { وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ } الآية. ~~لم يبين هنا هذا الذي يعدهم به، ولكنه بين في مواضع أخر أنه العذاب كقوله # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب # هود 64، وقوله هنا # فيأخذكم عذاب أليم # الأعراف 73، وقوله # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # هود 65، ونحو ذلك من الآيات. ### || [7.78] # لم يبين هنا سبب رجفة الأرض بهم، ولكنه بين في موضع آخر أن سبب ذلك صيحة ~~الملك بهم، وهو قوله # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # هود 67 الآية. والظاهر أن الملك لما صاح بهم رجفع بهم الأرض من شدة ~~الصيحة، وفارقت أرواحهم أبدانهم، - والله جل وعلا أعلم-. ### || [7.79] # قوله تعالى { فتولى عنهم وقال ياقوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي } بين تعالى هذه الرسالة التي أبلغها ~~نبيه صالح إلى قومه في آيات كثيرة كقوله # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة ~~من ربكم هذه ناقة ms0609 الله لكم آية فذروها ~~تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم ~~عذاب أليم # الأعراف 73. ### || [7.80] # قوله تعالى { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين }. بين تعالى أن المراد بهذه الفاحشة اللواط ~~بقوله بعده # إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء # الأعراف 81 الآية، وبين ذلك أيضا بقوله # أتأتون الذكران من العالمين # الشعراء 165، وقوله # وتأتون في ناديكم المنكر # العنكبوت 29. ### || [7.83] # قوله تعالى { فأنجيناه وأهله }. ظاهر هذه الآية الكريمة أنه ~~لم ينج مع لوط إلا خصوص أهله، وقد بين تعالى ذلك في " الذاريات " بقوله # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 35-36، وقوله هنا { إلا امرأته كانت من ~~الغابرين } أوضحه في مواضع أخر. فبين أنها خائنة، وأنها من أهل ~~النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، قال فيها هي وامرأة نوح # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # التحريم 10، وقال فيها وحدها أعني امرأة لوط # إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم # هود 81 الآية، وقوله هنا في قوم لوط # وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين # الأعراف 84. لم يبين هنا هذا المطر ما هو، ولكنه بين في مواضع أخر أنه ~~مطر حجارة أهلكهم الله بها كقوله # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # الحجر 74 وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله في " الذاريات " # لنرسل عليهم حجارة من طين # الذاريات 33، وبين أن هذا المطر مطر سوء لا رحمة بقوله # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء # الفرقان 40، وقوله تعالى في " الشعراء " # وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين # الشعراء 173 ### || [7.86] # قوله تعالى { وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا }. الضمير في قوله { وتبغونها } راجع إلى ~~السبيل وهو نص قرآني على أن السبيل مؤنثة، ولكنه جاء في موضع آخر ما يدل ~~على تذكير السبيل أيضا. وهو قوله تعالى في هذه السورة ms0610 الكريمة # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا # الأعراف 146. ### || [7.87] # بين تعالى حكمه الذي حكم به بينهم بقوله # ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة # هود 94 وقوله # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين # الأعراف 78، وقوله # الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين # الأعراف 92، وقوله # فأخذهم عذاب يوم الظلة # الشعراء 189 الآية. فإن قيل الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر تعالى في ~~الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم ~~الظلة. فالجواب ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره قال وقد اجتمع ~~عليهم ذلك كله أصابه عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ~~ولهب ووهج عظيم. ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل ~~منهم. فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام اه. منه. ### || [7.93] # بين جل وعلا الرسالات التي أبلغها رسوله شعيب إلى قومه في آيات كثيرة ~~كقوله # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان # هود 84 الآية ونحوها من الآيات، وبين نصحه لهم في آيات كثيرة كقوله # ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ ~~أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما ~~قوم لوط منكم ببعيد # هود 89 الآية، وقوله تعالى { فكيف آسى على قوم كافرين } ~~أنكر نبي الله شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأسى أي الحزن على ~~الكفار إذا أهلكهم الله بعد إبلاغهم، وإقامة الحجة عليهم مع تماديهم في ~~الكفر والطغيان لجاجا وعنادا، وإنكاره لذلك يدل على أنه لا ينبغي، وقد ~~صرح تعالى بذلك فنهى نبينا صلى الله عليه وسلم عنه في قوله # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين # المائدة 68 ومعنى لا تأس لا تحزن، وقوله # ولا تحزن عليهم # الحجر 88 الآية. ms0611 ### || [7.101] # قوله تعالى { تلك القرى نقص عليك من أنبآئها } ~~الآية. ذكر أنباءهم مفصلة في مواضع كثيرة. كالآيات التي ذكر فيها خبر نوح ~~وهود، وصالح ولوط، وشعيب وغيرهم، مع أممهم صلوات الله وسلامه عليهم. قوله ~~تعالى { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ~~الآية. في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه من التفسير بعضها يشهد له ~~القرآن. منها أن المعنى فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله يوم أخذ ~~الميثاق أنهم يكذبون به، ولم يؤمنوا به، لاستحالة التغير فيما سبق به ~~العلم الأزلي، ويروى هذا عن أبي بن كعب وأنس، واختاره ابن جرير، ويدل ~~لهذا الوجه لآيات كثيرة كقوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون # يونس 96 الآية، وقوله # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101 ونحو ذلك من الآيات. ومنها أن المعنى الآية أنهم أخذ عليهم ~~الميثاق، فآمنوا كرها، فما كانوا ليؤمنوا بعد ذلك طوعا. ويروى هذا عن ~~السدي وهو راجع في المعنى إلى الأول. ومنها أن معنى الآية أنهم لو ردوا ~~إلى الدنيا مرة لكفروا أيضا، فما كان ليؤمنوا في الرد إلى الدنيا بما ~~كذبوا به من قبل أي في المرة الأولى. ويروى هذا عن مجاهد. ويدل لمعنى هذا ~~القول قوله تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # الأنعام 28 الآية. لكنه بعيد من ظاهر الآية. ومنها أن معنى الآية. فما ~~كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، ~~وهذا القول حكاه ابن عطية، واستحسنه ابن كثير، وهو من أقرب الأقوال لظاهر ~~الآية الكريمة. ووجهه ظاهر، لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع ~~على القلوب والإبعاد عن الهدى، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة. ~~كقوله تعالى # بل طبع الله عليها بكفرهم # النساء 155، وقوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5، وقوله # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # البقرة 10، وقوله # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم # المنافقون 3 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا ms0612 الكتاب ~~المبارك أن الآية قد تكون فيها أوجه من التفسير كلها يشهد له قرآن، وكلها ~~حق. فنذكر جميعها - والعلم عند الله تعالى. ### || [7.103] # قوله تعالى { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ ~~إلى فرعون وملئه فظلموا بها } الآية.. بين تعالى هنا ~~أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى، وصرح في النمل بأنهم ~~فعلوا ذلك جاحدين لها، مع أنهم مستيقنون أنها حق لأجل ظلمهم وعلوهم. وذلك ~~في قوله # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر ~~مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما ~~وعلوا # النمل 13-14. ### || [7.108] # ذكر تعالى هنا أن موسى نزع يده فإذا هي بيضاء، ولم يبين أن ذلك البياض ~~خال من البرص، ولكنه بين ذلك في سورة " النمل " و " القصص " في قوله ~~فيهما # تخرج بيضآء من غير سوء # النمل 12 أي من غير برص. ### || [7.109] # بين هنا أن موسى لما جاء بآية العصا واليد قال الملأ من قوم فرعون إنه ~~ساحر، ولم يبين ماذا قال فرعون ولكنه بين في " الشعراء " أن فرعون قال ~~مثل ما قال الملأ من قومه، وذلك في قوله تعالى # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم # الشعراء 34. ### || [7.116] # لم يبين هنا هذا السحر العظيم ما هو؟ ولم يبين هل أوجس موسى في نفسه ~~الخوف منه؟ ولكنه بين كل ذلك في " طه " بقوله # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا ~~تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ~~ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى # طه 66-69 ولم يبين هنا أنهم تواعدوا مع موسى موعدا لوقت مغالبته مع ~~السحرة، وأوضح ذلك في سورة " طه " في قوله عنهم # فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال ~~موعدكم يوم الزينة # طه 58-59 الآية. ### || [7.124] # قوله تعالى { ثم لأصلبنكم أجمعين }. لم يبين هنا الشيء ~~الذي توعدهم بأنهم يصلبهم فيه، ولكنه بينه في موضع آخر. كقوله في " طه " # ولأصلبنكم ms0613 في جذوع النخل # طه 71 الآية. ### || [7.131] # قوله تعالى { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن فرعون وقومه إن أصابتهم ~~سيئة أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا ما جاءنا هذا ~~الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا صلى ~~الله عليه وسلم في قوله # وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # النساء 78 الآية. وذكر نحوه أيضا عن قوم صالح مع صالح في قوله # قالوا اطيرنا بك وبمن معك # النمل 47 الآية. وذكر نحو ذلك أيضا عن القرية التي جاءها المرسلون في ~~قوله # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم # يس 18 الآية. وبين تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم، ومعاصيهم. لا من قبل ~~الرسل قال في " الأعراف " { ألا إنما طائرهم عند الله } ~~الأعراف 131 وقال في سورة " النمل " في قوم صالح # قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون # النمل 47 وقال في " يس " # قالوا طائركم معكم # يس 19 الآية. ### || [7.137] # قوله تعالى { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } الآية. لم يبين هنا ~~من هؤلاء القوم، ولكنه صرح في سورة " الشعراء " بأن المراد بهم بنو ~~إسرائيل لقوله في القصة بعينها # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # الشعراء 59 الآية، وأشار إلى ذلك هنا بقوله بعده { وتمت كلمة ~~ربك الحسنى على بني إسرآئيل } الأعراف 137 الآية. ~~قوله تعالى { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل } الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم، ~~ولكنه بينها في القصص بقوله # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون # القصص 5-6. ### || [7.143] # قوله تعالى { قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~} الآية. استدل المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه ~~الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل على ms0614 أن نفي الرؤية المذكور، ~~إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم. ~~كما صرح به تعالى في قوله # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # القيامة 22-23، وقوله في الكفار # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # المطففين 15 فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه ~~جل وعلا. وقد ثبت # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } يونس 26 " الحسنى الجنة، والزيادة ~~النظر إلى وجه الله الكريم " # ، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى # ولدينا مزيد # ق 35، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين ~~يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وتحقيق المقام في المسألة أن رؤية الله ~~جل وعلا بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على ~~جوازها عقلا في دار الدنيا قول موسى { رب أرني أنظر إليك } ~~الأعراف 143 لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، ~~وأما في الدنيا فممنوعة شرعا كما تدل عليه آية " الأعراف " هذه، وحديث # " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " # كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. ### || [7.148] # قوله تعالى { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين }. بين في هذه ~~الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل، ووبخهم على أنهم يعبدون ما لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، وأوضح هذا في " طه " بقوله # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا # طه 89 الآية، وقد قدمنا في سورة " البقرة " أن جميع آيات اتخاذهم العجل ~~إلها حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا { ~~واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا } الآية. أي اتخذوه إلها، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائما ~~التنبيه على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلا مصطنعا من جماد إله، وقد ~~أشار تعالى إلى هذا المفعول المحذوف دائما في " طه " بقوله # فقالوا هذآ إلهكم وإله ms0615 موسى # طه 88. ### || [7.149] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنبهم، وندموا ~~على ما فعلوا، وصرح في سورة " البقرة " بتوبتهم ورضاهم بالقتل وتوبة الله ~~جل وعلا عليهم بقوله # وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم # البقرة 54. ### || [7.150] # قوله تعالى { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم } الآية. أوضح الله ما ذكره هنا بقوله في " طه " # قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال ~~عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب ~~من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا مآ أخلفنا ~~موعدك بملكنا # طه 86-87 الآية. قوله تعالى { وأخذ برأس أخيه يجره ~~إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني } الآية. ~~أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ما اعتذر به نبي الله هارون لأخيه ~~موسى عما وجهه إليه من اللوم، وأوضحه في " طه " بقوله # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ~~ترقب قولي # طه 94، وصرح الله تعالى ببراءته بقوله # ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم ~~به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا ~~أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى # طه 90-91. ### || [7.158] # قوله تعالى { قل يأيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا }. هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه صلى الله ~~عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة كقوله # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1 وقوله # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # هود 17، وقيد في موضع آخر عموم رسالته ببلوغ هذا القرآن، وهو قوله تعالى # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # الأنعام 19، وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم ~~فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن ms0616 تولوا فإنما ~~عليك البلاغ # آل عمران 20 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته } الآية. لم يبين هنا كثرة كلماته ولكنه بين ذلك في مواضع ~~أخر كقوله # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # الكهف 109، وقوله # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # لقمان 27. ### || [7.169] # قوله تعالى { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق } الآية. هذا الميثاق المذكور ~~يبينه قوله تعالى # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون # آل عمران 187. ### || [7.172-173] # في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء أحدهما أن ~~معنى أخذه ذرية بني آدم من ظهورهم هو إيجاد قرن منهم بعد قرن، وإنشاء قوم ~~بعد آخرين كما قال تعالى # كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين # الأنعام 133، وقال # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض # فاطر39 # ويجعلكم حلفآء # النمل 62، ونحو ذلك من الآيات وعلى هذا القول فمعنى قوله { ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~} أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة بأنه ~~ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه، وحده، وعليه فمعنى قالوا بلى، أي قالوا ~~ذلك بلسان حالهم لظهور الأدلة عليه ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة ~~لسان الحال قوله تعالى # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر # التوبة 17 أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى # إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك ~~لشهيد # العاديات 6-7 أي بلسان حاله أيضا على القول بأن ذلك هو المراد في الآية ~~أيضا. واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن الله جل وعلا جعل هذا الإشهاد حجة ~~عليهم في الإشراك به جل وعلا في قوله { أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن ms0617 هذا غافلين أو تقولوا ~~إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم } ، قالوا فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم ~~الميثاق، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم، لأنه لا يذكره منهم أحد ~~عند وجوده في الدنيا، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه. فإن قيل ~~إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا قال ابن كثير في تفسيره ~~" الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به ~~الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي ~~فطروا عليها من التوحيد، ولهذا قال { أن تقولوا } الآية اه منه ~~بلفظه. فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية، وما استدل عليه ~~قائله به من القرآن. فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية أن الله أخرج ~~جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان ~~المقال { ألست بربكم قالوا بلى } ثم أرسل بعد ذلك الرسل ~~مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار ~~الرسل به يحصل به اليقين بوجوده. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الوجه ~~الأخير يدل له الكتاب والسنة. أما وجه دلالة القرآن عليه، فهو أن مقتضى ~~القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات ~~والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله. # الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من القطرة التي فطرهم ~~عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة ~~بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، ~~وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ~~ذلك قوله تعالى # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15 فإنه قال فيها حتى نبعث رسولا، ولم يقل حتى نخلق عقولا، ~~وننصب أدلة، ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة ms0618 بعد الرسل # النساء 165 الآية، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به ~~عذرهم هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة. وهذه الحجة التي ~~بعث الرسل لقطعها بينها في " طه " بقوله # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # طه 134، وأشار لها في " القصص " بقوله # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # القصص 47، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في ~~الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير # الملك 8-9، وقوله تعالى # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا بلى ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # الزمر 71، ومعلوم أن لفظة كلما في قوله { كلما ألقي فيها ~~فوج } صيغة عموم، وأن لفظة الذين في قوله { { وسيق الذين ~~كفروا } صيغة عموم أيضا، لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته. وأما ~~السنة فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن الله أخرج ذرية آدم في صورة الذر ~~فأخذ عليهم الميثاق كما ذكر هنا، وبعضها صحيح قال القرطبي في تفسير هذه ~~الآية قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر - لكن معنى هذا الحديث قد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود، وعلي بن ابي طالب، وأبي هريرة رضي الله ~~عنهم أجمعين وغيرهم اه. محل الحاجة منه بلفظه، وهذا الخلاف الذي ذكرنا ~~هل يكتفي في الإلزام بالتوحيد بنصب الأدلة، أو لا بد من بعث الرسل ~~لينذروا؟ هو مبنى الخلاف المشهور ms0619 عند أهل الأصول في أهل الفترة. هل ~~يدخلون النار بكفرهم؟ وحكى القرافي عليه الإجماع وجزم به النووي في شرح ~~مسلم، أو يعذرون بالفترة وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها، وإلى هذا الخلاف ~~أشار في مراقي السعود بقوله # ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع # وقد حققنا هذه المسألة مع مناقشة أدلة الفريقين في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله ~~تعالى # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15، ولذلك اختصرناها هنا. ### || [7.176] # قوله تعالى { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث } الآية. ضرب الله تعالى المثل لهذا الخسيس الذي آتاه آياته ~~فانسلخ منها بالكلب، ولم تكن حقارة الكلب مانعة من ضربه تعالى المثل به، ~~وكذلك ضرب المثل بالذباب في قوله # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # الحج 73، وكذلك ضرب المثل ببيت العنكبوت في قوله # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # العنكبوت 41، وكذلك ضرب المثل بالحمار في قوله # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # الجمعة 5، وهذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يستحي من بيان العلوم ~~النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة، وقد صرح بهذا المدلول في ~~قوله # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها # البقرة 26. ### || [7.180] # قوله تعالى { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ~~سيجزون ما كانوا يعملون }. هدد تعالى في هذه الآية الذين ~~يلحدون في أسمائه بتهديدين الأول صيغة الأمر في قوله { وذروا } ~~فإنها للتهديد. والثاني في قوله { سيجزون ما كانوا يعملون ~~} ، وهدد الذين يلحدون في آياته في سورة حم " السجدة " بأنهم لا يخفون ~~عليه في قوله # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون ms0620 علينآ # فصلت 40، ثم أتبع ذلك بقوله # أفمن يلقى في النار # فصلت 40 الآية. وأصل الإلحاد في اللغة الميل. ومنه اللحد في القبر، ~~ومعنى إلحادهم في أسمائه هو ما كاشتقاقهم اسم اللات من اسم الله، واسم ~~العزى من اسم العزيز. واسم مناة من المنان، ونحو ذلك والعرب تقول لحد ~~وألحد بمعنى واحد، وعليهما القراءتان يلحدون بفتح الياء والحاء من الأول، ~~وبضمها وكسر الحاء من الثاني. ### || [7.187] # قوله تعالى { قل إنما علمها عند ربي لا يجليها ~~لوقتهآ إلا هو } الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن وقت قيام ~~الساعة لا يعلمه إلا الله جلا وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدل على ذلك أيضا ~~كقوله تعالى # يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ~~ذكراها إلى ربك منتهاهآ # النازعات 42-44، وقوله # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # الأنعام 59، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنها الخمس ~~المذكورة في قوله تعالى # إن الله عنده علم الساعة # لقمان 34 الآية. ### || [7.188] # قوله تعالى { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير } الآية. وهذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وقد أمره تعالى أن يقول إنه لا يعلم ~~الغيب في قوله في " الأنعام " # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب # الأنعام 50 الآية، وقال # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # الجن 26-27 الآية، وقال # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. والمراد بالخير في هذه الآية ~~الكريمة قيل المال، ويدل على ذلك كثرة ورود الخير بمعنى المال في القرآن ~~كقوله تعالى # وإنه لحب الخير لشديد # العاديات 8، وقوله # إن ترك خيرا # البقرة 180، وقوله # قل مآ أنفقتم من خير # البقرة 215 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقيل المراد بالخير فيها ~~العمل الصالح كما قاله مجاهد وغيره، والصحيح الأول لأنه صلى الله عليه ~~وسلم ms0621 مستكثر جدا من الخير الذي هو العمل الصالح، لأن عمله صلى الله عليه ~~وسلم كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته. ### || [7.189] # قوله تعالى { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } الآية. ~~ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي ليألفها ~~ويطمئن بها، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك، وهو قوله # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # الروم 21. ### || [7.190] # في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن ~~يشهد لأحدهما. الأول أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت. فجاءها ~~الشيطان، فقال لها سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء ~~الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى { فلمآ آتاهما صالحا } ~~أي ولدا إنسانا ذكرا جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو ~~هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره. الوجه الثاني أن ~~معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ~~ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء، لأنهما أصل لذريتهما كما قال # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # الأعراف 11 أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده # ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم # الأعراف 11، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده # فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق ~~شيئا وهم يخلقون # الأعراف 190-191، وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، ~~وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه ~~الحسن البصري، واختاره ابن كثير - والعلم عند الله تعالى -. ### || [7.199-200] # بين في هذه الآية الكريمة ما ينبغى أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس ~~والجن. فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله ~~وإساءته. وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاتعاذة بالله منه. قال في ~~الأول { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } وقال في الثاني { وإما ينزغنك ms0622 من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ، ~~وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين. أحدهما في سورة { قد أفلح ~~المؤمنون } قال فيه في شيطان الإنس # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما ~~يصفون # المؤمنون 96 وقال في الآخر # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ~~رب أن يحضرون # المؤمنون 97-98. والثاني في حم " السجدة " قال فيه في شيطان الإنس # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # فصلت 34 وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس، بل لا يعطيه الله إلا لذي ~~الحظ الكبير والبخت العظيم عنده فقال # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # فصلت 35 ثم قال في شيطان الجن # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع العليم # فصلت 36. ### || [7.202] # { وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ~~}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن إخوان الإنس من الشياطين يمدون الإنس في ~~الغي، ثم لا يقصرون، وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # مريم83، وقوله # يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس # الأنعام128، وبين موضع آخر أن بعض الإنس إخوان للشياطين وهو قوله # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # الإسراء27الآية. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله تعالى { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول } الآية. اختلف العلماء في المراد بالأنفال هنا على خمسة ~~أقوال الأول أن المراد بها خصوص ما شذ عن الكافرين إلى المؤمنين، وأخذ ~~بغير حرب كالفرس والبعير يذهب من الكافرين إلى المسلمين، وعلى هذا ~~التفسير فالمراد بالأنفال هو المسمى عند الفقهاء فيئا، وهو الآتي بيانه ~~في قوله تعالى # ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب # الحشر 6 وممن قال بهذا القول عطاء ابن أبي رباح. الثاني أن المراد بها ~~الخمس وهو قول مالك. الثالث أن المراد بها خمس الخمس. الرابع أنها ~~الغنيمة كلها وهو قول الجمهور وممن قال به ms0623 ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء، ~~والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم، وغير واحد قاله ابن كثير. الخامس أن المراد بها أنفال السرايا خاصة ~~وممن قال به الشعبي، ونقله ابن جرير عن علي بن صالح بن حي، والمراد بهذا ~~القول ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، ~~واختار ابن جرير أن المراد بها الزيادة على القسم. قال ابن كثير ويشهد ~~لذلك ما ورد في سبب نزول الآية. وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا ~~أبو معاوية حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي # " عن سعد بن أبي وقاص قال لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير قتلت سعيد بن ~~العاص. وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال " اذهب فاطرحه في القبض " قال فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله ~~من قتل أخي وأخذ سلبي. قال فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اذهب فخذ سلبك " # ، وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو بكر عن عاصم بن ~~أبي النجود عن مصعب بن سعد # " عن سعد بن مالك قال قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين ~~فهب لي هذا السيف. فقال " إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه " # ، قال فوضعته، ثم رجع فقلت عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي، قال ~~فإذا رجل يدعوني من ورائي قال قلت قد أنزل الله في شيئا، قال كنت ~~سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وهب لي فهو لك. قال وأنزل الله هذه ~~الآية { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول } ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن ~~عياش، وقال الترمذي حسن صحيح، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي أخبرنا شعبة ~~أخبرنا سماك بن حرب قال سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال ms0624 نزلت في أربع ~~آيات من القرآن أصبت سيفا يوم بدر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت نفلنيه فقال # " ضعه من حيث أخذته مرتين " # ، ثم عاودته فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ضعه من حيث أخذته " # فنزلت هذه الآية { يسألونك عن الأنفال } الآية، وتمام ~~الحديث في نزول # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # العنكبوت 8، وقوله تعالى { إنما الخمر والميسر } المائدة ~~90 الآية. وآية الوصية وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به. وقال ~~محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة قال سمعت أبا ~~أسيد مالك بن ربيعة يقول أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى ~~بالمرزبان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في ~~أيديهم من النفل أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يمنع شيئا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ~~فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه، ورواه ابن جرير من وجه ~~آخر اه. كلام ابن كثير. قال مقيده- عفا الله عنه - جمهور العلماء على أن ~~الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها، فقال بعضهم نحن هم ~~الذين حزنا الغنائم، وخويناها فليس لغيرنا فيها نصيب وقالت المشيخة إنا ~~كنا لكم ردءا، ولو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت ~~أنها نزلت في ذلك. وقال الترمذي هذا حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه ~~والحاكم في المستدرك وقال، صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروي ~~نحو ذلك أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم، وابن جرير، و ابن مردويه ~~من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس. وعلى هذا القول الذي ~~هو قول الجمهور، فالآية مشكلة مع قوله تعالى # واعلموا أنما غنمتم من شيء # الأنفال 41 الآية. وأظهر الأقوال التي يزول بها الإشكال في الآية هو ما ~~ذكره أبو ms0625 عبيد ونسبه القرطبي في تفسيره لجمهور العلماء أن قوله تعالى { ~~واعلموا أنما غنمتم } الآية. ناسخ لقوله { يسألونك ~~عن الأنفال } الآية. إلا أن قول أبي عبيد إن غنائم بدر لم تخمس، ~~لأن آية الخمس لم تنزل إلا بعد قسم غنائم بدر غير صحيح، ويدل على بطلانه ~~ما ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه " كان لي شارف ~~من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني ~~شارفا من الخمس يومئذ " الحديث. فهذا نص صحيح في تخميس غنائم بدر، لأن ~~قول علي في هذا الحديث الصحيح يومئذ صريح في أنه يعني يوم بدر كما ترى. ~~فالحاصل أن آية # واعلموا أنما غنمتم # الأنفال 41 الآية. بينت أنه ليس المراد قصر الغنائم على الرسول المذكور ~~في أول السورة، وأنها تعطى أربعة أخماس منها للغانمين، وقد ذكرنا آنفا أن ~~أبا عبيد قال إنها ناسخة لها، ونسبه القرطبي للجمهور، وسيأتي لهذا المبحث ~~زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في الكلام على قوله { واعلموا ~~أنما غنمتم } الآية. ### || [8.2] # قوله تعالى { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا }. في هذه الآية الكريمة التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح ~~تعالى بذلك في مواضع أخر كقوله # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # التوبة 124، وقوله # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # الفتح 4 الآية، وقوله # ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا # المدثر 31 الآية وقوله # والذين اهتدوا زادهم هدى # محمد 17 الآية. وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضا. ~~لأن كل ما يزيد ينقص، وجاء مصرحا به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله # " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من إيمان " # ونحو ذلك. ### || [8.11] # قوله تعالى { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }. ذكر ~~تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين ليجعل قلوبهم ~~آمنة ms0626 غير خائفة من عدوها، لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس، وظاهر سياق ~~هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر، لأن الكلام هنا في وقعة ~~بدر، كما لا يخفى. وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضا يوم أحد، ~~وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا # آل عمران 154 الآية. ### || [8.19] # قوله تعالى { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } الآية. ~~المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء الحكم وذلك أن قريشا ~~لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان ~~بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فرق الجماعة، وقطع الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا ~~الله أن يحكم بينهم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يهلك الظالم ~~منهم، وينصر المحق. فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره، وأنزل الآية، ويدل ~~على أن المراد بالفتح هنا الحكم. أنه تعالى أتبعه مما يدل على أن الخطاب ~~لكفار مكة، وهو قوله { وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن ~~تعودوا نعد } ، وبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في ~~قوله عن شعيب وقومه # على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين # الأعراف 89 أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين، ويدل ~~لذلك قوله تعالى عن شعيب في نفس القصة # وإن كان طآئفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به ~~وطآئفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين # الأعراف 87، وهذه لغة حمير لأنهم يسمون القاضي فتاحا والحكومة فتاحة، ~~ومنه قول الشاعر # ألا أبلغ بني عمرو رسولا بأني عن فتاحتكم غني # أي عن حكومتكم وقضائكم، أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله ~~{ إن تستفتحوا } للمؤمنين. أي تطلبوا الفتح والنصر من الله، وأن ~~الخطاب في قوله بعده { وإن تنتهوا فهو خير لكم } ~~للكافرين. فهو غير ظاهر، كما ترى. ### || [8.28] # أمر تعالى الناس في هذه ms0627 الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم ~~فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سببا للوقوع فيما لا يرضى الله؟ ~~وزاد في مواضع آخر أن الأزواج فتنة أيضا، كالمال والولد، فأمر الانسان ~~بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى الله. ثم أمره إن اطلع على ما يكره ~~من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له، وأخصهم به، وهم الأولاد، ~~والأزواج أن يعفو عنهم. ويصفح ولا يؤاخذهم. فيحذر منهم أولا، ويصفح عنهم ~~إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن # يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنمآ ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر ~~عظيم # التغابن 14-15. وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال ~~والأولاد عن ذكره جل وعلا، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في ~~حظوظه، وهو قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون # المنافقون 9، والمراد بالفتنة في الآيات الاختبار والابتلاء، وهو أحد ~~معاني الفتنة في القرآن. ### || [8.29] # قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن ~~حيان، وغير واحد فرقانا مخرجا، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية ~~عن ابن عباس فرقانا نجاة، وفي رواية عنه نصرا. وقال محمد بن إسحاق ~~فرقانا. أي فصلا بين الحق والباطل، قاله ابن كثير. قال مقيده - عفا الله ~~عنه - قول الجماعة المذكورة إن المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله ~~تعالى # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # الطلاق 2 الآية والقول بأنه النجاة أو النصر، راجع في المعنى إلى هذا، ~~لأن من جعل الله له مخرجا أنجاه ونصره، لكن الذي يدل القرآن واللغة على ~~صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق، لأن الفرقان مصدر زيدت ~~فيه الألف والنون، وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو ~~معناه في قوله # تبارك الذي نزل الفرقان # الفرقان 1، أي الكتاب الفارق بين الحق ms0628 والباطل، وقوله # وأنزل الفرقان # آل عمران 4، وقوله # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان # البقرة 53، وقوله # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان # الأنبياء 48، ويدل على أن المراد بالفرقان هنا العلم الفارق بين الحق ~~والباطل. قوله تعالى في الحديد # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم # الحديد 28 الآية. لأن قوله هنا { ويجعل لكم نورا تمشون ~~به } يعني علما وهدى تفرقون به بين الحق والباطل، ويدل على أن المراد ~~بالنور هنا الهدى، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافرا فهداه الله # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # الأنعام 122 الآية. فجعل النور المذكور في الحديد هو معنى الفرقان ~~المذكور في الأنفال كما ترى. وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى ~~الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتبا أيضا عليها في آية الحديد، وهو ~~بيان واضح كما ترى. ### || [8.31] # قوله تعالى { قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل ~~هذا } الآية. قد بينا قبل هذا الآيات المصرحة بكذبهم، وتعجيز الله ~~لهم عن الإتيان بمثله. فلا حاجة إلى إعادتها هنا، وقوله هنا في هذه الآية ~~عنهم { إن هذآ إلا أساطير الأولين } رد الله عليهم ~~كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة كقوله تعالى # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما # الفرقان 5-6 وما أنزله عالم السر في السموات والأرض فهو بعيد جدا من أن ~~يكون أساطير الأولين، وكقوله # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # النحل 103 إلى غير ذلك من الآيات ### || [8.32] # ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث ~~قالوا { فأمطر علينا } الآية، ولم يقولوا فاهدنا إليه، وجاء في ~~آيات أخر ما يدل على ذلك أيضا كقوله عنهم # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # ص 16، وقوله # ويستعجلونك ms0629 بالعذاب # الحج 47 الآية، وقوله # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه # هود 8 وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك كقوله في قوم شعيب # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # الشعراء 187، وقوله عن قوم صالح # ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # الأعراف 77، وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة " سأل سائل ". ### || [8.34] # صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، ~~وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم ~~وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين # التوبة 17-18. ### || [8.35] # قوله تعالى { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء ~~وتصدية } الآية. المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، قال بعض ~~العلماء والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس ~~القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل لهذا قوله تعالى # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # فصلت 26. ### || [8.41] # قوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء ~~حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء ~~أوجفوا عليه الخيل والركاب أولا، ولكنه تعالى بين في سورة " الحشر " أن ~~ما أفاء على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب، أنه لا ~~يخمس ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، ~~وذلك في قوله تعالى في فيء بني النضير # ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب # الحشر 6 الآية، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله من جميع ~~القرى بقوله # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ms0630 # الحشر 7 الآية. اعلم أولا أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة ~~فقالوا الفيء هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه ~~منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه ~~الله في قلوبهم، ورضي لهم صلى الله عليه وسلم أن يرتحلوا بما يحملون على ~~الإبل غير السلاح، وأما الغنيمة فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار ~~بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله # واعلموا أنما غنمتم # الأنفال 41 الآية مع قوله { فمآ أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب } فإن قوله تعالى { فمآ أوجفتم عليه } الآية ~~ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه ~~كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي ~~الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله في غزوة بني النضير # وفيئهم والفيء في الأنفال ما لم يكن أخذ عن قتال أما الغنيمة فعن ~~زحاف والأخذ عنوة لدى الزحاف # لخير مرسل الخ. وقوله وفيئهم مبتدأ خبره لخير مرسل، وقوله والفيء في ~~الأنفال إلخ كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر بين به الفرق بين الغنيمة ~~والفيء، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية { واعلموا ~~أنما غنمتم } ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية # مآ أفآء الله على رسوله # الحشر 7 ذكر فيها حكم الفيء وأشير لوجه الفرق بين المسالتين بقوله # فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب # الحشر 6 أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه ~~بالقوة من مالكيه. وقال بعض العلماء إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما ~~أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة رحمه الله وهو ~~المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ~~ربيعة التغلبي # فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ~~ضربا على الأثباج منهم والنحور # يعني أنهم لم ms0631 يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله أفأنا يعني ~~غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك # الأحزاب 50، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن ~~منتزعات قهرا، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق ~~بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة. وعلى قول قتادة فآية الحشر مشكلة مع ~~آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة، رحمه الله تعالى إن آية { ~~واعلموا أنما غنمتم } الآية، ناسخة لآية # ومآ أفآء الله على رسوله # الحشر 6 الآية، وهذا القول الذي ذهب إليه - رحمه الله - باطل بلا شك، ~~ولم يلجئ قتادة - رحمه الله - إلى هذا القول إلا دعواه اتحاد الفيء ~~والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، ~~وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال. ووجه بطلان القول المذكور أن آية { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء } الآية نزلت بعد وقعة بدر، ~~قبل قسم غنيمة بدل بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم، الدال على أن ~~غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر ~~فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة ~~بدر بإجماع المسلمين، ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول ~~قتادة رحمه الله تعالى، وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة ~~والفيء لا إشكال في الآيات، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء ~~راجعا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس ~~إذا رآه الإمام، والله أعلم. مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة المسألة ~~الأولى اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة ~~الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله ~~تعالى { غنمتم } ، فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال { فأن ~~لله خمسه } علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم، ~~ونظير ذلك قوله تعالى # فإن لم يكن ms0632 له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث # النساء 11 أي ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا، فكذلك قوله { فأن ~~لله خمسه } أي وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك ~~فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين ~~عليه ابن المنذر وابن عبد البر، والداودي والمازري، و القاضي عياض وابن ~~العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو ~~قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري - رحمه الله - أيضا قالوا ~~للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين، ويمنع منها الغزاة ~~الغانمين. # واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # الأنفال 1 الآية. قالوا الأنفال الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، ~~واحتجوا لذلك أيضا بما وقع في فتح مكة. وقصة حنين قالوا إنه صلى الله ~~عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل، ومن على أهلها فردها عليهم، ~~ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على ~~الجيش واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة. قالوا وكذلك غنائم ~~هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدا، ولم يعط الأنصار منها ~~مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم، وقد أشار ~~لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه ~~للمغازي في غزوة حنين بقوله # أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له ولم تجمجم أعطى عطايا أخجلت دلح ~~الديم إذا ملأت رحب الغضا من النعم زهاء ألفي ناقة منها وما ملأ ~~بين جبلين غنما لرجل وبله ما لحلقه منها ومن رقيقه وورقه # الخ قالوا لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها، لما ~~أعطى صلى الله عليه وسلم ألفى ناقة من غنائم هوزان لغير الغزاة، ولما ~~أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى ~~الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى ~~غار ms0633 من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور # أتجعل نهبي ونهب العبيد بن عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس ~~يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع ~~وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أباعير أعطيتها ~~عديد قوائمه الأربع وكانت نهابا تلافيتها بكرى على المهر في الأجرع ~~وإيقاظي القوم إن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع # قالوا فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجبا، لما فضل ~~الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر ~~قبل أن يقول شعره المذكور. وأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات ~~فالجواب عن آية # يسألونك عن الأنفال # الأنفال 1 هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى { واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء } الآية، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء، ~~والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه الأول أن بعض العلماء زعموا أن مكة ~~لم تفتح عنوة، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه صلى الله عليه وسلم وممن قال ~~بهذا الشافعي رحمه الله. # واستدل قائلو هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم " من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن " وهو ثابت في الصحيح، وهذا الخلاف في مكة هل أخذها ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنوة؟ وهو قول الجمهور، أو أخذ لها الأمان. ~~والأمان شبه الصلح، عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في ~~غزوة الفتح يعني مكة. # واختلفوا فيها فقيل أمنت وقيل عنوة وكرها أخذت # والحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله. ومن أظهر الأجوبة ~~عما وقع في فتح مكة، أن مكة ليست كغيرها من البلاد، لأنها حرام بحرمة ~~الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وإنما أحلت له صلى ~~الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده، وما كان بهذه ~~المثابة، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة. وأما ~~ما وقع في ms0634 قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل ~~المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما سمع أن بعض الأنصار قال يمنعنا ويعطي قريشا، وسيوفنا تقطر من ~~دمائهم، جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم كلامه المشهور البالغ ~~في الحسن، ومن جملته أنه قال لهم # " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم " # إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت نفوسهم، وقالوا رضينا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قسما وحظا، وهذا ثابت في الصحيح، ونوه الشيخ أحمد البدوي ~~الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به صلى الله عليه وسلم ~~بقوله في غزوة حنين. # ووكل الأنصار خير العالمين لدينهم إذ ألف المؤلفين فوجدوا عليه أن ~~منعهم فأرسل النبي من جمعهم وقال قولا كالفريد المؤنق عن نظمه ~~ضعف سلك منطقي # فالحاصل أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل، والركاب ~~للغزاة الغانمين على التحقيق، الذي لا شك فيه، وهو قول الجمهور. وقد علمت ~~الجواب عن حجج المخالفين في ذلك. ومن العلماء من يقول لا يجوز للإمام أن ~~ينفل أحدا شيئا من هذه الأخماس الأربعة، لأنها ملك للغانمين، وهو قول ~~مالك. وذهب بعض العلماء إلى أن للإمام أن ينفل منها بعض الشيء باجتهاده، ~~وهو أظهر دليلا، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. المسألة ~~الثانية هي تحقيق المقام في مصارف الخمس الذي يؤخذ من الغنيمة قبل ~~القسمة. فظاهر الآية الكريمة أنه يجعل ستة أنصباء نصيب لله جل وعلا، ~~ونصيب للرسول صلى الله عليه وسلم، ونصيب لذي القربى، ونصيب لليتامى، ~~ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل. # وبهذا قال بعض أهل العلم قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي ~~العالية الرياحي، قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة ~~تكون أربعة أخماس منها لمن شهدها، ms0635 ثم يؤخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ ~~الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة ~~أسهم، فيكون سهم للرسول صلى الله عليه وسلم وسهم لذي القربى، وسهم ~~لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل ". # وعلى هذا القول فنصيب الله جل وعلا للكعبة، ولا يخفى ضعف هذا القول لعدم ~~الدليل عليه. وقال بعض من قال بهذا القول إن نصيب الله جل وعلا يرد على ~~ذوي الحاجة. والتحقيق أن نصيب الله جل وعلا، ونصيب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واحد، وذكر اسمه جل وعلا استفتاح كلام للتعظيم، وممن قال بهذا القول ~~ابن عباس، كما نقله عنه الضحاك. وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد ~~بن الحنفية، والحسن البصري، والشعبي، و عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن ~~بريدة، وقتادة، ومغيرة وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير. والدليل على ~~صحة هذا القول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، # " عن رجل، قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو ~~يعرض فرسا، فقلت يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال " لله خمسها، ~~وأربعة أخماسها للجيش " قلت فما أحد أولى به من أحد، قال " لا ولا السهم ~~تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم " # وهذا دليل واضح على ما ذكرنا. ويؤيده أيضا ما رواه الإمام أحمد عن ~~المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، ~~والحارث بن معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء لعبادة يا عبادة كلمات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، # " فقال عبادة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير ~~من المغنم. فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول وبرة بين ~~أنملتيه، فقال " إن هذى من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم ~~الخمس، والخمس مردود ms0636 عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا ~~تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس ~~في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود ~~الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ~~عظيم ينجي الله به من الهم والغم ". # قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أحمد. هذا عن عبادة بن الصامت، هذا حديث ~~حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه ولكن روى الإمام ~~أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب. عن أبيه عن جده ~~عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة الخمس، ~~والنهي عن الغلول. # " وعن عمرو بن عبسة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير ~~من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير. ثم قال " ولا يحل لي من ~~غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم " # رواه أبو داود، والنسائي. فإذا عرفت أن التحقيق أن الخمس في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. يقسم خمسة أسهم، لأن اسم الله ذكر للتعظيم، ~~وافتتاح الكلام به، مع أن كل شيء مملوك له جل وعلا، فاعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصرف نصيبه، الذي هو خمس الخمس، في مصالح المسلمين. ~~بدليل قوله في الأحاديث التي ذكرناها آنفا. # " والخمس مردود عليكم " # ، وهو الحق. ويدل له ما ثبت في الصحيح من أنه كان يأخذ قوت سنته من فيء ~~بني النضير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما بعد وفاته، وانتقاله إلى ~~الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. فإن بعض العلماء يقول بسقوط نصيبه ~~بوفاته. وممن قال بذلك أبو حنيفة رحمه الله، واختاره ابن جرير. وزاد ~~أبو حنيفة سقوط سهم ذوي القربى أيضا بوفاته صلى الله عليه وسلم. ~~والصحيح أن نصيبه صلى الله عليه وسلم باق، وأن إمام المسلمين يصرفه فيما ~~كان يصرفه فيه رسول الله صلى ms0637 الله عليه وسلم من مصالح المسلمين. وقال ~~بعض العلماء يكون نصيبه صلى الله عليه وسلم لمن يلي الأمر بعده، وروي عن ~~أبي بكر، وعلي وقتادة، وجماعة، قال ابن كثير وجاء فيه حديث مرفوع. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - والظاهر أن هذا القول راجع في المعنى إلى ما ~~ذكرنا أنه الصحيح، وأن معنى كونه لمن يلى الأمر بعده، أنه يصرفه فيما كان ~~يصرفه فيه صلى الله عليه وسلم، والنبي قال # " والخمس مردود عليكم " # وهو واضح كما ترى. ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد وفاته. راجعة إلى شيء واحد. وهو صرفه في مصالح المسلمين. ~~وقد كان الخلفاء الراشدون المهديون - رضي الله عنهم - يصرفونه فيما كان ~~يصرفه فيه صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر، وعمر - رضي الله عنهما - ~~يصرفانه في الكراع والسلاح. # وجمهور العلماء على أن نصيب ذوي القربى باق، ولم يسقط بموته صلى الله ~~عليه وسلم. واختلف العلماء فيه من ثلاث جهات الأولى هل يسقط بوفاته أو ~~لا؟ وقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط. خلافا لأبي حنيفة. الثانية في ~~المراد بذي القربى. الثالثة هل يفضل ذكرهم على أنثاهم أو لا؟ أما ذوا ~~القربى فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. على أظهر الأقوال دليلا، وإليه ذهب ~~الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن ~~خالد. قال البخاري في صحيحه، في كتاب " فرض الخمس ". حدثنا عبد الله بن ~~يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب. عن جبير بن ~~مطعم. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة ~~واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد ". # قال الليث حدثني يونس وزاد قال جبير ولم يقسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، اه. وقال البخاري أيضا في المغازي ~~حدثنا يحيى بن بكير، ms0638 حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن ~~المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره. قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن ~~بمنزلة واحدة منك، فقال # " إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد " # ، قال جبير لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، وبني نوفل ~~شيئا اه. وإيضاح كونهم من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة أن ~~جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وعثمان بن عفان بن أبي العاص ~~بن عبد شمس بن عبد مناف. فأولاد عبد مناف بن قصي أربعة هاشم، والمطلب، ~~وعبد شمس. وهم أشقاء. أمهم عاتكة، بنت مرة، بن هلال السلمية، إحدى عواتك ~~سليم. اللاتي هن جدات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن ثلاث " هذه ~~التي ذكرنا. والثانية عمتها. وهي عاتكة، بنت هلال التي هي أم عبد مناف. ~~والثالثة بنت أخي الأولى. وهي عاتكة، بنت الأوقص، بن مرة، بن هلال، وهي ~~أم وهب، والد آمنة، أم النبي صلى الله عليه وسلم. ورابع أولاد عبد مناف ~~نوفل بن عبد مناف، وأمه واقدة، بنت عدي، واسمه نوفل، بن عبادة بن مازن، ~~بن صعصعة. قال الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب # عبد مناف قمر البطحاء أربعة بنوه هؤلاء مطلب، وهاشم، ونوفل، وعبد ~~شمس، هاشم لا يجهل # وقال في بيان عواتك سليم اللآتي هن جدات له صلى الله عليه وسلم # عواتك النبي أم وهب، وأم هاشم، وأم الندب عبد مناف، وذه الأخيرة ~~عمة عمة الأولى الصغيره وهن بالترتيب ذا لذي لرجال الأوقص بن مرة بن ~~هلال # فبهذا الذي بينا يتضح أن الصحيح أن المراد بذي القربى في الآية بنو ~~هاشم، وبنو المطلب دون بني عبد شمس، وبني نوفل. ووجهه أن بني عبد شمس، ~~وبني نوفل عادوا الهاشميين، وظاهروا عليهم قريشا، فصاروا كالأباعد منهم. ~~للعداوة، وعدم النضرة. ولذا قال فيهم أبو طالب. في لاميته المشهورة # جزى الله ms0639 عنا عبد شمس، ونوفلا عقوبة شر، عاجل، غير آجل بميزان قسط لا ~~يخيس شعيرة له شاهد من نفسه، غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ~~بني خلف قيضا بنا، والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في ~~الخطوب الأوائل # بهذا الحديث الصحيح الذي ذكرنا يتضح عدم صحة قول من قال بأنهم بنو هاشم ~~فقط. وقول من قال إنهم قريش كلهم. وممن قال بأنهم بنو هاشم فقط عمر بن ~~عبد العزيز، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، ومجاهد وعلي بن الحسين، ~~والأوزاعي، وغيرهم. وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ~~ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ~~سننه عن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ~~ذكر الله، فكتب إليه إنا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا ~~قريش كلها ذوو قربى. وزيادة قوله وقالوا " قريش كلها " تفرد بها أبو ~~معشر، وفيه ضعف. وما قدمنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله ~~الثابت في الصحيح يعين أنهم بنو هاشم، والمطلب، وهو قول الشافعي وأحمد بن ~~حنبل، وكثير من أهل العلم. فإذا عرفت أنه صلى الله عليه وسلم قضى بخمس ~~الخمس من غنائم خيبر لبني هاشم والمطلب، وأنهم هم ذوو القربى المذكورون ~~في الآية. فاعلم أن العلماء اختلفوا هل يفضل ذكرهم على أنثاهم، أو يقسم ~~عليهم بالسوية؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه كالميراث، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل في أصح الروايتين. قال صاحب ~~الإنصاف هذا المذهب جزم به الخرقي، وصاحب الهداية، والمذهب، ومسبوك ~~الذهب، والعمدة، والوجيز، وغيرهم. وقدمه في الرعايتين، والحاويين، ~~وغيرهم، وصححه في البلغة، والنظم، وغيرهما. وعنه الذكر والأنثى. سواء. ~~قدمه ابن رزين في شرحه. وأطلقهما في المغني، والشرح، والمحرر، والفروع، ~~اه من الانصاف. وتفضيل ذكرهم على أنثاهم الذي هو مذهب الإمام أحمد هو ~~مذهب الشافعي أيضا. وحجة من قال بهذا القول أنه سهم استحق بقرابة الأب ~~شرعا. # بدليل أن أولاد عماته صلى ms0640 الله عليه وسلم، كالزبير بن العوام، وعبد الله ~~بن أبي أمية. لم يقسم لهم في خمس الخمس، وكونه مستحقا بقرابة الأب خاصة ~~يجعله كالميراث. فيفضل فيه الذكر على الأنثى. وقال بعض العلماء ذكرهم ~~وأنثاهم سواء. وممن قال به المزني وأبو ثور، وابن المنذر. قال مقيده - ~~عفا الله عنه - وهذا القول أظهر عندي، لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج ~~إلى دليل، ولم يقم عليه في هذه المسالة دليل، ولم ينقل أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه فضل ذكرهم على أنثاهم في خمس الخمس. والدليل على ~~أنه ليس كالميراث أن الابن منهم يأخذ نصيبه مع وجود أبيه، وجده اه. ~~وصغيرهم، وكبيرهم سواء. وجمهور العلماء القائلين بنصب القرابة على أنه ~~يقسم على جميعهم. ولم يترك منهم أحد خلافا لقوم. والظاهر شمول غنيهم. ~~خلافا لمن خصص به فقراءهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخصص به فقراءهم، ~~بخلاف نصيب اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فالظاهر أنه يخصص به ~~فقراؤهم، ولا شيء لأغنيائهم، فقد بان لك مما تقدم أن مذهب الشافعي، وأحمد ~~- رحمهما الله - في هذه المسالة أن سهم الله، وسهم رسوله صلى الله عليه ~~وسلم واحد. وأنه بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين. وأن سهم القرابة لبني ~~هاشم، وبني المطلب. للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنه لجميعهم. غنيهم وفقيرهم، ~~قاتلوا أم لم يقاتلوا، وأن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الأنصباء ~~الثلاثة الباقية لخصوص الفقراء من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ~~ومذهب أبي حنيفة سقوط سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم قرابته بموته، ~~وأن الخمس يقسم على الثلاثة الباقية التي هي اليتامى، والمساكين وابن ~~السبيل. قال ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق ~~القضاة، والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا. ومذهب الإمام مالك - ~~رحمه الله - أن أمر خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده. فيما ~~يراه مصلحة، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي القرابة باجتهاده، ويصرف ~~الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة التي ~~نحن بصددها وبقول مالك ms0641 هذا قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم " # ، فإنه لم يقسمه أخماسا، ولا أثلاثا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على ~~وجه التنبيه عليهم. لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا ~~لمالك، قال الله عز وجل # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل # البقرة 215. وللرجل جائز بإجماع العلماء أن ينفق في غير هذه الأصناف، ~~إذا رأى ذلك، وذكر النسائي عن عطاء، قال " خمس الله، وخمس رسوله واحد، ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه، ويعطى منه، ويضعه حيث شاء " ~~اه من القرطبي. # وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه " وقال آخرون إن الخمس ~~يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء. وقال ~~شيخنا العلامة ابن تيمية رحمه الله - وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو ~~أصح الأقوال اه من ابن كثير. وهذا القول هو رأي البخاري بدليل قوله باب ~~قول الله تعالى { فأن لله خمسه وللرسول } يعني للرسول ~~قسم ذلك. وقال رسول الله # " إنما أنا قاسم، وخازن، والله يعطي " # ثم ساق البخاري أحاديث الباب، في كونه صلى الله عليه وسلم قاسما بأمر ~~الله تعالى. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا القول قوي، وستأتي له أدلة ~~إن شاء الله في المسألة التي بعد هذا، ولكن أقرب الأقوال للسلامة هو ~~العمل بظاهر الآية، كما قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - لأن الله ~~أمرنا أن نعلم أن خمس ما غنمنا. لهذه المصارف المذكورة، ثم أتبع ذلك ~~بقوله { إن كنتم آمنتم بالله } ، وهو واضح جدا، كما ترى. ~~وأما قول بعض أهل البيت. كعبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين رضي ~~الله عنهم بأن الخمس كله لهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى، والمساكين ~~يتاماهم، ومساكينهم،وقول من زعم أنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما، والله ms0642 تعالى ~~أعلم. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن الذهب، والفضة، وسائر ~~الأمتعة. كل ذلك داخل في حكم الآية يخمس، ويقسم الباقي على الغانمين، كما ~~ذكرنا. المسألة الرابعة أما أرضهم المأخوذة عنوة. فقد اختلف العلماء ~~فيها، فقال بعض العلماء يخير الإمام بين قسمتها، كما يفعل بالذهب، ~~والفضة. ولا خراج عليها. بل هي أرض عشر مملوكة، للغانمين،و بين وقفها ~~للمسلمين بصيغة. وقيل بغير صيغة، ويدخل في ذلك تركها للمسلمين بخراج ~~مستمر يؤخذ ممن تقر بيده، وهذا التخيير هو مذهب الإمام أحمد. وعلى هذا ~~القول إذا قسمها الإمام، فقيل تخمس، وهو أظهر، وقيل لا، واختاره بعض ~~أجلاء العلماء قائلا إن أرض خيبر لم يخمس ما قسم منها. والظاهر أن أرض ~~خيبر خمست، كما جزم به غير واحد، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن الزهري. ~~وهذا التخيير بين القسم، وإبقائها للمسلمين، الذي ذكرنا أنه مذهب الإمام ~~أحمد هو أيضا مذهب الإمام أبي حنيفة، والثوري. وأما مالك - رحمه الله - ~~فذهب إلى أنها تصير وقفا للمسلمين، بمجرد الإستيلاء عليها. # وأما الشافعي - رحمه الله - فذهب إلى أنها غنيمة يجب قسمها على ~~المجاهدين، بعد إخراج الخمس، وسنذكر - إن شاء الله - حجج الجميع، وما ~~يظهر لنا رجحانه بالدليل. أما حجة الإمام الشافعي - رحمه الله - فهي ~~بكتاب وسنة. أما الكتاب، فقوله تعالى { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء } الأنفال 41 الآية، فهو يقتضي بعمومه شمول الأرض ~~المغنومة. وأما السنة فما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم، قسم أرض قريظة، ~~بعد أن خمسها، وبني النضير، ونصف أرض خيبر بين الغانمين. قال فلو جاز أن ~~يدعي، إخراج الأرض، جاز أن يدعي إخراج غيرها، فيبطل حكم الآية. قال ~~مقيده - عفا الله عنه، الاستدلال بالآية ظاهر، وبالسنة غير ظاهر لأنه لا ~~حجة فيه على من يقول بالتخيير، لأنه يقول كان مخيرا فاختار القسم، فليس ~~القسم واجبا، وهو واضح كما ترى. وحجة من قال بالتخيير أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قسم نصف أرض خيبر، وترك نصفها، وقسم أرض قريظة، وترك ~~قسمة مكة، فدل قسمه تارة، ms0643 وتركه القسم أخرى على التخيير. ففي السنن و ~~المستدرك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما ظهر على خيبر قسمها على ستة ~~وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن ينزل به من الوفود، ~~والأمور، ونوائب الناس " # هذا لفظ أبي داود. وفي لفظ # " عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما، وهو الشطر - ~~لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك الوطيح، والكتيبة، ~~والسلالم، وتوابعها ". # وفي لفظ أيضا # " عزل نصفها لنوائبه، وما ينزل به الوطيحة، والكتيبة، وما أحيز معهما، ~~وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين، الشق، والنطاة، وما أحيز معهما، ~~وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أحيز معهما ". # ورد المخالف هذا الاحتجاج، بأن النصف المقسوم من خيبر مأخوذ عنوة، ~~والنصف الذي لم يقسم منها مأخوذ صلحا، وجزم بهذا ابن حجر في فتح الباري. ~~وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أنس عند مسلم وأصبناها عنوة ~~ما نصه " قال القاضي قال المازري ظاهر هذا أنها كلها فتحت عنوة، وقد روى ~~مالك، عن ابن شهاب، أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحا، قال وقد يشكل ما ~~روي في سنن أبي داود، أنه قسمها نصفين نصفا لنوائبه، وحاجته، ونصفا ~~للمسلمين، قال وجوابه، ما قال بعضهم إنه كان حولها ضياع وقرى أجلى عنها ~~أهلها، فكانت خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وما سواها للغانمين، فكان ~~قدر الذي جلوا عنه النصف، فلهذا قسم نصفين اه منه بلفظه. # وقال أبو داود في سننه حدثنا حسين بن علي العجلي، ثنا يحيى - يعني ابن ~~آدم-، ثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله بن أبي ~~بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة، قالوا بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم، ويسيرهم، ففعل، ~~فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله صلى الله ms0644 عليه ~~وسلم خاصة، لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. حدثنا محمد بن يحيى بن ~~فارس، ثنا عبد الله بن محمد، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري أن سعيد ابن ~~المسيب، أخبره " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، افتتح بعض خيبر عنوة ~~". قال أبو داود وقرئ على الحارث بن مسكين، وأنا شاهد أخبرهم ابن وهب، ~~قال حدثني مالك، عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة، وبعضها صلحا، ~~والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح قلت لمالك وما الكتيبة؟ قال أرض خيبر، ~~وهي أربعون ألف عذق. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا الذي ذكرنا يقدح ~~في الاحتجاج لتخيير الإمام في القسم، والوقفية بقضية خيبر، كما ترى، وحجة ~~قول مالك - رحمه الله - ومن وافقه في أن أرض العدو المفتوحة عنوة تكون ~~وقفا للمسلمين، بمجرد الاستيلاء عليها أمور. منها قوله صلى الله عليه ~~وسلم الثابت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه # " منعت العراق درهمها وفقيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر ~~إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث ~~بدأتم " # ، شهد على ذلك، لحم أبي هريرة ودمه. ووجه الاستدلال عندهم بالحديث أن " ~~منعت العراق... الخ " بمعنى ستمنع وعبر بالماضي إيذانا بتحقق الوقوع، ~~كقوله تعالى # ونفخ فى الصور # الكهف 99 الآية، وقوله # أتى أمر الله # النحل 1 الآية. قالوا فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين، لأن ما ملكه ~~الغانمون لا يكون فيه قفيز، ولا درهم، ولحديث مسلم هذا شاهد من حديث جابر ~~عند مسلم أيضا، ومن حديث أبي هريرة أيضا عند البخاري. وقال ابن حجر في ~~فتح الباري في كتاب " فرض الخمس " ما نصه وذكر ابن حزم أن بعض المالكية ~~احتج بقوله في حديث أبي هريرة # " منعت العراق درهمها " # الحديث. على أن الأرض المغنومة لا تباع، ولا تقسم، وأن المراد بالمنع ~~منع الخراج، ورده بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة، ~~وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع. واحتجوا ms0645 أيضا ~~بما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال " لولا آخر ~~المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي صلى الله ~~عليه وسلم خيبر ". # وفي لفظ في الصحيح عن عمر " أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر ~~الناس بيانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها ". ~~واحتج أهل هذا القول أيضا. بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم، لم يبق لمن ~~جاء بعد الغانمين شيء، والله أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا # الحشر 10 الآية، فإنه معطوف على قوله # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا # الحشر 8 وقوله # والذين تبوءوا الدار والإيمان # الحشر 9 الآية، وقول من قال. إن قوله تعالى # والذين جآءوا من بعدهم # الحشر 10 مبتدأ خبره # يقولون # الحشر 10 غير صحيح. لأنه يقتضي أنه تعالى. أخبر بأن كل من يأتي بعدهم ~~يقول # ربنا اغفر لنا ولإخواننا # الحشر 10 الآية. والواقع خلافه لأن كثيرا ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ~~ويلعنونهم، والحق أن قوله { والذين جآءوا } معطوف على ما قبله، ~~وجملة { يقولون } حال كما تقدم في " آل عمران " ، وهي قيد لعاملها ~~وصف لصاحبها. قال مقيده - عفا الله عنه - هذه الأدلة التي استدل بها ~~المالكية، لا تنهض فيما يظهر، لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه ~~الدلالة فيها، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيرا، فاختار إبقاءها ~~للمسلمين، ولم يكن واجبا في أول الأمر، كما قدمنا. والاستدلال بآية ~~الحشر المذكورة واضح السقوط لأنها في الفيء، والكلام في الغنيمة، والفرق ~~بينهما معلوم كما قدمنا. قال مقيده - عفا الله عنه - أظهر الأقوال ~~دليلا أن الإمام مخير، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفا، وبه ~~تنتظم الأدلة، ولم يكن بينها تعارض، والجمع واجب متى ما أمكن. وغاية ما ~~في الباب أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى { ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء ms0646 } الأنفال 41 الآية. ~~وتخصيص الكتاب بالسنة كثير. قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن ~~بصددها، بعد أن ذكر القول بالتخيير ما نصه " قال شيخنا أبو العباس رضي ~~الله عنه وكأن هذا جمع بين الدليلين، ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه ~~عمر رضي الله عنه قطعا. ولذلك قال " لولا آخر الناس " فلم يخبر بنسخ ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم. فإن قيل لا تعارض بين ~~الأدلة على مذهب الشافعي لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة، وما ~~لم يقسم منها مأخوذ صلحا، والنضير فيء، وقريظة قسمت. # ولو قال قائل إنها فيء أيضا لنزولهم على حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قبل أن يحكم فيهم سعدا، لكان غير بعيد ولكن يرده أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خمسها، كما قاله مالك، وغيره. ومكة مأخوذة صلحا بدليل ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق ~~بابه فهو آمن ". # هذا ثابت في صحيح مسلم. فالجواب أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، ولذلك ~~أدلة واضحة. منها أنه لم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح ~~أهلها زمن الفتح، ولا جاءه أحد منهم فصالحه على البلد وإنما جاءه أبو ~~سفيان فأعطاه الأمان لمن دخل داره،أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى ~~سلاحه. ولو كانت قد فتحت صلحا لم يقل # " من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن " # فإن الصلح يقتضي الأمان العام. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن الله حبس عن مكة الفيل،وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي ~~فيها ساعة من نهار ". # وفي لفظ " إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار ". وفي لفظ " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقولوا إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من ~~نهار، وقد عادت حرمتها اليوم ms0647 كحرمتها بالأمس " ، وهذا صريح في أنها فتحت ~~عنوة. ومنها أنه ثبت في الصحيح، " أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد ~~على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على ~~الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ثم قال يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فجاؤوا ~~يهرولون، فقال يا معشر الأنصار، هل ترون إلى أوباش قريش؟ قالوا نعم، قال ~~انظروا إذا لقيتوهم غدا أن تحصدوهم حصدا، وأحفى بيده، ووضع يمينه على ~~شماله، وقال موعدكم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال فما أشرف ~~يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، ~~وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال فجاء أبو سفيان، فقال يا رسول الله ~~أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق ~~بابه فهو آمن ". # أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة. وذكر أهل المغازي تفصيل ما ~~أجمل في حديث مسلم هذا، فبينوا أنه قتل من الكفار اثنا عشر، وقيل قتل من ~~قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة، وقتل يومئذ من المسلمين ثلاثة، وهم ~~سلمة بن الميلاء الجهني، وكرز بن جابر المحاربي - نسبة إلى محارب بن فهر ~~- وخنيس بن خالد الخزاعي. # أخو أم معبد، وقال كرز قبل أن يقتل في دفاعه عن خنيس # قد علمت بيضاء من بني فهر نقية اللون نقية الصدر لأضربن اليوم عن ~~أبي صخر # وفيه نقل الحركة في الوقف، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على القتال يوم ~~الفتح، وذكره الشنقيطي في مغازيه بقوله # وزعم ابن قيس أن سيحفدا نساءهم خلته وأنشدا إن يقبلوا اليوم فمالي ~~عله هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السله وشهد المأزق فيه ~~حطما رمزبب من قومه فانهزما وجاء فاستغلق بابها البتول فاستفهمته ~~أينما كنت تقول فقال والفزع زعفر دمه إنك لو شهدت يوم الخندمه إذ فر ~~صفوان وفر عكرمه وبو يزيد قائم كالمؤتمه واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ms0648 ~~لهم نهيت خلفنا وهمهمه يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه ~~لم تنطقي باللوم أدنى كلمه # وهذا الرجز صريح في وقوع القتال والقتل يوم فتح مكة. ومصداقه في الصحيح ~~كما تقدم. ومنها أيضا # " أن أم هانئ، بنت أبي طالب رضي الله عنها أجارت رجلا، فأراد علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد ~~أجرنا من أجرت يا أم هانئ " # وفي لفظ عنها لما كان يوم فتح مكة، أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما ~~بيتا وأغلقت عليهما بابا، فجاء ابن أمي علي، فتفلت عليهما بالسيف " ~~فذكرت حديث الأمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم # " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " # وذلك ضحى ببطن مكة بعد الفتح. وقصتها ثابتة في الصحيح. فإجارتها له، ~~وإرادة علي رضي الله عنه قتله، وإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~إجارتها صريح في أنها فتحت عنوة. ومنها أنه صلى الله عليه وسلم، أمر ~~بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين. ولو كانت فتحت صلحا، لم يؤمر ~~بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح. وأمره صلى ~~الله عليه وسلم بقتل من ذكر ثابت عنه صلى الله عليه وسلم. وفي السنن ~~بإسناد صحيح # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان يوم فتح مكة، قال " أمنوا الناس ~~إلا امرأتين وأربعة نفر اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " # إلى غير ذلك من الأدلة. فهذه أدلة واضحة على أن مكة - حرسها الله - ~~فتحت عنوة. وكونها فتحت عنوة يقدح فيما ذهب إليه الشافعي من وجوب قسم ~~الأرض المغنومة عنوة. # فالذي يتفق عليه جميع الأدلة، ولا يكون بينها أي تعارض هو ما قدمنا من ~~القول بالتخيير بين قسم الأرض، وإبقائها للمسلمين، مع ما قدمنا من الحجج، ~~والعلم عند الله تعالى. وإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، فاعلم ~~أن العلماء اختلفوا في رباع مكة - هل يجوز تملكها، وبيعها، وإيجارها؟ - ~~على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يجوز شيء من ms0649 ذلك، وبه قال أبو حنيفة، ~~والأوزاعي، والثوري، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وإبراهيم، والحسن، وإسحاق. ~~وغيرهم. وكرهه مالك - رحمه الله-. وأجاز جميع ذلك الشافعي، وأبو يوسف. ~~وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم. وتوسط ~~الإمام أحمد، فقال تملك، وتورث، ولا تؤجر، ولا تباع، على إحدى الروايتين، ~~جمعا بين الأدلة، والرواية الثانية كمذهب الشافعي. وهذه المسألة تناظر ~~فيها الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف - والإمام أحمد بن ~~حنبل حاضر - فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة، بعد أن قال له ما أحوجني أن ~~يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول لك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأنت تقول قال طاوس، والحسن، وإبراهيم، وهل لأحد مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة؟ - في كلام طويل-. ونحن نذكر إن شاء الله ~~أدلة الجميع، وما يقتضي الدليل رجحانه منها. فحجة الشافعي - رحمه الله - ~~ومن وافقه بأمور. الأول حديث أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~سأله. أين تنزل غدا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ " # وفي بعض الروايات " من منزل " ، وفي بعضها " منزلا " أخرج هذا الحديث ~~البخاري في كتاب " الحج " في باب " توريث دور مكة، وشرائها " الخ وفي ~~كتاب " المغازي " في غزوة الفتح في رمضان في باب أين ركز النبي صلى ~~الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، وفي كتاب الجهاد في باب " إذا أسلم قوم ~~في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم " وأخرجه مسلم في كتاب " الحج " ~~في باب " النزول بمكة للحاج وتوريث دورها. بثلاث روايات هي مثل روايات ~~البخاري. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المتفق عليه # " وهل ترك لنا عقيل من رباع " # صريح في إمضائه صلى الله عليه وسلم بيع عقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- تلك الرباع. ولو كان بيعها، وتملكها لا يصح لما أقره النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه لا يقر على باطل بإجماع المسلمين. الثاني أن الله ms0650 تبارك ~~وتعالى أضاف للمهاجرين من مكة ديارهم، وذلك يدل على أنها ملكهم في قوله # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم # الحشر 8. قال النووي في شرح المهذب فإن قيل قد تكون الإضافة لليد ~~والسكنى، لقوله تعالى # وقرن في بيوتكن # الأحزاب 33. فالجواب أن حقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولذلك لو قال هذه ~~الدار لزيد حكم بملكها لزيد، ولو قال أردت به السكنى واليد، لم يقبل. ~~ونظير الآية الكريمة ما احتج به أيضا. من الإضافة في قوله # " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " # الحديث. وقد قدمنا أنه في صحيح مسلم. الثالث الأثر المشهور في سنن ~~البيهقي وغيره. " أن نافع بن الحارث، اشترى من صفوان بن أمية، دار السجن ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، بأربعمائة ". وفي رواية " بأربعة آلاف " ، ~~ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. وروى الزبير بن بكار والبيهقي أن حكيم بن ~~حزام رضي الله عنه، باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ~~ألف، فقال له عبد الله بن الزبير يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها، ~~فقال هيهات ذهبت المكارم فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام، فقال اشهدوا أنها ~~في سبيل الله تعالى يعني الدراهم التي باعها بها. وعقده الشيخ أحمد ~~البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب بقوله يعني قصيا # واتخذ الندوة لا يخترع في غيرها أمر ولا تدرع جارية أو بعذر الغلام ~~إلا بأمره بها يرام وباعها بعد حكيم بن حزام وأنبوه وتصدق الهمام سيد ~~ناديه بكل الثمن إذ العلى بالدين لا بالدمن # الرابع أنها فتحت صلحا، فبقيت على ملك أهلها، وقد قدمنا ضعف هذا الوجه. ~~الخامس القياس، لأن أرض مكة أرض حية ليست موقوفة، فيجوز بيعها قياسا على ~~غيرها من الأرض. واحتج من قال بأن رباع مكة لا تملك ولا تباع. بأدلة ~~منها قوله تعالى # والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سوآء ~~العاكف فيه والباد # الحج 25 قالوا والمراد بالمسجد جميع الحرم كله لكثرة إطلاقه عليه في ~~النصوص، كقوله # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # الإسراء ms0651 1 الآية، وقوله # إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام # التوبة 7 الآية، وقوله # هديا بالغ الكعبة # المائدة 95 مع أن المنحر الأكبر من الحرم " منى ". ومنها قوله تعالى # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها # النمل 91 قالوا والمحرم لا يجوز بيعه. ومنها ما أخرجه البيهقي من طريق ~~إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله ~~بن عمرو، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤجر بيوتها ". # ومنها ما رواه أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح عن عبد ~~الله بن عمرو، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها ". # ومنها ما روي # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قلت يا رسول الله ألا نبني لك بمنى ~~بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ قال " لا. إنما هو مناخ من سبق إليه " # أخرجه أبو داود. ومنها ما رواه البيهقي، وابن ماجه، عن عثمان بن أبي ~~سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني، قال كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم ~~تبع رباعها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبي بكر ولا عمر، ~~من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. ومنها ما روى عن عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال # " منى مناخ لمن سبق ". # قال النووي في شرح المهذب في الجنائز، في " باب الدفن " في هذا الحديث، ~~رواه أبو محمد الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، بأسانيد ~~جيدة من رواية عائشة رضي الله عنها. قال الترمذي هو حديث حسن. وذكر في ~~البيوع، في الكلام على بيع دور مكة، وغيرها من أرض الحرم أن هذا الحديث ~~صحيح. ومنها ما رواه عبد الرزاق بن مجاهد عن ابن جريج، قال كان عطاء ينهى ~~عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب، كان ينهى عن تبويب دور ~~مكة لأن ينزل الحاج ms0652 في عرصاتها، فكان أول من بوب داره، سهيل بن عمرو، ~~فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال. أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت ~~امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، فقال ذلك لك إذن. وقال ~~عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد إن عمر بن الخطاب، قال يا أهل ~~مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء. اه، قاله ابن كثير ~~إلى غير ذلك من الأدلة. قال مقيده - عفا الله عنه - أقوى الأقوال دليلا ~~فيما يظهر قول الشافعي ومن وافقه، لحديث أسامة بن زيد المتفق عليه، كما ~~قدمنا، وللأدلة التي قدمنا غيره، ولأن جميع أهل مكة بقيت لهم ديارهم بعد ~~الفتح يفعلون بها ما شاؤوا من بيع، وإجارة، وغير ذلك. وأجاب أهل هذا ~~القوم الصحيح عن أدلة المخالفين. فأجابوا عن قوله # سوآء العاكف فيه والباد # الحج 25 بأن المراد خصوص المسجد دون غيره من أرض الحرم، بدليل التصريح ~~بنفس المسجد في قوله # والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سوآء # الحج25 الآية، وعن قوله تعالى # هذه البلدة الذي حرمها # النمل 91 بأن المراد حرم صيدها، وشجرها، وخلاها، والقتال فيها، كما بينه ~~صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، ولم يذكر في شيء منها مع كثرتها ~~النهي عن بيع دورها. وعن حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه بأنه ~~ضعيف، قال النووي في شرح المهذب هو ضعيف باتفاق المحدثين، واتفقوا على ~~تضعيف إسماعيل، وأبيه إبراهيم. # اه. وقال البيهقي في السنن الكبرى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف، ~~وأبوه غير قوي، واختلف عليه فروي عنه هكذا، وروي عنه عن أبيه، عن مجاهد، ~~عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ببعض معناه، وعن حديث عائشة رضي الله عنها. ~~بأنه محمول على الموات من الحرم. قال النووي وهو ظاهر الحديث. وعن حديث ~~أبي حنيفة بأنه ضعيف من وجهين أحدهما تضعيف إسناده بابن أبي زياد المذكور ~~فيه. والثاني أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمر ~~وقالوا رفعه ms0653 وهم قاله الدارقطني، وأبو عبد الرحمن السلمي، والبيهقي. وعن ~~حديث عثمان بن أبي سليمان بجوابين أحدهما أنه منقطع، كما قاله البيهقي. ~~الثاني ما قال البيهقي أيضا، وجماعة من الشافعية، وغيرهم أن المراد في ~~الحديث الإخبار عن عادتهم الكريمة في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم ~~بالإعارة تبرعا، وجودا. وقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه عن جريان ~~الإرث، والبيع فيها. وعن حديث # " منى مناخ من سبق " # بأنه محمول على مواتها، ومواضع نزول الحجيج منها. قاله النووي اه. ~~واعلم أن تضعيف البيهقي لحديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وحديث عثمان ~~بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة تعقبه عليه محشيه صاحب الجوهر النقي، ~~بما نصه " ذكر فيه حديثا في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، فضعف ~~إسماعيل، وقال عن أبيه غير قوي ثم اسنده من وجه آخر، ثم قال رفعه وهم، ~~والصحيح موقوف قلت أخرج الحاكم في المستدرك هذا الحديث من الوجهين اللذين ~~ذكرهما البيهقي، ثم صحح الأول، وجعل الثاني شاهدا عليه، ثم ذكر البيهقي ~~في آخره حديثا عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة. ثم قال هذا ~~منقطع. قلت هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بسند على شرط مسلم، وأخرجه ~~الدارقطني وغيره، وعلقمة هذا صحابي. كذا ذكره علماء هذا الشأن، وإذا قال ~~الصحابي مثل هذا الكلام. كان مرفوعا على ما عرف به، وفيه تصريح عثمان ~~بالسماع عن علقمة، فمن أين الانقطعا؟ اه كلام صاحب الجوهر النقي. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى سقوط اعتراض ابن التركماني هذا على ~~الحافظ البيهقي. في تضعيفه الحديثين المذكورين. أما في الأول فلأن تصحيح ~~الحاكم - رحمه الله - لحديث ضعيف لا يصيره صحيحا. وكم من حديث ضعيف صححه ~~الحاكم - رحمه الله - وتساهله - رحمه الله - في التصحيح معروف عند علماء ~~الحديث، وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي قد يكون للمناقشة في تضعيف ~~الحديث به وجه. لأن بعض العلماء بالرجال وثقه وهو من رجال مسلم. وقال فيه ~~ابن حجر، في التقريب " صدوق لين الحفظ " ، أما ms0654 ابنه إسماعيل فلم يختلف في ~~أنه ضعيف. # وتضعيف الحديث به ظاهر لا مطعن فيه. وقال فيه ابن حجر في التقريب. ضعيف، ~~فتصحيح هذا الحديث لا وجه له. وأما قوله في اعتراضه تضعيف البيهقي لحديث ~~الثاني. فمن أين الانقطاع فجوابه أن الانقطاع من حيث إن علقمة بن نصلة ~~تابعي صغير، وزعم الشيخ ابن التركماني، أنه صحابي غير صحيح، وقد قال فيه ~~ابن حجر في التقريب. علقمة بن نضلة - بفتح النون وسكون المعجمة - المكي، ~~كناني. وقيل كندي تابعي صغير مقبول، أخطأ من عده في الصحابة، وإذن فوجه ~~انقطاعه ظاهر، فظهر أن الصواب مع الحافظ البيهقي، والنووي وغيرهما في ~~تضعيف الحديثين المذكورين. ولا شك أن من تورع عن بيع رباع مكة، وإيجارها ~~خروجا من الخلاف، أن ذلك خير له، لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ~~وعرضه. تنبيه أجمع جميع المسلمين على أن مواضع النسك من الحرم كموضع ~~السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها. ~~والظاهر أن ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن ~~يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلا، ~~لأن المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك ~~الحج. فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما ~~يسع الحجيج كله، ويدل له حديث # " منى مناخ لمن سبق " # كما تقدم. المسألة الخامسة في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من ~~الغنيمة، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، وما يقتضي الدليل ~~رجحانه. اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، كما أشرنا له في أول ~~هذه السورة الكريمة، ووعدنا بإيضاحه هنا فذهب الإمام مالك - رحمه الله - ~~إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحدا شيئا إلا من الخمس، وهو قول ~~سعيد بن المسيب، لأن الأخماس الأربعة. ملك للغانمين الموجفين عليها ~~بالخيل، و الركاب. هذا مشهور مذهبه، وعنه قول آخر أنها من خمس الخمس. ~~ووجه هذا القول أن اخماس الخمس الأربعة، غير خمس الرسول ms0655 صلى الله عليه ~~وسلم لمصارف معينة في قوله { ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل } الأنفال 41 وأربعة الأخماس الباقية ~~ملك للغانمين. وأصح الأقوال عن الشافعي أن الإمام لا ينفل إلا من خمس ~~الخمس، ودليله ما ذكرنا آنفا. وعن عمرو بن شعيب أنه قال. لا نفل بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة في المغني ولعله يحتج بقوله ~~تعالى # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # الأنفال 1. وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم إلى أن للإمام أن ~~ينفل الربع بعد الخمس في بدأته، والثلث بعد الخمس في رجعته. # ومذهب أبي حنيفة أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع، أو الثلث، ~~أو أكثر، أو أقل بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا ~~من الخمس. وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة ~~الكريمة، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم ~~أولا، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام الأول أن يقول الإمام ~~لطائفة من الجيش إن غنمتم من الكفار شيئا، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه، ~~فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، ~~وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد أخراج الخمس. ومالك ~~وأصحابه يقولون. إن هذا لا يجوز. لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين، ~~لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله. والدليل ~~على جواز ذلك. ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل ~~الثلث بعد الخمس في رجعته " # أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، ~~وابن الجارود. واعلم أن التحقيق في حبيب المذكور. أنه صحابي، وقال فيه ~~ابن حجر في التقريب مختلف في صحبته، والراجح ثبوتها لكنه كان صغيرا، وله ~~ذكر في الصحيح في حديث ابن عمر مع معاوية اه. وقد روى عنه أبو داود هذا ms0656 ~~الحديث من ثلاثة أوجه. منها عن مكحول بن عبد الله الشامي، قال كنت عبدا ~~بمصر لامرأة من بني هذيل، فأعتقتني فما خرجت من مصروبها علم إلا حويت ~~عليه، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم ~~أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليها فيما أرى، ثم أتيت ~~الشام فغربلتها، كل ذلك أسال عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء، ~~حتى لقيت شيخا يقال له زياد بن جارية التميمي. فقلت له هل سمعت في النفل ~~شيئا؟ قال نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول شهدت النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة- اه. وقد علمت أن ~~الصحيح أنه صحابي، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفل الربع إلى آخر الحديث. ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه ~~عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في ~~البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث " أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ~~ماجه، وصححه ابن حبان. وفي رواية عند الإمام أحمد كان إذا غاب في أرض ~~العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا - وكل الناس - نفل الثلث، وكان يكره ~~الأنفال، ويقول ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم. # وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس. ويدل لذلك أيضا ما ~~رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن معن بن يزيد قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " لا نفل إلا بعد الخمس " # ، قال الشوكاني في نيل الأوطار هذا الحديث صححه الطحاوي اه. والفرق بين ~~البدأة والرجعة. أن المسلمين في البدأة متوجهون إلى بلاد العدو، والعدو ~~في غفلة. وأما في الرجعة فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو، ~~والعدو في حذر ويقظة، وبين الأمرين فرق ظاهر. والأحاديث المذكورة تدل على ~~أن السرية من العسكر إذا خرجت، فغنمت، أن سائر الجيش شركاؤهم، ولا خلاف ~~في ذلك بين العلماء، كما قاله القرطبي. الثاني من الأقسام ms0657 التي اقتضى ~~الدليل جوازها تنفيل بعض الجيش، لشدة بأسه، وغنائه، وتحمله ما لم يتحمله ~~غيره، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم، ورواه الإمام أحمد، وأبو ~~داود عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري، ~~على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستنقاذه منه. قال سلمة فلما ~~أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا اليوم، أبو قتادة، ~~وخير رجالتنا سلمة قال ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم ~~الفارس، وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا. الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه ~~من حديث طويل. وقد قدمنا أن هذه غزوة " ذي قرد " في سورة " النساء " ، ~~ويدل لهذا أيضا حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة، فإن فيه أن ~~سعدا رضي الله عنه قال لعله يعطى هذا السيف لرجل لم يبل بلائي، ثم أعطاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه لحسن بلائه وقتله صاحب السيف ~~كما تقدم. الثالث من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها أن يقول ~~الإمام " من قتل قتيلا فله سلبه ". ومن الأدلة على ذلك ما رواه الشيخان ~~في صحيحيهما، # " عن أبي قتادة رضي الله عنه قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال فرأيت رجلا من ~~المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه ~~فضربته على حبل عاتقه. وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم ~~أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال ما للناس؟ فقلت أمر ~~الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " من ~~قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " قال فقمت، ثم قلت من يشهد لي؟، ثم ~~جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت فقلت من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال ذلك ~~الثالثة، فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لك يا ابا قتادة؟ ~~" فقصصت ms0658 عليه القصة، فقال رجل من القوم، صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل ~~عندي. فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا ها الله إذا ~~لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق فأعطه إياه " فأعطاني، قال فبعت ~~الدرع فابتعت بها مخرفا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام ~~". # والأحاديث بذلك كثيرة. وروى أبو داود، وأحمد، عن أنس. أن ابا طلحة يوم ~~حنين قتل عشرين رجلا، وأخذ اسلابهم، وفي رواية عنه عند أحمد، أحد ~~وعشرين، وذكر أصحاب المغازي أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر # أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد # والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة، ولا أن يكون الكافر ~~المقتول مقبلا. أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة فحديث أبي قتادة هذا ~~المتفق عليه. وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه فحديث ~~سلمة بن الأكوع، # " قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحى ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم ~~انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، ~~وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله، فأطلق ~~قيده ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ~~ورقاء. قال سلمة وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ~~ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في ~~الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه ~~رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس معه. فقال ~~" من قتل الرجل؟ " قالوا ابن الأكوع، قال " له سلبه أجمع " # متفق عليه، واللفظ المذكور لمسلم في " كتاب الجهاد والسير " في باب " ~~استحقاق القاتل سلب ms0659 القتيل " ، وأخرجه البخاري بمعناه " في كتاب الجهاد " ~~في باب " الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان " وهو صريح في عدم اشتراط ~~المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلا لا مدبرا كما ترى. ولا يستحق القاتل ~~سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم. فأما ~~إن قتل امرأة، أو صبيا، أو شيخا فانيا، أو ضعيفا مهينا، أو مثخنا ~~بالجراح لم تبق فيه منفعة، فليس له سلبه. # ولا خلاف بين العلماء في أن من قتل صبيا، أو امرأة، أو شيخا فانيا، ~~لا يستحق سلبهم، إلا قولا ضعيفا جدا يروى عن أبي ثور، وابن المنذر في ~~استحقاق سلب المرأة. والدليل على أن من قتل مثخنا بالجراح لا يستحق ~~سلبه، أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر، وحز رأسه. ~~وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاد بن عمرو بن الجموح الذي ~~أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئا. وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث ~~المتفق عليه، فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن مسعود " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله سيف أبي جهل يوم بدر ". لأنه من ~~رواية ابنه أبي عبيدة، ولم يسمع منه، وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق ~~قاتله سلبه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل النضر بن الحارث، ~~العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر ولم يعط من قتلهما ~~شيئا من سلبهما. واختلفوا فيمن أسر أسيرا هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر ~~بالقتل أو لا؟ والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل. فيجب استصحاب عموم { ~~{ واعلموا أنما غنمتم } الأنفال 41 الآية حتى يرد مخصص من ~~كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، أسارى ~~بدر، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا، ولم يعط أحدا من الذين أسروهم شيئا ~~من أسلابهم، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة. أما إذا قاتلت المرأة ~~أو الصبي المسلمين فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه، لأنه حينئذ ms0660 ممن يجوز ~~قتله، فيدخل في عموم " من قتل قتيلا " الحديث، وبهذا جزم غير واحد. ~~والعلم عند الله تعالى. واعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل ~~السلب، هل يشترط فيه قول الإمام " من قتل قتيلا فله سلبه "! أو يستحقه ~~مطلقا. قال الإمام ذلك أو لم يقله؟ وممن قال بهذا الأخير الإمام أحمد، ~~والشافعي، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبري، ~~وابن المنذر. وممن قال بالأول الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام " ~~من قتل قتيلا " الخ الإمام أبو حنيفة، ومالك، والثوري. وقد قدمنا عن ~~مالك وأصحابه أن قول الإمام ذلك لا يجوز قبل القتال، لئلا يؤدي إلى فساد ~~النية، ولكن بعد وقوع الواقع، يقول الإمام من قتل قتيلا... الخ. واحتج ~~من قال باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا. بعموم الأدلة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. صرح بأن من قتل قتيلا فله سلبه، ولم يخصص بشيء. # العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول. واحتج ~~مالك، وأبو حنيفة، ومن وافقهما بأدلة منها قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث سلمة بن الأكوع، المتفق عليه السابق ذكره، له سلبه أجمع. قالوا فلو ~~كان السلب مستحقا له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول. ومنها ~~حديث عبدالرحمن بن عوف، المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح، ~~ومعاذ ابن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر. فإن فيه " ثم انصرفا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه، # " فقال أيكما قتله؟!، فقال كل واحد منهما أنا قتلته، فقال هل مسحتما ~~سيفيكما؟ قالا لا، فنظر في السيفين، فقال كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ ~~بن عمرو بن الجموح اه " # قالوا فتصريحه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، المتفق عليه، بأن ~~كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر، صريح في أن القاتل لا ~~يستحق السلب، إلا بقول الإمام إنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل ~~لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه، مع أن النبي صلى الله ms0661 عليه وسلم صرح ~~بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما. ومنها ما رواه الإمام أحمد، ~~ومسلم، وأبو داود، عن عوف بن مالك قال # " قتل رجل من حمير، رجلا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، ~~وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عوف بن مالك ~~فأخبره. فقال لخالد " ما منعك أن تعطيه سلبه؟ " قال استكثرته يا رسول ~~الله، قال " ادفعه إليه " # ، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فاستغضب فقال لا تعطه يا خالد، لا تعطهيا خالد، ~~هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم، كمثل رجل استرعى إبلا، أو ~~غنما فرعاها، ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت ~~كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم. وفي رواية عند مسلم أيضا عن عوف بن مالك ~~الأشجعي، قال خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني ~~مددي من اليمن، وساق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، غير أنه ~~قال في الحديث قال عوف بن مالك فقلت يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، قال بلى، ولكني استكثرته، هذا لفظ ~~مسلم في صحيحه. وفي رواية عن عوف أيضا، عند الإمام أحمد وأبي داود قال ~~خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ومضينا ~~فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له، أشقر، عليه سرج مذهب. # وسلاح مذهب. فجعل الرومي يفري في المسلمين. فقعد له المددي خلف صخرة فمر ~~به الرومي فعرقب فرسه. فخر وعلاه فقتله. وحاز فرسه. وسلاحه. فلما فتح ~~الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد. فأخذ السلب. قال عوف ~~فأتيته. فقلت يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قضى ~~بالسلب للقاتل. قال. بلى ولكن استكثرته. قلت لتردنه إليه، أو لأعرفنكها ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms0662 فأبى أن يرد عليه، قال عوف فاجتمعنا ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، ~~وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم اه. فقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذا الحديث الصحيح # " لا تعطه يا خالد " # دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه ~~منه النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها ما ذكره ابن أبي شيبة، قال حدثنا ~~أبو الأحوص، عن الأسود بن قيس، عن بشر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم ~~القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه، فأتيت سعدا، فخطب سعد أصحابه، ثم قال هذا ~~سلب بشر ابن علقمة لهو خير من اثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه. ~~فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم، لما أضاف ~~الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه القاتل دون أمرهم، ~~قاله القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه- أظهر القولين عندي دليلا، أن ~~القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام. لهذه الأدلة الصحيحة، التي ~~ذكرنا فإن قيل هي شاهدة لقول إسحاق إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل، وإن ~~كان كثيرا خمس. فالجواب أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه ~~كثرة زائدة، وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم معاذ ابن عفراء. ~~تنبيه جعل بعض العلماء منشأ الخلاف في سلب القاتل، هل يحتاج إلى تنفيذ ~~الإمام أو لا، هو الإختلاف في قول النبي صلى الله عليه وسلم # " من قتل قتيلا " # الحديث، هل هو حكم؟ وعليه فلا يعم بل يحتاج دائما إلى تنفيذ الإمام، أو ~~هو فتوى؟ فيكون حكما عاما غير محتاج إلى تنفيذ الإمام. قال صاحب نشر ~~البنود شرح مراقي السعود في شرح قوله # وسائر حكاية الفعل بما منه العموم ظاهرا قد علما # ما نصه " تنبيه " ، حكى ابن رشد خلافا بين العلماء، في قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه " # ، هل يحتاج سلب القتيل إلى تنفيذ الإمام، بناء ms0663 على أن الحديث حكم فلا ~~يعم، أو لا يحتاج إليه بناء على أنه فتوى، وكذا قوله لهند # " خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف " # فيه خلاف. هل هو حكم فلا يعم، أو فتوى فيعم. قال ميارة في التكميل # وفي حديث هند الخلاف هل حكم يخصها أو إفتاء شمل # واعلم أن العلماء اختلفوا في السلب، هل بخمس أو لا؟ على ثلاثة أقوال ~~الأول لا يخمس. الثاني يخمس. الثالث إن كان كثيرا خمس، وإلا فلا. ~~وممن قال إنه لا يخمس، الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن جرير، ويروى عن ~~سعد بن أبي وقاص. وممن روي عنه أنه يخمس ابن عباس، والأوزاعي، ومكحول. ~~وممن فرق بين القليل والكثير إسحاق، واحتج من قال لا يخمس بما رواه ~~الإمام أحمد، وأبو داود وابن حبان، والطبراني، عن عوف بن مالك، وخالد بن ~~الوليد رضي الله عنهما. أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب. ~~وقال القرطبي في تفسيره، بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الذي قدمنا عند ~~مسلم ما نصه. " وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده، الذي أخرجه به مسلم، ~~وزاد بيانا أن عوف بن مالك، قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يخمس السلب " اه. وقال ابن حجر في التلخيص في حديث خالد وعوف المتقدم، ~~ما لفظه " وهو ثابت في صحيح مسلم في حديث طويل فيه قصة لعوف مع خالد بن ~~الوليد، وتعقبه الشوكاني في نيل الأوطار بما نصه وفيه نظر، فإن هذا اللفظ ~~الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم، بل الذي فيه هو ما سيأتي قريبا، ~~وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش، وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره ~~مرارا " ، اه. قال مقيده - عفا الله عنه - وقد قدمنا حديث عوف المذكور ~~بلفظ مسلم في صحيحه، وليس فيه ما ذكره الحافظ ابن حجر، فهو وهم منه، كما ~~نبه عليه الشوكاني رحمهما الله تعالى. والتحقيق في إسماعيل بن عياش أن ~~روايته عن غير الشاميين ضعيفة. وهو قوي في الشاميين، دون غيرهم. قال ms0664 ~~مقيده - عفا الله عنه - وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش، عن صفوان ~~بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، ~~وإسماعيل، وشيخه في هذا الحديث، الذي هو صفوان بن عمرو، كلاهما حمصي، فهو ~~بلدي له وبه تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، مع قوة شاهده، الذي ~~قدمنا عن أبي بكر البرقاني، بسند على شرط مسلم. واحتج من قال بأن السلب ~~يخمس بعموم قوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه } الأنفال 41 الآية. # واحتج من قال يخمس الكثير دون اليسير بما رواه أنس، عن البراء بن مالك " ~~أنه قتل من المشركين مائة رجل، إلا رجلا مبارزة، وأنهم لما غزوا الزاره، ~~خرج دهقان الزاره، فقال رجل ورجل، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما، ثم ~~اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ~~ومنطقته، وأتى به عمر، فنفله السلاح، وقوم المنطقة بثلاثين ألفا، ~~فخمسها، وقال إنها مال " اه بنقل القرطبي. وقال قبل هذا وفعله عمر بن ~~الخطاب مع البراء بن مالك، حين بارز " المرزبان " فقتله. فكانت قيمة ~~منطقته، وسواريه ثلاثين ألفا، فخمس ذلك اه. وقال ابن قدامة في المغني ~~وقال إسحاق إن استكثر الإمام السلب، فذلك إليه، لما روى ابن سيرين أن ~~البراء بن مالك بارز " مرزبان " الزاره بالبحرين فطعنه، فدق صلبه، وأخذ ~~سواريه، وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره، فقال إنا كنا ~~لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا، وأنا خامسه. فكان أول سلب ~~خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. وفيها أن سلب البراء ~~بلغ ثلاثين ألفا. قال مقيده - عفا الله عنه - أظهر الأقوال دليلا عندي ~~أن السلب لا يخمس لحديث عوف وخالد المتقدم، ويجاب عن أخذ الخمس من سلب ~~البراء بن مالك، بأن الذي تدل عليه القصة أن السلب لا يخمس لأن قول عمر ~~إنا كنا لا نخمس السلب، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام يدل على ~~أن ms0665 النبي صلى الله عليه وسلم. وأبا بكر، وعمر صدرا من خلافته لم ~~يخمسوا سلبا، واتباع ذلك أولى. قال الجوزجاني لا أظنه يجوز لأحد في شيء ~~سبق فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم شيء إلا اتباعه. ولا حجة في قول ~~أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن قدامة في المغني، والأدلة ~~التي ذكرنا يخصص بها عموم قوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم ~~} الأنفال 41 الآية. واختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله، ولم يقم ~~على ذلك بينة، فقال الأوزاعي يعطاه بمجرد دعواه، وجمهور العلماء على أنه ~~لا بد من بينة على أنه قتله، قال مقيده - عفا الله عنه - لا ينبغي أن ~~يختلف في اشتراط البينة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # " من قتل قتيلا له عليه بينة " # الحديث، فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة، فإن قيل فأين البينة ~~التي أعطى بها النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سلب قتيله السابق ~~ذكره. فالجواب من وجهين الأول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال سمعت ~~شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول إنما أعطاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأسود بن خزاعي. # وعبد الله بن أنيس، وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال، ويطرد الحكم ~~اه. الثاني أنه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " صدق، سلب ذلك القتيل عندي " ، الحديث، فإن قوله " صدق " ~~شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله. والاكتفاء بواحد في باب الخبر، ~~والأمور التي لم يقع فيها ترافع قال به كثير من العلماء، وعقده ابن عاصم ~~المالكي في تحفته بقوله # وواحد يجزئ في باب الخبر واثنان أولى عند كل ذي نظر # وقال القرطبي في تفسيره إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد، وقيل ~~يثبت ذلك بشاهد ويمين، والله أعلم. وأما على قول من قال إن السلب موكول ~~إلى نظر الإمام، فللإمام أن يعطيه إياه، ولو لم تقم بينة، وإن اشترطها ~~فذلك له، قاله ms0666 القرطبي، والظاهر عندي أنه لا بد من بينة لورود النص ~~الصحيح بذلك. واختلف العلماء في السلب ما هو؟ قال مقيده عفا الله عنه. ~~لهذه المسألة طرفان، وواسطة. طرف أجمع العلماء على أنه من السلب وهو ~~سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه. وطرف أجمع العلماء على أنه ~~ليس من السلب وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير. أو جواهر، أو ~~نحو ذلك. وواسطة اختلف العلماء فيها منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ~~ففيه للعلماء قولان وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنه منه، ومنها ~~ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي ذلك كله من السلب، وقالت فرقة ليس منه، ~~وهذا مروي عن سحنون إلا المنطقة، فإنها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في ~~الواضحة، والسواران من السلب، والله أعلم. واعلم أن حديث عبد الله بن ~~عمر المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد. وفيهم ~~ابن عمر، وأن سهماتهم بلغت اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا، دليل ~~واضح على بطلان قول من قال " لا تنفيل إلا من خمس الخمس " لأن الحديث ~~صريح في أنه نفلهم نصف السدس. ولا شك أن نصف السدس أكثر من خمس الخمس، ~~فكيف يصح تنفيل الأكثر من الأقل، وهو واضح كما ترى، وأما غير ذلك من ~~الأقوال، فالحديث محتمل له. والذي يسبق إلى الذهن، أن ما ثبت في صحيح ~~مسلم من حديث ابن عمر بلفظ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ~~ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ~~ذلك واجب كله اه. يدل على أن ذلك التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس، ~~وهو ما دل عليه حديث حبيب بن سلمة المتقدم، وهو الظاهر المتبادر خلافا ~~لما قاله ابن حجر في الفتح من أنه محتمل لكل الأقوال المذكورة، والله ~~تعالى أعلم. # المسالة السادسة الحق الذي لا شك فيه أن الفارس يعطى من الغنيمة ثلاثة ~~أسهم سهمان لفرسه، وسهم لنفسه، وأن الراجل ms0667 يعطى سهما واحدا، والنصوص ~~الصحيحة مصرحة بذلك، فمن ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه، ولفظ البخاري عن ~~نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~للفرس سهمين، ولصاحبه سهما ". ولفظ مسلم، حدثنا نافع عن عبد الله بن ~~عمر، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل ~~سهما " # اه. وأكثر الروايات بلفظ " وللرجل " ، فرواية الشيخين صريحة فيما ~~ذكرنا، وبذلك فسره راويه نافع، قال البخاري في صحيحه في غزوة خيبر قال ~~فسره نافع، فقال إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس ~~فله سهم اه. وذلك هو معناه الذي لا يحتمل غيره في رواية الصحيحين ~~المذكورة. ومنها ما رواه أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو ~~معاوية، حدثنا عبيد الله. عن نافع، عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما ~~له، وسهمين لفرسه ". # حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معادية، ثنا عبد الله بن يزيد، حدثني ~~المسعودي، حدثني # " أبو عمرة عن أبيه، قال " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة ~~نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل واحد منا سهما، وأعطى للفرس سهمين ". # وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول ابن عباس، ~~ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي والثوري. ~~والليث، وحسين بن ثابت، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن جرير، ~~وأبي ثور. وخالف أبو حنيفة - رحمه الله - الجمهور فقال للفارس سهمان، ~~وللراجل سهم. محتجا بما جاء في بعض الروايات # " أنه صلى الله عليه وسلم، قسم يوم خيبر للفارس سهمين، وللراجل سهما " # رواه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه، وكان أحد ~~القراء الذين قرأوا القرآن، ويجاب عنه من وجهين الأول أن المراد بسهمي ~~الفارس خصوص السهمين الذين استحقهما بفرسه، كما يشعر به لفظ الفارس. ~~الثاني أن النصوص المتقدمة أصح منه، وأولى بالتقديم، وقد قال أبو داود ms0668 ~~حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال ~~ثلاثمائة فارس، وكانوا مائتي فارس اه. وقال النووي في شرح مسلم لم يقل ~~يقول أبي حنيفة هذا أحد، إلا ما روي عن علي، وأبي موسى اه. # وإن كان عند بعض الغزاة خيل فلا يسهم إلا لفرس واحد، وهذا مذهب الجمهور ~~منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والحسن، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. ~~واحتجوا بأنه لا يمكنه أن يقاتل إلا على فرس واحد، وقال الأوزاعي ~~والثوري، والليث، وأبو يوسف يسهم لفرسين دون ما زاد عليهما، وهو مذهب ~~الإمام أحمد، ويروى عن الحسن. ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره ~~من المالكيين. واحتج أهل هذا القول بما روي عن الأوزاعي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل ~~فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس " # وبما روي عن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن ~~الجراح، أن أسهم للفرس من سهمين، وللفرسين أربعة أسم ولصاحبها سهم، فذلك ~~خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهي جنائب، رواهما سعيد بن منصور، قاله ~~ابن قدامة في المغني. واحتجوا أيضا بأنه محتاج إلى الفرس الثاني، لأن ~~إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه فيسهم للثاني، لأنه محتاج إليه ~~كالأول، بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من ~~فرسين، إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى، قاله النووي في شرح مسلم، ~~وغيره. واختلف العلماء في البراذين والهجن على أربعة أقوال الأول أنها ~~يسهم لها كسهم الخيل العراب، وممن قال به مالك، والشافعي، وعمر بن ~~عبدالعزيز، والثوري، ونسبه الزرقاني في شرح الموطأ للجمهور، واختاره ~~الخلال، وقال رواه ثلاثة متيقظون عن أحمد، وحجة هذا القول ما ذكره مالك ~~في موطأه، قال لا أرى البراذين وا لهجن، إلا من الخيل، لأن الله ~~تبارك وتعالى قال في كتابه # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # النحل8. وقال عز وجل # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ms0669 ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم # الأنفال60، فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها ~~الوالي. وقد قال سعيد بن المسيب، وسئل عن البراذين، هل فيها من صدقة؟ قال ~~وهل في الخيل من صدقة؟اه. وحاصل هذا الاستدلال أن اسم الخيل في الآيتين ~~المذكورتين يشمل البراذين والهجن فهما داخلان في عمومه، لأنهما ليسا من ~~البغال ولا الحمير بل من الخيل. القول الثاني أنه يسهم للبرذون والهجين ~~سهم واحد قدر نصف سهم الفرس، واحتج أهل هذا القول بما رواه الشافعي في ~~الأم وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر الوادعي، قال أغارت الخيل ~~فأدركت العراب، وتأخرت البراذين، فقام ابن المنذر الوادعي، فقال لا أجعل ~~ما أدرك كما لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به ~~أمضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب، وفي ذلك ~~يقول الشاعرهم # ومنا الذي قد سن في الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها # وهذا منقطع كما ترى واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود في المراسيل، وسعيد ~~بن منصور عن مكحول # " أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العراب فجعل ~~للعربي سهمين، وللهجين سهما " # وهو منقطع أيضا كما ترى، وبه أخذ الإمام أحمد في أشهر الروايات عنه. ~~واحتجوا أيضا بأن أثر الخيل العراب في الحرب أفضل من أثر البراذين وذلك ~~يقتضي تفضيلها عليها في السهام. القول الثالث التفصيل بين ما يدرك من ~~البراذين إدراك العراب، فيسهم له كسهامها، وبين ما لا يدرك إدراكها فلا ~~يسهم له، وبه قال ابن أبي شيبة، وابن أبي خيثمة، وأبو أيوب. والجوزجاني. ~~ووجهه أنها من الخيل. وقد عملت عملها فوجب جعلها منها. القول الرابع لا ~~يسهم لها مطلقا. وهو قول مالك بن عبدالله الخثعمي ووجهه أنها حيوان لا ~~يعمل عمل الخيل فأشبه البغال. قال ابن قدامة من المغني ويحتمل أن تكون ~~هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها، لما روى الجوزجاني بإسناده عن ~~أبي موسى، أنه كتب إلى عمر ms0670 بن الخطاب إنا وجدنا بالعراق خيلا عراضا ~~دكنا، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها، فكتب إليه تلك البراذين فما ~~قارب العتاق منها، فاجعل له سهما واحدا، وألغ ما سوى ذلك. اه. ~~والبراذين جمع برذون، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة، والمراد ~~الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على ~~السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية. والهجين هو ما أحد ~~أبويه عربي، وقيل هو الذي أبوه عربي. وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف، ~~وعن أحمد الهجين البرذون. ويحتمل أنه أراد في الحكم. ومن إطلاق الإقراف ~~على كون الأم عربية قول هند بنت النعمان بن بشير # وما هند مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهرا كريما ~~فالبحرى وإن يك اقراف فما أنجب الفحل # وقول جرير # إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب # واختلف العلماء فيمن غزا على بعير، هل يسهم لبعيره؟ فذهب أكثر العلماء ~~إلى أنه لا يسهم للإبل. قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم ~~أن من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، ~~والشافعي، وأصحاب الرأي واختاره أبو الخطاب من الحنابلة. قال ابن قدامة ~~في المغني وهذا هو الصحيح إنشاء الله تعالى. لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم " بدر ~~" سبعون بعيرا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل. # هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، ~~وكذلك من بعد النبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة ~~غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير ~~لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له كالبغل ~~والحمار، اه. وقال الإمام أحمد من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره ~~قسم له ولبعيره سهمان، وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان ms0671 الغزو على ~~فرس، وعن أحمد أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكي ~~نحو هذا عن الحسن، قاله ابن قدامة في المغني. واحتج أهل هذا القول بقوله ~~تعالى # فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب # الحشر6 قالوا فذكر الركاب - وهي الإبل - مع الخيل، وبأنه حيوان تجوز ~~المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس، لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هي في ~~ثلاثة أشياء، هي النصل، والخف، والحافر. دون غيرها، لأنها آلات الجهاد، ~~فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها. تحريضا على رياضتها، وتعلم الإتقان ~~فيها. قال مقيدة - عفا الله عنه - الذي يظهر لي - والله أعلم - أنه لا ~~يسهم للإبل لما قدمنا آنفا، وأما غير الخيل والإبل. من البغال والحمير ~~والفيلة ونحوها، فلا يسهم لشيء منه، وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل. ~~قال ابن قدامة ولا خلاف في ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقسم لشيء من ~~ذلك، ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر. ~~المسألة السابعة اختلف العلماء في حرق رحل الغال من الغنيمة، والمراد ~~بالغال من يكتم شيئا من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام ولا يضعه مع ~~الغنيمة. قال بعض العلماء يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو ~~مذهب الإمام أحمد. وبه قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، ~~والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتى سعيد بن عبدالملك بغال ~~فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبدالعزيز حاضر ذلك فلم يعبه. وقال يزيد بن ~~يزيد بن جابر السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواهما سعيد في سنته، قاله ~~ابن قدامة في المغنى. ومن حجج أهل هذا القول ما رواه أبو داود في سننه، ~~عن صالح بن محمد بن زائدة قال أبو داود وصالح # " هذا أبو واقد قال دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل، فسأل ~~سالما عنه فقال سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا ms0672 متاعه واضربوه ". قال ~~فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه، فقال بعه وتصدق بثمنه ". # اه بلفظه من أبي داود. وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضا الأثرم، وسعيد، ~~وقال أبو داود أيضا حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال أخبرنا ~~أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن ~~عبدالله بن عمر، وعمر بن عبدالعزيز فغل رجل متاعا، فأمر الوليد بمتاعه ~~فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه، قال أبو داود وهذا أصح الحديثين رواه غير ~~واحد، أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد، وكان قد غل، وضربه. حدثنا ~~محمد بن عوف، قال ثنا موسى بن أيوب، قال ثنا الوليد بن مسلم، قال ثنا ~~زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال ~~وضربوه ". # قال أبو داود وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه - ومنعوه ~~سهمه، قال أبو داود وحدثنا به الوليد بن عتبة، وعبدالوهاب بن نجدة، قالا ~~ثنا الوليد عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، قوله ولم يذكر عبدالوهاب ~~بن نجدة الحوطي منع سمهمه، اه من أبي داود بلفظه، وحديث صالح بن محمد ~~الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الترمذي، والحاكم، والبيهقي. قال ~~الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال سألت محمدا عن هذا ~~الحديث، فقال إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، الذي يقال له أبو واقد ~~الليثي، وهو منكر الحديث. قال المنذري وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه ~~غير واحد من الأئمة. وقد قيل إنه تفرد به، وقال البخاري عامة أصحابنا ~~يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني أنكروا هذا ~~الحديث على صالح بن محمد، قال وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمحفوظ أن سالما أمر بذلك، ~~وصحح أبو داود وقفه، فرواه ms0673 موقوفا من وجه آخر، وقال هذا أصح كما قدمنا، ~~وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الحاكم ~~والبيهقي، وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني. ~~وقد قال فيه ابن حجر في التقريب رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف ~~بسببها، وقال البخاري عن أحمد كان زهير الذي يروى عنه الشاميون آخر، وقال ~~أبو حاتم حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه.اه. وقال البيهقي ويقال إنه غير ~~الخراساني، وأنه مجهول. اه. وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود، أنه رواه ~~من وجه آخر موقوفا على عمرو بن شعيب! وقال ابن حجر إن وقفه هو الراجح. # وذهب الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه لا يحرق رحله، ~~واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل غال، بما رواه الإمام أحمد، ~~وأبو داود، عن عبدالله بن عمرو، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى ~~في الناس، فيجيؤون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من ~~شعر، فقال يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال " أسمعت ~~بلالا ينادي ثلاثا " ، قال نعم، قال " فما منعك أن تجيء به "؟ فاعتذر ~~إليه، فقال كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك " # هذا لفظ أبي داود، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه ~~الحاكم وصححه. وقال البخاري قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق ~~متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر ~~العلماء. قال مقيدة - عفا الله عنه - الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة ~~هو ما اختاره ابن القيم، قال في زاد المعاد بعد أن ذكر الخلاف المذكور في ~~المسألة والصواب أنه هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى ~~اجتهاد الأئمة، فإنه حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده، ونظير هذا قتل شارب ~~الخمر في الثالثة أو الرابعة، فليس بحد. ولا منسوخ. وإنما هو تعزير يتعلق ~~باجتهاد ms0674 الإمام. اه. وإنما قلنا إن هذا القول أرجح عندنا. لأن الجمع ~~واجب إذا أمكن، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة، كما علم في الأصول، ~~والعلم عند الله تعالى. أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل ~~القسم، أو وطىء جارية منها قبل القسم، فقال مالك وجل أصحابه يحد حد الزنى ~~والسرقة في ذلك، لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة. بل بالقسم. وذهب ~~الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة لأن ~~استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد. وبعض من قال بهذا يقول إن ولدت ~~فالولد حر يلحق نسبه به، وهو قول أحمد. والشافعي، خلافا لأبي حنيفة. ~~وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى، فقال لا يحد للزنى، ويقطع إن سرق ~~أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم. وبهذا قال عبدالملك من المالكية، كما نقله ~~عنه ابن المواز. واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم ~~الغنيمة، هل يورث عنه نصيبه؟ فقال مالك في أشهر الأقوال والشافعي إن حضر ~~القتال ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة، وإن لم يحضر القتال فلا ~~سهم له. وقال أبو حنيفة إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة. ~~أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له. # لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك. وقال الأوزاعي إن مات بعد ~~ما يدرب قاصدا في سبيل الله - قبل أو بعد - أسهم له، وقال الإمام أحمد ~~إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له، لأنه مات قبل ثبوت ملك لمسلمين ~~عليها، وسواء مات حال القتال أو قبله، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه ~~لورثته. قال مقيدة - عفا الله عنه - وهذا أظهر الأقوال عندي، والله تعالى ~~أعلم. ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك - رحمه الله - في هذه المسألة مشكل، ~~لأن حكمه بحد الزاني والسارق يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة ~~قبل القسم، حكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال. يدل ~~على تقرر الملك بمجرد حضور ms0675 القتال، وهو كما ترى، والعلم عند الله تعالى. ~~المسألة الثامنة أصح الأقوال دليلا أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين ~~لا قدرة لهم على القتال، وما جرى مجراهم، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة ~~باجتهاد الإمام، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه. عن ابن عباس، لما سأله ~~نجدة عن خمس خلال. منها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو ~~بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فكتب إليه ابن عباس كتبت تسألني هل كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء، وقد كان يغزو بهن، فيداوين ~~الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. الحديث. وهو صحيح ~~فيما ذكرنا، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ ~~المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله " يحذين من الغنيمة ". قال ~~النووي قوله " يحذين " هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة، وفتح الذال ~~المعجمة، أي يعطين تلك العطية، وتسمى الرضخ، وفي هذا أن المرأة تستحق ~~الرضخ، ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري، والليث، ~~والشافعي، وجماهير العلماء. وقال الأوزاعي تستحق السهم إن كانت تقاتل، أو ~~تداوي الجرحى، وقال مالك لا رضخ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث ~~الصحيح الصريح اه. المسألة التاسعة اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير، لا من المغانم. ودليل ذلك # " حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه، عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، قال دخلت على عمر، فأتاه حاجبه يرفأ، فقال هل لك في عثمان، ~~وعبدالرحمن، والزبير، وسعد؟ قال نعم، فأذن لهم، ثم قال هل لك في علي، ~~وعباس؟ قال نعم، قال عباس يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا، قال ~~أنشدكم بالله، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال " لا نورث، ما تركنا صدقة " يريد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نفسه؟ فقال الرهط، قد قال ذلك، فأقبل على علي، وعباس، ~~فقال هل تعلمان ms0676 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا قد قال ~~ذلك، قال عمر فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال عز وجل { ومآ ~~أفآء الله على رسوله } الحشر6 إلى قوله { قدير } الحشر6 ~~فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا ~~استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ~~ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حياته. أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا نعم، ثم قال لعلي، وعباس ~~أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا نعم، قال عمر فتوفى الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، فقال أبو بكر أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا ~~بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضتها سنتين أعمل فيها ~~ما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، ثم جئتماني، ~~وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني ~~هذا يسألني نصيب أمراته من أبيها، فقلت إن شئتما دفعتها إليكما بذلك ~~فتلتمسان مني قضاء غير ذلك فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي ~~فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاه إلى " # اه. هذا لفظ البخاري في الصحيح في بعض رواياته، ومحل الشاهد من الحديث ~~تصريح عمر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله نفقة سنته من فيء ~~بني النضير، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك، وهذا الحديث مخرج في ~~الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى. وهو نص في أن ~~نفقة أهله صلى الله عليه وسلم كانت في الفيء، لا من الغنيمة. ويدل له ~~أيضا ms0677 الحديث المتقدم # " مالي ما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم " # فإن قيل ما وجه الجمع بين ما ذكرتم، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق ~~أسامة بن زيد عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال # " كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا " بنو النضير، وخيبر، ~~وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء ~~السبيل. وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء ~~جزئين بين المسلمين، وجزءا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين ~~الفقراء والمهاجرين ". # فالجواب - والله تعالى أعلم - أنه لا تعارض بين الروايتين، لأن " فدك " ~~ونصيبه صلى الله عليه وسلم من " خيبر " كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة ~~الواضحة، وكذلك " النضير " ، فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه، فحكم الكل ~~واحد. وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت # " وكانت فاطمة رضي الله عنها تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، ~~وقال لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا ~~عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ". # فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر، وفدك ~~فأمسكهما عمر، وقال هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه ~~التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال فهما على ذلك إلى ~~اليوم. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في الفتح وقد ظهر بهذا ~~صدقة النبي صلى الله عليه وسلم تختص بما كان من بني النضير. وأما سهمه ~~من خيبر، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكر يقدم ~~نفقة نساء النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر، ~~وفدك، وما فضل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلما كان ~~عثمان تصرف في فدك بحسب ms0678 ما رآه، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم، ~~قال جمع عمر بن عبدالعزيز بني مروان، فقال # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم، ويزوج ~~أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان " # يعني في أيام عثمان. قال الخطابي إنما أقطع عثمان " فدك " لمروان، لأنه ~~تأول أن الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده، ~~فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته، ويشهد لصنيع أبي بكر ~~حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ # " ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي فهو صدقة ". # فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهمام، اه. واعلم أن ~~فيء " بني النضير " تدخل فيه أموال " مخيريق " رضي الله عنه، وكان ~~يهوديا من " بني قينقاع " مقيما في بني النضير، فلما خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى أحد، قال لليهود ألا تنصرون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم، فقالوا اليوم يوم السبت، ~~فقال لا سبت، وأخذ سيفه ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى ~~أثبتته الجراحة، فلما حضره الموت قال أموالي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~يضعها حيث شاء، وكان له سبع حوائط ببني النضير وهي " المثيب " ، " ~~والصائفة، " والدلال " ، " وحسنى " ، " وبرقة " ، " والأعواف " ، " ~~ومشربة أم إبراهيم ". # وفي رواية الزبير بن بكار " الميثر " بدل " الميثب " ، " والمعوان " عوض ~~" الأعواف " وزاد " مشربة أم إبراهيم " الذي يقال له " مهزوز ". وسميت " ~~مشربة أم إبراهيم " لأنها كانت تسكنها " مارية " قاله بعض أصحاب المغازي، ~~وعد الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي " مخيريق " المذكور من ~~شهداء أحد، حيث قال في سردهم # وذو الوصايا الجم للبشير وهو مخيريق بن النضير ### || [8.45] # أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء العدو، ~~وذكر الله كثيرا مشيرا إلى أن ذلك سبب للفلاح. والأمر بالشيء نهي عن ~~ضده، ms0679 أو مستلزم للنهي عن ضده، كما علم في الأصول، فتدل الآية الكريمة على ~~النهي عن عدم الثبات. أمام الكفار، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله # يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~زحفا فلا تولوهم الأدبار # الأنفال 15 إلى قوله # وبئس المصير # الأنفال 16، وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات. وهو ~~وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله ~~على كل حال. ولا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه ~~عند نزول الشدائد. قال عنترة في معلقته # ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي # وقال الآخر # ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقد نهلت فينا المثقفة السمر # تنبيه قال بعض العلماء كل " لعل " في القرآن فهي للتعليل إلا التي في ~~سورة الشعراء # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # الشعراء 129 فهي بمعنى " كأنكم تخلدون ". قال مقيده - عفا الله عنه- ~~لفظة " لعل " قد ترد في كلام العرب مرادا بها التعليل، ومنه قوله # فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا ~~الحرب كانت عهودكم كشبه سراب بالملا متألق # فقوله " لعلنا نكف " يعني " لأجل أن نكف " ، وكونها للتعليل لا ينافي " ~~معنى الترجي " ، ولأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته. ### || [8.46] # قوله تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ~~الآية. نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، ~~مبينا أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضا في مواضع أخر، ~~كقوله # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # آل عمران 103، ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية { وتذهب ~~ريحكم } أي قوتكم. وقال بعض العلماء نصركم. كما تقول العرب الريح ~~لفلان إذا كان غالبا، ومنه قوله # إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون # واسم " إن " ضمير الشان. وقال صاحب الكشاف الريح الدولة، شبهت في نفوذ ~~أمرها، وتمشيه بالريح في هبوبها، فقيل هبت رياح فلان، إذا دالت له ~~الدولة، ونفذ أمره، ومنه قوله # يا صاحبي ألا لا ms0680 حي بالوادي إلا عبيد قعود بني أذوادي أتنظران قليلا ~~ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادي ### || [8.48] # قوله تعالى { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال ~~لا غالب لكم اليوم من الناس } إلى قوله { إني ~~بريء منكم }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر ~~الكفار، وخدعهم، وقال لهم لا غالب لكم وأنا جار لكم. وذكر المفسرون أنه ~~تمثل لهم في صورة " سراقة بن مالك بن جعشم " سيد بني مدلج بن بكر بن ~~كنانة، وقال لهم ما ذكر الله عنه، وأنه مجيرهم من بني كنانة، وكانت بينهم ~~عداوة، { فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه } ، ~~عندما رأى الملائكة وقال لهم { إني بريء منكم إني أرى ~~ما لا ترون } ، فكان حاصل أمره أنه غرهم، وخدعهم حتى أوردهم ~~الهلاك، ثم تبرأ منهم. وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى ~~في آيات كثيرة، كقوله # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك # الحشر 16 الآية. وقوله # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # إبراهيم 22، إلى قوله # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # إبراهيم 22. وكقوله # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # النساء 120، وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه # سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا دلاهم ~~بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن ولاه غرار ### || [8.53] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا ~~بسبب ذنب ارتكبه. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له وما لهم من دونه من وال # الرعد 11، وقوله # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # الشورى 30، وقوله # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # النساء 79 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [8.64] # قال بعض العلماء إن قوله { ومن اتبعك } في محل رفع ms0681 بالعطف على ~~اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضا من اتبعك من المؤمنين. وممن قال ~~بهذا. والحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي، وقال بعض العلماء ~~هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله { حسبك } ~~وعليه، فالمعنى حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا ~~قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن ~~كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى ~~كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين لدلالة الاستقراء في القرآن على ~~أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى # ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ ~~إلى الله راغبون # التوبة 59، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل ~~الحسب مختصا به وقال # أليس الله بكاف عبده # الزمر 36؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # الطلاق 3، وقال تعالى # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو ~~الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين # الأنفال 62 ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد ~~له بنصره وبعباده. وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من ~~عباده حيث افردوه بالحسب، فقال تعالى # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل # آل عمران 173 وقال تعالى # فإن تولوا فقل حسبي الله # التوبة 129 الآية. إلى غير ذلك من الآيات، فإن قيل هذا الوجه الذي دل ~~عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ضعفه ~~غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك في الخلاصة # وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا # فالجواب من أربعة أوجه الأول أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز ~~العطف من غير إعادة الخافض، قال ms0682 ابن مالك في الخلاصة # وليس عندي لازما إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا # وقد قدمنا في " سورة النساء " في الكلام على قوله # وما يتلى عليكم في الكتاب # النساء 127 شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه، في قوله تعالى # واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام # النساء 1. الوجه الثاني أنه من العطف على المحل، لأن الكاف مخفوض في محل ~~نصب، إذ معنى { حسبك } يكفيك، قال في الخلاصة # وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن # الوجه الثالث نصبه بكونه مفعولا معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال ~~في الخلاصة # والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق # الوجه الرابع أن يكون { ومن } مبتدأ خبره محذوف، أي { ومن ~~اتبعك من المؤمنين } فحسبهم الله أيضا، فيكون من عطف ~~الجملة، والعلم عند الله تعالى. ### || [8.75] # قوله تعالى { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله إن الله بكل شيء عليم }. لم يعين تعالى ~~في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام. واختلف العلماء في هذه ~~الآية، هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا. فذهب جماعة من أهل ~~العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث. كما قدمنا نظيره في قوله # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # النساء 7. قالوا فلا إرث لأحد من أولي الأرحام غير من عينت لهم حقوقهم ~~في آيات المواريث. وممن قال بهذا زيد بن ثابت، ومالك، والشافعي، ~~والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير وغيرهم. وقالوا الباقي عن نصيب ~~الورثة المنصوص على إرثهم لبيت مال المسلمين، واستدلوا بقوله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " # رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، ~~والبيهقي، من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ورواه أيضا الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث ~~أبن أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسنه الترمذي ~~وابن حجر، ولا ms0683 يضعف بأن في إسناده إسماعيل بن عياش، لما قدمنا مرارا أن ~~روايته عن الشاميين قوية، وشيخه في حديث أبي أمامة هذا شرحبيل بن مسلم، ~~وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث. وقال فيه ابن حجر في التقريب ~~صدوق فيه لين، فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي صححه ~~الترمذي، من رواية عمرو بن خارجة، وحسنه الترمذي، وابن حجر من رواية أبي ~~أمامة # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه " # يدل بعمومه على أنه لم يبق في التركة حق لغير من عينت لهم أنصباؤهم في ~~آيات المواريث. وقد قال بعض أهل هذا القول المراد بذوي الأرحام العصبة ~~خاصة، قالوا ومنه قول العرب وصلتك رحم، يعنون قرابة الأب دون قرابة الأم، ~~ومنه قول قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق # فأطلقت الأرحم على قرابة بني أبيه، والأظهر على القول بعدم التوريث، أن ~~المراد بذوي الأرحام القرباء، الذين بينت حقوقهم بالنص مطلقا. واحتج ~~أيضا من قال لا يرث ذوو الأرحام بما روي عن عطاء بن يسار. أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة فأنزل ~~عليه " لا ميراث لهما " أخرجه أبو داود، في المراسيل والدارقطني، ~~والبيهقي، من ريق زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلا، وأخرجه النسائي في سننه، ~~وعبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، من مرسل زيد بن أسلم، ليس فيه ذكر عطاء، ~~ورد المخالف هذا بأنه مرسل. # وأجيب بأن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد. الاحتجاج بالمرسل، وبأنه ~~رواه البيهقي، والحاكم، والطبراني، موصولا من حديث أبي سعيد، وما ذكره ~~البيهقي من وصله من طريقين. إحداهما من رواية ضرار بن صرد أبي نعيم. ~~والثانية من رواية شريك بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد، مرفوعا. وقال ~~محشيه، صاحب الجوهر النقي في ضرار المذكور إنه متروك. وعزا ذلك للنسائي، ~~وعزا تكذيبه ليحيى بن معين. وقال في ابن أبي نمر فيه كلام يسير. وفي ms0684 ~~الحارث بن عبد أنه لا يعرفه، ولا ذكر له إلا عند الحاكم في المستدرك في ~~هذا الحديث. قال مقيده - عفا الله عنه - ما ذكره من أن ضرار بن صرد متروك ~~غير صحيح. لأنه صدوق له بعض أوهام لا توجب تركه. وقال فيه ابن حجر في ~~التقريب صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشنيع، وكان عارفا بالفرائض. وأما ~~ابن أبي نمر فهو من رجال البخاري، ومسلم. وأما إسناد الحاكم فقال فيه ~~الشوكاني، في نيل الأوطار إنه ضعيف وقال في إسناد الطبراني فيه محمد بن ~~الحارث المخزومي. قلت قال فيه ابن حجر في التقريب مقبول، وقال الشوكاني ~~أيضا، قالوا وصله - أيضا - الطبراني من حديث أبي هريرة. ويجاب بأنه ~~ضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي. قالوا وصله الحاكم أيضا من حديث ابن عمر، ~~وصححه. ويجاب بأن في إسناده عبد الله بن جعفر المدني، وهو ضعيف. قالوا ~~روى له الحاكم شاهدا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن الحارث بن ~~عبد، مرفوعا. ويجاب بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك. ~~قالوا أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن شريك. ويجاب بأنه مرسل. اه. قال ~~مقيده - عفا الله عنه - وهذه الطرق الموصولة والمرسلة يشد بعضها بعضا، ~~فيصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء، كالطريق ~~التي صححها الحاكم، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر المدني فيه أنه من رجال ~~مسلم، وأخرج له البخاري تعليقا، وقال فيه ابن حجر في التقريب ليس به ~~بأس. اه. واحتجوا أيضا بما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي، عن محمد بن ~~أبي بكر بن حزم، عن عبد الرحمن ابن حنظلة الزرقي أنه أخبره عن مولى لقريش ~~كان قديما يقال له ابن موسى، أنه قال كنت جالسا عند عمر بن الخطاب، ~~فلما صلى الظهر، قال " يا يرفأ " هلم ذلك الكتاب لكتاب كتبه في شأن ~~العمة، فنسأل عنها، ونستخبر عنها فأتاه به " يرفأ " فدعا بتور أو قدح فيه ~~ماء، فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال لو رضيك الله وارثة ms0685 أقرك، ~~لو رضيك الله أقرك. # وقال مالك في الموطأ عن محمد بن أبي بكر بن حزم أنه سمع أباه كثيرا ~~يقول كان عمر بن الخطاب يقول عجبا للعمة ترث ولا تورث، والجميع فيه ~~مقال، وقال جماعة من أهل العلم لا بيان للآية من القرآن، بل هي باقية على ~~عمومها، فأوجبوا الميراث لذوي الأرحام. وضابطهم أنهم الأقارب الذين لا ~~فرض لهم ولا تعصيب. وهم أحد عشر حيزا 1- أولاد البنات. 2- وأولاد ~~الأخوات. 3- وبنات الإخوة. 4- وأولاد الأخوة من الأم. 5- والعمات من جميع ~~الجهات. 6- والعم من الأم. 7- والأخوال. 8- والخالات. 9- وبنات الأعمام. ~~10- والجد أبو الأم. 11- وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من ~~الجد. فهؤلاء، ومن أدلى لهم يسمون ذوي الأرحام. وممن قال بتوريثهم. إذا ~~لم يوجد وارث بفرض أو تعصيب - إلا الزوج والزوجة - الإمام أحمد. ويروى ~~هذا القول، عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز، ~~وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة، وغيرهم. نقله ابن قدامة في ~~المغني، واحتجوا بعموم قوله تعالى { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض } الآية، وعموم قوله تعالى # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون # النساء 7 الآية، ومن السنة بحديث المقدام بن معد يكرب، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه قال # " من ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه. وأرث، ~~والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه " # أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم ~~وصححاه، وحسنه أبو زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، ونقل عن يحيى ~~بن معين، أنه كان يقول ليس فيه حديث قوي، قاله في نيل الأوطار. واحتجوا ~~أيضا بما رواه أبو أمامة بن سهل، أن رجلا رمى رجلا بسهم فقتله، وليس ~~له وارث إلا خال، فكتب في ذلك ابو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب إليه ~~عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الله ورسوله مولى من لا مولى ms0686 له، والخال وارث من لا وارث له " # رواه أحمد، و ابن ماجه، وروى الترمذي المرفوع منه، وقال حديث حسن. قال ~~الشوكاني - رحمه الله - وفي الباب عن عائشة عند الترمذي والنسائي، ~~والدارقطني، من رواية طاوس، عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الخال وارث من لا وارث له " # قال الترمذي حسن غريب، وأعله النسائي بالاضطراب، ورجح الدارقطني، ~~والبيهقي، وقفه. قال الترمذي وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عائشة. وقال ~~البزار أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، وأخرجه عبد الرزاق، عن ~~رجل من أهل المدينة، والعقيلي وابن عساكر، عن أبي الدرداء، وابن النجار، ~~عن أبي هريرة، كلها مرفوعة. # اه. قال الترمذي وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي ~~الأرحام، واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ~~ولورثتها من بعدها وفيه ابن لهيعة. قال مقيده - عفا الله عنه - أظهر ~~الأقوال دليلا عندي، أن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي ~~الأرحام، لثبوت ذلك فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديثين ~~المذكورين دون غيره، لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين ~~المذكورتين لا ينهض دليلا. لقوله صلى الله عليه وسلم # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه " # كما تقدم. فإذا علمت أقوال العلماء، وحججهم في إرث ذوي الأرحام وعدمه، ~~فاعلم أن القائلين بالتوريث اختلفوا في كيفيته، فذهب المعروفون منه بأهل ~~التنزيل، إلى تنزيل كل واحد منهم منزلة من يدلى به من الورثة، فيجعل له ~~نصيبه، فإن بعدوا نزلوا درجة درجة، إلى أن يصلوا من يدلون به، فيأخذون ~~ميراثه، فإن كان واحدا. أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة، قسم المال بين ~~من يدلون به، فما حصل لكل وارث جعل لمن يدلى به، فإن بقي من سهام المسألة ~~شيء، رد عليهم على قدر سهامهم. وهذا، هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول ~~علقمة، ومسروق، والشعبي، ms0687 والنخعي، وحماد، ونعيم، وشريك، وابن أبي ليلى، ~~والثوري، وغيرهم كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وقال أيضا قد روي ~~عن علي، وعبد الله - رضي الله عنهما - أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، ~~وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة منزلة الأب، ~~والخالة منزلة الأم، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - في العمة، ~~والخالة. وعن علي أيضا أنه نزل العمة منزلة العم، وروي ذلك عن علقمة، ~~ومسروق، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وعن الثوري وأبي عبيد أنهما نزلاها ~~منزلة الجد مع ولد الأخوة والأخوات، ونزلها آخرون منزلة الجدة. وإنما صار ~~هذا الخلاف في العمة لأنها أدلت بأربع جهات وارثات فالأب والعم أخواها، ~~والجد والجدة أبواها، ونزل قوم الخالة منزلة جدة لأن الجدة أمها، والصحيح ~~من ذلك تنزيل العمة أبا، والخالة أما. اه. من المغني. وذهبت جماعة ~~أخرى ممن قال بالتوريث - منهم أبو حنيفة، وأصحابه - إلى أنهم يورثون على ~~ترتيب العصبات، فقالوا يقدم أولاد الميت وإن سفلوا، ثم أولاد أبويه أو ~~أحدهما وإن سفلوا، ثم أولاد أبوي أبويه وإن سفلوا، وهكذا ابدا لا يرث ~~بنو أب أعلى وهناك بنو أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم. وعن أبي حنيفة أنه ~~جعل أبا الأم - وإن علا - أولى من ولد البنات، ويسمى مذهب هؤلاء مذهب أهل ~~القرابة. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-3] # قوله تعالى { برآءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم } إلى قوله تعالى { أربعة أشهر }. ظاهر هذه الآية ~~الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال ~~الأربعة المذكورة في قوله { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ~~} إلا عهد الكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء. والذي يبينه القرآن، ~~ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة ~~غير الموقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة اشهر، ~~فتكمل له اربعة أشهر. أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من ~~أبرعة اشهر، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم، ودليله المبين ms0688 له من القرآن. هو ~~قوله تعالى # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله ~~يحب المتقين # التوبة 4 وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، ~~وغير واحد، قاله ابن كثير ويؤيده حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، بعثه حين أنزلت " براءة " بأربع ألا يطوف بالبيت عريان. ~~ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ~~قوله تعالى { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } الآية. قال ~~بعض العلماء كان ابتداء التأجيل بالأشهر الأربعة المذكورة من شوال. وآخره ~~سلخ المحرم، وبه قال الزهري - رحمه الله تعالى - ولكن القرآن، يدل على أن ~~ابتداءها من يوم النحر. على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر، أو يوم عرفة ~~على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر، وذلك في قوله تعالى { وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } ~~الآية. وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر، وهو ~~يوم النحر، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني. قال ابن كثير - ~~في تفسير هذه الآية - وقال الزهري كان ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ ~~المحرم، وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر ~~لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ~~ولهذا قال تعالى { وأذان من الله ورسوله إلى الناس ~~يوم الحج الأكبر }. ### || [9.4] # قوله تعالى { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم ~~لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم }. يفهم من ~~مفهوم مخالفة هذه الآية أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم، ونظير ~~ذلك أيضا، قوله تعالى # فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم # التوبة 7 وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله # وإن نكثوا أيمانهم من بعد ms0689 عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان ~~لهم لعلهم ينتهون # التوبة 12. ### || [9.5] # قوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } الآية. اختلف ~~العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية. فقال ابن جرير إنها ~~المذكورة في قوله تعالى # منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم # التوبة 36 قاله أبو جعفر الباقر. ولكن قال ابن جرير آخر الأشهر الحرم في ~~حقهم المحرم، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وإليه ذهب ~~الضحاك. ولكن السياق يدل على أن المراد بها الأشهر الإمهال المذكورة في ~~قوله # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # التوبة 2. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية والذي يظهر من حيث السياق، ~~ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن ~~شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن ~~المراد بها، الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر # التوبة 2 ثم قال { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أي إذا ~~انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها، ~~فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، مع أن ~~الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى- اه. ### || [9.13] # قوله تعالى { وهموا بإخراج الرسول } الآية. ذكر تعالى في ~~هذه الآية الكريمة أن كفار مكة هموا بإخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة، ~~وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل، كقوله # يخرجون الرسول وإياكم # الممتحنة 1 الآية، وقوله # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # محمد 13 وقوله # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا # التوبة 40 الآية، وذكر في مواضع أخر محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، ~~كقوله # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # الأنفال 30، وقوله # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها # الإسراء 76 الآية. ### || [9.23] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر ms0690 ~~على الإيمان } الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن ~~موالاة الكفار، ولو كانوا قرباء، وصرح في موضع آخر بأن الاتصاف بوصف ~~الإيمان مانع من موادة الكفار ولو كانوا قرباء، وهو قوله # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم # المجادلة 22 الآية. ### || [9.25] # قوله تعالى { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين }. ذكر تعالى ما أصاب المسلمين ~~يوم حنين في هذه الآية الكريمة، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم # آل عمران 153، وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أحد بقوله # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد ~~عفا الله عنهم # آل عمران 155، وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله ~~غفور رحيم # التوبة 27 كما أشار بعض العلماء إليه. ### || [9.34] # قوله تعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله } الآية. أظهر الأقوال وأقربها للصواب ~~في معنى { يكنزون } في هذه الآية الكريمة، أن المراد بكنزهم الذهب ~~والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله، أنهم لا يؤدون زكاتهما. قال ابن ~~كثير في تفسير هذه الآية وأما الكنز؟ فقال مالك عن عبد الله بن دينار. ~~عن ابن عمر. هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وروى الثوري، وغيره، عن عبيد ~~الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع ~~أرضين، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس، ~~وجابر، وأبي هريرة، موقوفا ومرفوعا. وقال عمر بن الخطاب نحوه أيما مال ~~أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته ~~فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض اه. ms0691 وممن روى عنه هذا ~~القول عكرمة، و السدي، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال، لأن من أدى ~~الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه، لأن ~~الزكاة تطهره كما قال تعالى # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # التوبة 103 ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها. ومن ~~أصرح الأدلة في ذلك، حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي ~~بني سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن الله فرض عليه الزكاة، وقال هل على غيرها، فإن النبي قال له ~~لا، إلا أن تطوع وقوله تعالى # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # البقرة 219 وقد قدمنا في " البقرة " تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي ~~لا بد منها، وقوله " ليس فيما دون خمسة أوسق " الحديث، لأن صدقة نكرة في ~~سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة. وفي الآية أقوال أخر منها أنها منسوخة ~~بآيات الزكاة كقوله # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم # التوبة 103 الآية. وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضا. وبه ~~قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك. اه. وعن علي أنه قال أربعة آلاف ~~فما دونها نفقة وما كان أكثر من ذلك فهو كنز، ومذهب أبي ذر رضي الله عنه ~~في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئا فاضلا عن ~~نفقة عياله. اه ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به، وهو ~~كالضروري عند عامة المسلمين. فإن قيل ما الجواب عما رواه الإمام أحمد، عن ~~علي رضي الله عنه، قال # " مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " كيتان صلوا على صاحبكم " # اه. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة. صدى بن عجلان قال # " مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0692 " كية " ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " كيتان " # وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " تبا للذهب تبا للفضة " يقولها ثلاثا فشق ذلك على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا فأي مال نتخذ؟ فقال عمر رضي الله عنه أنا أعلم ~~لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أصحابك قد ~~شق عليهم وقالوا فأي المال نتخذ؟ فقال " لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا ~~وزوجة تعين أحدكم على دينه " # ونحو ذلك من الأحاديث. فالجواب - والله تعالى أعلم - أن هذا التغليظ كان ~~أولا ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما. ~~وقال ابن حجر في فتح الباري قال ابن عبد البر وردت عن أبي ذر آثار كثيرة ~~تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش. ~~فهو كنز يذم فاعله. وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وخالفه جمهور الصحابة ~~ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة، إلى أن قال فكان ذلك واجبا ~~في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال كان أبو ذر يسمع ~~الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم ~~يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر ~~الأول. اه. وقال بعض العلماء هي في خصوص أهل الكتاب، بدليل إقترانها مع ~~قوله { إن كثيرا من الأحبار والرهبان } التوبة 34 ~~الآية. فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي ~~الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة. وقد قدمنا ~~في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف ~~بالمقصود نتمم البيان من السنة، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به، ~~وآيات الزكاة كقوله # خذ من أموالهم صدقة # التوبة 103 الآية، ms0693 وقوله # وآتوا الزكاة # البقرة277 وقوله # أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم ~~من الأرض # البقرة 267 لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة، وقد قال ابن خويز منداد ~~المالكي، تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط، حرية، ~~وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. # اه وفي بعض هذه الشروط خلاف. مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة ~~المسألة الأولى في قدر نصاب الذهب والفضة، وفي القدر الواجب إخراجه ~~منهما. أما نصاب الفضة، فقد اجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي، ~~ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل، ~~والأوقية أربعون درهما شرعيا. وكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة ~~بقول المريسي، الذي خرق به الإجماع. وهو اعتبار العدد في الدراهم لا ~~الوزن، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية، زاعما أنه وجه في المذهب، ~~من أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرا لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس ~~مثلا لبلغ نصابا أن الزكاة تجب فيه، كما نقل عن أبي حنيفة، ولا بقول ~~ابن حبيب الأندلسي، إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، ولا بما ذكره ابن ~~عبد البر. من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم ~~البلاد، لأن النصوص الصحيحة الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن ~~نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفا في مكة. اه. وكل ~~سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم، فقد اخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " # ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه. وقد أجمع جميع ~~المسلمين، وجمهور أهل اللسان العربي، على أن الأوقية أربعون درهما، وما ~~ذكره أبو عبيد وغيره، من أن الدرهم كان مجهولا قدره حتى جاء عبد الملك ~~بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل لا يخفى سقوطه ~~وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولا في زمن النبي ms0694 ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم، حتى يحققه عبد ~~الملك. والظاهر أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب ~~الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلا وزن عشرة، ~~وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية ويصيرونها وزنا ~~واحدا. وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام، وقال بعض العلماء يغتفر ~~في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة. وظاهر ~~النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل، لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه ~~أنه دون خمس أواق، والنبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن ما دونها ليس فيه ~~صدقة. فإذا حققت النص والإجماع على ان نصاب الفضة مائتا درهم شرعي، وهي ~~وزن مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة، فاعلم أن القدر الواجب ~~إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين، وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " وفي الرقة ربع العشر " # والرقة الفضة. قال البخاري في صحيحه في باب " زكاة الغنم " حدثنا محمد ~~بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال حدثني أبي، قال حدثني ثمامة بن عبد ~~الله بن أنس. أن أنسا حدثه، أن ابا بكر رضي الله عنه، كتب له هذا الكتاب ~~لما وجهه إلى البحرين " بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة ~~الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر ~~الله بها رسوله " الحديث وفيه. وفي الرقة ربع العشر، وهو نص صريح صحيح ~~أجمع عليه جميع المسلمين. فتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ~~الزكاة في الفضة، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي، ولا خلاف ~~بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر. وجمهور العلماء على أنها لا وقص ~~فيها خلافا لأبي حنيفة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، ~~والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري، القائلين بأنه لا شيء في ~~الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم. وأما الذهب فجماهير ~~علماء المسلمين، على ms0695 أن نصابه عشرون دينارا والدينار هو المثقال، فلا ~~عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين، كما روي عن الحسن في أحد ~~قوليه أن نصاب الذهب أربعون دينارا، وكقول طاوس، أن نصاب الذهب معتبر ~~بالتقويم بالفضة، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة. وجماهير ~~علماء المسلمين أيضا، على أن الواجب فيه ربع العشر. والدليل على ما ~~ذكرنا عن جمهور علماء الأمة، أن نصاب الذهب عشرون دينارا، والواجب فيه ~~ربع العشر، ما أخرجه أبو داود، في سننه، حدثنا سليمان بن داود المهري، ~~أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر، عن ابي إسحاق، عن عاصم ~~بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال # " فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس ~~عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كان لك عشرون ~~دينارا وحال عليها الحول، ففيه انصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك " # قال فلا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، إلا أن جريرا ~~قال ابن وهب، يزيد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم # " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " # اه. فإن قيل هذا الحديث مضعف بالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، لأنهما ~~ضعيفان، وبأن الدارقطني، قال الصواب وقفه على علي، وبأن ابن المواق قال ~~إن فيه علة خفية وهي، أن جرير بن حازم، لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه ~~حفاظ أصحاب ابن وهب، سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم، عن ابن ~~وهب، عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، ~~فذكره، قال ابن المواق الحمل فيه على سليمان، شيخ أبي داود، فإنه وهم في ~~إسقاط رجل - اه. # وبأن الشافعي رحمه الله قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الورق ~~صدقة، وأخذ المسلمون بعده في ms0696 الذهب صدقة، إما بخبر عنه لم يبلغنا، وإما ~~قياسا، اه وهو صريح عن الشافعي بأنه يرى، أن الذهب لم يثبت فيه شيء في ~~علمه، وبأن ابن عبد البر، قال لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات. لكن روى الحسن بن عمارة، عن ~~أبي إسحاق، عن عاصم، والحارث، عن علي، فذكره، وكذا رواه أبو حنيفة ولو صح ~~عنه لم يكن فيه حجة لأن الحسن بن عمارة متروك. وبأن ابن الحزم قال لم ~~يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب، ولا في القدر الواجب ~~فيه شيء. وذكر أن الحديث المذكور، من رواية الحارث الأعور مرفوع، ~~والحارث، ضعيف لا يحتج به، وكذبه غير واحد، قال وأما رواية عاصم بن ضمرة. ~~فهي موقوفة على علي رضي الله عنه، قال وكذلك رواه شعبة، وسفيان، ومعمر عن ~~أبي إسحاق، عن عاصم، موقوفا وكذا كل ثقة رواه عن عاصم. فالجواب من أوجه ~~الأول أن بعض العلماء قال إن هذا الحديث ثابت، قال الترمذي وقد روى طرفا ~~من هذا الحديث وروى هذا الحديث الأعمش، وأبو عوانة، وغيرهما، عن أبي ~~إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير ~~واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي، وسألت محمدا - يعني البخاري - عن ~~هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح، اه. فترى الترمذي، نقل عن البخاري، ~~تصحيح هذا الحديث، وقال النووي في شرح المهذب وأما حديث عاصم عن علي رضي ~~الله عنه، فرواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، أو صحيح، عن علي، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، اه. وقال الشوكاني في نيل الأوطار وحديث علي هو من ~~حديث أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، وقد تقدم أن البخاري ~~قال كلاهما عنده صحيح، وقد حسنه الحافظ، اه محل الغرض من كلام الشوكاني. ~~الوجه الثاني أنه يعتضد بما رواه الدارقطني، من حديث محمد بن عبد الله بن ~~جحش، عن النبي صلى الله عليه ms0697 وسلم أنه أمر معاذا، حين بعثه إلى اليمن، ~~أن يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا. # الحديث ذكره ابن حجر، في التلخيص وسكت عليه. ومما رواه عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ولا في أقل من عشرين مثقالا من الذهب شيء " # قال النووي غريب، اه. الوجه الثالث المناقشة بحسب صناعة علم الحديث ~~والأصول فنقول سلمنا أن الحارث الأعور ضعيف كما تقدم في المائدة، وإن ~~وثقه ابن معين، فيبقى عاصم بن ضمرة، الذي روى معه الحديث، فإن حديثه حجة ~~وقد وثقه ابن المديني. وقال النسائي ليس به بأس. وقال فيه ابن حجر في ~~التقريب عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي صدوق وتعتضد روايته برواية الحارث، ~~وإن كان ضعيفا. وبما ذكرنا عن محمد بن عبد الله بن جحش، وعمرو بن شعيب. ~~فبهذا تعلم أن تضعيف الحديث بضعف سنده مردود. وقد قدمنا عن الترمذي، أن ~~البخاري قال كلاهما صحيح. وقد قدمنا أن النووي قال فيه حسن أو صحيح. ~~ونقل الشوكاني، عن ابن حجر أنه حسنه. أما ما أعله به ابن المواق، ~~من أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق. لأن بينهما الحسن بن عمارة ~~وهو متروك، فهو مردود. لأن الحديث ثابت من طرق متعددة صحيحة إلى أبي ~~إسحاق، وقد قدمنا أن الترمذي قال وذكر طرفا منه، هذا الحديث، رواه ~~الأعمش، وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ~~ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن ~~علي. اه. فترى أن أبا عوانة، والأعمش، والسفيانين، وغيرهم، كلهم رووه ~~عن أبي إسحاق. وبه تعلم بأن إعلال ابن المواق له بأن راويه عن أبي إسحاق ~~الحسن بن عمارة - وهو متروك - إعلال ساقط. لصحة الحديث إلى أبي إسحاق، ~~فإذا حققت رد تضعيفه بأن عاصما صدوق، ورد إعلال ابن المواق له، فاعلم أن ~~إعلال ابن حزم له بأن المرفوع رواية الحارث، وهو ضعيف وأن رواية عاصم بن ~~ضمرة، موقوفة على علي، ms0698 مردود من وجهين. الأول أن قدر نصاب الزكاة، وقدر ~~الواجب فيه، كلاهما أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه والاجتهاد، والموقوف إن ~~كان كذلك فله حكم الرفع، كما علم في علم الحديث والأصول. قال العلوي ~~الشنقيطي في طلعة الأنوار # وما أتى عن صاحب مما منع فيه مجال الرأي عندهم رفع # وقال العراقي في ألفيته # وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا حكمه الرفع على ما قال في المحصول ~~نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا # الثاني أن سند أبي داود الذي رواه به حسن، أو صحيح، كما قاله النووي، ~~وغيره، والرفع من زيادات العدول، وهي مقبولة، قال في راقي السعود # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ # الخ... الوجه الرابع اعتضاد الحديث المذكور بإجماع الحجة من علماء ~~المسلمين إلا من شذ عن السواد الأعظم على العمل بمقتضاه، وإجماع المسلمين ~~إذا وافق خبر آحاد، فبعض العلماء يقول يصير بمواقفة الإجماع له قطعيا ~~كالمتواتر. وأكثر الأصوليين يقولون لا يصير قطعيا بذلك. وفرق قوم، ~~فقالوا إن صرحوا بأن معتمدهم في إجماعهم هو ذلك الخبر. أفاد القطع، وإلا ~~فلا، وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله # ولا يفيد القطع ما يوافق الإجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث ~~عولا عليه........... الخ # وعلى كل حال، فلا يخفى أنه يعتضد بعمل المسلمين به. الخامس دلالة ~~الكتاب، والسنة والإجماع، على أن الزكاة واجبة في الذهب. أما الكتاب ~~فقوله تعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ~~التوبة 34 # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون # التوبة 35. وأما السنة فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، ~~ووجهه وظهره، كلما بردت ms0699 أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى ~~يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار " # ، الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في وجوب الحق في الذهب، ~~كالفضة، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء، وإذن يكون الحديث المذكور بيانا ~~لشيء ثابت قطعا، وقد تقرر في الأصول أن البيان يجوز بما هو دون المبين ~~دلالة وسندا، كما أوضحناه في ترجمة هذا الكتاب. فتحصل أن نصاب الذهب ~~عشرون مثقالا، وما زاد فبحسابه، وأن الواجب فيه ربع العشر، كالفضة، وأن ~~الذهب والفضة ليس فيهما وقص، بل كل ما زاد على النصاب فبحسابه، خلافا ~~لمن شذ فخالف في بعض ذلك، والعلم عند الله تعالى. تنبيه يجب اعتبار ~~الوزن في نصاب الفضة والذهب بالوزن الذي كان معروفا عند أهل مكة، كما ~~يجب اعتبار الكيل في خمسة الأوسق التي هي نصاب الحبوب والثمار بالكيل ~~الذي كان معروفا عند أهل المدينة. قال النسائي في سننه في " كتاب ~~الزكاة " أخبرنا أحمد بن سليمان، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، ~~عن حنظلة، عن طاوس عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة ". # وقال أبو داود في سننه في " كتاب البيوع " حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا ~~ابن دكين عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة " # ، وقال النووي في شرح المهذب وأما حديث " الميزان ميزان أهل مكة " إلى ~~آخره فرواه أبو داود، والنسائي باسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم من ~~رواية ابن عمر، رضي الله عنهما. وقال أبو داود روي من رواية ابن عباس، ~~رضي الله عنهما. اه. قال الخطابي معنى هذا الحديث أن الوزن الذي يتعلق ~~به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دار الإسلام، قال ابن حزم وبحثت عنه غاية ~~البحث من كل من وثقت بتمييزه وكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة ms0700 وزنه ~~اثنتان وثمانون حبة، وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق، والدرهم سبعة ~~أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع، وخمسون، وستة أعشار حبة، وعشر عشر حبة، ~~فالرطل مائة، وواحد، وثمانية، وعشرون درهما بالدرهم المذكور. اه. وفي ~~القاموس في مادة " م ك ك " والمثقال درهم، وثلاثة أسباع، والدرهم ستة ~~دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن ~~درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من الدرهم. اه. وقد قدمنا ~~الكلام على قدر خمسة الأوسق في سورة " الأنعام ". المسألة الثانية هل ~~يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في الزكاة أو لا؟ لم أر في ذلك نصا ~~صريحا عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء مختلفون فيه، وقد توقف ~~الإمام أحمد رحمه الله عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم، وجماعة، ~~وقطع في رواية حنبل بأنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابا. ~~وممن قال بأن الذهب والفضة لا يضم بعضهما إلى بعض الشافعي، وأبو ثور، ~~وأبو عبيد وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك. قال ابن قدامة في ~~المغني واختاره أبو بكر عبد العزيز. وممن قال إن الذهب والفضة يضم ~~بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب ومالك. والأوزاعي، والحسن وقتادة، ~~والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. قال مقيده - عفا الله عنه- والذي يظهر لي ~~رجحانه بالدليل من القولين أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الأخر لما ~~ثبت في بعض الروايات الصحيحة كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة " # الحديث. فلو كان عنده أربع أواق من الورق الذي هو الفضة، وما يكمل ~~النصاب من الذهب فإنه يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ليس عنده خمس أواق ~~من الورق. # وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه لا صدقة ~~في أقل من خمس أواق من الورق. وظاهر نص الحديث على اسم الورق يدل على أنه ~~لا زكاة في أقل من خمس أواق من الفضة. ms0701 ولو كان عنده ذهب كثير. ولا دليل ~~من النصوص يصرف عن هذا الظاهر. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة ~~اختلف العلماء في زكاة الحلي المباح. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا ~~زكاة فيه. وممن قال به مالك، والشافعي وأحمد في أصح قوليهما، وبه قال عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وأسماء ~~بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن علي، والقاسم بن محمد، ~~وابن سيرين، والزهري، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر. وممن ~~قال بأن الحلي المباح تجب فيه الزكاة أبو حنيفة رحمه الله، وروي عن عمر ~~بن الخطاب، وابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وميمون بن مهران، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري، وداود، ~~وحكاه ابن المنذر أيضا عن ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء ومجاهد، وابن ~~سيرين، وعبد الله بن شداد، والزهري. وسنذكر إن شاء الله تعالى حجج ~~الفريقين، ومناقشة أدلتهما على الطرق المعروفة في الأصول، وعلم الحديث. ~~ليتبين للناظر الراجح من الخلاف. اعلم أن من قال بأن الحلي المباح لا ~~زكاة فيه تنحصر حجته في اربعة أمور الأول حديث جاء بذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. الثاني آثار صحيحة عن بعض الصحابة يعتضد بها الحديث ~~المذكور. الثالث القياس. الرابع وضع اللغة. أما الحديث فهو ما رواه ~~البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي ~~الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا زكاة في الحلي ". # قال البيهقي وهذا الحديث لا أصل له، إنما روي، عن جابر من قوله غير ~~مرفوع، والذي يروى عن عافية ابن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ~~مرفوعا لا أصل له، وعافية بن أيوب مجهول فمن احتج به مرفوعا كان ~~مغرورا بدينه، داخلا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج ms0702 برواية ~~الكذابين، والله يعصمنا من أمثال هذا. قال مقيده - عفا الله عنه - ما ~~قاله الحافظ البيهقي، رحمه الله تعالى من أن الحكم برواية عافية المذكور ~~لهذا الحديث مرفوعا من جنس الاحتجاج برواية الكذابين فيه نظر. # لأن عافية المذكور لم يقل فيه أحد إنه كذاب، وغاية ما في الباب أن ~~البيهقي ظن أنه مجهول، لأنه لم يطلع على كونه ثقة، وقد اطلع غيره على أنه ~~ثقة فوثقه، فقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه، عن أبي زرعة. قال ابن حجر في ~~التخليص عافية بن أيوب قيل ضعيف، وقال ابن الجوزي ما نعلم فيه جرحا، ~~وقال البيهقي، مجهول، ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة. ولا يخفى أن ~~من قال إنه مجهول يقدم عليه من قال إنه ثقة لأنه اطلع على ما لم يطلع ~~عليه مدعي أنه مجهول، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والتجريح لا يقبل مع ~~الإجمال. فعافية هذا وثقه أبو زرعة، والتعديل والتجريح يكفي فيهما واحد ~~على الصحيح في الرواية دون الشهادة. قال العراقي في ألفيته # وصححوا اكتفاءهم بالواحد جرحا، وتعديلا خلاف الشاهد # والتعديل يقبل مجملا بخلاف الجرح للاختلاف في أسبابه. قال العراقي في ~~ألفيته # وصححوا قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له أن تنقلا ولم يروا قبول جرح ~~أبهما للخلف في أسبابه وربما استفسر الجرح فلم يقدح كما فسره شعبة ~~بالركض فما هذا الذي عليه حفاظ الأثر كشيخي الصحيح مع أهل النظر # الخ... وهذا هو الصحيح فلا شك أن قول البيهقي في عافية إنه مجهول أولى ~~منه بالتقديم قول أبي زرعة. إنه ثقة. لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ~~وإذا ثبت الاستدلال بالحديث المذكور، فهو نص في محل النزاع. ويؤيد ما ~~ذكر من توثيق عافية المذكور أن ابن الجوزي مع سعة اطلاعه، وشدة بحثه عن ~~الرجال. قال إنه لا يعلم فيه جرحا. وأما الآثار الدالة على ذلك فمنها ~~ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه " أن ~~عائشة زوج النبي صلى ms0703 الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في ~~حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة " ، وهذا الإسناد عن عائشة في ~~غاية الصحة، كما ترى. ومنها ما رواه مالك في الموطأ أيضا، عن نافع، عن ~~عبد الله بن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من ~~حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما في غاية الصحة كما ~~ترى. وما قاله بعض أهل العلم من أن المانع من الزكاة في الأول أنه مال ~~يتيمة، وأنه لا تجب الزكاة على الصبي، كما لا تجب عليه الصلاة. مردود بأن ~~عائشة ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى، فالمانع من إخراجها الزكاة. ~~كونه حليا مباحا على التحقيق. لا كونه مال يتيمة، وكذلك دعوى أن المانع ~~لابن عمر من زكاة الحلي أنه لجوار مملوكات. # وأن المملوك لا زكاة عليه مردود أيضا بأنه كان لا يزكي حلي بناته مع ~~أنه كان يزوج البنت له على ألف دينار يحليها منها بأربعمائة، ولا يزكي ~~ذلك الحلي، وتركه لزكاته لكونه حليا مباحا على التحقيق. ومن الآثار ~~الواردة في ذلك ما رواه الشافعي، أنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمعت رجلا ~~يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي فقال " زكاته عاريته " ذكره البيهقي في ~~السنن الكبرى، وابن حجر في التخليص وزاد البيهقي فقال وإن كان يبلغ ألف ~~دينار فقال جابر كثير. ومنها ما رواه البيهقي عن علي بن سليم قال سألت ~~أنس بن مالك عن الحلي، فقال ليس فيه زكاة. ومنها ما رواه البيهقي، عن ~~أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلى بناتها الذهب ولا تزكيه نحوا من خمسين ~~ألفا. وأما القياس فمن وجهين الأول أن الحلي لما كان لمجرد الاستعمال ~~لا للتجارة والتنمية. الحق بغيره من الأحجار النفيسة كاللؤلؤ والمرجان، ~~بجامع أن كلا معد للاستعمال لا للتنمية. وقد أشار إلى هذا الإلحاق مالك ~~- رحمه الله - في الموطأ بقوله فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد ~~أهله إصلاحه ولبسه، فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون ms0704 عند أهله، فليس على ~~أهله فيه زكاة، قال مالك ليس في اللؤلؤ. ولا في المسك والعنبر زكاة. ~~الثاني من وجهي القياس هو النوع المعروف بقياس العكس، وأشار له في مراقي ~~السعود بقوله في كتاب الاستدلال. # منه قياس المنطقي والعكس ومنه فقد الشرط دون لبس # وخالف بعض العلماء في قبول هذا النوع من القياس، وضابطه هو إثبات عكس ~~حكم شيء لشيء آخر لتعاكسهما في العلة، ومثاله. حديث مسلم # " أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟! قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان ~~عليه وزر " # والحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أثبت في الجماع ~~المباح أجرا، وهو حكم عكس حكم الجماع الحرام، لأن في الوزر. لتعاكسهما ~~في العلة. لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه. وعلة الوزر في ~~الثاني كونه زنى. ومن أمثلة هذا النوع من القياس عند المالكية احتجاجهم ~~على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء. بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من ~~كثيره عكس البول. لما وجب من قليله وجب من كثيره. ومن أمثلته عند ~~الحنفية. قولهم لما لم يجب القصاص من صغير المثقل. لم يجب من كبيره عكس ~~المحدد كما وجب من صغيره وجب من كبيره. ووجه هذا النوع من القياس في هذه ~~المسألة التي نحن بصددها. هو أن العروض لا تجب في عينها الزكاة، فإذا ~~كانت للتجارة والنماء. وجبت فيها الزكاة، عكس العين فإن الزكاة واجبة في ~~عينها، فإذا صيغت حليا مباحا للاستعمال، وانقطع عنها قصد التنمية ~~بالتجارة، صارت لا زكاة فيها، فتعاكست أحكامهما لتعاكسهما في العلة، ومنع ~~هذا النوع من القياس بعض الشافعية، وقال ابن محرز إنه أضعف من قياس ~~الشبه، ولا يخفى أن القياس يعتضد به ما سبق من الحديث المرفوع، والآثار ~~الثابتة عن بعض الصحابة، لما تقرر في الأصول، من أن موافقة النص للقياس ~~من المرجحات، وأما وضع اللغة، فإن بعض العلماء يقول الألفاظ الواردة في ~~الصحيح، في زكاة العين لا تشمل الحلي في لسان العرب. # قال أبو ms0705 عبيد الرقة عند العرب الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين ~~الناس، ولا تطلقها العرب على المصوغ، وكذلك قيل في الأوقية. قال مقيده - ~~عفا الله عنه - ما قاله أبو عبيد هو المعروف في كلام العرب، قال الجوهري ~~في صحاحه الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء، عوض عن الواو، ~~وفي القاموس الورق - مثلثة، وككتف- الدراهم المضروبة، وجمعه أوراق ووراق ~~كالرقة. هذا هو حاصل حجة من قال لا زكاة في الحلي. وما ادعاه بعض أهل ~~العلم من الاحتجاج لذلك بعمل أهل المدينة، فيه أن بعض أهل المدينة مخالف ~~في ذلك، والحجة بعمل أهل المدينة عند من يقول بذلك، ك " مالك " ، إنما ~~هي في إجماعهم على أمر لا مجال للرأي فيه، لا إن اختلفوا، أو كان من ~~مسائل الاجتهاد، كما أشار له في مراقي السعود بقوله # وأوجبن حجية للمدني فيما على التوقيف أمره بني # وقيل مطلقا..! الخ. لأن مراده بالمدني الإجماع المدني الواقع من ~~الصحابة، أو التابعين، لا ما اختلفوا فيه كهذه المسألة، وقيده بما بني ~~على التوقيف دون مسائل الاجتهاد في القول الصحيح. وأما حجة القائلين بأن ~~الحلي تجب فيه الزكاة فهي منحصرة في أربعة أمور أيضا الأول أحاديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الزكاة في الحلي. الثاني آثار وردت ~~بذلك عن بعض الصحابة. الثالث وضع اللغة. الرابع القياس. أما الأحاديث ~~الواردة بذلك. فمنها ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أبو كامل، وحميد بن ~~مسعدة. " المعنى " أن خالد بن الحارث حدثهم ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده # " أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعها ابنة لها، وفي يد ~~ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها أتعطين زكاة هذا؟ قالت لا، قال ~~أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! قال فخلعتهما، ~~فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت هما له عز وجل ولرسوله ~~". # وقال النسائي في سننه أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال حدثنا خالد، عن ~~حسين، عن عمرو بن شعيب، عن ms0706 أبيه، عن جده # " أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت لها، في ~~يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال " أتؤدين زكاة هذا؟ " قالت لا قال ~~" أيسرك أن يسورك الله عز وجل بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! " ~~قال فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هما لله ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم ". # أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت حسينا ~~قال حدثني عمرو بن شعيب قال جاءت امرأة،ومعها بنت لها، وفي يد ابنتها ~~مسكتان. نحوه مرسل. قال أبو عبدالرحمن خالد أثبت من المعتمر. اه. وهذا ~~الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن ~~شعيب أقل درجاته الحسن، وبه تعلم أن قول الترمذي - رحمه الله- لا يصح في ~~الباب شيء. غير صحيح. لأنه لم يعلم برواية حسين المعلم له عن عمرو بن ~~شعيب. بل جزم بأنه لم يرو عن عمرو بن شعيب إلا من طريق ابن لهيعة، ~~والمثنى ابن الصباح، وقد تابعهما حجاج بن أرطاة والجميع ضعاف. ومنها ما ~~رواه أبو داود أيضا، حدثنا محمد بن عيسى. ثنا عتاب - يعني ابن بشير - عن ~~ثابت بن عجلان، عن عطاء، # " عن أم سلمة قالت " كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله أكنز ~~هو؟ فقال " ما بلغ أن تؤدي زكاته، فزكي فليس بكنز " # ، وأخرج نحوه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اه. ومنها ما رواه أبو ~~داود أيضا، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، ~~ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء ~~أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال # " دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت " دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال " ما هذا ~~يا عائشة؟! " فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال " أتؤدين زكاتهن؟ ~~" قلت لا، أو ms0707 ما شاء الله، قال " هو حسبك من النار ". # حدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سفيان عن عمر بن يعلى، ~~فذكر الحديث نحو حديث الخاتم، قيل لسفيان كيف تزكيه؟ قال تضمه إلى غيره. ~~اه. وحديث عائشة هذا أخرج نحوه أيضا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. ~~اه. وأخرج الدارقطني، عن عائشة من طريق عمرو بن شعيب، عن عروة عنها ~~قالت لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته. # اه. قال البيهقي - رحمه الله - وقد انضم إلى حديث عمرو بن شعيب حديث ~~أم سلمة. وحديث عائشة، وساقهما. ومنها ما رواه الإمام أحمد، # " عن أسماء بنت يزيد بلفظ قالت " دخلت أنا وخالتي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وعلينا أساور من ذهب فقال لنا " أتعطيان زكاته؟ " قالت فقلنا ~~لا، قال " أما تخافان أن يسوركما الله بسوار من نار؟! أديا زكاته " # اه. وروى الدارقطني نحوه من حديث فاطمة بنت قيس، وفي سنده أبو بكر ~~الهذلي، وهو متروك، اه. قاله ابن حجر في التلخيص. وأما الآثار فمنها ما ~~رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار قال كتب عمر إلى أبي ~~موسى أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن. اه. قال ~~البيهقي هذا مرسل شعيب بن يسار لم يدرك عمر. اه. وقال ابن حجر في ~~التلخيص وهو مرسل. قاله البخاري، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي ~~شيبة قال لا نعلم أحدا من الخلفاء قال " في الحلي زكاة ". ومنها ما ~~رواه الطبراني، والبيهقي، عن ابن مسعود أن امرأته سألته، عن حلي لها، ~~فقال إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت أضعها في بني أخ لي في حجري؟ ~~قال نعم. قال البيهقي وقد روي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وليس بشيء، وقال قال البخاري مرسل، ورواه الدارقطني من حديث ابن ~~مسعود مرفوعا، وقال هذا وهم والصواب موقوف. قاله ابن حجر في التلخيص. ~~ومنها ما رواه البيهقي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه كان يكتب ms0708 ~~إلى خازنه سالم، أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة، وما روي من ذلك عن ابن ~~عباس، قال الشافعي. لا أدري أيثبت عنه أم لا؟ وحكاه ابن المنذر، ~~والبيهقي، عن ابن عباس، وابن عمر. وغيرهما. قاله في التلخيص أيضا. وأما ~~القياس فإنهم قاسوا الحلي على المسكوك والمسبوك، بجامع أن الجميع نقد. ~~وأما وضع اللغة فزعموا أن لفظ الرقة،ولفظ الأوقية الثابت في الصحيح يشمل ~~المصوغ كما يشمل المسكوك، وقد قدمنا أن التحقيق خلافه. فإذا علمت حجيج ~~الفريقين، فسنذكر لك ما يمكن أن يرجح به كل واحد منهما. أما القول بوجوب ~~زكاة الحلي. فله مرجحات- منها أن من رواه من الصحابة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أكثر، كما قدمنا روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت يزيد، رضي الله عنهم. أما القول بعدم وجوب ~~الزكاة فيه، فلم يرو مرفوعا إلا من حديث جابر، كما تقدم. # وكثرة الرواة، من المرجحات على التحقيق، كما قدمنا في سورة " البقرة " ~~في الكلام على آية الربا. ومنها أن أحاديثه كحديث عمرو بن شعيب، ومن ذكر ~~معه، أقوى سندا من حديث سقوط الزكاة الذي رواه عافية بن أيوب. ومنها أن ~~ما دل على الوجوب مقدم على ما دل على الإباحة. للاحتياط في الخروج من ~~عهدة الطلب كما تقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في ~~مبحث الترجيح باعتبار المدلول. # وناقل ومثبت والآمر بد النواهي ثم هذا الآخر # على إباحة... الخ. ومعنى قوله " ثم هذا الآخر على إباحة " أن ما دل على ~~الأمر مقدم على ما دل على الإباحة كما ذكرنا. ومنها دلالة النصوص ~~الصريحة على وجوب الزكاة في أصل الفضة، والذهب، وهي دليل على أن الحلي من ~~نوع ما وجبت الزكاة في عينه، هذا حاصل ما يمكن أن يرجح به هذا القول. ~~وأما القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح، فيرجح بأن الأحاديث ~~الواردة في التحريم إنما كانت في الزمن الذي كان فيه التحلي بالذهب ~~محرما على النساء، والحلي المحرم ms0709 تجب فيه الزكاة اتفاقا. وأما أدلة ~~عدم الزكاة فيه، فبعد أن صار التحلي بالذهب مباحا. والتحقيق أن التحلي ~~بالذهب كان في أول الأمر محرما على النساء ثم أبيح، كما يدل له ما ساقه ~~البيهقي من أدلة تحريمه أولا، وتحليله ثانيا، وبهذا يحصل الجمع بين ~~الأدلة، والجمع واجب إن أمكن كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث،وإليه ~~الإشارة بقول صاحب مراقي السعود. # والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا # ووجهه ظاهر، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ومعلوم أن الجمع ~~إذا أمكن أولى من جميع الترجيحات. فإن قيل هذا الجمع يقدح فيه حديث ~~عائشة المتقدم، فإن فيه " فرأى في يدي فتخات من ورق " الحديث والورق ~~الفضة، والفضة لم يسبق لها تحريم، فالتحلي بها لم يمتنع يوما ما. ~~فالجواب ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى قال. من قال لا زكاة في ~~الحلي، زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان ~~التحلي بالذهب حراما على النساء. فلما أبيح لهن سقطت زكاته. قال وكيف ~~يصح هذا القول مع حديث عائشة، إن كان ذكر الورق فيه محفوظا، غير أن ~~رواية القاسم، وابن أبي مليكة، عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي، مع ~~ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرؤية ~~المرفوعة، فهي لا تخاف النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه، إلا ~~فيما علمته منسوخا - اه. وقد قدمنا في سورة " البقرة " الكلام على ~~مخالفة الصحابي، لما روي في آية الطلاق، وبالجملة فلا يخفى أنه يبعد أن ~~تعلم عائشة أن عدم زكاة الحلي فيه الوعيد من النبي لها بأنه حسبها من ~~النار ثم تترك إخراجها بعد ذلك عمن في حجرها، مع أنها معروف عنها القول ~~بوجوب الزكاة في أموال اليتامى. # ومن أجوبة أهل هذا القول أن المراد بزكاة الحلي عاريته، ورواه البيهقي، ~~عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، في إحدى الروايتين عنه. هذا حاصل ~~الكلام في هذه المسألة. وأقوى الوجوه بحسب المقرر ms0710 في الأصول وعلم ~~الحديث، الجمع إذا أمكن، وقد أمكن، هنا قال مقيده - عفا الله عنه- ~~وإخراج زكاة الحلي أحوط لأن " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ~~- " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " والعلم عند الله تعالى. المسألة ~~الرابعة اعلم أن جماهير علماء المسلمين من الصحابة ومن بعدهم على وجوب ~~الزكاة في عروض التجارة، فتقوم عند الحول، ويخرج ربع عشرها كزكاة العين، ~~قال ابن المنذر أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال رويناه ~~عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن عباس، والفقهاء السبعة، سعيد بن ~~المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن ~~الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، ~~والحسن البصري، وطاوس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، والنخعي، ومالك، ~~والثوري، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وأبي عبيد، اه بواسطة نقل النووي في شرح المهذب، وابن قدامة، في ~~المغني، ولمالك رحمه الله، تفصيل في عروض التجارة، لأن عروض التجارة عنده ~~تنقسم إلى عرض تاجر مدير، وعرض تاجر محتكر، فالمدير هو الذي يبيع ويشتري ~~دائما، والمحتكر هو الذي يشتري السلع ويتربص بها حتى يرتفع سعرها ~~فيبيعها، وإن لم يرتفع سعرها لم يبعها ولو مكثت سنين. فعروض المدير عنده ~~وديونه التي يطالب بها الناس إن كانت مرجوة يزكيها عند كل حول والدين ~~الحال يزكيه بالعدد. والمؤجل بالقيمة. أما عرض المحتكر فلا يقوم عنده ~~ولا زكاة فيه حتى يباع بعين فيزكي العين على حول أوصل العرض. وإلى هذا ~~أشار ابن عاشر، في المرشد المعين بقوله # والعرض ذو التجر ودين من أدار قيمتها كالعين ثم ذو احتكار زكى لقبض ~~ثمن أو دين عينا بشرط الحول للأصلين # زاد مالك في مشهور مذهبه شرطا، وهو أنه يشترط في وجوب تقويم عروض ~~المدير أن يصل يده شيء ناص من ذات الذهب أو الفضة، ولو كان ربع درهم أو ~~أقل، وخالفه ابن حبيب من أهل مذهبه، فوافق الجمهور في ms0711 عدم اشتراط ذلك. ~~ولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الظاهر، ولم نعلم بأحد من أهل العلم خالف في ~~وجوب زكاة عروض التجارة، إلا ما يروى عن داود الظاهري، وبعض أتباعه. # ودليل الجمهور، آية وأحاديث وآثار وردت بذلك عن بعض الصحابة رضي الله ~~عنهم. ولم يعلم أن أحدا منهم خالف في ذلك، فهو إجماع سكوتي. فمن ~~الأحاديث الدالة على ذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه قال # " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته " # الحديث أخرجه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. وقال النووي في شرح المهذب ~~هذا الحديث رواه الدارقطني، في سننه والحاكم أبو عبد الله، في المستدرك ~~والبيهقي، بأسانيدهم، ذكره الحاكم، بإسنادين ثم قال هذان الإسنادان ~~صحيحان على شرط البخاري ومسلم، اه. ثم قال " وفي البز صدقته " هو بفتح ~~الباء وبالزاي. هكذا رواه جميع الرواة، وصرح بالزاي الدارقطني، والبيهقي، ~~وقال ابن حجر في التلخيص حديث أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " في الإبل صدقتها وفي البز صدقته " # أخرجه الدارقطني، عن أبي ذر من طريقين، وقال في آخره وفي البز صدقته، ~~قالها بالزاي، وإسناده غير صحيح مداره على موسى بن عبيدة الربذي، وله ~~عنده طريق ثالث من رواية ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس، ~~عن أبي ذر، وهو معلول لأن ابن جريج، رواه عن عمران أنه بلغه عنه، ورواه ~~الترمذي في العلل من هذا الوجه وقال سألت البخاري عنه فقال لم يسمعه ابن ~~جريج من عمران، وله طريقة رابعة، رواه الدارقطني أيضا، والحاكم، من طريق ~~سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن عمران، ولفظه " في الإبل صدقته، وفي الغنم ~~صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته " ومن رفع دراهم أو دنانير لا ~~يعدها لغريم. ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز يكوى به يوم القيامة، ~~وهذا إسناد لا بأس به، اه. فترى ابن حجر قال إن هذا الإسناد لا بأس به ~~مع ما قدمنا ms0712 عن الحاكم من صحة الإسنادين المذكورين، وتصحيح النووي لذلك ~~والذي رأيته في سنن البيهقي أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام يروي الحديث ~~عن موسى المذكور، عن عمران، لا عن عمران مباشرة فانظره. فإن قيل قال ابن ~~دقيق العيد الذي رأيته في نسخة من المستدرك في هذا الحديث البر بضم ~~الموحدة وبالراء المهملة، ورواية الدارقطني التي صرح فيها بالزاي في لفظة ~~البز في الحديث ضعيفة، وإذن فلا دليل في الحديث على تقدير صحته على وجوب ~~زكاة عروض التجارة. فالجواب هو ما قدمنا عن النووي، من أن جميع رواته ~~رووه بالزاي، وصرح بأنه بالزاي البيهقي، والدارقطني، كما تقدم. # ومن الأحاديث الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، ما أخرجه أبو ~~داود في سننه عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه، قال # " أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأمرنا أن نخرج الصدقة ~~مما نعد للبيع " # وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت ~~إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده. وقد قال ابن حجر في التلخيص في هذا ~~الحديث رواه أبو داود والدارقطني والبزار، من حديث سليمان ابن سمرة عن ~~أبيه وفي إسناده جهالة، اه. قال مقيده - عفا الله عنه - في إسناد هذا ~~الحديث، عند أبي داود حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب. وهو مجهول. وفيه ~~جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهو ليس بالقوي، وفيه سليمان بن موسى ~~الزهري أبو داود، وفيه لين، ولكنه يعتضد بما قدمنا من حديث أبي ذر، ~~ويعتضد أيضا بما ثبت عن أبي عمرو بن حماس، أن أباه حماسا قال مررت على ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى عنقي أدم أحملها، فقالألا تؤدي زكاتك ~~يا حماس؟ فقال ما لي غير هذا، وأهب في القرظ قال ذلك مال فضع، فوضعها بين ~~يديه، فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة، قال ابن حجر ~~في التلخيص في هذا الأثر، رواه الشافعي، عن سفيان، حدثنا يحيى ms0713 عن عبد ~~الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال مررت بعمر بن الخطاب. ~~فذكره، ورواه أحمد، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، عن يحيى ~~بن سعيد به، ورواه الدارقطني، من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن ~~أبي عمرو بن حماس، عن أبيه نحوه، ورواه الشافعي أيضا عن سفيان عن ابن ~~عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، اه. وحماس بكسر ~~الحاء وتخفيف الميم وآخره سين مهملة، فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض ~~التجارة عن عمر، ولم يعلم له مخالف من الصحابة. وهذا النوع يسمى إجماعا ~~سكوتيا، وهو حجة عند أكثر العلماء، ويؤيده أيضا ما روا البيهقي، عن ابن ~~عمر " أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، من كتابه أنبأ ~~أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة. حدثنا أبو عبد الله محمد ~~بن إبراهيم البوشنجي حدثنا أحمد بن حنبل. حدثنا حفص بن غياث. حدثنا عبيد ~~الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال ليس في العروض زكاة إلا ما كان ~~للتجارة اه. قال وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي روى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما، أنه قال لا زكاة في العرض، قال فيه الشافعي في كتاب القديم ~~إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته والاحتياط ~~في الزكاة أحب إلي، والله أعلم. # قال وقد حكى ابن المنذر، عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر، ~~ولم يحك خلافهم عن أحد فيحتمل أن يكون معنى قوله " إن صح لا زكاة في ~~العرض إذا لم يرد به التجارة " اه، من سنن البيهقي. ويؤيده ما رواه مالك ~~في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن زريق بن حيان. وكان زريق على جواز ~~مصر في زمان الوليد بن عبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز. فذكر أن ~~عمر بن عبد العزيز، كتب إليه أن انظر من ms0714 يمر بك من المسلمين، فخذ مما ~~ظهر من أموالهم مما يريدون من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا، ~~فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارا فإن نقصت ثلث دينار فدعها، ~~ولا تأخذ منها شيئا. وأما الآية فهي قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم # البقرة 267 على ما فسرها به مجاهد - رحمه الله تعالى - قال البيهقي، في ~~سننه باب " زكاة التجارة " قال الله تعالى وجل ثناؤه { أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم } الآية أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر ~~بن الحسن القاضي، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا ثنا أبو العباس محمد بن ~~يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ورقاء، عن أبي ~~نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى # أنفقوا من طيبات ما كسبتم # البقرة 267 قال التجارة # وممآ أخرجنا لكم من الأرض # البقرة 267 قال النخل، وقال البخاري في صحيحه " باب صدقة الكسب والتجارة ~~" لقوله تعالى { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم } إلى قوله # أن الله غني حميد # البقرة 267. قال ابن حجر في الفتح هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرا على ~~الآية بغير حديث. وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة، عن الحكم عن مجاهد في هذه ~~الآية { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم } قال من التجارة الحلال. أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ~~آدم عنه، وأخرجه الطبري من طريق هشيم عن شعبة، ولفظه { من طيبات ~~ما كسبتم } قال من التجارة { وممآ أخرجنا لكم من ~~الأرض } قال من الثمار. ولا شك أن ما ذكره مجاهد، داخل في عموم الآية ~~فتحصل أن جميع ما ذكرناه من طرق حديث أبي ذر، وحديث سمرة بن جندب ~~المرفوعين وما صح من أخذ عمر زكاة الجلود من حماس، وما روي عن بن عمر، ~~وعمر بن عبد العزيز. وظاهر عموم الآية الكريمة، وما فسرها به مجاهد، ~~وإجماع عامة أهل العلم إلا من شذ عن السواد الأعظم، يكفي في الدلالة على ~~وجوب الزكاة في ms0715 عروض التجارة. # و العلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة في زكاة الدين. وهل الدين مسقط ~~للزكاة عن المدين أو لا؟! اختلف العلماء في ذلك، ومذهب مالك - رحمه الله ~~- أن الدين الذي للإنسان على غيره يجري مجرى عروض التجارة في الفرق بين ~~المدير وبين المحتكر، وقد أوضحنا ذلك في المسألة التي قبل هذا. ومذهبه ~~رحمه الله أن الدين مانع من الزكاة في العين، وعروض التجارة إن لم يفضل ~~عن وفائه قدر ما تجب فيه الزكاة، قال في موطئه الأمر المجتمع عليه عندنا، ~~أن الرجل يكون عليه دين وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين، ~~ويكون عنده من الناض سوى ذلك، ما تجب فيه الزكاة فإنه يزكي ما بيده من ~~ناض تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا ~~زكاة عليه. حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة، فعليه ~~أن يزكيه. وأما الماشية والزروع والثمار، فلا يسقط الدين وجوب زكاتها ~~عنده. ومذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - أن الدين إذا كان حالا على ~~موسر مقر أو منكر وعليه بينة فزكاته واجبة إن كان عينا أو عرض تجارة، ~~وهذا قوله الجديد. وأما القديم فهو أن الزكاة لا تجب في الدين بحال. أما ~~إن كان الغريم معسرا أو جاحدا ولا بينة أو مماطلا أو غائبا، فهو عنده ~~كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه خلاف، والصحيح الوجوب. ولكن لا تؤخذ منه ~~بالفعل إلا بعد حصوله في اليد. وإن كان الدين مؤجلا ففيه وجهان. أحدهما ~~لأبي إسحاق أنه كالدين الحال على فقير أو ملئ جاحد. فيكون على الخلاف ~~الذي ذكرناه آنفا. والثاني لأبي علي بن أبي هريرة، لا تجب فيه الزكاة، ~~فإذا قبضه استقبل به الحول والأول أصح، قاله صاحب المهذب. أما إذا كان ~~الدين ماشية كأربعين من الغنم، أو غير لازم كدين الكتابة. فلا تجب فيه ~~الزكاة اتفاقا عندهم. وإن كان عليه دين مستغرق، أو لم يبق بعده كمال ~~النصاب فقال الشافعي في ms0716 القديم يسقط الدين المستغرق، أو الذي ينقص به ~~المال عن النصاب وجوب الزكاة، لأن الملك فيه غير مستقر لأنه ربما أخذه ~~الحاكم لحق الغرماء، وقال في الجديد تجب الزكاة ولا يسقطها الدين لاختلاف ~~جهتهما، لأن الزكاة تتعلق بعين المال والدين يتعلق بالذمة، وإن حجر عليه ~~ففيه خلاف كثير. أصحه عند الشافعية أنه يجري على حكم زكاة المغصوب، وقد ~~قدمنا حكمه، وللشافعية قول ثالث، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال ~~الباطنة وهي الذهب والفضة، وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة وهي ~~الزروع والثمار والمواشي والمعادن. # والفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة، وهذا هو مذهب ~~مالك كما تقدم، ودين الآدمي ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة، ~~ومذهب الإمام أحمد رحمه الله أن من كان له دين على ملئ مقربه غير مماطل ~~فليس عليه إخراج زكاته حتى يقبضه، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من ~~السنين. وروي نحوه عن علي رضي الله عنه، وبه قال الثوري، وأبو ثور، وأبو ~~حنيفة، وأصحابه، وقال عثمان وابن عمر وجابر، رضي الله عنهم، وطاوس ~~والنخعي وجابر بن زيد والحسن، وميمون بن مهران والزهري وقتادة، وحماد بن ~~أبي سليمان وإسحاق وأبو عبيد، عليه إخراج زكاته في الحال، لأنه قادر على ~~قبضه. وقد قدمنا أنه قول مالك والشافعي، فإن كان الدين على معسر، أو ~~جاحد، أو مماطل، فروايتان. أحدهما لا تجب فيه الزكاة، وهو قول قتادة، ~~وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق، لأنه غير مقدور على الانتفاع به. ~~والثانية يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، وعن عمر بن ~~عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي، يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا ~~هو قول مالك. ومذهب أحمد رحمه الله أن الدين يمنع الزكاة في الأموال ~~الباطنة، التي هي الذهب والفضة، وعروض التجارة، وهذا لا خلاف فيه عنه، ~~وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، ~~والليث، و الثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقد قدمنا ~~نحوه عن مالك رجمه الله. ms0717 وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان لا يمنع الدين ~~الزكاة في الأموال الباطنة، وقد قدمناه عن الشافعي، في جديد قوليه. وأما ~~الأموال الظاهرة. وهي السائمة والثمار والحبوب، فقد اختلفت فيها الرواية، ~~عن أحمد رحمه الله، فروي عنه. أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضا كالأموال ~~الباطنة، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم، يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ~~ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي. ولا يكون على أحد دينه أكثر ~~من ماله صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع، ولا زكاة. وبهذا قال عطاء، ~~والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق. ~~وروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، وبه قال الأوزاعي، وقد ~~قدمناه عن الشافعي في الجديد وهو قول مالك. إذا عرفت أقوال العلماء في ~~زكاة الدين، وهل هو مانع من الزكاة؟! فاعلم أن اختلافهم في الدين، هل ~~يزكي قبل القبض، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة؟ أو لا ~~بد من زكاته لما مضى من السنين؟! الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق ~~المناط، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل أو لا؟! ولا نعلم في زكاة ~~الدين نصا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا كون الدين مانعا من وجوب ~~الزكاة على المدين إن كان يستغرق أو ينقص النصاب، إلا آثارا وردت عن بعض ~~السلف. # منها ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عثمان ~~بن عفان أنه كان يقول هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى ~~تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة. ومنها ما رواه مالك في الموطأ أيضا عن ~~أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في مال قبضه ~~بعض الولاة ظلما، يأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من السنين ~~ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضمارا اه ~~وهو بكسر الضاد أي غائبا عن ربه لا ms0718 يقدر على أخذه ولا يعرف موضعه. ~~المسألة السادسة في زكاة المعادن والركاز. اعلم أن العلماء أجمعوا على ~~وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض ~~الصور لذلك، فقال قوم لا يجب في شيء من المعادن الزكاة، إلا الذهب والفضة ~~خاصة، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالا من الذهب، أو مائتي درهم من ~~الفضة، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه، ولا يستقبل به ~~حولا. وممن قال بهذا مالك، والشافعي، ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما. إلا ~~أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب، وفضة، وزئبق، ورصاص، وصفر، ~~وحديد، وياقوت، وزبرجد، ولؤلؤ، وعقيق وسبج، وكحل، وزجاج، وزرنيخ، ومغرة، ~~ونحو ذلك، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، ونحوهما، ويقوم بمائتي ~~درهم أو عشرين مثقالا، ما عدا الذهب والفضة، فجميع المعادن عنده تزكى، ~~واللازم فيها ربع العشر. وذهب أبو حنيفة رحمه الله، إلى أن المعدن من ~~جملة الركاز. ففيه عنده الخمس، وهو عنده الذهب والفضة، وما ينطبع كالحديد ~~والصفر والرصاص في أشهر الروايتين، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن ~~والركاز. وممن قال بلزوم ربع العشر في المعدن عمر بن عبد العزيز، وحجة من ~~قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن، عموم قوله تعالى # وممآ أخرجنا لكم من الأرض # البقرة 267. وحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط أن الأصل عدم ~~وجوب الزكاة، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما، ~~واحتجوا أيضا بحديث لا زكاة في حجر، وهو حديث ضعيف، قال فيه ابن حجر في ~~التلخيص رواه ابن عدي، من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي، عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه عن جده، ورواه البيهقي، من طريقه، وتابعه عثمان الوقاصي، ومحمد ~~بن عبيد الله العرزمي، كلاهما عن عمرو بن شعيب، وهما متروكان. اه. وعمر ~~بن أبي عمر الكلاعي ضعيف، من شيوخ بقية المجهولين، قاله في التقريب واحتج ~~لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، عن ms0719 غير واحد. # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطع لبلال بن الحارث المزني معادن ~~القبلية، وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا ~~الزكاة. وقال ابن حجر، في التلخيص ورواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، ~~والبيهقي، موصولا، ليست فيه زيادة، وهي من ناحية الفرع. الخ. وقال ~~الشافعي - بعد أن روى حديث مالك - ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم ~~يثبتوه ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، ~~وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~البيهقي هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الداروردي، عن ~~ربيعة، موصولا، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في المستدرك وكذا ~~ذكره أبو عبد البر، من رواية الداروردي، قال ورواه أبو سبرة المديني، عن ~~مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن عباس قلت أخرجه أبو ~~داود، من الوجهين. اه. قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذه ~~الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في الموطأ فتلك المعادن لا ~~يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب، ~~وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية، والشافعية. والاستصحاب ~~المقلوب هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر، على ثبوته في الزمن ~~الماضي، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني. قال صاحب جمع الجوامع ~~أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب. وقد يقال فيه لو لم يكن ~~الثابت اليوم، ثابتا أمس لكان غير ثابت فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ~~ثابت، وليس كذلك، فدل على أنه ثابت. وقال في نشر البنود وقد يقال في ~~الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به، لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا ~~أمس، لكان غير ثابت أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه، فيقتضي استصحاب ~~أمس الخالي عن الثبوت فيه، أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك لأنه مفروض ~~الثبوت الآن. فدل ذلك على أنه ثابت أمس ايضا، ومثل له بعض ms0720 المالكية ~~بالوقف، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها، لأن وجوده على تلك ~~الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف. ومثل له المحلي، بأن يقال في ~~المكيال الموجود. كان على عهده صلى الله عليه وسلم، باستصحاب الحال في ~~الماضي. ووجهه في المسألة التي نحن بصددها أن لفظ فتلك المعادن لا يؤخذ ~~منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب أنها كانت كذلك في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا. # وقد أشار في مراقي السعود إلى مسالة الاستصحاب المذكور في " كتاب ~~الاستدلال " بقوله # ورجحن كون الاستصحاب للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قصارى البحث عن نص ~~فلم يلف وهذا البحث وفقا منحتم # إلى أن قال - وهو محل الشاهد - # وما بماض مثبت للحال فهو مقلوب وعكس الخالي كجري ما جهل فيه المصرف ~~على الذي الآن لذاك يعرف # وأما الركاز ففيه الخمس بلا نزاع لقوله صلى الله عليه وسلم # " وفي الركاز الخمس " # أخرجه الشيخان وأصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه، إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز. فذهب جمهور منهم مالك، ~~والشافعي وأحمد، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية، وأنه لا يصدق على ~~المعادن اسم الركاز. واحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ~~ذكرنا بعضا منه آنفا فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس " # ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة. وذهب أبو حنيفة ~~والثوري وغيرهما إلى أن المعدن ركاز، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " وفي الركاز الخمس، قيل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم وما الركاز؟ ~~قال الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض " # ورده الجمهور بأن الحديث ضعيف، قال ابن حجر في التلخيص رواه البيهقي من ~~حديث أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن ms0721 جده، عن أبي ~~هريرة مرفوعا وتابعه حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد، وعبد الله متروك ~~الحديث، وحبان ضعيف. وأصل الحديث ثابت في الصحاح وغيرها بدون الزيادة ~~المذكورة. وقال الشافعي في الجديد يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ~~ذهبا أو فضة دون غيرهما. وخالفه جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء إذا ~~كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب ~~فيه الخمس. وله وجه من النظر والعلم عند الله تعالى. ### || [9.41] # قوله تعالى { انفروا خفافا وثقالا } الآية. لا يخفى ما في ~~هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال، ولكنه ~~تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج # التوبة 91 الآية. فهي ناسخة لها. ### || [9.60] # قوله تعالى { وفي الرقاب }. قال الشافعي، والليث إن المراد ~~بالرقاب المكاتبون. وروي نحوه عن أبي موسى الأشعري والحسن البصري، ومقاتل ~~بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد ابن جبير، والنخعي، والزهري، وابن ~~زيد. ويدل لهذا القول قوله تعالى في المكاتبين # وآتوهم من مال الله الذي آتاكم # النور 33 وقال ابن عباس الرقاب أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق ~~الرقبة من الزكاة. وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق. ### || [9.61] # قوله تعالى { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم }. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، بأن من يؤذي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم له العذاب الأليم. وذكر في " الأحزاب " أنه ملعون في ~~الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين، وذلك في قوله # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا # الأحزاب 57. قوله تعالى # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة # إلى قوله # ما تحذرون # التوبة 64. صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله ~~سورة تفضحهم وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث. ثم بين أنه مخرج ما ~~كانوا يحذرونه، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ms0722 ذلك، وهو قوله تعالى # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج ~~الله أضغانهم # محمد 29 إلى قوله # ولتعرفنهم في لحن القول # محمد 30، وبين في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله # يحسبون كل صيحة عليهم # المنافقون 4. ### || [9.74] # قوله تعالى { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله }. صرح في هذه الآية الكريمة أن المنافقين ما ~~وجدوا شيئا ينقمونه أي يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم ~~فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة. والمعنى ~~أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب أو ينقم بوجه من الوجوه، والآية كقوله # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # البروج 8 وقوله # وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جآءتنا # الأعراف 126. وقوله # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله # الحج 40. ونظير ذلك من كلام العرب قول نابغة ذبيان # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # وقول الآخر # ما نقموا من أمية إلا أنهم يضربون إن غضبوا # وقول الآخر # فما بك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل ### || [9.81] # قوله تعالى { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة شدة حر نار جهنم - أعاذنا ~~الله والمسلمين منها - وبين ذلك في مواضع أخر كقوله # نارا وقودها الناس والحجارة # التحريم 6 وقوله # كلا إنها لظى نزاعة للشوى # المعارج 15-16. وقوله # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # النساء 56. وقوله # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد # الحج 19-21. وقوله # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # الكهف 29. الآية وقوله # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # محمد 15 إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه اختلف العلماء في وزن جهنم ~~بالميزان الصرفي، فذهب بعض علماء العربية إلى أن وزنه " فعنل " فالنون ~~المضعفة زائدة، وأصل المادة الجيم والهاء والميم. من تجهم إذا عبس وجهه، ~~لأنها تلقاهم بوجه متجهم ms0723 عابس. وتتجهم وجوههم وتعبس فيها لما يلاقون من ~~ألم بعذاب. ومنه قوله مسلم بن الوليد الأنصاري- # شكوت إليها حبها فتبسمت ولم أر شمسا قبلها تتبسم فقلت لها جودي ~~فأبدت تجهما لتقتلني يا حسنها إذ تجهم # وتقول العرب جهمه إذا استقبله بوجه كريه مجتمع، ومنه قول عمرو بن ~~الفضفاض الجهني- # ولا تجهمينا أم عمرو فإنما بنا داء ظبي لم تخنه عوامله # وقال بعض العلماء جهنم فارسي معرب، والأصل كهنام وهو بلسانهم النار، ~~فعربته العرب وأبدلوا الكاف جيما. ### || [9.83] # قوله تعالى { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا } ~~إلى قوله { الخالفين }. عاقب الله في هذه الآية الكريمة المتخلفين ~~عن غزوة تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيه، ولا القتال معه صلى ~~الله عليه وسلم لأن شؤم المخالفة يؤدي إلى فوات الخير الكثير. وقد جاء ~~مثل هذا في آيات أخر كقوله # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم # الفتح 15 إلى قوله # كذلكم قال الله من قبل # الفتح 15 وقوله # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # الأنعام 110 الآية إلى غير ذلك من الآيات. والخالف هو الذي يتخلف عن ~~الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان، ومنه قول الشنفرى # ولا خالف داريه متربب يروح ويغدو داهنا يتكحل ### || [9.86] # ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر ~~بالإيمان، والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم، أستأذن الأغنياء من ~~المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة عليه، وطلبوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو. وبين في موضع آخر ~~أن هذا ليس من صفات المؤمنين، وأنه من صفات الشاكين الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر، وذلك في قوله # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله ~~عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم ~~فهم في ريبهم يترددون # التوبة 44-45، وبين أن السبيل عليهم بذلك، وأنهم ms0724 مطبوع على قلوبهم. ~~بقوله # إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنيآء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ~~الله على قلوبهم # التوبة 93. الآية وبين في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد، ~~كقوله # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت # محمد 20. الآية، وقوله # فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم بألسنة حداد # الأحزاب 19 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [9.100] # قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه } الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن ~~الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم ~~داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات والفوز ~~العظيم، وبين في مواضع أخر. أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم ~~في الخير كقوله جل وعلا # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # الجمعة 3 الآية، وقوله # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا # الحشر 10 الآية، وقوله # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم # الأنفال 75. ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، أنه قد رضي ~~عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو ~~دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا، حيث ~~أبغض من رضي الله عنه. ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا، ~~وتمرد وطغيان. ### || [9.101] # قوله تعالى { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم }. صرح في هذه الآية الكريمة أن من ~~الأعراب، ومن أهل المدينة، منافقين لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه. # قال وما علمي بما كانوا يعملون # الشعراء 112 الآية. وذكر نظيره عن شعيب - عليهم كلهم صلوات الله وسلامه ~~- في قوله # بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا ms0725 ~~عليكم بحفيظ # هود 86 اه. وقد أطلع الله نبيه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات ~~الماضية، وقد أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان رضي اله عنهما، بشيء من ذلك، ~~كما هو معلوم. ### || [9.114] # قوله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدهآ إياه } الآية. لم يبين هنا هذه الموعدة ~~التي وعدها إياه، ولكنه بينها في سورة " مريم " بقوله # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا # مريم 47. ### || [9.128] # هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو ~~متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن ~~الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # آل عمران 164 الآية وقوله # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # إبراهيم 28 وقوله # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # الأنبياء 107 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [9.129] # قوله تعالى { عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~}. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم، بالتوكل ~~عليه جل وعلا. ولا شك أنه ممتثل ذلك، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله ~~وسلامه، والتوكل على الله تعالى، هو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله ~~عليهم وسلامه. كما بين تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله عن هود عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام # قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~إني توكلت على الله ربي وربكم # هود 54-56 الآية وقوله تعالى عن نوح # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن ~~كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم ~~ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ~~ولا تنظرون # يونس 71 وقوله تعالى عن جملة الرسل # وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا ~~سبلنا ولنصبرن على مآ ms0726 آذيتمون # إبراهيم 12 الآية # ومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا صلى الله عليه وسلم على الله، قوله ~~يوم حنين، وهو على بغلة في ذلك الموقف العظيم. # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.4] # قوله تعالى { والذين كفروا لهم شراب من حميم } ~~الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب ~~الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم الماء الحار، وذكر أوصاف هذا الحميم في ~~آيات أخر، كقوله # يطوفون بينها وبين حميم آن # الرحمن 44، وقوله # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # محمد 15، وقوله # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود # الحج 19-20. وقوله # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # الكهف 29 الآية، وقوله # فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم # الواقعة 54-55. وذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد - أعاذنا ~~الله وإخواننا المسلمين من ذلك بفضله ورحمته - وذلك في قوله تعالى # من ورآئه جهنم ويسقى من مآء صديد يتجرعه ~~ولا يكاد يسيغه # إبراهيم 16-17 الآية وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق، ~~كقوله # هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله ~~أزواج # ص 57-58، وقوله # لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما ~~وغساقا # النبأ 24-25 والغساق صديد أهل النار - أعاذنا الله والمسلمين منها - ~~وأصله من غسقت العين سال دمعها. وقيل هو لغة، البارد المنتن، والحميم ~~الآتي الماء البالغ غاية الحرارة والمهل دردي الزيت أو المذاب من النحاس ~~والرصاص ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدا. ### || [10.10] # قوله تعالى { وتحيتهم فيها سلام }. ذكر تعالى في هذه الآية ~~أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام، أي يسلم بعضهم على بعض بذلك، ويسلمون ~~على الملائكة، وتسلم عليهم الملائكة بذلك، وقد بين تعالى هذا في مواضع ~~أخر، كقوله # تحيتهم يوم يلقونه سلام # الأحزاب 44 الآية، وقوله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليك # الرعد 23-24 الآية وقوله # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما # مريم 62 الآية ms0727 وقوله # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما # الواقعة 25 # إلا قيلا سلاما سلاما # الواقعة 26 وقوله # سلام قولا من رب رحيم # يس 58 إلى غير ذلك من الآيات. ومعنى السلام الدعاء بالسلامة من الآفات. ~~والتحية مصدر حياك الله بمعنى أطال حياتك. ### || [10.12] # قوله تعالى { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر ~~كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } ذكر تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن الإنسان في وقت الكرب، يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله. ~~فإذا فرج الله كربه، أعرض عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه ~~قط. وبين هذا في مواضع أخر كقوله # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل # الزمر 8 الآية وقوله # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم # الزمر 49 الآية وقوله # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # فصلت 51 والآيات في مثل ذلك كثيرة. إلا أن الله استثنى من هذه الصفات ~~الذميمة عباده المؤمنين، بقوله في سورة هود # ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين ~~صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ~~وأجر كبير # هود 10-11، وقد قال صلى الله عليه وسلم # " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء، إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء ~~فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن ". ### || [10.15] # قوله تعالى { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء ~~نفسي } الآية. أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم. أن يقول إنه ما يكون له أن يبدل شيئا من القرآن من تلقاء ~~نفسه، ويفهم من قوله من تلقاء نفسي، أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما ~~شاء. وصرح بهذا ms0728 المفهوم في مواضع أخر كقوله # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل # النحل 101 الآية وقوله # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # البقرة 106 الآية وقوله # سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله إنه يعلم ~~الجهر وما يخفى # الأعلى 6-7 ### || [10.16] # قوله تعالى { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا ~~تعقلون }؟ في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم رسولا حتى لبث فيهم عمرا من ~~الزمن. وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل ~~البعد من أن يكون كاذبا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه ~~الأمين، وقد ألقمهم الله حجرا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون # المؤمنون 69 ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه من صفاته ~~صلى الله عليه وسلم، قال هرقل لأبي سفيان هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن ~~يقول ما قال؟ قال أبو سفيان فقلت لا، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم ~~الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء. ~~فقال له هرقل فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب ~~على الله. اه. ولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا { أفلا تعقلون ~~}. ### || [10.24] # قوله تعالى { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء ~~أنزلناه من السمآء } إلى قوله { لقوم يتفكرون }. ~~ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم ~~المختلط بعضه ببعض، وعما قليل ييبس، ويكون حصيدا يابسا كأنه لم يكن قط، ~~وضرب لها أيضا المثل المذكور في " الكهف " في قوله # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء # الكهف 45 إلى قوله # وكان الله على كل شيء مقتدرا # الكهف 45، وأشار لهذا المثل بقوله في " الزمر " # ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن ~~في ذلك لذكرى لأولي الألباب # الزمر 21، وقوله في " الحديد " # كمثل غيث أعجب ms0729 الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما # الحديد 20 الآية تنبيه التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من ~~التشبيه المركب، لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من ~~المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله، وهو في إقبال وكمال، ثم عما قليل ~~يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى ### || [10.28] # قوله تعالى { ويوم نحشرهم جميعا } الآية ذكر في هذه الآية ~~الكريمة، أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعا، والآيات بمثل ذلك كثيرة. ~~وصرح في " الكهف " بأنه لا يترك منهم أحدا، بقوله # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # الكهف 47. ### || [10.30] # قوله تعالى { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } الآية ~~صرح في هذه الآية الكريمة، بأن كل نفس يوم القيامة تبلو، أي تخبر وتعلم ~~ما أسلفت، أي قدمت من خير وشر، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # القيامة 13 وقوله # يوم تبلى السرآئر # الطارق 9 وقوله # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # الإسراء 13-14 وقوله # ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلآ أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا # الكهف 49 الآية وأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية وجهان ~~أحدهما أنها تتلو بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت، فيرجع إلى ~~الأولى. والثاني أن كل أمة تتبع عملها، لقوله صلى الله عليه وسلم # " لتتبع كل أمة ما كانت تعبده فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس " # الحديث. ### || [10.31] # قوله تعالى { قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت } إلى قوله { فقل أفلا تتقون }. صرح الله تعالى في ~~هذه الآية الكريمة، بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا، هو ربهم الرزاق ~~المدير للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ~~ومع هذا أشركوا به جل وعلا. والآيات الدالة على أن المشركين مقرون ~~بربوبيته جل وعلا. ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه ms0730 جل وعلا ~~كثيرة، كقوله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87 وقوله # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم # الزخرف 9 وقوله # قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون # المؤمنون 84 # سيقولون لله # المؤمنون 85 إلى قوله # فأنى تسحرون # المؤمنون 89 إلى غير ذلك من الآيات، ولذا قال تعالى # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # يوسف 106. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا، لا ~~يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا ~~وإثباتا، وقد أوضحناه في سورة " الفاتحة " في الكلام على قوله تعالى # إياك نعبد # الفاتحة 5. أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جل وعلا، في قوله # قال فرعون وما رب العالمين # الشعراء 23 فإنه تجاهل عارف لأنه عبد مربوب، كما دل عليه قوله تعالى # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر # الإسراء 102 الآية وقوله # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # النمل 14. ### || [10.34] # قوله تعالى { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق } ~~إلى قوله { فأنى تؤفكون }. ألقم الله تعالى المشركين في هذه ~~الآيات حجرا، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل ~~شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، ~~وأنه يهدي من يشاء. وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة كقوله # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء سبحانه وتعالى عما يشركون # الروم 40، وقوله تعالى # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا # الفرقان 3 وقوله # يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض # فاطر 3 الآية. وقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق # النحل 17 الآية وقوله # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه # الرعد 16 وقوله # قل أفرأيتم ما تدعون من ms0731 دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره # الزمر 38 الآية. وقوله # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه # الملك 21 الآية. وقوله # إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق # العنكبوت 17. الآية. والآيات في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا ~~يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء، مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما ~~شاء، لا تصدر إلا ممن لا عقل له، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # الملك 10. ### || [10.37] # صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن هذا القرآن لا يكون مفترى من دون ~~الله مكذوبا به عليه، وأنه لا شك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار ~~إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال ~~والحرام ونحو ذلك. مما لا شك أنه من الله جل وعلا. دليل على أنه غير ~~مفترى. وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين، وبين هذا في مواضع أخر كقوله # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # يوسف 111. وقوله # وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون # الشعراء 210-211 وقوله # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # الإسراء 105 والآيات في مثل ذلك كثيرة. ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن ~~هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله، أقام البرهان القاطع على أنه من ~~الله، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام ~~الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين، ~~والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا، قال جل وعلا في هذه السورة # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين # يونس 38 وتحداهم أيضا في سورة " البقرة " بسورة واحدة من مثله، بقوله ms0732 # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله # البقرة 23 الآية وتحداهم في " هود " بعشر سور مثله بقوله # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات # هود 13 الآية وتحداهم في " الطور " به كله بقوله # فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين # الطور 34. وصرح في سورة " بني إسرائيل " بعجز جميع الخلائق عن الإتيان ~~بمثله بقوله # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # الإسراء 88 كما قدمنا، وبين أنهم لا يأتون بمثله أيضا بقوله # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا # البقرة 24 الآية. ### || [10.39] # قوله تعالى { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~ولما يأتهم تأويله }. التحقيق أن تأويله هنا، هو حقيقة ما ~~يؤول إليه الأمر يوم القيامة، كما قدمنا في أول " آل عمران " ويدل لصحة ~~هذا قوله في " الأعراف " # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق ~~فهل لنا من شفعآء # الأعراف 53 الآية. ونظير الآية قوله تعالى # بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب # ص 8. ### || [10.41] # قوله تعالى { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم ~~أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون }. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~الكريمة، أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكارا لها، وإظهارا ~~لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في قوله # قل يأيها الكافرون # الكافرون 1 إلى قوله # ولي دين # الكافرون1-6، ونظير ذلك، قول إبراهيم الخليل - وأتباعه - لقومه # إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله # الممتحنة 4 الآية. وبين تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار، والأوثان ~~والبراءة منهم. من فوائده تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة، و هو ~~قوله في " مريم " # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب # مريم 49 إلى قوله # صدق عليا # مريم 50. وقال ابن زيد، وغيره، إن آية # وإن كذبوك فقل لي ms0733 عملي # يونس 41 الآية منسوخة بآيات السيف. والظاهر أن معناها محكم. لأن البراءة ~~إلى الله من عمل السوء لا شك في بقاء مشروعيتها. ### || [10.45] # قوله تعالى { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة من النهار } الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن ~~الكفار إذا حشروا استقلوا مدة مكثهم في دار الدنيا، حتى كأنها قدر ساعة ~~عندهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في آخر " الأحقاف ". # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # الأحقاف 35 الآية، وقوله في آخر " النازعات " # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # النازعات 46، وقوله في آخر " الروم " # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # الروم 55 الآية. وقد بينا بإيضاح في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب، وجه الجمع بين هذه الآيات المقتضية أن الدنيا عندهم كساعة، وبين ~~الآيات المقتضية أنها عندهم كأكثر من ذلك، كقوله تعالى # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا # طه 103 وقوله # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العآدين # المؤمنون 113 فانظره فيه في سورة # قد أفلح المؤمنون # المؤمنون 1 في الكلام على قوله { قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم فاسأل العآدين }. قوله تعالى { يتعارفون ~~بينهم }. صرح في هذه الآية الكريمة أن أهل المحشر يعرف بعضهم بعضا ~~فيعرف الآباء الأبناء، كالعكس، ولكنه بين في مواضع أخر أن هذه المعارفة ~~لا أثر لها، فلا يسأل بعضهم بعضا شيئا، كقوله # ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم # المعارج 10-11، وقوله # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # المؤمنون 101. وقد بينا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ~~أيضا وجه الجمع بين قوله # فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } ، وبين ~~قوله { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # الصافات 27، في سورة { قد أفلح المؤمنون } أيضا. قوله ~~تعالى { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما ~~كانوا مهتدين }. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بخسران المكذبين ~~بلقائه، وأنهم لم يكونوا مهتدين، ولم يبين هنا المفعول ms0734 به لقوله خسر، ~~وذكر في مواضع كثيرة أسبابا من أسباب الخسران، وبين في مواضع أخر ~~المفعول المحذوف هنا، فمن الآيات المماثلة لهذه الآية، قوله تعالى في " ~~الأنعام " # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا ~~جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها # الأنعام 31 الآية، وقوله تعالى في " البقرة " # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون # البقرة 27، وقوله في " البقرة " أيضا # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون # البقرة 121، وقوله في " الأعراف " # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون # الأعراف 99، وقوله في " الأعراف " أيضا # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون # الأعراف 178، وقوله في " الزمر " # له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا ~~بآيات الله أولئك هم الخاسرون # الزمر 63. والآيات في مثل هذا كثيرة، وقد أقسم تعالى على أن هذا الخسران ~~لا ينجو منه إنسان إلا بأربعة أمور الأول الإيمان. الثاني العمل الصالح. ~~الثالث التواصي بالحق. الرابع التواصي بالصبر. وذلك في قوله # والعصر إن الإنسان # العصر 1-2 إلى آخر السورة الكريمة. وبين في مواضع أخر، أن المفعول ~~المحذوف الواقع عليه الخسران هو أنفسهم، كقوله في " الأعراف " # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون # الأعراف 9، وقوله في " المؤمنون " # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون # المؤمنون 103 وقوله في " هود " # أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # هود 21. وزاد في مواضع أخر خسران الأهل مع النفس، كقوله في " الزمر " # قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران ~~المبين # الزمر 15، وقوله في " الشورى " # وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم # الشورى 45. وبين في موضع آخر أن خسران الخاسرين قد يشمل الدنيا والآخرة، ~~وهو قوله # ومن الناس من يعبد الله على حرف ms0735 فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # الحج 11. ### || [10.46] # قوله تعالى { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإلينا مرجعهم } الآية. بين الله تعالى في ~~هذه الآية الكريمة لنبيه صلى الله عليه وسلم، إنه إما أن يريه في حياته ~~بعض ما يعد للكفار من النكال والانتقام، أو يتوفاه قبل ذلك، فمرجعهم إليه ~~جل وعلا لا يفوته شيء مما يريد أن يفعله بهم لكمال قدرته عليهم، ونفوذ ~~مشيئته جل وعلا فيهم، وبين هذا المعنى أيضا في مواضع أخر، كقوله في سورة ~~" المؤمن " # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # غافر 77، وقوله في " الزخرف " # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # الزخرف 41-42 إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت في القرآن العظيم فعل ~~المضارع بعد إن الشرطية المدغمة في ما المزيدة لتوكيد الشرط، إلا مقترنا ~~بنون التوكيد الثقيلة، كقوله هنا # وإما نرينك # يونس 46 الآية # فإما نذهبن # الزخرف 41 الآية # فإما تثقفنهم # الأنفال 57 الآية # وإما تخافن من قوم # الأنفال 58 الآية. ولذلك زعم بعض العلماء العربية وجوب اقتران المضارع ~~بالنون المذكورة في الحال المذكورة، والحق أن عدم اقترانه بها جائز، كقول ~~الشاعر # فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها # وقول الآخر # زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي ### || [10.49] # قوله تعالى { لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }. صرح تعالى في هذه ~~الآية الكريمة بأن لكل أمة أجلا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا ~~يتأخر عنه. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون # الحجر 5 وقوله # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون # نوح 4 وقوله # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # المنافقون 11 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [10.51] # قوله تعالى { أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن ms0736 وقد ~~كنتم به تستعجلون }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن ~~الكفار يطلبون في الدنيا تعجيل العذاب كفرا وعنادا، فإذا عاينوا العذاب ~~آمنوا، وذلك الإيمان عند معاينة العذاب وحضوره لا يقبل منهم، وقد أنكر ~~ذلك تعالى عليهم هنا بقوله { أثم إذا ما وقع آمنتم به } ~~ونفى أيضا قبول إيمانهم في ذلك الحين بقوله { الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون }. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون # غافر 84-85 وقوله # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين # يونس 90-91 وقوله # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # النساء 18 الآية، إلى غير ذلك من الآيات، واستثنى الله تعالى قوم يونس ~~دون غيرهم بقوله # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # يونس 98. ### || [10.81] # قوله تعالى { إن الله سيبطله } الآية. ذكر تعالى عن موسى ~~في هذه الآية، أنه قال إن الله سيبطل سحر سحرة فرعون. وصرح في مواضع أخر ~~بأن ذلك الذي قال موسى، إنه سيقع. من إبطال الله لسحرهم. أنه وقع بالفعل، ~~كقوله # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين # الأعراف 118-119 ونحوها من الآيات ### || [10.93] # قوله تعالى { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ~~} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية أنه بوأ بني إسرائيل مبوأ صدق. وبين ذلك ~~في آيات أخر كقوله # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # الأعراف 137 الآية، وقوله # فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم # الشعراء 57-58 إلى قوله # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # الشعراء 59 وقوله # كم تركوا من جنات وعيون # الدخان 25 ms0737 # وزروع ومقام كريم # الدخان 26 إلى قوله # كذلك وأورثناها قوما آخرين # الدخان 28 ومعنى { بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } ~~أنزلناهم منزلا مرضيا حسنا. ### || [10.96] # صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له ~~في علم الله الشقاوة لا ينفعه وضوح أدلة الحق، وذكر هذا المعنى في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101 وقوله # وإن يروا آية يعرضوا # القمر 2 الآية، وقوله # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين # الأنعام 4 وقوله # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # يوسف 105 وقوله # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # البقرة 6. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [10.98] # قوله تعالى { إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى ~~حين }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن إيمان قوم يونس ما نفعهم إلا في ~~الدنيا دون الآخرة، لقوله { كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا }. ويفهم من مفهوم المخالفة في قوله { في ~~الحياة الدنيا } أن الآخرة ليست كذلك، ولكنه تعالى أطلق عليهم ~~اسم الإيمان من غير قيد في سورة " الصافات " والإيمان منقذ من عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة، كما أنه بين في " الصافات " أيضا كثرة عددهم وكل ~~ذلك في قوله تعالى # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # الصافات 147-148. ### || [10.99] # قوله تعالى { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا }. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع أهل ~~الأرض لآمنوا كلهم جميعا، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته ~~الكونية القدرية. وبين ذلك أيضا في آيات كثيرة كقوله تعالى # ولو شآء الله مآ أشركوا # الأنعام 107 الآية، وقوله # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # السجدة 13، وقوله # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # الأنعام 35 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين }. بين تعالى ms0738 في هذه الآية ~~الكريمة أن من لم يهده الله فلا هادي له، ولا يمكن أحدا أن يقهر قلبه ~~على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد الله به ذلك. وأوضح ذلك المعنى في ~~آيات كثيرة كقوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # المائدة 41، وقوله # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # النحل 37 الآية، وقوله # إنك لا تهدي من أحببت # القصص 56 الآية، وقوله # من يضلل الله فلا هادي له # الأعراف 186، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا كما تقدم، في " النساء ". ~~والظاهر أنها غير منسوخة، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى ~~الخير إلا الله تعالى وأظهر دليل على ذلك أن الله أتبعه بقوله # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # يونس 100 الآية. ### || [10.101] # قوله تعالى { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ~~الآية. أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات ~~والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه ~~لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # فصلت 53 الآية، ووبخ في سورة " الأعراف " من لم يمتثل هذا الأمر وهدده ~~بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله جل وعلا أن ~~ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله - جل وعلا - ~~وذلك في قوله تعالى # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم # الأعراف 185 الآية. تنبيه آية " الأعراف " هذه التي ذكرنا تدل دلالة ~~واضحة على أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين خلافا ~~لجماعة من الشافعية وغيرهم. ### || [10.105] # قوله تعالى { وأن أقم وجهك للدين } الآية. أوضح هذا ~~المعنى في قوله # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها # الروم 30 الآية. ### || [10.106] # قوله تعالى { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ms0739 ولا ~~يضرك } الآية. أوضح معناه أيضا بقوله # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ~~كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # القصص 88. ### || [10.109] # قوله تعالى { واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين } الآية. لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين ~~أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل ~~دين، كقوله # إذا جآء نصر الله والفتح # النصر 1 إلى آخر السورة وقوله # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # الفتح 1 إلى آخرها، وقوله # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه # الرعد 41 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور ~~اختلافا كثيرا، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحدا من تلك الأقوال، ~~وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل ~~وعلا نستعين قال بعض العلماء هي مما استأثر الله تعالى بعلمه. كما بيناه ~~في " آل عمران " وممن روي عنه هذا القول أبو بكر، وعمر، وعثمان. وعلي، ~~وابن مسعود - رضي الله عنهم - وعامر والشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن ~~خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل هي أسماء للسور التي افتتحت بها. ~~وممن قال هذا بهذا القول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا ~~القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم. قال الزمخشري في تفسيره وعليه ~~إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في ~~الصحيح عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة { ~~الم } السجدة، و { هل أتى على الإنسان } ". # ويدل له أيضا قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله رضي الله ~~عنهما يوم الجمل، وهو شريح ابن أبي أوفى العبسي. كما ذكره البخاري في ~~صحيحه في أول سورة المؤمن # يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم # وحكى ms0740 ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلا إنه الذي قتل محمد بن ~~طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف أنه لمدلج بن كعب السعدي. ويقال كعب بن ~~مدلج. وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. ~~قال المرزباني وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله # وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح ~~جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا ~~عليا ومن لا يتبع الحق يندم # يذكرني حاميم... البيت. ا ه من فتح الباري. فقوله " يذكرني حاميم " ، ~~بإعراب " حاميم " إعراب ما لا ينصرف - فيه دلالة على ما ذكرنا من أنه اسم ~~للسورة. وقيل هي من اسماء الله تعالى. وممن قال بهذا سالم بن عبد الله، ~~والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما وعنه أيضا أنها أقسام أقسم الله بها. وهي من أسمائه. ~~وروي نحوه عن عكرمة. وقيل هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسماءه جل ~~وعلا. فالألف من " الم " مثلا مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه ~~اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن ~~مسعود، وأبي العاليه. # واستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به ~~جميع الكلمة كقول الراجز # قلت لها قفي فقالت لي قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف # فقوله " قاف " أي وقفت. وقول الآخر # بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا # يعني وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن ~~بقية الكلمتين. قال القرطبي وفي الحديث # " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " # الحديث. قال سفيان هو أن يقول في أقتل أ ق. إلى غير ما ذكرنا من الأقوال ~~في فواتح السور، وهي نحو ثلاثين قولا. أما القول الذي يدل استقراء ~~القرآن على رجحانه فهو أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت ~~فيها ms0741 بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه ~~مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في ~~تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ~~ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة ~~أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي ~~عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول أن السور التي ~~افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما عقب الحروف المقطعة الانتصار ~~للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائما ~~دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه ~~حق. قال تعالى في البقرة # الم # البقرة 1 وأتبع ذلك بقوله # ذلك الكتاب لا ريب فيه # البقرة 2 وقال في آل عمران # الم # آل عمران 1 وأتبع ذلك بقوله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل ~~عليك الكتاب بالحق # آل عمران 2 -3 الآية. وقال في الأعراف # المص # ثم قال # كتاب أنزل إليك # الآية. وقال في سورة يونس # الر # ثم قال # تلك آيات الكتاب الحكيم # يونس 1 وقال في هذه السورة الكريمة التي نحن بصددها - أعني سورة هود { ~~الر } ثم قال { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير } هود 1، وقال في يوسف # الر # ثم قال # تلك آيات الكتاب المبين # يوسف 1 # إنآ أنزلناه قرآنا عربيا # يوسف 2 الآية. وقال في الرعد # المر # ثم قال # تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق # الرعد 1، وقال في سورة إبراهيم # الر # ثم قال # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور # إبراهيم 1 الآية. وقال في الحجر # الر # ثم قال # تلك آيات الكتاب وقرآن مبين # الحجر 1 وقال في سورة طه # طه # طه 1 ثم قال # مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى # طه 2 وقال في الشعراء # طسم # الشعراء 1 ثم قال # تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك # الشعراء 2-3 الآية. وقال ms0742 في النمل # طس # ثم قال # تلك آيات القرآن وكتاب مبين # النمل 1 وقال في القصص # طسم # القصص 1 ثم قال # تلك آيات الكتاب المبين # القصص 2 # نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون # القصص 3 الآية. وقال في لقمان # الم # لقمان 1 ثم قال # تلك آيات الكتاب الحكيم # لقمان 2 # هدى ورحمة للمحسنين # لقمان 3 وقال في السجدة # الم # السجدة 1 ثم قال # تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين # السجدة 2 وقال في يس # يس # يس 1 ثم قال # والقرآن الحكيم # يس 2 الآية وقال في ص # ص # ثم قال # والقرآن ذي الذكر # ص 1 الآية وقال في سورة المؤمن # حم # المؤمن 1 ثم قال # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # المؤمن 2 الآية. وقال في فصلت # حم # فصلت 1 ثم قال # تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون # فصلت 2-3 الآية وقال في الشورى # حم عسق # الشورى 1-2 ثم قال # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك # الشورى 3 الآية وقال في الزخرف # حم # الزخرف 1 ثم قال # والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا # الزخرف 2-3 الآية وقال في الدخان # حم # الدخان 1 ثم قال # والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # الدخان 2-3 الآية وقال في الجاثية # حم # الجاثية 1 ثم قال # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين # الجاثية 2-3 وقال في الأحقاف # حم # الأحقاف 1 ثم قال # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق # الأحقاف 2-3 الآية. وقال في سورة ق # ق # ثم قال # والقرآن المجيد # ق 1 الآية. وقد قدمنا كلام الأصوليين في الاحتجاج بالاستقراء بما أغنى ~~عن إعادته هنا. وإنما أخرنا الكلام على الحروف المقطعة مع أنه مرت سور ~~مفتتحة بالحروف المقطعة كالبقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس. لأن الحروف ~~المقطعة في القرآن المكي غالبا، والبقرة، وآل عمران مدنييتان والغالب له ~~الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود. لأن ms0743 دلالتها على المعنى المقصود في ~~غاية الظهور والإيضاح. لأن قوله تعالى { كتاب أحكمت آياته ~~ثم فصلت من لدن حكيم خبير } بعد قوله { الر } واضح ~~جدا فيما كرنا، والعلم عند الله تعالى. ### || [11.2] # هذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل ~~القرآن من أجلها هي أن يعبد الله جل وعلا وحده، ولا يشرك به في عبادته ~~شيء، لأن قوله جل وعلا { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~من لدن حكيم خبير * ألا تعبدوا إلا الله } ~~الآية - صريح في أن آيات هذا الكتاب فصلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن ~~يعبد الله وحده، سواء قلنا إن " أن " هي المفسرة. أو أن المصدر المنسبك ~~منها ومن صلتها مفعول من أجله، لأن ضابط " أن " المفسرة أن يكون ما قبلها ~~متضمنا معنى القول، ولا يكون فيه حروف القول. ووجهه في هذه الآية أن ~~قوله { أحكمت آياته ثم فصلت } فيه معنى قول الله تعالى ~~لذلك الإحكام والتفصيل دون حروف القول، فيكون تفسير ذلك هو { ألا ~~تعبدوا إلا الله }. وأما على القول بأن المصدر المنسبك من " ~~أن " وصلتها مفعول له فالأمر واضح، فمعنى الآية، أن حاصل تفصيل القرآن هو ~~أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء. ونظير هذا المعنى قوله تعالى ~~في سورة الأنبياء # قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد ~~فهل أنتم مسلمون # الأنبياء 108 ومعلوم أن لفظه " إنما " من صيغ الحصر، فكأن جميع ما أوحي ~~إليه منحصر في معنى " لا إله إلا الله " وقد ذكرنا في كتابنا " دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب ". أن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد ~~العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع، لأن شرائع ~~الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى " لا إله إلا الله " لأن معناها. خلع ~~جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل ~~وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي ~~القولية والفعلية والاعتقادية. والآيات الدالة على أن إرسال ms0744 الرسل، ~~وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدا، كقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36، وقوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25، وقوله # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45 إلى غير ذلك من الآيات. وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة ~~الفاتحة، وسنستقصي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة " الناس " ، ~~لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى. ### || [11.3] # قوله تعالى { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى } الآية. هذه ~~الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب ~~سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعا حسنا إلى أجل مسمى. لأنه رتب ذلك ~~على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه. والظاهر أن المراد بالمتاع ~~الحسن. سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل ~~المسمى الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود ~~عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم # هود 52 وقوله تعالى عن نوح # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا # نوح 10-12 وقوله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # النحل 97 الآية. وقوله # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # الأعراف 96 الآية. وقوله # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # المائدة 66 وقوله # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # الطلاق 2-3 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [11.5] # يبين تعالى في هذه الآية الكريمة. أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر ~~كالعلانية عنده، فهو عالم بما ms0745 تنطوي عليه الضمائر وما يعلن وما يسر، ~~والآيات المبينة لهذا كثيرة جدا، كقوله # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق 16 وقوله جل وعلا # واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه # البقرة 235 وقوله # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين # الأعراف 7، وقوله # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السمآء # يونس 61 الآية. ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا ~~المعنى. تنبيه مهم اعلم أن الله تبارك وتعالى ما أنزل من السماء إلى ~~الأرض واعظا أكبر، ولا زاجرا أعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة ~~وأمثالها في القرآن، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ~~ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر. والزاجر الأعظم ~~مثلا ليصير به كالمحسوس، فقالوا لو فرضنا أن ملكا قتالا للرجال، ~~سفاكا للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلما، وسيافه ~~قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دما، وحول هذا الملك ~~الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحدا من الحاضرين يهتم ~~بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم ~~بأنه مطلع عليه؟! لا، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة ~~قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم خوفا من بطش ذلك الملك. ولا شك ~~ولله المثل الأعلى أن رب السموات والأرض جل وعلا أشد علما، وأعظم ~~مراقبة، وأشد بطشا، وأعظم نكالا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه ~~محارمه. فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه، وأنه ~~مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لأن قلبه، خشي الله تعالى، وأحسن ~~عمله لله جل وعلا. ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أن الله تبارك وتعالى ~~صرح بأن الحكمة التي خلق الخلق من ms0746 أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملا، ~~ولم يقل أيهم أكثر عملا، فالابتلاء في إحسان العلم، كما قال تعالى في ~~هذه السورة الكريمة # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # هود 7 الآية. وقال في الملك # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور # الملك 2. ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن ~~يبتلى أي يختبر بإحسان العمل فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة ~~لنجاحه في هذا الاختبار، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا ليعلمه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ~~أخبرني عن الإحسان " ، أي وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختيار فيه، فبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ، والزاجر ~~الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما ~~يفعل خلقه، فقال له # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة { ألا إنهم ~~يثنون صدورهم } وقوله { يستغشون ثيابهم } وفي مرجع ~~الضمير في قوله { منه }. فقال بعض العلماء معنى { يثنون ~~صدورهم } يزورون عن الحق، وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشيء ~~استقبله بصدره، ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه. بهذا ~~فسره الزمخشري في الكشاف. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا المعنى معروف ~~في كلام العرب، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه، ~~ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه. فمن الأول قول ~~ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب # خليلي عوجا بارك الله فيكما على دارمي من صدور الركائب تكن عوجة ~~يجزيكما الله عنده بها الأجر أو تقضي ذمامة صاحب # يعنى اثنيا صدور الركائب إلى دارمي ومن الثاني قول الشنفرى. # اقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قومي سواكم لأميل # وقول الآخر ms0747 # أقول لأم زنباع أقيمي صدور العيش شطر بني تميم # وقيل نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة. ~~كان حلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب وينطوي له ~~بقلبه على ما يسوء. وقيل نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطوطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا لا يراه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان. حكي معناه عن عبد الله ~~بن شداد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن ~~يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب، يستحيون من الله. وقال ~~بعض العلماء معنى { يستغشون ثيابهم } يغطون رؤوسهم لأجل ~~كراهتهم استماع كلام الله، كقوله تعالى عن نوح # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم # نوح 7 الآية. وقيل كانوا إذا عملوا سوءا ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم، ~~يظنون أنهم إن فعلوا ذلك أخفوا به عملهم على الله جل وعلا. ويدل لهذا ~~الوجه قوله تعالى { ليستخفوا منه } الآية. وقرأ ابن عباس هذه ~~الآية الكريمة " ألا إنهم تثنوني صدورهم " وتثنوني مضارع اثنوني، ووزنه ~~افعوعل من الثني كما تقول احلولى من الحلاوة وصدورهم " في قراءة ابن عباس ~~بالرفع فاعل تثنوني، والضمير في قوله " منه " عائد إلى الله تعالى في ~~أظهر القولين. وقيل راجع إليه صلى الله عليه وسلم كما مر في الأقوال في ~~الآية. ### || [11.7] # قوله تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على المآء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا }. صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق ~~السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق، ولم يخلقهما عبثا ولا باطلا. ونزه ~~نفسه تعالى عن ذلك، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم ~~بالنار، قال تعالى # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # ص 27 وقال تعالى # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله ms0748 الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # المؤمنون 115-116 وقال # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الذاريات 56، وقال # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا # الملك 2 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [11.8] # قوله تعالى { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة ~~معدودة } الآية. المراد بالأمة هنا المدة من الزمن. ونظيره قوله ~~تعالى # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة # يوسف 45 الآية. أي تذكر بعد مدة. تنبيه استعمل لفظ { الأمة } في ~~القرآن أربعة استعمالات الأول هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في ~~البرهة من الزمن. الثاني استعمالها في الجماعة من الناس، وهو الاستعمال ~~الغالب، كقوله # وجد عليه أمة من الناس يسقون # ص 23 الآية، وقوله # ولكل أمة رسول # يونس 47 الآية، وقوله # كان الناس أمة # البقرة 213 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. الثالث استعمال { الأمة } ~~في الرجل المقتدى به. كقوله # إن إبراهيم كان أمة # النحل 120 الآية. الرابع استعمال { الأمة } في الشريعة والطريقة. ~~كقوله # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # الزخرف 22 الآية، وقوله # إن هذه أمتكم أمة واحدة # الأنبياء 92 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [11.15] # صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن من عمل عملا يريد به الحياة الدنيا ~~أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار. ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى في سورة الشورى # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # الشورى 20 ولكنه تعالى يبين في سوره بني إسرائيل تعليق ذلك على مشيئته ~~جل وعلا بقوله # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # الإسراء 18 الآية وقد أوضحنا هذه المسألة غاية الإيضاح في كتابنا " دفع ~~إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في الكلام على هذه الآية الكريمة، ولذلك ~~اختصرناها هنا. ### || [11.17] # قوله تعالى { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده }. صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن لا ~~يكفر به أحد كائنا من كان إلا دخل ms0749 النار. وهو صريح في عموم رسالة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق. والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله ~~تعالى # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # الأنعام 19، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1، وقوله # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28 الآية. وقوله # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158 الآية. قوله تعالى { فلا تك في مرية منه ~~إنه الحق من ربك } الآية. نهى الله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة عن الشك في هذا القرآن العظيم، وصرح أنه الحق من الله. والآيات ~~الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدا كقوله # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه # البقرة 1-2 الآية وقوله # الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين # السجدة 1- 2 ونحو ذلك من الآيات. والمرية الشك. قوله تعالى { ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }. صرح تعالى في هذه ~~الآية الكريمة بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وبين ذلك أيضا في مواضع كثيرة، ~~كقوله # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # يوسف 103 وقوله # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك # الأنعام 116، وقوله # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # الصافات 71، وقوله # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # الشعراء 8 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [11.20] # قوله تعالى { يضاعف لهم العذاب } بين تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن الكفار الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجا، يضاعف ~~لهم العذاب يوم القيامة، لأنهم يعذبون على ضلالهم، ويعذبون أيضا على ~~إضلالهم غيرهم، كما أوضحه تعالى بقوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88. وبين في موضع آخر. أن العذاب يضاعف للأتباع والمتبوعين، وهو ~~قوله في الأعراف # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف # الأعراف 38 الآية. قوله تعالى { ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون }. في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه، بعضها ~~يشهد له القرآن ms0750 الأول - وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره، ونقله عن ~~ابن عباس وقتادة - أن معنى { ما كانوا يستطيعون السمع } ~~الآية - أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع، ولا أن يبصروه ~~إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين عن استعمال جوارحهم ~~في طاعة الله تعالى وقد كانت لهم أسماع وأبصار. ويدل لهذا قوله تعالى # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله # الأحقاف 26 الآية. الثاني - وهو أظهرها عندي- أن عدم الاستطاعة المذكورة ~~في الآية إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة ~~التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # البقرة 7، وقوله # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # الكهف 75 ونحو ذلك من الآيات. وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من ~~الله تعالى لهم على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم ~~كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله # بل طبع الله عليها بكفرهم # النساء 155 وقوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5 وقوله # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # البقرة 10 الآية. وقوله # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # التوبة 125 الآية وقوله # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # الأنعام 110 الآية - إلى غير ذلك من الآيات. الثالث- أن المعنى ما كانوا ~~يستطيعون السمع أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم لا ~~استطيع أن اسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له ويشهد لهذا القول ~~قوله تعالى # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # الحج 27 وقوله تعالى # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن # فصلت 26 الآية وقوله # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم # نوح 7 الآية. الرابع أن " ما " مصدرية ظرفية، أي يضاعف لهم العذاب مدة ~~كونهم ms0751 يستطيعون أن يسمعوا ويبصروا، أي يضاعف لهم العذاب دائما الخامس " ~~ما " مصدرية في محل نصب بنزع الخافض، أي يضاعف لهم العذاب بسبب كونهم ~~يستطيعون السمع والإبصار في دار الدنيا، وتركوا الحق مع أنهم يستطيعون ~~إدراكه بأسماعهم وأبصارهم. وقد قدمنا في سورة النساء قول الأخفش الأصغر ~~بأن النصب بنزع الخافض مقيس مطلقا عند أمن اللبس. السادس أن قوله { ما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } من صفة ~~الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، فيكون متصلا بقوله # وما كان لهم من دون الله من أوليآء # هود 20 وتكون جملة { يضاعف لهم العذاب } اعتراضية. وتقرير ~~المعنى على هذا القول وما كان لهم من دون الله من أولياء ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، أي الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون ~~الله. وما لا يسمع ولا يبصر لا يصح أن يكون وليا لآخر. ويشهد لمعنى هذا ~~القول قوله تعالى في الأعراف # ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون ~~بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان ~~يسمعون بها # الأعراف 195 الآية، ونحوها من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك أن الآية الكريمة قد تكون فيها أقوال، وكلها يشهد به قرآن فنذكر ~~الجميع، والعلم عند الله تعالى. ### || [11.24] # قوله تعالى مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع }. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل ~~للكافر بالأعمى والأصم، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير، وبين أنهما ~~لا يستويان، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا يستوي الأصم والسميع. وأوضح ~~هذا المعنى في آيات كثيرة قوله # وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحيآء ~~ولا الأموات إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت ~~بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير # فاطر 19-23. وقوله # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # الرعد 19 الآية. وقوله # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء ~~إذا ولوا مدبرين # النمل 80 إلى غير ذلك من الآيات. ms0752 ### || [11.27] # قوله تعالى { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي } ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن ~~الملأ من قوم نوح قالوا له ما نراك اتبعك منا إلا الأسافل والأراذل. وذكر ~~في سورة الشعراء، أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # الشعراء 111. وبين في هذه السورة الكريمة أن نوحا عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام أبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويقوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم # هود 29 - 30. الآية. وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضا بقوله # إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ومآ أنا ~~بطارد المؤمنين # الشعراء 113 - 114. ### || [11.28] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح أنه قال لقومه { ~~أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت على بينة من ربي } ~~أي على يقين ونبوة صادقة لا شك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلي من ~~التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنه حق، أيمكنني أن ~~ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل ~~الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي ~~توفيقكم إلى الهدى وإن كان واضحا جليا لا لبس فيه، إن لم يهدكم الله جل ~~وعلا. وهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضا في هذه السورة الكريمة ~~بقوله # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم # هود 34 الآية. ### || [11.29] # قوله تعالى { ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ~~عن نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه أخبر قومه أنه لا يسألهم ~~مالا في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير ~~العظيم مجانا من غير أخذ أجرة في مقابله. وبين في آيات كثيرة أن ذلك هو ms0753 ~~شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كقوله في سبأ عن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله # سبأ 47 الآية. وقوله فيه أيضا في آخر صا # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # صا 86. وقوله في الطور والقلم # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # الطور 40. وقوله في الفرقان # قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا # الفرقان 57. وقوله في الأنعام # قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين # الأنعام 90. وقوله عن هود في سورة هود # يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني # هود 51 الآية. وقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # الشعراء 109. وقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس # اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا # يس 20 -21 الآية. وقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة وبين قوله ~~تعالى # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # الشورى 23 في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة سبأ ~~في الكلام على قوله تعالى # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم # سبأ 47. ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة أن الواجب على أتباع الرسل من ~~العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانا من غير أخذ عوض ذلك، ~~وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم ~~العقائد والحلال والحرام. ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه، فمن ذلك ما ~~رواه ابن ماجه والبيهقي والروياني في مسنده عن أبي ابن كعب رضي الله عنه ~~قال علمت رجلا القرآن، فأهدى لي قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال # " إن أخذت قوسا من نار " # فرددتها. قال البيهقي وابن عبد البر في هذا الحديث هو منقطع، أي بين ~~عطية ms0754 الكلاعي وأبي بن كعب، وكذلك قال المزي. وتعقبه ابن حجر بأن عطية ولد ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. # وأعله ابن القطان بأن رواية عن عطية المذكور هو عبد الرحمن بن سلم وهو ~~مجهول. وقال فيه ابن حجر في التقريب. شامي مجهول. وقال الشوكاني في نيل ~~الأوطار وله طرق عن أبي. قال ابن القطان لا يثبت منها شيء قال الحافظ ~~وفيما قاله نظر. وذكر المزي في الأطراف له طرقا منها أن الذي أقرأه أبي ~~هو الطفيل بن عمرو، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن ~~عمرو الدوسي قال. أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت له قوسا فغدا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقلدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " تقلدها من جهنم " # الحديث. وقال الشوكاني أيضا وفي الباب عن معاذ عند الحاكم والبزار بنحو ~~حديث أبي. وعن أبي الدرداء عن الدارمي بإسناد على شرط مسلم بنحوه أيضا. ~~ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه # " عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال. علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب ~~والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال أرمي بها في سبيل الله ~~عز وجل، لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتيته فقلت. يا ~~رسول الله، أهدى إلي رجل قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال ~~أرمى عليها في سبيل الله؟ فقالإن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها " # وفي إسناده المغيرة بن زياد الموصلي قال الشوكاني وثقه وكيع ويحيى بن ~~معين وتكلم فيه جماعة. وقال الإمام أحمد ضعيف الحديث، حدث بأحاديث ~~مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أو زرعة الرازي. لا يحتج بحديثه ا ~~ه. وقال فيه ابن حجر في التقريب. المغيرة بن زياد البجلبي أبو هشام أو ~~هاشم الموصلي صدوق له أوهام. # " وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق أخرى ليس فيها المغيرة المذكور. ~~حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا ثنا بقية حدثني بشر بن ms0755 عبد الله ~~بن بشار قال عمرو وحدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن ~~الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت ما ترى فيها يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها " # اه منه بلفظه. وفي سند هذه الرواية بقية بن الوليد وقد تكلم فيه جماعة، ~~ووثقه آخرون إذا روى عن الثقات، وهو من رجال مسلم. وأخرج له البخاري ~~تعليقا. وقال فيه ابن حجر في التقريب صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، ~~والظاهر أن أعدل الأقوال فيه أنه إن صرح بالسماع عن الثقات فلا بأس به، ~~مع أن حديثه هذا معتضد بما تقدم وبما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن ذلك # " ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن ~~من بعدكم قوما يقرؤون القرآن يسألون به الناس " # قال الترمذي في هذا الحديث ليس إسناده بذلك. ومنها ما رواه أبو داود في ~~سننه حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد عن حميد الأعرج، عن محمد بن ~~المنكدر، # " عن جابر بن عبد الله قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي فقال " اقرؤوا فكل حسن، ~~وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه " # حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن ~~بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، # " عن سهل بن سعد الساعدي قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نقتري فقال الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض ~~وفيكم الأسود، اقرؤوا قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل ~~أجره ولا يتأجله " # اه. ومنها ما رواه الإمام أحمد، # " عن عبد الرحمن بن شبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اقرؤوا ~~القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ms0756 ". # قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في هذا الحديث قال في مجمع ~~الزوائد رجال أحمد ثقات. ومنها ما أخرجه الأثرم في سننه # " عن أبي رضي الله عنه قال كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة، قد ~~احتبس في بيته أقرئه القرآن، فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في ~~نفسي شيء فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن كان ذلك الطعام ~~طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله " # ا ه بواسطة نقل ابن قدامة في المغني والشوكاني في نيل الأوطار. فهذه ~~الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ ~~الأجرة عليها. وممن قال بهذا الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة ~~والضحاك بن قيس وعطاء. وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبد ~~الله بن شقيق هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت. وممن كره أجرة ~~التعليم مع الشرط الحسن وابن سرين، وطاوس، والشعبي، والنخعي. قاله في ~~المغني. وقال إن ظاهر كلام الإمام أحمد جواز أخذ العلم ما أعطيه من غير ~~شرط. وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو ~~مذهب مالك، والشافعي. وممن رخص في أجور المعلمين أبو قلابة، وأبو ثور، ~~وابن المنذر. ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال التعليم أحب إلي من أن يتوكل ~~لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن ~~يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، ~~التعليم أحب إلي. # وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم. قاله ابن ~~قدامة في المغني. واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما رواه الشيخان ~~وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يارسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت ~~قياما طويلا، فقام رجل فقال يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها ~~حاجة؟ فقال رسول ms0757 الله صلى الله عليه وسلم # " هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال ما عندي إلا إزاري. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك " ، فالتمس شيئا ~~فقال ما أجد شيئا، فقال " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد ~~شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " هل معك من القرآن شيء؟ قال ~~نعم، سورة كذا وكذا يسميها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قد ~~زوجتكها بما معك من القرآن " وفي رواية " قد ملكتكها بما معك من القرآن " # فقالوا هذا الرجل أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل تعليمه ~~بعض القرآن لهذه المرأة عوضا عن صداقها. وهو صريح في أن العوض على تعليم ~~القرآن جائز. وما رد به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنه صلى ~~الله عليه وسلم زوجه إياها بغير صداق إكراما له لحفظه ذلك المقدار من ~~القرآن، ولم يجعل التعليم صداقا لها - مردود بما ثبت في بعض الروايات في ~~صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن " # وفي رواية لأبي داود # " علمها عشرين آية وهي امرأتك ". # واحتجوا أيضا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في صحيح البخاري من ~~حديث ابن عباس # " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " # قالوا الحديث وإن كان واردا في الجعل على الرقيا بكتاب الله فالعبرة ~~بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. واحتمال الفرق بين الجعل على الرقية ~~وبين الأجرة على التعليم ظاهر. قال مقيدة - عفا الله عنه - الذي يظهر لي ~~والله تعالى أعلم، أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ~~ألا يأخذ عوضا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام للأدلة ~~الماضية. وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين. لأن ~~الظاهرأن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا ~~من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل ~~التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام. والعلم عند ms0758 الله تعالى. ### || [11.40] # قوله تعالى { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } ~~الآية. ذكر الله جل وعلا في الآية هذه الكريمة أنه أمر نبيه نوحا عليه ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين. وبين في ~~سورة { قد أفلح المؤمنون } أنه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها. فدل ذلك ~~على أن فيها بيوتا يدخل فيه الراكبون. وذلك في قوله # فإذا جآء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من ~~كل زوجين اثنين # المؤمنون 27 ومعنى " اسلك " أدخل فيها من كل زوجين اثنين. تقول العرب ~~سلكت الشيء في الشيء أدخلته فيه. وفيه لغة أخرى وهي أسلكته فيه، رباعيا ~~بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن. كقوله # فاسلك فيها من كل زوجين اثنين # المؤمنون 27 الآية. وقوله # اسلك يدك في جيبك # القصص 32 الآية. وقوله # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين # الشعراء 200 الآية. وقوله # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين # الحجر 12 وقوله # ما سلككم في سقر # المدثر 42 الآية. ومنه قول الشاعر # وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب # ومن الرباعية قول عبد مناف بن ربع الهذلي # حتى إذا أسلكوهم في قتائده شلا كما تطرد الجمالة الشردا # قال مقيدة - عفا الله عنه - الذي يظهر أن أصل السلك الذي هو الخيط فعل ~~بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول. لأن الخيط يسلك أي يدخل ~~في الخرز لينظمه. كما قال العباس بن مرداس السلمي # عين تأوبها من شجوها أرق فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ~~ناظمة تقطع السلك منه فهو منتثر # والله تعالى أعلم. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أمر نوحا أن ~~يحمل في السفينة أهله إلا من قد سبق عليه القول، أي سبق عليه من القول ~~بأنه شقى، وأنه هالك مع الكافرين. ولم يبين هنا من سبق عليه القول منهم، ~~ولكنه بين بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته. قال ~~في ابنه الذي سبق عليه القول # ونادى نوح ابنه ms0759 وكان في معزل يبني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين # هود 42 - إلى قوله - # وحال بينهما الموج فكان من المغرقين # هود 43 وقال فيه أيضا # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح # هود 46 الآية وقال في امرأته # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح # التحريم 10 - إلى قوله # مع الداخلين # التحريم 10. ### || [11.41] # ذكر الله تعالى في هذا الآية الكريمة أن نبيه نوحا عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام أمر أصحابه الذين قيل لهم احملهم فيها أن يركبوا فيها ~~قائلا { بسم الله مجراها ومرساها } أي بسم الله يكون ~~جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها. وبين في ~~سورة الفلاح أنه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله ~~الذي نجاهم من الكفرة الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلا مباركا. وذلك ~~في قوله # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل ~~رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين # المؤمنون 28 - 29. وبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن ~~وغيرها بقوله # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # الزخرف 12 -14. ومعنى قوله { مقرنين } أي مطيقين، ومنه قول عمرو بن ~~معد يكرب # لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا # وقول الآخر # ركبتم صعبتي أشر وجبن ولستم للصعاب بمقرنينا # وقول ابن هرمة # وأقرنت ما حملتني ولقلما يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر ### || [11.42] # قوله تعالى { وهي تجري بهم في موج كالجبال } الآية. ~~ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ~~ماء عظيم، أمواجه كالجبال. وبين جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في ~~مواضع أخر. كقوله # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية # الحاقة ms0760 11 - 12 وقوله # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر ~~وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا ~~جزآء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من ~~مدكر # القمر 11 - 15. وبين في موضع آخر أن أمواج البحر الذي أغرق الله فيه ~~فرعون وقومه كالجبال أيضا بقوله # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # الشعراء 63 والطود الجبل العظيم. ### || [11.58] # قوله تعالى { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا } الآية. لم يبين هنا أمره الذي جاء ~~الذي نجى منه هودا والذين آمنوا معه عند مجيئه. ولكنه بين في مواضع أخر ~~أنه الإهلاك المستأصل بالريح العقيم. التي أهلكهم الله بها فقطع دابرهم. ~~كقوله # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # الذاريات 41 - 42. وقوله # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما # الحاقة 6 -7 الآية. وقوله # إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس ~~مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر # القمر 19 - 20. وقوله # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزي # فصلت 16 الآية. ### || [11.66] # قوله تعالى { فلما جآء أمرنا نجينا صالحا } الآية. ~~وبين هذا الأمر الذي جاء بقوله # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ~~ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # هود 67- 68 ونحوها من الآيات. ### || [11.69-70] # قوله تعالى { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ~~قالوا سلاما } اآية. لم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت ~~بها الرسل الملائكة إبراهيم ولكنه أشار بعد هذا إلى أنها البشارة بإسحاق ~~ويعقوب في قوله # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # هود 71 لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم والأب، كما يدل لذلك قوله # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # الصافات 112. وقوله # قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم # الذاريات 28 وقوله # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم # الحجر 53 وقيل ms0761 البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه ~~فالآيات المبينة لها كقوله هنا في هذه السورة # قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط # هود 70 الآية. وقوله # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين إلا آل ~~لوط # الحجر 58 - 59 الآية. وقوله # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل ~~عليهم حجارة من طين # الذاريات 32 - 33 وقوله # ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ~~ظالمين # العنكبوت 31. والظاهر القول الأول وهذه الآية الأخيرة تدل عليه لأن فيها ~~التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى، لأنه مرتب عليه ~~بأداة الشرط التي هي " لما " كما ترى. قوله تعالى. { فما لبث أن ~~جآء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم وأوجس منهم } الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ~~أن إبراهيم لما سلم على رسل الملائكة وكان يظنهم ضيوفا من الآدميين، ~~أسرع إليهم بالإتيان بالقرى وهو لحم عجل حنيذ - أي منضج بالنار - وأنهم ~~لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة فقالوا لا تخف وأخبروه بخبرهم. وبين في ~~الذاريات أنه راغ إلى أهله - أي مال إليهم - فجاء بذلك العجل وبين أنه ~~سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم # ألا تأكلون # الذاريات 27 وأنه أوجس منهم خيفة وذلك في قوله # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ ~~دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين ~~فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم ~~خيفة # الذاريات 24 - 28 الآية. تنبيه يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء ~~من آداب الضيافة. منها - تعجيل القرى لقوله { فما لبث أن جآء ~~بعجل حنيذ }. ومنها - كون القرى من أحسن ما عنده، لأنهم ذكروا أن ~~الذي عنده البقر وأطيبه لحما الفتى السمين المنضح. ومنها - تقريب الطعام ~~إلى الضيف. ومنها - ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله { ألا ~~تأكلون }. ومعنى قوله { نكرهم } أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق ~~نكر وأنكر بمعنى واحد وقد جمعهما ms0762 قول الأعشى # وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وروي عن يونس أن أبا عمرو بن العلاء حدثه أنه صنع هذا البيت وأدخله في ~~شعر الأعشى. والله تعالى أعلم. ### || [11.72] # بين الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما ~~بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت ~~في الذاريات بقوله # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم # الذاريات 29 وقوله { في صرة } أي ضجة وصيحة. وقوله { فصكت ~~وجهها } أي لطمته. ### || [11.74] # قوله تعالى { وجآءته البشرى يجادلنا في قوم لوط }. ~~لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في ~~العنكبوت بقوله # قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته # العنكبوت 31 - 32 الآية. فحاصل جداله لهم أنه يقول إن أهلكتم القرية ~~وفيها أحد من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا ~~بقولهم { نحن أعلم بمن فيها } الآية. ونظير ذلك قوله # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 35 - 36. ### || [11.76] # هذا العذاب الذي صرح هنا بأنه آت قوم لوط، لا محالة وأنه لا مرد له بينه ~~في مواضع متعددة، كقوله في هذه السورة الكريمة # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد # هود 82 - 83. وقوله في الحجر # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين # الحجر 74 - 75. وقوله # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء # الفرقان 40، الآية. وقوله # ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فسآء ~~مطر المنذرين # الشعراء 172 - 173. وقوله # لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك ~~للمسرفين # الذاريات 33 - 34 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [11.77] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن لوطا ms0763 عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ~~ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب أنه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم ~~عليهما الصلاة والسلام. وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم ~~فاحشة اللواط، لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به ~~الفاحشة المذكورة - من ذلك قوله هنا # وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ~~أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا ~~في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد # هود 78 - 79. وقوله في الحجر # وجآء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلآء ~~ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا ~~أولم ننهك عن العالمين قال هؤلآء بناتي إن ~~كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون # الحجر 67 - 72. وقوله { يهرعون } أي يسرعون ويهرولون من فرحهم ~~بذلك، ومنه قول مهلهل # فجاؤوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف # وقوله { ولا تخزون } أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي. ~~والاسم منه الخزي - بكسر الخاء وإسكان الزاي-. ومنه قول حسان في عتبة بن ~~أبي وقاص # فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق # وقال بعض العلماء قوله { ولا تخزون } من الخزاية، وهي الخجل ~~والاستحياء من الفضيحة. أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببا في خجلي ~~واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا وحشيا تطارده الكلاب في جانب ~~حبل من الرمل. # حتى إذا دومت في الأرض راجعة كر ولو شاء نجى نفسه الهرب خزاية أدركته ~~بعد جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب # يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من ~~الهرب فكر راجعا إليها. ومنه قوله الآخر # أجاعلة أم الثوير خزاية على فراري أن لقيت بني عبس # والفعل منه خزي ms0764 يخزى، كرضى يرضى. ومنه قول الشاعر # من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها # وقول الآخر # وإني لا أخزى إذا قيل مملق سخى وأخزى أن يقال بخيل # وقوله # لعمرك # الحجر 72 معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ~~ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ~~من التشريف له صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. ولا يجوز لمخلوق أن يحلف ~~بغير الله، لقوله صلى الله عليه وسلم # " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". # وقوله { لعمرك } مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمى وسمع عن العرب ~~تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها رعملك، ومنه قول الشاعر # رعملك إن الطائر الواقع الذي تعرض لي من طائر لصدوق # وقوله # لفي سكرتهم # الحجر 72 أي عماهم وجهلهم وضلالهم. والعمه عمى القلب، فمعنى # يعمهون # الحجر 72 يترددون متحيرين لا يعرفون حقا من باطل، ولا نافعا من ضار، ~~ولا حسنا من قبيح. واختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام # هؤلاء بناتي # هود 78 في الموضعين على أقوال أحدها - أنه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ~~ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة وأبو عبيدة. الثاني - أن المراد ~~بناته لصلبه، وأن المعنى دعوا فاحشة اللواط وأزوجكم بناتي. وعلى هذا ~~فتزويج الكافر المسلمة كان جائزا في شرعه، كما كانت بنات نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت ~~خويلد رضي الله عنها إلى زوجها أبي العاص بن الربيع، أرسلته إليه في فداء ~~زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافرا يوم بدر، والقصة ~~مشهورة، وعقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازية بقوله في غزوة بدر # وابن الربيع صهر هادي الملة إذ في فداه زينب أرسلت بعقدها الذي به ~~أهدتها له ms0765 خديجة وزففتها سرحه بعقدها وعهدا إليه أن يردها له غدا الخ # القول الثالث - أن المراد بالبنات جميع نساء قومه، لأن نبي القوم أب ~~ديني لهم، كما يدل له قوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم # الأحزاب 6 وفي قراءة أبي بن كعب " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " وروي ~~نحوها عن ابن عباس. وبهذا القول قال كثير من العلماء. وهذا القول تقربه ~~قرينة وتبعده أخرى. أما القرينة التي تقربه فهي أن بنات لوط لا تسع جميع ~~رجال قومه كما هو ظاهر، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهم بقي عامة رجال قومه ~~لا أزواج لهم. فيتعين أن المراد عموم نساء قومه، ويدل للعموم قوله # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم # الشعراء 165- 166 وقوله # لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء # الأعراف 81 ونحو ذلك من الآيات. وأما القرينة التي تبعده فهي أن النبي ~~ليس أبا للكافرات، بل أبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين، كما ~~يدل عليه قوله # النبي أولى بالمؤمنين # الأحزاب 6 الآية. وقد صرح تعالى في الذاريات بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم ~~إلا أهل بيت واحد وهو أهل بيت لوط، وذلك في قوله # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 36. ### || [11.80-81] # قوله تعالى { قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ~~ركن شديد قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه لوطا وعظ قومه ~~ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه، وعرض عليهم النساء وترك الرجال، فلم يلتفتوا ~~إلى قوله، وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة فقال لوط { لو أن ~~لي بكم قوة } الآية. فأخبرته الملائكة بأنهم رسل ربه، وأن الكفار ~~الخبثاء لا يصلون إليه بسوء. وبين في القمر أنه تعالى طمس أعينهم، وذلك ~~في قوله # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا ~~عذابي ونذر # القمر 37. قوله تعالى { فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ms0766 مصيبها ~~مآ أصابهم }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر نبه لوطا أن ~~يسري بأهله بقطع من الليل، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل، أو وسطه أو ~~أوله، ولكنه بين في القمر أن ذلك من آخر الليل وقت السحر، وذلك في قوله # إلا آل لوط نجيناهم بسحر # القمر 34. ولم يبين هنا أنه أمره أن يكون من ورائهم وهم أمة، ولكنه بين ~~ذلك في الحجر بقوله # فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون # الحجر 65. وقوله تعالى { ولا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم }. قرأه جمهور القراء { ~~إلا امرأتك } بالنصب، وعليه فالأمر واضح. لأنه استثناء من الأهل، ~~أي أسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها، واتركها في قومها فإنها هالكة ~~معهم. ويدل لهذا الوجه قوله فيها في مواضع. # كانت من الغابرين # الأعراف 83 والغابر الباقي، أي من الباقين في الهلاك. وقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير { إلا امرأتك } بالرفع على أنه بدل من { أحد } وعليه ~~فالمعنى أنه أمر لوطا أن ينهى جميع أهله عن الالتفات إلا امرأته فإنه ~~أوحى إليه أنها هالكة لا محالة، ولا فائدة في نهيها عن الالتفات لكونها ~~من جملة الهالكين. وعلى قراءة الجمهور فهو لم يسر بها. وظاهر قراءة ابن ~~عمرو وابن كثير أنه أسرى بها والتفتت فهلكت. قال بعض العلماء لما سمعت ~~هدة العذاب التفتت وقالت واقوماه. فأدركها حجر فقتلها. قال مقيدة - عفا ~~الله عنه - الظاهر أن وجه الجمع بين القراءتين المذكورتين أن السر في أمر ~~لوط بأن يسري بأهله هو النجاة من العذاب الواقع صبحا بقوم لوط، وامرأة ~~لوط مصيبها ذلك العذاب الذي أصاب قومها لا محالة، فنتيجة إسراء لوط بأهله ~~لم تدخل فيها امرأته على كلا القولين، وما لا فائدة فيه كالعدم، فيستوي ~~معنى أنه تركها ولم يسر بها أصلا، وأنه أسرى بها وهلكت مع الهالكين. # فمعنى القولين راجع إلى أنها هالكة وليس لها نفع في إسراء لوط بأهله. ~~فلا فرق بين كونها ms0767 بقيت معهم، أو خرجت وأصابها ما أصابهم. فإذا كان ~~الإسراء مع لوط لم ينجها من العذاب، فهي ومن لم يسر معه سواء - والعلم ~~عند الله تعالى. وقوله { فأسر بأهلك } قرأه نافع وابن كثير " فاسر ~~" بهمزة وصل. من سرى يسري، وقرأه جمهور القراء { فأسر بأهلك } ~~بقطع الهمزة، من أسرى الرباعي على وزن أفعل. وسرى وأسرى لغتان وقراءتان ~~صحيحتان سبعيتان، ومن سرى الثلاثية، قوله تعالى # والليل إذا يسر # الفجر 4 فإن فتح ياء { يسر } يدل على أنه مضارع سرى الثلاثية. وجمع ~~اللغتين قول نابغة ذبيان # أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجى الشمال عليها جامد البرد # فإنه قال أسرت، رباعية في أشهر روايتي البيت. وقوله سارية. اسم فاعل سرى ~~الثلاثية، وجمعهما أيضا قول الآخر # حتى النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري # بفتح تاء " تسري " واللغتان كثيرتان جدا في كلام العرب. ومصدر الرباعية ~~الإسراء على القياس، ومصدر الثلاثية السرى - بالضم - على وزن فعل - بضم ~~ففتح - على غير قياس، ومنه قول عبد الله بن رواحة # عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى # قال تعالى { إن موعدهم الصبح } الآية. ذكر تعالى في هذه ~~الآية الكريمة أن موعد إهلاك قوم لوط وقت الصبح من تلك الليلة، وكذلك قال ~~في الحجر في قوله # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # الحجر 66 وزاد في الحجر أن صيحة العذاب وقعت عليهم وقت الإشراق وهو وقت ~~طلوع الشمس بقوله # فأخذتهم الصيحة مشرقين # الحجر 73. ### || [11.82] # قوله تعالى { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } الآية. ~~اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافا كثيرا، والظاهر أنها ~~حجارة من طين في غاية الشدة والقوة. والدليل على أن المراد بالسجيل ~~الطين. قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها # لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك ~~للمسرفين # الذاريات 33- 34، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والدليل على قوتها ~~وشدتها أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا لأن النكال بها بالغ ~~شديد. وأيضا فإن بعض العلماء قالوا السجيل والسجين ms0768 أختان، كلاهما الشديد ~~من الحجارة والضرب. ومنه قول ابن مقبل. # ورجلة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصى به الأبطال سجينا # وعلى هذا، فمعنى من سجيل أي من طين شديد القوة. والعلم عند الله تعالى. ### || [11.83] # قوله تعالى { وما هي من الظالمين ببعيد }. في هذه الآية ~~الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء اثنان منها كلاهما يشهد له ~~القرآن، وواحد يظهر أنه ضعيف. أما الذي يظهر أنه ضعيف فهو أن المعنى أن ~~تلك الحجارة ليست بعيدة من قوم لوط. أي لم تكن تخطئهم. قاله القرطبي ~~وغيره. لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى # وأمطرنا عليها حجارة # هود 82 ونحوها من الآيات. أما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن ~~فالأول منهما أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا. ~~فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى ~~الشام، ويخافوا أن يوقع الله بهم بسبب تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم مثل ما وقع من العذاب بأولئك، بسبب تكذيبهم لوطا عليه الصلاة ~~والسلام. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدا. كقوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137 - 138، وقوله # وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين # الحجر 76 - 77، وقوله # وتركنا فيهآ آية للذين يخافون العذاب الأليم # الذاريات 37 وقوله # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # العنكبوت 35 إلى غير ذلك من الآيات وعلى هذا القول فالضمير في قوله { ~~وما هي } راجع إلى ديار قوم لوط المفهومة من المقام. الوجه الثاني - ~~أن المعنى وما تلك الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد من الظالمين ~~للفاعلين مثل فعلهم، فهو تهديد لمشركي العرب كالذي قبله. ومن الآيات ~~الدالة على هذا الوجه قوله تعالى # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # محمد صلى الله عليه وسلم 10فإن قوله # وللكافرين أمثالها # محمد صلى الله عليه وسلم 10 ظاهر جدا في ذلك، والآيات بنحو ذلك كثيرة ~~تنبيه اختلف العلماء في عقوبة ms0769 من ارتكب فاحشة قوم لوط، وسنذكر إن شاء ~~الله أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يظهر رجحانه بالدليل من ذلك فنقول ~~وبالله جل وعلا نستعين قال بعض العلماء الحكم في ذلك أن يقتل الفاعل ~~والمفعول به مطلقا سواء كانا محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصنا والآخر ~~بكرا. وممن قال بهذا القول مالك بن أنس وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، ~~وإحدى الروايتين عن أحمد. وحكى غير واحد إجماع الصحابة على هذا القول، ~~إلا أن القائلين به اختلفوا في كيفية قتل من فعل تلك الفاحشة. قال بعضهم ~~يقتل بالسيف. وقال بعضهم يرجم بالحجارة. وقال بعضهم يحرق بالنار. وقال ~~بعضهم يرفع على أعلى بناء في البلد فيرمى منه منكسا ويتبع بالحجارة. ~~وحجة من قال بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط مطلقا ما أخرجه الإمام ~~أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". # قال ابن حجر ورجاله موثقون، إلا أن فيه اختلافا ا ه. وما ذكره يحيى بن ~~معين من أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ينكر عليه حديث عكرمة هذا عن ~~ابن عباس، فيه أن عمرا المذكور ثقة، أخرج له الشيخان ومالك كما قدمناه ~~مستوفى. ويعتضد هذا الحديث بما رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في ~~البكر يوجد على اللوطية أنه يرجم. أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي. ~~وبما أخرجه الحاكم وابن ماجة عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا " # قال الشوكاني وإسناده ضعيف. قال ابن الطلاع في أحكامه لم يثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه ~~أنه قال # " اقتلوا الفاعل والمفعول به " # رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة. اه. قال الحافظ وحديث أبي هريرة لا يصح، ~~وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن ms0770 سهيل عن أبيه عنه وعاصم ~~متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ # " فارجموا الأعلى والأسفل " # اه. وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطيا، ثم قال قال ~~الشافعي وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنا كان أو غير محصن. وقال هذا قول ~~ابن عباس قال وسعيد بن المسيب يقول السنة أن يرجم اللوطي أحصن أو لم ~~يحصن. وقال البيهقي أيضا وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر محمد ابن ~~إبراهيم الفارسي قالا ثنا أبو عمرو بن مطر، ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى ~~بن يحيى، أنبأ عبد العزيز بن أبي حازم، أنبأ داود بن بكر عن محمد بن ~~المنكدر، عن صفوان بن سليم أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهما في خلافته يذكر له أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب ينكح كما ~~تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله عنه جمع الناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي ~~طالب رضي الله تعالىعنه، قال إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة ~~واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع رأي أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار. فكتب أبو بكر رضي ~~الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي عنه يأمره أن يحرقه بالنار. هذا مرسل. # وروي من وجه آخر عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي رضي الله عنه في غير ~~هذه القصة قال يرجم ويحرق بالنار. ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان ~~أن عليا رضي الله عنه رجم رجلا محصنا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره ~~الثوري عنه مقيدا بالإحصان. وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقا اه منه ~~بلفظه. فهذه حجج القائلين بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط. وحجة من ~~قال إن ذلك القتل بالنار هو ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله صلى ms0771 الله عليه ~~وسلم آنفا. وحجة من قال إن قتله بالسيف قوله صلى الله عليه وسلم # " فاقتلوا والفاعل والمفعول به " # والقتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف. وحجة من قال إن قتله بالرجم هو ~~ما قدمنا من رواية سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس أنه يرجم. وما ذكره ~~البيهقي وغيره عن علي أنه رجم لوطيا، ويستأنس كذلك بأن الله رمى أهل تلك ~~الفاحشة بحجارة السجيل. وحجة من قال يرفع من أعلى بناء أو جبل ويلقى ~~منكسا ويتبع بالحجارة أن ذلك هو الذي فعله الحكيم الخبير بقوم لوط، كما ~~قال # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل # هود 82. قال مقيدة عفا الله عنه وهذا الأخير غير ظاهر، لأن قوم لوط لم ~~يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه، وعلى الكفر، وتكذيب نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم. فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط، وهو الكفر ~~بالله، وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم. القول الثاني - هو أن اللواط ~~زنى فيجلد مرتكبه مائة إن كان بكرا ويغرب سنة، ويرجم إن كان محصنا. ~~وهذا القول هو أحد قولي الشافعي. وذكر البيهقي عن الربيع بن سليمان أن ~~الشافعي رجع إلى أن اللواط زنى، فيجري عليه حكم الزنى، وهو إحدى ~~الروايتين عن أحمد رحمهم الله تعالى. ورواه البيهقي عن عطاء وعبد الله بن ~~الزبير رضي الله عنهما، وهو قول أبي يوسف ومحمد وسعيد بن المسيب والحسن ~~وقتادة والنخعي والثوري والأوزاعي وغيرهم. واحتج أهل هذا القول بما رواه ~~البيهقي عن محمد بن عبد الرحمن عن خالد الحذاء عن ابن سرين عن أبي موسى ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما ~~زانيتان " # أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي ~~طالب، ثنا أبو بدر، ثنا محمد بن عبد الرحمن فذكره. قال الشيخ ومحمد بن ~~عبد الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد. انتهى منه بلفظه. ms0772 وقال ~~الشوكاني رحمه الله في " نيل الأوطار " في هذا الحديث، وفي إسناده محمد ~~بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم. # وقال البيهقي لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الإسناد. ورواه أبو الفتح ~~الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى. وفيه ~~بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ~~عنه اه منه. واستدل القائلون بهذا القول أيضا بقياس اللواط على الزنى ~~بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج محرم شرعا، مشتهى طبعا. ورد بأن القياس ~~لا يكون في الحدود، لأنها تدرأ بالشبهات. والأكثرون على جواز القياس في ~~الحدود، وعليه درج في مراقي السعود بقوله # والحد والكفارة التقدير جوازه فيها هو المشهور # إلا أن قياس اللائط على الزاني يقدح فيه بالقادح المسمى " فساد الاعتبار ~~" ، لمخالفته لحديث ابن عباس المتقدم أن الفاعل والمفعول به يقتلان ~~مطلقا، أحصنا أو لم يحصنا، ولا شك أن صاحب الفطرة السليمة لا يشتهي ~~اللواط، بل ينفر منه غاية النفور بطبعه كما لا يخفى. القول الثالث - أن ~~اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزنى، وإنا يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك. ~~وهذا قول أبي حنيفة. واحتج أهل هذا القول بأن الصحابة اختلفوا فيه، ~~واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد، ~~والحدود تدرأ بالشبهات قالوا ولا يتناوله اسم الزنى، لأن لكل منهما اسما ~~خاصا به، كما قال الشاعر # من كف ذات حر في زنى ذي ذكر لها محبان لوطي وزناء # قالوا ولا يصح إلحاقه بالزنى لوجود الفارق بينهما. لأن الداعي في الزنى ~~من الجانبين بخلاف اللواط، ولأن الزنى يفضي إلى الاشتباه في النسب وإفساد ~~الفراش بخلاف اللواط. قال في مراقي السعود # والفرق بين الأصل والفرع قدح إبداء مختص بالأصل قد صلح أو مانع في ~~الفرع... الخ..... # واستدل أهل هذا القول أيضا بقوله تعالى # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما # النساء 16 الآية. قالوا المراد بذلك اللواط. والمراد بالإيذاء السب أو ~~الضرب بالنعال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ms0773 وابن المنذر، وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد { واللذان يأتيانها منكم } قال الرجلان ~~الفاعلان. وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { فآذوهما } ~~يعني سبا، قاله صاحب " الدرالمنثور ". ### || [11.88] # قوله تعالى { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم ~~عنه } ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام، أنه أخبر قومه أنه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه ~~وأن فعله لا يخالف قوله. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه ~~أن يكون منتهيا عما ينهى عنه غيره، مؤتمرا بما يأمر به غيره. وقد بين ~~تعالى ذلك في مواضع آخر. كقوله # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # البقرة 44 الآية. وقوله # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 3. وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، ~~فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النارفيقولون أي فلان. ~~ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول كنت آمركم بالمعروف ~~ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". # ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " فتندلق أقتابه " أي تتدلى أمعاؤه. ~~وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن حبان وأبو نعيم في الحلية، وابن مردودية والبيهقي في شعب ~~الإيمان وغيرهم عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " رايت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت ~~رجعت. فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء من الخطباء من أمتك، كانوا يأمرون ~~الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " # قاله صاحب " الدر المنثور " اه. وقد قال الشاعر # لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم # وقد أجاد من قال # وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض # ومعلوم أن عمل الإنسان بما ms0774 ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه. كما قال ~~الشاعر # فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا ### || [11.91] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه شعيبا عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر ~~النسبية من قومه الذين هم كفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه ~~الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر. كقوله في ~~صالح وقومه # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله # النمل 49 الآية. ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا ~~السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء، وأنهم لو ~~فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما ~~فعلوا به سوءا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفا من عصبته. فهو عزيز ~~الجانب بسبب عصبته الكفار. وقد قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم # ألم يجدك يتيما فآوى # الضحى 6 أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، ~~والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة. فكونه جل وعلا يمتن على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم ~~على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر. ومن ثمرات تلك العصبية النسبية ~~قول أبي طالب # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما ~~عليك غضاضة أبشر بذاك وقر منه عيونا # وقوله أيضا # ونمنعه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل # ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة ~~في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة. بدليل قوله تعالى عنه # قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # هود 80. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية ~~إخوانهم الكافرين. # " ولما ناصر بن المطلب بنو ms0775 عبد مناف بني هاشم ولم يناصرهم بنو عبد شمس ~~بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النبي صلى الله عليه وسلم لبني ~~المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين. فأعطاهم من ~~خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا ~~إسلام " # ومنع بني عبد شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد ~~مناف بن قصي. وقال أبو طالب في بني عبد شمس وبني نوفل # جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا ~~يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني ~~خلف قيضا بنا والغياطل # والغياطل " بالغين المعجمة " ومراد أبي طالب بهم بنو سهم بن عمرو بن ~~هصيص بن كعب بن لؤي " القبيلة المشهورة من قبائل قريش " وإنما سموا ~~الغياطل، لأن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الذي هو من سادات قريش العظام، ~~وهو الذي يعنيه عبد المطلب بقوله يرقص ابنه عبد الله وهو صغير # كأنه في العز قيس بن عدي في دار سعد ينتدي أهل الندى # تزوج امرأة من كنانة تسمى " الغيطلة " وهي أم بعض أولاده. فسمي بنو سهم ~~الغياطل. لأن قيس بن عدي المذكور سيدهم. فهذه الآيات القرآنية تدل على أن ~~الله قد يعين المؤمن بالكافر لتعصبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على ~~الإسلام والمسلمين. وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات ~~الله وسلامه عليهم. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " # وفي المثل " اجتن الثمار وألق الخشبة في النار ". فإذا عرفت دلالة ~~القرآن على أن المسلم قد ينتفع برابطة نسب وعصبية من كافر، # " فاعلم أن النداء بالروابط العصبية لا يجوز. لإجماع المسلمين على أن ~~المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها. وقد ثبت في صحيح البخاري ~~من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي قال في ms0776 تلك الدعوة دعوها فإنها ~~منتنة " # وقوله صلى الله عليه وسلم " دعوها " يدل على وجوب تركها. لأن صيغة أفعل ~~للوجوب - إلا لدليل صارف عنه، وليس هنا دليل صارف عنه. ويؤكد ذلك تعليله ~~الأمر بتركها بأنها منتنة، وما صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ~~بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه، وإنما الواجب على المسلمين النداء ~~برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد ~~إنسان واحد. فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض، قال صلى ~~الله عليه وسلم # " إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ". # وإذا تأملت قوله تعالى # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم # المجادلة 22 تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية، وقد ~~قال تعالى # إنما المؤمنون إخوة # الحجرات 10 وقال # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # التوبة 71. ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ~~ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية. ### || [11.107] # قوله تعالى { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شآء ربك }. قيد تعالى خلود أهل الجنة وأهل النار ~~بالمشيئة. فقال في كل منهما { إلا ما شآء ربك } ثم بين عدم ~~الانقطاع في كل منهما، فقال في خلود أهل الجنة # عطآء غير مجذوذ # هود 108 # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # ص 54. وقال في خلود أهل النار # كلما خبت زدناهم سعيرا # الإسراء 97. ومعلوم أن { كلما } تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي ~~بعدها. وقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحا تاما في كتابنا " دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى # قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # الأنعام 128 وفي سورة النبأ في الكلام. على قوله تعالى # لابثين فيهآ أحقابا # النبأ 23. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.4] # لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا، ولكنه ms0777 بينه في هذه السورة الكريمة في ~~قوله # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ~~ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين ورفع أبويه على ~~العرش وخروا له سجدا وقال يأبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا # يوسف 99 - 100 الآية. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي. ### || [12.6] # قوله تعالى { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث } بين الله جل وعلا أنه علم نبيه يوسف من تأويل ~~الأحاديث، وصرح بذلك أيضا في قوله # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من ~~تأويل الأحاديث # يوسف 21. وقوله # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث # يوسف 101. واختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث. فذهب جماعة من أهل ~~العلم إلى أن المراد بذلك تعبير الرؤيا، فالأحاديث على هذا القول هي ~~الرؤيا، قالوا إنها إما حديث نفس أو ملك أو شيطان. وكان يوسف أعبر الناس ~~للرؤيا. ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا، كقوله # يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا ~~وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان # يوسف 41 وقوله # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه ~~في سنبله # يوسف 47 إلى قوله # يعصرون # يوسف 49. وقال بعض العلماء المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب الله ~~وسنن الأنبياء، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها ~~لهم ويشرحها، ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث، لأنها يحدث بها عن ~~الله ورسله، فيقال قال الله كذا، وقال رسوله كذا، ألا ترى إلى قوله تعالى # فبأي حديث بعده يؤمنون # الأعراف 185. وقوله # الله نزل أحسن الحديث # الزمر 23 الآية. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما # يوسف 22 وقوله # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ~~ربي # يوسف 37 الآية. قال مقيدة عفا الله عنه الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ~~ذلك كله من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء - و العلم عند ~~الله تعالى. ### || [12.8] ms0778 # الظاهر أن مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به أباهم - عليه ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة - إنما هو الذهاب عن علم ~~حقيقة الأمر كما ينبغي. ويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي ~~كلام العرب. فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # يوسف 95 وقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم # ووجدك ضآلا فهدى # الضحى 7 أي لست عالما بهذه العلوم التي لا تعرف إلا بالوحي، فهداك ~~إليها وعلمكها بما أوحي إليك من هذا القرآن العظيم. ومنه بهذا المعنى قول ~~الشاعر # وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم # يعني أنها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنه يبغي بها بدلا وهو لا يبغي ~~بها بدلا. وليس المراد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك ~~لكانوا كفارا، وإنما مرادهم أن اباهم في زعمهم في ذهاب عن إدراك ~~الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن ~~العشرة أكثر نفعا له، وأقدر على القيام بشؤونه وتدبير أموره. واعلم أن ~~الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين أحدهما - الضلال في الدين، أي ~~الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه. وهذا ~~أشهر معانيه في القرآن. ومنه بهذا المعنى # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # الفاتحة 7 وقوله # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # الصافات 71، وقوله # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # يس 62 إلى غير ذلك من الآيات. الثاني - إطلاق الضلال بمعنى الهلاك ~~والغيبة من قول العرب ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك ~~تسمي العرب الدفن إضلالا. لأنه تغيب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام ~~الميت فيها، لأنها تصير رميما وتمتزج بالأرض. ومنه بهذا المعنى قوله ~~تعالى # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض # السجدة 10 الآية. ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى # وضل عنهم ما كانوا يفترون # الأعراف 53 أي غاب واضمحل. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول ms0779 نابغة ذبيان # فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل # فقوله مضلوه، يعني دافنيه. وقوله بعين جلية، أي بخبر يقين. والجولان جبل ~~دفن عنده المذكور. ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل # كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتى به فضل ضلالا # وقول الآخر # ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا ### || [12.15] # أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى يوسف عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام أنه سينبىء إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال ~~كونهم لا يشعرون. ثم صرح في هذه السورة الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك ~~الوعد في قوله # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون # يوسف 89. وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله # وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم ~~له منكرون # يوسف 58. وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله { ~~لتنبئنهم } أي لتخبرنهم { بأمرهم هذا } في حال كونهم ~~{ لا يشعرون } بأنك يوسف هو الظاهر. وقيل إن عامل الحال هو قوله { ~~وأوحينآ إليه } وعليه فالمعنى أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم ~~لا يشعرون بأنه أوحى إليه ذلك. وقرأ هذه الآية جمهور القراء { غيابة ~~الجب } بالإفراد، وقرأ نافع " غيابات الجب " بصيغة الجمع، وكل شيء ~~غيب عنك شيئا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر غيابة، ومنه قول الشاعر # وإن أنا يوما غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجمع في قراءة نافع نظرا إلى تعدد أجزاء قعر الجب التي تغيب الداخل ~~فيها عن العيان. واختلف العلماء في جواب " لما " من قوله { فلما ~~ذهبوا به } أمثبت هو أم محذوف؟ فقيل هو مثبت، وهو قوله # قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق # يوسف 17 الآية. أي لما كان كذا وكذا { قالوا يأبانا } ، واستحسن ~~هذا الوجه أبو حيان. وقيل جواب " لما " هو قوله { وأوحينآ } والواو ~~صلة. وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب " لما " وحتى، و " ~~إذا " وعلى ذلك خرجوا قوله تعالى # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # الصافات 103 - 104 الآية. ms0780 وقوله # حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها # الزمر 71 الآية، وقول امرىء القيس # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل # أي لما أجزنا ساحة الحي انتحى. وقيل جواب " لما " محذوف، وهو قول ~~البصريين. واختلف في تقديره. فقيل إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى. ~~وقدره بعضهم فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم. ~~وقدره بعضهم فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها. ~~واستظهر هذا الأخير أبو حيان. لأن قوله { وأجمعوا أن يجعلوه ~~} يدل على هذا المقدر. والعلم عند الله تعالى. ### || [12.24] # وقوله تعالى { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه } الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف ~~عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي ~~به منه. ولكن القرآن العظيم بين براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع ~~فيما لا ينبغي حيت بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة ~~الله له بذلك واعتراف إبليس به. أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم ~~يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود. أما حزم يوسف بأنه بريء من تلك ~~المعصية فذكره تعالى في قوله # هي راودتني عن نفسي # يوسف 26 وقوله # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه # يوسف 33 الآية. وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # يوسف 32 وقولها # الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين # يوسف51. وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله # قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من ~~الخاطئين # يوسف 28-29. وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله # وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين # يوسف 26 الآية. وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله { كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا ~~المخلصين } يوسف 24. قال في الفخر الرازي في ms0781 تفسيره قد شهد الله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات أولها - { لنصرف ~~عنه السوء } يوسف 24 واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني - قوله { ~~والفحشآء } يوسف 24 أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء. والثالث - قوله { ~~إنه من عبادنا } يوسف 24 مع أنه تعالى قال { وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } الفرقان 63. والرابع - ~~قوله { المخلصين } يوسف 23 وفيه قراءتان قراءة باسم الفاعل. وأخرى ~~باسم المفعول. فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيا بالطاعات والقربات ~~مع صفة الإخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه ~~لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه ~~منزها عما أضافوه إليه. اه من تفسير الرازي. ويؤيد ذلك قوله تعالى # معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا ~~يفلح الظالمون # يوسف 23. وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين # ص 82 - 83 فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ولا شك أن يوسف من ~~المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله # إنه من عبادنا المخلصين # يوسف 24 فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي. ~~وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه وعند هذا نقول هؤلاء الجهال ~~الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين ~~الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع ~~إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته. # ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا ~~في السفاهة عليه. كما قال الخوارزمي # وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو ~~مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدي # فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام بريء مما يقول هؤلاء الجهال. اه ~~كلام الرازي. ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من ~~الصحابة وعلماء السلف ms0782 الصالح! وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم ~~يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في ~~هذه المسألة إن شاء الله تعالى. فإن قيل قد بينتم دلالة القرآن على ~~براءته عليه السلام مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون ~~في قوله تعالى { وهم بها }؟ فالجواب من وجهين الأول - إن المراد ~~بهم يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم هو الميل ~~الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه. لأنه أمر ~~جبلي لا يتعلق به التكليف. كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم # " أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول " اللهم هذا قسمي فيما أملك، ~~فلا تلمني فيما لا أملك " # يعني ميل القلب الطبيعي. ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، ~~مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة " # لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من الله، وامتثالا لأمره، كما ~~قال تعالى # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى # النازعات 40 - 41. وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهم يوسف ~~هذا، بدليل قوله # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما # الأعراف 122 لأن قوله { والله وليهما } يدل على أن ذلك الهم ~~ليس معصية، لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على ~~المعصية. والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما ~~لا يحبه ولا يشتهيه هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه هذا أهم ~~الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه هم عزم وتصميم، بدليل أنها شقت ~~قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا ~~عجزها عنه. ومثل هذا التصميم على المعصية معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل ~~الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة # " إذا ms0783 التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " # قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال # " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " # فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيه أدخله الله ~~بسببها النار. وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل، كقول ~~العرب قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن اقتله، كما قاله الزمخشري. ~~وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل ~~بعيد من الظاهر ولا دليل عليه. والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان أن ~~يوسف لم يقع منه هم أصلا، بل هو منفى عنه لوجود البرهان. قال مقيدة عفا ~~الله عنه هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على ~~قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب ~~المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله # فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين # يونس 84 أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول دليل الجواب المحذوف لا ~~نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب { لولا } لا يتقدم، ولكن يكون ~~المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة. وكقوله # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # البقرة 111 أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول فمعنى ~~الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه هم بها. فما قبل { ~~لولا } هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ~~ذلك قوله تعالى # إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها # القصص 10 فما قبل { لولا } دليل الجواب. أي لولا أن ربطنا على قلبها ~~لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب { ~~لولا } وتقديم الجواب في سائر الشروط وعلى هذا القول يكون جواب { لولا ~~} في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } هو ما قبله من قوله ~~{ وهم بها }. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام ~~البصريين أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري. وقال ms0784 الشيخ أبو حيان في ~~البحر المحيط ما نصه والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ~~ألبتة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان. كما تقول لقد قارفت لولا أن عصمك ~~الله. ولا نقول إن جواب { لولا } متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على ~~امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها ~~عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري، ~~وأبو العباس المبرد. بل نقول إن جواب { لولا } محذوف لدلالة ما قبله ~~عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب أنت ظالم إن فعلت. # فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم. بل ~~هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه ~~لهم بها، فكان وجود الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية ~~البرهان فانتفى الهم، ولا التفات إلى قول الزجاج. ولو كان الكلام ولهم ~~بها كان بعيدا، فكيف مع سقوط اللام؟ لأنه يوهم أن قوله { وهم بها ~~} هو جواب { لولا } ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى ~~تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب { ~~لولا } إذا كان بصيغة الماضي باللام. وبغير لام تقول لولا زيد ~~لأكرمتك. ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله { هم بها } نفس ~~الجواب لم يبعد. ولا التفات لقول ابن عطية إن قول من قال إن كلام قد تم ~~في قوله { ولقد همت به } وإن جواب { لولا } في قوله { وهم ~~بها } وإن المعنى لولا أن راى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف عليه ~~السلام. قال وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف اه. أما قوله يرده ~~لسان العرب فليس كما ذكر وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان ~~العرب، قال الله تعالى # إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين # القصص 10 فقوله # إن كادت لتبدي به ms0785 # القصص 10 إما أن يتخرج على أن الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما ~~أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير لولا أن ربطنا ~~على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد ~~منهم شيء من ذلك، لأنها اقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة ~~في بعض فساق المسلمين فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف ~~لا يساعد عليه كلام العرب. لأنهم قدروا جواب { لولا } محذوفا ولا يدل ~~عليه دليل. لأنهم لم يقدروا لهم بها ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون ~~المحذوف من معنى ما قبل الشرط. لأن ما قبل الشرط دليل عليه اه. محل ~~الغرض من كلام أبي حيان بلفظه. وقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال ~~على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك. فبهذين الجوابين نعلم أن ~~يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه ~~إما أن يكون لم يقع منه أصلا بناء على أن الهم معلق بأداة الامتناع التي ~~هي { لولا } على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق ~~عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها كما تقدم إيضاحه في كلام ~~أبي حيان. # وإما أن يكون همه خاطرا قلبيا صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة ~~والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه. فيهذا يتضح لك أن قوله { ~~وهم بها } لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع ~~فيما لا ينبغي. فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما ~~لا ينبغي، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا إنه وقع منه بعض ما لا ~~ينبغي، وأقوالهم في المراد بالبرهان فنقول قال صاحب الدر المنثور في ~~التفسير بالمأثور اخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال لما همت به تزينت ثم استلقت على ms0786 فراشها، وهم بها جلس بين ~~رجليها يحل تبانه نودي من السماء " يا ابن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه ~~فيبقى لا ريش له " فلم يتعظ على النداء شيئا، حتى رأى برهان ربه جبريل ~~عليه السلام في صورة يعقوب عاضا على أصبعيه. ففزع فخرجت شهوته من ~~أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقا، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب ~~الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت ~~عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وأبو ~~نعيم في الحلية، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن هم يوسف عليه ~~السلام ما بلغ؟ قال حل الهميان - يعني السراويل - وجلس منها مجلس الخاتن، ~~فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش!! وأخرج ~~أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { ولقد ~~همت به وهم بها } قال طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن ~~هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر واليواقيت في ناحية البيت فسترته ~~بثوب أبيض بينها وبينه، فقال أي شيء تصنعين؟ فقالت استحيي من إلهي أن ~~يراني على هذه الصورة. فقال يوسف عليه السلام تستحين من صنم لا يأكل ولا ~~يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! ثم قال ~~لا تنالينها مني أبدا - وهو البرهان الذي رأى. وأخرج عبد الرزاق، وابن ~~جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في ~~قوله { وهم بها } قال حل سراويله حتى بلغ ثنته، وجلس منها مجلس ~~الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده على صدره فخرجت ~~شهوته من أنامله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم ~~وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لولا أن رأى ~~برهان ربه } قال رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على ~~إبهامه، فأدبر هاربا وقال وحقك ms0787 يا أبت لا أعود أبدا. # وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، وسعيد بن جبير في ~~قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قالا حل السراويل وجلس ~~منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضا على أصابعه، فدفع صدره ~~فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا إلا ~~يوسف عليه السلام، فإنه نقص بتلك الشهوة ولدا فلم يولد له غير أحد عشر ~~ولدا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ~~لولا أن رأى برهان ربه } قال تمثل له يعقوب عليه السلام ~~فضرب في صدر يوسف فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا ~~عشر ذكرا، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه، في قوله { لولا أن رأى ~~برهان ربه } قال رأى يعقوب عاضا على أصابعه يقول يوسف! يوسف!. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي جاتم، وأبي الشيخ عن قتادة رضي الله عنه، في ~~الآية قال رأى آية من آيات ربه حجزه الله بها عن معصيته. ذكر لنا أنه مثل ~~له يعقوب عاضا على أصبعيه، وهو يقول له يا يوسف! أتهم بعمل السفهاء، ~~وأنت مكتوب في الأنبياء! فذلك البرهان. فانتزع الله كل شهوة كانت في ~~مفاصله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن سرين رضي ~~الله عنه، في قوله { لولا أن رأى برهان ربه }. قال مثل له ~~يعقوب - عليه السلام - عاضا على أصبعيه يقول يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم خليل الرحمن، اسمك مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. وأخرج ~~عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه، قال رأى صورة ~~يعقوب - عليه السلام - في الجدار. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن ~~المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه، قال زعموا أن سقف البيت ~~انفرج، فرأى يعقوب عاضا على أصبعيه. وأخرج عبد الله ms0788 بن أحمد في زوائد ~~الزهد، عن الحسن رضي الله عنه، في قوله { ولقد همت به وهم ~~بها لولا أن رأى برهان ربه }. قال إنه لما هم قيل له ~~ارفع رأسك يا يوسف، فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول يا يوسف! ~~يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء فعصمه الله عز وجل. وأخرج أبو عبيد، وابن ~~جرير، وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه، قال رأى صورة يعقوب في سقف ~~البيت تقول يوسف! يوسف!. # وأخرج ابن جرير من طريق الزهري ان حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان ~~الذي رأى يوسف - عليه السلام - هو يعقوب. وأخرج ابن جرير، عن القاسم بن ~~ابي بزة، نودي يا ابن يعقوب! لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس ~~له ريش! فلم يعرض للنداء وقعد، فرفع راسه، فرأى وجه يعقوب عاضا على ~~أصبعه. فقام مرعوبا استحياء من أبيه. وأخرج ابن جرير، عن علي بن بذيمة ~~قال كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر إلا يوسف - عليه السلام - ولد له أحد ~~عشر من أجل ما خرج من شهوته. وأخرج ابن جرير، عن شمر بن عطية قال نظر ~~يوسف إلى صورة يعقوب عاضا على أصبعه يقول يا يوسف! فذاك حين كف وقام. ~~وأخرج ابن جرير، عن الضحاك رضي الله عنه، قال يزعمون أنه مثل يعقوب - ~~عليه السلام - فاستحيا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزعي قال كان ابن ~~عباس رضي الله عنهما، يقول في قوله { لولا أن رأى برهان ~~ربه } قال رأى آية من كتاب الله فنهته، مثلت له في جدار الحائط. ~~وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، قال ~~البرهان الذي رأى يوسف - عليه السلام - ثلاث آيات من كتاب الله # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # الانفطار 10- 12، وقول الله تعالى # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # يونس 61، وقول الله ms0789 تعالى # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # الرعد 33. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ~~محمد بن كعب قال رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوبا # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # الإسراء 32 وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه، ~~قال لما خلا يوسف وامرأة العزيز خرجت كف بلا حسد بينهما، مكتوب عليها ~~بالعبرانية، # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # الرعد 33، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف مكتوبا عليها ~~بالعبرانية، # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # الإنفطار 10 - 12، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة ~~مكتوبا عليها # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # الإسراء 32 وانصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوبا ~~عليها بالعبرانية # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون # البقرة 182 فولى يوسف - عليه السلام - هاربا. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } ~~قال آيات ربه، أرى تمثال الملك. وأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، ~~عن جعفر بن محمد رضي الله عنه، قال لما دخل يوسف معها البيت - وفي البيت ~~صنم من ذهب - قالت كما أنت، حتى أغطى الصنم. # فإني استحي منه. فقال يوسف هذه تستحي من الصنم! أنا أحق أن أستحيي من ~~الله؟ فكف عنها وتركها. اه من الدر المنثور في التفسير بالمأثور. قال ~~مقيدة - عفا الله عنه - هذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء ~~منقسمة إلى قسمين قسم لم يثبت نقله عمن نقله عنه بسند صحيح، وهذا لا ~~إشكال في سقوطه. وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، ~~فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين أنه إنما تلقاه عن ~~الإسرائيليات. لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه ~~صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم ms0790 أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي ~~الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها. اعتمادا ~~على مثل هذه الروايات. مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح ~~الكذب. كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها، ~~لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق. فما ظنك بخيار ~~الأنبياء! مع أنا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا ~~أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين. إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلا، ~~بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان. وإما أن يكون ~~همه الميل الطبيعي المزموم بالتقوى، والعلم عند الله تعالى. واختلف ~~العلماء في المراد بالسوء والفحشاء، اللذين ذكر الله في هذه الآية أنه ~~صرفهما عن نبيه يوسف. فروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن ~~يزيد بن جابر رضي الله عنه، في قوله { كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشآء } قال الزنى. والثناء القبيح اه. وقال بعض ~~العلماء السوء مقدمات الفاحشة، كالقبلة، والفاحشة الزنى. وقيل السوء ~~جناية اليد، والفاحشة الزنى. وأظهر الأقوال في تقارير متعلق الكاف في ~~قوله { كذلك لنصرف } ، أي فعلنا له ذلك من إراءة البرهان، كذلك ~~الفعل { لنصرف } واللام لام كي. { المخلصين } يوسف 24 قرأه ~~نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، بفتح اللام بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن ~~عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل - والعلم عند ~~الله تعالى اه. ### || [12.26-28] # قوله تعالى { وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه ~~قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان ~~قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ~~فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم }. يفهم من هذه الآية لزوم الحكم ~~بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر. لأن ذكر الله ~~لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على ~~أن الحكم بمثل ذلك حق ms0791 وصواب. لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل ~~واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر ~~أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة ~~أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى # وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل # يوسف 18. لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على ~~قميصه دم سخلة. ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه ~~أكله الذئب. ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل ~~قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال سبحان الله! متى ~~كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه. ولذا صرح بتكذيبه لهم ~~في قوله # بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون # يوسف 18. وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن. ومن أمثلة الحكم ~~بالقرينة الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقا. فتزفها إليه ولائد ~~لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد. فيجوز له جماعها ~~من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها. ~~اعتمادا على قرينة النكاح. وكالرجل ينزل ضيفا عند قوم، فتأتيه الوليدة ~~أو الغلام بالطعام. فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك ~~الطعام له في الأكل، اعتمادا على القرينة. وكقول مالك، ومن وافقه إن من ~~شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب، اعتمادا على القرينة، لأن وجود ~~ريحها في فيه قرينة على أنه شربها، وكمسائل اللوث وغير ذلك. وقد قدمنا في ~~سورة المائدة صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن، وأوضحنا بالأدلة القرآنية. ~~أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلا بدليل على النسخ ~~غاية الإيضاح - والعلم عند الله تعالى. وقال القرطبي - في تفسير قوله ~~تعالى # وجآءوا على قميصه بدم كذب # يوسف 18. استدل الفقهاء بهذه الآية في ms0792 إعمال الأمارات في مسائل من ~~الفقه، كالقسامة وغيرها. # وأجمعوا على أن يعقوب - عليه السلام - استدل على كذبهم بصحة القميص. ~~وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح ~~منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ~~ابن العربي. اه كلام القرطبي. واختلف العلماء في الشاهد في قوله { ~~وشهد شاهد من أهلهآ }. فقال بعض العلماء هو صبي في المهد، ~~وممن قال ذلك ابن عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضا - ~~أنه رجل ذو لحية، ونحوه الحسن. وعن زيد بن أسلم - أنه ابن عم لها كان ~~حكيما، ونحوه عن قتادة وعكرمة. وعن مجاهد - أنه ليس بإنس ولا جان، هو ~~خلق من خلق الله. قال مقيده - عفا الله عنه قول مجاهد هذا يرده قوله ~~تعالى { من أهلها } ، لأنه صريح في أنه إنسي من أهل المرأة. وأظهر ~~الأقوال أنه صبي، لما رواه أحمد، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ~~ابن مريم " # اه. قوله تعالى { إن كيدكن عظيم }. هذه الآية الكريمة إذا ~~ضمت، لها آية أخرى حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، ~~والآية المذكورة هي قوله # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # النساء 76 لأن قوله في النساء { إن كيدكن عظيم } يوسف 28، ~~وقوله في الشيطان # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # النساء 76 يدل على أن كيدهن أعظم من كيده. قال القرطبي قال مقاتل عن ~~يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان. لأن الله تعالى يقول { إن ~~كيد الشيطان كان ضعيفا }. وقال إن { إن كيدكن ~~عظيم } " # اه. وقال الأديب الحسن بن أيه الحسني الشنقيطي # ما استعظم الإله كيدهنه إلا لأنهن هن هنه ### || [12.31-32] # قوله تعالى { وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ ~~إلا ms0793 ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } الآية. بين الله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات ~~الحميدة فيما بينهن، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس ~~في قوله # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة ~~العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه # يوسف 51 الآية. ### || [12.102] # قوله تعالى { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون }. لم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه، ولم يبين ~~هنا أيضا المراد بمكرهم. ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي ~~أجمعوا أمرهم عليه هو جعله في غيابة الجب، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهم ~~يعقوب وأخيهم يوسف. وذلك في قوله # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة ~~الجب # يوسف 15 إلى قوله # والله المستعان على ما تصفون # يوسف 18. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم. لأنه أنزل عليه هذا القرآن، وفصل له هذه القصة. مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على ~~المكر به، وجعله في غيابة الجب. فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من ~~تلقاء نفسه. والآيات المشيرة لإثبات رسالته، بدليل إخباره بالقصص الماضية ~~التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة. كقوله # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم # آل عمران 44 الآية. وقوله # ولما توجه تلقآء مدين # القصص 22 الآية. وقوله # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # القصص 44 الآية. وقوله # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ~~من ربك # القصص 46 الآية. وقوله # ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ~~إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين # ص 69 - 70. وقوله # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما ms0794 كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا # هود 49 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات من أوضح الأدلة على ~~أنه صلى الله عليه وسلم، رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة ~~على ذلك أكثر من الحصر. ### || [12.106] # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر والشعبي، وأكثر المفسرين إن معنى ~~هذه الآية أن أكثر الناس، وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له ~~في ربوبيته إلا وهم مشركون به غيره في عبادته. فالمراد بإيمانهم اعترافهم ~~بأنه ربهم الذي هو خالقهم ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم عبادتهم غيره ~~معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا، كقوله # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون # يونس 31، وكقوله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # الزخرف 87، وقوله # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم # الزخرف 9، وقوله # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # العنكبوت 61، وقوله # ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعقلون # العنكبوت 63، وقوله # قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل ~~شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون # المؤمنون 84 - 89 إلى غير ذلك من الآيات. ومع هذا فإنهم قالوا # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # ص 5. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا ينقذ من الكفر ~~إلا إذا كان معه توحيد العبادة، أي عبادة الله وحده لا شريك له، ويدل ~~لذلك قوله تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون }. وفي هذه الآية الكريمة إشكال وهو أن المقرر في علم ~~البلاغة أن ms0795 الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها وعليه. فإن عامل هذه الجملة ~~الحالية الذي هو يؤمن مقيد بها، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم ~~مشركين، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة. قال مقيدة - عفا ~~الله عنه لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال، والذي يظهر لي - والله ~~تعالى أعلم - أن هذا الإيمان المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا ~~شرعي. لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان ألبتة شرعا. ~~أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق ~~الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله، ولا يصدق عليه اسم ~~الإيمان شرعا. وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا ~~إشكال في تقييده به، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم # الحجرات 14 فهو الإسلام اللغوي. لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل ~~الإيمان في قلبه، والعلم عند الله تعالى. وقال بعض العلماء " نزلت آية { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } في ~~قوله الكفار في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ~~" وهو راجع إلى ما ذكرنا. ### || [12.111] # قوله تعالى { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب }. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع ~~أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب، أي ~~عظة لأهل العقول. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137 - 138، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا، والعلم عند الله ~~تعالى. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.2] # قوله تعالى { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها ثم استوى على العرش }. ظاهر هذه الآية الكريمة ~~قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية ~~قوله أيضا في أول سورة " لقمان " # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ms0796 ~~الأرض رواسي أن تميد بكم # لقمان 10. واختلف العلماء في قوله { ترونها } على قولين أحدهما أن ~~لها عمدا ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روى عنه هذا ~~القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير. ~~وروي عن قتادة أيضا - أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد اصلا، وهو قول ~~إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة " الحج " أنه ~~هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # الحج 65. قال ابن كثير فعلى هذا يكون قوله { ترونها } تأكيدا لنفي ~~ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة ~~اه. قال مقيده - عفا الله عنه الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا ~~تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم ~~به، وذلك صادق بصورتين الأولى أن يكون المحكوم عليه موجودا، ولكن ~~المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية ~~منتفية عنه. الثانية أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء ~~الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، ~~كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ومثاله في ~~اللغة قول امرىء القيس # على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا # أي لا منار له أصلا حتى يهتدي له، وقوله # لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر # يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله { بغير عمد ~~ترونها } أي لا عمد لها حتى تروها، والعمد جمع عمود على غير قياس، ~~ومنه قول نابغة ذبيان # وخسيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد # والصفاح - بالضم والتشديد - الحجر العريض. ### || [13.6] # قوله تعالى { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ~~وقد خلت من قبلهم المثلات } الآية. المراد بالسيئة هنا ~~العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة، أي قبل العافية، وقيل الإيمان، وقد ~~بين تعالى في هذه الآية الكريمة ms0797 أن الكفار يطلبون منه صلى الله عليه وسلم ~~أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا ~~المعنى في آيات كثيرة، كقوله # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده # الحج 47، وكقوله # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون # العنكبوت 53، وكقوله # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # العنكبوت 54، وقوله # سأل سآئل بعذاب واقع للكافرين # المعارج 2، وقوله # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء # الأنفال 32 الآية. وقوله # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق # الشورى 18، وقوله # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # ص 16 إلى غير ذلك من الآيات. وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كذاب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، ~~كما قال تعالى # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه # هود 8، وكقوله # يا صالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # الأعراف 77، # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا ~~بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # هود 32، كما تقدمت الإشارة إلى هذا. والمثلات العقوبات واحدتها مثلة. ~~والمعنى أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردا وطغيانا، ولم يتعظوا بما أوقع ~~الله بالأمم السالفة من المثلات - أي العقوبات - كما فعل بقوم نوح، وقوم ~~هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه وغيرهم. قوله تعالى { ~~وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب }. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة ~~أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب. فجمع بين الوعد والوعيد ~~ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد. لأن ~~مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضر، فاجتماع الخوف والطمع أدعى ~~للطاعة وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا ~~يرد بأسه عن القوم المجرمين # الأنعام 147، وقوله # إن ربك سريع ms0798 العقاب وإنه لغفور رحيم # الأنعام 165، وقوله جل وعلا # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # الحجر 49 - 50، وقوله # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول # غافر 3 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [13.7] # قوله تعالى { إنمآ أنت منذر }. أي إنما عليك البلاغ والإنذار، ~~أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا. وقد ~~بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء # البقرة 272، وقوله # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # الرعد 40 ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى { ولكل قوم هاد }. ~~أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد ~~بالهادي الرسول، كما يدل به قوله تعالى # ولكل أمة رسول # يونس 47 الآية. وقوله # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # فاطر 24، وقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا # النحل 36 الآية. وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة ~~في كتابنا دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب. ### || [13.8] # قوله تعالى { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }. لفظة ما ~~في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل ~~أنثى وعلى هذا فالمعنى يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة ~~وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من ~~الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله # ويعلم ما في الأرحام # لقمان 34. لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم # النجم 32، وقوله # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # آل عمران 6 الآية. ويحتمل أيضا أن تكون لفظة ما في هذه الآية الكريمة ~~مصدرية، أي يعلم حمل كل انثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضا ~~على هذا المعنى، كقوله # وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ms0799 إلا في ~~كتاب # فاطر 11، وقوله # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من ~~أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه # فصلت 47 الآية. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون ~~لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع. وأما احتمال ~~كون لفظة ما في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به ~~بعض اهل العلم، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص ~~عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في ~~صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # الأعراف 59 الخمس المذكورة في قوله تعالى # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت # لقمان 34، والاحتمالان المذكوران في لفظة ما من قوله { يعلم ما ~~تحمل } الآية، جاريان أيضا في قوله { وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد } الرعد8، فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي ~~تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها. واختلف ~~العلماء في المراد بقوله { وما تغيض الأرحام وما تزداد } ~~وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل " صاحب الدر المنثور في التفسير ~~بالمأثور " أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد } قال " هي المرأة ترى الدم في حملها ". وأخرج ابن ابي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وما تغيض ~~الأرحام } قال " خروج الدم " { وما تزداد } قال " استمساكه ". # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ~~وما تغيض الأرحام } قال " أن ترى الدم في حملها " { وما ~~تزداد } قال " في التسعة أشهر ". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما تغيض الأرحام وما ~~تزداد } قال " ما تزداد على التسعة وما تنقص من ms0800 التسعة ". وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { وما تغيض ~~الأرحام } قال " ما دون تسعة أشهر { وما تزداد } فوق التسعة ". ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ~~وما تغيض الأرحام } يعني " السقط " { وما تزداد } يقول " ~~ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما وذلك أن من النساء من ~~تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من ~~تنقص فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى ". ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال " ~~ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة ". واخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه ~~قال " ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل يوما حتى تكمل تسعة ~~أشهر طاهرا ". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في ~~قوله { وما تغيض الأرحام } قال " السقط " وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال ~~" إذا رأت الدم هش الولد وإذا لم تر الدم عظم الولد " اه " من الدر ~~المنثور في التفسير بالمأثور ". وقيل الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد ~~كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها. وقيل الغيض انقطاع دم الحيض وما ~~تزداد بدم النفاس بعد الوضع. ذكر هذين القولين القرطبي وقيل تغيض تشتمل ~~على واحد وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر. قال مقيده - عفا الله عنه مرجع ~~هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما ~~تزيده لأن معنى تغيض تنقص وتزداد أي تأخذه زائدا فيشمل النقص المذكور ~~نقص العدد ونقص العضو من الجنين ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص ونقص مدة ~~الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو ~~وزيادة العدد ms0801 وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل وزيادة أمد الحمل عن ~~القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله والآية تشمله كله. # تنبيه. أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن أقل أمد الحمل وأكثره ~~وأقل أمد الحيض وأكثر مأخوذ من طريق الاجتهاد لأن الله استأثر بعلم ذلك ~~لقوله { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض ~~الأرحام } الآية. ولا يجوز أن يحكم في شيء من ذلك إلا بقدر ما أظهره ~~الله لنا ووجد ظاهرا في النساء نادرا أو معتادا وسنذكر إن شاء الله ~~أقوال العلماء في أقل الحمل وأكثره، وأقل الحيض، وأكثره، ونرجح ما يظهر ~~رجحانه بالدليل. فنقول وبالله تعالى نستعين. اعلم أن العلماء أجمعوا على ~~أن أقل أمد الحمل ستة أشهر وسيأتي بيان أن القرآن دل على ذلك لأن قوله ~~تعالى # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # الأحقاف 15 إن ضممت إليه قوله تعالى # وفصاله في عامين # لقمان 14 بقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرا لمدة الحمل ستة أشهر فدل ~~ذلك على أنها أمد للحمل يولد فيه الجنين كاملا كما يأتي إيضاحه إن شاء ~~الله تعالى. وقد ولد عبد الملك بن مروان لستة أشهر وهذه الأشهر الستة ~~بالأهلة كسائر أشهر الشريعة لقوله تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس # البقرة 189 الآية. قال القرطبي " ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب ~~مالك وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن ~~الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها حكاه ابن عطية اه ". قال مقيده - ~~عفا الله عنه الذي يظهر والله تعالى أعلم أن الشهر المعدود من أوله يعتبر ~~على حاله من كمال أو نقصان وأن المنكسر يتمم ثلاثين، أما أكثر أمد الحمل ~~فلم يرد في تحديده شيء من كتاب ولا سنة والعلماء مختلفون فيه وكلهم يقول ~~بحسب ما ظهر له من أحوال النساء. فذهب الإمام أحمد والشافعي إلى أن أقصى ~~أمد الحمل أربع سنين وهو إحدى الروايتين المشهورتين عن مالك والرواية ~~المشهورة ms0802 الأخرى عن مالك خمس سنين وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقصاه ~~سنتان وهو رواية عن أحمد وهو مذهب الثوري وبه قالت عائشة رضي الله عنها ~~وعن الليث ثلاث سنين وعن الزهري ست وسبع وعن محمد بن الحكم سنة لا أكثر ~~وعن داود تسعة أشهر. وقال ابن عبد البر هذه مسألة لا أصل لها إلا ~~الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء وقال القرطبي " روى الدارقطني ~~عن الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت لا ~~تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال سبحان الله من يقول ~~هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين وكانت تسمى ~~حاملة الفيل ". # وروي أيضا بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال " يا أبا ~~يحيى ادع لامرأتي حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد " فغضب مالك ~~وأطبق المصحف ثم قال " ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء " ثم قرأ ثم ~~دعا ثم قال " اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها وإن كان ~~كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما فإنك تمحو وتثبت وعند أم الكتاب " ~~ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك ~~فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام ~~جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت سراره. وروي أيضا أن ~~رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين " إني ~~غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى " فشاور عمر الناس في رجمها فقال معاذ ~~بن جبل رضي الله عنه " يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك ~~على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع " فتركها فوضعت غلاما قد خرجت ~~ثنيتاه فعرف الرجل الشبه فقال " ابني ورب الكعبة " فقال عمر " عجزت ~~النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر ms0803 ". وقال الضحاك " وضعتني ~~أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني ". ويذكر عن مالك ~~أنه حمل به بطن أمه سنتان وقيل ثلاث سنين، ويقال إن محمد بن عجلان مكث في ~~بطن أمه ثلاث سنين فماتت به وهو يضطرب اضطرابا شديدا فشق بطنها وأخرج ~~وقد نبتت أسنانه، وقال حماد بن سلمة إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي ~~في بطن أمه أربع سنين. وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه ~~فسمي ضحاكا. وعن عباد بن العوام قال " ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاما ~~شعره إلى منكبيه فمر به طير فقال له كش " اه كلام القرطبي. قال مقيده - ~~عفا الله عنه أظهر الأقوال دليلا أنه لا حد لأكثر أمد الحمل وهو الرواية ~~الثالثة عن مالك كما نقله عنه القرطبي لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له ~~ولا دليل عليه وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا يخفى سقوطه والعلم عند الله ~~تعالى. وأما أقل الحيض وأكثره فقد اختلف فيه العلماء أيضا فذهب مالك إلى ~~أن أقل الحيض بالنسبة إلى العبادة كالصوم ووجوب الغسل لا حد له بل لو ~~نزلت من المرأة قطرة دم واحدة لكان حيضة بالنسبة إلى العبادة، أما ~~بالنسبة إلى الاستبراء والعدة فقيل كذلك أيضا، والمشهور أنه يرجع في قدر ~~ذلك للنساء العارفات بالقدر الذي يدل على براءة الرحم من الحيض قال خليل ~~بن إسحاق في مختصره الذي قال فيه مبينا لما به الفتوى ورجع في قدر الحيض ~~هنا هل هو يوم أو بعضه إلى قوله للنساء أي رجع في ذلك كله للنساء اه. # والظاهر أنه عند مالك من قبيل تحقيق المناط والنساء أدرى بالمناط في ~~ذلك. أما أكثر الحيض عند مالك فهو بالنسبة إلى الحيضة الأولى التي لم تحض ~~قبلها نصف شهر، ثم إن تمادى عليها الدم بعد نصف الشهر فهي مستحاضة وأما ~~المرأة التي اعتادت الحيض فأكثر مدة حيضها عنده هو زيادة ثلاثة أيام ~~استظهارا على أكثر أزمنة عادتها إن تفاوت زمن ms0804 حيضها فإن حاضت مرة ستا ~~ومرة خمسا ومرة سبعا استظهرت بالثلاثة على السبعة لأنها أكثر عادتها ~~ومحل هذا إذا لم يزد ذلك على نصف الشهر فإن زاد على نصف الشهر فهي طاهر ~~عند مضي نصف الشهر وكل هذا في غير الحامل وسيأتي الكلام في هذا المبحث إن ~~شاء الله على الدم الذي تراه الحامل. هذا حاصل مذهب مالك في أقل الحيض ~~وأكثره وأما أكثر الطهر فلا حد له ولا خلاف في ذلك بين العلماء وأقل ~~الطهر في مذهب مالك لم يصرح به مالك بل قال يسأل النساء عن عدد أيام ~~الطهر. وقال الشيخ أبو محمد في رسالته إنه نحو ثمانية أيام أو عشرة أيام. ~~وقال ابن سراج " ينبغي أن تكون الفتوى بذلك " لأن الشيخ أبا محمد استقرأ ~~ذلك من " المدونه " وهو قول سحنون وقال ابن مسلمة " أقل الطهر في مذهب ~~مالك خمسة عشر يوما " واعتمده صاحب " التلقين " وجعله ابن شاس المشهور ~~وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره حيث قال وأكثره لمبتدئه نصف شهر كأقل ~~الطهر. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله في المشهور الصحيح ~~عنهما أن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وهو قول عطاء وأبي ~~ثور وأقل الطهر عند الشافعي باتفاق أصحابه خمسة عشر يوما ونقل الماوردي ~~عن أكثر أهل العلم أن أقل الطهر خمسة عشر يوما وقال الثوري أقل الطهر ~~بين الحيضتين خمسة عشر يوما. قال أبو ثور وذلك مما لا يختلفون فيه فيما ~~نعلم. وذهب الإمام أحمد إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما. ~~روى عنه ذلك الأثرم وأبو طالب. وقد قدمنا مرارا أن أكثر الطهر لا حد له ~~إجماعا. قال النووي في شرح المهذب ودليل الإجماع الاستقراء لأن ذلك ~~موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال " ~~أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يوما وليلة وهي صحيحة تحبل ~~وتلد ونفاسها أربعون يوما ". # وذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - إلى أن أقل الحيض ثلاثة ms0805 أيام ~~وأكثره عشرة. وعن أبي يوسف أقله يومان وأكثر الثالث. وأقل الطهر عند أبي ~~حنيفة وأصحابه خمسة عشر يوما ولا حد لأكثره عنده، كما قدمنا حكاية ~~الإجماع عليه مرارا، ويستثنى من ذلك مراعاة المعتادة المستحاضة لزمن ~~طهرها وحيضها. وعن يحيى بن أكثم أقل الطهر تسعة عشر يوما. وحكى الماوردي ~~عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض. إحداها خمسة عشر، والثانية سبعة عشر، ~~والثالثة غير محدودة. وعن مكحول أكثر الحيض سبعة أيام، وعن عبد الملك بن ~~الماجشون أقل الطهر خمسة أيام. ويحكى عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبع ~~عشرة. قال أحمد " وأكثر ما سمعنا سبع عشرة ". هذا حاصل أقوال العلماء في ~~أقل الحيض وأكثره، وهذه أدلتهم. أما أبو حنيفة ومن وافقه، فاحتجوا ~~لمذهبهم أن أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة بحديث واثلة بن الأسقع رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ". # وبما روي عن ابي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام ولا أقل من ثلاثة أيام " # وبما روي عن أنس رضي الله عنه قال " الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ~~ثمان، تسع، عشر " قالوا وأنس لا يقول هذا إلا توقيفا. قالوا ولأن هذا ~~تقدير، والتقدير لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وإنما حصل الاتفاق على ~~ثلاثة، ورد الجمهور الاستدلال بالأحاديث المذكورة بأنها ضعيفة لا تثبت ~~بمثلها حجة. قال النووي في شرح المهذب ما نصه " وأما حديث واثلة وأبي ~~أمامة وأنس، فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين. وقد أوضح ضعفها ~~الدارقطني ثم البيهقي في كتاب الخلافيات ثم السنن الكبير " اه. وقال ابن ~~قدامة في المغني حديث واثلة يرويه محمد بن أحمد الشامي وهو ضعيف عن حماد ~~بن المنهال وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف. قال ابن ~~عيينة هو حديث لا أصل له. وقال أحمد في حديث أنس ليس هو شيئا هذا من قبل ~~الجلد بن ms0806 أيوب قيل إن محمد بن إسحاق رواه. قال ما أراه سمعه إلا من الحسن ~~بن دينار وضعفه جدا. وقال يزيد بن زريع ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا ~~بالجلد بن أيوب وحديث الجلد قد روي عن علي رضي الله عنه ما يعارضه، فإنه ~~قال ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليلة. وقال البيهقي في ~~السنن الكبرى فهذا حديث يعرف بالجلد بن أيوب، وقد أنكر عليه ذلك. # وقال البيهقي أيضا قال ابن علية الجلد أعرابي لا يعرف الحديث. وقال ~~أيضا قال الشافعي نحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد، ونستدل على غلط من ~~هو أحفظ منه بأقل من هذا. وقال أيضا قال سليمان بن حرب كان حماد يعني ~~ابن زيد يضعف الجلد ويقول لم يكن يعقل الحديث. وروى البيهقي أيضا ~~بإسناده عن حماد بن زيد قال ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد بن أيوب ~~فحدثنا بحديث معاوية بن قرة عن أنس في الحائض، فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا ~~يفصل بين الحائض والمستحاضة. وروي أيضا بإسناده عن أحمد بن سعيد الدارمي ~~قال سألت أبا عاصم عن الجلد بن أيوب فضعفه جدا وقال كان شيخا من مشايخ ~~العرب تساهل أصحابنا في الرواية عنه. وروى البيهقي أيضا عن عبد الله بن ~~المبارك أن أهل البصرة كانوا ينكرون حديث الجلد بن أيوب ويقولون شيخ من ~~شيوخ العرب ليس بصاحب حديث. قال ابن المبارك وأهل مصره أعلم به من غيرهم. ~~قال يعقوب وسمعت سليمان بن حرب وصدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم، وبلغني ~~عن أحمد بن حنبل أنهم كانوا يضعفون الجلد بن أيوب ولا يرونه في موضع ~~الحجة. وروي بإسناده أيضا عن ابن عيينة أنه كان يقول ما جلد ومن جلد ومن ~~كان جلد. وروي بإسناده أيضا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي ~~ذكر الجلد بن أيوب فقال ليس يسوي حديثه شيئا ضعيف الحديث اه. وإنما ~~أطلنا الكلام في تضعيف هذا الأثر. لأنه أقوى ما جاء في الباب ms0807 على ضعفه ~~كما ترى. وقد قال البيهقي في السنن الكبرى " روي في أقل الحيض وأكثره ~~أحاديث ضعاف قد بينت ضعفها في الخلافيات ". وأما حجة من قال إن أقل الحيض ~~يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، كالشافعي وأحمد ومن وافقهما، فهي أنه لم يثبت ~~في ذلك تحديد من الشرع فوجب الرجوع إلى المشاهد في الوجود. والمشاهد أن ~~الحيض لا يقل عن يوم وليلة ولا يزيد على نصف شهر. قالوا وثبت مستفيضا عن ~~السلف من التابعين فمن بعدهم وجود ذلك عيانا، ورواه البيهقي وغيره عن ~~عطاء والحسن وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وربيعة وشريك والحسن بن ~~صالح وعبد الرحمن بن مهدي رحمهم الله تعالى. قال النووي " فإن قيل روى ~~إسحاق بن راهوية عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يوما ~~وعن ميمون بن مهران أن بنت سعيد بن جبير كانت تحته وكانت تحيض من السنة ~~شهرين، فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه النكت أن هذين النقلين ~~ضعيفان. فالأول عن بعضهم وهو مجهول وقد أنكره بعضهم، وقد أنكره الإمام ~~مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. # والثاني رواه الوليد بن مسلم عن رجل عن ميمون، والرجل مجهول. والله أعلم ~~" اه. وأما حجة مالك في أكثر الحيض للمبتدئة، فكحجة الشافعي وأحمد وحجته ~~في أكثره للمعتادة ما رواه الإمام مالك وأحمد والشافعي وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها استفتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال # " لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهم من الشهر فتدع ~~الصلاة ثم لتغسل ولتستشفر ثم تصلي " # اه. وهذا الحديث نص في الرجوع إلى عادة الحائض. قال ابن حجر في التلخيص ~~" في هذا الحديث قال النووي إسناده على شرطهما " وقال البيهقي " هو حديث ~~مشهور، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة " وفي رواية لأبي داود ~~عن سليمان أن رجلا أخبره عن أم سلمة، وقال المنذري لم يسمعه سليمان ~~منها. وقد رواه موسى ms0808 بن عقبة عن نافع عن سليمان عن مرجانة عنها، وساقه ~~الدارقطني من طريق صخر بن جويرة عن نافع عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. ~~اه. وللحديث شواهد متعددة تقوي رجوع النساء إلى عادتهن في الحيض كحديث ~~حمنة بنت جحش، وحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما زيادة ثلاثة ~~أيام، فهي لأجل الاستظهار والتحري في انقضاء الحيضة ولا أعلم لها مستندا ~~من نصوص الوحي الثابتة، وأما حجة مالك في أقل الحيض بالنسبة إلى العبادات ~~فهي التمسك بظاهر إطلاق النصوص ولم يرد نص صحيح في التحديد. وأما أقله ~~بالنسبة إلى العدة والاستبراء فحجته فيه أنه من قبيل تحقيق المناط لأن ~~الحيض دليل عادي على براءة الرحم فلا بد فيما طلبت فيه بالحيض الدلالة ~~على براءة الرحم من حيض يدل على ذلك بحسب العادة المطردة، ولذا جعل ~~الرجوع في ذلك إلى النساء العارفات بذلك لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن ~~هو أعرف به وإن كان لاحظ له من علوم الوحي، وحجة يحيى بن أكثم في قوله " ~~إن أقل الطهر تسعة عشر " هي أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة ايام وأن الشهر ~~يشتمل على طهر وحيض، فعشرة منه للحيض والباقي طهر. وقد يكون الشهر تسعا ~~وعشرين فالباقي بعد عشرة الحيض تسعة عشر. هذا هو حاصل أدلتهم وليس على ~~شيء منها دليل من كتاب ولا سنة يجب الرجوع إليه. وأقرب المذاهب في ذلك هو ~~أكثرها موافقة للمشاهد ككون الحيض لا يقل عن يوم وليلة ولا يكثر عن نصف ~~شهر، وكون أقل الطهر نصف شهر والله تعالى أعلم. مسألة اختلف العلماء في ~~الدم الذي تراه الحامل هل هو حيض أو دم فساد فذهب مالك والشافعي في أصح ~~قوليه إلى أنه حيض وبه قال قتادة والليت وروي عن الزهري وإسحاق وهو ~~الصحيح عن عائشة. # وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد إلى أنه دم فساد وعلة، وأن الحامل ~~لا تحيض وبه قال جمهور التابعين منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ~~وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن ms0809 المنكدر، والشعبي ومكحول، وحماد والثوري ~~والأوزاعي وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور، واحتج من قال إن الدم الذي ~~تراه الحامل حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه، وبأنه متردد بين ~~كونه فسادا لعلة أو حيضا، والأصل السلامة من العلة، فيجب استصحاب ~~الأصل. واحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة منها ما جاء في بعض # " روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعمر " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " # وهذه الرواية أخرجها أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. قالوا قد جعل صلى ~~الله عليه وسلم الحمل علامة على عدم الحيض، كما جعل الطهر علامة لذلك. ~~ومنها حديث # " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " # رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وصححه ~~الحاكم وله شواهد، قالوا فجعل صلى الله عليه وسلم الحيض علامة على براءة ~~الرحم فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل. ومنها أنه دم في زمن لا يعتاد ~~فيه الحيض غالبا فكان غير حيض قياسا على ما تراه اليائسة بجامع غلبة ~~عدم الحيض في كل منهما. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله " إنما يعرف ~~النساء الحمل بانقطاع الدم ". ومنها أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه ~~لوازم الحيض. فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض، لأن انتفاء اللازم ~~يوجب انتفاء الملزوم، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق، ودم الحامل لا يمنع ~~طلاقها، للحديث المذكور آنفا الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر، ومن ~~لازم الحيض أيضا انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له في انقضاء عدتها ~~لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب. واعلم ~~أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى ~~انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام ~~فتجلس ms0810 عشرين يوما، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين ~~يوما ونحوها، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمسا وعشرين. وفسره ~~بعضهم بزيادة عشرة، فتجلس شهرا، فإن حاضت الحامل قبل الدخول في الشهر ~~الثالث. فقيل حكمه حكم الحيض في الثالث وقد تقدم. # وقيل حكمه حكم حيض غير الحامل، فتجلس قدر عادتها وثلاثة أيام استظهارا. ~~وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله والحامل ~~بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرون يوما ونحوها وهل ما ~~قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة قولان. هذا هو حاصل كلام العلماء في ~~أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر وأكثره وأدلتهم في ذلك ومسائل الحيض كثيرة، ~~وقد بسط العلماء الكلام عليها في كتب الفروع. مسأله اختلف العلماء في أقل ~~النفاس وأكثره أيضا فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يوما، وبه ~~قال عطاء والأوزاعي والشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري والحجاج بن ~~أرطاة وأبو ثور وداود، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال أدركت الناس ~~يقولون أكثر النفاس ستون يوما، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن ~~أكثره أربعون يوما وعليه أكثر العلماء. قال أبو عيسى الترمذي أجمع أهل ~~العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن النفساء تدع ~~الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي اه. قال ~~الخطابي وقال أبو عبيد وعلى هذا جماعة الناس وحكاه ابن المنذر عن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة وابن ~~المبارك وإسحاق وأبي عبيد اه. وحكى الترمذي وابن المنذر وابن جرير ~~وغيرهم عن الحسن البصري أنه خمسون. وروي عن الليث أنه قال قال بعض الناس ~~إنه سبعون يوما. وذكر ابن المنذر عن الأوزاعي عن أهل دمشق أن أكثر ~~النفاس من الغلام ثلاثون يوما، ومن الجارية أربعون. وعن الضحاك أكثره ~~أربعة عشر يوما. قاله النووي. وأما أقل النفاس فهو عند مالك والشافعي ~~وأحمد وأبي حنيفة في ms0811 أصح الروايات عنه لا حد له وهو قول الجمهور العلماء. ~~وعن أبي حنيفة أقله أحد عشر يوما. وعنه أيضا. خمسة وعشرون. وحكى ~~الماوردي عن الثوري أقله ثلاثة أيام. وقال المزني أقله أربعة أيام، وأما ~~أدلة العلماء في أكثر النفاس وأقله، فإن حجة كل من حدد أكثره بغير ~~الأربعين هي الاعتماد على المشاهد في الخارج، وأكثر ما شاهدوه في الخارج ~~ستون يوما، وكذلك حججهم في أقله فهي أيضا الاعتماد على المشاهد في ~~الخارج، وقد يشاهد الولد يخرج ولا دم معه، ولذا كان جمهور العلماء على أن ~~أقله لا حد له، وأما حجة من حدده بأربعين، فهي ما رواه الإمام أحمد وأبو ~~داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها ~~قالت " كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلس أربعين ~~يوما " الحديث. روي هذا الحديث من طريق علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل ~~واسمه كثير بن زياد عن مسة الأزدية عن أم سلمة وعلي بن عبد الأعلى ثقة، ~~وأبو سهل وثقه البخاري وضعفه ابن حبان. # وقال ابن حجر لم يصب في تضعيفه. وقال في التقريب في أبي سهل المذكور ~~ثقة. وقال في التقريب في مسة المذكورة مقبولة. وقال النووي في شرح المهذب ~~في حديث أم سلمة هذا حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. قال ~~الخطابي أثنى البخاري على هذا الحديث ويعتضد هذا الحديث بأحاديث بمعناه ~~من رواية أبي الدرداء وأنس ومعاذ وعثمان بن أبي العاص وأبي هريرة رضي ~~الله عنهم. وقال النووي أيضا بعد هذا الكلام " واعتمد أكثر أصحابنا ~~جوابا آخر وهو تضعيف الحديث. وهذا الجواب مردود، بل الحديث جيد كما سبق ~~". وأجاب القائلون بأن أكثر النفاس ستون عن هذا الحديث الدال على أنه ~~أربعون بأجوبة أوجهها عندي أن الحديث إنما يدل على أنها تجلس أربعين ولا ~~دلالة فيه على أن الدم إن تمادى بها لم تجلس أكثر من الأربعين فمن الممكن ~~أن تكون النساء المذكورة في الحديث لم يتماد الحيض بها إلا ms0812 أربعين فنص ~~الحديث على أنها تجلس الأربعين ولا ينافي أن الدم لو تمادى عليها أكثر من ~~الأربعين لجلست أكثر من الأربعين ويؤيده أن الأوزاعي رحمه الله قال " ~~عندنا امرأة ترى النفاس شهرين " وذلك مشاهد كثيرا في النساء. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [13.10] # بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن السر والجهر عنده سواء، وأن ~~الاختفاء والظهور عنده أيضا سواء لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم ~~الخفى كما يعلم الظاهر، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # الملك 13 -14 وقوله # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # طه 7 وقوله # ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # هود 5 وقوله # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه # ق 16 الآية - إلى غير ذلك من الآيات. وأظهر القولين في المستخفي بالليل ~~والسارب بالنهار أن المستخفي هو المختفي المستتر عن الأعين، والسارب هو ~~الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء. ومنه قول الأخنس بن شهاب التغلبي # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أي ذاهب حيث يشاء ظاهر غير خاف. وقول قيس بن الخطيم # أني سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب # وقيل السارب الداخل في السرب ليتوارى فيه، والمستخفي الظاهر من خفاه ~~يخفيه إذا أظهره. ومنه قول امرىء القيس # خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشى مجلب ### || [13.11] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا. والمعنى أنه لا يسلب قوما ~~نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، ~~وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم # الأنفال 53 الآية. وقوله # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن ms0813 كثير # الشورى 30. وقد بين في هذه الآية أيضا أنه إذا أراد قوما بسوء فلا مرد ~~له، وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله # ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين # الأعراف 147 ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم } يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما ~~وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع، # " وقد سئل صلى الله عليه وسلم أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر ~~الخبث " # والله تعالى أعلم. ### || [13.12] # قوله تعالى { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا }. ~~ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يرى خلقه البرق خوفا ~~وطمعا. قال قتادة خوفا للمسافر. يخاف أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم يرجو ~~بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. وعن الحسن الخوف لأهل البحر، والطمع ~~لأهل البر. وعن الضحاك الخوف من الصواعق والطمع في الغيث. وبين في موضع ~~آخر أن إراءته خلقه البرق خوفا وطمعا من آياته جل وعلا، الدالة على أنه ~~المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. وذلك في قوله # ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل ~~من السمآء مآء # الروم 24 الآية. ### || [13.15] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعا ~~وكرها وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال. وذكر أيضا سجود الظلال، وسجود ~~أهل السموات والأرض في قوله # أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم ~~داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ~~من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون # النحل 48 -49 إلى قوله # يؤمرون # النحل 50 واختلف العلماء في المراد بسجود الظل وسجود غير المؤمنين فقال ~~بعض العلماء سجود من في السموات والأرض من العام المخصوص فالمؤمنون ~~والملائكة يسجدون لله سجودا حقيقيا وهو وضع الجبهة على الأرض يفعلون ~~ذلك طوعا والكفار يسجدون كرها أعني المنافقين لأنهم كفار في الباطن ولا ~~يسجدون لله إلا كرها كما قال تعالى # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ms0814 ~~الناس # النساء 142 الآية وقال تعالى # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون # التوبة 54 والدليل على أن سجود أهل السموات والأرض من العام المخصوص، ~~قوله تعالى في سورة الحج # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب # الحج 18. فقوله { وكثير من الناس } دليل على أن بعض الناس غير ~~داخل في السجود المذكور وهذا قول الحسن وقتادة وغيرهما وذكره الفراء وقيل ~~الآية عامة والمراد بسجود المسلمين طوعا انقيادهم لما يريد الله منهم ~~طوعا والمراد بسجود الكافرين كرها انقيادهم لما يريد الله منهم كرها ~~لأن إرادته نافذة فيهم وهم منقادون خاضعون لصنعه فيهم ونفوذ مشيئته فيهم ~~وأصل السجود في لغة العرب الذل والخضوع ومنه قول زيد الخيل # يجمع فضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # ومنه قول العرب أسجد إذا طأطأ رأسه وانحنى قال حميد بن ثور # فلما لوين على معصم وكف خضيب وأسوارها فضول أزمتها أسجدت سجود ~~النصارى لأحبارها # وعلى هذا القول فالسجود لغوي لا شرعي، وهذا الخلاف المذكور جار أيضا في ~~سجود الضلال فقيل سجودها حقيقي والله تعالى قادر على أن يخلق لها إدراكا ~~تدرك به وتسجد لله سجودا حقيقيا وقيل سجودها ميلها بقدرة الله أول ~~النهار إلى جهة المغرب وآخره إلى جهة المشرق وادعى من قال هذا أن الظل لا ~~حقيقة له لأنه خيال فلا يمكن منه الإدراك. ونحن نقول إن الله جل وعلا ~~قادر على كل شيء فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكا يسجد به لله تعالى ~~سجودا حقيقيا والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي حمل نصوص الوحي على ~~ظواهرها إلا بدليل من كتاب أو سنة ولا يخفى أن حاصل القولين - أن أحدهما ~~أن السجود شرعي وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص ~~والثاني أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل ms0815 والخضوع وعليه فهو باق على ~~عمومه والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن ~~النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو ~~التحقيق خلافا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملا ~~لاحتمال هذا وذاك وعقد هذه المسألة صاحب مراقي السعود بقوله - # واللفظ محمول على الشرعي إن يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم ~~يجب بحث عن المجاز في الذي انتخب # وقيل المراد بسجود الكفار كرها سجود ظلالهم كرها وقيل الآية في ~~المؤمنين فبعضهم يسجد طوعا لخفة امتثال أوامر الشرع عليه وبعضهم يسجد ~~كرها لثقل مشقة التكليف عليه مع أن إيمانه يحمله على تكلف ذلك والعلم ~~عند الله تعالى وقوله تعالى { بالغدو } يحتمل أن يكون مصدرا أو ~~يحتمل أن يكون جمع غداة والآصال جمع أصل بضمتين وهو جمع أصيل وهو ما بين ~~العصر والغروب ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي # لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل ### || [13.16] # قوله تعالى { أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء ~~وهو الواحد القهار }. أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ~~أنه هو المستحق لأن يعبد وحده لأنه هو الخالق ولا يستحق من الخلق أن ~~يعبدوه إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود لأن المقصود من قوله { ~~أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم } الرعد 16 إنكار ذلك وأنه هو الخالق وحده بدليل ~~قوله بعده { قل الله خالق كل شيء } أي خالق كل شيء هو ~~المستحق لأن يعبد وحده ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # البقرة 21 الآية وقوله # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # الفرقان 3 الآية وقوله # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # الأعراف 191 وقوله # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # لقمان 11 إلى غير ذلك من الآيات لأن المخلوق محتاج إلى خالقه فهو عبد ~~مربوب مثلك يجب ms0816 عليه أن يعبد من خلقه وحده كما يجب عليك ذلك فأنتما سواء ~~بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له ### || [13.27] # وقوله تعالى { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ~~آية من ربه } الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن ~~الكفار اقترحوا عليه صلى الله عليه وسلم الإتيان بآية ينزلها عليه ربه ~~وبين هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله # فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون # الأنبياء 5 إلى غير ذلك من الآيات وبين تعالى في موضع آخر أن في القرآن ~~العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم # العنكبوت 51 وبين في موضع آخر حكمة عدم إنزال آية كناقة صالح ونحوها ~~بقوله # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة # الإسراء 59 الآية كما تقدمت الإشارة إليه. ### || [13.31] # قوله تعالى { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض أو كلم به الموتى } الآية. جواب لو ~~في هذه الآية محذوف قال بعض العلماء تقديره لكان هذا القرآن وقال بعضهم ~~تقديره لكفرتم بالرحمن ويدل لهذا الأخير قوله قبله. # وهم يكفرون بالرحمن # الرعد 30 وقد قومنا شواهد حذف جواب لو في سورة البقرة وقد قدمنا في سورة ~~يوسف أن الغالب في اللغة العربية أن يكون الجواب المحذوف من جنس المذكور ~~قبل الشرط ليكون ما قبل الشرط دليلا على الجواب المحذوف. ### || [13.38] # قوله تعالى { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية } الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن ~~الرسل قبله صلى الله عليه وسلم من جنس البشر يتزوجون ويلدون وليسوا ~~ملائكة وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر كما قال تعالى # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # الإسراء 94 فأخبر أنه يرسل البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # الفرقان 20 وقوله # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ms0817 الطعام # الأنبياء 8 الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه. ### || [13.43] # قوله تعالى { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب }. الظاهر أن قوله ومن عنده علم الكتاب ~~عطف على لفظ الجلالة وأن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل ويدل له ~~قوله تعالى # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # آل عمران 18 الآية وقوله # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك # يونس 94 الآية وقوله # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # النحل 43 إلى غير ذلك من الآيات. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # قوله تعالى { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس ~~من الظلمات إلى النور بإذن ربهم } إبراهيم 1 الآية. ~~بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~هذا الكتاب العظيم ليخرج به الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور ~~الإيمان والهدى وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور # الحديد 9 وقوله # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # البقرة 257 الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه وقد بين ~~تعالى هنا أنه لا يخرج أحدا من الظلمات إلى النور إلا بإذنه جل وعلا في ~~قوله { بإذن ربهم } الآية وأوضح ذلك في آيات أخر كقوله # ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله # النساء 64 الآية وقوله # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # يونس 100 الآية إلى غير ذلك من الآيات. ### || [14.4] # قوله تعالى { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم فيضل الله من يشآء } الآية. بين الله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل رسولا إلى بلغة قومه لأنه لم ~~يرسل رسولا إلا إلى قومه دون غيرهم ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا ms0818 بغيرهم كقوله ~~تعالى # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158 وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1 وقوله # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28 الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل ~~لسان فهو صلى الله عليه وسلم يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان وقد قدمنا في ~~سورة البقرة قول ابن عباس رضي الله عنهما " إن الله فضل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا بم يا بن عباس فضله على ~~أهل السماء، فقال إن الله تعالى قال # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين # الأنبياء 29، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 1 و 2 قالوا فما فضله على الأنبياء قال قال الله تعالى { ومآ ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~} وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28، فأرسله إلى الجن والإنس " ، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده كما ~~تقدم وهو تفسير من ابن عباس للآية بما ذكرنا والعلم عند الله تعالى ### || [14.9] # قوله تعالى { فردوا أيديهم في أفواههم } الآية. ~~اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة فقال بعض العلماء معناها أن ~~أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوا عليها غيظا وحنقا ~~لما جاءت به الرسل إذ كان فيه تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم وممن قال بهذا ~~القول عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير ~~واستدل له بقوله تعالى # وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # آل عمران 119 الآية وهذا المعنى معروف في كلام العرب ومنه قول الشاعر # تردون فيه غش الحسود حتى يعض على الأكف # يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه قال القرطبي ومنه قول ~~الآخر أيضا # قد أفنى أنامله أزمة ms0819 فأضحى يعض على الوظيفا # أي أفنى أنامله عضا وقال الراجز # لو أن سلمى أبصرت تحذري ودقة بعظم ساقي ويدي وبهد أهلي وجفاء عودي ~~عضت من الوجد بأطراف اليد # وفي الآية الكريمة أقوال غير هذا منها أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ~~ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب. ويروى عن ابن عباس، ومنها أنهم ~~كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى ~~أفواههم أن أسكت تكذيبا له وردا لقوله. ويروى هذا عن أبي صالح ومنها أن ~~معنى الآية أنهم ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم فالضمير الأول ~~للرسل والثاني للكفار، وعلى هذا القول ففي بمعنى الباء ويروى هذا القول ~~عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب قال ابن جرير وتوجيهه أن في هنا بمعنى ~~الباء قال وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة وقال ~~الشاعر # وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب # يريد وأرغب بها قال ابن كثير ويؤيد هذا القول تغير ذلك بتمام الكلام ~~وهو قوله تعالى { وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به ~~وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب } إبراهيم ~~9. قال مقيده - عفا الله عنه الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير رحمه ~~الله تعالى، لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على ~~أن المراد بقوله { فردوا أيديهم } الآية غير التصريح ~~بالتكذيب بالأفواه والعلم عند الله تعالى. وقيل المعنى أن الكفار جعلوا ~~أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم وعليه. فالضمير الأول للكفار والثاني ~~للرسل، ويروى هذا عن الحسن وقيل جعل الكفار أيدي الرسل على أفواه الرسل ~~ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم ويروى هذا مقاتل وقيل رد الرسل أيدي الكفار في ~~أفوههم وقيل غير ذلك فقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآن منها والعلم ~~عند الله تعالى. تنبيه جمع الفم مكسرا على أفواه يدل على أن أصله فوه ~~فحذفت الفاء والواو وعوضت عنهما الميم. # قوله تعالى { إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفي ~~شك مما تدعوننآ إليه مريب }. صرح تعالى ms0820 في هذه الآية ~~الكريمة أن الكفار صرحوا للرسل بأنهم كافرون بهم وأنهم شاكون فيما جاؤوهم ~~به من الوحي وقد نص تعالى على بعضهم بالتعيين أنهم صرحوا بالكفر به وأنهم ~~شاكون فيما يدعوهم إليه كقول قوم صالح له. # أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي ~~شك مما تدعونآ إليه مريب # هود 62 وصرحوا بالكفر به في قوله # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون # الأعراف 75 - 76 ونحو ذلك من الآيات وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر عموم في آية ثم يصرح في ~~آية أخرى بدخول بعض أفراد ذلك العموم فيه كما هنا وكما تقدم المثال له ~~بقوله تعالى # ذلك ومن يعظم شعائر الله # الحج 32 مع قوله # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # الحج 36 الآية. ### || [14.13-14] # قوله تعالى { وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا }. ~~بين الله تعالى في هذه الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم ~~والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي وقد نص في آيات ~~أخر أيضا على بعض ذلك مفصلا كقوله من قوم شعيب # لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا ~~كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم # الأعراف 88 - 89 الآية وقوله عن قوم لوط # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # النمل 56 وقوله عن مشركي قريش # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ~~وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا # الإسراء 76 وقوله # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # الأنفال 30 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { فأوحى إليهم ~~ربهم ms0821 لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد }. بين ~~الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر ~~لهم على أعدائهم وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم وبين هذا المعنى في ~~آيات كثيرة كقوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # الصافات 171 - 173 وقوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # المجادلة 21 وقوله # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # غافر 51 الآية. وقوله # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن ~~الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة ~~للمتقين # الأعراف 128 وقوله # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # الأعراف 137 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [14.15] # قوله تعالى { وخاب كل جبار عنيد }. لم يبين هنا كيفية خيبة ~~الجبار العنيد ولكنه أشار إلى معنى خيبته وبعض صفاته القبيحة في قوله في ~~سورة " ق " # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير ~~معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر ~~فألقياه في العذاب الشديد # ق 24 - 26 والجبار المتجبر في نفسه والعنيد المعاند للحق، قاله ابن ~~كثير. ### || [14.16] # قوله تعالى { من ورآئه جهنم } الآية. وراء هنا بمعنى أمام ~~كما هو ظاهر. ويدل له إطلاق وراء بمعنى أمام في القرآن وفي كلام العرب، ~~فمنه في القرآن قوله تعالى # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # الكهف 79 أي أمامهم ملك. وكان ابن عباس يقرؤها وكان أمامهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد # أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # وقول الآخر # أترجوا بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا # وقوله الآخر # ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا باد # فوراء بمعنى أمام في الأبيات. وقال بعض العلماء. ومعنى من ورائه جهنم، ~~أي من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن ms0822 إطلاق وراء ~~بمعنى بعد قول النابغة # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب # أي ليس بعد الله مذهب، قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق. ### || [14.18] # قوله تعالى { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } الآية. ضرب ~~الله تعالى لأعمال الكفار مثلا في هذه الآية الكريمة برماد اشتدت به ~~الرياح في يوم عاصف، أي شديد الريح، فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ~~ذلك الرماد ولم تبق له أثرأ فكذلك أعمال الكفار كصلات الأرحام وقري ~~الضيف والتنفيس عن المكروب وبر الوالدين ونحو ذلك يبطلها الكفر ويذهبها ~~كما تطير تلك الريح ذلك الرماد وضرب أمثالا أخر في آيات أخر لأعمال ~~الكفار بهذا المعنى كقوله # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # النور 39 وقوله # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته # آل عمران 117 الآية وقوله # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على ~~شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين # البقرة 264 وقوله # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # الفرقان 23 إلى غير ذلك من الآيات. وبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه ~~للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهوا الشيء بنظرة وهو قوله # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # الحشر 21 ونظيره قوله # ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون # إبراهيم 25 وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلا أهل العلم وهو ~~قوله تعالى # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # العنكبوت 43 وبين في موضع آخر أن المثل المضروب بجعله الله سبب هداية ~~لقوم فهموه وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته وهو قوله # فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ms0823 أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين # البقرة 26 وبين في موضع آخر أنه تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا ما ولو ~~كان المثل المضروب بعوضة فما فوقها قيل فما هو أصغر منها لأنه يفوقها في ~~الصغر وقيل فما فوقها أي فما هو أكبر منها وهو قوله # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها # البقرة 26 ولذلك ضرب المثل بالعنكبوت في قوله # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # العنكبوت 41 وضربه بالحمار في قوله # كمثل الحمار يحمل أسفارا # الجمعة 5 الآية وضربه. بالكلب في قوله # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث # الأعراف 176 إلى غير ذلك والعلم عند الله تعالى. ### || [14.21] # قوله تعالى { فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب ~~الله من شيء }. هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بينها ~~في مواضع أخر كقوله # وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيهآ إن الله قد حكم بين العباد # غافر 47 - 48 كما تقدم إيضاحه. ### || [14.22] # قوله تعالى { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم }. ~~بين في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما ~~وعدهم وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله في وعد الله # وعد الله حقا # النساء 122 وقوله # إن الله لا يخلف الميعاد # آل عمران 9 وقوله في وعد الشيطان # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # النساء 120 ونحو ذلك من لآيات. ### || [14.23] # قوله تعالى { تحيتهم فيها سلام }. بين في هذه الآية الكريمة ~~أن تحية أهل الجنة في جنة سلام وبين في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم ~~بذلك وأن بعضهم يحيي بعضا ms0824 بذلك فقال في تحية الملائكة لهم # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم # الرعد 23 - 24 الآية وقال # وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم # الزمر 73 الآية وقال # ويلقون فيها تحية وسلاما # الفرقان 75 وقال في تحية بعضهم بعضا # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام # يونس 10 الآية كما تقدم إيضاحه. ### || [14.30] # قوله تعالى { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار }. ~~هذا تهديد منه تعالى لهم بأن مصيرهم إلى النار وذلك المتاع القليل في ~~الدنيا لا يجدي من مصيره إلى النار وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # الزمر 8 وقوله # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # لقمان 24 وقوله # متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # يونس 70 وقوله # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم # آل عمران 196 - 197 الآية إلى ذلك من الآيات. ### || [14.31] # أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات ~~والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا ~~مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر فلا يمكن أحدا أن تباع له ~~نفسه فيفديها ولا خليل ينفع خليله يومئذ وبين هذا المعنى في آيات كثيرة ~~كقوله # يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة # البقرة 254 الآية. وقوله # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا # الحديد 15 وقوله # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # البقرة 123 الآية. ونحو ذلك من الآيات والخلال في هذه الآية قيل جمع خلة ~~كقلة وقلال والخلة المصادقة وقيل هو مصدر خاله على وزن فاعل مخالة ~~وخلالا ومعلوم أن فاعل ينقاس مصدرها على المفاعلة والفعال. وهذا هو ~~الظاهر ومنه قول امرىء القيس # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال # أي لست بمكروه المخالة. ms0825 ### || [14.35] # قوله تعالى { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام }. لم ~~يبين هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا ولكنه بين في مواضع أخر أنه ~~أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله # ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # الصافات 113 وقوله # وجعلها كلمة باقية في عقبه # الزخرف 28 الآية. ### || [14.36] # قوله تعالى { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه ~~إبراهيم قال إن من تبعه فإنه منه وأنه رد من لم يتبعه إلى مشيئة الله ~~تعالى إن شاء غفر له لأنه هو الغفور الرحيم وذكر نحو هذا عن عيسى ابن ~~مريم في قوله # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # المائدة 118 وذكر عن نوح وموسى التشديد في الدعاء على قومهما فقال عن ~~نوح إنه قال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # نوح 26 إلى قوله # فاجرا كفارا # نوح 27 وقال عن موسى إنه قال # ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم # يونس 88 والظاهر أن نوحا وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ما ~~دعوا ذلك الدعاء على قومهما إلا بعد أن علما من الله أنهم أشقياء في علم ~~الله لا يؤمنون أبدا، أما نوح فقد صرح الله تعالى له بذلك في قوله # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن # هود 36 وأما موسى فقد فهم ذلك من قول قومه له # مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن ~~لك بمؤمنين # الأعراف 132 فإنهم قالوا هذا القول بعد مشاهدة تلك الآيات العظيمة ~~المذكورة في الأعراف وغيرها. ### || [14.37] # قوله تعالى { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~وارزقهم من الثمرات } الآية. بين تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لذريته ~~الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات، وبين في سورة ~~البقرة أن إبراهيم خص ms0826 بهذا الدعاء المؤمنين منهم، وأن الله أخبره أنه ~~رازقهم جميعا مؤمنهم وكافرهم ثم يوم القيامة يعذب الكافر وذلك بقوله # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا # البقرة 126 الآية. قال بعض العلماء سبب تخصيص إبراهيم المؤمنين في هذا ~~الدعاء بالرزق أنه دعا لذريته أولا أن يجعلهم الله أئمة ولم يخصص ~~بالمؤمنين فأخبره الله أن الظالمين من ذريته لا يستحقون ذلك. قال تعالى # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # البقرة 124 فلما أراد أن يدعو لهم بالرزق خص المؤمنين بسبب ذلك فقال { ~~وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر } فأخبره الله أن الرزق ليس كالإمامة فالله يرزق ~~الكافر من الدنيا ولا يجعله إماما. ولذا قال له في طلب الإمامة { لا ~~ينال عهدي الظالمين } ولما خص المؤمنين بطلب الرزق قال له # ومن كفر فأمتعه قليلا # البقرة 126 الآية. ### || [14.41] # قوله تعالى { ربنا اغفر لي ولوالدي } الآية. بين تعالى ~~في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه وبين في آيات أخر ~~أن طلبه الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنه عدو لله فلما علم ذلك ~~تبرأ منه كقوله # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه # التوبة 114 ونحو ذلك من الآيات. ### || [14.42] # قوله تعالى { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يؤخر عقاب الكفار إلى ~~يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف وأوضح ذلك في قوله تعالى # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا # الأنبياء 97 الآية. ومعنى شخوص الأبصار أنها تبقى منفتحة لا تغمض من ~~الهول وشدة الخوف. ### || [14.43] # قوله تعالى { مهطعين } الآية. الإهطاع في اللغة الإسراع، وقد بين ~~تعالى في مواضع أخر أنهم يوم القيامة يأتون مهطعين أي ms0827 مسرعين إذا دعوا ~~للحساب كقوله تعالى # يوم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ~~مهطعين إلى الداع # القمر 7-8 الآية. وقوله # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # المعارج 43 وقوله # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا ~~يسير # ق 44 إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق الإهطاع في اللغة بمعنى الإسراع ~~قول الشاعر # بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع # أي مسرعين إليه. ### || [14.49] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن المجرمين وهم الكفار يوم القيامة ~~يقرنون في الأصفاد وبين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا # الفرقان 13 ونحو ذلك من الآيات. والأصفاد هي الأغلال والقيود، واحدها ~~صفد بالسكون وصفد بالتحريك. ومنه قول عمرو بن كلثوم # فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا # وقوله تعالى # والشياطين كل بنآء وغواص وآخرين مقرنين في ~~الأصفاد # ص 37-38. ### || [14.50] # قوله تعالى { وتغشى وجوههم النار }. بين في هذه الآية ~~الكريمة أن النار يوم القيامة تغشى وجوه الكفار فتحرقها، وأوضح ذلك في ~~مواضع أخر كقوله # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون # المؤمنون 104 وقوله # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم # الأنبياء 39 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [14.52] # قوله تعالى { هذا بلاغ للناس } الآية. بين في هذه الآية ~~الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس وأوضح هذا المعنى في قوله # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # الأنعام 19 وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائنا من كان في ~~قوله # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه # هود 17 الآية. قوله تعالى { وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب }. بين في هذه الآية ~~الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم العلم بأنه تعالى إله واحد، وأن ~~من حكمه أن يتعظ أصحاب العقول. وبين هذا في مواضع أخر فذكر الحكمة الأولى ~~في أول ms0828 سورة هود في قوله # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير ألا تعبدوا إلا الله # هود 1-2 الآية، كما تقدم إيضاحه، وذكر الحكمة الثانية في قوله # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # ص 29 وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحد الألباب لب ~~بالضم، والعلم عند الله تعالى. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.2] # ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أنهم ~~كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع ~~أخر كقوله # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # الأنعام 27 وقوله # حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا ~~على ما فرطنا فيها # الأنعام 31 الآية، وقوله # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا # الفرقان 27 إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة ~~إلى شيء واحد. لأن من يقول إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنه ~~كان مسلما، ومن يقول إنه إذا عاين النار ووقف عليها تمنى أنه كان ~~مسلما، ومن يقول إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم ~~كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على ~~الكفر وتمنوا أنهم كانوا مسلمين. وقرأ نافع وعاصم { ربما } بتخفيف ~~الباء، وقرأ الباقون بتشديدها، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة ~~تميم وقيس وربيعة، ومن الأول قول عدي بن الرعلاء الغساني # ربما ضربة بسيف صقيل بين بصري وطعنة نجلاء # والثاني كثير جدا ومنه قول الآخر # ألا ربما أهدت لك العين نظرة قصاراك منها أنها عنك لا تجدى # ورب في هذا الموضع قال بعض العلماء للتكثير أي يود الكفار في أوقات ~~كثيرة لو كانوا مسلمين. ونقل القرطبي هذا القول عن الكوفيين قال ومنه قول ~~الشاعر. # ألا ربما أهدت لك العين البيت # وقال بعض العلماء هي هنا للتقليل لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في ~~كلها ms0829 لثقلهم بالعذاب. فإن قيل ربما لا تدخل إلا على الماضي فما وجه ~~دخولها على المضارع في هذا الموضع؟ فالجواب أن الله تعالى لما وعد بوقوع ~~ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل ونظيره قوله تعالى # أتى أمر الله # النحل 1 الآية ونحوها من الآيات، فعبر بالماضي تنزيلا لتحقيق الوقوع ~~منزلة الوقوع بالفعل. ### || [15.3] # هدد الله تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يتركهم يأكلون ويتمتعون، فسوف يعلمون حقيقة ما يؤول إليه الأمر ~~من شدة تعذبيهم وإهانتهم. وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر ~~كقوله # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # إبراهيم 30 وقوله # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون # المرسلات 46 وقوله # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # الزمر 8 وقوله # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون # الزخرف 83 وقوله # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون # الطور 45 إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقرر في فن المعاني وفي مبحث ~~الأمر عند الأصوليين أن من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد كما ~~في الآية المذكورة وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ذرهم } يعني ~~اتركهم، وهذا الفعل لم يستعمل منه إلا الأمر والمضارع، فماضيه ترك، ~~ومصدره الترك، واسم الفاعل منه تارك، واسم المفعول منه متروك. وقال بعض ~~العلماء هذه الآية منسوخة بآيات السيف، والعلم عند الله تعالى. قال ~~القرطبي " والأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها والإعراض ~~عن الآخرة " ، وعن الحسن رحمه الله أنه قال " ما أطال عبد الأمل إلا أساء ~~العمل " ، وقد قدمنا علاج طول الأمل في سورة البقرة. ### || [15.6] # قد يقال في هذه الآية الكريمة كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه ~~للجنون مع ذلك والجواب أن قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر يعنون في ~~زعمه تهكما منهم به، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين ~~بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضع أخر كقوله تعالى عن فرعون مع ~~موسى قال # إن ms0830 رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27 وقوله عن قوم شعيب # إنك لأنت الحليم الرشيد # هود 87. ### || [15.7] # { لو ما } في هذه الآية الكريمة للتحضيض وهو طلب الفعل طلبا ~~حثيثا. ومعنى الآية أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم طلب ~~تخصيص أن يأتيهم بالملائكة ليكون إتيان الملائكة معه دليلا على صدقه أنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر كقوله عن ~~فرعون مع موسى # فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين # الزخرف 53 وقوله # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا # الفرقان 21، وقوله # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر # الأنعام 8 الآية وقوله # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # الفرقان 7 وقوله # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # الإسراء 92 إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن لو تركب مع لا وما لمعنيين ~~الأول منهما التحضيض ومثاله في لو ما في هذه الآية الكريمة ومثاله في ~~لولا قول جرير # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # يعني فهلا تعدون الكمي المقنع، المعنى الثاني هو امتناع شيء لوجود غيره ~~وهو في لولا كثير جدا كقول عامر بن الأكوع رضي الله عنه. # تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا # ومثاله في لوما قول ابن مقبل # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض. تنبيه قد ترد أدوات التحضيض ~~والتنديم، فتخص بالماضي أو ما في تأويله نحو # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس # يونس 98 الآية وقوله # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء # النور 13 وقوله # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة # الأحقاف 28 الآية، وجعل بعضهم منه قول جرير # تعدون عقر النيب # البيت المتقدم آنفا قائلا إن مراده توبيخهم على ترك عد الكمي ms0831 المقنع في ~~الماضي. ### || [15.8] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما ينزل الملائكة إلا بالحق أي ~~بالوحي وقيل بالعذاب، وقال الزمخشري " إلا تنزيلا متلبسا بالحكمة ~~والمصلحة ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم ~~بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار " قال " ~~ومثل هذا قوله تعالى # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # الحجر 85 وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة، ~~ما كانوا منظرين وذلك في قوله { وما كانوا إذا منظرين } لأن ~~التنوين في قوله إذا عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقدير المعنى ولو ~~نزلت عليكم الملائكة ما كانوا منظرين أي ممهلين بتأخير العذاب عنهم وقد ~~بين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين # الفرقان 22 الآية وقوله # ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون # الأنعام 8 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { ما ننزل الملائكة ~~} قرأه حفص وحمزة والكسائي ننزل بنونين، الأولى مضمومة والثانية مفتوحة ~~مع كسر الزاي المشددة، والملائكة بالنصب مفعول به لننزل. وقرأ شعبة تنزل ~~بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول، ~~والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل. وقرأ الباقون تنزل بفتح التاء والنون ~~والزاي المشددة أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين، والملائكة بالرفع فاعل ~~تنزل كقوله # تنزل الملائكة والروح # القدر 4 الآية. ### || [15.9] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزل القرآن العظيم وأنه ~~حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا ~~المعنى في مواضع أخر كقوله # وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد # فصلت 41-42 وقوله # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه # القيامة 16-17 إلى قوله # ثم إن علينا بيانه # القيامة 19 وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله { ~~وإنا له لحافظون } راجع إلى الذكر ms0832 الذي هو القرآن. وقيل ~~الضمير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كقوله # والله يعصمك من الناس # المائدة 67 والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق. ### || [15.16] # قوله { ولقد جعلنا في السماء بروجا }. بين تعالى في هذه ~~الآية الكريمة أنه جعل في السماء بروجا ذكر هذا أيضا في مواضع أخر ~~كقوله # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا # الفرقان 61 الآية وقوله تعالى # والسمآء ذات البروج # البروج 1 الآية، والبروج جمع برج. واختلف العلماء في المراد بالبروج في ~~الآيات المذكورة وقال بعضهم البروج الكواكب، وممن روي عنه هذا القول ~~مجاهد وقتادة. وعن أبي صالح أنها الكواكب العظام، وقيل هي قصور في السماء ~~عليها الحرس. وممن قال به عطية، وقيل هي منازل الشمس والقمر قاله ابن ~~عباس. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة ~~والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. قال مقيده عفا الله عنه ~~أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # النساء 78 ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد. لأن أصل البروج في اللغة ~~الظهور ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها فالكواكب ظاهرة والقصور ظاهرة ~~ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند ~~الله تعالى. قوله تعالى { وزيناها للناظرين }. صرح تعالى في ~~هذه الآية الكريمة أنه زين السماء للناظرين وبين في مواضع أخر أنه زينها ~~بالنجوم، وأنها السماء الدنيا كقوله # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # الملك 5 الآية، وقوله # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب # الصافات 6. ### || [15.17-18] # صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه حفظ السماء من كل شيطان رجيم وبين ~~هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # وحفظا من كل شيطان مارد # الصافات 7 وقوله # وجعلناها رجوما للشياطين # الملك 5 وقوله # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # الجن 9 وقوله # إنهم عن السمع لمعزولون # الشعراء 212 وقوله # أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم ~~بسلطان مبين # الطور 38 إلى غير ذلك ms0833 من الآيات. والاستثناء في هذه الآية الكريمة في ~~قوله { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } ~~الحجر 18. قال بعض العلماء هو استثناء منقطع وجزم به الفخر الرازي أي لكن ~~من استرق السمع أي الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه كقوله تعالى # ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب ~~إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # الصافات 8-10 وقيل الاستثناء متصل أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع ~~شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع ~~الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا لقوله ~~تعالى # إنهم عن السمع لمعزولون # الشعراء 212 قاله القرطبي، ونظيره # إلا من خطف # الصافات 10 الآية فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى # لا يسمعون إلى الملإ # الصافات 8 الآية. تنبيه يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتمشدق ~~به اصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، ~~كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند ~~حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # الملك 4 ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل ~~به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب ~~ومنه قوله تعالى # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # البقرة 14 الآية، وقوله # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # الأنعام 112 ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " الكلب الأسود شيطان " # وقول جرير # أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا # ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولا أوليا ~~لعتوهم وتمردهم. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل ~~شيطان كائنا من كان في عدة آيات من كتابه كقوله هنا { وحفظناها ~~من ms0834 كل شيطان رجيم } وقوله # وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم # فصلت 12 إلى غير ذلك من الآيات. وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه ~~شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # الجن 9 وقوله { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ~~مبين } الحجر 18 وقوله # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # الصافات 10 وقال # إنهم عن السمع لمعزولون # الشعراء 212 وقال # أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم ~~بسلطان مبين # الطور 38 وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقا، وقال # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب # ص 10-11 فقوله في هذه الآية الكريمة { فليرتقوا في الأسباب ~~} ، أي فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها. وصيغة الأمر في قوله ~~{ فليرتقوا } للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك ~~عجزا مطلقا. وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز { جند ما هنالك ~~مهزوم من الأحزاب } يفهم منه أنه لو تستطيع جند من الأحزاب ~~للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوما صاغرا داخرا ذليلا، ومما ~~يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت ~~نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله { جند ما } ~~وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله { ~~هنالك } ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء ~~في أسباب السموات. فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم ~~يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند ~~المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا ~~تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين ~~تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت ~~في الصحيح ms0835 أنه لما سأل عليا رضي الله عنه هل خصهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشيء؟ قال له علي رضي الله عنه لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ~~إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله وما في هذه الصحيفة الحديث فقوله ~~رضي الله عنه إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله يدل على أن فهم ~~كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا ~~مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون. وما ذكرنا أيضا أنه يفهم ~~منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة ~~تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن ~~تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن. وصرح تعالى بأن العمر في ~~السبع الطباق في قوله # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا # نوح 15-16 فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من ~~كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار ~~الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى ~~السماء، ولم يبق لبس في أن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما ~~علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه ~~قوله تعالى # فليمدد بسبب إلى السمآء # الحج 15 الآية. وقد قال الشاعر # وقد يسمى سماء لكل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر # لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق. لأن الضمير في قوله # وجعل القمر فيهن # نوح 16 راجع إلى السبع الطباق وإطلاق المجموع مرادا بعضه كثير في ~~القرآن وفي كلام العرب. ومن أصرح أدلته قراءة حمزة والكسائي # فإن قاتلوكم فاقتلوهم # البقرة 191 من القتل في الفعلين. لأن من قتل بالبناء للمفعول لا يمكن أن ~~يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم ~~بعضكم الآخر، كما هو ظاهر. ms0836 وقال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله ~~تعالى # وجعل القمر فيهن نورا # نوح 16. وصح كون السموات ظرفا للقمر. لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه ~~المظروف. تقول زيد في المدينة، وهو في جزء منها. واعلم أن لفظ الآية صريح ~~في أن نفس القمر في السبع الطباق. لأن لفظة { جعل } في الآية هي التي ~~بمعنى صير، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه ~~بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك جعلت الطين خزفا، والحديد خاتما، لا ~~يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله { ~~وجعل القمر فيهن نورا } فالنور المجعول فيهن هو القمر ~~بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن ~~السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره، لأنه لو أريد ذلك لقيل وجعل ~~نور القمر فيهن أما قوله { وجعل القمر فيهن نورا } فهو ~~صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن ~~معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في ~~سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # الفرقان 61 وصرح في سورة الحجر في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص ~~على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله { ولقد ~~جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم } الحجر16-17 وما يزعمه بعض ~~الناس من أنه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير # الشورى 29 يقال فيه إن المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق ~~عليه المفسرون. # ويدل له قوله تعالى # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # الأنعام 38. ويوضح ذلك تسمية ms0837 يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # التغابن 9 الآية. وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم ~~القيامة، كقوله # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # هود 103 وقوله # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # الواقعة 49-50 وقوله # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه # النساء 87 وقوله # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # الفرقان 25 وقوله # وجآء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22 وقوله # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # الكهف47. مع أن بعض العلماء قال المراد ما بث من الداوب في الأرض فقط، ~~فيكون من إطلاق المجموع مرادا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، ~~وبعضهم قال المراد بدواب السماء الملائكة زاعما أن الدبيب يطلق على كل ~~حركة. قال مقيده - عفا الله عنه ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء ~~دواب كما بث في الأرض دواب. ولا شك أن الله قادر على جمع أهل السموات ~~وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد ~~بجمعهم حشرهم جميعا يوم القيامة، وقد أطبق على ذلك المفسرون ولو سلمنا ~~تسليما جدليا أنها تقول على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل ~~الأرض إلى أهل السماء بل يجوز عقلا أن يتحدر من في السماء إلى من في ~~الأرض لأن الهبوط أهون من الصعود وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله ~~تعالى من أن قوله جل وعلا # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # الرحمن 33 يشير إلى الوصول إلى السماء بدعوى أن المراد بالسلطان في ~~الآية هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية. ~~وإذا فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من ~~أقطار السموات والأرض مردود من أوجه الأول أن معنى الآية الكريمة هو ~~إعلام الله جل وعلا ms0838 أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم ~~وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة. فكلما فروا إلى جهة وجودا ~~صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت { يمعشر الجن ~~والإنس } الآية والسلطان قيل الحجة والبينة، وقيل الملك والسلطنة وكل ~~ذلك معدوم عندهم يوم القيامة فلا نفوذ لهم كما قال تعالى # وجآء ربك والملك صفا صفا # الفجر 22 وقال # إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم # غافر 32-33. الوجه الثاني أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران ~~والنفوذ في أقطار السموات والأرض وكانوا يسترقون السمع من السماء كما صرح ~~به تعالى في قوله عنهم # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع # الجن 9 الآية وإنما منعوا من ذلك حين بعث صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # الجن 9 فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا ~~قمر صناعي فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب ~~الله لم يقل جل وعلا يا معشر الجن لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل ~~حدوث السلطان المزعوم. الوجه الثالث أن العلم المذكور الذي لا يجاوز ~~صناعة يدوية أهون على الله جل وعلا من أن يطلق عليه اسم السلطان. لأنه لا ~~يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا ولا نظر فيه ألبتة لما بعد الموت. ولأن ~~الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة. وقد نص تعالى على كمال حقارتها ~~عنده في قوله جل وعلا # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # الزخرف 33 إلى قوله # للمتقين # الزخرف 35 وعلمه هؤلاء الكفار نفي الله عنه اسم العلم الحقيقي وأثبت له ~~أنه علم ظاهر من الحياة الدنيا وذلك في قوله # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون # الروم 6-7 فحذق ms0839 الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في ~~صناعتها بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس ~~يحار فيه حذاق المهندسين. ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء ~~وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت ~~الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها، كما أخبرتنا الثقة ~~بذلك. الوجه الرابع أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن ذلك المعنى المزعوم ~~كذبا هو معنى الآية فإن الله أتبع ذلك بقوله # يرسل عليكما شواظ من نار # الرحمن 35 الآية فهو يدل على ذلك التقرير على أنهم لو أرادوا النفوذ من ~~أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس والشواظ اللهب الخالص والنحاس الدخان ~~ومنه قول النابغة # يضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله فيه نحاسا # وكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب الله من أن الله أشار إلى ~~اتصال أهل السموات وأهل الأرض بقوله تعالى # قل ربي يعلم القول في السمآء والأرض # الأنبياء 4 الآية بصيغة الأمر في لفظة قل على قراءة الجمهور وبصيغة ~~الماضي { قال ربي يعلم } الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ~~ولا الالتزام لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن الله جل وعلا أمر نبيه ~~أن يقول إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة ~~الجمهور وعلى قراءة الأخوين وحفص فمعنى الآية أنه صلى الله عليه وسلم ~~أخبر قائلا إن ربه جل وعلا كل يعلم ما يقال في السماء والأرض وهذا واضح ~~لا إشكال فيه ولا شك أنه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض ~~وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. # وكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب الله جل وعلا من أنه تعالى ~~أشار إلى أهل الأرض سيصعدون إلى السموات واحدة بعد أخرى بقوله ms0840 # لتركبن طبقا عن طبق # الانشقاق 19 زاعما أن معنى الآية الكريمة لتركبن أيها الناس طبقا أي ~~سماء عن طبق أي بعد سماء حتى تصعدوا فوق السموات فهو أيضا جهل بكتاب ~~الله وحمل له على غير ما يراد به. اعلم أولا أن في هذا الحرف قراءتين ~~سبعيتين مشهورتين إحداهما لتركبن بفتح الباء وبها قرأ من السبعة ابن كثير ~~وحمزة والكسائي وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند ~~العلماء الأول وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي أي ~~لتركبن أنت يا نبي الله طبقا عن طبق أي بعد طبق أي حالا بعد حال أي ~~فترتقي في الدرجات درجة بعد درجة والطبق في لغة العرب الحال ومنه قول ~~الأقرع بن حابس التميمي. # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره وساقني طبق منها إلى طبق # وقول الآخر # كذلك المرء إن ينسأ له أجل يركب على طبق من بعده طبق # أي حال بعد حال في البيتين وقال ابن مسعود والشعبي ومجاهد وابن عباس في ~~إحدى الروايتين والكلبي وغيرهم لتركبن طبقا عن طبق أي لتصعدن يا محمد ~~سماء بعد سماء وقد وقع ذلك ليلة الإسراء والثاني أن الفاعل ضمير السماء ~~أي لتركبن هي أي السماء طبقا بعد طبق أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال ~~أي تصير تارة كالدهان وتارة كالمهل وتارة تتشقق بالغمام وتارة تطوى كطي ~~السجل للكتب، والثالث أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في قوله # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا # الانشقاق 6 الآية أي لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من صغر إلى كبر ~~ومن صحة إلى سقم كالعكس ومن غنى إلى فقر كالعكس ومن موت إلى حياة كالعكس ~~ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا، والقراءة الثانية وبها قرأ من ~~السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء وهو خطاب عام ~~للناس المذكورين في قوله # فأما من أوتي كتابه بيمينه # الانشقاق 7 إلى قوله # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره # الانشقاق 10 ms0841 الآية ومعنى الآية لتركبن أيها الناس حالا بعد حال ~~فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور وفي الآخرة من هول إلى هول فإن ~~قيل يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء ~~أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقا بعد طبق أي سماء بعد سماء حتى ~~تصعدوا فوق السماء السابعة كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان هذا جائزا في لغة القرآن فما المانع ~~من حمل الآية عليه فالجواب من ثلاثة أوجه # الأول أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المنتقل إليها من ~~موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتبا له عليه بالفاء # فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن ~~لا يسجدون # الانشقاق 20-21 فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا ينتقلون من حال ~~إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك ~~الشدائد ويؤيده أن العرب تسمي الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم. ~~الوجه الثاني أن الصحابة رضي الله عنهم هم المخاطبون الأولون بهذا الخطاب ~~وهو أولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي ولم يركب أحد منهم سماء ~~بعد سماء بإجماع المسلمين فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية ولو كان هو ~~معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك. الوجه الثالث ~~هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل ~~شيطان رجيم كائنا من كان، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل ~~على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق. والواقع المستقبل ~~سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة، وكذلك ما يزعمه بعض من ليس ~~له علم بمعنى كتاب الله جل وعلا من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل ~~الأرض إلى السموات بقوله # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # الجاثية 13 الآية فقالوا تسخيره جل وعلا ما في السموات لأهل الأرض ms0842 دليل ~~على أنهم سيبلغون السموات والآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنها ~~تدل عليه لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل ~~الأرض فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم ولكي ~~يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم ~~الليل والنهار # إبراهيم 33 الآية ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا ~~يحصيها إلا الله كما هو معروف وقال تعالى # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # يونس 5، وقال تعالى # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة لتبتغوا ~~فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب # الإسراء 12 إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض. ~~وكذلك سخر لأهل الأرض النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر كما قال ~~تعالى # والنجوم مسخرات بأمره # الأعراف 54 الآية وقال تعالى # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر # الأنعام 97 الآية وقال # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # النحل 16 إلى غير ذلك من الآيات. فهذا هو تسخير ما في السماء لأهل الأرض ~~وخير ما يفسر به القرآن. ومما ويوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض # الجاثية 13 وهم الصحابة رضي الله عنهم لم يسخر لهم شيء مما في السموات ~~إلا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة. فلو ~~كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل ~~فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر، وكذلك قوله # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # يوسف 105، فإن معنى مرورهم على ما في السموات من الآيات نظرهم إليها كما ~~بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # الأعراف 185 الآية وقوله # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # يونس 101 الآية وقوله # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ms0843 أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # فصلت 53 إلى غير ذلك من الآيات. واعلم وفقني الله وإياك أن التلاعب ~~بكتاب الله جل وعلا وتفسيره بغير معناه لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة ~~الإفرنج ليس فيه شيء ألبتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة وإنما فيه فساد ~~الدارين، ونحن إذ نمنع التلاعب بكتاب الله وتفسيره بغير معناه نحض جميع ~~المسلمين على بذل الوسع في تعليم ما ينفعهم من هذه العلوم الدنيوية مع ~~تمسكهم بدينهم، كما قال تعالى # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # الأنفال 60 كما سترى بسطه إن شاء الله في سورة بني إسرائيل. فإن قيل. ~~هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها ~~من استراق السمع وذلك إنما يكون من شياطين الجن فدل ذلك على اختصاص ~~الآيات المذكورة بشياطين الجن؟ فالجواب أن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها ~~اللغوية شياطين الإنس من الكفار. قال في لسان العرب والشيطان معروف وكل ~~عات متمرد من لإنس والجن والدواب شيطان. وقال في القاموس والشيطان معروف ~~وكل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة اه. ولا شك أن من أشد الكفار تمردا ~~وعتوا الذين يحاولون بلوغ السماء فدخولهم في اسم الشيطان لغة لا شك فيه ~~وإذا لفظ الشيطان يعم كل متمرد عات فقوله تعالى { وحفظناها من ~~كل شيطان رجيم } الحجر17 صريح في حفظ السماء من كل متمرد عات ~~كائنا من كان، وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجب إلا لدليل ~~يدل على تخصيصها أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها كما هو مقرر في ~~الأصول. # وحفظ السماء من الشياطين معناه حراستها منهم، قال الجوهري في صحاحه حفظت ~~الشيء حفظا أي حرسته اه. وقال صاحب لسان العرب وحفظت الشيء حفظا أي ~~حرسته اه. وهذا معروف في كلام العرب، فيكون مدلول هذه الآية بدلالة ~~المطابقة { وحفظناها من كل شيطان رجيم } الحجر17 أي ~~وحرسناها أي السماء من كل عات متمرد. ولا مفهوم مخالفة لقوله { رجيم ~~} وقوله # مارد # الصافات 7 لأن مثل ذلك من الصفات الكاشفة ms0844 فكل شيطان يوصف بأنه رجيم ~~وبأنه مارد وإن كان بعضهم أقوى تمردا من بعض وما حرسه الله جل وعلا من ~~كل عات متمرد لا شك أنه لا يصل إليه عات متمرد كائنا من كان # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # الملك 4 والعلم عند الله تعالى اه. ### || [15.22] # قوله تعالى { وأرسلنا الرياح لواقح }. اللواقح لاقح وأصل ~~اللاقح التي قبلت اللقاح فحملت الجنين، ومنه قول ذي الرمة # إذا قلت عاج أو تفتيت أبرقت بمثل الخوافي لاقحا أو تلقح # وأصل تلقح تتلقح حذفت إحدى التاءين أي توهم أنها لاقح وليس كذلك ووصف ~~الرياح بكونها لواقح لأنها حوامل تحمل المطر كما قال تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا # الأعراف 57 أي حملت سحابا ثقالا فاللواقح من الإبل حوامل الأجنة ~~واللواقح من الريح حوامل المطر فالجميع يأتي بخير ولذا كانت الناقة التي ~~لا تلد يقال لها عقيم كما أن الريح التي لا خير فيها يقال لها عقيم كما ~~قال تعالى # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # الذاريات 41 الآية، وقال بعض العلماء اللواقح بمعنى الملاقح أي التي ~~تلقح غيرها من السحاب والشجر وعلى هذا ففيه وجهان أحدهما أن المراد ~~النسبة فقوله لواقح أي ذوات لقاح كما يقال سائف ورامح أي ذو سيف ورمح ومن ~~هذا قول الشاعر # وغررتني وزعمت أنك لابن في الحي تامر # أي ذو لبن وتمر، وعلى هذا فمعنى لواقح أي ذوات لقاح لأنها تلقح السحاب ~~والشجر. الوجه الثاني أن لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة وملقح اسم فاعل ~~ألقحت السحاب والشجر كما يلقح الفحل الأنثى وغاية ما في هذا القول إطلاق ~~لواقح وإرادة ملاقح ونظيره قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره # ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح # فإن الرواية تطيح بضم التاء من أطاح الرباعي والمناسب لذلك المطيحات لا ~~الطوائح ولكن الشاعر أطلق الطوائح وأراد المطيحات، كما قيل هنا بإطلاق ~~اللواقح وإرادة الملاقح أي الملقحات باسم الفاعل ومعنى إلقاح الرياح ~~السحاب والشجر ms0845 أن الله يجعلها لهما كما يجعل الذكر للأنثى فكما أن الأنثى ~~تحمل بسبب ضراب الفحل فكذلك السحاب يمتلىء ماء بسبب مري الرياح له والشجر ~~ينفتق عن أكمامه وأوراقه بسبب إلقاح الريح له. قال ابن كثير في تفسير هذه ~~الآية الكريمة { وأرسلنا الرياح لواقح } أي تلقح السحاب ~~فتدر ماء وتلقح الشجر فتنفتح عن أوراقها وأكمامها وقال السيوطي في الدر ~~المنثور " وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي ~~في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { وأرسلنا ~~الرياح لواقح } قال يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب ~~فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر ". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب ~~فتمري به السحاب فيدر كما تدر اللقحة. وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله { وأرسلنا الرياح لواقح } ~~الحجر22، قال تلقح الشجرة وتمري السحاب وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء رضي الله عنه قال قلت للحسن ~~رضي الله عنه { وأرسلنا الرياح لواقح } قال لواقح للشجر، ~~قلت أو السحاب، قال وللسحاب تمر به حتى يمطر. # وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { وأرسلنا الرياح لواقح ~~} قال تلقح الماء في السحاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في ~~قوله { وأرسلنا الرياح لواقح } قال الريح يبعثها الله على ~~السحاب فتلقحه فيمتلىء ماء. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن ~~جرير وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس بسند ~~ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " ريح الجنوب من الجنة " # وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس والشمال من ~~النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفخة منها فبردها هذا من ذلك. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه قال قال رسول ms0846 الله صلى الله عليه وسلم # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح ~~". # هذا حاصل معنى كلام العلماء في الرياح اللواقح وقد قدمنا قول من قال إن ~~اللواقح هي حوامل المطر وأن ذلك القول يدل له قوله تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا # الأعراف 57 أي حملتها وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من ~~أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف فيذكر بعضها في موضع فإنا ~~نبين بقية تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر ومثلنا لذلك بظل أهل الجنة ~~فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله # وندخلهم ظلا ظليلا # النساء 57 وقد وصفه بأوصاف أخر في مواضع أخر وقد بينا صفات ظل أهل الجنة ~~المذكورة في غير ذلك الموضع كقوله # أكلها دآئم وظلها # الرعد 35 وقوله # وظل ممدود # الواقعة 30 إلى غير ذلك من أوصافه وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى وصف ~~الرياح في هذه الآية بكونها لواقح وقد بينا معنى ذلك آنفا ووصفها في ~~مواضع أخر بأوصاف أخر من ذلك وصفه لها بأنها تبشر بالسحاب في قوله # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # الروم 46 وقوله # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # الأعراف 57 على قراءة من قرأها بالباء ومن ذلك وصفه لها بإثارة السحاب ~~كقوله # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا # الروم 48 الآية وقال صاحب الدر المنثور وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبيد بن عمير قال " يبعث الله المثيرة ~~فتقم الأرض قما ثم يبعث المبشرة فتثير السحاب فيجعله كسفا ثم يبعث ~~المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاما ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر " وأخرج ~~ابن المنذر عن عبيد بن عمير قال " الأرواح أربعة ريح تقم وريح تثير تجعله ~~كسفا وريح تجعله ركاما وريح تمطر " اه. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى أخذ مالك رحمه الله من ~~هذه الآية الكريمة أن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل. قال القرطبي في تفسير ms0847 ~~هذه الآية الكريمة روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك ~~واللفظ لأشهب. قال مالك قال الله تعالى { وأرسلنا الرياح ~~لواقح } فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أدري ما ييبس في أكمامه ~~ولكن يحبب حتى يكون لو يبس لم يكن فسادا لا خير فيه ولقاح الشجر كلها أن ~~تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت منها ما يثبت وليس ذلك بأن تورد. قال ~~ابن العربي إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح ~~الحمل وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر ~~وتسنبله لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وعليه جاء الحديث " نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد " اه من القرطبي. قال ~~مقيد عفا الله عنه استنباط الإمام مالك المذكور من هذه الآية، لأن لقاح ~~القمح أن يحبب ويسنبل، واستدلال ابن العربي له بالحديث المذكور ليس بظاهر ~~عندي كل الظهور. المسألة الثانية اعلم أن تلقيح الثمار هو إبارها، وهو أن ~~يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، ومعنى ذلك في ~~سائر الثمار طلوع الثمرة من التيس وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا ~~إليها. والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا ~~يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وحد تلك في الزرع ظهوره من ~~الأرض، قاله مالك. وقد روي عنه أن إباره أن يحبب اه، قاله القرطبي. وقال ~~أيضا لم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر ~~غيره مما حاله مثل حاله أن حكمة حكم ما أبر، فإن أبر بعض الحائط كان ما ~~لم يؤبر تبعا له، كما أن الحائط إذا بدا صلاح بعضه كان سائر الحائط ~~تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعهاه. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة ~~إيضاح. المسألة الثالثة إذا بيع حائط نخل بعد أن أبر فثمرته للبائع إلا ~~أن يشترطها المبتاع، فإن اشترطها المبتاع ms0848 فهي له، والدليل على ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترطها ~~المبتاع " # متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. فإن بيعت النخل قبل التأبير ~~فالثمرة للمشتري، واختلف في استثناء البائع لها، فمشهور مذهب مالك أنها ~~كالجنين لا يجوز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها بناء على أن المستثني ~~مشتري خلافا لتصحيح اللخمي جواز استثناء البائع لها بناء على أن ~~المستثنى مبقى وجواز استثنائها هو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم ~~الله تعالى. # قال مقيده عفا الله عنه وهو أظهر عندي لأن كون المستثني مبقي أظهر من ~~كونه مشتري لأنه كان مملوكا لبائع، ولم يزل على ملكه لأن البيع لم ~~يتناوله لاستثنائه من جملة المبيع كما ترى. وهذا الذي ذكرنا في هذه ~~المسألة هو الحق إن شاء الله تعالى، فما أبر فهو للبائع إلا بشرط، وما لم ~~يؤبر فهو للمشتري إلا بشرط خلافا لابن أبي ليلى القائل هي للمشتري في ~~الحالين لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة فكانت تابعة له كالأغصان. وهذا ~~الاستدلال فاسد الاعتبار لمخالفته لحديث ابن عمر المتفق عليه المذكور ~~آنفا، فقد صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأن البيع إن كان وقع بعد ~~التأبير فالثمرة للبائع، وخلافا للإمام أبي حنيفة والأوزاعي رحمهما الله ~~تعالى في قولهما إنها للبائع في الحالين. والحديث المذكور يرد عليهما ~~بدليل خطابه أعني مفهموم مخالفته لأن قوله صلى الله عليه وسلم # " من ابتاع نخلا قد أبرت " # الحديث يفهم منه أنها إن كانت غير مؤبرة فليس الحكم كذلك وإلا كان قوله ~~" قد أبرت " وقوله " بعد أن تؤبر " في بعض الروايات لغوا لا فائدة فيه ~~فيتعين أن ذكر وصف التأبير ليحترز به عن غيره، ومعلوم أن الإمام أبا ~~حنيفة رحمه الله لا يقول بحجته مفهوم المخالفة، فالجاري على أصوله أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور نص على حكم الثمرة المؤبرة ~~وسكت عن غير المؤبرة فلم يتعرض لها أصلا. وإن أبر بعض ms0849 الثمرة التي بيعت ~~أصولها وبعضها الآخر لم يؤبر فمذهب مالك أنه إن كان أحدهما أكثر فالأقل ~~تابع له، وإن استويا فلكل حكمه، فالمؤبر للبائع وغيره للمشتري. ومذهب ~~الإمام أحمد أن لكل واحد من المؤبر وغيره حكمه، وأبو حنيفة لا فرق عنده ~~بين المؤبر وغيره فالجميع عنده للبائع إلا إذا اشترطه المبتاع، ومذهب ~~الشافعي رحمه الله الصحيح من الخلاف أن ما لم يؤبر تبع للمؤبر فيبقى ~~الجميع للبائع دفعا لضرر اختلاف الأيدي. واعلم أن استثناء بعض الثمرة ~~دون بعض يجوز في قوله جمهور العلماء وفاقا لأشهب من أصحاب مالك وخالف ~~ابن القاسم فقال لا يجوز استثناء بعض المؤبرة. وحجة الجمهور أن ما جاز ~~استثناء جميعه جاز استثناء بعضه، وحجة ابن القاسم أن النص إنما ورد في ~~اشتراط الجميع. واعلم أن أكثر العلماء على أن الثمرة المؤبرة التي هي ~~للبائع إن لم يستثنها المشتري فإنها تبقى إلى وقت الانتفاع المعتاد بها ~~ولا يكلفه المشتري بقطعها في الحال، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. # وخالف في ذلك أبو حنيفة قائلا يلزم قطعها في الحال وتفريغ النخل منها ~~لأنه مبيع مشغول بملك البائع فلزم نقله وتفريغه منه كما لو باع دارا ~~فيها طعام أو قماش له. واحتج الجمهور بأن النقل والتفريغ للمبيع على حسب ~~العرف والعادة كما لو باع دارا فيها طعام لم يجب نقله على حسب العادة في ~~ذلك وهو أن ينقله نهارا شيئا بعد شيء ولا يلزمه النقل ليلا ولا جمع ~~دواب البلد لنقله، كذلك ها هنا يفرغ النخل من الثمرة في أوان وهو وقت ~~الجذاذ، قاله ابن قدامة في المغني. المسألة الرابعة لو اشتريت النخل ~~وبقيت الثمرة للبائع فهل لمشتري الأصل أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها؟ ~~أولا اختلف العلماء في ذلك، فمشهور مذهب مالك جواز ذلك لأن لها عنده حكم ~~التبعية وإن أفردت بالعقد، وعنه في رواية أخرى لا يجوز ذلك. وللشافعية ~~والحنابلة وجهان بالمنع والجواز. قال ابن قدامة في المغني، ونسب القرطبي ~~للشافعي وأبي حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث ms0850 القول بمنع ذلك ثم ~~قال وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. المسألة ~~الخامسة إذا اشتريت الثمرة وحدها دون الأصل قبل بدو صلاحها فلها ثلاث ~~حالات الأولى أن يبيعها بشرط التبقية إلى وقت الجذاذ، وفي هذه الحالة لا ~~يصح البيع إجماعا. الثانية أن يبيعها بشرط قطعها في الحال، وفي هذه ~~الحالة يصح البيع إجماعا. الثالثة أن يبيعها من غير شرط تبقية ولا قطع ~~بل سكتا عن ذلك وعقدا البيع مطلقا دون شرط، وفي هذه الحالة لا يصح البيع ~~عند جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. وأجاز أبو ~~حنيفة رحمه الله البيع في هذه الحالة وأوجب قطع الثمرة حالا، قال لأن ~~إطلاق العقد يقتضي القطع فهو كما لو اشترطه، وحجة الجمهور إطلاق النصوص ~~الواردة بذلك عنه صلى الله عليه وسلم. من ذلك ما أخرجه الشيخان والإمام ~~أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع ~~والمبتاع، وفي لفظ نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن بيع السنبل حتى يبيض ~~ويأمن العاهة رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. ومن ذلك ~~ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس رضي الله عنه قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل وما ~~زهوها؟ قال تحمار وتصفار " # ومن ذلك أيضا ما رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها " # ومن ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم ~~وصححاه عن أنس رضي الله عنه # " " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع ~~الحب حتى يشتد ". # فإطلاقات هذه النصوص ونحوها تدل على منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها في ~~حالة الإطلاق وعدم الاشتراط كما ms0851 تقدم. وقرأ هذه الآية الكريمة جماهير ~~القراء { وأرسلنا الرياح } بصفة الجمع وقرأها حمزة { ~~وأرسلنا الرياح } بالإفراد والألف واللام على قراءة حمزة للجنس ~~ولذلك صح الجمع في قوله { لواقح } قال أبو حيان في البحر المحيط ومن قرأ ~~بإفراد الريح فعلى تأويل الجنس كما قالوا أهلك الناس الدينار الصفر ~~والدرهم البيض اه. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { فأنزلنا ~~من السمآء ماء فأسقيناكموه }. بين تعالى في هذه الآية ~~الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء وجعله إياه عذبا صالحا ~~للسقيا وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله # أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون لو نشآء جعلناه ~~أجاجا فلولا تشكرون # الواقعة 68-70 وقوله # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات # النحل 10-11 وقوله # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحيي به ~~بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسي كثيرا # الفرقان 48-49 إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن أسقى وسقى لغتان ~~معناهما واحد كأسرى وسرى والدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه # النحل 66 فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي وقرأه بعضهم ~~بفتحها من سقى الثلاثي ويدل على ذلك أيضا قول لبيد # سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال # قوله تعالى { ومآ أنتم له بخازنين }. فيه للعلماء وجهان من ~~التفسير كلاهما يشهد له قرآن الأول أن معنى { ومآ أنتم له ~~بخازنين } أي ليست خزائنه عندكم بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا ~~وهذا الوجه تدل عليه آيات كقوله # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # الحجر 21 وقوله # ولله خزآئن السماوات والأرض # المنافقون 7 الآية ونحو ذلك من الآيات، والوجه الثاني أن معنى { ومآ ~~أنتم له بخازنين } بعد أن أنزلناه عليكم لا تقدرون على حفظه ~~في الآبار والعيون والغدران بل نحن الحافظون له فيها ليكون ms0852 ذخيرة لكم عند ~~الحاجة ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # المؤمنون 18 وقوله # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # الملك 30 وقوله # أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا # الكهف 41 وقوله # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض # الزمر 21 الآية إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.23] # قوله تعالى { وإنا لنحن نحيي ونميت }. بين في هذه الآية ~~الكريمة أنه هو الذي يحيي ويميت وأوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله # إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير # ق 43 وقوله تعالى { ربي الذي يحيي ويميت } البقرة258 ~~وقوله # لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب ~~آبآئكم الأولين # الدخان 8 وبين في مواضع أخر أنه أحياهم مرتين وأماتهم مرتين كقوله # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # غافر 11 الآية وقوله # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # البقرة 28 والإماتة الأولى هي كونهم نطفا وعلقا ومضغا والإماتة ~~الثانية هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا والإحياءة الأولى نفخ ~~الروح فيهم وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم والإحياءة الثانية بعثهم من ~~قبورهم أحياء يوم القيامة وسياتي له إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح. قوله ~~تعالى { ونحن الوارثون }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ~~الوارث ولم يبين الشيء الذي يرثه وبين في مواضع أخر أنه يرث الأرض ومن ~~عليها كقوله # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # مريم 40 وقوله # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا # مريم 80 ومعنى ما يقول أي نرثه الذي يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من ~~المال والولد كما ذكره الله عنه في قوله # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # مريم 77 ومعنى كونه يرث الأرض ومن عليها أنه يبقى بعد فناء خلقه متصفا ~~بصفات الكمال والجلال يفعل ما يشاء كيف يشاء. ### || [15.26] # قوله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ ~~مسنون ms0853 }. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من ~~صلصال من حمأ مسنون والصلصال الطين اليابس الذي يصل أي يصوت من يبسه إذا ~~ضربه شيء ما دام لم تمسه النار فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل ~~الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مدا فهو ~~صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة، والحمأ الطين الأسود المتغير ~~والمسنون. قيل المصور من سنة الوجه وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة # تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى ~~المسنون وأجابه بأن معناه المصور قال له وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال له ابن ~~عباس نعم، أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو يمدح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # أغر كأن البدر سنة وجهه جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا # وقيل المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من ~~الجواهر المذوبة في أمثلتها وقيل المسنون المنتن وقال بعض العلماء ~~المسنون الأملس قال ومنه قول عبد الرحمن بن حسان # ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء تمشي في مرمر مسنون # أي أملس صقيل قاله ابن كثير وقال مجاهد الصلصال هو المنتن وما قدمنا هو ~~الحق بدليل قوله تعالى # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # الرحمن 14 إذا عرفت هذا فاعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا ~~الطين الذي خلق منه آدم فبين أنه أولا تراب بقوله # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # آل عمران 59 وقوله # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 وقوله # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة # غافر 67 الآية إلى غير ذلك من الآيات ثم أشار إلى أن ذلك التراب بل فصار ~~طينا يعلق بالأيدي في مواضع أخر كقوله # إنا خلقناهم من طين لازب # الصافات 11 وقوله # ولقد ms0854 خلقنا الإنسان من سلالة من طين # المؤمنون 12 وقوله # وبدأ خلق الإنسان من طين # السجدة 7 إلى غير ذلك من الآيات وبين أن ذلك الطين أسود وأنه متغير ~~بقوله هنا # من حمإ مسنون # الحجر 26 وبين أيضا أنه يبس حتى صار صلصلا أي تسمع له صلصة من يبسه ~~بقوله # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال # الحجر 26 الآية وقوله # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # الرحمن 14 الآية والعلم عند الله تعالى. ### || [15.31] # بين في هذه الآية الكريمة أن إبليس أبى أن يسجد لآدم وبين في مواضع أخر ~~أنه تكبر عن امتثال أمر ربه كقوله في البقرة # إلا إبليس أبى واستكبر # البقرة 34 الآية وقوله في ص # إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين # ص 74 وأشار إلى ذلك هنا بقوله # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من ~~حمإ مسنون # الحجر 33 كما تقدمت الإشارة إليه. ### || [15.32] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه سأل إبليس سؤال توبيخ وتقريع عن ~~الموجب لامتناعه من السجود لآدم الذي أمره به ربه جل وعلا وبين أيضا في ~~الأعراف وص أنه وبخه أيضا بهذا السؤال قال في الأعراف # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # الأعراف 12 الآية وقال في ص # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # ص 75 الآية وناداه باسمه إبليس في الحجر وص ولم يناده به في الأعراف. ### || [15.33] # هذا القول الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن إبليس لعنه الله ~~أنه لم يكن ليسجد لبشر مخلوق من الطين مقصوده به أنه خير من آدم لأن آدم ~~خلق من الطين وهو خلق من النار كما يوضحه قوله تعالى # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # الأعراف 12. ### || [15.34] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة مؤكدا ~~أنه رجيم وبين في الأعراف أنه خروج هبوط وأنه يخرج متصفا بالصغار والذل ~~والهوان بقوله # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ms0855 ~~فاخرج إنك من الصاغرين # الأعراف 13. ### || [15.35] # بين في هذه الآية الكريمة أن اللعنة على إبليس إلى يوم الدين وصرح في ص ~~بأن لعنته جل وعلا على إبليس إلى يوم الدين بقوله # وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين # ص 78 وقد قدمنا في الفاتحة بيان يوم الدين. ### || [15.39] # قوله تعالى { قال رب بمآ أغويتني } الآية. قال بعض العلماء ~~هذا قسم من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا عباد الله ~~المخلصين ويدل له أنه أقسم بعزته تعالى على ذلك في قوله # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # ص 82 الآية وقيل الباء في قوله { بمآ أغويتني } سببية. قوله ~~تعالى { لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل ~~جهده في إضلال بني آدم حتى يضل أكثرهم وبين هذا المعنى في مواضع أخر ~~كقوله # لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # الأعراف 16-17 وقوله # وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا # النساء 118 الآية وقوله # قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا # الإسراء 62 وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظنا منه أنه يتمكن من إضلال ~~أكثر بني آدم، وقد بين تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # سبأ 20 وكل آية فيها ذكر إضلال إبليس لبني آدم بين فيها أن إبليس وجميع ~~من تبعه كلهم في النار كما قال هنا # وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب # الحجر 43-44 الآية، وقال في الأعراف # قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين # الأعراف 18 وقال في سورة بني إسرائيل # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا # الإسراء 63 وقال في ص # قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين # ص 84-85. ### || [15.40] # ذكر تعالى في ms0856 هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني ~~آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفا بأنه لا قدرة له على ~~إضلالهم ونظيره قوله في ص أيضا # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين # ص 82-83 وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني ~~إسرائيل # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # الإسراء 62 وقوله في سبأ # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # سبأ 20 وهم الذين احترز منهم بقوله # ولا تجد أكثرهم شاكرين # الأعراف 17 وبين تعالى في مواضع أخر أن الشيطان لا سلطان له على أولئك ~~المخلصين كقوله # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # الحجر 42 الآية وقوله # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه # النحل 99-100 الآية وقوله # وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك # سبأ 21 الآية. وقوله # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # إبراهيم 22 وقوله { المخلصين } قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ~~بكسر اللام اسم فاعل وقرأه نافع والكوفيون بفتح اللام بصيغة اسم المفعول. ### || [15.45-46] # بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال ~~لهم يوم القيامة { ادخلوها بسلام آمنين } الحجر46 وذكر في ~~مواضع أخر صفات ثوابهم وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب ~~الجزيل كقوله في الذاريات # إن المتقين في جنات وعيون آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم ~~يستغفرون وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # الذاريات 15-19 وقوله في الدخان # إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون ~~يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك ~~وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة ~~آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو ~~الفوز العظيم # الدخان 51-57 وقوله في الطور # إن المتقين في ms0857 جنات ونعيم فاكهين بمآ آتاهم ~~ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على ~~سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين # الطور 17-20 وقوله في القمر # إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # القمر 54-55 وقوله في المرسلات # إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما ~~يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون # المرسلات 41-42 إلى غير ذلك من الآيات. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن الشيء الذي له أوصاف متعددة ~~في القرآن نبين أوصافه عند ذكر بعضها كما تقدم مثاله مرارا وكما هنا. ~~والمتقي اسم فاعل الاتقاء وأصل الاتقاء و ق ي لفيف مفروق فاؤه واو وعينه ~~قاف ولامه ياء فدخله تاء الافتعال فصارت وقي أو تقي فأبدلت الواو التي هي ~~فاء الكلمة تاء للقاعدة المقررة في التصريف أن كل واو هي فاء الكلمة إذا ~~دخلت عليها تاء الافتعال يجب إبدالها أعني الواو تاء وإدغامها في تاء ~~الافتعال نحو اتصل من الوصل واتزن من الوزن واتحد من الوحدة واتقى من ~~الوقاية وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله # ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا # والاتقاء في اللغة اتخاذ الوقاية دون المكروه ومنه قول نابغة ذبيان # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد # يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها ~~لأنها تستره بها وقول الآخر # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصلين كف ومعصم # والتقوى في اصطلاح الشرع هي اتخاذ الوقاية دون عذاب الله وسخطه وهي ~~مركبة من أمرين هما امتثال أمر الله واجتناب نهيه. ### || [15.47] # قوله تعالى { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا }. ~~بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في ~~حال كونهم إخوانا وبين هذا المعنى في الأعراف وزاد أنهم تجري من تحتهم ~~الأنهار في نعيم الجنة وذلك في قوله # ونزعنا ما في ms0858 صدورهم من غل تجري من تحتهم ~~الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا # الأعراف 43 الآية. قوله تعالى { على سرر متقابلين }. بين في ~~هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم أهل الجنة يوم القيامة يكونون على ~~سرر وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض ووصف سررهم بصفات جميلة في ~~غير هذا الموضع منها أنها منسوجة بقضبان الذهب وهي الموضونة قال في ~~الواقعة # ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر ~~موضونة متكئين عليها متقابلين # الواقعة 13-16 وقيل الموضوعة المصفوفة كقوله # متكئين على سرر مصفوفة # الطور 20 الآية ومنها أنها مرفوعة كقوله في الغاشية # فيها سرر مرفوعة # الغاشية 13 الآية وقوله في الواقعة # وفرش مرفوعة # الواقعة 34، وقوله # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # الرحمن 76 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.48] # قوله تعالى { لا يمسهم فيها نصب }. بين تعالى في هذه الآية ~~الكريمة أن أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب وهو التعب والإعياء وقوله نصب ~~نكرة في سياق النفي فتعم كل نصب فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع ~~أنواع التعب والمشقة وأكد هذا المعنى في قوله تعالى # الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا ~~فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب # فاطر 35 لأن اللغوب هو التعب والإعياء أيضا وقد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ~~". # قوله تعالى { وما هم منها بمخرجين }. بين تعالى في هذه ~~الآية الكريمة أن أهل الجنة لا يخرجون منها وأكد نفي إخراجهم منها بالباء ~~في قوله { بمخرجين } فهم دائمون في نعيمها أبدا بلا انقطاع. وأوضح ~~هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها ~~حولا # الكهف 107-108 وقوله # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # الكهف 2-3 وقوله # عطآء غير مجذوذ # هود 108 وقوله # إن هذا لرزقنا ما ms0859 له من نفاد # ص 54 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.51] # بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة ~~كقوله في هود # ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا ~~سلاما قال سلام فما لبث أن جآء بعجل حنيذ # هود 69 كما تقدم وقوله # قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين # الحجر 57-58 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.52] # لم يبين تعالى في هذ الآية الكريمة هل رد إبراهيم السلام على الملائكة ~~أولا لأنه لم يذكر هنا رده السلام عليهم وإنما قال عنه إنه قال لهم إنا ~~منكم وجلون وبين في هود والذاريات أنه رد عليهم السلام بقوله بقوله في ~~هود # قال سلام فما لبث أن جآء بعجل حنيذ # هود 69 وقوله في الذاريات # قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجآء ~~بعجل سمين # الذاريات 25-26 وبين أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة ~~بعينها في هود # وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف # هود 70 وقوله في الذاريات # فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف # الذاريات 28. وقد قدمنا أن من أنواع البيان في هذا الكتاب بيان اللفظ ~~بمرادف له أشهر منه كما هنا لأن الخوف يرادف الوجل وهو أشهر منه، وبين أن ~~سبب خوفه هو عدم أكلهم بقوله # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة # هود 70. ### || [15.53] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة ~~بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم ونظير ذلك قوله تعالى أيضا في ~~الذاريات # قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم # الذاريات 28 وهذا الغلام بين تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في ~~الذاريات # وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم # الذاريات 28-30 لأن كونها أقبلت في صرة أي صيحة وضجة وصكت وجهها أي ~~لطمته قائلة إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور هي أمه كما ms0860 لا يخفى ~~ويزيده إيضاحا تصريحه تعالى ببشارتها هي بأنها تلده مصرحا باسمه واسم ~~ولده يعقوب وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب قالت يويلتا أألد وأنا ~~عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب # هود 71-72 وأما الغلام الذي بشر به إبراهيم الموصوف بالحلم المذكور في ~~الصافات في قوله تعالى # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من ~~الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه ~~السعي قال يبني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك # الصافات 99-102 الآية فهو إسماعيل وسترى إن شاء الله تعالى في سورة ~~الصافات دلالة الآيات القرآنية على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق على وجه ~~قاطع للنزاع، والغلام يطلق في لغة العرب على العبد وعلى الصغير الذي لم ~~يبلغ وعلى الرجل البالغ ومن إطلاقه على البالغ قول علي رضي الله عنه يوم ~~النهروان # أنا الغلام القرشي المؤتمن أبو حسين فاعلمن والحسن # وقول صفوان بن المعطل السلمي لحسان رضي الله عنهما # تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر # وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء ~~العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها # وربما قالوا للأنثى غلامة ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا # ومركضة صريحي أبوها يهان لها الغلامة والغلام ### || [15.54] # قوله تعالى { قال أبشرتموني على أن مسني الكبر ~~}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال إنه وقت البشرى ~~بإسحاق مسه الكبر. وصرح في هود بأن امرأته أيضا قالت إنه شيخ كبير في ~~قوله عنها # وهذا بعلي شيخا # هود 72 كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن وذلك كقوله في ~~هود # يويلتا أألد وأنا عجوز # هود 72 الآية، وقوله في الذاريات # فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم # الذاريات 29. وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله له ~~ولده إسماعيل أنه ms0861 كبير السن أيضا وذلك قوله تعالى # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء # إبراهيم 39. قوله تعالى { فبم تبشرون }. الظاهر أن استفهام نبي ~~إبراهيم الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للملائكة بقوله { فبم ~~تبشرون } استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى ويدل لذلك أنه ~~تعالى ذكر أن ما وقع له وقع نظيره لامرأته حيث قالت { أألد وأنا ~~عجوز } وقد بين تعالى أن ذلك الاستفهام لعجبها من ذلك الأمر الخارق ~~للعادة في قوله # قالوا أتعجبين من أمر الله # هود 73 الآية ويدل له أيضا وقوع مثله من نبي الله زكريا عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام لأنه لما قال # رب هب لي من لدنك ذرية طيبة # آل عمران 38 الآية # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى # آل عمران 39عجب من كمال قدرة الله تعالى فقال # رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر # آل عمران 40 الآية وقوله { فبم تبشرون } قرأه ابن عامر وأبو ~~عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بفتح النون مخففة وهي نون الرفع وقرأه نافع ~~بكسر النون مخففة وهي نون الوقاية مع حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة ~~عليها وقرأة ابن كثير بالنون المكسورة المشددة مع المد فعلى قراءة ابن ~~كثير لم يحذف نون الرفع ولا المفعول به بل نون الرفع مدغمة في نون ~~الوقاية وياء المتكلم هي المفعول به وعلى قراءة الجمهور فنون الرفع ثابتة ~~والمفعول به محذوف على حد قول ابن مالك. # وحذف فضلة أخبر إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر # وعلى قراءة نافع فنون الرفع محذوفة لاستثقال اجتماعها مع نون الوقاية. ~~تنبيه حذف نون الرفع له خمس حالات ثلاث منها يجب فيها حذفها وواحدة يجوز ~~فيها حذفها وإثباتها وواحدة يقصر فيها حذفها على السماع، أما الثلاث التي ~~يجب فيها الحذف فالأولى منها إذا دخل على الفعل عامل جزم والثانية إذا ~~دخل عليه عامل نصب الثالثة إذا أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة نحو ~~لتبلون وأما ms0862 الحالة التي يجوز فيها الإثبات الحذف فهي ما إذا اجتمعت مع ~~نون الرفع نون الوقاية لكون المفعول ياء المتكلم فيجوز الحذف والإثبات ~~ومن الحذف قراءة نافع في هذه الآية { فبم تبشرون } بالكسر وكذلك ~~قوله تعالى # قال أتحاجوني في الله # الأنعام 80. وقوله تعالى # ويقول أين شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم # النحل 27 بكسر النون مع التخفيف في الجميع أيضا وقوله # قل أفغير الله تأمروني أعبد # الزمر 64 الآية بالكسر مع التخفيف أيضا وكلها قرأها بعض القراء ~~بالتشديد لإثبات نون الرفع وإدغامها في نون الوقاية وأما الحالة الخامسة ~~المقصورة على السماع فهي حذفها لغير واحد من الأسباب الأربعة المذكورة ~~كقول الراجز # أبيت أسري وتبيت تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي # أما بقاء نون الرفع مع الجازم في قوله # لولا فوارس من نعم وأسرتهم يوم الصليفاء لم يوفون بالجار # فهو نادر حملا للم على أختها لا النافية أو ما النافية وقيل هو لغة قوم ~~كما صرح به في التسهيل وكذلك بقاء النون مع حرف النصب في قوله # أن تقرأن على أسماء ويحكما مني السلام وألا تشعرا أحدا # فهو لغة قوم حملوا أن المصدرية على أختها ما المصدرية في عدم النصب بها ~~كما أشار له في الخلاصة بقوله # وبعضهم أهمل أن حملا على ما أختها حيث استحقت عملا # ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله قول الملائكة ~~له فيما ذكر الله عنهم # قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين # الحجر 55 بدليل قوله # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون # الحجر 56 لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر ولا قانط والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [15.56] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال للملائكة إنه لا ~~يقنط من رحمة الله جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق وبين أن هذا المعنى ~~قاله أيضا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لبنيه في قوله # يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ms0863 ~~الله إلا القوم الكافرون # يوسف 87 قال ابو حيان في البحر المحيط في تفسيره قوله تعالى { إنه ~~لا ييأس من روح الله } الآية وروح الله رحمته وفرجه ~~وتنفيسه. ### || [15.58-60] # قوله تعالى { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ~~إلا آل لوط } الآية. أشار في هذه الآية الكريمة إلى أن المراد ~~بهؤلاء القوم المجرمين قوم لوط الذين أرسل إليهم فكذبوه ووجه إشارته ~~تعالى لذلك استثناء لوط وأهله غير امرأته في قوله { إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته } الحجر59-60 ~~الاية وصرح بأنهم قوم لوط بقوله في هود في القصة بعينها # قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط # هود 70 الآية وصرح في الذاريات بأنهم أرسلوا إلى هؤلاء القوم المجرمين ~~ليرسلوا عليهم حجارة من طين في قوله # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل ~~عليهم حجارة من طين # الذاريات 32-33 وصرح في العنكبوت أنهم قالوا إنهم مهلكوهم بسبب ظلمهم ~~ومنزلون عليه رجزا من السماء بسبب فسقهم وذلك في قوله تعالى # ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ~~ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها # العنكبوت 31-32الآية، وقوله # وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك ~~إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على ~~أهل هذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا ~~يفسقون # العنكبوت 33-34 وقوله { إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين } الحجر 59 بين في هذه الآية الكريمة أنه استثنى آل لوط من ~~ذلك العذاب النازل بقومه وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كما تقدم في هود ~~في قوله # قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم ~~أحد إلا امرأتك # هود 81 الآية وقوله في العنكبوت # وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك ~~إلا امرأتك # العنكبوت 33 الآية وقوله # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين # الأعراف 83 وقوله # فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في ~~الغابرين # الشعراء 170-171 الآية وقوله # فأنجيناه وأهله ms0864 إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين # النمل 57 إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكر في هذه الآية الكريمة من ~~استثناء امرأته من أهله الناجين في قوله { إلا امرأته قدرنآ ~~إنها لمن الغابرين } الحجر60، وأوضحه في هذه الآيات التي ~~ذكرنا آنفا ونحوها من الآيات، وبين في الذاريات أنه أنجى من كان في قوم ~~لوط من المؤمنين وأنهم لم يكن فيهم من المسلمين إلا بيت واحد وهم آل لوط ~~وذلك في قوله # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 35-36. تنبيه في هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء ~~الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء لأنه تعالى استثنى آل لوط من ~~إهلاك المجرمين بقوله { إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين } الحجر 59 ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله { ~~إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } الحجر 60 ~~وبهذا تعلم أن قول ابن مالك في الخلاصة وحكمها في القصد حكم الأول ليس ~~صحيحا على إطلاقه. وأوضح مسالة تعدد الاستثناء بأقسامها صاحب مراقي ~~السعود في مبحث المخصص المتصل بقوله # وذا تعدد بعطف حصل بالاتفاق مسجلا للأول إلا فكل للذي به اتصل ~~وكلها مع التساوي قد بطل إن كان غير الأول المستغرقا فالكل للمخرج منه ~~حققا وحيثما استغرق الأول فقط فألغ واعتبر بخلف في النمط ### || [15.61-62] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطا عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام لما جاءه الملائكة المرسلون لإهلاك قومه قال لهم إنكم قوم ~~منكرون. وصرح في مواضع أخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم وأنه ضاق ذرعا ~~بذلك كقوله في هود # ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب # هود 77 وقوله في العنكبوت # ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا # العنكبوت 33 الآية، وذكر تعالى في الذاريات أن نبيه إبراهيم قال لهم ~~أيضا قوم منكرون كما ذكر عن لوط هنا وذلك في قوله # قال سلام قوم منكرون # الذاريات 25 وقوله { قوم منكرون ms0865 } قيل معناه أنهم غير معروفين ~~والنكرة ضد المعرفة وقيل إنه رآهم في صفة شباب حسان الوجوه فخاف أن يفعل ~~بهم قومه فاحشة اللواط فقال { إنكم قوم منكرون } وقال ~~الزمخشري في الكشاف منكرون أي تنكركم نفسي وتفر منكم فأخاف أن تطرقوني ~~بشر بدليل قوله # بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك ~~بالحق # الحجر 63-64 الآية ويدل لهذا الوجه أنه بين في هود أن سبب إنكار إبراهيم ~~لهم عدم أكلهم من لحم العجل الذي قدمه إليهم وذلك في قوله # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة # هود 70 لأن من استضاف وامتنع منه الأكل خيف من الشر. وقوله تعالى في هذه ~~الآيات # إنا لمنجوهم # الحجر 59 قرأه حمزة والكسائي بإسكان النون بعد الميم المضمومة مخففا ~~اسم فاعل أنجى على وزن أفعل وقرأه غيرهما من القراء بفتح النون وتشديد ~~الجيم اسم فاعل نجى على وزن فعل بالتضعيف والإنجاء والتنجية معناهما واحد ~~وقوله # قدرنآ إنها لمن الغابرين # الحجر 60 قرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال وقرأه غيره بتشديدها وهما ~~لغتان معناهما واحد وقوله { جآء آل لوط } قرأه قالون والبزي وأبو ~~عمرو بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية مع القصر والمد وقرأه ورش ~~بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا مع القصر والمد وعن ورش أيضا تحقيق ~~الأولى وتسهيل الثانية مع القصر والتوسط والمد وقرأه قنبل مثل قراءة ورش ~~إلى أنه ليس له مع التسهيل إلا القصر وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين وكل ~~على أصله من المد وما ذكر من قراءة ورش وقنبل هو التحقيق عنهما وإن قيل ~~غيره والعلم عند الله تعالى. ### || [15.67] # سبب استبشار قوم لوط أنهم ظنوا أنهم ظنوا الملائكة شبابا من بني آدم ~~فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا بهم فاحشة اللواط كما يشير لذلك قوله تعالى # إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون # الحجر 68 وقوله تعالى # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم # القمر 37 الآية وقوله # وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات # هود 78 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.75] ms0866 # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن فيما أوقع من النكال بقوم لوط آيات ~~للمتأملين في ذلك تحصل لهم بها الموعظة والاعتبار والخوف من معصية الله ~~أن ينزل بهم مثل ذلك العذاب الذي أنزل بقول لوط لما عصوه وكذبوا رسوله. ~~وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في العنكبوت # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # العنكبوت 35 وقوله في الذاريات # وتركنا فيهآ آية للذين يخافون العذاب الأليم # الذاريات 37 وقوله هنا { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ~~وقوله في الشعراء بعد ذكر قصة قوم لوط # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # الشعراء 8 الآية، كما صرح بمثل ذلك في إهلاك قوم نوح وقوم هود وقوم صالح ~~وقوم شعيب في الشعراء وقوله { للمتوسمين } أصل التوسم تفعل من ~~الوسم وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. يقال توسمت فيه الخير ~~إذا رأيت ميسمه فيه أي علامته التي تدل عليه، ومنه قول عبد الله بن رواحة ~~رضي الله عنه في النبي صلى الله عليه وسلم # إني توسمت فيك الخير أعرفه والله يعمل أني ثابت النظر # وقال الآخر # توسمته لما رأيت مهابة عليه وقلت المرء من آل هاشم # هذا أصل التوسم وللعلماء فيه أقوال متقاربة يرجع معناها كلها إلى شيء ~~واحد. فعن قتادة للمتوسمين أي المعتبرين، وعن مجاهد للمتوسمين أي ~~المتفرسين، وعن ابن عباس والضحاك للمتوسمين اي للناظرين، وعن مالك عن بعض ~~أهل المدينة للمتوسمين أي للمتأملين. ولا يخفى ان الاعتبار والنظر ~~والتفرس والتأمل معناها واحد، وكذلك قول ابن زيد ومقاتل للمتوسمين اي ~~للمتفكرين، وقول ابي عبيدة للمتوسمين أي للمتبصرين، فمآل جميع الأقوال ~~راجع إلى شيء واحد وهو أن ما وقع لقوم لوط فيه موعظة وعبرة لمن نظر في ~~ذلك وتأمل فيه حق التأمل وإطلاق التوسم على التأمل والنظر، والاعتبار ~~مشهور في كلام العرب ومنه قول زهير # وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم # أي المتأمل في ذلك الحسن، وقول طريق بن تميم العنبري # أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا ms0867 إلى عريفهم يتوسم # اي ينظر ويتأمل. وقال صاحب الدر المنثور وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لآيات للمتوسمين } قال ~~للناظرين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله { لآيات للمتوسمين } قال ~~للمعتبرين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { لآيات ~~للمتوسمين } قال هم المتفرسون. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ~~جعفر بن محمد في قوله { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ~~قال هم المتفرسون. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن السني وأبو نعيم معا في الطب وابن مردوية والخطيب عن أبي سعيد ~~الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ثم قرأ { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } قال # " للمتفرسين " # وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله " # وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إحذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله " # وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " # اه. ### || [15.76] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن ديار قوم لوط وآثار تدمير الله لها ~~بسبيل مقيم أي بطريق ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، يمر بها أهل الحجاز ~~في ذهابهم إلى الشام، والمراد أن آثار تدمير الله لهم التي تشاهدون في ~~أسفاركم فيها لكم عبرة ومزدجر يوجب عليكم الحذر من أن تفعلوا كفعلهم لئلا ~~ينزل الله بكم مثل ما أنزل بهم وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137-138 وقوله # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # محمد صلى الله عليه وسلم ms0868 10. وقوله فيها وفي ديار أصحاب الأيكة # وإنهما لبإمام مبين # الحجر 79، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.78-79] # ذكر جل وعلا في هذه الآية أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين وأنه جل وعلا ~~انتقم منهم بسبب ظلمهم، وأوضح هذه القصة في مواضع أخر كقوله في الشعراء # كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم ~~شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل ولا ~~تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ~~ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ~~قالوا إنمآ أنت من المسحرين ومآ أنت إلا ~~بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط ~~علينا كسفا من السمآء إن كنت من الصادقين قال ~~ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب ~~يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ~~ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # الشعراء 176-190 فبين في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيب رسولهم وتطفيفهم ~~في الكيل وبخسهم الناس أشياءهم، وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبين ~~أنه عذاب يوم عظيم، والظلة سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارا ~~فأحرقتهم والعلم عند الله تعالى. قرأ نافع وابن عامر وابن كثير " ليكة ". ~~في " الشعراء " و " ص " بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير ~~همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي " الأيكة " بالتعريف والهمز وكسر التاء، وقرأ كذلك جميع القراء ~~في " ق " و " الحجر ". قال أبو عبيدة ليكة والأيكة اسم مدينتهم كمكة ~~وبكة، والأيكة في لغة العرب الغيضة وهي جماعة الشجر والجمع الأيك، وإنما ~~سموا أصحاب الأيكة لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض، ويروى أن شجرهم كان ~~دوما وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة # تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردا أسف لثانه بالإثمد # وقال الجوهري في صحاحه ومن قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة ~~فهي اسم القرية، ويقال هما مثل بكة ومكة. وقال ms0869 بعض العلماء الأيكة ~~الشجرة، والأيك هو الشجر الملتف. ### || [15.80] # الحجر منازل ثمود بين الحجاز والشام عند وادي القرى. فمعنى الاية ~~الكريمة # كذبت ثمود المرسلين # الشعراء 141، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام في مواضع أخر. كقوله # كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ~~ألا تتقون # الشعراء 141-142 الآيات وقوله # فكذبوه فعقروها # الشمس 14 وقوله # كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر # القمر 23-24 وقوله # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # الأعراف 77 إلى غير ذلك من الآيات. وإنما قال إنهم كذبوا المرسلين مع أن ~~الذي كذبوه هو صالح وحده لأن دعوة جميع الرسل واحدة، وهي تحقيق معنى " لا ~~إله إلا الله " كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية. قال معمما لجميعهم # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25 الآية. وقال # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36 وقال # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45 إلى غير ذلك من الآيات. وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره # الأعراف 59 وقال # وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره # الأعراف 65 وقال # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره # الأعراف 85 إلى غير ذلك من الآيات. فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت ~~أن من كذب واحدا منهم فقد كذب جميعهم. ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم ~~فهو كافر حقا. قال # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون ~~حقا # النساء 150-151 وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله # لا نفرق بين أحد منهم # البقرة 136 وقوله ms0870 # لا نفرق بين أحد من رسله # البقرة 285 ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم # النساء 152 الآية. وقد بينا هذه المسألة في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب ~~عن آيات الكتاب ". تنبيه اعلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بالحجر المذكور ~~في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة ~~تبوك # " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، ~~إلا أن تكونوا باكين " # ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. وهذا لفظ البخاري. # وأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ايضا عن ابن عمر رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك، " ~~أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا قد عجنا منها ~~واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء " # ثم قال البخاري ويروى # " عن سبرة بن معبد وأبي الشموس أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر ~~بإلقاء الطعام " ثم قال وقال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~من اعتجن بمائه ". # ثم ساق بسنده عن نافع # " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخبره أن الناس نزلوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر واستقوا من بئرها واعتجنوا به ~~فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن يهرقوا ما استقوا من بيارها ~~وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستسقوا من البئر التي كانت تردها ~~الناقة " # ثم قال تابعه أسامة عن نافع. ثم ساق بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال " لا تدخلوا ~~مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " # ثم تقنع بردائه وهو على الرحل. ثم ساق أيضا بسنده # " عن سالم أن ms0871 ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تدخلوا ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا ان تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " # هذا كله لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في الفتح أما حديث سبرة بن ~~معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد ~~عن أبيه عن جده سبرة وهو بفتح السين المهلمة وسكون الباء الموحدة - ~~الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين راح من الحجر # " من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة أو حاس حيسا فليلقه " # وليس لسبرة بن معبد في البخاري إلا هذا الموضع. وأما حديث أبي الشموس - ~~وهو بمعجمة ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه - فوصله البخاري في الأدب ~~المفرد والطبراني وابن منده # " من طريق سليم بن مطير عن أبيه عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. - فذكر الحديث وفيه فألقى ذو العجين عجينه وذو الحيس حيسه " ~~ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه وزاد " فقلت يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد حست حيسة فألقمها راحلتي قال نعم " # وقال ابن حجر أيضا قوله وقال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من اعتجن بمائه " # وصله البزار # " من طريق عبد الله بن قدامة عنه " أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم " ~~إنكم بواد ملعون فاسرعوا وقال " من اعتجن عجينة أو طبخ قدرا فليكبها " # الحديث- وقال لا أعلمه إلا بهذا الإسناد. وأخرج البخاري في تفسير قوله ~~تعالى { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب الحجر # " لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين ~~فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " # وأخرج البخاري أيضا عن ابن عمر " في كتاب الصلاة " في " باب الصلاة في ~~مواضع الخسف والعذاب ms0872 " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا ~~باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبم ما أصابهم " # وبعض هذه الروايات الذي ذكرناها عن البخاري أخرجه مسلم أيضا في صحيحه، ~~فقد اتفقا على النهي عن دخول ديارهم إلا في حال البكاء، وعلى إسراعه صلى ~~الله عليه وسلم حتى جاوز ديارهم. وفي هذه الروايات الصحيحة النهي عن ~~الدخول إلى مواضع الخسف والعذاب إلا في حالة البكاء، وفيها الإسراع ~~بمجاوزتها وعدم الاستسقاء من مياهها، وعدم أكل الطعام الذي عجن بها، ومن ~~هنا قال بعض العلماء لا يجوز التطهر بمائها ولا تصح الصلاة فيها لأن ~~ماءها لما لم يصلح للأكل والشرب علم أنه غير صالح للطهارة التي تقرب إلى ~~الله تعالى. قال البخاري في صحيحه " باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب " ~~ويذكر أن عليا رضي الله عنه كره الصلاة بخسف بابل. وقال ابن حجر في ~~الفتح هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المحل - ~~وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام - قال " كنا مع علي فمررنا على ~~الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه أي تعداه " ومن طريق أخرى عن على قال ~~" ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرار " والظاهر أن قوله ثلاث مرار ~~ليس متعلقا بالخسف لأنه ليس فيها إلا خسف واحد. وإنما أراد أن عليا قال ~~ذلك ثلاثا. ورواه أبو داود مرفوعا من وجه آخر عن علي ولفظه " نهاني ~~حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة " في إسناده ~~ضعف واللائق بتعليق المصنف ما تقدم والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله ~~تعالى في قوله # فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم ~~السقف من فوقهم # النحل 26 الآية، ذكر أهل التفسير والأخبار أن المراد بذلك أن النمروذ بن ~~كنعان بنى ببابل بنيانا عظيما يقال إن ارتفاعه كان خمسة الآف ذراع فخسف ~~الله بهم قال الخطابي " لا أعلم أحدا من العلماء حرم ms0873 الصلاة في أرض بابل ~~" انتهى محل الغرض من فتح الباري. وقول الخطابي- يعارضه ما رأيته عن علي ~~رضي الله عنه، ولكنه يشهد له عموم الحديث الصحيح # " وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا " # وحديث أبي داود المرفوع عن علي الذي أشار له ابن حجر أن فيه ضعفا هو ~~قوله " حدثنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن لهيعة ويحيى ~~بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله ~~عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر. فلما برز منها ~~أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ منها قال " إن حبيبي صلى الله عليه ~~وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ~~". حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن ~~الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى سليمان بن داود قال " ~~فلما خرج " مكان " فلما برز " اه وقد يظهر للناظر في إسنادي هذا الحديث ~~أنه لا يقل عن درجة القبول، ولكن فيه علة خفية نبه عليها ابن يونس أما ~~كونه لا يقل عن درجة القبول فلأن طريقته الأولى أول طبقاتها سليمان بن ~~داود ولا خلاف في كونه ثقة، وفي الثانية أحمد بن صالح مكان سليمان ~~المذكور، وأحمد بن صالح ثقة حافظ. وكلام النسائي فيه غلط مردود عليه كما ~~قال العراقي في ألفيته # وربما رد كلام الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح # وسبب غلطه في ذلك أن ابن معين كذب أحمد بن صالح الشموني. فظن النسسائي ~~أن مراد ابن معين أحمد بن صالح هذا الذي هو أبو جعفر بن الطبري المصري ~~وليس كما جزم به ابن حبان. والطبقة الثانية في كلا الإسنادين ابن وهب وهو ~~عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ عابد ~~مشهور. والطبقة الثالثة من الإسنادين يحيى بن أزهر وعبد الله بن لهيعة ~~ويحيى بن أزهر البصري مولى قريش صدوق، وعبد الله بن ms0874 لهيعة صدوق خلط بعد ~~احتراق كتبه. والظاهر أن اعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. ~~ويؤيد ذلك أن راوي الحديث ابن وهب ومعلوم أن رواية ابن وهب وابن مبارك عن ~~ابن لهيعه أعدل من رواية غيرهما عنه. والطبقة الرابعة في الإسناد الأول ~~عمار بن سعد المرادي. # وفي الإسناد الثاني الحجاج بن شداد وعمار بن سعد المرادي ثم السلهمي ~~والحجاج بن شداد الصنعاني نزيل مصر كلاهما مقبول كما قاله ابن حجر في ~~التقريب، واعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. والطبقة الخامسة ~~في كلا الإسنادين أبو صالح الغفاري وهو سعيد بن عبد الرحمن وعداده في أهل ~~مصر، وهو ثقة. والطبقة السادسة في كليهما أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه، فالذي يظهر صلاحية الحديث للاحتجاج ولكنه فيه علة خفية ذكرها ابن ~~يونس، وهو أن رواية أبي صالح الغفاري عن علي مرسلة كما ذكره ابن حجر في ~~التقريب. وقال البيهقي في السنن الكبرى " باب من كره الصلاة في موضع ~~الخسف والعذاب " أنبأ أبو علي الروذباري أنبأ أبو بكر بن داسة ثنا أبو ~~داود، ثم ساق حديث أبي داود المذكور آنفا بلفظه في المتن والإسنادين. ثم ~~قال وروينا عن عبد الله بن أبي محل العمري قال كنا مع علي بن أبي طالب ~~فمر بنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه " وعن حجر الحضرمي عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال " ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث ~~مرات ". ثم قال البيهقي وهذا النهي عن الصلاة فيها إن ثبت مرفوعا ليس ~~لمعنى يرجع إلى الصلاة. فلو صلى فيها لم يعد ثم ساق البيهقي بعض روايات ~~حديث ابن عمر الذي قدمنا عن البخاري ومسلم ثم قال إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحب الخروج من تلك المساكن، وكره المقام فيه إلا باكيا فدخل ~~في ذلك المقام للصلاة وغيرها. اه. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل ما جاء في ~~الصلاة في مواضع الخسف والتطهر بمياهها، فذهب بعض أهل العلم إلى أن ms0875 صلاة ~~بها صحيحة والتطهر بمائها مجزىء واستدلوا بعموم النصوص كقوله صلى الله ~~عليه وسلم # " وجعلت لي الأرض كلها مسجدا " # الحديث. وكعموم الأدلة على رفع الحدث وحكم الخبث بالماء المطلق. وذهب ~~بعض أهل العلم إلى أنها لا تجوز الصلاة فيها ولا تصح الطهارة بمائها ~~واستدلوا بحديث علي المرفوع أن حبيبه صلى الله عليه وسلم " نهاه عن ~~الصلاة في خسف بابل لأنها أرض ملعونة " قالوا والنهي يقتضي الفساد لأن ما ~~نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من أمرنا، ومن أحدث في أمرنا ~~ما ليس منه فهو رد كما ثبت في الحديث. واحتجوا لعدم الطهارة بمائها بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منع من استعماله في الأكل والشرب وهما ليس ~~بقربة. فدل ذلك على منع الطهارة به من باب أولى. قال مقدية عفا الله عنه ~~الذي يظهر لنا رجحانه أن من مر عليها ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج ~~منه كفعله صلى الله عليه وسلم وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه رضي الله ~~عنهم جميعا، وأنه لا يدخل إلا باكيا للحديث الصحيح. # فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة ~~على بطلانها، والحكم ببطلان العبادة يحتاج إلى نص قوي المتن والدلالة ~~والعلم عند الله تعالى. مسائل لها تعلق بهذه الآية الكريمة قد علمت أن ~~الحجر المذكور في هذه الآية في قوله { ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين } الحجر80 الآية هو ديار ثمود، وأنه ورد النهي ~~عن الصلاة في مواضع الخسف. فبهذه المناسبة نذكر الأماكن التي نهى عن ~~الصلاة فيها ونبين، ما صح فيه النهي وما لم يصح. والمواضع التي ورد النهي ~~عن الصلاة فيها تسعة عشر موضعا ستأتي كلها عن زيد بن جبيرة عن داود بن ~~حصين عن نافع # " عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى أن يصلى في سبعة ~~مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان ~~الإبل وفوق ظهر بيت الله " # رواه عبد بن ms0876 حميد في مسنده والترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي في إسناده ~~ليس بذاك. وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن ~~نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. والحديث ضعيف لا ~~تقوم به حجة. لأن الإسناد الأول فيه زيد بن جبيرة وهو متروك، قال فيه ابن ~~حجر في التقريب متروك. وقال في تهذيب التهذيب قال ابن معين هو لا شيء. ~~وقال البخاري منكر الحديث. وقال في موضع آخر متروك الحديث. وقال النسائي ~~ليس بثقة وقال أبو حاتم ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا، متروك الحديث لا ~~يكتب حديثه. وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. قلت وقال ~~الساجي حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جدا، يعني حديث النهي عن ~~الصلاة في سبع مواطن. وقال الفسوي ضعيف منكر الحديث. وقال الأزدي متروك ~~وقال ابن حبان يروى المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته وقال ~~الحاكم روى عن أبيه وداود بن الحصين وغيرهما المناكير وقال الدارقطني ~~ضعيف. قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ضعيف اه كلام ابن حجر. وأحد ~~إسنادي ابن ماجه فيه أبو صالح كاتب الليث وهو كثير الغلط، وفيه ابن عمر ~~العمري ضعفه بعض أهل العلم وأخرج له مسلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل ~~هما جميعا - يعني الحديثين - واهيان. وصحح الحديث المذكور ابن السكن ~~وإمام الحرمين. اعلم أولا أن المواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها هي ~~السبعة المذكورة، والصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة ~~والكنيسة والبيعة وإلىالتماثيل وفي دار العذاب وفي المكان المغصوب ~~والصلاة إلى النائم والمتحدث وفي بطن الوادي وفي مسجد الضرار والصلاة إلى ~~التنور، فالمجموع تسعة عشر موضعا. # وسنبين أدلة النهي عنها مفصلة إن شاء الله تعالى أما في مواضع الخسف ~~والعذاب فقد تقدم حكم ذلك قريبا. وأما الصلاة في المقبرة والصلاة إلى ~~القبر فكلاهما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه. أما الصلاة ~~في المقابر فقد وردت أحاديث ms0877 صحيحة في النهي عنها منها ما رواه الشيخان في ~~صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~مرض موته # " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " # يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره صلى الله عليه وسلم غير أنه خشى أن ~~يتخذ مسجدا. وفي الصحيحين أيضا نحوه عن أبي هريرة وقد ثبت في الصحيح ~~أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي بعض الروايات. المتفق عليها # " لعن الله اليهود والنصارى " # وفي بعض الروايات الصحيحة الاقتصار على اليهود. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يلعن إلا على فعل حرام شديد الحرمة. وعن جندب بن عبد الله بن ~~سفيان البجلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يموت بخمس وهو يقول # " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم ~~وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك " # أخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ، رواه النسائي أيضا. وعن ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " # أخرجه الشيخان والإمام أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه وقوله صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث " ولا تتخذوها قبورا " دليل على أن القبور ليست ~~محل صلاة وقال بعض العلماء يحتمل أن يكون معنى الحديث صلوا ولا تكونوا ~~كالأموات في قبورهم فإنهم لا يصلون. وأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه مرفوعا # " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور ~~مساجد " # ورواه ابن أبي حاتم أيضا. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن ~~فيها، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة. لأن كل موضع صلي ~~فيه يطلق ms0878 عليه اسم المسجد، لأن المسجد في اللغة مكان السجود، ويدل لذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # " وجعلت لي الأرض مسجدا " # الحديث أي كل مكان منها تجوز الصلاة فيه. وظاهر النصوص المذكورة العموم ~~سواء نبشت المقبرة واختلط ترابها بصديد الأموات أو لم تنبش. لأن علة ~~النهي ليست بنجاسة المقابر كما يقوله الشافعية، بدليل اللعن الوارد من ~~النبي صلى الله عليه وسلم على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن ~~قبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليست نجسة فالعلة للنهي سد ~~الذريعة لأنهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور. ~~فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقا وهو مذهب ~~الإمام أحمد وفي صحتها عنده روايتان وإن تحققت طهارتها. وذهب مالك إلى أن ~~الصلاة فيها مكروهة. وذهب الشافعية إلى أنها إذا كانت نجسة لاختلاط أرضها ~~بصديد الأموات لأجل النبش فالصلاة فيها باطلة، وإن كانت لم تنبش فالصلاة ~~فيها مكروهة عندهم. وذكر النووي عن ابن المنذر أنه قال روينا عن علي وابن ~~عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة. قال ولم ~~يكرهها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري ونقل صاحب الحاوي عن ~~داود أنه قال تصح الصلاة وإن تحقق نبشها. وذكر ابن حزم النهي عن الصلاة ~~في المقبرة عن خمسة من الصحابة وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس. ~~وقال ما نعلم لهم مخالفا، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ~~ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم. وقد حكى ~~الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في ~~المقبرة. وحكي أيضا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وعن ابن جريج قال قلت ~~لنافع أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور قال لقد صلينا على عائشة وأم ~~سلمة رضي الله عنهما وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة ~~رضي الله عنه، وحضر ذلك عبد الله بن عمر. رواه ms0879 البيهقي وغيره. وممن كره ~~الصلاة في المقبرة أبو حنيفة والثوري والأوزاعي. واحتج من قال بجواز ~~الصلاة في المقبرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المسكينة ~~السوداء بالمقبرة. وسياتي قريبا إن شاء الله حكم الصلاة إلى جهة القبر. ~~قال مقيدة عفا الله عنه أظهر الأقوال دليلا في هذه المسألة عندي قول ~~الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لأن # " النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر ولعن من اتخذ المساجد ~~عليها، وهي ظاهرة جدا في التحريم. أما البطلان فمحتمل، لأن النهي يقتضي ~~الفساد لقوله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ~~رد " # والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد. ويحتمل أن يقال ~~الصلاة من أمرنا فليست ردا، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من ~~أمرنا. # كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان إحداهما مأمور به ~~منها ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها ككونه في موضع نهي أو وقت نهي أو ~~أرض مغصوبة أو بحرير أو ذهب ونحو ذلك فإنهم يقولون إن انفكت جهة الأمر عن ~~جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه. ولكنهم عند ~~التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر ليست منفكة ~~كالعكس، فيقول الحنبلي مثلا الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك ~~فيها جهة الأمر عن جهة النهي. لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود ~~والقيام كلها يشغل المصلي به حيزا من الفراغ ليس مملوكا له، فنفس شغله ~~له ببدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربه بحال. فيقول المعترض ~~كالمالكي والشافعي الجهة منفكة هنا لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ~~ومن حيث كونه غصبا حرام، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير. وإلى ~~هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله # دخول ذي كراهة فيما أمر به بلا قيد وفصل قد حظر فنفى صحة ونفى الأجر ~~في وقت كره للصلاة ms0880 يجري وإن يك النهي عن الأمر انفصل فالفعل بالصحة لا ~~الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب وقيل بالأجر مع العقاب وقد روى ~~البطلان والقضاء وقيل ذا فقط له انتفاء مثل الصلاة بالحرير والذهب ~~أو في مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبره كنيسة وذي حميم ~~مجزره # وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضا، بدليل ما أخرجه مسلم في ~~صحيحه والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي مرثد الغنوي رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " # هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له أيضا # " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " # والقاعدة المقررة في الأصول أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال ~~دليلا منع الصلاة في المقبرة وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من ~~القرائن تقتضي التحريم. أما اقتضاء النهي الفساد إذا كان للفعل جهة أمر ~~وجهة نهي ففيه الخلاف الذي قدمناه آنفا وإن كانت جهته واحدة اقتضى ~~الفساد. وقال صاحب المراقي في اقتضاء النهي الفساد # وجاء في الصحيح للفساد إن لن يجى الدليل للسداد # وقد نهى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور ~~وقد قال # " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # وقال تعالى # وما نهاكم عنه فانتهوا # الحشر 7 وقد قدمنا أن لعنه صلى الله عليه وسلم من اتخذ القبور مساجد يدل ~~دلالة واضحة على التحريم. واحتج من قال بصحة الصلاة في المقابر وإلى ~~القبور بأدلة منها عموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح # " وجعلت لي الأرض مسجدا " # الحديث. قالوا عمومه يشمل المقابر ويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين ~~أحدهما أن أحاديث النهي منه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة ~~وإلى القبر خاصة، وحديث # " جعلت لي الأرض مسجدا " # عام، والخاص يقتضي به على العام كما تقرر في الأصول عند الجمهور. ~~والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى من عموم كون الأرض مسجدا ~~المقبرة والحمام، فقد أخرج أحمد وأبو داود ms0881 والترمذي وابن ماجه والشافعي ~~وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " # قال ابن حجر في " فتح الباري " في الكلام على قول البخاري باب " كراهية ~~الصلاة في المقابر " في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود والترمذي ورجاله ~~ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان. ~~وقال الشوكاني رحمه الله " في نيل الأوطار " صححه الحاكم في المستدرك ~~وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته. قال مقيده عفا الله ~~عنه التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله، وثبت موصولا من طريق ~~صحيحة حكم بوصله، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه. لأن الوصل ~~زيادة وزيادات العدول مقبولة. وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود " # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ # ومن أدلة من قال تصح الصلاة في القبور - ما رواه الشيخان # " من حديث أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا فقدها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال " أفلا ~~آذنتموني " قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال دلوني على قبره ~~فدلوه فصلى عليها. ثم قال " هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ~~وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ". وليس للبخاري " إن هذه القبور ~~مملوءة ظلمة " # إلى آخر الخبر قالوا فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر. ومن ~~أدلتهم أيضا - ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال انتهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر ~~أربعا. ومن أدلتهم أيضا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ~~صلى على قبر. ومن أدلتهم أيضا - ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة ~~رضي الله عنهما وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى ~~القبور وصحتها. # لا مطلق صحتها دون الجواز. ومن ms0882 أدلتهم - ما ذكره البخاري تعليقا عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ " ورأى عمر أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي ~~عند قبر. فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة " اه. وقال ابن حجر في ~~الفتح أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. ~~والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ ~~البخاري. ولفظه " بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر القبر القبر! فظن أنه ~~يعني القمر. فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى " وله طرق أخرى ~~بينتها في تعليق التعليق. منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه فقال ~~بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه. وقوله القبر القبر بالنصب ~~فيهما على التحذير. وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على ~~الصلاة. ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه. قال ~~مقيده عفا الله عنه هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن ~~الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب ~~الجمع والترجيح معا. أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة ~~إلى القبور كلها في الصلاة على الميت وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي ~~دعاء للميت فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور. ولا يفيد شيء ~~من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع ~~وسجود. ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك ~~الأدلة مع ظاهر عموم # " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " # فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل ~~أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو ~~عنده بل العكس. أم الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. ~~والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل على ~~الجواز، وللمخالف أن يقول لا يتعارض عام وخاص. فحديث " لا تصلوا إلى ms0883 ~~القبور " عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت. والأحاديث ~~الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة والخاص يقضى به على العام. فأظهر ~~الأقوال بحسب الصناعة الأصولية منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر ~~وإليه مطلقا للعنه صلى الله عليه وسلم لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من ~~الأدلة - وأن الصلاة على القبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من ~~الركوع والسجود تصح لفعله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح من حديث ~~أبي هريرة وابن عباس وأنس ويومىء لهذا الجمع حديث لعن متخذي القبور مساجد ~~لأنها أماكن السجود. # وصلاة الجنازة لا سجود فيها. فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود. ~~تنبيه اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده من أن الكتاب والسنة دلا على ~~اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى # قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا # الكهف 21 ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان فيه قبور المشركين - في غاية السقوط، وقائله من أجهل ~~خلق الله. أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول من هؤلاء القوم ~~الذين قالوا لنتخذن عيلهم مسجدا؟ أهم ممن يقتدي به! أم هم كفرة لا يجوز ~~الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء ~~القوم ما نصه " وقد اختلف في قائل هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم ~~الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن ~~فعلهم ليس بحجة إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري. ~~وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من ~~صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون ~~الماضية إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا من طمس الله بصيرته فقابل قولهم # لنتخذن عليهم مسجدا # الكهف 21 - بقوله صلى الله عليه ms0884 وسلم في مرض موته قبل انتقاله إلى ~~الرفيق الأعلى بخمس # " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " # الحديث يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ~~ملعون على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كما هو واضح، ومن كان ~~ملعونا على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه. لأن الله يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7 الآية. ولهذا صرح ابن مسعود رضي الله عنه بأن الواصلة والواشمة ~~ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة ~~التي قالت له قرأت ما بين الدفتين فلم أجد إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم ~~تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من ~~اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. وأنه لا دليل في آية # لنتخذن عليهم مسجدا # الكهف 21. وأما الاستدلال بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها. # ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه " فكان فيه ما أقول لكم قبور ~~المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور ~~المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة ~~المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة ". الحديث. هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم ~~قريب منه بمعناه. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر صلى الله عليه ~~وسلم بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لن يكن فيه قبر أصلا ~~لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى اه. والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا ~~يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها. كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن ~~أبي الهياج الأسدي أن عليا رضي الله عنه قال له ألا أبعثك على ما بعثتي ~~عليه رسول الله صلى الله ms0885 عليه وسلم - ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا ~~قبرا مشرفا إلا سويته ". ولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضا عن جابر ~~رضي الله عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن ~~يقعد عليه، وأن يبنى عليه ". فهذا النهي ثابت عنه صلى الله عليه وسلم. ~~وقد قال # " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # وقال جل وعلا # ما نهاكم عنه فانتهوا # الحشر 7. وقد تبين مما ذكرنا حكم الصلاة في مواضع الخسف، وفي المقبرة، ~~وإلى القبر، وفي الحمام. وأما أعطان الإبل فقد ثبت عن النبي أيضا ~~النهي عن الصلاة فيها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة رضي ~~الله عنه # " " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ ~~قالإن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتؤضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال " نعم ~~توضأ من لحوم الإبل. قال أصلي في مرابض الغنم؟ قال " نعم " قال أصلي في " ~~مبارك الإبل " قال " لا " # هذا لفظ مسلم في صحيحه. وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجه من ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ". # وأخرج النسائي والبيهقي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل. وقال ~~النووي في شرح المهذب إن الإسناد الذي أخرجه به البيهقي حسن. وأخرج أبو ~~داود في سننه في باب الوضوء من لحوم الإبل وفي باب النهي عن الصلاة في ~~مبارك الإبل عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال # " لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين " # وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال # " صلوا فيها فإنها بركة ". # وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # " صلوا ms0886 في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل ". # وأخرج ابن ماجه عن سبره بن معبد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لا يصلى في أعطان الإبل ويصلى في مراح الغنم ". # وترجم البخاري رحمه الله في صحيحه لهذه المسألة فقال باب الصلاة في ~~مواضع الإبل ثم قال حدثنا صدفة بن الفضل قال أخبرنا سليمان بن حيان قال ~~حدثنا عبيد الله عن نافع قال رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على ~~هذه الترجمة التي لم يأت البخاري بحديث يطابقها ما نصه كأنه يشير إلى أن ~~الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، ولكن لها ~~طرق قوية، منها حديث جابر بن سمرة عند مسلم وحديث البراء بن عازب عند أبي ~~داود وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، ~~وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه، وفي معظمها التعبير بمعاطن الإبل. ووقع ~~في حديث جابر بن سمرة والبراء مبارك الإبل، ومثله في حديث سليك عند ~~الطبراني، وفي حديث سبرة وكذا في حديث أبي هريرة عند الترمذي " أعطان ~~الإبل ". وفي حديث أسيد بن حضير عند الطبراني " مناخ الإبل " وفي حديث ~~عبد الله بن عمرو، عند أحمد " مرابد الإبل " فعبر المصنف بالمواضع لأنها ~~أشمل، والمعاطن أخص من المواضع، لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء ~~خاصة. وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن ~~التي تكون فيها الإبل. وقيل مأواها مطلقا، نقله صاحب المغني عن أحمد - ~~اه كلام ابن حجر. وقال ابن حزم إن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان ~~الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء ~~اختلفوا في صحة في أعطان الإبل. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنها لا ~~تصح فيها، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه جل أصحابه. قال صاحب ~~الإنصاف هذا المذهب وعليه الأصحاب. وفي ms0887 الفروع هو أشهر وأصح في المذهب. ~~وقال المصنف وغيره هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات. وممن قال بها القول ~~ابن حزم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة، وأنه لو صلى فيها ~~لصحت صلاته. وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة. # واعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل. فقيل ~~لأنها خلقت من الشياطين كما تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا هو الصحيح في التعليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين " # وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي، يدل على أنه هو علته ~~كما تقرر في مبحث مسلك النص، ومسلك الإيماء، والتنبيه. وقال جماعة من أهل ~~العلم معنى كونها " خلقت من الشياطين " أنها ربما نفرت وهو في الصلاة ~~فتؤدي إلى قطع صلاته، أو أذاه، أو تشويش خاطره. وقد قدمنا أن كل عات ~~متمرد تسميه العرب شيطانا. والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة، فتسميتها ~~باسم الشيطان مطابق للغة العرب. والعرب تقول خلق من كذا للمبالغة، كما ~~يقولون خلق هذا من الكرم. ومنه قوله # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 على أصح التفسرين. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في ~~معاطنها، وبيم غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ. قال الشوكاني في نيل ~~الأوطار ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ # " لا تصلوا في أعطان أبل فإنها خلقت من الجن، وألا ترون إلى عيوناها ~~وهيئاتها إذا نفرت ". # وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة ~~فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره - اه كلام الشوكاني. ومن هذا ~~التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة ~~النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة. وقيل ~~العلة أن أصحاب الإبل يتغوطون في مباركها بخلاف أهل الغنم. وقيل العلة أن ~~الناقة تحيض، والجمل يمني. ms0888 وكلها تعليلات لا معول عليها، والصحيح التعليل ~~المنصوص عنه صلى الله عليه وسلم بأنها خلقت من الشياطين. والعلم عند الله ~~تعالى. تنبيه فإن قيل ما حكم الصلاة في مبارك البقر؟ فالجواب أن أكثر ~~العلماء يقولون إنها كمرابض الغنم. ولو قيل إنها كمرابض الإبل لكان لذلك ~~وجه. قال ابن حجر في الفتح الباري وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في ~~مرابض الإبل والبقر اه. قال وسنده ضعيف. فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم ~~الإبل. بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم.اه كلام ابن ~~حجر. وما يقوله أبو داود رحمه الله من أن العمل بالحديث الضعيف خير من ~~العمل بالرأي له وجه وجيه. والعلم عند الله تعالى. وأما الصلاة في ~~المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله الحرام فدليل النهي ~~عنها هو ما تقدم من حديث زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن ~~عمر عنه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمناه ما في إسناده من الكلام. # وأما الصلاة إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، فلما روي من النهي عن ذلك عن ~~بعض الصحابة رضي الله عنهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل ~~الأوطار وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة ~~بلفظ " نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش " أخرجه ابن عدي. قال العراقي ~~ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال لا ~~يصلى إلى الحش. وعن علي قال لا يصلى تجاه حش. وعن إبراهيم كانوا يكرهون ~~ثلاثة أشياء - فذكر منها الحش. وفي كراهة استقباله خلاف بين العلماء اه ~~كلام الشوكاني. والمراد بالحش - بضم الحاء وفتحها - بيت الخلاء. وأما ~~الصلاة في الكنيسة والبيعة - والمراد بهما متعبدات اليهود والنصارى - فقد ~~كرهها جماعة من أهل العلم. قال النووي في شرح المهذب حكاه ابن المنذر عن ~~عمر بن ms0889 الخطاب، وابن عباس، ومالك رضي الله عنهم. قال الشوكاني وقد رويت ~~الكراهة أيضا عن الحسن. قال مقيده عفا الله عنه الظاهر أن ما روي من ذلك ~~عن عمر وابن عباس ليس على إطلاقه، وإنما هو في الكنائس والبيع التي فيها ~~الصور خاصة. ومما يدل على ذلك ما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه قال ~~باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه " إنا لا ندخل كنائسكم من ~~أجل التماثيل التي فيها الصور ". وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة ~~فيها تماثيل. وقال ابن حجر في الفتح " إن الأثر الذي علقه البخاري عن عمر ~~وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر. والأثر الذي علق عن ابن عباس ~~وصله البغوي في الجعديات اه. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا ~~ما هو ثابت عنده. ورخص في الصلاة في الكنيسة والبيعة جماعة من أهل العلم، ~~منهم أبو موسى، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وابن ~~سرين، والنخعي والأوزاعي، وغيرهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله. ولعل ~~وجه الكراهة هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، لأنه ~~يصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك. قال مقيده عفا الله عنه ويحتمل أن ~~تكون العلة أن الكنيسة والبيعة موضع يعصى الله فيه ويكفر به فيه، فهي ~~بقعة سخط وغضب. وأما النهي عن الصلاة إلى التماثيل فدليله ثابت في ~~الصحيح. فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة - قال باب إن ~~صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير. # هل يفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال ~~حدثنا عبد الوارث قال # " حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال ~~تصاويره تعرض في صلاتي ". # وقال البخاري أيضا في كتاب اللباس - باب كراهية اللباس في التصاوير ~~حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز ms0890 بن صهيب، # " عن أنس رضي الله عنه قال كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم " أميطي عني فإنه لا تزال تصاويره ~~تعرض لي في صلاتي ". # وقال مسلم في صحيحه حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا ~~شعبة # " عن عبد الرحمن ابن القاسم قال سمعت القاسم يحدث عن عائشة أنه كان لها ~~ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ~~إليه فقال " أخريه عني " # قالت فأخرته فجعلته وسائد. والثوب في هذه الرواية هو القرام المذكور، ~~والقرام - بالكسر - ستر فيه رقم ونقوش، أو الستر الرقيق، ومنه قول لبيد ~~في معلقته يصف الهودج # من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها # وقول الآخر يصف دارا # على ظهر جرعاء العجوز كأنها دوائر رقم في سراة قرام # والكلة في بيت لبيد هي القرام إذا خيط فصار كالبيت. فهذه النصوص الصحيحة ~~تدل على أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل. ومما يدل لذلك ما أخرجه ~~الشيخان في صحيحهما # " من حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها ~~بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " # اه، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري قريب منه اه. أما بطلان صلاة من صلى ~~إلى التماثيل ففيه اختلاف بين العلماء، وقد أشار له البخاري بقوله الذي ~~قدمنا عنه باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير هل تفسد صلاته الخ. وقد ~~قدمنا أن منشأ الخلاف في البطلان هو الاختلاف في انفكاك جهة النهي عن جهة ~~الأمر. والعلم عند الله تعالى. وأما منع تصوير الحيوان وتعذيب فاعليه يوم ~~القيامة أشد العذاب، وأمرهم بإحياء ما صوروا، وكون الملائكة لا تدخل ~~محلا فيه صورة أو كلب، فكله معروف ثابت عن رسول الله صلى الله ms0891 عليه ~~وسلم. وأما الصلاة في المكان المغصوب فإنها لا تجوز بإجماع المسلمين، لأن ~~اللبث فيها حرام في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى. # وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لو صلى في أرض مغصوبة فصلاته صحيحة ~~لانفكاك الجهة لأنه آثم بغصبه، مطيع بصلاته كالمصلي بحرير. وذهب الإمام ~~أحمد في أصح الروايات عنه، والجبائي وغيره من المعتزلة إلى أنها باطلة. ~~لعدم انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي كما قدمنا وقد قدمنا أقوال عامة ~~العلماء في هذه المسألة في أبيات مراقي السعود التي استشهدنا بها. وأما ~~النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث فدليله ما أخرجه أبو داود في سننه ~~قال باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ~~حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن ~~حدثه عن محمد بن كعب القرظي قال قلت له - يعني لعمر بن عبد العزيز، حدثني ~~عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا تصلوا خلف نائم ولا المتحدث " # اه. وهذا الحديث لا يخفى ضعفه، لأن الرواي في هذا الإسناد عن محمد بن ~~كعب لا يدري من هو كما ترى. وقال ابن ماجه في سننه حدثنا محمد بن ~~إسماعيل، ثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المقدام، عن محمد ابن كعب، عن ابن ~~عباس قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى خلف المتحدث أو ~~النائم " ، وإسناد ابن ماجه هذا لا يحتج به أيضا، لأن الراوي فيه عن ~~محمد بن كعب أبو المقدام وهو هشام بن زياد بن أبي يزيد، وهو هشام بن أبي ~~هشام، ويقال له أيضا هشام بن أبي الوليد المدني، وهو لا يحتج بحديثه. ~~قال فيه ابن حجر في التقريب متروك. وقال في تهذيب التهذيب قال عبد الله ~~بن أحمد، وأبو زرعة ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين ليس بثقة. وقال ~~في موضع آخر ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري يتكلمون فيه. وقال أو داود غير ~~ثقة وقال ms0892 الترمذي يضعف. وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي متروك ~~الحديث. وقال النسائي أيضا ضعيف. وقال النسائي ليس بثقة، ومرة ليس بشيء. ~~وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس بقوي، وكان جارا لأبي الوليد فلم يرو عنه ~~وكان لا يرضاه. ويقال إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن فروى عن الحسن. ~~وعنده عن الحسن أحاديث منكرة. قلت وقال ابن حبان يروى الموضوعات عن ~~الثقات لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدار قطني ضعيف، وترك ابن مبارك ~~حديثه. وقال ابن سعد كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة لا ~~يحتج بحديثه. وقال العجلي ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان ضعيف لا يفرح بحديثه ~~اه كلام ابن حجر. وبه تعلم أن الصلاة إلى النائم والمتحدث لم يثبت النهي ~~عنها من طريق صحيح. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن الصلاة إلى النائم ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه فعلها. قال البخاري في صحيحه باب الصلاة خلف النائم حدثنا مسدد ~~قال حدثنا يحى قال حدثنا هشام قال حدثني أبي عن عائشة قالت كان النبي ~~يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. ~~وقال ابن حجر في الفتح أورد فيه حديث عائشة أيضا من وجه آخر بلفظ آخر ~~للإشارة إلى أنه قد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى. وكأنه أشار أيضا ~~إلى تضعيف الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، فقد أخرجه أبو ~~داود وابن ماجه من حديث ابن عباس اه. وقال أبو داود طرقة كلها واهية - ~~يعني حديث ابن عباس وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي. وعن ابي هريرة ~~أخرجه الطبراني في الأوسط، وهما واهيان أيضا. وكره مجاهد وطاوس ومالك ~~الصلاة إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته وظاهر تصرف ~~المصنف أن عدم الكراهة حيث يحصل الأمن من ذلك - انتهى كلام ابن حجر في ~~فتح الباري. قال مقيده - عفا الله عنه الذي يظهر - والله تعالى أعلم - ~~أنه لم يثبت نص خاص في النهي ms0893 عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، ولكن ذلك لا ~~ينافي أخذ الكراهة من عموم نصوص أخر، وكتعليل كراهة الصلاة إلى النائم ~~بما ذكر من خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته، لأن النائم لا ~~يدري عن نفسه. وكتلعليل كراهة الصلاة إلى المتحدث بأن الحديث يشوش على ~~المصلي في صلاته، والله تعالى أعلم. وأما كراهة الصلاة في بطن الوادي ~~فيستدل لها بما جاء في بعض روايات حديث زيد بن جبيرة المتقدم في المواضع ~~التي نهى عن الصلاة فيها " وبطن الوادي " بدل " المقبرة " قال الشوكاني ~~قال الحافظ وهي زيادة باطلة لا تعرف. وقال بعض العلماء كراهة الصلاة في ~~بطن الوادي مختصة بالوادي الذي حضر فيه الشيطان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، فناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن يتأخروا عن ذلك الموضع الذي حضرهم فيه الشيطان. ويجاب ~~عن هذا بأن الشيطان يمكن أن يكون ذهب عن الوادي. والله تعالى أعلم. وأما ~~النهي عن الصلاة في مسجد الضرار فدليله قوله تعالى # لا تقم فيه أبدا # التوبة 108 وقوله جل وعلا # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ~~بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ~~من قبل # التوبة 107 الاية. وقوله # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم # التوبة 109-110 الآية. فهذه الآيات تدل على التباعد عن موضع ذلك المسجد ~~وعدم القيام فيه كما هو ظاهر. وأما كراهة الصلاة إلى التنور فلما رواه ~~ابن أبي شيبة في المصنف عن محمد بن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، ~~وقال هو بيت نار. وظاهر صنيع البخاري أن الصلاة إلى التنور عنده غير ~~مكروهة، وأن عرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته يدل على ~~عدم الكراهة. قال البخاري في صحيحه باب من صلى وقدامه تنور أو نار، أو ms0894 ~~شيء مما يعبد فأراد به الله وقال الزهري أخبرني أنس قال قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " عرضت علي النار وأنا أصلي " # حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، # " عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال " انخسفت الشمس فصلى رسول ~~الله صلى الله عيله وسلم ثم قال " رأيت النار فلم أرى منظرا كاليوم ~~قط أفظع " # اه. وعرض النار عليه صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته دليل على عدم ~~الكراهة، لأنه لم يقطع. وقد دلت بعض الروايات الثابتة في الصحيح على أن ~~النار عرضت عليه من جهة ومن وجهه لا من جهة اليمين ولا الشمال، ففي بعض ~~الروايات الصحيحة أنهم قالوا له بعد أن انصرف يا رسول الله، رأيناك ~~تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت - أي تأخرت - إلى الخلف؟ وفي ~~جوابه أن ذلك بسب كونه أرى النار.. إلخ. فهذا هو حاصل كلام العلماء في ~~الأماكن التي ورد نهي عن الصلاة فيها، التي لها مناسبة بآية الحجر التي ~~نحن بصددها - والعلم عند الله تعالى. ### || [15.81] # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر- وهم ثمود - آياته ~~فكانوا عنها معرضين. والإعراض الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه. كأنه ~~مشتق من العرض - بالضم - وهو الجانب. لأن المعرض لا يولي وجهه بل يثني ~~عطفه ملتفتا صادا. ولم يبين جل وعلا هنا شيئا من تلك الآيات التي ~~آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر. فبين أن من ~~أعظم الآيات التي آتاهم تلك الناقة التي أخرجها الله لهم. بل قال بعض ~~العلماء إن في الناقة المذكورة آيات جمة كخروجها عشراء، وبراء، جوفاء من ~~صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة ~~لبنها حتى يكفيهم جميعا، وكثرة شربها. كما قال تعالى # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # الشعراء 155 وقال # ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب ~~محتضر # القمر 28. فإذا علمت ذلك فاعلم أن مما يبين قوله هنا { وآتيناهم ~~آياتنا ms0895 } قوله # فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة ~~لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # الشعراء 154-155 وقوله # قد جآءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله ~~لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء # الأعراف 73 الآية. وقوله # وآتينا ثمود الناقة مبصرة # الإسراء 59 الآية. وقوله # إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم ~~واصطبر # القمر 27 وقوله # ويقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل ~~في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب # هود 64 إلى غير ذلك من الآيات. وبين إعراض قوم صالح عن تلك الآيات في ~~مواضع كثيرة. كقوله # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # الأعراف 77 وقوله # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # هود 65 الآية. وقوله # كذبت ثمود بطغواهآ إذ انبعث أشقاها فقال ~~لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه ~~فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها # الشمس 11-14 الآية. وقوله # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # القمر 29. وقوله # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها # الإسراء 59. وقوله # قالوا إنمآ أنت من المسحرين مآ أنت إلا بشر ~~مثلنا فأت بآية # الشعراء 153-154 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.82] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح ~~كانوا آمنين في أوطانهم، وكانوا ينحتون الجبال بيوتا. وأوضح هذا المعنى ~~في مواضع أخر، كقوله تعالى # أتتركون في ما هاهنآ آمنين في جنات وعيون ~~وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين # الشعراء 146-149 وقوله تعالى # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلآء الله # الأعراف 74 الآية. وقوله # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد # الفجر 9 أي قطعوا الصخر بنحته بيوتا. ### || [15.85] # قوله تعالى { وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما ~~خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق. أي ليدل بذلك على أنه ms0896 المستحق ~~لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الخلق ويجازيهم على أعمالهم. فدلت الآية على ~~أنه لم يخلق الخلق عبثا ولا لعبا ولا باطلا. وقد أوضح ذلك في آيات ~~كثيرة، كقوله # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # ص 27، وقوله # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار # آل عمران 191، وقوله # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق # الدخان 38-39 الآية، وقوله # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # المؤمنون 115-116، وقوله # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى # النجم 31، وقوله # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى # القيامة 36-37 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { وإن الساعة ~~لآتية }. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك ~~بحرف التوكيد الذي هو " إن " وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة ~~عن المبتدأ إلى الخبر. وذلك يدل على أمرين أحدهما - إتيان الساعة لا ~~محالة. والثاني - إن إتيانها أنكره الكفار، لأن تعدد التوكيد يدل على ~~إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني. وأوضح هذين الأمرين في آيات أخر. ~~فبين أن الساعة آتية لا محالة في مواضع كثيرة كقوله # إن الساعة آتية أكاد أخفيها # طه 15 وقوله # وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور # الحج 7 وقوله # إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات ~~حمل حملها # الحج 1-2 الآية، وقوله # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها قلتم ما ندري ما الساعة # الجاثية 32 الآية، وقوله # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون # الروم 12، وقوله # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # الروم 55، وقوله # قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض ms0897 لا تأتيكم ~~إلا بغتة # الأعراف 187، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وبين جل وعلا إنكار الكفار ~~لها في مواضع أخر. كقوله # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم # سبأ 3 وقوله # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا # التغابن 7 وقوله # إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا ~~الأولى وما نحن بمنشرين # الدخان 34-35 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. قوله تعالى { فاصفح ~~الصفح الجميل }. # أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة أن ~~يصفح عمن أساء الصفح الجميل. أي بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس ~~الصفح الجميل الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمه ~~الأمة. لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وبين تعالى ذلك المعنى في مواضع أخر. ~~كقوله # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون # الزخرف 89 # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # الفرقان63، وقوله # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # القصص 55، وقوله # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره # البقرة 109 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء هذا الأمر ~~بالصفح منسوخ بآيات السيف. وقيل هو غير منسوخ. والمراد به حسن المخالقة، ~~وهي المعاملة بحسن الخلق. قال الجوهري في صحاحه والخلق والخلق السجية، ~~يقال خالص المؤمن، وخالق الفاجر. ### || [15.86] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه الخلاق العليم. والخلاق والعليم ~~كلاهما صيغة مبالغة. والآية تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلاق بكونه ~~خلاقا إلا وهو عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، إذ الجاهل بالشيء لا ~~يمكنه أن يخلقه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # يس 79، وقوله # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # الملك 14، وقوله # ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات ~~وهو بكل شيء عليم # البقرة 29، وقوله # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد ms0898 أحاط بكل شيء ~~علما # الطلاق 12، وقوله تعالى مجيبا للكفار لما أنكروا البعث وقالوا # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # ق 3 مينا أن العالم بما تمزق في الأرض من أجسادهم قادر على إحيائهم # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # ق 4 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.87] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه آتى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم. ولم يبين هنا المراد بذلك. وقد قدمنا ~~في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة إن كان لها بيان في كتاب ~~الله غير واف بالمقصود، أننا نتمم ذلك البيان من السنة، فنبين الكتاب ~~بالسنة من حيث إنها بيان للقرآن المبين باسم الفاعل. فإذا علمت ذلك فاعلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في الحديث الصحيح أن المراد بالسبع ~~المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة هو فاتحة الكتاب. ففاتحة ~~الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك ~~بإيضاح النبي صلى الله عليه وسلم لذلك في الحديث الصحيح. قال البخاري ~~في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، ~~حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، # " عن أبي سعيد بن المعلي قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيت فقال " ما منعك أن ~~تأتيني " فقلت كنت أصلي. فقال " ألم يقل الله { يأيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول } - ثم قال- ألا أعلمك ~~أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد " فذهب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليخرج فذكرته فقال { الحمد لله رب العالمين } هي السبع ~~المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " # حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم ". # فهذا نص صحيح من النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالسبع ms0899 المثاني ~~والقرآن العظيم فاتحة الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال إنها السبع الطوال ~~غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على عدم صحة ~~ذلك القول أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا ~~بالمدينة. والعلم عند الله تعالى. وقيل لها " مثاني " لأنها تثني قراءتها ~~في الصلاة. وقيل لها " سبع " لأنها سبع آيات. وقيل لها " القرآن العظيم " ~~لأنها هي أعظم سورة. كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح المذكور آنفا. وإنما عطف القرآن العظيم على السبع المثاني مع أن ~~المراد بهما واحد وهو الفاتحة لما علم في اللغة العربية من أن الشيء ~~الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما على الأخرى تنزيلا ~~لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. ومنه قوله تعالى # سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى والذي أخرج المرعى # الأعلى 1-4، وقول الشاعر # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم ### || [15.88] # قوله تعالى { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم }. لما بين تعالى أنه آتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله ~~تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار. ~~لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ~~ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولا سيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل ~~الفتنة والاختبار. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في طه # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # طه 130-132 والمراد بالأزواج هنا الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا. ~~قوله تعالى { ولا تحزن ms0900 عليهم }. الصحيح في معنى هذه الآية ~~الكريمة أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن على الكفار إذا ~~امتنعوا من قبول الإسلام. ويدل لذلك كثرة ورود هذا المعنى في القرآن ~~العظيم. كقوله # ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون # النحل 127، وقوله # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # فاطر 8، وقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3، وقوله # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # الكهف 6، وقوله # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين # المائدة 68 إلى غير ذلك من الآيات. والمعنى قد بلغت وليست مسؤولا عن ~~شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا ~~تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء. قوله تعالى { واخفض جناحك ~~للمؤمنين }. أمر الله جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بخفض ~~جناحه للمؤمنين. وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع، ومنه قول ~~الشاعر # وأنت الشهير بخفض الجناح فلا تك في رفعه أجدلا # وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في الشعراء # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # الشعراء 215، وكقوله # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم ~~واستغفر لهم وشاورهم في الأمر # آل عمران 159 إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة ~~- أعني مفهوم مخالفتها - أن غير المؤمنين لا يخفض لهم الجناح، بل يعاملون ~~بالشدة والغلظة. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر. كقوله تعالى # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # التوبة 73، وقوله # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # الفتح 29 وقوله # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # المائدة 54 كما قدمناه في المائدة. ### || [15.90] # في المراد بالمقتسمين أقوال للعلماء معروفة، وكل واحد منها يشهد له ~~قرآن. إلا أن في الآية الكريمة قرينة تضعف بعض تلك الأقوال الأول - أن ~~المراد بالمقتسمين الذين يحلفون على تكذيب الرسل ومخالفتهم، وعلى هذا ~~القول فالاقتسام افتعال من القسم بمعنى اليمين، ms0901 وهو بمعنى التقاسم. ومن ~~الآيات التي ترشد لهذا الوجه قوله تعالى عن قوم صالح # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # النمل 49 الآية. أي نقتلهم ليلا، وقوله # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # النحل 38، وقوله # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # إبراهيم 44، وقوله # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة # الأعراف 49 إلى غير ذلك من الآيات. فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا ~~أقسموا عليه. فسموا مقتسمين. القول الثاني- أن المراد بالمقتسمين اليهود ~~والنصارى. وإنما وصفوا بأنهم مقتسمون لأنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها ~~وكفروا ببعضها. ويدل لهذا القول قوله تعالى # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # البقرة 23 الاية، وقوله # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض # النساء 150 الآية. القول الثالث - أن المراد بالمقتسمين جماعة من كفار ~~مكة اقتسموا القرآن بأقوالهم الكاذبة، فقال بعضهم هو شعر. وقال بعضهم هو ~~سحر. وقال بعضهم كهانة. وقال بعضهم أساطير الأولين وقال بعضهم اختلقه ~~محمد، صلى الله عليه وسلم. وهذا القول تدل له الآيات الدالة على أنهم ~~قالوا في القرآن تلك الأقوال المفتراة الكاذبة، كقوله تعالى # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون # الحاقة 41-42، وقوله # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر # المدثر 24، وقوله # إن هذا إلا اختلاق # ص 7، وقوله # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # النحل 24، وقوله # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # الفرقان 5 إلى غير ذلك من الآيات. والقرينة في الآية الكريمة تؤيد هذا ~~القول الثالث ولا تنافي الثاني بخلاف الأول. لأن قوله # الذين جعلوا القرآن عضين # الحجر 91 أظهر في القول الثالث، لجعلهم له أعضاء متفرقة بحسب اختلاف ~~أقوالهم الكاذبة، كقولهم شعر، سحر، كهانة الخ. وعلى أنهم أهل الكتاب - ~~فالمراد بالقرآن كتبهم التي جزؤوها فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، أو ~~القرآن لأنهم آمنوا بما وافق هواهم منه وكفروا بغيره. وقوله { عضين } جمع ~~عضة، وهو العضو من الشيء، أي جعلوه أعضاء متفرقة. واللام المحذوفة أصلها ~~واو. قال بعض ms0902 العلماء اللام المحذوفة أصلها هاء، وعليه فأصل العضة عضهة، ~~والعضه السحر. فعلى هذا القول - فالمعنى جعلوا القرآن سحرا. كقوله # إن هذآ إلا سحر يؤثر # المدثر24، وقوله # قالوا سحران تظاهرا # القصص 48 إلى غير ذلك من الآيات. والعرب تسمي الساحر عاضها، والساحرة ~~عاضهة. والسحر عضها. ويقال إن ذلك لغة قريش. ومنه قول الشاعر # أعوذ بربي من النافثا ت في عقد العاضه المعضه # تنبيه فإن قيل بم تتعلق الكاف في قوله { كمآ أنزلنا على ~~المقتسمين } الحجر90؟ فالجواب- ما ذكره الزمخشري في كشافه قال فإن ~~قلت بم تعلق قوله { كما أنزلنا } قلت فيه وجهان احدهما - أن يتعلق بقوله # ولقد آتيناك # الحجر 87 أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون ~~الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق ~~للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. ~~وقيل كانوا يستهزؤون به فيقول بعضهم " سورة البقرة " لي، ويقول الآخر " ~~سورة آل عمران " لي إلى أن قال الوجه الثاني - أن يتعلق بقوله # وقل إني أنا النذير المبين # الحجر 89 أي وأنذر قريشا مثل ما أنزلناه من العذاب على المقتسمين يعني ~~اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير. جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من ~~الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان انتهى محل الغرض من كلام صاحب ~~الكشاف. ونقل كلامه بتمامه أبو حيان في " البحر المحيط " ثم قال أبو حيان ~~أما الوجه الأول وهو تعلق { كما } ب { آتيناك } فذكره أبو البقاء على ~~تقدير، وهو أن يكون في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف تقديره آتيناك سبعا ~~من المثاني إيتاء كما أنزلنا، أو إنزالا كما أنزلنا. لأن " آتيناك " ~~بمعنى أنزلنا عليك. ### || [15.94] # قوله تعالى { فاصدع بما تؤمر }. أي فاجهر به وأظهره. من قولهم ~~صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا، كقولك صرح بها. وهذه الآية الكريمة أمر ~~الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أمر به علنا في غير خفاء ~~ولا مواربة. وأوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله # يأيها ms0903 الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # المائدة 67 الآية. وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل ~~وجه في مواضع آخر. كقوله # اليوم أكملت لكم دينكم # المائدة 3، وقوله # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # الذاريات 54 إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه قوله { فاصدع } قال بعض ~~العلماء أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم انصدع الصبح انشق عنه ~~الليل. والصديع الفجر لانصداعه، ومنه قول عمروبن معد يكرب # ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته صديع # أي فجر والمعنى على هذا القول أظهر ما تؤمر به وبلغه علنا على رؤوس ~~الأشهاد وتقول العرب صدعت الشيء أظهرته. ومنه قول أبي ذؤيب # وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع # قاله صاحب اللسان. وقال بعض العلماء أصله من الصدع بمعنى التفريق والشق ~~في الشيء الصلب كالزجاج والحائط. ومنه بمعنى التفريق قوله تعالى # من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون # الروم 43 أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير. بدليل قوله تعالى # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # الروم 14 ومنه قول غيلان ذي الرمة # عشية قلبي في المقيم صديعه وراح جناب الظاعنين صديع # يعني أن قلبه افترق إلى جزءين جزء في المقيم، وجزء في الطاعنين. وعلى ~~هذا القول - { فاصدع بما تؤمر } أي فرق بين الحق والباطل بما ~~أمرك الله بتبليغه. وقوله { بما تؤمر } يحتمل أن تكون " ما " ~~موصوله. ويحتمل أن تكون مصدرية، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل ~~المبني للمفعول، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية. قال أبو حيان في البحر ~~والصحيح أن ذلك لا يجوز. قوله تعالى { وأعرض عن المشركين }. ~~في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء أحدهما - أن معنى { وأعرض عن ~~المشركين } أي لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا يصعب عليك ذلك. فالله ~~حافظك منهم. والآية على هذا التأويل معناها فاصدع بما تؤمر - أي بلغ ~~رسالة ربك، وأعرض عن المشركين، أي لا تبال بهم ولا تخشهم. وهذا المعنى ~~كقوله تعالى # يأيها الرسول ms0904 بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس # المائدة 67. الوجه الثاني - وهو الظاهر في معنى الآية - أنه كان في أول ~~الأمر مأمورا بالإعراض عن المشركين، ثم نسخ ذلك بآيات السيف. ومن الآيات ~~الدالة على ذلك قوله تعالى # اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين # الأنعام 106، وقوله # فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون # السجدة 30، وقوله # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا # النجم 29 وقوله # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم # الأحزاب 48 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [15.95] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه كفى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~المستهزئين الذين كانوا يستهزؤون به وهم قوم من قريش. وذكر في مواضع أخر ~~أنه كفاه غيرهم.كقوله في أهل الكتاب # فسيكفيكهم الله # البقرة 137 الآية، وقوله # أليس الله بكاف عبده # الزمر 36 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمستهزؤون المذكورون هم ~~الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس السهمي والأسود بن ~~عبد يغوث، والأسود بن المطلب. والآفات التي كانت سبب هلاكهم مشهورة في ~~التاريخ. ### || [15.97] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه صلى الله عليه وسلم ~~يضيق صدره بما يقول الكفار فيه من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. ~~وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # الأنعام 33، وقوله # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء ~~معه ملك # هود 12، وقوله # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # الكهف 6 وقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئا من ذلك من الأنعام. ### || [15.98] # أمر جل علا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأمرين أحدهما - قوله ~~{ فسبح بحمد ربك } ، والثاني - قوله { وكن من ~~الساجدين }. وقد كرر تعالى في كتابه الأمر ms0905 بالشيئين المذكورين في ~~هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول # فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا # النصر 3، وقوله # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها # طه 130، وقوله # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ~~وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار # غافر 55 والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأصل التسبيح في اللغة الإبعاد عن ~~السوء. ومعناه في عرف الشرع تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله ~~وكماله. ومعنى سبح نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. ~~وقوله { بحمد ربك } أي في حال كونك متلبسا بحمد ربك، أي بالثناء عليه ~~بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال، لأن لفظة { بحمد ربك } أضيفت ~~إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا. ~~فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال، لأن الكمال يكون بأمرين أحدهما - ~~التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح. والثاني - ~~التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد، فتم الثناء بكل ~~كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى ~~الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم " # ، وكقوله في الثاني وهو السجود # كلا لا تطعه واسجد واقترب # العلق 19 وقوله # واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه ~~تعبدون # فصلت 37 ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة. وقالت جماعة ~~من العلماء المراد بقوله { فسبح بحمد ربك } أي صل له، وعليه ~~فقوله { وكن من الساجدين } من عطف الخاص على العام والصلاة ~~تتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله { وكن ~~من الساجدين } أي من المصلين، سواء قلنا إن المراد بالتسبيح ~~الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد ~~بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء. خلافا ~~لمن زعم أنه موضع سجود. قال القرطبي في تفسيره قال ابن ms0906 العربي ظن بعض ~~الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في ~~القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد ~~في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء. قلت قد ذكر أبو ~~بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة - ~~انتهى كلام القرطبي. # وقد تقدم معنى السجود في سورة الرعد. وعلى أن المراد بالتسبيح الصلاة ~~فالمسوغ لهذا الإطناب الذي هوعطف الخاص على العام هو أهمية السجود، لأن ~~أقرب ما يكون العبد من ربه في حال كونه في السجود. قال مسلم في صحيحه ~~حدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا حدثنا عبد الله بن وهب، عن ~~عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا ~~صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء ". # تنبيه اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى ~~الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء - دليل على أن الصلاة ~~والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه، ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه ~~أمر بادر إلى الصلاة. وقال تعالى # واستعينوا بالصبر والصلاة # البقرة 45 الآية. ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي ~~من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك ~~آخره " # فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات ~~من صلاة وغيرها. ### || [15.99] # قوله تعالى { واعبد ربك }. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن يعبد ربه، أي يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما امر أن ~~يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع. وجل القرآن في تحقيق ms0907 هذا ~~الأمر الذي هو حظ الإثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد ~~بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، ~~الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع ~~أنواع العبادات. قال تعالى # فاعبده وتوكل عليه # هود 123، وقال # فاعبده واصطبر لعبادته # مريم 65، وقال # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # النساء 36، وقال # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # البقرة 256، وقال # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # يوسف 106 والآيات في مثل ذلك كثيرة جدا. قوله تعالى { حتى ~~يأتيك اليقين }. قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد ~~الله بن عمر، ومجاهد، والحسن وقتادة، وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم وغيرهم ~~اليقين الموت، ويدل لذلك قوله تعالى # قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخآئضين وكنا نكذب ~~بيوم الدين حتى أتانا اليقين # المدثر 43-47 وهو الموت. ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ~~الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، # " عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء رحمة الله عليك أبا ~~السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " وما يدريك أن الله قد أكرمه؟ فقالت بأبي وأمي يا رسول الله فمن ~~يكرمه الله!؟ فقال " أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير.. " # الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت. وقول من قال إن ~~المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا، لأن ~~الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقينا. ولقد أجاد التهامي في ~~قوله # والعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال ساري # وقال صاحب الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في ~~التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال قال رسول الله ms0908 ~~صلى الله عليه وسلم # " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن " سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " ما أوحي إلى أن أكون تاجرا ولا أجمع المال متكاثرا، ولكن أوحي إلي ~~أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # تنبيهان الأول - هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حيا وله ~~عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته. فإن لم يستطع الصلاة ~~قائما فليصل قاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه ~~عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # مريم 31 وقال البخاري في صحيحه " باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب " ~~وقال عطاء إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه - حدثنا ~~عبدان عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال حدثني الحسين المكتب، عن ~~بريدة، # " عن عمران ابن حصين رضي الله عنهما قال كانت بي بواسير، فسألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، ~~فإن لم تستطع فعلى جنب " # اه ونحو هذا معلوم. قال تعالى # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16، وقال تعالى # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # البقرة 286، وقال صلى الله عليه وسلم # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم... " # الحديث. التنبيه الثاني - اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض ~~الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل ~~وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من ms0909 المعرفة بالله إلى تلك ~~الدرجة المعبر عنها باليقين - أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف. لأن ذلك ~~اليقين هو غاية الأمر بالعبادة. إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، ~~وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح ~~تأويلا، بل يسمى لعبا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم هم وأصحابه هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه ~~وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل ~~وعلا، وأشدهم خوفا منه وطمعا في رحمته. وقد قال جل وعلا # إنما يخشى الله من عباده العلماء # فاطر 28 والعلم عند الله تعالى. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # قوله تعالى { أتى أمر الله }. أي قرب وقت إتيان القيامة. وعبر ~~بصيغة الماضي تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. واقتراب القيامة المشار ~~إليه هنا بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # الأنبياء 1، وقوله جل وعلا # اقتربت الساعة وانشق القمر # القمر 1، وقوله # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # الأحزاب 63، وقوله # وما يدريك لعل الساعة قريب # الشورى 17، وقوله جل وعلا # أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة # النجم 57-58 إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي ~~لتحقق وقوعه كثير في القرآن، كقوله # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات # الزمر 68 الآية، وقوله # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # الأعراف 44 الآية، وقوله # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق وهم ~~لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم ~~بما يفعلون وسيق الذين كفروا # الزمر 69-71 الآية. فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزل تحقق ~~وقوعها منزلة الوقوع. وقوله تعالى { فلا تستعجلوه }. نهى الله ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم ~~القيامة. والاستعجال هو طلبهم أن يعجل لهم ما يوعدون به من العذاب يوم ~~القيامة. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله جل وعلا # ويستعجلونك بالعذاب ولولا ms0910 أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين # العنكبوت 53-54، وقوله # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها # الشورى 18، وقوله # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه # هود 8 الآية، وقوله # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # ص 16، وقوله # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~ماذا يستعجل منه المجرمون # يونس 50 إلى غير ذلك من الآيات. والضمير في قوله { فلا ~~تستعجلوه } في مفسره وجهان أحدهما أنه العذاب الموعد به يوم ~~القيامة، المفهوم من قوله { أتى أمر }. والثاني أنه يعود إلى الله. ~~أي لا تطلبوا من الله أن يعجل لكم العذاب. قال معناه ابن كثير. وقال ~~القرطبي في تفسيره قال ابن عباس لما نزلت # اقتربت الساعة وانشق القمر # القمر 1 قال الكفار إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت! فأمسكوا عن بعض ما ~~كنتم تعملون، فأمسكوا فانتظروا فلم يروا شيئا، فقالوا ما نرى شيئا! ~~فنزلت # اقترب للناس حسابهم # الأنبياء 1 الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة فامتدت الأيام فقالوا ما ~~نرى شيئا، فنزلت { أتى أمر الله } فوثب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمون وخافوا، فنزلت { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # - وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها اه محل الغرض من كلام القرطبي، ~~وهو يدل على أن المراد بقوله { فلا تستعجلوه } أي لا تظنوه ~~واقعا الآن عن عجل، بل هو متأخر إلى وقته المحدد له عند الله تعالى. # وقول الضحاك ومن وافقه إن معنى { أتى أمر الله } أي فرائضه ~~وحدوده - قول مردود ولا وجه له، وقد رده الإمام ابن جرير الطبري في ~~تفسيره قائلا إنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم، فيقال لهم من أجل ذلك قد جاءتكم ~~فرائض الله فلا تستعجلوها. أما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا ~~كثيرا اه. والظاهر المتبادر من الآية الكريمة ms0911 - أنها تهديد للكفار ~~باقتراب العذاب يوم القيامة مع نهيهم عن استعجاله. قال ابن جرير في ~~تفسيره وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو تهديد من الله ~~لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك ~~أنه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى # عما يشركون # النحل 1 فدل بذلك على تقريعه المشركين به ووعيده لهم اه. ### || [16.2] # قوله تعالى { ينزل الملائكة بالروح من أمره ~~على من يشآء من عباده }. أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه ~~الآية الكريمة أن المراد بها الوحي. لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن ~~الغذاء به حياة الأجسام. ويدل لهذا قوله تعالى # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان # الشورى 52، وقوله # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره ~~على من يشآء من عباده لينذر يوم التلاق يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار # غافر 15-16. ومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله { ~~ينزل الملائكة بالروح } بقوله { أن أنذروا } ~~النحل2 لأن الإنذار إنما يكون بالوحي، بدليل قوله # قل إنمآ أنذركم بالوحي # الأنبياء 45 الآية وكذلك إتيانه بعد قوله # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # غافر 15 بقوله # لينذر يوم التلاق # غافر 15 الآية. لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضا. وقرأ هذا الحرف ابن ~~كثير وأبو عمرو " ينزل " بضم الياء وإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون ~~بالضم والتشديد. ولفظة " من " في الآية تبعيضية، أو لبيان الجنس. وقوله { ~~على من يشآء من عباده } النحل2 أي ينزل الوحي على من اختاره ~~وعلمه أهلا لذلك. كما بينه تعالى بقوله # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # الحج 75، وقوله # الله أعلم حيث يجعل رسالته # الأنعام 124، وقوله # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # غافر 15، وقوله # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل ~~الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء ~~من عباده ms0912 # البقرة 90. وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # الزخرف 31. قوله تعالى { أن أنذروا أنه لا إله إلا ~~أنا فاتقون }. الأظهر في " أن " من قوله { أن أنذروا } ~~أنها هي المفسرة. لأن إنزال الملائكة بالروح - أي بالوحي - فيه معنى ~~القول دون حروفه. فيكون المعنى أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر ~~بإنذار الناس " بلا إله إلا الله " وأمرهم بتقواه. وقد أوضح جل وعلا هذا ~~المعنى في آيات كثيرة. كقوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25، وقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36، وقوله # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45، وقوله # قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد ~~فهل أنتم مسلمون # الأنبياء 108 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى الإنذار، ومعنى ~~التقوى. ### || [16.3] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو خالق السموات والأرض، وأن من ~~يخلق هذه المخلوقات العظيمة يتنزه ويتعاظم أن يعبد ما لا يخلق شيئا، ولا ~~يملك لنفسه شيئا. فالآية تدل على أن من يبرز الخلائق من العدم إلى ~~الوجود، لا يصح أن يعبد معه من لا يقدر على شيء. ولهذا أتبع قوله { ~~خلق السماوات والأرض بالحق } بقوله { تعالى عما ~~يشركون }. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # البقرة 21 الآية. فدل على أن المعبود هو الخالق دون غيره، وقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # النحل 17 وقوله # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # الرعد 16، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ~~ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ms0913 ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا # الفرقان 1-3، وقوله جل وعلا # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~بل الظالمون في ضلال مبين # لقمان 11، وقوله # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات # فاطر 40 الآية، وقوله # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين # الأحقاف 4، وقوله جل وعلا # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # الأعراف 191، وقوله تعالى # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له # الحج 73، وقوله # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم ~~خلقوا السماوات والأرض # الطور 35-36 الآية، وقوله # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون أموات غير أحيآء # النحل 20-21 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات تبين أن الذي ~~يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من العدم إلى الوجود. أما غيره ~~فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه، ويدبر شؤونه. ### || [16.4] # قوله تعالى { خلق الإنسان من نطفة }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة. ~~بدليل قوله تعالى # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # الإنسان 2 أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال صاحب الدر المنثور ~~بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط من ماء الرجل وماء ~~المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال أخبرني عن قوله ~~{ من نطفة أمشاج } قال اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع ~~في الرحم. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول # كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج # ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده ms0914 هكذا # كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج # قال ورواه المبرد # كأن المتن والشرجين منه خلاف النصل سيط به مشيج # قال ورواه أبوعبيدة # كأن الريش والفوقين منها خلال النصل سيط به المشيج # ومعنى " سيط به المشيج " خلط به الخلط. إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه ~~تعالى بين أن ذلك الماء الذي هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب، أي وهو ~~ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب وهو ماء المرأة، وذلك قوله جل ~~وعلا # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق ~~يخرج من بين الصلب والترآئب # الطارق 5-7 لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره، والمراد بالترائب ~~ترائب المرأة وهي موضع القلادة منها. ومنه قول امرىء القيس # مهفهفة بيضاء مفاضة ترائبها مصقوله كالسجنجل # واستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول ~~المخبل أو ابن أبي ربيعة # والزعفران على ترائبها شرقا به اللبات والنحر # فقوله هنا " من بين الصلب والترائب " يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط ~~المذكورة. وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قوله # فلينظر الإنسان مم خلق # الطارق 5 تنبيه له على حقارة ما خلق منه. ليعرف قدره، ويترك التكبر ~~والعتو، ويدل لذلك قوله # ألم نخلقكم من مآء مهين # المرسلات 20 الآية. وبين جل وعلا حقارته بقوله # أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم ~~كلا إنا خلقناهم مما يعلمون # المعارج 38-39 والتعبير عن النطفة بما الموصولة في قوله { مما ~~يعلمون } فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان. وفي ذلك ~~أعظم ردع، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم. وقوله جل وعلا { فإذا هو ~~خصيم مبين } النحل4 أظهر القولين فيه أنه ذم للإنسان المذكور. ~~والمعنى خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع. ففاجأ بالخصومة والتكذيب، كما ~~تدل عليه " إذا " الفجائية. ويوضح هذا المعنى قوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الذاريات 56 مع قوله جل وعلا # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ms0915 قال ~~من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم # يس 77-79، وقوله # وهو الذي خلق من المآء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا # الفرقان 54-55، وقوله # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ~~أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # مريم 66-67 إلى غير ذلك من الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة ~~إيضاح لهذا المبحث في سورة " الطارق ". تنبيه اختلف علماء العربية في " ~~إذا " الفجائية. فقال بعضهم هي حرف. وممن قال به الأخفش. قال ابن هشام في ~~" المغني " ويرجح هذا القول قولهم خرجت فإذا إن زيدا بالباب بكسر إن لأن ~~" إن " المكسورة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال بعضهم هي ظرف مكان. ~~وممن قال به المبرد. وقال بعضهم هي ظرف زمان. وممن قال به الزجاج. ~~والخصيم صيغة مبالغة، أي شديد الخصومة. وقيل الخصيم المخاصم. وإتيان ~~الفعيل بمعنى المفاعل كثير في كلام العرب، كالقعيد بمعنى المقاعد، ~~والجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المؤاكل، ونحو ذلك. وقوله " مبين " ~~الظاهر أنه اسم فاعل أبان اللازمة، بمعنى بان وظهر. أي بين الخصومة. ومن ~~إطلاق أبان بمعنى بان قول جرير. # إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب # أي ظهر. وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي # لو دب ذر فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدور # يعنى لظهر من آثارهن وروم في الجلد. وقيل من أبان المتعدية والمفعول ~~محذوف. أي مبين خصومته ومظهر لها. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.5] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الأنعام لبني آدم ينتفعون بها ~~تفضلا منه عليهم. وقد قدمنا في " آل عمران " أن القرآن بين أن الأنعام ~~هي الأزواج الثمانية التي هي الذكر والأنثى من الإبل، والبقر، والضأن، ~~والمعز. والمراد بالدفء على أظهر القولين أنه اسم لما يدفأ به، كالملء ~~اسم لما يملأ به، وهو الدفاء من اللباس المصنوع ms0916 من أصواف الأنعام ~~وأوبارها وأشعارها.. ويدل لهذا قوله تعالى # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارهآ أثاثا ومتاعا إلى حين # النحل 80 وقيل الدفء نسلها. والأول أظهر. والنسل داخل في قوله { ~~ومنافع } أي من نسلها ودرها { ومنها تأكلون }. ومنافع ~~الأنعام التي بين الله جل وعلا امتنانه بها على خلقه في هذه الآية ~~الكريمة، بينها لهم أيضا في آيات كثيرة، كقوله # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ~~وعليها وعلى الفلك تحملون # المؤمنون 21-22، وقوله # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون # غافر 79-81، وقوله # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # يس 71-73، وقوله # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # الزخرف 12-14، وقوله # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # الزمر 6 إلى غير ذلك من الآيات. والأظهر في إعراب { والأنعام } أن ~~عامله وهو { خلق } اشتغل عنه بالضمير فنصب بفعل مقدر وجوبا يفسره " خلق ~~" المذكور، على حد قول ابن مالك في الخلاصة # فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهر # وإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع لأنه معطوف على معمول فعل، وهو قوله ~~تعالى # خلق الإنسان من نطفة # النحل 4 الآية، فيكون عطف الجملة الفعليه على الجملة الفعليه أولى من ~~عطف الإسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق. وإلى أشار ابن مالك في ~~الخلاصة بقوله عاطفا على ما يختار فيه النصب # وبعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا # وقال ms0917 بعض العلماء إن قوله { والأنعام } معطوف على { الإنسان } ~~من قوله { خلق الإنسان } والأول أظهر كما ترى. وأظهر أوجه الإعراب ~~في قوله { لكم فيها دفء } أن قوله { دفء } مبتدأ خبره { ~~لكم فيها } وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور ~~قبلها وهو الخبر كما هو معروف. # خلافا لمن زعم أن { دفء } فاعل الجار والمجرور الذي هو { لكم }. وفي ~~الآية أوجه أخرى ذكرها بعض العلماء تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا، ~~والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة # ولكم فيها جمال # النحل 6 يعني أن اقتناء هذه الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس ~~جمال. أي عظمة ورفعة، وسعادة في الدنيا لمقتنيها. وكذلك قال في الخيل ~~والبغال والحمير # لتركبوها وزينة # النحل 8 فعبر في الأنعام بالجمال، وفي غيرها بالزينة. والجمال مصدر جمل ~~فهو جميل وهي جميلة. ويقال أيضا هي جملاء. وأنشد لذلك الكسائي قوله ~~الشاعر # فهي جملاء كبدر طالع بذت الخلق جميعا بالجمال # والزينة ما يتزين به. وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك ~~كالسلاح. ولا تفتخر بالبقر والغنم. ويدل لذلك قول العباس بن مرداس يفتخر ~~بمآثر قبيلته بني سليم # واذكر بلاء سليم في مواطنها ففي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم هم نصروا ~~الرحمن واتبعوا دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل ~~وسطهم ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة في دارة ~~حولها الأخطار والعكر # والسوابح الخيل. والمقربة المهيأة المعدة قريبا. والأخطار جمع خطر- ~~بفتح فسكون - أو كسر فسكون وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره. ~~والعكر - بفتحتين - جمع عكرة، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضا على ~~اختلاف في تحديد قدره. وقول الآخر # لعمري لقوم قد ترى أمس فيهم مرابط للأمهار والعكر الدثر أحب إلينا من ~~أناس بقنة يروح على آثار شائهم النمر # وقوله " العكر الدثر " أي المال الكثير من الإبل. وبدأ بقوله # حين تريحون # النحل 6 لأنها وقت الرواح أملأ ضروعا وبطونا منها وقت سراحها للمرعي. ~~وأظهر أوجه الإعراب في وقوله # وزينة # النحل 8 أنه مفعول لأجله، ms0918 معطوف على ما قبله. أي لأجل الركوب والزينة. ### || [16.8] # قوله تعالى { ويخلق ما لا تعلمون }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي ~~يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك ~~في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد ~~شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول ~~الآية، كالطائرات، والقطارات، والسيارات. ويؤيد ذلك إشارة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث الصحيح. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله ~~في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عطاء ~~بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، ~~وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض ~~والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " # اه. ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح - # " قوله صلى الله عليه وسلم " ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها " # فإنه قسم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه ستترك الإبل فلا يسعى ~~عليها، وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة. وفي هذا ~~الحديث معجزة عظمى، تدل على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وإن كانت ~~معجزاته صلوات الله عليه وسلامه أكثر من أن تحصر. وهذه الدلالة التي ~~ذكرنا تسمى دلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول، كما أشار له صاحب ~~مراقي السعود بقوله # أما قران اللفظ في المشهور فلا يساوي في سوى المذكور # وصحح الاحتجاج بها بعض العلماء. ومقصودنا من الاستدلال بها هنا أن ذكر { ~~ويخلق ما لا تعلمون } النحل8 في معرض الامتنان بالمركوبات لا ~~يقل عن قرينة دالة على أن الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض ~~المركوبات، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان. وقد ذكر في موضع آخر أنه يخلق ~~ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان ms0919 بالمركوبات، وذلك في قوله # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # يس 36. ### || [16.9] # قوله تعالى { وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر }. ~~اعلم أولا - أن قصد السبيل هو الطريق المستقيم القاصد، الذي لا اعوجاج ~~فيه، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله وأقصرت عما ~~تعلمين وسددت علي سوى قصد السبيل معادله # وقول امرىء القيس # ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل منه ذو دخل # فإذا علمت ذلك فاعلم أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء، ~~وكل منهما له مصداق في كتاب الله، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر. ~~الأول منهما - أن معنى { وعلى الله قصد السبيل } أن طريق ~~الحق التي هي قصد السبيل على الله، أي موصلة إليه، ليست حائدة، ولا جائرة ~~عن الوصول إليه وإلى مرضاته. { ومنها جآئر }. أي ومن الطريق جائر ~~لا يصل إلى الله، بل هو زائغ وحائد عن الوصول إليه. ويشهد لهذا المعنى ~~قوله تعالى # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # الأنعام 153، وقوله # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم # يس 61. ويؤيد هذا التفسير قوله بعده { ومنها جآئر } وهذا الوجه ~~أظهر عندي. واستظهره ابن كثير وغيره، وهو قول مجاهد. الوجه الثاني - أن ~~معنى الآية الكريمة { وعلى الله قصد السبيل } أي عليه جل ~~وعلا أن يبين لكم طريق الحق على ألسنة رسله. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء 165، وقوله # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15، وقوله # فإنما على رسولنا البلاغ المبين # التغابن 12 إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول، فمعنى قوله { ~~ومنها جآئر } غير واضح، لأن المعنى ومن طريق جائر عن الحق، وهو ~~الذي نهاكم الله عن سلوكه، والجائر المائل عن طريق الحق. والوجهان ~~المذكوران في هذه الآية جاريان في قوله # إن علينا للهدى # الليل 12 الآية. ms0920 قوله تعالى { ولو شآء لهداكم أجمعين }. ~~بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء هداية جميع خلقه لهداهم ~~أجمعين. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجاهلين # الأنعام 35، وقوله # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # السجدة 13 الآية، وقوله # ولو شآء الله مآ أشركوا # الأنعام 107، وقوله # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # يونس 99 الآية، وقوله # ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة... # هود 118 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا في سورة يونس. ### || [16.10-11] # قوله تعالى { هو الذي أنزل من السماء مآء لكم ~~منه شراب }. تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في ~~سورة الحجر. وقوله جل وعلا { ومنه شجر فيه تسيمون ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن ~~كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ~~النحل 10-11. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما ~~يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى - من أعظم ~~نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده. ~~وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # السجدة 27 وقوله # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى # طه 54، وقوله # والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها مآءها ~~ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # النازعات 30-33، وقوله # ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع ~~نضيد رزقا للعباد # ق 9-11 الآية وقوله # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون # النمل 60 ms0921 وقوله # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به ~~حبا ونباتا وجنات ألفافا # النبأ 14-16 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. تنبيهان الأول - اعلم أن ~~النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول " أن صيغة الأمر تقتضي ~~الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب ". والله جل وعلا أمر الإنسان أن ينظر ~~إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه - من ~~أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات ~~وإخراجه منها!؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر ~~على تنميته حتى يصير صالحا للأكل!؟ # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه # الأنعام 99 الآية. وذلك في قوله تعالى # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا ~~وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم # عبس 24-32. وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله ~~تعالى # فلينظر الإنسان مم خلق # الطارق 5 وظاهر القرآن أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك. ~~التنبيه الثاني اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة " النحل ~~" إلى براهين البعث الثلاثة، التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه ~~الاستدلال بها على البعث. # الأول - خلق السموات والأرض المذكور في قوله # خلق السماوات والأرض بالحق # النحل 3 الآية. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها # النازعات 27-28 إلى قوله # متاعا لكم ولأنعامكم # النازعات 33، وقوله # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى # الأحقاف 33، وقوله # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57 الآية، وقوله # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # يس 81 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. البرهان الثاني- خلق الإنسان ~~أولا المذكور في قوله # خلق الإنسان من نطفة # النحل ms0922 4 لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانيا. وهذا يكثر الاستدلال به ~~أيضا على البعث، كقوله # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # يس 79، وقوله # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون # الروم 27 الآية، وقوله # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5، وقوله # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # ق 15 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. البرهان الثالث - إحياء الأرض بعد ~~موتها المذكور هنا في قوله { ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب } النحل11 الآية، فإنه يكثر ~~في القرآن الاستدلال به على البعث أيضا، كقوله # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحى الموتى # فصلت 39، وقوله # وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # ق 11 أي كذلك الأحياء خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله # ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # الروم 19 أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # الأعراف 57 وقوله # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك ~~بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه ~~على كل شيء قدير # الحج 5-6 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم فهذه البراهين الثلاثة يكثر ~~جدا الاستدلال على البعث في كتاب الله كما رأيت وكما تقدم. وهناك برهان ~~رابع يكثر الاستدلال به على البعث أيضا ولا ذكر له في هذه الأيات، وهو ~~إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا، كنا تقدمت الإشارة إليه في " سورة ~~البقرة " ، لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع ~~النفوس # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # لقمان 28. وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في " سورة البقرة " في خمسة ~~مواضع. الأول - قوله # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون # البقرة 56. الثاني - قوله # فقلنا اضربوه ببعضها ms0923 كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون # البقرة 73. الثالث - قوله جل وعلا # فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم # البقرة 243. الرابع - قوله # فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة ~~عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر ~~إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير # البقرة 259. الخامس - قوله تعالى # قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم # البقرة 260. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ومنه شجر فيه ~~تسيمون } النحل 10 أي ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو ~~المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى. ومنه قل ~~النمر بن تولب العكلي # إنا أتيناك وقد طال السفر نقود خيلا ضمرا فيها صعر نطعمها اللحم إذا ~~عز الشجر # والعرب تقول سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. ~~وأسامها صاحبها أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر # مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال # يعني يا بن راعية الجمال التي تسيمها في المرعى. وقوله { ينبت لكم ~~به الزرع } النحل 11 قرأه شعبة عن عاصم " ننبت " بالنون والباقون ~~بالياء التحتية. ### || [16.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر لخلقه خمسة أشياء عظام، فيها ~~من عظيم نعمته ما لا يعلمه إلا هو، وفيها الدلالات الواضحات لأهل العقول ~~على أنه الواحد المستحق لأن يعبد وحده. والخمسة المذكورة هي الليل، ~~والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم. وكرر في القرآن ذكر إنعامه بتسخير هذه ~~الأشياء، وأنها من أعظم أدلة وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده. كقوله ~~تعالى # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل ~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر ms0924 تبارك ~~الله رب العالمين # الأعراف 54 وإغشاؤه الليل النهار هو تسخيرهما، وقوله # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم ~~الليل والنهار # إبراهيم 33 الآية، وقوله # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل ~~حتى عاد كالعرجون القديم # يس 37-39، وقوله # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # الملك 5 الآية، وقوله # وبالنجم هم يهتدون # النحل 16 إلى غير ذلك من الآيات. وفي هذه الآية الكريمة ثلاث قراءات ~~سبعيات في الأسماء الأربعة الأخيرة، التي هي الشمس، والقمر، والنجوم، ~~ومسخرات، فقرأ بنصبها كلها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وعاصم في رواية شعبة. وقرأ برفع الأسماء الأربعة ابن عامر، على أن { ~~والشمس } مبتدأ وما بعده معطوف عليه و { مسخرات } خبر ~~المبتدأ. وقرأ حفص عن عاصم بنصب { والشمس والقمر } عطفا على { ~~الليل والنهار } ورفع { والنجوم مسخرات } على أنه ~~مبتدأ وخبر. وأظهر أوجه الإعراب في قوله { مسخرات } على قراءة ~~النصب أنها حال مؤكدة لعاملها. والتسخير في اللغة التذليل. ### || [16.13] # قوله { وما } في محل نصب عطفا على قوله # وسخر لكم الليل والنهار # النحل 12 أي وسخر لكم ما ذرأ لكم في الأرض، أي ما خلق لكم فيها في حال ~~كونه مختلفا ألوانه. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة امتنانه على خلقه ~~بما سخر لهم مما خلق لهم في الأرض منبها على أن خلقه لما خلق لهم في ~~الأرض مع ما فيه من النعم العظام - فيه الدلالة الواضحة لمن يذكر ويتعظ ~~على وحدانيته واستحقاقه لأن يعبد وحده. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، ~~كقوله # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # البقرة 29 الآية، وقوله # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # الجاثية 13 الآية. وقوله # والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات ~~الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # الرحمن 10-13، وقوله # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه ms0925 وإليه النشور # الملك 15. وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في ~~الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، ~~وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده. وأوضح هذا في آيات أخر. كقوله في ~~" سورة فاطر " # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك # فاطر 27-28، وقوله # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم # الروم 22 ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ~~ذلك - فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له ولا ~~نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده. وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير ~~فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا ~~بمشيئته جل وعلا. كما أوضح ذلك في قوله # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # الرعد 4 فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة. لأن قطعها متجاورة، والماء ~~الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان ~~والأشكال والطعوم، والمقادير والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود ~~فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد. ~~ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا - أن ~~النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقى فيها الحطب وإبراهيم عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام، ولا شك أن الحطب أصلب وأقسى وأقوى من جلد إبراهيم ~~ولحمه. فأحرقت الحطب بحرها. وكانت على إبراهيم بردا وسلاما لما قال لها ~~خالقها # قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم # الأنبياء 69 فسبحان من لا يقع شيء كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا، ~~فعال لما يريد. وقوله في هذه الآية الكريمة { يذكرون } أصله يتذكرون، ms0926 ~~فأدغمت التاء في الذال. والاذكار الاعتبار والاتعاظ. ### || [16.14] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر البحر. أي لله لعباده حتى ~~تمكنوا من ركوبه، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية، وبلوغ الأقطار ~~التي تحول دونها البحار، للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك. فتسخير ~~البحر للركوب من أعظم آيات الله. كما بينه في مواضع آخر. كقوله # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # يس 41-42، وقوله # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # الجاثية 12 إلى غير ذلك من الآيات. وذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه ~~على خلقه بتسخير البحر لهم الأولى قوله { لتأكلوا منه لحما ~~طريا } وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن. كقوله # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة # المائدة 96 الآية، وقوله # ومن كل تأكلون لحما طريا # فاطر 12 الآية. الثانية - قوله { وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها } وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضا في القرآن. كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # الرحمن 22-23 واللؤلؤ والمرجان هما الحليه التي يستخرجونها من البحر ~~للبسها، وقوله # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها # فاطر 12. الثالثة - قوله تعالى { وترى الفلك مواخر فيه } ~~وكرر في القرآن الامتنان بشق أمواج البحر على السفن، كقوله # وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون # يس 42-43 الآية، وقوله # وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره # إبراهيم 32. الرابعة - الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل ~~على السفن المذكور في قوله هنا { ولتبتغوا من فضله } أي ~~كأرباح التجارات. وكرر في القرآن الامتنان بهذه النعمة أيضا. كقوله في " ~~سورة البقرة " # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس # البقرة 164، وقوله في " فاطر " # وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون # فاطر 12، وقوله في " الجاثية " # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # الجاثية 12 إلى ms0927 غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة ~~المسألة الأولى - لا مفهوم مخالفة لقوله { لحما طريا } فلا يقال ~~يفهم من التقييد بكونه طريا أن اليابس كالقديد مما في البحر لا يجوز ~~أكله. بل يجوز أكل القديد مما في البحر بإجماع العلماء. وقد تقرر في ~~الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون النص مسوقا للامتنان. ~~فإنه إنما قيد بالطري لأنه أحسن من غيره، فالامتنان به أتم. وقد أشار إلى ~~هذا صاحب مراقي السعود بقوله عاطفا على موانع اعتبار مفهوم المخالفة # أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع # ومحل الشاهد قوله " أو امتنان " وقد قدمنا هذا في " سورة المائدة ". # المسألة الثانية- اعلم أن علماء المالكية قد أخذوا من هذه الآية الكريمة ~~أن لحوم ما في البحر كلها جنس واحد. فلا يجوز التفاضل بينها في البيع، ~~ولا بيع طريها بيابسها لأنها جنس واحد. قالوا لأن الله عبر عن جميعها ~~بلفظ واحد، وهو قوله في هذه الآية الكريمة { وهو الذي سخر ~~البحر لتأكلوا منه لحما طريا } وهو شامل لما في البحر ~~كله. ومن هنا جعل علماء المالكية، للحوم أربعة أجناس لا خامس لها الأول - ~~لحم ما في البحر كله جنس واحد، لما ذكرنا. الثاني - لحوم ذوات الأربع من ~~الأنعام والوحوش كلها عندهم جنس واحد. قالوا لأن الله فرق بين أسمائها في ~~حياتها فقال # من الضأن اثنين ومن المعز اثنين # الأنعام 143، ثم قال # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # الأنعام 144 أما بعد ذبحها فقد عبر عنها باسم واحد فقال # أحلت لكم بهيمة الأنعام # المائدة 1 فجمعها بلحم واحد. وقال كثير من العلماء يدخل في بهيمة ~~الأنعام الوحش كالظباء. الثالث - لحوم الطير بجميع أنواعها جنس واحد. ~~لقوله تعالى # ولحم طير مما يشتهون # الواقعة 21 فجمع لحومها باسم واحد. الرابع - الجراد هو جنس واحد عندهم. ~~وقد قدمنا في " سورة البقرة " الإشارة إلى الاختلاف في ربويته عندهم. ~~ومشهور مذهب مالك عدم ربويته، بناء على أن غلبة العيش بالمطعوم من أجزاء ~~العلة في الربا. لأن ms0928 علة الربا في الربويات عند مالك هي الاقتيات ~~والادخار. قيل وغلبة العيش. وقد قدمنا أن الاختلاف في اشتراط غلبة العيش ~~تظهر فائدته في أربعة أشياء وهي الجراد، والبيض، والتين، والزيت. وقد ~~قدمنا تفصيل ذلك في " سورة البقرة ". فإذا علمت ذلك - فاعلم أن كل جنس من ~~هذه الأجناس المذكورة يجوز بيعه بالجنس الآخر متفاضلا يدا بيد. ويجوز ~~بيع طريه بيابسه يدا بيد أيضا في مذهب مالك رحمه الله تعالى. ومذهب ~~الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن اللحوم تابعة لأصولها، فكل لحم جنس مستقل ~~كأصله - فلحم الإبل عنده جنس مستقل، وكذلك لحم الغنم ولحم البقر، وهكذا. ~~لأن اللحوم تابعة لأصولها وهي مختلفة كالأدقة والأدهان. أما مذهب الشافعي ~~وأحمد في هذه المسألة - فكلاهما عنه فيها روايتان. أما الروايتان عن ~~الشافعي فإحداهما - أن اللحوم كله جنس واحد لاشتراكها في الاسم الخاص ~~الذي هو اللحم. الثانية - أنها أجناس كأصولها كقول أبي حنيفة. وقال صاحب ~~المهذب إن هذا قول المزني وهو الصحيح. وأما الروايتان في مذهب الإمام ~~أحمد فإحداهما - أن اللحوم كلها جنس واحد. وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه ~~قال وسائر اللحمان جنس واحد. قال صاحب المغني وذكره أبو الخطاب وابن عقيل ~~رواية عن أحمد. ثم قال وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد، ~~وقال الأنعام والوحوش والطير ودواب الماء أجناس، يجوز التفاضل فيها رواية ~~واحدة، وإنما في اللحم روايتان. # إحداهما- أنه أربعة أجناس كما ذكرنا. الثانية- أنه أجناس باختلاف أصوله. ~~انتهى من المغني بتصرف يسير، بحذف ما لا حاجة له فهذه مذاهب الأربعة في ~~هذه المسألة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له اختلاف العلماء في هذه ~~المسألة من الاختلاف. في تحقيق مناط نص من نصوص الشرع، وذلك أنه ثبت في ~~صحيح مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " # فعلم أن الاختلاف الصنفين مناط جواز التفاضل. واتحادهما مناط منع ~~التفاضل، واختلاف العلماء في تحقيق ms0929 هذا المناط. فبعضهم يقول اللحم جنس ~~واحد يعبر عنه باسم واحد، فمناط تحريم التفاضل موجود فيه. وبعضهم يقول هي ~~لحوم مختلفة الجنس، لأنها من حيوانات مختلفة الجنس. فمناط منع التفاضل ~~غير موجود. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة - لا يجوز بيع اللحم ~~بالحيوان الذي يجوز أكله من جنسه. وهذا مذهب أكثر العلماء منهم مالك ~~والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز بيع اللحم بالحيوان. لأن ~~الحيوان غير ربوي، فأشبه بيعه باللحم بيع اللحم بالإثمان. واحتج الجمهور ~~بما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم # " عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم ~~بالحيوان " # وفي " الموطأ " أيضا عن مالك عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب ~~يقول من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم بالشاة والشاتين. وفي " ~~الموطأ " أيضا عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ~~نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد فقلت لسعيد بن المسيب أرأيت ~~رجلا اشترى شارفا بعشر شياه؟ فقال سعيد إن كان اشتراها لينحرها فلا خير ~~في ذلك. قال أبو الزناد وكل من أدركت من الناس ينهون عن بيع الحيوان ~~باللحم. قال أبو الزناد وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان ابن ~~عثمان وهشان بن إسماعيل ينهون عن ذلك اه من الموطأ. وقال ابن قدامة في ~~المغني لايختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب ~~مالك والشافعي، وقول فقهاء المدينة السبعة. وحكي عن مالك أنه لا يجوز بيع ~~اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره. وقال أبو حنيفة يجوز مطلقا لأنه باع ~~مال الربا بما لا ربا فيه. فأشبه بيع اللحم بالدراهم، أو بلحم من غير ~~جنسه ولنا ما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع اللحم بالحيوان " # رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، وعن سعيد بن المسيب، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البر هذا ms0930 أحسن أسانيده. وروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه نهى أن يباع حي بميت " # ذكره الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس " أن جزورا نحرت فجاء رجل بعناق ~~فقال أعطوني جزءا بهذه العناق - فقال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي ~~لا أعلم مخالفا لأبي بكر في ذلك، وقال أبو الزناد كل من أدركت ينهى عن ~~بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله ~~فلم يجز. كبيع السمسم بالشيرج اه. وقال صاحب المهذب ولا يجوز بيع حيوان ~~يؤكل لحمه بلحمه، لما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لا يباع حي بميت " # وروى ابن عباس رضي الله عنهما " أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر رضي ~~الله عنه. فجاء رجل بعناق فقال أعطوني بها لحما فقال أبو بكر لا يصلح ~~هذا " ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز كبيع الشيرج ~~بالسمسم اه. وقال ابن السبكي في تكملته لشرح المهذب حديث سعيد بن المسيب ~~رواه أبو داود من طريق الزهري عن سعيد كما ذكره المصنف، ورواه مالك في ~~الموطأ، والشعافعي في المختصر والأم، وأبو داود من طريق زيد بن أسلم # " عن سعيد بن المسيب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~اللحم بالحيوان " # هذا لفظ الشافعي عن مالك، وأبي داود عن القعنبي عن مالك، وكذلك هو في ~~موطأ ابن وهب. ورأيت في موطأ القعنبي عن بيع الحيوان باللحم، والمعنى ~~واحد، وكلا الحديثين - أعني رواية الزهري وزيد بن أسلم - مرسل، ولم يسنده ~~واحد عن سعيد. وقد روي من طرق أخر، منها عن الحسن # " عن سمرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ان تباع الشاة باللحم " # رواه الحاكم في المستدرك وقال رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات. وقد احتج ~~البخاري بالحسن عن سمرة، وله شاهد مرسل في الموطأ، هذا كلام الحاكم. ~~ورواه البيهقي في سننه الكبير وقال هذا إسناد صحيح. ومن أثبت سماع ms0931 الحسن ~~عن سمرة عده موصولا. ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد. ~~ومنها عن سهل بن سعد قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~اللحم بالحيوان " رواه الدارقطني وقال تفرد به يزيد بن مروان عن مالك ~~بهذا الإسناد ولم يتابع عليه. وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلا. # وذكره البيهقي في سننه الصغير، وحكم بأن ذلك من غلط يزيد بن مروان، ~~ويزيد المذكور تكلم فيه يحيى بن معين. وقل ابن عدي وليس هذا بذلك ~~المعروف. ومنها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~" نهى عن بيع الحيوان باللحم " قال عبد الحق أخرجه البزار في مسنده من ~~رواية ثابت بن زهير عن نافع، وثابت رجل من أهل البصرة منكر الحديث لا ~~يستقل به. ذكره أبو حاتم الرازي. انتهى محل الغرض من كلام صاحب تكملة ~~المجموع. قال مقيده عفا الله عنه لا يخفى أن هذا الذي ذكرنا يثبت به منع ~~بيع اللحم بالحيوان. أما على مذهب من يحتج بالمرسل كمالك وأبي حنيفة ~~وأحمد فلا إشكال وأما على مذهب من لا يحتج بالمرسل فمرسل سعيد بن المسيب ~~حجة عند كثير ممن لا يحتج بالمرسل، ولا سيما أنه اعتضد بحديث الحسن عن ~~سمرة. فعلى قوله من يصحح سماع الحسن عن سمرة فلا إشكال في ثبوت ذلك، لأنه ~~حينئذ حديث صحيح متصل وأما على قول من لا يثبت سماع الحسن عن سمرة - فأقل ~~درجاته أنه مرسل صحيح، اعتضد بمرسل صحيح. ومثل هذا يحتج به من يحتج ~~بالمرسل ومن لا يحتج به وقد قدمنا في " سورة المائدة " كلام العلماء في ~~سماع الحسن عن سمرة، وقدمنا في " سورة الأنعام " أن مثل هذا المرسل يحتج ~~به بلا خلاف عنه الأئمة الأربعة، فظهر بهذه النصوص أن بيع الحيوان باللحم ~~من جنسه لا يجوز خلافا لأبي حنيفة. وأما إن كان من غير جنسه كبيع شاة ~~بلحم حوت، أو بيع طير بلحم إبل فهو جائز عند مالك، لأن المزابنة تنتفي ms0932 ~~باختلاف الجنس، وحمل معنى الحديث على هذا وإن كان ظاهره العموم. ومذهب ~~الشافعي مع اختلاف الجنس فيه قولان أحدهما - جواز بيع اللحم بالحيوان إذا ~~اختلف جنسهما. والثاني - المنع مطلقا لعموم الحديث. ومذهب أحمد في ~~المسألة ذكره ابن قدامة في المغني بقوله وأما بيع اللحم بحيوان من غير ~~جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز. فإن أحمد سئل عن بيع الشاة ~~باللحم فقال لا يصح، # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى أن يباع حي بميت " # واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان. واحتج من منعه بعموم الأخبار، ~~وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال مال الربا بيع بغير أصله ولا ~~جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان. وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز ~~في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء - انتهى كلام صاحب المغني - ~~قال مقيدة عفا الله عنه قد عرفت مما تقدم أن بعض العلماء قال إن اللحم ~~كله جنس واحد. # وبعضهم قال إن اللحوم أجناس، فعلى أن اللحم جنس واحد - فمنع بيع الحيوان ~~باللحم هو الظاهر. وعلى أن اللحوم أجناس مختلفة - فبيع اللحم بحيوان من ~~غير جنسه الظاهر فيه الجواز. لقوله صلى الله عليه وسلم # " فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم " # والعلم عند الله تعالى. تنبيه اشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم ~~من جنسه ألا يكون اللحم مطبوخا. فإن كان مطبوخا جاز عندهم بيعه ~~بالحيوان من جنسه، وهو معنى قول خليل في مختصره. وفسد منهي عنه إلا بدليل ~~كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ. واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه ~~فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ. فبيعه بالحيوان من باب أولى ~~- هكذا يقولون والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة - اعلم أن ظاهر ~~هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ ~~والمرجان. لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه ~~عاطفا على الأكل # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # النحل 14 وهذا الخطاب خطاب الذكور ms0933 كما هو معروف. ونظير ذلك قوله تعالى ~~في سورة فاطر # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها # فاطر 12 قال القرطبي في تفسيره امتن الله سبحانه على الرجال والنساء ~~امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم ~~تعالى على الرجال الذهب والحرير. وقال صاحب الإنصاف يجوز للرجل والمرأة ~~التحلي بالجوهر ونحوه، وهو الصحيح من المذهب وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ~~لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلا، ولا أعلم للتحريم ~~مستندا إلى عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال ~~بالنساء، كالعكس!قال البخاري في صحيحه " باب المتشبهين بالنساء ~~والمتشبهات بالرجال " حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا ~~شعبة عن قتادة عن عكرمة # " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " # فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يلعن أحدا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة. ولا شك ~~أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء. فإن قيل يجب تقديم ~~الآية على هذا الحديث، وما جرى مجراه من الأحاديث من وجهين الأول - أن ~~الآية نص متواتر، والحديث المذكور خبر آحاد، والمتواتر مقدم على الآحاد. ~~الثاني - أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء، والآية خاصة في ~~إباحة الحلية المستخرجة من البحر، والخاص مقدم على العام؟ فالجواب أنا لم ~~نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم أن الآية الكريمة وإن ~~كانت أقوى سندا وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقوى دلالة على محل ~~النزاع منها. # وقوة الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجح من قوة السند. ~~لأن قوله { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } يحتمل ~~معناه احتمالا قويا أن وجه الامتنان به أن نساءهم يتجملن لهم به، فيكون ~~تلذذهم وتمتعهم بذلك الجمال والزينة الناشىء عن تلك الحلية من نعم الله ~~عليهم. وإسناد اللباس ms0934 إليهم لنفعهم به، وتلذذهم بلبس أزواجهم له. بخلاف ~~الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء. ولا شك أن المتحلي ~~باللؤلؤ مثلا متشبه بهن. فالحديث يتناوله بلا شك. وقال ابن حجر في فتح ~~الباري في الكلام على الحديث المذكور، واستدل به على أنه يحرم على الرجل ~~لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح، لورود علامات التحريم وهو لعن من ~~فعل ذلك - وأما قول الشافعي ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي ~~النساء فليس مخالفا لذلك. لأن مراده لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. ~~المسالة الخامسة - لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما ~~مطلقا، ولا يخفى أيضا أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. ~~وهذا مما لا خلاف فيه، لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص ~~الصريحة وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك. وسنذكر طرفا قليلا من ~~النصوص الكثيرة الواردة في ذلك. أما الشرب في آنيتهما - فقد أخرج الشيخان ~~والإمام أحمد وأصحاب السنن عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم ~~في الدنيا ولكم في الآخرة " # ولفظة " ولا تأكلوا في صحافها " في صحيح مسلم وعن أم سلمة رضي الله عنها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # متفق عليه. وفي رواية لمسلم # " إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار ~~جهنم " # والأحاديث بمثل هذا كثيرة. وأما لبس الحرير والديباح الذي هو نوع من ~~الحرير- فعن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # أخرجه الشيخان وباقي الجماعة وعن عمر رضي الله عنه ms0935 سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة " # متفق عليه أيضا. والأحاديث بمثل هذا كثير جدا. وأما لبس الذهب- فقد ~~أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث # " البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهاهم ~~عن خاتم الذهب " # قال البخاري في صحيحه حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أشعث بن سليم قال سمعت ~~معاوية بن سويد بن مقرن قال سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول " ~~نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سبع نهى عن خاتم الذهب - أو قال ~~حلقة الذهب - وعن حرير، والاستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، ~~والقسي، وآنية الفضة، وأمرنا بسبع بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت ~~العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم " ~~ولفظ مسلم في صحيحه قريب منه، إلا أن مسلما قدم السبع المأمور به على ~~السبع المنهي عنها. وقال في حديثه " ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم ~~بالذهب " وهذا الحديث المتفق عليه يدل على أن لبس الذهب لا يحل للرجال. ~~لأنه إذا منع الخاتم منه فغيره أولى، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة ~~والأحاديث فيه كثيرة. وأما جواز لبس النساء للحرير - فله أدلة كثيرة، ~~منها # " حديث علي رضي الله عنه أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، ~~فبعث بها إلي فلبستها فعرفت الغضب في وجهه، فقال " ني لم أبعث بها إليك ~~لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشقها خمرا بين نسائك " # متفق عليه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم برد حلة سيراء. أخرجه البخاري والنسائي وأبو ~~داود والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وإباحة الحرير للنساء كالمعلوم بالضرورة. ~~ومخالفة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في ذلك لا أثر لها، أنه محجوج ~~بالنصوص الصحيحة، واتفاق عامة ms0936 علماء المسلمين. وأما جواز لبس الذهب ~~للنساء - فقد وردت فيه أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود ~~والنسائي والحاكم وصححاه والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها " # وفي هذا الحديث كلام. لأن راويه عن أبي موسى وهو سعيد بن أبي هند، قال ~~بعض العلماء لم يسمع من أبي موسى. قال مقيده عفا الله عنه ولو فرضنا أنه ~~لم يسمع منه فالحديث حجة. لأنه مرسل معتضد بأحاديث كثيرة، منها ما هو ~~حسن، ومنها ما إسناده مقارب، كما بينه الحافظ في التلخيص وبإجماع ~~المسلمين - وقد قال البيهقي رحمه الله في سننه الكبرى " باب سياق أخبار ~~تدل على تحريم التحلي بالذهب " وساق أحاديث في ذلك ثم قال " باب سياق ~~أخبار تدل على إباحته للنساء " ثم ساق في ذلك أحاديث، وذكر منها حديث ~~سعيد بن أبي هند المذكور عن أبي موسى، ثم قال ورويناه من حديث علي بن أبي ~~طالب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذكر منها أيضا حديث عائشة قالت # " قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له، ~~فيها خاتم من ذهب فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معرضا عنه أو ~~ببعض أصابعه. ثم دعا أمامة بنت أبي العاصي بنت ابنته زينب فقال " تحلي ~~هذا يا بنية " # وذكر منها أيضا حديث بنت أسعد بن زرارة رضي الله عنه أنها كانت هي ~~وأختاها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. لأن أباهن أوصى إليه بهن، ~~قالت فكان صلى الله عليه وسلم يحلينا الذهب واللؤلؤ وفي رواية " يحلينا ~~رعاثا من ذهب ولؤلؤ " وفي رواية " يحلينا التبر واللؤلؤ " ثم قال ~~البيهقي قال أبو عبيد قال أبو عمرو وواحد الرعاث رعثة ورعثة وهو القرط. ~~ثم قال البيهقي فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي ~~بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع ms0937 على إباحته لهن على نسخ الأخبار ~~الدالة على تحريمه فيهن خاصة. وقد قال بعض أهل العلم إن موافقة الإجماع ~~لخبر الآحاد تصيره قطعيا لاعتضاده بالقطعي وهو الإجماع. وقد تقدم ذلك في ~~" سورة التوبة " والله اعلم. فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير ~~على الرجال، وإباحته للنساء. المسألة السادسة - أما لبس الرجال خواتم ~~الفضة فهو جائز بلا شك، وأدلته معروفة في السنة، ومن أوضحها خاتم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الفضة المنقوش فيه " محمد رسول الله " الذي ~~كان يلبسه بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. حتى سقط في بئر أريس كما هو ~~ثابت في الصحيحين. أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين ~~العلماء، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله. اعلم أولا- أن الرجل إذا لبس ~~من الفضة مثل ما يلبسه النساء من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ~~ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه. لأنه تشبه بالنساء، ومن تشبه ~~بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر ~~آنفا. وكل من كان ملعونا على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في ~~كتاب الله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. # لأن الله يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7. وأما غير ذلك كجعل الرجل الفضة في الثوب، واستعمال الرجل شيئا ~~محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ~~ممنوع، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة. والاختلاف في أشياء ~~كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف. والاتفاق على جعل الأنف من الذهب ~~وربط الأسنان بالذهب والفضة. وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة ~~في ذلك. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبينا ~~لما به الفتوى ما نصه وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب. إلا ~~السيف والأنف، وربط سن مطلقا، وخاتم فضة. لا ما بعضه ذهب ولو قل، وإناء ~~نقد واقتناؤه وإن لامرأة. وفي ms0938 المغشي والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء ~~الجوهر قولان. وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير. انتهى ~~الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية. ~~وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه ولا يتحلى ~~الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة اه. ~~وقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي " فصل فيما يحل ويحرم من ~~الحلي " فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال، وعلى الإباحة للنساء- إلا ~~أن قال وأما الفضة فيجوز للرجل التختم، بها وهل له ما سوى الخاتم من حلي ~~الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج. فيه وجهان. قطع الجمهور بالتحريم. ~~انتهى محل الغرض من كلام النووي. وقال ابن قدامة في المقنع في مذهب ~~الإمام أحمد ويباح للرجال من الفضة الخاتم، وفي حلية المنطقة روايتان، ~~وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل. ومن الذهب قبيعة ~~السيف. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. ~~انتهى محل الغرض من المقنع. فقد ظهر من هذه النقول أن الأئمة الأربعة في ~~الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو ~~غير ذلك إلا في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها. وقال بعض ~~العلماء لا يمنع لبس شيء من الفضة. واستدل من قال بهذا بأمرين أحدهما - ~~أنها لم يثبت فيها تحريم. قال صاحب الإنصاف في شرح قول صاحب المقنع وعلى ~~قياسها الجوشن والخوذة الخ ما نصه وقال صاحب الفروع فيه ولا أعرف على ~~تحريم الفضة نصا عن أحمد. وكلام شيخنا يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ~~ما دل الشرع على تحريمه - انتهى. وقال الشيخ تقي الدين أيضا لبس الفضة ~~إذا لم يكن فيه لفظ عام لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل ~~الشرعي على تحريمه. # فإذا أباحت السنة خاتم الفضة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه ~~بالإباحة، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر ms0939 في تحليله وتحريمه، والتحريم ~~يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. ونصره صاحب الفروع ورد جميع ما استدل به ~~الأصحاب. انتهى كلام صاحب الإنصاف. الأمر الثاني- حديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدل على ذلك. قال أبو داود في سننه حدثنا عبد الله بن ~~مسلمة حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن أسيد بن ابي أسيد البراد عن ~~نافع بن عياش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن ~~يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه ~~سوارا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " # هذا لفظ أبي داود. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي والله أعلم أن ~~هذا الحديث لا دليل فيه على إباحة لبس الفضة للرجال. ومن استدل بهذا ~~الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقط غلط. بل معنى الحديث أن الذهب كان ~~حراما على النساء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن تحلية ~~نسائهم بالذهب، وقال لهم # " العبوا بالفضة " # أي حلو نسائكم منها بما شئتم. ثم بعد ذلك نسخ تحريم الذهب على النساء. ~~والدليل على هذا الذي ذكرنا أمور الأول - أن الحديث ليس في خطاب الرجال ~~بما يلبسونه بأنفسهم. بل بما يحلون به أحبابهم، والمراد نساؤهم. لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه " من أحب أن يحلق حبيبه " ، " أن يطوق ~~حبيبه " ، " أن يسور حبيبه " ولم يقل من أحب أن يحلق نفسه، ولا أن يطوق ~~نفسه، ولا أن يسور نفسه. فدل ذلك دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المراد ~~بقوله " فالعبوا بها " أي حلوا بها أحبابكم كيف شئتم. لارتباط آخر الكلام ~~بأوله. الأمر الثاني - أنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا حلق الذهب، ولا ~~أن يطوقوا بالذهب، ولا يتسوروا به في الغالب. فدل ذلك على أن المراد بذلك ~~من شأنه لبس الحلقة والطوق والسوار من الذهب ms0940 وهن النساء بلا شك. الأمر ~~الثالث - أن أبا داود رحمه الله قال بعد الحديث المذكور متصلا به حدثنا ~~مسدد ثنا أبو عوانة عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن ~~امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به ". # حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان بن زيد يزيد العطار ثنا يحيى أن محمد بن ~~عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم ~~القيامة. وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها مثله من ~~النار يوم القيامة ". # فهذان الحديثان يدلان على أن المراد بالحديث الأول منع الذهب للنساء، ~~وأن قوله " فالعبوا بها ". معناه فحلوا نسائكم من الفضة بما شئتم كما هو ~~صريح في الحديثين الأخيرين. وهذا واضح جدا كما ترى. ويدل له أن الحافظ ~~البيهقي رحمه الله ذكر الأحاديث الثلاثة المذكورة التي من جملتها " ~~وعليكم بالفضة فالعبوا بها " في سياق الأحاديث الدالة على تحريم الذهب ~~على النساء أولا دون الفضة. ثم بعد ذلك ذكر الأحاديث الدالة على النسخ ~~ثم قال واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة ~~على تحريمه فيهن خاصة. والله أعلم انتهى. ومن جملة تلك الأحاديث المذكورة ~~حديث " فالعبوا بها " وهو واضح جدا فيما ذكرنا. فإن قيل قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث المذكور " يحلق حبيبه " ، " أن يطوق حبيبه " ، " أن ~~يسور حبيبه " يدل على أن المراد ذكر. لأنه لو أراد الأنثى لقال حبيبته ~~بتاء الفرق بين الذكر والأنثى. فالجواب - أن إطلاق الحبيب على الأنثى ~~باعتبار إرادة الشخص الحبيب مستفيض في كلام العرب لا إشكال فيه. ومنه قول ~~حسان بن ثابت رضي الله عنه # منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذا تغار النجوم من حبيب أصاب قلبك ~~منه سقم فهو ms0941 داخل مكتوم # ومراده بالحبيب أنثى. بدليل قوله بعده # لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم # وقول كثير عزة # لئن كان برد الماء هيمان صاديا إلى حبيبا إنها لحبيب # ومثل هذا كثير في كلام العرب فلا نطيل به الكلام. قال مقيده عفا الله ~~عنه وغفر له الذي يظهر لي من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن لبس الفضة حرام على الرجال، وأن من لبسها منهم في الدنيا لم ~~يلبسها في الآخرة.وإيضاح ذلك أن البخاري قال في صحيحه في باب " لبس ~~الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه " حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن ~~الحكم عن ابن أبي ليلى قال كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بماء ~~في إناء من فضة، فرماه به، وقال إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته! قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ~~". # فقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح " الذهب ~~والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدينا ولكم في الآخرة " يدخل في ~~عمومه تحريم لبس الفضة. لأن الثلاث المذكورات معها يحرم لبسها بلا خلاف. ~~وما شمله عموم نص ظاهر من الكتاب والسنة لا يجوز تخصيصه إلا بنص صالح ~~للتخصيص. كما تقرر في علم الأصول. فإن قيل الحديث وارد في الشرب في إناء ~~الفضة لا في لبس الفضة؟ فالجواب - أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص ~~الأسباب، لا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث ما لا ~~يحتمل غير اللبس كالحرير والديباج. فإن قيل جاء في بعض الروايات الصحيحة ~~ما يفسر هذا ويبين أن المراد بالفضة الشرب في آنيتها لا لبسها. قال ~~البخاري في صحيحه " باب الشرب في آنية الذهب " حدثنا حفص بن عمر حدثنا ~~شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال، كان حذيفة بالمدائن فاستسقى، فأتاه ~~دهقان بقدح فضة فرماه به فقال إني لم أرمه، إلا أني نهيته فلم ينته، ms0942 وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية ~~الذهب والفضة وقال # " هن لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # " باب آنية الفضة " حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون ~~عن مجاهد عن ابن أبي ليلى قال خرجنا مع حذيفة وذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها ~~لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # انتهى. فدل هذا التفصيل الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ~~والنهي عن لبس الحرير والديباج - على أن ذلك هو المراد بما في الرواية ~~الأولى. وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة. لأنه تعين بهاتين ~~الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها لا لبسها، لأن الحديث حديث واحد. ~~فالجواب من ثلاثة أوجه الأول - أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في ~~الشرب واللبس معا، والروايات المقتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ~~ذاكرة بعض أفراد العام، ساكتة عن بعضها. وقد تقرر في الأصول " أن ذكر بعض ~~أفراد العام بحكم العام لا يخصصه " وهو الحق كما بيناه في غير هذا ~~الموضع. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما لا يخصص به ~~العموم على الصحيح # وذكر ما وافقه من مفرد ومذهب الراوي على المعتمد # الوجه الثاني - أن التفصيل المذكور لو كان هو مراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكان الذهب لا يحرم لبسه، وإنما يحرم الشرب في آنيته فقط، كما ~~زعم مدعي ذلك التفصيل في الفضة. # لأن الروايات التي فيها التفصيل المذكور " لا تشربوا في آنية الذهب ~~والفضة " فظاهرها عدم الفرق بين الذهب والفضة. ولبس الذهب حرام إجماعا ~~على الرجال. الوجه الثالث - وهو أقواها، ولا ينبغي لمن فهمه حق الفهم أن ~~يعدل عنه لظهور وجهه، وهو أن هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث، التي ~~هي الذهب، والفضة، والحرير، والديباج - صرح النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنها للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة. فدل ذلك على أن من استمتع ms0943 ~~بها من الدنيا لم يستمتع بها في الآخرة، وقد صرح جل وعلا في كتابه العزيز ~~بأن أهل الجنة يتمتعون بالذهب والفضة من جهتين إحداهما - الشراب في ~~آنيتهما. والثانية - التحلي بهما. وبين أن أهل الجنة يتنعمون بالحرير ~~والديباج من جهة واحدة وهي لبسها، وحكم الاتكاء عليهما داخل في حكم ~~لبسهما. فتعين تحريم الذهب والفضة من الجهتين المذكورتين. وتحريم الحرير ~~والديباج من الجهة الواحدة. لقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الروايات ~~الصحيحة في الأربعة المذكورة # " هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة " # لأنه لو أبيح التمتع بالفضة في الدنيا والآخرة لكان ذلك معارضا لقوله ~~صلى الله عليه وسلم # " هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة " # وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى من كتاب الله جل وعلا. اعلم أولا - أن ~~الديباج هو المعبر عنه في كتاب الله بالسندس والاستبرق. فالسندس رقيق ~~الديباج. والاستبرق غليظه. فإذا علمت ذلك فاعلم أن الله جل وعلا بين تنعم ~~أهل الجنة بلبس الذهب والديباج الذي هو السندس والاستبرق في " سورة الكهف ~~" في قوله # أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق # الكهف 31 الآية. فمن لبس الذهب والديباج في الدنيا منع من هذا التنعم ~~بهما المذكور في " الكهف ". ذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الحرير ~~والذهب في " سورة الحج " في قوله # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط ~~الحميد # الحج 23-24. وبين أيضا تنعمهم بلبس الذهب والحرير في " سورة فاطر " في ~~قوله # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن # فاطر 33-34 الآية. فمن لبس الذهب والحرير في الدنيا منع من هذا التنعم ~~بهما المذكور في " سورة الحج وفاطر ". وذكر جل وعلا تنعمهم بلبس الحرير ~~في " سورة الإنسان " في ms0944 قوله و # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا # الإنسان 12 وفي " الدخان " بقوله # إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون ~~يلبسون من سندس وإستبرق # الدخان 51-53 الآية. فمن لبس الحرير في الدنيا منع من هذا التنعم به ~~المذكور في " سورة الإنسان والدخان ". وذكر جل وعلا تنعمهم بالاتكاء على ~~الفرش التي بطائنها من استبرق في " سورة الرحمن " بقوله # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # الرحمن 54 الآية. فمن اتكأ على الديباج في الدنيا منه هذا التنعم ~~المذكور في " سورة الرحمن ". وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الديباج ~~الذي هو السندس والاستبرق ولبس الفضة في " سورة الإنسان " أيضا في قوله # عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا ~~أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا # الإنسان 21. فمن لبس الديباج أو الفضة في الدنيا منع من التنعم بلبسهما ~~المذكور في " سورة الإنسان " ، لقوله صلى الله عليه وسلم # " هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة " # فلو أبيح لبس الفضة في الدنيا مع قوله في نعيم أهل الجنة { وحلوا ~~أساور من فضة } لكان ذلك مناقضا لقوله صلى الله عليه وسلم " هي ~~لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة ". وذكر تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية ~~الذهب في " سورة الزخرف " في قوله تعالى # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب # الزخرف 71 الآية. فمن شرب في الدنيا في أواني الذهب منع من هذا التنعم ~~بها المذكور في " الزخرف ". وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية ~~الفضة في " سورة الإنسان " في قوله # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا ~~ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا ~~فيها تسمى سلسبيلا # الإنسان 15-18 فمن شرب في آنية الفضة في الدنيا منع هذا التنعم بها ~~المذكور في " سورة الإنسان " فقد ظهر بهذا للمنصف دلالة القرآن والسنة ~~الصحيحة على منع لبس الفضة. والعلم عند الله تعالى. تنبيه فإن قيل عموم ~~حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به، وببيان القرآن أنه شامل للبس الفضة ~~والشرب فيها، وقلتم إن ms0945 كونه واردا في الشرب في آنية الفضة لا يجعله ~~خاصا بذلك. فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب؟ فالجواب - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما معناه هل العبرة ~~بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه أن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. قال البخاري في صحيحه حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، ~~حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان # " عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزلت عليه { وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ~~} هود114 قال الرجل ألي هذه؟ قال " لمن عمل بها من أمتي " اه هذا لفظ ~~البخاري في التفسير في " سورة هود " وفي رواية في الصحيح قال " لجميع ~~أمتي كلهم " # اه. فهذا أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ألي هذه؟ ومعنى ذلك هل النص خاص بي لأني سبب ~~وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم له " لجميع ~~أمتي " معناه أن العبرة بعموم لفظ { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } لا بخصوص السبب. والعلم عند الله تعالى. وقوله جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة { وترى الفلك } أي السفن. وقد دل القرآن على ~~أن " الفلك " يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ~~ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث. فأطلقه على المفرد مذكرا في قوله # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # يس 41-42. وأطلقه على الجمع مؤنثا في قوله # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس # البقرة 164. وقوله { مواخر } جمع ماخرة، وهم اسم فاعل، مخرت السفينة ~~تمخر- بالفتح - وتمخر - بالضم - مخرا ومخورا جرت في البحر تشق الماء مع ~~صوت. وقيل استقبلت الريح في جريتها. والأظهر في قوله { ولتبتغوا من فضله ~~} أنه معطوف على قوله { لتأكلوا منه ms0946 لحما طريا } ولعل هنا للتعليل ~~كما تقدم. والشكر في الشرع يطلق من العبد لربه. كقوله هنا { ولعلكم ~~تشكرون } وشكر العبد لربه هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته. ~~وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين. وإنما هو كنود ~~كفور. وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن كقوله # فإن الله شاكر عليم # البقرة 158 وقوله # إن ربنا لغفور شكور # فاطر 34 هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [16.15-16] # ذكر جل وعلا في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه، مبينا لهم ~~عظيم منته عليهم بها الأولى - إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك، ~~وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن كقوله # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # النبأ 6-7، وقوله # وجعلنا في الأرض رواسي # الأنبياء 31 الآية، وقوله # وجعلنا فيها رواسي شامخات # المرسلات 27، وقوله جل وعلا # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم # لقمان 10 الآية، وقوله # والجبال أرساها # النازعات 32 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ومعنى تميد تميل وتضطرب. وفي ~~معنى قوله { أن } وجهان معروفان للعلماء أحدهما - كراهة أن تميد بكم. ~~والثاني - أن المعنى لئلا تميد بكم. وهما متقاربان. الثانية - إجراؤه ~~الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله { وأنهارا } وكرر تعالى في ~~القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه كقوله # وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر... # إبراهيم 32-33 الآية، وقوله # أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون لو نشآء جعلناه ~~أجاجا فلولا تشكرون # الواقعة 68-70، وقوله # وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره # يس 34-35 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. الثالثة - جعله في الأرض سبلا ~~يسلكها الناس، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر طلب حاجاتهم المذكور هنا في ~~قوله { وسبلا } وهو جمع سبيل بمعنى الطريق. وكرر الامتنان بذلك في ~~القرآن. كقوله # وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # الأنبياء 31، وقوله # والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا ms0947 # نوح 19-20، وقوله # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها ~~سبلا # طه 52-53، وقوله # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها # الملك 15 الآية، وقوله # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون # الزخرف 9-10، إلى غير ذلك من الآيات. الرابعة - جعله العلامات لبني آدم. ~~ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا في قوله { وعلامات ~~وبالنجم هم يهتدون }. وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في القرآن ~~في قوله # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر # الأنعام 97 الآية. ### || [16.17] # قوله تعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق } الآية. تقدم بيان ~~مثل هذه الآية في موضعين. ### || [16.18] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم ~~الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله { إن الله لغفور رحيم ~~} فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب ~~منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم. وبين هذا ~~المفهوم المشار إليه هنا بقوله # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # إبراهيم 34. وبين في موضع آخر أن كل النعم على بني آدم منه جل وعلا، ~~وذلك في قوله # وما بكم من نعمة فمن الله # النحل 53 الآية. وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم ~~جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم كما تقرر في الأصول. لأن " نعمة الله " مفرد ~~أضيف إلى معرفة فعم النعم. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود عاطفا ~~على صيغ العموم # أوبإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفي ### || [16.24] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله ~~على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لم ينزل عليه شيء. وإنما هذا ~~الذي يتكلم ms0948 به من أساطير الأولين، نقله من كتبهم. والأساطير جمع أسطورة ~~أو إسطارة، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل. ~~أصلها من سطر إذا كتب. ومنه قوله تعالى # وكتاب مسطور # الطور 2. وقال بعض العلماء الأساطير الترهات والأباطيل. وأوضح هذا ~~المعنى في آيات أخر. كقوله # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # الفرقان 5، وقوله # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين # الأنفال 31، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { ماذا } يحتمل أن تكون " ذا ~~" موصولة و " ما " مبتدأ، وجملة " أنزل " صلة الموصول، والموصول وصلته ~~خبر المبتدأ. ويحتمل أن يكون مجموعهما اسما واحدا في محل نصب، على أنه ~~مفعول " أنزل " كما أشار له في الخلاصة بقوله # ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام # وبين جل وعلا كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله # قل أنزله الذي يعلم السر # الفرقان 6 الآية، وبقوله هنا # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة # النحل 25. ### || [16.25] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أولئك الكفار الذين يصرفون الناس ~~عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين، تحملوا أوزارهم - أي ذنوبهم - ~~كاملة، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال، كما يدل عليه حرف ~~التبعيض الذي هو " من " في قوله { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } الآية. وقال القرطبي " من " لبيان الجنس. فهم يحملون ~~مثل أوزار من أضلوهم كاملة. وأوضح تعالى هذا المعنى في قوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # العنكبوت 13 واللام في قوله { ليحملوا } تتعلق بمحذوف دل المقام عليه. ~~أي قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن أساطير الأولين. ليحملوا أوزارهم. ~~تنبيه فإن قيل ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله { ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } الآية، ~~وقوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 مع أن الله يقول # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164، الإسراء 15، فاطر 18، الزمر 7، ويقول جل وعلا # ولا تكسب كل ms0949 نفس إلا عليها # الأنعام 164، ويقول # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون # البقرة 134، إلى غير ذلك من الآيات. فالجواب - والله تعالى أعلم - أن ~~رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين أحدهما - وزر ضلالهم في أنفسهم. ~~والثاني - وزر إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. وإنما أخذ بعمل غيره لأنه هو ~~الذي سنه وتسبب فيه، فعوقب عليه من هذه الجهة لأنه من فعله، فصار غير ~~مناف لقوله { ولا تزر وازرة } الآية. وقال مسلم بن الحجاج رحمه ~~الله في صحيحه حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، ~~عن موسى بن عبد الله بن يزيد، وأبي الضحى عن عبد الرحمن بن هلال العبسي ~~عن جرير بن عبد الله قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة ~~فأبطؤوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه. قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة ~~من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ~~لا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب ~~عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء " # اه. أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث عن جرير بن عبد الله من طرق متعددة. # وأخرجه نحوه أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا " # اه. قال مقيده عفا الله عنه ms0950 هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال ~~بين الآيات، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فله مثل أجور جميعهم. لأنه صلوات الله عليه وسلامه هو ~~الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام، نرجو الله له الوسيلة ~~والدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم صلاة وأزكى سلام. وقوله في هذه ~~الآية الكريمة { بغير علم } يدل على أن الكافر غير معذور بعد إبلاغ الرسل ~~المؤيد بالمعجزات، الذي لا لبس معه في الحق، ولو كان يظن أن كفره هدى، ~~لأنه ما منعه من معرفة الحق مع ظهوره إلا شدة التعصب للكفر، كما قدمنا ~~الآيات الدالة على ذلك في الأعراف. كقوله # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون # الأعراف 30، وقوله # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # الكهف 103-104، وقوله # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # الزمر 47 وحملهم أوزارهم هو اكتسابهم الإثم الذي هو سبب ترديهم في النار ~~- أعاذنا الله والمسلمين منها؟ وقال بعض العلماء معنى حملهم أوزارهم أن ~~الواحد منهم عند خروجه من قبره يوم القيامة يستقبله شيء كأقبح صورة، ~~وأنتنها ريحا. فيقول من أنت؟ فيقول أو ما تعرفني! فيقول لا والله، إلا ~~أن الله قبح وجهك! وأنتن ريحك! فيقول أنا عملك الخبيث، كنت في الدنيا ~~خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا! هلم أركبك اليوم. فيركب على ~~ظهره. اه. وقوله { ألا سآء ما يزرون } { ساء } فعل جامد. ~~لإنشاء الذم بمعنى بئس. و " ما " فيها الوجهان المشار إليهما بقوله في ~~الخلاصة # وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل # وقوله { يزرون } أي يحملون. وقال قتادة يعملون. اه. ### || [16.26] # قوله تعالى { قد مكر الذين من قبلهم }. ذكر جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا. وبين ~~ذلك في مواضع أخر، كقوله # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا # الرعد ms0951 42، وقوله # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال # إبراهيم 46. وبين بعض مكر كفار مكة بقوله # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # الأنفال 30 الآية. وذكر بعض مكر اليهود بقوله # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # آل عمران 54. وبين بعض مكر قوم صالح بقوله # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين # النمل 50-51. وذكر مكر بعض قوم نوح بقوله # ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم # نوح 22-23 الآية. وبين مكر رؤساء الكفار في قوله # بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله # سبأ 33 الآية. والمكر إظهار الطيب وإبطان الخبيث، وهو الخديعة. وقد بين ~~جل وعلا أن المكر السيىء لا يرجع ضرره إلا على فاعله. وذلك في قوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43. قوله تعالى { فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد }. أي اجتثه من أصله واقتلعه من أساسه. فأبطل عملهم وأسقط ~~بنيانهم. وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه - كما قدمنا ~~في " سورة الحجر " - فعل مثله أيضا بغيرهم من الكفار. فأبطل ما كانوا ~~يفعلون ويدبرون. كقوله # وودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا ~~يعرشون # الأعراف 137 وقوله # كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # المائدة 64، وقوله # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار # الحشر 2 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.27] # قوله تعالى { ثم يوم القيامة يخزيهم }. أي يفضحهم على ~~رؤوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله ~~علانية. وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور # العاديات 9-10 أي أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله # يوم تبلى السرآئر # الطارق 9. وقد بين جل وعلا في موضع آخر أن من أدخل النار فقد ناله هذا ~~الخزي المذكور، وذلك في قوله # ربنآ إنك من تدخل النار ms0952 فقد أخزيته # آل عمران 192 وقد قدمنا في سورة " هود " إيضاح معنى الخزي. قوله تعالى { ~~ويقول أين شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم }. ~~ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال ~~توبيخ، فيقول لهم أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها، ~~قائلين إنكم لا بد لكم أن تشركوها معي في عبادتي! وأوضح هذا المعنى في ~~مواضع أخر، كقوله # ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون # القصص 62 وقوله # وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ~~ينصرونكم أو ينتصرون # الشعراء 92-93، وقوله # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا # غافر 73-74 الآية، وقوله # حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا ~~أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا # الأعراف 37 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ عامة القراء { ~~شركائي } بالهمزة وياء المتكلم، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي ~~أنه قرأ " شركاي " بياء المتكلم دون همز، ولم تثبت هذه القراءة. وقرأ ~~الجمهور { تشاقون } بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول. وقرأ نافع " ~~تشاقون " بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية، والمفعول به ياء ~~المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع حذف نون الرفع، لجواز حذفها من غير ~~ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية، كما تقدم تحريره في " سورة ~~الحجر " في الكلام على قوله { فبم تبشرون }. ### || [16.28] # قوله تعالى { فألقوا السلم }. أي الاستسلام والخضوع. والمعنى ~~أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق. وذلك ~~عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة. يعنى أنهم في الدنيا يشاقون الرسل ~~أي يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم أي خضعوا ~~واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك. ومما يدل من القرآن على أن المراد ~~بإلقاء السلم الخضوع والاستسلام قوله # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا # النساء 94 على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام. بمعنى ~~الانقياد والإذعان. وقوله # فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم ms0953 ~~السلم # النساء 90، وقوله # فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم # النساء 91 الآية. والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين الصلح ~~والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا. لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق عليه من ~~ترك السوء. وقوله # وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # النحل 87 فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة ~~الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة. كقوله # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # النساء 18 الآية، وقوله # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # غافر 85 الآية، وقوله # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # يونس 91، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى { ما كنا نعمل من ~~سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون }. يعني ~~أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ~~ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل من سوء. فقوله { ما كنا نعمل من سوء } ~~معمول قول محذوف بلا خلاف. والمعنى أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من ~~السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي. وقد بين الله كذبهم بقوله { ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون }. وبين في ~~مواضع أخر أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا. ~~وبين كذبهم في ذلك أيضا. كقوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون # الأنعام 23-24، وقوله # قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل ~~شيئا كذلك يضل الله الكافرين # غافر 74. وقوله # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون # المجادلة 18، وقوله # ويقولون حجرا محجورا # الفرقان 22 أي حراما محرما أن تمسونا بسوء. لأنا لم نفعل ما نستحق به ~~ذلك، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا { بلى } تكذيب لهم في قولهم { ما ~~كنا نعمل من سوء }. تنبيه لفظة " بلى " لا تأتي ms0954 في اللغة ~~العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما الأول - أن تأتي لإبطال نفي سابق ~~في الكلام، فهي نقيضة " لا ". # لأن " لا " لنفي الإثبات، و " بلى " لنفي النفي. كقوله هنا { ما كنا ~~نعمل من سوء } فهذا النفي نفته لفظة " بلى " أي كنتم تعملون ~~السوء من الكفر والمعاصي. وكقوله # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن # التغابن 7، وكقوله # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم # سبأ 3 وقوله # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # البقرة 111 فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا # بلى من أسلم وجهه لله # البقرة 112 الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. الثاني -أن ~~تكون جوابا لاستفهام مقترن بنفي خاصة. كقوله # ألست بربكم قالوا بلى # الأعراف 172 وقوله # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى # يس 81، وقوله # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى # غافر 50، وهذا أيضا كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان ~~الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه ب " نعم " لا ب " بلى " وجواب ~~الاستفهام المقترن بنفي و " نعم " مسموع غير قياسي. كقوله # أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك لنا تداني نعم، وترى الهلال كما ~~أراه ويعلوها النهار كما علاني # فالمحل ل " بلى " لا ل " نعم " في هذا البيت. فإن قيل هذه الآيات تدل ~~على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، ~~كقوله عنهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23، وقوله { ما كنا نعمل من سوء } ، ونحو ذلك. مع ~~أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثا في قوله # ولا يكتمون الله حديثا # النساء 42. فالجواب - هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم والله ربنا ~~ما كنا مشركين. فيختم الله على أفواههم. وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يكسبون. فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة. وعدم الكتم باعتبار ~~شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.29] # قوله تعالى { فادخلوا أبواب جهنم } الآية. لم يبين هنا ms0955 ~~عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في " سورة الحجر " في قوله جل وعلا # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # الحجر 44، أرجو أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها! إنه ~~رحيم كريم ### || [16.30] # قوله تعالى { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المتقين إذا ~~سئلوا عما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا أنزل عليه ~~خيرا. أي رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به. ويفهم من صفة أهل هذا ~~الجواب بكونهم متقين - أن غير المتقين يجيبون جوابا غير هذا. وقد صرح ~~تعالى بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # النحل 24 كما تقدم. قوله تعالى { للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من أحسن ~~عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في ~~الآخرة. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة # يونس 26 الآية. والحسنى الجنة. والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. ~~وقوله # ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى # النجم 31، وقوله # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # الرحمن 60. وقوله # من جآء بالحسنة فله خير منها # النمل 89، وقوله في هذه الآية { حسنة } أي مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها. ~~والآيات في مثل ذلك كثيرة. قوله تعالى { ولدار الآخرة خير }. ~~ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن دار الآخرة خير من دار الدنيا. وكرر ~~هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله # وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله ~~خير # القصص 80 الآية. وقوله # وما عند الله خير للأبرار # آل عمران 198، وقوله # بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى # الأعلى 16-17، وقوله # وللآخرة خير لك من الأولى # الضحى 4، وقوله # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ms0956 قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة ورضوان من الله # آل عمران 14-15 الآية. وقوله { خير } صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة ~~الاستعمال تخفيفا. وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله # وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر # وإنما قيل لتلك الدار الدار الآخرة. لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال ~~عنها ألبتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى ~~محل. فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم ~~إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحما، ~~وأنشأها خلقا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم ~~إلى المحشر، ثم يتفرقون # يومئذ يصدر الناس أشتاتا # الزلزلة 6 فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقآء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # الروم 14-16. فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - فعند ذلك ~~تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال يأهل الجنة خلود فلا موت! ويأهل ~~النار خلود فلا موت! ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل ~~آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة. كما أوضحه جل وعلا بقوله # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون # المؤمنون 12-16. تنبيه أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى ~~الآخرة، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله { ولدار الآخرة } ~~الآية، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع. وعلى مقتضى قول ~~ابن مالك في الخلاصة # ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما ms0957 إذا ورد # فإن لفظ " الدار " يؤول بمسمى الآخرة. وقد بينا في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " فاطر " في الكلام على قوله " ومكر ~~السيء " أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - ~~أسلوب من أساليب اللغة العربية. لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير ~~في المعنى. وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب. والعلم عند الله ~~تعالى. قوله تعالى { ولنعم دار المتقين }. مدح الله جل وعلا ~~دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة. لأن " نعم " فعل جامد ~~لإنشاء المدح. وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة. لأن فيها ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كما قال تعالى # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # السجدة 17 الآية، وقال # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # الإنسان 20، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [16.31] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات ~~عدن. والعدن في لغة العرب الإقامة.فمعنى جنات عدن جنات إقامة في النعيم، ~~لا يرحلون عنها، ولا يتحولون. وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة ~~على الدوام، كما أشار له هنا بلفظة " عدن " ، كقوله # لا يبغون عنها حولا # الكهف108، وقوله # الذي أحلنا دار المقامة من فضله # فاطر 35 الآية. والمقامة الإقامة. وقد تقرر في التصريف أن الفعل إذا زاد ~~على ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه، واسم الزمان، واسم المكان كلها بصيغة ~~اسم المفعول. وقوله # إن المتقين في مقام أمين # الدخان 51 على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة. وقوله # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # الكهف 2-3 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { تجري ~~من تحتها الأنهار } النحل 31. بين أنواع تلك الأنهار في قوله # فيهآ أنهار من مآء غير آسن # محمد صلى الله عليه وسلم 15 - إلى قوله - # من عسل مصفى # محمد صلى الله عليه وسلم 15، وقوله هنا { لهم ms0958 فيها ما يشآؤون } ~~أوضحه في مواضع أخر. كقوله # لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد # ق 35، وقوله # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون # الزخرف 71، وقوله # لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ربك وعدا ~~مسئولا # الفرقان 16، وقوله # لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين # الزمر 34، وقوله # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون # فصلت 31 # نزلا من غفور رحيم # فصلت 32، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية { كذلك يجزي ~~الله المتقين } النحل 31. يدل على أن تقوى الله هو السبب الذي به ~~تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # مريم 63، وقوله # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # آل عمران 133، وقوله # إن المتقين في جنات وعيون # الذارايات 15، وقوله # إن المتقين في جنات ونعيم # الطور 17 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.32] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ~~ربهم، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة أي يقبضون أرواحهم في حال كونهم ~~طيبين أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم ~~بالجنة، ويسلمون عليهم. وبين هذا المعنى أيضا في غير هذا الموضع. كقوله # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # فصلت 30، وقوله # وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين # الزمر 73، وقوله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # الرعد 23-24. والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد. لأنها ~~بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة. ويفهم من صفات هؤلاء الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة - أن الذين ~~لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم ~~عليهم، ولم تبشرهم. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر. كقوله # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~فألقوا السلم # النحل ms0959 28 الآية، وقوله # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم # النساء 97 - إلى قوله - # وسآءت مصيرا # النساء 97، وقوله # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # الأنفال 50 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله # تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # النحل 28، وقوله { تتوفاهم الملائكة طيبين } قرأهما ~~عامة القراء غير حمزة " تتوفاهم " بتاءين فوقيتين. وقرأ حمزة " يتوفاهم " ~~بالياء في الموضعين. تنبيه أسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله { ~~تتوفاهم الملائكة } وأسنده في " السجدة " لملك الموت في قوله # قل يتوفاكم ملك الموت # السجدة 11، وأسنده في " الزمر " إلى نفسه جل وعلا في قوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها # الزمر 42 الآية. وقد بينا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ~~في سورة " السجدة " أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة. فإسناده التوفي ~~لنفسه، لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى، كما قال # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # آل عمران 145، وأسنده لملك الموت، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده ~~إلى الملائكة لأن لملك الموت أعوانا من الملائكة ينزعون الروح من الجسد ~~إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت، كما قاله بعض العلماء. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [16.36] # قوله تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أنه بعث في كل أمة رسولا بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ~~ما سواه. وهذا هو معنى " لا إله إلا الله " ، لأنها مركبة من نفي وإثبات، ~~فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، ~~وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي ~~شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه. وأوضح هذا المعنى كثيرا ~~في القرآن عن طريق العموم والخصوص. فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها ~~قاله تعالى # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء 25، وقوله # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ms0960 ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف 45، ونحو ذلك من الآيات. ومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في ~~إفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره # الأعراف 59، وقوله تعالى # وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره # الأعراف 65، وقوله # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره # الأعراف 73، وقوله # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره # الأعراف 85، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن كل ما عبد من دون الله، ~~فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه. كما بينه ~~تعالى بقوله # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # البقرة 256، وقوله # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # يوسف 106، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }. ذكر جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد، ~~ومنهم شقي. فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي ~~منهم يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل، ويكفر بما جاؤوا به. فالدعوة إلى دين ~~الحق عامة، والتوفيق للهدى خاص. كما قال تعالى # والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم # يونس 25. فقوله { فمنهم } أي من الأمم المذكورة في قوله { في كل ~~أمة رسولا } ، وقوله { من هدى الله } أي وفقه لاتباع ما ~~جاءت به الرسل. والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف. أي ~~فمنهم من هداه الله. على حد قوله في الخلاصة # والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب # بفعل أو وصف كمن نرجو يهب وقوله { ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة } أي وجبت عليه ولزمته. لما سبق في علم الله من أنه يصير إلى ~~الشقاوة. والمراد بالضلالة الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر. وقد بين ~~تعالى هذا المعنى في آيات ms0961 أخر. كقوله # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن 2، # فمنهم شقي وسعيد # هود 105، وقوله # فريق في الجنة وفريق في السعير # الشورى 7، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.37] # ذكر جل وعلا في هذه الآية أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إسلام ~~قومه لا يهدي من سبق في علم الله أنه شقي. وأوضح هذا المعنى في مواضع ~~أخر. كقوله # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # القصص 56، وقوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم # المائدة 41، وقوله # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون # الأعراف 186، وقوله # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # الأنعام 125 إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف نافع، وابن عامر، ~~وابن كثير، وأبو عمر # فإن الله لا يهدي من يضل # النحل 37 بضم الياء وفتح الدال. من " يهدى " مبنيا للمفعول. وقوله { ~~من } نائب الفاعل. والمعنى أن من أضله الله لا يهدي، أي لا هادي له. ~~وقرأه عاصم، وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، من " يهدي " مبنيا ~~للفاعل. وقوله { من } مفعول به ليهدي، والفاعل ضمير عائد إلى الله تعالى. ~~والمعنى أن من أضله الله لا يهديه الله. وهي على هذه القراءة فيمن سبقت ~~لهم الشقاوة في علم الله. لأن غيرهم قد يكون ضالا ثم يهديه الله كما هو ~~معروف. وقال بعض العلماء لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له. فإن رفع ~~الله عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.38] # قوله تعالى { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا }. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أي اجتهدوا في ~~الحلف -وغلظوا الأيمان على أن الله لا يبعث من يموت وكذبهم الله جل وعلا ~~في ذلك بقوله ms0962 { بلى وعدا عليه حقا } ، وكرر في آيات كثيرة ~~هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك، كقوله # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن # التغابن 7 الآية، وقوله # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # الأنبياء 104، وقوله # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # يس 78-79، وقوله # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # الإسراء 51 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقوله { بلى } نفي لنفيهم ~~البعث كما قدمنا. وقوله { وعدا } مصدر مؤكد لما دلت عليه " بلى ". لأن ~~" بلى " تدل على نفي قولهم لا يبعث الله من يموت. ونفي هذا النفي إثبات، ~~معناه لتبعثن. وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة " بلى " فيه معنى وعد ~~الله بأنه سيكون. فقوله { وعدا } مؤكد له. وقوله { حقا } مصدر ~~أيضا. أي وعد الله بذلك وعدا، وحقه حقا، وهو مؤكد أيضا لما دلت عليه ~~" بلى ". واللام في قوله # ليبين لهم الذي يختلفون فيه # النحل 39، وفي قوله # وليعلم الذين كفروا # النحل 39 الآية، تتعلق بقوله " بلى " أي يبعثهم ليبين لهم..إلخ. والضمير ~~في قوله { لهم } عائد إلى من يموت. لأنه شامل للمؤمنين والكافرين. ~~وقال بعض العلماء اللام في الموضعين تتعلق بقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا # النحل 36 الآية. أي بعثناه ليبين لهم..إلخ والعلم عند الله تعالى. ### || [16.40] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا يتعاصى على قدرته شيء، وإذ ~~يقول للشيء " كن " فيكون بلا تأخير. وذلك أن الكفار لما # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # النحل 83، ورد الله عليهم كذبهم بقوله # بلى وعدا عليه حقا # النحل 83 بين أنه قادر على كل شيء، وأنه كلما قال لشيء " كن " كان. ~~وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في الرد على من قال # من يحيي العظام وهي رميم # يس 78 # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون ms0963 # يس 82. وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله " كن " بل إذا قال للشيء " كن " ~~مرة واحدة، كان في أسرع من لمح البصر - في قوله # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~إن الله على كل شيء قدير # القمر 50، ونظيره قوله # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر # النحل 77، وقال تعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # آل عمران 59 الآية، وقال # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # لقمان 28، إلى غير ذلك من الآيات. وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم ~~الشيء. لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل. فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على ~~خصوص الموجود دون المعدوم. لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء، ~~وانه يقول له كن فيكون - كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه. أو لأنه أطلق عليه ~~اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع، كتسمية العصير خمرا في قوله # إني أراني أعصر خمرا # يوسف 36 - نظرا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال. وقرأ هذا الحرف ابن عامر ~~والكسائي " فيكون " بفتح النون منصوبا بالعطف على قوله أن نقول. وقيل ~~منصوب بأن المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر. وقرأ الباقون بالرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف، أي فهو يكون. ولقد أجاد من قال # إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له كن قولة فيكون # واللام في قوله " لشيء " وقوله " له " للتبليغ. قاله أبو حيان. ### || [16.43] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل قبله صلى الله عليه وسلم ~~من الرسل إلا رجالا، أي لا ملائكة. وذلك أن الكفار استغربوا جدا بعث ~~الله رسلا من البشر، وقالوا الله أعظم من أن يرسل بشرا يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق. فلو كان مرسلا أحدا حقا لأرسل ملائكة كما بينه ~~تعالى في آيات كثيرة، كقوله # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # يونس 2، وقوله # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم # ق 2 الآية، وقوله # وقالوا ما لهذا ms0964 الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # الفرقان 7، وقوله # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # الإسراء 94، وقوله # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله # التغابن 6 الآية، وقوله # أبشرا منا واحدا نتبعه # القمر 24 الآية، وقوله # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين # المؤمنون 24، وقوله # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون # المؤمنون 33-34، وقوله # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا # إبراهيم 10 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله جل وعلا في آيات ~~كثيرة أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلا من البشر، وهم رجال يأكلون ~~الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ونحو ذلك من صفات البشر. كقوله هنا # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # النحل 43 وقوله # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # يوسف 109، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # الفرقان 20، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا ~~خالدين # الأنبياء 8، وقوله # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # الرعد 38، وقوله # قل ما كنت بدعا من الرسل # الأحقاف 9 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ جمهور القراء هذا الحرف " ~~يوحى إليهم " بالياء المثناة التحتية، وفتح الحاء مبنيا للمفعول. وقرأه ~~حفص عن عاصم " نوحي إليهم " بالنون وكسر الحاء مبنيا للفاعل. وكذلك قوله ~~في آخر سورة يوسف " إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى ms0965 ". وأول الأنبياء ~~" إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر. # . " الآية. كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء. ~~والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا وأما الثانية في سورة الأنبياء ~~وهي قوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا # الأنبياء 25 الآية. فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص ~~والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا. وحصر الرسل في الرجال في ~~الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلا. كما قال تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # الحج 75، وقال # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا # فاطر 1الآية. لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل، والرسل ترسل إلى الناس. ~~والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس، وهو الذي حصر الله فيه ~~الرسل في الرجال من الناس. فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي، ~~ولقبض الأرواح، وتسخير الرياح والسحاب، وكتب أعمال بني آدم، وغير ~~ذلك. كما قال تعالى # فالمدبرات أمرا # النازعات 5. تنبيه يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط. لقوله ~~{ ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا }. ويفهم من قوله { ~~فاسألوا أهل الذكر } الآيه - أن من جهل الحكم يجب عليه سؤال ~~العلماء والعمل بما أفتوه به. والمراد بأهل الذكر في الآية أهل الكتاب، ~~وهذه الأمة أيضا يصدق عليها أنها أهل الذكر. لقوله # إنا نحن نزلنا الذكر # الحجر 9 الآية. إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب. والباء في قوله # بالبينات والزبر # النحل 44 قيل تتعلق ب " ما أرسلنا " داخلا تحت حكم الاستثناء مع " ~~رجالا " أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، كقولك ما ضربت إلا زيدا ~~بالسوط. لأن أصله ضربت زيدا بالسوط. وقيل تتعلق بقوله " رجالا " صفة ~~له، أي رجالا متلبسين بالبينات. وقيل تتعلق ب " أرسلنا " مضمرا دل ~~عليه ما قبله. كأنه قيل بم أرسلوا؟ قيل بالبينات. وقيل تتعلق ب، " نوحي ~~" إليهم بالبينات. قاله صاحب الكشاف. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.44] # قوله تعالى { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم ms0966 ولعلهم يتفكرون }. المراد بالذكر ~~في هذه الآية القرآن. كقوله # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # الحجر 9. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. إحداهما - أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا ~~الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك. وقد بين هذه ~~الحكمة في غير هذا الموضع أيضا. كقوله # ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه # النحل 64، وقوله # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس # النساء 105 الآية. الحكمة الثانية - هي التفكر في آياته والاتعاظ بها. ~~كما قال هنا { ولعلهم يتفكرون }. وقد بين هذه الحكمة في ~~غير هذا الموضع أيضا. كقوله # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # ص 29، وقوله # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # النساء 82،وقوله # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # محمد صلى الله عليه وسلم 24، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.45] # أنكر الله جل وعلا على الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك ~~يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر على أن ~~يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب. والخسف بلع الأرض المخسوف به ~~وقعودها به إلى أسفل. كما فعل الله بقارون، قال الله تعالى فيه # فخسفنا به وبداره الأرض # القصص 81 الآية. وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور أم أمنتم من في السمآء # الملك 16-17 الآية، وقوله # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا # الإسراء 68 وقوله # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون # الأعراف 99 وقد قدمنا طرفا من هذه في أول " سورة الأعراف ". واختلف ~~العلماء في إعراب " السيئات " في هذه الآية الكريمة. فقال بعض العلماء ~~نعت لمصدر محذوف. أي مكروا المكرات السيئات، أي القبيحات قبحا شديدا. ~~كما ذكر الله ms0967 عنهم في قوله # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # الأنفال 30 الآية. وقال بعض العلماء مفعول به ل { مكروا } على تضمين { ~~مكروا } معنى فعلوا. وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي. وقيل مفعول به ل { ~~أمن } أي أأمن الماكرون السيئات أي العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند ~~نزولها بهم. ذكر الوجه الأول الزمخشري، والأخيرين ابن عطية. وذكر الجميع ~~أبو حيان في " البحر المحيط ". تنبيه كل ما جاء في القرآن من همزة ~~استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه. كقوله # أفنضرب عنكم الذكر صفحا # الزخرف 5، # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم # سبأ 9، # أفلم تكن آياتي تتلى عليكم # الجاثية 31 الخ، فيه وجهان معروفان عند علماء العربية أحدهما - أن الفاء ~~والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل المقام عليه. كقولك مثلا ~~أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا؟ أعمو فلم يروا إلى ما بين أيديهم؟! ألم ~~تأتكم آياتي فلم تكن تتلى عليكم؟! وهكذا - وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك ~~في الخلاصة بقوله # وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح # ومحل الشاهد في الشطر الأول دون الثاني. الوجه الثاني - أن الفاء ~~والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام على ما قبلها. إلا ~~أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت على الفاء والواو، وهي متأخرة ~~عنهما في المعنى، وإنما تقدمت لفظا عن محلها معنى لأن الاستفهام له ~~صدرالكلام. فبهذا تعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله { ~~أفأمن الذين مكروا السيئات } الآية - الوجهين ~~المذكورين. فعلى الأول - فالمعنى جهل الذين مكروا السيئات وعيد الله ~~بالعقاب؟ أفأمن الذين مكروا السيئات الخ. وعلى الثاني - فالمعنى فأأمن ~~الذين كفروا السيئات. فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام. والأول هو ~~الأظهر. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.48] # قوله تعالى { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء ~~} الآية. تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في " سورة الرعد ". ### || [16.51] # نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلها ~~آخر معه، وأخبرهم ms0968 أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد، ثم أمرهم أن ~~يرهبوه أي يخافوه وحده. لأنه هو الذي بيده الضر والنفع، لا نافع ولا ضار ~~سواه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ~~ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه ~~نذير مبين # الذاريات 50-51، وقوله # الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في ~~العذاب الشديد # ق 26 وقوله # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # الإسراء 22، وقوله # ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا # الإسراء 39. وبين جل علا في مواضع أخر استحالة تعدد الآلهة عقلا. كقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22، وقوله # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما ~~يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما ~~يشركون # المؤمنون 91-92 وقوله # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # الإسراء 42. والآيات بعبادته وحده كثيرة جدا، فلا نطيل بها الكلام. ~~وقدم المفعول في قوله { فإياي فارهبون } للدلالة على الحصر. وقد ~~تقرر في الأصول في مبحث " مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر " - ~~" أن تقديم المعمول من صيغ الحصر " أي خافون وحدي ولا تخافوا سواي. وهذا ~~الحصر المشار إليه هنا بتقديم المعمول بينه جل وعلا في " مواضع أخر. ~~كقوله # فلا تخشوا الناس واخشون # المائدة 44 الآية، وقوله # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله # الأحزاب 39 الآية. وقوله # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا ~~الله # التوبة 18 الآية، وقوله # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين # آل عمران 175. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.52-53] # قوله تعالى { وله الدين واصبا }. الدين هنا الطاعة. ومنه سميت ~~أوامر الله ونواهيه دينا. كقول # إن الدين عند الله الإسلام # آل عمران 19، وقوله # ورضيت لكم الأسلام دينا # المائدة 3، وقوله ms0969 # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # آل عمران 85. والمراد بالدين في الآيات طاعة الله بامتثال جميع الأوامر، ~~واجتناب جميع النواهي. ومن الدين بمعنى الطاعة قول عمرو بن كلثوم في ~~معلقته # وأياما لنا غرا كراما عصينا الملك فيها أن ندينا # أي عصيناه وامتنعنا أن ندين له، أي نطيعه. وقوله { واصبا } أي دائما. ~~أي له جل وعلا الطاعة والذل والخضوع دائما. لأنه لا يضعف سلطانه، ولا ~~يعزل عن سلطانه، ولا يموت ولا يغلب، ولا يتغير له حال بخلاف ملوك الدنيا. ~~فإن الواحد منهم يكون مطاعا له السلطنة والحكم، والناس يخافونه ويطمعون ~~فيما عنده برهة من الزمن، ثم يعزل أو يموت، أو يذل بعد عز، ويتضع بعد ~~رفعة. فيبقى لا طاعة له ولا يعبأ به أحد. فسبحان من لم يتخذ ولدا، ولم ~~يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا. وهذا ~~المعنى الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه جل وعلا في مواضع أخر. كقوله # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء # آل عمران 26، وقوله # خافضة رافعة # الواقعة 3 لأنها ترفع أقواما كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا، وتخفض ~~أقواما كانوا ملوكا في الدنيا، لهم المكانة الرفيعة0 وقوله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # غافر 16. ونظير هذه الآية المذكورة قوله # ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب # الصافات 8-9 أي دائم. وقيل عذاب " موجع مؤلم " والعرب تطلق الوصب على ~~المرض، وتطلق الوصب على الدوام. وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن ~~الأزرق عن قوله تعالى { وله الدين واصبا } قال له الوصب الدائم، ~~واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي # وله الدين واصبا وله المل ك وحمد له على كل حال # ومنه قول الدؤلي # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا # وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ~~وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، ms0970 وغيرهم. وروي عن ابن ~~عباس أيضا واصبا أي واجبا. وعن مجاهد أيضا واصبا أي خالصا. وعلى ~~قول مجاهد هذا، فالخبر بمعنى الإنشاء. أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئا، ~~وأخلصوا لي الطاعة - وعليه فالآية كقوله # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون # آل عمران 83، وقوله # ألا لله الدين الخالص # الزمر 3، وقوله # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # البينة 5 وقوله " واصبا " حال عمل فيه الظرف. # وقوله تعالى { أفغير الله تتقون }. أنكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة على من يتقي غيره، لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا من بيده ~~النفع كله والضر كله. لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ~~ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك. وقد أشار تعالى هنا إلى أن ~~إنكار اتقاء غير الله، لأجل أن الله هو الذي يرجى منه النفع، ويخشى منه ~~الضر، ولذلك أتبع قوله { أفغير الله تتقون } بقوله { وما ~~بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر ~~فإليه تجأرون } النحل53 ومعنى تجأرون ترفعون أصواتكم بالدعاء ~~والاستغاثة عند نزول الشدائد. ومنه قول الأعشى أو النابغة يصف بقرة # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا # وقول الأعشى # يراوح من صلوات المليك طورا سجودا وطورا جؤارا # ومنه قوله تعالى # حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم ~~يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون # المؤمنون 64-65 قد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير # الأنعام 17، وقوله # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء ~~من عباده # يونس 107 الآية، وقوله # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # فاطر 2 الآية، وقوله # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو ms0971 مولانا # التوبة 51 الآية، وقوله # قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته # الزمر 38 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد " # وفي حديث ابن عباس المشهور # " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه ~~الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله ~~عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ". ### || [16.54] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني آدم إذا مسهم الضر دعوا الله ~~وحده مخلصين له الدين فإذا كشف عنهم الضر، وأزال عنهم الشدة إذا فريق ~~منهم وهم الكفار يرجعون في أسرع وقت إلى ما كانوا عليه من الكفر ~~والمعاصي. وقد كرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن. كقوله في " يونس " # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين # يونس 22 إلى قوله # إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق # يونس 23، وقوله " في الإسراء " # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # الإسراء 67، وقوله في آخر " العنكبوت " # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت 65، وقوله في " الأنعام " # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم ~~تشركون # الأنعام 64 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في " سورة الأنعام " في ~~الكلام على قوله تعالى # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله # الأنعام 40 الآية. ### || [16.55] # قوله تعالى { فتمتعوا فسوف تعلمون }. صيغة الأمر في ~~قوله { فتمتعوا } للتهديد. وقد تقرر في " فن المعاني، في مبحث ~~الإنشاء " ، وفي " فن الأصول، في مبحث الأمر " أن من المعاني التي تأتي ~~لها صيغة إفعل التهديد. ms0972 كقوله هنا { فتمتعوا فسوف تعلمون ~~} وتشهد لهذا المعنى آيات أخر. كقوله. # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # الزمر 8، وقوله # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # إبراهيم 30، وقوله # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # الحجر 3، وقوله # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون # الزخرف 83 وقوله # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون # المرسلات 46، وقوله # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون # الطور 45، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.56] # في ضمير الفاعل في قوله { لما لا يعلمون } وجهان أحدهما - أنه ~~عائد إلى الكفار. أي ويجعل الكفار للأصنام التي لا يعلمون أن الله أمر ~~بعبادتها، ولا يعلمون أنها تنفع عابدها أو تضر عاصيها - نصيبا الخ. ~~كقوله تعالى # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ~~وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير # الحج 71 ونحو ذلك من الآيات. وقال صاحب الكشاف ومعنى كونهم لا يعلمونها ~~أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، وتشفع عند الله. وليس ~~كذلك! وحقيقتها أنها جماد، لا يضر ولا ينفع. فهم إذا جاهلون بها. الوجه ~~الثاني - أن واو { يعلمون } واقعة على الأصنام. فهي جماد لا يعلم شيئا. ~~أي ويجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئا لكونهم جمادا - نصيبا إلخ. ~~وهذا الوجه كقوله # أموات غير أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون # النحل 21، وقوله # فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين # يونس 29، وقوله # ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون ~~بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ # الأعراف 195 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول - فالواو ~~راجعة إلى " ما " من قوله { لما لا يعلمون }. وعبر عنهم ب { ما } التي ~~هي لغير العاقل. لأن تلك المعبودات التي جعلوا لها من رزق الله نصيبا ~~جماد لا تعقل شيئا. وعبر بالواو في { لا يعلمون } على هذا القول لتنزيل ~~الكفار لها منزلة العقلاء في زعمهم أنها تشفع، وتضر وتنفع. وإذا عرفت ذلك ~~- فاعلم أن هذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة بينه تعالى في ms0973 غير ~~هذا الموضع. كقوله # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما ~~يحكمون # الأنعام 136 وذلك أن الكفار كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة ~~جعلوا لله منها جزءا، وللوثن جزءا. فما جعلوا من نصيب الأوثان حفظوه، ~~وإن اختلط به شيء مما جعلوه لله ردوه إلى نصيب الأصنام، وإن وقع شيء مما ~~جعلوه لله في نصيب الأصنام تركوه فيه. وقالوا الله غني والصنم فقير. وقد ~~أقسم جل وعلا على أنه يسألهم يوم القيامة عن هذا الافتراء والكذب! وهو ~~زعمهم أن نصيبا مما خلق الله للأوثان التي لا تنفع ولا تضر في قوله { ~~تالله لتسألن عما كنتم تفترون } وهو سؤال توبيخ ~~وتقريع. ### || [16.57-59] # قوله { ويجعلون } أي يعتقدون. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ~~أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثا، وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا ~~يقولون الملائكة بنات الله. كما بينه تعالى بقوله # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # الزخرف 19 الآية. فزعموا لله الأولاد! ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو ~~الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها كما قال ~~تعالى عنهم { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا } لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه { وهو كظيم } ~~أي ممتلىء حزنا وهو ساكت. وقيل ممتلىء غيظا على امرأته التي ولدت له ~~الأنثى. { يتوارى من القوم من سوء ما بشر به } أي ~~يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن ~~والكآبة. أو لئلا يشمتوا به ويعيروه. ويحدث نفسه وينظر { أيمسكه } ~~، أي ما بشر به وهو الأنثى { على هون } أي هوان وذل. { أم ~~يدسه } في التراب أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيا في التراب، ~~يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى # وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت # التكوير 8-9. ms0974 وأوضح جل وعلا هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في ~~مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، ~~وأنها من أعظم الباطل. وبين أنه لو كان متخذا ولدا سبحانه وتعالى عن ~~ذلك! لاصطفى أحسن النصيبين. ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين ~~كذبهم في ذلك، وشدة عظم ما نسبوه إليه. كل هذا ذكره في مواضع متعددة. ~~كقوله # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # النجم 21-22، وقوله # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ~~مالكم كيف تحكمون # الصافات 151-154، وقوله # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # الإسراء 40، وقوله # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين # الزخرف 16، وقوله # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار # الزمر 4، وقوله # أم له البنات ولكم البنون # الطور 39 وقال جل وعلا # ويجعلون لله ما يكرهون # النحل 62، وقال # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # الزخرف 18، وقال # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم # الزخرف 17. وبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # مريم 88-93، وقوله # إنكم لتقولون قولا عظيما # الإسراء 40 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية { ولهم ما ~~يشتهون } مبتدأ وخبر وذكر الزمخشري والفراء وغيرهما أنه يجوز أن ~~تكون " ما " في محل نص عطفا على " البنات " أي ويجعلون لله البنات، ~~ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقالالعرب تستعمل ~~في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي. وقال أبو حيان " في البحر ~~المحيط ". قال الزمخشري ويجوز في " ما " فيما يشتهون الرفع على الابتداء، ~~والنصب على أن يكون معطوفا على " البنات " أي وجعلوا ms0975 لأنفسهم ما يشتهون ~~من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي وقال ~~أبو البقاء وقد حكاه وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو وهي أن ~~الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب. فلا ~~يجوز زيد ضربه، أي زيدا. تريد ضرب نفسه. إلا في باب ظن وأخواتها من ~~الأفعال القلبية، أو فقد وعدم. فيجوز زيد ظنه قائما، وزيد فقده، وزيد ~~عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل. فلا يجوز زيد غضب عليه، ~~تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب. إذ يكون التقدير ~~ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع " ولهم " مجرور باللام. فهو ~~نظير زيد غضب عليه اه. والبشارة تطلق في العربية على الخبر بما يسر، ~~وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا { وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى } الآية، ونظيره قوله تعالى # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21، ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم. ولما خطبت إلى عقيل بن ~~علفة المري ابنته الجرباء قال # إني وإن سيق إلى المهر ألف وعبدان وذود عشر أحب أصهاري إلى القبر # ويروى لعبد الله بن طاهر قوله # لكل أبي بنت يراعى شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها ~~وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبر # وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن الخوف من ~~العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم. كما قال الشاعر في ~~ابنة له تسمى مودة # مودة تهوى عمر الشيخ يسره لها الموت قبل الليل لو أنها تدري يخاف ~~عليها جفوة الناس بعده ولا ختن يرجى أود من القبر ### || [16.61] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك ~~جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. لأن العجلة من شأن من ~~يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا ~~المعنى في ms0976 غير هذا الموضع. كقوله في " آخر سورة فاطر " # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # فاطر 45 الأية، وقوله # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب # الكهف 58 الآية. وأشار بقوله { ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى } إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وبين ذلك في غير هذا الموضع. ~~كقوله # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # إبراهيم 42، وقوله # ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب # العنكبوت 53. وبين هنا أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه ~~لا يتقدم عن وقت أجله. وأوضح ذلك في مواضع أخر. كقوله # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # نوح 4 الآية، وقوله # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # المنافقون 11 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم - أن قوله تعالى # ما ترك عليها من دآبة # النحل 61 فيه وجهان للعلماء أحدهما - أنه خاص بالكفار لأن الذنب ذنبهم، ~~والله يقول # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الأنعام 164. ومن قال هذا القول قال { من دابة } أي كافرة. ويروى هذا عن ~~ابن عباس. وقيل المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وجمهور ~~العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوص، وأبو هريرة، وقال الآخر # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا والموت أكرم نزال على الحرم # وقد ولدت امرأة أعرابي أنثى، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت # ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل بالبيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ~~ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أعطينا # تنبيه لفظة " جعل " تأتي في اللغة العربية لأربعة معان الأول - بمعنى ~~اعتقد. كقوله تعالى هنا # ويجعلون لله البنات # النحل 57 قال في الخلاصة وجعل اللذ كاعتقد الثاني - بمعنى صير كما تقدم ~~في الحجر. كقوله # وجعل القمر فيهن نورا # نوح 16. قال في الخلاصة # .. والتي كصيرا وأيضا بها انصب مبتدأ وخبرا # الثالث - بمعنى خلق. كقوله # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # الأنعام ms0977 1 أي خلق الظلمات والنور. الرابع - بمعنى شرع. كقوله # وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر # قال في الخلاصة # كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق # وقوله في هذه الآية الكريمة { سبحانه } أي تنزيها له جل وعلا عما ~~لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات سبحانه وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره - على أن الآية عامة. # حتى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحبارى في وكرها، ونحو ~~ذلك. لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم. قال مقيدة ~~عفا الله عنه وهذا القول هو الصحيح. لما تقرر في الأصول من أن النكرة في ~~سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة " من " تكون نصا صريحا في العموم. ~~وعليه فقوله " من دابة " يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصا. وقال ~~القرطبي في تفسيره فإن قيل فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس ~~بظالم؟ يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب ~~الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا ~~على أعمالهم " # اه محل الغرض منه بلفظه. والأحاديث بمثله كثيرة معروفة. وإذا ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة أن العذاب إذا نزل بقوم عم الصالح والطالح، فلا إشكال ~~في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل. وإذا أراد الله إهلاك قوم أمر ~~نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم. لأن الهلاك إذا نزل عم. تنبيه قوله { ~~ما ترك عليها من دآبة } الضمير في { عليها } راجع إلى غير ~~مذكور وهو الأرض. لأن قوله { من دابة } يدل عليه، لأن من المعلوم أن ~~الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى # ما ترك على ظهرها من دآبة # فاطر 45، وقوله # حتى توارت بالحجاب # ص 32 أي الشمس ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه ms0978 ~~المقام كثير في كلام العرب ومنه قول حميد بن ثور # وصهباء منها كالسفينة نضجت به الحمل حتى زاد شهرا عديدها # فقوله " صهباء منها " أي من الإبل، وتدل له قرينة " كالسفينة " مع أن ~~الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضا قول حاتم الطائي # أماوى ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقوله " حشرجت وضاق بها " يعني النفس، ولم يجر لها ذكر. كما تدل له ~~قرينة " وضاق بها الصدر ". ومنه أيضا قول لبيد في معلقته # حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها # فقوله " ألقت " أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله # وأجن عوات الثغور ظلامها # لأن قوله " ألقت يدا في كافر " أي دخلت في الظلام. ومنه أيضا قول طرفة ~~في معلقته # على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك منها وأفتدي # فقوله " أفديك منها " أي الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق ~~الكلام تدل عليها. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يؤاخذ } الظاهر أن المفاعلة فيه ~~بمعنى الفعل المجرد. فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم أخذهم بذنوبهم. لأن ~~المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو سافر وعافى. ~~وقوله { يؤاخذ } إن قلنا إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن ~~قلنا إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل. كقوله # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم # النساء 9، وقول قيس بن الملوح # ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون رمسينا من الأرض سيسب لظل صدى ~~صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب # والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتا في ~~البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في ~~الخلاصة بقوله # لو حرف شرط في مضي ويقل إيلاؤها مستقبلا لكن قبل ### || [16.62] # قوله تعالى { ويجعلون لله ما يكرهون }. أبهم جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه. لأنه عبر عنه ب " ما ~~" الموصولة، وهي اسم ms0979 مبهم، وصلة الموصول لن تبين من وصف هذا المبهم إلا ~~أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر أنه البنات والشركاء وجعل المال ~~الذي خلق لغيره، قال في البنات # ويجعلون لله البنات # النحل57 ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله # وإذا بشر أحدهم بالأنثى # النحل 58 الآية. وقال في الشركاء # وجعلوا لله شركآء # الأنعام 100 الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في رزقهم ~~بقوله # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعقلون # الروم 28 أي إذا كان الواحد منكم لا يرضى أن يكون عبده المملوك شريكا ~~له مثل نفسه في جميع ما عنده. فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته ~~التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في ~~قوله # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # الأنعام 136 - إلى قوله - # سآء ما يحكمون # الأنعام 136 وقوله # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم # النحل 56 كما تقدم. قوله تعالى { وتصف ألسنتهم الكذب ~~أن لهم الحسنى }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار ~~يقولون بألسنتهم الكذب. فيزعمون أن لهم الحسنى والحسنى تأنيث الأحسن، قيل ~~المراد بها الذكور. كما تقدم في قوله # ولهم ما يشتهون # النحل 57. والحق الذي لا شك فيه أن المراد بالحسنى هو زعمهم أنه إن كانت ~~الآخرة حقا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على ~~صحة هذا القول الأخير دليلان أحدهما - كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا ~~المعنى. كقوله تعالى عن الكافر # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50، وقوله # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # الكهف 36، وقوله # وقال لأوتين مالا وولدا # مريم 77، وقوله # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ 35. وقوله # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات # المؤمنون 55-56 الآية، إلى غير ذلك ms0980 من الآيات. والدليل الثاني - أن الله ~~أتبع قوله { أن لهم الحسنى } بقوله { لا جرم أن لهم ~~النار } الآية. فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله. ~~والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله { أن لهم الحسنى } ~~في محل نصب، بدل من قوله { الكذب } ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها ~~للكذب صريحا لا خفاء به. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب # النحل 116 الآية ما نصه فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت هو من ~~فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه. فإذا نطقت به ~~ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته. كقولهم وجهها يصف الجمال، ~~وعينها تصف السحر اه. قوله تعالى { لا جرم أن لهم النار ~~وأنهم مفرطون }. في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة غير ~~سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدى نافعا { مفرطون } بسكون الفاء وفتح ~~الراء بصيغة اسم المفعول. من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم ~~الفاعل. من أفرط. والقراءة التي ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء ~~المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروى هذه القراءة عن أبي جعفر. ~~وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله. أما على قراءة الجمهور { مفرطون ~~} بصيغة المفعول فهو اسم مفعول أفرطه إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه. ~~فقوله { مفرطون } أي متروكون منسيون في النار. ويشهد لهذا المعنى قوله ~~تعالى # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا # الأعراف 51، وقوله # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد # السجدة 14 الآية، وقوله # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا ومأواكم النار # الجاثية 34، فالنسيان في هذه الآيات معناه الترك في النار. أما النسيان ~~بمعنى زوال العلم فهو مستحيل على الله. كما قال تعالى # وما كان ربك نسيا # مريم 64، وقال # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى # طه 52. وممن قال بأن معنى { مفرطون } منسيون متركون في النار مجاهد، ~~وسعيد بن جبير، وقتادة وابن الأعرابي، ms0981 وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم. وقال ~~بعض العلماء معنى قوله { مفرطون } على قراءة الجمهور أي مقدمون إلى النار ~~معجلون. من أفرطت فلانا وفرطته في طلب الماء إذا قدمته، ومنه حديث " أنا ~~فرطكم على الحوض " أي متقدمكم. ومنه قول القطامي # فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تقدم فراط لوراد # قول الشنفرى # هممت وهمت فابتدرنا وأسبلت وشمر مني فارط متمهل # أي متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر إذا ~~أسرف فيه وجاوز الحد. ويشهد لهذه القراءة قوله # وأن المسرفين هم أصحاب النار # غافر 43 ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في ~~الأمر إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # الزمر 56 الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن ~~منها. وقوله { لا جرم } أي حقا أن لهم النار. وقال القرطبي في ~~تفسيره لا رد لكلامهم وتم الكلام أي ليس كما تزعمون! جرم أن لهم النار! ~~حقا أن لهم النار!وقال بعض العلماء " لا " صله، و " جرم " بمعنى كسب. أي ~~كسب لهم عملهم أن لهم النار. ### || [16.66] # قوله تعالى { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونه } الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن في ~~الأنعام عبرة دالة على تفرد من خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم- بأنه ~~هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا يعصى. وأوضح هذا المعنى أيضا في ~~غير هذا الموضع. كقوله # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون # المؤمنون 21، وقوله # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون # النحل 5 وقوله # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # يس 71-73، وقوله # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # الغاشية 17، إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت الآيات المذكورة على أن ms0982 ~~الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها. لأنه ذكرها هنا في قوله { نسقيكم ~~مما في بطونه } وأنثها " في سورة قد أفلح المؤمنون " في قوله # نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة # المؤمنون 21 ومعلوم في العربية أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير ~~نظرا إلى اللفظ، والتأنيث نظرا إلى معنى الجماعة الداخلة تحت اسم ~~الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفا. وجاء ~~فيه تذكير النخل وتأنيثها. فالتذكير في قوله # كأنهم أعجاز نخل منقعر # القمر 20. والتأنيث في قوله # كأنهم أعجاز نخل خاوية # الحاقة 7، ونحو ذلك وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها. فالتذكير في ~~قوله # السمآء منفطر به # المزمل 18. والتأنيث في قوله # والسمآء بنيناها بأيد # الذاريات 47 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن ~~شواهده قول قيس بن الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم # في كل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه # وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم " نسقيكم " بفتح النون. ~~والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده " في سورة الحجر ". مسائل تتعلق بهذه ~~الآية الكريمة المسألة الأولى - استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير ~~في قوله { مما في بطونه } أن لبن الفحل يفيد التحريم. وقال إنما ~~جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم. لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك # " قضى النبي صلى الله عليه وسلم " أن لبن الفحل يحرم " # حيث أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس، فللمرأة السقي، وللرجل ~~اللقاح. فجرى الاشتراك فيه بينهما اه. بواسطة نقل القرطبي. قال مقيده ~~عفا الله عنه أما اعتبار لبن الفحل في التحريم فلا شك فيه، ويدل له ~~الحديث المذكور في قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس. فإنه متفق عليه ~~مشهور. وأما استنباط ذلك من عود الضمير في الآية فلا يخلو عندي من بعد ~~وتعسف. # والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية - استنبط النقاش وغيره من هذه ~~الآية الكريمة أن المني ليس بنجس، قالوا كما يخرج اللبن من بين الفرث ~~والدم سائغا خالصا، كذلك يجوز أن يخرج ms0983 المني من مخرج البول طاهرا. ~~قال ابن العربي إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع! اللبن جاء الخبر عنه مجيء ~~النعمة والمنة الصادرة عن القدرة، ليكون عبرة. فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص ~~واللذة. وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به، أو مقيسا عليه. ~~قال القرطبي بعد أن نقل الكلام المذكور قلت قد يعارض هذا بأن يقال وأي ~~منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؟ وقد قال ~~تعالى # يخرج من بين الصلب والترآئب # الطارق 7 وقال # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين وحفدة # النحل 72 وهذا غاية في الامتنان. فإن قيل إنه يتنجس بخروجه في مجرى ~~البول. قلنا هو ما أردناه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اه محل الغرض من ~~كلام القرطبي. قال مقيدة عفا الله عنه وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية ~~الكريمة لا يخلو عندي من بعد. وسنبين إن شاء الله حكم المني هل هو نجس أو ~~طاهر، وأقوال العلماء في ذلك، مع مناقشة الأدلة. اعلم - أن في مني ~~الإنسان ثلاثة أقوال للعلماء الأول - أنه طاهر، وأن حكمه حكم النخامة ~~والمخاط. وهذا هو مذهب الشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه ~~العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم. كما ~~نقله النووي في " شرح المهذب " وغيره. القول الثاني - أنه نجس، ولا بد في ~~طهارته من الماء سواء كان يابسا أو رطبا. وهذا هو مذهب مالك، والثوري ~~والأوزاعي. القول الثالث - أنه نجس، ورطبه لا بد له من الماء، ويابسه لا ~~يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتى يزول منه. وهذا هو مذهب أبي ~~حنيفة. واختار الشوكاني في نيل الأوطار أنه نجس، وأن إزالته لا تتوقف على ~~الماء مطلقا. أما حجة من قال إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معا، ~~ومعلوم في الأصول أن القياس الموافق للنص لا مانع منه، لأنه ms0984 دليل آخر ~~عاضد للنص، ولا مانع من تعاضد الأدلة. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم يذهب فيصلي فيه ". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة ~~والإمام أحمد. قالوا فركها له يابسا، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل - ~~دليل على الطهارة. # وفي رواية عند أحمد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ~~ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه. وفي ~~رواية عن عائشة عند الدارقطني " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا " وعن إسحاق بن ~~يوسف قال حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، # " عن ابن عباس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب ~~فقال " إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو ~~بإذخرة ". # قال صاحب منتقى الأخبار بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا رواه الدارقطني ~~وقال لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قلت وهذا لا يضر. لأن إسحاق ~~إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته. قال مقيده عفا الله عنه ~~ما قاله الإمام المجد رحمه الله في المنتقى من قبول رفع العدل وزيادته، ~~هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارا، إلى غير ذلك من ~~الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله. وأما القياس العاضد للنص فهو من ~~وجهين أحدهما - إلحاق المني بالبيض. بجامع أن كلا منهما مائع يتخلق منه ~~حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعا. فيلزم كون المني طاهرا أيضا. قال ~~مقيده عفا الله عنه هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، ~~وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إسماعيل بن علية. ~~كما أشار له في مراقي السعود بقوله # وابن علية يرى للصوري كالقيس للخيل على الحمير # وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة. كقياس ms0985 الخيل على الحمير في سقوط ~~الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان ~~الطاهر من كل منهما في طهارته. وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب ~~أو الندب لتشابههما في الصورة. وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في ~~الوجوب لتشبهها بها في الصورة. وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في ~~التحريم. وكإلحاق خنزير البحروكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من ~~صوره الكثيرة المعروفة في الأصول. واستدل من قال بالقياس الصوري - بأن ~~النصوص دلت على اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام. كقوله # فجزآء مثل ما قتل من النعم # المائدة 95. والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور. وكبدل القرض ~~فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف صلى الله عليه وسلم بكرا ورد ~~رباعيا كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره صلى الله عليه وسلم بقول القائف ~~المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة هذه الأقدام بعضها من بعض. لأن ~~القيافة قياس صوري، لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة. # الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور - إلحاق المني بالطين، بجامع أن ~~كلا منهما مبتدأ خلق بشر. كما قال تعالى # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة # المؤمنون 12-13 الآية. فإن قيل هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم ~~الجامد. لأنها أيضا مبتدأ خلق بشر. لقوله تعالى # ثم خلقنا النطفة علقة # المؤمنون 14 والدم نجس بلا خلاف. فالجواب - أن قياس الدم على الطين في ~~الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على ~~الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني. وأما حجة من قال ~~بأن المني نجس فهو بالنص والقياس أيضا. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت " كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء ". متفق ~~عليه. قالوا غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم # " عن عائشة بلفظ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ms0986 يغسل المني ثم ~~يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه ". # قال مقيده عفا الله عنه وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من ~~يقول بالنجاسة. لأن المقرر في الأصول أن الفعل المضارع بعد لفظة " كان " ~~يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه " إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل " تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته ~~عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل. وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضا أن ~~رجلا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة إنما كان يجزئك إن رأيته أن ~~تغسل مكانه. فإن لم تر، نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه. اه قالوا هذه الرواية الثابته في ~~الصحيح عن عائشة صرحت فيها بأنه إنما يجزئه غسل مكانه. وقد تقرر في ~~الأصول في مبحث دليل الخطاب وفي المعاني في مبحث القصر أن " إنما " من ~~أدوات الحصر. فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل. فدل ذلك على أن الفرك ~~لا يجزىء دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدلة على غسله. وأما ~~القياس - فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا ولأنه يخرج من مخرج ~~البول، ولأن المذي جزء من المني. لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا ~~في النجاسة. وأما حجة من قال أنه نجس، وإن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج ~~إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند ~~الدار قطني الذي قدمناه آنفا " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا ". # وقال المجد في منتقى الأخبار بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه قلت فقد بان ~~من مجموع النصوص جواز الأمرين. قال مقيده عفا الله عنه إيضاح الاستدلال ~~بهذا الحديث لهذا القول أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على ~~نجاسته، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا ms0987 يحتاج إلى الماء. ولا ~~غرابة في طهارة متنجس بغير الماء. فإن ما يصيب الخفاف والنعال من ~~النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه، ومن هذا القبيل ~~قول الشوكاني إنه يطهر مطلقا بالإزالة دون الغسل، لما جاء في بعض ~~الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها. ورد من قال إن المني طاهر احتجاج ~~القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين ~~الغسل والتنجيس لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو ~~الثوب. قالوا ولم يثبت نقل بالأمر بغسله، ومطلق الفعل لا يدل على شيء ~~زائد على الجواز. قال ابن حجر في التلخيص وقد ورد الأمر بفركه من طريق ~~صحيحة، رواه ابن الجارود في المنتقى عن محسن بن يحيى، عن أبي حذيفة عن ~~سفيان، عن منصور، عن ابراهيم، عن همام بن الحارث قال كان عند عائشة ضيف ~~فأجنب، فجعل يغسل ما أصابه. فقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمرنا بحته - إلى أن قال وأما الأمر بغسله فلا أصل له. وأجابوا عن ~~قول عائشة " إنما يجزئك أن تغسل مكانه " لحمله على الاستحباب، لأنها ~~احتجت بالفرك. قالوا فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما ~~أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب فقالت " غسل كل الثوب بدعة منكرة، ~~وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه... " الخ. وأجابوا عن ~~قياس المني على البول والدم بأن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين ~~أشبه، بخلاف البول والدم. وأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع، قالوا ~~بل مخرجهما مختلف، وقد شق ذكر رجل بالروم، فوجد كذلك، لا ننجسه بالشك. ~~قالوا ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة. لأن ملاقاة ~~النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر. وأجابوا عن ~~دعوى أن المذي جزء من المني بالمنع أيضا قالوا بل هو مخالف له في الاسم ~~والخلقة وكيفية الخروج. لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي ~~فعكسه، ولهذا من به ms0988 سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي. وهذه المسألة ~~فيها للعلماء مناقشات كثيرة، كثير منها لا طائل تحته. وهذا الذي ذكرنا ~~فيها هو خلاصة أقوال العلماء وحججهم. # قال مقيده عفا الله عنه أظهر الأقوال دليلا في هذه المسألة عندي والله ~~أعلم - # " أن المني طاهر. لما قدمنا من حديث إسحاق الأزرق، عن شريك عن محمد بن ~~عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ~~إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة " # وهذا نص في محل النزاع. وقد قدمنا عن صاحب المنتقى أن الدارقطني قال لم ~~يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، وأنه هو قال قلت وهذا لا يضر لأن إسحاق ~~إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.انتهى. وقد قدمنا ~~مراراأن هذا هو الحق. فلو جاء الحديث موقوفا من طريق، وجاء مرفوعا من ~~طريق أخرى صحيحة حكم برفعه. لأن الرفع زيادة، وزيادات العدول مقبولة، قال ~~في مراقي السعود- # والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبوله عند إمام الحفظ - إلخ # وبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة، ولا سيما أن لها ~~شاهدا من طريق أخرى. قال ابن حجر في التلخيص ما نصه فائدة - روى ~~الدارقطني، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن المني يصيب الثوب؟ قال # " إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق - وقال - إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة ~~وإذخرة " # ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~مرفوعا، ورواه هو البيهقي من طريق عطاء عن ابن عباس موقوفا، قال ~~البيهقي الموقوف هو الصحيح انتهى. فقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من ~~حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد عن ابن عباس، وهي مقوية لطريق إسحاق ~~الأزرق المتقدمة. واعلم أن قول البيهقي رحمه الله والموقوف هو الصحيح لا ~~يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة. لأنه يرى أن وقف ms0989 الحديث من تلك ~~الطريق علة في الطريق المرفوعة. وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل ~~الحديث والأصول، ولكن الحق أن الرفع زيادة مقبولة من العدل، وبه تعلم صحة ~~الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني، وهي نص صريح في ~~محل النزاع، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني. فإن قيل أخرج ~~البزار، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، ~~والدارالقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم في المعرفة من ~~حديث # " عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعمار ~~فذكر قصة، وفيها " إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء ~~يا عمار. ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء ". # فالجواب - أن في إسناده ثابت بن حماد، عن علي بن زيد بن جدعان، وضعفه ~~الجماعة المذكورون كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد، واتهمه بعضهم ~~بالوضع. وقال اللالكائي أجمعوا على ترك حديثه وقال البزار لا نعلم لثابت ~~إلا هذا الحديث. وقال الطبراني تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار ~~إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد ~~وهو متهم بالوضع. قاله ابن حجر في التلخيص. ثم قال قلت ورواه البزار، ~~والطبراني من طريق ابراهيم بن زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن ~~زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. انتهى. ~~وبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني والعلم عند ~~الله تعالى. المسألة الثالثة - قال القرطبي في هذه الآية دليل على جواز ~~الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع ~~به. لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس. وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن ~~طاهر. فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف ~~أصحابنا فيه، فمن قال إن الإنسان طاهر حيا وميتا فهو طاهر. ومن قال ~~ينجس بالموت فهو نجس. وعلى ms0990 القولين جميعا تثبت الحرمة. لأن الصبي قد ~~يتغذى به كما يتغذى من الحية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم " # ولم يخص - انتهى كلام القرطبي. ### || [16.67] # قوله تعالى { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا }. جمهور العلماء على أن المراد بالسكر ~~في هذه الآية الكريمة الخمر، لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به ~~السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول سكر " بالكسر " سكرا ~~" بفتحتين " وسكرا " بضم فسكون ". وقال الزمخشري في الكشاف والسكر ~~الخمر. سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا، نحو رشد رشدا ورشدا. قال # وجاءونا بهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران صاحي - أه # ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر # بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر # وممن قال بأن السكر في الآية الخمر ابن عباس، و ابن مسعود، وابن عمر، ~~وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، ~~وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم. وقيل السكر الخل. وقيل الطعم وقيل العصير ~~الحلو. وإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور، وأن الله امتن على هذه ~~الأمة بالخمر قبل تحريمها - فاعلم أن هذه الآية مكية، نزلت بعدها آيات ~~مدنية بينت تحريم الخمر، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على ~~إباحة الخمر. الأولى - آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ~~ولم يجزم فيها بالتحريم، وهي قوله تعالى # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما # البقرة 219 وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها، وشربها آخرون ~~للمنافع التي فيها. الثانية - آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات ~~الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين ~~صلاة العشاء وصلاة الصبح، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله ~~تعالى # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # النساء 43 الآية. الثالثة - آية المائدة الدالة على تحريمها تحريما ~~باتا، وهي قوله تعالى # يأيها ms0991 الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # المائدة 90 إلى قوله - # فهل أنتم منتهون # المائدة 91. وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها. ~~لأنه تعالى صرح بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها أمرا ~~جازما في قوله { فاجتنبوه } واجتناب الشيء هو التباعد عنه، بأن تكون في ~~غير الجانب الذي هو فيه. وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله { ~~لعلكم تفلحون } ويفهم منه - أنه من لم يجتنبها لم يفلح، وهو ~~كذلك. ثم بين بعض مفاسدها بقوله # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة # المائدة 91. ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله { ~~فهل أنتم منتهون } فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي ~~" انتهوا " وقد تقرر في فن المعاني أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد ~~لها الأمر. # كقول { فهل أنتم منتهون } ، وقوله # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم> # آل عمران 20 الآية. أي أسلموا. والجار والمجرور في قوله # ومن ثمرات النخيل # النحل 67 الآية - يتعلق ب { تتخذون } وكرر لفظ " من " للتأكيد، ~~وأفرد الضمير في قوله { منه } مراعاة للمذكور. اي تتخذون منه، أي مما ذكر ~~من ثمرات النخيل والأعناب. ونظيره قول رؤبة # فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق # فقوله " كأنه " أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقيل الضمير راجع إلى ~~محذوف دل المقام عليه. أي ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، أي ~~عصير الثمرات المذكورة وقيل قوله { ومن ثمرات النخيل } معطوف ~~على قوله # مما في بطونه # النحل 66 أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. وقيل يتعلق ب # نسقيكم # النحل 66 محذوفة دلت عليها الأولى. فيكون من عطف الجمل. وعلى الأول يكون ~~من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل. وقيل معطوف على " الأنعام " وهو ~~أضعفها عندي. وقال الطبري التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون ~~منه سكرا. فحذف " ما ". قال أبو ms0992 حيان في البحر وهو لا يجوز على مذهب ~~البصريين. وقيل يجوز أن، يكون صفة موصوف محذوف، أي ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب ثمر تتخذون منه. ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز # مالك عندي غير سوط وحجر وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من ~~أرمى البشر # أي بكفي رجل كان " الخ " ذكر الزمخشري وأبو حيان. قال مقيده عفا الله ~~عنه أظهر هذه الأقوال عندي أن قوله { ومن ثمرات } يتعلق ب { ~~تتخذون } أي تتخذون من ثمرات النخيل، وأن " من " الثانية توكيد للأولى. ~~والضمير في قوله { منه } عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، ~~والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم - أن التحقيق على مذهب الجمهور أن هذه ~~الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب } النحل67 منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب ~~مراقي السعود فيه وفي شرحه نشر البنود من أن تحريم الخمر ليس نسخا ~~لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة ~~العقلية هي البراءة الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست ~~من الأحكام الشرعية. فرفعها ليس بنسخ. وقد بين في المراقي أنها ليست من ~~الأحكام الشرعية بقوله - # وما من البراءة الأصلية قد أخذت فليست الشرعية # وقال أيضا في إباحة الخمر قبل التحريم - # أباحها في أول الإسلام براءة ليست من الأحكام # كل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح. # لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها هذه الآية الكريمة، التي هي قوله ~~{ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~}. الآية، وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال إن إباحته ~~عقلية، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ. نعم! على ~~القول بأن معنى السكر في الآية الخل أو الطعم أو العصير. فتحريم الخمر ~~ليس نسخا لإباحتها، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في ~~كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. فإن قيل الآية واردة بصيغة ~~الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول فالجواب ms0993 - أن النسخ ~~وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة حكم شرعي كسائر ~~الأحكام قابل للنسخ. فليس النسخ واردا على نفس الخبر، بل على الإباحة ~~المفهومة من الخبر. كما حققه ابن العربي المالكي وغيره. وقوله تعالى في ~~هذه الآية الكريمة { ورزقا حسنا } أي التمر والرطب والعنب ~~والزبيب، والعصير ونحو ذلك. تنبيه آخر اعلم - أن النبيذ الذي يسكر منه ~~الكثير لا يجوز أن يشرب منه القليل الذي لا يسكر لقلته. وهذا مما لا شك ~~فيه. فمن زعم جواز شرب القليل الذي لا يسكر منه كالحنفية وغيرهم - فقط ~~غلط غلطا فاحشا. لأن ما يسكر كثيره يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ~~مسكر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # " كل مسكر حرام " # وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال # " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " # ولو حاول الخضم أن ينازع في معنى هذه الأحاديث - فزعم أن القليل الذي لا ~~يسكر يرتفع عنه اسم الإسكار فلا يلزم تحريمه. قلنا صرح صلى الله عليه ~~وسلم بأن # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # وهذا نص صريح في محل النزاع لا يمكن معه كلام. وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام " # رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال حديث حسن. وعن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # رواه أحمد وابن ماجه، والدارقطني وصححه. ولأبي داود وابن ماجه والترمذي ~~مثله سواء من حديث جابر. وكذا لأحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك الدارقطني من حديث الإمام علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه. # " وعن سعد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن قليل ما ~~أسكر كثيره " # رواه النسائي والدارقطني وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه قوم فقالوا يا رسول ms0994 الله، إنا ~~ننبذ النبيذ فنشربه على غدائنا وعشائنا؟ فقال اشربوا فكل مسكر حرام. ~~فقالوا يا رسول الله، إنا نكسره بالماء؟ فقال " حرام قليل ما أسكر كثيره ~~" # رواه الدارقطني.اه. بواسطة نقل المجد في منتقي الأخبار. فهذه الأحاديث ~~لا لبس معها في تحريم قليل ما أسكر كثيره. وقال ابن حجر في فتح الباري في ~~شرح قوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري # " كل شراب أسكر فهو حرام " # ما نصه فعند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث جابر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو ~~صحيح. ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعا # " كل مسكر حرام. وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " # ولابن حبان والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال؟ # " أنهاكم عن قليل ما أسكره كثيره " # وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث - إلى أن قال - وجاء أيضا عن علي ~~عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني، وعن خوات بن جبير ~~عند الدارقطني والحاكم والطبراني، وعن زيد بن ثابت عند الدارقطني. وفي ~~أسانيدها مقال. لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة. قال أبو ~~المظفر بن السمعاني وكان حنفيا فتحول شافعيا ثبتت الأخبار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر. ثم ساق كثيرا منها ثم قال والأخبار ~~في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها. فإنها حجج ~~قواطع. قال وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا فيه أخبارا معلولة، لا ~~تعارض هذه الأخبار بحال. ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب ~~مسكرا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير. وإنما الذي شربه كان حلوا ~~ولم يكن مسكرا. وقد روى ثمامه بن حزن القشيري أنه سأل عائشة عن ~~النبيذ؟ فدعت جارية حبشية فقالت سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول الله ms0995 ~~صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشية كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكئه ~~وأعلقه فإذا أصبح شرب منه. أخرجه مسلم. وروى الحسن البصري عن أمه عن ~~عائشة نحوه. ثم قال فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من ~~أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ - ~~إلى أن قال وعلى الجملة، فالنصوص المصرح بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية ~~عن القياس. والله أعلم. وقد قال عبد الله بن مبارك لا يصح في حل النبيذ ~~الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين. # إلا عن إبراهيم النخعي. انتهى محل الغرض من فتح الباري بحذف ما لا حاجة ~~إليه. قال مقيدة عفا الله عنه تحريم قليل النبيذ الذي يسكر كثيره لا شك ~~فيه. لما رأيت من تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن # " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". # واعلم - أن قياس النبيذ المسكر كثيره على الخمر بجامع الإسكار لا يصح. ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن # " كل مسكر حرام " # والقياس يشترط فيه ألا يكون حكم الفرع منصوصا عليه كحكم الأصل. كما ~~أشار له في مراقي السعود بقوله # وحيثما يندرج الحكمان في النص فالأمران قل سيان # وقال ابن المنذر وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في ~~الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اه. ### || [16.68] # قوله تعالى { وأوحى ربك إلى النحل }. المراد بالإيحاء ~~هنا الإلهام. والعرب تطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية. ولذا ~~تطلقه على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام. ولذلك قال تعالى { ~~وأوحى ربك إلى النحل } أي ألهمها. وقال # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة # مريم 11 الآية. أي أشار إليهم. وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله # يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها # الزلزلة 4-5 ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد في معلقته - # فمدافع الريان عرى رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها # ف " الوحي " في البيت بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء جمع وحي ms0996 بمعنى ~~الكتابة. وسيأتي لهذه المسألة إن شاء الله زيادة إيضاح. ### || [16.70] # قوله تعالى { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي ~~لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير }. ~~بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل ~~العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر. وأرذل العمر آخره الذي ~~تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة لأن حال لا رجاء ~~بعدها لإصلاح ما فسد. بخلاف حال الطفولة، فإنهاحاله ينتقل منها إلى القوة ~~وإدراك الأشياء. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في سورة الحج. # ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا # الحج 5، وقوله في الروم # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # الروم 54 الآية. وأشار إلى ذلك أيضا بقوله # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # فاطر 11، وقوله في سورة المؤمن # ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون # غافر 67. وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة باب ~~قوله تعالى # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # النحل 70 حدثنا موسى بن إسماعيل،، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله ~~الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يدعو # " أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، ~~وفتنة المحيا والممات " # اه وعن علي رضي الله تعالى عنه أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة وعن قتادة ~~تسعون سنة. والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين. وإنما هو باعتبار تفاوت حال ~~الأشخاص. فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدنا وعقلا، وأشد خرفا - من ~~آخر ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته- # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبالك يسأم # أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر، ويدل ms0997 له قول الآخر # إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # وقوله { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } أي يرد إلى أرذل ~~العمر، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب، ويبقى لا يدري ~~شيئا. لذهاب إدراكه بسبب الخرف. ولله في ذلك حكمة. وقال بعض العلماء إن ~~العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر. ~~ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى # ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات # التين 5-6 الآية. ### || [16.71] # أظهر التفسيرات في هذه الآية الكريمة أن الله ضرب فيها مثلا للكفار، ~~بأنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ومن ذلك تفضيله المالكين على ~~المملوكين في الرزق، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون ~~شركاءهم فيما رزقهم الله من الأموال والنساء وجميع نعم الله. ومع هذا ~~يجعلون الأصنام شركاء لله في حقه على خلقه، الذي هو إخلاص العبادة له ~~وحده، أي إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم - ~~فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني!. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم # الروم 28 الآية. ويؤيده أن " ما " في وقوله { فما الذين ~~فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } ~~نافيه. أي ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اه. فإذا كانوا ~~يكرهون هذا لأنفسهم - فكيف يشركون الأوثان مع الله في عبادته! مع ~~اعترافهم بأنها ملكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك، إلا ~~شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وهذا الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب ~~الاشتراكية القائل بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد في الرزق، ولله في تفضيل ~~بعضهم على بعض في الرزق حكمة. قال تعالى # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا # الزخرف 32 الآية، وقال # الله ms0998 يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # الرعد 26، وقال # على الموسع قدره وعلى المقتر قدره # البقرة 236 إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى هذا الآية الكريمة قولان ~~آخران أحدهما - أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق. فرزقكم أفضل مما ~~رزق مماليككم وهو بشر مثلكم وإخوانكم. فكان ينبغي أن تردوا فضل ما ~~رزقتموه عليهم، حتى تساووا في الملبس والمطعم. كما # " ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر مالكي العبيد " أن يطعموهم ~~مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون " # وعلى هذا القول فقوله تعالى { فما الذين فضلوا برآدي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم } لوم لهم، وتقريع على ~~ذلك. القول الثاني - أن معنى الآية - أنه جل وعلا هو رازق المالكين ~~والمملوكين جميعا. فهم في رزقه سواء، فلا يحسبن المالكون أنهم يريدون ~~على مما ليكهم شيئا من الرزق، فإنما ذلك رزق الله يجريه لهم على أيديهم. ~~والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء، ويدل له القرآن كما بينا. ~~والعلم عند الله تعالى. وقوله { أفبنعمة الله يجحدون } ~~إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته. لأن الكافر يستعمل نعم الله في معصية ~~الله، فيستعين بكل ما أنعم به عليه على معصيته، فإنه يرزقهم ويعافيهم، ~~وهم يعبدون غيره. وجحد تتعدى بالباء في اللغة العربية. كقوله # وجحدوا بها # النمل 14 الآية، وقوله # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون # الأعراف 51 والجحود بالنعمة هو كفرانها. ### || [16.72] # قوله تعالى { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } الآية. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه امتن على بني آدم أعظم منة بأن جعل لهم ~~من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل ~~الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، ~~وجعل الإناث أزواجا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات ~~الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده. وأوضح في غير هذا ~~الموضع أن هذه نعمة عظيمة، ms0999 وأنها من آياته جل وعلا. كقوله # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون # الروم 21 وقوله # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى # القيامة 36-39، وقوله تعالى # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # الأعراف 189 الآية. واختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية ~~الكريمة. فقال جماعة من العلماء الحفدة أولاد الأولاد. أي وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. وقال بعض العلماء الحفدة الأعوان والخدم ~~مطلقا. ومنه قول جميل- # حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال # أي أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم. الواحدة وليدة، ومنه قول ~~الأعشى # كلفت مجهولها نوقا يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا # اي أسرعوا في الخدمة. ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت وإليك نسعى ~~ونحفد. أي نسرع في طاعتك. وسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يس عند ~~المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف. وقيل الحفدة الأختان، ~~وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر # فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس علي ~~أبية عيوف لإصهار اللئام قذور # والقذور التي تتنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي، تباعدا عن التدنس بقذره. ~~قال مقيده عفا الله عنه الحفدة جمع حافد، اسم فاعل من الحفد وهو الإسراع ~~في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع ~~البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض ~~العلماء في الآية. فنبين ذلك. وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن ~~الحفدة أولاد الأولاد. لأن قوله { وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين وحفدة } دليل ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من ~~أزواجهم، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله { ~~وحفدة } معطوف على قوله { أزواجا } غير ظاهرة. كما أن دعوى ms1000 أنهم ~~الأختان، وأن الأختان أزواج بناتهم، وبناتهم من أزواجهم، وغير ذلك من ~~الأقوال - كله غير ظاهر. # وظاهر القرآن هو ما ذكر، وهو اختيار ابن العربي المالكي والقرطبي ~~وغيرهما. ومعلوم أن أولاد الرجل، وأولاد أولاده من خدمه المسرعين في ~~خدمته عادة. والعلم عند الله تعالى. تنبيه في قوله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ~~الآية - رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها. حتى ~~روي أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك تزوج سعلاة منهم، وكان يخبؤوها عن ~~سنا البرق لئلا تراه فتنفر. فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته ~~السعلاة، فقالت عمرو ونفرت. فلم يرها أبدا. ولذا قال علباء بن أرقم ~~يهجو أولاد عمرو المذكور # ألا لحى الله بني السعلاة عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا بأعفاف ~~ولا أكيات # أبدلت فيه السين تاء أيضا. وقال المعري يصف مراكب إبل متغربة عن ~~الأوطان، إذا رأت لمعان البرق تشتاق إلى أوطانها. فزعم أنه يستر عنها ~~البرق لئلا يشوقها إلى أوطانها كما كان عمرو يستره عن سعلاته # إذا لاح إيماض سترت وجوهها كأني عمرو والمطي سعالى # والسعلاة عجوز الجن. وقد روي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " أحد أبوي بلقيس كان جنيا ". # قال صاحب الجامع الصغير أخرجه أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه في ~~التفسير، وابن عساكر وقال شارحه المناوي في إسناده سعيد بن بشر قال في ~~الميزان عن ابن معين ضعيف. وعن ابن مسهر لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ~~ضعيف منكر الحديث، ثم ساق من مناكيره هذا الخبر اه. وبشير بن نهيك أورده ~~الذهبي في الضعفاء. وقال أبو حاتملا يحتج به. ووثقه النسائي. انتهى. وقال ~~المناوي في شرح حديث # " أحد أبوي بلقيس كان جنيا " # قال قتادة ولهذا كان مؤخر قدميها كحافر الدابة. وجاء في آثار أن الجني ~~الأم. وذلك أن أباها ملك اليمن خرج ليصيد فعطش، فرفع له خباء فيه شيخ ~~فاستسقاه، فقال يا حسنة ms1001 اسقي عمك. فخرجت كأنها شمس بيدها كأس من ياقوت. ~~فخطبها من أبيها، فذكر أنه جني، وزوجها منه بشرط أنه إن سألها عن شيء ~~عملته فهو طلاقها. فأتت منه بولد ذكر، ولم يذكر قبل ذلك، فذبحته فكرب ~~لذلك، وخاف أن يسألها فتبين منه. ثم أتت ببلقيس فأظهرت البشر فاغتم فلم ~~يملك أن سألها، فقالت هذا جزائي منك! باشرت قتل ولدي من أجلك! وذلك أن ~~أبي يسترق السمع فسمع الملائكة تقول إن الولد إذا بلغ الحلم ذبحك، ثم ~~استرق السمع في هذه فسمعهم يعظمون شأنها، ويصفون ملكها، وهذا فراق بيني ~~وبينك. فلم يرها بعد. هذا محصول ما رواه ابن عساكر عن يحيى الغساني اه ~~من شرح المناوي للجامع الصغير. # وقال القرطبي في تفسير " سورة النحل " كان أبو بلقيس وهو السرح بن ~~الهداهد بن شراحيل، ملكا عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد ~~منكم كفأ لي. وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة ~~بنت السكن. فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو ~~هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم # " كان أحد أبوي بلقيس جنيا " # - إلى أن قال إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات، يغتصب ~~نساء الرعية، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج. فصحب مرة في الطريق رجلا لا ~~يعرفه فقال هل لك من زوجة؟ فقال لا أتزوج أبدا. فإن ملك بلدنا يغتصب ~~النساء من أزواجهن. فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا. قال بل ~~يغتصبها! قال إنا قوم من الجن لا يقدر علينا. فتزوج ابنته فولدت له بلقيس ~~- إلى غير ذلك من الروايات. وقال القرطبي أيضا وروى وهيب بن جرير بن ~~حازم، عن الخليل بن أحمد، عن عثمان بن حاضر قال كانت أم بلقيس من الجن، ~~يقال لها بلعمة بنت شيصان. قال مقيده عفا الله عنه الظاهر أن الحديث ~~الوارد في كون أحد أبوي بلقيس جنيا ضعيف، وكذلك الآثار الواردة في ذلك ~~ليس منها شيء يثبت. مسألة اختلف العلماء ms1002 في جواز المناكحة بين بني آدم ~~والجن. فمنعها جماعة من أهل العلم، وأباحها بعضهم. قال المناوي في شرح ~~الجامع الصغير ففي الفتاوى السراجية للحنفية لا تجوز المناكحة بين الإنس ~~والجن وإنسان الماء. لاختلاف الجنس. وفي فتاوي البارزي من الشافعية لا ~~يجوز التناكح بينهما. ورجح ابن العماد جوازه اه. وقال الماوردي وهذا ~~مستنكر للعقول. لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين. إذ الآدمي جسماني، ~~والجني روحاني. وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج ~~مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اه. وقال ابن ~~العربي المالكي نكاحهم جائز عقلا. فإن صح نقلا فبها ونعمت. قال مقيده ~~عفا الله عنه لا أعلم في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~نصا يدل على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات ~~عدم جوازه. فقوله في هذه الآية الكريمة { والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا } النحل72 الآية. ممتنا على بني آدم بأن ~~أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه كما جعل لهم أزواجا تباينهم ~~كمباينة الإنس والجن، وهو ظاهر. ويؤيده قوله تعالى # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # الروم 21. فقوله { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } في ~~معرض الامتنان - يدل على أنه ما خلق لهم أزواجا من غير أنفسهم. # ويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من " أن النكرة في سياق الامتنان تعم " ~~فقوله { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } جمع منكر في سياق ~~الامتنان فهو يعم، وإذا عم دل ذلك على حصر الأزواج المخلوقة لنا فيما هو ~~من أنفسنا، أي من نوعنا وشكلنا. مع أن قوما من أهل الأصول زعموا " أن ~~الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم ". والتحقيق أنها في سياق ~~الإثبات لا تعم، وعليه درج في مراقي السعود حيث قال في تعداده للمسائل ~~التي عدم العموم فيها أصح # منه منكر الجمع عرفا وكان والذي عليه انعطفا # أما في سياق الامتنان فالنكرة تعم. وقد تقرر في الأصول " أن ms1003 النكرة في ~~سياق الامتنان تعم " ، كقوله # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # الفرقان 48 أي فكل ماء نازل من السماء طهور وكذلك النكرة في سياق النفي ~~أو الشرط أو النهي. كقوله # ما لكم من إله غيره # الأعراف 59، وقوله # وإن أحد من المشركين # التوبة 6 الآية، وقوله # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # الإنسان 24 الآية. ويستأنس لهذا بقوله # وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون # الشعراء 166 فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق الله لهم من ~~أزواجهم، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام، وإن كان أصل التوبيخ والتقريع ~~على فاحشة اللواط. لأن أول الكلام # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم # الشعراء 165-166 فإنه وبخهم على أمرين أحدهما - إتيان الذكور. والثاني - ~~ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم. وقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق ~~لهم من أزواجهم، هو الكائن من أنفسهم. أي من نوعهم وشكلهم. كقوله { ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ، وقوله # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا # الروم 21، فيفيد أنه لم يجعل لهم أزواجا من غير أنفسهم. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [16.73] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لهم رزقا من السموات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات. ~~وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي لا يملكون أن يرزقوا. ~~والاستطاعة منفية عنهم أصلا. لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء. ~~ويفهم من الآية الكريمة أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق. لأن أكلهم ~~رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم من هذه ~~الآية الكريمة بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله # إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا ~~له إليه ترجعون # العنكبوت 17، وقوله # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل ~~لجوا في عتو ونفور # الملك 21، وقوله # وما ms1004 خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين # الذاريات 56-58 وقوله # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم # الأنعام 14، وقوله # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # طه 132، وقوله # هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض # فاطر 3 الآية، وقوله # قل من يرزقكم من السمآء والأرض # يونس 31 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في قوله { شيئا } في ~~هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب الأول - أنه قوله { رزقا } ~~مصدر، وأن { شيئا } مفعول به لهذا المصدر. أي ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك أن يرزقهم شيئا من الرزق. ونظير هذا الإعراب قوله تعالى # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # البلد 14-15 فقوله { يتيما } مفعول به للمصدر الذي هو إطعام. أي أن ~~يطعم يتيما ذا مقربة. ونظيره من كلام العرب قول المرار بن منقذ التميمي # بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل # فقوله " رؤوس قوم " مفعول به للمصدر المنكر الذي هو قوله " بضرب " وإلى ~~هذا أشار في الخلاصة بقوله # بفعله المصدر ألحق في العمل مضافا أو مجردا أو مع أل # الوجه الثاني - أن قوله { شيئا } ما ناب عن المطلق من قوله { رزقا } ~~بناء على أن المراد بالرزق هو ما يرزقه الله عباده. لا المعنى المصدري. ~~الوجه الثالث - أن يكون قوله { شيئا } ما ناب عن المطلق من قوله { يملك ~~} أي لا يملك شيئا من الملك، بمعنى لا يملك قليلا أن يرزقهم. ### || [16.74] # قوله تعالى { فلا تضربوا لله الأمثال }. نهى الله جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة خلقه أن يضربوا له الأمثال. أي يجعلوا به ~~أشباها ونظراء من خلقه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا! وبين هذا ~~المعنى في غير هذا الموضع. كقوله # ليس كمثله شيء # الشورى 11 الآية، وقوله # ولم يكن له كفوا أحد # الاخلاص 4، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.77] # قوله تعالى ms1005 { ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر } ~~الآية. أظهر الأقوال فيها أن معنى أن الله إذا أراد الإتيان بها فهو قادر ~~على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر. لأنه يقول للشيء كن فيكون. ويدل ~~لهذا المعنى قوله تعالى # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # القمر 50. وقال بعض العلماء المعنى هي قريب عنده تعالى كلمح البصر وإن ~~كانت بعيدا عندكم. قل قال تعالى # إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا # المعارج 6-7، وقال # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47. واختار أبو حيان في البحر المحيط أن " أو " في قوله " أو هو ~~أقرب " للإبهام على المخاطب، وتبع في ذلك الزجاج، قال ونظيره # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # الصافات 147، وقوله # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # يونس 24. ### || [16.78] # قوله تعالى { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخرج ~~بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، وجعل لهم الأسماع والأبصار ~~والأفئدة. لأجل أن يشكروا له نعمه. وقد قدمنا أن " لعل " للتعليل. ولم ~~يبين هنا هل شكروا أو لم يشكروا. ولكنه بين في مواضع أخر أن أكثرهم لم ~~يشكروا. كما قال تعالى # ولكن أكثر الناس لا يشكرون # البقرة 243، وقال # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # الملك 23، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت السمع في القرآن ~~مجموعا، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائما، مع أنه يجمع ما يذكر معه ~~كالأفئدة والأبصار. وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائما أن أصله مصدر ~~سمع سمعا، والمصدر إذا جعل اسما ذكر وأفرد. كما قال في الخلاصة # ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا ### || [16.79] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن تسخيره الطير في جو السماء ما ~~يمسكها إلا هو - من آياته الدالة على قدرته، واستحقاقه لأن يعبد وحده. ~~وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء ms1006 بصير # الملك 19. تنبيه لم يذكرعلماء العربية الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع ~~التكسير. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية ~~أن الفعل بفتح فسكون جمع تكسير لفاعل وصفا لكثرة وروده في اللغة جمعا ~~له. كقوله هنا { ألم يروا إلى الطير } فالطير جمع طائر، ~~وكالصحب فإنه جمع صاحب. قال امرؤ القيس # وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل # فقوله " صحبي " أي أصحابي. وكالركب فإنه جمع راكب. قال تعالى # والركب أسفل منكم # الأنفال 42 وقال ذو الرمة # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طرب # فالركب جمع راكب. وقد رد عليه ضمير الجماعة في قوله " عن أشياعهم ". ~~وكالشرب فإنه جمع شارب. ومنه قول نابغة ذبيان # كأنه خارجا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد # فإنه رد على الشرب ضمير الجماعة في قوله " نسوه.. " إلخ وكالسفر فإنه ~~جمع سافر. ومنه حديث # " أتموا فإنا قوم سفر " # وقول الشنفرى # كأن وغاها حجرتيه وجاله أضاميم من سفر القبائل نزل # وكالرجل جمع راجل. ومنه قراءة الجمهور # وأجلب عليهم بخيلك ورجلك # الإسراء 64 بسكون الجيم. وأما على قراءة حفص عن عاصم بكسر الجيم فالظاهر ~~أن كسرة الجيم اتباع لكسرة اللام. فمعناه معنى قراءة الجمهور. ونحو هذا ~~كثير جدا في كلام العرب، فلا نطيل به الكلام. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.81] # قوله تعالى { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم } الآية. بين جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة منته على خلقه. بأنه جعل لهم سرابيل تقيهم الحر. أي والبرد. لأن ~~ما يقي الحر من اللباس يقي البرد. والمراد بهذه السرابيل القمصان ونحوها ~~من ثياب القطن والكتان والصوف. وقد بين هذه النعمة الكبرى في غير هذا ~~الموضع. كقوله # يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا # الأعراف 26 الآية، وقوله { يا بني آدم خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد } الأعراف 31 الآية. أي وتلك الزينة هي ما خلق الله لهم ~~من اللباس الحسن. وقوله هنا { وسرابيل تقيكم ms1007 بأسكم } النحل ~~81 المراد بها الدروع ونحوها، مما يقي لابسه وقع السلاح، ويسلمه من بأسه. ~~وقد بين أيضا هذه النعمة الكبرى، واستحقاق من أنعم بها لأن يشكر له في ~~غير هذا الموضع. كقوله # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم فهل أنتم شاكرون # الأنبياء 80. وإطلاق السرابيل على الدروع ونحوها معروف. ومنه قول كعب بن ~~زهير # شم العارنين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل ### || [16.83] # قوله تعالى { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } ~~الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعرفون نعمة الله. ~~لأنهم يعلمون أنه هو الذي يرزقهم ويعافيهم، ويدبر شؤونهم، ثم ينكرون هذه ~~النعمة. فيعبدون معه غيره، ويسوونه بما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئا. ~~وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون # يونس 31. فقوله { فسيقولون الله } دليل على معرفتهم نعمته. ~~وقوله { فقل أفلا تتقون } دليل على إنكارهم لها. والآيات بمثل ~~هذا كثيرة جدا. وروي عن مجاهد أن سبب نزول هذه الآية الكريمة أن ~~أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله. فقرأ عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا # النحل 80 فقال الأعرابي نعم! قال { وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا } النحل80 الآية. قال الأعرابي نعم! ثم قرأ عليه كل ~~ذلك يقول الأعرابي نعم! حتى بلغ # كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون # النحل 81 فولى الأعرابي. فأنزل الله { يعرفون نعمة الله ~~ثم ينكرونها } النحل 83 الآية. وعن السدي رحمه الله { ~~يعرفون نعمة الله } أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~ينكرونها. أي يكذبونه وينكرون صدقه. وقد بين جل وعلا أن بعثة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فيهم من منن الله عليهم. كما قال تعالى # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # آل عمران ms1008 164 الآية. وبين في موضع آخر أنهم قابلوا هذه النعمة بالكفران. ~~وذلك في قوله # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # إبراهيم 28. وقيل يعرفون نعمة الله في الشدة، ثم ينكرونها في الرخاء. ~~وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك، كقوله # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت 65، ونحوها من الآيات - إلى غير ذلك من الأقوال في الآية. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأكثرهم الكافرون } ~~النحل 83 قال بعض العلماء معناه أنهم كلهم كافرون. أطلق الأكثر وأراد ~~الكل. قال القرطبي والشوكاني. وقال الشوكاني أو أراد بالأكثر العقلاء دون ~~الأطفال ونحوهم. أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر ~~بعضهم كفر جهل. ### || [16.84] # قوله تعالى { ثم لا يؤذن للذين كفروا }. لم يبين تعالى ~~في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله { لا يؤذن } ولكنه بين في ~~المرسلات أن متعلق الإذن الاعتذار. أي لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنهم ~~ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 35-36. فإن قيل ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، ~~وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم. كقوله تعالى عنهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23، وقوله # ما كنا نعمل من سوء # النحل 28، وقوله # بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا # غافر 74، ونحو ذلك من الآيات. فالجواب - من أوجه منها - أنهم يعتذرون ~~حتى إذا قيل لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير ~~والشهيق. كما قال تعالى # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون # النمل 85. ومنها - أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة. أما ~~الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب أنه ليس ~~بشيء، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله # صم بكم # البقرة 18 مع قوله عنهم # وإن يقولوا تسمع لقولهم # المنافقون 4 أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. وقال عنهم أيضا # فإذا ذهب الخوف سلقوكم ms1009 بألسنة حداد # الأحزاب 19 فهذا الذي ذكره جل و علا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم، مع تصريحه ~~بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح. ~~وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي # وإن كلام المرء في غير كنهه لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها # وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في مواضع ~~منه. والترتيب ب " ثم " في قوله في هذه الآية الكريمة { لا يؤذن ~~للذين كفروا } على قوله { ويوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا } لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر ~~بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم. قوله ~~تعالى { ولا هم يستعتبون }. اعلم أولا- أن استعتب تستعمل في ~~اللغة بمعنى طلب العتبى. أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره. وتستعمل ~~أيضا في اللغة بمعنى أعتب إذا أعطى العتبى. أي رجع إلى ما يحب العاتب ~~ويرضى، فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في قوله { ولا هم يستعتبون } ~~وجهين من التفسير متقاربي المعنى. قال بعض أهل العلم { ولا هم ~~يستعتبون } أي لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ~~ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا. وقال ~~بعض العلماء { ولا هم يستعتبون } أي يعتبون، بمعنى يزال عنهم ~~العتب، ويعطون العتبى وهي الرضا. # لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين. وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة ~~الجمهور # وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين # فصلت 24 أي وإن يطلبوا العتبى - وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم - فما هم من ~~المعتبين. بصيغة اس المفعول أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم. لأن العرب ~~تقول أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي # أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع # أي لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضاه. وقول النابغة # فإن كنت مظلوما فعبد ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب # وأما قول بشر بن أبي خازم # غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار ms1010 فأعتبوا بالصيلم # يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل. فهو من قبيل التهكم، كقول ~~عمرو بن معدي كرب # وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع # لأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية. وأما على قراءة من قرأ # وإن يستعتبوا # فصلت 24 بالبناء للمفعول # فما هم من المعتبين # فصلت 24 بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى ~~الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من المعتبين أي الراجعين ~~إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولا، وهذه ~~القراءة كقوله تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # الأنعام 28. ### || [16.85] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف ~~عنهم، ولا ينظرون أي لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. وبين ~~أنهم يرون النار وأنها تراهم، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم. ~~كقوله تعالى # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا ~~هم ينظرون # الأنبياء 39-40، وقوله # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~ولم يجدوا عنها مصرفا # الكهف 53، وقوله # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # الفرقان 12، وقوله # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ~~تكاد تميز من الغيظ # الملك 7-8، وقوله # ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا # البقرة 165 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.86] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا ~~معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون ~~لهم كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون! وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء ms1011 وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # الأحقاف 5-6، وقوله # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # مريم 81-82، وقوله # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين # العنكبوت 25، وقوله # وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم # القصص 64، وقوله # فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون # يونس 28، إلى غير ذلك من الآيات. فإن قيل كيف كذبتهم آلهتهم ونفوا أنهم ~~عبدوهم، مع أن الواقع خلاف ما قالوا، وأنهم كانوا يعبدونهم في دار الدنيا ~~من دون الله! فالجواب -أن تكذيبهم لهم منصب على زعمهم أنهم آلهة، وأن ~~عبادتهم حق، وأنها تقربهم إلى الله زلفى. ولا شك أن كل ذلك من أعظم الكذب ~~وأشنع الافتراء. ولذلك هم صادقون فيما ألقوا إليهم من القول، ونطقوا فيه ~~بأنهم كاذبون. ومراد الكفار بقولهم لربهم هؤلاء شركاؤنا، قيل ليحملوا ~~شركاءهم تبعة ذنبهم. وقيل ليكونوا شركاءهم في العذاب، كما قال تعالى # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار # الأعراف 38، وقد نص تعالى على أنهم وما يعبدونه من دون الله في النار ~~جميعا في قوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 الآية. وأخرج من ذلك الملائكة وعيسى وعزيرا بقوله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # الأنبياء 101 الآية، لأنهم ما عبدوهم برضاهم. بل لو أطاعوهم لأخلصوا ~~العبادة لله وحده جل وعلا. ### || [16.87] # قوله تعالى { وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون }. إلقاؤهم إلى الله السلم هو ~~انقيادهم له، وخضوعهم. حيث لا ينفعهم ذلك كما تقدم في قوله # فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء # النحل 28. والآيات الدالة على ذلك كثيرة. كقوله # بل هم اليوم مستسلمون # الصافات 26 وقوله # وعنت الوجوه للحي القيوم # طه 111 ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفا من ذلك في الكلام على قوله ~~{ فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء }. وقوله { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي غاب عنهم واضمحل ما ~~كانوا يفترونه. ms1012 من أن شركاءهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى. كما قال ~~تعالى # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # يونس 18 الآية، وكقوله # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # الزمر 3. وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة. كقوله تعالى # وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # يونس 30، وقوله # فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون # القصص 75. وقد قدمنا معاني " الضلال " في القرآن وفي اللغة بشواهدها. ### || [16.88] # اعلم أولا أن " صد " تستعمل في اللغة العربية استعمالين أحدهما - أن ~~تستعمل متعدية إلى المفعول، كقوله تعالى # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # الفتح 25 الآية، ومضارع هذه المتعدية " يصد " بالضم على القياس، ومصدرها ~~" الصد " على القياس أيضا. والثاني - أن تستعمل " صد " لازمة غير متعدية ~~إلى المفعول، ومصدر هذه " الصدود " على القياس، وفي مضارعها الكسر على ~~القياس، والضم على السماع. وعليهما القراءتان السبعيتان في قوله # إذا قومك منه يصدون # الزخرف 57 بالكسر والضم. فإذا عرفت ذلك - فاعلم أن قوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { وصدوا عن سبيل الله } محتمل لأن تكون " صد " ~~متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه. على حد قوله في الخلاصة # وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر # ومحتمل لأن تكون " صد " لازمة غير متعدية إلى المفعول، ولكن في الآية ~~الكريمة ثلاث قرائن تدل على أن " صد " متعدية، والمفعول محذوف، أي وصدوا ~~الناس عن سبيل الله. الأولى - أنا لو قدرنا " صد " لازمة، وأن معناها ~~صدودهم في أنفسهم عن الإسلام - لكان ذلك تكرارا من غير فائدة مع قوله { ~~الذين كفروا } بل معنى الآية كفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدين ~~فحملوه على الكفر أيضا. القرينة الثانية - قوله تعالى { زدناهم ~~عذابا فوق العذاب } النحل88 فإن هذه الزيادة من العذاب لأجل ~~إضلالهم غيرهم، والعذاب المزيدة فوقه هو عذابهم على كفرهم في أنفسهم. ~~بدليل قوله في المضلين الذين أضلوا غيرهم # أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم # النحل 25 الآية، وقوله # وليحملن أثقالهم ms1013 وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 الآية كما تقدم إيضاحه. القرينة الثالثة - قوله { بما ~~كانوا يفسدون } فإنه يدل على أنهم كانوا يفسدون على غيرهم مع ~~ضلالهم في أنفسهم، وقوله { فوق العذاب } أي الذي استحقوه بضلالهم ~~وكفرهم. وعن ابن مسعود. أن هذا العذاب المزيد عقارب أنيابها كالنخل ~~الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم. أعاذنا ~~الله وإخواننا المسلمين منها! والعلم عند الله تعالى. ### || [16.89] # قوله تعالى { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ~~من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ~~ونزلنا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يبعث ~~في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه ~~يأتي بنبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا علينا. وبين هذا المعنى في غير ~~هذا الموضع. كقوله # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض # النساء 41-42 الآية، وكقوله # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم # المائدة 109، وكقوله # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # الأعراف 6، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما # " عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقرأ علي قال فقلت يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال " نعم. إني ~~أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت " سورة النساء " حتى أتيت إلى هذه الآية { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } النساء41 فقال " حسبك الآن " فإذا عيناه ~~تذرفان اه " # وقوله تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه نزل على رسوله هذا ~~الكتاب العظيم تبيانا لكل شيء. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله # ما فرطنا في الكتاب من شيء # الأنعام 38 على القول بأن المراد بالكتاب فيها القرآن. أما على القول ~~بأنه اللوح المحفوظ. فلا بيان بالآية. وعلى كل حال فلا شك أن القرآن فيه ms1014 ~~بيان كل شيء. والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه. وهي قوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7. وقال السيوطي في " الإكليل في استنباط التنزيل " قال تعالى { ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وقال # ما فرطنا في الكتاب من شيء # الأنعام 38، وقال صلى الله عليه وسلم # " ستكون فتنة ". قيل وما المخرج منها؟ قال " كتاب الله فيه نبأ ما ~~قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم " # أخرجه الترمذي، وغيره وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا خديج بن معاوية، ~~عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال من أراد العلم فعليه بالقرآن. ~~فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي أراد به أصول العلم. وقال ~~الحسن البصري أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة التوارة، ~~والإنجيل، والزبور، والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان، ثم أودع ~~علوم القرآن المفصل، ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب. # فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكتب المنزلة. أخرجه البيهقي " في ~~الشعب ". وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه جميع ما تقوله الأمة شرح ~~للسنة، وجميع شرح السنة شرح للقرآن. وقال بعض السلف ما سمعت حديثا إلا ~~التمست له آية من كتاب الله. وقال سعيد بن جبير ما بلغني حديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله. أخرجه ~~ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب ~~الله. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود أيضا أنزل في القرآن كل علم، ~~وبين لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. أخرجه ابن ~~جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة ". # وقال الشافعي أيضا جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما ~~فهمه من القرآن. قلت ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم ms1015 # " إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في ~~كتابه " # رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة. وقال الشافعي أيضا ~~ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى ~~فيها. فإن قيل من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟ قلنا ذلك مأخوذ من كتاب ~~الله في الحقيقة. لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وفرض علينا الأخذ بقوله. وقال الشافعي مرة بمكة سلوني عما شئتم، ~~أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال ~~بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7 وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، ~~عن حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # وحدثنا سفيان، عن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ~~عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور. وروى البخاري عن ابن مسعود ~~قال لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، ~~المغيرات لخلق الله، فقالت له امرأة في ذلك. فقال وما لي لا ألعن من لعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله. فقالت لقد قرأت ما بين ~~اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟! قال لئن قرآتيه لقد وجدتيه! أما قرأت # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7؟ قالت بلى. قال فإنه قد نهى عنه. وقال ابن برجان ما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن، أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه ~~من فهم، أو عمه عنه من عمه، وكذا كل ما حكم أو قضى به. وقال غيره ما من ~~شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى. حتى إن بعضهم ~~استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ms1016 ثلاثا وستين من قوله " في سورة ~~المنافقين " # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # المنافقون 11 فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها " بالتغابن " ليظهر ~~التغابن في فقده. وقال المرسي جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم ~~يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~خلا ما استأثر الله به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة ~~وأعلامهم. مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود، وابن عباس حتى قال لو ~~ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله. ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان، ~~ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما ~~حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه. فنوعوا علومه، وقامت كل ~~طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج ~~حروفه وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأجزائه، وأنصافه وأرباعه، وعدد ~~سجداته، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة. من ~~غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه. فسموا القراء. واعتنى النحاة ~~بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة وغيرها. ~~وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ~~ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به. حتى إن بعضهم أعرب مشكله. وبعضهم ~~أعربه كلمة كلمة. واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظا يدل على ~~معنى واحد، ولفظا يدل على معنيين، ولفظا يدل على أكثر، فأجروا الأول ~~على حكمه، وأوضحوا الخفي منه، وخاضوا إلى ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين ~~أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره. واعتنى الأصوليون ~~بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية. مثل قوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فاستنبطوا منه أدلة على ~~وحدانية الله ووجوده، وبقائه وقدمه، وقدرته وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق ~~به. وسموا هذا العلم ب " أصول الدين ". وتأملت طائفة معاني خطابه. فرأت ~~منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك فاستنبطوا منه ~~أحكام ms1017 اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار، والنص ~~والظاهر، والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك ~~من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء. # وسموا هذا الفن " أصول الفقه ". وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر ~~فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفروعه، وبسطوا ~~القول في ذلك بسطا حسنا. وسموه ب " علم الفروع " وب " الفقه أيضا ". ~~وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية، ونقلوا ~~أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم. حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء ~~وسموا ذلك ب " التاريخ والقصص ". وتنبه آخرون لما فيه من الحكم ~~والأمثال، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال. ~~فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت ~~والمعاد، والنشر والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار - فصولا من ~~المواعظ، وأصولا من الزواجر. فسموا بذلك " الخطباء والوعاظ ". واستنبط ~~قوم مما فيه من أصول التعبير. مثل ما ورد في قصة يوسف من البقرات السمان، ~~وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤية الشمس والقمر والنجوم ساجدات، وسموه " ~~تعبير الرؤيا ". واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب. فإن عز عليهم ~~إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة الكتاب، فإن عسر فمن الحكم ~~والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي ~~أشار إليه القرآن بقوله # وأمر بالعرف # الأعراف 199. وأخذ قوم مما في آيات المواريت من ذكر السهام وأربابها، ~~وغير ذلك " علم الفرائض " واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث، والربع ~~والسدس والثمن " حساب الفرائض " ، ومسائل العول. واستخرجوا منه أحكام ~~الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في ~~الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله، والنجوم والبروج، وغير ذلك - ~~فاستخرجوا " علم المواقيت ". ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة ~~اللفظ وبديع النظم، وحسن السياق والمبادىء، والمقاطيع والمخالص والتلوين ~~في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. فاستنبطوا منه " علم المعاني ~~والبيان والبديع ". ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من ~~ألفاظه معان ودقائق، جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل الغناء ~~والبقاء، والحضور ms1018 والخوف والهيبة، والأنس والوحشة، والقبض والبسط، وما ~~أشبه ذلك. هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه. وقد احتوى على ~~علوم أخر من علوم الأوائل، مثل الطب والجدل والهيئة، والهندسة والجبر، ~~والمقابلة والنجامة، وغير ذلك. أما الطب - فمداره على حفظ نظام الصحة، ~~واستحكام القوة. وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعا للكيفيات المتضادة، ~~وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله # وكان بين ذلك قواما # الفرقان 67. وعرفناه فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء ~~للبدن بعد اعتلاله في قوله # شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس # النحل 69. # ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب، وشفاء الصدور. وأما الهيئة - ففي ~~تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السموات والأرض، وما بث في ~~العالم العلوي والسفلي من المخلوقات. وأما الهندسة - ففي قوله # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب # المرسلات 30-31 فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. ~~وأما الجدل - فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج، والقول ~~بالموجب، والمعارضة، وغير ذلك شيئا كثيرا، ومناظرة إبراهيم أصل في ذلك ~~عظيم. وأما الجبر والمقابلة - فقد قيل إن أوائل السور ذكر عدد وأعوام ~~وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة ~~الدنيا، وما مضى وما بقي، مضروبا بعضها في بعض. وأما النجامة - ففي قوله # أو أثارة من علم # الأحقاف 4 فقد فسره ابن عباس بذلك. وفيه من أصول الصنائع، وأسماء الآلات ~~التي تدعو الضرورة إليها - فمن الصنائع الخياطة في قوله # وطفقا يخصفان # الأعراف 22 الآية. والحدادة في قوله تعالى # آتوني زبر الحديد # الكهف 96، وقوله # وألنا له الحديد # سبأ 10 الآية. والبناء في آيات، والنجارة # أن اصنع الفلك # المؤمنون 27، والغزل # نقضت غزلها # النحل 92، والنسج # كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # العنكبوت 41، والفلاحة # أفرأيتم ما تحرثون # الواقعة 63 في آيات أخر، والصيد في آيات، والغوص # والشياطين كل بنآء وغواص # ص 37 # وتستخرجون حلية # فاطر 12، والصياغة # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا # الأعراف ms1019 148 الآية. والزجاجة # صرح ممرد من قوارير # النمل 44، # المصباح في زجاجة # النور 35، والفخارة # فأوقد لي يهامان على الطين # القصص 38، والملاحة # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # الكهف 79، والكتابة # علم بالقلم # العلق 4 في آيات أخر، والخبز والطحن # أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه # يوسف 36، والطبخ # بعجل حنيذ # هود 69، والغسل والقصارة # وثيابك فطهر # المدثر 4، # قال الحواريون # آل عمران 52 وهم القصارون، والجزارة # إلا ما ذكيتم # المائدة 3، والبيع والشراء في آيات كثيرة، والصبغ # صبغة الله # البقرة 138 الآية، # جدد بيض وحمر # فاطر 27 الآية، والحجارة # وتنحتون من الجبال بيوتا # الشعراء 149، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي # وما رميت إذ رميت # الأنفال 17، # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # الأنفال 60. وفيه من أسماء الآلات، وضروب المأكولات والمشروبات ~~والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات - ما يحقق معنى قوله # ما فرطنا في الكتاب من شيء # الأنعام 38 انتهى كلام المرسي ملخصا مع زيادات. قلت قد اشتمل كتاب الله ~~على كل شيء. أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل، إلا وفي ~~القرآن ما يدل عليها. وفيه علم عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، ~~وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل ~~والملائكة، وعيون أخبار الأمم السالفة. كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من ~~الجنة، وفي الولد الذي سماه عبد الحارث، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة ~~عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة، وقوم لوط، وقوم شعيب الأولين ~~والآخرين فإنه أرسل مرتين. # وقوم تبع، ويونس، وإلياس، وأصحاب الرس، وقصة موسى في ولادته وفي إلقائه ~~في اليم، وقتله القبطي، ومسيره إلى مدين وتزوجه ابنة شعيب، وكلامه تعالى ~~بجانب الطور، وبعثه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، القوم ~~الذين خرج بهم وأخذتهم الصعقة، وقصة القتال وذبح البقرة، وقصته في قتال ~~الجبارين، وقصته مع الخضر والقوم الذين ساروا في سرب من الأرض إلى الصين، ~~وقصة طالوت وداود مع جالوت وقتله، وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، ~~وقصة القوم الذين خرجوا فرارا ms1020 من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة ~~إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته النمروذ، ووضعه إسماعيل مع أمه بمكة، ~~وبنائه البيت، وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها، وقصة مريم وولادتها ~~عيسى وإرساله ورفعه، وقصة زكريا وابنه يحيى، وأيوب وذي الكفل، وقصة ذي ~~القرنين ومسيره إلى مطلع الشمس ومغربها وبنائه السد، وقصة أصحاب الكهف ~~والرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب ~~الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وقصة مؤمن آل فرعون، وقصة أصحاب ~~الفيل، وقصة الجبار الذي أراد أن يصعد إلى السماء. وفيه من شأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى وبعثه وهجرته. ومن ~~غزواته غزوة بدر { في سورة الأنفال وأحد في آل عمران وبدر الصغرى فيها، ~~والخندق في الأحزاب، والنضير في الحشر، والحديبية في الفتح، وتبوك في ~~براءة، وحجة الوادع في المائدة، ونكاحه زينب بنت جحش، وتحريم سريته، ~~وتظاهر أزواجه عليه، وقصة الإفك، وقصة الإسراء، وانشقاق القمر، وسحر ~~اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت، وقبض الروح ~~وما يفعل بها بعد صعودها إلى السماء، وفتح الباب للمؤمنة وإلقاء الكافرة، ~~وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، وأشراط الساعة الكبرى العشرة، ~~وهي نزول عيسى، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، والدابة، والدخان، ورفع ~~القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وإغلاق باب التوبة، والخسف. وأحوال البعث ~~من نفخة الصور، والفزع، والصعق، والقيام، والحشر والنشر، وأهوال الموقف، ~~وشدة حر الشمس، وظل العرش، والصراط، والميزان، والحوض، والحساب لقوم، ~~ونجاة آخرين منه، وشهادة الأعضاء، وإيتاء الكتب بالأيمان والشمائل وخلف ~~الظهور، والشفاعة، والجنة وأبوابها، وما فيها من الأشجار والثمار ~~والأنهار، والحلي والألوان، والدرجات، ورؤيته تعالى، والنار وما فيها من ~~الأودية، وأنواع العقاب، وألوان العذاب، والزقوم والحميم، إلى غير ذلك ~~مما لو بسط جاء في مجلدات. وفي القرآن جميع أسمائه تعالى الحسنى كما ورد ~~في حديث. وفيه أسمائه مطلقا ألف اسم، وفيه من أسماء النبي صلى الله ~~عليه وسلم جملة. وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون. # وفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة وخمس عشرة. وفيه أنواع ms1021 الكبائر وكثير من ~~الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم - هذه ~~جملة القول في ذلك اه كلام السيوطي في الإكليل. وإنما أوردناه برمته مع ~~طوله. لما فيه من إيضاح أن القرآن فيه بيان كل شيء. وإن كانت في الكلام ~~المذكور أشياء جديرة بالانتقاد تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع ~~كثرة الفائدة في الكلام المذكور في الجملة. وفي قوله تعالى { تبيانا ~~لكل شيء } وجهان من الإعراب أحدهما - أنه مفعول من أجله. والثاني ~~- أنه مصدر منكر واقع حالا. على حد قوله في الخلاصة # ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع # تنبيه أظهر القولين أن التبيان مصدر، ولم يسمع كسر تاء التفعال مصدرا ~~إلا في التبيان والتلقاء. وقال بعض أهل العلم التبيان اسم لا مصدر. قال ~~أبو حيان في البحر والظاهر أن " تبيانا " مصدر جاء على تفعال، وإن كان ~~باب المصادر يجيء على تفعال بالفتح كالترداد والتطواف. ونظير تبيان في ~~كسر تائه تلقاء، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. وقال ابن عطية " ~~تبيانا " اسم وليس بمصدر. وهو قول أكثر النحاة. وروى ثعلب عن ~~الكوفيين، والمبرد عن البصريين أنه مصدر، ولم يجىء على تفعال من المصادر ~~إلا ضربان تبيان وتلقاء اه - والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { ~~وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم هدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ويفهم من ~~دليل خطاب هذه الآية الكريمة - أي مفهوم مخالفتها - أن غير المسلمين ~~ليسوا كذلك. وهذا المفهوم من هذه الآية صرح به جل وعلا في مواضع أخر، ~~كقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت 44، وقوله # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # الإسراء 82، وقوله جل وعلا # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ms1022 ~~كافرون # التوبة 124-125، وقوله # وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا # المائدة 64 في الموضعين. ### || [16.90] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يأمر خلقه بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى. وأنه ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي. لأجل أن يتعظوا ~~بأوامره ونواهيه، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه. وحذف مفعول " يأمر " ، " ~~وينهى " لقصد التعميم. ومن الآيات التي أمر فيها بالعدل قوله تعالى # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # المائدة 8، وقوله # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل إن الله نعما يعظكم به # النساء 58. ومن الآيات التي أمر فيها بالإحسان قوله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين # البقرة 195، وقوله # وبالوالدين إحسانا # البقرة 83، وقوله # وأحسن كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في ~~الأرض # القصص 77، وقوله # وقولوا للناس حسنا # البقرة 83 وقوله # ما على المحسنين من سبيل # التوبة 91. ومن الآيات التي أمر فيها بإيتاء ذي القربي قوله تعالى # فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ~~ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك ~~هم المفلحون # الروم 38، وقوله # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا # الإسراء 26 وقوله # وآتى المال على حبه ذوي القربى # البقرة 177 الآية، وقوله # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة # البلد 14-15، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات التي نهى فيها عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي قوله # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # الأنعام 151 الآية، وقوله # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق # الأعراف 33 الآية، وقوله # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون ~~الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون # الأنعام 120 والمنكر وإن لم يصرح باسمه في هذه الآيات، فهو داخل فيها. ~~ومن الآيات التي جمع فيها بين الأمر بالعدل والتفضل بالإحسان قوله # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # النحل 126 فهذا عدل، ثم ms1023 دعا إلى الإحسان بقوله # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # النحل 126 وقوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # الشورى 40. وقوله # والجروح قصاص # المائدة 45 فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله # فمن تصدق به فهو كفارة له # المائدة 45، وقوله # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # الشورى 41 الآية، فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # الشورى 43، وقوله # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # النساء 148 فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ~~فإن الله كان عفوا قديرا # النساء 149 إلى غير ذلك من الآيات. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن العدل في ~~اللغة القسط والإنصاف، وعدم الجور. وأصله التوسط بين المرتبتين. أي ~~الإفراط والتفريط. فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل. والإحسان مصدر ~~أحسن، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحو أحسن إلى والديك. ومنه قوله تعالى عن ~~يوسف # وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن # يوسف 10 الآية. وتستعمل متعدية بنفسها. كقولك أحسن العامل عمله، أي ~~اجاده وجاء به حسنا. والله جل وعلا يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين، ~~فهما داخلان في الآية الكريمة، لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل ~~أحسن فيه صاحبه. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان في حديث ~~جبريل بقوله # " أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وقد قدمنا ذلك في سورة هود. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في ~~الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا. كقول ابن عباس العدل لا إله ~~إلا الله، والإحسان أداء الفرائض. لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين ~~الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط. ومن أدى فرائض الله على الوجه ~~الأكمل فقد أحسن. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف ~~لا يزيد على الواجبات # " أفلح ms1024 إن صدق " # وكقول سفيان العدل استواء العلانية والسريرة. والإحسان أن تكون السريرة ~~أفضل من العلانية. وكقول علي رضي الله عنه العدلالإنصاف. والإحسان ~~التفضل. إلى غير ذلك من أقوال السلف. والعلم عند الله تعالى وقوله { ~~يعظكم لعلكم تذكرون }. الوعظ الكلام الذي تلين له ~~القلوب. تنبيه فإن قيل يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي. ~~كقوله هنا { يعظكم لعلكم تذكرون } مع أنه ما ذكر إل ~~االأمر والنهي في قوله { إن الله يأمر بالعدل } النحل 90 ~~إلى قوله { وينهى عن الفحشاء } النحل90 الآية، وكقوله في ~~سورة البقرة بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة # ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم ~~الآخر # البقرة 232، وقوله في الطلاق في نحو ذلك أيضا # ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر # الطلاق 2. وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا # النور 17 الآية. مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب ~~والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي. فالجواب - أن ضابط الوعظ هو الكلام ~~الذي تلين له القلوب وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه. ~~فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما ~~عند الله من الثواب في امتثاله. وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في ~~عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه. # فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفا ~~وطمعا. والفحشاء في لغة العرب الخصلة المتناهية في القبح. ومنه قيل ~~لشديد البخل فاحش. كما في قول طرفة في معلقته # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد # والمنكر اسم مفعول أنكر. وهو في الشرع ما أنكره الشرع ونهى عنه وأوعد ~~فاعله العقاب. والبغي الظلم. وقد بين تعالى أن الباغي يرجع ضرر بغيه على ~~نفسه في قوله # يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم # يونس 23، وقوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43. وقوله { ذي القربى }. أي صاحب القرابة من جهة الأب أو ~~الأم، أو ms1025 هما معا. لأن إيتاء ذي القربى صدقة وصلة رحم. والإيتاء ~~الإعطاء. وأحد المفعولين محذوف. لأن المصدر أضيف إلى المفعول الأول وحذف ~~الثاني. والأصل وإيتاء صاحب القرابة. كقوله # وآتى المال على حبه ذوي القربى # البقرة 177 الآية. ### || [16.91] # قوله تعالى { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم }. أمر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا. وظاهر ~~الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين ~~الناس. وكرر هذا في مواضع أخر. كقوله في الأنعام # وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به # الأنعام 152 الآية، وقوله في الإسراء # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # الإسراء 34. وقد قدمنا هذا في الأنعام. وبين في موضع آخر أن من نقض ~~العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ~~ذلك. ذلك في قوله # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى ~~بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما # الفتح 10. وبين في موضع آخر أن نقض الميثاق يستوجب اللعن. وذلك في قوله # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم # المائدة 13 الآية. ### || [16.96] # قوله تعالى { ما عندكم ينفد وما عند الله باق }. بين ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ما عنده من نعيم الجنة باق لا يفنى. ~~وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # عطآء غير مجذوذ # هود 108، وقوله # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # ص 54، وقوله # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # الكهف 2-3 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { ولنجزين ~~الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }. ~~أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم - أي ~~جزاء عملهم - بأحسن ما كانوا يعملون. وبين في موضع آخر أنه جزاء بلا ~~حساب. كما في قوله # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # الزمر 10. تنبيه استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن فعل المباح ~~حسن. لأن قوله في هذه الآية { بأحسن ما كانوا يعملون } ~~صيغة تفضيل ms1026 تدل على المشاركة، والواجب أحسن من المندوب، والمندوب أحسن من ~~المباح. فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب، دون مشاركهما في الحسن ~~وهو المباح. وعليه درج في مراقي السعود في قوله # ما ربنا لم ينه عنه حسن وغيره القبيح والمستهجن # إلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن. ومن ذلك قوله تعالى لموسى # فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها # الأعراف 145 الآية. فالجزاء المنصوص عليه في قوله # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # النحل 126 حسن. والصبر المذكور في قوله # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # النحل 126 أحسن. وهكذا. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف ~~عنه " ولنجزين " بنون العظمة. وقرأه الباقون بالياء، وهو الطريق الثاني ~~لابن ذكوان. ### || [16.97] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كل عامل سواء كان ذكرا أو أنثى ~~عمل عملا صالحا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة، وليجزينه أجره ~~بأحسن ما كان يعمل. اعلم أولا - أن القرآن العظيم دل على أن العمل ~~الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور الأول - موافقته لما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم. لأن الله يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر 7. الثاني - أن يكون خالصا لله تعالى. لأن الله جل وعلا يقول # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # البينة 5، # قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه # الزمر 14-15. الثالث - أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة. لأن ~~الله يقول # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # النحل 96 فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما ~~قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة، ~~كقوله في عمل غير المؤمن # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # الفرقان 23، وقوله # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # هود 16، وقوله # أعمالهم كسراب بقيعة # النور 39 الآية، وقوله # أعمالهم ms1027 كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف # إبراهيم 18،إلى غير ذلك من الآيات. واختلف العلماء في المراد بالحياة ~~الطيبة في هذه الآية الكريمة. فقال قوم لا تطيب الحياة إلا في الجنة، ~~فهذه الحياة الطيبة في الجنة. لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب ~~والأكدار، والأمراض والآلام والأحزان، ونحو ذلك وقال تعالى # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # العنكبوت 64. والمراد بالحيوان الحياة. وقال بعض العلماء الحياة الطيبة ~~في هذه الآية الكريمة في الدنيا، وذلك بأن يوفق الله عبده إلى ما يرضيه، ~~ويرزقه العافية والرزق الحلال. كما قال تعالى # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار # البقرة 201. قال مقيدة عفا الله عنه وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن ~~المراد بالحياة الطيبة في الآية حياته في الدنيا حياة طيبة. وتلك القرينة ~~هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة حياته في الجنة في قوله { ~~فلنحيينه حياة طيبة } صار قوله { ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } تكرارا معه. لأن تلك ~~الحياة الطيبة هي أجر عملهم. بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا. ~~فإنه يصير المعنى فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة ~~بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح. وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيده ~~السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم. # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة والحياة الطيبة تشمل ~~وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها ~~بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها ~~بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة، ووهب بن منبه - إلى أن قال - وقال ~~الضحاك هي الرزق الحلال، والعبادة في الدنيا. وقال الضحاك أيضا - هي ~~العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح - أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. ~~كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الله ابن يزيد، حدثنا ~~سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ms1028 ~~عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه " # ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرى به. وروى الترمذي والنسائي ~~من حديث أبي هانيء. عن أبي على الجنبي، عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به " # وقال الترمذي هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد، حدثنا همام ~~عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في ~~الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ~~تكن له حسنة يعطى بها خيرا " # انفرد بإخراجه مسلم اه من ابن كثير. وهذه الأحاديث ظاهرة في ترجيح ~~القول بأن الحياة الطيبة في الدنيا. لأن قوله صلى الله عليه وسلم # " أفلح " # يدل على ذلك لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة. وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " يعطى بها في الدنيا " # يدل على ذلك أيضا. وابن كثير إنما ساق الأحاديث المذكورة لينبه ~~على أنها ترجح القول المذكور. والعلم عند الله تعالى. وقد تقرر في الأصول ~~أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس وإليه ~~أشار في مراقي السعود جامعا له مع نظائر يجب فيها تقديم الراجح من ~~الاحتمالين بقوله # كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال ومن تأسس عموم وبقا ~~الأفراد والإطلاق مما ينتفى كذاك ترتيب لإيجاب العمل بماله الرجحان ~~مما يحتمل # ومعنى كلام صاحب المراقي أنه يقدم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل ~~المرجوح، كالتأصل، فإنه يقدم على الزيادة نحو # ليس كمثله شيء # الشورى 11 يحتمل كون الكاف زائدة، ويحمل أنها غير زائدة. فالمراد بالمثل ~~الذات. # كقول العرب مثلك لا يفعل هذا. يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا ~~فالمعنى ليس كالله شيء. ونظيره ms1029 من إطلاق المثل وإرادة الذات # وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله # الأحقاف 10 أي على نفس القرآن لا شيء آخر مماثل له، وقوله # كمن مثله في الظلمات # الأنعام 122 أي كمن هو في الظلمات. وكالاستقلال فإنه يقدم على ~~الإضمار. كقوله تعالى # أن يقتلوا أو يصلبوا # المائدة 33 الآية. فكثير من العلماء يضمرون قيودا غير مذكورة فيقولون ~~أن يقتلو إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا..الخ. فالمالكية يرجحون أن الإمام ~~مخير بين المذكورات مطلقا. لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير ~~مذكورة. لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل. كما أشرنا إليه سابقا في ~~المائدة وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد وهو محل الشاهد. كقوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # في سورة الرحمن، وقوله # ويل يومئذ للمكذبين # في المرسلات. قيل تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه تأسيسا أرجح لما ~~ذكرنا. فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم. قيل لفظ ذلك التكذيب فلا ~~يتكرر منها لفظ. وكذا يقال في سورة المرسلات فيحمل على المكذبين بما ذكر، ~~قيل كل لفظ الخ. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنا إن حملنا الحياة الطيبة في ~~الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسا. وإن حملناها على حياة الجنة ~~تكرر ذلك مع قوله بعده { ولنجزينهم أجرهم } الآية. لأن ~~حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه. وقال أبو حيان في البحر والظاهر ~~من قول تعالى { فلنحيينه حياة طيبة } أن ذلك في الدنيا. ~~وهو قول الجمهور. ويدل عليه قوله { ولنجزينهم أجرهم } يعني ~~في الآخرة. ### || [16.98] # أظهر القولين في هذه الآية الكريمة أن الكلام على حذف الإرادة. أي فإذا ~~أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله..الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن ~~وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب ~~إليه بعض أهل العلم. والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن ~~وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها. كقوله # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة 6 ms1030 الآية، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر. وقوله # إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم # المجادلة 9 الآية. أي إذا أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم. لأن ~~النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى ~~كما هو واضح. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم ~~واجبة عند القراءة. لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول. وقال كثير ~~من أهل العلم إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وحكى عليه الإجماع أبو ~~جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وظاهر الآية أيضا الأمر بالاستعاذة عند ~~القراءة في الصلاة لعموم الآية. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.99-100] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين ~~المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولونه، ~~والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42، وقوله # لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # ص 82-83، وقوله # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا # الإسراء 65، وقوله # وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك # سبأ 21 الآية، وقوله # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # إبراهيم 22. واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآيات. فقال أكثر ~~أهل العلم هو الحجة، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة ~~الأوثان. وقال بعضهم ليس له سلطان عليهم. أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ~~ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد ب، { الذين يتولونه } الذين ~~يطعيونه فيوالونه بالطاعة. وأظهر الأقوال في قوله { والذين هم به ~~مشركون } النحل 100 أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى الله. ومعنى ~~كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي. كما يدل عليه قوله ~~تعالى # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم ms1031 عدو مبين # يس 60، وقوله عن إبراهيم # يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان # مريم 44 إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما ~~جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ~~ذلك. تنبيه فإن قيل أثبت الله للشيطان سلطانا على أوليائه في آيات. ~~كقوله هنا { إنما سلطانه على الذين يتولونه } ~~النحل 100 الآية، وقوله # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42 فالاستثناء يدل على أن له سلطانا على من اتبعه من الغاوين مع ~~أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخر. كقوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من ~~سلطان # سبأ 20-21 الآية. وقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # إبراهيم 22. فالجواب هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان ~~الذي نفاه، وذلك من وجهين الأول - أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله ~~لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من ~~حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق ~~السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني - أن الله لم يجعل له عليهم ~~سلطانا ابتداء ألبتة ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعاته ~~ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة. لأن الله يقول # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # النساء 76. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. ذكر هذا الجواب بوجهيه ~~العلامة ابن القيم رحمه الله. وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب ~~عن آيات الكتاب. ### || [16.101] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إذا بدل آية مكان آية، بأن نسخ ~~آية أو أنساها، وأتى بخير منها أو مثلها - أن الكفار يجعلون ذلك سببا ~~للطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم. بادعاء أنه كاذب على الله، مفتر ~~عليه زعما منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء، وهو الرأي المجدد، ~~وأن ذلك مستحيل على ms1032 الله. فيفهم عندهم من ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مفتر على الله، زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته، ولم يطرأ ~~له فيه رأي متجدد حتى ينسخه. والدليل على أن قوله { بدلنآ آية ~~مكان آية } معناه نسخنا آية وأنسيناها - قوله تعالى # ما ننسخ من آية أو ننسها # البقرة 106، وقوله # سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله # الأعلى 6-7 أي أن تنساه. والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها، لا بد ~~أن يأتي ببدل خير منها أو مثلها - قوله تعالى # نأت بخير منها أو مثلها # البقرة 106، وقوله هنا { بدلنآ آية مكان آية }. وما زعمه ~~المشركون واليهود من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء، وهو ~~الرأي المتجدد - ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل. لأن النسخ لا يلزمه ~~البداء ألبتة، بل الله جل وعلا يشرع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي ~~في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم ~~الجديد الذي فيه المصلحة. فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان ~~في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد ~~الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد ~~الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء، لأن الله عالم بأن حكمته ~~الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم ~~الأزلي كما هو واضح. وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من ~~المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا { والله أعلم بما ~~ينزل } وقوله # نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير # البقرة 106، وقوله # سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله إنه يعلم ~~الجهر وما يخفى # الأعلى 6-7 فقوله { إنه يعلم الجهر وما يخفى } بعد ~~قوله { إلا ما شآء الله } يدل عى أنه أعلم بما ينزل. فهو عالم ~~بمصلحة الإنساء، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي. مسائل تتعلق بهذه ~~الآية الكريمة المسألة ms1033 الأولى - لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ ~~عقلا وشرعا، ولا في وقوعه فعلا، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم ~~الأصفهاني - فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد. # لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن. والخطاب الثاني ~~دل على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ. فليس النسخ عنده ~~رفعا للحكم الأول. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ # رفع لحكم أو بيان الزمن بمحكم القرآن أو بالسنن # وإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين، زاعمين أنه يلزمه البداء كما ~~بينا. ومن هنا قالت اليهود إن شريعة موسى يستحيل نسخها. المسألة الثانية ~~- لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة. لأن الله جل وعلا يقول # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # يونس 15 - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع. ~~لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنه ما دام حيا ~~فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه في قول ~~الأمة، لأن اتباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من ~~التقييد بكونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما قال صاحب المراقي في ~~تعريف الإجماع # وهو الاتفاق من مجتهدي الأمة من بعد وفاة أحمد # وبعد وفاته ينقطع النسخ. لأنه تشريع، ولا تشريع ألبتة بعد وفاته صلى ~~الله عليه وسلم، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار ~~في مراقي السعود أيضا بقوله في النسخ # فلم يكن بالعقل أو مجرد الإجماع بل ينمى إلى المستند # وقوله " بل ينمى إلى المستند " يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن ~~نصا منسوخ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو ms1034 مستند ~~الإجماع، لا بنفس الإجماع. لما ذكرنا من منع النسخ به شرعا. وكذلك لا ~~يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق، وإليه أشار في المراقي بقوله # ومنع نسخ النص بالقياس هو الذي ارتضاه جل الناس # أى وهو الحق. المسألة الثالثة - اعلم أن ما يقوله بعض أهل الأصول من ~~المالكية والشافعية وغيرهم من جواز النسخ بلا بدل، وعزاه غير واحد ~~للجمهور، وعليه درج في المراقي بقوله # وينسخ الخف بما له ثقل وقد يجيء عاريا من البدل # أنه باطل بلا شك. والعجب ممن قال به العلماء الأجلاء مع كثرتهم، مع أنه ~~مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # البقرة 106 فلا كلام ألبتة لأحد بعد كلام الله تعالى # ومن أصدق من الله قيلا # النساء 122، # ومن أصدق من الله حديثا # النساء 87، # أأنتم أعلم أم الله # البقرة 140 فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ، وبين ~~الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء. ومعلوم أن الصدق والكذب في ~~الشرطية يتواردان على الربط. فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير ~~من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر. وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع ~~في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة # المجادلة 12 فإنه نسخ بقوله # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات # المجادلة 13 الآية، ولا بدل لهذا المنسوخ. فالجواب - أن له بدلا، وهو ~~أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها، ~~بدلا من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر. المسألة الرابعة - اعلم أنه يجوز ~~نسخ الأخف بالأثقل، والأثقل بالأخف. فمثال نسخ الأخف بالأثقل نسخ التخيير ~~بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى # وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين # البقرة 184 بأثقل منه، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # البقرة 185. ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله # فأمسكوهن ms1035 في البيوت # النساء 15 الآية، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأول منهما ~~في قوله # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # النور 2، وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ~~ثابتا، وهي قوله " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم " ومثال نسخ الأثقل بالأخف نسخ وجوب مصابرة المسلم ~~عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين # الأنفال 65 الآية، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه ~~في قوله # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين # الأنفال 66 الآية. وكنسخ قوله تعالى # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # البقرة 284 الآية، بقوله # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # البقرة 286. فإنه نسخ للأثقل بالأخف كما هو ظاهر. وكنسخ اعتداد المتوفى ~~عنها بحول، المنصوص عليه في قوله # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول # البقرة 240 الآية، بأخف منه هو الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، المنصوص عليه ~~في قوله # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # البقرة 234. تنبيه اعلم- أن في قوله جل وعلا # نأت بخير منها أو مثلها # البقرة 106 إشكالا من جهتين الأولى - أن يقال إما أن يكون الأثقل خيرا ~~من الأخف. لأنه أكثر أجرا، أو الأخف خير من الأثقل لأنه أسهل منه، وأقرب ~~إلى القدرة على الامتثال. وكون الأثقل خيرا يقتضي منع نسخه بالأخف، كما ~~أن كون الأخف خيرا يقتضي منع نسخه بالأثقل. # لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له، لا ما هو ~~دونه. وقد عرفت أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر. الجهة الثانية من ~~جهتي الإشكال في قوله { أو مثلها } لأنه يقال ما الحكمة في نسخ ~~المثل ليبدل منه مثله؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه؟ ~~والجواب عن الإشكال الأول - هو أن الخيرية تارة تكون ms1036 في الأثقل لكثرة ~~الأجر، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيرا جدا والامتثال غير شديد الصعوبة، ~~كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم. فإن في الصوم أجرا ~~كثيرا كما في الحديث القدسي # " إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " # ، والصائمون من خيار الصابرين. لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم. ~~والله يقول # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # الزمر 10 ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة ~~على الامتثال، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر. فالتسهيل برخصة الإفطار ~~منصوص بقوله # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # البقرة 184. وتارة تكون الخيرية في الأخف، وذلك فيما إذا كان الأثقل ~~المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال. فإن الأخف يكون خيرا منه، ~~لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضي الله، وذلك كقوله # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # البقرة 284 فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعبا ~~جدا، شاقا على النفوس، لا يكاد يسلم من الإخلال به، إلى من سلمه الله ~~تعالى - فلا شك أن نسخ ذلك بقوله # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # البقرة 286 خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق، وهكذا. والجواب عن ~~الإشكال الثاني - هو أن قوله # أو مثلها # البقرة 106 يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما. فلا ينافي أن ~~يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيرا من المنسوخ، ~~فيكون باعتبار ذاته مماثلا للمنسوخ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد ~~التي لاتوجد في المنسوخ خيرا من المنسوخ. وإيضاحه - أن عامة المفسرين ~~يمثلون لقوله { أو مثلها } بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت ~~الله الحرام. فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان. لأن ~~كل واحد منهما جهة من الجهات، وهي في حقيقة أنفسها متساوية، فلا ينافي أن ~~يكون الناسخ مشتملا على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيرا من المنسوخ بذلك ~~الاعتبار. فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه ms1037 نتائج متعددة مشار لها في ~~القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس، منها - أنه يسقط به احتجاج ~~كفار مكة على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم تزعم أنك على ملة ~~إبراهيم ولا تستقبل قبلته! وتسقط به حجة اليهود بقولهم تعيب ديننا ~~وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا! وتسقط به أيضا حجة علماء اليهود ~~فإنهم عندهم في التوراة أنه صلى الله عليه وسلم سوف يؤمر باستقبال بيت ~~المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام. # فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى ~~بيت الله الحرام، والفرض أنه لم يحول. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي ~~هي إدخاص هذه الحجج الباطلة بقوله # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # البقرة 150 ثم بين الحكمة بقوله # لئلا يكون للناس عليكم حجة # البقرة 150 الآية. وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته صلى الله عليه ~~وسلم إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام # البقرة 144 الآية. المسألة الخامسة - اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام ~~الأول - نسخ التلاوة والحكم معا، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ~~عائشة رضي الله عنها قالت " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ~~يحرمن.. " الحديث. فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعا. الثاني ~~- نسخ التلاوة وبقاء الحكم، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفا، وأية خمس ~~رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما. الثالث - نسخ الحكم وبقاء ~~التلاوة، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ. كآية المصابرة، والعدة، ~~والتخيير بين الصوم والإطعام، وحبس الزواني. كما ذكرنا ذلك كله آنفا. ~~المسألة السادسة - اعلم انه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن، ~~ونسخ السنة. بمتواتر السنة واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه، وفي نسخ ~~المتواتر بأخبار الآحاد. وخلافهم في هذه المسائل معروف. وممن قال بأن ms1038 ~~الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي رحمه ~~الله. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - هو أن ~~الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر. لأن الجميع وحي من الله تعالى. فمثال ~~نسخ السنة بالكتاب نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام. فإن ~~استقبال بيت المقدس أولا إنما وقع بالسنة لا بالقرآن، وقد نسخه الله ~~بالقرآن في قوله # فلنولينك قبلة ترضاها # البقرة 144 الآية. ومثال نسخ الكتاب بالسنة نسخ آية عشر رضعات تلاوة ~~وحكما بالسنة المتواترة. ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكما ~~بالسنة المتواترة. وسورة الخلع وسورة الحفد هما القنوت في الصبح عند ~~المالكية. وقد أوضح صاحب الدر المنثور وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من ~~كتاب الله ثم نسختا. # وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذي يظهر لنا أنه الصواب هو أن أخبار ~~الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا ~~معارضة بينهما. لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئا ~~جديدا لم يكن موجودا قبل، فلا معارضة بينهما ألبتة لاختلاف زمنهما. ~~فقوله تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة # الأنعام 145 الآية. يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم ~~الحمر الأهلية. لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح " بأن لحوم ~~الحمر الأهلية غير مباحة " فلا معارضة ألبتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين ~~تلك الآية النازلة قبله بسنين. لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما ~~نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح. فالتحقيق إن شاء الله - هو جواز ~~نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور ~~الأصوليين، ودرج على خلافه وفاقا لجمهور صاحب المراقي بقوله # والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب # ومن هنا تعلم - أنه لا دليل على بطلان قول من قال إن الوصية للوالدين ms1039 ~~والأقربين منسوخة بحديث # " لا وصية لوارث " # والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - اعلم أن التحقيق هو جواز ~~النسخ قبل التمكن من الفعل. فإن قيل ما الفائدة في تشريع الحكم أولا إذا ~~كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟ فالجواب - أن الحكمة ابتلاء المكلفين ~~بالعزم على الامتثال. ويوضح هذا -أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده، وقد ~~نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل. وبين أن ~~الحكمة في ذلك الابتلاء بقوله # إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح ~~عظيم # الصافات 106-107 ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل نسخ خمس وأربعين ~~صلاة ليلة الإسراء، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة، كما هو معروف. وقد ~~أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله # والنسخ من قبل وقوع الفعل جاء وقوعا في صحيح النقل # المسألة الثامنة - اعلم أن التحقيق أنه ما كل زيادة على النص تكون ~~نسخا، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله. بل الزيادة على النص ~~قسمان قسم مخالف النص المذكور قبله، وهذه الزيادة تكون نسخا على ~~التحقيق. كزيادة تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مثلا، على ~~المحرمات الأربعة المذكورة في آية # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه # الأنعام 145 الاية. لأن الحمر الأهلية ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية، ~~بل مقتضى الحصر بالنفي والإثبات في قوله # لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة # الأنعام 145 الآية - صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها. فكون ~~زيادة تحريمها نسخا أمر ظاهر. وقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنص، بل ~~تكون زيادة شيء سكت عنه النص الأول، وهذا لا يكون نسخا، بل بيان حكم شيء ~~كان مسكوتا عنه. كتغريب الزاني البكر، وكالحكم بالشاهد، واليمين في ~~الأموال. فإن القرآن في الأول أوجب الجلد وسكت عما سواه، فزاد النبي ~~حكما كان مسكوتا عنه، وهو التغريب. كما أن القرآن في الثاني فيه # فإن لم ms1040 يكونا رجلين فرجل وامرأتان # البقرة 282 الآية. وسكت عن حكم الشاهد واليمين، فزاد النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكما مسكوتا عنه. وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله # وليس نسخا كل ما أفادا فيما رسا بالنص إلا ازديادا # وقد قدمنا في الأنعام في الكلام على قوله { قل لا أجد في مآ ~~أوحي إلي محرما } الآية. ### || [16.102] # قوله تعالى { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } ~~الآية. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة ~~أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان ~~آية - أنه نزله عليه روح القدس من ربه جل وعلا. فليس مفتريا له. وروح ~~القدس جبريل، ومعناه الروح المقدس. أي الطاهر من كل ما لا يليق. وأوضح ~~هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # البقرة 97 الآية، وقوله # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # الشعراء 192-195، وقوله # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه # طه 114، وقوله # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # القيامة 16-18، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [16.103] # قوله تعالى { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر }. أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن ~~الكفار يقولون إن هذا القرآن الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~وحيا من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس. وأوضح هذا المعنى في غير ~~هذا الموضع، كقوله # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # الفرقان 5، وقوله # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر # المدثر 24 أي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره، وقوله # وليقولوا درست # الأنعام 105 الآية كما تقدم في الأنعام. وقد اختلف العلماء في تعيين هذا ~~البشر الذي زعموا أنه يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح القرآن ms1041 ~~بأنه أعجمي اللسان. فقيل هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان ~~نصرانيا فأسلم. وقيل اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب ~~الأعجمية. وقيل غلام لبني عامر بن لؤي. وقيل هما غلامان اسم أحدهما يسار، ~~واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتابا لهم. ~~وقيل كانا يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال. وقد بين جل ~~وعلا كذبهم وتعنتهم في قولهم { إنما يعلمه بشر } بقوله { ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين } النحل 103. أي كيف يكون تعلمه من ذلك البشر، مع أن ~~ذلك البشر أعجمي اللسان. وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا شائبة فيه من ~~العجمة. فهذا غير معقول. وبين شدة تعنتهم أيضا بأنه لو جعل القرآن ~~أعجميا لكذبوه أيضا وقالوا كيف يكون هذا القرآن أعجميا مع أن الرسول ~~الذي أنزل عليه عربي. وذلك في قوله # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي # فصلت 44 أي أقرآن أعجمي، ورسول عربي. فكيف ينكرون أن القرآن أعجمي ~~والرسول عربي، ولا ينكرون أن المعلم المزعوم أعجمي، مع أن القرآن المزعوم ~~تعليمه له عربي. كما بين تعنتهم أيضا، بأنه لو نزل هذا القرآن العربي ~~المبين، على أعجمي فقرأه عليهم عربيا لكذبوه أيضا، مع ذلك الخارق ~~للعادة. لشدة عنادهم وتعنتهم، وذلك في قوله # ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ~~ما كانوا به مؤمنين # الشعراء 198 - 199. وقوله في هذه الآية الكريمة { يلحدون } أي يميلون عن ~~الحق. والمعنى لسان البشر الذي يلحدون، أي يميلون قولهم عن الصدق ~~والاستقامة إليه - أعجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي ذو ~~بيان وفصاحة وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي { يلحدون } بفتح الياء والحاء، ~~من لحد الثلاثي. وقرأه الباقون { يلحدون } بضم الياء وكسر الحاء من ألحد ~~الرباعي، وهما لغتان، والمعنى واحد. أي يميلون عن الحق إلى الباطل. # وأما { يلحدون } التي في الأعراف، والتي في فصلت فلم يقرأهما بفتح الياء ~~والحاء إلا حمزة وحده دون الكسائي. وإنما وافقه الكسائي في هذه التي ms1042 في ~~النحل وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام. ~~فتؤنثها وتذكرها. ومنه قول أعشى باهلة # إني أتتني لسان لا أسر بها من علو لا عجب فيها ولا سخر # وقول الآخر # لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا # قول الآخر # أتتني لسان بني عامر أحاديثها بعد قول نكر # ومنه قوله تعالى # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # الشعراء 84 أي ثناء حسنا باقيا. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام ~~مذكرا قول الحطيئة # ندمت على لسان فات مني فليت بأنه في جوف عكم ### || [16.112-113] # قال بعض أهل العلم " إن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة " ، وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم، وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله، نقله عنهم ابن كثير وغيره. وهذه ~~الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية - تتفق مع صفات أهل مكة ~~المذكورة في القرآن. فقوله عن هذه القرية { كانت آمنة ~~مطمئنة } قال نظيره عن أهل مكة. كقوله # أولم نمكن لهم حرما آمنا # القصص 57 الآية، وقوله # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # العنكبوت 67 الآية، وقوله # وآمنهم من خوف # قريش 4، وقوله # ومن دخله كان آمنا # آل عمران 97، وقوله # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # البقرة 125 الآية، وقوله { يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان } قال نظيره عن أهل مكة أيضا كقوله # يجبى إليه ثمرات كل شيء # القصص 57، وقوله # لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتآء والصيف ~~فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # قريش 1-4 فإن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن، ورحلة الصيف كانت إلى الشام، ~~وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق. ولذا أتبع الرحلتين ~~بامتنانه عليهم بأن أطعمهم من جوع. وقوله في دعوة إبراهيم # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات # البقرة 126 # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات # إبراهيم 37 الآية. وقوله { فكفرت بأنعم الله } ذكر ms1043 نظيره ~~عن أهل مكة في آيات كثيرة. كقوله { ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار } إبراهيم 28. وقد قدمنا طرفا من ذلك في الكلام على قوله ~~تعالى # يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها # النحل 83 الآية. وقوله { فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون } وقع نظيره قطعا لأهل مكة. لما ~~لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف " # فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والعلهز. وهو وبر البعير ~~يخلط بدمه إذا نحروه، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن. وذلك الخوف من ~~جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزواته وبعوثه وسراياه. وهذا الجوع ~~والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات. فقد فسر ابن مسعود آية ~~الدخان بما يدل على ذلك. قال البخاري في صحيحه باب # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين # الدخان 10 فارتقب فانتظر، حدثنا عبدان، عن أبي حمزة عن الأعمش، عن مسلم، ~~عن مسروق، عن عبد الله قال مضى خمس الدخان، والروم والقمر، والبطشة، ~~واللزام. # يغشى الناس هذا عذاب أليم # الدخان 11 حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية. # عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال قال عبد الله " إنما كان هذا لأن ~~قريشا لما استعصوا على النبى صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني ~~يوسف. فأصبهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام. فجعل الرجل ينظر إلى السماء ~~فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. فأنزل الله تعالى # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين يغشى ~~الناس هذا عذاب أليم # الدخان 10-11 # " فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله، استسق الله ~~لمضر فإنها قد هلكت! قال " لمضر؟! إنك لجريء! " # فاستسقى فسقوا. فنزلت # إنكم عآئدون # الدخان 15 فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية. ~~فأنزل الله عز وجل # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون # الدخان 16 يعني يوم بدر. باب قوله تعالى # ربنا اكشف عنا ms1044 العذاب إنا مؤمنون # الدخان 12 حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق ~~قال دخلت على عبد الله فقال " إن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله ~~أعلم، إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # ص 86 إن قريشا لما غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال # " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " # فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما ~~بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع قالوا. # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون # الدخان 12 فقيل له إن كشفنا عنهم عادوا. فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، ~~فانتقم الله منهم يوم بدر. فذلك قوله # يوم تأتي السمآء بدخان مبين # الدخان 10 إلى قوله جل ذكره # إنا منتقمون # الدخان 16 انتهى بلفظه من صحيح البخاري. وفي تفسير ابن مسعود رضي الله ~~عنه لهذه الآية الكريمة - ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية ~~المذكورة في سورة النحل من لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، ~~وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن ~~مسعود رضي الله عنه له حكم الرفع. لما تقرر في علم الحديث من أن تفسير ~~الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع. كما أشار له صاحب طلعة ~~الأنوار بقوله # تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق # وكما هو معروف عند أهل العلم. وقد قدمنا ذلك في سورة البقرة في الكلام ~~على قوله تعالى # فأتوهن من حيث أمركم الله # البقرة 222. وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة. ولا مانع ~~من حمل الآية الكريمة على الدخانين الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل - ~~جمعا بين الأدلة. وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن ~~حمل الآية على جميعها فهو أولى. # وقد قدمنا أن ذلك هو الذي حققه أبو العباس بن تيمية رحمه الله في ~~رسالته، ms1045 في علوم القرآن، بأدلته. وأما الخوف المذكور في آية النحل - فقد ~~ذكر جل وعلا مثله عن أهل مكة أيضا على بعض تفسيرات الآية الكريمة التي ~~هي # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة أو تحل قريبا من دارهم # الرعد 31 فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير القارعة التي تصيبهم بسرية من ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال صاحب الدر المنثور أخرج ~~الفريابي وابن جرير، وابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله { تصيبهم بما صنعوا قارعة } قال السرايا ". وأخرج الطيالسي ~~وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي ~~في الدلائل، من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # الرعد 31 قال سرية # أو تحل قريبا من دارهم # الرعد 31 قال أنت يا محمد # حتى يأتي وعد الله # الرعد 31 قال فتح مكة ". وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه في ~~قوله " { تصيبهم بما صنعوا قارعة } قال سرية من سرايا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { أو تحل } يا محمد { قريبا من ~~دارهم } ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ، ~~والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه قال " { القارعة } السرايا { ~~أو تحل قريبا من دارهم } قال الحديبية { حتى يأتي ~~وعد الله } قال فتح مكة ". وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ~~في قوله { ولا يزال الذين كفروا } الآية - نزلت بالمدينة في ~~سرايا النبي صلى الله عليه وسلم. أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم ~~اه محل الغرض منه. فهذا التفسير المذكور في آية الرعد هذه، والتفسير ~~المذكور قبله في آية الدخان - يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق ~~بالجوع، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف. كما قال في القرية المذكورة { ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله ms1046 لباس ~~الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }. وقوله في القرية ~~المذكورة { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه } الآية - ~~لا يخفي أنه قال مثل ذلك عن قريش في آيات كثيرة. كقوله # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # التوبة 128 الآية، وقوله # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # آل عمران 164 الآية. والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جدا كقوله # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # ص 5 # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم # ص 6 الآية، وقوله # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا ~~أن صبرنا عليها # الفرقان 41-42 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. فمجموع ما ذكرنا ~~يؤيد قول من قال إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلا في آية النحل، هذه ~~هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها " أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل ~~عثمان رضي الله عنه " وقال بعض العلماء هي قرية غير معينة، ضربها الله ~~مثلا للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. ~~وقال من قال بهذا القول إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في ~~قوله { وضرب الله مثلا قرية } الآية. قال مقيده عفا الله ~~عنه وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم ~~الله بالكفر والطغيان. لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكروة. ولكن ~~الأمثال لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علما. لقوله # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # العنكبوت 43. وفي قوله في هذه الآية الكريمة { قرية } وجهان من الإعراب. ~~أحدهما - أنه بدل من قوله { مثلا }. الثاني - أن { ضرب } مضمن معنى جعل، ~~وأن { قرية } هي المفعول الأول، و { مثلا } المفعول الثاني وإنما أخرت ~~قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله { كانت آمنة.. } ~~الخ. وقوله في هذه الآية الكريمة { مطمئنة } أي لا يزعجها خوف. لأن ~~الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. وقوله { رغدا } أي ms1047 ~~واسعا لذيذا. والأنعام قيل جمع نعمة كشدة وأشد. أو على ترك الاعتداد ~~بالتاء. كدرع وأدرع. أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. كما تقدم في سورة الأنعام في ~~الكلام على قوله # حتى يبلغ أشده # الأنعام 152 الآية. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال كيف ~~أوقع الإذاقة على اللباس في قوله { فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف } الآية. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن ~~الأعرابي إمام اللغة والأدب هل يذاق اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى ~~{ فأذاقها الله لباس الجوع } الآية. فقال له ابن الأعرابي ~~لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان نبيا! أما ~~كان عربيا؟ قال مقيده عفا الله عنه والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه ~~أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف. لأن آثار الجوع والخوف ~~تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كالباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس ~~المعبر به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما ~~يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة وقد أوضحنا في ~~رسالتنا التي سميناها منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز أنه لا ~~يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازا، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما ~~يسميه البيانيون مجازا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية. # وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول فيها استعارة مجردة. ~~يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار ~~اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع ولخوف، بجامع اشتماله عليهم ~~كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية ~~التحقيقية، ثم ذكر الوصف، الذي هو الإذاقة ملائما للمستعار له، الذي هو ~~الجوع والخوف. لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى ~~الحقيقة لكثرة الاستعمال. فيقولون ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. ~~فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في ~~الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة ms1048 ~~في زعمهم لقيل فكساها. لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو ~~المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى " ترشيحا " والكسوة ~~تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا وإن كانت الاستعارة المرشحة ~~أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ. من حيث إنه روعي ~~المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد ~~الكلام وضوحا. وقال بعضهم هي استعارة مبنية على استعارة. فإنه أولا ~~استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، ~~بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارا لآثار ~~الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك ~~الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من ~~الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة ~~أصلية كما ذكرنا. وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة ~~تبعية. وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر ~~مرادهم، مع ان التحقيق الذي لا شك فيه أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل ~~تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، ~~وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من ~~الاشتمال. كقوله # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # البقرة 187، وقول الأعشى # إذا ما الضجيع ثنى عطفها ثتنت عليه فكانت لباسا # وكلها أساليب عربية. ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم ~~يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم ~~المحيط المعبر باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى. ### || [16.116-117] # قوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب }. نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار عن تحريم ما أحل ~~الله من رزقه، مما شرع لهم عمرو بن لحي لعنه الله من تحريم ما أحل الله. ~~وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله # قل هلم شهدآءكم الذين ms1049 يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم # الأنعام 150، وقوله # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # يونس 59، وقوله # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله ~~قد ضلوا وما كانوا مهتدين # الأنعام 140، وقوله # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا # الأنعام 139 الآية وقوله # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا ~~من نشآء بزعمهم # الأنعام 138 الآية. وقوله { حجر } أي حرام، إلى غير ذلك من الآيات، كما ~~تقدم. وفي قوله { الكذب } أوجه من الإعراب أحدهما - أنه منصوب ب { ~~تقولوا } أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من رزق الله بالحل ~~والحرمة. كما ذكر في الآيات المذكورة آنفا من غير استناد ذلك الوصف إلى ~~دليل. واللام مثلها في قولك لا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وكقوله # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات # البقرة 145 الآية. وجملة { هذا حلال وهذا حرام } بدل من ~~{ الكذب } وقيل إن الجملة المذكورة في محل نصب. ب { تصف } بتضمينها معنى ~~تقول. أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام. ~~وقيل { الكذب } مفعول به ل { تصف }. و { ما } مصدرية، وجملة { هذا ~~حلال وهذا حرام } متعلقة ب { لا تقولوا } أي لا تقولوا هذا ~~حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. أي لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول ~~تنطق به ألسنتكم، ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة - قاله صاحب ~~الكشاف. وقيل { الكذب } بدل من هاء المفعول المحذوفة. أي لما تصفه ~~ألسنتكم الكذب. تنبيه كان السلف الصالح رضي الله عنهم يتورعون عن قولهم ~~هذا حلال وهذا حرام. خوفا من هذه الآيات. قال القرطبي في تفسير هذه ~~الآية الكريمة قال الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون، عن حفص، عن ~~الأعمش قال " ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولا حرام، ولكن كان يقول ~~كانوا يكرهون وكانوا يستحبون ms1050 ". وقال ابن وهب قال مالك لم يكن من فتيا ~~الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم ~~أكن لأصنع هذا. # انتهى. وقال الزمخشري واللام في قوله { لتفتروا على الله ~~الكذب } من التعليل الذي لا يتضمن معنى الفرض اه. وكثير من العلماء ~~يقولون هي لام العاقبة. والبيانيون يزعمون أن حرف التعليل كاللام إذا لم ~~تقصد به علة غائية. كقوله # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا # القصص 8 الآية، وقوله هنا { لتفتروا على الله الكذب } ~~أن في ذلك استعارة تبعية في معنى الحرف. قال مقيده عفا الله عنه بل كل ~~ذلك من أساليب اللغة العربية. فمن أساليبها الإتيان بحرف التعليل للدلالة ~~على العلة الغائية. كقوله # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # الحديد 25 الآية. ومن أساليبها الإتيان باللام للدلالة على ترتب أمر ~~على أمر. كترتب المعلول على علته الغائية. وهذا الأخير كقوله { ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا }. ~~لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدوا، ~~بل ليكون لهم قرة عين. كما قالت امرأة فرعون # قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا # القصص 9 ولكن لما كان كونه عدوا لهم وحزنا يترتب على التقاطهم له. ~~كترتب المعلول على علته الغائية - عبر فيه باللام الدالة على ترتيب ~~المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون ~~في مثل هذا المبحث. قوله تعالى { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يفترون عليه الكذب ~~- أي يختلقونه عليه - كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه. ودعواهم له ~~الشركاء والأولاد - لا يفلحون. لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعا ~~قليلا لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم. ~~وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في يونس # قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع في الدنيا ms1051 ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # يونس 69-70، وقوله # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # لقمان 24، وقوله # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير # البقرة 126، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { متاع قليل } خبر مبتدأ ~~محذوف. أي متاعهم في الدنيا متاع قليل. وقال الزمخشري منفعتهم في الدنيا ~~متاع قليل. وقوله { لا يفلحون } أي لا ينالون الفلاح. وهو يطلق على ~~معنيين أحدهما - الفوز بالمطلوب الأكبر. والثاني - البقاء السرمدي. كما ~~تقدم بشواهده. ### || [16.118] # قوله تعالى { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل } الآية. هذا محرم عليهم، المقصوص عليه من قبل ~~المحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # الأنعام 146. وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ~~ذي ظفر كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم وهو الثروب وشحم ~~الكلى. أما الشحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي اللأمعاء، ~~والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام - فهو حلال ~~لهم. كما هو واضح من الآية الكريمة. ### || [16.120-121] # أثنى الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين على نبيه إبراهيم عليه ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام بأنه أمة. أي إمام مقتدى به، يعلم الناس ~~الخير. كما قال تعالى # إني جاعلك للناس إماما # البقرة 124، وأنه قانت لله، أي مطيع له، وأنه لم يكن من المشركين، وأنه ~~شاكر لأنعم الله، وأن الله اجتباه، اي اختاره واصطفاه. وأنه هداه إلى ~~صراط مستقيم. وكرر هذا الثناء عليه في مواضع أخر، كقوله # وإبراهيم الذي وفى # النجم 37، وقوله # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # البقرة 124، وقوله # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # الأنبياء 51، وقوله # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # الأنعام 75، وقوله عنه # إني ms1052 وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # الأنعام 79، وقوله # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # آل عمران 67، وقوله # وإن من شيعته لإبراهيم إذ جآء ربه بقلب ~~سليم # الصافات 83-84 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الثناء عليه. وقد قدمنا ~~معاني " الأمة " في القرآن. ### || [16.122] # قوله تعالى { وآتيناه في الدنيا حسنة } الآية. قال بعض ~~العلماء الحسنة التي آتاه الله في الدنيا الذرية الطيبة، والثناء الحسن. ~~ويستأنس لهذا بأن الله بين أنه أعطاه بسبب إخلاصه لله، واعتزاله أهل ~~الشرك الذرية الطيبة. وأشار أيضا لأنه جعل له ثناء حسنا باقيا في ~~الدنيا. قال تعالى # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا ~~لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا # مريم 49-50، وقال # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # العنكبوت 27، وقال # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # الشعراء 84. ### || [16.123] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى نبينا صلى الله عليه ~~وسلم الأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. وبين هذا ~~أيضا في غير هذا الموضع كقوله # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين # الأنعام 161، وقوله # يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون # الحج 77، إلى قوله # ملة أبيكم إبراهيم # الحج 78 الآية، وقوله # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم # الممتحنة 4 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والملة الشريعة. والحنيف ~~المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف وهو اعوجاج الرجلين. ~~يقال برجله حنف أي اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي # والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله # وقوله { حنيفا } حال من المضاف إليه. على حد قول ابن مالك في الخلاصة # ما كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا # لأن المضاف هنا وهو ms1053 { ملة } كالجزء من المضاف إليه وهو { إبراهيم } ~~لأنه لو حذف لبقي المعنى تاما. لأن قولنا أن أتبع إبراهيم، كلام تام ~~المعنى كما هو ظاهر، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه. ### || [16.125] # قوله تعالى { وجادلهم بالتي هي أحسن }. أمر الله جل وعلا ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يجادل خصومه بالطريق ~~التي هي أحسن طرق المجادلة من إيضاح الحق بالرفق واللين. وعن مجاهد { ~~وجادلهم بالتي هي أحسن } قال أعرض عن أذاهم. وقد اشار إلى ~~هذا المعنى في قوله # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~إلا الذين ظلموا منهم # العنكبوت 46 أي إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيف حتى ~~يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ونظير ما ذكر هنا من ~~المجادلة بالتي هي أحسن قوله لموسى وهارون في شأن فرعون # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # طه 44. ومن ذلك القول اللين قول موسى له # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # النازعات 18-19. قوله تعالى { إن ربك هو أعلم بمن ضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أنه أعلم بمن ضل عن سبيله. أي زاغ عن طريق الصواب والحق، ~~إلى طريق الكفر والضلال. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في أول ~~القلم # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين فلا تطع المكذبين # القلم 7-8، وقوله في الأنعام # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين # الأنعام 117، وقوله في النجم # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بمن اهتدى # النجم 30 والآيات لمثل ذلك كثيرة جدا. والظاهر أن صيغة التفضيل التي هي ~~{ أعلم } في هذه الآيات يراد بها مطلق الوصف لا التفضيل. لأن الله لا ~~يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة وسعادة. فهي كقول الشنفرى # وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل # أي لم ms1054 أكن بعجلهم. وقول الفرزدق # إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول. # أي عزيزة طويلة. ### || [16.126-127] # نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين ~~بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن ~~بهم. فنزلت الآية الكريمة، فصبروا لقول تعالى { لهو خير ~~للصابرين } مع أن سورة النحل مكية، إلا أن هذه الآيات الثلاث من ~~آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية العفو. وقد ذكر ~~تعالى هذا المعنى في القرآن. كقوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله # الشورى 40 الآية، وقوله # والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له # المائدة 45 الآية، وقوله # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # الشورى 41 إلى قوله # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # الشورى 43، وقوله # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # النساء 148 إلى قوله # أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا # النساء 149 كما قدمنا. مسائل بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - يؤخذ ~~من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان بأن أخذ شيئا من ~~مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلمك به ~~على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة. فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟ أصح ~~القولين، وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس أن لك أن تأخذ قدر حقك ~~من غير زيادة. لقوله تعالى في هذه الآية { فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } الآية، وقوله # فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم # البقرة 194. وممن قال بهذا القول ابن سرين وإبراهيم النخعي، وسفيان ~~ومجاهد، وغيرهم. وقالت طائفة من العلماء منهم مالك لا يجوز ذلك. وعليه ~~خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة وليس له الأخذ منها ~~لمن ظلمه بمثلها. واحتج من قال بهذا القول بحديث # " أد الأمانة إلى من ائتمنك. ولا تخن من خانك " # اه. وهذا الحديث على فرض ms1055 صحته لا ينهض الاستدلال به. لأن من أخذ قدر ~~حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه. المسألة ~~الثانية - أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص. فمن ~~قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده " رضه صلى الله عليه ~~وسلم رأس يهودي بين حجرين قصاصا لجارية فعل بها مثل ذلك ". وهذا قول ~~أكثر أهل العلم خلافا لأبي حنيفة ومن وافقه، زاعما أن القتل بغير ~~المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا إن شاء ~~الله تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء. المسألة الثالثة أطلق جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله { بمثل ~~ما عوقبتم به } والجناية الأولى ليست عقوبة. # لأن القرآن بلسان عربي مبين. ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين ~~الألفاظ. فيؤدي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في ~~الكلام. كقول الشاعر # قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصا # أي خيطوا لي. وقال بعض العلماء ومنه قول جرير # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث. ونظير ~~الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ ~~الآخر - قوله تعالى # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه # الحج 60 الآية، ونحوه أيضا. قوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 مع أن القصاص ليس بسيئة وقوله # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # البقرة 194 الآية. لأن القصاص من المعتدي أيضا ليس باعتداء كما هو ~~ظاهر، وإنما أدى بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين قوله تعالى { واصبر ~~وما صبرك إلا بالله } الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالصبر، وأنه لا يمتثل ذلك الأمر ~~بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه. لقوله { وما صبرك إلا ~~بالله } وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع. ms1056 كقوله # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # فصلت 35، لأن قوله { وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } ~~الآية، معناه أن خصلة الصبر لا يلقاها إلا من كان له عند الله الحظ ~~الأكبر والنصيب الأوفر، بفضل الله عليه، وتيسير ذلك له. ### || [16.128] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه مع عباده المتقين المحسنين. وقد ~~تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان. وهذه المعية بعباده المؤمنين، وهي ~~بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله # إنني معكمآ أسمع وأرى # طه 46، وقوله # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم # الأنفال 12، وقوله # لا تحزن إن الله معنا # التوبة 40 وقوله # قال كلا إن معي ربي سيهدين # الشعراء 62، إلى غير ذلك من الآيات. وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي ~~بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا ~~فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضا في ~~آيات كثيرة. كقوله # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم # المجادلة 7 الآية، وقوله # وهو معكم أين ما كنتم # الحديد 4 الآية، وقوله # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين # الأعراف 7 وقوله # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # يونس 61 الآية إلى غير ذلك من الآيات. فهو جل وعلا مستو على عرشه كما ~~قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة ~~يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } الآية. قد قدمنا ~~في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض ~~العلماء في الآية قولا ويكون في الآية ms1057 قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. ~~فإنا نبين ذلك. فإذا علمت ذلك. فاعلم أن هذا الإسراء به صلى الله عليه ~~وسلم المذكور في هذه الآية الكريمة، زعم بعض أهل العلم أنه بروحه صلى ~~الله عليه وسلم دون جسده، زاعما أنه في المنام لا اليقظة، لأن رؤيا ~~الأنبياء وحي. وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون ~~الجسد، ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم ~~يقظة لا مناما، لأنه قال { بعبده } والعبد عبارة عن مجموع الروح ~~والجسد، ولأنه قال { سبحان } والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. ~~فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى # ما زاغ البصر وما طغى # النجم 17 لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا { لنريه من ~~آياتنا }. ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن # الإسراء 60 فإنها رؤيا عين يقظة، لا رؤيا منام، كما صح عن ابن عباس ~~وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك - أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت ~~فتنة، ولا سببا لتكذيب قريش، لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار، لأن ~~المنام قد يرى فيه ما لا يصح. فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من ~~الغرائب والعجائب. فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا ~~محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على ~~التحقيق فتنة لهم - " أن الله لما أنزل قوله # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم # الصافات 64 قالوا ظهر كذبه. لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ~~ينبت في أصل النار! " كما تقدم في البقرة. ويؤيد ما ذكرنا من كونها ~~رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا { لنريه من آياتنا } الآية، وقوله # ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى # النجم 17-18. وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ ms1058 ~~لغة إلى على رؤيا المنام، مردود. بل التحقيق أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة ~~العرب على رؤية العين يقظة أيضا. ومنه قول الراعي وهو عربي قح # فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسا كان قبل يلومها # فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضا قول أبي الطيب # ورؤياك أحلى في العيون من الغمض # قاله صاحب اللسان وزعم بعض أهل العلم أن المراد بالرؤيا في قوله # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك # الإسراء 60 الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله # الفتح 27 الآية والحق الأول. وركوبه صلى الله عليه وسلم على البراق يدل ~~على أن الإسراء بجسمه. لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو ~~معروف، وعلى كل حال فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه " أنه أسري به من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز ~~السماوات السبع ". قد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج ~~كليهما بجسمه وروحه، يقظة لا مناما، كما دلت على ذلك أيضا الآيات التي ~~ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ~~ذلك من الملحدين. وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك عن أنس رضي الله ~~عنه أن الإسراء المذكور وقع مناما - لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل ~~السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة. لإمكان أن يكون رأي ~~الإسراء المذكور نوما، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فأسري به يقظة ~~تصديقا لتلك الرؤيا المنامية. كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد ~~الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة ~~القضاء عام سبع يقظة، لا مناما، تصديقا لتلك الرؤيا. كما قال تعالى # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله آمنين... # الفتح 27 الآية ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح " فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح " مع أن جماعة من أهل ms1059 العلم قالوا إن شريك بن عبد ~~الله بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ~~ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا ~~المنام الذي ذكره شريك المذكور. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في ~~تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى. فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعا حسنا ~~بإتقان. ثم قال رحمه الله " والحق أنه عليه الصلاة والسلام أسري به يقظة ~~لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب ~~المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم ~~أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء ~~الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم ~~على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى ~~الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزليهما صلى ~~الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع ~~فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر - بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، ~~وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، ~~وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى ~~رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني ~~الكعبة الأرضية مسندا ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم ~~سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم ~~القيامة، ورأى الجنة والنار. # وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا ~~بعباده. وفي هذا اعتناء بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، ~~وهبط معه الأنبياء. فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح ~~من يومئذ. ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء. والذي تظاهرت به ~~الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن، في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، ~~والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم ms1060 جعل يسأل عنهم ~~جبريل واحدا واحدا وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق. لأنه كان أولا ~~مطلوبا إلى الجانب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم ~~لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه ~~وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام في ~~ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. انتهى بلفظه من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. ~~وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ثبت الإسراء في جميع مصنفات ~~الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. ~~وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيا، ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين ~~وغيرهما، وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في ~~الأحاديث. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في آخر كلامه على هذه ~~الآية الكريمة فائدتين، قال في أولاهما " فائدة حسنة جليلة - وروى الحافظ ~~أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة من طريق محمد بن عمر الواقدي ~~حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي ~~قال " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة إلى قيصر ". فذكر ~~وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم ~~استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه. فسألهم ~~عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه. وجعل ~~أبو سفيان يجتهد أن يحقر أمره ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي ~~سفيان " والله ما منعني من أن أقول عليه قولا أسقطه به من عينه إلا أني ~~أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي ولا يصدقني في شيء. # قال حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال فقلت أيها الملك، ألا أخبرك ~~خبرا تعرف به أنه قد كذب. قال وما هو؟ قال قلت إنه يزعم لنا أنه ms1061 خرج من ~~أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك ~~الليلة قبل الصباح. قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء ~~قد علمت تلك الليلة. قال فنظر إليه قيصر وقال وما علمك بهذا؟ قال إني كنت ~~لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد. فلما كانت تلك الليلة أغلقت ~~الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني ~~كلهم فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلا، فدعوت إليه ~~النجاجرة فنظروا إليه فقالوا إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ~~ولا نستطيع أن نحركه، حتى نصبح فننظر من أين أتى! قال فرجعت وتركت ~~البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا المجر الذي في زاوية ~~المسجد مثقوب. وإذا فيه أثر مربط الدابة. قال فقلت لأصحابي ما حبس هذا ~~الباب الليلة إلى على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا اه. ثم قال في ~~الأخرى " فائدة - قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه التنوير في ~~مولد السراج المنير وقد ذكر حديث الإسراء عن طريق أنس وتكلم عليه فأجاد ~~وأفاد. ثم قال وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، ~~وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، ~~وابن عباس، وشداد بن أوس، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة، ~~وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وحذيفة، وبريدة، وأبي ~~أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم ~~هانىء، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين. منهم ~~من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن ~~رواية بعضهم على شرط الصحة " فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض ~~عنه الزنادقة والملحدون # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # الصف 8 اه من ابن كثير بلفظه. وقد قدمنا أن أحسن أوجه الإعراب في { ~~سبحان } أنه مفعول مطلق، منصوب بفعل محذوف أي أسبح ms1062 الله سبحانا أي ~~تسبيحا. والتسبيح الإبعاد عن السوء. ومعناه في الشرع التنزيه عن كل ما ~~لا يليق بجلال الله وكماله، كما قدمنا. وزعم بعض أهل العلم أن لفظة { ~~سبحان } علم للتنزيه. وعليه فهو علم جنس لمعنى التنزيه على حد قول ابن ~~مالك في الخلاصة، مشيرا إلى أن علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات # ومثله برة للمبرة كذا فجار علم للفجرة # وعلى أنه علم - فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والذي ~~يظهر لي والله تعالى أعلم أنه غير علم، وأن معنى { سبحان } تنزيها لله ~~عن كل ما لا يليق به. ولفظة { سبحان } من الكلمات الملازمة للإضافة، ~~وورودها غير مضافة قليل. كقول الأعشى # فقلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر # ومن الأدلة على أنه غير علم - ملازمته للإضافة والأعلام تقل إضافتها، ~~وقد سمعت لفظة { سبحان } غير مضافة مع التنوين والتعريف. فمثاله مع ~~التنوين قوله # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد # ومثاله معرفا قول الراجز # سبحانك اللهم ذا السبحان # والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام ~~العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها. إذ لو كان هناك وصف ~~أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم، الذي اخترق العبد فيه السبع ~~الطباق، ورأى من آيات ربه الكبرى. وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق، ولله ~~المثل الأعلى # يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والراءي لا تدعني إلا بيا عبدها ~~فإنه أشرف أسمائي # واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها { ليلا } في هذه ~~الآية. قال الزمخشري في الكشاف أراد بقوله { ليلا } بلفظ التنكير تقليل ~~مدة الإسراء، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ~~ليلة. وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد ~~الله وحذيفة { من الليل } أي بعض الليل. كقوله # ومن الليل فتهجد به نافلة # الإسراء 79 يعني بالقيام في بعض الليل اه، واعترض بعض أهل العلم هذا. ~~وذكر ms1063 بعضهم أن التنكير في قوله { ليلا } للتعظيم. أي ليلا أي ليل، دنا ~~فيه المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك. وقد قدمنا أن أسرى وسرى لغتان. ~~كسقى وأسقى، وقد جمعهما قول حسان رضي الله عنه # حي النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري # بفتح التاء من " تسري " والباء في اللغتين للتعدية، كالباء في # ذهب الله بنورهم # البقرة 17 وقد تقدمت شواهد هذا في سورة هود. تنبيه اختلف العلماء - هل ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن ~~عباس وغيره " رآه بعين رأسه " وقالت عائشة وغيرها " لم يره ". وهو خلاف ~~مشهور، بين أهل العلم معروف. قال مقيده عفا الله عنه التحقيق الذي دلت ~~عليه نصوص الشرع أنه صلى الله عليه وسلم لم يره بعين رأسه. وما جاء عن ~~بعض السلف من أنه رآه. فالمراد به الرؤية بالقلب. # كما في صحيح مسلم " أنه رآه بفؤاده مرتين " لا بعين الرأس. ومن أوضح ~~الأدلة على ذلك - أن أبا ذر رضي الله عنه وهو هو في صدق اللهجة سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسالة بعينها. فأفتاه بما مقتضاه ~~أنه لم يره. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، # " عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال ~~" نور! أنى أراه؟ ". ". # حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي ح وحدثني حجاج بن ~~الشاعر، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، كلاهما عن قتادة، # " عن عبد الله بن شقيق قال " قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لسألته. فقال عن أي شيء كنت تسأله؟ قال كنت أسأله هل رأيت ربك؟ ~~قال أبو ذر قد سألت فقال " رأيت نورا " # هذا لفظ مسلم. وقال النووي في شرحه لمسلم أما قوله صلى الله عليه وسلم # " نور! أنى أراه ms1064 " # !! فهو بتنوين " نور " وفتح الهمزة في " أنى " وتشديد النون وفتحها. و ~~" أراه " بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ~~ومعناه حجابه نور، فكيف أراه!!. قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه ~~الله الضمير في " أراه " عائد إلى الله سبحانه وتعالى، ومعناه أن النور ~~منعني من الرؤية. كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من ~~إدراك ما حالت بين الراثي وبينه. وقوله صلى الله عليه وسلم # " رأيت نورا " # معناه رأيت النور فحسب، ولم أر غيره. قال وروي " نوراني " بفتح الراء ~~وكسر النون وتشديد الياء. ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما قلناه. أي ~~خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال. قال القاضي عياض ~~رحمه الله هذه الرواية لم تقع إلينا! ولا رأيناها في شيء من الأصول اه ~~محل الغرض من كلام النووي. قال مقيده عفا الله عنه التحقيق الذي لا شك ~~فيه هو أن معنى الحديث هو ما ذكر، من كونه لا يتمكن أحد من رؤيته لقوة ~~النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة على ذلك أيضا حديث أبي موسى ~~المتفق عليه # " حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه " # وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم # " نور! أني أراه؟ " # أي كيف أراه وحجابه نور، من صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره ~~من خلقه. # وقد قدمنا أن تحقيق المقام في رؤية الله جل وعلا بالأبصار - أنها جائزة ~~عقلا في الدنيا والآخرة، بدليل قوله موسى # رب أرني أنظر إليك # الأعراف 143 لأنه لا يجهل المستحيل في حقه جل وعلا. وأنها جائزة شرعا ~~وواقعة يوم القيامة، ممتنعة شرعا في الدنيا قال # لن تراني ولكن انظر إلى الجبل # الأعراف 143 إلى قوله # جعله دكا # الأعراف 143. ومن أصرح الأدلة في ذلك حديث # " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " # في صحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة كما تقدم. وأما قوله # ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى # النجم 8-9 الآية ms1065 - فذلك جبريل على التحقيق، لا الله جل وعلا قوله ~~تعالى { الذي باركنا حوله }. أظهر التفسيرات فيه أن معنى { ~~باركنا حوله } أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار. وقد ~~وردت آيات تدل على هذا. كقوله تعالى # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين # الأنبياء 71 وقوله # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين # الأنبياء 81 فإن المراد بتلك الأرض الشام. والمراد بأنه بارك فيها أنه ~~أكثر فيها البركة والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه كما عليه جمهور ~~العلماء. وقال بعض العلماء المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها. ~~وقيل غير ذلك. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { لنريه من ~~آياتنآ }. الظاهر إنما أراه الله من آياته في هذه الآية الكريمة أن ~~أراه إياه رؤية عين. فهمزة التعدية داخلة على رأى البصرية. كقولك أرأيت ~~زيدا دار عمرو. أي جعلته يراها بعينه. و " من " في الآية للتبعيض، ~~والمعنى { لنريه من آياتنآ } أي بعض آياتنا فجعله يراها بعينه. ~~وذلك ما رآه صلى الله عليه وسلم بعينه ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب. ~~كما جاء مبينا في الأحاديث الكثيرة. ويدل لما ذكرنا في الآية الكريمة ~~قوله تعالى في سورة النجم # ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى # النجم 17-18. ### || [17.2] # قوله تعالى { وآتينآ موسى الكتاب }. لما بين جل وعلا في هذه ~~الأية الكريمة عظم شأن نبيه محمد صلى الله علية وسلم، ذكر عظم شأن موسى ~~بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه، وهو التوراة. مبينا أنه جعله هدى ~~لبني إسرائيل. وكرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن. كقوله # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا ~~منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون # السجدة23-24، وقوله # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس # القصص43، وقوله # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء # الأنعام154 الآية، وقوله # وكتبنا له في الألواح ms1066 من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء.. # الأعراف145 الآية إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { ألا ~~تتخذوا من دوني وكيلا }. اعلم أن هذا الحرف قرأه جمهور ~~القراء { ألا تتخذون } بالتاء على وجه الخطاب. وعلى هذا ف " أن " هي ~~المفسرة. فجعل التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من ~~دون الله. لأن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء ~~صلوات الله عليهم وسلامه. وعلى هذه القراءة ف " لا " في قوله { ألا ~~تتخذوا } ناهية. وقرأه أبو عمرو من السبعة { ألا يتخذوا ~~من دوني وكيلا } بالياء على الغيبة. وعلى هذه القراءة فالمصدر ~~المنسبك من " أن " وصلتها مجرور بحرف التعليل المحذوف. أي وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل لأجل ألا يتخذوا من دوني وكيلا. لأن اتخاذ الوكيل الذي ~~تسند إليه الأمور، وتفوض من دون الله ليس من الهدى. فمرجع القراءتين إلى ~~شيء واحد، وهو أن التوكل إنما يكون على الله وحده لا على غيره. وكرر هذا ~~المعنى في مواضع كثيرة. كقوله # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # المزمل9، وقوله # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا # الملك29. وقوله # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم # التوبة129، وقوله # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # الطلاق3، وقوله # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده وما ~~كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنآ ألا ~~نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على مآ آذيتمونا وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون # إبراهيم11-12، وقوله # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ # هود56 الآية، وقوله # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن ~~كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت # يونس71، وقوله # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا # الأحزاب3 الآية، وقوله # وتوكل على الحي الذي لا يموت # الفرقان58 الآية، وقوله # فاعبده ms1067 وتوكل عليه # هود123 الآية، وقوله # فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل # آل عمران173، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. والوكيل فعيل من التوكل. أي ~~متوكلا عليه، تفوضون إليه أموركم. فيوصل إليكم النفع، ويكف عنكم الضر. ~~وقال الزمخشري { وكيلا } أي ربا تكلون إليه أموركم. وقال ابن جرير ~~حفيظا لكم سواي. وقال أبو الفرج بن الجوزي قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه ~~بشؤون عباده. لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل اه. ~~قاله أبو حيان في البحر. وقال القرطبي { وكيلا } أي شريكا. عن مجاهد. ~~وقيل كفيلا بأمورهم. حكاه الفراء. وقيل ربا يتوكلون عليه في أمورهم. ~~قاله الكلبي. وقال الفراء كافيا اه والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء ~~واحد، وهو أن الوكيل من يتوكل عليه. فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ~~ويدفع الشر. وهذا لا يصح إلا لله وحده جل وعلا. ولهذا حذر من اتخاذ وكيل ~~دونه. لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كافي إلا هو وحده جل وعلا.. عليه ~~توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### || [17.3] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح تنبيها على النعمة ~~التي نجاهم بها من الغرق. ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله. أي ~~يا ذرية من حملنا مع نوح، فنجيناهم من الغرق، تشبهوا بأبيكم، فاشكروا ~~نعمنا. وأشار إلى هذا المعنى في قوله # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح # مريم58 الآية. وبين في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم؟ وبين الشيء ~~الذي حملهم فيه، وبين من بقي له نسل، وعقب منهم، ومن انقطع ولم يبق له ~~نسل ولا عقب. فبين أن الذين حملهم مع نوح هم أهله ومن آمن معه من قومه في ~~قوله # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن # هود40. وبين أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله { وما آمن معه إلا قليل ~~}. وبين أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه. ms1068 قال في ~~امرأته # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح # التحريم10 إلى قوله # ادخلا النار مع الداخلين # التحريم10، وقال في ابنه # وحال بينهما الموج فكان من المغرقين # هود43، وقال فيه أيضا # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # هود46 الآية. وقوله { إنه ليس من أهلك } أي الموعود ~~بنجاتهم في قوله # فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك # المؤمنون27 الآية، ونحوها من الآيات. وبين أن الذي حملهم فيه هو السفينة ~~في قوله # قلنا احمل فيها # هود40 الآية. أي السفينة، وقوله { فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين } الآية. أي أدخل فيها - أي السفينة - { من كل ~~زوجين اثنين وأهلك }. وبين أن ذرية من حمل مع نوح لم يبق ~~منها إلا ذرية نوح في قوله # وجعلنا ذريته هم الباقين # الصافات77، وكان نوح يحمد الله على طعامه وشرابه، ولباسه وشأنه كله. ~~فسماه الله عبدا شكورا. وأظهر أوجه الإعراب في قوله { ذرية من ~~حملنا } الإسراء3 - أن منادى بحرف محذوف. ### || [17.4] # قوله تعالى { وقضينآ إلى بني إسرائيل } الآية. أظهر ~~الأقوال فيه أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم. ومن معاني القضاء الأخبار ~~والإعلام. ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # الحجر66 والظاهر أن تعديته ب " إلى " لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل ~~مضمن معنى تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [17.7] # قوله تعالى { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن ~~أسأتم فلها }. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من أحسن - أي ~~بالإيمان والطاعة - فإنه إنما يحسن إلى نفسه. لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. ~~وأن من أساء - أي بالكفر والمعاصي - فإنه إنما يسيء على نفسه. لأن ضرر ~~ذلك عائد إلى نفسه خاصة. وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # فصلت46 الآية، وقوله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # الزلزلة7-8، وقوله # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون # الروم44، إلى غير ذلك من الآيات. ms1069 واللام في قوله { وإن أسأتم ~~فلها } بمعنى على، أي فعليها، بدليل قوله # ومن أسآء فعليها # فصلت46. ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى # ويخرون للأذقان # الإسراء109 الآية. أي عليها وقوله # فسلام لك # الواقعة91 الآية. أي سلام عليك - على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من ~~كلام العرب قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم # تناوله بالرمح ثم انثنى له فخر صريعا لليدين وللفم # أي على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة. ~~كما قدمنا في نحو # وجزآء سيئة سيئة # الشورى40 الآية، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # البقرة194 الآية. قوله تعالى { فإذا جآء وعد الآخرة ~~ليسوءوا وجوهكم } الآية. جواب { إذا } في هذه الآية الكريمة ~~محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله { ليسوءوا } وتقديره فإذا ~~جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم. بدليل قوله في الأولى # فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ # الإسراء5 الآية، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. قال ابن قتيبة في مشكل ~~القرآن ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور # رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق # أي رأتني أقبلت، أو مقبلا. وفي هذا الحرف ثلاث قرآت سبعيات قرأه على ~~الكسائي " لنسوء وجوهكم " بنون العظمة وفتح الهمزة. أي لنسوءها بتسليطنا ~~إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم " ~~ليسوء وجوهكم " بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله. أي ليسوء ~~هو. أي الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون { ليسوءوا ~~وجوهكم } بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ~~ونصبه بحذف النون، وضمير الفاعل الذي هو واو عائد إلى الذين بعثهم الله ~~عليهم ليسؤوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل. ### || [17.8] # قوله تعالى { وإن عدتم عدنا }. لما بين جل وعلا أن بني ~~إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء ~~وعد الأولى منهما بعث عليهم عبادا له أولي بأس شديد، فاحتلوا بلادهم ~~وعذبوهم. وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة ms1070 بعث عليهم قوما ليسوءوا وجوههم، ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا. وبين ~~أيضا أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جل وعلا يعود للانتقام ~~منهم بتسليط أعدائهم عليهم. وذلك في قوله { وإن عدتم عدنا } ~~ولم يبين هنا هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أو لا؟ ولكنه أشار في آيات ~~أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم ~~صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة. ~~فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقا لقوله { وإن عدتم ~~عدنا } فسلط عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، والمسلمين. فجرى على بني ~~قريظة والنضير، وبني قينقاع وخيبر، ما جرى من القتل، والسبي، والإجلاء، ~~وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة. فمن الآيات الدالة ~~على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم ~~أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله ~~من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب ~~على غضب وللكافرين عذاب مهين # البقرة89-90، وقوله # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم # البقرة100 الآية، وقوله # ولا تزال تطلع على خآئنة منهم # المائدة13 الآية، ونحو ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على أنه تعالى ~~عاد للانتقام منهم، قوله تعالى # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شآقوا ~~الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد ~~العقاب # الحشر2-4، وقوله تعالى # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا وأورثكم ms1071 أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطئوها # الأحزاب26-27 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتركنا بسط قصة الذين سلطوا ~~عليهم في المرتين. لأنها أخبار إسرائلية. وهي مشهورة في كتب التفسير ~~والتاريخ والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { وجعلنا جهنم ~~للكافرين حصيرا }. في قوله { حصيرا } في هذه الآية الكريمة ~~وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان أو ~~أوجه وكلها صحيح ويشهد له قرآن. فنورد جميع ذلك لأنه كله حق الأول - أن ~~الحصير المحبس والسجن. من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري يقال حصره يحصره ~~حصرا ضيق عليه، وأحاط به. وهذا الوجه يدل له قوله تعالى # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا # الفرقان13، ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن معنى { حصيرا } أي ~~فراشا ومهادا. من الحصير الذي يفرش. لأن العرب تسمي البساط الصغير ~~حصيرا. قال الثعلبي وهو وجه حسن. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف41 الآية، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد الفراش. ### || [17.9] # قوله تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم الذي ~~هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدا برب ~~العالمين جل وعلا - يهدي للتي هي أقوم. أي الطريق التي هي أسد وأعدل ~~وأصوب. ف { التي } نعت لموصوف محذوف. على حد قول ابن مالك في الخلاصة # وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل # وقال الزجاج والكلبي والفراء للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد ~~الله والإيمان برسله. وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ~~ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، لو تتبعنا تفصيلها ~~على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم. لشمولها لجميع ما فيه من ~~الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا ~~وافرة في جهات مختلفة كثيرة ms1072 من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا ~~لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيها ببعضه على كله من المسائل ~~العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في ~~دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة. فمن ذلك توحيد الله ~~جل وعلا فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي ~~توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته. وقد دل ~~استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول - ~~توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال ~~تعالى # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف87 الآية، وقال # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون # يونس31 وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله # قال فرعون وما رب العالمين # الشعراء23 تجاهل من عارف أنه عبد مربوب. بدليل قوله تعالى # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر # الإسراء102 الآية، وقوله # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # النمل14 وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله. كما قال ~~تعالى # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # يوسف106، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا. الثاني - توحيده جل وعلا ~~في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى " لا إله إلا الله ~~" وهي متركبة من نفي وإثبات. فمعنى النفي منها خلع جميع أنواع المعبودات ~~غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى ~~الإثبات منها إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، ~~على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. # وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين ~~الرسل وأممهم # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # ص5. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى # فاعلم أنه ms1073 لا إله إلا الله واستغفر لذنبك # محمد صلى الله عليه وسلم19، وقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # النحل 36 # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # الأنبياء25، وقوله # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # الزخرف45، وقوله # قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد ~~فهل أنتم مسلمون # الأنبياء108 فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول إنما أوحي إليه ~~محصور في هذا النوع من التوحيد. لشمول كلمة " لا إله إلا الله " لجميع ما ~~جاء في الكتب. لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده. فيشمل ذلك جميع ~~العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا ~~النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث - توحيده جل وعلا في أسمائه ~~وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين الأول - تنزيه الله جل ~~وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم. كما قال تعالى # ليس كمثله شيء # الشورى11. والثاني - الإيمان بما وصف الله به نفسه. أو وصفه به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بكماله وجلاله. كما قال بعد قوله # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى11 مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه110 وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحا بالآيات القرآنية " في سورة ~~الأعراف ". ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم ~~بربوبيته جل وعلا - على وجوب توحيده في عبادته. ولذلك يخاطبهم في توحيد ~~الربوبية باستفهام التقرير. فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه ~~هو المستحق لأن يعبد وحده. ووبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، مع ~~اعترافهم بأنه هو الرب وحده. لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه ~~الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار # يونس31 إلى قوله # فسيقولون الله # يونس31. ms1074 فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره بقوله # فقل أفلا تتقون # يونس31. ومنها قوله تعالى # قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله # المؤمنون 84-85 فلما اعترفوا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # قل أفلا تذكرون # المؤمنون85، ثم قال # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله # المؤمنون86-87 فلما أقروا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # قل أفلا تتقون # المؤمنون87، ثم قال # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله # المؤمنون88-89 فلما أقروا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # قل فأنى تسحرون # المؤمنون89. ومنها قوله تعالى # قل من رب السماوات والأرض قل الله # الرعد16 فلما صح الاعتراف وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا # الرعد16. ومنها قوله تعالى # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف87 فلما صح إقرارهم وبخهم منكرا عليهم بقوله # فأنى يؤفكون # الزخرف87. ومنها قوله تعالى # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله # العنكبوت61 فلما صح اعترافهم وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # فأنى يؤفكون # الزخرف87، العنكبوت61 وقوله تعالى # ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله # العنكبوت63 فلما صح إقرارهم وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله # قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون # العنكبوت63،وقوله تعالى # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # لقمان25 فلما صح اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله # قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون # لقمان25، وقوله تعالى # ءآلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات ~~والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها # النمل59-60 ولا شك أن الجواب إلذي لا جواب لهم ألبتة غيره هو أن القادر ~~على خلق السماوات والأرض وما ذكر معها، خير من جماد لا يقدر على شيء. ~~فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله. # أإله مع الله بل هم قوم يعدلون # النمل60، ms1075 ثم قال تعالى # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا # { النمل61 ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله. فلما تعين ~~اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله # أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون # النمل61، ثم قال جل وعلا # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض # النمل62 ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعير إقرارهم بذلك وبخهم ~~منكرا عليهم بقوله # أإله مع الله قليلا ما تذكرون # النمل62، ثم قال تعالى # أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل ~~الرياح بشرى بين يدي رحمته # النمل63،ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم ~~منكرا عليهم بقوله # أإله مع الله تعالى الله عما يشركون # النمل63، ثم قال جل وعلا # أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السمآء والأرض # النمل64، ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعين الاعتراف وبخهم منكرا ~~عليهم بقوله # أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين # النمل64، وقوله # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء # الروم40 ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو لا! أي ليس من ~~شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئا من ذلك المذكور من الخلق والرزق ~~والإماتة والإحياء. فلم تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله # سبحانه وتعالى عما يشركون # الروم40. والآيات بنحو هذا كثيرة جدا. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا ~~الموضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد ~~منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار. لأن ~~المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة. نحو قوله تعالى # أفي الله شك # إبراهيم 10، وقوله # قل أغير الله أبغي ربا # الأنعام164 وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار. لأن استقراء ~~القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس ~~استفهام إنكار، لأنهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة ms1076 ~~عليه. والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من ~~هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها ~~بآيات أخر. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - جعله الطلاق بيد الرجل. كما ~~قال تعالى # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # الطلاق1 الآية، ونحوها من الآيات. لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها ~~النطف كما يبذر الحب في الأرض. كما قال تعالى # نسآؤكم حرث لكم # البقرة223. ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق أن الزارع لا يرغم على ~~الازدراع في حقل لا يرغب الزراعة فيه لأنه يراه غير صالح له، والدليل ~~الحسي القاطع على ما جاء به القرآن من أن الرجل زارع، والمرأة مزرعة - أن ~~آلة الازدراع مع الرجل. فلو أرادت المرأة أن تجامع الرجل وهو كاره لها، ~~لا رغبة له فيها لم ينتشر، ولم يقم ذكره إليها فلا تقدر منه على شيء، ~~بخلاف الرجل فإنه قد يرغمها وهي كارهة فتحمل وتلد. كما قال أبو كبير ~~الهذلي # ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل # فدلت الطبيعة والخلقة على أنه فاعل وأنها مفعول به ولذا أجمع العقلاء ~~على نسبة الولد له لا لها. وتسوية المرأة بالرجل في ذلك مكابرة في ~~المحسوس، كما لا يخفى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - إباحته تعدد ~~الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن، لزمه الاقتصار على ~~واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع فإن ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم # النساء3 ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، هي إباحة تعدد ~~الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء. منها - أن المرأة الواحدة ~~تحيض وتمرض، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم ~~الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال ~~أعذارها لعطلت منافعه باطلا في غير ذنب. # ومنها - أن الله أجرى ms1077 العادة بأن الرجال أقل عددا من النساء في أقطار ~~الدنيا، وأكثر تعرضا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة. فلو قصر ~~الرجل على واحدة، لبقي عدد ضخم من النساء محروما من الزواج، فيضطرون إلى ~~ركوب الفاحشة فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع ~~الأخلاق، والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة، والمحافظة على ~~الشرف والمروءة والأخلاق! فسبحان الحكيم الخبير! كتاب حكمت آياته، ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير. ومنها - أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من ~~الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم. فالمستعدون للزواج ~~من الرجال أقل من المستعدات له من النساء. لأن المرأة لا عائق لها، ~~والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح. فلو قصر الواحد على ~~الواحدة، لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضا بعدم وجود أزواج. فيكون ~~ذلك سببا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة، والانحطاط الخلقي، وضياع القيم ~~الإنسانية، كما هو واضح. فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن، وجب عليه ~~الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه. لأن الله يقول # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # النحل90 الآية. والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز، لقوله ~~تعالى # فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة # النساء 129. أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض، فهو غير مستطاع ~~دفعه للبشر، لأنه انفعال وتأثر نفساني لا فعل، وهو المراد بقوله # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء # النساء 129 الآية، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. وما يزعمه بعض ~~الملاحدة من أعداء دين الإسلام، من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب ~~الدائم المفضي إلى نكد الحياة، لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سخطت ~~الأخرى. فهو بين سخطتين دائما - وأن هذا ليس من الحكمة. فهو كلام ساقط، ~~يظهر سقوطه لكل عاقل. لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا ~~انفكاك عنه ألبتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين ~~أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة. فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في ~~جنب المصالح العظيمة التي ms1078 ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير ~~التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء ~~الإسلام - كلا شيء، لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة ~~الصغرى. فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن ~~إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة ~~التي ذكرنا، كما هو معروف في الأصول. قال في مراقي السعود عاطفا على ما ~~تلغى فيه المفسدة المرجوحة في جنب المصلحة الراجحة # أو رجح الإصلاح كالأسارى تفدى بما ينفع للنصارى وانظر تدلي دوالي ~~العنب في كل مشرق وكل مغرب # ففداء الأسارى مصلحة راجحة، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة، ~~فتقدم عليها المصلحة الراجحة. أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت ~~المفسدة أرجح كفداء الأسارى بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قدر الأسارى ~~أو أكثر من المسلمين، فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة، كما قال في ~~المراقي # اخرم مناسبا بمفسد لزم للحكم وهو غير مرجوح علم # وكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث، إلا أن مصلحة وجود العنب ~~والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر ~~منها ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة. واجتماع الرجال والنساء في البلد ~~الواحد قد يكون سببا لحصول الزنى إلا أن التعاون بين المجتمع من ذكور ~~وإناث مصلحة أرجح من تلك المفسدة، ولذا لم يقل أحد من العلماء إنه يجب ~~عزل النساء في محل مستقل عن الرجال، وأن يجعل عليهن حصن قوي لا يمكن ~~الوصول إليهن معه، وتجعل المفاتيح بيد أمين معروف بالتقى والديانة كما هو ~~مقرر في الأصول. فالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم ~~حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر ~~بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون ~~كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله ~~بصيرته بظلمات الكفر. وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير، وهو أمر ~~وسط بين القلة ms1079 المفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل، وبين الكثرة التي هي ~~مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع. والعلم عند الله ~~تعالى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - تفضيله الذكر على الأنثى في ~~الميراث. كما قال تعالى # وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله ~~بكل شيء عليم # النساء176. وقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يبين لخلقه هذا ~~البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا يضلوا. فمن ~~سوى بينهما فيه فهو ضال قطعا. ثم بين أنه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء ~~من خلقه بقوله { والله بكل شيء عليم } ، وقال # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # النساء11 الآية. ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعد لها تفضيل ~~الذكر على الأنثى في الميراث الذي ذكره الله تعالى. كما أشار تعالى إلى ~~ذلك بقوله # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم # النساء34 أي وهو الرجال # على بعض # النساء34 أي وهو النساء، وقوله # وللرجال عليهن درجة # النساء228 وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، وشرف وجمال. ~~والأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، لا ~~يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس. # وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # الزخرف18 لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة أنهم نسبوا له ما لا ~~يليق به من الولد، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما. ~~ولذلك ينشأ في الحلية أي الزينة من أنواع الحلي والحلل ليجبر نقصه الخلقي ~~الطبيعي بالتجميل بالحلي والحلل وهو الأنثى. بخلاف الرجل. فإن كمال ~~ذكورته وقوتها وجمالها يكفيه على الحلي. كما قال الشاعر # وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا ~~كان الجمال موفرا كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا # وقال تعالى # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # النجم21-22 وإنما كانت هذه القسمة ms1080 ضيزى - أي غير عادلة - لأن الأنثى ~~أنقص من الذكر خلقة وطبيعة. فجعلوا هذا النصيب الناقص لله جل وعلا - ~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا! وجعلوا الكامل لأنفسهم كما قال # ويجعلون لله ما يكرهون # النحل62 أي وهو البنات. وقال # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # النحل85 إلى قوله # سآء ما يحكمون # النحل59، وقال # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا # الزخرف17 - أي وهو الأنثى # ظل وجهه مسودا وهو كظيم # الزخرف17. وكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى ~~الخلقة والطبيعة، وأن الذكر أفضل وأكمل منها. # أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون # الصافات153-154 # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا # الإسراء40 الآية، والآيات الدالة على تفضيله عليها كثيرة جدا. ومعلوم ~~عند عامة العقلاء أن الأنثى متاع لا بد له ممن يقوم بشؤونه ويحافظ عليه. ~~وقد اختلف العلماء في التمتع بالزوجة هل هو قوت؟ أو تفكه؟ وأجرى علماء ~~المالكية على هذا الخلاف حكم إلزام الابن بتزويج أبيه الفقير قالوا فعلى ~~أن النكاح قوت فعليه تزويجه؟ لأنه من جملة القوت الواجب له عليه. وعلى ~~أنه تفكه لا يجب عليه على قول بعضهم. فانظر شبه النساء بالطعام والفاكهة ~~عند العلماء، وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان في ~~الجهاد. لأنهما من جملة مال المسلمين الغانمين. بخلاف الرجال فإنهم ~~يقتلون. ومن الأدلة على أفضلية الذكر على الأنثى أن المرأة الأولى خلقت ~~من ضلع الرجل الأول فأصلها جزء منه. فإذا عرفت من هذه الأدلة أن الأنوثة ~~نقص خلقي، وضعف طبيعي - فاعلم أن العقل الصحيح الذي يدرك الحكم والأسرار، ~~يقضي بأن الناقص الضعيف بخلقته وطبيعته، يلزم أن يكون تحت نظر الكامل في ~~خلقته، القوي بطبيعته. ليجلب له ما لا يقدر عليه جلبه من النفع، ويدفع ~~عنه ما لا يقدر على دفعه من الضر. كما قال تعالى # الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض # النساء34. وإذا علمت ذلك - فاعلم أنه لما كانت الحكمة البالغة، تقتضي أن ~~يكون الضعيف ms1081 الناقص مقوما عليه من قبل القوي الكامل، اقتضى ذلك أن يكون ~~الرجل ملزما بالإنفاق على نسائه، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة. كما ~~قال تعالى # وبمآ أنفقوا من أموالهم # النساء34 ومال الميراث ما مسحا في تحصيله عرقا، ولا تسببا فيه ألبتة، ~~وإنما هو تمليك من الله ملكهما إياه تمليكا جبريا. فاقتضت حكمة الحكيم ~~الخبير أن يؤثر الرجل علىالمرأة في الميراث وإن أدليا بسبب واحد. لأن ~~الرجل مترقب للنقص دائما بالإنفاق على نسائه، وبذل المهور لهن، والبذل ~~في نوائب الدهر. والمرأة مترقبة للزيادة بدفع الرجل لها المهر، وإنفاقه ~~عليها وقيامه بشؤونها. وإيثار مترقب النقص دائما على مترقب الزيادة ~~دائما لجبر بعض نقصه المترقب - حكمته ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من ~~أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي. ولذا قال تعالى # للذكر مثل حظ الأنثيين # النساء11 ولأجل هذه الحكم التي بينا بها فضل المرأة في جميع أحوالها. ~~وخصه بالرسالة والنبوة والخلافة دونها، وملكه الطلاق دونها. وجعله الولي ~~في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادته في ~~الأموال بشهادة امرأتين في قوله تعالى # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء # البقرة282. وجعل شهادته تقبل في الحدود والقصاص دونها، إلى غير ذلك من ~~الفوارق الحسية والمعنوية والشرعية بينهما. ألا ترى أن الضعف الخلقي ~~والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجل، مع أنه يعد من جملة ~~محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب. قال جرير # إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا ~~اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا # وقال ابن الدمينة # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب فلم يعتذر ~~عذر البريء ولم تزل به سكتة حتى يقال مريب # فالأول - تشبه بهن بضعف أركانهن والثاني - بعجزهن عن الإبانة في الخصام. ~~كما قال تعالى # وهو في الخصام غير مبين # الزخرف18. ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين، صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اللعن على من ms1082 تشبه منهما بالآخر. قال البخاري في ~~صحيحه حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال " هذا ~~لفظ البخاري في صحيحه. ومعلوم أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو ملعون في كتاب الله. لأن الله يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر7 الآية. كما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه كما تقدم. # فلتعلمن أيتها النساء اللاتي تحاولن أن تكن كالرجال في جميع الشؤون أنكن ~~مترجلات متشبهات بالرجال، وأنكن ملعونات في كتاب الله على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. وكذلك المخنثون المتشبهون بالنساء، فهم أيضا ملعونون في ~~كتاب الله على لسانه صلى الله عليه وسلم، ولقد صدق من قال فيهم # وما عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب # واعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه. أن هذه الفكرة الكافرة، ~~الخاطئة الخاسئة، المخالفة للحس والعقل، وللوحي السماوي وتشريع الخالق ~~البارىء. من تسوية الأنثى بالذكر في جميع الأحكام والميادين. فيها من ~~الفساد والإخلال بنظام المجتمع الإنساني ما لا يخفى على أحد إلا من أعمى ~~الله بصيرته. وذلك لأن الله جل وعلا جعل الأنثى بصفاتها الخاصة بها ~~صالحة لأنواع من المشاركة في بناء المجتمع الإنساني، صلاحا لا يصلحه لها ~~غيرها، كالحمل والوضع، والإرضاع وتربية الأولاد، وخدمة البيت، والقيام ~~على شؤونه. من طبخ وعجن وكنس ونحو ذلك. وهذه الخدمات التي تقوم بها ~~للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة، وعفاف ومحافظة على الشرف ~~والفضيلة والقيم الإنسانية - لا تقل عن خدمة الرجل بالاكتساب. فزعم ~~أولئك السفلة الجهلة من الكفار وأتباعهم أن المرأة لها من الحقوق في ~~الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل، مع أنها في زمن حملها ورضاعها ونفاسها، ~~لا تقدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقة كما هو مشاهد. فإذا خرجت هي ~~وزوجها بقيت خدمات البيت كلها ضائعة من حفظ الأولاد الصغار، ms1083 وإرضاع من هو ~~في زمن الرضاع منهم، وتهيئة الأكل والشرب للرجل إذا جاء من عمله. فلو ~~أجروا إنسانا يقوم مقامها، لتعطل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطل الذي ~~خرجت المرأة فرارا منه. فعادت النتيجة في حافرتها على أن خروج المرأة ~~وابتذالها فيه ضياع المروءة والدين. لأن المرأة متاع، هو خير متاع ~~الدنيا، وهو أشد أمتعة الدنيا تعرضا للخيانة. لأن العين الخائنة إذا ~~نظرت إلى شيء من محاسنها فقد استغلت بعض منافع ذلك الجمال خيانة ومكرا. ~~فتعريضها لأن تكون مائدة للخونة فيه ما لا يخفى على أدنى عاقل. وكذلك ~~إذا لمس شيئا من بدنها بدن خائن سرت لذة ذلك اللمس في دمه ولحمه بطبيعة ~~الغريزة الإنسانية. ولا سيما إذا كان القلب فارغا من خشية الله تعالى، ~~فاستغل نعمة ذلك البدن خيانة وغدرا. وتحريك الغرائز بمثل ذلك النظر ~~واللمس يكون غالبا سببا لما هو شر منه. كما هو مشاهد بكثرة في البلاد ~~التي تخلت عن تعاليم الإسلام، وتركت الصيانة. فصارت نساؤها يخرجن ~~متبرجات عاريات الأجسام إلا ما شاء الله. لأن الله نزع من رجالها صفة ~~الرجولة والغيرة على حريمهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ~~نعوذ بالله من مسخ الضمير والذوق، ومن كل سوء، ودعوى الجهلة السفلة أن ~~داوم خروج النساء بادية الرؤوس والأعناق والمعاصم، والأذرع والسوق، ~~ونحو ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال. # لأن كثرة الامساس تذهب الإحساس. كلام في غاية السقوط والخسة لأن معناه ~~إشباع الرغبة مما لا يجوز، حتى يزول الأرب منه بكثرة مزاولته، وهذا كما ~~ترى. ولأن الدوام لا يذهب إثارة الغريزة باتفاق العقلاء. لأن الرجل يمكث ~~مع امرأته سنين كثيرة حتى تلد أولادهما، ولا تزال ملامسته لها، ورؤيته ~~لبعض جسمها تثير غريزته. كما هو مشاهد لا ينكره إلا مكابر # لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي # وقد أمر رب السماوات والأرض، خالق هذا الكون ومدبر شؤونه، العالم ~~بخفايا أموره، وبكل ما كان وما سيكون - بغض البصر عما لا يحل. قال تعالى # قل للمؤمنين ms1084 يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن # النور30-31 الآية. ونهى المرأة أن تضرب برجلها لتسمع الرجال صوت خلخالها ~~في قوله # ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن # النور31. ونهاهن عن لين الكلام. لئلا يطمع أهل الخنى فيهن. قال تعالى # فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ~~وقلن قولا معروفا # الأحزاب32. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق المقام في مسألة الحجاب في ~~سورة الأحزاب كما قدمنا الوعد بذلك في ترجمة هذا الكتاب المبارك. ومن هدي ~~القرآن للتي هي أقوم ملك الرقيق المعبر عنه في القرآن بملك اليمين في ~~آيات كثيرة. كقوله تعالى # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم # النساء3، وقوله # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين # المؤمنون5-6 " في سورة قد أفلح المؤمنون، وسأل سائل " ، وقوله # والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم # النساء36، وقوله # والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم ~~كتاب الله # النساء24 الآية، وقوله جل وعلا # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم # النور33 الآية، وقوله # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت ~~يمينك # الأحزاب52 الآية، وقوله # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله ~~عليك # الأحزاب50 الآية، وقوله جل وعلا # ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن # الأحزاب55، وقوله # أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن # النور31 وقوله # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات # النساء25، وقوله # فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم # النحل71، وقوله # هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء # الروم28 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فالمراد بملك اليمين في جميع هذه ~~الآيات ونحوها ملك الرقيق بالرق. # ومن الآيات الدالة على ملك الرقيق ms1085 قوله # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا # النحل75 الآية، وقوله # ولعبد مؤمن خير من مشرك # البقرة221 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسبب الملك بالرق هو الكفر، ~~ومحاربة الله ورسوله. فإذا أقدر الله المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم ~~وأموالهم، وجميع قواهم، وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على ~~الكفار - جعلهم ملكا لهم بالسبي. إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء. ~~لما في ذلك من المصلحة على المسلمين. وهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها ~~وأظهرها حكمة. وذلك أن الله جل و علا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ~~ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه. كما قال تعالى # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # الذاريات56-57. وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. كما قال # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # إبراهيم34، وفي الآية الأخرى " في سورة النحل " # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # النحل18. وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه. كما قال تعالى # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # النحل78 فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا، وأعلنوا الحرب على رسله ~~لئلا تكون كلمته هي العليا، واستعملوا جميع المواهب التي أنعم عليهم بها ~~في محاربته، وارتكاب ما يسخطه، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. ~~وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان. فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير ~~جل وعلا - عقوبة شديدة تناسب جريمتهم. فسلبهم التصرف، ووضعهم من مقام ~~الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، فأجاز بيعهم وشراءهم، ~~وغير ذلك من التصرفات المالية، مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلبا ~~كليا. فأوجب على ماليكهم الرفق والإحسان إليهم، وأن يطعموهم مما يطعمون، ~~ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم ~~أعانوهم. كما هو معروف في السنة الواردة عنه صلى الله عليه وسلم، مع ~~الإيصاء عليهم في القرآن. كما في قوله تعالى # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى # النساء36 إلى قوله ms1086 # وما ملكت أيمانكم # النساء36 كما تقدم. وتشوف الشارع تشوفا شديدا للحرية والإخراج من ~~الرق. فأكثر أسباب ذلك، كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظهار ويمين ~~وغير ذلك. وأوجب سراية العتق، وأمر بالكتابة في قوله # فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا # النور33 ورغب في الإعتاق ترغيبا شديدا. ولو فرضنا - # ولله المثل الأعلى # النحل60 أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق، وتشنع في ذلك ~~على دين الإسلام - قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتسدي ~~إليه جميع أنواع الإحسان، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها، ~~وعدم نفوذ كلمتها، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها، التي ~~يظهر لها أن بهما صلاح المجتمع، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها ~~تقتله شر قتلة. # ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه. فهو أشد سلبا ~~لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل. والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ~~ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعه. ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في ~~الأرض الأمن والطمأنينة. والرخاء والعدالة، والمساواة في الحقوق الشرعية، ~~وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون # النحل90 فعاقبه الله هذه المعاقبة بمنعه التصرف. ووضع درجته وجريمته ~~تجعله يستحق العقوبة بذلك. فإن قيل إذا كان الرقيق مسلما فما وجه ملكه ~~بالرق؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة الله ورسله قد زال؟ فالجواب ~~أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء أن الحق السابق لا يرفعه ~~الحق اللاحق، والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها. فالمسلمون عندما ~~غنموا الكفار بالسبي ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع، وهو الحكيم ~~الخبير. فإذا استقر هذا الحق وثبت، ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في ~~الخروج من الرق بالإسلام مسبوقا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل ~~الإسلام وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه. كما ~~هو معلوم ms1087 عند العقلاء. نعم، يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم، ~~وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه، وفتح له الأبواب الكثيرة كما قدمنا - ~~فسبحان الحكيم الخبير # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم # الأنعام115 فقوله { صدقا } أي في الأخبار وقوله { وعدلا } أي في ~~الأحكام. ولا شك أن من ذلك العدل الملك بالرق وغيره من أحكام القرآن. # وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم # ومن هدي القرآن للتي هي أقوم القصاص. فإن الإنسان إذا غضب وهم بأن يقتل ~~إنسانا آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل. فحيي ذلك ~~الذي كان يريد قتله، وحيي هو. لأنه لم يقتل فيقتل قصاصا. فقتل القاتل ~~يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا. قال تعالى # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون # البقرة179 ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أقطار ~~الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله. ~~لأن القصاص رادع عن جريمة القتل. كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا. ~~وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة. لأن فيه إقلال ~~عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير ~~القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع. # كله كلام ساقط، عار من الحكمة! لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل فإذا ~~لم تكن العقوبة رادعة فإن السفهاء يكثر منهم القتل. فيتضاعف نقص المجتمع ~~بكثرة القتل. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم قطع يد السارق المنصوص عليه ~~بقوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم # المائدة38، وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لو سرقت فاطمة لقطعت يدها " # وجمهور العلماء على أن القطع من الكوع، وأنها اليمنى. وكان ابن مسعود ~~وأصحابه يقرؤون " فاقطعوا أيمانهما ". والجمهور أنه إن سرق ثانيا قطعت ~~رجله اليسرى، ثم إن سرق فيده اليسرى، ثم ms1088 إن سرق فرجله اليمنى، ثم يعزر. ~~وقيل يقتل. كما جاء في الحديث # " ولا قطع إلا في ربع دينار أو قيمته أو ثلاثة دراهم " # كما هو معروف في الأحاديث. وليس قصدنا هنا تفصيل أحكام السرقة. وشروط ~~القطع، كالنصاب والإخراج من حرز. ولكن مرادنا أن نبين أن قطع يد السارق ~~من هدي القرآن للتي هي أقوم. وذلك أن هذه اليد الخبيثة الخائنة، التي ~~خلقها الله لتبطش وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نهيه، ~~والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني - فمدت أصابعها الخائنة، إلى مال ~~الغير لتأخذه بغير حق، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة ~~والغدر، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح، يد نجسة قذرة، ساعية في ~~الإخلال بنظام المجتمع. إذ لا نظام له بغير المال، فعاقبها خالقها ~~بالقطع والإزالة. كالعضو الفاسد الذي يجر الداء لسائر البدن، فإنه يزال ~~بالكلية إبقاء على البدن، وتطهيرا له من المرض. ولذلك فإن قطع اليد يطهر ~~السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة، مع الردع البالغ بالقطع عن ~~السرقة. قال البخاري في صحيحه " باب - الحدود كفارة " حدثنا محمد بن ~~يوسف أخبرنا ابن عيينة عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، # " عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مجلس، فقال " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ~~ولا تزنوا " # ، وقرأ هذه الآية كلها، # " فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو ~~كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه. إن شاء غفر له، وإن ~~شاء عذبه " # اه هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~الصحيح " فهو كفارته " نص صريح في أن الحدود تطهر المرتكبين لها من ~~الذنب. والتحقيق في ذلك ما حققه بعض العلماء من أن حقوق الله يطهر منها ~~بإقامة الحد. # وحق المخلوق يبقى. فارتكاب جريمة السرقة مثلا يطهر منه بالحد، ~~والمؤاخذة بالمال تبقى، لأن السرقة علة موجبة حكمين وهما ms1089 القطع والغرم. ~~قال في مراقي السعود # وذاك في الحكم الكثير أطلقه كالقطع مع غرم نصاب السرقة # مع أن جماعة من أهل العلم قالوا لا يلزمه الغرم مع القطع. لظاهر الآية ~~الكريمة فإنها نصت على القطع ولم تذكر غرما. وقال جماعة يغرم المسروق ~~مطلقا، فات أو لم يفت، معسرا كان أو موسرا. ويتبع به دينا إن كان ~~معسرا. وقال جماعة يرد المسروق إن كان قائما. وإن لم يكن قائما رد ~~قيمته إن كان موسرا، فإن كان معسرا فلا شيء عليه ولا يتبع به دينا. ~~والأول مذهب أبي حنيفة. والثاني مذهب الشافعي وأحمد والثالث مذهب مالك. ~~وقطع السارق كان معروفا في الجاهلية فأقره الإسلام. وعقد ابن الكلبي ~~بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سرقوا غزال ~~الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب. وذكر ممن قطع في السرقة عوف بن عبد بن ~~عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عدي بن سهم وغيرهما، وأن عوفا السابق ~~لذلك انتهى. وكان من هدايا الكعبة صورة غزالين من ذهب، أهدتهما الفرس ~~لبيت الله الحرام، كما عقده البدوي الشنقيطي في نظم عمود النسب بقوله # ومن خباياه عزالا ذهب أهدتهما الفرس لبيت العرب # وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة وقد قطع السارق في الجاهلية، ~~وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في ~~الإسلام. فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من ~~الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. ومن النساء مرة بنت سفيان بن ~~عبد الأسد من بني مخزوم. وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد. وقطع ~~عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة اه. قال مقيده عفا الله عنه ما ~~ذكره القرطبي رحمه الله من أن المخزمية التي سرقت فقطع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدها أولا هي مرة بنت سفيان خلاف التحقيق. والتحقيق أنها ~~فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ms1090 وهي بنت ~~أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل، الذي كان زوج أم سلمة قبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قتل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه. وقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها وقع في غزوة ~~الفتح. وأما سرقة أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد ابنة عم المذكورة، وقطع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدها ففي حجة الوداع، بعد قصة الأولى بأكثر ~~من سنتين. فإن قيل أخرج الشيخان في صحيحهما، وأصحاب السنن وغيرهم من حديث ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ~~ثلاثة دراهم. # وفي لفظ بعضهم قيمته ثلاثة دراهم. وأخرج الشيخان في صحيحهما، وأصحاب ~~السنن غير ابن ماجه وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " والأحاديث ~~بمثل هذا كثيرة جدا، مع أنه عرف من الشرع أن اليد فيها نصف الدية، ودية ~~الذهب ألف دينار. فتكون دية اليد خمسمائة دينا. فكيف تؤخذ في مقابلة ربع ~~دينار؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك. فالجواب - أن هذا النوع من ~~اعتراضات الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، هو الذي نظمه المعري ~~بقوله # يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار # وللعلماء عنه أجوبه كثيرة نظما ونثرا. منها قول القاضي عبد الوهاب ~~مجيبا له في بحره ورويه # عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري # وقال بعضهم لما خانت هانت. ومن الواضح أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما ~~تحملت رذيلة السرقة وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن ~~والأترجة، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل، الذي ~~تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ~~الكريمة ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن، بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه ~~تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل. فلا يبعد أن ms1091 يعاقبه ~~الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة اه. فانظر ما يدعو إليه ~~القرآن من مكارم الأخلاق، والتنزه عما لا يليق، وقطع يد السارق في ربع ~~دينار فصاعدا - يدل على أن التشريع السماوي يضع درجة الخائن من خمسمائة ~~درجة إلى ربع درجة. فانظر هذا الخط العظيم لدرجته، بسبب ارتكاب الرذائل. ~~وقد استشكل بعض الناس قطع يد السارق خاصة دون غيرها من الجنايات على ~~الأموال، كالغصب والانتهاب، ونحو ذلك. قال المازري ومن تبعه صان الله ~~الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، من ~~الانتهاب والغصب، ولسهولة إقامة البينة على ما عدى السرقة بخلافها، وشدد ~~العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر. ولم يجعل دية الجناية على العضو ~~المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد. ثم لما خانت هانت. وفي ذلك ~~إثارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله # يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار # فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله # صيانة العضو أغلاها وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري # وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي. ولو ~~كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال. # فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين. وقد عسر فهم ~~المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري ~~القياس فقال القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى. فإن ~~الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس. لأنه إذا ~~لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي. وجوابه - أن الأدلة على ~~العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها. وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك ~~في كتاب الأحكام. اه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري. قال مقيدة عفا ~~الله عنه الفرق بين السرقة وبين الغصب ونحوه الذي أشار إليه المازري - ~~ظاهر، وهو أن النهب والغصب ونحوهما قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأن الأمر ~~الظاهر غالبا ms1092 توجد البينة عليه بخلاف السرقة. فإن السارق إنما يسرق خفية ~~بحيث لا يطلع عليه أحد، فيعسر الإنصاف منه. فغلظت عليه الجناية ليكون ~~أبلغ في الزجر. والعلم عند الله تعالى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم رجم ~~الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان ~~أو أنثى. أما الرجم - فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم، وهي ~~قوله تعالى " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم ". وقد قدمنا ذم القرآن للمعرض عما في التوراة من حكم ~~الرجم. فدل القرآن في آيات محكمة - كقوله # يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه # المائدة 41 الآية، وقوله # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم # المائدة 23 الآية - على ثوبت حكم الرجم في شريعة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم لذمه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدم. وما ذكرنا من أن حكم الرجم ~~ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي رضي الله عنه، حين رجم امرأة يوم الجمعة " ~~رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". لأن السنة هي التي بينت أن ~~حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها. ويدل لذلك قول عمر رضي الله عنه في ~~حديثه الصحيح المشهور " فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ~~ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.. " الحديث. ~~والملحدون يقولون إن الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية، ولا ~~ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان. لقصور إدراكهم عن ~~فهم حكم الله البالغة في تشريعه. والحاصل - أن الرجم عقوبة سماوية معقولة ~~المعنى. لأن الزاني لما أدخل فرجه في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر، ~~فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض، وتقذير الحرمات، ~~والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني. # والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله. ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح ~~للمصاحبة. فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية ~~الخبث والخسة، وشر أمثاله ms1093 عن المجتمع. ويطهره هو من التنجيس بتلك ~~القاذورة التي ارتكب، وجعل قتلته أفظع قتلة. لأن جريمته أفظع جريمة - ~~والجزاء من جنس العمل. وقد دل المطهر على أن إدخال الفرج في الفرج ~~المأذون فيه شرعا يوجب الغسل، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما ~~حتى يغتسل بالماء. فدل ذلك أن ذلك الفعل يتطلب طهارة في الأصل، وطهارته ~~المعنوية إن كان حراما قتل صاحبه المحصن. لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب ~~الزنى، ويبقى عليه حق الآدمي. كالزوج إن زنى بمتزوجة، وحق الأولياء في ~~إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقا. وشدة قبح الزنى أمر مركوز في ~~الطبائع، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة ما أقبح ذلك الفعل حلالا! ~~فكيف به وهو حرام! وغلظ جل وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظا أشد من ~~تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة. لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء، ومن ~~كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن. فما كان الداعي إلى الزنى أعظم، كان ~~الرادع عنه أعظم وهو الرجم. وأما جلد الزاني البكر ذكرا كان أو أنثى ~~مائة جلدة - فهذا منصوص بقوله تعالى # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # النور2 الآية. لأن هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى، وتطهره من ذنب ~~الزنى كما تقدم. وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ما يلزم الزناة من ~~ذكور وإناث، وعبيد وأحرار " في سورة النور ". وتشريع الحكيم الخبير جل ~~وعلا - مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح، والجري على ~~مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، ولا شك أن من أقوم الطرق معاقبة فظيع ~~الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقا. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه ~~إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين. فما خيله أعداء الدين لضعاف ~~العقول ممن ينتمي إلى الإسلام من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين ~~الإسلام - باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع ~~الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين. ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، ~~والتحلي بآدابه ms1094 الكريمة، وتعاليمه السماوية. قال تعالى # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # الأنفال60 الأية، وقال # ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات ~~وقدر في السرد واعملوا صالحا # سبأ10-11 الآية. فقوله { أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد } يدل على الاستعداد لمكافحة العدو، وقوله { واعملوا ~~صالحا } يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين ~~الحنيف. وداود من أنبياء " سورة الأنعام " المذكورين فيها في قوله تعالى # ومن ذريته داوود # الأنعام84 الآية، وقد قال تعالى مخاطبا لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم بعد أن ذكرهم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام90. وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس رضي الله ~~عنهما من أين أخذت السجدة " في ص " فقال أو ما تقرأ { ومن ذريته ~~داوود } { أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدل ذلك ~~على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود. فعلينا أن نستعد ~~لكفاح العدو مع التمسك بديننا، وانظر قوله تعالى { وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة } الأنفال60 فهو أمر جازم بإعداد كل ما ~~في الاستطاعة من قوه ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت. فهو أمر جازم ~~بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا ~~طرأ تطور جديد. ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين. ومن أوضح الأدلة في ذلك ~~قوله تعالى # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا ~~سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى ~~لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم # النساء102 الآية. فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على ~~لزوم الجمع بين مكافحة العدو، وبين القيام بما شرعه الله جل وعلا من ~~دينه. فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح ~~المسلح يدل على ذلك أيضا دلالة في غاية الوضوح، وقد قال تعالى # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله ms1095 كثيرا لعلكم تفلحون # الأنفال45 فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيرا عند التحام ~~القتال يدل على ذلك أيضا دلالة واضحة. فالكفار خيلوا لضعاف العقول أن ~~النسبة بين التقدم والتمسك بالدين، والسمت الحسن والأخلاق الكريمة - ~~تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود، والنفي والإثبات. أو ~~الضدين كالسواد والبياض، والحركة والسكون. أو المتضائقين كالأبوة ~~والبنوة، والفوق والتحت. أو العدم والملكة كالبصر والعمى. فإن الوجود ~~والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة، وكذلك الحركة ~~والسكون مثلا. وكذلك الأبوة والبنوة. فكل ذات ثبتت لها الأبوة لذات ~~استحالت عليها البنوة لها، بحيث يكون شخص أبا وابنا لشخص واحد. ~~كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة، أو الحركة والسكون في ~~جرم. وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان. فخيلوا لهم أن التقدم والتمسك ~~بالدين متباينان تباين مقابلة، بحيث يستحيل اجتماعهما. فكان من نتائج ذلك ~~انحلالهم من الدين رغبة في التقدم. فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين. والتحقيق - أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين بالنظر إلى ~~العقل وحده، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة - إنما هي تباين المخالفة، ~~وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها ~~تباين حقيقة الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلا في ذات أخرى. # كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة. فحقيقة البياض في ~~حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعهما في ~~ذات واحدة كالثلج. وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة ~~القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدا متكلما في وقت واحد. ~~وهكذا. فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا ~~القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلا أن يكون باردا كالثلج، ~~والإنسان القاعد يجوز عقلا ان يكون متكلما، فكذلك المتمسك بالدين يجوز ~~عقلا أن يكون متقدما. إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على ~~امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلا في جميع الميادين التقدمية ~~كما لا يخفى، وكما عرفه التاريح للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ms1096 ومن ~~تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى # ولينصرن الله من ينصره # الحج40 الآية، وقوله # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # الروم47، وقوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # الصافات171-173، وقوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # المجادلة21،وقوله # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # غافر51 الآية، وقوله # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # التوبة14، ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث. فإن النسبة ~~بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه. لأن التمسك ~~بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم، كما صرحت به الآيات ~~المذكورة. ومعلوم أن النسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين إما أن ~~تكون المساواة أو الخصوص المطلق، لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعم من ~~لازمه. وقد يجوز أن يكون مساويا له أو أخص منه، ولا يتعدى ذلك. ومثال ~~ذلك الإنسان مثلا، فإنه ملزوم للبشرية والحيوانية، بمعنى أن الإنسان ~~يلزم على كونه إنسانا أن يكون بشرا وأن يكون حيوانا، وأحد هذين ~~اللازمين مساو له في الماصدق وهو البشر. والثاني أعم منه ماصدقا وهو ~~الحيوان، فالإنسان أخص منه خصوصا مطلقا كما هو معروف. فانظر كيف خيلوا ~~لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين. ~~وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمى بصائرهم، فهم ما تقولوا على الدين ~~الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي ~~للإسلام ليمكنهم الاستيلاء عليهم، لأنهم لو عرفوا الدين حقا واتبعوه ~~لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم، فالدين هو هو، وصلته بالله هي هي، ~~ولكن المنتسبين إليه في جل أقطار الدنيا تنكروا له، ونظروا إليه بعين ~~المقت والازدراء. فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة. # ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزهم ومجدهم، وقادوا جميع أهل الأرض. وهذا ~~مما لا شك فيه # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلو بعضكم ببعض # محمد صلى الله عليه وسلم4. ms1097 ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أنه ~~كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد ~~الله صلوات الله وسلامه عليه. فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، ~~مخرج عن الملة الإسلامية. # " ولما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ ~~فقال لهم " الله قتلها " # فقالوا له ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون ~~إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله!؟ - أنزل الله فيهم قوله تعالى # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون # الأنعام121 وحذف الفاء من قوله { إنكم لمشركون } يدل على قسم ~~محذوف على حد قوله في الخلاصة # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم # إذ لو كانت الجملة جوابا للشرك لاقترنت بالفاء على حد قوله في الخلاصة ~~أيضا # واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل # فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل ~~الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله ~~مرتكبه يوم القيامة بقوله # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # يس60 لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته، وقال تعالى # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # النساء117 أي ما يعبدون إلا شيطانا، وذلك باتباعهم تشريعه. وقال # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم # الأنعام137 الآية، فسماهم شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى. ~~وقال عن خليله # يأبت لا تعبد الشيطان # مريم44 الآية، أي بطاعته في الكفر والمعاصي. ولما سأل عدي بن حاتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا # التوبة31 الآية، بين له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله ~~وتحليل ما حرم. والآيات بمثل هذا كثيرة. والعجب ممن يحكم ms1098 غير تشريع الله ~~ثم يدعي الإسلام. كما قال تعالى # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # النساء60، وقال # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # المائدة44. وقال # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا ~~تكونن من الممترين # الأنعام114. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - هديه إلى أن الرابطة التي ~~يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن ينادى بالارتباط ~~بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام. # لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع ~~المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ~~بالسهر والحمى. فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك، بساقك. ~~كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " # ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيها على أن ~~رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه. كقوله تعالى # ولا تخرجون أنفسكم من دياركم # البقرة84 الآية، أي لا تخرجون إخوانكم، وقوله # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا # النور12 أي بإخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله # ولا تلمزوا أنفسكم # الحجرات11 الآية، أي إخوانكم على أصح التفسيرين وقوله # ولا تأكلوا أموالكم بينكم # البقرة188 الآية، أي لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات. ~~ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقة هي الدين، وأن تلك الرابطة ~~تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية قوله تعالى # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ms1099 ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم # المجادلة22 إذ لا رابطة نسبيه أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان ~~والعشائر. وقوله # والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # التوبة71 الآية، وقوله # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم # الحجرات10 وقوله # فأصبحتم بنعمته إخوانا # آل عمران103 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات وأمثالها تدل ~~على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية المعروفة بالقومية - لا ~~يجوز ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين. ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه ~~البخاري في صحيحه قال باب قوله تعالى # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون # المنافقون8 حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال حفظناه من عمرو بن دينار قال # " سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول كنا في غزاة فكسع رجل من ~~المهاجرين رجلا من الأنصار. فقال الأنصاري يا للأنصار!! وقال ~~المهاجري يا للمهاجرين!! فسمعها الله رسوله قال " ما هذا؟ " فقالوا كسع ~~رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنصار، وقال ~~المهاجري يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعوها فإنها ~~منتنة " # الحديث. فقول هذا الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين - هو ~~النداء بالقومية العصبية بعينه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " دعوها ~~فإنها منتنة " يقتضي وجوب ترك النداء بها. # لأن قوله " دعوها " أمر صريح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على ~~التحقيق كما تقرر في الأصول. لأن الله يقوله # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # النور63، ويقول لإبليس # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # الأعراف12 فدل على أن مخالفة الأمر معصية. وقال تعالى عن نبيه موسى في ~~خطابه لأخيه # أفعصيت أمري # طه93 فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر وقال تعالى # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # الأحزاب36 فدلت الآية على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم مانع من ~~الاختيار، موجب للامتثال. لا ms1100 سيما وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا الأمر بالترك بقوله " فإنها منتنة " وحسبك بالنتن موجبا للتباعد ~~لدلالته على الخبث البالغ. فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة ~~القومية مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فاعله يتعاطى ~~المنتن، ولا شك أن المنتن خبيث، والله تعالى يقول # الخبيثات للخبيثين # النور26 الآية، ويقول # ويحرم عليهم الخبآئث # الأعراف157 وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضا مسلم في ~~صحيحه قال رحمه الله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. وزهير بن حرب، وأحمد بن ~~عبدة الضبي، وابن أبي عمر، واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة أخبرنا ~~وقال الآخرون حدثنا سفيان بن عيينة قال # " سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول كنا مع النبي في غزاة، فكسع رجل ~~من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنصار! وقال ~~المهاجري يا للمهاجرين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بال دعوى ~~الجاهلية! " قالوا يارسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار. ~~فقال " دعوها فإنها منتنة " # الحديث. وقد عرفت وجه لدلالة هذا الحديث على التحريم، مع أن في بعض ~~رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بأن دعوى الرجل " يا لبني فلان " من ~~دعوى الجاهلية. وإذ صح بذلك أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " # وفي رواية في الصحيح # " ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية " # ، وذلك صريح في أن من دعا تلك الدعوى ليس منا، وهو دليل واضح على ~~التحريم الشديد. ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم # " من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " # هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي، ~~عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ # " إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولاتكنوا " # وأشار لأنه أخرجه ms1101 أحمد في المسند، والنسائي وابن حبان، والطبراني في ~~الكبير، والضياء المقدسي عن أبي رضي الله عنه، وجعل عليه علامة الصحة. ~~وذكره أيضا صاحب الجامع الصغير بلفظ # " إذا رايتم الرجل يتعزى.. " # الخ، وأشار إلى أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي، وجعل عليه ~~علامة الصحة. وقال شارحه المناوي ورواه عنه أيضا الطبراني، قال الهيثمي ~~ورجاله ثقات، وقال شارحه العزيزي هو حديث صحيح. وقال فيه الشيخ إسماعيل ~~بن محمد العجلوني في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من ~~الأحاديث على ألسنة الناس قال النجم رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي ~~بن كعب رضي الله عنه. ومراده بالنجم الشيخ محمد نجم الدين الغزي في كتابه ~~المسمى إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن فانظر كيف سمى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء " عزاء الجاهلية " وأمر أن يقال ~~للداعي به " اعضض على هن أبيك " أي فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه ~~بالكناية. فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي صلى الله ~~عليه وسلم له. واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية أبو ~~جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة. وقد بين ~~تعالى لقوميتهم في آيات كثيرة. كقوله # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # المائدة104 الآية، وقوله # قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # البقرة170 الآية، وأمثال ذلك من الآيات. واعلم أنه لا خلاف بين العلماء ~~- كما ذكرنا آنفا - في منع النداء برابطة غير الإسلام. كالقوميات ~~والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه ~~القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية. فإن النداء بها حينئذ معناه ~~الحقيقي أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية ~~رفضا باتا، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا ~~من العرب، وهذا منهم أيضا مثلا. فالعروبة لا يمكن أن تكن خلفا من ~~الإسلام. واستبدالها به صفقة خاسرة. فهي كما قال الراجز # بدلت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات ms1102 الدردرا كما اشترى ~~المسلم إذ تنصرا # وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى. وقد ~~بين الله جل وعلا في محكم كتابه أن الحكمة في جعله بني آدم شعوبا ~~وقبائل هي التعارف فيما بينهم. وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل ~~قبيلة على غيرها. قال جل وعلا # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم # الحجرات13 فاللام في قوله { لتعارفوا } لام التعليل، والأصل ~~لتتعارفوا، وقد حذفت إحدى التاءين. فالتعارف هو العلة المشتملة على ~~الحكمة لقوله { وجعلناكم شعوبا وقبآئل } ونحن حين نصرح ~~بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية، ونقيم الأدلة على منع ~~ذلك - لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبية لا تمت إلىالإسلام ~~بصلة. كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب. وقد بين الله ~~جل وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن ~~الله عليه. قال تعالى # ألم يجدك يتيما فآوى # الضحى6 أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب. ومن آثار هذه العصبية النسبية ~~قول أبي طالب فيه صلى الله عليه وسلم # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا # كما قدمنا في سورة هود. وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيبا عليه ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه # قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك # هود91. وقد نفع الله بها نبيه صالحا أيضا عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام. كما أشار تعالى لذلك بقوله # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون # النمل49 فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أولياء صالح، ولذلك لم يفكروا ~~أن يفعلوا به سوءا إلا ليلا خفية. وقد عزموا أنهم إن فعلوا به ذلك ~~أنكروا وحلفوا لأوليائه أنهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفا منهم. ولما كان ~~لوط عليه وعلى نبينا ms1103 الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك ~~حتى قال # لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # هود80 وقد قدمنا هذا مستوفى في " سورة هود ". فيلزم الناظر في هذه ~~المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز ~~على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام، ~~وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر ~~عن مسايرة ركب الحضارة. نعوذ بالله من طمس البصيرة. وأن منع النداء ~~بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب ~~العواطف النسبية والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما وقع ~~من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " # ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع. ~~لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما قال تعالى # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله # المجادلة22 الآية، كما تقدم. والحاصل - أن الرابطة الحقيقية التي تجمع ~~المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله " ألا ترى أن هذه ~~الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم ~~في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف. قال تعالى # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم ~~السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ~~وذلك هو الفوز العظيم # غافر7-9. فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ~~ومن حوله، وبين بني آدم في ms1104 الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح ~~العظيم، إنما هي الإيمان بالله جل وعلا. لأنه قال عن الملائكة { ~~ويؤمنون به } فوصفهم بالإيمان. وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم ~~{ ويستغفرون للذين آمنوا } فوصفهم أيضا بالإيمان. فدل ذلك على أن ~~الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة. ومما يوضح لك أن الرابطة ~~الحقيقية هي دين الإسلام - قوله تعالى في أبي لهب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # سيصلى نارا ذات لهب # المسد3 ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال فيه # " سلمان منا أهل البيت " # رواه الطبراني والحاكم في المستدرك، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة ~~الصحة. وضعفه الحافظ الذهبي. وقال الهيثمي فيه، عند الطبراني كثير بن عبد ~~الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقد أجاد من قال # لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب # وقد أجمع العلماء على أن الرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر، ~~أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو ~~كافر، والميراث دليل القرابة. فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من ~~البنوة النسبية. وبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط ~~أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة " لا ~~إله إلا الله " فلا يجوز ألبتة النداء برابطة غيرها. ومن والى الكفار ~~بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # المائدة51، وقوله تعالى # إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير # الأنفال73 والعلم عند الله تعالى. وبالجملة - فالمصالح التي عليها مدار ~~الشرائع ثلاثة الأولى - درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. # والثانية - جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات. والثالثة - ~~الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول ~~بالتحسينيات والتتميمات. وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم ~~للطريق التي ms1105 هي أقوم الطرق وأعدلها. فالضروريات التي هي درء المفاسد - ~~إنما هي درؤها عن ستة أشياء الأول - الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة ~~عليه بأقوم الطرق وأعدلها. كما قال تعالى # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله # البقرة193، وفي آية الأنفال # ويكون الدين كله لله # الأنفال39 وقال تعالى # تقاتلونهم أو يسلمون # الفتح16، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " # الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم # " من بدل دينه فاقتلوه " # إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين. والثاني - النفس، وقد ~~جاء القرآن بالمحافظة عليها باقوم الطرق وأعدلها. ولذلك أوجب القصاص ~~درءا للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب # البقرة179 الآية، وقال # كتب عليكم القصاص في القتلى # البقرة178 الآية، وقال # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # الإسراء33 الآية. الثالث - العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم ~~الطرق وأعدلها. قال تعالى # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه # المائدة90 إلى قوله # فهل أنتم منتهون # المائدة91. وقال صلى الله عليه وسلم # " كل مسكر حرام " # ، وقال # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # كما قدمنا ذلك مستوفى " في سورة النحل " وللمحافظة على العقل أوجب صلى ~~الله عليه وسلم حد الشارب درءا للمفسدة عن العقل. الرابع - النسب، وقد ~~جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها. ولذلك حرم الزنى وأوجب ~~فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت. ~~لئلا يختلط ماء الرجل بماء آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب قال ~~تعالى # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # الإسراء32، ونحو ذلك من الآيات، وقال تعالى # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # النور2 الآية. وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة ~~التلاوة باقية الحكم. وقال تعالى في إيجاب العدة حفظا للأنساب # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # البقرة228 الآية، وقال # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن ms1106 أربعة أشهر وعشرا # البقرة234 وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين ~~الزوجين. ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره. فمنع ~~نكاح الحامل حتى تضع، قال تعالى # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق4. الخامس - العرض، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق ~~وأعدلها. # فنهى المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، أوجب عليه إن رماه بفرية حد ~~القذف ثمانين جلدة. قال تعالى # ولا يغتب بعضكم بعضا # الحجرات12، وقبح جل وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح. بقوله # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه # الحجرات12. وقال # ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب ~~فأولئك هم الظالمون # الحجرات11، وقال في إيجاب حد القاذف # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~إلا الذين تابوا # النور4-5 الآية. السادس - المال، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم ~~الطرق وأعدلها. ولذلك منع أخذه بغير حق شرعي، وأجب على السارق حد السرقة ~~وهو قطع اليد كما تقدم. قال تعالى # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم # النساء29،وقال تعالى # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا ~~بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال ~~الناس بالإثم وأنتم تعلمون # البقرة188، وقال # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله # المائدة38 الآية. وكل ذلك محافظة على المال ودرء للمفسدة عنه. المصلحة ~~الثانية - جلب المصالح، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق ~~وأعدلها. ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، قال تعالى # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # الجمعة10 وقال # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # البقرة198، وقال # وآخرون # المزمل20 وقال # بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض # النساء29. ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين ~~أفراد المجتمع على الوجه المشروع. ليستجلب كل مصلحته من الآخر، كالبيوع، ms1107 ~~والإجارات والأكرية والمساقاة والمضاربة، وما جرى مجرى ذلك. المصلحة ~~الثالثة - الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وقد جاء القرآن بذلك ~~بأقوم الطرق وأعدلها. والحض على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدا ~~في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ولذلك لما سئلت عائشة رضي ~~الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت " كان خلقه القرآن " لأن ~~القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق. لأن الله تعالى يقول في نبيه صلى ~~الله عليه وسلم # وإنك لعلى خلق عظيم # القلم4. فدل مجموع الآية وحديث عائشة على أن المتصف بما في القرآن من ~~مكارم الأخلاق أنه يكون على خلق عظيم، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم ~~الأخلاق، وسنذكر لك بعضا من ذلك تنبيها به على غيره. فمن ذلك قوله ~~تعالى # وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم # البقرة237 الآية. فانظر ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من ~~الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل. وقال تعالى # ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا # المائدة2 الآية، وقال تعالى # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # المائدة8. فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تعامل ~~من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه. وقال تعالى # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم # النساء36 فانظر إلى هذا من مكارم الأخلاق، والأمر بالإحسان إلى ~~المحتاجين والضعفاء، وقال تعالى # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون # النحل90، وقال تعالى # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # الأعراف31 الآية، وقال # ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن # الأنعام151، وقال تعالى # وإذا مروا باللغو مروا كراما # الفرقان72، وقال تعالى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # القصص55 إلى غير ذلك ms1108 من الآيات الدالة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم ~~الأخلاق، ومحاسن العادات. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - هديه إلى حل ~~المشاكل العالمية بأقوم الطرق وأعدلها. ونحن دائما في المناسبات نبين ~~هدي القرآن العظيم إلى حل ثلاث مشكلات، هي من أعظم ما يعانيه العالم في ~~جميع المعمورة ممن ينتمي إلى الإسلام،- تنبيها بها على غيرها المشكلة ~~الأولى - هي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعدة عن مقاومة ~~الكفار. وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها. ~~فبين أن علاج الضعف عن مقاومة الكفار إنما هو بصدق التوجه إلى الله ~~تعالى، وقوة الإيمان به والتوكل عليه. لأن الله قوي عزيز، قاهر لكل شيء. ~~فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ~~ما بلغوا. فمن الأدلة المبينة لذلك أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك ~~الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # الأحزاب10-11 كان علاج ذلك هو ما ذكرنا. فانظر شدة هذا الحصار العسكري ~~وقوة أثره في المسلمين، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم ~~سياسة واقتصادا. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا ~~الأمر العظيم، وحلوا به هذه المشكلة العظمى، وهو ما بينه جل وعلا في ~~سورة الأحزاب بقوله # ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما # الأحزاب22. فهذا الإيمان الكامل، وهذا التسليم العظيم لله جل وعلا، ~~ثقة به، وتوكلا عليه، هو سبب حل هذه المشكلة العظمى. وقد صرح الله ~~تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم ms1109 ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان ~~الله على كل شيء قديرا # الأحزاب25-27. وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه، ولا ~~يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح. قال تعالى # يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا ~~لم تروها # الأحزاب9 ولما علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوه ~~عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم # الفتح18 أي من الإيمان والإخلاص - كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل ~~وعلا في قوله # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ~~وكان الله على كل شيء قديرا # الفتح21 فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله ~~جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة ~~إخلاصهم. فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة ~~الضعيف على القوي وغلبته له # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين # البقرة249، وقوله تعالى في هذه الآية { لم تقدروا عليها } ~~فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما ~~تقرر في الأصول. ووجهه ظاهر. لأن الفعل الصناعي " أعني الذي يسمى في ~~الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع " ينحل عند ~~النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله # المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن # وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما ~~حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية. فالمصدر إذن كامن في ~~مفهوم الفعل إجماعا. فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن ~~في مفهومه، وهو في المعنى نكرة. إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيؤول إلى ~~معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم. فقوله { لم تقدروا ~~عليها } في معنى ms1110 لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة. ~~لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد ~~الداخلة تحت العنوان. كما هو معروف في محله. وبهذا تعلم أن جميع أنواع ~~القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها. ~~لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم # وإن جندنا لهم الغالبون # الصافات173. المشكلة الثانية هي تسليط الكفارعلى المؤمنين بالقتل ~~والجراح وأنواع الإيذاء - مع أن المسلمين على الحق. # والكفار على الباطل. وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأفتى الله جل وعلا فيها، وبين السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في ~~كتابه جل وعلا. وذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد فقتل عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، ومثل بهما، وقتل غيرهما من ~~المهاجرين، وقتل سبعون رجلا من الأنصار، وجرح صلى الله عليه وسلم، ~~وشقت شفته، وكسرت رباعيته، وشج صلى الله عليه وسلم. استشكل المسلمون ~~ذلك وقالوا كيف يدال منا المشركون؟ ونحن على الحق وهم على الباطل؟! فأنزل ~~الله قوله تعالى # أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم # آل عمران165. وقوله تعالى { قل هو من عند أنفسكم }. فيه ~~إجمال بينه تعالى بقوله # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم # آل عمران152. ففي هذه الفتوى السماوية بيان واضح. لأن سبب تسليط الكفار ~~على المسلمين هو فشل المسلمين، وتنازعهم في الأمر، وعصيانهم أمره صلى ~~الله عليه وسلم، وإرادة بعضهم الدنيا مقدما لها على أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. وقد أوضحنا هذا في سورة " آل عمران " ومن عرف أصل الداء. عرف ~~الدواء. كما لا يخفى. المشكلة الثالثة هي اختلاف القلوب الذي هو أعظم ~~الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية. لاستلزامه الفشل، وذهاب ~~القوة والدولة. كما ms1111 قال تعالى # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم # الأنفال46. وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة " الأنفال ". فترى ~~المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة ~~والبغضاء، وإن جامل بعضهم بعضا فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة، وأن ~~ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك. وقد بين تعالى في سورة " الحشر " أن ~~سبب هذا الداء الذي عمت به البلوى إنما هو ضعف العقل. قال تعالى # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # الحشر14 ثم ذكر العلة لكون قلوبهم شتى بقوله # ذلك بأنهم قوم لا يعقلون # الحشر14. ولا شك أن داء ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق، ~~وتمييز الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن من القبيح، لا دواء له ~~إلا إنارته بنور الوحي. لأن نور الوحي يحيا به من كان ميتا ويضيء الطريق ~~للمتمسك به. فيريه الحق حقا والباطل باطلا، والنافع نافعا، والضار ~~ضارا. قال تعالى # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها # الأنعام122، وقال تعالى # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # البقرة257 ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحق، لأن ذلك النور يكشف ~~له عن الحقائق فيريه الحق حقا، والباطل باطلا، وقال تعالى # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # الملك22، وقال تعالى # وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحيآء ~~ولا الأموات # فاطر19-22، وقال تعالى # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا # هود24 الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان ~~حياة بدلا من الموت الذي كان فيه، ونورا بدلا من الظلمات التي كان ~~فيها. وهذا النور عظيم يكشف الحقائق كشفا عظيما. كما قال تعالى # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ms1112 على ~~نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله ~~الأمثال للناس والله بكل شيء عليم # النور35 - ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي ~~القرآن للتي هي أقوم - يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة لأن العمل ~~بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم. لقوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # الحشر7 وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك، اقتصرنا على ~~هذه الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيها بها على غيرها ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [17.11] # في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء. وأحدهما يشهد له قرآن. ~~وهو أن معنى الآية { ويدع الإنسان بالشر } كأن يدعو على ~~نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر. فيقول اللهم أهلكني، أو أهلك ~~ولدي. فيدعو بالشر دعاء لا يحب أن يستجاب له. وقوله { دعآءه ~~بالخير } أي يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر اللهم أهلك ~~ولدي كما يقول في غير وقت الضجر اللهم عافه، ونحو ذلك من الدعاء. ولو ~~استجاب الله دعاءه بالشر لهلك. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم # يونس11 أي لو عجل لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضي ~~إليهم أجلهم أي لهلكوا وماتوا. فالاستعجال بمعنى التعجيل. ويدخل في دعاء ~~الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # الأنفال32. وممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~وهو أصح التفسيرين لدلالة آية يونس عليه. الوجه الثاني في تفسير الآية - ~~أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة، والسلامة من النار، ومن ~~عذاب القبر، كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمعشوقته، ~~أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك. ومن هذا القبيل قول ابن جامع- # أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل ms1113 حتى ~~الصباح وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة ~~المحمل ### || [17.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل الليل والنهار آيتين. أي ~~علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره. ~~وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله تعالى # ومن آياته الليل والنهار # فصلت37 الآية، وقوله # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون # يس37 وقوله تعالى # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # يونس6، وقوله # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # آل عمران190، وقوله # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس # البقرة164 - إلى قوله - # لآيات لقوم يعقلون # البقرة164، وقوله # وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل ~~والنهار أفلا تعقلون # المؤمنون80، وقوله # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # الفرقان62، وقوله # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو ~~العزيز الغفار # الزمر5، وقوله # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم # الأنعام96، وقوله # والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا ~~جلاها والليل إذا يغشاها # الشمس1-4 الآية، وقوله # والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى # الليل1-2 الآية، وقوله # والضحى والليل إذا سجى # الضحى1-2 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب } الإسراء12 يعني أنه جعل الليل مظلما ~~مناسبا للهدوء والراحة، والنهار مضيئا مناسبا للحركة والاشتغال ~~بالمعاش في الدنيا. فيسعون في معاشهم، في النهار، ويستريحون من تعب العمل ~~بالليل. ولو كان الزمن كله ليلا لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان ~~كله نهارا لأهلكهم التعب من دوام العمل. فكما أن الليل والنهار آيتان من ~~آياته جل وعلا، ms1114 فهما أيضا نعمتان من نعمه جل وعلا. وبين هذا المعنى ~~المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون # القصص71-73. فقوله { لتسكنوا فيه } أي في الليل. وقوله { ~~ولتبتغوا من فضله } أي في النهار وقوله # وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا ~~وجعلنا النهار معاشا # النبأ9-11 الآية، وقوله # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # الفرقان47 وقوله # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله # الروم23 الآية، وقوله # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # الأنعام60، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب } الإسراء12 بين فيه ~~نعمة أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب. لأنهم باختلاف ~~الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم ~~الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون ~~مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم ~~يحضن # الطلاق4، وقوله # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # { البقرة234. ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك. ~~وبين جل وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون # يونس5. وقوله جل وعلا # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # البقرة189، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة { فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة } الإسراء12 فيه وجهان من التفسير للعلماء أحدهما - أن الكلام ~~على حذف مضاف، ms1115 والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار، أي الشمس والقمر ~~آيتين. وعلى هذا القول - فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس. ~~والمحو الطمس. وعلى هذا القول - فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في ~~القمر. وبهذا قال علي رضي الله عنه، ومجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. وقيل معنى { فمحونآ آية الليل } الإسراء12 أي لم ~~نجعل في القمر شعاعا كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة. فنقص نور ~~القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول. وهذا أظهر عندي ~~لمقابلته تعالى له بقوله { وجعلنآ آية النهار مبصرة } ~~الإسراء12 والقول بأن معنى محو آية الليل السواد الذي في القمر ليس بظاهر ~~عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم! وقوله { ~~وجعلنآ آية النهار } على التفسير المذكور أي الشمس { ~~مبصرة } أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته. قال الكسائي ~~هو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها - نقله عنه ~~القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه هذا التفسير من قبيل قولهم نهاره صائم، ~~وليله قائم. ومنه قوله # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم # وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي ~~كلام العرب إن دلت عليه قرينة. قال في الخلاصة # وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا # والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله { ~~فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة } ~~الإسراء12 فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين ~~المذكورتين لهما لا هما أنفسهما. # وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله # واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها # يوسف82، وقوله # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت # النساء23 أي نكاحها وقوله # حرمت عليكم الميتة # المائدة3 أي أكلها، ونحو ذلك. وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد ~~بالآيتين الشمس والقمر - فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت ms1116 ~~موضحة في سورة النحل. الوجه الثاني من التفسير - أن الآية الكريمة ليس ~~فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس ~~والقمر. وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء ~~إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في ~~المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام ~~العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى # شهر رمضان # البقرة185 الآية، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله # ولدار الآخرة # يوسف109 الآية، والدار هي الآخرة بعينها. بدليل قوله في موضع آخر # وللدار الآخرة # الأنعام32 بالتعريف، والآخرة نعت للدار. وقوله # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق16 والحبل هو الوريد، وقوله # ومكر السيىء # فاطر43 الآية، والمكر هو السيء بدليل قوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر43. ومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس # كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل # لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته # ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم # لأن مراده بالمشك السابغة بعينها. بدليل قوله هتكت فروجها. لأن الضمير ~~عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك. وقد أوضحنا هذه المسألة في ~~كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة فاطر. وبينا أن الذي ~~يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه ~~أسلوب من أساليب اللغة العربية. لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة ~~التغاير المعنوي. لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب. وجزم ~~بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل ~~المشار إليه بقوله في الخلاصة # ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد # ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله # وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف # لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقلب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين ~~المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل - دليل على ms1117 أن ~~ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا ~~يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من ~~التفسير - فالمعنى فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي ~~النهار مبصرة. أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه، مظلما لا تستبان ~~فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو. وجعلنا النهار مبصرا. أي ~~تبصر فيه الأشياء وتستبان. وقوله في هذه الآية الكريمة { وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا } الإسراء12 تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في ~~سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # النحل89 الآية. ### || [17.13-14] # في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { وكل إنسان ~~ألزمناه طآئره } وجهان معروفان من التفسير الأول - أن المراد ~~بالطائر العمل من قولهم طار له سهم إذا خرج له. اي ألزمناه ما طار له من ~~عمله. الثاني - أن المراد بالطائر ماسبق له في علم الله من شقاوة ~~أوسعادة. والقولان متلازمان. لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول ~~إليه من الشقاوة أو السعادة. فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنا ~~قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان ~~أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن - فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من ~~القرآن. لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة ~~كلاهما يشهد له قرآن. أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله - ~~فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا. كقوله تعالى # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به # النساء123 الآية، وقوله # إنما تجزون ما كنتم تعملون # الطور16، وقوله تعالى # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # الانشقاق6، وقوله # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # فصلت46، وقوله # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # الزلزلة7و8. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وأما على القول بأن المراد ~~بطائره نصيبه الذي طار له في ms1118 الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات ~~الدالة على ذلك أيضا كثيرة، كقوله # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن2، وقوله # ولذلك خلقهم # هود119 أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم.وقوله # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # الأعراف30، وقوله # فريق في الجنة وفريق في السعير # الشورى7، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { في ~~عنقه } أي جعلنا عمله أو ما سبق من شقاوة في عنقه. أي لازما له لزوم ~~القلادة أو الغل لا ينفك عنه. ومنه قول العرب تقلدها طوق الحمامة. وقولهم ~~الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته. ومنه قول الشاعر # اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامه # فالمعنى في ذلك كله اللزوم وعدم الانفكاك. وقوله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا } ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك العمل الذي ألزم ~~الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوبا في كتاب يلقاه منشورا، أي ~~مفتوحا يقرؤه هو وغيره. وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه ~~منشورا في آيات أخر. فبين أن من صفاته أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما ~~فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما ~~عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا، وأن الله جل وعلا لا يظلمهم في ~~الجزاء عليه شيئا. # وذلك في قوله جل وعلا # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # الكهف49. وبين في موضع آخر أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا ~~الله وإخواننا المسلمين منهم. وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا، ~~ويرجع إلى أهله مسرورا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها ~~دانية. قال تعالى # فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا # الانشقاق7-9، وقال تعالى # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه ms1119 إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو ~~في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية # الحاقة19-23. وبين في موضع آخر أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، ~~وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ~~ذراعا. وذلك في قوله # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يليتها ~~كانت القاضية مآ أغنى عني ماليه هلك عني ~~سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه # الحاقة25-32 أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من ~~قوله وعمل. وبين في موضع آخر أن من أوتي كتابي وراء ظهره يصلى السعير، ~~ويدعو الثبور. وذلك في قوله # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ~~ثبورا ويصلى سعيرا # الانشقاق10-12، وقوله تعالى # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # الإسراء14 يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل. ~~لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره. كما ~~قال تعالى # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # القيامة13. وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه إن أنكر شيئا من عمله شهدت ~~عليه جوارحه. كقوله تعالى # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # يس65، وقوله # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم ~~أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين # فصلت31-32، وقوله جل وعلا # بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى ~~معاذيره # القيامة14-15، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة. ~~تنبيه لفظة " كفى " تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين تستعمل ~~متعدية، وهي تتعدى غالبا إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر ~~بالباء. # كقوله # وكفى الله المؤمنين القتال # الأحزاب25، وكقوله # أليس ms1120 الله بكاف عبده # الزمر36 الآية، وقوله # فسيكفيكهم الله # البقرة137 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتستعمل لازمة، ويطرد جر فاعلها ~~بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية. كقوله في هذه الآية الكريمة { كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } الإسراء14، وقوله تعالى # وكفى بالله وكيلا # الأحزاب3و48، وقوله # وكفى بالله حسيبا # النساء6 ونحو ذلك. ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء. وزعم ~~بعض علماء العربية أن جر فاعلها بالباء لازم. والحق أنه يجوز عدم جره ~~بها، ومنه قول الشاعر # عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # وقول الآخر # ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا # وعلى قراءة من قرأ { يلقاه } بضم الياء وتشديد القاف مبنيا للمفعول ~~- فالمعنى أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة. فحذف الفاعل فبني الفعل ~~للمفعول. وقراءة من قرأ { يخرج } بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج ~~مبنيا للفاعل - فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل وقوله { ~~كتابا } حال من ضمير الفاعل. أي ويوم القيامة يخرج هو أي العمل المعبر ~~عنه بالطائر في حال كونه كتابا منشورا. وكذلك على قراءة { يخرج } بضم ~~الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول، فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضا ~~إلى الطائر الذي هو العمل. أي يخرج له هو أي طائره بمعنى عمله، في حال ~~كونه كتابا. وعلى قراءة " يخرج " بضم الياء وكسر الراء مبنيا للفاعل، ~~فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وقوله { كتابا } مفعول به. أي ويوم ~~القيامة يخرج هو أي الله له كتابا يلقاه منشورا. وعلى قراءة الجمهور ~~منهم السبعة - فالنون في { نخرج } نون العظمة لمطابقة قوله { ألزمناه } و ~~{ كتابا } مفعول به لنخرج كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.15] # قوله تعالى { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها }. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جل وعلا، أن اهتداءه ذلك إنما ~~هو لنفسه لأنه هو الذي يسخط ربه جل وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على ~~نفسه. لأنه هو الذي يجني ms1121 ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار. ~~وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # فصلت46 الآية، وقوله # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون # الروم40، وقوله # قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ~~ومن عمي فعليها ومآ أنا عليكم بحفيظ # الأنعام104، وقوله # فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل # يونس108. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد قدمنا طرفا منها في سورة " ~~النحل ". قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى }. ذكر ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى. بل لا تحمل ~~نفس إلا ذنبها. فقوله { ولا تزر } أي لا تحمل، من وزريزر إذا حمل. ومنه ~~سمي وزير السلطان، لأنه يحمل أعباء تدبير شؤون الدولة. والوزر الإثم. ~~يقال وزر يزر وزرا، إذا أثم. والوزر أيضا الثقل المثقل، أي لا تحمل نفس ~~وازرة أي آثمة وزر نفس أخرى. أي إثمها، أو حملها الثقيل. بل لا تحمل إلا ~~وزر نفسها. وهذا المعنى جاء في آيات أخر. كقوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى # فاطر18، وقوله # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم # الأنعام164 الآية، وقوله # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون # البقرة134، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة " النحل " بإيضاح ~~أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت13 الآية، ولا قوله # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # النحل25 لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار ~~إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ~~ذلك من أوزارهم شيئا - كما تقدم مستوفى. تنبيه يرد على هذه الآية ~~الكريمة سؤالان الأول - ما ms1122 ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من " ~~أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " فيقال ما وجه تعذيبه ببكاء غيره. إذ ~~مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟ ~~السؤال الثاني -إيجاب دية الخطأ على العاقلة. # فيقال ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر؟. والجواب عن الأول ~~- هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح ~~عليه. كما قال طرفة بن العبد في معلقته # إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يابنة معبد # لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر. وذلك من ~~فعله لا فعل غيره. الثاني - أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه ~~يعلم أنهم سينوحون عليه. لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله ~~تعالى # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم6 فتعذيبه إذا بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله { ~~قوا أنفسكم } الآية - وهذا ظاهر كما ترى. وعن الثاني - بأن إيجاب ~~الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل، ولكنها مواساة محضة أوجبها ~~الله على عاقلة الجاني. لأن الجاني لم يقصد سوءا، ولا إثم عليه ألبتة - ~~فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها على ~~العاقلة. ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه. كما ~~أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء. واعتقد من أوجب ~~الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره - أنها باعتبار النصرة ~~فأوجبها على أهل الديوان. ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال ~~" وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، ~~فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام. وكانوا يتعاقلون ~~بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر الديوان. واتفق ~~الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا زمن أبي بكر ديوان، ms1123 وأن عمر جعل الديوان، وجمع ~~بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. ~~انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قوله تعالى { وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا }. ظاهر هذه الآية الكريمة أن ~~الله جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة. حتى ~~يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول، ويستمر على الكفر ~~والمعصية بعد الإنذار والإعذار. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات ~~كثيرة، كقوله تعالى # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء165 فصرح في هذه الآية الكريمة بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد ~~بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار. وهذه ~~الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين. بينها في آخر ~~سورة طه بقوله # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # طه134. وأشار لها في سورة القصص بقوله # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # القصص47، وقوله جل وعلا # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # الأنعام131، وقوله # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير # المائدة19 الآية، وكقوله # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب ~~على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب ~~لكنآ أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة # الأنعام155-157 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح ما دلت عليه هذه ~~الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جل وعلا لا يعذب ~~أحدا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - ~~تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة " بأنه لم ms1124 يدخل أحدا النار إلا بعد ~~الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل. فمن ذلك قوله جل وعلا # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء # الملك8-9 الآية. ومعلوم أن قوله جل وعلا # كلما ألقي فيها فوج # الملك8 يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في " البحر ~~المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه " وكلما " تدل على ~~عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين. ومن ذلك قوله جل وعلا # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا بلى ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # الزمر71، وقوله في هذه الآية { وسيق الذين كفروا } عام ~~لجميع الكفار. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من ~~صيغ العموم. لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في مراقي السعود بقوله ~~في صيغ العموم. # صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع # ومراده بالبيت أن لفظة " كل، وجميع، والذي، والتي " وفروعهما كل ذلك من ~~صيغ العموم. فقوله تعالى { وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا } إلى قوله { قالوا بلى } عام في جميع الكفار. وهو ~~ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. فعصوا أمر ~~ربهم كما هو واضح. ونظيره أيضا قوله تعالى # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم ~~النذير # فاطر36-37. فقوله { والذين كفروا لهم نار جهنم } إلى قوله { وجاءكم ~~النذير } عام أيضا في جميع أهل النار. كما تقدم إيضاحه قريبا. ونظير ~~ذلك قوله تعالى # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم ~~تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ms1125 ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # غافر49-50، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم ~~الرسل في دار الدنيا. وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على ~~عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر. وبهذا قالت ~~جماعة أهل العلم. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على ~~الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب ~~الله، وبأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الآيات التي استدلوا ~~بها قوله تعالى # ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا ~~لهم عذابا أليما # النساء18، وقوله # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين # البقرة161، وقوله # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين # آل عمران91، وقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # النساء48، وقوله # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق # الحج31، وقوله # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة # المائدة72 الآية وقوله # قالوا إن الله حرمهما على الكافرين # الأعراف50، إلى غير ذلك من الآيات. وظاهر جميع هذه الآيات العموم. لأنها ~~لم تخصص كافرا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار. ومن الأحاديث ~~الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ~~أنس # " أن رجلا قال يا رسول الله، أين أبي؟. قال " في النار " فلما قفى ~~دعاه فقال " إن أبي وأباك في النار " # اه وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا حدثنا يحيى بن أيوب، ومحمد ~~بن عباد - واللفظ ليحيى - قالا حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن ~~كيسان، عن أبي حازم، عن أبي ms1126 هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها ~~فأذن لي " # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا حدثنا محمد بن عبيد، عن ~~يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبر أمه فبكى وابكى من حوله. # فقال # " استأذنته ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذتنه في أن أزور قبرها ~~فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " # اه إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة. وهذا ~~الخلاف مشهور بين أهل الأصول - هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم ~~يعبدون الأوثان في النار لكفرهم. أو معذورون بالفترة؟ وعقده في " مراقي ~~السعود " بقوله # ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع # وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار النووي في ~~شرح مسلم، وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع. كما نقله عنه صاحب ~~" نشر البنود ". وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى { وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا } الإسراء15 من أربعة أوجه الأول ~~- أن التعذيب المنفى في قوله { وما كنا معذبين } الآية، ~~وأمثالها من الآيات. إنما هو التعذيب الدنيوي كما وقع في الدنيا من ~~العذاب بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى ~~وأمثالهم. وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة. ونسب هذا القول ~~القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور. والوجه ~~الثاني - أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله { وما كنا ~~معذبين } الإسراء15 الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على ~~أدنى عاقل. أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا ~~يعذر فيه أحد. لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، ~~النافع، الضار. ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا ~~على دفع ضر. كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى ms1127 نبينا الصلاة والسلام # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # الأنبياء65 وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون ~~الدعاء لله وحده. لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر. كقوله # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # العنكبوت65 الآية، وقوله # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # لقمان32 الآية، وقوله # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # الإسراء67 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم ~~لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم ~~عند الله. مع أن العقل يقطع بنفي ذلك. الوجه الثالث أن عندهم بقية إنذار ~~مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~كإبراهيم وغيره. وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح ~~مسلم، ومال إليه العبادي في الآيات البينات. # الوجه الرابع - ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار. كما قدمنا بعض الأحاديث ~~الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره. وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه ~~الأوجه الأربعة -فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله { ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } الإسراء15 إنما ~~هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين الأول - أنه خلاف ظاهر القرآن. ~~لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقا، فهو أعم من كونه في الدنيا. وصرف ~~القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه. الوجه الثاني - أن ~~القرآن دل في أيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في ~~الآخرة. كقوله # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى # الملك8-9 وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلى ~~بعد إنذار الرسل. كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية. وأجابوا عن الوجه ~~الثاني - وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - ~~بنفس الجوابين المذكورين آنفا. لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر ms1128 ~~القرآن، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل ~~النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك ~~الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه. وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به ~~النووي، وما إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين ~~أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك، لكثرة الآيات ~~القرآنية المصرحة ببطلانه، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل ~~والقرآن ينفي هذا نفيا باتا في آيات كثيرة. كقوله في " يس " # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون # يس6 و " ما " في قوله { مآ أنذر آبآؤهم } نافية على التحقيق، ~~لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله { فهم غافلون } ، وكقوله في " ~~القصص " # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ~~من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من ~~قبلك # القصص46 الآية، وكقوله في " سبأ " # ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا ~~إليهم قبلك من نذير # سبأ44، وكقوله في " ألم السجدة " # أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر ~~قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك # السجدة3 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأجابوا عن الوجه الرابع - بأن ~~تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، ~~وهو قوله { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~الإسراء15، وقوله # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى # الملك8-9، ونحو ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضا عن ~~الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله # ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا ~~لهم عذابا أليما # النساء18، إلى آخر ما تقدم من الآيات - بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت ~~إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } الإسراء15. وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من ~~أهل الفترة عن قول مخالفيهم إن القاطع الذي هو قوله تعالى { وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا } يجب تقديمه على أخبار الآحاد ~~الدالة على تعذيب ms1129 بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين - بأن ~~الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين. والمعروف في الأصول أنه ~~لا يتعارض عام وخاص. لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، ~~خلافا لأبي حنيفة رحمه الله، كما بيناه في غير هذا الموضع. فما أخرجه ~~دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلا في العموم. ~~كما تقرر في الأصول. وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام. ~~لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف. وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب ~~بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار ~~الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب. فلو عذب إنسانا واحدا من غير ~~إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة ~~التي أرسل الله الرسل لقطعها. كما بينه بقوله # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء165 الآية، وقوله # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # طه134 كما تقدم إيضاحه. وأجاب المخالفون عن هذا - بأنه لو سلم أن عدم ~~الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة، وحصلت علة الحكم التي ~~هي عدم الإنذار في الدنيا، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة ~~للنص في الأحاديث على التعذيب فيها. فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم ~~المسمى في اصطلاح أهل الأصول، ب " النقض " تخصيص للعله، بمعنى أنه قصر ~~لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام. أي قصره على بعض ~~أفراده بدليل. والخلاف في النقص هل هو إبطال للعلة، أو تخصيص لها معروف ~~في الأصول، وعقد الأقوال في ذلك صاحب " مراقي السعود " بقوله في مبحث ~~القوادح # منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا ~~يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا ~~التنصيص وعكس هذا قد رآه ms1130 البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض إن لم تكن ~~منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر إن جا لفقد الشرط أو لما منع ~~والوفق في مثل العرايا قد وقع # فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض هل هو تخصيص، أو إبطال ~~للعلة، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة. واختار بعض المحققين ~~من أهل الأصول أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير ~~العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها. ~~فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعا. فإذا وجد هذا الوصف ~~المركب الذي هو القتل العمد العدوان، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في ~~قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعا من تاثير العلة في الحكم - فلا يقال ~~هذه العلة منقوضة. لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من ~~تاثيرها مانع. فيخصص تاثيرها بما لم يمنع منه مانع. وكذلك من زوج أمته من ~~رجل، وغيره فزعم له أنهاحرة فولد منها. فإن الولد يكون حرا، مع أن رق ~~الأم علة لرق الولد إجماعا. لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها. لأن الغرور ~~مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد. ~~وكذلك الزنى فإنه علم للرجم إجماعا. فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي ~~هي الزنى في هذا الحكم الذي هو الرجم، ونعني بذلك الشرط الإحصان. فلا ~~يقال إنها علة منقوضة، بل هي علة تخلف شرط تاثيرها. وأمثال هذا كثيرة ~~جدا. هكذا قاله بعض المحققين. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر أن آية ~~" الحشر " دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقا، والله تعالى أعلم. ~~ونعني بآية " الحشر " قوله تعالى في بني النضير # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار # الحشر3. ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله # الحشر4 الآية. وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله، ولم يعذب بمثل العذاب ms1131 ~~الذي عذب به بنو النضير، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ~~ورسوله. فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا ~~نقض لها. والعلم عند الله تعالى. أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في ~~مسألة بيع العرايا فهو تخصيص للعلة إجماعا لا نقض لها. كما أشار له في ~~الأبيات بقوله # والوفق في مثل العرايا قد وقع # قال مقيده عفا الله عنه الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي هل ~~يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن ~~الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها. فمن اقتحمها دخل الجنة ~~وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا. # ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في ~~الدنيا. لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. وإنما قلنا إن ~~هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين الأول - أن هذا ثبت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وثبوته عنه نص في محل النزاع. فلا وجه للنزاع ألبتة ~~مع ذلك. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي ~~نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة ~~وامتحانهم يوم القيامة، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم ~~وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن التكليف بدخول النار تكليف ~~بما لا يطاق وهو لا يمكن - ما نصه والجواب عما قال أن أحاديث هذا الباب ~~منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو ~~حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب ~~الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما ~~قوله إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف ~~في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار. كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري ~~عن مذهب أهل السنة والجماعة من ms1132 امتحان الأطفال، وقد قال تعالى # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود # القلم42 الآية. وقد ثبت في الصحاح وغيرها " أن المؤمنون يسجدون لله يوم ~~القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا ~~واحدا، كلما أراد السجود خر لقفاه ". وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون ~~آخر أهل النار خروجا منها " أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه الا يسال غير ~~ما هو فيه، ويتكرر ذلك منه، ويقول الله تعالى يا ابن آدم، ما أعذرك! ثم ~~يأذن له في دخول الجنة " وأما قوله فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ~~ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث. " فإن الله يأمر العباد يوم ~~القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من ~~الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد ~~الخيل والركاب. ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم ~~المكدوس على وجهه في النار " وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا ~~أطم وأعظم! وأيضا - فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد ~~أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ~~فإن يكون عليه بردا وسلاما. فهذا نظير ذلك. وأيضا - فإن الله تعالى ~~أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم. # فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا، يقتل ~~الرجل أباه وأخاه، وهو في عماية غمامة أرسلها الله عليهم. وذلك عقوبة لهم ~~على عبادة العجل. وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في ~~الحديث المذكور. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير بلفظه. وقال ابن كثير ~~رحمه الله تعالى أيضا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه ومنهم من ذهب إلى ~~أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر. فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف ~~علم الله فيه بسابق السعادة. ومن عصى دخل النار داخرا، وانكشف علم الله ~~فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به ~~الأحاديث المتقدمة ms1133 المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي ~~حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو ~~الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد } وكذلك غيره من ~~محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه ~~الله تعالى، وهو واضح جدا فيما ذكرنا. الأمر الثاني - أن الجمع بين ~~الأدلة واجب متى أمكن بلا خلاف. لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء ~~أحدهما. ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان. فمن ~~دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك ~~جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى. ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر ~~رحمه الله تعالى إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل -لا يصح ان ترد به النصوص ~~الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما أوضحنا في كتابنا ~~دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. ### || [17.16] # في معنى قوله { أمرنا مترفيها } في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب ~~معروفة عند علماء التفسير الأول - وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه ~~جمهور العلماء - أن الأمر في قوله { أمرنا } هو الأمر الذي هو ضد النهي، ~~وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى { أمرنا مترفيها } بطاعة ~~الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به { ففسقوا } اي ~~خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله { فحق عليها ~~القول } اي وجب عليها الوعيد { فدمرناها تدميرا } أي ~~أهلكناها إهلاكا مستاصلا. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة ~~الهلاك الواقع بهم. وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات ~~كثيرة. كقوله # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء # الأعراف28 الآية. فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على ~~أنه قوله { أمرنا مترفيها ففسقوا } أي أمرناهم بالطاعة فعصوا. وليس ~~المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا. لأن الله لا يأمر بالفحشاء. ومن الآيات ~~الدالة على هذا قوله تعالى # ومآ أرسلنا في ms1134 قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون وقالوا ~~نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين # سبأ34-35. فقوله في هذه الآية { ومآ أرسلنا في قرية من ~~نذير } الآية. لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل ~~أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا ~~بأموالهم وأولادهم. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبهذا التحقيق تعلم أن ما ~~زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى { أمرنا مترفيها } أي ~~أمرناهم بالفسق ففسقوا. وأن هذا مجاز تنزيلا لإسباغ النعم عليهم الموجب ~~لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك - كلام كله ظاهر السقوط والبطلان. وقد ~~اوضح إبطاله أبو حيان في " البحر " ، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك ~~منصف عارف في بطلانه. وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي ~~المألوف، من قولهم أمرته فعصاني. اي أمرته بالطاعة فعصى. وليس المعنى ~~امرته بالعصيان كما لا يخفى. القول الثاني في الآية - هو أن الأمر في ~~قوله أمرنا مترفيها } امر كوني قدري، اي قدرنا عليهم ذلك ~~وسخرناهم له. لأن كلا ميسر لما خلق له. والأمر الكوني القدري كقوله # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # القمر50، وقوله # قلنا لهم كونوا قردة خاسئين # الأعراف166، وقوله # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # يونس24، وقوله # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس82. القول الثالث في الآية - أن " أمرنا " بمعنى أكثرنا. أي ~~أكثرنا مترفيها ففسقوا وقال أبو عبيدة { أمرنا } بمعنى أكثرنا لغة فصيحة ~~كآمرنا بالمد. ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " خير مال امرىء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة ". # قال ابن كثير قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه ~~الغريب المأمورة كثيرة النسل. والسكة الطريقة المصطفة من النخل. ~~والمأبورة من التأبير، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها. ~~ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم ~~مجردا عن الزوائد، متعد ms1135 بنفسه إلى المفعول. فيتضح كون أمره بمعنى أكثر. ~~وأنكر غير واحد تعدى أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا حديث ~~سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الأزدواج، كقولهم الغدايا والعشايا، ~~وكحديث # " ارجعن مأزورات غير مأجورات " # لأن الغدايا لا يجوز، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا، وكذلك مازورات ~~بالهمز فهو على غير الأصل. لأن المادة من الوزر بالواو. إلا أن الهمز في ~~قوله " مأزورات " للازدواج مع " مأجورات ". والازدواج يجوز فيه ما لا ~~يجوز في غيره كما هو معلوم. وعليه فقوله " مأمورة " إتباع لقوله " مأبورة ~~" وإن كان مذكورا قبله للمناسبة بين اللفظين. وقال الشيخ أبو عبد الله ~~القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة قوله تعالى { أمرنا } قرأ أبو عثمان ~~النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن " أمرنا " ~~بالتشديد. وهي قراءة علي رضي الله عنه. أي سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا ~~فعلوا ذلك أهلكناهم. وقال أبو عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم ~~جعلناهم أمراء مسلطين. وقاله ابن عزيز وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ ~~الحسن أيضا، وقتادة،و وأبو حيوة الشامي، ويعقوب وخارجة عن نافع، وحماد ~~بن سلمة عن أبن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما " آمرنا " بالمد ~~والتخفيف. أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها. قاله الكسائي. وقال أبو عبيدة " ~~آمرته - بالمد - وأمرته لغتان بمعنى أكثرته. ومنه الحديث # " خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " # أي كثيرة النتاج والنسل. وكذلك قال ابن عزيز آمرنا وأمرنا بمعنى واحد. ~~أي أكثرنا. وعن الحسن ايضا، ويحيى بن يعمر أمرنا - بالقصر وكسر الميم - ~~على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن المعنى أكثرنا، وحكى ~~نحوه أبو زيد وأبو عبيد. وأنكره الكسائي وقال لا يقال من الكثرة إلا ~~آمرنا بالمد، وأصلها أأمرنا فخفف - حكاه المهدوي. وفي الصحاح قال أبو ~~الحسن أمر ماله - بالكسر - أي كثر. وأمر القوم أي كثروا. قال الشاعر وهو ~~الأعشى # طرفون ولادون كل مبارك أمرون لا يرثون سهم القعدد # وآمر الله ماله - بالمد. الثعلبي ويقال للشيء الكثير أمر. والفعل منه ~~أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا. # قال ابن مسعود ms1136 كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا أمر أمر بني فلان ~~قال لبيد # كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ~~يوما يصيروا للهلك والنكد # قلت وفي حديث هرقل الحديث الصحيح. لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ~~ملك بني الأصفر. اي كثر. وكلها غير متعد، ولذلك أنكره الكسائي. والله ~~أعلم. قال المهدوي ومن قرأ أمر فهي لغة. ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من ~~حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة. فعدى كما عدى عمر - إلى أن قال ~~وقيل أمرناهم جعلناهم أمراء. لأن العرب تقول أمير غير مأمور، اي غير ~~مؤمر. وقيل معناه بعثنا مستكبريها. قال هارون وهي قراءة أبي بعثنا أكابر ~~مجرميها ففسقوا فيها - ذكره الماوردي. وحكى النحاس وقال هارون في قراءة ~~أبي وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق ~~عليها القول اه محل الغرض من كلام القرطبي. وقد علمت أن التحقيق الذي دل ~~عليه القرآن أن معنى الآية أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا. فوجب ~~عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه. تنبيه في هذه الآية الكريمة ~~سؤال معروف، وهو أن يقال إن الله اسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون ~~غيرهم في قوله { أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } الإسراء16 ~~مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله { فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا } الإسراء16 يعني ~~القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟ والجواب من وجهين الأول - أن غير ~~المترفين تبع لهم. وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم. ~~لأن غيرهم تبع لهم. كما قال تعالى # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا # الأحزاب67، وكقوله # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # البقرة166 الآية، وقوله # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا # الأعراف38 الآية، وقوله تعالى # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا من عذاب الله من شيء # إبراهيم21. الآية، ms1137 وقوله # وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا نصيبا من النار # غافر47 إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن بعضهم إن عصى الله ~~وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع. كماقال تعالى # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # الأنفال25، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها ~~أنها لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم ~~ياجوج ومأجوج مثل، هذه " # - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت له يا رسول الله، أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال # " نعم، إذا كثر الخبث " # وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في سورة المائدة. ### || [17.17] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة انه أهلك كثيرا من القرون من بعد ~~نوح. لأن لفظة { كم } في قوله { وكم أهلكنا } خبرية، معناها الإخبار بعدد ~~كثير. وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده. وأكد ذلك بقوله { وكفى ~~بربك } الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات آخر من ~~أربع جهات الأولى - أن في الآية تهديدا لكفار مكة، وتخويفا لهم من أن ~~ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها. أي أهلكنا قرونا من ~~بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما ~~فعلنا بهم. والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة. كقوله في قوم لوط # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات137-138، وكقوله فيهم أيضا # إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل ~~مقيم # الحجر75-76، وقوله فيهم ايضا # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # العنكبوت35، وقوله # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # محمد10، وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، ~~وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # الشعراء8، وقوله في ms1138 قوم موسى # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى # النازعات26، وقوله # إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة # هود103 الآية، وقوله # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم # الدخان37 الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما ~~وقع لمن قبلهم. الجهة الثانية - ان هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر. ~~فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، ~~وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب ~~الله تعالى. وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله # وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا # الفرقان38 وبين في موضع آخر ان منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وذلك ~~في قوله في سورة إبراهيم # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله # إبراهيم9 الآية. وبين في موضعين آخرين ان رسلهم منهم من قص خبره على ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يقصصه عليه. وهما قوله في سورة ~~النساء # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما # النساء164، وقوله في سورة المؤمن # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله # غافر78 الآية. الجهة الثالثة - ان قوله { من بعد نوح } الإسراء17 ~~يدل على أن القرون التي كانت بين آدم نوح أنها على الإسلام. # كما قال ابن عباس كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام - نقله ~~عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية. وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر. كقوله # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين # البقرة213 الاية، وقوله. # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # يونس19 الآية. لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق ~~الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر. فبعث الله النبيين ينهون ~~عن ms1139 ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وأولهم ~~في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ويدل على هذا قوله # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده # النساء163 الآية. وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم ~~يقولون لنوح إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض كما قدمنا ذلك في سورة ~~البقرة. الجهة الرابعة - أن قوله { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } الإسراء17 فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا ~~يرضي الله تعالى. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدا. كقوله # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق16 وقوله # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # هود5، وقوله # واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه # البقرة235 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا المبحث موضحا ~~في أول سورة هود. ولفظة { كم } في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به ~~{ لإهلكنا } و { من } في قوله { من القرون } بيان لقوله { كم } وتمييز له ~~كما يميز العدد بالجنس. وأما لفظة " من " في قوله { من بعد نوح } ~~الإسراء17 فالظاهر أنها لإبتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في " ~~البحر ". وزعم الحوفي أن { من } الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو ~~حيان. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.19] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن { ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها } أي عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال ~~أمر الله، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع { وهو مؤمن } أي ~~موحد لله جل وعلا، غير مشرك به ولا كافر به، فإن الله يشكر سعيه، بأن ~~يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل. وفي الآية الدليل على أن الأعمال ~~الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها ~~حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله { وهو مؤمن }. وقد أوضح تعالى هذا في ~~آيات كثيرة. كقوله ms1140 # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا # النساء124، وقوله # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # النحل97 وقوله # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب # غافر40 إلى غير ذلك من الآيات. ومفهوم هذه الآيات - أن غير المؤمنين إذا ~~أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك. لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله ~~جل وعلا. وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات آخر. كقوله في أعمال غير ~~المؤمنين # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # الفرقان23، وقوله # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف # إبراهيم18 الاية، وقوله # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # النور39 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أن ~~عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظ له منه ~~في الآخرة. كقوله # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # هود15-16، وقوله تعالى # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # الشورى20. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما جاءت به هذه ~~الآيات من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس، قال مسلم بن ~~الحجاج رحمه الله في صحيحه حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة، وزهير بن حرب - ~~واللفظ لزهير - قالا حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن ~~قتادة، عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله لا يظلم ms1141 مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. ~~وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى ~~إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ". # حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال سمعت أبي، حدثنا قتادة عن ~~أنس بن مالك أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا. وأما المؤمن فإن ~~الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته ". # حدثنا محمد بن عبد الله الرزي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن ~~قتادة، عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديثهما. واعلم أن هذا ~~الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في ~~الدنيا كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن ~~المكروب ونحو ذلك، كله مقيد بمشيئة الله تعالى. كما نص على ذلك بقوله # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # الإسراء18 الآية. فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات ~~والأحاديث. وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا ~~اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في " مراقي السعود " بقوله # وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب ### || [17.22] # الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا، لأنه ~~صلى الله عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع الله إلها آخر، وأنه لا يقعد ~~مذموما مخذولا. ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه ~~وسلم يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى ~~الله عليه وسلم -. ### || [17.23] # قوله تعالى { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما قولا كريما }. لأن معنى قوله { إما يبلغن } ~~الآية اي إن يبلغ عندك ms1142 والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف. ومعلوم ~~أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل. فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما ~~الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى الله ~~عليه وسلم. ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانا والمراد بالخطاب ~~غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري # إياك أعني واسمعي يا جاره # وسبب هذا المثل أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبا. فأنزلته أخته ~~وأكرمته، وكانت جميلة. فأعجبه جمالها، فقال مخاطبا لأخرى غيرها ليسمعها ~~هي # يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره ~~إياك أعني واسمعي يا جاره # ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها # إني اقول يا فتى فزاره لا أبتغي الزوج ولا الدعاره ولا فراق أهل هذي ~~الحاره فارحل إلى أهلك باستحاره # والظاهر أن قولها " باستحارة " أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع ~~الكلام بينهما - أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي التي وقعت بيني وبينك، ~~وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في " الاستحارة " ~~عوض من العين الساقطة بالإعلال. كما هو معروف في فن الصرف. وذهب بعض أهل ~~العلم إلى أن الخطاب في قوله # لا تجعل مع الله إلها آخر # الإسراء22 ونحو ذلك من الآيات - متوجه إلى المكلف. ومن أساليب اللغة ~~العربية إفراد الخطاب مع قصد التعميم. كقول طرفة بن العبد في معلقته # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري ومعنى قوله { فتقعد } أي تصير. وجعل ~~الفراء منه قول الراجز # لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي ~~الأركاب ويقعد الأير له لعاب # أي يصير له لعاب. وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها. بمعنى صار. ~~قاله أبو حيان في البحر. ثم قال أيضا والقعود هنا عبارة عن المكث، أي ~~فتمكث في الناس مذموما مخذولا. كما تقول لمن سأل عن حال شخص هو ms1143 قاعد في ~~أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم. سواء كان قائما أم جالسا. وقد يراد ~~القعود حقيقة. لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا متفكرا، وعبر ~~بغالب حاله وهو القعود. وقيل معنى # فتقعد # الإسراء22 فتعجز. والعرب تقول ما أقعدك عن المكارم اه محل الغرض من ~~كلام أبي حيان. والمذموم هنا هو من يلحقه الذم من الله ومن القعلاء من ~~الناس. # حيث أشرك بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء. والمخذول هو الذي ~~لا ينصره من كان يؤمل منه النصر. ومنه قوله # إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا # قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا } أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ~~بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين. وجعله ~~بر الوالدين مقرونا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر. ~~كقوله في سورة " النساء " # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا # النساء36 الآية، وقوله في البقرة # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا # البقرة83 الآية، وقوله في سورة لقمان # أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير # لقمان14، وبين في موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى ~~شركهما. كقوله في " لقمان " # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # لقمان15 وقوله في العنكبوت # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي ~~مرجعكم # العنكبوت8 الآية. وذكره جل وعلا في هذه الآيات بر الوالدين مقرونا ~~بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين. وجاءت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة. وقوله جل وعلا في ~~الآيات المذكورة { وبالوالدين إحسانا } بينه بقوله تعالى { ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ ~~أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض ~~لهما جناح الذل ms1144 من الرحمة وقل رب ارحمهما ~~كما ربياني صغيرا } الإسراء23-24 لأن هذا من الإحسان إليهما ~~المذكور في الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى خفض الجناح، ~~وإضافته إلى الذل في سورة الشعراء " وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في ~~رسالتنا المسماة " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ". وقوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة { وقضى ربك } معناه أمر وألزم، وأوجب ~~ووصى ألا تعبدوا إلا إياه. وقال الزمخشري { وقضى ربك } أي أمر ~~أمرا مقطوعا به. واختار أبو حيان في " البحر المحيط " أن إعراب قوله { ~~إحسانا } أنه مصدر نائب عن فعله. فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي ~~أو الصريح على النهي معروف. كقوله # وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقال الزمخشري في الكشاف { وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا ~~بالوالدين إحسانا. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا. ### || [17.28] # الضمير في قوله { عنهم } راجع إلى المذكورين قبله في قوله # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل # الإسراء26الآية. ومعنى الآية إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم ~~شيئا لأنه ليس عندك. وإعراضك المذكور عنهم { ابتغآء رحمة من ~~ربك ترجوها } أي رزق حلال. كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه { ~~فقل لهم قولا ميسورا } أي لينا لطيفا طيبا. كالدعاء لهم ~~بالغنى وسعة الرزق، ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقا أنك تعطيهم ~~منه. وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على ~~الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء. لأن الرد الجميل خير من الإعطاء ~~القبيح. وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله جل وعلا في ~~سورة " البقرة " في قوله # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى # البقرة236 الآية، ولقد أجاد من قال # إلا تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم ~~السائلون الخير من خلقي إما نوالى وإما حسن مردودي # والآية الكريمة تشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرض عن الإعطاء إلا ~~عند عدم ما يعطى منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله ms1145 فإنه يعطيهم منه، ~~ولا يعرض عنهم. وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق. وقال القرطبي قولا { ~~ميسورا } مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون. وقد علمت مما ~~قررنا أن قوله { ابتغآء رحمة من ربك } متعلق بفعل الشرط ~~الذي هو { تعرضن } لا بجزاء الشرط. وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه ~~بالجزاء وتقديمه عليه. ومعنى ذلك فقل لهم قولا ميسورا { ابتغآء ~~رحمة من ربك }. اي يسر عليهم والطف بهم. لابتغائك بذلك رحمة ~~الله. ورد ذلك عليه ابو حيان في " البحر المحيط " بأن ما بعد فاء الجواب ~~لا يعمل فيما قبله. قال لا يجوز في قولك إن يقم فاضرب خالدا - أن تقول ~~إن يقم خالدا فاضرب. وهذا منصوص عليه - انتهى. عن سعيد بن جبير رحمه ~~الله أن الضمير في قوله { وإما تعرضن عنهم } الإسراء28 راجع ~~للكفار. اي إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي نصر لك عليهم، أو ~~هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور المداراة باللسان. قاله أبو ~~سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازما ومتعديا، ~~وميسور من المتعدي. تقول يسرت لك كذا إذا أعددته. قاله أبو حيان أيضا. ### || [17.33] # قوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا }. ~~بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من قتل مظلوما فقد جعل الله لوليه ~~سلطانا، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور. والنهي عن ~~الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور الأولى - أن يقتل اثنين أو أكثر ~~بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهليه. كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل ~~بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة بؤبشسع نعل كليب. فغضب ~~الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة # قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال قربا مربط النعامة مني ~~إن بيع الكرام بالشسع غالي -إلخ # وقال مهلهل ايضا # كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتل آل مره # ومعلوم أن قتل الجماعة بواحد لم يشتركوا في قتله إسراف ms1146 في القتل داخل في ~~النهي المذكور في الآية الكريمة. الثانية - أن يقتل بالقتيل واحدا فقط ~~ولكنه غير القاتل. لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في ~~الآية أيضا. الثالثة - أن يقتل نفس القاتل ويمثل به. فإن زيادة المثلة ~~إسراف في القتل أيضا. وهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة - فما ذكره ~~بعض أهل العلم، ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل، من أن معنى الآية ~~فلا يسرف الظالم الجاني في القتل. تخويفا له من السلطان. والنصر الذي ~~جعله الله لولي المقتول لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده { ~~إنه كان منصورا }. وهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول ~~لم يبينه هنا بيانا مفصلا، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان هو ~~ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن ~~أحب. ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجانا. الأول - قوله ~~هنا { فلا يسرف في القتل } بعد ذكر السلطان المذكور، لأن ~~النهي عن الإسراف في القتل مقترنا بذكر السلطان المذكور يدل على أن ~~السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه. الموضع الثاني - ~~قوله تعالى # كتب عليكم القصاص في القتلى # إلى قوله # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب # البقرة178-179 الآية. فهو يدل على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية ~~القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن. مسائل تتعلق بهذه الآية ~~الكريمة. المسألة الأولى - يفهم من قوله { مظلوما } أن من قتل غير ~~مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك، لأن من قتل بحق فدمه حلال، ~~ولا سلطان لوليه في قتله. كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول لله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك ~~لدينه المفارق للجماعة " # كما تقدم إيضاحه في سورة " المائدة ". وبينا هذا ms1147 المفهوم في قوله { ~~مظلوما } يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضا # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # الأنعام151. واعلم - أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل ~~المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف ذلك بين العلماء. من ذلك ~~المحاربون إذا لم يقتلوا أحدا. عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور ~~الأربعة المذكورة في قوله # أن يقتلوا أو يصلبوا # المائدة33 الآية. كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة " المائدة ". ومن ذلك ~~قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك ~~وأدلتها بإيضاح في سورة " هود ". و أما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل ~~الكافر المذكور في قوله " التارك لدينه المفارق للجماعة " لدلالة القرآن ~~على كفر الساحر في قوله تعالى # وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر # البقرة102 الآية، وقوله # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # البقرة102 لآية. وقوله # ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق # البقرة102. وأما قتل مانع الزكاة - فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد ~~داخل في " التارك لدينه المفارق للجماعة ". وأما إن منعها وهو مقر ~~بوجوبها فالذي يجوز فيه القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح ~~معروف. وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل ~~البهيمة معه لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه " # قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن ~~علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه من طريق داود بن ~~الحصين عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل. ~~لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود ~~المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب ~~والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى ms1148 غير ذلك من المسائل المذكورة في ~~الفروع. قال مقيده عفا الله عنه هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ~~ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ~~ثبوتا لا مطعن فيه، لقوته. # والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية - قد جاءت آيات أخر تدل على أن ~~المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم. كقوله # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم # الأحزاب5 الآية. وقوله # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # البقرة286 لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قرأها، قال الله نعم قد فعلت. وقوله # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # النساء92، ثم بين ما يلزم القاتل خطأ بقوله # ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ~~ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا # النساء92 الآية. وقد بين صلى الله عليه وسلم الدية قدرا وجنسا كما هو ~~معلوم في كتب الحديث والفقه كما سياتي إيضاحه. المسألة الثالثة - يفهم من ~~إطلاق قوله تعالى { ومن قتل مظلوما } أن حكم الآية يستوي فيه ~~القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الراس بحجر ونحو ذلك. لأن الجميع ~~يصدق عليه اسم القتل ظلما فيجب القصاص. وهذا قول جمهور العلماء، منهم ~~مالك، والشافعي، وأحمد في اصح الروايتين. وقال النووي في " شرح مسلم " هو ~~مذهب جماهير العلماء. وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى فقال لا يجب القصاص إلا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، ~~أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفا بقتل الناس كالمنجنيق، والإلقاء في ~~النار. واحتج الجمهور على أن القاتل عمدا بغير المحدد يقتص منه بأدلة ~~الأول - ما ذكرنا من إطلاق النصوص في ذلك. الثاني - حديث انس بن مالك ~~المشهور الذي أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة أن يهوديا قتل جارية على ~~أوضاح لها، فرضخ رأسها بالحجارة، فاعترف بذلك فقتله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين حجرين، رض رأسه ms1149 بهما. وهذا الحديث المتفق عليه نص صريح في ~~محل النزاع تقوم به الحجة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا سيما على ~~قوله باستواء دم المسلم والكافر المعصوم الدم كالذمي. الثالث - ما أخرجه ~~أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهما، عن حمل بن مالك من القصاص في ~~القتل بالمسطح. قال النسائي أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج بن ~~محمد، عن ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا يحدث عن ابن ~~عباس، عن عمر رضي الله عنه أنه نشد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك. فقام حمل بن مالك فقال كنت بين حجرتي امرأتين. فضربت إحداهما الأخرى ~~بمسطح فقتلتها وجنينها. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، ~~وأن تقتل بها. وقال أبو داود حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو ~~عاصم، عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا عن ابن عباس، ~~عن عمر أنه سأل في قضية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقام حمل بن ~~مالك بن النابغة فقال كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ~~فقتلتها وجنينها. # فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل. قال أبو ~~داود قال النضر بن شميل المسطح هو الصولج. قال أبو داود وقال أبو عبيدة ~~المسطح عود من أعواد الخباء. وقال ابن ماجه حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ~~ثنا أبو عاصم، أخبرني ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا، عن ~~ابن عباس، عن عمر بن الخطاب أنه نشد الناس قضاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك يعني في الجنين فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين ~~امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها. فقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها. انتهى من ~~السنن الثلاث بألفاظها. ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح. فرواية أبي داود، ~~عن محمد بن مسعود المصيصي وهو ابن مسعود ms1150 بن يوسف النيسابوري، ويقال له ~~المصيصي أبو جعفر العجمي نزيل طرسوس والمصيصة، وهو ثقة عارف. ورواية ابن ~~ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي، وهو ابن سعيد بن صخر الدارمي أبو جعفر وهو ~~ثقة حافظ، وكلاهما أعني محمد بن مسعود المذكور عند أبي داود، وأحمد بن ~~سعيد المذكور عند ابن ماجه روي هذا الحديث عن أبي عاصم وهو الضحاك بن ~~مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، وهو أبو عاصم النبيل، وهو ثقة ثبت. ~~والضحاك رواه عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو ثقة ~~فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. إلا أن هذا الحديث صرح فيه بالتحديث ~~والاخبار عن عمرو بن دينار وهو ثقة ثبت، عن طاوس وهو ثقة فقيه فاضل، عن ~~ابن عباس، عن حمل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما رواية النسائي ~~فهي عن يوسف بن سعيد، وهو ابن سعيد بن مسلم المصيصي ثقة حافظ، عن حجاج ~~ابن محمد، وهو ابن محمد المصيصي الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل ~~بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت. لكنه اختلط في أخر عمره لما قدم بغداد قبل ~~موته، عن ابن جريج، إلى آخر السند المذكور عند أبي داود وابن ماجه. وهذا ~~الحديث لم يخلط فيه حجاج المذكور في روايته له عن ابن جريج. بدليل رواية ~~أبي عاصم له عند داود وابن ماجه، عن ابن جريج كرواية حجاج المذكور عند ~~النسائي. وأبو عاصم ثقة ثبت. ورواه البيهقي عن عبد الرزاق، عن ابن جريج. ~~وجزم بصحة هذا الإسناد ابن حجر في الإصابه في ترجمة حمل المذكور. # وقال البيهقي في " السنن الكبرى " في هذا الحديث وهذا إسناد صحيح وفيما ~~ذكر أبو عيسى الترمذي في كتاب " العلل " قال سالت محمدا يعني البخاري عن ~~هذا الحديث فقال هذا حديث صحيح، رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن ~~عباس وابن جريج حافظ اه. فهذا الحديث نص قوي في القصاص في القتل بغير ~~المحدد، لأن المسطح عمود. قال الجوهري في صحاحه والمسطح أيضا عمود ms1151 ~~الخباء. قال الشاعر هو مالك بن عوف النصري # تعرض ضيطار وخزاعة دوننا وما خير ضيطار يقلب مسطحا # يقول تعرض لناهؤلاء القوم ليقاتلونا وليسوا بشيء. لأنهم لا سلاح معهم ~~سوى المسطح والضيطار، هو الرجل الضخم الذي لا غناء عنده. الرابع - ظواهر ~~آيات من كتاب الله تدل على القصاص في القتل بغير المحدد. كقوله تعالى # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # البقرة194 الآية، وقوله # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # النحل126، وقوله # وجزآء سيئة سيئة مثلها # الشورى40، وقوله # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه # الحج60 الآية، وقوله # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس # الشورى41-42 الآية. وفي الموطأ ما نصه وحدثني يحيى عن مالك، عن عمر بن ~~حسين مولى عائشة بنت قدامة أن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل على رجل ~~قتله بعصا فقتله وليه بعصا. قال مالك والأمر المجتمع عليه الذي لا ~~اختلاف فيه عندنا أن الرجل إذا ضرب الرجل أو رماه بحجر، أو ضربه عمدا ~~فمات من ذلك. فإن هذا هو العمد وفيه القصاص. قال مالك فقتل العمد عندنا ~~أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه اه محل الغرض عنه. وقد ~~قدمنا أن هذا القول بالقصاص في القتل بالمثقل هو الذي عليه جمهور ~~العلماء. منهم الأئمة الثلاثة، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، ~~وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، نقله عنهم ابن ~~قدامة في المغني. وخالف في ذلك أبو حنيفة، والحسن، والشعبي، وابن المسيب، ~~وعطاء، وطاوس رحمهم الله فقالوا لا قصاص في القتل بالمثقل. واحتج لهم ~~بأدلة منها - أن القصاص يشترط له العمد، والعمد من أفعال القلوب، ولا ~~يعلم إلا بالقرائن الجازمة الدالة عليه. فإن كان القتل بآلة القتل ~~كالمحدد، علم أنه عامد قتله. وإن كان بغير ذلك لم يعلم عمده للقتل. ~~لاحتمال قصده أن يشجه أو يؤلمه من غير قصد قتله فيؤول إلى شبه العمد. ~~ومنها - ما ms1152 رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال " ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا ~~بغرة عبد أو أمة. # ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت. فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها. وأن العقل على عصبتها ". وفي رواية ~~" اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في ~~بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها ~~غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها ". قالوا فهذا حديث متفق ~~عليه يدل على عدم القصاص في القتل بغير المحدد. لأن روايات هذا الحديث ~~تدل على القتل بغير محدد، لأن في بعضها أنها قتلتها بعمود، وفي بعضها ~~أنها قتلتها بحجر. ومنها - ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعلي، ~~وأبي بكرة رضي الله عنهم مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا قود إلا بحديدة " # وفي بعض رواياته # " كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش ". # وقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم. فزعم أن رض ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين حجرين إنما وقع بمجرد دعوى ~~الجارية التي قتلها. وأن ذلك دليل على أنه كان معروفا بالإفساد في ~~الأرض. ولذلك فعل به صلى الله عليه وسلم ما فعل. ورد رواية ابن جريج عن ~~طاوس عن ابن عباس المتقدمة - بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح ~~البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على ~~عاقلة المرأة لا بالقصاص. قال البيهقي في السنن الكبرى بعد أن ذكر صحة ~~إسناد الحديث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت الأخرى بمسطح كما ~~تقدم ما نصه إلا أن في لفظ الحديث زيادة لم أرها في شيء من طرق هذا ~~الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولا، ~~وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلا، وحديث جابر وأبي ms1153 هريرة موصولا ثابتا - ~~أنه قضى بديتها على العاقلة. انتهى محل الغرض من كلام البيهقي بلفظه. ~~وذكر البيهقي أيضا أن عمرو بن دينار روجع في هذا الحديث بأن ابن طاوس ~~رواه عن أبيه على خلاف رواية عمرو، فقال للذي راجعه شككتني. وأجيب من قبل ~~الجمهور عن هذه الاحتجاجات بأن رضه رأسه اليهودي قصاص. ففي رواية ثابتة ~~في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله حتى اعترف ~~بأنه قتل الجارية. فهو قتل قصاص باعتراف القاتل، وهو نص متفق عليه، صريح ~~في محل النزاع، ولا سيما عند من يقول باستواء دم المسلم والكافر كالذمي - ~~كأبي حنيفة رحمه الله. وأجابوا عن كون العمد من أفعال القلوب، وأنه لا ~~يعلم كونه عامدا إلا إذا ضرب بالآلة المعهودة للقتل - بأن المثقل ~~كالعمود والصخرة الكبيرة من آلات القتل كالسيف. # لأن المشدوخ رأسه بعمود أو صخرة كبيرة يموت من ذلك حالا عادة كما يموت ~~المضروب بالسيف. وذلك يكفي من القرينة على قصد القتل. وأجابوا عما ثبت من ~~قضاء النبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة المرأة القاتلة بعمود أو حجر ~~بالدية - من ثلاثة أوجه الأول أنه معارض بالرواية الصحيحة التي قدمناها ~~عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث حمل ابن مالك وهو كصاحب ~~القصة. لأن القاتلة والمقتولة زوجتاه - من كونه صلى الله عليه وسلم قضى ~~فيها بالقصاص لا بالدية. الثاني ما ذكره النووي في شرح مسلم وغيره قال ~~وهذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبا. فيكون شبه ~~عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني. ~~وهذا مذهب الشافعي والجماهير اه كلام النووي رحمه الله. قال مقيده عفا ~~الله عنه وهذا الجواب غير وجيه عندي لأن في بعض الروايات الثابتة في ~~الصحيح أنها قتلت بعمود فسطاط، وحمله على الصغير الذي لا يقتل غالبا ~~بعيد. الثالث هو ما ذكره ابن حجر في " فتح الباري " من أن مثل هذه المرأة ~~لا تقصد غالبا قتل الأخرى. قال ms1154 ما نصه وأجاب من قال به - يعني القصاص في ~~القتل بالمثقل - بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه ~~غالبا ولا يقتل بعضه غالبا. وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما ~~إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبا. وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر ~~أنه إنما لم يجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد، وهذا ~~إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. انتهى كلام ابن ~~حجر بلفظه. قال مقيده عفا الله عنه والدليل القاطع على أن قتل هذه المرأة ~~لضرتها خطأ في القتل شبه عمد. لقصد الضرب دن القتل بما لا يقتل غالبا - ~~تصريح الروايات المتفق عليها بأنه صلى الله عليه وسلم جعل الدية على ~~العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد بإجماع المسلمين. وأجابوا عن حديث # " لا قود إلا بحديدة " # بأنه لم يثبت. قال البيهقي في " السنن الكبرى " بعد أن ساق طرقه عن ~~النعمان بن بشير، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعلي رضي الله عنهم ما نصه وهذا ~~الحديث لم يثبت له إسناده، معلى بن هلال الطحان متروك، وسليمان بن أرقم ~~ضعيف، ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه اه. ~~وقال ابن حجر " في فتح الباري في باب إذا قتل بحجر أو عصا " ما نصه وخالف ~~الكوفيون فاحتجوا بحديث # " لا قود إلا بالسيف " # وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، وابن عدي من حديث أبي بكرة. وذكر البزار ~~الاختلاف فيه مع ضعف إسناده وقال ابن عدي طرقه كلها ضعيفة. وعلى تقدير ~~ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه. ~~واحتجوا أيضا بالنهي عن المثلة، وهو صحيح ولكنه محمول عند الجمهور على ~~غير المثلة في القصاص جمعا بين الدليلين - انتهى الغرض من كلام ابن حجر ~~بلفظه. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في " نيل الأوطار " ما نصه ~~وذهبت العترة والكوفيون، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه - إلى أن الاقتصاص لا ~~يكون إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ms1155 ابن ماجه، والبزار، ~~والطحاوي، والطبراني والبيهقي، بألفاظ مختلفة منها " لا قود إلا بالسيف ~~". وأخرجه ابن ماجه أيضا، والبزار، والبيهقي من حديث أبي بكرة. وأخرجه ~~الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي هريرة. وأخرجه الدار قطني من حديث علي. ~~وأخرجه البيهقي، والطبراني من حديث ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ~~الحسن مرسلا. وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك. حتى ~~قال أبو حاتم حديث منكر. وقال عبد الحق وابن الجوزي طرقه كلها ضعيفة. ~~وقال البيهقي لم يثبت له إسناد. انتهى محل الغرض من كلام الشوكاني رحمه ~~الله تعالى ولا شك في ضعف هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث. وقد حاول ~~الشيخ ابن التركماني تقويته في " حاشيته على سنن البيهقي " بدعوى تقوية ~~جابر بن يزيد الجعفي، ومبارك بن فضالة. مع أن جابرا ضعيف رافضي، ومبارك ~~يدلس تدليس التسوية. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يقتضي الدليل رجحانه ~~عندي هو القصاص مطلقا في القتل عمدا بمثقل كان أو بمحدد. لما ذكرنا من ~~الأدلة، ولقوله جل وعلا # ولكم في القصاص حياة # البقرة179 الآية. لأن القاتل بعمود أو صخرة كبيرة إذا علم أنه لا يقتص ~~منه جرأه ذلك على القتل. فتنتفي بذلك الحكمة المذكورة في قوله تعالى # ولكم في القصاص حياة # البقرة179 الآية. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة - جمهور ~~العلماء على أن السلطان الذي جعله الله في هذه الآية لولي المقتول ظلما ~~يستلزم الخيار بين ثلاثة أشياء وهي القصاص، والعفو على الدية جبرا على ~~الجاني، والعفو مجانا في غير مقابل - وهو أحد قولي الشافعي. قال النووي ~~في شرح مسلم وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين وأحمد، وإسحاق، وأبو ~~ثور. وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الجمهور. وخالف في ذلك مالك، وأبو ~~حنيفة، والثوري رحمهم الله فقالوا ليس للولي إلا القصاص، أو العفو ~~مجانا. فلو عفا على الدية وقال الجاني لا أرضى إلا القتل، أو العفو ~~مجانا، ولا أرضى الدية. فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبرا. # واعلم أن الذين قالوا إن ms1156 الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ~~ما يوجبه القتل عمدا إلى قولين أحدهما - أنه القود فقط. وعليه فالدية ~~بدل منه. والثاني - أنه أحد شيئين هما القصاص والدية. وتظهر ثمرة هذا ~~الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفوا مطلقا، لم يصرح فيه بإرادة الدية ~~ولا العفو عنها. فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو ~~المطلق. وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق. أما ~~لو عفا على الدية فهي لازمة، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول. ~~الخلاف المذكور روايتان عن الشافعي، وأحمد رحمهما الله. واحتج من قال بأن ~~الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى الله عليه وسلم # " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل " # أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه. لكن لفظ الترمذي # " إما أن تعفوا وإما أن يقتل " # ومعنى " يفدى " في بعض الروايات، " ويودى " في بعضها يأخذ الفداء بمعنى ~~الدية. وقوله " يقتل " بالبناء للفاعل أي يقتل قاتل وليه. قالوا فهذا ~~الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين ~~القصاص وأخذ الدية. وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء. وهذا الدليل ~~قوي دلالة ومتنا كما ترى. واحتجوا أيضا بقوله تعالى # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # البقرة178. قالوا إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو ~~في قوله { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف } الآية. وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، ~~وهو دليل قرآني قوي أيضا. واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا. كمالك ~~وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة. منها ما قاله الطحاوي وهو أن الحجة لهم ~~حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم. # " كتاب الله قصاص " # فإنه حكم بالقصاص ولم يخير. ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. إذ لا يجوز ms1157 للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين ~~بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما. فلما حكم بالقصاص وجب أن ~~يحمل عليه قوله # " فهو بخير النظرين " # أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اه. وتعقب ابن ~~حجر في " فتح الباري " احتجاج الطحاوي هذا بما نصه وتعقب بأنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " كتاب الله القصاص " # إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود. # فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه. وليس ~~فيما ادعاه من تأخير البيان. الثاني - ما ذكره الطحاوي أيضا من أنهم ~~أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك - ~~أن القاتل لا يجبر على ذلك. ولا يؤخذ منه كرها، وإن كان يجب عليه أن ~~يحقن دم نفسه. الثالث - أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور # " فهو بخير النظرين.. " # الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له. وقد تقرر في الأصول أن ~~النص إذا جرى علىالغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس ~~الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ولذا لم يعتبر جمهور ~~العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى # وربائبكم اللاتي في حجوركم # النساء23 الآية. لجريه على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب ~~المبارك مرارا. وإيضاح ذلك في الحديث - أن مفهوم قوله # " فهو بخير النظرين " # أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعا من إعطاء ~~الدية - أنه يجبر على إعطائها. لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ~~ولي المقتول بينهما. والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله ~~من القتل. وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم ~~مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في " مراقي السعود " بقوله في موانع ~~اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة # أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جري على الذي غلب # ومحل الشاهد قوله " أو جري على الذي ms1158 غلب " إلى غير ذلك من الأدلة التي ~~احتجوا بها. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه ~~المسألة أن ولي المقتول هوالمخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع ~~الجاني فله إجباره على دفعها. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة ~~الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول # ولا تقتلوا أنفسكم # النساء29 الآية، ويقول # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة195. ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونا لماله ~~للوارث - أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره ~~على صون دمه بماله. وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له ~~أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك - يجاب عنه بأنه لو قال أعطني ~~الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك. لنص الحديث، والآية ~~المذكورين. ولو قال له أعطني كذا غير الدية لم يجبر. لأنه طلب غير الشيء ~~الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة - جمهور ~~العلماء على أن القتل له ثلاث حالات الأولى العمد، وهو الذي فيه السلطان ~~المذكور في الآية كما قدمنا. # والثانية شبه العمد، والثالثة الخطأ. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة أبو ~~حنيفة، وأحمد، والشافعي. ونقله في المغني عن عمر، وعلي رضي الله عنهما، ~~والشعبي والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، وغيرهم. وخالف ~~الجمهورمالك رحمه الله فقال القتل له حالتان فقط. الأولى - العمد ~~والثانية - الخطأ. وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد. واستدل رحمه ~~الله بأن الله لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطأ. بل ظاهر ~~القرآن أنه لا واسطة بينهما. كقوله # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن ~~قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله # النساء92 الآية. ثم قال في العمد # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه # النساء93 الآية، فلم يجعل بين الخطأ والعمد واسطة، وكقوله تعالى # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم # الأحزاب5 ms1159 الآية. فلم يجعل فيها بين الخطأ والعمد واسطة وإن كانت في غير ~~القتل. واحتج الجمهور على أن هناك واسطة بين الخطأ المحض، والعمد المحض، ~~تسمى خطأ شبه عمد بأمرين الأول - أن هذا هو عين الواقع في نفس الأمر لأن ~~من ضرب بعصا صغيرة أو حجر صغير لا يحصل به القتل غالبا وهو قاصد للضرب ~~معتقدا أن المضروب لا يقتله ذلك الضرب. ففعله هذا شبه العمد من جهة قصده ~~أصل الضرب وهو خطأ في القتل. لأنه ما كان يقصد القتل، بل وقع القتل من ~~غير قصده إياه. والثاني - حديث دل على ذلك، وهو ما رواه أبو داود في سننه ~~حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعنى قالا حدثنا حماد، عن خالد، عن القاسم ~~بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - قال مسدد خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثا ثم قال # " لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " # إلى ها هنا حفظته عن مسدد، ثم اتفقا # " ألا أن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت ~~قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج أو سدانة البيت " # - ثم قال - # " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها ~~أربعون في بطونها أولادها " # ، وحديث مسدد أتم. حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن خالد بهذا ~~الإسناد نحو معناه. حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن ~~القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح - أو فتح مكة - على درجة ~~البيت أو الكعبة. # قال أبو داود كذا رواه ابن عيينة أيضا عن علي بن زيد، عن القاسم بن ~~ربيعة، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. رواه أيوب السختياني، ~~عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث خالد ورواه ms1160 حماد بن ~~سلمة، عن علي بن زيد، عن يعقوب الدوسي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اه محل الغرض من سنن أبي داود. وأخرج النسائي نحوه، ~~وذكر الاختلاف على أيوب في حديث القاسم بن ربيعة فيه، وذكر الاختلاف على ~~خالد الحذاء فيه وأطال الكلام في ذلك. وقد تركنا لفظ كلامه لطوله. وقال ~~ابن ماجه رحمه الله في سننه حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن ~~مهدي ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة، عن أيوب سمعت القاسم بن ربيعة، عن ~~عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل أربعون منها ~~خلفة في بطونها أولادها ". # حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن خالد ~~الحذاء عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، ثنا ~~سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، سمعه من القاسم بن ربيعة عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة، فحمد ~~الله وأثنى عليه فقال # " الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. إلا إن قتيل ~~الخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها ~~أولادها " # اه. وساق البيهقي رحمه الله طرق هذا الحديث، وقال بعد أن ذكر الرواية ~~عن ابن عمر التي في إسنادها علي بن زيد بن جدعان أخبرنا أبو عبد الله ~~الحافظ قال سمعت محمد بن إسماعيل السكري يقول سمعت محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة يقول حضرت مجلس المزني يوما وسأله سائل من العراقيين عن شبه ~~العمد. فقال السائل إن الله تبارك وتعالى وصف القتل في كتابه صفتين عمدا ~~وخطأ. فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف؟ ولم قلتم شبه العمد؟ فاحتج المزني ~~بهذا الحديث فقال له مناظره أتحتج ms1161 بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني. ~~فقلت لمناظره قد روى هذا الخبر غير علي بن زيد. فقال ومن رواه غير علي؟ ~~قلت رواه أيوب السختياني وخالد الحذاء. قال لي فمن عقبة بن أوس؟ فقلت ~~عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، وقد رواه عنه محمد بن سيرين مع جلالته. # فقال للمزني أنت تناظر! أو هذا؟ فقال إذا جاء الحديث فهو يناظر. لأنه ~~أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا أه ثم شرع البيهقي يسوق طرق الحديث ~~المذكور. قال مقيدة عفا الله عنه لا يخفى على من له أدنى معرفة ~~بالأسانيد. أن الحديث ثابت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأن ~~الرواية عن ابن عمر وهم، وآفتها من علي بن زيد بن جدعان. لأنه ضعيف. ~~والمعروف في علوم الحديث أن الحديث إذا جاء صحيحا من وجه لا يعل بإتيانه ~~من وجه آخر غير صحيح. والقصة التي ذكرها البيهقي في مناظرة محمد بن إسحاق ~~بن خزيمة للعراقي الذي ناظر المزني، تدل على صحة الاحتجاج بالحديث ~~المذكور عند ابن خزيمة. قال مقيده عفا الله عنه إذا عرفت الاختلاف بين ~~العلماء في حالات القتل هل هي ثلاث، أو اثنتان؟ وعرفت حجج الفريقين - ~~فاعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه ما ذهب إليه الجمهور من أنها ثلاث ~~حالات عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد. لدلالة الحديث الذي ذكرنا على ذلك، ~~ولأنه ذهب إليه الجمهور من علماء المسلمين. والحديث إنما أثبت شيئا سكت ~~عنه القرآن، فغاية ما في الباب زيادة أمر سكت عنه القرآن بالسنة، وذلك لا ~~إشكال فيه على الجاري على أصول الأئمة إلا أبا حنيفة رحمه الله. لأن ~~المقرر في أصوله أن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. ~~كما تقدم إيضاحه في سورة " الأنعام ". ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ~~وافق الجمهور في هذه المسألة، خلافا لمالك كما تقدم. فإذا تقرر ما ذكرنا ~~من أن حالات القتل ثلاث - فاعلم أن العمد المحض فيه القصاص. وقد قدمنا ~~حكم العفو فيه. والخطأ ms1162 شبه العمد. والخطأ المحض فيهما الدية على العاقلة. ~~واختلف العلماء في أسنان الدية فيهما. وسنبين إن شاء الله تعالى مقادير ~~الدية في العمد المحض إذا وقع العفو على الدية، وفي شبه العمد. وفي الخطأ ~~المحض. اعلم أن الجمهور على أن الدية في العمد المحض وشبه العمد سواء. ~~واختلفوا في أسنانها فيهما. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تكون ~~أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، ~~وخمس وعشرون جذعة. وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة، والرواية المشهورة عن ~~أحمد، وهو قول الزهري، وربيعة، وسليمان ابن يسار، ويروى عن ابن مسعود. ~~كما نقله عنهم ابن قدامى في المغني. وذهبت جماعة أخرى إلى أنها ثلاثون ~~حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون في بطونها أولادها. وهذا مذهب الشافعي، وبه ~~قال عطاء، ومحمد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة. ~~ورواه جماعة عن الإمام أحمد. قال مقيدة عفا الله عنه وهذا القول هو الذي ~~يقتضي الدليل رجحانه لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص عند ~~أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " منها أربعون خلفة في بطونها أولادها " # وبعض طرقه صحيح كما تقدم. وقال البيهقي في بيان الستين التي لم يتعرض ~~لها هذا الحديث باب صفة الستين التي مع الأربعين ثم ساق أسانيده عن عمر، ~~وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، ~~وعلي في إحدى روايتيه عنه أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. وقال ابن قدامة ~~في المغني مستدلا لهذا القول ودليله هو ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل مؤمنا متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه، وإن ~~شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما ~~صولحوا فهو لهم " # وذلك لتشديد القتل. رواه الترمذي وقال هو حديث حسن غريب اه محل الغرض ~~منه بلفظه، ثم ساق حديث عبد الله ms1163 بن عمرو بن العاص الذي قدمنا. ثم قال ~~مستدلا للقول الأول ووجه الأول ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال " ~~كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا خمسا وعشرين ~~جذعة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض " وهو قول ابن ~~مسعود اه منه. وفي الموطأ عن مالك أن ابن شهاب كان يقول في دية العمد ~~إذا قبلت خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقه، ~~وخمس وعشرون جذعة. وقد قدمنا أن دية العمد، ودية شبه العمد سواء عند ~~الجمهور. وفي دية شبه العمد للعلماء أقوال غير ما ذكرنا. منها ما رواه ~~البيهقي، وأبو داود عن علي رضي الله عنه أنه قال الدية في شبه العمد ~~أثلاث ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى ~~بازل عامها، وكلها خلفة. ومنها ما رواه البيهقي وغيره عن ابن مسعود أيضا ~~أنها أرباع ربع بنات لبون، وربع حقاق وربع جذع " وربع ثنية إلى بازل ~~عامها. هذا حاصل أقوال أهل العلم في دية العمد، وشبه العمد. وأولى ~~الأقوال وأرجحها ما دلت عليه السنة، وهو ما قدمنا من كونها ثلاثين حقة، ~~وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها. وقد قال البيهقي رحمه ~~الله في السنن الكبرى بعد أن ساق الأقوال المذكورة ما نصه قد اختلفوا هذا ~~الاختلاف، وقول من يوافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في ~~الباب قبله أولى بالاتباع، وبالله التوفيق. تنبيه اعلم أن الدية في العمد ~~المحض إذا عفا أولياء المقتول إنما هي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة ~~إجماعا. # وأظهر القولين أنها حالة غير منجمة في سنين. وهو قول جمهور أهل العلم. ~~وقيل بتنجيمها. وعند أبي حنيفة أن العمد ليس فيه دية مقررة أصلا. بل ~~الواجب فيه ما اتفق عليه الجاني وأولياء المقتول، قليلا كان أو كثيرا، ~~وهو حال عنده. أما الدية في شبه العمد فهي منجمة في ثلاث سنين، يدفع ~~ثلثها في آخر كل سنة من السنين الثلاث، ويعتبر ms1164 ابتداء السنة من حين وجوب ~~الدية. وقال بعض أهل العلم ابتداؤها من حين حكم الحاكم بالدية، وهي على ~~العاقلة لما قدمناه في حديث أبي هريرة المتفق عليه من كونها على العاقلة. ~~وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله. وبه قال ~~الشعبي والنخعي، والحكم، والثوري، وابن المنذر وغيرهم. كما نقله عنهم ~~صاحب المغني - وهذا القول هو الحق. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدية في ~~شبة العمد في مال الجاني لا على العاقلة. لقصده الضرب وإن لم يقصد القتل. ~~وبهذا قال ابن سيرين، والزهري، والحارث العكلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ~~ثور، واختاره أبو بكر عبد العزيز اه من " المغني " لابن قدامة. وقد علمت ~~أن الصواب خلافه. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك. أما مالك رحمه الله ~~فلا يقول بشبه العمد أصلا. فهي عنده عمد محض كما تقدم. وأما الدية في ~~الخطأ المحض فهو أخماس في قول أكثر أهل العلم. واتفق أكثرهم على السن ~~والصنف في أربع منها، واختلفوا في الخامس. أما الأربع التي هي محل اتفاق ~~الأكثر فهي عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض. ~~وأما الخامس الذي هو محل الخلاف فبعض أهل العلم يقول هو عشرون ابن مخاض ~~ذكرا. وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وبه قال ابن مسعود، والنخعي وابن ~~المنذر. واستدل أهل هذا القول بحديث ابن مسعود الوارد بذلك. قال أبو داود ~~في سننه حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد، ثنا الحجاج عن زيد بن جبير، عن ~~خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت ~~لبون، وعشرون ابن مخاض ذكرا " # وهو قول عبد الله - انتهى منه بلفظه. وقال النسائي في سننه أخبرنا علي ~~بن سعيد بن مسروق قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج، عن زيد ~~بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي قال سمعت ابن مسعود يقول قضى رسول ms1165 الله ~~صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكورا، ~~وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة. وقال ابن ماجة في سننه ~~حدثنا عبد السلام بن عاصم، ثنا الصباح بن محارب، ثنا حجاج بن أرطاة، ~~ثنا زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، و عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت ~~لبون، وعشرون بني مخاض ذكورا " # ونحو هذا أخرجه الترمذي أيضا عن ابن مسعود. وأخرج الدارقطني عنه نحوه. ~~إلا أن فيه وعشرون بني لبون بدل بني مخاض. وقال الحافظ في " بلوغ المرام ~~" إن إسناده أقوى من إسناد الأربعة. قال وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر ~~موقوفا، وهو أصح من المرفوع. وأما القول الثاني في هذا الخامس المختلف ~~فيه - فهو أنه عشرون ابن لبون ذكرا، مع عشرين جذعة، وعشرين حقة، وعشرين ~~بنت لبون، وعشرين بنت مخاض. وهذا هو مذهب مالك والشافعي. وبه قال عمر بن ~~عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة. كما نقله عنهم ~~ابن قدامة في " المغني " وقال هكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي، عن ابن ~~مسعود. وقال الخطابي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم " ودى الذي قتل ~~بخيبر بمائة من إبل الصدقة " وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وقال ~~البيهقي في السنن الكبرى وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الرفاء ~~البغدادي، أنبأ أبو عمرو عثمان بن محمد بن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس وعيسى بن مينا قالا حدثنا عبد الرحمن بن ~~أبي الزناد، أن أباه قال كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم. ~~منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان ~~بن يسار، في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم، وربما اختلفوا ms1166 في الشيء فأخذنا ~~بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا، وكانوا يقولون العقل في الخطأ خمسة أخماس ~~فخمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون ~~ذكور، والسن في كل جرح قل أو كثر خمسة أخماس على هذه الصفة - انتهى كلام ~~البيهقي رحمه الله. قال مقيدة عفا الله عنه جعل بعضهم أقرب القولين ~~دليلا قول من قال إن الصنف الخامس من أبناء المخاض الذكور لا من أبناء ~~اللبون. لحديث عبد الله بن مسعود المرفوع المصرح بقضاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك. قال والحديث المذكور وإن كان فيه ما فيه أولى من الأخذ ~~بغيره من الرأي. وسند أبي داود، والنسائي رجاله كلهم صالحون للاحتجاج. ~~إلا الحجاج بن أرطاة فإن فيه كلاما كثيرا واختلافا بين العلماء. فمنهم ~~من يوثقه، ومنهم من يضعفه. # وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك تضعيف بعض أهل العلم له. وقال فيه ابن ~~حجر في التقريب صدوق كثير الخطأ والتدليس. قال مقيدة عفا الله عنه حجاج ~~المذكور من رجال مسلم. وأعل أبو داود والبيهقي وغيرهما الحديث بالوقف على ~~ابن مسعود، قالوا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ، وقد أشرنا ~~إلى ذلك قريبا. أما وجه صلاحية بقية رجال السنن - فالطبقة الأولى من ~~سنده عند أبي داود مسدد وهو ثقة حافظ. وعند النسائي سعيد بن علي بن سعيد ~~بن مسروق الكندي الكوفي وهو صدوق. والطبقة الثانية عند أبي داود عبد ~~الواحد وهو ابن زياد العبدي مولاهم البصري ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده ~~مقال. وعند النسائي يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وهو ثقة متقن. والطبقة ~~الثالثة عندهما حجاج بن أرطاة المذكور. والطبقة الرابعة عندهما زيد بن ~~جبير وهو ثقة. والطبقة الخامسة عندهما خشف بن مالك الطائي وثقة النسائي. ~~والطبقة السادسة عندهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. والطبقة الأولى عند ابن ماجه عبد السلام بن عاصم الجعفي ~~الهسنجاني الرازي وهو مقبول. والطبقة الثانية عنده الصباح بن محارب ~~التيمي الكوفي ms1167 نزيل الري وهو صدوق، ربما خالف. والطبقة الثالثة عنده حجاج ~~بن أرطاة إلى آخر السند المذكور. والحاصل - أن الحديث متكلم فيه من جهتين ~~الأولى من قبل حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه الأكثر، ووثقه بعضهم، وهو من رجال ~~مسلم. والثانية إعلاله بالوقف، وما احتج به الخطابي من أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " ودى الذي قتل بخيبر من إبل الصدقة " وليس في أسنان ~~الصدقة ابن مخاض. يقال فيه إن الذي قتل في خيبر قتل عمدا، وكلامنا في ~~الخطأ. وحجة من قال يجعل أبناء اللبون بدل أبناء المخاض رواية الدارقطني ~~المرفوعة التي قال ابن حجر إن سندها أصح من رواية أبناء المخاض، وكثرة من ~~قال بذلك من العلماء. وفي دية الخطأ للعلماء أقوال أخر غير ما ذكرنا. ~~واستدلوا لها بأحاديث أخرى انظرها في " سنن النسائي، وأبي داود، والبيهقي ~~" وغيرهم. واعلم أن الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا ~~عشر ألف درهم عند الجمهور. وقال أبو حنيفة عشرة آلاف درهم. وعلى أهل ~~البقر مائتا بقرة. وعلى أهل الشاء ألفا شاة. وعلى أهل الحلل مائتا حلة. ~~قال أبو داود في سننه حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، ~~ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف ~~درهم. ودية أهل الكتاب يؤمئذ النصف من دية المسلمين. # قال فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر رحمه الله تعالى فقام خطيبا فقال ~~ألا إن الإبل قد غلت، قال ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل ~~الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي ~~شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها فيما رفع ~~من الدية. حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن ~~عطاء بن أبي رباح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى في الدية على ~~أهل الإبل ms1168 مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ~~ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمد ~~". قال أبو داود قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قال ثنا أبو تميلة، ~~ثنا محمد بن إسحاق قال ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله قال فرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. فذكر مثل حديث موسى - وقال وعلى أهل الطعام شيئا ~~لم أحفظه اه. وقال النسائي في سننه أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا ~~يزيد بن هارون، قال أنبأنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، ~~وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور ". # قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقومها على أهل القرى أربعمائة ~~دينار، أو عدلها من الورق. ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها ~~وإذا هانت نقص من قيمتها - على نحو الزمان ما كان. فبلغ قيمتها على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الأربعمائة دينار، إلى ثمانمائة ~~دينار أو عدلها من الورق. قال وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من ~~كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة. ومن كان عقله في الشاء ألفي ~~شاة. وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن العقل ميراث بين ورثة ~~القتيل على فرائضهم، فما فضل فللعصبة " وقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ~~ورثتها. وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها ". وقال النسائي ~~في سننه أخبرنا محمد بن المثنى، عن معاذ بن هانىء قال حدثني محمد بن ~~مسلم، عن عمرو بن دينار ح وأخبرنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن هانىء قال ~~حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ms1169 ابن عباس قال قتل ~~رجل رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا - وذكر قوله # إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله # التوبة74 في أخذهم الدية واللفظ لأبي داود أخبرنا محمد بن ميمون قال ~~حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، # " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى باثني عشر ألفا " # يعني في الدية - انتهى كلام النسائي رحمه الله. وقال أبو داود في سننه ~~أيضا حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن ~~مسلم، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل. ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا. قال أبو داود رواه ~~ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ~~ابن عباس. وقال ابن ماجه في سننه حدثنا العباس بن جعفر، ثنا محمد بن ~~سنان، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، # " عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم " جعل الدية اثني عشر ~~ألفا " # قال وذلك قوله # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله # التوبة74 قال بأخذهم الدية. وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عمر بن ~~الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى ~~أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، ~~وأهل الورق أهل العراق. وعن مالك في الموطأ أيضا أنه سمع أن الدية تقطع ~~في ثلاث سنين أو أربع سنين. قال مالك والثلاث أحب ما سمعت إلي في ذلك. ~~قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية ~~الإبل، ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق، ولا من أهل الذهب الورق، ولا ~~من أهل الورق الذهب. فروع تتعلق بهذه المسألة. الأول - جمهور أهل العلم ~~على أن الدية في الخطأ وشبه ms1170 العمد مؤجلة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في كل ~~واحد من السنين الثلاث. قال ابن قدامة في " المغني " ولا خلاف بينهم في ~~أنها مؤجلة في ثلاث سنين. فإن عمر وعليا رضي الله عنهما جعلا دية الخطأ ~~على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا. فاتبعهم ~~على ذلك أهل العلم اه. قال مقيده عفا الله عنه ومثل هذا يسمى إجماعا ~~سكوتيا، وهو حجة ظنية عند جماعة من أهل الأصول، وأشار إلى ذلك صاحب " ~~مراقي السعود " مع بيان شرط الاحتجاج به عند من يقول بذلك بقوله # وجعل من سكت مثل من أقر فيه خلاف بينهم قد اشتهر فالاحتجاج بالسكوتي ~~نما تفريعه عليه من تقدما وهو بفقد السخط والضد حرى مع مضي مهلة ~~للنظر # وتأجليها في ثلاث سنين هو قول أكثر أهل العلم. الفرع الثاني - اختلف ~~العلماء في نفس الجاني. هل يلزمه قسط من دية الخطأ كواحد من العاقلة، أو ~~لا. فمذهب أبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك أن الجاني يلزمه قسط من الدية ~~كواحد من العاقلة. وذهب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه لا يلزمه من الدية ~~شيء، لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى بالدية على عاقلة المرأة " # وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة. وحجة القول الآخر أن أصل الجناية ~~عليه وهم معينون له. فيتحمل عن نفسه مثل ما يتحمل رجل من عاقلته. الفرع ~~الثالث - اختلف العلماء في تعيين العاقلة التي تحمل عن الجاني دية الخطأ. ~~فمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن العاقلة هم أهل ديوان القاتل إن كان ~~القاتل من أهل ديوان، وأهل الديوان أهل الرايات، وهم الجيش الذين كتبت ~~أسماؤهم في الديوان لمناصرة بعضهم بعضا، تؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث ~~سنين. وإن لم من يكن من أهل ديوان فعاقلته قبيلته، وتقسم عليهم في ثلاث ~~سنين. فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبا على ترتيب ~~العصبات. ومذهب مالك رحمه الله - البداءة بأهل الديوان أيضا. فتؤخذ ~~الدية من ms1171 عطاياهم في ثلاث سنين. فإن لم يكن عطاءهم قائما فعاقلته عصبته ~~الأقرب فالأقرب. ولا يحمل النساء ولا الصبيان شيئا من العقل. وليس ~~لأموال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا، ولا لما يؤخذ منهم حد. ولا يكلف ~~أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم. ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال ~~المسلمين. والموالي بمنزلة العصبة من القرابة. ويدخل في القرابة الابن ~~والأب. قال سحنون إن كانت العاقلة ألفا فهم قليل، يضم إليهم أقرب ~~القبائل إليهم. ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يؤخذ من واحد من أفراد ~~العصبة من الدية أكثر من درهم وثلث في كل سنة من السنين الثلاث. فالمجموع ~~أربعة دراهم. ومذهب أحمد والشافعي أن أهل الديوان لا مدخل لهم في العقل ~~إلا إذا كانوا عصبة. ومذهبهما رحمهما الله أن العاقلة هي العصبة، إلا ~~أنهم اختلفوا هل يدخل في ذلك الأبناء والآباء؟ فعن أحمد في إحدى ~~الروايتين أنهم داخلون في العصبة. لأنهم أقرب العصبة. وعن أحمد رواية ~~أخرى والشافعي أنهم لا يدخلون في العاقلة. لظاهر حديث أبي هريرة المتفق ~~عليه المتقدم # " أن ميراث المرأة لولدها، والدية على عاقلتها " # وظاهره عدم دخول أولادها. فقيس الآباء على الأولاد. وقال ابن قدامة في " ~~المغني " واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم. # فقال أحمد. يحملون على قدر ما يطيقون. هذا لا يتقدر شرعا. وإنما يرجع ~~فيه إلى اجتهاد الحاكم. فيفرض على كل واحد قدرا يسهل ولا يؤذي، وهذا ~~مذهب مالك. لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف. ولا يثبت بالرأي والتحكم. ~~ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير ~~النفقات. وعن أحمد رواية أخرى أنه يفرض على الموسر نصف مثقال. لأنه أقل ~~مال يتقدر في الزكاة فكان معبرا بها. ويجب على المتوسط ربع مثقال، لأن ~~ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه. وقد قالت عائشة رضي الله عنها لا ~~تقطع اليد في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا تقطع فيه. وهذا اختيار ~~أبي بكر، ومذهب الشافعي. وقال أبو ms1172 حنيفة أكثر ما يحمل على الواحد أربعة ~~دراهم، وليس لأقله حد اه كلام صاحب " المغني ". وهو الذي نقل عن أبي ~~حنيفة هو معنى ما قدمناه عنه لأن درهما وثلثا في كل سنة من السنين ~~الثلاث أربعة دراهم. الفرع الرابع - لا تحمل العاقلة شيئا من الكفارة ~~المنصوص عليها في قوله # وتحرير رقبة مؤمنة # النساء92 بل هي في مال الجاني إجماعا. وشذ من قال هي في بيت المال. ~~والكفارة في قتل الخطأ واجبة إجماعا بنص الآية الكريمة الصريحة في ذلك. ~~واختلفوا في العمد، واختلافهم فيه مشهور، وأجرى القولين على القياس عندي ~~قول من قال لا كفارة في العمد، لأن العمد في القتل أعظم من أن يكفره ~~العتق. لقوله تعالى في القاتل عمدا # فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما # النساء93 فهذا الأمر أعلى وأفخم من أن يكفر بعتق رقبة. والعلم عند الله ~~تعالى. والدية لا تحملها العاقلة إن كان القتل خطأ ثابتا بإقرار الجاني ~~ولم يصدقوه، بل إنما تحملها إن ثبت القتل ببينة، كما ذهب إلى هذا عامة ~~أهل العلم، منهم ابن عباس، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، ~~والزهري، وسليمان بن موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. وبه قال الشافعي، ~~وأحمد، ومالك، وأبو حنيفة وغيرهم. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس - ~~جمهور العلماء على أن دية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر ~~المسلم على ما بينا. قال ابن المنذر، وابن عبد البر أجمع أهل العلم على ~~أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا ~~ديتها كدية الرجل. وهذا قول شاذ، مخالف لإجماع الصحابة كما قاله صاحب ~~المغني. وجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن بلغت الثلث ~~فعلى النصف. قال ابن قدامة في " المغني " وروي هذا عن عمر، وابن عمر، ~~وزيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب. # وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، والزهري وقتادة، والأعرج، وربيعة، ~~ومالك. قال ابن عبد البر وهو قول فقهاء المدينة السبعة. وجمهور ms1173 أهل ~~المدينة وحكي عن الشافعي في القديم. وقال الحسن يستويان إلى النصف. وروي ~~عن علي رضي الله عنه أنها على النصف فيما قل أو أكثر. وروي ذلك عن ابن ~~سيرين. وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة ~~وأصحابه. وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر. لأنهما ~~شخصان تختلف ديتهما فاختلف أرش أطرافهما اه وهذا القول أقيس. قال مقيدة ~~عفا الله عنه كلام ابن قدامة والخرقي صريح في أن ما بلغ ثلث الدية ~~يستويان فيه وأن، تفضيله عليها بنصف الدية إنما هو فيما زاد على الثلث. ~~فمقتضى كلامهما أن دية جائفة المرأة ومأمومتها كدية جائفة الرجل ~~ومأمومته. لأن في كل من الجائفة والمأمومة ثلث الدية، وأن عقلها لا يكون ~~على النصف من عقله إلا فيما زاد على الثلث، كديه أربعة أصابع من اليد، ~~فإن فيها أربعين من الإبل، إذ في كل إصبع عشر، والأربعون أكثر من ثلث ~~المائة. وكلام مالك في الموطأ وغيره صريح في أن ما بلغ الثلث كالجائفة ~~والمأمومة تكون دية المرأة فيه على النصف من دية الرجل، وأن محل استوائها ~~إنما هو فيما دون الثلث خاصة كالموضحة والمنقلة، والإصبع والإصبعين ~~والثلاثة. وهما قولان معروفان لأهل العلم. وأصحهما هو ما ذكرناه عن مالك، ~~ورجحه ابن قدامه في آخر كلامه بالحديث الآتي إن شاء الله تعالى. قال ~~مقيدة عفا الله عنه وهذا القول مشكل جدا لأنه يقتضي أن المرأة إن قطعت ~~من يدها ثلاثة أصابع كانت ديتها ثلاثين من الإبل كأصابع الرجل لأنها دون ~~الثلث. وإن قطعت من يدها أربعة أصابع كانت ديتها عشرين من الإبل، لأنها ~~زادت على الثلث فصارت على النصف من دية الرجل. وكون دية الأصابع الثلاثة ~~ثلاثين من الإبل، ودية الأصابع الأربعة عشرين في غاية الإشكال كما ترى. ~~وقد استشكل هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، على سعيد بن المسيب، فأجابه بأن ~~هذا هو السنة. ففي موطأ مالك رحمه الله عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن قال سألت ms1174 سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال عشر من الإبل. ~~فقلت كم في إصبعين؟ قال عشرون من الإبل. فقلت كم في ثلاث؟ فقال ثلاثون من ~~الإبل. فقلت كم في أربع؟ قال عشرون من الإبل. فقلت حين عظم جرحها، واشتدت ~~مصيبتها نقص عقلها؟ فقال سعيد أعراقي أنت؟ فقلت. بل عالم متثبت، أو جاهل ~~متعلم. فقال سعيد هي السنة يا بن أخي! وظاهر كلام سعيد هذا أن هذا من سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ولو قلنا أن هذا له حكم الرفع فإنه مرسل، ~~لأن سعيدا لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومراسيل سعيد بن المسيب قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة " الأنعام ~~" مع أن بعض أهل العلم قال إن مراده بالسنة هنا سنة أهل المدينة. وقال ~~النسائي رحمه الله في سننه أخبرنا عيسى بن يونس قال حدثنا حمزة، عن ~~إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها " # اه وهذا يعضد قول سعيد. إن هذا هو السنة. قال مقيده عفا الله عنه إسناد ~~النسائي هذا ضعيف فيما يظهر من جهتين. إحداهما - أن إسماعيل بن عياش رواه ~~عن ابن جريج، ورواية إسماعيل المذكور عن غير الشاميين ضعيفة كما قدمنا ~~إيضاحه. وابن جريج ليس بشامي، بل هو حجازي مكي. الثانية - أن ابن جريج ~~عنعنه عن عمر بن شعيب، وابن جريج رحمه الله مدلس، وعنعنة المدلس لا يحتج ~~بها ما لم يثبت السماع من طريق أخرى كما تقرر في علوم الحديث. ويؤيد هذا ~~الإعلال ما قاله الترمذي رحمه الله من أن محمد بن إسماعيل يعني البخاري ~~قال. إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، كما نقله عنه ابن حجر في " ~~تهذيب التهذيب " في ترجمة ابن جريج المذكور. وبما ذكرنا تعلم أن تصحيح ~~ابن خزيمة لهذا الحديث غير صحيح. وإن نقله عنه ابن حجر في " بلوغ ms1175 المرام ~~" وسكت عليه. والله أعلم. وهذا مع ما تقدم من كون ما تضمنه هذا الحديث ~~يلزمه أن يكون في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربعة أصابع ~~عشرون. وهذا مخالف لما عهد من حكمة هذا الشرع الكريم كما ترى. اللهم إلا ~~أن يقال إن جعل المرأة على النصف من الرجل فيما بلغ الثالث فصاعدا أنه ~~في الزائد فقط. فيكون في أربعة أصابع من أصابعها خمس وثلاثون، فيكون ~~النقص في العشرة الرابعة فقط. وهذا معقول وظاهر، والحديث محتمل له، والله ~~أعلم. ومن الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل - ما رواه ~~البيهقي في السنن الكبرى من وجهين عن عبادة بن نسي، عن ابن غنم، عن معاذ ~~بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " دية المرأة على النصف من دية الرجل " # ثم قال البيهقي رحمه الله وروي من وجه آخر عن عبادة بن نسي وفيه ضعف. ~~ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل. فالضعف الذي يعنيه البيهقي من غيره. ~~وأخرج البيهقي أيضا عن علي مرفوعا # " دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل " # وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه وفيه انقطاع. وأخرجه ابن أبي شيبة من ~~طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضا من وجه آخر عنه وعن عمر- قاله الشوكاني ~~رحمه الله. الفرع السادس - اعلم أن أصح الأقوال وأظهرها دليلا أن دية ~~الكافر الذمي على النصف من دية المسلم. كما قدمنا عن أبي داود من حديث ~~عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن دية أهل الكتاب كانت على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف من دية المسلمين، وأن عمر لم ~~يرفعها فيما رفع عند تقويمه الدية لما غلت الإبل. وقال أبو داود أيضا في ~~سننه حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن ~~إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " دية المعاهد نصف دية الحر ms1176 " # قال أبو داود ورواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث، عن ~~عمرو بن شعيب مثله اه. وقال النسائي في سننه أخبرنا عمرو بن علي قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى.. - وذكر كلمة ~~معناها - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين - وهم اليهود والنصارى " # أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال أنبأنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن ~~زيد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " عقل الكافر نصف عقل المؤمن " # وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن ~~إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، # " عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى ". " # وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو عن أبيه عن جده. قال ~~الشوكاني في " نيل الأوطار ". وحديث عمرو بن شعيب هذا حسنه الترمذي، ~~وصححه ابن الجارود. وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال دية أهل ~~الذمة كدية المسلمين. كأبي حنيفة ومن وافقه. ومن قال إنها قدر ثلث دية ~~المسلم. كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن الروايات ~~التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لايحتج بها. وقد بين ~~البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في " السنن الكبرى " وقد حاول ابن ~~التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات ~~صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح. # أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى # ودية مسلمة إلى أهله # النساء92 فيقال فيه هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. ~~وغاية ما في الباب أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة ~~بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا ms1177 لا إشكال فيه. أما ~~استواؤهما في قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية. لأنها مسألة أخرى. ~~والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها ~~أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم # " وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل " # فمفهوم قوله " المؤمنة " أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في ~~هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، والمقرر في أصوله أنه لا يعتبر دليل ~~الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما معلوم هو عنه. ولا يقول بحمل المطلق على ~~المقيد. فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان في الأدلة الأخرى على شمولها ~~للكافر. والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدا فتكون ديته كدية المسلم، ~~وبين المقتول خطأ فتكون على النصف من دية المسلم - لا نعلم له مستندا من ~~كتاب ولا سنة. والعلم عند الله تعالى. وأما دية المجوسي - فأكثر أهل ~~العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم. فهي ثمانمائة درهم. ونساؤهم على ~~النصف من ذلك. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم. منهم ~~عمر وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن ~~يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ~~ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي. وقال النخعي، والشعبي ديته كدية ~~المسلم. وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. # " والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث " سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب " # لا يتجه. لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية ~~منهم فقط. بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اه. وقال ابن قدامة ~~في " المغني " إن قول من ذكرنا من الصحابة إن دية المجوسي ثلث خمس دية ~~المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعا سكوتيا. وقد قدمنا ~~قول من قال إنه حجة. وقال بعض أهل العلم دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة ~~كدية المجوسي. وهو مذهب مالك. وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقا. والعلم ~~عند الله تعالى. الفرع السابع - اعلم ms1178 أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ ~~في الدية. وبم تغلظ. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء ~~وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرما بحج أو عمرة، أو في الأشهر ~~الحرم. # فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها. فمن قتل محرما فعليه دية ~~وثلث. ومن قتل محرما في الحرم فدية وثلثان. ومن قتل محرما في الحرم في ~~الشهر الحرام فديتان. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وروي نحوه عن ~~عمر، وعثمان، وابن عباس رضي الله عنهم. نقله عنهم البيهقي وغيره. وممن ~~روى عنه هذا القول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ~~والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد. وقتادة، والأوزاعي، ~~وإسحاق، وغيرهم. كما نقله عنهم صاحب المغني. وقال أصحاب الشافعي رحمه ~~الله تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها ~~بالإحرام عنهم وجهان. وصفة التغليظ عند الشافعي هي أن تجعل دية العمد في ~~الخطأ. ولا تغلظ الدية عند مالك رحمه الله في قتل الوالد ولده قتلا شبه ~~عمد. كما فعل المدلجي بأبيه. والجد والأم عنده كالأب. وتغليظها عنده هو ~~تثليثها بكونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها ~~أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت. ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة ~~من دية الولد ولا من ماله شيئا. وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقا ~~من دية ولا غيرها، سواء كان القاتل عمدا أو خطأ. وفرق المالكية في الخطأ ~~بين الدية وغيرها. فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة. ~~والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم. وقصة المدلجي هي ما رواه مالك ~~في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب ان رجلا من بني مدلج يقال ~~له " قتادة " حذف ابنه بالسيف. فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات. فقدم سراقة ~~بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر أعدد على ماء قديد ~~عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم إليه عمر ms1179 بن الخطاب أخذ من تلك ~~الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال أين أخو المقتول؟ ~~قال ها أنذا. قال خذها. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس لقاتل شيء ". # الفرع الثامن - اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته. كسائر ما خلفه من ~~تركته. ومن الأدلة الدالة على ذلك، ما روي عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي ~~الله عنه قال الدية للعاقلة، لا ترث المرأة من دية زوجها. حتى أخبره ~~الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن ~~أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي ~~وصححه. ورواه مالك في الموطأ من رواية ابن شهاب عن عمر وزاد قال ابن شهاب ~~وكان قتلهم أشيم خطأ وما روي عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه. # روي نحوه عن الغيرة بن شعبة وزرارة بن جري. كما ذكره الزرقاني في شرح ~~الموطأ. ومنها ما رواه # " عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى أن ~~العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم " # رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقد قدمنا نص هذا ~~الحديث عند النسائي في حديث طويل. وهذا الحديث قواه ابن عبد البر، وأعله ~~النسائي. قاله الشوكاني. وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي، وبإجماع الحجة من ~~أهل العلم على مقتضاه. ومنها ما رواه البخاري في تاريخه # " عن قرة بن دعموص النميري قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا ~~وعمي، فقلت يا رسول الله، عند هذا دية أبي فمره يعطنيها وكان قتل في ~~الجاهلية. فقال " أعطه دية أبيه " فقلت هل لأمي فيها حق؟ قال " نعم " # وكانت ديته مائة من الإبل. وقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا قال قيس بن ~~حفص أنا الفضيل بن سليمان النميري قال أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري ~~قال حدثني قرة بن دعموص قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي - ~~إلى آخر الحديث باللفظ الذي ms1180 ذكرنا. وسكت عليه البخاري رحمه الله. ورجال ~~إسناده صالحون للاحتجاج. إلا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من ~~جرحه ولا من عدله. وذكر له البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح ~~والتعديل ترجمة، وذكر أنه سمع قرة بن دعموص - ولم يذكرا فيه جرحا ولا ~~تعديلا. وظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على ~~فرائض الله، وهو الظاهر. سواء كان القتل عمدا أو خطأ. ولا يخلو ذلك من ~~خلاف. وروي عن علي رضي الله عنه أنها ميراث كقول الجمهور، وعنه رواية ~~أخرى أن الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه، وكان هذا هو رأي ~~عمر، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه ~~أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها. وقال أبو ثور هي ميراث، ولكنها ~~لا تقضى منها ديونه. ولا تنفذ منها وصاياه. وعن أحمد رواية بذلك. قال ابن ~~قدامة في " المغني " وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ~~ديته. فللموصى له بالثلث ثلث الدية - في إحدى الروايتين. والأخرى ليس لمن ~~أوصى له بالثلث من الدية شيء. ومبنى هذا على أن الدية ملك للميت، أو على ~~ملك الورثة ابتداء. وفيه روايتان إحداهما أنها تحدث على ملك الميت. لأنها ~~بدل نفسه، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة، ولأنه لو ~~أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحا وليس له إسقاط حق الورثة، ~~ولأنها مال موروث فاشبهت سائر أمواله. # والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء. لأنها إنما تستحق بعد الموت ~~وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلا لذلك، ~~وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء. ولا أعلم خلافا في أن الميت يجهز منها ~~اه محل الغرض من كلام ابن قدامة رحمه الله. قال مقيدة عفا الله عنه أظهر ~~القولين عندي أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه. ~~لتصريح النبي صلى الله عليه وسلم للضحاك في الحديث المذكور ms1181 بتوريث ~~امرأة أشيم الضبابي من ديته. والميراث لا يطلق شرعا إلا على ما كان ~~مملوكا للميت، والله تعالى أعلم. المسألة السادسة - اختلف العلماء في ~~تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية ~~الكريمة في قوله { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا } الإسراء33 الآية. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد ~~بالولي في الآية الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، ~~والصغار والكبائر. فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص، ~~وتعينت الدية لمن لم يعف. وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي ~~حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى. وقال ابن قدامة في " المغني " ~~هذا قول أكثر أهل العلم. منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد والثوري، ~~وأبو حنيفة، والشافعي. وروي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي، وقال ~~الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي ليس للنساء عفو. ~~أي فهن لا يدخلن عندهم في اسم الولي الذي له السلطان في الآية. ثم قال ~~ابن قدامة والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة. وهو وجه لأصحاب ~~الشافعي. قال مقيدة عفا الله عنه مذهب مالك في هذه المسألة فيه تفصيل ~~فالولي الذي له السلطان المذكور في الآية الذي هو استيفاء القصاص أو ~~العفو - عنده هو أقرب الورثة العصبة الذكور، والجد والإخوة في ذلك سواء. ~~وهذا هومعنى قول خليل في مختصره والاستيفاء للعاصب كالولاء، إلا الجد ~~والإخوة فسيان اه. وليس للزوجين عنده حق في القصاص ولا العفو، وكذلك ~~النساء غير الوارثات كالعمات، وبنات الإخوة، وبنات العم. أما النساء ~~الوارثات كالبنات. والأخوات، والأمهات فلهن القصاص. وهذا فيما إذا لم ~~يوجد عاصب مساو لهن في الدرجة. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره وللنساء ~~إن ورثن ولم يساوهن عاصب. فمفهوم قوله " إن ورثن " أن غير الوارثات لا حق ~~لهن، وهو كذلك. ومفهوم قوله " ولم يساوهن عاصب " أنهن إن ساواهن عاصب ~~كبنين، وبنات، وإخوة وأخوات، فلا كلام للإناث مع الذكور. وأما إن كان ~~معهن عاصب غير مساو لهن ms1182 كبنات، وإخوة. # فثالث الأقوال هو مذهب المدونة أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه ~~لا باجتماع الجميع. أعني ولو عفا بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء. وهذا هو معنى ~~قول خليل في مختصره ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم. يعني ولو بعض ~~هؤلاء وبعض هؤلاء. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي ~~في هذه المسألة أن الولي في هذه الآية هم الورثة ذكورا كانوا أو إناثا. ~~ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى. لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من ~~انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلا منهما يوالي الآخر. كقوله تعالى # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # التوبة71، وقوله # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # الأنفال75 الآية. والدليل على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ~~ولو بالزوجية - الحديث الوارد بذلك، قال أبو داود في سننه باب عفو النساء ~~عن الدم حدثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد عن الأوزاعي أنه سمع حصنا، أنه ~~سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # " على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة ". # قال أبو داود بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى ~~الأولياء. وبلغني عن أبي عبيدة في قوله " ينحجزوا " يكفوا عن القود. وقال ~~النسائي رحمه الله في سننه أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا الوليد عن ~~الأوزاعي قال حدثني حصن قال حدثني أبو سلمة ح وأنبأنا الحسين بن حريث قال ~~حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني حصن أنه سمع أبا سلمة يحدث عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة " # اه. وهذا الإسناد مقارب. لأن رجاله صالحون للاحتجاج، إلا حصنا المذكور ~~فيه ففيه كلام. فطبقته الأولى عند أبي داود هي داود بن رشيد الهاشمي ~~مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد وهو ثقة. وعند النسائي حسين بن حريث، وإسحاق ~~بن إبراهيم. وحسين بن حريث الخزاعي مولاه أبو عمار ms1183 المروزي ثقة. والطبقة ~~الثانية عندهما هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة، ~~لكنه كثير التدليس والتسوية، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة. ~~والطبقة الثالثة عندهما هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو بن ~~أبي عمرو أبو عمر الأوزاعي، وهو الإمام الفقيه المشهور، ثقة جليل. ~~والطبقة الرابعة عندهما هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن، أو ابن محصن ~~التراغمي أبو حذيفة الدمشقي، قال فيه ابن حجر في " التقريب " مقبول. وقال ~~فيه في " تهذيب التهذيب " قال الدارقطني شيخ يعتبر به، له عند أبي داود ~~والنسائي حديث واحد # " على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة " # قلت وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان لا يعرف حاله اه وتوثيق ~~ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله. لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ~~ما لم يحفظه مدعي أنه مجهول لا يعرف حاله. وذكر ابن حجر في " تهذيب ~~التهذيب " عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا لا نعلم أحدا روى عنه ~~غير الأوزاعي. والطبقة الخامسة عندهما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنه، وهو ثقة مشهور. والطبقة السادسة عندهما عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فقد رأيت أن ابن حبان رحمه الله ذكر حصنا ~~المذكور في الثقات. وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج. والعلم عند ~~الله تعالى. تنبيه إذا كان بعض أولياء الدم صغيرا أو مجنونا، أو ~~غائبا، فهل للبالغ الحاضر العاقل القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، ~~وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير..! الخ. فإن ~~عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلا سقط القصاص ووجبت ~~الدية. في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى ~~أنه لا بد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون. وهذا هو ~~ظاهر مذهب الإمام أحمد. قال ابن قدامة وبهذا قال ابن شبرمة، والشافعي، ~~وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر ms1184 بن عبد العزيز رحمه الله. وعن أحمد ~~رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه. وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، ~~والليث، وأبو حنيفة اه محل الغرض من كلام صاحب المغني. وذكر صاحب المغني ~~أيضا أنه لا يعلم خلافا في وجوب انتظار قدوم الغائب. ومنع استبداد ~~الحاضر دونه. قال مقيدة عفا الله عنه إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال. ~~وإن كانت بعيدة ففيه خلاف معروف عند المالكية. وظاهر المدونة الانتظار ~~ولو بعدت غيبته. وقال بعض علماء المالكية منهم سحنون لا ينتظر بعيد ~~الغيبة. وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ~~ترجمته مبينا لما به الفتوى بقوله وانتظر غائب لم تبعد غيبته. لا مطبق ~~وصغير لم يتوقف الثبوت عليه. وقال ابن قدامة في " المغني " ما نصه ~~والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور أحدها - أنه لو كان ~~منفردا لاستحقه. ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا كولاية النكاح. ~~والثاني - أنه لو بلغ لاستحق. ولو لم يكن مستحقا عند الموت لم يكن ~~مستحقا بعده. كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه. والثالث - أنه لو صار الأمر ~~إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي. ~~والرابع - أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقا لم يرثه ~~كسائر ما لم يستحقه. # واحتج من قال إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون المطبق ~~بأمرين أحدهما - أن القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزا عن ~~النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه فإن النظر فيها ~~لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه. وأولى من ~~ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه. وهذا لا يرد عليه شيء من ~~الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني. لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه ~~هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص ~~كسائر حقوقه. ولا سيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص ms1185 إلى زمن ~~بعيد. الأمر الثاني - أن الحسن بن علي رضي الله عنه قتل عبد الرحمن بن ~~ملجم المرادي قصاصا بقتله عليا رضي الله عنه، وبعض أولاد علي إذ ذاك ~~صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا ~~غيرهم. وقد فعل ذلك بأمر علي رضي الله عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ. ~~ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبا لانتظره. وأجيب عن هذا من قبل ~~المخالفين بجوابين أحدهما - أن ابن ملجم كافر. لأنه مستحل دم علي، ومن ~~استحل دم مثل علي رضي الله عنه فهو كافر. وإذا كان كافرا فلا حجة في ~~قتله. الثاني - أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قتل ~~وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم كما قدمناه في سورة " المائدة " ~~وإذن فلا داعي للانتظار. قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه قال بعض ~~أصحابنا إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار ~~من ولد علي رضي الله عنه. لأنه قتله حدا لكفره لا قصاصا. وقال ابن ~~قدامة في " المغني " فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره. لأنه قتل ~~عليا مستحلا لدمه، معتقدا كفره، متقربا بذلك إلى الله تعالى. وقيل ~~قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، ~~وقتله متحتم، و هو إلى الإمام. والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر ~~الغائبين من الورثة. ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم وإن قدر أنه قتله ~~قصاصا فقد اتفقنا على خلافه. فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام ~~صاحب المغني. وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه قال العلماء ولم ينتظر ~~بقتله بلوغ العباس بن علي. فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه. قالوا لأنه كان ~~قتل محاربة لا قصاصا. والله أعلم اه. # " واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أشقى ~~الأولين؟ " قلت عاقر ms1186 الناقة. قال " صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ " قلت لا علم ~~لي يا رسول الله. قال " الذي يضربك على هذا - وأشار بيده على يافوخه - ~~فيخضب هذه من هذه - يعني لحيته - من دم رأسه " # قال فكان يقول وددت أنه قد انبعث أشقاكم " وقد ساق طرق هذا الحديث ابن ~~كثير رحمه الله في تاريخه، وابن عبد البر في " الاستيعاب " وغيرهما. قال ~~مقيدة عفا الله عنه الذي عليه أهل التاريخ والأخبار - والله تعالى أعلم - ~~أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليا رضي لله عنه. لا لكفر ولا حرابة. ~~وعلي رضي الله عنه لم يحكم بكفر الخوارج. ولما سئل عنهم قال من الكفر ~~فروا. فقد ذكر المؤرخون أن عليا رضي الله عنه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ~~ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا، وإن حيي فهو ولي دمه. كما ~~ذكره ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم. وذكره ~~البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين. ولا شك أن ابن ملجم متأول ~~- قبحه الله - ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب عليا ~~رضي الله عنه قال الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك! ومراده أن رضاه ~~بتحكيم الحكمين أبي موسى، وعمرو بن العاص - كفر بالله لأن الحكم لله ~~وحده. لقوله # إن الحكم إلا لله # الأنعام57. ولما أراد أولاد علي رضي الله عنه أن يتشفوا منه فقطعت يداه ~~ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر. ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله، ~~وقرأ سورة # اقرأ باسم ربك # العلق1 إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه. ثم حاولوا لسانه ليقطعوه ~~فجزع من ذلك جزعا شديدا. فقيل له في ذلك؟ فقال إني أخاف أن أمكث فواقا ~~لا أذكر الله اه ذكره ابن كثير وغيره. ولأجل هذا قال عمران بن حطان ~~السدوسي يمدح ابن ملجم - قبحه الله - في قتله أمير المؤمنين عليا رضي ~~الله عنه # يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره ~~يوما فأحسبه ms1187 أو في البرية عند الله ميزانا # وجزى الله خيرا الشاعر الذي يقول في الرد عليه # قل لابن ملجم والأقدار غالبة هدمت ويلك للإسلام أركانا قتلت أفضل من ~~يمشي على قدم وأول الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ~~سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره أضحت مناقبه ~~نورا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له مكان هارون من موسى بن ~~عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر فقلت سبحان رب العرش سبحانا إني ~~لأحسبه ما كان من بشر يخشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عدت ~~قبائلها وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الأولى التي جلبت ~~على ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها قبل المنية ~~أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمله ولا سقى قبر عمران بن حطانا ~~لقوله في شقي ظل مجترما ونال ما ناله ظلما وعدوانا " يا ضربة من تقى ~~ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا " بل ضربة من غوى أوردته ~~لظى فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصدا بضربته إلا ~~ليصلى عذاب الخلد نيرانا # وبما ذكرنا - تعلم أن قتل الحسن بن علي رضي الله عنه لابن ملجم قبل بلوغ ~~الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير. وحجة من ~~قال أيضا بكفره قوية للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين. مقرونا بقاتل ~~ناقة صالح المذكور في قوله # إذ انبعث أشقاها # الشمس12 وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - ~~اعلم أن هذا القتل ظلما، الذي جعل الله بسببه هذا السلطان والنصر ~~المذكورين في هذه الآية الكريمة، التي هي قوله تعالى { ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } الإسراء33 الآية، ~~يثبت بواحد من ثلاثة أشياء اثنان منها متفق عليهما، وواحد مختلف فيه. أما ~~الاثنان المتفق على ثبوته بهما فهما الإقرار بالقتل، والبينة الشاهدة ~~عليه. وأما الثالث المختلف فيه فهو أيمان القسامة مع وجود اللوث، وهذه ~~أدلة ذلك كله. أما الإقرار ms1188 بالقتل - فقد دلت أدلة على لزوم السلطان ~~المذكور في الآية الكريمة به. قال البخاري في صحيحه " باب إذا أقر بالقتل ~~مرة قتل به " حدثني إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة حدثنا ~~أنس بن مالك أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين. فقيل لها من فعل بك هذا؟ ~~أفلان. أفلان؟ حتى سمي اليهودي. فأومأت براسها، فجيء باليهودي فاعترف، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بالحجارة. وقد قال همام ~~بحجرين. وقد قال البخاري أيضا باب سؤال القاتل حتى يقر ثم ساق حديث أنس ~~هذا وقال فيه فلم يزل به حتى أقر فرض رأسه بالحجارة. وهو دليل صحيح واضح ~~على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة بإقرار القاتل. وحديث أنس هذا ~~أخرجه أيضا مسلم، وأصحاب السنن، والإمام أحمد. ومن الأدلة الدالة على ~~ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، ~~حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب # " أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال إني لقاعد مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال يا رسول الله، هذا قتل ~~أخي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقتلته؟ " فقال إنه لو لم ~~يعترف أقمت عليه البينة. قال نعم قتلته. قال " كيف قتلته؟ " قال كنت أنا ~~وهو نختبط من شجرة. فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم " هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ " قال ما ~~لي مال إلا كسائي وفأسي. قال " فترى قومك يشترونك " قال أنا أهون عليهم ~~من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال " دونك صاحبك.. " # الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على ثبوت السلطان المذكور في الآية ~~الكريمة بالإقرار. ومن الأدلة على ذلك إجماع المسلمين عليه. وسيأتي إن ~~شاء الله إيضاح إلزام الإنسان ما أقر به على نفسه في سورة " القيامة ". ~~وأما البينة الشاهدة بالقتل عمدا عدوانا - فقد دل الدليل أيضا على ~~ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بها. قال أبو ms1189 داود في سننه حدثنا ~~الحسن بن علي بن راشد، أخبرنا هشيم، عن أبي حيان التيمي، ثنا عباية بن ~~رفاعة، # " عن رافع بن خديج قال أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر. فانطلق ~~أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال " لكم ~~شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ " قالوا يا رسول الله، لم يكن ثم أحد من ~~المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترؤون على أعظم من هذا، قال " فاختاروا ~~منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا " # فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده اه. فقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث # " لكم شاهدان على قتل صاحبكم " # فيه دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية بشهادة شاهدين على ~~القتل. وهذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري. ومعلوم أن رجال هذا ~~الإسناد كلهم رجال الصحيح. إلا الحسن بن علي بن راشد وقد وثق. وقال فيه ~~ابن حجر في " التقريب "صدوق رمي بشيء من التدليس. وقال النسائي في سننه ~~أخبرنا محمد بن معمر قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا عبيد الله بن ~~الأخنس، # " عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على ~~أبواب خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقم شاهدين على من قتله ~~أدفعه إليكم برمته " قال يا رسول الله، ومن أين أصيب شاهدين، وإما أصبح ~~قتيلا على أبوابهم. قال " فتحلف خمسين قسامة " قال يا رسول الله، وكيف ~~أحلف على ما لا أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فتستحلف منهم ~~خمسين قسامة " # فقال يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود فقسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها اه. فقوله صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الحديث # " أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته " # - دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بشهادة شاهدين. ~~وأقل درجات هذا الحديث الحسن. وقال فيه ابن حجر في " الفتح " هذا السند ~~صحيح حسن. ومن الأدلة الدالة على ذلك - إجماع ms1190 المسلمين على ثبوت القصاص ~~بشهادة عدلين على القتل عمدا عدوانا. وقد قدمنا قول من قال من العلماء ~~إن أخبار الآحاد تعتضد بموافقة الإجماع لها حتى تصير قطعية كالمتواتر، لا ~~عتضادها بالمعصوم وهو إجماع المسلمين. وأكثر أهل الأصول يقولون إن اعتضاد ~~خبر الآحاد بالإجماع لا يصيره قطعيا. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي ~~السعود في مبحث أخبار الآحاد # ولا يفيد القطع ما يوافق ال إجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث ~~عولا عليه وانفه إذا ما قد خلا مع دواعي رده من مبطل كما يدل لخلافة ~~علي # وقوله وانفه إذا ما قد خلا..الخ - مسألة أخرى غير التي نحن بصددها. ~~وإنما ذكرناها لارتباط بعض الأبيات ببعض. وأما أيمان القسامة مع وجود ~~اللوث فقد قال بعض أهل العلم بوجوب القصاص بها وخالف في ذلك بعضهم. فممن ~~قال بوجوب القود بالقسامة مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، ~~وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. والظاهر أن عمر بن عبد العزيز ~~رجع عنه. وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي ~~الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود. وقضى بالقتل بالقسامة عبد ~~الملك بن مروان، وأبوه مروان، وقال أبو الزناد قلنا بها وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم ~~اثنان. وقال ابن حجر في فتح الباري. إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن ~~زيد بن ثابت. كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية علد الرحمن بن ~~أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبوا الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة ~~فضلا عن ألف. وممن قال بأن القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود ~~الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروى عن أبي بكر وعمر وابن ~~عباس ومعاوية رضي الله عنهم. وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، ~~والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، وغيرهم. وعن معاوية القتل بها ~~أيضا. وذهبت جماعة أخرى إلى أن القسامة لا يثبت بها حكم من ms1191 قصاص ولا ~~دية. # وهذا مذهب الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن ~~يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية. وإليه ينحو البخاري، ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه ~~ندم على قتله رجلا بالقسامة، ومحا أسماء الذين حلفوا أيمانهم من ~~الديوان، وسيرهم إلى الشام. قاله البخاري في صحيحه. فإذا عرفت أقوال لهم ~~أهل العلم في القسامة فدونك أدلتهم على أقوالهم في هذه المسألة أما الذين ~~قالوا بالقصاص بالقسامة فاستدلوا على ذلك بما ثبت في بعض روايات حديث سهل ~~بن أبي حثمة في صحيح مسلم وغيره # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قتل عبد الله بن سهل الأنصاري ~~بخيبر، مخاطبا لأولياء المقتول " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع ~~برمته.. " # الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم ~~وغيره " فيدفع برمته " معناه أنه يسلم لهم ليقتلوه بصاحبهم. وهو نص صحيح ~~صريح في القود بالقسامة. ومن أدلتهم على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده عند النسائي الذي قدمناه قريبا. وقد قدمنا عن ابن حجر أنه قال ~~فيه صحيح حسن. فقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه # " أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته " # صريح أيضا في القود بالقسامة. وادعاء أن معنى دفعه إليهم برمته أي ~~ليأخذوا منه الدية - بعيد جدا كما ترى. ومن أدلتهم ما ثبت في رواية متفق ~~عليها في حديث سهل المذكور # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأولياء المقتول " تحلفون خمسين ~~يمينا وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم.. " # الحديث. قالوا فعلى أن الرواية " قاتلكم " فهي صريح في القود بالقسامة. ~~وعلى أنها " صاحبكم " فهي محتملة لذلك احتمالا قويا. وأجيب من جهة ~~المخالف بأن هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها للشك في اللفظ الذي قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو فرضنا أن لفظ الحديث في نفس الأمر " ~~صاحبكم " لا حتمل أن يكون المراد به ms1192 المقتول، وأن المعنى تستحقون ديته. ~~والاحتمال المساوي يبطل الاستدلال كما هو معروف في الأصول. لأن مساواة ~~الاحتمالين يصير بها اللفظ مجملا، والمجمل يجب التوقف عنه حتى يرد دليل ~~مبين للمراد منه. ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند الإمام أحمد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " " تسمون قاتلكم تحلفون عليه خمسين يمينا ثم نسلمه ". # ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم " # قالوا معنى " دم صاحبكم " قتل القاتل. # وأجيب من جهة المخالف باحتمال أن المراد " بدم صاحبكم " الدية، وهو ~~احتمال قوي أيضا. لأن العرب تطلق الدم علىالدية. ومنه قوله # أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # ومن أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد ~~قالا حدثنا الوليد ح وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا الوليد عن ~~أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه قتل ~~بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لية البحرة ~~قال القاتل والمقتول منهم. وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شط ~~لية اه وانقطاع سند هذا الحديث واضح في قوله " عن عمرو بن شعيب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " كما ترى. وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى ~~حديث أبي داود هذا وقال هذا منقطع، ثم قال وروى أبو داود أيضا في ~~المراسيل عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن قتادة، وعامر الأحول عن أبي ~~المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقاد بالقسامة الطائف " وهو ~~أيضا منقطع وروى البيهقي في سننه عن أبي الزناد قال أخبرني خارجة بن زيد ~~بن ثابت، أن رجلا من الأنصار قتل وهو سكران رجلا ضربه بشويق، ولم يكن ~~على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك، وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومن ms1193 فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان ~~منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا. فحلفوا خمسين يمينا ~~وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة، ~~ويرونها للذي يأتي به من اللطخ أو الشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ~~ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ورواه ابن وهب عن أبي ~~الزناد وزاد فيه أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكرنا له ~~حقا أن يحلفنا على القاتل ثم يسلمه إلينا. وقال البيهقي في سننه أيضا ~~أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا ~~عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد أن هشام بن عروة أخبره ~~أن رجلا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينه وبين رجل من آل صهيب ~~منازعة.. فذكر الحديث في قتله قال فركب يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب إلى ~~عبد الملك بن مروان في ذلك. فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب، فثنى ~~عليهم الأيمان، فطلب أل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما. فأبى عبد ~~الملك إلا أن يحلفوا على واحد فيقتلوه. # فحلفوا على الصهيبي فقتلوه. قال هشام فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد ~~أصيب فيه الحق، وروينا فيه عن الزهري وربيعة. ويذكر عن ابن أبي مليكة عن ~~عمر بن عبد العزيز وابن الزبير أنهما أقادا بالقسامة. ويذكر عن عمر بن ~~عبد العزيز أنه رجع عن ذلك وقال إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس. ~~فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة انتهى كلام البيهقي رحمه الله. هذه ~~هي أدلة من أوجب القود بالقسامة. وأما حجج من قال لا يجب بها إلا الدية - ~~فمنها ما ثبت في بعض روايات حديث سهل المذكور عند مسلم وغيره أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب ". # قال النووي في شرح مسلم معناه إن ثبت القتل عليهم ms1194 بقسامتكم فإما أن يدوا ~~صاحبكم - أي يدفعوا إليكم ديته - وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام ~~أحكامنا. فينتقض عهدهم، ويصيرون حربا لنا. وفيه دليل لمن يقول الواجب ~~بالقسامة الدية دون القصاص اه كلام النووي، رحمه الله. ومنها ما ثبت في ~~بعض روايات الحديث المذكور في صحيح البخاري وغيره # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أفتسحقون الدية بأيمان خمسين ~~منكم " # قالوا هذه الرواية الثابتة في صحيح البخاري صريحة في أن المستحق بأيمان ~~القسامة إنما هو الدية لا القصاص. ومن أدلتهم أيضا ما ذكره الحافظ في ~~فتح الباري قال وتمسك من قال لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في ~~جامعه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال وجد قتيل ~~بين حيين من العرب فقال عمر قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب ~~فأحلفوهم خمسين يمينا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن ~~عيينة، عن منصور، عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن ~~يقاس ما بين القريتين. فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منها خمسون رجلا ~~حتى يوافوه في مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية. فقال " ~~حقنتم بأيمانكم دماءكم، ولا يطل دم رجل مسلم ". قال الشافعي إنما أخذه ~~الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى. وله شاهد مرفوع من ~~حديث أبي سعيد عند أحمد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم " أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب " ولكن سنده ~~ضعيف. وقال عبد الرزاق في مصنفه قلت لعبد الله بن عمر العمري أعلمت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة؟ قال لا قلت فأبو بكر؟ قال ~~لا. قلت فعمر؟ قال لا. # قلت فلم تجترؤون عليها؟ فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد ~~الرحمن أن عمر قال في القسامة توجب العقل ولا تسقط الدم. انتهى كلام ابن ~~حجر رحمه الله. فهذه هي أدلة من قال إن القسامة توجب الدية ولا ms1195 توجب ~~القصاص. وأما حجة من قال إن القسامة لا يلزم بها حكم - فهي أن الذين ~~يحلفون أيمان القسامة إنما يحلفون على شيء لم يحضروه، ولم يعلموا أحق هو ~~أم باطل، وحلف الإنسان على شيء لم يره دليل على أنه كاذب. قال البخاري في ~~صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، ~~حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدثني أبو ~~قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، ~~فقال ما تقولون في القسامة؟ قال نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت ~~بها الخلفاء. قال لي ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت يا أمير ~~المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب! أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا ~~على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال لا. قلت أرأيت ~~لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال ~~لا. قلت فو الله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط إلا في ~~إحدى ثلاث خصال رجل قتل بجريرة نفسه فقتل أو رجل زنى بعد إحصان. أو رجل ~~حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام..إلى آخر حديثه. ومراد أبي قلابة ~~واضح، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه! ~~هذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود بالقسامة، وهذه حججهم. قال مقيدة ~~عفا الله عنه أظهر الأقوال عندي دليلا - القود بالقسامة. لأن الرواية ~~الصحيحة التي قدمنا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم " # وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى. ولم يثبت ما يعارض هذا. ~~والقسامة أصل وردت به السنة، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع. كما ~~ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفا. لأن القسامة أصل من أصول الشرع ~~مستقل بنفسه. شرع لحياة الناس وردع المعتدين، ms1196 ولم تمكن فيه أولياء ~~المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ~~ذلك. تنبيه اعلم - أن رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن ~~أبي حثمة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم " لما سأل أولياء ~~المقتول هل لهم بينة " وأخبروه بأنهم ليس لهم بينه قال " يحلفون " يعني ~~اليهود المدعى عليهم، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلا - لا دليل ~~فيها لمن نفى القود بالقسامة. # لأن سعيد بن عبيد وهم فيها، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين. ~~لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين. ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار ~~فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الأيمان أولا على أولياء ~~المقتول، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم. فاشتملت ~~رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها. وقد ذكر البخاري ~~رحمه الله رواية سعيد بن عبيد في باب القسامة، وذكر رواية يحيى بن سعيد ~~في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين وفيها " تحلفون وتستحقون قاتلكم " ~~أو صاحبكم الحديث. والخطاب في قوله " تحلفون وتستحقون، لأولياء المقتول ~~". وجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد ~~بن عبيد - ابن حجر في الفتح وغير واحد. لأنها زيادة من ثقة حافظ لم ~~يعارضها غيرها فيجب قبولها. كما هو مقرر في علم الحديث وعلم الأصول. وقال ~~القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى # فقلنا اضربوه ببعضها # البقرة73 الآية وقد أسند حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ~~المدعين يحيى بن سعيد، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، ~~وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل. فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد ~~وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. وقال مالك رحمه الله ~~في الموطأ بعدأن ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة الأمر المجتمع عليه ~~عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في ms1197 ~~القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون اه محل ~~الغرض منه. واعلم أن العلماء أجمعوا على أن القسامة يشترط لها لوث، ~~ولكنهم اختلفوا في تعيين اللوث الذي تحلف معه أيمان القسامة. فذهب مالك ~~رحمه الله إلى أنه أحد الأمرين الأول - أن يقول المقتول دمي عند فلان. ~~وهل يكفي شاهد واحد على قوله ذلك، أو لا بد من اثنين؟ خلاف عندهم. ~~والثاني - أن تشهد بذلك بينة لا يثبت بها القتل كاثنين غير عدلين. قال ~~مالك في الموطأ الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعته ممن أرضى في ~~القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث - أن يبدأ بالأيمان ~~المدعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن ~~يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة وإن لم تكن ~~قاطعة على الذي يدعى عليه الدم. فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ~~ادعوه عليه. # ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين - اه محل الغرض منه، هكذا ~~قال في الموطأ، وستأتي زيادة عليه إن شاء الله. واعلم أن كثيرا من أهل ~~العلم أنكروا على مالك رحمه الله إيجابه القسامة بقول المقتول قتلني ~~فلان. قالوا هذا قتل مؤمن بالأيمان على دعوى مجردة. واحتج مالك رحمه الله ~~بأمرين الأول - أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة ~~والندم على ما سلف من العمل السيء. وقد دلت على ذلك آيات قرآنية. كقوله # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين # المنافقون10، وقوله # حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # النساء18، وقوله # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين # غافر84 إلى غير ذلك من الآيات. فهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من ~~عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم ~~له. الأمر الثاني - أن قصة قتيل ms1198 بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول ~~دمي عند فلان. فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول ~~بالقسامة بقوله قتلني فلان، أو دمي عند فلان - في رواية ابن وهب وابن ~~القاسم. ورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء معجزة لنبي الله موسى، ~~وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما ~~لايدخله احتمال - فافترقا. ورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن ~~المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام ~~الناس كلهم في القبول والرد. قال وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا ~~مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه. فلعله أمرهم بالقسامة معه ~~اه كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي. لأن سياق القرآن يقتضي أن ~~القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع ~~المذكور في قوله تعالى # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها # البقرة72. فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل ~~بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي والله تعالى أعلم. والشاهد العدل لوث ~~عند مالك في رواية ابن القاسم. وروى أشهب عن مالك أنه يقسم مع الشاهد غير ~~العدل مع المرأة وروى ابن وهب أن شهادة النساء لوث. وذكر محمد عن ابن ~~القاسم أن شهادة المرأتين لوث. دون شهادة المرأة الواحدة. وقال القاضي ~~أبو بكر بن العربي اختلف في اللوث اختلافا كثيرا. ومشهور مذهب مالك أنه ~~الشاهد العدل. وقال محمد هو أحب إلي، قال وأخذ به ابن القاسم وابن عبد ~~الحكم. وممن أوجب القسامة بقوله دمي عند فلان الليث بن سعد وروي عن عبد ~~الملك بن مروان. # والذين قالوا بالقسامة بقول المقتول دمي عند فلان، منهم من يقول يشترط ~~في ذلك أن يكون به جراح. ومنهم من أطلق. والذي به الحكم وعليه العمل عند ~~المالكية أنه لا بد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله ~~بدون وجود أثر الضرب. واعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك. ms1199 ~~الأولى - أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أياما ثم يموت منه ~~من غير تخلل إفاقة. وبه قال الليث أيضا. وقال الشافعي يجب في هذه الصورة ~~القصاص بتلك الشهادة على الضرب. وهو مروي أيضا عن أبي حنيفة. الثانية - ~~أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم ~~مثلا، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق ~~بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين ~~طائفتين مقتتلتين أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من ~~إحدى الطائفتين. إما إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما. والجمهور على أن ~~القسامة عليهما معا مطلقا. قاله ابن حجر في الفتح. وأما اللوث الذي تجب ~~به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محله أو قبيلة لم ~~يدر قاتله، فيحلف خمسون، رجلا من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل ~~يتخيرهم الولي - ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. ثم إذا حلفوا غرم أهل ~~المحلة الدية ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة رحمه الله قسامة ~~إلا بهذه الصورة. وممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة ~~الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية أن يوجد بالقتل ~~أثر. وجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب القسامة، بل ~~يكون هدرا لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم ~~يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة. كقصة اليهود ~~مع الأنصاري. وأما الشافعي رحمه الله فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا ~~يثبت القتل بشهادته. كالواحد أو جماعة غير عدول. وكذلك تجب عنده بوجود ~~المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعيله أثر ~~الدم مثلا ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل. وقد قدمنا ~~قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه ~~إن كان من ms1200 إحدى الطائفتين المقتتلتين أن القسامة فيه تكون على الطائفة ~~الأخرى دون طائفته التي هو منها وكذلك تجب عنده فيما كقصة اليهودي مع ~~الأنصاري. وأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه ~~روايتان. الأولى - أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعي ~~عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل ~~القرىالذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك. # ولا يشترط عنده على الصحيح ألا يخالطهم غيرهم - نص على ذلك الإمام أحمد ~~في رواية مهنأ. واشترط القاضي ألا يخالطهم غيرهم كمذهب الشافعي. قاله في ~~المغني. والرواية الثانية عن أحمد رحمه الله - أن اللوث هو ما يغلب به ~~على ا لظن صدق المدعي، وذلك من وجوه. أحدها العداوة المذكورة. والثاني أن ~~يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم. فإن ادعى الولي ~~على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه - ذكره القاضي، وهو ~~مذهب الشافعي. والثالث أن يوجد المقتول ويوجد بقربه رجل معه سكين أو سيف ~~ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره. الرابع أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من ~~إحداهما، فاللوث على الأخرى. ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام ~~بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل. وهذا قول الشافعي. وروي عن أحمد أن ~~عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على ~~واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى على الفريقين جميعا، لأنه ~~يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه. وقد قدمنا عن ابن حجر أن ~~هذا قول الجمهور. الخامس أن يشهد بالقتل عبيد ونساء. فعن أحمد هو لوث ~~لأنه يغلب على الظن صدق المدعي. وعنه ليس بلوث، لأنها شهادة مردودة فلم ~~يكن لها أثر. فأما القتيل الذي يوجد في الزحام كالذي يموت من الزحام يوم ~~الجمعة أو عند الجمرة - فظاهر كلام أحمد أن ذلك ليس بلوث، فإنه قال فيمن ~~مات بالزحام يوم الجمعة ديته في بيت المال. وهذا قول إسحاق، وروي عن ms1201 عمر ~~وعلي، فإن سعيدا روى في سننه عن إبراهيم قال قتل رجل في زحام الناس ~~بعرفة. فجاء أهله إلى عمر فقال بينتكم على من قتله؟ فقال علي يا أمير ~~المؤمنين، لا يطل دم امرىء مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعطهم ديته من بيت ~~المال. انتهى من المغني. وقد قال ابن حجر في الفتح في باب إذا مات في ~~الزحام أو قتل به في الكلام على قتل المسلمين يوم أحد اليمان والد حذيفة ~~رضي الله عنهما ما نصه وحجته يعني إعطاء ديته من بيت مال المسلمين ما ورد ~~في بعض طرق قصة حذيفة، وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق ~~عكرمة أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو يظن أنه من ~~المشركين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم له شاهد مرسل ~~أيضا في باب العفو عن الخطأ وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور ~~أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال. # وفي المسألة مذاهب أخرى منها قول الحسن البصري أن ديته تجب على جميع من ~~حضر، وهو أخص من الذي قبله. وتوجيهه أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى ~~غيرهم. ومنها قول الشافعي ومن تبعه أنه يقال لوليه ادع على من شئت ~~واحلف. فإن حلفت استحققت الدية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي ~~وسقطت المطالبة. وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب. ومنها قول مالك دمه ~~هدر. وتوجيهه أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وقد ~~تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب في باب العفو عن الخطأ - انتهى ~~كلام ابن حجر رحمه الله. والترجيح السابق الذي أشار له هو قوله في قول ~~حذيفة رضي الله عنه مخاطبا للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ " غفر الله ~~لكم " استدل به من قال إن ديته وجبت على من حضر. لأن معنى قوله " غفر ~~الله لكم " عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق أن ms1202 يطالب به. انتهى ~~محل الغرض منه. فكأن ابن حجر يميل إلى ترجيح قول الحسن البصري رحمه الله. ~~قال مقيدة عفا الله عنه أظهر الأقوال عندي في اللوث الذي تجب القسامة به ~~أنه كل ما يغلب به على الظن صدق أولياء المقتول في دعواهم. لأن جانبهم ~~يترجح بذلك فيحلفون معه. وقد تقرر في الأصول " أن المعتبر في الروايات ~~والشهادات ما تحصل به غلبة الظن " وعقده صاحب مراقي السعود بقوله في شروط ~~الراوي # بغالب الظن يدور المعتبر فاعتبر الإسلام كل من غبر -الخ # فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول - لا يحلف النساء ولا الصبيان في ~~القسامة، وإنما يحلف فيها الرجال. وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، والثوري ~~والأوزاعي وربيعة والليث، ووافقهم مالك في قسامة العمد، وأجاز حلف النساء ~~الوارثات في قسامة الخطإ خاصة. وأما الصبي فلا خلاف بين العلماء في أنه ~~لا يحلف أيمان القسامة. وقال الشافعي يحلف في القسامة كل وارث بالغ ذكرا ~~كان أو أنثى، عمدا كان أو خطأ. واحتج القائلون بأنه لا يحلف إلا الرجال ~~بأن في بعض روايات الحديث في القسامة يقسم خمسون رجلا منكم. قالوا ويفهم ~~منه أن غير الرجال لا يقسم. واحتج الشافعي ومن وافقه # " بقوله صلى الله عليه وسلم " تحلفون خمسين يمينا فتستحقون دم صاحبكم " # فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص. ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق ~~شيئا - فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية. وأجاب الشافعية عن حجة ~~الأولين بما قاله النووي في شرح مسلم. # فإنه قال في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم # " " يقسم خمسون منكم على رجل منهم " # ما نصه هذا مما يجب تأويله. لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا ~~على غيره من القبيلة. وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسون ~~يمينا والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يحلف كل ~~الورثة ذكورا كانوا أو إناثا، سواء كان القتل عمدا أو خطأ - هذا مذهب ~~الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. ووافقنا مالك فيما إذا كان ms1203 القتل ~~خطأ، وأما في العمد فقال يحلف الأقارب خمسين يمينا. ولا تحلف النساء ولا ~~الصبيان. ووافقه ربيعة والليث، والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر - ~~انتهى الغرض من كلام النووي رحمه الله. ومعلوم أن هذا التأويل الذي أولوا ~~به الحديث بعيد من ظاهر اللفظ. ولا سيما على الرواية التي تصرح بتمييز ~~الخمسين بالرجل عند أبي داود وغيره. الفرع الثاني -قد علمت أن المبدأ ~~بأيمان القسامة أولياء الدم على التحقيق كما تقدم إيضاحه. فإن حلفوا ~~استحقوا القود أو الدية على الخلاف المتقدم. وإن نكلوا ردت الأيمان على ~~المدعى عليهم. فإن حلفوها برؤوا عند الجمهور، وهوالظاهر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم # " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " # أي يبرؤون منكم بذلك. وهذا قول مالك والشافعي، والرواية المشهورة عن ~~أحمد، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وأبو الزناد والليث وأبو ~~ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم إن ~~حلفوا لزم أهل المحلة التي وجد بها القتيل أن يغرموا الدية. وذكر نحوه ~~أبو الخطاب. رواية عن أحمد. وقد قدمنا أن عمر ألزمهم الدية بعد أن حلفوا. ~~ومعلوم أن المبدأ بالأيمان عند أبي حنيفة المدعى عليهم، ولا حلف على ~~الأولياء عنده كما تقدم. الفرع الثالث - إن امتنع المدعون من الحلف ولم ~~يرضوا بأيمان المدعى عليهم - فالظاهر أن الإمام يعطي ديته من بيت المال. ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، والله تعالى يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب21. الفرع الرابع - إن ردت الأيمان على المدعى عليهم فقد قال بعض ~~أهل العلم لا يبرأ أحد منهم حتى يحلف بانفراده خمسين يمينا، ولا توزع ~~الأيمان عليهم بقدر عددهم. قال مالك في الموطأ وهذا أحسن ما سمعت في ذلك. ~~وهو مذهب الإمام أحمد. وقال بعض علماء الحنابلة تقسم الأيمان بينهم على ~~عددهم بالسوية. لأن المدعى عليهم متساوون. وللشافعي قولان كالمذهبين ~~اللذين ذكرنا. فإن امتنع المدعى عليهم من اليمين فقيل يحبسون حتى يحلفوا. ~~وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو ms1204 مذهب مالك أيضا. إلا أن ~~المالكية يقولون إن طال حبسهم ولم يحلفوا تركوا، وعلى كل واحد منهم جلد ~~مائة وحبس سنة. # ولا أعلم لهذا دليلا. وأظهر الأقوال عندي أنهم تلزمهم الدية بنكولهم عن ~~الأيمان، ورواه حرب بن إسماعيل عن أحمد، وهو اختيار أبي بكر. لأنه حكم ~~ثبت بالنكول فثبت في حقهم ها هنا كسائر الدعاوى. قال في المغني وهذا ~~القول هو الصحيح، والله تعالى أعلم. الفرع الخامس - اختلف العلماء في أقل ~~العدد الذي يصح أن يحلف أيمان القسامة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يصح ~~أن يحلف أيمان القسامة في العمد أقل من رجلين من العصبة. فلو كان للمقتول ~~ابن واحد مثلا استعان برجل آخر من عصبة المقتول ولو غير وارث يحلف معه ~~أيمانها. وأظهر الأقوال دليلا هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير ~~الوارثين في أيمان القسامة. # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة " يحلف خمسون ~~منكم.. " # الحديث. وهم ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه. وقد قال لهم " ~~يحلف خمسون منكم " وهو يعلم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل المقتول عشرون ~~رجلا وارثون. لأنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسبا. ~~وأجاب المخالفون بأن الخطاب للمجموع مرادا به بعضهم، وهو الوارثون منهم ~~دون غيرهم ولا يخفى بعده. فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يمينا. وإن ~~كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم بحسب استحقاقهم في الميراث. فإن نكل بعضهم ~~رد نصيبه على الباقين إن كان الناكل معينا لا وارثا. فإن كان وارثا ~~يصح عفوه عن الدم سقط القود بنكوله، وردت الأيمان على المدعى عليهم على ~~نحو ما قدمنا. هذا مذهب مالك رحمه الله. وأما القسامة في الخطأ عند مالك ~~رحمه الله - فيحلف أيمانها الوارثون على قدر أنصبائهم. فإن لم يوجد إلا ~~واحد ولو امرأة حلف الخمسين يمينا كلها واستحق نصيبه من الدية. وأما ~~الشافعي رحمه الله فقال لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خاصة خمسين يمينا ~~سواء قلوا أم كثروا. ms1205 فإن كان الورثة خمسين حلف كل واحد منهم يمينا وإن ~~كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين. فإن لم يكن إلا واحد ~~حلف خمسين يمينا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب ~~والولاء حلف واستحق. وقد قدمنا - أن الصحيح في مذهب الشافعي رحمه الله أن ~~القسامة إنما تستحق بها الدية لا القصاص. وأما الإمام أحمد فعنه في هذه ~~المسألة روايتان الأولى - أنه يحلف خمسون رجلا من العصبة خمسين يمينا، ~~كل رجل يحلف يمينا واحدة. فإن وجدت الخمسون من ورثة المقتول فذلك، وإلا ~~كملت الخمسون من العصبة الذين لا يرثون، الأقرب منهم فالأقرب حتى تتم ~~الخمسون. وهذا قول لمالك أيضا، وهذا هو ظاهر بعض روايات حديث سهل ~~الثابتة في الصحيح. # والرواية الأخرى عن الإمام أحمد - أنه لا يحلف أيمان القسامة إلا الورثة ~~خاصة، وتوزع عليهم على قدر ميراث كل واحد منهم. فإن لم يكن إلا واحد حلف ~~الخمسين واستحق. إلا أن النساء لا يحلفن أيمان القسامة عند أحمد. فالمراد ~~بالورثة عنده الذكور خاصة. وهذه الرواية هي ظاهر كلام الخرقي، واختيار ~~أبي حامد. وأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله - فقد قدمنا أن أيمان القسامة ~~عنده لا يحلفها إلا خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد بها القتيل. ~~فيقسمون أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلا. تنبيه قد علمت كلام العلماء ~~فيمن يحلف أيمان القسامة. فإذا وزعت على عدد أقل من الخمسين ووقع فيها ~~انكسار فإن تساووا جبر الكسر عليهم. كما لو خلف المقتول ثلاثة بنين. فإن ~~على كل واحد منهم ثلث الخمسين يمينا وهو ست عشرة وثلثان، فيتمم الكسر ~~على كل واحد منهم. فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا. فإن قيل يلزم على ~~ذلك خلاف الشرع في زيادة الأيمان على خمسين يمينا. لأنها تصير بذلك إحدى ~~وخمسين يمينا. فالجواب - أن نقص الأيمان عن خمسين لا يجوز، وتحميل بعض ~~الورثة زيادة على الآخرين لا يجوز. فعلم استواؤهم في جبر الكسر. فإذا ~~كانت اليمين المنكسرة لم يستو في ms1206 قدر كسرها الحالفون، كأن كان على أحدهم ~~نصفها، وعلى آخر ثلثها، وعلى آخر سدسها، حلفها من عليه نصفها تغليبا ~~للأكثر، ولا تجبر على صاحب الثلث والسدس. وهذا هو مذهب مالك وجماعة من ~~أهل العلم. وقال غيرهم تجبر على الجميع. والله تعالى أعلم. وقال بعض أهل ~~العلم يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينا، سواء تساووا في الميراث أو ~~اختلفوا فيه. واحتج من قال بهذا بأن الواحد منهم لو انفرد لحلف الخمسين ~~يمينا كلها. قال وما يحلفه منفردا يحلفه مع غيره كاليمين الواحدة في ~~سائر الدعاوى. قال مقيدة عفا الله عنه وهذا القول بعيد فيما يظهر. لأن ~~الأحاديث الواردة في القسامة تصرح بأن عدد أيمانها خمسون فقط، وهذا القول ~~قد تصير به مئات كما ترى. والعلم عند الله تعالى. الفرع السادس - لا يقتل ~~بالقسامة عند من يوجب القود بها إلا واحد. وهذا قول أكثر القائلين بالقود ~~بها، منهم مالك وأحمد والزهري، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم. وهذا القول هو ~~الصواب، وتدل عليه الرواية الصحيحة التي قدمناها عند مسلم وغيره # " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته.. " # الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم في معرض بيان حكم الواقعة " يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم " يدل على أنهم ليس لهم أن يقسموا على غير واحد. ~~وقيل يستحق بالقسامة قتل الجماعة.لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها ~~الواحد والجماعة كالبينه. # وممن قال بهذا أبو ثور قاله ابن قدامة في المغني. وهل تسمع الدعوى في ~~القسامة على غير معين أو لا؟ وهل تسمع على أكثر من واحد أو لا. فقال بعض ~~أهل العلم تسمع على غير معين. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله مستدلا بقصة ~~الأنصاري المقتول بخيبر. لأن أولياءه ادعوا على يهود خيبر. وذهبت جماعة ~~من أهل العلم إلى أن الدعوى فيها لا تسمع إلا على معين، قالوا ولا دليل ~~في قصة اليهود والأنصاري. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها # " يقسم خمسون منكم على رجل منهم " # فبين أن المدعى عليه لا بد أن ms1207 يعين. وقال بعض من اشترط كونها على معين ~~لا بد أن تكون على واحد، وهو قول أحمد ومالك. وقال بعض من يشترط كونها ~~على معين يجوز الحلف على جماعة معينين، وقد قدمنا اختلافهم هل يجوز قتل ~~الجماعة أو لا يقتل إلا واحد، وهو ظاهر الحديث، وهو الحق إن شاء الله. ~~وقال أشهب صاحب مالك لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل، ~~ويسجن الباقون عاما، ويضربون مائة. قال ابن حجر في الفتح. وهو قول لم ~~يسبق إليه. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع - اعلم أن أيمان القسامة ~~تحلف على البت، ودعوى القتل أيضا على البت. فإن قيل كيف يحلف الغائب على ~~أمر لم يحضره، وكيف يأذن الشارع في هذه اليمين التي هي من الأيمان على ~~غير معلوم؟ فالجواب - أن غلبة الظن تكفي في مثل هذا، فإن غلب على ظنه ~~غلبة قوية أنه قتله حلف على ذلك. وإن لم يغلب على ظنه غلبة قوية فلا يجوز ~~له الإقدام على الحلف. الفرع الثامن - إن مات مستحق الأيمان قبل أن ~~يحلفها انتقل إلى وارثه ما كان عليه من الأيمان، وكانت بينهم على حسب ~~مواريثهم، ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثة القتيل على نحو ما ~~تقدم. لأن من مات عن حق انتقل إلى وارثه. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام ~~القسامة خوف الإطالة المملة، ولأن أحكامها كثيرة متشعبة جدا، وقد بسط ~~العلماء عليها الكلام في كتب الفروع. غريبة تتعلق بهذه الآية الكريمة وهي ~~أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما استنبط من هذه الآية الكريمة التي ~~نحن بصددها أيام النزاع بين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه - ~~أن السلطنة والملك سيكونان لمعاوية، لأن من أولياء عثمان رضي الله عنه ~~وهو مقتول ظلما، والله تعالى يقول { ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا } الآية. وكان الأمر كما قال ابن عباس. ~~وهذا الاستنباط عنه ذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة، وساق ~~الحديث في ذلك بسنده عند الطبراني في ms1208 معجمه. وهو استنباط غريب عجيب. ~~ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة خوف الإطالة ~~المملة. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.36] # نهى جل علا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. ~~ويشمل ذلك قوله رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه ~~كل قول بلا علم - وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم. وقد أشار جل وعلا إلى ~~هذا المعنى في آيات أخر. كقوله # إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون # البقرة169 وقوله # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # الأعراف33، وقوله # يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إن بعض الظن إثم # الحجرات12 الآية، وقوله # قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون # يونس59، وقوله # وإن الظن لا يغني من الحق شيئا # النجم28 وقوله # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # النساء157، والآيات بمثل هذا في ذم اتباع غير العلم المنهي عنه في هذه ~~الآية الكريمة كثيرة جدا. وفي الحديث # " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ". # تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا لأنه ~~اتباع غير العلم. قال مقيدة عفا الله عنه لا شك أن التقليد الأعمى الذي ~~ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على ~~منعه، وكفر متبعه. كقوله # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # البقرة170، وقوله # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # المائدة104، وقوله # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير # لقمان21، ms1209 وقوله # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ~~بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مهتدون وكذلك مآ أرسلنا من قبلك ~~في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ~~آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل ~~أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم # الزخرف21-24، وقوله # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا # إبراهيم10 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. أما استدلال بعض الظاهرية كابن ~~حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات - على منع ~~الاجتهاد في الشرع مطلقا، وتضليل القائل به، ومنع التلقيد من أصله، فهو ~~من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في ~~الظاهرية، لأن مشروعية سؤال الجاهل للعامل وعمله بفتياه أمر معلوم من ~~الدين بالضرورة. # ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين. كما أنه من المعلوم ~~أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به - لا وجه لمنعه، ~~وكان جاريا بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره أحد من ~~المسلمين. وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى " في سورة الأنبياء، ~~والحشر " مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق ~~به بإلحاقه به قياسا كان الإلحاق أو غيره. ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه ~~المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات ~~من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك. وسنذكر ~~هنا طرفا قليلا من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص ~~فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم. اعلم ~~أولا - أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به ms1210 بنفي الفارق بينهما لا يكاد ~~ينكره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعي رحمه الله " ~~القياس في معنى الأصل " وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع ~~أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعدم الفرق بينهما. أعني الفرق المؤثر في ~~الحكم. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى # فلا تقل لهمآ أف # الإسراء23 فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على ~~النهي عن الضرب المسكوت عنه. وقوله تعالى # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # الزلزلة7-8 فإنه لا شك أيضا في أن التصريح بالمؤاخذة بمثال الذرة ~~والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإثابة بمثقال الجبل ~~المسكوت عنه. وقوله تعالى # وأشهدوا ذوى عدل # الطلاق2 الآية. لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن ~~كانت شهادة الأربعة مسكوتا عنها. ونهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية ~~بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء، مع أن ذلك مسكوت عنه. وقوله ~~تعالى # إن الذين يأكلون أموال اليتامى # النساء10 الآية. لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه. ~~لأن الجميع إتلاف له بغير حق. وقوله صلى الله عليه وسلم # " من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق " # يدل على أن من أعتق شركا له في أمة فحكمه كذلك. لما عرف من استقراء ~~الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تأثير لهما ~~في أحكام العتق وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث ~~وغيرهما. وقوله صلى الله عليه وسلم # " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " # لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع ~~من استيفاء النظر. كالجوع والعطش المفرطين، والسرور والحزن المفرطين، ~~والحقن والحقب المفرطين. ونهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في ms1211 الماء ~~الراكد، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلا وصب البول ~~من القارورة في الماء الراكد. إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه ~~مباشرة وصبه فيه من قارورة ونحوها، وأمثال هذا كثيرة جدا، ولا يمكن أن ~~يخالف فيها إلا مكابر. ولا شك أن في ذلك كله استدلالا بمنطوق به على ~~مسكوت عنه. وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول " بتحقيق ~~المناط " لا يمكن أن ينكره إلا مكابر، ومسائله التي لا يمكن الخلاف فيها ~~من غير مكابر لا يحيط بها الحصر، وسنذكر أمثلة منها. فمن ذلك قوله تعالى # يحكم به ذوا عدل منكم # المائدة95 فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في ~~تحقيق مناط هذا الحكم، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه. وهو دليل قاطع على ~~بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلا من أصله. والإنفاق على ~~الزوجات واجب، وتحديد القدر اللازم لا بد فيه من نوع من الاجتهاد في ~~تحقيق مناط ذلك الحكم. وقيم المتلفات واجبة على من أتلف، وتحديد القدر ~~الواجب لا بد فيه من اجتهاد. والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها، كالفقير ولا ~~يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن، لأن حقيقة ~~الباطن لا يعلمها إلا الله. ولا يحكم إلا بقول العدل، وعدالته إنما تعلم ~~بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة. ~~وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات، إلى غير ذلك مما ~~لا يحصى. ومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع - ما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال مسلم بن الحجاج ~~رحمه الله في صحيحه حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا عبد العزيز بن ~~محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن ~~بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه ms1212 وسلم قال # " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ ~~فله أجر ". # وحدثني إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن أبي عمر كلاهما عن عبد العزيز بن ~~محمد بهذا الإسناد مثله، وزاد في عقب الحديث قال يزيد فحدثت هذا الحديث ~~أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة، ~~وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا مروان يعني ابن محمد ~~الدمشقي، حدثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ~~الليثي بهذا الحديث، مثل رواية عبد العزيز بن محمد بالإسنادين جميعا - ~~انتهى. فهذا نص صحيح من النبي صلى الله عليه وسلم، صريح في جواز ~~الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وحصول الأجر على ذلك وإن كان المجتهد ~~مخطئا في اجتهاده. وهذا يقطع دعوى الظاهرية منع الاجتهاد من أصله، ~~وتضليل فاعله والقائل به قطعا باتا كما ترى. وقال النووي في شرح هذا ~~الحديث قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل ~~للحكم. فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر ~~باجتهاده. وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم أن يحكم فاجتهد. ~~قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم. فإن حكم فلا أجر له بل ~~هو آثم. ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا. لأن إصابته اتفاقية ليست ~~صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي ~~مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن " ~~القضاة ثلاثة قاض في الجنة، واثنان في النار. قاض عرف الحق فقضى به في ~~الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى على جهل فهو في ~~النار " انتهى الغرض من كلام النووي. فإن قيل الاجتهاد المذكور في الحديث ~~هو الاجتهاد في تحقيق المناط دون غيره من أنواع الاجتهاد. فالجواب - أن ~~هذا صرف لكلامه صلى الله عليه وسلم ms1213 عن ظاهره من غير دليل يجب الرجوع ~~إليه، وذلك ممنوع. وقال البخاري في صحيحه باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب ~~أو أخطأ. حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثني يزيد بن عبد الله بن ~~الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى ~~عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ ~~فله أجر " # قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبوسلمة ~~بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. # وقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثله اه. فهذا الحديث المتفق عليه يدل على ~~بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية. ومحاولة ابن حزم ~~تضعيف هذا الحديث المتفق عليه، الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح ~~لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما ترى. لأنه ~~حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأدلة الدالة ~~على ذلك ما روي # " عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه ~~إلى اليمن قال له " فبم تحكم؟ " قال بكتاب الله. قال " فإن لم تجد؟ " قال ~~بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال " فإن لم تجد؟ " قال أجتهد رأيي. ~~قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال الحمد لله الذي وفق ~~رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ". # قال ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر هذا الحديث قالوا ~~هذا الحديث ما نصه وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر ~~في موضوعه وقال ms1214 ابن قدامة في " روضة الناظر " بعد أن ساق هذا الحديث ~~يرويه الحارث بن عمرو عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. قاله ~~الترمذي. قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ رضي ~~الله عنه. انتهى. ومراد ابن قدامة ظاهر. لأن رد الظاهرية لهذا الحديث ~~بجهالة من رواه عن معاذ مردود بأنه رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن ~~غنم عنه. وهذه الرواية ليست هي مراد ابن كثير بقوله هذا الحديث في المسند ~~والسنن بإسناد جيد لأنها ليست في المسند ولا في السنن، ولعل مراده بجودة ~~هذا الإسناد أن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة وثقة ابن حبان، وأن أصحاب ~~معاذ يراهم عدولا ليس فيهم مجروح ولا متهم، وسيأتي استقصاء البحث في طرق ~~هذا الحديث في سورة الأنبياء. ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل كما ~~قدمنا. وعبد الرحمن بن غنم قيل صحابي، وذكره العجلي في كبار ثقات ~~التابعين، قاله في التقريب. وحديث معاذ هذا تلقته الأمة قديما وحديثا ~~بالقبول. وسيأتي إن شاء الله " في سورة الأنبياء " ، و " سورة الحشر " ما ~~استدل به أهل العلم على هذا من آيات القرآن العظيم. ومن الأدلة الدالة ~~على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما # " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال ~~" أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم. قال ~~" فصومي عن أمك " # وفي رواية لهما عنه قال # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله، إن أمي ~~ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال " لو كان على أمك دين، أكنت ~~قاضيه عنها؟ " قال نعم. قال " فدين الله أحق أن يقضى " # انتهى. واختلاف الرواية في هذا الحديث لا يعد اضطرابا، لأنها وقائع ~~متعددة سألته امرأة فأفتاها، وسأله رجل فأفتاه بمثل ما أفتى ms1215 به المرأة، ~~كما نبه عليه غير واحد. وهذا نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~صريح في مشروعية إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علة الحكم. لأنه صلى ~~الله عليه وسلم بين إلحاق دين الله تعالى بدين الآدمي، بجامع أن الكل حق ~~مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى مستحقه. وهو واضح في الدلالة على ~~القياس كما ترى. ومن الأدلة الدالة على ذلك أيضا ما رواه الشيخان في ~~صحيحيهما أيضا # " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ~~صلى الله عليه فقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود! فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " هل لك إبل؟ " قال نعم. قال " فما ألوانها؟ " قال حمر. قال " ~~فهل يكون فيها من أورق؟ قال إن فيها لورقا. قال " فأنى أتاها ذلك؟ " قال ~~عسى أن يكون نزعه عرق. قال " وهذا عسى أن يكون نزعه عرق " # اه. فهذا نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم صريح في قياس النظير ~~على نظيره. وقد ترتب على هذا القياس حكم شرعي، وهو كون سواد الولد مع ~~بياض أبيه وأمه، ليس موجبا للعان. فلم يجعل سواده قرينة على أنها زنت ~~بإنسان أسود، لإمكان أن يكون في أجداده من هو أسود فنزعه إلى السواد سواد ~~ذلك الجد. كما أن تلك الإبل الحمر فيها جمال ورق يمكن أن لها أجدادا ~~ورقا نزعت ألوانها إلى الورقة. وبهذا اقتنع السائل. ومن الأدلة الدالة ~~على إلحاق النظير بنظيره ما رواه أبو داود، والإمام أحمد، والنسائي، # " عن عمر رضي الله عنه قال هششت يوما فقبلت وأنا صائم. فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلت صنعت اليوم أمرا عظيما! قبلت وأنا صائم!؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ " فقلت ~~لا بأس بذلك. فقال صلى الله عليه وسلم " فمه " # اه. فإن قيل هذا الحديث قال فيه النسائي منكر. قلنا صححه ابن خزيمة، ~~وابن حبان، والحاكم. قاله الشوكاني في نيل الأوطار. قال مقيدة ms1216 عفا الله ~~عنه هذا الحديث ثابت وإسناده صحيح. قال أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن ~~يونس ثنا الليث ح وثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن ~~عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال قال عمر بن ~~الخطاب هششت فقبلت.. إلى آخر الحديث بلفظه المذكور آنفا. ولا يخفى أن ~~هذا الإسناد صحيح، فإن طبقته الأولى أحمد بن يونس وعيس بن حماد. أما أحمد ~~فهو ابن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي ثقة حافظ. وعيسى بن ~~حماد بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري الملقب زغبة، ثقة. وطبقته ~~الثانية الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت، ~~فقيه إمام مشهور. وطبقته الثالثة بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني ~~مخزوم أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني نزيل مصر ثقة. وطبقته الرابعة ~~عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري المدني ثقة. وطبقته الخامسة جابر بن ~~عبد الله عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا إسناد ~~صحيح رجاله ثقات كما ترى. فهو نص صحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ~~قاس القبلة على المضمضة. لأن المضمضة مقدمة الشرب، والقبلة مقدمة الجماع. ~~فالجامع بينهما أن كلا منهما مقدمة المفطر، وهي لا تفطر بالنظر لذاتها. ~~فهذه الأدلة التي ذكرنا فيه الدليل الواضح على أن إلحاق النظير بنظيره من ~~الشرع لا مخالف له. لأنه صلى الله عليه وسلم فعله، والله يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب21 وهو صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا لينبه الناس له. فإن قيل ~~إنما فعله صلى الله عليه وسلم لأن الله أوحى إليه ذلك. قلنا فعله حجة في ~~فعل مثل ذلك الذي فعل، ولو كان فعله بوحي كسائر أقواله وأفعاله ~~وتقريراته، فكلها تثبت بها الحجة، وإن كان هو صلى الله عليه وسلم فعل ما ~~فعل من ذلك بوحي من الله تعالى. مسألة قال ابن خويز ms1217 منداد من علماء ~~المالكية تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة. لأنه لما قال { ولا تقف ~~ما ليس لك به علم } دل على جواز ما لنا به علم. فكل ما علمه ~~الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به. وبهذا احتججنا على إثبات القرعة ~~والخرص. لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علما اتساعا. فالقائف يلحق ~~الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق ~~الشبه. # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال " ألم ترى أن مجززا المدلجي نظر ~~آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما ~~وبدت أقدامهما فقال إن بعض هذه الأقدام لمن بعض " وفي حديث يونس بن يزيد ~~وكان مجزز قائفا اه بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيدة عفا الله ~~عنه من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة. فذهب بعضهم ~~إلى عدم اعتبارها. واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت ~~زوجها وجاءت بولد شبيه جدا بمن رميت به ولم يعتبر هذا الشبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد المرأة. قالوا فلو ~~كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النبي صلى الله عليه وسلم به أن ذلك ~~الولد من ذلك الرجل الذي رميت به. فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، ~~والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~ذلك كما يأتي إيضاحه في سورة النور إن شاء الله تعالى. وهذا القول بعدم ~~اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم. وذهب ~~جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين ~~بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سر ~~بقول مجزز بن الأعور المدلجي إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير ~~وجهه من السرور. قالوا وما كان ms1218 صلى الله عليه وسلم ليسر بالباطل ولا ~~يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل، لأن ~~تقديره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأخرى من ذلك ما لو زاد السرور ~~بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى. واعلم أن الذين قالوا ~~باعتبار أقوال القافة اختلفوا فمنهم من قال لا يقبل ذلك إلا في أولاد ~~الإماء دون أولاد الحرائر. ومنهم من قال يقبل ذلك في الجميع. قال مقيدة ~~عفا الله عنه التحقيق باعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء لأن سرور ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية ~~الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافا للإمام ~~مالك رحمه الله قائلا إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب مراقي ~~السعود بقوله # واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب # تنبيهان الأول- لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه ~~فراشا لرجل آخر. # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد ~~بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذا الشبه في ~~النسب لكون أم الولد فراشا لزمعة. فقال صلى الله عليه وسلم " الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر " ولكنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الشبه من جهة ~~أخرى غير النسب. فقال لسودة بنت زمعة رضي الله عنها " احتجبي عنه " # مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط. وهذه المسألة أصل عند المالكية في ~~مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم. التنبيه الثاني قال بعض علماء العربية ~~أصل القفو البهت والقذف بالباطل. ومنه الحديث الذي روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا " # أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس. وساق طرق ~~هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله " لا نقفوا أمنا " أي لا نقذف أمنا ~~ونسبها، ومنه قول الكميت ms1219 # فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفوا الحواصن إن قفينا # وقول النابغة الجعدي # ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا # والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب الاتباع كما هو معلوم من ~~اللغة. ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال إن أصله القذف والبهت. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } فيه وجهان من ~~التفسير الأول - أن معنى الآية -أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال ~~جوارحه فيقال له لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك ~~النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه!؟ ويدل لهذا المعنى ~~آيات من كتاب الله تعالى، كقوله # ولتسألن عما كنتم تعملون # النحل93، وقوله # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # الحجر92-93، ونحو ذلك من الآيات. والوجه الثاني - أن الجوارح هي التي ~~تسأل عن أفعال صاحبها، فتشهد عليه جوارحه بما فعل. قال القرطبي في تفسيره ~~وهذا المعنى أبلغ في الحجة. فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي ~~كما قال # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # يس65، وقوله # شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون # فصلت20. قال مقيدة عفا الله عنه والقول الأول أظهر عندي، وهو قول ~~الجمهور. وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر. لأن قوله تعالى ~~{ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا } يفيد تعليل النهي في وقوله { ولا تقف ما ~~ليس لك به علم } بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في ~~الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه أن " إن " المكسورة من حروف التعليل. # وإيضاحه أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر ~~والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته. ~~ويدل لهذا المعنى قوله تعالى # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # النحل78، ms1220 ونحوها من الآيات. والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة بقوله { أولئك } راجعة إلى { السمع والبصر ~~والفؤاد } وهو دليل على الإشارة " بأولئك " لغير العقلاء وهو ~~الصيحيح. ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي # يا ما أمياح غزلانا شدن لنا من هؤلياء كن الضال والسمر # وقول جرير # ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام # خلافا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه " بعد أولئك ~~الأقوام " والعلم عند الله تعالى. ### || [17.37] # نهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في ~~المشية. وقوله { مرحا } مصدر منكر، وهو حال على حد قول ابن مالك في ~~الخلاصة # ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع # وقرىء " مرحا " بكسر الراء على أنه الوصف من مرح بالكسر يمرح بالفتح أي ~~لا تمش في الأرض في حال كونك متبخترا متمايلا مشي الجبارين. وقد أوضح ~~جل وعلا هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله عن لقمان مقررا له # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ~~إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في ~~مشيك # لقمان18-19 الآية، وقوله # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # الفرقان63 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأصل المرح في اللغة شدة الفرح ~~والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترا مشي المتكبرين، لأن ذلك من ~~لوازم شدة الفرح والنشاط عادة. وأظهر القولين عندي في قوله تعالى { ~~إنك لن تخرق الأرض } أن معناه لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها ~~وشدة وطئك عليها، ويدل لهذا المعنى قوله بعده { ولن تبلغ ~~الجبال طولا } أي أنت أيها المتكبر المختال ضعيف حقير عاجز محصور ~~بين جمادين! أنت عاجز عن التأثير فيهما. فالأرض التي تحتك لا تقدر أن ~~تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك ~~طولها. فاعرف قدرك! ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحا. القول الثاني - ~~أن معنى { لن تخرق الأرض } لن تقطعها بمشيك. قاله ابن جرير، ~~واستشهد له بقول رؤبة بن ms1221 العجاج # وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق # لأن مراده بالمخترق مكان الاختراق. أي المشي والمرور فيه. وأجود ~~الأعاريب في قوله { طولا } أنه تمييز محول عن الفاعل، أي لن يبلغ طولك ~~الجبال. خلافا لمن أعربه حالا ومن أعربه مفعولا من أجله. وقد أجاد من ~~قال # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في ~~عز وحرز ومنعة فكم مات من قوم هم منك أمنع # واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى { ولا تمش في الأرض مرحا ~~} على منع الرقص وتعاطيه. لأن فاعله ممن يمشي مرحا. ### || [17.40] # الهمزة في قوله { أفأصفاكم ربكم بالبنين } للإنكار ~~ومعنى الآية. أفخصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم ~~البنون، لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات! وهذا ~~خلاف المعقول والعادة. فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء ~~وأصفاها من الشوب، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها. فلو كان جل وعلا ~~متخذا ولدا " سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا " لاتخذ أجود النصيبين ~~ولم يتخذ أردأهما! ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما. وهذا الإنكار متوجه على ~~الكفار في قولهم الملائكة بنات الله. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا. فقد جعلوا له الأولاد! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو ~~الإناث! وهم لا يرضونها لأنفسهم. وقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة. ~~كقوله # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # النجم21-22، وقوله # أم له البنات ولكم البنون # الطور39، وقوله # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # الزمر4 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد بينا ذلك بإيضاح في " ~~سورةالنحل ". وقوله في هذه الآية الكريمة { إنكم لتقولون ~~قولا عظيما } بين فيه أن ادعاء الأولاد لله سبحانه وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا - أمر عظيم جدا. وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ms1222 إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا # مريم88-95 فالمشركون قبحهم الله جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم. فاقترفوا الجريمة العظمى في ~~المقامات الثلاث، والهمزة والفاء في نحو قوله { أفأصفاكم } قد ~~بينا حكمها بإيضاح في " سورة النحل " أيضا. ### || [17.44] # قرأ جمهور القراء " كما تقولون " بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وحفص عن ~~عاصم " كما يقولون " بياء الغيبة. وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من ~~التفسير، كلاهما حق ويشهد له قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن ~~فنذكر الجميع لأنه كله حق. الأول من الوجهين المذكورين - أن معنى الآية ~~الكريمة لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا - أي الآلهة ~~المزعومة - أي لطلبوا إلى ذي العرش - أي إلى الله سبيلا - أي إلى ~~مغالبته وإزالة ملكه، لأنهم إذا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع ~~بعض. سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا! وهذا القول في معنى الآية ~~هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة. ومن الآيات الشاهدة ~~لهذا المعنى قوله تعالى # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب ~~والشهادة فتعالى عما يشركون # المؤمنون91-92، وقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # الأنبياء22 وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي ~~علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور، وغيره من المتكلمين. الوجه الثاني في ~~معنى الآية الكريمة أن المعنى { لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا } أي طريقا ووسيلة تقربهم إليه لاعترافهم بفضله. ويدل لهذا ~~المعنى قوله تعالى # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه # الإسراء57 الآية. ويروى هذا القول عن قتادة. واقتصر عليه ابن كثير ms1223 في ~~تفسيره. ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية ~~هو القول الأول، لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود ~~آلهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت ~~موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.45] # في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير الأول - أن المعنى وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا. أي حائلا ~~وساترا يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه لئلا يفقهوه فينتفعوا به. وعلى ~~هذا القول - فالحجاب المستور هو ما حجب الله به قلوبهم عن الانتفاع ~~بكتابه. والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة. كقوله # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا ~~عاملون # فصلت5، وقوله # ختم الله على قلوبهم # البقرة7 الآية، وقوله # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # الكهف57 الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وممن قال بهذا القول في معنى ~~الآية قتادة والزجاج وغيرهما. الوجه الثاني في الآية - أن المراد بالحجاب ~~المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه. قال صاحب الدر المنثور ~~في الكلام على هذه الآية. أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه. وابن ~~مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل # " عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت لما نزلت { تبت يدآ ~~أبي لهب } المسد1 أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر ~~وهي تقول *مذمما أبينا*... *ودينه قلينا*... *وأمره عصينا* ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر رضي الله عنه إلى جنبه، فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك؟ فقال " إنها لن تراني " # وقرأ قرآنا اعتصم به. كما قال تعالى { وإذا قرأت القرآن ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا }. فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي الله عنه فلم تر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك ms1224 هجاني!؟ ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه لا ورب هذا البيت ما هجاك. فانصرفت وهي تقول ~~قد علمت قريش أني بنت سيدها. إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى. وقال ~~أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية، بعد أن ساق بعض ~~الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه ولقد اتفق لي ببلادنا ~~الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو ~~وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من ~~الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من ~~القرآن، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر هذا ديبله ~~يعنون شيطانا وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني اه وقال القرطبي إن ~~هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر. # والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة { حجابا ~~مستورا } قال بعض العلماء هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم ~~الفاعل. أي حجابا ساترا، وقد يقع عكسه كقوله تعالى # من مآء دافق # الطارق6 أي مدفوق # عيشة راضية # الحاقة21 أي مرضية. فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر ~~أسلوب من أساليب اللغة العربية. والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق " ~~مجازا عقليا " ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية ~~- قولهم ميمون ومشؤوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم قوله { ~~مستورا } على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول، لأن ذلك الحجاب مستور ~~عن أعين الناس فلا يرونه. أو مستورا به القارىء فلا يراه غيره. واختار ~~هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.46] # وقوله تعالى { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا }. بين جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أنه جعل على قلوب الكفار أكنة، جمع كنان وهو ما يستر الشيء ~~ويغطيه ويكنه، لئلا يفقهوا القرآن. أو كراهة أن يفقهوه لحيلولة تلك ~~الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن. أي فهم معانيه ms1225 فهما ينتفع به صاحبه. ~~وأنه جعل في آذانهم وقرا أي صمما وثقلا لئلا يسمعوه سماع قبول ~~وانتفاع. وبين في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، ~~وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب ~~والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف5 الآية، وقوله # بل طبع الله عليها بكفرهم # النساء155، وقوله # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # الأنعام110، وقوله # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # البقرة10 الآية، وقوله # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # التوبة125، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في هذه الآية الكريمة - الرد ~~الواضح على القدرية في قولهم إن الشر لا يقع بمشيئة الله، بل بمشيئة ~~العبد. سبحان الله وتعالى علوا كبيرا عن أن يقع في ملكه شيء ليس ~~بمشيئته؟ # ولو شآء الله مآ أشركوا # الأنعام107، # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # السجدة13 الآية، # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # الأنعام35 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { وإذا ذكرت ~~ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا }. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إذا ذكر ربه وحده في القرآن بأن قال " لا إله إلا الله " ولى ~~الكافرون على أدبارهم نفورا، بغضا منهم لكلمة التوحيد، ومحبة للإشراك ~~به جل وعلا. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، مبينا أن نفورهم من ذكره ~~وحده جل وعلا سبب خلودهم في النار، كقوله # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # الزمر45، وقوله # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # غافر12، وقوله # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر ~~مجنون # الصافات35-36، وقوله # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # الشورى13 الاية، وقوله # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ms1226 تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # الحج72، وقوله # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # فصلت26. وقوله في هذه الآية { نفورا } جمع نافر. فهو حال. أي ولوا ~~على أدبارهم في حال كونهم نافرين من ذكر الله وحده من دون إشراك. والفاعل ~~يجمع على فعول كساجد وسجود، وراكع وركوع. وقال بعض العلماء " نفورا " ~~مصدر، وعليه فهو ما ناب عن المطلق من قوله { ولوا } لأن التولية عن ~~ذكره وحده بمعنى النفور منه. ### || [17.56-57] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المعبودين من دون الله الذين زعم ~~الكفار أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف ~~الضر عن عابديهم. أي إزالة المكروه عنهم، ولا تحويلا أي تحويله من إنسان ~~إلى آخر، أو تحويل المرض إلى الصحة، والفقر إلى الغنى، والقحط إلى الجدب ~~ونحو ذلك. ثم بين فيها أيضا أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون ~~الله يتقربون إلى الله بطاعته، ويبتغون الوسيلة إليه، أي الطريق إلى رضاه ~~ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم. قال ~~ابن مسعود نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم، كانوا ~~يعبدون رجالا من الجن، فأسلم الجنيون وبقي الكفار يعبدونهم فأنزل الله { ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } الآية وعن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا ~~يعبدون عزيرا والمسيح وأمه. وعنه أيضا، وعن ابن مسعود، وابن زيد، ~~والحسن أنها نزلت في عبدة الملائكة. وعن ابن عباس أنها نزلت في عبدة ~~الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه. وهذا المعنى الذي بينه جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده، ~~وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا - بينه أيضا في ~~مواضع أخر، كقوله " في سبأ " # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ms1227 لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # سبأ22-23، وقوله " في الزمر " # أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون # الزمر38، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا " في سورة المائدة " أن ~~المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة " وفي آية المائدة " هو التقرب إلى ~~الله بالعمل الصالح. ومنه قول لبيد # أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كل ذي لب إلى الله واسل # وقد قدمنا " في المائدة " أن التحقيق أن قول عنترة # إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي # من هذا المعنى، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل، كقوله # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل # وأصح الأعاريب في قوله { أيهم أقرب } أنه بدل من واو الفاعل في ~~قوله { يبتغون } وقد أوضحنا هذا " في سورة المائدة " بما أغنى عن ~~إعادته هنا، والعلم عند الله تعالى. ### || [17.58] # قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة حذف الصفة، أي وإن من قرية ~~ظالمة، إلا نحن مهلكوها. وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله ~~تعالى. كقوله # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # القصص59 وقوله # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # الأنعام131. أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم. وقوله # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # هود117، وقوله # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ~~فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا # الطلاق8-9 إلى غير ذلك من الآيات. وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع ~~وجود أدلة تدل عليه. ونظيره في القرآن قوله تعالى # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # الكهف79 أي كل سفينة صالحة. بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها ~~هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ ms1228 الملك لها، لأنه لا يأخذ المعيبة التي ~~فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة. ومن حذف النعت قوله تعالى # قالوا الآن جئت بالحق # البقرة71 أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة. ~~ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر # ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد # أي فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص # من قوله وقول من فعله فعل ومن نائله نائل # أي قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في ~~الخلاصة بقوله # وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل # وقال بعض أهل العلم الآية عامة. فالقرية الصالحة إهلاكها بالموت، ~~والقرية الطالحة إهلاكها بالعذاب. ولا شك أن كل نفس ذائقة الموت. والمراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ، والمسطور المكتوب. ومنه قوله جرير # من شاء بايعته مالي وخلعته ما تكمل التيم في ديوانها سطرا # وما يرويه مقاتل عن كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية من أن مكة ~~تخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، ~~والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فهلاكها ضروب. ثم ذكر بلدا ~~بلدا - لا يكاد يعول عليه. لأنه لا أساس له من الصحة، وكذلك ما يروى عن ~~وهب بن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة ~~حتى تخرب مصر، ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى ~~تخرب الكوفة. فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينة على يد رجل من بني ~~هاشم. وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب ~~مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع، وخراب ~~الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشراب من الفرات، وخراب البصرة من ~~قبيل الغرق، وخراب الأبلة من عدو يحصرهم برا وبحرا، وخراب الري من ~~الديلم، وخراب خراسان من قبل التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب ~~الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من الحبشة، وخراب ~~المدينة من الجوع اه كل ذلك ms1229 لا يعول عليه. لأنه من قبيل الإسرائيليات. ### || [17.59] # قوله تعالى { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها } الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه آتى ثمود الناقة في ~~حال كونها آية مبصرة، أي بينة تجعلهم يبصرون الحق واضحا لا لبس فيه ~~فظلموا بها. ولم يبين ظلمهم بها ها هنا، ولكنه أوضحه في مواضع أخر. كقوله # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم # الأعراف77 الآية، وقوله # فكذبوه فعقروها # الشمس14 الآية، وقوله # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # القمر29، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [17.60] # قوله تعالى { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ~~الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخبر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أنه أحاط بالناس. أي فهم في قبضته يفعل فيهم كيف يشاء فيسلط نبيه ~~عليهم ويحفظه منهم. قال بعض أهل العلم ومن الآيات التي فصلت بعض التفصيل ~~في هذه الإحاطة، قوله تعالى # سيهزم الجمع ويولون الدبر # القمر45، وقوله # قل للذين كفروا ستغلبون # آل عمران12 الآية، وقوله # والله يعصمك من الناس # المائدة67. وفي هذا أن هذه الآية مكية، وبعض الآيات المذكورة مدني. أما ~~آية القمر وهي قوله # سيهزم الجمع # القمر45 الآية فلا إشكال في البيان بها لأنها مكية. قوله تعالى { وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ~~والشجرة الملعونة في القرآن }. التحقيق في معنى هذه ~~الآية الكريمة أن الله جل وعلا جعل ما أراه نبيه صلى الله عليه وسلم من ~~الغرائب والعجائب ليلة الإسراء والمعراج فتنة للناس، لأن عقول بعضهم ضاقت ~~عن قبول ذلك، معتقدة أنه لا يمكن أن يكون حقا، قالوا كيف يصلي ببيت ~~المقدس، ويخترق السبع الطباق، ويرى ما رأى في ليلة واحدة، ويصبح في محله ~~بمكة؟ هذا محال! فكان هذا الأمر فتنة لهم لعدم تصديقهم به، واعتقادهم أنه ~~لا يمكن، وأنه جل وعلا جعل الشجرة الملعونه في القرآن التي هي شجرة ~~الزقوم فتنة للناس، لأنهم لما سمعوه صلى الله عليه وسلم يقرأ # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم # الصافات64 قالوا ظهر كذبه. لأن ms1230 الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة، فكيف ~~ينبت في أصل النار؟ فصار ذلك فتنة. وبين أن هذا هو المراد من كون الشجرة ~~المذكورة فتنة لهم بقوله # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم # الصافات62-64 الآية، وهو واضح كما ترى. وأشار في موضع آخر إلى الرؤيا ~~التي جعلها فتنة لهم، وهو قوله # أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى ~~عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى # النجم12-18. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة. وبهذا ~~التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال إن الرؤيا التي أراه الله إياها ~~هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره، وإن المراد بالشجرة الملعونة في ~~القرآن بنو أمية لا يعول عليه. إذ لا أساس له من الصحة. والحديث الوارد ~~بذلك ضعيف لا تقوم به حجة. وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، ~~وأصل النار بعيد من رحمة الله. واللعن الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث ~~صفاتها التي وصفت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [17.61] # قوله تعالى في هذه الآية عن إبليس { أأسجد لمن خلقت طينا ~~} يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه واستكباره عن ~~السجود لمخلوق من طين، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر. فصرح ~~بهما معا " في البقرة " في قوله # إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # البقرة34 وصرح بإبائه " في الحجر " بقوله # إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين # الحجر31، وباستكباره " في ص " بقوله # إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين # ص74 وبين سبب استكباره بقوله # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # ص76 كما تقدم إيضاحه " في البقرة " وقوله { طينا } حال. أي لمن خلقته ~~في حال كونه طينا. وتجويز الزمخشري كونه حالا من نفس الموصول غير ظاهر ~~عندي. وقيل منصوب بنزع الخافض. ms1231 أي من طين. وقيل تمييز، وهو أضعفها. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [17.62] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبليس اللعين قال له { ~~أرأيتك } أي أخبرني هذا الذي كرمته علي فأمرتني بالسجود له وهو ~~آدم. أي لم كرمته علي وأنا خير منه! والكاف في { أرأيتك } حرف ~~خطاب، وهذا مفعول به لأرأيت. والمعنى أخبرني. وقيل إن الكاف مفعول به، و ~~" هذا " مبتدأ، وهو قول ضعيف. وقوله { لأحتنكن ذريته } قال ~~ابن عباس لأستولين عليهم، وقاله الفراء. وقال مجاهد لأحتوينهم. وقال ابن ~~زيد لأضلنهم. قال القرطبي والمعنى متقارب. أي لأستأصلنهم بالإغواء ~~والإضلال، ولأجتاحنهم. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يظهر لي في معنى ~~الآية - أن المراد بقوله { لأحتنكن ذريته } أي لأقودنهم ~~إلى ما أشاء. من قول العرب احتنكت الفرس إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده ~~حيث شئت. تقول العرب حنكت الفرس أحنكه من باب ضرب ونصر واحتنكته إذا جعلت ~~فيه الرسن. لأن الرسن يكون على حنكه. وقول العرب احتنك الجراد الأرض أي ~~أكل ما عليها من هذا القبيل. لأنه يأكل بأفواهه، والحنك حول الفم. هذا هو ~~أصل الاستعمال في الظاهر. فالاشتقاق في المادة من الحنك، وإن كان يستعمل ~~في الإهلاك مطلقا والاستئصال. كقول الراجز # أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا ~~واجتلفت # وهذا الذي ذكر جل وعلا عن إبليس في هذه الآية من قوله { لأحتنكن ~~ذريته } الآية، بينه أيضا في مواضع أخر من كتابه. كقوله # لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # الأعراف16-17، وقوله # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # ص82، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه " في سورة النساء " وغيرها. ~~وقوله في هذه الآية { إلا قليلا } بين المراد بهذا القليل في مواضع ~~أخر. كقوله # ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين # الحجر39-40، وقوله # لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين # الحجر39-40 كما تقدم إيضاحه. وقول إبليس في هذه الآية. { لأحتنكن ~~ذريته } الآية. ms1232 قاله ظنا منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن. كما ~~قال تعالى # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # سبأ20. ### || [17.63] # قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة { قال اذهب } هذا أمر ~~إهانة. اي اجهد جهدك، فقد أنظرناك { فمن تبعك } أي أطاعك من ذرية ~~آدم { فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } أي وافرا. ~~عن مجاهد وغيره. وقال الزمخشري وأبو حيان { اذهب } ليس من الذهاب الذي ~~هو نقيض المجيء، وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته. وعقبه بذكر ما جره ~~سوء اختياره في قوله { فمن تبعك منهم فإن جهنم ~~جزآؤكم جزاء موفورا }. وهذا الوعيد الذي أوعد به إبليس ومن ~~تبعه في هذه الآية الكريمة بينه أيضا في مواضع أخر. كقوله # قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين # ص84-85، وقوله # فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس ~~أجمعون # الشعراء94-95 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقوله تعالى في ~~هذه الآية الكريمة { جزاء } مفعول مطلق منصوب بالمصدر قبله. على حد ~~قول ابن مالك في الخلاصة # بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلا لهذين انتخب # والذي يظهر لي أن قول من قال إن " موفورا " بمعني وافر لا داعي له. بل ~~" موفورا " اسم مفعول على بابه. من قولهم وفر الشيء يفره، فالفاعل وافر، ~~والمفعول موفور. ومنه قول زهير # ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # وعليه فالمعنى جزاء مكملا متمما. وتستعمل هذه المادة لازمة أيضا تقول ~~وفر ماله فهو وافر. أي كثير. وقوله " موفورا " نعت للمصدر قبله كما هو ~~واضح، والعلم عند الله تعالى. ### || [17.64] # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة هذا أمر قدري. كقوله ~~تعالى # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # مريم83 أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا، وتسوقهم إليها سوقا انتهى. قال ~~مقيدة عفا الله عنه الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله { واستفزز } ~~، وقوله { وأجلب } ، وقوله { وشاركهم } إنما هي للتهديد، أي ~~افعل ms1233 ذلك فسترى عاقبته الوخيمة. كقوله # إاعملوا ما شئتم # فصلت40 وبهذا جزم أبو حيان " في البحر " ، وهو واضح كما ترى. وقوله { ~~واستفزز } أي استخف من استطعت أن تستفزه منهم. فالمفعول محذوف ~~لدلالة المقام عليه. والاستفزاز الاستخفاف. ورجل فز أي خفيف. ومنه قيل ~~لولد البقرة فز. لخفة حركته. ومنه قول زهير # كما استغاث بسيىء فز غيطلة خاف العيون ولم ينظر به الحشك # " والسيىء " في بيت زهير بالسين المهملة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وآخره ~~همز اللبن الذي يكون في أطراف الأخلاف قبل نزول الدرة. والحشك أصله ~~السكون. لأنه مصدر حشكت الدرة إذا امتلأت، وإنما حركه زهير للوزن. ~~والغيطلة هنا بقرة الوحش ذات اللبن. وقوله { بصوتك } قال مجاهد هو ~~اللهو والغناء والمزامير. أي استخف من استطعت أن تستخفه منهم باللهو ~~والغناء والمزامير. وقال ابن عباس صوته يشمل كل داع دعا إلى معصية. لأن ~~ذلك إنما وقع طاعة له. وقيل { بصوتك } أي وسوستك. وقوله { ~~وأجلب } أصل الإجلاب السوق بجلبة من السائق. والجلبة الأصوات. تقول ~~العرب أجلب على فرسه، وجلب عليه إذا صاح به من خلف واستحثه للسبق. والخيل ~~تطلق على نفس الأفراس، وعلى الفوارس الراكبين عليها، وهو المراد في ~~الآية. والرجل جمع راجل، كما قدمنا أن التحقيق جمع الفاعل وصفا على فعل ~~بفتح فسكون وأوضحنا أمثلته بكثرة، واخترنا أنه جمع موجود أغفله الصرفيون ~~إذ ليست فعل بفتح فسكون عندهم من صيغ الجموع. فيقولون فيما ورد من ذلك ~~كراجل ورجل، وصاحب وصحب، وراكب وركب، وشارب وشرب - إنه اسم جمع لا جمع. ~~وهو خلاف التحقيق. وقرأ حفص عن عاصم " ورجلك " بكسر الجيم لغة في الرجل ~~جمع راجل. وقال الزمخشري هذه القراءة على أن فعلا بمعنى فاعل، نحو تعب ~~وتاعب ومعناه وجمعك الرجل اه أي الماشيين على أرجلهم. { وشاركهم ~~في الأموال والأولاد }. أما مشاركته لهم في الأموال - فعلى ~~أصناف منها - ما حرموا على أنفسهم من أموالهم طاعة له. كالبحائر والسوائب ~~ونحو ذلك، وما يأمرهم به من إنفاق الأموال في معصية الله تعالى، وما ~~يأمرهم به من اكتساب الأموال ms1234 بالطرق المحرمة شرعا كالربا والغصب وأنواع ~~الخيانات. لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له. أما مشاركته لهم في الأولاد ~~فعلى أصناف أيضا منها - قتلهم بعض أولادهم طاعة له. # ومنها - أنهم يمجسون أولادهم ويهودونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة. ~~ومنها - تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى ونحو ذلك، لأنهم ~~بذلك سموا أولادهم عبيدا لغير الله طاعة له. ومن ذلك أولاد الزنى. لأنهم ~~إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك. فإذا عرفت ~~هذا - فاعلم أن الله قد بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنته هذه الآية من ~~مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد، كقوله # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير ~~علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله ~~قد ضلوا وما كانوا مهتدين # الأنعام140 فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة ~~منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته. وكذلك تحريم بعض ما رزقهم الله ~~المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضا. وكقوله # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا # الأنعام136 الآية، وكقوله # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا ~~من نشآء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام ~~لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون # الأنعام138، وقوله # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # يونس59، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث المبينة بعض مشاركته لهم ~~فيما ذكر - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ~~دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " # ، وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال ms1235 بسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم ~~يضره شيطان " # انتهى. فاجتيال الشياطين لهم عن دينهم، وتحريمها عليهم ما أحل الله لهم ~~في الحديث الأول، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني - كل ذلك ~~من أنواع مشاركتهم فيهم. وقوله " فاجتالتهم " أصله افتعل من الجولان أي ~~استخفتهم الشياطين فجالوا معهم في الضلال. يقال جال واجتال إذا ذهب وجاء، ~~ومنه الجولان في الحرب واجتال الشيء إذا ذهب به وساقه. والعلم عند الله ~~تعالى. والأمر في قوله { وعدهم } كالأمر في قوله { واستفزز } ~~، وقوله { وأجلب }. وقد قدمنا أنه للتهديد. وقوله { وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور ~~وباطل. كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله ~~لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى ~~غير ذلك من المواعيد الكاذبة. وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر. ~~كقوله # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # النساء120، وقوله # ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جآء أمر الله وغركم ~~بالله الغرور # الحديد14، وقوله # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # إبراهيم22، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [17.67-69] # بين جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن الكفار إذا مسهم الضر في البحر. ~~أي اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال، وظنوا أنهم لا ~~خلاص لهم من ذلك - ضل عنهم. اي غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ~~ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا. فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله ~~جل وعلا وحده. لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو ~~وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط ~~بهم فيه هول البحر، فإذا نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا البر رجعوا إلى ما ~~كانوا عليه من الكفر. كما قال تعالى { فلما نجاكم ms1236 إلى ~~البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا }. وهذا المعنى ~~المذكور في هذه الآية الكريمة أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة. كقوله # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق # يونس22-23، وقوله # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون # الأنعام63-64، وقوله # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت65، وقوله # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم ~~مقتصد وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور # لقمان32، وقوله # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله # الزمر8، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه " في سورة الأنعام " ~~وغيرها. ثم إن الله جل وعلا بين في هذا الموضع الذي نحن بصدده سخافة عقول ~~الكفار، وأنهم إذا وصلوا إلى البر ونجوا من هول البحر رجعوا إلى كفرهم ~~آمنين عذاب الله. مع أنه قادر على إهلاكهم بعد وصولهم إلى البر، بأن يخسف ~~بهم جانب البر الذي يلي البحر فتبتلعهم الأرض، أو يرسل عليهم حجارة من ~~السماء فتهلكهم، أو يعيدهم مرة أخرى في البحر فتغرقهم أمواجه المتلاطمة. ~~كما قال هنا منكرا عليهم أمنهم وكفرهم بعد وصول البر { أفأمنتم ~~أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ~~} وهو المطر أو الريح اللذين فيهما الحجارة { أم أمنتم أن ~~يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح فيغرقكم بما كفرتم } الإسراء69 أي بسبب ~~كفركم. # فالباء سببية، وما مصدرية. والقاصف ريح ms1237 البحار الشديدة التي تكسر ~~المراكب وغيرها. ومنه قول أبي تمام # إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم # يعني إذا ما هبت بشدة كسرت عيدان شجر نجد رتما كان أو غيره. وهذا ~~المعنى الذي بينه جل وعلا هنا من قدرته على إهلاكهم في غير البحر بخسف أو ~~عذاب من السماء - أوضحه في مواضع أخر. كقوله # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # سبأ9 الآية، وقوله # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم # الأنعام65 الآية، وقوله # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير # الملك16-17، وقوله " في قوم لوط " # إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط ~~نجيناهم بسحر # القمر 34، وقوله # لنرسل عليهم حجارة من طين # الذاريات33 إلى غير ذلك من الآيات. والحاصب في هذه الآية قد قدمنا أنه ~~قيل إنها السحابة أو الريح، وكلا القولين صحيح. لأن كل ريح شديدة ترمي ~~بالحصباء تسمى حاصبا وحصبة. وكل سحابة ترمي بالبرد تسمى حاصبا أيضا. ~~ومنه قول الفرزدق # مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور # وقول لبيد # جرت عليها أن خوت من أهلها أذيالها كل عصوف حصبه # وقوله في هذه الآية { ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } فعيل بمعنى فاعل. أي تابعا يتبعنا بالمطالبة بثأركم. كقوله # فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف ~~عقباها # الشمس14-15 أي لا يخاف عاقبة تبعة تلحقه بذلك. وكل مطالب بدين أو ثأر ~~غير ذلك تسميه العرب تبيعا. ومنه قول الشماخ يصف عقابا # تلوذ ثعالب الشرفين منها كما لاذ الغريم من التبيع # أي كعياذ المدين من صاحب الدين الذي يطالبه بغرمه منه. ومنه قول الآخر # غدوا وغدت غزلانهم وكأنها ضوامن غرم لدهن تبيع # أي خصمهن مطالب بدين، ومن هذا القبيل قوله تعالى # فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان # البقرة178 الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم # " إذا أتبع أحدكم على ملىء ms1238 فليتبع " # وهذا هو معنى قول ابن عباس وغيره " تبيعا " أي نصيرا، وقول مجاهد نصيرا ~~ثائرا. تنبيه لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم ~~الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له ~~وحده، ولا يصرفون شيئا من حقه لمخلوق. وفي وقت الأمن والعافية يشركون به ~~غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع ~~العبادة، ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالا من ~~عبدة الأوثان. فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب ~~التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح. # في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله. مع أن الله جل وعلا أوضح في ~~غير موضع أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه ~~فيها غيره. ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى " في سورة النمل " # ءآلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات ~~والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ~~أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل ~~الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله ~~بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء # النمل59-62 الآيات. فتراه جل وعلا في هذه الآيات الكريمات جعل إجابة ~~المضطر إذا دعا وكشف السوء عنه من حقه الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد. ~~كخلقه السموات والأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته به الشجر، وجعله ~~الأرض قرارا، وجعله خلالها أنهارا، وجعله لها رواسي، وجعله بين البحرين ~~حاجزا، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه وعجائبه التي لا ~~يشاركه فيها أحد. سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وهذا الذي ذكره ~~الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمات كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل. ~~فإنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فارا منه إلى بلاد ~~الحبشة، فركب في البحر متوجها إلى ms1239 الحبشة. فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم ~~بعضهم لبعض إنه لا يفنى عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه ~~والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره! اللهم لك ~~علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما. فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه اه. والظاهر أن الضمير ~~في قوله { به تبيعا } راجع إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله { ~~فيغرقكم بما كفرتم } أي لا تجدون تبيعا يتبعنا بثأركم بسبب ~~ذلك الإغراق. وقال صاحب روح المعاني. وضمير " به " قيل للإرسال، وقيل ~~للإغراق، وقيل لهما باعتبار ما وقع. والعلم عند الله تعالى ### || [17.70] # قوله تعالى { ولقد كرمنا بني آدم }. قال بعض أهل العلم من ~~تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها. فإن الإنسان يمشي ~~قائما منتصبا على رجليه، ويأكل بيديه. وغيره من الحيوانات يمشي على ~~أربع، ويأكل بفمه. ومما يدل لهذا من القرآن قوله تعالى # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # التين4، وقوله # وصوركم فأحسن صوركم # غافر64 وفي الآية كلام غير هذا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { ~~وحملناهم في البر والبحر } الآية. أي في البر على ~~الأنعام، وفي البحر على السفن. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدا. كقوله # وعليها وعلى الفلك تحملون # المؤمنون22، وقوله # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون # الزخرف12 وقد قدمنا هذا مستوفى بإيضاح " في سورة النحل ". ### || [17.71] # قوله تعالى { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم }. قال بعض ~~العلماء المراد " بإمامهم " هنا كتاب أعمالهم. ويدل لهذا قوله تعالى # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # يس12، وقوله # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون # الجاثية28. وقوله # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # الكهف49 الآية، وقوله # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # الإسراء13 ms1240 واختار هذا القول ابن كثير. لدلالة آية " يس " المذكورة عليه. ~~وهذا القول رواية عن ابن عباس ذكرها ابن جرير وغيره، وعزاه ابن كثير لابن ~~عباس وأبي العالية والضحاك والحسن. وعن قتادة ومجاهد أن المراد " ~~بإمامهم " نبيهم. ويدل لهذا القول قوله تعالى # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون # يونس47، # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # وقوله # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء # النحل89 الآية، وقوله # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء # الزمر69 الآية. قال بعض السلف وفي هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث. لأن ~~إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض أهل العلم { بإمامهم } ~~أي بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع. وممن قال به ابن زيد، ~~واختاره ابن جرير. وقال بعض أهل العلم { يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم } أي ندعو كل قوم بمن يأتمون به. فأهل الإيمان أئمتهم ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وأهل الكفر أئمتهم سادتهم وكبراؤهم من ~~رؤساء الكفرة. كما قال تعالى # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # القصص41 الآية. وهذا الأخير أظهر الأقوال عندي. والعلم عند الله تعالى. ~~فقد رأيت أقوال العلماء في هذه الآية، وما يشهد لها من قرآن. وقوله بعد ~~هذا { فمن أوتي كتابه بيمينه } من القرائن الدالة على ~~ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن الإمام في هذه الآية كتاب الأعمال. وذكر ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يقرؤونه ~~ولا يظلمون فتيلا. وقد أوضح هذا في مواضع أخر، كقوله # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه # الحاقة19 - إلى قوله - # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه # الحاقة25 وقد قدمنا هذا مستوفى في أول هذه السورة الكريمة. وقول من قال ~~إن المراد " بإمامهم " كمحمد بن كعب " أمهاتهم " أي يقال يا فلان بن ~~فلانة - قول باطل بلا شك. وقد ثبت في الصحيح من حديث ms1241 ابن عمر مرفوعا # " يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان ". ### || [17.72] # قوله تعالى { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا } المراد بالعمى في هذه الآية الكريمة عمى ~~القلب لا عمى العين. ويدل لهذا قوله تعالى # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # الحج46 لأن عمى العين مع إبصار القلب لا يضر، بخلاف العكس. فإن أعمى ~~العين يتذكر فتنفعه الذكرى ببصيرة قلبه، قال تعالى # عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك لعله ~~يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى # عبس1-4. # إذا بصر القلب المروءة والتقى فإن عمى العينين ليس يضير # وقال ابن عباس رضي الله عنهما لما عمي في آخر عمره - كما روي عنه من ~~وجوه - كما ذكره ابن عبد البر وغيره # إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي ~~غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور # وقوله في هذه الآية الكريمة { فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا } قال بعض أهل العلم ليست الصيغة صيغة تفضيل، بل المعنى فهو في ~~الآخرة أعمى كذلك لا يهتدي إلى نفع. وبهذا جزم الزمخشري. قال مقيدة عفا ~~الله عنه الذي يتبادر إلى الذهن أن لفظة " أعمى " الثانية صيغة تفضيل. أي ~~هو أشد عمى في الآخرة. ويدل عليه قوله بعده { وأضل سبيلا } فإنها ~~صيغة تفضيل بلا نزاع. والمقرر في علم العربية أن صيغتي التعجب وصيغة ~~التفضيل لا يأتيان من فعل الوصف منه على أفعل الذي أنثاه فعلاء. كما أشار ~~له في الخلاصة بقوله # وغير ذي وصف يضاهي أشهلا # والظاهر أن ما وجد في كلام العرب مصوغا من صيغة تفضيل أو تعجب غير ~~مستوف للشروط - أنه يحفظ ولا يقاس عليه. كما أشار له في الخلاصة بقوله # وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر # ومن أمثلة ذلك قوله # ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر وفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما ~~الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤما وأبيضهم ms1242 سربال طباخ # وقال بعض العلماء إن قوله في هذا البيت " وأبيضهم سربال طباخ " ليس صيغة ~~تفضيل. بل المعنى أنت وحدك الأبيض سربال طباخ من بينهم. ### || [17.73] # روي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في المشركين من قريش، قالوا له صلى الله ~~عليه وسلم لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم بآلهتنا وعن ابن عباس في ~~رواية عطاء أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي فسألوه شططا قالوا ~~متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، وحرم وادينا كما حرمت مكة، إلى ~~غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها. وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا ~~بخصوص الأسباب. ومعنى الآية الكريمة أن الكفار كادوا يفتنونه أي قاربوا ~~ذلك. ومعنى يفتنونك يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم ~~نوحه إليك. قال بعض أهل العلم قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما في نفس الأمر. ~~وقيل معنى ذلك أنه خطر في قلبه صلى الله عليه وسلم أن يوافقهم في بعض ما ~~أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم. وبين في مواضع أخر أنهم ~~طلبوا منه الإتيان بغير ما أوحي إليه، وأنه امتنع أشد الامتناع وقال لهم ~~إنه لا يمكنه أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه. بل يتبع ما أوحى إليه ربه، ~~وذلك في قوله # قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم # يونس15. وقوله في هذه الآية { وإن كادوا } هي المخففة من الثقيلة، ~~وهي هنا مهملة. واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية كما قال في ~~الخلاصة # وخففت إن فقل العمل وتلزم اللام إذا ما تهمل # والغالب أنها لا تكون كذلك مع فعل إلا إن كان ناسخا كما في هذه الآية، ~~قال في الخلاصة. # والفعل إن لم يك ناسخا فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصلا # كما هو معروف في النحو. ### || [17.74-75] # بين جل وعلا ms1243 في هذه الآية الكريمة تثبيته لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وعصمته له من الركون إلى الكفار. وأنه لو ركن إليهم لأذاقه ضعف الحياة ~~وضعف الممات. أي مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في ~~الآخرة. وبهذا جزم القرطبي في تفسيره. وقال بعضهم المراد بضعف عذاب ~~الممات العذاب المضاعف في القبر والمراد بضعف الحياة العذاب المضاعف في ~~الآخرة بعد حياة البعث. وبهذا جزم الزمخشري وغيره. والآية تشمل الجميع، ~~وهذا الذي ذكره هنا من شدة الجزاء لنبيه لو خالف بينه في غير هذا الموضع. ~~كقوله # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # الحاقة44-46 الآية. وهذا الذي دلت عليه هذه الآية من أنه إذا كانت ~~الدرجة أعلى كان الجزاء عند المخالفة أعظم بينه في موضع آخر. كقوله # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # الأحزاب30 الآية. ولقد أجاد من قال # وكبائر الرجل الصغير صغائر وصغائر الرجل الكبير كبائر # تنبيه هذه الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون. لأن { ولولا ~~} حرف امتناع لوجود. فمقاربة الركون منعتها { ولولا } الامتناعية ~~لوجود التثبيت من الله جل وعلا لأكرم خلقه صلى الله عليه وسلم. فصح ~~يقينا انتفاء مقاربة الركون فضلا عن الركون نفسه. وهذه الآية تبين ما ~~قبلها، وأنه لم يقارب الركون إليهم ألبتة. لأن قوله { لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا } أي قاربت تركن إليهم هو عين الممنوع ب { ~~ولولا } الامتناعية كما ترى. ومعنى { تركن إليهم } تميل ~~إليهم. ### || [17.78] # قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } الآية. قد بينا " ~~في سورة النساء " أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات ~~الصلاة. لأن قوله { لدلوك الشمس } أي لزوالها على التحقيق، ~~فيتناول وقت الظهر والعصر. بدليل الغاية في قوله { إلى غسق ~~الليل } أي ظلامه، وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء. وقوله { وقرآن ~~الفجر } أي صلاة الصبح، كما تقدم إيضاحه وأشرنا للآيات المشيرة ~~لأوقات الصلوات. كقوله # وأقم الصلاة طرفي ms1244 النهار وزلفا من الليل # هود114 الآية، وقوله # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # الروم17 الآية. وأتممنا بيان ذلك من السنة في الكلام على قوله # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # النساء103 فراجعه هناك إن شئت. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.81] # الحق في لغة العرب الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل هو الذاهب ~~المضمحل. والمراد بالحق في هذه الآية هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة ~~النبوية من دين الإسلام. والمراد بالباطل فيها الشرك بالله، والمعاصي ~~المخالفة لدين الإسلام. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الإسلام ~~جاء ثابتا راسخا، وأن الشرك بالله زهق. أي ذهب واضمحل وزال. تقول العرب ~~زهقت نفسه إذا خرجت وزالت من جسده. ثم بين جل وعلا أن الباطل كان زهوقا، ~~أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. ~~وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه. كقوله # قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جآء ~~الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد # سبأ48-49، وقوله # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # الأنبياء18 الآية. وقال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية ~~الكريمة أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن ~~جرير وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل ~~يطعنها بعود في يده ويقول { جآء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا } الإسراء81 # قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد # سبأ49. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر رضي الله عنه ~~قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة ~~وستون صنما. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال ~~{ جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ~~}. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال دخل رسول ms1245 الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم ~~الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنما. فشد لهم إبليس أقدامها ~~بالرصاص. فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول { ~~جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ~~حتى مر عليها كلها. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية وفي هذه الآية دليل ~~على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم. ويدخل المعنى كسر آلة ~~الباطل كله وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير ~~التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله. قال ابن المنذر وفي معنى ~~الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما ~~لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام ~~التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت ~~نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها. # قال المهلب وما كسر من الآت الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة ~~فصاحبها أولى بها مكسورة. إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى ~~التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد هم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة وهذا أصل ~~في العقوبة في المال. # " مع قوله صلى الله عليه وسلم في الناقة التي لعنتها صاحبتها " دعوها ~~فإنها ملعونة " # فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت ~~به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا شيب بماء على صاحبه اه ~~الغرض من كلام القرطبي رحمه الله تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم # " والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب، وليقتلن ~~الخنزير " # الحديث - من قبيل ما ذكرنا دلالة الآية عليه والعلم عند الله تعالى. ### || [17.82] # قد قدمنا في أول " سورة البقرة " الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت ~~عليه هذه الآية الكريمة. كقوله # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض ms1246 ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # التوبة124-125، وقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت44 كما تقدم إيضاحه. وقوله في هذه الآية { ما هو شفآء } يشمل ~~كونه شفاء للقلب من أمراضه. كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام ~~إذا رقى عليها به. كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهو ~~صحيحة مشهورة. وقرأ أبو عمرو { وننزل } بإسكان النون وتخفيف الزاي. ~~والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. والعلم عند الله تعالى. ### || [17.83] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة ~~والعافية والرزق - أعرض عن ذكر الله وطاعته، ونأى بجانبه أي تباعد عن ~~طاعة ربه. فلم يمتثل أمره، ولم يجتنب نهيه. وقال الزمخشري أعرض عن ذكر ~~الله كأنه مستغن عنه، مستبد بنفسه. { ونأى بجانبه } تأكيد للإعراض. لأن ~~الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه، ~~ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار، لأن ذلك من عادة المستكبرين. واليؤوس شديد ~~اليأس، أي القنوط من رحمة الله. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع ~~كثيرة من كتابه، كقوله " في سورة هود " # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعمآء بعد ~~ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه ~~لفرح فخور # هود9-10، وقوله في " آخر فصلت " # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من ~~بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن ~~الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذآ أنعمنا ~~على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~فذو دعآء عريض # فصلت49-51، وقوله " في سورة الروم " # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ~~ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون # الروم33 وقوله فيها أيضا # وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم ms1247 إذا هم يقنطون # الروم36، وقوله " في سورة يونس " # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # يونس12 الآية، وقوله " في سورة الزمر " # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله # الزمر8 الآية، وقوله فيها أيضا # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي ~~فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون # الزمر49. إلى غير ذلك من الآيات. وقد استثنى من هذه الصفات عباده ~~المؤمنين في قوله " في سورة هود " # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك ~~لهم مغفرة وأجر كبير # هود11 كما تقدم إيضاحه. وقرأ ابن ذكوان " وناء " كجاء، وهو بمعنى نآى. ~~كقولهم راء في رأى. ### || [17.85] # قوله تعالى { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلا بالنسبة ~~إلا علمه جل وعلا. لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق ~~قليل جدا. ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # الكهف109، وقوله # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # لقمان27. ### || [17.87] # قوله تعالى { إن فضله كان عليك كبيرا }. بين جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة أن فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم كبير. وأوضح ~~هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # النساء113، وقوله # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا ~~عزيزا # الفتح1-3 وقوله # ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ms1248 الذي ~~أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك # الشرح1-4، إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى في موضع آخر أن فضله كبير ~~على جميع المؤمنين، وهو قوله # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # الأحزاب47 وبين المراد بالفضل الكبير في قوله # والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # الشورى22. ### || [17.90-93] # بين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم، وكثرة ~~اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق. فذكر أنهم قالوا له صلى الله عليه ~~وسلم إنهم لن يؤمنوا له - أي لن يصدقوه - حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعا. ~~وهو يفعول من نبع أي ماء غزير. ومنه قوله تعالى # فسلكه ينابيع في الأرض # الزمر21 { أو تكون لك جنة } أي بستان من نخيل وعنب. فيفجر ~~خلالها، أي وسطها أنهارا من الماء، أو يسقط السماء عليهم كسفا أي قطعا ~~كما زعم. أي في قوله تعالى # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # سبأ9 الآية. أو يأتيهم بالله والملائكة قبيلا أي معاينة. قال قتادة ~~وابن جريج " كقوله # لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا # الفرقان21. وقال بعض العلماء قبيلا أي كفيلا. من تقبله بكذا إذا كفله ~~به. والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد. وقال الزمخشري قبيلا بما تقول، ~~شاهدا بصحته. وكون القبيل في هذه الآية بمعنى الكفيل مروي عن ابن عباس ~~والضحاك. وقال مقاتل { قبيلا } شهيدا. وقال مجاهد هو جمع قبيلة. أي ~~تأتي بأصناف الملائكة. وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة، أو يكون له ~~بيت من زخرف أي من ذهب ومنه قوله " في الزخرف " # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة # الزخرف33 إلى قوله # وزخرفا # الزخرف35 أي ذهبا. أو يرقى في السماء أي يصعد فيه، وإنهم لن يؤمنوا ~~لرقيه أي من أجل صعوده، حتى ينزل عليهم كتابا يقرؤونه. وهذا التعنت ~~والعناد العظيم الذي ذكره جل وعلا عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر. ms1249 وبين ~~أنهم لو فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا. لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن. ~~كقوله تعالى # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # الأنعام7، وقوله # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # الأنعام111، وقوله # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # الحجر14-15، وقوله # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # الأنعام109، وقوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # يونس96-97، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقوله في هذه الآية { كتابا ~~نقرؤه } أي كتابا من الله إلى كل رجل منا. ويوضح هذا قوله تعالى " ~~في المدثر " # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # المدثر52 كما يشير إليه قوله تعالى # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله # الأنعام124 الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة { قل سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا } أي تنزيها لربي جل وعلا عن كل ما ~~لا يليق به، ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما اقترحتم. فهو قادر على ~~كل شيء، لا يعجزه شيء، وأنا بشر أتبع ما يوحيه إلي ربي. وبين هذا المعنى ~~في مواضع أخر. كقوله # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # الكهف110، وقوله # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه # فصلت6 الآية. وكقوله تعالى عن جميع الرسل # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # إبراهيم11 إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ { تفجر } الأولى عاصم وحمزة ~~والكسائي بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم. والباقون بضم التاء وفتح ~~الفاء وتشديد الجيم مكسورة. ms1250 واتفق الجميع على هذا في الثانية. وقرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم { كسفا } بفتح السين والباقون بإسكانها. وقرأ أبو ~~عمرو { ننزل } بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وشد ~~الزاي. ### || [17.94] # هذا المانع المذكور هنا عادي. لأنه جرت عادة جميع الأمم باستغرابهم بعث ~~الله رسلا من البشر. كقوله # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا # إبراهيم10 الآية، وقوله # أنؤمن لبشرين مثلنا # المؤمنون47 الآية، وقوله # أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال ~~وسعر # القمر24، وقوله # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا # التغابن6 الآية، وقوله # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون # المؤمنون34 إلى غير ذلك من الآيات. والدليل على أن المانع في هذه الآية ~~عادي أنه تعالى صرح بمانع آخر غير هذا " في سورة الكهف " وهو قوله # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا # الكهف55 فهذا المانع المذكور " في الكهف " مانع حقيقي. لأن من أراد الله ~~به سنة الأولين من الإهلاك، أو أن يأتيه العذاب قبلا - فإرادته به ذلك ~~مانعة من خلاف المراد. لاستحالة أن يقع خلاف مراده جل وعلا. بخلاف المانع ~~" في آية بني إسرائيل " هذه، فهو مانع عادي يصح تخلفه. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ". ### || [17.95] # بين جل وعلا في هذه الآية أن الرسول يلزم أن يكون من جنس المرسل إليهم. ~~فلو كان مرسلا رسولا إلى الملائكة لنزل عليهم ملكا مثلهم. أي وإذا ~~أرسل إلى البشر أرسل لهم بشرا مثلهم. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر. ~~كقوله # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # الأنعام8-9، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # الأنبياء7، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # الفرقان20 كما تقدم إيضاحه. ### || [17.99] # قوله تعالى { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ms1251 قادر على أن يخلق مثلهم }. ~~بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من خلق السموات والأرض مع عظمهما ~~قادر على بعث الإنسان بلا شك. لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق ~~الأصغر قادر بلا شك. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر57 الآية، أي ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر. ~~وقوله # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى # يس81، وقوله # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى # الأحقاف33، وقوله # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ~~ذلك دحاها أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال ~~أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # النازعات27-33. ### || [17.100] # بين تعالى في هذه الآية أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته - أي ~~خزائن الأرزاق والنعم - لبخلوا بالرزق على غيرهم، ولأمسكوا عن الإعطاء. ~~خوفا من الإنفاق لشدة بخلهم. وبين أن الإنسان قتور أي بخيل مضيق. من ~~قولهم قتر على عياله، أي ضيق عليهم. وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله ~~تعالى # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا # النساء53، وقوله # إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين # المعارج19-22 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمقرر في علم العربية أن ~~" لو " لا تدخل إلا على الأفعال. فيقدر لها في الآية فعل محذوف، والضمير ~~المرفوع بعد " لو " أصله فاعل الفعل المحذوف. فلما حذف الفعل فصل الضمير. ~~والأصل قل لو تملكون، فحذف الفعل فبقيت الواو فجعلت ضميرا منفصلا هو ~~أنتم. هكذا قاله غير واحد، والعلم عند الله تعالى. ### || [17.101] # قوله تعالى { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } ~~الآية. قال بعض أهل العلم هذه الآيات التسع، هي العصا، واليد، والسنون. ~~والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. وقد ~~بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر. كقوله ms1252 # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # الأعراف107-108، وقوله # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # الأعراف130 الآية، وقوله # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # الشعراء63، وقوله # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # الأعراف133 إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل ~~بدل " السنين " وعليه فقد بين ذلك قوله تعالى # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة # الأعراف171 ونحوها من الآيات. ### || [17.102] # قوله تعالى { قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض بصآئر } الآية. بين جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا رب ~~السموات والأرض بصائر أي حججا واضحة. وذلك يدل على أن قول فرعون # فمن ربكما يموسى # طه49، وقوله # قال فرعون وما رب العالمين # الشعراء23 كل ذلك منه تجاهل عارف. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبينا ~~سبب جحوده لما علمه " في سورة النمل " بقوله # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا # النمل12-14 الآية. ### || [17.105] # قوله تعالى { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل }. بين جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل هذا القرآن بالحق أي متلبسا به ~~متضمنا له. فكل ما فيه حق. فأخباره صدق، وأحكامه عدل. كما قال تعالى # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا # الأنعام115 وكيف لا! وقد أنزله جل وعلا بعلمه. كما قال تعالى # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه # النساء166 الآية، وقوله { وبالحق نزل } يدل على أنه لم يقع فيه ~~تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله. لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا ~~يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل. كما أشار إلى هذا بقوله # نزل به الروح الأمين على قلبك # الشعراء193-194 الآية، وقوله # إنه لقول رسول كريم ms1253 ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين # التكوير19-21 الآية، وقوله في هذه الآية { لقول رسول } أي ~~لتبليغه عن ربه. بدلالة لفظ الرسول لأنه يدل على أنه مرسل به. ### || [17.106] # قوله تعالى { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس ~~على مكث }. قرأ هذا الحرف عامة القرآء " فرقناه " بالتخفيف أي ~~بيناه وأوضحناه، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ بعض الصحابة ~~{ فرقناه } بالتشديد أي أنزلناه مفرقا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. ~~ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى # فيها يفرق كل أمر حكيم # الدخان4 الآية. وقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه ليقرأة على ~~الناس على مكث، أي مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن ~~يقرأ إلا كذلك. وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله # ورتل القرآن ترتيلا # المزمل4 ويدل لذلك أيضا قوله # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # الفرقان32 وقوله تعالى { وقرآنا } منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده. ~~على حد قوله في الخلاصة # فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا ### || [17.110] # قوله تعالى { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى }. أمر الله جل وعلا ~~عباده في هذه الآية الكريمة أن يدعوه بما شاؤوا من أسمائه، إن شاؤوا! ~~قالوا يا الله، وإن شاؤوا قالوا يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه جل وعلا. ~~وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون # الأعراف180، وقوله # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا ~~إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله ~~عما يشركون هو الله الخالق البارىء المصور ~~له الأسمآء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم # الحشر22-24. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم ms1254 تجاهلوا اسم الرحمن ~~في قوله # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن # الفرقان60 الآية. وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله # الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان # الرحمن1-4 ولذا قال بعض العلماء إن قوله { الرحمن علم ~~القرآن } جواب لقولهم { قالوا وما الرحمن } الآية. وسيأتي ~~لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح " في سورة الفرقان ". ### || [17.111] # أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم. لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما قدمنا - أن يقولوا " ~~الحمد لله " أي كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبينا أنه ~~منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله ~~علوا كبيرا. فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة. كقوله # قل هو الله أحد # الإخلاص1 إلى آخر السورة، وقوله # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # الجن3، وقوله # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # الأنعام101، وقوله # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # مريم88-92 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبين في مواضع أخر أنه لا ~~شريك له في ملكه، أي ولا في عبادته. كقوله # وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # سبأ22، وقوله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # غافر16، وقوله # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير # الملك1، وقوله # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء # آل عمران26 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. ومعنى قوله في هذه الآية { ~~ولم يكن له ولي من الذل } يعني أنه لا يذل فيحتاج ~~إلى ولي يعزبه. لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما ~~بينه في مواضع كثيرة كقوله # والله غالب ms1255 على أمره # يوسف21 الآية، وقوله # إن الله عزيز حكيم # البقرة220 والعزيز الغالب. وقوله # وهو القاهر فوق عباده # الأنعام18 والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله { وكبره تكبيرا } أي ~~عظمه تعظيما شديدا. ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره ~~واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، كقوله تعالى # ولتكبروا الله على ما هداكم # البقرة185 ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى. وروى ابن جرير في ~~تفسير هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال ذكر لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية { الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا } الآية. وقال ابن كثير قلت وقد ~~جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى هذه الآية آية العز. ~~وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله ~~تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # علم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم ~~نعمة أنعمها عليهم. وهي إنزاله على نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن ~~العظيم، الذي لا اعوجاج فيه. بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من ~~الظلمات إلى النور. وبين لهم فيه من العقائد، والحلال والحرام، وأسباب ~~دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ~~ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على ~~هذه النعمة الكبرى بقوله { الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب } الآية. وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان ~~على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم، منذرا من لم يعمل به، ومبشرا من ~~عمل به - ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة، كقوله # يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا ~~بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما # النساء 174-175، وقوله # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب ms1256 يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # العنكبوت 51، وقوله # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون وإنه لهدى ورحمة ~~للمؤمنين # النمل 76-77، وقوله # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # الإسراء 82، وقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # فصلت 44 الآية، وقوله تعالى # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ومآ أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين # الأنبياء 106-107، وقوله # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # القصص 86 الآية، وقوله # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير # فاطر 32. وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير والآيات ~~بمثل هذا كثيرة جدا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولم يجعل ~~له عوجا } أي لم يجعل في القرآن عوجا. أي لا اعوجاج فيه ألبته، لا ~~من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني. أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم ~~من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه. لأن قوله " عوجا " ~~نكرة في سياق النفي. فهي تعم نفي جميع أنواع العوج. وما ذكره جل وعلا هنا ~~من أنه لا اعوجاج فيه - بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج ~~لعلهم يتقون # الزمر 27-28، وقوله # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم # الأنعام 115. فقوله " صدقا " أي في الأخبار، وقوله " عدلا " أي في ~~الأحكام وكقوله تعالى # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # النساء 82. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~قيما } أي مستقيما لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه { ~~قيما } لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضا في مواضع أخر، كقوله # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول ~~من الله يتلو ms1257 صحفا مطهرة فيها كتب قيمة # البينة 1-3، وقوله تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # الإسراء 9 الآية، وقوله # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العالمين # يونس 37. وقوله تعالى # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون # يوسف 111 وقوله # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # البقرة 1-2، وقوله # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # هود 1 وقوله # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # الشورى 52 إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى { ~~قيما } هو قول الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله ~~{ ولم يجعل له عوجا } لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر ~~وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر. ولذا جمع تعالى، بين نفي العوج ~~وإثبات الاستقامة. وفي قوله " قيما " وجهان آخران من التفسير الأول - أن ~~معنى كونه " قيما " أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي مهيمن ~~عليه وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # المائدة 84 الآية. ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون # النمل 76 الآية. وقال # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين # آل عمران 93 وقال # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب # المائدة 15 الآية. الوجه الثاني - أن معنى كونه " قيما " أنه قيم ~~بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقية يستلزمه الوجه ~~الأول. واعلم أن علماء العربية اختلفوا في إعراب قوله " قيما " فذهب ~~جماعة إلى أنه حال من الكتاب. وأن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقريره ~~على هذا أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيما ولم يجعل له ms1258 عوجا. ومنع ~~هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في الكشاف قائلا إن قوله { ولم ~~يجعل له عوجا } الكهف 1معطوف على صلة الموصول التي هي جملة { ~~أنزل على عبده الكتاب } الكهف 1 والمعطوف على الصلة داخل ~~في حيز الصلة. # فجعل " قيما " حال من " الكتاب " يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ~~ببعض الصلة، وذلك لا يجوز. وذهب جماعة آخرون إلى أن " قيما " حال من ~~" الكتاب " وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتف. وذلك أنهم قالوا إن ~~جملة { ولم يجعل له عوجا } ليست معطوفه على الصلة، وإنما هي ~~جملة حالية. وقوله " قيما " حال بعد حال، وتقريره أن المعنى أنزل على ~~عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجا، وفي حال كونه قيما. وتعدد ~~الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال ~~وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله # والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد # وسواء كان ذلك بعد العطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف قوله تعالى # أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # آل عمران 39 ومثاله بدون عطف قوله تعالى # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا # الأعراف 150 الآية. وقول الشاعر # على إذا ما جئت ليلى بخفية زيارة بيت الله رجلان حافيا # ونقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة ~~التفضيل في نحو قوله هذا بسرا أطيب منه رطبا. ونقل منع ذلك أيضا عن ~~الفارسي وجماعة. وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون إن الحال الثانية ~~إنما هي حال من الضمير المستكن في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل ~~في الثانية. فهي عندهم أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتا للأولى ~~وممن اختار أن جملة { ولم يجعل } حالية، وأن { قيما } حال بعد حال ~~الأصفهاني. وذهب بعضهم إلى أن قوله { قيما } بدل من قوله { ولم ~~يجعل له عوجا } لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيما. وعزا ~~هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب ms1259 حل العقد، وعليه فهو بدل مفرد من جملة. ~~كما قالوا في عرفت زيدا أبو من. أنه بدل جملة من مفرد. وفي جواز ذلك ~~خلاف عند علماء العربية. وزعم قوم أن { قيما } حال من الضمير المجرور ~~في قوله { ولم يجعل له عوجا } واختار الزمخشري وغيره أن { ~~قيما } منصوب بفعل محذوف، وتقديره ولم يجعل له عوجا وجعله قيما، ~~وحذف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز. كما قال في الخلاصة # ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما # وأقرب أوجه الإعراب في قوله " قيما " أنه منصوب بمحذوف، أو حال ~~ثانية من " الكتاب " والله تعالى أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~لينذر بأسا شديدا } اللام فيه متعلقة ب { أنزل } الكهف1 ~~وقال الحوفي هي متعلقة بقوله { قيما } والأول هو الظاهر. # والإنذار الإعلام المقترن بتخويف وتهديد. فكل إنذار إعلام، وليس كل ~~إعلام إنذارا. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى # فأنذرتكم نارا تلظى # الليل 14، وقوله # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا # النبأ 40 الآية. وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في ~~الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار ~~المذكور دليلا على المحذوف في الموضعين. وتقدير المفعول الأول المحذوف ~~في الموضع الأول لينذر الذين كفروا بأسا شديدا من لدنه. وتقدير المفعول ~~الثاني المحذوف في الموضع الثاني وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~بأسا شديدا من لدنه. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا ~~القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين. وبشارة للمؤمنين المتقين. إذ قال ~~في تخويف الكفرة به { لينذر بأسا شديدا من لدنه } ~~وقال { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } الآية. ~~وقال في بشارته للمؤمنين { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } الآية. وهذا ~~الذي ذكره هنا من كونه إنذارا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع أخر ~~كقوله # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # مريم 97، وقوله # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين # الأعراف 1-2. ms1260 وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة " الأعراف ". وأوضحنا ~~هنا لك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن. والبأس الشديد الذي ~~أنذرهم إياه هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة والبشارة الخبر بما يسر. ~~وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى # فبشره بعذاب أليم # لقمان 7 ومنه قول الشاعر # وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر # وقول الآخر # يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير # والتحقيق أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة ~~العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازا، ويسمونه ~~استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله. ~~وقوله في هذه الآية الكريمة { الذين يعملون الصالحات } ~~بينت المراد به آيات أخر، فدلت على أن العمل لا يكون صالحا إلا بثلاثة ~~أمور الأول - أن يكون مطابقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو ~~باطل، قال تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # الحشر 7 الآية، وقال # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 وقال # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # آل عمران 31 الآية، وقال # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # الشورى 21 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. الثاني - أن يكون العامل ~~مخلصا في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # البينة 5 الآية، وقال # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف ~~إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه # الزمر 11-15 إلى غير ذلك من الآيات. الثالث - أن يكون العمل مبنيا على ~~أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة، لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال ~~تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ms1261 مؤمن # النحل 97. الآية، فجعل الإيمان قيدا في ذلك. وبين مفهوم هذا القيد في ~~آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # الفرقان 23، وقوله # أعمالهم كسراب # النور 39 الآية، وقوله # أعمالهم كرماد اشتدت به الريح # إبراهيم 18 الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. والتحقيق أن ~~مفرد الصالحات في قوله { يعملون الصالحات } ، وقوله # وعملوا الصالحات # البقرة 25 ونحو ذلك - أنه صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على ~~الفعلة الطيبة. كإطلاق اسم الجنس لتناسى الوصيفة، كما شاع ذلك الإطلاق في ~~الحسنة مرادا بها الفعلة الطيبة. ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك ~~قول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم # بنت الأمين جزاك الله صالحة وكل بعل سيثنى بالذي علما # وقول الحطيئة # كيف الهجاء ولا تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني # وسئل إعرابي عن الحب فقال # الحب مشغلة عن كل صالحة وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن # وقوله في هذه الآية الكريمة { أن لهم أجرا حسنا } أي ~~وليبشرهم بأن لهم أجرا حسنا. الأجر جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه ~~هنا بالأجر هو الجنة. ولذا قال { ماكثين فيه } الكهف3 وذكر الضمير ~~في قوله { فيه } لأنه راجع إلى الأجر وهو مذكر، وإن كان المراد بالأجر ~~الجنة ووصف أجرهم هنا بأنه حسن، وبين أوجه حسنه في آيات كثيرة. كقوله # ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر ~~موضونة متكئين عليها متقابلين # الواقعة 13-16 إلى قوله - # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # الواقعة 39-40، وكقوله # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # السجدة 17 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا معلومة. وقوله في هذه ~~الآية الكريمة { ماكثين فيه أبدا } أي خالدين فيه بلا انقطاع. ~~وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # هود 108 أي غير مقطوع، ms1262 وقوله # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # ص 54 أي ما له من انقطاع وانتهاء، وقوله # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # النحل 96، وقوله # والآخرة خير وأبقى # الأعلى 17 إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في الآية الكريمة { وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا } أي ينذرهم بأسا شديدا { من لدنه } الكهف 2 أي ~~من عنده كما تقدم. وهذا من عطف الخاص على العام، لأن قوله { لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه } الكهف 2 شامل للذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا، ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على ~~العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة - من ~~الإطناب المقبول، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ~~ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى # وملائكته ورسله وجبريل # البقرة 98 الآية، وقوله # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # الأحزاب 7. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها، فإن { ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا } امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء. ولذا ساغ ~~عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم. والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم ~~كثيرة جدا. كقوله هنا { كبرت كلمة تخرج من أفواههم ~~} الكهف5 الآية، وكقوله تعالى # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # مريم 88-92، وقوله # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # الإسراء 40 والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد قدمنا أن القرآن بين أن ~~الذين نسبوا الولد لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ثلاثة أصناف من ~~الناس اليهود، والنصارى، قال تعالى # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم # التوبة 30 الآية. والصنف الثالث مشركو العرب. كما قال تعالى عنهم # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # النحل 57، والآيات بنحوها كثيرة معلومة. ms1263 وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { ما لهم به من علم ولا لآبائهم } يعني أن ما ~~نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به. لأنه مستحيل. والآية ~~تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه. ومن الآيات الدالة ~~على ذلك قوله تعالى # وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # البقرة 57 لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد - كل ذلك ~~مستحيل عقلا. فنفيه لا يدل على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين ~~السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، كما بيناه في غير هذا الموضع. وما نفاه ~~عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا - بينه في مواضع أخر، كقوله # وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون # الأنعام 100، وقوله في آبائهم # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # المائدة 104 إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله في هذه الآية الكريمة { كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم } يعني أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولدا أمر ~~كبير عظيم. كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفا. كقوله # إنكم لتقولون قولا عظيما # الإسراء 40، وقوله # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا # مريم 90 الآية. وكفى بهذا كبرا وعظما. وقال بعض علماء العربية إن قوله ~~{ كبرت كلمة } معناه التعجب. فهو بمعنى ما أكبرها كلمة. أو أكبر بها ~~كلمة. والمقرر في علم النحو أن " فعل " بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، ~~فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى { كبرت كلمة } الآية. وإلى هذا ~~أشار في الخلاصة بقوله # واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا # وقوله " كنعم " أي اجعله من باب " نعم " فيشمل بئس. وإذا تقرر ذلك ففاعل ~~" كبر " ضمير محذوف و { كلمة } نكرة مميزة للضمير المحذوف. على حد قوله ~~في الخلاصة. # ويرفعان مضمرا يفسره مميز كنعم قوما معشره # والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك ~~المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم اتخذ ms1264 الله ولدا، وأعرب بعضهم { كلمة ~~} بأنها حال، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم. وليس ~~بشيء. وقال ابن كثير في تفسيره { تخرج من أفواههم } أي ليس لها مستند ~~سوى قولهم ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال { إن ~~يقولون إلا كذبا }. وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد ~~في القرآن. كقوله # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # آل عمران 167 ونحو ذلك من الآيات. والكذب مخالفة الخبر للواقع على أصح ~~الأقوال. فائدة لفظة " كبر " إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة ~~الباء في الماضي والمضارع، كقوله هنا { كبرت كلمة } الآية. وقوله # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 3، وقوله # أو خلقا مما يكبر في صدوركم # الإسراء 51 ونحو ذلك. وإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة ~~الباء في الماضي، مفتوحتها في المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعالى # ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا # النساء 6، وقول المجنون # تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب ولم يبد للعينين من ثديها حجم صغيرين نرعى ~~إليهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر اليهم # وقوله في هذا البيت " صغيرين " شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من ~~الفاعل والمفعول معا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { كبرت كلمة } ~~يعني بالكلمة الكلام الذي هو قولهم { اتخذ الله ولدا } الكهف ~~4. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على ~~الكلام أوضحته آيات أخر. كقوله # كلا إنها كلمة هو قآئلها # المؤمنون 100 الآية، والمراد بها قوله # قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت # المؤمنون 99-100. وقوله # وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين # هود 119 وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مرادا به الكلام المفيد. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { عوجا } الكهف 1 هو بكسر العين في ~~المعاني كما في هذه الآية الكريمة. وبفتحها فيما كان منتصبا كالحائط. ~~قال الجوهري في صحاحه قال ابن ms1265 السكيت وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود ~~قيل فيه " عوج " بالفتح. والعوج - بالكسر - ما كان في أرض أو دين أو ~~معاش، يقال في دينه عوج اه. وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل { عوجا ~~} بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعارا ~~بأن { قيما } الكهف 2 ليس متصلا ب { عوجا } في المعنى بل للإشارة ~~إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيما كما قدمنا. وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~{ من لدنه } الكهف 2 بإسكان الدال مع إشمامها الضم وكسر النون ~~والهاء ووصلها بياء في اللفظ. وقوله { ويبشر المؤمنين ~~الذين } الكهف 2 قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر ~~الشين مشددة. وقرأه حمزة والكسائي " يبشر " بفتح الياء وإسكان الباء ~~الموحدة وضم الشين. ### || [18.6] # اعلم أولا - أن لفظة " لعل " تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في ~~المحذور. واستظهر أبو حيان في البحر المحيط - أن " لعل " في قوله هنا { ~~فلعلك باخع نفسك } للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن ~~يبخع نفسه لعدم إيمانهم به. وقال بعضهم إن " لعل " في الآية للنهي. وممن ~~قال به العسكري، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر ~~المحيط. وعلى هذا القول فالمعنى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل هي في ~~الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. وإتيان لعل للاستفهام مذهب كوفي ~~معروف. وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى " لعل " أن المراد بها في الآية ~~النهي عن الحزن عليهم. وإطلاق لعل مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية ~~أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام. ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ~~ذلك كثرة ورود النهي صريحا عن ذلك. كقوله # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # فاطر 8، وكقوله # ولا تحزن عليهم # الحجر 88، وقوله # فلا تأس على القوم الكافرين # المائدة 68 إلى غير ذلك من الآيات وخيرما يفسر به القرآن. والباخع ~~المهلك أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم ومنه قول ذي الرمة # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه ms1266 المقادر # كما تقدم. وقوله { على آثارهم } - قال القرطبي آثارهم جمع أثر. ويقال ~~إثر. والمعنى على أثر توليهم وإعراضهم عنك. وقال أبو حيان في البحر ومعنى ~~" على آثارهم " من بعدهم، أي بعد يأسك من إيمانهم. أو بعد موتهم على ~~الكفر. يقال مات فلان على أثر فلان. أي بعده. وقال الزمخشري شبهه وإباهم ~~حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل ~~فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا ~~عليهم، وتلهفا على فراقهم! والأسف هنا شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على ~~الغضب! كقوله # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم # الزخرف 55. فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة - فاعلم أن ما ذكره فيها ~~جل وعلا من شدة حزن نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم، وعن نهيه له عن ذلك ~~مبين في آيات أخر كثيرة، كقوله # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # فاطر 8، وكقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3، وكقوله # ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين # الحجر 88، وكقوله # فلا تأس على القوم الكافرين # المائدة 68، وكقوله # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # الأنعام 33، وكقوله # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # الحجر 97 كما قدمناه موضحا. وقوله في هذه الآية الكريمة { أسفا } ~~مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل الأسف. ويجوز إعرابه حالا. أي في ~~حال كونك آسفا عليهم. على حد قوله في الخلاصة # ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع ### || [18.7-8] # قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة " ما عليها " يعني ما على الأرض ~~مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها. ~~وقال بعض العلماء كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص. وعلى هذا القول ~~- فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض. لأنه يدل على وجود خالقه، ~~واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة ~~له. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان المذكورة ~~فيه - أن يذكر لفظ ms1267 عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام ~~فيه، كقوله تعالى # ذلك ومن يعظم شعائر الله # الحج 32 الآية. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # الحج 36 الآية. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة { ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قد صرح في مواضع ~~أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # الكهف 46 الآية، وقوله # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # النحل 8 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~صعيدا جرزا } أي أرضا بيضاء لا نبات بها. وقد قدمنا معنى " الصعيد " ~~بشواهده العربية في سورة " المائدة ". والجرز الأرض التي لا نبات بها كما ~~قال تعالى # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # السجدة 27 ومنه قول ذي الرمة # طوى النحز والأجراز ما في غروضها وما بقيت إلا الضلوع الجراشع # لأن مراده " بالأجراز " الفيافي التي لا نبات فيها، والأجراز جمع جرزة، ~~والجرزة جمع جرز، فهو جمع الجمع للجرز، كما قاله الجوهري في صحاحه. قال ~~الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة { وإنا لجاعلون ما ~~عليها } من هذه الزينة صعيدا أو جرزا، أي مثل أرض بيضاء لا نبات ~~فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به ~~- كان زينة من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار اه. وهذا المعنى ~~المشار إليه هنا جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله # إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس ~~والأنعام حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ ~~أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يتفكرون # يونس 24، وكقوله تعالى # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله ms1268 على كل شيء مقتدرا # الكهف 45 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا } أي لنختبرهم على ألسنة ~~رسلنا. وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي ~~الابتلاء في إحسان العمل - بين في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت ~~والحياة والسموات والأرض، قال تعالى # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور # الملك 1-2، وقال تعالى # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # هود 7. وقد بين صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # كما تقدم. وهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ~~ليبتلى خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيدا جرزا - فيه أكبر واعظ ~~للناس، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي، ولذا قال ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون. ~~فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ~~". ### || [18.9] # { أم } في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند ~~الجمهور " بل والهمزة " وعند بعض العلماء بمعنى " بل " فقط، فعلى القول ~~الأول فالمعنى بل أحسبت، وعلى الثاني - فالمعنى بل حسبت، فهي على القول ~~الأول جامعة بين الإضراب والإنكار. وعلى الثاني - فهي للإضراب الانتقالي ~~فقط. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة أن الله يقول لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست ~~شيئا عجبا بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم صنعنا فإن خلقنا للسموات الأرض ~~وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدا جرزا - أعظم ~~وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل، ثم ~~بعثناهم، ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة منها - أنه قال # إنا جعلنا ms1269 ما على الأرض زينة لها # الكهف 7 إلى قوله - # صعيدا جرزا # الكهف 8، ثم اتبع ذلك بقوله { أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~} الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما ~~خلقنا مما هو أعظم منها. ومنها - أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس ~~على أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر ~~على الأصغر بلا شك، كقوله تعالى # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57 الآية، وكقوله # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # النازعات 27 إلى قوله # متاعا لكم ولأنعامكم # النازعات 33 كما قدمناه مستوفى في سورة " البقرة والنحل ". ومن خلق هذه ~~المخلوقات العظام كالسماء والأرض وما فيهما فلا عجب في إقامته أهل الكهف ~~هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح. والكهف النقب المتسع في ~~الجبل، فإن لم يك واسعا فهو غار. وقيل كل غار في جبل كهف. وما يروى عن ~~أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة. واختلف العلماء في ~~المراد ب { الرقيم } في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل الرقيم اسم ~~كلبهم، و هو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول # وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهم والقوم في الكهف همد # وعن الضحاك - أن الرقيم بلدة بالروم، وقيل اسم الجبل الذي فيه الكهف. ~~وقيل اسم للوادي الذي فيه الكهف. والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه ~~قال لا أدري ما الرقيم؟ أكتاب أم بنيان؟. وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة ~~العربية وبعض آيات القرآن أن الرقيم معناه المرقوم، فهو فعيل بمعنى ~~مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى # كتاب مرقوم # المطففين 9 الآية. سواء قلنا إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي ~~تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، ~~أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. # والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم طائفة واحدة ~~أضيفت إلى شيئين أحدهما معطوف على الآخر، ms1270 خلافا لمن قال إن أصحاب الكهف ~~طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى وأن الله قص على نبيه في هذه السورة ~~الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم وخلافا لمن ~~زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب ~~الكهف الذي هم فيه، فدعو الله بأعمالهم الصالحة وهم البار بوالديه، ~~والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية ~~بأنهم هم المراد - بعيد كما ترى. واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي ~~أي محل من الأرض كانوا - كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية ~~أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~عجبا } صفة لمحذوف، أي شيئا عجبا. أو آية عجبا. وقوله { من آياتنا } ~~في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار ~~حالا، وأصل المعنى كانوا عجبا كائنا من آياتنا، فلما قدم النعت صار ~~حالا. ### || [18.10] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف - أنهم فتية، ~~وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا الدعاء العظيم الشامل لكل ~~خير، وهو قوله عنهم { ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء ~~لنا من أمرنا رشدا }. وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من ~~صفاتهم وأقوالهم، كقوله # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # الكهف 13 إلى قوله # ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من ~~أمركم مرفقا # الكهف 16 و { إذ } في قوله هنا { إذ أوى الفتية } منصوبة ب { ~~اذكر } مقدرا. وقيل بقوله # عجبا # الكهف 9 ومعنى قوله { إذ أوى الفتية إلى الكهف } أي ~~جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام. ومعنى قوله { آتنا من لدنك ~~رحمة } أي أعطنا رحمة من عندك. والرحمة هنا تشمل الرزق والهدى والحفظ ~~مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة. والفتية جمع فتى جمع ~~تكسير، وهو من جموع القلة. ويدل لفظ ms1271 الفتية على قلتهم، وأنهم شباب لا ~~شيب، خلافا لما زعمه ابن السراج من أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير. ~~وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة - أشار ابن مالك في الخلاصة ~~بقوله # أفعلة افعل ثم فعله كذاك أفعال جموع قله # والتهيئة التقريب والتيسير أي يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشدا. والرشد ~~الاهتداء والديمومة عليه. و { من } في قوله { من أمرنا } فيها وجهان ~~أحدهما - أنها هنا للتجريد، وعليه فالمعنى اجعل لنا أمرنا رشدا كله. كما ~~تقول لقيت من زيد أسدا. ومن عمرو بحرا. والثاني أنها للتبعيض. وعليه ~~فالمعنى واجعل لنا بعض أمرنا. أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة ~~الكفار رشدا حتى نكون بسببه راشدين مهتدين. ### || [18.11] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين ~~عددا. ولم يبين قدر هذا العدد هنا، ولكنه بينه في موضع آخر. وهو قوله # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا # الكهف 25. وضربه جل وعلا على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم ~~ومفعول " ضربنا " محذوف، أي ضربنا على آذانهم حجابا مانعا من السماع ~~فلا يسمعون شيئا يوقظهم. والمعنى أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها ~~الأصوات. وقوله { سنين عددا } على حذف مضاف. أي ذات عدد، أو مصدر بمعنى ~~اسم المفعول، أي سنين معدودة. وقد ذكرنا الآية المبينة لقدر عددها بالسنة ~~القمرية والشمسية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى { وازدادوا تسعا ~~}. وقال أبو حيان في البحر في قوله { فضربنا على آذانهم } عبر بالضرب ~~ليدل على قوة المباشرة واللصوق واللزوم، ومنه # ضربت عليهم الذلة # آل عمران 112 وضرب الجزية وضرب البعث. وقال الفرزدق # ضرب عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل # وقال الأسود بن يعفر # ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربت على الأرض بالأسداد # وقال الآخر # إن المروءة والسماحة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج # وذكر الجارحة التي هي الآذان، إذ هي يكون منها السمع، لأنه لا يستحكم ~~نوم إلا مع تعطل السمع. ms1272 وفي الحديث # " " ذلك رجل بال الشيطان في أذنه " # أي استثقل نومه جدا لا يقوم بالليل اه كلام أبي حيان. ### || [18.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من حكم بعثه لأصحاب الكهف بعد هذه ~~النومة الطويلة - أن يبين للناس أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم أحصى ~~لذلك وأضبط له. ولم يبين هنا شيئا عن الحزبين المذكورين. وأكثر المفسرين ~~على أن أحد الحزبين - هم أصحاب الكهف. والحزب الثاني - هم أهل المدينة ~~الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية. وقيل عما ~~حزبان من أهل المدينة المذكورة، كان منهم مؤمنون وكافرون. وقيل هما حزبان ~~من المؤمنين في زمن اصحاب الكهف. اختلفوا في مدة لبثهم، قاله الفراء وعن ~~ابن عباس الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب، وأصحاب الكهف حزب. إلى ~~غير ذلك من الأقوال. والذي يدل عليه القرآن أن الحزبين كليهما من أصحاب ~~الكهف. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله تعالى # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم # الكهف 19. وكأن الذين قالوا { ربكم أعلم بما لبثتم } هم ~~الذين علموا أن لبثهم قد تطاول. ولقائل أن يقول قوله عنهم { ربكم أعلم ~~بما لبثتم } يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم. والله تعالى أعلم. وقد ~~يجاب عن ذلك بأن رد العلم إلى الله لا ينافى العلم، بدليل أن الله أعلم ~~نبيه بمدة لبثهم في قوله # ولبثوا في كهفهم # الكهف 25 الآية، ثم أمره برد العلم إليه في قوله # قل الله أعلم بما لبثوا # الكهف 26 الآية. وقوله { بعثناهم } أي من نومتهم الطويلة. والبعث ~~التحريك من سكون، فيشمل بعث النائم والميت، وغير ذلك. وقد بينا في ترجمة ~~هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر الله جل وعلا ~~حكمة لشيء في موضع، ويكون لذلك الشيء حكم أخر مذكورة في مواضع أخرى - ~~فإنا نبينها. ومثلنا لذلك، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب ~~المبارك. ms1273 وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من ~~حكم بعثهم إظهاره للناس أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. وقد بين لذلك ~~حكما أخر في غير هذا الموضع. منها - أن يتساءلوا عن مدة لبثهم، كقوله # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم # الكهف 19 الآية. ومنها - إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق لدلالة ~~قصة أصحاب الكهف على ذلك. وذلك في قوله # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله ~~حق وأن الساعة لا ريب فيها # الكهف 21 الآية. واعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { ثم ~~بعثناهم لنعلم } الآية - لا يدل على أنه لم يكن عالما بذلك قبل بعثهم، ~~وإنما علم بعد بعثهم. # كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة! بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن ~~يكون، لا يخفى عليه من ذلك شيء. والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثر. وقد ~~قدمنا - أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار ~~والابتلاء علما جديدا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - قوله تعالى ~~في آل عمران # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور # آل عمران 154 فقوله { والله عليم بذات الصدور } بعد قوله ~~{ وليبتلي } دليل واضح في ذلك. وإذا حققت ذلك فمعنى { لنعلم أي ~~الحزبين } أي نعلم ذلك علما يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافى أنه كان ~~عالما به قبل ذلك دون خلقه. واختلف العلماء في قوله { أحصى } فذهب ~~بعضهم إلى أنه فعل ماض و " أمدا " مفعوله " وما " في قوله " لما لبثوا ~~" مصدرية. وتقرير المعنى على هذا لنعلم أي الحزبين ضبط أمدا للبثهم في ~~الكهف. وممن اختار أن { أحصى } فعل ماض الفارسي والزمخشري. وابن عطية ~~وغيرهم. وذهب بعضهم إلى أن { أحصى } صيغة تفضيل، " وأمدا " تمييز. وممن ~~اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفى وأبو البقاء الوجهين. ~~والذين قالوا إن { أحصى } فعل ماض قالوا لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل. ~~لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب ms1274 قياسا إلا من الثلاثي، " ~~وأحصى " رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسا. قالوا ~~وقولهم ما أعطاه وما أولاه للمعروف، وأعدى من الجرب، وأفلس من ابن المذلق ~~- شاذ لا يقاس عليه، فلا يجوز حمل القرآن عليه. واحتج الزمخشري في الكشاف ~~أيضا لأن { أحصى } ليست صيغة تفضيل - بأن { أمدا } لا يخلو إما أن ~~ينتصب بأفعل - فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب ب { لبثوا } فلا يسد عليه ~~المعنى أن لا يكون سديدا على ذلك القول، وقال فإن زعمت نصبه بإضمار فعل ~~يدل عليه { أحصى } كما أضمر في قوله # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # أي نضرب القوانس فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون { أحصى ~~} فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره - انتهى كلام الزمخشري. ~~وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا لا نسلم أن صيغة التفضيل لا ~~تصاغ من غير الثلاثي، ولا نسلم أيضا لأنها لا تعمل. وحاصل تحرير المقام ~~في ذلك - أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من " أفعل " كما هنا، أو لا تصاغ ~~منه. ثلاثة مذاهب لعلماء النحو الأول - جواز بنائها من أفعل مطلقا، وهو ~~ظاهر كلام سيبويه، وهو مذهب أبي إسحاق كما نقله عن أبو حيان في البحر. # والثاني - لا يبنى منه مطلقا، وما سمع منه فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ~~وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله # وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر # كما قدمناه في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله # فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا # الإسراء 72. الثالث - تصاغ من أفعل إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة. ~~كأظلم الليل، وأشكل الأمر. لا إن كانت الهمزة للنقل فلا تصاغ منها، وهذا ~~هو اختيار أبي الحسن بن عصفور. وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو ~~وأما قول الزمخشري فأفعل لا يعمل فليس بصحيح. لأن صيغة التفضيل تعمل في ~~التمييز بلا خلاف، وعليه درج في الخلاصة بقوله # والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كأنت أعلى منزلا # و { أمدا ms1275 } تمييز كما تقدم. فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه. وذهب ~~الطبري إلى أن { أمدا } منصوب ب { لبثوا } وقال ابن عطية إن ذلك غير ~~متجه. وقال أبو حيان قد يتجه ذلك. لأن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن ~~المدة من حيث إن المدة غاية. و { ما } بمعنى الذي، و { أمدا } منتصب على ~~إسقاط الحرف. أي لما لبثوا من أمد، أي مدة. ويصير من أمد تفسيرا لما ~~انبهم في لفظ { ما لبثوا } كقوله # ما ننسخ من آية # البقرة 106، # ما يفتح الله للناس من رحمة # فاطر 2 ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل. قال مقيدة عفا الله عنه إطلاق ~~الأمد على الغاية معروف في كلام العرب ومنه قول نابغة ذبيان # إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد # وقد قدمنا في سورة " النساء " - أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز ~~النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقا. ولكن نصب قوله { أمدا } ، ~~بقوله { لبثوا } غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية وكما لا يخفى اه. ~~وأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل، وأعربوا قول العباس بن مرداس ~~السلمي # فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكر وأحمي ~~الحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا # بأن " القوانس " مفعول به لصيغة التفضيل التي هي أضرب. قالوا ولا حاجة ~~لتقدير فعل محذوف ومن هنا قال بعض النحويين إن { من } في قوله تعالى # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله # الأنعام 117 منصوب بصيغة التفضيل قبله نصب المفعول به. قال مقيدة عفا ~~الله عنه، وغفر له ومذهب الكوفيين هذا أجرى عندي على المعنى المعقول. لأن ~~صيغة التفضيل فيها معنى المصدر الكامن فيها فلا مانع من عملها عمله. ألا ~~ترى أن قوله وأضرب منا السيوف القوانسا معناه يزيد ضربنا بالسيوف القوانس ~~على ضرب غيرنا، كما هو واضح. وعلى هذا الذي قررنا فلا مانع من كون { ~~أمدا } منصوب ب { أحصى } نصب المفعول به على أنه صيغة تفضيل. # وإن كان القائلون بأن { أحصى } صيغة ms1276 تفضيل اعربوا { أمدا } بأنه ~~تمييز. تنبيه فإن قيل ما وجه رفع { أي } من قوله { لنعلم أي ~~الحزبين أحصى } الكهف 12 الآية، مع أنه في محل نصب لأنه مفعول ~~به؟ فالجواب - أن للعلماء في ذلك أجوبة، منها، أن { أي } فيها معنى ~~الاستفهام، والاستفهام يعلق الفعل عن مفعوليه كما قال ابن مالك في ~~الخلاصة عاطفا على ما يعلق الفعل القلبي عن مفعوليه # وإن ولا لام ابتداء أو قسم كذا والاستفهام ذاله انحتم # ومنها - ما ذكره الفخر الرازي وغيره من أن الجملة بمجموعها متعلق العلم. ~~ولذلك السبب لم يظهر عمل قوله { لنعلم } في لفظة { أي } بل بقيت على ~~ارتفاعها. ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول كما ترى. قال مقيدة عفا الله عنه ~~وغفر له أظهر أوجه الأعاريب عندي في الآية أن لفظة { أي } موصولة ~~استفهامية. و { أي } مبنية لأنها مضافة، وصدر صلتها محذوف على حد قوله في ~~الخلاصة # أي كما وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف # ولبنائها لم يظهر نصبها. وتقرير المعنى على هذا لنعلم الحزب الذي هو ~~أحصى لما لبثوا أمدا ونميزه عن غيره. و { أحصى } صيغة تفضيل كما قدمنا ~~توجيهه. نعم، للمخالف أن يقول إن صيغة التفضيل تقتضى بدلالة مطابقتها ~~الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل الفعل، وأحد الحزبين لم يشارك ~~الآخر في أصل الإحصاء لجهله بالمدة من أصلها، وهذا مما يقوي قول من قال ~~إن { أحصى } أفعل، والعلم عند الله تعالى. فإن قيل أي فائدة مهمة في ~~معرفة الناس للحزب المحصى أمد اللبث من غيره، حتى يكون علة غائية لقوله، ~~{ ثم بعثناهم لنعلم } الكهف 12 الآية؟ وأي فائدة مهمة في ~~مساءلة بعضهم بعضا، حتى يكون علة غائية لقوله # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم # الكهف 19؟. فالجواب - أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله ~~تعالى أعلم - أن ما ذكر من إعلام الناس بالحزب الذي هو أحصى أمدا لما ~~لبثوا، ومساءلة بعضهم بعضا عن ذلك، يلزمه أن يظهر للناس حقيقة أمر هؤلاء ~~الفتية، وأن الله ضرب على آذانهم ms1277 في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ~~ثم بعثهم أحياء طرية أبدانهم. لم يتغير لهم حال. وهذا من غريب صنعه جل ~~وعلا الدال على كمال قدرته، وعلى البعث بعد الموت. ولاعتبار هذا اللازم ~~جعل ما ذكرنا علة غائية والله تعالى أعلم. ### || [18.13] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه صلى الله عليه وسلم -أنه يقص ~~عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكدا له أنهم فتية آمنوا بربهم، ~~وأن الله جل وعلا زادهم هدى. ويفهم من هذه الآية الكريمة - أن من آمن ~~بربه وأطاعه زاده ربه هدى. لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان. ~~وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر. كقوله تعالى # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # محمد 17، وقوله # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # العنكبوت 69 الآية، وقوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # الأنفال 29 الآية، وقوله # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون # التوبة 124، وقوله تعالى # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # الفتح 4 الآية، وقوله تعالى # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به # الحديد 28 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات المذكورة نصوص ~~صريحة في أن الإيمان يزيد - مفهوم منها أنه ينقص أيضا، كما استدل بها ~~البخاري رحمه الله على ذلك. وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا ~~وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [18.14] # قوله تعالى { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا }. أي ثبتنا ~~قلوبهم وقويناها على الصبر، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا ~~بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار في جبل لا ~~أنيس به، ولا ماء ولا طعام. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من كان في ~~طاعة ربه جل وعلا أنه تعالى يقوي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر ~~الجميل. وقد أشار تعالى ms1278 إلى وقائع من هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في ~~أهل بدر مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم ~~من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به ~~الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا # الأنفال 11-12، الآية، وكقوله في أم موسى # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين # القصص 10. وأكثر المفسرين على أن قوله { إذ قاموا } أي بين يدي ملك ~~بلادهم، وهو ملك جبار يدعو إلى عبادة الأوثان، يزعمون أن اسمه دقيانوس. ~~وقصتهم مذكورة في جميع كتب التفسير، أعرضنا عنها لأنها إسرائيليات. وفي ~~قيامهم المذكور هنا أقوال أخر كثيرة. والعامل في قوله " إذ " هو " ربطنا ~~" ، على قلوبهم حين قاموا. قوله تعالى { فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد ~~قلنا إذا شططا }. ذكر جل وعلا هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الفتية ~~الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى قالوا إن ربهم هو رب السموات والأرض، ~~وأنهم لن يدعوا من دونه إلها، وأنهم لو فعلوا ذلك قالوا شططا. أي قولا ~~ذا شطط. أو هو من النعت بالمصدر للمبالغة. كأن قولهم هو نفس الشطط. ~~والشطط البعد عن الحق والصواب. وإليه ترجع أقوال المفسرين، كقول بعضهم " ~~شططا " جوارا، تعديا، كذبا، خطا، إلى غير ذلك من الأقوال. وأصل مادة ~~الشطط مجاوزة الحد، ومنه أشط في السوم إذا جاوز الحد. ومنه قوله تعالى # ولا تشطط # ص 22 الآية. أو البعد، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة. # تشط غدا دار جيراننا وللدار بعد غد أبعد # ويكثر استعمال الشطط في الجور والتعدي، ومنه قول الأعشى # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن من أشرك مع خالق السموات ~~والأرض معبودا آخر فقد جاء بأمر شطط بعيد عن الحق والصواب في غاية الجور ~~والتعدي. لأن الذي يستحق العبادة هو ms1279 الذي يبرز الخلائق من العدم إلى ~~الوجود، لأن الذي لا يقدر على خلق غيره مخلوق يحتاج إلى خالق يخلقه ~~ويرزقه. # ويدبر شؤونه. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينا ~~في آيات أخر كثيرة، كقوله # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # البقرة 21-22، وقوله تعالى # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # النحل 17، وقوله تعالى # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # الرعد 16 أي الواحد القهار الذي هو خالق كل شيء هو المستحق للعبادة وحده ~~جل وعلا. وقوله جل وعلا # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # الأعراف 191، وقوله تعالى # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # الفرقان 3 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة { لقد قلنا إذا شططا } أي إذا دعونا من دونه إلها - ~~فقد قلنا شططا. ### || [18.15] # قوله تعالى { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ~~لولا يأتون عليهم بسلطان بين }. " لولا " في هذه ~~الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة. والمراد بهذا الطلب التعجيز، ~~لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتى بسلطان بين على جواز عبادة غير ~~الله تعالى. والمراد بالسلطان البين الحجة الواضحة. وما ذكره جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة من تعجيزهم عن الإتيان بحجة على شركهم وكفرهم وإبطال ~~حجة المشركين على شركهم - جاء موضحا في آيات كثيرة، كقوله تعالى # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # الأنعام 148، وقوله تعالى # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين # الأحقاف 4، وقوله تعالى منكرا عليهم # أم آتيناهم ms1280 كتابا من قبله فهم به مستمسكون # الزخرف 21، وقوله جل وعلا # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # الروم 35، وقوله تعالى # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة ~~منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا # فاطر 40، وقوله تعالى # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون # المؤمنون 117، والآيات الدالة على أن المشركين لا مستند لهم في شركهم ~~إلا تقليد آبائهم الضالين كثيرة جدا وقوله في هذه الآية الكريمة " هؤلاء ~~" مبتدأ، و " قوما " قيل عطف بيان، والخبر جملة " اتخذوا " وقيل " قومنا ~~" خبر المبتدأ، وجملة " اتخذوا في محل حال. والأول أظهر، والله تعالى ~~أعلم. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا }. أي ~~لا أحد ظلم ممن افترى على الله الكذب بادعاء أن له شريكا كما افتراه ~~عليه قوم أصحاب الكهف، كما قال عنهم أصحاب الكهف { هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة } الكهف 15 الآية. وهذا المعنى الذي ~~ذكره هنا من أن افتراء الكذب على الله يجعل الشركاء له هو أعظم الظلم جاء ~~مبينا في آيات كثيرة، كقوله # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جآءه # الزمر 32 الآية. وقوله # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك ~~يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين # هود 18، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [18.16] # " إذ " في قوله { وإذ اعتزلتموهم } للتعليل على التحقيق، كما ~~قاله ابن هشام وعليه فالمعنى ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من ~~دون الله، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام، ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيىء لكم من أمركم مرفقا، وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ~~ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته. وهذا المعنى يدل عليه أيضا قوله ~~تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام # وأعتزلكم وما ms1281 تدعون من دون الله وأدعو ربي ~~عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا فلما اعتزلهم ~~وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من ~~رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا # مريم 48-50. واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم. ~~وقوله { وما يعبدون إلا الله } اسم موصول في محل نصب معطوف ~~على الضمير المنصوب في قوله { اعتزلتموهم } أي واعتزلتم معبوديهم ~~من دون الله. وقيل " ما " مصدرية، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير ~~الله تعالى. والأول أظهر. وقوله { إلا الله } قيل هو استثناء متصل، بناء ~~على أنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. وقيل هو استثناء منقطع. بناء على ~~القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام، ولا يعرفون الله ولا يعبدونه. ~~وقوله { مرفقا } أي ما ترتفقون به أي تنتفعون به. وقرأه نافع وابن عامر ~~بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء. وقرأه باقي السبعة بكسر الميم ~~وفتح الفاء وترقيق الراء، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به، وفي عضو ~~الإنسان المعروف. وأنكر الكسائي في " المرفق " بمعنى عضو الإنسان - فتح ~~الميم وكسر الفاء، وقال هو بكسر الميم وفتح الفاء، ولا يجوز غير ذلك. ~~وزعم ابن الأنباري أن " من " في قوله { ويهيىء لكم من ~~أمركم } بمعنى البديلة، أي يهيىء لكم بدلا من " أمركم " الصعب ~~مرفقا وعلى هذا الذي زعم غاية كقوله تعالى # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # التوبة 38 أي بدلا منها وعوضا عنها. ومن هذا المعنى قول الشاعر # فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان # أي بدلا من ماء زمزم، والله تعالى أعلم. ومعنى { ينشر لكم } ~~يبسط لكم كقوله # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته # الشورى 28 الآية وقوله { ويهيىء } أي ييسر ويقرب ويسهل. ### || [18.17] # قوله تعالى { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله }. ~~اعلم أولا أما قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان ~~التي تضمنها ms1282 - أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية ~~قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا من ذلك أمثلة متعددة. وإذا علمت ~~ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية على قولين وفي نفس الاية ~~قرينة تدل على صحة أحدهما وعدم صحة الآخر. أما القول الذي تدل القرينة في ~~الآية على خلافه - فهو أن أصحاب الكهف كانوا في زاوية من الكهف، وبينهم ~~وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف، تقيهم حر الشمس عند طلوعها ~~وغروبها. على ما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى. وأما القول الذي تدل ~~القرينة في هذه الآية على صحته - فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من ~~الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله. إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع ~~عليهم على وجه خرق العادة. كرامة لهؤلاء القوم الصالحين، الذين فروا ~~بدينهم طاعة لربهم جل وعلا. والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى { ~~ذلك من آيات الله } إذ لو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول ~~الأول لكان ذلك أمرا معتادا مألوفا، وليس فيه غرابة حتى يقال فيه { ~~ذلك من آيات الله } وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه أنه تشهد له ~~القرينة المذكورة. فمعنى تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها، ~~وفرضها إياهم ذات الشمال عند غروبها - هو أن الله يقلص ضوءها عنهم ويبعده ~~إلى جهة اليمين عند الطلوع، وإلى جهة الشمال عند الغروب. والله جل وعلا ~~قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء. فإذا علمت هذا - فاعلم أن أصحاب القول ~~الأول اختلفوا في كيفية وضع الكهف.وجزم ابن كثير في تفسيره بأن الآية تدل ~~على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، قال لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا ~~دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي يتقلص الفيء يمنة. كما قال ~~ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة تزاور أي تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في ~~الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك ~~المكان. ولهذا قال تعالى { وإذا ms1283 غربت تقرضهم ذات ~~الشمال } أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق، فدل ~~على صحة ما قلناه وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير ~~الشمس والقمر والكواكب. وبيانه - أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق ~~لما دخل إليه منها شيء عند الغروب. # ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند ~~الغروب. ولا تزاور الفيء يمينا وشمالا. ولو كان من جهة الغرب لما دخلته ~~وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ~~ولله الحمد. انتهى كلام ابن كثير. وقال الفخر الرازي في تفسيره أصحاب هذا ~~القول قالوا إن باب الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس ~~كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل ~~إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه، انتهى كلام ~~الرازي. وقال أبو حيان في تفسير هذه الآية وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه ~~كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية. وقال عبد ~~الله بن مسلم كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وعلى هذا كان أعلى الكهف ~~مستورا من المطر. قال ابن عطية كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله ~~الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب، اختار الله لهم مضجعا متسعا في مقنأة ~~لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم. انتهى الغرض من كلام أبو حيان. والمقنأة ~~المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، وإلى غير ذلك من أقوال العلماء. والقول ~~الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا. وممن اعتمد القول الأول لأجل ~~القرينة المذكورة - الزجاج، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني ~~في تفسيريهما، لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة. وقال ~~الشوكاني رحمه الله في تفسيره ويؤيد القول الأول قوله تعالى { ذلك ~~من آيات الله } فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل ~~إليه عادة أنسب، بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضا إطلاق ms1284 الفجوة وعدم ~~تقييدها بكونها إلى جهة كذا. ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول ~~الشاعر # ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار # انتهى كلام الشوكاني. ومعلوم أن الفجوة هي المتسع. وهو معروف في كلام ~~العرب ومنه البيت المذكور، وقول الآخر # ونحن ملأنا كل واد وفجوة رجالا وخيلا غير ميل ولا عزل # ومنه الحديث " فإذا وجد فجوة نص ". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~وترى الشمس إذا طلعت } أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها ~~تميل على كهفهم. والمعنى أنك لو رأيتهم لرأيتهم كذلك. لا أن المخاطب رآهم ~~بالفعل، كما يدل لهذا المعنى قوله تعالى # لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا # الكهف 18 الآية والخطاب بمثل هذا مشهور في لغة العرب التي نزل بها هذا ~~القرآن العظيم. وأصل مادة التزاور الميل، فمعنى تزاور تميل. والزور ~~الميل، ومنه شهادة الزور، لأنها ميل عن الحق. ومنه الزيادة، لأن الزائر ~~يميل إلى المزور. # ومن هذا المعنى قول عنترة في معلقته # فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم # وقول عمر بن أبي ربيعة # وخفض عني الصوت أقبلت مشية ال حبات وشخصي خشية الحي أزور # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ذات اليمين } أي جهة اليمين، ~~وحقيقتها الجهة المسماة باليمين. وقال أبو حيان في البحر وذات اليمين جهة ~~يمين الكهف، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين، يعني يمين الداخل إلى ~~الكهف، أو يمين الفتية اه وهو منصوب على الظرف. وقوله تعالى { وإذا ~~غربت تقرضهم }. من القرض بمعنى القطيعة والصرم. أي تقطعهم ~~وتتجافى عنهم ولا تقربهم. وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه قول ~~غيلان ذي الرمة # نظرت بجرعاء السبية نظره ضحى وسواد العين في الماء شامس إلى ظعن يقرضن ~~أفواز مشرف شمالا وعن أيمانهن الفوارس # فقوله " يقرضن أفواز مشرف " أي يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال وعن ~~أيمانهن الفوارس، وهو موضع أو رمال الدهناء. والأقواز جمع قوز - بالفتح - ~~وهو العالي من الرمل كأنه جبل. ويروى أجواز مشرف - جمع جوز. من المجاز ~~بمعنى الطريق. وهذا الذي ms1285 ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى { ~~تقرضهم } خلافا لمن زعم أن معنى تقرضهم تقطعهم من ضوئها شيئا ثم ~~يزول سريعا كالقرض يسترد. ومراد قائل هذا القول - أن الشمس تميل عنهم ~~بالغداة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا ~~يتعفن. قال أبو حيان في البحر ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان ~~الفعل رباعيا، فتكون التاء في قوله " تقرضهم " مضمومة، لكن دل فتح التاء ~~من قوله " تقرضهم " على أنه من القرض بمعنى القطع، أي تقطع لهم من ضوئها ~~شيئا، وقد علمت أن الصواب القول الأول. وقد قدمنا أن الفجوة المتسع. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { تزاور عن كهفهم } فيه ~~ثلاث قراءات سبعيات قرأه ابن عامر الشامي " تزور " بإسكان الزاي وإسقاط ~~الألف وتشديد الراء. على وزن تحمر، وهو على هذه القراءة من الأزورار ~~بمعنى الميل. كقول عنترة المتقدم # فازور من وقع القنا. البيت # وقرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي بالزاي المخففة بعدها ألف. وعلى ~~هذه القراءة فأصله " تتزاور " فحذفت منه إحدى التاءين. على حد قوله في ~~الخلاصة # وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر # وقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري " تزاور " بتشديد ~~الزاي بعدها ألف، وأصله " تتزاور " أدغمت فيه التاء في الزاي. وعلى هاتين ~~القراءتين أعني قراءة حذف إحدى التاءين، وقراءة إدغامها في الزاي فهو من ~~التزاور بمعنى الميل أيضا. وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا، ~~وكقولهم سافر وعاقب وعافى. وعلى قول من قال كهف حواجز طبيعية تمنع من ~~دخول الشمس بحسب وضع الكهف فالإشارة في قوله { ذلك من آيات ~~الله } راجعة إلى ما ذكر من حديثهم. # أي ذلك المذكور إلى هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، ~~وإيوائهم إلى ذلك الكهف، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم - من آيات ~~الله. وأصل الآية عند المحققين " أيية " بثلاث فتحات، أبدلت فيه الياء ~~الأولى ألفا. والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال ~~في ms1286 الأخير. لأن التغير عادة أكثر في الأواخر، كما في طوى ونوى، ونحو ذلك. ~~وهنا أعلى الأول على خلاف الأغلب، كما أشار له في الخلاصة بقوله # وإن لحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق # والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين. وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين ~~أيضا. أما إطلاقاها في اللغة الأول منهما - أنها تطلق بمعنى العلامة، ~~وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى # إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت # البقرة 248 الآية، وقول عمر بن أبي ربيعة # بآية ما قالت غداة لقيتها بمدفع أكنان أهذا المشهر # يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله ~~قبله # ألكني إليها بالسلام فإنه يشهر إلمامي بها وينكر # وقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله # توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع # ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده # رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤدي كجذم الحوض أثلم خاشع # وأما الثاني منهما - فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون جاء القوم ~~بآيتهم، أي بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره # خرجنا من النقبين لاحى مثلنا بآياتنا لزجي اللقاح المطافلا # فقوله " بآياتنا " أي بجماعتنا. وإما إطلاقاها في القرآن فالأول منهما - ~~إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # آل عمران 190 أي علامات كونية قدرية يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن ~~خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن ~~من الآية بمعنى العلامة لغة. وأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها ~~على الآية الشرعية الدينية، كقوله # رسولا يتلو عليكم آيات الله # الطلاق 11 الآية ونحوها من الآيات. والآية الشرعية الدينية قيل هي من ~~الآية بمعنى العلامة لغة، لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها ~~علامات على ابتدائها وانتهائها. وقيل من الآية. بمعنى الجماعة، لاشتمال ~~الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن. قوله ms1287 تعالى { ~~من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا }. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الهدى ~~والإضلال بيده وحده جل وعلا، فمن هداه فلا مضل له، ومن أضله فلا هادي له. # وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدا، كقوله تعالى # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما # الإسراء 97 الآية، وقوله # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون # الأعراف 178، وقوله # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # القصص 56 الآية، وقوله # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # المائدة 41 الآية، وقوله # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~وما لهم من ناصرين # النحل 37، وقوله تعالى # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # الأنعام 125 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها ~~في القرآن - بطلان مذهب القدرية أن العبد مستقل بعمله من خير أو شر، وأن ~~ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه ~~شيء بدون مشيئته! وتعالى عن ذلك علوا كبيرا! وسيأتي بسط هذا المبحث إن ~~شاء الله تعالى. وقد أوضحناه أيضا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب في سورة " الشمس " في الكلام على قوله تعالى # فألهمها فجورها وتقواها # الشمس 8 وقوله { فلن تجد له وليا مرشدا } أي لن يكون ~~بينه وبينه سبب للمولاة يرشده إلى الصواب والهدى، أي لن يكون ذلك - لأن ~~من أضله الله فلا هادي له، وقوله { فهو المهتد } قرأه بإثبات ~~الياء في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو. وبقية السبعة قرؤوه بحذف الياء ~~في الحالين. ### || [18.18] # قوله تعالى { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود }. الحسبان ~~بمعنى الظن. والأيقاظ جمع يقظ - بكسر القاف وضمها -، ومنه قول عمر بن أبي ~~ربيعة ms1288 # فلما رأت من قد تنبه منهم وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر # والرقود جمع راقد وهو النائم، أي تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظا ~~والحال أنهم رقود. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره { لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } الكهف 18 الآية. ~~وقال بعض العلماء سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة، ~~وقيل لكثرة تقلبهم. وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } الكهف 18. وكلام ~~المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه. ولذا أعرضنا عن ~~ذكر الأقوال فيه. وقوله في هذه الآية { وتحسبهم } قرأه بفتح السين على ~~القياس ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان مشهورتان، والفتح أقيس والكسر ~~أفصح. قوله تعالى { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد }. ~~اختلفت عبارات المفسرين في المراد ب " الوصيد " فقيل هو فناء البيت. ~~ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقيل الوصيد الباب، وهو مروي عن ~~ابن عباس أيضا. وقيل الوصيد العتبة. وقيل الصعيد. والذي يشهد له القرآن ~~أن الوصيد هو الباب. ويقال له " أصيد " أيضا. لأن الله يقول " # إنها عليهم مؤصدة # الهمزة 8 أي مغلقة مطبقة. وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد، وهو الباب من ~~أبوابها. ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر # تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة # وقول ابن قيس الرقيات # إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقا مؤصدا عليه الحجاب # فالمراد بالإيصاد في جميع ذلك الإطباق والإغلاق. لأن العادة فيه أن يكون ~~بالوصيد وهو الباب. ويقال فيه أصيد. وعلى اللغتين القراءتان في قوله " ~~مؤصدة " مهموزا من الأصيد.. وغير مهموز من الوصيد. ومن إطلاق العرب ~~الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل زهير # بأرض فضاء لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر # أي لا يسد بابها علي، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي. كقول الآخر # ولا ترى الضب بها ينجحر # فإن قيل ms1289 كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية، والكهف غار في جبل لا باب ~~له؟ فالجواب أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه. فلا مانع من ~~تسمية المدخل إلى الكهف بابا. ومن قال الوصيد الفناء لا يخالف ما ذكرنا. ~~لأن فناء الكهف هو بابه، وقد قدمنا مرارا أن من أنواع البيان التي ~~تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في ~~الآية قرينة تدل على خلافه. # وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة إن المراد بالكلب في هذه ~~الآية - رجل منهم لا كلب حقيقي. واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة، ~~كقراءة " وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد " وقراءة " وكالئهم باسط ذراعيه ". ~~وقوله جل وعلا { باسط ذراعيه } قرينة على بطلان ذلك القول. لأن بسط ~~الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب " # وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي. وقراءة ~~" وكالئهم " بالهمزة لا تنافي كونه كلبا، لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم. ~~والكلاءة الحفظ. فإن قيل ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو " باسط " في ~~مفعوله الذي هو " ذراعيه " والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن ~~صلة " ال " لا يعمل إلا إذا كان واقعا في الحال أو المستقبل؟ فالجواب - ~~أن الآية هنا حكاية حال ماضية، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى # إني جاعل في الأرض خليفة # البقرة 30، وقوله تعالى # والله مخرج ما كنتم تكتمون # البقرة 72. واعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطا ~~ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم - يدل على أن صحبة الأخيار ~~عظيمة الفائدة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة وشملت ~~كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة ~~الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن اه. ويدل لهذا المعنى # " قوله صلى الله عليه وسلم ms1290 لمن قال إني أحب الله ورسوله " أنت مع من ~~أحببت " # متفق عليه من حديث أنس. ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم. ~~كما بينه الله تعالى في سورة " الصافات " في قوله # قال قآئل منهم إني كان لي قرين # الصافات 51 إلى قوله - # تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت ~~من المحضرين # الصافات 56-57. وما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم، فيقول ~~بعضهم اسمه قطمير. ويقول بعضه اسمه حمران، إلى غير ذلك - لم نطل به ~~الكلام لعدم فائدته. ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ~~ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة ~~فيه. وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى، ~~ونحن نعرض عن مثل ذلك دائما. كلون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وكالبعض الذي ~~ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر ~~عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، ~~وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه، ولا دليل ~~على التحقيق فيه. وقد قدمنا في سورة " الأنعام " في الكلام على قوله ~~تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما # الأنعام 145 الآية - حكم أكل لحم الكلب وبيعه، وأخذ قيمته إن قتل، وما ~~يجوز اقتناؤه منها وما لا يجوز. وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء ~~فيه. ### || [18.19] # قوله تعالى { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم ~~قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم }. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ~~ليتساءلوا بينهم، أي ليسأل بعضهم بعضا عن مدة لبثهم في الكهف في تلك ~~النومة، وأن بعضهم قال إنهم لبثوا يوما أو بعض يوم، وبعضهم رد علم ذلك ~~إلى الله جل وعلا. ولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس ~~الأمر، ولكنه بين ms1291 في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، ~~وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى # ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا ~~تسعا # الكهف 25 كما تقدم. قوله تعالى { فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما ~~فليأتكم برزق منه } الآية. في قوله هذه الآية " ازكى " ~~قولان للعلماء. أحدهما - أن المراد بكونه " أزكى " أطيب لكونه حلالا ليس ~~مما فيه حرام ولا شبهة. والثاني - أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم ~~زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر # قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب # أي أكثر من ثلاثة. والقول الأول هو الذي يدل له القرآن، لأن أكل الحلال ~~والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # المؤمنون 51 الآية، وقال # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # البقرة 172. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله # قد أفلح من تزكى # الأعلى 14 الآية، وقوله # قد أفلح من زكاها # الشمس 9 الآية، وقوله # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا # النور 21، وقوله # فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما # الكهف 81 وقوله # أقتلت نفسا زكية بغير نفس # الكهف 74 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فالزكاة في هذه الآيات ونحوها ~~يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية ~~الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم - الحلبة والطهارة، لا الكثرة. ~~وقد قال بعض العلماء إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، ~~وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين. وأن ذلك ~~مرادهم بالزكاة في قوله { أزكى طعاما } وقيل كان فيها أهل كتاب ومجوس. ~~والعلم عند الله تعالى. والورق في قوله تعالى { فابعثوا أحدكم ~~بورقكم } الفضة، وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة ~~مسائل من مسائل الفقه المسألة الأولى - جواز الوكالة وصحتها، لأن قولهم { ~~فابعثوا أحدكم بورقكم.. } الآية ms1292 تدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء ~~الطعام. وقال بعض العلماء لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقا بل مع ~~التقية والخوف، لأنهم لو خرجوا كلهم لشراء حاجاتهم لعلم بهم أعداؤهم في ~~ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. # وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على ~~الخصام. قال ابن العربي وكأن سحنون تلقه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام ~~قضائه، ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافا منهم وإذلالا ~~لهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل اه. وقال ~~القرطبي كلام ابن العربي هذا حسن. فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا ~~وإن كانوا حاضرين أصحاء، والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح - ~~ما أخرجه الصحيحان وغيرهما # " عن أبي هريرة قال كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من ~~الإبل، فجاء يتقاضاه فقال " أعطوه " فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا ~~فوقها. فقال " أعطوه " فقال أوفيتني أوفى الله لك. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " إن خيركم أحسنكم قضاء " # لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح ~~البدن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن ~~التي عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مريضا ولا مسافرا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما أنه ~~لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه " وهذا الحديث خلاف قولهما ~~اه كلام القرطبي. ولا يخفى ما فيه، لأن أبا حنيفة وسحنونا إنما خالفا ~~في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في الوكالة في ~~دفع الحق. وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على ~~صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيها بها ~~على غيرها. اعلم أولا أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز ~~الوكالة وصحتها في الجملة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى ms1293 هنا { ~~فابعثوا أحدكم بورقكم } هذه الآية، وقوله تعالى " " # والعاملين عليها # التوبة 60 الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها. واستدل لذلك بعض ~~العلماء أيضا بقوله # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي # يوسف 93 الآية، فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ~~ليرتد بصيرا. واستدل بعضهم لذلك أيضا بقوله تعالى عن يوسف # قال اجعلني على خزآئن الأرض # يوسف 55 الاية، فإن توكيل على ما في خزائن الأرض. وأما السنة فقد دلت ~~أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها، من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في ~~كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. ~~وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحوه. # ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعطاه دينارا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار ~~وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب لربح ~~فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني ~~وفيه التوكيل على الشراء. # " ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال أردت الخروج إلى ~~خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قفلت إني أردت الخروج إلى ~~خيبر؟ فقال " إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية ~~فضع يدك على ترقوته " # أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن له ~~وكيلا. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " # وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود. ومنها حديث علي رضى الله عنه قال ~~" أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق ~~بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئا - وقال نحن نعطيه ~~من عندنا " متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق ~~بلحومها وجلودها وأجلتها. وعدم إعطاء الجازر ms1294 شيئا منها. # " ومنها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعطاه غنما يقسمها على أصحابه فبقي عتود، فذكره للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال " ضح أنت به " # متفق عليه أيضا. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا، والأحاديث بمثل ذلك ~~كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحهما طرفا كافيا منها ذكرنا بعضه هنا. ~~وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه اشتمل كتاب ~~الوكالة - يعني من صحيح البخاري - على ستة وعشرين حديثا، المعلق منها ~~ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثا، ~~والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل ~~أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من ~~طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة ~~النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى ~~من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها. وأما ~~الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة وقال ابن ~~قدامة في المغني وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة ~~داعية إلى ذلك. فإن لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها، ~~انتهى منه. # وهذا مما لا نزاع فيه. فروع تتعلق بمسألة الوكالة الفرع الأول - لا يجوز ~~التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه. فلا تصح في فعل محرم، لأن التوكيل ~~من التعاون، والله يقول # ولا تعاونوا على الإثم والعدوان # المائدة 42 الآية. ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما، لأن ~~ذلك مطلوب من كل أحد بعينه، فلا ينوب فيه أحد من أحد، لأن الله يقول # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الذاريات 56 الآية. أما الحج عن الميت والمعضوب، والصوم عن الميت - فقد ~~دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك. وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن ~~الميت، لأن العبرة بالدليل الصحيح ms1295 من الوحي، لا بآراء العلماء إلا عند ~~عدم النص من الوحي. الفرع الثاني - ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق ~~وإثباتها والمحاكمة فيها. سواء كان الموكل حاضرا أو غائبا، صحيحا أو ~~مريضا. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى ~~وأبو يوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل ~~إذا كان الموكل حاضرا غير معذور، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق ~~لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه. وقد قدمنا في كلام ~~القرطبي أن هذا قول سحنون أيضا من أصحاب مالك. واحتج الجمهور بظواهر ~~النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه. قال مقيدة عفا الله ~~عنه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - في مسألة التوكيل على الخصام ~~والمحاكمة أن الصواب فيها التفصيل. فإن كان الموكل ممن عرف بالظلم ~~والجبروت والادعاء بالباطل - فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى # ولا تكن للخآئنين خصيما # النساء 105. وإن كان معروفا بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة. ~~والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث - ويجوز التوكيل بجعل وبدون جعل، ~~والدليل على التوكيل بغير جعل أنه صلى الله عليه وسلم وكل أنيسا في ~~إقامة الحد على المرأة، وعروة البارقي في شراء الشاة من غير جعل. ومثال ~~ذلك كثير في الأحاديث التي ذكرنا غيرها. والدليل على التوكيل بجعل قوله ~~تعالى # والعاملين عليها # التوبة 60 فإنه توكيل على جباية الزكاة وتفريقها بجعل منها كما ترى. ~~الفرع الرابع - إذا عزل الموكل وكيله في غيبته وتصرف الوكيل بعد العزل ~~وقبل العلم به، أو مات موكله وتصرف بعد موته وقبل العلم به، فهل يمضي ~~تصرفه نظرا لاعتقاده، أو لا يمضي نظرا للواقع في نفس الأمر. في ذلك ~~خلاف معروف بين أهل العلم مبني على قاعدة أصولية، وهي هل يستقل الحكم ~~بمطلق وروده وإن لم يبلغ المكلف. أو لا يكون ذلك إلا بعد بلوغه للمكلف، ~~ويبنى على الخلاف في هذه القاعدة الاختلاف في خمس وأربعين صلاة التي نسخت ~~من الخمسين ms1296 بعد فرضها ليلة الإسراء، هل يسمى ذلك نسخا في حق الأمة ~~لوروده، أو لا يسمى نسخا في حقهم. # لأنه وقع قبل بلوغ التكليف بالمنسوخ لهم. وإلى هذه المسألة أشار في ~~مراقي السعود بقوله # هل يستقل الحكم بالورود أو ببلوغه إلى الموجود فالعزل بالموت أو العزل ~~عرض كذا قضاء جاهل للمفترض # ومسائل الوكالة معروفة مفصلة في كتب فروع المذاهب الأربعة، ومقصودنا ذكر ~~أدلة ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع، وذكر أمثلة من فروعها تنبيها بها ~~على غيرها. لأنها باب كبير من أبواب الفقه. المسألة الثانية -أخذ بعض ~~علماء المالكية من هذه الآية الكريمة جواز الشركة، لأنهم كانوا مشتركين ~~في الورق التي أرسلوها ليشتري لهم طعام بها. وقال ابن العربي المالكي لا ~~دليل في هذه الآية على الشركة، لاحتمال أن يكون كل واحد منهم أرسل معه ~~نصيبه منفردا ليشتري له به طعامه منفردا. وهذا الذي ذكره ابن العربي ~~متجه كما ترى. وقد دلت أدلة أخرى على جواز الشركة. وسنذكر إن شاء الله ~~بهذه المناسبة أدلة ذلك، وبعض مسائله المحتاج إليها، وأقوال العلماء في ~~ذلك. اعلم أولا - أن الشركة جائزة في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع ~~المسلمين. أما الكتاب فقد دلت على ذلك منه آيات في الجملة، كقوله تعالى # فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث # النساء 12، وقوله تعالى # وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على ~~بعض # ص 24 عند من يقول إن الخلطاء الشركاء، وقوله تعالى # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # الأنفال 41 الآية، وهي تدل على الاشتراك من جهتين. وأما السنة - فقد دلت ~~على جواز الشركة أحاديث كثيرة سنذكر هنا إن شاء الله طرفا منها. فمن ذلك ~~ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه ~~قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم، وإلا فقد عتق عليه ما عتق " # وقد ثبت نحوه نحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن ms1297 النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بالاشتراك في الرقيق. وقد ~~ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه لحديث ابن عمر وأبي هريرة المذكورين ~~بقوله باب الشركة في الرقيق، ومن ذلك، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ~~رحمهما الله عن أبي المنهال قال اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ~~ونسيئه، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم ~~وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال # " ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه " # وفيه إقراره صلى الله عليه وسلم البراء وزيدا المذكورين على ذلك ~~الاشتراك. # وترجم البخاري رحمه الله لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله باب الاشتراك ~~في الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف. ومن ذلك إعطاءه صلى الله عليه وسلم ~~أرض خيبر لليهود ليعملوا فيها ويزرعوها، على أن لهم شطر ما يخرج من ذلك، ~~وهو اشتراك في الغلة الخارجة منها، وقد ترجم البخاري رحمه الله لهذا ~~الحديث في كتاب الشركة بقوله باب مشاركة الذميين والمشركين في المزارعة ~~ومن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى بالشفعة. في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة. وترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله باب ~~الشركة في الأرضين وغيرها. ثم ساق الحديث بسند آخر، وترجم له أيضا بقوله ~~باب إذا قسم الشركاء الدور وغيرها، فليس لهم رجوع ولا شفعة ومن ذلك ما ~~رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا قال إن الله يقول # " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما ~~" # قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار في هذا الحديث ~~صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان. وقد ذكره ابن ~~حبان في الثقات، وأعله أيضا ابن القطان بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا ~~هريرة وقال إنه الصواب. ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان وسكت ms1298 ~~أبو داود والترمذي على هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في ~~الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. انتهى منه. ومن المعروف عن أبي داود ~~رحمه الله - أنه لا يسكت الكلام في حديث إلا وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج. ~~والسند الذي أخرجه به أبو داود الظاهر منه أنه صالح للاحتجاج، فإنه قال ~~حدثنا محمد بن سليمان المصيصي ثنا محمد بن الزبرقان عن أبي حيان التيمي ~~عن أبيه عن أبي هريرة رحمه الله رفعه قال إن الله يقول # " أنا ثالث الشريكين " # إلى أخر الحديث. فالطبقة الأولى من هذا الإسناد هي محمد بن سليمان، وهو ~~أبو جعفر العلاف الكوفي. ثم المصيصي لقبه لوين بالتصغير، وهو ثقة. ~~والطبقة الثانية منه محمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، وهو من رجال ~~الصحيحين، وقال في التقريب صدوق، ربما وهم. والطبقة الثالثة منه - هي أبو ~~حيان التيمي، وهو يحيى بن سعد بن حيان الكوفي، وهو ثقة. والطبقة منه - هي ~~أبوه سعيد بن حيان المذكور الذي قدمنا في كلام الشوكاني أن ابن القطان ~~أعل هذا الحديث بأنه مجهول، ورد ذلك بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات. ~~وقال ابن حجر في التقريب إنه وثقه العجلي أيضا. والطبقة الخامسة منه - ~~أبو هريرة رفعه. # فهذا إسناد صالح كما ترى. وإعلال الحديث بأنه روي موقوفا من جهة أخرى ~~يقال فيه إن الرفع زيادة. وزيادة العدول مقبولة كما تقرر في الأصول وعلوم ~~الحديث. ويؤيده كونه جاء من طريق أخرى عن حكيم بن حزام كما ذكرناه في ~~كلام الشوكاني آنفا. ومن ذلك حديث السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا ~~تماريني. أخرجه أبو داود وابن ماجه. ولفظه كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا ~~تداري ولا تماري. وأخرجه أيضا النسائي والحاكم وصححه. وفيه إقرار ~~النبي صلى الله عليه وسلم له على كونه كان شريكا له. والأحاديث الدال ~~على الشركة كثيرة جدا. وقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب ms1299 ~~الشركة ما نصه اشتمل الشركة يعني من صحيح البخاري من الأحاديث المرفوعة ~~على سبعة وعشرين حديثا، المعلق منها واحد، والبقية موصولة، المكرر منها ~~فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثا، والخالص أربعة عشر، وافقه مسلم على ~~تخريجها سوى حديث النعمان " مثل القائم على حدود الله " ، وحديثي عبد ~~الله بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزبير في ~~قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى ~~كلام ابن حجر. وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدالة على الشركة في الجملة. ~~وأما الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع ~~الشركات، وإنما الخلاف بينهم في بعض أنواعها. اعلم أولا - أن الشركة ~~قسمان شركة أملاك، وشركة عقود. فشركة الأملاك - أن يملك عينا اثنان أو ~~أكثر بإرث، أو شراء، أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكية بالشركة ~~الأعمية. وشركة العقود - تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، ~~وشركة أبدان، وشركة مضاربة. وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض. ~~أما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى # فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث # النساء 12 ولا خلاف فيها بين العلماء. وأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن ~~شاء الله هنا معانيها، وكلام العلماء فيها، وأمثلة للجائز منها تنبيها ~~بها على غيرها، وما ورد من الأدلة في ذلك. اعلم - أن شركة المفاوضة مشتقة ~~من التفويض. لأن كل واحد منهما يفوض أمر التصرف مال الشركة إلى الآخر. ~~ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون # وأفوض أمري إلى الله # غافر 44 الآية. وقيل أصلها من المساواة. لاستواء الشريكين فيها في ~~التصرف والضمان. وعلى هذا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قول الأفوه ~~الأودي # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذ جهالهم سادوا إذا تولى ~~سرة الناس أمرهم نما على ذاك أمر القوم وازدادوا # فقوله " لا يصلح الناس فوضى " أي لا تصلح أمورهم في حال كونهم فوضى، أي ms1300 ~~متساوين لا أشراف لهم يأمرونهم وينهونهم. والقول الأول هو الصواب. هذا هو ~~أصلها في اللغة. وأما شركة العنان - فقد اختلف في أصل اشتقاقها اللغوي. ~~فقيل أصلها من عن الأمر يعن - بالكسر والضم - عنا وعنونا إذا عرض. ومنه ~~قول امرىء القيس # فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذيل # قال ابن منظور في اللسان وشرك العنان وشركة العنان شركة في شيء خاص دون ~~سائر أموالهما. كأنه عن لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك قول ~~النابغة الجعدي # فشاركنا قريشا في تقاها وفي أحسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني ~~هلال وما ولدت نساء بني أبان # وبهذا تعلم أن شركة العنان معروفه في كلام العرب، وأن قول ابن القاسم من ~~أصحاب مالك إنه لا يعرف شركة العنان عن مالك، وأنه لم ير أحدا من أهل ~~الحجاز يعرفها، وإنما يروى عن مالك والشافعي من أنهما لم يطلقا هذا الإسم ~~على هذه الشركة، وأنهما قالا هي كلمة تطرق بها أهل الكوفة ليمكنهم ~~التمييز بين الشركة العامة والخاصة من غير أن يكون مستعملا في كلام ~~العرب. كل ذلك فيه نظر لما عرفت أن كان ثابتا عنهم. قال مقيدة عفا الله ~~عنه وغفر له. اعلم - أن مراد النابغة في بيتيه المذكورين # بما ولدت نساء بني هلال # ابن عامر بن صعصعة، أن منهم لبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وهما أختان، ~~ابنتا الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال، ~~وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج للنبي صلى الله عليه وسلم. أما لبابة ~~الكبرى - فهي زوج العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهي أم أبنائه عبد ~~الله، وعبيد الله، والفضل وبه كانت تكنى، وفيها يقول الراجز # ما ولدت نجيبة من فحل كستة من بطن أم الفضل # وأما لبابة الصغرى - فهي أم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعمتهما صفية ~~بنت حزن هي أم أبي سفيان بن حرب. وهذا مراده # بما ولدت نساء بني هلال # وأما نساء بني أبان فإنه يعنى ms1301 أن أبا العاص، والعاص، وأبا العيص، والعيص ~~أبناء أمية بن عبد شمس، أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن ~~صعصعة فهذه الأرحام المختلطة بن العامريين وبين قريش هي مراد النابغة ~~بمشاركتهم لهم في الحسب والتقى - شرك العنان. وقيل إن شركة العنان أصلها ~~من عنان الفرس. كما يأتي إيضاحه إن شاء الله. وهو المشهور عند العلماء. ~~وقيل هي من المعاناة بمعنى المعارضة، يقال عاننته إذا عارضته بمثل ماله ~~أو فعاله، فكل واحد من الشريكين يعارض الآخر بماله وفعاله - وهي بكسر ~~العين على الصحيح خلافا لمن زعم فتحها، ويروى عن عياض وغيره وادعاء أن ~~أصلها من عنان السماء بعيد جدا كما ترى. # وأما شركة الوجوه - فأصلها من الوجاهة. لأن الوجيه تتبع ذمته بالدين، ~~وإذا باع شيئا باعه بأكثر مما يبيع به الخامل. وأما شركة الأبدان - ~~فأصلها اللغوي واضح، لأنهما يشتركان بعمل أبدانهما، ولذا تسمى شركة ~~العمل، إذ ليس الاشتراك فيها بالمال، وإنما هو بعمل البدن. وأما شركة ~~المضاربة وهي القراض - فأصلها من الضرب في الأرض، لأن التاجر يسافر في ~~طلب الربح. والسفر يكنى عنه بالضرب في الأرض، كما في قوله تعالى # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # المزمل 20 الآية، وقوله # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة # النساء 101 الآية. فإذا عرفت معاني أنواع الشركة في اللغة، فسنذكر لك إن ~~شاء الله تعالى هنا معانيها المرادة بها في الاصطلاح عند الأئمة الأربعة ~~وأصحابهم، وأحكامها، لأنهم مختلفون في المراد بها اصطلاحا، وفي بعض ~~أحكامها. أما مذهب مالك في أنواع الشركة وأحكامها فهذا تفصيله اعلم - أن ~~شركة المفاوضة جائزة عند مالك وأصحابه. والمراد بشركة المفاوضة عندهم هو ~~أن يطلق كل واحد منهما التصرف لصاحبه في المال الذي اشتركا فيه غيبة ~~وحضورا، وبيعا وشراء، وضمانا وتوكيلا. وكفالة وقراضا. فما فعل ~~أحدهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائدا على شركتهما. ولا يكونان شريكين ~~إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما، دون ما ينفرد به ms1302 كل واحد منهما ~~من ماله. وسواء اشتركا في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما، وتكون يد كل ~~منهما كيد صاحبه، وتصرفه كتصرفه ما لم يتبرع بشيء ليس في مصلحة الشركة. ~~وسواء كانت المفاوضة بينهما في جميع أنواع المتاجر أو في نوع واحد منها، ~~كرقيق يتفاوضان في التجارة فيه فقط، ولكل واحد منهما أن يبيع بالدين ~~ويشتري فيه ويلزم ذلك صاحبه وهذا هو الصواب. خلافا لخليل في مختصره في ~~الشراء بالدين. وقد أشار خليل في مختصره إلى جواز شركة المفاوضة في مذهب ~~مالك مع تعريفها، وما يستلزمه عقدها من الأحكام بالنسبة إلى الشريكين ~~بقوله ثم إن أطلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة، ولا يفسدها انفراد أحدهما ~~بشيء وله أن يتبرع إن استألف به أوخف كإعارة آلة ودفع كسرة ويبضع ويقارد ~~ويودع لعذر وإلا ضمن، ويشارك في معين ويقيل ويولى ويقبل المعيب وإن أبى ~~الآخر، ويقر بدين لمن لا يتهم عليه، ويبيع بالدين لا الشراء به. ككتابة ~~وعتق على مال، وإذن لعبد في تجارة ومفاوضة وقد قدمنا أن الشراء بالدين ~~كالبيع به. فللشريك فعله بغير إذن شريكه على الصحيح من مذهب مالك خلافا ~~لخليل وأما الكتابة والعتق على المال وما عطف عليه - فلا يجوز شيء منه ~~إلا بإذن الشريك. # واعلم - أن الشركة المفاوضة هذه في مذهب مالك لا تتضمن شيئا من أنواع ~~الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشافعية ومن وافقهم لأن ما ~~استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث، واكتساب ~~مباح كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه. كما أن ما لزمه ~~غرمه خارجا عن الشركة كأرش جناية، وثمن مغصوب ونحو ذلك، لا شيء منه على ~~شريكه، بل يقتصر كل ما بينهما على ما كان متعلقا بمال الشركة، فكل منهما ~~وكيل عن صاحبه، وكفيل عليه في جميع ما يتعلق بمال الشركة، وهكذا اقتضاه ~~العقد الذي تعاقدا عليه. فلا موجب للمنع ولا غرر في هذه الشركة عند ~~المالكية، لأنهم لا يجعلون المتفاوضين شريكين في كل ما ms1303 اكتسبا جميعا حتى ~~يحصل الغرر بذلك، ولا متضامنين في كل ما جنيا حتى يحصل الغرر بذلك. بل هو ~~عقد على أن كل واحد منهما نائب عن الآخر في كل التصرفات في مال الشركة، ~~وضامن عليه في كل ما يتعلق بالشركة.. وهذا لا مانع منه كما ترى، وبه تعلم ~~أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال، لا في ~~حقيقة. وأما شركة العنان - فهي جائزة عند الأئمة الأربعة. مع اختلافهم في ~~تفسيرها - وفي معناها في مذهب مالك قولان، وهي جائزة على كلا القولين ~~الأول وهو المشهور - أنها هي الشركة التي يشترط كل واحد من الشريكين فيها ~~على صاحبه ألا يتصرف في مال الشركة إلا بحضرته وموافقته، وعلى هذا درج ~~خليل في مختصره بقوله وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان، وهي على هذا القول ~~من عنان الفرس. لأن عنان كل واحد من الشريكين بيد الآخر فلا يستطيع ~~الاستقلال دونه بعمل، كالفرس التي يأخذ راكبها بعنانها فإنها لا تستطيع ~~الذهاب إلى جهة بغير رضاه. والقول الثاني عند المالكية أن شركة العنان هي ~~الاشتراك في شيء خاص. وبهذا جزم ابن رشد ونقله عنه المواق في شرح قول ~~خليل وإن اشترطا نفي الاستبداد الخ. وهذا المعنى الأخير أقرب للمعروف في ~~اللغة كما قدمنا عن ابن منظور في اللسان وأما شركة الوجوه - فلها عند ~~العلماء معان الأول منها - هو أن يشترك الوجيهان عند الناس بلا مال ولا ~~صنعة. بل ليشتري كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معا. فإذا باعا كان ~~الربح الفاضل عن الأثمان بينهما. وهذا النوع من شركة الوجوه هو المعروف ~~عند المالكية بشركة الذمم، وهو فاسد عند المالكية والشافعية. خلافا ~~للحنفية والحنابلة. ووجه فساده ظاهر. لما فيه من الغرر، لاحتمال أن يخسر ~~هذا ويربح هذا كالعكس. وإلى فساد هذا النوع من الشركة أشار ابن عاصم ~~المالكي في تحفته بقوله # وفسخها إن وقعت على الذمم ويقسمان الربح حكم ملتزم # المعنى الثاني من معانيها - أن يبيع وجيه مال خامل بزيادة ربح، على أن ~~يكون ms1304 له بعض الربح الذي حصل في المبيع بسبب وجاهته. لأن الخامل لو كان هو ~~البائع لما حصل ذلك الربح. وهذا النوع أيضا فاسد. لأنه عوض جاه، كما ~~قاله غير واحد من أهل العلم والمعنى الثالث - أن يتفق وجيه وخامل على أن ~~يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما. وهذا النوع ~~أيضا فاسد عند المالكية والشافعية، لما ذكرنا من الغرر سابقا. وأما ~~شركة الأبدان عن المالكية - فهي جائزة بشروط، وهي أن يكون عمل الشركين ~~متحدا كخياطين. أو متلازما كأن يغزل أحدهما وينسج الآخر، لأن النسج لا ~~بد له من الغزل، وأن يتساويا في العمل جودة ورداءة وبطأ وسرعة، أو ~~يتقاربا في ذلك، وأن يحصل التعاون بينهما. إلى جواز هذا النوع من الشركة ~~بشروطه أشار خليل في مختصره بقوله وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم وتساويا ~~فيه، أو تقاربا وحصل التعاون، وإن بمكانين. وفي جواز إخراج كل آلة ~~واستئجاره من الآخر. أو لا بد من ملك أو كراء تأويلان، كطبيبين اشتركا في ~~الدواء، وصائدين في البازين، وهل وإن افترقا رويت عليهما وحافرين بكركاز ~~ومعدن، ولم يستحق وارثه بقيته وأقطعه الإمام. وقيد بما لم يبد، ولزمه ما ~~يقبله صاحبه وإن تفاصلا وألغى مرض كيومين الخ. وبهذا تعلم أن شركة ~~الأبدان جائزة عند المالكية في جميع أنواع العمل من صناعات بأنواعها، وطب ~~واكتساب مباح. كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، وغير ذلك بالشروط ~~المذكورة. وقال ابن عاصم في تحفته # شركة بمال أو بعمل أو بهما تجوز لا لأجل # وبقي نوع معروف عند المالكية من أنواع الشركة يسمى في الاصطلاح ب " ~~شركة الجبر " وكثير من العلماء يخالفهم في هذا النوع الذي هو " شركة ~~الجبر ". وشركة الجبر هي أن يشتري شخص سلعة بسوقها المعهود لها، ليتجر ~~بها بحضرة بعض تجار جنس تلك السلعة الذين يتجرون فيها، ولم يتكلم أولئك ~~التجار الحاضرون. فإن لهم إن أرادوا الاشتراك في تلك السلعة مع ذلك ~~المشتري أن يجبروه على ذلك، ويكونون شركاءه في تلك السلعة شاء أو أبى. ~~وشركتهم هذه معه ms1305 جبرا عليه - هي " شركة الجبر " المذكورة. فإن كان ~~اشتراها ليقتنيها لا ليتجر بها، أو اشتراها ليسافر بها إلى محل آخر ولو ~~للتجارة بها فيه - فلا جبر لهم عليه. وأشار خليل في مختصره إلى " شركة ~~الجبر " بقوله واجبر عليها إن اشترى شيئا يسوقه لا لكفر أو قنية، وغيره ~~حاضر لم يتكلم من تجاره. وهل في الزقاق لا كبيته قولان. # أما شركة المضاربة - فهي القراض، وهو أن يدفع شخص إلى آخر مالا ليتجر ~~به على جزء من ربحه يتفقان عليه. وهذا النوع جائز بالإجماع إذا استوفى ~~الشروط كما سيأتي إن شاء الله دليله. وأما أنوع الشركة في مذهب الشافعي ~~رحمه الله فهي أربعة ثلاثة منها باطلة في مذهبه، والرابع صحيح. وأما ~~الثلاثة الباطلة - فالأول مها " شركة الأبدان " كشركة الحمالين، وسائر ~~المحترفين كالخياطين، والنجارين، والدلالين، ونحو ذلك، ليكون بينهما ~~كسبهما متساويا أومتفاوتا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها. فاتفاق الصنعة ~~كشركة خياطين، واختلافها كشركة خياط ونجار ونحو ذلك. كل ذلك باطل في مذهب ~~الشافعي، ولا تصح عنده الشركة إلا بالمال فقط لا بالعمل. ووجه بطلان شركة ~~الأبدان عند الشافعية - هو أنها شركة لا مال فيها، وأن فيها غررا، لأن ~~كل واحد منهما لا يدري أيكتسب صاحبه شيئا أم لا، ولأن كل واحد منهما ~~متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي ~~متميزة على أن يكون النسل والدر بينهما، وقياسا على الاحتطاب والاصطياد. ~~هكذا توجيه الشافعية للمنع في هذا النوع من الشركة. وقد علمت فيما مر ~~شروط جواز هذا النوع عند المالكية، إذ بتوفر الشروط المذكورة ينتفي ~~الغرر. والثاني من الأنواع الباطلة عند الشافعية - هو شركة المفاوضة، وهي ~~عندهم أن يشتركا على أن يكون بينهما جميع كسبهما بأموالهما وأبدانهما، ~~وعليهما جميع ما يعرض لكل واحد منهما من غرم، سواء كان بغصب أو إتلاف أو ~~بيع فاسد أو غير ذلك. ولا شك أن هذا النوع مشتمل على أنواع من الغرر ~~فبطلانه واضح، وهو ممنوع عند المالكية، ولا يجيزون هذا ولا يعنونه ب " ~~شركة ms1306 المفاوضة " كما قدمنا. وقد قال الشافعي رحمه الله في هذا النوع إن ~~لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا - يشير إلى كثرة ~~الغرر والجهالات فيها لاحتمال أن يكسب كل واحد منهما كسبا دون الآخر، ~~وأن تلزم كل واحد منهما غرامات دون الآخر، فالغرر ظاهر في هذا النوع ~~جدا. والثالث من الأنواع الباطلة عند الشافعية - هو " شركة الوجوه " وهي ~~عندهم أن يشترط الوجيهان ليبتاع كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معا ~~فإذا باعا كان الفاضل من الأثمان بينهما. وهذا النوع هو المعروف عند ~~المالكية ب " شركة الذمم ". ووجه فساده ظاهر، لما فيه من الغرر، لأن ~~كلا منهما يشتري في ذمته ويجعل كل منهما للآخر نصيبا من ربح ما اشترى ~~في ذمته، مقابل نصيب من ربح ما اشترى الآخر في ذمته. والغرر في مثل هذا ~~ظاهر جدا. وبقية أنواع " شركة الوجوه " ذكرناه في الكلام عليها في مذهب ~~مالك، وكلها ممنوعة في مذهب مالك ومذهب الشافعي، ولذا اكتفينا بما قدمنا ~~عن الكلام على بقية أنواعها في مذهب الشافعي أما النوع الرابع من أنواع ~~الشركة الذي هو صحيح عند الشافعية - فهو " شركة العنان " وهي أن يشتركا ~~في مال لهما ليتجرا فيه. # ويشترط فيها عندهم صيغة تدل على الإذن في التصرف في مال الشركة، فلو ~~اقتصرا على لفظ " اشتركنا " لم يكف على الأصح عندهم. ويشترط في الشريكين ~~أهلية التوكيل والتوكل، وهذا الشرط مجمع عليه. وتصح " شركة العنان " عند ~~الشافعية في المثليات مطلقا دون المقومات وقيل تختص بالنقد المضروب. ~~ويشترط عندهم فيها خلط المالين. بحيث لا يتميز أحدهم من الآخر. والحيلة ~~عندهم في الشركة في العروض - هي أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ~~ويأذن له في التصرف، ولا يشترط عندهم تساوي المالين. والربح والخسران على ~~قدر المالين، سواء تساويا في العمل أو تفاوتا. وإن شرطا خلاف ذلك فسد ~~العقد، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله. عقد الشركة ~~المذكورة يسلط كل واحد منهما على التصرف في ms1307 مال الشركة بلا ضرر، فلا يبيع ~~بنسيئة، ولا بغبن فاحش، ولا يبضعه بغير إذن شريكه، ولكل منهما فسخها متى ~~شاء. وأما تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله - فهو ~~أن الشركة تنقسم إلى ضربين شركة ملك، وشركة عقد. فشركة الملك واضحة. كأن ~~يملكان شيئا بإرث أو هبة ونحو ذلك كما تقدم. وشركة العقد عندهم تنقسم ~~إلى ثلاثة أقسام شركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه. وكل قسم من ~~هذه الأقسام الثلاثة عندهم ينقسم قسمين مفاوضة، وعنان. فالمجموع ستة ~~أقسام. أما شركة المفاوضة عندهم - فهي جائزة إن توفرت شروطها، وهي عندهم ~~الشركة التي تتضمن وكالة كل من الشريكين للآخر، وكفالة كل منهما الآخر، ~~ولا بد فيها من مساواة الشريكين في المال والدين والتصرف. فبتضمنها ~~الوكالة يصح تصرف كل منهما في نصيب الآخر. وبتضمنها الكفالة يطلب كل ~~منهما بما لزم الآخر. وبماساواتهما في المال يمتنع أحد أن يستبد أحدهما ~~بشيء تصح الشركة فيه دون الآخر. ولذا لو ورث بعد العقد شيئا تصح الشركة ~~فيه كالنقد بطلت المفاوضة، ورجعت الشركة شركة عنان. وبتضمنها المساواة في ~~الدين تمتنع بين مسلم وكافر. وبتضمنها المساواة في التصرف تمتنع بين بالغ ~~وصبي، وبين حر وعبد، وكل ما اشتراه واحد من شريكي المفاوضة فهو بينهما. ~~إلا طعام أهله وكسوتهم وكل دين لزم أحدهما بتجارة وغصب وكفالة لزم الآخر. ~~ولا تصح عندهم شركة مفاوضة أو عنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقة. ~~والحيلة في الشركة في العروض عندهم هي ما قدمناه عن الشافعية، فهم متفقون ~~في ذلك. وأما شركة العنان فهي جائزة عند الحنفية. # وقد قدمنا الإجماع على جوازها على كل المعاني التي تراد بها عند ~~العلماء. وشركة العنان عند الحنفية - هي الشركة التي تتضمن الوكالة ~~وحدها، ولم تتضمن الكفالة. وهي أن يشتركا في نوع بز أو طعام أو في عموم ~~التجارة ولم يذكر الكفالة. ويعلم من هذا - أن كل ما اشتراه أحدهما كان ~~بينهما، ولا يلزم أحدهما ما لزم الآخر من الغرامات، وتصح عندهم شركة ~~العنان المذكورة ms1308 مع التساوي في المال دون الربح وعكسه إذا كانت زيادة ~~الربح لأكثرهما عملا. لأن زيادة الربح في مقابلة زيادة العمل وفاقا ~~للحنابلة. وعند غيرهم لا بد أن يكون الربح بحسب المال. ولو اشترى أحد ~~الشريكين " شركة العنان " بثمن فليس لمن باعه مطالبة شريكه الآخر، لأنها ~~لا تتضمن الكفالة بل يطالب الشريك الذي اشترى منه فقط، ولكن الشريك يرجع ~~إعلى شريكه بحصته. ولا يشترط في هذه الشركة عندهم خلط المالين، فلو اشترى ~~أحدهما بماله وهلك مال الآخر كان المشتري بينهما، ويرجع على شريكه بحصته ~~منه. وتبطل هذه الشركة عندهم بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء. وتفسد ~~عندهم باشتراط دراهم مسماة من الربح لأحدهما.ويجوز عندهم لكل من شريكي ~~المفاوضة والعنان - أن يبضع ويستأجر. ويودع ويضارب ويوكل. ويد كل منهما ~~في مال الشركة يد أمانة، كالوديعة والعارية وأما شركة الأعمال ففيها ~~تفصيل عند الحنفية. فإن كان العمل من الصناعات ونحوها جازت عندهم شركة ~~الأعمال، ولا يشترطون اتحاد العمل أو تلازمه - خلافا للمالكية كما تقدم ~~فيجوز عند الحنفية أن يشترك خياطان مثلا، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا ~~الأعمال، ويكون الكسب بينهما، وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما وإذا عمل ~~أحدهما دون الآخر فما حصل من عمله فهو بينهما. وإنما استحق فيه الذي لم ~~يعمل لأنه ضمنه بتقبل صاحبه له، فاستحق نصيبه منه بالضمان. وهذا النوع ~~الذي أجازه الحنفية لا يخفى أنه لا يخلو من غرر في الجملة عند اختلاف ~~صنعة الشريكين. لاحتمال أن يحصل أحدهما أكثر مما حصله الآخر. فالشروط ~~التي أجاز بها المالكية " شركة الأعمال " أحوط وأبعد من الغرر كما ترى. ~~وأما إن كانت الأعمال من جنس اكتساب المباحات فلا تصح فيها الشركة عند ~~الحنفية، كالاحتطاب والاحتشاش، والاصطياد واجتناء الثمار من الجبال ~~والبراري، خلافا للمالكية والحنابلة. ووجه منعه عند الحنفية - أن من ~~اكتسب مباحا كحطب أو حشيش أو صيد ملكه ملكا مستقلا. فلا وجه لكون جزء ~~منه لشريك آخر، لأنه لا يصح التوكيل فيه ومن أجازه قال إن كل واحد منهما ~~جعل للآخر ms1309 نصيبا من ذلك المباح الذي يكتسبه في مقابل النصيب الذي يكتسبه ~~الآخر. والمالكية القائلون بجواز هذا يشترطون اتحاد العمل أو تقاربه، فلا ~~غرر في ذلك، ولا موجب للمنع. # وفي اشتراط ذلك عند الحنابلة خلاف كما سيأتي إن شاء الله. وأما " شركة ~~الوجوه " التي قدمنا أنها هي المعروفة عند المالكية " بشركة الذمم " ~~وقدمنا منعها عند المالكية والشافعية - فهي جائزة عند الحنفية، سواء كانت ~~مفاوضة أو عنانا. وقد علمت مما تقدم أن المفاوضة عندهم تتضمن الوكالة ~~والكفالة. وأن العنان تتضمن الوكالة فقط، وإن اشترط الشريكان في " شركة ~~الوجوه " مناصفة المشتري أو مثالثته - فالربح كذلك عندهم وبطل عندهم شرط ~~الفضل. لأن الربح عندهم لا يستحق إلا بالعمل. كالمضارب أو بالمال كرب ~~المال. أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من الناس ويلقيه على ~~التلميذ بأقل مما أخذ، فيطيب له الفضل بالضمان - هكذا يقولونه. ولا يخفى ~~ما في " شركة الوجوه " من الغرر. واعلم أن الربح في الشركة الفاسدة على ~~حسب المال إن كانت شركة مال، وعلى حسب العمل إن كانت شركة عمل، وهذا ~~واضح، وتبطل الشركة بموت أحدهما. وأما تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام ~~أحمد رحمه الله - فهي أيضا قسمان شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود ~~عند الحنابلة خمسة أنواع شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، ~~والمفاوضة. أما شركة الأبدان فهي جائزة عندهم، سواء كان العمل من ~~الصناعات أو اكتساب المباحات. أما مع اتحاد العمل فهي جائزة عندهم بلا ~~خلاف. وأما مع اختلاف العمل فقال أبو الخطاب لا تجوز وفاقا للمالكية. ~~وقال القاضي تجوز وفاقا للحنفية في الصناعات دون اكتساب المباحات. وإن ~~اشتركا على أن يتقبل أحدهما للعمل ويعمله الثاني والأجرة بينهما صحت ~~الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافا لزفر. والربح في شركة الأبدان على ~~ما اتفقوا عليه عند الحنابلة. وأما شركة الوجوه التي قدمنا أنها هي ~~المعروفة بشركة الذمم عند المالكية فهي جائزة أيضا في مذهب الإمام أحمد ~~وفاقا لأبي حنيفة، وخلافا لمالك والشافعي. وأما شركة العنان فهي جائزة ~~أيضا عند الإمام أحمد. وقد قدمنا ms1310 الإجماع على جوازها. وهي عندهم أن ~~يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما. وهذه ~~الشركة إنما تجوز عندهم بالدنانير والدراهم، ولا تجوز بالعروض. وأما شركة ~~المفاوضة - فهي عند الحنابلة قسمان أحدهما جائز والآخر ممنوع. وأما ~~الجائز منهما فهو أن يشتركا في جميع أنواع الشركة. كأن يجمعا بين شركة ~~العنان والوجوه والأبدان فيصح ذلك، لأن كل نوع منها يصح على انفراده فصح ~~مع غيره. وأما النوع الممنوع عندهم منها فهو أن يدخلا بينهما في الشركة ~~الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة. ~~ويلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب، وقيمة متلف، ~~وغرامة ضمان، وكفالة وفساد هذا النوع ظاهر لما فيه من الغرر كما ترى. # وأما شركة المضاربة - وهي القراض - فهي جائزة عند الجميع - وقد قدمنا ~~أنها هي أن يدفع شخص لآخر مالا يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة ~~يتفقان عليها، وكون الربح في المضاربة بحسب ما اتفقا عليه لا خلاف فيه ~~بين العلماء، سواء كان النصف أو أقل أو كثر لرب المال أو للعامل. وأما ~~شركة العنان عند الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية، وشركة المفاوضة ~~عند المالكية - فاختلف في نسبة الربح، فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا بد ~~من كون الربح والخسران بحسب المالين، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن الربح ~~بينهما على ما اتفقا عليه، فلهما أن يتساويا في الربح مع تفاضل المالين. ~~وحجة القول الأول - أن الربح تبع للمال، فيلزم أن يكون بحسبه. وحجة القول ~~الأخير أن العمل مما يستحق به الربح، وقد يكون أحدهما أبصر بالتجارة ~~وأقوى على العمل من الآخر، فتزاد حصته لزيادة عمله. هذا خلاصة مذاهب ~~الأئمة الأربعة في أنواع الشركة. وقد علمت أنهم أجمعوا على جواز شركة ~~العنان، وشركة المضاربة، وشركة الأملاك. واختلفوا فيما سوى ذلك. فأجاز ~~الحنفية والحنابلة شركة الوجوه، ومنعها المالكية والشافعية. وأجاز ~~المالكية والحنفية والحنابلة شركة الأبدان إلا في اكتساب المباحات فقط ~~فلم يجزه الحنفية. ومنع ms1311 الشافعية شركة الأبدان مطلقا. وأجاز المالكية ~~شركة المفاوضة، وصورها بصورة العنان عند الشافعية والحنابلة. وأجاز ~~الحنفية شركة المفاوضة، وصورها بغير ما صورها به المالكية، وأجاز ~~الحنابلة نوعا من أنواع المفاوضة وصوروه بصورة مخالفة لتصوير غيرهم لها. ~~ومنع الشافعية المفاوضات كما منعوا شركة الأبدان والوجوه. وصوروا ~~المفاوضة بصورة أخرى كما تقدم. والشافعية إنما يجيزون الشركة بالمثلى ~~مطلقا نقدا أو غيره، لا بالمقومات. والحنفية لا يجيزونها إلا بالنقدين ~~والتبر والفلوس النافقة. والحنابلة لا يجيزونها إلا بالدنانير والدراهم ~~كما تقدم جميع ذلك. وقد بينا كيفية الحيلة في الاشتراك بالعروض عند ~~الشافعية والحنفية، وعند المالكية تجوز بدنانير من كل واحد منهما، ~~وبدراهم من كل واحد منهما، وبدنانير ودراهم من كل واحد منهما، وبنقد من ~~أحدهما وعرض من الآخر، وبعرض من كل واحد منهما سواء اتفقا أو اختلفا، ~~وقيل إن اتفقا لا إن اختلفا، إلا أن العروض تقوم. وأما خلط المالين فلا ~~بد منه عند الشافعي رحمه الله حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر كما تقدم. ~~ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد. ولو كان كل واحد من ~~المالين في صرته لم يختلط بالآخر. ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما ~~تقدم. وكذلك لا يشترط خلط المالين عند الحنابلة. فتحصل أنه لم يشترط خلط ~~المالين إلا الشافعية وأن المالكية إنما يشترطون كون المالين. في محل ~~واحد. # كحانوت أو صندوق، وإن كان كل واحد منهما متميزا عن الآخر. فإذا عرفت ~~ملخص كلام العلماء في أنواع الشركات، فسنذكر ما تيسر من أدلتها. أما ~~النوع الذي تسميه المالكية " مفاوضة " ويعبر عنه الشافعية والحنابلة ~~بشركة العنان. فقد يستدل له بحديث البراء بن عازب الذي قدمنا عن البخاري ~~والإمام أحمد، فإنه يدل على الاشتراك في التجارة والبيع، والشراء لأن ~~المقصود بالاشتراك التعاون على العمل المذكور فينوب كل واحد من الشريكين ~~عن الآخر. ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة يرفعه قال إن الله يقول # " أنا ثالث الشريكين.. " # الحديث المتقدم. وقد بينا كلام العلماء فيه، وبينا أنه صالح للاحتجاج، ms1312 ~~وهو ظاهر في أنهما يعملان معا في مال الشركة بدليل قوله # " ما لم يخن أحدهما صاحبه.. " # الحديث. ويدل لذلك أيضا حديث السائب بن أبي السائب المتقدم في أنه كان ~~شريك النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وهو اشتراك في التجارة والبيع ~~والشراء. وأما شركة الأبدان فيحتج لها بما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه قال اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ~~قال فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشيء رواه أبو داود والنسائي ~~وابن ماجه، وقال المجد في " منقى الأخبار " بعد أن ساقه وهو حجة في شركة ~~الأبدان وتملك المباحات. وأعل هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من ~~أبيه عبد الله المذكور فالحديث مرسل. وقد قدمنا مرارا أن الأئمة الثلاثة ~~يحتجون بالمرسل خلافا والمحدثين. وأما المضاربة فلم يثبت فيها حديث صحيح ~~مرفوع، ولكن الصحابة أجمعوا عليها لشيوعها وانتشارها فيهم من غير نكير. ~~وقد مضى على ذلك عمل المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن من غير نكير. قال ~~ابن حزم في مراتب الإجماع كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة، ~~حاشا القراض فما وجدنا له أصلا فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد. ~~والذي يقطع به أنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فعلم به وأقره، ~~ولولا ذلك لما جاز اه. منه بواسطة نقل الشوكاني في نيل الأوطار. واعلم ~~أن اختلاف الأئمة الذي قدمنا في أنواع الشركة المذكورة راجع إلى الاختلاف ~~في تحقيق المناط، فبعضهم يقول هذه الصورة يوجد فيها الغرر وهو مناط المنع ~~فهي ممنوعة، فيقول الآخر لا غرر في هذه الصورة يوجب المنع فمناط المنع ~~ليس موجودا فيها. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة - أخذ بعض ~~علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيضا جواز ~~خلط الرفقاء طعامهم وأكل بعضهم مع بعض وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر ~~لأن أصحاب الكهف بعثوا ورقهم ليشتري لهم بها طعام يأكلونه جميعا. # وقد قدمنا في ms1313 كلام ابن العربي أنه تحتمل انفراد ورق كل واحد منهم وطعامه ~~فلا تدل الآية على خلطهم طعامهم. كما قدمنا عنه أنها لا تدل على الاشتراك ~~للاحتمال المذكور، وله وجه كما ترى. وقال ابن العربي ولا معول في هذه ~~المسألة إلا على حديثين، أحدهما أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا فقال ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه. ~~والثاني حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون الأول في الظهور، لأنه ~~يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك القوت ولا يجمعهم اه كلام ~~ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه هذا النوع ~~من الاشتراك وهو خلط الرفقة طعامهم واشتراكهم في الأكل فيه - هو المعروف ~~ب " النهد " بكسر النون وفتحها، ولجوازه أدلة من الكتاب والسنة. أما ~~دليل ذلك من الكتاب - فقوله تعالى # وإن تخالطوهم فإخوانكم # البقرة 220 فإنها تدل على خلط طعام اليتيم مع طعام وصيه وأكلهما جميعا، ~~وقوله تعالى # ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا # النور 61 ومن صور أكلهم جميعا أن يكون الطعام بينهم فيأكلون جميعا. ~~وأما السنة - فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة. منها حديث ابن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما قال " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا إلى ~~الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة نفر، وأنا فيهم. ~~فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبوعبيدة بأزواد ذلك ~~الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا حتى فنى، ~~فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة. فقلت وما تغنى تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها ~~حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت "..الحديث. وهذا الحديث ثابت في ~~الصحيح، واللفظ الذي سقناه به لفظ البخاري في كتاب " الشركة " وفيه. جمع ~~أبو عبيدة بقية أزواد القوم وخلطها في مزودي تمر، ولم ينكر عليه صلى الله ~~عليه وسلم بعد قدومهم إليه، # " ومنها حديث سلمة بن ms1314 الأكوع رضي الله عنه قال خفت أزواد القوم وأملقوا، ~~فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم، فأذن لهم فلقيهم عمر ~~فأخبروه فقال ما بقاؤكم بعد إبلكم، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " ناد في الناس فيأتون بفضل أزوادهم " # فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " # هذا الحديث ثابت في الصحيح، واللفظ الذي سقناه به للبخاري أيضا في كتاب ~~" الشركة " وفيه خلط طعامهم بعضه مع بعض. ومنها حديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين ~~جميعا حتى يستأذن أصحابه. في رواية في الصحيح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه. كل هذا ثابت في ~~الصحيح واللفظ للبخاري رحمه الله في كتاب " الشركة ". وإذن صاحبه له يدل ~~على اشتراكهما في التمر كما ترى. وهذا الذي ذكرنا جوازه من خلط الرفقاء ~~طعامهم وأكلهم منه جميعا - هو مراد البخاري رحمه الله بلفظ النهد في ~~قوله " كتاب الشركة. الشركة في الطعام والنهد - إلى قوله - لم ير ~~المسلمون في النهد بأسا أن يأكل هذا بعضا وهذا بعضا الخ. فروع تتعلق ~~بمسألة الشركة الأول - إن دفع شخص دابته لآخر ليعمل عليها وما يرزق الله ~~بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا - ففي صحة ذلك خلاف بين العلماء، ~~فقال بعضهم يصح ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد، ونقل نحوه عن الأوزاعي. وقال ~~بعضهم لا يصح ذلك، وما حصل فهو العامل وعليه أجرة مثل الدابة. وهذا هو ~~مذهب مالك قال ابن قدامة في " المغني " وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال ~~الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح، والربح كله لرب ms1315 ~~الدابة، وللعامل أجرة مثله، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة. ~~وأقوى الأقوال دليلا عندي فيها - مذهب مالك من أجاز ذلك، كالإمام أحمد، ~~بدليل حديث رويفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان ~~أحدنا لطير له النصل والريش وللآخر القدح. هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو ~~داود والنسائي. قال الشوكاني في " نيل الأوطار " إسناد أبي داود فيه ~~شيبان بن أمية القتباني وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه النسائي ~~من غير طريق هذا المجهول بإسناد رجاله كلهم ثقات. والحديث دليل صريح على ~~جواز دفع الرجل إلى الآخر راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. ~~وهو عمل على الدابة على أنما يرزقه الله بينهما كما ترى. والتفريق بين ~~العمل في الجهاد وبين غيره لا يظهر. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني ~~- أن يشترك ثلاثة من أحدهم دابة، ومن آخر رواية، ومن الثالث العمل على أن ~~ما رزقه الله تعالى فهو بينهم، فهل يجوز هذا؟ اختلف في ذلك. # فمن العلماء من قال لا يجوز هذا. وهو مذهب مالك، وهو ظاهر قول الشافعي ~~وممن قال بذلك القاضي من الحنابلة وأجازه بعض الحنابلة. وقال ابن قدامه ~~في " المغني " إنه صحيح في قياس قول أحمد رحمه الله. الفرع الثالث - أن ~~يشترك أربعة من أحدهم دكان، ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن الرابع العمل، ~~على أن يطحنوا بذلك، فما رزقه الله تعالى فهو بينهم فهل يصح ذلك أو لا. ~~اختلف فيه، فقيل يصح ذلك وهو مذهب الإمام أحمد. وخالف فيه القاضي من ~~الحنابلة وفاقا للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة ومنعه هو ~~ظاهر قول الشافعي. لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة فلو كان ~~صاحب الرحى، وصاحب الدابة، وصاحب الحانوت اتفقوا على أن يعملوا جميعا ~~وكان كراء الحانوت والرحى والدابة متساويا، وعمل أربابها متساويا فهو ~~جائز عند المالكية.. وهذه المسألة هي ms1316 ألتي أشار إليها خليل في مختصره ~~بقوله عاطفا على ما لا يجوز وذي رحا، وذي بيت، وذي دابة ليعلموا إن لم ~~يتساو الكراء وتساووا في الغلة وترادوا الأكربة. وإن اشترط عمل رب الدابة ~~فالغلة له وعليه كراؤهما. ولا يخفى أن " الشركة " باب كبير من أبواب ~~الفقه، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة رضي الله ~~عنهم. وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع ونذكر أقسامها ~~ومعانيها اللغوية والاصطلاحية، واختلاف العلماء فيها. وبيان أقوالهم، ~~وذكر بعض فروعها تنبيها بها على غيرها، وقد أتينا على جميع ذلك. والحمد ~~لله رب العالمين. ### || [18.20] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن أصحاب الكهف - أنهم قالوا إن قومهم ~~الكفار الذين فروا منهم بدينهم إن يظهروا عليهم، أي يطلعوا عليهم ويعرفوا ~~مكانهم، يرجموهم بالحجارة، وذلك من أشنع أنواع القتل. وقيل يرجموهم ~~بالشتم والقذف، أو يعيدوهم في ملتهم، أي يردوهم إلى ملة الكفر وهذا الذي ~~ذكره هنا من فعل الكفار مع المسلمين - من الأذى أو الرد إلى الكفر - ذكر ~~في مواضع أخر أنه هو فعل الكفار مع الرسل وأتباعهم.كقوله جل وعلا # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنآ أو لتعودن في ملتنا # إبراهيم 13، وقوله تعالى # قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ~~يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ أو ~~لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود فيهآ ~~إلا أن يشآء الله # الأعراف 89 الآية، وقوله تعالى # ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ~~إن استطاعوا # البقرة 217 إلى غير ذلك من الآيات. مسألة أخذ بعض العلماء من هذه الآية ~~الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، لأن قوله عن أصحاب الكهف ~~{ إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ~~ملتهم } ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم ~~{ ولن تفلحوا إذا أبدا } فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس ~~بعذر. ويشهد ms1317 لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب ~~قربه مع الإكراه بالخوف من القتل. لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ~~ذبابا قتلوه. ويشهد له أيضا دليل الخطاب، أي مفهوم المخالفة في قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # فإنه يفهم من قوله " تجاوز لي عن أمتي " أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز ~~لهم عن ذلك. وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه ~~العلماء قديما وحديثا بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم ~~والسنة الصحيحة. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن ~~آيات الكتاب في سورة الكهف " ، في الكلام على قوله { إنهم إن ~~يظهروا عليكم يرجموكم } الآية. ولذلك اختصرناها هنا. أما ~~هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # النحل 106 والعلم عند الله تعالى. ### || [18.21] # قوله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم ~~لنتخذن عليهم مسجدا }. لم يبين الله هنا من هؤلاء ~~الذين غلبوا على أمرهم، هل هم من المسلمين أو من الكفار؟ وذكر ابن جرير ~~وغيره فيهم قولين أحدهما - أنهم كفار، والثاني - أنهم مسلمون، وهي قولهم ~~{ لنتخذن عليهم مسجدا } لأن اتخاذ المساجد من صفات ~~المؤمنين لا من صفات الكفار. هكذا قال بعض أهل العلم. ولقائل أن يقول ~~اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لا من فعل المسلمين، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة " ~~الحجر " في الكلام على قوله تعالى # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين # الحجر 80. ### || [18.22] # قوله تعالى { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم ~~بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل }. أخبر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فذكر ثلاثة أقوال. ~~على أنه لا قائل برابع، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن ms1318 القول ~~الثالث هو الصحيح والأولان باطلان، لأنه لما ذكر القولين الأولين بقوله { ~~سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم } أتبع ذلك بقوله أحدا { رجما بالغيب ~~} أي قولا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب، وإن ~~أصاب بلا قصد، كقوله # ويقذفون بالغيب من مكان بعيد # سبأ 53 وقال القرطبي الرجم القول بالظن، يقال لكل ما يخرص رجم فيه ~~ومرجوم ومرجم كما قال زهير # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم # ثم حكى القول الثالث بقوله { ويقولون خمسة سادسهم ~~كلبهم } فأقره، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب، فدل على أنه صحيح. ~~وقوله { ما يعلمهم إلا قليل } قال ابن عباس أنا من ذلك ~~القليل الذي يعلمهم، كانوا سبعة. وقوله { قل ربي أعلم ~~بعدتهم } فيه تعليم للناس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها جل وعلا ~~وإن علموا بها، كما أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بمدة لبثهم في قوله # ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا ~~تسعا # الكهف 25 ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه جل وعلا في قوله جل وعلا # قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات ~~والأرض # الكهف 26 الآية. وما قدمنا من أنه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذا من ~~ظاهر الآية الكريمة. مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا كانوا ثمانية. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [18.23-24] # قوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشآء الله }. نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية الكريمة أن يقول إنه سيفعل شيئا في المستقبل إلا معلقا ذلك على ~~مشيئة الله الذي لا يقع شيء في العالم كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا ~~فقوله { ولا تقولن لشيء } الكهف 23 أي لا تقولن لأجل شيء تعزم ~~على فعله في المستقبل إني فاعل ذلك الشيء غدا. والمراد بالغد ما يستقبل ~~من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من ~~الزمان. ومنه ms1319 قول زهير # واعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم # يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين ~~بذلك. وقوله { إلا أن يشآء الله } الكهف 24 إلا قائلا في ذلك ~~إلا أن يشاء الله، أي معلقا بمشيئة الله. أو لا تقولنه إلا بإن شاء ~~الله، أي إلا بمشيئة الله. وهو في موضع الحال، يعني إلا متلبسا بمشيئة ~~الله قائلا إن شاء الله، قاله الزمخشري وغيره. وسبب نزول هذه الآية ~~الكريمة - أن اليهود قالوا لقريش سلوا محمدا " صلى الله عليه وسلم " عن ~~الروح، وعن رجل طواف في الأرض يعنون ذا القرنين، # " وعن فتية لهم قصة عجيبة في الزمان الماضي { يعنون أصحاب الكهف. فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " سأخبركم غدا عما سألتم عنه " # ولم يقل إن شاء الله، فلبث عنه الوحي مدة، قيل خمس عشرة ليلة، وقيل غير ~~ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة، ~~قال في الروح # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # الإسراء 85 الآية. وقال في الفتية # نحن نقص عليك نبأهم بالحق # الكهف 13 الآيات إلى آخر قصتهم. وقال في الرجل الطواف # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا # الكهف 83 الآيات الكريمة إلى آخر قصته. فإذا عرفت معنى هذه الآية ~~الكريمة وسبب نزولها، وأن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله إن شاء الله، ~~لما قال لهم سأخبركم غدا - فاعلم أنه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة ~~لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله إن شاء الله، كما عاتب ~~نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان لذلك كانت أشد. فقد أخرج ~~الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " " قال سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لأطوفن الليلة ~~على سبعين امرأة وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة - تلد ms1320 كل ~~امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله " فقيل له - وفي رواية قال له ~~الملك " قل إن شاء الله " فلم يقل. فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة ~~واحدة نصف إنسان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده ~~لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته ". وفي رواية " ولقاتلوا ~~في سبيل الله فرسانا أجمعون " # اه. فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا # ص 34 الآية. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قول " إن شاء الله " ، وأنه ~~لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف ~~إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى { وألقينا ~~على كرسيه جسدا } الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله ~~تعالى { ولقد فتنا سليمان } الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ ~~الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه. حتى وجد الخاتم في ~~بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودا عن ملكه، إلى ~~آخر القصة - لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة. فهي ~~من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة. والظاهر في معنى الآية هو ما ~~ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة، واختاره بعض المحققين. ~~والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { واذكر ربك إذا نسيت }. ~~في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير الأول أن هذه الآية ~~الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى أنك إن قلت سأفعل غدا كذا ونسيت أن ~~تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله. أي اذكر ربك معلقا ~~على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول ~~هو الظاهر. لأنه يدل عليه قوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله } الكهف 23-24 وهو قول ~~الجمهور. وممن قال به ابن عباس والحسن البصري ms1321 وأبو العالية وغيرهم. القول ~~الثاني - أن الآية لا تعلق لها بما قبلها. أن المعنى إذا وقع منك النسيان ~~لشيء فاذكر الله. لأن النسيان من الشيطان. كما قال تعالى عن فتى موسى # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # الكهف 63، وكقوله # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله # المجادلة 19، وقال تعالى # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # الأنعام 68 وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، كما يدل لذلك قوله تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # الزخرف 36 وقوله تعالى # قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من ~~شر الوسواس الخناس # الناس 1-4 الآية. أي الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس الذي يخنس ~~ويتأخر صاغرا عند ذكر الله، فإذا ذهب الشيطان النسيان. وقال بعضهم { ~~واذكر ربك إذا نسيت } أي صل الصلاة التي كنت ناسيا لها عند ~~ذكرك لها، كما قال تعالى # وأقم الصلاة لذكري # طه 14 وقول من قال إذا نسيت، أي إذا غضبت ظاهر السقوط. مسألة اشتهر على ~~ألسنة العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه استنبط من هذه الآية ~~الكريمة. أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمنا طويلا قال ~~بعضهم إلى شهر. وقال بعضهم إلى سنة. وقال بعضهم عنه له الاستثناء أبدا. ~~ووجه أخذه ذلك من الآية أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول إنه سيفعل شيئا ~~في المستقبل إلا من الاستثناء بإن شاء الله. ثم قال { واذكر ربك إذا نسيت ~~} ، أي إن نسيت تستثنى بإن شاء الله فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد ~~باتصال ولا قرب. والتحقيق الذي لا شك فيه - أن الاستثناء لا يصح إلا ~~مقترنا بالمستثنى منه. وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به ~~اليمين. ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ~~ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية ~~البطلان كما ترى. ويحكى عن المنصور أنه بلغه أن أبا حنيفة رحمه الله ~~يخالف ms1322 مذهب ابن عباس المذكور. فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو ~~حنيفة للمنصور هذا يرجع عليك! إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن ~~يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك!؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه. فائدة ~~قال ابن العربي المالكي سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها لو كان مذهب ابن ~~عباس صحيحا في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # ص 44 بل يقول استثن بإن شاء الله - انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر ~~البنود في شرح وقوله في مراقي السعود # بشركة وبالتوطي قالا بعض وأوجب فيه الاتصالا وفي البواقي دون ما ~~اضطرار وأبطلن بالصمت للتذكار # فإن قيل فما الجواب الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما نسب إليه من ~~القول بصحة الاستثناء المتأخر. فالجواب - أن مراد ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الله عاتب نبيه على قوله إنه سيفعل كذا غدا ولم يقل إن شاء ~~الله، وبين له أن التعليق بمشيئة الله هو الذي ينبغي أن يفعل، لأنه تعالى ~~لا يقع شيء إلا بمشيئته، فإذا نسي التعليق بالمشيئة ثم تذكر ولو بعد طول ~~فإنه يقول إن شاء الله، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، ويكون ~~قد فوض الأمر إلى من لا يقع إلا بمشيئة. فنتيجة هذا الاستثناء - هي ~~الخروج من عهدة تركة الموجب للعتاب السابق، لا أنه يحل اليمين لأن ~~تداركها قد فات بالانفصال. هذا هو مراد ابن عباس كما جزم به الطبري ~~وغيره. وهذا لا محذور فيه ولا إشكال. وأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر وهو ~~- أنه نوى الاستثناء بقلبه ونسي النطق به بلسانه. فأظهر بعد ذلك ~~الاستثناء الذي نواه وقت اليمين، هكذا قاله بعضهم. والأول هو الظاهر. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [18.26] # قوله تعالى { له غيب السماوات والأرض }. بين تعالى في هذه ~~الآية الكريمة أنه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض. وذكر هذا ~~المعنى في آيات كثيرة، كقوله # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله وما يشعرون أيان يبعثون ms1323 # النمل 65 وقوله تعالى # عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال # الرعد 9، وقوله تعالى # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب # آل عمران 179 الآية، وقوله تعالى # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر ~~كله # هود 123 الآية، وقوله تعالى # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # الأنعام 59، وقوله تعالى # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # يونس 61، وقوله تعالى # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # سبأ 3، وقوله تعالى # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # آل عمران 5. وبين في مواضع أخر أنه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من ~~وحيه، كقوله تعالى # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # الجن 26-27 الآية. وقد أشار إلى ذلك بقوله # وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشآء # آل عمران 179 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { أبصر به ~~وأسمع }. أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية ~~الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر، ذكره أيضا في مواضع أخر، ~~كقوله # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # الشورى 11 وقوله # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن ~~الله سميع بصير # المجادلة 1 وقوله تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن ~~الله سميع بصير # الحج 75. والآيات بذلك كثيرة جدا. قوله تعالى { ما لهم من دونه ~~من ولي }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن أصحاب ms1324 الكهف ليس ~~لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في ~~آيات أخر، كقوله تعالى # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # البقرة 257، وقوله تعالى # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # يونس 62 فبين أنه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه - والولي هو من ~~انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. # فالإيمان سبب يوالي به المؤمنين ربهم بالطاعة، ويواليهم به الثواب ~~والنصر والإعانة. وبين في مواضع أخر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا # المائدة 55 الآية، وقوله # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # التوبة 71 الآية. وبين في مواضع أخر أن نبينا صلى الله عليه وسلم أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم # الأحزاب 6. وبين في مواضع أخر أنه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، ~~وهو قوله تعالى # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # محمد 11، وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر ~~والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ ~~مشيئة، كقوله # وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # يونس 30. وقال بعض العلماء الضمير في قوله { ما لهم من دونه من ~~ولي } راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى { له ~~غيب السماوات والأرض } الكهف 26 وقيل الضمير في قوله " ما ~~لهم " راجع لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار. ذكره القرطبي. ~~وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، ~~وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم ~~عند الله تعالى. قوله تعالى { ولا يشرك في حكمه أحدا }. ~~قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر " ولا يشرك " بالياء المثناة ~~التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية - والمعنى ولا يشرك الله جل ~~وعلا أحدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره ms1325 ألبتة، ~~فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. والقضاء ما ~~قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة. " ولا تشرك " بضم التاء المثناة الفوقية ~~وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها ~~المخاطب أحدا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره ~~في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله { ولا يشرك في حكمه ~~أحدا } شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التشريع دخولا ~~أوليا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له ~~فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر. كقوله تعالى # إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه # يوسف 40 وقوله تعالى # إن الحكم إلا لله عليه توكلت # يوسف 67 الآية، وقوله تعالى # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # الشورى 10 الآية، وقوله تعالى # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # غافر 12، وقوله تعالى # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # القصص 88، وقوله تعالى # له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون # القصص 70، وقوله # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون # المائدة 50. وقوله تعالى # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا # الأنعام 114، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من هذه الآيات كقوله { ولا ~~يشرك في حكمه أحدا } أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه ~~الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر. كقوله ~~فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون # الأنعام 121 فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع ~~التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله ~~تعالى # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن ms1326 لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم # يس 60-61، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم # يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا # مريم 44، وقوله تعالى # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # النساء 117 أي ما يعبدون إلا شيطانا، أي وذلك باتباع تشريعه. ولذا سمى ~~الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم # الأنعام 137 الآية. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن ~~حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # التوبة 31 الآية - فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما ~~أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا. ومن أصرح ~~الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن ~~يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا ~~لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل ~~منه العجب. وذلك في قوله تعالى # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # النساء 60. وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين ~~يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة ~~لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك ~~في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. # تنبيه اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر ~~بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك - أن ~~النظام قسمان إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور ~~وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا ms1327 لا مانع منه، ولا مخالف فيه من ~~الصحابة، فمن بعدهم وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل ~~الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة " بني ~~إسرائيل " في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك ~~إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم. وكاشترائه - أعني عمر رضي الله ~~عنه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنا في مكة المكرمة، مع أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يتخذ سجنا هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور ~~الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع - لا بأس به. ~~كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. ~~فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من ~~مراعاة المصالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات ~~والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض. كدعوى أن تفضيل الذكر على ~~الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى ~~أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما ~~أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من ~~النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم - ~~كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق ~~الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر ~~علوا كبيرا # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # الشورى 21، # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # يونس 59، # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على ms1328 الله الكذب لا يفلحون # النحل 116 وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة " بني إسرائيل " ~~في الكلام على قوله تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # الإسراء 9 الآية. ### || [18.27] # قوله تعالى { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك }. أمر ~~جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يتلو هذا ~~القرآن الذي أوحاه إليه ربه. والأمر في قوله " واتل " شامل للتلاوة بمعنى ~~القراءة. والتلو بمعنى الاتباع. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبينا ~~في آيات أخر. كقوله تعالى في سورة " العنكبوت " # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة # العنكبوت 45 الآية، وكقوله تعالى في آخر سورة " النمل " # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين وأن أتلو القرآن # النمل 91-92 الآية، # ورتل القرآن ترتيلا # المزمل 4 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر بتلاوته، وكقوله تعالى ~~في الأمر باتباعه # اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين # الأنعام 106، وقوله تعالى # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط ~~مستقيم # الزخرف 43، وقوله تعالى # قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا ~~إلا نذير مبين # الأحقاف 9، وقوله تعالى # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # يونس 15، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر باتباع هذا القرآن ~~العظيم. وقد بين في مواضع أخر بعض النتائج التي تحصل بسبب تلاوة القرآن ~~واتباعه. كقوله تعالى # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون ~~تجارة لن تبور # فاطر 29، وقوله تعالى # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون # البقرة 121 ms1329 والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله ~~تعالى { لا مبدل لكلماته }. بين جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أنه لا مبدل لكلماته. أي لأن أخبارها صدق وأحكامها عدل، فلا يقدر ~~أحد أن يبدل صدقها كذبا. ولا أن يبدل عدلها جورا وهذا الذي ذكره هنا ~~جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله تعالى # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم # الأنعام 115. فقوله " صدقا " يعني في الإخبار. وقوله " عدلا " أي في ~~الأحكام. وكقوله # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل ~~لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين # الأنعام 34. وقد بين تعالى في مواضع أخر، أنه هو يبدل ما شاء من الآيات ~~مكان ما شاء منها. # كقوله تعالى # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل # النحل 101 الآية. وقوله # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # البقرة 106 الآية، وقوله تعالى # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي # يونس 15 الآية. قوله تعالى { ولن تجد من دونه ملتحدا }. ~~أصل الملتحد مكان الالتحاد وهو الافتعال من اللحد بمعنى الميل، ومنه ~~اللحد في القبر، لأنه ميل في الحفر، ومنه قوله تعالى # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينآ # فصلت 40، وقوله # وذروا الذين يلحدون في أسمآئه # الأعراف 180، الآية فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك الميل عن الحق. والملحد ~~المائل عن دين الحق. وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ~~ثلاثة أحرف فمصدره الميمى واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول ~~كما هنا. فالملتحد بصيغة اسم المفعول، والمراد به مكان الالتحاد، أي ~~المكان الذي يميل فيه إلى ملجإ أو منجى ينجيه مما يريد الله أن يفعله به. ~~وهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يجد من دونه ~~ملتحدا.أي مكانا ms1330 يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه - ~~جاء مبينا في مواضع أخر. كقوله # قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته # الجن 21-23، وقوله # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين # الحاقة 44-47 الآية. وكونه ليس له ملتحد، أي مكان يلجأ إليه تكرر نظيره ~~في القرآن بعبارات مختلفة. كالمناص، والمحيص، والملجأ، والموئل، والمفر، ~~والوزر، كقوله # فنادوا ولات حين مناص # ص 3 وقوله # ولا يجدون عنها محيصا # النساء 121، وقوله # فنقبوا في البلاد هل من محيص # ق36 وقوله # ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير # الشورى 47، وقوله # بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا # الكهف 58، وقوله # يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر # القيامة 10-11 فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان ~~يلجؤون إليه ويعتصمون به ### || [18.28] # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يصبر ~~نفسه، أي يحبسها مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين ~~له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا. وقد نزلت هذه الآية الكريمة في ~~فقراء المهاجرين كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم. لما أراد ~~صناديد الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، ويجالسهم ~~بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وقد قدمنا في سورة " الأنعام " أن ~~الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنه إذا رآهم ~~يسلم عليهم، وذلك في قوله # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # الأنعام 52 - إلى قوله - # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام ~~عليكم # الأنعام 54 وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله # عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك ms1331 لعله ~~يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من ~~استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى ~~وأما من جآءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ~~كلا إنها تذكرة # عبس 1-11. وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا صلى الله عليه وسلم من ~~طرده فقراء المؤمنين وضعفاءهم تكبرا عليهم وازدراء بهم - طلبه أيضا قوم ~~نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه امتنع من طردهم أيضا، ~~كقوله تعالى عنهم # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # الشعراء 111، وقوله عنهم أيضا # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # هود 27، وقال عن نوح في امتناعه من طردهم # ومآ أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير ~~مبين # الشعراء 114-115، وقوله تعالى عنه # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويقوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون # هود 29-30. وقوله { واصبر نفسك } فيه الدليل على أن مادة الصبر ~~تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة # فصبرت عارفة بذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع # والغداة أول النهار. والعشي آخره. وقال بعض العلماء { يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي } أي يصلون صلاة الصبح والعصر. ~~والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصلاة. والله تعالى أعلم. قوله ~~تعالى { ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ~~الدنيا }. نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~الكريمة - أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحا إلى ~~الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدنيا. ومعنى { لا تعد عيناك } أي لا ~~تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رثاثة زيهم، محتقرا لهم طامحا إلى أهل الغنى ~~والجاه والشرف بدلا منهم. # وعدا يعدو تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله { تريد ~~زينة الحياة الدنيا } في محل حال والرابط الضمير، على حد قوله ~~في الخلاصة # وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت # وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله " عيناك " وإنما ~~ساغ ذلك لأن ms1332 المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة # ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ~~ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا # وما نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة من طموح ~~العين إلى زينة الحياة الدنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات ~~على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين - أشار له أيضا في مواضع أخر، كقوله # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا # طه 130-131 الآية، وقوله تعالى # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ~~لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم # الحجر 87-88 الآية. قوله تعالى { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }. ~~نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة عن طاعة ~~من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطا. وقد كرر في ~~القرآن نهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله ~~المتبع هواه، كقوله تعالى # فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا # الإنسان24، وقوله # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم # الأحزاب 48 الآية، وقوله تعالى # ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف ~~مهين هماز مشآء بنميم مناع للخير معتد ~~أثيم عتل بعد ذلك زنيم # القلم 9-13 إلى غير ذلك من الآيات. وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن ~~المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا، وبين له أن ~~ذلك هو مبلغهم من العلم. وذلك في قوله تعالى # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم # النجم 29-30. وقوله في هذه الآية الكريمة { من أغفلنا قلبه } ~~يدل على أن ما يعرض للعبد من ms1333 غفلة ومعصية، إنما هو بمشيئة الله تعالى. إذ ~~لا يقع شيء ألبتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا، # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # الإنسان 30 الآية، # ولو شآء الله مآ أشركوا # الأنعام 107، # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # السجدة 13، { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } ، # ختم الله على قلوبهم # البقرة 7 الآية، # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # الأنعام 25 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل شيء من خير وشر، لا ~~يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول ~~الزمخشري في تفسيره دائما - تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من ~~استقلال قدرة العبد وإرادته فأفعاله دون مشيئة الله، لا يخفى بطلانه كما ~~تدل عليه الآيات المذكورة آنفا، وأمثالها في القرآن كثيرة. ومعنى اتباعه ~~هواه أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر ~~والمعاصي. وقوله { وكان أمره فرطا } قيل هو من التفريط الذي هو ~~التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى { وكان أمره ~~فرطا } أي كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطا. وقيل من الإفراط الذي ~~هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين نحن أشراف مضر ~~وساداتها! إن اتبعناك اتبعك جميع الناس. وهذا من التكبر والإفراط في ~~القول. وقيل " فرطا " أي قدما في الشر.. من قولهم فرط منه أمر، أي سبق. ~~وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل ~~بها القرآن أن معنى قوله " فرطا " أي متقدما للحق والصواب، نابذا له ~~وراء ظهره. من قولهم فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته # ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها # وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ~~ومجاهد " فرطا " أي ضياعا. وكقول مقاتل بن حيان " فرطا " أي سرفا. ~~كقول الفراء " فرطا " أي متروكا. وكقول الأخفش " فرطا " أي مجاوزا ~~للحد، إلى غير ذلك من الأقوال. ### || [18.29] # قوله تعالى { وقل الحق من ms1334 ربكم }. أمر الله جل وعلا نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن يقول للناس الحق من ربكم. ~~وفي إعرابه وجهان أحدهما - أن " الحق " مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي ~~الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، المتضمن لدين الإسلام كائن ~~مبدؤه من ربكم جل وعلا. فليس من وحي الشيطان، ولا من افتراء الكهنة، ولا ~~من أساطير الأولين، ولا غير ذلك. بل هو من خالقكم جل وعلا، الذي تلزمكم ~~طاعته وتوحيده، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار، ~~والعدل في الأحكام، فلا حق إلا منه جل وعلا. الوجه الثاني أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هذا الذي جئتكم به الحق. وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية ~~الكريمة - ذكره أيضا في مواضع أخر. كقوله في سورة " البقرة " # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين # البقرة 147، وقوله في " آل عمران " # الحق من ربك فلا تكن من الممترين # آل عمران 60 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { فمن شآء ~~فليؤمن ومن شآء فليكفر }. ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب ~~الوضع اللغوي - التخيير بين الكفر والإيمان - ولكن المراد من الآية ~~الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد ~~بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. ~~والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف - أنه ~~أتبع ذلك بقوله # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وسآءت مرتفقا # الكهف 29 وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان ~~التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب ~~الأليم. وهذا واضح كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة { أعتدنا } أصله ~~من الاعتاد، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح. ومنه العتاد ~~بمعنى العدة للشيء. ومعنى " أعتدنا " أرصدنا وأعددنا. والمراد بالظالمين ~~هنا الكفار. بدليل قوله قبله { ومن شآء فليكفر } وقد قدمنا ~~كثرة إطلاق الظلم على الكفر في ms1335 القرآن. كقوله # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، وقوله # والكافرون هم الظالمون # البقرة 254، وقوله تعالى # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # يونس 106 ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب وضع ~~الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في ~~القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله # ولم تظلم منه شيئا # الكهف33 وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ~~ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير ~~موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر # وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم # فقوله " ظلمت لكم سقائي " أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في ~~سقاء له ظلمه بنحو ذلك # وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر # وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال أيجوز أن ~~يكون الحاكم ظالما؟ قال نعم، إذا كان عالما. ومن ذلك أيضا قولهم للأرض ~~التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان # إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد # وما زعمه بعضهم من أن " المظلومة " في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه ~~عنها وقت إبانه المعتاد - غير صواب. والصواب هو ما ذ كرنا إن شاء الله ~~تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى ~~مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلا ~~مات ودفن # فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمها # وقوله { أحاط بهم } أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله { سرادقها ~~} أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف ~~فهو سرادق. والكرسف القطن، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحرمازي ms1336 # يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود # وبيت مسردق أي مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبريويز ~~وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق # هذا هو أصل معنى السرادق في اللغة. ويطلق أيضا في اللغة على الحجرة ~~التي حول الفسطاط. وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة ففيه للعلماء ~~أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء ~~من يقول " سرادقها " أي سورها، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول " ~~سرادقها " سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول " سرادقها " ~~عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي ومنهم من يقول هو ~~دخان يحيط بهم. وهو المذكور في " المرسلات " في قوله تعالى # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب # المرسلات 30-31، و " الواقعة " في قوله # وظل من يحموم لا بارد ولا كريم # الواقعة 43-44. ومنهم من يقول هو البحر المحيط بالدنيا. # وروى يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " البحر هو جهنم " # - ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها - ثم قال # " والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا تصيبني منها قطرة " # ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة " # وأخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث حسن صحيح غريب. انتهى من ~~القرطبي. و هذا الحديث رواه أيضا الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن ~~أبي حاتم وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي ~~الدنيا. قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني. وحديث يعلى بن أمية رواه ~~أيضا ابن جرير في تفسيره. قال الشوكاني ورواه أحمد والبخاري وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه وأحمد ~~وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم ms1337 وصححه وابن مردويه والبيهقي. وعلى كل ~~حال، فمعنى الآية الكريمة أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف 41، وقال # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # الزمر 16، وقال # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون # الأنبياء 39 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { وإن ~~يستغيثوا } يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، ~~يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة يطلق على ما أذيب من جواهر ~~الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك. ويطلق أيضا على دردي ~~الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل ~~دردي الزيت. وقيل هو نوع من القطران. وقيل السم. فإن قيل أي إغاثة في ماء ~~كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى { يغاثوا بمآء ~~كالمهل }. فالجواب - أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها ~~القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم # غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم # فمعنى قوله " أعتبوا بالصيلم " أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء ~~إلا بالسيف. وقول عمرو بن معد يكرب # وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع # يعنى لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء ~~كالمهل - علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم ألبتة. والياء في قوله " يستغيثوا ~~" والألف في قوله " يغاثوا " كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة ~~من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت للساكن الصحيح قبلها، على حد ~~قوله في الخلاصة # لساكن صح انقل التحريك من ذي لين آت عين فعل كأبن # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يشوي الوجوه } أي يحرقها حتى ~~تسقط فروة الوجه، أعاذنا الله والمسلمين منه! وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال # " كالمهل يشوي الوجوه ms1338 " # ، هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه. قال ابن حجر رحمه الله ~~في الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن ~~سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، واستغربه ~~وقال لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد، وتعقب قوله بأن أحمد وأبا يعلى ~~أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ~~وهب عن عمرو بن الحارث. وقوله في هذه الآية الكريمة { بئس الشراب ~~} المخصوص بالذم فيه محذوف، تقديره بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به. ~~والضمير الفاعل في قوله " ساءت " عائد إلى النار. والمرتفق مكان ~~الارتفاق. وأصله أن يتكىء الإنسان معتمدا على مرفقه. وللعلماء في المراد ~~بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقا. أي منزلا، وهو ~~مروي عن ابن عباس. وقيل مقرا، وهو مروي عن عطاء. وقيل مجلسا وهو مروي ~~عن العتبي. وقال مجاهد مرتفقا أي مجتمعا. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى ~~مرافقة بعضهم لبعض في النار. وحاصل معنى الأقوال - أن النار بئس المستقر ~~هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى # إنها سآءت مستقرا ومقاما # الفرقان 66، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق - معروف في كلام ~~العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي # نام الخلى وبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها الصاب مذبوح # ويروى " وبت الليل مشتجرا " وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى ~~باهلة # قد بت مرتفقا للنجم أرقبه حيران ذا حذر لو ينفع الحذر # وقول الراجز # قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحا # وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفات هذا الشراب، الذي ~~يسقى به أهل النار - جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى # لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون # الأنعام 70، وقوله تعالى # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # محمد 15، وقوله تعالى # تسقى من عين آنية # الغاشية 5، وقوله تعالى # يطوفون بينها وبين حميم آن # الرحمن 44 والحميم الآتي ms1339 من الماء المتناهي في الحرارة. وقوله تعالى # ويسقى من مآء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه # إبراهيم 16-17 الآية، وقوله تعالى # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم # الصافات 67، وقوله تعالى # فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم # الواقعة 54-55. وقوله تعالى # لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما ~~وغساقا # النبأ 24-25 الآية، وقوله تعالى # هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله ~~أزواج # ص 57و58 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرقا من هذا في سورة " يونس ~~". ### || [18.30] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من عمل صالحا وأحسن في عمله أنه ~~جل وعلا لا يضيع أجره، أي جزاء عمله بل يجازي بعمله الحسن الجزاء الأوفى. ~~وبين هذا المعنى في آيات كثيرة جدا، كقوله تعالى # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى # آل عمران 195. وقوله تعالى # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين # آل عمران 171 وقوله # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # الرحمن 60 الآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا. وفي هذا المعنى ~~الكريمة سؤلان معروفان عند العلماء الأول - أن يقال أين خبر " إن " في ~~قوله تعالى { إن الذين آمنوا } الآية؟ فإذا قيل خبرها جملة { ~~إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } توجه السؤال. الثاني ~~- وهو أن يقال أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم " إن "؟. ~~اعلم أن خبر " إن " في قوله { إن الذين آمنوا } قيل هو جملة # أولئك لهم جنات عدن # الكهف 31 وعليه فقوله { إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } جملة اعتراضية. وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه. وقيل " ~~إن " الثانية واسمها وخبرها، كل ذلك خبر " إن " الأولى. ونظير الآية من ~~القرآن في الإخبار عن " إن " ب " إن " وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة ~~" الحج " # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة # الحج 17 الآية، وقول الشاعر # إن الخليفة إن الله ألبسه سربال ms1340 ملك به ترجى الخواتيم # على أظهر الوجهين في خبر " إن " الأولى في البيت. وعلى هذا فالجواب عن ~~السؤال الثاني من وجهين الأول - أن الضمير الرابط محذوف، تقديره لا نضيع ~~أجر من أحسن منهم عملا كقولهم السمن منوان بدرهم، أي منوان منه بدرهم، ~~كما تقدم في قوله تعالى # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن # البقرة 234 الآية. أي يتربص بعدهم. الوجه الثاني - أن من { من ~~أحسن عملا } هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وإذا كان الذين ~~آمنوا، ومن أحسن عملا ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير. ~~وهذا هو مذهب الأخفش، وهو الصواب. لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى. ### || [18.31] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملا، فذكر أنه جنات عدن ~~تجري من تحتهم فيها الأنهار، ويحلون فيها أساور الذهب، ويلبسون فيها ~~الثياب الخضر من السندس والاستبرق، في حال كونهم متكئين فيها على الآرائك ~~وهي السرر في الحجال والحجال جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع ~~الزينة. ثم أثنى على ثوابهم بقوله { نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا } وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات - جاء مبينا في مواضع كثيرة جدا من كتاب الله تعالى، ~~وكقوله تعالى في سورة " الإنسان " # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # الإنسان 5 - إلى قوله - # وكان سعيكم مشكورا # الإنسان 22 وكقوله في سورة " الواقعة " ، # والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم # الواقعة 10-12 إلى قوله # لاصحاب اليمين # الواقعة 38 وأمثال ذلك كثيرة في القرآن وقد بين في سورة " السجدة " أن ~~ما أخفاه الله لهم من قرة أعين لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وذلك في قوله # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # السجدة 17 الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة. { جنات عدن } أي ~~إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول كما قال تعالى # لا يبغون عنها حولا # الكهف 108 أصله من عدن بالمكان إذا أقام به. وقد تقدم في سورة " النحل " ~~معنى السندس ms1341 والاستبرق بما أغنى عن إعادته هنا، والأساور جمع سوار. وقال ~~بعضهم جمع أسورة. والثواب الجزاء مطلقا على التحقيق. ومنه قول الشاعر # لكل أخي مدح ثواب علمته وليس المدح الباهلي ثواب # وقول من قال إن الثواب في اللغة يختص بجزاء الخير بالخير - غير صواب بل ~~يطلق الثواب أيضا على جزاء الشر بالشر. ومنه قوله تعالى # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # المطففين 36، وقوله تعالى # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه # المائدة 60 الآية. وقوله { وحسنت مرتفقا } الضمير في قوله " ~~حسنت " راجع إلى " جنات عدن ". والمرتفق قد قدمنا أقوال العلماء فيه. ~~وقوله هنا في الجنة " وحسنت مرتفقا " يبين معناه قوله تعالى # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون ~~فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ~~ومقاما # الفرقان 75-76. ### || [18.35-36] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، ~~الذي ضربه مثلا مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار، الذين ~~افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء كما تقدم - أنه دخل ~~جنته في حال كونه ظالما لنفسه وقال إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى ~~لما رأى من حسنها ونضارتها؟ وقال إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قدر ~~أنه يبعث ويرد إلى ربه ليجدن عنده خيرا من الجنة التي أعطاه في الدنيا. ~~وما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة ~~الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضا بالمال والولد، ~~كما أنعم عليهم في الدنيا - جاء مبينا في آيات أخر، كقوله في " فصلت " # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ~~ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50، وقوله في " مريم " # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # مريم 77 وقوله في " سبأ " # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ 35. وقوله في هذه السورة الكريمة # فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ms1342 ~~وأعز نفرا # الكهف 34. وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة ~~الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # المؤمنون 55-56، وقوله # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين # الأعراف 182-183، وقوله # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # آل عمران 178، وقوله # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # سبأ 37 الآية، وقوله تعالى # مآ أغنى عنه ماله وما كسب # المسد 2 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { منقلبا } أي مرجعا ~~وعاقبة. وانتصابه على التمييز. وقوله { لأجدن خيرا منها } ~~قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير " منهما " بصيغة تثنية الضمير. وقرأه ~~الباقون " منها " بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته ~~راجع إلى الجنتين في قوله # جعلنا لأحدهما جنتين # الكهف 32 وقوله # كلتا الجنتين # الكهف 33. وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله { ودخل ~~جنته } الآية. فإن قيل ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب ~~- أنه قال ما ذكره الله عنه حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما ~~معا في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما ~~نبه عليه أبو حيان في البحر. ### || [18.37-38] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلا ~~للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه ~~الآخر الكافر المضروب مثلا لذوي المال والجاه من الكفار، منكرا عليه ~~كفره - أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلا، لأن خلقه ~~إياه من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلا، كل ذلك يقتضي إيمانه ~~بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشرا سويا، ويجعله يستبعد ~~منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى ~~المبين هنا بينه في مواضع أخر، ms1343 كقوله تعالى # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # البقرة 28، وقوله تعالى # وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون # يس 22 وقوله تعالى # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ~~ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ~~ثم يحيين # الشعراء 75-81 الآية، وقوله تعالى # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # الزخرف 26-27 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا كثيرا من الآيات الدالة ~~على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره - أن يكون هو الذي يخلق ~~المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا. وقوله ~~في هذه الآية الكريمة { بالذي خلقك من تراب } معنى خلقه إياه ~~من تراب، أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب، كما قال تعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # آل عمران 59 الآية. ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 الآية. وقوله { ثم من نطفة } أي بعد أن خلق آدم من ~~التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجا له - كانت طريق إيجاد الإنسان ~~بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة، ثم طور العلقة إلى آخر أطواره ~~المذكورة في قوله # وقد خلقكم أطوارا # نوح 14، وقوله تعالى # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث # الزمر 6 وقد أوضحها تعالى إيضاحا تاما في قوله # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # المؤمنون 12-14. ومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، قوله تعالى ~~في " السجدة " # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ~~الذي أحسن كل شيء ms1344 خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ~~ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # السجدة 7-9. وقوله في هذه الآية { ثم سواك رجلا } كقوله # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # النحل 4، وقوله # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # يس 77 أي بعد أن كان نطفة سار إنسانا خصيما شديد الخصومة في توحيد ~~ربه. وقوله { سواك } أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح ~~الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم. كقوله تعالى # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # التين 4، وقوله # وصوركم فأحسن صوركم # غافر 64، وقوله # يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي ~~خلقك فسواك فعدلك في أى صورة ما شآء ركبك # الانفطار 8، وقوله " رجلا " أي ذكرا بالغا مبلغ الرجال، وربما قالت ~~العرب للمرأة رجلة، ومنه قول الشاعر # كل جار ظل مغتبطا غير جيران بني جبلة مزقوا ثوب فتاتهم لم يراعوا ~~حرمة الرجلة # وانتصاب " رجلا " على الحال. وقيل مفعول ثان لسوى على تضمينه معنى جعلك ~~أو صيرك رجلا. وقيل هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار ~~المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله { أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب } مضمن معنى الاستبعاد، لأنه يستبعد جدا كفر المخلوق بخالقه، ~~الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم الله أن ~~الله خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلا. كقوله # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول ~~الشاعر # ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها # لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ~~} بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر أنت كافر! لكن أنا لست ~~بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني. أي ms1345 لأنه هو الذي يستحق مني أن ~~أعبده، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما ~~تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في " يس ~~" في قوله تعالى # وما لي لا أعبد الذي فطرني # يس 22 أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون. وما قدمنا عن إبراهيم في قوله # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني ~~فهو يهدين # الشعراء 77-78 الآية، وقوله # إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني # الزخرف 26-27 الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة { أكفرت بالذي ~~خلقك من تراب } الكهف 37 بعد قوله # ومآ أظن الساعة قائمة # الكهف 36 يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في ~~أول سورة " الرعد " في قوله تعالى # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا ~~لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون # الرعد 5. وقوله في هذه الآية الكريمة { لكنا } أصله " لكن أنا " فحذفت ~~همزة " أنا " وأدغمت نون " لكن " في نون " أنا " بعد حذف الهمزة. وقال ~~بعضهم نقلت حركة الهمزة إلى نون " لكن " فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم ~~أدغمت النون في النون! ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكنا إياك لم أقل # أي لكن أنا إياك لم أقل. وقال بعضهم لا يتعين في البيت ما ذكر. لجواز أن ~~يكون المقصود لكنني فحذف اسم " لكن " كقول الآخر # فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافر # أي لكنك زنجي في رواية من روى زنجي بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا ~~الحذف من " لكن أنا " قول الآخر # لهنك من عبسية لوسمية على منوات كاذب من يقولها # قال أراد بقوله " لهنك " لله إنك. فحذف إحدى اللامين من " لله " ، وحذف ~~الهمزة من " إنك " نقله القرطبي عن أبي عبيد. وقوله تعالى { لكن ~~هو الله ربي }. قرأه جماهير القراء في الوصل " لكن " بغير ألف ~~بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبعة ms1346 " لكنا " بالألف في الوصل. ~~ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجميع ~~على إثبات الألف في الوقف. ومد نون " أنا " لغة تميم إن كان بعدها همزة. ~~وقال أبو حيان في البحر إن إثبات ألف " أنا " مطلقا في الوصل لغة بني ~~تميم، وغيرها يثبتونها على الاضطرار. قال فجاءت قراءة " لكنا " بإثبات ~~الألف في الوصل على لغة تميم. ومن شواهد مد " أنا " قبل غير الهمزة قول ~~الشاعر # أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناما # وقول الأعشى # فكيف أنا وانتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عارا # وقوله في هذه الآية الكريمة # وهو يحاوره # الكهف 34 جملة حالية. والمحاورة المراجعة في الكلام ومنه قوله تعالى # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ # المجادلة 1، وقول عنترة في معلقته # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الجواب مكلمي # وكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن ~~أي الناس هما - أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقا من عدم الفائدة فيه، وعدم ~~الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى. ### || [18.41] # معنى قوله " غورا " أي غائرا. فهو من الوصف بالمصدر. كما قال في ~~الخلاصة # ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا # والغائر ضد النابع. وقوله { فلن تستطيع له طلبا } لأن الله ~~إذا أعدم ماءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا. ~~وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # الملك 30 ولا شك أن الجواب الصحيح لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله ~~وحده. كما قال هنا { فلن تستطيع له طلبا }. ### || [18.43-44] # اعلم أن في هذه الآية الكريمة قراءات سبعية، وأقوالا لعلماء التفسير، ~~بعضها يشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد ~~تكون فيها مذاهب للعلماء، يشهد لكل واحد منها قرآن. فنذكر الجميع وأدلته ~~في القرآن. فإذا علمت ذلك فاعلم أن ms1347 قوله في هذه الآية { ولم تكن ~~له فئة } قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة ~~الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي " ولم يكن له فئة " بالياء المثناة ~~التحتية. وقوله { الولاية لله الحق } قرأة السبعة ما عدا ~~حمزة والكسائي أيضا " الولاية " بفتح الواو. وقرأه حمزة والكسائي بكسر ~~الواو. وقوله " الحق " قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض ~~نعتا " لله " وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتا للولاية. فعلى قراءة ~~من قرأ " الولاية لله " بفتح الواو - فإن معناها الموالاة والصلة، وعلى ~~هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان الأول - أن معنى { هنالك ~~الولاية لله } أي في ذلك المقام، وتلك الحال تكون الولاية من كل ~~أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. وعلى هذا المعنى ~~فالآية كقوله تعالى # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين # غافر 84، وقوله في فرعون # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين # يونس 90-91 ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن الولاية في مثل ذلك ~~المقام وتلك الحال لله وحده، فيوالى فيه المسلمين ولاية رحمة، كما في ~~قوله تعالى # الله ولي الذين آمنوا # البقرة 257 الآية، وقوله # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # محمد 11. وله على الكافرين ولاية الملك والقهر، كما في قوله # وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # يونس 30. وعلى قراءة حمزة والكسائي فالولاية بالكسر بمعنى الملك ~~والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # غافر 16 وقوله # الملك يومئذ الحق للرحمن # الفرقان 26 الآية، وقوله # الملك يومئذ لله يحكم بينهم # الحج 56. وعلى قراءة " الحق " بالجر نعتا لله، فالآية كقوله # وردوا إلى الله مولاهم الحق # يونس 30 الآية. وقوله # فذلكم الله ربكم الحق # يونس 32 الآية، وقوله # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون ~~أن الله هو الحق المبين # النور 25 إلى ms1348 غير ذلك من الآيات. وعلى قراءة " الحق " بالرفع نعتا ~~للولاية، على أن الولاية بمعنىالملك، فهو كقوله # الملك يومئذ الحق للرحمن # الفرقان 26. وما ذكره جل وعلا عن هذا الكافر من أنه لم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله - ذكر نحوه عن غيره من الكفار، كقوله في قارون # فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين # القصص 81، وقوله # فما له من قوة ولا ناصر # الطارق 10، والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقوله { هنالك } قال بعض ~~العلماء. هو متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله { وما كان ~~منتصرا } الكهف 43. وقال بعضهم هو متعلق بما قبله، فعلى القول الأول ~~فالظرف الذي هو " هنالك " عامله ما بعده، أي الولاية كائنة لله هنالك. ~~وعلى الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو " منتصرا " أي لم يكن ~~انتصاره واقعا هنالك. وقوله { هو خير ثوابا } أي جزاء كما تقدم. ~~وقوله " عقبا " بضم العين وسكون القاف والمعنى واحد. وقوله " ثوابا " ~~وقوله " عقبا " كلاهما منصوب على التمييز بعد صيغة التفضيل التي هي " ~~خير " كما قال في الخلاصة # والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كأنت أعلى منزلا # ولفظة - خير وشر - كلتاهما تأتي صيغة تفضيل حذفت منها الهمزة تخفيفا ~~لكثرة الاستعمال، قال ابن مالك في الكافية. # وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر # تنبيه قوله في هذه الآية الكريمة { فئة } محذوف منه حرف بلا خلاف، إلا ~~أن العلماء اختلفوا في الحرف المحذوف. هل هو ياء أو واو، وهل هو العين أو ~~اللام؟ قال بعضهم المحذوف العين، وأصله ياء. وأصل المادة ف ي أ، من فاء ~~يفيء إذا رجع، لأن فئة الرجل طائفته التي يرجع إليها في أموره، وعلى هذا ~~فالتاء عوض عن العين المحذوفة، ووزنه بالميزان الصرفي " فلة " وقال بعضهم ~~المحذوف اللام. وأصله واو، من فأوت رأسه إذا شققته نصفين. وعليه فالفئة ~~الفرقة من الناس. وعلى هذا فوزنه بالميزان الصرفي " فعة " والتاء عوض عن ~~اللام. وكلا القولين نصره بعض أهل العلم، والعلم ms1349 عند الله تعالى. ### || [18.46] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن المال والبنين زينة الحياة ~~الدنيا، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثوابا وخير أملا. والمراد ~~من الآية الكريمة - تنبيه الناس للعمل الصالح. لئلا يشتغلوا بزينة الحياة ~~الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله من الأعمال ~~الباقيات الصالحات. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبينا في آيات ~~أخر. كقوله تعالى # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة # آل عمران 14-15 الآية، وقوله # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون # المنافقون 9، وقوله # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده ~~أجر عظيم # التغابن 15، وقوله # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا # سبأ 37 الآية، وقوله # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # الشعراء 88-89 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له ~~الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته. وأقوال العلماء في ~~الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهو الأعمال التي ترضي الله، ~~سواء قبلنا إنها الصلوات الخمس، كما هو مروي عن جماعة من السلف. منهم ابن ~~عباس، وسعيد بن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل. أو أنها سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن ~~أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعائشة ~~رضي الله عنهم. قال مقيدة عفا الله عنه التحقيق أن " الباقيات الصالحات " ~~لفظ عام، يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من ~~الأعمال التي ترضي الله تعالى ms1350 لأنها باقية لصاحبها غير زائلة. ولا فانية ~~كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي ~~الله تعالى. وقوله { خير ثوابا } تقدم معناه. وقوله { وخير ~~أملا } أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات، خير مما يؤمله أهل ~~الدنيا من زينة حياتهم الدنيا وأصل الأمل طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في ~~المستقبل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في " مريم " # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا # مريم 76 والمرد المرجع إلى الله يوم القيامة. وقال بعض العلماء " مردا ~~" مصدر ميمي، أي وخير ردا للثواب على فاعلها، فليست كأعمال الكفار التي ~~لا ترد ثوابا على صاحبها. ### || [18.47] # قوله " ويوم " منصوب باذكر مقدرا. أو بفعل القول المحذوف قبل قوله # ولقد جئتمونا فرادى # الأنعام 94 أي قلنا لهم يوم نسير الجبال لقد جئتمونا فرادى. وقول من زعم ~~أن العامل فيه " خير " يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال - ~~بعيد جدا كما ترى. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن يوم ~~القيامة يختل فيه نظام هذا العالم الدنيوي، فتسير جباله، وتبقى أرضه ~~بارزة لا حجر فيها ولا شجر، ولا بناء ولا وادي ولا علم - ذكره في مواضع ~~أخر كثيرة، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما، ~~ويدكهما دكة واحدة، وذلك في قوله # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت ~~الواقعة # الحاقة 13-15 الآية. وما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة ~~ذكره أيضا في مواضع أخر، كقوله # يوم تمور السمآء مورا وتسير الجبال سيرا # الطور 9-10، وقوله # وسيرت الجبال فكانت سرابا # النبأ20، وقوله # وإذا الجبال سيرت # التكوير 3، وقوله # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # النمل 88 الآية. ثم ذكر في مواضع أخر - أنه جل وعلا يفتتها حتى تذهب ~~صلابتها الحجرية وتلين، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش، ~~وكالرمل المتهايل، كقوله تعالى # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن # المعارج 8-9، ms1351 وقوله تعالى # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش # القارعة 4-5 والعهن الصوف. وقوله تعالى # يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا # المزمل 14، وقوله تعالى # وبست الجبال بسا # الواقعة 5 أي فتتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، على أشهر ~~التفسيرات. ثم ذكر جل وعلا أنه يجعلها هباء وسرابا. قال # وبست الجبال بسا فكانت هبآء منبثا # الواقعة 5-6 وقال # وسيرت الجبال فكانت سرابا # النبأ 20. وبين في موضع آخر - أن السراب عبارة عن لا شيء. وهو قوله # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة # النور 39 - إلى قوله - # لم يجده شيئا # النور 39. وقوله { ويوم نسير الجبال } قرأه ابن عامر وابن ~~كثير وأبو عمرو " تسير الجبال " بالتاء المثناة الفوقية وفتح الياء ~~المشددة من قوله " تسير " مبنيا للمفعول. و { الجبال } بالرفع نائب فاعل ~~{ نسير } والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله جل وعلا. وقرأه باقي السبعة ~~" نسير " بالنون وكسر الياء المشددة مبنيا للفاعل، و " الجبال " منصوب ~~مفعول به، والنون في قوله " نسير " للتعظيم. وقوله في هذه الآية الكريمة ~~{ وترى الأرض بارزة } البروز الظهور. أي ترى الأرض ظاهرة ~~منكشفة لذهاب الجبال والظراب والآكام، والشجر والعمارات التي كانت عليها. ~~وهذا المعنى الذي ذكره هنا - بينه أيضا في غير هذا الموضع. # كقوله تعالى # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ~~فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # طه 105-107. وأقوال العلماء في معنى ذلك راجعة إلى شيء واحد، وهو أنها ~~أرض مستوية لا نبات فيها، ولا بناء ولا ارتفاع ولا انحدار. وقول من قال ~~إن معنى { وترى الأرض بارزة } أي بارزا ما كان في بطنها من ~~الأموات والكنوز - بعيدا جدا كما ترى. وبروز ما في بطنها من الأموات ~~والكنوز دلت عليه آيات أخر. كقوله تعالى # وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت # الانشقاق 4، وقوله تعالى # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور # العاديات 9-10، وقوله # وأخرجت الأرض أثقالها # الزلزلة 2، وقوله # وإذا القبور بعثرت # الانفطار 4. وقوله في هذه الآية الكريمة ms1352 { وحشرناهم } أي جمعناهم للحساب ~~والجزاء. وهذا الجمع المعبر عنه بالحشر هنا - جاء مذكورا في آيات أخر، ~~كقوله تعالى # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # الواقعة 49-50، وقوله تعالى # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة # النساء 87 الآية، وقوله تعالى # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # التغابن 9، وقوله تعالى # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # هود 103. وقوله # ويوم نحشرهم جميعا # الأنعام 22 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر - أن هذا ~~الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # الأنعام 38. وقوله في هذه الآية الكريمة { فلم نغادر منهم ~~أحدا } اي لم نترك. والمغادرة الترك. ومنه الغدر. لأنه ترك الوفاء ~~والأمانة. وسمي الغدير من الماء غديرا، لأن السيل ذهب وتركه. ومن ~~المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته # هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم # وقوله أيضا # غادرته متعفرا أوصاله والقوم بين مجرح ومجدل # وما ذكره في هذه الآية الكريمة - من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحدا - ~~جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله # ويوم نحشرهم جميعا # الأنعام 22 الآية، ونحوها من الآيات، لأن حشرهم جميعا هومعنى أنه لم ~~يغادر منهم أحدا. ### || [18.48] # قوله تعالى { وعرضوا على ربك صفا }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة - أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفا، أي في حال ~~كونهم مصطفين. قال بعض العلماء صفا بعد صف. وقال بعضهم صفا واحدا وقال ~~بعض العلماء " صفا " أي جميعا، كقوله # ثم ائتوا صفا # طه 64 على القول فيه بذلك. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ~~وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن ~~جبل - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة ms1353 بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي، ~~أن الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا ~~عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حجتكم ويسروا جوابا ~~فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل ~~أقدامهم للحساب " # قلت هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية. ولم يذكره كثير من ~~المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه، والحمد لله. انتهى ~~كلام القرطبي. والحديث المذكور يدل على أن " صفا " في هذه الآية يراد به ~~صفوفا. كقوله في الملائكة { وجآء ربك والملك صفا صفا ~~} الفجر 22. ونظير الآية قوله في الملائكة # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا # النبأ 38. فإذا علمت أن الله جل وعلا ذكر في هذه الآية الكريمة حالا من ~~أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة - فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء ~~أخر من أحوال عرضهم عليه. كقوله # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية # الحاقة 18. وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار، وما يقال لهم عند ذلك ~~العرض على ربهم. كقوله # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك ~~يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا وهم بالآخرة هم كافرون # هود 18-19. وقوله في هذه الآية الكريمة { صفا } أصله مصدر، والمصدر ~~المنكر قد يكون حالا على حد قوله في الخلاصة # ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع # قوله تعالى { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ~~} الآية. هذا الكلام مقول قول محذوف. وحذف القول مطرد في اللغة العربية، ~~كثير جدا في القرآن الكريم العظيم. والمعنى يقال لهم يوم القيامة لقد ~~جئتمونا، أي والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلا، ~~أي غير مختونين، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد، ولا خدم ولا حشم. # وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله # ولقد جئتمونا فرادى ms1354 كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون # الأنعام 94، وقوله # لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا # مريم 94-95 وقوله تعالى # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ # الأنبياء 104 الآية، وقوله # كما بدأكم تعودون # الأعراف 29 تقدم. وقوله في هذه الآية الكريمة { كما خلقناكم } " ما " ~~مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. ~~وإيضاح تقريره ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي مجيئا مثل مجيء خلقكم، أي ~~حفاة عراة غرلا كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد. وهذا ~~الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه ~~أيضا حالا، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى، لأن ~~التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله # ويكثر الجمود في سعر وفي مبدي تأول بلا تكلف كبعه مدا بكذا يدا بيد ~~وكر زيد أسدا أي كأسد # فقوله " وكر زيد أسدا أي كأسد " مثال لمبدي التأول، لأنه في تأويل كر ~~في حال كونه مشابها للأسد كما ذكرنا - واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله ~~مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفا. لكن ~~عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جدا، ومنه قول الشاعر # لنحن الألى قلتم فأني ملئتم برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا # لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول ~~القول. وقوله # ولقد جئتمونا # الأنعام 94 عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله ~~منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير ~~جدا في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا # وحشرناهم # الكهف 47، وقوله { وعرضوا على ربك } الكهف48 ، وقوله { ~~لقد جئتمونا }. ومنه قوله # أتى أمر الله # النحل 1، وقوله # ونفخ في الصور # الكهف99، وقوله # وسيق الذين كفروا # الزمر 71، وقوله # وسيق الذين اتقوا ربهم # الزمر73 ونحو ذلك كثير في القرآن لما ms1355 ذكرنا. قوله تعالى { بل ~~زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة - أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعدا. والموعد ~~يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتا ولا ~~مكانا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.. وما ~~دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث - جاء مبينا في آيات ~~كثيرة، كقوله تعالى # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا # التغابن 7 الآية. وقوله عنهم # وما نحن بمبعوثين # الأنعام 29، # وما نحن بمنشرين # الدخان 35 ونحو ذلك من الآيات. # وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة. كقوله في هذه ~~السورة الكريمة # بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا # الكهف 58، وقوله # قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم # التغابن 7 الآية، وقوله # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت بلى وعدا عليه حقا # النحل 38، وقوله # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # الأنبياء 104 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد قدمنا في سورة " البقرة ~~" وسورة " النحل " - البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها ~~على البعث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بل زعمتم } إضراب انتقالي ~~من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. وأن في قوله { ألن ~~نجعل }. مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ~~ضمير الشأن المحذوف. على حد قوله في الخلاصة وإن تخفف أن.. البيت والفعل ~~المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي. على حد قوله في ~~الخلاصة وإن يكن فعلا ولم يكن دعا.. البيتين. ### || [18.49] # قوله تعالى { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها }. ذكر جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة أن الكتاب يوضع يوم القيامة. والمراد بالكتاب جنس ~~الكتاب. فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا. ~~وأن المجرمين يشفقون مما فيه. أي ms1356 يخافون منه، وأنهم يقولون { ~~يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر }. أي لا يترك { ~~صغيرة ولا كبيرة } من المعاصي التي عملنا { إلا أحصاها ~~} أي ضبطها وحصرها. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء ~~موضحا في مواضع أخر. كقوله # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # الإسراء 13-14 وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه. وبعضهم يؤتاه بشماله. ~~وبعضهم يؤتاه وراء ظهره. قال # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه # الحاقة 25 الآية، وقال تعالى # فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من ~~أوتي كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ثبورا ~~ويصلى سعيرا # الانشقاق 7-12 وقد قدمنا هذا في سورة " بني إسرائيل ". وما ذكره من وضع ~~الكتاب هنا ذكره في " الزمر " في قوله # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق # الزمر 69 الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة { فترى المجرمين } تقدم ~~معنى مثله في الكلام على قوله # وترى الشمس إذا طلعت # الكهف 17 الآية. والمجرمون جمع المجرم، وهم اسم فاعل الإجرام. والإجرام ~~ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال. ومعنى ~~كونهم " مشفقين مما فيه " أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم ~~السيئة، وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد، وما يترتب على ذلك العذاب السرمدي. ~~وقولهم { يويلتنا } الويلة الهلكة، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها ~~خاصة من بين الهلكات فقالوا يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان ~~حضورك! وقال أبو حيان في البحر المراد من بحضرتهم كأنهم قالوا يا من ~~بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله # يأسفا على يوسف # يوسف 84، # يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # الزمر 56، # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # يس 52، وقوله يا عجبا لهذه الفليقة، فيا عجبا من رحلها المتحمل، إنما ~~يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى انتهى كلام ms1357 أبي حيان. ~~وحاصل ما ذكره أن أداة النداء في قوله " يا ويلتنا " ينادى بها محذوف، ~~وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف، والتقدير كما ذكره يا من بحضرتنا انظروا ~~هلكتنا. # ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء، ودلالة القرينة على ~~المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب. ومنه قول عنترة في معلقته # يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم # يعني يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة # ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ولا زال منهلا بجرعائك القطر # يعني يا هذه اسلمي. وقوله تعالى { ما لهذا الكتاب } أي أي شيء ~~ثبت لهذا الكتاب { لا يغادر } أي لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } ~~أي من المعاصي. وقول من قال الصغيرة القبلة، والكبيرة الزنى، ونحو ذلك من ~~الأقوال في الآية - إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر. ~~وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الأصول. وقد صرح تعالى ~~بأن المنهيات منها كبائر. ويفهم من ذلك أن منها صغائر. وبين أن اجتناب ~~الكبائر يكفر الله به الصغائر. وذلك في قوله # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم # النساء 31 الآية. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال ضجوا من ~~الصغائر قبل الكبائر. وجملة " لا يغادر " حال من " الكتاب ". تنبيه هذه ~~الآية الكريمة يفهم منها - أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. لأنهم وجدوا ~~في كتاب أعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم، فلو كانوا غير مخاطبين بها ~~لما سجلت عليهم في كتاب أعمالهم. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ~~- أنهم في يوم القيامة يجدون أعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة ~~عليهم. وأوضح هذا أيضا في غير هذا الموضع، كقوله # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # آل عمران 30، وقوله تعالى # هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت # يونس 30 الآية، ms1358 وقوله # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # القيامة 13، وقوله # يوم تبلى السرآئر # الطارق 9 إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { ولا يظلم ربك ~~أحدا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنه لا يظلم أحدا، فلا ~~ينقص من حسنات محسن، ولا يزيد من سيئات مسيء، ولا يعاقب على غير ذنب. ~~وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # يونس 44، وقوله تعالى # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # النساء 40، وقوله تعالى # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # الأنبياء 47، وقوله # وما ربك بظلام للعبيد # فصلت 46 وقوله # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # النحل 33، وقوله # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # النحل 118 والآيات بمثل ذلك كثيرة. ### || [18.50] # قدمنا في سورة " البقرة " أن قوله تعالى # اسجدوا لأدم # البقرة 34 محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمرا معلقا على ~~وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزا بعد وجود آدم. وأنه جل وعلا بين ~~في سورة " الحجر " وسورة " ص " أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم ~~معلق عليه. قال في " الحجر " # وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين # الحجر 28-29 وقال في " ص " # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # ص 71-72 ولا ينافي هذا أنه بعد وجود آدم جدد لهم الأمر بالسجود له ~~تنجيزا. وقوله في هذه الآية الكريمة { فسجدوا } محتمل لأن يكونوا سجدوا ~~كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # الحجر 30 ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة، { كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه } ظاهر في أن سبب فسقه ms1359 عن أمر ربه ~~كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في " مسلك النص " وفي " مسلك الإيماء ~~والتنبيه " أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم سرق فقطعت ~~يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # المائدة 38 أي لعلة سرقتهما. وكذلك قوله هنا { كان من الجن ~~ففسق } أي لعلة كينونته من الجن، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين ~~الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو. ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ~~ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من ~~الجن، وأنه كان يتعبد معهم، فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في ~~القبيلة يطلق عليه اسمها. والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه ~~الله شيطانا، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله ~~فيهم وتعبده معهم - مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال إن أصله ليس من ~~الملائكة أمران أحدهما - عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه ~~إبليس. كما قال تعالى عنهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # التحريم 6، وقال تعالى # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # الأنبياء 27. والثاني-أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، ~~والجن غير الملائكة. قالوا وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال إنه ~~ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنيه من قوله # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # الحجر30-31 قالوا فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه ~~منهم. وقال بعضهم والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص. ومن المعلوم أن ~~الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا ولا حجة لمن خالفنا في ~~قوله تعالى { كان من الجن } لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين ~~الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق ~~الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود # وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر ms1360 # قالوا ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # الصافات 158 عند من يقول بأن المراد بذلك قولهم الملائكة بنات الله. ~~سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوا كبيرا! وممن جزم ~~بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة الحسن البصري، ~~وقصره الزمخشري في تفسيره. وقال القرطبي في تفسير سورة " البقرة " إن ~~كونه من الملائكة هو قول الجمهور ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن ~~المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ~~ظاهر قوله " إلا إبليس " اه وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن ~~عباس وغيره من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر ~~أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل - كله من الإسرائيليات التي لا ~~معول عليها. وأظهر الحجج في المسألة - حجة من قال إنه غير ملك. لأن قوله ~~تعالى { إلا إبليس كان من الجن ففسق } الكهف 50 ~~الآية، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي. والعلم عند الله تعالى. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ففسق عن أمر ربه } أي ~~خرج عن طاعة أمر ربه. والفسق في اللغة الخروج. ومنه قول رؤبة بن العجاج # يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا # وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه. فلا حاجة لقول من قال إن " عن " سببية، ~~كقوله # وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك # هود 53 أي بسببه وأن المعنى ففسق عن أمر ربه، أي بسبب أمره حيث لم ~~يمتثله، ولا غير ذلك من الأقوال. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم ~~عدو بئس للظالمين بدلا } الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، ~~ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مرارا أي أبعد ما ظهر منه ~~من الفسق والعصيان، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم وحواء - تتخذونه ~~وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا! بئس للظالمين بدلا من الله إبليس ~~وذريته! وقال { للظالمين } لأنهم اعتاضوا الباطل ms1361 من الحق، وجعلوا مكان ~~ولايتهم لله ولايتهم لإبليس وذريته. # وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة وضع الشيء في غير موضعه. كما تقدم ~~مرارا. والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام، وتقديره بئس ~~البدل من الله إبليس وذريته. وفاعل بئس " ضمير محذوف يفسره التمييز الذي ~~هو " بدلا " على حد قوله له في الخلاصة # ويرفعان مضمرا يفسره مميز كنعم قوما معشره # والبدل العوض من الشيء، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عداوة ~~الشيطان لبني آدم جاء مبينا في آيات أخر. كقوله # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # فاطر 6. وكذلك الأبوان، كما قال تعالى # فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى # طه 117. وقد بين في غير هذا الموضع أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء ~~بدلا من ولاية الله يحسبون أنهم في ذلك على حق. كقوله تعالى # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون # الأعراف 30. وبين في مواضع أخر أن الكفارأولياء الشيطان. كقوله تعالى # والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان # النساء 76 الآية، وقوله تعالى # إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون # الأعراف 27، وقوله تعالى # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # البقرة 257 الآية، وقوله # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين # آل عمران 175، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~وذريته } دليل على أن للشيطان ذرية. فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه ~~الآية مناقضة صريحة كما ترى. وكا ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك! ~~ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره. لا دليل عليها من نص صريح، ~~والعلماء مختلفون فيها. وقال الشعبي سألني الرجل هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ~~ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى { أفتتخذونه ~~وذريته أوليآء من دوني } فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من ~~زوجة فقلت نعم. وما فهمه الشعبي من هذه الآية من أن الذرية تستلزم الزوجة ~~روي مثله عن ms1362 قتادة. وقال مجاهد إن كيفية وجود النسل منه أنه أدخل فرجه في ~~فرج نفسه فباض خمس بيضات قال فهذا أصل ذريته. وقال بعض أهل العلم إن الله ~~تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا، فهو ينكح هذا بهذا ~~فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة. ولا ~~يخفى أن هذه الأقوال ونحوها لا معول عليها لعدم اعتضادها بدليل من كتاب ~~أو سنة. فقد دلت الآية الكريمة على أن له ذرية. أما كيفية ولادة تلك ~~الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في ~~تفسير هذه الآية قلت الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميري في ~~الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني أنه خرج في كتابه مسندا ~~عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن ~~سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان ~~وفرخ " # وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه. قال مقيدة عفا الله عنه هذا ~~الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك. هل هي ~~من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك. مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا ~~تخلوا من احتمال. لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل ~~المثل. فيحتمل معنى باض وفرخ على سبيل المثل فيحتمل معنى باض وفرخ أنه ~~فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن ~~الأمثال لا تغير ألفاظها. وما يذكره كثير من المفسرين وغيرهم من تعيين ~~أسماء أولاده ووظائفهم التي قلدهم إياها كقوله زلنبور صاحب الأسواق. وتبر ~~صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ونحو ذلك. والأعور صاحب أبواب ~~الزنى. ومسوط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا. ~~وداسم هو الشيطان الذي إذا ms1363 دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله ~~بصره ما لم يرفع من المتاع ما لم يحسن موضعه يثير شره على أهله. وإذا أكل ~~ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها والأقيس ~~صاحب الصلاة يوسوس فيها ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس، إلى غير ~~ذلك من تعيين أسمائهم ووظائفهم - كله لا معول عليه إلا ما ثبت منه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ومما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من تعيين ~~وظيفة الشيطان واسمه ما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه حدثنا يحيى بن خلف ~~الباهلي، حدثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء أن عثمان بن ~~أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إن الشيطان ~~قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي!! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ~~ثلاثا " # قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. وتحريش الشيطان بين الناس وكون إبليس ~~يضع عرشه على البحر، ويبعث سرايا فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة ~~- كل ذلك معروف ثابت في الصحيح. والعلم عند الله تعالى. \ ### || [18.51] # التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة - أن الله يقول ما أشهدت إبليس ~~وجنوده أي ما أحضرتهم خلق السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق ~~أنفسهم، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين ~~به على خلقه، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير! فكيف تصرفون ~~لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء!؟ وهذا المعنى الذي ~~أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده - جاء مبينا في آيات ~~كثيرة، وقد قدمنا كثيرا منها في مواضع متعددة، كقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # النحل 17، وقوله # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # الرعد 16، وقوله # هذا خلق ms1364 الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~بل الظالمون في ضلال مبين # لقمان 11، وقوله تعالى # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات # فاطر 40 الآية، وقوله تعالى # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات # الأحقاف 4 الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مرارا. وقال بعض ~~العلماء { ولا خلق أنفسهم } أي ما أشهدتهم خلق أنفسهم بل ~~خلقتهم على ما أردت وكيف شئت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وما ~~كنت متخذ المضلين عضدا } الكهف 51 فيه الإظهار في محل ~~الإضمار، لأن الأصل الظاهر. وما كنت متخذهم عضدا، كقوله { مآ ~~أشهدتهم } والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار في ذمه ~~تعالى لهم بلفظ الإضلال. وقوله " عضدا " أي أعوانا. وفي هذه الآية ~~الكريمة - التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم، ~~والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. والمعنى المذكور أشير له في ~~مواضع أخر كقوله تعالى # قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين # القصص 17 والظهير المعين. والمضلون الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق. ~~وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية. ### || [18.52] # أي واذكر يوم يقول الله جل وعلا للمشركين الذين كانوا يشركون معه الآلهة ~~والأنداد من الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله توبيخا لهم ~~وتقريعا نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء معي، فالمفعولان محذوفان ~~أي زعمتموهم شركاء لي كذبا وافتراء. أي ادعوهم واستغيثوا بهم لينصروكم ~~ويمنعوكم من عذابي، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي فاستغاثوا بهم فلم ~~يغيثوهم. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عدم استجابتهم لهم ~~إذا دعوهم يوم القيامة جاء موضحا في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة " ~~القصص " # ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا ~~هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا ~~تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ~~ادعوا شركآءكم فدعوهم ms1365 فلم يستجيبوا لهم ~~ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون # القصص 62-64، وقوله تعالى # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل ~~خبير # فاطر 13-14، وقوله # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # الأحقاف 5-6، وقوله # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # مريم 81-82، وقوله تعالى # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون # الأنعام 94، والآيات في تبرئهم منهم يوم القيامة، وعدم استجابتهم لهم ~~كثيرة جدا. وخطبة الشيطان المذكورة في سورة إبراهيم في قوله تعالى # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # إبراهيم 22 -إلى قوله - # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # إبراهيم 22 من قبيل ذلك المعنى المذكور في الآيات المذكورة. وقوله في ~~هذه الآية الكريمة { وجعلنا بينهم موبقا } اختلف العلماء ~~فيه من ثلاث جهات الأولى - في المراد بالظرف الذي هو " بين ". والثانية - ~~في مرجع الضمير. والثالثه - في المراد بالموبق. وسنذكر هنا أقوالهم، وما ~~يظهر لنا رجحانه منها إن شاء الله تعالى. أما الموبق فقيل المهلك. وقيل ~~واد في جهنم. وقيل الموعد. قال صاحب الدر المنثور أخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وجعلنا بينهم ~~موبقا } يقول مهلكا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في ~~قوله " موبقا " يقول مهلكا. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله " موبقا " قال؟ واد ~~في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن أنس في ms1366 قوله { وجعلنا بينهم موبقا ~~} قال واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله { وجعلنا بينهم موبقا } ~~قال هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى ~~والضلالة. وأخرج ابن الننذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال الموبق ~~الذي ذكر الله واد في النار، بعيد القعر، يفرق الله به يوم القيامة بين ~~أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في ~~قوله تعالى { موبقا } قال هو نهر يسيل نارا على حافتيه حيات أمثال ~~البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار ~~منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال إن في النار أربعة أودية يعذب الله ~~بها أهلها غليظ، وموبق، وأثام، وغي. انتهى كلام صاحب الدر المنثور. ونقل ~~ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة أن الموبق الموعد، ~~واستدل لذلك بقول الشاعر # وحاد شروري والستار فلم يدع تعارا له والواديين بموبق # يعني بموعد. والتحقيق أن الموبق المهلك، من قولهم وبق يبق، كوعد يعد إذا ~~هلك. وفيه لغة أخرى وهي وبق يوبق كرجل يوجل. ولغة ثالثة أيضا وهي وبق ~~يبق كورث يرث. ومعنى كل ذلك الهلاك. والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق ~~على القياس، والوبق. ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس. ~~وأوبقته ذنوبه أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى # أو يوبقهن بما كسبوا # الشورى 34 أي يهلكهن، ومنه الحديث، " فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها " ~~وحديث " السبع الموبقات " أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير # ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق # وقول من قال، إن الموبق العداوة، وقول من قال إنه المجلس - كلاهما ظاهر ~~السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا. وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة " ~~بين " فعلى قول الحسن ومن وافقه أن الموبق العداوة - فالمعنى واضح أي ~~وجعلنا بينهم عداوة كقوله # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو # الزخرف 67 ms1367 الآية، وقوله # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا # العنكبوت 25 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة ~~بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء المراد بالبين في الآية الوصل أي ~~وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكا لهم يوم القيامة كما قال تعالى # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # البقرة 166 أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وكما قال # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # مريم 82، وكما قال تعالى # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # العنكبوت 25 ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء { وجعلنا ~~بينهم موبقا } جعلنا الهلاك بينهم لأن كلا منهم معين على هلاك ~~الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب، كما قال تعالى # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون # الزخرف 39، وقوله # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # الأعراف 38 ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد. وقال بعض العلماء { ~~وجعلنا بينهم موبقا } أي بين المؤمنين والكافرين موبقا، ~~أي مهلكا يفصل بينهم، فالداخل فيه، في هلاك، والخارج عنه في عافية. ~~وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى وجعلنا بين ~~الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقا أي مهلكا، لأن ~~الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب، كما قال تعالى # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # الزمر 16 الآية، وقوله # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف41 الآية، وقوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 الآية. وقال ابن الأعرابي كل شيء حاجز بين شيئين يسمى ~~موبقا، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله " بينهم " ~~قيل راجع إلى أهل النار. وقيل راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معا. وقيل ~~راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ~~ظاهره السياق عليه، لأن ms1368 الله يقول { ويوم يقول نادوا ~~شركآئي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم } الكهف 52 ثم قال مخبرا عن العابدين والمعبودين { وجعلنا ~~بينهم موبقا } الكهف 52 أي مهلكا يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا ~~المعنى كقوله # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم # يونس 28 الآية. أي فرقنا بينهم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~ويوم يقول } قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية، وقرأه ~~حمزة " نقول " بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى ~~الله، أي يقول هو أي الله. ### || [18.53] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ~~ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظن في هذه الآية ~~بمعنى اليقين لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير ~~هذا الموضع أنهم موقنون بالواقع كقوله عنهم # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # السجدة 12، وكقوله # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # ق 22، وقوله تعالى # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # مريم 38 الآية. ومن إطلاق الظن على اليقين قوله تعالى # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون # البقرة 45-46 أي يقونون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى # قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله ~~مع الصابرين # البقرة 249. وقوله تعالى # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه # الحاقة 19-20 فالظن في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين. والعرب تطلق الظن ~~على اليقين وعلى الشك. ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد بن ~~الصمة فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد وقول عميرة بن ~~طارق # بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيبا مرجما # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المجرمين يرون النار، وبين في ~~موضع آخر أنها ms1369 هي تراهم أيضا، وهو قوله تعالى # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها ~~تغيظا وزفيرا # الفرقان 11-12. وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد ~~اصطلاح للأصوليين والفقهاء. ولا مشاحة في الاصطلاح. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { ولم يجدوا عنها مصرفا } المصرف المعدل، أي ~~ولم يجدوا عن النار مكانا ينصرفون إليه ويعدلون إليه، ليتخذوه ملجأ ~~ومعتصما ينجون فيه من عذاب الله. ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى ~~مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان - قول أبي كبير الهذلي # أزهير هل عن شيبة من مصرف أم لا خلود لباذل متكلف # وقوله في هذه الآية الكريمة { ورأى المجرمون النار } من رأى ~~البصرية، فهي تتعدى لمفعول واحد، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظرا ~~لتحقق الوقوع، فكان ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما تقدم مرارا. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [18.54] # قوله { ولقد صرفنا } أي رددنا وكثرنا تصريف الأمثال بعبارات ~~مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس. ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا. ~~فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل هو القول الغريب السائر في الآفاق. وضرب ~~الأمثال كثير في القرآن جدا. كما قال تعالى # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها # البقرة 26 ومن أمثلة ضرب المثل فيه # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له # الحج 73 الآية، وقوله # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # العنكبوت 41، وقوله # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون سآء ~~مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا # الأعراف176-177 الآية، وكقوله { مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات ~~الله } الجمعة 5 الآية، وقوله # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء # الكهف 45 الآية، وقوله # ضرب الله ms1370 مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ~~منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون # النحل 75، وقوله # وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم # النحل 76، وقوله # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم # الروم 28 الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وفي هذه الأمثال واشباهها ~~في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جدا، لا لبس في الحق معها. إلا أنها ~~لا يعقل معانيها إلا أهل العلم. كما قال تعالى # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # العنكبوت 43. ومن حكم ضرب المثل أن يتذكر الناس. كما قال تعالى # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # الحشر 21. وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي ~~بها الله قوما، ويضل بها قوما آخرين. كما في قوله تعالى # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ~~من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين # البقرة 26، وأشار إلى هذا المعنى في سورة " الرعد ". لأنه لما ضرب المثل ~~بقوله # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # الرعد 17 - أتبع ذلك بقوله # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء ~~الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد # الرعد 18. ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين ms1371 عقلوا معنى ~~الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق. وأن الذين لم يستجيبوا له هم ~~الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق. فالفريق الأول - هم ~~الذين قال الله فيهم { ويهدي به كثيرا } ، والفريق الثاني - هم الذين ~~قال فيهم { يضل به كثيرا } وقال فيهم { وما يضل به إلا الفاسقين }. ~~وقوله في هذه الآية الكريمة { ولقد صرفنا } قال بعض العلماء ~~مفعول " صرفنا " محذوف، تقديره البينات والعبر. وعلى هذا ف " من " ~~لابتداء الغاية أي ولقد صرفنا الآيات والعبر من أنواع ضرب المثل للناس في ~~هذا القرآن ليذكروا، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام. ولذا قال { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في ~~البحر، ثم قال وقال ابن عطية يجوز أن تكون " من " زائدة للتوكيد. ~~فالتقدير ولقد صرفنا كل مثل. فيكون مفعول " صرفنا " " كل مثل " وهذا ~~التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش، لا على مذهب جمهور البصريين. ~~انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط. وقال الزمخشري " من كل مثل " من ~~كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه اه وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه ~~كل معانيه التي يفسر بها هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره. لأن النظير ~~يعرف بنظيره. وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكورا في ~~آيات أخر. كقوله في " الإسراء " # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا # الإسراء 89، وقوله تعالى # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما ~~يزيدهم إلا نفورا # الإسراء 41، وقوله # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا # طه 113، وقوله # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج ~~لعلهم يتقون # الزمر 27-28، وقوله # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن ~~أنتم إلا مبطلون # الروم 58. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } أي أكثر الأشياء التي ms1372 من شأنها ~~الخصومة إن فصلتها واحدا بعد واحد. # " جدلا " أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق. ومن الآيات الدالة ~~على خصومة الإنسان بالباطل لإدحاض الحق - قوله هنا # ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق # الكهف 56، وقوله تعالى # والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم # الشورى 16 الآية، وقوله تعالى # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # يس 77، إلى غير ذلك من الآيات. وما فسرنا به قوله تعالى { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } الكهف 54 من أن معناه كثرة خصومة ~~الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية ~~الكريمة، لأن قوله { ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~للناس من كل مثل } أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم بدليل ~~قوله # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا # الإسراء 41، وقوله # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # الحشر 21 فلما أتبع ذلك بقوله { وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا } - علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصومة ~~والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل. ~~ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة ~~بظاهر عمومها. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته ~~فيما مضى. ولأجل هذا # " لما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة رضي الله عنهما ليلة ~~فقال " ألا تصليان؟ " وقال علي رضي الله عنه يا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول " وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا " # والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده صلى الله عليه وسلم الآية على قول علي ~~رضي الله عنه " إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا " - دليل ~~على عموم الآية الكريمة، وشمولها لكل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر ~~على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار ms1373 الحق، كقوله تعالى # وجادلهم بالتي هي أحسن # النحل 125، وقوله تعالى # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # العنكبوت 46. وقوله " جدلا " منصوب على التمييز، على حد قوله في ~~الخلاصة # والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كانت أعلى منزلا # وقوله { أكثر شيء جدلا } أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها ~~الجدل جدلا كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه ~~الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام - لزم إفرادها ~~وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله # وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرا وأن يوحدا # وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة مبينا بعض الآيات ~~المبينة للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة، بعد أن ساق سنده إلى ابن ~~زيد في قوله { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } قال الجدل ~~الخصومة - خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاؤوا به. # وقرأ # ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون # المؤمنون 33 وقرأ # يريد أن يتفضل عليكم # المؤمنون 24، وقرأ " حتى توفى " الآية، # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # الأنعام 7، وقرأ # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # الحجر 14-15 انتهى من تفسير الطبري. ولا شك أن هذه الآيات التي ذكر عن ~~ابن زيد أنها مفسرة لجدل الإنسان المذكور في الآية أنها كذلك، كما قدمنا ~~أن ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول، والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة في ~~القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى. ### || [18.55] # في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم، وكلاهما ~~تدل على مقتضاه آيات من كتاب الله تعالى، وأحد الوجهين أظهر عندي من ~~الآخر. الأول منهما - أن معنى الآية وما منع الناس من الإيمان والاستغفار ~~إذ جاءتهم الرسل بالبينات الواضحات، إلا ما سبق في علمنا من أنهم لا ~~يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين أي سنتنا في ms1374 ~~إهلاكهم بالعذاب المستأصل. أو يأتيهم العذاب قبلا. والظاهر أن " أو " في ~~هذه الآية مانعة خلو، فهي تجوز الجمع لإمكان إهلاكهم بالعذاب المستأصل في ~~الدنيا كسنة الله في الأوبين من الكفار، وإتيان العذاب إياهم يوم القيامة ~~قبلا. وعلى هذا القول فالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا، كقوله ~~تعالى # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # يونس 96-97، وقوله # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101، وقوله تعالى # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~وما لهم من ناصرين # النحل 37، وكقوله تعالى # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم # المائدة41. والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة. القول الثاني - أن في ~~الآية الكريمة مضافا محذوفا، تقديره وما منع الناس من الإيمان ~~والاستغفار إلا طلبهم أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلا. ~~والآيات الدالة على طلبهم الهلاك والعذاب عنادا وتعنتا كثيرة جدا، ~~كقوله عن قوم شعيب # فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين # الشعراء 187، وكقوله عن قوم هود # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من الصادقين # الأحقاف 22، وكقوله عن قوم صالح # وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~المرسلين # الأعراف 77 وكقوله عن قوم لوط # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين # العنكبوت 29 وكقوله عن قوم نوح # قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا ~~بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # هود 32. فهذه الآيات وأمثالها في القرآن - ذكر الله فيها شيئا من سنة ~~الأولين أنهم يطلبون تعجيل العذاب عنادا وتعنتا. وبين تعالى أنه أهلك ~~جميعهم بعذاب مستأصل، كإهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم صالح بالصيحة، وقوم ~~شعيب بعذاب يوم الظلة، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم لوط بجعل عالي قراهم ~~سافلها. وإرسال حجارة السجيل عليهم، كما ms1375 هو مفصل في الآيات القرآنية. ~~وبين في آيات كثيرة أن كفار هذه الأمة كمشركي قريش سألوا العذاب كما سأله ~~من قبلهم، كقوله # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # الأنفال 32، وقوله # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # ص 16 وأصل القط، كتاب الملك الذي فيه الجائزة، وصار يطلق على النصيب ~~فمعنى { عجل لنا قطنا } أي نصيبنا المقدر لنا من العذاب الذي ~~تزعم وقوعه بنا إن لم نصدقك ونؤمن بك، كالنصيب الذي يقدره الملك في القط ~~الذي هو كتاب الجائزة، ومنه قول الأعشى # ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق # وقوله " يأفق " أي يفضل بعضا على بعض في العطاء. والآيات بمثل ذلك ~~كثيرة. والقول الأول أظهر عندي، لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير ~~إلا بحجة الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر. والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا ~~في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وجه الجمع بين قوله تعالى ~~هنا { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين } الكهف55 الآية وبين قوله تعالى # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # الإسراء 94 بما حاصله باختصار أن المانع المذكور في سورة " الإسراء " ~~مانع عادي يجوز تخلفه، لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز ~~تخلفه لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك ~~الاستغراب. فالحصر في قوله تعالى { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا } حصر في المانع العادي. وأما الحصر في قوله ~~هنا { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا } فهو حصر في المانع ~~الحقيقي، لأن إرادته جل وعلا عدم إيمانهم، وحكمه عليهم بذلك، وقضاءه به ~~مانع حقيقي من وقوع غيره. وقوله ms1376 في هذه الآية الكريمة { أو ~~يأتيهم العذاب قبلا } قرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة ~~والكسائي " قبلا " بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة ~~وهم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح ~~الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله " قبلا " بضمتين جمع قبيل. والفعيل ~~إذا كان اسما يجمع على فعل كسرير وسرر، وطريق وطرق، وحصير وحصر، كما ~~أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله # وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام اعلالا فقد # ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف..إلخ. وعلى هذا، فمعنى الآية { أو ~~يأتيهم العذاب قبلا } أي أنواعا مختلفة، يتلو بعضها بعضا. ~~وعلى قراءة من قرأوا " قبلا " كعنب، فمعناه عيانا، أي أو يأتيهم العذاب ~~عيانا. وقال مجاهد رحمه الله " قبلا " أي فجأة. # والتحقيق أن معناه عيانا وأصله من المقابلة، لأن المتقابلين يعاين كل ~~واحد منهما الآخر. وذكر أبو عبيد أن معنى القراءتين واحد، وأن معناهما ~~عيانا، وأصله من المقابلة. وانتصاب " قبلا " على الحال على كلتا ~~القراءتين. وهو على القولين المذكورين في معنى " قبلا " إن قدرنا أنه ~~بمعنى عيانا، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مرارا. وعلى أنه جمع قبيل ~~فهو اسم جامد مؤول بمشتق، لأنه في تأويل أو يأتيهم العذاب في حال كونه ~~أنواعا وضروبا مختلفة. والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله { أن ~~يؤمنوا } في محل نصب. لأنه مفعول " منع " الثاني، والمنسبك من " أن " ~~وصلتها في قوله { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } في محل ~~رفع، لأنه فاعل " منع " لأن الاستثناء مفرغ، وما قبل " إلا " عامل فيما ~~بعدها، فصار التقدير منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين، على حد قوله ~~في الخلاصة # وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو إلا عدما # والاستغفار في قوله { ويستغفروا ربهم } هو طلب المغفرة منه ~~جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه، والندم على ما فات، والعزم ~~المصمم على عدم العود إلى الذنب. ### || [18.56] # قوله تعالى { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ms1377 أنه ما يرسل ~~الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وكرر هذا ~~المعنى في مواضع أخر، كقوله # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ~~آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # الأنعام 84. وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة ~~الكريمة في الكلام على قوله تعالى # لينذر بأسا شديدا من لدنه # الكهف 2 الآية، وانتصاب قوله " مبشرين " على الحال، أي ما نرسلهم إلا في ~~حال كونهم مبشرين ومنذرين. قوله تعالى { ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق } الآية. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أن الذين كفروا يجادلون بالباطل، أي يخاصمون الرسول ~~بالباطل، كقولهم في الرسول ساحر، شاعر، كاهن. وكقولهم في القرآن أساطير ~~الأولين، سحر، شعر، كهانة. وكسؤالهم عن أصحاب الكهف، وذي القرنين. ~~وسؤالهم عن الروح عنادا وتعنتا، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل، ~~فالجدال المخاصمة. ومفعول " يجادل " محذوف دل ما قبله عليه، لأن قوله { ~~وما نرسل المرسلين } الكهف 56 يدل على أن الذين يجادلهم ~~الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفا، وحذف الفضلة إذا دل المقام ~~عليها جائز، وواقع كثيرا في القرآن وفي كلام العرب كما عقده في الخلاصة ~~بقوله # وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر # والباطل ضد الحق وكل شيء زائل مضمحل تسميه العرب باطلا، ومنه قول لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل # ويجمع الباطل كثيرا على أباطيل على غير القياس، فيدخل في قول ابن مالك ~~في الخلاصة # وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكما رسما # ومنه قول كعب بن زهير # كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيده إلاالأباطيل # ويجمع أيضا على البواطل قياسا. والحق ضد الباطل. وكل شيء ثابت غير ~~زائل ولا مضمحل تسميه العرب حقا. وقوله تعالى { ليدحضوا به ~~الحق } الكهف 56 أي ليبطلوه ويزيلوه به وأصله من إدحاض القدم، وهو ~~إزلاقها وإزالتها عن موضعها. تقول العرب، دحضت رجله إذا زلقت، وأدحضها ~~الله، أزلقها ودحضت حجته إذا ms1378 بطلت، وأدحضها الله أبطلها، والمكان الدحض ~~هو الذي تزل فيه الأقدام؟ ومنه قول طرفة # أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض # وهذا الذي ذكره هنا من مجادلة الكفار للرسل بالباطل أوضحه في مواضع أخر ~~كقوله # والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم # الشورى 16 الآية. وقوله جل وعلا # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون # التوبة 32، وقوله تعالى # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # الصف 8 وإرادتهم إطفاء نور الله بأفواههم، إنما هي بخصامهم وجدالهم ~~بالباطل. وقد بين تعالى في مواضع أخر. أن ما أراده الكفار من إدحاض الحق ~~بالباطل لا يكون، وأنهم لا يصلون إلى ما أرادوا، بل الذي سيكون هوعكس ما ~~أرادوه- فيحق ويبطل الباطل، كما قال تعالى # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # التوبة 33. وكقوله { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكافرون } ، وقوله { والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون } ، وقوله تعالى # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون # الأنبياء 18، وقوله تعالى # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # الإسراء 81، وقوله تعالى # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # الرعد 17 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحق سيظهر ويعلو، وأن ~~الباطل سيضمحل ويزهق ويذهب جفاء. وذلك هو نقيض ما كان يريده الكفار من ~~إبطال الحق وإدحاضه بالباطل عن طريق الخصام والجدال. قوله تعالى { ~~واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أن الكفار اتخذوا آياته التي أنزلها على رسوله، وإنذاره ~~لهم هزؤا، أي سخرية واستخفافا، والمصدر ms1379 بمعنى اسم المفعول، أي اتخذوها ~~مهزوءا بها مستخفا بها كقوله # إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا # الفرقان 30. وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبينا في آيات كثيرة، كقوله ~~تعالى # وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا # الجاثية 9 وكقوله تعالى # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # يس 30، وقوله تعالى # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون # الأنعام 10، وقوله تعالى # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ~~قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم # التوبة 65-66 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. و " ما " في قوله " ما ~~أنذروا " مصدرية، كما قررنا، وعليه فلا ضمير محذوف. وقيل هي موصولة ~~والعائد محذوف. تقديره وما أنذروا به هزؤا. وحذف العائد المجرور بحرف ~~إنما يطرد بالشروط التي ذكرها في الخلاصة بقوله # كذاك الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر # وفي قوله " هزؤا " ثلاث قراءات سبعيه قرأه حمزة بإسكان الزاي في الوصل. ~~وبقية السبعة بضم الزاي وتحقيق الهمزة. إلا حفصا عن عاصم فإنه يبدل ~~الهمزة واوا، وذلك مروي عن حمزة في الوقف. ### || [18.57] # قوله تعالى { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه }. الآية. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أظلم. أي أكثر ظلما لنفسه ممن ~~ذكر. أي وعظ بآيات ربه، وهي هذا القرآن العظيم " فأعرض عنها " أي تولى ~~وصد عنها. وإنما قلنا إن المراد بالآيات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير ~~الضمير العائد إلى الآيات في قوله { أن يفقهوه } ، أي القرآن المعبر عنه ~~بالآيات. ويحتمل شمول الآيات للقرآن وغيره، ويكون الضمير في قوله { أن ~~يفقهوه } أي ما ذكر من الآيات، كقول رؤبة # فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق # ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى # قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ~~عوان بين ذلك # البقرة 68 أي ذلك الذي ذكر من الفارض والبكر. ونظيره ms1380 من كلام العرب قول ~~ابن الزبعري # إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل # أي كلا ذلك المذكور من خير وشر. وقد قدمنا إيضاح هذا. وقوله { ونسي ~~ما قدمت يداه } أي من المعاصي والكفر، مع أن الله لم ينسه بل هو ~~محصيه عليه ومجازيه، كما قال تعالى # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد # المجادلة 6، وقال تعالى # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا # مريم 64، وقال تعالى # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى # طه 52. وقال بعض العلماء في قوله { ونسي ما قدمت يداه } أي ~~تركه عمدا ولم يتب منه. وبه صدر القرطبي رحمه الله تعالى. وما ذكره في ~~هذه الآية الكريمة من أن الإعراض عن التذكرة بآيات الله من أعظم الظلم، ~~قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة، والعواقب ~~الوخيمة الناشئة من الإعراض عن التذكرة. فمن نتائجه السيئة ما ذكره هنا ~~من أن صاحبه من أعظم الناس ظلما. ومن نتائجه السيئة جعل الأكنة على ~~القلوب حتى لا تفقه الحق، وعدم الاهتداء أبدا كما قال هنا مبينا بعض ما ~~ينشأ عنه من العواقب السيئة { إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم ~~إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } الكهف 57 ومنها ~~انتقام الله جل وعلا من المعرض عن التذكرة، كما قال تعالى # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض ~~عنهآ إنا من المجرمين منتقمون # السجدة 22. ومنها كون المعرض كالحمار، كما قال تعالى # فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة # المدثر 49-50 الآية. ومنها الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كما قال ~~تعالى # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود # فصلت 13 الآية. ومنها المعيشة الضنك والعمى، كما قال تعالى # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # طه 124. ومنها سلكه العذاب ms1381 الصعد، كما قال تعالى # ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا # الجن 17 ومنها تقبيض القرناء من الشياطين، كما قال تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # الزخرف 36 إلى غير ذلك من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة، الناشئة عن ~~الإعراض عن التذكير بآيات الله جل وعلا. وقد أمر تعالى في موضع آخر ~~بالإعراض عن المتولي عن ذكره، القاصر نظره على الحياة الدنيا. وبين أن ~~ذلك هو مبلغه من العلم، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده، وذلك في قوله ~~تعالى # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم # النجم 29-30. وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافل ~~عنه في قوله # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا # الكهف 28 كما تقدم إيضاحه. وقوله في هذه الآية { ما قدمت يداه } أي ما ~~قدم من أعمال الكفر. ونسبة التقديم إلى خصوص اليد لأن اليد أكثر مزاولة ~~للأعمال من غيرها من الأعضاء، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في ~~كلامهم، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر باللسان ~~والقلب، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزاول باليد كالزنى. وقد بينا في ~~كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وجه الجمع بين قوله { ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه } الآية، وقوله # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا # الأنعام 21 ونحو ذلك من الآيات. وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان أحدهما - ~~أن كل من قال الله فيه ومن أظلم ممن فعل كذا، لا أحد أظلم من واحد منهم. ~~وإذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضا، فلا إشكال في كون ~~كل واحد منهم لا أحد أظلم منه. والثاني - أن صلة الموصول تعين كل واحد في ~~محله. وعليه فالمعنى في قوله { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ~~ربه فأعرض عنها }. لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ms1382 ذكر ~~بآيات ربه فأعرض عنها. وفي قوله # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا # الأنعام 21، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهكذا. ~~والأول أولى. لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه. وممن اختاره أبو ~~حيان في البحر. قوله تعالى { إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } الآية. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات ~~الله إذا ذكروا بها - أكنة أي أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ~~ينفعهم مما ذكروا به. # وواحد الأكنة كنان، وهو الغطاء. وأنه جعل في آذانهم وقرا، أي ثقلا ~~يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات التي ذكروا بها. وهذا المعنى أوضحه ~~الله تعالى في آيات أخر. كقوله # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # البقرة 7، وقوله # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة # الجاثية 23 الآية، وقوله تعالى # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا # الإسراء 45-46، وقوله # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم # محمد 23، وقوله # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون # هود 20. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. فإن قيل إذا كانوا لا يستطيعون ~~السمع ولا يبصرون ولا يفقهون، لأن الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على ~~قلوبهم. والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم فهم مجبورون. ~~فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟! ~~فالجواب - أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أن تلك ~~الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة ~~والأكنة، ونحو ذلك - إنما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من ~~الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ~~ذلك، جزاء على كفرهم، ms1383 فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى # بل طبع الله عليها بكفرهم # النساء 155 أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب ~~الطبع على قلوبهم. وقوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5 وهو دليل أيضا واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم ~~السابق. وقوله # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم # المنافقون 3 وقوله تعالى # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # البقرة 10 الآية، وقوله # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # الأنعام 110، وقوله تعالى # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # المطففين 14، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ~~ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ~~ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة ~~وأمثالها في القرآن العظيم. وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضا عن سؤال ~~يظهر لطالب العلم فيما قررنا وهو أن يقول قد بينتم في الكلام على الآية ~~التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله ~~عند التذكير بها، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور ~~سببه هو جعل الأكنة على القلوب، لأن " إن " من حروف التعليل كما تقرر في ~~الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، كقولك اقطعه إنه سارق، وعاقبه إنه ~~ظالم، فالمعنى اقطعه لعلة سرقته، وعاقبه لعلة ظلمه. # وكذلك قوله تعالى { فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } الكهف 57 أي أعرض عنها ~~لعلة جعل الأكنة على قلوبهم. لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي ~~يعبر عنه تارة بالطبع، وتارة بالختم، وتارة بالأكنة، ونحو ذلك - سببه ~~الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه. وفي هذه الآية ~~الكريمة سؤالان معروفان الأول - أن يقال ما مفسر الضمير في قوله { أن ~~يفقهوه } وقد قدمنا أنه الآيات في قوله ms1384 { ذكر بآيات ربه } ~~بتضمين الآيات معنى القرآن. فقوله { أن يفقهوه } أي القرآن المعبر عنه ~~بالآيات كما تقدم إيضاحه قريبا. السؤال الثاني - أن يقال ما وجه إفراد ~~الضمير في قوله { ذكر } وقوله { أعرض عنها } وقوله { ونسي ما ~~قدمت يداه } مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله { إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا } مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد، وهو الاسم ~~الموصول في قوله { ممن ذكر بآيات ربه } الآية. والجواب - ~~هو أن الإفراد باعتبار لفظ " من " والجمع باعتبار معناها، وهو كثير في ~~القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة ~~المعنى تارة أخرى مطلقا. خلافا لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة ~~المعنى لا تصح. والدليل على صحة قوله تعالى # ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا قد ~~أحسن الله له رزقا # الطلاق 11 فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ " من " أولا فأفرد ~~الضمير في قوله { يؤمن } وقوله " ويعمل " وقوله " يدخله " وراعى ~~المعنى في قوله { خالدين } فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك ~~في قوله { قد أحسن الله له رزقا } وقوله { أن يفقهوه } فيه ~~وفي كل من يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعماء التفسير أحدهما - أن ~~المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل ~~المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني - أن ~~المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على ~~تقدير مضاف، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان ~~المذكوران كقوله تعالى # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176 أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا. # وقوله # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة # الحجرات 6 أي لئلا تصيبوا، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في ~~القرآن العظيم. وقوله تعالى { أن يفقهوه } أي يفهموه. فالفقه الفهم، ومنه ~~قوله تعالى # فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ms1385 حديثا # النساء 78 أي يفهمونه، وقوله تعالى # قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول # هود 91 أي ما نفهمه. والوقر الثقل. وقال الجوهري في صحاحه الوقر - ~~بالفتح، الثقل في الأذن. والوقر - بالكسر الحمل، يقال جاء يحمل وقره، ~~وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمال اه وهذا الذي ~~ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن { وفي آذانهم ~~وقرا } وقال في الحمل # فالحاملات وقرا # الذاريات 2. قوله تعالى { وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن الذين ~~جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن ~~التي ذكروا بها لا يهتدون أبدا، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى. ~~وهذا المعنى الذي اشار له هنا من أن من اشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير ~~جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # يونس 96-97، وقوله تعالى # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ~~حتى يروا العذاب الأليم # الشعراء 200-201، وقوله تعالى # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101، وقوله تعالى # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون # يونس 100، وقوله تعالى # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~وما لهم من ناصرين # النحل 37. وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند ~~العلماء. أحدهما - أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، ~~عياذا بالله تعالى. والثاني - أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين ~~بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع، والأول أظهر ~~والعلم عند الله تعالى. والفاء في قوله { فلن يهتدوا } لأن الفعل الذي ~~بعد " لن " لا يصلح أن يكون شرطا ل " إن " ونحوها. والجزاء إذا لم يكن ~~صالحا " لأن " يكون شرطا ل " إن " ونحوها - لزم اقترانه بالفاء. كما ~~عقده في الخلاصة بقوله # واقرن بفاحتما ms1386 جوابا لو جعل شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل # وقوله في هذه الآية الكريمة " إذا " جزاء وجواب. فدل على انتفاء ~~اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن ~~يكون سببا للاهتداء سببا لانتفائه. لأن المعنى فلن يهتدوا إذا دعوتهم - ~~ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر. # وهذا المعنى قد غلطا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين ~~وغيرهم. وإيضاح ذلك - أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله { وإن ~~تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } شرط ~~وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه. ولذا ~~ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله { فلن ~~يهتدوا } مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية ~~بقوله { وإن تدعهم إلى الهدى } المشار إليه أيضا بقوله " ~~إذا " فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط. لأن هذه القضية ~~الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها ~~وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقيه لا ارتباط ~~أصلا بين طرفيها، فليس أحدهما سببا في الآخر، ولا ملزوما ولا لازما ~~له، كما لو قلت إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل - فلا ربط بين ~~الطرفين، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك لو لم يخف ~~الله لم يعصه، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط، ~~بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله جل وعلا، ومحبته المانعة من ~~معصيته. وكذلك قوله هنا { فلن يهتدوا إذا أبدا } سببه ~~الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله " وإن تدعهم " كما ظنه الزمخشري وأبو ~~حيان وغيرهما. بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما ~~سبق في علمه أزلا. ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي ~~الشرطية قوله تعالى # قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم # آل ms1387 عمران 154 لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، ~~وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه ~~كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر # الكهف 109 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية ~~اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي # مقدم الشرطية المتصلة مهما تكن صحبة ذاك التال له لموجب قد اقتضاها ~~كسبب فهي اللزومية ثم إن ذهب موجب الاصطحاب ذا بينهما فالاتفاقية ~~عند العلما # ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك كلما كانت الشمس طالعة كان النهار ~~موجودا، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية ~~دون التلازم من الطرفين، كقولك كلما كان الشيء إنسانا كان حيوانا، إذا ~~لا يصدق عكسه. فلو قلت كلما كان الشيء حيوانا كان إنسانا لم يصدق، لأن ~~اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما، ومطلق اللزوم تكون ~~به الشرطية لزومية، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية. # ومثالها كما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا. وبسبب عدم التنبه ~~للفرق بين الشرطية اللزومية، والشرطية الاتفاقية - ارتبك خلق كثير من ~~النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى " لو " لأنهم أرادوا أن يجمعوا ~~في المعنى بين قولك لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا. وبين قولك ~~لو لم يخف الله لم يعصه، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول، لأنها ~~شرطية لزومية، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية. ولا شك أن ~~من أراد أن يجمع بين المفترقين ارتبك، والعلم عند الله تعالى. ### || [18.58] # قوله تعالى { وربك الغفور ذو الرحمة } الآية. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غفور، أي كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة ~~يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا. وبين في ~~مواضع أخر أنه هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا ~~الشرك. كقوله ms1388 # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # النساء 48، وقوله # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة # المائدة 72. وبين في موضع آخر أن رحمته واسعة، وأنه سيكتبها للمتقين. ~~وهو قوله # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة # الأعراف 156 الآية. وبين في مواضع أخر سعة مغفرته ورحمته كقوله # إن ربك واسع المغفرة # النجم 32، وقوله # إن الله يغفر الذنوب جميعا # الزمر 53. ونحو ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أنه مع سعة رحمته ~~ومغفرته شديد العقاب. كقوله # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # الرعد 6 وقوله # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب # غافر 3، وقوله تعالى # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # الحجر 49-50، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى { لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا لعجل لهم العذاب } الآية. بين في هذه الآية ~~الكريمة أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجل ~~لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. فهو يمهل ~~ولا يهمل. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة # النحل 61، وقوله # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # فاطر 45 وقد قدمنا هذا في سورة " النحل " مستوفى. قوله تعالى { بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } الآية. بين جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه وإن لم يعجل لهم العذاب في الحال فليس ~~غافلا عنهم ولا تاركا عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعدا يعذبهم فيه، ~~لا يتأخر العذاب عنه ولا يتقدم. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله في " النحل ~~" # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا ~~جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # النحل 61، وقوله في آخر سورة " فاطر " # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من ms1389 دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا # فاطر 45، وكقوله # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # إبراهيم 42، وكقوله # ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب # العنكبوت 53 الآية. وقد دلت آيات كثيرة على أن الله لا يؤخر شيئا عن ~~وقته الذي عين له ولا يقدمه عليه، كقوله # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # المنافقون 11، وقوله # يستقدمون # الأعراف 34، وقوله تعالى # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # نوح 4 الآية، وقوله # لكل أجل كتاب # الرعد 38، وقوله # لكل نبإ مستقر # الأنعام 67 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { لن ~~يجدوا من دونه موئلا } أي ملجأ يلجؤون إليه فيعتصمون به من ~~ذلك العذاب المجعول له الموعد المذكور. وهو اسم مكان، من وأل يئل وألا ~~ووؤلا بمعنى لجأ. ومعلوم في فن الصرف أن واوي الفاء من الثلاثي ينقاس ~~مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه - على المفعل بكسر العين كما هنا، ما لم ~~يكن معتل اللام فالقياس فيه الفتح كالمولى. والعرب تقول لا وألت نفسه، أي ~~لا وجدت منجى تنجو به، ومنه قول الشاعر # لا وألت نفسك خليتها للعامرين ولم تكلم # وقال الأعشى # وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل # أي ما ينجو. وأقوال المفسرين في " الموئل " راجعة إلى ما ذكرنا، كقول ~~بعضهم موئلا محيصا، وقول بعضهم منجى. وقول بعضهم محرزا،إلى غير ذلك ~~فكله بمعنى ما ذكرنا. ### || [18.59] # بين في هذه الآية الكريمة أن القرى الماضية لما ظلمت بتكذيب الرسل ~~والعناد واللجاج في الكفر والمعاصي أهلكهم الله بذنوبهم. وهذا الإجمال في ~~تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك التي وقعت بها - جاء ~~مفصلا في آيات أخر كثيرة، كما جاء في القرآن من قصة قوم نوح، وقوم هود، ~~وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى، كما تقدم بعض تفاصيله. والقرى جمع قرية ~~على غير قياس، لأن جمع التكسير على " فعل " - بضم ففتح - لا ينقاس إلا في ~~جمع " فعلة ms1390 " - بالضم - اسما كغرفة وقربة. أو " فعلى " إذا كانت أنثى ~~الأفعل خاصة، كالكبرى والكبر، كما أشار لذلك في الخلاصة بقوله # وفعل جمعا لفعلة عرف ونحو كبرى..الخ # أي وأما في غير ذلك فسماع يحفظ ولا يقاس عليه. وزاد في التسهيل نوعا ~~ثالثا ينقاس فيه " فعل " بضم ففتح، وهو الفعلة بضمتين إن كان اسما ~~كجمعة وجمع. واسم الإشارة في قوله { وتلك القرى } إنما أشير به لهم لأنهم ~~يمرون عليها في أسفارهم، كقوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # الصافات 137 -138، وقوله # وإنها لبسبيل مقيم # الحجر 76، وقوله # وإنهما لبإمام مبين # الحجر 79 ونحو ذلك من الآيات. وقوله " وتلك " مبتدأ و " القرى " صفة له. ~~أو عطف بيان. وقوله " أهلكناهم " هو الخبر. ويجوز أن يكون الخبر هو " ~~القرى " وجملة " أهلكناهم " في محل حال، كقوله # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # النمل 52. ويجوز أن يكون قوله " وتلك " في محل نصب بفعل محذوف يفسره ~~العامل المشتغل بالضمير، على حد قوله في الخلاصة # إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل فالسابق انصبه ~~بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا # وقوله في هذه الآية الكريمة { ولمهلكهم موعدا } قرأه عامة ~~السبعة ما عدا عاصما بضم الميم وفتح اللام على صيغة اسم المفعول. وهو ~~محتمل على هذه القراءة أن يكون مصدرا ميميا، أي جعلنا لإهلاكهم موعدا. ~~وأن يكون اسم زمان، أي وجعلنا لوقت إهلاكهم موعدا. وقد تقرر في فن الصرف ~~أن كل فعل زاد ماضيه على ثلاثة أحرف مطلقا فالقياس في مصدره الميمي واسم ~~مكانه واسم زمانه - أن يكون الجميع بصيغة اسم المفعول. والمهلك - بضم ~~الميم - من أهلكه الرباعي. وقرأه حفص عن عاصم " لمهلكهم " بفتح الميم ~~وكسر اللام. وقرأه شعبة عن عاصم " لمهلكهم " بفتح الميم واللام معا. ~~والظاهر أنه على قراءة حفص اسم زمان، أي وجعلنا لوقت هلاكهم موعدا. لأنه ~~من هلك يهلك بالكسر. # وما كان ماضيه على " فعل " بالفتح ومضارعه " يفعل " بالكسر كهلك يهلك، ~~وضرب يضرب، ونزل ينزل فالقياس في اسم مكانه وزمانه المفعل بالكسر. وفي ~~مصدره ms1391 الميمي المفعل بالفتح. تقول هذا منزله - بالكسر - أي مكان نزوله أو ~~وقت نزوله، وهذا " منزله " بفتح الزاي. أي نزوله، وهكذا. منه قول الشاعر # أأن ذكرتك الدار منزلها جمل بكيت فدمع العين منحدر سجل # فقوله " منزلها جمل " بالفتح. أي نزول جمل إياها وبه تعلم أنه على قراءة ~~شعبة " لمهلكهم " بفتح الميم واللام أنه مصدر ميمي. أي وجعلنا لهلاكهم ~~موعدا. والموعد الوقت المحدد لوقوع ذلك فيه. تنبيه لفظة " لما " ترد في ~~القرآن وفي كلام العرب على ثلاثة أنواع الأول - لما النافية الجازمة ~~للمضارع. نحو قوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # البقرة 214، وقوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم # آل عمران 142 الآية. وهذه حرف بلا خلاف، وهي مختصة بالمضارع. والفوارق ~~المعنوية بينها وبين لم النافية مذكورة في علم العربية، وممن أوضحها ابن ~~هشام وغيره. الثاني - أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا. فتدخل على الجملة ~~الاسمية. كقوله تعالى # إن كل نفس لما عليها حافظ # الطارق 4 في قراءة من شدد " لما " أي ما كل نفس إلا عليها حافظ. ومن هذا ~~النوع قول العرب أنشدك الله لما فعلت. أي ما أسألك إلا فعلك. ومنه قول ~~الراجز # قالت له لله يا ذا البردين لما غنثت نفسا أو نفسين # فقولها " غنثت " بعين معجمة ونون مكسورة وثاء مثلثة مسندا لتاء ~~المخاطب. والمراد بقولها " غنث " تنفست في الشرب. كنت بذلك عن الجماع، ~~تريد عدم متابعته لذلك، وأن يتنفس بين ذلك. وهذا النوع حرف أيضا بلا ~~خلاف. وبعض أهل العلم يقول إنه لغة هذيل. الثالث - من أنواع " لما " هو ~~النوع المختص بالماضي المقتضي جملتين، توجد ثانيتهما عند وجود أولاهما، ~~كقوله { لما ظلموا } أي لما ظلموا أهلكناهم، فما قبلها دليل على الجملة ~~المحذوفة. وهذا النوع هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب. " ولما " هذه ~~التي تقتضي ربط جملة بجملة اختلف فيها النحويون هل هي حرف، أو اسم، ~~وخلافهم فيها مشهور، وممن انتصر لأنها حرف ابن خروف وغيره. وممن ms1392 انتصر ~~لأنها اسم ابن السراج والفارسي وابن جني وغيرهم. وجواب " لما " هذه يكون ~~فعلا ماضيا بلا خلاف. كقوله # فلما نجاكم إلى البر أعرضتم # الإسراء 67 الآية، ويكون جملة اسمية مقرونة ب " إذا " الفجائية. كقوله # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # العنكبوت 65، أو مقرونة بالفاء كقوله # فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد # لقمان 32 الآية، ويكون جوابها فعلا مضارعا كما قاله ابن عصفور. كقوله # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى ~~يجادلنا في قوم لوط # هود 74 الآية. وبعض ما ذكرنا لا يخلو من مناقشة عند علماء العربية، ~~ولكنه هو الظاهر. هذه الأنواع الثلاثة، هي التي تأتي لها " لما " في ~~القرآن وفي كلام العرب. أما " لما " المتركبة من كلمات أو كلمتين - فليست ~~من " لما " التي كلامنا فيها، لأنها غيرها. فالمركبة من كلمات كقول بعض ~~المفسرين في معنى قوله تعالى # وإن كلا لما ليوفينهم ربك # هود 111 في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد نون " إن " وميم " ~~لما " على قول من زعم أن الأصل على هذه القراءة لمن ما بمن التبعيضية، ~~وما بمعنى من، أي وإن كلا لمن جملة ما يوفيهم ربك أعمالهم، فأبدلت نون " ~~من " ميما وأدغمت في ما، فلما كثرت الميمات حذفت الأولى فصار لما. وعلى ~~هذا القول ف " لما " مركبة من ثلاث كلمات الأولى الحرف الذي هو اللام، ~~والثانية من، والثالثة ما، وهذا القول وإن قال بعض به أهل العلم - لا ~~يخفى ضعفه وبعده، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه. وقصدنا مطلق التمثيل ل ~~" لما " المركبة من كلمات على قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين ~~فكقول الشاعر. # لما رأيت أبا يزيد مقاتلا أدع القتال وأشهد الهيجاء # لأن قوله " لما " في هذا البيت، مركبة من " لن " النافية الناصبة ~~للمضارع و " ما " المصدرية الظرفية، أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد ~~مقاتلا، أي مدة رؤيتي له مقاتلا. ### || [18.61] # قوله تعالى { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ms1393 موسى وفتاه نصبا حوتهما ~~لما بلغ مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى، ~~لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه. وإنما أسند النسيان ~~إليهما، لأن إطلاق المجموع مرادا بعضه - أسلوب عربي كثير في القرآن وفي ~~كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي # فإن قاتلوكم فاقتلوهم # البقرة 191 من القتل في الفعلين لا من القتال، أي فإن قتلوا بعضكم ~~فليقتلهم بعضكم الآخر. والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون ~~موسى قوله تعالى عنهما # فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا لقد لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينآ إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره # الكهف 62-63 الآية، لأن قول موسى " آتنا غداءنا " يعني به الحوت - فهو ~~يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه بأنه نسيه بقوله { ~~فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان } ~~الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة { ومآ أنسانيه إلا ~~الشيطان } دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر. ~~كقوله تعالى # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # الأنعام 68 وقوله تعالى # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله # المجادلة 19 الآية. وفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى { ~~مجمع بينهما } عائد إلى " البحرين " المذكورين في قوله تعالى # لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين # الكهف 60 الآية. والمجمع اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما. ~~والعلماء مختلفون في تعيين " البحرين " المذكورين. فذهب أكثرهم إلى أنهما ~~بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب ~~القرظي " مجمع البحرين " عند طنجة في أقصى بلاد المغرب وروى ابن أبي حاتم ~~من طريق السدى قال هما الكر والرأس حيث يصبان في البحر. وقال ابن عطية " ~~مجمع البحرين " ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط ~~من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي ms1394 بر الشام. وقيل هما بحر الأردن ~~والقلزم. وعن ابن المبارك قال قال بعضهم بحر أرمينية. وعن أبي بن كعب قال ~~بإفريقية. إلى غير ذلك من الأقوال. ومعلوم أن تعيين " البحرين " من النوع ~~الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، ~~فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه. # وزعم بعض الملاحدة الكفرة المعاصرين أن موسى لم يسافر إلى مجمع البحرين، ~~بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تاريخه - زعم في غاية الكذب والبطلان. ويكفي في ~~القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى { فلما بلغا مجمع ~~بينهما } الآية. مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون ~~إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى # لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا # الكهف 62. ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل، لأن نقيض الحق باطل ~~بإجماع العقلاء لاستحالة صدق النقيضين معا. وقوله في هذه الآية الكريمة # ومآ أنسانيه إلا الشيطان # الكهف 63 قرأه عامة القراء ما عدا حفصا " أنسانيه " بكسر الهاء. وقرأة ~~حفص عن عاصم " أنسانيه " بضم الهاء. ### || [18.65] # هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر عليه السلام بإجماع ~~العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما لم ~~يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء ~~مختلفون في الخضر هل هو نبي، أو رسول أو ولي. كما قال الراجز # واختلفت في خضر أهل العقول قيل نبي أو ولي أو رسول # وقيل ملك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة ~~نبوة. وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ~~ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولا - أن الرحمة تكرر إطلاقها ~~على النبوة في القرآن. وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على ~~علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في " الزخرف ms1395 " # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك # الزخرف 31-32 الآية. أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم ~~من القريتين. وقوله تعالى في سورة " الدخان " # فيها يفرق كل أمر حكيم # الدخان 4 # أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين رحمة من ~~ربك # الدخان 5-6 الآية، وقوله تعالى في آخر " القصص " # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # القصص 86 الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما # النساء 113، وقوله # وإنه لذو علم لما علمناه # يوسف 68 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم ~~اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على ~~الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر ~~الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر ~~عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه # وما فعلته عن أمري # الكهف 82 أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا. وأمر الله إنما يتحقق عن ~~طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله ~~جل و علا. ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس ~~بخرقها. لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي ~~من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى # قل إنمآ أنذركم بالوحي # الأنبياء 45 و " إنما " صيغة حصر. فإن قيل قد يكون ذلك عن طريق الإلهام ~~- فالجواب - أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز ~~الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به. # بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به، وما يزعمه بعض المتصوفة من ~~جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضا ms1396 ~~من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع ~~مستدلين بظاهر قوله تعالى # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # الأنعام 125، وبخبر " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " كله ~~باطل لا يعول عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، ~~لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن ~~في اتباع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح إيقاع شيء في القلب ~~يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به ~~من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس ~~كالإلهام غيرهم، لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب ~~الاستدلال # وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام الأولياء وقد رآه بعض من تصوفا ~~وعصمة النبي توجب اقتفا # وبالجمله، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق ~~تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك -إلا عن ~~طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، ما ~~جاؤوا به ولو في مسألة واحدة - فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث ~~الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15 ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاما. وقال تعالى # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # النساء 165. قال # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # طه 134 الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا. وقد بينا طرفا من ~~ذلك في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من ~~أن لهم ولأشياخهم طريقا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة ~~لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة، ~~وذريعة إلى الانحلال بالكلية ms1397 من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور ~~باطنة تخالف ظاهره. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره ما نصه قال شيخنا ~~الإمام أبو العباس ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه ~~هذه الأحكام الشرعية فقالوا هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها ~~على الأنبياء والعامة. # وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص. بل إنما يراد ~~منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا ~~وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم ~~الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام ~~الجزيئات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه ~~استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء ~~فيما ينقلون " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ". قال شيخنا رضي الله عنه ~~وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب. لأنه إنكار ما علم من ~~الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم ~~إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالتهم ~~وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال ~~تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن ~~الله سميع بصير # الحج 75، وقال تعالى # الله أعلم حيث يجعل رسالته # الأنعام 124 # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين # البقرة 213، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي ~~واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله ~~تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة ~~الرسل. فمن قال إن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث ~~يستغنى عن الرسل - فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ~~وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. الذي قد ~~جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. ms1398 وبيان ذلك - أن من ~~قال يأخذ عن قلبه. وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، ~~وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة- فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة. فإن ~~هذا نحو ما قاله صلى الله عليه وسلم # " إن روح القدس نفث في روعي.. " # الحديث. انتهى من تفسير القرطبي. وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن ~~الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ~~ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب في سورة " آل عمران ". وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف ~~على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث # " استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك " # - لا دليل فيه ألبتة على اعتبار الإلهام لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن ~~المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل من الحديث التحذير ~~من الشبه، لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعملها كل ~~الناس. # فقد يفتيك المفتي بحلية شيء وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون ~~حراما، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه ~~الشبهة، والحديث، كقوله # " " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # وقوله صلى الله عليه وسلم # " " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " # رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، # " وحديث وابصة بن معبد رضي الله عنه المشار إليه قال أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال " جئت تسأل عن البر؟ " قلت نعم قال " استفت قلبك. ~~البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس ~~وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " # قال النووي في رياض الصالحين حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ~~ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه - الحث على الورع وترك الشبهات، فلو ~~التبست مثلا ميتة بمذكاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين ~~بحلية ms1399 إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في ~~الثاني. فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو ~~الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض - لا يتحقق إلا بتجنب ~~الجميع، لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في ~~النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك ~~مستند لنصوص الشرح لا للالهام. ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل ~~الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح - قول الشيخ أبي القاسم ~~الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري رحمه الله مذهبنا هذا مقيد ~~بالكتاب والسنة، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه رحمه الله، كابن كثير وابن ~~خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا ~~على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام وبهذا كله تعلم أن قتل الخضر ~~للغلام وخرقه للسفينة وقوله # وما فعلته عن أمري # الكهف 82 دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول ~~بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى عليه الصلاة ~~والسلام له في قوله # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا # الكهف 66، وقوله # ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا # الكهف 69 مع قول الخضر له # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا # الكهف 68. مسألة اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر أو هو حي إلى الآن، ~~أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم ~~إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. # وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، ~~وابن الصلاح، والنقاش وغيرهم. قال ابن عطية وأطنب النقاش له هذا المعنى، ~~يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم القيامة. وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن ~~علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق - انتهى بواسطة نقل ~~القرطبي في تفسيره. وحكايات الصالحين ms1400 عن الخضر أكثر من أن تحصر. ودعواهم ~~أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية. كل ذلك معروف. ~~ومستند القائلين بذلك ضعيف جدا. لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به ~~الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به ~~حجة. ومن أقواه عند القائلين به - آثار التعزية حين توفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي رضي الله عنه قال ~~لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت ~~يسمعون صوته ولا يرون شخصه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام ~~عليكم أهل البيت # كل نفس ذآئقة الموت # العنكبوت 57 الآية. إن في الله خلقا من كل هالك، وعوضا من كل تالف، ~~وعزاء من كل مصيبة - فبالله فثقوا، وإياه فارجو. فإن المصاب من حرم ~~الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام. يعني أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيدة عفا الله عنه ~~والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفا - ~~مردود من وجهين الأول - أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح. قال ابن كثير في ~~تفسيره وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة ~~قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف ~~وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث ~~التعزية وإسناده ضعيف اه. منه. الثاني - أنه على فرض أن حديث التعزية ~~صحيح لا يلزم من ذلك عقلا ولا شرعا ولا عرفانا أن يكون ذلك المعزي هو ~~الخضر. بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن. لأن الجن هم الذين قال ~~الله فيهم # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # الأعراف 27. ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بل دليل. وقولهم كانوا ~~يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها. لاحتمال أن يخطؤوا في ظنهم، ~~ولا يدل ذلك ms1401 على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر ~~كما ترى. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه ~~المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفي، وذلك لعدة أدلة الأول - ظاهر عموم ~~قوله # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت ~~فهم الخالدون # الأنبياء 34، فقوله " لبشر " نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر - فيلزم ~~من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله. والخضر بشر من قبله. فلو كان شرب من ~~عين الحياة وصار حيا خالدا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك ~~البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد. الثاني - قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " # فقد قال مسلم في صحيحه حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك عن عكرمة ~~بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب ~~قال لما كان يوم بدر - ح وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له، حدثنا عمر بن ~~يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو زميل الحنفي، حدثني ~~عبد الله بن عباس قال # " حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا. فاستقبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه " اللهم ~~أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في ~~الأرض " # فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه. ~~فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا ~~نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين # الأنفال 9 فأمده الله بالملائكة..الحديث. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله ~~عليه وسلم " لا تعبد في ms1402 الأرض " فعل سياق النفي فهو بمعنى لا تقع عبادة ~~لك في الأرض، لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين. وعن مصدر ونسبة ~~وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا، فيتسلط ~~عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما تقدم ~~إيضاحه في سورة " بني إسرائيل " وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من ~~صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يفيد العموم # ونحو لا شربت أو إن شربا واتفقوا إن مصدر قد جلبا # فإذا علمت أن معنى # " قوله صلى الله عليه وسلم " إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " # أي لا تقع عبادة لك في الأرض. # فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيا في الأرض، لأنه على ~~تقدير وجوده حيا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض. ولو على فرض هلاك تلك ~~العصابة من أهل الإسلام. لأن الخضر ما دام حيا فهو يعبد الله في الأرض. ~~وقال البخاري في صحيحه حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، ~~حدثنا خالد عن عكرمة # " عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر " اللهم ~~أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض " فأخذ أبو بكر بيده ~~فقال حسبك! فخرج وهو يقول " سيهزم الجمع ويولون الدبر " # " فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث " اللهم إن شئت لم تعبد في ~~الأرض " # أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض. فيرجع ~~معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر. الثالث - ~~إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم ~~فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة، فلو كان ~~الخضر حيا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن ms1403 الحجاج ~~رحمه الله في صحيحه حدثنا محمد بن رافع. وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع ~~حدثنا، وقال عبد أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم ~~بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان # " أن عبد الله بن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ~~ليلة صلاة العشاء في آخر حياته. فلما سلم قال فقال " أرأيتكم ليلتكم هذه، ~~فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد " # قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما ~~يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر ~~الأرض أحد " # ، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ~~أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن ~~مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه، حدثني هارون بن عبد ~~الله، وحجاج بن الشاعر قالا حدثنا حجاج بن محمد، قال قال ابن جريج أخبرني ~~أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يموت بشهر # " تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله. وأقسم الله ما على الأرض من ~~نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة " # حدثنيه محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد ~~ولم يذكر " قبل موته بشهر ". حدثني يحيى بن حبيب، ومحمد بن عبد الأعلى، ~~كلاهما عن المعتمر قال ابن حبيب، حدثنا معتمر بن سليمان، قال سمعت أبي ~~حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك # " ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ " # وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن ms1404 قال نقص العمر. حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي بالإسنادين جميعا ~~مثله. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو خالد عن داود واللفظ له ح وحدثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة، حدثنا سليمان بن حيان عن داود عن أبي نضرة # " عن أبي سعيد قال لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سألوه عن ~~الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تأتي مائة وعلى الأرض ~~نفس منفوسة اليوم " # حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا أو عوانة عن حصين عن ~~سالم عن جابر بن عبد الله قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة " # فقال سالم تذاكرنا ذلك عنده إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ اه - منه ~~بلفظه. فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~عمر، وجابر، وأبو سعيد - فيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا ~~تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. فقوله " نفس منفوسة " ~~ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نكرة في سياق النفي فهي تعم كل نفس ~~مخلوقة على الأرض. ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر، لأنه ~~نفس منفوسة على الأرض. وقال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب عن الزهري قال حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حثمة # " أن عبد الله بن عمر قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء في ~~آخر حياته، فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أرأيتكم ~~ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " # فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون من ~~هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما # " قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ~~" # يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن - انتهى منه بلفظه. ms1405 وقد بينا وجه دلالته ~~على المراد قريبا. الرابع - أن الخضر لو كان حيا إلى زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه، لأنه مبعوث إلى جميع ~~الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدا، كقوله ~~تعالى # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158، وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # الفرقان 1، وقوله تعالى # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # سبأ 28 ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة " آل عمران " أنه أخذ على جميع ~~النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا صلى الله عليه وسلم مصدقا ~~لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون # آل عمران 81-82. وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قاله ابن العباس وغيره - فالأمر واضح. ~~وعلى أنها عامة فهو صلى الله عليه وسلم يدخل في عمومها دخولا أوليا. ~~فلو كان الخضر حيا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه ~~لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من ~~حديث جابر رضي الله عنه # " أن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من ~~بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا ~~تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي ~~نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " # اه قال ابن حجر في الفتح ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفا. وقال ~~الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه بعد أن ساق آية " آل عمران " ~~المذكورة آنفا مستدلا بها على أن الخضر ms1406 لو كان حيا لجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونصره - ما نصه قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله ~~نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذها على أمته الميثاق لئن بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه - ذكره البخاري عنه اه. ~~فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق. # فلو كان حيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله أن ~~يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء ~~إليه. لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه. وإن كان نبيا فموسى أفضل ~~منه. وقد روى الإمام أحمد في مسنده حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم ~~أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " # وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.. وقد دلت هذه الآية ~~الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما ~~أن صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع بهم الإسراء رفع فوقهم كلهم، ولما ~~هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم. ~~فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، ~~والرسول الخاتم المبجل المقدم - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ~~فإذا علم هذا، وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيا لكان ~~من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك. ~~هذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة ~~المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم ms1407 الخمسة ~~المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند ~~صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه - أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول ~~الصادق المصدوق فيما دعا به ربه عز وجل واستنصره واستفتحه على من كفره # " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض " # وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل ~~عليه السلام. كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر ~~بيت قالته العرب # وببئر بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد # فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم ~~غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض ~~أصحابنا عن الخضر هل مات؟ فقال نعم. قال وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن ~~العبادي قال وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - نقله ابن الجوزي في العجالة. # فإن قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد ~~يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص ~~العمومات بمجرد التوهمات. ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم ~~لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان ~~تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والآيات ~~القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، ~~والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، ~~وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، ~~وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام - أفضل مما يقال من ~~كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال ~~كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟! وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد ~~فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية ~~والنهاية ms1408 لابن كثير رحمه الله تعالى. فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي ~~تدل على وجود الخضر حيا باقيا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة ~~المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه. وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على ~~حياة الخضر، وبقائه - ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرا من أوجه ~~ضعفها ابن حجر في الإصابة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق ~~الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر وهذه الروايات والحكايات هي ~~عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا، ~~لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في ~~الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره. لأنه ~~يجوز عليه الخطأ والله أعلم، إلى أن قال رحمه الله وقد تصدى الشيخ أبو ~~الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر ~~للأحاديث الواردة في ذلك المرفوعات - فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن ~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة ~~رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد - اه منه. واعلم أن جماعة من ~~أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته. فزعموا أنه لا ~~يشمله عموم # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # الأنبياء 34 ولا عموم حديث # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ~~ممن هو عليها اليوم " # كم تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى ولا حجة ~~لمن استدل به - يعني الحديث المذكور على بطلان من يقول إن الخضر حي لعموم ~~قوله " ما من نفس منفوسة. # . " لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصا فيه، بل هو قابل ~~للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو ~~حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة ~~فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام، وليس مشاهدا للناس، ولا ممن يخالطهم ms1409 ~~حتى يخطر ببالهم حاله مخاطبة بعضهم بعضا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. ~~وقيل إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى عليه السلام كما تقدم. وكذلك ~~فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اه منه. قال مقيدة عفا الله عنه ~~وغفر له كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم ~~الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم عام في كل نفس ~~منفوسة عموما مؤكدا، لأن زيادة " من " قبل النكرة في سياق النفي تجعلها ~~نصا صريحا في العموم لا ظاهرا فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه ~~في سورة " المائدة ". ولو فرضنا صحة ما قاله - القرطبي رحمه الله تعالى ~~من أنه ظاهر في العموم - لا نص فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق ~~في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل ~~مخصص صالح للتخصيص سندا ومتنا. فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أوسنة ~~لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعا. وقوله " إن عيسى لم ~~يتناوله عموم الحديث " فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه # " لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد " # فخصص ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله ~~من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى # بل رفعه الله إليه # النساء 158 وهذا واضح جدا كما ترى. ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ~~ظاهرة السقوط ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما ~~تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه. وقوله " إن الخضر ليس مشاهدا للناس، ولا ممن ~~يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا " يقال فيه إن الاعتراض ~~يتوجه عليه من جهتين الأولى - أن دعوى كون الخضر محجوبا عن أعين الناس ~~كالجن والملائكة - دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها، لأن الأصل أن بني ~~آدم يرى بعضهم بعضا لاتفاقهم ms1410 في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم. ~~الثانية - أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي ~~بالغيب الذي هو " هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة " عالم بالخضر، وبأنه ~~نفس منفوسة. # ولو سلمنا جدليا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون. وأن مثله لم يقصد ~~بالشمولي في العموم - فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق ~~للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافا لمن زعم أن الفرد النادر وغير ~~المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق. قال صاحب جمع الجوامع في " مبحث ~~العام " ما نصه والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته. فقوله " ~~النادرة وغير المقصودة " ، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله " ~~تحته " يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا ~~واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق. لأن الصورة النادرة قد ~~تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير ~~نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق ~~وعدم دخولها - فيهما اختلاف العلماء في جواز دفع السبق - بفتحتين - في ~~المسابقة على الفيل. وإيضاحه - أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن ~~والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر " # ولم يذكر فيه ابن ماجه " أو نصل " والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى ~~القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السبق - بفتحتين - في ~~المسابقة على الفيلة. والسبق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا ~~الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا ~~العام. قال لأن قوله " إلا في خف " نكرة في سياق الإثبات. لأن ما بعد " ~~إلا " مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل ~~الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في العام. قال الشيخ زكريا وجه عمومه ~~مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حيز الشرط معنى، إذ التقدير إلا إذا كان ~~في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، ms1411 وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول ~~هي أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبا ببال المتكلم لندرة وقوعه. ومن ~~أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة هل تدخل في العام والمطلق أولا - ~~اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه ~~عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة كالذي ينزل ~~في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني فنزول المني بغير لذة، أو بلذة ~~غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول ~~الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة ~~النادرة في عموم " إنما الماء من الماء " فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. # ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع ~~الخنثى أولا. فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى ~~العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق. ~~ما لو وكل آخر على أن يشتري له عبدا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدا يعتق ~~على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادما يخدمه، ~~فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى ~~العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله # هل نادر في ذي العموم يدخل ومطلق أولا خلاف ينقل فما لغير لذة ~~والفيل ومشبه فيه تنافي القيل وما من القصد خلا فيه اختلف وقد يجيء ~~بالمجاز متصف # وممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق ~~أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يظهر ~~رجحانه بحسب المقرر في الأصول - شمول العام والمطلق للصور النادرة، لأن ~~العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أوسنة. وإذا تقرر أن ~~العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه، ~~بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ~~يعملون ms1412 بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في ~~عموم قوله تعالى # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # الأنبياء 34 الآية وعموم قوله صلى الله عليه وسلم # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن ~~هو عليها اليوم أحد " # هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص. ~~ومما يوضح ذلك أن الخنثى صورة نادرة جدا، مع أنه داخل في عموم آيات ~~المواريث والقصاص والعتق، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع. وما ذكره ~~القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه، ~~لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، ~~وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه ~~حديث تميم المذكور، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال. قال ~~مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد ~~الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد واللفظ لعبد الوارث بن عبد ~~الصمد، حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة حدثني عامر ~~بن شراحيل الشعبي شعب همدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس، وكانت من المهاجرات ~~الأول - فقال حدثيني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تسنديه إلى أحد غيره. # فقالت لئن شئت لأفعلن؟ فقال لها أجل؟ حدثيني. فقالت ".. ثم ساق الحديث ~~وفيه طول. ومحل الشاهد منه قول تميم الداري فانطلقنا سراعا حتى دخلنا ~~الدير فإذا فيه أعظم إنسان رايناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه ~~إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا ويلك! ما لك! الحديث ~~بطوله - إلى قوله - وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن ~~لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ms1413 ~~ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما..الحديث. فهذا نص صحيح ~~صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث ~~تميم الدارمي المذكور، وإنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص ~~صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. ~~والقاعدة المقررة في الأصول أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه ~~نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على ~~إخراجها دليل، كما قدمناه مرارا وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في ~~الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام ~~حجة في الباقي، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله # وهو حجة لدى الأكثر إن مخصص له معينا بين # وبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ~~ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر قبله - تتناول بظواهرها الخضر ولم ~~يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن ~~العلماء اختلفوا اختلافا كثيرا في نسب الخضر، فقيل هو ابن آدم لصلبه. ~~وقال ابن حجر في الإصابة وهذا قول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق ~~رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس، ورواد ضعيف، ~~ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وقيل إنه ابن قابيل بن آدم ~~قال ابن حجر ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين. ثم ساق سنده وقال ~~هو معضل وحكى صاحب هذا القول أنه اسمه خضرون وهو الخضر. وقيل اسمه عامر، ~~ذكره أبو الخطاب بن دحية عن ابن حبيب البغدادي. وقيل إن اسمه بليان بن ~~ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة ~~في المعارف عن وهب بن منبه. قاله ابن كثير، وغيره. وقيل إن اسمه المعمر ~~بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وهذا ms1414 قول إسماعيل بن أبي أويس، ~~نقله عنه ابن كثير وغيرهما. # وقيل خضرون بن عماييل من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وهذا ~~القول حكاه ابن قتيبة أيضا ذكره عنه ابن حجر. وقيل إنه من سبط هارون أخي ~~موسى، وروي ذلك عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، ذكره ~~ابن حجر أيضا ثم قال وهو بعيد، وأعجب منه قول ابن إسحاق إنه أرميا بن ~~حلقيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير، وقيل إنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد ~~بن أيوب عن ابن لهيعة. وقيل ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش. وقيل إنه ~~اليسع، حكي عن مقاتل. وقال ابن حجر إنه بعيد. وقيل إنه من ولد فارس. قال ~~ابن حجر جاء ذلك عن ابن شوذب أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ~~ربيعة عن ابن شوذب. وقيل إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه ~~من أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه. وقيل كان أبوه فارسيا، ~~وأمه رومية. وقيل عكس ذلك اه. والله أعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال إنما ~~سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة ~~البيضاء ما على وجه الأرض من الحشيش الأبيض وشبهه من الهشيم. وقيل. ~~الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها. وقيل هي الهشيم اليابس. ومن ذلك ~~القبيل تسمية جلدة الرأس فروة، كما قدمنا في سورة " البقرة " في قول ~~الشاعر # دنس الثياب كأن فروة رأسه غرست فأنبت جانباها فلفلا ### || [18.77] # قوله تعالى { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه }. هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها ~~القائلون بأن المجاز في القرآن. زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن ~~أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا ~~مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات ms1415 ~~وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعمل من ذلك ما لا ~~يعلمه خلقه في قوله جل وعلا # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # الإسراء 44 فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم ~~يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة. ~~فمن الآيات الدالة على ذلك - قوله تعالى # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # البقرة 74 الآية. فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل ~~واضح في ذلك. لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله ~~تعالى # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # الأحزاب 72 الآية. فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت ~~وأشفقت أي خافت - دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ~~ونحن لا نعلمه. ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة " # وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله ~~عليه وسلم جزعا لفراقه - فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما ~~بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # الإسراء 44. وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ~~ضرب أمثال - زعم باطل، لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها ~~الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جدا. ~~وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن ~~يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا ~~واضح جدا كما ترى. مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على ~~المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول ms1416 الشاعر # في مهمه قلقت به هامها قلق الفؤوس إذا أردن نضولا # فقوله " إذا أردن نضولا " أي قاربنه وقول الآخر # يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل # أي يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير # إن دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان # فقوله " لزمان يهم بالإحسان " أي يقع الإحسان فيه. وقد بينا في رسالتنا ~~المسماه منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز - أن جميع الآيات ~~التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها. وبينا أدلة ذلك. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [18.79] # قوله تعالى { وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا } الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة - أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة، ~~صحيحة كانت أو معيبة. ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة، وهي ~~قوله { فأردت أن أعيبها } الكهف 79 أي لئلا يأخذها، وذلك هو ~~الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله # حتى إذا ركبا في السفينة خرقها # الكهف 71 ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك ~~الغاصب. لأن عيبها يزهده فيها. ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة ~~مثالا عند علماء العربية لحذف النعت. أي وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صحيحة غير معيبة بدليل ما ذكرنا. وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في ~~سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله تعالى # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا # الإسراء 58 الآية. واسم ذلك الملك هدد بن بدر وقوله " وراءهم " أي ~~أمامهم كما تقدم في سورة " إبراهيم " ### || [18.86] # قوله تعالى { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها ~~تغرب في عين حمئة } الآية. قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وحفص عن عاصم " حمئة " بلا ألف بعد الحاء، وبهمزة مفتوحة بعد الميم ~~المكسورة. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم " حامية " بألف ~~بعد الحاء، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل. فعلى ~~القراءة الأولى فمعنى " حمئة " ذات حمأة وهي الطين الأسود، ms1417 ويدل لهذا ~~التفسير قوله تعالى # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون # الحجر 26 والحمأ الطين كما تقدم. ومن هذا المعنى قول تبع الحميري فيما ~~يؤثر عنه يمدح ذا القرنين # بلغ المشارق والمغارب يبتغى أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس ~~عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد # والخلب - في لغة حمير - الطين. والثأط الحمأة. والحرمد الأسود. وعلى ~~قراءة " حامية " بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى أنها حارة، وذلك لمجاورتها ~~وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. ولا منافاة بين ~~القراءتين حق. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره " وجدها تغرب في عين ~~حمئة " أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من ~~انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه - إلى آخر كلامه. ومقتضى كلامه أن ~~المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين تطلق في ~~اللغة على ينبوع الماء. والينبوع الماء الكثير. فاسم العين يصدق على ~~البحر لغة. وكون من على شاطىء المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط ~~في البحر أمر معروف. وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [18.98-99] # اعلم أولا - أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه إن كان لبعض ~~الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينه له. وقد قدمنا أمثلة ~~متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم - أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما ~~بيان من كتاب أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن بيانا وافيا ~~بالمقصود، والله جل وعلا قال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # النحل 44 فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد ~~دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما ~~يجعله الله دكا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه ms1418 بقرب ~~يوم القيامة، لأنه قال هنا { فإذا جآء وعد ربي جعله ~~دكآء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم ~~يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور } الآية. وأظهر ~~الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين " يومئذ " من قوله { ~~وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض } أنه يوم إذ جاء ~~وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. ولا ينبغي العدول عن هذا القول ~~لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم. وإذا تقرر أن معنى " يومئذ " يوم إذ ~~جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم - فاعلم أن الضمير في قوله { وتركنا ~~بعضهم } على القول بأنه لجميع بني آدم فالمراد يوم القيامة. وإذا ~~فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد، وقربه منه. وعلى القول ~~بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج. فقوله بعده { ونفخ في الصور } ~~يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية " قال ~~هذا رحمة من ربي " هو إشارة إلى السد. أي هذا السد نعمة من الله ورحمة ~~على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته { فإذا جآء وعد ~~ربي } يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكا. ~~أي مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض. وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ~~ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام اه. وآية الأنبياء المشار إليها هي ~~قوله تعالى # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا # الأنبياء 96-97 الآية. لأن قوله { حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج } وإتباعه لذلك بقوله { واقترب الوعد الحق ~~فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } يدل في الجملة ~~على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها. وذلك يدل على بطلان ~~قول من قال إنهم روسية، وأن السد فتح منذ زمان طويل. # فإذا قيل إنما تدل الآيات المذكورة في " الكهف " و " الأنبياء " على ~~مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد واقترابه من يوم القيامة - لا ينافي ~~كونه قد وقع بالفعل. كما قال تعالى # اقترب للناس حسابهم # الأنبياء ms1419 1 الآية. وقال # اقتربت الساعة وانشق القمر # القمر 1، وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - ~~وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها.. " # الحديث، وقد قدمناه في سورة " المائدة ". فقد دل القرآن والسنة الصحيحة ~~على أن اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، ~~وإذا فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا ~~يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن. فالجواب - ~~هو ما قدمنا أن هذا البيان بهذه الآيات ليس وافيا بتمام الإيضاح إلا ~~بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة ~~للقرآن. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه حدثنا أبو خيثمة زهير بن ~~حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني ~~يحيى بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير ~~عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي ح وحدثني ~~محمد بن مهران الرازي واللفظ له، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن ~~بن يزيد بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن ~~نفير، عن النواس بن سمعان قال # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ~~ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال " ما شأنكم؟ " ~~قلنا يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في ~~طائفة النخل؟ فقال " غير الدجال أخوفني عليكم! إن يخرج وأنا فيكم فأنا ~~حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي هل كل ~~مسلم. إنه شاب قطط، عينه طائفة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه ~~منكم فليقرأ عليه فواتح سورة " الكهف " إنه خارج خلة بين الشام والعراق، ~~فعاث يمينا وعاث شمالا. " يا عباد فاثبتوا " " قلنا يا رسول ms1420 الله، وما ~~لبثه في الأرض؟ قال " أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ~~وسائر أيامه كأيامكم " قلنا يارسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا ~~فيه صلاة يوم؟ قال " لا، اقدروا له قدره " قلنا يا رسول الله، وما إسراعه ~~في الأرض؟ قال " كالغيث استدبرته الريح " # فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، ~~والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت درا وأسبغه ضروعا، ~~وأمده خواصر - ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم ~~فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها ~~أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا ~~فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ~~يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ ~~رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه ~~إلامات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. ~~ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم ~~بدراجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت ~~عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ~~ومأجوج وهو من كل حرب ينسلون. فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما ~~فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى ~~وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم. ~~فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم. فيصبحون ~~فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون ~~في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه ~~إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ~~ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت ms1421 مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها ~~كالزلفة ثم يقال للأرض انبتي ثمرك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من ~~الرمانه، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي ~~الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس. واللقحة من ~~الغنم لتكفي الفخذ الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذا بعث الله ريحا ~~طيبة فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس ~~يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة " انتهى بلفظه من صحيح ~~مسلم رحمه الله تعالى. وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد ~~قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف ~~لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة صريحة لا وجه لها. # ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فهو باطل. ~~لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ~~ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة ~~سنده، ووضوح دلالته على المقصود. والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ~~ومأجوج هم روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلا - هي حجة ~~عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من ~~شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج ~~نقيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى ~~الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد ~~ينتج فهم ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض ~~المقدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي لأن نفي اللازم يقتضي ~~نفي الملزوم - هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن ~~المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركبا ms1422 من شرطية ~~متصلة واستثنائية، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات الأولى - أن يقدح ~~فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحا. الثانية - ~~أن يقدح فيه من جهة استثنائيته. الثالثة - أن يقدح فيه من جهتهما معا. ~~وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض الربط فيه بين ~~المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن ~~لاطلع عليهم الناس غير صحيح. لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم ~~على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس، ومما يؤيد ~~إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة " المائدة " من أنه جعل بني ~~إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة. وذلك في قوله تعالى # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض # المائدة 26 الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ~~ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، لأنهم لو اجتمعوا بالناس ~~لبينوا لهم الطريق. وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله صلى ~~الله عليه وسلم الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ~~ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعمين أنه منزل ~~في التوراة أو غيره من الكتب السماوية - باطل يقينا لا يعول علينا. لأن ~~الله جل وعلا صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم، ~~كقوله # يحرفون الكلم عن مواضعه # المائدة 13، وقوله # تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا # الأنعام 91، وقوله # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # البقرة 79، وقوله تعالى # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون ~~هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون # آل عمران 78 إلى غير ذلك ms1423 من الآيات - بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى ~~الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله أحد حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، ~~كما قال تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # الحجر 9، وقال # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه # القيامة 16-17، وقال # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # فصلت 42. وقال في النبي صلى الله عليه وسلم # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # النجم 3-4، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لأمته أن تحدث ~~عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو ~~يكذبوا بحق. ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة ~~بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل ~~الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل ~~القرآن أو السنة أيضا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا ~~التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفا وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ~~ولا سنة صدقه ولا كذبه. وبهذا التحقيق - تعلم أن القصص المخالفة للقرآن ~~والسنة الصحيحة التي توجه بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة - ~~يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. ~~والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { جعله ~~دكا } الكهف 98 قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " دكا " ~~بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي { جعله دكاء } بألف ~~التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد ~~قدمنا إيضاحه. ### || [18.100] # قوله { وعرضنا } أي أبرزنا وأظهرنا جهنم { يومئذ } أي يوم إذ ~~جمعناهم جمعا. كما دل على ذلك قوله قبله # ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا # الكهف 99. وقال بعض العلماء اللام في قوله " للكافرين " بمعنى على، أي ~~عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة. لأن العرض ~~في القرآن يتعدى بعلى ms1424 لا باللام. كقوله تعالى # ويوم يعرض الذين كفروا على النار # الأحقاف 20، وقوله # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # غافر 46، وقوله تعالى # وعرضوا على ربك صفا # الكهف 48، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على - البيت الذي ~~قدمناه في أول سورة " هود " ، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله # هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم # أي خر صريعا على اليدين وقد علم من هذه الآيات أن النار تعرض عليهم ~~ويعرضون عليها. لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها. كما قال تعالى في عرضها ~~عليهم هنا { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا } ~~، وقال في عرضهم عليها { ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار } الآية، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئا من صفات عرضهم دلت ~~عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله تعالى { وعرضوا ~~على ربك صفا }. وقول من قال إن قوله هنا " وعرضنا جهنم " ~~الآية فيه قلب. وأن المعنى وعرضنا الكافرين لجهنم أي عليها - بعيد كما ~~أوضحه أبو حيان في البحر. والله تعالى أعلم. ### || [18.101] # التحقيق في قوله { الذين كانت أعينهم } أنه في محل خفص ~~نعتا للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من صفات ~~الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة - أنهم كانت أعينهم في دار ~~الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعا. وقد بين هذا من ~~صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله في تغطية أعينهم # وعلى أبصارهم غشاوة # البقرة 7 الآية، وقوله # وجعل على بصره غشاوة # الجاثية 23 الآية، وقوله # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى # الرعد 19، وقوله # وما يستوي الأعمى والبصير # غافر 58 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقال في عدم استطاعتهم ~~السمع # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم # محمد 23، وقال # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # الكهف 57. وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة " هود " ~~في الكلام على قوله تعالى # يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما ms1425 كانوا يبصرون # هود 20 فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضا طرفا من ذلك في الكلام على ~~قوله تعالى في هذه السورة الكريمة { إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } وقد بين تعالى في ~~موضع آخر أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض ~~الله لصاحبه شيطانا فيجعله له قرينا. وذلك في قوله تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # الزخرف 36 الآية. ### || [18.102] # الهمزة في قوله تعالى { أفحسب } للإنكار والتوبيخ. وفي الآية حذف دل ~~المقام عليه. قال بعض العلماء تقدير المحذوف هو أفحسب الذين كفروا أن ~~يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد! كلا!! بل ~~سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد. بدليل قوله تعالى بعده { إنآ ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا } وقال بعض العلماء تقديره ~~أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء! وأن ذلك ينفعهم. كلا! ~~لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # الزمر 3 وقوله عنهم # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # يونس 18. ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله # قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من ~~عباده ولا يعاقبهم. أو أن ذلك ينفعهم - جاء مبينا في مواضع، كقوله في ~~أول سورة " الأعراف " # اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا ~~من دونه أوليآء # الأعراف 3 الآية. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية، ~~لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ~~ولي من دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله، كقوله # وأسمع ما لهم من دونه من ولي # الكهف 26 الآية، وقوله # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ~~وما لكم من دون الله من أوليآء ثم لا تنصرون # هود 113، وقوله # ومن يضلل الله فما له ms1426 من ولي # الشورى 44 الآية، وقوله # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه ولي # الأنعام 51 الآية، وقوله # وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من ~~دون الله ولي # الأنعام 70 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريبا إن شاء الله ~~تعالى زيادة إيضاح وأمثلة. والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله " عبادي ~~" أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزير. لا الشياطين ونحوهم، لأن مثل ~~هذه الإضافة للتشريف غالبا. وقد بين تعالى أنهم لا يكونون أولياء لهم في ~~قوله # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم # سبأ 40-41 الآية، وقوله { إنا أعتدنا } قد أوضحنا معناه في قوله تعالى # إنا أعتدنا للظالمين نارا # الكهف 29 الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله { نزلا } أوجه من ~~التفسير للعلماء، أظهرها " أن " النزل " هو ما يقدم للضيف عند نزوله، ~~والقادم عند قدومه. والمعنى أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ~~ربهم هو جهنم المعدة لهم، كقوله # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21. وقوله # يغاثوا بمآء كالمهل # الكهف 29. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى. { ~~يغاثوا بمآء كالمهل } لأن ذلك الماء الذي يشوي الوجوه ليس ~~فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو قادم. الوجه الثاني - أن ~~" نزلا " بمعنى المنزل، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلا، أي مكان نزول، ~~لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن " النزل " جمع ~~نازل، كجمع الشارف على شرف بضمتين. والذي يظهر في إعراب " نزلا " أنه ~~حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول ل " اعتدنا " بتضمينه معنى صيرنا أو ~~جعلنا. والله تعالى أعلم. ### || [18.103-104] # المعنى قل لهم يا نبي الله هل ننبئكم أي نخبركم بالأخسرين أعمالا، أي ~~بالذين هم أخسر الناس أعمالا وأضيعها. فالأخسر صيغة تفضيل من الخسران ~~وأصله نقص مال التاجر، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ~~في حظوظهم مما عند الله لو أطاعوه. وقوله ms1427 { أعمالا } منصوب على التمييز ~~فإن قيل نبئنا بالأخسرين أعمالا من هم؟ كان الجواب - هم الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وبه تعلم أن " الذين " ~~من قوله { الذين ضل سعيهم } خبر مبتدأ محذوف جوابا للسؤال ~~المفهوم من المقام، ويجوز نصبه على الذم، وجره على أنه بدل من الأخسرين، ~~أو نعت له، وقوله { ضل سعيهم } أي بطل عملهم وحبط، فصار كالهباء ~~وكالسراب وكالرماد! كما في قوله تعالى # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # الفرقان 23، وقوله # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة # النور 39 الآية. وقوله # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف # إبراهيم 18 ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند الله. والتحقيق ~~أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق، وأن فيه رضى ~~ربهم، كما قال عن عبدة الأوثان # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # الزمر 3، وقال عنهم # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # يونس 18، وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع صحيح # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا ~~حامية # الغاشية 2-4 الآية، على القول فيها بذلك. وقوله تعالى في الكفار # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون # الأعراف30 وقوله # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون # الزخرف 37 والدليل على نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده ~~يليه # أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم # الكهف 105 الآية. فقول من قال إنهم الكفار، وقول من قال إنهم الرهبان، ~~وقول من قال إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي صلى الله عليه وسلم كل ~~ذلك تشمله هذه الآية. وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه أنه سأله ابنه مصعب عن " الأخسرين أعمالا " في هذه الآية هل هم ~~الحرورية؟ فقال لا هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا لا طعام فيها، ولا ms1428 شراب. ~~والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعيد يسميهم ~~الفاسقين. اه من البخاري. وما روي عن علي رضي الله عنه من أنهم أهل ~~حروراء المعرفون بالحورويين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما ~~فعلوا، لأنهم يرتكبون أمورا شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى ~~الكتاب والسنة؟، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين. لأن العبرة بعموم الألفاظ لا ~~بخصوص الأسباب كما قدمنا إيضاحه وأدلته. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~الذين ضل سعيهم } الكهف 104 أي بطل واضمحل. وقد قدمنا أن ~~الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات الأول - الضلال ~~بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى ~~الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # الفاتحة 7، وقوله # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل # المائدة 77. الثاني - الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول ~~العرب ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى ~~قوله تعالى # وضل عنهم ما كانوا يفترون # القصص 75 أي غاب واضمحل، وقوله هنا { الذين ضل سعيهم } أي ~~بطل واضمحل، وقول الشاعر # ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا # أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالا. لأن مآل الميت ~~المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ~~ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان # فآب مضلوه بعين جلية وغودو بالجولان حزم ونائل # فقوله " مضلوه " يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد # السجدة 10 الآية. فمعنى { ضللنا في الأرض } أنهم اختلطت عظامهم ~~الرميم بها لغابت واستهلكت فيها. الثالث - الضلال بمعنى الذهاب عن علم ~~حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى # ووجدك ضآلا فهدى # الضحى 7 أي ذاهبا عما ms1429 تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا ~~بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله ~~تعالى عن أولاد يعقوب # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # يوسف 95 أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه ~~إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما # البقرة 282 أي نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله ~~{ فتذكر إحداهما الأخرى } ، وقوله تعالى # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى # طه 52 ومن هذا المعنى قول الشاعر # وتظن سلمى أنثى أبغى بها بدلا أراها في الضلال تهيم # فقوله " أراها في الضلال " أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغى ~~بها بدلا، والواقع بخلاف ذلك. وقوله في هذه الآية { وهم يحسبون } أي ~~يظنون. وقرأه بعض السبعة بكسر السين، وبعضهم بفتحها كما قدمنا مرارا في ~~جميع القرآن. ومفعولا " حسب " هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما " أن ~~" والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم. وقوله " صنعا " أي عملا وبين ~~قوله " يحسبون، ويحسنون " الجناس المسمى عند أهل البديع " تجنيس التصحيف ~~" وهو أن يكون النقط فرقا بين الكلمتين، كقول البحتري # ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ليعجز والمعتز بالله طالبه # فبين " المغتر والمعتز " الجناس المذكور. ### || [18.105] # وقوله في هذه الآية الكريمة { أولئك الذين كفروا ~~بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم } الكهف 105 ~~الآية، نص في أن الكفر بآيات الله ولقائه يحبط العمل، والآيات الدالة على ~~ذلك كثيرة جدا، كقوله تعالى في " العنكبوت " # والذين كفروا بآيات الله ولقآئه أولئك ~~يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم # العنكبوت 23 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريبا ~~إن شاء الله. وقوله في هذه الآية الكريمة { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } الكهف 105 فيه للعلماء أوجه أحدها - أن المعنى ~~أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة الأخرى في مقابلة ms1430 سيئاتهم، بل لم يكن ~~لهم إلا السيئات، ومن كان كذلك فهو في النار، كما قال تعالى # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار ~~وهم فيها كالحون # المؤمنون 103-104. وقال # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون # الأعراف 8. # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم # الأعراف 9 الآية، وقال # وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ومآ ~~أدراك ما هيه نار حامية # القارعة 8-11. إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض أهل العلم. معنى { فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا } الكهف105 أنهم لا قدر لهم ~~عند الله لحقارتهم، وهو أنهم بسبب كفرهم. وذلك كقوله عنهم # سيدخلون جهنم داخرين # غافر 60، أي صاغرين أذلاء حقيرين، وقوله # قل نعم وأنتم داخرون # الصافات 18 وقوله # قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # المؤمنون 108، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم ~~وحقارتهم. وقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر ~~السمين العظيم البدن. لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة. قال ~~البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية حدثنا محمد بن عبد الله. حدثنا سعيد ~~بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن، حدثني أبو الزناد عن الأعرج ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة " # وقال - # " اقرءوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " # وعن يحيى بن بكير، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله اه. ~~من البخاري. وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في صحيحه، وهو يدل على أن نفس ~~الكافر العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة. وفيه دلالة على وزن ~~الأشخاص. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره هذه الآية بعد أن أشار إلى ~~حديث أبي هريرة المذكور ما نصه وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن ~~تكلفه. لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها على المكارم. # بل يدل على ms1431 تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغى به الترفه ~~والسمن. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين " # ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " خيركم قرني ثم الذين يلونهم " # - قال عمران. فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - # " ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ~~وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن " # وهذا ذم. وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره ~~والدعة والراحة والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها. فهو عبد نفسه ~~لا عبد ربه. ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام. وكل لحم تولد من ~~سحت فالنار أولى به. وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعام والنار مثوى لهم # محمد 12 فإذا كان المؤمن يتشبه بهم. ويتنعم تنعمهم في كل أحواله ~~وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام. ومن كثر أكله وشربه ~~كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائما، وليله ~~نائما اه. محل الغرض من كلام القرطبي. وما تضمنه كلامه من الجزم بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله يبغض الحبر السمين " # فيه نظر، لأنه لم يصح مرفوعا، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب. وما ذكر ~~من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة " وحسب المؤمن ~~لقيمات يقمن صلبه ". ### || [18.107] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في ~~نيل جنات الفردوس. والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سببا في دخول ~~الجنة كثيرة جدا. كقوله تعالى # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # الكهف 2-3، وقوله # أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون # الأعراف 43 أي بسببه، وقوله تعالى # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # الزخرف 72. وقوله تعالى # إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي ms1432 وعد ~~الرحمن عباده بالغيب # مريم 61 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه فإن قيل هذه الآيات فيها ~~الدلالة على أن طاعة الله بالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم # " " لن يدخل أحدكم عمله الجنة " قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال " ولا ~~أنا إلا يتغمدني الله برحمة منه وفضل " # يرد بسببه إشكال على ذلك. فالجواب - أن العمل لا يكون سببا لدخول الجنة ~~إلا إذا تقبله الله تعالى وتقبله له فضل منه. فالفعل الذي هو سبب لدخول ~~الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سببا لدخول ~~الجنة. والجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي. ~~والعلم عند الله تعالى. وقد قدمنا أن " النزل " هو ما يهيأ من الإكرام ~~للضيف أو القادم. ### || [18.108] # أي خالدين في جنات الفردوس لا يبغون عنها حولا، أي تحولا إلى منزل ~~آخر، لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها، بل هم ~~خالدون فيها دائما من غير تحول ولا انتقال. وهذا المعنى المذكور هنا جاء ~~موضحا في مواضع أخر، كقوله # الذي أحلنا دار المقامة # فاطر 35 أي الإقامة أبدا، وقوله # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # الكهف 2-3، وقوله # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # ص 54، وقوله # عطآء غير مجذوذ # هود 108، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها، ودوام نعيمها ~~لهم، والحول اسم مصدر بمعنى التحول. ### || [18.109] # أمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول { ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } أي لو كان ماء ~~البحر مدادا للأقلام التي تكتب بها كلمات الله " لنفد البحر " أي فرغ ~~وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربي { ولو جئنا بمثله مددا } أي ~~ببحر آخر مثله مددا، أي زيادة عليه. وقوله " مددا " منصوب على التمييز، ~~ويصح إعرابه حالا. وقد زاد هذا المعنى إيضاحا في سورة " لقمان " في ~~قوله تعالى # ولو أنما في ms1433 الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # لقمان 27 الآية وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها ~~سبحانه وتعالى علوا كبيرا. ### || [18.110] # قوله تعالى { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد } الآية. أمر جل وعلا نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس { إنمآ أنا ~~بشر مثلكم } أي أقول لكم إني ملك ولا غير بشر، بل أنا بشر مثلكم ~~أي بشر من جنس البشر، إلا أن الله تعالى فضلني وخصني بما أوحى إلي من ~~توحيده وشرعه. وقوله هنا { يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد } أي فوحدوه ولاتشركو به غيره. وهذا الذي بينه تعالى في ~~هذه الآية. أوضحه في مواضع أخر. كقوله في أول " فصلت " # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون # فصلت 6-7، وقوله تعالى # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # الإسراء 93 وقوله # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي # الأنعام 50 الآية. وهذا الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الآية من أنه يقول للناس أنه بشر، ولكن الله فضله على غيره بما أوحى ~~إليه من وحيه جاء مثله عن الرسل غيره صلوات الله وسلامه عليهم في قوله ~~تعالى # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # إبراهيم 11 الآية. فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم ~~واحد، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية لا ينافي تفضيلهم على سائر ~~البشر بما خصهم الله به من وحيه واصطفائه وتفضيله كما هو ضروري. وقال بعض ~~أهل العلم معنى هذه الآية قل يا محمد للمشركين إنما أنا بشر مثلكم، فمن ~~زعم منكم أني كاذب ms1434 فليأت بمثل ما جئت به، فإنني لا أعلم الغيب فيما ~~أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف. وخبر ذي ~~القرنين. وهذا له اتجاه والله تعالى أعلم. قوله تعالى { فمن كان ~~يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } الآية. قوله في هذه الآية { فمن كان ~~يرجو لقآء ربه } يشمل كونه يأمل ثوابه، ورؤية وجهه الكريم يوم ~~القيامة، وكونه يخشى عقابه. أي فمن كان راجيا من ربه يوم يلقاه الثواب ~~الجزيل والسلامة من الشر - فليعمل عملا صالحا. وقد قدمنا إيضاح العمل ~~الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها، فأغنى عن إعادته ~~هنا. وقوله { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } قال جماعة من ~~أهل العلم. أي لا يرائي الناس في عمله، لأن العمل بعبادة الله لأجل رياء ~~الناس من نوع الشرك، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك. # وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة. وقد ساق طرفها ابن كثير في تفسير هذه ~~الآية. والتحقيق أن قوله { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ~~أعم من الرياء وغيره، أي لا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق ~~خالقه لأحد من خلقه، لأن الله يقول # إن الله لا يغفر أن يشرك به # النساء 48 الآية في الموضعين، ويقول # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق # الحج 31، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة ~~أن الذي يشرك أحدا بعبادة ربه، ولا يعمل صالحا أنه لا يرجو لقاء ربه، ~~والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله يوم القيامة. وهذا المفهوم ~~جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله تعالى فيما مضى قريبا # أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا ذلك جزآؤهم جهنم # الكهف 105-106 الآية لأن من كفر بلقاء الله لا يرجو لقاءه. وقوله في " ~~العنكبوت " { والذين كفروا بآيات الله ولقآئه ~~أولئك يئسوا من ms1435 رحمتي } العنكبوت 23 الآية، وقوله في " ~~الأعراف " # والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة حبطت ~~أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون # الأعراف147 وقوله في " الأنعام " # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا ~~جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها # الأنعام 31 الآية، وقوله تعالى في " يونس " # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا ~~مهتدين # يونس 45، وقوله في " الفرقان " # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا # الفرقان 21، وقوله في " الروم " # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # الروم 16 إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه اعلم - أن الرجاء كقوله هنا { ~~يرجو لقآء ربه } الكهف 110 يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في ~~الخوف أيضا. واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في ~~الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عواسل # فقوله " لم يرج لسعها " أي لم يخف لسعها. ويروى حالفها بالحاء والخاء، ~~ويروى عواسل بالسين، وعوامل بالميم. فإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا ~~الأمرين المذكورين - فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجو ما عند الله من ~~الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس. واختلف العلماء في سبب نزول هذه ~~الآية الكريمة. أعني قوله تعالى { فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا } الآية، فعن ابن عباس أنها نزلت في جندب ~~بن زهير الأزدي الغامدي، قال يا رسول الله، إنني أعمل العمل لله تعالى ~~وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ما شورك فيه " # فنزلت الآية وذكره القرطبي في تفسيره، وذكر ابن حجر في الإصابة أنه من ~~رواية ابن الكلبي في التفسير عن أبي صالح عن أبي هريرة، وضعف هذا السند ~~مشهور، وعن طاوس أنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ms1436 ~~إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى، وأحب أن يرى مكاني. فنزلت هذه الآية. ~~وعن مجاهد قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله، إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني، ~~وأحمد عليه فيسرني ذلك، وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يقل شيئا، فأنزل الله تعالى { فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } انتهى من تفسير القرطبي. ومعلوم أن من قصد بعمله وجه الله فعله ~~لله ولو سره اطلاع الناس على ذلك، ولا سيما إن كان سروره بذلك لأجل أن ~~يقتدوا به فيه. ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. ~~والعلم عند الله تعالى. وقال صاحب الدر المنثور أخرج ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { ~~فمن كان يرجو لقآء ربه } الآية قال نزلت في المشركين الذين ~~عبدوا مع الله إلها غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال قال ~~رجل يا نبي الله إني أقف مواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني فلم ~~يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية { فمن كان يرجو لقآء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا }. وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي موصولا عن طاوس عن ابن ~~عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب ~~أن يرى مكانه. فأنزل الله { فمن كان يرجو لقآء ربه } ~~الآية. وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من طريق السدي ~~الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان جندب بن زهير إذا ~~صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس فلامه ~~الله، فنزل في ذلك { فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل ~~عملا ms1437 صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ، وأخرج ~~هناد في الزهد عن مجاهد قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله، وأحب أن يقال لي ~~خير، فنزلت { فمن كان يرجو لقآء ربه } الآية اه من " ~~الدرالمنثور في التفسير بالمأثور " والعلم عند الله تعالى. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-4] # قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. كقوله هنا { ~~كهيعص } في سورة " هود " فأغنى عن إعادته هنا. وقوله { ذكر ~~رحمة ربك } خبر مبتدأ محذوف. أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل مبتدأ ~~خبره محذوف، وتقديره فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، والأول أظهر. والقول ~~بأنه خبر عن قوله " كهيعص " ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما. وقوله { ذكر ~~رحمة ربك } لفظة " ذكر " مصدر مضاف إلى مفعوله. ولفظة " رحمة " ~~مصدر مضاف إلى فاعله وهو " ربك ". وقوله { عبده } مفعول به للمصدر الذي ~~هو " رحمة " المضاف إلى فاعله، على حد قوله في الخلاصة # وبعد جره الذي أضيف له كمل بنصب أو برفع علمه # وقوله " زكريا " بدل من قوله " عبده " أو عطف بيان عليه. وقد بين جل ~~وعلا في هذه الآية أن هذا الذي يتلى في أول هذه السورة الكريمة هو ذكر ~~الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفيا أي دعاه في سر ~~وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه يكون دعائه خفيا يدل على أن إخفاء الدعاء ~~أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحا به ~~في قوله تعالى # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية # الأنعام 63 الآية، وقوله تعالى # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين # الأعراف 55. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، ~~وأبعد من الرياء. فقول من قال إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن ~~يلوموه على طلب الولد، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن ~~امرأته، وكونها عاقرا. وقول من قال إنه أخفاه ms1438 لأنه طلب أمر دنيوي، فإن ~~أجاب الله دعاءه فيه نال ما كان يريد. وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد، إلى ~~غير ذلك من الأقوال، كل ذلك ليس بالأظهر. والأظهر أن السر في إخفائه هو ~~ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء. ودعاء زكريا هذا لم ~~يبين الله في هذا الموضع مكانه ولا وقته، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة " ~~آل عمران " في قوله # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب هنالك ~~دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة # آل عمران 37-38 الآية. فقوله " هنالك " أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ~~ذلك الرزق عند مريم. وقال بعضهم " هنالك " أي في ذلك الوقت، بناء على أن ~~هنا ربما أشير بها إلى الزمان. # وقوله في دعائه هذا { رب إني وهن العظم مني } أي ضعف. ~~والوهن الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل ~~بنائه فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن، لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه ~~يستلزم وهن غيره من البدن. وقوله { واشتعل الرأس شيبا } ~~الألف واللام في " الرأس " قاما مقام المضاف إليه. إذ المراد واشتعل رأسي ~~شيبا. والمراد باشتعال الرأس شيبا إنتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري ~~في كشافه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر ~~وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ~~ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزا، ~~ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا. فمن ثم فصحت هذه الجملة ~~وشهد لها بالبلاغة - انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مرارا أن مثل ~~هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب ~~من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر # ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما أرعويت ms1439 وشيبا رأسي اشتعلا # ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته. # واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا # وقوله " شيبا " تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب. خلافا لمن زعم ~~أنه ما ناب عن المطلق من قوله " واشتعل " لأنه اشتعل بمعنى شاب، فيكون " ~~شيبا " مصدرا منه في المعنى - ومن زعم أيضا أنه مصدر منكر في موضع ~~الحال. وهذا الذي ذكره الله هنا عن زكرياء في دعائه من إظهار الضعف ~~والكبر جاء في مواضع أخر. كقوله هنا # وقد بلغت من الكبر عتيا # مريم 8، وقوله في " آل عمران " # وقد بلغني الكبر # آل عمران 40 الآية. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ~~ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } أي لم أكن ~~بدعائي إياك شقيا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني ~~الإجابة فيما مضى. والعرب تقول شقى بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. ~~وربما أطلقت الشقاء. على التعب، كقوله تعالى # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # طه 117 وأكثر ما يستعمل في ضد السعادة. ولا شك أن إجابة الدعاء من ~~السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء. ### || [19.5-6] # معنى قوله { خفت الموالي } أي خفت أقاربي وبني عمي وعصبتي أن ~~يضيعوا الدين بعدي، ولا يقوموا لله بدينه حق القيام، فارزقني ولدا يقوم ~~بعدي بالدين حق القيام. وبهذا التفسير تعلم أن معنى قومه " يرثني " أنه ~~إرث وعلم ونبوة، ودعوة إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال. ويدل لذلك ~~أمران أحدهما - قوله { ويرث من آل يعقوب } ومعلوم أن آل يعقوب ~~انقرضوا من زمان، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين. والأمر الثاني ~~- ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث ~~عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في ~~صحيحيهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عنه صلى الله ms1440 عليه وسلم أنه ~~قال # " لا نورث، ما تركنا صدقة " # ومن ذلك أيضا ما رواه الشيخان أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه قال ~~لعثمان، وعبد الرحمن بن وف، والزبير وسعد، وعلي، والعباس، رضي الله عنهم ~~أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال " لا نورث ما تركنا صدقة " قالوا نعم. ومن ذلك ما ~~أخرجه الشيخان أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن. ~~فقالت عائشة أليس قال النبي # " ما تركنا صدقة " # ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا تقتسم ورثني دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو ~~صدقة " # وفي لفظ عند أحمد # " لا تقتسم ورثني دينارا ولا درهما " # ومن ذلك أيضا ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه. عن أبي هريرة أن ~~فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر رضي الله عنه من يرثك إذا مت؟ قال ~~ولدي وأهلي؟ قالت فما لنا لا نرث النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إن النبي لا يورث " # ولكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله، وأنفق على من كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق. فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن ~~الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين. فإن قيل هذا مختص به صلى ~~الله عليه وسلم. لأن قوله " لا نورث " يعني به نفسه. كما قال عمر رضي ~~الله عنه في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفا أنشدكم بالله الذي ~~بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه. فقال الرهط قد قال ذلك الحديث. ~~ففي هذا الحديث الصحيح أن عمر قال إن مراد النبي صلى الله ms1441 عليه وسلم ~~بقوله " لا نورث " نفسه، وصدقه الجماعة المذكورون في ذلك، وهذا دليل على ~~الخصوص فلا مانع إذن من كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها ~~هو المال؟ فالجواب من أوجه الأول - أن ظاهر صيغة الجمع شمول جميع ~~الأنبياء، فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة. وقول ~~عمر لا يصح تخصيص نص من السنة به. لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال ~~الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول. الوجه الثاني - أن قول عمر " ~~يريد صلى الله عليه وسلم نفسه " لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، ~~لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو صلى الله عليه وسلم يعني نفسه فإنه لا ~~يورث، ولم يقل عمر إن اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أن ~~غيره من الأنبياء لا يورث أيضا. الوجه الثالث - ما جاء من الأحاديث ~~صريحا في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء. وسنذكر طرفا من ذلك ~~هنا إن شاء الله تعالى. قال ابن حجر في فتح الباري ما نصه وأما ما اشتهر ~~في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " فقد أنكره ~~جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ " نحن " لكن أخرجه النسائي ~~من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ # " إنا معاشر الأنبياء لا نورث.. " # الحديث وأخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند ~~الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم ~~بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور. وأخرجه ~~الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور. وأخرجه الدارقطني في العلل من ~~رواية أم هانىء عن فاطمة رضي الله عنها، عن أبي بكر الصديق بلفظ # " إن الأنبياء لا يورثون " # انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها ~~التصريح بعموم الأنبياء. وقد قال ابن حجر إن إنكار الحديث المذكور غير ~~مسلم إلا بالنسبة لخصوص ms1442 لفظ " نحن " وهذه الروايات التي أشار لها يشد ~~بعضها. وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة ~~أو غيرها كما قدمناه موضحا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، وعليه - فهذه ~~الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه " لا ~~نورث " أنه يعني نفسه. # كما قال عمر وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. والبيان ~~إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو ~~غير ذلك. قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان # تصيير مشكل من الجلى وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه وهو بما ~~من الدليل مطلقا يجلو العما # وبهذا الذي قررنا تعلم أن قوله هنا { يرثني ويرث من آل ~~يعقوب } يعني وراثة العلم والدين لا المال. وكذلك قوله # وورث سليمان داوود # النمل 16 الآية. فتلك الوراثة أيضا وراثة علم ودين. والوراثة قد تطلق ~~في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين، كقوله تعالى # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # فاطر 32 الآية، وقوله # وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك ~~منه مريب # الشورى 14، وقوله # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب # الأعراف 169 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة الواردة في ذلك ما ~~رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " العلماء ورثة الأنبياء " # وهو في المسند والسنن قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ~~ألسنة الناس من الحديث رواه أحمد أبو داود والترمذي وآخرون عن أبي ~~الدرداء مرفوعا بزيادة # " إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم " # وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما - انتهى منه بلفظه. وقال صاحب كشف ~~الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس " العلماء ~~ورثة الأنبياء " رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا ~~بزيادة # " إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم.. " # الحديث، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه ms1443 حمزة الكناني وضعفه ~~غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد. ولذا قال الحافظ له طرق يعرف بها أن ~~للحديث أصلا، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة اه محل ~~الغرض منه. والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض. ~~فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في ~~الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال ~~الأول - هو ما ذكرنا. والثاني - أنها وراثة مال، والثالث أنها وبالنسبة ~~لآل يعقوب في قوله " ويرث من آل يعقوب " وراثة علم ودين. وهذا اختيار ابن ~~جرير الطبري. وقد ذكر من قال إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أنه قال # " رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته " # أي ماذا يضره إرث ورثته لماله. # ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأرجح فيما ~~يظهرلنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين للأدلة التي ذكرنا وغيرها ~~مما يدل على ذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه. ~~قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى { وإني خفت الموالي من ~~ورآئي } وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا ~~فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته بما يوحى إليه فأجيب ~~في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرا ~~من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل ~~أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم - وهذا وجه. الثاني - أنه لم يذكر أنه ~~كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه. ومثل هذا لا يجمع مالا، ولا ~~سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث - أنه قد ثبت في ~~الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # وفي رواية عند ms1444 الترمذي بإسناد صحيح # " نحن معشر الأنبياء لا نورث " # وعلى هذا فتعين حمل قوله { فهب لي من لدنك وليا ~~يرثني } على ميراث النبوة. ولهذا قال { ويرث من آل يعقوب ~~واجعله رب رضيا } كقوله # وورث سليمان داوود # النمل 16 أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ~~ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة. إذ من المعلوم المستقر في جميع ~~الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. ~~وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا فهو صدقة " # اه محل الغرض من كلام ابن كثير، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا ~~له # " يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله " # الحديث. ثم قال في أسانيده وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح. واعلم أن لفظ " ~~نحن معاشر الأنبياء " ولفظ " إنا معاشر الأنبياء " مؤداهما واحد. إلا أن ~~" إن " دخلت على " نحن " فأبدلت لفظة " نحن " التي هي المبتدأ بلفظة " نا ~~" الصالحة للنصب، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت. ب " إن " ~~كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهب لي من ~~لدنك وليا } يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء. ~~بدليل قوله تعالى في القصة نفسها # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة # آل عمران 38 الآية، وأشار إلى أنه الولد أيضا بقوله # وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت ~~خير الوارثين # الأنبياء 89 فقوله " لا تذرني فردا " أي واحدا بلا ولد. وقوله تعالى ~~في هذه الآية الكريمة، عن زكريا { وإني خفت الموالي من ~~ورآئي } أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين. وقد قدمنا أن الموالي ~~الأقارب والعصبات، ومن ذلك قوله تعالى # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون # النساء 33 الآية. والمولى في لغة العرب يطلق على كل من انعقد بينك وبينه ~~سبب يواليك وتواليه به. وكثيرا ما يطلق ms1445 في اللغة على ابن العم. لأن ابن ~~العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة بن العبد # واعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل # يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي ~~لهب # مهلا ابن عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وكانت امرأتي عاقرا } ~~ظاهر في أنها كانت عاقرا في زمن شبابها. والعاقر هي العقيم التي لا تلد ~~وهو يطلق على الذكر والأنثى. فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله ~~تعالى عن زكريا أيضا # وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر # آل عمران 40. ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر # وقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم. وأصلحها. فجعلها ولودا بعد أن ~~كانت عاقرا في قوله عز وجل # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه # الأنبياء 90 فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيما. وقول ~~من قال إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق ~~لا ينافي ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها، مع أن كون الإصلاح ~~هو جعلها ولودا بعد العقم هو ظاهر السياق، وهو قول ابن عباس وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد وغيرهم. والقول الثاني يروى عن عطاء. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة عن زكريا { واجعله رب رضيا } أي مرضيا عندك ~~وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه، وهو فعيل بمعنى مفعول. وقوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة { فهب لي من لدنك } أي من عندك. ~~وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { يرثني ويرث من آل ~~يعقوب } قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين، ~~أعني { يرثني ويرث من آل يعقوب } وهما على هذه القراءة ~~مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو " هب لي " والمقرر عند علماء العربية. ~~أن المضارع المجزوم في جواب الطلب ms1446 مجزوم بشرط مقدر يدل عليه فعل الطلب، ~~وتقديره في هذه الآية التي نحن بصددها، إن تهب لي من لدنك وليا يرثني ~~ويرث من آل يعقوب. # وقرأ الباقون { يرثني ويرث من آل يعقوب } يرفع الفعلين ~~على أن الجملة نعت لقوله " وليا " أي وليا وارثا لي، ووارثا من آل ~~يعقوب، كما قال في الخلاصة # ونعتوا بجملة منكرا فأعطيت ما أعطيته خبرا # وقراءة الجمهور برفع الفعلين أوضح معنى. وقرأ ابن كثير بفتح الياء من ~~قوله { من ورآئي وكانت امرأتي } والباقون بإسكانها. وقرأ ~~زكريا بلا همزة بعد الألف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والباقون قرؤوا " ~~زكرياء " بهمزة بعد الألف، وبه تعلم أن المد في قوله # وزكريآ إذ نادى # الأنبياء 89 منفصل على قراءة حمزة والكسائي وحفص، ومتصل على قراءة ~~الباقين. والهمزة الثانية على قراءة الجمهور التي هي همزة " إذا " مسهلة ~~في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ومحققة في قراءة ابن عامر وشعبة عن ~~عاصم. وقراءة { خفت الموالي } بفتح الخاء والفاء المشددة بصيغة ~~الفعل الماضي بمعنى أن مواليه خفوا أي قلوا شاذة لا تجوز القراءة بها وإن ~~رويت عن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي وعلي بن الحسين، وغيرهم رضي الله ~~عنهم. وامرأة زكريا المذكورة قال القرطبي هي إيشاع بنت فاقوذ بن قبيل، ~~وهي أخت حنة بنت فاقوذا. قاله الطبري. وحنة هي أم مريم. وقال القتبي ~~امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران. فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى ~~عليهما السلام على الحقيقة. وعلى القول الأول يكون ابن خالة أمه. وفي ~~حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام # " فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى " # شاهدا للقول الأول اه. منه. والظاهر شهادة الحديث للقول الثاني لا ~~للأول، خلافا لما ذكره رحمه الله تعالى، والعلم عند الله تعالى. ### || [19.7] # في هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، وتقديره فأجاب الله دعاءه ~~فنودي { يا زكريا } الآية. وقد أوضح جل وعلا في موضع آخر هذا الذي أجمله ~~هنا، فبين أن الذي ناداه بعض الملائكة. وأن النداء المذكور وقع وهو ms1447 قائم ~~يصلي في المحراب. وذلك قوله تعالى # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # آل عمران 39، وقوله تعالى { فنادته الملائكة } قال بعض ~~العلماء أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول العالم ~~المراد به الخصوص قائلا إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد ~~الفعل للمجموع مرادا بعضه قد بيناه فيما مضى مرارا. وقوله في هذه الآية ~~الكريمة { اسمه يحيى } يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل ~~تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى. وقوله في هذه الآية الكريمة ~~{ لم نجعل له من قبل سميا } اعلم أولا أن السمى يطلق في ~~اللغة العربية إطلاقين الأول قولهم فلان سمى فلان أي مسمى باسمه. فمن كان ~~اسمهما واحدا فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه. والثاني - إطلاق السمي ~~يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل ~~من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى ~~المفاعل. كالقعيد والجليس بمعنى المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى ~~المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا ~~علمت ذلك - فاعلم أن قوله هنا { لم نجعل له من قبل سميا ~~} أي لم نجعل من قبله أحدا يتسمى باسمه. فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول ~~من قال إن معناه لم نجعل له سميا أي نظيرا في السمو والرفعة غير صواب ~~لأنه ليس بأفضل من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال ~~به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن ~~مجاهد وابن عباس أيضا. وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله { لم نجعل ~~له من قبل سميا } أي لم نسم أحدا باسمه قبله - فاعلم أن قوله # رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا # مريم 65 معناه أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة ~~والكمال على التحقيق. وقال بعض العلماء وهو ms1448 مروي عن ابن عباس { هل ~~تعلم له سميا } هل تعلم أحدا يسمى باسمه الرحمن جل وعلا. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [19.8] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن زكريا لما بشر بيحيى قال { رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا } وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره ~~أيضا في " آل عمران " في قوله # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر # آل عمران40. وقوله في هذه الآية الكريمة { وقد بلغت من ~~الكبر عتيا } قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " عتيا " بضمها ~~على الأصل. ومعنى قوله { وقد بلغت من الكبر عتيا } بكسر ~~العين إتباعا للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء وقرأه الباقون " عتيا " ~~بضمها على الأصل. ومعنى قوله { وقد بلغت من الكبر عتيا ~~} أنه بلغ غاية الكبر في السن. حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري ~~رحمه الله في تفسير هذه الآية يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام ~~يابسها. يقال منه للعود اليابس عود عات وعاس. وقد عتا عتوا وعتيا. وعسا ~~يعسو عسيا وعسوا. وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات ~~وعاس. تنبيه فإن قيل ما وجه استفهام زكريا في قوله { أنى يكون لي ~~غلام } مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء. فالجواب من ثلاثة أوجه ~~قد ذكرناها في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عند آيات الكتاب في سورة " آل ~~عمران " وواحد منها فيه بعد وإن روى عن عكرمة والسدي وغيرهما. الأول - أن ~~استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام. لأنه لايعلم هل الله يأتيه ~~بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة. أو يأمره بأن ~~يتزوج شابة، أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. ولا إشكال في ~~هذا، وهو أظهرها. الثاني - أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله ~~تعالى. الثالث - وهو الذي ذكرنا أن فيه بعدا هو ما ذكره ابن جرير عن ~~عكرمة والسدي من أن زكريا لما نادته الملائكة وهو ms1449 قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى، قال له الشيطان ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو ~~نداء الشيطان، فداخل زكريا الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند الله ~~الشك الناشىء عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من الله { أنى ~~يكون لي غلام } ولذا طلب الآية من الله على ذلك بقوله # قال رب اجعل لي آية # مريم 10 الآية. وإنما قلنا إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على ~~زكريا نداء الملائكة بنداء الشيطان. وقوله في هذه الآية الكريمة " عتيا ~~" أصله عتوا، فأبدلت الواو ياء. ومن إطلاق العتي الكبر المتناهي قول ~~الشاعر # إنما يعذر الوليد ولا يع ذر من كان في الزمان عتيا # وقراءة " عسيا " بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها. وقال القرطبي وبها ~~قرأ ابن عباس، وهي كذلك مصحف أبي. ### || [19.9] # هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة - ذكره أيضا في " آل عمران " ~~في قوله # قال كذلك الله يفعل ما يشآء # آل عمران 40. وقوله في هذه الآية الكريمة " كذلك " للعلماء في إعرابه ~~أوجه الأول - أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره، الأمر كذلك، ولا محالة أن ~~تلد الغلام المذكور. وقيل، الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقر. ~~وعلى هذا فقوله { قال ربك } ابتداء كلام الوجه الثاني - أن " كذلك " في ~~محل نصب ب " قال " وعليه فالإشارة بقوله " ذلك " إلى مبهم يفسره قوله { ~~هو علي هين } ونظيره على هذا القول قوله تعالى # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ~~مصبحين # الحجر 66. وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله { ~~هو علي هين } أي يسير سهل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } أي ومن خلقك ولم تك ~~شيئا فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى. وهذا الذي قاله ~~هنا لزكريا من أنه خلقه ولم يك شيئا - أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في ~~مواضع أخر. كقوله # أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # مريم ms1450 67 الآية، وقوله تعالى # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # الإنسان 1. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولم تك شيئا } ~~دليل على أن المعدوم ليس بشيء. ونظيره قوله تعالى # حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # النور 39، وهذا هو الصواب. خلافا للمعتزلة القائلين إن المعدوم الممكن ~~وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 قالوا قد سماه الله شيئا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على ~~أنه شيء قبل وجوده. ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية لأن ~~المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئا يعتد به. كقولهم عجبت من لا شيء. وقول ~~الشاعر # وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # لأن مراده بقوله غير شيء، أي إذا رأى شيئا تافها لا يعتد به كأنه لا ~~شيء لحقارته ظنه رجلا، لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. ~~والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن من أن المعدوم ليس ~~بشيء؟ والجواب عن استدلالهم بالآية أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة ~~بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # النحل 1، وقوله # ونفخ في الصور # الكهف 99، وقوله # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين # الزمر 69 الآية، وقوله # وسيق الذين كفروا # الزمر 71، وقوله # وسيق الذين اتقوا ربهم # الزمر 73 الآية، وأمثال ذلك. كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع ~~بالفعل فيما مضى - أطلقت مرادا بها المستقبل، لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره ~~كالواقع بالفعل. وكذلك تسميته شيئا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله ~~تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وقد خلقتك من قبل ~~} قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي " خلقتك " بتاء الفاعل المضمومة ~~التي هي تاء المتكلم. وقرأه حمزة والكسائي " وقد خلقناك " بنون بعدها ~~ألف، وصيغة الجمع فيها للتعظيم. ### || [19.10] # المراد بالآية هنا العلامة، أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ms1451 ما بشرت به ~~من الولد. قال بعض أهل العلم طلب الآية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما ~~بشر به. ونظيره على هذا القول قوله تعالى عن إبراهيم # قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # البقرة 260. وقيلأراد بالعلامة أن يعرف ابتداء حمل امرأته، لأن الحمل في ~~أول زمنه يخفى. وقوله في هذه الآية الكريمة { آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا } أي علامتك على وقوع ذلك ألا تكلم ~~الناس، أي أن تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك ~~سويا، أي سوى الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من ~~الكلام على سبيل خرق العادة، كما قدمنا في " آل عمران ". أما ذكر الله ~~فليس ممنوعا منه بدليل قوله في " آل عمران " # واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار # آل عمران 41. وقول من قال إن معنى قوله تعالى. { ثلاث ليال ~~سويا } أي ثلاث ليال متتابعات - غير صواب، بل معناه هو ما قدمنا من ~~كون اعتقال لسانه عن كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به. ولكن بقدرة الله ~~تعالى وقد قال تعالى هنا { ثلاث ليال } ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر ~~الأيام في " آل عمران " ، في قوله # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام # آل عمران 41 الآية. فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن. وقوله ~~تعالى في هذه الآية { ألا تكلم الناس } يعني إلا بالإشارة أو ~~الكتابة، كما دل عليه قوله هنا # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا # مريم 11، وقوله في " آل عمران " # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا # آل عمران 41 الآية. لأن الرمز الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب. ~~والإيحاء في قوله { فأوحى إليهم أن سبحوا } الآية، قال ~~بعض العلماء هو الإشارة وهو الأظهر بدليل قوله " إلا رمزا " كما تقدم ~~آنفا. وممن قال بأن الوحي في الآية الإشارة قتادة، والكلبي، وابن منبه، ~~والعتبي، كما نقله عنهم القرطبي وغيره. وعن مجاهد، والسدي " فأوحى إليهم ~~" أي كتب لهم ms1452 في الأرض. وعن عكرمة كتب لهم في كتاب. والوحي في لغة العرب ~~يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء. ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله ~~تعالى # وأوحى ربك إلى النحل # النحل 68 الآية. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى { فأوحى ~~إليهم أن سبحوا } الآية. ويطلق على الكتابة كما هو القول ~~الآخر في هذه الآية الكريمة. وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام ~~العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته # فمدافع الريان عرى رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها # فقوله " الوحي " بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وحي بمعنى ~~الكتابة. وقول عنترة # كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمي # وقول ذي الرمة # سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية بطوحي في ون الصحائف # وقول جرير # كأن أخا الكتاب يخط وحيا بكاف في منازلها ولام ### || [19.11] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن زكريا خرج على قوله من المحراب ~~فأشار إليهم، أو كتب لهم، أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول ~~النهار، والعشي آخره. وقد بين تعالى في " آل عمران " أن هذا الذي أمر به ~~زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيا - أن الله أمر ~~زكرياء به أيضا، وذلك في قوله # واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار # آل عمران 41. والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب ~~الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب # آل عمران 39. قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ~~والمحراب أرفع المواضع، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ~~ارتفع من الأرض اه. وقال الجوهري في صحاحه قال الفراء المحاريب صدور ~~المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب الغرفة. قال وضاح اليمن # ربة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلما # ومن هذا المعنى قوله تعالى # كلما دخل عليها زكريا المحراب # آل عمران 37 الآية. تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية ms1453 الكريمة ~~مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة. لأن المحراب موضع صلاة ~~زكريا، كما دل عليه قوله { وهو قائم يصلي في المحراب }. والمحراب أرفع من ~~غيره، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره هذه الآية ~~تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم. وقد اختلف في ~~هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره، متمسكا بقصة ~~المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع ~~بخوف الكبر على الإمام. قلت وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود ~~عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان. فأخذ أبو مسعود بقميصه ~~فجبذه. فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا، أو ينهى ~~عن ذلك؟ قال بلى، ذكرت ذلك حين مددتني. وروي أيضا عن عدي بن ثابت ~~الأنصاري قال حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. فأقيمت الصلاة ~~فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة ~~فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة. فلما فرغ عمار من صلاته قال ~~له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم " # أو نحو ذلك؟ فقال عمار لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. قلت فهؤلاء ثلاثة ~~من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث ~~المنبر. # فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة ~~وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر ~~به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكبر. لأن ~~كثيرا من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر ~~كان يسيرا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قال مقيدة ~~عفا الله عنه سنتكلم هنا إن شاء الله تعالى على الأحاديث ms1454 المذكورة، ونبين ~~أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل. أما ~~الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود ساقهما أبو داود في سننه ~~حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المعنى قال ثنا ~~يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على ~~دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، إلى آخر الحديث. ثم قال أبو داود ~~رحمه الله حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو خالد ~~عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. ~~إلى آخر الحديث. ولا يخفى أن هذا الحديث الأخير ضعيف. لأن الراوي فيه عن ~~عمار رجل لا يدرى من هو كما ترى. وأما الأثر الأول فقد صححه غير واحد، ~~وروى مرفوعا صريحا. قال ابن حجر في التلخيص في الكلام على الأثر ~~والحديث المذكورين ويعارضه ما رواه أبو داود من طريق همام أن حذيفة أم ~~الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته ~~قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال بلى. وصححه ابن خزيمة وابن ~~حبان والحاكم، وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه ~~آخر، وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر، والذي جبذه حذيفة، وهو مرفوع لكن ~~فيه مجهول. والأول أقوى، ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن ~~أبي مسعود نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء ~~والناس خلفه أسفل منه. اه من التلخيص. وقال النووي في شرح المهذب في ~~الكلام على حديث صلاة حذيفة على الدكان وجبذ أبي مسعود له المذكور رواه ~~الشافعي وأبو داود والبيهقي. ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، ~~وإسناده صحيح. ويقال جذب وجبذ، لغتان مشهورتان اه منه. وأما قصة المنبر ~~التي أشار لها القرطبي، وقال إنها حجة من يجيز ارتفاع الإمام على المأموم ~~- فهي حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم ms1455 جلس على المنبر في ~~أول يوم وضع، فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ~~ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال # " أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي " # متفق عليه. أما أقوال الأئمة في هذه المسألة فمذهب الشافعي فيها هو ~~كراهة علو الإمام على المأموم. وكذلك عكسه إلا إذا كان ذلك لغرض صحيح ~~محتاج إليه، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صلاته على المنبر، وبين أنه فعل ذلك لقصد التعليم، ~~وكارتفاع المأموم ليبلغ غير من المأمومين تكبيرات الإمام فإن كان ارتفاع ~~أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور. قال ~~النووي في شرح المهذب هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية. ~~أنه يكره الارتفاع مطلقا، وبه قال مالك والأوزاعي. وحكى الشيخ أبو حامد ~~عن الأوزاعي أنه قال تبطل به الصلاة. وأما مذهب مالك في المسألة ففيه ~~تفصيل بين علو الإمام على المأموم وعكسه. فعلو المأموم جائز عنده. وقد ~~رجع إلى كراهته. وبقي بعض أصحابه على قوله بجوازه. وعلو الإمام لا يعجبه. ~~وفي المدونة قال مالك لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام ~~على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد. ثم كرهه. وأخذ ابن القاسم بقوله ~~الأول. انتهى بواسطة نقل الموق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في ~~مختصره عاطفا على ما يجوز. وعلو مأموم ولو بسطح. وفي المدونة أيضا قال ~~مالك إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا ~~يعجبني. انتهى بواسطة نقل المواق أيضا. وقوله " يعجبني " ظاهر في ~~الكراهة. وحمله بعضهم على المنع. وفي وجوب إعادة الصلاة قولان. ومحل ~~الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التكبر على الناس، فإن قصد ذلك ~~بطلت صلاته عندهم إماما كان أو مأموما. وهذه المسألة ذكرها خليل بن ~~إسحاق في مختصره في قوله وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلب بقصد إمام ~~ومأموم به الكبر إلا بكشبر ms1456 اه. وقوله " إلا بكشبر " يعني إلا أن يكون ~~الارتفاع بكشبر " ، ونحو المنبر عظم الذراع عندهم. ومحل جواز الارتفاع ~~اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر. فقوله " إلا بكثير " مستثنى من قوله ~~" لا عكسه " لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقا قال ~~المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة كره مالك وغيره أن يصلي ~~الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ~~ونحوه. قال ابن القاسم فإن فعل أعادوا أبدا، لأنهم يعبثون إلا أن يكون ~~ذلك دكانا يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو ~~محمد مثل الشبر وعظم الذراع - إلى أن قال وانظر إذا صلى المقتدي كذلك ~~أعني على موضع مرتفع قصدا إلى التكبر عن مساواة الإمام. # قال ابن بشير صلاته أيضا باطلة. اه محل الغرض منه. وقول ابن القاسم " ~~لأنهم يعبثون " يعني برفع ذلك البنيان الذي يصلي عليه الإمام، كما قال ~~تعالى عن نبيه هود مخاطبا لقومه عاد # أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون # الشعراء 128-129 وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس، ~~أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم ~~وإليه أشار خليل في مختصره بقوله وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم ~~تردد. هذا هو حاصل مذهب مالك في هذه المسألة. وأما مذهب أبي حنيفة في هذه ~~المسألة فهو أن ارتفاع كل من الإمام والمأموم على الآخر مكروه. وقال ~~الطحاوي لا يكره علو المأموم على الإمام. ومحل الكراهة عند الحنفية في ~~الارتفاع في اليسير، ولا كراهة عندهم في اليسير وقدر الارتفاع الموجب ~~للكراهة عندهم قدر قامة، ولا بأس بما دونها، ذكره الطحاوي، وهو مروي عن ~~أبي يوسف وقيل هو مقدر بقدر ما يقع عليه الامتياز. وقيل مقدر بقدر ذراع ~~اعتبارا بالسترة. قال صاحب تبيين الحقائق. وعليه الاعتماد. وإن كان مع ~~الإمام جماعة في مكانه المرتفع، وبقية المأمومين أسفل منهم فلا يكره ذلك ~~على الصحيح ms1457 عندهم - انتهى بمعناه تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. وأما ~~مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة - فهو التفصيل بين علو الإمام على ~~المأموم، فيكره على المشهور من مذهب أحمد. وبين علو المأموم الإمام ~~فيجوز. قال ابن قدامة في المغني المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون ~~الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أو لم يرد. وهو قول ~~مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره - ~~اه. محل الغرض منه. وقال في المغني أيضا فإن صلى الإمام في مكان أعلى ~~من المأمومين فقال ابن حامد لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي، لأن النهي ~~يقتضي فساد المنهي عنه. وقال القاضي لا تبطل، وهو قول أصحاب الرأي - اه ~~محل الغرض منه. فإذا عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة - فاعلم ~~أن حجة من كره علو الإمام على المأموم أو منعه - هي ما قدمنا في قصة جبذ ~~أبي مسعود لحذيفة لما أم الناس، وقام يصلي على دكان. الحديث المتقدم. وقد ~~بينا أقوال أهل العلم في الحديث المذكور. وحجة من أجاز ذلك للتعليم حديث ~~سهل بن سعد المتفق عليه في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر وجواب المخالفين عن صلاته على المنبر. بأنه ارتفاع يسير، وذلك لا ~~بأس به، أو بأنه منسوخ كما تقدم في كلام القرطبي وحجة من أجاز علو ~~المأموم علىالإمام ما روي عن أبي هريرة أنه صلى بصلاة الإمام وهو على سطح ~~المسجد. # قال ابن حجر " في التلخيص " رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال حدثني ~~صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة يصلي فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام ~~في المسجد. ورواه البيهقي من حديث القعنبي عن ابن أبي ذئب عن صالح، ورواه ~~سعد بن منصور، وذكره البخاري تعليقا - انتهى محل الغرض من كلامه. فقد ~~رأيت مذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم. قال مقيدة عفا الله عنه والذي ~~يظهر - والله تعالى أعلم - وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأن علو ~~الإمام مكروه لما تقدم. ويجمع ms1458 بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه ~~للتعليم دون غيره. ويدل لهذا إخباره صلى الله عليه وسلم أنه ارتفع على ~~المنبر ليعلمهم الصلاة لأنه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلا من ~~يليه، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر. أما علو ~~المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة. لأن القياس يقتضي كراهة ~~ارتفاع المأموم قياسا على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي، وإذا تعارض ~~القياس مع قول الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس، وهو مذهب ~~مالك وجماعة، ومنهم من يقول بتقديم قول الصحابي. ولا شك أن الأحوط تجنب ~~علو كل واحد من الإمام والمأموم على الآخر. والعلم عند الله تعالى. و " ~~أن " في قوله { فأوحى إليهم أن سبحوا } هي المفسرة. ~~والمعنى أن ما بعدها يفسر الإيحاء المذكور قبلها. فهذا الذي أشار لهم به ~~هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشيا، وهذا هو الصواب. ويحتمل أن تكون مصدرية ~~بناء على أن " أن " المصدرية تأتي مع الأفعال الطلبية. وعليه فالمعنى ~~أوحى إليهم أي أشار إليهم بأن سبحوا، أي بالتسبيح أو كتب لهم ذلك بناء ~~على القول بأن المراد به الكتابة، وكونها مفسرة هو الصواب. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [19.12-15] # اعلم أولا - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان ~~التي تضمنها أن يذكرشيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع آخر، ~~فإنا نبينها. وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك، وأكثرها في الموصوفات من ~~أسماء الأجناس لا الأعلام، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا - ~~فإذا علمت ذلك - فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات ~~يحيى، وقد ذكر شيئا من صفاته أيضا في غير هذا الموضع. وسنبين إن شاء ~~الله المراد بالمذكور منها هنا، والمذكور في غير هذا الموضع. اعلم أنه ~~هنا وصفه بأنه قال له { ييحيى خذ الكتاب بقوة } ووصفه ~~بقوله { وآتيناه الحكم } إلى قوله { ويوم يبعث حيا }. ~~فقوله { ييحيى خذ الكتاب } مقول قول محذوف. أي وقلنا ms1459 له يا ~~يحيى خذ الكتاب بقوة. والكتاب التوراة. أي خذ التوراة بقوة. أي بجد ~~واجتهاد، وذلك بتفهم المعنى أولا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل ~~به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب ~~بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين ~~على أن المراد بالكتاب هنا التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل هو ~~كتاب أنزل على يحيى، وقيل هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمه. وقيل هو صحف ~~إبراهيم. والأظهر قول الجمهور إنه التوراة كما قدمنا. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { وآتيناه الحكم } أي أعطيناه الحكم، وللعلماء في ~~المراد بالحكم أقوال متقاربة، مرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الله أعطاه ~~الفهم في الكتاب. أي إدراك ما فيه والعمل به في حال كونه صبيا. قال ابن ~~كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية { وآتيناه الحكم صبيا } ~~أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه، ~~والاجتهاد فيه - وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال ~~الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب، فقال ما للعب خلقنا! فلهذا أنزل ~~الله { وآتيناه الحكم صبيا }. وقال ابن جرير الطبري رحمه ~~الله في تفسير هذه الآية الكريمة { وآتيناه الحكم صبيا } ~~يقول تعالى ذكره وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان ~~الرجال. وقد حدثنا أحمد بن منيع قال حدثنا عبدالله بن المبارك قال أخبرني ~~معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية " وآتيناه الحكم صبيا " قال بلغني ~~أن الصبيان قالوا ليحيى اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقنا، فأنزل الله { ~~وآتيناه الحكم صبيا } وقال الزمخشري في الكشاف { ~~وآتيناه الحكم } أي الحكمة، ومنه قول نابغة ذبيان # واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد # وقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية والحكم النبوة، أو حكم ~~الكتاب، أو الحكمة، أو العلم بالأحكام. أو اللب وهو العقل، أو آداب ~~الخدمة، أو الفراسة الصادقة. أقوال قال مقيدة عفا الله ms1460 عنه وغفر له الذي ~~يظهر لي - هو أن الحكم يعلم النافع والعمل به، وذلك بفهم الكتاب السماوي ~~فهما صحيحا، والعمل به حقا، فإن هذا يشمل جميع أقوال العلماء في الآية ~~الكريمة. وأصل معنى " الحكم " المنع، والعلم النافع. والعمل به يمنع ~~الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان. وقوله تعالى { صبيا } أي ~~لم يبلغ، وهو الظاهر. وقيل صبيا أي شابا لم يبلغ سن الكهولة - ذكره أبو ~~حيان وغيره، والظاهر الأول. قيل ابن ثلاث سنين، وقيل ابن سبع، وقيل ابن ~~سنتين. والله أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة { وحنانا } معطوف على { ~~الحكم } أي وآتيناه حنانا من لدنا. والحنان هوما جبل عليه من الرحمة، ~~والعطف والشفقة. وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب، ~~ومنه قولهم حنانك وحنانيك يا رب، بمعنى رحمتك. ومن هذا المعنى قول امرىء ~~القيس # أبنت الحارث الملك بن عمرو له ملك العراق إلى عمان ويمنحها بنو شمجي ~~بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان # يعني رحمتك يا رحمن. وقول طرفة بن العبد # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقول منذر بن درهم الكلبي # وأحدث عهد من أمينة نظرة على جانب العلياء إذ أنا واقف فقالت حنان ما ~~أتى بك ها هنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف # فقوله " حنان " أي أمري حنان. أي رحمة لك، وعطف وشفقة عليك وقول الحطيئة ~~أو غيره # تحن على هداك المليك فإن لكل مقام مقالا # وقوله تعالى { من لدنا } أي من عندنا، وأصح التفسيرات في قوله " وزكاة ~~" أنه معطوف على ما قبله أي أو أعطيناه زكاة، أي طهارة من أدران الذنوب ~~والمعاصي بالطاعة، والتقرب إلى الله بما يرضيه وقد قدمنا في سورة " الكهف ~~" الآيات الدالة على إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة، فأغنى ذلك عن ~~إعادته هنا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية " ~~وزكاة " الزكاة التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير. أي جعلناه ~~مباركا للناس يهديهم. وقيل المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي ~~الشهود ms1461 إنسانا. وقيل " زكاة " صدقة على أبويه. قاله ابن قتيبة - انتهى ~~كلام القرطبي. وهو خلاف التحقيق في معنى الآية. والتحقيق فيه إن شاء الله ~~هو ما ذكرنا، من أن المعنى وأعطيناه زكاة أي طهارة من الذنوب والمعاصي ~~بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وقول من قال من العلماء بأن ~~المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح، راجع إلى ما ذكرنا لأن العمل ~~الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وكان تقيا } أي ممتثلا لأوامر ربه ~~مجتنبا كل ما نهى عنه. ولذا لم يعمل خطيئة قط، ولم يلم بها، قاله ~~القرطبي وغيره عن قتادة وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة، والظاهر أنه ~~لم يثبت شيء من ذلك مرفوعا، إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس وإما بضعف ~~راو، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد قدمنا معنى " التقوى " مرارا وأصل ~~مادتها في اللغة العربية. وقوله تعالى { وبرا بوالديه } البر بالفتح هو ~~فاعل البر - بالكسر - كثيرا أي وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسنا ~~إليهما، لطيفا بهما، لين الجانب لهما. وقوله " وبرا " معطوف على قوله " ~~تقيا " ، وقوله " ولم يكن جبارا عصيا " أي لم يكن مستكبرا عن طاعة ~~ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعا لله، متواضعا لوالديه، قاله ابن ~~جرير. والجبار هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم. وكل متكبر على ~~الناس يظلمهم فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى # وإذا بطشتم بطشتم جبارين # الشعراء 130 وعلى من يتكرر منه القتل في قوله # أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض # القصص19 الآية. والظاهر أن قوله " عصيا " فعول قلبت فيه الواو ياء ~~وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة التي عقدها ابن مالك في ~~الخلاصة بقوله # إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبن ~~مدغما وشذ معطى غير ما قد رسما # فأصل " عصيا " على هذا " عصويا " كصبور، أي كثير العصيان. ويحتمل أن ms1462 ~~يكون أصله فعيلا وهي من صيغ المبالغة أيضا، قاله أبو حيان في البحر. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا } قال ابن جرير وسلام عليه أي ~~أمان له. وقال ابن عطية والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف من ~~الأمان، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته، وإنما ~~الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية ~~الضعف والحاجة، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول - انتهى ~~كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية، ومرجع القولين إلى ~~شيء واحد، لأن معنى سلام، التحية، الأمان، والسلامة مما يكره. وقول من ~~قال هو الأمان. يعني أن ذلك الأمان من الله. والتحية من الله معناها ~~الأمان والسلامة مما يكره. والظاهر المتبادر أن قوله { وسلام ~~عليه يوم ولد } تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة ~~وقوله { وسلام عليه } مبتدأ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في ~~معنى الدعاء، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ~~ووقت موته، ووقت بعثه، في قوله { يوم ولد ويوم يموت } ~~الآية، لأنها أوحش من غيرها. # قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى ~~نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم. ويوم يبعث ~~فيرى نفسه في محشر عظيم. قال فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام ~~عليه فيها. رواه عنه ابن جرير وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه ~~الآية بإسناده عن الحسن رحمه الله قال إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى ~~استغفر لي، أنت خير مني. فقال الآخر استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى ~~أنت خير مني، سلمت على نفسي وسلم الله عليك. وقد نقل القرطبي هذا الكلام ~~الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال انتزع بعض ~~العلماء من هذه الآية في التسليم - فضل عيسى بأن ms1463 قال إدلاله في التسليم ~~على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكي في محكم ~~التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه، قال ابن عطية ولكل وجه. انتهى ~~كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله { وسلام ~~عليه يوم ولد } الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا # مريم 33 كما هو ظاهر. تنبيه الفتحة في قوله { يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا } يحتمل أن تكون في الظروف الثلاثة فتحة ~~إعراب نصبا على الظرفية. ويحتمل أن تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ~~ذلك، والأجود أن تكون فتحة " يوم ولد " فتحة بناء، وفتحة { ويوم ~~يموت ويوم يبعث } فتحة نصب، لأن بناء ما قبل الفعل الماضي ~~أجود من إعرابه وإعراب ما قبل المضارع، والجملة الاسمية أجود عن بنائه، ~~كما عقده في الخلاصة بقوله # وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب ~~أو مبتدأ أعرب ومن بنى فلن يفندا # والأحوال في مثل هذا أربعة الأول أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية ~~فعلها مبني بناء أصليا وهو الماضي، كقول نابغة ذبيان # على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما أصح والشيب وازع # فبناء الظرف في مثل ذلك أجود، وإعرابه جائز. الثاني - أن يضاف الظرف ~~المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء عاوضا، كالمضارع المبني لاتصاله ~~بنون النسوة. كقول الآخر # لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم # وحكم هذا كما قبله. الثالث - أن يضاف إلى جملة فعلية فعلها معرب. كقول ~~أبي صخر الهذلي # إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر # فإعراب مثل هذا أجود، وبناؤه جائز. الرابع - أن يضاف الظرف المذكور إلى ~~جملة اسمية. كقول الشاعر # ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل # وقول الآخر # تذكر ما تذكر من سليمى على حين التواصل غير دان # وحكم هذا كما ms1464 قبله. واعلم أن هذه الأوجه إنما هي في الظرف المبهم ~~الماضي. وأما إن كان الظرف المبهم مستقبل المعنى، كقوله { ويوم ~~يموت ويوم يبعث } فإنه لا يضاف إلا إلى الجمل الفعلية دون ~~الاسمية. فتكون فيه الأوجه الثلاثة المذكورة دون الرابع. وأجاز ابن مالك ~~إضافته إلى الجملة الاسمية بقلة، كقوله تعالى # يوم هم على النار يفتنون # الذاريات 13 وقول سواد بن قارب # وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب # لأن الظرف في الآية والبيت المذكورين مستقبل لا ماض. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { ويوم يبعث حيا } قال أبو حيان فيه تنبيه على ~~كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم # بل أحياء عند ربهم يرزقون # آل عمران 169. قال مقيده عفا الله عنه وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد ~~لعاملها، وصف لصاحبها. وعليه فبعثه مقيد بكونه حيا، وتلك حياة الشهداء، ~~وليس بظاهر كل الظهور. والله تعالى أعلم. هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى ~~في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع، ~~كقوله في " آل عمران " # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # آل عمران 39 ومعنى كونه { مصدقا بكلمة من الله } أنه ~~مصدق بعيسى، وإنما قيل لعيسى كلمة لأن الله أوجده بكلمة هي قوله " كن " ~~فكان، كما قال تعالى # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم # النساء 171 الآية. وقال # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه # آل عمران 45 الآية. وهذا هو قول جمهور المفسرين في معنى قوله تعالى { ~~مصدقا بكلمة من الله } وقيل المراد بكلمة الكتاب، أي ~~مصدقا بكتاب الله. والكلمة في القرآن تطلق على الكلام المفيد، كقوله # وتمت كلمة ربك الحسنى # الأعراف 137، وقوله # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا # الأنعام 115، وقوله # كلا إنها كلمة هو قآئلها # المؤمنون100 إلى غير ذلك من الآيات، وباقي الأقوال تركناه لظهور ضعفه. ~~والصواب إن شاء ms1465 الله هو ما ذكرنا. وقوله " وسيدا " وزن السيد بالميزان ~~الصرفي فيعل وأصل مادته س و د سكنت ياء الفعيل الزائدة قبل الواو التي هي ~~في موضع العين، فأبدلت الواو ياء عن القاعدة التصريفية المشار لها بقوله ~~في الخلاصة # إن يسكن السابق من واو ويا # البيتين المتقدمين آنفا. وأصله من السواد وهو الخلق الكثير. فالسيد من ~~يطيعه، ويتبعه سواد كثير من الناس. والدليل على أن عين المادة واو أنك ~~تقول فيه ساد يسود بالواو، وتقول سودوه إذا جعلوه سيدا. والتضعيف يرد ~~العين إلى أصلها، ومنه قول عامر بن الطفيل العامري # وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني ~~عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # وقال الآخر # وإن بقوم سودوك لحاجة إلى سيد لو يظفرون بسيد # وشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه. والآية فيها دليل على إطلاق السيد على من ~~ساد من الناس، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن بن علي رضي الله عنهما " ~~إن ابني هذا سيد " # الحديث. # " وأنه صلى الله عليه وسلم لما جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه للحكم في ~~بني قريظة قال صلى الله عليه وسلم " قوموا لسيدكم " # والتحقيق في معنى قوله " حصورا " أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع ~~القدرة على إتيانهن تبتلا منه، وانقطاعا لعبادة الله. وكان ذلك جائزا ~~في شرعه. وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهي التزوج وعدم التبتل. ~~أما قول من قال إن الحصور فعول بمعنى مفعول وأنه محصور عن النساء لأنه ~~عنين لا يقدر على إتيانهن - فليس بصحيح، لأن العنة عيب ونقص في الرجال، ~~وليست من فعله حتى يثنى عليه بها. فالصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، ~~واختاره غير واحد من العلماء. وقول من قال إن الحصور هو الذي لا يدخل مع ~~القوم في الميسر كما قال الأخطل # وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار # قول ليس بالصواب في معنى ms1466 الآية. بل معناها هو ما ذكرنا وإن كان إطلاق ~~الحصور على ذلك صحيحا لغة. وقوله " ونبيئا " على قراءة نافع بالهمزة ~~معناه واضح، وهو فعيل بمعنى مفعول، من النبأ وهو الخبر الذي له شأن، لأن ~~الوحي خبر له شأن يخبره الله به. وعلى قراءة الجمهور بالياء المشددة فقال ~~بعض العلماء معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت ~~فيها للياء التي قبلها. وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله # إنما النسيء زيادة في الكفر # التوبة 37 بالهمزة وتشديد الياء. وقال بعض العلماء هو على قراءة الجمهور ~~من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النبي وشرفه. والصالحون هم الذين صلحت ~~عقائدهم، وأعمالهم.وأقوالهم، ونياتهم، والصلاح ضد الفساد. وقد وصف الله ~~تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة " الأنعام " في ~~قوله # وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من ~~الصالحين # الأنعام 85. ### || [19.16] # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يذكر ~~في الكتاب وهو القرآن " مريم " حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. وقوله ~~" انتبذت " أي تنحت عنهم واعتزلتهم منفردة عنهم. وقوله { مكانا ~~شرقيا } أي مما يلي شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة " إذ " " مريم " بدل اشتمال، لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ~~اشتمال الظرف على مظروفه. قاله الزمخشري في الكشاف واعترضه عليه أبو ~~البقاء وأبو حيان والظاهر سقوط اعتراضهما، وأن الصواب معه، والله تعالى ~~أعلم. ولم يذكرهنا شيئا عن نسب " مريم " ولا عن قصة ولادتها. وبين في ~~غير هذا الموضع أنها ابنة عمران، وأن أمها نذرت ما في بطنها محررا، تعني ~~لخدمة بيت المقدس، تظن أنها ستلد ذكرا " فولدت مريم ". قال في بيان ~~كونها ابنة عمران # ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها # التحريم 12 الآية. وذكر قصة ولادتها في " آل عمران " في قوله # إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ ~~أنثى والله أعلم بما وضعت وليس ms1467 الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها ~~بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # آل عمران 35-37. وقوله " مكانا " منصوب لأنه ظرف. ### || [19.17] # قوله تعالى { فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ ~~إليهآ روحنا }. أظهر الأقوال أن المراد بقوله " روحنا " جبريل. ~~ويدل لذلك قوله # نزل به الروح الأمين # الشعراء 193 الآية، وقوله # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # النحل 102 الآية، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم. قوله تعالى { ~~فتمثل لها بشرا سويا }. تمثله لها بشرا سويا المذكور في ~~الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي. وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم # آل عمران 45 الآية. وهذا الذي بشرها به هو الذي قال لها هنا # قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # مريم 19. وقوله { بشرا سويا } حالان من ضمير الفاعل في قوله " ~~تمثل لها ". ### || [19.19] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها ~~إنه رسول ربها ليهب لها، أي ليعطيها غلاما أي ولدا زكيا، أي طاهرا من ~~الذنوب والمعاصي، كثير البركات. وبين في غير هذا الموضع كثيرا من صفات ~~هذا الغلام الموهوب لها، وهو عيسى عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام، كقوله # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن ~~الصالحين # آل عمران 45-46 وقوله # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ~~ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم # آل عمران 48-49 الآية، إلى ms1468 غير ذلك من الآيات المشتملة على صفات هذا ~~الغلام. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضا بخلف عنه ~~" ليهب " بالياء المفتوحة بعد اللام أي ليهب لك هو، أي ربك غلاما زكيا. ~~وقرأ الباقون " لأهب " بهمزة المتكلم أي لأهب لك هو أنا أيها الرسول من ~~ربك غلاما زكيا. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور ~~خلاف معروف بين العلماء. وأظهر الأقوال في ذلك عندي - أن المراد بقول ~~جبريل لها { قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا } أي لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي ~~وصل إلى الفرج، فصار بسببه حملها عيسى. وبين تعالى في سورة " التحريم " ~~أن هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى # ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # التحريم 12 الآية. والضمير في قوله " فيه " راجع إلى فرجها ولا ينافي ~~ذلك قوله تعالى في " الأنبياء " # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا # الأنبياء 91 لأن النفخ وصل إلى الفرج فكان منه حمل عيسى، وبهذا فسر ~~الزمخشري في الكشاف الآية. وقال بعض العلماء قول جبريل { لأهب لك ~~غلاما } حكاية منه لقول الله جل وعلا. وعليه فالمعنى إنما أنا رسول ~~ربك، وقد قال لي أرسلتك لأهب غلاما. والأول أظهر. وفي الثاني بعد عن ~~ظاهر اللفظ. وقال بعض العلماء جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من ~~قبله. وبهذا صدر القرطبي في تفسيره. وأظهرها الأول والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [19.20] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن مريم لما بشرها جبريل بالغلام ~~الزكي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قالت { أنى يكون لي ~~غلام } أي كيف ألد غلاما والحال أني لم يمسسني بشر. تعني لم يجامعنى ~~زوج بنكاح، { ولم أك بغيا } ، أي لم أك زانية، وإذا انتفى عنها ~~مسيس الرجال حلالا وحراما فكيف تحمل. والظاهر أن استفهامها استخبار ~~واستعلام عن الكيفية التي يكون بها حمل الغلام المذكور، لأنها مع عدم ~~مسيس الرجال لم تتضح لها الكيفية. ويحتمل ms1469 أن يكون استفهامها استفهام تعجب ~~من كمال قدرة الله تعالى، وهذا الذي ذكر الله جل وعلا عنها أنها قالته ~~هنا ذكره عنها أيضا في سورة " آل عمران " في قوله تعالى # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس ~~في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى ~~يكون لي ولد ولم يمسسني بشر # آل عمران 45-47. واقتصارها في آية " آل عمران " على قولها { ولم ~~يمسسني بشر } يدل على أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس ~~بنكاح والمسيس بزنى. كما هو الظاهر. وعليه فقولها في سورة " مريم " { ~~ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } يظهر فيه أن قولها " ~~ولم أك بغيا " تخصيص بعد تعميم. لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام. ~~وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا { ولم يمسسني ~~بشر ولم أك بغيا } جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه ~~كناية عنه. كقوله تعالى # من قبل أن تمسوهن # البقرة 237. # أو لامستم النسآء # النساء 43 والزنى ليس كذلك، إنما يقال فيه فجر بها، وخبث بها وما أشبه ~~ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب اه. والأظهر الأول. وآية ~~آل عمران تدل عليه. ويؤيده أن لفظة " بشر " نكرة في سياق النفي فهي تعم ~~كل بشر فينتفي مسيس كل بشر كائنا من كان، والبغي المجاهرة المشتهر ~~بالزنى. ووزنه فعول عند المبرد، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما ~~بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما ~~كسرت في عصي ودلي جمع عصا ودلو. كما قدمنا هذا مرارا. والقائل بأن أصل ~~البغي فعول، يقول لو كان أصله فعيلا للحقته هاء التأنيث، لأنها لازمة في ~~فعيل بمعنى فاعل. وقال ابن جني في كتاب التمام أصل البغي على وزن فعيل، ~~ولو كان فعولا لقيل بغو. كما قيل فلان نهو عن المنكر. وعلى هذا القول ~~فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث بأن البغي وصف مختص بالإناث. والرجل ~~يقال ms1470 فيه باغ لا بغي. كما قاله أبو حيان في البحر. والأوصاف المختصة ~~بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى كحائض. كما عقده ابن ~~مالك في الكافية بقوله # وما من الصفات بالأنثى يخص عن تاء استغنى لأن اللفظ نص ### || [19.21] # قوله تعالى { قال كذلك قال ربك هو علي هين }. قد ~~قدمنا تفسير هذه الآية مستوفي في قصة زكريا، فأغنى عن إعادته هنا. وقول ~~جبريل لمريم في هذه الآية { كذلك قال ربك هو علي هين ~~} أي وستلدين ذلك الغلام المبشر به من غير أن يمسك بشر، وقد أشار تعالى ~~إلى معنى هذه الآية في سورة " آل عمران " في قوله # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ~~قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون # آل عمران 47. قوله تعالى { ولنجعله آية للناس ورحمة ~~منا وكان أمرا مقضيا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أن من حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس. أي ~~علامة دالة على كمال قدرته. وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء إن شاء ~~خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى. وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما ~~فعل بحواء. كما نص على ذلك في قوله # وخلق منها زوجها # النساء 1 أي خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء. وإن شاء خلقه ~~بدون الذكر والأنثى معا كما فعل بآدم. وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما ~~فعل بسائر بني آدم. فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء؟ وما ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير ~~زوج أشار له أيضا في " الأنبياء " بقوله # وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # الأنبياء 91، وفي " الفلاح " بقوله # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # المؤمنون 50 الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولنجعله ~~آية للناس } فيه حذف دل المقام عليه. قال الزمخشري في الكشاف { ~~ولنجعله آية للناس } تعليل معلله ms1471 محذوف. أي ولنجعله آية ~~للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا ~~ولنجعله آية. ونحوه # وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت # الجاثية 22، وقوله # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه # يوسف 21 اه. وقوله في هذه الآية { ورحمة منا } أي لمن آمن به. ومن كفر ~~به فلم يبتغ الرحمة لنفسه، كما قال تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # الأنبياء 107، وقوله تعالى { وكان أمرا مقضيا } أي وكان ~~وجود ذلك الغلام منك أمرا مقضيا، أي مقدرا في الأزل، مسطورا في اللوح ~~المحفوظ لا بد من وقوعه، فهو واقع لا محالة. ### || [19.22-23] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن مريم حملت عيسى. فقوله { حملته } ~~أي عيسى { فانتبذت به } أي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها { ~~مكانا قصيا } أي في مكان بعيد والجمهور على أن المكان المذكور بيت ~~لحم. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله { فأجآءها المخاض } أي ~~ألجأها الطلق إلى جذع النخلة، أي جذع نخلة في ذلك المكان. والعرب تقول ~~جاء فلان، وأجاءه غيره إذا حمله على المجيء، ومنه قول زهير # وجار سار معتمدا إلينا أجاءته المخافة والرجاء # وقول حسان رضي الله عنه # إذ شددنا شدة صادقة فأجأناكم إلى سفح الجبل # والمخاض الطلق، وهو وجع الولادة، وسمي مخاضا من المخض، وهو الحركة ~~الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج. وقوله { قالت ~~يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } تمنت أن ~~تكون قد ماتت قبل ذلك ولم تكن شيئا يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين ~~- فاعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به، ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم ~~من أجله، وتمنت من أجله أن تكون ماتت قبل ذلك، وكانت نسيا منسيا وهو ~~خوفها من أن يتهموها بالزنى، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو ~~سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فأشار إلى أن كيفية ~~حملها أنه نفخ فيها ms1472 فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك، كما قال # ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # التحريم 12 وقال # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا # الأنبياء 91 الآية. والذي عليه الجمهور من العلماء أن المراد بذلك النفخ ~~نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله # قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # مريم19 كما تقدم. ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه ~~في قوله { فنفخنا } لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى ~~الذي خلق الحمل من ذلك النفخ. فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ~~ذلك النفخ ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع ~~النفخ المذكور ولا وجود الحمل إلا منه إلا بمشيئة جل وعلا - أسنده إلى ~~نفسه - والله تعالى أعلم. وقول من قال إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو ~~جيب درعها ظاهر السقوط، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج ~~المعروف فوقع الحمل. وقد بين تعالى في مواضع أخر، أن ذلك الذي خافت منه ~~وهو قذفهم لها بالفاحشة - قد وقعت فيه، ولكن الله برأها، وذلك كقوله عنهم # قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا # مريم 27 يعنون الفاحشة، وقوله عنهم، # يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا # مريم 28 يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله تعالى # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # النساء 156. وقوله { مكانا قصيا } القصي، البعيد، ومنه قول الراجز # لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي أني ~~أبو ذيالك الصبي # وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله # وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهمآ إلى ~~ربوة ذات قرار ومعين # المؤمنون 50. وقوله في هذه الآية الكريمة { فانتبذت به } أي انتبذت وهو ~~في بطنها. والإشارة في قوله هذا إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع. ~~وقوله في هذه الآية الكريمة عنها ms1473 { وكنت نسيا منسيا } النسي والنسي - ~~بالكسر وبالفتح - هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته، كخرق الحيض، ~~وكالوتد والعصا، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم ~~انظروا أنساءكم جمع نسي؟ أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى ~~كالعصا والوتد. ونحو ذلك. فقولها " وكنت نسيا " أي شيئا تافها حقيرا ~~من حقه أن يترك وينسى عادة. وقولها " منسيا " تعني أن ذلك الشيء التافه ~~الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي ~~هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، ومن إطلاق النسي ~~على ما ذكرنا قول الكميت # أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخل # فقوله " بنسي " أي شيء تافه منسي. وقول الشنفرى # كان لها في الأرض نسيا تقصه على أمها وإن تحدثك تبلت # فقوله " نسيا " أي شيء تركته ونسيته. وقوله " تبلت " بفتح التاء وسكون ~~الباء الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث - أي تقطع كلامها من الحياء. ~~والبلت في اللغة القطع. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي " يا ~~ليتني مت " بكسر الميم. وقرأ الباقون " مت " بضم الميم ". وقرأ حفص عن ~~عاصم وحمزة،وكنت نسيا " بفتح النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان ~~فصيحتان، وقراءتان صحيحتان. تنبيه قراءة " مت " بكسر الميم كثيرا ما ~~يخفى على طلبة العلم وجهها. لأن لغة مات يموت " لا يصح منه " مت " بكسر ~~الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من مات يمات، كخاف يخاف. لا من مات ~~يموت. كقال يقول فلفظ " مات " فيها لغتان عربيتان فصيحتان، الأولى منهما ~~موت بفتح الواو فأبدلت الواو ألفا على القاعدة التصريفية المشار لها ~~بقوله في الخلاصة # من ياء أو واو بتحريك أصل ألفا إبدل بعد فتح متصل # إن حرك الثاني.. الخ ومضارع هذه المفتوحة " يموت " بالضم على القياس وفي ~~هذه ونحوها إن أسند الفعل إلى تاء الفاعل أونونه سقطت العين بالاعتلال ~~وحركت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة، فتقول ~~" مت " بضم الميم، ولا يجوز غير ذلك. # الثانية ms1474 أنها " موت " بكسر الواو، أبدلت الواو ألفا للقاعدة المذكرة ~~آنفا. ومضارع هذه " يمات " بالفتح، لأن فعل بكسر العين ينقاس في مضارعها ~~بفعل بفتح العين، كما قال ابن مالك في اللامية # وافتح موضع الكسر في المبنى من فعلا # ويستثنى من هذه القاعدة كلمات معروفة سماعية تحفظ ولا يقاس عليها. ~~والمقرر في فن الصرف أن كل فعل ثلاثي أجوف أعني معتل العين إذا كان على ~~وزن فعل بكسر العين، أو فعل بضمها فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه ~~تسقط عينه بالاعتلال وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر ~~فاؤه إن كان من فعل بكسر العين، وتضم إن كان من فعل بضمها. مثال الأول - ~~" مت " من مات يمات، لأن أصلها " موت " بالكسر وكذلك خاف يخاف، ونام ~~ينام، فإنك تقول فيها " مت " بكسر الميم، و " نمت " بكسر للنون، " وخفت " ~~بكسر الخاء. لأن حركة العين نقلت إلى الفاء وهي الكسرة. ومثاله في الضم " ~~طال " فأصلها " طول " بضم الواو فتقول فيها " طلت " بالضم لنقل حركة ~~العين إلى الفاء. أما إذا كان الثلاثي من فعل بفتح العين كمات يموت، وقال ~~يقول فإن العين تسقط بالاعتدال وتحرك الفاء بحركة مناسبة للعين الساقطة ~~فيضم الفاء إن كانت العين الساقطة واوا كمات يموت، وقال يقول فتقول مت ~~وقلت. - بالضم - وتكسر الفاء إن كانت العين الساقطة ياء، كباع وسار، ~~فتقول بعت وسرت بالكسر فيهما. وإلى هذا أشار ابن مالك في اللامية بقوله # وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إذا اعتلت وكان بنا الإضمار متصلا أو ~~نونه وإذا فتحا يكون منه اعتض مجانس تلك العين منتفلا # واعلم أن مات يمات، من فعل بالكسر يفعل بالفتح لغة فصيحة، ومنها قول ~~الراجز # بنيتي سيدة البنات عيشي ولا نأمن أن تما # وأما مات يميت فهي لغة ضعيفة. وقد أشار إلى اللغات الثلاث الفصيحتين ~~والردية بعض أدباء قطر شنقيط في بيت رجز هو قوله # من منعت زوجته منه المبيت مات يموت ويمات ويميت # وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل ms1475 الوضع لم ~~نذكرها، لعدم دليل على شيء منها. وأظهرها أنه حمل كعادة حمل النساء وإن ~~كان منشؤه خارقا للعادة، والله تعالى أعلم. ### || [19.24] # اعلم أولا أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه نافع وحفص عن عاصم ~~وحمزة والكسائي { فناداها من تحتهآ } بكسر الميم على أن " من " ~~حرف جر، وخفض تاء تحتها، لأن الظرف مجرور ب " من ". وقرأه ابن كثير وأبو ~~عمر، وابن عامر وشعبة عن عاصم، " فنادها من تحتها " بفتح ميم " من " على ~~أنه اسم موصول هو فاعل نادى، أن ناداها الذي تحتها. وفتح أي " تحتها " ~~فعلى القراءة الأولى ففاعل النداء ضمير محذوف. وعلى الثانية فالفاعل ~~الاسم الموصول الذي هو " من ". وإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون ~~في هذا المنادى الذي ناداها المعبر عنه في إحدى القراءتين بالضمير، وفي ~~الثانية بالاسم الموصول من هو؟ فقال بعض العلماء هو عيسى. وقال بعض ~~العلماء هو جبريل. وممن قال إن الذي نادى مريم هو جبريل - ابن عباس، ~~وعمرو بن ميمون الأودي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وسعيد بن جبير في إحدى ~~الروايتين عنه. وأهل هذا القول قالوا لم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. ~~وممن قال إن الذي نادها هو عيسى عندما وضعته - أبي، ومجاهد، والحسن، ووهب ~~بن منبه، وسعيد بن جبير في الرواية الأخرى عنه وابن زيد. فإذا علمت ذلك ~~فاعلم أن من قال إنه الملك يقول فناداها جبريل من مكان تحتها، لأنها على ~~ربوة مرتفعة، وقد ناداها من مكان منخفض عنها، وبعض أهل هذا القول يقول ~~كان جبريل تحتها يقبل الولد كما تقبله القابلة. والظاهر الأول على هذا ~~القول. وعلى قراءة " فناداها من تحتها " بفتح الميم وتاء " تحتها " عند ~~أهل هذا القول. فالمعنى فنادها الذي هو تحتها أي في مكان أسفل من مكانها، ~~أو تحتها يقبل الولد كما تقبل القابلة مع ضعف الاحتمال الأخير كما قدمنا، ~~أي وهو جبريل فعلى القراءة الأولى على القول " فناداها " هو أي جبريل من ~~تحتها. وعلى القراءة الثانية " فنادها من تحتها " أي الذي تحتها وهو ~~جبريل. وأما ms1476 على القول بأن المنادى هو عيسى، فالمعنى على القراءة الأولى ~~فناداها هو أي المولود الذي وضعته من تحتها. لأنه كان تحتها عند الوضع. ~~على القراءة الثانية " فناداها من تحتها " أي الذي تحتها وهو المولود ~~المذكور الكائن تحتها عند الوضع. وممن اختار أن الذي ناداها هو عيسى ابن ~~جرير الطبري في تفسيره، واستظهره أبو حيان في البحر، واستظهر القرطبي أنه ~~جبريل. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له أظهر القولين عندي أن الذي ناداها ~~هو ابنها عيسى، وتدل على ذلك قرينتان الأولى - أن الضمير يرجع إلى أقرب ~~مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو ~~عيسى لا جبريل. # لأن الله قال # فحملته # مريم 22 يعني عيسى # فانتبذت به # مريم 22 أي بعيسى. ثم قال بعده " فناداها " فالذي يظهر ويتبارد من ~~السياق أنه عيسى. والقرينة الثانية - أنها لما جاءت به قومها تحمله، ~~وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه. كما قال تعالى عنها # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا # مريم 29 وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم ~~على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته. وبهذه القرينة الأخيرة ~~استدل سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه على أنه عيسى. كما نقله عنه ~~غير واحد. و " أن " في قوله " ألاتحزني " هي المفسرة، فهي بمعنى أي. ~~وضابط " أن " المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه كما هنا. فالنداء ~~فيه بمعنى القول دون حروفه ومعنى كونها مفسرة أن الكلام الذي بعدها ~~هومعنى ما قبلها. فالنداء المذكور قبلها هو لا تحزني قد جعل ربك تحتك ~~سريا. واختلف العلماء في المراد بالسري هنا. فقال بعض العلماء هو الجدول ~~وهو النهر الصغير. لأن الله أجرى لها تحتها نهرا. وعليه فقوله تعالى { ~~فكلي } أي من الرطب المذكور في قوله # تساقط عليك رطبا جنيا # مريم 25 أي من النهر المذكور في قوله { قد جعل ربك تحتك ~~سريا } وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام ms1477 العرب. ومنه قول لبيد ~~في معلقته # فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها # وقول لبيد أيضا يصف نخلا نابتا على ماء النهر # سحق يمتعها الصفا وسريه عم نواعم بينهن كروم # وقول الآخر # سهل الخليقة ماجد ذو نائل مثل السري تمده الأنهار # فقوله " سريه ". وقولهما " السري " بمعنى الجدول. وكذلك قول الراجز # سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهرا # وقال بعض أهل العلم السري هو عيسى. والسري هو الرجل الذي له شرف مروءة. ~~يقال في فعله سرو بالضم. وسرا - بالفتح - يسرو سروا فيهما. وسري - بالكسر ~~- يسري سري وسراء وسروا إذا شرف. ويجمع السري هذا على أسرياء على القياس، ~~وسرواء وسراة بالفتح. وعن سيبويه أن السراة - بالفتح - اسم جمع لا جمع. ~~ومنه قول الأفوه الأودي # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا # ويجمع السراة على سروات. ومنه قول قيس بن الحطين # وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها # ومن إطلاق السري بمعنى الشريف قول الشاعر # تلقى السري من الرجال بنفسه وابن السري إذا سرى أسراهما # وقوله " أسراهما " أي أشرفهما. قاله في اللسان. # قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له أظهر القولين عندي أن السري في الآية ~~النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران أحدهما - القرينة من القرآن، فقوله ~~تعالى # فكلي واشربي # مريم 26 قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في ~~قوله { قد جعل ربك تحتك سريا } ، وقوله # تساقط عليك رطبا جنيا # مريم 25، وكذلك قوله تعالى # وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين # المؤمنون 50 لأن المعين الماء الجاري. والظاهر أن الجدول المعبر عنه ~~بالسري في هذه الآية. والله تعالى أعلم. الأمر الثاني - حديث جاء بذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية ~~وقد جاء بذلك حديث مرفوع، قال الطبراني حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا ~~يحيى بن عبد الله البابلي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن ~~عباس، سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول ms1478 الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن السري الذي قال الله لمريم { قد جعل ربك تحتك ~~سريا } ، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه " # وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى، قال ~~فيه أبو حاتم الرازي ضعيف. وقال أبو زرعة منكر الحديث. وقال أبو الفتح ~~الأزدي متروك الحديث - انتهى كلام ابن كثير. وقال ابن حجر رحمه الله في " ~~الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف " في الحديث المذكور أخرجه ~~الطبراني في الصغير، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان، عن أبي ~~إسحاق، عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { قد ~~جعل ربك تحتك سريا } قال # " السري النهر " # قال الطبراني لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان، رواه عنه يحيى بن ~~معاوية وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن البراء ~~موقوفا. وكذا ذكره البخاري تعليقا عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. ~~ورواه ابن مروديه من طريق آدم، عن إسرائيل كذلك وأخرجه الحاكم من وجه آخر ~~عن أبي إسحاق موقوفا. وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " إن ~~السري الذي قاله لمريم نهر أخرجه الله لتشرب منه ". أخرجه الطبراني وأبو ~~نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر، وراويه عن عكرمة أيوب بن نهيك ~~ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة - انتهى. فهذا الحديث المرفوع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب ~~من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه. وممن اختار أن السري ~~المذكور في الآية النهر- ابن جرير في تفسيره، وبه قال البراء بن عازب، ~~وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعمر بن ميمون، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ~~والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسدي، ووهب بن منبه وغيرهم. وممن ~~قال إنه عيسى الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر. وهو إحدى ~~الروايتين عن قتادة. وقول عبد الرحمن بن زيد ms1479 بن أسلم قاله ابن كثير ~~وغيره. ### || [19.25-26] # قوله تعالى { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط ~~عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا }. لم ~~يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، ~~والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل ~~منه هو " الرطب الجني " المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر ~~المذكور المعبر عنه " بالسري " كما تقدم - هذا هو الظاهر. وقال بعض ~~العلماء إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به كان جزعا يابسا فلما هزته ~~جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء كان الجذع جذع نخلة نابتة ~~إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطبا جنيا. ~~وقال بعض العلماء كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها ~~الرطب الذي كان موجودا. والذي يفهم من سياق القرآن أن الله أنبت لها ذلك ~~الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ~~ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابسا أو ~~نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطبا جنيا. ووجه ~~دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى { فكلي واشربي وقري ~~عينا } يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة ~~للعادة لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من ~~تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به ~~عنها الريبة، وبذلك يكون قرة عين لها لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء ~~التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسيا منسيا لم ~~يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير ~~الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا ~~في " آل عمران " على خرقه لها العادة في قوله # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى ms1480 لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # آل عمران 37. قال العلماء كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة ~~الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في ~~سورة " آل عمران ". مسألة أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { وهزى إليك بجذع النخلة } مريم 25 الآية - أن ~~السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعا وأنه لا ينافي التوكل ~~على الله جل وعلا. # وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة. أن الأخذ بالأسباب في تحصيل ~~المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على ~~الله بحال لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه ~~لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه ~~إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن ~~مسبباتها لتخلف. ومن أصرح الأدلة في ذلك - قوله تعالى # قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم # الأنبياء 69 الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى ~~معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادا من حرها في الوقت الذي هي ~~كائنة بردا وسلاما على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير ~~حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات ~~على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. ~~ومن أوضح الأدلة في ذلك - أنه ربما جعل الشيء سببا لشيء آخر مع أنه مناف ~~له كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببا لحياته، وضربه ~~بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ ~~وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ~~ولا يقع تأشير ألبتة إلا بمشيئته جل وعلا. ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ~~ينافي ms1481 التوكل على الله - قوله تعالى عن يعقوب # وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة # يوسف 67 أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به، ~~لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلا أبناء رجل ~~واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة ~~لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيا للسبب ~~في السلامة من إصابة العين كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا ~~التسبب فقد قال الله عنه # وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة ومآ أغني عنكم من الله من ~~شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون # يوسف 67. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله { لا تدخلوا من باب ~~واحد } وبين التوكل على الله في قوله { عليه توكلت ~~وعليه فليتوكل المتوكلون } وهذا أمر معلوم لا يخفى ~~إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب ~~من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال ~~بعضهم في ذلك # ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن ~~تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب # وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية - أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، ~~قالوا لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها ~~بعيسى، قاله الربيع بن خيثم وغيره. والباء في قوله { وهزى إليك ~~بجذع النخلة } مريم 25 مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى ~~بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في ~~القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 195، وقوله # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم # الحج 25 الآية. وقوله # فستبصر ويبصرون بأييكم المفتون # القلم 5-6 الآية، وقوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ms1482 بضم التاء وكسر الباء مضارع ~~أنبت الرباعي، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر ~~الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في ~~الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن ابي الصلت الثقفي # إذ يسقون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون خبزا فطيرا # لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي # هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المعاجر لا يقرأن بالسور # فالأصل لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري ~~أو غيره # بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان # فالأصل وأسفله المرخ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت الباء لما ذكر وقول ~~الأعشى # ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجودا # فالأصل ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # أي نرجو الفرج. وقول امرىء القيس # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # فالأصل هصرت غصنا لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام ~~العرب. وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة " تساقط " تسع قراءات،ثلاث ~~منها سبعية، وست شاذة.أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة " ~~تساقط " بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، وأصله تتساقط فحذفت إحدى ~~التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله " رطبا " تمييز محول عن الفاعل. وقرأه ~~حفص وحده عن عاصم " تساقط " بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، ومضارع ~~ساقطت تساقط. وعلى هذه القراءة فقوله " رطبا " مفعول به للفعل الذي هو " ~~تساقط " هي أي النخلة رطبا. وقرأه بقية السبعة " تساقط " بفتح التاء ~~والقاف وتشديد السين، أصله تتساقط فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى ~~قراءة الجمهور هذه فقوله " رطبا " تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على ~~قراءة حمزة - وغير هذا من القراءات شاذ وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~رطبا جنيا } الجني هو ما طاب وصلح لأن يجنى فيؤكل. # وعن أبي عمرو بن العلاء أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن ~~يدي متناوله. قوله تعالى { فإما ms1483 ترين من البشر أحدا ~~فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا }. قائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها ~~ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه ~~عندنا من ذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة { فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما } قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن ~~تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور كما قاله ~~القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة لأن ظاهر القول في قوله تعالى ~~{ فقولي إني نذرت } الآية - أنه قول باللسان. واستدل من قال ~~إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي ~~نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن ~~صوما فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة ~~الآية عليه ابن كثير رحمه الله، قال في تفسير هذه الآية { فقولي ~~إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا }. المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد القول ~~اللفظي لئلا ينافي { فلن أكلم اليوم إنسيا } وأجاب ~~المخالفون عن هذا بأن المعنى { فلن أكلم اليوم إنسيا } ~~قوله { إني نذرت للرحمن صوما } فقد رأيت كلام العلماء ~~في الآية. وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق. وإن الثاني يدل عليه ~~قوله { فلن أكلم اليوم إنسيا } لأنه يدل على نفي الكلام ~~للإنسي مطلقا. قال أبو حيان في البحر وقوله " إنسيا " لأنها كانت تكلم ~~الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله " إنسيا " له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير ~~الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج ~~المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائنا ~~من كان. مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد ~~بقوله { فقولي إني نذرت للرحمن صوما } أي قولي ذلك ~~بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت ~~قولا على هذا الوجه من التفسير. ms1484 وسمع في كلام العرب كثيرا إطلاق الكلام ~~على الإشارة، كقوله # إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر # وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة ~~تنزل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال ~~العلماء في ذلك. اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام ~~الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك. # " فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام - قصة الأمة السوداء ~~التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت إلى ~~السماء. فقال صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة " # فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يعصم به ~~الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي به من النار. والقصة المشهورة مروية ~~عن جماعة من من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم ~~السلمي، والشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنهم. وفي بعض رواياتهم أنها ~~أشارت إلى السماء. قال أبو داود في سننه حدثنا إبراهيم بن يعقوب ~~الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، ~~عن عبد الله بن عتبة، # " عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء ~~فقال يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة؟ فقال لها " أين الله؟ " فأشارت ~~إلى السماء بإصبعها فقال لها " فمن أنا؟ " فأشارت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال " أعتقها فإنها مؤمنة " # والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها أين الله قالت في ~~السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة. لأن القصة واحدة ~~والروايات يفسر بعضها بعضا. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة ~~" آل عمران " في الكلام على قوله تعالى # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا # آل عمران 41 ما نصه في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة ~~الكلام، وذلك موجود في ms1485 كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها # " اين الله؟ " فأشارت برأسها إلى السماء، فقال " اعتقها فإنها مؤمنة " # فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز به الدم والمال، ~~وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ~~ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال ~~الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال ~~أبو حنيفة ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهذا باطل، وليس ~~ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل، لأنه لا ~~يتكلم ولا تعقل إشارته - انتهى محل الغرض من كلام القرطبي رحمه الله. وقد ~~جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء ~~متعددة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه # " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~رمضان فضرب بيده فقال " الشهر هكذا وهكذا وهكذا، - ثم عقد إبهامه في ~~الثالثة - " فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ~~ثلاثين " # هذا لفظ مسلم في صحيحه وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم نزل إشارته ~~بأصابعه إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وقد يكون ثلاثين - ~~منزلة نطقه بذلك. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث وفي ~~هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا ~~أورده البخاري في باب اللعان مستدلا به على أن الإشارة كالفظ. وقد ذكر ~~البخاري رحمه الله في صحيحه أحاديث كثيرة تدل على جعل الإشارة كالنطق، ~~قال رحمه الله تعالى { باب الإشارة في الطلاق والأمور وقال ابن عمر قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا " ~~فأشار إلى لسانه، وقال ms1486 كعب بن مالك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلي ~~أي خذ النصف. وقالت أسماء صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. ~~فقلت لعائشة ما شأن الناس وهي تصلي؟ فأومأت برأسها إلى الشمس. فقلت آية؟ ~~فأومأت برأسها أن نعم. وقال أنس أومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ~~إلى أبي بكر أن يتقدم. وقال ابن عباس أومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ~~لا حرج. وقال أبو قتادة # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصيد للمحرم " آحدكم أمره أن يحمل ~~عليها أو أشار إليها؟ " قالوا لا. قال " فكلوا " # حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا ~~إبراهيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال طاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على بعير، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. وقالت زينب ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه " # وعقد تسعين - حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن ~~محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم # " في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرا إلا أعطاه ~~" # وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا يزهدها وقال ~~الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن شعبة بن الحجاج عن هشام بن يزيد # " عن أنس بن مالك قال عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها، ورضخ رأسها. فأتى به أهلها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت. فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " من قتلك؟ فلان " لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا. ~~قال فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا. فقال فلان؟ " # لقاتلها، فأشارت أن نعم. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ ~~رأسه بين حجرين. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد ms1487 الله بن دينار، # " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول؟ الفتنة من هنا " # وأشار إلى المشرق. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن ~~أبي إسحاق الشيباني؟ # " عن عبد الله بن أبي أوهم قال كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " فلما غربت الشمس قال لرجل؟ " انزل فاجدح لي " قال يا رسول الله، ~~لو أمسيت؟ ثم قال. " انزل فاجدح " قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~لو أمسيت إن عليك نهارا، ثم قال؟ " انزل فاجدح " فنزل فجدح له في ~~الثالثة فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أومأ بيده إلى المشرق ~~فقال " إذا رأيتم قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم " # حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي عن أبي ~~عثمان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال؟ قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " لا يمنعن أحدا منكم نداء بلال " # - أو قال أذانه - من سحوره، فإنما ينادي - أو قال يؤذن - ليرجع قائمكم ~~وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما ~~من الأخرى. وقال الليث حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت ~~أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما ~~إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا مادت على جلده حتى تجن ~~بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، ~~فهو يوسعها فلا تتسع " # ويشير بأصبعه إل حلقه. انتهى من صحيح البخاري. فهذه أحاديث دالة، على ~~قيام الإشارة مقام النطق في أمور متعددة. وقال ابن حجر في الفتح في هذا ~~الباب ذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة أولها قوله وقال ابن عمر هو طرف ~~من حديث تقدم موصولا في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة، وفيها " ولكن ~~الله يعذب ms1488 بهذا " وأشار إلى لسانه. ثانيها - وقال كعب بن مالك؟ هو أيضا ~~طرف من حديث تقدم موصولا في الملازمة؟ وفيها وأشار إلى أن خذ النصف. # ثالثها - " وقالت أسماء " هي بنت أبي بكر. صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الكسوف. الحديث تقدم موصولا في كتاب الإيمان بلفظ " فأشارت إلى ~~السماء، وفيه. فأشارت برأسها أي نعم. وفي صلاة الكسوف بمعناه. وفي صلاة ~~السهو باختصار - إلى آخر كلامه. وبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها ~~البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها ~~موصولا في الباب المذكور فأمره واضح. وأما ما جاء منها معلقا في الباب ~~المذكور فقد جاء موصولا في محل آخر من البخاري. والحديث الأول - دل على ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل إشارته إلى اللسان أن الله يعذب به ~~كنطقه بذلك. والحديث الثاني - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته ~~إلى كعب بن مالك أن يسقط نصف ديته عن ابن أبي حدرد ويأخذ النصف الباقي ~~منه كنطقه بذلك. والحديث الثالث - جعلت فيه عائشة إشارتها لأختها أن ~~الكسوف آية من آيات الله هي السبب في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كنطقها بذلك. والحديث الرابع - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه أن يتقدم كنطقه له بذلك. وإيضاح ذلك هو ما رواه ~~البخاري عن أنس في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة. قال أنس لم يخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم. ~~فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين وضح لنا. فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر ~~أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات ~~اه. هذا لفظ البخاري وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ms1489 في ~~مرض موته وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل إشارته إلى أبي بكر أن ~~يتقدم ليصلي بالناس كنطقه له بذلك. لأن أبا بكر رضي الله عنه لما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم كشف الحجاب نكص على عقبيه ليصل الصف، وظن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة كما ثبت في صحيح البخاري في ~~الباب المذكور آنفا من حديث أنس، فأشار إليه أن يتقدم، وقامت الإشارة ~~مقام النطق. والحديث الخامس - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الفتيا ~~بإشارة كالفتيا بالنطق. وإيضاحه هو ما رواه البخاري في كتاب العلم في باب ~~من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا ~~وهيب. # قال حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ~~في حجته فقال " ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال ولا حرج، قال حلقت قبل ~~أن أذبح. فأومأ بيده ولا حرج ". ومن أمثلة الفتيا بإشارة اليد ما رواه ~~البخاري في هذا الباب المذكور آنفا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج " # قيل يا رسول الله، وما الهرج! فقال " هكذا " بيده فحرفها كأنه يريد ~~القتل اه فجعل صلى الله عليه وسلم إشارته بيده كنطقه بأن المراد بالهرج ~~القتل. والحديث السادس - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة المحرم ~~إلى الصيد لينبه إليه المحل كأمره له باصطياده بالنطق، وقد قدمنا هذا ~~الحديث في سورة " المائدة ". والحديث السابع - جعل فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم الإشارة إلى الركن في طوافه كاستلامه وتقبيله بالفعل. والحديث ~~الثامن - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته بأصابعه كعقد التسعين. ~~لبيان القدر الذي فتح من ردم يأجوج ومأجوج كالنطق بذلك. والحديث التاسع - ~~فيه أنه جعل وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. مشيرا بذلك لقلة زمن ~~الساعة التي يجاب فيها الدعاء بالخير يوم الجمعة. أو مشيرا بذلك لوقتها ~~عند من قال إن وضع الأنملة ms1490 في وسط الكف يراد به الإشارة إلى أن ساعة ~~الجمعة في وسط يوم الجمعة. ووضعها على الخنصر يراد به أنها في آخر ~~النهار، لأن الخنصر آخر أصابع الكف كالنطق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل ~~العلم. أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي ~~الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم في إسناد الحديث. وعليه ففي سياق هذا ~~الحديث عند البخاري إدراج. والحديث العاشر - جعل فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إشارة الجارية التي قتلها اليهودي كنطقها بأن اليهودي قتلها، وأن من ~~سمى لها غيره لم يكن هو الذي قتلها. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة " ~~بني إسرائيل " وبينا هنالك أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان جعل ~~إشارة الجارية كنطقها لم يقتل اليهودي بإشارة الجارية القائمة مقام نطقها ~~بمن قتلها، ولكنه اعترف بأنه قتلها فثبت عليه القتل باعترافه واقتص لها ~~منه بذلك. والحديث الحادي عشر - فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الفتنة من هنا " وأشار إلى المشرق، فجعل إشارته إلى المشرق كنطقه بذلك ~~" # والحديث الثاني عشر - فيه أنه صلى الله عليه وسلم أومأ إلى المشرق فقال # " إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم " # فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق. والحديث الثالث عشر - ~~جعل فيه الإشارة باليد إلى الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق بذلك. ~~والحديث الرابع عشر - # " قال فيه صلى الله عليه وسلم " فهو يوسعها ولا تتسع " # ويشير بأصبعه إلى حلقه، فجعل إشارته إلى أن درع الحديد المضروب بها ~~المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه كالنطق ~~بذلك. فهذه أربعة عشر حديثا أوردها البخاري رحمه الله في الباب المذكور، ~~وسقناها هنا، وبينا وجه الدلالة على أن الإشارة كالنطق في كل واحد منها، ~~مع ما قدمنا من الأحاديث الدالة على ذلك زيادة على ما ذكره البخاري هنا. ~~وقد ذكر البخاري رحمه الله في أول باب اللعان خمسة أحاديث أيضا كل ms1491 واحد ~~منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا ~~كفاية. وقال ابن حجر في الفتح في آخر كلامه على أحاديث الباب المذكورة. ~~قال ابن بطال ذهب الجمهور إلى أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة النطق. ~~وخالفه الحنفية في بعض ذلك. ولعل البخاري رد عليهم بهذه الأحاديث التي ~~جعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة قائمة مقام النطق. وإذا جازت ~~الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ~~ابن المنير أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي ~~يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اه - ويظهر لي أن البخاري أورد هذه ~~الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه، مع من ~~فرق بين لعان الأخرس، وطلاقه، والله أعلم. فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة ~~من قال إن الإشارة المفهمة تقوم مقام اللفظ. واحتج من قال بأن الإشارة ~~ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية ~~التي نحن بصددها { فقولي إني نذرت للرحمن صوما ~~فلن أكلم اليوم إنسيا } فإن في هذه الآية التصريح بنذرها ~~الإمساك عن كلام كل إنسي، مع أنه تعالى قال # فأشارت إليه # مريم 29 أي أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر فهذه إشارة ~~مفهمة، وقد فهمها قومها فأجابوها جوابا مطابقا لفهمهم ما أشارت به # قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا # مريم 29، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم ~~إنسيا. فالآية صريحة في أن الكلام باللفظ يخل بنذرها، وأن الإشارة ليست ~~كذلك، فقد جاء الفرق صريحا في القرآن بين اللفظ والإشارة، وكذلك قوله ~~تعالى # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا # آل عمران 41 فإن الله جعل له آية على ما بشر به وهي منعه من الكلام، مع ~~أنه لم يمنع من الإشارة بدليل قوله { إلا رمزا } ، وقوله # فأوحى إليهم أن سبحوا # مريم 11 الآية. فدل ذلك على أن الإشارة ms1492 ليست كالكلام، والآية الأولى ~~أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ، لأن الآية الثانية محتمله ~~لكون الإشارة كالكلام،لأن استثناءه تعالى قوله { إلا رمزا } من قوله { ~~ألا تكلم الناس } يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من ~~جنس الكلام استثنى منه، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال. والله تعالى ~~أعلم. فإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة، هل هي كاللفظ أو لا - فاعلم ~~أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة، هل تنزل منزلة اللفظ أو لا. ~~وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى جملا من أقوال أهل العلم في ذلك، وما يظهر ~~رجحانه بالدليل. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري في آخر " باب ~~الإشارة في الطلاق والأمور " ما نصه وقد اختلف العلماء في الإشارة ~~المفهمة. فأما في حقوق الله فقالوا يكفي ولو من القادر على النطق. وأما ~~في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن ~~اعتقل لسانه. ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسا من نطقه. وعن بعض ~~الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي. وعن الأوزاعي إن سبقه كلام، ~~ونقل عن مكحول إن قال فلان حر ثم أصمت فقيل له وفلان؟ فأومأ صح. وأما ~~القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم ~~منه مقام النية، كما لو طلق امرأته فقيل له كم طلقه؟ فأشار بأصبعه - ~~انتهى منه. وقال البخاري في أول باب اللعان ما نصه فإذا قذف الأخرس ~~امرأته بكتابة أو إشارة أوإيماء معروف فهو كالمتكلم، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أجاز الإشارة في الفرائض. وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل ~~العلم، وقال تعالى # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا # مريم 29. وقال الضحاك # إلا رمزا # آل عمران41 إشارة. وقال بعض الناس لا حد ولا لعان. ثم زعم أنه إن الطلاق ~~بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال القذف ~~لا يكون إلا بكلام قيل له كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام ms1493 وإلا بطل الطلاق ~~والقذف وكذلك العتق. وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة إذا قال أنت ~~طالق - فأشار بأصابعه - تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم الأخرس إذا كتب ~~الطلاق بيده لزمه. وقال حماد الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز انتهى محل ~~الغرض من كلام البخاري رحمه الله. ومذاهب الأئمة الأربعة متقاربة في هذه ~~المسألة، وبينهم اختلاف في بعض فروعها. فمذهب مالك رحمه الله أن الإشارة ~~المفهمة تقوم مقام النطق. # قال خليل بن إسحاق في مختصره، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى ~~- يعني في مذهب مالك - الكلام على الصيغة التي يحصل بها الطلاق. ولزم ~~بالإشارة المفهمة. يعني أن الطلاق يلزم بالإشارة المفهمة مطلقا من ~~الأخرس والناطق وقال شارحه المواق رحمه الله من المدونة. ما علم من ~~الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح. أو بيع أو شراء ~~أو قذف لزمه حكم المتكلم. وروى الباجي. إشارة السليم بالطلاق برأسه أو ~~بيده كلفظه، لقوله تعالى # ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا # آل عمران41اه منه. ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب. ومذهب أبي ~~حنيفة رحمه الله أن إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته، ~~كإعتاقه وطلاقه، وبيعه وشرائه، ونحو ذلك. أما السليم فلا تقبل عنده ~~إشارته لقدرته على النطق. وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيها حد ~~ولا لعان. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وعدم التصريح شبهة عنده. لأن ~~الإشارة قد يفهم ما لا يقصد المشير. ولأن أيمان اللعان لها صيغ لا بد ~~منها ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا ~~حد ولا لعان عنده. لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها ~~الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان. وكذلك عنده القذف لا يصح ~~من الأخرس. لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وقال بعض العلماء من الحنفية إن ~~القياس منع اعتبار إشارة الأخرس، لأنها لا تفهم كالنطق في الجميع، وأنهم ~~أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان، ~~والقياس المنع مطلقا. ms1494 ومذهب الشافعي في هذه المسألة اعتبار إشارة الأخرس ~~في اللعان وغيره. وعدم اعتبار إشارة السليم. وأما مذهب الإمام أحمد - ~~فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس، ~~كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي وأبو الخطاب إن فهمت ~~إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه. وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ~~ذلك فالإشارة كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم - فلا تقبل عنده ~~إشارته بالطلاق ونحوه. هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في ~~هذه المسألة. وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة. قال مقيدة عفا ~~الله عنه وغفر له الذي يظهر رجحانه في المسألة أن الإشارة إن دلت على ~~المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقا، ~~ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فيه فلا ~~تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة. ~~فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي ~~فيها الإشارة، و الله جل وعلا أعلم. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إني نذرت للرحمن ~~صوما } أي إمساكا عن الكلام في قول الجمهور. والصوم في اللغة ~~الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان. # خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # فقوله " خيل صيام " أي ممسكة عن الجري. وقيل عن العلف، " وخيل غير صائمة ~~" أي غير ممسكة عما ذكر وقول امرىء القيس. # كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل # فقوله " في مصامها " أي مكان صومها، يعنى إمساكها عن الحركة. وهذا القول ~~هو الصحيح في معنى الآية. أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل ~~قوله بعده { فلن أكلم اليوم إنسيا } وهو قول أكثر أهل ~~العلم. وقال ابن حجر في الفتح في باب اللعان. وقد ثبت من حديث أبي كعب ~~وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى { إني نذرت للرحمن ~~صوما } أي صمتا. أخرجه الطبراني وغيره اه. ms1495 وقال بعض العلماء المراد ~~بالصوم في الآية هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى # كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم # البقرة183. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم ~~الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا ~~النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا كان جائزا في شريعتهم. أما في ~~الشريعة التي جاءنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ذلك النذر ولا ~~يجب الوفاء به. قال البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، ~~حدثنا أيوب عن عكرمة # " عن ابن عباس قال بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا ~~أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. " مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صومه " # قال عبد الوهاب حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم اه. ~~وقال ابن حجر " في الفتح " في الكلام على هذا الحديث وفي حديثه أن السكوت ~~عن المباح ليس من طاعة الله وقد أخرج أبو داود من حديث علي " ولا صمت يوم ~~إلى الليل " وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق إن هذا " يعني ~~الصمت " من فعل الجاهلية، وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما ~~لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافيا، والجلوس في الشمس ليس هو ~~من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا ~~إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره. وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه. ~~وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل. قال القرطبي في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح ~~الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه. # قال مالك لما ذكره ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ~~بالكفارة. انتهى كلام صاحب فتح الباري. وقد قال الزمخشري في تفسير هذه ~~الآية التي نحن بصددها وقد ms1496 نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت.فقال ابن ~~حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لم أره هكذا. وأخرج عبد ~~الرزاق من حديث جابر بلفظ # " لا صمت يوم إلى الليل " # وفيه حزام بن عثمان وهو ضعيف. ولأبي داود من حديث علي مثله، وقد تقدم في ~~تفسير سورة " النساء ". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فإما ~~ترين } معناه فإن تري من البشر أحدا. فلفظة " إما " مركبة من " إن ~~" الشرطية و " ما " المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل ترأيين على وزن تفعلين، ~~تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها وجب قلبها ألفا فصارت ~~ترآين، فحذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الراء. لأن اللغة الفصحى التي هي ~~الأغلب في كلام العرب حذف همزة رأى في المضارع والأمر، ونقل حركتها إلى ~~الراء فصارت تراين، فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف، فصار ترين ~~فدخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي، والجازم ~~الذي هو إن الشرطية، لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، ~~فصار ترين، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من ~~نون التوكيد المثقلة، لأن كل حرف مشدد فهو حرفان، فحركت الياء بحركة ~~تناسبها وهي الكسرة فصارت ترين، كما أشار إلى هذا ابن مالك في الخلاصة ~~بقوله # واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجالس قفي نحو اخشين يا هند ~~بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا # وما ذكرنا من أن همزة " رأى " تحذف في المضارع والأمر هو القياس المطرد ~~في كلام العرب وبقاؤها على الأصل مسموع، ومنه قول سراقة بن مرداس البارقي ~~الأصغر # أرى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات # وقول الأعلم بن جرادة السعدي، أو شاعر من تيم الرباب # ألم ترأ ما لا قيت والدهر أعصر ومن يتمل العيش يرأ ويسمع # وقول الآخر # أحن إذا رأيت جبال نجد ولا أرأى إلى نجد سبيلا # ونون التوكيد في العمل المضارع بعد " إما " لازمة عند بعض علماء ~~العربية. وممن قال بلزومها بعد " إما " كقوله هنا ms1497 { فإما ترين ~~من البشر أحدا } المبرد والزجاج. ومذهب سيبويه والفارسي وجماعة ~~أن نون التوكيد في الفعل المضارع بعد " إما " غير لازمة، ويدل له كثرة ~~وروده في شعر العرب، كقول الأعشى ميمون بن قيس # فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أردى بها # وقول لبيد بن ربيعة # فإما تريني اليوم أصبحت سالما فلست بأحيا من كلاب وجعفر # وقول الشنفرى # فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا على رقة أحفى ولا أتنعل # وقول الأفوه الأودي # إما ترى رأسي أزرى به مأس زمان ذي انتكاس مؤس # وقول الآخر # زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي # وقول الآخر # يا صاح إما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي # وأمثال هذا كثيرة في شعر العرب. والمبرد والزجاج يقولان إن حذف النون في ~~الأبيات المذكورة ونحوها إنما هو لضرورة الشعر. ومن خالفهم كسيبويه ~~والفارسي يمنعون كونه للضرورة، ويقولون إنه جائز مطلقا. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [19.27-28] # لما اطمأنت مريم بسبب ما رأت من الآيات الخارقة للعادة التي تقدم ذكرها ~~آنفا - أتت به أي بعيسى قومها تحمله غير محتشمة ولا مكترثة بما يقولون، ~~فقالوا لها { يمريم لقد جئت شيئا فريا }! قال مجاهد ~~وقتادة وغير واحد " فريا " أي عظيما. وقال سعيد بن مسعدة " فريا " أي ~~مختلفا مفتعلا. وقال أبو عبيدة والأخفش " فريا " أي عجيبا نادرا. قال ~~مقيدة عفا الله عنه وغفر له الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم ~~بقولهم { لقد جئت شيئا فريا } أي منكرا عظيما، لأن الفري ~~فعيل من الفرية، يعنون به الزنى، لأن ولد الزنى كالشيء المفترى المختلق، ~~لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه. ويدل على أن مرادهم بقولهم " فريا ~~" الزنى قوله تعالى # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # النساء 156 لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت ~~بعيسى من ذلك الزنى حاشاها وحاشاه من ذلك هو المراد بقولهم لها { لقد ~~جئت شيئا فريا } ويدل لذلك قوله تعالى بعده { يأخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك ms1498 ~~بغيا } والبغي الزانية كما تقدم. يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان ~~الفاحشة، فمالك أنت ترتكبينها!! ومما يدل على أن ولد الزنى كالشيء ~~المفترى قوله تعالى # ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن # الممتحنة 12 قال بعض العلماء معنى قوله تعالى { يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } أي ولا يأتين بولد ~~زنى يقصدن إلحاقه برجل ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في ~~معنى الآية. وكل عمل أجاده عامله فقد فراه لغة، ومنه قول الراجز وهو ~~زرارة بن صعب بن دهر # قد أطعمتني دقلا حوليا مسوسا مدودا حجريا قد كنت تفرين به الفريا # يعنى تعملين به العمل العظيم. والظاهر أنه يقصد أنها تأكله أكلا لما ~~عظيما. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يأخت هارون } ليس ~~المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه بعض الجهلة. وإنما هو رجل ~~آخر صالح من بني إسرائيل يسمى هارون. والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ~~ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه حدثنا أبو بكر بن شيبة، ومحمد بن ~~عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى العنزي. واللفظ لابن ~~نمير قالوا حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، ~~عن المغيرة بن شعبة قال لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرؤون { ~~يأخت هارون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال # " إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم " # اه، هذا لفظ مسلم في الصحيح. وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي ~~موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. وقال ابن حجر في ~~الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في قول الزمخشري إنما عنوا هارون ~~النبي ما نصه لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند، ورواه الطبري عن ~~السدي قوله وليس بصحيح. فإن عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن ~~شعبة قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ms1499 إلى نجران فقالوا لي أرأيتم ~~شيئا يقرؤونه " يا أخت هارون " وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين، ~~فلم أدر ما أجيبهم؟ فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم # " هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم " # وروى الطبري من طريق ابن سيرين نبئت أن كعبا قال إن قوله تعالى { ~~يأخت هارون } ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة كذبت؟ فقال لها ~~يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال فهو أعلم، وإلا ~~فأنا أجد بينهما ستمائة سنة - انتهى كلام ابن حجر. وقال صاحب الدر ~~المنثور في قوله تعالى { يأخت هارون } أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد ~~وعبد بن حميد، ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن ~~حبان والطبراني، وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران.. إلى آخر الحديث كما تقدم ~~أنفا. وبهذا الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد ~~قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه - تعلم أن قول من قال إن المراد هارون ~~أخو موسى باطل سواء قيل إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ~~ذريته، كما يقال للرجل يا أخا تميم، والمراد يا أخا بني تميم، لأنه من ~~ذرية تميم. ومن هذا القبيل قوله # واذكر أخا عاد # الأحقاف 21، لأن هودا إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته، فهو أخو بني ~~عاد، وهم المراد بعاد في الآية لأن المراد بها القبيلة لا الجد. وإذا ~~حققت أن المراد بهارون في الآية غير هاورن أخي موسى، فاعلم أن بعض ~~العلماء قال إن لها أخا اسمه هارون. وبعضهم يقول إن هارون المذكور رجل ~~من قومها مشهور بالصلاح، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبهه في ~~العبادة والتقوى. وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن ~~وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها # الزخرف 48 الآية، وقوله تعالى # إن ms1500 المبذرين كانوا إخوان الشياطين # الإسراء 27 الآية، وقوله تعالى # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون # الأعراف 202، ومنه في كلام العرب قوله # وكل أخ يفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان # فجعل الفرقدين أخوين. وكثيرا ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق ~~والصاحب، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن # أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا # فقوله " أخا الحرب " يعنى صاحبها. ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب # عشية سعدي لو تراءت لراهب بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج ~~للشوق إنها على النأي إخوان العزاء هيوج # فقوله " إخوان العزاء " يعني أصحاب الصبر. ### || [19.29] # قوله تعالى { فأشارت إليه }. معنى إشارتها إليه أنهم يكلمونه ~~فيخبرهم بحقيقة الأمر. والدلي على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله ~~تعالى بعده { قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا } فالفعل الماضي الذي هو " كان " بمعنى الفعل المضارع المقترن ~~بالحال كما يدل عليه السياق. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.30-33] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي ~~في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ~~ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها ~~الله جل وعلا عنه في مواضع أخر. كقوله تعالى # وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم # المائدة 72 وقوله في " آل عمران " # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم # آل عمران 51، وقوله في " الزخرف " # فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم # الزخرف 63-64، وقوله هنا في سورة " مريم " # وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم # مريم 36، وقوله # ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم # المائدة 117. الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة ~~{ آتاني الكتاب وجعلني نبيا } التحقيق فيه إن شاء الله ~~أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلا لتحقق الوقوع ms1501 منزلة ~~الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة. كقوله تعالى # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # النحل 1، وقوله تعالى # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ~~ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ~~ما عملت # إلى قوله. # وسيق الذين كفروا # الزمر 68-71. وقوله تعالى # وسيق الذين اتقوا ربهم # الزمر 73. فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل. ~~تنزيلا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن. ~~وهذا الذي ذكرنا - من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى { آتاني ~~الكتاب } الخ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله. خلافا لمن زعم ~~أنه نبي وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله { وجعلني مباركا } ~~أي كثير البركات. لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرىء الأكمه والأبرص ~~ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية { مباركا أين ~~ما كنت } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاعا حيث كنت. وقال ابن حجر ~~في الكافي الشاف أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن ~~الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن ~~محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه اه. وقوله في هذه الآية ~~الكريمة { وبرا بوالدتي } قال الحوفي وأبو البقاء هو معطوف على قوله # وجعلني مباركا # مريم31. وقال أبو حيان في البحر وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف ~~عليه بالجملة التي هي " أوصاني " ومتعلقها. # والأولى أنه منصوب بفعل مضمر. أي وجعلني برا بوالدتي. ولما قال بوالدتي ~~ولم يقل بوالدي - علم أنه أمر من قبل الله. كما ذكره القرطبي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما. وقد قدمنا معنى " الجبار والشقي ". وقال القرطبي رحمه ~~الله في تفسير هذه الآية " شقيا " أي خائبا من الخير. ابن عباس عاما ~~وقيل عاصيا لربه. وقيل لم يجعلني تاركا لأمره فأشقى كما شقي إبليس ms1502 - ~~اه كلام القرطبي. تنبيه احتج مالك رحمه الله بهذه الآية على القدرية. ~~قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة قال مالك بن أنس ~~رحمه الله تعالى في هذه الآية ما أشدها على أهل القدر. أخبر عيسى عليه ~~السلام بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت اه. ### || [19.34] # اعلم أن هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي { قول الحق } بضم اللام. وقرأه ابن عامر وعاصم { ~~قول الحق } بالنصب. والإشارة في قوله " ذلك " راجعة إلى المولود ~~المذكور في الآيات المذكورة قبل هذا. وقوله " ذلك " مبتدأ، " وعيسى " ، ~~خبره، و " ابن مريم " نعت ل " عيسى " وقيل بدل منه. وقيل خبر بعد خبر. ~~وقوله { قول الحق } على قراءة النصب مصدر مؤكد لمضمون الجملة. ~~وإلى نحوه أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة # والثاني كابني أنت حقا صرفا # وقيل منصوب على المدح وأما على قراءة الجمهور بالرفع " فقول الحق " خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو أي نسبته إلى أمه فقط قول الحق. قال أبو حيان. وقال ~~الزمخشري وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. قال ~~مقيدة عفا الله عنه وغفر له اعلم أن لفظة " الحق " في قوله هنا " قول ~~الحق " فيها للعلماء وجهان الأول - أن المراد بالحق ضد الباطل بمعنى ~~الصدق والثبوت. كقوله # وكذب به قومك وهو الحق # الأنعام 66 وعلى هذا القول فإعراب قوله " قول الحق " على قراءة النصب ~~أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم. وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ ~~محذوف كما تقدم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في " آل عمران " في القصة ~~بعينها # الحق من ربك فلا تكن من الممترين # آل عمران 60. الوجه الثاني - أن المراد بالحق في الآية الله جل وعلا. ~~لأن من أسمائه " الحق " كقوله # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # النور 25، وقوله # ذلك بأن الله هو الحق # الحج 6 الآية. وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى { قول الحق } ~~على قراءة النصب أنه منصوب على ms1503 المدح. وعلى قراءة الرفع فهو بدل من " ~~عيسى " أو خبر، بعد خبر، وعلى هذا الوجه ف " قول الحق " ، هو " عيسى " ~~كما سماه الله كلمة في قوله # وكلمته ألقاها إلى مريم # النساء 171، وقوله # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح # آل عمران45 الآية. وإنما سمى " عيسى " كلمة لأن الله أوجده بكلمته التي ~~هي " كن " فكان. كما قال # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن # آل عمران 59. والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد. ~~وقوله { الذي فيه يمترون } أي يشكون. فالامتراء افتعال من ~~المرية وهي الشك. وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على ~~لسان نبيهم في قوله تعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين # آل عمران 59-60 وهذا القول الحق الذي أوضح الله به حقيقة الأمر في شأن ~~عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد نزوله على نبينا صلى الله عليه ~~وسلم - أمره ربه أن يدعو من حاجة في شأن عيسى إلى المباهلة. ثم أخبره أن ~~ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق، وذلك في قوله تعالى # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص ~~الحق # آل عمران61-62 الآية. ولما نزلت ودعا النبي صلى الله عليه وسلم وفد ~~نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور. ### || [19.35] # اعلم أولا أن لفظ " ما كان " يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من ~~جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ~~أن يتخلفوا عن رسول الله # التوبة 120 الآية. وتارة يدل على التعجيز، كقوله تعالى # ءآلله خير أما يشركون أمن خلق السماوات ~~والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة ما كان ms1504 لكم أن تنبتوا شجرها # النمل 59-60 الآية. وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا { ما كان ~~لله أن يتخذ من ولد } وقد أعقبه بقوله { سبحانه } أي ~~تنزيها له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله. فقوله { ما ~~كان لله } بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ~~ولدا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. والآية كقوله تعالى # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # مريم 92. وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في ~~قولهم " عيسى ابن الله " وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم ~~كذبا كعيسى - نزه عنه نفسه في مواضع أخر، كقوله تعالى # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم # النساء 171 إلى قوله # إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد # النساء 171 الآية. والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة، كقوله تعالى # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # مريم 88-91 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة " الكهف ". ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إذا قضى أمرا } أي أراد ~~قضاءه، بدليل قوله # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # النحل 40، وقوله تعالى # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 وحذف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام ~~العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة 6 الآية، أي إذا أردتم القيام إليها، وقوله تعالى # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # النحل 98 أي إذا أردت قراءة القرآن، كما تقدم مستوفى. وقوله تعالى في ~~الآية التي نحن بصددها { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ~~زيدت فيه لفظة " من " قبل المفعول به لتأكيد العموم. وقد تقرر في الأصول ~~أن النكرة في سياق النفي إذا ms1505 زيدت قبلها لفظة " من " لتوكيد العموم كانت ~~نصا صريحا في العموم، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في ~~سياق النفي في ثلاثة مواضع قبل الفاعل كقوله تعالى # مآ أتاهم من نذير # القصص46، وقبل المفعول كهذه الآية، وكقوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه # الأنبياء25 الآية وقبل المبتدأ كقوله # ما لكم من إله غيره # الأعراف59. ### || [19.37] # أظهر الأقوال في " الأحزاب " المذكورة في هذه الآية - أنهم فرق اليهود ~~والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى. فقالت طائفة هو ابن زنى. وقالت ~~طائفة هو ابن الله. وقالت طائفة هو الله. وقالت طائفة هو إله مع الله. ثم ~~إن الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة. وذلك ~~يشمل من كفر بالتفريط في عيسى كالذي قال إنه ابن زنى. ومن كفر بالإفراط ~~فيه كالذين قالوا إنه الله أو ابنه. وقوله " ويل " كلمة عذاب. فهو مصدر ~~لا فعل له من لفظه. وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء. ~~والظاهر أن المشهد في الآية مصدر ميمي. أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي ~~حضوره لما سيلاقونه فيه من العذاب. خلافا لمن زعم أن المشهد في الآية ~~اسم مكان. أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال ~~والعذاب. والأول هو الظاهر وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى ~~الذي ذكره هنا ذكره أيضا في سورة " الزخرف " في قوله تعالى # ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم ~~بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ~~فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم # الزخرف63-65 وما أشار إليه في الآيتين من أن الذين كفروا بالإفراط أو ~~التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنه لم يعاجلهم ~~بالعذاب، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك - أشار له في مواضع ~~أخر. كقوله تعالى # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص ms1506 فيه الأبصار # إبراهيم 42، وقوله تعالى # وما نؤخره إلا لأجل معدود # هود 104، وقوله # ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون # العنكبوت 53. وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا ~~يهمله. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم ~~يفلته " - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # هود 102، وقال تعالى # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم ~~أخذتها وإلي المصير # الحج 48. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فاختلف الأحزاب ~~من بينهم } قال أبو حيان في البحر ومعنى قوله " من بينهم " أن ~~الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين - انتهى محل الغرض منه. ### || [19.38] # قوله { أسمع بهم وأبصر } صيغتا تعجب. ومعنى الآية الكريمة ~~أن الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي أخبرتهم بها الرسل ~~سمعا وإبصارا عجيبين، وأنهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة لا يسمعون ~~الحق ولا يبصرونه. وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية الكريمة - بينه في ~~مواضع أخر. كقوله في سمعهم وإبصارهم يوم القيامة # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # السجدة 12، وقوله تعالى # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # ق 22، وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم إبصارهم وسمعهم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # الأنبياء 1، وقوله # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # الروم 7، وقوله # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # البقرة 18، وقوله # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع # هود 24 الآية. والمراد بالأعمى والأصم الكفار. والآيات بمثل هذا كثيرة. ~~واعلم أن صيغة التعجب إذا كانت على وزن أفعل به فهي فعل عند الجمهور، ~~وأكثرهم يقولون إنه فعل ماض جاء على صورة الأمر. وبعضهم يقول إنه فعل أمر ~~لإنشاء التعجب، وهو ms1507 الظاهر من الصيغة، ويؤيده دخول نون التوكيد عليه. ~~كقول الشاعر # ومستبدل من بعد غضيبا صريمة فأحر به من طول فقر وأحريا # لأن الألف في قوله " وأحريا " مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله ~~في الخلاصة # وأبدلتها بعد فتح ألفا وقفا كما تقول في قفن قفا # والجمهور أيضا على أن صيغة التعجب الأخرى التي هي ما أفعله فعل ماض. ~~خلافا لجماعة من الكوفيين في قولهم إنها اسم بدليل تصغيرها في قول ~~العرجي # يا ما أميليح عزلانا شدن لنا من هؤلياتكن الضال السمر # قالوا والتصغير لا يكون إلا في الأسماء. وأجاب من خالفهم بأن تصغيرها في ~~البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ### || [19.39] # الحسرة أشد الندم والتلف على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه. والإنذار ~~الإعلام المقترن بتهديد. أي أنذر الناس يوم القيامة. وقيل له يوم الحسرة ~~لشدة ندم الكفار فيه على التفريط. وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم ~~من التقصير وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله # وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين # غافر 18 الآية، وقوله # إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد # سبأ 46. وأشار إلى ما يحصل فيه من الحسرة في مواضع أخر. كقوله # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # الزمر 56 الآية، وقوله تعالى # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا ~~جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها # الأنعام 31 الآية، وقوله # كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ~~هم بخارجين من النار # البقرة 167 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { وهم ~~في غفلة } أي في غفلة الدنيا معرضون عن الآخرة. وجملة " وهم في غفلة ~~" حالية، والعامل فيها " أنذرهم " أي أنذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين. ~~خلافا لمن قال إن العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا " في ضلال مبين ~~". وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله هنا " إذ قضي ~~الأمر " أي ms1508 ذبح الموت. قال البخاري رحمه الله في صحيحه باب قوله عز وجل { ~~وأنذرهم يوم الحسرة } حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا ~~الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون ~~وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ~~ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم ~~هذا الموت وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا ~~أهل النار خلود فلا موت " # ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ~~وهم في غفلة } مريم39 وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون " - ~~انتهى منه صحيح البخاري. والحديث مشهور متفق عليه - وقراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم الآية بعد ذكره ذبح الموت تدل على أن المراد بقوله " إذ ~~قضي الأمر " أي ذبح الموت. وفي معناه أقوال أخر غير هذا تركناها لدلالة ~~الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرنا. ### || [19.40] # معنى قوله جل وعلا في هذه الآية أنه يرث الأرض ومن عليها أنه يميت جميع ~~الخلائق الساكنين بالأرض، ويبقى هو جل وعلا لأنه الحي الذي لا يموت، ثم ~~يرجعون إليه يوم القيامة. وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # الرحمن 26-27 وقوله تعالى # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون # الحجر 23 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [19.41-45] # أمر الله جل وعلا نبيه " محمدا " صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~الكريمة أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله " ~~إبراهيم " عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويتلو على الناس في القرآن ~~نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر. وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات ~~في آيات أخر ms1509 من كتابه جل وعلا. فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في ~~الكتاب إبراهيم { إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر } الآية - أوضحه في سورة " الشعراء " في قوله # واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ~~ما تعبدون # الشعراء 69-70. فقوله هنا # واذكر في الكتاب # مريم 41 هو معنى قوله { واتل عليهم نبأ إبراهيم } وزاد ~~في " الشعراء " أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله ~~أيضا لسائر قومه. وكرر تعالى الإخبار عنه بهذا النهي لأبيه وقومه عن ~~عبادة الأوثان في مواضع أخر. كقوله # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين # الأنعام 74، وقوله تعالى # إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنآ ~~آبآءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآبآؤكم الأقدمون فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين # الشعراء 70-77، وقوله تعالى # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنآ آبآءنا لها ~~عابدين قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين # الأنبياء 51-56 وقوله تعالى # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # الزخرف 26-27، وقوله تعالى # وإن من شيعته لإبراهيم إذ جآء ربه بقلب ~~سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أإفكا ~~آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين # الصافات 83-87 وقوله تعالى # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك # الممتحنة 4 الآية، إلى غير ذلك ms1510 من الآيات. وقوله في هذه الآية # وإذ قال إبراهيم لأبيه # الزخرف 26 الظرف الذي هو " إذ " بدل اشتمال من " إبراهيم " في قوله { ~~واذكر في الكتاب إبراهيم } مريم 41 كما تقدم نظيره في قوله # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت # مريم 16 الآية. وقد قدمنا هناك إنكار بعضهم لهذا الإعراب. وجملة { ~~إنه كان صديقا نبيا } مريم 41 معترضة بين البدل والمبدل ~~منه على الإعراب المذكور. والصديق صيغة مبالغة من الصدق. لشدة صدق ~~إبراهيم في معاملته مع ربه وصدق لهجته، كما شهد الله له بصدق معاملته في ~~قوله # وإبراهيم الذي وفى # النجم 37، وقوله # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # البقرة 124. ومن صدقه في معاملته ربه رضاه بأن يذبح ولده، وشروعه بالفعل ~~في ذلك طاعة لربه. مع أن الولد فلذة من الكبد. # لكنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض # قال تعالى # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ~~يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ # الصافات 103-105 الآية. ومن صدقه في معاملته مع ربه صبره على الإلقاء في ~~النار. كما قال تعالى # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين # الأنبياء 68، وقال # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من النار # العنكبوت 24 الآية. وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار ~~لقيه جبريل فسأله هل لك حاجة؟ فقال أما إليك فلا! وأما إلى الله فنعم. ~~فقال له لم لا تسأله؟ فقال علمه بحالي كاف عن سؤالي؟؟ ومن صدقه في ~~معاملته ربه صبره على مفارقة الأهل والوطن فرارا لدينه. كما قال تعالى # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي # العنكبوت 26 وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق وقد بين جل وعلا في مواضع ~~أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، بل ~~زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذا وترك الكبير من الأصنام، ولما سألوه ~~هل هو الذي كسرها قال لهم إن الذي فعل ذلك كبيرالأصنام، وأمرهم بسؤال ms1511 ~~الأصنام إن كانت تنطق. كما قال تعالى عنه # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم ~~إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه ~~لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال ~~له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس ~~لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يإبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى ~~أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم ~~نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ~~شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله أفلا تعقلون # الأنبياء 57-67، وقال تعالى # فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا ~~تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا ~~إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون # الصافات 91-96. فقوله { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي ~~مال إلى الأصنام يضربها ضربا بيمينه حتى جعلها جذاذا، أي قطعا متكسرة ~~من قولهم جذه إذا قطعه وكسره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~إنه كان صديقا } أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث ~~المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى، وأنها في الحقيقة من ~~الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي، وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح لهذا ~~في سورة " الأنبياء " وقوله تعالى عن إبراهيم { يأبت } التاء فيه عوض ~~عن ياء المتكلم، فالأصل يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله # وفي النداء أبت أمت عرض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض # وقوله تعالى في هذه الآية { لم تعبد } أصله " ما " الاستفهامية، ~~فدخل عليها حرف الجر الذي هو " اللام " فحذف ألفها على حد قوله في ~~الخلاصة # وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف # ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس. ولذا يوقف على " لم " ~~بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت. ومعنى عبادته للشيطان في قوله { ~~لا تعبد الشيطان } طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي. فذلك ~~الشرك ms1512 شرك طاعة، كما قال تعالى # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم # يس 60-61 كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة " الإسراء " وغيرها. ~~والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان. لقوله ~~هنا { إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ~~فتكون للشيطان وليا } والآيات الدالة على أن الكفار أولياء ~~الشيطان كثيرة، وقد قدمنا كثيرا من ذلك في سورة الكهف وغيرها، كقوله ~~تعالى # فقاتلوا أولياء الشيطان # النساء 76 الآية، وقوله # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه # آل عمران 175 الآية، أي يخوفكم أولياءه. وقوله # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله # الأعراف 30 الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وكل من كان الشيطان ~~يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة ~~إلا الشيطان. كما قال تعالى # تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ~~ولهم عذاب أليم # النحل 63 ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ~~ينفعه يوم القيامة. وقوله تعالى في هذا الآية الكريمة { إني قد ~~جآءني من العلم ما لم يأتك } يعني ما علمه الله من الوحي ~~وما ألهمه وهو صغير، كما قال تعالى # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # الأنبياء 51 ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها ~~أثنى الله بها على إبراهيم، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم. كما ~~قال تعالى # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع ~~درجات من نشآء # الأنعام 83 الآية، وقال تعالى # وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان # الأنعام 80 الآية، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة ~~في سورة " الأنعام " لا ينافي ما ذكرنا. لأن أصل المحاجة في شيء واحد وهو ~~توحيد الله جل وعلا، وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلى هو وحده ~~جل وعلا في سورة " الأنعام ms1513 " وفي غيرها. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.46-47] # بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين إن إبراهيم لما نصح أباه ~~النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من ~~عبادة ما لا يسمع ولا يبصر. ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان- خاطبه ~~هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا ~~أبت. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها. لأنه ~~لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا. وهدده جل وعلا. وهدده بأنه إن لم ينته ~~عما يقوله له ليرجمنه قيل بالحجارة وقيل باللسان شتما والأول أظهر. ثم ~~أمره بهجره مليا أي زمانا طويلا، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضا جوابه ~~العنيف بغاية الرفق واللين في قوله { قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي } الآية. وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله ~~{ سلام عليك } قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا ~~خاطبوهم، كما قال تعالى # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # الفرقان 63، وقال تعالى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # القصص 55 وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة ~~القاطعة، قابله أبوه بالعنف والشدة - بين في مواضع أخر أنه هو عادة ~~الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجؤوا إلى ~~استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # الأنبياء 65 قال # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون # الأنبياء 67 فلما أفحمهم بهذه الحجة لجؤوا إلى القوة، كما قال تعالى ~~عنهم # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين # الأنبياء 68. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من النار # العنكبوت 24 الآية، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط ms1514 من قريتكم # النمل 56 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { سلام عليك } ~~يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم مني فلا أوذيك. وقوله { ~~سأستغفر لك ربي } وعد من إبراهيم لأبيه باستغفاره له، وقد ~~وفى بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه # واغفر لأبي إنه كان من الضآلين # الشعراء 86، وكما قال تعالى عنه # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب # إبراهيم 41. ولكن الله بين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولم يستغفر له بعد ~~ذلك، كما قال تعالى # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم # التوبة 114، وقد قال تعالى # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه # التوبة 114 والموعدة المذكورة هي قوله هنا { سأستغفر لك ~~ربي } الآية. ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم ~~المشركين، واستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب - أنزل الله ~~فيهم # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم # التوبة 113. ثم قال { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } ~~الآية. وبين في سورة " الممتحنة " أن الاستغفار للمشركين مستثنى من ~~الأسوة بإبراهيم، والأسوة الإقتداء، وذلك في قوله تعالى # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا # الممتحنة 4 - إلى قوله - # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # الممتحنة 4 الآية، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك. ولما ندم ~~المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # التوبة 113 الآية - بين الله تعالى أنهم معذورون في ذلك. لأنه لم يبين ~~لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون # التوبة115 . وقوله في هذه الآية { أراغب أنت عن آلهتي } يجوز ~~فيه أن يكون " راغب " خبرا مقدما، و " أنت " مبتدأ مؤخرا، وأن يكون " ~~أراغب " مبتدأ و ms1515 " أنت " فاعل سد مسد الخبر. ويترجح هذا الإعراب الأخير ~~على الأول من وجهين الأول - أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير. والأصل في ~~الخبر التأخير كما هو معلوم. الوجه الثاني - هو ألا يكون فصل بين العامل ~~الذي هو " أراغب " وبين معموله الذي هو " عن آلهتي " بما ليس بمعمول ~~للعامل. لأن الخبر ليس هو عاملا في المبتدأ، بخلاف كون " أنت " فاعلا. ~~فإنه معمول " أراغب " فلم يفصل بين " أراغب " وبين " عن آلهتي " بأجنبي، ~~وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة ~~عن الشيء تركه عمدا للزهد فيه، وعدم الحاجة إليه، وقد قدمنا في سورة " ~~النساء " الفرق بين قولهم رغب عنه، وقولهم رغب فيه في الكلام على قوله ~~تعالى # وترغبون أن تنكحوهن # النساء 127 الآية. والتحقيق في قوله " مليا " أن المراد به الزمن ~~الطويل ومنه قول مهلهل # فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا # وأصله واوي اللام. لأنه من الملاوة وهي مدة العيش. ومن ذلك قيل لليل ~~والنهار. الملوان ومنه قول ابن مقبل # إلا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلي الملوان # وقول الآخر # نهار وليل دائم ملواهما على كل حال المرء يختلفان # وقيل الملوان في بيت ابن مقبل طرفا النهار. وقوله { إنه كان بي ~~حفيا } أي لطيفا بي. كثير الإحسان إلي. وجملة { واهجرني } مريم ~~46 عطف على جملة { لئن لم تنته لأرجمنك } مريم 46 وذلك ~~دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية، ونظير ذلك من ~~كلام العرب قول امرىء القيس # وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول # فجملة " وإن شفائي " خبرية، وجملة " وهل عند رسم " الخ إنشائية معطوفة ~~عليها. وقول الآخر أيضا # تناغى غزالا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسان بإثمد # وهذا هو الظاهر كما قال أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف ~~فإن قلت علام عطف { واهجرني } قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه " ~~لأرجمنك " أي فاحذرني واهجرني. لأن { لأرجمنك } تهديد وتقريع ~~اه. ### || [19.51] # اعلم أن في قوله ms1516 " مخلصا " قراءتين سبعيتين قرأه عاصم وحمزة والكسائي ~~بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه ~~واصطفاه ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى # قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسلتي ~~وبكلمي # الأعراف 144 الآية. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى # إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار # ص 46 فالذين أخلصهم الله هم المخلصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر " مخلصا " بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل. كقوله ~~تعالى # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # البينة 5، وقوله تعالى # قل الله أعبد مخلصا له ديني # الزمر 14 الآية. ### || [19.52] # قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة يقول تعالى ~~ذكره ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى. لأن الجبل ~~لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال قام عن يمين القبلة وعن شمالها، ~~وهذه القصة جاءت مبينة في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. وذلك أن موسى ~~لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعا من مدين إلى مصر ~~آنس من جانب الطور نارا، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على ~~الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها. فناداه ~~الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك ~~الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون. لأنه لما رأى ~~العصا في المرة الأولى صارت ثعبانا ولى مدبرا ولم يعقب. فلو فعل ذلك ~~عندما انقلبت ثعبانا لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان غير ذلك لائق، ~~ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنسا غير خائف منها حين تصير ~~ثعبانا مبينا قال تعالى في سورة " طه " # وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها ~~بقبس أو أجد على النار هدى فلمآ أتاها نودي ~~يموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما ~~يوحى ms1517 إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # طه 9-14، وقوله { وناديناه من جانب الطور الأيمن } هو ~~معنى قوله في " طه " { فلمآ أتاها نودي يموسى إني ~~أنا ربك }. وقوله { بقبس } أي شهاب. بدليل قوله في " النمل " # أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون # النمل 7 وذلك هو المراد بالجذوة في قوله # أو جذوة من النار # القصص29، وقوله # أو أجد على النار هدى # طه 10 أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. لأنهم كانوا ضلوا الطريق، ~~والزمن زمن برد، وقوله # آنست نارا # طه 10 أي أبصرتها. وقوله # فاخلع نعليك # طه 12 قال بعض العلماء لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن ~~كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروي أيضا عن علي والحسن ~~والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي ~~أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر. وجاء فيه حديث ~~مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال ~~أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي والله تعالى أعلم أن الله امره بخلع ~~نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله ~~لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع. # والله تعالى أعلم. وقول من قال إنه أمر بخلعهما احتراما للبقعة يدل له ~~أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله # إنك بالواد المقدس طوى # طه 12 وقد تقرر في مسك الإيماء والتنبيه أن " إن " من حروف التعليل. ~~وأظهر الأقوال في قوله " طوى " أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف ~~بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله # وأنا اخترتك # طه 13 أي اصطفيتك برسالتي، كقوله # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # الأعراف 144 ومعنى الاستعلاء في قوله # على النار # طه 10 أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها. ونظير ذلك من ~~كلام العرب قول الأعشى تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى ~~والمحلق قال تعالى في سورة ms1518 " النمل " # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم إذ ~~قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون ~~فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها وسبحان الله رب العالمين يموسى إنه ~~أنا الله العزيز الحكيم # النمل 6-9 فقوله في " النمل " { فلما جآءها نودي } هو معنى ~~قوله في " مريم " { وناديناه من جانب الطور الأيمن } ~~مريم 52. وقوله في " طه " # فلمآ أتاها نودي يموسى # طه11 الآية، وقوله # سآتيكم منها بخبر # النمل7هو معنى قوله في " طه " # أو أجد على النار هدى # طه 10 أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها. وقال ~~تعالى في سورة " القصص " # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون فلمآ أتاها نودي من شاطىء ~~الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة # القصص 29-30 الآية. فالنداء في هذه الآية هو المذكور في " مريم " ، وطه. ~~و " النمل " وقد بين هنا أنه نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة. فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن ~~يمين الجبل الذي هو الطور، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول ~~بأن طوى اسم له. وقد قدمنا قول ابن جرير أن المراد يمين موسى. لأن الجبل ~~ومثله الوادي لا يمين له ولا شمال. وقال ابن كثير في قوله { نودي من ~~شاطىء الوادي الأيمن } أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن ~~يمينه من ناحية الغرب. كما قال تعالى # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # القصص 44 فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل ~~الغربي عن يمينه اه منه - وهو معنى قوله { وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن } مريم 52 الآية، وقوله # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا # القصص 46 الآية. والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة - نداء الله ~~له. فهو ms1519 كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام ~~خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة. إذ لا يمكن أن ~~يقول غير الله # إنه أنا الله العزيز الحكيم # النمل 9، ولا أن يقول # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني # طه 14 ولو فرض أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراء على الله، كقول ~~فرعون # أنا ربكم الأعلى # النازعات24 على سبيل فرض المحال- فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق ~~وصواب. فقوله { إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني } ، وقوله # إنه أنا الله العزيز الحكيم # النمل 9 - صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك. كما ~~هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام. وقوله تعالى # من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة # القصص 30 قال الزمخشري في الكشاف " من " الأولى والثانية لابتداء ~~الغاية. أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة و { من ~~الشجرة } بدل من قوله { من شاطىء الوادي } بدل اشتمال. لأن ~~الشجرة كانت نابتة على الشاطىء. كقوله # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # الزخرف 33. وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى { نودي من ~~شاطىء الوادي الأيمن } الآية قال المهدوي وكلم الله تعالى موسى ~~عليه السلام من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء - انتهى ~~منه. وشاطىء الوادي جانبه. وقال بعض أهل العلم معنى " الأيمن " في قوله { ~~من شاطىء الوادي الأيمن }. وقوله { وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن } مريم 52 من اليمن وهو البركة. لأن تلك ~~البلاد بارك الله فيها. وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى " ~~نور " وهو يظنها نارا. وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد ~~إلا خضرة وحسنا. قيل هي شجرة عوسج. وقيل شجرة عليق. وقيل شجرة عناب. ~~وقيل سمرة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في سورة " النمل " # فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها # النمل 8 اختلفت عبارات المفسرين في ms1520 المراد ب { من في النار } في هذه ~~الآية في سورة " النمل " فقال بعضهم هو الله جل وعلا، وممن روي عنه هذا ~~القول ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا " بورك من في ~~النار " أي تقدس الله وتعالى. وقالوا كان نور رب العالمين في الشجرة. # واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ~~يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه ~~النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ~~". # قال مقيدة عفا الله عنه وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن. ولا ينبغي أن ~~يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة. سواء قلنا إنها نار أو نور، ~~سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك ب # من في النار # النمل 8 سلطانه وقدرته لا يصح. لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه ~~لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم - وبه تعلم أن قول أبي حيان في " البحر المحيط " قال ابن عباس، ~~وابن جبير، والحسن وغيرهم أراد بمن في النار ذاته. وعبر بعضهم بعبارات ~~شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر ~~أول على حذف. أي بورك من قدرته وسلطانه في النار اه أنه أصاب في تنزيهه ~~لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل. والله أعلم. وقال ~~بعضهم إن معنى { بورك من في النار } أي بوركت النار لأنها نور. ~~وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم أن { بورك من في ~~النار } أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن ~~أيضا واضح كما ترى. وإطلاق لفظة " من " على الشجرة وعلى ما في النار من ~~أمر ms1521 الله غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى. ~~وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم - قول من قال إن في ~~النار التي هي نور الملائكة وحولها ملائكة وموسى. وأن معنى { أن بورك ~~من في النار } أي الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها. أي ~~وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم. وممن يروى ~~عنه هذا السدي. وقال الزمخشري في الكشاف ومعنى أن # بورك من في النار ومن حولها # النمل 8 بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي ~~حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى # نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة # القصص 30 وتدل عليه قراءة أبي " أن تباركت النار ومن حولها ". وعنه " ~~بوركت النار ". وقال القرطبي رحمه الله في قوله { أن بورك من في ~~النار } وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيا إبراهيم على ~~ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. # وقوله { من في النار } نائب فاعل " بورك " والعرب تقول باركك الله، ~~وبارك فيك، وبارك عليك، وباركك لك. فهي أربع لغات. قال الشاعر # فبوركت مولودا وبوركت ناشئا وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب # وقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية # ليت شعري مسافر بن أبي عم رو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب ~~كما بورك نبع الرمان والزيتون # وقال آخر # فبورك في بنيك وفي بنيهم إذا ذكروا ونحن لك للفداء # والآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ~~ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولى مدبرا خوفا منها في المرة ~~الأولى لما صارت ثعبانا - جاءت في مواضع متعددة. كقوله تعالى في سورة " ~~طه " # قال ألقها يموسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ~~قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم ~~يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير سوء آية ~~أخرى # طه 19-22. فقوله ms1522 { ولا تخف } يدل على أنه فزع منها لما صارت ثعبانا ~~مبينا. كما جاء مبينا في " النمل والقصص ". وقوله في آية " طه " هذه { ~~من غير سوء } أي من غير برص. وفيه ما يسميه البلاغيون احتراسا، ~~وكقوله تعالى في سورة " النمل " # يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق ~~عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ~~ولم يعقب يموسى لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء # النمل 9-12 الآية. وقوله في " القصص " # وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ~~ولى مدبرا ولم يعقب يموسى أقبل ولا تخف ~~إنك من الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء ~~من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين # القصص 31-32. والبرهانان المشار إليهما بقوله { فذانك برهانان } هما ~~اليد والعصا. فلما تمرن موسى على البرهانين المذكورين، وبلغ الرسالة هو ~~وأخوه إلى فرعون وملئه طالبوه بآية تدل على صدقه - فجاءهم بالبرهانين ~~المذكورين، ولم يخف من الثعبان الذي صارت العصا إياه كما قال تعالى # قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت ~~من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين # الشعراء 30-33 ونحوها من الآيات. وقوله في " النمل، والقصص " { ولم يعقب ~~} أي لم يرجع من فراره منها. # يقال عقب الفارس إذا كر بعد الفرار. ومنه قوله # فما عقبوا إذ قيل هل من معقب ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وقربناه نجيا } أي قرب ~~الله موسى في حال كونه نجيا. أي مناجيا لربه. وإتيان الفعيل بمعنى ~~الفاعل كثير كالعقيد والجليس. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير ~~هذه الآية روى ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان، حدثنا ~~سفيان عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس { وقربناه ~~نجيا ms1523 } قال أدنى حتى سمع صريف القلم. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية ~~وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي { وقربناه ~~نجيا } قال أدخل في السماء فكلم. وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن ~~معمر عن قتادة { وقربناه نجيا } قال نجيا بصدقه - اه محل ~~الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى في طه # اشدد به أزري # طه 31 أي قوني به. والأزر القوة. وآزره أي قواه. وقوله في القصص # سنشد عضدك بأخيك # القصص 35 أي سنقويك به. وذلك لأن العضد هو قوام اليد، وبشدتها تشتد ~~اليد، قال طرفة # أبني لبيني لستمو بيد إلا يدا ليست لها عضد # وقوله # ردءا # القصص 34 أي معينا، لأن الردء اسم لكل ما يعان به، ويقال ردأته أي ~~أعنته. ### || [19.53] # معنى الآية الكريمة أن الله وهب لموسى نبوة هارون. والمعنى أنه سأله ذلك ~~فآتاه سؤله. وهذا المعنى أوضحه تعالى في آيات أخر، كقوله في سورة " طه " ~~عنه # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري وأشركه في أمري # إلى قوله # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # طه 29-36، وقوله في " القصص " # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ~~فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن ~~يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون # القصص 33-35، وقوله في سورة " الشعراء " # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ~~قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن ~~يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل ~~إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال ~~كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون فأتيا ~~فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # الشعراء 10-16 فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه، فأجاب ~~ربه جل وعلا سؤاله في ذلك. وذلك يبين أن الهبة في قوله { ووهبنا } هي في ~~الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون، لأن هارون أكبر من موسى، ms1524 كما ~~قاله أهل التاريخ. ### || [19.54-55] # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن ~~يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم جده إسماعيل، وأثنى عليه أعني ~~إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا. ومما يبين من القرآن شدة ~~صدقه في وعده أنه وعد أباه بصبره له على ذبحه ثم وفى بهذا الوعد. ومن وفى ~~بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في ~~وعده. قال تعالى # فلما بلغ معه السعي قال يبني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين # الصافات 102 فهذا وعده. وقد بين تعالى وفاءه به في قوله # فلما أسلما وتله للجبين # الصافات 103 الآية. والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل. وقد دلت على ذلك ~~آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك إن شاء ~~الله غاية الإيضاح في سورة " الصافات ". وثناؤه جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم ~~مخالفته - أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع ~~أخر من كتاب الله تعالى. كقوله تعالى # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون # التوبة 77 وقوله # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 2-3 إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". # وقوله تعالى في هذه الآية { وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة }. قد بين في مواضع أخر - أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان ~~يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # طه 132.. الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم 6 الآية. ويدخل ms1525 في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة. إلى غير ~~ذلك من الآيات. مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد. فقال بعضهم ~~يلزم الوفاء به مطلقا. وقال بعضهم لا يلزم مطلقا. وقال بعضهم إن أدخله ~~بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله - ما لو قال له تزوج. ~~فقال له ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال تزوج والتزم لها الصداق وأنا ~~أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام ~~الصداق. واحتج من قال يلزمه بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر ~~عمومها على ذلك وبأحاديث. # فالآيات كقوله تعالى # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # الإسراء 34، وقوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # المائدة 1 الآية، وقوله تعالى # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها # النحل 91 الآية، وقوله هنا { إنه كان صادق الوعد } مريم 54 ~~الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث " العدة دين " فجعلها دينا ~~دليل على لزومها. قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من ~~الأحاديث على ألسنة الناس " العدة دين " ، رواه الطبراني في الأوسط ~~والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز ~~له، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " العدة دين " # ورواه أبو نعيم عنه بلفظ إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وذكر بلفظ " عطية " ورواه البخاري في الأدب ~~المفرد موقوفا، ورواه الطبراني والديلمي عن علي مرفوعا بلفظ العدة دين. ~~ويل لم وعد ثم أخلف. ويل له.. " ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط. ~~والديلمي أيضا بلفظ # " الوعد بالعدة مثل الدين أو أشد " # أي وعد الواعد.وفي لفظ له # " عدة المؤمن دين. وعدة المؤمن كالأخذ باليد " # وللطبراني في الأوسط عن قياث بن أشيم الليثي مرفوعا " العدة عطية ". ~~وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلا # " ان امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلم تجد عنده، ~~فقالت عدني. فقال رسول الله صلى ms1526 الله عليه وسلم " إن العدة عطية " # وهو في مراسيل أبي داود. وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " العدة عطية ". وفي رواية لهما عن الحسن ~~أنه قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فقال # " ما عندي ما أعطيك " # قال في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء - ~~انتهى منه. وقد علم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند ~~الديلمي في مسند الفردوس بالضعف. وقال شارحه المناوي وفيه دارم بن قبيصة، ~~قال الذهبي لا يعرف اه. ولكن قد مر لك أن طرقه متعددة. وقد روي عن غير ~~علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقياث بن أشيم الكناني ~~الليثي رضي الله عنهما. وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة، ~~دالة على الوفاء بالوعد. واحتج من قال بأن الوعد لا يلزم الوفاء به ~~بالإجماع - على أن من وعد رجلا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود ~~بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع ~~على هذا ابن عبد البر. # كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة. وحجة من ~~فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم. وبين عدم إدخاله إياه فيها ~~فلا يلزم أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة ~~التي أدخله فيها. فقد أضر به. وليس للمسلم أن يضر بأخيه، الحديث # " لا ضرر ولا ضرار ". # وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية قال مالك إذا ~~سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما ~~أرى يلزمه قال مالك ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال ~~نعم، وثم رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان. وقال ~~أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء إن العدة لا يلزم ~~منها ms1527 شيء، لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير ~~العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. وفي ~~البخاري { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق ~~الوعد } مريم 54 وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، ~~قال البخاري ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع اه كلام ~~القرطبي. وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه، هو قوله في آخر كتاب " ~~الشهادات " باب من أمر بإنجاز الوعد، وفعله الحسن وذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة وقال ~~المسور بن مخرمة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر صهرا له، قال ~~وعدني فوفى لي، قال أبو عبد الله ورايت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن ~~أشوع حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، ~~عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره قال ~~أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له سألتك ماذا يأمركم. فزعمت أنه أمركم ~~بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال وهذه صفة نبي. ~~حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن ~~أبي عامر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف " # حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن ~~دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال لما مات ~~النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي ~~فقال أبو بكر من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين، أو كانت له ~~قبله عدة فليأتنا. # قال جابر فقلت وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا ~~وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر فعد ms1528 في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ~~ثم خمسمائة. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا ~~مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال سألني يهودي من أهل ~~الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، ~~فقدمت فسألت ابن عباس، قال قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قال فعل - انتهى من صحيح البخاري. وقوله في ترجمة الباب ~~المذكور " وفعله الحسن " يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية { ~~إنه كان صادق الوعد } مريم 54 أن الثناء عليه بصدق الوعد ~~يفهم منه أن إخلافه مذموم فاعله، فلا يجوز. وابن الأشوع المذكور هو سعيد ~~بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد ~~القصري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جنب في ~~تفسير إسحاق بن راهوية وهو إسحاق بن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه ~~يحتج بحديث ابن أشوع، كما قاله ابن حجر في " الفتح ". والمراد أنه كان ~~يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. وصهر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي أثنى عليه بوفائه له بالوعد هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أسره المسلمون يوم بدر كافرا، وقد ~~وعده برد ابنته زينب إليه وردها إليه. خلافا لمن زعم أن الصهر المذكور ~~أبو بكر رضي الله عنه. وقد ذكر البخاري في الباب المذكور أربعة أحاديث في ~~كل واحد منها دليل على الوفاء بإنجاز الوعد. الأول - حديث أبي سفيان بن ~~حرب في قصة هرقل وهو طرف من حديث صحيح مشهور. ووجه الدلالة منه في قوله " ~~فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة " ~~فإن جميع المذكورات في هذا الحديث مع الوفاء بالعهد كلها واجبة، وهي ~~الصلاة والصدق والعفاف وأداء الأمانة. وقد ذكر بعد ذلك أن هذه الأمور صفة ~~نبي والاقتداء بالأنبياء واجب. الثاني - حديث أبي هريرة في آية المنافق. ~~ومحل ms1529 الدليل منه قوله " وإذا وعد أخلف " فكون إخلاف الوعد من علامات ~~المنافق يدل على أن المسلم لا يجوز له أن يتسم بسمات المنافقين. الثالث - ~~حديث جابر في قصته مع أبي بكر. ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال من كان ~~له على النبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة. # . الحديث. فجعل العدة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المال فدل ذلك على الوجوب. الرابع - حديث ابن عباس في أي ~~الأجلين قضى موسى ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، ~~وأن يفعلوا إذا قالوا. وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من ~~المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 3 لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم ~~الشديد في عدم الوفاء به. وقال ابن حجر في " الفتح " في الكلام على ترجمة ~~الباب المذكورة قال المهلب إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع ~~وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء اه. ~~ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل وقال ~~ابن عبد البر وابن العربي أجل من قال به عمر بن العزيز - انتهى محل الغرض ~~من كلام الحافظ في الفتح، وقال أيضا وخرج بعضهم الخلاف في هذه المسألة ~~على الخلاف في الهبة، هل تملك بالقبض أو قبله. فإذا علمت أقوال أهل العلم ~~في هذه المسألة. وما استدل به كل فريق منهم - فاعلم أن الذي يظهر لي في ~~هذه المسألة والله تعالى أعلم أن إخلاف الوعد لا يجوز، لكونه من علامات ~~المنافقين، ولأن الله يقول { كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون } وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن ~~الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرا. ms1530 بل ~~يؤمر به ولا يجبرعليه. لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء ~~به لأنه وعد بمعروف محض. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.58] # الإشارة في قوله { أولئك } راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه ~~السورة الكريمة. وقد بين الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم. وزاد ~~على هذا في سورة " النساء " بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في ~~قوله # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # النساء 69. وبين في سورة الفاتحة أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراط ~~المغضوب عليهم ولا الضالين في قوله # اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # الفاتحة 6-7. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة قال ~~السدي وابن جرير رحمهما الله فالذي عنى به من ذرية آدم " إدريس ". والذي ~~عنى به من ذرية من حملنا مع نوح " إبراهيم ". والذي عنى به من ذرية ~~إبراهيم " إسحاق ويعقوب وإسماعيل ". والذي عنى به من ذرية إسرائيل " موسى ~~وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم ". قال ابن جرير ولذلك فرق أنسابهم ~~وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في ~~السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح. قلت هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب ~~نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد قيل إنه من أنبياء بني ~~إسرائيل أخذا من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي صلى الله ~~عليه وسلم مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، ~~كما قال آدم وإبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة السلام - انتهى الغرض من ~~كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال ابن كثير أيضا في تفسير هذه الآية ~~الكريمة يقول تعالى هؤلاء النبيون، وليس المراد المذكورين في هذه ~~السورة فقط. بل جنس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. استطرد من ذكر ~~الأشخاص إلى الجنس، إلى أن قال في آخر كلامه ومما يؤيد أن المراد ms1531 بهذه ~~الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة " الأنعام " # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع ~~درجات من نشآء إن ربك حكيم عليم # الأنعام 83 # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا ~~هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان # الأنعام 84 - إلى قوله - # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام 90 - اه. وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في " الأنعام " # واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم # الأنعام 87. كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة " مريم " { ~~وممن هدينا واجتبينآ }. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ~~{ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا } بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ~~ربهم بكوا وسجدوا. # وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص ~~الأنبياء، كقوله تعالى # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا # الإسراء 107-109، وقوله # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق # المائدة 83، وقوله تعالى # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # الأنفال 2، وقوله تعالى # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # الزمر 23. فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم ~~تتلى تأثروا تأثرا عظيما، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود. ولبعضهم ~~قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود، ونحو ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { وبكيا } جمع باك. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ~~هذه الآية من سورة " مريم " فسجد وقال هذا السجود، فأين البكى؟ يريد ~~البكاء. وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك. ### || [19.59-60] # الضمير في قوله " من بعدهم " راجع إلى النبيين المذكورين في قوله ~~تعالى # أولئك الذين أنعم الله عليهم ms1532 من النبيين ~~من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح # مريم 58 الآية. أي فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي أولاد سوء. قال ~~القرطبي رحمه الله في تفسير سورة " الأعراف " قال أبو حاتم الخلف بسكون ~~اللام - الأولاد،الواحد والجمع فيه سواء. والخلف - بفتح اللام - البدل ~~ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابي الخلف - بالفتح - الصالح. ~~وبالسكون الطالح. قال لبيد # ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ومنه قيل للرديء من الكلام خلف. ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق ~~خلفا ". فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل ~~المشهور. قال صلى الله عليه وسلم # " يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له " # وقد يستعمل كل و كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت رضي الله ~~عنه # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع # وقال آخر # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلا ~~من عرف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف # ويروى خضف، أي ردم - انتهى منه. والردم الضراط. ومعنى الآية الكريمة أن ~~هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم ~~القبيحة أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في ~~المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. ~~وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم بن مخيمرة، ومجاهد، ~~وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية إن هذا ~~القول هو الصحيح. وقال بعضهم إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا ~~القول الزجاج، وقال بعضهم المراد بإضاعتها جحد وجوبها. ويروى هذا القول ~~وما قبله عن محمد بن كعب القرظي، وقيل إضاعتها في غير الجماعات. وقيل ~~إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيدة عفا الله ~~عنه وغفر له وكل هذه الأقوال تدخل في الآية. لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم ~~إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها ~~- كل ذلك إضاعة لها، وإن ms1533 كانت أنواع الإضاعة تتفاوت، واختلف العلماء ~~أيضا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ~~ومقاتل. وقيل هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل هم قوم من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضا ~~في الأزقة زنى. ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. # وقيل إنهم البربر، وقيل إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيدة عفا ~~الله عنه وكونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس بوجيه عندي. لأن ~~قوله تعالى { فخلف من بعدهم } صيغة تدل على الوقوع في الزمن ~~الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. ~~والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم ~~وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال ~~فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية، واتباع الشهوات ~~المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ~~وعن علي رضي الله عنه من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور - فهو ~~ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى { فسوف يلقون غيا }. اعلم ~~أولا أن العرب تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش ~~الأصغر # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # فقوله " ومن يغو " يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي ~~الضلال. وفي المراد بقوله " غيا " في الآية أقوال متقاربة، منها - أن ~~الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ~~ضلالهم. وممن قال بهذا القول الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى # يلق أثاما # الفرقان 68 عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا ~~المعنى قوله تعالى # إنما يأكلون في بطونهم نارا # النساء 10، وقوله # أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار # البقرة 174. فأطلق النار ms1534 على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال ~~الحرام لأنها جزاؤه. كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ~~ومنها - أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روي عنه هذا ~~القول ابن عباس، وابن زيد. وروي عن ابن زيد أيضا " غيا " أي شرا أو ~~ضلالا أو خيبة. وقال بعضهم إن المراد بقوله " غيا " في الآية واد في ~~جهنم من قيح، لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث ~~الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء بن عازب. وروي عن عائشة، وشفي ~~بن ماتع. وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن غيا واد في جهنم " # كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة أن غيا، وأثاما نهران في أسفل ~~جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صدي بن عجلان ~~الباهلي الذي أشرنا له آنفا، ثم قال هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقيل إن ~~المعنى فسوف يلقون غيا أي ضلالا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره ~~الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو ~~أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم ~~القيامة عذابا عظيما. فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، ~~وأن الله تعالى فيها توعد من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو ~~الشر العظيم والعذاب الأليم. فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر ~~كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم # فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~الذين هم يرآءون ويمنعون الماعون # الماعون 4-7، وقوله في ذم المنافقين # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا # النساء 142، وقوله فيهم أيضا # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ms1535 إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون # التوبة 54. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، ~~كقوله تعالى # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعام والنار مثوى لهم # محمد 12، وقوله تعالى # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # الحجر 3، وقوله تعالى # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل ~~يومئذ للمكذبين # المرسلات 47 إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية ~~الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد ~~أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه. كقوله تعالى # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # المؤمنون 1-2 - إلى قوله - # والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم ~~الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون # المؤمنون 9-11، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى # النازعات 40-41 إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة ~~المسالة الأولى - أجمع العلماء على أن تارك الصلاة، الجاحد لوجوبها كافر، ~~وأنه يقتل كفرا ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه ~~كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجحد وجوبه كجحد وجوبها. المسالة الثانية - ~~اختلف العلماء في تارك صلاة عمدا تهاونا وتكاسلا مع اعترافه بوجوبها، ~~هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفرا أو حدا أو لا يقتل. فذهب بعض أهل ~~العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك. وإن لم يتب قتل كفرا. ~~وممن قال بهذا الإمام أحمد رحمه الله في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه. # وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهوية، ومنصور الفقيه من الشافعية. ~~ويروى أيضا عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وهو رواية ضعيفة عن مالك. ~~واحتج أهل هذا القول بأدلة، منها قوله تعالى # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم # التوبة 11 الآية. ويفهم من مفهوم الآية أنهم إن لم يقيموا الصلاة ms1536 لم ~~يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم إخوة المؤمنين فهم من ~~الكافرين، لأن الله يقول # إنما المؤمنون إخوة # الحجرات 10 الآية. ومنها حديث جابر الثابت في صحيح مسلم عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طريقين. لفظ المتن في الأولى منهما سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " # ولفظ المتن في الأخرى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " # - انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر، لأن عطف الشرك على الكفر ~~فيه تأكيد قوي لكونه كافرا. ومنها حديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك ~~الآتيين الدالين على قتال الأمراء إذا لم يصلوا، وهما في صحيح مسلم مع ~~حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال بايعنا رسول الله على السمع ~~والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وإلا ننازع الأمر ~~أهله. قال # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " # فدل مجموع الأحاديث المذكورة أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله ~~برهان. وقد قدمنا هذه الأحاديث المذكورة في سورة " البقرة ". وهذا من ~~أقوى أدلة أهل هذا القول. ومنها حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " # أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان والحاكم. وقال الشوكاني في ~~نيل الأوطار في هذا الحديث صححه النسائي، والعراقي. وقال النووي في شرح ~~المهذب رواه الترمذي والنسائي، قال الترمذي حديث حسن صحيح. وقال الحاكم ~~في المستدرك بعد أن ساق هذا الحديث بإسناده هذا حديث صحيح الإسناد، لا ~~تعرف له علة بوجه من الوجوه. فقد احتجا جميعا بعبد الله بن بريدة عن ~~أبيه. واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ولهذا الحديث ~~شاهد صحيح على شرطهما جميعا. أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا ~~قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ms1537 بشر بن المفضل، عن الجريري عن ~~عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على ~~تصحيحه لحديث بريدة المذكور. # وقال في أثر ابن شقيق عن أبي هريرة المذكور لم يتكلم عليه وإسناده صالح. ~~قال مقيدة عفا الله عنه والظاهر أن قول الحافظ الذهبي رحمه الله " لم ~~يتكلم عليه " سهو منه، لأنه تكلم عليه في كلامه على حديث بريدة المذكور ~~آنفا، حيث قال ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا. يعني أثر ابن ~~شقيق المذكور كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب وعن عبد الله بن شقيق ~~العقيلي التابعي المتفق على جلالته كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي في كتاب ~~الإيمان بإسناد صحيح - اه منه، وقد ذكر النووي رحمه الله في كلامه هذا ~~الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصبا. وقال المجد في ~~المنتقى وعن عبد الله بن شقيق العقيلي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى آخره. ثم قال رواه الترمذي اه، ولا يخفى عليك أن رواية الحاكم ~~فيها أبو هريرة ورواية الترمذي ليس فيها أبو هريرة. وحديث بريدة بن ~~الحصيب، وأثر ابن شقيق المذكور أن فيها الدلالة الواضحة على أن ترك ~~الصلاة عمدا تهاونا كفر ولو أقر تاركها بوجوبها. وبذلك يعتضد حديث جابر ~~المذكور عند مسلم. ومن الأدلة الدالة على أن ترك الصلاة كفر - ما رواه ~~الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من # " حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ~~ذكر الصلاة يوما فقال " من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم ~~القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم ~~القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " # اه. وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة، لأن ms1538 انتفاء النور ~~والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف يوم ~~القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد في ~~هذا الحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات اه. ~~وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صالح ~~للاحتجاج، وذكر طرفا منها الهيثمي في مجمع الزوائد. وفيما ذكرناه كفاية. ~~وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدا تهاونا وتكاسلا إذا ~~كان معترفا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدا كالزاني المحصن لا كفرا. ~~وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه ~~النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم ذهب ~~مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف - إلى أنه لا ~~يكفر بل يفسق ويستتاب. # فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن ولكنه يقتل بالسيف اه. واعلم ~~أن هذا القول يحتاج إلى الدليل من جهتين وهما عدم كفره، وأنه يقتل. وهذه ~~أدلتهم على الأمرين معا. أما أدلتهم على أنه يقتل فمنها قوله تعالى # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم # التوبة 5 فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم ~~الصلاة. ويفهم من مفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يخل سبيلهم وهو ~~كذلك. ومنها ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها " # اه. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنهم لا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا ~~بإقامة الصلاة كما ترى. ومنها ما أخرجه الشيخان # " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية فقسمها بين أربعة. فقال رجل يا ~~رسول الله، اتق الله. فقال ms1539 " ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟! " ~~ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال " ~~لا، لعله أن يكون يصلي " فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في ~~قلبه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب ~~الناس، ولا أشق بطونهم " # مختصر من حديث متفق عليه. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~الصحيح " لا " يعني لا تقتله. وتعليله ذلك بقوله " لعله أن يكون يصلي " ~~فيه الدلالة الواضحة على النهي عن قتل المصلين. ويفهم منه أنه إن لم يصل ~~يقتل، وهو كذلك. ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برىء، ومن أنكر ~~فقد سلم، ولكن من رضي وتابع " قالوا يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال " لا ~~ما صلوا " # هذا لفظ مسلم في صحيحه. و " ما " في قوله " ما صلوا " مصدرية ظرفية. أي ~~لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون. ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا، وهو ~~كذلك، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث عبادة بن الصامت المتفق ~~عليه # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " # فحديث أم سلمة هذا ونحو حديث عوف بن مالك الآتي يدل على قتل من لم يصل، ~~وبضميمة حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك ~~الصلاة. # لأنه قال في حديث عبادة بن الصامت " إلا أن تروا كفرا بواحا.. " ~~الحديث. وأشار في حديث أم سلمة وعوف بن مالك إلى أنهم إن تركوا الصلاة ~~قوتلوا. فدل ذلك على أن تركها من الكفر البواح. وهذا من أقوى أدلة أهل ~~القول الأول. وحديث عوف بن مالك المذكور هو ما رواه مسلم في صحيحه عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ قال # " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم ms1540 وشرار ~~أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " قيل يا رسول ~~الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة.. " # الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة كما ترى. ~~ومن أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة ما رواه الأئمة الثلاثة مالك ~~في موطئه، والشافعي، وأحمد في مسنديهما، # " عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من ~~المنافقين. فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أليس يشهد أن لا ~~إله إلا الله؟ " قال الأنصاري بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال " ~~أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال بلى ولا شهادة له! قال " أليس ~~يصلي؟ " قال بلى ولا صلاة له. قال " أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم " # اه. وفي رواية عنهم هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك ~~الصلاة. واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم ~~يضرب بالخشب حتى يموت. وقال ابن سريج ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة، ويقال ~~له صل وإلا قتلناك، ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت. واختلفوا في ~~استتابته. فقال بعضهم يستتاب ثلاثة أيام. فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم ~~لا يستتاب. لأنه يقتل حدا والحدود لا تسقط بالتوبة. وقال بعضهم إن لم يبق ~~من الضروري إلا قدر ركعة ولم يصل قتل. وبعضهم يقول لا يقتل حتى يخرج ~~وقتها. والجمهور على أنه يقتل بترك صلاة واحدة، وهو ظاهر الأدلة. وقيل لا ~~يقتل حتى يترك أكثر من واحدة. وعن الإمام أحمد روايتان إحداهما أنه لا ~~يقتل حتى يضيق وقت الصلاة الثانية المتروكة مع الأولى. والأخرى لا يقتل ~~حتى يضيق وقت الرابعة. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له أظهر الأقوال عندي ~~أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب. والأظهر ~~أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو ms1541 يمتنع من الصلاة لظواهر ~~النصوص المذكورة، وأنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة ~~بسجدتيها. # والعلم عند الله تعالى. وأما أدلة أهل هذا القول على عدم كفره، فمنها ~~قوله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # النساء 116. ومنها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه مالك في ~~الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز # " أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد ~~يقول إن الوتر واجب. فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له ~~وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة كذب أبو ~~محمد! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خمس صلوات كتبهن الله عز ~~وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له ~~عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن ~~شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " # اه منه بلفظه. وفي سنن أبي داود حدثنا القعنبي عن مالك، عن يحيى بن ~~سعيد، عن محمد بن حبان، إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا. ~~وفي سنن النسائي أخبرنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى ~~بن حبان. إلى آخر الإسناد والمتن كاللفظ المذكور. وفي سنن ابن ماجة حدثنا ~~محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن ~~يحيى بن حبان، عن ابن محيريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " خمس صلوات افتراضهن الله على عباده.. " # إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريبا من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه ~~الأسانيد ثقات معروفون إلا المخدجي المذكور وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ~~وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور، وله شواهد يعتضد بها أيضا. قال أبو ~~داود في ms1542 سننه حدثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا يزيد يعني ابن هارون، ثنا ~~محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي ~~قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب. فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، ~~أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خمس صلوات افترضهن ~~الله.. " إلى آخر الحديث بمعناه. وعبد الله الصنابحي المذكور قيل إنه ~~صحابي مدني. وقيل هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، ~~وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. # وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ~~ثقة، وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور. ورجال سند أبي داود هذا غير ~~عبدالله الصنابحي ثقات، معروفون لا مطعن فيهم. وبذلك تعلم صحة حديث عبادة ~~بن الصامت المذكور. وقال الزرقاني في شرح الموطأ وفيه - يعني حديث عبادة ~~المذكور - أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه. بل هو تحت المشيئة ~~بنص الحديث، وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ~~مالك، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة ~~بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من ~~حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. اه منه. وقال العلامة الشوكاني رحمه ~~الله في نيل الأوطار ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ~~ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد، ورواه أبو داود عن الصنابحي اه، محل ~~الغرض منه. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت ~~المذكور هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن عبد ~~البر هو حديث صحيح ثابت، لم يختلف عن مالك فيه. فإن قيل كيف صححه ابن عبد ~~البر مع أنه قال إن المخدجي المذكور في سنده مجهول؟ فالجواب عن هذا من ~~جهتين الأولى - أن صحته ms1543 من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحا. ~~والثانية - هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور. وحديث عبادة ~~المذكور فيه الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة ليس بكفر، لأن كونه تحت ~~المشيئة المذكور فيه دليل على عدم الكفر لقوله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # النساء 116. ومن أدلة أهل هذا القول على أن تارك الصلاة المقر بوجوبها ~~غير كافر - ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن اتمها ~~وإلا قيل انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه. ~~ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك " # اه. وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار الحديث أخرجه أبو داود من ~~ثلاث طرق طريقين متصلين بأبي هريرة. والطريق الثالث متصل بتميم الداري. ~~وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه وهو ولا المنذري بما يوجب ضعفه. ~~وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي ~~وصححها ابن القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال هذا صحيح ~~الإسناد ولم يخرجاه. # وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة، ~~قال العراقي وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح ~~على شرط مسلم اه محل الغرض منه. ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم ~~كفر تارك الصلاة - أن نقصان الصوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول ~~بعمومه ترك بعضها عمدا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى. وقال المجد ~~في المنتفى بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على عدم كفر تارك الصلاة المقر ~~بوجوبها عمدا ما نصه ويعضد هذا المذهب عمومات، منها ما روي عن عبادة بن ~~الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ms1544 وأن ~~عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنه والنار حق أدخله ~~الله الجنة على ما كان من العمل " # متفق عليه. # " وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفه على ~~الرحل " يا معاذ " ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، ثم قال " ما ~~من عبد يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه على ~~النار " قال يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال " إذا ~~يتكلوا " # فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. أي خوفا من الإثم بترك الخبر به. متفق ~~عليه، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة ~~لأمتي يوم القيامة. فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله ~~شيئا " # رواه مسلم. وعنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال # " أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " # رواه البخاري اه محل الغرض منه. وقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام ~~أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، ~~والمزني صاحب الشافعي إن تارك الصلاة عمدا تكاسلا وتهاونا مع إقراره ~~بوجوبها لا يقتل ولا يكفر. بل يعزر ويحبس حتى يصلي واحتجوا على عدم كفره ~~بالأدلة التي ذكرنا آنفا لأهل القول الثاني. واحتجوا لعدم قتله بأدلة، ~~منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة " المائدة " وغيرها # " " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك ~~لدينه المفارق للجماعة " قالوا هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم " # لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة. فدل ذلك على ~~أنه غير موجب للقتل. قالوا والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه ~~بمفاهيمها أعني مفاهيم المخالفة كما ms1545 تقدم إيضاحه. وحديث ابن مسعود دل على ~~ما ذكرنا بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم. مع أن المقرر في أصول ~~الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب ~~الذي هو مفهوم المخالفة - وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة ~~على قتله. لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ~~ذلك بمنطوقه. ومنها قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلا. فإن كل ~~واحد منهما من دعائم الإسلام ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة. أما الذين ~~قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل. فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود بأنه عام يخصص ~~بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وعن قياسه على تارك الحج والصوم ~~بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن ~~الأحاديث الدالة على عدم الكفر بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة ~~على كفره. ومنها ما هو ليس كذلك كحديث عبادة بن الصامت الدال على أنه تحت ~~المشيئة. فالأحاديث الدالة على كفره مقدمة عليه، لأنها أصح منه، لأن ~~بعضها في صحيح مسلم وفيه التصريح بكفره وشركه. ومنها حديث عبادة بن ~~الصامت المتفق عليه، مع حديث أم سلمة وعوف بن مالك في صحيح مسلم كما تقدم ~~إيضاحه. ورد القائلون بأنه غير كافر أدلة مخالفيهم - بأن المراد بالكفر ~~في الأحاديث المذكورة كفر دون كفر. وليس المراد الكفر المخرج عن ملة ~~الإسلام. واحتجوا لهذا بأحاديث كثيرة يصرح فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالكفر، وليس مراده الخروج عن ملة الإسلام. قال المجد في المنتقى ~~وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة، أو على معنى قد قارب الكفر وقد ~~جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك. فروى ابن مسعود قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " # متفق عليه وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له ~~فليس منا وليتبوأ مقعده من ms1546 النار " # متفق عليه. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت " # رواه أحمد ومسلم. # " وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان عمر يحلف " وأبى " فنهاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال " من حلف بشيء دون الله فقد أشرك " رواه أحمد. ~~وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مدمن الخمر إن مات ~~لقي الله كعابد وثن " # انتهى منه بلفظه. وأمثاله في السنة كثيرة جدا. ومن ذلك القبيل تسمية ~~الرياء شركا. ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " " رأيت النار فلم ار منظرا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء " ~~قالوا بم يا رسول الله؟ قال " بكفرهن " قيل يكفرن الله؟ قال " يكفرن ~~العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا ~~قالت ما رأيت منك خيرا قط " # هذا لفظ البخاري في بعض المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور. وقد ~~أطلق فيه النبي صلى الله عليه وسلم اسم الكفر عليهن. فلما استفسروه عن ~~ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام. هذا هو حاصل كلام ~~العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدا مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر ~~الأقوال أدلة عندي قول من قال إنه كافر. وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة ~~الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور إنه كفر غير مخرج عن الملة لوجوب ~~الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث ~~على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب ~~إذا أمكن. لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في ~~الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا ~~إنه غير كافر ما نصه ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ~~ولو كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث. وأما الجواب عما احتج به ms1547 من ~~كفره من حديث جابر وبريدة، ورواية ابن شقيق - فهو أن كل ذلك محمول على ~~أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل. وهذا التأويل متعين للجمع بين ~~نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها - انتهى محل الغرض منه. المسألة الثالثة ~~أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه ~~قضاؤها. وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة منها ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ". # ومنها ما رواه مسلم عن أنس أيضا مرفوعا # " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز ~~وجل يقول { وأقم الصلاة لذكري } ". # ومنها ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها. فإن الله يقول { وأقم الصلاة ~~لذكري } ". # ومنها ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال ~~ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة؟ فقال # " إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة ~~أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ". # ومنها ما رواه مسلم، والإمام أحمد، عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة ~~الفجر قال ثم أذن بلال بالصلاة. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. ومنها ما أخرجه الإمام ~~أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن أبي شيبة، والطبراني ~~وغيرهم، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال سرينا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، ~~فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره، ثم أمر بلالا فأذن، ثم صلى ~~الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا يا رسول الله، ms1548 ألا نعيدها في ~~وقتها من الغد؟ فقال " أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم "؟ اه. ~~وأصل حديث عمران هذا في الصحيحين. وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة، ولا ~~قوله فقالوا يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره. والحاصل أن قضاء النائم ~~والناسي لا خلاف فيه بين العلماء. وقد دلت عليه الأحاديث التي ذكرنا ~~وأمثالها مما لم نذكره. المسالة الرابعة اعلم أن التحقيق أنه يجب تقديم ~~الصلوات الفوائت على الصلاة الحاضرة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ~~من حديث جابر رضي الله عنه # " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، ~~فجعل يسب كفار قريش. قال يا رسول الله، ما كدت أصل العصر حتى كادت الشمس ~~تغرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " والله ما صليتها " # فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها. فصلى العصر بعد ما غربت ~~الشمس ثم صلى بعدها المغرب اه. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على ~~المغرب. وهو نص صحيح صريح في تقديم الفائتة على الحاضرة. والمقرر في ~~الأصول أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة من قرينة الوجوب ~~وغيره تحمل على الوجوب، لعموم النصوص الواردة بالتأسي به صلى الله عليه ~~وسلم في أقواله وأفعاله. وللاحتياط في الخروج من عهدة التكليف. ومن أظهر ~~الأدلة في ذلك أنه لما خلع نعله في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم تأسيا به ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلموا أن جبريل أخبره أن بباطنها أذى، وسألهم ~~صلى الله عليه وسلم لم خلعوا نعالهم؟ وأجابوا بأنهم رأوه خلع نعله وهو ~~فعل مجرد من قرائن الوجوب وغيره - أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم. # فدل ذلك على لزوم التأسي به في أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ~~ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله. والأدلة الكثيرة الدالة على ~~وجوب التأسي به صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة شاهدة له. وإلى كون ~~أفعاله صلى ms1549 الله عليه وسلم المجردة من القرائن تحمل على الوجوب أشار في ~~مراقي السعود في كتاب السنة بقوله # وكل ما الصفة فيه تجهل فللوجوب في الأصح يجعل # وفي حمله على الوجوب مناقشات معروفة في الأصول. انظرها في نشر البنود ~~وغيره. ويعتضد ما ذكرنا من أن فعله المجرد الذي هو تقديم العصر الفائتة ~~على المغرب الحاضرة يقتضي الوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وقال الحافظ في فتح الباري في استدلال البخاري على تقديم الأولى من ~~الفوائت. فالأولى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم المذكور ما نصه ولا ~~ينهض الاستدلال به لمن يقول بترتيب الفوائت، إلا إذا قلنا إن أفعال النبي ~~صلى الله عليه وسلم المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله # " صلوا كما رأيتموني أصلي ". # وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا - انتهى منه. ونحن نقول الأظهر ~~أن الأفعال المجردة تقتضي الوجوب كما جزم به صاحب المراقي في البيت ~~المذكور، وكذلك عموم حديث # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # يقتضي ذلك أيضا. والعلم عند الله تعالى. واعلم أنه إن تذكر فائتة في ~~وقت حاضرة ضيق. فقد اختلف العلماء هل يقدم الفائتة وإ ن خرج وقت الحاضرة ~~أولا - إلى ثلاثة مذاهب الأول - أنه يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة. ~~وهذا هو مذهب مالك وجل أصحابه. الثاني - أن يبدأ بالحاضرة محافظة على ~~الوقت. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر أصحاب الحديث. الثالث ~~- أنه يخير في تقديم ما شاء منهما. وهو قول أشهب من أصحاب مالك. قال عياض ~~ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت. فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه ~~يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم. وقيل أربع ~~صلوات. المسألة الخامسة أما ترتيب الفوائت في أنفسها فأكثر أهل العلم على ~~وجوبه مع الذكرلا مع النسيان. وهو الأظهر وقال الشافعي رحمه الله لا يجب ~~الترتيب فيها بل يندب وهو مروي عن طاوس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، ~~وأبي ثور، وداود. وقال بعض أهل العلم ms1550 الترتيب واجب مطلقا، قلت الفوائت ~~أم كثرت. وبه قال أحمد وزفر. وعن أحمد رحمه الله لو نسي الفوائت صحت ~~الصلوات التي صلى بعدها. # وقال أحمد وإسحاق لو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى ~~الفائتة، ثم يجب إعادة الحاضرة. واحتج لهم بحديث عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد ~~الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام " # قال النووي في شرح المهذب وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال ~~بالحاء الحافظ. وقال أبو زرعة الرازي. ثم البيهقي الصحيح أنه موقوف. قال ~~مقيدة عفا الله عنه والأظهر عندي وجوب ترتيب الفوائت في أنفسها الأولى ~~فالأولى. والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنهما. قال النسائي في سننه أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى ~~قال حدثنا ابن أبي ذئب قال حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي ~~سعيد، عن أبيه قال شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت ~~الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل. فأنزل الله عز وجل # وكفى الله المؤمنين القتال # الأحزاب 9 فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام لصلاة الظهر ~~فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما كان يصليها في ~~وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اه. فهذا الإسناد ~~صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون. فعمرو بن علي هو أبو حفص الفلاس وهو ~~ثقة حافظ، ويحيى هو القطان وجلالته معروفة. وكذلك ابن أبي ذئب جلالته ~~معروفة. وسعيد بن سعيد هو المقبري وهو ثقة. وعبد الرحمن بن أبي سعيد ~~الخدري ثقة. فهذا إسناد صحيح كما ترى، وفيه التصريح بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رتب الفوائت في القضاء الأولى فالأولى. وقد قدمنا أن أفعاله ~~المجردة عن القرائن تقتضي ms1551 الوجوب على الأصح، وأن ذلك يعتضد بحديث مالك بن ~~الحويرث الثابت في الصحيح # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضا الإمام أحمد. قال الشوكاني في نيل ~~الأوطار ورجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني أيضا عن ابن سيد الناس ~~اليعمري إن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي حدثنا ابن ~~أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن ~~أبيه قال وهذا إسناد صحيح جليل اه. وقال النسائي في سننه أخبرنا هناد عن ~~هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة قال قال عبد الله إن ~~المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر ~~بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى ~~المغرب، ثم أقام فصلى العشاء اه. # أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال ~~حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال حدثنا هشام أن أبا الزبير المكي حدثهم عن ~~نافع بن جبير أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن ~~مسعود قال كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء. فلما انصرف المشركون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ~~فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب ~~فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال # " ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم " # اه. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضا. قال الشوكاني رحمه الله ~~في نيل الأوطار إن إسناده لا بأس به. قال مقيدة عفا الله عنه والظاهر أن ~~إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف، لأنه راويه عنه ابنه أبو ~~عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث ~~أبي سعيد الذي قدمنا آنفا أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج ~~به ولو لم يعتضد بغيره. ms1552 واعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا ~~يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها. لأن ما فيهما ~~زيادة، وزيادة العدول مقبولة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وبه تعلم أن ما ~~ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي ~~سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق. تنبيه اعلم أن الآئمة الأربعة وأصحابهم ~~وجماهير فقهاء الأمصار على أن من نسي صلاة أو نام عنها قضاها وحدها ولا ~~تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه باب من نسي صلاة فليصل إذا ~~ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة وقال إبراهيم من ترك صلاة واحدة عشرين سنة ~~لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا ~~حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ". # وأقم الصلاة لذكري # طه 14 قال موسى قال همام سمعته يقول بعد { وأقم الصلاة ~~لذكري } حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحوه اه. وقال في الفتح الباري في الكلام على هذا الحديث وترجمته ~~قال علي بن المنير صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه ~~لقوة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن ~~قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب. # لقول الشارع " فليصلها " ولم يذكر زيادة، وقال أيضا # " لا كفارة لها، إلا ذلك " # فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر ~~بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصل التي ذكر، ثم يصلي التي ~~كان صلاها مراعاة للترتيب - انتهى منه. فإن قيل جاء في صحيح مسلم في بعض ~~طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة ~~الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه ثم قال يعني ms1553 النبي صلى الله عليه وسلم # " أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى ~~يجيء وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان ~~الغد فليصلها عند وقتها " # اه. فقوله في هذا الحديث فإذا كان الغد الخ يدل على أنه يقضي الفائتة ~~مرتين الأولى عند ذكرها، والثانية عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ~~ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال وأما قوله صلى الله عليه وسلم # " فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها " # فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، ~~بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا ~~يتحول. وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين مرة في الحال، ومرة في الغد، ~~وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت ~~أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا ~~الذي فسر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ~~ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن ~~الصلاة المذكورة ما نصه # " فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحا فليقض معها مثلها " # اه. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي ~~فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم. وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ~~ابن حجر في فتح الباري بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكور ما نصه ~~قال الخطابي لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا، قال ويشبه أن يكون الأمر ~~فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء انتهى. ولم يقل أحد من السلف ~~باستحباب ذلك أيضا بل عدوا الحديث غلطا من راويه. حكى ذلك الترمذي ~~وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم ~~قالوا يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله عليه وسلم # " لا ينهاكم الله عن ms1554 الربا ويأخذه منكم " # اه كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. ~~والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ~~ترك الصلاة عمدا تكاسلا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها. هل يجب عليه ~~قضاؤها أو لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره، فعلى القول بأنه ~~كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ~~ردته أو لا يجب عليه. واعلم أولا أن الكافر تارة يكون كافرا أصليا لم ~~يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافرا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان ~~مسلما. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال ~~كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. لأن الله تعالى يقول # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38 وقد أسلم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير فلم يأمر ~~أحدا منهم بقضاء شيء فائت كفره. وأما المرتد ففيه خلاف بين العلماء ~~معروف. قال بعض أهل العلم لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن ~~إسلامه قبل ردته، لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذا ~~بالله تعالى. وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول. ~~فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى # لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين # الزمر 65 الآية، وقوله، # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين # المائدة 5. وقال بعض أهل العلم يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ~~ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام. لأن الردة ~~لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة # البقرة 217 الآية. فجعل الموت على الكفر شرطا في حبوط العمل. وبالأول ~~قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ms1555 ومن وافقه. وهم روايتان عن ~~الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن قول الشافعي ومن وافقه في ~~هذه المسألة أجرى على الأصول. لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا ~~اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد ~~اختلفوا أيضا في وجوب القضاء عليه. اعلم أولا أن علماء الأصول اختلفوا ~~في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد ~~خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد ~~خروج الوقت، ولا بد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية ~~وفاقا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة الموقتة يستلزم الأمر ~~بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك ~~بقاعدة هي قولهم الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض ~~الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. # فالأمر بالعبادة الموقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين الأول منهما ~~فعل العبادة. والثاني كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت ~~تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل ~~العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه، لأن الأمر ~~بالمركب أمر بأجزائه. وهذا القول صدر به ابن قدامة في روضة الناظر وعزاه ~~هو والغزالي في المستصفى إلى بعض الفقهاء. وذهب جمهور أهل الأصول إلى أن ~~الأمر بالعبادة الموقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت واستدلوا ~~لذلك بقاعدة وهي أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون ~~إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من ~~الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة، قالوا فتخصيصه الصلوات بأوقاتها ~~المعينة، والصوم برمضان مثله، كتخصيص الحج بعرفات، والزكاة بالمساكين ~~والصلاة بالقبلة، والقتل بالكافر ونحو ذلك. واعلم أن الذين قالوا إن ~~الأمر لا يستلزم القضاء، وهم الجمهور - اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة ~~عمدا على قولهم إن تاركها غير كافر، فذهب جمهورهم إلى ms1556 وجوب إعادتها، ~~قالوا نحن نقول إن القضاء لا بد له من أمر جديد، ولكن الصلاة المتروكة ~~عمدا جاءت على قضائها أدلة، منها قياس العامد على الناسي والنائم، ~~المنصوص على وجوب القضاء عليهما، قالوا فإذا وجب القضاء على النائم، ~~والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى، وقال النووي في شرح المهذب ~~ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يوما مع الكفارة، أي بدل ~~اليوم الذي أفسده بالجماع عمدا. رواه البيهقي بإسناد جيد، وروى أبو داود ~~نحوه - انتهى كلام النووي. ومن أقوى الأدلة على وجوب على التارك عمدا ~~عموم الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة " الإسراء " الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " فدين الله أحق أن يقضى " # ، فقوله " دين الله " اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين، كقوله # وإن تعدوا نعمة الله # إبراهيم 34 الآية، فهو عام في كل نعمة. ولا شك أن الصلاة المتروكة عمدا ~~دين الله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ~~ولا معارض لهذا العموم. وقال بعض أهل العموم ليس على التارك الصلاة عمدا ~~قضاء، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التارك ~~عمدا. # وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله. وإلى هذه ~~المسألة أشار في مراقي السعود بقوله # والأمر لا يستلزم القضاء بل هو بالأمر الجديد جاء لأنه في زمن معين ~~يجي لما عليه من نفع بني وخالف الرازي إذ المركب لكل جزء حكمه ينسحب # تنبيه سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة أنها تجاذبها أصلان مختلفان ~~فنظرت كل طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين أحدهما الأمر بالمركب أمر ~~بأجزائه. وإليه نظر الحنفية ومن وافقهم. والثاني الأمر بالعبادة في وقت ~~معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بالوقت المذكور، وإليه نظر الجمهور. ومثل ~~هذا من الأشياء التي تكون سببا للاختلاف في المسألة كما ms1557 أشار له الشيخ ~~ميارة في التكميل بقوله # وإن يكن في الفرع تقريران بالمنع والجواز فالقولان ### || [19.61] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنات ~~عدن. ثم بين أن وعده مأتي. بمعنى أنهم يأتونه وينالون من وعدوا به. لأنه ~~جل وعلا لا يخلف الميعاد. وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر. كقوله # وعد الله لا يخلف الله وعده # الروم 6 الآية. وقوله # إن الله لا يخلف الميعاد # الرعد 31، وقوله # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فاستجاب ~~لهم ربهم # آل عمران 194-195 الآية، وقوله تعالى # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ~~ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا # الإسراء 107-108، وقوله تعالى # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا السمآء منفطر به كان وعده مفعولا # المزمل 17-18، وقوله تعالى # أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ~~كانت لهم جزآء ومصيرا لهم فيها ما يشآءون ~~خالدين كان على ربك وعدا مسئولا # الفرقان 15-16 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { مأتيا } اسم مفعول أتاه ~~إذا جاءه. والمعنى أنهم لا بد أن يأتون ما وعدوا به. خلافا لمن زعم أن { ~~مأتيا } صيغة مفعول أريد بها الفاعل. أي كان وعده آتيا، إذ لا داعي ~~لهذا مع وضوح ظاهر الآية. تنبيه مثل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع ~~من أنواع البدل. وهو بدل الكل من البعض، قالوا { جنات عدن } بدل من الجنة ~~في قوله { أولئك يدخلون الجنة } بدل كل من بعض. قالوا ومن أمثلة بدل الكل ~~من البعض قوله # رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات # " فطلحة " بدل من قوله " أعظما " بدل كل من بعض. وعليه فأقسام البدل ~~ستة بدل الشيء من الشيء. وبدل البعض من الكل. وبدل الكل من البعض. وبدل ~~الاشتمال. وبدل البداء. وبدل الغلط. قال مقيدة عفا الله عنه ولا يتعين ~~عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كل من بعض، بل يجوز ms1558 أن يكون بدل ~~الشيء من الشيء، لأن الألف واللام في قوله # فأولئك يدخلون الجنة # مريم 60 للجنس، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنات، فيكون قوله ~~{ جنات عدن } بدلا من { الجنة } بدل الشيء من الشيء، لأن المراد بالأول ~~الجمع كما تقدم كثير من أمثلة ذلك. والأعظم في البيت كناية عن الشخص، " ~~فطلحة " بدل منه بدل الشيء من الشيء، لأنهم يدفنوا الأعظم وحدها بل دفنوا ~~الشخص المذكور جميعه، أعظمه وغيرها من بدنه، وعبر هو عنه بالأعظم. ### || [19.62] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن ~~التي وعدهم { لا يسمعون فيها } أي في الجنات المذكورة { لغوا ~~} أي كلاما تافها ساقطا كما يسمع في الدنيا. واللغو هو فضول الكلام، ~~وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤبة وقيل ~~العجاج # ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم # كما تقدم في سورة " المائدة ". والظاهر أن قوله { إلا سلاما } ~~استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلاما، لأنهم يسلم بعضهم على بعض، ~~وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى # تحيتهم فيها سلام # إبراهيم 23 الآية، وقوله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم # الرعد 23-24 الآية. كما تقدم مستوفى. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء ~~في غير هذا الموضع أيضا كقوله في " الواقعة " # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ~~سلاما سلاما # الواقعة 25-26، وقد جاء هذا الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب ~~الله، كقوله تعالى { ما لهم من علم إلا اتباع الظن } الآية وقوله # وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغآء وجه ~~ربه الأعلى # الليل 19-20، وقوله # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # الدخان 56، وكقوله # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم # النساء 29 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في ~~هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء ms1559 المنقطع قول ~~نابغة ذبيان # وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا ~~الأواري لأبا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # " فالأواري " التي هي مرابط الخيل ليست من جنس " الأحد ". وقول الفرزدق # وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله # وقول جران العود # وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس # " فالسنان " ليس من جنس " الخاطب " و " اليعافير والعيس " ليس واحد ~~منهما من جنس " الأنيس ". وقول ضرار بن الأزور # أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ولله بالعبد المجاهد أعلم عشية لا تغني ~~الرماح مكانها ولا النيل إلا المشرفي المصمم # وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير ~~الأصوليين خلافا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين بأن ~~الاستثناء المنقطع لا يصح، لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير ~~جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلا حتى يخرج بالاستثناء. تنبيهات ~~الأول - اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين ~~يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل. # وإن اختل واحد منهما فهو منقطع الأول - أن يكون المستثنى من جنس ~~المستثنى منه، نحو جاء القوم إلا زيدا. فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، ~~نحو جاء القوم إلا حمارا. والثاني- أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض ~~الحكم على المستثنى منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس. ومن هنا ~~كان الاستثناء من النفي إثباتا، ومن الإثبات نفيا. فإن كان الحكم على ~~المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من ~~جنس المستثنى منه. فقوله تعالى # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى # الدخان 56 استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى ~~منه. وكذلك قوله # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم # النساء 29 وإنما كان منقطعا في الآيتين لأنه لم يحكم على المستثنى ~~بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض { لا يذوقون فيها الموت ~~} هو يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في ms1560 الآخرة لم ~~يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } كلوها بالباطل ولم يحكم به في ~~المستثنى. فتحصل أن انقطاع الاستثناء قسمان أحدهما بالحكم على غير جنس ~~المستثنى منه. كقولك رأيت أخويك إلا ثوبا. الثاني بالحكم بغير النقيض. ~~نحو رأيت أخويك إلا زيدا لم يسافر. التنبيه الثاني اعلم أنه يبنى على ~~الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية. فلو أقر رجل لآخر ~~فقال له علي ألف دينار إلا ثوبا. فعلى القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع ~~يكون قوله " إلا ثوبا " لغوا وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة ~~الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله " إلا ثوبا " وتسقط قيمة الثوب من ~~الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين أحدهما - ~~أنه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته. والثاني أن فيه إضمارا. أي حذف ~~مضاف، يعني إلا قيمة ثوب. فمن قال يقدم المجاز على الإضمار قال " إلا ~~ثوبا " مجاز، أطلق الثوب وأراد القيمة. كإطلاق الدم على الدية. ومن قال ~~يقدم الإضمار على المجاز قال " إلا ثوبا " أي إلا قيمة ثوب. واعتمد صاحب ~~مراقي السعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله # وبعد تخصيص مجاز قبلي الإضمار فالنقل على المعول # ومعنى البيت أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل. ~~مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما - قوله ~~تعالى # فاقتلوا المشركين # التوبة 5 يحتمل التخصيص، لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم ~~دليل مخصص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، ~~أطلق فيه وأراد البعض. فيقدم التخصيص لأمرين أحدهما - أن اللفظ يبقى ~~حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز الثاني - أن ~~اللفظ يبقى مستصحبا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى ~~قرينة. # ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما - قول ~~السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنا أنت أبي، يحتمل أنه مجاز مرسل، من ~~إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق. لأن ms1561 الأبوة يلزمها العتق. ~~ويحتمل الإضمار. أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. فعلى الأول يعتق. ~~وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته المسألة التي نحن بصددها. ومثال تقديم ~~الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما قوله تعالى # وحرم الربا # البقرة 275 يحتمل الإضمار. أي أخذ الربا وهو الزيادة في بيع درهم ~~بدرهمين مثلا. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم ~~بالدرهم. ويحتمل نقل الربا إلى معنى العقد. فيمتنع عقد بيع الدرهم ~~بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلا بد من عقد جديد مطلقا. قال مقيدة عفا ~~الله عنه وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في " له علي ألف دينار إلا ~~ثوبا " وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا، لأن قيمة ~~الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا ~~إنها معبر عنها بلفظ الثوب. التنبيه الثالث اعلم أن الخلاف في صحة ~~الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي. لأن الذين منعوه لم يمنعوه ~~بالكلية، وإنما قالوا إنه ليس من الاستثناء الحقيقي، لأن أداة الاستثناء ~~فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلى الاستثناء. وبعض القائلين ~~بالاستثناء المنقطع يقول إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندما من ~~المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به ~~قيل إنها نسبة تواطؤ. وقيل إنها من قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء ~~المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله # والحكم بالنقيض للحكم حصل لما عليه الحكم قبل متصل وغيره منقطع ورجحا ~~جوازه وهو مجاز أوضحا فلتنم ثوبا بعد ألف درهم الحذف والمجاز أو ~~للندم وقيل بالحذف لدى الإقرار والعقد معنى الواو فيه جار بشركة ~~وبالتواطي قالا بعض وأوجب فيه الاتصالا # وما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى { لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما } منقطع هو الظاهر. وقيل هو من قبيل تأكيد المدح ~~بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # وقول الآخر ms1562 # فما يك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل # وعلى هذا القول فالآية كقوله # وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا # الأعراف 126 الآية، وقوله # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله # التوبة 74 ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة " براءة ". وقوله ~~في هذه الآية الكريمة { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~} فيه سؤال معروف، وهو أن يقال ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ~~ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة الأول - أن المراد ~~بالبكرة والعشي قدر ذلك من الزمن، كقوله # غدوها شهر ورواحها شهر # سبأ 12 أي قدر شهر. وروي معنى هذا عن ابن عباس، وابن جريح وغيرهما. ~~الجواب الثاني - أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك ~~الناعم، فنزلت الآية مرغبة لهم وإن كان ما في الجنة أكثر من ذلك. ويروى ~~هذا عن قتادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. الجواب الثالث - أن العرب تعبر ~~عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل أنا عند فلان ~~صباحا ومساء، وبكرة وعشيا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين. ~~الجواب الرابع - أن تكون البكرة هو الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. ~~والعشي هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم، لأنه يتخللها فترات انتقال ~~من حال إلى حال. وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول. الجواب الخامس - هو ~~ما رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان # " عن الحسن وأبي قلابة قالا قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ ~~قال " وما يهيجك على هذا؟ " قال سمعت الله تعالى يذكر { ولهم ~~رزقهم فيها بكرة وعشيا } فقلت الليل بين البكرة والعشي. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، ~~يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله ~~تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم ~~الملائكة " # انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في ms1563 تفسيره. وقال القرطبي ~~بعد أن نقل هذا وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب ~~التذكرة ثم قال وقال العلماء ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هو في نور ~~أبدا، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ~~ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب. ذكره أبو الفرج الجوزي ~~والمهدوي وغيرهما اه منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم الترمذي ~~عن الحسن وأبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم راجع إلى جواب الأول. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [19.63] # الإشارة في قوله " تلك " إلى ما تقدم من قوله # فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ~~جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب # مريم 60-61 الآية. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يورث ~~المتقين من عباده جنته. وقد بين هذا المعنى أيضا في مواضع أخر، كقوله ~~تعالى # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # المؤمنون 1-2 - إلى قوله - # أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # المؤمنون 10-11 وقوله # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # آل عمران 133 الآيات، وقوله تعالى # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا # الزمر 73 الآية، وقوله # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # الأعراف 43، إلى غير ذلك من الآيات. ومعنى إيراثهم الجنة الإنعام عليهم ~~بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور. قال الزمخشري في الكشاف نورث أي نبقي ~~عليه الجنة كما نبقي علىالوارث مال الموروث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم ~~يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنة. فإذا أدخلهم ~~الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. وقال بعض ~~أهل العلم معنى إيراثهم الجنة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلا في ~~الجنة. ومنزلا في النار. فإذا دخل أهل الجنة الجنة أراهم منازلهم في ~~النار لو كفروا وعصوا الله ليزداد سرورهم وغبطتهم وعند ذلك يقولون # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله ms1564 # الأعراف 43 الآية. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنة لو آمنوا ~~واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم # لو أن الله هداني لكنت من المتقين # الزمر 57. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ~~ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة فيرثون منازل أهل النار في الجنة. ~~وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول. قال مقيدة عفا الله عنه ~~وغفر له قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلا في الجنة ومنزلا ~~في النار، إلا أن حمل الآية عليه غير صواب، لأن أهل الجنة يرثون من الجنة ~~منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # الأعراف 43 ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار ~~فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل ~~أهل النار والواقع بخلاف ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام ~~أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة # " كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني فيكون له ~~شكر. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لولا أن الله هداني فيكون ~~عليه حسرة " # اه. وعلم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة. وقال شارحه ~~المناوي قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي رجال ~~أحمد رجال الصحيح اه. ### || [19.66-67] # قال بعض أهل العلم نزلت هذه الآية في أبي بن خلف، وجد عظاما بالية ~~ففتتها بيده وقال زعم محمد أنا نبعث بعد الموت؟ قاله الكلبي، وذكره ~~الواحدي والثعلبي. وقال المهدوي نزلت في الوليد بن المغيرة، وأصحابه، وهو ~~قول ابن عباس. وقيل نزلت في العاص بن وائل. وقيل في أبي جهل، وعلى كل ~~واحد من هذه الأقوال فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من ~~بعض أفراد الجنس، لأن من أساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، ms1565 مع أن ~~فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة ~~والكسائي # فإن قاتلوكم فاقتلوهم # البقرة 191 من القتل في الفعلين، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم ~~الآخر كما تقدم مرارا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق # فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ~~ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة ~~قتله لزهير المذكور مشهورة. وقد بين تعالى في هذه الآية أي هذا الإنسان ~~الكافر يقول منكرا البعث أئذا مت لسوف أخرج حيا، زعما منه أنه إذا مات ~~لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله { أولا ~~يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ~~} يعني أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه ~~الإيجاد الأول ولم يك شيئا، بل كان عدما فأوجدناه، وإيجادنا له المرة ~~الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى. وهذا البرهان ~~الذي أشار له هنا قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة " البقرة والنحل " ~~وغيرهما، كقوله تعالى # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # يس 78-79، وقوله تعالى # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # ق 15، وقوله # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # الواقعة 62، وقوله # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # الروم 27 الآية وقوله # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # الإسراء 51، وقوله، # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 الآية. وقوله تعالى # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # الأنبياء 104 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وفي الحديث الصحيح ~~الذي يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه # " يقول ms1566 الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ~~ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس ~~أول الخلق أهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله إن لي ولدا وأنا ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " # فإن قيل أين العامل في الظرف الذي هو { إذا } فالجواب أنه منصوب بفعل ~~مضمر دل عليه جزاء الشرط وتقديره أأخرج إذا ما مت أي حين يتمكن في الموت ~~والهلاك أخرج حيا. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل لم لا تقول بأنه منصوب ب ~~{ أخرج } المذكور في قوله { لسوف أخرج حيا } على العادة المعروفة، من أن ~~العامل في { إذا } هو جزاؤها؟ فالجواب أن لام الابتداء في قوله { لسوف ~~أخرج حيا } مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم ~~العربية. فلا يجوز أن تقول اليوم لزيد قائم تعني لزيد قائم اليوم. وما ~~زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو سوف مانع من عمل ما بعده فيما قبله ~~أيضا، حتى إنه على قراءة طلحة بن مصرف { أئذا ما مت سأخرج حيا } بدون ~~اللام يمتنع نصب { إذا } ب { أخرج } المذكورة، فهو خلاف التحقيق. ~~والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده ~~في كلام العرب كقول الشاعر # فما رأته آمنا هان وجدها وقالت أبونا هكذا سوف يفعل # فقوله " هكذا " منصوب بقوله " يفعل " كما أوضحه أبو حيان في البحر. ~~وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله { إذا } منصوب بقوله { أخرج } لعدم ~~وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله. تنبيه ~~فإن قلت لام الإبتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت ~~حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب أن اللام هنا جردت من معنى ~~الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط. ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه ~~الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء ms1567 ~~العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطي معنى الحال، وعلى قوله يسقط ~~الإشكال من أصله. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.68] # لما أقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله # أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # مريم 67 أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة، أنه يحشرهم أي الكافرين المنكرين ~~للبعث وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في ~~الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثيا. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه ~~الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم ~~فقد أشار إليه في قوله # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم # الصافات 22-23 على أحد التفسيرات. وقوله # حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين # الزخرف 38. وأما إحضارهم حول جهنم جثيا فقد أشار له في قوله # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون # الجاثية 28، وقوله في هذه الآية الكريمة { جثيا } جمع جاث. والجاثي ~~اسم فاعل جثا يجثوا جثوا. وجثى يجثي جثيا إذا جلس على ركبتيه أو قام ~~على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب أنهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر ~~شديد، جثوا على ركبهم، ومنه قول بعضهم # فمن للحماة ومن للكماة إذا ما الكماة جثوا للركب إذا قيل مات ~~أبو مالك فتى المكرمات قريع العرب # وكون معنى قوله { جثيا } في هذه الآية، وقوله { وترى كل ~~أمة جاثية } الآية - أنه جثيهم على ركبهم هو الظاهر، وهو قول ~~الأكثر، وهو الإطلاق المشهور في اللغة ومنه قول الكميت # هم تركوا سراتهم جثيا وهم دون السراة مقرنينا # وعن ابن عباس في قوله في هذه الآية الكريمة { جثيا } أن معناه جماعات. ~~وعن مقاتل { جثيا } أي جمعا جمعا، وهو على هذا القول جمع " جثوة " ~~مثلثة الجيم، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع. فأهل الخمر يحضرون ~~حول جهنم على حدة، وأهل الزنى على حدة وأهل السرقة على حدة.. وهكذا. ~~ومن هذا المعنى قول طرفة ms1568 بن العبد في معلقته # ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد # هكذا قال بعض أهل العلم ولكنه يرد عليه أن فعلة كجثوة لم يعهد جمعها على ~~فعول كجثى. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائى وحفص { جثيا } بكسر الجيم ~~إتباعا للكسرة بعده وقرأ الباقون { جثيا } بضم الجيم على الأصل. ### || [19.69-70] # قوله في هذه الآية الكريمة { لننزعن } أي لنستخرجن { من كل شيعة } ~~أي من كل أمة أهل دين واحد. وأصل الشيعة فعلة كفرقة، وهي الطائفة التي ~~شاعت غيرها أي تبعته في هدى أو ضلال تقول العرب شاعه شياعا إذا تبعه. ~~وقوله تعالى { أيهم أشد على الرحمن عتيا }. أي ~~لنستخرجن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، ~~وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، ~~والإضلال والضلال. وهذا هو الظاهر في معنى الآية الكريمة أن الرؤساء ~~القادة في الكفر يعذبون قبل غيرهم ويشدد عليهم العذاب لضلالهم وإضلالهم. ~~وقد جاءت آيات من كتاب الله تعالى تدل على هذا، كقوله تعالى # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88، وقوله تعالى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # العنكبوت 13، وقوله # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # النحل 25 ولأجل هذا كان في أمم النار أولى وأخرى. فالأولى التي يبدأ ~~بعذابها وبدخولها النار. والأخرى التي تدخل بعدها على حسب تفاوتهم في ~~أنواع الكفر والضلال، كما قال تعالى # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها ~~حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من ~~فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون # الأعراف 38-39. وقوله في هذه الآية الكريمة { ثم لنحن أعلم ~~بالذين هم أولى بها صليا } يعني أنه جل ms1569 وعلا أعلم بمن ~~يستحق منهم أن يصلى النار، ومن هو أولى بذلك. وقد بين الرؤساء والمرؤوسين ~~كلهم ممن يستحق ذلك في قوله { قال لكل ضعف } الآية والصلى مصدر ~~صلى النار كرضى يصلاها صليا بالضم والكسر إذا قاسى ألمها، وباشر حرها. ~~واختلف العلماء في وجه رفع " أي " مع أنه منصوب لأنه مفعول { لننزعن } ~~فذهب سيبويه ومن تبعه إلى أن لفظة " أي " موصولة، وأنها مبنية على الضم ~~إذا كانت مضافة وصدر صلتها ضمير محذوف كما هنا. وعقده ابن مالك في ~~الخلاصة بقوله # أي كما وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف # وبعضهم أعرب مطلقا..الخ. ويدل على صحة قول سيبويه رحمه الله قول غسان ~~بن وعلة # إذا ما لقيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل # والرواية بضم { أيهم } وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في " أي " ~~المذكورة. فقال الخليل إنها في الآية استفهامية محكية بقول مقدر والتقدير ~~ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال فيه أيهم اشد وأنشد الخليل لهذا المعنى ~~الذي ذهب إليه قول الشاعر # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم # أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم. وأما يونس فذهب إلى ~~أنها استفهامية أيضا لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لأن ~~التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب، واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن ~~تبعهما ببيت غسان بن وعلة المذكور آنفا، لأن الرواية فيه بضم { أيهم } ~~مع أن حروف الجر، لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلق على الأصوب، ~~وإن خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من ~~أن جميع النحويين غلطوا سيبويه في قوله هذا في " أي " في هذه الآية ~~الكريمة خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. وقرأه حمزة والكسائي وحفص ~~{ عتيا } بكسر العين. و { صليا } بكسر الصاد للإتباع. وقرأ الباقون ~~بالضم فيهما على الأصل. ### || [19.71-72] # اختلف العلماء في المراد بورود النار في هذه الآية الكريمة على أقوال ~~الأول أن المراد بالورود الدخول، ولكن الله يصرف أذاها ms1570 عن عباده ~~المتقين عند ذلك الدخول. الثاني أن المراد بورود النار المذكور الجواز ~~على الصراط، لأنه جسر منصوب على متن جهنم. الثالث أن الورود المذكور هو ~~الإشراف عليها والقرب منها. الرابع أن حظ المؤمنين من ذلك الورود هو حر ~~الحمى في دار الدنيا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع ~~البيان التي تضمنها الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية ~~بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائي على عدم خروجه من ~~معنى الآية. وقد قدمنا أمثلة لذلك. فإذا علمت ذلك - فاعلم أن ابن عباس ~~رضي الله عنهما استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل ~~الذي ذكرنا أنه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك. وإيضاحه - أن ~~ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كل واحدة منها ~~الدخول. فاستدل بذلك ابن عباس على أن " الورود في الآية التي فيها النزاع ~~هو الدخول " ، لدلالة الآيات الأخرى على ذلك، كقوله تعالى # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # هود 98 قال فهذا ورود دخول، وكقوله # لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها ~~خالدون # الأنبياء 99 فهو ورود دخول أيضا، وكقوله # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # مريم 86 وقوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # الأنبياء 98 وبهذا استدل ابن عباس على نافع بن الأزرق في " أن الورود ~~الدخول ". واحتج من قال بأن الورود الإشراف والمقاربة بقوله تعالى # ولما ورد مآء مدين # القصص 23 الآية. قال فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى # فأرسلوا واردهم # يوسف 19 الآية. ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته # فلما وردن الماء زرقا جمامه وضعهن عصي الحاضر المتخيم # قالوا والعرب تقول وردت القافلة البلد وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. ~~واحتج من قال بأن الورود في الآية التي نحن بصددها - ليس نفس الدخول ~~بقوله تعالى # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ms1571 ~~عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون # الأنبياء 101 -102 قالوا إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدل على عدم ~~دخولهم فيها فالورود غير الدخول. واحتج من قال بأن ورود النار في الآية ~~بالنسبة للمؤمنين - حر الحمى في دار الدنيا - بحديث # " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " # وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر ورافع ~~بن خديج رضي الله عنهم. # ورواه البخاري أيضا مرفوعا عن ابن عباس. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر ~~له قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول - أدلة الأول - هو ما ~~ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن جميع ما في القرآن من ورود النار ~~معناه دخولها غير محل النزاع، فدل كذلك على أن محل النزاع كلك، وخير ما ~~يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني - هو أن في نفس الآية قرينة دالة ~~على ذلك، وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم ~~وفاجرهم بقوله { وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا } بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله { ~~ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها } أي ~~نترك الظالمين فيها- دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها، إذ لو لم ~~يدخلوها لم يقل ونذر الظالمين فيها. بل يقول وندخل الظالمين، وهذا واضح ~~كما ترى وكذلك قوله { ثم ننجي الذين اتقوا } دليل على ~~أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله { وإن منكم ~~إلا واردها } قوله { ثم ننجي الذين اتقوا }. ~~الدليل الثالث - ما روي من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صاحب ~~الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة أخرج أحمد وعبد بن حميد، ~~والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال اختلفنا في الورود فقال ~~بعضنا لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين ~~اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله ms1572 رضي الله عنهما فذكرت له ذلك فقال وأهوى ~~بأصبعيه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما ~~كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين ~~اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا " # اه. وقال ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في هذا الحديث ~~رواه أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد قالوا حدثنا سليمان بن حرب، ~~وأخرجه أبو يعلى والنسائي في الكنى، والبيهقي في الشعب في باب النار، ~~والحكيم في النوادر، كلهم من طريق سليمان قال حدثنا أبو صالح غالب بن ~~سليمان، عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال اختلفنا في الورود فسألنا ~~جابرا فذكر الحديث أتم من اللفظ الذي ذكره الزمخشري. وخالفهم كلهم ~~الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال عن سمية الأزدية عن عبد ~~الرحمن بن شيبة بدل أبي سمية عن جابر اه. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية قال الإمام أحمد حدثنا ~~سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي ~~سمية قال اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم ~~يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت ~~إنا اختلفنا في الورود فقال يدخلونها جميعا. ثم ذكر الحديث المتقدم. ثم ~~قال ابن كثير رحمه الله غريب ولم يخرجوه. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له ~~الظاهر أن الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأن طبقته الأولى سليمان ~~بن حرب، وهو ثقة إمام حافظ مشهور. وطبقته الثانية أبو صالح أو أبو سلمة ~~غالب بن سليمان العتكي الجهضمي الخراساني أصله من البصرة، وهو ثقة. ~~وطبقته الثالثة كثير بن زياد أبو سهل البرساني بصري نزل بلخ، وهو ثقة. ~~وطبقته الرابعة أبو سمية وقد ذكره ابن حبان في الثقات، قاله ابن حجر في ~~تهذيب التهذيب وبتوثيق أبي ms1573 سمية المذكور تتضح صحة الحديث، لأن غيره من ~~رجال هذا الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر ~~القرآن وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس - وآثار جاءت عن علماء ~~السلف رضي الله عنهم كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن ~~رواحة رضي الله عنه، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن ~~عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون إنه ورود دخول. وأجاب ~~من قال بأن الورود في الآية الدخول عن قوله تعالى # أولئك عنها مبعدون # الأنبياء 101 بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها. فلا ينافي ذلك ورودهم ~~إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية الكريمة. وأجابوا عن ~~الاستدلال بحديث " الحمى من فيح جهنم " بالقول بموجبه، قالوا الحديث حق ~~صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع، لأن السياق صريح في أن الكلام في ~~النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا، لأن أول الكلام قوله ~~تعالى # فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا # مريم 68 - إلى أن قال - { وإن منكم إلا واردها } فدل على ~~أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى. والقراءة في قوله { جثيا } ~~كما قدمنا في قوله { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ~~}. وقوله { ثم ننجي } قراءة الكسائي بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم، ~~وقرأه الباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم. وقد ذكرنا في كتابنا دفع ~~إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب أن جماعة رووا عن ابن مسعود " أن ورود ~~النار - المذكور في الآية - هو المرور عليها، لأن الناس تمر على الصراط ~~وهو جسر منصوب على متن جهنم " وأن الحسن وقتادة روي عنهما نحو ذلك أيضا. # وروي عن ابن مسعود أيضا مرفوعا " أنهم يردونها جميعا ويصدرون عنها ~~بحسب أعمالهم ". وعنه أيضا تفسير " الورود بالوقوف عليها ". والعلم عند ~~الله تعالى. وقوله تعالى في الآية الكريمة { كان على ربك ~~حتما مقضيا ms1574 } يعني أن ورودهم النار المذكور كان حتما على ربك ~~مقضيا، أي أمرا واجبا مفعولا لا محالة، والحتم الواجب الذي لا محيد ~~عنه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي # عبادك يخطؤون وأنت رب يكفيك المنايا والحتوم # فقوله " والحتوم " جمع حتم، يعنى الأمور الواجبة التي لا بد من وقوعها. ~~وما ذكره جماعة من أهل العلم من أن المراد بقوله { حتما مقضيا } قسما ~~واجبا " ، كما روي عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقتادة وغيرهم - لا يظهر ~~كل الظهور. واستدل من قال إن في الآية قسما بحديث أبي هريرة الثابت في ~~الصحيحين. قال البخاري في صحيحه حدثنا علي، حدثنا سفيان قال سمعت الزهري ~~عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم " # قال أبو عبد الله { وإن منكم إلا واردها } اه. وقال مسلم ~~في صحيحه حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن ~~المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة ~~القسم " # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا. حدثنا ~~سفيان بن عيينة ح وحدثنا عبد بن حميد، وابن رافع، عن عبد الرزاق، أخبرنا ~~معمر كلاهما عن الزهري بإسناد مالك، وبمعنى حديثه إلا أن في حديث سفيان " ~~فيلج النار إلا تحلة القسم " اه. قالوا المراد بالقسم المذكور في هذا ~~الحديث الصحيح هو قوله تعالى { وإن منكم إلا واردها كان ~~على ربك حتما مقضيا } وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في ~~قوله قال أبو عبد الله { وإن منكم إلا واردها }. واللذين ~~استدلوا بالحديث المذكور، على أن الآية الكريمة قسما اختلفوا في موضع ~~القسم من الآية، فقال بعضهم هو مقدر دل عليه الحديث المذكور، أي والله ~~وإن منكم إلا واردها. وقال بعضهم هو معطوف على القسم قبله، والمعطوف على ~~القسم قسم، ms1575 والمعنى فوربك لنحشرنهم والشياطين وربك إن منكم إلا واردها، ~~وقال بعضهم القسم المذكور مستفاد من قوله { كان على ربك حتما ~~مقضيا } أي قسما واجبا كما قدمناه عن ابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، ~~وقتادة. # وقال بعضهم يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من ~~السياق. فإن قوله تعالى { كان على ربك حتما مقضيا } ~~تذييل وتقرير لقوله { وإن منكم إلا واردها } وهذا بمنزلة ~~القسم في تأكيد الإخبار. بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنفي والإثبات. ~~قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن الآية ~~ليس يتعين فيها قسم. لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة ~~واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في ~~كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب ~~الرجوع إليه. وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه لا يتعين منه أن في ~~الآية قسما. لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة ~~الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلا.يقولون ما فعلت كذا إلا تحلة القسم، ~~يعنون إلا فعلا قليلا جدا قدر ما يحلل به الحالف قسمه. وهذا أسلوب ~~معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته # تخدي على يسرات وهي لاصقة ذوابل مسهن الأرض تحليل # يعني أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا قدر تحليل القسم، ~~ومعلوم أنه لا يمين من ناقته أنها تمس الأرض حتى يكون ذلك المس تحليلا ~~لها كما ترى. وعلى هذا المعنى المعروف فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم # " إلا تحلة " # أي لا يلج النار إلا ولوجا قليلا جدا لا ألم فيه ولا حر، كما قدمنا ~~في حديث جابر المرفوع. وأقرب أقوال من قالوا إن في الآية قسما قول من ~~قال إنه معطوف على قوله # فوربك لنحشرنهم # مريم 68 لأن الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه، كقوله # ثم لنحضرنهم # ، وقوله # ثم لننزعن # مريم 96 وقوله # ثم لنحن أعلم ms1576 # مريم 70 لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك. أما قوله { ~~وإن منكم إلا واردها } فهو محتمل للعطف أيضا، ومحتمل ~~للاستئناف. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.73-74] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { خير مقاما } قرأه ابن كثير بضم ~~الميم. والباقون بفتحها. وقوله { ورئيا } قرأه قالون وابن ذكوان " وريا ~~" بتشديد الياء من غير همز. وقرأه الباقون بهمزة ساكنة بعد الراء وبعدها ~~ياء مخففة. ومعنى الآية الكريمة أن كفار قريش كانوا إذا يتلوا عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه آيات هذا القرآن، في حال كونها بينات أي ~~مرتلات الألفاظ، واضحات المعاني، بينات المقاصد، إما محكمات جاءت واضحة، ~~أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قولا أو فعلا، أو ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر على معارضتها ~~- أو حججا وبراهين. والظاهر أن قوله { بينات } حال مؤكدة. لأن آيات ~~الله لا تكون إلا كذلك. و نظير ذلك قوله تعالى # وهو الحق مصدقا # البقرة 91 أي إذا تتلى عليهم آيات الله في حال كونها متصفة بما ذكرنا ~~عارضوها واحتجوا على بطلانها، وأن الحق معهم لا مع من يتلوها بشبهة ساقطة ~~لا يحتج بها إلا من لا عقل له. ومضمون شبهتهم المذكورة أنهم يقولون لهم ~~نحن أوفر منكم حظا في الدنيا، فنحن أحسن منكم منازل، وأحسن منكم متاعا، ~~وأحسن منكم منظرا، فلولا أننا أفضل عند الله منكم لما آثرنا عليكم في ~~الحياة الدنيا، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم. فقوله { أي ~~الفريقين خير مقاما } أي نحن وأنتم أينا خير مقاما. ~~والمقام على قراءة ابن كثير بضم الميم محل الإقامة، وهو المنازل والأمكنة ~~التي يسكنونها. وعلى قراءة الجمهور فالمقام بفتح الميم مكان القيام وهو ~~موضع قيامهم وهو مساكنهم ومنازلهم. وقيل وهو موضع القيام بالأمور ~~الجليلة، والأول هو الصواب. وقوله { وأحسن نديا } أي مجلسا ~~ومجتمعا. والاستفهام في قوله { أي الفريقين } الظاهر أنه ~~استفهام تقرير. ليحملوا به ضعفاء المسلمين الذين هم في تقشف ورثاثة هيئة ~~على أن يقولوا ms1577 أنتم خير مقاما وأحسن نديا منا. وعلى كل حال فلا خلاف أن ~~مقصودهم بالاستفهام المذكور أنهم - أي كفار قريش - خير مقاما وأحسن ~~نديا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك هو دليلهم على أنهم ~~على الحق، وأنهم أكرم على الله من المسلمين. وما في التلخيص وشروحه من أن ~~السؤال ب " أي " في الآية التي نحن بصددها سؤال بها عما يميز أحد ~~المشتركين في أمر يعمهما كالعادة في أي غلط منهم. لأنهم فسروا الآية ~~الكريمة بغير معناها الصحيح. والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى. ~~واستدلالهم هذا بحظهم في الحياة الدنيا على حظهم يوم القيامة، وأن الله ~~ما أعطاهم في الدنيا إلا لمكانتهم عنده، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم - ~~ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه. # كقوله تعالى عنهم # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ~~هذآ إفك قديم # الأحقاف 11، وقوله تعالى # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين # الأنعام 53، وقوله تعالى # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ 35، وقوله تعالى # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # المؤمنون 55-56، وقوله # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا # مريم 77، وقوله # قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ومآ أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا # الكهف 35-36، وقوله # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50، إلى غير ذلك من الآيات. فكل هذه الآيات دالة على أنهم لجهلهم ~~يظنون أن الله لم يعطهم نصيبا من الدنيا إلا لرضاه عنهم، ومكانتهم عنده، ~~وأن الأمر في الآخرة سيكون كذلك. وقد أبطل الله تعالى دعواهم هذه في آيات ~~كثيرة من كتابه كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } والمعنى ~~أهلكنا قرونا كثيرة، أي أمما كانت قبلهم وهو أكثر نصيبا في الدنيا ~~منهم، فما ms1578 معهم ما كان عندهم من زينة الدنيا ومتاعها من إهلاك الله إياهم ~~لما عصوا وكذبوا رسله، فلو كان الحظ والنصيب في الدنيا يدل على رضا الله ~~والمكانة عنده لما أهلك الذين من قبلكم، الذين هم أحسن أثاثا ورئيا ~~منكم. وقوله في هذه الآية الكريمة { وكم } هي الخبرية، ومعناها الإخبار ~~بعدد كثير، وهي في حمل نصب على المفعول به لأهلكنا، أي أهلكنا كثيرا. { ~~ومن } مبينة ل { كم } وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. قيل ~~سموا قرنا لاقترانهم في الوجود. والأثاث متاع البيت. وقيل هو الجديد من ~~الفرش. وغير الجديد منها يسمى " الخرثي " بضم الخاء وسكون الراء والثاء ~~المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطوسي قول ~~الشاعر # تقادم العهد من أم الوليد بنا دهرا وصار أثاث البيت خرثيا # والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقا. ~~قال الفراء لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع الإبل، والغنم، ~~والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان إذا أصاب رياشا، قاله ~~الجوهري عن أبي زيد. وقوله { ورئيا } على قراءة الجمهور مهموزا، أي ~~أحسن منظرا وهيئة، وهو فعل بمعنى مفعول من رأى البصرية. والمراد به الذي ~~تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم الحسن. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن ~~نمير الثقفي في هذا المعنى قوله # أشافتك الظغائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث # وعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز. فقال بعض العلماء ~~معناه معنى القراءة الأولى، إلا أن الهمزة أبدلت ياء فأدغمت في الياء. ~~وقال بعضهم لا همز على قراءتهما أصلا بل عليها فهو من الري الذي هو ~~النعمة والترفه، من قولهم هو ريان من النعيم، وهي ريا منه. وعلى هذا ~~فالمعنى أحسن نعمة وترفها. والأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم. والآيات ~~التي أبطل الله بها دعواهم هذه كثيرة. كقوله تعالى # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # آل عمران 178، وقوله # ومآ أموالكم ms1579 ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات ~~آمنون # سبأ 37. وقوله # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # القلم 44-45، وقوله تعالى # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # الأنعام 44. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقد قدمنا شيئا من ذلك. وقول ~~الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة { أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا } الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام ~~والندي أن المقام هو محل السكنى الخاص لكل واحد منهم. والندي محل اجتماع ~~بعضهم ببعض، فإذا كان كل منهما للكفار أحسن من نظيره عند المسلمين دل ذلك ~~على أن نصيبهم في الدنيا أوفر من نصيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك الوقت. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر # يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب # والمقامات جمع مقامة بمعنى المقام. والأندية جمع ناد بمعنى الندى وهو ~~مجلس القوم، ومنه قوله تعالى { وتأتون في ناديكم المنكر } فالنادي ~~والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس يطلق ~~على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق # وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف # وقوله تعالى هنا { وأحسن نديا }. ومن إطلاقه على القوم قوله # فليدع ناديه سندع الزبانية # العلق 17-18. ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة # لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها # والجملة في قوله { هم أحسن أثاثا ورءيا } قال الزمخشري هي ~~في محل نصب صفة لقوله { كم } ألا ترى أنك لو تركت لفظة { هم } لم يكن لك ~~بد من نصب { أحسن } على الوصفية اه - وتابع الزمخشري أبو البقاء على ~~ذلك. وتعقبه أبو حيان في البحر بأن بعض علماء النحو نصوا على أن " كم " ~~سواء كانت استفهامية أو خبرية لا ms1580 توصف ولا يوصف بها. قال وعلى هذا يكون ~~{ هم أحسن } في موضع الصفة ل { قرن } وجمع نعت القرن اعتبارا لمعنى ~~القرن، وهذا هو الصواب عندي لا ما ذكره الزمخشري وأبو البقاء. # وصيغة التفضيل في قوله { هم أحسن أثاثا ورءيا } تلزمها " ~~من " لتجردها من الإضافة والتعريف، إلا أنها محذوفة لدلالة المقام عليها. ~~والتقدير هم أحسن أثاثا ورئيا منهم، على حد قوله في الخلاصة # وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرا أو لفظا بمن إن جردا # فإن قيل أين مرجع الضمير في هذه الآية الكريمة في قوله { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا } ~~الآية؟ فالجواب - أنه راجع إلى الكفار المذكورين في قوله # ويقول الإنسان أإذا ما مت # مريم 66 الآية، وقوله # ونذر الظالمين فيها جثيا # مريم 72 قاله القرطبي. والله تعالى أعلم. ### || [19.75] # في معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، ~~وكلاهما يشهد له قرآن الأول - أن الله جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول هذه الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين ~~المشركين. وإيضاح معناه قل يا نبي الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء ~~المشركين الذين ادعوا أنهم خير منكم، وأن الدليل على ذلك أنهم خير منكم ~~مقاما وأحسن منكم نديا - من كان منا ومنكم في الضلالة أي كفر والضلال ~~عن طريق الحق فليمدد له الرحمن مدا، أي فأملها الرحمن إمهالا فيما هو ~~فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك ~~حتى يرى ما يوعده الله، وهو إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # التوبة 14 أبو بغير ذلك. وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر. ~~وعلى ذلك التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام في قوله { فليمدد } ~~على بابها. وعليه فهي لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال من ~~الفريقين، حتى يرى ما يوعده من الشر وهو على أقبح حال من الكفر والضلال. ~~واقتصر على هذا التفسير ابن كثير وابن جرير، ms1581 وهو الظاهر من صيغة الطلب في ~~قوله { فليمدد } ونظير هذا المعنى في القرآن قوله تعالى # فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنة الله على الكاذبين # آل عمران 61 لأنه على ذلك التفسير يكون في كلتا الآيتين دعاء بالشر على ~~الضال من الطائفتين. وكذلك قوله تعالى في اليهود # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # البقرة 94 في " البقرة والجمعة " عند من يقول إن المراد بالتمني الدعاء ~~بالموت على الكاذبين من الطائفتين، وهو اختيار ابن كثير. وظاهر الآية لا ~~يساعد عليه. الوجه الثاني - أن صيغة الطلب في قوله { فليمدد } يراد بها ~~الإخبار عن سنة الله في الضالين. وعليه فالمعنى أن الله أجرى العادة بأنه ~~يمهل الضال ويملي له فيستدرجه بذلك حتى يرى ما يوعده، وهو في غفلة وكفر ~~وضلال. وتشهد لهذا الوجه آيات كثيرة، كقوله # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178 الآية، وقوله # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة # الأنعام 44 الآية، كما قدمنا قريبا بعض الآيات الدالة عليه. ومما يؤيد ~~هذا الوجه ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبيب بن ~~أبي ثابت قال في حرف أبي " قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة " ~~اه قاله صاحب الدر المنثور. # ومثل هذا من جنس التفسير لا من جنس القراءة. فإن قيل على هذا الوجه. ما ~~النكتة في إطلاق صيغة الطلب في معنى الخبر؟ فالجواب - أن الزمخشري أجاب ~~في كشافه عن ذلك. قال في تفسير قوله تعالى { فليمدد له ~~الرحمن مدا } أي مد له الرحمن، يعنى أمهله وأملى له في العمر. ~~فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور ~~به الممتثل لتنقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # فاطر 37 ms1582 اه محل الغرض منه. وأظهر الأقوال عندي في قوله { حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون } أنه متعلق بما قبله يليه، والمعنى فليمدد له ~~الرحمن مدا حتى إذا رأى ما يوعد علم أن الأمر على خلاف ما كان يظن. وقال ~~الزمخشري إن { حتى } في هذه الآية هي التي تحكي بعدها الجمل. واستدل على ~~ذلك بمجيء الجملة الشرطية بعدها. وقوله { ما يوعدون } لفظة { ما } مفعول ~~به ل { رأوا }. وقوله. { إما العذاب وإما الساعة } ~~بدل من المفعول به الذي هو { ما } ولفظة { من } من قوله { ~~فسيعلمون من هو } الآية، قال بعض العلماء هي موصولة في محل ~~نصب على المفعول به ليعلمون. وعليه فعلم هنا عرفانية تتعدى إلى مفعول ~~واحد. وقال بعض أهل العلم { من } استفهامية والفعل القلبي الذي هو يعلمون ~~معلق بالاستفهام. وهذا أظهر عندي. وقوله { شر مكانا وأضعف ~~جندا } في مقابلة قولهم # خير مقاما وأحسن نديا # مريم 73 لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والندي المجلس الجامع لوجوه ~~قومهم وأعوانهم وأنصارهم. والجند هو الأنصار والأعوان، فالمقابلة ~~المذكورة ظاهرة. وقد دلت آية من كتاب الله على إطلاق { شر مكانا ~~}. والمراد اتصاف الشخص بالشر لا المكان. وهو قوله تعالى # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال ~~أنتم شر مكانا # يوسف 77 فتفضيل المكان في الشر ها هنا الظاهر أن المراد به تفضيله إخوته ~~في الشر على نفسه فيما نسبوا إليه من شر السرقة لا نفس المكان. اللهم إلا ~~أن يراد بذلك المكان المعنوي أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى. وقوله في ~~هذه الآيات المذكورة مقاما، ونديا، وأثاثا، ومكانا وجندا كل واحد ~~منها تمييز محول عن الفاعل، كما أشار له في الخلاصة بقوله # والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كأنت أعلى منزلا ### || [19.76] # قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى } دليل على رجحان القول الثاني في الآية المتقدمة. ~~وأن المعنى أن من كان في الضلالة زاده الله ضلالة، ومن اهتدى زاده الله ms1583 ~~هدى. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله في الضلال # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # الصف 5، وقوله # بل طبع الله عليها بكفرهم # النساء 155، وقوله # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم # المنافقون 3، وقوله تعالى # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # الأنعام 110 الآية، كما قدمنا كثيرا من الآيات الدالة على هذا المعنى. ~~وقال في الهدى # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # محمد 17، وقال # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # الفتح 4، وقال # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # العنكبوت 69 الآية وقد جمع بينهما في آيات أخر.كقوله # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # الإسراء 82 وقوله تعالى # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى # فصلت 44 الآية، وقوله تعالى # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # التوبة 124-125 كما تقدم إيضاحه. وقوله { والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير مردا } تقدم إيضاحه في سورة ~~" الكهف ". فإن قيل ظاهر الآية أن لفظة { خير } في قوله { ثوابا ~~وخير مردا } صيغة تفضيل، والظاهر أن المفضل عليه هو جزاء ~~الكافرين. ويدل لذلك ما قاله صاحب الدر المنثور، قال وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن سعيد بن جبير في قوله { خير عند ربك ثوابا }. يعني خير ~~جزاء من جزاء المشركين. { وخير مردا } يعني مرجعا من مرجعهم إلى النار. ~~والمعروف في العربية أن صيغة التفضيل تقتضي مشاركة المفضل المفضل عليه. ~~في أصل المصدر، مع أن المفضل يزيد فيه على المفضل عليه. والخيرية منفية ~~بتاتا عن جزاء المشركين وعن مردهم، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتى ~~يفضلوا عليهم. فالجواب - أن الزمخشري في كشافه حاول الجواب عن هذا ~~السؤال بما حاصله أنه كأنه قيل ثوابهم النار، والجنة خير منها على طريقة ~~قول بشر بن ms1584 أبي حازم # غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم # فقوله " أعتبوا بالصيلم " يعني أرضوا بالسيف، أي لا رضى لهم عندنا إلا ~~السيف لقتلهم به. ونظيره قول عمرو بن معدي كرب # وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع # أي لا تحية بينهم إلا الضرب الوجيع. وقول الآخر # شجعاء جرتها الذميل تلوكه أصلا إذا راح المطي غراثا # يعني أن هذه الناقة لا جرة لها تخرجها من كرشها فتمضغها إلا السير، وعلى ~~هذا المعنى فالمراد لا ثواب لهم إلا النار. وباعتبار جعلها ثوابا بهذا ~~المعنى فضل عليها ثواب المؤمنين. هذا هو حاصل جواب الزمخشري مع إيضاحنا ~~له. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من ~~هذا، وهو أنا قدمنا أن القرآن والسنة الصحيحة دلا على أن الكافر يجازي ~~بعمله الصالح في الدنيا، فإذا بر والديه ونفس عن المكروب، وقرى الضيف، ~~ووصل الرحم مثلا يبتغي بذلك وجه الله فإن الله يثيبه في الدنيا، كما ~~قدمنا دلالة الآيات عليه، وحديث أنس عند مسلم. فثوابه هذا الراجع إليه من ~~عمله في الدنيا، هو الذي فضل الله عليه في الآية ثواب المؤمنين. وهذا ~~واضح لا إشكال فيه. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.77] # أخرج الشيخان وغيرهما من غير وجه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال " ~~جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده. فقال لا أعطيك حتى تكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقلت لا؟ حتى تموت ثم تبعث. قال وإني لميث ~~ثم مبعوث؟؟ قلت نعم. قال إن لي هناك مالا وولدا فأقضيك. فنزلت هذه ~~الآية { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين ~~مالا وولدا } مريم 77. وقال بعض أهل العلم إن مراده بقوله { ~~لأوتين مالا وولدا } الاستهزاء بالدين وبخباب بن الأرت رضي ~~الله عنه، والظاهر - أنه زعم أنه يؤتى مالا وولدا قياسا منه للآخرة ~~على الدنيا، كما بينا الآيات الدالة على ذلك. كقوله # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # فصلت 50، وقوله # أيحسبون أنما ms1585 نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات # المؤمنون 55-56 الآية، وقوله # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # سبأ 35 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف حمزة ~~والكسائي { وولدا } بضم الواو الثانية وسكون اللام. وقرأه الباقون بفتح ~~الواو واللام معا، وهما لغتان معناهما واحد كالعرب والعرب، والعدم ~~والعدم. ومن إطلاق العرب الولد بضم الواو وسكون اللام كقراءة حمزة ~~والكسائي قول الحارث بن حلزة # ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالا وولدا # وقول رؤبة # الحمد لله العزيز فردا لم يتخذ من ولد شيء ولدا # وزعم بعض علماء العربية أن الولد بفتح الواو واللام مفرد. وأن الولد بضم ~~الواو وسكون اللام جمع له. كأسد بالفتح يجمع على أسد بضم فسكون. والظاهر ~~عدم صحة هذا. ومما يدل على أن " الولد " بالضم ليس بجمع قول الشاعر # فليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلانا كان ولد حمار # لأن " الولد " في هذا البيت بضم الواو وسكون اللام، وهو مفرد قطعا كما ~~ترى. ### || [19.78-80] # قوله تعالى { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن ~~عهدا كلا }. اعلم أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد على ~~العاص بن وائل السهمي قوله إنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا، بالدليل ~~المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسير ~~والتقسيم. وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل. وضابط هذا الدليل العظيم أنه ~~متركب من أصلين أحدهما - حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر، وهو المعبر ~~عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين. ~~والثاني - هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها ~~وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير ~~هو المعبر عنه عند الأصوليين " بالسبر " ، وعند الجدليين " بالترديد " ، ~~وعند المنطقيين، بالاستثناء في الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه ~~الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ~~ويصحح الثالث وبذلك يتم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه أنه يؤتى يوم ~~القيامة مالا ms1586 وولدا. أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول ~~قولك إنك تؤتي مالا وولدا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ~~ثلاثة أشياء الأول - أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال ~~والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ. والثاني - أن يكون ~~الله أعطاك عهدا بذلك، فإنه إن أعطاك عهدا لن يخلفه. الثالث - أن تكون ~~قلت ذلك افتراء على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب. وقد ذكر تعالى ~~القسمين الأولين في قوله { أطلع الغيب أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } مبطلا لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين ~~القسمين باطل. لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب. ولم يتخذ عند الرحمن ~~عهدا. فتعين القسم الثالث وهو أنه قال ذلك افتراء على الله. وقد أشار ~~تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله، { ~~كلا } أي لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند ~~الرحمن عهدا، بل قال ذلك افتراء على الله، لأنه لو كان أحدهما حاصلا ~~لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن ~~وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود أنهم لن تمسهم النار إلا ~~أياما معدودة في سورة " البقرة " قسم اطلاع الغيب المذكور في " مريم " ~~لدلالة ذكره في " مريم " على قصده في " البقرة " كما أن كذبهم الذي صرح ~~به في " البقرة " لم يصرح به في " مريم " لأن ما في " البقرة " يبين ما ~~في " مريم " لأن القرآن العظيم يبين بعضه بعضا. # وذلك في قوله تعالى # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل ~~أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ~~أم تقولون على الله ما لا تعلمون # البقرة 80 فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في " مريم " كما ~~أوضحنا، وما حذف منها يدل عليه ذكره في " مريم " فاتخاذ العهد ذكره في " ~~البقرة ومريم " معا والكذب في ذلك على الله صرح به في " البقرة " بقوله # أم تقولون على ms1587 الله ما لا تعلمون # البقرة 80 وأشار له في " مريم " بحرف الزجر الذي هو { كلا } واطلاع ~~الغيب صرح به في " مريم " وحذفه في " البقرة " لدلالة ما في " مريم " على ~~المقصود في " البقرة " كما أوضحنا. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة. ~~المسألة الأولى اعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم تكرر وروده في ~~القرآن العظيم، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في " البقرة " والثاني ~~في " مريم " كما أوضحناه آنفا. وذكر السيوطي في الإتقان في كلامه على ~~جدل القرآن مثالا واحدا للسبر والتقسيم، ومضمون المثال الذي ذكره ~~باختصار، هو ما تضمنه قوله تعالى # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين # الأنعام 143 الآيتين، فكأن الله يقول للذين حرموا بعض الإناث كالبحائر ~~والسوائب دون بعضها، وحرموا بعض الذكور كالحامي دون بعضها لا يخلو ~~تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معللا بعلة معقولة أو تعبديا. ~~وعلى أنه معلل بعلة فإما أن تكون العلة في المحرم من الإناث الأنوثة، ومن ~~الذكور الذكورة. أو تكون العلة فيهما معا التخلق في الرحم، واشتمالها ~~عليهما، هذه هي الأقسام التي يمكن ادعاء إناطة الحكم بها. ثم بعد حصر ~~الأوصاف بهذا التقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة. أي اختبارها ليتميز ~~الصحيح من الباطل فنجدها كلها باطلة بالسبر الصحيح، لأن كون العلة ~~الذكورة يقتضي تحريم كل ذكر وأنتم تحلون بعض الذكور، فدل ذلك على بطلان ~~التعليل بالذكورة لقادح النقض الذي هو عدم الاطراد. وكون العلة الأنثوية ~~يقتضي تحريم كل أنثى كما ذكرنا فيما قبله. وكون العلة اشتمال الرحم ~~عليهما يقتضي تحريم الجمع. وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله # قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين # الأنعام 143 أي فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر. ولو كانت الأنوثة ~~لحرمت كل أنثى. ولو كانت اشتمال الرحم عليهما لحرم الجميع. وكون ذلك ~~تعبديا يقتضي أن الله وصاكم به بلا واسطة. إذ لم يأتكم منه رسول بذلك. ~~فدل ذلك على أنه باطل أيضا، وأشار تعالى إلى بطلانه ms1588 بقوله # أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا # الأنعام 144 ثم بين أن ذلك التحريم بغير دليل من أشنع الظلم، وأنه كذب ~~مفترى وإضلال بقوله # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين # الأنعام 144 ثم أكد عدم التحريم في ذلك بقوله # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به # الأنعام 145. والحاصل - أن إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان ~~الحكم المذكور كما أوضحنا. ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن قوله ~~تعالى # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # الطور 35 فكأنه تعالى يقول لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات ~~بالتقسيم الصحيح. الأولى - أن يكونوا خلقوا من غير شيء أي بدون خالق ~~أصلا. الثانية - أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة - أن يكون خلقهم خالق ~~غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، ~~فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه. والثالث - هو الحق الذي لا شك ~~فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا. واعلم أن ~~المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذ الدليل في غرض ليس ~~هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله ~~عند المنطقيين والأصولين. المسألة الثانية اعلم أن مقصود الجدليين من هذا ~~الدليل معرفة الصحيح والباطل من أوصاف محل النزاع، وهو عندكم يتركب من ~~أمرين الأول - حصر أوصاف المحل. والثاني - إبطال الباطل منها وتصحيح ~~الصحيح مطلقا، وقد تكون باطلة كلها فيتحقق بطلان الحكم المستند إليها، ~~كآية # قل ءآلذكرين # الأنعام143 المتقدمة. وقد يكون بعضها باطلا وبعضها صحيحا كآية " مريم ~~والبقرة، والطور " التي قدمنا إيضاح هذا الدليل في كل واحدة منها. وهذا ~~الدليل أعم نفعا، وأكثر فائدة على طريق الجدليين منه على طريق الأصوليين ~~والمنطقيين. المسألة الثالثة اعلم أن السبر والتقسيم عند الأصوليين ~~يستعمل ms1589 في شيء خاص، وهو استنباط علة الحكم الشرعي بمسلك السبر والتقسيم. ~~وضابط هذا المسلك عند الأصوليين أمران الأول - هو حصر أوصاف الأصل المقيس ~~عليه بطريق من طرق الحصر التي سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى. والثاني - ~~إبطال ما ليس صالحا للعلة بطريق من طرق الإبطال التي سنذكر أيضا بعضها ~~إن شاء الله تعالى. وزاد بعضهم أمرا ثالثا - وهو الإجماع على أن حكم ~~الأصل معلل في الجملة لا تعبدي، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير، والحاصل ~~- أن هذا الدليل يتركب عند الأصوليين من أمرين. الأول - حصر أوصاف المحل. # والثاني - إبطال ما ليس صالحا للعلة، فإن كان الحصر والإبطال معا ~~قطعيين فهو دليل قطعي، وإن كانا ظنيين أو أحدهما ظنيا فهو دليل ظني. ~~ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطعيين قوله تعالى # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # الطور 35 لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه، لأنهم ~~إما إن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم. ~~لا رابع ألبتة. وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه فيتعين أن الثالث ~~حق لا شك فيه. وقد حذف في الآية لظهوره. فدلالة هذا السبر والتقسيم على ~~عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعي من ~~هذا الدليل إنما يصح على المراد به عند الجدليين دون الأصوليين، لأن ~~المراد التمثيل للقطعي من هذا الدليل ولو بمعناه الأعم، والقطعي منه لا ~~يمكن الاختلاف فيه. وأما الظني فإن العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون ~~المجتهدين عند نظرهم في المسائل. وقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة ~~كالتفاح ونحوه. والنورة ونحوها بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح ~~فيقول بعضهم هذا وصف يصح إبطاله، ويقول الآخر هو ليس بصالح فيلزم إبطاله ~~كقولهم مثلا في حصر أوصاف البر الذي هو الأصل مثلا المحرم فيه الربا ~~إذا أريد قياس الذرة عليه مثلا، أما أن يكون علة تحريم الربا في البر ~~الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار ms1590 أوهما وغلبة العيش به أو المالية ~~والملكية فيقول المالكي غير الاقتيات والادخار باطل، ويدعى أن دليل ~~بطلانه عدم الاطراد الذي هو النقض. ويقول الحنفي والحنبلي غير الكيل من ~~تلك الأوصاف باطل، والكيل هو العلة التي هي مناط الحكم، ويستدل على ذلك ~~بأحاديث كحديث حيان بن عبيد الله عند الحاكم، وفيه بعد ذكر الستة التي ~~يمنع فيها الربا. وكذلك كل ما يكال أو يوزن وبالحديث الصحيح الذي فيه. ~~وكذلك الميزان كما قدمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية ~~الربا. ويقول الشافعي غير الطعم باطل، والعلة في تحريم الربا في البر ~~الطعم، ويستدل بحديث معمر بن عبد الله عند مسلم " الطعام بالطعام مثلا ~~بمثل " الحديث كما تقدم إيضاحه أيضا في البقرة. وهذا النوع من القياس ~~الذي يختلف المجتهدون في العلة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركب ~~الأصل، وأشار إليه في مراقي السعود بقوله # وإن يكن لعلتين اختلفا تركب الأصل لدى من سلفا # وأشار إلى مركب الوصف بقوله # مركب الوصف إذا الخصم منع وجود ذا الوصف في الأصل المتبع # والقياس المركب بنوعة المذكورين لا تنهض الحجة به على الخصم خلافا لبعض ~~الجدليين. وإلى كون رده بالنسبة للخصم المخالف هو المختار. أشار في مراقي ~~السعود بقوله # ورده انتفى وقيل يقبل وفي التقدم خلاف ينقل # والضمير في قوله " ورده " راجع إلى المركب بنوعيه وهذا هو الحق. فلا ~~تنهض الحجة بقول الشافعي إن العلة في تحريم الربا في البر الطعم - على ~~الحنفي والحنبلي القائلين إنها الكيل كالعكس وهكذا. أما في حق المجتهد ~~ومقلديه فظنه المذكور حجة ناهضة له ولمقلديه. واعلم أن لحصر أوصاف ~~المحل طرقا. منها أن يكون الحصر عقليا كما قدمنا في آية # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # الطور 35. وكقولك إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالما بهذا ~~الأمر الذي تدعو الناس إليه أو غير عالم به كما يأتي إيضاحه. فأوصاف ~~المحل محصورة في الأمرين المذكورين إذا لا ثالث ألبتة. أنه لا واسطة بين ~~الشيء ونقيضه كما ms1591 هو معروف. ومنها أن يدل على الحصر المذكور إجماع. ومثل ~~له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به. فإن ~~علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة فإن قال المعترض أين دليل ~~حصر الأوصاف في الأمرين؟ أجيب - بأنه الإجماع على عدم التعليل بغيرهما، ~~فلو ادعى المستدل حصر أوصاف المحل، فقال المعترض أين دليل الحصر؟ فقال ~~المستدل بحثت بحثا تاما عن أوصاف المحل فلم أجد غير ما ذكرت، أو قال ~~الأصل عدم غير ما ذكرت، فالصحيح أن هذا يكفيه في إثبات الحصر. فإن قال ~~المعترض أنا أعلم وصفا زائدا لم تذكره. قيل له بينه، فإن لم يبينه سقط ~~اعتراضه. وإن بين وصفا زائدا على الأوصاف التي ذكرها المستدل بطل حصر ~~المستدل بمجرد إبداء المعترض الوصف الزائد. إلا أن يبين المستدل أنه لا ~~يصلح العلية فيكون إذا وجوده وعدمه سواء. وقول من قال إنه لا يكفيه ~~قوله بحثت فلم أجد غير هذا - خلاف التحقيق. وأشار في مراقي السعود إلى ~~هذا المسلك من مسالك العلة بقوله # والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع ويبطل الذي لها ~~لا يصلح فما بقي تعيينه متضح معترض الحصر في دفعه يرد بحثت ثم بعد ~~بحثي لم أجد أو انعقاد ما سواها الأصل وليس في الحصر لظن حظل وهو ~~قطعي إذا ما نميا للقطع والظني سواه وعيا حجية الظني عند الأكثر في ~~حق ناظر وفي المناظر إن يبد وصفا زائدا معترض وفي به دون البيان ~~الغرض وقطع ذي السبر إذا منحتم والأمر في إبطاله منبهم # وقوله في هذه الأبيات " في حق ناظر وفي المناظر " محله ما لم يدع ~~المناظر علة غير اعلته، وإن ادعاها فلا تكون علة أحدهما حجة على الآخر، ~~كما أوضحناه آنفا، وكما أشار له بقوله المذكور آنفا " ورده انتفى.. " ~~الخ. # وإذا حصل حصر أوصاف المحل فإبطال غير الصالح منها له طرق معروفة منها ~~بيان أو الوصف طردي محض، إما بالنسبة إلى جميع الأحكام كالطول والقصر، ~~والبياض والسواد، أو بالنسبة إلى ms1592 خصوص الحكم المتنازع في ثبوته أو نفيه، ~~كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى باب العتق، فإنه لا فرق في أحكام العتق ~~بين الذكر والأنثى، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إليه وصفان طرديان وإن ~~كانا غير طرديين في غير العتق كالإرث والشهادة، والقضاء وولاية النكاح. ~~فإن الذكر في ذلك ليس كالأنثى. ويعرف كون الوصف طرديا أي لا مدخل له في ~~التعليل أصلا باستقراء موارد الشرع ومصادره، إما مطلقا، وإما في بعض ~~الأبواب دون بعضها كما قدمناه آنفا. ومثال إبطال الطردي في جميع الأحكام ~~- ما جاء في بعض روايات الحديث في المجامع في رمضان. فإن في بعض الروايات ~~أنه أعرابي. وفي بعضها أنه جاء ينتف شعره ويضرب صدره. والقاعدة ~~المقررة في الأصول أن المثال لا يعترض. لأن المراد منه بيان القاعدة. ~~ويكفي فيه الفرض ومطلق الاحتمال، كما أشار له في مراقي السعود بقوله # والشأن لا يعترض المثال إذ قد كفى الغرض والاحتمال # فإذا عرفت ذلك فاعلم أن كونه أعرابيا، وكونه جاء يضرب صدره وينتف شعره ~~من أوصاف المحل في هذا الحكم وهي أوصاف يجب إبطالها وعدم تعليل وجوب ~~الكفارة بها. لأنها أوصاف طردية لا تحصل من إناطة الحكم بها فائدة أصلا، ~~فالأعرابي وغيره في ذلك سواء. ومن جاء في سكينة ووقار، ومن جاء يضرب صدره ~~وينتف شعره في ذلك سواء أيضا. ومثال الإبطال يكون الوصف طرديا في الباب ~~الذي فيه النزاع دون غيره وحديث # " من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه ~~قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد.. " # الحديث، وهو متفق عليه من حديث ابن عمر، وقد قدمنا في سورة " الإسراء ~~والكهف " فلفظ العبد الذكر في هذا الحديث وصف طردي. فمن أعتق شركا له ~~في أمة فكذلك. لأنه عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة ~~إلى العتق وصفان طرديان لا تناط بهما أحكام العتق، وإن كانت الذكورة ~~والأنوثة غير طرديين في غير العتق كالميراث والشهادة كما تقدم، والوصف ~~الطردي في اصطلاح أهل الأصول هو ما ms1593 علم من الشرع إلغاؤه وعدم اعتباره، ~~لأنه ليس في إناطة الحكم به مصلحة أصلا فهو خال من المناسبة، ومن طرق ~~الإبطال بعد ثبوت الحصر ألا تظهر للوصف مناسبة. والمناسبة في اصطلاح أهل ~~الأصول هي كون إناطة الحكم بالوصف تترتب عليها مصلحة فعدم المناسبة ~~المذكورة من طرق إبطاله في مسلك السبر، وإن كان عدم ظهور المناسبة في ~~الوصف لا يبطله في بعض المسالك غير السبر كالإيماء على الأصح والدوران. # فالأحوال ثلاثة الأول أن تظهر المناسبة، وظهورها لا بد منه في مسلك ~~السبر ومسلك المناسبة والإخالة. الثاني ألا تظهر المناسبة ولا عدمها. ~~وهذا يكفي في الدوران والإيماء على الصحيح. الثالث أن يظهر عدم المناسبة، ~~فيكون الوصف طرديا كما تقدم قريبا. ومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر - ~~كون الوصف ملغي وإن كان مناسبا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء ~~باستقلال الوصف المستبقي بالحكم دونه في صورة مجمع عليها. حكاه الفهري. ~~ومثاله - قول الشافعي إن الكيل والاقتيات ونحو ذلك أوصاف ملغاة بالنسبة ~~إلى تحريم الربا في ملء كف من البر. لأنه لا يكال ولا يقات لقلته. ~~فعلة تحريم الربا فيه الطعم لاستقلال علة الطعم بالحكم دون غيرها من ~~الأوصاف في هذه الصورة، والقصد مطلق التمثيل، لا مناقشه الأمثلة. ومن طرق ~~الإبطال بعد ثبوت الحصر - كون الوصف الذي أبقاه المستدل متعديا من محل ~~الحكم إلى غيره، والوصف الذي يريد المعترض إبقاءه قاصر على محل ~~الحكم. قال صاحب الضياء اللامع وذلك يشبه تعارض العلة المتعدية ~~والقاصرة، وهو كما قال، ومثاله اختلاف الأئمة رحمهم الله في علة ~~الكفارة في الإفطار عمدا في نهار رمضان. فبعضهم يقول العلة في ذلك خصوص ~~الجماع. وبعضهم يقول العلة في ذلك انتهاك حرمة رمضان. فكون الوصف المعلل ~~به في هذا الحكم الجماع يقتضي عدم التعدي عن محل الحكم إلى غيره، فلا ~~تكون كفارة إلا في الجماع خاصة. وكونه في هذا الحكم انتهاك حرمة رمضان ~~يقضي التعدي من محل الحكم إلى غيره، فتلزم الكفارة في الأكل والشرب عمدا ~~في نهار رمضان بجامع انتهاك حرمة ms1594 رمضان في الجميع من جماع وأكل وشرب، ~~فيترجح هذا الوصف بكونه متعديا على الآخر لقصوره على حمل الحكم وقصدنا ~~التمثيل لا مناقشة الأمثلة، ولا ينافي ما ذكرنا أنه يأتي من يقول العلة ~~الجماع بمرجحات أخر لعلته، وأشار في مراقي السعود إلى طرق الإبطال ~~المذكورة بقوله # أبطل لما طردا يرى ويبطل غير مناسب له المنخرل كذلك بالإلغا وإن قد ~~ناسيا ويتعدى وصفه الذي اجتبى # هذا هو حاصل كلام أهل الأصول في المقصود عندهم بهذا الدليل الذي هو ~~السبر والتقسيم. المسألة الرابعة اعلم أن المقصود من هذا الدليل المذكور ~~عند المنطقيين يخالف المقصود منه عند الأصوليين والجدليين. فالتقسم عند ~~المنطقيين لا يكون إلا في الأوصاف التي بينها تناف وتنافر، وهذا التقسيم ~~هو المعبر عنه عندهم بالشرطي المنفصل. ومقصودهم من ذكر تلك الأوصاف ~~المتنافية هو أن يستدلوا بوجود بعضها على عدم بعضها، أو بعدمه على ~~وجوده، وهذا هو المعبر عنه عندهم بالاستثناء في الشرطي المنفصل وحرف ~~الاستثناء عندهم هو " لكن " والتنافي المذكور بين الأوصاف المذكورة يحصره ~~العقل في ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكون في الوجود والعدم معا، أو الوجود ~~فقط، أو العدم فقط، ولا رابع ألبتة. # فإن كان في الوجود والعدم معا فهي عندهم الشرطية المنفصلة المعروفة ~~بالحقيقية، وهي مانعة الجميع والخلو معا، ولا تتركب إلا من النقيضين، أو ~~من الشيء ومساوي نقيضيه وضابطها أن طرفيها لا يجتمعان معا ولا يرتفعان ~~معا. بل لا بد من وجود أحدهما وعدم الآخر، وعدم اجتماعها لما بينهما من ~~المنافرة والعناد في الوجود، وعدم ارتفاعهما لما بينهما من المنافرة ~~والعناد في العدم، وضروبها الأربعة منتجة، كما لو قلت العدد إما زوج وإما ~~فرد. فلو قلت لكنه زوج أنتج فهو غير فرد. ولو قلت لكنه فرد أنتج فهو غير ~~زوج. ولو قلت ولكنه غير زوج أنتج فهو فرد. ولو قلت لكنه غير فرد أنتج فهو ~~زوج. وضابط قياسها أنه يرجع إلى الاستدلال بعدم النقيض، أو مساويه على ~~وجود النقيض، أو مساويه كعكسه. وإن كان التنافر والعناد بين ms1595 طرفيها في ~~الوجود فقط - فهي مانعة الجمع المجوزة للخلو، ولا يلزم فيها حصر الأوصاف، ~~ولا تتركب إلا من قضية وأخص من نقيضها، وضابطها أن طرفيها لا يجتمعان لما ~~بينهما من المنافرة والعناد في الوجود، ولا مانع من ارتفاعهما لعدم ~~العناد والمنافرة بينهما في العدم، ومانعة الجمع المذكورة ينتج من قياسها ~~ضربان، ويعقم منه ضربان. ومثالها قولك الجسم إما أبيض، وإما أسود، فإن ~~استثناء عين كل واحد من الطرفين ينتج نقيض الآخر. بخلاف استثناء نقيض ~~أحدهما فلا ينتج شيئا. فلو قلت الجسم إما أبيض، وإما أسود لكنه أبيض، ~~أنتج فهو غير أسود. وإن قلت لكنه أسود أنتج فهو غير أبيض. بخلاف ما لو ~~قلت لكنه غير أبيض فلا ينتج كونه أسود. لأن غير الأبيض صادق بالأسود ~~وغيره. وكذلك لو قلت لكنه غير أسود فلا ينتج كونه أبيض لصدق غير الأسود ~~بالأبيض وغيره، فلا مانع من انتفاء الطرفين وكون جسم غير أبيض وغير أسود. ~~لأن مانعة الجميع تجوز الخلو من الطرفين بأن يكونا معدومين معا. وإنما ~~جاز فيها الخلو من الطرفين معا لواحد من سببين. الأول - وجود واسطة أخرى ~~غير طرفي القضية المذكورة. فقولنا في المثال السابق الجسم إما أبيض، وإما ~~أسود يجوز فيه الخلو عن البياض والسواد لوجود واسطة أخرى من الألوان غير ~~السواد والبياض. كالحمرة والصفرة مثلا. فالجسم الأحمر مثلا غير أبيض ~~ولا أسود. السبب الثاني - ارتفاع المحل، كقولك الجسم إما متحرك، وإما ~~ساكن، فإنه إن انعدم بعض الأجسام التي كانت موجودة ورجع إلى العدم بعد ~~الوجود فإنه يرتفع عنه كل من طرفي القضية المذكورة، فلا يقال للمعدوم هو ~~ساكن ولا متحرك، لأن المعدوم ليس بشيء، بدليل قوله تعالى # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # مريم9، وقوله # أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا # مريم68. وإن كان العناد والمنافرة بين طرفيها في العدم فقط - فهي مانعة ~~الخلو المجوزة للجمع. وهي عكس التي ذكرنا قبلها تصورا وإنتاجا، ولا ~~تتركب إلا من قضية وأعم من نقيضها. وضابطها - أن ms1596 طرفيها لا يرتفعان لما ~~بينهما من المنافرة والعناد في العدم، ولا مانع من اجتماعهما لعدم ~~المنافرة والعناد بينهما في الوجود. ومثالها الجسم إما غير أبيض، وإما ~~غير أسود، فإن هذا المثال قد يجتمع فيه الطرفان فلا مانع من وجود جسم ~~موصوف بأنه غير أبيض وغير أسود، كالأحمر فإنه غير أبيض وغير أسود، ولكنه ~~لا يمكن بحال وجود جسم خال من طرفي هذه القضية التي مثلنا بها، فيكون ~~خاليا من كونه غير ابيض وغير أسود. لأنك إذا نفيت غير أبيض أثبت أنه ~~أبيض، لأن نفي النفي إثبات. وإذا أثبت أنه أبيض استحال ارتفاع الطرف ~~الثاني الذي هو غير أسود لأن الأبيض موصوف ضرورة بأنه غير أسود، وهكذا في ~~الطرف الآخر. لأنك إذا نفيت غير أسود أثبت أنه أسود، وإذا أثبت أنه أسود ~~لزم ضرورة أنه غير أبيض، وهو عين الآخر من طرفي القضية المذكورة، وقياس ~~هذه ينتج منه الضربان العقيمان في قياس التي قبلها، ويعقم منه الضربان ~~المنتجان في قياس التي قبلها. فتبين أن استثناء نقيض كل واحد من الطرفين ~~في قياس هذه الأخيرة ينتج عين الآخر، وأن استثناء عين الواحد منهما لا ~~ينتج شيئا. فقولنا في المثال السابق الجسم إما غير أبيض وإما غير أسود ~~لو قلت فيه لكنه أبيض أنتج، فهو غير أسود. ولو قلت لكنه أسود أنتج فهو ~~غير أبيض، بخلاف ما لو قلت لكنه غير أبيض فلا ينتج نفي الطرف الآخر ولا ~~وجوده، لأن غير الأبيض يجوز أن يكون أسود، ويجوز أن يكون غير أسود بل ~~أحمر أو أصفر. وكذلك لو قلت لكنه غير أسود لم يلزم منه نفي الطرف الآخر ~~ولا إثباته، لأن غير الأسود يجوز أن يكون أبيض وغير أبيض لكونه أحمر ~~مثلا - هذه خلاصة موجزة عن هذا الدليل المذكور في نظر المنطقيين. ~~المسألة الخامسة اعلم أن لهذا الدليل آثارا تاريخية، وسنذكر هنا إن شاء ~~الله بعضها. فمن ذلك - أن هذا الدليل العظيم جاء في التاريخ أنه أول سبب ~~لضعف المحنة العظمى على المسلمين في ms1597 عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم. ~~وذلك أن محنة القول بخلق القرآن نشأت في أيام المأمون، واستفحلت جدا في ~~أيام المعتصم، واستمرت على ذلك في أيام الواثق. وهي في جميع ذلك التاريخ ~~قائمة على ساق وقدم. ومعلوم ما وقع فيها من قتل بعض أهل العلم الأفاضل ~~وتعذيبهم، واضطرار بعضهم إلى المداهنة بالقول خوفا. ومعلوم ما وقع فيها ~~لسيد المسلمين في زمنه " الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل " ~~تغمده الله برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا من الضرب ~~المبرح أيام المعتصم. # وقد جاء أن أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة وكبح جماحها هو هذا الدليل ~~العظيم. قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في الكلام على ترجمة " أحمد ~~بن أبي دؤاد " أخبرنا محمد بن الفرج بن علي البزار، أخبرنا عبد الله بن ~~إبراهيم بن ماسي، حدثنا جعفر بن شعيب الشاشي، حدثني محمد بن يوسف الشاشي، ~~حدثني إبراهيم بن منبه قال سمعت طاهر بن خلف يقول سمعت محمد بن الواثق ~~الذي يقال له المهتدي بالله يقول كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ~~ذلك المجلس، فأتى بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه ~~يعني ابن أبي دؤاد قال فأدخل الشيخ والواثق في مصلاه فقال السلام عليك يا ~~أمير المؤمنين. فقال له لا سلم الله عليك! فقال يا أمير المؤمنين، بئس ما ~~أدبك مؤدبك! قال الله تعالى # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ # النساء86 والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد يا ~~أمير المؤمنين، الرجل متكلم. فقال له كلمه. فقال يا شيخ، ما تقول في ~~القرآن؟ قال الشيخ لم تنصفني يعني ولي السؤال فقال له سل فقال له الشيخ ~~ما تقول في القرآن؟ فقال مخلوق فقال هذا شيء علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم شيء لم ~~يعلموه؟ فقال شيء لم يعلموه. فقال سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولا ms1598 أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء ~~الراشدون، علمته أنت!؟ قال فخجل. فقال أقلني والمسألة بحالها. قال نعم. ~~قال ما تقول في القرآن؟ فقال مخلوق. فقال هذا شيء علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أو لم يعلموه؟ فقال علموه ولم ~~يدعوا الناس إليه قال أفلا وسعك ما وسعهم!؟ قال ثم قام أبي فدخل مجلس ~~الخلوة واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول هذا شيء ~~لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ~~ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت! سبحان الله! شيء علمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، ~~والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟؟ ثم دعا ~~عمارا الحاجب، فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له ~~في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي داؤد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا. اه ~~منه. وذكر ابن كثير في تاريخه هذه القصة عن الخطيب البغدادي، ولما انتهى ~~من سياقها قال ذكره الخطيب في تاريخه بإسناد فيه بعض من لا يعرف اه. # ويستأنس لهذه القصة بما ذكره الخطيب وغيره من أن الواثق تاب من القول ~~بخلق القرآن. قال ابن كثير في البداية والنهاية قال الخطيب وكان ابن أبي ~~داؤد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة، ودعا الناس إلى ~~القول بخلق القرآن قال ويقال إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته. فأخبرني عبد ~~الله بن أبي الفتح، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن، ثنا إبراهيم بن محمد ~~بن عرفة، حدثني حامد بن العباس، عن رجل عن المهتدي أن الواثق مات وقد تاب ~~من القول بخلق القرآن. وعلى كل حال فهذه القصة لم تزل مشهورة عند ~~العلماء، صحيحة الاحتجاج فيها إلقام الخصم الحجر. وحاصل هذه القصة التي ~~ألقم بها هذا الشيخ الذي كان مكبلا بالقيود يراد قتله أحمد بن أبي دؤاد ~~حجرا، هو هذا ms1599 الدليل العظيم الذي هو السبر والتقسيم فكان الشيخ المذكور ~~يقول لابن أبي دؤاد مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها لا تخلو بالتقسيم ~~الصحيح من أحد الأمرين إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~الراشدون عالمين بها أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره. فلا ~~قسم ثالث ألبتة. ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين فبين أن ~~السبر الصحيح يظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس كل تقدير من التقديرين. أما ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بها هو وأصحابه، وتركوا ~~الناس ولم يدعوهم إليها - فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه ~~النبي وأصحابه من عدم الدعوة لها، وكان يسعه ما وسعهم. وأما على كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غير عالمين بها فلا يمكن لابن أبي ~~دؤاد أن يدعي أنه عالم بها مع عدم علمهم بها. فظهر ضلاله على كل تقدير، ~~ولذلك سقط من عين الواثق، وترك الواثق لذلك امتحان أهل العلم. فكان هذا ~~الدليل العظيم أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى. حتى أزالها الله ~~بالكلية على يد المتوكل رحمه الله، وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا ~~الدليل المذكور. ومن آثار هذا الدليل التاريخي - ما ذكره بعض المؤرخين من ~~أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واش إلى عبيد الله بن زياد. فأدخل ~~ابن زياد الواشي في محل قريب من مجلسه، ثم نادى ابن همام السلولي وقال له ~~ما حملك على أن تقول في كذا وكذا..؟! فقال السلولي أصلح الله الأمير! ~~والله ما قلت شيئا من ذلك!! فأخرج ابن زياد الواشي، وقال هذا أخبرني أنك ~~قلت ذلك. فسكت ابن همام هنيهة ثم قال مخاطبا للواشي # وأنت امرؤ ائتمنتك خاليا فخنت وإما قلت قولان بلا علم فأنت من الأمر ~~الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم # فقال ابن زياد صدقت! وطرد الواشي. وحاصل هذين البيتين الذين طرد بهما ~~ابن زياد الواشي ولم يتعرض للسلولي بسوء بسببهما - هو هذا ms1600 الدليل العظيم ~~المذكور. فكأنه يقول له لا يخلو قولك هذا من أحد أمرين إما أن أكون ~~ائتمنتك على سر فأفشيته. وإما أن تكون قلته علي كذبا. ثم رجع بالسبر ~~إلى القسمين المذكورين فبين أن الواشي مرتكب ما لا ينبغي على كل تقدير من ~~التقديرين، لأنه إذا كان ائتمنه على سر فأفشاه فهو خائن له، وإن كان قال ~~عليه ذلك كذبا وافتراء فالأمر واضح. المسألة السادسة اعلم أن بين ~~الدليل التاريخي العظيم يوضح غاية الإيضاح موقف المسلمين الطبيعي من ~~الحضارة الغربية. وبذلك الإيضاح التام يتميز النافع من الضار، والحسن من ~~القبيح، والحق من الباطل. وذلك أن الاستقراء التام القطعي دل على أن ~~الحضارة الغربية المذكورة تشتمل على نافع وضار أما النافع منها - فهو من ~~الناحية المادية وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه. وما ~~تضمنته من المنافع للإنسان أعظم مما كان يدخل تحت التصور، فقد خدمت ~~الإنسان خدمات هائلة من حيث أنه جسد حيواني. وأما الضار منها. فهو ~~إهمالها بالكلية للناحية التي هي رأس كل خير، ولا خير ألبتة في الدنيا ~~بدونها، وهي التربية الروحية للإنسان وتهذيب أخلاقه. وذلك لا يكون إلا ~~بنور الوحي السماوي الذي يوضح للإنسان طريق السعادة، ويرسم له الخطط ~~الحكمية في كل ميادين الحياة الدنيا والآخرة، ويجعله على صلة بربه في كل ~~أوقاته. فالحضارة الغربية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى، مفلسة ~~إفلاسا كليا من الناحية الثانية. ومعلوم أن طغيان المادة على الروح ~~يهدد العالم أجمع بخطر داهم، وهلاك مستأصل، كما هو مشاهد الآن. وحل ~~مشكلته لا يمكن ألبتة إلا بالاستضاءة بنور الوحي السماوي الذي هو تشريع ~~خالق السماوات والأرض، لأن من أطغته المادة حتى تمرد على خالقه ورازقه لا ~~يفلح أبدا. والتقسيم الصحيح يحصر أوصاف المحل الذي هو الموقف من الحضارة ~~الغربية في أربعة أقسام لا خامس لها، حصرا عقليا لا شك فيه. الأول ترك ~~الحضارة المذكورة نافعها وضارها. الثاني أخذها كلها وضارها ونافعها. ~~الثالث أخذ ضارها وترك نافعها. الرابع أخذ نافعها وترك ضارها. ms1601 فنرجع ~~بالسبر الصحيح إلى هذه الأقسام الأربعة، فنجد ثلاثة منها باطلة بلا شك، ~~وواحدا صحيحا بلا شك. أما الثلاثة الباطلة فالأول منها تركها كلها، ~~ووجه بطلانه واضح، لأن عدم الاشتغال بالتقدم المادي يؤدي إلى الضعف ~~الدائم، والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله جل وعلا # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # الأنفال 60 الآية. # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم # القسم الثاني من الأقسام الباطلة - أخذها، لأن ما فيها من الانحطاط ~~الخلقي وضياع القيم الروحية والمثل العليا للإنسانية - أوضح من أن أبينه. ~~ويكفي في ذلك ما فيها من التمرد على نظام السماء، وعدم طاعة خالق هذا ~~الكون جل وعلا # ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون # يونس 59. # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # الشورى 21. والقسم الثالث من الأقسام الباطلة - هو أخذ الضار وترك ~~النافع، ولا شك أن هذا لا يفعله من له اقل تمييز. فتعينت صحة القسم ~~الرابع بالتقسيم والسبر الصحيح، وهو أخذ النافع وترك الضار. وهكذا كان ~~صلى الله عليه وسلم يفعل، فقد انتفع بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، مع أن ~~ذلك خطة عسكرية كانت للفرس، أخبره بها سلمان فأخذ بها. ولم يمنعه من ذلك ~~أن أصلها للكفار. وقد هم صلى الله عليه وسلم بأن يمنع وطء النساء المراضع ~~خوفا على أولادهن، لأن العرب كانوا يظنون أن الغيلة وهي وطء المرضع تضعف ~~ولدها وتضره، ومن ذلك قول الشاعر # فوارس لم يغالوا في رضاع فتتبوا في أكفهم السيوف # فأخبرته صلى الله عليه وسلم فارس والروم بأنهم يفعلون ذلك ولا يضر ~~أولادهم، فأخذ صلى الله عليه وسلم منهم تلك الخطة الطبية، ولم يمنعه من ~~ذلك أن أصلها من الكفار. وقد انتفع صلى الله عليه وسلم بدلالة ابن ~~الأريقط الدؤلي له في سفر الهجرة على الطريق، مع أنه كافر. فاتضح من هذا ~~الدليل أن الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية - هو أن ~~يجتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النواحي المادية، ms1602 ويحذروا مما جنته من ~~التمرد على خالق الكون جل وعلا فتصلح لهم الدنيا والآخرة. والمؤسف! أن ~~أغلبهم يعكسون القضية، فيأخذون منها الانحطاط الخلقي، والانسلاخ من ~~الدين، والتباعد من طاعة خالق الكون، ولا يحصلون على نتيجة مما فيها من ~~النفع المادي فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. # وما أحسن الدين والدنيا إذا أجمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل # وقد قدمنا طرفا نافعا في كون الدين لا ينافي التقدم المادي في سورة ~~بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # الإسراء 9 فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد عرف في تاريخ النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه - أنهم كانوا يسعون في التقدم في جميع الميادين مع ~~المحافظة على طاعة خالق السموات والأرض جل وعلا. وأظهر الأقوال عندي في ~~معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } أن المعنى أم أعطاه الله عهدا أنه سيفعل له ~~ذلك، بدليل قوله تعالى في نظيره في سورة البقرة # قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله ~~عهده # البقرة 80. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وقيل العهد المذكور العمل ~~الصالح. وقيل شهادة أن لا إله إلا الله. قوله تعالى { سنكتب ما ~~يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ~~ويأتينا فردا }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سيكتب ما ~~قاله ذلك الكافر افتراء عليه. من أنه يوم القيامة يؤتى مالا وولدا مع ~~كفره بالله، وأنه يمد له من العذاب مدا. قال القرطبي في تفسير قوله ~~تعالى { ونمد له من العذاب مدا } أي يزيده عذابا فوق ~~عذاب. وقال الزمخشري في الكشاف { ونمد له من العذاب مدا ~~} أي نطول له من العذاب ما يستأهله. ونعذبه بالنوع الذي يعذب به ~~المستهزؤون. أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد، يقال مده وأمده ~~بمعنى. وتدل عليه قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه { وتمد له } بالضم ~~وأكد ذلك بالمصدر. وذلك من فرط غضب الله. نعوذ ms1603 به من التعرض لما يستوجب ~~غضبه اه. وأصل المدد لغة الزيادة، ويدل لذلك المعنى قوله تعالى في أكابر ~~الكفار الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88، وقوله في الأتباع والمتبوعين # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # الأعراف 38. وقوله في هذه الآية { ونرثه ما يقول } أي ما يقول ~~إنه يؤتاه يوم القيامة من مال وولد، أي نسلبه منه في الدنيا ما أعطيناه ~~من المال والولد بإهلاكنا إياه. وقيل نحرمه ما تمناه من المال والولد في ~~الآخرة، ونجعله للمسلمين. ويدل للمعنى الأول قوله تعالى # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # مريم 40، وقوله # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون # الحجر 23 كما تقدم إيضاحه في هذه السورة الكريمة. وقوله { ويأتينا ~~فردا } أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك، كما قال ~~تعالى # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة # الأنعام 94، والآية، وقال تعالى # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا # مريم 95 كما تقدم إيضاحه. فإن قيل كيف عبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ~~بحرف التنفيس الدال على الاستقبال في قوله { سنكتب ما يقول } مع أن ما ~~يقوله الكافر يكتب بلا تأخير. بدليل قوله تعالى # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # ق 18؟ فالجواب أن الزمخشري في كشافه تعرض للجواب عن هذا السؤال بما نصه ~~قلت فيه وجهان أحدهما سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول زائد ~~بن صعصعة الفقعسي # إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري بها بدا # أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني - أن المتوعد يقول ~~للجاني سوف أنتقم منك. يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان ~~واستأجر، فجردها هنا لمعنى الوعيد اه منه بلفظه. # إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكملته. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعددة من ~~كتابه، كقوله تعالى # قل ms1604 الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون # يونس 21، وقوله تعالى # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # الزخرف 80، وقوله تعالى # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # الجاثية 29، وقوله تعالى # ستكتب شهادتهم ويسألون # الزخرف 19. وقوله تعالى # سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق # آل عمران 181، وقوله تعالى # كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين ~~كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون # الانفطار 9-12 وقوله تعالى # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # الكهف 49. وقوله تعالى # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # الإسراء 13-14 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [19.81-82] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار المتقدم ذكرهم في قوله # ونذر الظالمين فيها جثيا # مريم 72 اتخذوا من دون الله آلهة أي معبودات من أصنام وغيرها يعبدونها ~~من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزا أي أنصارا وشفعاء ~~ينقذونهم من عذاب الله. كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # الزمر 3 فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أملوه بهم. ~~وكقوله تعالى عنهم # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله # يونس 18 الآية. فالشفاعة عند الله عز لهم بهم يزعمونه كذبا وافتراء ~~على الله. كما بينه بقوله تعالى # قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18. وقوله في هذه الآية الكريمة { كلا } زجر وردع لهم عن ذلك الظن ~~الفاسد الباطل. أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون ~~الله عزا لكم، بل تكون بعكس ذلك. فيكون عليكم ضدا، أي أعوانا عليكم في ~~خصومتكم وتكذيبكم والتبرؤ منكم. وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا ~~الذي ذكرنا. كقول ابن عباس { ضدا } أي أعوانا ms1605 وقول الضحاك { ضدا } أي ~~أعداء.. وقول قتادة { ضدا } أي قرناء في النار يلعن بعضهم بعضا، وكقول ~~ابن عطية { ضدا } يجيئهم منهم خلاف ما أملوه فيؤول بهم ذلك إلى الذل ~~والهوان، ضد ما أملوه من العز. وهذا المعنى الذي ذكر الله جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة بينه أيضا في غير هذا الموضع. كقوله # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # الأحقاف 5-6، وقوله تعالى # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل ~~خبير # فاطر 13-14 إلى غير ذلك من الآيات. وضمير الفاعل في قوله { سيكفرون } ~~فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن. إلا أن لأحدهما قرينة ترجحة ~~على الآخر. الأول - أن واو الفاعل في قوله { سيكفرون } راجعة إلى ~~المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله. أما العاقل منها فلا إشكال ~~فيه. وأما غير العاقل بالله قادر على أن يخلق له إدراكا يخاطب به من ~~عبده ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى عنهم # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # القصص 63، وقوله تعالى # وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا ~~هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون # النحل 86 وقوله تعالى # وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين # يونس 28-29، إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني - أن العابدين هم ~~الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدل لهذا الوجه قوله تعالى # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # الأنعام 23، وقوله عنهم { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ، وقوله عنهم # بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا # غافر 74 الآية، إلى غير ذلك من ms1606 الآيات. والقرينة المرجحة للوجه الأول - ~~أن الضمير في قوله { ويكونون } راجع للمعبودات. وعليه فرجوع الضمير ~~في { يكفرون } للمعبودات أظهر. لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. أما على ~~القول الثاني - فإنه يكون ضمير { يكفرون } للعابدين، وضمير { يكونون } ~~للمعبودين، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر. والعلم عند الله تعالى. وقول من ~~قال من العلماء. إن { كلا } في هذه الآية متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، ~~وأن المعنى كلا سيكفرون أي حقا سيكفرون بعبادتهم محتمل، ولكن الأول أظهر ~~منه وأرجح، وقائله أكثر. والعلم عند الله تعالى، وفي قوله { كلا } قراءات ~~شاذة تركنا الكلام عليها لشذوذها. ووقوله في هذه الآية { ليكونوا ~~لهم عزا } أفرد فيه العز مع أن المراد الجمع. لأن أصله مصدر على حد ~~قوله في الخلاصة # ونعتوا بمصدر كثير فالتزموا الإفراد والتذكيرا # والإخبار بالمصدر يجري على حكم النعت به. وقوله { ضدا } مفردا أيضا ~~أريد به الجمع. قال ابن عطية لأنه مصدر في الأصل. حكاه عنه أبو حيان في ~~البحر. وقال الزمخشري الضد العون، وحد توحيد قوله عليه السلام # " هم يد على من سواهم " # لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. ### || [19.83] # قوله { أرسلنا الشياطين } الآية أي سلطانهم عليهم وقيضناهم ~~لهم. وهذا هو الصواب. خلافا لمن زعم أن معنى { أرسلنا ~~الشياطين } الآية أي خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من شرهم. يقال ~~أرسلت البعير أي خليته. وقوله { تؤزهم أزا } الأز والهز ~~والاستفزاز بمعنى، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج. فقوله { تؤزهم ~~أزا } أي تهيجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي. وأقوال أهل العلم في ~~الآية راجعة إلى ما ذكرنا كقول ابن عباس { تؤزهم أزا } أي ~~تغويهم إغواء ". وكقول مجاهد { تؤزهم أزا } أي تشليهم ~~إشلاء. وكقول قتادة { تؤزهم أزا } أي تزعجهم إزعاجا. وما ذكره ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة - من أنه سلط الشياطين على الكافرين، ~~وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع أخر من كتابه. كقوله تعالى # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم # فصلت 25 الآية، وقوله تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ms1607 شيطانا ~~فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل # الزخرف 36-37 الآية، وقوله تعالى # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس # الأنعام 128 الآية، وقوله # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون # الأعراف 202، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [19.84] # قوله { فلا تعجل عليهم } أي لا تستعجل وقوع العذاب بهم فإن ~~الله حدد له أجلا معينا معدودا. فإذا انتهى ذلك الأجل جاءهم العذاب. ~~فقوله { إنما نعد لهم عدا } أي نعد الأعوام والشهور ~~والأيام التي دون وقت هلاكهم، فإذا جاء الوقت المحدد لذلك أهلكناهم. ~~والعرب تقول عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه. ولما ذكره جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة - من أن هلاك الكفار حدد له أجل معدود ذكره في مواضع كثيرة ~~من كتابه. كقوله تعالى # ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون ~~لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # الأحقاف 35، وقوله تعالى # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # العنكبوت 53 الآية، وقوله # وما نؤخره إلا لأجل معدود # هود 104، وقوله # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه # هود 8، وقوله # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # إبراهيم 42، قوله تعالى # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # لقمان 24، وقوله # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار # البقرة 126 الآية، وقوله # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # الطارق17 إلى غير ذلك من الآيات. وروي أن المأمون قرأ هذه السورة ~~الكريمة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء. فأشار إلى ابن السماك أن ~~يعظه. فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. ~~والأظهر في الآية هو ما ذكرنا من أن العد المذكور عد الأعوام والأيام ~~والشهور من أجل المحدد. وقال بعض أهل العلم. هو عد أنفاسهم. كما أشار ~~إليه ابن السماك في موعظته للمأمون التي ذكرنا إن صح ذلك. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما " أنه كان إذا قرأها بكى وقال آخر العدد خروج نفسك، آخر ~~العدد فراق ms1608 أهلك. آخر العدد دخول قبرك ". وقال بعض أهل العلم { إنما ~~نعد لهم عدا } أي نعد أعمالهم لنجازيهم عليها. والظاهر هو ما ~~قدمنا. والعلم عند الله تعالى. ### || [19.85-86] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار ~~الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم ~~وفدا. والوفد على التحقيق جمع وافد كصاحب وصحب. وراكب وركب. وقدمنا في ~~سورة " النحل " أن التحقيق أن الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة ~~للفاعل وصفا، وبينا شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد ~~من يأتي إلى الملك مثلا في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى ~~قوله { وفدا } أي ركبانا. وبعض العلماء يقول هم ركبان على نجائب من نور ~~من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول يحشرون ركبانا على صور من أعمالهم ~~الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة. قال ابن كثير رحمه الله ~~في تفسير هذه الآية الكريمة قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، ~~حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق { يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا } قال يستقبل المؤمن عند ~~خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا، فيقول من أنت؟ فيقول أما ~~تعرفني؟ فيقول لا إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول أنا عملك ~~الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا ~~فهلم اركبني. فذلك قوله { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا } وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { يوم ~~نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال ركبانا ". ~~وقال ابن جرير حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي عن سعيد عن إسماعيل عن ~~رجل عن أبي هريرة " { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا } قال على الإبل ". وقال ابن جريج على النجائب. وقال الثوري على ~~الإبل النوق. وقال قتادة { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا } قال إلى الجنة. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد ~~في مسند أبيه حدثنا سويد بن سعيد، ms1609 أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن ~~إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال كنا جلوسا عند علي رضي الله عنه فقرأ ~~هذه الآية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~} قال والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق ~~لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا ~~أبواب الجنة!! " وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن ~~بن إسحاق المدني به، وزاد عليها " رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد.. " " ، ~~والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثا غريبا جدا مرفوعا عن علي ~~قال حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن ~~جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول إن عليا كان ذات يوم عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية { يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمن وفدا } فقال ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق ~~بيض لها أجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة ~~منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من ~~إحداهما فتغسل ما في بطونهم في دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ~~ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب ~~الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب. فيضربون بالحلقة على ~~الصفحة فيسمع لها طنين يا علي. فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث ~~قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له قال سلمة أراه قال ساجدا فيقول ارفع رأسك ~~فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخف الحوراء العجلة ~~فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه.. " # إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا. ~~وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه، وهو أشبه بالصحة. ~~والله أعلم. ms1610 وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من ~~القبر فالظاهر أنهم يحشرون مشاة. بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم ~~يحشرون حفاة عراة غرلا. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي. والله تعالى ~~أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة { ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا } السوق معروف. والمجرمون جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم ~~فاعل الإجرام. والإجرام ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به ~~النكال والعذاب. ولم يأت الإجرام في القرآن إلا من أجرم الرباعي على وزن ~~أفعل. ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول جرم يجرم كضرب ~~يضرب. والفاعل منه جارم، والمفعول مجروم، كما هو ظاهر، ومنه قول عمرو ~~بن البراقة النهمي # وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارم # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وردا } أي عطاشا. وأصل الورد ~~الإتيان إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش ~~أطلق هنا اسم الورد على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش ~~في الآخرة والدنيا. ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز ~~يخاطب ناقته # ردي ردي ورد قطاة صما كدرية أعجبها برد الما # واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله { يوم نحشر المتقين ~~} فقيل منصوب ب # يملكون # مريم 87 بعده. أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين. واختاره أبو حيان ~~في البحر. وقيل منصوب ب " اذكر " أو احذر مقدرا. وفيه أقوال غير ذلك. ~~وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى في سورة " الزمر " # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا بلى ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ~~ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين # الزمر 72-73. ### || [19.87] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ms1611 أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد ~~له قرآن فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا ~~علمت ذلك فاعلم - أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع. قال بعض أهل العلم ~~الواو في قوله { لا يملكون } راجعة إلى { المجرمين } المذكورين في قوله # ونسوق المجرمين إلى جهنم # مريم 86 أي لا يملك المجرمون الشفاعة، أي لا يستحقون أن يشفع فيهم ~~شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب. وهذا الوجه من التفسير تشهد له ~~آيات من كتاب الله. كقوله تعالى # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # المدثر 48، وقوله تعالى # فما لنا من شافعين ولا صديق حميم # الشعراء 100-101، وقوله تعالى # وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # غافر 18 الآية. وقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28 مع قوله # ولا يرضى لعباده الكفر # الزمر 7، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن ~~المجرمين لا يشفعون في غيرهم، لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم ~~غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في { ~~لا يملكون } راجعة إلى { المجرمين } فالاستثناء منقطع و " من " في محل ~~نصب. والمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يملكون الشفاعة، أي بتمليك ~~الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكون الشافعون بما ذكرنا ويستحقها به ~~المشفوع لهم، قال تعالى # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # البقرة 255، وقال { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ، وقال # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # النجم 26. وقال بعض أهل العلم الواو في قوله { لا يملكون ~~الشفاعة } راجعة إلى " المتقين والمجرمين " جميعا المذكورين في ~~قوله # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا # مريم 85-86 وعليه فالاستثناء في قوله { إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } متصل. و ms1612 { من } بدل من الواو في " لا يملكون " ~~أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم ~~المؤمنون. والعهد العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من ~~الأقوال يدخل في ذلك. أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض. كما قال ~~تعالى # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # طه 109. وقد بين تعالى في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من دون ~~الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو ~~قوله تعالى # ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا ~~من شهد بالحق # الزخرف 86 الآية أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال ~~تعالى # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن ~~لهم من شركآئهم شفعاء # الروم 12-13 الآية، وقال تعالى # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم # يونس 18 الآية. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة. والعلم عند ~~الله تعالى. وفي إعراب جملة { لا يملكون } وجهان الأول - أنها حالية. أي ~~نسوق المجرمين إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون شفاعة. أو نحشر المتقين ~~ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند ~~الرحمن عهدا. والثاني - أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ~~ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية أنه المحافظة على الصلوات ~~الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة ابن الصامت الذي قدمنا الكلام على ~~قوله تعالى # فخلف من بعدهم خلف # مريم 59 الآية. وقال بعضهم العهد المذكور هو أن يقول العبد كل صباح ~~ومساء. اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في ~~هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا ~~عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي. فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من ~~الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك. فاجعل لي عندك ms1613 عهدا ~~توفينيه يوم القيامة. إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها ~~طابعا ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم ~~عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة - انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ ~~مرفوعا عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، ~~وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود ~~موقوفا عليه، وليس فيه قوله فإذا قال ذلك الخ. وذكر صاحب الدر المنثور ~~أيضا أن الحكيم الترمذي أخرج نحوه مرفوعا عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه. والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر لي أن العهد في الآية يشمل ~~الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه. خلافا لمن زعم أن العهد في ~~الآية كقول العرب عهد الأمير إلى فلان بكذا. أي أمره به. أي لا يشفع إلا ~~من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحا في المراد بالآية وإن كان ~~صحيحا في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله. كقوله تعالى # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # البقرة 255، وقوله # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى # النجم 26، وقوله # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # سبأ 23، وقوله # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن # طه 109 الآية، وقوله تعالى # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # مريم 88 الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى الآيات التي بمعناها في القرآن في ~~مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [19.96] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يذكر في القرآن لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك ~~العام فيه، وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنه جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة ذكر أنه سيعجل لعباده المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات ودا. أي محبة في قلوب عباده. وقد صرح في موضع آخر بدخول نبيه ms1614 ~~موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا العموم، وذلك في قوله # وألقيت عليك محبة مني # طه 39 الآية. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه. ~~قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، قال ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبدا ~~دعا جبريل، فقال يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل ثم ~~ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال فيبغضه أهل ~~السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض " # اه. ### || [19.97] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إنما يسر هذا القرآن بلسان هذا ~~النبي العربي الكريم، ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء، وهم ~~الكفرة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في مواضع أخر. أما ما ~~ذكر فيها من تيسير هذا القرآن العظيم فقد أوضحه في مواضع أخر، كقوله في ~~سورة " القمر " مكررا لذلك # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # القمر 17، وقوله في آخر " الدخان " # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون # الدخان 58 وأما ما ذكر فيها من كونه بلسان هذا النبي العربي الكريم ~~فقد ذكره في مواضع أخر، كقوله # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # الشعراء 192-195، وقوله تعالى # الر تلك آيات الكتاب المبين إنآ أنزلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون # يوسف 1-2، وقوله تعالى # حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون # الزخرف 1-3، وقوله تعالى # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # النحل 103، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~لتبشر به المتقين } الآية - قد أوضحنا الآيات الدالة عليه ~~في سورة " الكهف " وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأظهر الأقوال في قول ~~{ لدا } أنه جمع الألد، وهو شديد الخصومة. ومنه قوله ms1615 تعالى # وهو ألد الخصام # البقرة 204، وقول الشاعر # أبيت نجيا للهموم كأنني أخاصم أقواما ذوي جدل لدا ### || [19.98] # { وكم أهلكنا } في هذه الآية الكريمة هي الخيرية، وهي في محل ~~نصب لأنها مفعول { أهلكنا }. و { من } هي المبينة ل { كم } كما ~~تقدم إيضاحه. وقوله { هل تحس منهم من أحد } أي هل ترى ~~أحدا منهم، أو تشعر به، أو تجده { أو تسمع لهم ركزا } أي ~~صوتا. وأصل الركز الصوت الخفي. ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه وأخفاه في ~~الأرض. ومن الركاز وهو دفن جاهلي مغيب بالدفن في الأرض. ومن إطلاق الركز ~~على الصوت قول لبيد في معلقته # فتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها # وقول طرفة في معلقته # وصادقتا سمع التوجس للسرى لركز خفي أو لصوت مندد # وقول ذي الرمة # إذا توجس ركزا مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # والاستفهام في قوله { هل } يراد به النفي. والمعنى أهلكنا كثيرا من ~~الأمم الماضية فما ترى منهم أحد ولا تسمع لهم صوتا. وما ذكره في هذه ~~الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم - ذكر بعضه في غير هذا ~~الموضع. كقوله في عاد # فهل ترى لهم من باقية # الحاقة 8، وقوله فيهم # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # الأحقاف 25، وقوله # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # الحج 45، إلى غير ذلك من الآيات. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1] # أظهر الأقوال فيه عندي - أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور ويدل ~~لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة جاءتا في مواضع أخر ~~لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة أما الطاء ففي فاتحة " الشعراء ~~" { طسم } وفاتحة " النمل " { طس }. وفاتحة " القصص " وأما الهاء ~~ففي فاتحة " مريم " في قوله تعالى { كهيعص } وقد قدمنا الكلام ~~مستوفى على الحروف المقطعة في أول سورة " هود " وخير ما يفسر به ~~القرآن القرآن. وقال بعض أهل العلم قوله طه معناه يا رجل. قالوا وهي لغة ~~بني عك بن عدنان وبني طيء وبني ms1616 عكل قالوا لو قلت لرجل من بني عك يا رجل ~~لم يفهم أنك تناديه حتى تقول طه ومنه قول متمم بن نويرة التميمي # دعوت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلا # ويروى مزايلا وقال عبدالله بن عمر معنى طه بلغة عك يا حبيبي ذكره ~~الغزنوي. وقال قطرب هو بلغة طيىء وأنشد ليزيد بن المهلهل # إن للسفاهة طه في شمائلكم لا بارك الله في القوم الملاعين # ويروى # إن السفاهة طه من خلائقكم لا قدس الله أرواح الملاعين # وممن روي عنه أن معنى " طه " يا رجل ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن ~~جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك ~~والسدي وابن أبزى وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض ~~في الشفاء عن الربيع بن أنس قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى " # فأنزل الله " طه " يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء ~~مبدلة من الهمزة والهمزة حففت بإبدالها أن ألفا كقول في الفرزدق # راحت بمسلمة البغال عشية فارعى فزارة لا هناك المرتع # ثم بني عليه الأمر والهاء للسكت. ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف ~~والبعد عن الظاهر. وفي قوله { طه } أقوال أخر ضعيفة كالقول بأنه من أسماء ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والقول بأن الطاء من الطهارة والهاء من ~~الهداية يقول لنبيه يا طاهرا من الذنوب يا هادي الخلق إلى علام الغيوب ~~وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب إن شاء الله في الأية هو ما صدرنا ~~به ودل عليه القرآن في مواضع أخر. ### || [20.2] # في قوله تعالى { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ~~وجهان من التفسير وكلاهما يشهد له القرآن الأول - أن المعنى ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى. أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم. ~~وتحسرهم على أن يؤمنوا. وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة كقوله تعالى # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # فاطر 8 الآية وقوله تعالى # فلعلك ms1617 باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # الكهف6 وقوله # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # الشعراء 3. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا وقد قدمنا في مواضع من هذا ~~الكتاب المبارك. الوجه الثاني - أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل حتى ~~تورمت قدماه فأنزل الله { مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة. وما بعثناك ~~إلا بالحنيفية السمحة. وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله كقوله # وما جعل عليكم في الدين من حرج # الحج 78 وقوله # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # البقرة 185. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويفهم من قوله { لتشقى ~~} أنه أنزل عليه ليسعد. كما يدل له الحديث الصحيح # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " # وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " أن الله يقول للعلماء يوم القيامة إني لم أجعل علمي وحكتمي فيكم إلا ~~وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي " # وقال ابن كثير إن إسناده جيد ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير ~~قوله تعالى # فاقرءوا ما تيسر من القرآن # المزمل 20 الآية. وأصل الشقاء في لغة العرب العناء والتعب ومنه قول أبي ~~الطيب # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # ومنه قوله تعالى # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # طه 117. ### || [20.3] # أظهر الأقوال فيه أنه مفعول لأجله أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة ~~أي إلا لأجل التذكرة لمن يخشى الله ويخاف عذابه. والتذكرة الموعظة التي ~~تلين لها القلوب. فتمتثل أمر الله وتجتنب نهيه. وخص بالتذكرة من يخشى ~~دون غيرهم لأنهم هم المنتفعون بها كقوله تعالى # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # ق 45 وقوله # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب # يس 11 وقوله # إنمآ أنت منذر من يخشاها # النازعات 45. فالتخصيص المذكور في الآيات ب { من } تنفع فيهم الذكرى ~~لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. ms1618 وما ذكره هنا من أنه ما أنزل القرآن ~~إلا للتذكرة - بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى # إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شآء منكم أن ~~يستقيم # التكوير 27- 28 وقوله تعالى # قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين # الأنعام 90 إلى غير ذلك من الآيات. وإعراب { إلا تذكرة } بأنه بدل من { ~~لتشقى } لا يصح لأن التذكرة ليست بشقاء. وإعرابه مفعولا مطلقا أيضا ~~غير ظاهر. وقال الزمخشري في الكشاف { مآ أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى } طه 2-3 ما ~~أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة وعلى هذا الوجه يجوز أن ~~يكون { تذكرة } حالا ومفعولا له. ### || [20.4] # في قوله { تنزيلا } أوجه كثيرة من الإعراب ذكرها المفسرون. وأظهرها ~~عندي أنه مفعول مطلق منصوب بنزل مضمرة دل عليها قوله # مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى # طه 2 أي أنزله الله { تنزيلا ممن خلق الأرض } الآية أي ~~فليس بشعر ولا كهانة ولا سحر ولا أساطير الأولين كما دل لهذا المعنى قوله ~~تعالى # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين # الحاقة 41 - 43 والآيات المصرحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة ~~جدا معروفة كقوله # وإنه لتنزيل رب العالمين # الشعراء 192 الآية وقوله # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # الزمر 1 وقوله # تنزيل من الرحمن الرحيم # فصلت 2 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [20.5] # تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة " ~~الأعراف " مستوفى. فأغنى عن إعادته هنا. ### || [20.7] # خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة بأنه إن يجهر ~~بالقول أي يقله جهرة في غير خفاء فإنه جل وعلا يعلم السر وما هو أخفى من ~~السر. وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر كقوله # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # الملك 13 وقوله # والله يعلم ما تسرون وما تعلنون # النحل 19، وقوله تعالى # والله يعلم إسرارهم # محمد 26، وقوله ms1619 تعالى # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض # الفرقان 6 الآية إلى غير ذلك من الآيات. وفي المراد بقوله في هذه الآية ~~{ وأخفى } أوجه معروفة كلها حق ويشهد لها قرآن. قال بعض أهل العلم { ~~يعلم السر } أي ما قاله العبد سرا { وأخفى } أي ويعلم ما هو ~~أخفى من السر وهو ما توسوس به نفسه. كما قال تعالى # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق 16. وقال بعض أهل العلم الإنسان أنه فاعله كما قال تعالى # ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون # المؤمنون 63 وكما قال تعالى # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى # النجم 32 فالله يعلم ما يسره الإنسان اليوم. وما سيسره غدا. والعبد لا ~~يعلم ما في غد كما قال زهير في معلقته # وأعلم علم اليوم والأمس وقبله ولكنني عن علم ما في غد عم # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأخفى } صيغة تفضيل كما بينا أي ~~ويعلم ما هو أخفى من السر. وقول من قال إن " أخفى " فعل ماض بمعنى أنه ~~يعلم سر الخلق وأخفى عنهم ما يعلمه هو. كقوله # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه 110 - ظاهر السقوط كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } طه ~~7 أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه كما قال تعالى # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # الأعراف55 # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول # الأعراف 205 الآية. ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح. لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال صلى الله عليه وسلم # " اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون ~~سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". ### || [20.8] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ms1620 المعبود وحده وأن له الأسماء ~~الحسنى. وبين أنه المعبود وحده في آيات لا يمكن حصرها لكثرتها كقوله # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # البقرة 255 وقوله # فاعلم أنه لا إله إلأ الله # محمد 19 الآية. وبين في مواضع أخر أن له الأسماء الحسنى وزاد في بعض ~~المواضع الأمر بدعائه بها كقوله تعالى # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # الأعراف 180، وقوله # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # الإسراء 110 وزاد في موضع آخر تهديد من ألحد في أسمائه. وهو قوله # وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما ~~كانوا يعملون # الأعراف 180. قال بعض العلماء ومن إلحادهم في أسمائه أنهم اشتقوا العزى ~~من اسم العزيز واللات من اسم الله وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة " # وقد دل بعض الأحاديث على أن من أسمائه جل وعلا ما استأثر به ولم يعلمه ~~خلقه كحديث # " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته ~~أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " # الحديث وقوله { الحسنى } تأنيث الأحسن وإنما وصف أسماءه جل وعلا بلفظ ~~المؤنث المفرد لأن جمع التكسير مطلقا وجمع المؤنث السالم يجريان مجرى ~~المؤنثة الواحدة المجازية التأنيث كما أشار له في الخلاصة بقوله # والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء من إحدى اللبن # ونظير قوله هنا { الأسمآء الحسنى } طه 8 من وصف الجمع بلفظ ~~المفرد المؤنث قوله # من آياتنا الكبرى # طه 23، وقوله # مآرب أخرى # طه 18. ### || [20.9] # الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة " مريم " في الكلام على ~~قوله تعالى # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا # مريم 52 فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [20.27-28] # قال بعض العلماء دل قوله { عقدة من لساني } بالتنكير والإفراد ~~وإتباعه لذلك بقوله { يفقهوا قولي } على أنه لم يسأل إزالة جميع ~~ما بلسانه من العقد بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل ms1621 بإزالته فهم كلامه مع ~~بقاء بعضها. وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى عنه # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا # القصص 34 الآية وقوله تعالى عن فرعون # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # الزخرف 52 والاستدلال بقول فرعون في موسى فيه أن فرعون معروف بالكذب ~~والبهتان. والعلم عند الله تعالى. ### || [20.37-39] # قوله تعالى { ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ ~~أوحينآ إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت ~~فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لي وعدو له }. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة. أنه من على موسى مرة أخرى قبل منه عليه بالرسالة ورسالة ~~أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه أي ألهمها ~~وقذف في قلبها، وقال بعضهم هي رؤيا منام. وقال بعضهم أوحى إليها ذلك ~~بواسطة ملك كلمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى ~~إليه نبيا، و " أن " في قوله { أن اقذفيه } هي المفسرة، لأن ~~الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله { ما ~~يوحى } للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله # فغشيهم من اليم ما غشيهم # طه 78، وقوله # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # النجم 10 والتابوت الصندوق. واليم البحر. والساحل شاطئ البحر. والبحر ~~المذكور نيل مصر. والقذف الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى # وقذف في قلوبهم الرعب # الأحزاب 26 ومعنى { أن اقذفيه في التابوت } أي ضعيه في ~~الصندوق. والضمير في قوله { أن اقذفيه } راجع إلى موسى بلا خلاف. ~~وأما الضمير في قوله { فاقذفيه في اليم } وقوله { فليلقه ~~} فقيل راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت، لأن ~~تفريق الضمائر غير حسن، وقوله { يأخذه عدو لي وعدو له ~~} هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله { فليلقه اليم بالساحل } ~~فيها وجهان معروفان عند العلماء أحدهما أن صيغة الأمر معناها الخبر، ~~قال أبو حيان في البحر المحيط و { فليلقه } أمر معناه الخبر، وجاء ~~بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال ms1622 وأوجبها. الوجه الثاني أن ~~صيغة الأمر في قوله { فليلقه } أريد بها الأمر الكوني القدري، ~~كقوله # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله أمره بذلك كونا وقدرا. ~~وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى # فليمدد له الرحمن مدا # مريم 75. وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات أوضحه في غير هذا الموضع، ~~كقوله في " القصص " # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 7 - 8 وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه ~~في اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون في قوله تعالى # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين # القصص 10. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يأخذه } مجزوم في ~~جواب الطلب الذي هو { فليلقه اليم بالساحل } وعلى أنه ~~بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. # وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله ~~تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار وهو الزفت ~~لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطنا محلوجا. ~~وقيل إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل ~~فرعون، قيل واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلا فإذا خافت على موسى ~~من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته ~~إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر ~~بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى ~~في قوله # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا # القصص 10 الآية. وما ذكره جلا وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه ~~المتتابعة على موسى حيث قال { ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى } طه 37 أشار إلى ما ms1623 يشبهه في قوله # ولقد مننا على موسى وهارون # الصافات 114 الآية. قوله تعالى { وألقيت عليك محبة ~~مني }. من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى ~~وعليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما ذكره جل وعلا في " القصص " في قوله # وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا ~~تقتلوه # القصص 9 الآية، قال ابن عباس { وألقيت عليك محبة مني ~~} أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية جعل عليه مسحة من جمال. لا ~~يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد ~~إلا أحبه وعشقه. قاله القرطبي. ### || [20.40] # قوله تعالى { إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على ~~من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن }. اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو " إذ " من قوله ~~{ إذ تمشي أختك } فقيل هو " ألقيت " أي ألقيت عليك محبة ~~مني حين تمشي أختك. وقيل هو " تصنع " على عيني حين تمشي أختك. وقيل هو ~~بدل من " إذ " في قوله # إذ أوحينآ إلى أمك # طه 38. قال الزمخشري فإن قلت كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ ~~قلت كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل لقيت فلانا ~~سنة كذا. فتقول وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في ~~آخرها. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كون أخته مشت ~~إليهم، وقالت لهم { هل أدلكم على من يكفله } أوضحه جل ~~وعلا في سورة " القصص " فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف ~~خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك. وأن ~~الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريما كونيا قدريا. فقالت لهم أخته { ~~هل أدلكم على من يكفله } أي على مرضع يقبل هو ثديها ~~وتكفله لكم بنصح وأمانة وذلك في قوله تعالى # وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت ~~هل أدلكم على أهل بيت ms1624 يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا ~~تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون # القصص 11-13 فقوله تعالى في آية " القصص " هذه { وقالت لأخته } ~~أي قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها { قصيه } أي اتبعي أثره، وتطلبي ~~خبره حتى تطلعي على حقيقة أمره. وقوله { فبصرت به عن جنب } ~~أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده { وهم لا ~~يشعرون } بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعا من أن يقبل ثدي ~~مرضعة، لأن الله يقول { وحرمنا عليه المراضع } أي تحريما ~~كونيا قدريا، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه، لأنه لو قبل ~~غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن ~~ابن عباس أنه لما قالت لهم { هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون } أخذوها وشكوا في أمرها ~~وقالوا لها ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟! فقالت لهم نصحهم له، ~~وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ~~ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ~~ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى امرأة الملك ~~فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، فالتقمه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب ~~البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاء ~~جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. # ثم سألتها " آسية " أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت إن لي ~~بعلا وأولادا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في ~~بيتي فعلت فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة ~~والصلات والكساوى والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها ~~الله بعد خوفها أمنا في عز وجاه، ورزق دار ا ه من ابن كثير. وقوله ~~تعالى في آية " القصص " # ولتعلم أن وعد الله حق # القصص 13 وعد الله المذكور هو قوله # ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك ms1625 ~~وجاعلوه من المرسلين # القصص 7 والمؤرخون يقولون إن أخت موسى المذكورة اسمها " مريم " وقوله { ~~كي تقر عينها } إن قلنا فيه إن " كي " حرف مصدري فاللام ~~محذوفة، أي لكي تقر. وإن قلنا إنها تعليلية، فالفعل منصوب بأن مضمرة. ~~وقوله { تقر عينها } قيل أصله من القرار. لأن ما يحبه الإنسان ~~تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره كما قال أبو الطيب # وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا # وقيل أصله من القر بضم القاف وهو البرد، تقول العرب يوم قر ~~بالفتح أي بارد، ومنه قول امرئ القيس # تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعا صبر إذا ركبوا الخيل ~~واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر # ومنه أيضا قول حاتم الطائي الجواد # أوقد فإن الليل ليل قر والريح يا واقد ريح صر عل يرى نارك من يمر ~~إن جلبت ضيفا فأنت حر # وعلى هذا القول فقرة العين من بردها. لأن عين المسرور باردة، ودمع ~~البكاء من السرور بارد جدا، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء ~~من الحزن حار جدا. ومن أمثال العرب أحر من دمع المقلات. وهي التي لا ~~يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك. قوله ~~تعالى { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك ~~فتونا }. لم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه ~~النفس، ولا ممن هي، ولا يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون ~~الذي فتنه، ولكنه بين في سورة " القصص " خبر القتيل المذكور في قوله ~~تعالى # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من ~~عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو ~~الغفور الرحيم # القصص 15-16 وأشار إلى القتيل المذكور في قوله # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون # القصص 33 وهو المراد بالذنب ms1626 في قوله تعالى عن موسى # فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن ~~يقتلون # الشعراء 13-14 وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه # وفعلت فعلتك التي فعلت # الشعراء 19 الآية. وقد أشار تعالى في " القصص " أيضا إلى غم موسى، وإلى ~~السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين فخرج منها خآئفا يترقب قال رب ~~نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقآء ~~مدين قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل ~~ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء ~~وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى ~~الظل فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير ~~فقير فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء قالت ~~إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما ~~جآءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين # القصص 20-25. وقوله { وفتناك فتونا } قال بعض أهل العلم الفتون ~~مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول في المتعدي كالثبور ~~والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحجوز ~~وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروبا من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون ~~المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث " الفتون " ، أخرجه النسائي عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده. ~~وهو حديث طويل يقتضي أن الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من ~~فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك ألقي ~~في التابوت وقذف في اليم فألقاه اليم بالساحل. وكخوفه وهو كبير من أن ~~يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك ~~المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير ~~رحمه الله بعد أن ساق ms1627 حديث الفتون بطوله هكذا رواه النسائي في السنن ~~الكبرى. وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من ~~حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا ~~قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من ~~الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ ~~أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا ا ه. # قوله تعالى { فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت ~~على قدر يموسى }. السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في ~~قوله تعالى # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا ~~فمن عندك # القصص 27 وقد قدمنا في سورة " مريم " أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من ~~السنة. وبه تعلم أن الأجل في قوله # فلما قضى موسى الأجل # القصص 29 أنه عشر سنين لا ثمان. وقال بعض أهل العلم لبث موسى في مدين ~~ثمان وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو ~~اختيارا، والله تعالى أعلم. وأظهر الأقوال في قوله تعالى { ثم جئت ~~على قدر يموسى } أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك ~~تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم، كما قال تعالى # إنا كل شيء خلقناه بقدر # القمر 49 وقال # وكل شيء عنده بمقدار # الرعد 8، وقال # وكان أمر الله قدرا مقدورا # الأحزاب 38. وقال جرير يمدح عمر بن عبدالعزيز. # نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر ### || [20.42-43] # قال بعض أهل العلم المراد بالآيات في قوله هنا { اذهب أنت ~~وأخوك بآياتي } الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # الإسراء 101 الآية، وقوله # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات # النمل 12 الآية. والآيات التسع المذكورة هي العصا واليد البيضاء... إلى ~~آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة " بني إسرائيل ". وقوله ~~تعالى { إنه طغى } أصل ms1628 الطغيان مجاوزة الحد، ومنه # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # الحاقة 11 وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله ~~عند # فقال أنا ربكم الأعلى # النازعات 24، وقوله عنه # ما علمت لكم من إله غيري # القصص 38، وقوله عنه أيضا # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # الشعراء 29. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، { ولا تنيا } مضارع ~~ونى يني، على أحد قول ابن مالك في الخلاصة # فا أمرا ومضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد # والونى في اللغة الضعف، والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس ~~في معلقته # مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غبارا بالكديد المركل # وقول العجاج # فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر # فقوله { ولا تنيا في ذكري } أي لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. ~~وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # آل عمران 191، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا # الأنفال 45 كما تقدم إيضاحه. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه ~~الآية الكريمة والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون. ~~ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له، كما جاء ~~في الحديث # " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه " # ا ه منه. وقال بعض أهل العلم { ولا تنيا في ذكري } لا تزالا ~~في ذكري. واستشهد لذلك بقول طرفة # كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبدا تغلي # أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. ### || [20.44] # أمر الله جل وعلا نبيه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام أن ~~يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه " قولا لينا " أي ~~كلاما لطيفا سهلا رقيقا، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين جل وعلا ~~المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله # اذهب ms1629 إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن ~~تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # النازعات 17-19 وهذا والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى. وما ~~أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا ~~الموضع، كقوله # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # النحل 125. مسألة يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الدعوة إلى الله يجب أن ~~تكون بالرفق واللين. لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بيناه في سورة " ~~المائدة " في الكلام على قوله تعالى # عليكم أنفسكم # المائدة 105 الآية. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية قال ~~يزيد الرقاشي عند قوله { فقولا له قولا لينا } يا من يتحبب ~~إلى من يعاديه، فكشف بمن يتولاه ويناديه؟ ا ه ولقد صدق من قال # ولو أن فرعون لما طغى وقال على الله إفكا وزورا أناب إلى الله ~~مستغفرا لما وجد الله إلا غفورا # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لعله يتذكر أو ~~يخشى } قد قدمنا قول بعض العلماء إن " لعل " في القرآن بمعنى ~~التعليل، إلا التي في سورة " الشعراء " # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # الشعراء 129 فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضا أن " لعل " تأتي في ~~العربية للتعليل. ومنه قوله # فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثقى فلما كففنا ~~الحرب كانت عهودكم كشبه سراب بالملا متألق # فقوله " لعلنا نكف " أي لأجل أن نكف. وقال بعض أهل العلم { لعله ~~يتذكر أو يخشى } معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجي والتوقع ~~المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر. وعزا القرطبي هذا القول لكبراء ~~النحويين كسيبويه وغيره. ### || [20.47] # ألف الاثنين في قوله " فأتياه " راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة ~~إلى فرعون. أي فأتيا فرعون " فقولا " له " إنا رسولان إليك من ربك فأرسل ~~معنا بني إسرائيل " أي خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاؤوا، ولا ~~تعذبهم. العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل هو المذكور في ~~سورة " البقرة " في قوله # وإذ نجيناكم من ms1630 آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # البقرة 49، وفي سورة " إبراهيم " في قوله تعالى # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم # إبراهيم 6 الآية، وفي سورة " الأعراف " في قوله تعالى # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم # الأعراف 141 الآية. وفي سورة " الدخان " في قوله # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ~~من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين # الدخان 30-31 وفي سورة " الشعراء " في قوله # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل # الشعراء 22 الآية. وما أمر به الله موسى وهارون في آية " طه " هذه من ~~أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني ~~إسرائيل ولا يعذبهم أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ~~" الشعراء " # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن ~~أرسل معنا بني إسرائيل # الشعراء 16-17. تنبيه فإن قيل، ما وجه الإفراد في قوله { إنا رسول ~~رب العالمين } في " الشعراء "؟ مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول ~~مثنى في " طه " فما وجه التثنية في " طه " والإفراد في " الشعراء " ، وكل ~~واحد من اللفظين المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟ فالذي يظهر لي ~~والله تعالى أعلم أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ~~ذكر وأفرد كما قدمنا مرارا. فالإفراد في " الشعراء " نظرا إلى أن أصل ~~الرسول مصدر. والتثنية في " طه " اعتدادا بالوصفية العارضة وإعراضا عن ~~الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتدادا بوصفيته العارضة، ويفرد مرادا به ~~الجمع نظرا إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى # تلك الرسل # البقرة 253 الآية، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مرادا به الجمع ~~قول أبي ذؤيب الهذلي # ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر # ومن إطلاق الرسول مرادا به المصدر على الأصل قوله # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بقول ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة. وقول الآخر ms1631 # ألا بلغ بني عصم رسولا بأني عن فتاحتكم غني # يعني أبلغهم رسالة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { قد جئناك ~~بآية } يراد به جنس الآية الصادق بالعصا واليد وغيرهما. لدلالة آيات ~~آخر على ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { والسلام على ~~من اتبع الهدى } يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ~~ويفهم من الآية أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك. ولذا كان في ~~أول الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم # " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنى أدعوك بدعاية ~~الإسلام " # إلى آخر كتابه صلى الله عليه وسلم. ### || [20.48] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن موسى وهارون. أن الله أوحى ~~إليهما أن العذاب على من كذب وتولى أشير إلى نحوه في آيات كثيرة من ~~كتاب الله تعالى. كقوله # فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم ~~هي المأوى # النازعات 37-39، وقوله تعالى # فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاهآ إلا الأشقى ~~الذي كذب وتولى # الليل 14-16. وقوله تعالى # فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم ~~أولى لك فأولى # القيامة 31-35 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [20.49-50] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن موسى وهارون لما بلغا فرعون ما ~~أمرا إياه قال لهما من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إلي!؟ زاعما أنه ~~لا يعرفه. وأنه لا يعلم لهما إلها غير نفسه، كما قال # ما علمت لكم من إله غيري # القصص 38، وقال # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # الشعراء 29. وبين جلا وعلا في غير هذا الموضع أن قوله { فمن ~~ربكما } تجاهل عارف بأنه عبد مربوب لرب العالمين، وذلك في قوله ~~تعالى # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر # الإسراء 102 الآية، وقوله # فلما جآءتهم آياتنا ms1632 مبصرة قالوا هذا سحر ~~مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما ~~وعلوا # النمل 13-14 كما تقدم إيضاحه. وسؤال فرعون عن رب موسى، وجواب موسى له ~~جاء موضحا في سورة " الشعراء " بأبسط مما هنا، وذلك في قوله # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين قال لمن ~~حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ ~~إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء ~~مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي ~~بيضآء للناظرين # الشعراء 23-33 إلى آخر القصة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ~~فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضا، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية ~~لجميعها. منها أن معنى { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ~~أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم ~~نظير خلقهم من الإناث أزواجا. وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في ~~صورتها وهيئتها من الإناث أزواجا. فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه ~~بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق ~~المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من ~~المطاعم والمشارب وغير ذلك. وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضا { ~~ثم هدى } أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال بعض أهل ~~العلم { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } أي أعطى كل شيء ~~صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة. وقال بعض أهل ~~العلم { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } أي أعطى كل شيء ~~صورته المناسبة له. فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في ~~صورة ms1633 الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديرا، كما ~~قال الشاعر # وله في كل شيء خلقة وكذاك الله ما شاء فعل # يعني بالخلقة الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن ~~جبير { ثم هدى } كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه. وقال بعض أهل العلم { ~~أعطى كل شيء خلقه } أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق ~~المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن ~~الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، كل واحد ~~منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روي عن ~~الضحاك. وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى { كل شيء } هو ~~المفعول الأول ل " أعطى " ، و " خلقه " هو المفعول الثاني. وقال بعض ~~أهل العلم إن " خلقه " هو المفعول الأول، و " كل شيء " هو المفعول ~~الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون ~~إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ~~ومنه " أعطى " في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن ~~أمن اللبس، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل كما هو معلوم في علم النحو. ~~وأشار له في الخلاصة بقوله # ويلزم الأصل لموجب عرا وترك ذاك الأصل حتما قد يرى # قال مقيده عفا الله عنه ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال ~~المذكورة. لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في ~~الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به. ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله ~~وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في ~~المناكحة والألفة والاجتماع. وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة ~~به فسبحانه جل وعلا؟ ما أعظم شأنه وأكمل قدرته؟! وفي هذه الأشياء ~~المذكورة في معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه جلا وعلا رب كل ~~شيء، وهو المعبود وحده جل وعلا # لا إله إلا هو كل شيء هالك ms1634 إلا وجهه له ~~الحكم وإليه ترجعون # القصص 88. وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه ~~الله في رسالته في علوم القرآن أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في ~~معاني الآيات ليس اختلافا متضادا يكذب بعضه بعضا، ولكنه اختلاف تنوعي ~~لا يكذب بعضه بعضا، والآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، ~~وأوضح أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، وعزاه ~~لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة. والعلم عند الله تعالى. ### || [20.53-54] # قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي " مهدا " بفتح الميم وإسكان الهاء ~~من غير ألف. وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. ~~والمهاد الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدرا لا ينافي أن ~~يستعمل اسما للفراش. وقوله في هذه الآية { الذي جعل لكم ~~الأرض } في محل رفع نعت ل " ربي " من قوله قبله # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى # طه 52 أي لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهدا. ويجوز أن يكون خبرا ~~لمبتدأ محذوف. أي هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو ~~أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة أعني، كما أشار إلى هذه الأوجه من ~~الإعراب في الخلاصة بقوله # وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا # هكذا قال غير واحد من العلماء. والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ ~~محذوف. لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى { لا ~~يضل ربي } لأن قوله { فأخرجنا } يعين أنه من كلام الله، كما ~~نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى. وقد بين جل وعلا في ~~هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده. ~~ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره فهي ~~من النعم العظمى على بني آدم. الأولى فرشه الأرض على هذا النمط العجيب. ~~الثانية جعله فيها سبلا يمر معها بنو آدم ms1635 ويتوصلون بها من قطر إلى قطر. ~~الثالثة إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب. الرابعة إخراجه ~~أنواع النبات من الأرض. أما الأولى التي هي جعله الأرض مهدا فقد ذكر ~~الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من ~~كتابه. كقوله تعالى # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا # الزخرف 9-10 الآية، وقوله تعالى # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # النبأ 6-7، وقوله تعالى # والأرض فرشناها فنعم الماهدون # الذاريات 48، وقوله تعالى # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا # الرعد 3 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وأما الثانية التي هي جعله فيها ~~سبلا فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة. كقوله في " الزخرف ~~" # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون # الزخرف 9-10، وقوله تعالى # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا ~~فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # الأنبياء 31 وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة " النحل " في ~~الكلام على قوله # وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون # النحل 15. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرجنا } فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة ~~التعظيم. ونظيره في القرآن قوله تعالى في " الأنعام " # وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه ~~حبا متراكبا # الأنعام 99 الآية، وقوله في " فاطر " # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها # فاطر 27، وقوله في " النمل " # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة # النمل 60 الآية. وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في ~~هذه الآيات كلها في إنبات النبات يدل على تعظيم شأن إنبات النبات لأنه ~~لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئا ليهلك الناس جوعا وعطشا. فهو يدل على ~~عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق ms1636 إليه ولزوم طاعتهم له جل وعلا. وقوله ~~في هذه الآية { أزواجا من نبات شتى } أي أصنافا مختلفة من ~~أنواع النبات. فالأزواج جمع زوج، وهو هنا الصنف من النبات، كما قال تعالى ~~في سورة " الحج " # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # الحج 5 أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى في سورة " لقمان " # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل ~~دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم # لقمان 10 أي من كل نوع حسن من أنواع النبات، وقال تعالى في سورة " يس " # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # يس 36 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { شتى } نعت لقوله { أزواجا ~~}. ومعنى قوله { شتى } جمع ل " نبات " أي نبات مختلف كما بينا. ~~والأظهر الأول، وقوله { شتى } جمع شتيت. كمريض ومرضى. والشتيت ~~المتفرق. ومنه قول رؤبة يصف إبلا جاءت مجتمعة ثم تفرقت، وهي تثير ~~غبارا مرتفعا # جاءت معا وأطرقت شتيتا وهي تثير الساطع السختيتا # وثغر شتيت أي متفلج لأنه متفرق الأسنان. أي ليس بعضها لاصقا ببعض. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وسلك لكم فيها سبلا } قد ~~قدمنا أن معنى السلك الإدخال. وقوله { سلك } هنا معناه أنه جعل في ~~داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلا فجاجا يمر الخلق معها. وعبر عن ~~ذلك هنا بقوله { وسلك لكم فيها سبلا } وعبر في مواضع أخر عن ~~ذلك بالجعل، كقوله في " الأنبياء " # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا ~~فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # الأنبياء 31 وقوله في " الزخرف " # الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا ~~لعلكم تهتدون # الزخرف 10 وعبر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في " النحل " # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون # النحل 15 لأن عطف السنبل على الرواسي ظاهر في ذلك. وقوله تعالى ms1637 في هذه ~~الآية الكريمة { كلوا وارعوا } أي كلوا أيها الناس من الثمار ~~والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو ~~غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك، وارعوا أنعامكم. أي أسيموها ~~وسرحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها. تقول رعت الماشية الكلأ، ورعاها ~~صاحبها أي أسلمها وسرحها. يلزم ويتعدى. والأمر في قوله { كلوا ~~وارعوا } للإباحة. ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على ~~استحقاق المنعم بذلك العبادة وحده. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من ~~الامتنان على بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضحا في مواضع أخر. ~~كقوله في سورة " السجدة " # فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # السجدة 27، وقوله في " النازعات " # أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال أرساها ~~متاعا لكم ولأنعامكم # النازعات 31-33، وقوله في " عبس " # أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ~~ولأنعامكم # عبس 25-32 وقوله في " النحل " # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون # النحل 10، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~لأولي النهى } أي لأصحاب العقول. فالنهى جمع نهية بضم النون، وهي ~~العقل. لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب نهو الرجل بصيغة فعل ~~بالضم إذا كملت نهيته أي عقله. وأصله نهي بالياء فأبدلت الياء واوا ~~لأنها لام فعل بعد ضم. كما أشار له في الخلاصة بقوله # وواوا إثر الضم رد اليا متى ألفى لام فعل أو من قبل تا ### || [20.55] # الضمير في قوله " منها " معا، وقوله { فيها } راجع إلى " الأرض ~~" المذكورة في قوله { الذي جعل لكم الأرض مهدا }. وقد ذكر ~~في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل الأولى أنه خلق بني آدم من الأرض. ~~الثانية أنه يعيدهم فيها. الثالثة أنه يخرجهم منها مرة أخرى. وهذه ~~المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية جاءت موضحة في غير هذه المواضع. ~~أما خلقه إياهم من الأرض فقد ذكره في مواضع ms1638 من كتابه. كقوله # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5، الآية، وقوله تعالى # ومن آياته أن خلقكم من تراب # الروم 20 الآية، وقوله في سورة " المؤمن " # هو الذي خلقكم من تراب # غافر 67 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن معنى خلقه الناس من ~~تراب أنه خلق أباهم آدم منها. كما قال تعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # آل عمران 59 الآية. ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعا له في الخلق ~~صدق عليهم أنهم خلقوا من تراب. وما يزعمه بعض أهل العلم من أن معنى ~~خلقهم من تراب أن النطفة إذا وقعت في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم ~~فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة ~~من النطفة والتراب معا فهو خلاف التحقيق. لأن القرآن يدل على أن مرحلة ~~النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة. فهي غير مقارنة لها بدليل الترتيب بينهما ~~ب " ثم " في قوله تعالى # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # الحج 5 الآية، وقوله تعالى # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة # غافر 67 الآية، وقوله تعالى # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ~~الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين # السجدة 6-8 وكذلك ما يزعمه بعض المفسرين من أن معنى خلقهم من تراب ~~أن المراد أنهم خلقوا من الأغذية التي تتولد من الأرض فهو ظاهر السقوط ~~كما ترى. وأما المسألة الثانية فقد ذكرها تعالى أيضا في غير هذا ~~الموضع. وذلك في قوله تعالى # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا # المرسلات 25-26 فقوله { كفاتا } أي موضعهم الذي يكفتون فيه أي يضمون ~~فيه أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. وهو معنى قوله { وفيها ~~نعيدكم }. وأما المسألة الثالثة وهي إخراجهم من الأرض أحياء يوم ~~القيامة فقد جاءت موضحة في آيات كثيرة. كقوله # ويحيي الأرض بعد ms1639 موتها وكذلك تخرجون # الروم 19 أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى # وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # ق 11 أي من القبور بالبعث يوم القيامة، وقوله تعالى # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون # الروم 25، وقوله تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # الأعراف 57، وقوله تعالى # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # المعارج 43، وقوله تعالى # يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج # ق 42، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~منها خلقناكم } الآية، كقوله تعالى # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # الأعراف 25. والتارة في قوله { تارة أخرى } بمعنى المرة. وفي ~~حديث السنن # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما أرادوا دفن الميت ~~أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال " منها خلقناكم " ثم أخذ أخرى ~~وقال " وفيها نعيدكم " ثم أخرى وقال " ومنها نخرجكم تارة أخرى ". ### || [20.56] # أظهر القولين أن الإضافة في قوله { آياتنا } مضمنة معنى العهد كالألف ~~واللام. والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # الإسراء 101 الآية، وقوله تعالى # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات إلى فرعون وقومه # النمل 12 الآية. وقال بعضهم الآيات التسع المذكورة هي العصا، واليد ~~البيضاء، وفلق البحر، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، والجراد، ~~والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. وقد قدمنا كلام ~~أهل العلم في الآيات التسع في سورة " الإسراء ". وقال بعض أهل العلم ~~العموم على ظاهره، وإن الله أرى فرعون جميع الآيات التي جاء بها موسى، ~~والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وذلك بأن عرفه موسى جميع معجزاته ~~ومعجزات سائر الأنبياء. والأول هو الظاهر. وقد بين جل وعلا في غير هذا ~~الموضع أن الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض، كما قال ~~تعالى ms1640 في سورة " الزخرف " # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها # الزخرف 48، وقوله # لنريك من آياتنا الكبرى # النازعات 20 لأن الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر، وهي صيغة تفضيل تدل ~~على أنها أكبر من غيرها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فكذب ~~وأبى } يعني أنه مع ما أراه الله من الآيات المعجزات الدالة على صدق ~~نبيه موسى، كذب رسول ربه موسى، وأبى عن قبول الحق. وقد أوضح جل وعلا في ~~غير هذا الموضع شدة إبائه وعناده وتكبره على موسى في مواضع كثيرة من ~~كتابه. كقوله # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين # الأعراف 132، وقوله تعالى # فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون # الزخرف 47 وقوله # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # الشعراء 29، وقوله تعالى # ونادى فرعون في قومه قال يقوم أليس لي ملك ~~مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ~~أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء ~~معه الملائكة مقترنين # الزخرف 51-53. ومقصوده بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه ~~لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول. وقد بين جل وعلا أن فرعون كذب وأبى، وهو ~~عالم بأن ما جاء به موسى حق. وأن الآيات التي كذب بها وأبى عن قبولها ما ~~أنزلها إلا الله، وذلك في قوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # النمل 14. وقوله # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا # الإسراء 102 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله { أريناه } أصله من رأى ~~البصرية على الصحيح. ### || [20.57] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لما رأى فرعون آياته على يد نبيه ~~موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال إن الآيات التي جاء بها موسى ~~سحر، وأنه يريد بها إخراج فرعون وقومه من أرضهم. أما دعواه هو وقومه أن ~~موسى ساحر فقد ذكره الله جل وعلا في مواضع ms1641 كثيرة من كتابه. كقوله # فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين # يونس 76، وقوله # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر # طه 71، وقوله # وقالوا يأيها الساحر ادع لنا ربك # الزخرف 49 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأما ادعاؤهم أنه يريد إخراجهم ~~من أرضهم بالسحر فقد ذكره الله جل وعلا أيضا في مواضع من كتابه. كقوله ~~تعالى في هذه السورة { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يموسى } طه 57، وقوله في " الأعراف " # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون # الأعراف 109-110، وقوله في " الشعراء " # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون # الشعراء 34-35، وقوله في " يونس " # قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض # يونس 78 الآية، وقال سحرة فرعون # قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم ~~من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى # طه 63. ### || [20.58-59] # قوله تعالى { فلنأتينك بسحر مثله }. ذكر جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة أن فرعون لعنه الله، لما رأى آيات الله ومعجزاته ~~الباهرة، وادعى أنها سحر أقسم ليأتين موسى بسحر مثل آيات الله التي ~~يزعم هو أنها سحر. وقد بين في غير هذا الموضع أن إتيانهم بالسحر وجمعهم ~~السحرة كان عن اتفاق ملئهم على ذلك. كقوله في " الأعراف " # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ~~قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين ~~يأتوك بكل ساحر عليم # الأعراف 109-112. وقوله في " الشعراء " # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ~~قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدآئن حاشرين ~~يأتوك بكل سحار عليم # الشعراء 34-37، لأن قوله { فماذا تأمرون } في الموضعين يدل على ~~أن قول فرعون { فلنأتينك بسحر مثله } وقع بعد مشاورة ~~واتفاق الملأ منهم على ذلك. قوله تعالى { فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال ~~موعدكم يوم الزينة ms1642 وأن يحشر الناس ضحى }. ذكر جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة أن فرعون لما وعد موسى بأنه يأتي بسحر مثل ما ~~جاء به موسى في زعمه قال لموسى { فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت } والإخلاف عدم إنجاز ~~الوعد. وقرر أن يكون مكان الاجتماع للمناظرة وللمغالبة في السحر في زعمه ~~مكانا سوى. وأصح الأقوال في قوله { سوى } أصله من الاستواء. لأن ~~المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها بل هي مستوية. وقوله { سوى ~~} فيه ثلاث لغات الضم، والكسر مع القصر، وفتح السين مع المد. والقراءة ~~بالأوليين دون الثالثة هنا ومن القراءة بالثالثة # تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم # آل عمران 64 ومن إطلاق العرب { مكانا سوى } على المكان المتوسط بين ~~الفريقين قول موسى بن جابر الحنفي، وقد أنشده أبو عبيدة شاهدا لذلك # وإن أبانا كان حل ببلدة سوى بين قيس قيس عيلان والفزر # والفزر سعد بن زيد مناة بن تميم. يعني حل ببلدة مستوية مسافتها بين قيس ~~عيلان والفزر. وأن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون إلى ~~ما طلب منه من الموعد، وقرر أن يكون وقت ذلك يوم الزينة. وأقوال أهل ~~العلم في يوم الزينة راجعة إلى أنه يوم معروف لهم، يجتمعون فيه ويتزينون. ~~سواء قلنا إنه يوم عيد لهم، أو يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم ~~كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون فيه بأنواع الزينة. قال الزمخشري وإنما ~~واعدهم موسى ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وظهر دينه، وكبت الكافر وزهوق ~~الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع الغاص لتقوي رغبة من رغب في اتباع ~~الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر. # ليعلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والحضر ا ه منه. ~~والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله { وأن يحشر الناس ~~ضحى } في محل جر عطفا على { الزينة } أي موعدكم يوم الزينة وحشر ~~الناس، أو في محل رفع عطفا على قوله { يوم الزينة } على قراءة ~~الجمهور بالرفع. والحشر ms1643 الجمع والضحى من أول النهار حين تشرق الشمس. ~~والضحى يذكر ويؤنث. فمن أنثه ذهب إلى أنه جمع ضحوة. ومن ذكره ذهب إلى ~~أنه اسم مفرد جاء على فعل بضم ففتح كصرد وزفر. وهو منصرف إذا لم ترد ضحى ~~يوم معين بلا خلاف. وإن أردت ضحى يومك المعين فقيل يمنع من الصرف كسحر. ~~وقيل لا. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كون المناظرة بين ~~موسى والسحرة عين لوقتها يوم معلوم يجتمع الناس فيه. ليعرفوا الغالب من ~~المغلوب أشير له في غير هذا الموضع. كقوله تعالى في " الشعراء " # فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس ~~هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن ~~كانوا هم الغالبين # الشعراء 38-40. فقوله تعالى { لميقات يوم معلوم }. اليوم ~~المعلوم هو يوم الزينة المذكور هنا. وميقاته وقت الضحى منه المذكور في ~~قوله { وأن يحشر الناس ضحى }. تنبيه اعلم أن في تفسير هذه ~~الآية الكريمة أنواعا من الإشكال معروفة عند العلماء، وسنذكر إن شاء ~~الله تعالى أوجه الإشكال فيها، ونبين إزالة الإشكال عنها. اعلم أولا ~~أن الفعل الثلاثي إن كان مثالا أعني واوي الفاء كوعد ووصل، فالقياس في ~~مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه كلها المفعل بفتح الميم وكسر العين ما لم ~~يكن معتل اللام. فإن كان معتلها فالقياس فيه المفعل بفتح الميم والعين ~~كما هو معروف في فن الصرف. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { فاجعل بيننا وبينك موعدا } صالح بمقتضى ~~القياس الصرفي لأن يكون مصدرا ميميا بمعنى الوعد، وأن يكون اسم زمان ~~يراد به وقت الوعد، وأن يكون اسم مكان يراد به مكان الوعد. ومن إطلاق ~~الموعد في القرآن اسم زمان قوله تعالى # وإن جهنم لموعدهم أجمعين # الحجر 43 أي مكان وعدهم بالعذاب. وأوجه الإشكال في هذا أن قوله { لا ~~نخلفه نحن ولا أنت } يدل على أن الموعد مصدر. لأن الذي يقع ~~عليه الإخلاف هو الوعد لا زمانه ولا مكانه. وقوله تعالى { مكانا سوى ~~}. يدل على أن الموعد في الآية ms1644 اسم مكان. وقوله { قال موعدكم ~~يوم الزينة } يدل على أن الموعد في الآية اسم زمان. فإن قلنا إن ~~الموعد في الآية مصدر أشكل على ذلك ذكر المكان في قوله { لا نخلفه ~~} لأن نفس المكان لا يخلف وإنما يخلف الوعد، وأشكل عليه أيضا قوله { ~~قال موعدكم يوم الزينة }. # وإن قلنا إن الموعد اسم زمان أشكل عليه أيضا قوله { لا نخلفه } ~~، وقوله { مكانا سوى } هذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة. ~~وللعلماء عن هذا أجوبة منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال لا يخلو ~~الموعد في قوله { فاجعل بيننا وبينك موعدا } من أن يجعل ~~زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن قوله { ~~موعدكم يوم الزينة } إلى أن قال فبقي أن يجعل مصدرا بمعنى ~~الوعد ويقدر مضاف محذوف، أي مكان الوعد، ويجعل الضمير في { نخلفه } ~~للموعد و { مكانا } بدل من المكان المحذوف. فإن قلت كيف طابقه قوله { ~~موعدكم يوم الزينة } ولا بد من أن تجعله زمانا والسؤال ~~واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا. ~~لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم ~~فيه في ذلك اليوم. فبذكر الزمان علم المكان. انتهى محل الغرض منه. ولا ~~يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من المحذوف. قال مقيده ~~عفا الله عنه وغفر له أظهر ما أجيب به عما ذكرنا من الإشكال عندي في هذه ~~الآية الكريمة أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد، وأنه يكون ~~مكانا سوى. أي وسطا بين أطراف البلد كما بينا. وأن موسى وافق على ذلك ~~وعين زمان الوعد وأنه يوم الزنية ضحى. لأن الوعد لا بد له من مكان ~~وزمان. فإذا علمت ذلك فاعلم أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من ~~قال في قوله { فاجعل بيننا وبينك موعدا } إنه اسم مكان ~~أي مكان الوعد، وقوله { مكانا } بدل من قوله موعدا. لأن الموعد إذا ~~كان اسم مكان صار هو ms1645 نفس المكان فاتضح كون { مكانا } بدلا. ولا إشكال ~~في ضمير { نخلفه } على هذا. ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في ~~فن الصرف أن اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه، فاسم المكان ~~ينحل عن مصدر ومكان. فالمنزل مثلا مكان النزول، والمجلس مكان الجلوس، ~~والموعد مكان الوعد. فإذا اتضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان ~~فالضمير في قوله { لا نخلفه } راجع للمصدر، و { مكانا } منصوب ~~بفعل دل عليه الموعد. أي عدنا مكانا سوى. ونصب المكان بأنه مفعول المصدر ~~الذي هو { موعدا } أو أحد مفعولي { فاجعل } غير صواب فيما يظهر ~~لي والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { مكانا سوى ~~} قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين والباقون بكسرها. ومعنى ~~القراءتين واحد كما تقدم. ### || [20.60] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فتولى فرعون } قال بعض ~~العلماء معناه فتولى فرعون، انصرف مدبرا من ذلك المقام ليهيئ ما يحتاج ~~إليه مما تواعد عليه هو وموسى. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة " ~~النازعات " في القصة بعينها # ثم أدبر يسعى فحشر فنادى # النازعات 22-23 وقوله { فحشر } أي جمع السحرة. وقال بعض العلماء ~~معنى قوله { فتولى فرعون } أي أعرض عن الحق الذي جاء به موسى. ~~ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى # إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى # طه 48. وقوله تعالى { فجمع كيده } هو جمعه للسحرة من أطراف ~~مملكته، ويدل على هذا أمران أحدهما تسمية السحر في القرآن كيدا. كقوله # إنما صنعوا كيد ساحر # طه 69 الآية، وقوله تعالى عن السحرة # فأجمعوا كيدكم # طه 64 وكيدهم سحرهم. الثاني أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت ~~عليه آيات من كتاب الله. كقوله تعالى في " الأعراف " # وأرسل في المدآئن حاشرين يأتوك بكل ساحر ~~عليم # الأعراف 111-112. وقوله { حاشرين } أي جامعين يجمعون السحرة من ~~أطراف مملكته، وقوله في " الشعراء " # وابعث في المدآئن حاشرين يأتوك بكل سحار ~~عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم # الشعراء 36-38 وقوله في " يونس " # وقال فرعون ms1646 ائتوني بكل ساحر عليم # يونس 79. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ثم أتى } أي جاء ~~فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه. ### || [20.65] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا ~~مع موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه { إمآ أن تلقي وإمآ ~~أن نكون أول من ألقى } وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير ~~هذا الموضع. كقوله في " الأعراف " # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون نحن ~~الملقين # الأعراف 115. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان ~~التي تضمنها أن يحذف مفعول { نلقي } ، ومفعول أول من { ألقى } ~~وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في ~~" الأعراف " # أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون # الأعراف 117، وقوله في " الشعراء " # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون # الشعراء 45، وقوله هنا # وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا # طه 69 الآية. وما في يمينه هو عصاه. كما قال تعالى # وما تلك بيمينك يموسى قال هي عصاي # طه 17-18 الآية. وقد بين تعالى أيضا في موضع آخر أن مفعول إلقائهم هو ~~حبالهم وعصيهم، وذلك في قوله في " الشعراء " # فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون # الشعراء 44. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله هنا # قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى # طه 66، لأن في الكلام حذفا دل المقام عليه، والتقدير قال بل ألقوا ~~فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. ~~والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله { أن تلقي } وفي قوله { ~~أن نكون } فيه وجهان من الإعراب الأول أنه في محل نصب بفعل محذوف ~~دل المقام عليه، والتقدير إما أن تختار أن تلقي أي تختار إلقاءك أولا، ~~أو تختار إلقاءنا أولا. وتقدير المصدر الثاني وإما أن تختار أن نكون أي ~~كوننا أول من ألقى، والثاني أنه في محل رفع، وعليه فقيل ms1647 هو مبتدأ ~~والتقدير إما إلقاؤك أول، أو إلقاؤنا أول. وقيل خبر مبتدأ محذوف، أي إما ~~الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك. ### || [20.66] # قوله تعالى { قال بل ألقوا } ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ~~أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن ~~يلقي قبلهم أو يلقوا قبله قال لهم { ألقوا } يعني ألقوا ما أنتم ~~ملقون كما صرح به في " الشعراء " في قوله تعالى # قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون # الشعراء 43 وذلك هو المراد أيضا بقوله في " الأعراف " # قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس # الأعراف 116 الآية. تنبيه قول موسى للسحرة ألقوا المذكور في " الأعراف " ~~، وطه، والشعراء " فيه سؤال معروف، وهو أن يقال كيف قال هذا النبي ~~الكريم للسحرة ألقوا. أي ألقوا حبالكم وعصيكم، يعني اعملوا السحر وعارضوا ~~به معجزة الله التي أيد بها رسوله، وهذا أمر بمنكر؟ والجواب هو أن قصد ~~موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما ~~معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم. فإذا فعلوا ذلك كان ~~في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال ~~الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل. ولأجل هذا قال لهم ألقوا، ~~فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. ~~قوله تعالى { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى }. قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر " ~~تخيل " بالتاء، أي تخيل هي أي الحبال والعصي أنها تسعى. والمصدر في " ~~أنها تسعى " بدل من ضمير الحبال والعصي الذي هو نائب فاعل " تخيل " بدل ~~اشتمال. وقرأ الباقون بالياء التحتية. والمصدر في { أنها تسعى } ~~نائب فاعل { يخيل }. وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، ~~والتقدير قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى. وبه تعلم أن الفاء في قوله { فإذا ~~حبالهم } عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة ms1648 ~~بقوله وحذف متبوع بدا هنا استبح و " إذا " هي الفجائية، وقد قدمنا كلام ~~العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحبال جمع حبل، وهو معروف. و " ~~العصي " جمع عصا، وألف العصا منقلبة عن واو، ولذا ترد إلى أصلها في ~~التثنية ومنه قول غيلان ذي الرمة # فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق # وأصل العصي عصوو على وزن فعول جمع عصا. فأعل بإبدال الواو التي في موضع ~~اللام ياء فصار عصوبا، فأبدلت الواو باء وأدغمت في الياء، فالياءان ~~أصلهما واوان. وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على ~~فعول أشار في الخلاصة بقوله # كذاك ذا وجهين جا الفعول من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن # وضمه الصاد في { وعصيهم } أبدلت كسرة لمجانسة الياء، وضمة عين " ~~عصيهم " أبدلت كسرة لإتباع كسرة الصاد. والتخيل في قوله { ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } هو إبداء أمر لا ~~حقيقة له، ومنه الخيال. وهو الطيف الطارق في النوم. قال الشاعر # ألا يا لقومي للخيال المشوق وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى } يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا ~~حقيقة له في نفس الأمر. وهذا الذي دلت عليه آية " طه " هذه دلت عليه ~~آية " الأعراف " وهي قوله تعالى # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس # الأعراف 116 الآية، لأن قوله { سحروا أعين الناس } يدل على ~~أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمرا لا حقيقة له. وبهاتين الآيتين احتج ~~المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له. والتحقيق الذي ~~عليه عليه جماهير العلماء من المسلمين أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة ~~لا مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه # البقرة 102 فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببا ~~للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بما ms1649 الموصولة وهي تدل على ~~أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى # ومن شر النفاثات في العقد # الفلق 4 يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. فلولا أن ~~السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وسيأتي إن شاء الله أن السحر ~~أنواع منها ما هو أمر له حقيقة، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له. وبذلك ~~يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة، والآيات الدالة على ~~أنه خيال. فإن قيل قوله في " طه " { يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى } الآية، وقوله في " الأعراف " # سحروا أعين الناس # الأعراف 116 الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما ~~قوله في " الأعراف " # وجآءوا بسحر عظيم # الأعراف 116 لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في ~~الجواب والله أعلم أنهم أخذوا كثيرا من الحبال والعصي، وخيلوا ~~بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى وهي كثيرة. فظن الناظرون أن ~~الأرض ملئت حيات تسعى، لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من ~~كثرتها، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا ~~إشكال فيه. وقد قال غير واحد إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فلما ~~أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أنها ~~تسعى. # وعن ابن عباس أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال ~~وعصي. وقيل كانوا أربعمائة. وقيل كانوا اثني عشر ألفا. وقيل أربعة عشر ~~ألفا. وقال ابن المنكدر كانوا ثمانين ألفا. وقيل كانوا مجمعين على رئيس ~~يقال له شمعون. وقيل كان اسمه يوحنا معه اثني عشر نقيبا، مع كل نقيب ~~عشرون عريفا، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من ~~الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من الريف ~~فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى ا ه. وهذه الأقوال من ~~الإسرائيليات، ونحن نتجنبها دائما، ونقلل من ذكرها، وربما ذكرنا قليلا ~~منها منبهين عليه. ### || [20.69] # قوله ms1650 تعالى { وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر } قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي وقنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، وشعبة عن عاصم ~~بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة مشددة بعدها فاء ~~ساكنة، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفا، كما ~~أشار له في الخلاصة بقوله # وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر # والمضارع مجزوم، لأنه جزاء الطلب في قوله { وألق } وجمهور علماء ~~العربية على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب، وتقديره ~~هنا إن تلق ما في يمينك ما صنعوا. وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ~~ذكرنا، إلا أنه يشدد تاء تلقف وصلا. ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى ~~التاءين في الأخرى، وهو جائز في كل فعل بديء بتاءين كما هنا، وأشار إليه ~~في الخلاصة بقوله # وحيي افكك وادغم دون حذر كذاك نحو تتجلى واستتر # ومحل الشاهد منه قوله نحو " تتجلى " ومثاله في الماضي قوله # تولى الضجيع إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل # أصله تتابع، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا ~~أنه يضم الفاء، فالمضارع على قراءته مرفوع، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال، ~~أي ألق بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا. أو مستأنفة، وعليه ~~فهي خبر مبتدأ محذوف، أي فهي تلقف ما صنعوا. وقرأ حفص عن عاصم { تلقف ~~} بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم، مضارع لقفه بالكسر ~~يلقفه بالفتح ومعنى القراءتين واحد، لأن معنى تلقفه ولقفه إذا تناوله ~~بسرعة، والمراد بقوله { تلقف ما صنعوا } على جميع القراءات ~~أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال والعصي التي خيلوا للناس أنها ~~تسعى وصنعهم في قوله تعالى { ما صنعوا } واقع في الحقيقة على تخييلهم ~~إلى الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى، لا على نفس الحبال والعصي لأنها ~~من صنع الله تعالى. ومن المعلوم أن كل ms1651 شيء كائنا ما كان بمشيئة تعالى ~~الكونية القدرية. وهذا المعنى الذي ذكره جل وعلا هنا في هذه الآية ~~الكريمة من كونه أمر نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يلقي ~~ما في يمينه أي يده اليمنى، وهو عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال ~~والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في " ~~الأعراف " # وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين # الأعراف 117-119، وقوله تعالى في " الشعراء " # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون # الشعراء 45 فذكر العصا في " الأعراف، والشعراء " يوضح أن المراد بما في ~~يمينه في " طه " أنه عصاه كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ~~{ ما يأفكون } أي يختلقونه ويفترونه من الكذب، وهو زعمهم أن الحبال ~~والعصي تسعى حقيقة، وأصله من قولهم أفكه عن شيء يأفكه عنه من باب ضرب إذا ~~صرفه عنه وقلبه. فأصل الأفك بالفتح والقلب والصرف عن الشيء. ومنه قيل ~~لقرى قوم لوط # والمؤتفكات # التوبة 70. لأن الله أفكها أي قلبها. كما قال تعالى # فجعلنا عاليها سافلها # الحجر 74. ومنه قوله تعالى # يؤفك عنه من أفك # الذاريات 9 أي يصرف عنه من صرف، وقوله # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا # الأحقاف 22 أي لتصرفنا عن عبادتها، وقول عمرو بن أذينة # إن تك عن أحسن المروءة مأ فوكا ففي آخرين قد أفكوا # وأكثر استعمال هذه المادة في الكذب. لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته ~~بالكذب والافتراء. كما قال تعالى # ويل لكل أفاك أثيم # الجاثية 7، وقال تعالى # وذلك إفكهم وما كانوا يفترون # الأحقاف 28 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~إنما صنعوا كيد ساحر } " ما " موصولة وهي اسم " إن " ، و " ~~كيد " خبرها، والعائد إلى الموصول محذوف. على حد قوله في الخلاصة # ...... والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف ~~كمن نرجو يهب # والتقدير إن الذي صنعوه كيد ms1652 ساحر. وأما على قراءة من قرأ { كيد ~~ساحر } بالنصب ف " ما " كافة و " كيد " مفعول " صنعوا " وليست سبعية، ~~وعلى قراءة حمزة والكسائي " كيد سحر " بكسر السين وسكون الحاء، فالظاهر ~~أن الإضافة بيانية. لأن الكيد المضاف إلى السحر هو المراد بالسحر. وقد ~~بسطنا الكلام في نحو ذلك في غير هذا الموضع. والكيد هو المكر. قوله تعالى ~~{ ولا يفلح الساحر حيث أتى }. قد قدمنا في سورة " بني ~~إسرائيل " أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم. لأنه ينحل عند بعض أهل ~~العلم عن مصدر وزمان، وعند بعضهم عن مصدر وزمان ونسبة. فالمصدر كامن في ~~مفهومه إجماعا، وهذا المصدر الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ~~ذلك إلى النكرة في سياق النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور. فظهر أن الفعل ~~في سياق النفي من صيغ العموم، وكذلك الفعل في سياق الشرط. لأن النكرة في ~~سياق الشرط أيضا صيغة عموم. وأكثر أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل ~~في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم، خلافا لبعضهم فيما إذا لم يؤكد ~~الفعل المذكور بمصدر. فإن أكد به فهو صيغة عموم بلا خلاف، كما أشار إلى ~~ذلك في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم # ونحو لا شربت أو إن شربا واتفقوا إن مصدر قد جلبا # والتحقيق في هذه المسألة أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم، ~~خلافا لمن زعم ذلك، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه. لإجماع ~~النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل، والتأكيد لا ينشأ به ~~حكم، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك كما هو معروف. وخلاف العلماء في ~~عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام معروف. وإذا ~~علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولا يفلح ~~الساحر } الآية يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك ~~بالتعميم في الأمكنة بقوله { حيث أتى } وذلك دليل على كفره. لأن ~~الفلاح لا ينفى بالكلية نفيا عاما إلا عمن لا خير ms1653 فيه وهو الكافر. ويدل ~~على ما ذكرنا أمران الأول هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر ~~كافر. كقوله تعالى # وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر # البقرة 102 الآية. فقوله { وما كفر سليمان } يدل على أنه لو ~~كان ساحرا وحاشاه من ذلك لكان كافرا. وقوله { ولكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } صريح في كفر ~~معلم السحر، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقررا له # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # البقرة 102، وقوله # ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق # البقرة 102 أي من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا ~~للكافر عياذا بالله تعالى. وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما ~~هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه. الأمر الثاني أنه عرف باستقراء ~~القرآن أن الغالب فيه أن لفظة { لا يفلح } يراد بها الكافر، كقوله ~~تعالى في سورة " يونس " # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ~~ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان ~~بهذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع ~~في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # يونس 68-70، وقوله في " يونس " أيضا # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح المجرمون # يونس 17، وقوله في " الأنعام " # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون # الأنعام 21. إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات ~~المذكورة أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاح عن السحرة ~~والكفرة غيرهم أنه ينال الفلاح، وهو كذلك، كما بينه جل وعلا في آيات ~~كثيرة. # كقوله # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون # البقرة 5، وقوله تعالى # قد أفلح المؤمنون # المؤمنون 1 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة ms1654 { ولا يفلح الساحر } مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. ~~والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب. ومنه قول لبيد # فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل # فقوله " ولقد أفلح من كان عقل " يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر ~~مطلوب. ويطلق الفلاح أيضا على البقاء والدوام في النعيم. ومنه قول لبيد # لو أن حيا مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح # فقوله " مدرك الفلاح " يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقال ~~كعب بن زهير # لكل هم من الهموم سعه والمسى والصبح لا فلاح معه # يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من المعنيين فسر ~~بعض أهل العلم " حي على الفلاح " في الأذان والإقامة. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { حيث أتى } حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين ~~على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله { ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى } أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي. معروف يقصد به ~~التعميم. كقولهم فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان. ومن هذا ~~القبيل قول زهير # بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وزودوك اشتياقا أية سلكوا # وقال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية { ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى } أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل حيث احتال. ~~والمعنى في الآية هو ما بينا والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذه الآية ~~الكريمة المسألة الأولى اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خفي ~~سببه ولطف ودق. ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء أخفى من السحر. ~~ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري # جعلت علامات المودة بيننا مصائد لحظ من أخفى من السحر فأعرف منها ~~الوصل في لين طرفها وأعرف منها الهجر في النظر الشزر # ولهذا قيل لملاحة العينين سحر. لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه ~~قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي # وانظر إلى السحر يجري في لواحظه وانظر إلى دعج في طرفه الساجي # المسألة الثانية اعلم أن ms1655 السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع ~~مانع. لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها ~~يكون جامعا لها مانعا لغيرها. ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده ~~اختلافا متباينا. المسألة الثالثة اعلم أن الفخر الرازي في تفسيره ~~قسم السحر إلى ثمانية أقسام القسم الأول سحر الكلدانيين والكسدائيين ~~الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا ~~العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث ~~الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم. # وقد أطال الكلام في هذا النوع من السحر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ~~ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف. لأنهم كانوا يتقربون فيه ~~للكواكب كما يتقرب المسلمون إلى الله، ويرجون الخير من قبل الكواكب ~~ويخافون الشر من قبلها كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه. فهم كفرة ~~يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر بالبواح. النوع الثاني من السحر ~~سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية. ثم استدل على تأثير الوهم بأن الإنسان ~~يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه ~~إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه قال وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي ~~أوجبه. وقال واجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء ~~الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران. وما ذاك ~~إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال وحكى صاحب الشفاء عن أرسطو في ~~طبائع الحيوان أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت وفي الحراب ~~مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك، قال ثم قال ~~صاحب الشفاء وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. ~~قال واجتمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل ~~العمل عديم الأثر. فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارا.. إلى آخر كلامه ~~في هذا النوع من أنواع السحر، وقد أطال فيه الكلام. ومعلوم أن النفوس ~~الخبيثة لها آثار بإذن الله تعالى، ms1656 ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " # وهذا الحديث الصحيح يدل على أن همة العائن وقوة نفسه في الشر جعلها الله ~~سببا للتأثير في المصاب بالعين. وقال الرازي في هذا النوع من أنواع ~~السحر إذا عرفت هذا فنقول النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية ~~جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ~~ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت ~~مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماء كانت كأنها روح من ~~الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، أما إذا ~~كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ~~البتة إلا في هذا البدن. إلى آخر كلامه. ولا يخفى ما فيه على من نظره. ~~وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره في سورة " البقرة " بعد أن ساق ~~كلام الرازي الذي ذكرناه آنفا ما نصه ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء ~~بتقليل الغذاء والانقطاع عن الناس. # قلت وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال وهو على قسمين تارة يكون ~~حالا صحيحة شرعية، يتصرف بها فيما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذه ~~الأحوال مواهب من الله تعالى، وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى ~~هذا سحرا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ~~تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال ~~الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على ~~محبته لهم. كما أن الدجال له من خوارق العادات ما دلت عليه الأحاديث ~~الكثيرة، مع أنه مذموم شرعا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي ~~الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام انتهى كلام ابن كثير ~~رحمه الله تعالى. النوع الثالث من أنواع السحر المذكورة الاستعانة ms1657 ~~بالأرواح الأرضية، يعني تسخير الجن واستخدامهم. قال واعلم أن القول بالجن ~~مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. أما أكابر الفلاسفة فلم ~~ينكروا القول بها. إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية. والجن المذكورون ~~قسمان مؤمنون، وكافرون وهم الشياطين. قال الرازي في كلامه على هذا النوع ~~من السحر واتصال النفوس بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما ~~بينهما من المناسبة والقرب. ثم إن أصحاب الصنعة وأصحاب التجربة شاهدوا ~~بأن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة من الرقى والدخن ~~والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم، وعمل تسخير الجن. وقد أطال ~~الرازي أيضا الكلام في هذا النوع من أنواع السحر. النوع الرابع من أنواع ~~السحر هو التخيلات والأخذ بالعيون. ومبنى هذا النوع منه على أن القوة ~~الباصرة قد ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب ~~العارضة. ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة. ألا ترى أن راكب السفينة إذا ~~نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركا، وذلك يدل على أن الساكن ~~يرى متحركا. والمتحرك ساكنا. والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما. إلى ~~آخر كلام الرازي. وقد أطال الكلام أيضا في هذا النوع. وقال ابن كثير ~~رحمه الله في تفسيره في سورة " البقرة " مختصرا كلام الرازي المذكور ~~ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره. ألا ترى ذا ~~الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، ~~حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه عمل شيئا آخر عملا ~~بسرعة شديدة، وحينئذ، يظهر لهم شيء غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا، ~~ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف ا لخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم ~~تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما ~~يفعله. # قال وكلما كانت الأحوال تفيد حس البصر نوعا من أنواع الخلل أشد، كان ~~العمل أحسن. مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا أو مظلم، فلا تقف ~~القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه. ا ه ms1658 منه. ولا يخفى أن يكون سحر ~~سحرة فرعون من هذا النوع. فهو تخييل وأخذ بالعيون كما دل عليه قوله تعالى # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى # طه 66 فإطلاق التخييل في الآية على سحرهم نص صريح في ذلك. وقد دل على ~~ذلك أيضا قوله في " الأعراف " # فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس # الأعراف 116 الآية. لأن إيقاع السحر على أعين الناس في الآية يدل على أن ~~أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، والعلم عند الله تعالى. النوع الخامس ~~من أنواع السحر الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على ~~النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضربت ~~بالبوق من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا ~~يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى إنهم يصورونها ضاحكة وباكية، حتى ~~يفرق فيها بين ضحك السرور، وبين ضحك الخجل، وضحك الشامت. فهذه الوجوه من ~~لطيف أمور المخايل. قال الرازي وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب. ومن ~~هذا الباب تركيب صندوق الساعات. ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال، وهو ~~أن يجر ثقيلا عظيما بآلة خفيفة سهلة، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد ~~من باب السحر لأن لها أسبابا معلومة نفيسة، من اطلع عليها قدر عليها، ~~إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيرا عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر ~~لخفاء مأخذه ا ه. وقد علمت أن الرازي يرى أن سحر سحرة فرعون من هذا ~~النوع الأخير، لأن السحرة جعلوا الزئبق على الحبال والعصي فحركته حرارة ~~الشمس فتحركت الحبال والعصي فظنوا أنها حركة طبيعية حقيقة. والذي يظهر ~~لنا أنه من النوع الذي قبله كما قدمنا، ولا مانع من أن يتوارد نوعان على ~~شيء واحد فيكون داخلا في هذا وفي هذا. والله تعالى أعلم. وقال ابن كثير ~~رحمه الله بعد أن ذكر كلام الرازي الذي ذكرنا في هذا النوع من السحر. قلت ~~ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم ms1659 إياه من الأنوار، ~~كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال ~~النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطغام ~~منهم، وأما الخواص منهم فمعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل ~~أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغا لهم، وفيهم شبه من الجهلة الأغبياء ~~من متعبدي الكرامية الذي يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، ~~فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # ، وقوله # " حدثوا عني ولا تكذبوا علي، فإنه من يكذب علي يلج النار " # ثم ذكرها هنا يعني الرازي حكاية عن بعض الرهبان، وهي أنه سمع صوت طائر ~~حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب في وكره من ثمر ~~الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله وتوصل إلى أن ~~جعله أجوف، فإذا دخلته الريح سمع منه صوت كصوت ذلك الطائر. وانقطع في ~~صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان ~~منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحيته فتدخل الريح إلى داخل ~~هذه الصورة فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضا، فتأتي الطيور فتحمل من ~~الزيتون شيئا كثيرا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة ~~ولا يدرون ما سببه. ففتنهم بذلك وأوهمهم أن هذا من كرامات صاحب ذلك ~~القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة انتهى كلام ابن ~~كثير. وذكر الرازي في هذه المسألة التي نقلها عنه ابن كثير أن ذلك الطائر ~~المذكور يسمى البراصل، وأن الذي عمل صورته يسمى أرجعيانوس الموسيقار، ~~وأنه جعل ذلك على هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه، وأن الذي قام ~~بعمارة ذلك الهيكل أولا أسطرخس الناسك. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ~~وهذا النوع الخامس الذي عده من أنواع السحر، الذي هو الأعمال العجيبة ~~التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية. الخ لا ينبغي ~~عده اليوم من ms1660 أنواع السحر. لأن أسبابه صارت واضحة متعارفة عند الناس، ~~بسبب تقدم العلم المادي. والواضح الذي صار عاديا لا يدخل في حد السحر، ~~وقد كانت أمور كثيرة خفية الأسباب فصارت اليوم ظاهرتها جدا. والله تعالى ~~أعلم. النوع السادس من أنواع السحر الاستعانة بخواص الأدوية، مثل أن ~~يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو ~~دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله، وقلت فطنته، قاله الرازي. ثم ~~قال واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن ~~الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق ا ه كلام ~~الرازي. وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر هذا النوع من السحر نقلا عن ~~الرازي قلت يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة ~~الناس بهذه الخواص مدعيا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات ~~إلى غير ذلك من المحاولات انتهى كلام ابن كثير. # النوع السابع من أنواع السحر المذكور تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر ~~أنه قد عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأحوال ~~فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق ~~وتعلق قلبه بذلك حصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة وإذا حصل الخوف ضعفت ~~القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل ما يشاء. قال الرازي وإن ~~من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثرا عظيما في ~~تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار. وقال ابن كثير بعد أن نقل هذا النوع من ~~السحر عن الرازي هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول ~~من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه. ~~فإذا كان النبيل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من ~~غيره. النوع الثامن من أنواع السحر السعي بالنميمة والتضريب من وجوه ~~لطيفة خفية وذلك شائع في الناس ا ه. والتضريب بين القوم إراء بعضهم ms1661 على ~~بعض. وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن نقل هذا النوع الأخير عن الرازي قلت ~~النميمة على قسمين تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب ~~المؤمنين. فهذا حرام متفق عليه. فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، ~~وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث # " ليس الكذاب من ينم خيرا " # أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما ~~جاء في الحديث # " الحرب خدعة " # ، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، جاء ~~إلى هؤلاء ونمى إليهم عن هؤلاء، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر، ثم ~~لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو ~~البصيرة النافذة. والله المستعان. ثم قال الرازي فهذه جملة الكلام في ~~أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه. قلت وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع ~~المذكورة في فن السحر للطافة مداركها. لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف ~~وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث # " إن من البيان لسحرا " # وسمي السحور سحورا لكونه يقع خفيا آخر الليل. والسحر الرئة وهي محل ~~الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما ~~قال أبو جهل يوم بدر لعتبة انتفخ سحره، أي انتفخت رئته من الخوف. وقالت ~~عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري. ~~وقال تعالى # سحروا أعين الناس # الأعراف 116 أي أخفوا عنهم عملهم انتهى كلام ابن كثير رحمه الله ~~تعالى. هذا هو حاصل الأقسام الثمانية التي ذكر الفخر الرازي في تفسيره في ~~سورة " البقرة " انقسام السحر إليها. # ولأهل العلم فيه فيه تقسيمات متعددة يرجع غالبها إلى هذه الأقسام ~~المذكورة وقد قسمه الشيخ سيدي عبدالله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي ~~صاحب التآليف العديدة المفيدة في نظمه المسمى رشد الغافل وشرحه له، الذي ~~بين فيه أنواع علوم الشر لتتقى وتجتنب إلى أقسام متعددة منها قسم يسمى ~~بالهيماء بسكر الهاء بعدها مثناة تحتية فميم فياء بعدها ألف ms1662 التأنيث ~~الممدودة، على وزن كبرياء. قال وهو ما تركب من خواص سماوية تضاف لأحوال ~~الأفلاك، يحصل لمن عمل له شيء من ذلك أمور معلومة عند السحرة، وقد يبقى ~~له إدراك، وقد يسلبه بالكلية فتصير أحواله كحالات النائم من غير فرق، حتى ~~يتخيل مرور السنين الكثيرة في الزمن اليسير. وحدوث الأولاد وانقضاء ~~الأعمار وغير ذلك في ساعة ونحوها من الزمن اليسير. ومن لم يعمل له ذلك لا ~~يجد شيئا مما ذكر. وهذا تخييل لا حقيقة له ا ه. ومنها نوع يسمى ~~بالسيمياء بكسر السين المهملة وبقية حروفه كحروف ما قبله. قال وهو عبارة ~~عما تركب من خواص أرضية كدهن خاص، أو مائعات خاصة يبقى معها إدراك، وقد ~~يسلب بالكلية إلى آخر ما تقدم في الهيمياء. ومنها نوع هو رقى ضارة. قال ~~كرقى الجاهلية وأهل الهند، وربما كانت كفرا. قال ولهذا نهى مالك رحمه ~~الله عن الرقى بالعجمية. وقال ابن زكري في شرح النصيحة ولا يقال لما يحدث ~~ضررا رقى، بل ذلك يقال له سحر. ومنها قسم يسمى خصائص بعض الحقائق التي ~~لها تسلط على النفوس. كالمشط والمشاقة وجف طلع الذكر من النخل، وقصة جعل ~~اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر في سحره مشهورة. ~~وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى. ومن أمثلة هذا النوع عند أهله أن ~~بعض أنواع الكلاب من شأنه إذا رمي بحجر أن يعضه، فإذا رمي بسبع حجارة وعض ~~كل واحدة منها وطرحت تلك الحجارة في ماء فمن شرب منه فإن السحرة يزعمون ~~أنه تظهر فيه آثار مخصوصة معروفة عندهم. قبحهم الله تعالى. ومنها نوع ~~يسمى بالطلاسم وهو عبارة عن نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب ~~على زعم أهلها في جسم من المعادن أو غيرها، تحدث بها خاصية ربطت في مجاري ~~العادات، ولا بد مع ذلك من نفس صالحة لهذه الأعمال. فإن بعض النفوس لا ~~تجري الخاصة المذكورة على يده. ومنها نوع يسمى بالعزائم وهم يزعمون أن ~~لكل نوع من الملائكة أسماء أمروا ms1663 بتعظيمها، ومتى أقسم عليهم بها أطاعوا ~~وأجابوا وفعلوا ما طلب منهم ا ه ولا يخفى ما في هذا الزعم من الفساد. ~~ومنها نوع يسمونه الاستخدام للكواكب والجن. وأهل الاستخدامات يزعمون أن ~~للكواكب إدراكات روحانية. # فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور، كانت ~~روحانية فلك الكواكب مطيعة له، متى ما أراد شيئا فعلته له على زعمهم ~~لعنهم الله تعالى. وهذا النوع من سحر الكلدانيين المتقدم. وكذلك ملوك ~~الجان يزعمون أنهم إذا عملوا لهم أشياء خاصة بكل ملك من ملوكهم أطاعوا ~~وفعلوا لهم ما أرادوا. قال وشروط هذه الأمور مستوعبة في كتبهم. وذكر رحمه ~~الله من علوم الشر أنواعا كثيرة كالخط، والأشكال، والموالد، والقرعة، ~~والفأل، وعلم الكتف، والموسيقى، والرعدي، والكهانة، وغير ذلك. والخط ~~الرملي معروف. والأشكال جمع شكل، ويمسى علمها علم الجداول وعلم الأوفاق، ~~وهي معروفة وهي من الباطل. والموالد جمع مولد، وهي أن يدعي من معرفة ~~النجم الذي كان طالعا عند ولادة الشخص أنه يكون سلطانا أو عالما، أو ~~غنيا أو فقيرا، أو طويل العمر أو قصيره، ونحو ذلك. والقرعة ما يسمونه ~~قرعة الأنبياء، وحاصلها جدول مرسوم في بيوته أسماء الأنبياء وأسماء ~~الطيور. وبعد الجدول تراجم لكل اسم ترجمة خاصة به، ويذكر فيها أمور من ~~المنافع والمضار، يقال للشخص غمض عينيك وضع أصبعك في الجدول. فإذا وضعها ~~على اسم قرئت له ترجمته ليعتقد أنه يكون له ذلك المذكور منها. قال وقد ~~عدها العلماء من باب الاستفهام بالأزلام. ومراده بالفأل الفأل المكتسب. ~~كأن يريد إنسان التزوج أو السفر مثلا، فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام ~~أو الإحجام، ويدخل فيه النظر في المصحف لذلك ولا يخفى أن ذلك من نوع ~~الاستقسام بالأزلام. أما ما يعرض من غير اكتساب كأن يسمع قائلا يقول ما ~~مفلح، فليس من هذا القبيل كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. وعلم الكتف علم ~~يزعم أهل الشر والضلال أن من علمه يكون إذا نظر في أكتاف الغنم اطلع على ~~أمور من الغيب، وربما زعم المشتغل به أن ms1664 السلطان يموت في تاريخ كذا، وأنه ~~يطرأ رخص أو غلاء أو موت الأعيان كالعلماء والصالحين، وقد يذكر شأن ~~الكنوز أو الدفائن، ونحو ذلك. والموسيقى معروفة، وكلها من الباطل كما لا ~~يخفى على من له إلمام بالشرع الكريم. والرعديات علم يزعم أهله أن الرعد ~~إذا كان في وقت كذا من السنة والشهر فهو علامة على أمور غيبية من جدب ~~وخصب، وكثرة الرواج في الأسواق وقلته، وكثرة الموت وهلاك الماشية، ~~وانقراض الملك ونحو ذلك. والفرق بين العرافة والكهانة مع أ،هما يشتركان ~~في دعوى الاطلاع على الغيب أن العرافة مختصة بالأمور الماضية، والكهانية ~~مختصة بالأمور المستقبلة ا ه منه. وعلوم الشر كثيرة، وقصدنا بذكر ما ~~ذكرنا منها التنبيه على خستها وقبحها شرعا، وأن منها ما هو كفر بواح، ~~ومنها ما يؤدي إلى الكفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد. وقد دل بعض ~~الأحاديث والآثار على أن العيافة والطرق والطيرة من السحر. # وقد قدمنا معنى ذلك في " الأنعام " وعنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن ~~عباس رضي الله عنه # " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " # رواه أبو داود بإسناد صحيح. وللنسائي من حديث أبي هريرة # " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا ~~وكل إليه ". # المسألة الرابعة اختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو هو تخييل لا ~~حقيقة له. والتحقيق أن منه ما هو حقيقة كما قدمنا، ومنه ما هو تخييل كما ~~تقدم إيضاحه. وهو مفهوم من أقسام السحر المتقدمة في كلام الرازي وغيره. ~~المسألة الخامسة اختلف العلماء فيمن يعلم السحر ويستعمله فقال بعضهم إنه ~~يكفر بذلك، وهو قول جمهور العلماء منهم مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد ~~وغيرهم. وعن أحمد ما يقتضي عدم كفره. وعن الشافعي أنه إذا تعلم السحر قيل ~~له صف لنا سحرك. فإن وصف ما يستوجب الكفر مثل سحر أهل بابل من التقرب ~~للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن ms1665 ~~اعتقد إباحته فهو كافر، وإلا فلا. وأقوال أهل العلم في ذلك كثيرة معروفة. ~~قال مقيده عفا الله عنه وغفر له التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل. فإن ~~كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى ~~الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة ~~" البقرة " فإنه كفر بلا نزاع. كما دل عليه قوله تعالى # وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر # البقرة 102، وقوله تعالى # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # البقرة 102، وقوله # ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق # البقرة 102، وقوله تعالى { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ~~طه69 كما تقدم إيضاحه. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص ~~بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه ~~الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها ~~العلماء. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا في الساحر هل يقتل ~~بمجرد فعله للسحر واستعماله له أو لا؟ قال ابن كثير في تفسيره قال ابن ~~هبيرة وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله له؟ فقال مالك وأحمد نعم. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك ~~والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك. أو يقر بذلك ~~في حق شخص معين. وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي فإنه قال ~~يقتل والحالة هذه قصاصا. # وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور ~~عنهم لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى تقبل التوبة. وأما ~~ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم. وقال ~~مالك والشافعي وأحمد لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن الأعصم. واختلفوا في ~~المسلمة الساحرة. فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة ~~حكمها حكم الرجل. وقال أبو بكر الخلال أخبرنا أبو ms1666 بكر المروزي قال قرأ ~~على أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري ~~قال يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين. لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. وقد نقل القرطبي عن مالك ~~رحمه الله أنه قال في الذمي يقتل إن قتل بسحره. وحكى ابن خويز منداد عن ~~مالك روايتين في الذمي إذا سحر إحداهما أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل ~~والثانية أنه يقتل وإن أسلم. وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرا ~~كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # البقرة 102 لكن قال مالك إذا ظهر عليه لم تقبل توبته. لأنه كالزنديق فإن ~~تاب قبل أن يظهر عليه وجاء تائبا قبلناه. فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي ~~فإن قال لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية انتهى كلام ابن كثير ~~رحمه الله تعالى. وقال النووي في شرح مسلم وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن ~~تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا. وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر ~~واستتيب منه ولا يقتل عندنا، فإن تاب قبلت توبته. وقال مالك الساحر كافر ~~يقتل بالسحر ولا يستتاب، ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله والمسألة مبنية ~~على الخلاف في قبول توبة الزنديق، لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا، ~~وعندنا ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق. وقال القاضي عياض ~~ويقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. ~~قال أصحابنا فإذا قتل الساحر بسحره إنسانا واعترف أنه مات بسحره وأنه ~~يقتل غالبا لزمه القصاص. وإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا ~~قصاص، وتجب الدية في مالك لا على عاقتله. لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت ~~باعتراف الجاني. وقال أصحابنا ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة، وإنما ~~يتصور باعتراف الساحر، والله أعلم. انتهى كلام النووي. وقال ابن حجر في ~~فتح الباري في ms1667 الكلام على قول البخاري رحمه الله باب السحر وقول الله ~~تعالى # ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر # البقرة 102 وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو ~~واضح في بعض أنواعه التي قدمتها، وهو التعبد للشياطين أو الكواكب. # وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر من تعلمه أصلا. قال ~~النووي عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي صلى ~~الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا. ومنه ما لا يكون ~~كفرا، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا ~~فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام إلى آخر كلام النووي الذي ذكرناه عنه ~~آنفا. ثم إن ابن حجة لما نقله عنه قال وفي المسألة اختلاف كبير وتفاصيل ~~ليس هذا موضع بسطها ا ه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له التحقيق في هذه ~~المسألة إن شاء الله تعالى أن السحر نوعان كما تقدم؟ منه ما هو كفر، ومنه ~~ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا ~~شك في أنه يقتل كفرا؟ لقوله صلى الله عليه وسلم # " من بدل دينه فاقتلوه " # وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته. وقد ~~بينت في كتابي دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " آل عمران " ~~أن أظهر القولين دليلا أن الزنديق تقبل توتبه؟ لأن الله لم يأمر نبيه ~~ولا أمته صلى الله عليه وسلم بالتنقيب عن قلوب الناس؟ بل بالاكتفاء ~~بالظاهر. وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى. خلافا للإمام مالك ~~رحمه الله وأصحابه القائلين بأن الساحر له حكم الزنديق. لأنه مستسر ~~بالكفر والزنديق لا تقبل توبته عنده إلا إذا جاء تائبا قبل الاطلاع ~~عليه. وأظهر القولين عندي إن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر ~~وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل الرجل. لأن لفظة " من " في قوله # " من بدل دينه فاقتلوه " # تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما ms1668 إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة ~~على ذلك قوله تعالى # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى # النساء 124 الآية. فأدخل الأنثى في لفظة " من " ، وقوله تعالى # ينسآء النبي من يأت منكن # الأحزاب 30 الآية، وقوله # ومن يقنت منكن لله # الأحزاب 31 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وإلى هذه المسألة التي هي ~~شمول لفظه " من " في الكتاب والسنة للأنثى أشار في مراقي السعود بقوله # وما شمول من للأنثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا # وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر، فهذا هو محل ~~الخلاف بين العلماء. فالذين قالوا يقتل ولو لم يكفر بسحره قال أكثرهم ~~يقتل حدا ولو قتل إنسانا بسحره، وانفرد الشافعي في هذه الصورة بأنه ~~يقتل قصاصا لا حدا. وهذه حجج الفريقين ومناقشتها أما الذين قالوا ~~مطلقا إذا عمل بسحره ولو لم يقتل به أحدا فاستدلوا بآثار عن الصحابة ~~رضي الله عنهم، وبحديث جاء بذلك إلا أنه لم يصح. # فمن الآثار الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد في ~~باب الجزية حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان قال سمعت عمرا قال كنت ~~جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب ~~بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم ~~الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة اقتلوا كل ساحر، وفرقوا ~~بين كل ذي محرم من المجوس قال فقتلنا في يوم واحد ثلاث سواحر وفرقنا بين ~~المحارم منهم. ورواه أيضا أحمد وأبو داود. واعلم أن لفظة " اقتلوا كل ~~ساحر " الخ في هذا الأثر ساقطة في بعض روايات البخاري، ثابتة في بعضها، ~~وهي ثابتة في رواية مسدد وأبي يعلى. قاله في الفتح. ومن الآثار الدالة ~~على ذلك أيضا ما رواه مالك في الموطأ عن محمد بن عبدالرحمن بن سعد بن ~~زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها ~~سحرتها، وقد ms1669 كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. قال مالك الساحر الذي يعمل ~~السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه # ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق # البقرة 102 فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه انتهى من الموطأ. ~~ونحوه أخرجه عبد الرزاق. ومن الآثار الدالة على ذلك ما رواه البخاري في ~~تاريخه الكبير حدثنا إسحاق. حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء عن أبي ~~عثمان كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنسانا وأبان رأسه، فجاء جندب ~~الأزدي فقتله. حدثني عمرو بن محمد، حدثنا هشيم عن خالد عن أبي عثمان عن ~~جندب البجلي أنه قتله. حدثنا موسى قال حدثنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي ~~عثمان قتله جندب بن كعب. وفي فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للعلامة الشيخ ~~عبدالرحمن بن حسن رحمه الله تعالى بعد أن أشار لكلام البخاري في التاريخ ~~الذي ذكرنا، ورواه البيهقي في الدلائل مطولا، وفيه فأمر به الوليد فسجن. ~~فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة انتهى منه. فهذه آثار عن ثلاثة من ~~الصحابة في قتل الساحر وهم عمر وابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهم ~~جميعا، وجندب ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة رضي الله عنهم. ويعتضد ذلك ~~بما رواه الترمذي والدارقطني عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " حد السارح ضربه بالسيف " # وضعف الترمذي إسناد هذا الحديث وقال الصحيح عن جندب موقوف، وتضعيفه بأن ~~في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو يضعف في الحديث. # وقال في فتح المجيد أيضا في الكلام على حديث جندب المذكور روى ابن ~~السكن من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يضرب ضربة واحدة فيكون أمة وحده " # ا ه منه. وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر تضعيفه بإسماعيل المذكور ~~قلت قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعا ا ه. وهذا ~~يقويه كما ترى. فهذه الآثار التي لم يعلم أن أحدا ms1670 من الصحابة أنكرها على ~~من عمل بها مع اعتضادها بالحديث المرفوع المذكور هي حجة من قال بقتله ~~مطلقا. والآثار المذكورة والحديث فيهما الدلالة على أنه يقتل ولو لم ~~يبلغ به سحره الكفر. لأن الساحر الذي قتله جندب رضي الله عنه كان سحره من ~~نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يخيل إليهم أنه أبان رأس الرجل، ~~والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر " اقتلوا كل ساحر " يدل على ذلك لصيغة ~~العموم. وممن قال بمقتضى هذه الآثار وهذا الحديث مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ~~في أصح الروايتين، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبدالله، ~~وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبدالعزيز. وغيرهم، كما نقله عنهم ~~ابن قدامة في المغني خلافا للشافعي، وابن المنذر ومن وافقهما. واحتج من ~~قال بأنه إن كان سحره لم يبلغ به الكفر لا يقتل بحديث ابن مسعود المتفق ~~عليه # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث... " # الحديث، وقد قدمناه مرارا. وليس السحر الذي لم يكفر صاحبه من الثلاث ~~المذكورة. قال القرطبي منتصرا لهذا القول وهذا صحيح، ودماء المسلمين ~~محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، والله أعلم. واحتجوا ~~أيضا بأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها، ولو وجب قتلها لما ~~حل بيعها. قاله ابن المنذر وغيره. وما حاوله بعضهم من الجمع بين الأدلة ~~المذكورة بحمل السحر على الذي يقتضي الكفر في قول من قال بالقتل، وحمله ~~على الذي لا يقتضي الكفر في قول من قال بعدم القتل لا يصح. لأن الآثار ~~الواردة في قتله جاءت بقتل الساحر الذي سحره من نوع الشعوذة كساحر جندب ~~الذي قتله، وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام، كما تقدم ~~إيضاحه. فالجمع غير ممكن. وعليه فيجب الترجيح، فبعضهم يرجح عدم القتل بأن ~~دماء المسلمين حرام إلا بيقين. وبعضهم يرجح القتل بأن أدلته خاصة ولا ~~يتعارض عام وخاص. لأن الخاص يقضي على العام عند أكثر أهل الأصول كما هو ~~مقرر في محله. قال مقيده عفا الله عنه ms1671 والأظهر عندي أن الساحر الذي لم ~~يبلغ به سحره الكفر ولم يقتل به إنسانا أنه لا يقتل. # لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل ~~واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة ~~مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى، مع أن القول بقتله مطلقا ~~قوي جدا لفعل الصحابة له من غير نكير. المسألة السابعة اعلم أن الناس ~~اختلفوا في تعلم السحر من غير عمل به. هل يجوز أو لا؟ والتحقيق وهو الذي ~~عليه الجمهور هو أنه لا يجوز، ومن أصرح الأدلة في ذلك تصريحه تعالى بأنه ~~يضر ولا ينفع في قوله # ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم # البقرة 102 وإذا أثبت الله أن السحر ضار ونفى أنه نافع فكيف يجوز تعلم ~~ما هو ضرر محض لا نفع فيه!؟ وجزم الفخر الرازي في تفسيره في سورة " ~~البقرة " بأنه جائز بل واجب قال ما نصه المسألة الخامسة في أن العلم ~~بالسحر غير قبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف، ~~وأيضا لعموم قوله تعالى # هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # الزمر 9، ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، ~~والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا ~~يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا كيف يكون ~~حراما وقبيحا. انتهى منه بلفظه. ولا يخفى سقوط هذا الكلام وعدم صحته. ~~وقد تعقبه ابن كثير رحمه الله في تفسيره بعد أن نقله عنه بلفظه الذي ~~ذكرنا بما نصه وهذا الكلام فيه نظر من وجوه أحدها قوله " العلم بالسحر ~~ليس بقبيح " إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمعنون هذا، ~~وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا ففي هذه الآية الكريمة يعني قوله تعالى # ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم # البقرة 102 تبشيع لعلم السحر. وفي ms1672 السنن " من أتى عرافا أو كاهنا فقد ~~كفر بما أنزل على محمد " ، وفي السنن " من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر " ~~وقوله " ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك " كيف لا يكون محظورا مع ما ~~ذكرناه من الآية والحديث، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه ~~المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم. وأين نصوصهم على ذلك!! ثم إدخاله علم ~~السحر في عموم قوله تعالى # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # الزمر 9 فيه نظر. لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم ~~الشرعي، ولم قلت إن هذا منه!! ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل ~~العلم بالمعجز إلا به ضعيف بل فاسد. # لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم ~~بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا. ثم من المعلوم بالضرورة أن ~~الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون ~~بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه والله ~~أعلم. انتهى. ولا يخفى أن كلام ابن كثير هذا صواب، وأن رده على الرازي ~~واقع موقعه، وأن تعلم السحر لا ينبغي أن يختلف في منعه. لقوله جل وعلا # ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم # البقرة 102. وقول ابن كثير في كلامه المذكور وفي الصحيح # " من أتى عرافا أو كاهنا.. الخ " # إن كان يعني أن الحديث بذلك صحيح فلا مانع، وإن كان يعني أنه في ~~الصحيحين أو أحدهما فليس كذلك. وبذلك كله تعلم أن قول ابن حجر في فتح ~~الباري. وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأمرين إما لتمييز ما فيه كفر ~~من غيره. وإما لإزالته عمن وقع فيه. فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة ~~الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعا. كمن ~~يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان. لأن كيفية ما يعلمه الساحر إنما ~~هي حكاية قول أو فعل، بخلاف ms1673 تعاطيه والعمل به. وأما الثاني فإن كان لا ~~يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا، ~~وإلا جاز للمعنى المذكور ا ه خلاف التحقيق، إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرح ~~الله بأنه يضر ولا ينفع، مع أن تعلمه قد يكون ذريعة للعمل به، والذريعة ~~إلى الحرام يجب سدها كما قدمناه. قال في المراقي # سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم # هذا هو الظاهر لنا. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة اعلم أن ~~العلماء اختلفوا في حل السحر عن المسحور. فأجازه بعضهم، ومنعه بعضهم. ~~وممن أجازه سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى. قال البخاري في صحيحه باب هل ~~يستخرج السحر وقال قتادة قلت لسعيد بن المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن ~~امرأته، أيحل عنه، أو ينشر؟ قال لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ~~ما ينفع فلم ينه عنه ا ه. ومال إلى هذا المزني. وقال الشافعي لا بأس ~~بالنشرة. قاله القرطبي. وقال أيضا قال ابن بطال وفي كتاب وهب بن منبه أن ~~يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه ~~آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل. فإنه يذهب عنه كل ما به إن ~~شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله انتهى منه. # وممن أجاز النشرة وهي حل السحر عن المسحور أبو جعفر الطبري، وعامر ~~الشعبي وغيرهما. وممن كره ذلك الحسن. وفي الصحيح # " عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما سحره لبيد بن الأعصم ~~هلا تنشرت؟ فقال " أما الله فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس شرا ". # قال مقيده عفا الله عنه التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه ~~المسألة أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي ونحو ~~ذلك مما تجوز الرقيا به فلا مانع من ذلك. وإن كان بسحر أو بألفاظ عجمية، ~~أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز ms1674 فإنه ممنوع. وهذا واضح ~~وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى. وقال ابن حجر في فتح الباري ما ~~نصه تكميل قال ابن القيم رحمه الله من أنفع الأدوية، وأقوى ما يوجد من ~~النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية ~~الإلهية من الذكر، والدعاء، والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله، ~~معمورا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه، لا يخل به كان ذلك ~~من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. وسلطان تأثير السحر هو في ~~القلوب الضعيفة. ولهذا غالب ما يؤثر فيه النساء والصبيان والجهال. لأن ~~الأرواح الخبيثة إنما تنشط على الأرواح، تلقاها مستعدة لما يناسبها ~~انتهى ملخصا. ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، مع عظيم مقامه، وصدق توجهه، وملازمة ورده ولكن يمكن الانفصال ~~عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإنما وقع به صلى الله عليه وسلم ~~لبيان تجويز ذلك، والله أعلم انتهى من فتح الباري. المسألة التاسعة ~~اعلم أن العلماء اختلفوا في تحقيق القدر الذي يمكن أن يبلغه تأثير السحر ~~في المسحور، واعلم أن لهذه المسألة واسطة وطرفين طرف لا خلاف في أن تأثير ~~السحر يبلغه كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من ~~السحر ونحو ذلك، ودليل ذلك القرآن والسنة الصحيحة. أما القرآن فقوله ~~تعالى # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه # البقرة 102 فصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأن من تأثير السحر ~~التفريق بين المرء وزوجه. وأما السنة فما ثبت في الصحيحين وغيرهما # " من حديث عائشة رضي الله عنها بألفاظ متعددة متقاربة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. فقال " يا ~~عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد ~~أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر ما بال ~~الرجل؟ قال مطبوب، قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف ms1675 ~~اليهود كان منافقا، قال وفيم؟ قال في مشط ومشاطة؟ قال وأين؟ قال في جف ~~طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان " قالت فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم البئر حتى استخرجه، فقال " هذه البئر التي رأيتها، وكأن ماءها نقاعة ~~الحناء، وكأنه نخلها رؤوس الشياطين، فاستخرج " قالت فقلت أفلا أي تنشرت؟ ~~فقال " أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا " # ا ه هذا لفظ البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث. والقصة مشهورة صحيحة. ~~ففي هذا الحديث الصحيح أن تأثير السحر فيه صلى الله عليه وسلم سبب له ~~المرض. بدليل قوله # " أما الله فقد شفاني " # وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ فقال أحدهما ~~لصاحبه ما وجع الرجل؟ قال مطبوب. أي مسحور. وهو تصريح بأن السحر سبب له ~~وجعا. ونفي بعض الناس لهذه القصة مستدلا بأنها لا تجوز في حقه صلى الله ~~عليه وسلم، لقوله تعالى عن الكفار منكرا عليهم. # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # الإسراء 47 ساقط. لأن الروايات الصحيحة الثابتة لا يمكن ردها بمثل هذه ~~الدعاوى. وسترى في آخر بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى إيضاح وجه ذلك. ~~وطرف لا خلاف في أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه. كإحياء الموتى. وفلق ~~البحر ونحو ذلك. قال القرطبي في تفسيره أجمع المسلمون على أنه ليس في ~~السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع، وفلق البحر، وقلب ~~العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله ~~الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب وإنما منعنا ذلك ~~بالإجماع ولولاه لأجزناه انتهى كلام القرطبي. وأما الواسطة فهي محل ~~خلاف بين العلماء، وهي هل يجوز أن ينقلب بالسحر الإنسان حمارا مثلا، ~~والحمار إنسانا؟ وهل يصح أن يطير الساحر في الهواء، وأن يستدق جسمه حتى ~~يدخل من كوة ضيقة. وينتصب على رأس قصبة، ويجري على خيط مستدق، ويمشي على ms1676 ~~الماء، ويركب الكلب ونحو ذلك. فبعض الناس يجيز هذا. وجزم بجوازه الفخر ~~الرازي في تفسيره، وكذلك صاحب رشد الغافل وغيرهما. وبعضهم يمنع مثل هذا. ~~قال مقيده عفا الله عنه وغفر له أما بالنسبة إلى أن الله قادر على أن ~~يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وإن ~~لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة " ~~مريم " فلا مانع من ذلك، والله جل وعلا يقول # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # البقرة 102. وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه ~~دليل مقنع. لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ~~ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون، لا قلب ~~الحقيقة مثلا إلى حقيقة أخرى. وهذا هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم. ~~تنبيه اعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يستلزم نقصا ولا محالا شرعيا حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة. لأنه من ~~نوع الأعراض البشرية، كالأمراض المؤثرة في الأجسام، ولم يؤثر البتة فيما ~~يتعلق بالتبليغ. واستدلال من منع ذلك زاعما أنه محال في حقه صلى الله ~~عليه وسلم بآية # إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا # الإسراء 47 مردود كما سنوضحه إن شاء الله في آخر هذا البحث. قال ابن ~~حجر في الفتح قال المازري أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط ~~منصب النبوة ويشكك فيها. قالوا وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن ~~تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل ~~إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه شيء. ~~قال المازري هذا كله مردود. لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ. والمعجزات ~~شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام ms1677 الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ~~ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو ~~في ذلك عرضة لما يعتري البشر كالأمراض. فغير بعيد أن يخيل الله في أمر من ~~أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. قال وقد ~~قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيل إليه ~~أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطئهن وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في ~~المنام. فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. قلت وهذا قد ورد صريحا في ~~رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا، ولفظه " حتى كان يرى أنه يأتي ~~النساء ولا يأتيهن " وفي رواية الحميدي " أنه يأتي أهله ولا يأتيهم " قال ~~الداودي " يرى " بضم أوله أي يظن. وقال ابن التين ضبطت " يرى " بفتح ~~أوله. قلت وهو من الرأي لا من الرؤية فيرجع إلى معنى الظن. وفي مرسل يحيى ~~بن يعمر عند عبد الرزاق سحر النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة، حتى ~~أنكر بصره. وعنده في مرسل سعيد بن المسيب حتى كاد ينكر بصره. قال عياض ~~فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه ~~ومعتقده. # قلت ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد فقالت أخت لبيد بن ~~الأعصم إن يكن نبيا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله قلت ~~فوقع الشق الأول كما في هذا الحديث الصحيح. وقد قال بعض العلماء لا يلزم ~~من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما ~~يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت. فلا يبقى على هذا للملحد حجة. ~~وقال عياض يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ~~ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر من ~~ذلك كما هو شأن المعقود ويكون قوله في الرواية الأخرى " حتى كاد ينكر ~~بصره ms1678 " أي صار كالذي أنكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على ~~غير صفته. فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه ~~صلى الله عليه وسلم في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر ~~به. وقال المهلب صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع ~~إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطانا أراد أن يفسد عليه صلاته، ~~فأمكنه الله منه. فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصا على ما ~~يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف ~~عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول. ويبطل ~~الله كيد الشياطين. واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس ~~المرض بقوله في آخر الحديث # " أما أنا فقد شفاني الله " # وفي الاستدلال به نظر. لكن يؤيد المدعي أن في رواية عمرة عن عائشة عند ~~البيهقي في الدلائل فكان يدور ولا يدري ما وجعه. وفي حديث ابن عباس عند ~~ابن سعد مرض النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ عن النساء والطعام ~~والشراب. فهبط عليه ملكان. الحديث انتهى من فتح الباري. وعلى كل حال ~~فهو صلى الله عليه وسلم معصوم بالإجماع من كل ما يؤثر خللا في التبليغ ~~والتشريع. وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية كأنواع الأمراض والآلام، ~~ونحو ذلك فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري ~~البشر. لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم # إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشآء من عباده # إبراهيم 11 ونحو ذلك من الآيات. وأما قوله تعالى # إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا # الإسراء 47 فمعناه أنهم يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم مسحور أو مطبوب، ~~قد خبله السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره. # يقولون ذلك لينفروا الناس عنه. وقال مجاهد " مسحورا " أي مخدوعا. مثل ~~قوله # فأنى تسحرون # المؤمنون 89 أي من أين ms1679 تخدعون. ومعنى هذا راجع إلى ما قبله. لأن المخدوع ~~مغلوب في عقله. وقال أبو عبيدة { مسحورا } معناه أن له سحرا أي رئة ~~فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك. كقولهم # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # الفرقان 7، وقوله عن الكفار # ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون # المؤمنون 33-34 ونحو ذلك من الآيات. ويقال لكل من أكل أو شرب من آدمي أو ~~غيره مسحور ومسحر. ومنه قول لبيد # فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس # أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب # أي نغذى ونعلل. وإذا علمت أن أقوال العلماء في قوله " مسحورا " ~~راجعة إلى دعواهم اختلال عقله بالسحر أو الخديعة، أو كونه بشرا علمت ~~أنه لا دليل في الآية على منع بعض التأثيرات العرضية التي لا تعلق لها ~~بالتبليغ والتشريع كما ترى، والعلم عند الله تعالى. وقد أشرنا فيما تقدم ~~لحكم ساحر أهل الذمة، واختلاف العلماء في قتله، واستدلال من قال بأنه لا ~~يقتل بعدم قتله صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم الذي سحره. والقول ~~بأنه قتله ضعيف، ولم يثبت أنه قتله. وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد ~~حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين. وأما عدم قتله ~~صلى الله عليه وسلم لابن الأعصم فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله ~~اتقاء إثارة فتنة، فدل على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك المنافقين لئلا ~~يقول الناس محمد يقتل أصحابه. فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام مع ~~اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق والله تعالى أعلم. ### || [20.70] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى ~~تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خروا سجدا لله تعالى قائلين آمنا بالله الذي ~~هو رب هارون وموسى. فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي، هذه الهداية ~~العظيمة. وقد أوضح تعالى ms1680 هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في " الأعراف " # وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون # الأعراف 117 # وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب ~~العالمين رب موسى وهارون # الأعراف 120-122، وقوله في " الشعراء " # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ~~فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب ~~العالمين رب موسى وهارون # الشعراء 45-48، وقوله { فألقي } يدل على قوة البرهان الذي عاينوه. ~~كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها. ~~وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم. والظاهر أن ذلك ~~من نوع الإسرائيليات، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين ~~به نظرا إلى حالهم الماضية. كقوله # وآتوا اليتامى أموالهم # النساء 2 فأطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظرا إلى الحال الماضية كما ~~هو معروف في محله. والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة ~~فواصل الآيات. واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ~~ينفع، قد كان سببا لإيمان سحرة فرعون. لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا ~~معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك. ~~فكان ذلك سببا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد. ولو ~~كانوا غير عالمين بالسحر جدا، لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس ~~الشعوذة. والعلم عند الله تعالى. ### || [20.71] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون ~~وموسى قال لهم فرعون منكرا عليهم { آمنتم له } أي صدقتموه في أنه ~~نبي مرسل من الله، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم. يعني أنهم لم يكفوا عن ~~الإيمان حتى يأذن لهم، لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئا إلا ~~بعد إذنه هو لهم. وقال لهم أيضا إن موسى هو كبيرهم. أي كبير السحرة ~~وأستاذهم الذي علمهم السحر. ثم هددهم مقسما على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا. لأنه أشد على الإنسان من ~~قطعهما من ms1681 جهة واحدة. لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل ~~صحيح، بخلاف قطعهما من خلاف. فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف ~~بقطع الرجل كما هو معلوم. وأنه يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخلة هو ~~أخشن جذع من جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من ~~الجذوع كما هو معروف. وما ذكره جل وعلا عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع ~~أيضا. كقوله في سورة " الشعراء " # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم ~~أجمعين # الشعراء 49. وذكر هذا أيضا في سورة " الأعراف " وزاد فيها التصريح ~~بفاعل قال وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالؤوا على أن يظهروا أنه غلبهم ~~مكرا ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر. وذلك في قوله # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ ~~أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين # الأعراف 123-124 وقوله في " طه " { ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل } يبين أن التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في " الأعراف، ~~والشعراء " { ولأصلبنكم أجمعين }. أي في جذوع النخل ~~وتعدية التصليب ب " في " أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كاهل # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطصت شيبان إلا بأجدعا # ومعلوم عند علماء البلاغة أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى ~~الحرف كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة " ~~القصص ". وقد أوضحنا في كتابنا المسمى منع جواز المجاز في المنزل التعبد ~~والإعجاز. أن ما يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازا كلها أساليب ~~عربية نطقت بها العرب في لغتها. وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن ~~وما يترتب على ذلك من المحذور. # وقوله في هذه الآية الكريمة { ولتعلمن أينآ أشد ~~عذابا وأبقى } قال بعض أهل العلم { ولتعلمن أينآ } ~~يعني أنا، أم رب موسى أشد عذابا وأبقى. واقتصر على ms1682 هذا القرطبي. وعليه ~~ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله. وهذا كقوله # أنا ربكم الأعلى # النازعات 24، وقوله # ما علمت لكم من إله غيري # القصص 38، وقوله # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # الشعراء 29. وقال بعضهم { ولتعلمن أينآ } أنا، أم موسى أشد ~~عذابا وأبقى. وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له، وأنه لا يقدر ~~على أن يعذب من لم يطعمه. كقوله # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين # الزخرف 52 الآية. والله جل وعلا أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا هل فعل ~~بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟ فقال قوم قتلهم وصلبهم. وقوم ~~أنكروا ذلك، وأظهروهما عندي أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل ~~إيمانهم الراسخ بالله تعالى. لأن الله يقول لموسى وهارون # أنتما ومن اتبعكما الغالبون # القصص 35 والعلم عند الله تعالى. ### || [20.72] # قوله { لن نؤثرك } أي لن نختار اتباعك وكوننا من حزبك، وسلامتنا ~~من عذابك على ما جاءنا من البينات. كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا ~~صحتها. والواو في قوله { والذي فطرنا } عاطفة على " ما " من قوله ~~{ على ما جآءنا } أي لن نختارك { على ما جآءنا من ~~البينات } ولا على { والذي فطرنا } أي خلقنا وأبرزنا من ~~العدم إلى الوجود. وقيل هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما ~~قبله. أي { والذي فطرنا } لا نؤثرك { على ما جآءنا من ~~البينات } ، { فاقض مآ أنت قاض } أي اصنع ما أنت صانع. ~~فلسنا راجعين عما نحن عليه { إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيآ } أي إنما ينفذ أمرك فيها. ف " هذه " منصوب على الظرف على ~~الأصح. أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها. وما ذكره جل وعلا ~~عنهم في هذا الموضع من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ~~ووعيده رغبة فيما عند الله قد ذكره في غير هذا الموضع. كقوله في " ~~الشعراء " عنهم في القصة بعينها # قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون # الشعراء 50. وقوله في " الأعراف " # قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون وما تنقم منآ ~~إلا أن ms1683 آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا ربنآ ~~أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين # الأعراف 125-126. وقوله { فاقض مآ أنت قاض } عائد الصلة محذوف، ~~أي ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله # كذاك حذف ما يوصف خفضا كأنت قاض بعد أمر من قضى # ونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني # ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا # أي طالبه. ### || [20.73] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن فرعون لعنه الله لما قال للسحرة ما ~~قال لما آمنوا، قالوا له { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا } يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } أي ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه ~~من السحر. وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع. كقوله ~~تعالى في " الشعراء " عنهم # إنآ إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانآ أن كنآ أول المؤمنين # الشعراء 50-51، وقوله عنهم في " الأعراف " # ربنا لما جآءتنا ربنآ أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين # الأعراف 126. وفي آية " طه " هذه سؤال معروف، وهو أن يقال قولهم { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } يدل على أنه أكرههم عليه، مع ~~أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين، كقوله في " طه " # فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ~~قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم ~~من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ~~فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح ~~اليوم من استعلى # طه 62-64. فقولهم { فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا } ~~صريح في أنهم غير مكرهين. وكذلك قوله عنهم في " الشعراء " # قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين # الشعراء 41-42، وقوله في " الأعراف " # قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال ~~نعم وإنكم لمن المقربين # الأعراف 113-114 فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين. وللعلماء عن هذا ~~السؤال أجوبة معروفة منها أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا ~~موسى بسحرهم، فلما ms1684 أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، ~~فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر، فانفكت ~~الجهة وبذلك ينتفي التعارض، ويدل لهذا قوله # وابعث في المدآئن حاشرين # الشعراء 36، وقوله # وأرسل في المدآئن حاشرين # الأعراف 111. ومنها أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال ~~صغرهم، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر. ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ~~ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين. ومنها أنهم قالوا لفرعون ~~أرنا موسى نائما ففعل فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا ما هذا بسحر الساحر! ~~لأن الساحر إذا نام بطل سحره. فأبى إلا أن يعارض، وألزمهم بذلك. فلما لم ~~يجدوا بدا من ذلك فعلوه طائعين. وأظهرها عندي الأول، والعلم عند الله ~~تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة { خطايانا } جمع خطيئة، وهي الذنب ~~العظيم. كالكفر ونحوه. والفعلية تجمع على فعائل، والهمزة في فعائل مبدلة ~~من الياء في فعيلة، ومثلها الألف والواو، كما أشار له في الخلاصة بقوله # والمد زيد ثالثا في الواحد همزا يرى في مثل كالقلائد # فأصل خطايا خطائي بياء مكسورة، وهي ياء خطيئة، وهمزة بعدها هي لام ~~الكلمة. ثم أبدلت الياء همزة على حد الإبدال في صحائف! فصارت خطائئي ~~بهمزتين، ثم أبدلت الثانية ياء للزوم إبدال الهمزة المتطرفة بعد الهمزة ~~المكسورة ياء، فصارت خطائي، ثم فتحت الهمزة الأولى تخفيفا فصار خطاءي، ~~ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار خطاءا بألفين ~~بينهما همزة، والهمزة تشبه الألف، فاجتمع شبه ثلاثة ألفات، فأبدلت الهمزة ~~ياء فصار خطايا بعد خمسة أعمال، وإلى ما ذكرنا أشار في الخلاصة بقوله # وافتح ورد الهمزة يا فيما أعل لاما وفي مثل هراوة جعل # واوا... الخ. وقوله في هذه الآية الكريمة { والله خير وأبقى ~~} ظاهره المتبادر منه أن المعنى خير من فرعون وأبقى منه. لأنه باق لا ~~يزول ملكه، ولا يذل ولا يموت، ولا يعزل. كما أوضحنا هذا المعنى في سورة " ~~النحل " في الكلام على قوله تعالى # وله الدين واصبا # النحل 52 الآية. أي بخلاف فرعون وغيره من ms1685 ملوك الدنيا فإنه لا يبقى، بل ~~يموت أو يعزل، أو يذل بعد العز. وأكثر المفسرين على أن المعنى أن ثوابه ~~خير مما وعدهم فرعون في قوله # قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين # الشعراء 41-42. وأبقى أي أدوم. لأن ما وعدهم به فرعون زائل، وثواب الله ~~باق. كما قال تعالى # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # النحل 96، وقال تعالى # بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى # الأعلى 17. وقال بعض العلماء { وأبقى } أي أبقى عذابا من عذابك، ~~وأدوم منه. وعليه فهو رد لقول فرعون # ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى # طه 71 ومعنى { أبقى } أكثر بقاء. ### || [20.74] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { إنه } أي الأمر والشأن { ~~إنه من يأت ربه } يوم القيامة في حال كونه { مجرما } أي ~~مرتكبا الجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك كالكافر عياذا بالله تعالى { ~~فإن له } عند الله { جهنم } يعذب فيها ف { لا يموت } ~~فيستريح { ولا يحيى } حياة فيها راحة. وهذا الذي ذكره هنا أوضحه ~~في غير هذا الموضع كقوله # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور # فاطر 36، وقوله تعالى # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورآئه ~~جهنم ويسقى من مآء صديد يتجرعه ولا يكاد ~~يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~ومن ورآئه عذاب غليظ # إبراهيم 15-17، وقوله تعالى # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # النساء 56، وقوله تعالى # ويتجنبها الأشقى الذى يصلى النار الكبرى ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيا # الأعلى 11-13، وقوله تعالى # يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون # الزخرف 77 إلى غير ذلك من الآيات. ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد ~~الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة # ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم ### || [20.75] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة " أن " { ومن يأته ms1686 } يوم ~~القيامة في حال كونه { مؤمنا قد عمل الصالحات } أي في ~~الدنيا حتى مات على ذلك { فأولئك لهم } عند الله { ~~الدرجات العلى } والعلى جمع عليا وهي تأنيث الأعلى. وقد أشار ~~إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله تعالى # وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # الإسراء 21، وقوله # ولكل درجات مما عملوا # الأحقاف 19 ونحو ذلك من الآيات. ### || [20.77] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام أن يسري بعباده، وهم بنو إسرائيل فيخرجهم من قبضة ~~فرعون ليلا، وأن يضرب لهم طريقا في البحر يبسا، أي يابسا لا ماء فيه ~~ولا بلل، وأنه لا يخاف دركا من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من ~~البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله ~~في سورة " الشعراء " # وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين إن ~~هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغآئظون ~~وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات ~~وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا ~~إن معي ربي سيهدين فأوحينآ إلى موسى أن ~~اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم # الشعراء 52-63. فقوله في " الشعراء " { أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق } أي فضربه فانفلق يوضح معنى قوله { فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا } ، وقوله # قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن ~~معي ربي سيهدين # الشعراء 61-62 الآية يوضح معنى قوله { لا تخاف دركا ولا ~~تخشى } وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في " الدخان " # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر ~~بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا ~~إنهم جند مغرقون # الدخان 22-24 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة " ~~البقرة " والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم. وقرأ نافع وابن كثير { ~~أن أسر } بهمزة وصل وكسر نون { أن } لالتقاء الساكنين والباقون ~~قرؤوا { أن ms1687 آسر } بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون " أن " وقد قدمنا ~~في سورة " هود " أن أسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك من العربية. وقرأ ~~حمزة { لا تخف } بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم ~~بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقا في البحر يبسا ~~لا تخف. وعلى قراءة الجمهور " لا تخاف " بالرفع، فلا إشكال في قوله { ~~ولا تخشى } إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك ~~يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من { تخشى } على حد قوله في الخلاصة # واحذف جازما ثلاثهن تقض حكما لازما # والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك. وأجيب عنه من ثلاثة أوجه الأول ~~أن { ولا تخشى } مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره وأنت لا تخشى، أي ~~ومن شأنك أنك آمن لا تخشى. والثاني أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي ~~الألف التي في موضع لام الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، ~~كقوله # فأضلونا السبيلا # الأحزاب 67، وقوله # وتظنون بالله الظنونا # الأحزاب 10. والثالث أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من ~~أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي # وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا # وقول الراجز # إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق # وقول الآخر # وقلت وقد خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال # وقول عنترة في معلقته # ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم # فالأصل في البيت الأول كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني ~~ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث على الكلكال يعني الصدر، ~~ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم ~~الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في ~~هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة للشعر لتصريح علماء ~~العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في ~~النثر كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون كلكلا، وخاتما، ودانقا. وقد ~~أوضحنا هذه ms1688 المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " البلد " في الكلام على قوله # لا أقسم بهذا البلد # البلد 1 مع قوله # وهذا البلد الأمين # التين 3 وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية { فاضرب لهم طريقا ~~} فاجعل لهم طريقا، من قولهم ضرب له في ماله سهما، وضرب اللبن عمله ا ~~ه. والتحقيق أن { يبسا } صفة مشبهة جاءت على فعل بفتحتين كبطل وحسن. ~~وقال الزمخشري اليبس مصدر وصف به. يقال يبس يبسا ويبسا، ونحوهما العدم ~~والعدم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل شاتنا يبس، وناقتنا يبس. إذا جف ~~لبنها. وقوله { لا تخاف دركا } الدرك اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي ~~لا يدركك فرعون وجنوده، ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك. ~~وعلى قراءة الجمهور { لا تخاف } فالجملة حال من الضمير في قوله { ~~فاضرب } أي فاضرب لهم طريقا في حال كونك غير خائف دركا ولا خاش. ~~وقد تقرر في علم النحو أن الفعل المضارع المنفي بلا إذا كانت جملته حالية ~~وجب الربط فيها بالضمير وامتنع بالواو. كقوله هنا { فاضرب لهم ~~طريقا } أي في حال كونك لا تخاف دركا، وقوله # مالي لا أرى الهدهد # النمل 20 وقوله # وما لنا لا نؤمن بالله # المائدة 84 ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر # ولو أن قوما لارتفاع قبيله دخلوا السماء دخلتها لا أحجب # يعني دخلتها في حال كوني غير محجوب، وبذلك تعلم أن قوله في الخلاصة # وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت # في مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو. ### || [20.78] # التحقيق أن أتبع واتبع بمعنى واحد. فقوله ف { أتبعهم } أي ~~اتبعهم، ونظيره قوله تعالى # فأتبعه شهاب ثاقب # الصافات 10، وقوله ف # فأتبعه الشيطان # الأعراف 175 الآية. والمعنى أن موسى لما أسرى ببني إسرائيل ليلا أتبعهم ~~فرعون وجنوده { فغشيهم من اليم } أي البحر { ما غشيهم ~~} أي أغرق الله فرعون وجنوده في البحر فهلكوا عن آخرهم. وما ذكره جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة من أن ms1689 فرعون أتبع بني إسرائيل هو وجنوده، وأن الله ~~أغرقهم في البحر أوضحه في غير هذا الموضع. وقد بين تعالى أنهم اتبعوهم ~~في أول النهار عند إشراق الشمس، فمن الآيات الدالة على اتباعه لهم قوله ~~تعالى في " الشعراء " { وأوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي إنكم متبعون } يعني سيتبعكم فرعون وجنوده. ثم بين ~~كيفية اتباعه لهم فقال # فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغآئظون وإنا ~~لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون ~~وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا ~~إن معي ربي سيهدين # الشعراء 53-62 وقوله في هذه الآية { فأتبعوهم مشرقين } أي ~~أول النهار عند إشراق الشمس. ومن الآيات الدالة على ذلك أيضا قوله تعالى ~~في " يونس " # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم ~~فرعون وجنوده بغيا وعدوا # يونس 90، وقوله في " الدخان " # فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون # الدخان 23 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اتباعه لهم. وأما غرقه هو ~~وجميع قومه المشار إليه قوله هنا { فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم } فقد أوضحه تعالى في مواضع متعددة من كتابه العزيز. كقوله في ~~" الشعراء " # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ~~ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم ~~أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين # الشعراء 63-67 الآية، وقوله في " الأعراف " # فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم # الأعراف 136 الآية، وقوله في " الزخرف " # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين # الزخرف 55، وقوله في " البقرة " # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل ~~فرعون وأنتم تنظرون # البقرة 50، وقوله في " يونس " # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين # يونس 90، وقوله في " الدخان " # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # الدخان 24 إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير بالاسم المبهم الذي هو ~~الموصول في قوله { فغشيهم من اليم ما غشيهم } يدل على ~~تعظيم ms1690 الأمر وتفخيم شأنه، ونظيره في القرآن قوله # إذ يغشى السدرة ما يغشى # النجم 16، وقوله # والمؤتفكة أهوى # النجم 53 # فغشاها ما غشى # النجم 54، وقوله # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # النجم 10. واليم البحر. والمعنى فأصابهم من البحر ما أصابهم وهو الغرق ~~والهلاك المستأصل. ### || [20.79] # يعني أن فرعون أضل قومه عن طريق الحق وما هداهم إليها. وهذه الآية ~~الكريمة بين الله فيها كذب فرعون في قوله # قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم ~~إلا سبيل الرشاد # غافر 29 ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى ~~فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر ~~فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار وبئس الورد المورود # هود 96-98 والنكتة البلاغية في حذف المفعول في قوله { وما هدى } ~~ولم يقل وما هداهم، هي مراعاة فواصل الآيات، ونظيره في القرآن قوله تعالى # ما ودعك ربك وما قلى # الضحى 3. ### || [20.80-81] # قوله تعالى { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم }. وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة امتنانه على بني ~~إسرائيل بإنجائه إياهم من عدوهم فرعون، وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن، ~~وأنه نزل عليهم المن والسلوى، وقال لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم. ولا ~~تطغوا فيغضب عليكم ربكم. وما ذكره هنا أوضحه في غير هذا الموضع. كقوله في ~~امتنانه عليهم بإنجائهم من عدوهم فرعون في " سورة البقرة " # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # البقرة 49، وقوله في " الأعراف " # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # الأعراف 141، وقوله في " الدخان " # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ~~من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين # الدخان 30-31، وقوله في سورة " إبراهيم " # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون ms1691 نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # إبراهيم 6، وقوله في " الشعراء " # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # الشعراء 59 الآية، وقوله في " الدخان " # كذلك وأورثناها قوما آخرين # الدخان 28، وقوله في " الأعراف " # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # الأعراف 137 الآية، وقوله في " القصص " # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة # القصص 5 إلى قوله # يحذرون # القصص 6 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا { وواعدناكم جانب ~~الطور الأيمن } الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر # الأعراف 142 الآية، وقوله # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة # البقرة 51 الآية، وقوله # ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # طه 86 وهو الوعد بإنزال التوراة. وقيل فيه غير ذلك. وقوله هنا { ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى } قد أوضح امتنانه عليهم ~~بذلك في غير هذا الموضع. كقوله في " البقرة " # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى # البقرة 57 وقوله في " الأعراف " # وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى # الأعراف 160 وأكثر العلماء على أن المن الترنجبين، وهو شيء ينزل من ~~السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض. والسلوى طائر يشبه ~~السمانى. وقيل هو السمانى. وهذا قول الجمهور في المن والسلوى. وقيل ~~السلوى العسل. وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل. والتحقيق أن " السلوى ~~" يطلق على العسل لغة. ومنه قول خالد بن زهير الهذلي # وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها # يعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها. لأن النشور استخراج العسل. قال مؤرج ~~بن عمر السدوسي إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة. سمي به لأنه يسلي. ~~قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية. ~~واختلفوا في السلوى. هل هو جمع أو مفرد؟ فقال بعضهم هو جمع، واحده سلواة، ~~وأنشد الخليل لذلك قول الشاعر # وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطر # ويروى هذا البيت # كما انتفض العصفور بلله القطر # وعليه فلا شاهد في البيت. وقال الكسائي ms1692 السلوى مفرد وجمعه سلاوى. وقال ~~الأخفش هو جمع لا واحد له من لفظه. مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون ~~واحده سلوى مثل جماعته. كما قالوا دفلى وسمانى وشكاعى في الواحد والجمع. ~~والدفلى كذكرى شجر أخضر مر حسن المنظر، يكون في الأودية. والشكاعى كحبارى ~~وقد تفتح نوع من دقيق النبات صغيرا أخضر، دقيق العيدان يتداوى به. ~~والسمانى طائر معروف. قال مقيده عفا الله عنه والأظهر عندي في المن أنه ~~اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه ~~الترنجبين الذي من الله به على بني إسرائيل في التيه. ويشمل غير ذلك مما ~~يماثله. ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ". # والأظهر عندي في السلوى أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر ~~يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك. مع أن السلوى، ~~يطلق لغة على العسل، كما بينا. وقوله في آية " طه " هذه { كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } أي من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة ~~والامتنان. وقد ذكر ذلك أيضا في غير هذا الموضع، كقوله في " البقرة " # وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون # البقرة 57، وقوله في " الأعراف " # وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ~~ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # الأعراف 160، وقوله { كلوا } في هذه الآيات مقول قول محذوف، أي وقلنا ~~لهم كلوا، والضمير المجرور في قوله { ولا تطغوا فيه } راجع إلى ~~الموصول الذي هو " ما " أي كلوا من طيبات الذي رزقناكم { ولا ~~تطغوا فيه } أي فيما رزقناكم. ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو ~~أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن ~~القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو ~~يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك. ~~وبين أن ذلك يسبب لهم أن ms1693 يحل عليهم غضبه جل وعلا، لأن الفاء في قوله { ~~فيحل } سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، لأنه بعد النهي وهو ~~طلب محض، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله # وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب # وقرأ هذا الحرف الكسائي { فيحل } بضم الحاء { ومن يحلل } بضم ~~اللام. والباقون قرؤوا { يحل } بكسر الحاء و { يحلل } بكسر ~~اللام. وعلى قراءة الكسائي { فيحل } بالضم أي ينزل بكم غضبي. وعلى ~~قراءة الجمهور فهو من حل يحل بالكسر إذا وجب، ومنه حل دينه إذا وجب ~~أداؤه. ومنه # ثم محلهآ إلى البيت العتيق # الحج 33. وقوله { فقد هوى } أي هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن ~~يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر # هوى من رأس مرقبة ففتت تحتها كبده # ويقولون هوت أمه، أي سقط سقوطا لا نهوض بعده. ومنه قول كعب بن سعد ~~الغنوي # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يرد الليل حين يؤوب # ونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى # فأمه هاوية # القارعة 9 وعن شفى بن مانع الأصبحي قال إن في جهنم جبلا يدعى صعودا ~~يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه. قال الله تعالى # سأرهقه صعودا # المدثر 17 وإن في جهنم قصرا يقال له هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي ~~أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى { ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى } قال القرطبي وابن كثير، والله تعالى ~~أعلم. واعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر ~~آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر ~~المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء ~~من ذلك. مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين سبحانه وتعالى ~~عن ذلك علوا كبيرا. كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة " الأعراف " ~~وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية { قد أنجيناكم من ~~عدوكم وواعدتكم } بتاء المتكلم فيهما. وقرأه الباقون ms1694 { ~~وواعدناكم وأنجيناكم } بالنون الدالة على العظمة، فصيغة ~~الجمع في قراءة الجمهور للتعظيم. وقرأ أبو عمرو { ووعدناكم } بلا ~~ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد، من الوعد لا من المواعدة مع ~~نون التعظيم. ### || [20.82] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غفار أي كثير المغفرة لمن ~~تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى. وقد أوضح هذا ~~المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # الأنفال 38 الآية. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم # المائدة 74، وقوله تعالى # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له # الزمر 53-54 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة ~~والعمل الصالح. وقوله في هذه الآية الكريمة { ثم اهتدى } أي ~~استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ~~ونظير ذلك قوله تعالى # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # فصلت 30، وفي الحديث # " قل آمنت بالله ثم استقم " # وقال تعالى # فاستقم كمآ أمرت # هود 112 الآية. ### || [20.83-84] # أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته في موسى أربعين ليلة ~~وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه { ~~ومآ أعجلك عن قومك } الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار ~~لها في غير هذا الموضع. كقوله في " الأعراف " # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه ~~هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه قال رب أرني أنظر إليك # الأعراف 142-143 الآية. وفي هذه الآية سؤال معروف وهو أن جواب موسى ليس ~~مطابقا للسؤال الذي سأله ربه، لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، ~~والجواب لم يأت مطابقا لذلك. لأنه أجاب بقوله ms1695 { هم أولاء على ~~أثري وعجلت إليك } الآية. وأجيب عن ذلك بأجوبة منها أن قوله ~~{ هم أولاء على أثري } يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير ~~يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. ومنها ~~أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله { ومآ أعجلك عن قومك } داخله ~~من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. ~~والله أعلم. وقوله { هم أولاء } المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ~~ابن مالك في الخلاصة بقوله والمد أولى. ولغة التميميين " أولا " بالقصر، ~~ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر # أولا لك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا # وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها. ### || [20.85] # الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل. فهي فتنة إضلال. كقوله # إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من ~~تشآء # الأعراف 155. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة. ~~كقوله # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون # البقرة 51 ونحو ذلك من الآيات. قوله هنا { وأضلهم السامري ~~} أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع. كقوله # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار # إلى قوله # اتخذوه وكانوا ظالمين # الأعراف 148 أي اتخذوه إلها وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم ~~بعبادته. وقوله هنا # فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار فقالوا هذآ إلهكم وإله موسى ~~فنسي # طه 87-88 والسامري قيل اسمه هارون، وقيل اسمه موسى بن ظفر، وعن ابن عباس ~~أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل كان رجلا من القبط. وكان جارا ~~لموسى آمن به وخرج معه. وقيل كان عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة ~~تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير كان من أهل كرمان. ~~والفتنة أصلها في اللغة وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد ~~أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة ms1696 منها الوضع في النار، كقوله # يوم هم على النار يفتنون # الذاريات 13 أي يحرقون بها، وقوله # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # البروج 10 الآية. أي أحرقوهم بنار الأخدود. ومنها الاختبار وهو الأغلب ~~في استعمال الفتنة. كقوله # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # الأنفال 28 الآية، وقوله # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا لنفتنهم فيه # الجن 16-17. ومنها نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة ~~على الشرك، كقوله # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # البقرة 193، وقوله هنا { فإنا قد فتنا قومك } الآية. ~~ومنها الحجة، كقوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # الأنعام 23 أي لم تكن حجتهم. وقوله تعالى في هذه الآية { وأضلهم ~~السامري } أسند إضلالهم إليه، لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم ~~العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء ~~عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلا جسدا له خوار، كما قال تعالى في ~~هذه السورة الكريمة # فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار # طه 87-88، وقال في " الأعراف " # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار # الأعراف 148 الآية. والخوار صوت البقر. قال بعض العلماء جعل الله بقدرته ~~ذلك الحلي المصوغ جسدا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله { عجلا جسدا ~~}. وقال بعض العلماء لم تكن تلك الصورة لحما ولا دما، ولكن إذا دخلت ~~فيها لاريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر ~~على أن يجعل الجماد لحما ودما، كما جعل آدم لحما ودما وكان طينا. ### || [20.86-88] # قوله تعالى { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا }. ~~ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه ~~للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفا على قومه من أجل عبادتهم ~~العجل. وقوله { أسفا } أي شديد الغضب. فالأسف هنا شدة الغضب. وعلى هذا ~~فقوله { غضبان أسفا } أي غضبان شديد الغضب. ومن إطلاق الأسف على ~~الغضب في القرآن ms1697 قوله تعالى في " الزخرف " # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين # الزخرف 55 أي فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم ~~انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء الأسف هنا الحزن والجزع. أي رجع موسى في ~~حال كونه غضبان حزينا جزعا لكفر قومه بعبادتهم للعجل. وقيل أسفا أي ~~مغتاظا. وقائل هذا يقول الفرق بين الغضب والغيظ أن الله وصف نفسه ~~بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ. حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في ~~تفسير هذه الآية، لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى ~~التفصيل المذكور. وقوله { غضبان أسفا } حالان. وقد قدمنا فيما مضى ~~أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحدا. كما أشار ~~له في الخلاصة بقوله # والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد # وما ذكره جل وعلا في آية " طه " هذه من كون موسى رجع إلى قومه { ~~غضبان أسفا } ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه ~~المذكور، كقوله في " الأعراف " # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي # الأعراف 150 الآية. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح ~~التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في " الأعراف " # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه # الأعراف 150، وقال في " طه " مشيرا لأخذه برأس أخيه # قال يابنأم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # طه 94. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان، لأن الله ~~لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله # قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري # طه 85 وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه لم يلق الألواح، ولكنه لما عاين ~~قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرا لم يؤثره فيه الخبر ~~اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما ~~أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى. وقال ابن كثير في تفسيره ~~في سورة " الأعراف " وقال ms1698 ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ~~حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا ~~بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح ". # قوله تعالى { قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ~~مآ أخلفنا موعدك بملكنا }. ذكر جل في هذه الآية الكريمة ~~أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد ~~عبدوا العجل من بعده قال لهم { يقوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا }. وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن أنه ~~وعدهم أن ينزل على نبيهم كتابا فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا ~~والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى # وواعدناكم جانب الطور الأيمن # طه 80 الآية، وفيه أقوال غير ذلك. وقوله { أفطال عليكم ~~العهد } الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد. كما يقال في ~~المثل وما بالعهد من قدم. لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم ~~يطل فكيف نسيتم؟ وقوله { أم أردتم أن يحل عليكم غضب ~~من ربكم } قال بعض العلماء " أم " هنا هي المنقطعة، والمعنى بل ~~أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب أنهم فعلوا ما ~~يستوجب غضب ربهم بإرادتهم. فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو ~~الكفر بعبادة العجل. وقوله { فأخلفتم موعدي } كانوا وعدوه أن ~~يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى. فعبدوا ~~العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى. فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في ~~أثره، { قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا } قرأه نافع ~~وعاصم " بملكنا " بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي " بملكنا " بضم ~~الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " بملكنا " بكسر الميم. ~~والمعنى على جميع القراءات ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا ms1699 أمرنا، فلو ملكنا ~~أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد ~~باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار ~~بارد ساقط كما ترى!! ولقد صدق من قال # إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر # وأما على قول من قال إن الذين قالوا لموسى { مآ أخلفنا موعدك ~~بملكنا } هم الذين لم يعبدوا العجل. لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما ~~وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم ~~يتجرؤوا على مفارقتهم خوفا من الفرقة فالعذر له وجه في الجملة، كما ~~يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة # قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا ~~تتبعن أفعصيت أمري قال يابنأم لا تأخذ ~~بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرآئيل ولم ترقب قولي # طه 92-94. والمصدر في قوله { بملكنا } مضاف إلى فاعله ومفعوله ~~محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي كأنه قال بمكلنا الصواب بل أخطأنا. ~~فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري { أفطال عليكم العهد ~~} الزمان، يريد مدة مفارقته لهم. تنبيه كل فعل مضارع في القرآن مجزوم ب ~~" لم " إذا تقدمتها همزة استفهام. كقوله هنا { ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا } فيه وجهان معروفان عند العلماء الأول أن ~~مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتا. فيصير قوله { ألم ~~يعدكم } بمعنى وعدكم، وقوله # ألم نشرح لك صدرك # الشرح 1 بمعنى شرحنا، وقوله # ألم نجعل له عينين # البلد 6 جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر، لأن ~~" لم " حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو ~~معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتا أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى ~~النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في " لم " فينفيه، ~~ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات. الوجه الثاني أن الاستفهام ~~في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول " بلى " وعليه فالمراد ~~من قوله { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ms1700 } حملهم على أن ~~يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير # ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح # فإذا عرفت أن قوله هنا { فرجع موسى إلى قومه غضبان ~~أسفا } إلى قوله { بملكنا } قد بين الله فيه أن موسى لما رجع ~~إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب { ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد } ~~الآية فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه ~~بينه في غير هذا الموضع. كقوله في " الأعراف " في القصة بعينها # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم # الأعراف 150، وبين بعض ما فعل بقوله في " الأعراف " # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه # الأعراف 150، وقد أشار إلى هنا في " طه " في قوله # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي # طه 94. قوله تعالى { ولكنا حملنآ أوزارا من زينة ~~القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذآ إلهكم ~~وإله موسى فنسي }. قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، ~~وحمزة والكسائي { حملنا } بفتح الحاء والميم المخففة مبينا للفاعل ~~مجردا. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عصام " حملنا " بضم ~~الحاء وكسر الميم المشددة مبينا للمفعول. # و " نا " على القراءة الأولى فاعل " حمل " وعلى الثانية نائب فاعل " حمل ~~" بالتضعيف. والأوزار في قوله { أوزارا } قال بعض العلماء معناها ~~الأثقال. وقال بعض العلماء معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال ~~من حلي القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات. لأنهم ~~كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال ~~الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى. وقوله { ~~من زينة القوم } المراد بالزينة الحلي، كما يوضحه قوله تعالى # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار # الأعراف 148 فقذفناها أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها ~~السامري في الحفرة، وأمرنا أن ms1701 نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ~~ذلك هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة. لأن ذلك ~~أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم ~~يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على ~~فرس، أخذ السامري ترابا مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين ~~موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ ~~تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ~~ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى السامري ~~عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له كن عجلا جسدا له خوار. ~~فجعله الله عجلا جسدا له خوار. فقال لهم هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، ~~كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى # قال فما خطبك يسامري قال بصرت بما لم ~~يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول ~~فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي # طه 95-96. وقوله في هذه الآية { ولكنا حملنآ أوزارا ~~من زينة القوم } هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل ~~على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه ~~احتمال أنه من غيرهم. لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعينا غير ~~محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال. وقوله في هذه ~~الآية الكريمة { فنسي } أي نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر. ~~قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضا من ~~طريق عكرمة { فنسي } أي نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضا { ~~فنسي } أي السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافرا بادعاء ~~ألوهية العجل وعبادته. ### || [20.89] # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، ~~وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعا لمن عبده، ~~ولا ms1702 ضرا لمن عصاه. وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزا عن ~~النفع والضرر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله ~~في " الأعراف " في القصة بعينها # ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ~~اتخذوه وكانوا ظالمين # الأعراف 148 ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلا إلها أنه ~~من أظلم الظالمين. ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا # مريم 42، وقوله تعالى عنه أيضا # قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو ~~يضرون # الشعراء 72_73، وقوله تعالى # ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون ~~بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان ~~يسمعون بها # الأعراف 195 وقوله تعالى # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # الأحقاف 5-6، وقوله تعالى # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل ~~خبير # فاطر 13-14. وقد قدمنا الكلام مستوفى في همزة الاستفهام التي بعدها أداة ~~عطف كالفاء والواو، كقوله هنا { أفلا يرون } فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء { ألا يرجع } بالرفع لأن " أن ~~" مخففة من الثقيلة. والدليل على أنها مخففة من الثقيلة تصريحه تعالى ~~بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في " الأعراف " # ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم # الأعراف 148 الآية، ورأى في آية " طه، والأعراف " علمية على التحقيق، ~~لأنهم يعلمون علما يقينا أن ذلك العجل المصوغ من الحلي لا ينفع ولا يضر ~~ولا يتكلم. واعلم أن المقرر في علم النحو أن " أن " لها ثلاث حالات ~~الأولى أن تكون مخففة من الثقيلة قولا واحدا. ولا يحتمل أن تكون " أن ~~" المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه أن ms1703 تكون بعد فعل العلم وما ~~جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين. كقوله تعالى # علم أن سيكون منكم مرضى # المزمل 20، وقوله # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم # الجن 28 الآية، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر # واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا # وقول الآخر # في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل ما يحفى وينتعل # وإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب ~~كقوله # علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل # و " أن " هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكنا غالبا، والأغلب أن ~~يكون ضمير الشأن. وقيل لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي ~~بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله # وإن تخفف أن فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن # وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن فمن ~~ضرورة الشعر. كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب # لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا بأنك ربيع وغيث ~~مربع وأنك هناك تكون الثمالا # وقول الآخر # فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق # الحالة الثانية أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع. ~~ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة. وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز ~~نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان ~~في قوله # وحسبوا ألا تكون فتنة # المائدة 71 بنصب " تكون " ورفعه، وضابط " أن " هذه أن تكون بعد فعل ~~يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل ~~فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى # أحسب الناس أن يتركوا # العنكبوت 2 الآية. وقيل إن " أن " الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب. ~~نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي. الحالة الثالثة ~~أن تكون " أن " ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي ~~المصدرية الناصبة للفعل المضارع قولا واحدا. ms1704 وإلى الحالات الثلاث ~~المذكورة أشار بقوله في الخلاصة # وبأن انصبه وكى كذا بأن لا بعد علم والتي من بعد ظن فانصب بها والرفع ~~صحح واعتقد تخفيفها من أن فهو مطرد # تنبيه قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة وليس المقصود من هذا ~~أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلها. لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطا ~~بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها ~~لا يقتضي حصول المشروط انتهى كلامه. وما ذكره مقرر في الأصول. فكل ما ~~توقف على شرطين فصاعدا لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط. فلو قلت لعبدك إن ~~صام زيد وصلى وحج فأعطه دينارا. لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط ~~الثلاثة. ومحل هذا ما لم يكن تعليق الشروط على سبيل البدل فإنه يكفي فيه ~~واحد. فلو قلت لعبدك إن صام زيد أو صلى فأعطه درهما. فإنه يستوجب إعطاء ~~الدرهم بأحد الأمرين. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث ~~المخصصات المتصلة بقوله # وإن تعلق على شرطين شيء فبالحصول للشرطين وما على البدل قد تعلقا ~~فبحصول واحد تحققا # وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية وقد تقدم في حديث ~~الفتون عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه يهموت. وحاصل ما اعتذر به ~~هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، ~~فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن ~~عبدالله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب. ~~يعني هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما انظروا إلى أهل ~~العراق قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الحسين رضي الله ~~عنه وهم يسألون عن دم البعوضة انتهى منه. ### || [20.90-91] # بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين أن بني إسرائيل لما فتنهم ~~السامري وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام، وبين لهم عبادتهم العجل فتنة فتنوا ms1705 بها. أي كفر وضلال ~~ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلا ~~مصطنعا من حلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد ~~الله تعالى، الوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن ~~يطيعوه في ذلك. فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع ~~موسى. وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه ~~وتمردوا عليه ولم يطيعوه. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله ~~في " الأعراف " # قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني فلا تشمت بي الأعدآء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين # الأعراف 150. فقوله عنهم في خطابهم له { لن نبرح عليه ~~عاكفين } يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في " الأعراف ~~" كما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه ~~الآيات الكريمات ما نصه. وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله ما يقول ~~سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم حرس الله مدته أنه اجتمع جماعة من ~~رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم ~~يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع ~~مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا ~~مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه. # يا شيخ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحا ما دام ~~ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل # وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك الله مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، ~~وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الرقص ~~والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، ~~قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما ~~القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. ~~وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم ~~الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ms1706 ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد ~~وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن ~~يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ~~وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق انتهى منه بلفظه. قال مقيده ~~عفا الله عنه وغفر له قد قدمنا في سورة " مريم " ما يدل على أن بعض ~~الصوفية على الحق. # ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها ~~وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلاما مفصلا كما هو معلوم، ~~كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان ~~الداراني، وكعون بن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة، وأضرابهما، ~~وكسهل بن عبدالله التستري، أبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى ~~بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم، لأنهم عالجوا ~~أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يحيدون عن ~~العمل بالكتاب والسنة ظاهرا وباطنا، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. ~~فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان ~~الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. فمن كان منهم متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله ~~وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء ~~العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال. وأما من كان على خلاف ذلك فهو ~~الضال. نعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها ~~بالاستقراء، أن عامة الذين يدعون التصوف. في أقطار الدنيا إلا من شاء ~~الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من ~~طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعا وخدما، وأموالا وجاها، وهم بمعزل عن ~~مذهب الصوفية الحق، لا يعلمون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم ~~لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد ~~عنهم، والاعتصام من ms1707 ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم ~~بعض الخوارق، ولقد صدق من قال # إذا رأيت رجلا يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عند حدود الشرع ~~فإنه مستدرج أو بدعي # والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا # النساء 123-125، فمن كان عمله مخالفا للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو ~~الضال. ومن كان عمله موافقا لما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام فهو ~~المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا ~~يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي محجة ~~بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ### || [20.92-93] # قوله تعالى { قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ~~ألا تتبعن }. قال بعض أهل العلم " لا " في قوله { ألا ~~تتبعن } زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في " ~~الأعراف " # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # الأعراف 12 قال لأن المراد ما منعك أن تسجد إذ أمرتك. بدليل قوله في ~~القصة بعينها في سورة " ص " # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # ص 75 الآية، وقوله تعالى # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ~~من فضل الله # الحديد 29 الآية. أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله # فلا وربك لا يؤمنون # النساء 65 أي فوربك لا يؤمنون، وقوله # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة # فصلت 34 أي والسيئة، وقوله # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # الأنبياء 95 على أحد القولين، وقوله # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # الأنعام 109 على أحد القولين، وقوله # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا # الأنعام 151 الآية على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك ms1708 من كلام العرب قول ~~امرئ القيس # فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر # يعني فوأبيك. وقول أبي النجم # فما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا # يعني أن تسخر، وقول الآخر # ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر # يعني وعمر. وقول الآخر # وتلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع دائب غير غافل # يعني أن أحبه، و " لا " مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال ~~الفراء إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة ~~المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبهه كالمنع في قوله { ما منعك ~~} ونحو ذلك. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم. أن زيادة لفظة " لا " ~~لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام ~~الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة ~~" لا " قول ساعدة الهذلي # أفعنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب # ويروى " أفمنك " بدل " أفعنك " بدل " تسنمه " يعين أعنك برق و " لا " ~~زائدة للتوكيد والكلام ليس فيه معنى الجحد. ونظيره قول ا لآخر # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع # يعني كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة " لا " قول العجاج # في بئر لا حور سرى وما شعر بإفكه حتى رأى الصبح جشر # والحور الهلكة. يعني في بئر هلكة ولا زائدة للتوكيد. قاله أبو عبيدة ~~وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ~~دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " البلد ". # قوله تعالى { أفعصيت أمري }. الظاهر أن أمره المذكور في هذه ~~الآية هو المذكور في قوله تعالى # وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين # الأعراف 142. وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب. لأنه ~~أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة ~~كقوله تعالى # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # النور 63، وقوله # وما كان لمؤمن ولا ms1709 مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # الأحزاب 36 فجعل أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مانعا من ~~الاختيار، موجبا للامتثال. وقوله تعالى # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # الأعراف 12 فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه ~~بصيغة أفعل في قوله تعالى # اسجدوا لآدم # البقرة 34. وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن ~~تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها. وإلى ذلك أشار ~~في مراقي السعود بقوله # وافعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب أو المطلوب # الخ. ### || [20.94] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هارون قال لأخيه موسى { ~~يابنأم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } وذلك يدل على ~~أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته. وقد بين تعالى في " الأعراف " ~~أنه أخذ برأسه يجره إليه. وذلك في قوله # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه # الأعراف 150. وقوله { ولم ترقب قولي } من بقية كلام هارون. أي ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي لم ترقب قولي! أي لم ~~تعمل بوصيتي وتمتثل أمري. تنبيه هذه الآية الكريمة بضميمة آية " الأنعام ~~" إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية ~~وعدم حلقها. وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى # ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف ~~وموسى وهارون # الأنعام 84 الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام ~~المذكورين # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # الأنعام 90 فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله ~~عليه وسلم بالاقتداء بهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك أمر لنا. لأن ~~أمر القدوة أمر لأتباعه! كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب ~~المبارك في سورة " المائدة " وقد قدمنا هناك أنه ثبت في صحيح البخاري أن ~~مجاهدا سأل ابن عباس من أين أخذت السجدة في " ص " قال أو ما تقرأ # ومن ذريته داوود # الأنعام 84 # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ms1710 # الأنعام 90 فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا علمت ~~بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء ~~بهم في سورة " الأنعام " ، وعلمت أن أمره أمر لنا. لأن لنا فيه الأسوة ~~الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفرا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه { لا ~~تأخذ بلحيتي } لأنه لو كان حالقا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته ~~تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن ~~العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والعجب من ~~الذين مضخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، ~~وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ~~ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر ~~والأنثى وهو اللحية. وقد كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وهو أجمل ~~الخلق وأحسنهم صورة. والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم ~~مشارق الأرض ومغاربها ليس فيهم حالق. نرجو الله أن يرينا وإخواننا ~~المؤمنين الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. ~~أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها ~~لشهرتها بين الناس، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك. # وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن. وإنما قال هارون لأخيه { قال ~~يابنأم } لأن قرابة الأم أشد عطفا وحنانا من قرابة الأب. وأصله. ~~يا بنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفا وحذف ~~الألف المبدلة منها كما هنا، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله # وفتح أو كسر وحذف اليا استمر في يا بنؤم يا بن عم لا مفر # وأما ثبوت ياء المتكلم في قول حرملة بن المنذر # يا بنؤمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد # فلغة قليلة. وقال بعضهم هو لضرورة الشعر. وقوله " يا بنؤم " قرأه ابن ~~عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم. وقرأه الباقون بفتحها. ~~وكذلك قوله في " الأعراف " # قال ابن أم إن القوم # الأعراف 150 الآية. ### || [20.98] # بين جل ms1711 وعلا في هذه الآية أن العجل الذي صنعه السامري من حلي القبط لا ~~يمكن أن يكون إلها؟ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق ب { إنمآ } ~~التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السموات والأرض. الذي لا إله إلا ~~هو. أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علما. ~~وقوله { علما } تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. وما ذكره ~~تعالى في هذه الآية الكريمة من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، ~~وأنه وسع كل شيء علما ذكره في آيات كثيرة من كتابه تعالى. كقوله تعالى # الله لا إله إلا هو # البقرة 255 الآية، وقوله # فاعلم أنه لا إله إلأ الله # محمد 19 الآية إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في إحاطة علمه بكل شيء # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # يونس 61، وقوله تعالى # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # الأنعام 59، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [20.99] # قوله تعالى { كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق ~~}. الكاف في قوله { كذلك } في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي ~~نقص عليك من أنباء ما سبق قصصا مثل ذلك القصص الحسن الحق الذي قصصنا ~~عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري. والظاهر أن " من " في ~~قوله { من أنبآء ما قد سبق } للتبعيض، ويفهم من ذلك أن بعضهم ~~لم يقصص عليه خبره ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى في سورة " النساء " # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك # النساء 164 الآية، وقوله في سورة " المؤمن " # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك # غافر 78 الآية، وقوله في سورة " إبراهيم ms1712 " # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات # إبراهيم 9 الآية. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الذي له شأن. وما ذكره جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه قص على نبيه صلى الله عليه وسلم أخبار ~~الماضين. أي ليبين بذلك صدق نبوته، لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم ~~يتعلم أخبار الأمم وقصصهم. فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه بينه ~~أيضا في غير هذا الموضع، كقوله في " آل عمران " # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # آل عمران 44 أي فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به. وقوله ~~تعالى في سورة " هود " أيضا # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # هود 120 الآية. وقوله تعالى في سورة " يوسف " # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون # يوسف 102، وقوله في " يوسف " أيضا # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # يوسف 3، وقوله في " القصص " # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # القصص 44، وقوله فيها # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا # القصص 46، وقوله # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم ~~آياتنا # القصص 45، إلى غير ذلك من الآيات. يعني لم تكن حاضرا يا نبي الله لتلك ~~الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته. وقوله { من أنبآء ~~ما قد سبق } أي أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل. وقوله تعالى { ~~وقد آتيناك من لدنا ذكرا }. أي أعطيناك من عندنا ذكرا ~~وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله. # كقوله # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون # الأنبياء 50، وقوله تعالى # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم # آل عمران 58، وقوله تعالى # ما يأتيهم من ذكر من ms1713 ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون # الأنبياء 2 وقوله # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # الحجر 6، وقوله تعالى # ص والقرآن ذي الذكر # ص 1، وقوله تعالى # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44 الآية، وقوله # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # الحجر 9 إلى غير ذلك من الآيات. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ~~الكريمة ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه أحدها أنه كتاب فيه ذكر ما ~~يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها أنه يذكر أنواع آلاء ~~الله ونعمائه تعالى. ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها أنه فيه الذكر ~~والشرف لك ولقومك على ما قال { وإنه لذكر لك ولقومك }. ~~واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكرا فقال # فاسألوا أهل الذكر # النحل 43 ا ه المراد من كلام الرازي. ويدل للوجه الثاني في كلامه قوله ~~تعالى # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # ص 29، وقوله تعالى # وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ذكرا # طه 113. ### || [20.100-101] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من أعرض عن هذا الذكر الذي هو ~~القرآن العظيم، أي صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، ~~والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد ويعتبر بما فيه من القصص ~~والأمثال، ونحو ذلك فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، قال الزمخشري في تفسير ~~هذه الآية الكريمة يريد بالوزر العقوبة الثقيلة الباهظة. سماها وزرا ~~تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يفدح الحامل ~~وينقض ظهره، ويلقي عليه بهره. أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. قال مقيده ~~عفا الله عنه وغفر له قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله على أن المجرمين ~~يأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم. أي أثقال ذنوبهم على ظهورهم. كقوله في ~~سورة " الأنعام " # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا ~~جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ~~ألا سآء ما يزرون # الأنعام 31، وقوله في " النحل " # ليحملوا أوزارهم ms1714 كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # النحل 25، وقوله في " العنكبوت " # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # العنكبوت 13، وقوله في " فاطر " # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى # فاطر 18. وبهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تعلم أن معنى ~~قوله تعالى { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } ، وقوله { ~~وسآء لهم يوم القيامة حملا } أن المراد بذلك الوزر ~~المحمول أثقال ذنوبهم وكفرهم يأتون يوم القيامة يحملونها سواء قلنا إن ~~أعمالهم السيئة تتجسم في أقبح صورة وأنتنها، أو غير ذلك كما تقدم إيضاحه. ~~والعلم عند الله. وقد قدمنا عمل " ساء " التي بمعنى يئس مرارا. فأغنى ~~ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى { خالدين فيه }. قال القرطبي في ~~تفسير هذه الآية الكريمة { خالدين فيه } يريد مقيمين فيه، أي في ~~جزائه، وجزاؤه جهنم. تنبيه إفراد الضمير في قوله { أعرض } ، وقوله { ~~فإنه } وقوله { يحمل } باعتبار لفظ " من " وأما جمع { خالدين } ~~وضمير لهم { يوم القيامة } فباعتبار معنى من كقوله # ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ # الطلاق 11 الآية، وقوله # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ # الجن 23 الآية. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة فإن قلت اللام ~~في " لهم " ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت هي للبيان كما في # هيت لك # يوسف 23. ### || [20.105] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنهم يسألونه عن الجبال، وأمره أن ~~يقول لهم إن ربه ينسفها نسفا، وذلك بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها ~~كالرمل المتهايل الذي يسيل، وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. ~~واعلم أنه جل وعلا بين الأحوال التي تصير إليها الجبال يوم القيامة في ~~آيات من كتابه. فبين أنه ينزعها من أماكنها. ويحملها فيدكها دكا. وذلك ~~في قوله # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة # الحاقة 13-14. ثم بين أنه يسيرها في ms1715 الهواء بين السماء والأرض. وذلك في ~~قوله # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شآء الله وكل أتوه داخرين ~~وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه ~~خبير بما تفعلون # النمل 87-88، وقوله # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # الكهف 47 الآية، وقوله # وإذا الجبال سيرت # التكوير 3، وقوله تعالى # وسيرت الجبال فكانت سرابا # النبأ 20، وقوله تعالى # يوم تمور السمآء مورا وتسير الجبال سيرا # الطور 9-10. ثم بين أنه يفتنها ويدقها كقوله # وبست الجبال بسا # الواقعة 5 أي فتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن أو نحوه على ~~القول بذلك، وقوله # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # الحاقة 14. ثم بين أنه يصيرها كالرمل المتهايل، وكالعهن المنفوش؟ وذلك ~~في قوله # يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا # المزمل 14، وقوله تعالى # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن # المعارج 8-9 في " المعارج، والقارعة ". والعهن الصوف المصبوغ. ومنه قول ~~زهير بن أبي سلمى في معلقته. # كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم # ثم بين أنها تصير كالهباء المنبث في قوله # وبست الجبال بسا فكانت هبآء منبثا # الواقعة 5-6 ثم بين أنها تصير سرابا، وذلك في قوله { وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا } وقد بين في موضع آخر أن السراب لا شيء. ~~وذلك قوله تعالى # حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # النور 39 وبين أنه ينسفها نسفا في قوله هنا { ويسألونك عن ~~الجبال فقل ينسفها ربي نسفا }. تنبيه جرت العادة في ~~القرآن أن الله إذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { يسألونك } قال ~~له { قل } بغير فاء. كقوله # ويسألونك عن الروح قل الروح # الإسراء 85 الآية، وقوله تعالى # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير # البقرة 219 الآية، وقوله # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير # البقرة 215 الآية، وقوله # يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات # المائدة 4 الآية، وقوله # يسألونك عن الشهر ms1716 الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير # البقرة 217 إلى غير ذلك من الآيات، أما في آية " طه " هذه فقال فيها { ~~فقل ينسفها } بالفاء. وقد أجاب القرطبي رحمه الله عن هذا في تفسير ~~هذه الآية بما نصه { ويسألونك عن الجبال } أي عن حال الجبال ~~يوم القيامة، فقل. جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن " قل " بغير فاء إلا ~~هذا. لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد ~~علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال. وتلك أسئلة تقدمت، سألوا ~~عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال. فلذلك كان بغير ~~فاء. وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه - انتهى منه. وما ذكره يحتاج ~~إلى دليل، والعلم عند الله تعالى. ### || [20.106-107] # الضمير في قوله { فيذرها } فيه وجهان معروفان عند العلماء أحدهما ~~أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر. ونظير هذا القول في هذه الآية ~~قوله تعالى # ما ترك على ظهرها من دآبة # فاطر 45، وقوله # ما ترك عليها من دآبة # النحل 61 فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر. وقد بينا شواهد ~~ذلك من العربية والقرآن بإيضاح في سورة " النحل " فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا. والثاني أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها لأنها ~~مفهومة من ذكر الجبال. والمعنى فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من ~~الأرض قاعا صفصفا. والقاع المستوى من الأرض. وقيل مستنقع الماء. ~~والصفصف المستوى الأملس الذي لا نبات فيه ولا بناء، فإنه على صف واحد في ~~استوائه. وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى # وكم دون بيتك من صفصف ودكداك ومل وأعقادها # ومنه قول الآخر # وملمومة شهباء لو قذفوا بها شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا # وقوله { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } أي لا اعوجاج فيها ~~ولا أمت. والأمت النتوء اليسير. أي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على ~~بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد # فاجرمزت ثم سارت وهي لاهية في كافر ms1717 ما به أمت ولا شرف # وقول الآخر # فأبصرت لمحة من رأس عكرشة في كافر ما به أمت ولا عوج # والكافر في البيتين قيل الليل. وقيل المطر، لأنه يمنع العين من رؤية ~~الارتفاع والانحدار في الأرض. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة ~~فإن قلت قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا. العوج بالكسر في المعاني ~~والعوج بالفتح في الأعيان. والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلت ~~اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ~~ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون. وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض ~~فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم ~~على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندسين فيها، وأمرته ~~أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع ~~لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عز وجل ذلك ~~العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب ~~التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس ~~لحق بالمعاني فقيل فيه عوج بالكسر، والأمت النتوء اليسير، يقال مد حبله ~~حتى ما فيه أمت. انتهى منه. وقد قدمنا في أول سورة الكهف ما يغني عن هذا ~~الكلام الذي ذكره، والعلم عند الله تعالى. ### || [20.108-109] # قوله تعالى { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ~~وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. ~~قوله { يومئذ } أي يوم إذ نسفت الجبال يتبعون الداعي. والداعي هو ~~الملك الذي يدعوهم إلى الحضور للحساب. قال بعض أهل العلم يناديهم أيتها ~~العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك ~~للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه. ومعنى { لا عوج له } أي ~~لا يحيدون عنه، ولا يميلون يمينا ولا شمالا. وقيل لا عوج لدعاء الملك ~~عن أحد، أي لا يعدل بدعائه عن أحد، بل يدعوهم جميعا. وما ذكره جل وعلا ~~في هذه الآية الكريمة من اتباعهم للداعي للحساب، وعدم عدولهم عنه بينه في ~~غير ms1718 هذا الموضع، وزاد أنهم يسرعون إليه كقوله تعالى # فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون ~~هذا يوم عسر # القمر 6-8 والإهطاع الإسراع وقوله تعالى # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم ~~يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج # ق 41-42، وقوله تعالى # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده # الإسراء 52 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { وخشعت الأصوات للرحمن } أي خفضت وخفتت، وسكنت ~~هيبة لله، وإجلالا وخوفا { فلا تسمع } في ذلك اليوم صوتا ~~عاليا، بل لا تسمع { إلا همسا } أي صوتا خفيا خافتا من شدة ~~الخوف. أو { إلا همسا } أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر ~~- والهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام. كصوت ~~أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قول الراجز # وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا # وما ذكره جل وعلا هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله # رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا # النبأ 37-38. وقوله هنا { يومئذ لا تنفع الشفاعة } طه ~~109 الآية، قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في " مريم " وغيرها، فأغنى ذلك ~~عن إعادته هنا. ### || [20.111] # قوله { عنت } أي ذلت وخضعت. تقول العرب عنا يعنو عنوا وعناء إذ ذلك ~~وخضع، وخشع. ومنه قيل للأسير عان. لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية ~~بن أبي الصلت الثقفي # مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وقوله أيضا # وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا # واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم المراد ~~بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم وجوه العصا خاصة وذلك يوم القيامة ~~وأسند الذل والخشوع لوجوههم، لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما ~~يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية ms1719 قوله تعالى # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27 الآية، وقوله # ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة # القيامة 24-25، وقوله تعالى # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا ~~حامية # الغاشية 2-4، وعلى هذا القول انتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات ~~المذكورة. وقال بعض العلماء { وعنت الوجوه } أي ذلت وخضعت وجوه ~~المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على ~~أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة، لأن السياق في يوم القيامة، وكل ~~الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا. وقوله ~~في هذه الآية { وقد خاب من حمل ظلما } قال بعض العلماء أي ~~خسر من حمل شركا. وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية ~~الشرك ظلما. كقوله # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، وقوله # والكافرون هم الظالمون # البقرة 254، وقوله # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # يونس 106، وقوله { وقد خاب من حمل ظلما } يعم الشرك وغيره ~~من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى. ~~وقوله في هذه الآية الكريمة { للحي القيوم } الحي المتصف ~~بالحياة الذي لا يموت أبدا. والقيوم صيغة مبالغة. لأنه جل وعلا هو ~~القائم بتدبير شؤون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل ~~القيوم الدائم الذي لا يزول. ### || [20.112] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه ~~فإنه لا يخاف ظلما ولا هضما. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. ~~كقوله تعالى # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # النساء 40، وقوله # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # يونس 44، وقوله تعالى # ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # الكهف 49 إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا ذلك. وفرق بعض أهل العلم بين ~~الظلم والهضم بأن الظلم المنع من ms1720 الحق كله. والهضم النقص والمنع من بعض ~~الحق. فكل هضم ظلم، ولا ينعكس. ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل ~~الليثي # إن الأذلة واللئام لمعشر مولاهم المتهضم المظلوم # فالمتهضم اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها. وقرأ هذا ~~الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير { فلا يخاف } بضم الفاء وبألف ~~بعد الخاء مرفوعا ولا نافية. أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. وقرأ ابن ~~كثير " فلا يخف " بالجزم من غير ألف بعد الخاء. وعليه ف " لا " ناهية ~~جازمة المضارع. وقول القرطبي في تفسيره إنه على قراءة ابن كثير مجزوم. ~~لأنه جواب لقوله { ومن يعمل } غلط منه رحمه الله. لأن الفاء في ~~قوله { فلا يخاف } مانعة من ذلك. والتحقيق هو ما ذكرنا من أن " لا " ~~ناهية على قراءة ابن كثير، والجملة الطلبية جزاء الشرط، فيلزم اقترانها ~~بالفاء. لأنها لا تصلح فعلا للشرط كما قدماه مرارا. ### || [20.113] # قوله تعالى { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا ~~فيه من الوعيد } الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " ~~الكهف " فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [20.114] # قوله تعالى { ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى ~~إليك وحيه وقل رب زدني علما }. كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه صلى الله ~~عليه وسلم من شدة حرصه على حفظ القرآن. فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ~~ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة ~~جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا ~~المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع. كقوله في ~~" القيامة " # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # القيامة 16-19 وقال البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ~~أبو عوانة قال حدثنا موسى بن أبي عائشة قال حدثنا سعيد بن جبير عن ابن ms1721 ~~عباس في قوله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ~~قال كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما ~~يحرك شفتيه، فقال ابن عباس فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، ~~فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل ~~به إن علينا جمعه وقرآنه } قال جمعه لك في صدرك، ~~ونقرأه { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } قال فاستمع له ~~وأنصت { ثم إن علينا بيانه } ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع. فإذا انطلق جبريل ~~قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه ا ه. ### || [20.115] # قوله { ولقد عهدنآ إلى ءادم } أي أوصيناه ألا يقرب تلك ~~الشجرة. وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا الموضع، ~~كقوله في سورة " البقرة " # وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين # البقرة 35 فقوله { ولا تقربا هذه الشجرة } هو عهده إلى ~~آدم المذكور هنا. وقوله في " الأعراف " # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من ~~الظالمين # الأعراف 19. وقوله تعالى { فنسي } فيه للعلماء معروفان أحدهما - أن ~~المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمدا. والعرب تطلق النسيان ~~وتريد به الترك ولو عمدا، ومنه قوله تعالى # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى # طه 126 فالمراد في هذه الآية الترك قصدا. وكقوله تعالى # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون # الأعراف 51، وقوله تعالى # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون # السجدة 14، وقوله تعالى # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون # الحشر 19، وقوله تعالى # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # الجاثية 34. وعلى هذا فمعنى ms1722 قوله { فنسي } أي ترك الوفاء بالعهد، ~~وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة، لأن النهي عن الشيء ~~يستلزم الأمر بضده. والوجه الثاني هو أن المراد بالنسيان في الآية ~~النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما ~~دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها - غره وخدعه بذلك، حتى ~~أنساه العهد المذكور. كما يشير إليه قوله تعالى # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين فدلاهما ~~بغرور # الأعراف 21-22. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنما سمي الإنسان لأنه ~~عهد إليه فنسي رواه عنه ابن أبي حاتم ا ه. ولقد قال بعض الشعراء # وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب # أما على القول الأول فلا إشكال في قوله # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121 وأما على الثاني ففيه إشكال معروف. لأن الناسي معذور فكيف يقال ~~فيه { وعصى ءادم ربه فغوى }. وأظهر أوجه الجواب عندي عن ~~ذلك أن آدم لم يكن معذورا بالنسيان. وقد بينت في كتابي دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ ~~والإكراه من خصائص هذه الأمة. كقوله هنا { فنسي } مع قوله { وعصى ~~} فأسند إليه النسيان والعصيان، فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما ~~يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قرأ # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # البقرة 286 قال الله نعم قد فعلت. فلو كان ذلك معفوا عن جميع الأمم لما ~~كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله # كما حملته على الذين من قبلنا # البقرة 286 ويؤيد ذلك حديث # " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # فقوله " تجاوز لي عن أمتي " يدل على الاختصاص بأمته. وليس مفهوم لقب. ~~لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من ~~الرسل. ms1723 والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ~~ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديما وحديثا يتلقونه ~~بالقبول. ومن الأدلة على ذلك حديث طارق بن شهاب المشهور في الذي دخل ~~النار في ذباب قربه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ~~ولو ذبابا قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره. لأنه لو لم يقرب ~~لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذرا. ومن ~~الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ~~في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا # الكهف 20 فقوله { يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم } ~~دليل على الإكراه، وقوله { ولن تفلحوا إذا أبدا } دليل على ~~عدم العذر بذلك الإكراه. كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع. واعلم أن في ~~شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى # ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة # النساء 92 الآية. فتحرير رقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ. والكفارة تشعر ~~بوجود الذنب في الجملة. كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة ~~من الله وكان الله عليما حكيما # النساء 92 فجعل صوم الشهرين بدلا من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ~~ذلك { توبة من الله } يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك ~~الخطأ، مع قوله # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به # الأحزاب 5 وما قدمنا من حديث مسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ { لا تؤاخذنا إن ~~نسينآ أو أخطأنا } البقرة 286 قال الله نعم قد فعلت " # ، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة والكفارة المذكورة. قال بعض أهل العلم ~~هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا ~~أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121 هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة ~~الأنبياء من الصغائر التي ms1724 لا تتعلق بالتبليغ. لأنهم يتداركونها بالتوبة ~~والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن. # واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا ~~تعلق لها بالتبليغ اختلافا مشهورا معروفا في الأصول. ولا شك أنهم ~~صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق ~~الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك. ~~كما قال هنا # وعصى ءادم ربه فغوى # طه 121 ثم أتبع ذلك بقوله # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # طه 122. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولم نجد له عزما ~~} يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل ~~الذين قال الله فيهم # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # الأحقاف 35 وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة { ولم نجد له عزما } ~~أي لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر. وأقوال ~~العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله { لم نجد } قال أبو حبان في ~~البحر يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه { له عزما } وأن يكون ~~نقيض العدم. كأنه قال وعد مناله عزما ا ه منه. والأول أظهر، والله ~~تعالى أعلم. ### || [20.116] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس أبى. أي أبى أن يسجد. فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا ~~الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضا في " الحجر " في قوله # إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين # الحجر 31. وقوله في آية " الحجر " هذه { أبى أن يكون مع ~~الساجدين } يبين معمول " أبى " المحذوف في آية " طه " هذه التي هي ~~قوله { إلا إبليس أبى } أي أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح ~~به في " الحجر " وكما أشار إلى ذلك في " الأعراف " في قوله # إلا إبليس لم يكن من ms1725 الساجدين # الأعراف 11 وذكر عنه في سورة " ص " الاستكبار وحده في قوله # إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين # ص 74، وذكر عنه الإباء والاستكبار معا في سورة " البقرة " في قوله # إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # البقرة 34. وقد بينا في سورة " البقرة " سبب استكباره في زعمه وأدلة ~~بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة " الكهف " كلام العلماء ~~فيه. هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~فسجدوا إلا إبليس } صرح في غير هذا الموضع أن السجود ~~المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # الحجر 30-31 الآية. ### || [20.117-119] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إن هذا عدو لك ~~ولزوجك } قد قدمنا الآيات الموضحة له في " الكهف " فأغنى ذلك عن ~~إعادته هنا. وقوله في هذه الآية الكريمة { فتشقى } أي فتتعب في طلب ~~المعيشة بالكد والاكتساب. لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج ~~من الجنة حتى يحرث الأرض، ثم يزرعها، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك، ثم ~~يدسه، ثم ينقيه، ثم يطحنه، ثم يعجنه، ثم يخبره. فهذا شقاؤه المذكور. ~~والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية التعب في اكتساب المعيشة ~~قوله تعالى بعده { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ~~وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } يعني احذر من عدوك أن ~~يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري، والكسوة والسكن. قال ~~الزمخشري وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره ~~استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب ~~كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي ~~الجوع والعري والظمأ والضحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره ~~منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها ا ه. فقوله في هذه ~~الآية الكريمة { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } ~~قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب ms1726 الدنيا في كد المعيشة ليدفع به ~~الجوع والظمأ والعري والضحاء. والجوع معروف، والظمأ العطش. والعري بالضم ~~خلاف اللبس. وقوله { ولا تضحى } أي لا تصير بارزا للشمس، ليس لك ~~ما تستكن فيه من حرها. تقول العرب ضحى يضحى، كرضي يرضى. وضحى يضحى كسعى ~~يسعى إذا كان بارزا لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول ~~عمر بن أبي ربيعة # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت فيضحي وأما بالعشي فينحصر # وقول الآخر # ضحيت له كي أستظل بظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعا وشعبة عن عاصم { وأنك ~~لا تظمأ } بفتح همزة " أن " ، والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها ~~معطوف على المصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله { إن لك ألا ~~تجوع } أي وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. ويجوز في المصدر المعطوف ~~المذكور النصب والرفع، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله # وجائز رفعك معطوفا على منصوب إن بعد أن تستكملا # وإيضاح تقدير المصدرين المذكورين إن لك عدم الجوع فيها، وعدم الظمأ. ~~تنبيه أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها ~~لأن الله لما قال { إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة } بخطاب شامل لآدم وحواء، ثم خص آدم ~~بالشقاء دونها في قوله { فتشقى } دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد ~~عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن. # قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه ~~وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا - يعلمنا أن نفقة الزوجة على ~~الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج. فلما كانت نفقة حواء على ~~آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية أن ~~النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة الطعام، والشراب، والكسوة، ~~والمسكن. فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ~~ذلك فهو مأجور. فأما هذه الأربعة ms1727 فلا بد منها. لأن بها إقامة المهجة ا ه ~~منه. وذكر في قصة آدم أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات ~~من الجنة، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح للعرق عن جبينه وذلك من الشقاء ~~المذكور في الآية. والظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع ~~المعنوي في اصطلاح البلاغيين، هو ما يسمى " مراعاة النظير " ، ويسمى " ~~التناسب والائتلاف. والتوفيق والتلفيق ". فهذه كلها أسماء لهذا النوع من ~~البديع المعنوي. وضابطه أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد. كقوله تعالى # الشمس والقمر بحسبان # الرحمن 5 فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد. وكقول البحتري يصف ~~الإبل الأنضاء المهازيل، أي الرماح # كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار # وبين الأسهم والقسي المعطفات والأوتار مناسبة في الرقة وإن كان بعضها ~~أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق # أصح وأقوى ما سمعناه في الندى من الخير المأثور منذ قديم أحاديث ~~ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم # فقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث ~~والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير ~~تميم، وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري # كأن للثريا علقت في جبينه وفي خده الشعري وفي جهة البدر # فقد ناسب بين الثريا والشعري والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة ~~والوجه. وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة. وإذا علمت هذا ~~فاعلم أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله { إن لك ~~ألا تجوع فيها ولا تعرى } بين نفي الجوع المتضمن لنفي ~~الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العري المتضمن لنفي ~~الألم الظاهري من أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد. كما أنه تعالى ~~ناسب في قوله { وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } بين نفي ~~الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ. # وبين نفي الضحى المتضمن لنفي الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه ~~كما هو واضح. بما ذكرنا تعلم أن قول من قال إن ms1728 في الآية المذكورة ما يسمع ~~قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق ~~تعداد هذه النعم وتكثيرها. لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات ~~نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك ~~من التناسب. وقالوا ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس # كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبا الزق ~~الروي ولم أقل لخيل كرى كرة بعد إجفال # فقطع ركوب الجواد من قوله " لخيل كرى كرة " وقطع " تبطن الكاعب " عن شرب ~~" الزق الروي " مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها. ~~كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [20.120] # الوسوسة والوسواس الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحلي ~~وسواس. والوسوس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الاسم، وهو أيضا من ~~أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى # من شر الوسواس الخناس # الناس 4 ويقال لحديث النفس وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت ~~الحلي قول الأعشى # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل # ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة # فبات يشئزه ثأد ويسهره تذؤب الريح والوسواس والهضب # وقول رؤبة # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق سرا وقد أون تأوين العقق في الزرب لو ~~يمضغ شربا ما بصق # وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فوسوس ~~إليه الشيطان } أي كلمه كلاما خفيا فسمعه منه آدم وفهمه. ~~والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس ~~سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله { ~~فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد } الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد ~~أوضح هذا في سورة " الأعراف " وبين أنه وسوس إلى حواء أيضا مع آدم، وذلك ~~في قوله # فوسوس لهما الشيطان # الأعراف 20 إلى قوله # وقاسمهمآ ms1729 إني لكما لمن الناصحين فدلاهما ~~بغرور # الأعراف 21-22 لأن تصريحه تعالى في آية " الأعراف " هذه بأن إبليس ~~قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب دليل واضح ~~على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع. واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم ~~إشكالا معروفا، وهو أن يقال إبليس قد أخرج من الجنة صاغرا مذموما ~~مدحورا، فكيف أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون ~~في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها ~~لا يشعرون بذلك. وكل ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، ~~لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبا من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو ~~في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة ~~إبليس. فلا محال عقلا في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، ~~وحلف له حتى غره وزوجه بذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة { على ~~شجرة الخلد } أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود. لأن من أكل منها ~~يكون في زعمه الكاذب خالدا لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك ~~لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا { وملك لا ~~يبلى } يدل لمعنى قراءة من قرأ # إلا أن تكونا ملكين # الأعراف 20 بكسر اللام. وقوله # أو تكونا من الخالدين # الأعراف 20 هو معنى قوله في " طه " { هل أدلك على شجرة ~~الخلد }. # والحاصل أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء ~~أنهما أن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، ~~وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك، يريد لهما الخلود والبقاء ~~والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من ~~شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد ~~بالنهي عن الشجرة. تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال ~~كيف عدى فعل ms1730 الوسوسة في " طه " بإلى في قوله { فوسوس إليه ~~الشيطان } مع أنه عداه في " الأعراف " باللام في قوله # فوسوس لهما الشيطان # الأعراف 20. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. أحدها أن حروف الجر يخلف ~~بعضها بعضا. فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك. قال الجوهري في صحاحه ~~وقوله تعالى { فوسوس إليه الشيطان } يريد إليهما، ولكن ~~العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل ا ه. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن ~~الأجوبة عن ذلك إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية فإن قلت ~~كيف عدى " وسوس " تارة باللام في قوله # فوسوس إليه الشيطان # الأعراف 20 وأخرى بإلى؟ قلت وسوسة الشيطان كولولة الثكلى، ووعوعة الذئب، ~~ووقوقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه ~~وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق ........ # فإن قلت وسوس له. فمعناه لأجله. كقوله # أجرس لها يا ابن أبي كباش فما لها الليلة من إنفاش غير السرى وسائق ~~نجاش # ومعنى { فوسوس إليه } أنهى إليه الوسوسة. كقوله حدث إليه وأسر ~~إليه ا ه منه. وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين ~~البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجر. وإتيان بعضها مكان بعض هل هو ~~بالنظر إلى التضمين، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض؟ وسنذكر مثالا ~~واحدا من ذلك يتضح به المقصود. فقوله تعالى مثلا # ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا # الأنبياء 77 الآية، على القول بالتضمين. فالحرف الذي هو " من " وارد في ~~معناه لكن " نصر " هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص، أي أنجيناه وخلصناه ~~من الذين كذبوا بآياتنا. والإنجاء مثلا يتعدى بمن. وعلى القول الثاني ف ~~" نصر " وارد في معناه، لكن " من " بمعنى على، أي نصرناه على القوم الذين ~~كذبوا الآية، وهكذا في كل ما يشاكله. وقد قدمنا في سورة " الكهف " أن ~~اختلاف العلماء في تعيين الشجرة ا لتي نهى الله آدم عن الأكل منها اختلاف ~~لا طائل تحته، لعدم الدليل على تعيينها، وعدم الفائدة في معرفة عينها. ~~وبعضهم يقول هي السنبلة. ms1731 وبعضهم يقول هي شجرة الكرم. وبعضهم يقول هي شجرة ~~التين، إلى غير ذلك من الأقوال. ### || [20.121] # قوله تعالى { فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة }. الفاء في ~~قوله { فأكلا } تدل على أن سبب أكلها هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله ~~في قوله # فوسوس إليه الشيطان # طه 120 أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة. وكذلك الفاء في قوله { فبدت ~~لهما سوءاتهما } تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما من الشجرة ~~المذكورة، فكانت وسوسة الشيطان سببا للأكل من تلك الشجرة. وكان الأكل ~~منها سببا لبدو سوءاتهما. وقد تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه ~~أن الفاء تدل على التعليل كقولهم سها فسجد، أي لعلة سهوه. وسرق فقطعت ~~يده، أي لعلة سرقته. كما قدمناه مرارا. وكذلك قوله هنا { فوسوس ~~إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها } أي بسبب تلك ~~الوسوسة فبدت لهما سوءاتهما، أي بسبب ذلك الأكل، ففي الآية ذكر السبب وما ~~دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم ~~وحواء جاء مبينا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا ~~فيه # البقرة 36 فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما. وفي القراءة الأخرى " ~~فأزالهما " وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه، أي من نعيم الجنة، وقوله ~~تعالى # يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة # الأعراف 27 الآية، وقوله # فدلاهما بغرور # الأعراف 22 إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في آية " طه " هذه ~~من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع، ~~كقوله في " الأعراف " # فدلاهما بغرور # الأعراف 22 إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في آية " طه " هذه ~~من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع، ~~كقوله في " الأعراف " # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما # الأعراف 22، وقوله فيها. أيضا # كمآ ms1732 أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهمآ # الأعراف 27. وقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من ~~الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما ~~عنهما انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة. فبدت سوءاتهما أي عوراتهما. وسميت ~~العورة سوءة لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق ~~شجر الجنة، كما قال هنا { وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة } ، وقال في " الأعراف " # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة # الأعراف 22 الآية. وقوله { وطفقا } أي شرعا. فهي من أفعال الشروع، ~~ولا يكون خبر أفعال الشروع إلا فعلا مضارعا غير مقترن ب " أن " وإلى ~~ذلك أشار في الخلاصة بقوله # ...... وترك أن مع ذي الشروع وجبا كأنشأ السائق يحدو وطفق وكذا ~~جعلت وأخذت وعلق # فمعنى قوله { وطفقا يخصفان } أي شرعا يلزقان عليهما من ورق ~~الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما. والعرب تقول خصف النعل يخصفها إذا ~~خرزها وخصف الورق على بدنه إذا ألزقها وأطبقها عليه ورقة ورقة. وكثير من ~~المفسرين يقولون إن ورق الجنة التي طفق آدم وحواء يخصفان عليهما منه إنه ~~ورق التين. والله تعالى أعلم. واعلم أن الستر كان على آدم وحواء، وانكشف ~~عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه. فقالت جماعة من أهل ~~العلم كان عليهما لباس من جنس الظفر. فلما أكلا من الشجرة أزاله الله ~~عنهما إلا ما أبقى منه على رؤوس الأصابع. وقال بعض أهل العلم كان لباسهما ~~نورا يستر الله به سوءاتهما. وقيل لباس من ياقوت، إلى غير ذلك من ~~الأقوال. وهو من الاختلاف الذي لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه ~~كما قدمنا كثيرا من أمثلة ذلك في سورة " الكهف ". وغاية ما دل عليه ~~القرآن أنهما كان عليهما لباس يسترهما الله به. فلما أكلا من الشجرة نزع ~~عنهما فبدت لهما سوءاتهما. ويمكن أن يكون اللباس المذكور الظفر أو النور، ~~أو لباس التقوى، أو غير ذلك من الأقوال المذكورة فيه. ms1733 وأسند جل وعلا ~~إبداء ما وورى عنهما من سوءاتهما إلى الشيطان قوله # ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما # الأعراف 20 كما أسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى # كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوءاتهمآ # الأعراف 27 لأنه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريبا. ~~وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال كيف جعل سبب الزلة في هذه ~~الآية وهو وسوسة الشيطان مختصا بآدم دون حواء قوله # فوسوس لهما الشيطان # الأعراف 20 مع أنه ذكر أن تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معا كما ~~أوضحناه. والجواب ظاهر، هو أنه بين في " الأعراف " أنه وسوس لحواء أيضا ~~مع آدم في القصة بعينها في قوله # فوسوس لهما الشيطان # الأعراف 20 فبينت آية " الأعراف " ما لم تبينه آية " طه " كما ترى، ~~والعلم عند الله تعالى. مسألة أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة ~~وجوب ستر العورة، لأن قوله { وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة } يدل على قبح انكشاف العورة، وأنه ينبغي بذل الجهد في ~~سترها. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره في سورة " الأعراف " ما نصه وفي ~~الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أ وجب عليهما الستر، ولذلك ~~ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما # ولا تقربا هذه الشجرة # البقرة 35. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به ~~عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك. لأنه سترة ظاهرة، عليه التستر ~~بها كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم انتهى كلام القرطبي. ووجوب ستر ~~العورة في الصلاة مجمع عليه بين المسلمين. وقد دلت عليه نصوص من الكتاب ~~والسنة، كقوله تعالى # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # الأعراف 31 الآية، وكبعثه صلى الله عليه وسلم من ينادي عام حج أبي بكر ~~بالناس عام تسع " إلا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان ". ~~وكذلك لا خلاف بين العلماء في منع ms1734 كشف العورة أمام الناس. وسيأتي بعض ما ~~يتعلق بهذا إن شاء الله في سورة " النور ". فإن قيل لم جمع السوءات في ~~قوله { سوءاتهما } مع أنهما سوأتان فقط؟ فالجواب من ثلاثة أوجه ~~الوجه الأول أن آدم وحواء كل واحد منهما له سوءتان القبل والدبر، فهي ~~أربع، فكل منهما يرى قبل نفسه وقبل الآخر، ودبره. وعلى هذا فلا إشكال في ~~الجمع. الوجه الثاني أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزاءه جاز في ~~ذلك المضاف الذي هو شيئان الجمع والتثنية، والإفراد، وأفصحها الجمع، ~~فالإفراد، فالتثنية على الأصح، سواء كانت الإضافة لفظا أو معنى. ومثال ~~اللفظ شويت رؤوس الكبشين أو رأسهما، أو رأسيهما. ومثال المعنى قطعت من ~~الكبشين الرؤوس، أو الرأس، أو الرأسين. فإن فرق المثنى المضاف إليه ~~فالمختار في المضاف الإفراد، نحو على لسان داود وعيسى ابن مريم. ومثال ~~جمع المثنى المضاف المذكور الذي هو الأفصح قوله تعالى # فقد صغت قلوبكما # التحريم 4، وقوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # المائدة 38، ومثال الإفراد قول الشاعر # حمامة بطن الواديين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها # ومثال التثنية قول الراجز # ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين # وللضمائر الراجعة إلى المضاف المذكور المجموع لفظا وهو مثنى معنى يجوز ~~فيها الجمع نظرا إلى اللفظ، والتثنية نظرا إلى المعنى، فمن الأول قوله # خليلي لا تهلك نفوسكما أسى فإن لهما فيما به دهيت أسى # ومن الثاني قوله # قلوبكما يغشاهما الأمن عادة إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر # الوجه الثالث ما ذهب إليه مالك بن أنس من أن أقل الجمع اثنان. قال في ~~مراقي السعود # أقل معنى الجمع في المشتهر الاثنان في رأي الإمام الحميري # وأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف إليه، أي كانا ~~غير جزأيه فالقياس الجمع وفاقا للفراء، كقولك ما أخرجكما من بيوتكما، ~~وإذا أويتما إلى مضاجعكما، وضرباه بأسيافهما، وسألتا عن إنفاقهما على ~~أزواجهما، ونحو ذلك. وقوله تعالى { وعصى ءادم ربه فغوى }. # المعصية خلاف الطاعة. فقوله { وعصى ءادم ربه } أي لم يطعه في ~~اجتناب ما نهاه ms1735 عنه من قربان تلك الشجرة. وقوله { فغوى } الغي ~~الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب. فمعنى الآية لم يطع آدم ربه ~~فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة، وهذا العصيان والغي بين الله جل ~~وعلا في غير موضع من كتابه أن المراد به أن الله أباح له أن يأكل هو ~~وامرأته من الجنة رغدا حيث شاءا، ونهاهما أن يقربا شجرة معينة ~~من شجرها. فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويحلف لهما بالله إنه لهما ~~ناصح، وإنهما إن أكلا منهما نالا الخلود والملك الذي لا يبلى. ~~فخدعهما بذلك كما نص الله على ذلك في قوله # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # الأعراف 21 # فدلاهما بغرور # الأعراف 22 فأكلا منها. وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله ~~خدعنا. وهو مروي عن عمر. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي ~~والحاكم # " المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم " # وأنشد لذلك نفطويه # إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجربا لا يخدع # فآدم عليه الصلاة والسلام ما صدرت منه الزلة إلا بسبب غرور إبليس له. ~~وقد قدمنا قول بعض أهل العلم إن آدم من شدة تعظيمه لله اعتقد أنه لا ~~يمكن أن يحلف به أحد وهو كاذب فأنساه حلف إبليس بالله العهد بالنهي ~~عن الشجرة. وقول بعض أهل العلم إن معنى قوله { فغوى } أي فسد عليه ~~عيشه بنزوله إلى الدنيا. قالوا والغي. الفساد، خلاف الظاهر وإن حكاه ~~النقاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي. وكذلك قول من قال { فغوى } ~~أي بشم من كثرة الأكل. والبشم التخمة، فهو قول باطل. وقال فيه الزمخشري ~~في الكشاف وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ~~فيقول في فني وبقي، فنا وبقا، وهم بنو طيئ تفسير خبيث، ا ه ~~منه. وما أشار إليه الزمخشري من لغة طيئ معروف. فهم يقولون للجارية ~~جاراة، وللناصية ناصاة، ويقولون في بقي بقى كرمى. ومن هذه اللغة ~~قول الشاعر # لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقي على الأرض قيسي يسوق الأباعرا # وهذه اللغة التي ذكرها ms1736 الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور، ~~لأن العرب تقول غوى الفصيل كرضى وكرمى إذا بشم من اللبن. وقوله تعالى في ~~هذه الآية { وعصى ءادم } يدل على أن معنى " غوى " ضل عن طريق ~~الصواب كما ذكرنا. وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي ~~حجة من قال بأن الأنبياء غير معصومين من الصغائر. وعصمة الأنبياء صلوات ~~الله وسلامه عليهم مبحث أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف ~~معروف، وسنذكر هنا طرفا من كلام أهل الأصول في ذلك. قال ابن الحاجب في ~~مختصره في الأصول مسألة الأكثر على أنه لا يمتنع عقلا على الأنبياء ~~معصية. # وخالف الروافض، وخالف المعتزلة إلا في الصغائر. ومعتمدهم التقبيح ~~العقلي. والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام. ~~لدلالة المعجزة على الصدق. وجوزه القاضي غلطا وقال دلت على الصدق ~~اعتقادا. وأما غيره من المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر ~~والصغائر الخسيسة. والأكثر على جواز غيرهما ا ه منه بلفظه. وحاصل ~~كلامه عصمتهم من الكبائر، ومن صغائر الخسة دون غيرها من الصغائر. وقال ~~العلامة العلوي الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود في الكلام على ~~قوله # والأنبياء عصموا مما نهوا عنه ولم يكن لهم تفكه بجائز بل ذاك ~~للتشريع أو نية الزلفى من الرفيع # ما نصه فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم من تعمد ~~الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه. كدعوى الرسالة، وما يبلغونه ~~عن الله تعالى للخلائق. وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوا أو نسيانا منعه ~~الأكثرون وما سوى الكذب في التبليغ. فإن كان كفرا فقد أجمعت الأمة ~~على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها، وإن كان غيره فالجمهور على ~~عصمتهم من الكبائر عمدا. ومخالف الجمهور الحشوية. واختلف أهل الحق ~~هل المانع لوقوع الكبائر منهم عمدا العقل أو السمع؟ وأما المعتزلة ~~فالعقل، وإن كان سهوا فالمختار العصمة منها. وأما الصغائر عمدا أو ~~سهوا فقد جوزها الجمهور عقلا. لكنها لا تقع منهم غير صغائر الخسة ~~فلا يجوز وقوعها ms1737 منهم لا عمدا ولا سهوا انتهى منه. وحاصل كلامه ~~عصمتهم من الكذب فيما يبلغونه عن الله ومن الكفر والكبائر وصغائر ~~الخسة. وأن الجمهور على جواز وقوع الصغائر الأخرى منهم عقلا. غير أن ~~ذلك لم يقع فعلا. وقال أبو حيان في البحر في سورة " البقرة " وفي ~~المنتخب للإمام أبي عبدالله محمد بن أبي الفضل المرسي ما ملخصه منعت ~~الأمة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا الفضيلية من ~~الخوارج قالوا وقد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر. وأجاز الإمامية ~~إظهار الكفر منهم على سبيل التقية. واجتمعت الأمة على عصمتهم من ~~الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يجوز عمدا ولا سهوا. ومن ~~الناس من جوز ذلك سهوا. وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمدا. ~~واختلفوا في السهو. وأما أفعالهم فقالت الحشوية يجوز وقوع الكبائر منهم ~~على جهة العمد. وقال أكثر المعتزلة بجواز الصغائر عمدا إلا في القول ~~كالكذب. وقال الجبائي يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل. وقيل يمتنعان ~~عليهم إلا على جهة السهو والخطأ، وهم مأخوذون بذلك وإن كان موضوعا عن ~~أمتهم. وقالت الرافضة يمتنع ذلك على كل جهة. واختلف في وقت العصمة. ~~فقالت الرافضة من وقت مولدهم. وقال كثير من المعتزلة من وقت ~~النبوة. # والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة لا الكبيرة ~~ولا الصغيرة. لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة ~~لعظيم شرفهم وذلك محال، ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب ~~زجرهم وإيذاؤهم، ولئلا يقتدى بهم في ذلك. ولئلا يكونوا ~~مستحقين للعقاب، ولئلا يفعلوا ضد ما أمروا به لأنهم مصطفون، ~~ولأن إبليس استثناهم في الإغواء انتهى ما لخصناه من المنتخب، والقول ~~في الدلائل لهذه المذاهب. وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب ~~أصول الدين. انتهى كلام أبي حيان. وحاصل كلام الأصوليين في هذه ~~المسألة عصمتهم من الكفر وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، ومن الكبائر ~~وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة، وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع ~~الصغائر غير ms1738 الصغائر الخسة منهم. ولكن جماعة كثيرة من متأخري ~~الأصوليين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلا لم يقع فعلا، وقالوا إنما ~~جاء في الكتاب والسنة من ذلك أن ما فعلوه بتأويل أو نسيانا أو سهوا، ~~أو نحو ذلك. قال مقيده عفا الله وغفر له الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه ~~المسألة أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يقع منهم ما يزري ~~بمراتبهم العلية، ومناصبهم السامية. ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصا ~~فيهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب ~~لأنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصدق الإنابة إلى الله ~~حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم ~~يرتكب شيئا من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى { وعصى ءادم ~~ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } ~~طه 121-122. فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه، ~~واجتبائه أي اصطفائه إياه، وهدايته له، ولا شك أن بعض الزلات ينال ~~صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة. والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [20.122] # الاجتباء الاصطفاء والاختيار. أي ثم بعد ما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ~~ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه. ولم يبين هنا السبب لذلك، ~~ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تلقى من ربه كلمات فكانت سبب توبة ~~ربه عليه، وذلك في قوله # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه # البقرة 37 أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء. وقد قدمنا في سورة " ~~البقرة " أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة " الأعراف " في قوله ~~تعالى # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # الأعراف 23 وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ### || [20.123] # قوله تعالى { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض ~~عدو }. الظاهر أن ألف الاثنين في قوله { اهبطا } راجعة إلى آدم ~~وحواء المذكورين في قوله # فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما # طه 121 الآية، خلافا لمن زعم أنها ms1739 راجعة إلى إبليس وآدم، وأمره ~~إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية " طه " هذه جاء مبينا في غير ~~هذا الموضع. كقوله في سورة " البقرة " # وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين # البقرة 38، وقوله في " الأعراف " # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين # الأعراف 24. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يقال كيف جيء بصيغة ~~الجمع في قوله { اهبطوا } في " البقرة " و " الأعراف " وبصيغة ~~التثنية في " طه " في قوله { اهبطا } مع أنه اتبع صيغة التثنية في " ~~طه " بصيغة الجمع في قوله { فإما يأتينكم مني هدى } طه ~~123 وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط، ~~والجمع باعتبارهما مع ذريتهما. خلافا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم ~~وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافا لمن زعم أن الجمع في ~~قوله { اهبطوا } مراد به آدم وحواء وإبليس والحية. والدليل على أن ~~الحية ليست مرادة في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله { فإما ~~يأتينكم مني هدى } لأنها غير مكلفة. واعلم أن المفسرين ~~يذكرون قصة الحية، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن خلقها ~~الله، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدم وحواء بعد أن ~~عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية. فأهبط هو إلى الأرض ~~ولعنت هي وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني ~~آدم، ولذلك أمروا بقتلها. وبهذه المناسبة ذكر القرطبي رحمه الله في ~~تفسيره في سورة " البقرة " جملا من أحكام قتل الحيات. فذكر عن ساكنة بنت ~~الجعد أنها روت عن سري بنت نبهان الغنوية أنها سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها، ويرغب في ~~ذلك. ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبدالله بن ~~مسعود حديثا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بقتل حية ~~فسبقتهم إلى جحرها. فأمرهم أن يضرموا عليها نارا. وذكر عن علماء ms1740 ~~المالكية أنهم خصصوا بذلك النهي عن الإحراق بالنار، وعن أن يعذب أحد ~~بعذاب الله. ثم ذكر عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، ~~وقال هو مثله. وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور. # ثم ذكر # " حديث عبدالله بن مسعود الثابت في الصحيحين قال كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في غار، وقد أنزلت عليه { والمرسلات عرفا } ~~المرسلات 1 فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال ~~اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " وقاها الله شركم كما وقاكم شرها " # فلم يضرم نارا، ولا احتال في قتلها، وأجاب هو عن ذلك، بأنه يحتمل أنه ~~لم يجد نارا في ذلك الوقت، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك، مع ~~ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية. ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات من ~~الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات ~~عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود ~~من حديث عبدالله بن مسعود " اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني ~~" ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام. لحديث # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ~~" # ثم ذكر أن بعض العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها. لحديث # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " # قالوا ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحدا أو لا. قاله ابن نافع. ~~ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. ثم قال وهو ~~الصحيح. لأن الله عز وجل قال # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # الأحقاف 29 الآية. وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن وفيه وسألوه الزاد ~~وكانوا من جن الجزيرة " # وسيأتي بكماله في سورة " الجن " إن شاء الله تعالى. وإذا ms1741 ثبت هذا فلا ~~يقتل شيء منها حتى يخرج عليه وينذر، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ثم ~~قال # " روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد ~~الخدري في بيته، قال فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت ~~تحريكا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار ~~إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال أترى هذا ~~البيت؟ فقلت نعم. قال كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال فخرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ عليك سلاحك، فإنني أخشى عليك ~~قريظة " فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى ~~إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة. فقالت له اكفف عليك رمحك، وادخل ~~البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على ~~الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت ~~عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى. قال فجئنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا أدع الله يحيه لنا ~~فقال " استغفروا لأخيكم ثم قال إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا ~~رأيتم منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما ~~هو شيطان ". وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لهذه ~~البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب ~~وإلا فاقتلوه فإنه كافر وقال لهم اذهبوا فادفنوا صاحبكم " # ثم قال قال علماؤنا رحمة الله عليهم لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان ~~الذي قتله الفتى كان مسلما، وأن الجن قتلته به قصاصا. لأنه لو سلم أن ~~القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في اعلمد المحض، وهذا الفتى ~~لم يقصد ms1742 ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد ~~إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن ~~يقال إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما. وقد ~~قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر ~~جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا # قد قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم تخط ~~فؤاده # وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " # ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل ~~الكافر منهم. وروي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتلت جانا. فأريت في المنام أن قائلا يقول لها لقد قتلت مسلما. ~~فقالت لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في ~~سبيل الله. وفي رواية ما دخل عليك إلا وأنت مستترة. فتصدقت وأعتقت ~~رقابا. وقال الربيع بن بدر الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي. وعن علقمة نحوه. ثم ذكر ~~صفة إنذار حيات البيوت فقال قال مالك أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. # وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا، ولا يقتصر على إنذاره ~~ثلاث مرات في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل يكفي ثلاث مرار. ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # " فليؤذنه ثلاثا " # ، وقوله # " حرجوا عليه ثلاثا " # ولأن ثلاثا للعدد المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى ~~لقوله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة أيام " وهو نص صحيح مقيد لتلك ~~المطلقات، ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلب الليلة على ~~عادة العرب في باب التاريخ، فإنها تغلب فيها التأنيث. قال مالك ويكفي في ~~الإنذار أن يقول أحرج ms1743 عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا ولا تؤذونا. ~~وذكر ثابت البناني، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت ~~فقال إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا أنشدكم بالعهد الذي أخذ ~~عليكم نوح عليه السلام، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه ~~السلام، فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فاقتلوه. ثم قال وقد حكى ابن حبيب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول # " أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذونا ولا ~~تظهرن علينا " # انتهى كلام القرطبي ملخصا قريبا من لفظه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر ~~له التحقيق في هذه المسألة أن ما لم يكن من الحيات في البيوت فإنه ~~يقتل كالحيات التي توجد في الفيافي، وأن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد ~~الإنذار. وأظهر القولين عندي عموم الإنذار في المدينة وغيرها، وأنه لا بد ~~من الإنذار ثلاثة أيام، ولا تكفي ثلاث مرات في يوم أو يومين، كما تقدمت ~~أدلة ذلك في كلام القرطبي. وأن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان في البيوت بلا ~~إنذار. لما ثبت في بعض روايات مسلم بلفظ فقال أبو لبابة إنه قد نهي ~~عنهن يريد عوامر البيوت وأمر بقتل الأبتر ذي الطفيتين. وفي ~~رواية في صحيح البخاري عن أبي لبابة # " لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين، فإنه يسقط الولد، ويذهب ~~البصر فاقتلوه ". # والدليل على قتل الحيات وإنذار حيات البيوت ثابت في الصحيحين وغيرهما. ~~قال البخاري في صحيحه حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا ~~معمر عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى ~~الله لعيه وسلم يخطب على المنبر يقول # " اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر. فإنهما يطمسان ~~البصر، ويستسقطان الحبل " # قال عبدالله فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة لا ~~يقتلها. فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحيات؟ فقال ~~إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر. وقال عبدالرزاق عن معمر ~~فرآني أبو ms1744 لبابة أو زيد بن الخطاب، وتابعه يونس وابن عيينة وإسحاق ~~الكلبي والزبيدي، وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع عن ~~الزهري عن سالم عن ابن عمر فرآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب ا ه من ~~صحيح البخاري رحمه الله تعالى. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ~~حدثنا سفيان بن أبي عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يستسقطان ~~الحبل ويلتمسان البصر " # قال فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها. فأبصره أبو لبابة بن عبد ~~المنذر، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقال إنه قد نهى عن ذوات ~~البيوت. ثم ذكره من طرق متعددة. وفي كلها التصريح بالنهي عن قتل جنان ~~البيوت يعني إلا بعد الإنذار ثلاثا. وعن مالك رحمه الله يقتل ما وجد ~~منها بالمساجد. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث # " وذا الطفيتين " # هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء بعدها ياء. وأصل الطفية خوصة المقل ~~وهو شجر الدوم. وقيل المقل ثم شجر الدوم. وجمعها طفى بضم اففتح على ~~القياس. والمراد بالطفيتين في الحديث خطان أبيضان. وقيل أسودان على ~~ظهر الحية المذكورة، يشبهان في صورتها خوص المقل المذكور. والأبتر قصير ~~الذنب من الحيات وقال النضير بن شميل هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، ~~لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها. وقال الداودي هو الأفعى التي ~~تكون قدر شبر أو أكثر قليلا وقوله في هذا الحديث # " يستسقطان الحبل " # معناها أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت جنينها غالبا. ~~وقد ذكر مسلم عن الزهري ما يدل على أن إسقاط الحبل المذكور خاصية فيهما ~~من سمهما. والأظهر في معنى " يلتمسان البصر " أن الله جعل فيهما من شدة ~~سمهما خاصية يخطفان بها البصر، ويطمسانه بها بمجرد نظرهما إليه. والقول ~~بأن معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش ضعيف. والعلم عند الله ~~تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق ms1745 عليه # " اقتلوا الحيات " # يدل على وجوب قتلها. لما قدمنا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تدل ~~على الوجوب. والجمهور على أن الأمر بذلك القتل المذكور للندب والاستحباب، ~~والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بعضكم ~~لبعض عدو } على ما ذكرنا أنه الأظهر. فالمعنى أن بعض بني آدم عدو ~~لبعضهم. كما قال تعالى # أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض # الأنعام 65 ونحوها من الآيات. وعلى أن المراد بقوله { اهبطا } آدم ~~وإبليس، فالمعنى أن إبليس وذريته أعداء لآدم وذريته. كما قال تعالى # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # الكهف 50 ونحوها من الآيات. والظاهر أن ما ذكره القرطبي من إحراق الحية ~~بالنار لم يثبت، وأنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله، فلا ينبغي أن تقتل ~~بالنار، والله أعلم. فإن قيل الحديث المذكور يدل على أن ذا الطفيتين ~~غير الأبتر لعطفه عليه في الحديث، ورواية البخاري التي قدمنا عن أبي ~~لبابة " لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين " يقتضي أنهما واحد؟ ~~فالجواب أن ابن حجر في الفتح أجاب عن هذا. بأن الرواية المذكورة ظاهرها ~~اتحادهما، ولكنها لا تنفي المغايرة ا ه. والظاهر أن مراده بأنها لا تنفي ~~المغايرة أن الأبتر وإن كان ذا طفيتين فلا ينافي وجود ذي طفيتين غير ~~الأبتر. والله تعالى أعلم. قوله تعالى { فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى }. الظاهر ~~أن الخطاب لبني آدم. أي فإن يأتكم مني هدى أي رسول أرسله إليكم، وكتاب ~~يأتي به رسول، فمن اتبع منكم هداي أي من آمن برسلي وصدق بكتبي، وامتثل ما ~~أمرت به، واجتنب ما نهيت عنه على ألسنة رسلي. فإنه لا يضل في الدنيا، أي ~~لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه بالعروة الوثقى، ولا يشقى في الآخرة ~~لأنه كان في الدنيا عاملا بما يستوجب السعادة من طاعة الله تعالى وطاعة ~~رسله. وهذا المعنى المذكور هنا ذكر في غير هذا الموضع. كقوله في " ~~البقرة " # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ms1746 هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # البقرة 28 ونحو ذلك من الآيات. وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن ~~أخرج أبوينا من الجنة لا يرد إليها أحدا منا إلا بعد الابتلاء والامتحان ~~بالتكاليف من الأوامر والنواهي، ثم يطيع الله فيما ابتلاه به. كما تقدمت ~~الإشارة إليه في سورة " البقرة ". ### || [20.124] # قوله تعالى { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا }. قد قدمنا في سورة " الكهف " في الكلام على قوله # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها # الكهف 57 الآية الآيات الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى ~~الوخيمة. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد قدمنا هناك أن منها المعيشة ~~الضنك. واعلم أن الضنك في اللغة الضيق. ومنه قول عنترة # إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا أشدد وإن يلفوا بضنك ~~أنزل # وقوله أيضا # إن المنية لو تمثل مثلت مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل # وأصل الضنك مصدر وصف به، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. وبه ~~تعلم أن معنى قوله { معيشة ضنكا } أي عيشا ضيقا والعياذ بالله ~~تعالى. واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة، لا ~~يكذب بعضها بعضا. وقد قدمنا مرارا أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية ~~لجميع الأقوال المذكورة. ومن الأقوال في ذلك أن معنى ذلك أن الله عز وجل ~~جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل على الله، والرضا بقسمته فصاحبه ~~ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة، فيعيش عيشا هنيئا. ومما يدل على هذا ~~المعنى من القرآن قوله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # النحل 97 الآية، وقوله تعالى # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى # هود 3 الآية، كما تقدم إيضاح ذلك كله. وأما المعرض عن الدين فإنه يستولي ~~عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح ~~الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب ~~الله عليه الذلة والمسكنة ms1747 بسبب كفره، كما قال تعالى # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءوا بغضب ~~من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله # البقرة 61 الآيات. وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله. وبين ~~في مواضع أخر أنهم لو تركوا الإعراض عن ذكر الله فأطاعوه تعالى أن ~~عيشهم يصير واسعا رغدا لا ضنكا، كقوله تعالى # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # المائدة 66 الآية، وقوله تعالى # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # الأعراف 96 الآية، وكقوله تعالى عن نوح # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا # نوح 10-12، وقوله تعالى عن هود # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم # هود 52 الآية، وقوله تعالى # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا لنفتنهم فيه # الجن 16-17 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. # وعن الحسن أن المعيشة الضنك هي طعام الضريع والزقوم يوم القيامة ~~وذلك مذكور في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله # ليس لهم طعام إلا من ضريع # الغاشية 6 الآية، وقوله # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # الدخان 43-44 الآية ونحو ذلك من الآيات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن ~~دينار المعيشة الضنك الكسب الحرام، والعمل السيئ. وعن أبي سعيد الخدري ~~وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة المعيشة الضنك عذاب القبر وضغطته. وقد ~~أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ~~ويفعل الله ما يشآء # إبراهيم 27. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له قد جاء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من حديث أبي هريرة أن المعيشة الضنك في الآية عذاب القبر. وبعض ~~طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية. ولا ينافي ذلك ~~شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا. وطعام الضريع ms1748 والزقوم. فتكون ~~معيشته ضنكا في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى. قوله ~~تعالى { ونحشره يوم القيامة أعمى }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى. ~~قال مجاهد وأبو صالح والسدي أعمى أي لا حجة له. وقال عكرمة عمى عليه كل ~~شيء إلا جهنم. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان ~~التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية ~~قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ~~ذلك فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وأبي ~~صالح والسدي وعكرمة. وأن المراد بقوله { أعمى } أي أعمى البصر لا يرى ~~شيئا. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا # طه 125 فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين، لأن الكافر ~~كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد ~~زاد جل وعلا في سورة " بني إسرائيل " أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم ~~أيضا، وذلك في قوله تعالى # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم ~~كلما خبت زدناهم سعيرا # الإسراء 97. تنبيه في آية " طه " هذه وآية " الإسراء " المذكورتين إشكال ~~معروف. وهو أن يقال إنهما قد دلتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة ~~أعمى، وزادت آية " الإسراء " أنه يحشر أبكم أصم أيضا، مع أنه دلت آيات ~~من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون. # كقوله تعالى # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # مريم 38 الآية، وقوله تعالى # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # الكهف 53 الآية، وقوله تعالى # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # السجدة 12 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب. عن آيات الكتاب ms1749 الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه الوجه ~~الأول واستظهره أبو حيان أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم ~~حقيقته. ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم ~~وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في ~~غير موضع. الوجه الثاني أنهم لا يرون شيئا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ~~ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ~~ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وروي أيضا ~~عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نزل ما يقولونه ~~ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به. كما أوضحناه في غير هذا ~~الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن ~~الله يقول في المنافقين # صم بكم عمي # البقرة 18 الآية، مع أنه يقول فيهم # فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد # الأحزاب 19، ويقول فيهم # وإن يقولوا تسمع لقولهم # المنافقون 4 أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم # ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم # البقرة 20 وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء ~~فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب ابن أم صاحب # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وقول الآخر # أصم عن الأمر الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد # وقول الآخر # قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء # ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا ~~فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها. ~~الوجه الثالث أن الله إذا قال لهم # اخسئوا فيها ولا تكلمون # المؤمنون 108 وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من ~~الفرج قال تعالى # ووقع القول بما ظلموا فهم لا ينطقون # النمل 85 وعلى هذا القول تكون الأحوال ms1750 الخمسة مقدرة أعني قوله في " طه " ~~{ ونحشره يوم القيامة أعمى } طه 124، وقوله فيها # لم حشرتني أعمى # طه 125، وقوله في " الإسراء " # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # الإسراء 97، وأظهرها عندي الأول والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة # فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # طه 126 من النسيان بمعنى الترك عمدا كما قدمنا الآيات الموضحة له في ~~هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله # فنسي ولم نجد له عزما # طه 115. ### || [20.127] # قوله تعالى { وكذلك نجزي من أسرف }. ذكر جل وعلا في هذه ~~الآية الكريمة أنه يجازي المسرفين ذلك الجزاء المذكور. وقد دل مسلك ~~الإيماء والتنبيه على أن ذلك الجزاء لعلة إسرافهم على أنفسهم في الطغيان ~~والمعاصي، وبين في غير هذا الموضع أن جزاء الإسراف النار، وذلك في قوله ~~تعالى # وأن المسرفين هم أصحاب النار # غافر 43 وبين في موضع آخر أن محل ذلك إذا لم ينيبوا إلى الله ويتوبوا ~~إليه، وذلك في قوله # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # الزمر 53 إلى قوله # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب # الزمر 54 الآية. قوله تعالى { ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن عذاب الآخرة أشد ~~وأبقى. أي أشد ألما وأدوم من عذاب الدنيا، ومن المعيشة الضنك التي هي ~~عذاب القبر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله تعالى # ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق # الرعد 34، وقوله تعالى # ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون # فصلت 16، وقوله تعالى # ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون # الزمر 26، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [20.128] # وقوله { أفلم يهد لهم } الآية. تقدم بعض الآيات الموضحة له في ~~سورة " مريم " وسيأتي له بعد هذا إن شاء الله زيادة إيضاح. ### || [20.133] # أظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا على ~~عادتهم في التعنت آية على النبوة كالعصا واليد من آيات موسى، وكناقة ~~صالح، واقتراحهم لذلك بحرف التحضيض ms1751 الدال على شدة الحض في طلب ذلك في ~~قوله { لولا يأتينا } أي هلا يأتينا محمد بآية كناقة صالح، وعصا ~~موسى، أي نطلب ذلك منه بحض وحث. فأجابهم الله بقوله { أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } وهي هذا القرآن ~~العظيم، لأنه آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز. وإنما عبر عن هذا ~~القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الأولى. لأن القرآن برهان قاطع على ~~صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى، فهو بينة واضحة على صدقها ~~وصحتها كما قال تعالى # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # المائدة 48، وقال تعالى # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون # النمل 76، وقال تعالى # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين # آل عمران 93 إلى غير ذلك من الآيات. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه ~~الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر أوضحه جل وعلا في سورة " ~~العنكبوت " في قوله تعالى # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل ~~إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين ~~أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # العنكبوت 50-51. فقوله في " العنكبوت " { أولم يكفهم أنآ ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } هو معنى قوله في " ~~طه " { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } طه ~~133 كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. ويزيد ذلك إيضاحا الحديث المتفق ~~عليه # " ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما ~~كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ~~يوم القيامة " # وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا. ### || [20.134] # قد قدمنا في سورة " النساء " أن آية " طه " هذه تشير إلى معناها آية " ~~القصص " التي هي قوله تعالى # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # القصص 47 وأن تلك الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم ms1752 نذير هي المذكورة ~~في قوله تعالى # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # النساء 165 ### || [20.135] # قوله تعالى { قل كل متربص فتربصوا }. أمر الله جل ~~وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين ~~يقترحون عليه الآيات عنادا وتعنتا كل منا ومنكم متربص، أي منتظر ما ~~يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ~~ينتظره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ~~ينتظره ويتربص الكفار. كقوله تعالى # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # التوبة 52، وقوله # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص ~~بكم الدوائر عليهم دآئرة السوء # التوبة 98 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتربص الانتظار. قوله تعالى ~~{ فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار سيعلمون في ~~ثاني حال من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. أي وفق لطريق الصواب ~~والديمومة على ذلك. وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار. والمعنى سيتضح لكم ~~أنا مهتدون، وأنا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل. وهذا يظهر لهم ~~يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لما يرونه من نصر ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير ~~هذا الموضع. كقوله # وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا # الفرقان 42، وقوله # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # القمر 26، وقوله # ولتعلمن نبأه بعد حين # ص 88 إلى غير ذلك من الآيات والصراط في لغة العرب الطريق الواضح. والسوي ~~المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه. ومنه قول جرير # أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم # و " من " في قوله { من أصحاب } قال بعض العلماء هي موصولة مفعول ~~به ل " تعلمون ". وقال بعضهم هي استفهامية معلقة لفعل العلم، كما قدمنا ~~إيضاحه في " مريم " والعلم عند الله تعالى. ms1753 ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # قوله تعالى { اقترب للناس حسابهم } الآية. قد قدمنا الآيات ~~الموضحة لذلك في أول سورة " النحل " فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [21.3] # قوله تعالى { وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ ~~إلا بشر مثلكم }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ~~الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما هو إلا بشر مثلهم، فكيف يكون رسولا إليهم؟ والنجوى الإسرار بالكلام ~~وإخفاؤه عن الناس. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم أن بشرا ~~مثلهم لا يمكن أن يكون رسولا، وتكذيب الله لهم في ذلك جاء في آيات ~~كثيرة، وقد قدمنا كثيرا من ذلك، كقوله # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # الإسراء 94، وقوله # فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله # التغابن 6 الآية، وقوله # أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال ~~وسعر # القمر 24 وقوله # ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون # المؤمنون 33-34، وقوله تعالى # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # الفرقان 7 الآية، وقوله تعالى # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا # إبراهيم 10 الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، كما تقدم إيضاح ذلك. ~~وقد رد الله عليهم هذه الدعوى الكاذبة التي هي منع إرسال البشر، كقوله ~~هنا في هذه السورة الكريمة # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # النحل 43، وقوله تعالى # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # الرعد 38 الآية، وقوله تعالى # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # الفرقان 20، وقوله هنا # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما ~~كانوا خالدين # الأنبياء 8، إلى غير ذلك من الآيات. وجملة { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم }. قيل بدل من " النجوى ". أي أسروا النجوى التي هي هذا ~~الحديث ms1754 الخفي الذي هو قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم. وصدر به الزمخشري، ~~وقيل مفعول به للنجوى. لأنها بمعنى القول الخفي. أي قالوا في خفية { هل ~~هذآ إلا بشر مثلكم }. وقيل معمول قول محذوف. أي قالوا هل ~~هذا إلا بشر مثلكم. وهو أظهرها. لاطراد حذف القول مع بقاء مقوله. وفي ~~قوله { الذين ظلموا } أوجه كثيرة من الإعراب معروفة، وأظهرها ~~عندي أنها بدل من الواو في قوله { وأسروا } بدل بعض من كل، وقد ~~تقرر في الأصول أن بدل البعض من الكل من المخصصات المتصلة، كقوله تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # آل عمران 97. فقوله { من } بدل من " الناس " بدل بعض من كل، وهي مخصصة ~~لوجوب الحج بأنه لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلا. # كما قدمنا هذا في سورة " المائدة ". قوله تعالى { أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون }. إعراب هذه الجملة جار مجرى إعراب ~~الجملة التي قبلها، التي هي { هل هذآ إلا بشر مثلكم } ~~الأنبياء 3، والمعنى أنهم زعموا أن ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ~~سحر، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم ~~يبصرون. يعنون بذلك تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، أي لا يمكن أن ~~نصدقك ونتبعك، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر. وقد بين جل وعلا في غير هذا ~~الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم سحر، كقوله عن بعضهم # إن هذآ إلا سحر يؤثر # المدثر 24، وقوله تعالى # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # الذاريات 52. وقد رد الله عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا # قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو ~~السميع العليم # الأنبياء 4 يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع ~~العليم، المحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وكون من ~~أنزله هو العالم بكل شيء يدل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام، ~~وسلامته من جميع العيوب ms1755 والنقائص، وأنه ليس بسحر. وقد أوضح هذا المعنى في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض # الفرقان 6 الآية، وقوله تعالى # لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا # النساء 166 إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص ~~عن عاصم { قال ربي يعلم القول } بألف بعد القاف وفتح اللام ~~بصيغة الفعل الماضي، وقرأه الباقون { قل } بضم القاف وإسكان اللام ~~بصيغة الأمر. ### || [21.5] # قوله تعالى { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل ~~هو شاعر }. الظاهر أن الإضراب في قوله هنا { بل قالوا ~~أضغاث أحلام } إلخ، إضراب انتقالي لا إبطالي، لأنهم قالوا ذلك ~~كله، وقال بعض العلماء كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها الله عنهم ~~صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول، بل تارة يقولون هو ساحر، وتارة ~~شاعر، وهكذا، لأن المبطل لا يثبت على قول واحد. وقال بعض أهل العلم كل ~~واحد من تلك الأقوال قالته طائفة كما قدمنا الإشارة إلى هذا في سورة " ~~الحجر " في الكلام على قوله تعالى # الذين جعلوا القرآن عضين # الحجر 91 وقد رد الله عليهم هذه الدعاوى الباطلة في آيات من كتابه كرده ~~دعواهم أنه شاعر أو كاهن في قوله تعالى # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ~~ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين # الحاقة 41-47، وقوله تعالى # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين # يس 69-70، وقوله في رد دعواهم إنه افتراه # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين # يونس 37-38، وقوله تعالى ms1756 # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # هود 13، وقوله تعالى # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون # يوسف 111 إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله في رد دعواهم إنه كاهن أو مجنون # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # القلم 2، وقوله تعالى # وما صاحبكم بمجنون # التكوير 22، وقوله تعالى # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن ~~هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد # سبأ 46، وقوله # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم ~~يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون # المؤمنون 69-70 إلى غير ذلك من الآيات المبينة إبطال كل ما ادعوه في ~~النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقوله { أضغاث أحلام } أي ~~أخلاط كالأحلام المختلفة التي يراها النائم ولا حقيقة لها كما قال الشاعر # أحاديث طسم أو سراب بفدفد ترقرق للساري وأضغاث حالم # وعن اليزيدي الأضغاث ما لم يكن له تأويل. قوله تعالى { فليأتنا ~~بآية كمآ أرسل الأولون }. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أن الكفار اقترحوا على نبينا أن يأتيهم بآية كآيات الرسل قبله. # نحو ناقة صالح، وعصى موسى، وريح سليمان، وإحياء عيسى للأموات وإبرائه ~~الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. وإيضاح وجه التشبيه في قوله { كمآ أرسل ~~الأولون } هو أنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات. لأن إرسال الرسل ~~متضمن للإتيان بالآيات. فقولك أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزة. ~~وقد بين تعالى أن الآيات التي اقترحوها لو جاءتهم ما آمنوا وآنها لو ~~جاءتهم وتمادوا على كفرهم أهلكهم الله بعذاب مستأصل. كما أهلك قوم صالح ~~لما عقروا الناقة. كقوله تعالى # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها # الإسراء 59 الآية، وكقوله تعالى # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنهآ إذا ms1757 جآءت لا يؤمنون # الأنعام 109. وأشار إلى ذلك هنا في قوله # مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم ~~يؤمنون # الأنبياء 6 يعني أن الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم ~~بما اقترحوا، لم يؤمنوا بل تمادوا فأهلكهم الله وأنتم أشد منهم عتوا ~~وعنادا. فلو جاءكم ما اقترحتم، ما آمنتم، فهلكتم كما هلكوا. وقال تعالى # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية # يونس 96-97 إلى غير ذلك من الآيات. وبين أنهم جاءتهم آية هي أعظم ~~الآيات، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ، وذلك في قوله # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل ~~إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين ~~أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم # العنكبوت 50-51 الآية. وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى # طه 133، وقوله # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا # الأنبياء 7 إلى قوله # وما كانوا خالدين # الأنبياء 8 قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [21.9] # بين جل وعلا في هذه الآيات أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد ~~الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم. ~~وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه.. والمراد به من آمن بهم من أممهم، وأهلك ~~المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة ~~من كتابه، كقوله تعالى # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جآءهم نصرنا فنجي من نشآء ولا يرد ~~بأسنا عن القوم المجرمين # يوسف 110، وقوله # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله ~~عزيز ذو انتقام # إبراهيم 47، وقوله تعالى # فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم # إبراهيم 13-14، وقوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # الصافات 171-173، وقوله تعالى # ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا # هود 58 الآية، وقوله تعالى # فلما ms1758 جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا # هود 66 الآية، وقوله # ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا # هود 94 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والظاهر أن " صدق " تتعدى بنفسها ~~وبالحروف، تقول صدقته الوعد، وصدقته في الوعد. كقوله هنا { ثم ~~صدقناهم الوعد } ، وقوله # ولقد صدقكم الله وعده # آل عمران 152. فقول الزمخشري " صدقناهم الوعد " كقوله " واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا " لا حاجة إليه، والله أعلم. والإسراف مجاوزة الحد في ~~المعاصي كالكفر، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار. ### || [21.11] # " كم " هنا للإخبار بعدد كثير، وهي في محل نصب لأنها مفعول " قصمنا " أي ~~قصمنا كثيرا من القرى التي كانت ظالمة، وأنشأنا بعدها قوما آخرين. وهذا ~~المعنى المذكور هنا جاء مبينا في مواضع كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى ~~بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا # الإسراء 17، وقوله # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها # الحج 45 الآية، وقوله # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ~~فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا # الطلاق 8-9 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { وكم ~~قصمنا } أصل القصم أفظع الكسر لأنه الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، ~~بخلاف الفصم بالفاء فهو كسر لا يبين تلاؤم الأجزاء بالكلية. والمراد ~~بالقصم في الآية الإهلاك الشديد. ### || [21.16] # قد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة " الحجر " فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا، وكذلك قوله # بل نقذف بالحق على الباطل # الأنبياء 18 الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة " بني إسرائيل ~~" ، وكذلك الآيات التي بعد هذا قد قدمنا في مواضع متعددة ما يبينها من ~~كتاب الله. ### || [21.26-27] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار لعنهم الله قالوا عليه إنه ~~اتخذ ولدا. وقد بينا ذلك فيما مضى بيانا شافيا في مواضع متعددة من هذا ~~الكتاب المبارك. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وبين ms1759 هنا ~~بطلان ما ادعوه على ربهم من اتخاذ الأولاد وهم في زعمهم الملائكة بحرف ~~الإضراب الإبطالي الذي هو " بل " مبينا أنهم عباده المكرمون، والعبد لا ~~يمكن أن يكون ولدا لسيده. ثم أثنى على ملائكته بأنهم عباد مكرمون، لا ~~يسبقون ربهم بالقول أي لا يقولون إلا ما أمرهم أن يقولوه لشدة طاعتهم له ~~{ وهم بأمره يعملون }. وما أشار إليه في هذه الآية الكريمة ~~من أن الملائكة عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولدا لسيده أشار ~~له في غير هذا الموضع. كقوله في " البقرة " # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون # البقرة 116، وقوله في " النساء " # إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ~~له وما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا # النساء 171 أي والمالك بكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد. لأن الملك ينافي ~~الولدية، ولا يمكن أن يوجد شيء سواه إلا وهو ملك له جل وعلا. وما ذكره في ~~هذه الآية الكريمة من الثناء على ملائكته عليهم صلوات الله وسلامه بينه ~~في غير هذا الموضع. كقوله تعالى. # عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # التحريم 6، وقوله تعالى # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # الانفطار 10-12، وقوله تعالى # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون # الأنبياء 19-20 إلى غير ذلك من الآيات. مسألة أخذ بعض العلماء من هذه ~~الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن الأب إذا ملك ابنه عتق عليه بالملك. ~~ووجه ذلك واضح. لأن الكافر زعموا أن الملائكة بنات الله. فنفى الله تلك ~~الدعوى بأنهم عباده وملكه. فدل ذلك على منافاة الملك للولدية، وأنهما لا ~~يصح اجتماعهما. والعلم عند الله تعالى. ### || [21.29] # الضمير في قوله { منهم } عائد إلى الملائكة المذكورين في قوله # بل عباد مكرمون # الأنبياء 26 والمعنى أنهم مع كرامتهم على الله لو ادعى أحد منهم أن له ~~الحق ms1760 في صرف شيء من حقوق الله الخاصة به إليه لكان مشركا، وكان جزاؤه ~~جهنم. ومعلوم أن التعليق يصح فيما لا يمكن ولا يقع. كقوله # قل إن كان للرحمن ولد # الزخرف 81 الآية، وقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22 والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك. وهذا الفرض والتقدير الذي ~~ذكره جل وعلا هنا في شأن الملائكة، ذكره أيضا في شأن الرسل على الجميع ~~صلوات الله وسلامه قال تعالى # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين # الزمر 65 ولما ذكر جل وعلا من ذكر من الأنبياء في سورة " الأنعام " في ~~قوله # ومن ذريته داوود # الأنعام 84 إلى آخر من ذكر منهم قال بعد ذلك # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # الأنعام 88. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } الآية ~~دليل قاطع على أن حقوق الله الخالصة له من جميع أنواع العبادة لا يجوز أن ~~يصرف شيء منها لأحد ولو ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا. ومما يوضح ذلك ~~قوله تعالى # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون # آل عمران 79-80، وقوله تعالى مخاطبا لسيد الخلق صلوات الله وسلامه ~~عليه # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون # آل عمران 64. ### || [21.30] # قوله تعالى { أولم ير الذين كفروا أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا ففتقناهما }. قرأ هذا الحرف عامة ~~السبعة ما عدا ابن كثير " أو لم ير " بواو بعد الهمزة وقرأه ابن كثير " ~~ألم ير الذين كفروا " بدون واو، وكذلك ms1761 هو في مصحف مكة. والاستفهام لتوبيخ ~~الكفار وتقريعهم، حيث يشاهدون غرائب صنع الله وعجائبه، ومع هذا يعبدون من ~~دونه ما لا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه، ولا يقدر على شيء. وقوله ~~{ كانتا } التثنية باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع ~~الأرض. كقوله تعالى # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # فاطر 41 ونظيره قول عمر بن شيبم # ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا # والرتق مصدر رتقه رتقا إذا سده. ومنه الرتقاء. وهي التي انسد فرجها، ~~ولكن المصدر وصف به هنا ولذا أفرده ولم يقل كانتا رتقين. والفتق الفصل ~~بين الشيئين المتصلين. فهو ضد الرتق. ومنه قول الشاعر # يهوون عليهم إذا يغضبو ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتو ~~ق ونقض الأمور وإبرامها # واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالرتق والفتق في هذه الآية على ~~خمسة أقوال، بعضها في غاية السقوط، وواحد منها تدل له قرائن من القرآن ~~العظيم الأول أن معنى { كانتا رتقا } أي كانت السموات والأرض ~~متلاصقة بعضها مع بعض، ففتقها الله وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء ~~إلى مكانها، وأقر الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ~~ترى. القول الثاني أن السموات السبع كانت رتقا. أي متلاصقة بعضها ~~ببعض، ففتقها الله وجعلها سبع سموات، كل اثنتين منها بينهما فصل، ~~والأرضون كذلك كانت رتقا ففتقها، وجعلها سبعا بعضها منفصل عن بعض. ~~القول الثالث أن معنى { كانتا رتقا } أن السماء كانت لا ينزل ~~منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق الله السماء بالمطر، ~~والأرض بالنبات. الرابع أنها { كانتا رتقا } أي في ظلمة لا يرى ~~من شدتها شيء ففتقهما الله بالنور. وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول ~~الأول، والثاني. الخامس وهو أبعدها لظهور سقوطه. أن الرتق يراد به ~~العدم. والفتق يراد به الإيجاد. أي كانتا عدما فأوجدناهما. وهذا القول ~~كما ترى. فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية، فاعلم أن القول الثالث ~~منها وهو كونهما كانتا رتقا بمعنى أن ms1762 السماء لا ينزل منها مطر، والأرض ~~لا تنبت شيئا ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات قد دلت عليه ~~قرائن من كتاب الله تعالى. الأولى أن قوله تعالى { أولم ير ~~الذين كفروا } يدل على أنهم رأوا ذلك. # لأن الأظهر في رأيي أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون ~~لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم ~~إنزال الله المطر، وإنباته به أنواع النبات. القرينة الثانية أنه أتبع ~~ذلك بقوله { وجعلنا من المآء كل شيء حي أفلا ~~يؤمنون } الأنبياء 30. والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله. أي ~~وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات ~~بفتقنا الأرض كل شيء حي. القرينة الثالثة أن هذا المعنى جاء موضحا في ~~آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى # والسمآء ذات الرجع والأرض ذات الصدع # الطارق 11-12 لأن المراد بالرجع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، ~~والمراد بالصدع انشقاق الأرض عن النبات. وكقوله تعالى # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا # عبس 24-26 الآية. واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية وغيرهما للقرائن ~~التي ذكرنا. ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات ~~في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته ~~على البعث. والذين قالوا إن المراد بالرتق والفتق أنهما كانتا متلاصقتين ~~ففتقهما الله وفصل بعضهما عن بعض قالوا في قوله { أولم ير } أنها ~~من رأي العلمية لا البصرية، وقالوا وجه تقريرهم بذلك أنه جاء في القرآن، ~~وما جاء في القرآن فهو أمر قطعي لا سبيل للشك فيه. والعلم عند الله ~~تعالى. وأقرب الأقوال في ذلك هو ما ذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه، ~~وقد قال فيه الفخر الرازي في تفسيره ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه ~~بقوله بعد ذلك { وجعلنا من المآء كل شيء حي أفلا ~~يؤمنون } الأنبياء 30 وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا ~~يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا. فإن ms1763 قيل هذا الوجه مرجوح. لأن ~~المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا. قلنا إنما ~~أطلق عليه لفظ الجمع لأن كل قطعة منها سماء. كما يقال ثوب أخلاق، وبرمة ~~أعشارا ه منه. قوله تعالى { وجعلنا من المآء كل شيء ~~حي أفلا يؤمنون }. الظاهر أن " جعل " هنا بمعنى خلق. لأنها ~~متعدية لمفعول واحد. ويدل لذلك قوله تعالى في سورة " النور " # والله خلق كل دآبة من مآء # النور 45. واختلف العلماء في معنى خلق كل شيء من الماء. قال بعض العلماء ~~الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة. لأن الله خلق جميع الحيوانات التي ~~تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص. وقال بعض ~~العلماء هو الماء المعروف، لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض ~~الحيوانات التي تتخلق من الماء. وإما غير مباشرة لأن النطف من الأغذية، ~~والأغذية كلها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، ~~وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسمان ونحوها لأنه كله ناشئ بسبب الماء. # وقال بعض أهل العلم معنى خلقه كل حيوان من ماء أنه كأنما خلقه من ~~الماء لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه. كقوله # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 إلى غير ذلك من الأقوال. وقد قدمنا المعاني الأربعة التي ~~تأتي لها لفظة " جعل " وما جاء منها في القرآن وما لم يجئ فيه في سورة " ~~النحل ". وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه لقائل أن ~~يقول كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان؟ وقد قال # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # الحجر 27 وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال ~~تعالى في حق عيسى عليه السلام # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني # المائدة 110، وقال في حق آدم # خلقه من تراب # آل عمران 59. والجواب اللفظ وإن كان عاما إلا أن القرينة المخصصة ~~قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدا محسوسا ليكون أقرب ms1764 إلى ~~المقصود. وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم ~~السلام، لأن الكفار لم يروا شيئا من ذلك ا ه منه. ثم قال الرازي أيضا ~~اختلف المفسرون، فقال بعضهم المراد من قوله { كل شيء حي } ~~الحيوان فقط. وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر، لأنه من الماء صار ~~ناميا، وصار فيه الرطوبة والخضرة، والنور والثمر. وهذا القول أليق ~~بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال ففتقنا السماء لإنزال المطر، وجعلنا منه ~~كل شيء في الأرض من النبات وغيره حيا. حجة القول الأول أن النبات لا ~~يسمى حيا. قلنا لا نسلم، والدليل عليه قوله تعالى # يحيي الأرض بعد موتهآ # الروم 50 انتهى منه أيضا. ### || [21.31] # قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة " النحل " فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا. ### || [21.32] # تضمنت هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل الأولى أن الله جل وعلا جعل ~~السماء سقفا، أي لأنها للأرض كالسقف للبيت. الثانية أنه جعل ذلك السقف ~~محفوظا. الثالثة أن الكفار معرضون عما فيها " أي السماء " من الآيات، ~~لا يتعظون به ولا يتذكرون. وقد أوضح هذه المسائل الثلاث في غير هذا ~~الموضع أما كونه جعلها سقفا فقد ذكره في سورة " الطور " أنه مرفوع وذلك ~~من قوله # والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت ~~المعمور والسقف المرفوع # الطور 1-5 الآية. وأما كون ذلك السقف محفوظا فقد بينه في مواضع من ~~كتابه، فبين أنه محفوظ من السقوط في قوله # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # الحج 65، وقوله # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره # الروم 25، وقوله تعالى # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # فاطر 41، وقوله # وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم # البقرة 255، وقوله # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن ~~الخلق غافلين # المؤمنون 17 على قول من قال وما كنا عن الخلق غافلين. إذ لو كنا نغفل ~~لسقطت عليهم السماء فأهلكتهم. وبين أنه محفوظ من التشقق والتفطر، لا ~~يحتاج إلى ترميم ولا إصلاح كسائر السقوف إذا طال زمنها. كقوله ms1765 تعالى # هل ترى من فطور # الملك 3، وقوله تعالى # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # ق 6 أي ليس فيها من شقوق ولا صدوع. وبين أن ذلك السقف المذكور محفوظ من ~~كل شيطان رجيم. كقوله # وحفظناها من كل شيطان رجيم # الحجر 17، وقد بينا الآيات الدالة على حفظها من جميع الشياطين في سورة " ~~الحجر ". وأما كون الكفار معرضين عما فيها من الآيات فقد بينه في مواضع ~~من كتابه. كقوله تعالى # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # يوسف 105، وقوله # وإن يروا آية يعرضوا # القمر 2 الآية، وقوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية # يونس 96-97، وقوله # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # يونس 101. ### || [21.34-35] # قوله تعالى { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ~~أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذآئقة الموت ~~}. قال بعض أهل العلم كان المشركون ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون هو شاعر يتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني ~~فلان. فقال الله تعالى قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دنيه بالنصر ~~والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. وقال بعض أهل العلم # " لما نعى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال " فمن ~~لأمتي " " # ؟ فنزلت { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } والأول ~~أظهر. لأن السورة مكية ومعنى الآية أن الله لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد. ~~أي دوام البقاء في الدنيا، بل كلهم يموت. وقوله { أفإن مت فهم ~~الخالدون } استفهام، إنكاري معناه النفي. والمعنى أنك إن مت لهم فهم ~~لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون. ولذلك أتبعه بقوله { كل نفس ذآئقة ~~الموت }. وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلى الله عليه ~~وسلم سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس أوضحه في غير هذا ~~الموضع. كقوله تعالى # إنك ميت وإنهم ميتون # الزمر 30، كقوله # كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة فمن زحزح عن ms1766 النار وأدخل الجنة ~~فقد فاز # آل عمران 185، وقوله في سورة " العنكبوت " # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون # العنكبوت 56-57، وقوله تعالى في سورة " النساء " # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # النساء 78 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة " الكهف " استدلال ~~بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام. وقال بعض ~~أهل العلم في قوله { فهم الخالدون } هو استفهام حذفت أداته. أي ~~أفهم الخالدون. وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل ~~المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع " أم " ودونها ذكر الجواب أم ~~لا فمن أمثلته دون " أم " ودون ذكر الجواب قول الكميت # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب # يعني أو ذو الشيب يلعب. وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد # وفوني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم ~~هم # يعني أهم هم على التحقيق. ومن أمثلته دون " أم " مع ذكر الجواب قول عمر ~~بن أبي ربيعة المخزومي # ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد النجم والحصى والتراب # يعني أتحبها على الصحيح. وهو مع " أم " كثير جدا، وأنشد له سيبويه قول ~~الأسود يعفر التميمي # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر # يعني أشعيث بن سهم، ومنه قول ابن أبي ربيعة المخزومي # بدا لي منها معصم يوم جمرت وكف خضيب زينت ببنان فوالله ما أدري وإني ~~لحاسب بسبع رميت الجمر أم بثمان # يعني أبسبع. وقول الأخطل # كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا # يعني أكذبتك عينك. كما نص سيبويه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل ~~هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلا إن " كذبتك " صيغة خبرية ليس فيها ~~استفهام محذوف، وإن " أم " بمعنى بل. ففي البيت على قول الخليل نوع من ~~أنواع البديع المعنوي يسمى " الرجوع ". وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا ~~من ms1767 شواهدها العربية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة ~~" آل عمران " وذكرنا أن قوله تعالى في آية " الأنبياء " هذه { فهم ~~الخالدون } من أمثلة ذلك. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في ~~هذه الآية الكريمة { أفإن مت } قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة ~~والكسائي " مت " بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة ~~" مريم " وجه كسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة { أفإن مت ~~فهم الخالدون } يفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد ~~لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته. لأنه هو ليس مخلدا بعده. وروي عن ~~الشافعي رحمه الله أنه أنشد هذين البيتين مستشهدا بهما # تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل ~~للذي يبقى خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد # ونظير هذا قول الآخر # فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا # قوله تعالى { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون }. المعنى ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب ~~فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من ~~الصبر أو الشكر، وقوله { فتنة } مصدر مؤكد ل { ونبلوكم } من ~~غير لفظة. وما ذكره جل وعلا من أنه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير ~~قد بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى # وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون # الأعراف 168، وقوله تعالى # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون فلولا إذ ~~جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين # الأنعام 42-45، وقوله تعالى # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # الأعراف 94-95 إلى غير ذلك ms1768 من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآيات ~~الكريمة { ونبلوكم بالشر والخير } يدل على أن بلا يبلو ~~تستعمل في الاختبار بالنعم، وبالمصائب والبلايا. وقال بعض العلماء أكثر ~~ما يستعمل في الشر بلا يبلو، وفي الخبر أبلى يبلى. وقد جمع اللغتين في ~~الخير قول زهير بن أبي سلمى # جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ونبلوكم بالشر ~~والخير } قال أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة ~~والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى ~~والضلال. ### || [21.36] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا رأوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما يتخذونه إلا هزوا، أي مستهزأ به مستخفا به. والهزؤ ~~السخرية، فهو مصدر وصف به. ويقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيبها ~~وينفي أنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله زلفى، ويقول إنها لا تنفع من ~~عبدها، ولا تضر من لم يعبدها، وهم مع هذا كله كافرون بذكر الرحم. فالخطاب ~~في قوله { وإذا رآك } للنبي صلى الله عليه وسلم. و " إن " في قوله { ~~إن يتخذونك } نافية. والاستفهام في قوله { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم } قال فيه أبو حيان في البحر إنه للإنكار والتعجيب. ~~والذي يظهر لي أنهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، كما تدل عليه قرينة قوله { إن يتخذونك إلا ~~هزوا }. وقد تقرر في فن المعاني أن من الأغراض التي تؤدي بالاستفهام ~~التحقير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية إن جواب " إذا " هو القول ~~المحذوف، وتقديره وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم. ~~وقال إن جملة { إن يتخذونك إلا هزوا } جملة معترضة بين إذا ~~وجوابها. واختار أبو حيان في البحر أن جواب " إذا " هو جملة { إن ~~يتخذونك } وقال إن جواب إذا بجملة مصدرة ب " إن " أو ما ~~النافيتين لا يحتاج إلى الاقتران بالفاء. وقوله { يذكر آلهتكم } ~~أي يعيبها. ومن إطلاق الذكر بمعنى العيب قوله تعالى # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # الأنبياء ms1769 60 أي يعيبهم. وقول عنترة # لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد ~~الأجرب # أي لا تعيبي مهري، قاله القرطبي. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ~~الكريمة الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ~~ولم يقيد، كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ~~ثناء. وإن كان عدوا فذم، ومنه قوله تعالى # سمعنا فتى يذكرهم # الأنبياء 60، وقوله { أهذا الذي يذكر آلهتكم } ~~الأنبياء36 انتهى محل الغرض منه. والجملة في قوله { وهم بذكر ~~الرحمن هم كافرون } حالية. وقال بعض أهل العلم معنى كفرهم ~~بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا # الفرقان 60، وقولهم ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة ~~الكذاب. وقد بين ابن جرير الطبري وغيره أن إنكارهم لمعرفتهم الرحمن تجاهل ~~منهم ومعاندة مع أنهم يعرفون أن الرحمن من أسماء الله تعالى. قال وقال ~~بعض شعراء الجاهلية الجهلاء # ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قطع الرحمن ربي يمينها # وقال سلامة بن جندل الطهوي # عجلتم علينا عجلتينا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق # وفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار. لأنهم عاكفون ~~على ذكر أصنام لا تنفع ولا تضر، ويسوءهم أن تذكر بسوء، أو يقال إنها لا ~~تشفع ولا تقرب إلى الله. وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ~~فهم به كافرون لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي اتخذوه هزؤا، فإنه محق وهم مبطلون. فإذا عرفت معنى ~~هذه الآية الكريمة فاعلم أن هذا المعنى الذي دلت عليه جاء أيضا مبينا ~~في سورة " الفرقان " في قوله تعالى # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا ~~أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب ~~من أضل سبيلا # الفرقان 41-42 فتحقيرهم لعنهم الله له صلى الله عليه وسلم المذكور في ~~قوله في ms1770 " الأنبياء " في قوله { أهذا الذي يذكر آلهتكم ~~} هو المذكور في " الفرقان " في قوله # إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها # الفرقان 42 أي لما يبين من معائبها، وعدم فائدتها، وعظم ضرر عبادتها. ### || [21.37] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يذكر بعض العلماء في الآية قولا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على ~~خلاف ذلك القول. فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { من عجل } فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة ~~تدل على عدم صحة أحدهما. أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم ~~صحته فهو قول من قال العجل الطين وهي لغة حميرية. كما قال شاعرهم # البيع في الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعجل # يعني بين الماء والطين. وعلى هذا القول فمعنى الآية خلق الإنسان من طين، ~~كقوله تعالى # أأسجد لمن خلقت طينا # الإسراء 61، وقوله # وبدأ خلق الإنسان من طين # السجدة 7. والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس ~~الطين قوله بعده { فلا تستعجلون } الأنبياء 37، وقوله # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # الأنبياء 38. فهذا يدل على أن المراد بالعجل هو العجلة التي هي خلاف ~~التأني والتثبت. والعرب تقول خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في ~~الإنصاف. كقولهم خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى # الله الذي خلقكم من ضعف # الروم 54 على الأظهر. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # الإسراء 11 أي ومن عجلته دعاؤه على نفسه أو ولده بالشر. قال بعض العلماء ~~كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار، ويقولون ~~متى هذا الوعد. فنزل قوله { خلق الإنسان من عجل } للزجر عن ~~ذلك. كأنه يقول لهم ليس ببدع منكم أن تستعجلوا. فإنكم مجبولون على ذلك، ~~وهو طبعكم وسجيتكم. ثم وعدهم بأنه سيريهم آياته، ونهاهم أن يستعجلوا ~~بقوله { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون }. كما قال ms1771 تعالى # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # فصلت 53. وقال بعض أهل العلم المراد بالإنسان في قوله { خلق ~~الإنسان من عجل } آدم. وعن سعيد بن جبير والسدي لما دخل الروح في ~~عيني آدم نظر في ثمار الجن، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن ~~تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله { خلق الإنسان ~~من عجل }. وعن مجاهد والكلبي وغيرهما خلق آدم يوم الجمعة في آخر ~~النهار.، فلما أحيا الله رأسه استعجل وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب ~~الشمس. والظاهر أن هذه الأقوال ونحوها من الإسرائيليات. وأظهر الأقوال إن ~~معنى الآية أن جنس الإنسان من طبعه العجل وعدم التأني كما بينا، والعلم ~~عند الله تعالى. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة ~~والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ها هنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت ذلك. فقال ~~الله تعالى { خلق الإنسان من عجل } لأنه تعالى يملي للظالم ~~حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر. ولهذا قال { ~~سأوريكم آياتي } أي نقمي وحكمي، واقتداري على من عصاني فلا ~~تستعجلون. انتهى منه. ### || [21.39] # جواب " لو " في هذه الآية محذوف، وقد قدمنا أدلة ذلك وشواهده من " ~~العربية " في سورة " البقرة " ، وأشرنا إليه في سورة " إبراهيم " وسورة " ~~يوسف ". ومعنى الآية الكريمة لو يعلم الكفار الوقت الذي يسألون عنه ~~بقولهم متى هذا الوعد؟ وهو وقت صعب شديد، تحيط بهم فيه النار من وراء ~~وقدام. فلا يقدرون على منعها ودفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، ~~لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم بذلك ~~هو الذي هونه عليهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من المعاني جاء مبينا ~~في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. أما إحاطة النار بهم في ذلك اليوم ~~فقد جاءت موضحة في آيات متعددة، كقوله تعالى # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~وإن يستغيثوا ms1772 يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وسآءت مرتفقا # الكهف 29، وقوله تعالى # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف 41 الآية، وقوله تعالى # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ~~ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون # الزمر 16، وقوله تعالى # سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار # إبراهيم 50. وقوله تعالى # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون # المؤمنون 104 إلى غير ذلك من الآيات. نرجو الله الكريم العظيم أن يعيذنا ~~منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، إنه قريب مجيب. وما تضمنته من ~~كونهم في ذلك اليوم ليس لهم ناصر ولا قوة يدفعون بها عن أنفسهم جاء ~~مبينا في مواضع أخر. كقوله تعالى # فما له من قوة ولا ناصر # الطارق 10، وقوله تعالى # ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون # الصافات 25-26 والآيات في ذلك كثيرة. وما أشارت إليه هذه الآية من أن ~~الذي هون عليهم ذلك اليوم العظيم حتى استعجلوه واستهزءوا بمن يخوفهم منه ~~إنما هو جهلهم به جاء مبينا أيضا في مواضع أخر. كقوله تعالى # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق # الشورى 18، وقوله تعالى # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~ماذا يستعجل منه المجرمون # يونس 50 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ~~لو يعلم } قال بعض أهل العلم هو فعل متعد، والظاهر أنها عرفانية، ~~فهي تتعدى إلى مفعول واحد. كما أشار له في الخلاصة بقوله # لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد ملتزمه # وعلى هذا فالمفعول هذا قوله { حين } أي لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم ~~وما فيه من الفظائع لما استخفوا به واستعجلوه. وعلى هذا فالحين مفعول به ~~لا مفعول فيه. لأن العلم الذي هو بمعنى المعرفة واقع على نفس الحين ~~المذكور. # وقال بعض أهل العلم فعل العلم في هذه الآية منزل منزلة اللازم، فليس ~~واقعا على مفعول. وعليه فالمعنى لو كان لهم علم ولم يكونوا جاهلين لما ~~كانوا مستعجلين. وعلى ms1773 هذا فالآية كقوله تعالى # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # الزمر 9 والمعنى لا يستوي من عنده علم ومن لا علم عنده. وقد تقرر في فن ~~المعاني أنه إذا كان الغرض إثبات الفعل لفاعله في الكلام المثبت، أو نفيه ~~عنه في الكلام المنفي مع قطع النظر عن اعتبار تعلق الفعل بمن وقع عليه، ~~فإنه يجري مجرى اللازم، كقوله { قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } لأنه يراد منه أن من ثبتت له ~~صفة العلم لا يستوي هو ومن انتفت عنه، ولم يعتبر هنا وقوع العلم على ~~معلومات من اتصف بذلك العلم. وعلى هذا القول فقوله { حين لا ~~يكفون } منصوب بمضمر. أي حين لا يكفون عن وجههم النار يعلمون أنهم ~~كانوا على الباطل. والأول هو الأظهر. واستظهر أبو حيان أن مفعول " يعلم " ~~محذوف، وأنه هو العال في الظرف الذي هو " حين " ، والتقدير لو يعلم ~~الذين كفروا مجيء الموعود الذي استعجلوه حتى لا يكفون لما كفروا ~~واستعجلوا واستهزءوا. واعلم أنه لا إشكال في قوله تعالى # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 مع قوله # فلا تستعجلون # الأنبياء 37 فلا يقال كيف يقول إن الإنسان خلق من العجل وجبل عليه، ثم ~~ينهاه عما خلق منه وجبل عليه، لأنه تكليف بمحال!؟ لأنا نقول نعم هو جبل ~~على العجل، ولكن في استطاعته أن يلزم نفسه بالكف عنها. كما قال تعالى # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى # النازعات 40-41. ### || [21.41] # في هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إخوانه من ~~الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم استهزأ بهم الكفار، كما استهزءوا ~~به صلى الله عليه وسلم. يعني فاصبر كما صبروا، ولك العاقبة الحميدة، ~~والنصر النهائي كما كان لهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ذلك جاء ~~موضحا في مواضع من كتاب الله. كقوله تعالى # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # فصلت 43، وقوله تعالى # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ms1774 نثبت ~~به فؤادك # هود 120 الآية، وقوله تعالى # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل ~~لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين # الأنعام 34، وقوله تعالى # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ~~جآءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب ~~المنير ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير # فاطر 25-26، وقوله تعالى # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى ~~الله ترجع الأمور # فاطر 4 والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله في هذه الآية الكريمة { فحاق ~~بالذين } أي أحاط بهم. ومادة حاق يائية العين. بدليل قوله في ~~المضارع # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43 ولا تستعمل هذه المادة إلا في إحاطة المكروه خاصة. فلا تقول حاق ~~به الخير بمعنى أحاط به. والأظهر في معنى الآية أن المراد وحاق بهم ~~العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ويستهزؤون به، وعلى هذا اقتصر ابن ~~كثير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة { فحاق } أي أحاط ودار ~~{ بالذين } كفروا و { سخروا منهم } وهزءوا بهم { ما ~~كانوا به يستهزئون } أي جزاء استهزائهم. والأول أظهر، والعلم ~~عند الله تعالى. والآية تدل على أن السخرية من الاستهزاء وهو معروف. ### || [21.42] # قوله تعالى { قل من يكلؤكم بالليل والنهار من ~~الرحمن }. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~الكريمة أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم { من يكلؤكم } أي من هو الذي ~~يحفظكم ويحرسكم { بالليل } في حال نومكم { والنهار } في حال ~~تصرفكم في أموركم. والكلاءة بالكسر الحفظ والحراسة. يقال اذهب في ~~كلاءة الله. أي في حفظه، واكتلأت منهم احترست. ومنه قول ابن هرمة # إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها # وقول كعب بن زهير # أنخت بعيري واكتلأت بعينه وآمرت نفسي أي أمري أفعل # و " من " في قوله { من الرحمن } فيها للعلماء وجهان معروفان ~~أحدهما وعليه اقتصر ابن كثير أن " من " هي التي بمعنى بدل. وعليه ~~فقوله { من الرحمن } أي بدل الرحمن، يعني غيره. وأنشد ابن كثير ms1775 ~~لذلك قول الراجز # جارية لم تلبس المرققا ولم تذق من البقول الفستقا # أي لم تذق بدل البقول الفستق. وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # التوبة 38 أي بدلها ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر. # أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ظلما ويكتب للأمير أفيلا # يعني أخذوا في الزكاة المخاض بدل الفصيل. والوجه الثاني أن المعنى { ~~من يكلؤكم } قال أبو حيان في البحر هو استفهام تقريع وتوبيخ. وهو ~~عندي يحتمل الإنكار والتقرير. فوجه كونه إنكاريا أن المعنى لا كالئ لكم ~~يحفظكم من عذاب الله البتة إلا الله تعالى. أي فكيف تعبدون غيره. ~~ووجه كونه تقريريا أنهم إذا قيل لهم من يكلؤكم؟ اضطروا إلى أن يقروا ~~بأن الذي يكلؤهم هو الله. لأنهم يعلمون أنه لا نافع ولا ضار إلا هو ~~تعالى، ولذلك يخلصون له الدعاء عند الشدائد والكروب، ولا يدعون معه غيره، ~~كما قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة " الإسراء " وغيرها. فإذا أقروا ~~بذلك توجه إليهم التوبيخ والتقريع، كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل ~~والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر. وهذا المعنى الذي أشارت إليه هذه الآية ~~الكريمة أنه لا أحد يمنع أحدا من عذاب الله، ولا يحفظه ولا يحرسه من ~~الله، وأن الحافظ لكل شيء هو الله وحده جاء مبينا في مواضع أخر. كقوله ~~تعالى # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # الرعد 11 على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى # قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ~~ضرا أو أراد بكم نفعا # الفتح 11 الآية، وقوله تعالى # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا # الأحزاب 17، وقوله تعالى # قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا # المائدة 17، وقوله تعالى # وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون # المؤمنون 88 إلى غير ذلك من ms1776 الآيات. ### || [21.43] # قوله في هذه الآية الكريمة { أم } هي المنقطعة، وهي بمعنى بل والهمزة، ~~فقد اشتملت على معنى الإضراب والإنكار، والمعنى ألهم آلهة تجعلهم في منعة ~~وعز حتى لا ينالهم عذابنا. ثم بين أن آلهتهم التي يزعمون لا تستطيع نفع ~~أنفسها، فكيف تنفع غيرها بقوله { لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~}. وقوله { من دوننا } فيه وجهان أحدهما أنه متعلق. { آلهة } ~~أي ألهم آلهة { من دوننا } أي سوانا { تمنعهم } مما نريد أن ~~نفعله بهم من العذاب! كلا! ليس الأمر كذلك. الوجه الثاني أنه متعلق. { ~~تمنعهم } لقول العرب منعت دونه، أي كففت أذاه. والأظهر عند الأول. ~~ونحوه كثير في القرآن كقوله # ومن يقل منهم إني إله من دونه # الأنبياء 29 الآية وقوله # واتخذوا من دونه آلهة # الفرقان 3 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وما تضمنته هذه الآية الكريمة ~~من كون الآلهة التي اتخذوها لا تستطيع نصر أنفسها فكيف تنفع غيرها جاء ~~مبينا في غير هذا الموضع؟ كقوله تعالى # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا ~~يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون إن الذين تدعون ~~من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل ~~يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم ~~أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل ~~ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون # الأعراف 191-195، وقوله تعالى # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا ~~أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # الأعراف 197-198، وقوله تعالى # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم # فاطر 13-14 الآية، وقوله تعالى # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة # الأحقاف 5 الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن تلك الآلهة ~~المعبودة من دون الله ms1777 ليس فيها نفع البتة. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~ولا هم منا يصحبون } أي يجارون أي ليس لتلك الآلهة مجير ~~يجيرهم منا. لأن الله يجير ولا يجاز عليه كما صرح بذلك في سورة # قد أفلح المؤمنون # المؤمنون 1 في قوله # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون # المؤمنون 88. والعرب تقول أنا جار لك وصاحب من فلان. أي مجير لك منه. ~~ومنه قول الشاعر # ينادي بأعلى صوته متعوذا ليصحب منا والرماح دواني # يعني ليجار ويغاث منا. وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ~~ذكرنا. كقول بعضهم { يصحبون } يمنعون. وقول بعضهم ينصرون. وقول ~~بعضهم { ولا هم منا يصحبون } أي لا يصحبهم الله بخير، ولا ~~يجعل الرحمة صاحبا لهم. والعلم عند الله تعالى. ### || [21.44] # قوله تعالى { بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال ~~عليهم العمر }. الظاهر أن الإضراب. { بل } في هذه الآية ~~الكريمة انتقالي. والإشارة في قوله { هؤلاء } راجعة إلى المخاطبين ~~من قبل في قوله # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن # الأنبياء 42 الآية، وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. ~~والمعنى أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا ~~حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في ~~الكفر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم ~~في النعمة، وأن ذلك يزيدهم كفرا وضلالا جاء موضحا في مواضع كثيرة ~~من كتاب الله تعالى، كقوله # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # آل عمران 178، وقوله تعالى # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # الأعراف 182-183، وقوله تعالى # قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من ~~دونك من أوليآء ولكن متعتهم وآبآءهم حتى ~~نسوا الذكر وكانوا قوما بورا # الفرقان 18، وقوله تعالى # بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى جآءهم الحق ~~ورسول مبين ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر ~~وإنا ms1778 به كافرون # الزخرف 29-30 والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعمر يطلق على مدة العيش. قوله ~~تعالى { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ أفهم الغالبون }. في معنى إتيان الله الأرض ينقصها ~~من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة للعلماء وبعضها تدل له ~~قرينة قرآنية قال بعض العلماء نقصها من أطرافها موت العلماء، وجاء في ذلك ~~حديث مرفوع عن أبي هريرة. وبعد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة ~~السياق ظاهر كما ترى. وقال بعض أهل العلم نقصها من أطرافها خرابها عند ~~موت أهلها. وقال بعض أهل العلم نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات، ~~إلى غير ذلك من الأقوال، وأما القول الذي دلت عليه القرينة القرآنية فهو ~~أن معنى { ننقصها من أطرافهآ } أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ~~ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها، وردها دار ~~إسلام. والقرينة الدالة على هذا المعنى هي قوله بعده { أفهم ~~الغالبون }. والاستفهام لإنكار غلبتهم. وقيل لتقريرهم بأنهم مغلوبون ~~لا غالبون، فقوله { أفهم الغالبون } دليل على أن نقص الأرض من ~~أطرافها سبب لغلبة المسلمين للكفار، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور. ~~ومما يدل لهذا الوجه قوله تعالى # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد ~~الله # الرعد 31 على قول من قال إن المراد بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي ~~صلى الله عليه وسلم تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريبا من ~~دارهم. # وممن يروى عنه هذا القول ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم. وهذا ~~المعنى الذي ذكر الله هنا ذكره في آخر سورة " الرعد " أيضا في قوله # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # الرعد 41. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية " الأنبياء " هذه إن ~~أحسن ما فسر به قوله تعالى { أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافهآ } الأنبياء 44 هو قوله تعالى # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ms1779 ~~الآيات لعلهم يرجعون # الأحقاف 27. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ما ذكره ابن كثير رحمه الله ~~صواب، واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى أفلا يرى كفار مكة ~~ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به { أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ } أي بإهلاك الذين كذبوا ~~الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم ~~هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، ~~والكفر بما جاءوا به. وهذا هو معنى قوله # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى # الأحقاف 27 كقوم صالح وقوم لوط وقوم هود وسبأ، فاحذروا من تكذيب نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم. وهذا الوجه ~~لا ينافي قوله بعده { أفهم الغالبون } والمعنى أن الغلبة لحزب ~~الله القادر على كل شيء، الذي أهلك ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم ~~رسلهم، وأنتم لستم بأقوى منهم، ولا أكثر أموالا ولا أولادا. كما قال ~~تعالى # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم # الدخان 37 الآية. وقال تعالى # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون # غافر 82، وقال تعالى # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ # الروم 9 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وإنذار الذين كذبوه صلى الله ~~عليه وسلم بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جدا في القرآن. وبه ~~تعلم اتجاه ما استحسنه ابن كثير رحمه الله من تفسير آية " الأنبياء " هذه ~~بآية " الأحقاف " المذكورة كما بينا. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ~~الكريمة فإن قلت أي فائدة في قوله { نأتي الأرض }؟ قلت فيه تصوير ~~ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو ~~أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها ا ه منه. ms1780 والله جل ~~وعلا أعلم. ### || [21.47] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة. ~~فتوزن أعمالهم وزنا في غاية العدالة والإنصاف فلا يظلم الله أحدا ~~شيئا، وأن عمله من الخير أو الشر، وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال ~~حبة من خردل، فإن الله يأتي به. لأنه لا يخفى عليه شيء وكفى به جل وعلا ~~حاسبا. لإحاطة علمه بكل شيء. وبين في غير هذا الموضع أن الموازين عند ~~ذلك الوزن منها ما يخف، ومنها ما يثقل. وأن من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت ~~موازينه نجا. كقوله تعالى # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون # الأعراف 8-9 وقوله تعالى # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم في جهنم خالدون # المؤمنون 101-103، وقوله تعالى # فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ~~وأما من خفت موازينه فأمه هاوية # القارعة 6-9 إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وغلا في هذه الآية ~~الكريمة من أن موازين يوم القيامة موازين قسط ذكره في " الأعراف " في ~~قوله # والوزن يومئذ الحق # الأعراف 8 لأن الحق عدل وقسط. وما ذكره فيها من أنه لا تظلم نفس شيئا ~~بينه في مواضع أخر كثيرة، كقوله # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # النساء 40، وقوله تعالى # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # يونس 44، وقوله تعالى # ولا يظلم ربك أحدا # الكهف 49 وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة " الكهف ". وما ذكره ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من خير أو ~~شر أتى به جل وعلا أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله عن لقمان مقررا له # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة ms1781 أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # لقمان 16، وقوله تعالى # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # الزلزلة 7-8 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة { ~~ونضع الموازين } جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص، ~~لقوله # فمن ثقلت موازينه # الأعراف 8، وقوله # ومن خفت موازينه # الأعراف 9 فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد ~~منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر # ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزان # والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا ~~بدليل يجب الرجوع إليه. # وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة الأكثر على أنه إنما هو ميزان ~~واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقد قدمنا في آخر ~~سورة " الكهف " كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا. وقوله في هذه الآية { القسط } أي العدل، وهو مصدر، وصف به، ولذا ~~لزم إفراده كما قال في الخلاصة # ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا # كما قدمناه مرارا. ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء إنه ~~للمبالغة. وبعضهم يقول هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في ~~عدالة الموازين حتى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى ~~الموازين ذوات القسط. واللام في قوله { ليوم القيامة } فيها ~~أوجه معروفة عند العلماء منها أنها للتوقيت، أي الدلالة على الوقت، كقول ~~العرب جئت لخمس ليال بقين من الشهر، ومنه قول نابغة ذبيان # توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع # ومنها أنها لام كي، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة، أي لحساب ~~الناس فيه حسابا في غاية العدالة والإنصاف. ومنها أنها بمعنى في، أي نضع ~~الموازين القسط في يوم القيامة. والكوفيون يقولون إن اللام تأتي بمعنى ~~في، ويقولون إن من ذلك قوله تعالى { ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة } أي في يوم القيامة، وقوله تعالى # لا يجليها لوقتهآ ms1782 إلا هو # الأعراف 187 أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبة من المتقدمين، وابن ~~مالك من المتأخرين، وأنشد مستشهدا لذلك قول مسكين الدارمي # أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم كما قد مضى من قبل عاد وتبع # يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر # وكل أب وابن وإن عمرا معا مقيمين مفقود لوقت وفاقد # أي في وقت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فلا تظلم نفس ~~شيئا } يجوز أن يكون { شيئا } هو المفعول الثاني ل { تظلم } ~~ويجوز أن يكون ما ناب عن المطلق. أي شيئا من الظلم لا قليلا ولا ~~كثيرا. ومثقال الشيء وزنه. والخردل حب في غاية الصغر والدقة. وبعض أهل ~~العلم يقول هو زريعة الجرجير. وأنث الضمير في قوله { بها } هو راجع إلى ~~المضاف الذي هو { مثقال } وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه ~~الذي هو { حبة من خردل } على حد قوله في الخلاصة # وربما أكسب ثان أولا تأنيثا إن كان لحذف مؤهلا # ونظير ذلك من كلام العرب قول عنترة في معلقته # جاد عليه كل عين ثرة فتركن كل قرارة كالدرهم # وقول الراجز # طول الليالي أسرعت في نقضي نقضن كلي ونقضن بعضي # وقول الأعشى # وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم # وقول الآخر # مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم # فقد أنث في البيت الأول لفظة " كل " لإضافتها إلى " عين ". # وأنث في البيت الثاني لفظة " طول " لإضافتها إلى " الليالي " وأنث في ~~البيت الثالث الصدر لإضافته إلى " القناة " وأنث في البيت الرابع " مر " ~~لإضافته إلى " الرياح ". والمضافات المذكورة لو حذفت لبقي الكلام ~~مستقيما. كما قال في الخلاصة # ...... إن كان لحذف مؤهلا # وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعا { وإن كان مثقال ~~حبة } بنصب { مثقال } على أنه خبر { كان } أي وإن كان العمل ~~الذي يراد وزنه مثقال حبة من خردل. وقرأ نافع وحده { وإن كان ~~مثقال } بالرفع فالع { كان } على أنها تامة. كقوله تعالى # وإن كان ذو عسرة # البقرة 280 الآية. ### || [21.50] # ذكر جل وعلا ms1783 في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم { ذكر ~~مبارك } أي كثير البركات والخيرات. لأن فيه خير الدنيا والآخرة. ثم ~~وبخ من ينكرونه منكرا عليهم بقوله { أفأنتم له منكرون }. ~~وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن مبارك بينه في ~~مواضع متعددة من كتابه. كقوله تعالى في " الأنعام " # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون # الأنعام 155، وقوله فيها أيضا # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه # الأنعام 92 الآية. وقوله تعالى في " ص " # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # ص 29، إلى غير ذلك من الآيات. فنرجو الله تعالى القريب المجيب أن تغمرنا ~~بركات هذا الكتاب العظيم المبارك بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، ~~والعمل بما فيها من الحلال والحرام، والأوامر والنواهي. والمكارم والآداب ~~امتثالا واجتنابا، إنه قريب مجيب. ### || [21.51] # قوله تعالى { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }. قد ~~قدمنا ما يوضح هذه الآيات إلى آخر القصة من القرآن في سورة " مريم " ~~فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [21.68] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام لما أفحم قومه الكفرة بالبراهين والحجج القاطعة، لجؤوا ~~إلى استعمال القوة فقالوا { حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين } أي بقتلكم عدوها إبراهيم شر قتلة، وهي الإحراق ~~بالنار. ولم يذكر هنا أنهم أرادوا قتله بغير التحريق ولكنه تعالى ذكر في ~~سورة " العنكبوت " أنهم # قالوا اقتلوه أو حرقوه # العنكبوت 24 وذلك في قوله # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه # العنكبوت 24 الآية. وقد جرت العادة بأن المبطل إذا أفحم بالدليل لجأ إلى ~~ما عنده من القوة ليستعملها ضد الحريق. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ~~{ إن كنتم فاعلين } أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا. ~~فاختاروا له أفظع قتلة، وهي الإحراق بالنار. وإلا فقد فرطتم في نصرها. ### || [21.69-70] # في الكلام حذف دل المقام عليه، وتقديره قالوا حرقوه فرموه في النار، ~~فلما فعلوا ذلك { قلنا ينار كوني بردا ms1784 وسلاما } وقد بين ~~في " الصافات " أنهم لما أرادوا أن يلقوه في النار بنوا له بنيانا ~~ليلقوه فيه. وفي القصة أنهم ألقوه من ذلك البنيان العالي بالمنجنيق ~~بإشارة رجل من أعراب فارس يعنون الأكراد، وأن الله خسف به الأرض فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، قال تعالى # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم # الصافات 97. والمفسرون يذكرون من شدة هذه النار وارتفاع لهبها، وكثرة ~~حطبها شيئا عظيما هائلا. وذكروا عن نبي الله إبراهيم أنهم لما كتفوه ~~مجردا ورموه إلى النار، قال له جبريل هل لك حاجة؟ قال أما إليك فلا، ~~وأما الله فنعم! قال لم لا تسأله؟ قال علمه بحالي كاف عن سؤالي. وما ذكر ~~الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه أمر النار بأمره الكوني القدري ~~أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم يدل على أنه أنجاه من تلك النار. ~~لأن قوله تعالى { كوني بردا } يدل على سلامته من حرها. وقوله { ~~وسلاما }. يدل على سلامته من شر بردها الذي انقلبت الحرارة إليه. ~~وإنجاؤه إياه منها الذي دل عليه أمره الكوني القدري هنا جاء مصرحا به في ~~" العنكبوت " في قوله تعالى # فأنجاه الله من النار # العنكبوت 24 وأشار إلى ذلك هنا بقوله # ونجيناه ولوطا # الأنبياء 71 الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأرادوا ~~به كيدا فجعلناهم الأخسرين } الأنبياء 70 يوضحه ما ~~قبله. فالكيد الذي أرادوه به إحراقه بالنار نصرا منهم لآلهتهم في زعمهم، ~~وجعله تعالى إياهم الأخسرين. أي الذين هم أكثر خسرانا لبطلان كيدهم ~~وسلامته من نارهم. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضا في سورة " الصافات " في ~~قوله # فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين # الصافات 98 وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من شرهم. وكونهم ~~الأخسرين لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وفي القصة ~~أن الله سلط عليهم خلقا من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض. وفيها أيضا ~~أن كل الدواب تطفئ عن إبراهيم النار، إلا الوزغ فإنه ينفخ النار عليه. ~~وقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في ms1785 سورة " الأنعام " وعن ~~أبي العالية لو لم يقل الله { وسلاما } لكان بردها أشد عليه من حرها. ~~ولو لم يقل على " إبراهيم " لكان بردها باقيا إلى الأبد. وعن علي ~~وابن عباس رضي الله عنهم لو لم يقل " وسلاما " لمات إبراهيم من بردها. ~~وعن السدي لم تبق في ذلك اليوم نار إلا طفئت. وعن كعب وقتادة لم تحرق ~~النار من إبراهيم إلا وثاقه. # وعن المنهال بن عمرو قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام ~~التي كنت فيها في النار. وعن شعيب الحماني أنه ألقي في النار وهو ابن ست ~~عشر سنة. وعن ابن جريج ألقي فيها وهو ابن ست وعشرين. وعن الكلبي بردت ~~نيران الأرض جميعا، فما أنضجت ذلك اليوم كراعا. وذكروا في القصة أن ~~نمروذ أشرف على النار من الصرح فرأى إبراهيم جالسا على السرير يؤنسه ملك ~~الظل، فقال نعم الرب ربك، لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه. وكل هذا من ~~الإسرائيليات. والمفسرون يذكرون كثيرا منها في هذه القصة وغيرها من قصص ~~الأنبياء. وقال البخاري في صحيحه حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال حدثنا ~~أبو بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس " حسبنا الله ونعم ~~الوكيل " قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين قالوا # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل # آل عمران 173 حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن ~~أبي الضحى عن ابن عباس قال كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار " ~~حسبي الله ونعم الوكيل " انتهى. ### || [21.71] # الضمير في قوله { ونجيناه } عائد إلى إبراهيم. قال أبو حيان في ~~البحر المحيط وضمن قوله { ونجيناه } معنى أخرجناه بنجاتنا إلى ~~الأرض. ولذلك تعدى " نجيناه " بإلى. ويحتمل أن يكون " إلى " متعلقا ~~بمحذوف. أي منتهيا إلى الأرض، فيكون في موضع الحال. ولا تضمين في " ~~ونجيناه " على هذا. والأرض التي خرجا منها هي كوثى من ms1786 أرض العراق، ~~والأرض التي خرجا إليها هي أرض الشام ا ه منه. وهذه الآية الكريمة تشير ~~إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فرارا بدينهما. وقد ~~أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع. كقوله في " العنكبوت " # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي # العنكبوت 26 الآية، وقوله في " الصافات " # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # الصافات 99 على أظهر القولين. لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار. وقال ~~القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى { وقال إني ذاهب إلى ~~ربي سيهدين } هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة، وأول من فعل ذلك ~~إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار قال { إني ذاهب ~~إلى ربي } أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ~~ربي # فإنه سيهدين # الزخرف 27 فيما نويت إلى الصواب. وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك ~~العالمين في الأرض المذكورة، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية ~~بقوله { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } ~~بينه في غير الموضع. كقوله # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها # الأنبياء 81 الآية، وقوله تعالى # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # الإسراء 1 الآية. ومعنى كونه بارك فيها. هو ما جعل فيها من الخصب ~~والأشجار والأنهار والثمار. كما قال تعالى # لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض # الأعراف 96 ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها. وقال بعض أهل العلم ومن ~~ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس. وجاء في ~~ذلك حديث مرفوع، والظاهر أنه لا يصح. وفي قوله تعالى { إلى الأرض ~~التي باركنا فيها } الأنبياء 71 أقوال أخر تركناها لضعفها في ~~نظرنا. وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر ~~إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه واجب. وهذا النوع من ~~الهجرة وجوبه باق بلا خلاف ms1787 بين العلماء في ذلك. ### || [21.72] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق، وابن ~~ابنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأنه جعل الجميع صالحين. وقد أوضح ~~البشارة بهما في غير هذا الموضع، كقوله تعالى # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # هود 71، وقوله # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # الصافات 112. وقد أشار تعالى في سورة " مريم " إلى أنه لما هجر الوطن ~~والأقارب عوضه الله من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة، وذلك في قوله # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا # مريم 49. وقوله في هذه الآية الكريمة { نافلة } قال فيه ابن كثير ~~قال عطاء ومجاهد نافلة عطية. وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة ~~النافلة ولد الولد، يعني أن يعقوب ولد إسحاق. قال مقيده عفا الله عنه ~~وغفر له أصل النافلة في اللغة الزيادة على الأصل، ومنه النوافل في ~~العبادات، لأنها زيادات على الأصل الذي هو الفرض. وولد الولد زيادة على ~~الأصل، الذي هو ولد الصلب، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي # فإن تك أنثى من معد كريمة علينا فقد أعطيت نافلة الفضل # أي أعطيت الفضل عليها والزيادة علينا، كما هو التحقيق في معنى بيت أبي ~~ذؤيب هذا، وكما شرحه به أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرحه لأشعار ~~الهذليين. وبه تعلم أن إيراد صاحب اللسان بيت أبي ذؤيب المذكور مستشهدا ~~به لأن النافلة الغنيمة غير صواب، بل هو غلط. مع أن الأنفال التي هي ~~الغنائم راجعة في المعنى إلى معنى الزيادة، لأنها زيادة تكريم أكرم الله ~~بها هذا النبي الكريم فأحلها له ولأمته. أو لأن الأموال المغنومة أموال ~~أخذوها زيادة على أموالهم الأصلية بلا تمن. وقوله { نافلة } فيه ~~وجهان من الإعراب، فعلى قول من قال النافلة العطية فهو ما ناب عن ~~المطلق من " وهبنا " أي وهبنا له إسحاق ويعقوب هبة. وعليه فالنافلة ~~مصدر جاء بصيغة اسم الفاعل كالعاقبة والعافية. وعلى أن النافلة بمعنى ~~الزيادة فهو حال من ms1788 " يعقوب " أي وهبنا له يعقوب في حال كونه زيادة ~~على إسحاق. ### || [21.73] # الضمير في قوله { جعلناهم } يشمل كل المذكورين إبراهيم، ولوطا ~~وإسحاق، ويعقوب، كما جزم به أبو حيان في البحر المحيط، وهو الظاهر. وقد ~~دلت هذه الآية الكريمة على أن الله جعل إسحاق ويعقوب من الأئمة، أي جعلهم ~~رؤساء في الدين يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات وقوله " بأمرنا ~~" أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي، أو يهدون الناس إلى ديننا ~~بأمرنا إياهم، بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد. وهذه الآية الكريمة ~~تبين أن طلب إبراهيم الإمامة لذريته المذكور في سورة " البقرة " أجابه ~~الله فيه بالنسبة إلى بعض ذريته دون بعضها، وضابط ذلك أن الظالمين من ~~ذريته لا ينالون الإمامة بخلاف غيرهم. كإسحاق ويعقوب فإنهم ينالونها كما ~~صرح به تعالى في قوله هنا { وجعلناهم أئمة }. وطلب إبراهيم ~~هو المذكور في قوله تعالى # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # البقرة 124. فقوله { ومن ذريتي } أي واجعل من ذريتي أئمة يقتدى ~~بهم في الخير. فأجابه الله بقوله { لا ينال عهدي الظالمين } ~~أي لا ينال الظالمين عهدي بالإمامة. على الأصوب. ومفهوم قوله { ~~الظالمين } أن غيرهم يناله عهده بالإمامة، كما صرح به هنا. وهذا ~~التفصيل المذكور في ذرية إبراهيم أشار له تعالى في " الصافات " بقوله # ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # الصافات 113 وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأوحينآ ~~إليهم فعل الخيرات } الأنبياء 73 أي أن يفعلوا الطاعات، ~~ويأمروا الناس بفعلها. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من جملة الخيرات، فهو ~~من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مرارا النكتة البلاغية المسوغة ~~للإطناب في عطف الخاص على العام. وعكسه في القرآن. فأغنى ذلك عن إعادته ~~هنا. وقوله { وكانوا لنا عابدين } الأنبياء 73 أي مطيعين ~~باجتناب النواهي وامتثال الأوامر بإخلاص. فهم يفعلون ما يأمرون الناس به، ~~ويجتنبون ما ينهونهم عنه. كما قال نبي الله شعيب # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # هود ms1789 88 الآية. وقوله { أئمة } معلوم أنه جمع إمام، والإمام هو ~~المقتدى به، ويطلق في الخير كما هنا، وفي الشر كما في قوله # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # القصص 41 الآية. وما ظنه الزمخشري من الإشكال في هذه الآية ليس بواقع ~~كما نبه عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { وإقام الصلاة } الأنبياء 73 لم تعوض هنا تاء عن العين ~~الساقطة بالاعتلال على القاعدة التصريفية المشهورة. لأن عدم تعويضها عنه ~~جائز كما هنا، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله # ...... وألف بالإفعال واستفعال أزل لذا الإعلال والتا الزم عوض ~~وحذفها بالنقل ربما عرض # وقد أشار في أبنية المصادر إلى أن تعويض التاء المذكورة من العين هو ~~الغالب بقوله # واستعذ استعاذة ثم أقم إقامة وغالبا ذا التا لزم # وما ذكرناه من أن التاء المذكورة عوض عن العين أجود من قول من قال إن ~~العين باقية وهي الألف الباقية، وأن التاء عوض عن ألف الإفعال. ### || [21.74-75] # قوله { ولوطا } منصوب بفعل مضمر وجوبا يفسر { آتيناه } كما قال ~~في الخلاصة # فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا # قال القرطبي في تفسير هذه الآية الحكم النبوة. والعلم المعرفة بأمر ~~الدين، وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل علما فهما. وقال الزمخشري ~~حكما حكمة، وهو ما يجب فعله، أو فصلا بين الخصوم، وقيل هو النبوة. قال ~~مقيده عفا الله عنه أصل الحكم في اللغة المنع كما هو معروف. فمعنى الآيات ~~أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها ~~الخلل. والقرية التي كانت تعمل الخبائث هي سدوم وأعمالها، والخبائث التي ~~كانت تعملها جاءت موضحة في آيات من كتاب الله منها اللواط، وأنهم هم أول ~~من فعله من الناس، كما قال تعالى # أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين # الأعراف 80، وقال # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # الشعراء 165-166. ومن الخبائث المذكورة إتيانهم المنكر في ms1790 ناديهم، ~~وقطعهم الطريق، كما قال تعالى # أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر # العنكبوت 29 الآية. ومن أعظم خبائثهم تكذيب نبي الله لوط وتهديدهم له ~~بالإخراج من الوطن. كما قال تعالى عنهم # قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين # الشعراء 167، وقال تعالى # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # النمل 56 إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله في مواضع متعددة من كتابه ~~أنه أهلكهم فقلب بهم بلدهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، كما قال تعالى # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # الحجر 74 والآيات بنحو ذلك كثيرة. والخبائث جمع خبيثة، وهي الفعلة ~~السيئة كالكفر واللواط وما جرى مجرى ذلك. وقوله { قوم سوء } أي ~~أصحاب عمل سيئ، ولهم عند الله جزاء يسوءهم وقوله { فاسقين } أي ~~خارجين عن طاعة الله. وقوله { وأدخلناه } يعني لوطا { في ~~رحمتنآ } شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في ~~رحمته التي هي الجنة، كما في الحديث الصحيح # " تحاجت النار والجنة " # الحديث. وفيه # " فقال للجنة أنت رحمتي أرحم بها من أشاء من عبادي ". ### || [21.76-77] # قوله { ونوحا } منصوب ب " اذكر " مقدرا، أي واذكر نوحا حين نادى ~~من قبل، أي من قبل إبراهيم ومن ذكر معه. ونداء نوح هذا المذكور هنا هو ~~المذكور في قوله تعالى # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم ~~الباقين # الصافات 75-77 وقد أوضح الله هذا النداء بقوله # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا ~~إلا فاجرا كفارا # نوح 26-27، وقوله تعالى # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ~~ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # القمر 9-11 الآية. والمراد بالكرب العظيم في الآية الغرق بالطوفان الذي ~~تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام، كما قال تعالى # وهي تجري بهم في موج كالجبال # هود 42، وقال تعالى # فأنجيناه وأصحاب السفينة # العنكبوت ms1791 15 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والكرب هو أقصى الغم، والأخذ ~~بالنفس. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فنجيناه وأهله } ~~الأنبياء 76 يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة ~~الهالكين، كما قال تعالى # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول # هود 40 الآية. ومن سبق عليه القول منهم ابنه المذكور في قوله # وحال بينهما الموج فكان من المغرقين # هود 43 وامرأته المذكورة في قوله # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح # التحريم 10 إلى قوله # وقيل ادخلا النار مع الداخلين # التحريم 10 ### || [21.78-79] # قوله تعالى { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما }. ~~قوله تعالى { وداوود } منصوب ب " اذكر " مقدرا. وقيل معطوف قوله # ونوحا إذ نادى من قبل # الأنبياء 76 أي واذكر نوحا إذ نادى من قبل { وداوود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث } الآية، وقوله { إذ } بدل من " ~~داود وسليمان " بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة " مريم " وذكرنا ~~بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع ~~البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ويكون في نفس ~~الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة ~~من ذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا إن حكم داود ~~وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي إلا أن ما أوحى سليمان ~~كان ناسخا لما أوحى إلى داود. وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان ~~باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده، وإصابته، وأن ~~داود لم يصب فاستحق لاثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم ~~إصابته. كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله { ففهمناها ~~سليمان } ، وأثنى عليهما في قوله { وكلا آتينا حكما ~~وعلما } فدل قوله { إذ يحكمان } على أنهما حكما فيها معا، كل ~~منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا ms1792 لما ساغ الخلاف. ثم قال { ~~ففهمناها سليمان } فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان ~~حكمه فيها بوحي لكان مفهما إياها كما ترى. فقوله { إذ يحكمان } ~~مع قوله { ففهمناها سليمان } قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي ~~بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك. والقرينة ~~الثانية هي أن قوله تعالى { ففهمناها } الآية يدل على أنه فهمه ~~إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع. لا أنه أنزل عليه فيها وحيا ~~جديدا ناسخا. لأن قوله تعالى { ففهمناها } أليق بالأول من ~~الثاني، كما ترى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى اعلم ~~أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية من أنهما حكما فيها ~~باجتهاد، وأن سليمان أصاب في اجتهاده جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله ~~منهما في غير هذه المسألة. فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة، وقد دلت ~~القرينة القرآنية على وقوعه، قال البخاري في صحيحه باب إذا ادعت المرأة ~~ابنا حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، ~~فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى إنما ذهب ~~بابنك. فتحاكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى به ~~للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام، ~~فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما. ~~فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فقضى ~~به للصغرى. قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين ~~قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية " # انتهى من صحيح البخاري. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثني زهير ~~بن حرب، حدثني شبابة " حدثني ورقاء عن أبي الزناد، عن ~~الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن احداهما. ~~فقالت هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى ~~إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى. ~~فخرجتا على ms1793 سليمان بن داود عليهما السلام. فأخبرتاه فقال ~~ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا يرحمك الله " # انتهى منه فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معا ~~بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان أصاب في ذلك، إذ لو كان قضاء ~~داود بوحي لما جاز نقضه بحال. وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي، لأنه أوهم ~~المرأتين أنه يشقه بالسكين، ليعرف أمه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة ~~برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة لعرف الحق بذلك. وهذا شبيه جدا بما ~~دلت عليه الآية حسبما ذكرنا، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه. ومما ~~يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ~~ترجمة " سليمان " عليه السلام من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن ~~صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، وعن سعيد بن بشر، عن قتادة عن مجاهد ~~عن ابن عباس فذكر قصة مطولة، ملخصها أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل ~~راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما ~~بينهم عليها. فشهدوا عند داود عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلبا لها، ~~قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان، ~~واجتمع معه ولدان مثله. فانتصب حاكما وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر ~~بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا، فقال سليمان فرقوا ~~بينهم. فسأل أولهم ما كان لون الكلب؟ فقال أسود، فعزله. واستدعى الآخر ~~فسأله عن لونه؟ فقال أحمر. وقال الآخر أغبش. وقال الآخر أبيض، فأمر عند ~~ذلك بقتلهم، فحكى ذلك لداود عليه السلام، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة ~~فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم انتهى ~~بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة. # وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الآية، لدلالة القرينة القرآنية ~~عليه. وممن فسرها بذلك الحسن البصري رحمه الله كما ذكره البخاري وغيره ~~عنه. قال البخاري رحمه الله في صحيحه باب متى يستوجب الرجل القضاء ms1794 وقال ~~الحسن أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس، ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا إلى أن قال وقرأ { وداوود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } الأنبياء 78-79 فحمد ~~سليمان ولم يلم داود. ولولا ما ذكره الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة ~~هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده انتهى محل الغرض ~~منه. وبه تعلم أن الحسن رحمه الله يرى أن معنى الآية الكريمة كما ذكرنا، ~~ويزيد هذا إيضاحا ما قدمناه في سورة " بني إسرائيل " من الحديث المتفق ~~عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة ~~رضي الله عنهما # " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ ~~فله أجر " # كما قدمنا إيضاحه. المسألة الثانية اعلم أن الاجتهاد في الأحكام في ~~الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة؟ منها هذا الذي ذكرنا هنا. وقد ~~قدمنا في سورة بني " اسرائيل " طرفا من ذلك، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه ~~السورة الكريمة، وسورة " الحشر " وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه ~~السورة الكريمة. وقد علمت مما مر في سورة " بني إسرائيل " أنا ذكرنا ~~طرفا من الأدلة على الاجتهاد فبينا إجماع العلماء على العمل بنوع ~~الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه الشافعي القياس في ~~معنى الاصل، وهو تنقيح المناط. وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر، وبينا ~~الإجماع أيضا على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط، وأنه لا ~~ينكره إلا مكابر، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة، وذكرنا أحاديث دالة ~~على الاجتهاد، منها الحديث المتفق عليه المتقدم ومنها حديث معاذ حين بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقد وعدنا بأن نذكر طرقه هنا إلى ~~آخر ما ذكرنا هناك. اعلم أن جميع روايات هذا الحديث في المسند والسنن، ~~كلها من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ms1795 ~~عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما ~~الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقا عن ابن قدامة روضة الناظر أن ~~عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، فهذا الإسناد وإن كان ~~متصلا ورجاله معروفون بالثقة، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه ~~الطريق، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن ~~أبي بكر الخطيب بلفظ وقد قيل، إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، ~~عن معاذ ا ه منه. # ولفظة " قيل " صيغة تمريض كما هو معروف. وإلا ما ذكره ابن كثير في ~~تاريخه، فإنه لما ذكر فيه حديث معاذ المذكور باللفظ الذي ذكرنا بالإسناد ~~الذي أخرجه به الإمام أحمد قال وأخرجه أبو داود، والترمذي من حديث شعبة ~~به. وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. ثم ~~قال ابن كثير وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن ~~سعيد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين، عن عبادة بن نسي عن عبدالرحمن عن ~~معاذ به نحوه. واعلم أن النسخة الموجودة بأيدينا من تاريخ ابن كثير التي ~~هي من الطبعة الأولى سنة 1351 فيها تحريف مطبعي في الكلام الذي ذكرنا. ~~ففيها محمد بن سعد بن حسان، والصواب محمد بن سعيد لا سعد. وفيها عن عياذ ~~بن بشر، والصواب عن عبادة بن نسي. وما ذكره ابن كثير رحمه الله من إخراج ~~ابن ماجه لحديث معاذ المذكور من طريق محمد بن سعيد المصلوب، عن عبادة ~~نسي، عن بعدالرحمن وهو ابن غنم عن معاذ لم أره في سنن ابن ماجه، والذي في ~~سنن ابن ماجه بالإسناد المذكور من حديث معاذ غير المتن المذكور، وهذا ~~لفظه حدثنا الحسن بن حماد سجادة، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن ~~سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، حدثنا معاذ بن جبل ~~قال بعثني ms1796 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال # " لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو ~~تكتب إلي فيه " # ا ه منه. وما أدري أوهم الحافظ ابن كثير فيما ذكر؟ أو هو يعتقد أن معنى ~~" تبيينه " في الحديث أي تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص، فيرجع ~~إلى معنى الحديث المذكور وعلى كل حال فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن ~~نسي عن ابن غنم عن معاذ فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله ~~أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه. وقال أحمد بن صالح وضع أربعة آلاف ~~حديث. فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا سنة ~~رسول الله صلى الله لعيه وسلم اجتهد فيها رأيه. وأقره النبي صلى الله ~~لعيه وسلم على ذلك في الطريقتين المذكورتين علمت وجه تضعيف الحديث ممن ~~ضعفه، وأنه يقول طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه ~~صحيح إليه. # والطرق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث بن أخي المغيرة وهو ~~مجهول، والرواة فيها أيضا عن معاذ مجاهيل. فمن أين قلتم بصحتها؟ وقد ~~قدمنا أن ابن كثير رحمه الله قال في مقدمة تفسيره إن الطريقة المذكورة في ~~المسند والسنن بإسناد جيد. وقلنا لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة، وقد ~~وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم. قال مقيده ~~عفا الله عنه وغفر له ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد ما ~~قاله العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، قال فيه وقد أقر ~~النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا ~~عن الله ورسوله، فقال شعبة حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو، # " عن أناس من أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى ~~اليمن قال ms1797 " كيف تصنع إن عرض لك قضاء "؟ قال أقضي بما في كتاب الله. قال ~~" فإن لم يكن في كتاب الله "؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال " فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم "؟ قال أجتهد رأي، ~~لا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال " الحمد لله الذي ~~وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " " # هذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك. لأنه يدل ~~على شهرة الحديث. وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ ~~لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي، كيف ~~وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا ~~يعرف في أصحابه منهم ولا كذاب، ولا مجروح. بل أصحابه من أفاضل المسلمين ~~وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا ~~الحديث؟؟ وقال بعض أئمة الحديث إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك ~~به. قال أبو بكر الخطيب وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن ~~غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم ~~قد نقلوه، واحتجوا به. فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا بذلك على ~~صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا وصية لوارث " # وقوله في البحر # " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " # وقوله # " إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع " # ، وقوله # " الدية على العاقلة " # . وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة ~~عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها. فكذلك حديث معاذ لما ~~احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له انتهى منه. وحديث عمرو بن ~~العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا، وله شواهد غير ~~ذلك ستراها إن شاء الله تعالى. المسألة ms1798 الثالثة اعلم أن الاجتهاد الذي ~~دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة منها الاجتهاد في تحقيق المناط، وقد ~~قدمنا كثيرا من أمثلته في " الإسراء ". ومنها الاجتهاد في تنقيح المناط، ~~ومن أنواعه السبر، والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق. واعلم أن الاجتهاد ~~بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان الأول الإلحاق بنفي الفارق، وهو ~~قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفا. ويسمى عند الشافعي القياس في معنى ~~الأصل، وهو بعينه مفهوم الموافقة. ويسمى أيضا القياس الجلي. والثاني من ~~نوعي الإلحاق هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول. أما ~~القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين ~~الأصل والفرع وهو العلة. بل يقال فيه لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا ~~المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم البتة فهو مثله في الحكم. وأقسامه ~~أربعة لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويا للمنطق به في الحكم، أو أولى ~~به منه، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعا به أو ~~مظنونا. فالمجموع أربعة الأول منها أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم ~~من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق كقوله تعالى # فلا تقل لهمآ أف # الإسراء 23 فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف ~~المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وكقوله تعالى # وأشهدوا ذوى عدل منكم # الطلاق 2 فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من ~~المنطوق به وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق. والثاني منها أن ~~يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضا، إلا أن نفي الفارق ~~بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا مزاحما لليقين. ومثاله نهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء. فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها ~~أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أن نفي ~~الفارق بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا. لأن علة النهي عن ~~التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتا وثمنا وقيمة، وهذا هو الظاهر. وعليه ~~فالعمياء أنقص منها ذاتا ms1799 وقيمة. وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع ~~بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء أن العور ~~مظنة الهزال. # لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي لأنها لا ترى ~~إلا ما يقابل عينا واحدة، ونقص الرعي مظنة للهزال. وعلى هذا الوجه ~~فالعمياء ليست كالعوراء. لأن العمياء يختار لها أحسن العلف. فيكون ذلك ~~مظنة لسمنها. والثالث منها أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في ~~الحكم مع القطع بنفي الفارق. كقوله تعالى # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # النساء 10 الآية. فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل ~~المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي ~~الفارق. والرابع منها أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم ~~أيضا إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا مزاحما لليقين، ومثاله ~~الحديث الصحيح # " من أعتق شركا له في عبد... " # الحديث المتقدم في " الإسراء والكهف " فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض ~~الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق ~~المبينة في الحديث المتقدم مرارا. إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا ~~قويا، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط ~~بهما حكم من أحكام العتق. كما قدمناه مستوفى في سورة " مريم " وهناك ~~احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع ~~نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصا له بذلك الحكم دون ~~الأنثى. لأن عتق الذكر تيرتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق ~~الأنثى، كالجهاد والإمامة والقضاء. ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور ~~دون الإناث. وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق ~~في سورة " بني إسرائيل ". وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق فهو ~~القياس المعروف في الأصول، وهو المعروف بقياس التمثيل. وسنعرفه هنا لغة ~~واصطلاحا، ونذكر أقسامه، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن ~~اعلم أن ms1800 القياس في اللغة التقدير والتسوية. يقال قاس الثوب بالذراع، وقاس ~~الجرح بالميل بالكسر وهو المرود إذا قدر عمقه به ولهذا سمي الميل ~~مقياسا، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة # إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيا هزومها # فقوله " قاسها " يعني قدر عمقها بالميل. والآسي الطبيب، والنطاسي بكسر ~~النون وفتحها الماهر بالطب والغثيثة بثائين مثلثتين مدة الجرح وقيحه، وما ~~فيه من لحم ميت. والوهي التخرق والتشقق. والهزوم غمز الشيء باليد فيصير ~~فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد. وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل ~~الأصول كثرت فيه عبارات الأصوليين، مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له. ~~واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه حمل معلوم على معلوم. # أي إلحاقه به في حكمه لمساواته له في علة الحكم. وهذا التعريف إنما يشمل ~~القياس الصحيح دون الفاسد. والتعريف الشامل للفاسد هو أن تزيد على تعريف ~~الصحيح لفظة عند الحامل. فتقول هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في ~~علة الحكم عند الحامل، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح، كما أشار إليه ~~صاحب مراقي السعود بقوله معرفا للقياس # بحمل معلوم على ما قد علم للاستوا في علة الحكم وسم وإن ترد شموله ~~لما فسد فزد لدى الحامل والزيد أسد # ومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة وهي الأصل المقيس عليه، والفرع ~~المقيس، والعلة الجامعة بينهما، وحكم الأصل المقيس عليه. فلو قسنا ~~النبيذ على الخمر فالأصل الخمر، والفرع النبيذ، والعلة الإسكار، ~~وحكم الأصل الذي هو الخمر التحريم. وشروط هذه الأركان الأربعة، والبحث ~~فيها مستوفى في أصول الفقه، فلا نطيل به الكلام هنا. واعلم أن القياس ~~المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام الأول ~~ قياس العلة. والثاني قياس الدلالة. والثالث قياس الشبه. أما قياس ~~العلة فضابطه أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، فالجمع بين ~~النبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار. والقصد مطلق التمثيل، لأنا ~~قد قدمنا أن قياس النبيذ على الخمر لا يصح، لوجود النص ms1801 على أن # " كل مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام " # والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل، إلا أن ~~المثال يصح بالتقدير والفرض ومطلق الاحتمال كما تقدم. وكالجمع بين البر ~~والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلا عند من يقول بذلك، وإلى هذا أشار ~~في المراقي بقوله # وما بذات علة قد جمعا فيه فقيس علة قد سمعا # وأما قياس الدلالة فضابطه أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، ~~كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها. فمثال الجمع ~~بملزوم العلة أن يقال النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ~~ملزوم للإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجودها الإسكار. ومثال الجمع بأثر ~~العلة أن يقال القتلى بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم، وهو ~~أثر العلة وهي للقتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال تقطع ~~الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان ~~غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل ~~منهم في الثانية. وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود ~~بقوله # جامع ذي الدلالة الذي لزم فأثر فحكمها كما رسم # وقوله " الذي لزم " بالبناء للفاعل يعني اللازم، وتعبيره هنا باللازم ~~تبعا لغيره غلط منه رحمه الله، وممن تبعه هو لأن وجود اللازم لا يكون ~~دليلا على وجود الملزوم بإطباق العقلاء. # لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص ~~كما هو معروف. ولذا أجمع النظار على استثناء عين التالي في الشرطي المتصل ~~لا ينتج عين المقدم. لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. والصواب ما ~~مثلنا به من الجمع بملزوم العلة، لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود ~~اللام كما هو معروف. فالشدة المطربة والإسكار متلازمان، ودلالة الشدة ~~المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم، لما عرفت من ~~أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزم. واقتضاؤه له هنا ms1802 إنما هو للملازمة ~~بين الطرفين. لأن كلا منهما لازم للآخر وملزوم له للملازمة بينهما من ~~الطرفين. وأما قياس الشبه فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. فعرف ~~بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد. وعرفه بعضهم بأنه المناسب ~~بالتبع لا بالذات. ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب. ~~قال مقيده عفا الله عنه وغفر له عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو ~~المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية، كلها تدور حول شيء ~~واحد، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه، ويشبه ~~الوصف الطردي من جهة أخرى. وقد قدمنا في سورة " مريم " أن المناسب هو ~~الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر، والطردي هو ~~ما ليس كذلك، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها ولا خلاف بين أهل الأصول ~~في أن ما يسمى بغلبة الأشباه لا يخرج عن قياس الشبه. لأن بعضهم يقول إنه ~~داخل فيه، وهو الظاهر. وبعضهم يقول هو بعينه لا شيء آخر. وغلبة الأشباه ~~هي إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبها به. كالعبد فإنه متردد بين ~~أصلين لشبهه بكل واحد منهما. فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ~~ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال. ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ~~ويطلق ويثاب ويعاقب، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه. وأكثر أهل العلم يقولون ~~إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر. لأنه يشبه المال في الحكم والصفة ~~معا أكثر مما يشبه الحر فيهما. فمن شبهه بالمال في الحكم كونه يباع ~~ويشترى ويورث، ويوهب ويعار، ويدفع في الصداق والخلع، ويرهن إلى غير ذلك ~~من التصرفات المالية. ومن شبهه بالمال في الصفة كونه تتفاوت قيمته بحسب ~~تفاوت أوصافه جودة ورداءة. كسائر الأموال. فلو قتل إنسان عبدا لآخر ~~لزمته قيمته نظرا إلى أن شبهه بالمال أغلب. وقال بعض أهل العلم تلزمه ~~ديته كالحر زعما منه أن شبهه بالحر أغلب، فإن قيل بأي طريق يكون هذا ~~النوع الذي هو ms1803 غلبة الأشباه من الشبه. # لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي، فما وجه كونه مرتبة بين ~~المناسب والطردي؟ فالجواب أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ~~ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية، لأن كونه كالمال ~~ليس صالحا لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ~~ككونه مخاطبا يثاب ويعاقب إلخ. فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة لأن ~~كونه كالحر ليس صالحا لأن يناط به لزوم القيمة، فهو من هذه الحيثية يشبه ~~الطردي كما ترى. أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو ~~مناسب كما ترى. وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب، ~~وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي. ومن أمثلة أنواع ~~الشبه غير غلبة الأشباه الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته، ~~ولكنه يستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس ~~الحكم القريب. كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا يرفع به ~~الحدث، ولا حكم الخبث قياسا على الدهن. فقولك " لا تبنى القنطرة على ~~جنسه " ليس مناسبا في ذاته. لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف ~~طردي إلا أنه مستلزم للمناسب لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على ~~المائع القليل، بل على الكثير كالأنهار، والقلة مناسبة، لعدم مشروعية ~~المتصف بها من المائعات للطهارة العامة. فإن الشرع العام يقتضي أن تكون ~~أسبابه عامة الوجود. أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من ~~القواعد. فصار قولك " لا تبنى القنطرة على جنسه " ليس بمناسب، وهو مستلزم ~~للمناسب. وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية ~~الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر ~~بالطهارة به وينتقل إلى التيمم. وأما الشبه الصوري فقد قدمنا الكلام ~~عليه مستوفى في سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا ~~للشاربين # النحل 66 ms1804 وقد قدمنا في أول سورة " براءة " كلام ابن العربي الذي قال فيه ~~ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس النسبة عند عدم ~~النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة " الأنفال " فألحقوها بها، فإذا ~~كان القياس يدخل في تأليف القرآن فما ظنك بسائر الأحكام؟ وإلى الشبه ~~المذكور أشار في مراقي السعود بقوله # والشبه المستلزم المناسبا مثل الوضو يستلزم التقربا مع اعتبار جنسه ~~القريب في مثله للحكم لا للغريب صلاحه لم يدر دون الشرع ولم ينط ~~مناسب بالسمع وحيثما أمكن قيس العلة فتركه بالاتفاق أثبت إلا ففي ~~قبوله تردد غلبة الأشباه هو الأجود في الحكم والصفة ثم الحكم فصفة ~~فقط لدى ذي العلم وابن علية يرى للصوري كالقيس للخيل على الحمير # واعلم أن قياس الطرد يصدق بأمرين. لأن الطرد يطلق إطلاقين يطلق على ~~الوصف الطردي الذي لا يصلح لإناطة حكم به لخلوه من الفائدة. كما لو ظن ~~بعض القائلين بنقض الوضوء بلحم الجزور أن علة النقض به الحرارة فألحق به ~~لحم الظبي قائلا إنه ينقض الوضوء قياسا على لحم الجزور بجامع الحرارة. ~~فهذا القياس باطل. لأنه الوصف الجامع فيه طردي. ومثله كل ما كان الوصف ~~الجامع فيه طردنا وهو أحد الأمرين للذين يطلق عليهما قياس الطرد. والأمر ~~الثاني منهما هو القياس الذي الوصف الجامع فيه مستنبطا بالمسلك الثامن ~~المعروف بالطرد وهو الدوران الوجودي، وإيضاحه. أنه مقارنة الحكم للوصف في ~~جميع صوره غير الصورة التي فيها النزاع في الوجود فقط دون العدم. ~~والاختلاف في إفادته العلة معروف في الأصول. واعلم أن القياس وما يتعلق ~~به موضح في فن أصول الفقه والأدلة التي تدل على أن الوصف المعين علة ~~للحكم المعين هي المعروفة بمسالك العلة، وهي عشرة عند من يعد منها إلغاء ~~الفارق، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي النص، والإجماع، والإيماء، ~~والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط، ~~وإلغاء الفارق، والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط كما قدمنا. وقد نظمها ~~بعضهم بقوله # مسالك علة رتب فنص فإجماع فإيماء ms1805 فسبر مناسبة كذا مشبه فيتلو له ~~الدوران طرد يستمر فتنقيح المناط فألغ فرقا وتلك لمن أراد الحصر عشر # ومحل إيضاحها فن أصول الفقه، وقد أوضحناها في غير هذا المحل. وأما ~~القوادح في الدليل من قياس وغيره، فهي معروفة في فن الأصول وقد نظمها ~~باختصار الشيخ عمر الفاسي بقوله # القدح بالنقض وبالكسر معا نخلف العكس وبالقلب اسمعا وعدم التأثير ~~بالوصف وفي أصل وفرع ثم حكم فاقتفي والمنع والفرق وبالتقسيم ~~وباختلاف الضابط المعلوم وفقد الانضباط والظهور والخدش في تناسب ~~المذكور وكون ذاك الحكم لا يفضي إلى مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا ~~والخدش في الوضع والاعتبار والقول بالموجب ذو اعتبار وابدأ باستفسار ~~في الإجمال أو الغرابة بلا إشكال # وإنما لم نوضح هنا المسالك والقوادح. لأن ذلك يفضي إلى ا لإطالة المملة، ~~مع أن الجميع موضح في أصول الفقه، وقد أوضحناه في غير هذا الموضع، وقصدنا ~~هنا التنبيه عليه في الجملة من غير تفصيل. فإذا علمت ذلك فاعلم أن ~~العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى شفى الغليل بما لا مزيد عليه في هذه ~~المسائل في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين وسنذكر هنا إن شاء الله ~~جملا وافية مفيدة من كلامه في هذا الموضوع الذي نحن بصدده. # قال رحمه الله في كلامه على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في رسالته المشهورة إلى أبي موسى ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ~~ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس بين الأمور عند ذلك، واعرف ~~الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق ما نصه ~~هذا أحد ما اعتمد عليه القياسيون في الشريعة، قالوا هذا كتاب عمر إلى أبي ~~موسى ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس وهو ~~أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. وقد أرشد الله تعالى عباده إليه ~~في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في ~~الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلا، والثانية فرعا عليها، وقاس ms1806 حياة ~~الأموات على حياة الأرض بعد موتها بالنبات، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره ~~أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأولى، كما جعل قياس ~~النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى، وقاس الحياة بعد الموت على ~~اليقظة بعد النوم. وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة ~~عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله، فإن الأمثال كلها ~~قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة ~~وأربعين مثلا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم، وقال ~~تعالى # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # العنكبوت 43 بالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله في فطر ~~الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين ~~المختلفين وإنكار الجمع بينهما قالوا ومدار الاستدلال جمعية على التسوية ~~بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين فإنه إما استدلال بمعين على معين، ~~أو بمعين على عام، أو بعام على معين، أو بعام على عام. فهذه الأربعة هي ~~مجامع ضروب الاستدلال. فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال ~~بالملزوم على لازمه، بكل ملزوم دليل على لازمه، فإن كان التلازم من ~~الجانبين كان كل منهما دليلا على الآخر ومدلولا له. وهذا النوع ثلاثة ~~أقسام أحدها الاستدلال بالمؤثر على الأثر، والثاني الاستدلال بالأثر ~~على المؤثر. والثالث الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول ~~كالاستدلال بالنار على الحريق. والثاني كالاستدلال بالحريق على النار. ~~والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان. ومدار ذلك كله على التلازم ~~ولتسوية بين المماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر وقياس ~~الفرق هو استدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء ~~اللازم على انتفاء ملزومه فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق ~~الاستدلال، وغلقت أبوابه. قالوا وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا ~~يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين، إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين ~~دليلا على الأمر العام المشترك بين الأفراد. # ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان ~~أمره، ms1807 على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم، واتصف بصفتهم، وهو ~~سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى ~~العموم، كما قال تعالى عقب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل ~~بهم # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في ~~الزبر # القمر 43 فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا ~~فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية. ولا تمت الحجة. ومثل ~~هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم هود حين رأوا العارض في السماء # قالوا هذا عارض ممطرنا # الأحقاف 24 فقال تعالى # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين # الأحقاف 24-25 ثم قال # ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا ~~لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق به ما كانوا به ~~يستهزئون # الأحقاف 26 فتأمل قوله { ولقد مكناهم فيمآ إن ~~مكناكم فيه } تجد المعنى أن حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد ~~أهلكناهم بمعصية رسولنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش. ~~فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين. وأن هذا محض عدل الله بين عباده. ومن ~~ذلك قوله تعالى # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # محمد 10 فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله. وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه ~~فيه بالسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب، أو السير ~~المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب، فإنه يدل ~~على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك ولهذا أمر سبحانه ~~أولي الأبصار باعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره ~~حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه ~~وحكمته التسوية بين المختلفين في ms1808 الحكم، فقال تعالى # أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون # القلم 35-36 وأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته ~~إليه سبحانه. وقال تعالى # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # الجاثية 12، وقال تعالى # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # ص 28 أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء ~~النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم. # وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره. فقال ~~تعالى # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # الشورى 17، وقال # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # الحديد 25، وقال تعالى # الرحمن علم القرآن # الرحمن 1-2 فهذا الكتاب ثم قال # والسمآء رفعها ووضع الميزان # الرحمن 7 والميزان يراد به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما ~~يضاده. والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله ~~به. فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب ~~الإمكان. بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ~~ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه ~~مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد. فالصحيح هو الميزان الذي أنزله الله مع ~~كتابه، والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما ~~يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقاس الذين قاسوا الميتة على ~~المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح، هذا بسبب من ~~الآدميين، وهذا بفعل الله. ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس، وأنه ليس ~~من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق. كما ~~سنبينه إن شاء الله تعالى. والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة قياس ~~علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقد وردت كلها في القرآن. فأما قياس العلة ~~ فقد جاء في ms1809 كتاب الله عز وجل في مواضع. منها قوله تعالى، # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # آل عمران 59 فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين، بجامع ما يشتركان ~~فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعا ~~لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من ~~غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم. فآدم وعيسى نظيران يجمعهما الذي ~~يصح تعليق الإيجاد والخلق به. ومنها قوله تعالى # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين # آل عمران 137 أي قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم ~~السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم ~~الأصل وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك. ومنها قوله ~~تعالى # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من ~~تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين # الأنعام 6 فذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى ~~القياس وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم ~~الهلاك. # فهذا محض قياس العلة، وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى، وهو أن من قبلنا ~~كانوا أقوى منا فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حل بهم. ومنها قوله تعالى # كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون # التوبة 69 وقد اختلف في محل هذا الكاف وما يتعلق به، فقيل هو رفع خبر ~~مبتدأ محذوف، أي أنتم كالذين من قبلكم. وقيل نصب بفعل محذوف تقديره فعلتم ~~كفعل الذين من قبلكم. والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، ~~وقيل التشبيه في العذاب. ثم قيل ms1810 العامل محذوف. أي لعنهم وعذبهم كما لعن ~~ابن من قبلهم. وقيل بل العامل ما تقدم. أي وعد الله المنافقين كوعد الذين ~~من قبلكم، ولعنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم. والمقصود أنه ~~سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد، وسوى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، ~~وكونهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فرق غير مؤثر، فعلق ~~الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى الوصف الفارق، ثم نبه على أن مشاركتهم ~~في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال { فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ~~وخضتم كالذي خاضوا } فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامع، ~~وقوله { أولئك حبطت أعمالهم } هو الحكم، والذين من ~~قبلهم الأصل، والمخاطبون الفرع. قال عبد الرزاق في تفسيره أنا معمر عن ~~الحسن في قوله { فاستمتعوا بخلاقهم } قال بدينهم. ويروى عن ~~أبي هريرة. وقال ابن عباس استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال ~~آخرون بنصيبهم من الدنيا. وحقيقة الأمر أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه ~~الذي خلق للإنسان وقدر له، كما يقال قسمه الذي قسم له، ونصيبه الذي نصب ~~له أي أثبت. وقطه الذي قط له أي قطع، ومنه قوله تعالى # وما له في الآخرة من خلاق # البقرة 200 وقول النبي صلى الله عليه وسلم # " إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في ~~الآخرة " # والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه سبحانه قال # أشد منهم قوة # الروم 9 فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا ~~والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال والأولاد هي ~~الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها ~~بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به. ولو أرادوا بذلك الله والدار ~~الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجل، وهذا ~~حال من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها. ثم ~~ذكر سبحانه حال الفروع فقال # فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم # التوبة 69 فدل هذا على أن حكمهم حكمهم، ms1811 وأنهم ينالهم ما ينالهم، لأن حكم ~~النظير حكم نظيره. # ثم قال # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69. فقيل " الذي " صفة لمصدر محذوف، أي كالمخوض الذي خاضوا وقيل ~~لموصوف محذوف. أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض. وقيل " الذي " ~~مصدرية ك " ما " أي كخوضهم. وقيل هي موضع الذين. والمقصود أنه سبحانه ~~جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل. لأن فساد الدين إما أن ~~يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع بالعمل، بخلاف الحق ~~والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول البدع. والثاني اتباع الهوى، ~~وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب، ودخلت ~~النار وحلت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ~~ولهذا كان السلف يقولون احذروا من الناس صنفين صاحب هوى فتنة هواه، وصابح ~~دنيا أعجبته دنياه! وكانوا يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد ~~الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين ~~يعملون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. ~~وفي صفة الإمام رحمه الله عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان ~~أشبهه! أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين، الذين ~~وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # السجدة 24 فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # العصر 3، وقوله تعالى # واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار # ص 45. وفي بعض المراسيل " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ~~ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. فقوله تعالى # فاستمتعتم بخلاقكم # التوبة 69 إشارة إلى اتباع الشهوات، وهوداء العصاة. وقوله # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69 إشارة إلى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، ~~وكثيرا ما يجتمعان. فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر ~~في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما ~~استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأن لهم من الذم والوعيد ms1812 ~~كما للذين من قبلهم، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ~~والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # التوبة 70 فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لما علق عليه من الحكم، وأن ~~الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم ~~بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإذا لم يتعذر على ~~الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه. ومنه قوله ~~تعالى # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين # الأنعام 133. فهذا قياس جلي، يقول سبحانه إن شئت أذهبتكم واستخلفت ~~غيركم، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم، بذكر أركان القياس ألأربعة علة ~~الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم، ~~والأصل وهو ما كان من قبل والفرع وهم المخاطبون، ومنه قوله تعالى # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين # يونس 39 فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به، والفرع نفوسهم. فإذا ~~ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة، ومنه قوله تعالى # إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ ~~أرسلنآ إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا # المزمل 15-16 فأخبر سبحانه أنه أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى ~~رسوله فأخذه أخذا وبيلا. فهكذا من عصى منكم محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا في القرآن كثير جدا فقد فتح لك بابه. فصل وأما قياس الدلالة فهو ~~الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلة وملزومها، ومنه قوله تعالى # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # فصلت 39 فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه، ~~على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك ms1813 قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء ~~فنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض ~~دليل العلة، ومنه قوله تعالى # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # الروم 19. فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر جدا بلفظ ~~الإخراج، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت ~~من الحي، ومنه قوله تعالى # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى # القيامة 36-40 فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم ~~إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما ~~شاء، ونبه سبحانه عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، ~~وسوقها في مراتب الكمال، من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرا ~~سويا في أحسن خلقة وتقويم، على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى ~~مهملا معطلا. لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في ~~مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا، فكذلك يسوقه في ~~مراتب كماله طبقا بعد طبق، وحالا بعد حال، إلى أن يصير جاره في داره ~~يتمتع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه إلى آخر كلام ابن ~~القيم رحمه الله تعالى، فإنه أطال في ذكر الأمثلة على النحو المذكور، ولم ~~نذكر جميع كلامه خوفا من الإطالة المملة، وفيما ذكرنا من كلامه تنبيه ~~على ما لم نذكره، وقد تكلم على قياس الشبه فقال فيه وأما قياس الشبه فلم ~~يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين. # فمنه قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في ~~رحل أخيهم. # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # يوسف 77 فلم يجمعوا بين الفرع والأصل بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا ~~بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه ms1814 الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا ~~هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة، وذلك قد سرق فكذلك هذا، ~~وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية ~~للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الإخوة ليس بعلة للتساوي في ~~السرقة لو كان حقا ولا دليل على التساوي فيها فيكون الجمع لنوع شبه خال ~~من العلة ودليلها. ثم ذكر رحمه الله لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في ~~الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر، ~~وزعموا أن ذلك الشبه مانع من رسالتهم. كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا # ما نراك إلا بشرا مثلنا # هود 27، وقوله تعالى عنهم # ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ~~منه # المؤمنون 33 الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فالمشابهة بين الرسل وغيرهم ~~في كون الجميع بشرا لا تقتضي المساواة بينهم في انتفاء الرسالة عنهم ~~جميعا، ولما قالوا للرسل # مآ أنتم إلا بشر مثلنا # يس 15 أجابوهم بقولهم # إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشآء من عباده # إبراهيم 11. وقياس الكفار الرسل على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ~~ظاهر البطلان. لأن الواقع من التخصيص والتفضيل، وجعل بعض البشر شريفا ~~وبعضه دنيا وبعضه مرؤوسا وبعضه رئيسا وبعضه ملكا. وبعضه سوقا يبطل ~~هذا القياس. كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفا، يشير إليه قوله ~~تعالى # أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ~~ربك خير مما يجمعون # الزخرف 32 وهذه الأمثلة من قياس الشبه ليس فيها وصف مناسب بالذات ولا ~~بالتبع. فلذلك كانت باطلة. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله أن جميع الأمثال ~~في القرآن كلها قياسات شبه صحيحة. لأن حقيقة المثل تشبيه شيء بشيء في ~~حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار ~~أحدهما بالآخر. ثم سرد الأمثال القرآنية ذلك فيها واحدا واحدا، وأطال ~~الكلام في ذلك فأجاد وأفاد. وقال ms1815 في آخر كلامه قالوا فهذا بعض ما اشتمل ~~عليه القرآن من التمثيل والقياس، والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني ~~وارتباطها بأحكامها تأثيرا واستدلالا. # قالوا وقد ضرب الله سبحانه الامثال، وصرفها قدرا وشرعا، ويقظة ~~ومناما، ودل عباده على الاعتبار بذلك. وعبورهم من الشيء إلى نظيره، ~~واستدلالهم بالنظير على النظير. بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من ~~أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحي. فإنها مبنية على القياس والتمثيل، ~~واعتبار المعقول بالمحسوس. ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على ~~الدين! فما كان فيها من طول أو قصر، أو نظافة أو دنس فهو في الدين. كما ~~أول النبي صلى الله عليه وسلم القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك ~~بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس. ومن هذا التأويل اللبن ~~بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن ~~الطفل إذا خلى وفطرته لم يعدل عن اللبن. فهو مفطور على إيثاره على ما ~~سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس. ومن هذا تأويل ~~البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض، كما أن البقر كذلك، مع ~~عدم شرها وكثرة خيرها، وحاجة الأرض وأهلها إليها. ولهذا لما رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقرا تنحر كان ذلك نحرا في أصحابه. ومن ذلك تأويل ~~الزرع والحرث بالعمل. لأن العامل زارع للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما ~~بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة، والأعمال البذر، ويوم ~~القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده. ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند ~~بالمنافقين، والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو ~~بمنزلة الخشب الذي هو كذلك. ولهذا شبه تعالى المنافقين بالخشب المسندة. ~~لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندة نكتة أخرى وهي أن ~~الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما ~~دام متروكا فارغا غير منتفع به جعل مسندا بعضه إلى بعض. فشبه ~~المنافقين بالخشب في ms1816 الحالة التي لا ينتفع فيها بها إلى آخر كلامه رحمه ~~الله. وقد ذكر أشياء كثيرة من عبارة الرؤيا فأجاد وأفاد رحمه الله، وكلها ~~راجعة إلى اعتبار النظير بنظيره، وذلك كله يدل دلالة واضحة على أن نظير ~~الحق حق، ونظير الباطل باطل. ثم قال ابن القيم رحمه الله فهذا شرع الله ~~وقدره ووحيه، وثوابه وعقابه، كله قائم بهذا الأصل وهو إلحاق النظير ~~بالنظير، واعتبار المثل بالمثل ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف ~~المؤثرة. والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية. ليدل ~~بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها ~~إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف آثارها عنها، كقوله تعالى # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله # الحشر 4، # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم # غافر 12، # ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا # الجاثية 35، # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون # غافر 75، # ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعمالهم # محمد 28، # ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~سنطيعكم في بعض الأمر # محمد 26، # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم # فصلت23. وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، ~~وب " أن " تارة وبمجموعهما تارة، وب " كي " تارة و " من أجل " ~~تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة! وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، ~~وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة، وب " لما " تارة، وب " أن " ~~المشددة تارة وب " لعل " ، وبالمفعول له تارة. فالأول كما تقدم. واللام ~~كقوله # ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض # المائدة 97، وأن كقوله # أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ~~قبلنا # الأنعام 156. ثم قيل التقدير لئلا تقولوا، وقيل كراهة أن تقولوا. وأن ~~اللام كقوله # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # النساء 165 وغالب ما يكون هذا النوع في النفي فتأمله. وكي كقوله # كي لا يكون دولة # الحشر 7 والشرط والجزاء كقوله # وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # آل عمران 120، والفاء ms1817 كقوله # فكذبوه فأهلكناهم # الشعراء 139، # فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية # الحاقة 10، # فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا # المزمل 16، وترتيب الحكم على الوصف كقوله # يهدي به الله من اتبع رضوانه # المائدة 16، وقوله # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # المجادلة 11، وقوله # إنا لا نضيع أجر المصلحين # الأعراف 170، # ولا نضيع أجر المحسنين # يوسف 56، # الله لا يهدي كيد الخائنين # يوسف 52، ولما كقوله # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم # الزخرف 55. # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين # الأعراف 166. وإن المشددة كقوله # إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين # الأنبياء 77، # إنهم كانوا قوم سوء فاسقين # الأنبياء 74. ولعل كقوله # لعله يتذكر أو يخشى # طه 44، # لعلكم تعقلون # البقرة 73، # لعلكم تذكرون # الأنعام 152 والمفعول له كقوله # وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغآء وجه ~~ربه الأعلى ولسوف يرضى # الليل 19-21 أي لم يفعل ذلك جزاء نعمة أحد من الناس وإنما فعله ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى. ومن أجل كقوله # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل # المائدة 32. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم علل الأحكام والأوصاف ~~المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها وتعديها بتعدي أوصافها وعللها كقوله ~~في نبيذ التمر # " تمرة طيبة. وماء طهور " # وقوله # " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " # وقوله # " إنما نهيتكم من أجل الدافة " # وقوله في الهرة # " ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات " # " ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ناقته وتقريبه الطيب وقوله " ~~فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " " # وقوله # " إنكم إذا فعلتم ذلكم قطعتم أرحامكم " # ذكره تعليلا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها. وقوله تعالى # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض # البقرة 222، وقوله في الخمر والميسر # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # المائدة 91 # " وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر " أينقص الرطب ~~إذا جف " " # ؟ قالوا نعم. فنهى عنه. وقوله # " لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ms1818 ذلك يحزنه " # وقوله # " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي ~~الآخر دواء. وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء " # وقوله # " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس " # وقال وقد سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء # " هل هو إلا بضعة منك " # " وقوله في ابنة حمزة " إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة " " # ، وقوله في الصدقة # " إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس " # وقد قرب النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام لأمته بذكر نظائرها ~~وأسبابها، وضرب لها الأمثال. إلى آخر كلامه رحمه الله. وقد ذكر فيه أقيسة ~~فعلها النبي صلى الله عليه وسلم. منها قياس القبلة على المضمضة في حديث ~~عمر المتقدم. وقياس دين الله على دين الآدمي في وجوب القضاء. وقد قدمناه ~~مستوفى ما قبله في سورة " بني إسرائيل ". ومنها قياس العكس في حديث # " أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال " أرأيتم لو وضعها في حرام ~~أيكون عليه وزر " # وقد قدمناه مستوفى في سورة " التوبة ". ومنها قصة الذي ولدت امرأته ~~غلاما أسود، وقد قدمنا ذلك مستوفى في سورة " بني إسرائيل ". ومنها حديث ~~المستحاضة الذي قاس فيه النبي صلى الله عليه وسلم دم العرق الذي هو دم ~~الاستحاضة على غيره من دماء العروق التي لا تكون حيضا. وكل ذلك يدل على ~~أن إلحاق النظير بالنظير من الشرع، لا مخالف له كما يزعمه الظاهرية ومن ~~تبعهم. المسألة الرابعة اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في ~~مسائل الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، وبعد ~~وفاته من غير نكير. وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة لذلك. فمن ~~ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد ~~بعضهم وصلاها في الطريق وقال لم يرد منا تأخير العصر، وإنما أراد سرعة ~~النهوض. فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ~~ليلا. وقد نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل ms1819 الظاهر. # وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. ومنها أن عليا رضي الله عنه لما ~~كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام. فقال كل منهم هو ابني. فأقرع ~~بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه الرجلين الآخرين ثلثي الدية. فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي ~~الله عنه. ومنها # " اجتهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه في حكمه في بني قريظة، وقد صوبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع ~~سموات ". # ومنها # " اجتهاد الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، ~~فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر. فصوبهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال للذي لم يعد " أصبت السنة وأجزأتك ~~صلاتك " ، وقال للآخر " لك الأجر مرتين ". # ومنها اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة، وقال إن أقدام زيد وأسامة بعضها ~~من بعض، وقد سر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى برقت أسارير وجهه. ~~وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل، مع أن زيدا أبيض ~~وأسامة أسود. فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله. وألغى وصف السواد ~~والبياض الذي لا تأثير له في الحكم. ومنها اجتهاد أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه في الكلالة قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن ~~يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال ~~إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر. قال مقيده عفا الله عنه ~~وغفر له ومن أغرب الأشياء عندي ما # " جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. من أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة جدا. ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه ~~وعلمه، وأن الوحي ينزل مطابقا لقوله مرارا. وذلك أنه رضي الله عنه قال ~~ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى ~~طعن بأصبعه في صدري وقال ms1820 " تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " " # وهذا الإرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح في أنه يريد ~~أن الكلالة هي ما عدا الولد والوالد. لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره ~~أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها # إن امرؤ هلك ليس له ولد # النساء 176 صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد. وقوله فيها # وله أخ أو أخت # النساء 12 يدل بالالتزام على أنها لا أب فيها، لأن الإخوة والأخوات لا ~~يرثون مع الأب. # وذلك مما لا نزاع فيه. فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن ~~الكلالة ما عدا الولد والوالد، ولم يفهم عمر رضي الله عنه الإشارة ~~النبوية المذكورة، فالكمال التام له جل وعلا وحده، سبحانه وتعالى علوا ~~كبيرا. ومنها اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي ~~زوجها ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها. فقال أقول فيها برأيي، فإن كان ~~صوابا فمن الله لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها ~~العدة. وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق، ففرح بذلك. ومنها اجتهاد الصحابة في أن ~~أبا بكر رضي الله عنه أولى من غيره بالإمامة، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قدمه على غيره في إمامة الصلاة. ومنها اجتهاد أبي بكر في العهد ~~بالخلافة إلى عمر، سواء قلنا إنه من المصالح المرسلة، أو قلنا إنه قاس ~~العهد بالولاية على العقد لها. ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة. ~~ومن ذلك اجتهادهم في الجد والإخوة، والمشتركة المعروفة بالحمارية ~~واليمية. ومنها اجتهاد أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء، ~~واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه. ومنها اجتهادهم فى جلد ~~السكران ثمانين، قالوا إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فحدوه حد الفرية. ~~وأمثال هذا كثيرة جدا. وهي تدل على أن اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه ~~متواتر معنى، فإن ms1821 الوقائع منهم في ذلك وإن لم تتواتر آحادها فمجموعها ~~يفيد العلم اليقيني لتواترها معنى، كما لا يخفى على من ذلك. ورسالة عمر ~~بن الخطاب إلى أبي موسى المتضمنة لذلك مشهورة. وقال ابن القيم في أعلام ~~الموقعين وقال الشعبي عن شريح قال لي عمر اقض بما استبان لك من كتاب ~~الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة ~~المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح.. إلى أن قال وقايس علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه زيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد ~~والإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال عقلها سواء، اعتبروها بها. ~~قال المزني الفقهاء من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ~~وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، ~~وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار ~~القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. قال أبو عمر بعد حكاية ذلك ~~عنه ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياسا على ~~الكلاب بقوله # وما علمتم من الجوارح مكلبين # المائدة 4، وقال عز وجل # والذين يرمون المحصنات # النور 4 فدخل في ذلك المحصنون قياسا. وكذلك قوله في الإماء # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب # النساء 25 فدخل في ذلك العبد قياسا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد ~~يعد قوله خلافا. وقال في جزاء الصيد المقتول في الإحرام # ومن قتله منكم متعمدا # المائدة 95 فدخل فيه قتل الخطأ قياسا عند الجمهور إلا من شذ وقال # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # الأحزاب 49 فدخل في ذلك الكتابيات قياسا. وقال في ms1822 الشهادة في المداينات # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء # البقرة 282 فدخل في معنى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى قياسا للمواريث ~~والودائع والغصوب وسائر الأموال. وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين ~~قياسا على الأختين. وقال عمن أعسر بما عليه من الربا # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # البقرة 280 فدخل في ذلك كل معسر بدين حلال، وثبت ذلك قياسة. ومن هذا ~~الباب توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفردا، وإنما ورد النص في ~~اجتماعهما بقوله # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # النساء 11، وقال # وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين # النساء 176. ومن هذا الباب قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم فيم ~~لو قال لزوجته أنت علي كظهر بنتي. وقياس الرقبة في الظهار على الرقبة في ~~القتل بشرط الإيمان. وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على ~~الحرائر في الجمع في التسري. قال وهذا لو تقصيته لطال به الكتاب. قلت. ~~بعض هذه المسائل فيها نزاع، وبعضها لا يعرف فيها نزاع بين السلف. وقد رام ~~بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية، ~~فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفة للفروج لا للنساء. ~~وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله # وما علمتم من الجوارح # المائدة 4 وقوله # مكلبين # المائدة 4 وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد. قاله مجاهد ~~والحسن، وهو رواية عن ابن عباس. وقال أبو سليمان الدمشقي { مكلبين ~~} معناه معلمين، وإنما قيل لهم { مكلبين } لأن الغالب من صيدهم إنما ~~يكون بالكلاب. وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل، كما جزموا بتحريم ~~أجزاء الخنزير لدخوله في قوله # فإنه رجس # الأنعام 145 وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف فلا يمكنهم ~~ذلك في كثير من المواضع، وهم يضطرون فيها ولا بد إلى القياس أو القول بما ~~لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم. فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في # " قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد ms1823 سئل عن فأرة وقعت في سمن " ألقوها ~~وما حولها وكلوه " # إن ذلك يختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات. هذا مما يقطع بأن ~~الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا لا يفرقون فيه بين السمن والزيت والشيرج ~~والدبس. كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك. وكذلك نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، لا يفرق عالم يفهم عن الله رسوله ~~بين ذلك وبين العنب بالزبيب. ومن هذا أن الله سبحانه قال في المطلقة ~~ثلاثا # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن ~~يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله وتلك حدود ~~الله # البقرة 230 أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن ~~يتراجعا. والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصا بالصورة التي يطلق ~~فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول ~~قياسا على الطلاق. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم # " لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة ولا تشربوا في صحافها ~~فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # وقوله # " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في ~~بطنه نار جهنم " # وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا ~~يحل له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يكتحل منها وهذا أمر لا يشك فيه ~~عالم. ومن ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبس القميص ~~والسراويل والعمامة والخفين، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدى ~~النهي إلى الجباب والأقبية والطيلسان والقلنسوة، وما جرى مجرى ذلك من ~~الملبوسات. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم # " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار " # فلو ذهب معه بخرقة تنظيف أكثر من الأحجار، أو بطن أو صوف أو خز ونحو ذلك ~~جاز. وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان ~~مثل الأحجار في الجواز أو أولى. ومن ذلك أن ms1824 النبي صلى الله عليه وسلم ~~" نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته ". معلوم أن المفسدة ~~التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة. فلا يحل له أن يؤجر ~~على إجارته. وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام وهو بيع المنافع ~~فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه. ومن ذلك قوله سبحانه ~~وتعالى في آية التيمم # وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جآء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا # المائدة 6 فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها ~~بالغائط. # والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه وعلى اللمس، على قول من ~~فسره بما دون الجماع. وألحقت الاحتلام بملامسة النساء، وألحقت واجد ثمن ~~الماء بواجده. وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بعادم ~~الماء. فجوزت له التيمم وهو واجد للماء. وألحقت من خشي المرض من شدة برد ~~الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. وإدخال هذه الأحكام وأمثالها في ~~العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن الله ورسوله في قصد ~~عمومها وتعليق الحكم به، وكونه متعلقا بمصلحة العبد أولى من إدخالها في ~~عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر تناول ~~العموميين لها. فمن الناس من يتنبه لهذا، ومنهم من يتفطن لتناول ~~العموميين لها. ومن ذلك قوله تعالى # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة # البقرة 283 قاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر مع وجود ~~الكاتب على الرهن مع عدمه. فإن استدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رهن درعه في الحضر فلا عموم في ذلك. فإنما رهنها على شعير استقرضه ~~من يهودي فلا بد من القياس إما على الآية، وإما على السنة. ومن ذلك أن ~~سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذ ثمنها في العشور التي عليهم. ~~فبلغ ذلك عمر قال ms1825 قاتل الله سمرة؟ أما علم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها " # وهذا محض القياس من عمر رضي الله عنه. فإن تحريم الشحوم على اليهود ~~كتحريم الخمر على المسلمين. وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن ~~الخمر الحرام. ومن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا العبد على النصف ~~من الحر في النكاح والطلاق والعدة، قياسا على ما نص الله عليه من قوله # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب # النساء 25 ثم ذكر رحمه الله آثارا دالة على أن الصحابة جعلوا العبد على ~~النصف من الحر فيما ذكر قياسا على ما نص الله عليه من تنصيف الحد على ~~الأمة. ومن ذلك توريث عثمان بن عفان رضي الله عنه المبتوتة في مرض الموت ~~برأيه، ووافقه الصحابة على ذلك. ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما في ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، قال أحسب كل شيء ~~بمنزلة الطعام. ومن ذلك أن عمر وزيدا رضي الله عنهما لما قالا إن الأم ~~ترث ما بقي بعد أحد الزوجين في مسألة زوج أو زوجة مع الأبوين، قاسا وجود ~~أحد الزوجين مع الأبوين على ما إذا لم يكن هناك زوج ولا زوجة، فإنه حينئذ ~~يكون للأب ضعف ما للأم، فقدرا أن الباقي بعد الزوج أو الزوجة كل المال. # وهذا من أحسن القياس. فإن قاعدة الفرائض أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا ~~وكانا في درجة واحدة، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى كالأولاد ~~وبني الأب، وإما أن تساويه كولد الأم. وإما أن الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ ~~مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في الشريعة. فهذا من أحسن الفهم عن ~~الله ورسوله. ومن ذلك أخذ الصحابة رضي الله عنهم في الفرائض بالعول، ~~وإدخال النقص على جميع ذوي الفرائض قياسا على إدخال النقص على الغرماء ~~إذا ضاق مال المفلس عن ms1826 توفيتهم. ولا شك أن العول الذي أخذ به الصحابة رضي ~~الله عنهم أعدل من توفية بعض المستحقين حقه كاملا ونقص بعضهم بعض حقه، ~~فهذا ظلم لا شك فيه، وأمثال هذا كثيرة، فلو تقصيناها لطال الكلام جدا. ~~وهذه الوقائع التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكر تدل دلالة قطعية على أن ~~الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها ~~بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من ~~أسانيدها، فإنها في كثرة طرقها واختلاف مخارجها وأنواعها جارية مجرى ~~التواتر المعنوي الذي لا شك فيه وإن لم يثبت كل فرد من الإخبار بها كما ~~هو معروف في أصول الفقه وعلى الحديث. المسألة الخامسة اعلم أن القياس ~~جاءت على منعه في الجملة أدلة كثيرة، وبها تمسك الظاهرية ومن تبعهم، ~~وسنذكر هنا إن شاء الله جملا وافية من ذلك ثم نبين الصواب فيه إن شاء ~~الله تعالى. قالوا فمن ذلك قوله تعالى # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر # النساء 59 وأجمع المسلمون على أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى ~~كتابه، والرد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه هو الرد ~~إليه في حضوره وحياته، وإلى سنته في غيبته وبعد مماته، والقياس ليس بهذا ~~ولا هذا، ولا يقال الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله. لدلالة ~~كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كما تقدم تقريره. لأن الله ~~سبحانه إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله، ولم يردنا إلى قياس عقولنا ~~وآرائنا فقط. بل قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # المائدة 49، وقال # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله # النساء 105 ولم يقل بما رأيت أنت. وقال # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # المائدة 44 # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # المائدة 45 # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ms1827 ~~الفاسقون # المائدة 47، وقال تعالى # اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم # الأعراف 3، وقال تعالى # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # النحل 89، وقال # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # العنكبوت 51، وقال # قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي # سبأ 50 فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي. وقال # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم # النساء 65 فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده، وهو تحكيمه في حال حياته ~~وتحكم سنته فقط بعد وفاته، وقال تعالى # يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله # الحجرات 1 أي لا تقولوا حتى يقول قال نفاة القياس والإخبار عنه بأنه حرم ~~ما سكت عنه، أو أوجبه قياسا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدم بين ~~يديه. فإنه إذا قال حرمت عليكم الربا في البر، فقلنا ونحن نقيس على قولك ~~البلوط، فهذا محض التقدم، قالوا وقد حرم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم. ~~فإذا قلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقينا، فإنا غير عالمين بأنه أراد ~~من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم، وهذا قفو ~~منا ما ليس لنا به علم، وتعد لما حد لنا ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه. والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصر بها. ولا يقال ~~فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي الله ورسوله، وتحريم لما ~~لم ينص على تحريمه، وقفو منكم لما ليس لكم به علم. لأنا نقول الله سبحانه ~~وتعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، وأنزل علينا كتابه، وأرسل ~~إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة. فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين، ~~وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة، وكل ما ~~ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال. وقال تعالى # اليوم أكملت لكم دينكم # المائدة 3 فالذي أكمله الله سبحانه، ms1828 وبينه هو ديننا لا دين لنا سواه. ~~فأين فيما أكمله لنا. قيسوا ما سكت عنه على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه ~~أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علة أو دليل علة، أو وصفا شبيها. ~~فاستعملوا ذلك كله، وانسبوه إلي وإلى رسولي وإلى ديني، وأحكموا به علي. ~~قالوا وقد أخبر سبحانه أن الظن لا يغني من الحق شيئا، وأخبر رسوله # " أن الظن أكذب الحديث " # ونهى عنه، ومن أعظم الظن ظن القياسيين. فإنهم ليسوا على يقين أن الله ~~سبحانه وتعالى حرم بيع السمسم بالشيرج، والحلوى بالعنب، والنشا بالبر، ~~وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئا. قالوا وإن لم يكن قياس ~~الضراط على السلام عليكم من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأخبرنا ~~أنه لا يغني من الحق شيئا فليس في الدنيا ظن باطل. # فأين الضراط من السلام عليكم. وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى أخبث ~~العذرات والميتات والنجاسات ظنا. فلا ندري ما الظن الذي حرم الله ~~سبحانه القول به، وذمه في كتابه، وسلخه من الحلق، وإن لم يكن قياس أعداء ~~الله ورسوله من عباد الصلبان واليهود الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين ~~على أوليائه وخيار خلقه، وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكاثر دمائهم ~~وجريان القصاص بينهم ظنا. فليس في الدنيا ظن يذم اتباعه. قالوا من ~~العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم، فقتلتم ~~ألف ولي لله تعالى قتلوا نصرانيا واحدا، ولم تقيسوا من ضرب رجلا بدبوس ~~فنثر دماغه بين يديه على من طعنه بمسلة فقتله. قالوا وسنبين لكن من تناقض ~~أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبين أنها من عند غير الله. قالوا ~~والله تعالى لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا، وإنما ~~وكلها إلى رسوله المبين عنه، فما بينه عنه وجب اتباعه، وما لم يبينه فليس ~~من الدين، ونحن نناشدكم الله هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشبيهة ~~والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول، أو على آراء الرجال، ~~وظنونهم وحدسهم. قال الله تعالى # وأنزلنا إليك ms1829 الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # النحل 44 فأين بين النبي صلى الله عليه وسلم؟ إني إذا حرمت شيئا أو ~~أوجبته أو أبحته، فاستخرجوا وصفا ما شبيها جامعا بين ذلك وبين جميع ما ~~سكت عنه فألحقوه به وقيسوه عليه. قالوا والله تعالى قد نهى عن ضرب ~~الأمثال له، فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه، وتمثيل ما لم ينص ~~على حكمه بما نص عليه لشبه ما ضرب الأمثال لدينه. قالوا وما ضربه الله ~~ورسوله من الأمثال فهو حق، خارج عما نحن بصدده من إثباتكم الأحكام بالرأي ~~والقياس من غير دليل من كتاب ولا سنة. وذكروا شيئا كثيرا من الأمثال ~~التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفين بأنها حق. قالوا ولا ~~تفيدكم في محل النزاع، قالوا فالأمثال التي ضربها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما هي لتقريب المراد، وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع. ~~وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به. فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله ~~وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره. فإن النفس تأنس بالنظائر ~~والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال ~~من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا ~~يجحده أحد ولا ينكره. وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورا ~~ووضوحا. فالأمثال شواهد المعنى المراد، وتزكية له. وهي كزرع أخرج شطأه ~~فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته، ولكن أين في ~~الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه؟ فهمنا أن الصداق لا يكون ~~أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة، قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع فيه ~~السارق. # هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم. كما قال إمام ~~الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح باب من شبه أصلا ~~معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع. قالوا فنحن لا ننكر ~~هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنماننكر أن ~~يستفاد وجوب الدم ms1830 على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعا من ~~قوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك # البقرة 196 وأن الآية تدل على ذلك. وأن # " قوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو ~~صاع من أقط أو صاع من بر، أو " صاع من زبيب " # يفهم منه أنه لو أعطى صاعا من إهليج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق ~~التمثيل والاعتبار. وأن قوله صلى الله عليه وسلم # " الولد للفراش " # يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم زوجتك ابنتي وهو ~~بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم ~~جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد ~~قبوله قبلت هذا التزويج، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم ~~تكن فراشا له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم ~~يستلحقه فليس بولده؟ وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم # " إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل " # أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام، ~~حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا. وأين ~~يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم # " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن لم يكن له ~~مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له ~~من أن يخطئ في العقوبة " # أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا ~~المفهوم من قوله # " ادرءوا الحدود بالشبهات " # فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحل أو في ~~الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه ~~من هذا ms1831 اللفظ بوجه من الوجوه. # وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته ~~أو عمته وتحريم الله لذلك، ويفهم هذا من # " ادرءوا الحدود بالشبهات " # ، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. قالوا فهذا التمثيل والتشبيه هو ~~الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما. ~~قالوا ومن أين يفهم من قوله # وإن لكم في الأنعام لعبرة # النحل 66، ومن قوله # فاعتبروا # الحشر 2 تحريم بيع الكشك باللبن. وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك. قالوا ~~وقد قال تعالى # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # الشورى 10 ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال ~~وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا. قالوا وقد قال تعالى # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # الأحزاب 36 فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله. لا عند آراء ~~الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه ~~خاصة، وقال # إن أتبع إلا ما يوحى إلي # الأنعام 50، وقال # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # المائدة 49، وقال تعالى # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # الشورى 21 قالوا فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو ~~شرع غيره الباطل. قالوا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ~~تبارك وتعالى أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، ~~مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو ~~حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاؤه، إذ ~~المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، وبينه وبين ~~الواجب. فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه. ولم يكن ما سكت ~~عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه، ms1832 وهذا لا ~~سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه. وقد ذم ~~الله تعالى من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم الذي شرع له ~~فهو أولى بالذم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم ~~على الناس من أجل مسألته " # فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحا بمسألته عن حكم ما سكت ~~عنه، فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه ورأيه!! يوضحه أن المسكوت عنه لما ~~كان عفوا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببا لتحريم الله إياه ~~لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ~~ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم. # فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه يدل على أنه عفو منه، فمن ~~حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص، كان أدخل في الذم ~~ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه، فحرم من أجل مسألته، بل كان الواجب عليه ~~ألا يبحث عنه. ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه. فهكذا ~~الواجب عليه ألا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم أصله الذي يلحق به. ~~قالوا وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور ~~حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين # المائدة 101-102. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # " ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة ~~مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبين ~~مماته. فنحن مأمورون أن نتركه صلى الله عليه وسلم ms1833 وما نص عليه، فلا نقول ~~له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله ~~عن حكم شيء لم يحكم فيه فتأمله فإنه واضح، ويدل عليه قوله في نفس ~~الحديث # " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ~~ما استطعتم " # فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها مأمور به فالفرض عليهم فعله بحسب ~~الاستطاعة ومنهي عنه فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية. ومسكوت عنه فلا يتعرض ~~للسؤال والتفتيش عليه. وهذا حكم لا يختص بحياته فقط، ولا يخص الصحابة دون ~~من بعدهم، بل فرض علينا نحن امتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك البحث ~~والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلا. وتجهيلا لحكمه، بل إثبات ~~لحكم العفو وهو الإباحة العامة، ورفع الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث ~~أقسام الدين كلها، فإنها إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه ~~والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح. وقد قال تعالى # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا ~~بيانه # القيامة 18-19 فوكل بيانه إليه سبحانه لا إلى القياسيين والآرائيين. ~~وقال تعالى # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # يونس 59 فقسم الحكم إلى قسمين قسم أذن فيه وهو الحق، وقسم افترى عليه ~~وهو ما لم يأذن فيه. فأين إذا لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان ~~الربا فيه، وأن نقيس القزدير على الذهب والفضة، والخردل على البر فإن كان ~~الله ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة لله ورسوله. # وإلا فإنا قائلون لمنازعينا # أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا # الأنعام 144 فما لم تأتونا به وصية من عند الله على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فهو عين الباطل، وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس، ~~ولا تقليد إمام ولا منام، ولا كشوف ولا إلهام، ولا ms1834 حديث قلب ولا استحسان، ~~ولا معقول ولا شريعة الديوان، ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ~~ليس على شرائع المرسلين أضر منها. فكل هذه طواغيت! من تحاكم إليها أو دعا ~~منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت! وقال تعالى # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون # النحل 74. قالوا ومن تأمل هذه الآية حق التأمل تبين له أنها نص على ~~إبطال القياس وتحريمه، لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص ~~فيه بما فيه نص. ومن مثل ما لم ينص الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما ~~حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل ~~الذي نص عليه لأعلمنا بذلك، ولما أغفله سبحانه، وما كان ربك نسيا وليبين ~~لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون # التوبة 115. ولما وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضا، ~~فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازعه فيقيس ~~القياسان معا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده، ~~وهذا وحده كاف في إبطال القياس، وقد قال تعالى # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # إبراهيم 4، وقال # لتبين للناس ما نزل إليهم # النحل 44. فكل ما بينه رسوله الله صلى الله عليه وسلم فعن ربه سبحانه، ~~بينه بأمره وإذنه. وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه ~~فيها، وأن اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم ~~الذهب والفضة لا يتناول القزدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه ~~تقدير المهر، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله ~~حيا وميتا إذا مات صار نجسا خبيثا. وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله ~~رسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له. فليس هو مما بعث به الرسول ~~قطعا، فليس ms1835 إذا من الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم # " ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما ~~يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم " ولو كان الرأي والقياس خيرا لهم ~~لدلهم عليه، وأرشدهم إليه " # ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وصف ~~جامع، أو ما أشبهه. أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذرهم من ذلك ~~أشد الحذر. وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره. وإنما بعث ~~الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم بالعربية التي يفهمها العرب من ~~لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء، وعلق ~~عليه حكما من الأحكام وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك ~~الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك ~~الحكم شيء، مما يقتضيه الاسم، فالزيادة عليه زيادة في الدين، والنقص منه ~~نقص في الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من ~~الدين. ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول ~~هذا قياس. ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص. ~~ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العلم عليه. أو يقول هذا خلاف القياس، أو ~~خلاف الأصول. قالوا ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس ~~للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار. ~~قالوا ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن ولا ترى ~~خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس. فلله كم من سنة صحيحة ~~صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند ~~الآرائيين والقياسيين خلوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن ~~سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها ~~الأمر والنهي. وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم الابتداء، وأن ~~للزوجة ms1836 حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا، أو ثلاثا إن كانت ثيبا. ثم ~~يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن، وحديث الاشتراط في الحج، ~~وجواز التحلل بالشرط، وحديث المسح على الجوربين، وحديث عمران بن حصين ~~وأبي هريرة في أن كلام الناس والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللقطة ~~إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة. وحديث القرعة ~~بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث. وحديث خيار المجلس. ~~وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيا. وحديث إتمام الصبح لمن طلعت عليه ~~الشمس وقد صلى منها ركعة. وحديث الصوم عن الميت. وحديث الحج عن المريض ~~المأيوس من برئه. وحديث الحكم بالقافة. وحديث # " من وجد متاعا عند رجل قد أفلس " # وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر. وحديث بيع المدبر. وحديث القضاء ~~بالشاهد مع اليمين، وحديث # " الولد للفراش إذا كان من أمه " # وهو سبب الحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا. وحديث قطع السارق في ~~ربع دينار. وحديث رجم الكتابيين في الزنى، وحديث # " من تزوج امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله " # وحديث # " لا يقتل مؤمن بكافر " # ، وحديث # " لعن الله المحلل والمحلل له " # وحديث # " لا نكاح إلا بولي " # وحديث # " المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة " # ، وحديث عتق صفية وجعل عتقها صداقها، وحديث # " اصدقوا ولو خاتما من حديد " # ، وحديث " إباحة لحوم الخيل " ، وحديث # " كل مسكر حرام " # ، وحديث # " ليس فيما دون خمسة أوسق صداقة " # وحديث المزارعة والمساقاة، وحديث # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # وحديث # " الرهن مركوب ومحلوب " # وحديث النهي عن تخليل الخمر، وحديث قسمة الغنيمة # " للراجل سهم وللفارس ثلاثة " # ، وحديث # " لا تحرم المصة والمصتان " # ، وأحاديث حرمة المدينة، وحديث إشعار الهدى وحديث # " إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل " # ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل، وأحاديث المسح على العمامة، وحديث الأمر ~~بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده، وحديث السراويل، وحديث منع الرجل ~~من تفضيل بعض ولده على بعض. وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه، وحديث # " أنت ومالك لأبيك " # وحديث # " من دخل والإمام يخطب يصلي ms1837 تحية المسجد " # ، وحديث الصلاة على الغائب، وحديث الجهر ب " آمين " في الصلاة، وحديث ~~جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره، وحديث # " الكلب الأسود يقطع الصلاة " # وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال، وحديث نضح ~~بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وحديث الصلاة على القبر، وحديث # " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيئ وله نفقته " # ، وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره، وحديث النهي عن جلود السباع، ~~وحديث # " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " # ، وحديث # " إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء " # ، وحديث الوتر على الراحلة، وحديث # " كل ذي ناب من السباع حرام " # ، وحديث " من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث # " لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيه صلبه من ركوعه وسجوده " # ، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، وأحاديث ~~الاستفتاح، وحديث كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان في الصلاة، ~~وحديث # " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " # ، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، وأحاديث العقيقة، وحديث ~~" لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك " ، وحديث # " أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل " # ، وحديث " إن بلالا يؤذن بليل " ، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة، ~~وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء، وحديث ~~النهي عن عسيب الفحل، وحديث # " المحرم إذا مات لم يخمر رأسه، ولم يقرب طيبا " # إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي. ~~فلو كان القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حفظ لهم ترك ~~حديث واحد إلا لنص ناسخ له فحيث رأينا كل من كان أشد توغلا في القياس ~~والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس ~~من الدين، وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيئ منافاة للدين. فلو كان ~~القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حفظ لهم ترك حديث واحد ~~إلا لنص ناسخ له فحيث رأينا كل من ms1838 كان أشد توغلا في القياس والرأي كان ~~أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس من الدين، ~~وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين. فلو كان القياس من عند ~~الله لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثا واحدا منها، ~~ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث. فليروا أهل الحديث والأثر حديثا واحدا ~~صحيحا قد خالفوه. كما أريناهم آنفا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس. ~~قالوا وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم ألا نقول على ~~الله إلا بالحق. فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض ~~بعضها بعضا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقا لكانت متفقة ~~بصدق بعضها بعضا كالسنة التي يصدق بعضها بعضا، وقال تعالى # ويحق الله الحق بكلماته # يونس 82 لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # الأحزاب 4 فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال تعالى # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم # القصص 50 فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما اتباع لما دعا إليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، واتباع الهوى. قالوا # " والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه ~~أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما ~~إليهما فلبسها أسامة قياسا للبس على التملك والانتفاع والبيع، وكسوتها ~~لغيره، وردها عمر قياسا لتملكها على لبسها. فأسامة أباح، وعمر حرم ~~قياسا. فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد من القياسين. وقال ~~لعمر " إنما بعيت بها إليك لتستمتع بها ". وقال لأسامة " ~~إني لم أبعث إليك بها لتلبسها ولكن بعثتها إليك ~~لتشقها خمرا لنسائك " # ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على ~~تحريم لبسه فقط. لقاسا قياسا أخطأ فيه. فأحدهما قاس اللبس على الملك، ~~وعمر قاس التملك على اللبس، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن ما حرمه ~~من اللبس لا يتعدى إلى غيره، ms1839 وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس. ~~قالوا وهذا عين إبطال القياس. وقالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا ~~تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء ~~رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " # ، قالوا وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها. قالوا وقد جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد من حديث سلمان رضي الله قال سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أشياء فقال # " الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرم الله، وما سكت ~~عنه فهو مما عفا عنه " # قالوا وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه. فلا يجوز تحريمه ولا ~~إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به. قالوا وقال عبدالله بن المبارك ثنا عيسى بن ~~يونس، عن جرير بن عثمان، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن عوض ~~بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون ~~الأمور برأيهم. فيحلون الحرام ويحرمون الحلال " # قال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، ~~حدثنا عبدالله.. فذكره وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ. إلا جرير بن عثمان ~~فإنه كان منحرفا عن علي رضي الله عنه، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في ~~صحيحه، وقد روي عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن علي، ونعيم بن ~~حماد إمام جليل، وكان سيفا على الجهمية، روى عنه البخاري في صحيحه. ~~قالوا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تقرب من التواتر أنه قال # " ذرني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم " # وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث. وقد ذكروا عن الصحابة ~~والتابعين آثارا كثيرة في ms1840 ذم الرأي والقياس، والتحذير من ذلك. وذلك كثير ~~معروف عن الصحابة فمن بعدهم. وذكروا كثيرا من أقيسة الفقهاء التي يزعمون ~~أنها باطلة، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم. وذكروا أشياء كثيرة ~~يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع، وجمعوا فيها بين المفترق، إلى ~~غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس. # وقد ذكرنا في هذا الكلام جملا وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل ~~العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن رب العالمين ولم نتتبع ~~جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة. وقد رأيت فيما ذكرنا حجج ~~القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه، وحجج المانعين لذلك. المسألة ~~السادسة اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ~~لما رأيت أن القياس قسمان قياس صحيح، وقياس فاسد. أما القياس الفاسد ~~فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه، ولا شك ~~أنه باطل، وأنه ليس من الدين كما قالوا، وكما هو الحق. وأما القياس ~~الصحيح فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضا، ولا ~~يناقض البتة نصا صحيحا من كتاب أو سنة. فكما لا تتناقض دلالة النصوص ~~الصحيحة، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح ~~والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضا، ~~ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا. وضابط ~~القياس الصحيح هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من ~~أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه. ~~وكذلك القياس المعروف ب " القياس في معنى الأصل " الذي هو الإلحاق بنفي ~~الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض ~~نصا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك. تستدل بها على جهل ~~الظاهرية القادح الفاضح، وقولهم على الله وعلى رسوله وعلى دينه أبطل ~~الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين. بدعوى أنهم ~~واقفون ms1841 مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه، ~~ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا ~~المصالح المقصودة من التشريع. وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار ~~الظاهرة لخلقه. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " # فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحكم في وقت ~~الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا. لأن الغضب ~~يشوش الفكر فيمنع من استيفاء النظر في الحكم. فيكون ذلك سببا لضياع حقوق ~~المسلمين. فيلزم على قول الظاهرية كما قدمنا إيضاحه أن النهي يختص بحالة ~~الغضب ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء ~~النظر في الحكم. # فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرا أشد من تأثير الغضب ~~بأضعاف، أو كان في جوع أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب. فعلى ~~قول الظاهرية فحكمه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر ~~في الحكم عفو جائز. لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي ~~عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها ~~وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن ~~الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الكفر ~~تشويشا كتشوييش الغضب أو أشد منه كما لا يخفى على عاقل!! فانظر عقول ~~الظاهرية وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق ~~المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصريح عن ذلك في صورة من صدره وهي الغضب ~~ بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص. ومن ذلك قوله تعالى # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة ms1842 شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم # النور 4-5 فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم ~~ويحكم بفسقهم. ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك وأصلح. ~~ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور. فيلزم على قول ~~الظاهرية أن من قذف محصنا ذكرا ليس على أئمة المسلمين جلده ولا رد ~~شهادته، ولا الحكم بفسقه. لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو ~~عفو! فانظر عقول الظاهرية وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، ~~بدعوى الوقوف مع النص!! ودعوى بعض الظاهرية أن آية { والذين ~~يرمون المحصنات } شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى يرمون ~~الفروج المحصنات من فروج الإناث والذكور، من تلاعبهم وجهلهلم بنصوص ~~الشرع؟ وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات # النور 23 الآية. فهل يمكنهم أن يقولوا إن الفروج هي الغافلات المؤمنات. ~~وكذلك قوله تعالى # والمحصنات من النسآء # النساء 24 الآية. وقوله تعالى # محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان # النساء 25 كما هو واضح؟؟ ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في ~~الماء الراكد فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه ~~لركوده فيقذره. فيلزم على قول الظاهرية أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول ~~ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه أن كل ذلك عفو لأنه مسكوت عنه. # فيكون الله على قولهم ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول ~~فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه بصبه فيه من الآنية. وكذلك ~~يأذن في الغوط فيه! وهذا لو صدر من أدنى عاقل لكان تناقضا معيبا عند ~~جميع العقلاء. فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذا بالله تعالى ~~بدعوى الوقوف ms1843 مع النصوص!! وربما ظن الإنسان الأجر والقربة فيما هو إلى ~~الإثم والمعصية أقرب. كما قيل # أمنفقة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي # ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء مع سكوته عن حكم ~~التضحية بالعمياء. فإنه يلزم على قول الظاهرية أن يناط ذلك الحكم بخصوص ~~لفظ العور خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به فيكون ذلك ~~عفوا. وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح. لأن المفهوم من ~~العور غير المفهوم من العمى. لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين ~~تبصر. بخلاف العمى فلا يطلق في ذلك. وتفسير العور بأنه عمى إحدى العينين ~~لا ينافي المغايرة. لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل ~~للعينين معا. وبالجملة فالمعنى المفهوم من لظف العور غير المعنى المفهوم ~~من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء ~~لأنها مسكوت عنها وأمثال هذا منهم كثيرة جدا. وقصدنا التنبيه على بطلان ~~أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع والحكم ~~والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه ~~وبينه يؤثر في الحكم. واعلم أن التحقيق الذي لا شك فيه أن الله تعالى ~~يشرع الأحكام لمصالح الخلق. فأفعاله وتشريعاته كلها مشتملة على الحكم ~~والمصالح من جلب المنافع، ودفع المضار. فما يزعمه كثير من متأخري ~~المتكلمين تقليدا لمن تقدمهم من أن أفعاله جل وعلا لا تعلل بالعلل ~~الغائية، زاعمين أن التعليل بالأغراض يستلزم الكمال بحصول الغرض المعلل ~~به، وأن الله جل وعلا منزه من ذلك لاستلزامه النقص كله كلام باطل! ولا ~~حاجة إليه البتة! لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين أن الله جل وعلا غني ~~لذاته الغنى المطلق، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # فاطر 15، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء ~~إليه. لا لأجل مصلحة تعود إليه هو ms1844 سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. ~~وادعاء كثير من أهل الأصول أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلامات ~~للأحكام ناشئ عن ذلك الظن الباطل. فالله جل وعلا يشرع الأحكام لأجل ~~العلل المشتملة على المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه. # لا إلى الله جل وعلا # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # إبراهيم 8. وقد صرح تعالى وصرح رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يشرع ~~الأحكام من أجل الحكم المنوطة بذلك التشريع. وأصرح لفظ في ذلك لفظة من ~~أجل وقد قال تعالى # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل # المائدة 32 الآية، وقال صلى الله عليه وسلم # " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ". # وقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على ~~العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد، وهو أمر معلوم عند من له علم ~~بحكم التشريع الإسلامي. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام ~~الموقعين عن رب العالمين بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقا، وقول من ~~غلا فيه، وذكر أدلة الفريقين ما نصه قال المتوسطون بين الفريقين قد ثبت ~~أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان. فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي ~~معرفة الإحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح ~~لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص ~~الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس ~~الصحيح. بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها ~~لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح، النص الصريح أبدا. ونصوص الشارع نوعان ~~أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان نوع ~~يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة، أو جملة وتفصيلا. ونوع يعجز عن ~~الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه ~~نوعان نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا ~~يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل ~~الصحيح، فكذلك ms1845 الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. وهذه ~~الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين. إحداهما أن الذكر الأمري ~~محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا، وإذنا وعفوا. كما أن الذكر ~~القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا. فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى ~~جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها. وأمره ونهيه وإباحته وعفوه ~~قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية. فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد ~~الحكمين إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بين الله سبحانه على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما ~~نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون ~~دينه كاملا كما قال تعالى # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # المائدة 3 ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن ~~وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا ~~يحصيه إلا الله جل وعلا. # ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقسام العلماء في العلم، ولما خص ~~سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم ~~والعلم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه الفهم الفهم فيما أدلى ~~إليك. وقال علي رضي الله عنه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. وقال ~~أبو سعيد كان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس " أن يفقه في ~~الدين ويعلمه التأويل " والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم ~~المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي ~~آخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل. فمعرفة التأويل يختص ~~بها الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن ~~الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه إلى أن قال رحمه ~~الله وكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث يعني نفاة القياس بالكلية، والغالين ~~فيه. والقائلين بأن ms1846 العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط، لا مصالح أنيطت ~~بها الأحكام وشرعت من أجلها سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق. ~~فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدوا على ~~نفوسهم باب التمثيل والتعليل، واعتبار الحكم والمصالح، وهو من الميزان ~~والقسط الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوهما ~~فوق الحاجة، ووسعوها أكثر مما يسعانه. فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ~~ولم يبالوا مما وراءه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب. ~~وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها. والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها ~~عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم ~~تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى ~~منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه أحدها رد القياس الصحيح، ولا سيما ~~النصوص على علته التي يجري عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا ~~يتوقف عاقل في أن # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لما لعن عبدالله خمارا على كثرة شربه ~~للخمر " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " " # بمنزلة قوله لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله. وفي قوله # " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس " # بمنزلة قوله ينهيانكم عن كل رجس. وفي أن قوله تعالى # إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير فإنه رجس # الأنعام 145 نهي عن كل رجس. وفي أن قوله في الهرة # " ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم والطوافات " # بمنزلة قوله كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس، ولا ~~يستريب أحد في أن من قال لغيره لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم نهي ~~له عن كل طعام كذلك، وإذا قال لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر فهو نهي له ~~عن كل مسكر. # ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة، وأمثال ذلك الخطأ. الثاني تقصيرهم ~~في فهم النصوص. فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه. وسبب ~~هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ ms1847 دون إيمائه وتنبيهه، وإشارته ~~وعرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله تعالى # فلا تقل لهمآ أف # الإسراء 23 ضربا ولا سبا ولا إهانة غير لفظة " أف " فقصروا في فهم ~~الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان الخطأ. الثالث تحميل الاستصحاب فوق ~~ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل. وليس عدم العلم علما ~~بالعدم. وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه، ثم شرع رحمه ~~الله يبين أقسام الاستصحاب، وقد ذكرنا بعضها في سورة " براءة " وجعلها هو ~~رحمه الله ثلاثة أقسام، وأطال فيها الكلام. والمعروف في الأصول أن ~~الاستصحاب أربعة أقسام الأول استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل عنه ~~وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية. كقولنا الأصل براءة الذمة من ~~الدين فلا تعمر بدين إلا بدليل ناقل عن الأصل يثبت ذلك. والأصل براءة ~~الذمة من وجوب صوم شهر آخر غير رمضان فيلزم استصحاب هذا العدم حتى يرد ~~ناقل عنه، وهكذا. النوع الثاني استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت ~~خلافه، كاستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وبقاء شغل الذمة حتى يثبت ~~خلافه. الثالث استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، والأكثر على أن هذا ~~الأخير ليس بحجة. وهو رحمه الله يرى أنه حجة. وكلا الأولين حجة بلا خلاف ~~في الجملة. الرابع الاستصحاب المقلوب، وقد قدمنا إيضاحه وأمثلته في ~~سورة " التوبة ". الخطأ الرابع لهم هو اعتقادهم أن عقود المسلمين ~~وشروطهم ومعاملاتهم كلها على الباطل حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم ~~يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه. فأفسدوا ~~بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله. بناء ~~على هذا الأصل وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط ~~الصحة إلا ما أبطله الشاعر أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح. فإن الحكم ~~ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم. ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ~~ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله. كما أنه لا واجب إلا ~~ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه ms1848 الله ولا دين إلا ما شرعه الله، ~~فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر. # والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. ~~والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله. فإن ~~العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود ~~والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولذا نعى الله سبحانه على ~~المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما ~~لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا ~~يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله. فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه ~~الله، وما سكت عنه فهو عفو. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها، فإنه لا يجوز ~~القول بتحريمها. فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال. فكيف وقد ~~صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه! وقد أمر الله تعالى ~~بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال # وأوفوا بالعهد # الإسراء 34، وقال # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # المائدة 1، وقال # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون # المؤمنون 8، وقال تعالى # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا # البقرة 177، وقال تعالى # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # الصف 2-3، وقال # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين # آل عمران 76، وقال # إن الله لا يحب الخائنين # الأنفال 58 وهذا كثير في القرآن. وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن ~~عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، ~~وإذا خاصم فجر " # وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب، وإذا ~~وعد أخلف، ms1849 وأذا ائتمن خان " # من حديث سعيد بن المسيب. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان ابن ~~فلان " # وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " # وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله والله ~~إني لا أرجع إليهم أبدا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في ~~نفسك الذي في نفسك الآن فارجع " # قال فذهبت ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت. وفي صحيح مسلم # " عن حذيفة قال ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل ~~فأخذنا كفار قريش قالوا إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا ما نريده. ما نريد إلا ~~المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل ~~معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال " ~~انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم " " # إلى آخر كلامه رحمه الله في هذا المبحث. والمقصود عنده دلالة النصوص على ~~الوفاء بالعهود والشروط، ومنع الإخلاف في ذلك، إلا ما دل عليه دليل خاص، ~~وذلك واضح من النصوص التي ساقها كما ترى. ثم بين رحمه الله أن المخالفين ~~في ذلك يجيبون عن الحجج المذكورة تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض ~~العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة ~~بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم # " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في ~~كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق وشرط الله أوثق " # وكقوله صلى الله عليه وسلم # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". # وكقوله تعالى # ومن ms1850 يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون # البقرة 229. وأمثال ذلك في الكتاب والسنة. قال وأجاب الجمهور عن ذلك بأن ~~دعوى النسخ والتخصيص تحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه ولا دليل عليها، ~~وبأ، القدح في بعضها لا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف ~~وإن لم يكن عمدة لاعتضاده بالصحيح، وبأنها لا تعارض بينها وبين ما ~~عارضوها به من النصوص. ثم بين أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم # " وما كان من شرط ليس في كتاب الله " # أي في حكمه وشرعه، كقوله تعالى # كتاب الله عليكم # النساء 24، وقوله صلى الله عليه وسلم # " كتاب الله القصاص " # في كسر السن. قال فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به ~~على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله ~~فهو مخالف له، فيكون باطلا. فإذا كان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~حكم بأن الولاء للمعتق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطا مخالفا لحكم الله. ~~ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلا ~~حراما، وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله، أو إباحة ما حرمه، أو إسقاط ~~ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده. ~~إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ثم بين رحمه الله أن دلالة النصوص عامة ~~في جميع الأحكام، إلا أن الناس يتفاوتون في ذلك تفاوتا كثيرا. # وبين مسائل كثيرة مما فهم فيه بعض الصحابة من النصوص خلاف المراد. قال # " وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر فهمه إتيان البيت الحرام ~~عام الحديبية من إطلاق قوله " فإنك آتيه ومطوف به " " # لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي ~~بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين. وأنكر على من ~~فهم من قوله # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من كبر " # شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل. ms1851 وأخبرهم أنه # " بطر الحق وغمط الناس " # وأنكر على من فهم من قوله # " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " # أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب، فإنه ~~حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه. وأن المؤمن إذا احتضر وبشر ~~بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وأنكر على عائشة إذ فهمت من ~~قوله تعالى # فسوف يحاسب حسابا يسيرا # الانشقاق 8 معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم # " من نوقش الحساب عذب " # وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة. ~~وأنكر على من فهم من قوله تعالى # من يعمل سوءا يجز به # النساء 123 أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل ~~السوء. وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن، والمرض ~~والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. ~~وأنكر على من فهم من قوله تعالى # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # الأنعام 82 أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان ~~لابنه # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13 وأوضح رحمه الله وجه ذلك بسياق القرآن. قال ثم سأله عمر بن ~~الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارا فقال # " يكفيك آية الصيف " # واعترف عمر رضي الله عنه بأنه خفي عليه فهمها، وفهمها الصديق. وقد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من ~~نهيه أنه لكونها لم تخمس. وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حملة القوم ~~وظهرهم. وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية. وفهم علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه وكبار الصحابة ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي ~~وصرح بعلته لكونها رجسا. وفهمت المرأة من قوله تعالى # وآتيتم إحداهن قنطارا # النساء 20 جواز المغالاة في الصداق، فذكرته لعمر فاعترف به. وفهم ابن ~~عباس من قوله تعالى # والوالدات ms1852 يرضعن أولادهن حولين كاملين # البقرة 233 أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ~~ولدت لها، حتى ذكره ابن عباس فأقر به. # ولم يفهم عمر من قوله # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم " # قتال مانعي الزكاة، حتى بين له الصديق فأقر به. وفهم قدامة بن مظعون ~~من قوله تعالى # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا # المائدة 93 رفع الجناح عن الخمر، حتى بين له عمر أنه لا يتنا ول الخمر، ~~ولو تأمل سياق الآية لهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما ~~طعموه متقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم. فالآية ~~لا تتناول المحرم بوجه. وقد فهم من فهم من قوله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 195 انغماس الرجل في العدو. حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ~~ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة ~~الله، وأن الإلقاء إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا ~~وعمارتها. وقال الصديق رضي الله عنه أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ~~وتضعونها على غير مواضعها # يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم # المائدة 105 وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من ~~عنده " # فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها. ~~وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من ~~اليهود، هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون ~~المعذبين، وهذا هو الحق، لأنه سبحانه قال عن الساكتين. # وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا # الأعراف 164 فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم ms1853 ~~بالنهي، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين ~~بسكوتهم. وأيضا فإنه سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به، وعتوا ~~عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا. فلما بين عكرمة لابن عباس ~~أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به. وقد قال عمر بن ~~الخطاب للصحابة ما تقولون في # إذا جآء نصر الله والفتح # النصر 1 السورة؟ قالوا أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفر. فقال لابن ~~عباس ما تقول أنت؟ قال هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه. ~~فقال ما أعلم منها غير ما تعلم. إلى أن قال رحمه الله والمقصود تفاوت ~~الناس في مراتب الفهم في النصوص. # وأن منهم من يفهم في الآية حكما أو حكمين. ومنهم من يفهم منها عشرة ~~أحكام أو أكثر من ذلك. ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ~~ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره. وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر ~~متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا ~~باب عجيب من فهم القرآن، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن ~~قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به كما فهم ابن عباس من قوله تعالى # حمله وفصاله ثلاثون شهرا # الأحقاف 15 مع قوله # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # البقرة 233 أن المرأة قد تلد لستة أشهر.. إلى آخر كلامه رحمه الله. ~~وإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم رحمه الله كما رأيت. ~~لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه تغمده الله ~~برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا. وقد تركنا كثيرا من ~~نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة. المسألة السابعة اعلم ~~أن استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين رحمهم الله، ودعواهم أن ~~قياساتهم متناقضة ينقض بعضها ms1854 بعضا، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة ~~وليست من الدين في شيء إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة رحمهم ~~الله أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب، والعمل بما دلت عليه النصوص من ~~الظاهرية الساخرين المستهزئين. وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على ~~غيره. اعلم أن من أعظم المسائل التي قال فيها الظاهرية بتناقض أقيسة ~~الأئمة، وتكذيب بعضها لبعض، وأن ذلك يدل على بطلان كل قياس من أقيستهم، ~~هي مسألة الربا التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم # " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر ~~بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد ~~أربى ". # قال الظاهرية فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما حرم الربا في الستة ~~المذكورة. فتحريمه في شيء غيرها قول على الله وعلى رسوله، وتشريع زائد ~~على ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا والذين زادوا على النص ~~أشياء يحرم فيها الربا اختلفت أقوالهم، وتناقضت أقيستهم. فبعضهم يقول ~~التمر، والبلوط ثمر شجر يؤكل ويدبغ بقشره. وبعضهم يقول هي الكيل. وبعضهم ~~يقول هي الاقتيات والادخار الخ. فهذه أقيسة متضاربة متناقضة فليست من عند ~~الله، وإذا تأملت في هذه المسألة التي سخروا بسببها من الأئمة، وادعوا ~~عليهم أنهم حرموا الربا في أشياء لا دليل على تحريمه فيها كالتفاح عند من ~~يقول العلة الطعم كالشافعي، وكالأشنان عند من يقول العلة الكيل علمت أن ~~الأئمة أقرب إلى العمل بالنص في ذلك من الظاهرية المدعين الوقوف مع ظاهر ~~النص. # أما الشافعي الذي قال العلة في تحريم الربا الطعم فقد استدل لذلك بما ~~رواه مسلم في صحيحه حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، أخبرني ~~عمرو ح وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث أن أبا النضر ~~حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبدالله أنه أرسل غلامه بصاع قمح.. ~~الحديث، وفيه. فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " الطعام بالطعام مثلا بمثل " # وكان ms1855 طعامنا يومئذ الشعير فهذا حديث صحيح صرح فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأن الطعام إذا بيع بالطعام بيع مثلا بمثل. والطعام في اللغة ~~العربية اسم لكل ما يؤكل. قال تعالى # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل # آل عمران 93 الآية، وقال # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا وقضبا # عبس 24-28، وقال تعالى # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # المائدة 5 ولا خلاف في ذبائحهم في ذلك. وفي صحيح مسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم " إنها طعام طعم " " # وقال لبيد في معلقته # لمعقر فهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها # يعني بطعامها فريستها. كما قدمنا هذا مستوفى في سورة " البقرة ". ~~فالشافعي رحمه الله وإن سخر الظاهرية منه في تحريمه الربا في التفاح فهو ~~متمسك في ذلك بظاهر حديث صحيح، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم # " الطعام بالطعام مثلا بمثل " # فما المانع للظاهرية من القول بظاهر هذا الحديث الصحيح على عادتهم التي ~~يزعمون فيحكمون على الطعام بأنه مثل بمثل؟ وما مستندهم في مخالفة ظاهر ~~هذا الحديث الصحيح؟ وحكمهم بالربا في البر والشعير والتمر والملح دون ~~غيرها من سائر المطعومات، مع أن لفظ الطعام في الحديث المذكور عام ~~للأربعة المذكورة وغيرها كما ترى، فهل الشافعي في تحريم الربا في التفاح ~~أقرب إلى ظاهر النص أو الظاهرية؟ وكذلك سخريتهم من الإمام أبي حنيفة ~~وأحمد رحمهما الله في قولهما بدخول الربا في كل مكيل وموزون، مستهزئين ~~بمن يقول بالربا في الأشنان قياسا على التمر. إذا تأملت فيه وجدت ~~الإمامين رحمهما الله أقرب في ذلك إلى ظاهر النص من الظاهرية. قال الحاكم ~~في المستدرك حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه، ثنا الحسن بن مكرم روح ~~بن عبادة، ثنا حيان بن عبيدالله العدوي قال سألت أبا مجلز عن الصرف فقال ~~كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه ~~عينا يعني يدا ms1856 بيد، فكان يقول إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد ~~الخدري فقال يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما ~~بلغك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة " ~~إني لأشتهي تمر عجوة " فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل ~~صاعين صاع من تمر عجوة. فقامت فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال " من أين لكم هذا "؟ فقالت أم ~~سلمة بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل صاعين هذا الصاع ~~الواحد، وها هو، كل، فألقى التمرة بين يديه فقال " ردوه لا حاجة لي فيه. ~~التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة ~~بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا " ثم قال ~~كذلك ما يكال ويوزن أيضا " " # إلى آخره. ثم قال الحاكم رحمه الله هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ~~بهذه السياقة. وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد، فيه ~~التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلا بمثل، يدا بيد. وقد قدمنا مرارا ~~أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها. فأبو حنيفة ~~مثلا القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث. فهو أقرب إلى ~~ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص. ~~فإن قيل هذا الحديث لا يحتج به لضعفه، وقد قال الذهبي متعقبا على الحاكم ~~تصحيحه للحديث المذكور ما نصه قلت حيان فيه ضعف وليس بالحجة، وقد أشار ~~البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه الأول زعمه ~~أنه منقطع. لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس. الثاني ~~أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل. واعتقاد ابن ~~حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك. والثالث ~~ أن حيان بن ms1857 عبيد الله المذكور في سند هذا الحديث مجهول. فالجواب عن ذلك ~~كله هو ما ستراه الآن إن شاء الله، وهو راجع إلى شيئين الأول مناقشة من ~~ضعف الحديث، وبيان أنه ليس بضعيف. والثاني أنا لو سلمنا ضعفه تسليما ~~جدليا فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد. أما المناقشة في ~~تضعيفه، فقول الذهبي إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة معارض بقول أبي حاتم ~~فيما ذكره عن ابنه في كتاب الجرح والتعديل إنه صدوق، ومعلوم أن الصحيح أن ~~التعديل يقبل مجملا، والتجريح لا يقبل إلا مبينا مفصلا كما هو مقرر في ~~علوم الحديث. وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحا. # وإعلال ابن حزم له بأنه منقطع. وأن حيان مجهول قد قدمنا مناقشته فيه في ~~سورة " البقرة " لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع عنه. قال ابن أبي حاتم ~~في الجرح والتعديل في أبي مجلز المذكور وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري، ~~توفي أيام عمر بن عبدالعزيز، وروى عن ابن عمر وابن عباس وأنس وجندب الخ، ~~وتصريحه بروايته عن ابن عباس يدل على عدم صحة قول ابن حزم إنه لم يسمع من ~~ابن عباس، وقال البخاري في تاريخه الكبير في لاحق بن حميد المذكور أبو ~~مجلز السدوسي البصري مات قبل الحسن بقليل، ومات الحسن سنة عشر ومائة، سمع ~~ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك الخ. وفيه تصريح البخاري بسماع أبي مجلز ~~من ابن عباس، ومع هذا فابن حزم يقول هو منقطع لعدم سماعه منه. وأما أبو ~~سعيد فلا شك أنه أدركه أبو مجلز المذكور، والمعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت ~~اللقي على التحقيق. كما أوضحه مسلم بن الحجاج رحمه الله في مقدمة صحيحه. ~~وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في أبي مجلز المذكور روى عن أبي موسى ~~الأشعري، والحسن بن علي، ومعاوية. وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وابن ~~عباس، والمغيرة بن شعبة، وحفصة، وأم سلمة، وأنس، وجندب بن عبدالله، وسلمة ~~بن كهيل، وقيس بن عباد وغيرهم. وأرسل ms1858 عن عمر بن الخطاب. وحذيفة الخ. ومما ~~يوضح معاصرة أبي مجلز لأبي سعيد أن جماعة من هؤلاء الصحابة الذين ذكر ابن ~~حجر أنه روى عنهم ماتوا قبل أبي سعيد رضي الله عنهم. فأبو سعيد رضي الله ~~عنه توفي سنة ثلاث أو أربع أو خمس بعد الستين، وقد مات قبله الحسن بن ~~علي، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، ومعاوية وسمرة بن جندب كما هو ~~معلوم. وأما قول ابن حزم إنه مجهول فقد قدمنا مناقشة السبكي له في تكملة ~~المجموع، وأنه قال فإن أراد ابن حزم أنه مجهول العين فليس بصحيح، بل هو ~~رجل مشهور، روي عنه حديث الصرف هذا روح بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، ~~وذكره ابن حزم وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي ويونس ~~بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن ~~عدي بصري، سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك وعن أبيه، وروى عن عطاء ~~وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود ~~وعبيدالله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل منهما ~~بعض ما ذكرته. وله ترجمة في كتاب ابن عدي كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة ~~العين. وإن أراد جهالة ا لحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه فقال ~~في إسناده أخبرنا روح قال حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق. # فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في ~~الحديث، عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهور له فتقبل ~~شهادته له. وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به،ومن يثني ~~عليه إسحاق! وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من ~~المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، قال إن سأل أباه عنه فقال صدوق ا ~~ه من تكملة المجموع كما قدمناه في سورة " البقرة ". والذي رأيت في سنن ms1859 ~~البيهقي الكبرى أن الراوي عن حيان المذكور في إسناده له إبراهيم بن ~~الحجاج، وقال صاحب الجوهر النقي وحيان هذا ذكره ابن حيان في الثقات من ~~أتباع التابعين. وقال الذهبي في الضعفاء جائز الحديث. وقال عبدالحق في ~~أحكامه قال أبو بكر الزار حيان رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. ~~وقال فيه أبو حاتم صدوق. وقال بعض المتأخرين فيه مجهول. ولعله اختلط عليه ~~بحيان بن عبيد الله المروي، وبما ذكر تعلم أن دعوى ابن حزم أن الحديث ~~منقطع، وأن حيان المذكور مجهول ليست بصحيحة. وأما دعواه عدم رجوع ابن ~~عباس لقول سعيد بن جبير إنه لم يرجع عن القول بإباحة ربا الفضل فقد ~~قدمنا الروايات الواردة برجوعه مستوفاة في سورة " البقرة " عن جماعة من ~~أصحابه، ولا شك أنها أولى من قول سعيد بن جبير. لأنهم جماعة وهو واحد، ~~ولأنهم مثبتون رجوعه وهو نافيه، والمثبت مقدم على النافي. وأما شواهد ~~حديث حيان المذكور الدال على أن الربا في كل ما يكال ويوزن فمنها ما ~~قدمنا في سورة " البقرة " من حديث أنس وعبادة بن الصامت عند الدارقطني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك. فإذا اختلف ~~النوعان فلا بأس به " # وقد قدمنا في سورة " البقرة " قول الشوكاني إن حديث أنس وعبادة هذا أشار ~~إليه ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه ~~أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا. ويشهد ~~لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث انتهى منه كما تقدم. ~~وفي هذا الحديث المذكور دليل واضح على أن كل ما يكال أو يوزن فيه الربا ~~وإن سخر ا لظاهرية ممن يقول بذلك، ومن شواهد حديث حيان المذكور الحديث ~~المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة حدثنا عبدالله بن ~~يوسف، أخبرنا مالك عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف، عن سعيد بن ~~المسيب، عن أبي سعيد الخدري ms1860 وأبي هريرة رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر ~~جنيب، فقال " أكل تمر خيبر هكذا "؟ فقال إنا لنأخذ الصاع من هذا ~~بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال " لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ~~ابتع بالدراهم جنيبا " " # ، وقال في الميزان مثل ذلك. انتهى منه. ومحل الشاهد منه قوله وقال في ~~الميزان مثل ذلك، ومعناه ظاهر جدا في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في ~~منع الربا. وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور ~~في سورة " البقرة ". وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه أنه سمع سعيد بن ~~المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله ~~على خيبر، فقدم بتمر جنيب. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~أكل تمر خيبر هكذا؟ ". قال لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع ~~بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تفعلوا ولكن ~~مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان " # انتهى منه. وقوله في هذه الحديث المتفق عليه " وكذلك الميزان " ظاهر ~~جدا في أن ما يوزن كما يكال، وأن في ذلك كله الربا. ولا شك أن هذه ~~الأحاديث التي عمل بها بعض الأئمة وإن استهزأ بهم الظاهرية في ذلك أقرب ~~إلى ظاهر النص من قول الظاهرية إنه لا ربا إلا في الستة المذكورة قبل. ~~والمقصود التمثيل لأحوالهم مع الأئمة المجتهدين رحمهم الله. تنبيه اعلم ~~أنا نقول بموجب الأحاديث التي استدل بها الظاهرية، على أن ما سكت عنه ~~الشارع فهو عفو، ونقول مثلا إن صوم شهر آخر غير رمضان لم يوجب علينا فهو ~~عفو. ولكن لا نسلم أن آية # فلا تقل لهمآ أف # الإسراء 23 ساكتة عن تحريم ضرب الوالدين. بل نقول هي دالة عليه، وادعاء ~~أنها لم تتعرض لذلك باطل كما ترى. ولا نقول إن آية # فمن يعمل مثقال ذرة # الزلزلة 7 الآية ms1861 ساكتة عن مؤاخذة من عمل مثقال جبل. بل هي دالة على ~~المؤاخذة بذلك. وهكذا إلى آخر ما ذكرنا من أمثلة ذلك في هذه المباحث، وفي ~~سورة " بني إسرائيل ". وما ذكرنا سابقا من أن الصواب في مسألة القياس ~~أنه قسمان. صحيح، وفاسد. كما بينا وكما أوضحه ابن القيم رحمه الله في ~~كلامه الذي نقلنا اعتمده صاحب مراقي السعود في قوله في القياس # وما روي من ذمه فقد عني به الذي على الفساد قد بني # المسألة الثامنة اعلم أن جماهير القائلين بالقياس يقولون إنه إن خالف ~~النص فهو باطل، ويسمون القدح فيه بمخالفته للنص فساد الاعتبار. كما أشار ~~إليه صاحب مراقي السعود بقوله # والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى # كما قدمناه في سورة " البقرة ". واعلم أن ما يذكره بعض علماء الأصول من ~~المالكية وغيرهم عن الإمام مالك رحمه الله من أنه يقدم القياس على أخبار ~~الآحاد خلاف التحقيق. والتحقيق أنه رحمه الله يقدم أخبار الآحاد على ~~القياس. واستقراء مذهبه يدل على ذلك دلالة واضحة، ولذلك أخذ بحديث ~~المصراة في دفع صاع التمر عوض اللبن. ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها ~~في ذلك أنه رحمه الله يقول إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من ~~الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل. كما قدمناه مستوفى في ~~سورة " بني إسرائيل ". ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا كما قال ربيعة ~~بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص ~~عقلها. ومالك خالف القياس في هذا لقول سعيد بن المسيب إنه السنة كما ~~تقدم. وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن يقول إن مالكا يقدم القياس على النص، ~~ومسائل الاجتهاد والتقليد مدونة في أصول الفقه، ولأجل ذلك نكتفي بما ~~ذكرنا من ذلك هنا. المسألة التاسعة اعلم أن أكثر أهل العلم قالوا إن ~~الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود إذ نفشت فيه غنم القوم بستان عنب والنفش ~~رعي الغنم ليلا خاصة. ومنه قول الراجز # بدلن ms1862 بعد النفش الوجيفا وبعد طول الجرة الصريفا # وقيل كان الحرث المذكور زرعا، وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل ~~الحرث عوضا من حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته. وقال بعض أهل العلم اعتبر ~~قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث. إما لأنه لم ~~يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها، ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلا من ~~القيمة. وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك ~~بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم. ولم ~~يضيع عليهم غلته من حين الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ~~ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم ~~نظير ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء، قالوا ~~وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه بإدراكه. هكذا يقولون، والله ~~تعالى أعلم. المسألة العاشرة اعلم أن العلماء اختلفوا في مثل هذه القصة. ~~فلو نفشت غنم قوم في حرث آخرين فتحاكموا إلى حاكم من حكام المسلمين فماذا ~~يفعل؟ اختلف العلماء في ذلك. # فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ما أفسدته البهائم ليلا يضمنه أرباب ~~الماشية بقيمته، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. ~~وقيل يضمنونه بمثله كقضية سليمان. قال ابن القيم وهذا هو الحق. وهو أحد ~~القولين في مذهب أحمد، ووجه الشافعية والمالكية، والمشهور عنهم خلافه. ~~والآية تشير إلى اختصاص الضمان بالليل. لأن النفش لا يطلق لغة إلا على ~~الرعي بالليل كما تقدم. واحتج الجمهور لضمان أصحاب ما أفسدته ليلا بحديث ~~حرام بن محيصة # " أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه. فقضى نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم " أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت ~~المواشي بالليل ضامن على أهلها " " # رواه الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد وأبو داود، وابن ماجه والدارقطني، ~~وابن حبان. وصححه الحاكم فقال بعد أن ساق الحديث المذكور هذا حديث صحيح ~~الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي فإن معمرا قال ms1863 عن الزهري عن ~~حرام بن محيصة عن أبيه، وأقره الذهبي على تصحيحه ولم يتعقبه. وقال ~~الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في الحديث المذكور صححه الحاكم ~~والبيهقي. قال الشافعي أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله ا ه منه. ~~والاختلاف على الزهري في رواية هذا الحديث كثير معروف. وقال ابن عبد البر ~~وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به ~~الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل ~~به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث، وعلى كل ~~حال فالحديث المذكور احتج به جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة ~~المذكورون على أن ما أفسدته البهائم بالليل على أربابها، وفي النهار على ~~أهل الحوائط حفظها. ومشهور مذهب مالك وأحمد والشافعي أنه يضمن بقيمته كما ~~تقدم. وأبو حنيفة يقول لا ضمان مطلقا في جناية البهائم، ويستدل بالحديث ~~الصحيح # " العجماء جبار " # أي جرحها هدر. والجمهور يقولون إن الحديث المذكور عام وضمان ما أفسدته ~~ليلا مخصص له. وذهب داود ومن وافقه إلى أن ما أتلفته البهائم بغير علم ~~مالكها ولو ليلا لا ضمان فيه، وأما إذا رعاها صاحبها باختياره في حرث ~~غيره فهو ضامن بالمثل. واعلم أن القائلين بلزم قيمة ما أفسدته البهائم ~~ليلا يقولون يضمنه أصحابها ولو زاد على قيمتها. خلافا لليث القائل لا ~~يضمنون ما زاد على قيمتها. وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفروع. ~~وصيغة الجمع في الضمير في قوله { لحكمهم } الأنبياء 78 الظاهر أنها ~~مراد بها سليمان وداود وأصحاب الحرث وأصحاب الغنم، وأضاف الحكم إليهم لأن ~~منهم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه. وقوله { ففهمناها } ~~الأنبياء 79 أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله { إذ يحكمان ~~في الحرث } الأنبياء 78 وقوله { وكلا آتينا } الأنبياء 79 ~~أي أعطينا كلا من داود وسليمان حكما وعلما. # والتنوين في قوله { وكلا } عوض عن كلمة أي كل واحد منهما. قوله ~~تعالى { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر الجبال ~~أي ms1864 ذللها، وسخر الطير تسبح مع داود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة من تسخيره الطير، والجبال تسبح مع نبيه داود بينه في غير هذا ~~الموضع. كقوله تعالى ولقد آتينا داوود منا فضلا # يجبال أوبي معه والطير # سبأ 10 الآية. وقوله { أوبي معه } أي رجعي معه التسبيح. { ~~والطير } أي ونادينا الطير بمثل ذلك من ترجيع التسبيح معه. وقول من ~~قال { أوبي معه } أي سيرى معه، وأن التأويب سير النهار ساقط كما ~~ترى. وكقوله تعالى # واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ~~والطير محشورة كل له أواب # ص 17-19. والتحقيق أن تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور تسبيح حقيقي. ~~لأن الله جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل وعلا ونحن لا ~~نعلمها. كما قال # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # الإسراء 44، وقال تعالى # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # البقرة 74 الآية، وقال تعالى # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # الأحزاب 72 الآية. وقد ثبت في صحيح البخاري أن الجذع الذي كان يخطب عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين. ~~وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي في مكة قبل أن أبعث. إني لأعرفه ~~الآن " # وأمثال هذا كثيرة والقاعدة المقررة عند العلماء أن نصوص الكتاب والسنة ~~لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه. ~~والتسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع تنزيه الله جل ~~وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية { ~~وسخرنا مع داوود الجبال } أي جعلناها بحيث تطيعه إذا ~~أمرها بالتسبيح والظاهر أن قوله { وكنا فاعلين } مؤكد لقوله { ~~وسخرنا مع داوود الجبال ms1865 يسبحن والطير } ~~والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، ~~مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة. وقال الزمخشري { وكنا فاعلين } ~~أي قادرين على أن نفعل هذا. وقيل كنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك. وكلا ~~القولين اللذين قال ظاهر السقوط. لأن تأويل { وكنا فاعلين } ~~بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى. ~~وقال أبو حيان { وكنا فاعلين } أي قادرين على أن نفعل هذا. وقيل ~~كنا نفعل بالأشياء مثل ذلك. وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط. لأن ~~تأويل { وكنا فاعلين } بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه كما ~~لا دليل على الآخر كما ترى. وقال أبو حيان { وكنا فاعلين } أي ~~فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن، والطير لمن نخصه بكرامتنا ~~ا ه، وأظهرها عندي هو ما تقدم، والعلم عند الله تعالى. ### || [21.80] # الضمير في قوله { علمناه } راجع إلى داود، والمراد بصنعة اللبوس ~~صنعة الدروع ونسجها. والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع أنه ~~أتبعه بقوله { لتحصنكم من بأسكم } أي لتحرز وتقي بعضكم من ~~بأس بعض، لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح والسهم، كما هو ~~معروف. وقد أوضح هذا المعنى بقوله # وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في ~~السرد # سبأ 10-11 فقوله { أن اعمل سابغات } أي أن اصنع دروعا سابغات ~~من الحديد الذي ألناه لك. والسرد نسج الدرع. ويقال فيه الزرد، ومن الأول ~~قول أبي ذؤيب الهذلي # وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو اصنع السوابغ تبع # ومن الثاني قول الآخر # نقربهم لهذميات نقد بها ما كان خاط عليهم كل زراد # ومراده بالزراد ناسج الدرع. وقوله { وقدر في السرد } أي اجعل ~~الحلق والمسامير في نسجك الدرع بأقدار متناسبة. فلا تجعل المسمار دقيقا ~~لئلا ينكسر، ولا يشد بعض الحلق ببعض، ولا تجعله غليظا غلظا زائدا ~~فيفصم الحلقة. وإذا عرفت أن اللبوس في الآية الدروع فاعلم أن العرب تطلق ~~اللبوس على الدروع كما في الآية. ومنه قول الشاعر # عليها أسود ضاويات لبوسهم سوابغ بيض ms1866 لا يخرقها النبل # فقوله " سوابغ " أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير # شم العرانيين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل # ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل الدروع. والعرب تطلق اللبوس ~~أيضا على جميع السلاح درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا. ومن ~~إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحا # ومعي لبوس للبئيس كأنه روق بجبهة ذي نعاج مجفل # وتطلق اللبوس أيضا على كل ما يلبس. ومنه قول بيهس # البس كل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها # وما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من ~~بأس السلاح تقدم إيضاحه في سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى # وسرابيل تقيكم بأسكم # النحل 81 الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهل أنتم ~~شاكرون } الظاهر فيه أن صيغة الاستفهام هنا يراد بها الأمر، ومن ~~إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله تعالى # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # المائدة 91 أي انتهوا. ولذا قال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب. وقوله ~~تعالى # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم # آل عمران 20 الآية، أي أسلموا. وقد تقرر في فن المعاني أن من المعاني ~~التي تؤدي بصيغة الاستفهام الأمر، كما ذكرنا. وقوله { شاكرون } شكر ~~العبد لربه هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشكر الرب لعبده هو أن يثيبه ~~الثواب الجزيل من عمله القليل. # ومادة " شكر " لا تتعدى غالبا إلا باللام، وتعديتها بنفسها دون اللام ~~قليلة، ومنه قول أبي نخيلة # شكرتك إن الشكر حبل من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضى # وفي قوله { لتحصنكم } ثلاث قراءات سبعية قرأه عامة السبعة ما عدا ~~ابن عامر وعاصما { ليحصنكم } بالياء المثناة التحتية، وعلى هذه ~~القراءة فضمير الفاعل عائد إلى داود، أو إلى اللبوس، لأن تذكيرها باعتبار ~~معنى ما يلبس من الدروع جائز. وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم { ~~لتحصنكم } بالتاء المثناة الفوقية، وعلى ms1867 هذه القراءة فضمير الفاعل ~~راجع إلى اللبوس وهي مؤنثة، أو إلى الصنعة المذكورة في قوله { صنعة ~~لبوس } ، وقرأه شعبة عن عاصم { لنحصنكم } بالنون الدالة على ~~العظمة وعلى هذه القراءة فالأمر واضح. ### || [21.81] # قوله { ولسليمان الريح } معطوف على معمول " سخرنا " ، في ~~قوله # وسخرنا مع داوود الجبال # الأنبياء 79 أي وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفة. أي شديدة ~~الهبوب. يقال عصفت الريح أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وفي لغة بني أسد ~~أعصفت فهي معصف ومعصفة، وقد قدمنا بعض شواهده العربية في سورة الإسراء. ~~وقوله { تجري بأمره } أي تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به، ~~وما ذكره في هذه الآية من تسخير الريح لسليمان، وأنها تجري بأمره بينه ~~في غير هذا الموضع وزاد بيان قدر سرعتها، وذلك في قوله # ولسليمان الريح # سبأ 12، وقوله # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب # ص 36. تنبيه اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين الأول ~~أن يقال إن الله وصف الريح المذكورة هنا في سورة " الأنبياء " بأنها ~~عاصفة. أي شديدة الهبوب، ووصفها في سورة " ص " بأنها تجري بأمره رخاء. ~~والعاصفة غير التي تجري رخاء. والسؤال الثاني هو أنه هنا في سورة " ~~الأنبياء " خص جريها به بكونه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، وفي ~~سورة " ص " قال { تجري بأمره رخآء حيث أصاب } ، وقوله { ~~حيث أصاب } أي حيث أراد. قاله مجاهد. وقال ابن الأعرابي العرب تقول ~~أصاب الصواب، وأخطأ الجواب أي أراد الصواب وأخطأ الجواب. ومنه قول الشاعر # أصاب الكلام فلم يستطع فأخطأ الجواب لدى المفصل # قاله القرطبي. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن معنى " ~~أصاب ". فخرج إليهما فقال أين تصيبان؟ فقالا هذه طلبتنا. ورجعا. أما ~~الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين الأول أنها عاصفة في بعض الأوقات، ~~ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة. كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر ~~حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاء حيث ~~أصاب. الجواب الثاني هو ما ذكره الزمخشري ms1868 قال فإن قلت وصفت هذه الريح ~~بالعصف تارة وبالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت كانت في نفسها رخية ~~طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال { ~~غدوها شهر ورواحها شهر }. فكان جمعها بين الأمرين أن ~~تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ~~ما يريد يحتكم ا ه محل الغرض منه. وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو ~~أن قوله { حيث أصاب } يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار ~~الأرض. وقوله { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا ~~فيها } لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله { ~~حيث أصاب } في حالة الذهاب. وقوله { إلى الأرض التي ~~باركنا فيها } في حالة الإياب إلى محل السكنى. فانفكت الجهة فزال ~~الإشكال. وقد قال نابغة ذبيان # إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن ~~إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد # وتدمر بلد بالشام. وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو ~~معروف. ### || [21.82] # الأظهر في قوله { من يغوصون } أنه في محل نصب عطفا على معمول { ~~سخرنا } أي وسخرنا له من يغوصون له من الشياطين. وقيل " من " مبتدأ، ~~والجار والمجرور قبله خبره. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ~~سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين. أي يغوصون له في البحار فيستخرجون ~~له منها الجواهر النفيسة. كاللؤلؤ، والمرجان. والغوص النزول تحت الماء. ~~والغواص الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه. ومنه قول نابغة ذبيان # أو درة صدفية غواصها بهج متى يراها يهل ويسجد # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أيضا. أن الشياطين المسخرين له ~~يعملون له عملا دون ذلك. أي سوى ذلك الغوص المذكور. أي كبناء المدائن ~~والقصور، وعمل المحاريب والتماثيل، والجفان والقدور الراسيات، وغير ذلك ~~من اختراع الصنائع العجيبة. وقوله في هذه الآية الكريمة { وكنا ~~لهم حافظين } أي من أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، ms1869 أو ~~يوجد منم فساد فيما هم مسخرون فيه. وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه ~~الآية الكريمة جاءت مبينة في غير هذا الموضع. كقوله في الغوص والعمل ~~سواء # والشياطين كل بنآء وغواص # ص 37 الآية، وقوله في العمل غير الغوص # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات # سبأ 13، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره # ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير # سبأ 12، وقوله # وآخرين مقرنين في الأصفاد # ص 38. وصفة البساط، وصفة حمل الريح له، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس ~~والطير كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير، ونحن لم نطل به الكلام في ~~هذا الكلام المبارك. ### || [21.83-84] # الظاهر أن قوله { وأيوب } منصوب باذكر مقدرا، ويدل على ذلك قوله ~~تعالى في " ص " # واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب # ص 41. وقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلا { ني مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين } وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به ~~من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به، ~~وتذكيرا للعابدين أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى. ~~وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضا في سورة " ص " في قوله # واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب # ص 41 إلى قوله # لأولي الألباب # ص 43 والضر الذي مس أيوب، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه ~~وأهله وماله. ولما أراد الله إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل، ~~فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها ~~فزال كل ما بباطنه. كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # ص 42. وما ذكره في " الأنبياء " من أنه آتاه أهله ومثلهم رحمة منه وذكرى ~~لمن يعبده بينه في " ص " في قوله # اركض برجلك ms1870 هذا مغتسل بارد وشراب # ص 43، وقوله في " الأنبياء " ، { وذكرى للعابدين } مع قوله ~~في " ص " ، { وذكرى لأولي الألباب } فيه الدلالة الواضحة على ~~أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ~~ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم، إن من أوصى بشيء من ماله ~~لأعقل الناس أن تلك الوصية تصرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعال. ~~لأنهم هم أولو الألباب. أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال. تنبيه في ~~هذه الآيات المذكورة سؤال معروف، وهو أن يقال إن قول أيوب المذكور في " ~~الأنبياء " في قوله، { إذ نادى ربه أني مسني الضر } ~~الأنبياء 83 وفي " ص " في قوله، # إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب # ص 41 يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه. مع أن قوله تعالى عنه، # إنا وجدناه صابرا # ص 44 يدل على كمال صبره؟ والجواب أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر ~~وحاجة إلى ربه، لا شكوى ولا جزع. قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في ~~تفسير هذه الآية الكريمة، ولم يكن قوله { مسني الضر } الأنبياء ~~83 جزعا. لأن الله تعالى، قال # إنا وجدناه صابرا # ص 44 بل كان ذلك دعاء منه. # والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. ~~قال الثعلبي سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول حضرت مجلسا غاصا ~~بالفقهاء والأدباء في دار السلطان. فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد ~~اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى # إنا وجدناه صابرا # ص 44 فقلت ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء. بيانه { فاستجبنا له ~~} الأنبياء 84 والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. ~~وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال عرفة فاقة السؤال ليمن عليه بكرم ~~النوال انتهى منه. ودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة " الأنبياء " ~~من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله { أني مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين } الأنبياء 83 وذكره في سورة " ~~ص " وأسند ms1871 ذلك للشيطان في قوله # أني مسني الشيطان بنصب وعذاب # ص 41 والنصب على جميع القراءات معناه التعب والمشقة، والعذاب الألم. وفي ~~نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية " ص " هذه إشكال قوي ~~معروف. لأن الله ذكر في آيات من كتابه أن الشيطان ليس له سلطان على مثل ~~أيوب من الأنبياء الكرام. كقوله # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون # النحل 99-100، وقوله تعالى # وما كان له عليهم من سلطان # سبأ 21 الآية، وقوله تعالى عنه مقررا له # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # إبراهيم 22، وقوله تعالى # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42. وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة. منها ما ذكره الزمخشري قال ~~فإن قلت لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي من ~~إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه ~~وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت لما ~~كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه الله به من النصب ~~والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في ~~دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل أراد ما كان يوسوس به ~~إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، ~~فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ~~ورده بالصبر الجميل. وروي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين. فارتد أحدهم ~~فسأل عنه، فقيل ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. ~~وذكر في سبب بلائه أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل كانت مواشيه ~~في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل. أعجب بكثرة ماله انتهى منه. # ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ~~ابتلاء لأيوب. فأهلك الشيطان ماله ms1872 وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له ~~فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكها بأظافره حتى ~~دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه. وغالب ذلك من ~~الإسرائيليات وتسليطه للابتلاء على جسده، وماله وأهله ممكن، وهو أقرب من ~~تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي. كمداهنة الملك المذكور، وعدم ~~إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون. وقد ذكروا ~~هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه، وقدر مدته وكل ذلك من ~~الاسرائيليات وقد ذكرنا هنا قليلا. وغاية ما دل عليه القرآن أن الله ~~ابتلى نبيه أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه ناداه فاستجاب له ~~وكشف عنه كل ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم، وأن أيوب نسب ذلك في " ص " إلى ~~الشيطان. ويمكن أن يكون سلطه الله على جسده وماله وأهله. ابتلاء ليظهر ~~صبره الجميل، وتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، ويرجع له كل ~~ما أصيب فيه، والعلم عند الله تعالى وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان ~~له على مثل أيوب، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب ~~التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض، وذلك يقع للأنبياء، فإنهم يصيبهم ~~المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة ~~تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء وقد أوضحنا جواز وقوع ~~الأمراض والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة " طه " وقول الله لنبيه ~~أيوب في سورة " ص " # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # ص 44 الآية، قال المفسرون فيه إنه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط، ~~فأمره الله أن يأخذ ضغثا فيضربها به ليخرج من يمينه، والضغث الحزمة ~~الصغيرة من حشيش أو ريحان أو نحو ذلك. والمعنى أنه يأخذ حزمة فيها مائة ~~عود فيضربها بها ضربة واحدة، فيخرج بذلك من يمينه. وقد قدمنا في سورة " ~~الكهف " الاستدلال بآية { ولا تحنث } على أن الاستثناء المتأخر لا ~~يفيد. إذ لو كان يفيد لقال الله لأيوب ms1873 قل إن شاء الله. ليكون ذلك استثناء ~~في يمينك. ### || [21.87-88] # أي واذكر ذا النون. والنون الحوت. " وذا " بمعنى صاحب. فقوله { ذا ~~النون } معناه صاحب الحوت. كما صرح الله بذلك في " القلم " في قوله # ولا تكن كصاحب الحوت # القلم 48 الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى # فالتقمه الحوت وهو مليم # الصافات 142. وقوله { فظن أن لن نقدر عليه } فيه وجهان ~~من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر الأول أن المعنى { لن نقدر ~~عليه } أي لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق " قدر " بمعنى " ضيق ~~" في القرآن قوله تعالى # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # الرعد 26 أي ويضيق الرزق على من يشاء، وقوله تعالى # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله # الطلاق 7 الآية. فقوله { ومن قدر عليه رزقه } أي ومن ضيق ~~عليه رزقه. الوجه الثاني أن معنى { أن لن نقدر عليه } لن ~~نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. " وقدر " بالتخفيف تأتي ~~بمعنى " قدر " المضعفة ومنه قوله تعالى # فالتقى المآء على أمر قد قدر # القمر 12 أي قدره الله. ومه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدا لذلك # فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائذ ~~ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر # والعرب تقول قدر الله لك الخير يقدره قدرا، وكضرب يضرب، ونصر ينصر، ~~بمعنى قدره لك تقديرا. ومنه على أصح القولين " ليلة القدر " لأن الله ~~يقدر فيها الأشياء. كما قال تعالى # فيها يفرق كل أمر حكيم # الدخان 4 والقدر بالفتح، والقدر بالسكون ما يقدره الله من القضاء. ومنه ~~قول هدبةبن الخشرم # ألا يا لقومي للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري # أما قول من قال إن { أن لن نقدر عليه } من القدرة فهو قول ~~باطل بلا شك. لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا ~~يخفى. وقوله في هذه الآية الكريمة { مغاضبا } أي في حال ms1874 كونه مغاضبا ~~لقومه. ومعنى المفاعلة فيه أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم، ~~وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من ~~بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج. ~~قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضا وقيل معنى " مغاضبا " غضبان، وهو ~~من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكا. نحو عاقبت اللص، وسافرت ا ه. واعلم ~~أن قول من قال { مغاضبا } أي مغاضبا لربه كما روي عن ابن مسعود، وبه ~~قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتبي، واستحسنه ~~المهدوي يجب حمله على معنى القول الأول. # أي مغاضبا من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا ~~وقال النحاس وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى ~~مغاضبا من أجل ربه كما تقول غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله عز ~~وجل إذا عصى انتهى منه. والمعنى على ما ذكر مغاضبا قومه من أجل ربه، ~~أي، من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية. وقوله ~~تعالى { فنادى في الظلمات }. أي ظلمة البحر، وظلمة الليل، ~~وظلمة بطن الحوت. و " أن " في قوله { أن لا إله إلا أنت } ~~مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى " أن لا إله " ، ومعنى " سبحانك " ، ~~ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله { فاستجبنا له } أي ~~أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى ~~أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات ~~هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من الغم أوضحه في غير هذا ~~الموضع. وبين في بعض المواضع أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في ~~بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه ms1875 بالعراء ~~وهو سقيم. وبين في بعضها أنه خرج بغير إذن كخروج البعد الآبق، وأنهم ~~اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى ~~فيه. وبين في بعضها أن الله تداركه برحمته. ولو لم يتداركه بها لنبذ ~~بالعراء في حال كونه مذموما، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال ~~تعالى في " الصافات " # وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه ~~الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين ~~للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه ~~بالعرآء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين # الصافات 139-148. فقوله في آيات " الصافات " المذكورة { إذ أبق } ~~أي حين أبق، وهو من قول العرب عبد آبق، لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ~~ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله { وهو مليم ~~} لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله { فساهم ~~} أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة. لأنه خرج له ~~السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر # قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون # وقوله { فنبذناه } أي طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. ~~والعراء الصحراء. وقول من قال العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو ~~المكان الخالي أو وجه الأرض راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من ~~خزاعة # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي # وشجرة اليقطين هي الدباء. وقوله { وهو سقيم } أي مريض لما أصابه ~~من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في " القلم ". # ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا ~~أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو ~~مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين # القلم 48-50 فقوله في آية " القلم " هذه { إذ نادى } أي نادى أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله { وهو مكظوم } أي ~~مملوء غما، كما قال ms1876 تعالى { ونجيناه من الغم } وهو قول ابن ~~عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك { مكظوم } مملوء كربا. قال ~~الماوردي والفرق بين الغم والكرب أن الغم في القلب. والكرب في الأنفاس. ~~وقيل { مكظوم } محبوس. والكظم/ الحبس. ومنه قولهم كظم غيظه، أي حبس ~~غضبه، قاله ابن بحر. وقيل المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله ~~المبرد انتهى من القرطبي. وآية " القلم " المذكورة تدل على أن نبي الله ~~يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر ~~الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبا نبينا صلى الله عليه وسلم فيها # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # القلم 48 الآية. فإن أمره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهيه إياه ~~أن يكون كصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة ~~يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين ~~تعالى في سورة " يونس " أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من ~~سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # يونس 98. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وكذلك ننجي ~~المؤمنين } يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى ~~الله داعيا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء ~~يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور # " لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " # رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة ~~شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى، لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه ~~بذلك إنجاءه المؤمنين. # وقوله { ننجي المؤمنين } صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ ~~عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم { وكذلك ننجي ~~المؤمنين } بنون ms1877 واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. ~~وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني للمفعول من مجى المضعفة على وزن ~~فعل بالتضعيف. وفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من ~~جهة ا لقواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، ~~وهي أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، ~~فيقال كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن ~~عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية، لأن نجى على قراءتهما بصيغة ~~ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع { المؤمنين } بعده على أنه نائب ~~الفاعل، وكذلك القياس فتح نون " نجى " لا إسكانها. وأجاب العلماء عن هذا ~~بأجوبة منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من ~~توضيحه أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة " ننجي " بفتح النون الثانية ~~مضارع نجى مضعفا، فحذفت النون الثانية تخفيفا. أو ننجي بسكونها مضارع ~~أنجى وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين ~~القوة والضعف، كما أدغمت في " إجاصة وإجانة " بتشديد الجيم فيهما، والأصل ~~" إنجاصة وإنجانة " فأدغمت النون فيهما. والإجاصة واحدة الإجاص، قال في ~~القاموس الإجاص بالكسر مشددا ثمر معروف دخيل، لأن الجيم والصاد لا ~~يجتمعان في كلمة، الواحدة بهاء. ولا تقل انجاص، أو لغية ا ه. والإجانة. ~~واحدة الأجاجين. قال في التصريح وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح ~~قصرية يعجن فيه ويغسل فيها. ويقال إنجانة كما يقال إنجاصة، وهي لغة ~~يمانية فيهما أنكرها الأكثرون ا ه. فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر ~~وشعبة، وعليهما فلفظة " المؤمنين " مفعول به ل " ننجي ". ومن أجوبة ~~العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة أن " نجى " على قراءتهما فعل ماض مبني ~~للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجى هو أي الإنجاء، وعلى هذا ~~الوجه فالآية كقراءة من قرأ # ليجزي قوما # الجاثية 14 الآية، ببناء " يجزي " للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ~~ليجزي هو أي الجزاء ونيابة المصدر عن الفاعل في حال ms1878 كون الفعل متعديا ~~للمفعول ترد بقلة، كما أشار له في الخلاصة بقوله # وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حرى ولا ينوب بعض هذا إن ~~وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد # ومحل الشاهد منه قوله " وقد يرد " وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون ~~وأبو عبيد. # ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق # ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا # يعني لسب هو أي السب. وقول الراجز # لم يعن بالعلياء إلا سيدا ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى # وأما إسكان ياء " نجي " على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب ~~رضي، وبقي بإسكان الياء تخفيفا. ومنه قراءة الحسن # وذروا ما بقي من الربا # البقرة 278 بإسكان ياء " بقي " ومن شواهد تلك اللغة قول الشاعر # خمر الشيب لمنى تخميرا وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذ ~~القيامة قامت ودعى بالحساب أين المصيرا # وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في ~~المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة للمصاحف لخفائها، أما قراءة ~~الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفا من ~~الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظا بذكر الحرف المحذوف والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [21.92-93] # قد قدمنا معاني " الأمة " في القرآن في سورة " هود ". والمراد بالأمة ~~هنا الشريعة والملة. والمعنى وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة، وهي توحيد ~~الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره، واجتناب نهيه ~~بإخلاص في ذلك. على حسب ما شرعه لخلقه { وأنا ربكم فاعبدون ~~} أي وحدي. والمعنى دينكم واحد وربكم واحد، فلم تختلفون { ~~وتقطعوا أمرهم بينهم } المعنى جعلوا أمر دينهم فيما ~~بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه. فيصير لهذا نصيب ولذلك ~~نصيب. تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا شتى ا ه. وظاهر الآية أن ~~" تقطع " متعدية إلى المفعول ومفعولها " أمرهم " ومعنى تقطعوه. أنهم ~~جعلوه قطعا كما ذكرنا. وقال القرطبي قال الأزهري { وتقطعوا ~~أمرهم } أي تفرقوا في أمرهم ms1879 فنصب " أمرهم " بحذف " في " ومن إطلاق ~~الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية قوله تعالى عن الكفار # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # الزخرف 22 أي على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان # حلفت فلم أترك في نفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # ومعنى قوله " وهل يأثمن ذو أمة.. الخ " أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم ~~طائعا. وما ذكره جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين من أن الدين واحد ~~والرب واحد فلا داعي للاختلاف. وأنهم مع ذلك اختلفوا وصاروا فرقا ~~أوضحه في سورة # قد أفلح المؤمنون # المؤمنون 1 وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم. وذلك ~~في قوله تعالى # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم ~~في غمرتهم حتى حين # المؤمنون 51-54. وقوله في هذه الآية { زبرا } أي قطعا كزبر الحديد ~~والفضة، أي قطعها. وقوله # كل حزب بما لديهم فرحون # المؤمنون 53 أي كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين ~~دينهم قطعا فرحون بباطلهم، مطمئنون إليه، معتقدون أنه هو الحق. وقد ~~بين جل وعلا في غير هذا الموضع أن ما فرحوا به، واطمأنوا إليه باطل، كما ~~قال تعالى في سورة " المؤمن " # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين # غافر 83-84، وقال # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون # الأنعام 159. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إن هذه } " ~~هذه " اسم " إن " وخبرها { أمتكم }. وقوله { أمة ~~واحدة } حال كما هو ظاهر. ### || [21.100] # قوله تعالى { لهم فيها زفير }. ذكر جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أن أهل النار لهم فيها زفير والعياذ بالله تعالى. وأظهر الأقوال ~~في الزفير أنه كأول صوت ms1880 الحمار، وأن الشهيق كآخره وقد بين تعالى أن أهل ~~النار لهم فيها زفير في غير هذا الموضع وزاد على ذلك الشهيق والخلود، ~~كقوله في " هود " # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق خالدين فيها # هود 106-107 الآية. قوله تعالى { وهم فيها لا يسمعون }. ذكر ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل النار لا يسمعون فيها. وبين في غير ~~هذا الموضع أنهم لا يتكلمون ولا يبصرون، كقوله في " الإسراء " # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # الإسراء 97 الآية، وقوله # ونحشره يوم القيامة أعمى # طه 124، وقوله # ووقع القول بما ظلموا فهم لا ينطقون # النمل 85 مع أنه جلا وعلا ذكر في آيات أخر ما يدل على أنهم يسمعون ~~ويبصرون ويتكلمون، كقوله تعالى # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # مريم 38 الآية، وقوله # ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا # السجدة 12 الآية، وقوله # ورأى المجرمون النار # الكهف 53 الآية. وقد بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في " طه " ~~فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [21.101] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أن الذين سبقت لهم منه في علمه ~~الحسنى وهي تأنيث الأحسن، وهي الجنة أو السعادة مبعدون يوم القيامة عن ~~النار. وقد أشار إلى نحو ذلك في غير هذا الموضع، كقوله # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # يونس 26، وقوله # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # الرحمن 60، ونحو ذلك من الآيات. ### || [21.103] # قوله تعالى { وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون }. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ~~عباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى { وتتلقاهم ~~الملائكة } أي تستقبلهم بالبشارة، وتقول لهم { هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون } أي توعدون فيه أنواع الكرامة والنعيم. قيل ~~نستقبلهم على أبواب الجنة بذلك. وقيل عند الخروج من القبور كما تقدم. وما ~~ذكره جل وعلا من استقبال الملائكة لهم بذلك بينه في غير هذا الموضع، ~~كقوله في " فصلت " # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ~~نحن أوليآؤكم ms1881 في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون نزلا من غفور رحيم # فصلت 30-32 وقوله في " النحل " # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # النحل 32 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [21.104] # قوله تعالى { يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب ~~}. قوله { يوم نطوي السمآء } منصوب بقوله # لا يحزنهم الفزع # الأنبياء 103، أو بقوله # وتتلقاهم # الأنبياء 103. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة ~~يطوي السماء كطي السجل للكتب. وصرح في " الزمر " بأن الأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة، وأن السموات مطويات بيمينه، وذلك في قوله # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون # الزمر 67. وما ذكره من كون السموات مطويات بيمينه في هذه الآية جاء في ~~الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا مرارا أن الواجب ~~في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن ~~تماثل صفة المخلوق. وأقوال العلماء في معنى قوله { كطي السجل ~~للكتب } راجعة إلى أمرين الأول أن السجل الصحيفة والمراد بالكتب ~~ما كتب فيها، واللام بمعنى على، أي كطي السجل على الكتب، أي كطي الصحيفة ~~على ما كتب فيها، وعلى هذا فطي السجل مصدر مضاف إلى مفعوله، لأن السجل ~~على هذا المعنى مفعول الطي. الثاني أن السجل ملك من الملائكة، وهو الذي ~~يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، ويقال إنه في السماء الثالثة، ~~ترفع إليه الحفظة الموكلون بالخلق أعمال بني آدم في كل خميس واثنين، وكان ~~من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت، وقيل، إنه لا يطوي الصحيفة حتى يموت ~~صاحبها فيرفعها ويطويها إلى يوم القيامة، وقول من قال إن السجل صحابي، ~~كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهر السقوط كما ترى. وقوله في هذه ~~الآية الكريمة " للكتاب " قرأه عامة السبعة غير حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم " للكتاب " بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف بصيغة ms1882 الإفراد. وقرأه ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " للكتب " بضم الكاف والتاء بصيغة الجمع. ~~ومعنى القراءتين واحد. لأن المراد بالكتاب على قراءة الإفراد جنس الكتاب، ~~فيشمل كل الكتب. ### || [21.105] # أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة أن الزبور الذي هو الكتاب يراد ~~به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ~~ذلك. وأن المراد بالذكر أم الكتاب، وعليه فالمعنى ولقد كتبنا في الكتب ~~المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في ~~أم الكتاب. وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية زبور ~~داود، والذكر التوراة. وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير ~~واحد. واعلم أن قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون ~~فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فتذكر الجميع. لأنه لكه حق ~~داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة، لأن المراد بالأرض في قوله ~~هنا { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } فيه للعلماء ~~وجهان الأول أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين. ~~وهذا القول يدل له قوله تعالى # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين # الزمر 74 وقد قدمنا معنى إيراثهم الجنة مستوفى في سورة " مريم ". الثاني ~~ أن المراد بالأرض أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا ويدل لهذا ~~قوله تعالى # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا # الأحزاب 27، وقوله # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # الأعراف 137 الآية، وقوله تعالى # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن ~~الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة ~~للمتقين # الأعراف 128، وقوله تعالى # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم # النور 55 الآية، وقوله تعالى # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنآ أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم # إبراهيم 13-14 إلى غير ms1883 ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير ~~حمزة { في الزبور } بفتح الزاي ومعناه الكتاب. وقرأ حمزة وحده في ~~الزبور بضم الزاي. قال القرطبي وعلى قراءة حمزة فهو جمع زبر. والظاهر ~~أنه يريد الزبر بالكسر بمعنى المزبور أي المكتوب. وعليه فمعنى قراءة حمزة ~~ولقد كتبنا في الكتب وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس ~~الكتب لا خصوص زبور وداود كما بينا. وقرأ حمزة " يرثها عبادي " ~~بإسكان الياء، والباقون بفتحها. ### || [21.106] # الإشارة في قوله { هذا } للقرآن العظيم، الذي منه هذه السورة ~~الكريمة. والبلاغ الكفاية، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا ~~القرآن فيه الكفاية للعابدين، وما يبلغون به بغيتهم، أي من خير الدنيا ~~والآخرة ذكره في غير هذا الموضع. كقوله # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب # إبراهيم 52 وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به. ### || [21.107] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أر سل هذا النبي الكريم ~~صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم. لأنه جاءهم بما يسعدهم ~~وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع ~~فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم ~~لهذا مثلا قال لو فجر الله عينا للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول. فسقى ~~الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس ~~مفرطون كسالى عن العمل. فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في ~~نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث ~~حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # إبراهيم 28. وقيل كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه، ~~وأمنوا به عذاب الاستئصال. والأول أظهر. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين يدل على أنه جاء بالرحمة ~~للخلق فيما تضمنه ms1884 هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحا في مواضع من ~~كتاب الله، كقوله تعالى # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # العنكبوت 51، وقوله # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # القصص 86 الآية. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة " الكهف " في ~~موضعين منها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله قال قيل يا رسول ~~الله، ادع على المشركين. قال # " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة ". ### || [21.109] # قوله تعالى { فإن تولوا فقل آذنتكم على سوآء }. ~~قوله { فإن تولوا } أي أعرضوا وصدوا عما تدعوهم إليه { فقل ~~آذنتكم على سوآء } أي أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، ~~بريء منكم كما أنتم برآء مني. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية أشارت ~~إليه آيات أخر، كقوله # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # الأنفال 58 أي ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء. وقوله تعالى # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # يونس 41. وقوله { آذنتكم } الأذان الإعلام. ومنه الأذان الصلاة. ~~وقوله تعالى # وأذان من الله # التوبة 3 الآية، أي إعلام منه، قوله # فأذنوا بحرب من الله # البقرة 279 الآية، أي اعلموا. ومنه قول الحرث بن حلزة # آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء # يعني أعلمتنا ببينها. ### || [21.110] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم ما يجهر به خلقه من القول، ~~ويعلم ما يكتمونه. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # الملك 13، وقوله # والله يعلم ما تبدون وما تكتمون # المائدة 99 في الموضعين، وقوله تعالى # قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون # البقرة 33، وقوله تعالى # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق 16، وقوله # وإن تجهر بالقول ms1885 فإنه يعلم السر وأخفى # طه 7 إلى غير ذلك من الآيات. ### || [21.112] # قوله تعالى { قال رب احكم بالحق }. قرأ هذا الحرف عامة ~~القراء السبعة غير حفص عن عاصم { قل رب } بضم القاف وسكون اللام بصيغة ~~الأمر. وقرأه حفص وحده { قال } بفتح القاف واللام بينهما ألف بصيغة ~~الماضي. وقراءة الجمهور تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول ذلك. ~~وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل. وما أمره أن يقوله هنا قاله ~~نبي الله شعيب كما ذكره الله عنه في قوله # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # الأعراف 89. وقوله { افتح } أي احكم كما تقدم. وقوله { وربنا ~~الرحمن المستعان على ما تصفون } أي تصفونه بألسنتكم ~~من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك. كما قال تعالى # وتصف ألسنتهم الكذب # النحل 62 الآية، وقال # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب # النحل 166 الآية. وما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قاله ~~يعقوب لما علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف شيئا غير ما أخبروه به. وذلك ~~في قوله # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون # يوسف 18 والمستعان المطلوب منه العون. والعلم عند الله تعالى. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا، بامتثال ~~أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه ~~المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، ~~وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب ~~الخمر، ولكن عذابه شديد. وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، وذكره في ~~مواضع كثيرة جدا من كتابه، كقوله في أول سورة النساء # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # النساء 1 إلى قوله # واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام # النساء 1 الآية والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وما بينه هنا من شدة أهوال ~~الساعة، وعظم زلزلتها، بينه ms1886 في غير هذا الموضع كقوله تعالى # إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض ~~أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث ~~أخبارها # الزلزلة 1-4 وقوله تعالى # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # الحاقة 14 وقوله تعالى # يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب ~~يومئذ واجفة أبصارها خاشعة # النازعات 6-9 وقوله تعالى # ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة # الأعراف 187 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة. وقوله في ~~هذه الآية الكريمة { اتقوا ربكم } قد أوضحنا فيما مضى معنى ~~التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والزلزلة شدة التحريك ~~والإزعاج، ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه أي تكرير انحرافه وتزحزحه ~~عن موضعه، لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية. ~~وقوله { يوم ترونها } منصوب بتذهل، والضمير عائد إلى الزلزلة. ~~والرؤية بصرية، لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل ~~إنها من رأى العلمية. وقوله { تذهل كل مرضعة } أي بسبب تلك ~~الزلزلة، والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبدالله بن رواحة ~~رضي الله عنه # ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله # وقال قطرب ذهل عن الأمر اشتغل عنه. وقيل ذهل عن الأمر غفل عنه لطرو ~~شاغل، من هم أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ~~ما ذكرنا. وقوله { كل مرضعة } أي كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله ~~مرضعة، ولم يقل مرضع هو ما تقرر في علم العربية، من أن الأوصاف المختصة ~~بالإناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من ~~التاء، فإن قلت هي مرضع تريد أنها ذات رضاع، جردته من التاء كقول امرئ ~~القيس # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذي تمائم مغيل # وإن قلت هي مرضعة بمعنى، أنها تفعل الرضاع أي تلقم الولد الثدي، قلت هي ~~مرضعة بالتاء ومنه قوله # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد # كما أشار له بقوله # وما من الصفات بالأنثى يخص ms1887 عن تاء استغنى لأن اللفظ نص وحيث معنى ~~الفعل يعني التاء زد كذي غدت مرضعة طفلا ولد # وما زعمه بعض النحاة الكوفيين من أن أم الصبي مرضعة بالتاء والمستأجرة ~~للإرضاع مرضع بلا هاء باطل، قاله أبو حيان في البحر. واستدل عليه بقوله ~~كمرضعة أولاد أخرى البيت فقد أثبت التاء لغير الأم، وقول الكوفيين ~~أيضا إن الوصف المختص بالأنثى لا يحتاج فيه إلى التاء، لأن المراد منها ~~الفرق بين الذكر والأنثى والوصف المختص بالأنثى لا يحتاج إلى فرق لعدم ~~مشاركة الذكر لها فيه مردود أيضا، قاله أبو حيان في البحر أيضا مستدلا ~~بقول العرب مرضعة، وحائضة، وطالقة والأظهر في ذلك هو ما قدمنا، من أنه إن ~~أريد الفعل جيء بالتاء، وإن أريد النسبة جرد من التاء، ومن مجيء التاء ~~للمعنى المذكور قول الأعشى # أجارتنا بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه # وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة فإن قلت لم قيل مرضعة دون ~~مرضع؟ قلت المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي. والمرضع ~~التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل مرضعة، ~~ليلد على أن ذلك الهول، إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته ~~عن فيه، لما يلحقها من الدهشة. وقوله تعالى { عمآ أرضعت } الظاهر ~~أن ما موصولة، والعائد محذوف أي أرضعته على حد قوله في الخلاصة # والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف ~~كمن نرجو يهب # وقال بعض العلماء هي مصدرية أي تذهل كل مرضعة عن إرضاعها. قال أبو حيان ~~في البحر ويقوي كونها موصولة تعدي وضع إلى المفعول به في قوله حملها لا ~~إلى المصدر. وقوله { وتضع كل ذات حمل حملها } أي كل ~~صاحبة حمل تضع جنينها، من شدة الفزع، والهول، والحمل بالفتح ما كان في ~~بطن من جنين، أو على رأس شجرة من ثمر { وترى الناس سكارى } جمع ~~سكران أي يشبههم من رآهم بالسكارى، من شدة الفزع { وما هم بسكارى ~~} من الشراب ms1888 { ولكن عذاب الله شديد } والخوف منه هو الذي ~~صير من رآهم يشبههم بالسكارى، لذهاب عقولهم، من شدة الخوف، كما يذهب ~~عقل السكران من الشراب. وقرأ حمزة والكسائي { وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى } بفتح السين، وسكون الكاف في الحرفين على وزن ~~فعلى بفتح فسكون. وقرأه الباقون { سكارى } بضم السين، وفتح الكاف ~~بعدها ألف في الحرفين أيضا، وكلاهما جمع سكران على التحقيق. وقيل إن ~~سكرى بفتح فسكون جمع سكر بفتح فكسر بمعنى السكران، كما يجمع الزمن على ~~الزمنى، قاله أبو علي الفارسي، كما نقله عنه أبو حيان في البحر. # وقيل إن سكرى مفرد، وهو غير صواب. واستدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة ~~على أن المعدوم يسمى شيئا، لأنه وصف زلزلة الساعة، بأنها شيء في حال ~~عدمها قبل وجودها. قد بينا وجه رده في سورة مريم، فأغنى عن إعادته هنا. ~~مسألة اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام ~~الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة ~~الأرض قبل قيام الناس من القبور؟ فقالت جماعة من أهل العلم هذه الزلزلة ~~كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول علقمة، ~~والشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، وابن جريج. وهذا القول من حيث المعنى ~~له وجه من النظر، ولكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل، بل الثابت من النقل ~~يؤيد خلافه. وهو القول الآخر. وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع، جاء ~~بذلك، إلا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. قال ابن جرير الطبري في تفسيره ~~مبينا دليل من قال إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة ~~حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن ~~رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب ~~القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لما فرغ الله من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطى إسرافيل ms1889 فهو ~~واضعه على فيه شاخص ببصره إلى السماء ينظر متى يؤمر " قال أبو هريرة يا ~~رسول الله، وما الصور؟ قال " قرن " ، قال وكيف هو؟ قال " قرن عظيم ينفخ ~~فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة ~~القيام لرب العالمين " " # ، يأمر الله عزوجل إسرافيل بالنفخة الأولى انفخ نفخة الفزع فتفزع أهل ~~السموات والأرض إلا من شاء الله ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، ~~وهي التي يقول الله # وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق # ص 15 فيسير الله الجبال فتكون سرابا، وترج الأرض بأهلها رجا، وهي ~~التي يقول الله # يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب ~~يومئذ واجفة # النازعات 6-8 فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج ~~تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترججه الأرواح، فتميد الناس على ~~ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين ~~هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ويولي الناس ~~مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله # يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد # غافر 32-33 فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا ~~أمرا عظيما، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى ~~السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم ~~كشطت عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " " والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك " فقال أبو هريرة فمن استثنى الله ~~حين يقول { ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شآء الله } النمل 87 قال " أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى ~~الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، ~~وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه " # ، وهو الذي يقول { يأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم } إلى قوله { ولكن عذاب ~~الله شديد } الحج 1-2 انتهى منه. ولا يخفى ضعف الإسناد المذكور كما ~~ترى. وابن جرير ms1890 رحمه الله قبل أن يسوق الإسناد المذكور قال ما نصه وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر، ~~وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقناه عنه آنفا. وقال ابن ~~كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير ~~مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن ~~أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساق الحديث نحو ما ~~ذكرناه بطوله، ثم قال هذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، وغير واحد مطولا جدا. والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة ~~كائنة قبل يوم القيامة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال أشراط ~~الساعة، ونحو ذلك والله أعلم. انتهى منه. وقد علمت ضعف الإسناد المذكور. ~~وأما حجة أهل القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم ~~القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تصريحه بذلك. وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا ~~يخفى. قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله { وترى ~~الناس سكارى } حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا ~~أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يقول الله عز وجل يوم القيامة يا آدم، فيقول لبيك ربنا وسعديك، ~~فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال يا ~~رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف أراه، قال تسعمائة وتسعة وتسعين، ~~فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم ~~بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم ~~واحد، ms1891 وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة ~~البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ~~فكبرنا ثم قال ثلث أهل الجنة، فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة، فكبرنا ". # وقال أبو أسامة، عن الأعمش { وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى } قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وقال جرير، وعيسى بن ~~يونس، وأبو معاوية { سكارى وما هم بسكارى } انتهى من صحيح ~~البخاري. وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه ~~الحامل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى هو يوم القيامة لا آخر ~~الدنيا. وقال البخاري في صحيحه أيضا في كتاب الرقاق في باب { إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم } حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير ~~عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال # " يقول الله يا آدم، فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، قال يقول أخرج ~~بعث النار قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك ~~حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم ~~بسكارى. ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله أينا ~~ذلك الرجل قال " ابشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا، ومنكم رجل، ثم قال ~~والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فحمدنا الله وكبرنا، ~~ثم قال والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في ~~الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع ~~الحمار " " # انتهى منه. ودلالته على المقصود ظاهرة. وقال البخاري أيضا في صحيحه في ~~كتاب بدء الخلق في أحاديث الأنبياء في باب قول الله تعالى # ويسألونك عن ذي القرنين # الكهف 83 إلى قوله # سببا # الكهف 84 حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو ~~صالح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " يقول الله تعالى يا آدم، فيقول لبيك، وسعديك، ms1892 والخير في يديك، فيقول ~~أخرج بعث النار، قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ~~فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد " # إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه في ~~آخر كتاب الإيمان بكسر الهمزة في باب بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة ~~حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ~~أبي سعيد، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله عز وجل يا آدم، فيقول لبيك، وسعديك، والخير في يديك، قال ~~يقول أخرج بعث النار، قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين، قال فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد " # إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. فحديث أبي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان ~~كما رأيت، فيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع ~~فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم سكارى، بعد القيام من ~~القبور كما ترى، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع. فإن قيل هذا النص فيه ~~إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من ~~الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت. فالجواب عن ذلك من وجهين الأول هو ~~ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملا تبعث حاملا، فتضع حملها من ~~شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. ~~الوجه الثاني أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى # يوما يجعل الولدان شيبا # المزمل 17 ومثل ذلك من أسباب اللغة العربية المعروفة. تنبيه اعلم أن هذا ~~الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يرد عليه سؤال، وهو أن ~~يقال إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور، فما معناها؟ ms1893 ~~والجواب أن معناها شدة الخوف، والهول، والفزع، لأن ذلك يسمى زلزالا، ~~بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأحزاب من الخوف # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # الأحزاب 10-11 أي وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض، وقوله تعالى ~~في هذه الآية الكريمة { اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم } يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد ~~لذلك الهول بالعمل الصالح، في دار الدنيا، قبل تعذر الإمكان لما قدمنا ~~مرارا من أن إن المشددة المكسورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول ~~في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص الظاهر أي اتقوا الله، لأن أمامكم ~~أهوالا عظيمة، لا نجاة منها إلا بتقواه جل وعلا. ### || [22.3-4] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من الناس بعضا يجادل في الله بغير ~~علم أي يخاصم في الله بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله، كالذي ~~يدعي له الأولاد والشركاء، ويقول إن القرآن أساطير الأولين، ويقول لا ~~يمكن أن يحيي الله العظام الرميم، كالنضر بن الحارث، والعاص بن وائل، ~~وأبي جهل بن هشام وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في الله ذلك الجدال ~~الباطل بغير مستند، من علم عقلي، ولا نقلي، ومع جدالهم في الله ذلك ~~الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد أي عات طاغ من شياطين الإنس والجن ~~{ كتب عليه } أي كتب الله عليه كتابه قدر وقضاء { أنه من ~~تولاه } أي كل من صار وليا له أي للشيطان المريد المذكور، فإنه ~~يضله عن طريق الجنة إلى النار، وعن طريق الإيمان إلى الكفر، ويهديه إلى ~~عذاب السعير أي النار الشديدة الوقود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في الله بغير علم أي يخاصم فيه ~~بغير مستند من علم بينة في غير هذا الموضع كقوله في هذه السورة الكريمة # ومن الناس من يجادل في الله بغير ms1894 علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # الحج 8 # ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله # الحج 9 الآية وقوله تعالى في لقمان # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل ~~الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير # لقمان 20-21 فقوله في آية لقمان هذه { أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير } ، كقوله في الحج { كتب ~~عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى ~~عذاب السعير } الحج 4 وهذه الآية الكريمة التي هي قوله # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # الحج 8 الآية يدخل فيما تضمنته من الوعيد والدم أهل البدع والضلال، ~~المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من ~~الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء ~~والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص ~~الأسباب. ومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في الله بغير علم قوله ~~تعالى # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم # يس 77-78 وقوله في أول النحل # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # النحل 4 وقوله تعالى # ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق # الكهف 56 الآية. وقوله تعالى # والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم ~~عذاب شديد # الشورى 16 وقوله تعالى # أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل ~~هم قوم خصمون # الزخرف 58 وقوله تعالى # وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا ~~جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذآ ~~إلا أساطير الأولين # الأنعام 25 والآيات بمثل ذلك كثيرة، وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة، من أنه قدر وقضى أن من تولى الشيطان، فإن الشيطان يضله ويهديه ms1895 ~~إلى عذاب السعير، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # فاطر 6 وقوله تعالى # أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير # لقمان 21 وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم # يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ~~فتكون للشيطان وليا # مريم 45 وقوله تعالى # ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر ~~بالفحشآء والمنكر # النور 21 إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية ~~الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها أنه من يجادل بعلم على ضوء هدى كتاب منير، ~~كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ~~ذلك سائغ محمود لأن مفهوم قوله # بغير علم # الحج 8 أنه إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس في ذلك اتباع للشيطان، ~~ويدل لهذا المفهوم المذكور قوله تعالى # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # النحل 125 وقوله تعالى # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # العنكبوت 46. وقال الفخر الرازي في تفسيره هذه الآية بمفهومها تدل على ~~جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على ~~أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله # ما ضربوه لك إلا جدلا # الزخرف 58 والمجادلة الحقة هي المراد من قوله # وجادلهم بالتي هي أحسن # النحل 125 ا ه. منه. وقوله تعالى في هذه الآية { عذاب السعير } ~~يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. ~~والظاهر أن أصل السعير فعيل، بمعنى مفعول من قول العرب سعر النار، يسعرها ~~كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف ~~القراءتان السبعيتان في قوله # وإذا الجحيم سعرت # التكوير 12 فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، ~~وعاصم في رواية حفص سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما ~~جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء ~~الحماسة # قالت ms1896 له عرسه يوما لتسمعني مهلا فإن لنا في أمنا أربا ولو ~~رأتني في نار مسعرة ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا # إذ لا يخفى أن قوله مسعرة اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن ~~أصل السعير فعيل بمعنى اسم المفعول أي النار المسعرة أي الموقدة إيقادا ~~شديدا لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذا بالله منها، ومن كل ما قرب ~~إليها من قول وعمل، وفي ذلك لغة ثالثة، إلا أنها ليست في القرآن وهي أسعر ~~النار بصيغة أفعل، بمعنى أوقدها. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ويهديه إلى عذاب ~~السعير } يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على ~~الخير، يستعمل أيضا في الدلالة على الشر، لأنه قال { ويهديه إلى ~~عذاب السعير } ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # الصافات 23 وقوله تعالى # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # القصص 41 الآية لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق ~~الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك، ~~بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية، معروف ~~كما أشرنا إليه سابقا وقوله تعالى { كل شيطان مريد } قد ~~أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية ~~العاتي، تقول مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومريد إذا كان عاتيا. ~~والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ~~ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس، والله تعالى أعلم. ### || [22.5] # قوله تعالى { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا }. هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها، تدل على أن جدال ~~الكفار المذكور في قوله # ومن ms1897 الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # لقمان 20 يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر ~~أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، كما قال ~~تعالى # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # يس 78 وكقوله تعالى عنهم # وما نحن بمبعوثين # الأنعام 29 # وما نحن بمنشرين # الدخان 35 ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإشارة إليه قريبا. ولأجل ذلك ~~أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات ~~القيامة للحساب، والجزاء فقال جل وعلا { يأيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ~~} فمن أوجدكم الإيجاد الأول، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على ~~إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية، بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب، لأن ~~الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل، وهذا البرهان القاطع على ~~القدرة على البعث الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكورة هنا، ~~جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # الروم 27 الآية وقوله # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # يس 79 وقوله تعالى # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # الأنبياء 104 وقوله # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # الإسراء 51 وقوله تعالى # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # ق 15 وقوله تعالى # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # الواقعة 62 وقوله # ألم يك نطفة من مني يمنى # القيامة 37 إلى قوله # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى # القيامة 40 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، وقد أوضحنا ذلك في مواضع ~~متعددة من هذا الكتاب بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد ~~الأول كقوله # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # يس 78 الآية، إذ لو تذكر الإيجاد الأول، على الحقيقة، لما أمكنه إنكار ~~الإيجاد الثاني، ms1898 وكقوله # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ~~أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا # مريم 66-67 إذ لو تذكر ذلك تذكرا حقيقيا لما أنكر الخلق الثاني، وقوله ~~في هذه الآية الكريمة { إن كنتم في ريب من البعث } أي في ~~شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك، وقوله تعالى ~~في هذه الآية الكرمية { فإنا خلقناكم من تراب } قد قدمنا ~~في سورة طه أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم ~~منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # آل عمران 59 الآية، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم ~~من تراب. لأن الفروع تبع للأصل. وقد بينا في طه أيضا أن قول من زعم أن ~~معنى خلقه إياهم من تراب أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، ~~والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بينا هناك الآيات الدالة على ~~بطلان هذا القول. وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان، ~~فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفا، فالتراب هو الطور الأول. ~~والطور الثاني هو النطفة، والنطفة في اللغة الماء القليل، ومنه قول ~~الشاعر وهو رجل من بني كلاب # وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما أن تعوديني وتجعلي ~~نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني # فقوله وتجعلي نطفة أي ماء قليلا في القعب، والمراد بالنطفة في هذه ~~الآية الكريمة نطفة المني، وقد قدمنا في سورة النحل أن النطفة مختلطة من ~~ماء الرجل، وماء المرأة، خلافا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده. الطور ~~الثالث العلقة وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد فقوله { ثم من ~~علقة } أي قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول ~~زهير # إليك أعملتها فتلا مرافقها شهرين يجهض من أرحامها العلق # الطور الرابع المضغة وهي ms1899 القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه ~~الآكل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله " # الحديث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { مخلقة وغير ~~مخلقة } صفة للنطفة وأن المخلقة هي ما كان خلقا سويا، وغير ~~المخلقة هي ما دفعته الأرماح من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقا، وممن ~~روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نقله عنه ابن جرير ~~وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول، لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، ~~كما هو ظاهر. ومنها أن معنى مخلقة تامة، وغير مخلقة أي غير تامة، والمراد ~~بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو ~~كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك ~~التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم. وقصرهم، وتمامهم، ~~ونقصانهم. وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، ~~وعزاه الرازي لقتادة والضحاك. # ومنها أن معنى مخلقة مصورة إنسانا، وغير مخلقة أي غير مصورة إنسانا ~~كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول، ~~مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها أن ~~المخلقة هي ما ولد حيا، وغير المخلقة هي ما كان من سقط. وممن روي عنه ~~هذا القول ابن عباس رضي الله عنهما. وقال صاحب الدر المنثور إنه أخرجه ~~عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي وأنشد لذلك قول الشاعر # أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء # وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ~~قول من قال المخلقة المصورة خلقا تاما. وغير المخلقة السقط قبل تمام ~~خلقه، لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة ~~لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير. وذلك هو المراد بقوله { ~~مخلقة وغير مخلقة } خلقا سويا، وغير مخلقة بأن تلقيه ~~الأم مضغة ولا ms1900 تصوير، ولا ينفخ الروح. انتهى منه. وهذا القول الذي اختاره ~~ابن جرير اختاره أيضا غير واحد من أهل العلم. قال مقيده عفا الله عنه ~~وغفر له هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى، لا ~~يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله جل وعلا ~~في أول الآية { فإنا خلقناكم من تراب } لأنه على القول ~~المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، ~~وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير ~~مصورة، فيه من التناقض، كما ترى فافهم. فإن قيل في نفس الآية الكريمة ~~قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط، لأن قوله { ونقر في ~~الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى } يفهم منه أن هناك ~~قسما آخر لا يقره الله في الأرحام، إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. ~~فالجواب أنه لا يتعين فهم السقط من الآية، لأن الله يقر في الأرحام ما ~~يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره ~~أكثر من ذلك كيف شاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل ~~قوله { فإنا خلقناكم } الآية، لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتا، ~~ولو بعد التشكيل والتخطيط، لم يخلق الله منه إنسانا واحدا من المخاطبين ~~بقوله { فإنا خلقناكم من تراب } الآية. فظاهر القرآن ~~يقتضي أن كلا من المخلقة، وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله ~~{ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة } الآية. وبذلك تعلم أن ~~أولى الأقوال في الآية، هو القول الذي لا تناقض فيه، لأن القرآن أنزل ~~ليصدق بعضه بعضا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن ~~قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره وهو أن ~~المخلقة هي التامة، وغير المخلقة هي غير التامة. # قال الزمخشري في الكشاف والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، ~~يقال خلق ms1901 السواك والعود إذا سواه وملسه. من قولهم صخرة خلقاء، إذا كانت ~~ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة. منها ما هو كامل الخلقة أملس ~~من العيوب. ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في ~~خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه. وهذا المعنى ~~الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب حجر أخلق أي أملس ~~مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق أي ليس فيها وصم، ولا كسر، ~~ومنه قول الأعشى # قد يترك في خلقاء راسية وهييا وينزل منها الأعصم الصدعا # والدهر في البيت فاعل يترك، والمفعول به وهيا. يعني أن صرف الدهر قد ~~يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر ~~في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضا ~~قول ابن أحمر يصف فرسا، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور # بمقلص درك الطريدة متنه كصفا الخليقة بالفضاء الملبد # فقوله كصفا الخليقة، يعني أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا ~~كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق هو ~~الأملس المستوي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له وهذا القول هو أولى ~~الأقوال بالصواب فيما يظهر لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن ~~وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم. وقوله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة { لنبين لكم } أي لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى ~~طور، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء، لأن من قدر على خلق ~~البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، مع ما بين النطفة والتراب من ~~المنافاة والمغايرة وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من ~~التباين والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، فهو ~~قادر بلا شك على إعادة ما بدأ من الخلق، كما هو واضح وقوله { ~~لنبين } الظاهر أنه متعلق بخلقناكم، في قوله { يأيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ms1902 ~~من تراب } الآية أي خلقناكم خلقا من بعد خلق على التدريج المذكور ~~لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره. وقال الزمخشري مبينا نكتة حذف مفعول ~~لنبين لكم ما نصه وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه ~~يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه بالذكر، ولا يحيط به الوصف. # انتهى منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ونقر في ~~الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى } أي نقر في أرحام ~~الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أجل مسمى أي ~~معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين، والأجنة ~~تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة ~~لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته ~~الأرحام وأسقطته، ووجه رفعه ونقر أن المعنى ونحن نقر في الأرحام، ولم ~~يعطف على قوله { لنبين لكم } لأنه ليس علة لما قبله، فليس ~~المراد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك ~~يظهر لك رفعه، وعدم نصبه، وقراءة من قرأ ونقر بالنصب عطفا على لنبين، ~~على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله ~~بعده { ثم لتبلغوا أشدكم } وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { ثم نخرجكم طفلا } أي وذلك بعد أن يخلق الله المضغة ~~عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقا آخر، فيخرجه من ~~بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلا أي ولدا بشرا سويا. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ثم لتبلغوا أشدكم } ~~أي لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في ~~غاية الضعف وعدم علم شيء. وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل ~~هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن ~~إعادته هنا. وقوله تعالى في هذه الآية { ومنكم من يتوفى } أي ~~ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل أي من قبل بلوغه ms1903 أشده، ومنكم من ينسأ ~~له في أجله، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل ~~العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم. ~~وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى { لكيلا يعلم من ~~بعد علم شيئا } في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وهذا ~~الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته، ~~على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإنسان من طور إلى طور، من ~~تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في ~~مواضع من كتابه مبينا أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث ~~وغيره. فمن الآيات الذي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله ~~تعالى # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون # المعارج 39 قوله تعالى # ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم ~~أطوارا # نوح 13-14 أي طورا بعد طور كما بينا قوله تعالى # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا ~~هو فأنى تصرفون # الزمر 6 وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث أي ظلمة البطن، وظلمة ~~الرحم، وظلمة المشيمة. فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض وكساها ~~اللحم، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون ~~والآذان والأفواه وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب ~~صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أمه ~~وإزالة تلك الظلمات. سبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه ~~الغرائب والعجائب من صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها { ذلكم ~~الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى ~~تصرفون } ومن الآيات التي ms1904 أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله ~~تعالى # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون # المؤمنون 12-16 وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة ~~المؤمن # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون # غافر 67 وقوله تعالى في الكهف # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ~~من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا # الكهف 37 وقوله تعالى # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # النحل 4 وقوله # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # يس 77 وقوله تعالى # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # الإنسان 2 الآية وقوله تعالى # خلق الإنسان من علق # العلق 2 وقوله تعالى # منها خلقناكم # طه 55 إلى غير ذلك من الآيات وقد بينت السنة الصحيحة القدر الذي تمكثه ~~النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، ~~والقدر الذي تمكثه المضغة مضغة. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع ح، وحدثنا محمد بن ~~عبدالله بن نمير الهمداني واللفظ له، حدثنا أبي وأبو معاوية، ووكيع قالوا ~~حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالله قال حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو الصادق المصدوق # " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك ~~علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه ~~الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد " # الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه ms1905 صلى الله عليه وسلم بأن الجنين ~~يمكث أربعين يوما نطفة، ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يوما، ثم يصير ~~مضغة ويمكث كذلك أربعين يوما ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذا في أول ~~الشهر الخامس من أشهر الحمل. وقال البخاري رحمه الله في صحيحه حدثنا أبو ~~الوليد هشام بن عبدالملك حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال سمعت زيد ~~بن وهب، عن عبدالله قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق قال # " إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو ~~سعيد " # الحديث، وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل، وهو مذكور في ~~روايات أخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث ~~المذكور والله أعلم. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال ما ~~وجه الإفراد في قوله { نخرجكم طفلا } مع أن المعنى نخرجكم ~~أطفالا. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. منها ما ذكره ابن جرير الطبري ~~قال ووحد الطفل وهو صفة للجمع، لأنه مصدر مثل عدل وزور وتبعه غيره في ~~ذلك. ومنها قول من قال { نخرجكم طفلا } أي نخرج كل واحد منكم ~~طفلا، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر ~~له الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من ~~أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادا به الجمع مع ~~تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته ~~في القرآن مع التنكير قوله تعالى # إن المتقين في جنات ونهر # القمر 54 أي وأنهار بدليل قوله تعالى # فيهآ أنهار من مآء غير آسن # محمد 15 الآية وقوله # واجعلنا للمتقين إماما # الفرقان 74 أي أئمة وقوله تعالى # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # النساء 4 الآية أي أنفسا وقوله تعالى # مستكبرين به سامرا تهجرون # المؤمنون 67 أي سامرين ms1906 وقوله تعالى # لا نفرق بين أحد منهم # آل عمران 84 أي بينهم وقوله تعالى # وحسن أولئك رفيقا # النساء 69 أي رفقاء وقوله تعالى # وإن كنتم جنبا فاطهروا # المائدة 6 أي مجنبين أو أجنابا وقوله تعالى # والملائكة بعد ذلك ظهير # التحريم 4 أي مظاهرون ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل ~~بن علفة المري # وكان بنو فزارة شر عم وكنت لهم كشر بني الأخينا # يعني شر أعمام وقول قعنب ابن أم صاحب # ما بال قوم صديق ثم ليس لهم دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا # يعني ما بال قوم أصدقاء وقول جرير # نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء وهن صديق # يعني صديقات وقول الآخر # لعمري لئن كنتم على النأي والنوى بكم مثل ما بي إنكم لصديق # وقول الآخر # يا عاذلاتي لا تزدن ملامة إن العواذل ليس لي بأمير # أي لسن لي بأمراء. ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى # أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم # النور 61 أي أصدقائكم وقوله # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # النور 63 أي أوامره وقوله # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # إبراهيم 34 أي نعم الله وقوله # إن هؤلآء ضيفي # الحجر 68 الآية أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة ~~التميمي # بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب # أي وأما جلودها فصليبة وقول الآخر # كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص # أي بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدا ~~بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرادس السلمي # فقلنا أسلموا إنا أخوكم وقد سلمت من الإحن الصدور # أي إنا إخوانكم وقول جرير # إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب # أي إذا آباؤنا وآباؤك عدوا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما ~~جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، ~~فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة ms1907 ~~المذكور آنفا، حيث قال فيه كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب ~~قول الآخر # فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا # ومن أمثلة ذلك في القرآن واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى # وتؤمنون بالكتاب كله # آل عمران 119 أي بالكتب كلها، بدليل قوله # كل آمن بالله وملائكته وكتبه # البقرة 285 الآية، وقوله # وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب # الشورى 15 وقوله تعالى # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # الفرقان 75 أي الغرف بدليل قوله # لهم غرف من فوقها غرف مبنية # الزمر 20 وقوله # وهم في الغرفات آمنون # سبأ 37 وقوله تعالى # وجآء ربك والملك صفا # الفجر 22 أي الملائكة بدليل قوله # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # البقرة 210 وقوله تعالى # سيهزم الجمع ويولون الدبر # القمر 45 أي الأدبار بدليل قوله تعالى # فلا تولوهم الأدبار # الأنفال 15 وقوله تعالى # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء # النور 31 أي الأطفال وقوله تعالى # هم العدو فاحذرهم # المنافقون 4 أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب وهو ~~في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارا. ومن أمثلة ذلك قول زهير # متى يشتجر قوم يقل سرواتهم هم بيننا هم رضى وهم عدل # أي عدول مرضيون. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى إذا مجت ~~الرحم النطفة في طورها الأول، قبل أن تكون علقة، فلا يترتب على ذلك حكم ~~من أحكام إسقاط الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. # المسألة الثانية إذا سقطت النطفة في طورها الثاني، أعني في حال كونها ~~علقة أي قطعة جامدة من الدم، فلا خلاف بين العلماء في أن تلك العلقة لا ~~يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا ترث. ولكن اختلف في أحكام أخر متعددة ~~من أحكامها منها ما إذا كان سقوطها بسبب ضرب إنسان بطن المرأة التي ~~ألقتها، هل تجب فيها غرة أو لا؟ فذهب مالك رحمه الله إلى أن من ضرب بطن ~~حامل، فألقت حملها علقة فهو ضامن دية ms1908 العلقة ضمان الجنين، فتلزمه غرة، أو ~~عشر دية الأم. وفي المدونة الجنين ما علم أنه حمل، وإن كان مضغة أو علقة ~~أو مصورا. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجنين لا ضمان فيه حتى تظهر فيه ~~صورة الآدمي. وممن قال به الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد ~~رحمهم الله. وظهور بعض الصورة كظهور كلها في الأظهر، واحتجوا بأنه لا ~~يتحقق أنه حمل حتى يصور، والمالكية قالوا الحمل تمكن معرفته في حال ~~العلقة فما بعدها، فاختلافهم هذا من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط. ~~ومنها ما إذا كانت المرأة معتدة من طلاق، أو وفاة وكانت حاملا، فألقت ~~حملها علقة، هل تنقضي بذلك عدتها أو لا؟ فمذهب مالك رحمه الله أنها تنقضي ~~عدتها بإسقاط العلقة المذكورة. واحتج المالكية بأن العلقة المذكورة يصدق ~~عليها أنها حمل، فتدخل في عموم قوله تعالى # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # الطلاق 4 وقال ابن العربي المالكي لا يرتبط بالجنين شيء من هذه الأحكام ~~إلا أن يكون مخلقا يعني مصورا، وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة ~~الثلاثة وغيرهم إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدة، قالوا لأنها دم ~~جامد ولا يتحقق كونه جنينا. ومنها ما إذا ألقت العلقة المكذورة أمة هي ~~سرية لسيدها، هل تكون أم ولد بوضع تلك العلقة أو لا؟ فذهب مالك رحمه الله ~~وأصحابه إلى أنها تصير أم ولد بوضع تلك العلقة، لأن العلقة مبدأ جنين، ~~ولأن النطفة لما صارت علقة صدق عليها أنها خلقت علقة، بعد أن كانت نطفة، ~~فدخلت في قوله تعالى # خلقا من بعد خلق # الزمر 6 فيصدق عليها أنها وضعت جنينا من سيدها، فتكون به أم ولد، وهذا ~~رواية عن أحمد وبه قال إبراهيم النخعي. وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة ~~الثلاثة إلى أنها لا تكون أم ولد بوضعها العلقة المذكورة. وقد قدمنا ~~توجيههم لذلك. المسألة الثالثة إذا أسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث ~~أعني كونها مضغة أي قطعة من لحم، فلذلك أربع حالات الأولى أن يكون ظهر في ~~تلك ms1909 المضغة شيء من صورة الإنسان، كاليد والرجل، والرأس ونحو ذلك، فهذا ~~تنقضي به العدة، وتلزم فيه الغرة، وتصير به أم ولد، وهذا لا خلاف فيه بين ~~من يعتد به من أهل العلم. # الحالة الثانية أن تكون المضغة المذكورة لم يتبين فيها شيء من خلق ~~الإنسان، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنهن أطلعن فيها على تخطيط، وتصوير ~~خفي، والأظهر في هذه الحالة أن حكمها كحكم التي قبلها لأنه قد تبين ~~بشهادة أهل المعرفة، أن تلك المضغة جنين لما اطلعوا عليه فيها من الصورة ~~الخفية. الحالة الثالثة هي أن تكون تلك المضغة المذكورة، ليس فيها تخطيط، ~~ولا تصوير ظاهر، ولا خفي، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنه مبدأ خلق آدمي. ~~وهذه الصورة فيها للعلماء خلاف. فقال بعض أهل العلم لا تنقضي عدتها بها، ~~ولا تصير أم ولد، ولا يجب على الضارب المسقط لها الغرة. قال ابن قدامة في ~~المغني وهذا ظاهر كلام الخرقي والشافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن الإمام ~~أحمد رحمه الله، وظاهر كلام الحسن والشعبي، وسائر من اشترط أن يتبين فيه ~~شيء من خلق الإنسان، لأنه لم يتبين فيه شيء من خلق الآدمي، فأشبه النطفة ~~والعلقة. وقال بعض أهل العلم تنقضي عدتها بوضع المضغة المذكورة، وتصير به ~~أم ولد، وتجب فيها الغرة، وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال بعض أهل العلم ~~لا تنقضي بها العدة، وتصير به أم ولد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له، ~~الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنه إذا شهد ثقات من القوابل العارفات، ~~بأن تلك المضغة مبدأ جنين، وأنها لو بقيت لتخلقت إنسانا، أنها تنقضي بها ~~العدة، وتصير بها الأمة أم ولد، وتجب بها الغرة على الجاني. والله تعالى ~~أعلم. الحالة الرابعة أن تكون تلك المضغة، ليس فيها تصوير ظاهر، ولا خفي، ~~ولم تشهد القوابل بأنها مبدأ إنسان، فحكم هذه كحكم العلقة وقد قدمناه ~~قريبا مستوفى. المسألة الرابعة إذا أسقطت المرأة جنينها ميتا بعد أن ~~كملت فيه صورة الآدمي، فلا خلاف بين أهل العلم ms1910 في انقضاء العدة بوضعه، ~~وكونها أم ولد، ووجوب الغرة فيه، ولكن العلماء اختلفوا في الصلاة عليه، ~~وغسله وتكفينه. فذهب مالك رحمه الله إلى أنه لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا ~~يحنط، ولا يسمى، ولا يورث، ولا يرث حتى يستهل صارخا، ولا عبرة بعطاسه، ~~ورضاعه، وبوله فلو عطس، أو رضع، أو بال لم يكن ذلك موجبا للصلاة عليه في ~~قول مالك، وعليه جمهور أصحابه. وقال المازري رضاعه تتحقق به حياته فتجب ~~به الصلاة عليه، وغيرها من الأحكام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ~~الظاهر أن الصواب في هذه المسألة أنه إن علمت حياته، ولو بسبب آخر غير أن ~~يستهل صارخا، فإنه يصلى عليه. وقد علمت أن مشهور مذهب الإمام مالك أن ~~المدار على أن يستهل صارخا، فإن لم يستهل صارخا غسل دمه، ولف بخرقة، ~~وووري، ومذهب الشافعي أنه إن استهل صارخا أو تحرك حركة تدل على الحياة ~~ثم مات صلي عليه، وورث وورث وإن لم يستهل، ولم يتحرك، فإن لم يكن له ~~أربعة أشهر، لم يصل عليه، ولكنه يلف بخرقة، ويدفن، وإن كان له أربعة أشهر ~~فقولان قال في القديم يصلى عليه، وقال في الأم لا يصلى عليه، وهو الأصح، ~~وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة، وأصحابه وجابر بن زيد التابعي، والحكم ~~وحماد، والأوزاعي ومالك أنه إذا لم يستهل صارخا لا يصلى عليه. # وعن ابن عمر أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين وابن ~~المسيب وإسحاق. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب، ومذهب الإمام ~~أحمد رحمه الله أنه إذا لم يستهل صارخا، ولم يتحرك، فإن كان له أربعة ~~أشهر غسل، وصلي عليه، وإلا فلا، أما إن استهل صارخا، فلا خلاف بينهم في ~~الصلاة عليه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له اعلم أن اختلاف الأئمة في ~~هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط، لأن مناط الأمر بالصلاة ~~عليه، هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة. ومناط عدم الصلاة عليه هو أن يعلم ~~أنه لم تتقدم ms1911 له حياة، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخا، أو ~~طالت مدته حيا علم بذلك أنه مات بعد حياة، فيغسل ويصلى لعيه، وقالوا إن ~~مطلق الحركة لا يدل على الحياة، لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية، وقالوا ~~إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته. قالوا قد كان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لما طعنه عدو الله معدودا في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ~~ما ورثه، وهو قول ابن القاسم. ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به، ~~لأنه في حكم الميت، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد. والذين خالفوا ~~هؤلاء قالوا لا نسلم ذلك فكل حركة قوية تدل على الحياة، وعمر ما دام ~~قادرا على الحركة القوية الدالة على الحياة، فهو حي تجري عليه أحكام ~~الحياة. والذين قالوا يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى ~~حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه ~~البخاري ومسلم، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة. ينفخ فيه الروح، ~~وانتهاء الأربعين الثالثة هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دل الحديث على نفخ ~~الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر ~~بأنه مات بعد حياة والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى { وترى الأرض ~~هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج }. هذا برهان قاطع آخر على البعث ~~وقوله { وترى } أي يا نبي الله. # وقيل وترى أيها الإنسان المخاطب وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. ~~فقوله { هامدة } حال من الأرض، لا مفعول ثان لترى. وقوله هامدة أي ~~يابسة قاحلة لا نبات فيها. وقال بعض أهل العلم، هامدة أي دارسة الآثار من ~~النبات، والزرع. قالوا وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ~~ميمون بن قيس # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا وأرى ثيابك باليات همدا # أي وأرى ثيابك باليات دارسات { فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~} أي سواء كان من المطر، أو الأنهار ms1912 أو العيون أو السواني { اهتزت } ~~أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات نباتا فيها متصلا بها، كان اهتزازه ~~كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها اهتزت بالنبات. وهذا ~~أسلوب عربي معروف. وقال أبو حيان في البحر المحيط واهتزازها تخلخلها ~~واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات، وقوله { وربت } أي زادت ~~وارتفعت وقال بعض أهل العلم وربت انتفخت، لأجل خروج النبات، وقال ابن ~~جرير الطبري وربت أي أضعفت النبات بمجيء الغيث. قال مقيده عفا الله عنه ~~وغفر له أصل المادة التي منها ربت الزيادة، والظاهر أن معنى الزيادة ~~الحاصلة في الأرض هي أن النبات لما كان نابتا متصلا بها صار كأنه زيادة ~~حصلت في نفس الأرض. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ~~والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت، إلا إذا ~~كان الأمر من المحاسن والمنافع ا ه منه. والاهتزاز أصله شدة الحركة ومنه ~~قوله # تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت كما اهتز غصن البان في ورق ~~خضر # وقوله { وأنبتت } أي أنبت الله فيها { من كل زوج } أي صنف ~~من أصناف النبات، والزرع، والثمار { بهيج } أي حسن، والبهجة الحسن. ~~ومنه قوله تعالى # فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة # النحل 60 تقول بهج بالضم بهاجة فهو بهيج، إذا كان حسنا، وقرأ عامة ~~السبعة وربت، وهو من قولهم ربا يربو إذا نما وزاد، وقرأ من الثلاثة أبو ~~جعفر يزيد بن القعقاع وربأت بهمزة مفتوحة بعد الباء أي ارتفعت، كأنه من ~~الربيئة أو الربيئي، وهو الرقيب الذي يعلو على شيء مشرف يحرس القوم ~~ويحفظهم. ومنه قول امرئ القيس # بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي # وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن إحياء الأرض بعد ~~موتها، برهان قاطع على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم. لأن ~~الجميع أحياء بعد موت، وإيجاد بعد عدم بينه في آيات كثيرة، وقد قدمنا في ~~سورة البقرة والنحل، كثرة الاستدلال بهذا البرهان في القرآن على البعث، ms1913 ~~وذكرنا الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # فصلت 39 وقوله تعالى # ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # الروم 19 أي من قبوركم أحياء، بعد الموت وقوله تعالى # وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # ق 11 أي خروجكم من القبور أحياء بعد الموت وقوله تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # الأعراف 57 وقوله # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير # الروم 50 وقوله تعالى # فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور # فاطر 9 وقوله تعالى # فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون # الزخرف 11 ومن ذلك قوله هنا { وترى الأرض هامدة فإذآ ~~أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت } بدليل قوله بعده ### || [22.6-7] # قوله تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي ~~الموتى } إلى قوله { وأن الله يبعث من في القبور ~~}. ### || [22.8-9] # قال بعض أهل العلم أن الآية الأولى التي هي # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد # الحج 3 نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم، اتباعا ~~لرؤسائهم، من شياطين الإنس والجن، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة ~~إلى الضلال المتبوعين في ذلك، ويدل لهذا أنه قال في الأولى { ويتبع ~~كل شيطان } وقال في هذه { ثاني عطفه ليضل عن سبيل ~~الله } فتبين بذلك أنه مضل لغيره، متبوع في الكفر والضلال، على قراءة ~~الجمهور بضم ياء يضل. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو بفتح الياء، ~~فليس في الآية دليل على ذلك، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله بغير ~~علم، فأغنى عن إعادته هنا. وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية ~~الكريمة { بغير علم } أي بدون علم ضروري، حاصل لهم بما يجادلون به ~~{ ولا هدى } أي ms1914 استدلال، ونظر عقلي، يهتدي به العقل للصواب { ولا ~~كتاب منير } أي وحي نير واضح، يعلم به ما يجادل به، فليس عنده ~~علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي، فهو ~~جاهل محض من جميع الجهات، وقوله { ثاني عطفه } حال من ضمير الفاعل ~~المستكن في يجادل أي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه أي لاوي عنقه ~~عن قبول الحق استكبارا وإعراضا. فقوله ثاني اسم فاعل ثنى الشيء إذا ~~لواه، وأصل العطف الجانب، وعطفا الرجل جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، ~~تقول العرب ثنى فلان عنك عطفه تعني أعرض عنك. وإنما عبر العلماء هنا ~~بالعنق فقالوا ثاني عطفه لاوي عنقه مع أن العطف يشمل العنق وغيرها، لأن ~~أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإنسان، يلويها، ويصرف وجهه عن الشيء بليها. ~~والمفسرون يقولون إن اللام في قوله { ليضل عن سبيل الله } ~~ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية، كقوله # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 8 الآية. ونحو ذلك لام العاقبة، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك ~~استعارة تبعية، في معنى الحرف. وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص. ~~ونقول هنا إن الظاهر في ذلك أن الصواب فيه غير ما ذكروا، وأن اللام في ~~الجميع لام التعليل، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن ~~كثير رحمه الله في مواضع من تفسيره. وإيضاح ذلك أن الله هو الذي قدر على ~~الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضا ~~عن الحق، واستكبارا. وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالا مضلا. وله الحكمة ~~البالغة في ذلك، كقوله # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # الكهف 57 أي لئلا يفقهوه. # وكذلك # فالتقطه آل فرعون # القصص 8 الآية أي قدر الله عليهم أن يلتقطوه، لأجل أن يجعله لهم عدوا ~~وحزنا. وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم ms1915 أوضحه في آيات أخر من كتاب الله، ~~كقوله تعالى # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها # لقمان 7 وقوله تعالى # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون # المنافقون 5 وقوله تعالى # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # النساء 61 وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه # ولا تصعر خدك للناس # لقمان 18 الآية أي لا تمل وجهك عنهم، استكبارا عليهم. وقوله تعالى عن ~~فرعون # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان ~~مبين فتولى بركنه # الذاريات 38-39 فقوله { فتولى بركنه } بمعنى ثنى عطفه. وقوله ~~تعالى # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه # فصلت 51 الآية إلى غير ذلك من الآيات وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ~~{ له في الدنيا خزي } أي ذل وإهانة. وقد أذل الله الذين جادلوا ~~في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير كأبي جهل بن هشام، والنضر بن ~~الحارث بالقتل يوم بدر. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه ~~استكبارا عن الحق وإعراضا عنه عامله الله بنقيض قصده فأذله وأهانه. ~~وذلك الذل والإهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة. وهذا المفهوم من ~~هذه الآية دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى # إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه # غافر 56 وقوله في إبليس لما استكبر # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج ~~إنك من الصاغرين # الأعراف 13 والصغار الذل والهوان، عياذا بالله من ذلك، كما قدمنا ~~إيضاحه. وقوله { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } ~~أين حرقه بالنار، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة وسمى يوم القيامة لأن ~~الناس يقومون فيه له جل وعلا، كما قال تعالى # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين # المطففين 4-6. ### || [22.10] # المعنى أن الكافر إذا أذيق يوم القيامة عذاب الحريق، يقال له ذلك أي هذا ~~العذاب الذي نذيقكه بسبب ما قدمت يداك أي قدمته في ms1916 الدنيا من الكفر ~~ولامعاصي { وأن الله ليس بظلام للعبيد } فلا يظلم ~~أحدا مثقال ذرة. # وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # النساء 40 والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله { وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد } في محل خفض عطفا على ما ~~المجرورة بالباء. والمعنى هذا العذاب الذي يذيقكه الله حصل لك بسببين، ~~وهما ما قدمته يداك، من عمل السوء من الكفر والمعاصي وعدالة من جازاك، ~~ذلك الجزاء الوفاق، وعدم ظلمه. وقد أوضحنا فيما مضى إزالة الإشكال ~~المعروف في نفي صيغة المبالغة، في قوله { ليس بظلام } فأغنى ذلك ~~عن إعادته هنا. وفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة الأول هو ما ذكرنا ~~آنفا أنا أوضحنا الجواب عنه سابقا، وهو أن المعروف في علم العربية، أن ~~النفي إذا دخل على صيغة المبالغة، لم يقتض نفي أصل الفعل. فلو قلت ليس ~~زيد بظلام للناس، فمعناه المعروف أنه غير مبالغ في الظلم، ولا ينافي ذلك ~~حصول مطلق الظلم منه. وقد قدمنا إيضاح هذا. والسؤال الثاني أنه أسند كل ~~ما قدم إلى يديه في قوله { بما قدمت يداك } وكفره الذي هو أعظم ~~ذنوبه، ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان بعض ~~أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في ~~اليد. وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول ~~بغير اليد. والجواب عن هذا ظاهر وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي ~~نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظرا إلى أنها الجارحة ~~التي يزاول بها أكثر الأعمال فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك. والسؤال ~~الثالث هو أن يقال ما وجه إشارة البعد في قوله { ذلك بما قدمت ~~يداك } مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر؟. والجواب عن هذا أن ~~من أساليب اللغة العربية وضع إشارة البعد موضع إشارة القرب. وقد أوضحنا ~~هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب. عن آيات الكتاب في الكلام على ~~قوله ms1917 تعالى في أول سورة البقرة # الم ذلك الكتاب # البقرة 1-2 الآية أي هذا الكتاب. ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول ~~خفاف بن ندبة السلمي # فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا أقول له ~~والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # يعني أن هذا، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكافر يقال ~~له يوم القيامة { ذلك بما قدمت يداك } الآية لا يخفى أنه ~~توبيخ، وتقريع، وإهانة له، وأمثال ذلك القول في القرآن كثيرة كقوله تعالى # خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم ثم صبوا فوق ~~رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون # الدخان 47-50 وقوله تعالى # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون # الطور 13-16 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. ### || [22.12] # ضمير الفاعل في قوله { يدعو من دون الله ما لا يضره } ~~راجع إلى الكافر المشار إليه في قوله # وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين # الحج 11 أي يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله، ما لا يضره، إن ترك ~~عبادته، وكفر به، وما لا ينفعه، إن عبده وزعم أنه يشفع له. وما ذكره جل ~~وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان، لا تضر من كفر بها، ولا تنفع ~~من عبدها بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # يونس 18 وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم # قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو ~~يضرون قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون # الشعراء 72-74. إذ المعنى أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون، ولا ينفعون ولا ~~يضرون، ولكنهم عبدوهم ms1918 تقليدا لآبائهم. والآيات بمثل ذلك كثيرة. تنبيه ~~فإن قيل ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معا، عن ذلك المعبود ~~من دون الله في قوله { ما لا يضره وما لا ينفعه } مع ~~إثباتهما في قوله # يدعو لمن ضره أقرب من نفعه # الحج 13. لأن صيغة التفضيل في قوله أقرب دلت على أن هناك نفعا، وضرا، ~~ولكن الضر أقرب من النفع. فالجواب أن للعلماء أجوبة عن ذلك. منها ما ~~ذكره الزمخشري قال فإن قلت الضر والنفع منفيان عن الأصنام، مثبتان لها في ~~الآيتين، وهذا تناقض. قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم. وذلك أن الله ~~تعالى سفه الكافر، بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا، ولا نفعا، وهو ~~يعتقد فيه بجهله وضلاله، أنه يستنفع به، حين يستشفع به، ثم قال يوم ~~القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله ~~النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها # يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ~~ولبئس العشير # الحج 13 وكرر يدعو كأنه قال يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره، وما لا ~~ينفعه. ثم قال لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه، بكونه شفيعا لبئس ~~المولى، ولبئس العشير ا ه منه. ولا يخفى أن جواب الزمخشري هذا غير مقنع، ~~لأن المعبود من دون الله، ليس فيه نفع ألبتة، حتى يقال فيه إن ضره أقرب ~~من نفعه وقد بين أبو حيان عدم اتجاه جوابه المذكور. ومنها ما أجاب به أبو ~~حيان في البحر. وحاصله أن الآية الأولى في الذين يعبدون الأصنام، ~~فالأصنام. لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها ولذا قال فيها ما لا ~~يضره وما لا ينفعه والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام، هي التعبير ~~بلفظة " ما " في قوله { ما لا يضره وما لا ينفعه } لأن ~~لفظة " ما " تأتي لما لا يعقل، والأصنام لا تعقل. # أما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من دون الله، ~~كفرعون القائل # ما علمت لكم من إله غيري ms1919 # القصص 38، # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # الشعراء 29، # أنا ربكم الأعلى # النازعات 24 فإن فرعون ونحوه من الطغاة المعبودين قد يغدقون نعم الدنيا ~~على عابديهم ولذا قال له القوم الذين كانوا سحرة # أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم ~~وإنكم إذا لمن المقربين # الشعراء 41-42 فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه، من العذاب، ~~والخلود في النار كلا شيء، فضر هذا المعبود بخلود عباده في النار، أقرب ~~من نفعه. بعرض قليل زائل من حطام الدنيا، والقرينة على أن المعبود في هذه ~~الآية الأخيرة بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء هي التعبير بمن التي ~~تأتي لمن يعقل في قوله { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ~~} هذا هو خلاصة جواب أبي حيان وله اتجاه، والله تعالى أعلم. واعلم أن ~~اللام في # يدعو لمن ضره أقرب من نفعه # الحج 13 فيها إشكال معروف. وللعلماء عن ذلك أجوبة. ذكر ابن جرير الطبري ~~رحمه الله منها ثلاثة أحدها أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك ~~من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والأصل يدعو لمن ضره أقرب ~~من نفعه، وعلى هذا فمن الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام ~~موطئة للقسم، داخلة على المبتدأ، الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد ~~المبتدأ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا إشكال فيه. قال ابن جرير وحكي ~~عن العرب سماعا منها عندي لما غيره خير منه أي عندي ما لغيره خير منه، ~~وأعطيتك لما غيره خير منه أي ما لغيره خير منه. والثاني منها أن قوله ~~يدعو تأكيد ليدعوا في الآية التي قبلها وعليه فقوله { لمن ضره } ~~في محل رفع بالابتداء، وجملة { ضره أقرب من نفعه } صلة ~~الموصول الذي هو من والخبر هو جملة { لبئس المولى } الآية. وهذا ~~المعنى كقول العرب لما فعلت لهو خير لك. قال ابن جرير لما ذكر هذا الوجه ~~واللام الثانية في { لبئس المولى } جواب اللام الأولى قال وهذا ~~القول على مذهب أهل العربية أصح، والأول إلى مذهب ms1920 أهل التأويل أقرب ا ه. ~~والثالث منها أن { من } في موضع نصب بيدعوا، وأن اللام دخلت على ~~المفعول به، وقد عزا هذا لبعض البصريين مع نقله عمن عزاه إليه أنه شاذ. ~~وأقربها عندي الأول. وقال القرطبي رحمه الله ولم ير منه نفعا أصلا، ~~ولكنه قال { ضره أقرب من نفعه } ترفيعا للكلام كقوله # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # سبأ 24 وباقي الأقوال في اللام المذكورة تركناه، لعدم اتجاهه في نظرنا، ~~والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى { لبئس المولى }. المولى هو ~~كل ما انعقد بينك وبينه سبب، يواليك به. والعشير هو المعاشر، وهو الصاحب ~~والخليل. والتحقيق أن المراد بالمولى والعشير المذموم في هذه الآية ~~الكريمة، هو المعبود الذي كانوا يدعونه من دون الله، كما هو الظاهر ~~المتبادر من السياق. وقوله { ذلك هو الضلال البعيد } أي ~~البعيد عن الحق والصواب ### || [22.15] # في هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير معروفة عند العلماء، وبعضها يشهد ~~لمعناه قرآن. الأول أن المعنى من كان من الكفرة الحسدة له صلى الله عليه ~~وسلم، يظن أن لن ينصره الله أي أن لن ينصر الله نبيه محمدا صلى الله ~~عليه { فليمدد بسبب } أي بحبل إلى السماء أي سماء بيته، ~~والمراد به السقف لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال # وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر # كما أوضحناه في سورة الحجر. والمعنى فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف { ~~ثم ليقطع } أي ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل ~~المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق، لأن الاختناق ~~يقطع النفس بسبب حبس مجاريه، ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس قطع، فلينظر ~~إذا اختنق { هل يذهبن كيده } أي هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه ~~من نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، في الدنيا والآخرة. والمعنى لا ~~يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري وسمي ms1921 فعله كيدا، لأن وضعه موضع ~~الكيد، حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به ~~محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما ~~يغيظه ا ه منه. وحاصل هذا القول أن الله يقول لحاسديه صلى الله عليه ~~وسلم، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أن ربه لن ينصره موتوا بغيظكم، ~~فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم، وممن قال بهذا القول مجاهد، وقتادة، ~~وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو ~~أظهرها عندي. ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى. # وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم # آل عمران 119. الوجه الثاني أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، والحال أن النصر يأتيه صلى ~~الله عليه وسلم من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك السبب، ~~حتى يصعد إلى السماء، فيقطع نزول الوحي من السماء، فيمنع النصر عنه صلى ~~الله عليه وسلم. والمعنى أنه وإن غاظه نصر الله لنبيه. فليس له حيلة، ولا ~~قدرة على منع النصر، لأنه لا يستطيع الارتقاء إلى السماء ومنع نزول النصر ~~منها عليه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول فصيغة الأمر في قوله { ~~فليمدد } وقوله { ثم ليقطع } للتعجيز { ليقطع ~~فلينظر } ذلك الحاسد العاجز عن قطع النصر عنه صلى الله عليه وسلم ~~هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النبي صلى الله عليه وسلم، ما ~~يغيظه من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. # والمعنى أنه إن أعمل كل ما في وسعه، من كيد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليمنع عنه نصر الله، فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يذهب كيده ما يغيظه من ~~نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. ومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله ~~تعالى # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب # ص 10-11 ms1922 وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة الحجر. ولبعض أهل العلم قول ~~ثالث في معنى الآية الكريمة وهو أن الضمير في { لن ينصره } عائد ~~إلى من في قوله تعالى { من كان يظن } وأن النصر هنا بمعنى الرزق، ~~وأن المعنى من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه، فليختنق، وليقتل ~~نفسه، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، وليمت ~~غيظا وغما، فإن ذلك لا يغير شيئا مما قضاه الله وقدره، والذين قالوا ~~هذا القول قالوا إن العرب تسمي الرزق نصرا، وعن أبي عبيدة قال وقف علينا ~~سائل من بني بكر، فقال من ينصرني نصره الله، يعني من يعطيني أعطاه الله، ~~قالوا ومن ذلك قول العرب أرض منصورة أي ممطورة، ومنه قول رجل من بني فقعس # وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ولا تملك الشق الذي ألغيت ناصره # أي معطيه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له وهذا القول الأخير ظاهر ~~السقوط، كما ترى، والذين قالوا إن الضمير في قوله { أن لن ينصره ~~الله } راجع إلى الدين، أو الكتاب، لا يخالف قولهم قول من قال إن ~~الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن نصر الدين، والكتاب هو نصره صلى ~~الله عليه وسلم كما لا يخفى، ونصر الله له صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ~~بإعلائه كلمته، وقهره أعداءه، وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، ~~والانتقام ممن كذبه، ونحو ذلك كما قال تعالى # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # غافر 51 فإن قيل قررتم أن الضمير في ينصره، عائد إليه صلى الله عليه ~~وسلم، وهو لم يجر له ذكر، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور. فالجواب ~~هو ما قاله غير واحد من أنه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يجر له ذكر ~~فالكلام دال عليه، لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها تليها # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات # الحج 14 الآية. هو الإيمان بالله، وبمحمد صلى الله ms1923 عليه وسلم، والانقلاب ~~عن الدين المذكور في قوله # انقلب على وجهه # الحج 11 انقلاب عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { ثم ليقطع } قرأه أبو عمرو، وابن عامر، وورش، عن ~~نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر، وقرأه الباقون بإسكان اللام ~~تخفيفا. ### || [22.18] # قوله تعالى { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض } إلى قوله { إن الله يفعل ~~ما يشآء }. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب ~~المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [22.19-21] # قوله تعالى { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد }. ما ذكره ~~جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أنواع عذاب أهل النار، أعاذنا الله ~~وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، وجاء مبينا ~~في آيات أخر من كتاب الله، فقوله هنا { قطعت لهم ثياب من ~~نار } أي قطع الله لهم من النار ثيابا، وألبسهم إياها تنقد عليهم ~~كقوله فيهم # سرابيلهم من قطران # إبراهيم 50 والسرابيل هي الثياب التي هي القمص، كما قدمنا إيضاحه، ~~وكقوله # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف 41 والغواشي جمع غاشية وهي غطاء كاللحاف، وذلك هو معنى قوله هنا ~~{ قطعت لهم ثياب من نار } وقوله تعالى هنا { يصب من ~~فوق رءوسهم الحميم } ذكره أيضا في غير هذا الموضع كقوله # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم # الدخان 48-49 والحميم الماء البالغ شدة الحرارة، وكقوله تعالى # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # الكهف 29 الآية. وقوله هنا { يصهر به ما في بطونهم } أي ~~يذاب بذلك الحميم، إذا سقوه فوصل إلى بطونهم، كل ما في بطونهم من الشحم ~~والأمعاء وغير ذلك، كقوله تعالى # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # محمد 15 والعرب تقول صهرت الشيء فانصهر، فهو صهير أي أذبته فذاب، ومنه ~~قول ابن ms1924 أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض # تروي لقي ألقى في صفصف تصهره الشمس فما ينصهر # أي تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، ولا يذوب، وقوله والجلود الظاهر أنه ~~معطوف على " ما " من قوله { يصهر به ما في بطونهم } التي هي ~~نائب فاعل يصهر، وعلى هذا الظاهر المتبادر من الآية، فذلك الحميم يذيب ~~جلودهم، كما يذيب ما في بطونهم. لشدة حرارته. إذ المعنى يصهر به ما في ~~بطونهم، وتصهر به الجلود. أي جلودهم، فالألف واللام قامتا مقام الإضافة، ~~وقال بعض أهل العلم والجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على تصهر، وتقديره ~~وتحرق به الجلود، ونظير ذلك في تقدير العامل المحذوف الرافع الباقي ~~معموله مرفوعا بعد الواو قول لبيد في معلقته # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها # يعني وباض نعامها، لأن النعامة لا تلد الطفل، وإنما تبيض، بخلاف الظبية ~~فهي تلد الطفل، ومثاله في المنصوب قول الآخر # إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا ترى ~~منا الأيور إذا رأوها قياما راكعين وساجدينا # يعني زججن الحواجب، وأكحلن العيون وقوله # ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا، لأن الرمح لا يتقلد، وقول الآخر # تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر # يعني ويفقأ عينيه، ومن شواهده المشهورة قول الراجز. # علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها # يعني وسقيتها ماء باردا، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى # والذين تبوءوا الدار والإيمان # الحشر 9 الآية أي وأخلصوا الإيمان، أو ألفوا الإيمان، ومثال ذلك في ~~المخفوض قولهم ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة أي ولا كل سوداء تمرة، ~~وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله # وهي انفردت بعطف عامل مزال قد بقي معموله دفعا ~~لوهم اتقى # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولهم مقامع من حديد } ~~المقامع جمع مقمعة بكسر الميم الأولى، وفتح الميم الأخيرة، ويقال مقمع ~~بلا هاء، وهو في اللغة حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل وهي في ~~الآية مرزاب عظيمة من ms1925 حديد تضرب بها خزنة النار رؤوس أهل النار، وقال بعض ~~أهل العلم المقامع سياط من نار، ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من ~~الحديد لتصريحه تعالى بذلك، وقوله تعالى { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ~~ثياب من نار } الحج 19 الآية نزل في المبارزين يوم بدر، وهم حمزة ~~بن عبدالمطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وفي ~~أقرانهم المبارزين من الكفار وهم عتبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، ~~وأخوه شيبة بن ربيعة، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما. ### || [22.22] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن أهل النار كلما أرادوا ~~الخروج منها، لما يصيبهم من الغم فيها عياذا بالله منها، أعيدوا فيها، ~~ومنعوا من الخروج منها بينه في غير هذا الموضع، كقوله في المائدة # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ~~يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # المائدة 36-37 وقوله في السجدة # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # السجدة 20 الآية، وقوله في آية الحج هذه { وذوقوا عذاب ~~الحريق } حذف فيه القول. والمعنى أعيدوا فيها، وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~الحريق، وهذا القول المحذوف في الحج صرح به في السجدة في قوله تعالى # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون # السجدة 20 والمفسرون يقولون إن لهب النار يرفعهم، حتى يكاد يرميهم ~~خارجها، فتضربهم خزنة النار بمقامع الحديد، فتردهم في قعرها، نعوذ بالله ~~منها، ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل. ### || [22.25] # اعلم أن خبر إن في قوله هنا { إن الذين كفروا } محذوف كما ~~ترى. والذي تدل عليه الآية أن التقدير إن الذين كفروا، ويصدون عن سبيل ~~الله، نذيقهم من عذاب أليم. كما دل على هذا قوله في آخر الآية { ومن ~~يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ms1926 أليم } ~~وخير ما يفسر به القرآن القرآن. فإن قيل ما وجه عطف الفعل المضارع على ~~الفعل الماضي، في قوله { إن الذين كفروا ويصدون }. ~~فالجواب من أربعة أوجه واحد منها ظاهر السقوط. الأول هو ما ذكره بعض ~~علماء العربية من أن المضارع، قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال، أو ~~استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه { ويصدون عن سبيل ~~الله } وقوله # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله # الرعد 28 قاله أبو حيان وغيره. الثاني أن يصدون خبر مبتدأ محذوف، ~~والتقدير إن الذين كفروا، وهم يصدون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا ~~فعلية، وهذا القول استحسنه القرطبي. الثالث أن يصدون مضارع أريد به ~~الماضي أي كفروا، وصدوا وليس بظاهر. الرابع أن الواو زائدة، وجملة يصدون ~~خبر إن أي إن الذين كفروا يصدون الآية. وهذا هو الذي قدمنا أنه ظاهر ~~السقوط، وهو كما ترى، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن من أعمال ~~الكفار الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام بينه في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه أكبر عند الله # البقرة 217 الآية. وقوله تعالى # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله # الفتح 25 وقوله تعالى # ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا # المائدة 2 الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { سوآء العاكف فيه والباد } قرأه عامة السبعة غير ~~حفص عن عاصم سواء، بضم الهمزة، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع ~~سواء وجهان. الأول أن قوله العاكف مبتدأ، والباد معطوف عليه، وسواء خبر ~~مقدم، وهو مصدر أطلق وأريد به الوصف. فالمعنى العاكف والبادي سواء، أي ~~مستويان فيه، وهذا الإعراب أظهر الوجه. الثاني أن سواء مبتدأ والعاكف ~~فاعل سد مسد الخبر، والظاهر أن مسوغ الابتداء بالنكرة التي هي سواء، على ~~هذا الوجه هو عملها في المجرور الذي هو فيه، إذ ms1927 المعنى سواء فيه العاكف ~~والبادي، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني لجعلنا، وقرأ حفص عن ~~عاصم سواء بالنصب، وهو المفعول الثاني لجعلنا التي بمعنى صيرنا. والعاكف ~~فاعل سواء أي مستويا فيه العاكف والبادي، ومن كلام العرب مررت برجل سواء ~~هو والعدم، ومن قال إن " جعل " في الآية تتعدى إلى مفعول واحد قال إن ~~سواء احال من الهاء في جعلناه أي وضعناه للناس في حال كونه سواء العاكف ~~فيه والبادي كقوله # إن أول بيت وضع للناس # آل عمران 96 الآية وقال بعض أهل العلم إن المراد بالمسجد الحرام في هذه ~~الآية الكريمة يشمل جميع الحرم. ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية، أن ~~رباع مكة لا تملك، وقد قدمنا الكلام مستوفى في هذه المسألة، وأقوال أهل ~~العلم فيها، ومناقشة أدلتهم في سورة الأنفال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ~~والعاكف هو المقيم في الحرم، والبادي الطارئ عليه من البادية، وكذلك ~~غيرها من أقطار الدنيا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة والبادي قرأه ~~أبو عمرو وورش، عن نافع بإثبات الياء، بعد الدال في الوصل، وإسقاطها في ~~الوقف، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا، وقرأه باقي السبعة ~~بإسقاطها، وصلا ووقفا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ومن ~~يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } قد ~~أوضحنا إزالة الإشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله بإلحاد، ونظائره ~~في القرآن، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى # وهزى إليك بجذع النخلة # مريم 25 فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والإلحاد في اللغة أصله الميل، ~~والمراد بالإلحاد في الآية أن يميل، ويحيد عن دين الله الذي شرعه، ويعم ~~ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولا أوليا الكفر بالله، ~~والشرك به في الحرم، وفعل شيء مما حرمه وترك شيء مما أوجبه. ومن أعظم ذلك ~~انتهاك حرمات الحرم. وقال بعض أهل العلم يدخل في ذلك احتكار الطعام بمكة، ~~وقال بعض أهل العلم يدخل في ذلك قول الرجل لا والله، وبلى ms1928 والله، وعن ابن ~~عمر رضي الله عنهما أنه كان له فسطاطان أحدهما في طرف الحرم، والآخر في ~~طرف الحل، فإذا أراد أن يعاتب أهله، أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ~~ليس في الحرم، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإلحاد فيه بظلم. قال مقيده عفا ~~الله عنه وغفر له الذي يظهر في هذه المسألة، أن كل مخالفة بترك واجب، أو ~~فعل محرم تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته، أو ~~عبده، فليس من الإلحاد، ولا من الظلم. مسألة قال بعض أهل العلم من هم أن ~~يعمل سيئة في مكة، أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همه بذلك، وإن لم ~~يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا يعاقب فيه بالهم. وعن ~~عبدالله بن مسعود رضي الله عنه لو أن رجلا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو ~~بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم، وهذا ثابت عن ابن ~~مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه، والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر ~~قوله تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من ~~عذاب أليم } لأنه تعالى رتب إذاقة العذاب الأليم، على إرادة ~~الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم ~~إن الباء في قوله بإلحاد، لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهم أي ومن يهمهم ~~فيه بإلحاد، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره. # فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم # " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " # الحديث، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ~~ووجه هذا ظاهر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ويحتمل أن يكون معنى ~~الإرادة في قوله { ومن يرد فيه بإلحاد } العزم المصمم على ~~ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع ~~الله مكة وغيرها. والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزما مصمما عليه ~~أنها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح # " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ms1929 النار، قالوا يا ~~رسول الله، قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال " إنه كان حريصا على ~~قتل صاحبه " " # فقولهم ما بال المقتول سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع ~~أنه لم يفعل القتل، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله # " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " # أن ذنبه الذي أدخله النار، هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم. ~~وقد قدمنا مرارا أن إن المكسورة المشددة تدل على التعليل كما تقرر في ~~مسلك الإيماء والتنبيه. ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب ~~المحظور فيه، ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل، بسبب طير أبابيل # ترميهم بحجارة من سجيل # الفيل 4 لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم ~~قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه، والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير ~~في قوله { فيه } راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ ~~الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم. ### || [22.26] # أي اذكر حين بوأنا، تقول العرب بوأت له منزلا، وبوأته منزلا، وبوأته ~~في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، ~~فتبوأه أي نزله، وتبوأت له منزلا أيضا هيأته له، وأنزلته فيه فبوأه ~~المتعدي بنفسه، كقوله تعالى # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم ~~من الجنة غرفا # العنكبوت 58 الآية وقوله # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة # النحل 41 الآية ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي # كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا # أي هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له كقوله هنا { وإذ بوأنا ~~لإبراهيم } الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر # وبوئت في صميم معشرها وتم في قومها مبوؤها # أي نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلا كقوله تعالى # وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما ~~بمصر بيوتا # يونس 87 وتبوأه كقوله # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # الزمر 74 الآية. وقوله تعالى # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء ms1930 # يوسف 56 وقوله تعالى # والذين تبوءوا الدار والإيمان # الحشر 9 الآية. وأصل التبوء. من المباءة وهي منزل القوم في كل موضع، ~~فقوله { بوأنا لإبراهيم مكان البيت } أي هيأناه له، ~~وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ~~ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه. والمفسرون يقولون بوأه له، ~~وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس ~~الأول الذي كان مندرسا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل أرسل له مزنة ~~فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر ~~لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضا إنه كان مندرسا من زمن طوفان نوح، ~~وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه ~~القرآن أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في ~~محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن ~~قبله. وظاهر قوله حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # إبراهيم 37 يدل على أنه كان مبنيا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا { ~~مكان البيت } لأنه يدل على أن له مكانا سابقا، كان معروفا. ~~والله أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { أن لا تشرك بي ~~شيئا وطهر بيتي للطآئفين } الآية متعلق بمحذوف، وقد ~~دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى # وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين # البقرة 125 الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه { ~~وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } وعهدنا إليه أي ~~أوصيناه، أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين، وزادت آية البقرة أن ~~إسماعيل مأمور بذلك أيضا مع أبيه إبراهيم، وإذا عرفت أن المعنى وعهدنا ~~إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي. # الآية. فاعلم أن في " أن " وجهين أحدهما أنها هي المفسرة، وعليه ~~فتطهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم ms1931 أي والعهد هو ~~إيصاؤه بالتطهير المذكور. والثاني أنها مصدرية بناء على دخول " أن " ~~المصدرية على الأفعال الطلبية. فإن قيل كيف تكون مفسرة للعهد إلى ~~إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟ فالجواب أنه مذكور في سورة البقرة في ~~المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا، ~~لأن كلام الله يصدق بعضه بعضا، والتطهير هنا في قوله { وطهر ~~بيتي } يشمل التطهير المعنوي، والحسي، فيطهره الطهارة الحسية من ~~الأقذار، والمعنوية من الشرك والمعاصي، ولذا قال { أن لا تشرك بي ~~شيئا } وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد ~~قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام ~~الفتح، وطهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها. ~~كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم # ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم # النحل 123 الآية والمراد بالطائفين في هذه الآية الذين يطوفون حول ~~البيت، والمراد بالقائمين والركع السجود المصلون أي طهر بيتي للمتعبدين، ~~بطواف، أو صلاة، والركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد. وقوله تعالى في هذه ~~الآية { أن لا تشرك بي شيئا } لفظة " شيئا " مفعول به للا ~~تشرك أي لا تشرك بي شيئا من الشركاء كائنا ما كان، ويحتمل أن تكون ما ~~ناب عن المطلق، من لا تشرك أي لا تشرك بي شيئا من الشرك، لا قليلا، ولا ~~كثيرا. فالمعنى على هذا لا تشرك بي شركا قليلا، ولا كثيرا، وقرأ نافع ~~وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام. بيتي بفتح الياء، وقرأ ~~باقي السبعة بإسكانها. واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء ~~إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون، أن البيت الحرام رفعه الله ~~إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء ودرج على ذلك ناظم ~~عمود النسب فقال # ودلت إبراهيم مزنة عليه فهي على قدر المساحة تريه وقيل دلته خجوج ~~كنست ما حوله حتى بدا ما أسست قبل الملائك من البناء قبل ms1932 ارتفاعه ~~إلى السماء # ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالاسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من ~~كتاب، أو سنة على صدقه، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب. مسألة ~~يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر ~~من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد ~~يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. # ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات ~~التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود أن ذلك مناف لما ~~أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، ~~فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز. لأن تصوير ~~الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع ~~التصوير. ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها. وكذلك ما ~~يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ~~ولا تركه. ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين ~~التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب. ### || [22.27] # الأذان في اللغة: الإعلام: ومنه قوله تعالى # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر # [التوبة: 3] وقول الحرث بن حلزة: # آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # والحج في اللغة: القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد: تقول العرب: حج بنو ~~فلان فلانا: إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول ~~المخبل السعدي: # ألم تعلمي يا أم أسعد أنما # تخاطأني ريب المنون لأكبرا # وأشهد من عوف حلولا كثيرة # يحجون سب الزبرقان المزعفرا # قوله: يحجون يعني: يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب ~~بالكسر: العمامة. وعنى بكونهم يحجون عمامته: أنهم يحجونه، فكنى عنه ~~بالعمامة. والرجال في الآية: جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر: ~~البعير ونحوه. المهزول: الذي أتعبه ms1933 السفر. وقوله " يأتين " يعني: ~~الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر، لأنه في معنى: وعلى ضوامر يأتين من كل ~~فج عميق، لأن لفظة " كل " صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة: والفج: ~~الطريق، وجمعه: فجاج: ومنه قوله تعالى # وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # [الأنبياء: 31] والعميق: البعيد، ومنه قول الشاعر: # إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة # يمد بها في السير أشعث شاحب # وأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلا، تقول: بئر عميقة: أي بعيدة ~~القعر: والخطاب في قوله { وأذن في الناس بالحج } لإبراهيم ~~كما هو ظاهر من السياق. وهو قول الجمهور، خلافا لمن زعم أن الخطاب ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى إبراهيم وسلم، وممن قال بذلك: الحسن، ~~ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى { وأذن في الناس بالحج } أي ~~وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج: أي أعلمهم، وناد فيهم بالحج: أي ~~بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام. # وذكر المفسرون أنه لما أمره ربه، أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا رب، ~~كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على ~~مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا ~~أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتى ~~بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء ~~سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك ~~اللهم لبيك. # قال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن ~~عباس ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والله أعلم، ~~وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. انتهى منه. # وقوله تعالى: { يأتوك رجالا } مجزوم في جواب الطلب، وهو عند ~~علماء العربية مجزوم بشرط مقدر، دل عليه الطلب على الأصح: أي إن تؤذن في ~~الناس بالحج يأتوك. # وإنما قال " يأتوك " لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم ~~في الحقيقة للحج، لأن نداء إبراهيم للحج: أي يأتوك ملبين ms1934 دعوتك، حاجين ~~بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه: أن ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور، فوجوب الحج بها ~~على هذه الأمة، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة ~~المائدة، مع أنه دلت آيات أخر، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم ~~وقع مثله أيضا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97] وقوله تعالى: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] وقوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158]. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية. وقوله: { يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر } الآية. قد يستدل بهذه الآية من ذهب من ~~العلماء. إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا، لأنه ~~قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم: وقال وكيع، عن أبي ~~العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسى على شيء ~~إلا أني وددت أن يكنت حججت ماشيا، لأن الله يقول { يأتوك رجالا ~~}. # والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فإنه حج راكبا مع كمال قوته صلى الله عليه وسلم. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أنه قد تقرر في الأصول: أن منشأ ~~الخلاف في هذه المسألة، التي هي: هل الركوب في الحج. أفضل، أو المشي؟ ~~ونظائرها كون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى الجبلة ~~والتشريع ثلاثة أقسام: # القسم الأول: هو الفعل الجبلي المحض: أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة ~~البشرية بطبيعتها، كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، فإن هذا لم يفعل ~~التشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أنا أجلس ms1935 وأقوم تقربا لله، واقتداء ~~بنبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يقوم ويجلس لأنه لم يفعل ذلك التشريع ~~والتأسي. وبعضهم يقول: فعله الجبلي يقتضي الجواز، وبعضهم يقول: يقتضي ~~الندب. والظاهر ما ذكرنا من أنه لم يفعل للتشريع، ولكنه يدل على الجواز. # القسم الثاني: هو الفعل التشريعي المحض. وهو الذي فعل لأجل التأسي، ~~والتشريع كأفعال الصلاة، وأفعال الحج مع قوله: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وقوله: # " خذوا عني مناسككم ". # القسم الثالث: وهو المقصود هنا هو الفعل المحتمل للجبلي والتشريعي. # وضابطه: أن تكون الجبلة البشرية تقتضيه بطبيعتها، ولكنه وقع متعلقا ~~بعبادة بأن وقع فيها، أو في وسيلتها كالركوب في الحج، فإن ركوبه صلى الله ~~عليه وسلم في حجه محتمل للبجلة، لأن الجبلة البشرية تقتضي الركوب، كما ~~كان يركب صلى الله عليه وسلم في أسفاره غير متعبد بذلك الركوب، بل ~~لاقتضاء الجبلة إياه: ومحتمل للشرعي لأنه صلى الله عليه وسلم فعله في حال ~~تلبسه بالحج وقال: # " خذوا عني مناسككم " # ومن فروع هذه المسألة: جلسة الاستراحة في الصلاة والرجوع من صلاة العيد ~~في طريق أخرى غير الذي ذهب فيها إلى صلاة العيد. والضجعة على الشق ~~الأيمن، بين ركعتي الفجر، وصلاة الصبح، ودخول مكة من كداء بالفتح والمد، ~~والخروج من كدى بالضم والقصر. والنزول بالمحصب بعد النفر من منى ونحو ~~ذلك. # ففي كل هذه المسائل خلاف بين أهل العلم لاحتمالها للجبلي والتشريعي. ~~وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: # وفعله المركوز في الجبلة # كالأكل والشرب فليس مله # من غير لمح الوصف والذي احتمل # شرعا ففيه قل تردد حصل # فالحج راكبا عليه يجري # كضجعة بعد صلاة الفجر # ومشهور مذهب مالك: أن الركوب في الحج أفضل، إلا في الطواف والسعي، ~~فالمشي فيهما واجب. # وقال سند واللخمي من المالكية: إن المشي أفضل للمشقة، وركوبه صلى الله ~~عليه وسلم جبلي لا تشريعي. # وما ذكرنا عن مالك من أن الركوب في الحج أفضل من المشي، هو قول أكثر أهل ~~العلم، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي وغيرهما. # قال النووي في شرح ms1936 المهذب: قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن الركوب ~~أفضل. قال العبدري: وبه قال أكثر الفقهاء، وقال داود: ماشيا أفضل، واحتج ~~بحديث عائشة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: " ولكنها على قدر نفقتك أو ~~نصبك " " # رواه البخاري ومسلم، وفي رواية صحيحة # " على قدر عنائك ونصبك " # وروى البيهقي بإسناده، عن ابن عباس قال: ما آسى على شيء ما آسى أني لم ~~أحج ماشيا، وعن عبيد بن عمير قال ابن عباس: ما ندمت على شيء فاتني في ~~شبابي، إلا أني لم أحج ماشيا، ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ~~ماشيا. وإن النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات، ~~حتى كان يعطي الخف، ويمسك النعل. انتهى محل الغرض منه، والحديث المرفوع ~~عن ابن عباس في فضل الحج ماشيا: ضعيف، وحديث عائشة المتفق عليه الذي ~~أشار إليه النووي يقوي حجة من قال: بأن المشي في الحج أفضل من الركوب، ~~لأنه أكثر نصبا وعناء. ولفظ البخاري " ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك " ~~ولفظ مسلم " ولكنها على قدر نصبك " أو قال " نفقتك " والنصب: التعب، ~~والمشقة. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: قد دل الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين: على وجوب الحج ~~مرة واحدة في العمر، وهو إحدى الدعائم الخمس، التي بني عليها الإسلام ~~إجماعا. # أما دليل وجوبه من كتاب الله: فقوله تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. # وأما السنة فالأحاديث في ذلك كثيرة، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ قال " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: # " " أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " ، فقال رجل: أكل عام يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما ~~تركتكثم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على ~~أنبيائهم، ms1937 فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه " " # انتهى منه. # ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " # ، ونحوه أخرجه الإمام أحمد والنسائي، واستدل بهذا الحديث على أن الأمر ~~المجرد من القرائن، لا يقتضي التكرار كما هو مقرر في الأصول. # والدليل على أنه إحدى الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام: حديث ابن ~~عمر المتفق عليه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " # هذا لفظ البخاري. # وقد وردت في فضل الحج والترغيب فيه أحاديث كثيرة: فمن ذلك حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال ~~أفضل؟ قال # " إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ~~ماذا؟ قال: حج مبرور " # متفق عليه. وعنه رضي الله عنه أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " # متفق عليه أيضا: وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما: والحج المبرور ليس له جزاء إلا ~~الجنة " # متفق عليه أيضا، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله نرى ~~الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: # " لكن أفضل من الجهاد: حج مبرور " # رواه البخاري: وعنها أيضا رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ~~ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء " # أخرجه مسلم بهذا اللفظ. والأحاديث في الباب كثيرة. وفضل الحج وكونه من ~~الدعائم الخمس معروف. # واعلم: أن وجوب الحج المذكور تشترط له شروط: وهي: العقل، والبلوغ، ~~والإسلام، والحرية، والاستطاعة. ولا خلاف في ms1938 ذلك بين أهل العلم، أما ~~العقل فكونه شرطا في وجوب كل تكليف واضح، لأن غير العاقل لا يصح تكليفه ~~بحال. وأما اشتراط البلوغ فواضح، لأن الصبي مرفوع عنه القلم، حتى يحتلم، ~~فالبلوغ والعقل كلاهما: شرط وجوب وأما الإسلام: فالظاهر أنه على القول، ~~بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهو شرط صحة لا شرط وجوب، وعلى أنهم ~~غير مخاطبين بها، فهو شرط وجوب، والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة أوضحنا ~~أدلته في غير هذا الموضع، فيكون الإسلام شرط صحة في حقهم، ومعلوم أنه على ~~أنه شرط وجوب، فهو شرط صحة أيضا، لأن بعض شروط الوجوب، يكون شرطا في ~~الصحة أيضا: كالوقت للصلاة. فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضا، وقد يكون ~~شرط الوجوب ليس شرطا في الصحة كالبلوغ، والحرية، فإن الصبي لا يجب عليه ~~الحج، مع أنه يصح منه لو فعله، وكذلك العبد إلا أنه لا يجزئ عن حجة ~~الإسلام، إلا إذا كان بعد البلوغ وبعد الحرية. وأما الحرية: فهي شرط ~~وجوب، فلا يجب الحج على العبد، واستدل العلماء على عدم وجوب الحج على ~~العبد بأمرين: # الأول: إجماع أهل العلم على ذلك. ولكنه إذا حج صح حجه، ولم يجزئه عن حجة ~~الإسلام، فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام. # قال النووي في شرح المهذب: أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج، لأن ~~منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعا. ويصح منه الحج بإذن سيده، وبغير ~~إذنه بلا خلاف عندنا. قال القاضي أبو الطيب: وبه قال الفقهاء كافة، وقال ~~داود: لا يصح بغير إذنه انتهى محل الغرض منه. # الأمر الثاني: حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك: وهو ~~أنه صلى الله عليه وسلم جاء عنه من حديث ابن عباس أنه قال: # " أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة ~~الإسلام " # قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه ابن خزيمة، والإسماعيلي في ~~مسند الأعمش والحاكم، والبيهقي، وابن حزم، وصححه، والخطيب في التاريخ من ~~حديث ms1939 محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن الأعمش عن أبي ظبيان ~~عنه قال ابن خزيمة: الصحيح موقوف، بل خرجه كذلك من رواية ابن أبي عدي عن ~~شعبة، وقال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه الثوري عن شعبة ~~موقوفا. # قلت: لكن هو عند الإسماعيلي، والخطيب، عن الحارث بن سريح، عن يزيد بن ~~زريع متابعة لمحمد بن المنهال. # ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: أنا أبو معاوية، عن أبي ~~ظبيان، عن ابن عباس قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس. فذكره، ~~وهذا ظاهر أنه أراد أنه مرفوع، فلذا نهاهم عن نسبته إليه. وفي الباب عن ~~جابر أخرجه ابن عدي بلفظ # " لو حج صغير لكان عليه حجة أخرى " # الحديث، وسنده ضعيف، وأخرجه أبو داود في المراسيل عن محمد بن كعب القرظي ~~نحو حديث ابن عباس مرسلا، وفيه راو مبهم انتهى من التلخيص. # وقال البيهقي في سننه: وأخبرنا أبو الحسن المقري: ثنا الحسن بن محمد بن ~~إسحاق: ثنا يوسف بن يعقوب: ثنا محمد بن المنهال: ثنا يزيد بن زريع بن ~~زريع ثنا شعبة عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم ~~هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى " # ثم ساق الحديث بسند آخر موقوفا على ابن عباس، وسكت ولم يبين هل الموقوف ~~أصح أو المرفوع؟ وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: # رواه البيهقي في الباب الأول من كتاب الحج بإسناد جيد؟ ورواه أيضا ~~موقوفا، ولا يقدح ذلك فيه. ورواية المرفوع قوية، ولا يضر تفرد محمد بن ~~المنهال بها، فإنه ثقة مقبول ضابط. روى عن البخاري ومسلم في صحيحيهما ا ~~ه. # وقد علمت من كلام ابن حجر: أن ابن المنهال تابعه على رفع الحديث المذكور ~~الحارث بن سريج فقد زال التفرد. والظاهر: أن الحارث المذكور ms1940 هو ابن سريج ~~النقال، ولا يحتج به لضعفه. وبما ذكرنا تعلم أن الحديث المذكور لا يقل عن ~~دردة الاحتجاج، ووجه الدلالة منه، على أن الحرية شرط في وجوب الحج أنه لو ~~حج وهو مملوك ثم أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإسلام، فلو كان واجبا عليه في ~~حال كونه مملوكا أجزأه حجه عن حجة الإسلام كما هو ظاهر، والعلم عند الله ~~تعالى. # وقال أبو عيسى الترمذي رحمه الله ما نصه: وقد أجمع أهل العلم: أن الصبي ~~إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج، إذا أدرك لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة ~~الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ~~ذلك سبيلا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول الثوري والشافعي ~~وأحمد وإسحاق. # وأما الاستطاعة: فقد نص تعالى على اشتراطها في قوله: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97] ومعنى الاستطاعة في اللغة العربية معروف، وتفسير ~~الاستطاعة في الآية اختلف فيه العلماء. # فالاستطاعة في مشهور مذهب مالك الذي به الفتوى: هي إمكان الوصول، بلا ~~مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، مع الأمن على النفس، والمال. ~~ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب الحج عندهم على القادر على ~~المشي، إن كانت له صنعة يحصل منها قوته في الطريق: كالجمال، والخراز، ~~والنجار، ومن أشبههم. # وقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: ووجب باستطاعة ~~بإمكان الوصول، بلا مشقة عظمت، وأمن على نفس، ومال ما نصه: وقال مالك في ~~كتاب محمد، وفي سماع أشهب لما سئل عن قوله تعالى { من استطاع ~~إليه سبيلا } وزاد في كتاب محمد: ورب صغير أجلد من كبير، ونقل ~~في المقدمات كلام مالك ثم قال بعده: فمن قدر على الوصول إلى مكة، إما ~~راجلا بغير كبير مشقة، أو راكبا بشراء أو كراء. فقد وجب عليه الحج، ~~ونقله في التوضيح. انتهى من الحطاب. # واعلم: أن بعض المالكية يشترطون في الصنعة المذكورة، ألا تكون مزرية به. ms1941 # واعلم أن المالكية: اختلفوا في الفقير الذي عادته سؤال الناس في بلده، ~~وعادة الناس إعطاؤه، وذلك السؤال هو الذي منه عيشته إذا علم أنه إذا علم ~~أنه إن خرج حاجا، وسأل أعطاه الناس ما يعيش به، كما كانوا يعطونه في ~~بلده، هل سؤاله الناس وإعطاؤهم إياه يكون بسببه مستطيعا لقدرته على ~~الزاد بذلك، فيجب عليه الحج بذلك، أو لا يجب عليه بذلك؟ # فذهب بعضهم: إلى أن ذلك لا يجب عليه به الحج، ولا يعد استطاعة، وبهذا ~~القول جزم خليل بن إسحاق رحمه الله في مختصره الذي قال في ترجمته مبينا ~~لما به الفتوى، وذلك في قوله: فيما لا تحصل به الاستطاعة لا بدين أو عطية ~~أو سؤال مطلقا. # ومعنى كلامه: أن من لم يمكنه الوصول إلى مكة، إلا بتحمل دين في ذلك، أو ~~قبول عطية ممن أعطاه مالا أو سؤال الناس مطلقا، أنه لا يعد بذكل ~~مستطيعا، ولا يجب عليه الحج، وقوله: أو سؤال مطلقا يعني بالإطلاق، سواء ~~كان السؤال عادته في بلده أو لا وسواء كانت عادة الناس إعطاءه أو لا، أما ~~إذا كانت عادة الناس عدم إعطائه، فالحج حرام عليه، لأنه إلقاء باليد إلى ~~التهلكة، سواء كان السؤال عادته في بلده أو لا، وأما إن كانت عادة الناس ~~إعطاءه، ولم يكن السؤال عادته في بلده، فلا خلاف في أنه لا يعد مستطيعا ~~ولا يجب عليه الحج، وأما إن كانت عادته السؤال في بلده، ومنه عيشته، ~~وعادة الناس إعطاؤه، فهو محل الخلاف، وقد ذكرنا آنفا قول خليل في ~~مختصره: أنه لا يجب عليه الحج، ولا يعد مستطيعا بسؤال الناس، وذلك في ~~قوله: أو بسؤال مطلقا، وقال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل: وسؤال ~~مطلقا، وقال خليل في منسكه: وظاهر المذهب أنه لا يجب على من عادته ~~السؤال، إذا كانت العادة إعطاءه، ويكره له المسير، فإن لم تكن عادته ~~السؤال، أو لم تكن العادة إعطاءه سقط الحج بالاتفاق، وقال الشيخ الحطاب ~~في كلامه على قول خليل: أو سؤال مطلقا ما ms1942 نصه: وأما الصورة الرابعة: ~~وهي، ما إذا كانت عادته في بلده السؤال، ومنه عيشه والعادة إعطاؤه، فقال ~~المصنف في توضيحه ومنسكه: إن ظاهر المذهب أنه لا يجب عليه الحج، ويكره له ~~الخروج، وجزم به هنا، وقال في الشامل: إنه المشهور وأقر في شروحه كلام ~~المؤلف على إطلاقه، وكذلك البساطي والشيخ زروق، ولم ينبه عليه ابن غازي. # انتهى محل الغرض منه، وقال الحطاب أيضا: وذكر ابن الحاجب القولين من ~~غير ترجيح، وقبلهما ابن عبدالسلام، والمصنف في التوضيح وابن فرحون، وصاحب ~~الشامل، ومن بعدهم، ورجحوا القول بالسقوط، وصرح بعضهم بتشهيره، وكذلك ~~شراح المختصر ا ه محل الغرض منه. # ومعنى قوله: ورجحوا القول بالسقوط يعني: سقوط وجوب الحج عمن عادته ~~السؤال والإعطاء. # القول الثاني: من قولي المالكية: أن الفقير الذي عادته السؤال في بلده ~~وعادة الناس إعطاءه، إذا كانت عادتهم إعطاءه في سفر الحج كما كانوا ~~يعطونه في بلده، أنه يعد بذلك مستطيعا، وأن تحصيله زاده بذلك السؤال، ~~بعد استطاعة، وعلى هذا القول أكثر المالكية. # وقال الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: أو سؤال مطلقا بعد أن ~~ذكر القول بأن ذلك السؤال والإعطاء، لا يعد استطاعة، ولا يجب به الحج، بل ~~يكره الخروج في تلك الحال ما نصه: # قلت: ونصوص أهل المذهب التي وقفت عليها مصرحة بخلاف ذلك، وأن الحج واجب ~~على من عادته السؤال، إذا كانت العادة إعطاءه، ثم سرد كثيرا من نقول ~~علماء المالكية مصرحة بوجوب الحج عليه، وأهل هذا القول من علماء ~~المالكية، وهم الأكثرون وجهوه بأنه محمول على الفقير الذي يباح له ~~السؤال لعدم قدرته على كسب ما يعيش به، وأن ذلك السؤال لما كان جائزا ~~له، وصار عيشه منه في الحضر، فهو بذلك السؤال والإعطاء قادر على الوصول ~~إلى مكة. قالوا: ومن قدر على ذلك بوجه جائز لزمه الحج. # قال مقيده، عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل من قولي ~~المالكية في هذه المسألة: هو القول الأول، وهو أن الحج لا يجب على ms1943 من ~~يعيش في طريقه بتكفف الناس، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة. # ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا # ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج # [التوبة: 91] الآية. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارا: أن العبرة ~~بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وبينا أدلة ذلك من السنة الصحيحة، فقد ~~صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ~~ينفقون. # ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره، داخل في ع موم الذين لا يجدون ما ~~ينفقون. وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في ~~وجوب الحج، وهو واضح. وقد استدل الشيخ ابن القاسم رحمه الله بهذه الآية ~~المذكورة على ما ذكرنا. # ولكن كثيرا من متأخري علماء المالكية حملوا قول ابن القاسم الذي احتج ~~عليه بالآية المذكورة، على من ليس عادته السؤال في بلده، قالوا: فلم ~~يتناول قوله محل النزاع. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر الآية الكريمة العموم في جميع ~~الذين لا يجدون ما ينفقون، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال، بدون دليل من ~~كتاب، أو سنة لا يصح ولا يعول عليه. وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن ~~تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه. سواء كان من المخصصات المتصلة، ~~أو المنفصلة. # ومما يؤيد هذا في الجملة ما ثبت في صحيح البخاري. حدثنا يحيى بن بشر، ~~حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرة، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن التموكلون، ~~فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى # وتزودوا فإن خير الزاد التقوى # [البقرة: 197] ورواه ابن عيينة، عن عكرمة مرسلا. انتهى من صحيح ~~البخاري. # وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا ~~الحديث من الفقه: أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم ~~يسأل الناس إلحافا، فإن قوله { فإن خير الزاد التقوى ms1944 } ~~أي تزودوا، واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك. انتهى محل ~~الغرض منه. # وفيه دليل ظاهر: على حرمة خروج الإنسان حاجا، بلا زاد، ليسأل الناس ~~وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيرا كان، أو غنيا كانت عادته ~~السؤال في بلده أو لا، وحمل النصوص على ظواهرها واجب إلا بدليل يجب ~~الرجوع إليه، ومما يؤيد هذا أن الذين مدحهم الله في كتابه، بتركهم سؤال ~~الناس، كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء ~~وأشار لشدة فقرهم، وذلك في قوله تعالى # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون ~~الناس إلحافا # [البقرة: 273] الآية فصرح بأنهم فقراء وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال. # ووجه إشارة الآية، إلى شدة فقرهم، هو ما فسرها به بعض أهل العلم، من أن ~~معنى قوله { تعرفهم بسيماهم } أي بظهور آثار الفقر والحاجة ~~عليهم. # وقال ابن جرير في تفسيره، بعد أن ذكر القول: بأن المراد بسيماهم: علامة ~~فقرهم من ظهور آثار الجوع، والفاقة عليهم، والقول الآخر: إن المراد ~~بسيماهم: علامتهم التي هي: التخشع، والتواضع ما نصه: # وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم، وآثار الحاجة فيهم. انتهى محل ~~الغرض منه. # وقال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن أبي ~~حاتم، عن الربيع { تعرفهم بسيماهم } يقول: تعرف في وجوههم ~~الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد { تعرفهم بسيماهم ~~} قال: رثاثة ثيابهم. انتهى. ومثل هذا كثير في كلام المفسرين. # فالآية الكريمة: تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر المتعفف عن ~~مسألة الناس، وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس، والأحاديث الواردة في ذم ~~السؤال مطلقا كثيرة جدا. # وبذلك كله: تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإسلام، ~~وأن قول بعض المالكية: إنه لا يعد استطاعة هو الصواب. وهو قول جمهور أهل ~~العلم. وممن ذهب ms1945 إليه: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن ~~الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق. وبه قال بعض أصحاب ~~مالك. قال البغوي: وهو قول العلماء ا ه. # قاله النووي. والاستطاعة عند أبي حنيفة. الزاد، والراحلة. فلو كان يقدر ~~على المشي، وعادته سؤال الناس، لم يجب عليه الحج عنده كما قدمناه قريبا. # والاستطاعة في مذهب الشافعي: الزاد والراحلة، بشرط أن يجدهما بثمن ~~المثل، فإن لم يجدهما إلا بأكثر من المثل سقط عنه وجوب الحج. ويشترط عند ~~الشافعية أيضا: وجود الماء في أماكن النزول، وهذا شرط لا ينبغي أن يختلف ~~فيه، لأنه إن لم يجد الماء هلك، ويشترط عند الشافعية أيضا: أن يكون ~~صحيحا لا مريضا، ولا ينبغي أن يختلف في أن المرض القوي الذي يشق معه ~~السفر مشقة فادحة مسقط لوجوب الحج. ويشترط عند الشافعي أيضا: أن يكون ~~الطريق آمنا من غير خفارة. والخفارة مثلثة الخاء: هي المال الذي يؤخذ ~~على الحاج. ويشترط عند الشافعي أيضا: أن يكون عليه من الوقت، ما يتمكن ~~فيه من السير والأداء. وهذه الشروط في المستطيع بنفسه لا فيما يسمونه ~~المستطيع بغيره، فإن كان بينه، وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة وكان ~~قادرا على المشي على رجليه، ولم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من ثمن ~~المثل، أو أجرة المثل. لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشي ~~استطاعة عندهم، لحديث: الزاد والراحلة في تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما ~~يصرفه في الزاد والماء، ولكنه كسوب ذو صنعة يكتسب بصنعته ما يكفيه، ففي ~~ذلك عند الشافعي تفصيل حكاه إمام الحرمين عن العراقيين من الشافعية، وهو: ~~أنه إن كان لا يكتسب في اليوم إلا كفاية يوم واحد. # لم يجب عليه الحج: لأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج، وإن كان يكتسب في ~~اليوم كفاية أيام لزمه الحج. قال الإمام: وفيه احتمال، فإن القدرة على ~~الكسب يوم العيد، لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة، هكذا ذكره الإمام ~~وحكاه الرافعي، وسكت عليه انتهى من النووي، ms1946 ومراده بالإمام: إمام ~~الحرمين. # وقوله: وفيه احتمال يعني: أنه يحتمل عدم وجوب الحج بذلك مطلقا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا الذي ذكره مبني على القاعدة ~~المعروفة المختلف فيها: وهي هل القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل أو لا، ~~والأظهر أن القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل بالفعل. والعلم عند الله ~~تعالى. # والاستطاعة عند أحمد وأصحابه: هي الزاد والراحلة. قال ابن قدامة في ~~المغني: والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ~~ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: والعمل عليه عند ~~أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. انتهى محل الغرض منه. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في معنى الاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97] فهذه أدلتهم. # أما الأكثرون الذين فسروا الاستطاعة: بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث ~~الوادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بتفسير الاستطاعة في الآية: ~~بالزاد والراحلة. وقد روي عنه ذلك من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ~~ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبدالله بن عمرو ~~بن العاص، ومن حديث ابن مسعود ا ه. # أما حديث ابن عمر فقد أخرجه الترمذي، وابن ماجه من طريق إبراهيم بن يزيد ~~الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر وقال الترمذي بعد ~~أن ساقه: هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم: أن الرجل إذا ملك ~~زادا وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد تكلم ~~فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. انتهى من الترمذي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تحسين الترمذي رحمه الله لهذا الحديث ~~لا وجه له. لأن إبراهيم الخوزي المذكور متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به ~~غير واحد. وقد نقل الزيلعي في نصب الراية عن الترمذي: أنه لما ساق الحديث ~~المذكور، قال فيه: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد ~~الخوزي. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه ا ه. ms1947 # ومقتضى ما نقل الزيلعي عنه أنه لم يحسنه، وإنما وصفه بالغرابة، وهذا ~~الذي ذكره الزيلعي ذكره الترمذي في موضع آخر، وقد علمت أن إبراهيم الخوزي ~~لا يحتج به. فلا يكون حديث هو في إسناده حسنا. # قال صاحب نصب الراية: وله طريق آخر عند الدارقطني في سننه أخرجه محمد بن ~~الحجاج المصفر، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر ~~مروفوعا، ومحمد بن الحجاج المصفر ضعيف ا ه. # وهو كما قال الزيلعي ضعيف. قال في الميزان فيه: روى عباس، عن يحيى ليس ~~بثقة. وقال أحمد: قد تركنا حديثه. وقال البخاري عن شعبة: سكتوا عنه، وقال ~~النسائي: متروك. ثم ذكر بعض عجائبه وعلى كل حال فهو لا يحتج به. # واعلم: أن إبراهيم بن يزيد الخوزي كما تابعه في هذه الرواية جرير بن ~~حازم من طريق محمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا آنفا، أنه لا يحتج به، ~~فقد تابعه أيضا فيها غيره من الضعفاء. # قال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزي المذكور، عند ~~الترمذي، وابن ماجه: ورواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما. # قال الدارقطني: وقد تابع إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبدالله بن عبيد ~~بن عمير الليثي، فرواه عن محمد بن عباد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كذلك انتهى. وهذا الذي أشار إليه رواه ابن عدي في الكامل وأعله ~~بمحمد بن عبدالله الليثي، وأسند تضعيفه عن النسائي، وابن معين ثم قال: ~~والحديث معروف بإبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو من هذه الطريق غريب. ثم ذكر ~~عن البيهقي تضعيف إبراهيم المذكور. قال: وروي من أوجه أخر كلها ضعيفة. ~~وروي عن ابن عباس من قوله: ورويناه من أوجه صحيحة، عن الحسن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرسلا، وفيه قوة لهذا السند انتهى. ثم قال الزيلعي ~~بعد هذا الكلام الذي نقلناه عنه: قال الشيخ في الإمام قوله: فيه قوة فيه ~~نظر. لأن المعروف عندهم: أن الطريق إذا كان واحدا، ورواه الثقات مرسلا، ms1948 ~~وانفرد ضعيف برفعه، أن يعللوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية ~~الضعيف. فإذا كان ذلك موجبا لضعف المسند، فكيف يكون تقوية له ا ه. وهو ~~كما قال: كما هو معروف في الأصول وعلم الحديث. ثم قال الزيلعي: قال: يعني ~~الشيخ في الإمام: والذي أشار إليه من قول ابن عباس: رواه أبو بكر بن ~~المنذر، حدثنا علان بن المغيرة، ثنا أبو صالح عبدالله بن صالح، حدثني ~~معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: والمرسل رواه ~~سعيد بن منصور في سننه، حدثنا هشام، ثنا يونس: عن الحسن قال: # " لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا } قال رجل: يا رسول الله، وما السبيل؟ قال صلى الله ~~عليه وسلم " زاد وراحلة " " # انتهى. # حدثنا الهيثم، ثنا المنصور، عن الحسن مثله. # حدثنا خالد بن عبدالله عن يونس عن الحسن مثله. قال: وهذه أسانيد صحيحة ~~إلا أنها مرسلة. # وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة مسندا ~~والصحيح: رواية الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وأما ~~المسند فإنما رواه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك ضعفه ابن معين وغيره ا ه ~~من نصب الراية. # وبهذا تعلم: أن حديث ابن عمر المذكور لم يسند من وجه صحيح، ولم يثبت. ~~لأن إبراهيم الخوزي متروك، ومحمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا أن إبراهيم ~~تابعه عليه جرير بن حازم من طريقه لا يحتج به، كما بيناه، وقد بينا أن ~~متابعة محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي، لا تقويه، لأنه ضعيف، ~~ضعفه النسائي وأعل الحديث به ابن عدي في الكامل. وقال الذهبي في الميزان: ~~ضعفه ابن معين، قوال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. ا ه. ~~منه. # وأما مرسل الحسن البصري المذكور، وإن كان إسناده صحيحا إلى الحسن، فلا ~~يحتج به، لأن مراسيل الحسن رحمه الله لا يحتج بها. # قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وقال الدارقطني: مراسيل الحسن فيها ضعف. ~~وقال في تهذيب التهذيب أيضا: وقال ms1949 محمد بن سعد: كان الحسن جامعا عالما ~~رفيعا فقيها ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، ~~وسيما، وكان ما أسند من حديثه. وروى عمن سمع منه، فهو حجة، وما أرسل ~~فليس بحجة. # وقال صاحب تدريب الراوي، في شرح تقريب النواوي: وقال أحمد بن حنبل: ~~مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، ~~وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء فإنهما كانا يأخذان عن كل ~~واحد انتهى.ثم قال بعد هذا الكلام وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه ~~الريح، وعدم الاحتجاج بمراسيل الحسن هو المشهور عند المحدثين. وقال بعض ~~أهل العلم: هي صحاح إذا رواها عنه الثقات. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: ~~وقال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صاحاح، ما أقل ما ~~يسقط منها. وقال أبو زرعة: كل شيء يقول الحسن: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وسلم، وجدت له أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث ا ~~ه. # فهذا هو جملة الكلام في حديث ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه فسر ~~الاستطاعة: بالزاد والراحلة، وقد علمت أنه لم يثبت من وجه صحيح، بحسب ~~صناعة علم الحديث، وأما حديث ابن عباس، فرواه ابن ماجه في سننه: حدثنا ~~سويد بن سعيد، ثنا هشام بن سليمان القرشي، عن ابن جريج قال: وأخبرنيه ~~أيضا، عن ابن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الزاد والراحلة " # يعني قوله # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97] وهذا الإسناد فيه هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن ~~العاص القرشي المخزومي قال فيه أبو حاتم: مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما ~~أرى به بأسا. # وقال العقيلي في حديثه عن غير ابن جريج: وهم، وقال فيه ابن حجر في ~~التقريب: مقبول ا ه. # وقد أخرج له مسلم، وقال البخاري في صحيحه في البيوع: وقال لي إبراهيم بن ~~المنذر: أنبأنا هشام، أخبرنا ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، ms1950 عن نافع مولى ~~ابن عمر قال " أيما ثمرة بيعت، ثم أبرت " وذكر الحديث من قوله: وهذا يدل ~~على أنه أيضا من رجال البخاري. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد أن ~~ذكر هذا الكلام الذي ذكرنا: وأما كون المتقدمين، لم يذكروه في رجال ~~البخاري، فلأن البخاري لم يخرج له سوى هذا الموضع في المتابعات وأورده ~~بألفاظ الشواهد. انتهى منه. # وبما ذكرنا: تعلم أن حديث ابن عباس هذا عن ابن ماجه لا يقل عن دردة ~~الحسن، مع أنه معتضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقال الزيلعي في نصب الراية: وأخرج حديث ابن عباس المذكور الدارقطني في ~~سننه، عن داود بن الزبرقان، عن عبدالملك، عن عطاء عن ابن عباس، وأخرج ~~أيضا عن حصين بن المخارق، عن محمد بن خالد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، ~~عن ابن عباس قال: # " قيل يا رسول الله الحج كل عام؟ قال " لا بل حجة " ، قيل: " فما السبيل ~~إليه؟ قال: الزاد والراحلة " " # انتهى. # ثم قال: وداود وحصين وكلاهما ضعيفان ا ه. وداود بن الزبرقان المذكور ~~قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك، وكذبه الأزدي، وحصين بن مخارق ~~المذكور قال فيه الذهبي في الميزان: قال الدارقطني: بضع الحديث، ونقل ابن ~~الجوزي أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به ا ه. # وهذا حاصل ما في حديث ابن عباس المذكور وأما حديث أنس فقد أخرجه الحاكم ~~في المستدرك: حدثنا أبو بكر محمد بن حازم الحافظ بالكوفة، وأبو سعيد ~~إسماعيل بن أحمد التاجر، قالا: ثنا علي بن عباس بن الوليد البجلي، ثنا ~~علي بن سعيد بن مسروق الكندي، ثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، ~~عن قتادة، # " عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تبارك ~~وتعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا } [آل عمران: 97] قال قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ ~~قال " الزاد والراحلة " " # ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد تابع ms1951 حماد بن ~~سلمة سعيدا على روايته، قن قتادة: حدثناه أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدويه ~~الفقيه ببخارى، ثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا أبو أمية عمرو بن ~~هشام الحراني، ثنا أبو قتادة، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس رضي ~~الله عنه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله { من استطاع ~~إليه سبيلا } فقيل: ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " " # ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ولم يخرجاه انتهى من المستدرك. ~~وأقره على تصحيح الطريقين المذكورتين: الحافظ الذهبي، فحديث أنس هذا صحيح ~~كما ترى، وقال صاحب نصب الراية: ورواه الدارقطني في سننه بالإسنادين ا ~~ه. # وأما حديث عائشة فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدارقطني في سننه عن ~~عتاب بن أعين، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه عن ~~عائشة قالت: # " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى { ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل ~~عمران: 97] قال " السبيل: الزاد والراحلة " " # انتهى. رواه العقيلي في كتاب الضعفاء، وأعله بعتاب وقال: إن في حديث ~~وهما. انتهى. # وقال البيهقي في كتاب المعرفة: وليس بمحفوظ، ثم أخرجه البيهقي، عن أبي ~~داود الحفري، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل؟ فقال " الزاد والراحلة " " # ا ه. # وقد علمت مما ذكرنا: أن حديث عائشة المذكور أعله العقيلي بعتاب بن أعين، ~~وقال: إن في حديثه وهما، وأن البيهقي قال: ليس بمحفوظ. وقد قال الذهبي ~~في الميزان في عتاب المذكور، قال العقليلي في حديثه وهم. روى عنه هشام بن ~~عبيد الله حديثا خولف في سنده. انتهى منه. # وأما مرسل الحسن الذي أشار له، فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى قريبا. # وأما حديث جابر، فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدارقطني، عن محمد بن ~~عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبي الزبير أو عمرو بن دينار، عن جابر بن ~~عبدالله رضي الله عنهما ms1952 بلفظ: حديث عائشة، ومحمد بن عبدالله بن عبيد الله ~~الليثي تركوه، وأجمعوا على ضعفه، وقد تقدم وقد قدمنا أن محمدا المذكور ~~لا يحتج به. وبهذا تعلم أن حديث جابر المذكور لا يصلح للاحتجاج. # وأما حديث ابن مسعود فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدارقطني، عن ~~بهلول بن عبيد، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبدالله ~~بن مسعود بنحوه. وبهلول بن عبيد، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ا ه. # وقال الذهبي في الميزان: في بهلول المذكور، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ~~ذاهب. وقال أبو زرعة: ليس بشيء وقال ابن حبان: يسرق الحديث. انتهى منه. # وبما ذكر تعلم أن حديث ابن مسعود المذكور، ليس بصالح للاحتجاج، وأما ~~حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، فقد قال صاحب نصب الراية أيضا: أخرجه ~~الدارقطني أيضا، عن ابن لهيعة، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن ~~جده بنحوه. # وابن لهيعة والعرزمي ضعيفان. قال الشيخ في الإمام: وقد أخرج الدارقطني ~~هذا الحديث، عن جابر، وأنس، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن ~~مسعود، وعائشة، وليس فيها إسناد يحتج به انتهى منه. # هذا هو حاصل روايات الأحاديث الواردة بتفسير السبيل في الآية: بالزاد، ~~والراحلة. وقال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندا، وأنه ليس له ~~طريق صحيحة، إلا الطريق التي أرسلها الحسن. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ~~حديث الزاد والراحلة، المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج، لأن ~~الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنس قال: كلتاهما ~~صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء والدعوى ~~على سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث، عن أنس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنها غلط، وأن الصحيح عن قتادة عن الحسن ~~مرسلا دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم، للعدول المشهورين من غير ~~استناد إلى دليل. # والصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين: أن الحديث إذا جاء من ms1953 ~~طريق صحيحة، وجاء من طرق أخرى غير صحيحة، فلا تكون تلك الطرق علة في ~~الصحيحة، إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة العدل ~~بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين. # فرواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة: الحديث المذكور عن قتادة عن ~~أنس مرفوعا لم يخالفوا فيها غيرهم، بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ ~~حجة على من لم يحفظ، فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط، وقول النووي في ~~شرح المهذب، وروى الحالكم حديث أنس، وقال: وهو صحيح، ولكن الحاكم متساهل ~~كما سبق بيانه مرات. والله أعلم. # يجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك ~~أنه لا يقبل له تصحيح مطلقا. ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس ~~الأمر، وتصحيحه لحديث أنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يبد النووي ~~وجها لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد رواته بل هو تصحيح مطابق. # فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راويها عن ~~حماد، هو أبو قتادة عبدالله بن واقعد الحراني، وهو متروك، لا يحتج ~~بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال. وقال فيه ابن حجر في ~~التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطريق على شرط مسلم، ~~مع أن في إسنادها أبا قتادة المذكور. # فالجواب: أن أبا قتادة المذكور، وإن ضعفه الأكثرون، فقد وثقه الإمام ~~أحمد وأثنى عليه، وناهيك بتوثيق الإمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر ~~والذهبي: أن عبدالله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صحبيح ~~ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فمعظم ذلك عنده جدا، وأثنى عليه ~~وقال: إنه يتحرى الصدق. # قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، ~~رجل صالح، يشبه أهل النسك ربما أخطأ. وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنه ~~قال: أبو قتادة الحراني ثقة. ذكرها عنه ابن حجر والذهبي، وقول من قال: ~~لعله كبر فاختلط تخمين ms1954 وظن لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في ~~الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملا، والتجريح لا ~~يقبل إلا مفصلا، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أنس ليس في أحد من ~~رواتها كلام. # ومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة ~~حماد، مع أن حديث أنس الصحيح المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولا سيما على ~~قول من يقول: إن مراسيله صحاح، إذا روتها عنه الثقات كابن المديني وغيره، ~~كما قدمناه. # ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد الاحتجاج بالمرسل كما ~~قدماه مرارا، ويؤيده أيضا: الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن كانت ~~ضعافا لأنها تقوي غيرها، ولا سيما حديث ابن عباس، فإنا قد ذكرنا سنده، ~~وبينا أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضا، ~~فتصلح للاحتجاج. # ومما يؤيد الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على العمل به، كما قدمنا عن ~~أبي عيسى الترمذي أنه قال في حديث: الزاد والراحلة، والعمل عليه عند أهل ~~العلم، وقد بينا أنه قول لأكثرين منهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ~~والشافعي، وأحمد. # فالحاصل: أن حديث: الزاد والراحلة، لا يقل بمجموع طرقه عن دردة القبول ~~والاحتجاج. # وأظهر قولي أهل العلم عندي أن المعتبر في ذلك ما يبلغه ذهابا وإيابا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ~~حديث: الزاد والراحلة وإن كان صالحا للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على ~~المشي على رجليه بدون مشقة فادحة: لا يلزمه الحج، إن كان عاجزا عن تحصيل ~~الراحلة بل يلزمه الحج لأنه يستطيع إليه سبيلا، كما أن صاحب الصنعة التي ~~يحصل منها قوته في سفر الحج، يجب عليه الحج، لأن قدرته على تحصيل الزاد ~~في طريقه كتحصيله بالفعل. # فإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه، دون الراحلة ~~مع اعترافكم بقبول تفسير النبي صلى الله عليه وسلم السبيل: بالزاد، ~~والراحلة وذلك يدل على ms1955 أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في ~~الآية. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن الظاهر المتبادر أنه صلى الله عليه وسلم فسر الآية بأغلب ~~حالات الاستطاعة، لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون، قادمون من بلاد ~~بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم ~~إمكان سفره بلا زاد، ففسر صلى الله عليه وسلم الآية بالأغلب، والقاعدة ~~المقررة في الأصول: أن النص إذا كان جاريا على الأمر الغالب، لا يكون له ~~مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم ~~تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى # اللاتي في حجوركم # [النساء: 23] جرى على الغالب، فلا مفهوم مخالفة له كما قدماه مرارا، ~~وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة: الزاد والراحلة، وجرى الحديث على ذلك فلا ~~مفهوم مخالفة له فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول ~~المسافة، وإما لقوة ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي ~~يحصل منها قوته في سفره، لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى، والعلم عند ~~الله تعالى. # الوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب، والحاج ~~الماشي على رجليه. وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى { ~~وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق }. # وقد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة مستوفى، هذا هو حاصل ما يتعلق ~~بالمستطيع بنفسه. # وأما ما يسمونه المستطيع بغيره فهو نوعان: # الأول منهما: هو من لا يقدر على الحج بنفسه، لكونه زمنا، أو هرما ونحو ~~ذلك، ولكنه لا مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج نظرا إلى أنه ~~مستطيع بغيره، فيدخل في عموم # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97]؟ أو لا يجب عليه الحج، لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى ~~نفسه، فلا يدخل في عموم الآية. # وبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه. فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه ~~بشرط: أن يجد ذلك بأجرة المثل. قال النووي: وبه قال ms1956 جمهور العلماء، منهم ~~علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، ~~وابن المنذر، وداود. وقال مالك: لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلا أن يقدر ~~على الحج بنفسه، واحتج مالك بقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] وبقوله تعالى # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97]، وهذا لا يستطيع بنفسه، فيصدق عليه اسم غير المستطيع ~~وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز، كالصلاة ~~واحتج الأكثرون القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة. # منها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن ~~شهاب، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس رضي الله عنهم: ~~أن امرأة ح، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبدالعزيز بن أبي سلمة، حدثنا ~~ابن شهاب عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنهما. # قال: # " جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على ~~الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: " نعم " " # وفي رواية في صحيح البخاري عن ابن عباس # " فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، ~~أفأحج عنه؟ قال: " نعم " " # وذلك في حجة الوداع. # وفي لفظ في صحيح البخاري، عن ابن عباس: # " إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على ~~الراحلة أفأحج عنه؟ قال: " نعم " # وذلك في حجة الوداع ا ه. # وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن ~~شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبدالله بن عباس " أنه كان الفضل رديف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، # " فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فريضة الله ms1957 على عباده في الحج أدركت ~~أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال " نعم " ~~" # وذلك في حجة الوداع. # وفي لفظ لمسلم # " قالت: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا ~~يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال النبي صلى الله عليه وسلم " فحجي ~~عنه " " # ا ه. # وهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان أخرجه باقي الجماعة، إلا أن بعضهم ~~يرويه عن ابن عباس وهو عبدالله، وبعضهم يرويه عن أخيه الفضل بن عباس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو داود في سننه: حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم بمعناه ~~قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي زرين # " قال حفص في حديثه رجل من بني عام أنه قال. يا رسول الله: إن إبي شيخ ~~كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال " احجج عن أبيك واعتمر ~~" " # وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يوسف بن عيسى، نا وكيع عن شعبة، عن ~~النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير إلى آخر الحديث ~~كلفظ أبي داود الذي ذكرنا ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حدث حسن صحيح، وإنما ~~ذكرت العمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أن يعتمر ~~الرجل عن غيره، وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. # انتهى منه. # وحديث أبي رزين هذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن علي بن ~~محمد قال: حدثنا وكيع، عن شعبة به نحو ما تقدم. وأخرجه الحاكم في ~~المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. # وقال الترمذي بعد ذكره الحديث المتفق عليه في قصة استفتاء الخثعمية: ما ~~نصه: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب غير حديث والعمل ~~على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى ms1958 الله عليه وسلم وغيرهم وبه ~~يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يرون أن يحج عن ~~الميت. # وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه، وقد رخص بعضهم: أن يحج عن ~~الحي، إذا كان كبيرا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك ~~والشافعي. انتهى من سنن الترمذي. # وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا وكيع، قال: ~~حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم إلى آخر السند والمتن كما ذكرناه آنفا ~~عند الترمذي ا ه. # وعن علي رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن ~~أبي كبير، وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها فيجزئ ~~عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " " # رواه أحمد والترمذي، وصححه. انتهى منهما بواسطة نقل المجد في المنتقى ~~والنووي في شرح المهذب. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحديث علي أخرجه أيضا البيهقي ا ه. ~~وقوله في هذا الحديث: وقد أفند: أي خرف وضعف عقله من الهرم. # وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا جرير، عن ~~منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبدالله بن الزبير، قال: # " جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ ~~كبير لا يستطيع الركوب، وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ أن أحج عنه؟ ~~قال " أنت أكبر ولده؟ " قال: نعم، قال: " أرأيت لو كان عليه دين أكنت ~~تقضيه؟ " قال: نعم. قال: " فحج عنه؟ " # وفي لفظ للنسائي، عن ابن عباس قال: # " قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يحج، أفأحج ~~عنه؟ قال " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: " ~~فدين الله أحق " " # وفي لفظ عند النسائي، عن ابن عباس: # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي أدركه الحج، وهو شيخ ~~كبير لا يثبت على راحلته، فإن شددته ms1959 خشيت أن يموت، أفأحج عنه؟ قال " ~~أرأيت لو كان عليه دين فقضيته، أكان مجزئا؟ قال: نعم. قال: فحج عن ~~أبيك " # ا ه من سنن النسائي. # وحديث ابن الزبير الذي ذكرناه آنفا عند النسائي قال المجد في المنتقى: ~~رواه الإمام أحمد والنسائي بمعناه. # وقال الشوكاني: قال الحافظ: إن إسناده صالح. انتهى. والأحاديث بمثل هذا ~~كثيرة. # وأما النوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره، فهو من لا يقدر على الحج ~~بنفسه، وليس له مال يدفعه لمن يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج ~~والولد مستطيع. فهل يجب الحج على الوالد، ويلزمه أمر الولد بالحج عنه ~~لأنه مستطيع بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم. # قال النووي في شرح المهذب: فرع في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد ما لا ~~يحج به غيره، فوجد من يطيعه قد ذكرنا: أن مذهبنا: وجوب الحج عليه. وقال ~~مالك، وأبو حنيفة وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكا احتج في مسألة ~~العاجز الذي له مالك بقوله تعالى # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلا، إلى آخر ~~ما تقدم، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه لا ~~يحج أحد عن أحد، ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا ~~بالأحاديث التي ذكرنا وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب، كتشبيهه بدين الآدمي ~~وكقول السائل: يجزئ عنه أن أحج عنه. والإجزاء دليل المطالبة، وفي بعض ~~رواياتها أن السائل يقول: إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي في الحج ~~عنه، وهو صلى الله عليه وسلم لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه ~~عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد # " أنت أكبر ولده " # وأمره بالحج عنه. # وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالا فأوجبوا عليه الحج، وبين وجوده ~~ولدا يطيعه فلم يوجبوه عليه، فلأن المال ملكه، فعليه أن يستأجر به، ~~والود مكلف آخر ليس ملزما بفرض على شخص آخر، ولأنه وإن كان له ولد فليس ~~بمستطيع ببدن، ولا بزاد ms1960 وراحلة، ولو وجد إنسانا غير الولد يطيعه في الحج ~~عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف. وفي فروع الشافعية توجيه ~~كل قول منها، فانظره في النووي في شرح المهذب وأظهرها أنه كالولد. # تنبيه # إذا مات الشخص، ولم يحج، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه، أو ~~بغيره عند من يقول بذلك، وكان قد ترك مالا، فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه ~~من ماله؟ في ذلك خلاف بني أهل العلم، فقال بعضهم: يجب أن يحج عنه، ويعتمر ~~عنه من تركته، سواء مات مفرطا أو غير مفرط لكون الموت عاجله عن الحج ~~فورا. # وبهذا قال الشافعي وأحمد. # قال ابن قدامة في المغني: وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك، فهو في الثلث وبهذا قال ~~الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة، واحتجوا أيضا: ~~بأن ظاهر القرآن كقوله # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] مقدم على ظاهر الأحاديث. بل على صريحها: لأنه أصح منها. ~~وأجاب المخالفون: بأن الأحاديث مخصصة لعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب ~~عليه الحج بسعيه، بتقديم المال، وأجرة من يحج عنه. فهذا من سعيه، وأجابوا ~~عن قياسه على الصلاة، بأنها لا تدخلها النيابة، بخلاف الحج، والذين ~~قالوا: يجب أن يحج عنه، من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك، تقتضي ~~أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته، أنه يحج عنه. منها: ما رواه ~~البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، ~~عن سيعد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن ~~أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: " نعم حجي عنها، ~~أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " ~~" # ا ه. # والحج في هذا الحديث وإن كان منذورا فإيجاب الله له على عباده في ~~كتابه، أقوى من إيجابه بالنذر. واستدل بالحديث ms1961 المذكور بعض أهل العلم على ~~صحة نذكر الحج، ممن لم يحج. # قال ابن حجر في الفتح: فإذا حج أجزأه عن حجة الإسلام، عند الجمهور، ~~وعليه الحج عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ثم يحج حجة الإسلام. وقيل: ~~يجزئ عنهما. # وقال البخاري أيضا في كتاب: الأيمان والنذور: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ~~عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، ~~وإنها ماتت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم. " لو كان عليها دين أكنت ~~قاضيه؟ " قال: نعم، " قال: فاقض الله فهو أحق بالقضاء " " # ا ه. # وقال المجد في المنتقى بعد أن أشار لحديث البخاري: هذا وهو يدل على صحة ~~الحج، عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو أو لا؟ وشبهه ~~بالدين انتهى. # وقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~طلب التفصيل في أحوال الواقعة، ينزل منزلة العموم القولي وإليه أشار في ~~مراقي السعود بقوله: # ونزلن ترك الاستفصال # منزلة العموم في الأقوال # وخالف في هذا الأصل، أبو حنيفة رحمه الله كما هو مقرر في الأصول، مع ~~بيان الخلاف في المسائل الفقهية، تبعا للخلاف في هذا الأصل المذكور. # ومنها: ما رواه النسائي في سننه، أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد ~~قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس: # " أن امرأة نذرت أن تحج فماتت، فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله عن ذلك؟ فقال " أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ " قال: ~~نعم قال: " فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء " " # انتهى. # وهذه الأحاديث، التي ذكرنا في نذر الحج، وقد بينا أن إيجاب الله فريضة ~~الحج أعظم من إيجابها بالنذر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بقضائها وشبهها بدين الآدمي. وسنذكر أيضا إن شاء الله أحاديث ليس ~~فيها نذر الحج. # قال النسائي في سننه: أخبرنا ms1962 أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، عن عبد ~~الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: # " قال رجل: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال " أرأيت لو ~~كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. " قال: فدين الله أحق " " # ا ه. # ورجال هذا الإسناد ثقات معروفون، لا كلام في أحد منهم، إلا الحكم بن ~~أبان العدني. وقد قال فيه ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. ~~وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. قال ابن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم ~~بن أبان، وعده ابن حبان في الثقات. وقال: ربما أخطأ. وإنما وقع المناكير ~~في روايته، من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وحكى ابن خلفون: ~~توثيقه عن ابن نمير، وابن المديني وأحمد بن حنبل ا ه. وقال ابن عدي: فيه ~~ضعف. وقال ابن خزيمة في صحيحه: تكلم أهل ا لمعرفة بالحديث في الاحتجاج ~~بخبره وبما ذكر تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، وليس فيه نذر الحج. # وقال النسائي في سننه أيضا: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد ~~الوارث قال: حدثنا أبو التياح، قال: حدثني موسى بن سلمة الهذلي، أن ~~ابن عباس قال: # " أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني، أن تسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أن أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: " نعم لو ~~كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها فلتحج عن أمها " " # وهذا الإسناد صحيح. وفي لفظ عند النسائي أيضا، عن ابن عباس، بإسناد ~~آخر: # " أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبيها، مات ولم يحج. ~~قال " حجي عن أبيك " " # وإسناده صحيح أيضا. وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس بإسناد آخر ~~صحيح. # وقال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة ~~الإسلام، أفأحج عنه؟ قال " أرأيت لو أن أباك ms1963 ترك دينا عليه أقضيته ~~عنه؟ " قال: نعم قال: " فاحجج عن أبيك " " # رواه الدارقطني. انتهى من المنتقى. # وقال الترمذي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، نا عبد الرزاق، عن ~~سفيان الثوري، عن عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه قال: # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت، ولم ~~تحج، أفأحج عنها؟ قال " نعم حجي عنها " # ا ه. ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ا ه. وأخرج البيهقي ~~نحوه بإسناد صحيح. # وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، سمعت طاوسا ~~يقول: # " أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها حج ~~قال " حجي عن أمك " " # ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث ~~وبما سيأتي إن شاء الله. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني علي بن حجر السعدي، ~~حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن، # " عن عبدالله بن عطاء، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: ~~بينا أنا جالس، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأة فقالت: ~~إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال " وجب أجرك وردها عليك ~~الميراث، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ~~صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها " " # انتهى من صحيح مسلم. # فهذه الأحاديث وأمثالها: هي حجة من قال: إن من وجب عليه الحج في الحياة، ~~وترك مالا وجب أن يحج عنه، وليست كلها ظاهرة في ذلك. ولكن بعضها ظاهر ~~فيه كتشبيهه بدين الآدمي، ونحو ذلك مما تقدم. وأجاب المخالفون: بأن ~~الحج أعمال بدنية، وإن كانت تحتاج إلى مال. والأعمال البدنية: تسقط ~~بالموت، فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع، وفاعل خيرا ~~قالوا: ووجه تشبيهه بالدين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع ~~بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من ms1964 قضاء الدين عن ~~أحد، أن القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه. # واحتجوا أيضا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت: واردة بعد ~~الاستئذان في الحج عنه، قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر، ~~فهو للإباحة، لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن ~~الوجوب إلى الإباحة. # قال ابن السبكي في جمع الجوامع في مبحث الأمر: فإن ورد حظر قال الإمام: ~~أو استئذان فللإباحة. وقال أبو الطيب، والشيرازي، والسمعاني والإمام: ~~للوجوب، وتوقف إمام الحرمين انتهى منه. فتراه صدر بأن الأمر بعد ~~الاستئذان للإباحة، والخلاف في المسألة معروف، وقد ذكرنا فيه أقوال أهل ~~العلم، في أبيات مراقي السعود في أول سورة المائدة. # ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة: أن الصحابة رضي الله عنهم: ~~لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، عما اصطادوه بالجوارح، واستأذنوه ~~في أكله، نزل في ذلك قوله تعالى # فكلوا ممآ أمسكن عليكم # [المائدة: 4] فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة لأنه وارد بعد سؤال، ~~واستئذان. # ومن أمثلته من السنة: # " حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال " نعم " " # الحديث، فإن معنى نعم هنا: صل فيها. وهذا الأمر بالصلاة فيها للإباحة ~~لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر، أو ~~الاستئذان معروف. # هذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره، ووجوب الحج عمن وجب عليه في ~~الحياة، ومات قبل أن يحج وترك مالا، وقد علمت أدلتهم ومناقشتها. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأحاديث التي ذكرنا، تدل قطعا على ~~مشروعية الحج عن المعضوب، والميت. # وقد قدمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فورا، وعليه فلو فرط، وهو قادر ~~على الحج، حتى مات مفرطا مع القدرة، أنه يحج عنه من رأس ماله، إن ترك ~~مالا، لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته، فكانت دينا عليه، وقضاء دين ~~الله صرح النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث ~~قال # " فدين الله أحق أن يقضى ". # أما من عاجله الموت قبل التمكن، فمات غير مفرط، ms1965 فالظاهر لنا أنه لا إثم ~~عليه، ولا دين لله عليه، لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ~~ذمته، ولن يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد دلت الأحاديث المذكورة على ~~جواز حج الرجل عن المرأة، وعكسه، وعليه عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا ~~الحسن بن صالح بن حي. # والأحاديث المذكورة حجة عليه، وقد قدمنا أن مالكا رحمه الله ومن ~~وافقوه، لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرها مع كثرتها وصحتها، ~~لأنها مخالفة عندهم، لظاهر القرآن في قوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. وقوله # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97] والمعضوب والميت، ليس واحد منهما بمستطيع، لصدق قولك: ~~إنه غير مستطيع بنفسه. # واعلم: أن ما اشتهر عن مالك من أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد: معناه ~~عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس ~~بقادر، وأحرى الميت فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية، فإن ~~أوصى به صح من الثلث وتطوع وليه بالحج عنه، خلاف الأولى عنده بل مكروه. # والأفضل عنده أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج، كأن يتصدق ~~به عنه أو يعتق به عنه ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح ~~حجه عنه. # والحاصل: أن النيابة عن الصحيح في الفرض عنده ممنوعة، وفي غير الفرض ~~مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلا للحج. # قال خليل بن إسحاق في مختصره: ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلا كره ا ه. # وقال شارحه الخطاب: ويدخل في قول المصنف: وإلا كره بحسب الظاهر ثلاث ~~صور: استنابة الصحيح في النفل، واستنابة العاجز في الفرض، وفي النفل، لكن ~~في التحقيق ليس هنا إلا صورتان، لأن العاجز لا فريضة عليه ا ه. # واعلم: أن بعض المالكية حمل الكراهة المذكورة على التحريم، والأحاديث ~~التي ذكرنا حجة على مالك، ومن وافقه، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن ما عليه جمهور العلماء من جواز الحج، عن المعضوب، والميت محله ~~فيما إذا ms1966 كان الذي يحج عنهما قد حج عن نفسه حجة الإسلام، خلافا لمن لم ~~يشترط ذلك، واحتج الجمهور القائلون: بأن النائب عن غيره في الحج، لا بد ~~أن يكون حج عن نفسه حجة الإسلام بحديث جاء في ذلك. # قال أبو داود في سننه: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهناد بن ~~السري: المعنى واحد، قال إسحاق: ثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، ~~عن قتادة عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة قال " ~~من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: " حججت عن نفسك؟ " قال: لا، ~~قال: " حج عن نفسك، ثم عن شبرمة " " # وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، ثنا عبدة بن ~~سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شبرمة؟ " قال: قريب لي، قال: " ~~هل حججت قط؟ " قال: لا، قال: " فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة " " # وإسناد هذا الحديث عن أبي داود وابن ماجه، رجاله كلهم ثقات، معروفون، ~~إلا عزرة الذي رواه عنه قتادة، وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه: عزرة، ~~وعزرة المذكور في إسناد هذا الحديث، عند أبي داود، وابن ماجه ذكراه غير ~~منسوب، وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى، وعزرة بن يحيى لم يذكره البخاري ~~في التاريخ، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يخصه ابن حجر في ~~تهذيب التهذيب بترجمة، ولم يذكره الذهبي في الميزان، وقد ذكره ابن حجر في ~~التقريب، وقال فيه: مقبول، وقد روى هذا الحديث أيضا: الدارقطني، وابن ~~حبان في صحيحه وروى البيهقي من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، عن سعيد بن ~~أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هذا ms1967 إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه، ~~أخرجه أبو داود في السنن عن إسحاق بن إسماعيل، وهناد بن السري، عن عبدة ~~وقال: يحيى بن معين، أثبت الناس سماعا، عن سعيد عبدة بن سليمان، ثم قال: ~~قال الشيخ وكذلك رواه أبو يوسف القاضي، عن سعيد، ثم ساق بإسناده رواية ~~أبي يوسف، وأورد متن الحديث كما سبق، ثم قال: وكذلك روي عن محمد بن ~~عبدالله الأنصاري ومحمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، ورواه غندر عن سعيد بن ~~أبي عروبة موقوفا على ابن عباس، ومن رواه مرفوعا حافظ ثقة، فلا يضره ~~خلاف من خالفه، وعزرة هذا: هو عزرة بن يحيى، أخبرنا أبو عبدالله الحافظ ~~قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول: ذلك، وقد روى قتادة أيضا عن عزرة بن ~~تميم، وعن عزرة بن عبدالرحمن ا ه من البيهقي، وقد أورد روايات أخر عن ~~ابن عباس تؤيد الحديث المذكور، وذكره ابن حجر في التلخيص وأطال فيه ~~الكلام، وذكر كلام البيهقي في تصحيحه، وكلام من لم يصححه وذكر طرقه ثم ~~قال: ما نصه: فيجتمع من هذا صحة الحديث. # ا ه محل الغرض منه. # وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو ~~داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبي داود ~~كما قدمنا، ثم قال: وإسناده على شرط مسلم، والظاهر أن النووي يظن أن عزرة ~~المذكور في إسناده هو ابن عبدالرحمن، وذلك من رجال مسلم والواقع خلاف ~~ذلك، وهو عزرة بن يحيى كما جزم به البيهقي، ثم قال النووي: ورواه البيهقي ~~بإسناد صحيح، عن ابن عباس، ثم ذكر بعض ما ذكرنا سابقا من تصحيح البيهقي ~~للحديث، وأن رفعه أصح من وقفه. # فتحصل من هذا كله: أن الحديث صالح للاحتجاج، وفيه دليل على أن النائب في ~~الحج، لا بد أن يكون قد حج عن نفسه. وقاس العلماء: العمرة على الحج في ~~ذلك، وهو قياس ظاهر، والعلم عند الله تعالى. # وخالف في ذلك بعض العلماء كأبي حنيفة ومن وافقه، ms1968 فقالوا: يصح حج النائب ~~عن غيره، وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث التي ذكرناها في ~~الحج عن المعضوب والميت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها: # " حج عن أبيك، حج عن أمك " # ، ونحو ذلك من العبارات، ولم يسأل أحدا منهم هل حج عن نفسه أو لا. وترك ~~الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذي فيه ~~قصة شبرمة، لأنه لا يتعارض عام وخاص، فلا يحج أحد عن أحد، حتى يحج عن ~~نفسه حجة الإسلام، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # قد علمت مما مر أن الحج واجب مرة في العمر، وهل ذلك الوجوب على سبيل ~~الفور أو التراخي؟ # اختلف أهل العلم في ذلك وسنبين هنا إن شاء الله أقوالهم، وحججهم، وما ~~يرجحه الدليل عندنا من ذلك: فممن قال إن وجوبه على التراخي: الشافعي ~~وأصحابه. قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله ~~الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، وممن قال إنه على ~~الفور: الإمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزني. قال ~~النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة وقال صاحب تبيين الحقائق في الفقه ~~الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل ~~عليه فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج، ~~قال: يحج، ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على ~~أنه على الفور انتهى. # وأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران، كلاهما شهره بعض علماء ~~المالكية. # أحدهما: أنه على الفور، والثاني: أنه على التراخي، ومحل الخلاف المذكور ~~ما لم يحسن الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورا ~~اتفاقا. # قال خليل بن إسحاق في مختصره في الفقه المالكي: وفي فوريته وتراخيه لخوف ~~الفوات خلاف. ا ه. # وقد ذكر في ترجمته أنه إن قال في مختصره: خلاف، فهو يعني بذلك ms1969 اختلافهم ~~في تشهير القول. # وقال الشيخ المواق في كلامه على قول خليل المذكور ما نصه الجلاب: من ~~لزمه فرض الحج لم يجز له تأخيره، إلا من عذر وفرضه على الفور دون ~~التراخي، والتسويف، وعن ابن عرفة هذا للعراقيين، وعزا لابن محرز ~~والمغاربة وابن العربي، وابن رشد: أنه على التراخي ما لم يخف فواته. وإذا ~~علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه حججهم. # أما الذين قالوا: إنه على التراخي فاحتجوا بأدلة. # منها: أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا خلاف أن آية # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] الآية نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية ~~من إحصار المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم محرمون ~~بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف، ويدل عليه ما تقدم في حديث ~~كعب بن عجرة الذي نزل فيه # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196] وذلك متصل بقوله: { وأتموا الحج والعمرة ~~لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن ~~كان منكم مريضا } الآية، ولذا جزم الشافعي، وغيره: بأن الحج فرض ~~عام ست قالوا: وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يحج إلا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على ~~الفور لما أخره عن أول وقت للحج، بعد نزول الآية. قالوا ولا سيما أنه عام ~~ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان، واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من ~~عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة، ولم يحج، قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد، ~~فأقام للناس الحج سنة ثمان، بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه، ~~ولم يحجوا، قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع، وانصرف عنها قبل الحج، ~~فبعث أبا بكر رضي ms1970 الله تعالى عنه، فأقام للناس الحج سنة تسع، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج، غير ~~مشتغلين بقتال، ولا غيره، ولم يحجوا ثم حج صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه ~~كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر، دليل ~~على أن الحج ليس وجوبه على الفور. بل على التراخي. # واستدلوا لذلك أيضا بما جاء في صحيح مسلم في قصة ضمام بن ثعلبة السعدي ~~رضي الله عنه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم ~~أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: نهينا ~~أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء، ~~الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع. # " فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم أتانا ~~رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال " صدق، قال: فمن خلق السماء؟ ~~قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل ~~فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه ~~الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في ~~يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، ~~قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك ~~آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في ~~سنتنا، قال: صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم ~~رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، ثم ولى قال: ~~والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لئن صدق، ليدخلن الجنة " # انتهى من صحيح مسلم، قالوا: هذا الحديث الصحيح جاء فيه وجوب الحج، وقد ~~زعم الواقدي وغيره: أن قدوم الرجل المذكور وهو ضمام بن ثعلبة كان ms1971 عام ~~خمس، قالوا: وقد رواه شريك بن أبي نمر عن كريب فقال فيه: بعث بنو سعد ~~ضماما في رجب سنة خمس، فدل ذلك على أن الحج كان مفروضا عام خمس، ~~فتأخيره صلى الله عليه وسلم الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي، ~~لا على الفور. # ومن أدلتهم على أنه على التراخي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أمر المحرمين بالحج أن ~~يفسخوه في عمرة " # فدل ذلك على جواز تأخير الحج، وهو دليل على أنه على التراخي. # ومن أدلتهم أيضا: أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين ثم ~~فعله فإنه يسمى مؤديا للحج لا قاضيا له بالإجماع، قالوا: ولو حرم ~~تأخيره لكان قضاء لا أداء. # ومن أدلتهم على أنه على التراخي: ما هو مقرر في أصول الشافعية: وهو أن ~~المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن، لا يقتضي الفور، وإنما ~~المقصود منه الامتثال المجرد. فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على ~~مطلق الأمر. # ومن أدلتهم: أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة قالوا: فهي على ~~التراخي، ويقاس الحج عليها، بجامع أن كلا منهما واجب ليس له وقت معين. # ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن ~~كليهما واجب، ليس له وقت معين: قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان ~~غاية زمنه مدة السنة، هذا هو حاصل أدلة القائلين: بأن وجوب الحج على ~~التراخي لا على الفور. وأما الذين قالوا إنه على الفور فاحتجوا أيضا ~~بأدلة، ومنعوا أدلة المخالفين. # فمن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور آيات من كتاب الله تعالى يفهم ~~منها ذلك، وهي على قسمين: # قسم منها: فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امثتال أوامره جل وعلا، ~~والثناء على من فعل ذلك. # والقسم الثاني: يدل على توبيخ من لم يبادر، وتخويفه من أن يدركه الموت ~~قبل أن يمتثل، لأنه قد يكون اقترب أجله، وهو لا يدري. # أما آيات القسم الأول فكقوله # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ms1972 وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] وقوله تعالى # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض # [الحديد: 21] الآية، فقوله { وسارعوا } وقوله { سابقوا ~~إلى مغفرة } فيه الأمر بالمسارعة، والمسابقة إلى مغفرته، وجنته ~~جل وعلا، وذلك بالمبادرة، والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن ~~المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور، لا التراخي وكقوله # فاستبقوا الخيرات # [البقرة: 148] الآية، ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال وصيغ الأمر في ~~قوله { وسارعوا } وقوله: { سابقوا } ، وقوله { فاستبقوا ~~} تدل على الوجوب، لأن الصحيح المقرر في الأصول: أن صيغة أفعل إذا تجردت ~~عن القرائن، اقتضت الوجوب، وإليه أشار في المراقي بقوله: # وأفعل لدى الأكثر للوجوب الخ # وذلك لأن الله تعالى يقول # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63] وقال جل وعلا # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] فصرح جل وعلا، بأن أمره قاطع للاختيار، موجب للامتثال، ~~وقد سمى نبيه موسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، ~~وذلك في قوله # أفعصيت أمري # [طه: 93] يعني قوله له: # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142] وإنما قال موسى ذلك لأخيه هارون، قبل أن يعلم حقيقة ~~الحال، فلما علمها قال: # رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت ~~أرحم الراحمين # [الأعراف: 151] ومما يدل على اقتضاء الأمر الوجوب: أن الله جل وعلا، عنف ~~إبليس، لما خالف الأمر بالسجود، وذلك في قوله # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] والنصوص بمثل هذا كثيرة، وقد أجمع أهل اللسان العربي: أن ~~السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلا، فلم يمتثل أمره فأدبه على ذلك، أن ~~ذلك التأديب واقع موقعه، لأنه عصاه بمخالفة أمره، فلو قال العبد: ليس لك ~~أن تؤدبني، لأن أمرك لي بقولك: اسقني ماء لا يقتضي الوجوب لقال له أهل ~~اللسان: كذبت، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك عصيت سيدك، فدل ما ذكر على أن ~~الشرع واللغة، دلا على اقتضاء الأمر المجرد الوجوب، ms1973 وذلك يدل على أن ~~قوله: # سابقوا # [الحديد: 21] وقوله # وسارعوا # [آل عمران: 133] يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورا. # ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله ~~تعالى # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # [الأنبياء: 90] الآية. وقوله تعالى # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # [المؤمنون: 61]. # وأما القسم الدال على التخويف من الموت، قبل الامتثال المتضمن الحث على ~~الامتثال: فهو أن الله جل وعلا، أمر خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه، ~~وعجائبه كخلقه للسماوات والأرض، ونحو ذلك في الآيات من كتابه كقوله # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # [يونس: 101] الآية. وقوله تعالى # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6] وقوله # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السمآء ~~كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض ~~كيف سطحت # [الغاشية: 17-20]. ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه ~~يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد يقترب أجله، ويضيع عليه أجر الامتثال ~~بمعالجة الموت، وذلك في قوله تعالى # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم # [الأعراف: 185] إذ المعنى: أو لم ينظروا في أنه عسى أن يكون أجلهم قد ~~اقترب، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت، وفي الآية دليل واضح، ~~على أن الإنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر، خشية أن يعاجله ~~الموت قبل ذلك. # ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور، أحاديث جاءت دالة على ذلك، ولا ~~يخلو شيء منها من مقال، إلا أنها تعتضد بالآيات المذكورة، وبما سنذكره إن ~~شاء الله بعدها. # منها ما أخرجه أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو ~~أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل، يعني: ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تعجلوا إلى الحج " # يعني الفريضة. فقوله في هذا الحديث: تعجلوا يدل ms1974 على الفور، وقد نقل حديث ~~أحمد هذا المجد في المنتقى بحذف الإسناد على عادته، فقال: عن ابن عباس، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تعجلوا إلى الحج " # يعني الفريضة # " فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " # رواه أحمد انتهى منه. وقد سكت على هذا الحديث، وسكت عليه أيضا شارحه ~~الشوكاني في نيل الأوطار، وظاهر سكوتهما عليه: أنه صالح للاحتجاج عندهما، ~~والظاهر عدم صلاحية هذا الحديث بانفراده للاحتجاج، لأن في سنده إسماعيل ~~بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وهو لا يحتج بحديثه، لأنه ضعفه أكثر أهل ~~العلم بالحديث، وكان شيعيا من غلاتهم، وكان ممن يكفر أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، سيء ~~الحفظ، نسب إلى الغلو في التشيع. # والحاصل: أن أكثر أهل العلم لا يحتجون بحديثه، وانظر إن شئت أقوال أهل ~~العلم في تهذيب التهذيب، والميزان وغيرهما. # ومن أدلتهم أيضا على ذلك: ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ~~حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أراد الحج فليتعجل " # ا ه. وقال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبأنا أبو ~~المثنى، ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي ~~صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أراد الحج فليتعجل " # ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأبو صفوان هذا سماه غيره ~~مهران مولى لقريش، ولا يعرف بالجرح انتهى منه. وأقره الحافظ الذهبي على ~~تصحيحه لهذا الإسناد، ولا يخلو هذا السند من مقال، لأن فيه مهران أبا ~~صفوان، قال فيه ابن حجر في التقريب: كوفي مجهول، وقال صاحب الميزان، لا ~~يدري من هو. # وقال فيه في تهذيب التهذيب. روي عن ابن عباس # " من أراد الحج فليتعجل " # وعنه الحسن بن عمرو الفقيمي، قال أبو زرعة: لا أعرفه إلا في هذا الحديث ~~وذكره ابن حبان في الثقات. ms1975 # قلت: وقال الحاكم لما أخرج حديثه هذا في المستدرك لا يعرف بجرح انتهى ~~منه. وهو دليل على أن حديث مهران المذكور معتبر به، فيعتضد بما قبله، ~~وبما بعده، مع أن ابن حبان عده في الثقات، وصحح حديثه الحاكم وأقره ~~الذهبي على ذلك ا ه. # وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا علي بن محمد، وعمرو بن عبدالله، قالا: ثنا ~~وكيع ثنا إسماعيل أبو إسرائيل، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس، عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة " # ا ه. وفي سنده: إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وقد قدمنا ~~قريبا: أن الأكثرين ضعفوه. # ومن أدلتهم على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " من لم يحبسه مرض، أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء ~~يهوديا وإن شاء نصرانيا " # قال ابن حجر في التلخيص: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال ~~العقيلي، والدارقطني: لا يصح فيه شيء. # قلت: وله طرق. # أحدها: أخرجه سعيد بن منصور في السنن: وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي من ~~طرق عن شريك عن ليث بن أبي سليم، عن ابن سابط، عن أبي أمامة بلفظ # " من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء ~~يهوديا وإن شاء نصرانيا " # لفظ البيهقي، ولفظ أحمد # " من كان ذا يسار فمات ولم يحج " # الحديث. وليث ضعيف، وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري، فأرسله ~~ورواه أحمد في كتاب: الإيمان له عن وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ~~ظاهرة " # فذكره مرسلا. وكذا ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث مرسلا، ~~وأورده أبو يعلى من طريق أخرى، عن شريك مخالفة ms1976 للإسناد الأول، وراويها عن ~~شريك: عمار بن مطر ضعيف. وقال الذهبي في الميزان، بعد أن ذكر طريق أبي ~~يعلى: هذه في ترجمة عمار بن مطر الرهاوي المذكور الراوي، عن شريك هذا ~~منكر عن شريك. # الثاني: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا # " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت ~~يهوديا أو نصرانيا " # ، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97] رواه الترمذي، وقال: غريب، وفي إسناده مقال، والحارث ~~يضعف، وهلال بن عبدالله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول، وسئل إبراهيم ~~الحربي عنه؟ فقال: من هلال. وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث ~~بمحفوظ. وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وذكر في الميزان حديث على هذا في ~~ترجمة هلال بن عبدالله المذكور، وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال ~~الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ا ه. وقال فيه في ~~التقريب: متروك. وقد روي عن علي موقوفا، ولم يرو مرفوعا من طريق أحسن ~~من هذا، وقال المنذري: طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه. # الثالث: عن أبي هريرة رفعه # " من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان ~~جائر فليمت أي الميتتين شاء. إما يهوديا أو نصرانيا " # رواه ابن عدي، من طريق عبد الرحمن الغطفاني، عن أبي المهزم، وهما ~~متروكان عن أبي هريرة، وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن ~~منصور والبيهقي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال " لقد هممت أن أبعث ~~رجالا إلى هذه الأمصار فتنظر كل من كانت له جدة ولم يحج فيضربوا عليه ~~الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين " لفظ سعيد، ولفظ البيهقي أن عمر ~~قال: ليمت يهوديا أو نصرانيا يقولها ثلاث مرات: رجل مات ولم يحج وجد ~~لذلك سعة، وخليت سبيله. # قلت: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط، علم أن لهذا الحديث ms1977 ~~أصلا، ومحمله على من استحل الترك، وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع ~~والله أعلم ا ه من التلخيص الحبير بلفظه. وقول ابن حجر ومحمله على من ~~استحل الترك هو قول من قال من المفسرين: إن الكفر في قوله تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97] يحمل على مستحل الترك، ولا دليل عليه، ووجه الدلالة من ~~الأحاديث المذكورة على ما فيها من المقال أنها تصرح أنه لا يمنعه من ~~الإثم إلا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج، كالمرض، أو الحاجة الظاهرة، ~~أو السلطان الجائر. فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات، وهو ~~آثم بالتأخير. فدل على أن وجوب الحج على الفور، وأنه لا يجوز التراخي فيه ~~إلا لعذر، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ساق الطرق التي ذكرناها ~~عن صاحب التلخيص، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا؟ وبذلك تتبين مجازفة ابن ~~الجوزي في عده لهذا الحديث من الموضوعات، فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن ~~كون الحديث حسنا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور، ولا يقدح في ذلك. # قول العقيلي والدارقطني، لا يصح في الباب شيء، لأن نفي الصحة لا يستلزم ~~نفي الحسن ا ه. محل الغرض منه. # ومن أدلتهم أيضا على أن وجوب الحج على الفور ما قدمناه في سورة البقرة، ~~من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل " # قال عكرمة: سألت ابن عباس، وأبا هريرة عن ذلك؟ يعني: حديث الحجاج بن ~~عمرو المذكور فقالا: صدق. وقد قدمنا أن هذا الحديث ثابت من رواية الحجاج ~~بن عمرو الأنصاري. وابن عباس وأبي هريرة، وقد قدمنا أنه رواه الإمام ~~أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة والحاكم، والبيهقي، وقد قدمنا: أنه سكت ~~عليه أبو داود والمنذري وحسنه الترمذي، وأن النووي قال فيه: رواه أبو ~~داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ms1978 والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، ~~ومحل الشاهد من الحديث المذكور قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات ~~الحديث، عند أبي داود، وابن ماجه # " فقد حل وعليه الحج من قابل " # لأن قوله: من قابل دليل على أن الوجوب على الفور، وقد قدمنا هناك، ما ~~يدل على أن ذلك القضاء الواجب على المحصر بمرض أو نحوه إنما هو في حجة ~~الإسلام، وأنه لا قضاء على المحصر في غيرها، وبينا أدلة ذلك هناك في ~~الكلام على قوله تعالى: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] والرواية التي ذكرنا هناك: فقد حل وعليه حجة أخرى، وهذه ~~الرواية قد بينتها رواية " وعليه الحج من قابل " وهي ثابتة: وهي دالة على ~~الفور مفسرة للرواية التي ذكرنا هناك. # فهذه الأحاديث مع تعددها واختلاف طرقها، تدل على أن وجوب الحج على ~~الفور، وتعتضد بالآيات القرآنية التي قدمناها، وتعتضد بما سنذكره إن شاء ~~الله من كلام أهل الأصول. # واعلم أن المخالفين قالوا: إن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء، وأن حديث # " من أراد أن يحج فليتعجل " # مع ضعفه حجة لهم لا عليهم، لأنه وكل الأمر إلى إرادته. فدل على أنه ليس ~~على الفور، ولا يخفى أن الأحاديث التي ذكرنا لا يقل مجموعها عن درجة ~~الاحتجاج، على أن وجوب الحج على الفور. # ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور: هو أن الله أمر به، وأن جماعة ~~من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر ~~الفور. أما الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فورا ~~لامتثال أوامر الله كقوله # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133] الآية، وكقوله # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد: 21] الآية، وبينا دلالة تلك الآيات وأمثالها على اقتضاء الأمر ~~الفور، وأوضحنا ذلك. # وأما اللغة: فإن أهل اللسان العربي، مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: ~~اسقني ماء، فلم يفعل، فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة أفعل في قولك: ~~اسقني ماء تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخ عن ms1979 الأمر بل ~~يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورا، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والتراخي. # وأما العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي، فلا يخلو من أحد ~~أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معين ينتهي عندها، وإما ألا ~~والقسم الأول ممنوع، لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه، دون غيره من ~~الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه. إن قلنا: إنه ليس على ~~الفور. # والحاصل: أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع. # والقسم الثاني الذي هو: أن تراخيه، ليس له غاية، يقتضي عدم وجوبه، لأن ~~ما جاز تركه جوازا، لم تعين له غاية ينتهي إليها، فإن تركه جائز إلى غير ~~غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه والمفروض وجوبه. # فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه. # فالجواب: أن البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؟ لأن الموت يأتي ~~بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، وقد قدمنا ~~قوله تعالى في ذلك # وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم # [الأعراف: 185] ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها، إلا عند عجزه عن ~~العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج. # والإنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا ~~دليل عليه. # فهذه جملة أدلة القائلين: بأن وجوب الحج على الفور، ومنعوا أدلة ~~المخالفين قالوا إن قولكم: إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ~~ثعلبة المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجوب الحج، وأن قوله تعالى # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] الآية. نزلت عام ست في عمرة الحديبية. فدلت على أن الحج ~~مفروض عام ست، وأنه صلى الله عليه وسلم أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ~~ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ~~ثعلبة السعدي كان سنة تسع. # وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه: وزعم الواقدي أن ~~قدومه ms1980 كان في سنة خمس، وفيه نظر. وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أن قدومه ~~كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح ا ه. منه، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه ~~عام تسع. # وذكر ابن كثير: قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع، مع أنه ذكر قول من ~~قال: إن قدومه كان قبل عام خمس، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام، وأما ~~وجه ردهم للاحتجاج بآية { وأتموا الحج والعمرة لله } ~~فهو أنها لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ~~ابتداء الوجوب. وقد أجمع أهل العلم على أن من أحرم بحج أو عمرة، وجب عليه ~~الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب. # قال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: وأما قوله تعالى: { وأتموا ~~الحج والعمرة لله } ، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية ~~فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد ~~الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء. # فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة. # قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه: قدم وفد نجران على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية، والجزية: إنما ~~نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ~~ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة، وجدوا في نفوسهم ~~على ما فاتهم من التجارة من المشركين، لما أنزل الله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، ~~والمناداة بها إنما كان عام تسع، وبعث الصديق رضي الله عنه بذلك في مكة ~~في موسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير ~~واحد من السلف والله أعلم. انتهى من زاد المعاد. # فتحصل: أن آية # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة:196]، لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه ms1981 ~~بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء ~~الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها ~~معروف، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه. # بل الذي أجمعوا عليه: هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر ~~الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، ~~فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما ~~أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفا، لأن آية # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97] هي الآية التي فرض بها الحج: وهي من صدر سورة آل عمران، ~~وقد نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم ~~قريبا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب ~~إن شاء الله تعالى. # وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح ~~مكة، لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج. لأنه لم يفرض. # فإن قيل: سلمنا تسليما جدليا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع ~~تمكنه منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضا في ذلك الوقت، وقد ~~اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع، وهو صلى الله عليه وسلم لم يحج عام تسع، ~~بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على ~~التراخي، إذ لو كان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر. # فالجواب والله تعالى أعلم: أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي، وأصحابه من ~~منع المشركين من الطواف بالبيت، وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه ~~أن منعهم من قربان المسجد الحرام، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع ~~وذلك في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد ms1982 عامهم هذا # [التوبة: 28]، وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام ~~تسع، ولذا أرسل عليا رضي الله عنه بعد أبي بكر ينادي ببراءة: وأن لا يحج ~~بعد العام مشرك، ولا عريان، فلو بادر صلى الله عليه وسلم إلى الحج عام ~~تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت، وهم عراة وهو لا يمكنه ~~أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك ~~حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام ~~عشر، وقد بادر بالحج فيه والعلم عند الله تعالى، وأجابوا عن قولهم: كونه ~~صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم في ~~عمرة، دليل على تأخير الحج، لأنهم بعدما أحرموا فيه فسخوه في عمرة، وحلوا ~~منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة ~~بعينها، وتأخير الحج: إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى، وذلك ليس بواقع ~~هنا، فلا تأخير للحج في الحقيقة، لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من ~~لم يفسخ حجه في عمرة، فلا تأخير كما ترى، وأجابوا عن قولهم: إنه لو أخره ~~من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديا لا ~~قاضيا بالإجماع، ولو حرم التأخير، لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلا في ~~العبادة الموقتة بوقت معين. ثم خرج ذلك الوقت المعين لها كما هو مقرر في ~~الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب ~~المبادرة خوفا من طرو العوائق، أو نزول الموت قبل الأداء كما تقدم ~~إيضاحه. # وأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد ~~شهادته فيما بين فعله وتأخيره. ولو كان التأخير حراما لردت شهادته ~~لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته، بل لا ~~ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا ms1983 قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة ~~الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حراما وشبهة الأدلة التي أقاموها على ~~ذلك، هذا هو حاصل أدلة الفريقين. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق ~~السموات والأرض هو: أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على ~~التراخي، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من ~~مباغتة الموت كقوله: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133] الآية، وما قدمنا معها من الآيات وكقوله: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم # [الأعراف: 185]، ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن ~~أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه صلى الله عليه ~~وسلم لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند الله تعالى، وأشار في ~~مراقي السعود إلى أن مذهب مالك أن وجوب الأمر على الفور بقوله: # وكونه للفور أصل المذهب # وهو لدى القيد بتأخير أبى # المسألة الثانية: اعلم أن من أراد الحج له أن يحرم مفردا الحج وله أن ~~يحرم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وله أن يحرم قارنا بين الحج والعمرة، ~~وإنما الخلاف بين العلماء، فيما هو الأفضل من الثلاثة المذكورة. # والدليل على التخيير بين الثلاثة ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث ~~عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~حجة الوداع. فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل ~~بالحج الحديث. وهو نص صريح متفق عليه في جواز الثلاثة المذكورة. وقال ~~النووي في شرح المهذب: وجواز الثلاثة قال به العلماء، وكافة الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان رضي الله عنهما: أنهما كان ينهيان عن التمتع. انتهى محل الغرض من ~~كلامه. # وقال أيضا في شرح مسلم: وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة: # وقال ابن قدامة ms1984 في المغني: وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام، بأي ~~الأنساك الثلاثة شاء. واختلفوا في أفضلها. # وفي رواية في الصحيح عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج ~~فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة رضي الله عنها: فأهل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة ~~والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة " # هذا لفظ مسلم في صحيحه: وهو صريح في جواز الثلاثة المذكورة. # وبه تعلم أن ادعاء بعض المعاصرين أن إفراد الحج ممنوع مخالف لما صح ~~باتفاق مسلم والبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأطبق عليه جماهير ~~أهل العلم. وحكى غير واحد عليه الإجماع، وسنذكر إن شاء الله كلام أهل ~~العلم في التفضيل بينها مع مناقشة الأدلة. # المسألة الثالثة: اعلم أن ممن قال: إن الإفراد أفضل من التمتع والقرآن: ~~مالك، وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه وأصحابه. # قال النووي: في شرح المهذب: وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن ~~مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود. ~~واحتج من قال: بتفضيل إفراد للحج على غيره بأدلة متعددة. # الأول: أحاديث صحيحة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه أفرد في ~~حجة الوداع من رواية جابر، وابن عمر وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم ~~وغيرهم. أما حديث عائشة فقد ذكرناه آنفا. # قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من ~~أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحج الحديث. هذا لفظ البخاري، ومسلم، وهو صريح في ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج. ولا يحتمل لفظ عائشة هذا غير ~~إفراد الحج لأنها ذكرت معه التمتع والقران، وأن بعض الناس تمتع وبعضهم ~~قرن، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج فهو ms1985 الحج المفرد، ولا ~~يحتمل غيره. # وفي رواية في الصحيح عنها رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال # " من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل. ~~ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل " # قالت عائشة رضي الله عنها: " فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، ~~وأهل به ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة " هذا ~~لفظ مسلم في صحيحه. وهو لا يحتمل غير الإفراد بحال، لأنها ذكرت القران، ~~والتمتع، والإفراد، وصرحت بأنه صلى الله عليه وسلم أهل بالحج، فدل على ~~أنها لا تريد القران ولا غيره. # وفي رواية عنها في الصحيح قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولا نرى إلا الحج، وفي رواية عنها في الصحيح أيضا، ولا نذكر إلا الحج. ~~وفي رواية عنها في الصحيح أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد ~~الحج. # وفي رواية عنها رضي الله عنها في الصحيح: ولا نرى إلا أنه الحج. كل هذه ~~الألفاظ في صحيح مسلم. وبعضها في البخاري. # وأما حديث جابر فقد روى عنه عطاء قال: حدثني جابر بن عبدالله رضي الله ~~عنهما: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه، وقد ~~أهلوا بالحج مفردا الحديث: هذا لفظ البخاري ومسلم، وفي رواية عنه رضي ~~الله عنه في الصحيح: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: ~~لبيك اللهم لبيك بالحج. هذا لفظ البخاري، ومسلم أيضا وفي رواية في ~~الصحيح عن عطاء: حدثني جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وفي ~~حديثه أعني جابرا رضي الله عنه الطويل المشهورفي صحيح مسلم الذي بين فيه ~~حجة النبي صلى الله عليه وسلم أكمل بيان، وساقها أحسن سياقة من أولها ~~إلى آخرها. وقد دل ذلك على ضبطه لها، وحفظه، وإتقانه ما نصه: قال جابر ~~رضي الله عنه: لسنا ms1986 ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة الحديث، وهو تصريح ~~منه رضي الله عنه بالإفراد، دون التمتع، والقران لقوله: لسنا نعرف ~~العمرة. # وفي رواية عنه في الصحيح قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مهلين بالحج الحديث. # وفي رواية عنه في الصحيح أيضا قال: أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالحج خالصا وحده. وكلا الروايتين عنه بلفظ مسلم في الصحيح. وفي ~~صحيح مسلم أيضا عنه: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين ~~بالحج. الحديث. وفي رواية في صحيح مسلم عنه أيضا: أهللنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحج. # وأما حديث ابن عمر: فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب، ~~وعبدالله بن عون الهلالي، قالا: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، حدثنا ~~عبيدالله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر في رواية يحيى قال: أهللنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا. وفي رواية ابن عون: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا، وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، ~~حدثنا حميد، عن بكر، عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا: قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، ~~فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما ~~تعودننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لبيك عمرة وحجا " # وحدثني أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، حدثنا حبيب بن ~~الشهيد، عن بكر بن عبدالله، حدثنا أنس رضي الله عنه: أنه رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم جمع بينهما بين الحج والعمرة، قال: فسألت ابن عمر؟ فقال: ~~أهللنا بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا ~~صبيانا. # انتهى منه. # وحديث ابن عمر هذا لا يحتمل غير إفراد الحج، فلا يحتمل القران ولا ~~التمتع بحال، لأن فيه أن بكرا قال لابن عمر: إن أنسا يقول: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms1987 قرن بين الحج والعمرة، فرد ابن عمر على أنس دعواه ~~القران قائلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج وحده، وهذا صريح ~~في الإفراد كما ترى. وحديث ابن عمر المذكور أخرجه البخاري أيضا ا ه. # وفي رواية: أن رجلا أتى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: بم أهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عمر: أهل بالحج، فانصرف ثم أتاه من العام ~~المقبل، فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ألم تأتني عام ~~أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن: قال ابن عمر رضي الله ~~عنهما: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء، وهن منكشفات الرؤوس، وإني ~~كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها أسمعه: يلبي ~~بالحج. رواه البيهقي بإسناده. وقال النووي في شرح المهذب: إن إسناده ~~صحيح. # وأما حديث ابن عباس، فهو ما رواه عنه البخاري ومسلم قال: كانوا يرون ~~العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا ~~ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. ~~فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج الحديث ~~هذا لفظ البخاري ومسلم. # وفي رواية في الصحيح عنه رضي الله عنه: أهل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالحج: لفظ مسلم وفي رواية عنه في الصحيح: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهل بالحج وفي رواية عنه رضي الله عنه في الصحيح: ثم ركب ~~راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. كل هذه الألفاظ في صحيح ~~مسلم رحمه الله تعالى. # وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما. قالت: ~~قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج. الحديث. # قالوا: فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحرم مفردا، ورواتها من أضبط الصحابة وأتقنهم، قالوا: فمنهم: جابر الذي ~~عرف ضبطه وحفظه وخصوصا ضبطه لحجته صلى ms1988 الله عليه وسلم. ومنهم: ابن عمر ~~الذي رد على أنس، وذكر أن لعاب ناقة النبي كان يمسه. ومنهم: عائشة رضي ~~الله عنها وحفظها وضبطها واطلاعها على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~كل ذلك معروف. # ومنهم: ابن عباس رضي الله عنهما. ومكانته في العلم والحفظ معروفة. # الأمر الثاني من الأمور التي احتج بها القائلون: بأفضلية الإفراد على ~~التمتع، والقران: هو إجماع أهل العلم، على أن المفرد إذا لم يفعل شيئا ~~من محظورات الإحرام، ولم يخل بشيء من النسك، أنه لا دم عليه، وانتفاء ~~الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران: يدل على أنه أفضل منهما، لأن ~~الكامل بنفسه الذي لا يحتاج إلى الجبر بالدم أفضل من المحتاج إلى الجبر ~~بالدم. # وأجاب المخالفون عن هذا: بأن دم التمتع والقران، ليس دم جبر لنقص فيهما. ~~وإنما هو دم نسك محض ألزم في ذلك النسك. واحتجوا على أنه دم نسك. بجواز ~~أكل القارن، والمتمتع من دم قرانه، وتمتعه. قالوا: لو كان جبرا لما جاز ~~الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران ~~جائزان، فلا جبر في مباح. # ورد هذا من يخالف في ذلك قائلا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم ~~يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا ~~يكون الصوم بدلا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلا من دم، إلا ~~إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ~~ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر. # قالوا: والدليل على وقوع الجبر في المباح: لزوم فدية الأذى المنصوص في ~~آية # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية # [البقرة: 196] الآية: ولا شك أنه جبر في فعل مباح. وكذلك من لبس لمرض أو ~~حر، أو برد شديدين، أو أكل صيدا للضرورة المبيحة للميتة، أو احتاج ~~للتداوي بطيب. # قالوا: ومن الأدلة على أنه دم جبر لا نسك سقوطه عن أهل ms1989 مكة المنصوص عليه ~~في قوله # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196] راجعة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أهل مكة لا تمتع ~~لهم، لأنه على قول الجمهور لا فرق بين الآفاقي، وحاضري المسجد الحرام ~~موجبا لوجوب دم التمتع على الأول وسقوطه عن الثاني، إلا أن الأول: تمتع ~~بالترفه بسقوط أحد السفرين لأحد النسكين: ولذلك قال مالك، وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، أبو حنيفة وأصحابه: إنه إن سافر بعد ~~إحلاله من العمرة وأحرم للحج في سفر جديد أنه لا دم تمتع عليه لزوال ~~العلة مع اختلافهم في قدر السفر المسقط للدم المذكور: فبعضهم يكتفي بسفر ~~مسافة القصر، وهو مذهب أحمد، وهو مروي عن عطاء وإسحاق والمغيرة، كما نقله ~~عنهم ابن قدامة في المغني. وبعضهم: يكتفي بالرجوع إلى الميقات، وهو مذهب ~~الشافعي، وبعضهم يشترط الرجوع إلى محله الذي جاء منه، وعزاه في المغني ~~لأبي حنيفة وأصحابه. # وبعضهم: يشترط ذلك أو سفر مسافة بقدره: أعني قدر مسافة المحل الذي جاء ~~منه وهو مذهب مالك وأصحابه. وهذا يدل على أن دم التمتع دم جبر لنقص السفر ~~المذكور، بدليل أن السفر إن حصل عندهم سقط الدم لزوال علة وجوبه. # الأمر الثالث: من الأمور التي استدل بها القائلون: بأفضلية الإفراد بعض ~~الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن التمتع ~~والقران. # قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر ~~بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، ~~أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبدالله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن ~~المسيب: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن ~~الخطاب، فشهد عنده: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي ~~قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج. # أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبدالله بن جعفر، ثنا يونس ~~بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي شيخ ms1990 ~~الهنائي واسمه خيوان بن خالد: أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صفف النمور؟ ~~قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد قال: أتعلمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أتعلمون أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: اللهم ~~لا، قال: والله إنها لمعهن وكذلك رواه حماد بن سلمة والأشعث بن بزاز عن ~~قتادة، وحماد بن سلمة في حديثه، ولكنكم نسيتم ورواه مطر الوراق، عن أبي ~~شيخ في متعة الحج انتهى من البيهقي. # وقد ذكر النووي في شرح المهذب، عن البيهقي: أنه ذكر بإسناده الحديثين ~~الذين سقناهما عنه آنفا، ثم قال في الأول منهما: ورواه أبو داود في ~~سننه. وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب عن عمر، لكنه لم يرو هنا عن ~~عمر، بل عن صحابي غير مسمى والصحابة كلهم عدول. # ثم قال في الثاني منهما: رواه البيهقي بإسناد حسن انتهى. # وقال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبدالله بن ~~وهب، أخبرنا حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبدالله بن القاسم، عن ~~سعيد بن المسيب: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر ~~بن الخطاب، فشهد عنده: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ~~الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج. # حدثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد، عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن ~~خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي ~~سفيان قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، ~~قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، ~~فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتم. # انتهى منه. # الأمر الرابع: ms1991 من الأمور التي استدل بها القائلون: بأفضلية الإفراد على ~~غيره، أنه هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه بعده صلى الله عليه ~~وسلم، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقد حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس مفردا، وحج عمر بن الخطاب عشر ~~سنين بالناس مفردا، وحج عثمان رضي الله عنه بهم مدة خلافته مفردا ~~قالوا: فمدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة حول أربع وعشرين سنة وهم ~~يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإفراد أفضل من غيره، لما واظبوا عليه ~~هذه المدة الطويلة. # قال النووي في شرح المهذب، وشرح مسلم في أدلة من فضل الإفراد: ومنها: أن ~~الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا ~~الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان. واختلف فعل علي رضي ~~الله عنهم أجمعين. وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردا، ~~ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حج مفردا لم يواظبوا على الإفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام ~~ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله صلى الله عليه وسلم. ~~وأما الخلاف عن علي وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد قدمنا عنهم ما ~~يوضح هذا انتهى منه. # الأمر الخامس: من الأمور التي استدل بها القائلون. بأفضلية الإفراد: هو ~~ما ذكره النووي في شرح المهذب قال: ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز ~~الإفراد من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا ~~التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله، ~~فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل. انتهى منه. # وقال البيهقي في السنن الكبرى: فثبت بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جواز التمتع والقران والإفراد، وثبت بمضي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حج مفرد ثم باختلاف الصدر ms1992 الأول في كراهية التمتع ~~والقران دون الإفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. والله أعلم. انتهى ~~منه. # وقال البيهقي في السنن الكبرى أيضا: أخبرنا أبو عبدالرحمن السلمي وأبو ~~بكر بن الحارث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن ~~إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين عن عبدالرحمن ~~بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر رضي الله عنه فجرد، ومع عمر رضي ~~الله عنه فجرده، ومع عثمان رضي الله عنه فجرد. # أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران، أنبأ إسماعيل بن ~~محمد الصفار، ثنا عبدالكريم بن الهيثم، ثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، ~~أنبأ نافع: أن ابن عمر كان يقول: إن عمر رضي الله عنه كان يقول: أن ~~تفصلوا بين الحج والعمرة، وتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحج ~~أحدكم، وأتم لعمرته انتهى منه. # ثم ساق البيهقي بسنده عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهم عن أبيهما عن علي أنه قال: يا بني أفرد الحج، فإنه أفضل ا ~~ه، وساق بسنده عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: جردوا الحج. ~~وفي رواية له عنه: أنه أمر بإفراد الحج قال فكان أحب أن يكون لكل واحد ~~منهما شعث وسفر. انتهى من البيهقي. # وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه، قال الحافظ أبو الحسن ~~الدارقطني، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ~~ثنا أبو حصين، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر ~~فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري، عن أبي حصين، وهذا ~~إنما ذكرناه ها ههنا، لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم: إنما ~~يفعلونه هذا عن توقيف. والمراد بالتجريد ها هنا: الإفراد والله أعلم. # وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل، ومحمد بن مخلد ~~قالا: ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبدالله بن ms1993 نافع، عن ~~عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد ~~الحج، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، فبعث عمر فأفرد الحج، ثم ~~حج أبو بكر فأفرد الحج، ثم توفي أبو بكر واستخلف عمر، فبعث عبدالرحمن بن ~~عوف فأفرد الحج. ثم حج فأفرد الحج ثم حج عمر سنيه كلها فأفرد الحج في ~~إسناده عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيف. لكن قال الحافظ البيهقي: له ~~شاهد بإسناد صحيح. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني هارون بن سعيد الإبلي، ~~حدثنا أبو وهب، أخبرني عمرو وهو ابن الحرث، عن محمد بن عبدالرحمن: أن ~~رجلا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير، عن رجل يهل بالحج، ~~فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلا يقول ~~ذلك، قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج، قلت: فإن رجلا ~~كان يقول ذلك. # قال: بئسما قال فتصداني الرجل، فسألني فحدثته فقال: فقل له فإن رجلا ~~كان يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك وما شأن أسماء ~~والزبير فعلا ذلك؟ قال: فجئته، فذكرت له ذلك فقال من هذا؟ فقلت: لا أدري، ~~قال: فما باله لا يأتيني بنفسه، يسألني، أظنه عراقيا؟ فقلت: لا أدري ~~قال: فإنه قد كذب قد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة رضي ~~الله عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم ~~حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم عمر ~~مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم يكن ~~غيره، ثم ms1994 معاوية، وعبدالله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، ~~فكان أول شيء بدأ به. الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين ~~والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم ~~لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحد ممن مضى ~~كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا ~~يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت ~~تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير ~~وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ~~ذلك. انتهى من صحيح مسلم. وفيه التصريح من عروة بن الزبير رضي الله عنهما ~~بأن الخلفاء الراشدين والمهاجرين، والأنصار كانت عادتهم أن يأتوا مفردين ~~بالحج، ثم يتمونه كما رأيت. # وقال النووي في شرح الحديث المذكور وقوله: ثم لم يكن غيره وكذا قال فيما ~~بعده، ولم يكن غيره هكذا هو في جميع النسخ غيره بالغين المعجمة والياء، ~~قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ قال: وهو تصحيف وصوابه: ثم لم تكن ~~عمرة بضم العين المهملة وبالميم، وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ ~~الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. هذا كلام القاضي. # قلت: هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في ~~الرواية وصحيح في المعنى، لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها. # ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ~~ثم لم يكن غيره: أي لم يغير الحج، ولم ينقله، ويفسخه إلى غيره لا عمرة ~~ولا قران، والله أعلم، انتهى كلام النووي، وهو صواب. # وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ms1995 ابن وهب، قال: أخبرني ~~عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبدالرحمن بن نوفل القرشي: أنه سأل عروة بن ~~الزبير، فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة رضي ~~الله عنها: أنه أول شيء بدأ به حين قدم: أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم ~~لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه، فكان أول شيء بدأ به: الطواف ~~بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج عثمان رضي ~~الله عنه، فرأيته أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم ~~معاوية وعبدالله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء ~~بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار ~~يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ~~ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى، ما كانوا ~~يبدأون بشيء، حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت ~~أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا ~~تحلان، وقد أخبرتني أمي: أنها أهلت، هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان ~~بعمرة. فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه. # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه أيضا: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب: أخبرني ~~عمرو عن محمد بن عبدالرحمن ذكرت لعروة قال: فأخبرتني عائشة رضي الله ~~عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ، ~~ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما مثله، ثم ~~حججت مع أبي الزبير رضي الله عنه، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت ~~المهاجرين، والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي: أنها أهلت هي وأختها ~~والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه. # قالوا: وجواب ابن عباس رضي الله عنهما عن حديث عروة المذكور لا يدفع ~~احتجاج عروة بما ذكر، وكذلك ms1996 جواب ابن حزم، وقد أجاب عروة ابن عباس ~~فأسكته. # أما جواب ابن عباس الذي ذكروه، فهو ما رواه الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عروة: نهى أبو بكر، وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: قال أبو بكر وعمر وقال ~~عبدالرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ~~ترخص في المتعة، فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية، فقال عروة: أما أبو بكر ~~وعمر فلم يفعلا. # فقال ابن عباس: والله ما أراكم منهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول ~~الله، وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: لهما أعلم بسنة الله صلى ~~الله عليه وسلم. وأتبع لها منك ا ه. قالوا: فترى عروة أجاب ابن عباس ~~بجواب أسكته به. # ولا شك أن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، كانوا ~~أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبع لها لا يمكن ابن عباس أن ~~ينكر ذلك. # وأما جواب ابن حزم فهو قوله: إن ابن عباس أعلم بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر، وعمر من عروة، وأنه يعني ابن عباس خير من عروة وأولى ~~منه بالنبي، والخلفاء الراشدين، ثم ساق آثارا من طريق البزار وغيره عن ~~ابن عباس، يذكر فيها التمتع، عن أبي بكر، وعمر وأن أول من نهى عنه ~~معاوية، ولا يخفى سقوط كلام ابن حزم المذكور في رده على عروة بن الزبير ~~رضي الله عنهما. أما قوله: إن ابن عباس أعلم من عروة، وأفضل فلا يرد ~~رواية عروة بسند صحيح عن الخلفاء الراشدين: أنهم كانوا يفردون كما ثبت في ~~صحيح مسلم. وابن عباس لم يعارض عروة: بأن فعلهما كان مخالفا لما ذكره ~~عروة من الإفراد، وإنما احتج بأن أمر النبي أولى بالاتباع من أمرهما، ~~وقد أجابه عروة بأنهما ما فعلا إلا ما علما من ms1997 النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه أكمل وأتبع لسنته صلى الله عليه وسلم. وأما الآثار التي رواها ~~من طريق ليث وغيره بأنهما ما فعلا إلا ما علما من النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه أكمل وأتبع لسنته صلى الله عليه وسلم. وأما الآثار التي رواها ~~من طريق ليث وغيره فلا يخفى أنها لا تعد شيئا مع ما ثبت في الصحيحين ~~عنهم من الروايات التي لا مطعن فيها أنهم كانوا يفضلون الإفراد. # ومن فهم كلامهم حق الفهم أعني الخلفاء الراشدين علم أنهم رضي الله عنهم ~~يعلمون جواز التمتع والقران علما لا يخالجه شك، ولكنهم يرون أنه أتم ~~للحج والعمرة أن يفصل بينهما كما لا يخفى والمعنى غير خاف، بل هو ظاهر من ~~سياق السؤال والجواب لمن تأمل ذلك، ومما يدل على صحة ما ذكره عروة بن ~~الزبير في حديث مسلم المذكور من أن الخلفاء كانوا يفردون ما ثبت في ~~الصحيحين من نحو ذلك، عن عمر، وعثمان رضي الله عنهما. # قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن قيس بن ~~مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بما أهللت؟ ~~قلت: أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل معك من هدي؟ قلت: ~~لا، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة ~~من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر رضي الله عنه فقال: إن نأخذ ~~بكتاب الله، فإنه يأمر بالتمام قال الله { وأتموا الحج ~~والعمرة } وإن نأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يحل حتى ~~نحر الهدي. انتهى منه ونحوه أخرجه مسلم أيضا. # وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: محصل جواب ~~عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة، أن كتاب الله دال على منع التحلل ~~لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وأن سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أيضا ms1998 دالة على ذلك، لأنه لم يحل، حتى بلغ الهدي ~~محله، لكن الجواب عن ذلك: هو ما أجاب به هو صلى الله عليه وسلم حيث قال # " ولولا أن معي الهدي لأحللت " # فدل على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر ~~أنه منع منه سدا للذريعة، وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها ~~عمر: فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه. ~~وعلى الثاني: إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه ~~يعتقد بطلانها وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان ~~يضرب الناس عليه، كما رواه مسلم بناء على معتقده: أن الفسخ كان خاصا ~~بتلك السنة. # قال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في ~~أشهر الحج ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما ~~يظهر من كلامه، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي ~~الاختلاف في الأفضل انتهى الغرض من كلام ابن حجر في الفتح وهو واضح في أن ~~عمر رضي الله عنه ما كان يرى إلا تفضيل الإفراد على غيره، وشاهد لصحة قول ~~من قال: إنه حج بالناس عشر حجج مفردا، وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في ~~صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن ~~جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث، عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس ~~يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن ~~عبدالله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن ~~القرآن قد نزل منازله. # فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء، فلئن ~~أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة، وحدثنيه زهير بن حرب، ~~حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة بهذا الإسناد ms1999 وقال في الحديث. ~~فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم ا ه منه. # وهو دليل على ما ذكرنا من أن عمر رضي الله عنه: يرى أن الإفراد أفضل، ~~ويدل على صدق من قال: إنه حج عشر حجج بالناس مفردا كما تقدم. # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، ~~حدثنا شعبة، عن الحكم، عن علي بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت ~~عثمان، وعليا رضي الله عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما ~~الحديث. وفيه التصريح، بأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كان ~~يرى أفضلية الإفراد على غيره لنهيه عن التمتع والقران الثابت في الصحيح ~~كما رأيت. # وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قال ابن المثنى: ~~حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: قال عبدالله بن شقيق: كان ~~عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها الحديث. وفيه التصريح بنهي ~~عثمان رضي الله عنه، عن التمتع، وبما ذكرنا كله تعلم: أن أبا بكر وعمر ~~وعثمان رضي الله عنهم كلهم كانوا يرون الإفراد أفضل، وكان هو الذي ~~يفعلونه كما رأيت. الروايات الصحيحة بذلك، وهو المعروف عنهم رضي الله ~~عنهم فما ورد مما يخالف ذلك فهو مردود بما رأيت. # تنبيه # فإن قيل: هؤلاء الذين يفضلون الإفراد، كمالك، والشافعي، وأصحابهما، ~~وكأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ومن ذكرنا سابقا ممن يقول: ~~بأفضلية الإفراد على غيره، من أنواع النسك بأي جواب يجيبون عن الأحاديث ~~الصحيحة الواردة: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا والأحاديث ~~الصحيحة الواردة، بأنه كان متمتعا والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر ~~كل من لم يسق هديا من أصحابه، بأن يتحلل من إحرامه بعمرة، فالذين أحرموا ~~بالإفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة، والتحلل التام من تكل العمرة وتأسف هو ~~صلى الله عليه وسلم على أنه ساق الهدي الذي صار سببا لمنعه من التحلل ~~بعمرة وقال # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ms2000 الهدي ولجعلتها عمرة " # مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يتأسف على فوات العمرة، إلا وهي أفضل من ~~غيرها والقرآن الذي اختاره الله له لا يكون غيره أفضل منه، لأن الله لا ~~يختار لنبيه في نسكه إلا ما هو الأفضل. # فالجواب: أن المالكية والشافعية يقولون: إن التمتع الذي أمر به صلى الله ~~عليه وسلم من كان مفردا وذلك بفسخ الحج في العمرة، لا شك أنه في ذلك ~~الوقت، وفي تلك السنة أفضل من غيره، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك ~~الوقت، أن يكون أفضل فيما سواه. # وإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريبا تفصيلها إن شاء الله، على أن ~~تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في ~~حد ذاته، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته: وهي أن يبين للناس، أن العمرة ~~في أشهر الحج جائزة، وما فعله صلى الله عليه وسلم، أو أمر به للبيان ~~والتشريع، فهو قربة في حقه، وإن كان مكروها، أو مفضولا، فقد يكون الفعل ~~بالنظر إلى ذاته مفضولا أو مكروها، ويفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه، وأفضل مما هو دونه بالنظر ~~إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله: # وربما يفعل للمكروه # مبينا أنه للتنزيه # فصار في جانبه من القرب # كالنهي أن يشرب من فم القرب # وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد يفعل المكروه المنهي عنه، مبينا بذلك الفعل، أن النهي ~~للتنزيه لا للتحريم، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها لما فيه من ~~البيان، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب، وقد شرب منها انتهى منه. # وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان، بل لا كراهة في واحد منهما ~~يقينا، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله صلى الله عليه وسلم لبيان ~~الجواز، ms2001 يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإن كان غيره أفضل منه، بالنظر ~~إلى ذاته وهذه هي الأدلة الدالة، على أنه فعل ذلك لبيان الجواز ولذلك ~~يختص بذلك الركب، وتلك السنة. # الأول: منها حديث ابن عباس المتفق عليه، الذي قدمناه قال: كانوا يرون ~~العمرة في أشهر الحج، من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا، ~~ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، # " فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، ~~فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ ~~قال " الحل كله " " # قالوا: فقوله في هذا الحديث المتفق عليه: كانوا يرون العمرة في أشهر ~~الحج من أفجر الفجور في الأرض، وترتيبه بالفاء على ذلك قوله: فأمرهم أن ~~يجعلوها عمرة ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له صلى الله عليه وسلم ~~على أمرهم: أن يجعلوا حجهم عمرة، هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن ~~العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، فالفسخ لبيان الجواز كما ~~دل عليه هذا الحديث المتفق عليه، لا لأن الفسخ في حد ذاته أفضل، وقد تقرر ~~في مسلك النص، ومسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من حروف: التعليل، كما ~~قدمناه مرارا قالوا: فقول من زعم أن قوله في الحديث المذكور كانوا يرون ~~العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، لا ارتباط بينه، وبين قوله: فأمرهم ~~أن يجعلوها عمرة ظاهر السقوط كما ترى، لأنه لو لم يقصد به ذلك، لكان ذكره ~~قليل الفائدة. # ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد بن السري، عن ~~ابن أبي زائدة، ثنا ابن جرير، ومحمد بن إسحاق، عن عبدالله بن طاوس، عن ~~أبيه، عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ~~ومن دان دينهم، كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر، فقد ms2002 ~~حلت العمرة لمن اعتمر. فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم ~~ا ه. # وقد بين الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى: أن حديث ابن ~~عباس المتفق عليه المذكور، دال على ذلك، ولا ينافي ذلك أن ابن عباس رضي ~~الله عنهما يرى فسخ الحج في العمرة لازما، لأنه لا مانع من أن يكون يعلم ~~أن الفسخ لبيان الجواز المذكور، كما دل عليه حديثه، وهو يرى بقاء حكمه، ~~ولو كان سببه الأول بيان الجواز ولكن غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من ~~المهاجرين والأنصار خالفوه في رأيه ذلك. # الدليل الثاني من أدلتهم: على أن فسخ الحج في العمرة المذكور لبيان ~~الجواز، وأنه خاص بذلك الركب، وتلك السنة، هو ما جاء من الأحاديث دالا ~~على ذلك، قال أبو داود في سننه: حدثنا النفيلي، ثنا عبد العزيز يعني ~~ابن محمد، أخبرني ربيعة بن أبي عبدالرحمن، # " عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ ~~الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: " بل لكم خاصة " " # ا ه. # وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبدالعزيز، ~~وهو الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، # " عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أفسخ الحج لنا ~~خاصة، أم للناس عامة؟ قال " بل لنا خاصة " " # ا ه. # وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا أبو مصعب، ثنا عبدالعزيزي بن محمد ~~الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، # " عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت ~~فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " بل لنا خاصة " ". # وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي ~~شيبة، وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، ~~عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم خاصة. وحدثنا أبو ms2003 بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدالرحمن ~~بن مهدي، عن سفيان، عن عياش العامري، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ~~ذر رضي الله عنه قال: كانت لنا رخصة يعني: المتعة في الحج. وحدثنا قتيبة ~~بن سعيد، حدثنا جرير، عن فضيل، عن زبيد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: ~~قال أبو ذر رضي الله عنه: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة ~~النساء، ومتعة الحج، حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن عبدالرحمن بن ~~أبي الشعثاء، قال: أتيت إبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي فقلت: إني أهم ~~أن أجمع العمرة والحج العام، فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ~~ليهم بذلك، قال قتيبة: حدثنا جرير، عن بيان، عن إبراهيم التيمي، عن ~~أبيه: أنه مر بأبي ذر رضي الله عنه بالربذة فذكر ذلك له فقال: إنما ~~كانت لنا خاصة دونكم. وقال البيهقي وغيره من الأئمة: مراد أبي ذر بالمتعة ~~المذكورة: المتعة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أصحابه رضي ~~الله عنهم وهي فسخ الحج في العمرة. واستدلوا على أن الفسخ المذكور: هو ~~مراد أبي ذر رضي الله عنه بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد، يعني ~~ابن السري، عن ابن أبي زائدة: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن ~~الأسود، عن سلم بن الأسود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: ~~لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قالوا: فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر رضي ~~الله عنه، بفسخ الحج في العمرة وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم، ~~وضعفت رواية أبي داود هذه، بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلس. وقد قال عن ~~عبدالرحمن بن الأسود: وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث، حتى يصح ~~السماع من طريق أخرى. ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين: # الأولى: أن مشهور مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله: صحة ~~الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل ms2004 يحتج بعنعنة المدلس من باب ~~أولى، كما قدمناه مرارا. # والثانية: أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية ~~مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإبهام ولو قرينة أو غيرها، كما هو مقرر ~~في الأصول. # وقد قدمناه مرارا أيضا. # وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه ورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين. # الأولى منهما: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث ~~المزني رضي الله عنه المذكور عن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه فيه ابنه ~~الحارث من بلال، وهو مجهول قالوا: وقال الإمام أبو عبدالله أحمد بن حنبل ~~رحمه الله في حديث بلال المذكور: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به، ~~قال: وقد روي فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابيا، أين يقع الحارث بن ~~بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذر، عند مسلم موقوف عليه، وليس بمرفوع، وإذا ~~كان الأول في سنده مجهول، والثاني موقوفا تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج. # الجهة الثانية: من جهتي رد الحديثين المذكورين: هي أنهما معارضان بأقوى ~~منهما، وهو حديث جابر المتفق عليه: # " أن سراقة بن مالك بن جعشم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال في ~~تمتعهم المذكور: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " بل للأبد " " # وفي رواية في الصحيح فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في ~~الأخرى، وقال # " دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد " # ورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال المذكور سكت ~~عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج، ~~قالوا: ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال ابن حجر في التقريب فيه: ~~هو مقبول، قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم عن أبي ذر، كما رأيته آنفا ~~قالوا: إن قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال ~~للرأي فيه، فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع ms2005 على زيادة علم خفيت ~~على غيره، وإن قلنا إنه مما للرأي فيه مجال، كما يدل عليه كلام عمران بن ~~حصين الآتي. وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف ~~وتقاه، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة، إلا وهو ~~عارف صحة ذلك، وقد تابعه في ذلك عثمان رضي الله عنه قالوا: ويعتضد حديث ~~الحرث بن بلال المذكور أيضا بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان على الإفراد، ولو لم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك ~~الركب لما عدلوا عنه إلى غيره، لما هو معلوم من تقاهم، وورعهم، وحرصهم ~~على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو ~~أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور. # وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم، وكذلك غيرهم من ~~المهاجرين والأنصار، كما أوضحه عروة بن الزبير رضي الله عنهما في حديثه ~~المتقدم عند مسلم. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر ~~المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإجابته له بقوله: بل للأبد لا يستقيم، لأنه لا معارضة بين ~~الحديثين لإمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول، وعلم الحديث: أنه ~~إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعا، ولا يرد غير ~~الأقوى منهما بالأقوى، لأنهما صادقان، وليس بمتعارضين، وإنما أجمع أهل ~~العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن، لأن إعمال الدليلين معا ~~أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين: ~~أن حديث بلال بن الحرث المزني، وأبي ذر رضي الله عنهما محمولان على أن ~~معنى الخصوصية المذكورة: التحتم والوجوب، فتحتم فسخ الحج في العمرة، ~~ووجوبه خاص بذلك الركب، لأمره صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، ولا ينافي ~~ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد ا لأبد. وقوله في حديث جابر: بل للأبد، ~~محمول على الجواز، وبقاء المشروعية إلى الأبد. فاتفق الحديثان. # قال ms2006 مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا صوابه في حديث # " بل للأبد " # وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين: هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي ~~الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وهو الجمع المذكور بين ~~الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم، وحمل التأبيد ~~المذكور على المشروعية والجواز أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة ~~الأصولية والمصطلحية، كما لا يخفى. # واعلم: أن الشافعية والمالكية، ومن وافقهم يقولون: إن قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " بل للأبد " # لا يراد به فسخ الحج في العمرة، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج، ~~وقال بعضهم: المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القران. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية، ~~والشافعية قول النبي لسراقة # " بل للأبد " # ليس هو معناه، بل معناه: بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة، وبعض روايات ~~الحديث ظاهرة في ذلك ظهورا بينا لا يجوز العدول عنه، إلا بدليل يجب ~~الرجوع إليه، بل صريح في ذلك. # وسنمثل هنا لبعض تلك الروايات فنقول: ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي ~~الله عنه ما لفظه: فقال صلى الله عليه وسلم # " " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن ~~كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة. " فقال سراقة بن مالك بن ~~جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين، لا ~~بل لأبد أبد " # انتهى المراد منه. وهو صريح في أن سؤال سراقة عن الفسخ المذكور، وجواب ~~النبي له: يدل على تأييد مشروعيته كما ترى، لأن الجواب مطابق للسؤال، ~~فقول المالكية، والشافعية، ومن وافقهم: بأن الفسخ ممنوع لغير أهل حجة ~~الوداع، لا يستقيم مع هذا الحديث الصحيح المصرح، بخلافه كما ترى. # ودعواهم أن المراد بقوله # " بل لأبد أبد " # جواز العمرة في أشهر الحج، أو اندراج أعمالها فيه في ms2007 حال القران بعيد من ~~ظاهر اللفظ المذكور كما ترى، وأبعد من ذلك دعوى من ادعى أن المعنى: أن ~~العمرة اندرجت في الحج: أي اندرج وجوبها في وجوبه، فلا تجب العمرة: وإنما ~~تجب على المكلف حجة الإسلام دون العمرة، وبعد هذا القول وظهور سقوطه كما ~~ترى. # والصواب إن شاء الله: هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا ~~إشكال فيه. # وقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإمام أحمد: أين يقع الحرث ~~بن بلال من أحد عشر صحابيا رووا الفسخ عنه صلى الله عليه وسلم ما نصه ~~قلت: لا معارضة بينهم، وبينه، حتى يقدموا عليه، لأنهم أثبتوا الفسخ ~~للصحابة، ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم الحارث في إثبات الفسخ ~~للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهي اختصاص الفسخ بهم ا ه. # وإذا عرفت مما ذكرنا أدلة الذين ذهبوا إلى تفضيل الإفراد على غيره من ~~أنواع النسك، وعلمت أن جوابهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ ~~الحج في العمرة، أنه لإزالة ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج ~~من أفجر الفجور في الأرض، وأن الفعل المفعول لبيان الجواز، قد يكون أفضل ~~بذلك الاعتبار من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته. # فاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان قارنا والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان متمتعا وكلها ثابتة في الصحيحين، وغيرهما في حجة ا لوداع مع ~~الأحاديث المصرحة، بأنه كان مفردا التي هي معتمدهم في تفضيل الإفراد ~~بأنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا مفردا، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على ~~الحج، فصار قارنا، فأحاديث الإفراد يراد بها عندهم، أنه هو الذي أحرم به ~~أول إحرامه، وأحاديث القران عندهم حق، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على ~~الحج فصار قارنا وصيرورته قارنا في آخر الأمر هي معنى أحاديث القران، ~~فلا منافاة. أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعا، فلا إشكال فيها، ~~لأن ms2008 السلف يطلقون اسم التمتع على القران من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج ~~من الحج، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له، وتأسفه على فواته بسبب ~~سوق الهدي في قوله: # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة " # كفعله له قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج ~~في العمرة لبيان الجواز، وهو بهذا الاعتبار أفضل من غيره فلا ينافي أن ~~الإفراد أفضل منه بالنظر إلى ذاته، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان رضي ~~الله عنهم، قالوا: ولما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في ~~العمرة أسفوا، لأنهم أحلوا وهو باق على إحرامه، فأدخل العمرة على الحج ~~لتطيب نفوسهم، بأنه صار معتمرا مع حجه لما أمرهم بالعمرة والمانع له من ~~أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي، قالوا فعمرتهم لبيان الجواز، وعمرته التي ~~بها صار قارنا لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم، فصار تمتعهم وقرانه ~~بهذا الاعتبار أولى من غيرهما، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال، ~~بعد زوال الموجب الحامل على ذلك. # قالوا: وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي ~~الله عنهم، فواظبوا على الإفراد نحو أربع وعشرين سنة، كلهم يأخذ بسنة ~~الخليفة الذي قبله في ذلك. # قالوا: وما قاله جماعة من أجلاء العلماء، من أن بيان جواز العمرة في ~~أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين ذلك بيانا متكررا في سنين متعددة: وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية ~~عام ست، وعمرة القضاء عام سبع، وعمرة الجعرانة عام ثمان وكل هذه العمر ~~الثلاث في ذي القعدة من أشهر بالحج. # قالوا: وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كاف غاية الكفاية، فلا حاجة ~~إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة. وكذلك قوله # " ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل " # المتقدم في حديث عائشة. # وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية ~~التمتع على غيره لا بشيء ms2009 آخر. لا شك في أنه ليس بصحيح، وأن بيان ذلك ~~محتاج إليه غاية الاحتياج في حجة الوداع، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان ~~أمرهم صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة، والدليل على ذلك: هو ما ~~ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه، وقد ذكرناه في أول هذا المبحث. # قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الحديث. ~~وفيه: # " فقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، ~~فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ ~~قال " الحل كله " " # وفي البخاري قال # " حله كله " # فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح: فتعاظم ذلك عندهم، دليل على أنه في ~~ذلك الوقت، لم يزل عظيما عندهم. # ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية، لما ~~تعاظم الأمر عندهم، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه ~~بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر، دليل على أن العمرة عام ست، وعام ~~سبع، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم لشدة استحكامه فيها. وكذلك: ~~إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع، مودع حريص على إتمام البيان، وحجة الوداع اجتمع فيها ~~جمع من المسلمين، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: فتعاظم ~~عندهم: أي لما كانوا يعتقدونه أولا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ~~ذلك عندهم انتهى منه. # قالوا: ولشدة عظمه عندهم، لم يمتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بفسخ الحج في العمرة أولا، حتى غضب عليهم بسبب ذلك. وبذلك كله يتضح لك ~~أنما كان مستحكما في نفوسهم، من أن العمرة في أشهر الحج، من أفجر الفجور ~~في الأرض، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر. # قالوا: وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة ms2010 الوداع بعمل كل الصحابة الذين ~~لم يسوقوا هديا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، واعتماره هو مع حجته، ~~أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جدا للبيان المذكور. # ومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم ينزل ~~بالكلية: ما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ # " وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا ~~بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى ~~وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت " # الحديث. هذا لفظ البخاري رحمه الله، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن ~~أمرهم صلى الله عليه وسلم، أن يحلوا ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر: ~~يدل على شدة نفرتهم من الإحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى. وذلك يؤكد ~~الاحتياج إلى تأكيد بيان الجواز. وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي ~~في حديث ابن عباس المتقدم: لأن قوله # " فتعاظم ذلك عندهم " # يحتمل أن يكون موجب التعاظم، أنهم كانوا أولا محرمين بحج، ويدل لهذا ~~الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح: أنه حج مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: # " أحلوا من إحرامكم بطواف البيت " # الحديث. وفيه فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج إلى آخر الحديث، ~~فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإحلال بالعمرة، لأنهم قد سموا ~~الحج، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ~~في الأرض، لم يزل باقيا إلى ذلك الوقت، لأن حديث جابر المذكور، أعني ~~قوله: فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، لا يحتمل هذا الاحتمال، بل ~~معناه: أن تعاظم الإحلال بعمرة عندهم، لأنه في وقت الحج كما بينا، وهو ~~يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير، وأنه ليس المراد ~~الاحتمال المذكور، كما ms2011 جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ~~ذكرناه عنه آنفا. # ويبين أيضا: أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم، حيث قال رحمه الله في ~~صحيحه: حدثنا ابن نمير، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن ~~عطاء، # " عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: أهللنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ~~ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فما ~~ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس؟ فقال " أيها الناس أحلوا ~~فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم " " # الحديث. # فقول جابر رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح: فكبر ذلك علينا، وضاقت به ~~صدورنا، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج، لم ~~يزل ولولا ذلك لما كبر عليهم، ولا ضاقت صدورهم بالإحلال بعمرة في أشهر ~~الحج، كما أوضحه حديثه المذكور أيضا. وعلى هذا الذي ذكروه، فالذي ~~استدبره من أمره، ولو استقبله لم يسق الهدي: هو ملاحظة البيان المذكور، ~~وإن كان قد بين ذلك سابقا لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع، ~~وهو مودع، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور مع أن العمرة ~~المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور، لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ ~~في البيان، لأنها ليست مع الحج، فهي مستقلة عنه فلا يحتمل أنها إنما جازت ~~تبعا له. وقد أوضحنا في هذا الكلام حجة من قال من أهل العلم: بتفضيل ~~الإفراد على غيره، من أنواع النسك، وجوابهم عما جاء من الأحاديث دالا ~~على أفضلية القران أو التمتع، ووجه جمعهم بين الأحاديث الصحيحة التي ~~ظاهرها الاختلاف في حجة النبي صلى الله عليه وسلم. # المسألة الرابعة # ذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن القران هو أفضل أنواع النسك، وممن قال ~~بهذا: أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، ~~وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، كما ms2012 نقله عنهم النووي في شرح المهذب، ~~واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة، دالة على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قارنا في حجته. # منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال " ~~تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، ~~وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج " الحديث أخرجاه بهذا اللفظ. # ومنها: ما أخرجه الشيخان متصلا بحديث ابن عمر هذا من طريق عروة بن ~~الزبير، عن عائشة: أنها أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ~~حديث ابن عمر المذكور سواء. # ومنها: ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما، من حديث قتيبة، عن الليث، عن ~~نافع، عن ابن عمر " أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافا واحدا " ~~ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنها: ما رواه الشيخان، عن عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنهما، قال: ~~نزلت آية المتعة في كتاب الله، يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم لم تنزل آية ننسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء الحديث، هكذا لفظ ~~مسلم في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث، ولفظ البخاري قريب منه بمعناه ~~في التفسير، وفي الحج. ومراد عمران بن حصين رضي الله عنهما بالتمتع ~~المذكور: القران بدليل الروايات الصحيحة الثابتة في صحيح مسلم، وغيره ~~المصرحة بذلك. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني عبدالله بن معاذ، حدثنا ~~أبي، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف قال: قال لي عمران ~~بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه، حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن ~~بحرمة، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت ms2013 الكي فعاد. # حدثناه محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا ~~شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفا قال: قال لي عمران بن ~~حصين: بمثل حديث معاذ. # وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن ~~جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف: قال: بعث إلي عمران بن حصين في ~~مرضه الذي توفى فيه، فقال: إنني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك ~~بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد سلم علي، ~~واعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل ~~فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال رجل ~~برأيه ما شاء. # وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا سعيد بن أبي ~~عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن عمران بن حصين رضي ~~الله عنه قال: اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع بين حج وعمرة، ~~ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينهنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~فيها رجل برأيه ما شاء. انتهى منه. # وهذه الروايات تبين أن مراده بالتمتع: القران، ومعروف عن الصحابة رضي ~~الله عنهم، أنهم يطلقون اسم التمتع على القران، لأن فيه عمرة في أشهر ~~الحج مع الحج. # ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ~~" أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة " ففي بعض روايات ~~حديثه، قال # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، ~~والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به ~~على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما " # الحديث، هذا لفظ البخاري في صحيحه، وقد قدمنا بعض ألفاظ مسلم في حديث ~~أنس في القران، ومخالفة ابن عمر له في ذلك، قائلا: ms2014 إنه أفرد، وفي بعض ~~روايات حديث أنس عند مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبدالعزيز بن صهيب، ~~وحيمد، أنهم سمعوا أنسا رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أهل بهما جميعا # " لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا " # ، وقد روي عن أنس رضي الله عنه حديث قران النبي هذا ستة عشر رجلا، ~~كما بينه العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، وهم الحسن البصري ~~وأبو قلابة، وحميد بن هلال وحميد بن عبدالرحمن الطويل، وقتادة ويحيى بن ~~سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبدالله المزني، وعبدالعزيز بن ~~صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، ~~وأبو أسماء وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة، وهو سويد بن حجر ~~الباهلي. # ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما # " عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها، وعن أبيها، ~~قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ ~~قال " إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر " # انتهى منهما بلفظه. وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه ~~عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك، كما جزم به النووي في شرح مسلم. # ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، # " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم بوادي العقيق، يقول: " أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل ~~في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة " " # ا ه. وقوله في هذا الحديث وقل عمرة في حجة يدل على القران، والمحتملات ~~الأخر التي حمله علهيا بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور: ~~بل معناه القران كما ذكرنا. وجزم به غير واحد والله تعالى أعلم، ~~والأحاديث بمثل ما ذكرنا كثيرة. # وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: منها بضعة وعشرين ~~حديثا، عن سبعة عشر صحابيا وهم جابر، وعائشة، وعبدالله بن عمرن ~~وعبدالله بن عباس وعمر بن الخطاب، وعلي ms2015 بن أبي طالب، وعمران بن حصين، ~~والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى وأبو ~~طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا وعده لعثمان رضي الله عنه في جملة ~~من روى القران، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي رضي الله ~~عنه على القران. # وبالجملة: فثبوت كون النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا بالأحاديث ~~الصحيحة، التي ذكرنا طرفا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين ~~بأفضلية الإفراد معترفون بقرانه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، إلا ~~أنهم جمعوا بين الأحاديث، بأنه أحرم أولا مفردا، ثم أدخل العمرة على ~~الحج فصار قارنا. والذين قالوا: بأفضلية القران جزموا بأنه صلى الله ~~عليه وسلم أحرم قارنا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة. # منها: حديث ابن عمر المتفق عليه، وقد قدمناه في هذا المبحث، وفيه: وبدأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وهو تصريح منه ~~رضي الله عنه، بأنه أهل بالعمرة قبل الحج ومنها: حديث عمر رضي الله عنه ~~عند البخاري، وقد قدمناه أيضا وفيه " وقل عمرة في حجة " وكان ذلك ~~بالعقيق قبل إحرامه، وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة ~~بالإفراد، والأحاديث الواردة بالقران، والأحاديث الواردة بالتمتع، بغير ~~الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإفراد، وهو أن وجه الجمع أن ~~المراد بالإفراد: إفراد أعمال الحج، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما ~~يفعله الحاج المفرد، فيطوف لهما طوافا واحدا، ويسعى لهما سعيا واحدا، ~~على أصح الأقوال، وأقواها دليلا. وأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح ~~لأن الصحابة يطلقون التمتع على القران كما قدمنا في حديث عمران بن حصين، ~~وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع ~~عثمان وعلي رضي الله عنهما، وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال علي ما تريد ~~إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2016 تنهى عنه فقال عثمان: دعنا ~~منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا. # فهذا يبين: أن من جمع بينهما كان متمتعا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره عثمان، على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعل ذلك، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك. # ومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي ~~قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين " تمتع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي ~~الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج ~~" فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القران. # المسألة الخامسة # اعلم: أن حجة من قال بأن التمتع أفضل مطلقا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم ~~يسق الهدى، وكلاهما مروي عن الإمام أحمد هي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر جميع أصحابه، الذين لم يسوقوا هديا أن يفسخوا حجهم في عمرة. ~~كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسف هو ~~صلوات الله وسلامه عليه، على سوقه للهدي الذي كان سببا لعدم تحلله ~~بالعمرة معهم. قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الأنساك، لما أمر به ~~أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ". # تنبيهات: # الأول: اعلم أن دعوى من ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا ~~التمتع المعروف، وأنه حل من عمرته، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك. وقد ثبت ~~بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها: أنه كان قارنا، وأنه لم يحل حتى ~~نحر هديه، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنها، وعن أبيها. # فإن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في حديثها المتفق عليه قال # " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى ms2017 أنحر " # والأحاديث بمثله كثيرة. وسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة، هو ~~ما أخرجه مسلم في صحيحه: # حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس ~~قال: قال ابن عباس: قال معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عند المروة بمشقص قلت له: لا أعلم هذا إلا حجة عليك. ~~وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن ~~مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس: أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه ~~بمشقص، وهو على المروة. # انتهى منه وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ: قال قصرت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمشقص، فالاستدلال بهذا الحديث، على أن النبي ~~أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش مردود من وجهين: # الأول: أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع، ولا شيء يدل على ~~أن ذلك التقصير كان فيها. # الثاني: ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلا بعد ~~الرجوع من عرفات، بعد أن نحر هديه. وقال النووي في كلامه على حديث معاوية ~~هذا، وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~عمرة الجعرانة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا ~~كما سبق إيضاحه، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى، وفرق أبو طلحة ~~رضي الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ~~ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن ~~معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو ~~الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان متمتعا، لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة ~~السابقة في مسلم وغيره: # " أن النبي صلى ms2018 الله عليه وسلم قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل ~~أنت؟ قال " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " # وفي رواية " حتى أحل من الحج " والله تعالى أعلم انتهى كلام النووي ولا ~~شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع، لا يصح بحال والعلم عند الله ~~تعالى. # التنبيه الثالث # اعلم أن دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع، إلا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أهل بحج، أو جمع ~~الحج والعمرة لم يحل أحد منهم، حتى كان يوم النحر دعوى باطلة أيضا لأن ~~الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم متظاهرة، بكل الوضوح والصراحة أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمر كل من لم يكن معه هدي، أن يحل بعمرة، سواء كان مفردا أو قارنا، ~~ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة، هو ما أخرجه مسلم رحمه الله في ~~صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن ~~عبدالرحمن بن نوفل، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا ~~من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحج. # فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا، ~~حتى كان يوم النحر انتهى منه لأن الذين لم يحلوا من القارنين، والمفردين ~~في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم، على أن معهم الهدي لأجل ~~الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معهم هدي فسخوا حجهم في ~~عمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. # التنبيه الرابع # اعلم أن دعوى من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ~~أحرم إحراما مطلقا، ولم يعين نسكا، وأنه لم يزل ينتظر القضاء، حتى ~~جاءه القضاء بين الصفا ms2019 والمروة أنها دعوى غير صحيحة، وإن قال الإمام ~~الشافعي: في اختلاف الحديث، إن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأن الروايات المتواترة المصرحة، بأنه صلى الله عليه وسلم عين ما أحرم به ~~من ذي الحليفة، من إفراد، أو قران، أو تمتع، لا تمكن معارضتها لقوتها، ~~وتواترها، واتفاق جميعها على تعيين الإحرام من ذي الحليفة، وإن اختلف في ~~نوعه، ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك منها ~~حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نذكر حجا، ~~ولا عمرة. وفي لفظ يلبي، ولا يذكر حجا ولا عمرة، ونحو ذلك من ~~الأحاديث، وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة. وقد أجاب ~~العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها ~~من ادعى الدعوى المذكورة، فأفاد وأجاد، والعلم عند الله تعالى. # التنبيه الخامس # اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفردا والواردة بأنه كان قارنا ~~والواردة بأنه كان متمتعا لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلا الواردة منها ~~بالتمتع، والواردة بالقران، فالجمع بينهما واضح، لأن الصحابة كانوا ~~يطلقون اسم التمتع على القران، كما هو معروف عنهم، ولا يمكن النزاع فيه، ~~مع أن أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتمتع، قد يطلق عليه أنه تمتع ~~لأن أمره بالشيء كفعله إياه أما الواردة بالإفراد فلا يمكن الجمع بينها ~~بحال، مع الأحاديث الواردة بالتمتع والقران فادعاء إمكان الجمع بينها ~~غلط، وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء. # واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه، فمنهم من جمع بأن أحاديث ~~الإفراد، يراد بها: أنه أحرم أولا مفردا، وأحاديث القران يراد بها: أنه ~~بعد إحرامه مفردا أدخل العمرة على الحج، فصار قارنا فصدق هؤلاء باعتبار ~~أول الأمر، وصدق هؤلاء باعتبار آخره، مع أن أكثرهم يقولون: إن إدخال ~~العمرة على الحج خاص به صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لغيره، وهذا الجمع ~~قال به أكثر المالكية، والشافعية. # وقال النووي: لا يجوز العدول عنه، ms2020 ومنه من جمع بأن أحاديث الإفراد يراد ~~بها: إفراد أعمال الحج، والقارن يعمل في سعيه وطوافه، كعمل المفرد على ~~أصح الأقوال وأقواها دليلا وكلا الجمعين غلط، مع كثرة وجلالة من قال به ~~من العلماء. وإنما قلنا: إنهما كليهما غلط لأن المعروف في أصول الفقه، ~~وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضا صريحا، بل ~~الواجب بينهما الترجيح، وإنما يكون الجمع بين نصين، لم يتناقضا تناقضا ~~صريحا فيحمل كل منهما على محمل، ليس في الآخر التصريح بنقيضه، فيكونان ~~صادقين، ولأجل هذا فجميع العلماء يقولون: يجب الجمع إن أمكن، ومفهوم ~~قولهم: إن أمكن أنهما، إن كانا متناقضين تناقضا صريحا، لا يمكن الجمع ~~بينهما، بل يجب المصير إلى الترجيح. فإذا علمت هذا فاعلم أن أحاديث ~~الإفراد صريحة في نفي القران، والتمتع لا يمكن الجمع بينهما أبدا وبين ~~أحاديثهما فابن عمر رضي الله عنهما في حديثه الصحيح المتقدم يكذب أنسا ~~في دعواه القران تكذيبا صريحا المرة بعد المرة، كما رأيته سابقا، فكيف ~~يمكن الجمع بين خبرين والمخبران بهما كل منهما يكذب الآخر تكذيبا ~~صريحا، فالجمع في مثل هذا محال ومن ادعى إمكانه، فقد غلط كائنا من كان، ~~بالغا ما بلغ من العلم والجلالة. وعائشة رضي الله عنها في حديثها الصحيح ~~المتقدم تقول: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل ~~بحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج فذكرها الأقسام الثلاثة ~~وتصريحها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بواحد معين منها، لا يمكن ~~الجمع بينه، وبين خبر من قال: إنه أحرم بقسم من القسمين الآخرين كما ترى، ~~وفي بعض الروايات: أحرم بالحج خالصا، وفي بعضها: أحرم بالحج وحده، وفي ~~بعضها: لا نعرف العمرة الخ. وأحاديث القران فيها التصريح بأنه يقول: لبيك ~~حجا وعمرة فالجمع بينها لا يمكن بحال إلا على قول من قال: إنه كان ~~قارنا يلبي بهما معا، وسمع بعضهم الحج والعمرة معا وسمع بعضهم الحج ~~دون العمرة، وبعضهم العمرة دون الحج، فروى كل ما ms2021 سمع وعلى أن الجمع غير ~~ممكن فالمصير إلى الترجيح واجب، ولا شك عند من جمع بين العلم والإنصاف أن ~~أحاديث القران أرجح من جهات متعددة، منها كثرة من رواها من الصحابة، وقد ~~قدمنا عن ابن القيم أنها رواها سبعة عشر صحابيا، وأحاديث الإفراد لم ~~يروها إلا عدد قليل، وهم: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وأسماء، ~~وكثرة الرواة من المرجحات قال في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار ~~حال المروي: # وكثرة الدليل والرواية # مرجح لدى ذوي الدراية # كما قدمناه في البقرة ومنها: أن من روى عنهم الإفراد، روى عنهم القران ~~أيضا، ويكفي في أرجحية أحاديث القران: أن الذين قالوا: بأفضلية الإفراد ~~معترفون بأن من رووا القران صادقون في ذلك، وأنه صلى الله عليه وسلم كان ~~قارنا باتفاق الطائفتين، إلا أن بعضهم يقولون: إنه لم يكن قارنا في أول ~~الأمر، وإنما صار قارنا في آخره، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد ~~المعاد: أن أحاديث القران أرجح من خمسة عشر وجها فلينظره من أراد الوقوف ~~عليها. # وقد علمت مما تقدم: أن القائلين بأفضلية الإفراد، يقدحون في دلالة ~~أحاديث القران على أفضليته على الإفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول ~~بالموجب، فيقولون: سلمنا أنه كان قارنا مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران ~~على الإفراد، لأن قرانه، وأمره أصحابه بالتمتع، لم يكن لأفضلية القران ~~والتمتع في حد ذاتيهما على الإفراد، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب ~~منفصل، وإن كان الإفراد أفضل منهما في حد ذاته لما قدمنا من أن الفعل ~~المفضول أو المكروه، إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من ~~الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته كما قدمنا إيضاحه. # وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحرث المزني في السنن، وحديث ~~أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خالصا بذلك الركب في حجة الوداع، وعمل ~~الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار من ~~أفاضل الصحابة، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير ms2022 رضي الله عنهما ~~وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ~~ذلك وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم عنهم مخالفة لذلك ~~لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين، القاضية بخلافها، فإن ~~قيل سلمنا تسلميا جدليا أن القران مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع، كانا لأجل بيان الجواز ~~فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط ~~الثلاثة الأولى، فإنه صلى الله عليه وسلم فعله، وأمر به لسبب خاص، وهو أن ~~يرى المشركين قوة الصحابة، وأنهم لم يضعفهم مرض، ومع كون ذلك لهذا السبب ~~فمشروعية سنيته باقية فليكن قرانه، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك. # فالجواب: أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل، يدل على خصوصه بذلك الوقت، ~~بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته، وهو رمله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع بعد زوال السبب، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل ~~على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحرث المزني، وحديث أبي ذر إلى ~~آخر ما تقدم. # وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث، عن ~~أبيه مجهول، وأن حديث أبي ذر موقوف. # وبالجملة: فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم ~~يتواطؤون واحدا بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين ~~لمخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة حاضرون، ولم ينكر ~~منهم أحد، فهذه دعوى باطلة ومقتضاها: أن الأمة جميعها، وخلفاءها الراشدين ~~مكثت هذا الزمن الطويل، وهي على باطل، فهذا باطل بلا شك. # واعلم أن قول عمران بن حصين رضي الله عنه في حديثه المتقدم، معرضا بعمر ~~رضي الله عنه قال رجل برأيه ما شاء، يعني به: نهى عمر عن التمتع أما ~~إفراده الحج في زمن خلافته، فلم ينكره هو ولا غيره. ومذهب ابن عباس رضي ~~الله عنهما في أن من طاف حل بعمرة شاء أو أبى ms2023 مذهب مهجور خالفه فيه ~~الصحابة والتابعون، فمن بعدهم فهو كقوله: بنفي العول وبأن الأم لا يحجبها ~~من الثلث إلى السدس، أقل من ثلاثة. # فإن قيل: مذهبه هذا ليس كذلك لأنه دلت عليه نصوص. # فالجواب: هو ما ذكرنا من حجج من خالفوه وهم عامة علماء الأمة والعلم عند ~~الله تعالى. # قال مقيده عفا الله وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة، هو ما اختاره ~~العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في منسكه، وهو: إفراد الحج بسفر ~~ينشأ له مستقلا، وإنشاء سفر آخر مستقل للعمرة. # فقد قال رحمه الله في منسكه: إن عمر رضي الله عنه لم ينه عن المتعة ~~ألبتة، وإنما قال: إن أتم لحجكم، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما فاختار عمر ~~لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا ~~أفضل من القران، والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى. وقد نص على ذلك أحمد، ~~وأبو حنيفة، ومالك والشافعي وغيرهم وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر، ~~وعمر رضي الله عنهما وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي، وقال عمر وعلي في ~~قوله تعالى # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة في عمرتها # " أجرك على قدر نصبك " # فإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ العمرة منها، واعتمر قبل أشهر ~~الحج، وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حج فها هنا قد ~~أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا إتيان بهما على الكمال فهو ~~أفضل من غيره انتهى منه بواسطة نقل تلميذه ابن القيم في الزاد فترى هذا ~~العلامة المحقق صرح بأن إفراد كل منهما بسفر أفضل من التمتع والقران، وأن ~~الأئمة الأربعة متفقون على ذلك، وأن عمر، وعليا يجريان ذلك عملا بنص ~~القرآن العظيم، وبذلك تعلم أن قول بعض المتأخرين بمنع الإفراد مطلقا ~~مخالف للصواب كما ترى، والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة: # اعلم أن العلماء اختلفوا في طواف ms2024 القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب. # الأول: أن على القارن طوافا واحدا وسعيا واحدا، وأن ذلك يكفيه لحجه، ~~وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب جمهور العلماء منهم ~~مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات. # الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين وهذا مذهب أبي حنيفة ~~وأصحابه. # الثالث: أنهما معا يكفيهما طواف واحد، وسعي واحد وهو مروي عن الإمام ~~أحمد. أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون: بأن القارن ~~يكفيه لحجه وعمرته طواف زيارة واحد، وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد فاحتجوا ~~بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها. # منها: ما ثبت في صحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله: حدثني محمد بن حاتم، ~~حدثنا بهز، حدثنا وهب، حدثنا عبدالله بن طاوس، عن أبيه، # " عن عائشة رضي الله عنها: أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت، حتى ~~حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله ~~عليه وسلم، " يسعك طوافك لحجك وعمرتك " " # الحديث ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولا، ومنعها ~~الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى ~~فصارت قارنة، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح. ~~بأنها قارنة حيث قال # " لحجك وعمرتك " # ومع ذلك صرح، بأنها يكفيها لهما طواف واحد. # وقال مسلم رحمه الله أيضا في صحيحه: وحدثني حسن بن علي الحلواني، ~~حدثنا زيد بن الحباب، حدثني إبراهيم بن نافع، حدثني عبدالله بن أبي ~~نجيح، عن مجاهد، # " عن عائشة رضي الله عنها: أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن ~~حجك وعمرتك " " # ا ه منه. # فهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي ~~واحد. # ومنها: حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه، قال البخاري رحمه الله في ~~صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن ~~علية، عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما ms2025 دخل ابنه عبيد الله بن ~~عبدالله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس ~~فقال: فيصدوك عن البيت، فلو أقمت؟ فقال: قد خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه ~~أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجا، قال: ثم ~~قدم فطاف لهما طوافا واحدا. # حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما أراد ~~الحاج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم ~~قتال، وإنا نخاف أن يصدوك؟ فقال: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ~~أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن ~~الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجا من عمرتي، ~~وأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر: ولم يحل ~~من شيء حرم منه، ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر ~~وخلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج، والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن ~~عمر رضي الله عنهما كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى منه. ~~وفي هذا الحديث الصحيح التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل. وبعض العلماء حمل الطواف المذكور، ~~على طواف الإفاضة، وبعضهم حمله على الطواف بين الصفا والمروة. أما حلمه ~~على طواف القدوم فباطل بلا شك، لأن النبي لم يكتف بطواف القدوم، بل طاف ~~طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين. # وقال الكرماني في شرح الحديث المذكور، فإن قلت: ما المقصود من الطواف ~~الأول إذ لا يجوز أن يراد به طواف القدوم؟ # قلت: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران، بل اكتفى بطواف واحد، وقد أخرج ~~حديث ابن عمر هذا ms2026 مسلم في صحيحه من طرق متعددة، وفي لفظ منها: أشهدكم أني ~~قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد هديا، ثم طاف لهما ~~طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى حل ~~منهما بحجة يوم النحر ا ه. # وقال النووي معناه: حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة. وفي بعض ~~روايات مسلم لحديث ابن عمر هذا: أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي، وأهدى ~~هديا اشتراه بقديد، ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت ~~وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم ~~يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أنه قد قضى طواف ~~الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انتهى منه، وهو صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف ~~واحد. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ~~مراد ابن عمر في قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، ~~في مسلم والبخاري، هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران: # الأول منهما: هو ما قدمنا في بعض روايات مسلم في صحيحه مما لفظه: ثم طاف ~~لهما طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما، ~~حتى حل منهما بحجة، ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة. # أما السعي في الحجة، فيكفي فيه السعي الأول بعد طواف القدوم، فيتعين أن ~~الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته، هو الطواف بين الصفا ~~والمروة، بدليل الرواية الصحيحة، بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر، ~~وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة، فبدونه لا تسمى حجة لأنه ~~ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى: # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29]. # الأمر الثاني: الدال على ذلك، هو: أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كذلك ~~فعل رسول الله صلى الله ms2027 عليه وسلم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الثابت عنه في الروايات الصحيحة، أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة، بعد ~~طواف القدوم لحجه وعمرته، وأنه بعد إفاضته من عرفات، طاف طواف الإفاضة ~~يوم النحر على التحقيق، فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه، على أن ~~القارن يعلم كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة ~~الآتي فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه ~~وعمرته إلا مرة واحدة. # وقال ابن حجر في الفتح في كلامه على الروايتين اللتين أخرج بهما البخاري ~~حديث ابن عمر المذكور أعني اللتين سقناهما آنفا ما نصه: والحديثان ~~ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد ~~بن منصور من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في ~~الرفع، ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد " # وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في ~~تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ~~ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو إعلال مردود، فالدراوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره، ~~فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين انتهى كلام ابن حجر في ~~الفتح. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الحديث الذي نحن بصدده ليس بموقوف ~~على كلا التقديرين، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافا واحدا، أخبر بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك وهذا عين الرفع، فلا وقف ألبتة كما ~~ترى، وحديث ابن عمر هذا الذي ذكر ابن حجر في الفتح: أن سعيد بن منصور ~~أخرجه أصرح من حديثي الباب عند البخاري قال فيه المجد في المنتقى: ms2028 رواه ~~أحمد وابن ماجه، وفي لفظ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي ~~واحد منهما حتى يحل منهما جميعا رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن ~~غريب. # وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. # ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا ~~بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ~~جميعا " # الحديث، وفيه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ~~انتهى. وهو نص صريح متفق عليه دال على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه ~~وعمرته. # وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة، هذا هو الطواف ~~بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله ~~تعالى. # ومنها: حديث جابر الذي قدمناه عند مسلم، وفيه: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " دخلت العمرة في الحج مرتين " # وتصريحه صلى الله عليه وسلم بدخولها فيه، يدل على دخول أعمالها في ~~أعماله حالة القران، وإن أوله جماعات من أهل العلم بتأويلات أخر متعددة. # والأحاديث الدالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد كفعل المفرد ~~كثيرة، وفيما ذكرنا هنا من الأحاديث الصحيحة كفاية لمن يريد الحق وهذا ~~الذي ذكرناه بعض أدلة القائلين بالفرق بين القران والتمتع، وأن القارن ~~يكفيه طواف واحد وسعي واحد لعمرته وحجه. وقد رأيت ما ذكر من أدلتهم على ~~أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد. # أما أدلة هذه الطائفة على أن المتمتع لا بد له من طوافين وسعيين، طواف ~~وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه. فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه قال: ~~وقال أبو كامل فضيل بن حسين البصري: حدثنا أبو معشر، حدثنا عثمان ~~بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن متعة ~~الحج؟ فقال: أهل المهاجرون، والأنصار، وأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2029 في حجة الوداع، وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " # طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال # " من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله " # ثم أمرنا عشية التروية أن هل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، ~~جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تم جنا وعلينا الهدي. # الحديث. # فهذا الحديث الثابت في صحيح البخاري فيه الدلالة الواضحة على أن الذي ~~تمتعوا، وأحلوا من عمرتهم طافوا وسعوا لعمرتهم، وطافوا وسعوا مرة أخرى ~~لحجهم، وهو نص في محل النزاع. # واعلم أن دعوى من ادعى من العلماء أن رواية البخاري في هذا الإسناد، عن ~~أبي كامل فضيل بن حسين البصري بلفظ: وقال أبو كامل لها حكم التعليق غير ~~مسلمة، بل الذي عليه الجمهور من المتأخرين أن الراوي إذا قال: قال ~~فلان، فحكم ذلك كحكم عن فلان ونحو ذلك، فالرواية بذلك متصلة، لا متعلقة ~~إن كان الراوي غير مدلس، وكان معاصرا لمن روى عنه بقال ونحوها، ولذا ~~غلطوا ابن حزم في حديث المعازف حيث قال: إن قول البخاري في أول الإسناد: ~~وقال هشام بن عمار تعليق وليس الحديث بمتصل، فغلطوه وحكموا للحديث ~~بالاتصال، لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري والبخاري غير مدلس، فقوله: ~~عن شيخه، قال فلان: كقوله عن فلان، وكل ذلك موصول لا معلق. # واعلم أن قول ابن حجر في تهذيب التهذيب: إن البخاري روى عن فضيل المذكور ~~تعليقا، مخالف لمذهب الجمهور من المتأخرين، لأن قوله: وقال أبو كامل في ~~حكم ما لو قال: عن أبي كامل، وكل ذلك يحكم بوصله عند المحققين، فقول ابن ~~حجر في الفتح أقرب إلى الصواب من قوله في التهذيب. وقد قال في فتح الباري ~~في كلامه على الحديث المذكور، ويحتمل أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل ~~نفسه، فإنه أدركه وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه، ولم نجد له ذكرا في ~~كتابه غير هذا الموضع اتنهى منه. # ومعلوم أن أبا ms2030 كامل مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وله أكثر من ثمانين ~~سنة والبخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين، وله اثنان وستون سنة، وبذلك ~~تعلم معاصرتهما زمنا طويلا، وقد قال العراقي في ألفيته: # وإن يكن أول الإسناد حذف # مع صيغة الجزم فتعليقا ألف # ولو إلى آخره أما الذي # لشيخه عزا بقال فكذى # عنعنة كخبر المعازف # لا تصغ لابن حزم المخالف # وإذا علمت أنه في هذه الأبيات صرح بأن قوله: قال فلان: كقوله: عن فلان، ~~تبين لك أن كل ذلك من قبيل المتصل، لا من قبيل المعلق، وقد قال العراقي ~~في ألفيته أيضا: # وصححوا وصل معنعن سلم # من دلسه راويه واللقا علم # وبعضهم حكى بذا إجماعا # ومسلم لم يشرط اجتماعا # لكن تعاصرا وقيل يشترط # طول صحابة وبعضهم شرط # معرفة الراوي بالأخذ عنه # وقيل كل ما أتانا منه # منقطع حتى يبين الوصل # وحكم أن حكم عن فالجل # سووا وللقطع نحا البرديجي # حتى يبين الوصل في التخريج # قال ومثله رأي ابن شيبه # كذا له ولم يصوب صوبه # قلت الصواب أن من أدرك ما # رواه بالشرط الذي تقدما # يحكم له بالوصل كيفما روى # بقال أو عن أو بأن فوا # وما حكي عن أحمد بن حنبل # وقول يعقوب على ذا نزل # وكثر استعمال عن في ذا الزمن # إجازة وهو بوصل ما قمن # انتهى منه. # فترى العراقي رحمه الله جزم في الأبيات المذكورة، باستواء قال: فلان، ~~وعن فلان، وأن فلانا قال كذا: وأن الجميع من قبيل الوصل، لا من قبيل ~~العلق بالشروط المذكورة. وحكى مقابله بصيغة التمريض في قوله: # وقيل كل ما أتانا عنه منقطع الخ # وبه تعلم أن قول البخاري: وقال أبو كامل فضيل بن حسين الخ من قبيل ~~المتصل لا من قبيل المعلق. # وقال صاحب تدريب الراوي: أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة: قال ~~فلان، وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه، ومن ~~فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، ~~كذا جزم به ابن الصلاح، قال: ms2031 وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه ~~جعله قسما من التعليق ثانيا، وأضاف إليه قول البخاري، وقال فلان، وزاد ~~فلان فوسم كل ذلك بالتعليق، قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح ها هنا ~~هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع الصحيح فجعل من أمثلة التعليق قال عفان. ~~كذا، وقال القعنبي كذا، وهما من شيوخ البخاري. والذي عليه عمل غير واحد ~~من المتأخرين كابن دقيق العيد، والمزي، أن لذلك حكم العنعنة، قال ابن ~~الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري، وهو أعرف بالبخاري: ~~كل ما قال البخاري: قال لي فلان أوقال لنا فلان: فهو عرض ومناولة. انتهى ~~محل الغرض منه. والنيسابوري المذكور هو المراد بالحيري في قول العراقي في ~~ألفيته: # وفي البخاري قال لي فجعله # خيريهم للعرض والمناوله # واعلم أن البخاري رحمه الله تعالى قد يقول: قال فلان مع سماعه منه لغرض ~~غير التعليق. # قال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث المعازف المذكور ناقلا عن ابن ~~الصلاح، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه ~~البخاري من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " # من جهة أن البخاري أورده قائلا: قال هشام بن عمار وساقه بإسناده، فزعم ~~ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابا عن الاحتجاج به ~~على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديث صحيح معروف الاتصال، ~~بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع ~~آخر من كتابه مسندا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا ~~يصحبها خلل الانقطاع انتهى منه. # وكون البخاري رحمه الله يعبر بقال فلان لأسباب كثيرة غير التعليق، يدل ~~دلالة واضحة على أن الجزم في مثل ذلك بالتعليق بلا مستند، دعوى لم يعضدها ~~دليل. # وقال ابن حجر في الفتح أيضا في شرح الحديث المذكور: وحكى ابن الصلاح في ms2032 ~~موضع آخر: أن الذي يقول البخاري فيه قال فلان، يسمى شيخا من شيوخه، يكون ~~من قبيل الإسناد المعنعن. وحكى عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما تحمله ~~عن شيخه مذاكرة. وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناوله ا ه، وهو صريح في أن ~~قوله: قال فلان: لا يستلزم التعليق. # فإن قيل: توجد في صحيح البخاري أحاديث يرويها بعض شيوخه بصيغة: قال ~~فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه، وبين ذلك الشيخ. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنه لا مانع عقلا ولا عادة، ولا شرعا من أن يكون روى ذلك ~~الحديث عن الشيخ مباشرة ورواه عنه أيضا بواسطة مع كون روايته عنه مباشرة ~~تشتمل على سبب من الأسباب المؤدية للتعبير بلفظة: قال المشار إليها ~~آنفا، والرواية عن الواسطة سالمة من ذلك. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن الصيغة المذكورة تقتضي ~~التعليق، ولا تقتضي الاتصال، فتعليق البخاري بصيغة الجزم، حكمه عند علماء ~~الحديث حكم الصحيح، كما هو معروف. # وقد قال ابن حجر في الفتح في الكلام على حديث المعازف ما نصه: وقد تقرر ~~عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعليق كلها بصيغة الجزم، يكون ~~صحيحا إلى من علق عنه، ولو لم يكن من شيوخه. انتهى محل الغرض منه. # فتبين بما ذكرنا أن حديث ابن عباس المذكور الدال على أن المتمتع يسعى، ~~ويطوف لحجه بعد الوقوف بعرفة، ولا يكتفي بطواف العمرة السابق، وسعيها نص ~~صحيح على كل تقدير في محل النزاع. # ومنها: ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها مما يدل على أن المتمتع ~~يطوف لحجه بعد رجوعه من منى، قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبدالله بن ~~مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله ~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل ms2033 حتى يحل منهما جميعا ~~" # الحديث، وفيه قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا ~~والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين ~~جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا. ا ه منه. # وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت ~~على مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع. # الحديث، وفيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم ~~حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم: وأما الذين كانوا ~~جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا. انتهى منه. # فهذا نص صريح متفق عليه، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن ~~يفعل كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته، ويطوف لحجه فلا وجه للنزاع في ~~هذه المسألة بعد هذا الحديث، وحديث ابن عباس المذكور قبله عند البخاري. ~~وقول من قال: إن المراد بالطواف الواحد في حديث عائشة هذا السعي، له وجه ~~من النظر واختاره ابن القيم، وهو وجيه عندي. # فهذه النصوص تدل على صحة هذا القول المفرق بين القارن والمتمتع، وهو قول ~~جمهور أهل العلم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. # أما من قال: إن المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، وهو رواية ~~عن الإمام أحمد، فقد استدل بما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثني محمد بن ~~حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، ح. وحدثنا عبد ابن ~~حميد، أخبرنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو ~~الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يقول: لم يطف النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافا واحدا ~~زاد في حديث محمد بن بكر طوافه الأول. انتهى منه. # قال: من تمسك بهذا الحديث، هذا نص صحيح، صرح فيه جابر بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافا واحدا، ms2034 ومعلوم أن ~~أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن ~~معه هدي، وأذن ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع ~~في لزوم طواف واحد وسعي واحد. # وأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة: # الأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هنا ممكن بحمل حديث جابر ~~هذا على أن المراد بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لم يطوفوا ~~إلا طوافا واحدا للعمرة والحج، خصوص القارنين منهم، كالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه كان قارنا بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان ~~موافقا لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين، وهذا واضح كما ترى. قال ~~في مراقي السعود: # والجمع واجب متى ما أمكنا # إلا فللأخير نسخ بينا # وإنما كان قول العلماء كافة: أن الجمع إن أمكن وجب المصير إليه لأن ~~إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معروف في الأصول. # الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر ~~المذكور مع حديث عائشة، وحديث ابن عباس كما جاء في بعض الروايات، عن جابر ~~عند مسلم بلفظ، لا يمكن فيه الجمع المذكور، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه: ~~حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، # " عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا ~~والمروة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يكن معه هدي ~~فليحلل، قال: قلنا: أي الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا ~~النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية ~~أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في ~~بدنة " " # انتهى. # ولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية، لا يمكن حمله على القارنين ~~بحال، لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا ~~الطيب، ms2035 وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم ~~الأول بين الصفا والمروة، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من ~~منى، وحديث عائشة وحديث ابن عباس يثبتانه. # وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم ~~حديث ابن عباس وعائشة، لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي. # الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح ~~رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عباس، ~~وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد. # قال في مراقي السعود، في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: # وكثرة الدليل والرواية # مرجح لدى ذوي الدراية # وأما من قالوا: إن القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان وسعيان، ~~طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج كأبي حنيفة ومن وافقه، فقد استدلوا ~~لذلك بأحاديث، ونحن نذكرها إن شاء الله هنا، ونبين وجه رد المخالفين لها ~~من وجهين. # فمن الأدلة التي استدلوا بها على أن القارن يسعى ويطوف طوافين لحجه ~~وعمرته، ما أخرجه النسائي في سننه الكبرى، ومسند علي عن حماد بن ~~عبدالرحمن الانصاري، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية قال: طفت مع أبي، ~~وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني أن ~~عليا فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. انتهى ~~بواسطة نقل صاحب نصب الراية، ثم قال بعد أن ساق الحديث كما ذكرنا. # قال صاحب التنقيح: وحماد هذا ضعفه الأزدي، وذكره ابن حبان في الثقات. ~~قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح. انتهى. # ومن أدلتهم على الطوافين والسعيين للمتمتع والقارن معا: ما أخرجه ~~الدارقطني عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه جمع ~~بين عمرة وحج قال: فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين. # وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. انتهى ~~وأخرجه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم عن ابن أبي ms2036 ليلى، عن علي قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرن وطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى منه ~~بواسطة نقل صاحب نصب الراية. ثم قال بعد أن ساقهما كما ذكرنا. # قال الدارقطني: لم يرهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك ثم هو قد روى عن ~~ابن عباس ضد هذا ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس ~~قال: سمعت ابن عباس يقول: لا والله ما طاف لهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا طوافا واحدا، فهاتوا من هذا الذي يحدث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طاف لهما طوافين. انتهى. # وبالسند الثاني رواه العقيلي في كتاب الضعفاء فقال: حدثنا عبدالله بن ~~محمد بن صالح السمرقندي، ثنا يحيى بن حكيم المقوم قال: قلت لأبي داود ~~الطيالسي: إن محمد بن الحسن صاحب الرأي، حدثنا عن الحسن بن عمارة، عن ~~الحكم عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: فذكره. فقال: أبو داود من هذا كان ~~شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة، وأطال العقيلي في تضعيف الحسن بن ~~عمارة، وأخرجه الدارقطني أيضا عن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى، عن ~~الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي بنحوه، قال: وحفص هذا ضعيف، ~~وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم. وأخرجه أيضا عن عيسى بن عبدالله ~~بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه عن جده، عن علي: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان قارنا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى. قال: ~~وعيسى بن عبدالله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. انتهى من نصب ~~الراية لأحاديث الهداية للزيلعي رحمه الله. # ومن أدلتهم على ذلك: ما أخرجه الدارقطني عن أبي بردة عمرو بن يزيد، عن ~~حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: طاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعمرته. وحجه، طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر، وعلي وابن ~~مسعود. قال الدارقطني: وأبو بردة متروك، ومن دونه في الإسناد ضعفاء. # ومن أدلتهم أيضا: ما ms2037 أخرجه الدارقطني أيضا، عن محمد بن يحيى الأزدي، ~~ثنا عبدالله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن ~~الحصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين وسعى سعيين. انتهى. ~~قال الدارقطني: يقال إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم في متنه، ~~والصواب بهذا الإسناد: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرن الحج، ~~والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف ~~والسعي، وحدث به على الصواب. # كما حدثنا به محمد بن إبراهيم بن نيروز، ثنا محمد بن يحيى الأزدي به: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرن. انتهى قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه ~~الطواف، ولا السعي، كما حدثنا به أحمد بن عبدالله بن محمد بن الوكيل، ~~ومحمد بن مخلد قالا: ثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبدالله بن ~~داود، عن شعبة بهذا الإسناد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن ا ه. ~~انتهى كله من نصب الراية. # وقد علمت منه أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن، ~~ليس فيها حديث قائم كما رأيت. # وقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج الحنفية بما روى عن علي: أنه جمع بين ~~الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، وطرقه عن علي عند عبدالرزاق، ~~والدارقطني، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف ~~نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك، ~~والمخرج في الصحيحين، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. ~~وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم، ~~وطواف الإفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت، وقال ابن حزم: لا يصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه شيء في ذلك أصلا. ~~انتهى محل الغرض منه. # وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: وأما من ms2038 قال: إنه حج قارنا ~~قرانا طاف له طوافين وسعى سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ~~ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر: أنه جمع بين حج وعمرة معا ~~وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين وقال: هكذا ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع، كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: ~~هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. وعن علي رضي الله ~~عنه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، فطاف طوافين، وسعى ~~سعيين، وعن علقمة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: طاف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي ~~وابن مسعود. وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طاف طوافين، وسعى سعيين، وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث ~~صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. # أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدارقطني: لم يروه عن ~~الحكم، غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث علي الأول ففيه ~~حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو ~~كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه ~~الثاني: فيرويه عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن ~~أبيه، عن جده قال الدارقطني: عيسى بن عبدالله يقال له مبارك، وهو متروك ~~الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبدالله فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد عن ~~حماد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدارقطني وأبو بردة ضعيف، ومن دونه في ~~الإسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبدالعزيز بن أبان. قال يحيى: هو كذاب خبيث، ~~وقال الرازي والنسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين: فهو مما ~~غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي وحدث به من ms2039 حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على ~~الصواب مرارا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. انتهى محل الغرض من ~~كلام ابن القيم. # فإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، ~~فاعلم أن الذين قالوا: بأن القارن يطوف طوافا، ويسعى سعيا كفعل المفرد، ~~أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين. # الأول: ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي وابن حجر وابن القيم عن ~~الدارقطني، وغيره من أوجه ضعفها. # والثاني: أنا لو سلمنا تسلميا جدليا أن بعضها يصلح للاحتجاج وضعافها ~~يقوي بعضها بعضا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول فهي معارضة بما هو ~~أقوى منها، وأصح، وأرجح، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح، ~~الدالة على أن النبي لم يفعل في قرانه. إلا كما يفعل المفرد كحديث ~~عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عباس عند البخاري وكالحديث المتفق عليه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة # " يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك " # كما قدمناه واضحا، وقد اتضح من جمع ما كتبناه في هذه المسألة: أن ~~التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال ~~الحج، وأن المتمتع يطوف، ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجته، ومما يوضح ~~من جهة المعنى: أنه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من منى أنه يهل بالحج ~~بالإجماع، والحج يدخل في معناه دخولا مجزوما به الطواف والسعي، فلو كان ~~يكفيه طواف العمرة التي حل منها، وسعيها، لكان إهلاكه بالحج إهلالا بحج، ~~لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف ولا في الشرع، والعلم عند ~~الله تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن ~~الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس ~~بالمزاحمة، فيحاذي بجمع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر ~~وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ~~ويتحقق أنه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدئ ms2040 طوافه مارا بجميع بدنه ~~على جميع الحجر، جاعلا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفا بالبيت، ثم ~~يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت. # فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، وهو المحل الذي ~~بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوافة واحدة، ثم يفعل كذلك، حتى يتمم سبعا. # وأصح أقوال أهل العلم فيما يظهر لنا والله أعلم: أنه لا بد من أن يكون ~~خارجا جميع بدنه، حال طوافه عن شاذروان الكعبة، لأنه منها، وكذلك لا بد ~~أن يكون خارجا جميع بدنه حال طوافه عن جدار الحجر، لأن أصله من البيت، ~~ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم، ولأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين ~~الشاميين، لأن أصلهما من وسط البيت، لأن قريشا لم تبن ما كان عن شمالهما ~~من البيت، وهو الحجر الذي عليه الجدار وأصله من البيت كما بينا، ومما يدل ~~على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة رضي الله عنها. قال ~~البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن ابن شهاب، عن ~~سالم بن عبدالله، أن عبدالله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبدالله بن عمر، # " عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لها: " ألم تري قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على ~~قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: ~~لولا حدثان قومك بالكفر، لفعلت " " # قال عبدالله رضي الله عنه: لئن كانت عائشة رضي الله عنها سمعت هذا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترك ~~استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد ~~إبراهيم. وفي رواية عنها في صحيح البخاري قالت: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر، أمن البيت هو؟ قال: نعم، ~~قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ألم تري قومك قصرت بهم النفقة، ~~قلت: فما شأن بابه ms2041 مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا ~~من شاؤوا ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن ~~أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض " # ا ه. والمراد بالجدر بفتح الجيم، وسكون الدال المهلمة هنا: الحجر. وفي ~~رواية عنها رضي الله عنها في صحيح البخاري أيضا قالت: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم ~~عليه السلام، فإن قريشا استقصرت بناءه، وجعلت لها خلفا " # قال أبو معاية: حدثنا هشام خلفا يعني: بابا. وفي رواية عنها فيه ~~أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: # " يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت ~~فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا، وبابا ~~غربيا فبلغت به أساس إبراهيم " # فذلك الذي حمل ابن الزبير رضي الله عنهما على هدمه قال يزيد: وشهدت ابن ~~الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة ~~كأسنمة الإبل قال جرير: فقلت له أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه ~~الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع ~~أو نحوها. انتهى من صحيح البخاري وزيد المذكور هو ابن رومان وجرير هو ابن ~~حازم، وهما مذكوران في سند الحديث المذكور. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ~~يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة. عن أبيه عن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعتلها على أساس ~~إبراهيم، فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت ولجعت لها خلفا " # ا ه. وقال النووي خلفا: أي بابا من خلفها، وفي رواية عنها فيه أيضا: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " # قالت: فقلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال ms2042 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت " # فقال عبدالله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين ~~اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية ~~عنها فيه أيضا قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في ~~سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر " # وفي رواية عنها فيها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ~~وجعلت لها بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من ~~الحجر فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة " # انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في ~~الصحيحين، نص صريح فيما ذكرنا وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العم أن من ~~سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح ~~لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافا بالبيت. # والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول طواف يطوفه ~~القادم، إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط ~~الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد هو ~~ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم ~~وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ~~الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن ~~يرملوا ms2043 الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم. ثم قال البخاري رحمه الله: ~~حدثنا أصبع بن الفرج، أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ~~أبيه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة ~~إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال ~~البخاري رحمه الله: حدثني محمد، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح، عن ~~نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سعى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة، تابعه الليث. قال: حدثني كثير ~~بن فرقد عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن ~~أسلم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك ~~حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ~~ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، ~~وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نحب أن ~~نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، عند مسلم: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى ~~أربعا الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، يخب ~~ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل، إذا طاف بين الصفا ~~والمروة " وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما. # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف الطواف الأول، خب ثلاثا ومشى ~~أربعا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة " زاد مسلم: ~~وكان ابن عمر يفعل ذلك. # وبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة ~~وطواف القدوم ms2044 مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أهل ~~العلم إلا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأول لم يقضه في الأشواط ~~الأخيرة على الصواب. ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافا ~~لمن أوجب فيه الدم. # تنبيهان # الأول: إن قيل ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، ~~والغالب اطراد العلة وانعكاسها، بحيث يدون معها المعلل بها، وجودا ~~وعدما؟ # فالجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، ~~وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة ~~والضعف، كما قال تعالى # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم ~~بنصره # [الأنفال: 26] الآية وقال تعالى عن نبيه شعيب # واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم # [الأعراف: 86]. # وصيغة الأمر في قوله: اذكروا في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر ~~النعمة بذلك، وإذا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل، هي تذكر ~~نعمة الله بالقوة بعد الضعف. والكثرة بعد القلة، وقد أشار إلى هذا ابن ~~حجر في الفتح، ومما يؤيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في حجة ~~الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها، والعلم ~~عند الله تعالى. # التنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها ~~الاختلاف، لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله بل ما بين الركنين ~~اليمانيين لا رمل فيه، وقد قدمنا في حديث ابن عباس عند البخاري ما لفظه: ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ~~ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا ~~الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال ~~المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة، ~~فجلسوا مما يلي الحجر، ms2045 وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ~~ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال ~~المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا ~~وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا ~~الإبقاء عليهم. # فحديث ابن عباس هذا الذي أخرجه الشيخان: فيه التصريح بأنهم لم يرملوا ~~فيما بين الركنين، وقد بين ابن عباس علة ذلك وهي قوله: فجلسوا مما يلي ~~الحجر، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر ~~بكسر الحاء، وإذا فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه لأن الكعبة تحول ~~بينهم وبينه، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر ~~رملوا، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم ~~رمل الأشواط الثلاثة كلها، من الحجر إلى الحجر. # ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما لفظه: قال: # " رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى ~~أربعا " # وفي لفظ في صحيح مسلم أيضا عن نافع: أن ابن عمر رمل من الحجر إلى ~~الحجر، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله. وفي لفظ عند مسلم ~~أيضا من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أنه قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود، حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف، ~~وفيه عن جابر أيضا بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة ~~أطواف من الحجر إلى الحجر. # والجواب عن هذا الذي ذكرنا من اختلاف الروايات: أن حديث ابن عباس الذي ~~فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، ~~وما في الروايات الأخرى من الرمل في كل شوط من الحجر إلى الحجر في حجة ~~الوداع، كما أجاب بهذا غير واحد. # وقال النووي في شرح مسلم: إن رمله صلى الله عليه وسلم في كل الشوط من ~~الحجر إلى الحجر في ms2046 حجة الوداع، ناسخ للمشي بين الركنين الثابت في حديث ~~ابن عباس لأنه متأخر عنه، والمتأخر ينسخ المتقدم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره النووي، لما ~~تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء، أن من الأفعال لا تعارض بينها، فلا ~~يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في ~~الخارج إلا شخصيا لا كليا، حتى ينافي فعلا آخر، فجائز أن يقع الفعل ~~واجبا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه. # قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان كصوم ~~وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر. الخ، ومحل عدم تعارض ~~الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين، قول يدل على ثبوت الحكم، وإلا كان ~~آخر الفعلين ناسخا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخا، كما لو لم ~~يقترن بهما قول، وعن مالك والشافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن ~~اقترب بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما مثال الفعلين ~~اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه صلى الله عليه وسلم ~~بين الركنين اليمانيين ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في ~~عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع، ومثال الفعلين اللذين ~~اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال ~~المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، ~~والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخا للمشي بين الركنين، ~~وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة قيل كل صورة بعد أخرى، فهي ~~ناسخة لها، وقيل كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، ~~وإن لم يترجح واحد، فالتخيير. وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود ~~بقوله: # ولم يكن تعارض ms2047 الأفعال # في كل حالة من الأحوال # وإن يك القول بحكم لامعا # فآخر الفعلين كان رافعا # والكل عند بعضهم صحيح # ومالك عنه روى الترجيح # وحيثما قد عدم المصير # إليه فالأولى هو التخيير # وقال صاحب الضياء اللامع شرح جمع الجوامع: تنبيه: لم يتعرض المصنف ~~للتعارض بين الفعلين، وصرح الرهوني وغيره، بأنه لا تعارض بينهما في ~~الحقيقة سواء تماثل الفعلان، أو اختلفا، وسواء أمكن الجمع بينهما، أو لم ~~يمكن لأن الفعل لا عموم له من حيث هو إذ لا يقع في الأعيان، إلا مشخصا ~~فلا يكون كليا حتى ينافي فعلا آخر، فجاز أن يكون واجبا في وقت مباحا ~~في آخر، وهذا ما لم يقترن بالفعل قول: يدل على ثبوت الحكم كقوله عليه ~~الصلاة والسلام # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة فقال الأبياري: هذا كاختلاف ~~القولين على الصحيح، والمتأخر ناسخ، وقيل: يصح إيقاعها على كل وجه من تلك ~~الوجوه، وبه قال القاضي: وللشافعي ميل إليه وقيل يطلب الترجيح، كما قال ~~مالك والشافعي. انتهى محل الغرض منه. # والرمل: مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها رملا بفتح الميم ورملانا: إذا ~~أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو أي لا يثبت وأنشد المبرد: # ناقته ترمل في النقال # متلف مال ومفيد مال # ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على ~~أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل وفي ~~بعضها خب، والمعنى واحد. # الفرع الثالث: التحقيق أن الاضطباع يسن في الطواف، لثبوت ذلك عنه صلى ~~الله عليه وسلم. # قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، ~~عن ابن يعلى عن يعلى، قال # " طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا ببرد أخضر " # حدثنا أبو سلمة موسى، ثنا حماد عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا ~~بالبيت، وجعلوا أرديتهم ms2048 تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى " # انتهى منه. # وقال الترمذي في جامعه: حدثنا محمود بن غيلان، نا قبيصة، عن سفيان، عن ~~ابن جريج، عن عبدالحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " طاف بالبيت مضطبعا، وعليه برد " # قال أبو عيسى: هذا حديث الثوري عن ابن جريج لا نعرفه، إلا من حديثه، وهو ~~حديث حسن صحيح وعبدالحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه، ~~وهو يعلى بن أمية. ا ه. # وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف وقبيصة ~~قالا: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى بن أمية، عن ~~أبيه يعلى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعا " # قال قبيصة: وعليه برد. انتهى منه. وقال النووي في شرح المهذب في حديث ~~ابن عباس الذي ذكرناه آنفا في الاضطباع عند أبي داود، وحديث ابن عباس ~~هذا صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولفظه: عن ابن عباس ثم ساقه كما ~~سقناه آنفا، ثم قال: ورواه البيهقي بإسناد صحيح قال عن ابن عباس: قال # " اضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ورملوا ثلاثة أشواط ~~ومشوا أربعا " # وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت مضطجعا ببرد " # رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه بأسانيد صحيحة. وقال الترمذي: هو ~~حديث حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: # " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا " # إسناده صحيح، وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه يقول فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد وطد ~~الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نصنعه مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي بإسناد صحيح. انتهى كلام ~~النووي. # وبذلك تعلم سنية الاضطباع في الطواف، خلافا لمالك ومن قال بقوله: إن ~~الاضطباع ليس بسنة. # وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط ms2049 الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على ~~كتفه اليسرى، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة وهو افتعال من الضبع بفتح الضاد، ~~وسكون الباء بمعنى: العضد سمي بذلك للإبداء أحد الضبعين، والعرب تسمي ~~العضد: ضبعا ومنه قول طرفة في معلقته: # وإن شئت سامي واسط الكور رأسها # وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد # تقول العرب: ضبعه إذا مد إليه ضبعه، ليضربه. ومنه قول عمرو بن شاس: # نذود الملوك عنكم وتذودنا # ولا صلح حتى تضبعونا ونضبعا # أي تمدون أضباعكم إلينا بالسيوف، ونمد أضباعنا إليكم، وقيل: تضبعون أي ~~تمدون أضباعكم للصلح والمصافحة. والطاء في الإضباع مبدلة من تاء ~~الافتعال، لأن الضاد من حروف الإطباق على القاعدة المشار لها بقوله في ~~الخلاصة: # طاتا افتعال رد إثر مطبق # في أدان وازدد وادكر دالا بقى # الفرع الرابع: في كلام العلماء في الطواف هل يشترط له ما يشترط للصلاة ~~من طهارة الحدث والخبث وستر العورة أو لا يشترط في الطواف أو لا يشترط ~~ذلك؟ # اعلم أن اشتراط الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة في الطواف هو قول ~~أكثر أهل العلم، منهم مالك، وأصحابه، والشافعي، وأصحابه، وهو مشهور مذهب ~~الإمام أحمد. # قال النووي في شرح المهذب: وحكاه الماوردي عن جمهور العلماء، وحكاه ابن ~~المنذر في طهارة الحدث، عن عامة العلماء. # وخالف الإمام أبو حنيفة رحمه الله الجمهور في هذه المسألة، فقال: لا ~~تشترط للطواف طهارة، ولا ستر عورة، فلو طاف جنبا، أو محدثا، أو عليه ~~نجاسة، أو عريانا صح طوافه عنده. # واختلف أصحابه في وجوب الطهارة للطواف، مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط ~~فيه. ومن أشهر الأقوال عندهم أنه إذا طاف طواف الإفاضة جنبا، فعليه ~~بدنة، وإن طافه محدثا: فعليه شاة، وأنه يعيد الطواف بطهارة ما دام بمكة، ~~فإن رجع إلى بلده، فالدم على التفصيل المذكور، واحتج الجمهور لاشتراط ~~الطهارة للطواف، بأدلة. # منها: حديث عائشة المتفق عليه الذي ذكرناه سابقا بسنده، ومتنه عند ~~البخاري ومسلم: أن أول شيء بدأ النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم " أنه ~~توضأ، ثم طاف بالبيت " الحديث قالوا: ms2050 فهذا الحديث الصحيح صرحت فيه عائشة ~~رضي الله عنها، بأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالوضوء قبل الطواف ~~لطوافه، فدل على أنه لا بد للطواف من الطهارة. # فإن قيل: وضوءه صلى الله عليه وسلم المذكور في هذا الحديث، قد دل دليلان ~~على أنه لازم، لا بد منه. # أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع # " خذوا عني مناسككم " # وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء ~~للطواف امتثالا لأمره في قوله # " خذوا عني مناسككم ". # والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به ~~عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. # ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع، لأن قطع النبي صلى ~~الله عليه وسلم للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب. # قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: ووقوعه بيانا ما ~~نصه: الثاني: أن يكون فعله صلى الله عليه وسلم لبيان مجمل، إما بقرينة ~~حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] وإما بقول كقوله # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله: ~~أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله # " خذوا عني مناسككم " # وحكم هذا القسم وجوب الاتباع انتهى. محل الغرض منه. # وأشار في مراقي السعود: إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم الواقع لبيان ~~مجمل من كتاب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجبا فالفعل المبين ~~له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله: # من غير تخصيص وبالنص يرى # وبالبيان وامتثال ظهرا # ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان يعني: أنه يعرف حكم فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms2051 من الوجوب أو غيره بالبيان، فإذا بين أمرا واجبا: ~~كالصلاة والحج، وقطع السارق بالفعل، فهذا الفعل واجب إجماعا لوقوعه ~~بيانا لواجب، إلا ما أخرجه دليل خاص، وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب ~~طواف الركن بقوله # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] وقد بينه صلى الله عليه وسلم بفعله وقال # " خذوا عني مناسككم " # ومن فعله الذي بينه به: الوضوء له كما ثبت في الصحيحين، فعلينا أن نأخذه ~~عنه إلا بدليل، ولم يرد دليل يخالف ما ذكرنا. # ومن أدلتهم على اشتراط الطهارة من الحدث للطواف: ما أخرجاه في الصحيحين ~~من حديث عائشة رضي الله عنها، قال البخاري رحمه الله في كتاب الحيض: ~~حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبدالرحمن بن ~~القاسم، عن القاسم بن محمد، # " عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لا نذكر إلا ~~الحج، فلما جئنا سرف طمثت الحديث. وفيه " فافعلي ما يفعل الحاج غير أن ~~لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " " # انتهى منه. # وأخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة هذا بإسنادين عن عبدالرحمن بن القاسم، ~~عن أبيه عنهما بلفظ # " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " # وفي لفظ لمسلم عنها # " فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي " # قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بنهي عائشة رضي الله عنها عن الطواف إلى غاية هي الطهارة لقوله # " حتى تطهري " # عند الشيخين و # " حتى تغتسلي " # عند مسلم ومنع الطواف في حالة الحدث، الذي هو الحيض إلى غاية الطهارة من ~~جنابته: يدل مسلك الإيماء، والتنبيه على أن علة منعها من الطواف، هو ~~الحدث الذي هو الحيض، فيفهم منه اشتراط الطهارة من الجنابة، للطواف كما ~~ترى. # فإن قيل: يجوز أن تكون علة النهي عن طوافها، وهي حائض، أن الحائض لا ~~تدخل المسجد. # فالجواب: أن نص الحديث يأبى هذا التعليل، لأنه صلى الله عليه وسلم قال " ~~حتى تطهري حتى تغتسلي " ولو كان المراد ما ذكر لقال: حتى ms2052 ينقطع عنك ~~الدم. # قال النووي في شرح المهذب: فإن قيل: إنما نهاها، لأن الحائض لا تدخل ~~المسجد. # قلنا: هذا فاسد لأنه صلى الله عليه وسلم قال # " حتى تغتسلي " # ولم يقل حتى ينقطع دمك، وهو ظاهر. # ومن أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة في الطواف: ما جاء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " الطواف بالبيت صلاة " # الحديث. قال الزيلعي في نصب الراية: رواه ابن حبان في صحيحه في النوع ~~السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في ~~المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق فمن نطق فيه لا ينطق ~~إلا بخير " # انتهى. وسكت الحاكم عنه وأخرجه الترمذي في كتابه عن جرير، عن عطاء بن ~~السائب به بلفظ " الطواف بالبيت مثل الصلاة " قال: وقد روي هذا الحديث عن ~~ابن طاوس وغيره، عن طاوس موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن ~~السائب. وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ثم قال: وهذا حديث قد ~~رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه وروي عنه موقوفا، وهو أصح ~~انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا الحديث روي مرفوعا، ~~وموقوفا أما المرفوع فله ثلاثة أوجه: # أحدها: رواية عطاء بن السائب رواها عنه جرير، وفضيل بن عياض، وموسى بن ~~أعين، وسفيان أخرجها كلها البيهقي. # الوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، ~~عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعا باللفظ المذكور، أخرجها البيهقي في سننه، ~~والطبراني في معجمه. # الوجه الثالث: رواية الباغندي، عن أبيه، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ~~ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعا نحوه رواه البيهقي أيضا. فأما طريق ~~عطاء فإن عطاء من الثقات، لكنه اختلط بأخرة قال ابن معين: من سمع منه ~~قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا، فليس بشيء، وجميع من ms2053 روى عنه روى ~~عنه في الاختلاط إلا شعبة. # وسفيان، وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه. وأما طريق ليث، ~~فليث رجل صالح صدوق يستضعف. قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء ~~بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع ~~عطاء يقوي رفع الحديث، وأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال ~~ولم يضع الباغندي شيئا في رفعه لهذه الرواية. فقد رواه ابن جريج، وأبو ~~عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفا انتهى من نصب الراية للزيلعي. ثم قال ~~أيضا: حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدثنا محمد بن أبان، ثنا ~~أحمد بن ثابت الجحدري، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، ثنا سفيان، عن ~~حنظلة، عن طاوس: عن ابن عمر لا نعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام " # انتهى منه. # واعلم: أن علماء الحديث قالوا: إن وقف هذا الحديث على ابن عباس أصح من ~~رفعه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وقد علمت مما مر قريبا أن حديث ابن ~~عباس المذكور رفعه عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، والظاهر أن ~~اجتماعهما معا لا يقل عن درجة الحسن، ومما يؤيد ذلك أن ممن روى رفعه عن ~~عطاء سفيان الثوري، وقد ذكروا أن رواية سفيان عنه صحيحة، لأنه روى عنه ~~قبل اختلاطه، وعلى ذلك فهو دليل على اشتراط الطهارة، وستر العورة، لأن ~~قوله # " الطواف صلاة " # يدل على أنه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة، إلا ما أخرجه دليل خاص ~~كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك. # فإن قيل: المحققون من علماء الحديث، يرون أن الصحيح أن حديث الطواف صلاة ~~موقوف لا مرفوع، لأن من وقفوه أضبط، وأوثق ممن رفعه؟ # فالجواب: أنا لو سلمنا أنه موقوف، فهو قول صحابي اشتهر ولم يعلم له ~~مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لا سيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من ~~الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة ms2054 للطواف. # وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث # " الطواف صلاة " # ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وتحصل منه الدلالة ~~أيضا، لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما ~~سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضا، عند أبي حنيفة ~~انتهى منه. # فهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال: باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر ~~والأصغر للطواف، وأما اشتراط ستر العورة للطواف فقد استدلوا له بحديث ~~متفق عليه دال على ذلك. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث قال ~~يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبدالرحمن: أن أبا هريرة أخبره أن ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ~~ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. # وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن ~~وهب، أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة ح حدثني ~~حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن ابن شهاب ~~أخبره عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر: # " لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان " # قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبدالرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، ~~من أجل حديث أبي هريرة، فهذا الحديث المتفق عليه بلفظ # " ولا يطوف بالبيت عريان " # يدل فيه مسلك الإيماء والتنبيه على أن علة المنع من الطواف، كونه ~~عريانا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف كما ترى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وجوب ستر العورة للطواف، يدل عليه كتاب ~~الله في قوله ms2055 تعالى في سورة الأعراف # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] الآية. وإيضاح دلالة هذه الآية الكريمة على ستر العورة ~~للطواف، يتوقف أولا على مقدمتين. # الأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث، أن تفسير الصحابي إذا ~~كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع كما أوضحناه في سورة البقرة. # قال العلوي الشنقيطي في طلعة الأنوار: # تفسير صاحب له تعلق # بالسبب الرفع له محقق # وقال العراقي في ألفيته: # وعد ما فسره الصحابي # رفعا فمحمول على الأسباب # المقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند ~~جماهير الأصوليين، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. # فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت ~~وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبا تجعله على فرجها، وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية في هذا السبب # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] الآية. ومن زينتهم التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم ~~الثياب عند المسجد الحرام للطواف، لأنه هو صورة سبب النزول. فدخولها في ~~حكم الآية قطعي عند الجمهور، كما ذكرناه الآن وأوضحناه سابقا في مواضع ~~متعددة من هذا الكتاب المبارك. فالأمر في: خذوا شامل لستر العورة للطواف، ~~وهو أمر حتم أوجبه الله مخاطبا به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه ~~الأمر. # واعلم أيضا: أنه ثبت عن ابن عباس ما يدل على أنه فسر # خذوا زينتكم # [الأعراف: 31] بلبس الثياب للطواف استنادا لسبب النزول. # قال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر ح ~~وحدثني أبو بكر بن نافع واللفظ له، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن ~~سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ~~كان المرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا ~~تجعله على فرجها وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # فما ms2056 بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] انتهى منه. ولأجل هذا كان ابن عباس يفسر الزينة المذكورة ~~في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع ~~كما بينا والبيت المذكور بعده. # جهم من الجهم عظيم ظله # كم من لبيب عقله يضله # وناظر ينظر ما يمله # قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ~~ابن عباس في قوله # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة: ~~اللباس، وهو ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع ا ه منه. ~~وجماهير علماء التفسير مطبقون على هذا التفسير المتعلق بسبب النزول، ~~فتبين بما ذكرنا أن القرآن والسنة الصحيحة دلا معا على ستر العورة ~~للطواف، وقد قدمنا مرارا كلام العلماء في اقتضاء النهي الفساد فأغنى ذلك ~~عن إعادته هنا، وقد رأيت فيما كتبنا أدلة الجمهور على طهارة الحدث وستر ~~العورة للطواف. # أما طهارة الخبث: فقد استدلوا لها بما تقدم من أن الطواف صلاة، وقد بينا ~~وجه الدلالة منه على ذلك، سواء قلنا: إنه موقوف، أو مرفوع، وقد يقال: إنه ~~لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف ~~بقوله تعالى # وطهر بيتي للطآئفين # [الحج: 26]، لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم ~~عند الله تعالى. وإذا علمت مما ذكرنا أن جماهير العلماء منهم الأئمة ~~الثلاثة قالوا: باشتراط الطهارة وستر العورة للطواف، وأن أبا حنيفة خالف ~~الجمهور في هذه المسألة، فلم يشترط الطهارة، ولا ستر العورة للطواف. # فاعلم أن حجته في ذلك هي قاعدة مقررة في أصوله ترك من أجلها العمل ~~بأحاديث صحيحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك القاعدة التي ترك من ~~أجلها العمل ببعض الأحاديث الصحيحة، متركبة من مقدمتين: # إحداهما: أن الزيادة على النص نسخ. # والثانية: أن الأخبار المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد، فقال في المسألة ~~التي نحن بصددها: قال الله تعالى في كتابه # وليطوفوا ms2057 بالبيت العتيق # [الحج: 29] وهو نص متواتر، فلو زدنا على الطواف اشتراط الطهارة، والستر، ~~فإن هذه الزيادة نسخ، وأخبارها أخبار آحاد فلا تنسخ المتواتر الذي هو ~~الآية، ولأجل هذا لم يقل بتغريب الزاني البكر، لأن الأحاديث الصحيحة ~~الدالة عليه عنده أخبار آحاد، وزيادة التغريب على قوله # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # [النور: 2] الآية نسخ له، وهو متواتر، فلا ينسخ بأخبار الآحاد. ولأجل ~~ذلك أيضا لم يقل بثبوت المال بالشاهد واليمين، لأنه يرى ذلك زيادة على ~~قوله تعالى # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282] الآية والزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد ا ه ~~والتحقيق في مسألة الزيادة على النص هو التفصيل. فإن كانت الزيادة أثبتت ~~شيئا نفاه المتواتر، أو نفت شيئا أثبته، فهي نسخ له، وإن كان الزيادة ~~زيد فيها شيء، لم يتعرض له النص المتواتر، فهي زيادة شيء مسكوت عنه لم ~~ترفع حكما شرعيا، وإنما رفعت البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، ~~ورفعها ليس بنسخ. # مثال الزيادة التي هي نسخ على التحقيق: زيادة تحريم الخمر بالقرآن، ~~وتحريم الحمر الأهلية بالسنة الصحيحة، على قوله تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به # [الأنعام: 145] فإن هذه الآية الكريمة لم تسكت عن إباحة الخمر والحمر ~~الأهلية وقت نزولها، بل صرحت بإباحتهما بمقتضى الحصر الصريح بالنفي في { ~~لا أجد في مآ أوحي إلي } والإثبات في قوله { إلا أن ~~يكون ميتة } الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في ~~الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريما دلت الآية على نفيه. # ومثال الزيادة التي لم يتعرض لها النص بنفي ولا إثبات، زيادة تغريب ~~الزاني البكر عاما بالسنة الصحيحة على آية الجلد، وزيادة الحكم بالشاهد ~~واليمين. على آية # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # [البقرة: 282] الآية وزيادة الطهارة، والستر التي بينا أدلتها على آية # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] وقد أشار صاحب ms2058 مراقي السعود إلى مسألة الزيادة على النص ~~بقوله: # وليس نسخا كل ما أفادا # فيما رسا بالنص الازديادا # وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى # قل لا أجد في مآ أوحي إلي # [الأنعام: 145] الآية، وبينا أن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد ~~إذا علم تأخرها عنه، وبيناها أيضا في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى # وإذا بدلنآ آية مكان آية # [النحل: 101] الآية. ولذلك اختصرناها هنا، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس: اعلم أن الطواف في الحج المفرد والقران ثلاثة أنواع: طواف ~~القدوم، وطواف الإفاضة: وهو طواف الزيارة، وطواف الوداع. # أما طواف الإفاضة فهو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء، وأما طواف ~~الوداع، وطواف القدوم: فقد اختلف فيهما العلماء، فذهب مالك وأصحابه، إلى ~~أن طواف القدوم: واجب يجبر بدم، وأن طواف الوداع: سنة، ولا يلزم بتركه ~~شيء، واستدل لوجوب القدوم بحديث عائشة وعروة المتفق عليه الذي قدمنا ~~بسنده ومتنه عند الشيخين، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم أول ~~ما يبدأ به الطواف، وكذلك الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار مع ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " خذوا عني مناسككم " # واستدل لعدم وجوب طواف الوداع، بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للحائض ~~في تركه ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجبا لأمر يجبره، ~~وأكثر أهل العلم: على أن طواف القدوم لا يلزم بتركه شيء. وقال ابن حجر في ~~الفتح: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك ~~وأبي ثور: عليه دم، ومن حججهم على أن طواف القدوم لا شيء في تركه أنه ~~تحية، فلم يجب كتحية المسجد. وأكثر أهل العلم على أن طواف الوداع واجب، ~~يجب بتركه الدم إلا أنه يرخص في تركه للحائض خاصة، إذا نفرت رفقتها قبل ~~أن تطهر. قال النووي في شرح مسلم: الصحيح في مذهبنا وجوب طواف الوداع، ~~وأنه إذا تركه لزمه دم، ثم قال: وبه قال أكثر العلماء، منهم الحسن ~~البصري، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو ms2059 حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. ~~وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو: سنة لا شيء في تركه. وعن مجاهد ~~روايتان كالمذهبين انتهى منه. وقد نقل ابن حجر كلامه هذا، ثم تعقب عزوه ~~سنيته، لابن المنذر فقال: والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر: أنه واجب ~~للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين في طواف الوداع دليلا: ~~أنه واجب. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، وزهير بن ~~حرب، قالا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: ~~كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " # قال زهير: ينصرفون كل وجه، ولم يقل في. انتهى منه. فقوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الحديث الصحيح بصيغة النهي الصريح # " لا ينفرن أحد " # الخ. دليل على منع النفر بدون وداع، وهو واضح في وجوب طواف الوداع، ثم ~~قال مسلم رحمه الله: حدثنا سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ ~~لسعيد قالا: حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أمر ~~الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. ا ~~ه منه. وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن ~~ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون ~~آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض انتهى. # منه وقوله أمر بصيغة المبني للمفعول، ومعلوم في علوم الحديث، وأصول ~~الفقه أن مثل ذلك له حكم الرفع. فهو حديث صحيح متفق عليه، يدل على أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بطواف الوداع، مع الترخيص لخصوص الحائض والله ~~يقول # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] الآية. وهو صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # وقد نهى في حديث مسلم السابق، ms2060 عن النفر بدون طواف وداع، وأمر في الحديث ~~المتفق عليه بالوداع. فدل ذلك الأمر وذلك النهي على وجوبه. أما لزوم الدم ~~في تركه، فيتوقف على دليل صالح لإثبات ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما تيسر ~~من أدلة الدماء التي يوجبها الفقهاء، وحديث ترخيص النبي صلى الله عليه ~~وسلم لصفية أن تنفر وهي حائض من غير وداع معروف. # الفرع السادس: في أول وقت طواف الإفاضة وآخره: # الظاهر أن أول وقته يوم النحر بعد الإفاضة من عرفة ومزدلفة، كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإنه طاف طواف الإفاضة، يوم النحر، بعد رمي ~~جمرة العقبة، والنحر والحلق وقال # " خذوا عني مناسككم " # والشافعية، ومن وافقهم يقولون: إن أول وقته يدخل بنصف ليلة النحر، ولا ~~أعلم لذلك دليلا مقنعا. وأما آخر وقت طواف الإفاضة، فلم يرد فيه نص، ~~وجمهور العلماء على أنه لا آخر لوقته، بل يبقى وقته ما دام صاحب النسك ~~حيا، ولكن العلماء اختلفوا في لزوم الدم بالتأخير. قال النووي في شرح ~~المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا أن طواف الإفاضة لا آخر لوقته، بل يبقى ما ~~دام حيا، ولا يلزمه بتأخيره دم، قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافا بينهم ~~في أن من أخره وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه، فإن أخره عن ~~أيام التشريق. فقد قال جمهور العلماء كمذهبنا: لا دم. وممن قال به: عطاء، ~~وعمرو بن دينار، وابن عيينة: وأبو ثور، وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر، وهو ~~رواية عن مالك. وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى وطنه قبل الطواف: لزمه العود ~~للطواف، فيطوف، وعليه دم للتأخير، وهو الرواية المشهورة عن مالك. دليلنا ~~أن الأصل عدم الدم حتى يرد الشرع به. والله أعلم انتهى الغرض من كلام ~~النووي. # ولزوم الدم بالتأخير فيه خلاف معروف عند المالكية، مع اتفاقهم على أن من ~~أخره إلى انسلاخ شهر ذي الحجة عليه الدم. # الفرع السابع: لا خلاف بين العلماء في استحباب استلام الحجر الأسود ~~للطائف، وجماهيرهم على تقبيله، وإن عجز وضع يده عليه، وقبلها ms2061 خلافا ~~لمالك قائلا: إنه يضعها على فيه من غير تقبيل. وقال النووي في شرح ~~المهذب: أجمع المسلمون على استحباب استلام الحجر الأسود، ويستحب عندنا مع ~~ذلك تقبيله والسجود عليه، بوضع الجبهة كما سبق بيانه، فإن عجز عن تقبيله ~~قبل اليد بعده، وممن قال بتقبيل اليد: ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن ~~عبدالله، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطاء وعروة، ~~وأيوب السختياني، والثوري، وأحمد، وإسحاق. # حكاه عنهم ابن المنذر قال: وقال القاسم بن محمد ومالك: يضع يده على فيه ~~من غير تقبيل. # قال ابن المنذر: وبالأول أقول: لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلوه، وتبعهم جملة الناس عليه، ورويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأما السجود على الحجر الأسود، فحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن ~~عباس، وطاوس، والشافعي، وأحمد. # قال ابن المنذر: وبه أقول: قال وقد روينا فيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال مالك: هو بدعة، واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن ~~الجمهور في المسألتين، فقال جمهور العلماء: على أنه يستحب تقبيل اليد، ~~إلا مالكا في أحد قوليه، والقاسم بن محمد قالا: لا يقبلها. قال: وقال ~~جميعهم: يسجد عليه، إلا مالكا وحده فقال: بدعة. # وأما الركن اليماني ففيه للعلماء ثلاثة أقوال: # الأول: أنه يستحب استلامه باليد، ولا يقبل، بل تقبل اليد بعد استلامه، ~~وهذا هو مذهب الشافعي، قال النووي: وروي عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي ~~هريرة. # القول الثاني: أنه يستلمه، ولا يقبل يده بعده بل يضعها على فيه من غير ~~تقبيل، وهو مشهور مذهب مالك، وأحمد، وعن مالك رواية: أنه يقبل يده بعد ~~استلامه كمذهب الشافعي. # القول الثالث: أنه يقبله، وهو مروي عن أحمد. # تنبيهان # الأول: قد جاءت روايات متعارضة في الوقت، الذي طاف فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم طواف الإفاضة، وفي الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر، فقد جاء ~~في بعض الروايات: أنه طاف يوم النحر، وصلى ظهر ذلك اليوم بمنى، وجاء في ~~بعض الروايات: أنه صلى ms2062 ظهر ذلك اليوم في مكة، وفي بعض الروايات: أنه طاف ~~ليلا لا نهارا. ففي حديث جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند مسلم ما لفظه # " ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ~~" # ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه أفاض نهارا، وهو نهار يوم النحر، ~~وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة: # " أنه طاف يوم النحر، وصلى الظهر بمكة " # وقال مسلم في صحيحه أيضا: حدثني محمد بن رافع، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا ~~عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر ~~بمنى " # قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ~~ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله انتهى منه. # فترى حديث جابر وحديث ابن عمر الثابتين في صحيح مسلم، اتفقا على أنه طاف ~~طواف الإفاضة نهارا، واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم، ففي حديث ~~جابر: أنه صلاها بمكة وكذلك قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر: أنه صلاها ~~بمنى، بعد ما رجع من مكة. ووجه الجمع بين الحديثين: أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى الظهر بمكة، كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى، فصلى بأصحابه ~~الظهر مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين: مرة بطائفة، ومرة بطائفة ~~أخرى في بطن نخل، كما أوضحناه سابقا في سورة النساء، فرأى جابر وعائشة ~~صلاته في مكة فأخبرا بما رأيا وقد صدقا. ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى ~~فأخبر بما رأى، وقد صدق وهذا واضح، وبهذا الجمع جزم النووي، وغير واحد. ~~وقال البخاري في صحيحه: وقال أبو الزبير، عن عائشة، وابن عباس رضي الله ~~عنهم: أخر النبي صلى الله عليه وسلم الزيارة إلى الليل انتهى محل ~~الغرض منه. وقد قدمنا أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من ~~علق عنه، مع أن وصله أبو داود والترمذي وأحمد، وغيرهم من طريق ms2063 سفيان، وهو ~~الثوري، عن أبي الزبير به وزيارته ليلا في هذا الحديث المروي عن عائشة، ~~وابن عباس، مخالفة لما قدمنا في حديث جابر وابن عمر، وللجمع بينهما أوجه ~~من أظهرها عندي اثنان. # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طواف الزيارة في النهار، يوم ~~النحر، كما أخبر به جابر وعائشة، وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ~~ليلا، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى، هو مراد ~~عائشة، وابن عباس. # وقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما ~~نصه: ويذكر عن ابي حسان، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي كان ~~يزور البيت أيام منى. ا ه. # وقال ابن حجر في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان، ليجمع بين ~~الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر: على اليوم الأول، وحديث ابن ~~عباس هذا: على بقيه الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. وهذا ظاهر. # الوجه الثاني: في الجمع بين الأحاديث المذكورة أن الطواف الذي طافه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلا: طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة ~~في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلا. # قال البخاري في صحيحه: حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن ~~الحارث، عن قتادة: أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ~~رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت، فطاف به " # تابعه الليث. حدثني خالد عن سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه: ~~حدثه " أن النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى من البخاري، وهو واضح في أنه ~~طاف طواف الوداع ليلا ا ه. وحديث عائشة المتفق عليه يدل لذلك، وإلى هذا ~~الجمع مال ابن القيم في زاد المعاد، ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة ~~فحديث جابر، وعائشة، وابن عمر: أنه طاف طواف الزيارة نهارا أصح مما ~~عارضها فيجب تقديمها عليه ms2064 والعلم عند الله تعالى. # التنبيه الثاني: اعلم أنه جاء في بعض الروايات الصحيحة، ما يدل على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم طاف ماشيا، ومما يدل على ذلك الأحاديث الصحيحة ~~التي سقناها سابقا، في أنه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعا، فإن ذلك يدل ~~على أنه ماش على رجليه لا راكب، مع أنه جاءت روايات أخر صحيحة تدل على ~~أنه طاف راكبا. # قال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: حدثنا ~~ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيدالله عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال # " طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن ~~بمحجن " # تابعه الدراوردي، عن ابن أخ الزهري، عن عمه. # وقال مسلم في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ~~ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة، عن ~~ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم ~~الركن بمحجن " # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن ~~أبي الزبير، عن جابر قال # " طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته يستلم ~~الركن بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غشوه ". # وفي لفظ عن جابر عند مسلم " طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ~~على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن ~~الناس قد غشوه ". # وقال مسلم في صحيحه أيضا: حدثني الحكم بن موسى القنطري، حدثنا شعيب بن ~~إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت # " طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره ~~يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس " # انتهى منه. # فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن ابن عباس، وجابر وعائشة، رضي الله ~~عنهم، صريحة في أنه طاف راكبا. # ووجه الجمع بين هذه الأحاديث الدالة على طوافه ms2065 راكبا، مع الأحاديث ~~الدالة على أنه طاف ماشيا: كأحاديث الرمل في الأشواط الثلاثة الأول، ~~والمشي في الأربعة الأخيرة: هو # " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طواف القدوم ماشيا، ورمل في أشواطه ~~الثلاثة الأول، وطاف طواف الإفاضة في حجة الوداع " # وهو نص صريح صحيح، يبين أن من طاف، وسعى راكبا، فطوافه وسعيه كلاهما ~~صحيح، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوله # " خذوا عني مناسككم " # وقد قدمنا البحث مستوفى في المشي، والركوب في الحج مع مناقشة أدلة ~~الفريقين. والعلم عند الله تعالى.. # الفرع الثامن: أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف، ولكنهم ~~اختلفوا في ركعتي الطواف، هل حكمهما الوجوب أو السنية؟ فقال بعض أهل ~~العلم: إن ركعتي الطواف واجبتان، واستدلوا لوجوبهما بصيغة الأمر في قوله # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125] على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ~~قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لما طاف: قرأ هذه الأية الكريمة، وصلى ~~ركعتين خلف المقام، ممتثلا بذلك الأمر في قوله # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125]. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " خذوا عني مناسككم " # والأمر في قوله { واتخذوا } على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب ~~كما بيناه مرارا في هذا الكتاب المبارك. وقال جمهور العلماء: إن ركعتي ~~الطواف من السنن، لا من الواجبات، واستدلوا لعدم وجوبهما بحديث طلحة بن ~~عبيدالله رضي الله عنه الثابت في الصحيح. قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع ~~دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ ~~قال: لا، إلا أن تطوع " " # الحديث. قالوا: وفي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه لا يجب شيء من ~~الصلاة، غير الخمس المكتوبة، وقد يجاب عن هذا الاستدلال: بأن الأمر بصلاة ~~ركعتي الطواف، خلف المقام وارد بعد قوله صلى الله عليه وسلم # " لا. إلا أن تطوع " # والعلم عند الله تعالى. # والمستحب أن ms2066 يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] وفي الثانية # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] كما هو ثابت في حديث جابر. وجمهور أهل العلم على أن ركعتي ~~الطواف، لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لو صلاهما في أي ~~موضع غيره صح ذلك ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي أهل العلم: إنه يؤخر ~~صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه، ومما يدل على هذين الأمرين أعني ~~صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه، ~~ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما ~~إلى وقت غير وقت النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقا ~~بصيغة الجزم، قال: [باب الطواف بعد الصبح والعصر] وكان ابن عمر رضي الله ~~عنهما: يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح، فركب ~~حتى صلى الركعتين بذي طوى. # وفعل عمر رضي الله عنه هذا الذي ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون ~~الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما في أي موضع صلاهما فيه، وأن ~~تأخيرهما عن وقت النهي هو الصواب، وممن قال به: أبو سعيد الخدري، ومعاذ ~~بن عفراء، ومالك وأصحابه: وعزاه بعضهم إلى الجمهور، وقد قدمنا مرارا قول ~~من يقول من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في ~~عموم النهي في أوقات النهي، إلا أن القاعدة المقررة في الأصول: أن درأ ~~المفاسد مقدم على جلب المصالح. # وقال الشافعي وأصحابه: إن صلاة ركعتي الطواف جائزة في أوقات النهي بلا ~~كراهة، واستدلوا لذلك بدليلين. # أحدهما: عام وهو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات، لا تدخل في عموم ~~النهي، لأن سببها الخاص، يخرجها من عموم النهي، كركعتي الطواف فإنهما ~~لسبب خاص، هو الطواف. وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك، وأحدهما ~~خاص: وهو ما ورد في خصوص البيت الحرام، كحديث جبير بن مطعم رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه ms2067 وسلم قال # " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ~~ليل أو نهار " # رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي، ورواه أيضا ابن خزيمة ~~وابن حبان، والدارقطني، قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه ~~الشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان والدارقطني، ~~والحاكم من حديث أبي الزبير عن عبدالله بن باباه، عن جبير بن مطعم، وصححه ~~الترمذي، ورواه الدارقطني من وجهين آخرين، عن نافع بن جبير، عن أبيه، ومن ~~طريقين آخرين عن جابر وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزبير، عن عبدالله ~~بن باباه، عن جبير، لا عن جابر. وأخرجه الدارقطني أيضا، عن ابن عباس من ~~رواية مجاهد عنه، ورواه الطبراني من رواية عطاء، عن ابن عباس، ورواه أبو ~~نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة عن أبي ~~الزبير، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه، وهو معلول. وروى ابن عدي من ~~طريق سعيد بن أبي راشد، عن عطاء، عن أبي هريرة حديث # " لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس " # الحديث وزاد في آخره " من طاف فليصل " أي حين طاف، وقال: لا يتابع عليه، ~~وكذا قال البخاري. وروى البيهقي من طريق عبدالله بن باباه، عن أبي ~~الدرداء: أنه طاف عند مغاب الشمس فصلى الركعتين، وقال: إن هذه البلدة ~~ليست كغيرها. # تنبيه # عزا المجد ابن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة، إلا ~~البخاري. وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطبري، فقال: رواه السبعة إلا ~~البخاري، وابن الرفعة، فقال: رواه مسلم، ولفظه # " لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " # وكأنه والله أعلم: لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة، دون البخاري ~~اقتطع مسلما من بينهم واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن ~~تيمية، فأخطأ مكررا. # فائدة # قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة، صلاة الطواف خاصة: وهو ~~الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات. انتهى كلام ms2068 ابن حجر في التلخيص ~~الحبير. # وهذا الذي ذكرنا عن الشافعي وأصحابه من جواز صلاة ركعتي الطواف في أوقات ~~النهي بلا كراهة، حكاه ابن المنذر، عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن، ~~والحسين ابني علي، وابن الزبير، وطاوس، وعطاء، والقاسم بن محمد، وعروة، ~~ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح ~~المهذب. # ومما استدلوا به على ذلك ما رواه مجاهد عن أبي ذر مرفوعا # " لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ~~إلا بمكة " # قال ابن حجر في التلخيص: في هذا الحديث رواه الشافعي أخبرنا عبدالله بن ~~المؤمل، عن حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، وفيه قصة وكرر ~~الاستثناء ثلاثا. ورواه أحمد عن يزيد، عن عبدالله بن المؤمل إلا أنه لم ~~يذكر حميدا في سنده. ورواه ابن عدي من حديث سعيد بن سالم عند عبدالله بن ~~المؤمل، فلم يذكر قيسا، ورواه ابن عدي من طريق اليسع بن طلحة وسمعت ~~مجاهدا يقول: بلغنا أن أبا ذر فذكره، وعبد الله ضعيف، وذكر ابن عدي هذا ~~الحديث من جملة ما أنكر عليه. وقال البيهقي: فقال تفرد به عدالله ولكن ~~تابعه إبراهيم بن طهمان، ثم ساقه بسنده إلى خلاد بن يحيى قال: ثنا ~~إبراهيم بن طهمان، ثنا حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: ~~جاءنا أبو ذر فأخذ بحلقة الباب الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لم يسمع ~~مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير ~~واحد. قال البيهقي: قوله في رواية إبراهيم بن طهمان: جاءنا أبو ذر أي جاء ~~بلدنا. # قلت: ورواه ابن خزيمة في صحيحه، من حديث سعيد بن سالم كما رواه ابن عدي ~~وقال: أنا أشك في سماع مجاهد، من أبي ذر انتهى. كلام ابن حجر في التلخيص ~~الحبير. # هذا هو حاصل ما احتج به الشافعي، وأصحابه، ومن وافقهم على جواز صلاة ~~ركعتي الطواف، في أوقات النهي وحجة مخالفيهم هي عموم الأحاديث الواردة في ms2069 ~~النهي عن الصلاة في تلك الأوقات وظاهرها العموم. # وقد قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: وأنت خبير بأن حديث جبير بن ~~مطعم، لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي المتقدمة، لأنه أعم منها من وجه وأخص ~~من وجه، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر، لما عرفت غير مرة ~~انتهى منه، وهو كما قال رحمه الله. # والقاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من ~~وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح ~~بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: # وإن يك العموم من وجه ظهر # فالحكم بالترجيح حتما معتبر # وإيضاح كون حديث جبير المذكور بينه، وبين أحاديث النهي المذكورة عموم ~~وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني رحمه الله: هو أن أحاديث النهي عامة في ~~مكة وغيرها، خاصة في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي ~~وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير ~~مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ~~ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، ~~وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها ~~في مكة فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث ~~النهي أرجح من حديث جبير من وجهين: # أحدهما: أنها أصح منه لثبوتها في الصحيح. # والثاني: هو ما تقرر في الأصول، أن النص الدال على النهي يقدم على النص ~~الدال على الإباحة، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه ~~مرارا. والعلم عند الله تعالى. # الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال العلماء، وأصحها إن شاء الله: أن ~~الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه، لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال ~~الحج كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي كلها لا تفتقر إلى ~~نية، لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ودليله ~~واضح، لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها فكما لا ms2070 يحتاج كل ركوع وسجود من ~~الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال ~~الحج لنية تخص كل واحد منها، لشمول نية الحج لجميعها. # ومما استدلوا به لذلك، أنه لو وقف بعرفة ناسيا أجزأه ذلك بالإجماع، ~~قاله النووي. ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء الله قولان آخران لأهل ~~العلم: # أحدهما: وبه قال أبو علي بن أبي هريرة من الشافعية، أن ما كان منها ~~مختصا بفعل كالطواف والسعي والرمي، فهو مفتقر إلى نية، وما كان منها غير ~~مختص بفعل بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر ~~إلى نية. # والثاني منهما: وبه قال أبو إسحاق المروزي: أنه لا يفتقر شيء من أعمال ~~الحج، إلى نية إلا الطواف، لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إلى النية، وأظهرها ~~وأصحها إن شاء الله الأول، وهو قول الجمهور. # الفرع العاشر: أظهر قولي العلماء عندي أنه إن أقيمت الصلاة وهو في ~~أثناء الطواف أنه يصلي مع الناس ولا يستمر في طوافه مقدما إتمام الطواف ~~على الصلاة، وممن قال بذلك: ابن عمر، وسالم، وعطاء، وأبو حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وأبو ثور. وروي ذلك عنهم في السعي أيضا ~~ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلا للصلاة المكتوبة خاصة، إذا ~~أقيمت، وهو في أثناء الطواف، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة، ويندب ~~عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء شوط، وإن قطعه لغيرها كصلاة الجنازة، ~~أو تحصيل نفقة لا بد منها لم يبن على ما مضى منه، بل يستأنف الطواف ~~عندهم، لأنه لا يجوز عندهم قطعه لذلك ابتداءن كما ذكرناه قريبا. وقيل: ~~يمضي في طوافه، ولا يقطعه للصلاة واحتج من قال بهذا، بأن الطواف صلاة، ~~فلا تقطع لصلاة. ورد عليه بحديث # " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " # ومن قال من أهل العلم: إن الطواف يجوز قطعه للصلاة على الجنازة والحاجة ~~الضرورية: كالشافعية والحنابلة، قالوا: يبني على ما أتى به من أشواط ~~الطواف، فإن كان قطعه للطواف عند انتهاء شوط من ms2071 أشواطه، بنى على الأشواط ~~المتقدمة، وجاء ببقية الأشواط، وإن كان قطعه له في أثناء الشوط، فأظهر ~~قولي أهل العلم عندي: أنه يبتدئ من الموضع الذي وصل إليه، ويعتد ببعض ~~الشوط الذي فعله قبل قطع الطواف، خلافا لمن قال: إنه يبتدئ الشوط الذي ~~قطع الطواف في أثنائه، ولا يعتد ببعضه الذي فعله: وهو قول الحسن، وأحد ~~وجهين عند بعض الشافعية، وهو مندوب عند المالكية إن قطعه للفريضة كما ~~تقدم وكذلك لو أحدث في أثناء الطواف عند من يقول: إنه يتوضأ، ويبني على ~~ما مضى من طوافه، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. # الفرع الحادي عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن من طاف قبل التحلل، وهو ~~لابس مخيطا أن الطواف صحيح كمن صلى في ثوب حرير، ولكنه يلزمه الدم ~~والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثاني عشر: لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم: أن الطواف جائز ~~في أوقات النهي عن الصلاة، وفي صلاة الركعتين، إذا طاف وقت نهى الخلاف ~~الذي تكلمنا عليه قريبا. # الفرع الثالث عشر: اختلف العلماء في صلاة النافلة في المسجد الحرام. ~~والطواف بالبيت أيهما أفضل؟ فقال بعض أهل العلم: الطواف أفضل. وبه قال ~~بعض علماء الشافعية، واستدلوا بأن الله قدم الطواف على الصلاة في قوله # وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود # [البقرة: 125] وقوله # وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع ~~السجود # [الحج: 26] وقال بعض أهل العلم: الصلاة أفضل لأهل مكة والطواف أفضل ~~للغرباء. وممن قال به: ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، كما نقله ~~عنهم النووي في شرح المهذب. # المسألة السادسة: اختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة في الحج ~~والعمرة، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة؟ لا يصح واحد منهما بدونه، ولا ~~يجبر بدم، أو هو واجب يجبر بدم، أو سنة لا يلزم بتركه دم؟ وممن قال: إنه ~~ركن من أركان الحج والعمرة مالك والشافعي وأصحابهما، وأم المؤمنين عائشة، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وهو رواية عن الإمام أحمد كما ms2072 نقله النووي في ~~شرح المهذب، وقال في شرح مسلم: مذهب جماهير العلماء من الصحابة ~~والتابعين، ومن بعدهم: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا ~~يصح إلا به، ولا يجبر بدم وممن قال بهذا: مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق، ~~أبو ثور. انتهى محل الغرض منه، وعزوه إياه لأحمد، قد قدمنا فيه أنه إحدى ~~الروايات عن أحمد. # وقال ابن قدامة في المغني: وروي عن أحمد أنه ركن لا يتم الحج إلا به، ~~وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشافعي. # وممن قال إنه واجب يجبر بدم: أبو حنيفة وأصحابه، والحسن، وقتادة، ~~والثوري، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذكره النووي رواية عن أحمد وقد ~~رواه ابن القصار من المالكية، عن القاضي إسماعيل، عن مالك وقال ابن قدامة ~~في المغني: إنه أولى. وذكر النووي عن طاوس أنه قال: من ترك من السعي ~~أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع. وليس هو بركن، ~~ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة. انتهى. # وما قال النووي: إنه مذهب أبي حنيفة من أن ترك أقل السعي فيه الصدقة ~~بنصف صاع عن كل شوط، عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين ~~الحقائق، شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى بالكافي ا ه. # ومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإفاضة، أن من ترك منه ثلاثة أشواط ~~فأقل، فعليه دم، وحجه صحيح، وتفريقه بين الأقل والأكثر في الطواف الذي هو ~~ركن يدل على التفريق بينهما في السعي، وممن روي عنه أن السعي بين الصفا ~~والمروة سنة لا يلزم بتركه دم: ابن مسعود وأبي بن كعب، وأنس، وابن عباس، ~~وابن الزبير، وابن سيرين. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في السعي: فاعلم أنا نريد هنا أن نبين أدلة ~~كل منهم على ما ذهب إليه مع مناقشتها. # فأما الذين قالوا: إنه ركن من أركان الحج والعمرة، فقد استدلوا لذلك ~~بأدلة: # منها قوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] الآية. قالوا: فتصريحه تعالى بأن الصفا ms2073 والمروة من شعائر ~~الله، يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه، لأن شعائر الله عظيمة، ~~لا يجوز التهاون بها. وقد أشار البخاري رحمه الله في صحيحه إلى أن كونهما ~~من شعائر الله. # يدل على ذلك. قال: باب وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله. # وقال ابن حجر في الفتح في شرح قول البخاري: وجعل من شعائر الله: أي وجوب ~~السعي بينهما، مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنير في ~~الحاشية. انتهى الغرض من كلامه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يدل على أن شعائر الله لا يجوز ~~التهاون بها، وعدم إقامتها قوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله # [المائدة: 2] الآية. وقوله تعالى: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32] الآية، ومن أدلتهم على ذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة ~~سبعا " # وقد دل على أن ذلك لا بد منه دليلان: # الأول: هو ما قدمنا من أنه تقرر في الأصول أن فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب الله، أن ذلك الفعل يكون لازما، ~~وسعيه بين الصفا والمروة، فعل بين به المراد من قوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] والدليل على أنه فعله بيانا للآية هو قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " نبدأ بما بدأ الله به " # يعني الصفا لأن الله بدأ بها في قوله: # إن الصفا والمروة # [البقرة: 158] الآية. وفي رواية " أبدأ " بهمزة المتكلم والفعل مضارع. ~~وفي رواية عند النسائي # " ابدؤوا بما بدأ الله به " # بصيغة الأمر. # الدليل الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال # " لتأخذوا عني مناسككم " # وقد طاف بين الصفا والمروة سبعا، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ~~ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63] فاجتماع هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا يدل ms2074 على اللزوم: وهي ~~كونه سعى بين الصفا والمروة سبعا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله ~~وأنه قال: # " لتأخذوا عني مناسككم ". # أما طوافه بينهما سبعا فهو ثابت بالروايات الصحيحة. # منها: حديث ابن عمر الثابت في الصحيح ولفظه في صحيح البخاري. قال: # " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ~~ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعا. لقد كان لكم في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسوة حسنة " # وفي لفظ في صحيح مسلم، من حيث ابن عمر " فأتى الصفا، فطاف بالصفا ~~والمروة سبعة أطواف " والروايات بسعيه صلى الله عليه وسلم سبعا بين ~~الصفا والمروة كثيرة معروفة. # وقد مثلنا لها بحديث ابن عمر المتفق عليه. وأما كون ذلك السعي بيانا ~~لآية # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] الآية. فهو أمر لا شك فيه، ويدل عليه أمران: # أحدهما: سبب نزول الآية، لأنه ثبت في الصحيحين أنها نزلت في سؤالهم عن ~~السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابا عن سؤالهم عن حكم ~~السعي، بين الصفا والمروة، فسعى النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها ~~بيان لها. # والأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم # " أبدأ بما بدأ الله به " # يعني الصفا كما تقدم قريبا، وأما حديث # " لتأخذوا عني مناسككم " # فقد قال مسلم في صحيحه في باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر ~~راكبا، وبيان قوله صلى الله عليه وسلم # " لتأخذوا عني مناسككم " # حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم جميعا، عن عيسى بن يونس، قال ابن ~~خشرم: أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول # " لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " # وقال البيهقي في السنن الكبرى: في باب الإيضاح في وادي محسر: وأخبرنا ~~علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب، ثنا علي بن عبد ~~العزيز، ثنا إبراهيم ms2075 قال: وحدثنا حفص ثنا قبيصة قال: وحدثنا يوسف القاضي، ~~ومعاذ بن المثنى قالا: ثنا ابن كثير، قالوا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، ~~عن جابر قال: أفاض النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه السكينة، وأمرهم ~~بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، ~~وقال # " خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا " # انتهى منه. # وقال النووي في شرح المهذب: إن هذا الإسناد الذي رواه به البيهقي صحيح ~~على شرط البخاري، ومسلم. # واعلم أن رواية مسلم ورواية البيهقي المذكورتين معناهما واحد، لأن # " خذوا عني مناسككم " # بصيغة فعل الأمر يؤدي معنى قوله " لتأخذوا عني " بالفعل المضارع المجزوم ~~بلام الأمر، فكلتا الصيغتين صيغة أمر، ومن المعلوم أن الصيغ الدالة على ~~الأمر أربع، الأولى فعل الأمر نحو # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] وقوله # " خذوا عني مناسككم ". # الثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] وقوله # " لتأخذوا عني مناسككم " # في رواية مسلم. # الثالثة: اسم فعل الأمر نحو قوله تعالى # عليكم أنفسكم # [المائدة: 105]. # الرابعة: المصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # [محمد: 4] أي فاضربوا رقابهم. # ومن أدلتهم على أن السعي فرض لا بد منه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ~~عن عائشة رضي الله عنها قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو ~~اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت ~~لها: أرأيت قوله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158] فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: ~~بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت لكما أولتها عليه كانت لا جناح ~~عليه، ألا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا ~~يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها، عند المشلل فكان من أهل يتحرج ~~أن يطوف بالصفا، والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله ms2076 عليه ~~وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا ~~والمروة، فأنزل الله تعالى { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله } الآية قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت ~~أبا بكر بن عبدالرحمن فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا ~~من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة، ممن كان يهل لمناة ~~كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ~~ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة ~~وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن ~~نطوف بالصفا، والمروة؟ فأنزل الله تعالى # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين ~~كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، ~~والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله ~~تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر ~~الطواف بالبيت. انتهى من صحيح البخاري. # وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم سن الطواف ~~بين الصفا والمروة أي فرضه بالسنة، وقد أجابت عائشة عما يقال: إن رفع ~~الجناح في قوله # فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158] ينافي كونه فرضا بأن ذلك نزل في قوم، تحرجوا من السعي ~~بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الآية مبينة أن ما ~~ظنوه من الحرج في ذلك منفي. # وقد تقرر في الأصول أن النص الوارد في جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له، ~~كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذه المسألة. وقال ابن حجر في: فتح ~~الباري في الكلام على هذا الحديث: # تنبيه # قول عائشة رضي الله عنها: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بين ~~الصفا والمروة أي فرضه بالسنة، وليس ms2077 مرادها نفي فرضيته، ويؤيده قولها: لم ~~يتم الله حج أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما. # وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، ~~عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال: قلت لها: إني لا أظن رجلا لو ~~لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره. قالت لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] إلى آخر الآية فقالت: ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته ~~لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول، لكان { فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما } الحديث، وفي رواية في صحيح مسلم، عن ~~عروة قال: قلت لعائشة: " ما أرى علي جناحا أن لا أتطوف بين الصفا ~~والمروة، قالت لم؟ قلت: لأن الله عز وجل يقول: { إن الصفا ~~والمروة من شعآئر الله } الآية فقالت: لو كان كما تقول، ~~لكان { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } إنما أنزل هذا ~~في أناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم ~~أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للحج ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، " فلعمري ما ~~أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة " وفي رواية، عن عروة أيضا ~~في صحيح مسلم قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ~~على أحد، لم يطف بين الصفا والمروة شيئا، وما أبالي، أن لا أطوف ~~بينهما. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وطاف المسلمون، فكان سنة، وإنما كان من أهل لمناة الطاغية، التي ~~بالمشلل، لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158] ولو كانت كما تقول، لكانت فلا جناح عليه، ألا يطوف ~~بينهما. قال ms2078 الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحرث بن هشام ~~فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا العلم، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: ~~إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب، يقولون: إن طوافنا بين ~~هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا ~~بالطواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] قال أبو بكر بن عبدالرحمن: فأراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء، ~~وفي رواية في صحيح مسلم، عن عروة بن الزبير أيضا قال: سألت عائشة. # وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا ~~والمروة، فأنزل الله عزوجل # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158] قالت عائشة: قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف ~~بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بهما. # فهذه الروايات الثابتة في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها فيها الدلالة ~~الواضحة، على أن السعي بين الصفا والمروة ركن، لا بد منه، لأنك رأيت في ~~بعض هذه الروايات الثابتة عنها في الصحيح، أنها قالت: ما أتم الله حج ~~امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، وفي بعضها قالت: فلعمري ما ~~أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. وفي رواية متفق عليها عنها رضي ~~الله عنها: قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس ~~لأحد أن يترك الطواف بينهما إلى آخر ما تقدم، من الروايات وفيها النص ~~الصريح الصحيح، على أن السعي لا بد منه وأن من لم يسع، لم يتم له حج ولا ~~عمرة. # تنبيه # اعلم أن ما يظنه كثير من أهل العلم، من أن حديث عائشة هذا، الدال على أن ~~السعي لا بد منه، وأنه لا يتم بدونه حج، ولا عمرة أنه موقوف عليها غير ms2079 ~~صواب، بل هو مرفوع، ومن أصرح الأدلة في ذلك أنها رتبت بالفاء في الرواية ~~المتفق عليها قولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، على قولها: قد سن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وهو صريح في أن قولها: ليس لأحد أن ~~يترك الطواف بينهما، لأجل أنه صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما، ودل ~~هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنه أنه فرضه بسنته كما جزم به ~~ابن حجر في الفتح، مقتصرا عليه، مستدلا له بأنها قالت: ما أتم الله حج ~~امرئ ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة، فقولها: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سن الطواف بينهما وترتيبها على ذلك بالفاء قولها: فليس لأحد أن ~~يترك الطواف بينهما، وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة، إلا بذلك دليل واضح ~~على أنها إنما أخذت ذلك مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا برأي ~~منها، كما ترى. # وقد تقرر في الأصول في مبحث النص الظاهر من مسالك العلة أن الفاء في ~~الكتاب، والسنة تفيد التعليل، وكذلك هي في كلام الراوي الفقيه، فهو ~~المرتبة الثانية بعد الوحي من كتاب، أو سنة، ثم يلي ذلك الفاء من الراوي ~~غير الفقيه. # ومثاله في الوحي قوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] أي لعلة سرقتها. وقوله تعالى # قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض # [البقرة: 222] أي لعلة كون الحيض أذى. # ومثاله في كلام الراوي. حديث أنس المتفق عليه: أن يهوديا رض رأس جارية ~~بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا فلا أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، ~~فأومأت برأسها فجيء به فاعترف، فأمر به فرض رأسه بحجرين. فقول أنس في هذا ~~الحديث الصحيح: فأمر به فرض رأسه بحجرين: أي لعلة رضه رأس الجارية ~~المذكورة، بين حجرين. # ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود في سننه، عن عمران بن حصين " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم " ا ه. أي ~~سجد لعلة سهوه، ms2080 وكذلك قول عائشة رضي الله عنها: قد سن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، أي لأجل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سن ذلك: أي فرضه بسنته كما تقدم إيضاحه، وإلى ~~إفادة الفاء التعليل في كلام الشارع ثم الراوي الفقيه ثم الراوي غير ~~الفقيه أشار في مراقي السعود بقوله في مراتب النص الظاهر: # فالفاء الشارع فالفقيه # فغيره يتبع بالشبيه # ومن أدلتهم على أن السعي ركن لا بد منه: حديث # " إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس، ومن حديث ~~حبيبة بنت أبي تجراة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية بنت شيبة. # قال الزيلعي في نصب الراية: أما حديث ابن عباس، فرواه الطبراني في ~~معجمه، ثنا محمد بن النضر الأزدي، عن معاوية بن عمرو، عن المفضل بن صدقة، ~~عن ابن جريج، وإسماعيل بن مسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرمل؟ فقال # " إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # انتهى. # وأما حديث حبيبة بنت أبي تجراة فرواه الشافعي، وأحمد بن راهويه، ~~والحاكم في المستدرك وسكت عليه، وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل، ~~وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي، ووافقهم. ومن طريق أحمد الطبراني في ~~معجمه، ومن طريق الشافعي رواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما، قال ~~الشافعي: أخبرنا عبدالله بن المؤمل العائذي، عن عمر بن عبد الرحمن بن ~~حصين، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة ~~إحدى نساء بني عبد الدار قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ~~ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول # " اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي " # انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك أيضا في الفضائل، عن عبدالله بن ~~نبيه، عن جدته صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة بنحوه. ms2081 وسكت عنه أيضا، ~~ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا محمد عن عبدالله بن المؤمل، حدثنا ~~عبدالله بن أبي حسين عن عطاء، عن حبيبة بنت أبي تجراة، فذكره، قال أبو ~~عمرو بن عبد البر: أخطأ ابن أبي شيبة أو شيخه في موضعين منه. # أحدهما: أنه جعل موضع ابن محيصن عبدالله بن أبي حسين، والآخر أنه أسقط ~~صفية بنت شيبة. قال ابن القطان في كتابه: وعندي أن الوهم من عبدالله بن ~~المؤمل فإن ابن أبي شيبة إمام كبير، وشيخه محمد بن بشر ثقة، وابن المؤمل: ~~سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث اضطرابا كثيرا فأسقط عطاء مرة، ~~وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وأبدل ابن محيصن بابن أبي حسين ~~أخرى، وجعل المرأة عبدرية تارة ويمنية أخرى. وفي الطواف تارة، وفي السعي ~~بين الصفا والمروة أخرى، وكل ذلك دليل على سوء حفظه، وقلة ضبطه. والله ~~أعلم انتهى. # طريق آخر أخرجه الدارقطني في سننه، عن ابن المبارك، أخبرني معروف بن ~~مشكان، قال: أخبرني منصور بن عبدالرحمن، عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة ~~من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن: دخلنا ~~دار ابن أبي حسين فاطلعنا من باب مقطع فرأينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يشتد في المسعى إلى آخره. # قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح ومعروف بن مشكان باني كعبة الرحمن صدوق، ~~لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين. انتهى. # وأما حديث " تملك العبدرية " فأخرجه البيهقي في سننه، والطبراني في ~~معجمه عن مهران بن أبي عمر، ثنا سفيان، ثنا المثنى بن الصباح عن المغيرة ~~بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك العبدرية: قالت: نظرت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة، وهو يقول # " أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # انتهى. تفرد به مهران بن أبي عمر، قال البخاري: في حديثه اضطراب. وأما ~~حديث صفية بنت شيبة فرواه الطبراني في معجمه، حدثنا ms2082 محمد بن عيد الحضرمي، ~~ثنا علي بن الحكم الأودي، ثنا حميد بن عبدالرحمن عن المثنى بن الصباح، عن ~~المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # انتهى. # وذكر الدارقطني في علله: في هذا الحديث اضطرابا كثيرا. ثم قال: ~~والصحيح قول من قال عن عمر بن محيصن، عن عطاء، عن صفية، عن حبيبة بنت أبي ~~تجراة وهو الصواب انتهى. # وقال الحازمي في كتابه: الناسخ والمنسوخ: الوجه السادس والعشرون من وجوه ~~الترجيحات: هو أن يكون أحد الحديثين من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو مقارن فعله، والآخر مجرد قوله لا غير، فيكون الأول أولى بالترجيح نحو ~~ما روته حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~بطن المسيل يسعى: وهو يقول # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # فهو أولى من حديث # " الحج عرفة " # لأنه مجرد قول. والأول قول وفعل، وفيه أيضا إخباره عن الله أنه أوجبه ~~علينا، فكان أولى. انتهى كلامه. # ورواه الواقدي في كتاب المغازي: حدثنا علي بن محمد بن عبيدالله بن ~~عبدالله بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبدالرحمن، عن أمه عن برة بنت ~~أبي تجراة قالت: لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى السعي قال # " أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # قالت: فسعى حتى رأيت إزاره انكشف عن فخذه. انتهى كله من نصب الراية ~~للزيلعي. # وقد رأيته عزا لصاحب التنقيح: أن حديث صفية بنت شيبة، عن نسوة من بني ~~عبد الدار أدركن النبي صلى الله عليه وسلم أنهن رأينه، يطوف بين الصفا ~~والمروة وهو يقول # " إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # أن إسناده صحيح، وهو نص في محل النزاع. والظاهر أن الإسناد المذكور صحيح ~~كما قال. لأن معروف بن مشكان المذكور صدوق، ومنصور بن عبدالرحمن بن طلحة ~~بن الحارث العبدري الحجبي ثقة، وهو ابن صفية بنت شيبة المذكورة. # وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث صفية ms2083 بنت شيبة، عن نسوة ~~من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استقبل ~~الناس في المسعى، وقال # " يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم " # رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن. انتهى منه. # وهو نص صالح للاحتجاج في أن السعي مما كتب على الناس، ولفظة: كتب: تدل ~~على اللزوم. # فإن قيل: حديث حبيبة المذكور في إسناده عبدالله بن المؤمل، وهو وإن كان ~~وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، فقد ضعفه غيره، وحديث صفية في إسناده موسى بن ~~عبيدة، وهو ضعيف، وحديث: تملك المذكور فيه المثنى بن الصباح، وهو وإن ~~وثقه ابن معين في رواية، فقد ضعفه جماعة. وحديث بان عباس المذكور فيه ~~المفضل بن صدقة، وهو متروك. # فالجواب: أن رواية صفية بنت شيبة عن نسوة من بني عبد الدار عند ~~الدارقطني والبيهقي، ليس في إسنادها شيء مما ذكر، وقد صحح إسنادها ابن ~~الهمام في التنقيح، كما ذكره الزيلعي وحسنها النووي في شرح المهذب، ~~والبيهقي روى حديثها المذكور من طريق الدارقطني، قال في سننه الكبرى: ~~أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحارث الفقيه قالا: ثنا علي ~~بن عمر الحافظ، ثنا يحيى بن صاعد، ثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، ثنا ابن ~~المبارك، أخبرني معروف ابن مشكان، أخبرني منصور بن عبدالرحمن، حسين، ~~فأطلعنا من باب مقطع، ورأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد في ~~المسعى، حتى إذا بلغ زقاق بني فلان، موضعا قد سماه من المسعى، استقبل ~~الناس فقال: # " يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم " # انتهى منه. # فهذا الإسناد هو الذي صححه صاحب التنقيح، وحسنه النووي. # واعلم أن اختلاف الروايات في المرأة التي روت عنها صفية المذكورة هذا ~~الحديث، لا يضر لتصريحها في رواية الدارقطني والبيهقي، هذه بأنها روت ذلك ~~عن نسوة أدركن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذن فلا مانع من أن تسمى ~~واحدة منهن في رواية، وتسمى غيرها منهن في رواية أخرى كما لا يخفى وقال ~~ابن حجر في فتح ms2084 الباري: واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة، عن ~~حبيبة بنت أبي تجراة بكسر المثناة، وسكون الجيم بعدها راء، ثم ألف ساكنة، ~~ثم هاء، وهي إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل ~~أبي حسين، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى وإن مئزره ليدور من ~~شدة السعي، وسمعته يقول: # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # أخرجه الشافعي، وأحمد وغيرهما. وفي إسناد هذا الحديث: عبد الله بن ~~المؤمل، وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب. # قلت: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس ~~كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت. # واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها، ويجوز أن تكون ~~أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الدارقطني عنها: أخبرتني نسوة من بني عبد ~~الدار، فلا يضره الاختلاف. انتهى الغرض من كلام ابن حجر. # وقد علمت مما ذكرنا أن بعض طرق حديث # " إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " # لا تقل عن درجة القبول. وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه ~~من حديث عائشة، عند الشيخين. وبظاهر الآية كما بينا، وبما سيأتي أيضا إن ~~شاء الله تعالى. # ومن أدلتهم على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى المتفق ~~عليه، من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال مسلم رحمه الله في ~~صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن ~~جعفر، أخبرنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، # " عن أبي موسى قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منيخ ~~بالبطحاء، فقال لي " أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك ~~بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فقد أحسنت. طف بالبيت ~~وبالصفا والمروة " # الحديث قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري # " طف بالبيت وبالصفا والمروة " # أمر صريح منه صلى الله ms2085 عليه وسلم بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم ~~يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دل على اقتضائها الوجوب: الشرع واللغة. # وقال بعضهم: إن العقل يفيد ذلك، وليس بسديد عندي، أما دلالة الشرع على ~~ذلك ففي نصوص كثيرة كقوله تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63] وهذا الوعيد العظيم على مخالفة أمره، يدل على وجوب امتثال ~~أمره، وكقوله تعالى: لإبليس لما لم يمتثل الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل ~~التي هي قوله تعالى # اسجدوا لآدم... ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 11-12] الآية فتوبيخه وتقريعه له في هذه الآية لمخالفته ~~الأمر، وقد سمي نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مخالفة ~~الأمر معصية وذلك يدل على وجوب الامتثال في قوله تعالى عنه # أفعصيت أمري # [طه: 93] وكقوله تعالى # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] فجعل أمر الله ورسوله مانعا من الاختيار موجبا ~~للامتثال، منبها على عدم الامتثال معصية في قوله بعده: # ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا # [الأحزاب: 36] وكقوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] وقوله صلى الله عليه وسلم # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # إلى غير ذلك من الأدلة. # وأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة أفعل الوجوب. فإيضاحها أن أهل اللسان ~~العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلا، ثم لم يمتثل ~~العبد وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعا موقعه، لأن ~~صيغة أفعل ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول: صيغة افعل لم توجب على ~~الامتثال، ولم تلزمني إياه؟ فعقابك لي غلط لأني لم أترك شيئا لازما، ~~حتى تعاقبني عليه. وإجماعهم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب ~~لعصيانه، دليل على أن صيغة أفعل تقتضي الوجوب ما لم يصرف عنه صارف، وهو ~~قول جمهور الأصوليين. ومقابله أقوال أخر، أشار لها في ms2086 مراقي السعود بقوله ~~في مبحث الأمر: # وافعل لدى الأكثر للوجوب # وقيل للندب أو المطلوب # وقيل للوجوب أمر الرب # وأمر من أرسله للندب # ومفهم الوجوب يدري الشرع # أو الحجا أو المفيد الوضع # وقال بعض أهل العلم: إن دلالة اللغة على اقتضاء الأمر الوجوب راجعة إلى ~~دلالة الشرع، لأن الشرع هو الذي دل على وجوب طاعة العبد لسيده. # ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه: ما قدمنا من حديث ~~ابن عمر عند الترمذي، أنه صلى الله عليه وسلم قال # " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما ~~جميعا " # قال المجد في المنتقى: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفيه ~~دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. انتهى منه. # والذي رأيته في الترمذي لما ساق الحديث بلفظه المذكور: هو أنه قال: قال ~~أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، تفرد به الداوردي على ذلك اللفظ، وقد ~~رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه. وهو أصح. انتهى منه. # ومن أدلتهم على ذلك: ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح، من أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها # " يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك " # وهذا اللفظ في صحيح مسلم، قالوا: ويفهم من قوله # " يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك " # أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها أجزاء عن حجها وعمرتها، هذا هو حاصل ~~ما استدل به القائلون بأنه ركن من أركان الحج والعمرة. # وأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، فهي قوله تعالى # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158] قالوا: فرفع الجناح في قوله { فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن ~~الزبير، لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. # والجواب عن ms2087 الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به ~~عائشة عروة، فإنها أولا ذمت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما ~~قلت يا ابن أختي، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الذم، وما ذمت ~~تفسير الآية بما ذكر، إلا لأنه تفسير غير صحيح، وقد بينت له أن الآية ~~نزلت جوابا لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحا، وإذا ~~فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال، لا لإخراج المفهوم عن حكم ~~المنطوق، فلو سألك سائل مثلا قائلا: هل علي جناح في أن أصلي الخمس ~~المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها ~~غير واجبة، وإنما قلت: لا جناح في ذلك، ليطابق جوابك السؤال، وقد دلت ~~قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح، عمن لم يسع بين الصفا والمروة. # الأول منهما: أن الله قال في أول الآية # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] وكونهما من شعائر الله، لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع ~~الجناح عمن لم يطف بينهما، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما، وعدم التهاون ~~بهما، كما أوضحناه في أول هذا المبحث. # والقرينة الثانية: هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال: فلا جناح عليه ألا ~~يطوف بهما، كما قالت عائشة لعروة، وقد تقرر في الأصول: أن اللفظ الوارد ~~جوابا لسؤال لا مفهوم مخالفة له، لأن المقصود به مطابقة الجواب للسؤال، ~~لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أوضحنا هذا في سورة البقرة في ~~الكلام على آية الطلاق، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ~~ما يمنع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة: # أو جهل الحكم أو النطق انجلب # للسؤل أو جرى على الذي غلب # ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل. # ومعنى ذلك: أن المنطوق إذا كان جوابا لسؤال فلا مفهوم مخالفة له، لأن ~~المقصود بلفظ المنطوق مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم ~~المنطوق. # فإن قيل: جاء في بعض قراءات الصحابة { فلا جناح عليه أن ms2088 ~~يطوف بهما } كما ذكره الطبري، وابن المنذر وغيرهما، عن أبي بن ~~كعب، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم. # فالجواب من وجهين: # الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في ~~المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه ~~قرآنا. ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب ~~مالك، والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا، فبطل كونه ~~قرآنا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء، وقال بعض أهل العلم: إذا بطل ~~كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد، التي ليست بقرآن، ~~فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة ~~المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر ~~المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن ~~الجمع بينهما لأنهما نقيضان. # الوجه الثاني: هو ما ذكره ابن حجر في الفتح عن الطبري والطحاوي، من أن ~~قراءة: أن لا يطوف بهما، محمولة على القراءة المشهورة، ولا زائدة. انتهى. ~~ولا يخلو من تكلف كما ترى. # واعلم أن قوله تعالى # ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158] لا دليل فيه، على أن السعي تطوع، وليس بفرض، لأن التطوع ~~المذكور في الآية راجع إلى نفس الحج والعمرة، لا إلى السعي لإجماع ~~المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والعلم ~~عند الله تعالى. # وأما حجة من قال: السعي واجب يجبر بدم، فهي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طاف بينهما فدل ذلك على أن الطواف بينهما نسك، وفي الأثر المروي عن ~~ابن عباس: من ترك نسكا فعليه دم. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن جمهور العلماء على أن السعي لا تشترط له طهارة ~~الحدث، ولا الخبث، ولا ستر العورة، فلو سعى، وهو محدث أو جنب، أو سعت ~~امرأة وهي حائض، فالسعي صحيح، ولا يبطله ذلك، ms2089 وممن قال به الأئمة ~~الأربعة، وجماهير أهل العلم، وقال الحسن: إن كان قبل التحلل تطهر وأعاد ~~السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه، وذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام ~~أحمد: أن الطهارة في السعي، كالطهارة في الطواف. # قال ابن قدامة في المغني: ولا يعود عليه، والطهارة في السعي مستحبة عند ~~كثير من أهل العلم، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم. وحجة الجمهور ~~على أن السعي لا تشترط له الطهارة: هي ما تقدم من حديث عائشة المتفق ~~عليه، وقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: أن تفعل ~~كل ما يفعله الحاج، وهي حائض إلا الطواف بالبيت خاصة. وهو دليل على أن ~~السعي لا تشترط له الطهارة، خلافا لمن قال: لا دليل في الحديث، لأن ~~السعي لا يصح إلا بعد طواف، والحيض مانع من الطواف، وهو مردود بأن النفي ~~والإثبات نص في أن غير الطواف يصح من الحائض ويدخل فيه السعي. # وقال ابن قدامة في المغني: قال أبو داود: سمعت أحمد، يقول: إذا طافت ~~المرأة بالبيت، ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. وروي عن عائشة، ~~وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت ركعتين، ثم حاضت ~~فلتطف بالصفا والمروة، رواه الأثرم. وقال ابن قدامة أيضا: ولأن ذلك ~~عبادة لا تتعلق بالبيت، فأشبهت الوقوف. انتهى منه. # وقال أيضا في المغني: ولا يشترط أيضا الطهارة من النجاسة ولا الستارة ~~للسعي، لأنه إذا لم تشترط له الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى. # الفرع الثاني: اعلم أن جمهور أهل العلم يشترطون في السعي الترتيب، وهو ~~أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، ~~وممن قال باشتراط الترتيب: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، والحسن ~~البصري، والأوزاعي، وداود، وجمهور العلماء، وعن أبي حنيفة خلاف في ذلك. # قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، في فقه الإمام أبي حنيفة رحمه ~~الله: ولو بدأ من المروة لا يعتد بالأولى لمخالفته الأمر. انتهى منه. # وقال الشيخ شهاب الدين الشلبي في حاشيته ms2090 على تبيين الحقائق المذكور ~~قوله: ولو بدأ بالمروة لا يعتد بالأولى. وفي مناسك الكرماني: إن الترتيب ~~فيه ليس بشرط عندنا، حتى لو بدأ بالمروة، وأتى الصفا جاز ويعتد به، ولكنه ~~مكروه لترك السنة. فتستجيب إعادة ذلك الشوط. # قال السروجي رحمه الله في الغاية: ولا أصل لما ذكره الكرماني. # وقال الرازي في أحكام القرآن: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يعتد بذلك ~~في الرواية المشهورة، عن أصحابنا، وروي عن أبي حنيفة: أنه ينبغي له أن ~~يعيد ذلك الشوط، فإن لم يفعل، فلا شيء عليه، وجعله بمنزلة ترك الترتيب في ~~أعضاء الطهارة ا ه. # فقول السروجي: لا أصل لما قاله الكرماني فيه نظر. انتهى منه. # وحجة الجمهور في اشتراط الترتيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ~~وقال # " أبدأ بما بدأ الله به " # وفي رواية عند النسائي # " ابدؤوا بما بدأ الله به " # بصيغة الأمر، ومع ذلك فقد قال # " خذوا عني مناسككم " # فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الابتداء بما بدأ الله به، وفعله صلى ~~الله عليه وسلم عملا بالقرآن العظيم. # الفرع الثالث: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي لا يصح، إلا بعد ~~طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه، عند الجمهور، منهم الأئمة ~~الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإجماع عليه. قال النووي في شرح المهذب: ~~وحكى ابن المنذر، عن عطاء، وبعض أهل الحديث: أنه يصح، وحكاه أصحابنا عن ~~عطاء، وداود وحجة الجمهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسع في حج، ~~ولا عمرة إلا بعد الطواف، وقد قال # " لتأخذوا عني مناسككم " # فعلينا أن نأخذ ذلك عنه، واحتج من قال بصحة السعي قبل الطواف بما رواه ~~أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الشيباني، عن ~~زياد بن علاقة، # " عن أسامة بن شريك قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا فكان ~~الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله سعيت، قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا، ~~أو أخرت شيئا، فكان يقول: " لا حرج لا ms2091 حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل ~~مسلم، وهو ظالم له، فذلك الذي حرج وهلك " # انتهى منه. وهذا الإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات معروفون. وجرير المذكور ~~فيه هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبدالله الرازي القاضي ~~والشيباني المذكور فيه: هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الكوفي، ورجال ~~هذا الإسناد كلهم مخرج لهم في الصحيحين إلا الصحابي، الذي هو أسامة بن ~~شريك. وقد أخرج عنه أصحاب السنن، وروي عنه زياد بن علاقة المذكور، وعلي ~~بن الأقمر، خلافا لمن قال: لم يرو عنه إلا زياد المذكور، كما ذكره في ~~تهذيب التهذيب عن الأزدي، وسعيد بن السكن، والحاكم وغيرهم، وهذا الحديث ~~الصحيح يقتضي صحة السعي قبل الطواف، وجماهير أهل العلم على خلافه، وأنه ~~لا يصح السعي، إلا مسبوقا بالطواف. # قال النووي في شرح المهذب: في حديث أسامة بن شريك هذا بعد أن ذكر صحة ~~الإسناد المذكور، وهذا الحديث محمول على ما حمله عليه الخطابي وغيره، ~~وهو أن قوله: سعيت قبل أن أطوف: أي سعيت بعد طواف القدوم، وقبل طواف ~~الإفاضة والله تعالى أعلم انتهى منه. # فقوله: قبل أن أطوف يعني: طواف الإفاضة الذي هو ركن، ولا ينافي ذلك أنه ~~سعي بعد طواف القدوم الذي هو ليس بركن. # الفرع الرابع: اعلم أن جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: مالك، ~~وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، على أنه يشترط في صحة السعي، أن يقطع جميع ~~المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح ~~سعيه، وقد قدمنا مذهب أبي حنيفة في السعي، وأنه لو تركه كله أو ترك أربعة ~~أشواط منه فأكثر لصح حجه، وعليه دم وأنه إن ترك منه ثلاثة أشواط فأقل ~~لزمه عن كل شوط نصف صاع، وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه كطاوس هي تغليب ~~الأكثر على الأقل، مع جبر الأقل بالصدقة، ولا أعلم مستندا من النقل ~~للتفريق بين الأربعة والثلاثة، ولا لجعل نصف الصاع مقابل الشوط. والعلم ~~عند الله تعالى. # الفرع الخامس: اعلم أنه لا يجوز السعي ms2092 في غير موضع السعي، فلو كان يمر ~~من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه، ~~وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن ~~موضع السعي انحرافا يسيرا أنه يجزئه. والظاهر أن التحقيق خلافه وأنه لا ~~يصح السعي إلا في موضعه. # الفرع السادس: اعلم أن الأظهر أقوال أهل العلم دليلا: أنه لو سعى ~~راكبا أو طاف راكبا أجزأه ذلك، لما قدمنا في الصحيح من أنه صلى الله ~~عليه وسلم طاف في حجة الوداع بالبيت، وبين الصفا والمروة، وهو على ~~راحلته، ومعلوم أن من أهل العلم من يقول: لا يجزئه السعي، ولا الطواف ~~راكبا إلا لضرورة ومنهم: من منع الركوب في الطواف، وكرهه في السعي إلا ~~لضرورة، ومنهم من يقول: إن ركب ولم يعد سعيه ماشيا، حتى رجع إلى وطنه ~~فعليه الدم. والأظهر هو ما قدمنا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ~~راكبا، وسعى راكبا، وهو صلوات الله وسلامه عليه لا يفعل إلا ما يسوغ ~~فعله، وقد قال لنا # " خذوا عني مناسككم " # والذين قالوا: إن الطواف والسعي يلزم فيهما المشي. قالوا: إن ركوبه لعلة ~~وبعضهم يقول: هي كونه مريضا كما جاء في بعض الروايات، وبعضهم يقول: هي ~~أن يرتفع، ويشرف حتى يراه الناس ويسألوه، وبعضهم يقول: هي كراهيته أن ~~يضرب عنه الناس، وقد قدمنا الروايات بذلك في صحيح مسلم، ففي حديث جابر ~~عند مسلم: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على ~~راحلته يستلم الركن بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف، وليسألوه فإن الناس ~~قد غشوه. وفي رواية في صحيح مسلم عن جابر رضي الله، طاف النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع، على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه ~~الناس، وليشرف، وليسألوه حول الكعبة على بعير يستلم الركن، كراهية أن ~~يضرب عنه الناس. # المسألة السابعة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة: ركن من ~~أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن ms2093 الوقوف ينتهي وقته ~~بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر، وهو لم يأت عرفة فقد فاته ~~الحج إجماعا، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار وكان جزء النهار ~~الذي وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام، ومن اقتصر على جزء من الليل دون ~~النهار صح حجه، ولزمه دم عند المالكية، خلافا لجماهير أهل العلم ~~القائلين: بأنه لا دم عليه، وما ذكره النووي عن بعض الخراسانيين: من أن ~~الوقوف بالليل لا يجزئ ولا يصح به الحج، حتى يقف معه بعض النهار ظاهر ~~السقوط لمخالفته للنص، وعامة أهل العلم، ومن اقتصر على جزء من النهار دون ~~الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعي، وأبي حنيفة ~~وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح، وعليه دم، ولا خلاف بين العلماء: أن ~~عرفة كلها موقف. # والدليل على أن الوقوف بعرفة ركن، وأن وقته ينتهي بطلوع الفجر ليلة ~~النحر: ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن ~~يعمر الديلي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الحج عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج " # قال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث: رواه أحمد وأصحاب السنن ~~وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي من حديث عبدالرحمن بن يعمر، ~~قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من ~~أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال # " الحج عرفة من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه " # لفظ أحمد وفي رواية لأبي داود # " من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج " # وألفاظ الباقين نحوه. # وفي رواية للدارقطني والبيهقي: الحج عرفة الحج عرفة. انتهى من التلخيص. # وفي سنن أبي داود: الحج الحج يوم عرفة، بتكرير لفظة الحج. وفي سنن ~~النسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. ~~وقال ابن ماجه في سننه، بعد أن ساق الحديث باللفظ الذي ms2094 ذكره صاحب ~~التلخيص: قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثا أشرف منه. وقال النووي ~~في شرح المهذب: حديث عبدالرحمن الديلي صحيح رواه أبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجه، وآخرون بأسانيد صحيحة. # وهذا لفظ الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر: أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن الحج؟ فأمر مناديا ينادي: الحج ~~عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. # وفي رواية أبي داود " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فنادى: ~~الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتم حجه " وفي رواية ~~البيهقي، عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " الحج عرفات الحج عرفات فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ~~" # وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة. # قلت: عن سفيان الثوري، قال ابن عيينة: ليس عندكم بالكوفة، حديث أشرف ولا ~~أحسن من هذا. انتهى كلام النووي. # ودليل الإجماع على أن من جمع في وقوفه بعرفة بين جزء من الليل، وجزء من ~~النهار، من بعد الزوال: أن وقوفه تام، هو ما ثبت في الروايات الصحيحة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل وقال: لتأخذوا عني مناسككم ". # فمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك، ما رواه مسلم في صحيحه في حديث ~~جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن فيه # " فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة، قد ~~ضربت له بنمرة، فنزل حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن ~~الوادي فخطب الناس إلى أن قال: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء، إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين ~~يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة ~~قليلا، حتى غاب القرص " # الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح: أنه جمع في وقوفه بين النهار من ms2095 بعد ~~الزوال، وبين جزء قليل من الليل مع قوله # " لتأخذوا عني مناسككم " # ودليل القائلين بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على جزء من الليل، دون ~~النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه تصريح ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بأن من أدرك عرفة، قبل طلوع الفجر من ليلة ~~جمع، فقد تم حجه. وجمع: هي المزدلفة، وليلتها: هي الليلة التي صبيحتها ~~يوم النحر. # ودليل من ألزموه دما مع وقوفه بعرفة في جزء من الليل: وهم المالكية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالليل، بل وقف معه جزءا من النهار، ~~فتارك الوقوف بالنهار تارك نسكا. وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك ~~نسكا فعليه دم، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الديلي # " فقد تم حجه " # لا يساعد على لزوم الدم، لأن لفظ التمام، يدل على عدم الحاجة إلى الجبر ~~بدم، فهو يؤيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى. # ودليل من قال: بأن من اقتصر في وقوفه على النهار، دون الليل: أن وقوفه ~~صحيح وحجه تام حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي قال: ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: ~~يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيئ. أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي. والله! ~~ما تركت من جبل، إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا ~~أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه " # ا ه. # قال المجد في المنتفى، بعد أن ساق هذا الحديث: رواه الخمسة، وصححه ~~الترمذي، وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف، وقال ابن حجر في ~~التلخيص الحبير في هذا الحديث " رواه أحمد وأصحاب السنن، وابن حبان، ~~والحاكم، والدارقطني، ثم قال: وصحح هذا الحديث الدارقطني، والحاكم، ~~والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما. # وقال النووي في شرح المهذب في ms2096 حديث عروة بن مضرس: هذا رواه أبو داود، ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: هو ~~حديث حسن صحيح. # ودليل أن عرفة كلها موقف ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن ~~غياث، حدثنا أبي عن جعفر، حدثني أبي عن جابر في حديثه ذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم ووقفت ها هنا وعرفة ~~كلها موقف ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف " # انتهى من صحيح مسلم. # وقال المجد في المنتقى: بعد أن ساق هذا الحديث بلفظ مسلم الذي سقناه به: ~~رواه أحمد ومسلم، وأبو داود، ولابن ماجه وأحمد أيضا نحوه وفيه # " وكل فجاج مكة طريق ومنحر " # وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر، ليلة ~~جمع. وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة، وقت للوقوف. وأما ما ~~قبل الزوال من يوم عرفة، فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتا للوقوف، ~~وخالف الإمام أحمد رحمه الله الجمهور في ذلك قائلا: إن يوم عرفة كله من ~~طلوع فجره إلى غروبه، وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن المضرس، ~~المذكور آنفا فإن فيه: وقد وقف بعرفة ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، ~~فقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليلا أو نهارا " # يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في ~~المنتقى، بعد أن ساق هذا الحديث: وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت ~~للوقوف، وحجة الجمهور هي: أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ~~ما بعد الزوال، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ~~بعده، لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله. # قالوا: ففعله صلى الله عليه وسلم، وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من ~~قوله: أو نهارا. # والحاصل: أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعا، وأن من جمع بين ~~الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعا، وأن من ms2097 اقتصر على الليل ~~دون النهار، فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافا للمالكية ~~القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل، لم يصح وقوفه ~~عند المالكية. وعند جمهور العلماء: حجه صحيح. منهم الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وعطاء، والثوري، وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد. # ولكن اختلفوا في وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة: يلزمه دم، وعن ~~الشافعية قولان: أحدهما: لا دم عليه. وصححه النووي وغيره. والثاني: عليه ~~دم. قيل وجوبا، وقيل: استنانان وقيل: ندبا. والأصح أنه سنة على القول ~~به، كما جزم به النووي. وإنما قيل: الزوال من يوم عرفة ليس وقتا للوقوف ~~عند جماهير العلماء، خلافا للإمام أحمد رحمه الله، وقد رأيت أدلة ~~الجميع. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون ~~النهار، أو النهار من بعد الزوال، دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلا: ~~عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ~~رضي الله عنه، الذي قدمناه قريبا، وبينا أنه صحيح. وفيه عند أحمد ~~والنسائي فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. هذا ~~لفظ النسائي، ولفظ أحمد: من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم ~~حجه، ا ه. ولفظ أحمد المذكور بواسطة نقل ابن حجر في التلخيص فقوله صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الحديث الثابت: فقد تم حجه مرتبا ذلك على إتيانه ~~عرفة، قبل طلوع فجر يوم النحر، نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلا: ~~أن حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام، عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما ~~يعارضه من صريح الكتاب أو السنة، وعلى هذا جمهور أهل العلم، خلافا ~~للمالكية. وأما المقتصر على النهار دون الليل، فلحديث عروة بن مضرس ~~الطائي، وقد قدمناه قريبا، وبينا أنه صحيح، وبينا أن فيه: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال فيه: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا، يدل ~~على أن الواقف نهارا يتم ms2098 حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر، في عدم ~~لزوم الجبر بالدم، كما بيناه فيما قبله، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ~~ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمتقصر على النهار، هو الصحيح من مذهب ~~الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك، كما ترى. # والعلم عند الله تعالى. # وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا: أن ظاهر حديث ~~ابن مضرس المذكور يدل عليه، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: أو نهارا، ~~صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإمام أحمد. ولكن فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وخلفائه من بعده، كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث ~~المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم ~~الاقتصار على أول النهار أحوط، والعلم عند الله تعالى. # وحجة مالك: في أن الوقوف نهارا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءا من ~~الليل: هي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، وقال: # " لتأخذوا عني مناسككم " # فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، ولا ~~يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه، ~~وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه كما ترى. # واعلم: أنه إن وقف بعد الزوال بعرفة ثم أفاض منها قبل الغروب ثم رجع إلى ~~عرفة في ليلة جمع: أن وقوفه تام ولا دم عليه في أظهر القولين، لأنه جمع ~~في وقوفه بين الليل والنهار، خلافا لأبي حنيفة، وأبي ثور القائلين: بأن ~~الدم لزمه بإفاضته، قبل الليل وأن رجوعه بعد ذلك ليلا لا يسقط عنه ذلك ~~الدم بعد لزومه. والله تعالى أعلم. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في صحة الوقوف، دون ~~الطهارة، فيصح وقوف الجنب والحائض، وقد قدمنا دليل ذلك في حديث عائشة ~~المتفق عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها فيه، بأن تفعل كل ما ~~يفعله الحاج، غير أن لا تطوف بالبيت. # الفرع ms2099 الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة. ~~قال النووي، في شرح المهذب: ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يصح وقوف المغمى ~~عليه، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، قال: وبه ~~أقوال، وقال مالك وأبو حنيفة: يصح. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ليس في وقوف المغمى عليه نص من كتاب ~~ولا سنة، يدل على صحته أو عدمها. # وأظهر القولين عندي: قول من قال: بصحته لما قدمنا، من أنه لا تشترط له ~~نية تخصه، وإذا سلمنا صحته بدون النية، كما قدمنا أنه هو الصواب فلا مانع ~~من صحته من المغمى عليه، كما يصح من النائم، واحتج من خالف في ذلك، بأن ~~المغمى عليه ليس من أهل العبادة، حتى يصح وقوفه، وممن قال بعدم صحته: ~~الحسن، وممن قال بصحته: عطاء، والله تعالى أعلم. # الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وقف بعرفات، وهو لا يعلم ~~أنها عرفات، قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه، ~~وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. # انتهى منه. # الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في مشروعية جمع الظهر ~~والعصر جمع تقديم يوم عرفة والمغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، وقد ثبت ~~ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه. # وأظهر الأقوال دليلا: أنه يؤذن للظهر فقط، ويقيم لكل واحدة منهما. # وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ~~ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة ~~وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث # " أتموا فإنا قوم سفر " # إنما قاله لهم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لا في عرفة ولا في ~~مزدلفة، وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه " أنه لما قدم مكة وصلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة: ~~أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. ثم صلى ركعتين بمنى، ms2100 ولم يبلغني أنه قال ~~لهم شيئا، وممن قال بأن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى: مالك، ~~وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. وممن قال بأن أهل مكة يتمون ~~صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، ~~وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والنووي، ويحيى القطان، وابن ~~المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وعزا النووي هذا القول ~~للجمهور. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن ظاهر الروايات: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على ~~أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى ولا مزدلفة ولا عرفة، بل ذلك الإتمام ~~في مكة، وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وأن أقوى الأقوال دليلا: هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه ~~الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة # [النساء: 101] الآية. # وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها ~~يعني الخطبة، يوم عرفة، أمر بلالا، فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ~~أسر فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ~~ثم أقام، فصلى العصر ركعتين ايضا، ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرا ~~وجمعا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال ~~لهم # " أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " # فقد غلط عليه غلطا بينا، ووهم وهما قبيحا، وإنما قال لهم ذلك في ~~غزاة الفتح بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين، ولهذا كان أصح أقوال ~~العلماء أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام ~~معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة ألبتة، وإنما التأثير لما جعله ~~الله سببا، ms2101 وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه الملحدون. ~~انتهى كلام ابن القيم رحمه الله. # وقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور، لأهل مكة من أجل النسك، ~~والعلم عند الله تعالى. # ولا يخفى أن حجة من قالوا: بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى، ~~هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد أو ثلاثة أيام. وعرفة ومزدلفة ~~ومنى أقل مسافة من ذلك، قالوا: ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته، هذا ~~هو دليلهم. # الفرع الخامس: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام ~~لا أصل له، ولا فضيلة فيه، لأنه لم يرد في خصوصه شيء بل هو كسائر أرض ~~عرفة، وعرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فالوقوف فيه أفضل من غير، كما قاله غير واحد، وبذلك تعلم أنما قاله ~~أبو جعفر بن جرير الطبري والماوردي من استحباب صعود جبل الرحمة لا يعول ~~عليه. والعلم عند الله تعالى. # والتحقيق: أن عرنة ليست من عرفة، فمن وقف بعرنة لم يجزئه ذلك وما يذكر ~~عن مالك، من أن وقوفه بعرنة يجزئ، وعليه دم، خلاف التحقيق الذي لا شك ~~فيه، والظاهر أنه لم يصح عن مالك. # المسألة الثامنة: لا خلاف بين العلماء أنه إن غربت الشمس واستحكم ~~غروبها، وهو واقف بعرفة، أفاض منها إلى المزدلفة، وذلك هو معنى قوله ~~تعالى # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس # [البقرة: 199] الآية. كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة. # وقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات، ففي حديث جابر الطويل ~~عند مسلم # " فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. ~~وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء ~~الزمام. حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله. ويقول بيده اليمنى " أيها ~~الناس! السكينة السكينة " كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا. ~~حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء " # الحديث، وقول جابر في ms2102 هذا الحديث: وقد شنق للقصواء الزمام، يعني أنه ~~يكفها بزمامها عن شدة المشي، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع ~~الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل، إذا مل من الركوب. وضبطه ~~القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في ~~مقدمة الرحل، شبه المخدة الصغيرة، وقوله: ويقول بيده السكينة السكينة: أي ~~يأمرهم بالسكينة مشيرا بيده، والسكينة: الرفق والطمأنينة، وقول جابر في ~~هذا الحديث: كلما أتى حبلا من الحبال: هو بالحاء المهملة، والباء ~~الموحدة، والمراد بالحبل في حديثه: الرمل المستطيل المرتفع، ومنه قول ذي ~~الرمة: # ويوما بذي الأرطى إلى جنب مشرف # بوعسائه حيث اسبطرت حبالها # وقول عمر بن أبي ربيعة: # يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم # حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر # وحديث جابر هذا الدال على الرفق، وعدم الإسراع، وما جاء في معناه من ~~الأحاديث يفسره حديث أسامة الثابت في الصحيحين " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فجوة نص " والعنق بفتحتين: ضرب من السير ~~دون النص، ومنه قول الراجز: # يا ناق سيري عنقا فسيحا # إلى سليمان فنستريحا # والنص: أعلى غاية الإسراع، ومنه قول كثير: # حلفت برب الراقصات إلى منى # يجوب الفيافي نصها وذميلها # والفجوة تقدم تفسيرها بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله ~~تعالى: # وهم في فجوة منه # [الكهف: 17]. # وإذا علمت وقت إفاضته صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى المزدلفة، وكيفية ~~إفاضته، فاعلم # " أنه صلى الله عليه وسلم نزل في الطريق، فبال، وتوضأ وضوءا خفيفا، ~~وأخبرهم بأن الصلاة أمامهم. ثم أتى المزدلفة، فأسبغ وضوءه، وصلى المغرب ~~والعشاء بأذان واحد، وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول وقته، حين تبين له ~~الصبح بأذان، وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل ~~القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن ~~تطلع الشمس " # ومن فعل كفعله صلى الله عليه وسلم ms2103 فقد أصاب السنة، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم # " لتأخذوا عني مناسككم " # وأما من خالف في ذلك، فل يبت بالمزدلفة، فقد اختلف العلماء في حكمه إلى ~~ثلاثة مذاهب: # الأول: أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم. # الثاني: أنه ركن لا يتم الحج بدونه. # الثالث: أنه سنة وليس بواجب، والقول: بأنه واجب يجبر بدم: هو قول أكثر ~~أهل العلم منهم: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، ~~وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور. # قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا: أنه ليس ~~بركن، فلو تركه صح حجه. قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال ~~جماهير العلماء من السلف والخلف. انتهى منه. # وممن قال: بأنه ركن لا يصح الحج إلا به خمسة من أئمة التابعين، وبعض ~~الشافعية، وأما الخمسة المذكورون: فهم علقمة، والأسود، والشعبي، والنخعي، ~~والحسن البصري، وممن قال به من الشافعية: أبو عبدالرحمن بن بنت الشافعي، ~~وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب، ~~ونقله القرطبي أيضا عن عكرمة، والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، قال: وروي ~~عن ابن الزبير. # وقال ابن القيم في زاد المعاد: وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، ~~وابن الزبير، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة والحسن البصري، ~~وهو مذهب الأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، وداود بن علي الظاهري، وأبي عبيد ~~القاسم بن سلام. واختاره المحمدان ابن جرير وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه ~~للشافعية، وهؤلاء القائلون بأن المبيت بمزدلفة: ركن من أركان الحج ~~يقولون: إن فاته المبيت بها تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل. # وممن قال بأن المبيت بمزدلفة سنة لا يجب بتركه دم: بعض الشافعية، وذكر ~~النووي أن هذا القول مشهور أيضا، لكن الأول أصح منه، وعن عطاء، ~~والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به، ومن شاء لم ينزل به، وروى نحوه ~~الطبري بسند فيه ضعف، عن ابن عمر مرفوعا، قاله الحافظ في الفتح. # فإذا علمت أقوال أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة، ms2104 فهذه تفاصيل أدلتهم، ~~أما الذين قالوا: بأنه واجب، وليس بركن: فقد استدلوا على أنه ليس بركن ~~بحديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه، وقد قدمنا ألفاظ رواياته، ~~وأنه صحيح، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فيه # " أن من أدرك عرفة ولو في آخر جزء من ليلة النحر قبل الصبح أنه تم حجه ~~وقضى تفثه " # ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر، قد فاته المبيت ~~بمزدلفة قطعا بلا شك، ومع ذلك فقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المذكور بأن حجه تام. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الاستدلال بهذا الحديث على ~~هذا الحكم صحيح، ودلالته عليه هي المعروفة عند أهل الأصول بدلالة ~~الإشارة، ومعلوم في الأصول أن دلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة ~~الإيماء والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من ~~دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل ~~المفهوم؟ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: # وفي كلام الوحي والمنطوق هل # ما ليس بالصريح فيه قد دخل # وهو دلالة اقتضاء أن يدل # لفظ على ما دونه لا يستقل # دلالة اللزوم مثل ذات # إشارة كذلك الايما آتي. الخ # وقصدنا هنا إيضاح دلالة الإشارة دون غيرها، وضابط دلالة الإشارة هي: أن ~~يساق النص لمعنى مقصود: فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود ~~باللفظ لزوما لا ينفك، كما أشار له في المراقي بقوله: # فأول إشارة اللفظ لما # لم يكن القصد له قد علما # فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم، لم يذكر حديث عبدالرحمن ~~بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة، ولكنه ذكره قاصدا بيان ~~أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجة تام، وهذا ~~المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ وهو عدم ركنية المبيت ~~بمزدلفة، لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل، فقد فاته ~~المبيت بمزدلفة قطعا، ms2105 ومع ذلك فقد صرح صلى الله عليه وسلم بأن حجه تام. # ومن أمثلة دلالة الإشارة في القرآن قوله تعالى: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] فإنه يدل بدلالة الإشارة المذكورة، على صحة صوم من أصبح ~~جنبا، لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام، وذلك ~~صادق بآخر جزء منها، بحيث لا يبقى بعده من الليل، قدر ما يسع الاغتسال، ~~فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل، الذي دلت عليه الآية أنه لا ~~بد أن يصبح جنبا، ولفظ الآية: لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبا، ولكن ~~المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا. # ومن أمثلتها أيضا في القرآن قوله تعالى # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] مع قوله: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14] فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن ~~المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر، لأنه جمع الحمل ~~والفصال في ثلاثين شهرا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين ~~شهرا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان ~~دلالة الإشارة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، ولا خلاف في ذلك بين أهل ~~العلم كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8]. # ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا ~~يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل ~~عليه اللفظ المذكور بمنطوقه أو لم يدل عليه، وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم ~~أنه نسك، وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن ~~شاء الله تعالى. # وأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة. # أما الكتاب، فقوله تعالى: # فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام # [البقرة: 198] قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح، يدل على ms2106 أنه لا بد من ~~ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفة. # وأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقا، فإن فيه # " من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات، قبل ذلك ليلا أو نهارا ~~فقد تم حجه وقضى تفثه " # قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مضرس هذا # " من أدرك معنا هذه الصلاة " # الحديث. يفهم منه أن من لم يدركها معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه، ~~والمراد بها صلاة الصبح بمزدلفة كما هو واضح، قالوا: وفي رواية عند ~~النسائي، عن عروة بن مضرس: من أدرك جمعا مع الإمام، والناس حتى يفيضوا ~~منها، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الناس الإمام فلم يدرك، قالوا: ~~ولأبي يعلى ومن لم يدرك جمعا، فلا حج له. وأجاب الجمهور القائلون: بأن ~~المبيت بمزدلفة، ليس بركن، عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتم الحج ~~إلا به. # قالوا: أما الآية التي استدلوا بها على وجوب الوقوف بمزدلفة التي هي ~~قوله تعالى: # فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام # [البقرة: 198] الآية، فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلا، وإنما أمر ~~فيها بذكر الله عند المشعر الحرام. # قالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه ~~تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج بإجماعهم فالموطن ~~الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا، وأجابوا عن استدلالهم بمفهوم ~~الشرط في حديث عروة بن مضرس المذكور # " من أدرك معنا هذه الصلاة " # الحديث. بأنهم أجمعوا كلهم، على أنه لو بات بمزدلفة ووقت قبل ذلك بعرفة، ~~ونام عن صلاة الصبح، فلم يصلها مع الإمام، حتى فاتته أنه حجه تام، وقد ~~قدمنا دلالة حديث عبدالرحمن بن يعمر على ذلك. # وأجابوا عن رواية النسائي التي أشرنا إليها التي قال فيها: أخبرنا محمد ~~بن قدامة، قال: حدثني جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من ms2107 أدرك جمعا مع الإمام والناس حتى يفيض منا فقد أدرك، ومن لم ~~يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك " # ا ه بأن هذه الزيادة في هذه الرواية، لم تثبت. # قال ابن حجر في فتح الباري في بيان تضعيف الزيادة المذكورة: وقد صنف ~~أبو جعفر العقيلي جزءا في إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف ~~عن الشعبي، عن عروة، وأن مطرفا كان يهم في المتون، قال: وقد ارتكب ابن ~~حزم الشطط فزعم: أن من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام: أن الحج ~~يفوته، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء كما ~~حكاه الطحاوي. انتهى كلام ابن حجر مع حذف يسير. # وأجابوا عن الرواية المذكورة عند أبي يعلى، وغيره: بأنها ضعيفة. # قال النووي في شرح المهذب في كلامه على قول القائلين: بأنه ركن، واحتج ~~لهم بالحديث المروي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من فاته المبيت بمزدلفة فقد فاته الحج " # ثم قال: وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه ليس بثابت ولا معروف. # والثاني: أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج لا فوات أصله. انتهى منه. # وما ذكرنا عن ابن حجر من تضعيف الزيادة المذكورة يعني به ما عند ~~النسائي، وأبي يعلى منها في حيث عروة المذكور. # ومن أدلتهم على أن المبيت بمزدلفة ركن: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كذلك فعل، وقال: # " لتأخذوا عني مناسككم " # وأجاب الجمهور عن هذا: بأنهم لم يخالفوا في أنه نسك، ينبغي أن يؤخذ عنه ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر: وهو حديث عبد ~~الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقا، الدال على عدم اشتراط المبيت ~~بمزدلفة، كما أوضحنا وجه دلالته على ذلك، والعلم عند الله تعالى. # وأما حجة من قال: إن المبيت بمزدلفة: سنة، وليس بركن، ولا واجب هي: أنه ~~مبيت، فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة. أعني: الليلة التاسعة، التي ~~صبيحتها يوم عرفة، هذا هو حاصل أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المبيت ~~بمزدلفة. ms2108 # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا أن الاستدلال بحديث عبد ~~الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه، على عدم ركنية المبيت بمزدلفة صحيح، ~~وأن دلالته على ذلك دلالة إشارة كما هو معروف في الأصول، ولا شك أنه ~~ينبغي للحاج أن يحرص على أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم فيبيت ~~بمزدلفة كما قدمنا إيضاحه، والعلم عند الله تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: قد قدمنا أن المزدلفة كلها موقف، فحيث وقف منها أجزأه، ~~وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد قدمناه من حديث جابر عند مسلم. # الفرع الثاني: اعلم أنه ينبغي التعجيل بصلاة الصبح يوم النحر بمزدلفة في ~~أول وقتها، كما فعل صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود ~~رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة إلا ~~بميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ~~ميقاتها. ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ممنوع ~~إجماعا، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها ~~فيه، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر. # ومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن مسعود نفسه ~~رضي الله عنه حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت ~~عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله رضي الله عنه، فأتينا المزدلفة. ~~الحديث وفيه: فلما طلع الفجر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ~~يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. # قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعد ما ~~يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعله انتهى من صحيح البخاري. # فقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح: فلما طلع الفجر وقوله: والفجر حين ~~يبزغ الفجر وإتباعه ذلك بقوله رأيت النبي صلى ms2109 الله عليه وسلم يفعله، ~~صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله: قبل ميقاتها يعني به: وقتها الذي ~~يصليها فيه عادة، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى. # الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في النزول ~~بالمزدلفة، فذهب مالك، وأصحابه، إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي ~~المغرب والعشاء، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف ~~الليل، وبعضهم يقول: لا بد في ذلك من حط الرحال، وذهب الشافعي وأحمد إلى ~~أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه ~~دم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم، لأن وقت ~~الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى ~~بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلا فعليه دم إلا إن كان لعذر. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: هو أنه ~~ينبغي أن يبيت إلى الصبح، لأنه لا دليل مقنعا يجب الرجوع إليه مع من حدد ~~بالنصف الأخير، ولا مع من اكتفى بالنزول، وقياسهم الأقوياء على الضعفاء ~~قائلين: إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعا لما رخص فيه صلى الله عليه ~~وسلم لضعفة أهله، لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا ~~يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى، ولا ~~خلاف بين العلماء أن السنة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم ومن ~~المعلوم أن جمعا والمزدلفة والمشعر الحرام، أسماء مترادفة، يراد بها شيء ~~واحد خلافا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة. # الفرع الرابع: اعلم أنه لا بأس بتقديم الضعفة إلى منى قبل طلوع الفجر. ~~قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم فيه مخالفا ا ه ومن المعلوم أن ذلك ~~ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب من قدم ضعفة أهله بليل ~~فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ms2110 ويقدم إذا غاب القمر: حدثنا يحيى بن بكير، ~~حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبدالله بن عمر رضي ~~الله عنهما يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام ~~بالمزدلفة بليل فيذكرون الله عز وجل، ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف ~~الإمام، وقيل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ~~ذلك، فإن قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أرخص ~~في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع ~~بليل. # حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن ~~عباس رضي الله عنهما يقول: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المزدلفة في ضعفة أهله. حدثنا مسدد عن يحيى عن ابن جريج، قال: حدثني ~~عبدالله مولى أسماء، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت ~~تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا فصلت ~~ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا ~~حتى رمت الجمرة ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا ~~هنتاه: ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أذن للظعن. # حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، حدثنا عبدالرحمن هو ابن القاسم عن ~~القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت سودة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة، فأذن لها. # حدثنا أبو نعيم، حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ~~رضي الله عنها، قالت: نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي صلى الله عليه ~~وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها ~~فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن. ثم دفعنا ~~بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله ms2111 صلى الله عليه وسلم كما ~~استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به انتهى من صحيح البخاري. # وهذه الأحاديث التي رواها البخاري عن ابن عمر، وابن عباس، وأسماء وعائشة ~~رضي الله عنهم رواها كلها مسلم في صحيحه أيضا، مع بعض اختلاف في الألفاظ ~~والمعنى واحد. # وروى مسلم في صحيحه: عن أم حبيبة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث بها من جمع بليل، وفي لفظ لها عند مسلم: كنا نفعله على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نغلس من جمع إلى منى، وفي رواية الناقد: نغلس ~~من مزدلفة ا ه وهذه النصوص الصحيحة تدل على جواز تقديم الضعفة والنساء ~~من المزدلفة ليلا كما ترى. # الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة ~~العقبة من الضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس ~~أجزأه ذلك، فذهبت جماعة من أهل العلم، إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه ~~رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، وممن قال بهذا: ~~الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد كما نقله عنهم ابن ~~قدامة في المغني، قوال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وأحمد، وهو ~~مذهب أسماء بنت أبي بكر، وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد، وذهب جماعة من ~~أهل العلم: إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، ~~وأبي حنيفة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ~~ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيم، وإذا علمت أقوال أهل ~~العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم. # أما الذين قالوا: إن رمي جمرة العقبة يجوز في النصف الأخير من ليلة ~~النحر فقد استدلوا بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هارون بن عبدالله ~~ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك يعني ابن عثمان، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عائشة أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ~~ليلة ms2112 النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم ~~الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عندها انتهى منه. # قال النووي في شرح المهذب: في هذا الحديث وأما حديث عائشة في إرسال أم ~~سلمة فصحيح. رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم وقال الزيلعي ~~في نصب الراية، بعد أن ساق حديث أبي داود: هذا عن عائشة ورواه البيهقي في ~~سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه وما ذكره الزيلعي من أنه قال: ~~إسناده صحيح لا غبار عليه لم أره في سننه الكبرى، وقد ذكر الحديث فيها ~~بدون التصحيح المذكور. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي من كون إسناد أبي داود ~~المذكور صحيحا، على شرط مسلم صحيح، لأن طبقته الأولى هارون الحمال وهو ~~ثقة من رجال مسلم، وطبقته الثانية محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، ~~وهو صدوق. أخرج له الشيخان وغيرهما وطبقته الثالثة الضحاك بن عثمان ~~الحزامي الكبير، وهو صدوق يهم، وهو من رجال مسلم، وباقي الإسناد هشام عن ~~عروة بن الزبير عن عائشة وصحته ظاهرة، فالاحتجاج بهذا الإسناد ظاهر، لأن ~~جميع رجاله من رجال مسلم، وبعض رجاله أخرج له الجميع فظاهره الصحة مع أن ~~بعض أهل العلم ضعفه قائلا: إنه مضطرب متنا وسندا، وممن ذكر أنه ضعفه ~~الإمام أحمد وغيره، ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة. # وتعتضد بما رواه الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هرون بن عمران، عن ~~سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة ~~قالت: قدمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أهله ليلة ~~المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت ~~إلى منى انتهى منه بواسطة نقل ابن القيم في زاد المعاد ولا شك أن هذه ~~الرواية عن أم سلمة تقوي الرواية الأولى عن عائشة. # ولما ساق ابن القيم هذه الرواية التي ذكرها الخلال قال: قلت: ms2113 سليمان بن ~~أبي داود هذا، هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود قال أبو زرعة: عن ~~أحمد رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: رواية سليمان بن داود المذكورة، لا تقل ~~عن أن تعضد الرواية المذكورة قبلها، وسليمان المذكور وثقه، وأثنى عليه ~~غير واحد، قال فيه ابن حيان: سليمان بن داود الخولادني من أهل دمشق ثقة ~~مأمون، وقال البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم ~~وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ انتهى بواسطة نقل ابن حجر في تهذيب ~~التهذيب. # وقال ابن حجر فيه أيضا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب في ~~أنه صدوق، وقال فيه في التقريب: سليمان بن داود الخولاني أبو داود ~~الدمشقي: سكن داريا صدوق من السابعة، وبذلك كله يعلم أن روايته لا تقل عن ~~أن تكون عاضدا لغيرها. # هذا هو حاصل حجة من أجاز رمي الجمرة قبل الصبح. # وأما حجة من قال: لا يجوز رميها، إلا بعد طلوع الشمس، فمنها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رماها وقت الضحى. وقال: # " خذوا عني مناسككم ". # ومنها ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث بضعفة أهله، فأمرهم أن لا يرموا ~~الجمرة، حتى تطلع الشمس " # وفي لفظ عن ابن عباس، قال: # " قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد ~~المطلب على حمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى ~~تطلع الشمس " # قال أبو داود: اللطح الضرب اللين، وهذا الحديث صحيح، وقال الترمذي رحمه ~~الله في هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعلم ~~على هذا الحديث عند أهل العلم، وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن ~~عباس المذكور، أما حديث ابن عباس، فصحيح رواه أبو داود والترمذي، ~~والنسائي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى كلام ~~النووي. # وقال ابن ms2114 القيم في زاد المعاد في حديث ابن عباس المذكور: حديث صحيح صححه ~~الترمذي وغيره. # وأما حجة من قال: بجواز رمي جمرة العقبة للضعفة بعد الصبح قبل طلوع ~~الشمس دون غيرهم، وأن غيرهم لا يجوز له رميها إلا بعد طلوع الشمس، فمنها ~~حديث أسماء المتفق عليه الذي قدمناه. # قال فيه: قالت: يا بني: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، ~~فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها فقلت ~~لها: يا هنتاه: ما أرانا إلا قد غلسنا قالت: يا بني: " إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أذن للظعن " ا ه. فهذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء ~~رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وهو بقية الظلام، ومنه قول الأخطل. # كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # وصرحت بأنه صلى الله عليه وسلم: أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن ~~للأقوياء الذكور كما ترى. # ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه أيضا، فإن فيه: أنه كان ~~يقدم ضعفة أهله، وأن منهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ~~ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أرخص في ~~أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحديث ابن عمر هذا المتفق عليه، يدل ~~دلالة واضحة، على الترخيص للضعفة في رمي جمرة العقبة بعد الصبح، قبل طلوع ~~الشمس كما ترى، ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه ~~المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة، إلا بعد طلوع ~~الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح، قبل ~~طلوع الشمس، لحديث أسماء، وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص ~~لهم في ذلك، وأما رميهم أعني الضعفة والنساء، قبل طلوع الفجر، فهو محل ~~نظر، فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه، وحديث ابن عباس عند أصحاب ~~السنن: يقتضي منعه. # والقاعدة ms2115 المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع وإلا ~~فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم، فجعلوا لرمي جمرة ~~العقبة وقتين: وقت فضيلة، ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس: على وقت ~~الفضيلة، وحديث عائشة: على وقت الجواز، وله وجه من النظر. والعلم عند ~~الله تعالى. # أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدل على جواز ~~رميهم جمرة العقبة، قبل طلوع الشمس، لأن جميع الأحاديث الواردة في ~~الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور، وقد ~~قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود ~~الفارق، وهو مردود كما هو مقرر في الأصول وإليه أشار في مراقي السعود ~~بقوله: # والفرق بين الأصل والفرع قدح # إبداء مختص بالأصل قد صلح # أو مانع في الفرع. إلخ # ومحل الشاهد منه قوله: إبداء مختص بالأصل قد صلح، لأن معترض قياس القوي ~~على الضعيف في هذه المسألة يبدي وصفا مختصا بالأصل، دون الفرع صالحا ~~للتعليل، وهو الضعف، لأن الضعف الموجود في الأصل، المقيس عليه، الذي هو ~~علة الترخيص المذكور، ليس موجودا في الفرع المقيس الذي هو الذكر القوي ~~كما ترى والعلم عند الله تعالى. # الفرع السادس: اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم ~~النحر، فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها. # قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر، قبل ~~المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحبا لها انتهى منه بواسطة ~~نقل ابن قدامة في المغني فإن فات يوم النحر، ولم يرمها فقال بعض أهل ~~العلم: يرميها ليلا والذين قالوا: يرميها ليلا: منهم من قال: رميها ~~ليلا أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية حكاهما صاحب ~~التقريب، والشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، وآخرون. # قال النووي: وروى مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، عن ms2116 ~~أبيه نافع: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي ~~وصفية، حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله ~~بن عمر: أن ترميا، ولم ير عليهما شيئا انتهى منه وهو دليل على أن ابن ~~عمر يرى أن رميها في الليل أداء، لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن ~~قال برميها ليلا: مالك وأصحابه، لأن مذهبه قضاء الرمي الفائت في الليل ~~وغيره. # وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام ~~منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي ~~الصلاة، إذا نسيها، ثم ذكرها ليلا أو نهارا، فإن كان ذلك بعد ما ~~صدر، وهو بمكة، أو بعد ما يخرج منها فعليه الهدي واجب انتهى من ~~الموطأ. # وقال الشيخ المواق في شرحه: لمختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على ~~قوله: والليل قضاء، قال ابن شاس. للرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات، ~~فوقت الأداء: في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال: وتردد ~~الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء، أو وقت قضاء؟ ووقت ~~الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة، من بعد الزوال، إلى مغيب الشمس، ~~وبتردد في الليل كما تقدم انتهى منه. # وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على: تبيين الحقائق شرح ~~كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها، ولا شيء ~~عليه، لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا، كما في الوقوف بعرفة، فإن أخره ~~إلى الغد رماه وعليه دم انتهى كرماني انتهى منه. # وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر، وهو لم يرم جمرة ~~العقبة، لم يرمها في الليل، ولكن يؤخر رميها، حتى تزول الشمس من الغد، ~~قال ابن قدامة في المغني: فإن أخرها إلى الليل، لم يرمها، حتى تزول الشمس ~~من الغد وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعي ومحمد بن المنذر ms2117 ~~ويعقوب: يرميها ليلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم # " ارم ولا حرج " # انتهى من المغني. # فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلا هل يجوز أو لا؟ وعلى جوازه هل ~~هو أداء أو قضاء؟ # فاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلا، استدل بما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: من أنه لا حجر على من رمى بعد ما أمسى، قال البخاري في صحيحه: ~~حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد عن عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول " لا حرج، ~~فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، قوال: رميت بعد ما ~~أمسيت؟ فقال: لا حرج " " # قالوا: قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى بعد ما أمسى لا ~~حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل. # واعلم أن من قالوا: لا يجوز الرمي ليلا ردوا الاستدلال بهذا الحديث ~~قائلين: إن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في ~~آخر النهار قبل الليل قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس ~~المذكور فيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يسأل يوم النحر بمنى ~~الحديث، فتصريحه بقوله يوم النحر، يدل على أن السؤال وقع في النهار ~~والرمي بعد الإمساء، وقع في النهار، لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت ~~الظهر إلى الليل. # قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: قال: رميت بعد ما ~~أمسيت: أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد ~~الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل انتهى منه. # وقال ابن منظور في: لسان العرب المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال ~~بعضهم: إلى نصف الليل ا ه. # قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار، بعد الزوال ~~لا الليل، وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا، وأجاب القائلون: بجواز الرمي ~~ليلا ms2118 عن هذا بأجوبة: # الأول منها: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم # " لا حرج " # بعد قول السائل: رميت بعد ما أمسيت يشمل لفظه نفي الحرج، عمن رمى بعد ما ~~أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص ~~الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود ~~الحديث المذكور خاص بالنهار، وقد قدمنا الأدلة الصحيحة على أن العبرة ~~بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. # الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس المذكور، ما هو ~~أعلم من يوم النحر، وهو صادق قطعا، بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام ~~التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في ~~بعض أيام التشريق: رميت بعد ما أمسيت لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي ~~فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي. # قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه أخبرنا محمد بن عبد الله بن ~~بزيع، قال: حدثنا يزيد، هو ابن زريع قال: حدثنا خالد عن عكرمة، عن ~~ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أيام منى فيقول " لا حرج " ~~فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: " لا حرج " فقال رجل: رميت بعد ما ~~أمسيت قال: " لا حرج " " # انتهى منه، وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى، لأن طبقته الأولى، محمد ~~بن عبدالله بن بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في صحيحه، وبقية ~~إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا، وقوله في هذا الحديث ~~الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع ~~اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا ~~إلى الليل كما بينا. # فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية ~~البخاري فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصيصه به، ويؤيد ذلك: أن في ~~رواية أبي داود وابن ماجه لحديث ابن ms2119 عباس المذكور، يوم منى بالإفراد. # فالجواب: أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام، بحكم العام لا ~~يخصصه على مذهب الجمهور، خلافا لأبي ثور. سواء كان العام، وبعض أفراده ~~المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين. # فمثال كونهما في نص واحد قوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] فلا يخصص عموم الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات بالصلاة ~~الوسطى بل المحافظة على جميعها واجبة. # ومثال كونهما في نصين: # " حديث ابن عباس العام في جلود الميتة " أيما إهاب دبغ فقد طهر " مع ~~حديثه الآخر أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " " # الحديث، فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الآخير لا يخصص عموم الجلود ~~المذكورة " أيما إهاب دبغ " الحديث، فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الأخير ~~لا يخصص عموم الجلود المذكورة " أيما إهاب دبغ " الحديث، فجواز الانتفاع ~~عام في جلد الشاة، وفي غيرها من الأهب إلا ما أخرجه دليل خاص، لأن ذكر ~~بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود ~~بقوله عاطفا على ما لا يخصص به العموم. # وذكر ما وافقه من مفرد # ومذهب الراوي على المعتمد # وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال ~~فيقولوا رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول # " لا حرج " # وأنه سأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال # " لا حرج " # ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعد ما أمسيت وعموم أيام منى صادق ~~بيوم النحر وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر ~~من أيام منى ولا ينافي ذلك أنه قال: لا حرج في أشياء أخر في بقية أيام ~~منى، وغاية ذلك أن أيام منى عام ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه ~~رميت بعد ما أمسيت. # الجواب الثالث: هو ما قدمنا في الموطأ عن ابن عمر من: أنه أمر زوجته ~~صفية بنت ms2120 أبي عبيد وابنة أخيها، برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا ~~شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الرمي ليلا جائز، وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر، لأن ~~ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها، ~~والعلم عند الله تعالى. # الفرع السابع: اعلم أنه لا بأس بلقط الحصيات من المزدلفة: أعني السبع ~~التي ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، وبعض أهل العلم يقول: إن لقطها من ~~المزدلفة مستحب، واستدلوا لذلك بأمرين: # الأول: # " حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له غداة يوم النحر " القط لي حصى " " # فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ~~الفضل بن عباس في لقط الحصيات، فصحيح رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح ~~وهو على شرط مسلم من رواية عبدالله بن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس، ~~ورواه النسائي وابن ماجه بإسنادين صحيحين إسناد النسائي، على شرط مسلم، ~~لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقا، وظاهر روايتيهما أنه عبدالله بن ~~عباس، لا الفضل وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في الأطراف في ~~مسند عبدالله بن عباس، لا الفضل بن عباس، ولم يذكره في مسند الفضل ~~والجميع صحيح كما ذكرناه، فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي وأرسله ~~في روايتي النسائي، وابن ماجه، وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل ~~عنه فأولى بالاحتجاج، وقد عرف هنا أنه الفضل بن عباس. # فالحاصل: أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس والله أعلم، انتهى كلام ~~النووي. # الأمر الثاني: أن السنة أنه إذا أتى منى لا يشتغل بشيء قبل الرمي، ~~فاستحب أن يأخذ الحصى من منزله بمزدلفة لئلا يشتغل عن الرمي بلقطه إذا ~~أتى منى، ولا شك أنه إن أخذ الحصى من غير المزدلفة أنه يجزئه لأن اسم ~~الحصى يقع عليه، والله تعالى أعلم. # الفرع الثامن: اعلم أن السنة أن ms2121 يكون الحصى الذي يرمي به مثل حصى الخذف، ~~لأحاديث واردة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث جابر الطويل ~~في صحيح مسلم: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف الحديث. # قال في اللسان: والخذف رميك بحصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك، وقال ~~الجوهري في صحاحه: الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع ومنه قول الشاعر: " ~~خذف أعسرا " ا ه منه، والشاعر امرؤ القيس وتمام البيت: # كأن الحصى من خلفها وأمامها # إذا نجلته رجلها خذف أعسرا # الفرع التاسع: اعلم أن جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر ~~بدم، وخالف عبدالملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: هو ركن ~~واحتج الجمهور بالقياس على ا لرمي في أيام التشريق واحتج ابن الماجشون: ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها، وقال # " لتأخذوا عني مناسككم " # كما في صحيح مسلم، وفي رواية البيهقي # " خذوا عني مناسككم " # وفي رواية أبي داود: # " لتأخذوا عني مناسككم ". # الفرع العاشر: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا ~~جمرة العقبة. # الفرع الحادي عشر: اعلم أن الأفضل في موقف من أراد رمي جمرة العقبة أن ~~يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره كما دلت الأحاديث ~~الصحيحة، على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك. # قال النووي في شرح المهذب: وبهذا قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، ~~وجابر، والقاسم بن محمد، وسالم، وعطاء، ونافع، والثوري، ومالك وأحمد، قال ~~ابن المنذر: وروينا أن عمر رضي الله عنه خاف الزحام فرماها من فوقها. # المسألة التاسعة: اعلم أنه إذا رمى الجمرة يوم النحر وحلق فقد تحلل ~~التحلل الأول، وبه يحل كل شيء كان محظورا بالإحرام إلا النساء. وعند ~~مالك: إلا النساء والصيد والطيب، فإن طاف طواف الإفاضة وكان قد سعى بعد ~~طواف القدوم، أو سعى بعد إفاضته فقد تحلل التحلل الثاني، وبه يحل كل شيء ~~كان محظورا بالإحرام، حتى النساء والصيد والطيب. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أنهم اختلفوا في ms2122 الحلق، هل هو نسك كما قدمناه في سورة ~~البقرة؟ # فمن قال: هو نسك قال: إن التحلل الأول، لا يكون إلا بعد الرمي والحلق ~~معا، ومن قال: إن الحلق غير نسك قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه ~~من رمي جمرة العقبة يوم النحر. # وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك، كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في ~~الكلام على قوله تعالى # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] الآية. # الفرع الثاني: في مذاهب العلماء في مسألة التحلل: فمذهب مالك: أنه بمجرد ~~رمي جمرة العقبة يوم النحر: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، ~~والطيب مكروه عنده بعد رميها لا حرام، وإن طاف طواف الإفاضة. وكان قد سعى ~~حل له كل شيء، ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا حلق، أو قصر حل التحلل الأول، ~~ويحل به كل شيء عنده إلا النساء، وإن طاف طواف الإفاضة. حل له النساء، ~~وهم يقولون إن حل النساء بعد الطواف، إنما هو بالحلق السابق، لا بالطواف ~~لأن الحلق هو المحلل، دون الطواف، غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف ~~فإذا طاف عمل الحلق عمله كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة ~~لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت. # والدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى ~~يحلق، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق، إلا أن الحلق عندهم بعد رمي ~~جمرة العقبة، وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي في هذه ~~المسألة هو: أنه على القول بأن الحلق نسك، يحصل التحلل الأول باثنين من ~~ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من ~~هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني، ~~وبالأول يحل عنده كل شيء إلا النساء، وبالثاني تحل النساء، وعلى القول ~~بأن الحلق ليس بنسك، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين: هما رمي جمرة ~~العقبة، وطواف الإفاضة. ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني، ومذهب الإمام ~~أحمد هو أنه ms2123 إن رمى جمرة العقبة، ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده ~~كل شيء إلا النساء، فإن طاف طواف الإفاضة، حلت له النساء. # وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب أحمد. ~~وهذا قول ابن الزبير، وعائشة وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبدالله بن ~~الحسين، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي أيضا عن ~~ابن عباس، وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج، لأنه أغلظ ~~المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~يحل له كل شيء، إلا النساء، والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن ~~الزبير، وعباد بن عبدالله بن الزبير، لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة، ~~وعن عروة: أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وروي في ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديثا انتهى كلام صاحب المغني. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم. # أما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب: ~~أما بالنسبة إلى الصيد، فلم أر له مستندا من النقل، إلا أمرين: # أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا رميتم ~~الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد: ذكر هذا الأثر صاحب ~~المهذب، وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه ~~فهو مرسل. لأن مكحولا لم يدرك عمر فحديثه عنده منقطع ومرسل. والله أعلم. # والثاني: التمسك بظاهر قوله تعالى: # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95] لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة، دليل ~~على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم { لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم } ، لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية، لما حرم عليه ~~الوطء. # وأما حجته أعني مالكا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه ~~عن نافع، وعبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ms2124 خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: إذا ~~جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء ~~والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت ا ه. # ومما يستدل به لمالك على ذلك، ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو ~~عبدالله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبدالله، أنبأ زيد بن ~~هارون، أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، عن عبدالله بن الزبير قال: ~~من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ~~والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة الحديث، وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبر حل ~~له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت ا ه. ثم قال: هذا ~~حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي. # هذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به، ما عدا النساء ~~والصيد والطيب، وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده لا حرام. # وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق: حل له كل شيء إلا ~~النساء: كأحمد والشافعي ومن وافقهما، فمنها حديث عائشة المتفق عليه، ~~قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه، حين يحرم ~~ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه، ولفظ مسلم في ~~صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين ~~أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، وفي لفظ: طيبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل. # قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظا متعددة متقاربة ~~معناها واحد. # منها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ~~ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت. # ومن أدلتهم على ذلك: ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا ~~النساء. ms2125 قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال النووي في شرح ~~المهذب في حديث ابن عباس هذا: وقد روى النسائي بإسناده عن الحسبن بن ~~عبدالله العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء " # هكذا رواه النسائي وابن ماجه مرفوعا، وإسناده جيد، إلا أن يحيى بن معين ~~وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس ورواه ~~البيهقي موقوفا على ابن عباس. انتهى كلام النووي رحمه الله. # والذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور ~~موقوف عندهما على ابن عباس، إلا ما ذكره من أنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يتضمخ بالمسك. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني ~~المذكور، قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئا، وقال أبو حاتم: لم يدركه ~~ا ه. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من ~~بجيلة. # ومن أدلتهم على ذلك: ما رواه أبو داود في سننه من طريق الحجاج بن أرطاة ~~عن الزهري عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء " # ا ه. # ومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين: # أحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة. # والثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري. وقد قال أبو داود في ~~سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف: الحجاج لم ير الزهري ولم ~~يسمع منه، وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة رضي ~~الله عنها فرواه أبو داود بإسناد ضعيف جدا من رواية الحجاج بن أرطاة ~~وقال: هو حديث ضعيف ا ه. # هذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل ms2126 شيء إلا ~~النساء، وأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلا النساء ~~باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، ~~بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك، يحل له كل شيء إلا النساء ~~بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف وتحل له النساء بالثاني منهما لم ~~نعلم له نصا يدل عليه، هكذا والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في ~~التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، ~~فجعل هو الطواف كواحد منهما. # والله تعالى أعلم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل ~~الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، ~~وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلا بالتحلل الأخير، وأما حلية الصيد ~~بالتحلل الأول فهي محل نظر، لأن الأحاديث التي فيها التصريح، بأنه يحل له ~~كل شيء إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام، وحديث عائشة المتفق عليه، ~~لم يتعرض لحل الصيد. # وظاهر قوله: # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95] يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول، لأن حرمة الجماع تدل ~~على أنه متلبس بالإحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حراما ~~عليه، والله تعالى أعلم. # المسألة العاشرة في أحكام الرمي # اعلم أنا قدمنا في الكلام على الإفاضة من مزدلفة إلى منى، بعض أحكام ~~رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، ~~وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبا، والآن سنذكر إن شاء الله ~~المهم من أحكام الرمي. # اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على ~~اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ~~ليس بركن لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل ~~له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجه تام إجماعا قبل رمي أيام التشريق، ~~ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي صلى الله ms2127 عليه وسلم رمى فيها، ~~وقال # " لتأخذوا عني مناسككم ". # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق، إلا ~~بعد الزوال، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: # " رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ~~فإذا زالت الشمس " # هذا لفظ مسلم عنه في صحيحه، وحديث جابر هذا الذي رواه مسلم في صحيحه ~~موصولا باللفظ الذي ذكرنا، رواه البخاري تعليقا مجزوما به بلفظ: وقال ~~جابر # " رمى النبي صلى الله عليه وسلم، يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد ~~الزوال " # ثم ساق البخاري رحمه الله بسنده عن ابن عمر قال: كنا نتحين، فإذا زالت ~~الشمس رمينا. # وقال ابن حجر في فتح الباري في قول ابن عمر: كنا نتحين. الحديث، فأعلمه ~~بما كانوا يفعلونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو دليل على أن ~~الحافظ ابن حجر يرى قول ابن عمر: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا له ~~حكم الرفع، وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع، وروى الإمام ~~أحمد، وأبو داود، عن عائشة رضي الله عنها قالت # " أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى ~~منى فمكث بها ليالي أيام التشريق برمي الجمرة إذا زالت الشمس " # الحديث، وفي إسناده محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وهو مدلس، وقد قال ابن ~~إسحاق المذكور في الإسناد المذكور عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن ~~عائشة، والمدلس إذا عنعن لم تقبل روايته عند أهل الحديث وقد قدمنا مرارا ~~أن من يحتج بالمرسل، يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، وأن المشهور عن أبي ~~حنيفة، ومالك، وأحمد: الاحتجاج بالمرسل. وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، ~~والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال # " رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس ". # وبهذه النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم أن قول عطاء ~~وطاوس بجواز الرمي في أيام ms2128 التشريق، قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في ~~الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم ~~الثالث أجزأه كل ذلك، خلاف التحقيق لأنه مخالف لفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم الثابت عنه المعتضد بقوله: # " لتأخذوا عني مناسككم " # ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف، ولم يرد ~~في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك، فالقول ~~بالرمي قبل الزوال أيام التشريق، لا مستند له ألبتة، مع مخالفته للسنة ~~الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند ~~الله تعالى. # الفرع الثاني: اعلم أنه يجب الترتيب في رمي الجمار، أيام التشريق فيبدأ ~~بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى ~~الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم يقف، فيدعو طويلا، ثم ينصرف إلى الجمرة ~~الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم يقف، فيدعو طويلا، ثم ينصرف إلى جمرة ~~العقبة، فيرميها كذلك، ولا يقف عندها، بل ينصرف إذا رمى وهذا الترتيب على ~~النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بأخذ ~~المناسك عنه. فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور. ففي صحيح ~~البخاري رحمه الله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يرمي الجمرة ~~الدنيا، بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم، حتى ~~يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي ~~الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ~~ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ~~ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفعله ا ه. # روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في ~~الترتيب المذكور، وقد قال صلى الله عليه وسلم # " لتأخذوا عني مناسككم " # فإن لم يرتب الجمرات، بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منسكا لأنه ~~خالف هدي النبي صلى الله عليه ms2129 وسلم وفي الحديث # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا، فيكون مردودا، وبهذا قال مالك والشافعي ~~وأحمد وجمهور أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنة، فإن نكس ~~الرمي أعاده وإن لم يعد أجزأه، وهو قول الحسن وعطاء، واحتجوا بأدلة لا ~~تنهض. وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إن الترتيب شرط لو بدأ بجمرة ~~العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث لم يجزه إلا ~~الأولى، لعدم الترتيب في الوسطى والأخيرة، فعليه أن يرمي الوسطى، ثم ~~الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة. ثم الأولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة ~~وحدها هذا هو الظاهر. # واعلم أن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الرمي، ليس فيها نص، ~~وسنذكر هنا بعض ذلك مما يظهر لنا أنه أقرب للصواب، مع الاختصار، لعدم ~~النصوص في ذلك. # فمن ذلك: أن الأقرب فيما يظهر لنا أنه لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا ~~يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى، لأن ذلك ليس برمي في العرف، ~~خلافا لمن قال: إنه رمي، وأنه لا بد من وقوع الحصاة في نفس المرمى، وهو ~~الجمرة التي يحيط بها البناء واستقرارها فيه خلافا لمن قال: إنها إن ~~وقعت في المرمى ثم تدحرجت حتى خرجت منه: أنه يجزئه، وأنها لو ضربت شيئا ~~دون المرمى، ثم طارت، وسقطت في المرمى: أن ذلك يجزئه، بخلاف ما لو جاءت ~~في محمل، أو في ثوب رجل، فتحرك المحمل أو الرجل فسقطت في المرمى، فإنها ~~لا تجزئ، وكذلك لو جاءت دون المرمى، فأطارت حصاة أخرى، فجاءت هذه الحصاة ~~الأخرى في المرمى، فإنها لا تجزئه. لأن الحصاة التي رماها لم تسقط في ~~المرمى، وإنما وقعت فيه الحصاة التي أطارتها، وأنها إن أخطأت المرمى، ~~ولكن سقطت قريبا منه، أن ذلك لا يجزئه، خلافا لمن قال: يجزئه، وأنه لا ~~ينبغي أن يرمي إلا بالحجارة، فلا ينبغي الرمي بالمدر، والطين، والمغرة، ~~والنورة، والزرنيخ، والملح، والكحل، وقبضة التراب، والأحجار النفيسة: ~~كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، ms2130 ونحو ذلك، خلافا لمن أجاز الرمي ~~بذلك. # ولا يجوز الرمي بالخشب، والعنبر، واللؤلؤ، والجواهر، والذهب، والفضة، ~~والأقرب أيضا أن الحصاة إن وقعت فيه شقوق في البناء المنتصب في وسط ~~الجمرة، وسكنت فيها أنها لا تجزئ، لأنها وقعت في هواء المرمى، لا في نفس ~~المرمى خلافا لمن قال: إنها تجزئه، والأقرب: أنه لا يلزم غسل الحصى لعدم ~~الدليل على ذلك، وأنه لو رمى بحصاة نجسة أجزأه ذلك لصدق اسم الرمي عليه، ~~وعدم نص على اشتراط طهارة الحصى مع كراهة ذلك عند بعض أهل العلم، وقول ~~بعضهم: بعدم الإجزاء والأقرب أنه لو رمى بحصاة قد رمى بها أنها تجزئه، ~~لصدق اسم الرمي عليها، وعدم النص على منع ذلك، ولا على عدم إجزائه ولكن ~~الأحوط في الجميع الخروج من الخلاف، كما قال بعضهم: # وأن الأورع الذي يخرج من # خلافهم ولو ضعيفا فاستبن # وفي كتب الفروع هنا أشياء تركناها لكثرتها. # تنبيه # اعلم أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي منه الجمرة، فقال بعض أهل ~~العلم: الجمرة في اللغة: الحصاة، وسميت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك، ~~لأنها المحل الذي يرمي فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما ~~يحل فيه، وهو أسلوب عربي معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه ~~المجاز المرسل، والتجمير رمي الحصى في الجمار ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # بدا لي منها معصم يوم جمرت # وكف خضيب زينت ببنان # فوالله ما أدري وإني لحاسب # بسبع رميت الجمر أم بثمان # والمجمر بصيغة اسم المفعول مضعفا: هو الموضع الذي ترمى فيه الجمار، ~~ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي: # لأدركهم شعث النواصي كأنهم # سوابق حجاج توافي المجمرا # وقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع، تقول العرب: ~~تجمر القوم، إذا اجتمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وجمرهم الأمر: أحوجهم ~~إلى التجمر، وهو التجمع، وجمر الشيء: جمعه، وجمر الأمير الجيش، إذا أطال ~~حبسهم مجتمعين بالثغر، ولم يأذن لهم في الرجوع والتفرق، وروى الربيع: أن ~~الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر: # وجمرتنا ms2131 تجمير كسرى جنوده # ومنيتنا حتى نسينا الأمانيا # والجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى: # فمن مبلغ وائلا قومنا # وأعني بذلك بكرا جمارا # أي مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع ~~الحجيج عندها يرمونها، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها، وقيل: اشتقاق الجمرة ~~من أجمر إذا أسرع، لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته ~~إذا نحيته وأظهرها القول الأول والثاني، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق. # قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء، أن بقية ~~اليوم وقت للرمي إلى الغروب. # واختلفوا فيما بعد الغروب، فمنهم من يقول: إن غربت الشمس، ولم يرم رمى ~~بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول: أداء، وقد قدمنا أقوالهم، ~~وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة، ومنهم من يقول: لا يرمي بالليل، ~~بل يؤخر الرمي، حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات ~~وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر. # واعلم أن هذا الحكم له حالتان: # الأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من ~~أيام التشريق. # والثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق. # أما الليل فقد قدمنا أن الشافعية والمالكية والحنفية كلهم يقولون: يرمي ~~ليلا، والمالكية بعضهم يقولون: الرمي ليلا قضاء، وهو المشهور عندهم، ~~وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء، كما قدمناه عن الباجي، والحنفية ~~يقولون: إن الليلة التي بعد اليوم تبع له، فيجوز الرمي فيها تبعا له، ~~فيجوز الرمي فيها تبعا لليوم، والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في ~~الليلة التي بعد اليوم، هل هو أداء، أو قضاء؟ كما قدمناه مستوفى، ~~والحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلا، بل يرمي من الغد بعد زوال ~~الشمس، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني وأما رمي يوم من أيام التشريق في ~~يوم آخر منها، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلا أنهم ~~اختلفوا ms2132 في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد؟ فالرمي في جميعها ~~أداء، لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو ~~وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي ~~بعده، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني أو عن الثاني في ~~الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه، لأنه رمى في وقت ~~الرمي، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمي فيه إلى الغد، عند من ~~يقول: بتعدد الدماء كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين، عند من يقول: بعدم ~~التعدد. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في هذه المسألة أن أيام ~~التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فمن رمى عن يوم منها في يوم ~~آخر منها أجزأه، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ~~ومن وافقهما. # والدليل على ذلك: هو ما رواه مالك في الموطأ، والإمام أحمد، والشافعي، ~~وابن حبان، والحاكم، وأصحاب السنن الأربعة، عن عاصم بن عدي العجلاني رضي ~~الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل، أن يرموا ~~يوما، ويدعو يوما هذا لفظ أبي داود، والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ: ~~رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، ~~يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم ~~النفر. # ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا، ومعناها واحد، وقال الإمام ~~مالك رحمه الله في الموطأ: ما نصه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى والله ~~أعلم: أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من ~~الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ~~ذلك، لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان ~~القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، ms2133 وإن أقاموا إلى الغد رموا ~~مع الناس يوم النفر الآخر، ونفروا. انتهى منه، وهذا المعنى الذي فسر به ~~الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يوما ويدعوا يوما، ~~وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # فإن قيل: أنتم سقتم هذا الحديث مستدلين به على أن أيام التشريع كاليوم ~~الواحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص لهم في تأخير رمي يوم ~~إلى اليوم الذي بعده، دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول، ~~لأنه لو فات وقته لفات بفوات وقته لإجماع العلماء على أنه لا يقضي في ~~اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده، ولكن ~~ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور، يدل على أن رمي يوم في اليوم ~~الذي بعده قضاء لقوله في كلامه المذكور: فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء. # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية اصطلاح حادث للفقهاء، ~~لأن القضاء في الكتاب والسنة يطلق على فعل العبادة في وقتها، كقوله ~~تعالى: # فإذا قضيتم الصلاة # [النساء: 103] الآية، وقوله: # فإذا قضيت الصلاة # [الجمعة: 10] الآية، وقوله تعالى: # فإذا قضيتم مناسككم # [البقرة: 200] الآية. فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء. # الوجه الثاني: أنا لو فرضنا أن مالكا رحمه الله، يريد بالقضاء في كلامه ~~المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد ~~خروج وقتها المعين لها تداركا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته، ~~كما هو المعروف في مذهبه. إنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده، أنه ~~قضاء. يلزم به الدم، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء ~~لعبادة، خرج وقتها بالكلية استنادا لأمرين: # الأول: أن رمي الجمار عبادة موقتة بالإجماع، فإذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في فعلها في وقت، دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك ~~العبادة الموقتة، لأنه ليس من المعقول أن تكون ms2134 هذه العبادة موقتة بوقت ~~معين ينتهي بالإجماع في وقت معروف، ويأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها. # فهذا لا يصح بحال، وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في فعل العبادة الموقتة فيه أنه من وقتها، علم أنها أداء لا قضاء، ~~والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها ~~شرعا، لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت. # الأمر الثاني: أنه لا يمكن أن يقال هنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بالرمي في وقت غير وقته، بل بعد فوات وقته، وأن أمره به في ذلك الوقت ~~أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له، لما قدمنا من إجماع المسلمين على ~~أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات ~~وقته، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه، وما بعد ذلك. والقضاء في اصطلاح ~~الفقهاء والأصوليين: لا يطلق إلا على ما فات وقته بالكلية، والصلاة في ~~آخر الوقت الضروري أداء عندهم، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري، ~~وبعضها بعد خروج الوقت الضروري، فهي أداء عندهم على الصحيح. ويدل له قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " # وعرف في مراقي السعود الأداء والوقت والقضاء عند الأصوليين بقوله: # فعل العبادة بوقت عينا # شرعا لها باسم الأداء قرنا # وكونه بفعل بعض يحصل # لعاضد النص هو المعول # وقيل ما في وقته أداء # وما يكون خارجا قضاء # والوقت ما قدره من شرعا # من زمن مضيقا موسعا # وعكسه القضا تداركا لما # سبق الذي أوجبه قد علما # وقوله: وعكسه القضا عين أن القضاء ضد الأداء. # وبما ذكرنا: تعلم أن التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من ~~رمى عن يوم في الذي بعده، لا شيء عليه لإذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر، فهو وقت ~~له، ms2135 ولكنه كالوقت الضروري. والله تعالى أعلم. # أما رمي جمرة العقبة، فقال بعض أهل العلم: إن حكمه مع رمي أيام التشريق ~~كواحد منها، فمن أخر رميه إلى يوم من أيام التشريق، فهو كمن أخر يوما ~~منها إلى يوم وعليه ففيه الخلاف المذكور، وقال بعض أهل العلم: هو مستقل ~~بوقته دونها لأنه يخالفها في الوقت، والعدد لأنها جمرة واحدة أول النهار، ~~وأيام التشريق بعكس ذلك وله وجه من النظر. والله أعلم. # الفرع الرابع: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن قضى رمي اليوم الأول ~~والثاني من أيام التشريق في اليوم الثالث منها، ينوي تقديم الرمي عن ~~اليوم الأول قبل الثاني، ولا يجوز تقديم رمي الثاني بالنية، لأنه لا وجه ~~لتقديم المتأخر وتأخير المتقدم من غير إستناد إلى دليل كما ترى. # والظاهر أنه إن نوى تقديم الثاني: لا يجزئه لأنه كالمتلاعب، خلافا لمن ~~قال: يجزئه. والله تعالى أعلم. # الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يوجب تركه الدم، ~~من رمي الجمار، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من ~~واحدة من الجمار. إلى ليل ذلك اليوم، لزمه الدم، وما فوق الحصاة أحرى ~~بذلك، وسواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة، يوم النحر ورمي الثلاث أيام ~~التشريق. ومعلوم أن من توقف من المالكية في كون الرمي ليلا قضاء يتوقف ~~في وجوب الدم، إن رمى ليلا، ولكن مشهور مذهبه: هو أن الليل قضاء كما قال ~~خليل في مختصره: والليل قضاء. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أن الدم ~~يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق، وكذلك ~~عندهم رمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة ورمي يوم من أيام التشريق، ورمي ~~الجميع سواء عندهم، يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من ~~نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات ~~من جمرة، وترك الباقي، فعليه دم، لأنه رمى عشر حصيات وترك إحدى عشرة ~~حصاة، فإن ترك أقل من ms2136 نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن ~~عليه الصدقة، عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر، أو ~~شعير إلا أن يبلغ ذلك دما فينقص ما شاء هكذا يقولون. ولا أعلم له ~~مستندا من النقل، وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في ~~يومه وليلته، التي بعده، ولو رماه من الغد في أيام التشريق، وخالفه في ~~ذلك صاحباه. ومذهب الشافعي في هذه المسألة فيه اختلاف يرجع إلى قولين: # القول الأول: وعليه اقتصر صاحب المهذب: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في ~~يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة، فما فوقها: ~~لزمه دم لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع المطلق، فصار ~~تركها كترك الجميع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال: # الأول: يجب عليه ثلاث دم. # والثاني: مد. # والثالث: درهم. وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزم فيها ثلثا دم، وقيل: مدان ~~وقيل درهمان، فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها، فعلى القول المشهور ~~عندهم أنها كيوم واحد، فاللازم دم واحد. وإن قلنا: بأن كل يوم منفرد ~~بوقته، فثلاثة دماء، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي أيام ~~التشريق، فعلى القول بأن رمي يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، لزمه ~~على القول الأول أنها كيوم واحد دم واحد، وإن قلنا: بانفراد رمي يوم ~~النحر عن أيام التشريق، لمخالفته لها وقتا وعددا، فإن قلنا: بالمشهور ~~أن أيام التشريق كيوم واحد، لزمه دمان، وإن قلنا: بانفراد كل يوم منها عن ~~الآخر بوقته، لزمه أربعة دماء. # القول الثاني: أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم ~~في بعضها بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم، وعليه فإن ترك ~~رمي جمرة من الجمار، ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم، فيمن حلق شعرة ~~أظهرها: مد، والثاني: درهم، والثالث: ثلث دم، فإن ترك جمرتين، فعلى هذا ~~القياس، وهو لزوم مدين أو درهمين أو ثلثي دم، وعلى ms2137 هذا لو ترك حصاة من ~~جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين ~~جزءا من دم، وعلى أن فيها مد أو درهما، ففي الحصاة سبع مد أو سبع درهم، ~~وللشافعية في هذا المبحث تفاصيل كثيرة، تركناها لطولها، ومذهب الإمام ~~أحمد: أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق. لزمه دم، وعنه في ترك رمي ~~الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة، والحصاتين وعنه يتصدق بشيء. ~~وروي عنه أن في الحصاة الواحدة: دما كقول مالك. وروي عنه أن في ثلاث ~~حصيات: دما كأحد قولي الشافعي وفيما دون ذلك كل حصاة مد كأحد الأقوال ~~عند الشافعية والعلم عند الله تعالى. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم، في حكم من أخل بشيء من الرمي، حتى فات وقته. # فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله. وجب عليه دم، هو ~~ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من نسي من نسكه شيئا، أو ~~تركه، فليهرق دما، وهذا صح عن ابن عباس موقوفا عليه، وجاء عنه مرفوعا ~~ولم يثبت. وقد روى مالك في موطئه عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد ~~بن جبير، عن ابن عباس قال: من نسي من نسكه شيئا إلى آخره باللفظ الذي ~~ذكرنا وهذا إسناد في غاية الصحة إلى ابن عباس كما ترى. وقال البيهقي في ~~سننه: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو العباس محمد بن ~~يعقوب، ثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبدالله ~~بن عمر، ومالك بن أنس، وغيرهما: أن أيوب بن أبي تميمة، أخبرهم عن سعيد بن ~~جبير، عن عبدالله بن عباس أنه قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق ~~دما ا ه. # وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث # " من ترك نسكا فعليه دم " # فرواه مالك، والبيهقي، وغيرهما بأسانيد صحيحة، عن ابن عباس موقوفا ~~عليه، لا مرفوعا ولفظه، عن مالك عن أيوب، عن سعيد بن جبير: ms2138 أن ابن عباس ~~قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما قال مالك: لا أدري قال: ~~ترك أم نسي قال البيهقي: وكذا رواه الثوري، عن أيوب: من ترك شيئا فليهرق ~~وما قال البيهقي، فكأنه قالهما يعني البيهقي أن أو ليست للشك كما أشار ~~إليه مالك بل للتقسيم، والمراد به يريق دما ترك عمدا أو سهوا والله ~~أعلم. # انتهى كلام النووي. # وقال ابن حجر في تلخيص الحبير حديث ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا # " من ترك نسكا فعليه دم " # أما الموقوف، فرواه مالك في الموطأ. والشافعي عنه عن أيوب عن سعيد بن ~~جبير عنه بلفظ: # " من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما " # وأما المرفوع فرواه ابن حزم، من طريق علي بن الجعد، عن ابن عيينة، عن ~~أيوب به وأعله بالراوي: عن علي بن الجعد أحمد بن علي بن سهل المروزي ~~فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسي قال: هما مجهولان. ~~انتهى من التلخيص. # فإذا علمت أن الأثر المذكور ثابت بإسناد صحيح، عن ابن عباس. # فاعلم أن وجه استدلال الفقهاء به على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها ~~غير الدماء الثابتة بالنص، أنه لا يخلو من أحد أمرين. # الأول: أن يكون له حكم الرفع، بناء على أنه تعبد، لا مجال للرأي فيه، ~~وعلى هذا فلا إشكال. # والثاني: أنه لو فرض أنه مما للرأي فيه مجال، وأنه موقوف ليس له حكم ~~الرفع، فهو فتوى من صحابي جليل لم يعلم لها مخالف من الصحابة، وهم رضي ~~الله عنهم خير أسوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة أو رمي يوم أو حصاة أو ~~حصاتين إلى آخر ما تقدم: فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط فمالك ~~مثلا القائل: بأن في الحصاة الواحدة دما يقول الحصاة. الواحدة داخلة في ~~أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها، لأنها شيء من نسكه ~~فيتناولها قوله: من نسي من نسكه شيئا أو تكره إلخ، ms2139 لأن لفظة شيئا نكرة ~~في سياق الشرط، فهي صيغة عموم، والذين قالوا: لا يلزم في الحصاة ~~والحصاتين دم، قالوا، الحصاة، والحصاتان، لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء ~~من نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي ~~اليوم الواحد نسك واحد فمن ترك جمرة في في يوم لم يترك نسكا، وإنما ترك ~~بعض نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا: إن الجميع ~~نسك واحد والعلم عند الله تعالى. # الفرع السادس: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: يستحب رمي جمرة العقبة ~~راكبا إن أمكن، ورمي أيام التشريق ماشيا في الذهاب والإياب إلا اليوم ~~الأخير، فيرمي فيه راكبا، وينفر عقب الرمي وقال بعضهم: يرميه كله ~~راكبا. # وأظهر الأقوال في المسألة: هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~قد رمى جمرة العقبة راكبا ورمى أيام التشريق ماشيا ذهابا وإيابا ~~والله تعالى أعلم. # الفرع السابع: إذا عجز الحاج عن الرمي، فله أن يستنيب من يرمي عنه، وبه ~~قال كثير من أهل العلم، وهو الظاهر، وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك، هل ~~يرمى عن الصبي والمريض؟ فقال: نعم، ويتحرى المريض حين يرمى عنه، فيكبر ~~وهو في منزله، ويهريق دما، فإن صح المريض في أيام التشريق: رمى الذي ~~رمي عنه، وأهدى وجوبا انتهى من الموطأ. # أما الرمي عن الصبيان فهو كالتلبية عنهم، والأصل فيه ما رواه ابن ماجه ~~في سننه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن ~~أبي الزبير، عن جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا ~~النساء، والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم، ورجال إسناد ابن ~~ماجه هذا ثقات معروفون إلا أشعث وهو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ~~ثقيف فقد ضعفه غير واحد ومسلم إنما أخرج له في المتابعات، وهو ممن يعتبر ~~بحديثه، كما يدل على ذلك إخراج مسلم له في المتابعات. وروى الدورقي عن ~~يحيى أشعث بن سوار الكوفي ثقة، وقال ابن عدي: ms2140 لم أجد لأشعث متنا منكرا ~~وإنما يغلط في الأحايين في الأسانيد ويخالف. وأما الرمي عن المريض ونحوه ~~ممن كان له عذر غير الصغر فلا أعلم له مستندا من النقل إلا أن الاستنابة ~~في الرمي، هي غاية ما يقدر عليه والله تعالى يقول # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وبعض أهل العلم يستدل لذلك بالقياس على الصبيان، بجامع ~~العجز في الجميع وبعضهم يقيس الرمي على أصل الحج قال النووي في شرح ~~المهذب: استدل أصحابنا على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على ~~الاستنابة في أصل الحج قالوا والرمي أولى بالجواز ا ه. # تنبيه # إذا رمى النائب عن العاجز ثم زال عذر المستنيب، وأيام الرمي باقية، فقد ~~قدمنا قول مالك في الموطأ: أنه يقضي كل ما رماه عنه النائب، مع لزوم الدم ~~وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب، لأن فعل النائب ~~كفعل المنوب عنه، فيسقط به الفرض، ولكن تندب إعادته، وهذا هو مشهور مذهب ~~الشافعي. وفي المسألة لأهل العلم غير ما ذكرنا. # قال مقيده عفا الله وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه المسألة: ~~أنه إذا زال عذر المستنيب وأيام الرمي باق بعضها: أنه يرمي جميع ما رمى ~~عنه، ولا شيء عليه، لأن الاستنابة إنما وقعت لضرورة العذر، فإذا زال ~~العذر والوقت باق بعضه، فعليه أن يباشر فعل العبادة بنفسه. # وقد قدمنا أن أقوى الأقوال دليلا هو قول من قال: إن أيام الرمي كيوم ~~واحد بدليل ما قدمنا من ترخيصه صلى الله عليه وسلم للرعاء أن يرموا ~~يوما، ويدعوا يوما كما تقدم إيضاحه والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثامن: اعلم أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة ~~أنها سبع حصيات، فمجموع الحصى سبعون حصاة سبع منها ترمى بها جمرة العقبة ~~يوم النحر، والثلاث والستون الباقية تفرق على الأيام الثلاثة في كل يوم ~~إحدى وعشرون حصاة، لكل جمرة سبع. # وأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه ومن وافقهم: أن من ترك حصاة ~~واحدة كن ترك ms2141 رمي الجميع، وقال بعض أهل العلم: يجزئه الرمي بخمس أو ست ~~وقال ابن قدامة في المغني: والأولى ألا ينقص في الرمي عن سبع حصيات، لأن ~~النبي صلى الله عيه وسلم رمى بسبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا ~~بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه يعني أحمد، وهو قول مجاهد وإسحاق، ~~وعنه: إن رمى بست ناسيا، فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده فإن تعمد ~~ذلك تصدق بشيء، وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست، أو بسبع. وعن ~~أحمد: أن عدد السبع شرط، ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع. وقال أبو حبة: لا بأس بما رمى به ~~الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حبة، وكان أبو حبة ~~بدريا. # ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن رجل ترك ~~حصاة؟ قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد ~~الرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعضنا يقول: رميت بست وبعضنا يقول بسبع، فلم يعب ذلك بعضنا على ~~بعض رواه الأثرم وغيره انتهى كلام ابن قدامة في المغني. وما رواه عن أبي ~~نجيح قال: سئل طاوس إلخ رواه البيهقي بإسناده في السنن الكبرى، من طريق ~~الفريابي، عن ابن عيينة، عن أبي نجيح. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات ~~للروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يرمي الجمار ~~بسبع حصيات. مع قوله # " خذوا عني مناسككم " # فلا ينبغي العدول عن ذلك، لوضوح دليله وصحته ولأن مقابله لم يقم عليه ~~دليل يقارب دليله، والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن من شك في عدد ما ~~رمى بيني على اليقين، وروى البيهقي عن علي رضي الله عنه ما يؤيده. # الفرع التاسع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من غربت شمس يوم ms2142 النفر ~~الأول، وهو بمنى لزمه المقام بمنى، حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ~~اليوم الثالث، ولا ينفر ليلا. # وممن قال بهذا: الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر ~~أهل العلم. وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول عمر، وجابر بن زيد، وعطاء، ~~وطاوس، ومجاهد، وأبان بن عثمان، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن ~~المنذر. وقال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: " من أدركته المساء في ~~اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس ". وخالف ابو حنيفة ~~الجمهور في هذه المسألة فقال: له أن ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى ~~يطلع الفجر من اليوم الثالث، فإن طلع الفجر لزمه البقاء، حتى يرمي. # والأظهر عندي: حجة الجمهور. لأن الله تعالى قال # فمن تعجل في يومين # [البقرة: 203] ولم يقل في يومين وليلة. # ووجه قول أبي حنيفة: هو أن من نفر بالليل فقد نفر في وقت، لا يجب فيه ~~الرمي، بل لا يجوز فجاز له النفر كالنهار. وقد قدمنا أيضا عن الحنفية ~~أنهم يرون الليلة التي بعد اليوم من أيام التشريق تابعة له، فيجوز فيها ~~ما يجوز في اليوم الذي قبلها كالرمي فيها والنفر فيها إن كان يجوز في ~~يومها. # والأظهر عندي: أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس، وهو سائر في منى ~~لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت والرمي، لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه ~~الشمس في منى، فلم يتعجل منها في يومين خلافا للمشهور من مذهب الشافعي ~~القائل: بأن له أن يستمر في نفره ولا يلزمه المبيت والرمي. # والأظهر عندي أيضا: أنه لو غربت عليه الشمس، وهو في شغل الارتحال أنه ~~يبيت، ويرمي خلافا لمن قال: يجوز له الخروج منها بعد الغروب لأنها غربت، ~~وهو مشتغل بالرحيل، وهما وجهان مشهوران عند الشافعية والعلم عند الله ~~تعالى. # واعلم: أن التحقيق أن التعجل جائز، لأهل مكة فهم فيه كغيرهم، خلافا إن ~~فرق بين المكي وغيره، إلا لعذر لأن الله قال # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة: 203] وهو ms2143 عموم شامل لأهل مكة وغيرهم، ولا شك أن التأخير أفضل ~~من التعجيل لأن فيه زيادة عمل، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع لم يتعجل. # الفرع العاشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى، ليالي أيام ~~التشريق هل هو واجب أو مستحب، مع إجماعهم على أنه مشروع؟ فذهب مالك، ~~وأصحابه: إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة، وهو خارج عن ~~منى. لزمه دم لأثر ابن عباس السابق. وروى مالك في الموطأ، عن نافع أنه ~~قال: زعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان يبعث رجالا يدخلون ~~الناس من وراء العقبة. # وروى مالك في الموطأ أيضا، عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ~~أن عمر بن الخطاب قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء ~~العقبة. ا ه منه. # وهو دليل على وجوب المبيت ليالي أيام التشريق بمنى كما أنه دليل على أن ~~ما وراء جمرة العقبة، مما يلي مكة، ليس من منى، وهو معروف، ومذهب أبي ~~حنيفة: هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه، ولو بات بغير منى لم ~~يلزمه شيء، عند أبي حنيفة، وأصحابه، لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن ~~يسهل عليه الرمي، فلم يكن من الواجبات عندهم. ومذهب الشافعي في هذه ~~المسألة: هو أن في المبيت بمنى ليالي منى طريقتين، أصحهما، وأشهرهما فيه ~~قولان: أصحهما: أنه واجب، والثاني: أنه سنة، والطريق الثاني أنه سنة ~~قولا واحدا فعلى القول بأنه واجب، فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنة، ~~فالدم سنة في تركه، ولا يلزم عندهم الدم، إلا في ترك المبيت في الليالي ~~كلها، لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي ~~الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم أصحها أن في ~~ترك مبيت الليلة الواحدة مدا، والثاني: أن فيه درهما، والثالث: أن فيه ~~ثلث دم كما تقدم، وحكم الليلتين معلوم كما تقدم. # ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة: أن المبيت ms2144 بمنى ليالي منى واجب، فلو ~~ترك المبيت بها في الليالي الثلاث. فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه: ~~يتصدق بشيء، وعنه: لا شيء عليه فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها، ففيه ~~ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا، قيل من وقيل: درهم، ~~وقيل، ثلث دم. # فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلا ~~أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج، يدخل في قول ابن عباس: من ~~نسي من نسكه شيئا، أو تركه فليهرق دما. # والدليل على ذلك ثلاثة أمور. # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها الليالي المذكورة وقال # " لتأخذوا عني مناسككم " # فعلينا أن نأخذ من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة. # الثاني: هو ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص ~~للعباس أن يبيت بمكة أيام منى، من أجل سقايته وفي رواية: أذن للعباس. # وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث الترخيص للعباس المذكور عند ~~البخاري ما نصه: وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك ~~الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة ~~المذكورة، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن وبالوجوب قال ~~الجمهور: وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنة ~~ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم ~~الليل انتهى محل الغرض عنه. # وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. # وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على الحديث المذكور: هذا يدل ~~لمسألتين. # إحداهما: أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به، وهذا متفق عليه، ~~لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة؟ وللشافعي قولان، أصحهما: واجب وبه قال ~~مالك، وأحمد، والثاني: سنة. وبه قال ابن عباس، والحسن وأبو حنيفة، فمن ~~أوجبه أوجب الدم في تركه وإن قنلا سنة لم يجب الدم بتركه، ولكن يستحب ~~انتهى محل الغرض منه وكأنه يقول: إن الحديث ms2145 لا يؤخذ منه الوجوب، ولكن ~~يؤخذ منه الوجوب، ولكن يؤخذ منه مطلق الأمر به لأن رواية مسلم ليس فيها ~~لفظ الترخيص، وإنما فيها التعبير بالإذن ورواية البخاري فيها رخص ~~النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير بالترخيص: يدل على الوجوب كما أوضحه ~~ابن حجر في كلامه الذي ذكرناه آنفا. # الأمر الثالث: هو ما قدمنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان يمنع ~~الحجاج من المبيت، خارج منى ويرسل رجالا يدخلونهم في منى، وهو من ~~الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم، والظاهر أن ~~من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل ~~السقاية، والترخيص لرعاء الإبل في عدم المبيت ورمي يوم بعد يوم. # الفرع الحادي عشر: في حكمة الرمي: # اعلم أنه لا شك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله، فيما أمر به ~~وذكره امتثال أمره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، قال أبو داود في ~~سننه حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن ~~القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ~~ذكر الله " # وقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا، وهذا الإسناد كله صحيح ~~إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفا يسيرا، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث، ~~فهو حسن عنده كما سبق. وروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا، ~~وقال هو حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، فلعله اعتضد برواية أخرى. ~~انتهى محل الغرض منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: عبيد الله بن أبي زياد المذكور، هو ~~القداح أبو الحصين المكي، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وحديثه هذا معناه ~~صحيح بلا شك ويشهد لصحة معناه قوله تعالى # واذكروا الله في أيام معدودات # [البقرة: 203] لأنه يدخل في الذكر المأمور به: رمي الجمار بدليل قوله ~~بعده # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ms2146 # [البقرة: 203] الآية، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله، كما ~~هو واضح، ولكن هذه الحكمة إجمالية، وقد روى البيهقي رحمه الله في سننه عن ~~ابن عباس مرفوعا قال: لما أتى إبراهيم خليل الله عليه السلام المناسك، ~~عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم ~~عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض ~~له في الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما: الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون. انتهى بلفظه من ~~السنن الكبرى للبيهقي، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعا ثم ~~قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وعلى هذا الذي ذكره ~~البيهقي، فذكر الله الذي شرع الرمي لإقامته، هو الاقتداء بإبراهيم في ~~عداوة الشيطان، ورميه، وعدم الانقياد إليه، والله يقول # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم # [الممتحنة: 4] الآية، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي ~~أمرنا الله بها في قوله # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] وقوله منكرا على من والاه # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف: 50] الآية، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة. # وقال النووي في شرح المهذب: فرع في الحكمة في الرمي، قال العلماء: أصل ~~العبادة الطاعة، وكل عبادة فلها معنى قطعا، لأن الشرع لا يأمر بالعبث، ~~ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف، وقد لا يفهمه، فالحكمة في الصلاة، ~~التواضع، والخضوع، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والحكم في الصوم. كسر ~~النفس وقمع الشهوات، والحكمة في الزكاة: مواساة المحتاج، وفي الحج: إقبال ~~العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله الله كإقبال العبد إلى ~~مولاه ذليلا. # ومن العبادات التي لا يفهم معناها: السعي والرمي، فكلف العبد بهما ليتم ~~انقياده، فإن هذا النوع لاحظ للنفس فيه، ولا للعقل، ولا يحمل عليه إلا ~~مجرد امتثال الأمر وكمال الانقياد فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في ~~جميع ms2147 العبادات والله أعلم انتهى كلام النووي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره الشيخ النووي رحمه الله: من أن ~~حكمة السعي والرمي غير معقولة المعنى، غير صحيح فيما يظهر لي والله تعالى ~~أعلم بل حكمة الرمي والسعي معقولة، وقد دلت بعض النصوص، على أنها معقولة، ~~أما حكمة السعي: فقد جاء النص الصحيح ببيانها، وذلك هو ما رواه البخاري ~~في صحيحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل ~~في مكة، وأنه وضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، وفي الحديث ~~الصحيح المذكور # " وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما ~~في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت ~~كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ~~ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى ~~إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سمعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت ~~الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا ~~ففعلت ذلك سبع مرات " # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم # " فذلك سعى الناس بينهما " # الحديث. وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري رحمه ~~الله في صحيحه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح # " فذلك سعى الناس بينهما " # فيه الإشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة، لأن هاجر سعت ~~بينهما السعي المذكور، وهي في أشد حاجة، وأعظم فاقة إلى ربها، لأن ثمرة ~~كبدها، وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوى من العطش في بلد لا ماء فيه، ولا ~~أنيس، وهي أيضا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا، وهي ~~من شدة ا لكرب تصعد على هذا الجبل فإذا لم تر شيئا جرت إلى الثاني فصعدت ~~عليه لترى أحدا فأمر الناس بالسعي بين الصفا والمروة، ليشعروا بأن ~~حاجتهم، وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة ms2148 وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت ~~الضيق والكرب العظيم، إلى خالقها ورازقها وليتذكروا أن من كان يطيع الله ~~كإبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام، لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه ~~وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح وقد قدمنا في حديث البيهقي ~~المذكور حكمة الرمي أيضا فتبين بذلك أن حكمة السعي والرمي معروفة ظاهرة ~~خلافا لما ذكره النووي. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الحادية عشرة في مواقيت الحج والعمرة # اعلم أن الحج له ميقات زماني: وهو المذكور في قوله تعالى # الحج أشهر معلومات # [البقرة: 197] الآية، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقيل: ~~وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة ~~النحر، وميقات مكاني، والمواقيت المكانية خمسة، أربعة منها بتوقيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بلا خلاف بين العلماء، لثبوت ذلك في ~~الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم، وواحد مختلف فيه هل وقته النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو وقته عمر رضي الله عنه. # أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي: ذو ~~الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، والجحفة وهي: ميقات أهل الشام وقرن ~~المنازل وهو: ميقات أهل نجد، ويلملم وهي ميقات أهل اليمن أخرج توقيت هذه ~~المواقيت الأربعة الشيخان في صحيحيهما، عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله ~~عنهم إلا أن ابن عمر لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم توقيت يلملم ~~لأهل اليمن، بل سمعه من غيره صلى الله عليه وسلم، وهو مرسل صحابي، ~~والاحتجاج بمراسيل الصحابة معروف، أما ابن عباس فقد سمع منه صلى الله ~~عليه وسلم المواقيت الأربعة المذكورة. # فتحصل: أن ذا الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل اتفق الشيخان على إخراج ~~توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث ابن عمر وابن عباس. وأن ~~يلملم اتفقا أيضا على إخراج توقيته عنهما معا، إلا أن ابن عباس سمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمر سمعه من غيره، كما أوضحناه وذو ~~الحليفة هو ms2149 المسمى الآن بآبار علي، وقرن المنازل هو المسمى الآن: بالسيل. ~~والجحفة خراب الآن، والناس يحرمون من رابغ، وهو قبلها بقليل وهو موضع ~~معروف قديما وفيه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # ولما أجزنا الميل من بطن رابغ # بدت نارها قمراء للمتنور # وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه، هل وقته رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أو وقته عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو: ذات عرق لأهل ~~العراق، فقال بعض أهل العلم. توقيت ذات عرق، لأهل العراق من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقال بعضهم: هو بتوقيت عمر رضي الله عنه، هو الذي قطع به ~~الغزالي، والرافعي في شرح المسند، والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في ~~المدونة لمالك وصحح الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في ~~الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب: أنه منصوص. انتهى محل الغرض من فتح ~~الباري. # وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق: واختلف العلماء، ~~هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم، أم باجتهاد عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما، وهو نص ~~الشافعي رضي الله عنه في الأم: بتوقيت عمر رضي الله عنه. انتهى محل الغرض ~~منه. وقال النووي في شرح المهذب، وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف، طاوس، ~~وابن سيرين، وأبو الشعثاء جابر بن زيد وحكاه البيهقي وغيره عنهم، وممن ~~قال من السلف إنه منصوص عليه: عطاء بن أبي رباح وغيره، وحكاه ابن الصباغ، ~~عن أحمد، وأصحاب أبي حنيفة، وإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق ~~لأهل العراق، فهذه تفاصيل أدلتهم. # أما الذين قالوا: إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في ~~صحيحه: حدثني علي بن مسلم، حدثنا عبدالله بن نمير، حدثنا عبيدالله، عن ~~نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر ~~فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل ~~نجد: قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا ms2150 إن أردنا قرنا شق علينا. # قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق ا ه منه. قالوا: فهذا ~~الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك ~~أيضا آثار عن بعض السلف. # وأما الذين قالوا: إنه بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدلوا ~~بأحاديث منها: ما رواه مسلم في صحيحه، وحدثني محمد بن حاتم، وعبد بن ~~حميد، كلاهما عن محمد بن بكر، قال عبد: أخبرنا محمد، أخبرنا ابن جريج، ~~أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، يسأل عن ~~المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مهل ~~أهل المدينة، من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق: من ~~ذات عرق، ومهل أهل نجد: من قرن. ومهل أهل اليمن: من يلملم. انتهى منه. ~~وهذا الإنساد صحيح كما ترى إلا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: ~~فهذا إسناد صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فلا يثبت رفعه بمجرد هذا، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد ~~الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك، لكن الخوزي ~~ضعيف، لا يحتج بروايته ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن جابر، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، بلا شك أيضا، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة، وهو ~~ضعيف، وعن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق: ذات عرق " # رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح، لكن نقل ابن ~~عدي: أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه، وانفراده به مع ~~أنه ثقة، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق: ذات عرق " # رواه أبو داود، وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه وقت لأهل المشرق: ذات عرق " # رواه البيهقي، والشافعي ms2151 بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرسلا، وعطاء من كبار التابعين. وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن ~~مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور. # منها: أن يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وهذا قد اتفق على العمل ~~به الصحابة، ومن بعدهم، قال البيهقي: هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه ~~رواه مرسلا، قال: وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عطاء وغيره متصلا، ~~والحجاج ظاهر الضعف. انتهى كلام النووي. وقال صاحب نصب الراية: وأخرجه ~~الدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي ~~في أسانيدهم، عن حجاج، عن عطاء، عن جابر. # وحجاج لا يحتج به، وذكر الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ~~ابن لهيعة من غير شك في الرفع. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا أن ذات عرق، ~~وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق، والدليل على ذلك من ~~وجهين: # أحدهما: أن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، في أحاديث منها: ما ~~هو صحيح الإسناد، ومنها: ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي بعضا. # قال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا هشام بن بهرام المدائني، ثنا ~~المعافى بن عمران، عن أفلح يعني: ابن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ~~رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " # انتهى من سنن أبي داود، وهذا الإسناد صحيح كما ترى، لأن طبقته الأولى ~~هشام بن بهرام المدائني أبو محمد، وهو ثقة، وطبقته الثانية: المعافى بن ~~عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، وهو ثقة عابد فقيه. وطبقته ~~الثالثة: أفلح بن حميد بن نافع المدني أبو عبد الرحمن، ويقال له: ابن ~~صعيراء، وهو ثقة، وطبقته الرابعة، والخامسة القاسم بن محمد أبي بكر، عن ~~عمته عائشة رضي الله عنها، فهذا إسناد في غاية ا لصحة كما ترى. # وقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن ms2152 عبدالله بن عمار الموصلي، قال: ~~حدثنا أبو هاشم محمد بن علي عن المعافى، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن ~~عائشة قالت # " وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل ~~الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل نجد: قرنا، ولأهل ~~اليمن: يلملم " # وهذا إسناد صحيح أيضا، لأن طبقته الأولى محمد بن عبدالله بن عمار ~~الموصلي وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي، ~~وهو ثقة عابد وباقي الإسناد، هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود، وكلهم ~~ثقات كما أوضحناه الآن، فهذا الإسناد لا شك في صحته ومتنه فيه التصريح ~~بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق. # واعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإمام أحمد رحمه الله، أنكر على ~~أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق، وأنه انفرد بذلك غير مسلم لأن ~~أفلح بن حميد ثقة وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران ~~أيضا لأنه ثقة، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة، كما هو ~~معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال الشيخ الذهبي رحمه الله في ميزان ~~الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن حميد المذكور: وثقه ابن معين، ~~وأبو حاتم. # وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله: ولأهل العراق ذات ~~عرق، وقال ابن عدي في الكامل: هو عندي صالح، وهذا الحديث ينفرد به ~~المعافى بن عمران، عن أفلح، عن القاسم عن عائشة. # قلت: هو صحيح غريب. انتهى كلام الذهبي. وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح ~~غريب، مع أن هذا الحديث في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق، لأهل ~~العراق له شواهد متعددة. # منها: حديث جابر في صحيح مسلم، وإن كان لم يجزم فيه بالرفع، لأن قوله: ~~أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ظن من أبي الزبير أن جابرا ~~رفع الحديث، وهذا الظن يقوي الروايات، التي فيها الجزم بالرفع. # ومنها: ms2153 ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أبو معمر عبدالله بن عمرو بن ~~أبي الحجاج، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عتبة بن عبد الملك السهمي، حدثني ~~زرارة بن كريم: أن الحارث بن عمرو السهمي، حدثه: قال: أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس قال: فتجيء ~~الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق: لأهل ~~العراق. انتهى منه. وهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن، لأن طبقته ~~الأولى: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي ~~المنقري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر، وطبقته الثانية: عبد الوارث وهو ~~ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري، وهو ثقة ثبت رمي ~~بالقدر ولم يثبت عنه، وطبقته الثالثة: عتبة بن عبد الملك السهمي، وهو ~~بصري. ذكره ابن حبان في الثقات، وطبقته الرابعة: زرارة بن كريم بن الحارث ~~بن عمرو السهمي، وهو له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وطبقته ~~الخامسة: الحارث بن عمرو السهمي الباهلي رضي الله عنه وهو صحابي، فهذا ~~الإسناد لا يقل عن درجة الحسن، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم ~~عند أبي داود، والنسائي الذي قدمنا: أن إسناده صحيح، وقد سكت أبو داود ~~على هذا الحديث. ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث، فهو صالح للاحتجاج ~~عنده، كما قدمناه مرارا. وقد ذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة ا لحارث ~~بن عمرو المذكور: أن حديثه هذا صححه الحاكم، ولم يتعقب ذلك بشيء. وذكر ~~البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه ~~به أبو داود، ولم يتعقبه بشيء. # ومنها: ما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى ~~الموصلي في مسانيدهم والدارقطني في سننه: عن جابر: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقت ذات عرق: لأهل العراق من غير شك في الرفع، وقد قدمنا في ~~كلام النووي، والزيلعي، وابن حجر: أن في إسناده ابن لهيعة، والحجاج ms2154 بن ~~أرطاة، وكلاهما ضعيف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر ~~بها صالحة لاعتضاد غيرها، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونا ~~بغيره، كما قاله الذهبي في الميزان، وقد أثنى عليه غير واحد، وروى عنه ~~شعبة وقال: اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة، وابن إسحاق، فإنهما حافظان. وقال ~~فيه الثوري: ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال فيه حماد بن ~~زيد: كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان. وقال فيه الذهبي في الميزان: هو ~~أحد الأعلام على لين في حديثه. وقال فيه الذهبي: وأكثر ما نقم عليه ~~التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ~~صدوق كثير الخطأ والتدليس ا ه. # وعلى كل حال: فلا شك في الاعتبار بروايته، وصلاحها لتقوية غيرها، وابن ~~لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها، وقد أخرج له مسلم أيضا مقرونا ~~بغيره. وقد قدمنا الكلام عليه. # وعلى كل حال فرواية الحجاج وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة. ومنها ~~الحديث الذي رواه عطاء مرسلا كما قدمنا في كلام النووي، وقد قال: إنه ~~رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن ومرسل عطاء هذا في توقيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ذات عرق لأهل العراق محتج به عند الأئمة الأربعة. أما ~~مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، فالمشهور عنهم الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه ~~مرارا. وأما الشافعي: فقد قدمنا عن النووي: أنه يعمل بمرسل التابعي ~~لكبير إن قال به بعض الصحابة أو أكثر أهل العلم، ومرسل عطاء هذا أجمع على ~~العمل به الصحابة، فمن بعدهم إلى غير ذلك من الأدلة العاضدة، لأن توقيت ~~ذات عرق لأهل العراق من النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق ما نصه: وهذا يدل على أن للحديث ~~أصلا، فلعل من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، ورأى ضعف الحديث باعتبار أن ~~كل ms2155 طريق لا يخلو من مقال. انتهى محل الغرض منه. # وقد بينا أن بعض روايات هذا الحديث صحيحة، ولا يضرها انفراد بعض الثقات ~~بها. # الأمر الثاني: من الأمرين المذكورين في أول هذا المبحث: هو إنما ثبت في ~~صحيح البخاري من حديث ابن عمر، مما يدل على أن توقيت ذات عرق، لأهل ~~العراق باجتهاد من عمر، كما قدمناه لا يعارض هذه الأدلة التي ذكرناها، ~~على أنه منصوص، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رضي الله عنه معروف أنه وافقه الوحي في ~~مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعا ولا عقلا ولا ~~عادة. # وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق، بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال ~~فيه ابن عبد البر: هي غفلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت ~~لأهل النواحي قبل الفتوح، لأنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام ~~والعراق. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن المواقيت الخمسة التي ذكرنا، مواقيت أيضا لكل من ~~مر عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجا كان أو عمرة، ففي حديث ابن ~~عباس المتفق عليه، الذي ذكرناه في أول هذا المبحث بعد ذكر المواقيت ~~المذكورة # " فهي لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة " # هذا لفظ البخاري في صحيحه من رواية ابن عباس: وفي لفظ في البخاري، عن ~~ابن عباس: # " هن لأهلهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة " # وكلا اللفظين في صحيح مسلم من رواية ابن عباس وهذا لا خلاف فيه بين أهل ~~العلم. # الفرع الثاني: اعلم أن من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته ~~من موضع سكناه، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفا: # " فمن كان دونهن فمهله من أهله " # وفي رواية # " فمن كان دونهن فمن أهله " # وفي لفظ # " ومن كان دون ذلك فمن حيث ms2156 أنشأ " # كل هذه بالألفاظ في صحيح البخاري من حديث ابن عباس مرفوعا، واللفظان ~~الأخيران منها في صحيح مسلم أيضا من حديث ابن عباس، وهذا لا خلاف فيه ~~بين أهل العلم. # الفرع الثالث: اعلم أن أهل مكة يهلون من مكة، وفي حديث ابن عباس المتفق ~~عليه المذكور آنفا # " حتى أهل مكة، يهلون منها " # ، وفي لفظ: # " حتى أهل مكة يهلون من مكة " # ، وكلا اللفظين في الصحيحين من حديث ابن عباس المذكور، وهذا بالنسبة إلى ~~الإهلال بالحج، لا خلاف فيه بين أهل العلم إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي ~~يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم، ولو خارجا عن مكة وهو ظاهر السقوط ~~لمخالفته للنص الصريح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إهلال المكي ~~بالعمرة، فجماهير أهل العلم على أنه لا يهل بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى ~~الحل، ويحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم، وحكى غير واحد عليه ~~الإجماع. # قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: الوقت لأهل ~~مكة الحرم في الحج، والحل في العمرة للإجماع على ذلك. انتهى منه. # وقال ابن قدامة في المغني في الكلام على ميقات المكي: وإن أراد العمرة ~~فمن الحل، لا نعلم في هذا خلافا. # انتهى منه. # وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على ميقات أهل مكة: وأما المعتمر ~~فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة. # قال المحب الطبري: لا أعلم أحدا جعل مكة ميقانا للعمرة. انتهى محل ~~الغرض منه. # وقال ابن القيم: إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة، وظاهر صنيع ~~البخاري أنه يرى إحرامهم من مكة بالعمرة، حيث قال: باب مهل أهل مكة للحج ~~والعمرة، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المذكور، ومحل الشاهد عنده منه ~~المطابق للترجمة هي قوله: # " حتى أهل مكة من مكة " # فقوله في الترجمة باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، وإيراده لذلك، حتى أهل ~~مكة يهلون من مكة، دليل واضح على أنه يرى أن ms2157 أهل مكة يهلون من مكة للعمرة ~~والحج معا كما هو واضح من كلامه. # وإذا علمت ذلك، فاعلم أن دليل هذا القول هو عموم حديث ابن عباس المتفق ~~عليه. الذي فيه حتى أهل مكة يهلون من مكة، والحديث عام بلفظه في الحج ~~والعمرة، فلا يمكن تخصيص العمرة منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وأما ~~القائلون: بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل، وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا، ~~فاستدلوا بدليلين. # أحدهما: ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما من: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكرة إلى النعيم ~~وهو أدنى الحل. قالوا: فلو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغا لأمرها ~~بالإهلال من مكة، وأجاب المخالفون عن هذا: بأن عائشة آفاقية والكلام في ~~أهل مكة لا في الآفاقيين، وأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث الصحيح، دل ~~على أن من مر ميقات لغيره كان ميقاتا له، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم ~~هو ميقات عائشة في عمرتها. لأنها صارت معهم عند ميقاتهم. # الدليل الثاني: هو الاستقراء وقد تقرر في الأصول: أن الاستقراء من ~~الأدلة الشرعية، ونوع الاستقراء المعروف عندهم بالاستقراء التام حجة بلا ~~خلاف، وهو عند أكثرهم دليل قطعي، وأما الاستقراء الذي ليس بتام وهو ~~المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم. ~~والاستقراء التام المذكور هو: أن تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة ~~منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع، فيعلم أن الصورة المتنازع فيها ~~حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل نزاع. # وإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك، دل على ~~أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع ~~بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرا قادما على البيت من خارج ~~كما قال تعالى { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } [الحج:27] ~~الآية. # فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات: وهي في ms2158 الحل، ~~والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة ~~النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن ~~صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضا بين الحل والحرم، وإلى مسألة ~~الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله: # ومنه الاستقراء بالجزئي # على ثبوت الحكم للكلي # فإن يعم غير ذي الشقاق # فهو حجة بالاتفاق الخ # وقوله: فإن يعم البيت: يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة ~~النزاع فهو حجة في صورة النزاع بلا خلاف، والشقاق الخلاف. فقوله: غير ذي ~~الشقاق: أي غير محل النزاع. # واعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون: إن أهل مكة ليس لهم التمتع، ولا ~~القران، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم، وإنما لهم أن يحجوا بلا ~~خلاف والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة ~~التمتع والقران لأهل مكة، وممن قال لا تمتع ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة ~~وأصحابه، ونقله بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي ~~البخاري رحمه الله كما ذكره في صحيحه، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم ~~تمتع أو قران أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإشارة في قوله تعالى # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196] فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم، قالوا: ~~الإشارة راجعة إلى الهدي والصوم، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد ~~الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم، والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ~~ولا قران، قالوا: الإشارة راجعة إلى قوله # فمن تمتع # [البقرة: 196] أي ذلك التمتع { لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام } أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع ~~له والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه، والذين ~~قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها ~~التعبير باللام في قوله { لمن لم يكن أهله } الآية، لأن ~~اللام تستعمل فيما لنا لا ms2159 فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله بخلاف الهدي، ~~فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنه جمع في الإشارة ~~بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من ~~الهدي والصوم. # وأجاب المخالفون: بأن الإشارة ترجع إلى أقرب مذكور وهو الهدي، والصوم، ~~وأن الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف، وقد ذكره البخاري ~~عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله # ذلك الكتاب # [البقرة: 2] أي هذا الكتاب. لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإشارة إليه ~~بإشارة القريب كقوله # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وقوله # وهذا كتاب أنزلناه # [الأنعام: 92- 155] الآية وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن إطلاق إشارة ~~البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي: # فإن تك خيلي قد أصيب صميمها # فعمدا على عيني تيممت مالكا # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدا من ~~نفسه قالوا: واللام تأتي بمعنى على كقوله # وإن أسأتم فلها # [الإسراء: 7] أي فعليها وقوله تعالى # ويخرون للأذقان # [الإسراء: 109] أي على الأذقان، ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول ~~سورة هود: # هتكت له بالرمح جيب قميصه # فخر صريعا لليدين وللفم # وفي الحديث # " واشترطي لهم الولاء " # أو أن المراد ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع، لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في ~~هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي، لأن ~~قوله تعالى # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] الآية عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم ولا ~~يجوز تخصيص هذا العموم، إلا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196] لا يجب الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإشارة إلى الهدي ~~والصوم، لا إلى التمتع كما أوضحناه، وأن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى ~~الحل فأحرم منه، والدليل على ms2160 هذا هو ما قدمناه من إرسال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، مع أخيها لتحرم بعمرتها من التنعيم، وهو ~~نص متفق على صحته، وقول من قال: إن النبي أرسلها مع أخيها لتلك العمرة ~~تطييبا لخاطرها، لا تقوم به حجة ألبتة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يأمرها بعمرة، وهي نسك وعبادة إلا على الوجه المشروع لعامة الناس ~~لاستواء جميع الناس في أحكام التكليف، فعمرتها المذكورة نسك قطعا، ~~والحالة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأداء ذلك النسك عليها، لا ~~شك أنها مشروعة لجميع الناس إلا فيما قام دليل يجب الرجوع إليه بالخصوص، ~~وقصة عمرة عائشة المذكورة لم يثبت فيها دليل على التخصيص والعلم عند الله ~~تعالى. # الفرع الرابع: اعلم أن من سلك إلى الحرم طريقا لا ميقات فيها فميقاته ~~المحل المحاذي، لأقرب المواقيت إليه، كما يدل عليه ما قدمناه في صحيح ~~البخاري، من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق لمحاذاتها قرن المنازل. وهذا ~~لا خلاف فيه بين أهل العلم. # الفرع الخامس: قد قدمنا في حديث النسائي أن الجحفة ميقات لأهل مصر وأهل ~~الشام، وعليه فميقات أهل مصر منصوص، والحديث المذكور قد قدمنا أنه صحيح ~~الإسناد. # الفرع السادس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام، ومصر مثلا إذا ~~قدموا المدينة، فيمقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ~~ميقاتهم الأصلي الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها، لظاهر حديث ابن عباس ~~المتفق عليه: فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. # وقس على ذلك. # الفرع السابع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من جاوز ميقاته من ~~المواقيت المذكورة غير محرم، وهو يريد النسك أن عليه دما، ودليله في ذلك ~~أثر ابن عباس، الذي قدمناه موضحا: # " من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما " # ، قالوا: ومن جاوز الميقات غير محرم، وهو يريد النسك فقد ترك من نسكه ~~شيئا، وهو الإحرام من الميقات، فيلزمه الدم. # وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات، ms2161 ثم رجع إلى الميقات، ~~وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه، لأنه لم يبتدئ إحرامه، إلا من الميقات، ~~وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات، ثم رجع ~~إلى الميقات محرما أن عليه دما لإحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى ~~الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزا للميقات. والله تعالى أعلم. # الفرع الثامن: في الكلام على مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ~~عباس المتفق عليه ممن أراد النسك، ومفهومه صادق بصورتين: # إحداهما: أن يمر إنسان على واحد من هذه المواقيت المذكورة وهو لا يريد ~~النسك، ولا دخول مكة أصلا كالذي يمر بذي الحليفة قاصدا الشام أو نجدا ~~مثلا وهذه الصورة لا خلاف في أنه لا يلزمه فيها الإحرام، وأن مفهوم ~~قوله: ممن أراد النسك دالا على أنه لا إحرام عليه في هذه الصورة. # والثانية: هي أن يمر على واحد من هذه المواقيت وهو لا يريد حجا، ولا ~~عمرة، ولكنه يريد دخول مكة، لقضاء حاجة أخرى. # وهذه الصورة اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض أهل العلم: لا يجوز لأحد ~~دخول مكة بغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النس. وقال بعضهم: إذا ~~كان دخوله مكة لغرض غير النسك، فلا مانع من دخوله غير محرم، والخلاف في ~~هذه المسألة مشهور بين أهل العلم. # وقال ابن حجر في فتح الباري: في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في هذه ~~المسألة: وقد اختلف العلماء في هذا. فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب ~~مطلقا، وفي قول: يجب مطلقا، وفيمن يتكرر منه دخولها خلاف، وهو أولى ~~بعدم الوجوب. والمشهور عن الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل منهم ~~لا يجب، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن، وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة ~~باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات، ~~وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب. # انتهى كلام ابن حجر. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض: أن هذا هو ~~قول أكثر ms2162 العلماء. # وإذا علمت اختلاف العلماء في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم. أما الذين ~~قالوا: إنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلا للمترددين عليها كثيرا ~~كالحطابين، وذوي الحاجات المتكررة كالمالكية والحنابلة، ومن وافقهم فقد ~~استدلوا بأدلة: # منها قول بعضهم: إن من نذر دخول مكة لزمه الإحرام. قالوا: ولو لم يكن ~~واجبا لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان. # ومنها: ما رواه البيهقي في سننه أخبرنا أبو محمد عبدالله بن يوسف ~~الأصبهاني، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا سعدان بن نصر، ثنا إسحاق ~~الأزرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: لا يدخل مكة أحد من ~~أهلها، ولا من غير أهلها إلا بإحرام، ورواه إسماعيل بن مسلم، عن عطاء عن ~~ابن عباس: فوالله ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حاجا أو ~~معتمرا. انتهى من البيهقي. وقال ابن حجر في التلخيص: حديث ابن عباس لا ~~يدخل أحد مكة إلا محرما. رواه البيهقي من حديثه، وإسناده جيد، ورواه ابن ~~عدي مرفوعا من وجهين ضعيفين، ولابن أبي شيبة من طريق طلحة، عن عطاء، عن ~~ابن عباس، قال: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام، إلا الحطابين والعمالين، ~~وأصحاب منافعها. وفيه طلحة بن عمرو فيه ضعف. وروى الشافعي عن ابن عيينة، ~~عن عمرو، عن أبي الشعثاء: أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير ~~محرم. ا ه منه. # ومنها: أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها. # وأما الذين قالوا: بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكا، فاحتجوا ~~بأدلة. # منها: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. ~~ودخل ابن عمر وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإهلال لمن أراد ~~الحج والعمرة، ولم يذكر الحطابين وغيرهم. ثم ساق بسنده حديث ابن عباس ~~المتفق عليه المذكور سابقا وفيه # " هن لهن وكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة " # الحديث ومراد البخاري رحمه الله أن مفهوم قوله: ممن أراد الحج والعمرة ~~أن ms2163 من لم يرد الحج، والعمرة لا إحرام عليه، ولو دخل مكة. # وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث وحاصله: أنه خص الإحرام ~~بمن أراد الحج والعمرة واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ممن أراد ~~الحج والعمرة، فمفهومه: أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا ~~يلزمه الإحرام. انتهى محل الغرض منه ثم قال البخاري رحمه الله: حدثنا ~~عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر ~~فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه ~~" # انتهى منه فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: دخل عام الفتح، وعلى رأسه ~~المغفر، دليل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، ~~كما هو واضح، وحديث أنس هذا أخرجه مالك في الموطأ، وزاد: ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يومئد محرما، وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه ~~باللفظ الذي ذكره البخاري في باب جواز دخول مكة بغير إحرام. # وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، ~~وقتيبة بن سعيد الثقفي، قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن ~~عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله الأنصاري # " " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة " وقال قتيبة " دخل يوم ~~فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام " # وفي رواية قتيبة قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، وفي رواية أخرى عند ~~مسلم عن جابر أيضا: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء " # وفي رواية عند مسلم من طريق عمرو بن حريث، عن أبيه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء " # وفي لفظ لمسلم، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: كأني أنظر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء، ms2164 قد ~~أرخى طرفيها بين كتفيه. ولم يقل أبو بكر: على المنبر. انتهى منه. # فإن قيل: في بعض هذه الأحاديث الصحيحة: أنه دخل مكة، وعلى رأسه المغفر، ~~وفي بعضها: أنه دخل وعليه عمامة سوداء. # فالجواب: أن العلماء جمعوا بين الروايتين. قال القاضي عياض: وجه الجمع ~~بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه ~~العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله: خطب الناس، وعليه عمامة سوداء، ~~لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة، وجمع بعض أهل ~~العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر وكانت تحت ~~المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل ~~متهيئا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم انتهى محل ~~الغرض منه من فتح الباري. # وقال ابن حجر في الفتح في قول البخاري: ودخل ابن عمر وصله مالك رحمه ~~الله في الموطأ عن نافع قال: أقبل عبدالله بن عمر من مكة، حتى إذا كان ~~بقديد (يعني بضم القاف) جاءه خبر من المدينة، فرجع فدخل مكة بغير ~~إحرام ا ه منه، وقد ذكره مالك في الموطأ في جامع الحج بلفظ: جاءه خبر من ~~المدينة يدل عن الفتنة، وباقي اللفظ كما ذكره ابن حجر. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا: أن من أراد ~~دخول مكة حرسها الله لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام، ولو ~~أحرم كان خيرا له، لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر فحديث ابن عباس المتفق ~~عليه: خص فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام بمن أراد النسك. وظاهره ~~أن من لم يرد نسكا فلا إحرام عليه. وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح غير محرم، ودخول ابن عمر غير ~~محرم والعلم عند الله تعالى. # وأما قول بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم أن دخول مكة بغير إحرام من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم، فهو لا تنهض به ms2165 حجة، لأن المقرر في الأصول ~~وعلم الحديث أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يختص حكمه به إلا بدليل يجب ~~الرجوع إليه، لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره كما هو ~~معلوم. # الفرع التاسع: في حكم تأخير الإحرام عن الميقات، وتقديمه عليه قد قدمنا ~~أنه لا يجوز تأخير الإحرام عن الميقات ممن يريد حجا أو عمرة، وهذا لا ~~خلاف فيه بين أهل العلم، وقد قدمنا دليله، وأما ما رواه مالك رحمه الله ~~في الموطأ عن نافع: أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أهل من الفرع. ~~ومعلوم أن الفرع وراء ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة، فهو محمول ~~عند أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره، على أنه وصل الفرع وهو لا ~~يريد النسك فطرأت عليه نية النسك بالفرع، فأهل منه، وهذا متعين، لأن ابن ~~عمر رضي الله عنهما ممن روى المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ~~المعلوم أنه لا يخالف ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ~~الإحرام من موضع فوق الميقات، فأكثر أهل العلم على جوازه غير واحد عليه ~~الاتفاق. # واختلفوا في الأفضل من الأمرين وهما الإحرام من الميقات أو الإحرام من ~~بلده إن كان أبعد من الميقات؟ قال النووي في شرح المهذب: أجمع من يعتد به ~~من السلف والخلف من الصحابة، فمن بعدهم، على أنه يجوز الإحرام من الميقات ~~ومما فوقه. وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال: لا يجوز الإحرام مما فوق ~~الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه، ويلزمه أن يرجع، ويحرم من ~~الميقات. وهذا الذي قاله مردود بإجماع من قبله. انتهى كلام النووي. # وحجة من قال: إن الإحرام من الميقات أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة، وهذا مجمع عليه من ~~أهل العلم، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات، وكذلك كان ~~يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجماهير ~~العلماء، وأهل ms2166 الفضل فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام في مسجده ~~الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وإحرامه من ~~الميقات دليل واضح، لا شك فيه أن السنة هي الإحرام من الميقات، لا مما ~~فوقه، واحتج من قال: بكون الإحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو ~~داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، عن عبدالله بن ~~عبدالرحمن بن يحنس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حكيمة عن ~~أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة " # شك عبدالله أيتهما قال: قال أبو داود: يرحم الله وكيعا أحرم من بيت ~~المقدس، يعني إلى مكة. انتهى من سنن أبي داود. واحتج أهل هذا القول أيضا ~~بتفسير عمر، وعلي رضي الله عنهما لقوله # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، واحتجوا ~~أيضا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبدالله بن عمر: أهل ~~من إيلياء. وهي بيت المقدس، ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم ~~سلمة: ليس بالقوي. # قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث أم سلمة، فرواه أبو داود، وابن ~~ماجه، والبيهقي، وآخرون وإسناده ليس بالقوي، وبأن تفسير علي وعمر رضي ~~الله عنهما للآية، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج. وقد قال صلى الله عليه وسلم # " خذوا عني مناسككم " # وإحرامه من الميقات مجمع عليه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا هو: الاقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، والإحرام من الميقات، فلو كان الإحرام قبله ~~فيه فضل لفعله صلى الله عليه وسلم، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال النووي في شرح المهذب، بعد أن ms2167 يبين أن الإحرام من الميقات أفضل من ~~غيره ما نصه: فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، أحرم من الميقات ~~لبيان جوازه. # فالجواب من أوجه: # أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم # " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ". # الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة ~~أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانا للجواز ويداوم في عموم الأحوال، ~~على أكمل الهيئات، كما توضأ مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث، ونظائر ~~هذا كثيرة، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة، وإنما أحرم ~~بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة. # الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف ~~أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا، وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير ~~دليل صريح صحيح في مقابلته ولم يوجد ذلك، فإن حديث أم سلمة قد سبق أن ~~إسناده ليس بالقوي فيجاب عنه بأربعة أجوبة. # الأول: أن إسناده ليس بقوي. # الثاني: أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات وليس فيه أنه أفضل من ~~الميقات. ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف ~~أيهما أفضل. # فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى. # فالجواب: أن فيه زيادة هي تبيين قدر الفضيلة فيه. # والثالث: أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته ~~وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل. # الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة ~~معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به والله تعالى أعلم. انتهى كلام ~~النووي. ولا شك: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد ~~الأقصى، بدليل الحديث المتفق عليه # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " # ولا خلاف بين أهل العلم في دخول المسجد الأقصى في هذا العموم، وتفضيل ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، ms2168 فلو كان فضل المكان سببا ~~للإحرام فيه قبل الميقات، لأحرم النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، ~~لأنه لا يفعل إلا ما هو الأفضل والأكمل صوات الله وسلامه عليه، ولا يخفى ~~أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل من غيره. # الفرع العاشر: في حكم تقديم الإحرام على ميقاته الزماني، الذي هو أشهر ~~الحج التي تقدم بيانها. # اعلم أن جماعة من أهل العلم قالت: لا ينعقد الإحرام بالحج في غير أشهر ~~الحج، وأكثر من قال بهذا يقولون: إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد ~~إحرامه بعمرة لا حج، وهذا هو مذهب الشافعي. قال النووي في شرح المهذب: ~~وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، وأبو ثور. ونقله الماوردي عن عمر، وابن ~~مسعود، وجابر، وابن عباس وأحمد. وقال الأوزاعي: يتحلل بعمرة. وقال ابن ~~عباس: لا يحرم بالحج إلا في أشهره. وقال داود: لا ينعقد. وقال النخعي ~~والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يجوز قبل أشهر الحج، ولكن يكره ~~قالوا: فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف، واحتج لهم بقوله ~~تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج، ~~ولأنها عبادة تدخلها النيابة، وتجب الكفارة في إفسادها، فلم تخص بوقت ~~كالعمرة، ولأن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه. # وهو شوال. فعلم أنه لا يختص بزمان. قالوا، ولأن التوقيت ضربان توقيت ~~مكان وزمان. وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا ~~الزمان قالوا: وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد لكن ~~اختلفنا، هل ينعقد حجا أو عمرة؟ فلو لم ينعقد حجا لما انعقد عمرة. ~~انتهى محل الغرض من كلام النووي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل ~~هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى، لأن آية # قل هي مواقيت للناس # [البقرة: 189] ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج، ~~إنما تعلم ms2169 بحساب جميع الأشهر، لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ~~ولأن هذه الأدلة لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله صريحة ~~في توقيت الحج بأشهر معلومات هي قوله تعالى # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت من الغرائب ~~كما ترى. # والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير ~~زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب ~~إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسرقوا هديا أن يقلبوا حجهم الذي ~~أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة الثانية عشرة في التلبية في بيان أول وقتها ووقت انتهائها وفي ~~حكمها وكيفية لفظها ومعناها: # أما لفظها: فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وفي ~~صحيح البخاري، من حديث عائشة رضي الله عنها، ومسلم من حديث جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في تلبيته، إذا أهل محرما # " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك " # ورواية البخاري عن عائشة المذكورة إلى قوله # " إن الحمد والنعمة لك " # وقد أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق ~~عليه، وحديث جابر، عند مسلم عند الإحرام بالحج أو العمرة. ولكن اختلفوا ~~في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله، وحديث جابر، عند مسلم عند ~~الإحرام بالحج أو العمرة. ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها ~~تعظيم الله، ودعاؤه، ونحو ذلك فكره بعضهم: الزيادة، على تلبية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وحكاه ابن عبد البر، عن مالك قال: وهو أحد قولي ~~الشافعي: انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. # وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب ms2170 بعضهم الزيادة المذكورة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن ~~الأفضل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاقتصار على لفظ ~~تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما، لأن الله تعالى يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] وهو صلى الله عليه وسلم يقول # " لتأخذوا عني مناسككم " # وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها. والدليل على ذلك من وجهين: # أحدهما: ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن ساق ~~حديثه بلفظ تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة قال: قال نافع: ~~كان عبدالله رضي الله عنه، يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير ~~بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل. وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا ~~بعد أن ساق حديثه، بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن عمر من ~~رواية ابنه سالم رضي الله عنه، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: ~~كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في ~~يديك والرغباء إليك والعمل. ا ه. # وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبدالله، فعرف ~~أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه ا ه. # ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، لو كان فيها ~~محذور، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبدالله رضي الله ~~عنهما. # الوجه الثاني: هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه ما ~~نصه: فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذين يهلون به فلم ~~يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه. انتهى محل الغرض ~~من حديث جابر المذكور، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته صلى الله عليه ~~وسلم، ويقرهم على ذلك، ولم ms2171 ينكره عليهم كما ترى. # وأما أول وقتها: فأظهر أقوال أهل العلم فيه: أنه أول الوقت، الذي يركب ~~فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير لصحة الأحاديث الواردة، بأنه صلى الله ~~عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته. # قال البخاري في صحيحه: باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة: حدثنا أبو ~~عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما: قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به ~~راحلته قائمة: باب الإهلال مستقبل القبلة، وقال أبو معمر: حدثنا ~~عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما: إذا ~~صلى بالغداة بذي الحليفة، أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا ~~استوت به استقبل القبلة قائما، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، ~~حتى إذا جاء ذا طوى بات به، حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، ~~وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. # تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، ~~حدثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أراد ~~الخروج إلى مكة ادهن بدهن، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ~~الحليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم ~~قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. انتهى من صحيح البخاري. # فهذه الروايات الصحيحة الثابتة، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى ~~الله عليه وسلم أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا، من أول ~~وقت الإحرام، عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات. # وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن موسى بن ~~عقبة، عن سالم بن عبدالله أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول: بيداؤكم ~~هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما أهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إلا من عند المسجد يعني ذا الحليفة، ~~وحدثناه قتيبة ms2172 بن سعيد، حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، ~~عن سالم قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له: الإحرام من ~~البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة، ~~حين قام به بعيره. وفي لفظ لابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم: فإني لم ~~أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. وفي لفظ ~~له أيضا عند مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وضع رجله ~~في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة. وفي ~~مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى، ومراد ابن عمر رضي الله عنهما ~~بكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإحرام من البيداء هو ما ~~روه البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: فأصبح بذي الحليفة ~~ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه. الحديث، وما رواه ~~البخاري رحمه الله في صحيحه أيضا، عن أنس بن مالك بلفظ قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا ~~والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت ~~به على البيداء حمد الله وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل ~~الناس بهما " # الحديث. ومراد ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل محرما حين ~~استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل البيداء، ووجه ~~الجمع بين حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وأنس معروف عند أهل الحديث، وهو ~~أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه ~~قوم، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا ~~تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع. # وقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر، حتى استوت ~~به راحلته، وجزم ابن عمر ms2173 أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم ~~أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة ومراد ابن عمر بالإنكار ~~والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء، وهذا الجمع ذكره ابن ~~حجر، عن أبي داود، والحاكم وقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق ~~علمي ذي الحليفة، لمن صعد من الوادي قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى ~~منه. # وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية. وأنه وقت انعقاد الإحرام فاعلم أن ~~الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية، حتى يشرع في رمي ~~جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها. # والدليل على أن القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت ~~في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهم، وكان رديف النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن ~~الفضل بن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة " # وقوله في هذا الحديث الصحيح: حتى بلغ الجمرة، هو حجة من قال: يقطع ~~التلبية، عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت للشروع في الرمي ~~وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة " # وقوله في هذا الحديث # " حتى رمى جمرة العقبة " # هو حجة من قال يلبي حتى ينتهي رميه، وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن ~~مسعود رضي الله عنه، من طريق عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله: ونحن ~~بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام # " لبيك اللهم لبيك " # وجمع هي المزدلفة. وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم ~~أيضا: قال عبدالله: أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه ~~سورة البقرة يقول في هذا المكان: # " لبيك ms2174 اللهم لبيك " # وفي لفظ عنه أيضا عند مسلم، من رواية عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن ~~يزيد قالا: سمعنا عبدالله بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة ~~البقرة ههنا يقول # " لبيك اللهم لبيك " # ثم لبى ولبينا معه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: فهذه النصوص الصحيحة، تدل على عدم قطع ~~التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية ~~مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه. # ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع ~~كل حصاة فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير، مع الحصاة لتتابع رمي ~~الحصيات. # قال الزرقاني في شرح الموطأ، ولابن خزيمة عن الفضل: أفضت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة يكبر من كل حصاة، ثم ~~قطع التلبية، مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في ~~الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله # " حتى رمى جمرة العقبة " # أتم رميها ا ه وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها. # وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء الرمي ~~مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا. فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: أنه ~~يقطع التلبية، إذا راح إلى الموقف، وعن علي، وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان ~~حتى تزول الشمس يوم عرفة، وهذا قريب من قول سعد وعائشة، وكان الحسن يقول: ~~يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة، ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من ~~يوم عرفة، وقد روى مالك رحمه الله في الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه: ~~أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يلبي في الحج. حتى إذا زاغت الشمس ~~من يوم عرفة، قطع التلبية قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل ~~العلم ببلدنا ا ه. وروى مالك في الموطأ أيضا عن عبدالرحمن بن القاسم، ~~عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ms2175 صلى الله عليه وسلم: أنها كانت تترك التلبية ~~إذا رجعت إلى الموقف، وروي في الموطأ أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه كان ~~يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم. حتى يطوف بالبيت. وبين الصفا ~~والمروة. ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة. فإذا غدا ترك التلبية. وكان ~~يترك التلبية في العمرة، إذا دخل الحرم ا ه. # والتحقيق أنه لا يقطعها، إلا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل بن ~~عباس الثابت في الصحيح على ذلك، دلالة واضحة ودلالة حديث ابن مسعود ~~الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضا، ولم يثبت في كتاب الله، ~~ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك، والعلم عند الله تعالى. # وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافا معروفا، قال ابن ~~حجر في فتح الباري: لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة، ~~يمكن توصيلها إلى عشرة. # الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد. # ثانيها: واجبة ويجب بتركها دم حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من ~~الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصا يدل عليه وحكاه ابن قدامة عن بعض ~~المالكية والخطابي عن مالك وأبي حنيفة وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها ~~سنة، ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال: التلبية ~~في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان ~~الحج وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب، ~~وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل ~~الوجوب. # ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق، ~~وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية ~~من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في ~~مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن ~~كبر أو هلل ms2176 أو سبح ينوي بذلك الإحرام، فهو محرم. # رابعها: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن ~~الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبير من الشافعية، وأهل ~~الظاهر قالوا: هي نظيرة تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدم من بحث ~~ابن عبد السلام، عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور ~~بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر ~~وطاوس، وعكرمة، وحكى النووي: عن داود: أنه لا بد من رفع الصوت بها، وهذا ~~قدر زائد على أصل كونها ركنا. انتهى من فتح الباري. # وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لبى كما ذكرنا وقال: # " لتأخذوا عني مناسككم " # فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه ~~الدليل: أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم ~~فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم، ~~والعلم عند الله تعالى. # وأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب، فلفظة: لبيك مثناة على قول ~~سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير: أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوما ~~لطاعتك، وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى، قال: وإنما ~~انقلبت ألفه ياء لاتصالها بالضمير، كما قلبت ألف لدى، وإلى، وعلى في حالة ~~الاتصال بالضمير فتقول: لديك، وإليك وعليك بإبدال الألف ياء، والأظهر قول ~~سيبويه، وجمهور أهل اللغة. # ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإضافة للاسم ~~الظاهر لا الضمير كما في قول الشاعر، وهو أعرابي من بني أسد: # دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبى يدي مسور # وقال ابن الأنباري: ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك: أي تحننا بعد تحنن، ~~وقال القاضي عياض: اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها، فقيل معناها: اتجاهي ~~وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها، وقيل معناها ~~محبتي لك مأخوذ من قولهم: امرأة لبة، ms2177 إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه، ~~وقيل معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصا محضا، ~~ومن ذلك لب الطعام ولبابه، وقيل معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك ~~مأخوذ من قولهم: لب الرجل بالمكان، وألب به إذا أقام فيه قال ابن ~~الأنباري: وبهذا قال الخليل. وقيل في لبيك: أي قربا منك، وطاعة، ~~والإلباب: القرب، وقال أبو نصر معناه: أنا ملب بين يديك أي خاضع. انتهى ~~كلام عياض، مع تصرف، وحذف يسير بواسطة نقل النووي في شرح مسلم، وما قاله ~~الشيخ عياض رحمه الله، يدور حوله كلام أهل اللغة في معنى التلبية، وبقية ~~ألفاظ التلبية معانيها ظاهرة. # واعلم أن لفظة لبيك ملازمة للإضافة لضمير المخاطب، وشذ إضافتها للظاهر ~~كما تقدم قريبا، وشذ أيضا إضافتها لضمير الغائب كقول الراجز: # إنك لو دعوتني ودوني # زوراء ذات متزع بيون # لقلت لبيه لمن يدعوني # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية، لما رواه ~~مالك في الموطأ، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. من ~~حديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه السائب بن خلاد بن سويد رضي الله ~~عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية " # ا ه. # ولفظ مالك في موطئه # " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم ~~بالتلبية أو بالإهلال " # يريد أحدهما. وقال الترمذي في هذا الحديث: حديث حسن صحيح، وجمهور أهل ~~العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب، وذهب الظاهرية إلى ~~أنه للوجوب، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي ~~الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت ~~بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم. # قال مالك في موطئه: إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع ~~الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها، وعلل بعض أهل العلم خفض ~~المرأة صوتها بالتلبية، بخوف الافتتان بصوتها. # وقال الرافعي في شرحه الكبير ms2178 المسمى فتح العزيز في شرح الوجيز: وإنما ~~يسحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع حيث يجهد ويقطع صوته، والنساء تقتصرن ~~على إسماع أنفسهن، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة. # قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم، لأن صوتها ليس ~~بعورة خلافا لبعض أصحابنا ا ه. وذكره نحوه النووي عن الروياني ثم قال: ~~وكذا قال غيره: لا يحرم لكن يكره صرح به الدارمي، والقاضي أبو الطيب ~~والبندنيجي، ويخفض الخنثى صوته كالمرأة ذكره صاحب البيان وهو ظاهر. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا ~~شك أن صوتها من مفاتن النساء ولا يجوز لها رفعه بحال، ومن المعلوم أن ~~الصوت الرخيم من محاسن النساء ومفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب ~~بالنساء، كقول غيلان ذي الرمة: # لها بشر مثل الحرير ومنطق # رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر # وعينان قال الله: كونا فكانتا # فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # فتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء، كالبشرة الناعمة والعينين ~~الحسنتين، وكقول قعنب ابن أم صاحب: # وفي الخدود لو أن الدار جامعة # بيض أوانس في أصواتها غنن # فتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن، وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف ~~فيه، وقد قال جل وعلا مخاطبا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن خير ~~أسوة لنساء المسلمين # فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ~~وقلن قولا معروفا # [الأحزاب: 32] لأن تليين الصوت وترخيمه يدل على الاهتمام بالريبة كإبداء ~~غيره من محاسن المرأة للرجال كما قال الشاعر: # يحسبن من الكلام زوانيا # ويصدهن عن الخنا الإسلام # الفرع الثاني: اعلم أنه يستحب الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، ~~ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب، أو نزول، أو ~~اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة وعند إقبال الليل والنهار، ووقت السحر، ~~وغير ذلك من تعاير الأحوال، وعلى هذا أكثر أهل العلم. # قال صاحب المهذب: يستحب أن يكثر من التلبية، ويلبي عند اجتماع الرفاق، ~~وفي كل صعود وهبوط، ms2179 وفي إدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، لما روى ~~جابر رضي الله عنه، قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا رأى كوكبا أو صعد أكمة أو ~~هبط واديا " # وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل. انتهى محل الغرض منه. ولم يتكلم النووي ~~في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ~~في حديث جابر المذكور: هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب، وبيض له النووي، ~~والمنذري، وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبدالله ~~بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا لقي ركبا " # فذكره، وفي إسناده من لا يعرف، وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم عن نافع، ~~عن عبدالله بن عمر، أنه كان يلبي راكبا، ونازلا، ومضطجعا. وروى ابن ~~أبي شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة ~~مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا واديا أو علوه، وعند التقاء الرفاق، ~~وعند خيثمة نحوه وزاد: وإذا استقلت بالرجل راحلته. انتهى من التلخيص. # وقال مالك في الموطأ: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة، ~~وعلى كل شرف من الأرض. ويستأنس لحديث جابر المذكور يقول البخاري: باب ~~التلبية، إذا انحدر في الوادي، ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس وفيه قال # " أما موسى كأني أنظر إليه، إذ انحدر في الوادي يلبي " # وقال في الفتح في شرح هذا الحديث، وفي الحديث: أن التلبية في بطون ~~الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود. # الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف ~~القدوم والسعي بعده، وممن قال إنه لا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده: ~~مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وقال ابن عيينة: ما ~~رأيت أحدا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وممن أجاز ~~التلبية في طواف القدوم: أحمد، وقال ابن قدامة في المغني: وبه يقول ms2180 ابن ~~عباس، وعطاء بن السائب، وربيعة بن أبي عبدالرحمن، وابن أبي ليلى، ~~والشافعي. وروي عن سالم بن عبدالله أنه قال: لا يلبي حول البيت، وقال ابن ~~عيينة: ما رأينا أحدا يقتدى به يلبي حول البيت، إلا عطاء بن السائب، ~~وذكر أبو الخطاب: أنه لا يلبي، وهو قول للشافعي، لأنه مشتغل بذكر يخصه، ~~فكان أولى. انتهى محل الغرض من المغني، وقد قدمنا لك أن القول الجديد ~~الأصح في مذهب الشافعي: أنه لا يلبي خلافا لما يوهمه كلام صاحب المغني، ~~وروى مالك في موطئه عن نافع: أن عبدالله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج ~~إذا انتهى إلى الحرم. حتى يطوف بالبيت. وبين الصفا والمروة. ثم يلبي حتى ~~يغدو من منى إلى عرفات. فإذا غدا ترك التلبية. وكان يترك التلبية في ~~العمرة، إذا دخل الحرم. انتهى من الموطأ، وروى مالك في الموطأ أيضا عن ~~ابن شهاب، أنه كان يقول: كان عبدالله بن عمر لا يلبي، وهو يطوف بالبيت ~~انتهى منه، وقد روي عن ابن عمر أيضا خلاف هذا، فقد ذكر ابن حجر في ~~التلخيص: أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا ~~طاف بالبيت لبى. # الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن ~~المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب ~~عرفات، لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد. # وأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد، إلا أنه لا يرفع صوته رفعا ~~يشوش على المصلين، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في ~~الأمصار وفي البراري، ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء. ~~خلافا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحارى، ولا يعجبني أن يلبي في ~~المصر، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإحرام على المحرم حتى يحل من ~~إحرامه. # فمن ذلك ما صرح الله ms2181 بالنهي عنه في كتابه في قوله # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج # [البقرة: 197] والصيغة في قوله # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال # [البقرة: 197] صيغة خبر أريد بها الإنشاء: أي فلا يرفث ولا يفسق، ولا ~~يجادل، وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها ~~الإنشاء لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدا، فالصيغة خبرية، ~~والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة، ومنها إظهار تأكيد الإتيان بالفعل، ~~وإلزام ذلك كقوله تعالى: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله # [الصف: 10-11] الآية: أي آمنوا بالله بدليل جزم الفعل في قوله # يغفر لكم من ذنوبكم # [الأحقاف: 31 و نوح: 4] الآية فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله # تؤمنون بالله # [الصف: 11] أي آمنوا بالله، يغفر لكم ذنوبكم كقوله # قاتلوهم يعذبهم الله # [التوبة: 14] الآية # تعالوا أتل # [الأنعام: 151] الآية، ونحو ذلك، فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية، ~~هو إظهار التأكد، واللزوم في الإتيان بالإيمان فعبر عنه بصيغة الخبر، ~~لإظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله ~~تعالى # والوالدات يرضعن أولادهن # [البقرة: 233] الآية، وقوله # والمطلقات يتربصن بأنفسهن # [البقرة: 228] الآية. فالمراد الأمر بالإرضاع، والتربص وقد عبر عنه ~~بصيغة خبرية لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني. # والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين: # أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته. # والثاني: الكلام بذلك كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا ~~فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته، ومن ~~إطلاق الرفث على الكلام قول العجاج: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وقد قدمنا هذا البيت في سورة المائدة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~لما أنشد وهو محرم قول الراجز: # وهن يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطير ننك لميسا # فقيل له أترفث، وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث: ما روجع ms2182 به النساء، وفي ~~لفظ: ما قيل من ذلك عند النساء. # والأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة ~~الله تعالى، والفسوق في اللغة: ومنه قول العجاج: # يهوين في نجد وغورا غائرا # فواسقا عن قصدها جوائرا # يعني بقوله: فواسقا عن قصدها: خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها. # والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة والمراء أي لا تخاصم ~~صاحبك وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج: أي ~~لم يبق فيه مراء ولا خصومة، لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه، من حلق شعر ~~الرأس في قوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] ومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه لما ثبت في الصحيح، من ~~حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في ~~المحرم الذي خر على راحلته فوقصته فمات # " ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا " # ، وفي رواية في صحيح مسلم # " لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " # ، وهذا الحديث في صحيح مسلم بألفاظ متعددة في بعضها الاقتصار على النهي ~~عن تخمير الرأس، وفيها النهي عن تخمير الرأس والوجه، وفي بعضها: النهي عن ~~مسه بطيب، وفي بعضها: النهي عن أن يقربوه طيبا وأن يغطوا وجهه، وكل ذلك ~~ثابت، وهو نص صريح في منع تغطية المحرم الذكر رأسه أو وجهه، أما المرأة ~~فإنها تغطي رأسها، ولا تغطي وجهها، إلا إذا خافت نظر الرجال الأجانب إليه ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن ذلك لبس كل شيء محيط بالبدن، أو بعضه، ~~وكل شيء يغطي الرأس كما تقدم قريبا فلا يجوز للمحرم لبس القميص، ولا ~~العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا القباء، ولا الخف إلا إذا لم يجد ~~نعلا فإنه يجوز له لبس الخفين، ويلزمه أن يقطعهما أسفل من الكعبين، ~~وكذلك إذا لم يجد إزارا: فله أن ms2183 يلبس السراويل على الأصح فيهما. # وكذلك لا يجوز له أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران. وهذه أدلة منع ما ~~ذكر. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، ~~عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: # " أن رجلا قال يا رسول الله: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ~~ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين ~~وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه ~~الزعفران أو ورس " # انتهى من صحيح البخاري. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت ~~على مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من ~~الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلبسوا القمص، ولا ~~العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد ~~النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب ~~شيئا مسه الزعفران ولا الورس " " # وأخرج مسلم رحمه الله هذا الحديث عن ابن عمر أيضا من طريق ابنه سالم. ~~وأخرج بعضه عنه أيضا من طريق عبدالله بن دينار. ثم قال مسلم: حدثنا يحيى ~~بن يحيى وأبو الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد جميعا، عن حماد قال يحيى: ~~أخبرنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: # " السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين " # يعني المحرم. وقد ذكر مسلم هذا الحديث من طرق، عن عمرو بن دينار، عن ~~جابر بن زيد، عن ابن عباس، وزاد شعبة في روايته، عن عمرو: يخطب بعرفات. # وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس أيضا ثم قال مسلم رحمه الله: وحدثنا ~~أحمد بن عبدالله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، ms2184 عن جابر رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل " # ا ه من صحيح مسلم، وهو يدل دلالة واضحة على جواز لبس السراويل للمحرم، ~~الذي لم يجد إزارا، كجواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، وفي حديث ابن ~~عباس، وجابر المذكورين زيادة على حديث ابن عمر: وهي جواز السراويل لمن لم ~~يجد إزارا وهذه الزيادة، يجب قبولها، خلافا لمن منع قبولها، وإطلاق ~~الخفين في حديث ابن عباس، وجابر المذكورين يجب تقييده بما في حديث ابن ~~عمر من قطعهما أسفل من الكعبين، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما ~~إذا اتحد حكمهما وسببهما كما هنا، كما هو مقرر في الأصول. # فأظهر الأقوال دليلا: أنه لا يجوز لبس الخفين، إلا في حالة عدم وجود ~~النعلين، وأن قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين لا بد منه، وأن لبس ~~السراويل جائز للمحرم الذي لم يجد إزارا، خلافا لمن ذهب إلى غير ذلك. # وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا يلبس المحرم القميص ولا السراويلات ولا البرانس ولا العمامة ولا ~~الخف إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من ~~الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران " # فرواه البخاري ومسلم هكذا، وزاد البيهقي وغيره فيه # " ولا يلبس القباء " # وقال البيهقي: هذه الزيادة صحيحة محفوظة انتهى منه وهو دليل على منع لبس ~~القباء للمحرم. # وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث ابن عمر المذكور. زاد الثوري ~~في روايته، عن أيوب، عن نافع في هذا الحديث: ولا القباء، أخرجه عبد ~~الرزاق، ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه الدارقطني، ~~والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أيضا. ~~انتهى محل الغرض منه، وهذا الذي ذكرنا من تحريم اللباس المذكور إنما هو ~~في حق الرجال، وأما النساء فلهن أن يلبسن ms2185 ما شئن من أنواع الثياب، إلا ~~أنهن لا يجوز لهن أن ينتقبن، ولا أن يلبسن القفازين، لأن إحرام المرأة في ~~وجهها وكفيها. # وقد قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبدالله بن يزيد، حدثنا ~~الليث، حدثنا نافع، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: # " قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب الحديث ~~وفيه " ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين " " # تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق ~~في النقاب والقفازين، وقال عبدالله: ولا ورس، وكان يقول: لا تنتقب المرأة ~~ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، ~~وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى من صحيح البخاري. # وقال أبو داود رحمه الله في سننه بعد أن ساق حديث ابن عمر المتقدم: ~~حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمعناه. وزاد: # " ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين " # وفي لفظ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين " # وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه ~~الورس، والزعفران من الثياب وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من أنواع الثياب من ~~معصفر أو خز أو حرير، أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا، فرواه أبو ~~داود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي إلا أنه قال: ~~حدثني نافع عن ابن عمر وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس، وإذا قال ~~المدلس: حدثني، احتج به على المذهب الصحيح المشهور. # انتهى منه. # وقال ابن حجر في التلخيص: حديث: أنه صلى الله عليه وسلم نهى النساء في ~~إحرامهن عن النقاب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب معصفرا، ~~أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قيمصا، أو خفا. رواه أبو ms2186 داود ~~والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر، واللفظ لأبي داود زاد فيه بعد قوله: ~~عن النقاب: وما مس الزعفران والورس من الثياب: وليلبسن بعد ذلك. ورواه ~~أحمد إلى قوله من الثياب، ومن ذلك استعمال المحرم الطيب في بدنه. أو ~~ثيابه، والطيب هو ما يتطيب به، ويتخذ منه الطيب، كالمسك، والكافور، ~~والعنبر، والصندل، والورس، والزعفران، والورد، والياسمين ونحو ذلك، ~~والأصل في منع استعمال الطيب للمحرم هو ما قدمنا في حديث ابن عمر المتفق ~~عليه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس ما مسه الزعفران، والورس من ~~الثياب في الإحرام، وما قدمنا # " من حديث مسمل في الذي وقع عن راحلته فأوقصته فمات. ففي لفظ في صحيح ~~مسلم: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل بماء وسدر وأن يكفن في ~~ثوبين، ولا يمس طيبا الحديث. وفي لفظ في صحيح مسلم: فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " اغسلوه ولا تقربوه طيبا ولا تغطوا وجهه فإنه يبعث يوم ~~القيامة يلبي " " # فقوله # " ولا يمس طيبا " # في الرواية الأولى نكرة في سياق النفي وقوله # " ولا تقربوه طيبا " # في الرواية الثانية نكرة في سياق النهي، وكلتاهما من صيغ العموم، كما هو ~~مقرر في الأصول فهو يدل على منع جميع أنواع الطيب للمحرم، وترتيبه صلى ~~الله عليه وسلم على ذلك بالفاء: # قوله: # " فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " # دليل على أن علة منع ذلك الطيب كونه محرما ملبيا، الدلالة على العلة ~~المذكورة: هي من دلالة مسلك الإيماء والتنبيه، كما هو معروف في الأصول. ~~ومن ذلك عقد النكاح، فإنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج غيره ~~بولاية أو وكالة، وسيأتي الخلاف في تزويج المحرم غيره بالولاية العامة إن ~~شاء الله تعالى، وكون إحرام أحد الزوجين أو الولي مانعا من عقد النكاح، ~~هو الذي عليه أكثر أهل العلم. وعزاه النووي في شرح المهذب لجماهير ~~العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال وهو مذهب عمر بن الخطاب، ~~وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ms2187 ~~وسليمان بن يسار، والزهري، ومالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود، ~~وغيرهم. وقال في شرح مسلم: قال مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من ~~الصحابة، فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم ا ه. وقال ابن قدامة في المغني. ~~وروي ذلك عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي ا ه. # وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم: إلى أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي، ~~ليس مانعا من عقد النكاح، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وهو مروي عن ~~الحكم، والثوري، وعطاء، وعكرمة، وعزاه صاحب المغني، لابن عباس، والظاهر ~~أن عزو هذا القول الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول كما ~~ذكرناه عنه آنفا كما سترى: ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في الإحرام بحج أو عمرة، هل هو مانع من عقد ~~النكاح، أو لا، فهذه أدلتهم. أما الجمهور القائلون: بأن الإحرام مانع من ~~النكاح، فاستدلوا بما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى ~~قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب. أن عمر بن عبيد الله ~~أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنت شيبة بن جبير. فأرسل إلى أبان بن ~~عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج. فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب ". # وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي. حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن ~~نافع. حدثني نبيه بن وهب. قال: بعثني عمر بن عبيدالله بن معمر. وكان يخطب ~~بنت شيبة بن عثمان على ابنه. فأرسلني إلى أبان بن عثمان وهو على الموسم. ~~فقال: ألا أراه أعرابيا # " إن المحرم لا ينكح ولا ينكح " # ، أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثني أبو غسان ~~المسمعي. حدثنا عبدالأعلى. ح وحدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى. حدثنا ~~محمد ms2188 بن سواء. قالا جميعا: حدثنا سعيد عن مطر ويعلى بن حكيم، عن نافع، ~~عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب ". # وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وزهير بن حرب. جميعا عن ابن ~~عيينة. قال زهير: حدثنا سفينا بن عيينة عن أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب، ~~عن أبان بن عثمان، عن عثمان يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال # " المحرم لا ينكح ولا يخطب ". # حدثنا عبدالملك بن شعيب بن الليث. حدثني أبي عن جدي. حدثني خالد بن ~~يزيد. حدثني سعيد بن أبي هلال عن نبيه بن وهب. أن عمر بن عبيد الله بن ~~معمر أراد أن ينكح ابنه طلحة بنت شيبة بن جبير في الحج. وأبان بن ~~عثمان يومئذ أمير الحاج. فأرسل إلى أبان: إني أردت أن أنكح طلحة ~~بن عمر. # فأحب أن تحضر ذلك. فقال له أبان: ألا أراك عراقيا جافيا! إني ~~سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا ينكح المحرم ". # وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وإسحاق الحنظلي. جميعا عن ابن ~~عيينة. قال ابن نمير: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي ~~الشعثاء. أن ابن عباس أخبره. أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة ~~وهو محرم. زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم: ~~أنه نكحها وهو حلال. وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا داود بن عبد الرحمن ~~عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، أبي الشعثاء، عن ابن عباس. أنه قال: ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم. # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا يحيى بن آدم. حدثنا جرير بن حازم. ~~حدثنا أبو فزارة عن يزيد بن الأصم حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو ms2189 حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. ~~انتهى من صحيح مسلم. وحديث عثمان المذكور في صحيح مسلم رواه أيضا مالك ~~وأحمد وأصحاب السنن. وقال أبو عيسى الترمذي بعد أن ساقه: حديث عثمان حديث ~~حسن صحيح، والعلم على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر وهو قول بعض فقهاء ~~التابعين، وبه يقول مالك، والشافعي وأحمد، وإسحاق لا يرون أن يتزوج ~~المحرم. وقالوا: إن نكح فنكاحه باطل. وحديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة ~~المذكور في صحيح مسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو حلال " # رواه أيضا الترمذي، وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد، وقال الترمذي: ~~حدثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال # " تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهو حلال وبنى بها وهو ~~حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن ~~مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس عن ربيعة، عن سليمان بن يسار # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال " # رواه مالك مرسلا، ورواه أيضا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا. انتهى: ~~محل الغرض منه. وحديث أبي رافع هذا رواه أيضا الإمام أحمد، وروى مالك ~~رحمه الله في موطئه، عن نافع. أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان ~~يقول: لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره. # وفي الموطأ أيضا، عن مالك أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب وسالم بن ~~عبدالله، وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم؟ فقالوا: لا ينكح ~~المحرم، ولا ينكح. وفي الموطأ أيضا عن مالك، عن داود بن الحصين. أن ~~أبا غطفان بن طريف المري، أخبره أن أباه طريفا، تزوج امرأة وهو ~~محرم. فرد عمر بن الخطاب رضي الله عنه نكاحه. وحديث أبي غطفان بن ms2190 طريف، ~~هذا رواه أيضا الدارقطني، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر ~~أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها، وأنت محرم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عنه انتهى منه بواسطة نقل المجد في المنتفى. # فهذا هو حاصل أدلة من قال: بأن الإحرام مانع من عقد النكاح، وأما الذين ~~قالوا: بأن الإحرام لا يمنع عقد النكاح، فقد استدلوا بما رواه الشيخان في ~~صحيحيهما، وأصحاب السنن، والإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم " # وللبخاري # " تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال ~~وماتت بسرف " # ا ه. # قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس رضي الله عنهما فيه ~~التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، والله تعالى يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] وهو المشرع لأمته بأقواله، وأفعاله، وتقريره صلوات الله ~~وسلامه عليه، فلو كان تزويج المحرم حراما لما فعله صلى الله عليه وسلم ~~واحتج الجمهور القائلون: بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة، قالوا: ~~ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " لا ينكح المحرم ولا يخطب " # وصيغة النفي في قوله # " لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب " # يراد بها النهي كقوله تعالى # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، وإيراد ~~الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء، كما هو مقرر في ~~المعاني. # والحديث دليل صحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم على منع نكاح المحرم ~~وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث، والآثار الدالة على منع نكاح ~~المحرم. وأجاب الجمهور القائلون: بمنع إحرام أحد الزوجين: أو الولي عقد ~~النكاح عن حديث ابن عباس المذكور، بأجوبة. # واعلم أولا: أن المقرر ms2191 في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينها ~~إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح. # وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور، ~~أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع # " أنه تزوجها وهو حلال " # ووجه الجمع في ذلك، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بأن ~~المراد بكونه محرما كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها صلى الله عليه ~~وسلم في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره ~~البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء. # قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور، وزاد بن إسحاق: حدثني ابن أبي ~~نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: # " تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة في عمرة القضاء " # ا ه منه. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة ~~من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول ~~في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم أو غير ذلك. # وقال ابن منظور في اللسان: وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن ~~إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشده في اللسان شاهدا ~~لذلك قول زهير: # جعلن القنان عن يمين وحزنه # وكم بالقنان من محل ومحرم # وقول الآخر: # وإذ فتك النعمان بالناس محرما # فملئ من عوف بن كعب سلاسله # وقول الراعي:> # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما # ودعا فلم أر مثله مقتولا # فتفرقت من بعد ذاك عصاهم # شقفا وأصبح سيفهم مسلولا # ويروى: فلم أرد مثله مخذولا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما: أي ~~في الشهر الحرام وهو ذو الحجة، وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، ~~لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك سواء كانت زمانية، أو ~~مكانية أو غير ذلك. # وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرما ms2192 في بيته ~~المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها ~~وأنه لم يحل من نفسه شيئا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا ~~المعنى الأخير قول عدي بن زيد: # قتلوا كسرى بليل محرما # غادروه لم يمتع بكفن # يريد قتل شيرويه أبه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه ~~به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئا يستوجب به منهم ~~القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرما، وعلى تفسير قول ابن عباس: وهو محرم ~~بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع، ولو ~~فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين وليس بظاهر كل الظهور، ~~وأن التعارض بين الحديثين باق، فالمصير إلى الترجيح إذا واجب. وحديث ~~ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس، لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا ~~شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره. # وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره، ~~لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليين يمثلون له بحديث ميمونة المذكورة، ~~مع حديث ابن عباس. وإليه أشار في مراقي السعود في مبحث الترجيح، باعتبار ~~حال الراوي بقوله عاطفا على ما ترجح به رواية أحد الراويين على رواية ~~الآخر: # أو راويا باللفظ أو ذا الواقع # وكون من رواه غير مانع # ومحل الشاهد منه قوله: أو ذا الواقع: أي يقدم خبر ذي الواقع المروي على ~~خبر غيره كخبر ميمونة، مع خبر ابن عباس ومما يرجح به حديث أبي رافع على ~~حديث ابن عباس: أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر ~~للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي ~~المباشر، لما روى على خبر غيره، لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره، ~~والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور # " أنه صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال " # قال: وكنت الرسول فيما بينهما، مع حديث ابن ms2193 عباس المذكور # " أنه تزوجها وهو محرم ". # ومما يرجح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معا، على حديث ابن عباس: أن ~~ميمونة، وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ~~ببالغ وقت التحمل. وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد ~~البلوغ على المتحمل قبله، لأن البالغ أضبط من الصبي لما تحمل، وللاختلاف ~~في قبول خبر المتحمل، قبل البلوغ مع الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد ~~البلوغ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد ~~البلوغ، لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه، وإلى تقديم خبر الراوي ~~المباشر على خبر غيره، وتقديم خبر المتحمل بعد البلوغ على خبر المتحمل ~~قبله. # أشار في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال الراوي بقوله عاطفا ~~على ما يرجح أحد الخبرين: # أو كونه مباشرا أو كلفا # أو غير ذي اسمين للأمن من خفا # فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس، بأنه اتفق عليه الشيخان في صحيحيهما. ~~ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري، أرجح مما انفرد به مسلم، وهو حديث ~~ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذي وأحمد، وهو حديث أبي رافع. # فالجواب: أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث، إلى ابن عباس، ~~ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي ~~رافع عليه، لأنهما أعلم بحال الواقعة منه، لأن ميمونة صاحبة الواقعة، ~~وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك. فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا ~~رافع وميمونة خالفاه، وهما أعلم بالحال منه، لأن لكل منهما تعلقا خاصا ~~بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله. # ومن المرجحات التي رجح بها بعض العلماء: حديث تزوجه صلى الله عليه وسلم ~~ميمونة، وهو حلال على حديث تزوجه إياها، وهو محرم: أن الأول: رواه أبو ~~رافع، وميمونة. والثاني: رواه ابن عباس وحده، وما رواه الاثنان أرجح مما ~~رواه الواحد كما هو مقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي ~~السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: # وكثرة الدليل ms2194 والرواية # مرجح لدى ذوي الدراية # كما تقدم في سورة البقرة. # ولكن هذا الترجيح المذكور يرده ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ولفظه ~~فالمشهور عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم " # وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة. ا ه منه. # وعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر فمن روى أن تزويجها في حالة الإحرام ~~أكثر. # فإن قيل: يرجح حديثهم إذا بالكثرة. # فالجواب: أنهم وإن كثروا فميمونة، وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما ~~تقدم، والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة ~~الظن، ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة رضي الله عنها عن نفسها، وأخبر به ~~الرسول بينها، وبين زوجها صلى الله عليه وسلم الذي هو أبو رافع أقوى في ~~ظن الصدق مما أخبر به غيرهما، وأشار في مراقي السعود إلى ما ذكرنا بقوله: # قطب رحاها قوة المظنة # فهي لدى تعارض مئنه # ومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس، لا تنهض به الحجة، على ~~جواز عقد النكاح في حال الإحرام هو: أنا لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوج ميمونة، وهو محرم، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى ~~أمته صلى الله عليه وسلم، لأنه ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره من حديث عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه، ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام وهو عام ~~لجميع الأمة. والأظهر دخوله هو صلى الله عليه وسلم في ذلك العموم، فإذا ~~فعل فعلا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول، دل على أن ذلك الفعل ~~خاص به صلى الله عليه وسلم لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل. ~~فيكون خاصا به صلى الله عليه وسلم. # وقد تقرر في الأصول: أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه ~~لا بنص صريح، إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا يخالفه كان ذلك ~~الفعل مخصصا لذلك العموم القولي، فيكون ذلك الفعل خاصا به صلى الله ~~عليه وسلم. ms2195 وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى ذلك في كتاب السنة بقوله: # في حقه القول بفعل خصا # إن يك فيه القول ليس نصا # فإن قيل: لا حجة في حديث عثمان المذكور في صحيح مسلم، على منع عقد ~~النكاح في حال الإحرام، لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة، وهو حرام في ~~حال الإحرام إجماعا، وليس المراد به العقد. # فالجواب من أوجه: # الأول: أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح، ~~لا الوطء. الأولى: أنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المذكور # " لا ينكح المحرم ولا ينكح " # فقوله: # " ولا ينكح " # بضم الياء، دليل على أن المراد: لا يزوج، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك ~~الوطء، لأن الولي إذا زوج قبل الإحرام، وطلب الزوج وطء زوجته في حال ~~إحرام وليها، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعا، فدل ذلك على أن المراد ~~بقوله: ولا ينكح ليس الوطء بل التزويج كما هو ظاهر القرينة الثانية: أنه ~~صلى الله عيه وسلم قال أيضا: # " ولا يخطب " # ، والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد ~~العقد، لأنه هو الذي يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة ~~كما هو معلوم. # الوجه الثاني: أن أبان بن عثمان راوي الحديث وهو من أعلم الناس بمعناه، ~~فسره بأن المراد بقوله: ولا ينكح: أي لا يزوج، لأن السبب الذي أورد فيه ~~الحديث، هو أنه أرسل له عمر بن عبيدالله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن ~~عمر ابنة شيبة بن جبير، فأنكر عليه ذلك أشد الإنكار وبين له أن حديث ~~عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، دليل على منع عقد النكاح في حال ~~الإحرام، ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث، بأن المراد بالنكاح ~~فيه العقد لا الوطء. # الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الأحاديث، والآثار الدالة على منع التزويج ~~في حال الإحرام، كحديث ابن عمر، عند أحمد: أنه سئل عن امرأة أراد أن ~~يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة: ms2196 فأراد أن يعتمر أو يحج فقال: لا تتزوجها ~~وأنت محرم. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ا ه. # فتراه: صرح بأن النكاح المنهي عنه في الإحرام: التزويج. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث ابن عمر هذا: في إسناده أيوب بن ~~عيينة، وهو ضعيف وقد وثق، وكالأثر الذي رواه مالك والبيهقي والدارقطني، ~~عن أبي غطفان بن طريف: أن أباه طريفا تزوج امرأة، وهو محرم فرد عمر بن ~~الخطاب نكاحه ا ه. # وذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإحرام بالتزويج ولا يخصه ~~بالوطء. وقد روى البيهقي في السنن الكبرى بإسناده عن الحسن، عن علي قال: ~~من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته. # وروى بإسناده أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عليا رضي الله عنه ~~قال: لا ينكح المحرم، فإن نكح رد نكاحه. # وروي بإسناده أيضا عن شوذب مولى زيد بن ثابت: أنه تزوج، وهو محرم، ففرق ~~بينهما زيد بن ثابت. # قال: وروينا في ذلك عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وروى ~~بإسناده أيضا عن قدامة بن موسى قال: تزوجت، وأنا محرم فسألت سعيد بن ~~المسيب فقال: يفرق بينهما، وروي بإسناده أيضا عن سعيد بن المسيب: أن ~~رجلا تزوج، وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما. ا ه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بدليل هو أن إحرام ~~أحد الزوجين أو الولي مانع من عقد النكاح لحديث عثمان الثابت في صحيح ~~مسلم، ولما قدمنا من الآثار الدالة على ذلك، ولم يثبت في كتاب الله، ولا ~~سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض ذلك الحديث. وحديث ابن عباس معارض ~~بحديث ميمونة، وأبي رافع، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه. ولو فرضنا أن ~~حديث ابن عباس، لم يعارضه معارض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ~~ميمونة، وهو محرم. فهذا فعل خاص لا يعارض عموما قوليا لوجوب تخصيص ~~العموم القولي المذكور بذلك الفعل كما تقدم إيضاحه. ms2197 # أما ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن بشار، ثنا عبدالرحمن بن مهدي، ~~ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: وهم ~~ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم. فلا تنهض به حجة على توهيم ابن عباس، ~~لأن الراوي، عن سعيد، لم تعرف عينه كما ترى، وما احتج به كل واحد من ~~المتنازعين في هذه المسألة من الأقيسة كقياس من أجاز النكاح في الإحرام، ~~النكاح على شراء الأمة في الإحرام. لقصد الوطء، وكقياس من منعه النكاح في ~~الإحرام على نكاح المعتدة بجامع أن كل منهما لا يعقبه جواز التلذذ كالوطء ~~والقبلة تركناه وتركنا مناقشته، لأن هذه المسألة من المسائل المنصوصة فلا ~~حاجة فيها إلى القياس، مع أن كل الأقيسة التي استدل بها الطرفان لا تنهض ~~بها حجة. # فروع تتعلق بهذه المسألة # التي هي ما يمتنع بالإحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه: # الفرع الأول: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يجوز له أن ~~يرتجع مطلقته في حال الإحرام، لأن الرجعة ليست بنكاح مؤتنف لأنها لا ~~يحتاج فيها إلى عقد، ولا صداق، ولا إلى إذن الولي ولا الزوجة فلا تدخل في ~~قوله صلى الله عيه وسلم # " لا ينكح المحرم ولا ينكح " # وجواز الرجعة في الإحرام هو قول جمهور أهل العلم منهم: الأئمة الثلاثة، ~~وأصحابهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين، عن الإمام ~~أحمد، وعزاه النووي في شرح المهذب لعامة العلماء إلا رواية عن الإمام ~~أحمد. # وقال ابن قدامة في المغني في شرحه قول الخرقي: وللمحرم أن يتجر ويصنع ~~الصنائع، ويرتجع امرأته ما نصه: # فأما الرجعة: فالمشهور إباحتها، وهو قول أكثر أهل العلم، وفيه رواية ~~ثانية أنها لا تباح. # إلى أن قال: وجه الرواية الصحيحة: أن الرجعية زوجة والرجعة إمساك بدليل ~~قوله تعالى # فأمسكوهن بمعروف # [البقرة: 231] فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق. انتهى محل الغرض منه. # وقال مالك في الموطأ في الرجل المحرم: أنه يراجع امرأته، إذا كانت في ~~عدة منه. وذكر النووي ms2198 عن الخراسانيين من الشافعية وجهين، أصحهما: جواز ~~الرجعة، والثاني: منعها في الإحرام. # الفرع الثاني: اعلم أن التحقيق أن الولي إذا وكل وكيلا على تزويج ~~وليته، فلا يجوز لذلك الوكيل تزويجها بالوكالة في حالة إحرامه، لأنه يدخل ~~في عموم الحديث المذكور، وكذلك وكيل الزوج. # الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن السلطان لا يجوز له ~~أن يزوج بالولاية العامة في حال إحرامه، لدخوله في عموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا ينكح المحرم ولا ينكح " # فلا يجوز إخراج السلطان من هذا العموم، إلا بدليل خاص به من كتاب أو ~~سنة، ولم يرد بذلك دليل، فالتحقيق منع تزويجه في الإحرام وهو قول جمهور ~~العلماء خلافا لبعض الشافعية القائلين: يجوز ذلك للسلطان، ولا دليل معهم ~~من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بأن الولاية العامة أقوى من الولاية ~~الخاصة. بدليل أن الولي المسلم الخاص، لا يزوج الكافرة بخلاف السلطان، ~~فله عندهم أن يزوج الكافرة بالولاية العامة. # الفرع الرابع: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن للشاهد المحرم، أن ~~يشهد على عقد نكاح، لأن الشاهد لا يتناوله حديث # " لا ينكح المحرم ولا ينكح " # لأن عقد النكاح بالإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك، وخالف في ~~ذلك أبو سعيد الاصطخري من الشافعية، قائلا: إن شهادة الشاهد ركن في ~~العقد، فلم تجز في حال الإحرام كالولي، وكره بعض أهل العلم للمحرم أن ~~يشهد على النكاح. # الفرع الخامس: الأظهر عندي: أن المحرم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك ~~المحرمة، لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان، عند مسلم: # " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " # فالظاهر أن حرمة الخطبة كحرمة النكاح، لأن الصيغة فيهما متحدة، فالحكم ~~بحرمة أحدهما دون الآخر، يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل عليه. والظاهر من ~~الحديث حرمة النكاح وحرمة وسيلته التي هي الخطبة كما تحرم خطبة المعتدة. # وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في ~~الإحرام، وإنما تكره أنه ms2199 خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه، وما استدل ~~به بعض أهل العلم من الشافعية وغيرهم: على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما ~~مخالفا لحكم الآخر كقوله تعالى # كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141] الآية. قالوا: الأكل مباح وإيتاء الحق واجب، لا دليل ~~فيه، لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب، بخلاف قوله في الحديث # " ولا يخطب " # فلا دليل على أنه ليس للتحريم كقوله قبله # " لا ينكح المحرم ". # الفرع السادس: إذا وقع عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو الولي، ~~فالعقد فاسد، ولا يحتاج إفى فسخه بطلاق، كما هو ظاهر الآثار التي قدمنا، ~~ومذهب مالك وأحمد: أنه يفسخ بطلاق مراعاة لقول من أجازه كأبي حنيفة ومن ~~تقدم ذكرهم. # الفرع السابع: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا وكل حلال حلالا في ~~التزويج، ثم أحرم أحدهما أو المرأة أن الوكالة لا تنفسخ بذلك، بل له أن ~~يزوج بعد التحلل بالوكالة السابقة خلافا لمن قال تنفسخ الوكالة ~~بذلك، والتحقيق أن الوكيل إذا كان حلالا والموكل محرما فليس للوكيل ~~الحلال عقد النكاح، قبل تحلل موكله خلافا لمن حكى وجها بجواز ذلك، ولا ~~شك أن تجويز ذلك غلط. # الفرع الثامن: اعلم أنا قدمنا في أول الكلام على هذه المسألة: أن ~~الإحرام يحرم بسببه على المحرم وطء امرأته في الفرج، ومباشرتها فيما دون ~~الفرج لقوله تعالى: # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج # [البقرة: 197] وقد قدمنا أن الرفث شامل للجماع، ومقدماته. وقد أردنا في ~~هذا الفرع أن نبين ما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك، ولا خلاف بين أهل ~~العلم: أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات: أن حجه يفسد بذلك، ~~ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام، إلا الجماع خاصة، ~~وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات: فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده ~~عليه قضاء الحج، وعليه الهدي، وهو عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعات من ~~الصحابة بدنة، وقال أبو حنيفة: عليه ms2200 شاة، وقال داود: هو مخير بين بدنة ~~وبقرة وشاة، فإن كان جماعه بعد الوقوف بعرفات، وقبل رمي جمرة العقبة، ~~وطواف الإفاضة فحجه فاسد عند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. # وقال أبو حنيفة رحمه الله: حجه صحيح، وعليه أن يهدي بدنة متمسكا بظاهر ~~حديث # " الحج عرفة " # وإن كان جماعة بعد رمي جمرة العقبة، وقبل طواف الإفاضة: فحجه صحيح عند ~~الجميع، وعند الشافعي: تلزمه فدية، وعند أبي حنيفة: إن جامع بعد الحلق: ~~فعليه شاة، وإن جامع قبل الحلق، وبعد الوقوف: فعليه بدنة. # وعن أحمد روايتان: فيما يلزمه هل هو شاة، أو بدنة، ومذهب مالك: أن حجه ~~صحيح، وعليه: هدي وعمرة، ووجهه عنده أن الجماع لما كان بعد التحلل الأول ~~برمي جمرة العقبة، لم يفسد به الحج، ولكنه وقع فيه نقص بسبب الجماع قبل ~~التحلل الثاني، فكان هذا النقص عنده يجبر بالعمرة والهدي. # وفي الموطأ قال مالك: في رجل وقع بامرأته في الحج ما بينه، وبين أن يدفع ~~من عرفة، ويرمي الجمرة أنه يجب عليه الهدي وحج قابل، قال: فإن كانت ~~إصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر ويهدي، وليس عليه حج ~~قابل ا ه. # ونقل البابجي عن مالك: أن محل فساد الحج بالجماع قبل الرمي والإفاضة ~~وبعد الوقوف بعرفة، فيما إذا كان الوطء واقعا يوم النحر، أما إن أخر رمي ~~جمرة العقبة، وطواف الإفاضة معا عن يوم النحر، وجامع قبلهما، فلا يفسد ~~حجه: وعليه عمرة وهديان: هدي لوطئه، وهدي لتأخير رمي الجمرة انتهى منه ~~بواسطة نقل المواق في شرحه لمختصر خليل في الكلام على قوله: والجماع ~~ومقدماته، وأفسد مطلقا كاستدعاء مني، وإن بنظر قبل الوقوف مطلقا، إن ~~وقع قبل إفاضة وعقبه يوم النحر أو قبله وإلا فهدي ا ه. # فتحصل: أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج، عند الأئمة الأربعة وبعد ~~التحلل الأول، وقبل الثاني: لا يفسد الحج عند الأربعة. # وقد عرفت ما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم، وإن وقع بعد ~~الوقوف بعرفة، وقبل التحلل: أفسد ms2201 عند الثلاثة، خلافا لأبي حنيفة كما ~~تقدم إيضاحه قريبا. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات ~~الجماع كالقبلة والمفاخذة، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم. # ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك: فمذهب مالك وأصحابه: أن ~~كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة، أو غيرها، إذا حصل معه إنزال أفسد الحج. ~~وقد بينا قريبا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة ~~فأنزل: فسد عند مالك حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة: لم ~~يفسد حجه عند مالك، وعليه الهدي. أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع، ~~ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم: فعليه هدي، والقبلة حرام على المحرم ~~مطلقا عند مالك، وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد، فهو ممنوع إن ~~قصد به اللذة، وإن لم يقصدها به، فليس بممنوع، ولا هدي فيه ولو قصد به ~~اللذة وإنما عليه الإثم إلا إذا حصل بسببه مذي فيلزم فيه الهدي ومحل هذا ~~عندهم في غير الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي. # فتحصل: أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع، إن أنزل، وإن لم ينزل ~~ففي القبلة خاصة مطلقا: هدي وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي، وكذلك ~~الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة وما عدا ذلك من التلذذ، فليس فيه إلا ~~التوبة والاستغفار، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع، أو الإنزال. ومذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله: أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة، واللمس بشهوة، ~~والمفاخذة ونحو ذلك، يلزم بسببه دم، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل، ~~ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة. # ومذهب الشافعي رحمه الله: هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة ~~أو قبلها بشهوة: أن عليه فدية الأذى والاستمناء عنده كالمباشرة فيما دون ~~الفرج. وصحح بعض الشافعية: أن عليه شاة، ولو ردد النظر إلى امرأته، حتى ~~أمنى، فلا شيء عليه عند الشافعي. ومذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه ms2202 إن ~~وطئ فيما دون الفرج، ولم ينزل: فعليه دم، وإن أنزل: فعليه بدنة. وفي فساد ~~حجه روايتان: # إحداهما: أنه إن أنزل فسد حجه، وعليه بدنة وبها جزم الخرقي. # وقال في المغني: في هذه الرواية اختارها الخرقي وأبو بكر، وهو قول عطاء ~~والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق. # والرواية الثانية: أنه إن أنزل فعليه بدنة، ولا يفسد حجه. # وقال ابن قدامة في المغني: في هذه الرواية: وهي الصحيحة، إن شاء الله، ~~لأنه استمتاع لا يجب بنوعه حد فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص ~~فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه. انتهى محل الغرض منه. # وما ذكرنا عن أحمد: من أنه إن أنزل تلزمه بدنة: أي سواء قلنا بفساد ~~الحج، أو عدم فساده، وممن قال بلزوم البدنة في ذلك: الحسن وسعيد بن جبير، ~~والثوري، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. وإن قبل امرأته، ولم ينزل ~~أو أنزل جرى على حكم الوطء فيما دون الفرج، وقد أوضحناه قريبا. # وإن نظر إلى امرأته، فصرف بصره، فأمنى فعليه دم عند أحمد، وإن كرر ~~النظر، حتى أمنى، فعليه بدنة عنده. # وقد قدمنا عن مالك: أنه إن كرر النظر، حتى أمنى فسد حجه، وهو مروي عن ~~الحسن وعطاء. # واعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحج الفاسد بالجماع يجب قضاؤه ~~فورا في العام القابل، خلافا لمن قال: إنه على التراخي، ودليل ذلك ~~الآثار التي ستراها إن شاء الله في الكلام على أدلة هذا المبحث. # وأظهر قولي أهل العلم عندي أيضا: أن الزوجين اللذين أفسدا حجهما يفرق ~~بينهما، إذا أحرما بحجة القضاء لئلا يفسدا حجة القضاء أيضا بجماع آخر ~~كما يدل عليه بعض الآثار المروية عن الصحابة، والأظهر أيضا: أن الزوجة ~~إن كانت مطاوعة له في الجماع يلزمها مثل ما يلزم الرجل من الهدي والمضي ~~في الفاسد والقضاء في العام القابل، خلافا لمن قال: يكفيهما هدي واحد. ~~والأظهر أنه إن أكرهها: لا هدي عليها. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في ms2203 جماع المحرم، ومباشرته بغير الجماع، فاعلم ~~أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك لا يجوز في الإحرام لأن الله تعالى نص ~~على ذلك في قوله تعالى # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج # [البقرة: 197] أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم في ذلك، ~~فليس على شيء، من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون ~~بآثار مروية عن الصحابة. ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا حديثا منقطعا لا تقوم بمثله حجة: وهو ما رواه أبو داود ~~في المراسيل، والبيهقي في سننه: أخبرنا أبو بكر محمد بن صالح أنبأنا أبو ~~الحسن عبدالله بن إبراهيم الفسوي الداودي، ثنا أبو علي محمد بن أحمد ~~اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني ثنا أبو توبة، ثنا معاوية يعني: ابن ~~سلام، عن يحيى قال: أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم: شك أبو توبة: # " أن رجلا من جذم جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لهما " اقضيا نسككما وأهديا هديا ثم ارجعا حتى إذا ~~جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه ~~وعليكما حجة أخرى فتقبلان حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما ~~أصبتما فأحرما وأتما نسككما وأهديا " " # هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. انتهى من البيهقي وتراه ~~صرح بأنه منقطع وانقطاعه ظاهر، لأنه يزيد بن نعيم المذكور من صغار ~~التابعين. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر الحديث المذكور، عند ~~أبي داود في المراسيل، والبيهقي، وذكر قول البيهقي: إنه منقطع ما نصه: ~~وقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث لا يصح، فإن زيد بن نعيم مجهول، ~~ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة. وقد شك أبو توبة، ولا يعلم عمن هو منهما، ولا ~~عمن حدثهم به معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، فهو لا يصح. قال ابن ~~القطان: وروى ابن ms2204 وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ~~عبدالرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: # " أن رجلا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لهما: " أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، ~~فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى ~~واحد منكما صاحبه ثم أتما نسككما وأهديا " " # انتهى. # قال ابن القطان: وفي هذا أنه أمرهما بالتفرق في العودة لا في الرجوع ~~وحديث المراسيل على العكس منه قال: وهذا ضعيف أيضا بابن لهيعة انتهى ~~كلامه انتهى محل الغرض منه من نصب الراية للزيلعي. # وإذا كانت هذه المسألة المذكورة ليس فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا هذا الحديث المنقطع سنده تبين: أن عمدة الفقهاء فيها على الآثار ~~المروية عن الصحابة، فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ بلاغا أن عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة رضي الله عنهم سئلوا عن رجل أصاب ~~أهله، وهو محرم بالحج؟ فقالوا: ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا ~~حجهما ثم عليهما حج قابل والهدي. # قال: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وإذا أهلا بالحج من عام قابل ~~تفرقا حتى يقضيا حجهما ا ه. # وهذا الأثر عن هؤلاء الصحابة منقطع أيضا كما ترى. # وفي الموطأ أيضا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب ~~يقول: ما ترون في رجل وقع بامرأته وهو محرم؟ فلم يقل له القوم شيئا. ~~فقال سعيد: إن رجلا وقع بامرأته، وهو محرم، فبعث إلى المدينة يسأل عن ~~ذلك، فقال بعض الناس: يفرق بينهما إلى عام قابل، فقال سعيد بن المسيب: ~~لينفذا لوجههما فليتما حجهما الذي أفسداه، فإذا ~~فرغا رجعا، فإن أدركهما حج قابل فعليهما الحج والهدي، ويهلان من حيث ~~أهلا بحجهما الذي أفسداه ويتفرقان، حتى يقضيا حجهما. قال مالك: يهديان ~~جميعا بدنة بدنة. # قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج: ما بينه وبين أن يدفع من عرفة، ~~ويرمي الجمرة إنه يجب ms2205 عليه الهدي وحج قابل، فإن كانت إصابته أهله بعد رمي ~~الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر، ويهدي، وليس عليه حج قابل. # قال مالك: والذي يفسد الحج أو العمرة، التقاء الختانين. وإن لم يكن ماء ~~دافق. قال: ويوجب ذلك أيضا الماء الدافق، إذا كان من مباشرة، فأما رجل ~~ذكر شيئا حتى خرج منه ماء دافق، فلا أرى عليه شيئا، ولو أن رجلا قبل ~~امرأته، ولم يكن من ذلك ماء دافق، لم يكن عليه القبلة إلا الهدي، وليس ~~على المرأة التي يصيبها زوجها، وهي محرمة مرارا في الحج أو العمرة، وهي ~~له في ذلك مطاوعة: إلا الهدي وحج قابل، إن أصابها في الحج، وإن كان ~~أصابها في العمرة، فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت والهدي ا ه. وفي ~~الموطأ أيضا عن مالك عن أبي الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ~~عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن رجل وقع بأهله، وهو بمنى، ~~قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. وفي الموطأ أيضا عن مالك، عن ثور بن ~~زيد الديلي، عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: الذي يصيب أهله قبل أن ~~يفيض يعتمر ويهدي. وفي الموطأ أيضا عن مالك: أنه سمع ربيعة بن أبي ~~عبدالرحمن يقول في ذلك مثل قول عكرمة، عن ابن عباس. قال مالك: وذلك أحب ~~ما سمعت إلي في ذلك. انتهى محل الغرض منه. # وروى البيهقي بإسناده، عن عطاء: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في ~~محرم بحجة أصاب امرأته، يعني وهي محرمة؟ قال: يقضيان حجهما وعليهما الحج ~~من قابل من حيث كانا أحرما، ويفترقان حتى يتما حجهما، قال وقال عطاء: ~~وعليهما بدنة، إن أطاعته، أو استكرهها، فإنما عليهما بدنة واحدة ا ه. # وهذا الأثر منقطع أيضا، لأن عطاء لم يدرك عمر رضي الله عنه وروى ~~البيهقي بإسناده أيضا: أن مجاهدا سئل عن المحرم، يواقع امرأته؟ فقال: ~~كان ذلك على عهد عمر رضي الله عنه، قال: يقضيان حجهما والله أعلم بحجهما، ~~ثم يرجعان حلالا، ms2206 كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا، ~~وتفرقا في المكان الذي أصابها فيه. # وروى البيهقي بإسناده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما: في رجل وقع على ~~امرأته وهو محرم؟ قال: اقضيا نسككما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام ~~قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، ~~وأهديا هديا. وفي رواية: ثم أهلا من حيث أهللتما أول مرة ا ه. قال ~~النووي في هذا الأثر الذي رواه البيهقي عن ابن عباس، إسناده صحيح وروى ~~البيهقي بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: أن رجلا أتى عبدالله بن ~~عمرو يسأله عن محرم، وقع بامرأته؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب ~~إلى ذلك فسله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: ~~بطل حجك. فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، ~~فإذا أدركت قابلا، فحج وأهد، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، وأنا معه ~~فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس ~~فسأله فقال له: كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبدالله بن عمرو، وأنا معه، ~~فأخبر بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قولي مثل ما قالا ا ~~ه. ثم قال البيهقي هذا إسناد صحيح وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد ~~بن عبدالله عن جده عبد بن عمرو بن العاص، فترى هذا الأثر عن هؤلاء ~~الصحابة الثلاثة فيه ذلك الحكم عنهم بإسناد صحيح. # وروى البيهقي أيضا من طرق أخرى، عن ابن عباس مثل ذلك، وفي بعض الروايات ~~عن ابن عباس: أن على كل واحد منهما بدنة، وفي بعضها: أنهما تكفيهما بدنة ~~واحدة، فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في ~~هذه المسألة. # الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إذا جامع مرارا ~~قبل أن يكفر كفاه هدي واحد، وإن كان كفر لزمته بالجماع الثاني كفارة ~~أخرى، كما أنه إن زنى ms2207 مرارا قبل إقامة الحد عليه كفاه حد واحد إجماعا، ~~وإن زنى بعد إقامة الحد عليه لزمه حد آخر، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، ~~وممن قال بأنه يكفيه هدي واحد مطلقا: مالك، وإسحاق، وعطاء. # والأصح في مذهب الشافعي: أنه يلزمه في الجماع الأول بدنة، وفي كل مرة ~~بعد ذلك شاة. وعن أبي ثور: تلزمه بكل مرة بدنة، وهو رواية عن أحمد. # وعن أبي حنيفة: إن كان ذلك في مجلس واحد. فدم واحد وإلا فدمان. # واعلم أنهم اختلفوا فيما إذا جامع ناسيا لإحرامه؟ ومذهب أبي حنيفة، ~~ومالك، وأحمد: أن العمد والنسيان سواء بالنسبة إلى فساد الحج، وهو قول ~~للشافعي، وهو قوله القديم. وقال في الجديد: إن وطئ ناسيا أو جاهلا لا ~~يفسد حجه ولا شيء عليه، أما إن قبل امرأته لإحرامه، فليس عليه شيء عند ~~الشافعي وأصحابه قولا واحدا. # وقال ابن قدامة في المغني: ينبغي أن يكون الأمر كذلك في المذهب الحنبلي. # واعلم أن الجماع المفسد للحج هو التقاء الختانين الموجب للحد والغسل كما ~~قدمناه في كلام مالك في الموطأ، والأظهر أن الإتيان في الدبر كالجماع في ~~إفساد الحج، وكذلك الزنا أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه فعل كل ما لا ~~يرضي الله تعالى. # وقد قدمنا أن أظهر قولي أهل العلم عندنا أنه يفرق بين الزوجين اللذين ~~أفسدا حجهما، وذلك التفريق بينهما في حجة القضاء. لا في جميع السنة. # وظاهر الآثار المتقدمة أن ذلك التفريق بينهما إنما يكون من الموضع الذي ~~جامعها فيه، وعن مالك: يفترقان من حيث يحرمان، ولا ينتظر موضع الجماع، ~~وهو رواية عن أحمد، وهو أظهر. وعن مالك وأحمد: أن التفريق المذكور واجب ~~وهو قول أو وجه عند الشافعية، والثاني عندهم: أنه مستحب وهو وجه أيضا عن ~~الحنابلة، وممن قال بالتفريق بينهما: عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عباس، ~~وسعيد بن المسيب، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. كما نقله عنهم النووي في ~~شرح المهذب ونقله ابن قدامة في المغني، عن عمر وابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب وعطاء، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي وغيرهم، ms2208 وعن أبي حنيفة ~~وعطاء: لا يفرق بينهما، ولا يفترقان قياسا على الجماع في نهار رمضان، ~~فإنهما إذا قضيا اليوم الذي أفسداه لا يفرق بينهما. # واعلم أنا قدمنا خلاف العلماء في الهدي الذي على المفسد حجه بالجماع، ~~وذكرنا أنه عند مالك والشافعي وأحمد: بدنة، وهو قول جماعات من الصحابة ~~وغيرهم منهم ابن عباس، وطاوس، ومجاهد الثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وغيرهم. ~~ولم نتكلم على ما يلزمه إن عجز عن البدنة، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، ~~فذهب بعضهم إلى أنه إن عجز عن البدنة كفته شاة، وممن قال به الثوري، ~~وإسحاق، وذهب بعضهم: إلى أنه إن لم يجد بدنة فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبع ~~من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعاما، فإن لم يجد صام عن كل مد ~~يوما، وهذا هو مذهب الشافعي، وبه قال جماعة من أهل العلم. # وعن أحمد رواية: أنه مخير بين هذه الخمسة المذكورة. # واعلم أن المفسد حجه بالجماع إذا قضاه على الوجه الذي أحرم به في حجه ~~الفاسد، كأن يكون في حجه الفاسد مفردا ويقضيه مفردا أو قارنا، ويقضيه ~~قارنا فلا إشكال في ذلك وكذلك إن كان مفردا في الحج الذي أفسده وقضاه ~~قارنا فلا إشكال لأنه جاء بقضاء الحج مع زيادة العمرة، وأما إذا كان ~~قارنا في الحج الذي أفسده ثم قضاه مفردا، فالظاهر أن الدم اللازم له ~~بسبب القران لا يسقط عنه بإفراده في القضاء، خلافا لمن زعم ذلك. # وقال النووي في شرح المهذب: إذا وطئ القارن، فسد حجه وعمرته، ولزمه ~~المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته ~~أيضا شاة أخرى، سواء قضى قارنا، أم مفردا لأنه توجه عليه القضاء ~~قارنا، فإذا قضى مفردا لا يسقط عنه دم القران. قال العبدري: وبهذا كله ~~قال مالك، وأحمد. # وقال أبو حنيفة: إن وطئ قبل طواف العمرة، فسد حجه وعمرته، ولزمه المضي ~~في فاسدهما والقضاء، وعليه شاتان: شاة لإفساد الحج، وشاة لإفساد العمرة ~~ويسقط عنه دم القران، فإن وطئ بعد ms2209 طواف العمرة فسد حجه، وعليه قضاؤه وذبح ~~شاة، ولا تفسد عمرته فتلزمه بدنة بسببها، ويسقط عنه دم القران. # قال ابن المنذر، وممن قال يلزمه هدي واحد: عطاء وابن جريج ومالك ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الحكم: يلزمه هديان ا ه. من شرح ~~المهذب. # وقد قدمنا أن الأظهر عندنا: أن الزوجين المفسدين حجهما بالجماع تلزم كل ~~واحد منهما بدنة، إن كانت مطاوعة له، وهو مذهب مالك. وبه قال النخعي، وهو ~~أحد القولين للشافعي. # قال النووي: قال ابن المنذر: وأوجب ابن عباس، وابن المسيب والضحاك ~~والحكم، وحماد، والثوري، وأبو ثور على كل واحد منهما هديا، وقال النخعي ~~ومالك: على كل واحد منهما بدنة. # وقال أصحاب الرأي: إن كان قبل عرفة، فعلى كل واحد منهما شاة، وعن أحمد ~~روايتان: # إحداهما: يجزئهما هدي واحد. # والثانية: على كل واحد منهما هدي، وقال عطاء وإسحاق: لزمهما هدي واحد. # الفرع العاشر: إذا جامع المحرم بعمرة قبل طوافه: فسدت عمرته إجماعا، ~~وعليه المضي في فاسدها والقضاء والهدي، فإن كان جماعه بعد الطواف، وقبل ~~السعي فعمرته فاسدة أيضا عند الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وهو مذهب مالك ~~فعليه إتمامها، والقضاء والدم، وقال عطاء: عليه شاة، ولم يذكر القضاء. ~~وقال أبو حنيفة: إن جامع المعتمر بعد أن طاف بالبيت أربعة أشواط لم تفسد ~~عمرته، وعليه دم، وإن طاف ثلاثة أشواط، فسدت، وعليه إتمامها والقضاء ودم، ~~وأما إن كان جماعة بعد الطواف والسعي، ولكنه قبل الحلق، فلم يقل بفساد ~~عمرته إلا الشافعي. # قال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي. وقال ابن عباس، والثوري، ~~وأبو حنيفة: عليه دم وقال مالك: عليه الهدي، وعن عطاء: أنه يستغفر الله، ~~ولا شيء عليه، قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلا. انتهى بواسطة نقل ~~النووي. # وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرمة التي أكرهها زوجها على الوطء حتى ~~أفسد حجها أو عمرتها بذلك، أن جميع التكاليف اللازمة لها بسبب حجة القضاء ~~من نفقات سفرها في الحج، كالزاد والراحلة والهدي اللازم لها كله على ~~الزوج، لأنه ms2210 هو الذي تسبب لها في ذلك وإن كانت بانت منه، ونكحت غيره، ~~وأنه إن كان عاجزا لفقره صرفت ذلك من مالها، ثم رجعت عليه بذلك، إن ~~أيسر، وهذا مذهب مالك وأصحابه وعطاء، ومن وافقهم، خلافا لمن قال: إن ~~جميع تكاليف حجة القضاء في مالها لا في مال الزوج، وهو قول بعض أهل ~~العلم. # قال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته، على تبيين الحقائق، شرح ~~كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه: قال في شرح الطحاوي: أما المرأة إذا ~~كانت نائمة، أو جامعها صبي أو مجنون، فذلك كله سواء، ولا ترجع المرأة من ~~ذلك بما لزمها على المكره، لأن ذلك شيء لزمها فيما بينها، وبين الله ~~غير مجبور عليها كرجل أكره على النذر، فإنه يلزمه، فإذا أدى ما لزمه، ~~فإنه لا يرجع على المكره، كذلك هنا انتهى إتقاني رحمه الله تعالى. انتهى ~~كلام الشلبي في حاشيته. # وقال في موضع آخر من حاشيته المذكورة: ثم إذا كانت مكرهة حتى فسد حجها ~~ولزمها دم، هل ترجع على الزوج، عن أبي شجاع: لا، وعن القاضي أبي حازم: ~~نعم ا ه. # وقد ذكرنا أن الأظهر عندنا لزوم ذلك لزوجها الذي أكرهها، ووجهه ظاهر ~~جدا، لأن سببه هو جنايته بالجماع، الذي لا يجوز له شرعا، ومن تسبب في ~~غرامة إنسان بفعل حرام، فإلزامه تلك الغرامة لا شك في ظهور وجهه، والعلم ~~عند الله تعالى. # وقال ابن قدامة في المغني: في مذهب أحمد في هذه المسألة: ما نصه: وإذا ~~كانت المرأة مكرهة على الجماع، فلا هدي عليها، ولا على الرجل أن يهدي ~~عنها نص عليه أحمد لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم يجب به حال الإكراه أكثر ~~من كفارة واحدة كما في الصيام، وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. # وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه أن يهدي عنها، وهو قول عطاء، ومالك، لأن ~~إفساد الحج وجد منه في حقها، فكان عليه لإفساده حجها هدي قياسا على حجه، ~~وعنه ما يدل على أن الهدي عليها، لأن فساد ms2211 الحج ثبت بالنسبة إليها، ~~ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها، ويتحمله الزوج عنها، فلا يكون رواية ~~ثالثة. # انتهى منه. # وفي مذهب الشافعي في هذه المسألة وجهان، الأصح منهما عند أصحاب الشافعي: ~~وجوب ذلك على الزوج كما بينه النووي في شرح المهذب. أما إن كانت مطاوعة ~~له، فالأظهر أن على كل واحد منهما تكاليف حجة القضاء، وكل ما سببه الوطء ~~المذكور لأنهما سواء فيه، ولا ينبغي العدول عن ذلك. # الفرع الحادي عشر: اعلم أنا قدمنا أن من أفسد حجه أو عمرته، لزمه ~~القضاء، وقد بينا أن الصحيح وجوبه على الفور لا على التراخي، وسواء في ~~ذلك كان الحج والعمرة فرضا أو نفلا، لأن النفل منهما يصير فرضا ~~بالشروع فيه، وقد أردنا أن نبين في هذا الفرع أنه لو أحرم بالقضاء، ~~فأفسده أيضا بالجماع، لزمته الكفارة ولزمه قضاء واحد، ولو تكرر ذلك منه ~~مائة مرة، ويقع القضاء عن الحج الأول أي الذي أفسده أولا، والعلم عند ~~الله تعالى. # الفرع الثاني عشر: قد قدمنا أن مما يمنع بسبب الإحرام، حلق شعر الرأس ~~لقوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] فإن حلق شعر رأسه لأجل مرض، أو أذى ككثرة القمل في رأسه، ~~فقد نص تعالى على ما يلزمه بقوله # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]. # وهذه الآية الكريمة نزلت في كعب بن عجرة رضي الله عنه، والتحقيق الذي لا ~~شك فيه: أن الثلاثة المذكورة في الآية على سبيل التخيير بينها لأن لفظة ~~أو في قوله # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196] حرف تخيير، والتحقيق أن الصيام المذكور ثلاثة أيام، وأن ~~الصدقة المذكورة ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وما سوى ~~هذا فهو خلاف التحقيق. # وقد روى الشيخان في صحيحيهما، # " عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول ~~الله صلى الله ms2212 عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: " ما كنت أرى أن ~~الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. فنزلت الآية { ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك } [البقرة:196] قال: هو صوم ~~ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين " وفي ~~رواية " أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فقال: كأن ~~هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. قال: فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، ~~أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين " رواه مسلم، وأحمد، وأبو ~~داود، ولأبي داود في رواية " فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، فرقا من زبيب، أو انسك ~~شاة فحلقت رأسي ثم نسكت " وفي رواية عند البخاري، عن كعب بن عجرة " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احلق رأسك، ~~وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة " # وفي رواية عند البخاري أيضا، # " عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال " وقف علي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالحديبية، ورأسي يتهافت قملا فقال: يؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. ~~قال: فاحلق رأسك، أو احلق قال: في نزلت هذه الآية { فمن كان ~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه } [البقرة: 196] إلى ~~آخرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ~~ستة، أو انسك بما تيسر " وفي رواية عند البخاري أيضا " فأنزل الله ~~الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يطعم فرقا بين ~~ستة أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام " " # وبعض هذه الروايات في صحيح مسلم وفيه غيرها بمعناها. والفرق ثلاثة آصع. # فهذه النصوص الصحيحة الصريحة: مبينة غاية البيان آية الفدية، موضحة: أن ~~الصيام المذكور في الآية ثلاثة أيام، وأن الصدقة فيها ثلاثة آصع بين ستة ms2213 ~~مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك فيها ما تيسر شاة فما فوقها، وأن ~~ذلك على سبيل التخيير بين الثلاثة، كما هو نص الآية، والأحاديث المذكورة، ~~وهذا لا ينبغي العدول عنه، لدلالة القرآن، والسنة الصحيحة عليه، وهو قول ~~جماهير العلماء. # وبه تعلم أن قول الحسن والثوري وعكرمة ونافع: أن الصيام عشرة أيام، ~~والصدقة على عشرة مساكين، خلاف الصواب لما ذكرنا، وإنما يقول أصحاب ~~الرأي: من أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة لكل مسكين، وأما غير البر ~~كالتمر والشعير مثلا، فلا بد من صاع كامل لكل مسكين، خلاف الصواب أيضا ~~لمخالفته للروايات الصحيحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها ~~آنفا، وأن ما رواه الطبري وغيره، عن سعيد بن جبير: من أن الواجب أولا ~~النسك، فإن لم يجد نسكا، فهو مخير بين الصوم والصدقة، خلاف الصواب ~~أيضا، للأدلة التي ذكرناها، وهي واضحة صريحة في التخيير. # ومن أصرحها في التخيير ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن ~~إسماعيل، ثنا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، # " عن كعب بن عجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " إن شئت ~~فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر ~~لستة مساكين " " # ا ه. فصراحة هذا في التخيير بين الثلاثة كما ترى وما رواه مالك في ~~موطئه، عن عبدالكريم بن مالك الجزري، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، # " عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم محرما، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يحلق رأسه، وقال: " صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين ~~مدين، لكل إنسان أو انسك بشاة. أي ذلك فعلت أجزأ عنك " ا ه من ~~الموطأ. # وقوله " أي ذلك فعلت أجزأ عنك " " # صريح في التخيير كما ترى، مع أن الآية الكريمة، والروايات الثابتة في ~~الصحيحين نصوص صريحة في ذلك لصراحة لفظه، أو في التخيير ms2214 والعلم عند الله ~~تعالى. # وهذا الذي بينا حكمه الآن: هو حلق جميع شعر الرأس أما حلق بعض شعر ~~الرأس، أو شعر باقي الجسد غير الرأس، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. ~~واعلم أن ما جاء في بعض الروايات أن النسك المذكور في آية البقرة، يجاب ~~عنه من وجهين، وسنذكر هنا إن شاء الله بعض الروايات الواردة بذلك، ~~والجواب عنها. # قال أبو داود في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن نافع: أن ~~رجلا من الأنصار أخبره عن كعب بن عجرة، وكان قد أصابه في رأسه أذى، فحلق ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدي هديا بقرة. ا ه منه. # وقال ابن حجر في الفتح: بعد أن أشار لحديث أبي داود: هذا وللطبراني من ~~طريق عبد الوهاب بن بخت، عن نافع عن ابن عمر قال: حلق كعب بن عجرة رأسه ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتدي فافتدى ببقرة. # ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر قال: افتدى كعب من ~~أذى كان في رأسه، فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها. # ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع عن سليمان بن يسار قيل ~~لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة. ~~انتهى من الفتح. ثم قال: فهذه الطرق كلها تدور على نافع. # وقد اختلف عليه في الواسطة التي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح ~~منها، من أن الذي أمر به كعب وفعله إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور، ~~وعبد بن حميد من طريق المقبري، عن أبي هريرة: أن كعب بن عجرة ذبح شاة ~~لأذى كان أصابه، وهذا أصوب من الذي قبله، واعتمد ابن بطال على رواية ~~نافع، عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافقه، وزاد ~~ففيه: أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها، ms2215 كما فعل كعب. # قلت: هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت لما قدمته. والله أعلم. انتهى كلام ~~ابن حجر. # وقد علمت منه الروايات المقضية: أن النسك في آية الفدية المذكورة بقرة، ~~وأن الجواب عنها من وجهين: # الأول: عدم ثبوت الروايات الواردة بالبقرة، ومعارضتها بما هو صحيح ثابت ~~من أن النسك المذكور في الآية شاة كما قدمناه. # والجواب الثاني: أنا لو فرضنا أن تلك الروايات ثابتة، فهي لا تعارض ~~الروايات الصحيحة الدالة، على أن النسك المذكور: شاة، وذلك بأن اللازم هو ~~الشاة، والتطوع بالبقرة تطوع بأكثر من اللازم. ولا مانع من التطوع بأكثر ~~مما يلزم، والعلم عند الله تعالى. # وهذا الذي ذكرنا حكمه: هو حلق الرأس لعذر كمرض، أو أذى في الرأس ككثرة ~~القمل فيه، كما هو موضوع آية الفدية، والأحاديث التي ذكرنا. # أما إن حلق رأسه قبل وقت الحلق لغير عذر من مرض، أو أذى من رأسه، فقد ~~اختلف أهل العلم فيما يلزمه، فذهب مالك والشافعي وهو ظاهر مذهب أحمد: إلى ~~أن الفدية في العمد بلا عذر، حكمها حكم الفدية لعذر المرض، أو الأذى في ~~الرأس، ولا فرق بين المعذور وغيره، إلا في الإثم، فإن المعذور تلزمه ~~الفدية، ولا إثم عليه ومن لا عذر له تلزمه الفدية المذكورة مع الإثم، وهو ~~مروي عن الثوري. # وعند الحنابلة وجه: أنه لا فدية على من حلق ناسيا إحرامه، وهو قول ~~إسحاق، وابن المنذر، واحتجوا بالأدلة الدالة على العذر بالنسيان. # وذهب أبو حنيفة: إلى الفرق بين من حلق لعذر ومن حلق لغير عذر، فإن حلقه ~~لعذر، فعليه الفدية المذكورة في الآية على سبيل التخيير، وفاقا للجمهور، ~~وإن كان حلقه لغير عذر تعين عليه الدم دون الصيام والصدقة، ولا أعلم ~~لأقوالهم رحمهم الله في هذه المسألة نصا واضحا يجب الرجوع إليه من كتاب ~~ولا سنة ولا إجماع. # أما الذين قالوا: إن فدية غير المعذور كفدية المعذور. فاحتجوا، بأن ~~الحلق إتلاف، فاستوى عمده وخطأه كقتل الصيد. قالوا: ولأن الله تعالى أوجب ~~الفدية على من حلق رأسه لأذى ms2216 به وهو معذور، فكان ذلك تنبيها على وجوبها ~~على غير المعذور ا ه. ولا يخفى أن هذا النوع من الاستدلال وأمثاله ليس ~~فيه مقنع. وأما الذين فرقوا بين المعذور وغيره، وهم الحنفية فاستدلوا ~~بظاهر قوله تعالى: # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196] قالوا: فرتب الفدية المذكورة على العذر، فدل ذلك على أن ~~من ليس له عذر، لا يكون له هذا الحكم المرتب على العذر خاصة. # احتج بعض أجلاء علماء الشافعية على استدلال الحنفية بالآية المذكورة ~~بأنه قول بدليل الخطاب: يعني مفهوم المخالفة، والمقرر في أصول الحنفية: ~~عدم الاحتجاج بدليل الخطاب. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يلزم الحنفية احتجاج الشافعية ~~المذكور عليهم لأنهم يقولون: نعم نحن لا نعتبر مفهوم المخالفة، ولكن نرى ~~أن قوله { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~} الآية ليس فيه تعرض لحكم الحالق لغير عذر، لا بنفي الفدية المذكورة، ~~ولا بإثباتها وقد ظهر لنا من دليل آخر خارج عن الآية: أنه يلزمه دم ا ه. ~~ولا خلاف بين أهل العلم: أن صيام الفدية له أن يصومه حيث شاء، والأظهر ~~عندي في النسك، والصدقة أيضا أن له أن يفعلهما حيث شاء، لأن فدية الأذى ~~أشبه بالكفارة منها بالهدي، ولأن الله لم يذكر للفدية محلا معينا، ولم ~~يذكره النبي صلى الله عليه وسلم وسماها نسكا ولم يسمها هديا، والظاهر ~~أنه لا مانع من أن ينوي بالنسك المذكور الهدي، فيجري على حكم الهدي، فلا ~~يصح في غير الحرم، إلا أنه لا يجوز له الأكل منه، لأنه في حكم الكفارة، ~~كما قاله علماء المالكية، وعند الحنفية، ومن وافقهم يختص النسك المذكور ~~بالحرم. والعلم عند الله تعالى. أما إذا كان الذي حلقه بعض شعر رأسه لا ~~جميعه، أو كان شعر جسده، أو بعضه لا شعر الرأس، فليس في ذلك نص صريح من ~~كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، لأن الله جل وعلا إنما ذكر في آية الفدية: ms2217 حلق ~~الرأس، وظاهرها حلق جميعه لا بعضه، والعلماء مختلفون في ذلك ولم يظهر لنا ~~في مستندات أقوالهم. ما فيه مقنع، يجب الرجوع إليه والعلم عند الله ~~تعالى. # فذهب مالك رحمه الله وأصحابه إلى أن ضابط ما تلزم به فدية: الأذى من ~~الحلق هو حصول أحد أمرين: # أحدهما: أن يحصل له بذلك ترفه. # والثاني: أن يزيل عنه به أذى. أما حلق القليل من شعر رأسه، أو غيره مما ~~لا يحصل به ترفه، ولا إماطة أذى، فيلزم فيه التصدق بحفنة: وهي يد واحدة، ~~وكذلك عندهم الظفر الواحد لا لإماطة أذى، وقتل القملة أو القملات. # وقال ابن القاسم في المدونة: ما سمعت بحد فيما دون إماطة الأذى أكثر من ~~حفنة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات حفنة من طعام، والحفنة ~~بيد واحدة. انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره، وفي ~~الظفر الواحد، لا لإماطة الأذى حفنة ا ه. # وذهب الشافعي وأصحابه: إلى أن حلق ثلاث شعرات فصاعدا تلزم فيه فدية ~~الأذى كاملة، واحتجوا بأن الثلاث: يقع عليها اسم الجمع المطلق، فكان ~~حلقها كحلق الجميع، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقال القاضي: إنها ~~المذهب، وبذلك قال الحسن، وعطاء، وابن عيينة وأبو ثور، كما نقله عنهم ~~صاحب المغني. أما حلق الشعرة الواحدة، أو الشعرتين فللشافعية فيه أربعة ~~أقوال: # الأول: وهو أصحها عند محققيهم، وهو نص الشافعي في أكثر كتبه: أنه يجب في ~~الشعرة الواحدة مد وفي الشعرتين مدان. # الثاني: يجب في شعرة واحدة درهم، وفي شعرتين درهمان. # الثالث: يجب في شعرة: ثلث دم وفي شعرتين: ثلثاه. # الرابع: أن في الشعرة الواحدة دما كاملا. ومذهب الإمام أحمد: وجوب ~~الفدية كاملة في أربع شعرات فصاعدا، وهذه الرواية اقتصر عليها الخرقي، ~~وقد قدمنا قريبا، الرواية عنه بوجوب الفدية بثلاث شعرات فصاعدا. أما ما ~~هو أقل من القدر. الذي يوجب الفدية، وهو ثلاث شعرات، أو شعرتان بحسب ~~الروايتين المذكورتين ففي الشعرة الواحدة: مد من طعام، وفي الشعرتين: ~~مدان، وعنه أيضا في ms2218 كل شعرة: قبضة من طعام، وروي نحوه عن عطاء. # وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته، أو حلق عضوا ~~كاملا كرقبته، أو عانته أو أحد إبطيه، ونحو ذلك: لزمته فدية الأذى، إن ~~كان ذلك لعذر، وإن كان لغير عذر: لزمه دم، ويلزم عنده في حلق أقل مما ذكر ~~كحلق أقل من ربع الرأس، أو ربع اللحية، أو أقل من عضو كامل صدقة، والصدقة ~~عندهم: نصف صاع من بر، أو صاع من غيره. # وروي عن أبي حنيفة وأصحابه: أن في كل شعرة قبضة من طعام كما ذكره عنهم ~~صاحب المغني. # وأما حلق شعر البدن غير الرأس، فقد علمت مما ذكرنا آنفا أن مذهب أبي ~~حنيفة فيه: أنه إن حلق عضوا كاملا ففيه الفدية أو الدم، وإن حلق أقل من ~~عضو، ففيه الصدقة، وأن حكم اللحية عنده كحكم الرأس، وحلق الربع فيهما ~~كحلق الجميع. # ومذهب الشافعي أن حلق شعر الجسد غير الرأس كحكم حلق الرأس، فتلزم الفدية ~~في ثلاث شعرات فصاعدا، سواء كانت من شعر الرأس أو غيره من الجسد، وفي ~~الشعرة، أو الشعرتين من الجسد عندهم الأقوال الأربعة المتقدمة، وإن حلق ~~شعر رأسه وشعر بدنه معا، لزمه عند الشافعي، وأصحابه: فدية واحدة، خلافا ~~لأبي القاسم الأنماطي القائل: يلزمه فديتان، محتجا بأن شعر الرأس مخالف ~~لشعر البدن، لأن النسك يتعلق بشعر الرأس، فيلزم حلقه، أو تقصيره بخلاف ~~شعر البدن. # واحتج الشافعية بأنهما، وإن اختلف حكمهما في النسك فهما جنس واحد، ~~فأجزأت لهما فدية واحدة. # ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة كمذهب الشافعي فشعر الرأس وشعر البدن ~~حكمهما عنده سواء. وإن حلق شعر رأسه، وبدنه: فعليه فدية واحدة، وعنه ~~رواية أخرى: أنه يلزمه دمان، إذا حلق من كل من الرأس، والجسد ما تجب به ~~الفدية منفردا عن الآخر كقول الأنماطي المتقدم. # قال في المغني: وهو الذي ذكره القاضي، وابن عقيل، لأن الرأس يخالف ~~البدن، بحصول التحلل به دون البدن، ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن، ~~فلم ms2219 تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن، وكاللباس، ودعوى ~~الاختلاف تبطل باللباس فإنه يجب كشف الرأس، دون غيره، والجزا في اللبس ~~فيهما واحد. # وقال ابن قدامة في المغني أيضا: وإن حلق من رأسه شعرتين، ومن بدنه ~~شعرتين فعليه دم واحد هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب، ومذهب ~~أكثر الفقهاء. ومذهب مالك في هذه المسألة: أن شعر البدن كشعر الرأس فإن ~~حلق من شعر بدنه ما فيه ترفه، أو إماطة أذى: لزمته الفدية، وإلا فالتصدق ~~بحفنة بيد واحدة. # وسئل مالك: عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه، أو يخلل لحيته في ~~الوضوء، أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه، أو يمسح رأسه أو يركب دابته، ~~فيحلق ساقه إلا كاف أو السرج؟ قال مالك: ليس عليه في ذلك كله شيء، وهذا ~~خفيف، ولا بد للناس منه انتهى بواسطة نقل أبي الخطاب في كلامه على قول ~~خليل، وتساقط شعر لوضوء أو ركوب ا ه. # وإذا علمت أقوال الأئمة رحمهم الله في شعر الجسد. فاعلم أني لا أعلم ~~لشيء منها مستندا من نص كتاب، أو سنة. # والأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس، بجامع أن الكل قد يحصل ~~بحلقه الترفه، والتنظف، والظاهر أن اجتهادهم في حلق بعض شعر الرأس يشبه ~~بعض أنواع تحقيق المناط، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثالث عشر في حكم قص المحرم أظافره أو بعضها: # وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فالصحيح من مذهب مالك: أنه إن قلم ظفرين ~~فصاعدا: لزمته الفدية مطلقا، وإن قلم ظفرا واحدا، لإماطة أذى عنه: ~~لزمته الفدية أيضا، وإن قلمه لا لإماطة أذى: لزمه إطعام حفنة بيد واحدة. # قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: وفي الظفر الواحد لا ~~لإماطة الأذى حفنة، ما نصه: أما لو قلم ظفرين فلم أر في ابن عبدالسلام ~~والتوضيح، وابن فرحون في شرحه، ومناسكه وابن عرفة، والتادلي، والطراز ~~وغيرهم خلافا في لزوم الفدية، ولم يفصلوا كما فصلوا في الظفر الواحد ~~والله أعلم انتهى منه. # ولا ينبغي ms2220 أن يختلف في أن الظفر إذا انكسر جاز أخذه، ولا شيء فيه، لأنه ~~بعد الكسر لا ينمو فهو كحطب شجر الحرم. والله أعلم. # ومذهب الشافعي وأصحابه: أن حكم الأظفار كحكم الشعر، فإن قلم ثلاثة ~~أظفار، فصاعدا، فعليه الفدية كاملة، وأظفار اليد والرجل في ذلك سواء، ~~وإن قلم ظفرا واحدا أو ظفرين ففيه الأقوال الأربعة فيمن حلق شعرة واحدة ~~أو شعرتين، وقد قدمنا أن أصحها عندهم أن في الشعرة: مدا، وفي الشعرتين: ~~مدين، وباقي الأقوال المذكورة موضح قريبا ومذهب الإمام أحمد في الأظفار ~~كمذهبه في الشعر، ففي أربعة أظفار، أو ثلاثة على الرواية الأخرى: فدية ~~كاملة، وحكم الظفر الواحد كحكم الشعرة الواحدة، وحكم الظفرين كحكم ~~الشعرتين. # وقد تقدم موضحا قريبا. # ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: أنه لو قص أظفار يديه ورجليه جميعا ~~بمجلس واحد، أو قص أظفار يد واحدة كاملة في مجلس، أو رجل كذلك لزمه الدم، ~~وإن قطع مثلا خمسة أظفار ثلاثة من يد واثنان من رجل، أو يد أخرى، أو عكس ~~ذلك: فعليه الصدقة: هي نصف صاع من بر عن كل ظفر، والمعروف عند الحنفية ~~في باب الفدية: أن ما كان لعذر ففيه فدية الأذى المذكورة في الآية، وما ~~كان لغير عذر ففيه الدم كما تقدم. أما لو قص أظفار إحدى يديه، أو رجليه ~~في مجلس، والأخرى في مجلس آخر، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يتعدد الدم، ~~حتى إنه يمكن أن تلزمه أربعة دماء للرجلين واليدين، إذا كانت كل واحدة في ~~مجلس، وعند محمد: لا يلزمه إلا دم واحد، ولو تعددت المجالس إلا إذا تخللت ~~الكفارة بينهم، وقد علمت أنه لو قص أظافر أكثر من خمسة متفرقة من الرجلين ~~واليدين: ليس عليه إلا الصدقة عندهم. # وقال زفر: يجب الدم بقص ثلاثة أظفار من اليد أو من الرجل، وهو قول أبي ~~حنيفة الأول، بناء على اعتبار الأكثر، والثلاثة أكثر من الباقي بعدها ~~بالنسبة إلى الخمسة. # وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن ~~المحرم ms2221 ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم، وهو قول ~~حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وعنه ~~لا فدية عليه، لأن الشرع لم يرد فيه بفدية، ولم يعتبر ابن المنذر في ~~حكايته الإجماع قول داود الظاهري: إن المحرم له أن يقص أظفاره، ولا شيء ~~عليه لعدم النص، وفي اعتبار داود في الإجماع خلاف معروف، والأظهر عند ~~الأصوليين اعتباره في الإجماع. والله تعالى أعلم. # ثم قال صاحب المغني: ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه، فوجبت ~~عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص فيه، لا يمنع قياسه. كشعر البدن مع ~~شعر الرأس، والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء في أربعة ~~منها: دم. وعنه في ثلاثة: دم، وفي الظفر الواحد: مد من طعام وفي الظفرين: ~~مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه. وقول الشافعي وأبي ثور كذلك ~~انتهى محل الغرض منه. # وإذا عرفت مذاهب الأئمة في حكم قص المحرم أظفاره، وما يلزمه في ذلك ~~فاعلم أني لا أعلم لأقوالهم مستندا من النصوص، إلا ما ذكرنا عن ابن ~~المنذر، من الإجماع على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، أما لزوم الفدية، ~~فلم يدع فيه إجماعا، وإلا ما جاء عن بعض السلف من الصحابة التابعين، من ~~تفسير آية الحج، فإنه يدل على منع المحرم من أخذ أظفاره كمنعه من حلق ~~شعره حتى يبلغ الهدي محله، والآية المذكورة هي قوله تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29] الآية. # قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن ~~المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ثم ~~ليقضوا تفثهم } قال: " يعني بالتفث: وضع إحرامهم من حلق الرأس، ~~ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك ". # وقال أيضا: وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن كعب قال: التفث: حلق العانة ~~ونتف الإبط، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار ا ه. ونحو هذا كثير في ~~كلام المفسرين وإن فسر بعضهم الآية بغيره. # وعلى التفسير المذكور فالآية ms2222 تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة إلى ~~المحرم، ولا سيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا لأن الله تعالى قال # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام # [الحج: 28] والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية ~~عند نحر الهدايا والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29] فدل على أن الحلق وقص الأظافر، ونحو ذلك، ينبغي أن يكون بعد ~~النحر كما قال تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: أن من حلق قبل أن ينحر ~~لا شيء عليه. كما بيناه موضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرنا كلام أهل ~~اللغة. # قال الجوهري في صحاحه: التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار، ~~والشارب وحلق الرأس، والعانة، ورمي الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك. قال ~~أبو عبيدة: ولم يجئ فيه شعر يحتج به ا ه منه. # قال صاحب القاموس: التفث محركة في المناسك: الشعث، وما كان من نحو قص ~~الأظفار، والشارب، وحلق العانة، وغير ذلك. وككتف الشعث والمغبر ا ه. # وقال صاحب اللسان: التفث: نتف الشعر وقص الأظفار. الخ. # وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في الكلام على معنى التفث. قال ابن ~~العربي: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا، ولا أحاطوا ~~بها خبرا، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى ~~قال: إنه قص الأظفار وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح، ~~ولم يجئ فيه شعر يحتج به. # وقال صاحب العين: التفث: هو الرمي والحلق، والتقصير، والذبح، وقص ~~الأظفار، والشارب، والإبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراهم أخذوه ~~إلا من قول العلماء، وقال قطرب: تفث الرجل: إذا كثر وسخه. قال أمية بن ~~أبي الصلت: # حلقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا # ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا # وما أشار إليه ms2223 قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث، ~~وهذه صورة إلقاء التفث لغة، إلى أن قال: قلت ما حكاه عن قطرب، وذكر من ~~الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي، وذكر بيتا آخر فقال: # قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا # إلى نجد وما انتظروا عليا # وقال الثعلبي: وأصل التفث في اللغة: الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ~~ما أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك. # قال أمية بن أبي الصلت: # ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا # وينزعوا عنهم قملا وصئبانا # انتهى من القرطبي. # والظاهر أن قوله: ساخين آباطهم البيت، من قولهم: سخا يسخو سخوا إذا ~~سكن من حركته: يعني أنهم ساكنون عن الحركة إلى آباطهم بالحلق، بدليل قوله ~~بعده: # ... لم يقذفوا تفثا # وينزعوا عنهم قملا وصئبانا # الفرع الرابع عشر: قد قدمنا في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ~~ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه، ما يمنع المحرم من لبسه من أنواع ~~الملبوس، وسنذكر في هذا الفرع ما يلزم في ذلك عند الأئمة. # فذهب الشافعي، وأصحابه: إلى أنه إن لبس شيئا مما قدمنا أنه لا يجوز ~~لبسه مختارا عامدا، أثم بذلك، ولزمته المبادرة إلى إزالته ولزمته ~~الفدية سواء قصر زمان اللبس أو طال، لا فرق عندهم في ذلكن ولا دليل ~~عندهم للزوم الفدية في ذلك، إلا القياس على حلق الرأس المنصوص عليه في ~~آية الفدية، واللبس الحرام الموجب للفدية عندهم محمول على ما يعتاد في كل ~~ملبوس، فلو التحف بقميص أو قباء، أو ارتدى بهما، أو ائتزر سراويل: فلا ~~فدية عليه عندهم، لأنه ليس لبسا له في العادة، فهو عندهم كمن لفق ازارا ~~من خرق وطبقها وخاطها: فلا فدية عليه بلا خلاف، وكذا لو التحف بقميص أو ~~بعباءة أو إزار ونحوها ولفها عليه طاقا أو طاقين، أو أكثر فلا فدية، ~~وسواء فعل ذلك في النوم أو اليقظة قاله النووي ثم قال: قال أصحابنا: وله ~~أن يتقلد المصحف وحمائل السيف، وأن يشهد الهميان والمنطقة في وسطه، ويلبس ~~الخاتم، ولا خلاف في جواز ms2224 هذا كله، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان ~~مذهبنا، وبه قال العلماء كافة، إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه ~~فكرههما، وبه قال نافع مولاه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي رحمه الله، من كون جواز ~~شد المنطقة والهميان في وسطه، هو قول العلماء كافة، إلا ابن عمر في أصح ~~الروايتين فيه نظر، فإن مذهب مالك، وأصحابه: منع شد المنطقة والهميان، ~~فوق الإزار مطلقا، وتجب به الفدية عندهم. أما شد المنطقة مباشرة للجلد ~~تحت الإزار، فهو جائز عندهم، بشرط كونه يريد بذلك حفظ نفقته، فلا يجوز ~~إلا تحت الإزار، لضرورة حفظ النفقة خاصة، وإلا فتجب الفدية، وشد المنطقة ~~لغير النفقة تجب به الفدية أيضا، عند أحمد. # والهميان قريب مما تسميه العامة اليوم: بالكمر. # قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره عاطفا على ما يجوز ~~للمحرم: وشد منطقة لنفقته على جلده. قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: ~~المنطقة: الهميان، وهو مثل الكيس تجعل فيه الدراهم ا ه. # وروى البيهقي بإسناده عن عائشة: أنه لا بأس بشد المنطقة لحفظ النفقة، ~~وما في المغني من رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيه نظر، ~~والظاهر أنه من قول ابن عباس، والمرفوع عند الطبراني وفي إسناده يوسف بن ~~خالد السمتي، وهو ضعيف. قاله في مجمع الزوائد، وقال في التقريب في يوسف ~~المذكور: تركوه، وكذبوه. # وإذا علمت مما مر أن اللبس الحرام على المحرم، تجب به الفدية عند ~~الشافعية، وأنه لا فرق عندهم بين اللحظة والزمن الطويل، فاعلم أن الأصح ~~عندهم، وبه جزم الأكثرون: أن اللازم في ذلك هو فدية الأذى المذكورة في ~~آية الفدية. ودليلهم القياس كما تقدم، ولهم طريقان غير هذا في المسألة ~~إحداهما، وذكر أبو علي الطبري في الإيضاح، وآخرون من العراقيين أن في ~~المسألة قولين: # أحدهما: أنه كالمتمتع، فيلزمه ما استيسر من الهدي فإن لم يجد فصيام ~~عشرة أيام كما هو معلوم. # والقول الثاني: أنه يلزمه الهدي فإن لم يجده قومه دراهم، ms2225 وقوم الدراهم ~~طعاما، ثم يصوم عن كل مد يوما. # الطريق الثانية: هي أن في المسألة عندهم أربعة أوجه أصحها: أنه كالحلق ~~لاشتراكهما في الترفه. # والثاني: أنه مخير بين شاة، وبين تقويمها، ويخرج قيمتها طعاما، ويصوم ~~عن كل مد يوما. # الثالث: تجب شاة، فإن عجز عنها، لزمه الطعام بقيمتها. # والرابع: أنه كالمتمتع. ا ه من النووي. # وقد علمت أن الصحيح عند الشافعية: أن اللبس الحرام تلزم فيه فدية الأذى، ~~وهذا حاصل مذهب الشافعي، وأصحابه في المسألة ومذهب أحمد، وأصحابه: أن ~~الفدية تجب بقليل اللبس وكثيره كمذهب الشافعي. ويجوز عند الشافعي، ~~وأصحابه: للرجل المحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه، بخلاف البياض الذي ~~وراء الآذان. # قال النووي: وبه قال جمهور العلماء: يعني جواز ستر المحرم وجهه، وقال ~~أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير أرجح عندي كما تقدم، ~~لأن في صحيح مسلم في المحرم الذي خر من بعيره، فمات # " ولا تخمروا وجهه ولا رأسه " # وقد قدمنا أن العلة كونه يبعث ملبيا. فدل هذا الحديث الصحيح على أن ~~إحرام الرجل مانع من ستر وجهه، وما أول به الشافعية وغيرهم الحديث ~~المذكور، ليس بمقنع فلا يجوز العدول عن ظاهر الحديث إليه، ولا عبرة ~~بالأجلاء الذين خالفوا ظاهره، لأن السنة أولى بالاتباع، والآثار التي ~~رووها عن عثمان وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم، لا يعارض بها المرفوع ~~الصحيح والله أعلم. # والظاهر لنا: أن ما يروى عن أبي حنيفة والثوري وسعد بن أبي وقاص: من ~~جواز لبس المحرمة القفازين، خلاف الصواب لما قدمنا من حديث ابن عمر ~~الثابت في الصحيح، وفيه # " ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين " # الحديث. ولم يثبت شيء صحيح من كتاب أو سنة، يخالفه، وما قاله بعض أهل ~~العلم من الحنابلة وغيرهم، من النهي عن لبس المرأة الخلخال والسوار خلاف ~~الصواب: والظاهر: جواز ذلك: ولا دليل يمنع منه. والله أعلم. # أما لبس الرجل القفازين، فلم يخالف في منعه أحد، وعند الشافعية: إذا طلى ~~المحرم ms2226 رأسه بطين، أو حناء أو مرهم ونحو ذلك فإن كان رقيقا لا يستر فلا ~~فدية، وإن كان ثخينا ساترا فوجهان أصحهما: وجوب الفدية. # والثاني: لا تجب لأن ذلك لا يعد ساترا ولو توسد وسادة، أو وضع يده على ~~رأسه، أو انغمس في ماء أو استظل بمحمل، أو هودج، فذلك عند الشافعية: ~~جائز، ولا شيء فيه، سواء مس المحمل رأسه أم لا، وفيه قول ضعيف: أنه إن مس ~~المحمل رأسه، وجبت الفدية. # وضابط ما تجب به الفدية عندهم هو: أن يستر من رأسه قدرا يقصد ستره، ~~لغرض كشد عصابة وإلصاق لصوق لشجة ونحوها: والصحيح عندهم: أنه إن شد خيطا ~~على رأسه لم يضره، ولا فدية عليه، ولو جرح المحرم فشد على جرحه خرقة، فإن ~~كان الجرح في غير الرأس فلا فدية، وإن كان في الرأس، لزمته الفدية ولا ~~إثم عليه. # وقد قدمنا أن إحرام المرأة في وجهها فلا يجوز لها ستره بما يعد ساترا، ~~ولها ستر وجهها عن الرجال، والأظهر في ذلك أن تسدل الثوب على وجهها ~~متجافيا عنه لا لاصقا به. والله أعلم. # ويجوز عند الشافعية: أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطان، وأن يجعل له مثل ~~الحجزة، ويدخل فيها التكة، لأن ذلك من مصلحة الإزار لا يستمسك، إلا بنحو ~~ذلك، وقيل: لا يجوز له جعل حجزة في الإزار، وإدخال التكة فيها، لأنه ~~حينئذ يصير كالسراويل، والصحيح عندهم الأول، والأخير ضعيف عندهم، وكذلك ~~القول بمنع عقد الإزار ضعيف عندهم. أما عقد الرداء فهو حرام عندهم، وكذلك ~~عندهم خله بخلال، وربط طرفه إلى طرفه الآخر بخيط، كل ذلك لا يجوز عندهم، ~~وفيه الفدية، وفيه خلاف ضعيف عندهم. ووجه تفريقهم بين الإزار والرداء أن ~~الإزار يحتاج إلى العقد، بخلاف الرداء، ولو حمل المحرم على رأسه زنبيلا، ~~أو حملا، ففي ذلك عند الشافعية طريقان أصحهما: أن ذلك جائز، ولا فدية ~~فيه، لأنه لا يقصد به الستر كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في متاع ا ~~ه. ومذهب الإمام أحمد في جواز عقد الإزار، ms2227 ومنع عقد الرداء كمذهب ~~الشافعي. # ويجوز عند الإمام أحمد أن يشد في وسطه منديلا أو عمامة أو حبلا ونحو ~~ذلك، إذا لم يعقده فإن عقده منع ذلك عنده، وإنما يجوز إذا أدخل بعض ذلك ~~الذي شد على وسطه في بعض. # قال في المغني: قال أحمد في محرم: حزم عمامة على وسطه لا تعقدها، ويدخل ~~بعضها في بعض، ثم قال: قال طاوس: رأيت ابن عمر يطوف بالبيت، وعليه عمامة ~~قد شدها على وسطه، فأدخلها هكذا. وقد قدمنا أن مثل هذا يجوز عند المالكية ~~لضرورة العمل خاصة، ثم قال في المغني: ولا يجوز أن يشق أسفل ردائه نصفين، ~~ويعقد كل نصف على ساق لأنه يشبه السراويل انتهى من المغني. وفيه عند ~~الشافعية وجهان أصحهما: المنع، ولزوم الفدية، لأنه كالسراويل، كما قال ~~صاحب المغني. # والوجه الثاني: لا فدية في ذلك، وهو ضعيف ا ه. # وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن لبس الخف المقطوع، مع وجود النعل تلزم به ~~الفدية. والله أعلم. # ومذهب مالك وأصحابه في هذه المسألة: هو أن المحرم إن لبس ما يحرم عليه ~~لبسه لزمته فدية الأذى، ويستوي عندهم الخياطة والعقد والتزرر والتخلل ~~والنسج على هيئة المحيط، ولكن بشرط أن ينتفع بذلك اللبس، من حر، أو برد، ~~أو يطول زمنه كيوم كامل، لأن ذلك مظنة انتفاعه به من حر أو برد. أما إذا ~~لبس المحرم ما يحرم عليه لبسه، ولم ينتفع بلبسه من حر أو برد، ولم يدم ~~لبسه له يوما كاملا، فلا فدية عليه عندهم، ومشهور مذهب مالك: أن للمحرم ~~أن يشد في وسطه الحزام، لأجل العمل خاصة، ولا يعقده، وأن له أن يستثفر ~~عند الركوب والنزول. وعنه في الاستثفار للركوب والنزول قول بالكراهة ولا ~~فدية فيه على كل حال. والاستثفار: شد الفرج بخرقة عريضة ويوثق طرفاها إلى ~~شيء مشدود على الوسط، وهو مأخوذ من ثغر الدابة، الذي يجعل تحت ذنبها، أو ~~من ثفر الدابة بمعنى: فرجها، ومنه قول الأخطل: # جزى الله عنا الأعورين ملامة # وفروة ثفر الثورة المتضاجم # فقوله: ms2228 ثفر الثورة يعني: فرج البقرة، وهو بدل من فروة، والمتضاجم المائل ~~وهو مخفوض بالمجاورة، لأنه صفة للثفر، وهو منصوب وفروة اسم رجل جعله في ~~الخبث، والحقارة كأنه فرج بقرة مائل. وستر المحرم وجهه عند المالكية، ~~كستر رأسه: تلزم فيه الفدية، إن ستر ذلك بما يعد ساترا كالمحيط، ويدخل ~~في ذلك ما لو ستره بطين أو جلد حيوان يسلخ، فيلبس، ولا يمنع عندهم لبس ~~المخيط، إذا استعمل استعمال غير المخيط، كأن يجعل القميص إزارا أو ~~رداء، لأنه إذا ارتدى بالقميص مثلا، لم يدخل فيه حتى يحيط به، لأنه ~~استعمله استعمال الرداء، ولا بأس عندهم باتقاء الشمس أو الريح باليد ~~يجعلها على رأسه أو وجهه. # وله وضع يده على أنفه من غبار، أو جيفة مر بها. ويستحب ذلك له عندهم، ~~إن مر على طيب وتلزم عندهم الفدية بلبس القباء، وإن لم يدخل يده في ~~كمه، وحمله بعضهم على ما إذا أدخل فيه منكبيه، وأطلقه بعضهم. ولا يجوز ~~عندهم أن يظلل المحرم على رأسه، أو وجهه بعصا فيها ثوب فإن فعل افتدى، ~~وفيه قول عندهم: بعد لزوم الفدية، وهو الحق. والحديث الذي قدمنا في ~~التظليل على النبي صلى الله عليه وسلم بثوب يقيه الحر، وهو يرمي جمرة ~~العقبة: يدل على ذلك، وعلى أنه جائز، فالسنة أولى بالاتباع، وأجاز ~~المالكية للمحرم أن يرفع فوق رأسه شيئا يقيه من المطر. # واختلفوا في رفعه فوقه شيئا يقيه من البرد. والأظهر الجواز والله أعلم. ~~لدخوله في معنى الحديث المذكور، إذ لا فرق بين الأذى من البرد والحر ~~والمطر والله أعلم. وبعضهم يقول: إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبة. ~~وما يذكره المالكية، من أن من لم يجد الإزار، يكره له لبس السراويل أو ~~يمنع وأن ذلك تلزم فيه الفدية، خلاف التحقيق للحديث المتقدم الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل " # وهو حديث صحيح كما تقدم. وظاهره أن من لم يجد إزارا، فله لبس السراويل ~~من غير إثم ولا فدية، إذ لو ms2229 كانت الفدية تلزمه لبينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه، ولا خلاف بين ~~أهل العلم في الاستظلال بالخباء، والقبة المضروبة والفسطاط والشجرة، وأن ~~يرمي عليها ثوبا. وعن مالك منع إلقاء الثوب على الشجرة، وأجازه عبد ~~الملك بن الماجشون قياسا على الخيمة، وهو الأظهر. # واعلم: أن الاستظلال بالثوب على العصا عندهم إذا فعله وهو سائر لا خلاف ~~في منعه، ولزوم الفدية فيه، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم أشرنا له ~~قريبا. والحق: الجواز مطلقا للحديث المذكور، لأن ما ثبتت فيه سنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز العدول عنه إلى رأي مجتهد من ~~المجتهدين، ولو بلغ ما بلغ من العلم والعدالة، لأن سنته صلى الله عليه ~~وسلم حجة على كل أحد، وليس قول أحد حجة على سنته صلى الله عليه وسلم، وقد ~~صح عن الأئمة الأربعة رحمهم الله أنهم كلهم قالوا: إذا وجدتم قولي يخالف ~~كتابا أو سنة، فاضربوا بقولي الحائط، واتبعوا الكتاب والسنة. وقد قال ~~مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني سلمة بن شبيب، حدثنا ~~الحسن بن أعين حدثنا معقل، عن زيد بن أبي أنيسة، # " عن يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، ~~وهو على راحلته، ومعه بلال، وأسامة أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ~~ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس " # الحديث. وفي لفظ لمسلم، عن أم الحصين: فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ ~~بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه، يستره من ~~الحر، حتى رمى جمرة العقبة. انتهى محل الغرض من صحيح مسلم، وهو نص صحيح ~~صريح في جواز استظلال المحرم الراكب بثوب مرفوع فوقه يقيه حر الشمس. ~~والنازل أخرى بهذا الحكم، عند المالكية من الراكب، وهذا الحديث الصحيح ~~المرفوع لا يعارض بما روي من فعل عمر. وقول ابنه ms2230 عبدالله رضي الله عنهما، ~~موقوفا عليهما ولا بحديث جابر الضعيف في منع استظلال المحرم، والعلم عند ~~الله تعالى. ويجوز عند المالكية: حمل المحرم زاده على رأسه في خرج أو ~~جراب إن كان فقيرا تدعوه الحاجة إلى ذلك، أما إن كان ذلك لبخله بأجرة ~~الحمل، وهو غني، أو لأجل تجارة بالمحمول، فلا يجوز، وتلزم به الفدية ~~عندهم، ويجوز عندهم إبدال ثوبه الذي أحرم فيه بثوب آخر، ويجوز عندهم ~~بيعه، ولو قصد بذلك الاستراحة من الهوام التي فيه، إلا أن ينقل الهوام من ~~جسده، أو ثوبه الذي عليه إلى الثوب الذي يريد طرحه فيكون ذكل كطرحه لها. ~~قاله صاحب الطراز، ويكره للمحرم عند المالكية غسل ثوبه الذي أحرم فيه، ~~إلا لنجاسة فيه، فيجوز غسله بالماء فقط، وقال بعضهم: يجوز غسله بالماء ~~أيضا، لأجل الوسخ، فلا يختص الجواز بالنجاسة، لأن الوسخ مبيح لغسله ~~بالماء على هذا القول، ولا يجوز للمحرم عندهم أن يغسل ثوب غيره خوف أن ~~يقتل بغسله إياه بعض الدواب التي في الثوب. وقال بعضهم: فإن فعل افتدى. ~~والظاهر أن محل ذلك، فيما إذا لم يعلم أن الثوب ليس فيه شيء من الدواب، ~~فإن علم ذلك، فلا بأس بغسله، ولا شيء فيه إن كان ذلك لنجاسة أو وسخ والله ~~تعالى أعلم. ويجوز عندهم: أن يعصب المحرم على جرحه خرقا وتلزمه الفدية ~~بذلك. وقال التونسي: وفي المدونة: صغير خرق التعصيب والربط ككبيرها، وروى ~~محمد: رقعة قدر الدرهم كبيرة فيها الفدية، وظاهر قول خليل في مختصره ~~المالكي: أو لصق خرقة كدرهم: أن الخرقة التي هي أصغر من الدرهم، لا شيء ~~فيها. وقال شارحه الحطاب: انظر إذا كان به جروح متعددة، وألصق على كل ~~واحد منها خرقة، دون الدرهم والمجموع كدرهم، أو أكثر. وظاهر ما في ~~التوضيح، وابن الحاجب: أنه لا شيء عليه. انتهى. وسمع ابن القاسم: لا بأس، ~~ولا فدية في جعل فرجه في خرقة عند النوم فإن لفها على ذكره لبول، أو مذي ~~افتدى. انتهى بواسطة نقل المواق. # ولا يجوز تغطيتها بالقطن، ms2231 وكذلك لو جعل على صدغه قرطاسا تلزمه الفدية ~~عندهم، سواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر، ولا يجوز عندهم عصب رأسه بعصابة، ~~فإن فعل افتدى. ويكره عندهم لبس المصبوغ بغير طيب، لمن يقتدى به خاصة دون ~~غيره، إذا كان لون الصبغ يشبه لون صبغ الطيب: ويكره عندهم شد نفقته بعضده ~~أو فخذه أو ساقه، ولا فدية عليه في ذلك، وإن شد عضده، أو ساقه، أو فخذه ~~بما يحيط به لغير نفقة أو لنفقة غيره افتدى. وإن شد نفقته، وجعل معها ~~نفقة لغيره فلا بأس، فإن فرغت نفقته ألقى المنطقة ونحوها مما كان يشده ~~لحفظها ورد نفقة غيره إلى ربها فورا، وإن ترك ردها إليه افتدى، وإن ذهب ~~صاحبها، وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم فلا شيء عليه. انتهى من المواق. ~~ويكره عند المالكية: كب المحرم وجهه على الوسادة، وبعضهم يقول: بكراهة ~~ذلك مطلقا للمحرم وغيره. وهو الأظهر، ويكره عندهم غمس رأسه في الماء، ~~وإن فعل ذلك أطعم شيئا، قاله مالك في المدونة ونقلناه بواسطة نقل المواق ~~والحطاب، وعن بعضهم: أن إطعام الشيء، المذكور مستحب لا واجب، وهذا في حق ~~من له شعر يكون فيه القمل. أما من لا شعر له، ولا يكون فيه القمل فلا ~~يكره غمس رأسه في الماء، ولا شيء عليه فيه قاله اللخمي، وصاحب الطراز. ~~انتهى بواسطة نقل الحطاب. وغسل الرأس لجنابة: لا خلاف فيه. أما غسله لغير ~~جنابة بل للتبرد ونحوه: ففيه عندهم قولان: بالجواز، والكراهة ~~والجواز: أظهر. والله تعالى أعلم. # ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أنه إن لبس اللبس الحرام، ويدخل فيه ~~تغطية الرأس كما تقدم لا يلزمه بذلك دم، إلا إذا لبسه يوما كاملا لأن ~~اليوم الكامل مظنة الانتفاع باللبس، من حر أو برد، وعن أبي يوسف: أنه إذا ~~لبس أكثر من نصف يوم، فعليه دم وهو قول أبي حنيفة الأول، عن محمد: أنه إن ~~لبسه في بعض اليوم يجب عليه من الدم بحسابه ا ه. هذا هو حاصل مذهب أبي ~~حنيفة وصاحبيه ms2232 في هذه المسألة. # وقد قدمنا مرارا أن مثل ذلك إن كان فعله لعذر ففيه عندهم فدية الأذى، ~~وإن كان لغير عذر، ففيه الدم، والعلم عند الله تعالى. # والظاهر: أن اختلافهم في القدر الذي تلزم به الفدية في اللبس الحرام من ~~نوع الاختلاف في تحقيق المناط والله تعالى أعلم. ولو ارتدى بالقميص أو ~~اتشح به، أو اتزر بالسراويل، فلا بأس، ولا يلزمه شيء عند الحنفية كما ~~قدمنا عن غيرهم، وكذلك لو أدخل منكبيه في القباء، ولم يدخل يديه في ~~الكمين، فلا شيء عليه عندهم خلافا لزفر وقد بينا حكم ذلك عند ~~غيرهم وعن أبي حنيفة: تغطية ربع الرأس كتغطية جميعه، وعن أبي يوسف: أنه ~~يعتبر في ذلك الأكثر ودوام لبس المحيط عندهم بعد الإحرام كابتدائه، وهو ~~كذلك عند غيرهم أيضا. # واعلم أن النووي قال في شرح المهذب: وله يعني: المحرم أن يتقلد المصحف ~~وحمائل السيف وأن يشد الهميان والمنطقة في وسطه، ويلبس الخاتم، ولا خلاف ~~في جواز هذا كله، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا وبه قال ~~العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه، فكرههما وبه قال نافع ~~مولاه. # وقد علمت أنا ناقشناه في كلامه وبينا: أن مالكا وأصحابه لا يجيزون شد ~~المنطقة والهميان، إلا تحت الإزار مباشرا جلده لخصوص النفقة، وأن شد ~~الهميان فوق الإزار فيه عندهم الفدية مطلقا، وكذلك تحت الإزار لغير حفظ ~~النفقة، وأن الإمام أحمد تلزم عنده الفدية في شد المنطقة لغير حفظ ~~النفقة: أي ولو كان لوجع بظهره، وسنتمم الكلام هنا. أما ما ذكره من أن ~~لبس الخاتم لا خلاف في جوازه للمحرم، ففيه نظر أيضا، لأن بعض العلماء ~~يقول: بمنع لبس المحرم الخاتم والخلاف في جواز لبسه ومنعه معروف في مذهب ~~مالك. # قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: مشبها على ما لا ~~يجوز لبسه للمحرم كخاتم ما نصه: قال ابن الحاجب: وفي الخاتم قولان، ~~فحملهما في التوضيح على الجواز والمنع. وقال اللخمي وابن رشد: المعروف من ~~قول مالك: ms2233 منعه، لأنه أشبه بالإحاطة بالإصبع المحيط، وفي مختصر ما ليس في ~~المختصر: لا بأس به. إلى أن قال: فالذي يظهر أن القائل بالمنع يقول: ~~بالفدية، والقائل بالجواز يقول: بسقوط الفدية. انتهى منه. # ثم قال: تنبيه: وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فيجوز لها لبس الخاتم ا ~~ه. # وبما ذكرنا تعلم أن قول النووي، ولا خلاف في جواز هذا كله. فيه نظر، ~~وأما تقلد حمائل السيف فعند المالكية، إن كان لعذر يلجئه إلى ذلك، فهو ~~جائز له، ولا فدية فيه، فإن تقلده لغير حاجة فقد قال ابن المواز عن ~~مالك: ينزعه ولا فدية عليه انتهى بواسطة نقل المواق في كلامه على قول ~~خليل في مختصره، ولا فدية في سيف، ولو بلا عذر ا ه. وظاهر قوله: ينزعه ~~أنه لا يجوز تقلد السيف اختيارا عنده كما ترى، والعلم عند الله تعالى. ~~وظاهر مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجوز للمحرم، أن يتقلد السيف إلا لضرورة، ~~وقال الخرقي: ويتقلد بالسيف عند الضرورة، وقال في المغني في شرحه لكلام ~~الخرقي: فأما من غير خوف، فإن أحمد قال: لا إلا من ضرورة. انتهى محل ~~الغرض منه. # وقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج: باب لبس السلاح للمحرم، وقال ~~عكرمة: إذا خشي العدو، لبس السلاح وافتدى ولم يتابع عليه في الفدية. # حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه # " اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن ~~يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم لا يدخل مكة سلاحا إلا في القراب " # ا ه منه. # وقوله: ولم يتابع عليه في الفدية، يدل على أنه توبع في لبس السلاح ~~للضرورة، لأن معنى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحا إلا في القراب، أنه صالح ~~كفار مكة صلح الحديبية، أنه إن دخل معتمرا عام سبع في ذي القعدة لا يدخل ~~مكة السيوف إلا في أغمادها، والقراب غمد السيف، فدل ذلك على جواز دخول ~~المحرم متقلدا سيفه للخوف من العدو. # وقال البخاري في صحيحه في ms2234 باب عمرة القضاء: حدثني عبيد الله بن موسى، عن ~~إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال # " لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة ~~أن يدعوه يدخل مكة، حتى قضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام " # الحديث بطوله، وفيه # " فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم لا يدخل مكة ~~السلاح إلا السيف في القراب " # الحديث. وفي لفظ للبخاري في كتاب الصلح # " لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب " # وفي لفظ له في كتاب الصلح أيضا # " " ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح " فسألوه ما جلبان السلاح؟ ~~فقال: " القراب بما فيه " " # والجلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة بعدها ألف، ثم نون: هو ~~قراب السيف ويطلق على أوعية السلاح، ويروى بتسكين اللام، وتخفيف الباء، ~~وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودا. # وقال صاحب اللسان: والقراب غمد السيف والسكين، ونحوهما وجمعه قرب أي ~~بضمتين، وفي صحاح الجوهري: قراب السيف: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف ~~بغمده، وحمالته ا ه والقراب ككتاب ومن جمعه على قرب بضمتين قوله: # يا ربة البيت قومي غير صاغرة # ضمي إليك رحال القوم والقربا # يعني: ضمي إليك رحالهم وسلاحهم، في أوعيته. # وبهذه الأحاديث: استدل بعض أهل العلم على أن الصحابة دخلوا مكة محرمين ~~عام سبع وهم متقلدو سيوفهم في أغمادها، وأن ذلك لعلة خوفهم من المشركين، ~~لأن الكفار لا يوثق بعهودهم. # وقد علمت أن بعض أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز إلا لضرورة، والله تعالى ~~أعلم. # وللمخالف أن يقول: إن الأحاديث المذكورة ليس فيها التصريح بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه تقلدوها. ويمكن أن يكونوا حملوا السلاح معهم ~~في رحالهم في أوعيته من غير أن يتقلدوه، وعلى هذا الاحتمال، فلا حجة في ~~الأحاديث على تقلد المحرم حمائل السيف، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس عشر: قد بينا في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على ~~المحرم بسبب إحرامه أنه يمنع من الطيب، وسنذكر ms2235 إن شاء الله في هذا الفرع ~~ما يلزم في ذلك. # اعلم: أن الأئمة الثلاثة: مالكا، والشافعي، وأحمد: لا فرق عندهم، بين ~~أن يطيب جسده كله أو عضوا منه، أو أقل من عضو، فكل ذلك عندهم إن فعله ~~قصدا يأثم به، وتلزمه الفدية. # وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه الفدية إلا إذا طيب عضوا كاملا، مثل ~~الرأس، والفخذ، والساق: فإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، وهي عندهم نصف ~~صاع من بر أو صاع من غيره، كتمر وشعير. وقد قدمنا مرارا أن مذهب أبي ~~حنيفة: أنه إن فعل المحظور، كاللباس، والتطيب، لا لعذر، فعليه دم، ~~وتجزئه شاة وإن فعله لعذر فعليه فدية الأذى المذكورة في آية الفدية، ~~على التخيير، وإن أكل المحرم طيبا كثيرا: لزمه الدم عند أبي حنيفة، ~~وقال صاحباه محمد وأبو يوسف: تجب في ذلك الصدقة، وعن محمد: أنه إن طيب ~~أقل من عضو لزمه بحسبه من الدم فإن طيب ثلث العضو، فعليه ثلث دم مثلا، ~~وهكذا، وعن بعض الحنفية: أنه إن طيب ربع عضو: لزمه الدم كاملا كحلق ربع ~~الرأس، فهو عندهم كحلق جميعه وهذا خلاف المشهور في تطيب بعض العضو عندهم. ~~وظاهر كلامهم أنه لو جعل طيبا كثيرا على بعض عضو، فليس عليه إلا ~~الصدقة. وصحح بعض الحنفية: أنه إن كان الطيب قليلا فالعبرة بالعضو، وإن ~~كان كثيرا فالعبرة بالطيب، وله وجه من النظر، وعن بعض الحنفية أن من ~~مس طيبا بأصبعه، فأصابها كلها فعليه دم. وعن أبي يوسف: إن طيب ~~شاربه كله أو يقدره من لحيته، أو رأسه فعليه دم، وعن بعض الحنفية: أنه ~~إن اكتحل بكحل مطيب، فعليه صدقة، ومثله الأنف، فإن فعل ذلك مرارا كثيرة ~~فعليه دم، وفي مناسك الكرماني: لو طيب جميع أعضائه فعليه دم واحد، لاتحاد ~~الجنس، ولو كان الطيب في أعضاء متفرقة يجمع ذلك كله، فإن بلغ عضوا: ~~فعليه دم، وإلا فصدقة، ولو شم طيبا فليس عليه شيء، وإن دخل بيتا ~~مجمرا، فليس عليه شيء، وإن أجمر ثوبه، فإن تعلق به ms2236 كثيرا، فعليه دم، ~~وإلا فصدقة ا ه من تبيين الحقائق. # وقال بعض الحنفية: إن طيب أعضاءه كلها في مجلس واحد فعليه دم واحد كما ~~تقدم، وإن كان ذلك في مجلسين مختلفين، فعليه لكل واحد دم في قول أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أو لم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول، ~~فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد، والاختلاف فيه كاختلاف في الجماع ا ~~ه. # وأظهرها عندي قول محمد: والحناء عندهم طيب، فلو خضب رأسه بالحناء، لزمه ~~الدم. واستدلوا بحديث الحناء طيب. قالوا رواه البيهقي. وسيأتي ما يدل على ~~أن البيهقي رواه في المعرفة، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. # وقد روى البيهقي عن عائشة مرفوعا، ما يدل على أن الحناء ليس بطيب، ~~والعلم عند الله تعالى: هذا حاصل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الطيب ~~للمحرم. # وأما مذهب مالك في الطيب للمحرم فحاصله: أن الطيب عندهم نوعان: مذكر ~~ومؤنث، أما المذكر فهو ما يظهر ريحه، ويخفى أثره: كالريحان، والياسمين، ~~والورد، والبنفسج ونحو ذلك. وأما المؤنث: فهو ما يظهر ريحه، ويبقى أثره: ~~كالمسك والورس والزعفران والكافور والعنبر والعود ونحو ذلك. فأما المذكر ~~فيكره شمه والتطيب به، ولا فدية في مسه، والتطيب به ولو غسل يديه بماء ~~الورد، فلا فدية عليه عندهم في ذلك، لأنه من الطيب المذكر، خلافا لابن ~~فرحون في مناسكه حيث قال: إن ماء الورد فيه الفدية لأن أثره يبقى، وممن ~~قال: بأن الطيب المذكر لا فدية في استعماله: عثمان بن عفان، والحسن، ~~ومجاهد، وإسحاق. وأما ما ينبت في الأرض من النبات الطيب الريح ولا يقصد ~~التطيب به، كالشيح، والقيصوم، والزنجبيل، والإذخر، فلا فدية فيه عندهم، ~~فهو كريح الفواكه الطيبة كالتفاح والليمون، والأترج وسائر الفواكه وبعض ~~أهل العلم يكره شمه للمحرم، وإن خضب رأسه أو لحيته بحناء، أو خضبت المرأة ~~رأسها أو رجليها، أو طرفت أصابعها بحناء فالفدية عندهم واجبة في ذلك. ~~وأما مؤنث الطيب: كالمسك، والورس، والزعفران، فإن التطيب به عندهم حرام، ~~وفيه الفدية. # ومعنى التطيب بالطيب ms2237 عندهم: إلصاقه بالثوب، أو باليد وغيرها من الأعضاء، ~~ونحو ذلك، فإن علق به ريح الطيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطار، أو في ~~بيت تجمر ساكنوه، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطار ~~أو البيت الذي تجمر ساكنوه، هذا هو مشهور مذهب مالك. وإن مس الطيب المؤنث ~~افتدى عندهم، وحد ريحه أولا، لصق به أولا، ويكره شم الطيب عندهم ~~مطلقا. # وأظهر أقوال علماء المالكية في الثوب المصبوغ بالورس، والزعفران: إذا ~~تقادم عهده، وطال زمنه حتى ذهبت ريحه بالكلية: أنه مكروه للمحرم، ما دام ~~لون الصبغ باقيا ولكنه لا فدية فيه لانقطاع ريحه بالكلية. # وأقيس الأقوال: أنه يجوز مطلقا، لأن الرائحة الطيبة التي منع من أجلها ~~زالت بالكلية، والعلم عند الله تعالى. وإن اكتحل عندهم بما فيه طيب، ~~فالفدية، ولو لضرورة مع الجواز للضرورة وبما لا طيب فيه فهو جائز ~~للضرورة ولغيرها، فثلاثة أقوال مشهورها: وجوب الفدية على الرجل، والمرأة ~~معا، وقيل: لا تجب عليهما، وقيل: تجب على المرأة دون الرجل. # وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة: أن النبات الذي تستطاب رائحته ~~على ثلاثة أضرب: # أحدها: ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه، كنبات الصحراء من الشيح، ~~والقيصوم، والخزامي والفواكه كلها من الأترج، والتفاح وغيره، وما ينبته ~~الآدميون لغير قصد الطيب، كالحناء والعصفر، وهذا النوع مباح شمه في مذهب ~~الإمام أحمد، ولا فدية فيه. # قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره ~~للمحرم: أن يشم شيئا من نبات الأرض من الشيح والقيصوم وغيرهما قال: ~~ولا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا فإنه لا يقصد للطيب، ولا يتخذ منه ~~فأشبه سائر نبات الأرض. وقد روي أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كن يحرمن في المعصفرات. # النوع الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه طيب، كالريحان، ~~والنرجس، ونحو ذلك وفي هذا النوع للحنابلة وجهان. # أحدهما: يباح بغير فدية كالذي قبله. # قال في المغني: وبه قال عثمان بن عفان، ms2238 وابن عباس، والحسن، ومجاهد، ~~وإسحاق. # والوجه الثاني: يحرم شمه، فإن فعل فعليه الفدية. # قال في المغني: وهو قول جابر، وابن عمر، والشافعي، وأبي ثور، لأنه يتخذ ~~للطيب فأشبه الورد. وكرهه مالك، وأصحاب الرأي، ولم يوجبوا فيه شيئا، ~~وكلام أحمد فيه محتمل لهذا، فإنه قال في الريحان: ليس من آلة المحرم، ولم ~~يذكر فديته، وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب، فأشبه العصفر. ا ه من المغني. # والنوع الثالث عندهم: هو ما ينبت للطيب، ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج ~~والياسمين، ونحو ذلك. وهذا النوع إذا استعمله، وشمه ففيه الفدية عندهم، ~~لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذلك في أصله. وعن أحمد رواية أخرى في ~~الورد: أنه لا فدية عليه في شمه، لأنه زهر كزهر سائر الشجر. # قال في المغني: وذكر أبو الخطاب في هذا، والذي قبله روايتين والأولى: ~~تحريمه، لأنه ينبت للطيب، ويتخذ منه، فأشبه الزعفران والعنبر. قال القاضي ~~يقال: إن العنبر ثمر شجر وكذلك الكافور. ا ه من المغني. # وفي المغني أيضا: وإن مس من الطيب ما يعلق بيده كالغالية، وماء الورد ~~والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية، لأنه مستعمل للطيب، وإن ~~مس ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق، وقطع الكافور والعنبر، فلا فدية ~~لأنه غير مستعمل للطيب، فإن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا، وإن شم ~~العود، فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا ا ه من المغني. # وقال في المغني أيضا: فكل ما صبغ بزعفران، أو ورس، أو غمس في ماء ورد، ~~أو بخر بعود، فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه، ولا النوم عليه نص أحمد ~~عليه، وذلك لأنه استعمال له، فأشبه لبسه، ومتى لبسه أو استعمله، فعليه ~~الفدية. وبذلك قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كان رطبا يلي بدنه أو ~~يابسا ينفض فعليه الفدية، وإلا فلا، لأنه ليس بمتطيب ثم قال صاحب ~~المغني: وإن انقطعت رائحة الثوب، لطول الزمن عليه أو لكونه صبغ بغيره ~~فغلب عليه بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء، ms2239 فلا بأس باستعماله ~~لزوال الطيب منه. # وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب ~~الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، وكره ذلك مالك، إلا أن يغسل، ويذهب ~~لونه: لأن عين الزعفران ونحوه فيه. ثم قال: فأما إن لم يكن له رائحة في ~~الحال لكن كان بحيث إذا رش فيه الماء فاح ريحه: ففيه الفدية، لأنه متطيب ~~بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء فيه. والماء لا رائحة له، وإنما هي من ~~الصبغ الذي فيه. فأما إن فرش فوق الثوب ثوبا صفيقا يمنع الرائحة ~~والمباشرة: فلا فدية عليه بالجلوس، والنوم عليه، وإن كان الحائل بينهما ~~ثياب بدنه ففيه الفدية، لأنه يمنع من استعمال الطيب في الثوب الذي عليه ~~كمنعه من استعماله في بدنه. ا ه من المغني. # وأما العصفر: فليس عندهم بطيب، ولا بأس باستعماله، وشمه، ولا بما صبغ ~~به. # قال في المغني: وهذا قول جابر، وابن عمر، وعبدالله بن جعفر، وعقيل بن ~~أبي طالب، وهو مذهب الشافعي، وعن عائشة وأسماء، وأزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أنهن كن يحرمن في المعصفرات " وكرهه مالك: إذا كان ينتفض في ~~بدنه، ولم يوجب فيه فدية، ومنع منه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن ~~وشبهوه بالمورس، والمزعفر، لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك ا ه. # والأظهر: أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم، ولا غيره ~~للمعصفر، وقد قدمنا فيه حديث ابن عمر، عن أبي داود # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين ~~والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ~~ألوان الثياب من معصفر أو خز " # الحديث وهو صريح في أن العصفر: ليس بطيب. وقد قدمنا الكلام على هذا ~~الحديث. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~يختضبن بالحناء، وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهن محرمات ". # وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن عطاء، ~~وثقه ابن حبان، وضعفه ms2240 جماعة ا ه. وسيأتي ما يدل على منع لبس المعصفر ~~مطلقا. # وقال صاحب المغني أيضا: ولا بأس بالمصبوغ بالمغرة، لأنه مصبوغ بطين لا ~~بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر الأصباغ، سوى ما ذكرنا، لأن الأصل الإباحة، ~~إلا ما ورد الشرع بتحريمه، وما كان في معناه، وليس هذا كذلك، وأما ~~المصبوغ بالرياحين: فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم من ~~استعماله منع من لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته، وإلا فلا، وهذا الذي ~~ذكرنا هو حاصل مذهب الإمام أحمد في الطيب للمحرم، ولا فرق عنده بين قليل ~~الطيب وكثيره، ولا بين قليل اللبس وكثيره، كما تقدم إلا أنه يفرق بين ~~تعمد استعمال الطيب، واللبس وبين استعماله لذلك ناسيا، فإن فعله ~~متعمدا أثم وعليه الفدية، وإزالة الطيب، واللباس فورا، وإن تطيب، أو ~~لبس ناسيا: فلا فدية عليه، ويخلع اللباس، ويغسل الطيب. # قال ابن قدامة في المغني: المشهور أن المتطيب ناسيا، أو جاهلا لا فدية ~~عليه، وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. انتهى محل الغرض ~~منه، ثم ذكر أن الذي يستوي عمده ونسيانه في لزوم الكفارة ثلاثة أشياء: ~~وهي الجماع، وقتل الصيد، وحلق الرأس، وأن كل ما سوى هذه الثلاثة يفرق فيه ~~بين العمد والنسيان. وذكر أن الإمام أحمد نقل عن سفيان أن الثلاثة ~~المذكورة يستوي عمدها ونسيانها في لزوم الكفارة. # وقال في المغني: ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس، لأنه فعل محظورا، ~~فيلزمه إزالته، وقطع استدامته كسائر المحظورات، والمستحب أن يستعين في ~~غسل الطيب بحلال لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه. ويجوز أن يليه بنفسه، ~~ولا شيء عليه، # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي رأى عليه طيبا أو خلوقا " ~~اغسل عنك الطيب " " # ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به، مسحه بخرقة، أو حكه بتراب، أو ~~ورق أو حشيش، لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة. وهذا نهاية قدرته ثم ~~قال: وإذا احتاج إلى الوضوء، وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما: ~~قدم غسل الطيب ويتيمم للحدث، لأنه لا رخصة ms2241 في إبقاء الطيب، وفي ترك ~~الوضوء إلى التيمم رخصة، فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل، ~~وتوضأ فإن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء والوضوء، ~~بخلافه ا ه منه. وهذا خلاصة المذهب الحنبلي في مسألة الطيب للمحرم. # ومذهب الشافعي في هذه المسألة: أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال ~~الطيب، ولا فرق عنده بين القليل والكثير، واستعمال الطيب عنده: هو أن ~~يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب. فلو طيب ~~جزءا من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق، أو ماء ورد: لزمته الفدية، سواء كان ~~الإلصاق بظاهر البدن أو باطنه، فإن أكله أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل ~~أو لطخ به رأسه، أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم، ولزمته الفدية، ولا ~~خلاف عندهم في شيء من ذلك، إلا الحقنة والسعوط ففيهما وجه ضعيف: أنه لا ~~فدية فيهما، ومشهور مذهب الشافعي: وجوب الفدية فيهما، ولو لبس ثوبا ~~مبخرا بالطيب، أو ثوبا مصبوغا بالطيب، أو علق بنعله طيب، لزمته ~~الفدية عند الشافعية ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه، بأن جلس في دكان ~~عطار أو عند الكعبة، وهي تبخر أو في بيت يبخر ساكنوه: فلا فدية عليه بلا ~~خلاف، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة، لم يكره، وإن قصده ~~لاشتمامها ففي كراهته قولان: للشافعي أصحهما: يكره، وبه قطع القاضي أبو ~~الطيب، وآخرون، وهو نصه في الإملاء، والثاني: لا يكره، وقطع القاضي حسين: ~~بالكراهة، وقال: إنما القولان في وجوب الفدية، والمذهب الأول، وبه قطع ~~الأكثرون. # قاله النووي ثم قال: ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه: ~~لزمته الفدية، بلا خلاف، لأنه يعد استعمالا للطيب، ولو مس طيبا يابسا ~~كالمسك والكافور، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية، بلا خلاف، لأن ~~استعماله هكذا يكون، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه، لكن عبقت به الرائحة، ~~ففي وجوب الفدية قولان الأصح عند الأكثرين وهو نصه في الأوسط: لا تجب، ~~لأنها عن مجاورة فأشبه ms2242 من قعد عند الكعبة، وهي تبخر، والثاني: تجب. وصححه ~~القاضي أبو الطيب، وهو نصه في الأم والإملاء والقديم، لأنها عن مباشرة، ~~وإن ظن أن الطيب يابس فمسه، فعلق بيده ففي الفدية عند الشافعية قولان ~~أصحهما: لا تجب عليه الفدية، خلافا لإمام الحرمين. وأما إن مس الطيب، ~~وهو عالم بأنه رطب وكان قاصدا مسه، فعلق بيده، فعليه فدية عندهم، ولو شد ~~مسكا أو كافورا، أو عنبرا في طرف ثوبه أو جبته: وجبت الفدية عندهم ~~قطعا، لأنه استعمال له، ولو شد العود فلا فدية، لأنه لا يعد تطيبا، ~~بخلاف شد المسك، ولو شم الورد فقد تطيب عندهم، بخلاف ما لو شم ماء الورد، ~~فإنه لا يكون متطيبا عندهم، بل استعمال ماء الورد عندهم هو أن يصبه على ~~بدنه أو ثوبه ولو حمل مسكا، أو طيبا غيره في كيس، أو خرقة مشدودا، أو ~~قارورة مصممة الرأس، أو حمل الورد في وعاء: فلا فدية عليه. نص عليه في ~~الأم وقطع به الجمهور: وفيه وجه شاذ: أنه إن كان يشمه قصدا: لزمته ~~الفدية، ولو حمل مسكا في قارورة غير مشقوقة: فلا فدية في أصح الوجهين. ~~ولو كانت القارورة مشقوقة، أو مفتوحة الرأس، فعن جماعة من الأصحاب ~~الشافعيين: تجب الفدية، وخالف الرافعي قائلا: إن ذلك لا يعد تطيبا، ولو ~~جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة، أو نام عليها مفضيا إليها ببدنه أو ~~ملبوسه: لزمته الفدية عندهم. ولو فرش فوقه ثوبا، ثم جلس عليه، أو نام: ~~لم تجب الفدية. نص عليه الشافعي في الأم. واتفق عليه الأصحاب، لكن إن كان ~~الثوب رقيقا كره، وإلا فلا، ولو داس بنعله طيبا لزمته الفدية، وإن خفيت ~~رائحة الطيب في الثوب لطول الزمان، فإن كانت تفوح عند رشه بالماء حرم ~~استعماله، وإن بقي لون الطيب دون ريحه، لم يحرم على أصح الوجهين. ولو صب ~~ماء ورد في ماء كثير، حتى ذهب ريحه ولونه: لم تجب الفدية باستعماله في ~~أصح الوجهين. # فلو ذهبت الرائحة، وبقي اللون، أو الطعم فحكمه عندهم حكم ms2243 من أكل طعاما ~~فيه زعفران أو طيب. وذلك أن الطيب إن استهلك في الطعام، حتى ذهب لونه، ~~وريحه وطعمه: فلا فدية. ولا خلاف في ذلك عندهم، وإن ظهر لونه وطعمه، ~~وريحه وجبت الفدية، بلا خلاف، وإن بقيت الرائحة فقط: وجبت الفدية لأنه ~~يعد طيبا، وإن بقي اللون وحده، فطريقان مشهوران أصحهما: أن فيه قولين ~~الأصح منهما: أنه لا فدية فيه، وهو نص الشافعي في الأم والإملاء والقديم ~~الثاني: تجب الفدية، وهو نصه في الأوسط والطريق الثاني: أنه لا فدية فيه ~~قطعا، وإن بقي الطعم وحده ففيه عندهم ثلاث طرق أصحها: وجوب الفدية ~~قطعا: كالرائحة، والثاني: فيه طريقان بلزومها وعدمه، والثالث: لا فدية، ~~وهذا ضعيف أو غلط. وحكى بعض الشافعية طريقا رابعا: وهو أنه لا فدية ~~قطعا ولو كان المحرم أخشم لا يجد رائجة الطيب، واستعمل الطيب: لزمته ~~الفدية عندهم، بلا خلاف لأنه وجد منه استعمال الطيب مع علمه بتحريم الطيب ~~على المحرم فوجبت الفدية وإن لم ينتفع به كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها ~~من شعوره التي لا ينفعه نتفها قال النووي: وممن صرح بهذا المتولي، وصاحب ~~العدة والبيان ا ه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لزوم الفدية للأخشم الذي لا يجد ريح ~~الطيب، إذا استعمل الطيب، مبني على قاعدة هي: أن المعلل بالمظان لا يتخلف ~~بتخلف حكمته، لأن مناط الحكم مظنة وجود حكمة العلة، فلو تخلفت في صورة لم ~~يمنع ذلك من لزوم الحكم كمن كان منزله على البحر، وقطع مسافة القصر في ~~لحظة في سفينة، فإنه يباح له قصر الصلاة والفطر في رمضان بسفره، هذا الذي ~~لا مشقة فيه، لأن الحكم الذي هو الرخصة علق بمظنة المشقة في الغالب، وهو ~~سفر أربعة برد مثلا والمعلل بالمظان لا تتخلف أحكامه، بتخلف حكمها في ~~بعض الصور كما عقده بعض أهل العلم بقوله: # إن علل الحكم بعلة غلب # وجودها اكتفى بذا عن الطلب # لها بكل صورة الخ # وإيضاحه: أن الغالب كون الإنسان يجد ريح الطيب، فأنيط الحكم بالأغلب ms2244 ~~الذي هو وجوه ريح الطيب، فلو تخلفت الحكمة في الأخشم الذي لا يجد ريح ~~الطيب لم يتخلف الحكم لإناطته بالمظنة، وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا ~~من أمثلتها في غير هذا الموضع. # وقد تقرر في الأصول: أن وجود الحكم مع تخلف حكمته من أنواع القادح ~~المسمى بالكسر، وقد أشار إلى ذلك صاحب المراقي بقوله في مبحث القوادح: # والكسر قادح ومنه ذكرا # تخلف الحكمة عنه من درا # وهذا الذي قررنا في مسألة الأخشم مبني على القول، بأن الكسر بتخلف ~~الحكمة عن حكمها، لا يقدح في المعلل بالمظان، كما أوضحنا، والعلم عند ~~الله تعالى. # واعلم: أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول: هي الفائدة التي صار بسببها ~~الوصف علة للحكم، فتحريم الخمر مثلا حكم والإسكار هو علة هذا الحكم، ~~والمحافظة على العقل من الاختلال: هي الحكمة التي من أجلها صار الإسكار ~~علة لتحريم الخمر، وقد عرف صاحب المراقي الحكمة بقوله: # وهي التي من أجلها الوصف جرى # علة حكم عند كل من درى # وعلة الرخصة بقصر الصلاة والإفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة التي صار ~~السفر علة بسببها: هي تخفيف المشقة على المسافر مثلا، وهكذا. # واعلم: أن علماء الشافعية قالوا: إنه يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه: ~~أن يكون معظم الغرض منه التطيب، واتخاذ الطيب منه، أو يظهر فيه هذا ~~الغرض. هذا ضابطه عندهم. # ثم فصلوه فقالوا: الأصل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والعود، ~~والصندل والذريرة، وهذا كله لا خلاف فيه عندهم قالوا: والكافور صمغ شجر ~~معروف. # وأما النبات الذي له رائحة فأنواع: # منها: ما يطلب للتطيب، واتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين، والخيرى، ~~والزعفران، والورس ونحوها، فكل هذا طيب. وعن الرافعي وجه شاذ في الورد ~~والياسمين والخيرى: أنها ليست طيبا والمذهب الأول. # ومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالبا، كالقرنفل والدارصيني، والفلفل، ~~والمصطكى، والسنبل وسائر الفواكه كل هذا وشبهه ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه ~~وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه سواء قليله وكثيره، ولا خلاف عند الشافعية ~~في شيء من هذا إلا القرنفل، ففيه وجهان عندهم. ms2245 والصحيح المشهور أنه ليس ~~بطيب عندهم. # ومنها: ما ينبت بنفسه، ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح، ~~والمشمش، والكمثرى، والسفرجل، وكالشيح، والقيصوم، وشقائق النعمان ~~والإذخر، والخزامي، وسائر أزهار البراري، فكل هذا ليس بطيب فيجوز أكله ~~وشمه، وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه، بلا خلاف. # ومنها: ما يتطيب به، ولا يتخذ منه الطيب: كالنرجس، والآس، وسائر ~~الرياحين وفي هذا النوع عند الشافعية طريقان. # أحدهما: أنه طيب قولا واحدا. # والطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور عندهم: أن فيه قولين مشهورين الصحيح ~~منهما، وهو قوله الجديد: أنه طيب موجب للفدية. القول الثاني وهو القديم: ~~أنه ليس بطيب، ولا فدية فيه ا ه والحناء والعصفر ليسا بطيب عند الشافعية ~~بلا خلاف على التحقيق، خلافا لمن زعم خلافا عندهم في الحناء. # واعلم: أن الأدهان عند الشافعية ضربان أحدهما دهن ليس بطيب، ولا فيه ~~طيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، والزبد، ودهن الجوز، واللوز ونحوها. فهذا ~~لا يحرم استعماله في جميع البدن، ولا فدية فيه، إلا في الرأس، واللحية، ~~فيحرم عندهم استعماله فيهما بلا خلاف، وفيه: الفدية. لأنه إزالة للشعث، ~~إن كان في الرأس واللحية، فإن كان أصلع لا ينبت الشعر في رأسه فدهن رأسه ~~أو أمرد فدهن ذقنه: فلا فدية عندهم في ذلك، بلا خلاف، وإن كان محلوق ~~الرأس فدهنه بما ذكر، ففيه عندهم وجهان: أصحهما: وجوب الفدية بناء على أن ~~الشعر إن نبت جمله ذلك الدهن، الذي جعل عليه، وهو محلوق والوجه ~~الثاني: لا فدية، لأنه لا يزول به شعث. # واختاره المزني وغيره ولو كان برأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من ~~غير أن يمس شعر رأسه: فلا فدية، بلا خلاف، ولو طلى شعر رأسه ولحيته بلبن ~~جاز: ولا فدية، وإن كان اللبن يستخرج منه السمن، لأنه ليس بدهن ولا يحصل ~~به ترجيل الشعر، والشحم، والشمع عندهم، إذا أذيبا كالدهن يحرم على ~~المحرم ترجيل شعره بهما. # الضرب الثاني: دهن هو طيب ومنه: دهن الورد، والمذهب عندهم: وجوب الفدية ~~فيه، وقيل فيه وجهان. ومنه: دهن البنفسج، فعلى ms2246 القول بأن نفس البنفسج: لا ~~فدية فيه، فدهنه أولى، وعلى أن فيه الفدية، فدهنه كدهن الورد، والأدهان ~~كثيرة، وخلاف العلماء فيها من الخلاف في تحقيق المناط كدهن البان ~~والزنبق، وهو دهن الياسمين والكاذي وهو دهن، ونبت طيب الرائحة والخيري، ~~وهو معرب، وهو نبت طيب الرائحة ويقال للنحاسي: خيري البر، ومذهب الشافعي: ~~أن الأدهان المذكورة، ونحوها طيب، تجب باستعماله الفدية. # واعلم: أن محل وجوب الفدية عند الشافعية في الطيب: إذا كان استعمله ~~عامدا، فإن كان ناسيا أو ألقته الريح عليه، لزمته المبادرة بإزالته بما ~~يقطع ريحه، وكون الأولى أن يستعين في غسله بحلال وتقديمه غسله على ~~الوضوء، إن لم يكف الماء، إلا أحدهما عند الشافعية موافق لما قدمنا عن ~~الحنابلة، بخلاف غسل النجاسة، فهو مقدم عندهم على غسل الطيب ولو لصق ~~بالمحرم طيب يوجب الفدية، لزمه المبادرة إلى إزالته فإن أخره عصى ولا ~~تتكرر به الفدية والاكتحال عندهم بما فيه طيب حرام، فإن احتاج إليه اكتحل ~~به ولزمته الفدية. # وأما الاكتحال بما لا طيب فيه، فإن كان فيه زينة كره عندهم: كالإثمد، ~~وإن كان بما لا زينة فيه: كالتوتيا الأبيض فلا كراهة. # وقال النووي بعد أن ذكر الإجماع على تحريم الطيب للمحرم: ومذهبنا أنه لا ~~فرق بين أن يتبخر، أو يجعله في ثوبه، أو بدنه، وسواء كان الثوب مما ينفض ~~الطيب، أم لم يكن. # قال العبدري: وبه قال أكثر العلماء. # وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود، والند، ولا يجوز أن يجعل ~~شيئا من الطيب في بدنه، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه، فإن جعله في ~~باطنه، وكان الثوب لا ينفض، فلا شيء عليه، وإن كان ينفض لزمته الفدية ا ~~ه منه. # والظاهر المنع مطلقا لصريح الحديث الصحيح في النهي عن ثوب مسه ورس أو ~~زعفران، وكل هذه الصور يصدق فيها: أنه مسه ورس أو زعفران، وغيرهما من ~~أنواع الطيب وحكمه كحكمهما، كما أوضحنا الأحاديث الدالة عليه في أول ~~الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم ms2247 للطيب كما ~~تقدم، والعلم عند الله تعالى. # وقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا: أن الزيت، والشيرج، ~~والسمن، والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة، لا يحرم على المحرم ~~استعمالها في بدنه ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته. # وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته. # وقال مالك: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة كالوجه، واليدين، ~~والرجلين، ويجوز دهن الباطنة: وهي ما يوارى باللباس. # وقال أبو حنيفة: كقولنا في السمن والزبد، وخالفنا في الزيت والشيرج ~~فقال: يحرم استعمالهما في الرأس والبدن. # وقال أحمد: إن ادهن بزيت أو شيرج: فلا فدية في أصح الروايتين، سواء دهن ~~يديه أو رأسه. # وقال داود: يجوز دهن رأسه، ولحيته، وبدنه بدهن غير مطيب. # وحجة من قال بهذا حديث جاء بذلك: فقد قال البيهقي في السنن الكبرى: ~~أخبرنا أبو ظاهر الفقيه، وأبو سعيد بن أبي عمرو قراءة عليهما، وأبو محمد ~~عبدالله بن يوسف الأصبهاني إملاء قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ~~ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنبأ أبو سلمة الخزاعي، أنبأ حماد بن سلمة، ~~عن فرقد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم " # يعني غير مطيب، لم يذكر ابن يوسف تفسيره. قال الإمام أحمد: ورواه الأسود ~~بن عامر شاذان، عن حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد، عن ابن عمر فذكره من ~~غير تفسير ا ه منه: ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه مر عليه ~~قوم محرمون، وقد تشققت أرجلهم فقال: ادهنوها. وفرقد المذكور في سند هذا ~~الحديث، هو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين المهملة والباء الموحدة ~~وبخاء معجمة: أبو يعقوب البصري، وهو معروف بالزهد والعبادة. ولكنه ضعفه ~~غير واحد. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق عابد، لكنه لين الحديث كثير ~~الخطأ. وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث فرقد السبخي ~~الزاهد رحمه الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن ms2248 عباس رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم " # رواه الترمذي والبيهقي، وهو ضعيف. وفرقد غير قوي عند المحدثين. قال ~~الترمذي: هو ضعيف غريب، لا يعرف إلا من حديث فرقد، وقد تكلم فيه يحيى بن ~~سعيد. وقوله: غير مقتت: أي غير مطيب انتهى محل الغرض منه. # وفي القاموس: وزيت مقتت طبخ بالرياحين أو خلط بأدهان طيبة، واحتجاج ~~الشافعية بهذا الحديث الذي ذكرنا على جواز دهن جميع البدن غير الرأس ~~واللحية بالزيت والسمن ونحوهما فيه أمران: # الأول: أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، لضعف فرقد المذكور. # والثاني: أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس ~~واللحية وبين سائر البدن، لأن الأدهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس ~~واللحية ا ه. # وحجة من منع الأدهان بغير الطيب، لأنه يزيل الشعث الحديث الذي فيه # " انظروا إلى عبادي جاؤوا شعثا غبرا " # وهو مشهور، وفيه دليل على أنه لا ينبغي إزالة الشعث، ولا التنظيف. والله ~~أعلم. # وقال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم ~~أن يأكل الزيت والشحم والسمن. قال: وأجمع عوام أهل العلم، على أنه له دهن ~~بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن، قال: وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث ~~استعمال الطيب في جميع بدنه. # وقال النووي أيضا: الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق: ولا فدية، وبه قال ~~مالك، وأحمد، وداود. وقد قدمنا أن الخضاب بالحناء: يوجب الفدية عند ~~المالكية، ثم قال النووي: وقال أبو حنيفة: هو طيب يوجب الفدية، وإذا لبس ~~ثوبا معصفرا: فلا فدية، والعصفر: ليس بطيب هذا مذهبنا، وبه قال أحمد ~~وداود، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وجابر، وعبدالله بن جعفر، وعقيل بن ~~أبي طالب وعائشة وأسماء وعطاء، قال: وكرهه عمر بن الخطاب، وممن تبعه ~~الثوري ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن نفض على ~~البدن: وجبت الفدية، وإلا وجبت صدقة. انتهى محل الغرض منه. # وقال النووي أيضا: ذكرنا أن مذهبنا ms2249 في تحريم الرياحين قولان: الأصح ~~تحريمها، ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر، وجابر، والثوري، ومالك، وأبو ~~ثور، وأبو حنيفة، إلا أن مالكا، وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية. # قال ابن المنذر: واختلف في الفدية، عن عطاء وأحمد، وممن جوزه وقال: هو ~~حلال لا فدية فيه: عثمان، وابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد وإسحاق، قال ~~العبدري: وهو قول أكثر الفقهاء. # وقال النووي أيضا: قد ذكرنا أن مذهبنا: جواز جلوس المحرم، عند العطار: ~~ولا فدية فيه. وبه قال ابن المنذر، قال: وأوجب عطاء فيه الفدية، وكره ذلك ~~مالك. انتهى منه. # واعلم: أن المحرم عند الشافعية، إذا فعل شيئا من محظورات الإحرام ~~ناسيا أو جاهلا، فإن كان إتلافا كقتل الصيد والحلق والقلم، فالمذهب ~~وجوب الفدية، وفيه خلاف ضعيف. وإن كان استمتاعا محضا: كالتطيب، ~~واللباس، ودهن الرأس واللحية، والقبلة، وسائر مقدمات الجماع: فلا فدية، ~~وإن جامع ناسيا أو جاهلا: فلا فدية في الأصح أيضا. قال النووي: وبهذا ~~قال عطاء، والثوري وإسحاق وداود. وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزني وأحمد ~~في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، وقاسوه على قتل الصيد. # وقد قدمنا حكم المجامع ناسيا وأقوال الأئمة فيه. هذا هو حاصل كلام ~~العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ومنهم الأئمة الأربعة في مسألة الطيب. # وقد علمت من النقول التي ذكرنا عن الأئمة وغيرهم، من فقهاء الأمصار، ما ~~اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه. # واعلم: أنهم مجمعون على منع الطيب للمحرم في الجملة، إلا أنهم اختلفوا ~~في أشياء كثيرة، اختلافا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. فيقول بعضهم ~~مثلآ: الريحان والياسمين، كلاهما طيب فمناط تحريمهما، على المحرم موجود، ~~وهو كونهما طيبا، فيخالفه الآخر، ويقول: مناط التحريم، ليس موجودا ~~فيهما، لأنهما لا يتخذ منهما الطيب، فليسا بطيب وهكذا. # واعلم: أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ~~ولا سنة، على أن من استعمل الطيب، وهو محرم يلزمه فدية، ولكنهم قاسوا ~~الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه، إن وقع لعذر في آية # فمن كان منكم مريضا ms2250 أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]. # وأظهر أقوال أهل العلم: أن الفدية اللازمة كفدية الأذى وهي على التخيير ~~المذكور في الآية، لأنها هي حكم الأصل المقيس عليه، والمقرر في الأصول ~~أنه لا بد من اتفاق الفرع المقيس، والأصل المقيس عليه في الحكم وذلك هو ~~مذهب أبي حنيفة، إن كان التطيب، أو اللبس لعذر، لأن الآية نزلت في العذر. ~~وقد قدمنا أنه هو الصحيح من مذهب الشافعي مطلقا كان لعذر أو غيره، وهو ~~أيضا مذهب مالك وأحمد. # فتحصل: أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقون على أن فدية الطيب، وتغطية ~~الرأس، واللبس، وتقليم الأظافر، كفدية حلق الرأس المنصوصة في آية الفدية؟ ~~وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى، وقدمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب ~~الصحيح المشهور عند الأربعة. وقد بينا أنه مقتضى الأصول، لوجوب اتفاق ~~الأصل والفرع في الحكم، والعلم عند الله تعالى. # تنبيهان # الأول: في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص، وتفصيل ذلك: فمن ذلك ~~العصفر وقد رأيت في النقول التي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم: بأنه ~~ليس بطيب، وأنه لا بأس بلبس المحرم له، وقد قدمنا فيه حديث أبي داود ~~المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له، وهن محرمات، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح ~~فيه بالسماع، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه، والظاهر بحسب ~~الدليل: أن المعصفر لا يجوز لبسه، وإن جوزه كثير من أجلاء العلماء من ~~الصحابة ومن بعدهم، لأن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحق ~~بالاتباع. # وقد قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، ~~حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم بن ~~الحارث: # " أن ابن معدان أخبره: أن عبدالله بن عمرو بن العاص، أخبره قال " رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب ~~الكفار فلا تلبسها " # ا ه. # وابن معدان المذكور: هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم ms2251 بعد الحديث المذكور ~~مباشرة، وفي لفظ لمسلم بإسناد، غير الأول، # " عن عبدالله بن عمرو قال رأى صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، ~~فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما قال: بل أحرقهما ". # وقال مسلم في صحيحه آنفا: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ~~نافع، عن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن ~~تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع " # وفي لفظ لمسلم، # " عن علي رضي الله عنه نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة، وأنا ~~راكع، وعن لبس الذهب، والمعصفر " وفي لفظ لمسلم عنه أيضا رضي الله عنه " ~~نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لباس القسى، ~~وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر " " # ا ه منه. # فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره عن صحابيين جليلين، وهما علي، ~~وعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، صريح في منع لبس المعصفر ~~مطلقا، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمرو # " إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما " # صريح في منع لبسهما، لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول، ويؤيد ~~ذلك هنا أنه رتب النهي عنهما على أنهما من ثياب الكفار، وهذا دليل واضح ~~على منع لبس المعصفر مطلقا في الإحرام وغيره. وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث عبدالله بن عمرو # " بل أحرقهما " # فهو دليل واضح على منع لبسهما لأن لبس الجائز لبسه، لا يستوجب الإحراق ~~بحال، فهو نص في منع المعصفر مطلقا، وقول علي رضي الله عنه # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر، وعن ~~تختم الذهب " # الحديث دليل أيضا على منع لبس المعصفر مطلقا. لأن النهي يقتضي ~~التحريم، إلا لدليل صارف عنه، وليس موجودا، ويؤيده أنه قرنه بالتختم ~~بالذهب، وهو ممنوع، وما زعمه بعض أهل العلم: من أن رواية ms2252 علي المذكورة ~~آنفا في مسلم # " نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم " # تدل على اختصاص هذا الحكم، بعلي لأنه قال: نهاني بياء المتكلم في ~~الرواية المذكورة، مردود من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم، ~~حيث قال لعبد الله # " إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها " # وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم، بعلي رضي الله عنه. # الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح مسلم، عن علي رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس القسي، والمعصفر وعن ~~تختم الذهب " # بحذف مفعول نهى، وحذف المفعول في ذلك، يدل على عموم الحكم، على التحقيق ~~كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى صلى الله عليه وسلم عن ~~كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالا للشك؟ وممن انتصر لذلك: ابن الحاجب ~~وغيره، واختاره الفهري. # والحاصل: أن التحقيق في مثل نهى صلى الله عليه وسلم، عن بيع الغرر وقضى ~~بالشفعة، وقضى بالشاهد واليمين ونحو ذلك: أنه يعم كل غرر وكل شفعة، وكل ~~شاهد، ويمين، وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين، كما حررنا أدلة ~~الفريقين، وناقشناها في غير هذا الموضع. # الوجه الثالث: أن رواية نهاني التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم ~~بعلي: تدل أيضا على عموم الحكم، لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا ~~بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من ~~صيغ العموم الدالة على عموم الحكم، خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب ~~الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من الشافعية، والمالكية ~~وغيرهم: أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، ~~وإذا كان لا يشمله وضعا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول ~~موافقون: على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره لكن بدليل آخر غير خطاب ~~الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. ms2253 أما القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك ~~المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي ~~والنص، كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء # " إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة ". # قالوا: ومن أدلة ذلك حديث # " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ". # قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث # " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " # لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، ~~وابن ماجه، وابن حبان، قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء # " إني لا أصافح النساء " # وساق الحديث كما ذكرناه. # وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الألباس، عما اشتهر من الأحاديث، على ألسنة ~~الناس: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وفي لفظ: كحكمي على الجماعة، ~~ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي: في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال ~~في الدرر كالزركشي لا يعرف، وسئل عنه المزي، والذهبي فأنكراه. نعم يشهد ~~له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي # " ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة " # ولفظ الترمذي # " إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " # وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجهما، لثبوتهما على ~~شرطهما. # وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الجماعة، لا ~~يعرف له أصل، إلى آخره قريبا مما ذكرنا عنه ا ه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت ~~رقيقة بقافين مصغرا وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها: وهي أخت ~~خديجة بنت خويلد. وقيل عمتها واسم أبيها بجاد بموحدة، ثم جيم ابن عبدالله ~~بن عمير التيمي تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في المراقي بقوله: # خطاب واحد لغير الحنبلي # من غير رعي النص والقيس الجلي # وبهذا كله تعلم أن التحقيق منع لبس المعصفر، وظاهر النصوص الإطلاق: أي ~~سواء كان في الإحرام، أو غيره كما رأيت، وجمع بعض العلماء بين الأحاديث ~~التي ذكرناها في صحيح ms2254 مسلم، الدالة على منع لبس المعصفر مطلقا، وبين ~~حديث أبي داود المتقدم الدال على إباحته للنساء في الإحرام، بأن الأحاديث ~~المنع إنما هي بالنسبة للرجال، وحديث الجواز بالنسبة إلى النساء، فيكون ~~ممنوعا للرجال جائزا للنساء، وتتفق الأحاديث. # وممن اعتمد هذا الجمع الترمذي في سننه حيث قال: باب ما جاء في كراهة ~~المعصفر للرجال: حدثنا قتيبة، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن إبراهيم بن ~~عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر " # وفي الباب عن أنس، وعبدالله بن عمرو، وحديث علي: حديث حسن صحيح انتهى ~~منه. فتراه في ترجمة الحديث جعله خاصا بالرجال، وهو عين الجمع الذي ~~ذكرنا، وأشار النووي في شرح مسلم: إلى أن الجمع المذكور يشير إليه الحديث ~~الصحيح عند مسلم، وذلك في قوله: أعني النووي قوله صلى الله عليه وسلم # " أأمك أمرتك بهذا " # معناه: أن هذا من لباس النساء، وزيهن، وأخلاقهن. انتهى محل الغرض منه. # وتفسيره للحديث: يدل على أن الحديث فيه تحريم المعصفر على الرجال دون ~~النساء. # ويدل لهذا الجمع ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن ~~يونس، ثنا هشام بن الغاز، # " عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال " ما هذه ~~الريطة عليك " فعرفت ما كره فأتيت أهلي، وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها ~~فيه، ثم أتيته من الغد فقال " يا عبدالله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: ~~ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء " " # ا ه من سنن أبي داود، وهو صريح في الجمع المذكور، وهذا الإسناد لا يقل ~~عن درجة الحسن، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه: حدثنا أبو بكر، ثنا عيسى بن ~~يونس، عن هشام بن الغاز إلى آخر الإسناد، ثم قال: أقبلنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر، فالتفت إلي وعلي ريطة ms2255 إلى آخر الحديث. # كلفظ أبي داود ا ه. # وجمع الخطابي بين الأحاديث: بأن النهي فيما صبغ من الثياب بعد النسج، ~~وأن الإباحة منصرفة إلى ما صبغ غزله، ثم نسج نقل هذا الجمع النووي في شرح ~~مسلم عن الخطابي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الجمع فيه نظر، لأنه تحكم، والظاهر ~~أن العصفر ليس بطيب، فأبيح للنساء ومنع للرجال، كالحرير وخاتم الذهب. ~~والله تعالى أعلم. # فاتضح أن الظاهر بحسب الدليل أن المعصفر: لا يحل لبسه للرجال، ويحل ~~للنساء، لأن ظاهر أحاديث النهي عنه العموم، وكونه من ثياب الكفار قرينة ~~على التعميم، إلا أن أحاديث النهي تخصص بالأحاديث المتقدمة المصرحة، ~~بجوازه للنساء كحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود وابن ~~ماجه، وحديث الترمذي وما فسر به النووي حديث مسلم وحديث أبي داود المتقدم ~~الذي فيه ابن اسحاق، وكونه من ثياب الكفار: لا ينافي أن ذلك بالنسبة ~~للرجال. دون النساء، كما قال في الذهب والفضة والديباج والحرير # " إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " # مع إباحتها للنساء. # والذين أباحوا لبس المعصفر للرجال والنساء معا، احتجوا بما ذكره النووي ~~في شرح مسلم قال: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء. # وفي الصحيحين # " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصبغ بالصفرة " " # ا ه منه فانظره. # والذين منعوه للرجال دون النساء استدلوا بالأحاديث المذكورة المصرحة ~~بإباحته للنساء، وعضدوا الأحاديث المذكورة بآثار عن الصحابة رضي الله ~~عنهم، فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه ~~أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات ~~المشبعات، وهي محرمة ليس فيها زعفران. انتهى محل الغرض منه. # وقال شارحه الزرقاني: وكذلك جاء عن أختها. روى سعيد بن منصور، عن القاسم ~~بن محمد قال: كانت عائشة رضي الله عنها، تلبس الثياب المعصفرة، وهي ~~محرمة. إسناده صحيح انتهى منه. # وروى البيهقي بإسناده، عن هشام بن عروة، ms2256 عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ~~نحو رواية مالك في الموطأ عنها ثم قال: هكذا رواه مالك، وخالفه أبو ~~أسامة، وحاتم بن إسماعيل، وابن نمير فرووه عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء ~~قاله مسلم بن الحجاج. انتهى من السنن الكبرى. # وقال البيهقي: وروينا عن نافع أن نساء ابن عمر كن يلبسن المعصفر، وهن ~~محرمات، ثم ذكر عن أبي داود في المراسيل: أن مكحولا قال: # " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب مشبع بعصفر، فقالت: ~~يا رسول الله إني أريد الحج، فأحرم في هذا قال " لك غيره؟ قالت: لا. قال: ~~فأحرمي فيه " " # ثم ساق سنده به إلى أبي داود، وذكر بسنده عن جابر أنه قال # " لا تلبس المرأة ثياب الطيب وتلبس الثياب المعصفرة لا أرى المعصفر ~~طيبا " # وروى البيهقي بسنده عن عائشة رضي الله عنها، " أنها كانت تلبس الثياب ~~الموردة بالعصفر، الخفيف: وهي محرمة " ، وقد قدمنا حديث ابن عباس، عند ~~الطبراني في الكبير قال: كان أزواج النبي صلى الله عليه سلم يختضبن ~~بالحناء، وهن محرمات، ويلبسن المعصفر، وهن محرمات، وفي إسناده يعقوب بن ~~عطاء. قال في مجمع الزوائد: وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. # وقال أبو داود في سننه: حدثنا زهير بن حرب، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا ~~إبراهيم بن طهمان، حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، عن أم ~~سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال # " المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ~~ولا تختضب " # ا ه منه، وهذا الإسناد صحيح كما ترى. # وقال صاحب الجوهر النقي في حاشيته على سنن البيهقي، لما أشار إلى حديث ~~أبي داود هذا، وفيه دليل على أن العصفر طيب، ولذلك نهيت عن المعصفر، إذ ~~لو كان النهي لكونه زينة نهيت عن ثوب العصب، لأنه في الزينة فوق المعصفر، ~~والعصب برود اليمن يعصب غزلها: أي تطوى، ثم تصنع مصبوغا، ثم تنسج. # وفي الصحيحين: أنه صلى ms2257 الله عليه وسلم استثنى من المنع ثوب العصب، ~~والشافعية خالفت هذا الحديث. # قال النووي: الأصح عندنا تحريم العصب مطلقا، والحديث حجة لمن أجازه. ~~وقال أيضا: الأصح أنه يجوز لها لبس الحرير. انتهى منه. # وفي صحيح مسلم من # " حديث أم عطية، في المتوفى عنها زوجها " ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ~~ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا " " # الحديث. # وفي صحيح البخاري: # " من حديث أم عطية قالت: " كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على ~~زوج ". الحديث، وفيه " ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ~~ثوب عصب " " # الحديث. # والممشقة في حديث أم سلمة المذكور هي المصبوغة بالمشق بالكسر والفتح وهو ~~المغرة والعصفر بالضم نبات يصبغ به وبزره هو القرطم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن منع المتوفى عنها ~~زوجها، من لبس المعصفر المذكور، ليس لكونه طيبا كما ظنه صاحب الجوهر ~~النقي، بدليل الأحاديث الدالة على المنع منه في غير الإحرام، مع جواز ~~الطيب لغير المحرم، والأظهر أن المنع منه للزينة: وهي محرمة على المتوفى ~~عنها زوجها، دون غيرها من النساء. # والعلم عند الله تعالى. # ولا يتعين كون العصب فوقه في الزينة لأن المتوفى عنها زوجها ممنوعة في ~~العدة، من الطيب، والتزين، فإباحة العصب لها تدل على ضعف مرتبته في ~~الزينة. والله تعالى أعلم. # ومن ذلك الحناء قد قدمنا اختلاف العلماء فيها، هل هي طيب أو لا؟ وقد ~~قدمنا آثارا تدل: على أنها ليست بطيب، وقدمنا حديث ابن عباس، عند ~~الطبراني أن أزواج النبي كن يختضبن بالحناء، وهن محرمات، وقد قدمنا أن ~~في إسناده يعقوب بن عطاء، وقد روى البيهقي بإسناده في السنن الكبرى عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قيل لها: ما تقولين في الحناء والخضاب؟ قالت: ~~كان خليلي لا يحب ريحه، ثم قال البيهقي: فيه كالدلالة على أن الحناء ليس ~~بطيب # " فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء " # ا ه منه. # وهذا حاصل مستند من ms2258 قال: إن الحناء ليس بطيب وقال صاحب الجوهر النقي: ~~بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ~~خلاف هذا. قال أبو عمر في التمهيد: ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة، عن بكير ~~بن الأشج، عن خولة بنت حكيم، عن أمها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة " لا تطيبي، وأنت محد ~~ولا تمسي الحناء فإنه طيب " " # وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة، من هذا الوجه وقد عد أبو حنيفة ~~الدينوري وغيره: من أهل اللغة: الحناء من أنواع الطيب. وقال الهروي في ~~الغريبين: وفي الحديث # " سيد رياحين الجنة الفاغية " # قال الأصمعي: هو نور الحناء. وفي الحديث أيضا، عن أنس: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفاغية " # انتهى منه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس. وقال النجم، وعند ~~الطبراني والبيهقي، وأبي نعيم في الطب عن بريدة # " سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة ~~الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية " # انتهى محل الحاجة منه، وقال ابن الأثير في النهاية فيه # " سيد رياحين الجنة الفاغية هي نور الحناء " # وقيل نور الريحان. وقيل: نور كل نبت من أنوار الصحراء، التي لا تزرع. ~~وقيل فاغية كل نبت نوره، ومنه: حديث أنس # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الفاغية " # ا ه. # وفي القاموس: والفاغية نور الحناء أو يغرس غصن الحناء مقلوبا فيثمر ~~زهرا أطيب من الحناء، فذلك الفاغية ا ه محل الغرض منه. ولا يخفى أن ~~الحناء لم يثبت فيه شيء مرفوع وأكثر أنواع الطيب لم تثبت في خصوصها نصوص، ~~ومنها: ما ثبت بالنص كالزعفران، والورس، كما تقدم إيضاحه، وكالذريرة، ~~والمسك كما سيأتي إن شاء الله، وقد قدمنا أن الذي اختلف فيه أهل العلم من ~~الأنواع: هل هو طيب، أو ليس بطيب؟ أن ذلك من نوع الاختلاف في تحقيق ~~المناط، والعلم عند الله تعالى. # الفرع السادس عشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإحرام ~~قبله بحيث يبقى أثر الطيب، وريحه ms2259 أو عينه بعد التلبس بالإحرام، هل يجوز ~~ذلك لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب، ليس كابتدائه كالنكاح ~~عند من يمنعه في حال الإحرام، مع إباحة الدوام على نكاح معقود، قبل ~~الإحرام أو لا يجوز ذلك، لأن وجود ريح الطيب، أو عينه، أو أثره في المحرم ~~بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإحرام بالطيب، مع أن ~~الطيب منهي عنه في الإحرام، فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند ~~إرادة الإحرام مستحب. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا ~~استحبابه، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء ~~منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم ~~حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن ~~المنذر، وداود وغيرهم ا ه. # وقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير ~~الفقهاء والمحدثين منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس إلى آخره، كما في ~~شرح المهذب. # وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: ويتطيب. # وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق ~~بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره كالعود والبخور وماء الورد ~~هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وأم حبيبة، ~~ومعاوية، وروي عن محمد بن الحنفية، وأبي سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، ~~والشعبي وابن جريج. ا ه محل الغرض منه. # وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن ~~فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه، وهذا هو مذهب مالك. # وقال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمعنه مهم: الزهري، ومالك، ومحمد ~~بن الحسن، وحكي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين ا ه. # وقال في شرح المهذب: وقال عطاء والزهري ومالك ومحمد بن الحسن: يكره. # قال القاضي عياض: وحكي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين ا ه. # وقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك، وهو قول مالك، ms2260 وروي ذلك ~~عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم ا ه. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة: فهذه أدلتهم ومناقشتها وما ~~يظهر رجحانه بالدليل منها. # أما الذين منعوا ذلك: فقد احتجوا بحديث يعلى بن أمية التميمي رضي الله ~~عنه، وهو متفق عليه. # قال البخاري في صحيحه، # " قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلى أخبره: ~~أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه: أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~يوحى إليه؟ فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، ومعه نفر من ~~أصحابه، جاء رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف ترى في رجل ~~أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ~~فجاءه الوحي فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى، فجاء يعلى، وعلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثوب، وقد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم محمر الوجه، وهو يغط، ثم سري عنه فقال: " أين الذي سأل عن ~~العمرة فأتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، ~~واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك " " # قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. ا ه ~~من صحيح البخاري قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغسل الطيب الذي تضمخ به قبل الإحرام، وأمر بإنقائه كما قاله ~~عطاء، ولا شك أن هذا الحديث يقتضي أن الطيب في بدنه إذ لو كان في الجبة، ~~دون البدن لكفى نزع الجبة كما ترى، خلافا لما توهمه ترجمة الحديث الذي ~~ترجمه بها البخاري: وهو قوله: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب. وقول ~~البخاري في أول هذا الإسناد: قال أبو عاصم: قد قدمنا الكلام على مثله ~~مستوفى وبينا أنه صحيح سواء قلنا: إنه موصول كما هو الصحيح، أو معلق، ~~لأنه أورده بصيغة الجزم. # وقال البخاري أيضا في صحيحه: في أبواب العمرة: حدثنا أبو نعيم، ms2261 حدثنا ~~همام، حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية: يعني عن أبيه: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالجعرانة، وعليه ~~جبة، وعليه أثر الخلوق، أو قال صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في ~~عمرتي؟ فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فستر بثوب وودت أني ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال ~~أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله الوحي؟ ~~قلت: نعم، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط: وأحسبه قال: كغطيط: ~~وأحسبه قال: كغطيط البكر، فلما سري عنه قال " أين السائل عن العمرة: ~~اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما ~~تصنع في حجتك " # ا ه منه. وقوله في هذا الحديث: # " اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وأنق الصفرة " # صريح في أن غسل ذلك وإنقاءه من بدنه لأن ما في الجبة من الخلوق، والصفرة ~~يزول بخلعها كما ترى. # وقال مسلم في صحيحه: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن ~~أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه رضي الله عنه قال # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة، ~~وعليها خلوق أو قال: أثر صفرة. فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: ~~وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فستر بثوب وكان يعلى يقول: ~~وددت أن أرى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نزل عليه الوحي قال فقال: ~~أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل عليه الوحي؟ ~~قال: فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط قال: وأحسبه قال: كغطيط ~~البكر. قال: فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة: اغسل عنك أثر ~~الصفرة أو قال أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في ~~حجك ". # وفي لفظ في صحيح مسلم # " عن يعلى قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ms2262 رجل، وهو بالجعرانة، ~~وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه مقطعات، يعني جبة، وهو متضمخ ~~بالخلوق فقال: إني أحرمت بالعمرة، وعلي هذا، وأنا متضمخ بخلوق، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم " ما كنت صانعا في حجك " قال: أنزع عني هذه ~~الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ~~كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك " وفي لفظ في صحيح مسلم، عن يعلى فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما ~~الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك " وفي لفظ في صحيح مسلم ~~عن يعلى رضي الله عنه " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~الجعرانة قد أهل بالعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: انزع عنك ~~الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعا في حجك، فاصنعه في عمرتك " وفي ~~لفظ في صحيح مسلم عن يعلى أيضا قال " انزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق ~~الذي بك. وافعل في عمرتك ما كنت فاعلا في حجك " " # انتهى من صحيح مسلم. # قالوا: فهذه الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: فيها ~~التصريح، بأن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك، بل ~~يجب غسله ثلاثا، وإنقاؤه، ولا شك أن بعض الروايات الصحيحة التي أوردنا ~~صريحة في ذلك. # وهذا هو حجة مالك ومن ذكرنا معه من أهل العلم في وجوب إزالة المحرم ~~الطيب، الذي تلبس به قبل إحرامه. # وروى مالك في الموطأ، عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح # " إن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بحنين، وعلى ~~الأعرابي قميص، وبه أثر صفرة فقال: يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف ~~تأمرني أن أصنع؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انزع قميصك، ~~واغسل هذه الصفرة عنك وافعل في عمرتك ما ms2263 تفعل في حجتك " " # ا ه. # والذين قالوا بهذا قالوا: يعتضد حديث يعلى المتفق عليه ببعض الآثار ~~الواردة، عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كما أشرنا إليه غير بعيد، وقد ~~روى مالك في الموطأ، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب: أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وجد ريح طيب، وهو بالشجرة، فقال: ممن ريح هذا ~~الطيب، فقال معاوية بن أبي سفيان: مني يا أمير المؤمنين، فقال منك لعمر ~~الله فقال معاوية: أن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين، فقال عمر: عزمت ~~عليك لترجعن فلتغسلنه. # وروى مالك في الموطأ عن الصلت بن زيد عن غير واحد من أهله: أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وجد ريح طيب وهو بالشجرة، وإلى جنبه كثير بن ~~الصلت، فقال عمر: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: مني يا أمير المؤمنين، ~~لبدت رأسي، وأردت ألا أحلق فقال عمر: فاذهب إلى شربة فادلك رأسك، حتى ~~تنقيه، ففعل كثير بن الصلت. قال مالك: الشربة حفير تكون عند أصل النخلة. ~~انتهى من الموطأ. # قالوا: ففعل هذا الخليفة الراشد في زمن خلافته مطابق لما تضمنه حديث ~~يعلى بن أمية المتفق عليه، فتبين بذلك أنه غير منسوخ، وذكر الزرقاني في ~~شرح الموطأ: أن عمر أنكر أيضا ذلك على البراء بن عازب، وقال: إنه رواه ~~ابن أبي شيبة عن بشير بن يسار، كما أنكر على معاوية وكثير المذكورين، ~~قال: فهذا عمر قد أنكر على صحابيين، وتابعي كبير الطيب بمحضر الجمع ~~الكثير من الناس صحابة وغيرهم، وما أنكر عليه منهم أحد، فهو من أقوى ~~الأدلة على تأويل حديث عائشة، ثم ذكر عن وكيع، عن شعبة، عن سعد بن ~~إبراهيم، عن أبيه: أن عثمان رأى رجلا قد تطيب عند الإحرام، فأمره أن ~~يغسل رأسه بطين ا ه. # وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر: أن محمد بن المنتشر سأله عن الرجل ~~يتطيب، ثم يصبح محرما، فقال: " ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، لأن ~~أطلى بقطران أحب إلي من أن ms2264 أفعل ذلك ". # هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه بعده رد عائشة على ابن عمر كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # فحديث يعلى المتفق عليه، والآثار التي ذكرنا عن بعض الصحابة، ومنها ما ~~لم نذكره هو حجة مالك، ومن ذكرنا معه في منع التطيب قبل الإحرام، ووجوب ~~غسله، وإنقائه إن فعل ذلك، ولا فدية فيه عندهم مطلقا، وذكر بعضهم: أن ~~المشهور عن مالك: الكراهة لا التحريم. # واحتج الجمهور القائلون باستحباب التطيب عند الإحرام بما رواه الشيخان ~~وغيرهما، عن عائشة رضي الله عنها وبعض الآثار الدالة على ذلك، عن بعض ~~الصحابة رضي الله عنهم. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبدالله بن يوسف، ~~أخبرنا مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لإحرامه، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي صحيح البخاري: قيل ~~هذا الحديث متصلا به من طريق الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني ~~أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم. ~~وقد ذكرنا هذا الحديث في الكلام على التحلل الأول. # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، ~~حدثنا عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: ~~سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ~~هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها ا ه منه. # وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عباد أخبرنا سفيان، عن ~~الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحرمه، حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ لمسلم ~~عنها من طريق القاسم بن محمد قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيدي، لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ عند ~~مسلم عنها ms2265 قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه، قبل أن ~~يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ عنها عند مسلم قالت: طيبت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع، للحل والإحرام. # وفي النهاية الذريرة: نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال السيوطي في ~~تلخيصه للنهاية: وقيل هي فتات قصب، وقال النووي في شرح مسلم: هي فتات قصب ~~طيب، يجاء به من الهند، وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذريرة قصب يجاء ~~به من الهند كقصب النشاب أحمر يتداوى به. وفي لفظ عند مسلم أيضا، عن ~~عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء طيبت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عند إحرامه؟ قالت: بأطيب الطيب، وفي لفظ: بأطيب ما أقدر عليه، ~~قبل أن يحرم، ثم يحرم. # وفي لفظ: بأطيب ما وجدت. وفي لفظ عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب ~~في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم، وفي لفظ عنها قالت: ~~لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يهل. وفي لفظ: وهو يلبي. والألفاظ المماثلة لهذا متعددة في صحيح مسلم ~~عنها رضي الله عنها. وفي لفظ عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما ~~يجد، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته " # وفي لفظ عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ~~ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وفي صحيح مسلم: # " أن عائشة لما بلغها قول ابن عمر المتقدم: لأن أطلى بقطران أحب إلي من ~~أن أفعل ذلك، قالت: " أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه، ~~ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرما " # ا ه. كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. قالوا فهذا الحديث التي اتفق عليه ~~الشيخان، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، دليل صحيح صريح في مشروعية ~~الطيب قبل الإحرام، ms2266 وإن كان أثره باقيا بعد الإحرام، بل ولو بقي عينه ~~وريحه، لأن رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه صلى الله عليه وسلم، وهو محرم ~~صريح في ذلك، قالوا: وقد وردت آثار عن بعض الصحابة بذلك، تدل على عدم ~~خصوصية ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال صاحب نصب الراية: وقيل: إن ذلك من خواصه صلى الله عليه وسلم، وفيه ~~نظر، فقد رئي ابن عباس محرما، وعلى رأسه مثل الرب من الغالية. وقال مسلم ~~بن صبح: رأيت ابن الزبير، وهو محرم، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان ~~لرجل أعد منه رأس مال. انتهى منه. # فهذا الحديث، وهذه الآثار: حجة من قال: بالتطيب قبل الإحرام، ولو كان ~~الطيب يبقى بعد الإحرام. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم وحججهم في هذه المسألة فهذه مناقشة أقوالهم: ~~اعلم أن المالكية، ومن وافقهم أجابوا عن حديث عائشة المذكور، بأجوبة: # منها: أنهم حملوه على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام ~~قالوا: ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى # " طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه، ثم ~~أصبح محرما " # فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده، لا سيما وقد ~~نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك طيب، ويكون ~~قولها: ثم أصبح ينضح طيبا: أي قبل غسله، وقد سبق في رواية لمسلم: أن ذلك ~~الطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل، قالوا: وقولها: كأني أنظر إلى وبيص ~~الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم المراد به: أثره ~~لا جرمه قاله القاضي عياض. # وقال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة: أن عين الطيب بقيت. # ومنها: أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم. # ومنها: أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام، ~~بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام، في كل منهما قالوا: ومما ~~يؤيد أن ذلك التطيب خاص به صلى الله ms2267 عليه وسلم: أنه لو كان مشروعا لعامة ~~الناس لما أنكره عمر، وعثمان، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في ~~الصحابة. ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر ولما أنكره ~~الزهري، وعطاء مع علمهما بالمناسك. # ومنها: أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب، لمن أراد الإحرام، ~~وحديث يعلى بن أمية: يقتضي منع ذلك، والمقرر في الأصول: أن الدال على ~~المنع مقدم على الدال على الإباحة، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. # ومنها: أن حديث يعلى من قول النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه الصريح في ~~الأمر بإزالة الطيب، وإنقائه من البدن، وظاهره العموم لما قدمنا أن خطاب ~~الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف، والعموم القولي لا ~~يعارضه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مخصص له كما تقرر في ~~الأصول، كما أوضحناه سابقا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: # في حقه القول بفعل خصا # إن يك فيه القول ليس نصا # فهذا هو حاصل ما أجاب به القائلون: بمنع التطيب، عند إرادة الإحرام أو ~~كراهته. وأجاب المخالفون بمنع ذلك كله قالوا: دعوى أن التطيب للنساء لا ~~الإحرام، يرده صريح الحديث في قولها: طيبته لإحرامه، وادعاء أن اللام ~~للتوقيت، خلاف الظاهر قالوا وادعاء أن الطيب زال بالغسل قبل الإحرام ترده ~~الروايات الصريحة، عن عائشة: أنها كانت تنظر إلى وبيص الطيب، في مفرقه ~~صلى الله عليه وسلم وهو محرم، لأن الوبيص في اللغة: البريق، واللمعان، ~~وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي: لا يوصف به المعدوم، وإنما يوصف به ~~الموجود. فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن ~~العربي أنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. # ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني: # " ثنا أبو أسامة، قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفي، قال: حدثتني عائشة ~~بنت طلحة: أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حدثتها قالت: " كنا نخرج ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ms2268 إلى مكة. فنضمد جباهنا بالسك المطيب، عند ~~الإحرام، فإذا عرفت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلا ينهانا " # ا ه منه والسك بضم السين، وتشديد الكاف: نوع من الطيب، يضاف إلى غيره ~~من الطيب، ويستعمل. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا: سكت عنه أبو داود، ~~والمنذري، وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود وقد قال ~~النسائي، لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الأمر فيما يروى ا ~~ه. وقال فيه ابن حجر في التقريب: لا بأس به، وقال فيه: في تهذيب ~~التهذيب: قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال من أهل ~~سمغان: مستقيم الأمر فيما يروي. # قلت: وقال أحمد بن حمدان العابدي، ثنا الحسين بن الجنيد، وكان رجلا ~~صالحا وقال: مسلمة بن القاسم ثقة ا ه منه. # وبما ذكرنا: تعلم أن حديث عائشة المذكور عند أبي داود أقل درجاته أنه ~~حسن، وقال فيه النووي في شرح المهذب: هذا حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد ~~حسن ا ه منه، وهو حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام، إن ~~كان استعماله للطيب، قبل الإحرام. # قال في القاموس: والسك بالضم طيب، يتخذ من الرامك مدقوقا منخولا ~~معجونا بالماء، ويعرك شديدا، ويمسح بدهن الخيري لئلا يلصق بالإناء، ~~ويترك ليلة ثم يسحق المسك ويلقمه ويعرك شديدا، ويقرص، ويترك يومين، ثم ~~يثقب بمسلة وينظم في خيط قتب، ويترك سنة، وكلما عتق طابت رائحته اه منه. ~~وقال أيضا: والرامك كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك، ويفتح انتهى منه. ولا ~~يخفى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كن يضمدن به جباههن في ~~حال كونه معجونا، قبل أن يقرص ويجف. # وقال ابن منظور في اللسان: والسك ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك، وقال ~~في اللسان أيضا ابن سيده: والرامك والرامك، والكسر أعلى، شيء أسود ~~كالقار يخلط بالمسك فيجعل سكا قال: # إن لك الفضل على صحبتي # والمسك قد ms2269 يستصحب الرامكا # وأجابوا عن كون التطيب المذكور خاصا به صلى الله عليه وسلم: بأن حديث ~~عائشة هذا نص في عدم خصوص ذلك به صلى الله عليه وسلم، وعضدوه بالآثار ~~المروية، عن بعض الصحابة كما تقدم، عن ابن عباس، وابن الزبير قالوا: ~~وإنكار عمر وعثمان لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن سنته أولى بالاتباع، من قول كل صحابي، مع أنهم خالفهم بعض ~~الصحابة. # وقد ثبت في صحيح مسلم: أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر رضي الله عنهم. ~~وأجابوا عن كون حديث يعلى، كالعموم القولي، فلا يعارضه فعله صلى الله ~~عليه وسلم، بل يخصص به بما ذكرناه آنفا من الأدلة، على أن ذلك الفعل ~~الذي هو التطيب قبل الإحرام، ليس خاصا به كما دل عليه حديث عائشة ~~المذكور آنفا. # وقولها في الصحيح: " طيبته بيدي هاتين ". صريح في أنها شاركته في ملابسة ~~ذلك الطيب كما ترى. # وأجابوا عن كون حديث يعلى: دالا على المنع، وحديث عائشة: دالا على ~~الجواز. والدال على المنع مقدم على الدال على الجواز، بأن محل ذلك فيما ~~إذا جهل المتقدم منهما. أما إذا علم المتقدم، فإنه يجب الأخذ بالمتأخر ~~لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث وقصة يعلى، وقعت بالجعرانة عام ثمان ~~بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع، عام عشر ومن المقرر في الأصول أن ~~النصين، إذا تعارضا وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول كما هو معلوم في ~~محله. وأجابوا عن كون الدوام على الطيب كابتدائه بأنه منتقض بالنكاح، فإن ~~ابتداء عقده في حال الإحرام ممنوع عند الجمهور كما تقدم إيضاحه خلافا ~~لأبي حنيفة، مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح، وقع عقده قبل الإحرام، ~~ثم أحرم بعد عقده الزوجان، وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء. # وقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ~~ثلاثة أقسام: # الأول: هو المانع للدوام والابتداء معا كالرضاع، فإن الرضاع مانع من ~~ابتداء عقد النكاح كما أنه أيضا مانع من الدوام عليه ms2270 فلو تزوج رضيعة، ~~غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد فإن هذا الرضاع ~~الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه، لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك ~~الرضاع الطارئ عليه، وكالحدث فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام ~~عليها إذا طرأ في أثنائها. # والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء، كالطلاق فإنه مانع من ~~الدوام على العقد الأول، والاستمتاع بالزوجة بموجبه، وليس مانعا من ~~ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها بموجبه. # والثالث: هو المانع من الابتداء فقط، دون الدوام، كالنكاح بالنسبة إلى ~~الإحرام، فإن الإحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعا من الدوام على ~~عقد كان قبله، كالاستبراء، فإنه مانع من النكاح في حال الاستبراء، وليس ~~مانعا من الدوام على النكاح، لأن الزوج إذا وطئت امرأته بشبهة، فلزمها ~~الاستبراء بذلك فإن ذلك لا يمنع من الدوام، على عقد زواجها الأول، قالوا: ~~ومن هذا الطيب فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعا من الدوام عليه، ~~كالنظائر المذكورة وإلى تعريف المانع وأقسامه، أشار في المراقي بقوله: # ما من وجوده يجيء العدم # ولا لزوم في انعدام يعلم # بمانع يمنع للدوام # والابتدا أو آخر الأقسام # أو أول فقط على نزاع # كالطول الاستبراء والرضاع # هذا هو حاصل أقوال العلماء ومناقشتها. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه ~~المسألة: أن الطيب جائز عند إرادة الإحرام، ولو بقيت ريحه بعد الإحرام، ~~لحديث عائشة المتفق عليه، ولإجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ ~~بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم. # وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم فحديث عائشة ~~في حجة الوداع عام عشر، وحديث يعلى عام الفتح، وهو عام ثمان فحديث عائشة ~~بعد حديث يعلى بسنتين، هذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # أظهر قولي أهل العلم عندي: إنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام فله الدوام على ~~لبسه كتطييب بدنه، وأنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه، فليس له ms2271 ~~أن يعيد لبسه فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإحرام، فتلزمه الفدية، ~~وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإحرام، من موضع من بدنه إلى موضع ~~آخر بعد الإحرام، فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع، الذي نقله إليه، وكذلك ~~إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه، ثم رده إليه، لأن كل تلك الصور فيها ~~ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب، وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق ~~فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك، لأنه ليس من ~~فعله. # ولحديث عائشة: عند أبي داود الذي ذكرناه قريبا. وقال بعض علماء ~~المالكية: ولا فرق في ذلك، بين أن يكون الطيب في بدنه، أو ثوبه، إلا أنه ~~إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية، يحتمل ~~أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه. وقال ~~أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية، لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب. انتهى من ~~الحطاب والعلم عند الله تعالى. # الفرع السابع عشر: في أحكام أشياء متفرقة: كالنظر في المرآة للمحرم، ~~وغسل الرأس، والبدن وما يلزم من قتل بغسله رأسا قملا، والحجامة، وحك ~~الجسد، والرأس وتقريد البعير، وتضميد العين بالصبر ونحوه، والسواك. أما ~~النظر في المرآة: فالظاهر أنه لا بأس به للمحرم، ولم يرد شيء يدل على ~~النهي عنه فيما أعلم. # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا ~~أراد أن يحرم ويترجل، ويدهن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يشم المحرم ~~الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن، وقال عطاء: ~~يتختم ويلبس الهميان، وطاف ابن عمر رضي الله عنهما، وهو محرم، وقد حزم ~~على بطنه بثوب، ولم تر عائشة رضي الله عنها بالتبان بأسا للذين يرحلون ~~هودجها انتهى منه. # ومحل الشاهد عنه قول ابن عباس: وينظر في المرآة وهذه المسائل التي ذكرها ~~البخاري، قد قدمنا كلها وأوضحنا مذاهب العلماء ms2272 فيها، إلا النظر في المرآة ~~الذي هو غرضنا منها الآن. # وكون عائشة لم تر بأسا بالتبان، للذين يرحلون هودجها، والتبان كرمان، ~~سراويل صغير يستر العورة المغلظة، وإباحة عائشة للتبان للذين يرحلون ~~هودجها قريب من قول المالكية: بجواز الاستثفار للركوب والنزول وما ذكره ~~البخاري عن ابن عمر من: " أنه طاف وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب " خصص ~~المالكية، جواز شد الحزام على البطن من غير عقد بضرورة العمل خاصة كما ~~تقدم. # والحاصل: أنه لا ينبغي أن يختلف في جواز نظر المحرم في المرآة، إذ لا ~~دليل على النهي عنه، وذكر ابن حجر في الفتح: أنه نقلت كراهته عن القاسم ~~بن محمد، وذلك هو مشهور مذهب مالك، وفي سماع ابن القاسم: لا أحب نظر ~~المحرم في المرآة، فإن نظر فلا شيء عليه، وليستغفر الله. # وأصح القولين عند الشافعية: أنه لا كراهة فيه، ونقل ابن المنذر عدم ~~الكراهة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وطاوس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق قال: ~~وبه أقول، وكره ذلك عطاء الخراساني. وقال مالك: لا يفعل ذلك إلا عن ~~ضرورة، قال: وعن عطاء في المسألة قولان: بالكراهة والجواز، وصح عن ابن ~~عمر: أنه نظر في المرآة. انتهى بالمعنى من النووي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: ~~أن مجرد نظر المحرم في المرآة لا بأس به، ما لم يقصد به الاستعانة على ~~أمر من محظورات الإحرام، كنظر المرأة فيها لتكتحل بما فيه طيب أو زينة، ~~ونحو ذلك، والعلم عند الله تعالى. # وذكر في الفتح أيضا: أن سعيد بن منصور روى من طريق عبدالرحمن بن ~~القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها حجت، ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا ~~رحلها يبدو منهم الشيء، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسوها، وهم محرمون ~~قال: وأخرجه من وجه آخر مختصرا بلفظ: " يشدون هودجها انتهى محل الغرض ~~منه، وقوله: يرحلون هودجها هو بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون ~~الراء، وفتح الحاء من قولهم: رحلت البعير أرحله بفتح الحاء، في ~~المضارع، والماضي ms2273 رحلا بمعنى: شددت الرحل على ظهره، ومنه قول الأعشى: # رحلت سمية غدوة أجمالها # غضبى عليك فما تقول بدالها # وقول المثقب العبدي وهو عائذ بن محصن: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # والهودج: مركب من مراكب النساء معروف، وما ذكر عن عائشة رضي الله عنها ~~ظاهره أنها إنما رخصت في التبان، لمن يرحل هودجها، لضرورة انكشاف ~~العورة، وهو يدل على أنه لا يجوز لغير ضرورة، والعلم عند الله تعالى. # وأما غسل الرأس والبدن بالماء، فإن كان لجنابة كاحتلام، فلا خلاف في ~~وجوبه، وإن كان لغير ذلك فهو جائز على التحقيق، ولكن ينبغي أن يكون برفق ~~لئلا يقتل بعض الدواب في رأسه واغتسال المحرم، وغسله رأسه، لا ينبغي أن ~~يختلف فيه: لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلما خالف السنة ~~الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، فهو مردود على قائله. # قال البخاري في صحيحه: باب الاغتسال للمحرم، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يدخل المحرم الحمام، ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا. حدثنا ~~عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبدالله بن ~~حنين، عن أبيه: " أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، ~~فقال عبدالله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم ~~رأسه، فأرسلني عبدالله بن العباس، إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل ~~بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبدالله ~~بن حنين، أرسلني إليك عبدالله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يغسل رأسه، وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، ~~فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم ~~حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر وقال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم ~~يفعل. # وقال ابن حجر في الكلام على هذا الحديث: وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنه ~~موضع الإشكال في هذه المسألة، لأنه محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف ~~سائر ms2274 البدن غالبا، وحديث أبي أيوب المذكور أخرجه أيضا مسلم في صحيحه ~~كلفظ البخاري، وزاد مسلم فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا. وقال ~~النووي في شرحه لحديث أبي أيوب: هذا عند مسلم، وفي هذا الحديث فوائد. # منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ~~ينتف شعرا إلى آخره، وهذا حديث متفق عليه فيه التصريح: بجواز غسل الرأس ~~في الإحرام، وكذلك غسل البدن، وقال النووي في شرح المهذب: قال الماوردي: ~~أما اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه، فجائز لا يعرف بين العلماء، ~~خلاف فيه، لحديث أبي أيوب السابق: أما دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه ~~فجائز أيضا، عندنا وبه، قال الجمهور وقال مالك: تجب الفدية بإزالة ~~الوسخ، وقال أبو حنيفة: إن غسل رأسه بخطمى: لزمته الفدية دليلنا حديث ~~ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعير. وقال ابن المنذر: وكره جابر بن ~~عبدالله ومالك: غسل المحرم رأسه بالخطمى قال مالك: وعليه الفدية وبه قال ~~أبو حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صدقة. قال ابن المنذر: هو مباح ~~لحديث ابن عباس. انتهى محل الغرض منه. # وقد قدمنا جواز غسل الرأس بالماء وحده، عن المالكية، وكراهة غمس الرأس ~~في الماء ما لم يتيقن أنه لا يقتل بذلك بعض دواب الرأس. # وقال صاحب اللسان: والخطمى: ضرب من النبات، يغسل به، وفي الصحاح: يغسل ~~به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء، ومن قال: خطمى بكسر الخاء فقد ~~لحن، وفي المدونة عن مالك: لا يدخل المحرم الحمام، فإن دخله، وتدلك، ~~وألقى الوسخ: افتدى. وقال اللخمي: أرى أن يفتدي، ولو لم يتدلك، لأن الشأن ~~فيمن دخل الحمام، ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه، ولو لم يتدلك ا ه بواسطة ~~نقل المواق. # فتحصل: أن مطلق الغسل الذي لا تنظيف فيه لا خلاف فيه إلا ما رواه مالك، ~~عن ابن عمر: " أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام " وروى مالك ~~في الموطأ، عن عمر بن الخطاب " أنه غسل رأسه، وهو محرم، وأمر يعلى ms2275 بن ~~منية: أن يصب على رأسه أي عمر الماء. وقال: اصبب، فلن يزيده الماء إلا ~~شعثا ". وقد ثبت في الصحيحين جوازه، وأن إزالة الوسخ بالتدلك في الحمام، ~~وغسل الرأس بالخطمى ونحو ذلك: فيه خلاف كما رأيت أقوال أهل العلم فيه. # وحجة من قال: إن التدلك وإزالة الوسخ لا شيء فيه حديث ابن عباس في ~~المحرم الذي خر عن بعيره، ومات، ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يخمروا رأسه ووجهه، وعلل ذلك: بأنه يبعث ملبيا، ومع ذلك فقد أمرهم أن ~~يغسلوه بماء وسدر، وذلك ثابت في الصحيح، وأن الأصل عدم الوجوب. # واحتج من منع إزالة الوسخ: بأن الوسخ من التفث وقد دلت آية # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29] على أن إزالة التفث: لا تجوز قبل وقت التحلل الأول. # واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى ~~عبادي جاؤوني شعثا غبرا " # قال النووي في شرح المهذب: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. # وأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " الحاج الشعث التفل " # وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما مجرد الغسل الذي لا يزيده إلا ~~شعثا كما قال عمر رضي الله عنه، فلا ينبغي أن يختلف فيه، لحديث أبي أيوب ~~المتفق عليه، وأما التدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمى، فلا نص فيه، ~~والأحسن تركه احتياطا، وأما لزوم الفدية فيه فلا أعلم له دليلا يجب ~~الرجوع إليه والعلم عنده الله تعالى. # وأما حكم من قتل بغسله رأسه قملا فلا أعلم في خصوص قتل المحرم القمل ~~نصا من كتاب، ولا سنة. # وقد قدمنا أن مذهب مالك: أنه إن قتل قملة أو قملات أطعم ملء يد واحدة ~~من الطعام كفارة لذلك، وإن قتل كثيرا منه لزمته الفدية، وعن الشافعي أن ~~من قتل قملة: أطعم شيئا قال: وأي شيء فداها به فهو خير منها. # وعند الشافعي: أنه إن ظهر ms2276 القمل على بدنه أو ثيابه، لم يكره له أن ~~ينحيه، لأنه ألجأه. # وذهب بعض أهل العلم إلى أن قتل القمل لا فدية فيه، وهو مذهب أحمد ~~وأصحابه مع أن عنه روايتين: # أحداهما: إباحة قتله، لأنه يؤذي، والأخرى منع قتله، لأن فيه ترفها. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في ذلك: أن ~~القمل لا يجوز قتله، وأخذه من الرأس، بدليل قصة كعب بن عجرة المتقدمة، ~~فإنه لو كان كان قتله يجوز لما صبر على أذاه، ولتسبب في التفلي، لإزالته ~~من رأسه، كما هو العادة المعروفة فيمن آذاه القمل، وهو غير محرم إن لم ~~يرد الحلق، وأنه لا شيء على من قتله. والدليل على ذلك أمران. # أحدهما: أن الأصل عدم الوجوب إلا لدليل، ولا دليل على لزوم شيء في قتل ~~القمل، مع أنه يؤذي أشد الإيذاء. # الأمر الثاني: أن ظاهر حديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وظاهر القرآن ~~العظيم كلاهما: يدل على أن الفدية إنما لزمت بسبب حلق الرأس، مع كثرة ما ~~فيه من القمل، فلو كانت الفدية تلزم من قتل القمل، وإزالته لبينه صلى ~~الله عليه وسلم فقوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196] ظاهره أن الأذى الذي برأسه من القمل ونحوه: كالمرض في ~~إباحة الحلق، وأن الفدية لزمت بسبب الحلق لا بسبب المرض، ولا بسبب إزالة ~~القمل، وكذلك ظاهر حديث كعب، حيث أمره بالحلق والفدية، فهو يدل على أن ~~الفدية من أجل الحلق لا غيره. # ومما يؤيد ذلك: أن القمل لا قيمة له فهو كالبراغيث والبعوض، وليس القمل ~~بمأكول، وليس بصيد. # قال صاحب المغني: وحكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول، وسئل ابن عباس، ~~عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها؟ قال: تلك ضالة لا تبتغى. قال: ~~وهذا قول طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي ثور، وابن المنذر، وعن أحمد ~~فيمن قتل قملة ms2277 قال: يطعم شيئا فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، سواء قتل ~~كثيرا أو قليلا، وهذا قول أصحاب الرأي وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. ~~وقال مالك: حفنة من طعام. وروي ذلك عن ابن عمر، وقال عطاء: قبضة من طعام. # وهذه الأقوال كلها راجعة إلى ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، ~~وإنما هو على التقريب لأقل ما يتصدق به. انتهى من المغني. ولا يخفى أنها ~~أقوال لا دليل على شيء منها. # وحجة القائلين بها في الجملة: أن قتل القمل فيه ترفه للمحرم، والعلم عند ~~الله تعالى. # وأما الحجامة: إن دعت إليها ضرورة، فلا خلاف في جوازها للمحرم، وإنما ~~اختلف أهل العلم في الفدية، إن احتجم. أما جوازها لضرورة فهو ثابت، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه. # قال البخاري في صحيحه: باب الحجامة للمحرم: وكوى ابن عمر ابنه، وهو ~~محرم، ويتداوى ما لم يكن فيه طيب. # حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء ~~يقول: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: # " احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم " # ، ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس فقلت: لعله سمعه منهما. # حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن ~~عبدالرحمن الأعرج، عن ابن بحينة رضي الله عنه قال # " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم بلحيى جمل في وسط رأسه " # انتهى من صحيح البخاري. # وقال البخاري في كتاب: الطب: باب الحجم في السفر والإحرام: قاله ابن ~~بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس قال # " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم ". # وقال البخاري في كتاب: الطب أيضا: باب الحجامة على الرأس. # حدثنا إسماعيل، حدثني سليمان، عن علقمة: أنه سمع عبدالرحمن الأعرج: أنه ~~سمع عبدالله ابن بحينة، يحدث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم بلحيى جمل من طريق مكة ms2278 وهو ~~محرم في وسط رأسه " # وقال الأنصاري: أخبرنا هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رأسه " # وفي لفظ للبخاري، عن ابن عباس قال: # " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في رأسه وهو محرم من وجع كان به ~~بماء يقال له لحيى جمل " # وفي لفظ له أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة ~~كانت به " # انتهى منه. وحديث ابن عباس الذي ذكره البخاري: أخرجه مسلم أيضا، عن ~~طاوس، وعطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ # " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم " # وأخرج مسلم أيضا حديث ابن بحينة المذكور بلفظ # " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه " # اه. # فهذا الحديث المتفق عليه، عن صحابيين جليلين وهما: عبدالله بن عباس ~~وعبدالله بن بحينة: صريح في جواز الحجامة للمحرم إن دعت إلى ذلك ضرورة ~~وجع. والحديث المتفق عليه المذكور فيه أن الحجامة المذكورة كانت في ~~الرأس. # قال ابن حجر في الفتح: وخالف ذلك حديث أنس فأخرج أبو داود والترمذي في ~~الشمائل والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة ~~عنه قال # " احتجم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان ~~به " # ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود، حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة ~~رواه عن قتادة، فأرسله وسعيد أحفظ من معمر وليس هذه بعلة قادحة، والجمع ~~بين حديث ابن عباس، وحديث أنس، واضح بالحمل على التعدد أشار إلى ذلك ~~الطبري. ا ه منه. # ولا يخفى أن مثل هذا لا تعارض فيه، وأنه احتجم مرة في الرأس، ومرة على ~~ظهر القدم كما لا يخفى. وقوله في الحديث المتفق عليه # " بلحيي جمل " # هو بفتح اللام، ويجوز كسرها وسكون الحاء وياء مثناة تحتية، وفي بعض ~~رواياته: بياءين بصيغة التثنية، ms2279 وجمل بفتح الجيم، والميم. وقد جاء في ~~الروايات، أنه اسم موضع بين مكة، والمدينة. وقال في الفتح: قال ابن وضاح: ~~هي بقعة معروفة وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا اه. # وقال صاحب القاموس: ولحى جمل موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب. وزعم ~~صاحب القاموس: أن السقيا بالضم: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء، وما ~~ظنه بعضهم: من أن المراد به أحد فكي الجمل الذي هو ذكر الإبل، وأن فكه ~~كان هو آلة الحجامة، فهو غلط لا شك فيه. # فهذه النصوص التي ذكرنا لا يبقى معها شك في جواز الحجامة للمحرم الذي به ~~وجع يحتاج إلى الحجامة. # أما ما يلزم في ذلك فاختلفوا فيه: قال النووي في شرح مسلم: وفي هذا ~~الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم. وقد أجمع العلماء على جوازها له في ~~الرأس وغيره، إذا كان له عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه ~~الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية # [البقرة: 196] الآية. وهذا الحديث محمول على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس، لأنه لا ينفك عن قطع شعر، أما ~~إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قلع شعر، فهي حرام لتحريم ~~قطع الشعر وإن لم تتضمن ذلك، بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة ~~عندنا. # وعند الجمهور: ولا فدية فيها، ووافق الجمهور سحنون، من أصحاب مالك، وعن ~~ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري: فيها الفدية. # دليلنا: أن إخراج الدم ليس حراما في الإحرام. انتهى منه. # وما ذكره النووي، عن ابن عمر ومالك: من كراهة الحجامة لغير عذر، ذكره ~~مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: أنه كان يقول: " لا يحتجم ~~المحرم إلا مما لا بد منه " وفيه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ~~ضرورة، ولا شك أنها إن أدت إلى قطع شعر من غير حاجة ms2280 إليها أنها حرام، وإن ~~كانت لا تؤدي إلى قطع شعر، فقد وجه المالكية كراهتها المذكورة، عن مالك ~~وابن عمر بأمرين. # أحدهما: أن إخراج الدم من الحاج، قد يؤدي إلى ضعفه، كما كره صوم يوم ~~عرفة للحاج، مع أن الصوم أخف من الحجامة، قالوا: فبطل الاستدلال المجيز، ~~بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإحرام، لأنا لم نقل بالحرمة، ~~بل بالكراهة لعلة أخرى علمت. قاله الزرقاني في شرح الموطأ. # ومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه، قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض ~~المناسك. # الأمر الثاني: هو أن الحجامة إنما تكون في العادة، بشد الزجاج ونحوه ~~والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده. قاله الشيخ سند. # وقال الحطاب في شرحه لقول خليل عاطفا على ما يكره: وحجامة بلا عذر ما ~~نصه: وأما مع العذر فتجوز، فإن لم يزل بسببها شعرا، ولم يقتل قملا فلا ~~شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرا: فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولا ~~بسقوطها قال في التوضيح: وهو غريب، وإن قتل قملا، فإن كان كثيرا، ~~فالفدية وإلا أطعم حفنة من طعام. والله سبحانه أعلم انتهى منه. # والقول الذي ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل في التوضيح بسقوط ~~الفدية مطلقا. ولو أزال بسبب الحجامة شعرا له وجه من النظر، ولا يخلو ~~عندي من قوة والله تعالى أعلم. # وإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة " بأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~احتجم في رأسه " لم يرد في شيء منها أنه افتدى لإزالة ذلك الشعر من أجل ~~الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك فدية، لبينها للناس، لأن تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة لا يجوز. # والاستدلال على وجوب الفدية في ذلك بعموم قوله تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية # [البقرة: 196]. الآية لا ينهض كل النهوض، لأن الآية واردة في حلق جميع ~~الرأس، لا في حلق بعضه، وقد قدمنا أن حلق بعضه: ليس فيه نص صريح. # ولذلك اختلف العلماء فيه، ms2281 فذهب الشافعي: إلى أن الفدية تلزم بحلق ثلاث ~~شعرات فصاعدا. وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى: إلى ~~لزومها بأربع شعرات، وذهب أبو حنيفة: إلى لزومها بحلق الربع، وذهب مالك: ~~إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه، أو إماطة أذى، وهذا الاختلاف يدل على عدم ~~النص الصريح في حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية، ~~في من أزال شعرا قليلا، لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع والله ~~تعالى أعلم. # وممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة: لا فدية فيه: محمد وأبو يوسف ~~صاحبا أبي حنيفة بل قالا: في ذلك صدقة، وقد قدمنا مرارا: أن الصدقة ~~عندهم نصف صاع من بر أو صاع كامل من غيره كتمر وشعير. # والحاصل: أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة، على أنه إن حلق الشعر ~~لأجل تمكن آلة الحجامة، لزمته الفدية على التفصيل المتقدم في قدر ما تلزم ~~به الفدية، من حلق الشعر كما تقدم إيضاحه. وأن عدم لزومها عندنا له وجه ~~من النظر قوي، وحكاه ابن بشير من المالكية. وأما إن لم يحلق بالحجامة ~~شعرا، فقد قدمنا قريبا أقوال أهل العلم فيها، وتفصيلهم بين ما تدعو ~~إليه الضرورة، وبين غيره. والعلم عند الله تعالى. # واستدل أهل العلم بأحاديث الحجامة المذكورة، على جواز الفصد، وربط ~~الجرح، والدمل، وقلع الضرس، والختان: وقطع العضو، وغير ذلك من وجوه ~~التداوي، إذا لم يكن في ذلك محظور: كالطيب، وقطع الشعر. # وأما الحك فإن كان في موضع لا شعر فيه فلا ينبغي أن يختلف في جوازه، وإن ~~كان في موضع فيه شعر كالرأس، وكان برفق بحيث لا يحصل به نتف بعض الشعر ~~فكذلك، وإن كان بقوة بحيث يحصل به نتف بعض الشعر، فالظاهر أنه لا يجوز. # وهذا هو الصواب إن شاء الله في مسألة الحك. ولم أعلم في ذلك بشيء مرفوع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما فيه بعض الآثار عن الصحابة رضي ~~الله عنهم، وقد قدمنا قول البخاري، ولم ير ابن عمر ms2282 وعائشة بالحك بأسا. # وروى مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: سمعت ~~عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسأل عن المحرم، أيحك جسده؟ قالت: ~~نعم فليحككه، وليشدد، ولو ربطت يداي، ولم أجد إلا رجلي لحككت ا ه. # وأما نزع القراد والحلمة من بعيره، فقد أجازه عمر بن الخطاب. وكرهه ابن ~~عمر ومالك. وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم ~~بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن أبي عبدالله بن الهدير: أنه رأى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقرد بعيرا له في طين بالسقيا، وهو محرم. قال مالك: ~~وأنا أكرهه. وروي أيضا في الموطأ عن نافع: أن عبدالله بن عمر، كان يكره ~~أن ينزع المحرم حلمة، أو قرادا عن بعيره. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت ~~إلي في ذلك. وقوله: يقرد بعيره: أي ينزع عنه القراد ويرميه. # وأما تضميد العين بالصبر ونحوه مما لا طيب فيه لضرورة الوجع فلا خلاف ~~فيه، بين العلماء وأنه لا فدية فيه، كما أجمعوا على أنه إن دعته الضرورة ~~إلى تضميد العين ونحوها بما فيه طيب. # أن ذلك جائز له، وعليه الفدية. # ومن أدلتهم على جواز تضميد العين بالصبر ونحوه: ما رواه مسلم في صحيحه: ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعا، عن ابن ~~عيينة قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب بن موسى، عن نبيه ~~بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن ~~عبيدالله عينيه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان ~~يسأله، فأرسل إليه: أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان رضي الله عنه حدث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم ضمدهما ~~بالصبر. وفي لفظ عن مسلم: أن عمر بين عبيدالله بن معمر رمدت عينيه، فأراد ~~أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدها بالصبر، وحدث عن عثمان ms2283 ~~بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فعل ذلك. انتهى ~~من صحيح مسلم. # وأما السواك في الإحرام، فلا خلاف في جوازه بين أهل العلم. # قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: وربط جرحه ما نصه: قال ~~التادلي في مناسك ابن الحاج: وأجمع أهل العلم على أن للمحرم أن يتسوك، ~~وإن دمي فمه. انتهى. # وقال ابن عرفة الشيخ: روى محمد والعتبي: للمحرم أن يتسوك، ولو أدمى فاه ~~انتهى، ثم قال: قلت: لا يلزم من منع القاضي الزينة منع السواك بالجوزاء ~~ونحوه. انتهى والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. # فصل فيما تتعدد فيه الفدية ونحوها # وما لا يتعدد فيه ذلك وأقوال العلماء فيه # اعلم أولا أن هذا الفصل يدخل في مسألة كبيرة، يذكرها علماء الأصول في ~~مبحث الأمر وهي: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا؟ وهي ذات واسطة وطرفين، ~~طرف يتعدد فيه اللازم بلا خلاف، وطرف لا يتعدد فيه، بلا خلاف، وواسطة: هي ~~محل الخلاف، وهذا البحث أعم مما نحن بصدده، ولكن إذا تكلمنا عليه على ~~سبيل العموم، رجعنا إلى مسألتنا، فذكرنا فيها كلام أهل الكلام، وأدلتهم، ~~وناقشناها. # والمسألة المذكورة: هي إذا تعددت الأسباب، واتحد موجبها بصيغة اسم ~~المفعول، هل يتعدد الموجب نظرا لتعدد أسبابه أو لا يتعدد نظرا لاتحاده ~~في نفسه؟ وأشار إلى هذه المسألة في الجملة الشيخ ميارة في التكميل بقوله: # إن يتعدد سبب والموجب # متحد كفى لهن موجب # كناقض سهو ولوغ والفدا # حكاية حد تيمم بدا # وذا الكثير والتعدد ورد # بخلف أو وفق بنص معتمد # فقوله: الموجب في الموضعين بصيغة اسم المفعول. وقوله كناقض: يعني أن ~~نواقض الوضوء، إن تعددت كمن بال مرات. أو بال ونام وقبل، فإنه يكفي ~~لجميعها وضوء واحد. وكذلك الجنابة، إن تعددت أسبابها بوطء مرات، وإنزال ~~بلذة، واحتلام، وانقطاع حيض، فإنه يكفي لجميع ذلك غسل واحد. # وقوله: سهو يعني: أن من سها في صلاته مرات متعددة، يكفيه لجميعها سجود ~~سهو واحد. # وقوله: ولوغ: يعني: أنه إذا تعدد ولوغ الكلب ms2284 في الإناء بأن ولغ فيه مرات ~~متعددة أو ولغت فيه كلاب متعددة، فإنه يكفي لجميع ذلك غسله سبع مرات على ~~نحو ما في الحديث، ولا يتعدد الغسل بتعدد الولوغ. # وقوله: والفدا: يعني أن من تكرر منه موجب الفدية، كمن لبس ثوابا مخيطا ~~مطيبا تكفيه فدية واحدة. # قوله: حكاية: يعني: أن من سمع أذان جماعة من المؤذنين في وقت واحد، ~~يكفيه حكاية أذان واحد، ولا تتعدد حكاية الأذان لتعدد المؤذنين. # وقوله: حد: يعني أن من زنى مرات متعددة قبل أن يقام عليه الحد يكفي حده ~~حدا واحدا، ولا يتعدد الحد بتعدد الزنى مثلا. أما إذا أقيم عليه الحد، ~~ثم زنى بعد إقامة الحد، فإنه يقام عليه الحد لزناه الواقع بعد إقامة ~~الحد. # وقوله: تيمم: يعني: أن الجنب مثلا الذي حكمه التيمم، إذا أراد حمل ~~المصحف وقراءة القرآن فيه يكفيه تيمم واحد، ولا يلزمه أن يتيمم لكل واحد ~~منهما. # وقوله: وذا الكثير: يعني أن الكثير في فروع هذه المسألة، عدم تعدد ~~الموجب الذي تعددت أسبابه. # وقوله: والتعدد ورد بخلف، أو وفق يعني: أن تعدد الموجب، لتعدد أسبابه ~~وارد في الشرع، وتارة يكون مجمعا على تعدده، وتارة يكون مختلفا فيه ~~فقوله: أن وفق يعني: بالوفق الاتفاق، ومراده به الإجماع. وقد نظم العلوي ~~الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود ما يتعدد بتعدد سببه إجماعا، ~~وما يتعدد بخلاف في شرحه لقوله في المراقي: # أو التكرر إذا ما علقا # بشرط أو بصفة تحققا # فقال رحمه الله: # وما تعدد بوفق غره # أودية ومهر غصب الحره # عقيقة ومهر من لم تعلم # والثلث من بعد الخروج فاعلم # والخلف في صاع المصراة وفي # كفارة الظهار من نسا يفي # وهدى من نذر نحر ولده # غسل إنا الولغ يرى بعدده # حكاية المؤذنين وسجود # تلاوة وبعد تكفير يعود # قذف جماعة وثلث قبل أن # يخرج ثلثا قاله من قد فطن # كفارة اليمين بالله علا # لقصد تأسيس من الذي ائتلا # وحاصل كلامه في نظمه: أن الذي يتعدد إجماعا خمس مسائل: # الأولى: أن من ضرب ms2285 بطن حامل، فأسقطت جنينين مثلا، يتعدد الواجب فيهما ~~من غرة أو دية على ما مر تفصيله في سورة بني إسرائيل، وهذا مراده بقوله: ~~وما تعدد بوفق غرة أو دية. # المسألة الثانية: أن من غصب حرة فزنى بها مرات متعددة، يتعدد عليه مهرها ~~بتعدد الزنى بها. # والثالثة: أن من ولد له توأمان لزمته عقيقتان. # الرابعة: أن من وطئت مرات وهي غير عالمة كالنائمة، فإنه يتعدد لها المهر ~~بتعدد الوطء. # الخامسة: أن من نذر ثلث ماله فأخرجه ثم نذر بعد ذلك ثلثه، فإنه يلزمه، ~~ومراده بهذا واضح من النظم، وقد يقال: إن بعض المذكورات، لا يخلو من ~~خلاف. # أما ما ذكر تعدده على خلاف فيه، فهو عشر مسائل: # الأولى: صاع المصراة يعني صاع التمر الذي يرده مع المصراة إذا حلبها، هل ~~يتعدد بتعدد الشياه المصراة، أو يكفي عن جميعها صاع واحد، والأظهر في هذه ~~التعدد. # الثانية: إذا ظاهر من زوجاته الأربع، هل تتعدد كفارة الظهار بتعددهن، أو ~~تكفي كفارة واحدة؟ # والثالثة: إذا تكرر منه نذر ذبح ولده، بأن نذر أنه يذبح اثنين، أو ثلاثة ~~من ولده، وقلنا: يلزمه الهدي، هل يتكرر الأولاد المنذور ذبحهم، أو يكفي ~~هدي واحد؟. # والرابعة: تعدد ولوغ الكلاب في الإناء، هل يتعدد الغسل سبعا بتعدد ~~الولوغ، أو يكفي غسله سبعا مرة واحدة؟. # والخامسة: حكاية أذان المؤذنين. # والسادسة: سجود التلاوة، إذا كرر آية السجدة مرارا في وقت واحد، هل ~~يكفي سجود واحدا أو لا؟ # والسابعة: إذا جامع في نهار رمضان، ثم كفر من حينه، ثم جامع مرة أخرى في ~~نفس اليوم، هل تتعدد الكفارة أو لا؟ # والثامنة: إذا قذف جماعة، هل يتعدد عليه حد القذف بتعددهم، أو يكفي حد ~~واحد؟ # والتاسعة: إذا نذر ثلي ماله، ثم نذر ثلثا آخر قبل أن يخرج الثلث الأول ~~هل يلزمه النذر في الثلثين، أو يكفي واحد؟ # والعاشرة: إذا حلف بالله مرات متعددة، وقصد بكل يمين التأسيس لا ~~التأكيد، هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، أو تكفي كفارة واحدة، هذا هو ~~حاصل مراده بالأبيات. # ولا ms2286 شك أن المسائل المتفق على تعددها والمختلف فيها أكثر مما ذكر بكثير، ~~فمن المسائل المتفق على التعدد فيها، ولم يذكرها من صاد ظبيين مثلا، وهو ~~محرم فإنه يتكرر عليه الجزاء إجماعا. وما روي عن أحمد من أنه يكفي جزاء ~~واحد، لا يصح، كما قاله صاحب المغني، لأنه مخالف لصريح قوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم # [المائدة: 95] لأن الواحد لا يكون مثلا للاثنين. # والحاصل: أن هذه المسألة، إنما تعرف فروعها بالتتبع، فقد يكفي موجب واحد ~~مع تعدد الأسباب إجماعا، كتعدد نواقض الوضوء، وأسباب الجنابة، وتعدد سبب ~~الحد كالزنى، وقد يتعدد إجماعا كالمسائل المذكورة آنفا، وقد يختلف في ~~تعدده، وعدم تعدده وهذا هو الغالب في فروع هذه المسألة، خلافا لما قاله ~~الشيخ ميارة في التكميل. # فإذا علمت هذه المسألة في الجملة وعلمت أنها عند الأصوليين من المسائل ~~المبنية على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه؟ فهذه أقوال أهل ~~العلم، وأدلتهم في المسألة التي نحن بصددها، وهي ما تعدد فيه الفدية ~~ونحوها، بتعدد أسبابها، وما لا تتعدد فيه. # واعلم أولا: أن تعدد اللازم في الجماع بتعدد الجماع، وعدم تعدده قد ~~قدمنا أقوال أهل العلم فيه، واستوفينا الكلام عليه. # أما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة ففيه تفصيل. حاصله: أن الجماع ~~لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده، سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الجماع ~~الأول أو قبله. وأما غير الجماع من محظورات الإحرام كلبس المخيط والتطيب، ~~وحلق الرأس، وقلم الأظافر، ونحو ذلك، فتارة تكفي عنده في ذلك فدية واحدة، ~~عن الجميع، وتارة تتعدد بتعدد أسبابها. # أما موجبات عدم تعدد الفدية فهي في مذهب مالك ثلاثة. # الأولى: أن يكون فعل أسباب الفدية في وقت واحد أو بعضها بالقرب من بعض، ~~فإن لبس وتطيب وحلق في وقت واحد، فعليه فدية واحدة، وكذلك إن فعل بعضها ~~قريبا من بعض، والقول الذي خرجه اللخمي بالتعدد في ذلك ضعيف، لا يعول ~~عليه. # الثانية: أن ينوي فعل جميعها، بأن ينوي اللبس والتطيب والحلق فتلزمه ~~فدية ms2287 واحدة، ولو كان بعضها بعد بعض غير قريب منه. # الثالثة: أن يكون فعل محظورات الإحرام أنها مباحة، كالذي يطوف على غير ~~وضوء في عمرته، ثم يسعى، ويحل ويفعل محظورات متعددة، وكالذي يرفض إحرامه ~~ظانا أن الإحرام يصح رفضه، فيفعل بعد رفضه محظورات متعددة، وكمن أفسد ~~إحرامه بالوطء، ثم فعل موجبات الفدية ظانا أن الإحرام تسقط حرمته ~~بالفساد، وجعل بعض المالكية من صور ظن الإباحة من ظن أن الإحرام لا يمنعه ~~من محرماته أو لا يمنعه من بعضها. وأما ما يوجب تعدد الفدية عند ~~المالكية، فهو أن يفعل محظورات الإحرام مترتبة بعضها بعد بعض، غير قريب ~~منه، فإنه تلزمه بكل محظور فدية، ولو كثر ذلك سواء كانت المحظورات من نوع ~~واحد، كمن كرر التطيب، أو كرر اللبس، أو كرر الحلق في أوقات غير متقاربة، ~~والظاهر أن القرب بحسب العرف، أو من أنواع كمن لبس مخيطا، ثم تطيب، ثم ~~حلق، فإن الفدية تتعدد في جميع ذلك، إن لم يكن بعضه قريبا من بعض، أو في ~~وقت واحد، فإن احتاج إلى لبس قميص، ثم احتاج بعد ذلك إلى لبس سراويل، ~~ففدية واحدة عندهم، لأن محل السراويل كان يستره القميص قبل لبس السراويل. ~~أما إن احتاج إلى السراويل أولا، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص، ففديتان، ~~لأن القميص يستر من أعلى بدنه شيئا ما كان يستره السراويل. # هذا هو حاصل مذهب مالك في تعدد الفدية وعدمه في تعدد محظورات الإحرام. # وأما مذهب أبي حنيفة: فهو أنه إن تكرر منه موجب الفدية من نوع واحد في ~~مجلس واحد، فعليه كفارة واحدة، وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إن ~~كان لغير عذر، وإن فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت الكفارة. وقال محمد: لا ~~تتعدد إلا إذا كفر عن الأول قبل فعل الثاني، فلو لبس قميصا وقباء ~~وسراويل وخفين يوما كاملا لزمه دم واحد أو فدية واحدة، لأنها من جنس ~~واحد فصارت كجناية واحدة، وكذلك لو دام على لبس ذلك أياما، وكذا لو كان ~~ينزعه ms2288 بالليل، ويلبسه بالنهار، لا يجب عليه إلا دم واحد، إلا إذا نزعه ~~على عزم الترك، ثم لبسه بعد ذلك، فإنه يجب عليه دم آخر، لأن اللبس الأول ~~انفصل عن الثاني بالعزم على الترك، وكذا لو لبس قميصا للضرورة ولبس خفين ~~من غير ضرورة فعليه دم وفدية، لأن السبب اختلف فلا يمكن التداخل، وكذلك ~~لو طيب جميع أعضائه، فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد، إن كان لغير ~~عذر، وفدية واحدة، إن كان ذلك لعذر، وإن كان تطييب أعضائه في مجالس تعددت ~~الفدية أو الدم بتعدد الأعضاء التي طيبها في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~سواء ذبح للأول أو لم يذبح. # وقال محمد: إن ذبح للأول، فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد، وإن اختلفت ~~أسباب الفدية، كمن تطيب، ولبس مخيطا أو تطيب، وغطى رأسه يوما كاملا ~~مثلا، تعددت الفدية، أو الدم سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجلسين. ~~وقد قدمنا أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد الصيد. وما روي عن أحمد ~~مما يخالف ذلك، لم يصح لمخالفته صريح القرآن العظيم. # هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة، في المسألة. # وأما مذهب أحمد في هذه المسألة فهو: أنه إن فعل محظورات متعددة من جنس ~~واحد، كما لو حلق مرة بعد مرة، أو لبس مرة بعد مرة، أو تطيب مرة بعد مرة: ~~فعليه فدية واحدة، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب، التي هي من نوع واحد، ~~سواء كانت في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة، ومحل هذا ما لم يكفر عن الفعل ~~الأول، قبل الفعل الثاني. فلو تطيب مثلا، ثم افتدى ثم تطيب بعد الفدية ~~لزمته فدية أخرى، لتطيبه بعد أن افتدى. # وعن أحمد: أنه إن كرر ذلك لأسباب مختلفة، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس ~~للحر، ثم لبس للمرض فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة وقد روى عنه ~~الأثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة. # قلت له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برأ ثم اعتل ms2289 فلبس جبة، قال: هذا الآن ~~عليه كفارتان قاله في المغني، ثم قال: وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا ~~يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره، وقال أبو حنيفة: إن ~~كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، لأن حكم ~~المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره، ولنا أنما يتداخل إذا كان ~~بعضه عقب بعض، يجب أن يتداخل، وإن تفرق كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن ~~الله تعالى أوجب في حلق الرأس: فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة ~~أو دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح، فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن ~~إلا شيئا بعد شيء. # انتهى من المغني. # وأما إن كانت المحظورات من أجناس مختلفة، كأن حلق، ولبس، وتطيب، ووطئ ~~فعليه لكل واحد منها فدية، سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا. قال في ~~المغني: وهذا مذهب الشافعي. # وعن أحمد: أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، وإن فعل ذلك واحدا ~~بعد واحد، فعليه لكل واحد دم، وهو قول إسحاق. # وقال عطاء وعمرو بن دينار: إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة أو ~~إليهما، ففعل ذلك، فليس عليه إلا فدية. # وقال الحسن: إن لبس القميص، وتعمم، وتطيب فعل ذلك جميعا: فليس عليه إلا ~~كفارة واحدة، ونحو ذلك عن مالك. # ولنا أنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود ~~المختلفة، والأيمان المختلفة، وعكسه ما إذا كان من جنس واحد. ا ه من ~~المغني. # وهذا هو حاصل مذهب أحمد في المسألة. # وأما مذهب الشافعي في هذه المسألة: فهو أن المحظورات تنقسم عند الشافعية ~~إلى استهلاك، كالحلق، والقلم، والصيد وإلى استمتاع، وترفه كالطيب، ~~واللباس، ومقدمات الجماع فإذا فعل محظورين، فله ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون أحدهما: استهلاكا والآخر: استمتاعا، فينظر إن لم يستند ~~إلى سبب واحد، كالحلق، ولبس القميص تعددت الفدية كالحدود المختلفة، وإن ~~استند إلى سبب واحد، كمن أصابت رأسه شجة، واحتاج إلى حلق جوانبها، وسترها ~~بضماد، وفيه طيب، ففي تعدد الفدية وجهان، والصحيح منهما تعددها. # الحال ms2290 الثاني: أن يكون استهلاكا وهو على ثلاثة أضرب: # الأول: أن يكون مما يقابل بمثله، وهو الصيد. فتتعدد الفدية بتعدده، بلا ~~خلاف عندهم، سواء فدى عن الأول، أم لا، وسواء اتحد الزمان والمكان، أو ~~اختلفا كضمان المتلفات. # الضرب الثاني: أن يكون أحدهما مما يقابل بمثله، دون الآخر كالصيد والحلق ~~فتتعدد بلا خلاف. # الضرب الثالث: أن لا يقابل واحد منهما بمثله، فينظر إن اختلف نوعهما ~~كحلق وطيب أو لباس وحلق، تعددت الفدية، سواء فرق بينهما أو والى في مكان ~~أو مكانين بفعلين أو بفعل واحد، وإن لبس ثوبا مطيبا فوجهان عندهم، ~~الصحيح المنصوص منهما: أن عليه فدية واحدة، والثاني: عليه فديتان، وإن ~~اتحد النوع، فإن كرر الحلق، وكان ذلك في وقت واحد: لزمته فدية واحدة، كمن ~~يحلق رأسه شيئا بعد شيء في وقت واحد، ولو طال الزمان، وهو في أثناء ~~الحلق، فهو كما لو حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة، فوضع الطعام، ~~وجعل يأكل لقمة لقمة من بكرة إلى العصر، فإنه لا يحنث عندهم. # وأما إن كان الحلق في أمكنة متعددة أو في مكان واحد في أوقات متفرقة ~~ففيه عندهم طريقان. # أصحهما: تتعدد الفدية فتفرد كل مرة بحكمها، فإن كان حلق في كل مرة ثلاث ~~شعرات فصاعدا، وجب لكل مرة فدية وإن كانت شعرة أو شعرتين، ففيها الأقوال ~~السابقة الأربعة: وهي أنه قيل في الشعرة الواحدة مد. وقيل: درهم. وقيل: ~~ثلث دم. وقيل: دم كامل وحكم الشعرتين معروف من هذا كما تقدم إيضاحه. # الطريق الثاني: أن في المسألة قولين: بالتعدد، وعدمه، وعدم التعدد: هو ~~القديم، والتعدد: هو الجديد. وإن حلق عندهم ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة أو ~~ثلاثة أزمنة متفرقة ففي ذلك عندهم طريقان، أصحهما، أنه يفرد كل شعرة ~~بحكمها، وفيها الأقوال الأربعة الماضية. # والطريق الثاني: هو تفريع ذلك على القول، بالتداخل وعدمه. فإن قلنا ~~بالتداخل: لزمته فدية كاملة، لأنه كأنه قطع الشعرات الثلاث في وقت واحد، ~~وإن قلنا: بعدمه، وهو الصحيح عندهم، فلكل شعرة حكمها كما تقدم في الطريق ms2291 ~~الصحيح عندهم. ولو أخذ ثلاث شعرات في وقت واحد من ثلاثة مواضع من بدنه. ~~ففيه عندهم طريقان: # أصحهما: لزوم الفدية، كما لو أخذها من موضع واحد. # والطريق الثاني: فيه وجهان أحدهما: هذا الذي ذكرناه آنفا. # والثاني: أنه كما لو أزالها في أزمنة متفرقة، أو أمكنة متفرقة، فيجري ~~على الخلاف في ذلك أو قد قدمنا أن حكم الأظفار عندهم كحكم الشعر. # الحال الثالث: أن يكون استمتاعا، فإن اتحد النوع بأن تطيب بأنواع من ~~الطيب أو لبس أنواعا من الثياب كعمامة وقميص وسراويل، وخف أو استعمل ~~نوعا واحدا مرات، فإن فعل ذلك متواليا من غير أن يتخلله تكفير عن ~~الأول ففدية واحدة تكفي للجميع، وإن تخلله تكفير وجبت الفدية للثاني ~~أيضا، وإن فعل ذلك في مكانين، أو زمانين متفرقين فإن تخللهما تكفير: ~~وجبت الفدية للثاني، وإن لم يتخللهما تكفير فقولان الأصح عندهم منهما، ~~وهو الجديد: تعدد الفدية، والقديم: تتداخل، ولا تتعدد وإن اختلف النوع، ~~بأن لبس وتطيب في مجلس واحد، قبل أن يكفر عن الأول منهما أو فعلهما معا، ~~ففيه ثلاثة أوجه مشهورة عندهم. # أصحها: تعدد الفدية لاختلاف نوع السبب. # الثاني: تجب فدية واحدة، لأنهما استمتاع، فيتداخلان، لاتحاد الجنس. # الثالث: التفصيل، فإن اتحد سببهما بأن أصابته شجة، واحتاج في مداواتها ~~إلى طيب وسترها. لزمته فدية واحدة، وإن لم يتحد السبب: ففديتان، وهذا كله ~~في غير الجماع، وقد قدمنا حكم تعدد الجماع، وفيه للشافعية خمسة أقوال: # أصحها: تجب بالجماع الأول: بدنة، وبالثاني: شاة. # والثاني: تجب بكل جماع بدنة. # الثالث: تكفي بدنة واحدة عن الجميع. # الرابع: إن كفر عن الأول، قبل الجماع الثاني وجبت الكفارة للثاني: وهي ~~شاة في الأصح، وبدنة في القول الآخر، وإن لم يكن كفر عن الأول كفته بدنة ~~عنهما. # والخامس: إن طال الزمان بين الجماعين أو اختلف المجلس: وجبت كفارة أخرى ~~للثاني، وفيها القولان. # وإلا فكفارة واحدة، وإن وطئ مرة ثالثة ورابعة، أو أكثر ففيه الأقوال ~~المذكورة، الأظهر: تجب للأول بدنة، ولكل جماع بعد ذلك شاة. # والثاني: تجب بكل جماع ms2292 بدنة إلى آخر الأقوال المذكورة آنفا. هذا هو ~~حاصل مذهب الشافعي في المسألة. # ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الحج في الكلام على آية الحج هذه خوف ~~الإطالة المملة. # تنبيهان # الأول: اعلم أن مسألة الإحصار والفوات قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في ~~سورة البقرة، ومسألة الصيد وجزائه في الإحرام، أو أحد الحرمين، وأشجار ~~الحرمين، ونباتهما ونحو ذلك وصيد وج قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في ~~سورة المائدة، وأحكام الهدي سيأتي تفصيلها إن شاء الله في الآيات الدالة ~~عليها من سورة الحج هذه. # التنبيه الثاني: اعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الفصل من تعدد الفدية، ~~وعدم تعددها، إذا تعددت أسبابها لا نص فيه من كتاب، ولا سنة فيما نعلم، ~~واختلاف أهل العلم فيه كما ذكرنا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [22.28] # قوله تعالى: { ليشهدوا منافع لهم }. # اللام في قوله: ليشهدوا: هي لام التعليل: وهي متعلقة بقوله تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر # [الحج: 27] الآية: أي إن تؤذن فيهم يأتوك مشاة وركبانا، لأجل أن ~~يشهدوا: أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم. # وقوله: { منافع } جمع منفعة، ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي. وقد ~~جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو ~~أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه ~~يحصل له الربح غالبا، وذلك نفع دنيوي. # وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198] أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج، إذا ابتغى ربحا بتجارة ~~في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء، من أداء مناسكه كما قدمنا ~~إيضاحه. # فقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } فيه بيان لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه وهذا نفع ~~دنيوي. # ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن والذبائح كما يأتي تفصيله إن ~~شاء الله قريبا كقوله ms2293 في البدن: # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى # [الحج: 33] على أحد التفسيرين. # وقوله: { فكلوا منها } في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك ~~بيان أيضا لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه. # وقد بينت آية البقرة على ما فسرها به جماعة من الصحابة ومن بعدهم، ~~واختاره أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، ووجه اختياره له، بكثرة ~~الأحاديث الدالة عليه: أن من المنافع المذكورة في آية الحج: غفران ذنوب ~~الحاج، حتى لا يبقى عليه إثم إن كان متقيا ربه في حجه بامتثال ما أمر ~~به، واجتناب ما نهى عنه. # وذلك أنه قال: إن معنى قوله تعالى: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203] أن الحاج يرجع مغفورا له، ولا يبقى عليه إثم سواء تعجل ~~في يومين، أو تأخر إلى الثالث، ولكن غفران ذنوبه هذا مشروط بتقواه ربه في ~~حجه، كما صرح به في قوله تعالى: # لمن اتقى # [البقرة: 203] الآية: أي وهذا الغفران للذنوب، وحط الآثام إنما هو لخصوص ~~من اتقى. # ومعلوم أن هذه الآية الكريمة فيها أوجه من التفسير غير هذا. # وممن نقل عنهم ابن جرير أن معناها: أنه يغفر للحاج جميع ذنوبه، سواء ~~تعجل في يومين، أو تأخر: علي وعبدالله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ~~ومجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة. # ولما ذكر أقوال أهل العلم فيها قال وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من ~~قال: تأويل ذلك: فمن تعجل من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، ~~فلا إثم عليه، يحط الله ذنوبه إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر ~~الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه ~~من حدوده، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلى النفر الثاني، ~~حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه، لتكفير الله ما سلف من آثامه، ~~وإجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده. # وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته: لتظاهر الأخبار، عن ms2294 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # وأنه قال # " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث ~~الحديد والذهب والفضة " # وساق ابن جرير رحمه الله بأسانيده أحاديث دالة على ذلك ففي لفظ له أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير ~~خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة " # وفي لفظ له، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ~~ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد " # وفي لفظ له عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا قضيت حجك فأنت مثل ما ولدتك أمك " # وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبئ عن أن ~~من حج، فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه كما قال جل ~~ثناؤه # فلا إثم عليه لمن اتقى # [البقرة: 203] الله في حجه فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ما يوضح أن معنى قوله جل وعز { فلا إثم عليه } أنه خارج ~~من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه إلى آخر كلامه الطويل في ~~الموضوع. # وقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال: إن المعنى لا إثم عليه في تعجله ~~ولا إثم عليه في تأخره، لأن التأخر إلى اليوم الثالث، لا يحتمل أن يكون ~~فيه إثم، حتى يقال فيه # فلا إثم عليه # [البقرة: 203] وأن قول من قال: إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول: التعجل ~~لا يجوز، وبعضهم يقول: التأخر لا يجوز. # فمعنى الآية: النهي عن تخطئة المتأخر المتعجل كعكسه: أي لا يؤثمن أحدهما ~~الآخر أن هذا القول خطأ، لمخالفته لقول جميع أهل التأويل. # والحاصل: أنه أعني الطبري بين كثيرا من الأدلة على أن معنى ms2295 الآية: هو ~~ما ذكر من أن الحاج يخرج مغفورا له، كيوم ولدته أمه، لا إثم عليه، سواء ~~تعجل في يومين، أو تأخر، وقد يظهر للناظر أن ربط نفي الإثم في قوله: { ~~فلا إثم عليه } بالتعجل والتأخر في الآية ربط الجزاء بشرطه ~~يتبادر منه، أن نفي الإثم إنما هو في التعجل والتأخر، ولكن الأدلة التي ~~أقامها أبو جعفر الطبري، على المعنى الذي اختار فيها فيه مقنع، وتشهد لها ~~أحاديث كثيرة، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # فقوله في آية البقرة هذه { فلا إثم عليه } هو معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " رجع كيوم ولدته أمه " # وقوله: # لمن اتقى # [البقرة: 203] هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق " # لأن من يرفث، ولم يفسق، هو الذي اتقى. # ومن كلام ابن جرير الطويل الذي أشرنا إليه أنه قال: ما نصه: فإن قال ~~قائل ما الجالب للام في قوله: { لمن اتقى } وما معناها؟ # قيل: الجالب لها معنى قوله: { فلا إثم عليه } ، لأن في قوله: { ~~فلا إثم عليه } معنى: حططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك ~~معنى: جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وترك ذكر جعلنا تكفير ~~الذنوب اكتفاء بدلالة قوله: # فلا إثم عليه # [البقرة: 203]، وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة، ~~فقد أخبر عن أمر فقال: # لمن اتقى # [البقرة: 203] أي هذا لمن اتقى، وأنكر بعضهم ذلك من قوله: وقد زعم أن ~~الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به: لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم ~~من صلة قول متروك. # فكان معنى الكلام عنده ما قلنا: من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، ~~وقال قوله: # ومن تأخر فلا إثم عليه # [البقرة: 203] مقام القول. انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير. # وعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى { فلا إثم عليه } في ~~الموضعين: أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جميع ms2296 ~~ذنوبه هذا الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله: { ~~ليشهدوا منافع لهم } وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما ~~دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ~~ذكرنا كحديث # " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " # وحديث # " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " # ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث # " إن الله يباهي بأهل عرفة أهل السماء " # الحديث كما تقدم. ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع ~~المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا ~~بالوحدة الإسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض، فيما يهم الجميع من ~~أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج، لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو ~~تشريع عظيم من حكيم خبير، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }. # قوله: ويذكروا منصوب بحذف النون، لأنه معطوف على المنصوب، بأن المضمرة ~~بعد لام التعليل أعني قوله: { ليشهدوا منافع لهم }. # وإيضاح المعنى: وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا، لأجل أن ~~يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح، وظاهر القرآن يدل ~~على أن هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات، إنما هو الهدايا لا ~~الضحايا، لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون ~~مشاة وركبانا، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، ~~وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ~~ذلك المكان والزمان، فهو يجعله هديا لا أضحية. # وقوله: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم } أي على نحر وذبح ما رزقهم { من بهيمة ~~الأنعام } ليتقربوا إليه بدمائها، لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ~~ربهم كما في قوله تعالى: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن ms2297 يناله ~~التقوى منكم # [الحج: 37] وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم ~~الله عليه منها كقوله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] الآية. وقوله: # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 119] وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل الحرم ~~المكي منسكا تراق فيه الدماء تقربا إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها ~~اسم الله، ولم يبين في هذه الآية، هل وقع مثل هذا لكل أمة أو لا، ولكنه ~~بين في موضع آخر: أنه جعل مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى: # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام # [الحج: 34]. # وإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج، ليأتوا مشاة، وركبانا ~~تقربم إلى ربهم بدماء الأنعام، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها، وأن ~~الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية، فدونك تفصيل أحكام الهدايا ~~التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها. # اعلم أولا: أن الهدي قسمان: هدي واجب، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه ~~تقربا لله تعالى، والأيام المعلومات التي ذكر الله عز وجل أنه يذبح ~~فيها، ويذكر عليه اسم الله فيها، للعلماء فيها أقوال كثيرة. والتحقيق إن ~~شاء الله تعالى: أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعول عليه، ~~وأن المعول عليه منها اثنان، لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات: هي ~~أيام النحر، بدليل قوله: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~وذكرهم الله عليها يعني: التسمية عند تذكيتها. # فاتضح أنها أيام النحر، والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى ~~أحدهما: أنها يوم النحر: ويومان بعده، وعليه فلا يذبح الهدي، ولا الأضحية ~~في اليوم الأخير من أيام منى، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. # قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول نص عليه أحمد وقال: وهو عن غير ~~واحد من أصحاب رسول الله ms2298 صلى الله عليه وسلم، ورواه الأثرم عن ابن عمر ~~وابن عباس، وبه قال مالك والثوري، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، ~~والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه. # وقال أبو عبدالله القرطبي في تفسير هذه الآية: اختلفوا كم أيام النحر. ~~فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ~~وأحمد بن حنبل. وروي ذلك عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، من غير اختلاف ~~عنهما. # وقال الشافعي: أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة بعده، وبه قال الأوزاعي، ~~وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. وروى ~~عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد. ا ه محل الغرض منه. # وقال أيضا: قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر: ~~يوم أضحى. وأجمعوا على ألا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في ~~هذه إلا قولان: # أحدهما: قول مالك والكوفيين. # والآخر: قول الشافعي، والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا ~~معنى للاشتغال بما خالفهما، لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة، ولا في ~~قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما ا ه. # وقال النووي في شرح المهذب: في وقت ذبح الهدي طريقان: أصحهما وبه قطع ~~العراقيون وغيرهم: أنه يختص بيوم النحر وأيام التشريق، والثاني: فيه ~~وجهان أصحهما: هذا، والثاني: لا يختص بزمان كدماء الجبران. فعلى الصحيح ~~لو أخر الذبح، حتى مضت هذه الأيام، فإن كان الهدي واجبا: لزمه ذبحه، ~~ويكون قضاء، وإن كان تطوعا فقد فات الهدي. # قال الشافعي والأصحاب: فإن ذبحه كان شاة لحم لا نسكا. ا ه محل الغرض ~~منه. # وذكر النووي عن الرافعي: أنه في بعض المواضع من كتابه في باب صفة الحج، ~~جزم بأنه لا يختص بيوم النحر، وأيام التشريق، وأنه ذكر المسألة على ~~الصواب في باب الهدي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: القول بعدم الاختصاص بيوم النحر ويومين ms2299 ~~أو ثلاثة بعده ظاهر البطلان، لأن عدم الاختصاص يجعل زمن النحر مطلقا، ~~ليس مقيدا بزمان، وهذا يرده صريح قوله { ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } فجعل ظرفه أياما معلومات يرد الإطلاق في الزمن ردا لا ~~ينبغي أن يختلف فيه كما ترى. # وقال النووي أيضا في شرح المهذب: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات ~~هي: أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر ا ه. # ولا وجه للخلاف في ذلك، مع أنه يدل عليه قوله تعالى متصلا به: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203] الآية، والمراد بذلك: أيام الرمي التي هي أيام التشريق ~~كما ترى، ثم قال النووي: وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر ~~الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. انتهى محل الغرض منه. وعزا ابن ~~كثير هذا القول لابن عباس قال: وعلقه عنه البخاري بصيغة الجزم، ونقله ابن ~~كثير أيضا عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، ~~والحسن، والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النخعي، قال: وهو مذهب ~~الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل، ثم شرع يذكر الأحاديث الدالة على فضل ~~الأيام العشرة الأول من ذي الحجة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تفسير الأيام المعلومات في آية الحج ~~هذه: بأنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر، لا شك في عدم ~~صحته، وإن قال به من أجلاء العلماء، وبعض أجلاء الصحابة من ذكرنا. # والدليل الواضح على بطلانه أن الله بين أنها أيام النحر بقوله: { ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } وهو ذكره بالتسمية عليها عند ~~ذبحها تقربا إليه كما لا يخفى، والقول: بأنها العشرة المذكورة، يقتضي أن ~~تكون العشرة كلها أيام نحر، وأنه لا نحر بعدها، وكلا الأمرين باطل كما ~~ترى، لأن النحر في التسعة التي قبل يوم النحر لا يجوز والنحر في اليومين، ~~بعده جائز. وكذلك الثالث عند من ذكرنا، فبطلان هذا القول واضح ms2300 كما ترى. ~~ثم قال النووي متصلا بكلامه الأول، وقال مالك: هي ثلاثة أيام: يوم ~~النحر، ويومان بعده فالحادي عشر، والثاني عشر عنده من المعلومات، ~~والمعدودات. # وقال أبو حنيفة المعلومات: ثلاثة أيام: يوم عرفة والنحر والحادي عشر. ~~وقال علي رضي الله عنه: المعلومات أربعة: يوم عرفة والنحر ويومان بعده. # وفائدة الخلاف: أن عندنا يجوز ذبح الهدايا والضحايا في أيام التشريق ~~كلها، وعند مالك، لا يجوز في اليوم الثالث. هذا كلام صاحب البيان انتهى ~~من النووي. وقد سكت على كلام صاحب البيان: وهو باطل بطلانا واضحا، لأن ~~القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة الأول، لا يدل على جواز الذبح فيما ~~بعد يوم النحر لأنه آخرها، وقد يدل على جواز الذبح قبل يوم النحر في جميع ~~التسعة الأول، لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات، هي ظرف الذبح كما ~~بينا مرارا فإن كانت هي العشرة كانت العشرة هي ظرف الذبح. # فلا يجوز فيما قبلها ولا ما بعدها، ولكنه يجوز في جميعها، وبطلان هذا ~~واضح كما ترى، ثم قال النووي متصلا بكلامه السابق. # وقال العبدري: فائدة وصفه بأنه معلوم جواز النحر فيه، وفائدة وصفه بأنه ~~معدود انقطاع الرمي فيه. # وقال: وبمذهبنا قال أحمد، وداود، وقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي في ~~تفسيره: قال أكثر المفسرين الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. قال: ~~وإنما قيل لها معلومات للحرص على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها. # قال: وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق. وقال محمد بن كعب: المعلومات ~~والمعدودات واحد. # قلت: وكذا نقل القاضي أبو الطيب والعبدري، وخلائق إجماع العلماء على أن ~~المعدودات: هي أيام التشريق. وأما ما نقله صاحب البيان عن ابن عباس فخلاف ~~المشهور عنه. # فالصحيح المعروف عن ابن عباس: أن المعلومات: أيام العشر كلها كمذهبنا، ~~وهو مما احتج به أصحابنا، كما سأذكره قريبا إن شاء الله. واحتج لأبي ~~حنيفة، ومالك بأن الله تعالى قال: { ليشهدوا منافع لهم ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } وأراد بذكر اسم الله ms2301 في الأيام ~~المعلومات: تسمية الله تعالى على الذبح، فينبغي أن يكون ذكر اسم الله ~~تعالى في جميع المعلومات، وعلى قول الشافعي: لا يكون ذلك إلا في يوم واحد ~~منها، وهو يوم النحر. واحتج أصحابنا بما رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ~~قال: الأيام المعلومات: أيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق. رواه ~~البيهقي بإسناد صحيح. # واستدلوا أيضا بما استدل به المزني في مختصره: وهو أن اختلاف الأسماء، ~~يدل على اختلاف المسميات، فلما خولف بين المعدودات والمعلومات في الاسم ~~دل على اختلافهما، وعلى ما يقول المخالفون يتداخلان في بعض الأيام، ~~والجواب عن الآية من وجهين: # أحدهما: جواب المزني: أنه لا يلزم من سياق الآية: وجود الذبح في الأيام ~~المعلومات، بل يكفي وجوده في آخرها وهو يوم النحر. # قال المزني والأصحاب: ونظيره قوله تعالى: # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وليس هو نورا في جميعها، بل في بعضها. # الثاني: أن المراد بالذكر في الآية الذكر على الهدايا، ونحن نستحب لمن ~~رأى هديا أو شيئا من بهيمة الأنعام في العشر أن يكبر، والله أعلم. ~~انتهى كلام النووي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ~~مذهب الشافعية في الأيام المعلومات، خلاف الصواب، وإن قال به من قال من ~~أجلاء العلماء، وأن الأجوبة التي أجابوا بها عن الاعتراضات الواردة عليه، ~~لا ينهض شيء منها لما قدمنا من أن الله بين في كتابه، أن الأيام ~~المعلومات هي ظرف الذبح والنحر، فتفسيرها بأنها العشرة الأول، يلزمه جواز ~~الذبح في جميعها، وعدم جوازه بعد غروب شمس اليوم العاشر، وهذا كله باطل ~~كما ترى. # وزعم المزني رحمه الله: أن الآية كقوله { وجعل القمر فيهن ~~نورا } ظاهر السقوط، لأن كون القمر كوكبا واحدا والسموات سبعا ~~طباقا قرينة دالة على أنه في واحدة منها دون الست الأخرى. # وأما قوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~فظاهره المتبادر منه أن جميع الأيام المعلومات ظرف لذكر الله على ~~الذبائح، وليس هنا ms2302 قرينة تخصصه ببعضها دون بعض. فلا يجوز التخصيص ببعضها، ~~إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودا هنا وتفسيرهم ذكر اسم الله ~~عليها، بأن معناه: أن من رأى هديا أو شيئا من بهيمة الأنعام في العشر ~~استحب له أن يكبر، وأن ذلك التكبير هو ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، ظاهر السقوط كما ترى، لأنه مخالف لتفسير عامة المفسرين للآية ~~الكريمة، والتحقيق في تفسيرها ما هو مشهور عند عامة أهل التفسير، وهو ذكر ~~اسم الله عليها عند التذكية، كما دل عليه قوله بعده مقترنا به { ~~فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير } الآية. وقوله: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] الآية. وقوله: # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 119] الآية وتداخل الأيام لا يمنع من مغايرتها، لأن الأعمين ~~من وجه متغايران إجماعا مع تداخلهما في بعض الصور. # ومما يبطل القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة المذكورة أن كونها ~~العشرة المذكورة يستلزم عدم جواز الذبح بعد غروب شمس اليوم العاشر، وهو ~~خلاف الواقع لجواز الذبح في الحادي عشر والثاني عشر، بل والثالث عشر عند ~~الشافعية. والتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن الأيام المعدودات: هي ~~أيام التشريق التي هي أيام رمي الجمرات. وحكى عليه غير واحد الإجماع، ~~ويدل عليه قوله تعالى متصلا به # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # [البقرة: 203] الآية، وأن الأيام المعلومات: هي: أيام النحر، فيدخل فيها ~~يوم النحر واليومان بعده، والخلاف في الثالث عشر، هل هو منها كما مر ~~تفصيله، وقد رجح بعض أهل العلم أن الثالث عشر منها. ورجح بعضهم: أنه ليس ~~منها. # وقد قال ابن قدامة في المغني في ترجيح القول بأنه ليس منها: ما نصه: ~~ولنا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل من النسك، فوق ثلاث " # وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ تحريم ~~الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله، ولأن اليوم الرابع: لا يجب فيه الرمي، فلم ~~يجز فيه ms2303 الذبح كالذي بعده. # ومما رجح به بعضهم أن اليوم الرابع منها: أنه يؤدي فيه بعض المناسك: وهو ~~الرمي، إذا لم يتعجل فهو كسابقيه من أيام التشريق، والعلم عند الله ~~تعالى. # ومما يوضح أن الأيام المعلومات، هي: أيام النحر، سواء قلنا إنها ثلاثة، ~~أو أربعة: أن الله نص على أنها هي التي يذكر فيها اسم الله: أي عند ~~التذكية، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، كما قدمنا إيضاحه. # وإذا عرفت كلام أهل العلم في الأيام المعلومات، التي هي زمن الذبح. # فاعلم: أن العلماء اختلفوا في ليالها، هل يجوز فيها الذبح؟ فذهب مالك، ~~وأصحابه: إلى أنه لا يجوز ذبح النسك ليلا، فإن ذبحه ليلا لم يجز، وتصير ~~شاة لحم لا نسك، وهو رواية عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي. وذهب الشافعي، ~~وأصحابه: إلى جواز الذبح ليلا قال النووي: وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق، ~~وأبو ثور والجمهور وهو الأصح عن أحمد. # وحجة من قال لا يجوز الذبح ليلا: أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله { ~~في أيام معلومات } قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس ~~كذلك. # وحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه ~~بالأيام أحوط، لمطابقة لفظ القرآن والعلم عند الله تعالى. # وإذا علمت وقت نحر الهدي وأن الهدي نوعان: واجب، وغير واجب، وهو هدي ~~التطوع، فهذه تفاصيل أحكام كل منهما. # أما الهدي الواجب فهو بالتقسيم الأول نوعان. # أحدهما: هدي واجب بالنذر، وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله في الكلام ~~على قوله تعالى # وليوفوا نذورهم # [الحج: 29]. وهدي واجب بغير النذر، وهو أيضا ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: الهدي المنصوص عليه. # والثاني: الهدي المسكوت عنه، ولكن العلماء قاسوه على الهدي المنصوص ~~عليه. # أما المنصوص عليه فهو أربعة أقسام: # الأول: هدي التمتع، ويدخل فيه القران، لأن الصحابة رضي الله عنهم جاء ~~عنهم التصريح، بأن اسم التمتع في الآية، صادق بالقران، كما قدمناه واضحا ~~عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وغيرهما، والصحابة هم أعلم الناس بلغة العرب ~~وبدلالة القرآن. # وهدي التمتع ms2304 المذكور منصوص في قوله تعالى: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196]. # الثاني: دم الإحصار المنصوص عليه في قوله: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196]. # الثالث: دم جزاء الصيد المنصوص عليه بقوله تعالى: # ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من ~~النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة # [المائدة: 95] الآية. # الرابع: دم فدية الأذى المذكور في قوله: # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]، وهذه الدماء الأربعة اثنان منها على التخيير، وهما: دم ~~الفدية في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ~~كما قدمنا إيضاحه. # والثاني: جزاء الصيد فهو على التخيير أيضا كما قدمنا إيضاحه مستوفى في ~~الكلام على قوله: # يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو ~~كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95] الآية. # وقد أوضحنا الكلام على التخيير فيهما غاية الإيضاح بما أغنى عن إعادته ~~هنا، وواحد من الدماء الأربعة المذكورة على الترتيب إجماعا، وهو دم ~~التمتع الشامل للقران، لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196] ثم قال مبينا الترتيب: # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196]. # والرابع: من الدماء المذكورة اختلف فيه فمن قال: له بدل عند العجز عنه ~~قال: هو على الترتيب، ومن قال: لا بدل له فالأمر على قوله واضح، لأنه ليس ~~هناك تعدد، يقتضي الترتيب أو عدمه، وهذا القسم هو دم الإحصار وقد قدمنا ~~الكلام عليه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على قوله: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] الآية. # والحاصل: أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة، قد قدمنا الكلام على كل ~~واحد منها، بغاية الإيضاح، والاستيفاء فدم الفدية قدمناه في مبحث آية ~~الحج التي هي: # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27] الآية. في جملة مسائل الحج، التي ذكرنا في الكلام عليها. # ودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على ~~قوله ms2305 تعالى: # هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك صياما # [المائدة: 95] الآية. # ودم الإحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة، في الكلام على قوله ~~{ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي }. # وأما هدي التمتع، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح، وسنبينه الآن. # أما التمتع بالعمرة فمعلوم: أن كل من اعتمر في أشهر الحج، ثم حل من ~~عمرته، ثم حج من عامه، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع. # وقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القران من حيث إن كلا منهما عمرة ~~في أشهر الحج مع الحج، وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح. # اعلم أولا: أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطا. # منها: ما هو مجمع عليه. # ومنها: ما هو مختلف فيه. # الأول: أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج، لم يلزمه دم، ~~لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولا يخفى ~~سقوط قول طاوس: إنه متمتع، كما لا يخفى سقوط قول الحسن: إن من اعتمر بعد ~~النحر فهو متمتع. # وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين. قاله في ~~المغني فإن أحرم بها في غير أشهر الحج، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، ~~ففي ذلك للعلماء قولان: # أحدهما: يجب عليه الدم نظرا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج. # والثاني: لا يجب عليه دم نظرا إلى وقوع الإحرام، قبل أشهر الحج، وهو ~~نسك لا تتم العمرة بدونه، ولكليهما وجه من النظر، ولا نص فيهما، وممن قال ~~بأنه لا دم عليه، وأنه غير متمتع: الإمام أحمد. # قال في المغني: ونقل معنى ذلك، عن جابر، وأبي عياض، وهو قول إسحاق، وأحد ~~قولي الشافعي، وقال طاوس عمرته: في الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال ~~الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في ~~الشهر الذي يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه، وهو قول ~~مالك. وقال أبو حنيفة: إن طاف للعمرة ms2306 أربعة أشواط، قبل أشهر الحج فليس ~~بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع. لأن العمرة صحت في ~~أشهر الحج، بدليل أنه لو وطئ أفسدها، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. ~~قاله في المغني والله تعالى أعلم. # الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنة، التي اعتمر في أشهر الحج منها. ~~أما إذا كان حجه في سنة أخرى: فلا دم عليه. # قال صاحب المهذب: وذلك لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك، لم ~~يهدوا، قال: ولأن الدم إنما يجب لترك الإحرام بالحج من الميقات وهذا لم ~~يترك الإحرام بالحج من الميقات، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته، وإن ~~رجع إلى بلده، وعاد فقد أحرم من الميقات. وقال النووي في الأثر المذكور: ~~المروي عن ابن المسيب حسن رواه البيهقي بإسناد حسن، ولا يخفى سقوط قول ~~الحسن: إنه متمتع وإن لم يحج من عامه. # الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده، أو ما يماثله في المسافة. وقال ~~بعضهم: يكفي في هذا الشرط، أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه، وبعضهم ~~يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة، ثم يحرم للحج من مسافة القصر. # والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة، والإحرام ~~بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع، إلا أنهم مختلفون في قدر ~~المسافة، فمنهم من يقول: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج، إلى ~~المحل الذي جاء منه، ثم ينشئ سفرا للحج ويحرم من الميقات. وبعضهم يقول: ~~يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده، وبعضهم يكفي ~~عنده سفر مسافة القصر، وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع لإحرام الحج إلى ~~ميقاته، وقد قدمنا أقوالهم مفصلة، ودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196] قالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام، وبين غيرهم، إلا ~~أن غيرهم ترفهوا ms2307 بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج، بعد السفر ~~للعمرة، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب، فسقط الدم بزواله، وعضدوا ~~ذلك بآثار رووها، عن عمر وابنه رضي الله عنهما، وقد قدمنا قولي العلماء ~~في الشيء الذي ترجع إليه الإشارة في قوله: { ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام } وناقشنا أدلتهما، وبينا أنه ~~على القول الذي يراه البخاري رحمه الله، ومن وافقه: أن الإشارة راجعة إلى ~~نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلا، فلا دليل في الآية على أقوال ~~الأئمة التي ذكرنا، وعلى القول الآخر أن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع ~~وهو لزوم ما استيسر من الهدي، والصوم عند العجز عنه لا نفس التمتع ~~فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى. # والحاصل: أن استدلالهم بها إنما يصح على أحد التفسيرين في مرجع الإشارة ~~في الآية، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى. # والأحوط عندي: إراقة دم التمتع، ولو سافر لعدم صراحة دلالة الآية، في ~~إسقاطه، وللاحتمال الآخر الذي تمسك به البخاري والحنفية كما تقدم إيضاحه. ~~وممن قال بذلك الحسن واختاره ابن المنذر لعموم الآية قاله في المغني. ~~والعلم عند الله تعالى. # الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام، فأما إذا كان من ~~حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقوله تعالى: # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196]. # وأظهر أقوال أهل العلم عندي في المراد بحاضري المسجد الحرام: أنهم أهل ~~الحرم ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة، لأن المسجد الحرام، قد ~~يطلق كثيرا ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر، فهو ~~كالحاضر، ولذا تسمى صلاته إن سافر من الحرم، إلى تلك المسافة صلاة حاضر، ~~فلا يقصرها لا صلاة مسافر، حتى يشرع له قصرها فظهر دخوله في اسم حاضري ~~المسجد الحرام، بناء على أن المراد به جميع الحرم، وهو الأظهر خلافا لمن ~~خصه بمكة، ومن خصه بالحرم، ومن عممه في كل ما دون الميقات، وقد علمت ms2308 أن ~~هذا الشرط إنما يتمشى على أحد القولين في الآية. # الشرط الخامس: ما قال به بعض أهل العلم: من أنه يشترط نية التمتع بالحج ~~إلى العمرة عند الإحرام بالعمرة. قال: لأنه جمع بين عبادتين في وقت ~~إحداهما، فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين، وعلى الاشتراط ~~المذكور، فمحل نية التمتع هو وقت الإحرام بالعمرة. وقال بعضهم: له نيته ~~ما لم يفرغ من الصلاة الأولى، هكذا قاله بعض أهل العلم، وعليه فلو اعتمر ~~في أشهر الحج، وهو لا ينوي الحج في تلك السنة، ثم بعد الفراغ من العمرة ~~بدا له أن يحج في تلك السنة، فلا دم تمتع عليه، واشتراط النية المذكور ~~عزاه صاحب الإنصاف للقاضي، وأكثر الحنابلة، وحكي عدم الاشتراط بقيل ثم ~~قال: واختاره المصنف، والشارح، وقدمه في المحرر والفائق، والظاهر سقوط ~~هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة: فعليه ~~الهدي، لظاهر عموم الآية الكريمة، فتخصيصه بالنية تخصيص القرآن، بلا دليل ~~يجب الرجوع إليه: ويؤيده أنهم يقولون: إن سبب وجوب الدم: أنه ترفه بإسقاط ~~سفر الحج، وتلك العلة موجودة في هذه الصورة، والعلم عند الله تعالى. # الشرط السادس: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كون الحج والعمرة ~~المذكورين عن شخص واحد كأن يعتمر بنفسه ويحج بنفسه، وكل ذلك عن نفسه لا ~~عن غيره أو يحج شخص، ويعتمر عن شخص واحد. أما إذا حج عن شخص، واعتمر عن ~~شخص آخر، أو اعتمر عن شخص، وحج عن نفسه، أو اعتمر عن نفسه، وحج عن شخص ~~آخر، فهل يلزم دم التمتع نظرا إلى أن مؤدي النكسين شخص واحد أو لا يلزم، ~~نظرا إلى أن الحج وقع عن شخص والعمرة وقت عن شخص آخر فهو كما لو فعله ~~شخصان فحج أحدهما، واعتمر الآخر، وإذن فلا تمتع على أحدهما، وكلاهما له ~~وجه من النظر، ومذهب الشافعي الذي عليه جمهور الشافعية: هو عدم اشتراط ~~هذا الشرط نظرا إلى اتحاد فاعل النسك، ومقابله المرجوح عدم وجوب الدم ~~نظرا إلى ms2309 أن الحج عن شخص، والعمرة عن آخر، ومذهب مالك في هذا قريب من ~~مذهب الشافعي في وجود الخلاف. وترجيح عدم الاشتراط. # قال الشيخ المواق في شرح قول خليل في مختصره، في عده شروط وجوب دم ~~التمتع، وفي شرط كونهما عن واحد تردد ما نصه: ذكر ابن شاس من الشروط التي ~~يكون بها متمتعا: أن يقع النسكان عن شخص واحد: ابن عرفة لا أعرف هذا، بل ~~في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره فتمتع. وقال الشيخ ~~الحطاب في شرحه لقول خليل المذكور ما نصه: أشار بالتردد لتردد المتأخرين ~~في النقل، فالذي نقله صاحب النوادر وابن يونس، واللخمي عدم اشتراط ذلك. ~~وقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراط كونهما عن واحد، وحكى ابن شاس في ذلك ~~قولين قال في التوضيح: لم يعزهما ولم يعين المشهور منهما، ولم يحك صاحب ~~النوادر وابن يونس، إلا ما وقع في الموازية أنه تمتع. انتهى. وقال في ~~مناسكه بعد أن ذكر كلام ابن الحاجب خليل: ولم أر في ابن يونس وغيره، إلا ~~القول بوجوب الدم. # وقال ابن عرفة: وشرط ابن شاش كونهما عن واحد، ونقل ابن حاجب: لا أعرفه، ~~بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع فما ذكره ~~المصنف من التردد صحيح. لكن المعروف: عدم اشتراط ذلك وعادته أن يشير ~~بالتردد لما ليس فيه ترجيح. # وقال ابن جماعة: الشافعي في منسكه الكبير: لا يشترط أن يقع النسكان عن ~~واحد عند جمهور الشافعية، وهو قول الحنفية ورواية ابن المواز، عن مالك، ~~وعلى ذلك جرى جماعة من أئمة المالكية منهم الباجي، والطرطوشي، ومن ~~الشافعية من شرط ذلك. # قوال ابن الحاجب: إنه الأشهر من مذهب مالك، وتبع ابن الحاجب في اشتراط ~~ذلك صاحب الجواهر، وقوله: إنه الأشهر غير مسلم، فإن القرافي في الذخيرة ~~ذكر ما سوى هذا الشرط، وقال: إن صاحب الجواهر زاد هذا الشرط، ولم يعزه ~~لغيره. انتهى كلام الحطاب، والظاهر من النقول التي نقلها أن عدم ms2310 اشتراط ~~كون النسكين عن واحد: هو المعروف في مذهب مالك، وهو كذلك، ومذهب أحمد ~~قريب من مذهب مالك والشافعي، ففيه خلاف أيضا، هل يشترط كون النسكين عن ~~واحد أو لا يشترط؟ وعدم اشتراطه عليه الأكثر من الحنابلة، وعزاه في ~~الإنصاف لبعض الأصحاب قال منهم المصنف، والمجد، قاله الزركشي، واقتصر ~~عليه في الفروع وعزا مقابله لصاحب التلخيص، وقد قدمنا في كلام ابن جماعة ~~الشافعي: أن عدم اشتراط كون النسكين، عن شخص واحد هو مذهب الحنفية أيضا، ~~فظهر أن المشهور في المذاهب الأربعة عدم اشتراط هذا الشرط، وقول من ~~اشترطه له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى. # الشرط السادس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم قبل حله ~~منها صار قارنا، كما وقع لعائشة رضي الله عنها في حجة الوداع على ~~التحقيق كما تقدم إيضاحه. # الشرط السابع: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كونه لا يعد متمتعا، حتى ~~يحرم بالعمرة من الميقات، فإن أحرم بها من دون الميقات صار غير متمتع، ~~لأنه كأنه من حاضري المسجد الحرام، ولا يخفى سقوط هذا الشرط. # قال صاحب الإنصاف: لما ذكر هذا الشرط ذكره أبو الفرج والحلواني وجزم به ~~ابن عقيل في التذكرة، وقدمه في الفروع. وقال القاضي وابن عقيل: وجزم به ~~في المستوعب والتلخيص والرعاية وغيرهم: إن بقي بينه، وبين مكة مسافة قصر، ~~فأحرم منه لم يلزمه دم المتعة لأنه من حاضري المسجد الحرام، بل دم مجاوزة ~~الميقات. واختار المصنف والشارح وغيرهما، أنه إذا أحرم بالعمرة من دون ~~الميقات: يلزمه دمان دم المتعة، ودم الإحرام من دون الميقات، لأنه لم يقم ~~ولم ينوها به، وليس بساكن وردوا ما قال القاضي. انتهى منه وهذا الأخير هو ~~الظاهر. والله تعالى أعلم. # وقال صاحب الإنصاف بعد كلامه: هذا متصلا به. # قال المصنف والشارح: ولو أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام ~~بمكة واعتمر من التنعيم، فهو متمتع نص عليه، وفي نصه على هذه الصورة ~~تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق ms2311 الأولى ا ه منه. ولا ينبغي ~~أن يختلف في واحدة منهما لدخولهما صريحا في عموم آية التمتع، كما ترى. ~~والعلم عند الله تعالى. # واعلم أن من يعتد به من أهل العلم: أجمعوا على أن القارن يلزمه المتمتع ~~من الهدي، والصوم عند العجز عن الهدي، وقد قدمنا الروايات الصحيحة ~~الثابتة عن بعض أجلاء الصحابة، بأن القران داخل في اسم التمتع، وعلى هذا ~~فهو داخل في عموم الآية، وكلا النسكين فيه تمتع لغة، لأن التمتع من ~~المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع أو النفع ومنه قوله: # وقفت على غبر غريب بقفرة # متاع قليل من حبيب مفارق # جعل استئناسه بقبره متاعا لانتفاعه بذلك الاستئناس، وكل من القارن ~~والمتمتع، انتفع بإسقاط أحد السفرين وانتفع القارن عند الجمهور باندراج ~~أعمال العمرة في الحج. # وقال جماعة من أهل العلم: إن القران لم يدخل في عموم الآية بحسب مدلول ~~لفظها، وهو الأظهر، لأن الغاية في قوله # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] تدل على ذلك، والذين قالوا هذا قالوا: هو ملحق به في حكمه ~~لأنه في معناه. وعلى أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع عامة العلماء منهم: ~~الأئمة الأربعة، إلا من شذ شذوذا لا عبرة به. # وليس كل خلاف جاء معتبرا # إلا خلاف له وجه من النظر # قال في الإنصاف: وسأله يعني الإمام أحمد بن مشيش القارن يجب عليه الدم ~~وجوبا؟ فقال: فكيف يجب عليه وجوبا، وإنما شبهوه بالمتمتع قال في ~~الفروع، فتتوجه منه رواية لا يلزمه دم. ا ه منه. # ولا يخفى أن مذهب أحمد مخالف لما زعموه رواية، وأن القارن كالمتمتع في ~~الحكم. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في وجوب الدم على القارن ~~خلافا إلا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه. وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن ~~المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة، سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال: ~~لا، فجر برجله، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. ا ه منه. وذكر النووي: ~~أن العبدري حكى هذا القول، عن ms2312 الحسن بن علي بن سريج. والتحقيق خلافه، ~~وأنه يلزمه ما يلزم المتمتع. # ومن النصوص الدالة على ذلك. # " حديث عائشة المتفق عليه، وفيه " فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ~~ما هذا؟ فقيل نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه " " # متفق عليه. # قال المجد في المنتقى: وفيه دليل على الأكل من دم القران، لأن عائشة ~~كانت قارنة. ا ه منه. وهو يدل على أن القارن عليه دم. والله أعلم. # ومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر بلفظ # " ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر " # ومعلوم أنها كانت قارنة، على التحقيق فتلك البقرة دم قران، وذلك دليل ~~على لزومه، وما ذكره ابن قدامة في المغني، من أنه روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دما " # لم أعرف له أصلا، والظاهر أنه لا يصح مرفوعا. والله تعالى أعلم. # وأكثر أهل العلم: على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام، أنه ~~لا دم عليه، لأنه متمتع أو في حكم المتمتع، والله يقول # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196]. # وقال ابن قدامة في المغني، وهو قول جمهور العلماء: وقال ابن الماجشون: ~~عليه دم، لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع، وهذا ليس متمتعا، وليس ~~هذا بصحيح، فإننا ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن متمتعا، فهو مفرع عليه، ~~ووجوب الدم على القارن، إنما كان بمعنى النص على التمتع، فلا يجوز أن ~~يخالف الفرع أصله. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع ~~في أن كلا منهما إن كان في حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه، وذكر صاحب ~~المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك، وقال: عليه دم، وله وجه قوي من ~~النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه، وعمرته. فقد ~~انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين، ولزوم الدم في مقابل ذلك، له ms2313 وجه من النظر ~~كما ترى. # وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: ولا يجب على حاضري المسجد ~~الحرام دم القران، كما لا يجب على المتمتع، هذا هو المذهب، وبه قطع ~~الجمهور. وحكى الحناطي والرافعي وجها: أنه يلزمه. انتهى محل الغرض منه. ~~وهذا الوجه عند الشافعية هو قول ابن الماجشون من المالكية، كما ذكره صاحب ~~المغني، ومذهب مالك، وأصحابه، كمذهب الشافعي وأحمد، في أن القارن إن كان ~~من حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه، وحاضروا المسجد عند مالك وأصحابه ~~أهل مكة، وذي طوى. # قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: وشرط دمهما عدم إقامته ~~بمكة أو ذي طوى الخ ما نصه: وذو طوى هو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى ~~مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر وتسمى ~~عند أهل مكة بين الحجونين ا ه. محل الغرض منه. # وقد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: أن أهل مكة ونحوهم ممن دون ~~الميقات: لا تشرع لهم العمرة أصلا فلا تمتع لهم ولا قران، بناء على رجوع ~~الإشارة في قوله # ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام # [البقرة: 196] لنفس التمتع كما تقدم إيضاحه، مع أنهم يقولون: إنهم إن ~~تمتعوا أو قرنوا أساؤوا وانعقد إحرامهم، ولزمهم دم الجبر، وهذا الدم ~~عندهم دم جناية لا يأكل صاحبه منه، بخلاف دم التمتع والقران من غير حاضري ~~المسجد الحرام، فهو عندهم دم نسك، يجوز لصاحبه الأكل منه، ونقل بعض ~~الحنفية، عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير: أن أهل مكة لا متعة لهم. # وقد قدمنا أنه رأي البخاري. # واعلم: أنا قدمنا أن من شروط وجوب دم التمتع: ألا يرجع بعد العمرة إلى ~~بلده أو مسافة مثله، أو يسافر مسافة القصر على ما بينا هناك من أقوال ~~الأئمة في ذلك، وأردنا أن نذكر هنا حكم القارن إذا أتى بأفعال العمرة، ثم ~~رجع إلى بلده، ثم حج من عامه، أو سافر مسافة قصر، ثم أحرم بالحج من ~~الميقات، هل يسقط عنه الدم ms2314 بذلك كالمتمتع أو لا. ومذهب أبي حنيفة: أن ~~الدم لا يسقط عنه برجوعه إلى بلده بعد إتيانه بأفعال العمرة، إن رجع، وحج ~~لأنه لم يزل قارنا. # وقال صاحب الإنصاف في الكلام على القارن: لا يلزم الدم حاضري المسجد ~~الحرام، كما قال المصنف: وقاله في الفروع وغيره، وقال: والقياس أنه لا ~~يلزم من سافر سفر قصر أو إلى الميقات، إن قلنا به، كظاهر مذهب الشافعي، ~~وكلامهم يقتضي لزومه، لأن اسم القران باق بعد السفر، بخلاف التمتع ا ه. ~~منه. # وحاصل كلامه: أن ظاهر كلام الحنابلة: أن السفر بعد وصول مكة، لا يسقط دم ~~القران، وأن مقتضى القياس أنه يسقط إلحاقا له بالتمتع، وقال النووي في ~~شرح المهذب: لو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة، ثم عاد إلى الميقات، ~~فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه ~~الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا المتمتع إذا أحرم بالحج ثم ~~عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلا فوجهان: والفرق أن اسم ~~القران، لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ~~ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن. # قال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا إذا أحرم بهما جميعا، ثم رجع ~~سقط الدم فهنا أولى، وإلا فوجهان. انتهى منه. # وظاهر كلام خليل في مختصره المالكي: أن السفر لا يسقط دم القران ~~والحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد ~~دخول مكة، هل يسقط دم القران أو لا؟ وبينا قول صاحب الإنصاف: أن سقوطه ~~بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع. # وأقرب الأقوال عندي للصواب: أن دم القران لا يسقطه السفر، وقد بينا أن ~~الأحوط عندنا: أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القران بوجوب الهدي ~~على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم ~~للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر، لأنه اكتفى عن ~~النكسين بعمل أحدهما ms2315 على قول الجمهور، كما تقدم. # وأظهر قولي أهل العلم عندنا: أن المكي إذا أراد الإحرام بالقران، أحرم ~~به من مكة، لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع بين الحل والحرم، خلافا ~~لمن قال: يلزم المكي القارن إنشاء إحرامه من أدنى الحل وكذلك الآفاقي، ~~إذا كان في مكة، وأراد أن يحرم قارنا، فالأظهر أنه يحرم بالقران من مكة ~~خلافا لمن قال: يحرم به من أدنى الحل لما بينا. # والعلم عند الله تعالى. # وإذا عرفت الشروط التي بها يجب دم التمتع والقران، فاعلم أنا أردنا هنا ~~أن نبين ما يجزئ فيه ووقت ذبحه، أما ما يجزئ فيه، فالتحقيق أنه ما تيسر ~~من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه: بدنة وأوسطه: بقرة، والتحقيق: أن ~~سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة أو بقرة ~~وذبحوها أجزأت عنهم، للنصوص الصحيحة الدالة على ذلك، # " كحديث جابر الثابت في الصحيح قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة " " # وفي لفظ لمسلم " قال اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ~~والعمرة كل سبعة منا في بدنة " فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما ~~يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن. # قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك ح وحدثنا يحيى بن ~~يحيى. واللفظ له قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير، # " عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال " نحرنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " " # وفي لفظ لمسلم # " عن جابر قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج ~~فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة ~~منا في بدنة " وفي لفظ له عنه أيضا قال " حججنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة " وفي لفظ له عنه ~~أيضا قال " اشتركنا ms2316 مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل ~~سبعة في بدنة " " # فقال رجل لجابر: أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلا ~~من البدن، # " وحضر جابر الحديبية قال " نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في ~~بدنة " وفي لفظ له عنه، وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~" فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية " وذلك حين ~~أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث، وفي لفظ له عنه أيضا قال " كنا ~~نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة، عن سبعة نشترك فيها ~~" " # ا ه. محل الغرض من صحيح مسلم. # وهذه الروايات الصحيحة تدل: على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك بالسبع ~~في بدنة، أو بقرة، ويدل على أن ذلك داخل فيما استيسر من الهدي. # أما الشاة والبدنة كاملة فإجزاء كل منهما لا إشكال فيه. وقال البخاري في ~~صحيحه: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا أبو جمرة ~~قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما، عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن ~~الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. الحديث. فقوله: أو ~~شرك في دم: يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة. عن جابر: أن ~~البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين، وقال ابن حجر في شرح ~~هذا الحديث: وهذا موافق لما رواه مسلم # " عن جابر قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج ~~فأمرنا أن نشترك في الأبل والبقر كل سبعة منا في بدنة " " # ثم قال وبهذا قال الشافعي والجمهور، سواء كان الهدي تطوعا أو واجبا، ~~وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد ~~اللحم. وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين بالهدي، ~~وعن زفر مثله بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية: ~~يجوز في هدي التطوع، دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقا ا ه ms2317 منه. # والتحقيق أن سبع البدنة وسبع البقرة كل واحد منهما يقوم مقام الشاة، ~~ويدخل في عموم # فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] والروايات الصحيحة التي ذكرنا حجة على كل من خالف ذلك ~~كمالك، ومن وافقه وما احتج به إسماعيل القاضي لمالك، من أن الاشتراك في ~~الهدي، لا يصح من أن حديث جابر، إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين. ~~وأن حديث ابن عباس خالف فيه أبو جمرة عنه ثقات أصحابه، فرووا عنه أن ما ~~استيسر من الهدي: شاة ثم ساق ذلك عنهم بأسانيد صحيحة مردودة. أما دعوى أن ~~حديث جابر إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين، فهي مردودة، بما ثبت في ~~الروايات الصحيحة في مسلم التي سقناها بألفاظها: أنهم اشتركوا الاشتراك ~~المذكور معه صلى الله عليه وسلم أيضا في حجه، ولا شك أن المراد بحجه حجة ~~الوداع، لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وفي بعض الروايات الصحيحة، ~~عند مسلم التي سقناها بألفاظها آنفا التصريح بوقوع الاشتراك في الحجة ~~المذكورة، كما هو واضح من ألفاظ مسلم التي ذكرناها. وأما دعوى مخالفة أبي ~~جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فيه مردودة أيضا، ~~بما ذكره ابن حجر في الفتح، حيث قال: وليس بين رواية أبي جمرة، ورواية ~~غيره منافاة، لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما ~~أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي بالإبل ~~والبقر. # وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، إلى أن قال: وبهذا تجتمع الأخبار، وهو ~~أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء، على توثيقه، وهو أبو جمرة ~~الضبعي. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما ~~بلغته السنة، وذكر ابن حجر رجوع ابن عمر عن ذلك، عن أحمد بسنده من طريق ~~الشعبي، عن ابن عمر. # وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، وذكر ~~ابن حجر في الفتح، عن سعيد بن المسب في إحدى الروايتين عنه: أنها ms2318 تجزئ عن ~~عشرة. قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. واحتج لذلك ~~في صحيحه، وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج: # " أنه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير " # الحديث. وهو في الصحيحين. # وأجمعوا على أن الشاة: لا يصح الاشتراك فيها وقوله: أو شاة هو قول جمهور ~~العلماء. ورواه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد ~~قوي عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما ~~استيسر من الهدي: إلا من الإبل والبقر، ووافقهما القاسم، وطائفة. قال ~~إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36] فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن، قال: ويرد هذا قوله ~~تعالى # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم ~~هدي. # قلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبدالله بن ~~عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا ~~أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به ما في الظبي، قالوا: شاة، قال: فإن ~~الله يقول # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95] ا ه من فتح الباري. # وقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين، عن عائشة أنها قالت " ~~أهدي صلى الله عليه وسلم مرة غنما " وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية ~~الغنم هديا كما ترى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي ~~التمتع، الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو ~~بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة وسبع البقرة، عن المتمتع الواحد، ~~وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين لثبوت الروايات الصحيحة بذلك، ولم يقم من ~~كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم: نص صريح في محل النزاع ~~يقاومها، ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي، ms2319 عن سبعة أخص في محل ~~النزاع من حديث رافع بن خديج # " أنه صلى الله عليه وسلم جعل البعير في القسمة يعدل عشرا من الغنم " # لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع ~~مقدم على الأعم، والعلم عند الله تعالى. # ومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور، وقد ~~أورده البخاري في كتاب الذبائح، # " عن رافع بن خديج بلفظ قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي ~~الحليفة فأصبنا إبلا وغنما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات ~~الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأمر ~~بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير فند منها بعير " " # الحديث. # ونص كلام ابن حجر في هذا الحديث، وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم ~~إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة ~~بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي، من ~~أن البعير يجزئ عن سبع شياه، لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة ~~والبعيرالمتعدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون ~~التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل، دون الغنم. # " وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه " أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة " " # والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة. # وأما حديث ابن عباس " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر ~~الأضحى فاشتركنا في البقرة تسعة وفي البدنة عشرة " فحسنه الترمذي وصححه ~~ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا. # والذي يتحرر في هذا: أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة، ~~ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك، ثم ~~الذي يظهر من القسمة المذكورة، أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإبل ~~والغنم، التي كانوا غنموها، ويحتمل إن كانت ms2320 الواقعة تعددت أن تكون القصة ~~التي ذكرها ابن عباس، أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي ~~في حديث رافع طبخت الشياه صحاحا مثلا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم ~~لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه، ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة ~~الشياه، عن العادة والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر. # وكون اللحم رد لطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى، غير ظاهر عندي والله ~~أعلم. # وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضا مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، ولفظ ~~المراد منه # " عن رافع قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من ~~تهامة فأصبنا غنما وإبلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ~~ثم عدل عشرا من الغنم بجزور " ". # والحاصل: أن أخص شيء في محل النزاع وأصرحه فيه، وأوضحه فيه حديث جابر، ~~الذي ذكرنا روايته عند مسلم. أما حديث رافع، فهو في قسمة الغنيمة لا في ~~الهدي. وأما حديث ابن عباس، فظاهره أنه في الضحايا، وعلى كل حال: فحديث ~~جابر أصح منه، فالذي يظهر أن المتمتع يكفيه سبع بدنة، وأن النص الصريح ~~الوارد بذلك ينبغي تقديمه، على أنه يكفيه عشر بدنة، وقد رأيت أدلة ~~القولين. والعلم عند الله تعالى. # فإذا علمت أقوال أهل العلم في تعيين القدر المجزئ في هدي التمتع، ~~والقران، وأن أظهر الأقوال: أن أقله شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، وأن إجزاء ~~البدنة الكاملة، لا نزاع فيه. # فاعلم: أن أهل العلم اختلفوا في وقت وجوبه، ووقت نحره، وهذه تفاصيل ~~أقوالهم وأدلتها، وما يرجحه الدليل منها. # أما مذهب مالك فالتحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبا تاما ~~إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله ~~صلى الله عليه وسلم، وقال # " لتأخذوا عني مناسككم " # ولذا لو مات المتمتع يوم النحر، قبل رمي جمرة العقبة، لا يلزم إخراج هدي ~~التمتع من تركته، لأنه لم يتم وجوبه، وهذا هو الصحيح المشهور في مذهب ~~مالك، وقد كنت قلت ms2321 في نظمي في فروع مالك، وفي الفرائض على مقتضى مذهبه في ~~الكلام على ما يخرج من تركة الميت، قبل ميراث الورثة بعد أن ذكرت قضاء ~~ديونه: # وأتبعن دينه بهدي # تمتع إن مات بعد الرمي # واعلم: أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله ~~كما هو ظاهر قول خليل في مختصره الذي قال في ترجمته مبينا لما به ~~الفتوى: ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله، قد اغتر به بعض من لا ~~تحقيق عنده بالمذهب المالكي، والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة، ~~وبه جزم ابن رشد وابن العربي، وصاحب الطراز وابن عرفة، قال ابن عرفة: سمع ~~ابن القاسم إن مات. يعني: المتمتع قبل رمي جمرة العقبة، فلا دم عليه. # ابن رشد: لأنه إنما يجب في الوقت، الذي يتعين فيه نحره، وهو بعد رمي ~~جمرة العقبة، فإن مات قبله لم يجب عليه. # ابن عرفة: قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه: لم يجب، وهو خلاف نقل ~~النوادر، عن كتاب محمد عن ابن القاسم، وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر، ~~ولم يرم فقد لزمه الدم، ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام ~~الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه، ولا أعلم في سقوطه خلافا. # ولعبد الحق، عن ابن الكاتب، عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه، فعليه ~~الدم. ا ه من الحطاب. # فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور: أنه لا يجب على من مات، إلا إذا كان ~~موته بعد رمي جمرة العقبة، وفيه قول: بلزومه، إن مات يوم النحر قبل ~~الرمي، وأضعفها أنه يلزمه، إن مات بعد الوقوف بعرفة. أما لو مات قبل ~~الوقوف بعرفة، فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية، وقول من ~~قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء، إلا جواز ~~إشعاره وتقليده، عليه فلو أشعره، أو قلده قبل إحرام الحج، كان هدي تطوع، ~~فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده، وأشعره بعد إحرام ms2322 الحج، ثم أخر ذبحه ~~إلى وقته: أنه يجزئه عن هدي التمتع، وعليه فالمراد بقول خليل: وأجزأ قبله ~~أي أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده، وإشعاره على إحرام الحج هذا هو المعروف ~~عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو ~~بعده قبل وقت النحر. فقد غلط غلطا فاحشا. # قال الشيخ المواق في شرحه: قول خليل: وأجزأ قبله ما نصه: ابن عرفة: يجزئ ~~تقليده، وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضا قبله على قول ابن القاسم. ا ~~ه منه. # وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: ودم التمتع يجب بإحرام ~~الحج وأجزأ قبله ما نصه: # فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى، إن وقف به بعرفة، أو بمكة ~~بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا؟ # قلت: يظهر في جواز تقليده، وإشعاره بعد الإحرام بالحج، وذلك أنه لو لم ~~يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد، لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه، ~~فلا يجزئ إلا إذا قلد بعد كمال الأركان. # وقال الشيخ الحطاب أيضا: والحاصل: أن دم التمتع والقران، يجوز تقليدهما ~~قبل وجوبهما على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه ~~المصنف. فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة ~~تعم على القول، بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإحرام بالحج تظهر ثمرة ~~الوجوب في ذلك، ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج، وجوبا غير متحتم، ~~لأنه معرض للسقوط بالموت، والفوات، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب، ~~فلا يسقط بالموت. كما نقول في كفارة الظهار، أنها تجب بالعود وجوبا، غير ~~متحتم بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت ~~الكفارة، ولو ماتت الزوجة، أو طلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن ~~عبدالسلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى، إن وقف ~~به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل: على أنه لا يجزئ نحره قبل ~~ذلك. # والله ms2323 أعلم ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك. # قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران، ~~قبل يوم النحر، خلافا للشافعي لقوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] وقد ثبت أن الحلق، لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن ~~الهدي، لم يبلغ محله إلا يوم النحر، وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقال في ~~التلقين: الواجب لكل واحب من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز ~~تقديمه قبل فجر يوم النحر، وله مثله في مختصر عيون المجالس، ثم قال ~~الحطاب رحمه الله: فلا يجوز الهدي عند مالك، حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة ~~وجوزه الشافعي: من حين يحرم بالحج. واختلف قوله فيما بعد التحلل من ~~العمرة قبل الإحرام بالحج. # ودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل، وهو المفهوم من قوله تعالى { ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ا ه ~~منه. وكلام علماء المالكية بنحو هذا كثير معروف. # والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع، والقران عند مالك، وعامة أصحابه ~~قبل يوم النحر وفيه قول ضعيف، بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول ~~عليه، أن قولهم: أنه يجب بإحرام الحج، لا فائدة فيه إلا جواز إشعار الهدي ~~وتقليده بعد إحرام الحج، لا شيء آخر فما نقل عن عياض وغيره من المالكية، ~~مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر كله غلط. إما من تصحيف الإشعار، ~~والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطا، وإما من الغلط في فهم المراد عند ~~علماء المالكية، كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا ~~التحقيق، ولا تغتر بغيره. # ومذهب الإمام أحمد في وقت وجوبه فيه خلاف، فقيل: وقت وجوبه، هو وقت ~~الإحرام بالحج. قال في المغني: وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. لأن الله ~~تعالى قال: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196] وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله ~~تعالى # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] إلى أن قال: وعنه أنه ms2324 يجب إذا وقف بعرفة. قال: وهو قول ~~مالك، واختيار القاضي ووجه في المغني هذا القول، بأنه قبل الوقوف، لا ~~يعلم أيتم حجه أو لا، لأنه قد يعرض له الفوات، فلا يكون متمتعا، فلا يجب ~~عليه دم، وذكر عن عطاء وجوبه برمي جمرة العقبة. # وعن أبي الخطاب يجب إذا طلع فجر يوم النحر، ثم قال في المغني: فأما وقت ~~إخراجه فيوم النحر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة: لأن ما قبل يوم النحر لا ~~يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، ثم قال: وقال أبو ~~طالب: سمعت أحمد قال في الرجل: يدخل مكة في شوال، ومعه هدي قال: ينحر ~~بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره لا يضيع أو يموت أو يسرق. # وكذلك قال عطاء: وإن قدم في العشر حتى ينحره بمنى، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا، حتى نحروا بمنى، ومن جاء ~~قبل ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنا ا ه محل الغرض ~~منه. وسترى ما يرد هذا إن شاء الله تعالى. # وقال صاحب الإنصاف: يلزم دم التمتع، والقران بطلوع فجر يوم النحر على ~~الصحيح من المذهب، وجزم به القاضي في الخلاف، ورد ما نقل عنه خلافه إليه ~~وجزم به في البلغة، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة، والتلخيص، ~~والفروع، والرعايتين، والحاويين، وعنه يلزم الدم إذا أحرم بالحج، ~~وأطلقهما في المذهب، ومسبوك الذهب وعنه يلزم الدم بالوقوف وذكره المصنف ~~والشارح اختيار القاضي. # قال الزركشي: ولعله في المجرد وأطلقها، والتي قبلها في الكافي، ولم يذكر ~~غيرها، وكذا قال المغني والشرح، وقال ابن الزاغوني في الواضح: يجب دم ~~القران بالإحرام. قال في الفروع: كذا قال، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية ~~التمتع، إذ قال في الفروع: ويتوجه أن يبني عليها، ما إذا مات بعد سبب ~~الوجوب، يخرج عنه من تركته. # وقال بعض الأصحاب: فائدة الروايات إذا تعذر الدم، وأراد الانتقال إلى ~~الصوم، فمتى يثبت العذر فيه الروايات، ثم قال في الإنصاف: هذا الحكم ~~المتقدم ms2325 في لزوم الدم. وأما وقت ذبحه فجزم في الهداية، والمذهب ومسبوك ~~الذهب والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين ~~والحاويين وغيرهم: أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه. # قال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحر، ثم ذكر ~~صاحب الإنصاف، عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك، وذكر رده، ورده ~~الذي ذكر هو الصحيح. # ومن جملة ما رده به فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، لأنهم لم ~~يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعا، ثم قال: وقد جزم في المحرر ~~والنظم، والحاوي، والفائق وغيرهم: أن وقت دم المتعة والقران: وقت دم ~~الأضحية على ما يأتي في بابه، ثم قال: واختار أبو الخطاب في الانتصار ~~يجوز له نحره بإحرام العمرة، وأنه أولى من الصوم، لأنه بدل، وحمل رواية ~~ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر، ثم قال: # ونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي: ينحره لا يضيع، أو يموت، أو ~~يسرق. قال في الفروع وهذا ضعيف. # قال في الكافي: وإن قدم قبل العشر نحره، وإن قدم به في العشر لم ينحره، ~~حتى ينحره بمنى استدل بهذه الرواية، واقتصر عليه. انتهى محل الغرض من ~~الإنصاف. # وقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبني عليها لزوم الهدي ~~في تركته، إن مات بعد الوجوب، وتحقق وقت العذر المبيح، للانتقال إلى ~~الصوم، إن لم يجد الهدي، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح، ~~لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل، عن وقت الوجوب. # وأن الصحيح المشهور من مذهبه: أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، واختيار ~~أبي الخطاب: جواز ذبحه بإحرام المتعة. # ورواية أبي طالب: جواز ذبحه إن قدم به. قبل العشر كلاهما ضعيف لا يعول ~~عليه، ولا يعضده دليل، والتعليل بخوف الموت والضياع، والسرقة منتقض بما ~~إذا قدم به في العشر، لأن العشر يحتمل أن يموت فيها، أو يضيع، أو يسرق ~~كما ترى والتحديد بنفس العشر، لا دليل عليه من نص ولا قياس، ms2326 فبطلانه واضح ~~لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة، وذلك موجود في ~~الهدي الذي قدم به في العشر، مع أن الأصل في كليهما السلامة، والعلم عند ~~الله تعالى. # ومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن وقت وجوب دم التمتع، هو وقت ~~الإحرام بالحج. # قال النووي في شرح المهذب: وبه قال أبو حنيفة، وداود، وقال عطاء: لا يجب ~~حتى يقف بعرفات. # وقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة، وأما وقت جواز ذبحه عند ~~الشافعية ففيه قولان: # أحدهما: لا يجوز قبل الإحرام بالحج، قالوا: لأن الذبح قربة تتعلق ~~بالبدن، فلا تجوز قبل وجوبها، كالصلاة والصوم. # والقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة لأنه حق مالي يجب بسببين، ~~فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول، أما جواز ~~ذبحه بعد الإحرام بالحج، فلا خلاف فيه عند الشافعية، كما أن ذبحه قبل ~~الإحرام بالعمرة، لا يجوز عندهم، بلا خلاف. # وقد قدمنا نقل النووي، عن أبي حنيفة: أن وقت وجوبه: هو وقت الإحرام ~~بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة، وأصحابه: يوم النحر فلا يجوز ~~تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه، وينبغي تحقيق الفرق بين وقت ~~الوجوب، ووقت النحر، لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته، فيما لو مات ~~المحرم هل يخرج الهدي من تركته بعد موته، ويتعين به وقت ثبوت العذر ~~المجيز للانتقال إلى الصوم، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب، جواز الذبح. # ومن فوائد ذلك: أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإحرام، عند من يقول بذلك، ~~لا يتعين لزوم الدم. لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع: فلا دم تمتع ~~عليه، وإنما عليه دم الفوات. كما يأتي إن شاء الله تعالى. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع، والقران فدونك أدلتهم، ~~ومناقشتها، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها. # اعلم: أن من قال بجوازه قبل يوم النحر: كالشافعية، وأبي الخطاب من ~~الحنابلة، ورواية ضعيفة، عن أحمد: إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد ms2327 ~~احتجوا، واحتج لهم بأشياء. # أما رواية أبي طالب عن أحمد: بجواز تقديم ذبحه، إن قدم به صاحبه، قبل ~~العشر. فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها، وبينا أنها لا مستند لها لأن ~~مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنة ثابتة. # وأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة، فلا مستند له من كتاب، ~~ولا سنة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان، وهما العمرة ~~والحج في تلك السنة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة فجاز ~~الإتيان بالمسبب، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان، لأن انعقاد ~~السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم، وإن لم تتوفر ~~الأسباب الأخرى، ولم تنتف الموانع، لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في ~~الجملة، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا، كما ترى. ~~وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة. # منها: أن هدي التمتع حق مالي، يجب بسببين: هما الحج، والعمرة. # فجاز تقديمه على أحدهما قياسا، على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول ~~الحول. # ومنها: قوله تعالى # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196] قالوا: قوله { فما استيسر من الهدي } أي ~~عليه ما استيسر من الهدي، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا، فوجب ~~حينئذ، لأنه معلق على التمتع: وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق ~~الحكم بأوله كقوله تعالى # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع، يحصل ~~بأول جزء من الحج وهو الإحرام. # ومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإحرام بالحج، فوجد التمتع، وذبح الهدي ~~معلق على التمتع، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق. # ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه، يجوز تقديم بعضه على ~~يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله # فصيام ثلاثة أيام في الحج # [البقرة: 196] الآية وتقديم البدل، يدل على تقديم المبدل منه. # ومنها: أنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر كدم فدية الطيب ~~واللباس. # ومنها: ظواهر ms2328 بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر، فمن ~~ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي. # وحدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، # " أخبرنا: أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبدالله يحدث عن حجة النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في ~~الهدية " " # وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. انتهى بلفظه من صحيح ~~مسلم. وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع، ~~بعد التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج. # وفي المسألة خلاف، وتفصيل إلى آخر كلام النووي. # ومن ذلك أيضا ما رواه الحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو الحسن علي بن ~~عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ~~ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ~~وعطاء، عن جابر بن عبدالله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاما، ~~حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل، أمرنا بالإحلال الحديث. ~~وفيه: قال عطاء قال ابن عباس رضي الله عنهما # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب ~~سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم اصرخ أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا " # إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم ~~يخرجاه، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر ~~أيضا، وفيه أيضا زيادة ألفاظ كثيرة ا ه. وأقره الحافظ الذهبي على ~~تصحيح الحديث المذكور، وقوله في هذا الحديث # " فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة " # إلخ. قد يتوهم منه، أن ذبح سعد لتيسه ms2329 كان قبل الوقوف بعرفة. # هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، ~~وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه، ولأنه لا يحتاج في سقوطه، إلى ~~دليل. # وأما الجمهور القائلون: بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم ~~النحر فاستدلوا بأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة، في أن أول وقت ~~نحر الهدي: هو يوم النحر، وكان صلى الله عليه وسلم قارنا كما قدمنا، ما ~~يدل على الجزم بذلك، سواء قلنا: إنه بدأ إحرامه، قارنا أو أدخل العمرة ~~على الحج، وأن ذلك خاص به كما تقدم. وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ~~ثابت في الأحاديث الصحيحة، إلا عائشة فإنها كانت قارنة على التحقيق كما ~~قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه صلى الله عليه ~~وسلم، ولا عن أحد من أزواجه، إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك ~~كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه والقارنين الذين ساقوا ~~الهدي، لم ينحر أحد منهم ألبتة، قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء ~~الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من ~~الصحابة، ولا من الخلفاء: أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر ~~البتة. # فإن قيل: فعله صلى الله عليه وسلم لا يتعين به الوجوب، لإمكان أن يكون ~~سنة لا فرضا، لأن الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا، فلا عموم له، ~~ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها ~~الأول، وإذا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر مع جواز الذبح قبله. # فالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول، من أن فعله صلى الله ~~عليه وسلم، إذا كان بيانا لنص فهو محمول على الوجوب، إن كان الفعل ~~المبين واجبا كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق ~~من الكوع مبينا به المراد من اليد في قوله # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله ms2330 ~~في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، ~~وأوقاتها لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنة. ولذا ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لتأخذوا عني مناسككم " # وإذا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك ~~قول منه أعم من الفعل كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن مزدلفة كلها موقف، ~~وأن منى كلها منحر، ونحو ذلك، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره. # قال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما تعرف به جهة فعله صلى الله عليه ~~وسلم من وجوب أو ندب ما نصه: ووقوعه بيانا إلخ. يعني: أن وقوع الفعل ~~بيانا لنص مجمل إن كان مدلول النص واجبا، فالفعل المبين به ذلك النص ~~واجب بلا خلاف، وإن كان مندوبا فمندوب. سواء كان الفعل المبين النص، دل ~~على كونه بيانا قرينة أو قول. # قال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: الثاني: أن يكون فعله بيانا ~~لمجمل إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] وإما بقول مثل قوله # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله، وأخبر بقوله ~~أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله # " خذوا عني مناسككم " # وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. ا ه محل الغرض منه، وهو واضح فيما ذكرنا ~~ولا أعلم فيه خلافا فجيمع أفعال الحج، والصلاة التي بين بها صلى الله ~~عليه وسلم آيات الصلاة والحج يجب حمل كل شيء منها، على الوجوب إلا ما ~~أخرجه دليل خاص يجب الرجوع إليه. وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: ~~مسألة فعله صلى الله عليه وسلم، ما وضح فيه أمر الجبلة، كالقيام، ~~والقعود، والأكل، والشرب، أو تخصيصه، كالضحى، والوتر، والتهجد، ~~والمشاورة، والتخيير، والوصال والزيادة على أربع فواضح، وما سواهما إن ~~وضح أنه بيان بقول أو قرينة مثل: صلوا، وخذوا، وكالقطع من الكوع والغسل ~~إلى المرافق، اعتبر اتفاقا انتهى محل الغرض منه. # ومعنى قوله: ms2331 اعتبر اتفاقا: أنه إن كان المبين باسم المفعول واجبا، ~~فالفعل المبين باسم الفاعل واجب، لأن المبين بحسب المبين وقال شارحه ~~العضد: فإن عرف أنه بيان لنص على جهته من الوجوب، والندب، والإباحة اعتبر ~~على جهة المبين من كونه خاصا وعاما اتفاقا، ومعرفة كونه بيانا إما ~~بقول، وإما بقرينة، فالقول نحو # " خذوا عني مناسككم " # " وصلوا كما رأيتموني أصلي " # والقرينة مثل: أن يقع الفعل، بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع، دون ~~المرفق، بإدخال المرافق، أو إخراجها بعد ما نزلت # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] والغسل إلى المرافق، بإدخال المرافق، أو إخراجها بعد ما ~~نزلت # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق # [المائدة: 6] ا ه محل الغرض منه، وهو واضح فيما ذكرنا من أن الفعل ~~المبين لنص دال على واجب، يكون واجبا لأن البيان به بيان لواجب، كما هو ~~واضح. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: # من غير تخصيص وبالنص يرى # وبالبيان وامتثال ظهرا # ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان وقال في شرحه نشر البنود في معنى قوله ~~والبيان، فيكون حكمه حكم المبين ا ه منه، وهو واضح، والمبين بصيغة اسم ~~المفعول في آيات الحج، وهدي التمتع واجب، لأن الحج واجب إجماعا، وهدي ~~التمتع واجب إجماعا، فالفعل المبين لهما يكون واجبا على ما قررناه، ~~وعليه عامة أهل الأصول، إلا ما أخرجه دليل خاص وبه تعلم أن ذبحه صلى الله ~~عليه وسلم هديه يوم النحر، وهو قارن وذبحه عن أزواجه يوم النحر، وهن ~~متمتعات، وعن عائشة وهي قارنة: فعل مبين لنص واجب، فهو واجب، ولا تجوز ~~مخالفته في نوع الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه إلا فيما أخرجه دليل ~~خاص، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى، لأنه بين أن منى كلها منحر، ولم ~~يبين أن الزمن كله وقت نحر، ومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول، من ~~أن فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن بيانا لمجمل، ولم يعلم هل فعله ~~على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب أنه يحمل على ms2332 الوجوب، لأنه أحوط ~~وأبعد من لحوق الإثم، إذ على احتمال الندب، والإباحة لا يقتضي ترك الفعل ~~إثما، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإثم، وإلى هذا أشار في مراقي ~~السعود في مبحث أفعاله صلى الله عليه وسلم بقوله: # وكل ما الصفة فيه تجهل # فللوجوب في الأصح يجعل # وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى: نشر البنود: يعني أن ما كان من ~~أفعاله صلى الله عليه وسلم مجهول الصفة: أي مجهول الحكم، فإنه يحمل على ~~الوجوب إلى أن قال: وكونه للوجوب هو الأصح، وهو الذي ذهب إليه الإمام ~~مالك، والأبهري وابن القصار وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا وبعض الحنفية، ~~وبعض الحنابلة. # ا ه محل الغرض منه. # وقال صاحب الضياء اللامع: وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج، وابن خويز ~~منداد وقال به الأبهري، وابن القصار، وأكثر أصحابنا، وبعض الشافعية، وبعض ~~الحنفية، وبعض الحنابلة، وبعض المعتزلة. واستدل أهل هذا القول بأدلة. # منها قوله تعالى # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر # [الأحزاب: 21] قالوا: معناه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فله فيه ~~أسوه حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة، فهو لا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، وملزوم الحرام حرام ولازم الواجب واجب. وقالوا أيضا: وهو ~~مبالغة في التهديد، على عدم الأسوة فتكون الأسوة واجبة، ولا شك أن من ~~الأسوة اتباعه في أفعاله. # ومنها: قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] قالوا: وما فعله فقد آتاناه، لأنه هو المشرع لنا بأقواله ~~وأفعاله. وتقريره. # ومنها: قوله تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31] الآية. ومن اتباعه التأسي به في فعله، قالوا: وصيغة ~~الأمر في قوله { فاتبعوني } للوجوب. # ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا، في وجوب الغسل من الوطء، بدون إنزال ~~سألوا عائشة، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا ذلك، ~~فاغتسلا فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل، من الوطء، بدون إنزال على ~~الوجوب. # ومنها: أنه صلى الله عليه ms2333 وسلم لما خلع نعليه في الصلاة، خلعوا نعالهم، ~~فلما سألهم: لم خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، ~~فحملوا مطلق فعله على الوجوب، فخلعوا لما خلع، وأقرهم صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك قالوا: فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب، لبين ~~لهم أنه لا يلزم من خلعه، أن يخلعوا، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم، ~~وأخبرهم أن جبريل أخبره: أن في باطنهما قذرا والقصة في ذلك ثابتة من ~~حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم ~~وغيرهم. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد ~~صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك. قوال: هو صحيح على شرط مسلم، وقال ~~الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في المنتقى بعد ~~أن قال المجد في المنتقى: رواه أحمد وأبو داود ا ه الحديث: أخرجه أيضا ~~الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في ~~العلل الموصول، ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود إلى آخر كلامه. ~~ومعلوم أن المخالفين القائلين: بأن الفعل الذي لم يكن بيانا لمجمل، ولم ~~يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب، بل على الندب، أو الإباحة إلى آخر ~~أقوالهم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول قالوا قوله # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] أي ما أمركم به بدليل قوله # وما نهاكم عنه # [الحشر: 7] فهي في الأمر، والنهي لا في مطلق الفعل، ولا يخفى أن تخصيص: ~~وما آتاكم، بالأمر تخصيص لا دليل عليه، وذكر النهي بعده لا يعينه وقالوا # إن كنتم تحبون الله فاتبعوني # [آل عمران: 31] إنما يكون الاتباع واجبا فيما علم أنه واجب، أما إذا ~~كان فعله مندوبا فالاتباع فيه مندوب، ولا يتعين أن الفعل واجب، على ~~الأمة بالاتباع إلا إذا علم أنه صلى الله عليه وسلم، فعله على سبيل ~~الوجوب. أما لو كان فعله على سبيل الندب وفعلته الأمة على سبيل الوجوب، ~~فلم يتحقق الاتباع بذلك قالوا: ms2334 وكذلك يقال في قوله تعالى # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] الآية فلا تتحقق الأسوة، إذا كان هو صلى الله عليه وسلم ~~فعله، على سبيل الندب، وفعلته أمته على سبيل الوجوب، بل لا بد في الأسوة ~~من علم جهة الفعل، الذي فيه التأسي قالوا: وخلعهم نعالهم لا دليل فيه، ~~لأنه فعل داخل في نفس الصلاة: وإنما أخذوه من قوله صلى الله عليه وسلم # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # لأن خلع النعال كأنه في ذلك الوقت من هيئة أفعال الصلاة، قالوا: وإنما ~~أخذوا وجوب الغسل من الفعل، الذي أخبرتهم به عائشة، لأنه صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجوب الغسل من التقاء الختانين، أو لأنه فعل مبين ~~لقوله # وإن كنتم جنبا فاطهروا # [المائدة: 6] والفعل المبين لإحمال النص، لا خلاف فيه كما تقدم إيضاحه. ~~قالوا: والاحتياط في مثل هذا: لا يلزم، لأن الاحتياط لا يلزم إلا فيما ~~ثبت وجوبه أو كان وجوبه، هو الأصل كليلة الثلاثين من رمضان، إن حصل غيم ~~يمنع رؤية الهلال عادة أما غير ذلك، فلا يلزم فيه الاحتياط، كما لو حصل ~~الغيم المانع من رؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين من شعبان: فلا يجوز صوم يوم ~~الشك، ولا يحتاط فيه، لأنه لم يثبت له وجوب ولم يكن وجوبه هو الأصل إلى ~~آخر أدلتهم ومناقشاتها. فلم نطل بجميعها الكلام، ولاشك: أن الأدلة التي ~~ذكرها الفريق الأول كقوله # فاتبعوني # [آل عمران: 31] وقوله # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] الآية وقوله # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] الآية وإن لم تكن مقنعة بنفسها في الموضوع، فلا تقل عن أن ~~تكون عاضدة لما قدمنا من وجوب الفعل الواقع به البيان، وما سنذكره من غير ~~ذلك وهو الوجه الثاني من وجهي الجواب اللذين ذكرنا: وهو أن ذلك الفعل ~~الذي هو ذبح هدي التمتع، والقران يوم النحر، هو الذي مشى عليه سلف هذه ~~الأمة من الصحابة والتابعين. ودلت عليه الأحاديث ولن يصلح آخر هذه الأمة، ~~إلا ما أصلح أولها، ومن ms2335 أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق ~~عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه صلى الله عليه وسلم، أمر أصحابه بفسخ ~~حجهم في عمرة، وأن يحلوا منها الحل كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسف على أنه ~~لم يفعل مثل فعلهم وقال # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " # وفي تلك النصوص الصحيحة: التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة ومعناه: ~~أنه هو صلى الله عليه وسلم، يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة، كما أمر ~~أصحابه بذلك. وقد صرح في الأحاديث الصحيحة، بأن الذي منعه من ذلك. أنه ~~ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإحلال من العمرة لجعل ~~الحج عمرة، وأحل منها، ونحر الهدي بعد الإحلال منها. ولكن المانع الذي ~~منع من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت. والحلق الذي لا يصح الإحلال ~~دونه، معلق على بلوغ الهدي محله كما قال # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] وقد بين صلى الله عليه وسلم بفعله الثابت عنه أن محله: ~~منى يوم النحر. وقد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين، على ~~أن النحر قبل الحلق. # أحدهما: قوله تعالى { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله }. # والثاني: قوله تعالى { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } وقد ~~قدمنا أنه التسمية عند نحرها تقربا لله، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى ~~الآية # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29] ومن قضاء تفثهم: الحلق، أو التقصير. وقد ثبت في الصحيح # " أنه صلى الله عليه وسلم حلق قبل أن ينحر وأمر بذلك " # كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى، ولكنه صلى الله عليه وسلم بين أن من ~~قدم الحلق، على النحر: لا شيء عليه. ولا خلاف أن كل الواقع من ذلك في ~~حجته، أنه كان يوم النحر كما هو معروف. وقد دلت آية الحج على أن كل هدي ~~له تعلق بالحج، ويدخل فيه التمتع دخولا أوليا أن وقت ذبحه مخصص بأيام ~~معلومات، ms2336 دون غيرها من الأيام، وذلك في قوله تعالى { وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ~~يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } لأن معنى الآية الكريمة: أذن ~~فيهم بالحج، يأتوك مشاة، وركبانا لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن ~~يذكروا اسم الله في أيام معلومات، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: أي ~~ولأجل أن يتقربوا بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات وهو واضح ~~كما ترى. وقد قدمنا أن هذه الأنعام التي يتقرب بها في هذه الأيام ~~المعلومات، ويسمى عليها الله عند تذكيتها، أنها أظهر في الهدايا من ~~الضحايا، لأن الضحايا لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين، ليأتوا رجالا ~~وركبانا، ويذبحوا ضحاياهم كما ترى، والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان قارنا ونحر هديه يوم النحر، وأنه ما منعه من فسخ ~~الحج في العمرة إلا سوق الهدي، وأن الهدي لو كان يجوز ذبحه بعد الإحلال ~~من العمرة، لأحل بعمرة، وذبح هدي التمتع عند الإحلال منها، أو عند ~~الإحرام بالحج كما يقول من ذكرنا: أنه جائز، وقد قدمنا كثيرا منها ~~موضحا بأسانيده، وسنعيد طرفا منه هنا إن شاء الله تعالى. # فمن ذلك حديث حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم المتفق عليه قال ~~البخاري في صحيحه: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، حدثنا عبدالله بن ~~يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع عن ابن عمر # " عن حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت " يا ~~رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تتحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني ~~لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحره " " # ا ه من صحيح البخاري، وقوله: حتى أنحر يعني يوم النحر، فلو جاز نحر هدي ~~التمتع قبل ذلك، لأحل بعمرة، ونحر. # وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، ~~عن عبدالله بن عمر # " أن حفصة رضي الله عنهم، زوج ms2337 النبي صلى الله عليه وسلم قالت " يا ~~رسول الله ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت ~~رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " " # وفي لفظ له عنها قالت قال # " إني قلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج " # وفي لفظ له عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، ~~قالت حفصة: قلت ما يمنعك أن تحل؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل ~~حتى أنحر هديي " # ا ه. # ففي هذه الروايات الصحيحة ما يدل على أن الهدي الذي معه مانع من الحل، ~~ولو كان النحر قبل يوم النحر جائزا لتحلل بعمرة ثم نحر، وفيه أن أزواجه ~~صلى الله عليه وسلم متمتعات، وقد نحر عنهن البقر يوم النحر. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك عن ~~يحيى بن سعيد، # " عن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول " خرجنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة، لا نرى إلا ~~الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه ~~هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فدخل علينا يوم النحر ~~بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه ~~" # قال يحيى: فذكرته للقاسم بن محمد فقال: أتتك بالحديث على وجهه، انتهى من ~~صحيح البخاري. # وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن ~~زكرياء بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر قال # " ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة بقرة يوم النحر " # وفي لفظ لمسلم، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال # " نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه " # وفي حديث أبي بكر عن عائشة بقرة في حجته. انتهى من صحيح مسلم، وقد تركنا ~~ذكر اختلاف الروايات، هل ms2338 ذبح عن جميعهن بقرة واحدة، أو عن كل واحدة بقرة، ~~كما جاء التصريح به في حديث مسلم، هذا بالنسبة إلى عائشة، وعلى كل حال ~~فهذه الروايات الصحيحة، وأمثالها الكثيرة التي قدمنا كثيرا منها: تدل ~~على أنه صلى الله عليه وسلم نحر عمن تمتع من أزواجه، ومن قرن في خصوص يوم ~~النحر، وأنه هو صلى الله عليه وسلم كذلك فعل عن نفسه، وكان قارنا مع أنه ~~كان يتمنى أن يعتمر، ويحل منها، ثم يحرم بالحج، كما أمر أصحابه بفعل ذلك، ~~وصرح في الروايات الصحيحة: بأن المانع له من ذلك سوق الهدي، فلو كان ~~الهدي يجوز نحره قبل يوم النحر لتحلل ونحر كما أوضحناه، وفعله هذا ~~كالتفسير لقوله تعالى # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] فبين بفعله: أن بلوغه محله يوم النحر بمنى، بعد رمي جمرة ~~العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد خالف فعله صلى الله عليه ~~وسلم المبين لإجمال القرآن، وخالف ما كان عليه أصحابه من بعده وجرى عليه ~~عمل عامة المسلمين، ولا يثبت بنص صحيح عن صحابي واحد أنه نحر هدي تمتع أو ~~قران قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله صلى الله عليه ~~وسلم مبينا به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله # " لتأخذوا عني مناسككم " # كما ترى. # فإذا عرفت مما ذكرنا: أن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وفعل الخلفاء ~~الراشدين، وغيرهم من كافة علماء المسلمين: هو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع ~~والقران، قبل يوم النحر. فدونك الأجوبة التي أجيب بها عن أدلة المخالفين ~~القائلين: بجواز ذبحه عند إحرام الحج، أو عند الإحلال من العمرة. # أما استدلالهم بأن هدي التمتع له سببان، فجاز بأحدهما قياسا على ~~الزكاة، بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول فهو مردود بكونه فاسد الاعتبار، ~~وفساد الاعتبار من القوادح المجمع على القدح بها، وهو بالنسبة إلى القياس ~~أن يكون القياس مخالفا لنص من كتاب، أو سنة، أو إجماع، وهذا القياس ~~مخالف للسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ms2339 التي هي النحر يوم النحر، ~~كما قدمنا إيضاحه، وعرف في مراقي السعود فساد الاعتبار بقوله في مبحث ~~القوادح. # والخلف للنص أو إجماع دعا # فساد الاعتبار كل من وعى # واستدلالهم بأن شروط التمتع وجدت عند الإحرام بالحج، فوجد التمتع بوجود ~~شروطه، وذبح الهدي معلق على وجود التمتع في الآية. وإذا حصل المعلق عليه، ~~حصل المعلق مردود من وجهين: # الأول: أن وجود التمتع لم يحقق بإحرام الحج، لاحتمال أن يفوته الحج بسبب ~~عائق عن الوقوف بعرفة وقته، لأنه لو فاته الحج، لم يوجد منه التمتع، فدل ~~ذلك على أن الإحرام بالحج لا يتحقق به وجود حقيقة التمتع التي علق على ~~وجوده ما استيسر من الهدي. # الثاني: أن الهدي الواجب بالتمتع له محل معين، لا بد من بلوغه في زمن ~~معين، كما دل عليه قوله تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]. وقد بين صلى الله عليه وسلم بفعله الثابت ثبوتا لا مطعن ~~فيه. وقوله # " إني لبدت رأسي وقلدت هديي " # الحديث المتقدم: أن محله هو منى يوم النحر كما تقدم إيضاحه، واستدلالهم ~~بأن الصوم الذي هو بدل الهدي، عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم ~~النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله # فصيام ثلاثة أيام في الحج # [البقرة: 196] فجاز تقديم الهدي على يوم النحر، قياسا على بدله مردود ~~من وجهين: # الأول: أنه قياس مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي فعلها ~~مبينا بها القرآن. وقال: # " لتأخذوا عني مناسككم " # فهو قياس فاسد الاعتبار، كما قدمنا إيضاحه قريبا. # الوجه الثاني: أنه قياس مع وجود فوارق تمنع من إلحاق الفرع بالأصل. # منها: أن الهدي يترتب على ذبحه قضاء التفث، كما يدل عليه قوله في ذبح ~~الهدايا: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ثم رتب على ذلك قوله ~~تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29] وهذا الحكم الموجود في الأصل منتف عن الفرع، لأن الصوم لا ~~يترتب عليه قضاء تفث. # ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتف عن ms2340 الفرع، وهو الصوم، فإنه ~~لا يختص بمكان. # ومنها: أن الصوم إنما يؤدي جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله ~~تعالى: # وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196] وهذا منتف عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد ~~الرجوع إلى الأهل كما ترى. # واستدلالهم: بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسا على ~~فدية الطيب واللباس مردود من وجهين أيضا. # اعلم أولا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشة دقيقة في ~~هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم النسك كالأضحية؟ فعلى: أنه دم نسك ~~فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى: أنه دم جبران، فقياسه على فدية ~~الطيب واللباس يمنعه أمران. # الأول: أنه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته السنة الثابتة، عنه صلى الله ~~عليه وسلم. # الثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنة على وجوب الهدي في الطيب ~~واللباس، حتى يقاس عليه هدي التمتع، والعلماء إنما أوجبوا الفدية في ~~الطيب، واللباس قياسا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم ~~مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن ~~حكم الأصل المقيس عليه، لا بد أن يكون ثابتا بنص، أو اتفاق الخصمين. ~~وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من ~~لبس أو تطيب في إحرامه، لزمته فدية الأذى، قياسا على الحلق المنصوص عليه ~~في قوله تعالى # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية # [البقرة: 196] الآية بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن ~~في الطيب واللباس، فدية فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمهما بالقياس أصلا ~~ثانيا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم ~~جبران، وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة، قياسا على البر بجامع الاقتيات، ~~والادخار، أو الكيل مثلا ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الربا في الذرة ~~بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلا ثانيا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ~~ذلك فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور ms2341 واضح ~~وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله: # وحكم الأصل قد يكون ملحقا # لما من اعتبار الأدنى حققا # فهو قياس مختلف في صحته أصلا، وهو فاسد الاعتبار أيضا، لمخالفته لسنته ~~صلى الله عليه وسلم. # واستدلالهم بقوله تعالى: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي # [البقرة: 196] قائلين: إنه بمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا، فيجب ~~الهدي بإحرام الحج، لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ~~ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] مردود أيضا. # أما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، ~~فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبا فأغنى عن إعادته هنا. # وقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية الذي هو إلى، فيجب تعلق ~~الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج وأوله الإحرام، فيجب ~~الذبح بالإحرام كقوله: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو ~~الغاية لإتمامه مردود من وجهين. # الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية. # ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره # [البقرة: 230] فنكاحها زوجا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول ~~هذه الغاية الذي هو عقد النكاح، لا يتعلق به الحكم، بل لا بد من بلوغ آخر ~~الغاية: وهو الجماع، ولذا قال صلى الله عليه وسلم # " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " # فعلم أن التعلق بأول الغاية: لا يلزم على كل حال. # الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله: بينت ~~أن هذا الحكم، لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإحلال ~~الأول: لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا ms2342 قران إلا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله ~~فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها # فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196] والله يقول # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر # [الأحزاب: 21] الآية ففعله مبين لقوله { فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج فما استيسر من الهدي } لأنه ذبح عن أزواجه ~~المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به ~~القرآن بعد القرآن السنة، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] الآية، وهو صلى الله عليه وسلم يبين المناسك بأفعاله، ~~موضحا بذلك المراد من القرآن، ويقول: # " لتأخذوا عني مناسككم ". # الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر، لجاز الحلق قبل يوم النحر، ~~وذلك باطل فالحلق لا يجوز، حتى يبلغ الهدي محله. كما هو صريح القرآن، ~~والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغ محله قبل يوم النحر، وهو ~~واضح كما ترى، ولذا لم يأذن صلى الله عليه وسلم في حجته، لمن ساق هديا ~~أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديا، ولا شك أن ~~ذلك عمل منه بقوله تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]. # واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: # " فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية " # وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل ~~الأصول بالقلب، لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم وذلك هو عين ~~القلب وإيضاحه أن لفظ الحديث " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم " ~~والإشارة في قوله: وذلك راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، ~~والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم. وذلك إنما وقع يوم النحر، ~~لأنه لا إحلال من حج ألبتة قبل يوم النحر. # والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح ~~هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج، ms2343 لأن لفظ الحديث ~~مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإحلال من الحج، وهو يستدل به على وقوعه قبل ~~الإحرام بالحج. # والظاهر أن هذا سهو منه أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم ~~من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك. لأن أصل الإحرام بالحج، ففسخوه ~~في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا كأنهم محلون من الحج الذي فسخوه فيها، ~~وهذا محتمل ولكنه بعيد جدا من ظاهر اللفظ لأن الحج الذي أحرموا به لما ~~فسخوه في عمرة زال اسمه بالكلية، وصار الإحلال من عمرة لا من حج كما ترى، ~~فحمل لفظ الإحلال من الحج على الإحلال من العمرة حمل للفظ الحديث، على ما ~~لا يدل عليه بحسب الوضع العربي من غير دليل يجب الرجوع إليه. # ولو سلمنا جدليا: أن المراد في حديث جابر المذكور بالإحلال من الحج: هو ~~الإحلال من العمرة التي فسخوا فيها الحج كما هو رأي النووي، فلا دليل في ~~الحديث أيضا، لأن غاية ما دل عليه الحديث على التفسير المذكور: أنه ~~أمرهم عند الإحلال من العمرة بالهدي وذلك لا يستلزم أنهم ذبحوه في ذلك ~~الوقت، بل الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على أنهم لم يذبحوا شيئا من ~~هداياهم، قبل يوم النحر، كما تقدم إيضاحه. # واستدلالهم بحديث ابن عباس المتقدم عند الحاكم # " أنه صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي ~~وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة " # إلى آخر الحديث المتقدم، لا دليل فيه، لأنه محمول على أنه لم يذبحه إلا ~~يوم النحر، كما فعل جميع الصحابة. وجاء في مسند الإمام أحمد التصريح بذلك ~~فصارت رواية أحمد المصرحة، بأن ذلك وقع يوم النحر مفسرة لرواية الحاكم. # قال الهيثمي في مجمع الزوائد ما نصه: باب تفرقة الهدي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنما يوم النحر في أصحابه وقال: ~~اذبحوا لعمرتكم فإنها تجزئ عنكم فأصاب سعد بن أبي وقاص ms2344 تيس " # رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ا ه منه. # وهذه الرواية الصحيحة مبينة أن ذبحهم عن عمرتهم، إنما كان يوم النحر، ~~وأن ذلك هو المراد في الرواية التي رواها الحاكم، لأن الروايات يفسر ~~بعضها بعضا، كما هو معلوم في علم الحديث والأصول، ولقد صدق الهيثمي في ~~أن رجاله رجال الصحيح، لأن أحمد رواه عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبي ~~محمد مولى سليمان بن مجالد، وهو ترمذي الأصل سكن بغداد ثم تحول إلى ~~المصيصة، أخرج له الجميع. وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، لكنه ~~اختلط في آخر عمره، لما قدم بغداد قبل موته وقال فيه في تهذيب التهذيب ~~بعد أن ذكر ثناء عليه كثيرا من نقاد رجال الحديث: كان ثقة صدوقا إن شاء ~~الله، وكان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد. # والظاهر أن الإمام أحمد إنما أخذ عنه قبل اختلاطه لأنه كان في بغداد قبل ~~المصيصة، ثم رجع من المصيصة إلى بغداد في حاجة له، فمات بها واختلاطه في ~~رجوعه الأخير كما يعلمه من نظر ترجمته في كتب الرجال، وحجاج المذكور رواه ~~عن عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد أخر له الجميع وهو ثقة فقيه فاضل ~~معروف وكان يدلس ويرسل، ولكنه في هذا الحديث صرح بالإخبار عن عكرمة، عن ~~ابن عباس وراوي الحديث عن أحمد ابنه، عبدالله وجلالته معروفة، فظهر صحة ~~الإسناد المذكور كما قاله في مجمع الزوائد، والعلم عند الله تعالى وقد ~~رأيت مما ذكرنا أدلة من قال: بجواز ذبح هدي التمتع عند الإحرام بالحج، ~~ومن قال: بجوازه عند الفراغ من العمرة، وأدلة من قال: لا يجوز ذبحه قبل ~~يوم النحر ومناقشتها. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله أعلم: أنه لا يجوز ~~ذبح هدي التمتع، والقران قبل يوم النحر لأدلة متعددة، أوضحناها غاية ~~الإيضاح قريبا. # منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل فلم يذبح، عن أزواجه ~~المتمتعات ولا عن عائشة القارنة إلا يوم النحر، وكذلك فعل ms2345 وهو وجميع ~~أصحابه المتمتعين بأمره، واستمر على ذلك عمل الأمة، ولنا في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. وقد أمرنا أن نأخذ عنه مناسكنا، ومن ~~مناسكنا: وقت ذبح الهدايا، ولا شك أن القرآن العظيم دل على أن كل هدي له ~~تعلق بالحج أن ذبحه في أيام معلومات، لا في أيام مجهولات كما أوضحناه ~~مرارا لأنه تعالى قال { وأذن في الناس بالحج يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ~~ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } لأن مضمون الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج يأتوك حجاجا ~~مشاة وركبانا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام: أي وليتقربوا إلى الله بدماء ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام، ذاكرين اسم الله عليها عند التذكية. # فقد صرح بأن ذلك التقرب بدماء الأنعام الذي هو من جملة ما دعوا إلى الحج ~~من أجله، أنه في أيام معلومات لا في زمن مطلق مجهول كما ترى. # وقد بينا الأيام المعلومات في أول هذا البحث، وقد بين صلى الله عليه ~~وسلم أول وقتها، فذكر اسم الله على ما رزقه من بهيمة الأنعام: وقت ~~تذكيتها يوم النحر، ويوضح أن ذكر اسم الله عليها إنما هو عند تذكيتها ~~تقربا لله تعالى بدمائها قوله تعالى # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها ~~خير فاذكروا اسم الله عليها صوآف # [الحج: 36] أي ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل كما هو معلوم. # ولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا ~~يجوز التحلل بحلق الرأس، قبل بلوغه إياه، وذلك في قوله # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها: ~~أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق هديا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة، ~~والإحلال من العمرة، وتأسف هو صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ms2346 ذلك وقال # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ". # ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل، وحلق ~~الرأس، حتى يبلغ الهدي محله. # ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع، لو كان يجوز ذبحه عند الإحلال من ~~العمرة، أو الإحرام بالحج أنه صلى الله عليه وسلم يتحلل بعمرة، ويذبح ~~هديه عندما تحلل منها، فيكون متمتعا ذابحا عند الفراغ من العمرة، أو ~~عند الإحرام بالحج، فلما صرح بامتناع هذا وعلله بأنه قلد هديه، وعلم أنه ~~لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح. # وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج، ويدخل فيها الذبح ووقته كلها بيان ~~لإجمال آيات القرآن كقوله # حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196] وقوله { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } كما ~~أنه بيان لقوله # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] الآية. ولذا قال صلى الله عليه وسلم مبينا: أن أفعاله ~~في الحج، بيان للقرآن # " لتأخذوا عني مناسككم " # وقد قدمنا اتفاق الأصوليين، على أن فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو ~~بيان لإجمال نص يقتضي الوجوب: أنه واجب إلى آخر ما قدمناه من الأدلة. # وقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإحرام ~~بالحج، أو بعد الفراغ من العمرة كالشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة، ليس ~~معهم حجة واضحة من كتاب الله، ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا ~~فعل أحد من الصحابة وأن تمسكهم بآية # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة، يجب الرجوع ~~إليها، هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة، العلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي، يوم النحر ~~من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها، ~~والتمكن منها، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها، وتضيع تلك الغنم ~~بكثرة وتنتفخ وينتشر نتن ريحها ms2347 في أقطار منى، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه ~~نتن الجيف أن كل ذلك لا يجوز وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة. # ولا يجوز لمن بسط الله يده إقرارهم على ذلك، لأنه فساد وأذية لسائر ~~الحجاج بالأرواح المنتنة، وإضاعة للمال، وإفساد له باسم التقرب إلى الله، ~~ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهد وكل مضح: أنه ~~يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من ~~يسلخها طرية حين ذبحها أو يسلخها هو، ويحملها بنفسه أو بأجرة، حتى يوصلها ~~إلى المستحقين، لأن الله يقول { فكلوا منها وأطعموا ~~البآئس الفقير } [الحج: 28] ويقول # فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلا بإيصال ذلك ~~إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم، لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه وعلى من ~~بسط الله يده، أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإيصال إلى ~~الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإيجار ~~يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في ~~أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق ~~المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها. # واعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من ~~الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلى بينهم ~~وبين الذبيحة أجزأه ذلك لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم ~~فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل، والعلم عند الله تعالى. # ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196]. # وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج: أي في حالة التلبس ~~بإحرام الحج، لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك ~~بالإحرام وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى # الحج أشهر معلومات # [البقرة: ms2348 197] ولا دليل في الآية عندي، لأن الكلام على حذف مضاف: أي زمن ~~الحج أشهر معلومات. وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما ~~أشار له في الخلاصة بقوله: # وما يلي المضاف يأتي خلفا # عنه في الإعراب إذا ما حذفا # وعليه فينبغي أن يحرم بحجه، قبل يوم التروية ليتم الثلاثة. قبل يوم ~~النحر لأن صومه لا يجوز. وكره بعض أهل العلم للحاج صوم يوم عرفة، واستحب ~~أن يفرغ من صوم الثلاثة قبله، وجزم به صاحب المهذب والتحقيق: أن السبعة ~~إنما يصومها بعد الرجوع إلى أهله، ووصوله إلى بلده، وأنه ليس المراد أنه ~~يصومها في طريقه في رجوعه. # وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: أن المراد الرجوع إلى أهله وهو ظاهر ~~القرآن. فلا يجوز العدول عنه. والظاهر أن الأيام الثلاثة والأيام السبعة: ~~لا يجب التتابع في واحد منهما، لعدم الدليل على ذلك قال في المغني: ولا ~~نعلم فيه خلافا، وإن فاته صومها قبل يوم النحر، فهل يجوز له أن يصوم ~~أيام التشريق الثلاثة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: # أحدهما: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق للمتمتع. # والثاني: يجوز له صومها، وفيها قول ثالث: أنها يجوز صومها مطلقا، ولا ~~يخفى بعد هذا القول وسقوطه. أما حجة من قال: إنها لا يجوز صومها للمتمتع، ~~ولا غيره فهو ما رواه مسلم في صحيحه. وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، ~~أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " أيام التشريق أيام أكل وشرب " # وفي لفظ عند مسلم عنه زيادة # " وذكر الله ". # وقال مسلم في صحيحه أيضا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن ~~سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن ~~أبيه أنه حدثه # " " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام ~~التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة، إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب " ~~وفي لفظ عند مسلم: " فناديا " " # ا ه ms2349 منه قالوا: فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صحابيان: هما كعب بن مالك، ونبيشة بن عبدالله الهذلي، فيه التصريح ~~من النبي صلى الله عليه وسلم بأن أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذلك يدل ~~على أنها لا يجوز صومها. وظاهر الحديث الإطلاق في المتمتع وغيره. وفي ~~الحديث المذكور: الرد على من أجاز صومها مطلقا، ومما يؤيد ذلك حديث عمرو ~~بن العاص أنه قال لابنه عبدالله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن، وأمر بفطرهن. قال ابن حجر في ~~الفتح: أخرجه أبو داود، وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم. # وأما حجة من قال بجواز صوم أيام التشريق الثلاثة للمتمتع الذي فاته ~~صومها قبل يوم النحر، فهي ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب صيام أيام ~~التشريق، قال أبو عبدالله: قال لي محمد بن المثنى: حدثنا يحيى، عن هشام ~~قال: أخبرني أبي كانت عائشة رضي الله عنها تصوم أيام منى، وكان أبوه ~~يصومها. # حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة: سمعت عبدالله بن عيسى عن ~~الزهري عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهم قالا: لم ~~يرخص في أيام التشريق، أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي. # انتهى منه قالوا: فهذا الحديث له حكم الرفع وفيه التصريح بالترخيص في ~~صوم أيام التشريق للمتمتع، الذي لم يجد هديا، والروايات الصحيحة التي ~~رواها الحفاظ من أصحاب شعبة، لم يرخص بضم الياء وفتح الخاء مبنيا ~~للمفعول. # قال في الفتح: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني، ~~واللفظ له، والطحاوي: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم ~~يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق، وقال: إن يحيى بن سلام، ليس بالقوي، ولم ~~يذكر طريق عائشة، وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري، عن عروة عن عائشة، ~~وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع، بقي الأمر على الاحتمال. # وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: ms2350 أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل ~~له حكم الرفع؟ على أقوال: # ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع، ~~وإلا فلا. # واختلف في الترجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به رخص لنا في كذا وعزم ~~علينا ألا نفعل كذا كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ~~ما وقع في رواية يحيى بن سلام، أنه روى بالمعنى. لكن قال الطحاوي: إن قول ~~ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم قوله تعالى # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج # [البقرة: 196] لأن قوله: في الحج يعم ما قبل النحر، وما بعده، فتدخل ~~أيام التشريق فعلى هذا، فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط منهما، عما ~~فهماه من عموم الآية. وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام ~~التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية ~~المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر ~~بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعا، فكيف وفي كونه مرفوعا نظر، ~~فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري والله أعلم. انتهى ~~كلام ابن حجر في الفتح وتراه فيه يجعل: أمرنا ونهينا، ورخص لنا وعزم ~~علينا كلها سواء في الخلاف المذكور هل لها حكم الرفع أو الوقف، وممن قال: ~~بصوم أيام التشريق للمتمتع: ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، ~~والزهري، ومالك، والأوزاعي وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى ~~الروايتين، وممن روى عنه عدم صوم المتمتع لها: الشافعي في القول الثاني، ~~وأحمد في الرواية الثالثة، وروي نحوه عن علي والحسن، وعطاء وهو قول ابن ~~المنذر قاله في المغني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: مسألة صوم أيام التشريق للمتمتع يظهر ~~لي فيها أنها بالنسبة إلى النصوص الصريحة، يترجح فيها، عدم جواز صومها ~~وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يترجح فيها جواز صومها، وإيضاح هذا أن عدم ~~صومها: دل عليه حديث نبيشة الهذلي، وكعب بن مالك في صحيح مسلم، كما ms2351 قدمنا ~~وكلا الحديثين صريح في أن كونها: أيام أكل وشرب. # من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نص صحيح صريح في عدم صومها، ~~فظاهره الإطلاق في المتمتع، الذي لم يجد هديا وفي غيره. # ولم يثبت نص صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا من القرآن: يدل ~~على جواز صومها للمتمتع، الذي لم يجد هديا، وما ذكره ابن حجر عن الطحاوي ~~من أن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أخذا جواز صومها من ظاهر عموم قوله ~~تعالى # فصيام ثلاثة أيام في الحج # [البقرة: 196] ليس بظاهر، والظاهر سقوطه والله أعلم لإجماع جميع ~~المسلمين: أن الحاج إذا طاف طواف الإفاضة، بعد رمي جمرة العقبة، والحلق: ~~أنه يحل له كل شيء حرم عليه بالحج من النساء، والصيد، والطيب، وكل شيء. ~~فقد زال عنه الإحرام بالحج بالكلية، وصار حلالا حلا تاما كل التمام. ~~وذلك ينافي كونه يطلق عليه أنه في الحج، فإن صام أيام التشريق فقد صامها ~~في غير الحج، لأنه تحلل من حجه، وقضى مناسكه. # ومن أصرح الأدلة في ذلك: أن الله صرح بأنه لا رفث في الحج، وأيام ~~التشريق يجوز فيها الرفث بالجماع، فما دونه فدل على أن ذلك الرافث فيها ~~ليس في الحج، وأما الرمي في أيام التشريق فهو من السنن. الواقعة بعد تمام ~~الحج تابعه له، وكذلك النحر فيها إن لم ينحر يوم النحر. # أما كونه في أيام التشريق: يصدق عليه أنه في الحج بعد إحلاله منه، ~~وفراغه منه، حتى يتناوله عموم الآية، فليس بظاهر عندي. والله تعالى أعلم. # وأما بالنظر إلى صناعة علم الحديث فالذي يترجح هو جواز صوم أيام التشريق ~~للمتمتع، الذي لم يجد هديا، لأن المشهور الذي عليه جمهور المحدثين: أن ~~قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو رخص لنا في كذا، أو أحل ~~لنا كذا له كله حكم الرفع، فهو موقوف لفظا مرفوع حكما. # قال ابن الصلاح في علوم الحديث الثاني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو ~~نهينا عن كذا من نوع المرفوع، ms2352 والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر ~~أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم: أبو بكر الإسماعيلي، والأول هو ~~الصحيح، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. انتهى محل الغرض منه. # وقد قال بعد هذا: ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو بعده. # وقال النووي في تقريبه: الثاني قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن ~~كذا، أو من السنة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان وما أشبهه، كله مرفوع ~~على الصحيح الذي قاله الجمهور. # وقيل: ليس بمرفوع، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو بعده انتهى منه، وعلى هذا درج العراقي في ألفيته في قوله: # قول الصحابي من السنة أو # نحو أمرنا حكمه الرفع ولو # بعد النبي قاله بأعصر # على الصحيح وهو قول الأكثر # وفي علوم الحديث مناقشات في هذه المسألة معروفة، والصحيح عندهم الذي ~~عليه الأكثر: أن ذلك له حكم الرفع وبه تعلم أن حديث ابن عمر، وعائشة عند ~~البخاري لم يرخص في أيام التشريق، أن ضمن الحديث له حكم الرفع. وإذا ~~قلنا: إنه حديث صحيح مرفوع عن صحابيين، فلا إشكال في أنه يخصص به عموم ~~حديث نبيشة، وكعب بن مالك، ولو كان ظاهر الآية، يدل على صومها، كما ذكره ~~ابن حجر عن الطحاوي، فلا مانع من تخصيص عمومها بالحديث المرفوع. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن التحقيق، جواز تخصيص عموم ~~المتواتر، بأخبار الآحاد كما هو معلوم، لأن التخصيص بيان، والبيان يجوز ~~بكل ما يزيل اللبس، ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر، ~~بأخبار الآحاد، كتخصص عموم # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وهو متواتر بحديث # " لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها " # وهو خبر آحاد، وقد أكثرنا من أمثلته في هذا الكتاب المبارك، وكذلك أجاز ~~الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم: # " في أربعين شاة شاة " # وهو منطوق بمفهوم المخالفة في ms2353 حديث # " في الغنم السائمة زكاة " # عند من يقول بذلك. # والحاصل: أن المبين باسم الفاعل، يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول ~~في السند، وفي الدلالة، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: # وبين القاصر من حيث السند # أو الدلالة على ما يعتمد # وقد أوضحنا هذا، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك. # وقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين: # الأول: أن عدم صومها مرفوع رفعا صريحا، وصومها موقوف لفظا، مرفوع ~~حكما على المشهور، والمرفوع صريحا أولى بالتقديم من المرفوع حكما. # والثاني: أن الجواز والنهي، إذا تعارضا قدم النهي، لأن ترك مباح أهون من ~~ارتكاب منهي عنه، وقد يحتج المخالف، بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع، ودليل ~~النهي عام، والخاص يقضي على العام، والعلم عند الله تعالى. فإن أخر صوم ~~الأيام الثلاثة، عن يوم عرفة فقد فات وقتها على القول، بأن أيام التشريق ~~لا يصومها المتمتع، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام ~~التشريق وهل عليه قضاؤها بعد ذلك؟ لا أعلم في ذلك نصا من كتاب الله ولا ~~من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # والعلماء مختلفون في ذلك فقال بعضهم: يقضيها فيصوم عشرة، ومن قال بهذا ~~القول، من أهل العلم اختلفوا، هل يفرقها، فيفصل بين الثلاثة، والعشرة، ~~بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء، لو لم تفت في وقتها بناء على أن ~~تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت، فلم يسقط كترتيب أفعال ~~الصلاة، أو ليس عليه تفريقها، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية، بناء ~~على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين، وقد فات، فسقط كالتفريق بين ~~الصلوات التي فاتت أوقاتها، فإنها تقضي متوالية، لا متفرقة على أوقاتها ~~حسب الأداء لو لم تفت، والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب ~~الشافعي، وعدمه: مذهب أحمد، وعلى قول من قالوا: بلزوم قضاء الأيام ~~الثلاثة، بعد خروج وقتها. # فبعضهم يقول: لا دم على المتمتع، لأنه قضى ما فات، وهو مذهب الشافعي. ~~وقيل: عليه دم مع القضاء، ms2354 لأجل التأخير، وجزم به الخرقي وهو مروي عن ~~أحمد. وقال القاضي: إن أخره لعذر، فليس عليه إلا القضاء، ولا دم. وعن ~~أحمد لا دم مع القضاء بحال. # وقيل: لا تقضى الأيام الثلاثة، بعد خروج وقتها، ويلزم الدم لسقوط قضائها ~~بفوات وقتها، ولا يجوز صوم السبعة بعد ذلك، لأنها تابعة للثلاثة التي ~~سقطت، ويتعين الدم، وهذا مذهب أبي حنيفة، وآخر وقت الثلاة عنده يوم عرفة. # واعلم: أن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إن صوم الثلاثة للعاجز عن الهدي، ~~يجوز قبل التلبس بإحرام الحج، فمذهب أبي حنيفة: أن أول وقت صومها في أشهر ~~الحج، بين الإحرامين، والأفضل عنده: أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم ~~السابع، ويوم التروية، ويوم عرفة. وبعض الحنفية يروي هذا عن علي رضي الله ~~عنه. وعند أحمد: يجوز صومها، عند الإحرام بالعمرة، وعنه: إذا حل من ~~العمرة، وهذه الأقوال مبنية على أن قوله: في الحج يراد به: أشهره. وقد ~~بينا عدم ظهوره، وعند مالك والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبس ~~بإحرام الحج، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وهما يقولان: ينبغي تقديمها قبل ~~يوم النحر، والشافعي: يستحب إنهاءها قبل يوم عرفة، فإن لم يصم إلى يوم ~~النحر، أفطر يوم النحر، وصام عند مالك أيام التشريق، فإن لم يصمها، حتى ~~رجع إلى بلده وله به مال: لزمه أن يبعث بالهدي، إلى الحرم، ولا يجزئه ~~الصوم عنده، وليس له أن يؤخر الصيام، ليهدي من بلده، وفي صوم أيام ~~التشريق، للمتمتع عند الشافعية: قولان. وعن أحمد: روايتان فيهما. وقد ~~علمت أن أبا حنيفة لا يجيز صومها. وأن مالكا يجيزه ويكفي عنده في صوم ~~السبعة الرجوع من منى. # وقد قدمنا أن التحقيق أن صومها بعد الرجوع إلى أهله لحديث ابن عمر ~~الثابت في الصحيح: فما يروى عن مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم مما ~~يخالف ذلك من الروايات لا ينبغي التعويل عليه، لمخالفته الحديث الصحيح. ~~ولفظه: # " فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " # الحديث هذا لفظ مسلم في صحيحه، ms2355 ولفظ البخاري # " فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " # فلفظة: إذا رجع إلى أهله في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تفسير منه لقوله تعالى # وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196] وإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، من ~~حديث ابن عمر: تفسير الرجوع في الآية برجوعه إلى أهله، فلا وجه للعدول ~~عنه. # وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس بلفظ # " وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم " # وكل ذلك يدل على أن صوم السبعة بعد رجوعه، إلى أهله، لا في رجوعه إلى ~~مكة، ولا في طريقه كما هو ظاهر النصوص، التي ذكرنا، بل صريحها، والعدول ~~عن النص، بلا دليل يجب الرجوع إليه لا يجوز، والعلم عند الله تعالى. # والأظهر عندي: أنه إن صام السبعة قبل يوم النحر، لا يجزئه قال، فما ذلك ~~قال اللخمي من المالكية: من أنه يرى إجزاءها لا وجه له. والله أعلم. # بل لو قال قائل: بمقتضى النصوص، وقال لا تجزئ قبل رجوعه إلى أهله، لكان ~~له وجه من النظر واضح لأن من قدمها قبل الرجوع إلى أهله، فقد خالف لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم، الثابت في الصحيحين عن ابن عمر وهو لفظ منه ~~صلى الله عليه وسلم، في معرض تفسير آية # وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196] والعدول عن لفظه الصريح، المبين لمعنى القرآن. لو قيل: ~~بأنه لا يجزئ فاعله، لكان له وجه، والعلم عند الله تعالى. # واعلم: أن العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيا في بلده ~~هذا هو الظاهر، وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة ثم وجد الهدي، بعد أن صام ~~يوما منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الحج، ~~لأنه دخل في الصوم بوجه جائز وأنه ينبغي له أن ينتقل إلى الهدي، واستحباب ~~الانتقال إلى الهدي هو مذهب مالك، ومن وافقه. وممن وافقه الحسن، وقتادة ~~والشافعي وأحمد. وعن ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد ~~الهدي، قبل ms2356 أن يكمل صوم الثلاثة، فعليه الهدي. وقيل: متى قدر على الهدي ~~قبل يوم النحر انتقل إليه صام، أو لم يصم، والأظهر ما قدمنا والله أعلم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي: أنه إن فاته صوم الثلاثة ~~في وقتها، إلى ما بعد أيام التشريق أنه يجري على القاعدة الأصولية التي ~~هي: هل يستلزم الأمر المؤقت القضاء، إذا فات وقته، أو لا يستلزمه؟ وقد ~~قدمنا الكلام على تلك المسألة مستوفى في سورة مريم في الكلام على قوله ~~تعالى: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة # [مريم: 59]. # فعلى القول: بأن الأمر يستلزم القضاء فلا إشكال في قضاء الثلاثة بعد ~~وقتها وعلى القول: بأنه لا يستلزم القضاء يحتمل أن يقال: بوجوب القضاء ~~لعموم حديث: # " فدين الله أحق أن يقضى " # ويحتمل أن يقال بعدمه، بناء على أن صوم الثلاثة في الحج، ليكون ذلك ~~مسوغا لقضاء التفث، لأن الدم مسوغ لقضاء التفث، ممن عنده هدي فلا يبعد ~~أن يكون بعض الصوم، قدم لينوب عن الدم في تسويغ قضاء التفث. وعلى هذا ~~الاحتمال: لا يظهر القضاء، ولا يبعد لزوم الدم للإخلال بالصوم في وقته، ~~والعلم عند الله تعالى. # أما لزوم صوم السبعة بعد الرجوع، إلى أهله، فالذي يظهر لي: لزومه لمن لم ~~يجد الهدي مطلقا: وأنه لا يسقط بحال لأن وجوبه ثابت بالقرآن فلا يمكن ~~إسقاطه، إلا بدليل واضح، يجب الرجوع إليه. فجعل الدم بدلا منه إن فات ~~صوم الثلاثة في وقتها، ليس عليه دليل يوجب ترك العمل بصريح القرآن في ~~قوله: # وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196]. # تنبيه # إذا أخر الحاج طواف الإفاضة، عن أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة مثلا، ~~فهل يجزئه حينئذ صوم الأيام الثلاثة لأنه لم يزل في الحج، لبقاء ركن منه، ~~ولأنه لا يجوز له الرفث إلى النساء، لأنه لم يزل في الحج، أو لا يجوز له ~~صومها نظرا إلى أن وقت الطواف، الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال # " لتأخذوا عني مناسككم " # قد فات؟ وهذا التأخير مخالف للسنة، فلا ms2357 عبرة به، وهذا أظهر عندي. والله ~~تعالى أعلم. # وبنحوه جزم النووي في شرح المهذب قائلا: إن تأخير الطواف بعيد فلا يحمل ~~عليه قوله تعالى في الحج وذكر عن بعض الشافعية وجها آخر غير هذا. وإن ~~مات المتمتع العاجز، عن الصوم قبل أن يصوم فقال بعض أهل العلم: يتصدق عما ~~أمكنه صومه، عن كل يوم بمد من حنطة، وهو مروي عن الشافعي. وقيل: يهدي ~~عنه. وقيل: لا هدي عنه، ولا إطعام. والله تعالى أعلم. # واختلف أهل العلم: إن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه، حتى قدر على الهدي ~~هل ينتقل إلى الهدي، لأن الصوم إنما لزم للعجز عن الهدي، وقد زال بوجوده، ~~وهذا إن وقع قبل يوم النحر، لا ينبغي أن يختلف فيه. أما إن وجد الهدي، ~~بعد فوات وقت الأيام الثلاثة، فهو محل القولين، وهما روايتان، عن أحمد، ~~وقد قدمنا كلام أهل العلم في ذلك، ولا نص فيه. # والأظهر: أن صوم السبعة الذي لم يعين له وقت لا ينبغي العدول عنه، إلى ~~غيره، كما تقدم خلافا لمن قال بغير ذلك، والعلم عند الله تعالى. # هذا هو حاصل ما يتعلق بالدماء الواجبة، بغير النذر مع كونها منصوصا ~~عليها في القرآن. # أما الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على ~~المذكورة في القرآن، فمنها: دم الفوات. # فقد روى مالك في الموطأ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه أمر أبا ~~أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر: أن ~~يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالا ثم يحجان عاما قابلا، ويهديان، فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. انتهى محل الغرض منه. # فقد قاس عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دم الفوات على دم التمتع حيث قال: ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وقول عمر ~~ثلاثة أيام في الحج، لا يظهر في الفوات، لأن الفوات لا يتحقق إلا بانتهاء ~~ليلة النحر، اللهم إلا إن ms2358 كان عاقه عائق، وهو بعيد، بحيث لو سار ثلاثة ~~أيام لم يدرك عرفة ليلة النحر، فحينئذ قد يصومها وكأنه في الحج، لأنه لم ~~يحصل له الفوات فعلا، وإن كان الفوات محققا وقوعه في المستقبل، ووجه ~~قياس: دم الفوات على دم التمتع، حتى صار بدله من الصوم كبدله. ذكره ابن ~~قدامة في المغني قائلا: إن هدي التمتع، إنما وجب للترفه بترك أحد ~~السفرين وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع ~~أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك. لأحد السفرين انتهى محل ~~الغرض منه. ولا يظهر عندي كل الظهور. # ثم قال في المغني: فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإحصار فإنه أشبه به، ~~إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه. قلنا: الهدي فيهما سواء. وأما البدل، ~~فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما ثبت قياسا، فقياس هذا على ~~الأصل المنصوص عليه أول من قياسه على فرعه، على أن الصيام ها هنا مثل ~~الصيام، عن دم الإحصار، وهو عشرة أيام أيضا، إلا أن صيام الإحصار: يجب ~~أن يكون قبل حله، وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده، وهو أيضا مفارق لصوم ~~المتعة، لأن الثلاثة في المتعة: يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون ~~بعد فوات عرفة. والخرقي، إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم، عن ~~جزاء الصيد، عن كل مد يوما. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا، ويقاس ~~عليه أيضا: كل دم وجب لترك واجب، كدم القران وترك الإحرام من الميقات ~~والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي ~~منى بها، وطواف الوداع. فالواجب فيه: ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد ~~فصيام عشرة أيام، وأما من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول ~~الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبدالله بن عمر، وعبدالله بن ~~عباس، وعبدالله بن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، ~~فيكون ms2359 إجماعا، فيكون بدله مقيسا على بدل دم المتعة. # وقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعاما، فيطعم كل مسكين ~~مدا أو يصوم عن كل مد يوما، فتكون ملحقة بالبدنة الواجبة في جزاء ~~الصيد، ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل محظور، يترفه به كتقليم ~~الأظافر، واللبس، والطيب وكل استمتاع من النساء: كالوطء في العمرة، أو في ~~الحج بعد رمي جمرة العقبة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرنا، ~~فيقاس عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس: لا مرأة وقع عليها زوجها قبل أن ~~تقصر: عليك فدية من صيام. أو صدقة. أو نسك انتهى بطوله من المغني. # وهذه الأمور المذكورة لا نص فيها من كتاب ولا سنة. # وقد قدمنا في سورة البقرة أقوال أهل العلم في المحصر إن عجز عن الهدي هل ~~يلزمه بدله، أو لا يلزمه شيء بدلا منه. وأقوال من قالوا: يلزمه البدل في ~~البدل. هل هو الصوم. أو الإطعام. بما أغنى عن إعادته هنا. # وقد علمت من كلام صاحب المغني: أن المشهور في مذهب أحمد: هو قياس دم ~~الفوات على دم التمتع، كما فعل عمر رضي الله عنه، وأن الخرقي من الحنابلة ~~قاسه على دم جزاء الصيد فجعل الصوم عن دم الفوات، كالصوم عن جزاء الصيد، ~~وأن مذهب أحمد أيضا، قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع. فيصوم عند ~~العجز عند عشرة أيام، وذلك كدم القران، وترك الإحرام من الميقات، والوقوف ~~بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة والرمي والمبيت ليالي منى بها. ~~وطواف الوداع. وكذلك قياس صوم من عجز عن البدنة في حال إفساد حجه ~~بالجماع، فهو عند أحمد: عشرة أيام قياسا على التمتع. وقد قدمنا نقل صاحب ~~المغني لذلك عن بعض الصحابة وعدم مخالفة غيرهم لهم. # وعن بعض الحنابلة: تقويم بدنة المجامع العاجز بالدراهم، فيشتري بها ~~طعاما إلى آخر ما تقدم. وأن مذهب أحمد: قياس كل دم وجب بفعل محظور، ~~كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية الأذى. # وقد قدمنا أن ms2360 قياس تلك الأشياء على فدية الأذى، مجمع عليه من الأئمة ~~الأربعة، إلا أن أبا حنيفة. يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره، ~~فيما فعل من ذلك لا لعذر كما تقدم إيضاحه. # وأما مذهب الشافعي في دم الفوات، ففيه طريقان أصحهما: قياسه على دم ~~التمتع، في الترتيب، والتقدير، وسائر الأحكام. # والطريق الثاني: على قولين أحدهما: أنه كدم التمتع أيضا. والثاني: أنه ~~كدم الجماع في الأحكام، إلا أن هذا شاة، والجماع بدنة لاشتراك الصورتين ~~في وجوب القضاء، وقد قدمنا حكم المجامع العاجز عن البدنة في مذهب الشافعي ~~ماذا يلزمه، ومذهب الشافعي في الدم الواجب بسبب ترك بعض المأمورات ~~كالإحرام من الميقات، والرمي والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ~~ليلة النحر، وبمنى ليالي منى، وطواف الوداع هو أن في ذلك أربعة أوجه ~~أصحها: أنه كدم التمتع أيضا في الترتيب، والتقدير، فإن عجز عن الهدي، ~~صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. # الوجه الثاني: أنه إن عجز عن الهدي قوم شاة الهدي دراهم، واشترى بها ~~طعاما وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوما، والوجهان الآخران عند ~~الشافعية تركناهما لضعفهما وشذوذهما، كما قاله علماء الشافعية. ومذهب ~~الشافعي في الدم اللازم. بسبب الاستمتاع: كالطيب واللباس، ومقدمات ~~الجماع: أن فيه عندهم أربعة أوجه، وقد قدمناها. # وقدمنا أن أصحها أنه كفدية الأذى المنصوصة في آية الفدية. ودم الجماع ~~فيه، عند الشافعية طرق واختلاف منتشر، والمذهب المشهور عندهم: أنه بدنة، ~~فإن عجز عنها فبقرة، فإن عجز فسبع شياه، فإن عجز قوم البدنة بدراهم، ~~والدراهم بطعام ثم تصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوما. وقيل: إن عجز عن ~~الغنم قوم البدنة وصام، فإن عجز أطعم، فيقدم الصيام على الإطعام ككفارة ~~الظهار ونحوها. وقيل: لا مدخل للإطعام والصيام، بل إذا عجز عن الغنم ثبت ~~الفداء في ذمته. وقيل: إنه يتخير بين البدنة، والبقرة، والغنم، فإن عجز ~~عنها، فالإطعام ثم الصوم. وقيل: يتخير بين البدنة، والبقرة والشياه، ~~والإطعام والصيام وكل هذه الأقوال لا دليل على شيء ms2361 منها من كتاب ولا سنة ~~ولا قياس جلي. # وقول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه المذكورات من صيام، ودم لا يجب، ~~لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو له وجه من النظر، والعلم عند الله ~~تعالى. # وقد قدمنا أن مذهب مالك هو قياس الطيب واللبس ونحو ذلك على فدية الأذى ~~كغيره، من الأئمة. # وأما دم الفوات والفساد، وترك الرمي وتعدي الميقات، وترك المبيت ~~بمزدلفة، فكل ذلك يقيس بدله على بدل التمتع، فإن عجز عن الهدي صام عشرة ~~أيام، وإنما يصوم الثلاثة في الحج عندهم المتمتع، والقارن ومتعدي ~~الميقات، ومفسد الحج ومن فاته الحج. # وأما من لزمه ذلك لترك جمرة أو النزول بمزدلفة، فيصوم متى شاء، لأنه ~~يقضي في غير حج، فيصوم في غير حج. ا ه من المواق. # وقد قدمنا في مسائل الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج: بعض ~~المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها في مواضع ~~متفرقة، مع عدم النص في ذلك من كتاب أو سنة. # والأظهر عندي: أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ~~ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عند من يقول حجه صحيح، وعليه دم، وترك ~~المبيت بمزدلفة وترك المبيت بمنى أيام منى، أنه تتعدد عليه الدماء، بتعدد ~~أسبابها مع اختلافها. # أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد، كأن ترك رمي يوم، ثم ترك رمي ~~يوم آخر أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى ثم كرر ذلك، فللتعدد وجه ~~وللاتحاد وجه، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك في محله. والعلم عند ~~الله تعالى. # واعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحل من عمرته، وهو يريد التمتع ثم ~~كرر العمرة في أشهر الحج: لا يلزمه إلا هدي تمتع واحد، ولا ينبغي أن ~~يختلف في ذلك، والعلم عند الله تعالى. # وقد قدمنا أن أقل الهدي واجبا كان للتمتع والقران ونحوهما، أو غير واجب ~~شاة تجزئ ضحية أو شرك في دم، كسبع ms2362 بدنة أو بقرة على التحقيق، كما تقدم ~~إيضاحه، ولا عبرة بخلاف من خالف في الاشتراك فيه لثبوته بالنص الصحيح. # واعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون ~~قارنا، وعليه دم القران ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف: ~~ففي جواز إدخاله عليها حينئذ، خلاف بين أهل العلم. # قال النووي: فجوزه مالك ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور. # واختلفوا أيضا في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنا، وعليه دم ~~القران، وقد قدمنا أن الشافعية والمالكية يقولون: إن ذلك هو الذي فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأكثرهم يقول: هو لا يجوز ~~لغيره، بل جوازه خاص به صلى الله عليه وسلم كما قدمنا. # وقال النووي في شرح المهذب: واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال ~~أصحابنا: يجوز، ويصير قارنا وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي ~~ومنعه الشافعي في مصر، ونقل منعه عن أكثر من لقيه. ا ه محل الغرض منه. # والظاهر: أن المحرم المتمتع إذا أحل من عمرته، يستحب له ألا يحرم بالحج، ~~إلا يوم التروية لأن ذلك هو الذي فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~بأمره في حجة الوداع، ومحل هذا إن كان واجدا هدي التمتع، فإن كان عاجزا ~~عنه ويريد أن يصوم، استحب له تقديم الإحرام، ليصوم الأيام الثلاثة في ~~إحرام الحج، وقد قدمنا أقوال من قال من أهل العلم: إنه ينبغي أن يكون ~~آخرها يوم عرفة، وقول من كره صوم يوم عرفة واستحب انتهاءها قبل يوم عرفة. ~~والله تعالى أعلم. # تنبيه # إذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هديا فإن له التحلل التام، فله ~~مس الطيب والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق ~~الهدي ففيه للعلماء قولان: # أحدهما: أن له التحلل أيضا، لأن الله يقول في التمتع # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك، لأنه متمتع. # والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإحلال حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر، ms2363 ~~واستدل من قال بهذا # " بحديث: حفصة رضي الله عنها، الذي قدمناه أنها قالت له صلى الله عليه ~~وسلم: ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال " إني لبدت رأسي ~~وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " " # وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة رضي الله عنهم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي: أن له أن يحل من ~~إحرامه، ولكنه يؤخر ذبح هدي تمتعه، حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، كما ~~قدمنا إيضاحه. والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا ينهض كل النهوض لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، فحديثها ليس في محل النزاع، لأن ~~النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها. والإحرام بالحج بعد ذلك. هل ~~يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع، ~~وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك. تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة ~~مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم، وكما تقدم إيضاحه. # ومما يوضحه أنه صلى الله عليه وسلم قال # " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " # فدل على أنه لم يجعلها عمرة مفردة الذي هو محل النزاع، لأن ظاهره أنها ~~لو كانت مفردة لكان له الإحلال منها مطلقا، ولا حجة في قوله # " لما سقت الهدي " # لأنه ساقه لقران لا لعمرة مفردة عن الحج. # وقال النووي: فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع فمنا من أهل ~~بعمرة، ومنا من أهل بحجة، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل حتى ~~ينحر هديه، ومن أهل بحجة فليتم حجه ". # فالجواب: أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه ~~الرواية، وبعدها قالت " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة ~~الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله ms2364 عليه وسلم: # " من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ~~جميعا " # فهذه الرواية مفسرة للأولى ويتعين هذا التأويل، لأن القصة واحدة فصحت ~~الروايات. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يؤيد ما ذكرنا عن النووي: أن ~~رواية حديث عائشة المذكورة التي قال: إنها يجب تأويلها بتفسيرها ~~بالروايات الصحيحة الأخرى فيها ما لفظه: ومن أهل بحجة فليتم حجه. لكثرة ~~الروايات الصحيحة المتفق عليها عن جماعة من الصحابة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر كل من أحرم بحج مفردا، ولم يسق هديا أن يفسخ حجه في ~~عمرة، ويحل منها الحل كله، فعلم أن قولها: ومن أهل بحجة فليتم حجته: يجب ~~تأويله، وتفسيره بالروايات الأخرى الصحيحة، كما قال النووي. # وقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإحلال منها، حتى ينحر ~~يوم النحر له وجه قوي من النظر لدخوله في ظاهر عموم قوله تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]، وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حل من ~~عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محله، والعلم عند الله تعالى. ولنكتف هنا بما ~~ذكرنا من أحكام الدماء الواجبة بغير النذر. # أما الهدي الذي ليس بواجب: وهو هدي التطوع، وهو مستحب فيستحب لمن قصد ~~مكة حاجا أو معتمرا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرقه # " لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة وهو قارن " # ويكفيه لدم القران بدنة واحدة، بل شاة واحدة، وبقية المائة تطوع منه صلى ~~الله عليه وسلم: ويستحب أن يكون ما يهديه سمينا حسنا لقوله تعالى: # ذلك ومن يعظم شعائر الله # [الحج: 32] الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما تعظيمها الاستسمان ~~والاستحسان والاستعظام، ويؤيده قوله تعالى # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36] الآية. ومعلوم: أن أقل الهدي: شاة تجزئ، ضحية أو سبع بدنة أو ~~بقرة كما تقدم إيضاحه، ولا يكون من الحيوان إلا من بهيمة الأنعام، وقد ~~تقدم إيضاح الأنعام، ms2365 وأنها الأزواج الثمانية المذكورة في آيات من كتاب ~~الله: وهي الجمل والناقة، والبقرة والثور، والنعجة، والكبش، والعنز، ~~والتيس. # واعلم: أن التحقيق أن الهدي والإطعام يختص بهما فقراء الحرم المكي، وأن ~~الصوم لا يختص به مكان دون مكان، مع اختلاف في الطعام كما تقدم إيضاحه في ~~سورة المائدة. # وأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم، وتفريقه، في الحرم ~~أيضا، خلافا لمن زعم جواز الذبح في الحل، إن كان تفريق اللحم في الحرم، ~~والتحقيق أن البدن يسن تقليدها، وإشعارها فيقلدها نعلين. ومعنى إشعارها: ~~هو جرحها في صفحة سنامها، ويسلت الدم عنها. والجمهور على أن الإشعار في ~~صفحة السنام اليمنى، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس خلافا لمالك ~~القائل: إنه في الصفحة اليسرى. # واعلم: أن التحقيق أن الإشعار المذكور سنة لثبوته عنه صلى الله عليه ~~وسلم، خلافا لأبي حنيفة القائل: بالنهي عنه، معللا: بأنه مثلة وهي منهي ~~عنها. وروي مثله عن النخعي، لأن الأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار تخصص ~~عموم النهي عن المثلة ولأنه لا يسلم أنه مثلة، فهو جرح لمصلحة كالفصد ~~والختان والحجامة والكي والوسم. # واعلم: أن الهدي من الغنم يسن تقليده، عند عامة أهل العلم، وخالف مالك ~~وأصحابه الجمهور، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة # " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى غنما فقلدها " # وقال بعض أهل العلم: لا تقلد بالنعال لضعفها، وإنما تقلد بنحو عرى ~~القرب، ولا تشعر الغنم إجماعا، والظاهر أن مالكا لم يبلغه حديث تقليد ~~الغنم، ولو بلغه لعمل به، لأنه صحيح متفق عليه، وإشعار البقر إن كان له ~~سنام لا نص فيه، وقاسه جماعة من أهل العلم على إشعار الإبل. والمقصود من ~~الإشعار والتقليد وتلطيخ الهدي بالدم، هو أن يعلم كل من رآه أنه هدي، ~~لأنه قد يختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز عن غيره، وربما شرد فيعرف أنه ~~هدي فيرد، وهذه العلة موجودة في البقر، فمقتضى القياس: إشعاره إن كان له ~~سنام. # وقال بعض أهل العلم: الحكمة في تقليده النعلين: أن المنتعل ms2366 عندهم ~~كالراكب لكون النعل تقي صاحبها الأذى من الحر والبرد والشوك، والقذر ونحو ~~ذلك فكأن المهدي خرج لله عن مركوبه الحيواني، وغير الحيواني، وظاهر صنيع ~~البخاري أنهم قلدوا البقر في حجة الوداع حيث قال: " باب فتل القلائد ~~للبدن والبقر. ثم ساق حديث حفصة المتقدم، وفيه قال: # " إني لبدت رأسي وقلدت هديي " # الحديث، فترى البخاري قال في الترجمة هذه: باب فتل القلائد للبدن ~~والبقر. # وقال ابن حجر. وترجمة البخاري صحيحة لأنه إن كان المراد بالهدي في ~~الحديث الإبل والبقر معا فلا كلام وإن كان المراد الإبل خاصة، فالبقر في ~~معناها. ا ه محل الغرض منه وهو كما قال. # والأظهر: أن الصواب إن شاء الله أن البقر والإبل والغنم كلها تقلد إن ~~كانت هديا، وأن الغنم لا تشعر قولا واحدا، وأن السنة الصحيحة ثابتة ~~بإشعار الإبل، ومقتضى القياس أن البقر كذلك إن كان له سنام. والله تعالى ~~أعلم. # واعلم: أن التحقيق أن من أهدى إلى الحرم هديا وهو مقيم في بلده ليس ~~بحاج ولا معتمر، لا يحرم عليه شيء بإرسال الهدي كما هو ثابت في الصحيح، ~~عن عائشة رضي الله عنها ثبوتا لا مطعن فيه فلا ينبغي أن يعول على ما ~~خالفه، والعلم عند الله تعالى، ولذا ثبت في صحيح البخاري: # " أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها أن عبدالله بن عباس ~~رضي الله عنهما قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى ينحر ~~هديه قالت: عمرة. فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال ابن عباس: فتلت ~~قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيء أحله الله حتى نحر الهدي " # وحديث عائشة المذكور عند البخاري: أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد، ~~إلا أن فيه: أن الذي سأل عائشة ابن زياد. # والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها ms2367 يسألها هو زياد بن أبي ~~سفيان المعروف بزياد ابن أبيه، كما نبه عليه غير واحد، فما في مسلم من ~~كونه ابن زياد، وهم من بعض الرواة، وقد قدمنا مرارا أن السنة الثابتة ~~عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم، ~~ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين، وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي، ~~وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه، وأن ما خالف ذلك لا يلتفت ~~إليه، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر وابنه، وعلي وقيس بن سعد بن عبادة، ~~وسعيد بن جبير وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، ومجاهد، لأن السنة الصحيحة ~~مقدمة على أقوال كل العلماء وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب: من أنه لا ~~يجتنب إلا الجماع ليلة جمع: وهي ليلة النحر، لا يلتفت إليه. للحديث ~~الصحيح المتفق عليه المذكور آنفا، والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من ~~طريق عبدالملك بن جابر، عن أبيه: الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على ~~الحاج ضعيف، كما ذكره الحافظ في الفتح، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه. ~~وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري: ما يدل على أن الأمر استقر على حديث ~~عائشة لما بينت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورجع الناس عن فتوى ~~ابن عباس، والعلم عند الله تعالى. # واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم: أن من أراد النسك لا يصير ~~محرما بمجرد تقليد الهدي، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافا لما حكاه ابن ~~المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق، من أنه يصير محرما بمجرد تقليد الهدي، ~~وخلافا لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي، وأم البيت ثم قلد وجب ~~عليه الإحرام، لأن إيجاب الإحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. # وقد دلت النصوص: على أنه لا يجب، إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما ~~هو معلوم، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # الظاهر: أن التحقيق أنه لا يشترط في الهدي أن يجمع به بين الحل ms2368 والحرم، ~~فلو اشتراه من منى ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحل أجزأه. قال النووي ~~في شرح المهذب: وهو مذهبنا، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة وأبو ثور ~~والجمهور. وقال ابن عمر وسعيد بن جبير: لا هدي إلا ما أحضر عرفات. وقال ~~ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ~~ولا أن يقفه بعرفة لكن يستحب ذلك. وروي هذا عن ابن عباس وبه قال الشافعي، ~~وأبو ثور وأصحاب الرأي، وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرف به ونحوه، ~~عن سعيد بن جبير ا ه محل الغرض منه. # ومعلوم أن مذهب مالك: أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى، إلا إذا وقف ~~به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة، ولا بد عنده في الهدي أن ~~يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم. لزمه إخراجه إلى الحل ~~والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه، وإنما قلنا: إن الظاهر لنا في هذه ~~المسألة عدم اشتراط جمع الهدي، بين الحل والحرم لثلاثة أمور. # الأول: أنه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه. # الثاني: أن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه ~~بين الحل والحرم. # الثالث: أنه قول أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن ~~يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من ~~مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلا بل اشتراه من منى جاز، ~~وحصل الهدي ا ه. # وهذا هو الظاهر واحتج من قال: بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم، بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يهد هديا إلا جامعا بين الحل والحرم، ~~لأنه يساق من الحل إلى الحرم وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن ابن عمر اشترى هديه ~~من الطريق، ونحو ذلك من الأدلة، ms2369 ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم: ~~أفضل ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أما كونه ~~لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه ~~يقتضي ذلك، لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام، في مكان معين في زمن معين والغرض المقصود شرعا حاصل، ~~ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم، وجمع هديه صلى الله عليه وسلم بين الحل ~~والحرم، محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع، لأن تحصيل الهدي ~~أسهل عليه من بلده، ولأن الإبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها ~~هناك، والله جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي، لأنه ~~لم يتضمن مصلحة كما ترى، والعلم عند الله تعالى. # ولا خلاف بين أهل العلم: في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في ~~الطريق، أن له أن يركبها لما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها. ~~قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في ~~الثانية أو في الثالثة " # هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري فقال # " اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة فقال: اركبها، ~~ويلك في الثانية أو في الثالثة " # وروى مسلم نحوه عن أنس، وجابر رضي الله عنهما. # واعلم: أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز ~~للضرورة دون غيرها، وهو مذهب الشافعي، قال النووي: وبه قال ابن المنذر، ~~وهو رواية عن مالك، وقال عروة بن الزبير، ومالك، وأحمد وإسحاق: له ركوبه ~~من غير حاجة، بحيث لا يضره. وبه قال أهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: لا ~~يركبه، إلا إن لم يجد منه أبدا، وحكى القاضي عن بعض العلماء: أنه أوجب ~~ركوبها لمطلق الأمر ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه، من إهمال السائبة ~~والبحيرة والوصيلة والحام. # قال مقيده عفا الله ms2370 عنه وغفر له: أظهر الأقوال دليلا عندي في ركوب ~~الهدي، واجبا أو غير واجب: هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز وإلا فلا، لأن ~~أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع. # وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن ~~سعيد، عن أبن جريج: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبدالله، سئل عن ~~ركوب الهدي؟ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا " # وفي رواية عنه في صحيح مسلم: # " اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرا " # ا ه. فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن ركوب ~~الهدي إنما يجوز بالمعروف، إذا ألجأت إليه الضرورة، فإن زالت الضرورة ~~بوجود ظهر يركبه غير الهدي: ترك ركوب الهدي، فهذا القيد الذي في هذا ~~الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد، لوجوب حمل المطلق على ~~المقيد، عند جماهير أهل العلم. ولا سيما إن اتحد الحكم، والسبب كما هنا. # أما حجة من قال: بوجوب ركوب الهدي، فهي ظاهرة السقوط، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يركب هديه كما هو معلوم. وأما حجة: من أجاز الركوب ~~مطلقا، فهو قوله صلى الله عليه وسلم # " ويلك اركبها " # وقوله تعالى # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى # [الحج: 33] على أحد التفسيرين، ولا تنهض به الحجة فيما يظهر، لأنه محمول ~~على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه ~~آنفا فهو أخص نص في محل النزاع، فلا ينبغي العدول عنه، والعلم عند الله ~~تعالى، والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها، عن ولدها لا بأس به، لأنه لا ضرر ~~فيه عليها ولا على ولدها. وقال بعض أهل العلم: إن ركبها الركوب المباح ~~للضرورة ونقصها ذلك: فعليه قيمة النقص يتصدق بها. وله وجه من النظر. # والعلم عند الله تعالى. # وإنما قلنا: إن الظاهر أنه لا فرق في الحكم المذكور بين الهدي الواجب ~~وغيره، لأنه صلى الله عليه وسلم قال لصاحب ms2371 البدنة # " اركبها " # وهي مقلدة نعلا، وقد صرح له تصريحا مكررا بأنها بدنة، ولم يستفصله ~~النبي صلى الله عليه وسلم، هل تلك البدنة من الهدي الواجب أو غيره، ~~وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم إيضاحه مرارا. ~~وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله: # ونزلن ترك الاستفصال # منزلة العموم في الأقوال # مسألة في حكم الهدي إذا عطب في الطريق أو بعد بلوغ محله # اعلم أولا أن الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه: أن من بعث معه هدي إلى ~~الحرم فعطب في الطريق، قبل بلوغ محله: أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه، ~~ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها، ليعلم من مر بها أنها هدي ويخلي ~~بينها وبين الناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أهل رفقته المرافقين له ~~في سفره. # وإنما قلنا: إن هذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه: لثبوته عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، فقد روى مسلم في صحيحه، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما ما لفظه # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بست عشرة بدنة، مع رجل وامرأة فيها ~~قال: فمضى ثم رجع فقال: يا رسول الله، كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: ~~انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ~~ولا أحد من أهل رفقتك " # انتهى من صحيح مسلم. # وفي رواية صحيح مسلم، عن ابن عباس # " أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث ~~معه بالبدن ثم يقول: إن عطب شيء منها فخشيت عليه موتا فانحرها، ثم اغمس ~~نعلها في دمها ثم اضرب بها صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك " # انتهى منه. وقوله: كيف أصنع بما أبدع منها: هو بضم الهمزة، وإسكان ~~الباء، وكسر الدال بصيغة المبني للمفعول: أي كل وأعيي حتى وقف من ~~الإعياء، فهذا النص الصحيح، لا يلتفت معه إلى قول من قال: إن رفقته لهم ~~الأكل مه جملة المساكين، لأنه مخالف ms2372 للنص الصحيح، ولا قول أحد مع السنة ~~الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، كما أوضحناه مرارا. والظاهر أن علة ~~منعه ومنع رفقته: هو سد الذريعة لئلا يتوصل هو أو بعض رفقته إلى نحره، ~~بدعوى أنه عطب أو بالتسبب له في ذلك للطمع في أكل لحمه، لأنه صار ~~للفقراء، وهم يعدون أنفسهم من الفقراء، ولو لم يبلغ محله. والظاهر: أنه ~~لا يجوز الأكل منه للأغنياء، بل للفقراء والله أعلم. # فإن قيل: روى أصحاب السنن عن ناجية الأسلمي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي فقال: إن عطب فانحره، ~~ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس " # ا ه وظاهر قوله # " وبين الناس " # يشمل بعمومه سائق الهدي ورفقته. # فالجواب: أن حديث مسلم أصح وأخص، والخاص يقضي على العام. لأن حديث مسلم ~~أخرج السائق ورفقته من عموم حديث أصحاب السنن. ومعلوم: أن الخاص يقضي على ~~العام. # واعلم أن للعلماء تفاصيل في حكم ما عطب من الهدي، قبل نحره بمحل النحر، ~~سنذكر أرجحها عندنا إن شاء الله من غير استقصاء للأقوال والحجج، لأن ~~مسائل الحج أطلنا عليها الكلام طولا يقتضي الاختصار في بعضها خوف ~~الإطالة المملة. # اعلم أولا: أن الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو ~~بغيره، والواجب بالنذر، إما معين، أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي ~~العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع والقران والدماء ~~الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول: علي ~~لله نذر أن أهدي هديا، أن لجميع ذلك حالتين. # الأولى: أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه، من غير ~~أن يعينه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب ~~علي. # والحالة الثانية: هي أن يسوقه ينوي به الهدي المذكور مع تعيينه بالقول، ~~فإن نواه، ولم يعينه بالقول. فالظاهر: أنه لا يزال في ضمانه ولا يزول ~~ملكه عنه، إلا بذبحه ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق ms2373 فله ~~التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع، لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء ~~الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب، لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة ~~من عليه دين فحمله إلى مستحقه بقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه: ~~فعليه قضاء الدين بغير التالف، لأنه تلف في ذمته وإن تعيب الهدي المذكور ~~قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليما ويفعل بالذي تعيب ما شاء، لأنه لم يزل ~~في ملكه، وضمانه. والذي يظهر أن له التصرف فيه، ولو لم يعطب، ولم يتعيب، ~~لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور ~~لازم له في ذمته، حتى يوصله إلى مستحقه. والظاهر: أن له نماءه. # وأما الحالة الثانية: وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو ~~الهدي الواجب فيه من غير أن تبرأ الذمة، فليس له التصرف فيه ما دام ~~سليما، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته. ~~فيجب عليه هدي آخر، لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول أو ~~التقليد والإشعار. والظاهر: أنه إن عطب فعل به ما شاء، لأن الهدي لازم في ~~ذمته، وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن ~~حقهم باق في الذمة، فله بيعه وأكله، وكل ما شاء. # وعلى هذا جمهور أهل العلم. وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء ~~والفقراء، ولا يبيع منه شيئا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق: فلا شيء ~~عليه عند أحمد. # قال في المغني: وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي. ~~وقال الشافعي: عليه الإعادة، لأنه لم يوصف الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو ~~لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه كما لو فرقه. ودليل أنه ~~أدى الواجب: أنه لم يبق إلا التفرقة، وليست واجبة، بدليل أنه لو خلى ~~بينه، وبين الفقراء أجزأه. ولذلك لما نحر النبي صلى الله عليه وسلم ~~البدنات قال: ms2374 # " من شاء اقتطع " # انتهى محل الغرض من المغني. # وأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه: حتى يوصله إلى المستحقين، ~~لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيا، ~~ولأن الله تعالى يقول { وأطعموا البآئس الفقير } [الحج: ~~28] ويقول # وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] الآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه، وبين ~~الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية، لأن الإذن لهم في ذلك، وهو متيسر لهم ~~كإعطائهم إياه بالفعل والعلم عند الله تعالى. وقول من قال: إن الهدي ~~المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل ~~الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد. وحجة من ~~قال بذلك: أنه لما عينه متقربا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك، ~~ولو لم يجزئه. # وأما الواجب المعين بالنذر، كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المعين، ~~فالظاهر أنه يتعين بالنذر، ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق: لم يلزمه ~~بدله، لأن حق الفقراء إنما تعلق بعينه، لا بذمة المهدي. والظاهر أنه ليس ~~له الأكل منه سواء عطب في الطريق أو بلغ محله. # وحاصل ما ذكرنا: راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقا ~~بذمته سليما فالظاهر: أن له الأكل منه، والتصرف فيه، لأنه يلزمه بدله ~~سليما، وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق ~~الوجوب فيه بعين الهدى كالنذر المعين للمساكين، ليس فيه تصرف فيه، ولا ~~الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره، إن بلغ محله على الأظهر. # واعلم: أن مالكا وأصحابه يقولون: إن كل هدي، جاز الأكل منه للمهدي له، ~~أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه، ~~فلا يجوز إطعامه إلا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم، وكره عندهم إطعام ~~الذميين منه. # وستأتي تفاصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز إن شاء الله تعالى في ~~الكلام على آية # فكلوا منها # [البقرة: ms2375 58] الآية. # وأما هدي التطوع: فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه، ~~وخلى بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد ~~من رفقته، كماتقدم إيضاحه، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه. وهو ~~ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله لأنه معين لم يتعلق بذمته. وأما مذهب ~~الشافعي، وأصحابه: فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، ~~وأكله، وبيعه وسائر التصرفات فيه. ولو قلده لأنه لم يوجد منه إلا نية ~~ذبحه والنية لا تزيل ملكه عنه، حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق ~~فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام، لأنه لم يزل في ملكه ولا ~~شيء عليه في شيء من ذلك. وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في ~~الطريق قبل بلوغ محله: فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغني من ~~الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. ووجه قول من قال إن هدي التطوع إذا عطب ~~في الطريق، لا يجوز لمهديه أن يأكل منه: هو أن الإذن له في الأكل، جاء ~~النص به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه ~~خصوص الفقراء به، لأنه حينئذ يصير صدقة، لأن كونه صدقة خير من أن يترك ~~للسباع تأكله. هكذا قالوا: والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # الأظهر عندي أنه إذا عين هديا بالقول، أو التقليد، والإشعار ثم ضل ثم ~~نحر هديا آخر مكانه ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالا: أن عليه أن ~~ينحره أيضا، لأنه صار هديا للفقراء. فلا ينبغي أن يرده لملكه، مع ~~وجوده، وكذلك إن عين بدلا عنه، ثم وجد الضال، فإنه ينحرهما معا. # قال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر وابنه، وابن عباس وفعلته ~~عائشة رضي الله عنهم. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، ويتخرج على قولنا ~~فيما إذا تعيب الهدي، فأبدله فإن له أن يصنع ما شاء أن يرجع إلى ملك ~~أحدهما، لأنه قد ذبح ما ms2376 في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعين ~~وهذا قول أصحاب الرأي. # ووجه الأول: ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أنها أهدت هديين، فأضلتهما، ~~فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: ~~هذه سنة الهدي رواه الدارقطني. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب ~~الآخر. انتهى محل الغرض من المغني. # وليس في المسألة شيء مرفوع. والأحوط: ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر، ~~والعلم عند الله تعالى. # واعلم: أن الهدي إن كان معينا بالنذر من الأصل، بأن قال: نذرت إهداء ~~هذا الهدي بعينه أو معينا تطوعا، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن: ~~أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان عليه ضمانه، لأنه ~~كالوديعة عنده. # أما لو مات بغير تفريطه، أو ضل أو سرق، فليس عليه بدل عنه كما أوضحناه، ~~لأنه لم يتعلق الحق بذمته بل بعين الهدي. # والأظهر عندي: إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديا مثله، وينحره ~~بالحرم بدلا عن الذي فرط فيه، وإن قيل: أنه يلزمه التصدق بقيمته على ~~مساكين الحرم، فله وجه من النظر. والله أعلم. # ولا نص في ذلك ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الهدي، وسيأتي إن شاء الله ~~تفصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز من الهدايا. # تنبيه # قد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين، على أن نحر الهدي قبل ~~الحلق، والتقصير يوم النحر، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء ~~عليه، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي # [البقرة: 196]. # والحاصل: أن الحاج مفردا كان أو قارنا أو متمتعا إن رمى جمرة العقبة ~~ونحر ما معه من الهدي: فعليه الحلق أو التقصير، وقد قدمنا أن التحقيق: أن ~~الحلق نسك وأنه أفضل من التقصير، لقوله صلى الله عليه وسلم # " رحم الله المحلقين قالوا: يا رسول الله: والمقصرين. قال: رحم ms2377 الله ~~المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فقال: والمقصرين " # في الرابعة، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه. فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة ~~مرارا: على أن الحلق نسك لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله ~~دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة، ودل تأخير الدعاء للمقصرين، ~~إلى الثالثة أو الرابعة: أن التقصير مفضول، وأن الحلق أفضل منه، والتقصير ~~مع كونه مفضولا: يجزئ بدلالة الكتاب، والسنة والإجماع، لأن الله تعالى ~~يقول # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين # [الفتح: 27] وقد روى الشيخان، وغيرهما: التقصير عن جماعة من الصحابة رضي ~~الله عنهم. # فمن ذلك # " حديث جابر: أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج ~~مفردا، فقال لهم: " أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، ~~وقصروا " # وفي الصحيحين، عن ابن عمر قال: # " حلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم " # ، وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين، قال: قصرت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة وحديث: # " " رحم الله المحلقين " ، ثم قال بعد ذلك: " والمقصرين " # إلى غير ذلك من الأحاديث. # وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ ولكنهم اختلفوا في القدر ~~الذي يكفي في الحلق والتقصير، فقال الشافعي، وأصحابه: يكفي فيهما حلق ~~ثلاث شعرات فصاعدا، أو تقصيرها، لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير، ~~لأن الثلاث جمع. # وقال أبو حنيفة: يكفي حلق ربع الرأس، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة. # وقال مالك، وأحمد وأصحابهما: يجب حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا ~~يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن يأخذ من جميع جوانب الرأس، ~~وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من ~~أصول الشعر. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع ~~الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة ~~كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا ms2378 يكفي ~~الربع، ولا ثلاث شعرات خلافا للحنفية والشافعية، لأن الله تعالى يقول: # محلقين رءوسكم # [الفتح: 27] ولم يقل: بعض رؤوسكم # ومقصرين # [الفتح: 27] أي: رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو ~~تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن اقتصر على ~~ثلاث شعرات أو على ربع الرأس، لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع ~~إليه، من كتاب، ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع، حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي ~~طلحة ليفرقه على الناس. وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق ~~كقوله: { محلقين رءوسكم } الآية. وقوله: # ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله # [البقرة: 196]. # وقد قدمنا أن فعله صلى الله عليه وسلم: إذا كان بيانا لنص مجمل يقتضي ~~وجوب حكم: أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب. ولا خلاف في ذلك ~~بين من يعتد به من أهل الأصول. # تنبيه آخر # اعلم: أن محل كون الحلق أفضل من التقصير، إنما هو بالنسبة إلى الرجال ~~خاصة. أما النساء: فليس عليهن حق وإنما عليهن التقصير. # والصواب عندنا: وجوب تقصير المرأة جميع رأسها ويكفيها قدر الأنملة، لأنه ~~يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من ~~جمالها، وحلقه مثله وتقصيره جدا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها، وقد ~~جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن ~~التقصير. # قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ~~ثنا ابن جريج، قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان، قالت: أخبرتني أم ~~عثمان بنت أبي سفيان: أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ليس على النساء حلق، إنما على ms2379 النساء التقصير ". # حدثنا أبو يعقوب البغدادي ثقة، ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن ~~عبدالحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت ~~أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير " # انتهى منه. # وقال النووي في شرح المهذب: في حديث ابن عباس هذا: رواه أبو داود بإسناد ~~حسن. وقال صاحب نصب الراية في حديث ابن عباس المذكور: قال ابن القطان في ~~كتابه: هذا ضعيف ومنقطع. # أما الأول: فانقطاعه من جهة ابن جريج، قال: بلغني عن صفية، فلم يعلم من ~~حدثه به. # وأما الثاني: فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى أبا يعقوب، وهذا غير ~~كاف. وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل ~~تركه الناس لسوء رأيه. وأما ضعفه: فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف ~~حالها. انتهى محل الغرض من نصب الراية للزيلعي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حديث ابن عباس المذكور: في أن على ~~النساء التقصير لا الحلق، أقل درجاته الحسن. فقول النووي: إنه حديث رواه ~~أبو داود بإسناد حسن أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان في كتابه، وسكت ~~عليه من أن الحديث المذكور ضعيف ومنقطع، فقول ابن القطان: وأما ضعفه فإن ~~أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها فيه قصور ظاهر جدا لأن أم عثمان ~~المذكورة من الصحابيات المبايعات، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن ابن عباس فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط كما ترى. وقال ابن ~~عبد البر في الاستيعاب: أم عثمان بنت سفيان القرشية الشيبية العبدرية، أم ~~بني شيبة الأكابر، كانت من المبايعات. روت عنها صفية بنت شيبة، وروى ~~عبدالله بن مسافع عن أمه عنها. انتهى منه. # وقال ابن حجر في الإصابة: أم عثمان بنت سفيان، والدة بني شيبة الأكابر، ~~وكانت من المبايعات. قاله أبو عمر إلى آخر كلامه، وقد أورد فيه حديثا ms2380 ~~روته عن النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة، وقد قدمناه. # وذكر ابن حجر في الإصابة عن أبي نعيم: حديثا أخرجه، وفيه: أن أم عثمان ~~بنت سفيان هي أم بني شيبة الأكابر، وقد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ا ~~ه. # وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: أم عثمان بنت سفيان. ويقال: بنت أبي ~~سفيان: هي أم ولد شيبة بن عثمان. # روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس. وروت عنها صفية بنت شيبة ~~ا ه. # ومعلوم أن الصحابة كلهم عدول بتزكية الكتاب والسنة لهم، كما أوضحناه في ~~غير هذا الموضع، فتبين أن قول ابن القطان: إن الحديث ضعيف، لأنها لم يعلم ~~حالها قصور منه رحمه الله كما ترى. وأما قوله: إن توثيق أبي داود لأبي ~~يعقوب غير كاف، وأن أبا يعقوب المذكور، إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي ~~إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه. # فجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن إبراهيم واسم إبراهيم أبو ~~إسرائيل، وقد وثقه أبو داود وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء ~~بالرجال. وقال فيه الذهبي في الميزان: حافظ شهير قال: ووثقه يحيى بن ~~معين، والدارقطني: وقال صالح جزرة صدوق، إلا أنه كان يقف في القرآن، ولا ~~يقول: غير مخلوق بل يقول: كلام الله. وقال فيه أيضا: قال عبدوس ~~النيسابوري: كان حافظا جدا لم يكن مثله أحد في الحفظ والورع وأنهم ~~بالوقف. وقال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب، قال ابن معين: ثقة. وقال ~~أيضا: من ثقات المسلمين ما كتب حديثا قط، عن أحد من الناس، إلا ما خطه ~~هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، ~~والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين ~~عليه، وتفضيله على بعض الثقات المعروفين، ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. ~~وقال البغوي: كان ثقة مأمونا، إلا أنه كان قليل العقل، وثناء أئمة ~~الرجال عليه في الحفظ، والعدالة كثير مشهور وإنما نقموا ms2381 عليه أنه كان ~~يقول: القرآن كلام الله، ويسكت عندها ولا يقول: غير مخلوق، ومن هنا جعلوه ~~واقفيا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة: صدوق في الحديث إلا ~~أنه يقول: القرآن كلام الله ويقف. # وقال الساجي: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقا. وقال أحمد: إسحاق بن أبي ~~إسرائيل واقفي مشؤوم، إلا أنه كان صاحب حديث كيسا. # وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون كلام الله غير مخلوق ألا ~~قالوا كلام الله وسكتوا. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين ~~فقال: ثقة قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه ويوم كتبنا ~~عنه كان مستورا وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظا جدا، ولم يكن مثله ~~في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ فقيل: كان يتهم بالوقف قال: نعم اتهم ~~وليس بمتهم. وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني ~~أسكت كما سكت القوم قبلي. # والحاصل: أنهم متفقون على ثقته، وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلا أنهم ~~كانوا يتهمونه بالوقف، وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة، وقول من ناظره ~~أنه قال له: لم أقل على الشك. # ولكني سكت كما سكت القوم قبلي، ومعنى كلامه: أنه لا يشك في أن القرآن ~~غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك، ولما حكى الذهبي في الميزان ~~قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده ما نصه: قلت: قل ~~من ترك الأخذ عنه ا ه، وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبوله فحديثه لا ~~يقل عن درجة الحسن، وروايته عند أبي داود الذي وثقه تعتضد بالرواية ~~المذكورة قبلها، وقول ابن جريج فيها: بلغني عن صفية بنت شيبة تفسيره ~~الرواية الثانية التي بين فيها ابن جريج: أن من بلغه عن صفية المذكورة: ~~هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف. # فإن قيل: ابن جريج روى عنه بالعنعنة، وهو مدلس، والرواية بالعنعنة لا ~~تقبل من المدلس بل لا بد من تصريحه، بما يدل على السماع. # والجواب: أنا قدمنا أن ms2382 مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد هو الاحتجاج ~~بالمرسل، ومن يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس، من باب أولى كما نبه عليه ~~غير واحد من الأصوليين. # وقد قدمنا موضحا مرارا في هذا الكتاب المبارك مع اعتضاد هذه الرواية ~~بالأخرى واعتضادها بغيرها. # قال الزيلعي في نصب الراية: بعد ذكره كلام ابن القطان في تضعيف حديث ابن ~~عباس المذكور في تقصير النساء، وعدم حلقهن الذي ناقشنا تضعيفه له كما ~~رأيت ما نصه: وأخرجه الدارقطني في سننه والطبراني في معجمه، عن أبي بكر ~~بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفية بنت شيبة به، وأخرجه الدارقطني ~~أيضا، والبزار في مسنده، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عبدالحميد بن ~~جبير، عن صفية به. قوال البزار: لا نعلمه يروي عن ابن عباس، إلا من هذا ~~الوجه انتهى، وأخرجه الدارقطني في سننه، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال ~~في المحرمة: تأخذ من شعرها قدر السبابة. انتهى، وليث هذا الظاهر أنه ابن ~~أبي سليم، وهو ضعيف. انتهى من نصب الراية. # فتبين من جميع ما ذكر: أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا ~~أردن قضاء التفث التقصير، لا الحلق أنه لا يقل عن درجة الحسن، كما جزم ~~النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن وقد رأيت اعتضاده، بما ذكرنا من ~~الروايات المتابعة له بواسطة نقل الزيلعي، عند الطبراني، والدارقطني: ~~والبزار ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا. # الأول: الإجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في ~~الحج. # الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق. # الثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. # الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام. # الخامس: أنه مثلة والمثلة لا تجوز. أما الإجماع، فقد قال النووي في شرح ~~المهذب، قال ابن المنذر: أجمعوا على ألا حلق على النساء، وإنما عليهن ~~التقصير، ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة. # واختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ms2383 ابن عمر والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ~~ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع، ~~وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن ~~كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا يجوز من ~~بعض القرون. انتهى محل الغرض منه، وتراه نقل عن ابن المنذر الإجماع على ~~أن النساء: لا حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في ~~الحج، لأن الحلق نسك على التحقيق، كما تقدم إيضاحه. # وأما الأحاديث الواردة في ذلك فسأنقلها بواسطة نقل الزيلعي، في نصب ~~الراية لأنه جمعها فيه في محل واحد قال: فنهي النساء عن الحلق فيه ~~أحاديث. # منها: ما رواه الترمذي في الحج، والنسائي في الزينة، قالا، حدثنا محمد ~~بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن ~~عمرو، عن علي قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها " # انتهى ثم رواه الترمذي، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي به، عن ~~خلاس عن النبي مرسلا، وقال: هذا حديث فيه اضطراب، وقد روي عن حماد بن ~~سلمة عن قتادة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا انتهى، ~~وقال عبدالحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام عن يحيى، عن قتادة، عن خلاس ~~بن عمرو، عن علي وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمه فروياه عن قتادة، ~~عن النبي مرسلا. # حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي. ثنا عبد ~~الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها " # انتهى. قال البزار، ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي: روى عن عبد الحميد ~~أحاديث، لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدا تابعه على هذا الحديث. انتهى، ~~ورواه ابن عدي في الكامل، وقال: أرجو أنه لا بأس به، قال عبد الحق: وضعفه ~~أبو حاتم ms2384 وقال: إنه متروك الحديث انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: ~~يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به، إذا تفرد ~~حديث آخر رواه البزار في مسنده أيضا: حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، ~~ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان ~~يقول: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها " # انتهى قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم ~~روى عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي. انتهى كلام الزيلعي في ~~نصب الراية. # وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها، عن علي، وعثمان، ~~وعائشة: يعضد بعضها بعضا كما تعتضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله، ~~وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر ~~معروف، لا يكاد يخالف فيه إلا مكابر، فالقائل: بجواز الحلق للمرأة قائل ~~بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه ~~في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى، وأما كون حلق المرأة رأسها تشبها ~~بالرجال، فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال، لأن الحلق ~~من صفاتهم الخاصة بهم دون الإناث عادة. وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن ~~المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وأما كون حلق رأس المرأة مثلة، فواضح، لأن شعر رأسها من ~~أحسن أنواع جمالها وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس ~~السليم، وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم، وكلامهم مطبقون على ~~أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها لا نزاع في ذلك بينهم في جميع ~~طبقاتهم وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام، ~~وسنذكر هنا منه أمثلة قليلة ms2385 تنبيها بها على غيرها قال امرؤ القيس في ~~معلقته: # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # غدائره مستشزرات إلى العلى # تضل المداري في مثنى ومرسل # فتراه جعل كثرة شعر رأسها وسواده وطوله من محاسنها، وهو كذلك. وقال ~~الأعشى ميمون بن قيس: # غراء فرعاء مصقول عوارضها # تمشي الهوينا كما يمشي الوحي الوحل # فقوله فرعاء يعني أن فرعها أي شعر رأسها تام في الطول والسواد والحسن ~~وقال عمر بن أبي ربيعة: # تقول يا أمتا كفى جوانبه # ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر # مثل الأساود قد أعيى مواشطه # تضل فيه مداريها وتنكسر # فلو لم تكن كثرة الشعر وسواده من الجمال عندهم، لما تعبوا في خدمته هذا ~~التعب الذي ذكره هذا الشاعر ونظيره قول الآخر: # وفرع يصير الجيد وحف كأنه # على الليث قنوان الكروم الدوالح # لأن قوله: يصير الجيد أي يميل العنق لكثرته، وقد بالغ من قال: # بيضاء تسحب من قيام فرعها # وتغيب فيه وهو وجف أسحم # فكأنها فيه نهار ساطع # وكأنه ليل عليها مظلم # وأمثال هذا أكثر من أن تنحصر، وقصدنا مطلق التمثيل، وهو يدل على أن حلق ~~المرأة شعر رأسها نقص في جمالها، وتشويه لها، فهو مثلة وبه تعلم: أن ~~العرف الذي صار جاريا في كثير من البلاد، بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب ~~أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء العرب قبل ~~الإسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق، ~~والسمت وغير ذلك. # فإن قيل: جاء عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ما يدل على حلق المرأة ~~رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق، فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه ~~في النوع الحادي عشر من القسم الخامس، من حديث # " وهب بن جرير ثنا أبي سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ~~ميمونة " أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا وبنى بها وماتت بسرف ~~فدفنها في الظلة التي بنى بها فيها فنزلنا قبرها أنا وابن عباس فلما ~~وضعناها في ms2386 اللحد مال رأسها فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن ~~عباس فألقاه وكانت قد حلقت رأسها في الحج فكان رأسها محجما " # انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت ~~رأسها، ولو كان حراما ما فعلته، وأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه. # وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن ~~أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا ~~وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة ~~فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ~~ثلاثا. قال: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذن من رؤوسهن حتى ~~تكون كالوفرة. ا ه من صحيح مسلم. # فالجواب، عن حديث ميمونة على تقدير صحته: أن فيه أن رأسها كان محجما، ~~وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض، لتتمكن آلة الحجم من الرأس، ~~والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها وقد قال تعالى # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه # [الأنعام: 119]. # وأما الجواب: عن حديث مسلم فعلى القول، بأن الوفرة أطول من اللمة التي ~~هي ما ألم بالمنكبين من الشعر، فلا إشكال، لأن ما نزل عن المنكبين طويل ~~طولا يحصل به المقصود. قال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع، وأكثر من ~~اللمة. واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر. قاله الأصمعي. انتهى محل الغرض ~~من النووي. # وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة: من أنها لا تجاوز ~~الأذنين. قال في القاموس: والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال ~~على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة ا ه منه. # وقال الجوهري في صحاحه: والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة ثم ~~اللمة: وهي التي ألمت بالمنكبين. وقال ابن منظور في اللسان: والوفرة: ~~الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر. والجمع ~~وفار. قال كثير عزة: # كأن وفار ms2387 القوم تحت رحالها # إذا حسرت عنها العمائم عنصل # وقيل: الوفرة أعظم من الجمة. قال ابن سيده: وهذا غلط إنما هي وفرة، ثم ~~جمة، ثم لمة، والوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين، واللمة: ما ألم بالمنكبين. ~~التهذيب، والوفرة: الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين، وقيل: الوفرة الشعرة ~~إلى شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة، إلى أن قال: والوفرة شعر الرأس، إذا ~~وصل شحمة الأذن. انتهى من اللسان. # فالجواب: من أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصرن رؤوسهن بعد ~~وفاته صلى الله عليه وسلم، لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن ~~شعرهن. أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن ~~فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعا ~~كليا من التزويج، ويأسهن منه اليأس، الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن ~~كالمعتدات المحبوسات بسببه صلى الله عليه وسلم إلى الموت. قال تعالى # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما # [الأحزاب: 53] واليأس من الرجال بالكلية، قد يكون سببا للترخيص في ~~الإخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب. وقال النووي في شرح ~~مسلم في الكلام علي هذا الحديث: قال عياض رحمه الله تعالى: والمعروف أن ~~نساء العرب إنما كن يتخذن القرون، والذوائب، ولعل أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلن هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لتركهن التزين، ~~واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفا لمؤنة رؤوسهن، وهذا الذي ذكره القاضي ~~عياض من كونهن فعلنه، بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، لا في حياته. كذا ~~قاله أيضا غيره، وهو متعين ولا يظن بهن فعله في حياته صلى الله عليه ~~وسلم، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى كلام النووي. ~~وقوله: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء، فيه عندي نظر لما قدمنا ~~من أن أزواج النبي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليهن غيرهن، ~~لأن ms2388 قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وهو قد يباح له من ~~الإخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيره حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين ~~للخطاب، وربما تزوجت لأن كل ساقطة لها لاقطة. وقد يحب بعضهم العجوز كا ~~قال القائل: # أبى القلب إلا أم عمرو وحبها # عجوزا ومن يحبب عجوزا يفند # كثوب اليماني قد تقادم عهده # ورقعته ما شئت في العين واليد # وقال الآخر: # ولو أصبحت ليلى تدب على العصا # لكان هوى ليلى جديدا أوائله # والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ~~}. # الضمير في قوله: منها. راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى { ~~ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } [الحج: 28] وهذا الأكل الذي أمر ~~به هنا منها وإطعام البائس الفقير منها، أمر بنحوه في خصوص البدن أيضا ~~في قوله تعالى # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36] إلى قوله: # فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] الآية ففي الآية الأولى: الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام ~~الصادق بالبدن، وبغيرها، وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم ~~الآية الأولى. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه، ومثلنا ~~لذلك بعض الأمثلة وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل، وإطعام البائس ~~الفقير، وفي الآية الخاصة بالبدن: أمر بالأكل، وإطعام القانع والمعتر. # وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان. # الأول: حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر، ~~أو الندب والاستحباب؟ # المبحث الثاني فيما يجوز الأكل منه لصاحبه، وما لا يجوز له الأكل منه، ~~ومذاهب أهل العلم في ذلك. # أما المبحث الأول: فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: ~~للاستحباب، والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة ~~الأمر: هي ما زعموا من أن المشركين، كانوا لا يأكلون هداياهم فرخص ~~للمسلمين في ذلك. # وعليه فالمعنى: فكلوا ms2389 إن شئتم ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله ~~المشركون، وقال ابن كثير في تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب، وعزا ~~للأكثرين أن الأمر للاستحباب قال: وهو اختيار ابن جرير في تفسيره، وقال ~~القرطبي في تفسيره: فكلوا منها: أمر معناه: الندب عند الجمهور، ويستحب ~~للرجل، أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة ~~بالكل، وأكل الكل وشذت طائفة، فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية، ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فكلوا وادخروا وتصدقوا " # قال الكيا قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا } يدل على أنه ~~لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. انتهى كلام القرطبي. # ومعلوم: أن بيع جميعه لا وجه لحليته، بل ولا بيع بعضه، كما هو معلوم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى القولين دليلا: وجوب الأكل ~~والإطعام من الهدايا والضحايا، لأن الله تعالى قال: { فكلوا منها ~~} في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل: تدل على ~~الوجوب إلا لدليل صارف، عن الوجوب، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63]. # وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية ~~الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج. # ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل ~~واحدة، منها فأكل منها وشرب من مرقها " # وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة، من تلك الإبل الكثيرة إلا ~~وقد أكل منها أو شرب من مرقها، وهذا يدل على أن الأمر في قوله: { ~~فكلوا منها } ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك ~~لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه ~~الوجوب. # والحاصل: أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة أفعل: تدل على الوجوب إلا ~~لصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع ~~إليه صارف عن ms2390 الوجوب وكذلك الإطعام، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة ~~الأصولية، وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه. # وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل ~~باستحبابهما. وقيل: باستحباب الأكل، ووجوب الإطعام. والأظهر أنه: لا ~~تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء ويتصدق بما ~~شاء، وقد قال بعض أهل العلم: يتصدق بالنصف، ويأكل النصف، واستدل لذلك ~~بقوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير } ~~قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصف للفقراء، وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة ~~أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، واستدل بقوله تعالى: # فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر # [الحج: 36] فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له، وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا ~~قالوا وأظهرها الأول، والعلم عند الله تعالى، والبائس: هو الذي أصابه ~~البؤس، وهو الشدة. قال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل بيأس بؤسا وبئسا: ~~اشتدت حاجته، فهو بائس وأنشد أبو عمرو: # لبيضاء من أهل المدينة لم تذق # بئيسا ولم تتبع حمولة مجحد # وهو اسم وضع موضع المصدر ا ه منه يعني: أن البئيس في البيت لفظه لفظ ~~الوصف، ومعناه المصدر، والفقير معروف، والقاعدة عند علماء التفسير: أن ~~الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وعلى قولهم: ~~فالفقير هنا يشمل المسكين، لأنه غير مذكور معه هنا، وذلك هو مرادهم، ~~بأنهما إذا افترقا اجتمعا، ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في ~~آية الصدقة أيهما أشد فقرا، وقد ذكرنا حجج الفريقين وناقشناها في كتابنا ~~(دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة البلد، ومما استدل به ~~القائل: إن الفقير أحوج من المسكين، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم ~~بكفايته قوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79] الآية، قالوا: فسماهم مساكين، مع أن عندهم سفينة عاملة ~~للإيجار. # ومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير: أن الله قال في ~~المسكين: # أو مسكينا ذا متربة # [البلد: 16] قالوا: ذا متربة: أي لا شيء عنده. حتى كأنه قد لصق بالتراب ~~من الفقر، ليس له مأوى إلا ms2391 التراب. # قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له. وقال مجاهد: هو ~~الذي لا يقيه من التراب لباس، ولا غيره انتهى من القرطبي. وعضدوا هذا بأن ~~العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه، ومنه قول راعي نمير: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # فسماه فقيرا مع أن له حلوبة قدر عياله. # وقد ناقشنا أدلة الفريقين مناقشة تبين الصواب في الكتاب المذكور، ~~فأغناها ذلك عن إعادته هنا، والعلم عند الله تعالى. # وأما المبحث الثاني: وهو ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز فقد اختلف فيه ~~أهل العلم، وهذه مذاهبهم وما يظهر رجحانه بالدليل منها: فذهب مالك رحمه ~~الله، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله ~~إلا ثلاثة أشياء: جزاء لصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين وقال ~~اللخمي: كل هدي واجب في الذمة، عن حج أو عمرة من فساد أو متعة أو قران، ~~أو تعدي ميقات، أو ترك النزول بعرفة نهارا، أو ترك النزول بمزدلفة أو ~~ترك رمي الجمار أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده. أما ~~جزاء الصيد، وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغها محلهما، ولا يؤكل منهما ~~بعده. وأما النذر المضمون، إذا لم يسمه للمساكين: فإنه يأكل منه بعد ~~بلوغه محله، وإن كان منذورا معينا، ولم يسمه للمساكين، أو قلده، وأشعره ~~من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله، ولم يأكل منه قبله وإن عين النذر ~~للمساكين أو نوى ذلك حين التقليد والإشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد. # والحاصل: أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقا، عند ~~مالك وأن النذر المضمون للمساكين، حكمه عند المالكية: حكم جزاء الصيد، ~~وفدية الأذى فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله، ويجوز قبله، لأنه باقي في ~~الذمة حتى يبلغ محله. وأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين كقوله: ~~علي لله نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي، فله عند المالكية: الأكل منه قبل ms2392 ~~بلوغ محله، وبعده، وقد قدمنا أن هدي التطوع إن عطب في الطريق. لا يجوز له ~~الأكل منه عند المالكية، وأوضحنا دليل ذلك. هذا هو حاصل مذهب مالك في ~~الأكل من الهدايا، ولا خلاف في جواز الأكل من الضحايا. وقد قدمنا قول ~~اللخمي من المالكية: أن كل هدي جاز أن يأكل منه: جاز أن يطعم منه من شاء ~~من غني وفقير، وكل هدي لم يجز له أن يأكل منه، فإنه يطعمه فقيرا، لا ~~تلزمه نفقته كالكفارة. # وكره ابن القاسم من أصحاب مالك إطعام الذمي من الهدايا كما تقدم. ومذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله: أنه يأكل من هدي التمتع والقران، وهدي التطوع إذا ~~بلغ محله، أما إذا عطب هدي التطوع، قبل بلوغ محله، فليس لصاحبه الأكل منه ~~عند أبي حنيفة كما تقدم إيضاحه. ولا يأكل من غير ذلك، هو ولا غيره من ~~الأغنياء، بل يأكله الفقراء. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة رحمه الله. # وأما مذهب الشافعي رحمه الله: فهو أن الهدي إن كان تطوعا، فالأكل منه ~~مستحب، واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36]. قالوا: فجعلها لنا وما هو للإنسان فهو مخير بين تركه، ~~وأكله، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال. # واعلم: أنا حيث قلنا في هذا المبحث: يجوز الأكل، فإنا نعني: الإذن في ~~الأكل الصادق بالاستحباب، وبالوجوب لما قدمنا من الخلاف، في وجوب الأكل ~~والإطعام، واستحبابهما، والفرق بينهما بإيجاب الإطعام دون الأكل، وكل هدي ~~واجب لا يجوز الأكل منه في مذهب الشافعي، كهدي التمتع والقران، والنذر، ~~وجميع الدماء الواجبة، قال النووي: وكذا قال الأوزاعي، وداود الظاهري: لا ~~يجوز الأكل من الواجب. هذا هو حاصل مذهب الشافعي. # وأما مذهب أحمد رحمه الله: فهو أنه لا يأكل من هدي واجب، إلا هدي التمتع ~~والقران، وأنه يستحب له أن يأكل من هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ~~ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه ~~هذا هو مشهور مذهب الإمام ms2393 أحمد. وعنه رواية أنه لا يأكل من المنذور، ~~وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما. # قال في المغني: وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق، لأن جزاء الصيد ~~بدل والنذر جعله الله تعالى بخلاف غيرهما. # وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه ~~الثلاثة، ونحوه مذهب مالك، لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين، ولا مدخل ~~للإطعام فيه فأشبه التطوع. وقال الشافعي: لا يأكل من واجب، لأنه هدي واجب ~~بالإحرام فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة. انتهى من المغني. # فقد رأيت مذاهب الأربعة فيما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة: هو ~~جواز الأكل من هدي التطوع وهدي التمتع والقران دون غير ذلك والأكل من هدي ~~التطوع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب ~~الأكل منه، أو وجوبه ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في ~~الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع # " أنه أهدى مائة من الإبل " # ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها ~~جميعا. # وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما قدمنا مما ثبت في ~~الصحيح # " أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عنهن صلى الله عليه وسلم بقرا ~~ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات وعائشة منهن قارنة وقد أكلن جميعا مما ذبح ~~عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمره صلى الله عليه وسلم " # وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران. أما غير ما ~~ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق ~~دخوله في عموم { فكلوا منها } لأنه لترك واجب أو فعل محظور، فهو ~~بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط. والعلم عند الله تعالى. # مسألة في الأضحية # لا يخفى أن كلامنا في الهدي وأن الآية التي نحن بصددها ظاهرها أنها في ~~الهدي، ولما كان عمومها قد تدخل فيه الأضحية. ms2394 أردنا هذا أن نشير إلى بعض ~~أحكام الأضحية باختصار. # اعلم أولا: أن الأضحية فيها أربع لغات: أضحية بضم الهمزة، وإضحية ~~بكسرها، وجمعهما أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، وضحية، وجمعها ضحايا، ~~وأضحاة وجمعها: أضحى كأرطاة، وأرطى. # واعلم أنه لا خلاف في مشروعية الأضحية. قال بعض أهل العلم: وقد دل على ~~مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى: # فصل لربك وانحر # [الكوثر: 2] على ما قاله بعض أهل التفسير، من أن المراد به: ذبح الأضحية ~~بعد صلاة العيد، ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم { فصل ~~لربك } وأن الأضحية داخلة في عموم قوله { وانحر }. # وأما الإجماع: فقد أجمع جميع المسلمين على مشروعية الأضحية. وأما السنة ~~فقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة صحيحة في مشروعية ~~الأضحية وسنذكر طرفا منها فيه كفاية إن شاء الله. # قال البخاري في صحيحه: باب أضحية النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين ~~أقرنين ويذكر سمينين. وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة بن سهل، قال: ~~كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. حدثنا آدم بن أبي ~~إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين " # وأنا أضحي بكبشين. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب عن أيوب، عن ~~أبي قلابة، عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين ~~فذبحهما بيده " # وقال إسماعيل وحاتم بن وردان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس تابعه وهيب ~~عن أيوب، وقال: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الليث عن يزيد عن أبي الخير # " عن عقبة بن عامر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنما يقسمها ~~على صحابته ضحايا فبقي عتود، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ضح به ~~أنت " # انتهى من صحيح البخاري. وفي لفظ له من # " حديث أنس رضي الله عنه قال " ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين ~~أملحين فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما ms2395 يسمي ويكبر فذبحهما بيده " " # وفي لفظ للبخاري عن أنس أيضا قال # " ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى ~~وكبر ووضع رجله على صفاحهما " # وفي لفظ له عن أنس رضي الله عنه أيضا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين ويضع رجله ~~على صفاحهما، ويذبحهما بيده " # انتهى منه. # وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة عن ~~قتادة، عن أنس قال # " ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، ~~وسمى وكبر ووضع رجله على صحافهما " # وفي لفظ له # " عن أنس رضي الله عنه قال " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين ~~أملحين أقرنين قال ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما ~~قال: وسمى وكبر " " # ، وفي لفظ لمسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله غير أنه ~~قال ويقول. # " بسم الله والله أكبر " # وقال مسلم في صحيحه أيضا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب ~~قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير، # " عن عائشة رضي الله عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~بكبشين أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد، وينظر في سواد فأتى به ليضحي به ~~فقال لها: يا عائشة، هلمي المدية ثم قال: أشحذيها بحجر، ففعلت ثم أخذها ~~وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل ~~محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به " " # انتهى من صحيح مسلم، والأحاديث الواردة في مشروعية الأضحية كثيرة، ~~معروفة. # وقد اختلف أهل العلم في حكمها فذهب أكثر أهل العلم: إلى أنها سنة مؤكدة ~~في حق الموسر، ولا تجب عليه وقال النووي في شرح المهذب: وهذا مذهبنا وبه ~~قال أكثر العلماء منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبلال، وأبو ~~مسعود البدري، وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة، والأسود، ومالك، وأحمد، ~~وأبو يوسف، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود وابن ms2396 المذنر، وقال ربيعة ~~والليث بن سعد، وأبو حنيفة، والأوزاعي: هي واجبة على الموسر إلا الحاج ~~بمنى. وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار. والمشهور عن ~~أبي حنيفة: أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابا. انتهى كلام النووي. # وقال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في وجوب الأضحية، على الموسر، ~~فقال جمهورهم: هي سنة في حقه إن تركها بلا عذر، لم يأثم، ولم يلزمه ~~القضاء، وممن قال بهذا: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب إلى آخر كلامه ~~قريبا مما ذكرنا عنه في شرح المهذب. # وقال ابن قدامة في المغني: أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير ~~واجبة: روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري رضي الله ~~عنهم. وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، ~~والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، ~~والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة ونقل ابن قدامة في المغني عن ~~مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه، ومذهبه هو ما نقل عنه النووي: من أنها ~~سنة، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى، لأن ما يذبحه هدي لا ~~أضحية. وقد قدمنا أن آية الحج لا تخلو من دلالة على ما ذهب إليه مالك، ~~كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. # فإذا رأيت أقوال أهل العلم في حكم الأضحية، فهذه أدلة أقوالهم ~~ومناقشتها، وما يظهر رجحانه بالدليل منها، على سبيل الاختصار. # أما من قال: إنها واجبة فقد استدل بأدلة منها أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يفعلها والله يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] الآية. # وقد قدمنا قول من قال من أهل الأصول إن فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم ~~تعلم جهته من وجوب أو غيره يحمل على الوجوب. وأوضحنا أدلة ذلك. وذكرنا أن ~~صاحب مراقي السعود ذكره بقوله في كتاب السنة في مبحث أفعال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # وكل ما الصفة فيه تجهل # فللوجوب في الأصح يجعل # وذكرنا مناقشة الأقوال ms2397 فيه في الحج، وغيره من سور القرآن. # ومن أدلتهم على وجوب الأضحية ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا آدم، ~~حدثنا شعبة، حدثنا الأسود بن قيس: سمعت جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: # " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح " # ا ه. قالوا قوله: فليعد وقوله: فليذبح كلاهما صيغة أمر. # وقد قدمنا أن الصحيح عند أهل الأصول أن الأمر المتجرد عن القرائن، يدل ~~على الوجوب، وبينا أدلة ذلك من الكتاب والسنة، ورجحناه بالأدلة الكثيرة ~~الواضحة كقوله تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره # [النور: 63]. وقوله: # أفعصيت أمري # [طه: 93] فسمى مخالفة الأمر معصية، وقوله: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة # [الأحزاب: 36] الآية. فجعل أمره وأمر رسوله مانعا من الاختيار، موجبا ~~للامتثال، وكقوله صلى الله عليه وسلم # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # الحديث إلى آخر ما قدمنا، وحديث جندب بن سفيان الذي ذكرناه عن البخاري ~~أخرجه أيضا مسلم في صحيحه بلفظ: # " من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي، فليذبح مكانها أخرى ومن كان ~~لم يذبح فليذبح باسم الله " # وصيغة الأمر بالذبح في حديثه، واضحة كما بينا دلالتها على الوجوب آنفا. # ومن أدلتهم على وجوب الأضحية: ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا مسدد، ~~ثنا يزيد ح وثنا حميد بن مسعدة، ثنا بشر عن عبدالله بن عون، عن عامر أبي ~~رملة قال: أخبرنا مخنف بن سليم قال: ونحن وقوف مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعرفات قال: # " يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة أتدرون ما ~~العتيرة؟ هي: التي يقول عنها الناس: الرجبية " # ا ه منه. # وقال النووي في شرح المهذب: في هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي ~~والنسائي وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن. قال الخطابي: هذا الحديث ضعيف ~~المخرج، لأن أبا رملة مجهول. وهو كما قال الخطابي مجهول قال فيه ابن حجر ms2398 ~~في التقريب: عامر أبو رملة شيخ لابن عون لا يعرف ا ه منه. وقال فيه ~~الذهبي في الميزان: عامر أبو رملة شيخ لابن عون فيه جهالة له عن مخنف بن ~~سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا أيها الناس إن على كل بيت في الإسلام أضحية، وعتيرة " # قال عبد الحق: إسناده ضعيف، وصدقه ابن القطان لجهالة عامر، رواه عنه ابن ~~عون ا ه منه. # وبه تعلم أن قول ابن حجر في الفتح في حديث مخنف بن سليم أخرجه أحمد ~~والأربعة بسند قوي، خلاف التحقيق كما ترى. وقد قال أبو داود بعد أن ساق ~~الحديث بسنده ومتنه كما ذكرناه عنه آنفا. قال أبو داود: العتيرة: منسوخة ~~هذا خبر منسوخ ا ه منه. ولكنه لم يبين الناسخ، ولا دليل النسخ. وعلى كل ~~حال فالحديث ضعيف لا يحتج به، لأن أبا رملة مجهول كما رأيت من قال ذلك. # ومن أدلتهم على وجوبها: ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " # قال ابن حجر في بلوغ المرام: في هذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه، وصححه ~~الحاكم ورجح الأئمة غيره وقفه، وقال ابن حجر في فتح الباري: وأقرب ما ~~يتمسك به لوجوب الأضحية، حديث أبي هريرة، رفعه # " من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " # أخرجه ابن ماجه، وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف ~~أشبه بالصواب. قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحا في الإيجاب ا ه ~~منه. # وذكر النووي في شرح المهذب، من أدلة من أوجبها: ما جاء عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة يوم عيد " # ثم قال رواه البيهقي. وقال: تفرد به محمد بن ربيعة، عن إبراهيم بن يزيد ~~الخوزي وليسا بقويين، ثم قال: وعن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود نفيع # " عن زيد ms2399 بن أرقم أنهم قالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما هذه ~~الأضاحي قال: " سنة أبيكم إبراهيم (صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وسلم)، ~~قالوا: ما لنا فيها من الأجر؟ قال: بل كل قطرة حسنة " " # رواه ابن ماجه، والبيهقي. قال البيهقي: قال البخاري: عائذ الله المجاشعي ~~عن أبي داود لا يصح حديثه، وأبو داود هذا ضعيف، ثم قال النووي: قال ~~البخاري: عائذ الله المجاشعي عن أبي داود لا يصح حديثه، وأبو داود هذا ~~ضعيف، ثم قال النووي: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " نسخ الأضحى كل ذبح، وصوم رمضان كل صوم والغسل من الجنابة كل غسل، ~~والزكاة كل صدقة " # رواه الدارقطني والبيهقي قال: وهو ضعيف، واتفق الحفاظ على ضعفه، و # " عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أستدين وأضحي؟ ~~قال: " نعم فإنه دين مقضي " " # رواه الدارقطني والبيهقي، وضعفاه قالا: وهو مرسل ا ه كلام النووي. وما ~~ذكره من تضعيف الأحاديث المذكورة: هو الصواب، وقد وردت أحاديث غير ما ~~ذكرنا في الترغيب في الأضحية، وفيها أحاديث متعددة ليست بصحيحة. وهذا ~~الذي ذكرنا هو عمدة من قال: بوجوب الأضحية، واستدلال بعض الحنفية على ~~وجوبها بالإضافة في قولهم: يوم الأضحى قائلا: إن الإضافة إلى الوقت، لا ~~تحقق إلا إذا كانت موجودة فيه بلا شك، ولا تكون موجودة فيه بيقين، إلا ~~إذا كانت واجبة لا يخفى سقوطه، لأن الإضافة تقع بأدنى ملابسة، فلا تقتضي ~~الوجوب على التحقيق، كما لا يخفى. # وأقوى أدلة من قال بالوجوب: هو ما قدمنا في الصحيحين من حديث جندب بن ~~سفيان البجلي، من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ذبح قبل الصلاة ~~بالإعادة، وأمر من لم يذبح بالذبح. وقد قدمنا دلالة الأمر على الوجوب ~~والحديث المختلف في وقفه ورفعه، الذي قدمنا، لأن قوله فيه # " فلا يقربن مصلانا " # يفهم منه أن ترك الأضحية مخالفة غير هينة، لمنع صاحبها من قرب المصلى ~~وهو يدل على ms2400 الوجوب. والفرق بين المسافر والمقيم عند أبي حنيفة لا أعلم ~~له مستندا من كتاب ولا سنة، وبعض الحنفية يوجهه، بأن أداءها له أسباب ~~تشق على المسافر، وهذا وحده لا يكفي دليلا، لأنه من المعلوم أن كل واجب ~~عجز عنه المكلف، يسقط عنه لقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. # وأما الذين قالوا: بأن الأضحية سنة مؤكدة، وليست بواجبة، فاستدلوا بأدلة ~~منها: ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان عن ~~عبد الرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا " # قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه ا ه وفي لفظ عنها، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم: # " إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ~~ظفرا " # وفي لفظ له عنها مرفوعا # " إذا أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره " # ا ه. # كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ~~زوجه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ووجه الاستدلال بها، على عدم ~~الوجوب أن ظاهر الرواية: أن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي، ولو كانت ~~واجبة لما كانت كذلك. # قال النووي في شرح المهذب: بعد أن ذكر بعد روايات حديث أم سلمة المذكورة ~~ما نصه: قال الشافعي: هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم، وأراد فجعله مفوضا إلى إرادته، ولو كانت واجبة لقال: فلا يمس ~~من شعره، حتى يضحي ا ه منه. وقال النووي في شرح المهذب أيضا: واستدل ~~أصحابنا، يعني لعدم الوجوب بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " هن علي فرائض وهن لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الضحى " # رواه البيهقي بإسناد ضعيف. ورواه في موضع آخر وصرح بضعفه وللحديث ~~المذكور طرق، ولا ms2401 يخلو شيء منها من الضعف ولم يذكرها النووي. ثم قال ~~النووي: وصح عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: أنهما كانا لا يضحيان، ~~مخافة أن يعتقد الناس وجوبها ا ه كلام النووي. وقال ابن حجر في فتح ~~الباري: قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير ~~واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين. وقد استدل لعدم ~~وجوبها: المجد في المنتقى بحديثين، ولا تظهر دلالتها على ذلك عندي كل ~~الظهور. قال في المنتقى: باب ما احتج به في عدم وجوبها، بتضحية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، عن أمته: # " عن جابر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما ~~انصرف " أتى بكبش فذبحه فقال: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن ~~لم يضح من أمتي " # وعن علي بن الحسين، عن أبي رافع # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ~~أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب للناس أوتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه ~~فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: اللهم هذا عني وعن أمتي جميعا من شهد لك ~~بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن ~~محمد وآل محمد فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما " # فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والغرم رواه أحمد أ ه من المنتقى. # وقال شارحه في نيل الأوطار: ووجه دلالة الحديثين، وما في معناهما على ~~عدم الوجوب: أن تضحيته صلى الله عليه وسلم عن أمته وعن أهله تجزئ كل من ~~لم يضح، سواء كان متمكنا من الأضحية أو غير متمكن، ثم تعقبه بقوله: ~~ويمكن أن يجاب عن ذلك، بأن حديث # " على كل أهل بيت أضحية " # يدل على وجوبها على كل أهل بيت، يجدونها فيكون قرينة على أن تضحية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن غير الواجدين من أمته ولو سلم الظهور ms2402 المدعي ~~فلا دلالة له على عدم الوجوب، لأن محل النزاع من لم يضح عن نفسه، ولا ضحى ~~عنه غيره، فلا يكون عدم وجوبها على من كان في عصره صلى الله عليه وسلم من ~~الأمة مستلزما، لعدم وجوبها على من كان في غير عصره صلى الله عليه وسلم ~~منهم ا ه. من نيل الأوطار. وقد رأيت أدلة القائلين بالوجوب، والقائلين ~~بالسنة. والواقع في نظرنا أنه ليس في شيء من أدلة الطرفين، دليل جازم ~~سالم من المعارض على الوجوب، ولا على عدمه لأن صيغة الأمر بالذبح في ~~الحديث الصحيح وبإعادة من ذبح، قبل الصلاة، وإن كان يفهم منه الوجوب على ~~أحد الأقوال، وهو المشهور في صيغة الأمر. فحديث أم سلمة الذي ظاهره: ~~تفويض ذلك إلى إرادة المضحي، وهو في صحيح مسلم يمكن أ ن يكون قرينة صارفة ~~عن الوجوب في صيغة الأمر المذكور، وكلا الدليلين لا يخلو من احتمال، ~~وحديث # " من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " # رجح أكثر الأئمة وقفه، وقد قدمنا أن ابن حجر قال: إنه ليس صريحا في ~~الإيجاب وأجاب القرطبي في المفهم عن دلالة صيغة الأمر في قوله: فليعد، ~~وقوله: فليذبح وقال: لا حجة في شيء من ذلك، على الوجوب وإنما المقصود ~~بيان كيفية مشروعية الأضحية، لمن أراد أن يفعلها أو من أوقعها على غير ~~الوجه المشروع خطأ أو جهلا، فبين له وجه تدارك ما فرط منه ا ه محل ~~الغرض منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في مثل هذا الذي لم تتضح ~~فيه دلالة النصوص على شيء معين إيضاحا بينا أنه يتأكد على الإنسان: ~~الخروج من الخلاف فيه، فلا يترك الأضحية مع قدرته عليها، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # ، فلا ينبغي تركها قادر عليها، لأن أداءها هو الذي يتيقن به براءة ذمته، ~~والعلم عند الله تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الأول: قد علمت: أن أكثر أهل ms2403 العلم من الصحابة فمن بعدهم على أن ~~الأضحية: سنة لا واجبة، والمالكية يقولون: إن وجوبها خاص به صلى الله ~~عليه وسلم، وقد علمت أن الأحاديث الواردة في ذلك لا تخلو من ضعف، وقد ~~استثنى مالك، وأصحابه الحاج بمنى، قالوا: لا تسن له الأضحية لأن ما يذبحه ~~هدي لا أضحية، وخالفهم جماهير أهل العلم نظرا لعموم أدلة الأمر بالأضحية ~~في الحاج وغيره، ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج بمنى. قال ~~البخاري في صحيحه: باب الأضحية للمسافر والنساء: حدثنا مسدد، حدثنا ~~سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، # " عن عائشة رضي الله عنها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ~~وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة، وهي تبكي " الحديث وفيه: " فلما كنا بمنى ~~أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أزواجه بالبقر " " # اه. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ~~أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ~~ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج " ، الحديث ~~بطوله، وفيه فقالت: " وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر ~~" " # اه من صحيح مسلم. قالوا: فقد ثبت في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه ببقر يوم النحر بمنى " # ، وهو دليل صحيح على مشروعية الأضحية للحاج بمنى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين دليلا عندي في هذا الفرع ~~قول مالك وأصحابه، وإن خالفهم الجمهور، وأن الأضحية لا تسن للحاج بمنى، ~~وأن ما يذبحه هدي لا أضحية، وأن الاستدلال بحديث عائشة المتفق عليه ~~المذكور آنفا لا تنهض به الحجة على مالك وأصحابه، ووجه كون مذهب مالك: ~~أرجح في نظرنا هنا مما ذهب إليه ms2404 جمهور أهل العلم، هو أن القرآن العظيم ~~دال عليه، ولم يثبت ما يخالف دلالة القرآن عليه سالما من المعارض من ~~كتاب أو سنة، ووجه دلالة القرآن على أن ما يذبحه الحاج بمنى: هدي لا ~~أضحية، هو ما قدمناه موضحا لأن قوله تعالى: { وأذن في الناس ~~بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا ~~اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها } [الحج: 27- 28] الآية فيه ~~معنى: أذن في الناس بالحج: يأتوك مشاة وركبانا لحكم. # منها: شهودهم منافع لهم، ومنها: ذكرهم اسم الله: { على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } [الحج: 28]، عند ذبحها تقربا ~~إلى الله، والذي يكون من حكم التأذين فيهم بالحج، حتى يأتوا مشاة ~~وركبانا، ويشهدوا المنافع ويتقربوا بالذبح، إنما هو الهدي خاصة دون ~~الأضحية لإجماع العلماء على أن للمضحي: أن يذبح أضحيته في أي مكان شاءه ~~من أقطار الدنيا ولا يحتاج في التقرب بالأضحية، إلى إتيانهم مشاة ~~وركبانا من كل فج عميق. فالآية الظاهرة في الهدي، دون الأضحية، وما كان ~~القرآن أظهر فيه وجب تقديمه على غيره، أما الاحتجاج بحديث عائشة المتفق ~~عليه: # " أنه ضحى ببقر عن نسائه يوم النحر صلوات الله وسلامه عليه " # فلا تنهض به الحجة، لكثرة الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنهن متمتعات، وأن ~~ذلك البقر هدي واجب، وهو هدي التمتع المنصوص عليه في القرآن وأن عائشة ~~منهن قارنة والبقرة التي ذبحت عنها: هدي قران، سواء قلنا إنها استقلت ~~بذبح بقرة عنها وحدها، كما قدمناه في بعض الروايات الصحيحة، أو كان ~~بالاشتراك مع غيرها في بقرة، كما قال به بعضهم: وأكثر الروايات ليس فيها ~~لفظ: ضحى، بل فيها: أهدى، وفيها: ذبح عن نسائه وفيها: نحر عن نسائه فلفظ ~~ضحى من تصرف بعض الرواة للجزم، بأن ما ذبح عنهم من البقر يوم النحر بمنى: ~~هدي تمتع بالنسبة لغير عائشة، وهدي قران: بالنسبة إليها، كما هو معلوم ~~بالأحاديث الصحيحة، التي لا نزاع فيها، وبهذا الذي ذكرنا تعلم أن ظاهر ms2405 ~~القرآن مع مالك، والحديث ليس فيه حجة عليه. # وقال ابن حجر في فتح الباري: في باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير ~~أمرهن بعد ذكره رواية: ضحى المذكورة ما نصه: والظاهر أن التصرف من ~~الرواة، لأنه في الحديث ذكر النحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية ~~أبي هريرة صريحة في أن ذلك، كان عمن اعتمر من نسائه فقويت رواية من رواه ~~بلفظ: أهدى، وتبين أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: لا ~~ضحايا على أهل منى اه محل الغرض من فتح الباري، وهو واضح فيما ذكرنا، ~~والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثاني: اعلم أن من ذبح أضحية، قبل أن يصلي إمام المسلمين صلاة ~~العيد، فإن ذبيحته لا تجزئه عن الأضحية، وإنما شاته التي ذبحها شاة لحم ~~يأكلها هو من شاء. # وليست بشاة نسك، وهذا ثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم. # قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن ~~زبيد اليامي، عن الشعبي، عن البراء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أول ما يبدأ به في يومنا هذا أن يصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل فقد ~~أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء " # اه محل الغرض منه. وفي لفظ للبخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ذبح قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة. فقد تم نسكه ~~وأصاب سنة المسلمين " # اه. وفي لفظ للبخاري، عن أنس بن مالك أيضا قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم النحر: # " من كان ذبح قبل الصلاة فليعد " # الحديث. وفي لفظ للبخاري من حديث البراء، عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه ~~وأصاب سنة المسلمين " # اه. # وقد قدمنا في حديث جندب بن سفيان البجلي أنه صلى ms2406 الله عليه وسلم قال: # " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " # الحديث إلى غير هذا من الروايات بمعناه في صحيح البخاري، وكون الأضحية ~~المذبوحة قبل الصلاة: لا تجزئ صاحبها الذي ذكرنا في صحيح البخاري، أخرجه ~~مسلم أيضا من حديث جندب بن سفيان البجلي، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك ~~رضي الله عنهم، فهذه الأحاديث المتفق عليها عن جندب والبراء وأنس: نصوص ~~صريحة في أن من ذبح أضحيته قبل صلاة الإمام صلاة العيد: أنها لا تجزئه، ~~وإن كان الإمام الأعظم، هو إمام الصلاة فلا إشكال، وإن كان إمام الصلاة ~~غيره، فالظاهر: أن المعتبر إمام الصلاة، لأن ظاهر الأحاديث: أنها يشترط ~~لصحتها، أن تكون بعد الصلاة، وظاهرها العموم سواء كان إمام الصلاة الإمام ~~الأعظم أو غيره، والعلم عند الله تعالى. # والأظهر: أن من أراد أن يضحي بمحل لا تقام فيه صلاة العيد، أنه يتحرى ~~بذبح أضحيته قدر ما يصلي فيه الإمام صلاة العيد عادة، ثم يذبح. والله ~~تعالى أعلم. # وقد جاء في صحيح مسلم وغيره، ما يدل على عدم إجزاء ما نحر قبل نحره صلى ~~الله عليه وسلم. وظاهره: أنه لا بد لإجزاء الأضحية، من أن تكون بعد ~~الصلاة، وبعد نحر الإمام، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثالث: في سن الأضحية التي تجزئ. والأظهر: أن السن التي تجزئ في ~~الأضحية هي التي تكون مسنة، فإن تعسرت المسنة أجزأته جذعة من الضأن. # قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا ~~أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " # اه. # وقال النووي في شرح هذا الحديث ما نصه: قال العلماء: المسنة هي الثنية ~~من كل شيء من الإبل والبقر والغنم، فما فوقها. وهذا تصريح: بأنه لا يجوز ~~الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال. وهذا مجمع عليه على ما نقله ~~القاضي عياض، ونقل العبدري وغيره، من أصحابنا، عن ms2407 الأوزاعي أنه قال: يجزئ ~~الجذع من الإبل والبقر والمعز والضأن. وحكي هذا عن عطاء. وأما الجذع من ~~الضأن فمذهبنا، ومذهب العلماء كافة: أنه يجزئ سواء وجد غيره أو لا وحكوا ~~عن ابن عمر والزهري: أنهما قالا: لا يجزئ. وقد يحتج لهما بظاهر هذا ~~الحديث. قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: ~~يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح ~~بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال. وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ~~ظاهره، لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن، مع وجود غيره وعدمه. وابن عمر ~~والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من ~~الاستحباب والله أعلم. إلى أن قال: والجذع من الضأن: ما له سنة تامة، هذا ~~هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل ما له ستة ~~أشهر. # وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: ابن عشرة. حكاه القاضي، وهو غريب. # وقيل: إن كان متولدا من بين شابين، فستة أشهر، وإن كان من هرمين ~~فثمانية أشهر اه محل الغرض منه. وقال في شرح المهذب: ثم الجذع ما استكمل ~~سنة على أصح الأوجه إلى آخر الأوجه التي ذكرها في شرح مسلم. وتقدم نقلها ~~عنه آنفا. وقال أيضا: وأما الثني من الإبل فما استكمل خمس سنين، ودخل ~~في السادسة. وروى حرملة عن الشافعي أنه الذي استكمل ست سنين، ودخل في ~~السابعة. # قال الروياني: وليس هذا قولا آخر للشافعي، وإن توهمه بعض أصحابنا، ~~ولكنه إخبار عن نهاية سن الثني، وما ذكره الجمهور بيان لابتداء سنه، وأما ~~الثني من البقر فهو ما استكمل سنتين، ودخل في الثالثة. # وروى حرملة عن الشافعي: أنه اما استكمل ثلاث سنين، ودخل في الرابعة. ~~والمشهور من نصوص الشافعي الأول وبه قطع الأصحاب وغيرهم من أهل اللغة ~~وغيرهم. والثني من المعز فيه عندهم وجهان: أصحهما: ما استكمل سنتين. ~~والثاني: ما استكمل سنه اه منه. # وقد علمت أن الثني هو المسن. # قال ابن الأثير في النهاية ms2408 في الجذع: هو من الإبل ما دخل في السنة ~~الخامسة، ومن البقر والمعز: ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في ~~الثالثة ومن الضأن: ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها، ومنهم من يخالف بعض ~~هذا في التقدير اه منه. وقال ابن الأثير في النهاية أيضا: الثنية من ~~الغنم ما دخلت في السنة الثالثة، ومن البقر كذلك، ومن الإبل: في السادسة ~~والذكر ثني، وعلى مذهب أحمد بن حنبل: ما دخل من المعز في الثانية، ومن ~~البقر في الثالثة. # وقال ابن الأثير في النهاية في المسنة، قال الأزهري: البقرة والشاة يقع ~~عليهما اسم المسن، إذا أثنيا، ويثنيان في السنة الثالثة. # وقال الجوهري في صحاحه: الجذع، قبل الثني والجمع جذعان وجذاع، والأنثى: ~~جذعة، والجمع: جذعات تقول منه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر ~~والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة: أجذع والجذع اسم له ~~في زمن ليس بسن تنبت ولا تسقط، وقد قيل: في ولد النعجة: إنه جذع في ستة ~~أشهر، أو تسعة أشهر، وذلك جائز في الأضحية انتهى منه. وفي القاموس: ~~والثنية: الناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثني والفرس الداخلة في ~~الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة. اه منه. # وقد علمت مما مر: أن حديث مسلم الثابت فيه دل على أن الأضحية لا تكون ~~إلا بمسنة، وأنها إن تعسرت فجذعة من الضأن، فمن ضحى بمسنة، أو بجذعة من ~~الضأن عند تعسرها: فضحيته مجزئة إجماعا. # واختلف أهل العلم فيما سوى ذلك، وهذه مذاهبهم وأدلتها. # فذهب مالك رحمه الله وأصحابه: إلى أن المجزئ في الضحية: جذع الضأن، وثني ~~المعز والبقر، والإبل. وجذع الضأن عندهم: هو ما أكمل سنة على المشهور، ~~وثني المعز عندهم: هو ما أكمل سنة، ودخل في الثانية دخولا بينا، ~~فالدخول في السنة الثانية، دخولا بينا هو الفرق عندهم بين جذع الضأن، ~~وثني المعز. # ودليل مالك وأصحابه على ما ذكرنا عنهم في سن الأضحية: أن جذع الضأن ~~عندهم، لا فرق بينه وبين جذعة الضأن المنصوص على إجزائها في صحيح مسلم، ms2409 ~~وأن الثني ثبت إجزاؤه مطلقا، وتحديدهم له في المعز بما دخل في الثانية ~~دخولا بينا من تحقيق المناط، والثني عندهم من البقر ابن ثلاث سنين ~~والأنثى والذكر سواء عندهم. والثني عندهم من الإبل: ابن خمس سنين، والذكر ~~والأنثى سواء. # ومعلوم أن الذكورة، والأنوثة في الضحايا والهدايا، وصفان طرديان، لا أثر ~~لواحد منهما في الحكم فهما سواء. وقال بعض المالكية: إن الثني من البقر: ~~ابن أربع سنين. والظاهر: أنه غير مخالف للقول الأول، وأن المراد به ابن ~~ثلاث ودخل في الرابعة. # وقال ابن حبيب من المالكية: والثني من الإبل ابن ست سنين، والظاهر أيضا ~~أنه غير مخالف للقول الأول، لأن المراد به ابن خمس ودخل في السادسة، فإن ~~قيل. # .. سلمنا أن جذعة الضأن المنصوص عليها في حديث جابر عند مسلم: لا فرق ~~بينها، وبين الجذع الذكر، لأن الذكورة والأنوثة في الهدايا والضحايا ~~وصفان طرديان، لا أثر لهما في الحكم. ولكن ظاهر الحديث، يدل على أن جذعة ~~الضأن الأنثى المذكورة في الحديث، لا يذبحها، إلا من تعسرت عليه المسنة، ~~التي هي التثنية، لأن لفظ الحديث المتقدم # " لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن ". # فالجواب: أن ظاهر الحديث أن الجذعة من الضأن: لا تجزئ إلا عند تعسر ~~المسنة، وظاهره: أن الجذع الذكر من الضأن: لا يجزئ سواء عسر وجود المسنة، ~~أو لم يعسر، وجمهور أهل العلم خالفوا ظاهر هذا الحديث من الجهتين ~~المذكورتين، إلا ما روي عن ابن عمر، والزهري: من أن الجذع الذكر من الضأن ~~لا يجزئ مطلقا لظاهر هذا الحديث. # قال النووي: في شرحه لحديث مسلم: هذا ما نصه: قال العلماء: المسنة هي ~~الثنية: من كل شيء من الإبل والبقر والغنم، فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا ~~يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مجمع عليه على ما نقله ~~القاضي عياض، ونقل العبدري وغيره من أصحابنا أنه قال: يجوز الجذع من ~~الإبل والبقر والمعز والضأن، وحكي هذا عن عطاء، وأما الجذع من الضأن: ms2410 ~~فمذهبنا، ومذهب العلماء كافة: أنه يجزئ، سواء وجد غيره أو لا، وحكوا عن ~~ابن عمر والزهري أنهما قالا: تجزئ، وقد يحتج لهما بظاهر الحديث، قال ~~الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب، والأفضل وتقديره: يستحب لكم ~~ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة ~~الضأن، وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره، لأن ~~الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري: ~~يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من ~~الاستحباب والله أعلم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث ظاهر في أن جذعة الضأن: لا تجزئ ~~إلا إذا تعسر وجود المسنة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~الصحيح: # " لا تذبحوا إلا مسنة " # نهي صريح عن ذبح غير المسنة، التي هي الثنية. والنهي: يقتضي التحريم كما ~~تقرر في الأصول، إلا إذا وجد صارف عنه، وهو دليل ظاهر على أن جذعة الضأن: ~~لا تجزئ إلا عند تعسر المسنة كما ترى، وسيأتي إن شاء الله إيضاح بقية هذا ~~البحث بعد ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، ومناقشة أدلتهم، وأما ~~مذهب الشافعي رحمه الله في هذه المسألة: فهو أن الجذع لا يجزئ إلا من ~~الضأن خاصة، والجذع من الضأن والجذعة عنده سواء، وأما غير الضأن: فلا ~~يجزئ عنده منه إلا الثنية، أو الثني. # وقد قدمنا كلام أهل العلم، واللغة في سن الجذع، والثني والجذعة والثنية ~~والوجه الذي حكاه الرافعي: أن جذع المعز يجزئ عند الشافعية غلط كما صرح ~~به النووي. وأما مذهب أبي حنيفة: فهو كمذهب الشافعي، وهو جواز التضحية ~~بالجذع من الضأن خاصة، وبالثني من غير الضأن وهو المعز والإبل والبقر. # وقال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه: ~~والجذع من الضأن: ما تمت له ستة أشهر عند الفقهاء، وذكر الزعفراني: أنه ~~ابن سبعة أشهر. والثني من الضأن، والمعز ابن سنة، ومن البقر: ابن سنتين، ~~ومن الإبل: ابن ms2411 خمس سنين، وفي القرب: الجذع من البهائم قبل الثني إلا أنه ~~من الإبل قبل السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة الثانية، ومن ~~الخيل في الرابعة، وعن الزهري الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية ~~أشهر. اه منه. # والأصح: هو ما قدمنا في سن الجذع والثني عن الفقهاء، وأهل اللغة، ومذهب ~~الإمام أحمد كمذهب أبي حنيفة والشافعي، فلا يجوز عنده الجذع إلا من الضأن ~~خاصة، ولا يجوز من غير الضأن: إلا الثني، والجذع من الضأن عندهم: ما له ~~ستة أشهر، ودخل في السابع، وثني المعز عندهم: إذا تمت له سنة، ودخل في ~~الثانية، وثني البقر عندهم: إذا تمت له سنتان، ودخل في الثالثة، وثني ~~الإبل عندهم: إذا تمت له خمس سنين، ودخل في السادسة. قاله ابن قدامة في ~~المغني: وقال أيضا قال الأصمعي، وأبو زياد الكلابي، وأبو زيد الأنصاري: ~~إذا مضت السنة الخامسة على البعير، ودخل في السادسة، وألقى ثنيته فهو ~~حينئذ ثني، ونرى أنه إنما سمي ثنيا، لأنه ألقى ثنيته. وأما البقرة فهي ~~التي لها سنتان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تذبحوا إلا مسنة " # ومسنة البقر التي لها سنتان، وقال وكيع: الجذع من الضأن يكون ابن سبعة ~~أشهر. انتهى كلام المغني. وقد عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في السن، التي ~~تجزئ ضحية من بهيمة الأنعام، وأنهم متفقون على إجزاء جذع الضأن، والثني ~~من غيره مع بعض الاختلاف، الذي رأيت في سن الجذع والثني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي: هو ما عليه جمهور أهل ~~العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم: أنه لا يجزئ في الأضحية: الجذع إلا من ~~الضأن خاصة، ومن غير الضأن وهو المعز، والإبل والبقر: لا يجزئ إلا الثني. ~~فما فوقه. والذكر والأنثى سواء في الهدايا، والأضاحي كما تقدم. # والتأويل الذي قدمنا عن النووي في حديث جابر في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " # أنه متعين بحمله على الاستحباب، والأفضل يظهر لي ms2412 أنه متعين كما قاله ~~النووي، والقرينة الصارفة عن ظاهر حديث جابر المذكور عند مسلم: هي أحاديث ~~أخر جاءت من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الجذع من الضأن ~~يجزئ، وظاهرها، ولو كان المضحي قادرا على المسنة، وسنذكرها هنا بواسطة ~~نقل المجد في المنتقى، لأنه ذكرها في محل واحد، فمنها ما رواه الإمام ~~أحمد والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " نعم أو نعمت الأضحية: الجذع من الضأن " # ومنها: ما روه الإمام أحمد وابن ماجه، عن أم بلال بنت هلال، عن أبيها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يجوز الجذع من الضأن ضحية " # ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن مجاشع بن سليم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: # " إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية " # ومنها: ما رواه النسائي، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: # " ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن " # اه. بواسطة نقل المجد في المنتقى. # وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، فتصلح بمجموعها للاحتجاج، وتعتضد بأن ~~عامة أهل العلم، على العمل بها، إلا ما نقل عن ابن عمر والزهري. وقد دل ~~حديث جابر المذكور عند مسلم: على أن الجذع من غير الضأن لا يجزئ، وهو ~~كذلك، وحديث البراء بن عازب الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لأبي بردة: # " ضح بجذعة من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك " # دليل: على أن جذع المعز لا يجزئ في الأضحية. قال البخاري في صحيحه: باب ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: # " ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك " # حدثنا مسدد، حثدنا خالد بن عبدالله، حدثنا مطرف، # " عن عامر عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: ضحى خال لي يقال له ~~أبو بردة، قبل الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاتك شاة ~~لحم، فقال: يا رسول الله، إن عندي ms2413 داجنا جذعة من المعز. قال: اذبحها ولا ~~تصلح لغيرك " اه منه. وفي لفظ للبخاري من حديث البراء " ولن تجزئ عن أحد ~~بعدك " وكذلك هي في بعض ألفاظ مسلم في حديث البراء المذكور " ولن تجزئ عن ~~أحد بعدك " وفي لفظ عند مسلم من حديث البراء " ضح بها ولا تصلح لغيرك " ~~وفي لفظ له عنه " ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك " ". # والروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأبي بردة في التضحية ~~بعناق جذعة من المعز وصرح: بأنها لا تجزئ عن أحد بعده معروفة في الصحيحين ~~وغيرهما: وهي دليل على أن جذع المعز لا يجزئ. # فمن قال من أهل العلم بأنه يجزئ رد قوله بهذا الحديث الصحيح، المصرح بأن ~~جذعة المعز لا تجزئ عن أحد بعد أبي بردة. # فإن قيل: جاء في الصحيحين من # " حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود فذكره للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ضح به أنت " " # وهذا لفظ البخاري في صحيحه، وفي لفظ لمسلم # " عن عقبة بن عامر الجهني المذكور رضي الله عنه قال: " قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فينا ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله أصابني جذع ~~فقال: ضح به " " # اه منه. وروايات هذا الحديث الصحيح، عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره أن يضحي بجذع المعز، لأن العتود لا تطلق إلا على ولد ~~المعز، والروايات مصرحة بأن المذكور جذع. وقال ابن الأثير في النهاية: ~~والعتود من ولد المعز إذا قوي ورعى، وأتى عليه حول. وهذا حديث متفق عليه ~~فيه الدلالة الصريحة: على جواز التضحية بجذع المعز، وذكر ابن حجر في ~~الفتح: أن البيهقي ذكر زيادة في حديث عقبة بن عامر، المذكور # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعقبة: " ولا رخصة فيها لأحد ~~بعدك " " # وقال ابن حجر: إن الطريق التي روى بها البيهقي الزيادة المذكورة صحيحة: ~~وإن حاول بعضهم تضعيفها. # فالجواب: أن الجمع ms2414 بين ما وقع لأبي بردة، وعقبة بن عامر أشكل على كثير ~~من أهل العلم، ويزيده إشكالا، أن الترخيص في الأضحية بجذع المعز ورد عنه ~~صلى الله عليه وسلم لجماعة آخرين. قال ابن حجر في الفتح: فقد أخرج أبو ~~داود وأحمد، وصححه ابن حبان من # " حديث زيد بن خالد " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عتودا جذعا ~~فقال: ضح به. فقلت: إنه جذع أفأضحي؟ قال: نعم ضح به فضحيت به " " # لفظ أحمد إلى أن قال: وفي الطبراني في الأوسط، من حديث ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سعد بن أبي وقاص جذعا من المعز ~~فأمره أن يضحي به " # وأخرجه الحاكم من حديث عائشة، وفي سنده ضعف، ولأبي يعلى، والحاكم من ~~حديث أبي هريرة: # " أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جذع من الضأن ~~مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما أفأضحي به؟ قال " ضح به فإن ~~لله الخير " " # انتهى بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري. # وإذا عرفت أن في الأحاديث المذكورة إشكالا، فاعلم: أن الحافظ في الفتح ~~تصدى لإزالة ذلك الإشكال، فقال في موضع بعد سوقه الأحاديث التي ذكرنا ~~والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة وعقبة، ~~لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز ~~لا يجزئ، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك. وإنما قلت ذلك: لأن بعض ~~الناس زعم أن هؤلاء شاركوا أبا بردة وعقبة في ذلك، والمشاركة إنما وقعت ~~في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير. انتهى محل الغرض منه بلفظه. ~~ومقصوده: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد ممن رخص لهم في التضحية ~~بجذع المعز " ولن تجزئ عن أحد بعدك " إلا لأبي بردة، وعقبة بن عامر على ~~ما رواه البيهقي " # ، والذين لم يقل لهم، ولن تجزئ عن أحد بعدك، لا إشكال في مسألتهم، ~~لاحتمال أنها قبل تقرر الشرع بعدم إجزاء جذع المعز، فبقي الإشكال ms2415 بين ~~حديث أبي بردة، وحديث عقبة. وقد تصدى لحله ابن حجر في الفتح أيضا فقال ~~في موضع: وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون ~~خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك، لأنه لم يقع ~~في السياق استمرار المنع لغيره صريحا ا ه محل الغرض منه. وقال في موضع ~~آخر: وإن تعذر الجمع الذي قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجا ا ه منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الجمع الذي ذكره ابن حجر، فالظاهر ~~عندي: أنه لا يصح. وقوله: لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع غلط منه ~~رحمه الله، بل وقع في السياق التصريح باستمرار المنع لأن قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " ولن تجزئ عن أحد بعدك " # صريح في استمرار منع الإجزاء عن غيره، لأن لفظة " لن " تدل على نفي ~~الفعل في المستقبل من الزمن، فهي دليل صريح على استمرار عدم الإجزاء عن ~~غيره، في المستقبل من الزمن ويؤيد ذلك أن قوله " عن أحد بعدك " نكرة في ~~سياق النفي، فهي تعم كل أحد في كل وقت كما ترى. # والصواب: الترجيح بين الحديثين، وحديث أبي بردة لا شك أن لفظة # " ولن تجزئ عن أحد بعدك " # فيه أصح سندا من زيادة نحو ذلك في حديث عقبة، فيجب تقديم حديث أبي ~~بردة، على حديث عقبة، كما ذكره ابن حجر في كلامه الأخير والله تعالى ~~أعلم. # فإن قيل: ذكر جماعة من علماء العربية أن لفظة: لن: لا تدل على تأبيد ~~النفي. قال ابن هشام في المغني في الكلام على لن: ولا تفيد توكيد النفي، ~~خلافا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافا له في أنموذجه، وكلاهما ~~دعوى بلا دليل، قيل: ولو كانت للتأبيد، لم يقيد منفيها باليوم في # فلن أكلم اليوم إنسيا # [مريم: 26] ولكان ذكر الأبد في # ولن يتمنوه أبدا # [البقرة: 95] تكرارا والأصل عدمه اه محل الغرض منه. # فالجواب: أن قول الزمخشري بإفادة لن: التأبيد يجب رده، لأنه يقصد به ~~استحالة رؤية ms2416 الله تعالى يوم القيامة زاعما أن قوله لموسى: # لن تراني # [الأعراف: 143] تفيد فيه لفظة: لن تأبيد النفي، فلا يرى الله عنده أبدا ~~لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص ~~الصحيحة في القرآن والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها. ~~وقد بينا مرارا أن رؤية الله تعالى بالأبصار: جائزة عقلا في الدنيا ~~والآخرة. ولو كانت ممنوعة عقلا في الدنيا لما قال نبي الله موسى # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى، وأنها ممنوعة ~~شرعا في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة، وإفادة لن التأبيد التي زعمها ~~الزمخشري في الآية تردها النصوص الصحيحة الصريحة في الرؤية في الآخرة، ~~ولا ينافي ذلك أن تفيد لن: التأبيد في موضع لم يعارضها فيه نص. # وبالجملة فقد اختلف أهل العربية في إفادة لن تأبيد النفي حيث لم يصرف ~~عنه صارف، وعدم إفادتها لذلك، فعلى القول: بأنها تفيد التأبيد فقوله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بردة # " ولن تجزئ عن أحد بعدك " # يدل على تأبيد نفي الإجزاء، كما ذكرنا وعلى عدم اقتضائها التأبيد، فلا ~~تقل عن الظهور فيه، حتى يصرف عنه صارف، وبذلك كله تعلم: أن الجمع بين ~~حديث أبي بردة، وحديث عقبة بن عامر، كالمتعذر فيجب الترجيح، وحديث أبي ~~بردة أرجح. والعلم عند الله تعالى. # وهذا الذي ذكرنا في هذا الفرع هو حاصل كلام أهل العلم في السن التي تجزئ ~~في الضحايا. # الفرع الرابع: اعلم: أنه لا يجوز في الأضحية إلا بهيمة الأنعام، وهي ~~الإبل والبقر والضأن والمعز بأنواعها، لقوله تعالى: { ويذكروا ~~اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام } [الحج: 28] فلا تشرع التضحية بالظباء ولا ببقرة ~~الوحش وحمار الوحش مثلا. وقال النووي في شرح المهذب: ولا تجزئ بالمتولد ~~من الظباء والغنم، لأنه ليس من بهيمة الأنعام. اه. # والظاهر أنه كذلك كما عليه جماهير أهل العلم، فما روي عن الحسن بن صالح ~~من أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد، ms2417 خلاف التحقيق. وعن أصحاب ~~الرأي: أن ولد البقرة الإنسية يجزئ، وإن كان أبوه وحشيا وعن أبي ثور: ~~يجزئ إن كان منسوبا إلى بهيمة الأنعام. والأظهر: أن المتولد من بين ما ~~يجزئ، وما لا يجزئ، لا يجزئ بناء على قاعدة تقديم الحاظر على المبيح. ~~ومعلوم أنها خالف فيها بعض أهل الأصول، وعلى كل حال، فالأحوط أن لا يضحي ~~إلا ببهيمة الأنعام. # لظاهر الآية الكريمة. # الفرع الخامس: اعلم: أن أكثر أهل العلم على أن أفضل أنواع الأضحية: ~~البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، والضأن، أفضل من المعز. وسيأتي الكلام على ~~حكم الاشتراك في الأضحية ببدنة، أو بقرة إن شاء الله. وكون الأفضل: ~~البدنة، ثم البقرة، ثم شاة الضأن، ثم شاة المعز. قال النووي في شرح ~~المهذب: هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود. وقال مالك: أفضلها ~~الغنم ثم البقر، ثم الإبل. قال: والضأن أفضل من المعز وإناثها أفضل من ~~فحول المعز وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإبل، ~~والبقر. وقال بعض أصحاب مالك: الإبل أفضل من البقر. # فإذا عرفت أقوال أهل العلم في أفضل ما يضحى به من بهيمة الأنعام فاعلم ~~أن الجمهور الذين قالوا البدنة أفضل، ثم البقرة، ثم الشاة احتجوا بأدلة: # منها: أن البدنة أعظم من البقرة، والبقرة أعظم من الشاة، والله تعالى ~~يقول: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32] الآية. # ومنها: ما قدمنا ثابتا في الصحيح: أن البقرة والبدنة كلتاهما عن سبعة ~~في الهدي، فكل واحد منهما تعدل سبع شياه. وكونها تعدل سبع شياه، دليل ~~واضح على أنها أفضل من شاة واحدة. # ومنها: ما رواه الشيخان والإمام أحمد وأصحاب السنن، غير ابن ماجه من ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب ~~كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما ms2418 قرب دجاجة، ومن راح في ~~الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون ~~الذكر " # اه. قالوا: ففي هذا الحديث الصحيح الدلالة الواضحة، على أن البدنة ~~أفضل، ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، ووجهه ظاهر. واحتج مالك، وأصحابه: على ~~أن التضحية بالغنم: أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالغنم لا ~~بالإبل ولا بالبقر. وقد قدمنا الأحاديث بتضحيته بكبشين أقرنين أملحين، ~~وتضحيته بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، وكلها ~~ثابتة في الصحيح كما قدمنا أسانيدها ومتونها. قالوا: وهو صلى الله عليه ~~وسلم لا يضحي مكررا ذلك عاما بعد عام، إلا بما هو الأفضل في الأضحية. ~~فلو كانت التضحية: بالإبل، والبقر أفضل لفعل صلى الله عليه وسلم ذلك ~~الأفضل. # قالوا فإن قيل: أهدى في حجته الإبل، ولم يهد الغنم. # فالجواب: أنه أهدى الغنم أيضا فبعث بها إلى البيت، ولو سلمنا أن الإبل ~~أفضل في الهدي، فلا نسلم أنها أفضل في الأضحية، والمالكية لا ينكرون ~~أفضلية الإبل في الهدي، وإنما يقولون: إن الغنم أفضل في الأضحية، ولكل من ~~الغنم والإبل فضل من جهة، فالإبل أفضل من حيث كثرة لحمها، والغنم أفضل، ~~من حيث إن لحمها أطيب، وألذ. # وعند المالكية: فلا مانع من أن يراعي كل واحد من الوصفين في نوع من ~~أنواع النسك، ودليل الجمهور ظاهر. لكن دليل المالكية أخص في محل النزاع، ~~لأنه صلى الله عليه وسلم لم يضح إلا بالغنم والخير كله في اتباعه في ~~أقواله، وأفعاله، وما جاء عنه من تفضيل البدنة، ثم البقرة، ثم الكبش ~~الأقرن، لم يأت في خصوص الأضحية. ولكن فعله صلى الله عليه وسلم في خصوص ~~الأضحية والله تعالى يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]. # والحاصل: أن لكل من القولين وجها من النظر. والله تعالى أعلم بالصواب. # واعلم: أن الجمهور أجابوا عن دليل مالك بأن تضحيته صلى الله عليه وسلم ~~بالغنم، لبيان الجواز، أو لأنه لم يتيسر له في ذلك الوقت بدنة ولا بقرة، ms2419 ~~وإنما تيسرت له الغنم هكذا قالوا. وظاهر الأحاديث تكرر تضحيته صلى الله ~~عليه وسلم بالغنم، وقد يدل ذلك على قصده الغنم دون غيرها، لأنه لو لم ~~يتيسر له الإ الغنم سنة، فقد يتيسر له غيرها في سنة أخرى. والله تعالى ~~أعلم. # فإن قيل: روى البيهقي عن ابن عمر كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالجزور ~~أحيانا وبالكبش إذا لم يجد الجزور. # فالجواب: أن الزرقاني في شرح الموطأ قال ما نصه: وحديث البيهقي عن ابن ~~عمر كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالجزور أحيانا، وبالكبش إذا لم يجد ~~الجزور. ضعيف. في سنده عبد الله بن نافع، وفيه مقال. اه منه. وقد روى ~~البيهقي في السنن الكبرى، عن أبي أمامة، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خير الضحايا الكبش الأقرن " # اه منه. وقد ذكر النووي أن فيه ضعفا، ولا شك أنه تقويه الأحاديث ~~الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم على التضحية بالكبشين الأقرنين، ~~أو الكبش الأقرن. كما تقدم إيضاحه. # الفرع السادس: اعلم: أن جمهور أهل العلم: أجازوا اشتراك سبعة، مضحين في ~~بدنة أو بقرة، بأن يشتروها مشتركة بينهم، ثم يهدوا بها، أو يضحوا بها عن ~~كل واحد سبعها. # وقد قدمنا النصوص الصريحة بذلك في الهدي، والظاهر: عدم الفرق في ذلك بين ~~الهدي، والأضحية. # وخالف مالك وأصحابه الجمهور، فقالوا: لا يجوز ذبح بدنة مشتركة، ولا ~~بقرة، وإنما يملكها واحد فيشرك غيره معه في الأجر. أما اشتراكهم في ~~ملكها، فلا يجزئ عند مالك لا في الأضحية ولا في الهدي الواجب، وكذلك هدي ~~التطوع خلافا لأشهب من أصحابه. # واعلم: أن مالكا رحمه الله حمل أحاديث اشتراك السبعة في البدنة ~~والبقرة، على الاشتراك في الأجر، بأن يكون المالك واحدا، ويشكر غيره معه ~~في الأجر لا في ملك الرقبة، وظاهر الأحاديث فيه الدلالة الواضحة على ~~الاشتراك في الملك. # وأجاز مالك للرجل: أن يضحي بالشاة الواحدة، ويشرك معه أهله في الأجر. # وقد قدمنا في الصحيح # " أن النبي صلى الله ms2420 عليه وسلم ذبح كبشا وقال: " اللهم تقبل من محمد ~~وآل محمد " ". # والحاصل: أن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز اشتراك مالكين في شاة ~~الأضحية، أما كون المالك واحدا فيضحي عن نفسه بالشاة وينوي اشتراك أهل ~~بيته معه في الأجر، وأن ذلك يتأدى به الشعار الإسلامي عنهم جميعا فلا ~~ينبغي أن يختلف فيه. لدلالة النصوص الصحيحة عليه، كالحديث المذكور آنفا ~~وغيره، كحديث أبي أيوب الأنصاري: كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى ~~الناس، فصار كما ترى. قال في المنتقى: رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه، ~~وقال شارحه في النيل: وأخرجه مالك في الموطأ إلى غير ذلك من الأحاديث، ~~والاشتراك المذكور في الأجر في الشاة الواحدة يصح ولو كانوا أكثر من ~~سبعة، كما هو ظاهر النص، وكما صرح به المالكية وغيرهم واشترط المالكية ~~لذلك شروطا ثلاثة. وهي سكناهم مع المضحي، وقرابتهم منه، وإنفاقه عليهم، ~~وإن تبرعا. ولا أعلم لهذه الشروط مستندا من الوحي إلا أن يكون يراد بها ~~تحقيق المناط في مسمى الأهل، وأن أهل الرجل هم ما اجتمع فيهم الأوصاف ~~الثلاثة، ولا تساعد على الشروط المذكورة في جميع النسك الأحاديث المتقدمة ~~باشتراك كل سبعة من الصحابة في بدنة أو بقرة في عمرة الحديبية وفي الحج، ~~لأن ذلك الاشتراك عند مالك في الأجر لا في الرقبة، وظاهر الأحاديث أنهم ~~لم تجتمع فيهم الشروط المذكورة، والعلم عند الله تعالى. # وما ذكرنا من التضحية بالشاة الواحدة عن المضحي وأهله. قال ابن قدامة في ~~المغني: نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والليث والأوزاعي، وإسحاق، وروي ذلك ~~عن ابن عمر، وأبي هريرة ثم قال: وكره ذلك الثوري، وأبو حنيفة، لأن الشاة ~~لا تجزئ عن أكثر من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان لم تجزئ عنهما ~~كالأخبيبين اه منه. والحديث المتفق عليه المذكور: حجة على من خالفه. # الفرع السابع: اعلم: أنا قدمنا وقت الأضحية والهدي وأقوال أهل العلم في ~~ذلك، بما أغنى عن إعادته هنا، وقد ms2421 قدمنا حديث أم سلمة، عند مسلم المقتضي: ~~أن من أراد أن يضحي لا ينبغي له أن يحلق شيئا من شعره، ولا أن يقلم ~~شيئا من أظفاره في عشر ذي ا لحجة، حتى يضحي، وظاهر الحديث: تحريم ذلك، ~~لأن في لفظ الحديث عند مسلم، عن أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم # " فلا يأخذن شعرا، ولا يقلمن ظفرا " # وفي لفظ له عنها عنه صلى الله عليه وسلم: # " فلا يمس من شعره وبشره شيئا " # وفي الألفاظ المذكورة في الحديث الصحيح النهي عن حلق الشعر، وتقليم ~~الأظفار في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، والنهي يقتضي التحريم إلا ~~لصارف عنه يجب الرجوع إليه كما تقرر في الأصول، وقال الشافعية والمالكية، ~~ومن وافقهم: إن الحلق وتقليم الأظفار مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، لأن ~~المضحي ليس بمحرم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحريم أظهر لظاهر الحديث، ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # والتحريم المذكور لظاهر النص وجه للشافعية، قال النووي: حكاه أبو الحسن ~~العبادي في كتابه الرقم، وحكاه الرافعي عنه لظاهر الحديث، وحكى الشيخ ~~المواق في شرحه لخليل، عن أحمد، وإسحاق: تحريم الحلق، وتقليم الأظافر في ~~عشر ذي الحجة لمريد التضحية، وقال ابن قدامة في المغني: قال بعض أصحابنا: ~~بالتحريم، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وقال ~~القاضي، وجماعة من أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي ~~لقول عائشة: # " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده " # ، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له، حتى ينحر الهدي متفق عليه، وقال أبو ~~حنيفة: لا يكره ذلك، لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق ~~الشعر، وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي. اه محل الغرض منه بلفظه. # وأظهر شيء في محل النزاع وأصرحه وأخصه فيه: حديث أم سلمة، وظاهره ~~التحريم. وقال النووي في شرح المهذب: مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في ~~العشر لمن أراد التضحية: ms2422 مكروه كراهة تنزيه، حتى يضحي، وقال مالك وأبو ~~حنيفة: لا يكره، وقال سعيد بن المسيب، وأحمد، وربيعة، وإسحاق، وداود: ~~يحرم، وعن مالك: أنه يكره، وحكى عنه الدارمي يحرم في التطوع، ولا يحرم في ~~الواجب، ثم ذكر الدليلين المذكورين للقولين. # وقد ذكرنا آنفا أن أخصهما في محل النزاع ظاهره التحريم: وهو حديث أم ~~سلمة، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثامن: أجمع العلماء: على إجزاء الذكر والأنثى. واختلفوا أيهما ~~أفضل، وظاهر النصوص الصحيحة: أن ذكور الضأن خير من إناثها، لتضحيته ~~بالكبش، دون النعجة وبعضهم قال: بأفضلية الذكور مطلقا، وبعضهم قال: ~~بأفضلية الإناث مطلقا ولم يقم دليل صحيح في غير ذكر الضأن فلا ينبغي أن ~~يختلف في ذكر الضأن أنه أفضل من أنثاه. # الفرع التاسع: اعلم: أن منع ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث منسوخ. فقد دلت ~~الأحاديث الصحيحة، على أنه صلى الله عليه وسلم منع ادخار لحم الأضاحي بعد ~~ثلاث، ومنع المضحي أن يأكل من أضحيته، بعد ثلاث، ثم نسخ ذلك، وصار الأكل ~~والادخار منها مباحا مطلقا. # وسنذكر هنا إن شاء الله طرفا من الأحاديث الصحيحة الدالة على المنع ~~المذكور أولا، وعلى نسخه وإباحة ذلك مطلقا. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، ~~عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثه، وبقي في بيته منه شيء فلما كان ~~العام المقبل قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعل كما فعلنا ~~العام الماضي؟ قال كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد ~~فأردت أن تعينوا فيها " # وحديث سلمة بن الأكوع، هذا أخرجه أيضا مسلم في صحيحه قريبا من لفظ ~~البخاري. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عبد الجبار بن ~~العلاء، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، # " عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فبدأ ~~بالصلاة قبل الخطبة، وقال: " إن رسول الله صلى الله عليه ms2423 وسلم نهانا أن ~~نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث " # وفي لفظ لمسلم، عن علي أنه قال: # " إنه صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال ~~فلا تأكلوا ". # وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام " # وفي لفظ له عنه # " أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث " # ثم قال: قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وفي ~~لفظ: بعد ثلاث. وفي لفظ لمسلم، عن عبدالله بن واقد قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال ~~عبدالله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق سمعت عائشة رضي الله ~~عنها تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية صفرة الأضحى زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخروا ثلاثا، ثم ~~تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها ~~الودك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قالوا نهيت أن ~~تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ~~فكلوا وادخروا وتصدقوا ". # وفي لفظ لمسلم عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا ~~وادخروا ". # وفي لفظ لمسلم عن عطاء، # " عن جابر أيضا أنه قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث في ~~منى فأرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " كلوا وتزودوا " " # قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة: قال: نعم. وفي لفظ لمسلم، عن ~~جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: كنا لا نمسك لحوم الأضاحي، فوق ~~ثلاث، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتزود منها، ms2424 ونأكل يعني: ~~فوق ثلاث، وفي لفظ له عنه: كنا نتزودها إلى المدينة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث " # وقال ابن المثنى: ثلاثة أيام، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن لهم عيالا وحشما وخدما فقال: # " كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا " # فقال ابن المثنى: شك عبد الأعلى. # وفي لفظ لمسلم، # " عن ثوبان رضي الله عنه قال: " ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحية ~~ثم قال: يا ثوبان أصلح لهم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة " ". # وفي بعض ألفاظ حديث ثوبان، هذا عند مسلم أن ذلك في حجة الوداع. # وفي لفظ لمسلم، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ~~فامسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية ~~كلها ولا تشربوا مسكرا " # اه منه. # فكل هذه الألفاظ الثابتة بالأسانيد الصحيحة في مسلم وبعضها في البخاري ~~فيها الدلالة الصحيحة الصريحة: أن تحريم الادخار، والأكل من لحوم ~~الأضاحي، فوق ثلاث: أنه منسوخ، وأن ذلك جائز مطلقا، وفي بعض الروايات: ~~تعليل ذلك النهي الموقت بمجيء بعض الفقراء من البادية، وهم المعبر عنهم ~~في الحديث بالدافة. # قال ابن الأثير في النهاية: الدافة القوم يسيرون جماعة سيرا ليس ~~بالشديد. يقال لهم يدفون دفيفا، والدافة قوم من الأعراب يردون المصر ~~يريد أنهم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي، ~~ليفرقوها ويتصدقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى من النهاية. # تنبيه: # في هذا الحديث دليل لمن قال من أهل الأصول: باشتراط انعكاس العلة في ~~صحتها، لأن علة تحريم ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: هي وجود دافة فقراء ~~البادية، الذين دفوا عليهم. ولما زالت هذه العلة زال الحكم معها، ودوران ~~الحكم مع علته ms2425 في العدم، هو المعروف في الاصطلاح بانعكاسها. والمقرر في ~~الأصول: أن محل القدح في العلة بعدم انعكاسها فيما إذا كانت علة الحكم ~~واحدة، لا إن كانت له علل متعددة، فلا يقدح في واحدة منها بعدم العكس، ~~لأنه إذا انعدمت واحدة منها ثبت الحكم بالعلة الأخرى، كالبول، والغائط، ~~لنقض الوضوء مثلا. # فإن البول يكون معدوما وعلة النقض ثابتة بخروج الغائط، وهكذا. وكذلك مع ~~كونها علة واحدة لا بد أيضا في القدح فيها، بعدم العكس من عدم ورود دليل ~~ببقاء الحكم مع ذهاب العلة، فإن دل دليل على بقاء الحكم، مع انتفاء ~~العلة، فلا يقدح فيها بعدم العكس، كالرمل في الأشواط الأول، من الطواف، ~~فإن علته هي أن يعلم المشركون: أن الصحابة أقوياء ولم تضعفهم حمى يثرب. ~~وهذه العلة قد زالت مع أن حكمها وهو الرمل في الأشواط المذكورة باق لوجود ~~الدليل على بقائه، لأنه صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع، والعلة ~~المذكورة معدومة قطعا زمن حجة الوداع كما قدمنا إيضاحه، وإلى هذه ~~المسألة أشار صاحب مراقي السعود في مبحث القوادح بقوله: # وعدم العكس مع اتحاد # يقدح دون النص بالتمادي # الفرع العاشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: هو نسخ الأمر بالفرع والعتيرة. ~~ونقل النووي في شرحه لمسلم، عن عياض: أن جماهير العلماء على نسخ الأمر ~~بالفرع، والعتيرة. وذكر النووي أيضا في شرحه لمسلم: أن الصحيح عند علماء ~~الشافعية: استحباب الفرع والعتيرة قال: وهو نص الشافعي. # والدليل عندنا على أن الأظهر هو نسخهما: هو ثبوت ما يدل على ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: ~~حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير ~~بن حرب قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ~~الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ح وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد: أخبرنا. وقال ابن ~~رافع: حدثنا بعد الرزاق أخبرنا ms2426 معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا فرع ولا عتيرة " # زاد ابن رافع في روايته: والفرع: أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه اه ~~من صحيح مسلم. وهذا الإسناد في غاية الصحة من طريقيه كما ترى. وفيه: ~~تصريح النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه لا فرع. والعتيرة والفرع بالفاء ~~والراء المفتوحتين بعدهما عين مهملة، جاء تفسيره، عن ابن رافع كما ذكره ~~عنه مسلم فيما رأيت. وقال النووي: قال الشافعي، وأصحابه وآخرون: الفرع: ~~هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يملكونه رجاء البركة في الأم، ~~وكثرة نسلها، وهكذا فسره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم، وقال كثيرون منهم: ~~هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم: وهي طواغيتهم. # وكذا جاء في هذا التفسير في صحيح البخاري، وسنن أبي داود وقيل: هو أول ~~النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه. وقال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل ~~إذا بلغت إبله مائة قدم بكرا فنحره لصنمه، ويسمونه الفرع. اه محل الغرض ~~منه. # وأما العتيرة بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوق فهي: ذبيحة كانوا ~~يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية أيضا، وحديث مسلم هذا ~~الذي ذكرنا صريح في نسخ الأمر بها، لأن قوله # " لا فرع ولا عتيرة " # نفي: أريد به النهي فيما يظهر كقوله: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا، وعليه فيكون المعنى: لا تعملوا ~~عمل الجاهلية في ذبح الفرع والعتيرة، ولو قدرنا أن الصيغة نافية، فالظاهر ~~أن المعنى: لا فرع ولا عتيرة مطلوبان شرعا، ونسخهما هو الأظهر عندنا ~~للحديث الصحيح كما رأيت. ومن زعم بقاء مشروعيتهما، واستحبابهما فقد استدل ~~ببعض الأحاديث، على ذلك، وسنذكر حاصلها بواسطة نقل النووي لأنه جمعها في ~~محل واحد، فقال منها: حديث نبيشة رضي الله عنه قال: # " نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا كنا نعتر عتيرة في ~~الجاهلية في رجب، فقال: " اذبحوا لله في أي شهر كان ms2427 وبروا لله وأطعموا " ~~قال: إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ فقال: " في كل سائمة ~~فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه " " # رواه أبو داود، وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن المنذر: هو حديث صحيح. ~~قال أبو قلابة، أحد رواة هذا الحديث: السائمة مائة. ورواه البيهقي ~~بإسناده الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة. وفي رواية: من كل خمسين شاة شاة. ~~قال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح، وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه قال الراوي: أراه عن جده. قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الفرع فقال: # " الفرع حق وإن تركوه حتى يكون بكرا أو ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه ~~أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ ~~إناؤك وتوله ناقتك " # قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الفرع حق " # ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد ولا شبع فيه، ولذا قال تذبحه، فيلزق لحمه ~~بوبره، وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ولهذا قال # " خير من أن تكفأ " # يعني: أنك إذا فعلت ذلك، فكأنك كفأت إناءك وأرقته. وأشار به إلى ذهاب ~~اللبن، وفيه: أنه يفجعها بولدها ولهذا قال: وتوله ناقتك فأشار بتركه، حتى ~~يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة، ثم يذهب وقد طاب لحمه واستمتع بلبن أمه، ولا ~~تشق عليها مفارقته لأنه استغنى عنها. # هذا كلام أبي عبيد. وروى البيهقي بإسناده عن الحارث بن عمر قال: أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، أو قال: بمنى، وسأله رجل عن العتيرة؟ ~~فقال: # " من شاء عتر ومن شاء لم يعتر ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع " # " وعن أبي رزين قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا نذبح ~~في الجاهلية ذبائح في رجب، فنأكل منها، ونطعم من جاءنا فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا بأس بذلك ms2428 " " # وعن أبي رملة، عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعرفات فسمعته يقول: # " يا أيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدري ما ~~العتيرة؟ هي: التي تسمى الرجبية " # ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن. وقال ~~الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج، لأن أبا رملة مجهول، هذا مختصر ما جاء ~~من الأحاديث في الفرع والعتيرة اه كلام النووي. # وقد قدمنا الكلام مستوفى على حديث مخنف بن سليم المقتضي: أن على كل أهل ~~بيت في كل عام: أضحية وعتيرة، وقد علمت حجج الفريقين في الفرع والعتيرة. # وقد قدمنا أن الظهر عندنا فيهما: النسخ ويترجح ذلك بأمور: # منها: أن حديث مسلم المصرح بذلك أصح من جميع الأحاديث المذكورة في ~~الباب. # ومنها: أن أكثر أهل العلم على النسخ في ذلك، كما ذكره النووي عن عياض. # ومنها: أن ذلك كان من فعل الجاهلية، وكانوا يتقربون بهما لطواغيتهم، ~~وللمخالف أن يقول في هذا الأخير: إن المسلمين يتقربون بهما لله ويتصدقون ~~بلحومهما. ولم نستقص أقوال أهل العلم في المسألة لقصد الاختصار، لطول ~~الكلام في موضوع آيات الحج هذه. # الفرع الحادي عشر: اعلم: أن المعيبة لا تجوز التضحية بها، ولا تجزئ. ~~والأصل في ذلك ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والبيهقي، ~~والحاكم عن البراء بن عازب رضي الله عنه، وصححه الترمذي. وقال النووي: في ~~حديث البراء: صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، ~~بأسانيد حسنة قال أحمد بن حنبل: ما أحسنه من حديث. وقال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ~~والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقى " # وفي رواية # " والكسير التي لا تنقى " # والتي لا تنقى هي التي لا مخ فيها لأن النقى بكسر النون المشددة، وسكون ~~القاف المخ. فقول العرب: أنقت تنقى إنقاء: إذا كان لها مخ ومنه قول كعب ms2429 ~~بن سعد الغنوي يرثي أخاه: # يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه # إذا لم يكن في المنقيات حلوب # وقول الآخر: # ولا يسرق الكلب السرو نعالنا # ولا ينتقي المخ الذي في الجماجم # وقال ابن الأثير في النهاية: الكسير: التي لا تنقى، أي التي لا مخ فيها ~~لضعفها وهزالها. وقوله في الحديث: البين ضلعها: أي عرجها كما هو واضح، ~~والضلع بفتح الضاد، واللام، وقد جاء في الحديث عن علي رضي الله عنه قال: # " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي ~~بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء " # قال المجد في المنتقى: ورواه الخمسة، وصححه الترمذي. ومراده بالخمسة ~~الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: في ~~حديث علي المذكور: أخرجه أيضا البزار وابن حبان والحاكم والبيهقي. وأعله ~~الدارقطني، والمقابلة والمدابرة: كلتاهما بفتح الباء بصيغة اسم المفعول، ~~والمقابلة، هي التي قطع شيء من مقدم أذنها ولم ينفصل، بل بقي لاصقا ~~بالأذن متدليا والمدابرة: هي التي قطع شيء من مؤخر أذنها على نحو ما ~~ذكرنا فيما قبلها، والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير، والشرقاء: مشقوق ~~الأذن ا ه. وضابط ما يمنع الإجزاء هو ما ينقص اللحم. وقال النووي في شرح ~~المهذب: أجمعوا على أن العمياء لا تجزئ، وكذلك العوراء البين عورها، ~~والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء. # واختلفوا في ذاهبة القرن ومكسورته فمذهبنا: أنها تجزئ. قال مالك: إن ~~كانت مكسورة القرن، وهو يدمي لم تجزه، وإلا فتجزئه. وقال أحمد: إن ذهب ~~أكثر من نصف قرنها لم تجزه، سواء دميت أم لا، وإن كان دون النصف أجزأته. ~~وأما مقطوعة الأذن، فمذهبنا: أنها لا تجزئ، سواء قطع كلها أو بعضها. وبه ~~قال مالك، وداود وقال أحمد: إن قطع أكثر من النصف لم تجزه، وإلا فتجزئه. ~~وقال أبو حنيفة: إن قطع أكثر من الثلث لم تجزه وقال أبو يوسف، ومحمد: إن ~~بقي أكثر من نصف أذنها: أجزأت، وأما مقطوعة بعض الألية: فلا تجزئ عندنا، ~~وبه قال مالك وأحمد، وقال ms2430 أبو حنيفة في رواية: إن بقي الثلث أجزأت، وفي ~~رواية: إن بقي أكثرها أجزأت وقال داود: تجزئ بكل حال. انتهى محل الغرض من ~~كلام النووي. # ومعلوم أن هناك روايات أخر لم يذكرها عن الأئمة الذين نقل عنهم ولم ~~نستقص هنا أقوال أهل العلم، لأن باب الأضحية جاء في هذا الكتاب ~~استطرادا، مع أن الكلام في آيات الحج طال كثيرا، ولذلك اكتفينا هنا ~~بهذه الجمل التي ذكرنا من أحكام الأضاحي. # مسألة # اعلم أنه لما كانت العمرة قرينة الحج في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] وقوله: # فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما # [البقرة: 158] وقوله: # فمن تمتع بالعمرة إلى الحج # [البقرة: 196] أردنا أن نذكر هنا حكم العمرة على سبيل الاختصار ~~استطرادا والعمرة في اللغة الزيارة ومنه قول الراجز: # لقد سما ابن معمر حين اعتمر # مغزى بعيدا من بعيد وخبر # وهي في الشرع: زيارة بيت الله للنسك المعروف المتركب من إحرام، وطواف ~~وسعي وحلق أو تقصير. # واعلم: أن العلماء أجمعوا على أن من أحرم بالعمرة، وجب عليه إتمامها، ~~ولا يجوز له قطعها وعدم إتمامها، لقوله تعالى: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196]. # أما حكم استئناف فعلها فقد اختلف فيه أهل العلم، فذهب بعضهم: إلى أنها ~~واجبة في العمر كالحج، وذهب بعضهم: إلى أنها غير واجبة أصلا، ولكنها سنة ~~في العمر مرة واحدة، وممن قال: بأنها فرض في العمر مرة: الشافعي في ~~الصحيح من مذهبه. قال النووي: وبه قال عمر وابن عباس، وابن عمر وجابر ~~وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، ~~والشعبي، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الحضرمي، وعبدالله بن شداد، ~~والثوري، وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود. # وممن قال: بأنها سنة في العمر ليست بواجبة: مالك وأصحابه، وأبو حنيفة، ~~وأبو ثور، وحكاه ابن المنذر وغيره، عن النخعي قاله النووي. وقال ابن ~~قدامة في المغني: وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في إحدى الروايتين. ~~وروي ذلك عن عمر وابن ms2431 عباس وزيد بن ثابت، وابن عمر وسعيد بن المسيب، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس ومجاهد والحسن، وابن سيرين، والشعبي. وبه ~~قال الثوري، وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه. والرواية الثانية ليست ~~بواجبة، وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي ~~اه. محل الغرض منه. # وإذا علمت أقوال العلماء في العمرة: هل هي فرض في العمر، أو سنة؟ فدونك ~~أدلتهم، ومناقشتها باختصار مع بيان ما يظهر رجحانه منها. # أما الذين قالوا: العمرة فرض في العمر، فقد احتجوا بأحاديث: # منها: حديث أبي رزين العقيلي، وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى وهو أنه # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع ~~الحج، ولا العمرة ولا الظعن، فقال: حج عن أبيك واعتمر " # رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي ومحل الدليل منه قوله: واعتمر، ~~لأنه صيغة أمر بالعمرة، مقرونة بالأمر بالحج، فأفادت صيغة الأمر الوجوب ~~كما أوضحنا توجيه ذلك مرارا في هذا الكتاب المبارك. وذكر غير واحد عن ~~الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أجود من ~~هذا ولا أصح. # ومن أدلتهم على وجوبها قوله تعالى: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196] الآية بناء على أن المراد بإتمامها في الآية ابتداء فعلها ~~على الوجه الأكمل، لا إتمامها بعد الشروع، وقد قدمنا الكلام في الآية بما ~~أغنى عن إعادته هنا. # وأن الظاهر أن المتبادر منها: وجوب الإتمام بعد الشروع من غير تعرض إلى ~~حكم ابتداء فعلها. # ومن أدلتهم على وجوبها: ما رواه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت # " الحج والعمرة فريضتان لا يضرك أيهما بدأت " # اه. # ومن أدلتهم على وجوب العمرة: ما جاء في بعض روايات حديث في سؤال جبريل: ~~" وأن تحج وتعتمر " أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم. ~~ورواه المجد في المنتقى بلفظ فقال: # " يا محمد ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتحج البيت وتعتمر ms2432 وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان " # الحديث. وأنه قال: # " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " # ثم قال المجد: رواه الدارقطني وقال: هذا إسناد ثابت صحيح. ورواه أبو بكر ~~الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين. # ومن أدلتهم على وجوبها: ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ هل على النساء من جهاد؟ قال: " نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج ~~والعمرة " " # اه قال المجد في المنتقى: رواه أحمد وابن ماجه، وإسناده صحيح، ومن ~~أجوبة المخالفين عن هذه الأدلة الدالة على وجوب العمرة أن الحديث الذي ~~قال أحمد: لا أعلم حديثا أجود في إيجاب العمرة منه، وهو حديث أبي رزين ~~العقيلي، الذي فيه: # " حج عن أبيك واعتمر " # أن صيغة الأمر في قوله: واعتمر واردة بعد سؤال أبي رزين، وقد قرر جماعة ~~من أهل الأصول أن صيغة الأمر الواردة بعد المنع أو السؤال: إنما تقتضي ~~الجواز لا الوجوب، لأن وقوعها في جواب السؤال، عن الجواز دليل صارف عن ~~الوجوب، إلى الجواز والخلاف في هذه المسألة معروف. # وقد قدمنا الكلام عليه في آيات الحج هذه وأجابوا عن آية # وأتموا الحج # [البقرة: 196] بأن المراد بها: الإتمام بعد الشروع كما تقدم إيضاحه، ~~وأجابوا عن حديث # " الحج والعمرة فريضتان " # الحديث. بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف لا يحتج به. ~~وقال ابن حجر في التلخيص: ثم هو عن ابن سيرين، عن زيد وهو منقطع ورواه ~~البيهقي موقوفا، على زيد من طريق ابن سيرين، وإسناده أصح وصححه الحاكم، ~~ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر وابن لهيعة ~~ضعيف. وقال ابن عدي: هو غير محفوظ، عن عطاء انتهى محل الغرض منه وبه تعلم ~~أن حديث زيد بن ثابت المذكور: ليس بصالح للاحتجاج، وأجابوا عما جاء في ~~حديث جبريل، عن عمر مرفوعا بلفظ # " وأن تحج وتعتمر " # بجوابين. # أحدهما: أن الروايات الثابتة في صحيح مسلم، وغيره وليس فيها ذكر العمرة ~~وهي أصح، ms2433 وقد يجاب عن هذا بأن زيادة العدول مقبولة. # والجواب الثاني: هو ما ذكر الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في شرحه ~~للحديث المذكور، ونص كلامه. # فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإسلام: يدل على الوجوب ~~فيقال: ليس كل أمر من الإسلام واجبا. والدليل على ذلك: حديث شعب ~~الإسلام، والإيمان، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإجماع اه منه ~~وله وجه من النظر. # وأجابوا عن حديث عائشة: بأن قوله صلى الله عليه وسلم: # " عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة " # بأن لفظة: عليهن: ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، ~~وإذا كان محتملا لإرادة الوجوب والسنة المؤكدة، لزم طلب الدليل بأمر ~~خارج وقد دل دليل خارج على وجوب الحج، ولم يدل دليل خارج، يجب الرجوع ~~إليه على وجوب العمرة. # هذا هو حاصل أدلة القائلين بوجوب العمرة مرة في العمر ومناقشة مخالفيهم ~~لهم. # أما القائلون: بأن العمرة سنة لا فرض، فقد احتجوا أيضا بأدلة: # منها: ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، والبيهقي، وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد، عن جابر رضي الله عنه: # " أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: " لا وأن تعتمر خير لك " وفي رواية: ~~" أولى لك " " # وقال صاحب نيل الأوطار: وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عفير عن يحيى ~~بن أيوب، عن عبيد الله، عن جابر بنحوه، ورواه ابن جريج، عن ابن المنكدر، ~~عن جابر وقال ابن حجر في التلخيص، وفي الباب عن أبي صالح، عن أبي هريرة ~~رواه الدارقطني، وابن حزم والبيهقي وإسناده ضعيف. وأبو صالح: ليس هو ~~ذكوان السمان، بل هو: أبو صالح ماهان الحنفي، كذلك رواه الشافعي، عن سعيد ~~بن سالم عن الثوري، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الحج جهاد والعمرة تطوع " # ورواه ابن ماجه من حديث طلحة، وإسناده ضعيف. والبيهقي من حديث ms2434 ابن عباس ~~ولا يصح من ذلك شيء. # واستدل بعضهم ما رواه الطبراني من طريق يحيى بن الحارث عن القاسم عن أبي ~~أمامة مرفوعا: # " من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره ~~كعمرة ". # هذا هو حاصل أدلة من قالوا: بأن العمرة غير واجبة. # وأجاب مخالفوهم عن أدلتهم، قالوا: أما حديث سؤال الأعرابي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن وجوب العمرة، وأنه أجابه: بأنها غير واجبة، وأنه إن ~~اعتمر تطوعا، فهو خير له بأنه حديث ضعيف، وتصحيح الترمذي له مردود، ووجه ~~ذلك أن في إسناده: الحجاج بن أرطاة، وأكثر أهل الحديث على تضعيف الحجاج ~~المذكور كما قدمناه مرارا، وقال ابن حجر في التلخيص: وفي تصحيحه نظر ~~كثير من أجل الحجاج، فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على أنه مدلس، وقال ~~النووي، ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فإنه اتفق الحفاظ على ~~تضعيفه وقد نقل الترمذي، عن الشافعي أنه قال: ليس في العمرة شيء ثابت: ~~أنها تطوع. # وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل. اه محل الغرض من كلام ابن حجر. ثم ~~قال بعد هذا في الحديث المذكور: أنه موقوف على جابر، وقال كذلك: رواه ابن ~~جريج عن ابن المنكدر عن جابر اه منه. # هذا هو حاصل حجج من قالوا: إن العمرة سنة لا واجبة. # وقال الشوكاني: في نيل الأوطار، بعد أن ساق الأحاديث، التي ذكرنا في عدم ~~وجوب العمرة ما نصه: قال الحافظ: ولا يصح من ذلك شيء، وبهذا تعرف أن ~~الحديث من قسم الحسن لغيره، وهو محتج به عند الجمهور، ويؤيده ما عند ~~الطبراني: عن أبي أمامة مرفوعا # " من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة غير مكتوبة، ~~فأجره كعمرة " # إلى أن قال والحق عدم وجوب العمرة، لأن البراءة الأصلية، لا ينتقل عنها ~~إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضاده بما ~~تقدم من الأحاديث القاضية: بعدم الوجوب، ويؤيد ذلك اقتصاره صلى الله عليه ~~وسلم على الحج في ms2435 حديث # " بني الإسلام على خمس " # واقتصار الله جل جلاله على الحج في قوله: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] انتهى محل الغرض منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من ~~الفريقين، لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما، وقد رأيت ~~الشوكاني: رجح عدم الوجوب بموافقته للبراءة الأصلية، والذي يظهر بمقتضى ~~الصناعة الأصولية: ترجيح أدلة الوجوب، على أدلة عدم الوجوب وذلك من ثلاثة ~~أوجه: # الأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل: على الخبر ~~المبقي على البراءة الأصلية، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في ~~مبحث الترجيح باعتبار المدلول: # وناقل ومثبت والآمر # بعد النواهي ثم هذا الآخر # على إباحة.. الخ. # لأن معنى قوله: وناقل أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على ~~الخبر المبقي عليها. وعزاه في شرحه المسمى: نشر البنود للجمهور، وهو ~~المشهور عند أهل الأصول. # الثاني: أن جماعة من أهل الأصول: رجحوا الخبر الدال على الوجوب، على ~~الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك: هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ~~وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود المذكور آنفا: # ثم هذا الآخر... على إباحة الخ # لأن مراده بالآخر المقدم على الإباحة: هو الخبر الدال على الأمر، فالأول ~~الدال على النهي، لأن درأ المفاسد، مقدم على جلب المصالح، ثم الدال على ~~الأمر للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ثم الدال على الإباحة ويشمل غير ~~الواجب، فيدخل فيه المسنون والمندوب، لاشتراك الجميع في عدم العقاب على ~~ترك الفعل. # الثالث: أنك إن علمت بقول من أوجبها فأديتها على سبيل الوجوب برئت ذمتك ~~بإجماع أهل العلم من المطالبة بها، ولو مشيت على أنها غير واجبة فلم ~~تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبا بواجب على قول جمع كثير من العلماء. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # ويقول: # " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " # وهذا المرجح راجع في الحقيقة لما قبله، والعلم عند ms2436 الله تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن جميع السنة وقت ~~للعمرة إلا أيام التشريق. فلا تنبغي العمرة فيها حتى تغرب شمس اليوم ~~الرابع عشر، على ما قاله جمع من أهل العلم. # الفرع الثاني: اعلم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " " أن عمرة في رمضان، تعدل حجة ". وفي بعض روايات الحديث في الصحيح " ~~حجة معي " ". # الفرع الثالث: اعلم: أن التحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر ~~في رجب بعد الهجرة قطعا، وأنه لم يعتمر بعد الهجرة، إلا أربع عمر. ~~الأولى: عمرة الحديبية في ذي القعدة، من عام ست، وصده المشركون، وأحل ~~ونحر من غير طواف ولا سعي، كما هو معلوم. الثانية: عمرة القضاء في ذي ~~القعدة، عام سبع: وهي التي وقع عليها صلح الحديبية. # وقد قدمنا في سورة البقرة وجه تسميتها عمرة القضاء وأوضحناه. الثالثة: ~~عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، بعد فتح مكة في رمضان عام ثمان. ~~الرابعة: العمرة التي قرنها، مع حجة الوداع. هذا هو التحقيق. # وقد قدمنا الإشارة إليه ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام العمرة، لأن غالب ~~أحكامها ذكرناه في أثناء كلامها على مسائل الحج. والعلم عند الله تعالى. ### || [22.29] # قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } [الحج: 29] صيغة الأمر في هذه ~~الآية الكريمة: تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، كما قدمنا مرارا أن صيغة ~~الأمر تقتضي الوجوب، على الأصح، إلا لدليل صارف عنه. # ومما يدل من القرآن على لزوم الإيفاء بالنذر: أنه تعالى أشار إلى أنه ~~هو، والخوف من أهوال يوم القيامة، من أسباب الشرب من الكأس الممزوجة ~~بالكافور في قوله تعالى: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ~~عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا # [الإنسان: 5-6] ثم أشار إلى بعض أسباب ذلك فقال: # يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا # [الإنسان: 7] فالوفاء بالنذر ممدوح على كل حال، وإن كانت آية الإنسان ~~ليست صريحة في وجوبه، وكذلك قوله في سورة البقرة: ms2437 # ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه # [البقرة: 270] الآية. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان ~~بالقرآن، إن لم يكن وافيا بالمقصود أتممناه بالبيان بالسنة. ولذلك سنبين ~~هنا ما تقتضيه السنة من النذر الذي يجب الإيفاء به، والذي لا يجب الإيفاء ~~به. # اعلم أولا: أن الأمر المنذور له في الجملة حالتان: # الأولى: أن يكون فيه طاعة لله. # والثانية: ألا يكون فيه طاعة لله، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين. # أحدهما: ما هو معصية لله. # والثاني: ما ليس فيه معصية في ذاته، ولكنه ليس من جنس الطاعة كالمباح ~~الذي لم يؤمر به. # والذي يجب اعتماده بالدليل في الأقسام الثلاثة المذكورة: أن المنذور إن ~~كان طاعة لله، وجب الإيفاء به، سواء كان في ندب كالذي ينذر صدقة بدراهم ~~على الفقراء، أو ينذر ذبح هدي تطوعا أو صوم أيام تطوعا، ونحو ذلك. فإن ~~هذا ونحوه، يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به. وكذلك الواجب إن تعلق النذر ~~بوصف، كالذي ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، فإنه يجب عليه الإيفاء ~~بذلك. # أما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، فلا أثر لنذره، لأن ~~إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر، وإن كان المنذور معصية لله: فلا ~~يجوز الوفاء به، وإن كان جائزا لا نهي فيه، ولا أمر فلا يلزم الوفاء به. # أما الدليل على وجوب الإيفاء في نذر الطاعة وعلى منعه في نذر المعصية ~~فهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ذلك. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، عن طلحة ~~بن عبدالملك، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " # اه. وهو ظاهر في وجوب الإيفاء بنذر الطاعة، ومنع الإيفاء بنذر المعصية. # وقال البخاري أيضا: حدثنا أبو عاصم، عن مالك، عن طلحة بن عبدالملك، إلى ~~آخر الإسناد والمتن المذكورين آنفا. # وإذا علمت أن هذا الحديث ms2438 الصحيح، قد دل على لزوم الإيفاء بنذر الطاعة، ~~ومنعه في نذر المعصية. # فاعلم: أن الدليل على عدم الإيفاء بنذر الأمر الجائز: هو أنه ثبت أيضا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، ~~حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس قال: # " بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه ~~فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم، وليستظل وليقعد، وليتم ~~صومه " # اه محل الغرض من صحيح البخاري. وفيه التصريح بأن ما كان من نذره من جنس ~~الطاعة، وهو الصوم أمره صلى الله عليه وسلم بإتمامه، وفاء بنذره وما كان ~~من نذره مباحا لا طاعة، كترك الكلام، وترك القعود، وترك الاستظلال، أمره ~~بعدم الوفاء به، وهو صريح في أنه لا يجب الوفاء به. # واعلم أنا لم نذكر أقوال أهل العلم هنا للاختصار، ولوجود الدليل الصحيح ~~من السنة على ما ذكرنا. # فروع تتعلق بهذه المسألة: # الفرع الأول: اعلم أنه لا نذر لشخص في التقرب بشيء لا يملكه، وقد ثبت ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وعلي بن ~~حجر السعدي واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن ~~أبي قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: # " كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. الحديث بطوله. # وفيه ما نصه: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء فكانت المرأة في ~~الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من ~~الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى ~~العضباء، فلم ترغ قال: وناقة منوقة فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت ~~ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها ~~لتنحرنها. ms2439 فلما قدمت المدينة، رآها الناس فقال: العضباء ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: " سبحان الله بئسما ~~جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية، ولا ~~فيما لا يملك العبد " " # الحديث. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ولا فيما لا يملك العبد " # وهذا نص صحيح صريح فيما ذكرنا، ويؤيده حديث ثابت بن الضحاك: أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا يملك ابن ~~آدم " # اه. # قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أبو داود والطبراني، واللفظ له، وهو ~~صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث كردم عند أحمد. # الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن نذر نذرا لا يلزم الوفاء ~~به هل تلزمه كفارة يمين، أو لا يلزمه شيء؟ وحجة من قال: لا يلزمه شيء: هو ~~حديث نذر أبي إسرائيل، أنه لا يقعد ولا يتكلم، ولا يستظل، وقد أمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المذكور آنفا: أنه لا يفي ~~بهذا النذر، ولم يقل له إن عليه كفارة يمين. # وقد قدمنا هذا في سورة مريم موضحا. وقد قدمنا أن القرطبي قال في قصة ~~أبي إسرائيل: هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة، على من نذر ~~معصية، أم ما لا طاعة فيه. فقد قال مالك: لما ذكره ولم أسمع أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أمره بالكفارة، وأما الذين قالوا: إن النذر الذي لا ~~يجب الوفاء به تجب فيه كفارة يمين فقد احتجوا بما رواه مسلم، في صحيحه: ~~وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عيسى، قال ~~يونس: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ~~كعب بن علقمة، عن عبدالرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر رضي ~~الله عنه، عن رسول ms2440 الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كفارة النذر كفارة اليمين " # اه، وظاهره شموله للنذر الذي لا يجب الوفاء به. # وقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور ~~أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد ~~مثلا: إن كلمت زيدا مثلا، فلله علي حجة، أو غيرها، فيكلمه فهو بالخيار ~~بين كفارة يمين، وبين ما التزمه. هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك ~~وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض ~~أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر وحمله جماعة من فقهاء ~~أصحاب الحديث، على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات ~~بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين والله أعلم اه كلام النووي. # ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } ~~[الحج: 29] فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإيفاء به، وبين شيء آخر. # والأظهر عندي في معنى الحديث: أن من نذر نذرا مطلقا كأن يقول: علي لله ~~نذر أنه تلزمه كفارة يمين، لما رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه، عن عقبة ~~بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين " # وروي نحوه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، وفي الحديثين بيان المراد ~~بحديث مسلم، بأن المراد به: النذر المطلق الذي لم يسم صاحبه ما نذهر، بل ~~أطلقه والبيان يجوز بكل ما يزيد الإيهام، كما قدمناه مرارا، والمطلق ~~يحمل على المقيد. # ومما يؤيد القول بلزوم الكفارة في نذر اللجاج: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما حرم شرب العسل على نفسه في قصة ممالأة أزواجه عليه. وأنزل الله ~~في ذلك: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] قال الله بعد ذلك: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] فدل ذلك على لزوم كفارة اليمين، وكذلك قال ابن عباس وغيره: ~~بلزوم كفارة اليمين، على القول بأنه حرم جاريته، والأقوال فيمن حرم ~~زوجته، أو جاريته، أو شيئا من ms2441 الحلال معروفة عند أهل العلم. فغير لزوجة ~~والأمة لا يحرم بالتحريم قولا واحدا والخلاف في لزوم كفارة اليمين، ~~وعدم لزومها، وظاهر الآية لزومها، وبعض العلماء يقول: لا يلزم فيه شيء ~~وهو مذهب مالك وأصحابه، أما تحريم الرجل امرأته أو جاريته، ففيه لأهل ~~العلم ما يزيد على ثلاثة عشر مذهبا معروفة في محلها، وأجراها على القياس ~~في تحريم الزوجة لزوم كفارة الظهار، لأن من قال لامرأته: أنت علي كظهر ~~أمي، فهو بمثابة ما لو قال لها: أنت حرام، والظهار نص الله في كتابه، على ~~أن فيه كفارته المنصوصة في سورة المجادلة. # أما نذر اللجاج فقد قدمنا القول، بأن فيه كفارة يمين، والمراد بنذر ~~اللجاج النذر الذي يراد به الامتناع من أمر لا التقرب إلى الله. # قال ابن قدامة في المغني: وجملته أنه إذا أخرج النذر مخرج اليمين، بأن ~~يمنع نفسه أو غيره به شيئا، أو يحث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت ~~زيدا، فلله علي الحج أو صدقة مالي أو صوم سنة، فهذا يمين، حكمه أنه مخير ~~بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل ~~المنذور وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج، والغضب، ولا يتعين الوفاء ~~به، ثم قال: وهذا قول عمر وابن عباس، وابن عمر وعائشة وحفصة، وزينب بنت ~~أبي سلمة، وبه قال عطاء، وطاوس وعكرمة، والقاسم والحسن، وجابر بن زيد، ~~والنخعي، وقتادة وعبد الله بن شريك، والشافعي، والعنبري وإسحاق وأبو ~~عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف ~~بالحج، وعن الشعبي، والحارث العكلي وحماد والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ~~ماله، لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم ~~الله ولا يجب ما سماه، لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه على طريق ~~العقوبة، فلم يلزمه. # وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره، لأنه نذر فيلزم الوفاء به ~~كنذر البر. وروي نحو ذلك عن الشعبي. # ولنا ما روى عمران بن حصين قال: ms2442 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " # إلى أن قال: # " من حلف بالمشي والهدي، أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في ~~رتاج الكعبة فكفارته يمين " # إلى أن قال: وعن أحمد رواية ثانية: أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه الوفاء ~~بنذره. وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه يمين اه محل الغرض من المغني، ~~وروى أبو داود، عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، ~~فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج ~~الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم وفيما لا تملك " # اه رواه أبو داود وسعيد بن المسيب: لم يصح سماعه عن عمر. قاله بعضهم: ~~وعليه فهو من مراسيل سعيد، وذكر جماعة أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ~~رضي الله عنه، وعن أحمد ما يدل على سماع سعيد، من عمر وأنه قال: إن لم ~~نقبل سعيدا، عن عمر، فمن يقبل. والظاهر سماعه من عمر كما صدر بما يدل ~~عليه صاحب تهذيب التهذيب، وعن مالك وغيره أنه لم يدرك عمر وحديث سعيد ~~المذكور عن عمر: إما متصل، وإما مرسل من مراسيل سعيد، وقد قدمنا كلام ~~العلماء فيها. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن ~~الخطاب، فهو منقطع، وروي نحوه عن عائشة: أنها سئلت عن رجل جعل ماله في ~~رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة. فقالت: يكفر عن اليمين. أخرجه مالك، ~~والبيهقي بسند صحيح. وصححه ابن السكن اه. ولفظ مالك في الموطأ فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: يكفره ما يكفر اليمين، وليس في الموطأ أن فتواها ~~هذه في نذر لجاج بل الذي فيه: أنها سئلت عن رجل قال: مالي في رتاج ~~الكعبة. وهو بابها وهو براء مكسورة، فمثناة ms2443 فوقية بعدها ألف فجيم. # وهذا الذي ذكرنا هو: حاصل حجة من قال: إن نذر اللجاج فيه كفارة يمين، ~~وهو الأقرب عندي لما ذكرنا، خلافا لمن قال: لا شيء فيه. وأما نذر ~~المعصية فلا خلاف في أنه حرام، وأن الوفاء به ممنوع، وإنما الخلاف في ~~لزوم الكفارة به فذهب جمهور أهل العلم أنه لا كفارة فيه، وعن أحمد ~~والثوري وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية: فيه الكفارة وذكر الترمذي: ~~اختلاف الصحابة في ذلك، واحتج من قال: بأنه ليس فيه كفارة بالأحاديث ~~الصحيحة، الواردة بأنه: لا نذر في معصية، ونفي نذر المعصية مطلقا: يدل ~~على نفي أثره، فإذا انتفى النذر من أصله انتفت كفارته لأن التابع ينتفي ~~بانتفاء المتبوع. # وإن قلنا: إن الصيغة في قوله: لا نذر في معصية، خبر أريد به الإنشاء وهو ~~النهي عن نذر المعصية، فالنهي يقتضي الفساد، وإذا فسد المنذور بالنهي، ~~بطل معه تأثيره في الكفارة. قالوا: والأصل براءة الذمة من الكفارة. ~~قالوا: ومما يؤيد ذلك الأحاديث الواردة بأنه: لا نذر إلا فيما ابتغى به ~~وجه الله. قال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وابو داود وفي لفظ عند أحمد: ~~إنما النذر ما ابتغى به وجه الله، وهو من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن ~~جده. وفي إسناده مناقشات تركناها اختصارا، واحتج من قال: بأن في نذر ~~المعصية كفارة ببعض الأحاديث الواردة بذلك. # منها: ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " # قال المجد في المنتقى: رواه الخمسة، واحتج به أحمد، وإسحاق. ومعلوم أن ~~مراده بالخمسة، الإمام أحمد وأصحاب السنن، ولفظ أبي داود في هذا الحديث: # حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس ~~عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ". # حدثنا ابن السرح قال: ثنا وهب عن يونس، عن ابن شهاب بمعناه. وإسناده ms2444 قال ~~أبو داود: سمعت أحمد بن شبويه، يقول: قال ابن المبارك: يعني في هذا ~~الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، وقال ~~أحمد بن محمد: وتصديق ذلك، ما حدثنا أيوب يعني ابن سليمان قال أبو داود: ~~سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده ~~عندك، وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه، يعني: أيوب بن ~~سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب. # حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي ~~أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، ~~عن سليمان بن أرقم: أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سملة عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " # قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك عن يحيى بن ~~أبي كثير عن محمد بن الزبير، عن أبيه عن عمران بن حصين، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، ~~وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة رحمها الله! # قال أبو داود: روى بقية عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير بإسناد ~~علي بن المبارك مثله اه من سنن أبي داود بلفظه. # وفيه سوء ظن كثير بالزهري، وهو أنه حذف من إسناد الحديث واسطتين: وهما ~~سليمان بن أرقم، ويحيى بن أبي كثير، وأرسله عن أبي سلمة وكذلك قال ~~الترمذي بعد إخراجه لحديث عائشة المذكور، لا يصح، لأن الزهري لم يسمع هذا ~~الحديث من أبي سلمة، ومما يقوي سوء الظن المذكور بالزهري: أن سليمان بن ~~أرقم الذي حذفه من الإسناد متروك لا يحتج بحديثه، فحذف المتروك. ورواية ~~حديثه عمن فوقه من العدول من تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس ~~وأقبحها، ولا شك أن هذا النوع من التدليس قادح فيمن تعمده. ms2445 وما ذكره ~~بعضهم: من أن الثوري والأعمش كانا يفعلان هذا النوع من التدليس مجاب عنه ~~بأنهما لا يدلسان إلا عمن هو ثقة عندهما. وإن كان ضعيفا عند غيرهما. ومن ~~المستبعد أن يكون الزهري يحسن الظن بسليمان بن أرقم مع اتفاق الحفاظ على ~~عدم الاحتجاج به. # والحاصل: أن لزوم الكفارة في نذر المعصية، جاءت فيه أحاديث متعددة، لا ~~يخلو شيء منها من كلام. وقد يقوي بعضها بعضا. # وقال الشوكاني: قال النووي في الروضة حديث # " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " # ضعيف باتفاق المحدثين. قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي، وأبو علي بن ~~السكن، فأين الاتفاق انتهى منه. وقد تركنا تتبع الأحاديث الواردة فيه، ~~ومناقشتها اختصارا. والأحوط لزوم الكفارة، لأن الأمر مقدم على الإباحة ~~كما تقرر في الأصول للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. فمن أخرج كفارة عن ~~نذر المعصية، فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع ومن لم يخرجها بقي ~~مطالبا بها على قول أحمد، ومن ذكرنا معه. # الفرع الثالث: اعلم أن من نذر شيئا من الطاعة لا يقدر عليه لا يلزمه ~~الوفاء به، لعجزه عنه. # واختلف فيما يلزمه في ذلك المعجوز عنه، فلو نذر مثلا أن يحج، أو يعتمر ~~ماشيا على رجليه، وهو عاجز عن المشي: جاز له الركوب لعجزه عن المشي، وإن ~~قدر على المشي: لزمه. # وفي حالة ركوبه عند العجز اختلف العلماء فيما يلزمه فقال بعضهم: لا شيء ~~عليه، لأنه عاجز والله يقول: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] فقد عجز عما نذر ولا يلزمه شيء غير ما نذر. وقال بعضهم: ~~تلزمه كفارة يمين. وقال بعضهم: يلزمه صوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم: تلزمه ~~بدنة. وقال بعضهم: يلزمه هدي. # قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، ~~لزمه الوفاء بنذره. # وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، ولا نعلم ~~فيه خلافا، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي ms2446 هذا، ~~والمسجد الأقصى " # ولا يجزئه المشي إلا في الحج أو العمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه ~~خلافا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع: هو المشي في حج أو عمرة، فإذا ~~أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي. ويلزمه المشي فيه لنذره، فإن عجز عن ~~المشي: ركب، وعليه كفارة يمين، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يلزم دم، وهو ~~قول الشافعي، وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت ~~المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب، ~~وتهدي هديا. رواه أبو داود وفيه ضعف ولأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه ~~هدي كتارك الإحرام من الميقات. وعن ابن عمر وابن الزبير قالا: يحج من ~~قابل، بل ويركب ما مشي، ويمشي ما ركب ونحوه. قال ابن عباس وزاد فقال: ~~ويهدي، وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة وعن النخعي روايتان: إحداهما: كقول ~~ابن عمر والثانية: كقول ابن عباس، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه ~~هدي سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه. وأقل الهدي: شاة، وقال الشافعي: لا ~~يلزمه مع العجز كفارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيا إلى بيت الله ~~الحرام، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان. وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء اه ~~محل الغرض من المغني. # وإذا علمت أقوال أهل العلم: فيما يلزم من نذر شيئا، وعجز عنه، فهذه ~~أدلة أقوالهم نقلناها ملخصة بواسطة نقل المجد في المنتقى، لأنه جمعها في ~~محل واحد أما من قال: تلزمه كفارة يمين فقد احتج بنا رواه أبو داود، وابن ~~ماجه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لم يطقه ~~فكفارته كفارة يمين " # اه. # قال الحافظ في بلوغ المرام: في حديث ابن عباس، هذا إسناده صحيح، إلا أن ~~الحفاظ رجحوا وقفه اه كما تقدمت الإشارة إليه. # ومن أدلة أهل هذا القول ما رواه كريب، عن ابن عباس قال: ms2447 # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ~~أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: " إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا. لتخرج ~~راكبة ولتكفر عن يمينها " " # رواه أحمد، وأبو داود وقال في نيل الأوطار: في هذا الحديث سكت عنه أبو ~~داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. والظاهر المتبادر: أن المراد ~~بالتكفير عن اليمين: هو كفارة اليمين المعروفة، ولقد صدق الشوكاني في أن ~~رجال حديث أبي داود المذكور رجال الصحيح، لأن أبا داود قال: حدثنا حجاج ~~بن أبي يعقوب، ثنا أبو النضر، ثنا شريك عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل ~~طلحة، عن كريب عن ابن عباس إلى آخر الحديث المذكور بمتنه فطبقة إسناده ~~الأولى حجاج بن أبي يعقوب وهو حجاج بن الشاعر الذي أكثر مسلم في صحيحه من ~~الإخراج له، وهو ثقة حافظ وطبقته الثانية: أبو النضر وهو هاشم بن القاسم ~~بن مسلم بن مقسم الليثي البغدادي خراساني الأصل ولقبه قيصر، وهو ثقة ثبت، ~~أخرج له الجميع وطبقته الثالثة هي: شريك، وهو ابن عبدالله بن أبي شريك ~~النخعي، أبو عبدالله الكوفي القاضي. # أخرج له البخاري تعليقا، وهو من رجال مسلم وظاهر كلام ابن حجر في تهذيب ~~التهذيب: أن مسلما إنما أخرج له في المتابعات، وكلام أهل العلم فيه كثير ~~بين مثن وذاكر غير ذلك، وطبقته الرابعة: محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، ~~وهو من رجال مسلم وهو ثقة. وطبقته الخامسة: كريب بن أبي مسلم الهاشمي، ~~مولى ابن عباس ومعلوم أنه ثقة، وأنه أخرج له الجميع. # هذا هو حاصل حجة من قال: إن على من نذر نذرا، ولم يطقه كفارة يمين، ~~وأما الذين قالوا: عليه صيام ثلاثة أيام، فقد احتجوا بما رواه أحمد، ~~وأصحاب السنن # " عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير ~~مختمرة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله لا يصنع بشقاء ~~أختك شيئا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام " " # اه بواسطة نقل المجد في المنتقى. قال الشوكاني ms2448 في هذا الحديث: حسنه ~~الترمذي ولكن في إسناده عبيد الله بن زحر وقد تكلم فيه غير واحد من ~~الأئمة اه محل الغرض منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر كلام أبي داود في عبيد الله بن ~~زحر المذكور: أنه ثقة عنده، لأنه ذكر تزكيته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ~~ولم يتعقب ذلك بشيء. # فقد # " قال أبو داود في هذا الحديث: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: ~~أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني عبيد الله بن زحر: أن أبا سعيد ~~أخبره أن عبدالله بن مالك أخبره: أن عقبة بن عامر أخبره: أنه سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: " ~~مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام " " # حدثنا مخلد بن خالد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: كتبت إلى يحيى ~~بن سعيد أخبرني عبيد الله بن زحر، مولى لبنى ضمرة، وكان أيما رجل أن أبا ~~سعيد الرعيني، أخبره بإسناد يحيى، ومعناه اه من سنن أبي داود، فكتابة ~~يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ابن جريج في ابن زحر المذكور. # وكان أيما رجل فيه أعظم تزكية، لأن قولهم فكان أيما رجل يدل على أنه من ~~أفاضل الرجال والتفضيل في هذا المقام، إنما هو في الثقة والعدالة، كما ~~ترى ومن هذا القبيل قول الراعي: # فأومأت إيماء خفيا لحبتر # فلله عينا حبتر أيما فتى # وقال ابن حجر في التقريب في ابن زحر المذكور: صدوق يخطئ، وكلام أئمة ~~الحديث فيه كثير منهم المثنى ومنهم القادح. # وحجة من قال إن عليه بدنة: هي ما رواه عكرمة، عن ابن عباس: # " أن عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخته نذرت ~~أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة " " # رواه أحمد، وأبو داود. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود ~~والمنذري، ورجاله رجال الصحيح: قال الحافظ في ms2449 التلخيص: إسناده صحيح. # وحجة من قال: إن عليه هديا هي: ما رواه أبو داود، حدثنا محمد بن ~~المثنى، ثنا أبو الوليد ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ~~أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن تركب، وتهدي هديا. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو ~~داود والمنذري، ولزوم الهدي المذكور مروي عن مالك في الموطأ وفسر الهدي: ~~ببدنة، أو بقرة، أو شاة، إن لم تجد غيرها. # هذا هو حاصل أدلة أقوال أهل العلم: فيما يلزم من نذر شيئا، وعجز عن ~~فعله. والقول بالهدي والقول بالبدنة، يمكن الجمع بينهما، لأن البدنة هدي، ~~والخاص يقضي على العام. # وقد ذكرنا كلام الناس في أسانيد الأحاديث الواردة في ذلك وأحوطها: فيمن ~~عجز عن المشي، الذي نذره في الحج: البدنة، لأنها أعظم ما قيل في ذلك، ~~وليس من المستبعد، أن تلزمه البدنة، وأنه يجزئ الهدي والصوم وكفارة ~~اليمين، لأن كل الأحاديث الواردة بذلك ليس فيها التصريح بنفي إجزاء شيء ~~آخر. فحديث لزوم كفارة اليمين: لم يصرح بعدم إجزاء البدنة، وحديث الهدي: ~~لم يصرح بعدم إجزاء الصوم مثلا وهكذا. # وقد عرفت أقوال أهل العلم في ذلك مع أن الأحاديث لا يخلو شيء منها من ~~كلام. وظاهر النصوص العامة: أنه لا شيء عليه، لأن الله يقول: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] ويقول: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # وقد ثبت في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة: 286] الآية. # قال الله: قد فعلت. وفي رواية: نعم، ويدخل في حكم ذلك قوله تعالى: # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # [البقرة: 286] الآية. # الفرع الرابع: في حكم الإقدام على النذر مع تعريفه لغة وشرعا. # اعلم أن الأحاديث الصحيحة، دلت على أن النذر، لا ينبغي وأنه منهي عنه، ~~ولكن إذا وقع ms2450 وجب الوفاء به، إن كان قربة كما تقدم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا فليح بن ~~سليمان، حدثنا سعيد بن الحارث، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أو ~~لم ينهوا عن النذر، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من البخيل " # وفي البخاري، عن ابن عمر قال: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر فقال: " إنه لا يرد شيئا ~~ولكنه يستخرج به من البخيل " " # وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى ~~القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتي عليه ما لم يكن ~~يؤتي عليه من قبل " # اه من صحيح البخاري، وهو صريح في النهي عن النذر، وأنه ليس ابتداء فعله ~~من الطاعات المرغب فيها. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن ~~إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا. وقال زهير: حدثنا جرير، عن منصور، # " عن عبدالله بن مرة، عن عبدالله بن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما ينهانا عن النذر ويقول: " إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج ~~به من الشحيح " " # وفي لفظ لمسلم، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره وإنما يستخرج به من البخيل " # وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لا ~~يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل " ". # وقال مسلم في صحيحه أيضا: وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبدالعزيز، يعني ~~الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من ~~البخيل " # وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة، ms2451 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~النذر وقال: # " إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل " # وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر ~~يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج " # اه. من صحيح مسلم. # وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين، عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة ~~الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما ~~يستخرج به من البخيل. وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف، لأنه قد دل ~~القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة ~~كقوله تعالى: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ~~عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ~~يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا # [الإنسان: 5-7] وقوله تعالى: # ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه # [البقرة: 270] وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء، بنذر الطاعة، ~~كقوله تعالى في هذه الآية، التي نحن بصددها { ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم } [الحج: 29] الآية. وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه " # ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح، من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم. # قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى عن شعبة: حدثني أبو جمرة، ~~حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما، يحدث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم " قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ~~ثلاثا بعد قرنه " ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ~~ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن " " # اه من صحيح البخاري. وهو ظاهر جدا في إثم الذين لا يوفون بنذرهم، ~~وأنهم كالذين يخونون، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في ~~صحيحه، عن عمران بن حصين. وقال النووي في شرحه لحديث عمران ms2452 هذا فيه وجوب ~~الوفاء بالنذر، وهو واجب، بلا خلاف، وإذا كان ابتداء النذر منهيا عنه: ~~كما سبق في بابه، اه محل الغرض منه. # ولأجل هذا الإشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، ~~فذهب المالكية: إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائما كصوم يوم ~~من كل أسبوع فهو مكروه عندهم، وذهب أكثر الشافعية: إلى أنه مكروه، ونقهل ~~بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه. ونقل نحوه عن ~~المالكية أيضا، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربي إلى ~~الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة. وجزم الحنابلة بالكراهة، ~~وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وكراهته مروية ~~عن بعض الصحابة. اه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. وجزم صاحب المغني: بأن ~~النهي عنه نهي كراهة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإشكال، ~~الذي لا ينبغي العدول عنه: أن نذر القربة على نوعين. # أحدهما: معلق على حصول نفع كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي لله نذر كذا ~~أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف، فعلي لله نذر كذا، ونحو ذلك. # والثاني: ليس معلقا على نفع للناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربا خالصا ~~بنذر كذا، من أنواع الطاعة، وأن النهي إنما هو في القسم الأول، لأن النذر ~~فيه لم يقع خالصا للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر وذلك النفع ~~الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أن القدر فيه غالب على ~~النذر وأن النذر لا يرد فيه شيئا من القدر. # أما القسم الثاني: وهو نذر القربة الخالص من اشتراط النفع في النذر، فهو ~~الذي فيه الترغيب والثناء على الموفين به المقتضي أنه من الأفعال الطيبة، ~~وهذا التفصيل قالت به جماعة من أهل العلم. # وإنما قلنا: إنه لا ينبغي العدول عنه لأمرين: # الأول: أن نفس الأحاديث الواردة في ذلك فيها قرينة واضحة، دالة عليه، ~~وهو ما تكرر فيها من أن النذر لا يرد شيئا من ms2453 القدر ولا يقدم شيئا، ولا ~~يؤخر شيئا ونحو ذلك. فكونه لا يرد شيئا من القدر، قرينة واضحة على أن ~~الناذر أراد بالنذر جلب نفع عاجل، أو دفع ضر عاجل فبين صلى الله عليه ~~وسلم أن ما قضى الله به في ذلك واقع لا محالة، وأن نذر الناذر لا يرد ~~شيئا كتبه الله عليه، ولكنه إن قدر الله ما كان يريده الناذر بنذره، ~~فإنه يستخرج بذلك من البخيل الشيء الذي نذر وهذا واضح جدا كما ذكرنا. # الثاني: أن الجمع واجب إن أمكن وهذا جمع ممكن بين الأدلة واضح تنتظم به ~~الأدلة، ولا يكون بينها خلاف، ويؤيده أن الناذر الجاهل، قد يظن أن النذر ~~قد يرد عنه ما كتبه الله عليه. هذا هو الظاهر في حل هذا الإشكال. وقد قال ~~به غير واحد. والعلم عند الله تعالى. # تنبيه: # فإن قيل: إن النذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا، ~~فلله علي نذر كذا، فقد ذكرتم أنه هو المنهي عنه، وإذا تقرر أنه منهي عنه ~~لم يكن من جنس القربة، فكيف يجب الوفاء بمنهي عنه. # والجواب: أن النص الصحيح دل على هذا فدل على النهي عنه أولا، كما ذكرنا ~~الأحاديث الدالة على ذلك، ودل على لزوم الوفاء به بعد الوقوع فقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " وإنما يستخرج به من البخيل " # نص صريح في أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر إخراجه، وهو المصرح بالنهي عنه ~~أولا، ولا غرابة في هذا، لأن الواحد بالشخص قد يكون له جهتان. # فالنذر المنذور له جهة هو منهي عنه من أجلها ابتداء: وهي شرط حصول النفع ~~فيه، وله جهة أخرى هو قربة بالنظر إليها، وهو إخراج المنذور تقربا لله ~~وصرفه في طاعة الله، والعلم عند الله تعالى. # واعلم: أن النذر في اللغة النحب وهو ما يجعله الإنسان نحبا واجبا عليه ~~قضاؤه، ومنه قول لبيد: # ألا تسألان المرء ماذا يحاول # أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # وحاصله: أنه إلزام الإنسان نفسه بشيء لم يكن لازما لها، فيجعله واجبا ms2454 ~~عليها وهو في اصطلاح الشرع: التزام المكلف قربة لم تكن واجبة عليه. وقال ~~ابن الأثير في النهاية: يقال: نذرت أنذر وأنذر نذرا إذا أوجبت على نفسي ~~شيئا تبرعا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك. وقد تكرر في أحاديثه ذكر ~~النهي عنه وهو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان ~~معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء ~~به إذ كان بالنهي يصير معصية. فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم ~~أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد ~~قضاء. فقال: لا تنذروا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله ~~لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا ~~هذا فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم اه الغرض من كلام ~~ابن الأثير. وقد قاله غيره، ولا يساعد عليه ظواهر الأحاديث. # فالظاهر أن الأرجح الذي لا ينبغي العدول عنه هو ما قدمنا من الجمع، ~~والعلم عند الله تعالى. # واعلم: أن تعريف المالكية للنذر شرعا: بأنه التزام مسلم مكلف، ولو ~~غضبان إلى آخره فيه أمران. # الأول: أن اشتراط الإسلام في النذر فيه نظر، لأن ما نذره الكافر من فعل ~~الطاعات قد ينعقد نذره له بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان ~~لغوا غير منعقد، لما كان له أثر بعد الإسلام. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبدالله أخبرنا عبيد الله بن عمر ~~عن نافع عن ابن عمر: # " أن عمر قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني نذرت في الجاهلية أن ~~أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: " أوف بنذرك " " # انتهى منه. فقوله صلى الله عليه وسلم لعمر في هذا الحديث الصحيح: # " أوف بنذرك " # مع أنه نذره في الجاهلية صريح في ذلك كما ترى، ولا التفات إلى ما أوله ~~به بعض العلماء من المالكية وغيرهم. وقول المالكية في تعريف النذر، ولو ~~غضبان لا ms2455 يخفى أن العلماء مختلفون في نذر الغضبان، هل يلزم فيه ما نذر أو ~~هو من نوع اللجاج، تلزم فيه كفارة يمين كما أوضحنا حكمه سابقا. # الفرع الخامس: اعلم: أنه قد دل الحديث على أن من نذر أن ينحر تقربا لله ~~في محل معين، فلا بأس بإيفائه بنذره، بأن ينحر في ذلك المحل المعنين إذا ~~لم يتقدم عليه أنه كان به وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية. ومفهومه ~~أنه إن كان قد سبق أن فيه وثنا يعبد، أو عيدا من أعياد الجاهلية: أنه ~~لا يجوز النحر فيه. # قال أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، ثنا شعيب بن إسحاق، عن ~~الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن ~~الضحاك، قال: # " نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبلا ببوانة، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية ~~يعبد؟ قالوا: لا قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا ~~فيما لا يملك ابن آدم " " # اه منه. # وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد أو عيد من ~~أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال، والعلم عند الله ~~تعالى. وإسناد الحديث صحيح. # الفرع السادس: اعلم: أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن من مات وعليه نذر ~~أنه يقضى عنه، وسنقتصر هنا على قليل منها اختصارا لصحته، وثبوته. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبدالله أن عبدالله بن عباس، أخبره " ~~أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان ~~على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه: أن يقضيه عنها فكانت سنة ~~بعد " اه ms2456 من صحيح البخاري. # وقد قدمنا بعض الأحاديث الدالة على ذلك فيمن مات وعليه نذر الحج أنه ~~يقضي عنه كما تقدم إيضاحه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معروفة. # تنبيه # اعلم: أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بقضاء الصلاة المنذورة عن الميت إذا ~~مات ولم يصل ما نذر. قال البخاري في صحيحه: باب من مات وعليه نذر، وأمر ~~ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء فقال: صلي عنها. وقال ~~ابن عباس نحوه اه من البخاري. وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي ~~بكر عن عمته: أنها حدثته، عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيا إلى ~~مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبدالله بن عباس ابنتها: أن تمشي عنها. ~~قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: لا يمشي أحد عن أحد اه من الموطأ. # وقال الزرقاني، في شرحه: قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي ~~إلى قباء، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة. قال ابن عبدالبر يعني: لا ~~يعرف إيجاب المشي للحالف، والناذر. وأما المتطوع، فقد روى مالك فيما مر ~~أنه صلى الله عليه وسلم، كان يأتي قباء راكبا وماشيا، وأن إتيانه مرغب ~~فيه. اه منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي عليه جمهور أهل العلم، وحكى ابن ~~بطال الإجماع عليه أنه لا يصلي أحمد عن أحمد، أما الصوم والحد عن الميت ~~فقد قدمنا مشروعيتهما. وإن خالف جل أهل العلم في الصوم عن الميت، والعلم ~~عند الله تعالى. وفي الموطأ عن مالك بعد أن ذكر حديث # " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " # قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " # أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ~~ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة، إن كلم فلانا أو ما أشبه ذلك فليس عليه ~~في شيء من ذلك شيء إن هو ms2457 كلمه، أو حنث بما حلف عليه، لأنه ليس لله في هذه ~~الأشياء طاعة. وإنما يوفي لله بما له فيه طاعة اه. من الموطأ. # الفرع السابع: الأظهر عندي: أن من نذر جميع ماله لله ليصرف في سبيل ~~الله، أنه يكفيه الثلث ولا يلزمه صرف الجميع، وهذا قول مالك وأصحابه ~~وأحمد وأصحابه، والزهري. وفي هذه المسألة للعلماء عشرة مذاهب أظهرها ~~عندنا: هو ما ذكرنا، ويليه في الظهور عندنا قول من قال: يلزمه صرفه كله، ~~وهو مروي عن الشافعي والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه كفارة يمين، ~~وعن ربيعة تلزمه الصدقة بقدر الزكاة، وعن جابر بن زيد، وقتادة: إن كان ~~كثيرا وهو ألفان تصدق بعشره، وإن كان متوسطا وهو ألف تصدق بسبعه، وإن ~~كان قليلا، وهو خمسمائة تصدق بخمسه، وعن أبي حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي ~~كله، وعنه في غيره روايتان. # إحداهما: يتصدق به. # والثانية: لا يلزم منه شيء، وعن النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله ~~كله، وعن الليث: إن كان مليا لزمه، وإن كان فقيرا فعليه كفارة يمين، ~~ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطا يخرج قدر زكاة ماله وهذا مروي أيضا ~~عن أبي حنيفة، وهو قول ربيعة كما تقدم. وعن الشعبي: لا يلزم شيء أصلا، ~~وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج، فكفارة يمين، وعن سحنون: يلزمه إخراج ~~ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي، وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير ~~تفصيل. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة. # فاعلم: أن أكثرها لا يعتضد بدليل، والذي يعتضد بالدليل منها ثلاثة ~~مذاهب: # الأول: هو ما قدمنا أنه أظهرها عندنا، وهو الاكتفاء بالثلث. # والثاني: لزوم الصدقة بالمال كله. # والثالث: قول سحنون: أنه يلزمه إخراج ما لا يضر به. أما الاكتفاء بالثلث ~~الذي هو أقربها عندنا، فقد يستدل له ببعض الأحاديث الصحيحة التي فيها ~~النهي عن التصدق بالمال كله، وفيها أن الثلث كثير. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر، ~~والتوبة: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني ms2458 يونس، عن ابن شهاب، ~~أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله عن عبدالله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب ~~من بنيه حين عمي، قال: # " سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه: { وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا } [التوبة: 118] فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من ~~مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك ~~عليك بعض مالك فهو خير لك " " # اه. # فظاهر هذا الحديث الصحيح: أن كعبا غير مستشير بل مريد التجرد من جميع ~~ماله على وجه النذر والتوبة، كما في ترجمة الحديث. وقد أمره صلى الله ~~عليه وسلم بأن يمسك بعض ماله، وصرح له بأن ذلك خير له. وقد جاء في بعض ~~الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين، وأنه يتصدق بالثلث. ~~وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله: # " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " # زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند، فقلت: إني أمسك سهمي الذي ~~بخيبر، وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب، ووقع في رواية ابن إسحاق ~~عن الزهري بهذا السند، عند أبي داود: # " إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله لله ورسوله صدقة قال: لا. ~~قلت: فنصفه؟ قال: لا. قلت: فثلثه؟ قال: نعم. قلت: فإني أمسك سهمي الذي في ~~خيبر ". # واعلم أن ابن إسحاق في حديثه هذا عند أبي داود، صرح بالتحديث عن الزهري، ~~فأمن تدليسه ثم قال ابن حجر: وأخرج من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن ~~كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث ~~وفيه: وإني أنخلع من مالي كله صدقة. قال: # " يجزئ عنك الثلث " # وفي حديث أبي لبابة، عند أحمد وأبي داود مثله اه محل الغرض من فتح ~~الباري. # وقد رأيت الروايات المصرحة بأنه يجزئه الثلث عن جميع المال. وظاهر ~~الحديث أنه جازم غير مستشير فمن زعم من أهل العلم أنه مستشير فهو مخالف ~~لظاهر اللفظ، لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف ms2459 التوكيد، الذي هو ~~إن المكسورة في قوله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، واللفظ الذي هذه ~~صفته، لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة، كما ترى فقوله صلى الله عليه ~~وسلم لكعب بن مالك وأبي لبابة: إن الثلث يكفي عن الصدقة بجميع المال. # هو الدليل الذي ذكرنا بسببه: أن أقرب الأقوال عندنا الاكتفاء بالثلث. ~~وأما قول من قال: يلزمه التصدق بجميعه، فيستدل له بالحديث الصحيح: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه " # وهو يدل على إيفائه بنذره، ولو أتى على كل المال، إلا أن دليل ما قبله ~~أخص منه في محل النزاع والأخص مقدم على الأعم. # وأما قول سحنون: يلزمه التصدق بما لا يضر به فيستدل له بقوله تعالى: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] الآية، لأن العفو في أصح التفسيرين، هو ما لا يضر إنفاقه ~~بالمنفق، ولا يجحف به لإمساكه ما يسد خلته الضرورية. وهذا قد يرجع إلى ~~الأول لأن الثلث من العفو الذي لا يجحف به إنفاقه. فأظهرها الأول كما ~~ذكرنا وباقي الأقوال لا أعلم له دليلا متجها من كتاب، ولا سنة، وما وجه ~~به تلك الأقوال بعض أهل العلم لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثامن: اعلم أنه قد دل النص الصحيح، على أن من نذر أن يسافر إلى ~~مسجد ليصلي فيه كمسجد البصرة، أو الكوفة أو نحو ذلك: لا يلزمه السفر إلى ~~مسجد من تلك المساجد، وليصل الصلاة التي نذرها به في موضعه الذي هو به. # والنص الصحيح المذكور هو حديث: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد ~~بيت المقدس " # والجاري على الأصول: أنه لا يخرج من هذا الحصر الذي صرح به النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح، إلا ما أخرجه نص صحيح يجب الرجوع ~~إليه من كتاب أو سنة. والأظهر أن من نذر السفر لصلاة في مسجد إيلياء، ~~وصلاها في مسجد مكة أو المدينة أجزأته، لأنهما أفضل منه. # وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ms2460 ثنا حماد أخبرنا حبيب المعلم، ~~عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبدالله: # " أن رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك ~~مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال: " صل ها هنا ثم أعاد عليه، فقال: ~~صل ها هنا ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذا " " # قال أبو داود: وروي نحوه عن عبدالرحمن بن عوف، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وفي لفظ لأبي داود عن عمر بن عبدالرحمن بن عوف، عن رجال من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي بعث محمدا بالحق لو صليت هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس " # اه. والعلم عند الله تعالى. # ولنكتف بما ذكر هنا من مسائل النذر لكثرة ما كتبنا في آيات سورة الحج من ~~الأحكام الشرعية وأقوال أهل العلم فيها، والنذر باب مذكور في كتب الفروع، ~~فمن أراد الإحاطة بجميع مسائله، فلينظرها في كتب فروع المذاهب الأربعة، ~~وقد ذكرنا هنا عيون مسائله المهمة، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق }. # في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال: # الأول: أن المراد به القديم، لأنه أقدم مواضع التعبد. # الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة. # الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقا ومنه ~~قول حسان رضي الله عنه: # كالمسك تخلطه بماء سحابة # أو عاتق كدم الذبيح مدام # لأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمنا طويلا، ~~وتسمى الكرم عتقا ومنه قول كعب بن زهير: # قنواء في حرتيها للبصير بها # عتق مبين وفي الخدين تسهيل # فقوله: عتق مبين: أي كرم ظاهر، ومنه قول المتنبي: # ويبين عتق الخيل في أصواتها # أي كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف. # وإذا علمت ذلك فاعلم: أنه قد دلت آية من كتاب الله، على أن العتيق في ~~الآية بمعنى: القديم الأول وهي قوله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # [آل عمران: 96] الآية مع أن المعنيين ms2461 الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل ~~على ما ذكرنا، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. # تنبيهان # الأول: دلت هذه الآية الكريمة، على لزوم طواف الإفاضة وأنه لا صحة للحج ~~بدونه. # الثاني: دلت هذه الآية أيضا على لزوم الطواف من وراء الحجر الذي عليه ~~الجدار القصير شمال البيت لأن أصله من البيت، فهو داخل في اسم البيت ~~العتيق، كما تقدم إيضاحه. ### || [22.30-31] # قوله تعالى: { وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم }. # لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية الأنعام، ولكنه بينه ~~بقوله في سورة الأنعام: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به # [الأنعام: 145] وهذا الذي ذكرنا هو الصواب، أما ما قاله جماعات من أهل ~~التفسير من أن الآية التي بينت الإجمال في قوله تعالى هنا: { إلا ما ~~يتلى عليكم } أنها قوله تعالى في المائدة: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة # [المائدة: 3] الآية فهو غلط، لأن المائدة من آخر ما نزل من القرآن وآية ~~الحج هذه نازلة قبل نزول المائدة بكثير، فلا يصح أن يحال البيان عليها في ~~قوله: { إلا ما يتلى عليكم } بل المبين لذلك الإجمال آية ~~الأنعام التي ذكرنا لأنها نازلة بمكة، فيصح أن تكون مبينة لآية الحج ~~المذكورة كما نبه عليه غير واحد. # أما قوله تعالى في المائدة: # أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1] فيصح بيانه بقوله في المائدة: { حرمت عليكم ~~الميتة والدم } الآية. كما أوضحنا في أول المائدة والعلم عند ~~الله تعالى. # قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان }. # " من " في هذه الآية بيانية. # والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان: أي عبادتها والرجس القذر الذي ~~تعافه النفوس، وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل ~~في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائنا من كان. وهذا الأمر ~~باجتناب عبادة غير الله ms2462 المذكور هنا، جاء مبينا في آيات كقوله تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه بالله في قوله: # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # [البقرة: 256] وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين لله، وبين ~~أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله لهم البشرى # [الزمر: 17] الآية. وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت، ~~في قوله تعالى: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] والأصنام، تدخل في الطاغوت دخولا أوليا. # قوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير ~~مشركين به }. # أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور، وهو الكذب والباطل كقولهم: ~~إن الله حرم البحيرة والسائبة، ونحو ذلك، وكادعائهم له الأولاد والشركاء، ~~وكل قول مائل عن الحق فهو زور، لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار ~~بمعنى الميل، والاعوجاج، كما أوضحناه في الكلام على قوله: # تزاور عن كهفهم # [الكهف: 17] الآية. # واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان ~~التي تضمنها، أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ~~ذلك العام فيه، وتقدمت لذلك أمثلة. وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة ~~من سورة الحج هذه. # وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: { واجتنبوا قول الزور } ~~بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله ~~تعالى في الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم: # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون فقد جآءوا ظلما وزورا # [الفرقان: 4] فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور. وقال في الذين ~~يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي # وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا # [المجادلة: 2] فصرح بأن قولهم ذلك، منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من # " حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أن رسول الله ms2463 صلى الله عليه وسلم قال: " ~~ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول ~~الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " " # اه وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله: { ~~واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين ~~به } وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضا في غير هذا الموضع ~~كقوله: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # [الأعراف: 33] لأن قوله: { وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون } هو قول الزور. وقد أتى مقرونا بقوله: { وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا } وذلك يدل على عظمة قول ~~الزور، لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، ~~والأولاد لله. وكتكذيبه صلى الله عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر ~~والإشراك بالله. نعوذ بالله من كل سوء. # ومعنى حنفاء: قد قدمناه مرارا مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته ~~هنا. # قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق }. # بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب ~~من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال، لأنه شبهه ~~بالذي خر: أي سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير ~~تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق: أي محل بعيد لشدة هبوبها ~~بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له ~~في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض ~~عادة إلى متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ~~ألقته الريح في مكان بعيد فهذا ms2464 هلاك محقق لا محيد عنه. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك بالله وأنه لا يرجى له ~~خلاص، جاء موضحا في مواضع أخر كقوله: # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # [المائدة: 72] الآية. وكقوله: # قالوا إن الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50] وقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48] الآية في الموضعين من سورة النساء، والخطف الأخذ بسرعة ~~والسحيق البعيد. ومنه قوله تعالى: # فسحقا لأصحاب السعير # [الملك: 11] أي بعدا لهم. # وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع ~~بمن يشرك بالله، إنما هو في حق من مات على ذلك الإشراك، ولم يتب منه قبل ~~حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له، لأن ~~الإسلام يجب ما قبله. # والآيات الدالة على ذلك متعددة كقوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38] وقوله: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الفرقان: 68] إلى قوله: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] الآية وقوله في الذين: # قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا ~~إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم # [المائدة: 73-74] وقوله: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا # [طه: 82] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأما إن كانت توبته من شركه عند ~~حضور الموت، فإنها لا تنفعه. # وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار # [النساء: 18] فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر والتوبة ~~منه، عند حضور الموت وكقوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ms2465 ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 84-85] وكقوله في فرعون: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين # [يونس: 90-91] وقرأ هذا الحرف نافع فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء أصله ~~فتتخطفه الطير بتاءين فحذفت إحداهما وقرأه غيره من السبعة فتخطفه الطير ~~بإسكان الخاء وتخفيف الطاء مضارع خطفه بالكسر. ### || [22.32] # قد ذكرنا قريبا أنا ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع ~~البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض ~~أفراد ذلك العام فيه، فيكون ذلك الفرد قطعي الدخول لا يمكن إخراجه بمخصص، ~~وواعدنا بذكر بعض أمثلته في هذه الآيات. ومرادنا بذلك هذه الآية الكريمة ~~لأن قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم شعائر الله } عام في ~~جميع شعائر الله، وقد نص تعالى على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم، ~~داخل فيه قطعا وذلك في قوله: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36] فيدخل في الآية تعظيم البدن واستسمانها واستحسانها كما قدمنا ~~عن البخاري: أنهم كانوا يسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم ~~شعائر الله. وقد قدمنا أن الله صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا ~~العموم بقوله: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] الآية وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية: يدل على عدم ~~التهاون بالسعي بين الصفا والمروة كما تقدم إيضاحه في مبحث السعي، وقوله ~~في هذه الآية ذلك فيه ثلاث أوجه من الإعراب. # الأول: أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف: أي ذلك حكم الله ~~وأمره. # الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف: أي اللازم ذلك أو الواجب ذلك. # الثالث: أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، أي اتبعوا ذلك أو امتثلوا ذلك، ~~ومما يشبه هذه الإشارة في كلام العرب قول زهير: # هذا وليس كمن يعي بخطته # وسط الندى إذا ما قائل نطقا # قاله القرطبي وأبو حيان والضمير المؤنث في قوله: { فإنها من ~~تقوى القلوب ms2466 } قال القرطبي: هو عائد إلى الفعلة التي يتضمنها ~~الكلام، ثم قال: وقيل إنه راجع إلى الشعائر بحذف مضاف: أي فإن تعظيمها أي ~~الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه فرجع الضمير إلى الشعائر. اه. ~~وقال الزمخشري في الكشاف: فإنها من تقوى القلوب أي فإن تعظيمها من أفعال ~~ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، ~~لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به اه. منه. ### || [22.34-35] # قوله تعالى: { وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم والصابرين على مآ أصابهم }. # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين: أي ~~المتواضعين لله المطمئنين الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت ~~قلوبهم: أي خافت من الله جل وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من ~~الأذى، ومتعلق التبشير محذوف لدلالة المقام عليه أي بشرهم بثواب الله ~~وجنته. وقد بين في موضع أخر: أن الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: هم ~~المؤمنون حقا وكونهم هم المؤمنين حقا، يجعلهم جديرين بالبشارة المذكورة ~~هنا. وذلك في قوله تعالى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الأنفال: 2] الآية. وأمره في موضع آخر أن يبشر الصابرين على ما أصابهم ~~مع بيان بعض ما بشروا به، وذلك في قوله تعالى: # وبشر الصابرين الذين إذآ أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون # [البقرة: 155-157]. # واعلم: أن وجل القلوب عند ذكر الله أي خوفها من الله عند سماع ذكره لا ~~ينافي ما ذكره جل وعلا، من أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكر الله كما في ~~قوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28] ووجه الجمع بين الثناء عليهم بالوجل الذي هو الخوف عند ذكره ~~جل وعلا، مع الثناء عليهم بالطمأنينة بذكره، والخوف والطمأنينة متنافيان ~~هو ما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وهو أن ~~الطمأنينة بذكر الله تكون بانشراح الصدر ms2467 بمعرفة التوحيد، وصدق ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فطمأنينتهم بذلك قوية لأنها لم تتطرقها ~~الشكوك، ولا الشبه والوجل عند ذكر الله تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن ~~الهدى، وعدم تقبل الأعمال، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا # [آل عمران: 8] وقال تعالى: # والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون # [المؤمنون: 60] وقال تعالى: # تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". ### || [22.36] # قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر }. # قد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر ~~والغنم بأنواعها الثمانية، وأمر بإطعام البائس الفقير منها. وأمر بالأكل ~~من البدن وإطعام القانع والمعتر منها، وما كان من الإبل فهو من البدن بلا ~~خلاف. # واختلفوا في البقرة، هل هي بدنة، وقد قدمنا الحديث الصحيح: أن البقرة من ~~البدن، وقد قدمنا أيضا ما يدل على أنها غير بدنة، وأظهرهما أنها من ~~البدن، وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها ~~عندي: أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم ومنه قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني # مفاقره أعف من القنوع # يعني أعف من سؤال الناس، والطمع فيهم، وأن المعتر هو الذي يعتري متعرضا ~~للإعطاء من غير سؤال وطلب، والله أعلم وقد قدمنا حكم الأكل من أنواع ~~الهدايا والضحايا، وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. # قوله تعالى: { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ~~}. # قوله كذلك: نعت لمصدر: أي سخرناها أي البدن لكم تسخيرا كذلك: أي مثل ~~ذلك التسخير الذي تشاهدون: أي ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم تفعلون ~~بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ~~ذللها لكم لم تقدروا عليها، لأنها أقوى منكم ألا ترى البعير، إذا توحش ~~صار صاحبه غير قادر عليه، ولا ms2468 متمكن من الانتفاع به. وقوله هنا: { ~~لعلكم تشكرون } قد قدمنا مرارا أن لعل تأتي في القرآن لمعان ~~أقربها. اثنان: أحدهما: أنها بمعناها الأصلي، الذي هو الترجي والتوقع، ~~وعلى هذا فالمراد بذلك خصوص الخلق لأنهم هم الذي يترجى منهم شكر النعم من ~~غير قطع، بأنهم يشكرونها أو لا ينكرونها لعدم علمهم بما تؤول إليه ~~الأمور، وليس هذا المعنى في حق الله تعالى لأنه عالم بما سيكون فلا يجوز ~~في حقه جل وعلا إطلاق الترجي والتوقع لتنزيهه عن ذلك، وإحاطة علمه بما ~~ينكشف عنه الغيب، وقد قال تعالى لموسى وهارون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44] أي على رجائكما وتوقعكما أنه يتذكر أو يخشى، مع أن الله عالم ~~في سابق أزله أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، فمعنى لعل بالنسبة إلى الخلق، ~~لا إلى الخالق جل وعلا. المعنى الثاني: هو ما قدمنا من أن بعض أهل العلم، ~~قال: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129] قال: فهي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان لفظة لعل للتعليل ~~معروف في كلام العرب. وقد قدمناه موضحا مرارا وقد قدمنا من شواهده ~~العربية قول الشاعر: # فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # يعني كفوا الحروب لأجل أن نكف، وإذا علمت أن هذه الآية الكريمة بين الله ~~فيها أن تسخيره الأنعام لبني آدم نعمة من إنعامه، تستوجب الشكر لقوله: { ~~لعلكم تشكرون }. # فاعلم: أنه بين هذا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # [يس: 71-73] وقوله في آية يس: هذه: { أفلا يشكرون } كقوله في ~~آية الحج { لعلكم تشكرون } ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى ~~قريبا: # سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم # [الحج: 37] الآية، وقد قدمنا معنى شكر العبد لربه وشكر الرب لعبده، ~~مرارا بما أغنى عن إعادته هنا والتسخير التذليل. ### || [22.38] ms2469 # قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يدفع السوء عن عباده الذين آمنوا ~~به إيمانا حقا، ويكفيهم شر أهل السوء، وقد أشار إلى هذا المعنى في غير ~~هذا الموضع كقوله تعالى: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3] الآية. وقوله: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36] وقوله تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم # [التوبة: 14-15] وقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا # [غافر: 51] الآية. وقوله: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47] وقوله: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] إلى غير ذلك من الآيات، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو ~~عمرو: { إن الله يدفع عن الذين آمنوا } بفتح الياء ~~والفاء بينهما دال ساكنة مضارع دفع المجرد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول ~~محذوف أي يدفع عن الذين آمنوا الشر والسوء، لأن الإيمان بالله هو أعظم ~~أسباب دفع المكاره، وقرأ الباقون: يدافع بضم الياء، وفتح الدال بعدها ~~ألف. وكسر الفاء مضارع دافع المزيد فيه ألف بين الفاء والعين على وزن ~~فاعل. وفي قراءة الجمهور هذه إشكال معروف، وهو أن المفاعلة تقتضي بحسب ~~الوضع العربي اشتراك فاعلين في المصدر. والله جل وعلا يدفع كل ما شاء من ~~غير أن يكون له مدافع يدفع شيئا. # والجواب: هو ما عرف من أن المفاعلة قد ترد بمعنى المجرد، نحو: جاوزت ~~المكان بمعنى جزته، وعاقبت اللص، وسافرت، وعافاك الله، ونحو ذلك، فإن ~~فاعل في جميع ذلك بمعنى المجرد، وعليه فقوله: يدافع بمعنى: يدفع. كما دلت ~~عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقال الزمخشري: ومن قرأ يدافع فمعناه: ~~يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغ من يغالب فيه لأن فعل المغالب يجيء أقوى ~~وأبلغ اه منه، ولا يبعد عندي أن يكون وجه المفاعلة أن الكفار يستعملون ~~كل ما في إمكانهم لإضرارهم بالمؤمنين، وإيذائهم، والله جل وعلا يدفع ~~كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه جل وعلا لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد، ~~يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين وبهذا ms2470 الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة، في ~~قوله: يدافع، وإن كان جل وعلا قادرا على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عبادة ~~المؤمنين، ومما يوضح هذا المعنى الذي أشرنا إليه قول كعب بن مالك رضي ~~الله عنه: # زعمت سخينة أن ستغلب ربها # وليغلبن مغالب الغلاب # والعلم عند الله تعالى: ومفعول يدافع: محذوف فعلى القول بأنه بمعنى: ~~يدفع فقد ذكرنا تقديره، وعلى ما أشرنا إليه أخيرا فتقدير المفعول: يدافع ~~عنهم أعداءهم، وخصومهم فيرد كيدهم في نحورهم. # وقوله تعالى: { إن الله لا يحب كل خوان كفور }. # صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بأنه لا يحب كل خوان كفور. # والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة، لأن الفعال بالتضعيف والفعول بفتح ~~الفاء من صيغ المبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل ~~لا يستلزم نفي أصل الفعل، فلو قلت: زيد ليس بقتال للرجال فقد نفيت ~~مبالغته، في قتلهم، ولم يستلزم ذلك أنه لم يحصل منه قتل لبعضهم ولكنه لم ~~يبالغ في القتل، وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة، فإن الآية قد صرحت ~~بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض ~~لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله ~~يبغض الخائض مطلقا، والكافر مطلقا، وقد أوضج جل وعلا ذلك في بعض ~~المواضع، فقال في الخائن: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء إن الله لا يحب الخائنين # [الأنفال: 58] وقال في الكافر: # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله ~~لا يحب الكافرين # [آل عمران: 33]. ### || [22.39] # متعلق أذن محذوف في هذه الآية الكريمة: أي أذن لهم في القتال بدليل ~~قوله: يقاتلون، وقد صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أذن للذين ~~يقاتلون وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودل قوله: يقاتلون: على ~~أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى والأعرج ~~والمريض والضعيف والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على ms2471 المريض # [النور: 61 والفتح: 17] الآية. وقوله جل وعلا: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل # [التوبة: 91] وقوله: { بأنهم ظلموا } الباء فيه سببية وهي من ~~حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة. وهذه الآية ~~هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من ~~أحكام الجهاد إلا مجرد الإذن لهم فيه ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على ~~أحكام أخر زائدة على مطلق الإذن فهي مبينة عدم الاقتصار، على الإذن كما ~~هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله تبارك وتعالى ~~لعظم حكمته في التشريع، إذ أراد أن يشرع أمرا شاقا على النفوس كان ~~تشريعه على سبيل التدريج، لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه ~~مشقة عظيمة، على الذين كلفوا به قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على ~~النفوس لما فيه من تعريضها لأسباب الموت، لأن القتال مع العدو الكافر ~~القوي من أعظم أسباب الموت عادة، وإن كان الأجل محدودا عند الله تعالى ~~كما قال تعالى: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # [آل عمران: 145] وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم، بقوله: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية ~~الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب # [النساء: 77] ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه ~~الملل أيضا كما قال تعالى: # وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # [الصف: 11] قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله ~~تشريعه شرعه تدريجا، فأذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله: { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية. ثم لما استأنست ~~به نفوسهم بسبب الإذن فيه، أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم ms2472 يقاتلهم ~~بقوله: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا # [البقرة: 190] الآية. وهذا تدريج من الإذن إلى نوع خاص من الإيجاب، ثم ~~لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجابا عاما جازما ~~في آيات من كتابه كقوله تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد # [التوبة: 5] وقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة # [التوبة: 36] وقوله: # تقاتلونهم أو يسلمون # [الفتح: 16] إلى غير ذلك من الآيات. # واعلم: أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالا غير ما ~~ذكرنا. ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع ~~الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد ~~الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجا. فذكر أولا بعض معائبها كقوله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما # [البقرة: 219] ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثما أكثر مما فيها ~~من النفع، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # [النساء: 43] الآية. فكانوا بعد نزولها، لا يشربونها إلا في وقت يزول ~~فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما ~~بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة ~~العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة. ~~وكذلك ما بين الصبح والظهر. وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض ~~الأوقات. فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريما عاما جازما ~~بقوله: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90] إلى قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] وكذلك الصوم، فإنه لما كان الإمساك عن شهوة الفرج والبطن ~~شاقا على النفوس، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجا فخير أولا بين صوم ~~اليوم وإطعام المسكين في قوله: # وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين # [البقرة: 184] فلما استأنست النفوس ms2473 به في الجملة، أوجبه أيضا إيجابا ~~عاما جازما بقوله: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185] الآية وقال بعض أهل العلم: التدريج في تشريع الصوم على ~~ثلاث مراحل كما قبله قالوا: أوجب عليهم أولا صوما خفيفا لا مشقة فيه ~~وهو صوم يوم عاشوراء وثلاثة من كل شهر، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه ~~تدريجا على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفا، هكذا قالته جماعات من أهل ~~العلم، وله اتجاه والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة: { وإن الله على نصرهم لقدير } يشير إلى ~~معنيين. # أحدهما: أن فيه الإشارة إلى وعده للنبي وأصحابه، بالنصر على أعدائهم كما ~~قال قبله قريبا: # إن الله يدافع عن الذين آمنوا # [الحج: 38]. # والمعنى الثاني: أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير ~~قتال لقدرته على إهلاكهم بما شاء، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكهم إياهم، ~~ولكنه شرع الجهاد لحكم منها اختبار الصادق في إيمانه، وغير الصادق فيه، ~~ومنها تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل الله بقتل الكفار لشهداء المسلمين، ~~ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل الله. # كما أشار تعالى إلى حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات ~~من كتابه، كقوله تعالى: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلو بعضكم ببعض # [محمد: 4] وكقوله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179] الآية وقوله تعالى: # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما ~~تعملون # [التوبة: 16] وقوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142] وقوله تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم # [محمد: 31] إلى غير ذلك من الآيات وكقوله تعالى في حكمة الابتلاء ~~المذكور، وتسهيل الشهادة في سبيله: # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين ms2474 الناس وليعلم الله ~~الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب ~~الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق ~~الكافرين # [آل عمران: 140-141] وقرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو وعاصم: أذن بضم ~~الهمزة وكسر الذال مبنيا للمفعول، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة مبنيا ~~للفاعل: أي أذن الله للذين يقاتلون، وقرأ نافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: ~~يقاتلون بفتح التاء مبنيا للمفعول، وقرأ الباقون بكسر التاء مبنيا ~~للفاعل. ### || [22.40] # قوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ~~إلا أن يقولوا ربنا الله }. # تقدم ما يوضح هذه الآية من الآيات في سورة براءة في الكلام على قوله: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله # [التوبة: 74]. # قوله تعالى: { ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز }. # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أقسم لينصرن من ينصره، ~~ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب ~~نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون ~~كلمته جل وعلا هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله جل وعلا ~~بين صفات الذين وعدهم بنصره ليميزهم عن غيرهم فقال مبينا من أقسم أنه ~~ينصره، لأنه ينصر الله جل وعلا: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر # [الحج: 41] الآية وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن من نصر الله ~~نصره الله جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم ~~وأضل أعمالهم # [محمد: 7-8] وقوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] وقوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] وقوله: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55] الآية. إلى غير ذلك من الآيات وفي قوله تعالى: # الذين إن مكناهم في الأرض # [الحج: 41] الآية. دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة ~~الصلاة وإيتاء ms2475 الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يمكن ~~الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون ~~الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس ~~لهم وعد من الله بالنصر، لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين ~~وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء ~~على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ~~ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له، وقوله تعالى: { إن الله ~~لقوي عزيز } العزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مرارا ~~بشواهده العربية. وهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين، لأن ~~الله نصرهم على أعدائهم، لأنهم نصروه فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ~~وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكر لهم، واستخلفهم في الأرض كما ~~قال: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55] الآية. والحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [22.42-44] # في هذه الآيات الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الذي عامله ~~به قومه من التكذيب عومل به غيره من الرسل الكرام، وذلك يسليه ويخفف عليه ~~كما قال تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # [هود: 120] الآية. وقوله تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43] وقوله: # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك # [فاطر: 4] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وذكر تعالى في هذه الآيات سبع ~~أمم كل واحدة منهم كذبت رسولها. # الأولى: قوم نوح في قوله: { فقد كذبت قبلهم قوم نوح } ~~والآيات الدالة على تكذيب قوم نوح لا تكاد تحصى في القرآن، لكثرتها ~~ولنقتصر على الأمثلة لكثرة الآيات الدالة على تكذيب هذه الأمم رسلها ~~كقوله: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105] وقوله: # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر ms2476 # [القمر: 9] إلى غير ذلك من الآيات. # الثانية: عاد، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع في آيات كثيرة أنهم ~~كذبوا رسولهم هودا، كقوله تعالى: # كذبت عاد المرسلين # [الشعراء: 123] وقوله: # قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين # [هود: 53]. # الثالثة: ثمود وقد بين تعالى في غير هذا الموضع تكذيبهم لنبيهم صالح في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # كذبت ثمود المرسلين # [الشعراء: 141] وقوله: # فكذبوه فعقروها # [الشمس: 14] إلى غير ذلك من الآيات. # الرابعة: قوم إبراهيم، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من النار # [العنكبوت: 24] وقوله: # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم # [الأنبياء: 68] الآية. وكقوله: # أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا # [مريم: 46] إلى غير ذلك من الآيات. # الخامسة: قوم لوط وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات ~~كثيرة كقوله: # كذبت قوم لوط المرسلين # [الشعراء: 160] وقوله: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم # [النمل: 56] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # السادسة: أصحاب مدين، وقد بين تعالى أنهم كذبوا نبيهم شعيبا في غير هذا ~~الموضع في آيات كثيرة كقوله: # ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود # [هود: 59] وقوله: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره # [هود: 84] إلى قوله: # قالوا يشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ~~إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود: 87] وقوله: # قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك # [هود: 91] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # السابعة: من كذبوا موسى وهم فرعون وقومه، وقد بين تعالى في غير هذا ~~الموضع أن فرعون وقومه كذبوا موسى في آيات كثيرة كقوله: # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء: 29] وقوله: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين وفعلت ms2477 فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين # [الشعراء: 18-19] وقوله: # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين # [الأعراف: 132] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية: { ~~فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير } ~~قد بين تعالى نوع العذاب الذي عذب به كل أمة من تلك الأمم، بعد الإملاء ~~لها والإمهال، فبين أنه أهلك قوم نوح بالغرق في مواضع كثيرة كقوله تعالى: # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # [العنكبوت: 14] وقوله: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11-12] وقوله: # ثم أغرقنا بعد الباقين # [الشعراء: 120] إلى غير ذلك من الآيات، وبين في مواضع كثيرة أنه بعد ~~الإملاء والإمهال لعاد أهلكهم بالريح العقيم كقوله تعالى: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] الآيات وقوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 41-42] وقوله: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم # [الأحقاف: 24-25] إلى غير ذلك من الآيات وبين أنه أهلك ثمود بصيحة ~~أهلكتهم جميعا كقوله فيهم: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين # [هود: 67] وقوله: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقوم إبراهيم الذين كذبوه هم ~~نمروذ، وقومه، وقد ذكر المفسرون أن العذاب الدنيوي الذي أهلكهم الله به ~~هو المذكور في قوله تعالى في سورة النحل: # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم ~~من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ~~وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون # [النحل: 26] وقد بين تعالى أنه أهلك قوم لوط بجعل عالي أرضهم سافلها، ~~وأنه أرسل عليهم مطرا من حجارة السجيل في مواضع متعددة كقوله تعالى: # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل # [هود: 82] ونحو ذلك من الآيات. وقد بين تعالى أنه أهلك أصحاب مدين ~~بالصيحة ms2478 في مواضع كقوله فيهم: # وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود # [هود: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات وقد بين في مواضع كثيرة أنه أهلك ~~الذين كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه بالغرق كقوله: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24] وقوله تعالى: # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم # [طه: 78] الآية وقوله تعالى: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين # [يونس: 90] إلى غير ذلك من الآيات. # ومعلوم أن الآيات كثيرة في بيان ما أهلكت به هذه الأمم السبع المذكورة، ~~وقد ذكرنا قليلا منها كالمثال لغيره، وكل ذلك يوضح معنى قوله تعالى بعد ~~أن ذكر تكذيب الأمم السبع لأنبيائهم { فأمليت للكافرين ثم ~~أخذتهم } أي بالعذاب، وهو ما ذكرنا بعض الآيات الدالة على تفاصيله ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فكيف كان نكير } النكير: ~~اسم مصدر بمعنى الإنكار أي كيف كان إنكاري عليهم منكرهم، الذي هو كفرهم ~~بي، وتكذيبهم رسلي، وهو ذلك العذاب المستأصل الذي بينا وبعده عذاب الآخرة ~~الذي لا ينقطع نرجو الله لنا ولإخواننا المسلمين العافية من كل ما يسخط ~~خالقنا، ويستوجب عقوبته. # والجواب إنكارك عليهم بذلك العذاب واقع موقعه على أكمل وجه، لأن الجزاء ~~من جنس العمل، فجزاء العمل البالغ غاية القبح بالنكال العظيم جزاء وفاق ~~واقع موقعه، فسبحان الحكم الخبير الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه ولا ~~يوقعه إلا في موقعه، وقرأ هذا الحرف ورش وحده عن نافع: { فكيف كان ~~نكير } بياء المتكلم بعد الراء وصلا فقط وقرأ الباقون بحذفها اكتفاء ~~بالكسرة عن الياء. ### || [22.45] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيرا من القرى في حال كونها ~~ظالمة: أي بسبب ذلك الظلم، وهو الكفر بالله وتكذيب رسله، فصارت بسبب ~~الإهلاك والتدمير ديارها متهدمة وآبارها معطلة، لا يسقي منها شيء لإهلاك ~~أهلها الذين كانوا يستقون منها. وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه ms2479 ~~الآية: جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ~~فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ~~أعد الله لهم عذابا شديدا # [الطلاق: 8-10] وقوله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102] وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ صلى الله عليه ~~وسلم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة إن أخذه أليم شديد } " # إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فهي ~~خاوية على عروشها } العروش السقوف والخاوية الساقطة ومنه قول ~~الخنساء: # كان أبو حسان عرشا خوى # مما بناه الدهر دان ظليل # والمعنى: أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات، ~~والقصر المشيد المطلي بالشيد بكسر الشين، وهو الجص، وقيل المشيد الرفيع ~~الحصين. كقوله تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78] أي حصون رفيعة منيعة. والظاهر أن قوله: { وبئر ~~معطلة } معطوف على قرية: أي وكأين من قرية أهلكناها، وكم من بئر ~~عطلناها بإهلاك أهلها، وكم من قصر مشيد أخليناه من ساكنيه، وأهلكناهم لما ~~كفروا وكذبوا الرسل. وفي هذه الآية وأمثالها: تهديد لكفار قريش الذين ~~كذبوه صلى الله عليه وسلم، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى ~~من العذاب لما كذبت رسلها. # تنبيه: # يظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: { فهي خاوية ~~على عروشها } يدل على تهدم أبنية أهلها، وسقوطها وقوله: { ~~وقصر مشيد } يدل على بقاء أبنيتها قائمة مشيدة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في جواب هذا السؤال: أن قصور ~~القرى التي أهلكها الله، وقت نزول هذه الآية منها ما هو متهدم كما دل ~~عليه قوله: { فهي خاوية على عروشها } ومنها ما هو قائم باق ~~على بنائه، كما ms2480 دل عليه قوله تعالى: { وقصر مشيد } وإنما ~~استظهرنا هذا الجمع، لأن القرآن دل عليه، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، ~~وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود: # ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم ~~وحصيد # [هود: 100] فصرح في هذه الآية بأن منها قائما، ومنها حصيدا. # وأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن: أن القائم هو الذي لم يتهدم. ~~والحصيد هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه. ونظيره من كلام العرب قوله: # والناس في قسم المنية بينهم # كالزرع منه قائم وحصيد # وفي معنى القائم والحصيد، أقوال أخر غير ما ذكرنا، ولكن ما ذكرنا هو ~~أظهرها. وذكر الزمخشري ما يفهم منه وجه آخر للجمع، وهو أن معنى قوله ~~خاوية: خالية من أهلها من قوله: خوى المكان إذا خلا من أهله، وأن معنى: ~~على عروشها: أن الأبنية باقية أي هي خالية من أهلها مع بقاء عروشها قائمة ~~على حيطانها. وما ذكرناه أولا هو الصواب إن شاء الله تعالى. # وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية: يطلق تارة ~~على نفس الأبنية، وتارة على أهلها الساكنين بها، فالإهلاك في قوله: { ~~أهلكناها } ، والظلم في قوله: { وهي ظالمة }: يراد به أهلها ~~الساكنون بها وقوله: { فهي خاوية على عروشها } يراد به ~~الأبنية كما قال في آية: # واسأل القرية التي كنا فيها # [يوسف: 82] وقال في أخرى: # حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها # [الكهف: 77]. # وقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد ~~والإعجاز: أن ما يسميه البلاغيون مجاز النقص، ومجاز الزيادة، ليس بمجاز ~~حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين، وأقمنا الدليل على ذلك، ~~وقرأ هذا الحرف ابن كثير: وكائن بألف بعد الكاف،وبعد الألف همزة مكسورة، ~~فنون ساكنة وقرأه الباقون: وكأين بهمزة مفتوحة بعد الكاف بعدها ياء ~~مكسورة مشددة فنون ساكنة. ومعنى القراءتين واحد، فهما لغتان فصيحتان، ~~وقراءتان سبعيتان صحيحتان. # وأبو عمرو يقف على الياء، والباقون يقفون على النون، وقرأ أبو عمرو: ~~أهلكتها بتاء المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير ألف، والباقون بنون ms2481 ~~مفتوحة بعد الكاف، وبعد النون ألف، والمراد بصيغة الجمع، على قراءة ~~الجمهور التعظيم، كما هو واضح، وقرأ ورش والسوسي وبير بإبدال الهمزة ياء ~~والباقون بالهمزة الساكنة. # مسألة # اعلم: أن كأين فيها لغات عديدة أفصحها الاثنتان اللتان ذكرناهما، وكأين ~~بفتح الهمزة والياء المكسورة المشددة أكثر في كلام العرب، وهي قراءة ~~الجمهور كما بينا، وكأين بالألف والهمزة المكسورة أكثر في شعر العرب، ولم ~~يقرأ بها من السبعة غير ابن كثير كما بينا، ومعنى كأين: كمعنى كم ~~الخبرية، فهي تدل على الإخبار بعدد كثير ومميزها له حالتان: # الأولى: أن يجر بمن وهي لغة القرآن كقوله: # وكأين من قرية # [الحج: 48 ومحمد: 13 والطلاق: 8] وقوله # وكأين من نبي # [آل عمران: 146] الآية # وكأين من آية في السماوات والأرض # [يوسف: 105] الآية. ونظير ذلك من كلام العرب في جر مميز كأين بمن قوله: # وكائن بالأباطح من صديق # يراني لو أصيب هو المصابا # الحالة الثانية أن ينصب ومنه قوله: # وكائن لنا فضلا عليكم ومنة # قديما ولا تدرون ما من منعم # وقول الآخر: # اطرد اليأس بالرجاء فكائن # آلما حم يسره بعد عسر # قال في الخلاصة: # ككم كأين وكذا وينتصب # تمييز ذين أو به صل من تصب # أما الاستفهام بكأين فهو نادر ولم يثبته إلا ابن مالك، وابن قتيبة، وابن ~~عصفور، واستدل له ابن مالك بما روى عن أبي بن كعب أنه قال لابن مسعود: ~~كأين تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثا وسبعين اه. # واختلف في كأين هل هي بسيطة أو مركبة وعلى أنها مركبة فهي مركبة من كاف ~~التشبيه، وأي المنونة، قال بعضهم: ولأجل تركيبها جاز الوقف عليها بالنون ~~في قراءة الجمهور، لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية، ~~ولهذا رسم في المصحف نونا وقراءة أبي عمرو بالوقف على الياء لأجل اعتبار ~~حكم التنوين في الأصل، هو حذفه في الوقف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي أن كأين بسيطة، وأنها كلمة ~~وضعتها العرب للإخبار بعدد كثير نحو: كم. إذ لا دليل يجب الرجوع إليه ms2482 على ~~أن أصلها مركبة، ومن الدليل على أنها بسيطة: إثبات نونها في الخط لأن ~~الأصل في نون التنوين عدم إثباتها في الخط، ودعوى أن التركيب جعلها ~~كالنون الأصلية دعوى مجردة عن الدليل. واختار أبو حيان أنها غير مركبة، ~~واستدل لذلك بتلاعب العرب بها في تعدد اللغات، فإن فيها خمس لغات اثنتان ~~منها قد قدمناهما، وبينا أنهما قراءتان سبعيتان، لأن إحداهما قرأ بها ابن ~~كثير والأخرى قرأ بها الجمهور. واللغة الثالثة فيها: كأين بهمزة ساكنة ~~فياء مكسورة، والرابعة كيئن بياء ساكنة وهمزة مكسورة، الخامسة: كأن بهمزة ~~مفتوحة ونون ساكنة اه. ولقد صدق أبو حيان في أن التلاعب بلفظ هذه الكلمة ~~إلى هذه اللغات يدل على أن أصلها بسيطة لا مركبة. والله تعالى أعلم. # واعلم: أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة من أن ~~البئر المعطلة، والقصر المشيد معروفان، ,أنهما بحضرموت، وأن القصر مشرف ~~على تلة جبل لا يرتقي إليه بحال، وأن البئر في سفحه لا تقر الرياح شيئا ~~سقط فيها إلا أخرجته، وما يذكرونه أيضا من أن البئر هي: الرس، وأنها ~~كانت بعدن باليمن بحضرموت في بلد يقال له: حضور، وأنها نزل بها أربعة ~~آلاف ممن آمنوا بصالح، ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح، فسمي ~~المكان حضرموت، لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه ~~البئر، وأمروا عليهم رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد أو جلهس بن ~~جلاس وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم، وجعلوا وزيره سنجاريب بن سوادة، ~~فأقاموا دهرا، وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها ~~وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك، لأنها كانت ~~لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وحياض كثيرة ~~حولها تملأ للناس وحياض للدواب وحياض للغنم، وحياض للبقر، ولم يكن لهم ~~ماء غيرها، وآل لهم الأمر إلى أن مات ملكهم وطلوا جثته بدهن يمنعها من ~~التغيير، وأن الشيطان دخل في جثته، وزعم لهم أنه هو الملك، وأنه لم يمت ms2483 ~~ولكنه تغيب عنهم ليرى صنيعهم وأمرهم أن يضربوا بينهم وبين الجثة حجابا، ~~وكان الشيطان يكلمهم من جثة الملك من وراء حجاب لئلا يطلعوا على الحقيقة ~~أنه ميت، ولم يزل بهم حتى كفروا بالله تعالى فبعث الله إليهم نبيا اسمه: ~~حنظلة بن صفوان يوحي إليه في النوم دون اليقظة، فأعلمهم أن الشيطان أضلهم ~~وأخبرهم أن ملكهم قد مات، ونهاهم عن الشرك بالله ووعظهم ونصح لهم، وحذرهم ~~عقاب ربهم، فقتلوا نبيهم المذكور في السوق، وطرحوه في بئر فعند ذلك نزل ~~بهم عقاب الله، فأصبحوا والبئر غار ماؤها، وتعطل رشاؤها فصاحوا بأجمعهم، ~~وضج النساء والصبيان حتى مات الجميع من العطش، وأن تلك البئر هي البئر ~~المعطلة في هذه الآية كله لا معول عليه، لأنه من جنس الإسرائيليات، وظاهر ~~القرآن يدل على خلافه، لأن قوله: # وكأين من قرية # [الحج: 48 و محمد: 13 والطلاق: 8] معناه. الإخبار بأن عددا كبيرا من ~~القرى أهلكهم الله بظلمهم، وأن كثيرا من آبارهم بقيت معطلة بهلاك أهلها، ~~وأن كثيرا من القصور المشيدة بقيت بعد هلاك أهلها بدونهم، لأن مميز ~~كأين، وإن كان لفظه مفردا فمعناه يشمل عددا كثيرا كما هو معلوم في ~~محله. # وقال أبو حيان في البحر المحيط وعن الإمام أبي القاسم الأنصاري قال: ~~رأيت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا فكيف يكون بحضرموت، ومعلوم ~~أن ديار قوم صالح التي أهلكوا فيها معروفة يمر بها الذاهب من المدينة إلى ~~الشام، وقد قدمنا في سورة الحجر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بها في ~~طريقه إلى تبوك في غزوة تبوك. ومن المستبعد أن يقطع صالح، ومن آمن من ~~قومه هذه المسافة البعيدة من أرض الحجر إلى حضرموت من غير داع يدعوه ~~ويضطره إلى ذلك، كما ترى. والعلم عند الله تعالى. ### || [22.46] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها }. # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا ~~صلوات الله وسلامه عليه، ينبغي لهم ms2484 أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح، ~~وأماكن قوم لوط، وأماكن قوم هود، فوجدوا بلادهم خالية وآثارهم منطمسة لم ~~يبق منهم داع ولا مجيب، لتكذيبهم رسلهم، وكفرهم بربهم، فيدركون بعقولهم: ~~أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من سخط الله مثل ما حل بأولئك ~~الذين مروا بمساكنهم خالية، قد عم أهلها الهلاك، وتكون لهم آذان يسمعون ~~بها ما قص الله في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم، وما أصابها من ~~الإهلاك المستأصل والتدمير، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك. # والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم # [محمد: 10] ثم بين تهديده لكفار مكة بما فعل بالأمم الماضية في قوله: # وللكافرين أمثالها # [محمد: 10] وكقوله في قوم لوط: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # [الصافت: 137-138] وكقوله فيهم: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76] الآية، وكقوله في قوم لوط وقوم شعيب: # أصحاب الأيكة لظالمين # [الحجر: 78] # وإنهما لبإمام مبين # [الحجر: 79] لأن معنى الآيتين: أن ديارهم على ظهر الطريق الذي يمرون فيه ~~المعبر عنه بالسبيل والإمام، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد قدمنا منها ~~جملا كافية في سورة المائدة وغيرها. # والآية تدل على أن محل العقل: في القلب، ومحل السمع، في الأذن، فما ~~يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحناه في غير هذا ~~الموضع، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلا في الإنسان لأنه ~~زماني فقط لا مكاني فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى. # قوله تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور }. # قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى # [الإسراء: 72] الآية. مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [22.47] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولن ms2485 يخلف الله ~~وعده }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النبي صلى الله ~~عليه وسلم تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغيانا وعنادا. # والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن كقوله تعالى: # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16] وقوله: # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين # [العنكبوت: 54] وقوله: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب # [العنكبوت: 53] الآية. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة، من هذا ~~الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله: # ما عندي ما تستعجلون به # [الأنعام: 57] وفي يونس في الكلام على قوله: # أثم إذا ما وقع آمنتم به # [يونس: 51] إلى غير ذلك من المواضع. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولن يخلف الله وعده } ~~[الحج: 47] الظاهر أن المراد بالوعد هنا: هو ما أوعدهم به من العذاب الذي ~~يستعجلون نزوله. # والمعنى: هو منجز ما وعدهم به من العذاب، إذا جاء الوقت المحدد لذلك كما ~~قال تعالى: # ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون # [العنكبوت: 53] وقوله تعالى: # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزءون # [هود: 8] وقوله تعالى: # أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون # [يونس: 51] وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر. # ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها ~~الله الذين كفروا وبئس المصير # [الحج: 72] فإنه قال في هذه الآية في النار: وعدها الله بصيغة الثلاثي ~~الذي مصدره الوعد، ولم يقل أوعدها وما ذكر في هذه الآية، من أن ما وعد به ~~الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك، جاء مبينا في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة ق # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي # [ق: 28-29] الآية والصحيح أن المراد بقوله: { ما يبدل القول ~~لدي } أن ما أوعد الكفار به من العذاب، لا يبدل لديه، ms2486 بل هو واقع لا ~~محالة، وقوله تعالى: # كل كذب الرسل فحق وعيد # [ق: 14] أي وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال وقوله تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14] كما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب في ~~سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: # قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام: 128] الآية. وأوضحنا أنما أوعد به الكفار لا يخلف بحال، كما ~~دلت عليه الآيات المذكورة. أما ما أوعد به عصاة المسلمين، فهو الذي يجوز ~~ألا ينفذه وأن يعفو كما قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] الآية. # وبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا، ~~وإنما شاع على ألسنة كثير من أهل التفسير، من أن الوعد لا يستعمل إلا في ~~الوعد بخير وأنه هو الذي لا يخلفه الله، وأما إن كان المتوعد به شرا، ~~فإنه وعيد وإيعاد. قالوا: إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن ~~الإيعاد كرما، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، ~~فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، ~~فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد ~~لؤما وعن الإيعاد كرما، أما سمعت قول الشاعر: # ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي # ولا انثنى عن سطوة المتهدد # فإني وإن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # فيه نظر من وجهين: # الأول: هو ما بيناه آنفا من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار، ~~والعذاب كقوله تعالى: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج: 72] وقوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولن ~~يخلف الله وعده } لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه، ~~ولن يخلف الله وعده في حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم، لأنه مقترن ~~بقوله: { ويستعجلونك بالعذاب } فتعلقه به هو الظاهر. # الثاني: هو ما بينا أن ما أوعد الله به الكفار لا يصح ms2487 أن يخلفه بحال، ~~لأن ادعاء جواز إخلافه، لأنه إيعاد وأن العرب تعد الرجوع عن الإيعاد ~~كرما يبطله أمران: # الأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر أصلا، لأن إيعادهم بإدخالهم ~~النار مما زعموا أن الرجوع عنه كرم، وهذا لا شك في بطلانه. # الثاني: ما ذكرنا من الآيات الدالة: على أن الله لا يخلف ما أوعد به ~~الكفار من العذاب كقوله: # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي # [ق: 28-29] الآية وقوله تعالى فيهم # فحق وعيد # [ق: 14] وقوله فيهم: # فحق عقاب # [ص: 14] ومعنى حق: وجب وثبت، فلا وجه لانتفائه بحال، كما أوضحناه هنا ~~وفي غير هذا الموضع. # قوله تعالى: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن اليوم عنده جل وعلا كألف سنة مما ~~يعده خلقه، وما ذكره هنا من كون اليوم عنده كألف سنة، أشار إليه في سورة ~~السجدة بقوله: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5] وذكر في سورة المعارج أن مقدار اليوم خمسون ألف سنة وذلك في ~~قوله: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] الآية. فآية الحج، وآية السجدة متوافقتان تصدق كل واحدة ~~منهما الأخرى، وتماثلها في المعنى. # وآية المعارج تخالف ظاهرهما لزيادتها عليهما بخمسين ضعفا. وقد ذكرنا ~~وجه الجمع بين هذه الآيات في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات ~~الكتاب. وسنذكره إن شاء الله هنا ملخصا مختصرا. ونزيد عليه بعض ما تدعو ~~الحاجة إليه. # فقد ذكرنا ما ملخصه: أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، ~~عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلا من ابن عباس، وسعيد بن المسيب، سئل عن هذه ~~الآيات: فلم يدر ما يقوله فيها، ويقول: لا أدري، ثم ذكرنا أن للجمع ~~بينهما وجهين: # الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك، عن عكرمة عن ابن عباس من ~~أن يوم ms2488 الألف في سورة الحج: هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها ~~السموات والأرض ويوم الألف في سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وعروجه ~~إليه تعالى ويوم الخمسين ألفا، هو يوم القيامة. # الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن اختلاف زمن اليوم ~~إنما هو باعتبار حال المؤمن، وحال الكافر لأن يوم القيامة أخف على المؤمن ~~منه على الكافر كما قال تعالى: # فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير # [المدثر: 9-10] اه. ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان. # وذكرنا أيضا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب في سورة ~~الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24] ما ملخصه: أن آية الفرقان هذه تدل على انقضاء الحساب في ~~نصف نهار، لأن المقيل القيلولة أو مكانها وهي الاستراحة نصف النهار في ~~الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس، وابن مسعود، ~~وعكرمة وابن جبير لدلالة هذه الآية، على ذلك، كما نقله عنهم ابن كثير ~~وغيره. # وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ~~ورد في حديث انتهى منه، مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف ~~سنة في قوله تعالى: # في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] وهو يوم القيامة بلا خلاف في ذلك. # والظاهر في الجواب: أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين، ~~ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا # [الفرقان: 26] فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين: يدل على أن المؤمنين ~~ليسوا كذلك وقوله تعالى: # فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير # [المدثر: 9-10] يدل بمفهوم مخالفته على أنه يسير على المؤمنين غير عسير ~~كما دل عليه قوله تعالى: # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر # [القمر: 8]. # وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث: أن ~~سعيدا الصواف حدثه أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على ms2489 المؤمنين، حتى ~~يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقلبون في رياض الجنة، حتى ~~يفرغ من الناس وذلك قوله: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24] ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وأما على قول من فسر ~~المقيل في الآية بأنه المأوى والمنزل كقتادة رحمه الله، فلا دلالة في ~~الآية لشيء مما ذكرنا. ومعلوم أن من كان في سرور ونعمة، أنه يقصر عليه ~~الزمن الطويل قصرا شديدا، بخلاف من كان في العذاب المهين والبلايا ~~والكروب، فإن الزمن القصير يطول عليه جدا وهذا أمر معروف، وهو كثير في ~~كلام العرب. وقد ذكرنا في كتابنا المذكور بعض الشواهد الدالة عليه، كقول ~~أبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أرقت فبات ليلي لا يزول # وليل أخي المصيبة فيه طول # وقول الآخر: # فقصارهن مع الهموم طويلة # وطوالهن مع السرور قصار # وقول الآخر: # ليلي وليلي نفى نومي اختلافهما # في الطول والطول طوبى لي لو اعتدلا # يجود بالطول ليلي كلما بخلت # بالطول ليلي وإن جادت به بخلا # ونحو هذا كثير جدا في كلام العرب ومن أظرف ما قيل فيه ما روي عن يزيد ~~بن معاوية أنه قال: # لا أسأل الله تغييرا لما فعلت # نامت وقد أسهرت عيني عيناها # فالليل أطول شيء حين أفقدها # والليل أقصر شيء حين ألقاها # وقد ورد بعض الأحاديث بما يدل على ظاهر آية الحج، وآية السجدة. # وسنذكر هنا طرفا منه بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة ~~الحج. قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة ~~بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام " # ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال ~~الترمذي: حسن صحيح. # وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفا فقال: حدثني يعقوب ثنا ابن ~~علية، ms2490 ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو ~~هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء، بمقدار نصف يوم، قلت: ~~وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال: { وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } وقال أبو ~~داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو ~~المغيرة، حدثني صفوان عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم ~~نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة ". # وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ~~إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس { وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون } قال: من الأيام التي خلق الله فيها ~~السموات والأرض. # ورواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن المهدي وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص ~~عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية. وقال مجاهد: هذه الآية ~~كقوله: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5] اه محل الغرض من ابن كثير، وظواهر الأحاديث التي ساق يمكن ~~الجمع بينها وبين ما ذكرنا من أن أصل اليوم كألف سنة، ولكنه بالنسبة إلى ~~المؤمنين يقصر ويخف، حتى يكون كنصف نهار. والله تعالى أعلم. وقرأ هذا ~~الحرف ابن كثير، وحمزة، والكسائي: { كألف سنة مما يعدون ~~} بياء الغيبة، وقرأه الباقون { تعدون } بتاء الخطاب ومعنى ~~القراءتين واضح، والعلم عند الله تعالى. ### || [22.48] # تقدمت قريبا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في الكلام على قوله تعالى # كذبت قبلهم قوم نوح # [الحج: 42] إلى قوله: # وقصر مشيد # [الحج: 45]. ### || [22.49] # قوله تعالى: { يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير ~~مبين }. # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يقول للناس { ~~إنمآ أنا لكم نذير مبين } أي إني لست بربكم، ms2491 ولا بيدي ~~هدايتكم ولا علي عقابكم يوم القيامة، ولكني مخوف لكم من عذاب الله وسخطه. # والآيات بهذا المعنى كثيرة جدا كقوله تعالى # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40] وقوله: # إنمآ أنت منذر # [الرعد: 7] وقوله # إن أنا إلا نذير مبين # [الشعراء: 115] وقوله # فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا ~~البلاغ # [الشورى: 48] وقوله # إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد # [سبأ: 46] وقوله # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية ~~الكريمة: مبين الظاهر أنه الوصف من أبان الرباعية اللازمة التي بمعنى ~~بان، والعرب تقول: أبان فهو بين معنى بان، فهو بين من اللازم الذي ليس ~~بمتعد إلى المفعول، ومنه قول كعب بن زهير: # قنواء في حرتيها للبصير بها # عتق مبين وفي الخدين تسهيل # فقوله: عتق مبين: أي كرم ظاهر ومن أبان اللازمة قول عمر بن أبي ربيعة ~~المخزومي: # لو دب ذر فوق ضاحي جلدها # لأبان من آثارهن حدور # يعني لظهر وبان من آثارهن ورم ومنه قول جرير: # إذا آباؤنا وأبوك عدوا # أبان المقرفات من العراب # أي ظهر: وبان المقرفات من العراب، ويحتمل أن يكون قوله في هذه الآية: ~~مبين: اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم: أي مبين لكم في ~~إنذاري كل ما ينفعكم، وما يضركم لتجتلبوا النفع، وتجتنبوا الضر، والأول ~~أظهر. والله أعلم. ### || [22.50-51] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين آمنوا به وبرسله، وكل ما ~~يجب الإيمان به، وعملوا الفعلات الصالحات من امتثال الأوامر، واجتناب ~~النواهي لهم من الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم: أي حسن، هو ما يرزقهم من ~~أنواع النعيم في جناته، وأن الذي عملوا بخلاف ذلك فهم أصحاب الجحيم: أي ~~النار الشديد حرها، وفي هذه الآية وعد لمن أطاعه ووعيد لمن عصاه. والآيات ~~بمثل ذلك في القرآن كثيرة كقوله تعالى # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر: 49-50] وقوله # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ms2492 # [غافر: 3] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقد أوضحناها في غير هذا الموضع ~~وقوله في هذه الآية الكريمة { والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين } قال مجاهد: معاجزين يثبطون الناس عن متابعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين. وقال ابن عباس: ~~معاجزين أي مغالبين ومشاقين، وعن الفراء معاجزين: معاندين. وعن الأخفش ~~معاجزين: معاندين مسابقين، وعن الزجاج معاجزين: أي ظانين أنهم يعجزوننا، ~~لأنهم ظنوا ألا بعث، وأن الله لا يقدر عليهم. # واعلم: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه الجمهور: معاجزين بألف بين ~~العين والجيم بصيغة المفاعلة اسم فاعل عاجزه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ~~معجزين بلا ألف مع تشديد الجيم المكسورة على صيغة اسم الفاعل من عجزه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر بحسب الوضع العربي في قراء ~~الجمهور معاجزين: هو اقتضاء طرفين، لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا لدليل يجب ~~الرجوع إليه، والمفاعلة تقتضي الطرفين إلا لدليل يصرف عن ذلك، واقتضاء ~~المفاعلة الطرفين في الآية من طريقين. # الأولى: هي ما قاله ابن عرفة من أن معنى معاجزين في الآية أنهم يعاجزون ~~الأنبياء وأتباعهم، فيحاول كل واحد منهما إعجاز الآخر فالأنبياء ~~وأتباعهم، يحاولون إعجاز الكفار وإخضاعهم لقبول ما جاء عن الله تعالى، ~~والكفار يقاتلون الأنبياء، وأتباعهم، ويمانعونهم، ليصيروهم إلى العجز عن ~~أمر الله. وهذا الوجه ظاهر كما قال تعالى # ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ~~إن استطاعوا # [البقرة: 217] وعليه فمفعول معاجزين محذوف: أي معاجزين الأنبياء ~~وأتباعهم، أي مغالبين لهم، ليعجزوهم عن إقامة الحق. # الطريقة الثانية: هي التي ذكرناها آنفا عن الزجاج أن معنى معاجزين: ~~ظانين أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر عليهم لزعمهم أنه لا يقدر على بعثهم ~~بعد الموت كما قال تعالى # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا # [التغابن: 7] وكما قال تعالى # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # [يس: 78] وقال تعالى عنهم إنهم قالوا # وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29] # وما نحن بمنشرين # [الدخان: 35] وعلى هذا القول فالكفار معاجزين الله ms2493 في زعمهم الباطل، وقد ~~بين تعالى في آيات كثيرة أن زعمهم هذا كاذب، وأنهم لا يعجزون ربهم بحال ~~كقوله تعالى # واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله ~~مخزي الكافرين # [التوبة: 2] وقوله # فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم # [التوبة: 3] وقوله: # ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء # [العنكبوت: 22] الآية وقوله تعالى في الجن # وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا # [الجن: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن مما يوضح هذا الوجه ~~الأخير قول كعب بن مالك رضي الله عنه: # زعمت سخينة أن ستغلب ربها # وليغلبن مغالب الغلاب # ومراده بسخينة قريش: يعني أنهم يحاولون غلبة ربهم، والله غالبهم بلا شك ~~والوجه الأول أظهر. وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: معجزين بكسر ~~الجيم المشددة، بلا ألف، فالأظهر أن المعنى معجزين: أي مثبطين من أراد ~~الدخول في الإيمان عن الدخول فيه، وقيل معجزين من اتبع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعنى ذلك: أنهم ينسبونهم إلى العجز من قولهم: عجزه بالتضعيف ~~إذا نسبه إلى العجز الذي هو ضد الحزم، يعنون أنهم يحسبون المسلمين سفهاء ~~لا عقول لهم، حيث ارتكبوا أمرا غير الحزم والصواب، وهو اتباع دين ~~الإسلام في زعمهم كما قال تعالى عن إخوانهم المنافقين # وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا إنهم هم السفهآء # [البقرة: 13] الآية وقوله في هذه الآية الكريمة { والذين سعوا ~~في آياتنا }. # اعلم أولا: أن السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه، ومن ~~استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا: { سعوا في آياتنا } أي ~~سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم: إنها سحر وشعر وكهانة وأساطير الأولين، ~~ونحو ذلك. ومن إطلاق السعي في الفساد أيضا قوله تعالى # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها # [البقرة: 205] الآية ومن إطلاق السعي في العمل للإصلاح قوله تعالى # إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا # [الإنسان: 22] وقوله # وأما من جآءك يسعى وهو يخشى # [عبس: 8-9] الآية إلى غير ms2494 ذلك من الآيات. # ومن إطلاق السعي على الخير والشر معا قوله تعالى # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4] إلى قوله: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11] وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة الحج التي هي قوله تعالى ~~{ فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين ~~أولئك أصحاب الجحيم } جاء معناها واضحا في سورة سبأ في ~~قوله تعالى # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم # [سبأ: 4-5] فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم ~~المذكور في الحج. ### || [22.52] # معنى قوله تمنى في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير ~~معروفان: # الأول: أن تمنى بمعنى: قرأ وتلا ومنه قول حسان في عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه: # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخرها لاقى حمام المقادر # وقول الآخر: # تمنى كتاب الله آخر ليلة # تمنى داود الزبور على رسل # فمعنى تمنى في البيتين قرأ وتلا. # وفي صحيح البخاري، عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا. هو ~~قول أكثر المفسرين. # القول الثاني: أن تمنى في الآية من التمني المعروف، وهو تمنية إسلام ~~أمته وطاعتهم لله ولرسله، ومفعول ألقى محذوف فعلى أن تمنى بمعنى: أحب ~~إيمان أمته، وعلق أمله بذلك، فمفعول ألقى يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد ~~عن دين الله حتى لا يتم للنبي صلى الله عليه وسلم أو الرسول ما تمنى.. # ومعنى كون الإلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن الشيطان يلقي وساوسه ~~وشبه ليصد بها عما تمناه الرسول أو النبي، فصار الإلقاء كأنه واقع ~~فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك. # وعلى أن تمنى بمعنى: قرأ. ففي مفعول ألقى تقديران: # أحدهما: من جنس الأول: أي ألقى الشيطان في قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو النبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما ms2495 يقرؤه، ~~ويتلوه الرسول أو النبي، وعلى هذا التقدير فلا إشكال. # وأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته أي قراءته ما ليس منها ~~ليظن الكفار أنه منها. # وقوله { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } يستأنس به لهذا ~~التقدير. # وقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق قالوا: سبب ~~نزول هذه الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ~~بمكة، فلما بلغ: # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ~~لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون. وقال ~~المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة ~~أسلموا بسبب سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رجع المهاجرون من ~~الحبشة ظنا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم. # وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن ~~يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ~~ذلك القول، ومثلنا لذلك: بأمثلة متعددة، وهذا القول الذي زعمه كثير من ~~المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ~~الشرك الأكبر والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا وإن ~~شفاعتهن لترتجى، يعنون: اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك ~~في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم ~~قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى، في اللات والعزى، ومناة ~~الثالثة الأخرى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23] وليس من المعقول أن النبي صلى الله عليه وسلم يسب آلهتهم ~~هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرا عن ذكره لها بخير المزعوم، إلا ~~وغضبوا، ولم يسجدوا لأن العبرة بالكلام الأخير، مع أنه قد دلت آيات ~~قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على ms2496 أن الله لم يجعل ~~للشيطان سلطانا على النبي صلى الله عليه وسلم، وإخوانه من الرسل، ~~وأتباعهم المخلصين كقوله تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل: 99-100] وقوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # [الحجر: 42] وقوله تعالى # وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة # [سبأ: 21] الآية وقوله: # وما كان لي عليكم من سلطان # [إبراهيم: 22] الآية. وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه صلى ~~الله عليه وسلم ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك. # ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4] وقوله # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء: 221-222] وقوله في القرآن العظيم: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] وقوله تعالى: # وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 41-42] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم. # مسألة # اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة القرآن على بطلانها ~~لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء ~~الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق ~~الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين ~~البزار رحمه الله: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن ~~سيعد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع ~~انتصاره، لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق ~~سعيد بن جبير. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا ~~أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد ms2497 شك في وصلها. # فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر، ~~عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة، ~~وقال البزار: لا يرى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، ~~وهو ثقة مشهور وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ~~ابن عباس. والكلبي متروك. # فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في ~~الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ~~ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. # وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من ~~الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله # ولو تقول علينا بعض الأقاويل # [الحاقة: 44] الآية وقوله # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] الآية. وقوله # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74] فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون، ثم ذكر الشوكاني ~~عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة ~~من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع ~~الزنادقة وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي وجماعات كثيرة، ~~وقراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ~~ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة ~~فلا إشكال. # وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: ~~إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج ~~بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، لأن ~~الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلا. فللعلماء عن ~~ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات، فلما ms2498 قرأ { ومناة الثالثة ~~الأخرى } قال الشيطان لعنه الله محاكيا لصوته: تلك الغرانيق العلى ~~الخ فظن المشركون أن الصوت صوته صلى الله عليه وسلم، وهو برئ ومن ذلك ~~براءة الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحا وافيا، ~~واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. # والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة ~~الإلقاء على لسانه صلى الله عليه وسلم لما ذكر شرعا، ومن أثبتها نسب ~~التلفظ بذلك الكفر للشيطان. فتبين أن نطق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك الكفر، ولو سهوا مستحيل شرعا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل ~~قطعا على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها: غرنوق كزنبور ~~وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير ~~البيض، فتشفع عنده لعابديها قبحهم الله ما أكفرهم، ونحن وإن ذكرنا أن ~~قوله { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } يستأنس به لقول من ~~قال: إن مفعول الإلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس ~~منها، لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الإبطال والإزالة من قولهم: ~~نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر، وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ ~~شيئا ألقاه الشيطان، ليس ما يقرؤه الرسول أو النبي، فالذي يظهر لنا ~~أنه الصواب. # وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينته له من تكلم على الآية من ~~المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك والوساوس ~~المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير ~~الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده. # والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور ~~امتحان الخلق، لأنه قال: # ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض # [الحج: 53] ثم قال # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم # [الحج: 54] فقوله { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه ~~الحق } الآية. يدل على أن الشيطان يلقي عليهم، أن ms2499 الذي يقرأه ~~النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون ~~الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في ~~إلقائه: فهذا الامتحان لا يناسب شيئا زاده الشيطان من نفسه في القراءة، ~~والعلم عند الله تعالى. # وعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقى الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم ~~تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم. # ومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا ~~يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا ~~من أنه يسلط الشيطان فيلقى في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر ~~مؤمنهم من كافرهم. # بذلك الامتحان، جاء موضحا في آيات كثيرة قدمناها مرارا كقوله # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك ~~يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء # [المدثر: 31] الآية وقوله تعالى # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143] الآية وقوله # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن # [الإسراء: 60] أي لأنها فتنة، كما قال # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم # [الصافات: 62-64] الآية. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن الشجر لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة ~~في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارا، والعلم ~~عند الله تعالى واللام في قوله # ليجعل ما يلقي الشيطان # [الحج: 53] الآية الأظهر أنها متعلقة، بألقى أي ألقى الشيطان في أمنية ~~الرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، ~~خلافا للحوفي القائل: إنها متعلقة بيحكم، وابن عطية القائل: إنها متعلقة ~~بينسخ. ومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب ms2500 لتماديهم في الضلال والكفر، وقد ~~أوضحنا معاني الفتنة في القرآن سابقا، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع ~~الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن ~~تطلق على معان متعددة منها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] أي يحرقون بها. وقوله تعالى # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10] الآية أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين، ومنها: ~~الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15] وقوله تعالى # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] وقوله تعالى # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا لنفتنهم فيه # [الجن: 16-17] ومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله # الدين لله # [البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله # ويكون الدين لله # [البقرة: 193] وقوله في الأنفال # ويكون الدين كله لله # [الأنفال: 39] ومما يوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " # الحديث. فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية، لأن خير ما يفسر به ~~القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا { ليجعل ما ~~يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض } وقد ~~جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] أي حجتهم كما هو الظاهر. # واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين: # أحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] الآية وقوله هنا { ليجعل ما يلقي الشيطان ~~فتنة للذين في قلوبهم مرض } أي كفر وشك. # والثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا ~~المعنى قوله تعالى # فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض # [الأحزاب: 32] أي ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على ~~الأمور الخبيثة: مرضا وذلك معروف في ms2501 لغتهم ومنه قول الأعشى: # حافظ للفرج راض بالتقى # ليس ممن قلبه فيه مرض # وقوله هنا # والقاسية قلوبهم # [الحج: 53] قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة ~~القلوب في الكلام على قوله # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة: 74] وآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم، من ~~أن النبي هو من أوحى إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو ~~النبي الذي أوحى إليه، وأمر بتبليغ ما أوحى إليه غير صحيح، لأن قوله ~~تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي } ~~الآية. يدل على أن كلا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر ~~بعضهم أن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، هو من لم ينزل عليه كتاب ~~وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل ~~الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله # يحكم بها النبيون الذين أسلموا # [المائدة: 44] الآية وقوله في هذه الآية { فتخبت له قلوبهم ~~} أي تخشع وتخضع وتطمئن. ### || [22.55] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار لا يزالون في مرية، ~~أي شك وريب منه: أي من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر، واختاره ابن ~~جرير وهو قول ابن جريج، كما نقله عنهم ابن كثير: وقال سعيد بن جبير، وابن ~~زيد: في { مرية منه }: أي في شك مما ألقى الشيطان، وذكر تعالى في ~~هذه الآية: أنهم لا يزالون كذلك، حتى تأتيهم الساعة: أي القيامة بغتة: أي ~~فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. وقد روى مجاهد عن أبي بن كعب: أن اليوم ~~العقيم المذكور يوم بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وغير ~~واحد: واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره ثم قال: وقال ~~مجاهد وعكرمة في رواية عنهما: هو يوم القيامة لا ليل له، وكذا قال الضحاك ~~والحسن البصري، ثم قال: وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر ms2502 من جملة ~~ما أوعدوا به اه. محل الغرض من ابن كثير. # وقد ذكرنا مرارا أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع ~~البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في الآية ~~قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. وبه تعلم أن ~~القرينة القرآنية هنا دلت على أن المراد باليوم العقيم: يوم القيامة، لا ~~يوم بدر، وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم العقيم، بقوله # الملك يومئذ لله يحكم بينهم # [الحج: 56] الآية. وذلك يوم القيامة وقوله: يومئذ: أي يوم إذ تأتيهم ~~الساعة، أو يأتيهم عذاب عقيم، وكل ذلك يوم القيامة. فظهر أن اليوم ~~العقيم: يوم القيامة، وإن كان يوم بدر عقيما على الكفار، لأنهم لا خير ~~لهم فيه، وقد أصابهم ما أصابهم. ### || [22.56-57] # قوله تعالى: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الملك يوم القيامة له، وإن كان ~~الملك في الدنيا له أيضا، لأن في الدنيا ملوكا من المخلوقين، ويوم ~~القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلا لله جل وعلا وحده، وما ذكره في هذه ~~الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له، ومعلوم أن الملك هو الذي له ~~الحكم بين الخلق بينه في غير هذا الموضع كقوله # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] وقوله: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26] الآية وقوله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وقوله تعالى # وله الملك يوم ينفخ في الصور # [الأنعام: 73] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~فأولئك لهم عذاب مهين }. # إدخال الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار ~~المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين: يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في ~~قوله { يحكم بينهم } وما ذكره هنا من الوعد والوعيد قد بينا ~~الآيات الدالة على معناه مررا بكثرة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [22.58] # ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل ms2503 الله، ثم ~~قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد، لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل ~~منهم، أو ماتوا على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد، أنه تعالى أقسم ليرزقهم ~~رزقا حسنا وأنه خير الرازقين، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا ~~جاء مبينا في غير هذا الموضع. # أما الذين قتلوا في سبيل الله: فقد بين الله جل وعلا أنه يرزقهم رزقا ~~حسنا، وذلك في قوله تعالى # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن، وأما الذين ماتوا ~~في غير قتال المذكورين في قوله هنا: أو ماتوا، فقد قال الله فيهم # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # [النساء: 100] ولا شك أن من وقع أجره على الله: أن الله يرزقه الرزق ~~الحسن كما لا يخفى. # والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة. # وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفا منها والعلم عند الله تعالى، ~~وقوله تعالى في هذه الآية { ثم قتلوا } قرأه ابن عامر بتشديد ~~التاء والباقون بتخفيفها. ### || [22.61-62] # ذكر غير واحد من المفسرين: أن الإشارة في قوله: ذلك راجعة إلى نصرة من ~~ظلم من عباده المؤمنين المذكور قبله في قوله # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه ~~لينصرنه الله # [الحج: 60] الآية أي ذلك النصر المذكور كائن بسبب أنه قادر لا يعجز عن ~~نصرة من شاء نصرته، ومن علامات قدرته الباهرة: أنه يولج الليل في النهار، ~~ويولج النهار في الليل أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا ~~يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي ~~والانتصار، وأنه سميع لما يقولون، بصير بما يفعلون: أي وذلك الوصف بخلق ~~النهار والليل والإحاطة بما يجري فيهما، والإحاطة بكل قول وفعل بسبب أن ~~الله هو الحق: أي الثابت الإلهية والاستحقاق للعبادة وحده، وأن كل ما ~~يدعى إلها غيره باطل وكفر، ووبال على ms2504 صاحبه، وأنه جل وعلا هو العلي ~~الكبير، الذي هو أعلا من كل شيء وأعظم وأكبر سبحانه وتعالى علوا كبيرا. # وقد أشار تعالى لأول ما ذكرنا. بقوله { ذلك بأن الله يولج ~~الليل في النهار } الآية، ولآخره بقوله { ذلك بأن ~~الله هو الحق } الآية. # والأظهر عندي: أن الإشارة في قوله ذلك: راجعة إلى ما هو أعم من نصرة ~~المظلوم، وأنها ترجع لقوله # الملك يومئذ لله يحكم بينهم # [الحج: 56] إلى ما ذكره من نصرة المظلوم: أي ذلك المذكور من كون الملك ~~له وحده، يوم القيامة، وأنه الحاكم وحده بين خلقه، وأنه المدخل الصالحين ~~جنات النعيم والمعذب الذين كفروا العذاب المهين، والناصر من بغى عليه من ~~عباده المؤمنين، بسبب أن القادر على كل شيء، ومن أدلة ذلك: أنه يولج ~~الليل في النهار إلى آخر ما ذكرنا. وهذا الذي وصف به نفسه هنا من صفات ~~الكمال والجلال ذكره في غير هذا الموضع كقوله في سورة لقمان، مبينا أن ~~من اتصف بهذه الصفات قادر على إحياء الموتى، وخلق الناس # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن ~~الله سميع بصير # [لقمان: 28]. # ثم استدل على قدرته على الخلق والبعث، فقال: # ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون ~~خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير # [لقمان: 29-30] فهذه الصفات الدالة على كمال قدرته، استدل بها على قدرته ~~في الحج، وفي لقمان. وإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر فيه معنيان. # الأول: وهو قول الأكثر: من أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر، إنما هو ~~بإدخال جزء منه فيه، وبذلك يطول النهار في الصيف، لأنه أولج فيه شيء من ~~الليل ويطول الليل في الشتاء: لأنه أولج فيه شيء من النهار، وهذا من أدلة ~~قدرته الكاملة. # المعنى الثاني: هو أن إيلاج أحدهما في الآخر، هو تحصيل ظلمة هذا في مكان ~~ضياء ذلك، بغيبوبة ms2505 الشمس. وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا كما يضيء البيت ~~المغلق بالسراج، ويظلم بفقده. ذكر هذا الوجه الزمخشري، وكأنه يميل إليه ~~والأول أظهر، وأكثر قائلا، والعلم عند الله تعالى. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل } قرأه حفص وحمزة والكسائي: يدعون بالياء التحتية، وقرأه ~~الباقون: بتاء الخطاب الفوقية. ### || [22.63] # الظاهر: أن " تر " هنا من رأى بمعنى: علم. لأن إنزال المطر وإن كان ~~مشاهدا بالبصر فكون الله هو الذي أنزله، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر. ~~فالرؤية هنا علمية على التحقيق. # فالمعنى: ألم تعلم الله منزلا من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة: أي ذات ~~خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب إنزاله من الماء من السماء، ~~وهذه آية من آياته وبراهين قدرته على البعث كما بيناه مرارا. وهذا ~~المعنى المذكور هنا من كون إنبات نبات الأرض، بإنزاله الماء من آياته ~~الدالة، على كمال قدرته جاء موضحا في آيات كثيرة، كقوله تعالى # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت # [فصلت: 39] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: # إن الذي أحياها لمحى الموتى # [فصلت: 39] وكقوله: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم: 50] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: # إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير # [الروم: 50] وقوله: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع ~~نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا # [ق: 9-11] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: # كذلك الخروج # [ق: 11] أي خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، كقوله: # ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # [الروم: 19] وقوله: # وأحيينا به بلدة ميتا # [ق: 11] # كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # [الأعراف: 57] والآيات بمثل هذا كثيرة. # تنبيه # في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان: # الأول: هو ما حكمة عطف المضارع في قوله: فتصبح على الماضي الذي هو أنزل؟ # السؤال الثاني: ما وجه الرفع في قوله: فتصبح مع أن ms2506 قبلها استفهاما؟ # فالجواب عن الأول: أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زمانا ~~بعد زمان كما تقول: أنعم على فلان عام كذا وكذا، فأروح وأغدو شاكرا له، ~~ولو قلت: فغدوت ورحت، لم يقع ذلك الموقع، هكذا أجاب به الزمخشري. # والذي يظهر لي والله أعلم: أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيأة ~~التي اتصفت بها الأرض: بعد نزول المطر، والماضي لا يفيد دوام استحضارها ~~لأنه يفيد انقطاع الشيء، أما الرفع في قوله: فتصبح، فلأنه ليس مسببا عن ~~الرؤية التي هي موضع الاستفهام، وإنما هو مسبب الإنزال في قوله: أنزل، ~~والإنزال الذي هو سبب إصباح الأرض مخضرة ليس فيه استفهام، ومعلوم أن ~~الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط، ولا ~~يمكن أن تقول هنا: إن تر أن الله أنزل من السماء ماء، تصبح الأرض مخضرة، ~~لأن الرؤية لا أثر لها ألبتة في اخضرار الأرض، بل سببه إنزال الماء لا ~~رؤية إنزاله. # وقد قال الزمخشري في الكشاف في الجواب عن هذا السؤال: فإن قلت: فما له ~~رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام. # قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب ~~بالنصب إلى نفي الاخضرار. # مثاله: أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن تنصبه فأنت ناف ~~لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن ~~يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله. انتهى منه. وذكر ~~نحوه أبو حيان وفسره ظانا أنه أوضحه، ولا يظهر لي كل الظهور، والعلم عند ~~الله تعالى. # فإن قيل: كيف قال: فتصبح مع أن اخضرار الأرض، قد يتأخر عن صبيحة المطر. # فالجواب: أنه على قول من قال: فتصبح الأرض مخضرة: أي تصير مخضرة فالأمر ~~واضح، والعرب تقول: أصبح فلان غنيا مثلا بمعنى صار. وذكر أبو حيان عن ~~بعض أهل العلم: أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر. ~~ذكره عكرمة وابن عطية وعلى هذا فلا إشكال. وقال ms2507 بعضهم: إن الفاء للتعقيب، ~~وتعقيب كل شيء بحسبه كقوله: # ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة # [المؤمنون: 14] مع أن بين ذلك أربعين يوما كما في الحديث، قاله ابن ~~كثير. وقوله: لطيف خبير: أي لطيف بعباده، ومن لطفه بهم إنزاله المطر ~~وإنباته لهم به أقواتهم، خبير بكل شيء، لا يغرب عن عمله مثقال ذرة في ~~السماء ولا في الأرض سبحانه وتعالى علوا كبيرا. ### || [22.65] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الله سخر لخلقه ما في الأرض، وسخر ~~لهم السفن تجري في البحر بأمره، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحا في مواضع ~~كثيرة كقوله: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] وقد بينا معنى تسخير ما في السماء بإيضاح في سورة الحجر ~~في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17] وكقوله: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس: 41-42] وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة النحل وغيرها. # قوله تعالى: { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا ~~بإذنه }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من ~~أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على ~~الأرض فأهلكت من عليها، كما قال: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # [سبأ: 9] الآية. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر: 41] الآية، وكقوله: # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن ~~الخلق غافلين # [المؤمنون: 17] على قول من فسرها: بأنه غير غافل عن الخلق بل حافظ لهم ~~من سقوط السموات المعبر عنها بالطرائق عليهم. # تنبيه # هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله: { ويمسك السمآء ~~أن تقع على الأرض } وقوله: ms2508 # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر: 41] وقوله: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # [سبأ: 9] وقوله: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]، وقوله: # والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]، وقوله تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] الآية، ونحو ذلك من الآيات، يدل دلالة واضحة، على أن ما ~~يزعمه ملاحدة الكفرة، ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإسلام أن ~~السماء فضاء لا جرم مبنى، أنه كفر وإلحاد وزندقة، وتكذيب لنصوص القرآن ~~العظيم، والعلم عند الله تعالى. # وقوله في هذه الآية الكريمة # إن الله بالناس لرءوف رحيم # [البقرة: 143] أي ومن رأفته ورحمته بخلقه: أنه أمسك السماء عنهم، ولم ~~يسقطها عليهم. ### || [22.66] # قوله: { وهو الذي أحياكم } أي بعد أن كنتم أمواتا في بطون ~~أمهاتكم قبل نفخ الروح فيكم فهما إحياءتان، وإماتتان كما بينه بقوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28] وقوله تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] الآية. # ونظير آية الحج المذكورة هذه قوله تعالى، في الجاثية: # قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه # [الجاثية: 26] الآية، وكفر الإنسان المذكور في هذه الآية في قوله: { ~~إن الإنسان لكفور } مع أن الله أحياه مرتين، وأماته مرتين، هو ~~الذي دل القرآن على استعباده وإنكاره مع دلالة الإماتتين والإحياءتين على ~~وجوب الإيمان بالمحيي المميت، وعدم الكفر به في قوله: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] الآية. ### || [22.67] # قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه }. # الأظهر في معنى قوله { منسكا هم ناسكوه } أي متعبدا هم ~~متعبدون فيه، لأن أصل النسك التعبد وقد بين تعالى أن منسك كل أمة فيه ~~التقرب إلى الله بالذبح، فهو فرد من أفراد النسك صرح القرآن بدخوله في ~~عمومه. وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك. # والآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى: # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا ms2509 اسم الله ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم ~~إله واحد فله أسلموا # [الحج: 34] الآية وقوله { لكل أمة جعلنا منسكا } في ~~الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها. # قوله تعالى: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ~~مستقيم }. # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن ~~يدعو الناس إلى ربهم أي إلى طاعته، وطاعة رسله، وأخبره فيها أنه على صراط ~~مستقيم: أي طريق حق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام الذي أمره أن ~~يدعو الناس إليه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين، جاء ~~واضحا في مواضع أخر كقوله في الأول منهما # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ~~وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين # [القصص: 87] وقوله تعالى # فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت # [الشورى: 15] الآية وقوله تعالى # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125] وأخبر جل وعلا أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله ~~تعالى # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم # [المؤمنون: 73] وقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] وكقوله في الأخير # فتوكل على الله إنك على الحق المبين # [النمل: 79] وقوله # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها # [الجاثية: 18] الآية وقوله تعالى # ويهديك صراطا مستقيما # [الفتح: 2]. والآيات بمثل هذا كثيرة. ### || [22.68] # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أنه إن ~~جادله الكفار: أي خاصموه بالباطل وكذبوه، أن يقول لهم: الله أعلم بما ~~تعملون. # وهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين: # أحدهما: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهددهم بقوله: الله أعلم بما ~~تعملون: أي من الكفر، فمجازيكم عليه أشد الجزاء. # الثاني: الإعراض عنهم، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه ~~الآية في غير هذا الموضع. # أما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير ~~له فيها قوله تعالى # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون ms2510 # [يونس: 41]. # وأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع كقوله # هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني ~~وبينكم # [الأحقاف: 8] وقوله # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا ~~يرد بأسه عن القوم المجرمين # [الأنعام: 147] فقوله { ولا يرد بأسه } الآية فيه أشد الوعيد ~~للمكذبين، كما قال # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15] في مواضع متعددة، وهم إنما يكذبونه بالجدال، والخصام ~~بالباطل. وقد أمره الله في غير هذا الموضع أن يجادلهم بالتي هي أحسن وذلك ~~في قوله # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125] وقوله # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] وبين له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل، ~~إلا جاءه الله بالحق الذي يدمغ ذلك الباطل، مع كونه أحسن تفسيرا وكشفا ~~وإيضاحا للحقائق وذلك في قوله # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. ### || [22.74] # قوله تعالى: { ما قدروا الله حق قدره }. # أي: ما عظموه حق عظمته حين عبدوا معه من لا يقدر على خلق ذباب، وهو عاجز ~~أن يسترد من الذباب ما سلبه الذباب منه، كالطيب الذي يجعلونه على ~~أصنامهم، إن سلبها الذباب منه شيئا لا تقدر على استنقاذه منه، وكونهم لم ~~يعظموا الله حق عظمته، ولم يعرفوه حق معرفته، حيث عبدوا معه من لا يقدر ~~على جلب نفع، ولا دفع ضر. ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله في الأنعام # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] وكقوله في الزمر # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون # [الزمر: 67]. ### || [22.75] # قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس }. # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يصطفي أي يختار رسلا من ~~الملائكة، ومن الناس فرسل الناس لإبلاغ الوحي ورسل الملائكة لذلك أيضا، ~~وقد يرسلهم لغيره، وهذا الذي ذكره هنا من اصطفائه الرسل منهما جاء واضحا ~~في غير هذا الموضع، كقوله في رسل الملائكة # الحمد لله فاطر السماوات ms2511 والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع # [فاطر: 1] الآية. وقوله في جبريل # إنه لقول رسول كريم # [التكوير: 19] ومن ذكره إرسال الملائكة بغير الوحي قوله تعالى: # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ~~حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61] وكقوله في رسل بني آدم # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] وقوله # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253] الآية، وقوله # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا # [النحل: 36] الآية. ### || [22.78] # قوله تعالى: { هو اجتباكم }. # أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد. # ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] الآية. # قوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }. # الحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف. # وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء ~~بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا ~~على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من ~~قبلنا. # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا ~~الموضع كقوله تعالى # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185] وقوله # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء: 28] وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، # " وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ خواتم سورة البقرة " ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله قد فعلت " " # في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحجر في هذه ~~الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه، وصلاة ~~العاجز عن القيام قاعدا وإباحة المحظور للضرورة كما قال تعالى # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه # [الأنعام: 119] الآية إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير، وما ~~تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، ~~والتخفيف في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، هو ms2512 إحدى القواعد الخمس، ~~التي بنى عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس. # الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: # " لا ضرر ولا ضرار ". # الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا { وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج } وما ذكرنا في معناها من ~~الآيات. # الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث # " من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتا أو ~~يشم ريحا " # لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها. # الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ~~ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله # وأمر بالعرف # [الأعراف: 199] الآية. # الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث # " إنما الأعمال بالنيات " # الحديث. وقد اشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس ~~المذكورات بقوله: # قد أسس الفقه على رفع الضرر # وأن ما يشق يجلب الوطر # ونفى رفع القطع بالشك وأن # يحكم العرف وزاد من فطن # كون الأمور تبع المقاصد # مع التكلف ببعض وارد # قوله تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم }. # قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير: أي ما جعل عليكم ~~في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم، وأعربه بعضهم منصوبا بمحذوف: أي الزموا ~~ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله { ملة أبيكم ~~إبراهيم } شاملا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله { يأيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله ~~حق جهاده } [الحج: 77-78]. ويوضح هذا قوله تعالى # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا # [الأنعام: 161] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله. # قوله تعالى: { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~}. # اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله { هو سماكم } فقال ~~بعضهم الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، وهذا القول مروى عن ~~ابن عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، من قبل وفي هذا، وهذا ~~القول مروى عن ابن ms2513 عباس، وبه قال مجاهد وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل ~~بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو أي إبراهيم ~~سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة: 128] وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنهم ابن ~~كثير. وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن ~~يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ~~ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه ~~الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب. # إحداهما: أن الله قال { هو سماكم المسلمين من قبل ~~وفي هذا } أي القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في ~~القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير. # القرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا ~~إلى إبراهيم فقوله { هو اجتباكم } أي الله وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج: أي الله هو سماكم المسلمين: أي الله. # فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو ~~إبراهيم. # فالجواب أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، ~~وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله وفي هذا يعني القرآن، دليل على أن المراد ~~بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل ~~المذكورة قبله نحو { هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج } يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين. # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية بعد أن ذكر: أن الذي سماهم ~~المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه: # قلت: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال { هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج } ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته ~~تعالى ms2514 على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، ~~وقديم الزمان في كتاب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال { هو ~~سماكم المسلمين من قبل } أي من قبل هذا القرآن. # وفي هذا روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا ~~محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام، أخبره عن أبي ~~سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من دعا دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن ~~صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وإن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم ~~بها المسلمين المؤمنين عباد الله " # وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21] اه من تفسير ابن كثير. # وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو ~~الذي سماهم المسلمين المؤمنين. # قوله تعالى: { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهدآء على الناس }. # يعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين من قبل نزول كتابكم، ~~وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها المسلمين، وكذلك سماكم في ~~هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، ~~لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم، حين ~~ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدا، أنه بلغكم، ~~وقيل: شهيدا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ. # وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143] وقال فيه صلى الله عليه وسلم # إنآ أرسلناك شاهدا # [الفتح: 8] الآية. والعلم عند الله تعالى. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-2] # ذكر جل وعلا في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات ~~المؤمنين المفلحين فقال { قد أفلح المؤمنون } أي فازوا ~~وظفروا بخير الدنيا والآخرة. # وفلاح المؤمنين ms2515 مذكور ذكرا كثيرا في القرآن كقوله # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47] وقوله { الذين هم في صلاتهم خاشعون } أصل ~~الخشوع: السكون، والطمأنينة، والانخفاض ومنه قول نابغة ذبيان: # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع # وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح. # وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما في قوله ~~في الأحزاب # والخاشعين والخاشعات # [الأحزاب: 35] إلى قوله # أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما # [الأحزاب: 35]. # وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون ~~الفردوس، وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45] وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله { الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون } على أن من خشوع المصلي: أن يكون نظره في صلاته ~~إلى موضع سجوده، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في ~~الصلاة, فأنزل الله { الذين هم في صلاتهم خاشعون } فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. # وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في ~~سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت ~~{ الذين هم في صلاتهم خاشعون } فطأطأ رأسه " # اه منه. وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع ~~بصره. وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع ~~سجوده، واستدلوا لذلك بقوله تعالى # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144] قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع ~~من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام. وظاهر قوله تعالى { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } لأن المنحني بوجهه إلى موضع ~~سجوده، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا. # واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين: # الأول: الفوز ms2516 بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد: # فاعقلي إن كنت لما تعقلي # ولقد أفلح من كان عقل # أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر. # والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد ~~أيضا في رجز له: # لو أن حيا مدرك الفلاح # لناله ملاعب الرماح # يعني مدرك البقاء، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن ~~قريع: # لكل هم من الهوم سعه # والمسى والصبح لا فلاح معه # أي لا بقاء معه، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول ~~هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة، وأن من ~~دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح ~~بكل واحد منهما، فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة: حي على ~~الفلاح. ### || [23.3] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين: ~~إعراضهم عن اللغو. وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، ~~فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل، وما توجب المروءة تركه. # وقال ابن كثير { عن اللغو معرضون } أي عن الباطل، وهو يشمل ~~الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من ~~الأقوال والأفعال اه منه. # وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية. أشار له في غير ~~هذا الموضع كقوله # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] ومن مرورهم به كراما إعراضهم عنه، وعدم مشاركتهم أصحابه ~~فيه وقوله تعالى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55] الآية. ### || [23.4] # في المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم. # أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وعزاه ابن كثير للأكثرين. # الثاني: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس أي تطهيرها من الشرك، ~~والمعاصي بالإيمان بالله، وطاعته وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام، وعلى ~~هذا فالمراد بالزكاة كالمراد بها في قوله # قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10] وقوله # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14]. الآية وقوله # ولولا فضل الله عليكم ms2517 ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21] وقوله # خيرا منه زكاة # [الكهف: 81] الآية وقوله # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت: 6-7] على أحد التفسيرين. وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث ~~قرائن. # الأولى: أن هذه السورة مكية، بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما ~~هو معلوم. فدل على أن قوله { والذين هم للزكاة فاعلون } ~~نزل قبل فرض زكاة الأموال المعروفة، فدل على أن المراد به غيرها. # القرينة الثانية: هي أن المعروف في زكاة الأموال: أن يعبر عن أدائها ~~بالإيتاء كقوله تعالى # وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] وقوله # وإيتآء الزكاة # [الأنبياء: 73] ونحو ذلك. وهذه الزكاة المذكورة هنا، لم يعبر عنها ~~بالإيتاء، بل قال تعالى فيها { والذين هم للزكاة فاعلون ~~} فدل على أن هذه الزكاة: أفعال المؤمنين المفلحين، وذلك أولى بفعل ~~الطاعات، وترك المعاصي من أداء مال. # الثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادة مقرونة بالصلاة، من غير ~~فصل بينهما كقوله # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] وقوله # وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 277] وقوله # وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة # [الأنبياء: 73] وهذه الزكاة المذكورة هنا فصل بين ذكرها، وبين ذكر ~~الصلاة بجملة # والذين هم عن اللغو معرضون # [المؤمنون: 3]. # والذين قالوا المراد بها زكاة الأموال قالوا: إن أصل الزكاة فرض بمكة ~~قبل الهجرة، وأن الزكاة التي فرضت بالمدينة سنة اثنتين هي ذات النصب، ~~والمقادير الخاصة. # وقد أوضحنا هذا القول في الأنعام في الكلام على قوله تعالى # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141] وقد يستدل، لأن المراد بالزكاة في هذه الآية غير الأعمال ~~التي تزكى بها النفوس من دنس الشرك والمعاصي، بأنا لو حملنا معنى الزكاة ~~على ذلك، كان شاملا لجميع صفات المؤمنين المذكورة في أول هذه السورة، ~~فيكون كالتكرار معها، والحمل على التأسيس والاستقلال أولى من غيره، كما ~~تقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية والذين قالوا: هي زكاة الأموال قالوا: فاعلون أي ~~مؤدون، قالوا: وهي لغة معروفة فصيحة، ومنها قول أمية بن أبي الصلت: # المطعمون ms2518 الطعام في السنة الأز # مة والفاعلون للزكوات # وهو واضح، بحمل الزكاة على المعنى المصدري بمعنى التزكية للمال، لأنها ~~فعل المزكي كما هو واضح. ولا شك أن تطهير النفس بأعمال البر، ودفع زكاة ~~المال كلاهما من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة. # وقد قال ابن كثير رحمه الله: وقد يحتمل أن المراد بالزكاة ها هنا: زكاة ~~النفس من الشرك، والدنس إلى أن قال ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا ~~وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن ~~الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا والله أعلم. اه منه. ### || [23.5-7] # ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين ~~يرثون الفردوس ويخلدون فيها حفظهم لفروجهم: أي من اللواط والزنى، ونحو ~~ذلك، وبين أن حفظهم فروجهم، لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع ~~بهن بعقد الزواج أو بملك اليمين، والمراد به التمتع بالسراري، وبين أن من ~~لم يحفظ فرجه عن زوجه أو سريته لا لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعا بفرجه، ~~وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات فهو من العادين: أي المعتدين المتعدين ~~حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه. # وبين معنى العادين في هذه الآية قوله تعالى في قوم لوط: # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 165-166] وهذا الذي ذكره هنا أيضا في سورة سأل سائل لأنه قال ~~فيها في الثناء على المؤمنين # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فأنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون # [المعارج: 29-31]. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أن ما في قوله { أو ما ملكت أيمانهم ~~} من صيغ العموم، والمراد بها من وهي من صيغ العموم. فآية # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] وآية # سأل سآئل # [المعارج: 1] تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة ما، في قوله { أو ما ~~ملكت أيمانهم } في الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين ~~في التسري بهما معا لدخولهما ms2519 في عموم { أو ما ملكت أيمانهم ~~} وبهذا قال داود الظاهري، ومن تبعه: ولكن قوله تعالى # وأن تجمعوا بين الأختين # [النساء: 23] يدل بعمومه على منع جمع الأختين، بملك اليمين، لأن الألف ~~واللام في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين. سواء كانتا بعقد أو ملك ~~يمين ولذا قال عثمان رضي الله عنه، لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين: ~~أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى يعني بالآية المحللة { أو ما ملكت ~~أيمانهم } وبالمحرمة { وأن تجمعوا بين الأختين }. # وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ~~وسنذكر هنا إن شاء الله المهم مما ذكرنا فيه ونزيد ما تدعو الحاجة إلى ~~زيادته. # وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم، وخصوص ~~من وجه، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان ~~رضي الله عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى وإيضاحه أن آية: { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } تنفرد عن آية { أو ما ملكت ~~أيمانهم } في الأختين المجموع بينهما، بعقد نكاح وتنفرد آية { أو ~~ما ملكت أيمانهم } في الأمة الواحدة، أو الأمتين اللتين ليستا ~~بأختين، ويجتمعان في الجمع بين الأختين، فعموم { وأن تجمعوا ~~بين الأختين } يقتضي تحريمه، وعموم { أو ما ملكت ~~أيمانهم } يقتضي إباحته، وإذا تعارض الأعمان من وجه في الصورة التي ~~يجتمعان فيها: وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدم ويخصص به عموم ~~الآخر، كما أشار له في مراقي السعود بقوله: # وإن يك العموم من وجه ظهر # فالحكم بالترجيح حتما معتبر # وإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم { وأن تجمعوا بين الأختين } ~~مرجح من خمسة أوجه على عموم { أو ما ملكت أيمانهم }: # الأول: منها أن عموم { وأن تجمعوا بين الأختين } نص في ~~محل المدرك المقصود بالذات، لأن السورة سورة النساء: وهي التي بين الله ~~فيها من تحل منهن، ومن لا تحل وآية { أو ما ملكت أيمانهم } ~~في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم النساء، ولا تحليلهن بل ذكر الله صفات ~~المؤمنين التي يدخلون بها الجنة. فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد ms2520 أنه ~~لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية. وقد تقرر في الأصول: أن أخذ الأحكام من ~~مظانها أولى من أخذها، لا من مظانها. # الوجه الثاني: أن آية { أو ما ملكت أيمانهم } ليست باقية ~~على عمومها بإجماع المسلمين، لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين، ~~إجماعا للإجماع على أن عموم أو ما ملكت أيمانهم يخصصه عموم # وأخواتكم من الرضاعة # [النساء: 23] وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعا، للإجماع على أن ~~عموم { أو ما ملكت أيمانهم } يخصصه عموم # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء # [النساء: 22] الآية. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله ~~التخصيص، مع العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله ~~التخصيص، وهذا هو قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدا خالف فيه، إلا ~~صفي الدين الهندي، والسبكي. # وحجة الجمهور أن العام المخصص، اختلف في كونه حجة في الباقي، بعد ~~التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم: هو مجاز في ~~الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص ~~أولى مما اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز، وإن كان الصحيح: أنه ~~حجة في الباقي، وحقيقة فيه، لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره ~~عليه، وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي، على تقديم الذي دخله التخصيص ~~فهي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله ~~التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه. # الوجه الثالث: أن عموم { وأن تجمعوا بين الأختين } غير ~~وارد في معرض مدح ولا ذم وعموم { أو ما ملكت أيمانهم } وارد ~~في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم. # اختلف العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء: على أن عمومه معتبر ~~كقوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14] فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم ~~قال في مراقي السعود: # وما أتى للمدح أو للذم # يعم عند ms2521 جل أهل العلم # وخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإمام الشافعي رحمه الله، قائلا: إن ~~العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث ~~في المدح والزجر في الذم، ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة: 34] في الحلي المباح، لأن الآية سيقت للذم، فلا تعم عنده الحلي ~~المباح. # وإذا علمت ذلك، فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه ~~أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه، عند بعض العلماء. # الوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج ~~التحريم، حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة. # الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة، لأن ~~ترك مباح أهو من ارتكاب حرام. # فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته ~~جمع الأختين بملك اليمين، محتجا بقوله: { أو ما ملكت ~~أيمانهم } ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها، ~~بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي والشافعي، وإيضاح ذلك أن المقرر في ~~أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء بعد جمل متعاطفة، أو ~~مفردات متعاطفة، أن الاستثناء المذكور يرجع لجميعها خلافا لأبي حنيفة ~~القائل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، قال في مراقي السعود: # وكل ما يكون فيه العطف # من قبل الاستثنا فكلا يقفو # دون دليل العقل أو ذي السمع # ....................... الخ # وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء ~~لكل المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم ~~وبني زهرة والفقراء إلا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع ~~لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى ~~الجملة الأخيرة فقط. ولذلك لم يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار ~~أعدل أهل زمانه لأن قوله تعالى # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون إلا الذين تابوا # [النور: 4-5] يرجع عنده الاستثناء ms2522 فيه للأخيرة فقط وهي { وأولئك ~~هم الفاسقون إلا الذين تابوا } أي فقد زال عنهم اسم ~~الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى { ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا } إلا الذين تابوا، فاقبلوا شهادتهم بل يقول: لا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا مطلقا بلا استثناء لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة، ~~ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون # [الفرقان: 68] إلى قوله # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] الآية. فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة ~~قبله عند أبي حنيفة، وغيره. # ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في ~~الجملة الأخيرة، التي هي # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان: 68] لأن الإشارة في قوله: ذلك راجعة إلى الشرك، والقتل والزنى ~~في الجمل المتعاطفة قبله فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار ~~رجوع الاستثناء لها وحدها، عند أبي حنيفة، على أصله المقرر: مستلزما ~~لرجوعه للجميع. # وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضا، ~~برجوع الاستثناء في قوله { أو ما ملكت أيمانهم } لقوله { ~~وأن تجمعوا بين الأختين } فيقول: قوله تعالى: { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } وقوله: # والمحصنات من النسآء # [النساء: 24] يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: { أو ما ملكت ~~أيمانهم } فيكون المعنى: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، إلا ما ~~ملكت أيمانكم فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من ~~النساء، إلا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم. # وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك، ~~وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله { أو ما ملكت ~~أيمانهم } إلى قوله: { وأن تجمعوا بين الأختين } جار ~~على أصول المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج ~~داود هذا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال ~~داود المذكور من وجهين: # الأول منهما: أن في الآية نفسها قرينة مانعة من ms2523 رجوع الاستثناء، إلى ~~قوله: { وأن تجمعوا بين الأختين } لما قدمنا من أن قوله { ~~أو ما ملكت أيمانهم } أي بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى ~~والمحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم: أي وحرمت عليكم المتزوجات من ~~النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع ~~الكفر فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد ~~الاستبراء كما قال الفرزدق: # وذات حليل أنكحتها رماحنا # حلال لمن يبنى بها لم تطلق # وإذا كان ملك اليمين في قوله: { أو ما ملكت أيمانهم } في ~~السبي خاصة كما هو مذهب الجمهور، كان ذلك مانعا من رجوعه إلى قوله: { ~~وأن تجمعوا بين الأختين } لأن محل النزاع في ملك اليمين ~~مطلقا، وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: { أو ما ملكت ~~أيمانهم } مطلقا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق، وأوضحنا ~~الأدلة على ذلك. # الوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع ~~الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها، يحتاج إلى دليل منفصل، ~~لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل ~~على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعا ~~لغير الجملة الأخيرة التي تليه، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى ~~الجميع إلا بعد النظر في الأدلة. # ومعرفة ذلك منها، وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى ~~الجميع إلا بعد النظر في الأدلة. ومعرفة ذلك منها، وهذا القول الذي هو ~~الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين، دون بعض، إلا بدليل ~~مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من ~~الحنابلة، واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح، لأن الله يقول # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] الآية وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله، وجدنا القرآن ~~دالا على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضا استدلال داود. # فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # فتحرير رقبة ms2524 مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا # [النساء: 92] فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا ~~يرجع لتحرير الرقبة قولا واحدا، لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط ~~كفارة القتل خطأ، ومنها قوله تعالى: # فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا # [النور: 4-5] الآية فالاستثناء لا يرجع لقوله { فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة } لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف. # وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه، خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير ~~العلماء ومنها قوله تعالى: # فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق # [النساء: 89-90]. # فالاستثناء في قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم } ~~الآية لا يرجع قولا واحدا، إلى الجملة الأخيرة، التي تليه أعني قوله ~~تعالى: # ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا # [النساء: 89] لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدا، ولو ~~وصلوا إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في ~~قوله: # فخذوهم واقتلوهم # [النساء: 89] والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم، وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم، لأن الميثاق ~~الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر ~~الأسلمي في صلحه مع النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكروا أن هذه الآية: ~~نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر وإذا كان ~~الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم: الذي هو في ~~الطرف الأعلى من الإعجاز تبين أنه ليس نصا في الرجوع إلى غيرها. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا # [النساء: 83] على ما قاله: جماعات من المفسرين، لأنه لولا فضل الله ~~ورحمته لاتبعوا الشيطان، كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى. # واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: # أذاعوا به # [النساء: 83] وقيل: راجع لقوله # لعلمه ms2525 الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83] وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه ~~لغيرها. # وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه. وأن المعنى: ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم لاتبعتم الشيطان في ~~الاستمرار، على ملة آبائكم من الكفر، وعبادة الأوثان إلا قليلا كمن كان ~~على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل، ~~وأمثالهم. # وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله: # لاتبعتم الشيطان إلا قليلا # [النساء: 83] معناه: لاتبعتم الشيطان كلا، قال: والعرب تطلق القلة، ~~وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القرآن بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد ~~بن المهلب: # أشم ندى كثير النوادي # قليل المثالب والقادحه # يعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن ~~كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم كقولهم: مررت بأرض ~~قليل بها الكراث والبصل، يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة: # أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة # قليل بها الأصوات إلا بغامها # يريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته. وقول الآخر: # فما بأس لو ردت علينا تحية # قليلا لدى من يعرف الحق عابها # يعني لا عاب فيها: أي لا عيب فيها عند من يعرف الحق، وأمثال هذا كثير في ~~كلام العرب، وبالآيات التي ذكرنا تعلم: أن الوقف عن القطع برجوع ~~الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلا لدليل، هو الذي دل عليه القرآن ~~في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضا والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية ~~الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله: { والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، ~~وتتمتع به بملك اليمين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وهو يؤيد قول ~~الأكثرين: أن النساء لا يدخلن في ms2526 الجموع المذكرة، الصحيحة إلا بدليل ~~منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة، وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت ~~مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله { أو ما ملكت ~~أيمانهم } فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له ناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله عز وجل على ~~غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. ~~ثم قال ابن كثير: هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة ~~المائدة، وهو ها هنا أليق وإنما حرمها على الرجال، معاملة لها بنقيض ~~قصدها، والله أعلم. # وقال أبو عبدالله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأة ~~غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي ~~بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: تأولت كتاب الله عز وجل على ~~غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، والله لا أحلك لحر بعده ~~عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها. # وعن أبي بكر بن عبدالله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز ~~جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك ~~وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فإنه عنى بني عمي فقال ~~عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما والله لولا منزلتك من الجهالة ~~لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها ~~اه. من القرطبي. # المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] هذه التي هي { فمن ابتغى ورآء ذلك ~~فأولئك هم العادون } تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد ~~المعروف، بجلد عميرة، ويقال له الخضخضة، لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه ~~بذلك، قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة ms2527 ~~المذكورة هنا، وفي سورة سأل سائل وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه ~~استدلوا بهذه الآية، على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن ~~عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز، قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد ~~عميرة فتلا هذه الآية { والذين هم لفروجهم حافظون } إلى ~~قوله: { العادون }. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، ~~والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة، على منع جلد عميرة ~~الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ~~ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه، ~~وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس قائلا: هو ~~إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسا على الفصد ~~والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء: # إذا حللت بواد لا أنيس به # فاجلد عميرة لا عار ولا حرج # فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها، لأنه ~~قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى ~~فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارا وذكرنا فيه قول ~~صاحب مراقي السعود: # والخلف للنص أو إجماع دعا # فساد الاعتبار كل من وعى # فالله جل وعلا قال: { والذين هم لفروجهم حافظون } ولم ~~يستثن من ذلك ألبتة إلا النوعين المذكورين، في قوله تعالى: { إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } وصرح برفع ~~الملامة في عدم حفظ الفرج، عن الزوجة، والمملوكة فقط ثم جاء بصيغة عامة ~~شاملة لغير النوعين المذكورين، دالة على المنع هي قوله { فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون } وهذا العموم ~~لا شك أنه يتناول بظاهره، ناكح يده، وظاهر عموم القرآن، لا يجوز العدول ~~عنه، إلا لدليل من كتاب أو سنة، يجب الرجوع إليه. # أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا، والعلم عند الله ~~تعالى. # وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية، بعد أن ذكر ms2528 بعض من حرم جلد عميرة، ~~واستدلالهم بالآية ما نصه: وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة ~~في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، ~~عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع ~~العاملين ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله ~~عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب والديه، حتى ~~يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره " # اه. # ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته والله ~~أعلم: انتهى منه ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في ~~الجملة، لدلالته على منع ذلك، وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة، ~~لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر. # لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين، أن مغفلا كانت أمه تملك جارية تسمى ~~عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم صياحها، فجاؤوا وقالوا ما ~~هذا الصياح؟ فقال لهم ذلك المغفل: لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة. # المسألة الرابعة: اعلم أنا قدمنا في سورة النساء، أن هذه الآية التي هي ~~قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } تدل بظاهرها على منع ~~نكاح المتعة، لأنه جل وعلا صرح فيها بما يعلم منه، وجوب حفظ الفرج عن غير ~~الزوجة والسرية، ثم صرح بأن المبتغي وراء ذلك من العادين بقوله { فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون } وأن المرأة ~~المستمتع بها في نكاح المتعة، ليست زوجة، ولا مملوكة. أما كونها غير ~~مملوكة فواضح. وأما الدليل على كونها غير زوجة، فهو انتفاء لوازم الزوجية ~~عنها كالميراث والعدة والطلاق والنفقة، ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت ~~واعتدت ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم ~~الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة، لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع ~~العقلاء. # فتبين بذلك أن مبتغى نكاح المتعة ms2529 من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ~~ماحرم، وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنة، وأن نكاح ~~المتعة ممنوع إلى يوم القيامة، وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة على في ~~هذه الآية يعني قوله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون ~~إلا على أزواجهم } الآية لأن مادة الحفظ، لا تتعدى إلى ~~المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى فقيل: إن على بمعنى: عن. # والمعنى: أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء، إلا عن أزواجهم، وحفظ قد تتعدى ~~بعن. # وحاول الزمخشري الجواب عن الإتيان بعلى هنا فقال ما نصه: على أزواجهم في ~~موضع الحال أي إلا واللين، على أزواجهم، أو قوامين عليهن من قولك: كان ~~فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على ~~البصرة: أي واليا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت ~~المرأة فراشا. # والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في تزوجهم أو ~~تسريهم، أو تعلق على بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلا ~~على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ~~ملومين عليه، أو تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ على عنان فرسي على ~~تضمينه، معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت بمعنى: ما طلبت ~~منك إلا فعلك ا ه منه ولا يخفى ما فيه من عدم الظهور. # قال أبو حيان: وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة، وهي ~~متكلفة، ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين، ضمن حافظون ~~معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37] والظاهر أن قوله هنا { أو ما ملكت أيمانهم } ~~مع أن المملوكات من جملة العقلاء، والعقلاء يعبر عنهم بمن لا بما هو أن ~~الإماء لما كن يتصفن ببعض صفات غير العقلاء كبيعهن وشرائهن، ونحو ذلك. ~~كان ذلك مسوغا لإطلاق لفظة ما عليهن، والعلم عند الله تعالى. # وقال بعض أهل العلم: إن وراء ذلك، هو مفعول ابتغى: أي ابتغى ms2530 سوى ذلك. ~~وقال بعضهم: إن المفعول به محذوف، ووراء ظرف. أي فمن ابتغى مستمتعا ~~لفرجه، وراء ذلك. ### || [23.8] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين ~~الوارثين الفردوس: أنهم راعون لأماناتهم وعهدهم: أي محافظون على ~~الأمانات، والعهود. والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، ~~فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت عليه من ~~حقوق الناس، والعهود أيضا تشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه، من حقوق ~~الله، وحقوق الناس. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58] وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون # [الأنفال: 27] وقوله تعالى في سأل سائل # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون # [المعارج: 32] وقوله في العهد # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # [الإسراء: 34] وقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] الآية. وقوله: # ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما # [الفتح: 10] وقوله تعالى: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم # [النحل: 91] وقد أوضحنا هذا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78] الآية. وقوله: راعون: جمع تصحيح للراعي، وهو القائم على ~~الشيء، بحفظ أو إصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية، وفي الحديث # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " # الحديث، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وحده: لأمانتهم بغير ألف بعد النون، ~~على صيغة الإفراد والباقون بألف بعد النون، على صيغة الجمع مؤنث السالم. ### || [23.9] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين ~~الوارثين الفردوس: أنهم يحافظون على صلواتهم والمحافظة عليها تشمل إتمام ~~أركانها، وشروطها، وسننها، وفعلها في أوقاتها في الجماعات في المساجد، ~~ولأجل أن ذلك من أسباب نيل الفردوس أمر تعالى بالمحافظة عليها في قوله ~~تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] الآية. وقال تعالى في سورة المعارج # والذين هم على صلاتهم يحافظون # [المعارج: ms2531 34] وقال فيها أيضا # إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 22-23] وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا # [مريم: 59]. # وقد أوضحنا ذلك في سورة مريم، وقوله تعالى: # فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 4-5] الآية. وقال تعالى في ذم المنافقين # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس # [النساء: 142] الآية. وفي الصحيح # " عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ~~العمل أحب إلى الله؟ قال " الصلاة على وقتها " " # الحديث. وقد قدمناه والأحاديث في فضل الصلاة والمحافظة عليها كثيرة ~~جدا، ولكن موضوع كتابنا بيان القرآن بالقرآن، ولا نذكر غالبا البيان من ~~السنة، إلا إذا كان في القرآن بيان غير واف بالمقصود، فنتمم البيان من ~~السنة كما قدمناه مرارا. وذكرناه في ترجمة هذا الكتاب المبارك. ### || [23.10-11] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين المتصفين بالصفات، التي ~~قدمناهم الوارثون، وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو الوارثون، لدلالة قوله: ~~{ الذين يرثون الفردوس } عليه. والفردوس: أعلا الجنة، ~~وأوسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن جل وعلا، وعبر تعالى ~~عن نيل الفردوس هنا باسم الوارثة. # وقد أوضحنا معنى الوارثة والآيات الدالة على ذلك المعنى، كقوله تعالى: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] وقوله: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43] وقوله تعالى # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74] الآية في سورة مريم في الكلام على قوله: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقرأ هذا الحرف: حمزة والكسائي: ~~على صلاتهم بغير واو، بصيغة الإفراد وقرأ الباقون: على صلواتهم بالواو ~~المفتوحة بصيغة الجمع المؤنث السالم والمعنى واحد، لأن المفرد الذي هو ~~اسم جنس، إذا أضيف إلى معرفة، كان صيغة عموم كما هو معروف في الأصول. ~~وقوله هنا: { هم فيها خالدون ms2532 } أي بلا انقطاع أبدا، كما قال ~~تعالى # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] أي غير مقطوع. وقال تعالى: # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # [ص: 54] وقال تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96] كما قدمناه مستوفى. ### || [23.12-14] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال ~~إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. ~~وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال ~~أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة. والصحيح من ذلك وأوضحنا أحكام الحمل ~~إذا سقط علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به ~~أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى ~~يرث، ويورث، ومتى يصل عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله ~~تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها ~~تعلق بهذا المعنى. أما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، ~~إذا استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # خلق البرية من سلالة منتن # وإلى السلالة كلها ستعود # والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه. # ومنه قول حسان رضي الله عنه: # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا # سلالة فرج كان غير حصين # وبناء الاسم على الفعالة، يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء ~~المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت، والمراد بخلق الإنسان من سلالة ~~الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59]. # وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بل بالماء صار طينا ~~ولما خمر صار طينا لازبا يلصق باليد، وصار حمأ مسنونا. قال بعضهم: ~~طينا أسود منتنا، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في ~~سورة الحجر، ثم لما خلقه ms2533 من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول ~~النساء # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] وقال في الأعراف # وجعل منها زوجها # [الأعراف: 189] وقال في الزمر: # ثم جعل منها زوجها # [الزمر: 6] كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة، كان وجود ~~جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. ~~الخ. # وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج، وقوله هنا: { ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين } يعني: بدأه خلق نوع الإنسان بخلق ~~آدم، وقوله { ثم جعلناه نطفة } [المؤمنون: 13] أي بعد خلق ~~آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإنسان، الذي هو النسل ~~لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه: أي ونصف درهم آخر. كما ~~أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ~~الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ~~ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # [السجدة: 6-9] وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم: 20] وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان، أمر كل مكلف أن ينظر ~~فيه. والأمر المطلق، يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه ~~مرارا. وذلك في قوله: # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق # [الطارق: 5-6] الآية. وقد أشار في آيات كثيرة، إلى كمال قدرته بنقله ~~الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا وكما في قوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم ~~أطوارا # [نوح: 13-14] وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا والاعتبار به مما ~~يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من ~~النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة الخ. مع أنه لم يشق بطن أمه ~~بل هو مستتر بثلاث ظلمات: ms2534 وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة ~~المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون # [الزمر: 6] فتأمل معنى قوله { فأنى تصرفون } أي عن هذه ~~العجائب والغرائب، التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم. وقال تعالى: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6] وقال: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة # [الحج: 5] ثم ذكر الحكمة فقال { لنبين لكم } أي لنظهر لكم ~~بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة، وقال ~~في سورة المؤمن # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ~~ثم لتكونوا شيوخا # [غافر: 67] وقال تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى # [القيامة: 36-40] والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد أبهم هذه الأطوار ~~المذكورة في قوله # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون # [المعارج: 39] وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا، ~~فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده، ~~وقد بين في آية المؤمنون هذه: أنه يخلق المضغة عظاما، وبين في موضع آخر: ~~أنه يركب بعض تلك العظام مع بعض، تركيبا قويا، ويشد بعضها مع بعض، على ~~أكمل الوجوه وأبدعها، وذلك في قوله # نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم # [الإنسان: 28] الآية، والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتآسير السرج ~~ومركب المرأة السيور التي يشد بها، ومنه قول حميد بن ثور: # وما دخلت في الخدب حتى تنقضت # تآسير أعلى قده وتحطما # وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسرا شدة بالأسار وهو القد، ومنه سمي ~~الأسير، وكانوا يشدونه بالقد، فقول بعض المفسرين واللغويين: أسرهم: أي ~~خلقهم فيه قصور في التفسير، ms2535 لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو ~~القد، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه، الذي لم يدبغ والله جل ~~وعلا يشد بعض العظام ببعض، شدا محكما متماسكا كما يشد الشيء بالقد، ~~والشد به قوي جدا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { في قرار ~~مكين } القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به ~~لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه. قاله أبو ~~حيان في البحر. وقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم وصفت ~~بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها، لأنها مكنت ~~بحيث هي وأحرزت. وقوله تعالى في هذه الآية { ثم أنشأناه خلقا ~~آخر } [المؤمنون: 14] قال الزمخشري: أي خلقا مباينا للخلق الأول ~~مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانا، وكان جمادا وناطقا، وكان أبكم ~~وسمعيا وكان أصم وبصيرا، وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره، بل كل عضو من ~~أعضائه وجزء من أجزائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة، لا تدرك بوصف الواصف، ~~ولا بشرح الشارح. انتهى منه. # وقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي ~~وأبو العالية، والضحاك وابن زيد: " هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا " ~~وعن ابن عباس: " خروجه إلى الدنيا " وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره، وقال ~~الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر، وقال مجاهد: كمال شبابه. وري عن ابن ~~عمر والصحيح، أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك، وتحصيل ~~المعقولات إلى أن يموت. ا ه منه. # والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله { خلقا آخر } أنه صار ~~بشرا سويا بعد أن كان نطفة، ومضغة، وعلقة، وعظاما كما هو واضح. # مسألة # وقد استدل بهذه الآية الإمام أبو حنيفة رحمه الله، على أن من غصب بيضة، ~~فأفرخت عنه أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ، لأن الفرخ خلق آخر سوى ~~البيضة، فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب ما غصب. وهذا الاستدلال له وجه ~~من النظر، والعلم عند الله تعالى. # وقوله تعالى في هذه الآية { فتبارك ms2536 الله أحسن الخالقين ~~} وقوله { فتبارك الله } قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: ~~فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس. اه منه. # وقوله في هذه الآية { أحسن الخالقين } أي المقدرين والعرب تطلق ~~الخلق وتريد التقدير. ومنه قول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض # القوم يخلق ثم لا يفري # فقوله: يخلق ثم لا يفري: أي يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو ~~معلوم. ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، ~~هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن ~~قال: هي محضة أعرب قوله { أحسن الخالقين } نعتا للفظ الجلالة، ~~ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلا، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو ~~أحسن الخالقين. وقرأ هذين الحرفين { فخلقنا المضغة عظاما } ~~وقوله { فكسونا العظام لحما } ابن عامر وشعبة عن عاصم عظما: ~~بفتح العين، وإسكان الضاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه الباقون: ~~عظاما بكسر العين وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن ~~عامر وشبعة. فالمراد بالعظم: العظام. # وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس، قد ~~تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وكلام ~~العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.15-16] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم بعد أن أنشأهم خلقا آخر، فأخرج ~~الواحد منهم من بطن أمه صغيرا، ثم يكون محتلما، ثم يكون شابا، ثم يكون ~~كهلا، ثم يكون شيخا، ثم هرما أنهم كلهم صائرون إلى الموت من عمر منهم ~~ومن لم يعمر، ثم هم بعد الموت يبعثون أحياء، يوم القيامة للحساب ~~والجزاء، وهذا الموت والحياة المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر، ~~لأنهما إماتتان وإحياءتان ذكر من كل منهما واحدة هنا، وذكر الجميع في ~~قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28] وقوله: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] كما قدمنا إيضاحه في ms2537 سورة الحج والبقرة، وكل ذلك دليل على ~~كمال قدرته، ولزوم الإيمان به، واستحقاقه للعبادة وحده سبحانه وتعالى ~~علوا كبيرا. ### || [23.17] # في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير: # أحدهما: أنها قيل لها طرائق، لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل ~~إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها على بعض، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " كأن وجوههم المجان المطرقة " # أي التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر يصف ~~نعلا له مطارقة: # وطراق من خلفهن طراق # ساقطات تلوي بها الصحراء # يعني: نعال الإبل، ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقة إذا ركب بعض ~~ريشه بعضا، ومنه قول زهير يصف بازيا: # أهوى لها أسفع الخدين مطرق # ريش القوادم لم تنصب له الشبك # وقول ذي الرمة يصف بازيا أيضا: # طراق الخوافي واقع فوق ريعه # ندى ليله في ريشه يترقرق # وقول الآخر يصف قطاة: # سكاء مخطومة في ريشها طرق # سود قوادمها كدر خوافيها # فعلى هذا القول فقوله { سبع طرآئق } يوضح معناه قوله تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا # [نوح: 15] الآية، وهذا قول الأكثر. # الوجه الثاني: أنها قيل لها طرائق، لأنها طرق الملائكة في النزول ~~والعروج، وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها، وأما قول من قال قيل لها ~~طرائق لأن الكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى وقول من قال: طرائق؟ ~~أي مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد، وقوله تعالى: { وما كنا عن ~~الخلق غافلين } قد قدمنا أن معناه كقوله # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض # [الحج: 65] لأن من يمسك السماء لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم ~~إيضاحه وقال بعضهم { وما كنا عن الخلق غافلين } بل نحن ~~القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه وقوله { ~~ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } يعني السموات، مع ~~عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإنسان كقوله تعالى # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] وقوله تعالى: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27] الآية. وقوله: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض ms2538 بقادر على ~~أن يخلق مثلهم # [يس: 81] والآيات بمثل هذا متعددة. # وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها ~~وهي مذكورة هنا، ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل ~~والبقرة. والعلم عند الله تعالى. ### || [23.18] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزله من السماء ماء معظما نفسه ~~جل وعلا بصيغة الجمع المراد بها التعظيم وأن ذلك الماء الذي أنزله من ~~السماء أسكنه في الأرض لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك. ~~وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء أن يذهبه فيهلك جميع الخلق بسبب ~~ذهاب الماء من أصله جوعا وعطشا وبين أنه أنزله بقدر أي بمقدار معين ~~عنده يحصل به نفع الخلق ولا يكثره عليهم، حتى يكون كطوفان نوح لئلا ~~يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي فيه المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ~~ما أعظمه وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه ~~الآية الكريمة، جاءت مبينة في غير هذا الموضع. # الأولى: التي هي كونه: أنزله بقدر أشار إليها في قوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. # والثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في ~~قوله جل وعلا # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض # [الزمر: 21] والينبوع: الماء الكثير وقوله: # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ ~~أنتم له بخازنين # [الحجر: 22] على ما قدمنا في الحجر. # والثالثة: التي هي قدرته على إذهابه أشار لها في قوله تعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30] ويشبه معناها قوله تعالى: # لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 70] لأنه إذا صار ملحا أجاجا لا يمكن الشرب منه، ولا ~~الانتفاع به صار في حكم المعدوم، وقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء ~~في قوله تعالى: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله # [النور: 43] فصرح بأن ms2539 الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو ~~المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى ~~تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # [الأعراف: 57] الآية فقوله: ثقالا جمع ثقيلة، وثقلها إنما هو بالماء ~~الذي فيها وقوله تعالى: # وينشىء السحاب الثقال # [الرعد: 12] جمع سحابة ثقيلة. # وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من ~~خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة، وبين جل وعلا ~~أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم ~~سنة، حتى يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر ~~النعمة، وهل يعتبرون بعظم الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض ~~السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ~~ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه. # وبين أنه مع الإنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان ~~مائه في الأرض ليشربوا منه هم، وأنعامهم، وينتفعوا به أبى أكثرهم إلا ~~الكفر به، وذلك في قوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحيي به ~~بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا # [الفرقان: 48-50]. # ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورا الذين يزعمون أن المطر لم ~~ينزله منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم: هو ~~الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخر، إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من ~~الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته. ثم يجتمع، ثم ~~يتقاطر. وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون ~~نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب ~~الإيمان به واستحقاقه للعبادة وحده، فمثل هؤلاء داخلون في قوله # فأبى أكثر الناس إلا كفورا # [الفرقان: 50] بعد قوله: { ولقد صرفناه بينهم ms2540 ~~ليذكروا }. # وقد صرح في قوله: { ولقد صرفناه } أنه تعالى، هو مصرف الماء، ~~ومنزله حيث شاء كيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال # " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر ~~السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا ~~قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر ~~بي: فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ~~وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " # هذا لفظ مسلم رحمه الله في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا ~~مسندا ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بالطبيعة والبخار. والعرب كانوا ~~يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر، إلا أنهم يسندون فعل ذلك الفاعل ~~المختار جل وعلا، ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد: # لا تلمني إنها من نسوة # رقد الصيف مقاليت نزر # كبنات البحر يمأدن إذا # أنبت الصيف عساليج الخضر # فقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر. # وقول أبي ذؤيب الهذلي. # سقى أم عمرو كل آخر ليلة # حناتم غرماؤهن نجيج # شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج # ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا، هو منزل المطر على القدر الذي ~~يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### || [23.19] # قد قدمنا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة النحل، ~~في الكلام على قوله تعالى: # ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب # [النحل: 11] الآية وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.20] # قوله: وشجرة: معطوف على: جنات من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مسوغه ~~مرارا: أي فأنشأنا لكم به جنات، وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء ~~وهي شجرة الزيتون، كما أشار له تعالى بقوله # يوقد من شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35] الآية، ms2541 والدهن الذي تنبت به: هو زيتها المذكور في قوله: # يكاد زيتها يضيء # [النور: 35] ومع الاستضاءة منه، فهي صيغ للآكلين: أي إدام يأتدمون به، ~~وقرأ هذا الحرف: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: سيناء بكسر السين، وقرأ ~~الباقون: تنبت بفتح التاء، وضم الباء مضارع: نبت الثلاثي، وعلى هذه ~~القراءة، فلا إشكال في حرف الباء في قوله: بالدهن: أي تنبت مصحوبة بالدهن ~~الذي يستخرج من زيتونها، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ففي الباء ~~إشكال، وهو أن أنبت الرباعي يتعدى بنفسه، ولا يحتاج إلى الباء وقد قدمنا ~~النكتة في الإتيان بمثل هذه الباء في القرآن، وأكثرنا من أمثلته في ~~القرآن، وفي كلام العرب في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] الآية، ولا يخفى أن أنبت الرباعي، على قراءة ابن كثير، وأبي ~~عمرو هنا: لازمة لا متعدية المفعول، وأنبت تتعدى، وتلزم فمن تعديها قوله ~~تعالى: # ينبت لكم به الزرع والزيتون # [النحل: 11] الآية وقوله تعالى: # فأنبتنا به جنات وحب الحصيد # [ق: 9] ومن لزومها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو المذكورة، ونظيرها من كلام ~~العرب قول زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا بها حتى إذا أنبت البقل # فقوله: أنبت البقل لازم بمعنى: نبت، وهذا هو الصواب في قراءة: تنبت بضم ~~التاء. خلافا لمن قال: إنها مضارع أنبت المتعدي: وأن المفعول محذوف: أي ~~تنبت زيتونها، وفيه الزيت. وقال ابن كثير: الطور: هو الجبل، وقال بعضهم: ~~إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عرى عن الشجر، سمي جبلا لا طورا. ~~والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سنين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ~~بن عمران عليه السلام، وما حوله من الجبال، التي فيها شجر الزيتون اه ~~محل الغرض من كلام ابن كثير. # وفي حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " # رواه أحمد ورواه الترمذي، وغيره عن عمر، والظاهر أنه ms2542 لا يخلو من مقال، ~~وقال فيه العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس رواه أحمد والترمذي وابن ~~ماجه عن عمر وابن ماجه فقط عن أبي هريرة، وصححه الحاكم على شرطهما ثم ~~قال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. اه منه والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [23.21] # قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية، وما يستفاد منها من الأحكام ~~الفقهية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: { وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها } الآية مع ~~بيان أوجه القراءة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.22] # الضمير في قوله: عليها راجع إلى الأنعام المذكورة في قوله: # وإن لكم في الأنعام # [المؤمنون: 21] وقد بين تعالى في هذه الآية: أنه يحمل خلقه على الأنعام، ~~والمراد بها هنا الإبل، لأن الحمل عليها هو الأغلب، وعلى الفلك: وهي ~~السفن ولفظ الفلك، يطلق على الواحد والجمع من السفن، وما ذكره تعالى في ~~هذه الآية الكريمة من الامتنان على خلقه بما يسر لهم من الركوب والحمل، ~~على الأنعام والسفن جاء موضحا في آيات آخر كقوله تعالى # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون # [غافر: 79-80] وقوله في الأنعام # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72] وقوله فيها # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 7] وقوله في الفلك والأنعام معا # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 12-14] وقوله: # سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر ~~بأمره # [الحج: 65] وقوله تعالى: # وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله # [فاطر: 12] والآيات بمثل هذا كثيرة، وهذا من نعمه وآياته، وقرن الأنعام ~~بالفلك ms2543 في الآيات المذكورة لأن الإبل سفائن البر، كما قال ذو الرمة: # ألا خيلت وقد نام صحبتي # فما نفر التهويم إلا سلامها # طروقا وجلب الرحل مشدودة بها # سفينة بر تحت خدي زمامها # فتراه سمى ناقته سفينة بر وجلب الرحل بالضم والكسر عيدانه أو الرحل بما ~~فيه. ### || [23.23-43] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا } إلى قوله { وما ~~يستأخرون }. # قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه من الآيات، التي لها بيان في مواضع متعددة ~~فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.44] # بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه بعد إرسال نوح والرسول المذكور ~~بعده أرسل رسله تترى: أي متواترين واحدا بعد واحدا، وكل متتابع تسميه ~~العرب متواترا، ومنه قول لبيد في معلقته: # يعلو طريقة متنها متواتر # في ليلة كفر النجوم غمامها # يعني: مطرا متتابعا، أو غبار ريح متتابعا، وتاء تترى مبدلة من الواو، ~~وأنه كل ما أرسل رسولا إلى أمة كذبوه فأهلكهم، وأتبع بعضهم بعضا في ~~الإهلاك المستأصل بسبب تكذيب الرسل. وهذا المعنى المذكور في هذه الآية ~~الكريمة: جاء موضحا في آيات كثيرة. وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من ~~هذا الإهلاك المذكور. # أما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جدا كقوله تعالى # ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [سبأ: 34] وقوله تعالى: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة # [الأعراف: 94-95] الآية والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. # أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا # [يونس: 98] الآية. وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيمانا حقا، وأن الله ~~عاملهم ms2544 به معاملة المؤمنين، وذلك في قوله في يونس # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147-148] لأن ظاهر إطلاق قوله: فآمنوا، يدل على ذلك. والعلم ~~عند الله تعالى. ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ، ~~لأنه تعالى قال فيهم: # فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق # [سبأ: 19] الآية وقوله { فجعلناهم أحاديث } أي أخبارا ~~وقصصا يسمر بها، ويتعجب منها، كما قال ابن دريد في مقصورته: # وإنما المرء حديث بعده # فكن حديثا حسنا لمن وعى # وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: تترا بالتنوين، وهي لغة كنانة، ~~والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين: وهي لغة أكثر العرب، وسهل ~~ونافع وابن كثير وأبو عمر والهمزة الثانية من قوله: جاء أمة، وقرأها ~~الباقون بالتحقيق، كما هو معلوم وقوله { فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون } مصدر لا يظهر عامله، وقد بعد بعدا بفتحتين، وبعدا بضم ~~فسكون: أي هلك فقوله: بعدا: أي هلاكا مستأصلا، كما قال تعالى # ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود # [هود: 95] قال الشاعر: # قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا # قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا # وقد قال سيبويه: إن بعدا وسحقا ودفرا أي نتنا من المصادر المنصوبة ~~بأفعال لا تظهر. # اه ومن هذا القبيل قولهم: سقيا ورعيا، كقول نابغة ذبيان: # نبئت نعما على الهجران عاتية # سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري # والأحاديث في قوله: فجعلناهم أحاديث في مفرده وجهان معروفان. # أحدهما: أنه جمع حديث كما تقول: هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، تريد بالأحاديث جمع حديث، وعلى هذا فهو من الجموع الجارية على غير ~~القياس المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة: # وحائد عن القياس كل ما # خالف في البابين حكما رسما # يعني بالبابين: التكسير والتصغير، كتكسير حديث على أحاديث وباطل على ~~أباطيل، وكتصغير مغرب، على مغيربان، وعشية على عشيشية. وقال بعضهم: إنها ~~اسم جمع للحديث. # الوجه الثاني: أن الأحاديث جمع أحدوثة التي هي مثل: أضحوكة، وألعوبة، ~~وأعجوبة بضم الأول، وإسكان الثاني: وهي ما يتحدث به الناس تلهيا، ms2545 ~~وتعجبا ومنه بهذا المعنى قول توبة بن الحمير: # من الخفرات البيض ود جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها # وهذا الوجه أنسب هنا لجريان الجمع فيه على القياس، وجزم به الزمخشري. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [23.51] # أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة رسله عليهم الصلاة والسلام مع أن ~~الموجود منهم، وقت نزولها واحد، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، بالأكل من ~~الطيبات: وهي الحلال الذي لا شبهة فيه على التحقيق، وأن يعملوا العمل ~~الصالح، وذلك يدل على أن الأكل من الحلال له أثر في العمل الصالح، وهو ~~كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه الآية الكريمة، أمر به المؤمنين من ~~هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # [البقرة: 172] والآية تدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال، ~~والعمل الصالح، وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال معروف. وفي حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وأن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~[المؤمنون: 51] وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر ~~أشعث أغبر. ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه ~~إلى السماء، يا رب يا رب فأنى يستجاب له " # وهو يدل دلالة واضحة أن دعاءه الذي من أعظم القرب لم ينفعه، لأنه لم ~~يأكل من الحلال ولم يشرب منه، ولم يركب منه. ### || [23.52-53] # قد أوضحنا معنى هاتين الآيتين، وفسرنا ما يحتاج منهما إلى تفسير وبينا ~~الآيات الموضحة لمعناهما في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا ~~راجعون # [الأنبياء: 92-93] وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية، وبينا ms2546 ~~جميع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة # [هود: 8] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.54] # أمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذر الكفار أي يتركهم في غمرتهم ~~إلى حين، أي وقت معين عند الله، والظاهر أنه وقت انقضاء آجالهم بقتل أو ~~موت، وصيرورتهم إلى ما هم صائرون إليه بعد الموت من العذاب البرزخي، ~~والأخروي، وكون المراد بالحين المذكور: وقت قتلهم، أو موتهم ذكره ~~الزمخشري عن علي رضي الله عنه، بغير سند. # وأقوال أهل العلم في معنى غمرتهم راجعة إلى شيء واحد كقول الكلبي في ~~غمرتهم: أي جهالتهم: وقول ابن بحر: في حيرتهم، وقول ابن سلام: في غفلتهم، ~~وقول بعضهم: في ضلالتهم فمعنى كل هذه الأقوال واحد، وهو أنه، أمره أن ~~يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال، والغي والمعاصي قال الزمخشري: ~~الغمرة: الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من ~~جهلهم، وعمايتهم أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من ~~الباطل، قال ذو الرمة: # ليالي اللهو يطبيني فأتبعه # كأنني ضارب في غمرة لعب # وصيغة الأمر في قوله { فذرهم في غمرتهم } للتهديد، وقد تقرر ~~في فن الأصول في مبحث الأمر وفي فن المعاني في مبحث الإنشاء، أن من ~~المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه ~~الآية الكريمة، من تهديد الكفار الذين كذبوا نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~جاء موضحا في مواضع أخر. كقوله # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر: 3] وقوله تعالى: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17] وقوله # قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30] وقوله: # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # [الزمر: 8]. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة الحجر في الكلام على ~~قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل # [الحجر: 3] الآية، وتكلمنا هناك على لفظ ذرهم. ### || [23.55-56] # قد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة ms2547 الكهف في ~~الكلام على قوله تعالى: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.62] # قوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها }. # ما تضمنته هذه الآية من التخفيف في هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها ~~نبينا صلى الله عليه وسلم قد ذكرنا طرفا من الآيات الدالة عليه في سورة ~~الحج في الكلام على قوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # قوله تعالى: { ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون }. # الحق أن المراد بهذا الكتاب: كتاب الأعمال الذي يحصيها الله فيه، كما ~~يدل عليه قوله تعالى # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29] وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف، في ~~الكلام على قوله: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49] الآية، وفي سورة الإسراء في الكلام على قوله: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]. # والظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق: أن جميع المكتوب فيه حق، فمن قرأ ~~المكتوب فيه، كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق، وربما أطلقت العرب ~~اسم الكلام على الخط، كما روي عن عائشة أنها قالت: ما بين دفتي المصحف ~~كلام الله، والله تعالى أعلم. ### || [23.64-65] # حتى هنا في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة ~~الشرطية، والعذاب الذي أخذهم ربهم به، قيل: هو عذاب يوم بدر بالقتل ~~والأسر، وقيل: الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم، لما دعا عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأصابهم بسبب دعوته صلى الله عليه وسلم من الجوع الشديد، عذاب أليم، ~~وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم القيامة. وقد بين تعالى في هاتين ~~الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب، والمترفون هم أصحاب النعمة والرفاهية ~~في دار الدنيا. وهذا المعنى أشار له بقوله: # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا إن لدينآ أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة ms2548 ~~وعذابا أليما # [المزمل: 11-13] فقوله: أولي النعمة يريد بهم: المترفين في الدنيا، وبين ~~أنه سيعذبهم بعد التهديد بقوله: { إن لدينآ أنكالا وجحيما ~~} الآية وقوله: يجأرون، الجؤار: الصراخ باستغاثة، والعرب تقول: جأر الثور ~~يجأر: صاح، فالجؤار كالخوار وفي بعض القراءات عجلا جسدا له جؤار بالجيم ~~والهمزة: أي خوار، وجأر الرجل إلى الله: تضرع بالدعاء. # فمعنى الآية الكريمة: أن المنعمين في الدنيا من الكفار، إذا أخذهم الله ~~بالعذاب يوم القيامة، صاحوا مستصرخين مستغيثين، يطلبون الخلاص مما هم ~~فيه، وصراخهم واستغاثتهم المشار له هنا، جاء في آيات أخر كقوله تعالى: # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل # [فاطر: 36-37] فقوله: يصطرخون: يفتعلون من الصراخ، مستغيثين يريدون ~~الخروج مما هم فيه، بدليل قوله تعالى عنهم # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل # [فاطر: 37] فهذا الصراخ المذكور في هذه الآية العام للمترفين وغيرهم، هو ~~الجؤار المذكور عن المترفين هنا، ومن إطلاق العرب الجؤار على الصراخ ~~والدعاء للاستغاثة قول الأعشى: # يراوح من صلوات المليك # فطورا سجودا وطورا جؤارا # والجؤار المذكور: هو النداء في قوله # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص # [ص: 3] لأن نداءهم نداء استغاثة واستصراخ وكقوله تعالى: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] الآية، لأن القضاء عليهم من أعظم الأمور التي يطلبونها، ~~فيستغيثون بالموت من دوام ذلك العذاب الشديد، أجارنا الله وإخواننا ~~المسلمين منه وكقوله تعالى: # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان: 13-14] وذلك الدعاء بالثبور الذي هو أعظم الهلاك، والويل من ~~أنواع جؤارهم والعياذ بالله. وقوله تعالى في هذه الآية { لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون } [المؤمنون: 65] يدل على ~~أنهم إن استغاثوا لم يغاثوا، وإن استرحموا لم يرحموا، وقد أشار تعالى إلى ~~ذلك في قوله: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب ms2549 وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. ### || [23.66] # لما بين أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب، ضجوا وصاحوا ~~واستغاثوا، وبين أنهم لا يغاثون كما أوضحناه آنفا بين سبب ذلك بقوله: { ~~قد كانت آياتي } أي التي أرسلت بها رسلي { تتلى عليكم }: ~~تقرأ عليكم واضحة مفصلة، فكنتم على أعقابكم تنكصون: ترجعون عنها القهقرى. ~~والعقب: مؤخر القدم، والنكوص: الرجوع عن الأمر، ومنه قوله تعالى: # فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه # [الأنفال: 48] ومنه قول الشاعر: # زعموا بأنهم على سبل النجا # ة وإنما نكص على الأعقاب # وهذا المعنى الذي ذكره هنا: أشار له في غير هذا الموضع كقوله تعالى # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم ~~بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك ~~به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 11-12] فكفرهم عند الله ذكر الله وحده، من نكوصهم على أعقابهم، ~~وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته، لم يقتصروا على النكوص ~~عنها، على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم، لشدة بغضهم ~~لها، وذلك في قوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # [الحج: 72] وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة، أظهر عندنا من ~~قول من قال: إنه يوم بدر أو الجوع، ومن قول من زعم: أن الذين يجأرون: هم ~~الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم، فكل ذلك خلاف ~~الظاهر، وإن قاله من قاله: ### || [23.68] # قوله تعالى: { أفلم يدبروا القول }. # يتضمن حضهم، على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم، لأنهم إن تدبروه ~~تدبرا صادقا، علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم. ~~وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82] وقوله: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] وقوله في هذه الآية الكريمة { أم جآءهم ما لم ~~يأت آبآءهم ms2550 الأولين } [المؤمنون: 68] قال القرطبي: فأنكروه، ~~وأعرضوا عنه، وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك ~~أنكروه، وتركوا التدبر له. # وقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت ~~آباءهم الأولين، قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أولا بترك ~~الانتفاع بالقرآن، ثم ثانيا بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين: أي إرسال ~~الرسل ليس بدعا، ولا مستغربا، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك ~~بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من كذب وآباؤهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر ~~كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر وعليه فالآية كقوله: # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9] الآية ونحوها من الآيات. ### || [23.69] # قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة يونس، في الكلام على قوله ~~تعالى: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله # [يونس: 16] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.70] # أم المذكورة في هذه الآية هي المعروفة عند النحويين بأم المنقطعة. ~~وضابطها ألا تتقدم عليها همزة تسوية نحو # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم # [البقرة: 6] الآية أو همزة مغنية، عن لفظة: أي كقولك أزيد عندك أم عمرو؟ ~~أي أيهما عندك فالمسبوقة بإحدى الهمزتين المذكورتين، هي المعروفة عندهم ~~بأم المتصلة، والتي لم تسبق بواحدة منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا. ~~وأم المنقطعة تأتي لثلاثة معان. # الأول: أن تكون بمعنى: بل الإضرابية. # الثاني: أن تكون بمعنى همزة استفهام الإنكار. # الثالث: أن تكون بمعناهما معا فتكون جامعة بين الإضراب والإنكار، وهذا ~~الأخير هو الأكثر في معناها، خلافا لابن مالك في الخلاصة في اقتصاره على ~~أنها بمعنى: بل في قوله: # وبانقطاع وبمعنى بل وفت # إن تك مما قيدت به خلت # ومراده بخلودها مما قيدت به: ألا تسبقها إحدى الهمزتين المذكورتين، فإن ~~سبقتها إحداهما، فهي المتصلة كما تقدم قريبا، وعلى ما ذكرنا فيكون ~~المعنى متضمنا للإضراب عما قبله إضرابا انتقاليا، مع معنى استفهام ~~الإنكار، فتضمن الآية الإنكار على الكفار في دعواهم: أن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم به جنة: ms2551 أي جنون يعنون: أن هذا الحق الذي جاءهم به هذيان ~~مجنون، قبحهم الله ما أجحدهم للحق، وما أكفرهم ودعواهم عليه هذه أنه ~~مجنون كذبها الله هنا بقوله: { بل جآءهم بالحق } فالإضراب ببل ~~إبطالي. # والمعنى: ليس بمجنون بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح، المؤيد ~~بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل، أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم ~~للحق، وما نفته هذه الآية الكريمة من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه ~~في مواضع أخر كقوله تعالى: # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22] وقوله تعالى: # فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون # [الطور: 29] وهذا الجنون الذي افترى على آخر الأنبياء، افترى أيضا على ~~أولهم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح أنهم قالوا فيه # إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى ~~حين # [المؤمنون: 25] وقد بين في موضع آخر أن الله لم يرسل رسولا إلا قال ~~قومه: إنه ساحر، أو مجنون، كأنهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك لتواطئ أقوالهم ~~لرسلهم عليه، وذلك في قوله تعالى: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون # [الذاريات: 52-53] فبين أن سبب تواطئهم على ذلك ليس التواصي به، لاختلاف ~~أزمنتهم، وأمكنتهم. ولكن الذي جمعهم على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في ~~الطغيان، وقد أوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله # كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118] فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه مقالاتهم لرسلهم، هو ~~تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان، وكراهية الحق وقوله: { وأكثرهم ~~للحق كارهون } ذكر نحو معناه في قوله تعالى: # لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون # [الزخرف: 78] وقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر # [الحج: 72] الآية، وذلك المنكر الذي تعرفه في وجوههم، إنما هو لشدة ~~كراهيتهم للحق، ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق. أنهم يمتنعون من ~~سماعه، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه، كما قال تعالى في ~~قصة أول الرسل ms2552 الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإشراك به، وهو نوح: # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # [نوح: 7] وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ~~ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، من الحق، ~~والدعوة إليه. وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء صلى الله عليه وسلم # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26] الآية. فترى بعضهم ينهى بعضا عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، ~~كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا ~~الحق بالباطل. # وفي الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: { وأكثرهم ~~للحق كارهون } يفهم من مفهوم مخالفته، أن قليلا من الكفار، ~~ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضا على آية الزخرف التي ذكرنا ~~آنفا، وهو قوله تعالى: # ولكن أكثركم للحق كارهون # [الزخرف: 78]. # والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلا من ~~الكفار. كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ~~ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن ~~يقولوا صبأوا وفارقوا دين آبائهم، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه ~~لا يكره الحق، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يشد عضده ~~في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله: # اصدع بأمرك ما عليك غضاضة # الأبيات وقال فيها، # ولقد علمت بأن دين محمد # من خير أديان البرية دينا # وقال فيه صلى الله عليه وسلم أيضا: # لقد علموا أن ابننا لا مكذب # لدينا ولا يعني بقول الأباطل # وقد بين أبو طالب في شعره: أن السبب المانع له من اعتناق الإسلام ليس ~~كراهية الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له كما في قوله: # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك يقينا ### || [23.71] # قوله تعالى: { ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن }. # اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال ms2553 بعضهم: الحق: هو الله ~~تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # [النور: 25] وقوله: # ذلك بأن الله هو الحق # [الحج: 62] وكون المراد بالحق في الآية: هو الله عزاه القرطبي للأكثرين، ~~ومن قال به: مجاهد وابن جريج، وأبو صالح، والسدي. وروي عن قتادة، وغيرهم. # وعلى هذا القول فالمعنى لو أجابهم الله إلى تشريع ما أحبوا تشريعه ~~وإرسال من اقترحوا إرساله، بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك ~~تابعا لأهوائهم الفاسدة، لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن، لأن أهواءهم ~~الفاسدة وشهواتهم الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض وذلك ~~لفساد أهوائهم، واختلافها. فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم ~~عليها نظام اسماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع. # ومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح، أن تكون متبعة قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] لأن القرآن لو أنزل على أحد الرجلين المذكورين، وهو كافر ~~يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك. وقد رد الله عليهم بقوله: # أهم يقسمون رحمة ربك # [الزخرف: 32] الآية وقال تعالى: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100] وقال تعالى: # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا # [النساء: 53] قال ابن كثير رحمه الله: ففي هذا كله تبيين عجز العباد، ~~واختلاف أرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله ~~وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه سبحانه وتعالى علوا كبيرا. # ومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدت السموات ~~والأرض ومن فيهن قوله تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فسبحان الله رب العرش عما يصفون. # القول الثاني: أن المراد بالحق في الآية: الحق الذي هو ضد الباطل ~~المذكور في قوله قبله: # وأكثرهم للحق كارهون # [المؤمنون: 70] وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية، وأنكر الأول. # وعلى هذا القول فالمعنى: أنه لو فرض كون الحق ms2554 متبعا لأهوائهم، التي هي ~~الشرك بالله، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك: لفسد كل شيء لأن هذا ~~الغرض وهو يصير به الحق، هو أبطل الباطل، ولا يمكن أن يقوم نظام السماء ~~والأرض على شيء، هو أبطل الباطل، لأن استقامة نظام هذا العالم لا تمكن ~~إلا بقدرة وإرادة إله هو الحق منفرد بالتشريع، والأمر والنهي كما لا يخفى ~~على عاقل والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم ~~معرضون }. # اختلف العلماء في الذكر في الآية فمنهم من قال: ذكرهم: فخرهم، ~~وشرفهم، لأن نزول هذا الكتاب على رجل منهم فيه لهم أكبر الفخر ~~والشرف، وعلى هذا، فالآية كقوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] على تفسير الذكر بالفخر والشرف، وقال بعضهم: الذكر في ~~الآية: الوعظ والتوصية، وعليه فالآية كقوله: # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم # [آل عمران: 58] وقال بعضهم: الذكر هو ما كانوا يتمنونه في قولهم: # لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد ~~الله المخلصين # [الصافات: 168-169] وعليه، فالآية كقوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم # [فاطر: 42] وعلى هذا القول فقوله: # فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42] الآية كقوله هنا، فهم عن ذكرهم معرضون. وكقوله: # أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ ~~أهدى منهم # [الأنعام: 157] والآيات بمثل هذا على القول الأخير كثيرة والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [23.72] # المراد بالخرج والخراج هنا: الأجر والجزاء. # والمعنى: أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيري الدنيا ~~والآخرة، أجرة ولا جعلا، وأصل الخرج والخراج: هو ما تخرجه إلى كل عامل في ~~مقابلة أجرة، أو جعل. وهذه الآية الكريمة تتضمن أنه صلى الله عليه وسلم، ~~لا يسألهم أجرا، في مقابلة تبليغ الرسالة. # وقد أوضحنا الآيات القرآنية الدالة على أن الرسل لا يأخذون الأجرة على ~~التبليغ في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى عن نوح: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] الآية. وبينا وجه الجمع ms2555 بين تلك الآيات، مع آية: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23] وبينا هناك حكم أخذ الأجرة، على تعليم القرآن وغيره، فأغنى ~~ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذين الحرفين ابن عامر: خرجا فخرج ربك، بإسكان ~~الراء فيهما معا، وحذف الألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي: خراجا فخراج ~~ربك بفتح الراء بعدها ألف فيهما معا، وقرأ الباقون: خرجا فخراج ربك ~~بإسكان الراء، وحذف الألف في الأول، وفتح الراء وإثبات الألف في الثاني، ~~والتحقيق: أن معنى الخرج والخراج واحد، وأنهما لغتان فصيحتان وقراءتان ~~سبعيتان، خلافا لمن زعم أن بين معناهما فرقا زاعما أن الخرج ما تبرعت ~~به، والخراج: ما لزمك أداؤه. # ومعنى الآية: لا يساعد على هذا الفرق كما ترى، والعلم عند الله تعالى. ~~وصيغة التفضيل في قوله: { وهو خير الرازقين } نظرا إلى أن ~~بعض المخلوقين يزرق بعضهم كقوله تعالى: # وارزقوهم فيها واكسوهم # [النساء: 5] وقوله تعالى: # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن # [البقرة: 233] الآية. ولا شك أن فضل رزق الله خلقه، على رزق بعض خلقه ~~بعضهم كفضل ذاته، وسائر صفاته على ذوات خلقه، وصفاتهم. ### || [23.73] # قد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى هذه الآية في سورة الحج في الكلام على ~~قوله تعالى: # وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم # [الحج: 67] فأغنى عن إعادته هنا. ### || [23.74] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لإنكارهم ~~البعث والجزاء، ناكبون عن الصراط، والمراد بالصراط، الذي هم ناكبون عنه: ~~الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة المذكور في قوله قبله: # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم # [المؤمنون: 73] ومن نكب عن هذا الصراط المستقيم، دخل النار بلا شك. # والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى في سورة الروم: # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # [الروم: 16] ومعنى قوله: لناكبون: عادلون عنه، حائدون غير سالكين إياه ~~وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نصيب: # خليلي من كعب ألما هديتما # بزبيب لا تفقد كما أبدا كعب # من اليوم زوراها فإن ركابنا # غداة غد عنها ms2556 وعن أهلها نكب # جمع ناكبة، عنها: أي عادلة عنها متباعدة عنها، وعن أهلها. ### || [23.75] # قد بينا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية من أنه تعالى يعلم ~~المعدوم الذين سبق في علمه أنه لا يوجد أن لو وجد، كيف يكون في سورة ~~الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية: { ~~للجوا في طغيانهم يعمهون } [المؤمنون: 75] اللجاج هنا: ~~التمادي في الكفر والضلال. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو كفرهم بالله، ~~وادعاؤهم له الأولاد والشركاء، وقوله: يعمهون: يترددون متحيرين لا يميزون ~~حقا، من باطل. وقال بعض أهل العلم: العمه: عمى القلب، والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [23.76] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب، والظاهر أنه ~~هنا: العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب، والأمراض والشدائد، { فما ~~استكانوا لربهم } أي ما خضعوا له، ولا ذلوا { وما ~~يتضرعون } أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين له، ليكشف عنهم ذلك ~~العذاب لشدة قسوة قلوبهم، وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما ~~يستوجب ذلك من إصابة عذاب الله لهم. وهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء ~~موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأنعام: # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون فلولا إذ ~~جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون # [الأنعام: 42-43] وقوله في سورة الأعراف: # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [23.78] # قد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في ~~الكلام على قوله تعالى: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم ~~تشكرون # [النحل: 78] وبينا هناك وجه أفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة، ~~فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.79] # ذرأكم معناه: خلقكم، ومنه قوله تعالى: ms2557 # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] الآية وقوله في الأرض: أي خلقكم وبثكم في الأرض، عن طريق ~~التناسل، كما قال تعالى: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] الآية وقال: # ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون # [الروم: 20] وقوله: { وإليه تحشرون } أي إليه وحده، تجمعون ~~يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب. # وما تضمنته هذه الآية، من أنه خلقهم، وبثهم في الأرض. وأنه سيحشرهم إليه ~~يوم القيامة. جاء معناه في آيات كثيرة كقوله في أول هذه السورة # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] إلى قوله: # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون # [المؤمنون: 16] وذكر جل وعلا أيضا هاتين الآيتين في سورة الملك في قوله ~~تعالى: # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [الملك: 23-25] والآيات في هذا المعنى كثيرة. ### || [23.80] # قوله تعالى: { وهو الذي يحي ويميت }. # قد قدمنا الآيات الدالة على الإماتتين والإحياءتين، وأن ذلك من أكبر ~~الدواعي للإيمان به جل وعلا في سورة الحج في الكلام على قوله: # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم # [الحج: 66] وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم # [البقرة: 28] الآية. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # قوله تعالى: { وله اختلاف الليل والنهار أفلا ~~تعقلون }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن له اختلاف الليل والنهار، يعني: ~~أن ذلك هو الفاعل له وهو الذي يذهب بالليل، ويأتي بالنهار، ثم يذهب ~~بالنهار ويأتي بالليل، واختلاف الليل والنهار، من أعظم آياته الدالة على ~~كمال قدرته، ومن أعظم مننه على خلقه كما بين الأمرين في سورة القصص في ~~قوله تعالى # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته ms2558 جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 71-73] الآية. أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا معايشكم بالنهار. ~~والآيات الدالة على اختلاف الليل والنهار، من أعظم الآيات الدالة على ~~عظمة الله، واستحقاقه للعبادة وحده كثيرة جدا كقوله تعالى: # ومن آياته الليل والنهار # [فصلت: 37] الآية وقوله: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون # [يس: 37] وقوله # يغشي الليل النهار # [الأعراف: 54] وقوله # ولا الليل سابق النهار # [يس: 40] وقوله تعالى: # وسخر لكم الليل والنهار # [إبراهيم: 33] الآية. وقوله تعالى: # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # [يونس: 6] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا، وقوله تعالى: أفلا تعقلون: أي ~~تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض ~~وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت ويخالف بين الليل والنهار أنه الإله ~~الحق المعبود وحده جل وعلا، الذي لا يصح أن يسوى به غيره سبحانه وتعالى ~~علوا كبيرا. ### || [23.81-82] # لفظة بل هنا للإضراب الانتقالي. # والمعنى: أن الكفار الذين كذبوا نبينا صلى الله عليه وسلم، قالوا مثل ما ~~قالت الأمم قبلهم، من إنكار البعث، لأن الاستفهام في قوله: { أإنا ~~لمبعوثون } [المؤمنون: 82] إنكار منهم للبعث. # والآيات الدالة على إنكارهم للبعث كثيرة كقوله تعالى عنهم: # من يحي العظام وهي رميم # [يس: 78] وكقوله عنهم: # وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29] # وما نحن بمنشرين # [الدخان: 35] وقوله عنهم: # أإذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة ~~خاسرة # [النازعات: 11-12]. والآيات بمثل هذا في إنكارهم البعث كثيرة: وقد بينا ~~في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] الآية. وفي أول سورة النحل، وغيرهما الآيات الدالة على ~~البعث بعد الموت، وأوردنا منها كثيرا كقوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] الآية. وقوله: # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] وقوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآيات. وأوضحنا أربعة براهين قرآنية دالة على البعث بعد ~~الموت، وأكثرنا من ms2559 ذكر الآيات الدالة على ذلك. فأغنى ذلك عن التطويل هنا. ~~وقوله تعالى في هذه الآية { أإذا متنا } قرأ نافع والكسائي، ~~بالاستفهام في: أئذا متنا، وحذف همزة الاستفهام، في أئنا لمبعوثون، بل ~~قرأ إنا لمبعوثون بصيغة الخبر لدلالة الاستفهام الأول، على الاستفهام ~~الثاني المحذوف وقرأه ابن عامر بالعكس، فحذف همزة الاستفهام، من أئذا، ~~وقرأ إذا بدون استفهام، وأثبت همزة الاستفهام في قوله: { أإنا ~~لمبعوثون } وقد دل الاستفهام الثاني المثبت في قراءة ابن عامر، على ~~الاستفهام الأول المحذوف فيها، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة ~~بالاستفهام فيهما معا: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون } وهم على أصولهم في الهمزتين، فنافع وابن كثير ~~وأبو عمرو يسهلون الثانية، والباقون يحققونها، وأدخل قالون، وأبو عمرو ~~وهشام عن ابن عامر ألفا بين الهمزتين. وقرأ الباقون بالقصر دون الألف، ~~وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص، عن عاصم: متنا بكسر الميم، والباقون: بضم ~~الميم. وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # قالت يليتني مت قبل هذا # [مريم: 23] الآية وجه كسر الميم في إسناد الفعل الذي هو مات إلى تاء ~~الفاعل، وبينا أنه يخفى على كثير من طلبة العلم. وأوضحنا وجهة غاية مع ~~بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.83] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: ~~إنهم وعدوا بالبعث، ووعد به آباؤهم من قبلهم. والظاهر أنهم يعنون ~~أجدادهم، الذين جاءتهم الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب ~~والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به هم وآباؤهم كذب لا حقيقة له، ~~وأنه ما هو إلا أساطير الأولين: أي ما سطروه وكتبوه من الأباطيل ~~والترهات، والأساطير: جمع أسطورة، وقيل: جمع أسطارة. وهذا الذي ذكره عنهم ~~من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله: # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ ~~أإنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من ~~قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين # [النمل: 67-68] ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث، الذي أنكروه في ~~هذه ms2560 الآية بقوله: # قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون # [المؤمنون: 84] إلى قوله: # فأنى تسحرون # [المؤمنون: 89] لأن من له الأرض ومن فيها، ومن هو رب السموات السبع، ورب ~~العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، لا شك أنه ~~قادر على بعث الناس بعد الموت، كما أوضحنا فيما مر البراهين القرآنية ~~القطعية، الدالة على ذلك. ### || [23.84-89] # قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة، من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته ~~المستلزمة لإخلاص العبادة له وحده، في سورة يونس في الكلام على قوله ~~تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون # [يونس: 31] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وأوضحنا دلالة توحيده في ربوبيته، على توحيده في عبادته ~~وقد ذكرنا كثيرا من الآيات القرآنية الدالة على ذلك، مع الإيضاح، فأغنى ~~ذلك عن إعادته هنا. # وقوله في هذه الآية الكريمة: { من بيده ملكوت كل شيء } ~~الملكوت: فعلوت من الملك: أي من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل ~~شيء كائنا ما كان: وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: ~~الملكوت، والرحموت، والرهبوت بمعنى الملك والرحمة، والرهبة: تفيد ~~المبالغة في ذلك. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وهو يجير ولا يجار ~~عليه } أي هو يمنع من شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحدا شاء أن ~~يهلكه أو يعذبه، لأنه هو القادر وحده، على كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، ~~وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر. # أراك طفقت تظلم من أجرنا # وظلم الجار إذلال المجير # وقوله تعالى: { فأنى تسحرون } أي كيف تخدعون، وتصرفون عن ~~توحيد ربكم، وطاعته مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة، وقيل: { ~~فأنى تسحرون } أي كيف يخيل إليكم، أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ~~ينفع، ولا يغني عنكم شيئا بناء على أن ms2561 السحر هو التخييل. # وقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولا يفلح الساحر حيث أتى # [طه: 69] والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه الباطلة فيذهب ~~بعقولكم، عن الحق كما يفعل بالمسحور. والله تعالى أعلم. # وقوله: { أفلا تذكرون } قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي ~~بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد لإدغام التاءين في ~~الذال. # وقوله تعالى: { سيقولون لله } جاء في هذه الآيات ثلاث مرات. # الأول: { سيقولون لله قل أفلا تذكرون }. وهذه اتفق ~~جميع السبعة على قراءتها بلام الجر الداخلة على لفظ الجلالة، لأنها جواب ~~المجرور بلام الجر، وقوله تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيهآ } ~~فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: لله، وأما الثاني الذي هو { سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون } والثالث: الذي هو قوله { سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون } فقد قرأهما أبو عمرو بحذف لام الجر ~~ورفع الهاء من لفظ الجلالة. # والمعنى: على قراءة أبي عمرو المذكورة واضح لا إشكال فيه، لأن الظاهر في ~~جواب من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، أن تقول: الله بالرفع أي رب ~~ما ذكر هو الله، وكذلك جواب قوله: { من بيده ملكوت كل شيء ~~} الآية. # فالظاهر في جوابه أيضا أن يقال: الله بالرفع: أي الذي بيده ملكوت كل ~~شيء هو الله، فقراءة أبي عمرو جارية على الظاهر، الذي لا إشكال فيه. وقرأ ~~الحرفين المذكورين غيره من السبعة، بحرف الجر وخفض الهاء من لفظ الجلالة ~~كالأول. # وفي هذه القراءة التي هي قراءة الجمهور سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه ~~الإتيان بلام الجر، مع أن السؤال لا يستوجب الجواب بها، لأن قول: { من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم } الظاهر ~~أن يقال في جوابه: ربهما الله، وإذا يشكل وجه الإتيان بلام الجر. والجواب ~~عن هذا السؤال معروف واضح، لأن قوله تعالى: { من رب السماوات } ~~الآية: وقوله: { من بيده ملكوت كل شيء } فيه معنى من هو ~~مالك السموات والأرض، والعرش، وكل شيء فيحسن الجواب بأن يقال: لله: أي كل ms2562 ~~ذلك ملك لله، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: # إذا قيل من رب المزالف والقرى # ورب الجياد الجرد قلت لخالد # لأن قوله: من رب المزالف فيه معنى من هو مالكها، فحسن الجواب باللام: أي ~~هي لخالد. والمزالف: جمع مزلفة كمرحلة. قال في القاموس: هي كل قرية تكون ~~بين البر والريف، وجمعها مزالف. ### || [23.91] # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: # الأولى: أنه لم يتخذ ولدا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # والثانية: أنه لم يكن معه إله آخر سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # والثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الآلهة بقوله: { إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض } أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم فريتهم ~~في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك مواضع متعددة، فقد ~~أوضحناه في سورة النحل في الكلام، على قوله تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى # [النحل: 57-58] الآية. وذكرنا طرفا منه في أول الكهف في الكلام على ~~قوله: # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4] وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته. # وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ~~ما يدل عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] ولم نتعرض لما يسميه المتكلمون دليل التمانع، لكثرة ~~المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا الآيات، بالقرآن على ~~طريق الاستدلال القرآني بها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.93-94] # أمر جلا وعلا نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما تريني ما ~~يوعدون: أي أن ترني ما توعدهم من العذاب، بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد ~~أرى نزوله بهم { فلا تجعلني في القوم الظالمين } أي لا ~~تجعلني في جملة المعذبين الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم، وقد ~~بين تعالى ms2563 في مواضع أخر: أنه لا ينزل بهم العذاب، وهو فيهم وذلك في قوله ~~تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] الآية، وبين هنا أنه قادر على أن يره العذاب، الذي وعدهم ~~به في قوله: # وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون # [المؤمنون: 95] وبين في سورة الزخرف، أنه إن ذهب به قبل تعذيبهم، فإنه ~~معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر فهو مقتدر ~~عليهم. وذلك في قوله تعالى: # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # [الزخرف: 41-42]. ### || [23.96-98] # هذا الذي تضمنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإنس ~~وشياطين الجن. قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف، ~~في الكلام على قوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ # [الأعراف: 199-200] الآية. وقوله في هذه الآية: { بالتي هي ~~أحسن } أي بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع ووزن ~~السيئة، فيعلة أصلها: سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد ~~زيدت الياء الساكنة بين الفاء والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين ~~الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على القاعدة التصريفية ~~المشارك بقول ابن مالك في الخلاصة: # إن يسكن السابق من واو ويا # واتصلا ومن عروض عريا # فياء الواو اقلبن مدغما # وشذ معطى غير ما قد رسما # كما قدمناه مرارا. والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء. وقوله ~~تعالى: { نحن أعلم بما يصفون } أي بما تصفه ألسنتهم من ~~الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم الأولاد والشركاء لله. وقد قدمنا في سورة ~~المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات القرآن بعد نزول القتال إنما هو ~~بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على قوله تعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] وبينا الآيات الدالة على ذلك كقوله في النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأصحابه # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] وقوله: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] وقوله: # يأيها النبي جاهد الكفار ms2564 والمنافقين واغلظ ~~عليهم # [التحريم: 9] إلى آخر ما تقدم. وقوله في هذه الآية: { وقل رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين } الهمزات: جمع همزة وهي المرة ~~من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين: نخساتهم ~~لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله ~~تعالى: # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا # [مريم: 83] وكقوله تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل # [الزخرف: 36-37] الآية. # والظاهر في قوله: { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أن المعنى: ~~أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائنا ما كان، سواء كان ذلك ~~وقت تلاوة القرآن، كما قال تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # [النحل: 98] أو عند حضور الموت أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع ~~الأوقات. والعلم عند الله تعالى. ### || [23.99-100] # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا }. # الظاهر عندي: أن حتى في هذه الآية: هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويقال ~~لها: حرف ابتداء، كما قاله ابن عطية، خلافا للزمخشري القائل: إنها غاية ~~لقوله: # نحن أعلم بما يصفون # [المؤمنون:96] ولأبي حيان القائل: إن الظاهر له أن قبلها جملة محذوفة هي ~~غاية له يدل عليها ما قبلها، وقدر الجملة المذكورة بقوله فلا أكون ~~كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: ~~رب ارجعون. ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر وهو الفرزدق: # فواعجبا حتى كليب تسبني # كأن أباها نهشل أو مجاشع # قال: المعنى: يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة ~~المحذوفة. وفي الآية دل ما قبلها عليها. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، ~~ولا يظهر عندي كل الظهور. # بل الأظهر عندي: هو ما قدمتها وهو قول ابن عطية، وما تضمنته هذه الآية ~~الكريمة، من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا ~~الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ms2565 ويتداركا به ~~ما سلف منهما من الكفر والتفريط وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف ~~الزجر والردع الذي هو كلا جاء موضحا في مواضع أخر كقوله تعالى: # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # [المنافقون: 10-11] الآية. وقوله تعالى: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور ~~الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة ومعلوم أنهم لا ~~يجابون إلى ذلك. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل # [الأعراف: 53] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 27-28] وقوله تعالى: # وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل ~~إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44] وقوله تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11] وقوله تعالى: # وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان ~~قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من ~~مكان بعيد وقد كفروا به من قبل # [سبأ: 51-53] الآية. وقد تضمنت هذه الآيات التي ذكرنا، وأمثالها في ~~القرآن: أنهم يسألون ms2566 الرجعة فلا يجابون عند حضور الموت، ويوم النشور ووقت ~~عرضهم على الله تعالى، ووقت عرضهم على النار. # وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه صيغة الجمع في ~~قوله: { رب ارجعون } ولم يقل: رب ارجعني بالإفراد. # وقد أوضحنا الجواب عن هذا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب، وبينا أنه يجاب عنه من ثلاثة أوجه: # الأول: وهو أظهرها: أن صيغة الجمع في قوله: ارجعون، لتعظيم المخاطب وذلك ~~النادم السائل الرجعة يظهر في ذلك الوقت تعظيمه ربه، ونظير ذلك من كلام ~~العرب قول الشاعر حسان بن ثابت أو غيره: # ألا فارحموني يا إله محمد # فإن لم أكن أهلا فأنت له أهل # وقول الآخر يخاطب امرأة: # وإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # والنقاخ الماء البارد والبرد: النوم، وقيل: ضد الحر. والأول أظهر. # الوجه الثاني: قوله: رب استغاثة به تعالى، وقوله: ارجعون: خطاب ~~للملائكة، ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير، عن ابن جريج قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: # " إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول: إلى دار ~~الهموم والأحزان، فيقول: بل قدموني إلى الله وأما الكافر فيقولون له: ~~نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون ". # الوجه الثالث: وهو قول المازني: إنه جمع الضمير ليدل على التكرار فكأنه ~~قال: رب ارجعني ارجعني ارجعني، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. والعلم ~~عند الله تعالى. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لعلي أعمل صالحا } ~~[المؤمنون: 100] الظاهر أن لعل فيه التعليل: أي ارجعون، لأجل أن أعمل ~~صالحا، وقيل: هي للترجي والتوقع، لأنه غير جازم، بأنه إذا رد للدنيا عمل ~~صالحا، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين ~~والحج الذي كان قد فرط فيه والصلوات والزكاة ونحو ذلك. والعلم عند الله ~~تعالى. وقوله كلا: كلمة زجر: وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا ~~يعطاها كما هو واضح. ### || [23.101] # في هذه الآية الكريمة، سؤالان معروفان يحتاجان إلى جواب مبين للمقصود ms2567 ~~مزيل للإشكال. # السؤال الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية: أنه إذا نفخ في الصور، ~~والظاهر أنها النفخة الثانية، أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، فيقال: ما وجه ~~نفي الأنساب بينهم، مع أنها باقية كما دل عليه قوله تعالى: # فإذا جآءت الصآخة يوم يفر المرء من أخيه ~~وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه # [عبس: 33-36] ففي هذه الآية ثبوت الأنساب بينهم. # السؤال الثاني: أنه قال: { ولا يتسآءلون } مع أنه ذكر في آيات ~~أخر أنهم في الآخرة يتساءلون، كقوله في سورة الطور # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25] وقوله في الصافات # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 50] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد ذكرنا الجواب عن هذين السؤالين في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن ~~آيات الكتاب بما حاصله: # إن الجواب عن السؤال الأول: هو أن المراد بنفي الأنساب انقطاع آثارها، ~~التي كانت مترتبة عليها في دار الدنيا، من التفاخر بالآباء، والنفع ~~والعواطف والصلات. فكل ذلك ينقطع يوم القيامة، ويكون الإنسان لا يهمه إلا ~~نفسه، وليس المراد نفي حقيقة الأنساب، من أصلها بدليل قوله: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] الآية. # وإن الجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه: # الأول: هو قول من قال: إن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية، ~~وإثباته بعدهما معا. وهذا الجواب فيما يظهر لا يخلو من نظر. # الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على ~~الصراط وإثباته فيما عدا ذلك وهو عن السدي، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ~~ابن عباس. # الثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض، فيما ~~بينهم من الحقوق، لقنوطهم من الإعطاء، ولو كان المسؤول أبا أو ابنا أو ~~أما أو زوجة، ذكر هذه الأوجه الثلاثة صاحب الإتقان. ### || [23.102-103] # قد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى هاتين الآيتين في سورة الأعراف في ~~الكلام على قوله: # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه # [الأعراف: 8-9] الآية. وقوله في سورة الكهف: # فلا نقيم لهم ms2568 يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105] وغير ذلك. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [23.104] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار تلفح وجوههم النار: أي ~~تحرقها إحراقا شديدا، جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار # [الأحزاب: 66] الآية. وقوله تعالى: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار # [النمل: 90] الآية. وقوله تعالى: # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم # [الأنبياء: 39] الآية. وقوله تعالى: # سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50] الآية. وقوله تعالى: # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة # [الزمر: 24] وقوله: # يشوي الوجوه بئس الشراب # [الكهف: 29] الآية. إلى غير ذلك من الآيات وقوله: { وهم فيها ~~كالحون } الكالح: هو الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أسنانه، والنار ~~والعياذ بالله تحرق شفاههم، حتى تتقلص عن أسنانهم، كما يشاهد مثله في رأس ~~الشاة المشوي في نار شديدة الحر، ومنه قول الأعشى: # وله المقدم لا مثل له # ساعة الشدق عن الناب كلح # وعن ابن عباس: كالحون: عابسون. ### || [23.105-106] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار يسألون يوم ~~القيامة، فيقول لهم ربهم { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } ~~أي في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، ~~وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإيمان، لأن الله أراد بهم ~~الشقاء وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا، وكذبوا الرسل. # قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # وقوله هنا: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضآلين } الظاهر أن معنى قولهم: { غلبت ~~علينا شقوتنا } أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم وتلت عليهم آيات ~~ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية، غلب عليهم، فكذبوا ~~الرسل، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا، من شقاوتهم. ونظير الآية على ~~هذا الوجه قوله تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمة ms2569 ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 96-97] وقوله عن أهل النار # قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين # [الزمر: 71] إلى غير ذلك من الآيات، ويزيد ذلك إيضاحا قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " كل ميسر لما خلق له " # وقوله تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] وقوله: # ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم # [هود: 118-119] على أصح التفسيرين وقوله عنهم { وكنا قوما ~~ضآلين } اعتراف منهم بضلالهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب ولا الندم ~~عليه، كقوله تعالى: # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير # [الملك: 11] ونحو ذلك من الآيات. # وهذا الذي فسرنا به الآية، هو الأظهر الذي دل عليه الكتاب والسنة، وبه ~~تعلم أن قول أبي عبدالله القرطبي في تفسير هذه الآية، وأحسن ما قيل في ~~معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما ~~يؤديان إليها كما قال الله عز وجل: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] لأن ذلك يؤديهم إلى النار ا ه تكلف مخالف للتحقيق. # ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، ~~وسوء الظن بالخلق ا ه. # ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى، وقوله هنا: { ~~قوما ضآلين } أي عن الإسلام إلى الكفر، وعن طريق الجنة إلى طريق ~~النار، وقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي: شقاوتنا بفتح الشين، والقاف وألف ~~بعدها، وقرأه الباقون: بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف. ### || [23.107-108] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يدعون ربهم فيها ~~فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها، ~~فإنا ظالمون، وأن الله يجيبهم بقوله: { اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون } أي امكثوا فيها خاسئين: أي أذلاء صاغرين حقيرين، لأن لفظة ~~اخسأ إنما تقال للحقير الذليل، كالكلب ونحوه. فقوله: { اخسئوا فيها ~~} أي ذلوا فيها ماكثين في الصغار والهوان. # وهذا الخروج من النار الذي طلبوه قد بين تعالى ms2570 أنهم لا ينالونه كقوله ~~تعالى # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # [المائدة: 37] وقوله تعالى: # كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ~~هم بخارجين من النار # [البقرة: 167] وقوله تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها # [الحج: 22] الآية، وقوله تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة: 20] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد جاء في القرآن أجوبة متعددة لطلب أهل النار فهنا قالوا: { ربنآ ~~أخرجنا منها } فأجيبوا { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ~~وفي السجدة قالوا # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12] فأجيبوا # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم # [السجدة: 13] الآية، وفي سورة المؤمن # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11] فأجيبوا # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12] وفي الزخرف # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] فأجيبوا # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77] وفي سورة إبراهيم # فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل # [إبراهيم: 44] فيجابون # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44] وفي سورة فاطر # وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل # [فاطر: 37] فيجابون # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مثل هذه الأجوبة. # وعن ابن عباس: أن بين كل طلب منها وجوابه ألف سنة والله أعلم. وقوله في ~~هذه الآية: ولا تكلمون: أي في رفع العذاب عنكم، ولا إخراجكم من النار ~~أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها. ### || [23.109-110] # فقد تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، أن إن المكسورة المشددة ~~من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء: أي لأجل إساءته. وقوله في هذه ~~الآية: { إنه كان فريق من عبادي } الآيتين. يدل فيه لفظ ~~إن المكسورة المشددة، على أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو ~~استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول: ms2571 { ربنآ آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين } فالكفار ~~يسخرون من ضعفاء المؤمنين في الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإيمان ~~به فيدخلون بذلك النار. # وما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع، ~~كقوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] وكقوله تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53] الآية وكل ذلك احتقار منهم لهم، وإنكارهم أن الله يمن ~~عليهم بخير، وكقوله تعالى: # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة # [الأعراف: 49] الآية. وقوله تعالى عنهم: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11] وكل ذلك احتقار منهم لهم. وقوله: { فاتخذتموهم ~~سخريا } والسخري بالضم والكسر: مصدر سخر منه، إذا استهزأ به على ~~سبيل الاحتقار. قال الزمخشري في ياء النسب: زيادة في الفعل، كما قيل في ~~الخصوصية بمعنى الخصوص، ومعناه: أن الياء المشددة في آخره تدل على زيادة ~~سخرهم منهم: ومبالغتهم في ذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: سخريا بضم ~~السين، والباقون بكسرها ومعنى القراءتين واحد، وهو سخرية الكفار ~~واستهزاؤهم بضعفاء المؤمنين، كما بينا. وممن قال بأن معناهما واحد: ~~الخليل وسيبويه، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وعن الكسائي والفراء: أن ~~السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرنا من الاستهزاء، وأن السخري بضم السين ~~من التسخير، الذي هو التذليل والعبودية. # والمعنى: أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين، ويستبعدونهم كما كان يفعله ~~أمية بن خلف ببلال، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى، ~~وحتى في قوله: { حتى أنسوكم ذكري } حرف غاية، لاتخاذهم إياهم ~~سخريا: أي لم يزالوا كذلك، حتى أنساهم ذلك ذكر الله والإيمان به، فكان ~~مأواهم النارن والعياذ بالله. ### || [23.111] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جزى أولئك المؤمنين المستضعفين ~~في الدنيا بالفوز بالجنة في الآخرة. وقوله: { بما صبروا } أي بسبب ~~صبرهم في دار الدنيا، على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريا، وعلى غير ذلك ~~من امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، ms2572 وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من ~~أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم، جزاهم الله يوم ~~القيامة الفوز بجنته، ورضوانه، جاء مبينا في مواضع أخر مع بيان أنهم يوم ~~القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في النار. والعياذ بالله ~~كقوله تعالى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36] وقوله تعالى: # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون # [الأعراف: 49] وقوله: # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من ~~الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة # [البقرة: 212] إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ حمزة والكسائي: إنهم هم ~~الفائزون بكسر همزة إن، وعلى قراءتهما فمفعول جزيتهم: محذوف: أي جزيتهم ~~جنتي إنهم هم الفائزون، وعلى هذه القراءة فإن لاستئناف الكلام، وقرأ ~~الباقون: أنهم هم الفائزون. بفتح همزة أن، وعلى قراءة الجمهور هذه ~~فالمصدر المنسبك، من أن وصلتها: مفعول به لجزيتهم: أي جزيتهم فوزهم كما ~~لا يخفى. والفوز نيل المطلوب الأعظم. ### || [23.112-113] # في هذه الآية سؤال معروف: وهو أنهم لما سئلوا يوم القيامة عن قدر مدة ~~لبثهم في الأرض في الدنيا أجابوا بأنهم لبثوا يوما أو بعض يوم، مع أنه ~~قد دلت آيات أخر على أنهم أجابوا بغير هذا الجواب كقوله تعالى: # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا # [طه: 103] والعشر أكثر من يوم أو بعضه، وكقوله تعالى: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة # [الروم: 55] والساعة: أقل من يوم أو بعضه، وقوله: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46] وقوله: # كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ~~يتعارفون بينهم # [يونس: 45] وقوله تعالى: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون # [الأحقاف: 35]. # وقد بينا الجواب عن هذا السؤال في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب في الكلام على هذه الآية بما حاصله: أن بعضهم يقول لبثنا يوما أو ~~بعض يوم، ويقول بعض ms2573 آخر منهم: لبثنا ساعة ويقول بعض الآخر منهم: لبثنا ~~عشرا. # والدليل على هذا الجواب من القرآن أنه تعالى بين أن أقوالهم إدراكا، ~~وأرجحهم عقلا، وأمثلهم طريقة هو من يقول: إنهم ما لبثوا إلا يوما ~~واحدا، وذلك في قوله تعالى: # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن ~~أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن ~~لبثتم إلا يوما # [طه: 103-104] فالآية صريحة في اختلاف أقوالهم، وعلى ذلك فلا إشكال ~~والعلم عند الله تعالى. # وقوله تعالى: { فاسأل العآدين } أي الحاسبين، الذين يضبطون مدة ~~لبثنا، وقرأ ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة. ~~والباقون: فاسأل بغير نقل، وقرأ ابن كثير والكسائي: قل كم لبثتم بضم ~~القاف وسكون اللام بصيغة الأمر، وقرأ الباقون: قال كم لبثتم بفتح القاف ~~بعدها ألف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي. # وقال الزمخشري ما حاصله، إنه على قراءة قال بصيغة الماضي فالفاعل ضمير ~~يعود إلى الله، أو إلى من أمر بسؤالهم من الملائكة، وعلى قراءة قل بصيغة ~~الأمر، فالضمير راجع إلى الملك المأمور بسؤالهم أو بعض رؤساء أهل النار ~~هكذا قال. والله تعالى أعلم. وقد صدقهم الله جل وعلا وفي قلة لبثهم في ~~الدنيا بقوله: # قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم ~~تعلمون # [المؤمنون: 114] لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جدا. بالنسبة إلى طول ~~مدتهم خالدين في النار، والعياذ بالله. وقرأ حمزة والكسائي: قل إن لبثتم ~~إلا قليلا بصيغة الأمر والباقون بصيغة الماضي. ### || [23.115-116] # الاستفهام في قوله: أفحسبتم للإنكار، والحسبان هنا معناه: الظن. يعني: ~~أظننتم أنا خلقناكم عبثا لا لحكمة، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة، ~~فنجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا شر، ثم نزه جل وعلا ~~نفسه، عن أن يكون خلقهم عبثا، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء. # وقوله: { فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا ~~هو رب العرش الكريم } أي تعاظم وتقدس، وتنزه عن كل ما لا ~~يليق بكماله وجلاله، ومنه خلقكم عبثا سبحانه وتعالى، عن ذلك علوا ~~كبيرا. # وما تضمنته هذه ms2574 الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحا في غير هذا ~~الموضع كقوله تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27] وقوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان: 38-39] وقوله تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 36-39] وقوله: سدى: أي مهملا لا يحاسب ولا يجازي، وهو محل ~~إنكار ظن ذلك في قوله: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36] وقوله: عبثا: يجوز إعرابه حالا، لأنه مصدر منكر أي إنما ~~خلقناكم في حال كوننا عابثين، ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله: أي إنما ~~خلقناكم، لأجل العبث لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم، وأعربه بعضهم مفعولا ~~مطلقا، وليس بظاهر. قال القرطبي عبثا: أي مهملين، والعبث في اللغة: ~~اللعب، ويدل على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان: 38] وقوله: { الملك الحق } قال بعضهم أي الذي يحق له ~~الملك، لأن كل شيء منه وإليه. وقال بعضهم: الملك الحق: الثابت الذي لا ~~يزول ملكه، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وله الدين واصبا # [النحل: 52] وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه والظاهر أن قوله: { ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } معطوف على قوله: { أنما ~~خلقناكم عبثا } خلافا لمن قال: إنه معطوف على قوله: عبثا، لأن ~~الأول أظهر منه والعلم عند الله تعالى. ### || [23.117] # البرهان: الدليل الذي لا يترك في الحق لبسا، وقوله: لا برهان له به ~~كقوله # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا # [الحج: 71] الآية. والسلطان: هو الحجة الواضحة وهو بمعنى: البرهان وقوله ~~في هذه الآية الكريمة { فإنما حسابه عند ربه } قد بين أن ~~حسابه الذي عند ربه، لا فلاح له فيه بقوله بعده { إنه لا يفلح ~~الكافرون } وأعظم الكافرين كفرا هو من يدعو مع الله إلها آخر، لا ~~برهان له ms2575 به، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهل النار، وقد حذر ~~الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: # ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه ~~نذير مبين # [الذاريات: 51] وقوله: # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ~~كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 88] وقوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، ولا خلاف بين أهل العلم أن ~~قوله هنا: { لا برهان له به } لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد ~~أن يقول: أما من عبد معه إلها آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، ~~لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية ~~المتواترة، دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ولا يمكن أن يوجد دليل ~~على عبادة غيره ألبتة. وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم ~~المخالفة، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكرا لوصف ~~الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذا ليس لإخراج ~~المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع. # ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله: { لا برهان له به } ~~وصف مطابق للواقع، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته ~~الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. # ومن أمثلته في القرآن أيضا قوله تعالى: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28] لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله { من ~~دون المؤمنين } ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم، عن حكم ~~المنطوق ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، ممنوع على كل حال، ~~وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة ~~بقوله: # أو امتنان أو وفاق الواقع # والجهل والتأكيد عند السامع ### || [23.118] # قوله تعالى في خاتمة هذه السورة الكريمة { وقل رب اغفر ~~وارحم وأنت خير الراحمين } فيه الدليل على أن ذلك الفريق، ~~الذين كانوا ms2576 يقولون: ربنا آمنا، فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين. ~~موفقون في دعائهم ذلك ولذا أثنى الله عليهم به، وأمر به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لتقتدي به أمته في ذلك، ومعمول اغفر وارحم حذف هنا، لدلالة ما ~~تقدم عليه في قوله: # فاغفر لنا وارحمنا # [المؤمنون: 109] والمغفرة: ستر الذنوب بعفو الله وحلمه حتى لا يظهر لها ~~أثر يتضرر به صاحبها، والرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه ~~الرحمن، واسمه الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة ~~التفضيل في قوله: { وأنت خير الراحمين } لأن المخلوقين قد يرحم ~~بعضهم بعضا، ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر ~~صفاته لذواتهم، وصفاتهم كما أوضحناه في سورة الأعراف في الكلام على قوله ~~تعالى: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54] والعلم عند الله تعالى. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.2] # قوله تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة }. # ظاهر هذه الآية الكريمة: أن كل زانية وكل زان: يجب جلد كل واحد منهما ~~مائة جلدة، لأن الألف واللام في قوله { الزانية والزاني } إن ~~قلنا: إنهما موصول وصلتهما الوصف الذي هو اسم الفاعل الذي هو الزانية ~~والزاني، فالموصولات من صيغ العموم. # وإن قلنا إنهما للتعريف لتناسي الوصفية، وإن مرتكب تلك الفاحشة يطلق ~~عليه اسم الزاني، كإطلاق أسماء الأجناس، فإن ذلك يفيد الاستغراق، فالعموم ~~الشامل لكل زانية وكل زان، هو ظاهر الآية، على جميع الاحتمالات. # وظاهر هذا العموم شموله للعبد، والحر، والأمة، والبكر، والمحصن من ~~الرجال والنساء. # وظاهره أيضا: أنه لا تغرب الزانية، ولا الزاني عاما مع الجلد، ولكن ~~بعض الآيات القرآنية دل على أن عموم الزانية يخصص مرتين. # إحداهما: تخصيص حكم جلدها مائة بكونها حرة، أما إن كانت أمة، فإنها تجلد ~~نصف المائة وهو خمسون وذلك في قوله تعالى في الإماء # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب # [النساء: 25] والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر والعذاب الجلد، وهو ~~بالنسبة إلى الحرة الزانية: مائة جلدة والأمة عليها نصفه بنص آية النساء ~~هذه، ms2577 وهو خمسون. فآية # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] مخصصة لعموم قوله { الزانية والزاني } الآية ~~بالنسبة إلى الزانية الأنثى. # وأما التخصيص للمرة الثانية لعموم الزانية في آية النور هذه فهو بآية ~~منسوخة التلاوة، باقية الحكم، تقتضي أن عموم الزانية هنا مخصص بكونها ~~بكرا. # أما إن كانت محصنة، بمعنى أنها قد تزوجت من قبل الزنى، وجامعها زوجها في ~~نكاح صحيح فإنها ترجم. # والآية التي خصصتها بهذا الحكم الذي ذكرنا أنها منسوخة التلاوة باقية ~~الحكم هي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم. # وهذا التخصيص إنما هو على قول من يقول: لا يجمع للزاني المحصن، بين ~~الجلد والرجم، وإنما يرجم فقط بدون جلد. # أما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، وإنما في آية الرجم زيادته ~~على الجلد، فكلتا الآيتين أثبتت حكما لم تثبته الأخرى، وسيأتي إيضاح هذا ~~إن شاء الله غير بعيد وأقوال أهل العلم فيه ومناقشة أدلتهم. # أما الزاني الذكر فقد دلت الآية التي ذكرنا، أنها منسوخة التلاوة، باقية ~~الحكم على تخصيص عمومه، وأن الذي يجلد المائة من الذكور، إنما هو الزاني ~~البكر، وأما المحصن فإنه يرجم، وهذا التخصيص في الذكر أيضا إنما هو على ~~قول من لا يرى الجمع بين الجلد والرجم، كما أوضحناه قريبا في الأنثى. # وأما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، بل كل واحدة من الآيتين ~~أثبتت حكما لم تثبته الأخرى. # وعموم الزاني في آية النور هذه، مخصص عند الجمهور أيضا مرة أخرى، بكون ~~جلد المائة خاصا بالزاني الحر، أما الزاني الذكر العبد فإنه يجلد نصف ~~المائة وهو الخمسون. # ووجه هذا التخصيص: إلحاق العبد بالأمة في تشطير حد الزنى بالرق، لأن ~~مناط التشطير الرق بلا شك، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى الحدود ~~وصفان طرديان، لا يترتب عليهما حكم، فدل قوله تعالى في آية النساء في ~~الإماء # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] أن الرق مناط تشطير حد الزنى، إذ لا فرق بين ms2578 الذكر والأنثى ~~في الحدود، فالمخصص لعموم الزاني في الحقيقة: هو ما أفادته آية # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25]. وإن سماه الأصوليون تخصيصا بالقياس، فهو في الحقيقة ~~تخصيص آية بما فهم من آية أخرى. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من كتاب ~~الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقى حكمها، والثانية: باقية التلاوة ~~والحكم، أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: الشيخ ~~والشيخة إلى آخرها كما سيأتي. وكون الرجم ثابتا بالقرآن ثابت في الصحيح. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: في باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت: # حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن ~~شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت ~~أقرئ رجالا من المهاجرين منهم: عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله ~~بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلى عبدالرحمن ~~فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال يا أمير المؤمنين هل ~~لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة ~~أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية ~~في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. الحديث بطوله. # وفيه: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، ~~فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها: " رجم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول ~~قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها ~~الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، ~~إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف " انتهى محل الغرض من صحيح ~~البخاري. # وفيه أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في ~~المصحف، ms2579 يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها كما هو ثابت في الحديث ~~المذكور. # وفي رواية في البخاري من حديث عمر رضي الله عنه " لقد خشيت أن يطول ~~بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة ~~أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى، وقد أحصن إذا قامت البينة، أو ~~كان الحمل، أو الاعتراف ". # قال سفيان: كذا حفظت " ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده ". # وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذه الرواية الأخيرة، " وقد أخرجه ~~الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبدالله شيخ البخاري فيه، ~~فقال بعد قوله: أو الاعتراف، وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، ~~فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد قرأناها إلى قوله: ألبتة، ولعل ~~البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا، فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور، عن ~~سفيان كرواية جعفر ثم قال: لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: الشيخ ~~والشيخة... غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك. # قلت: وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن ~~كيسان، وعقيل، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري ". # وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد، ~~عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج، وقدم المدينة خطب الناس ~~فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على ~~الواضحة ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد ~~حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله، ورجمنا والذي نفسي بيده، لولا أن ~~يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة. قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. # ووقع في الحلية في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر: " ~~لكتبتها في آخر القرآن ". # ووقعت ms2580 أيضا في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها، في ~~الباب الذي يليه فقال متصلا بقوله: " قد رجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا بعده، ولولا أن يقولوا: كتب عمر ما ليس في كتاب الله، لكتبته ~~قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من الله، ~~والله عزيز حكيم ". # وأخرج هذه الجملة النسائي وصححه الحاكم، من حديث أبي بن كعب قال: ولقد ~~كان فيها أي سورة الأحزاب، آية الرجم: الشيخ فذكر مثله. # ومن حديث زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيخ ~~والشيخة مثله إلى قوله: ألبتة. # ومن رواية أسامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت: لقد أقرأنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آية الرجم، فذكره إلى قوله: ألبتة، وزاد بما قضيا من ~~اللذة. # وأخرج النسائي أيضا أن مروان بن الحكم قال لزيد: ألا تكتبها في المصحف ~~قال: لا ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر: أنا ~~أكفيكم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبني آية الرجم فقال: " ~~لا أستطيع ". # وروينا في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق يعلى وهو ابن حكيم، عن زيد ~~بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوا في الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن ~~أكتبه في المصحف، فسألت أبي بن كعب، فقال: أليس أتيتني، وأنا أستقرئها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعت في صدري وقلت: استقرئه آية الرجم، ~~وهم يتسافدون تسافد الحمر، ورجاله ثقات وفيه: إشارة إلى بيان السبب في ~~رفع تلاوتها، وهو الاختلاف. # وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت، وسعيد بن ~~العاص يكتبان في المصحف، فمرا على هذه الآية فقال زيد: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الشيخ والشيخة فارجموهما ~~ألبتة " # ، فقال عمر: لما نزلت آتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبها فكأنه ~~كره ذلك فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى، ولم يحصن جلد، وأن الشاب ms2581 ~~إذا زنى وقد أحصن رجم. # فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر ~~من عمومها. انتهى بطوله من فتح الباري. # وفيه الدلالة الظاهرة على ما ذكرنا من أن آية الرجم منسوخة التلاوة، ~~باقية الحكم، وأنها مخصصة لآية الجلد، على القول بعدم الجمع بين الرجم ~~والجلد، كما تقدم. # ولكن ما أشار إليه ابن حجر من استفادة سبب نسخ تلاوتها من بعض الأحاديث ~~المذكورة غير ظاهر، لأن كثيرا من الآيات يبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~تخصيص عمومه، ويوضح المقصود به وإن كان خلاف الظاهر المتبادر منه، ولم ~~يؤد شيء من ذلك إلى نسخ تلاوته كما هو معلوم، والآية القرآنية عند نزولها ~~تكون لها أحكام متعددة، كالتعبد بتلاوتها، وكالعمل بما تضمنته من الأحكام ~~الشرعية، والقراءة بها في الصلاة، ونحو ذلك من الأحكام. وإذا أراد الله ~~أن ينسخها بحكمته فتارة ينسخ جميع أحكامها من تلاوة، وتعبد، وعمل بما ~~فيها من الأحكام كآية عشر رضعات معلومات يحرمن، وتارة ينسخ بعض أحكامها ~~دون بعض، كنسخ حكم تلاوتها، والتعبد بها مع بقاء ما تضمنته من الأحكام ~~الشرعية، وكنسخ حكمها دون تلاوتها. والتعبد بها كما هو غالب ما في القرآن ~~من النسخ. # وقد أوضحنا جميع ذلك بأمثلته في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # وإذا بدلنآ آية مكان آية # [النحل: 101] الآية. وله الحكمة البالغة في جميع ما يفعله من ذلك. # فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، ~~فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم ~~نسخ الله تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود. والله جل ~~وعلا أعلم. # فالرجم ثابت في القرآن وما سيأتي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جلدتها ~~بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينافي ذلك، ~~لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها فصار ~~حكمها من هذه الجهة، كأنه ثابت بالسنة، والله تعالى أعلم. # وقال مسلم بن ms2582 الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن ~~يحيى قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني ~~عبيدالله بن عبدالله بن عتبة: أنه سمع عبدالله بن عباس: يقول: قال عمر بن ~~الخطاب، وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه ~~آية الرجم قرأناها ووعيناها، وعقلناها: فرجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم ~~في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق ~~على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، ~~أو الاعتراف ا ه منه. # فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، عن هذا الخليفة الراشد أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ دليل صريح صحيح على أن الرجم ثابت ~~بآية من كتاب الله، أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها ~~الصحابة، ووعوها، وعقلوها وأن حكمها باق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعله والصحابة رضي الله عنهم فعلوه بعده. # فتحققنا بذلك بقاء حكمها مع أنها لا شك في نسخ تلاوتها مع الروايات التي ~~ذكرنا في كلام ابن حجر، ومن جملة ما فيها لفظ آية الرجم المذكورة، والعلم ~~عند الله تعالى. # وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم فهي قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون # [آل عمران: 23] على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد ~~الإحصان، وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة رجمه لهما مشهورة، ~~ثابتة في الصحيح، وعليه قوله { ثم يتولى فريق منهم ~~وهم معرضون } أي عما في التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن ~~الرجم في هذه الآية، يدل على أنه ثابت في شرعنا، فدلت الآية على هذا ~~القول أن ms2583 الرجم ثابت في شرعنا، وهي باقية التلاوة. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: أجمع العلماء: على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى، وهو ~~محصن. # ومعنى الإحصان: أن يكون قد جامع في عمره، ولو مرة واحدة في نكاح صحيح، ~~وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وكذلك المسلم، والكافر، ~~والرشيد، والمحجور عليه لسفه، والدليل على أن الكافر إذا كان محصنا يرجم ~~الحديث الصحيح الذي ثبت فيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين ~~زنيا بعد الإحصان " وقصة رجمهما مشهورة مع صحتها كما هو معلوم. # الفرع الثاني: أجمع أهل العلم على أن من زنى، وهو محصن يرجم، ولم نعلم ~~بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرا كان أو أنثى إلا ما ~~حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج، وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه. ~~فإنهم لم يقولوا بالرجم، وبطلان مذهب من ذكر من الخوارج، وبعض المعتزلة ~~واضح من النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه بعده كما قدمنا من حديث عمر المتفق عليه، وكما سيأتي إن شاء ~~الله. # الفرع الثالث: أجمع العلماء على أن الزاني ذكرا كان أو أنثى، إذا قامت ~~عليه البينة، أنهم رأوه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة: أنه يجب ~~رجمه إذا كان محصنا، وأجمع العلماء أن بينة الزنى، لا يقبل فيها أقل من ~~أربعة عدول ذكور، فإن شهد ثلاثة عدول، لم تقبل شهادتهم وحدوا، لأنهم قذفة ~~كاذبون، لأن الله تعالى يقول # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] ويقول جل وعلا # واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم # [النساء: 15] الآية، وكلتا الآيتين المذكورتين صريحة في أن الشهود في ~~الزنى، لا يجوز أن يكونوا أقل من أربعة، وقد قال جل وعلا # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء فإذ لم ~~يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون # [النور: 13] وقد بينت هذه الآية اشتراط الأربعة كما في الآيتين ~~المذكورتين قبلها، زادت أن القاذفين إذ ms2584 لم يأتوا بالشهداء الأربعة هم ~~الكاذبون عند الله. # ومن كذب في دعواه الزنى على محصن أو محصنة وجب عليه حد القذف كما سيأتي ~~إيضاحه إن شاء الله. # وما ذكره أبو الخطاب من الحنابلة عن أحمد والشافعي من أن شهود الزنى، ~~إذا لم يكملوا لا حد قذف عليهم، لأنهم شهود لا قذفة، لا يعول عليه، ~~والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. # ومما يؤيده قصة عمر مع الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة فإن رابعهم لما ~~لم يصرح بالشهادة على المغيرة بالزنى، جلد عمر الشهود الثلاثة جلد القذف ~~ثمانين، وفيهم أبو بكرة رضي الله عنه، والقصة معروفة مشهورة، وقد ~~أوضحناها في غير هذا الموضع. # وجمهور أهل العلم أن العبيد لا تقبل شهادتهم في الزنى، ولا نعلم خلافا ~~عن أحد من أهل العلم، في عدم قبول شهادة العبيد في الزنى، إلا رواية عن ~~أحمد ليست هي مذهبه وإلا قول أبي ثور. # ويشترط في شهود الزنى: أن يكونوا ذكورا ولا تصح فيه شهادة النساء بحال، ~~ولا نعلم أحدا من أهل العلم خالف في ذلك، إلا شيئا يروى عن عطاء، وحماد ~~أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. # وقال ابن قدامة في المغني: وهو شذوذ لا يعول عليه، لأن لفظ الأربعة اسم ~~لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفي فيه بأربعة، ولا خلاف أن الأربعة إذا ~~كان بعضهم نساء لا يكتفي بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص، ~~ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال إليهن، قال الله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282] والحدود تدرأ بالشبهات انتهى منه. # ولا خلاف بين أهل العلم أن شهادة الكفار كالذميين لا تقبل على المسلم ~~بالزنى. # واختلف هل تقبل على كافر مثله؟ فقيل: لا، والنبي صلى الله عليه وسلم " ~~إنما رجم اليهوديين باعترافهما بالزنى لا بشهادة شهود من اليهود عليهم ~~بالزنى ". والذين قالوا هذا القول زعموا أن شهادة الشهود في حديث جابر: ~~أنها شهادة شهود مسلمين، يشهدون على اعتراف اليهوديين المذكورين بالزنى. ~~وممن قال هذا القول: ابن ms2585 العربي المالكي. # وقال بعض أهل العلم: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض إن تحاكموا إلينا. # وقال القرطبي: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على ~~كافر لا في حد ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك. وقيل: ~~شهادتهم جماعة من التابعين، وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم، واستثنى أحمد ~~حالة السفر إذا لم يوجد مسلم. # وأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهوديين بأنه صلى الله عليه وسلم ~~نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ظاهرا لتحريفهم ~~كتابهم، وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصا بهذه الواقعة. # وقال ابن حجر بعد نقله كلام القرطبي المذكور كذا قال: والثاني مردود، ثم ~~قال: وقال النووي الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر فلعل ~~الشهود كانوا مسلمين وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنى. # ثم قال ابن حجر قلت: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود ~~أخبروا بذلك بقية اليهود، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم، ولم ~~يحكم فيها إلا مستندا لما أطلعه الله تعالى عليه، فحكم بالوحي، وألزمهم ~~الحجة بينهم كما قال تعالى: # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26] وأن شهودهم شهدوا عليهما عند إخبارهم بما ذكر، فلما رفعوا ~~الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها فذكر كل من ~~حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستند حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا ما أطلعه الله عليه. # انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر في فتح الباري. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر عفا الله عنه وغفر له: الذي ~~يظهر لي رجحانه بالدليل، هو مذهب الجمهور من عدم قبول شهادة الكفار ~~مطلقا لأن الله يقول في المسلمين الفاسقين # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون # [النور: 4]. وإذا نص الله جل وعلا في محكم كتابه على عدم قبول شهادة ~~الفاسق، فالكافر أولى بذلك كما لا يخفى، وقد قال جل وعلا في ms2586 شهود الزنا، ~~أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه # واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم # [النساء: 15] فخص الأربعة بكونهم منا، ويمكن أن يجيب المانع بأن أول ~~الآية فيه من نسائكم، فلا نتناول نساء أهل الذمة ونحوهم من الكفار، وأنه ~~لا تقبل شهادة كافر في شيء إلا بدليل خاص كالوصية في السفر، إذا لم يوجد ~~مسلم، لأن الله نص على ذلك بقوله # أو آخران من غيركم # [المائدة: 106] الآية. # والتحقيق أن حكمها غير منسوخ، لأن القرآن لا يثبت نسخ حكمه، إلا بدليل ~~يجب الرجوع إليه، والآيات التي زعم من ادعى النسخ: أنها ناسخة لها كقوله # ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] وقوله # ممن ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282] وقوله # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا # [النور: 4] أعم منها. # والجمهور على أن الأعم لا ينسخ الأخص خلافا لأبي حنيفة. # أما حديث جابر المشار إليه الذي يفهم منه قبول شهادة الكفار بعضهم على ~~بعض في حد الزنى. فقد قال فيه أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا يحيى بن ~~موسى البلخي، ثنا أبو أسامة قال مجالد: أخبرنا عن عامر عن جابر بن ~~عبدالله، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: ائتوني بأعلم ~~رجلين منكم الحديث. وفيه: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، ~~فجاءوا بأربعة فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. انتهى محل الغرض منه. # وظاهره المتبادر منه: أن الشهود الذين شهدوا من اليهود كما لا يخفى ~~فظاهر الحديث، دال دلالة واضحة على قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض، في ~~حد الزنى، إن كان صحيحا، والسند المذكور الذي أخرجه به أبو داود لا يصح ~~لأن فيه مجالدا وهو مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن ~~شرحبيل الهمداني أبو عمرو، ويقال أبو سعيد الكوفي، وأكثر أهل العلم على ~~ضعفه، وعدم الإحتجاج به، والإمام مسلم بن الحجاج، إنما أخرج حديثه ~~مقرونا بغيره، فلا عبرة بقول يعقوب بن سفيان، إنه صدوق ولا ms2587 بتوثيق ~~النسائي له مرة، لأنه ضعفه مرة أخرى، ولا بقول ابن عدي إن له عن الشعبي، ~~عن جابر أحاديث صالحة، لأن أكثر أهل العلم بالرجال على تضعيفه، وعدم ~~الاحتجاج به أما غير مجالد من رجال سند أبي داود فهم ثقات معروفون، لأن ~~يحيى بن موسى البلخي ثقة، وأبو أسامة المذكور فيه هو حماد بن أسامة ~~القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت، ربما دلس وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، ~~وعامر الذي روى عنه مجالد هو الإمام الشعبي وجلالته معروفة. # والحاصل: أن مثل هذا السند الذي فيه مجالد المذكور، لا يجب الرجوع إليه ~~عن عموم النصوص الصحيحة المقتضية، أن الكفار لا تقبل شهادتهم مطلقا، ~~والله تعالى أعلم. # الفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في اشتراط اتحاد المجلس ~~لشهادة شهود الزنا، وعلى اشتراط ذلك لو شهدوا في مجلسين أو مجالس متفرقة، ~~بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف. وعلى عدم اشتراط اتحاد المجلس تصح شهادتهم ~~ولو جاءوا متفرقين، وأدوا شهادتهم في مجالس متعددة، وممن قال باشتراط ~~اتحاد المجلس: مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وممن قال ~~بعدم اشتراط اتحاد المجلس: الشافعي، وعثمان البتي، وابن المنذر. # قال في المغني: وإنما قالوا بعدم اشتراط ذلك لقوله تعالى: # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء # [النور: 13] ولم يذكر المجلس. وقال تعالى: # فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت # [النساء: 15] ولأن كل شهادة مقبولة، إن اتفقت تقبل إذا افترقت في مجالس ~~كسائر الشهادات، ولنا أن أبا بكرة، ونافعا، وشبل بن معبد شهدوا عند عمر ~~رضي الله عنه على المغيرة بن شعبة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة، ولو ~~كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم، لجواز أن يكملوا برابع في مجلس ~~آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم، ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا ~~اشتراط اتحاد المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات. # وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط، ولهذا لم تذكر العدالة، وصفة الزنى ~~ولأن قوله # ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم # [النور: ms2588 4] لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا، ولا ~~يجوز أن يكون مطلقا، لأنه يمنع من جواز جلدهم، لأنه ما من زمن إلا يجوز ~~أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم ~~المأمور به، فيكون تناقضا، وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس، ~~لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة، ولهذا ثبت فيه خيار المجلس، واكتفى ~~فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا، فإنه لا يشترط اجتماعهم ~~حال مجيئهم، ولو جاءوا متفرقين واحدا بعد واحد في مجلس واحد، قبلت ~~شهادتهم. # وقال مالك وأبو حنيفة: إن جاءوا متفرقين فهم قذفة، لأنهم لم يجتمعوا في ~~مجيئهم، فلم تقبل شهادتهم، كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولناقصة ~~المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحدا بعد واحد وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا ~~لعدم كمالها. # وفي حديثه أن أبا بكرة قال: أرأيت إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: ~~إي والذي نفسي بيده، ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه ما لو جاءوا ~~وكانوا مجتمعين، ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرناه، وإذا تفرقوا ~~في مجالس فعليهم الحد، لأن من شهد بالزنى، ولم يكمل الشهادة يلزمه الحد ~~لقوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] انتهى من المغني لابن قدامة. # وقد عرفت أقوال أهل العلم في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنى وما ~~احتج به كل واحد من الفريقين. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا هو قبول ~~شهادتهم، ولو جاءوا متفرقين في مجالس متعددة، لأن الله جل وعلا صرح في ~~كتابه بقبول شهادة الأربعة في الزنى، فإبطالها مع كونهم أربعة بدعوى عدم ~~اتحاد المجلس إبطال لشهادة العدول بغير دليل مقنع يجب الرجوع إليه، وما ~~وجه من اشترط اتحاد المجلس قوله به لا يتجه كل الاتجاه، فإن قال: الشهود ~~معنا من يشهد مثل شهادتنا، انتظره الإمام، وقبل شهادته، فإن لم يدعو ~~زيادة من شهود ولا علم ms2589 الحاكم بشاهد أقام عليهم الحد، لعدم كمال شهادتهم، ~~هذا هو الظاهر لنا من عموم الأدلة، وإن كان مخالفا لمذهب مالك، وأبي ~~حنيفة، وأحمد، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن مالكا وأصحابه يشترط عندهم زيادة على أداء شهود الزنى شهادتهم ~~في وقت واحد، أن يكونوا شاهدين على فعل واحد، فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد ~~واحد؛ لم تصح شهادتهم على الأصح من مذهب مالك، لاحتمال تعدد الوطء وأن ~~يكون الزاني نزع فرجه من فرجها بعد رؤية الأول، ورأى الثاني إيلاجا آخر ~~غير الإيلاج الذي رآه من قبله، لأن الأفعال لا يضم بعضها إلى بعض في ~~الشهادة عندهم، ومتى لم تقبل شهادتهم حدوا حد القذف. ومشهور مذهب مالك ~~أيضا: وجوب تفرقتهم أعني شهود الزنى خاصة، دون غيرهم من سائر الشهود. # ومعناه عندهم: أنه لا بد من إتيانهم مجتمعين، فإذا جاءوا مجتمعين فرق ~~بينهم عند أداء الشهادة فيسأل كل واحد منهم دون حضرة الآخرين، ويشهد كل ~~واحد منهم، أنه رآه أدخل فرجه في فرجها، أو أولجه فيه، ولا بد عندهم من ~~زيادة كالمرود في المكحلة ونحوه، ويجوز للشهود النظر إلى عورة الزانيين، ~~ليمكنهم أن يؤدوا الشهادة على وجهها، ولا إثم عليهم في ذلك، ولا يقدح في ~~شهادتهم لأنه وسيلة إقامة حد من حدود الله، ومحل هذا إن كانوا أربعة فإن ~~كانوا أقل من أربعة لم يجز لهم النظر إلى عورة الزاني إذ لا فائدة في ~~شهادتهم، ولأنهم يجلدون حد القذف. # وقال بعض المالكية: لا يجوز لهم النظر إلى عورات الزناة، ولو كانوا ~~أربعة، لما نبه عليه الشرع من استحسان الستر، ويندب للحاكم عند المالكية ~~سؤال الشهود في الزنى عما ليس شرطا في صحة الشهادة، كأن يقول لكل واحد ~~من الشهود بانفراده، دون حضرة الآخرين على أي حال رأيتهما وقت زناهما، ~~وهل كانت المرأة على جنبها الأيمن، أو الأيسر، أو على بطنها، أو على ~~قفاها، وفي أي جوانب البيت ونحو ذلك، فإن اختلفوا بأن قال أحدهم: كانت ~~على قفاها، وقال الآخر: كانت على جنبها ms2590 الأيمن ونحو ذلك بطلت شهادتهم، ~~لدلالة اختلافهم على كذبهم، وكذلك إن اختلفوا في جانب البيت الذي وقع فيه ~~الزنى. # ولا شك أن مثل هذا السؤال أحوط في الدفع عن أعراض المسلمين، لأنهم إن ~~كانوا صادقين لم يختلفوا، وإن كانوا كاذبين علم كذبهم باختلافهم، وقد ~~قدمنا ما يستأنس به لتفرقة شهود الزنى، وسؤالهم متفرقين في قصة سليمان ~~وداود في المرأة التي شهد عليها أربعة، أنها زنت بكلبها فرجمها داود فجاء ~~سليمان بالصبيان، وجعل منهم شهودا، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب ~~الذين زنت به، فأخبر كل واحد منهم بلون غير اللون الذي أخبر به الآخر، ~~فأرسل داود للشهود، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب الذي زنت به، ~~فاختلفوا في لونه كما تقدم إيضاحه. # واعلم أن كلما يثبت به الرجم يثبت به الجلد فطريق ثبوتهما متحدة لا فرق ~~بينهما كما لا يخفى. # الفرع الخامس: اعلم أنه إذا شهد اثنان: أنه زنى بها في هذا البيت، ~~واثنان: أنه زنى بها في بيت آخر، أو شهد كل اثنين عليه بالزنى في بلد غير ~~البلد الذي شهد عليه فيه صاحباهما، أو اختلفوا في اليوم الذي وقع فيه ~~الزنى. فقد اختلف أهل العلم هل تقبل شهادتهم، نظرا إلى أنهم أربعة شهدوا ~~بالزنى، أو لا تقبل، لأنه لم تشهد أربعة على زنى واحد، فكل زنى شهد عليه ~~اثنان، ولا يثبت زنى باثنين؟ # قال ابن قدامة في المغني: الجميع قذفة وعليهم الحد، وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، واختار أبو بكر أنه لا حد عليهم، وبه قال النخعي وأبو ثور ~~وأصحاب الرأي، لأنهم كملوا أربعة، ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنى واحد، ~~فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما. فأما المشهود عليه، ~~فلا حد عليه في قولهم جميعا، وقال أبو بكر: عليه الحد، وحكاه قولا ~~لأحمد، وهذا بعيد، فإنه لم يثبت زنى واحد بشهادة أربعة، فلم يجب الحد، ~~ولأن جميع ما تعتبر له البينة يعتبر فيه كمالها في حق واحد، فالموجب للحد ~~أولى، لأنه مما يحتاط فيه ms2591 ويدرأ بالشبهات؛ وقد قال أبو بكر: إنه لو شهد ~~اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء، وشهد اثنان أنه زنى بسوداء فهم قذفة ذكره ~~القاضي عنه، وهذا ينقض قوله انتهى منه، ثم قال: وإن شهد اثنان أنه زنى ~~بها في زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى، وكانت ~~الزاويتان متباعدتين، فالقول فيهما كالقول في البيتين وإن كانتا ~~متقاربتين كملت شهادتهم، وحد المشهور عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال ~~الشافعي: لا حد عليه، لأن شهادتهم لم تكمل، ولأنهم اختلفوا في المكان، ~~فأشبه ما لو اختلفا في البيتين، وعلى قول أبي بكر تكمل شهادتهم، سواء ~~تقاربت الزاويتان، أو تباعدتا، ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود، ~~بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى أو ينسبه كل اثنين ~~إلى إحدى الزاويتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا، بخلاف ~~ما إذا كانتا متباعدتين، فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلا واحدا. # فإن قيل: فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين، فلم أوجبتم الحد مع ~~الاحتمال، والحد يدرأ بالشبهات؟ قلنا: ليس هذا بشبهة، بدليل ما لو اتفقوا ~~على موضع واحد، فإن هذا يحتمل فيه والحد واجب، والقول في زمان كالقول في ~~هذا، وأنه متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في ~~جميعه، كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم، ومتى تقاربا كملت شهادتهم انتهى من ~~المغني: # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له؛ فقد رأيت كلام أهل العلم في هذا الفرع ~~والظاهر أنه لا تكمل شهادة الأربعة إلا إذا شهدوا على فعل واحد في مكان ~~متحد ووقت متحد؛ فإن اختلفوا في الزمان أو المكان حدوا، لأنهما فعلان، ~~ولم يشهد على واحد منهما أربعة عدول، فلم يثبت واحد منهما، والقول بتلفيق ~~شهادتهم، وضم شهادة بعضهم إلى شهادة بعض لا يظهر، وقد علمت أن مالكا ~~وأصحابه زادوا أن تكون شهادة الأربعة على إيلاج متحد، فلو نظروا واحدا ~~بعد واحد مع اتحاد الوقت والمكان لم تقبل عنده شهادتهم حتى ينظروا فرجه ms2592 ~~في فرجها نظرة واحدة في لحظة واحدة، وله وجه. # الفرع السادس: إن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض، وشهد اثنان أنه ~~زنى بها في قميص أحمر، أو شهد اثنان أنه زنى بها في ثوب كتان، وشهد اثنان ~~أنه زنى بها في ثوب خز. # فقد اختلف أهل العلم هل تكمل شهادتهم أو لا؟ فقال بعضهم: لا تكمل ~~شهادتهم، لأن كل اثنين منهما تخالف شهادتهما شهادة الاثنين الآخرين، وممن ~~روى عنه ذلك الشافعي، وقال بعضهم: تكمل شهادتهم قائلا: إنه لا تنافي بين ~~الشهادتين، لإمكان أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين أحد القميصين، ~~وتركا ذكر الآخر؛ فيكون الجميع صادقين؛ لأن أحد الثوبين الذي سكت عنه ~~هذان هو الذي ذكره ذانك كعكسه: فلا تنافي، ويمكن أن يكون عليها هي قميص ~~أحمر؛ وعليه هو قميص أبيض كعكسه أو عليه هو ثوب كتان، وعليها هي ثوب خز ~~كعكسه فيمكن صدق الجميع؛ وإذا أمكن صدقهم فلا وجه لرد شهادتهم؛ وبهذا جزم ~~صاحب المغني موجها له بما ذكرنا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا في هذا الفرع هو وجوب ~~استفسار الشهود؛ فإن جزم اثنان بأن عليه ثوبا واحدا أحمر، وجزم الآخران ~~أن عليه ثوبا واحدا أبيض لم تكمل شهادتهم لتنافي الشهادتين، وإن اتفقوا ~~على أن عليه ثوبين مثلا أحدهما أحمر، والثاني أبيض، وذكر كل اثنين أحد ~~الثوبين فلا إشكال في كمال شهادتهم، لاتفاق الشهادتين، وإن لم يمكن ~~استفسار الشهود لموتهم، أو غيبتهم غيبة يتعذر معها سؤالهم. فالذي يظهر لي ~~عدم كمال شهادتهم، لاحتمال تخالف شهادتيهما، ومطلق احتمال اتفاقهما لا ~~يكفي في إقامة الحد، لأن الحد يدرأ بالشبهات، فلا يقام بشهادة محتملة ~~البطلان، بل الظاهر من الصيغة اختلاف الشهادتين والعمل بالظاهر لازم ما ~~لم يقم دليل صارف عنه يجب الرجوع إليه. # والذي يظهر أنهم إن لم تكمل شهادتهم يحدون حد القذف. أما في الشهادة ~~المحتملة فإنه قبل إمكان استفسارهم، فلا إشكال في عدم إمكان حدهم وإن ~~أمكن استفسارهم، فإن فسروا بما يقتضي ms2593 كمال شهادتهم حد المشهود عليه ~~بشهادتهم، وإن فسروا بما يوجب بطلان شهادتهم. فالظاهر أنهم يحدون حد ~~القذف كما قدمنا. والعلم عند الله تعالى. # الفرع السابع: إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة، وشهد اثنان أنه زنى بها ~~مطاوعة، فلا حد على المرأة إجماعا، لأن الشهادة عليها لم تكمل على فعل ~~موجب للحد، وإنما الخلاف فى حكم الرجل والشهود. # قال ابن قدامة في المغني: وفي الرجل وجهان. # أحدهما: لا حد عليه، وهو قول أبي بكر، والقاضي وأكثر الأصحاب، وقول أبي ~~حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، لأن البينة لم تكمل على فعل واحد، ~~فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل واحد من ~~الفعلين، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع قبول الشهادة، ~~أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذبا ~~للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما، مكرهة فى الآخر، وهذا ~~يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدى المطاوعة قاذفان لها، ~~ولم تكمل البينة عليها، فلا تقبل شهادتهما على غيرها. # والوجه الثاني: أنه يجب الحد عليه، اختاره أبو الخطاب، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد، ووجه ثان للشافعي، لأن الشهادة كملت على وجود الزنى منه، ~~واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله، فلا يمنع كمال الشهادة عليه. # وفي الشهود ثلاثة أوجه: # أحدها: لا حد عليهم، وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم. # والثاني: عليهم الحد، لأنهم شهدوا بالزنى، ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد ~~كما لو لم يكمل عددهم. # والثالث: يجب الحد على شاهدي المطاوعة، لأنهما قذفا المرأة بالزنى، ولم ~~تكمل شهادتهم عليها، ولا تجب على شاهدي الإكراه لأنهما لم يقذفا المرأة، ~~وقد كملت شهادتهم على الرجل، وإنما انتفى عنه الحد للشبهة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت خلاف أهل العلم فى هذا الفرع، ~~وأظهر أقوالهم عندي فيه: أن الرجل والمرأة لا حد على واحد منهما، وأن ~~على الشهود الأربعة حد القذف. أما نفي ms2594 الحد عن المرأة، فلا خلاف فيه، ~~ووجهه ظاهر، لأنها لم تكمل عليها شهادة الزنى. وأما نفي الحد عن الرجل ~~فلأن الاثنين الشاهدين بالمطاوعة يكذبان الشاهدين بالإكراه كعكسه، وإذا ~~كان كل اثنين من الأربعة يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الفعل ~~لم تكمل شهادتهم على فعل واحد، فلم تكمل على الرجل شهادة على حالة زنى ~~واحد، لأن الإكراه والطوع أمران متنافيان، وإذ لم تكمل عليه شهادة بفعل ~~واحد على حالة واحدة فعدم حده الأظهر، أما وجه حد الشهود فلأن الشاهدين ~~على المرأة بأنها زنت مطاوعة للرجل قاذفان لها بالزنى، ولم تكمل شهادتهما ~~عليها فحدهما لقذفهما المرأة ظاهر جدا، ولأن الشاهدين بأنه زنى بها ~~مكرهة قاذفان للرجل بأنه أكرهها فزنى بها، ولم تكمل شهادتهم؛ ولأن شاهدي ~~الطوع مكذبان لهما في دعواهما الإكراه فحدهما لقذفهما للرجل، ولم تكمل ~~شهادتهما عليه ظاهر، أما كون الأربعة قد اتفقت شهادتهم على أنه زنى بها، ~~فيرده أن كل اثنين منهما يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الزنى، ~~هذا هو الأظهر عندنا من كلام أهل العلم في هذا الفرع. والعلم عند الله ~~تعالى. # ومن المعلوم: أن كل ما يثبت به الرجم على المحصن يثبت به الجلد على ~~البكر، فثبوت الأمرين طريقه واحدة. # الفرع الثامن: اعلم أنه إن شهد أربعة عدول على امرأة أنها زنت وتمت ~~شهادتهم على الوجه المطلوب، فقالت إنها عذراء لم تزل بكارتها ونظر اليها ~~أربع من النساء معروفات بالعدالة، وشهدن بأنها عذراء لم تزل بكارتها ~~بمزيل. فقد اختلف أهل العلم، هل تدرأ شهادة النساء عنها الحد أو لا؟ فذهب ~~مالك وأصحابه إلى أنها يقام عليها الحد ولا يلتفت لشهادة النساء، وعبارة ~~المدونة في ذلك: إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول فقالت: إنها عذراء ونظر ~~إليها النساء، وصدقنها لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحد. انتهى بواسطة ~~نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره، وبالبينة فلا يسقط بشهادة أربع ~~نسوة ببكارتها، وذهب جماعة من أهل العلم الى أن شهادة النساء ببكارتها ~~تدرأ عنها ms2595 الحد وهو مذهب الإمام أحمد، قال ابن قدامة في المغني وبه قال ~~الشعبي، والثوري، والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي ووجه قول مالك، ~~وأصحابه بأنها يقام عليها الحد، هو أن الشهادة على زناها تمت بأربعة ~~عدول، وأن شهادة النساء لا مدخل لها فى الحدود، فلا تسقط بشهادتهن شهادة ~~الرجال عليها بالزنى، ووجه قول الآخرين بدون الإيلاج فى الفرج، ولا يتصور ~~ذلك مع بقاء البكارة، لأن البكر هي التي لم توطأ في قبلها، وإذا انتفى ~~الزنى لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنى مجبوب. # وقال ابن قدامة في المغني: ويجب أن يكتفي بشهادة امرأة واحدة، لأنها ~~مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال، يعني البكارة المذكورة انتهى. وأما ~~الأربعة الذين شهدوا بالزنى فلا حد عليهم لتمام شهادتهم وهي أقوى من ~~شهادة النساء بالبكارة. # وقال صاحب المغني: وإنما لم يجب الحد عليهم لكمال عدتهم، مع احتمال ~~صدقهم لأنه يحتمل أن يكون وطئها، ثم عادت عذرتها، فيكون ذلك شبهة في درء ~~الحد عنهم: وأما إن شهدت بينة على رجل بالزنى فثبت ببينة أخرى أنه مجبوب، ~~أو شهدت بينة على امرأة بالزنى فثبت ببينة أخرى أنها رتقاء فالظاهر وجوب ~~حد القذف على بينة الزنى، لظهور كذبها. لأن المجبوب من الرجال والرتقاء ~~من النساء لا يمكن حصول الزنى من واحد منهما كما هو معلوم. # المسألة الثانية: اعلم أن العلماء أجمعوا على ثبوت الزنى، ووجوب الحد ~~رجما كان أو جلدا بإقرار الزاني والزانية، ولكنهم اختلفوا هل يثبت ~~الزنى بإقرار الزاني مرة واحدة، أو لا يكفي ذلك حتى يقر به أربع مرات؟ ~~فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة وابن أبي ليلى والحكم: إلى أنه لا يثبت إلا ~~إذا أقر به أربع مرات وزاد أبو حنيفة وابن ابي ليلى: أن يكون ذلك في أربع ~~مجالس، ولا تكفي عندهما الإقرارات الأربعة في مجلس واحد. وذهب مالك، ~~والشافعي، والحسن وحماد وأبو ثور، وابن المنذر إلى أن الزنى يثبت ~~بالإقرار مرة واحدة. # أما حجج من قال يكفي الإقرار به مرة ms2596 واحدة، فمنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لأنيس في الحديث الصحيح المشهور # " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها " # وفي رواية في الصحيح # " فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت " # قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ~~رضي الله عنهما ظاهر ظهورا واضحا في أن الزنى يثبت بالاعتراف به مرة ~~واحدة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه # " فإن اعترفت فارجمها " # ظاهر في الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، إذ لو كان الاعتراف أربع مرات لا ~~بد منه لقال له صلى الله عليه وسلم: فإن اعترفت أربع مرات فارجمها، فلما ~~لم يقل ذلك عرفنا أن المرة الواحدة تكفي، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة، كما هو معلوم. # ومن أدلتهم على الاكتفاء بالاعتراف بالزنى مرة واحدة ما ثبت في الصحيح ~~من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما: # " " أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى، ~~فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل فأمر بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له ~~عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟: فقال: " لقد تابت توبة لو قسمت بين ~~سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها ~~لله تعالى " # هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو نص صحيح في أنه صلى الله عليه وسلم؛ أمر ~~برجمها بإقرارها مرة واحدة لأنها قالت: إني أصبت حدا مرة واحدة وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجمها من غير تعدد الإقرار لأن الحديث لم ~~يذكر فيه إلا إقرارها مرة واحدة. # ومن أدلتهم على ذلك أيضا: ما ثبت في الصحيح من قصة الغامدية التي جاءت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله (صلى ms2597 الله عليه وسلم) إني ~~قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني ~~لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى فقال # " أما لا فاذهبي حتى تلدي " # فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته قال: # " اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه " # ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت. هذا يا نبي الله قد ~~فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر ~~لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها ~~فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها فسمع النبى صلى الله عليه وسلم سبه اياها ~~فقال # " مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس ~~لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت " # هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وهو من أصرح ~~الأدلة على الاكتفاء بإقرار الزاني بالزنا مرة واحدة لأن الغامدية ~~المذكورة لما قالت له صلى الله عليه وسلم: لعلك أن تردني كما رددت ~~ماعزا، لم ينكر ذلك عليها، ولو كان الإقرار أربع مرات شرطا في لزوم ~~الحد لقال لها إنما رددته، لكونه لم يقر أربعا. # وقد قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لهذه الواقعة: وهذه الواقعة ~~من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الإقرار، ليس بشرط للتصريح فيها، ~~بأنها متأخرة عن قضية ماعز، وقد اكتفى فيها بدون أربع كما سيأتي. # اه منه. # وفي صحيح مسلم ايضا من حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ما نصه: قال # " ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال " ~~ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ~~ماعز بن مالك! قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال آنت؟ قالت: ~~نعم فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى ~~وضعت، قال فأتى النبى صلى الله عليه وسلم ms2598 فقال: قد وضعت الغامدية؛ فقال ~~إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار ~~فقال إلى رضاعه يا نبى الله قال فرجمها " # اه منه. # وهذه الرواية كالتي قبلها في الدلالة على الاكتفاء بالإقرار مرة واحدة ~~إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عدم اشتراط تكرر الإقرار بالزنا أربعا، ~~وأما حجة من قالوا: يشترط في ثبوت الإقرار بالزنا، أن يقر به أربع مرات، ~~وأنه لا يجب عليه الحد إلا بالإقرار أربعا، فهي ما ثبت في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه قال: # " " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد ~~فناداه: يا رسول الله إني زنيت يريد نفسه، فأعرض عنه النبى صلى الله عليه ~~وسلم فتنحى لشق وجهه الذى أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض ~~عنه، فجاء لشق وجه النبى صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على ~~نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال لا ~~يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أحصنت؟ قال: نعم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فارجموه " # الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم # " فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " أباك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال نعم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه " # اه. # قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على ~~نفسه: أي أربع إقرارات بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط، لأن لما مضمنة معنى ~~الشرط وترتيب الحد على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه، دليل على اشتراط ~~الأربع المذكورة، والرجل المذكور في هذا الحديث، هو ماعز بن مالك وقصته ~~مشهورة صحيحة، وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه، حتى شهد على ~~نفسه أربع شهادات كما رأيت في الحديث المذكور آنفا، وقد علمت مما ذكرنا ~~ما استدل ms2599 به كل واحد من الفريقين. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة ~~عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع: والأحاديث الدالة ~~على الاكتفاء بالمرة الواحدة، لأن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، ~~لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع المذكور هو حمل ~~الأحاديث التي فيها التراخي، عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من ~~كان أمره ملتبسا في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من الكسر، ونحو ~~ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله ~~وصحوه من السكر، وسلامة إقراره من المبطلات، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في ~~نيل الأوطار. # ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ~~ماعز، وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدري ~~أمجنون هو أم لا، صاح هو أو سكران. بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه ~~المذكور آنفا. # " أبك جنون " # وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله، وسؤاله صلى الله عليه وسلم ~~أشرب خمرا، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في ~~الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا والعلم عند الله ~~تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى ~~تصريحا ينفي كل احتمال، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس ~~موجبا للحد. # ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لماعز لما قال: # " إنه زنى لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. قال: أفنكتها لا يكنى ~~قال: نعم. قال فعند ذلك أمر برجمه " # وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس، ويؤخذ منه التعريض ~~للزاني بأن يستر على نفسه، ويستغفر الله فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا. # الفرع الثاني: اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم ~~الزاني المشهود عليه، بأن ms2600 أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة، ~~والإقرار غير تام عند من يشترط أربعا. # فأظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحد يقام عليه لكمال البينة خلافا لمن ~~زعم أنه لا يقام عليه الحد، لأن شرط صحة البينة الإنكار، وهذا غير منكر. # وقال ابن قدامة في المغني: إن سقوط الحد بإقراره مرة قول أبي حنيفة ا ~~ه. وكذلك لو تمت عليه شهادة البينة وأقر على نفسه أربع مرات، ثم رجع عن ~~إقراره، فلا ينفعه الرجوع لوجوب الحد عليه بشهادة البينة. # فلا حاجة لإقراره ولا فائدة في رجوعه عنه، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا أقر بزنى قديم ~~قبل إقراره، ولا يبطل الإقرار بأنه لم يقر إلا بعد زمن طويل، لأن الظاهر ~~اعتبار الإقرار مطلقا، سواء تقادم عهده، أو لم يتقادم، وكذلك شهادة ~~البينة، فإنها تقبل، ولو لم تشهد إلا بعد طول الزمن، لأن عموم النصوص ~~يقتضي ذلك، لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها، خلافا ~~لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم، إن الإقرار يقبل بعد زمن طويل والشهادة ~~لا تقبل مع التأخير. # وقال ابن قدامة في المغني: وإن شهدوا بزنى قديم أو أقر به وجب الحد، ~~وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور. # وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم وأحده بالإقرار به، وهذا قول ~~ابن حامد، وذكره ابن أبي موسى مذهبا لأحمد اه منه. # أما قبول الإقرار بالزنا القديم ووجوب الحد به فلا وجه للعدول عنه بحال، ~~لأنه مقر على نفسه، ولا يتهم في نفسه. # وأما شهادة البينة بزنا قديم، فالأظهر قبولها، لعموم النصوص كما ذكرنا ~~آنفا. وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه في رد شهادة البينة على زنا قديم، هو ~~أن تأخير الشهادة، يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد. # وقال في المغني: " ومن حجتهم على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود ~~شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فهم شهود ضغن، ثم قال رواه الحسن ms2601 مرسلا، ~~ومراسيل الحسن ليست بالقوية اه منه ". # وقد قدمنا الكلام مستوفى على مراسيل الحسن. والعلم عند الله تعالى. # الفرع الرابع: اعلم أنه إن أقر بأنه زنى بامرأة وسماها فكذبته وقالت: ~~إنه لم يزن بها. # فأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه يجب عليه حد الزنى بإقراره، وحد القذف ~~أيضا، لأنه قذف المرأة بالزنا ولم يأت بأربعة شهود فوجب عليه حد القذف. # وقال في المغني: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حد عليه، لأنا صدقناها ~~في إنكارها فصار محكوما بكذبه. # قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي ~~العدول عنه، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين. # الأول: أنه أقر على نفسه بالزنا إقرارا صحيحا، وقولهم إننا صدقناها ~~ليس بصحيح. بل نحن لم نصدقها، ولم نقل إنها صادقة، ولكن انتفاء الحد عنها ~~إنما وقع، لأنها لم تقر، ولم تقم عليها بينة، فعدم حدها لانتفاء مقتضية ~~لا لأنها صادقة كما ترى. # الأمر الثاني: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ~~طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن رجلا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده ~~الحد وتركها " # ا ه منه. وعبد السلام المذكور في هذا الإسناد وثقه ابن معين، وتوثيقه ~~ابن معين، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي: إنه غير معروف، لأن ~~من حفظ حجة على من لم يحفظ. # والحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد وهو واضح، لأن من أقر ~~على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه. وأما كونه يحد مع ذلك حد ~~القذف فظاهر أيضا، ويدل عليه عموم قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] الآية. والأخذ بعموم النصوص واجب، إلا بدليل مخصص يجب إليه، ~~وكون حديث ms2602 سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفا عند أبي داود ليس فيه أن ~~النبي حد الرجل المذكور حد القذف، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم ~~النصوص. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحده للزنا والقذف معا هو الظاهر ~~لوجهين: # الأول: أن غاية ما في حديث سهل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد ذلك ~~الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط، لاحتمال أن يكون ذلك ~~لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط إلى أن قال: # الوجه الثاني: أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل، ~~وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قذف اه منه. وهو الظاهر الذي لا ينبغي ~~العدول عنه، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ماعز بن مالك أنه عين ~~الجارية التي زنا بها، ولم يحده النبي صلى الله عليه وسلم لقذفها بل حده ~~فقط، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريبا. # وعلى كل حال فمن قال: زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا، ~~وقاذف لها هي به، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه، وحده أيضا حد ~~القذف، ولأنه قاذف بلا شك كما ترى. # ومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن يحيى بن ~~فارس، ثنا موسى بن هارون البردي، ثنا هشام بن يوسف عن القاسم بن فياض ~~الأبناوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن رجلا ~~من بني بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر أنه زنى بامرأة ~~أربع مرات، فجلده مائة وكان بكرا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: ~~كذب والله يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجلده حد الفرية ثمانين ا ~~ه منه. # فإن قيل: هذا الحديث ضعيف، لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي ~~الصنعاني، قال فيه ابن حجر في التقريب، مجهول، وقال فيه الذهبي في ~~الميزان: ضعفه غير واحد منهم عباس عن ابن معين، فالجواب ms2603 من وجهين: # الأول: أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود ثقة، كما نقله عنه الذهبي في ~~الميزان، والتعديل يقبل مجملا، والتجريح لا يقبل مجملا كما تقدم. # الثاني: أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف، وحد الزنا ~~إن قال: إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت، معتضد اعتضادا قويا بظواهر ~~النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة ~~بالزنى، فأنكرت ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف. # فالحاصل: أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف وحد الزنا، وهو مذهب ~~مالك، وقد نص عليه في المدونة خلافا لمن قال يحد حد الزنا فقط، كأحمد ~~والشافعين ولمن قال: يحد حد القذف فقط، ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في ~~هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه: من أن الرجل لو قال لامرأة: زنيت ~~فقالت له: زنيت بك أنها تحد للقذف، وللزنا معا ولا يحد الرجل لهما لأنها ~~صدقته. والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس: اعلم أنه لا يصح إقرار المكره، فلو أكره الرجل بالضرب أو ~~غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرها لم يلزمه إقراره به ~~فلا يحد، ولا يثبت عليه لزنا، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا، ~~والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة: اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبنية والإقرار، ولا ~~خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على وجه المطلوب أما ظهور الحمل ~~بامرأة، لا يعرف لها زوج ولا سيد، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به. ~~فقال بعض أهل العلم: الحبل في التي لا يعرف لها زوج ولا سيد يثبت عليها ~~به الزنا، ويجب عليها الحد به، وقد ثبت هذا في حديث عمر رضي الله عنه ~~الذي قدمناه في قوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل، أو الاعتراف. ~~والحديث المذكور في الصحيحين، وغيرهما كما تقدم. وقد صرح فيه أمير ~~المؤمنين عمر رضي الله عنه، بأن الحبل الذي هو الحمل يثبت به الزنا كما ~~يثبت بالبينة والإقرار، وممن ذهب ms2604 إلى أن الحبل يثبت به الزنا، عمر رضي ~~الله عنه كما رأيت، ومالك، وأصحابه. وذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ~~وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا ولا يجب الحد بمجرد الحبل ولو ~~لم يعرف لها زوج ولا سيد، وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي، ~~وأبي حنيفة، وجماهير أهل العلم، وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه ~~المسألة فهذه أدلتهم. # أما الذين قالوا: إن الزنا يثبت بالحمل، إن لم يكن لها زوج ولا سيد، فقد ~~احتجوا بحديث عمر المتفق عليه المتقدم وفيه التصريح من عمر بأن الحبل ~~يثبت به الزنا كالبينة والإقرار. # وقال ابن قدامة في المغني: " إنما قال من قال: بوجوب الحد وثبوت الزنا ~~بالحمل، لقول عمر رضي الله عنه، والرجم واجب على كل من زنى من الرجال ~~والنساء، إذا كان محصنا، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف " ، ~~وروي أن عثمان أوتي بامرأة ولدت لستة أشهر فأمر بها عثمان أن ترجم، ~~فقال علي: ليس لك عليها سبيل قال الله # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها وعن عمر نحو من هذا، ~~وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " يا أيها الناس إن الزنا زنا آن: زنا ~~سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، ~~وزنا العلانية: أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي ". ~~وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر في عصرهم مخالف، فيكون إجماعا. انتهى ~~محل الغرض من المغني. # وانظر أسانيد الآثار التي ذكرها عن الصحابة، وهذا هو حاصل ما احتج به من ~~قال: إن الزنا يثبت بالحمل. # وأما الذين قالوا: إن الحمل وحده لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، بل ~~لا بد من البينة أو الإقرار، فقد قال في المغني: حجتهم أنه يحتمل أن ~~الحمل من وطء إكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات، وقد قيل: إن المرأة ~~تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما ms2605 بفعلها، أو فعل غيرها، ~~ولهذا تصور حمل البكر فقد وجد ذلك. # وأما قول الصحابة: فقد اختلف الرواية عنهم فروى سعيد: حدثنا خلف بن ~~خليفة، حدثنا هاشم: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليس ~~لها زوج، وقد حملت فسألها عمر فقالت: " إنني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي ~~رجل، وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد ". وروى البراء بن ~~صبرة، عن عمر أنه أوتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت فقال: خل سبيلها، ~~وكتب إلى أمراء الأجناد، ألا يقتل أحد إلا بإذنه. وروي عن علي وابن عباس ~~أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل. وروى الدارقطني بإسناده ~~عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أنهم ~~قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت، ولا خلاف في أن الحد يدرأ ~~بالشبهات، وهي متحققة هنا ا ه منه بلفظه من المغني. # وانظر أيضا أسانيد هذه الآثار التي ذكرها عن الصحابة، وهذا الذي ذكر هو ~~حاصل ما احتج به الجمهور الذين قالوا إن الحبل لا يثبت به الزنا. # قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الزنا لا ~~يثبت بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد لأن الحمل قد يقع بلا شك ~~من غير وطء في الفرج، بل قد يطأ الرجل المرأة في فخذيها، فتتحرك شهوتها ~~فينزل ماؤها وينزل الرجل، فيسيل ماؤه فيدخل في فرجها، فيلتقي ماؤه بمائها ~~فتحمل من غير وطء وهذا مشاهد لا يمكن إنكاره. # ولأجل ذلك فالأصح أن الزوج إذا كان يطأ امرأته في الفخذين، ولم يجامعها ~~في الفرج فظهر بها حمل أنه لا يجوز له اللعان لنفي ذلك الحمل، لأن ماءه ~~قد يسيل إلى فرجها. فتحمل منه، وقول عمر رضي الله عنه: إذا كان الحبل أو ~~الاعتراف اجتهاد منه، لأنه يظهر له رضي الله عنه أن الحمل يثبت به الزنا ~~كالاعتراف والبينة. # وإنما قلنا إن الأظهر لنا خلاف قوله ms2606 رضي الله عنه، لأنا نعلم أن وجود ~~الحمل لا يستلزم الوطء في الفرج بل قد تحبل بدون ذلك، وإذا كان الحبل لا ~~يستلزم الوطء في الفرج فلا وجه لثبوت الزنا، وإقامة الحد بأمر محتمل غير ~~مستلزم لموجب الحد كما ترى. # ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات. هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند ~~الله تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا: بوجوب الحد بالحمل قالوا: إن تلك ~~الحامل إن كانت طارئة من بلاد أخرى، وادعت أن حملها من زوج لها تركته في ~~بلدها فلا حد عليها عندهم، ولا يثبت عليها الزنا بذلك الحمل. # الفرع الثاني: اعلم أنه إن ظهر بها حمل فادعت أنها مكرهة لا يقبل دعواها ~~الإكراه عند من يثبت الزنا بالحمل إلا إذا اعتضدت دعواها بما يقويها من ~~القرائن كإتيانها صارخة مستغيثة ممن فعل بها ذلك، وكأن يأتي متعلقة برجل ~~تزعم أنه هو الذي أكرهها وكأن تشتكي من الذي فعل بها ذلك قبل ظهور الحمل. # وقال بعض علماء المالكية إن كانت شكواها من الرجل الذي فعل بها ذلك ~~مشبهة لكون الرجل الذي ادعت عليه غير معروف بالصلاح، فلا حد عليها، وإن ~~كان الذي ادعت عليه معروفا بالصلاح، والعفاف، والتقوى حدت ولم يقبل ~~قولها عليه. # وقال بعض المالكية: إن لم تسم الرجل الذي ادعت أنه أكرهها تعزر، ولا تحد ~~إن كانت معروفة بالصلاح والعفاف. # الفرع الثالث: قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي أو ~~مكرهة ما نصه: قال في الطراز في أواخر الجزء الثالث في ترجمة تفسير ~~الطلاق، وما يلزم من ألفاظه قال ابن عبد الغفور: ويقال إن عبد الله بن ~~عيسى سئل عن جارية بكر زوجها فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، ~~فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت لبلل بين فخذي، وذكر الزوج ~~أنه وجدها عذراء. # فأجاب فيها: أنها لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف، وحسن الحال، ~~ويفسخ النكاح، ولها المهر كاملا، إلا أن تكون علمت الحمل، وغرت ms2607 فلها قدر ~~ما استحل منها انتهى من الاستغناء انتهى كلام الطراز انتهى ما نقله ~~الحطابن وهو يؤيد أن الحمل قد يقع من غير وطء يوجب الحد كما ذكرنا والعلم ~~عند الله تعالى. # المسألة الرابعة: اعلم أن من ثبت عليه الزنا وهو محصن. # اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: يجلد مائة جلدة أولا ثم يرجم بعد ذلك، ~~فيجمع له بين الجلد والرجم، وقال بعضهم: يرجم فقط ولا يجلد، لأن غير ~~القتل يندرج في القتل، وممن قال بالجمع بينهما علي رضي الله عنه، وهو ~~إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. قال ابن قدامة في المغني وبه قال ابن ~~عباس، وأبي بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد العزيز عنهما واختاره وبه قال ~~الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر، وممن قال بأنه يرجم فقط ولا يجلد مع ~~الرجم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي والنخعي، والزهري والأوزاعي. واختاره ~~أبو إسحاق الجوزجاني وأبو بكر الأثرم، ونصراه في سننهما وهو رواية عن ~~الإمام أحمد وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود قال ذلك كله ابن قدامة ~~في المغني، وهذا القول الأخير الذي هو الاقتصار على الرجم عزاه النووي في ~~شرح مسلم لجماهير العلماء. # وفي المسألة قول ثالث: وهو ما حكاه القاضي عياض، عن طائفة من أهل ~~الحديث، وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا فإن كان ~~شابا ثيبا اقتصر على الرجم. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم أما الذين ~~قالوا: يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، فقد احتجوا بأدلة: # منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بالجمع بينهما للزاني المحصن ~~تصريحا ثابتا عنه ثبوتا لا مطعن فيه. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، ~~أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة ~~بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ms2608 ~~والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " # وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم، بأن الثيب وهو المحصن يجلد مائة ~~ويرجم، وهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضا بإسناد آخر وفي لفظ في صحيح مسلم # " الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة " # وهو تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما. وفي لفظ عند مسلم ~~أيضا # " الثيب يجلد ويرجم " # وهذه الروايات الثابتة في الصحيح فيها تصريحه صلى الله عليه وسلم بالجمع ~~بين الجلد والرجم. # ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن عليا رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية ~~يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ثنا سلمة بن ~~كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي رضي الله عنه، حين رجم المرأة يوم ~~الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى منه. # وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث ما نصه في رواية علي بن ~~الجعد: أن عليا أتي بامرأة زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة إلى ~~آخر ما ذكره من الروايات، بأن عليا ضربها ورجمها وهي شراحة الهمدانية ~~كما تقدم وفي رواية: أنها مولاة لسعيد بن قيس ومن أدلتهم على الجمع ~~بينهما أن الله تعالى قال: { الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مئة جلدة } [2] واللفظ عام في البكر ~~والمحصن، ثم جاءت السنة بالرجم في حق المحصن والتغريب سنة في حق البكر، ~~فوجب الجمع بينهما عملا بدلالة الكتاب والسنة معا كما قال علي رضي الله ~~عنه قالوا: وقد شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب: ~~فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر: فهما الجلد والتغريب. # هذا هو حاصل ما احتج به الذين قالوا: إنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم. # وأما الذين قالوا: يرجم فقط، ولا يجلد فاحتجوا بأدلة. # منها: " أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا، ولم يجلده مع الرجم " لأن ~~جميع الروايات في رجم ماعز ms2609 بن مالك ليس في شيء منها أنه جلده مع الرجم بل ~~ألفاظها كلها مقتصرة على الرجم قالوا: ولو كان الجلد مع الرجم لم ينسخ ~~لأمر بجلد ماعز مع الرجم، ولو أمر به لنقله بعض رواة القصة قالوا: وقصة ~~ماعز متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي فيه التصريح ~~بالجمع بينهما. # والدليل على أن حديث عبادة متقدم وأنه أول نص نزل في حد الزنا أن قوله ~~صلى الله عليه وسلم فيه # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " # الحديث، يشير بجعل الله لهن سبيلا بالحد إلى قوله تعالى # واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا # [النساء: 15] فالزواني كن محبوسات في البيوت إلى أحد أمرين: وهما الموت، ~~أو جعل الله لهن سبيلا فلما قال صلى الله عليه وسلم # " قد جعل الله لهن سبيلا " # ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، ~~وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك. # ومن أدلتهم أنه رجم الغامدية كما تقدم ولم يقل أحد إنه جلدها، ولو جلدها ~~مع الرجم لنقل ذلك بعض الرواة. # ومن أدلتهم: أنه قال صلى الله عليه وسلم # " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " # ولم يقل فاجلدها مع الرجم، فدل ذلك على سقوط الجلد لأنه لو وقع لنقله ~~بعض الرواة. وهذه الوقائع كلها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت كما أشرنا ~~إلى ما يقتضي ذلك أنفا. # ومن أدلتهم على أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم الروايات الصحيحة التي ~~قدمناها في رجمه صلى الله عليه وسلم للمرأة الجهنية، والغامدية، فإنها ~~كلها مقتصرة على الرجم، ولم يذكر فيها جلد وقال أبو داود، قال الغساني: ~~جهينة وغامد وبارق واحد. انتهى منه وعليه فالجهنية هي الغامدية. # وعلى كل حال فجميع الروايات الواردة في رجم الغامدية، ورجم الجهنية ليس ~~في شيء منها ذكر الجلد، وإنما فيها كلها الاقتصار على الرجم، كذلك ms2610 قصة ~~اليهوديين اللذين رجمهما صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا الرجم ولم يذكر ~~فيها جلد، هذا حاصل ما احتج به أهل هذا القول. # وأما الذين قالوا: إن الجمع بين الرجم والجلد خاص بالشيخ والشيخة. وأما ~~الشاب فيجلد إن لم يحصن ويرجم فقط إن أحصن، فقد احتجوا بلفظ الآية التي ~~نسخت تلاوتها، وهي قوله تعالى: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " إلى ~~آخره، قالوا: فرجم الشيخ والشيخة ثبت بهذه الآية، وإن نسخت تلاوتها ~~فحكمها باق. وقال ابن حجر في الفتح، وقال عياض: شذت فرقة من أهل الحديث ~~فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب، ولا أصل له. وقال النووي: هو ~~مذهب باطل كذا قاله، ونفى أصله، ووصفه بالبطلان إن أراد به طريقه فليس ~~بجيد، لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان وإن كان المراد دليله ~~ففيه نظر أيضا، لأن الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ ~~بذلك: أن الشاب اعذر منه في الجملة فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، ~~فكيف يوصف بالبطلان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. # وقد قال صاحب فتح الباري: إن هذا القول حكاه ابن المنذر وابن حزم، عن ~~أبي بن كعب زاد ابن حزم وأبي ذر وابن عبد البر، عن مسروق انتهى. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسالة وحججهم، فاعلم أن كل طائفة ~~منهم ترجح قولها على قول الأخرى. # أما الذين قالوا: يجمع بين الجلد والرجم للمحصن، فقد قالوا هذا القول، ~~هو أرجح الأقوال، ولا ينبغي العدول عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صرح في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن المحصن يجلد ويرجم ~~بالحجارة، فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد ~~في قصة ماعز، والجهينة، والغامدية، واليهوديين. # لأن ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدل عنه بأمر محتمل، يجوز ~~أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة، لأن عدم ذكره لا ~~يدل دلالة قطعية على عدم ms2611 وقوعه، لأن الراوي قد يتركه لظهوره، وأنه معروف ~~عند الناس جلد الزاني، قالوا والمحصن داخل قطعا في عموم { الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة } ~~[2] وهذا العموم القرآني لا يجوز العدول عنه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ~~وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلة على أنه لم ينسخ، ولم يعلم أن ~~أحدا من الصحابة أنكر عليه ذلك، ولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل ~~به أهل هذا القول. # وأما الذين قالوا: بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد رجحوا أدلتهم ~~بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت، الذي فيه التصريح بالجمع بين ~~الرجم والجلد، والعمل بالمتأخر أولى. والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة ~~المذكور، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # " قد جعل الله لهن سبيلا " # فهو دليل على أن حديث عبادة، هو أول نص ورد في حد الزنا كما هو ظاهر من ~~الغاية في قوله تعالى # حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا # [النساء: 15] قالوا: ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم ~~منسوخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة ~~الرجل الذي كان أجيرا عنده # " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله " # وهذا قسم منه صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال ~~في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله # " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " # قالوا: إن قوله # " فإن اعترفت " # شرط وقوله # " فارجمها " # جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط، وجزائه على أن جزاء اعترافها هو ~~الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى. # وهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا: هو رجمها ~~فقط فربط هذا الجزاء بهذا الشرط أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضاء ~~بكتاب الله وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا. # وهذا الدليل أيضا قوي جدا لأن فيه إقسامه صلى الله عليه وسلم بأن ~~الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب ms2612 عليه الرجم، ولا يخلو هذا الحديث من أحد ~~أمرين: إما أن يكون صلى الله عليه وسلم اقتصر على قوله فارجمها أو يكون ~~قال مع ذلك فاجلدها، وترك الراوي الجلد، فإن كان قد اقتصر على الرجم، ~~فذلك يدل على نسخ الجلد، لأنه جعل جزاء الاعتراف الرجم وحده، لأن ربط ~~الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية لا دلالة سكوت، وإن كان قال مع ~~الرجم واجلدها، وحذف الراوي الجلد، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع، لأن ~~حذف بعض جزاء الشرط مخل بالمعنى موهم غير المراد، والحذف إن كان كذلك فهو ~~ممنوع، ولا يجوز للراوي أن يفعله والراوي عدل فلن يفعله. # وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله # قل لا أجد في مآ أوحي إلي # [الأنعام: 145] الآية. أنه لا تعارض بين نصين، مع اختلاف زمنهما كما هو ~~التحقيق. # وأما القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب، وإن وجهه ابن حجر بما ~~ذكرنا فلا يخفى سقوطه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: دليل كل منهما قوي، وأقربهما عندي: أنه ~~يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم لأمور: # منها: أنه قول جمهور أهل العلم، ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في ~~قصة ماعز، والجهينة، والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث ~~عبادة. وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم، ولم يذكره أحد من ~~الرواة مع تعدد طرقها. # ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح # " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " # تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد ~~بالشرط هو الجزاء، وهو في الحديث الرجم فقط. # ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم ~~على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. # ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة. ~~والعلم عند الله تعالى. # قال بعضهم ويؤيده من جهة المعنى أن القتل بالرجم أعظم العقوبات فليس ~~فوقه عقوبة فلا داعي للجلد معه ms2613 لاندراج الأصغر في الأكبر. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: إذا ثبت الزنا على الزاني فظن الإمام أنه بكر فجلده مائة، ~~ثم ثبت بعد جلده أنه محصن فإنه يرجم، ولا ينبغي أن يختلف في هذا، وقد قال ~~أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا (ح) وثنا ابن ~~السرح المعنى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير ~~عن جابر رضي الله عنه: أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم. قال أبو داود: روى ~~هذا الحديث محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج موقوفا على جابر ورواه ~~أبو عاصم عن ابن جريج بنحو ابن وهب، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن رجلا زنى فلم يعلم إحصانه، فجلد ثم علم بإحصانه فرجم " # حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار؛ أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج ~~عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلا زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم ~~علم بإحصانه فرجم. # اه من سنن أبي داود. # وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا ما نصه: ~~حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري، وقدمنا في أول الكتاب ~~أن ما سكتا عنه، فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من ~~طريقين، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضا النسائي اه منه. # الفرع الثاني: قد قدمنا في الروايات الصحيحة: أن الحامل من الزنا لا ~~ترجم، حتى تضع حملها وتفطمه، أو يوجد من يقوم برضاعه، لأن رجمها وهي حامل ~~فيه إهلاك جنينها الذي في بطنها وهو لا ذنب له، فلا يجوز قتله، وهو واضح ~~مما تقدم. # الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وجب عليه الرجم، هل يحفر له ~~أو لا يحفر له؟ فقال بعضهم: لا يحفر له مطلقا، وقال بعضهم: يحفر لمن زنى ~~مطلقا، وقيل: يحفر للمرأة إن كان ms2614 الزنا ثابتا بالبينة دون الإقرار، ~~واحتج من قال: بأن المرجوم لا يحفر له بما ثبت في صحيح مسلم، وغيره، عن ~~أبي سعيد الخدري في قصة رجم ماعز، ولفظ مسلم في صحيحه في المراد من ~~الحديث قال: # " فما أوثقناه، ولا حفرنا له " # الحديث، وفيه التصريح من أبي سعيد في هذا الحديث الصحيح: أنهم لم يحفروا ~~له. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أبي سعيد: " فما أوثقناه، ~~ولا حفرنا له " ما نصه: وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم، " فلما كان ~~الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم ". وذكر بعده في حديث الغامدية، " ثم ~~أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها ". أما قوله: فما ~~أوثقناه فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه ~~مذاهب للعلماء. # قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد رضي الله عنهم في المشهور عنهم: لا يحفر ~~لواحد منهما. # وقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما. # وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالإقرار. # وأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار. # وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا. # أحدها: يستحب الخفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها. # والثاني: لا يستحب ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإمام. # والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ~~ليمكنها الهرب إن رجعت. فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية، ~~وكذا لماعز في رواية، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر ~~له، أن المراد حفيرة عظيمة أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة. # وأما من قال: لا يحفر فاحتج برواية من روى " فما أوثقناه، ولا حفرنا له، ~~وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز ". # وأما من قال: بالتخيير فظاهر وأما من فرق بين الرجل والمرأة، فيحمل ~~رواية الحفر لماعز، على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتج به ~~من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، ms2615 وقوله جعل يجنأ عليها، ولو ~~حفر لهما لم يجنأ عليها. واحتجوا أيضا بقوله في حديث ماعز: فلما أذلقته ~~الحجارة هرب، وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة والله أعلم. انتهى كلام ~~النووي. وقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة، وبين حججهم، وناقشها، ~~وقد ذكر في كلامه، أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة. ~~والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل، وأنه لو ترك ~~الحفر لهما معا فلا بأس. قال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ويحفر ~~لها في الرجم لا له، وقال شارحه في تبيين الحقائق: ولا بأس بترك الحفر ~~لهما، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك اه. # وقال ابن قدامة في المغني في الفقه الحنبلي: وإن كان الزاني رجلا أقيم ~~قائما، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا ~~نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز. # قال أبو سعيد: " لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز، ~~خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا " ~~رواه أبو داود، ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، ~~فوجب ألا تثبت، وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضا، ~~وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف، وذكر في المحرر أنه إن ثبت الحد ~~بالإقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر. # قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي، وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو ~~بكرة، وبريدة " أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى ~~التندوة " رواه أبو داود، ولأنه أستر لها، ولا حاجة لتمكينها من الهرب ~~لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالإقرار، ~~فإنها تترك على حال، لو أرادت الهرب تمكنت منه، لأن رجوعها عن إقرارها ~~مقبول، ولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر. فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم ms2616 يحفر للجهنية ولا لماعز، ولا لليهوديين، والحديث الذي احتجوا به ~~غير معمول به، ولا يقولون به، فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها ~~بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له ~~إذا ثبت هذا فإن ثياب المرأة تشد عليها كيلا تنكشف. # وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال: فأمر بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ولأن ذلك أستر لها اه من المغني. # وقد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم وأدلتهم في مسألة الحفر للمرجوم من ~~الرجال والنساء. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى الأقوال المذكورة دليلا بحسب ~~صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث: أن المرجوم يحفر له مطلقا ذكرا كان أو ~~أنثى ثبت زناه ببينة، أو بإقرار، ووجه ذلك أن قول أبي سعيد في صحيح مسلم: # " فما أوثقناه ولا حفرنا له " # يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: # " فما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم " # اه. وهو نص صحيح صريح في أن ماعزا حفر له. # وظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحافر له أي بأمره بذلك ~~فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد ناف له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث: ~~أن المثبت مقدم على النافي، وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته ~~أيضا في صحيح مسلم بنفس الإسناد # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها " # وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معا، أما الأنثى فلم يرد ما ~~يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأما الرجل فرواية ~~الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم ~~بعدم الحفر، لأن المثبت مقدم على النافي. # وقول ابن قدامة في المغني: والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر ~~السقوط، لأنه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه ~~صلى الله عليه وسلم كما ترى، وبالرواية الصحيحة ms2617 التي في صحيح مسلم من ~~حديث بريدة " أنه صلى الله عليه وسلم حفر للغامدية " ، وزناها ثابت ~~بإقرارها، لا ببينة تعلم أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها ~~مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيمن يبدأ بالرجم فقال بعضهم: ~~إن كان الزنا ثابتا ببينة، فالسنة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت ~~بإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم، إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده، ~~وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما. واستدلوا لبداءة الشهود، ~~وبداءة الإمام بما ذكره ابن قدامة في الفقة الحنبلي، وصاحب تبيين الحقائق ~~في الفقه الحنفي. # قال صاحب المغني: وروى سعيد بإسناده عن علي رضي الله عنه: أنه قال " ~~الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ~~ببينة؛ فأول من يرجم البينة ثم الناس " ، ولأن فعل ذلك أبعد لهم من ~~التهمة في الكذب عليه. # اه منه. # وحاصل هذا الاستدلال: أثر مروي عن علي، وكون مباشرتهم الرمي بالفعل أبعد ~~لهم من التهمة في الكذب عليه، وهذا كأنه استدلال عقلي لا نقلي. اه. # وقال صاحب تبيين الحقائق في شرحه لقول صاحب كنز الدقائق: يبدأ الشهود به ~~فإن أبوا سقط ثم الإمام ثم الناس، ويبدأ الإمام، ولو مقرا ثم الناس. # ما نصه: أي يبدأ الشهود بالرجم. وقال الشافعي: لا تشترط بداءتهم ~~اعتبارا بالجلد، ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال حين رجم شراحة ~~الهمدانية: " إن الرجم سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ~~شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد، ثم يتبع شهادته حجره ~~ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر ". قال الراوي: ثم رمى الناس وأنا ~~فيهم، ولأن الشاهد ربما يتجاسر على الشهادة ثم يستعظم المباشرة فيأبى أو ~~يرجع، فكان في بداءته احتيال للدرء بخلاف الجلد، فإن كل أحد لا يحسنه، ~~فيخاف أن يقع مهلكا أو متلفا لعضو، وهو ms2618 غير مستحق ولا كذلك الرجم، لأن ~~الإتلاف فيه متعين ". # قال رحمه الله: فإن أبوا سقط أي إن أبى الشهود من البداءة سقط الحد، ~~لأنه دلالة الرجوع، وكذلك إن امتنع واحد منهم، أو جنوا، أو فسقوا، أو ~~قذفوا فحدوا أو أحدهم، أو عمى، أو خرس، أو ارتد، والعياذ بالله تعالى، ~~لأن الطارئ على الحد قبل الاستيفاء كالموجود في الابتداء، وكذا إذا غابوا ~~أو بعضهم، أو ماتوا أو بعضهم لما ذكرنا، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما ~~الله تعالى، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى عنه أنهم إذا امتنعوا أو ~~ماتوا أو غابوا، رجم الإمام، ثم الناس، وإن كان الشهود مرضى لا يستطيعون ~~أن يرموا أو مقطوعي الأيدي رجم بحضرتهم بخلاف ما إذا قطعت أيديهم بعد ~~الشهادة. ذكره في النهاية. # قال رحمه الله: ثم الإمام ثم الناس لما روينا من أثر علي رضي الله عنه، ~~ويقصدون بذلك مقتله إلا من كان منهم ذا رحم محرم منه؛ فإنه لا يقصد مقتله ~~لأن بغيره كفاية. # وروي " أن حنظلة استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه، وكان ~~كافرا فمنعه من ذلك، وقال: دعه يكفيك غيرك "؛ ولأنه مأمور بصلة الرحم، ~~فلا يجوز القطع من غير حاجة. # قال رحمه الله: ويبدأ الإمام، ولو مقرا ثم الناس. أي يبدأ الإمام ~~بالرجم إن كان الزاني مقرا لما روينا من أثر علي رضي الله عنه؛ # " " ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغامدية بحصاة مثل الحمصة؛ ثم ~~قال للناس: ارموا " # ، وكانت أقرت بالزنا. انتهى محل الغرض من تبيين الحقائق ممزوجا بنص كنز ~~الدقائق. # هذا حاصل ما استدل به من قال ببداءة الشهود أو الإمام. # وذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم، إلى أنه لا تعيين لمن يبدأ من شهود ولا ~~إمام؛ ولا غيرهم. واحتج مالك لهذا بأنه لم يعلم أحدا من الأئمة تولى ذلك ~~بنفسه؛ ولا ألزم به البينة. # قال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: ولم يعرف بداءة ~~البينة، ولا الإمام، ما نصه: قال مالك: ms2619 مذ أقامت الأئمة الحدود، فلم نعلم ~~أحدا منهم تولى ذلك بنفسه، ولا ألزم ذلك البينة خلافا لأبي حنيفة ~~القائل: إن ثبت الزنا ببينة بدأ الشهود ثم الإمام ثم الناس اه منه، ~~واستدل له بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ برجم ماعز، وأنه قال ~~لأنيس # " فإن اعترفت فارجمها " # ولم يحضر صلى الله عليه وسلم ليبدأ برجمها، وقول مالك رحمه الله إنه لم ~~يعلم أحدا تولى ذلك بنفسه من الأئمة، ولا ألزم به البينة يدل على أنه لم ~~يبلغه أثر علي أو بلغه ولم يصح عنده. وكذلك الحديث المرفوع الذي استدل به ~~القائلون ببداءة والإمام، وهو أنه صلى الله عليه وسلم رمى الغامدية بحصاة ~~كالحمصة ثم قال للناس: # " ارموا ". # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما هذا الحديث المرفوع، فليس بثابت، ~~ولا يصلح للاحتجاج، لأن في إسناده راويا مبهما. # قال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ~~بن الجراح، عن زكريا أبي عمران قال: سمعت شيخا يحدث عن ابن أبي بكرة، عن ~~أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة " ثم ~~قال أبو داود: حدثنا: عن بعد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثنا زكريا بن ~~سليم بإسناده نحوه زاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: # " ارموا واتقوا الوجه " # الحديث، وهذا الإسناد الذي فيه زيادة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، هو ~~بعينه الإسناد الذي فيه قال: سمعت شيخنا يحدث عن ابن أبي بكرة، وهذا ~~الشيخ الذي حدث عن ابن أبي بكرة لم يدر أحد من هو، فهو مبهم، والمبهم ~~مجهول العين والعدالة، فلا يحتج به كما ترى. وقال صاحب نصب الراية في هذا ~~الحديث بعد أن ذكر رواية أبي داود التي سقناها آنفا: رواه النسائي في ~~الرجم. # حدثنا محمد بن حاتم عن حبان بن موسى، عن عبد الله، عن زكريا أبي عمران ~~البصري قال: سمعت شيخا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا الحديث ~~بتمامه. ورواه البزار ms2620 في مسنده والطبراني في معجمه. # قال البزار: ولا نعلم أحدا سمى هذا الشيخ وتراجع ألفاظهم، وذكره عبد ~~الحق في أحكامه من جهة النسائي، ولم يعله بغير الانقطاع اه. # منه. وأي علة أعظم من الانقطاع بإبهام الشيخ المذكور. # فتحصل أن الحديث المرفوع ضعيف ليس بصالح للاحتجاج. # أما الأثر المروي عن علي رضي الله عنه فقد قال البيهقي في سننه الكبرى ~~في باب: من اعتبر حضور الإمام والشهود، وبداءة الإمام بالرجم ما نصه: ~~أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد ~~بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو الجواب، ثنا عمار هو ابن رزيق عن أبي حصين عن ~~الشعبي قال: " أتى علي رضي الله عنه بشراحة الهمدانية قد فجرت فردها حتى ~~ولدت، فلما ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها ولدها ثم جلدها ~~ورجمها ثم قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بالسنة ثم قال: أيما امرأة ~~نعى عليها ولدها أو كان اعتراف، فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن ~~نعاها الشهود فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام ثم الناس ". وأخبرنا أبو ~~زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ~~ثنا محمد بن عبد الوهاب؛ أنبأ جعفر بن عون، أنبأ الأجلح عن الشعبي قال: " ~~جيء بشراحة الهمدانية إلى علي رضي الله عنه فقال لها: ويلك لعل رجلا ~~وقع عليك وأنت نائمة، قالت:لا قال: لعله استكرهك؟ قالت: لا. قال: لعل ~~زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول ~~نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس ~~فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة فأحاط الناس بها؛ وأخذوا ~~الحجارة فقال ليس هكذا الرجم إنما يصيب بعضكم بعضا صفوا كصف الصلاة صفا ~~خلف صف؛ ثم قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، ~~فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، وأيما امرأة جيء بها أو رجل زان فشهد ~~عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم، ms2621 ثم الإمام ثم الناس. ثم أمرهم ~~فرجم صف ثم صف، ثم قال افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم ". # قال الشيخ رحمه الله: قد ذكرنا أن جلد الثيب صار منسوخا، وأن الأمر إلى ~~الرجم فقط اه. من السنن الكبرى بلفظه، وذلك يدل على أن المرجوم يغسل ~~ويكفن ويصلى عليه، وهو كذلك، وقد جاءت النصوص بالصلاة على المرجوم كما هو ~~معلوم. # وقال صاحب نصب الراية في أثر على هذا ما نصه: قلت: أخرجه البيهقي في ~~سننه عن الأجلح عن الشعبي، قال جيء بشراحة الهمدانية إلى علي رضي الله ~~عنه إلى آخر ما ذكرنا، عن البيهقي باللفظ الذي سقناه به، والعجب من صاحب ~~نصب الراية، حيث اقتصر على رواية البيهقي للأثر المذكور من طريق الأجلح ~~عن الشعبي؛ ولم يشر إلى الرواية الأولى التي سقناها التي الراوي فيها عن ~~الشعبي أو حصين فاقتصاره على رواية الأجلح عن الشعبي وتركه للرواية التي ~~ذكرنا أولا لا وجه له. # والأجلح المذكور في إسناد المذكور: هو ابن عبد الله بن حجية بالمهملة ~~والجيم مصغرا. ويقال: ابن معاوية يكنى أبا حجية الكندي؛ ويقال اسمه: ~~يحيى. قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق شيعي. وقال عنه في تهذيب التهذيب ~~قال القطان: في نفسي منه شيء. وقال أيضا: ما كان يفصل بين الحسين بن علي ~~وعلي بن الحسين. وقال أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث. وقد روى ~~الأجلح غير حديث منكر. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب الأجلح من ~~فطر بن خليفة. وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، وقال مرة: ليس به ~~بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا ~~يحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك؛ وكان له رأي سوء، وقال الجوزجاني: ~~مفتر: وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ويروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أر ~~له حديثا منكرا مجاوزا للحد لا إسنادا ولا متنا إلا أنه يعد في شيعة ~~الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق. وقال شريك عن الأجلح: سمعنا أنه ما ms2622 ~~يسب أبا بكر وعمر أحد إلا مات قتلا أو فقيرا: وقال عمرو بن علي: مات ~~سنة مائة وخمس وأربعين في أول السنة، وهو رجل من يجلية مستقيم الحديث ~~صدوق. # قلت: ليس هو من بجيلة، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: زكريا أرفع منه ~~بمائة درجة، وقال ابن سعد: كان ضعيفا جدا. وقال العقيلي: روى عن الشعبي ~~أحاديث مضطربة لا يتابع عليها. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، حديثه لين. ~~وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. انتهى ~~منه. # وقد رأيت كثرة الاختلاف في الأجلح المذكور إلا أن روايته لهذا الأثر عن ~~الشعبي عن علي تعتضد برواية أبي الحصين له عن الشعبي، عن علي. وأبو حصين ~~المذكور، هو بفتح الحاء، وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أخرج ~~له الجميع. وقال فيه في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس. اه. # وإذا علمت أقوال أهل العلم في بداءة الشهود والإمام بالرجم وما احتج به ~~كل منهم. # فاعلم أن أظهر القولين هو قول من قال ببداءة الشهود أو الإمام كما ~~ذكرنا. وقول الإمام مالك رحمه الله: إنه لم يعلم أحدا من الأئمة فعله ~~يقتضي أنه لم يبلغه أثر علي رضي الله عنه المذكور، ولو بلغه لعمل به، ~~والظاهر أن له حكم الرفع لأنه لا يظهر أنه يقال من جهة الرأي، وإن كان ~~الكلام الذي قدمنا عن صاحب المغني، وصاحب تبيين الحقائق يقتضي أن مثله ~~يقال بطريق الرأي للتعليل الذي عللوا به القول به. # وقال صاحب نصب الراية بعد أن ذكر رواية البيهقي للأثر المذكور عن علي من ~~طريق الأجلح، عن الشعبي ما نصه: ورواه أحمد في مسنده، عن يحيى بن سعيد، ~~عن مجالد عن الشعبي ثم ساق متن رواية الإمام أحمد بنحو ما قدمنا، ثم قال ~~ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن يزيد، عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى أن عليا رضي الله عنه ثم ساق الأثر بنحو ما قدمنا. ~~ثم ms2623 قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحسن بن سعيد، عن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن علي، ثم ساق الأثر المذكور بنحو ما ~~قدمنا. اه. # وهذه الروايات يعضد بعضها بعضا وهي تدل على أن عليا كان يقول ببداءة ~~الإمام في الإقرار وبداءة الشهود في البينة، وإن كان له حكم الرفع فالأمر ~~واضح، وإن كان له حكم الوقف فهي فتوى وفعل من خليفة راشد، ولم يعلم أن ~~أحدا أنكر عليه، ولهذا استظهرنا بداءة البينة والإمام في الرجم والعلم ~~عند الله تعالى. # الفرع الخامس: اعلم أن المرجوم إذا هرب في أثناء الرجم عندما وجد ألم ~~الضرب بالحجارة فإن كان زناه ثابتا ببينة، فلا خلاف في أنهم يتبعونه، ~~حتى يدركوه، فيرجموه لوجوب إقامة الحد عليه الذي هو الرجم بالبينة، وإن ~~كان زناه ثابتا بإقرار فقد اختلف أهل العلم فيه. # قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المحصن: إذا أقر بالزنا ~~فشرعوا في رجمه، ثم هرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي ~~وأحمد وغيرهما: يترك، ولا يتبع لكي يقال له بعد ذلك، فإن رجع عن الإقرار ~~ترك، وإن أعاد رجم. # وقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم. واحتج الشافعي وموافقوه بما ~~جاء في رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ " # وفي رواية # " هل تركتموه فلعله يتوب الله عليه " # واحتج الآخرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم ~~قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، ~~وقد ثبت إقراره فلا يترك حتى يصرح بالرجوع قالوا: وإنما قلنا لا يتبع في ~~هربه لعله يريد الرجوع. ولم نقل إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. والله أعلم ~~انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنه إن هرب في أثناء ~~الرجم لا يتبع بل يمهل حتى ينظر في أمره، فإن صرح بالرجوع ترك، وإن تمادى ~~على إقراره رجم. # ويدل ms2624 لهذا ما في رواية أبي داود التي أشار لها النووي والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة الخامسة: اعلم أن البكر من الرجال والنساء، إذا زنا وجب جلده ~~مائة جلدة كما هو نص الآية الكريمة، ولا خلاف فيه، ولكن العلماء اختلفوا ~~هل يغرب سنة مع جلده مائة أو لا يغرب؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر ~~يغرب سنة مع الجلد. قال ابن قدامة في المغني: وهو قول الجمهور أهل العلم. ~~روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وبه قال أبي وابن مسعود، وابن عمر رضي ~~الله عنهم. وإليه ذهب عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي ~~وإسحاق وأبو ثور: وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة. وقال أبو ~~حنيفة ومحمد: لا يجب التغريب على ذكر أو أنثى. وقال النووي في شرح مسلم: ~~قال الشافعي والجماهير ينفى سنة رجلا كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب ~~النفي. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي رضي ~~الله عنه إلى أن قال: وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي. # أحدها: يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث. وبهذا قال سفيان الثوري، ~~وأبو ثور، وداود، وابن جرير. # والثاني: يغرب نصف سنة لقوله تعالى: # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] وهذا أصح الأقوال عند اصحابنا، وهذه الآية مخصصة لعموم ~~الحديث والصحيح عند الأصوليين، جواز تخصيص السنة بالكتاب، لأنه إذا جاز ~~تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى. # والثالث: لا يغرب المملوك أصلا، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، ~~وأحمد وإسحاق لقوله صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت # " فليجلدها " # ولم يذكر النفي، ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده، وأجاب ~~أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي، والآية ~~ظاهرة في وجوب النفي، فوجب العمل بها، وحمل الحديث على موافقتها والله ~~أعلم. اه كلام النووي، وقوله: إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر ~~فانظره. # وإذا عرفت أقوال أهل ms2625 العلم في هذه المسألة، وأن الأئمة الثلاثة: مالكا، ~~والشافعي، وأحمد، متفقون على تغريب الزاني البكر الحر الذكر، وإن وقع ~~بينهم خلاف في تغريب الإناث والعبيد، وعلمت أن أبا حنيفة، ومن ذكرنا معه ~~يقولون: بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقا ذكرا أو أنثى حرا أو ~~عبدا فهذه تفاصيل أدلتهم. # أما الذين قالوا: يغرب البكر الزاني سنة، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في ~~صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان ~~أجيرا عنده، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم، رد عليك ~~وعلى ابنك، جلد مائة وتغريب عام " # الحديث وفيه التصرح من النبي صلى الله عليه وسلم برواية صحابيين جليلين ~~أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله ~~جلد ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عاما، وهذا أصح نص وأصرحه في محل ~~النزاع. ومن ذلك ما أخرحه مسلم في صحيحه وغيره وهو حديث عبادة بن الصامت ~~رضي الله عنه الذي قدمناه، وفيه # " البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " # وهو أيضا نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في محل النزاع. واحتج ~~الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة: # منها: أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى: { فاجلدوا كل ~~واحد منهما مئة جلدة } [النور: 2] والمقرر في أصول ~~الحنفية هو أن الزيادة على النص نسخ له، وإذا كانت زيادة التغريب على ~~الجلد في الآية تعتبر نسخا للآية فهم يقولون: إن الآية متواترة، وأحاديث ~~التغريب أخبار آحاد. والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، وقد قدمنا في ~~مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم، أما الأول منهما ~~وهو أن كل منهما وهو أن كل زيادة على النص، فهي ناسخة له ليس بصحيح، لأن ~~الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق؛ إلا إن كانت زيادة على ms2626 ~~النص، فهي ناسخة له ليس بصحيح، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له ~~على التحقيق؛ إلا إن كانت مثبتة شيئا قد نفاه النص أو نافية شيئا أثبته ~~النص، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه، ولا ~~لإثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في ~~الأصول بالإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد دليل ~~ناقل عنه، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ~~ثابتا بدليل شرعي. # وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] الآية. # وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل على آيات ~~الحج وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك. # وأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد؛ فقد قدمنا ~~في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفا؛ أنه غلط فيه ~~جمهور الأصوليين غلطا لا شك فيه، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر ~~بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه، ولا منافاة بينهما أصلا، حتى يرجح المتواتر ~~على الآحاد، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين، لأن كلا منهما حق في ~~وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى ~~الآن؛ ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته، فإن ~~خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة، لأن ~~أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ~~ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق. # وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في ~~المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي؛ ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس ~~بقطعي؛ فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ~~ترى. # ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن ms2627 سعد الساعدي عند أبي داود وقد ~~قدمناه: " أن رجلا أقر عنده صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة سماها ~~فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها ". وما رواه أبو داود أيضا عن ~~ابن عباس: " أن رجلا من بكر بن ليث أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكرا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ~~مائة، وسأله صلى الله عليه وسلم البينة على المرأة إذا كذبته، فلم يأت ~~بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة "؛ قالوا ولو كان التغريب واجبا لما ~~أخل به النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن أدلتهم أيضا: الحديث الصحيح # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " # الحديث، وهو متفق عليه، ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد، فدل ذلك على أن ~~التغريب منسوخ، وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة ~~التي فيها إقسامه صلى الله عليه وسلم أن الجمع بين جلد البكر، ونفيه سنة ~~قضاء منه صلى الله عليه وسلم بكتاب الله. # وإيضاح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن الجمع بين الجلد ~~والتغريب قضاء بكتاب الله، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل ~~النزاع، ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين، ~~وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله. قال: وخطب بذلك ~~عمر رضي الله عنه على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره ~~أحد فكان إجماعا. اه منه. # وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب. # والحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد وابن ~~عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث ~~الإقسام: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر ~~الإقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير: أن الإقسام هو المتقدم. فذلك ~~التصريح: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإقسام على ذلك لا يصح ~~رفعه بمحتمل؛ ولو تكررت الروايات ms2628 به تكررا كثيرا. # وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق، فالحديث المتفق عليه عن ~~صحابيين جليلين هما: أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام ~~بان الجمع بينهما قضاء بكتاب الله، لا شك في تقديمه على حديث أبي داود ~~الذي هو دونه في السند والمتن. أما كونه في السند: فظاهر، وأما كونه في ~~المتن: فلأن حديث ابي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب، والصريح مقدم ~~على غير الصريح كما هو معروف في الأصول، وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي ~~العدول عنه جمع الجلد والتغريب. # وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام ~~الحد، فهي تجلد خمسين، ولو محصنة، ولا ترجم. والأحرار بخلاف ذلك، فأحكام ~~الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف. # وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين: # إحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة، فعليها الجلد لا الرجم. # والثانية: أن عليها نصفه، وذلك في قوله # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب # [النساء: 25] فتأمل قول { فإذآ أحصن } وقوله: { فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب } يظهر لك ما ذكرنا. # ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب ~~البكر سنة مع جلده مائة لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك، والعلم عند الله ~~تعالى. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بالتغريب، وهم الجمهور اختلفوا في ~~تغريب المرأة، فقال جماعة من أهل العلم: تغرب المرأة سنة لعموم أدلة ~~التغريب، وممن قال به: الشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم: لا تغريب على ~~النساء، وممن قال به مالك والأوزاعي، وروي مثله عن علي رضي الله عنه. # أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب، وظاهرها شمول ~~الأنثى، وأما الذين قالوا: لا تغريب على النساء، فقد احتجوا بالأحاديث ~~الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر، إلا مع محرم أو زوج. # وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة ms2629 القصر. قالوا: لا يجوز ~~سفرها دون محرم، ولا يكلف محرمها بالسفر معها، لأنه لا ذنب له يكلف السفر ~~بسببه، قالوا: ولأن المرأة عورة وفي تغريبها تضييع لها، وتعريض لها ~~للفتنة، ولذلك نهيت عن السفر إلا مع محرم أو زوج، قالوا: وغاية ما في ~~الأمر، أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي ~~المرأة عن السفر إلا مع محرم أو زوج، وهذا لا إشكال فيه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم ~~متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى ~~فيه فتنة، مع تبرع المحرم المذكور بالرحوع معها إلى محلها، بعد انتهاء ~~السنة، فإنها تغرب، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في ~~الحالة المذكورة. # وأما إن لم تجد محرما متبرعا بالسفر معها، فلا يجبر، لأنه لا ذنب له، ~~ولا تكلف هي السفر بدون محرم، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # وقد قدمنا مرارا أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على ~~الأصح، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا التفصيل الذي ~~استظهرنا لم نعلم أحدا ذهب إليه، ولكنه هو الظاهر من الأدلة، والعلم عند ~~الله تعالى. # الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة، وقد ~~قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك. # وأظهر أقوالهم عندنا: أن المملوك لا يغرب، لأنه مال، وفي تغريبه إضرار ~~بمالكه، وهو لا ذنب له ويستأنس له بأنه لا يرجم، ولو كان محصنا، لأن ~~إهلاكه بالرجم إضرار بمالكه. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " # الحديث، ولم يذكر تغريبا، وقد فهم البخاري رحمه الله عدم نفي الأمة من ~~الحديث المذكور، ولذا قال في ترجمته: باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا ~~تنفى. # وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع، ~~لأنهم من جملة المكلفين، أو لا يدخلون في عموم النصوص، إلا بدليل منفصل ~~لكثرة ms2630 خروجهم من عموم النصوص، كما تقدم إيضاحه. # وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلا ما أخرجهم منه دليل، ~~واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله: # والعبد والموجود والذي كفر # مشمولة له لدى ذوي النظر # وإخراجهم هنا من نصوص التغريب، لأنه صلى الله عليه وسلم امر بجلد الأمة ~~الزانية وبيعها، ولم يذكر تغريبها، ولأنهم مال، وفي تغريبهم إضرار ~~بالمالك. وفي الحديث # " لا ضرر ولا ضرار " # والعلم عند الله تعالى. # أظهر القولين عندي: أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة، ~~لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد زنى فيه. # وأظهر القولين أيضا عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه، لأن السجن ~~عقوبة زائدة على التغريب، فتحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها، والعلم عند ~~الله تعالى. والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير ~~وطنه الأصلي. # المسألة السادسة: اعلم أن من أقر بأنه أصاب حدا، ولم يعين ذلك الحد، ~~فإنه لا يجب عليه الحد، لعدم التعيين وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لما ~~ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال " كنت عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، قال: ~~ولم يسأله عنه قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول ~~الله: إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله، قال: # " أليس صليت معنا؟ " # قال: نعم. قال: # " فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدك " # هذا لفظ البخاري في صحيحه. والحديث متفق عليه. ولمسلم وأحمد من حديث أبي ~~أمامة نحوه: وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه، لا حد عليه كما ~~ترى، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الرابعة: في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى أو رجوع البينة قبل ~~إتمام إقامة الحد عليه. # أما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره، سقط ms2631 عنه الحد، ولو رجع في ~~أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم. هذا هو الظاهر. # قال ابن قدامة: وبه قال عطاء ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، ~~والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقد حكى ابن قدامة ~~خلاف هذا عن جماعة وروايته عن مالك ضعيفة. # والظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره، ولو في ~~أثناء إقامة الحد لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " " لهم لما تبعوا ماعزا بعد هربه " ألا تركتموه؟ " # وفي رواية # " هلا تركتموه؟ فلعله يتوب فيتوب الله عليه " # وفي ذلك دليل على قبول رجوعه، وعليه أكثر أهل العلم، وهو الحق إن شاء ~~الله تعالى. وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصا من كتاب ~~ولا سنة، والعلماء مختلفون فيه. # واعلم أن له حالتين: # إحداهما: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني ~~بشهادتهم. # والثانية: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحد عليه، والحد ~~المذكور قد يكون جلدا، وقد يكون رجما، فإذا رجعوا كلهم أو واحد منهم ~~قبل إقامة الحد، فقد قال في ذلك ابن قدامة في المغني: فإن رجعوا عن ~~الشهادة، أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين، وهو قول أبي ~~حنيفة. والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع، وهو اختيار أبي بكر، وابن ~~حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله: فسقط ~~عنه الحد، ولأن في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة ~~المشهود عليه. وفي إيجاب الحد زجر له عن الرجوع خوفا من الحد، فتفوت تلك ~~المصلحة، وتتحقق المفسدة، فناسب ذلك نفي الحد عنه. وقال الشافعي: يحد ~~الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه. وأما الثلاثة فقد ~~وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع، ومن وجب الحد ~~بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد، كما لو لم يرجع. # ولنا أنه نقص العدد بالرجوع ms2632 قبل إقامة الحد، فلزمهم الحد كما لو شهد ~~ثلاثة وامتنع الرابع من الشهاة، وقولهم: وجب الحد بشهادتهم يبطل بما اذا ~~رجعوا كلهم، وبالراجع وحده، فإن الحد وجب، ثم سقط، ووجب الحد عليهم ~~بسقوطه، ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه، وإسقاط الحد ~~عن المشهود عليه بعد وجوبه، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف ~~فعلى غيره أولى. انتهى من المغني. # وحاصله: أنهم إن رجعوا كلهم حدوا كلهم، وإن رجع بعضهم، ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال: # الأول: يحدون كلهم. # والثاني: يحد من لم يرجع دون من رجع. # والثالث: عكسه كما هو واضح من كلامه. # والأظهر: أنهم إن رجعوا بعد الحكم عليه بالرجم أو الجلد بشهادتهم أنه لا ~~يقام عليه الحد، لرجوع الشهود أو بعضهم. وقول بعض المالكية: إن الحكم ~~ينفذ عليه، ولو رجعوا كلهم أو بعضهم قبل التنفيذ خلاف التحقيق، وإن كان ~~المعروف في مذهب مالك أن الحكم إذا نفذ بشهادة البينة، أنه لا ينقض ~~برجوعهم وإنما ينقض بظهور كذبهم، لأن هذا لم يعمموه في الشهادة المفضية ~~إلى القتل لعظم شأنه، والأظهر أنه لا يقتل بشهادة بينة كذبت أنفسها، فيما ~~شهدت عليه به كما لا يخفى. وأما إن كان رجوع البينة بعد إقامة الحد، ~~فالأظهر أنه إن لم يظهر تعمدهم الكذب لزمتهم دية المرجوم، وإن ظهر أنهم ~~تعمدوا الكذب فقال بعض أهل العلم: تلزم الدية أيضا. وقال بعضهم: ~~بالقصاص، وهو قول أشهب من أصحاب مالك، وله وجه من النظر، لأنهم تسببوا في ~~قتله بشهادة زور، فقتلهم به له وجه، والعلم عند الله تعالى. وإن كان ~~رجوعهم أو رجوع بعضهم بعد جلد المشهود عليه بالزنى بشهادتهم، فإن لم يظهر ~~تعمدهم الكذب، فالظاهر أنهم لا شيء عليهم، لأنهم لم يقصدوا سوءا، وإن ~~ظهر تعمدهم الكذب وجب تعزيزهم بقدر ما يراه الإمام رادعا لهم ولأمثالهم، ~~لأنهم فعلوا معصيتين عظيمتين. # الأولى: تعمدهم شهادة الزور. # والثانية: إضرارهم بالمشهود عليه بالجلد، وهو أذى عظيم أوقعوه به بشهادة ~~زور والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أنا ms2633 قدمنا حكم من زنى ببهيمة في سورة الإسراء، في الكلام على قوله ~~تعالى # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # [الإسراء: 33] وقدمنا حكم اللواط وأقوال أهل العلم وأدلتهم في ذلك في ~~سورة هود في الكلام على قوله تعالى # وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 83] وقد قدمنا الكلام أيضا على أن من زنى مرات متعددة، قبل أن ~~يقام عليه الحد، يكفي لجميع ذلك حد واحد في الكلام على آيات الحج. وقد ~~أوضحنا أن الأمة تجلد خمسين، سواء كانت محصنة أو غير محصنة، لأن جلدها ~~خمسين مع الإحصان منصوص في القرآن كما تقدم إيضاحه، وجلدها مع عدم ~~الإحصان ثابت في الصحيح. # وأظهر الأقوال عندنا: أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين، وألحق أكثر أهل ~~العلم العبد بالأمة. # والأظهر عندنا: أنه يجلد خمسين مطلقا أحصن أم لا. وقد تركنا الأقوال ~~المخالفة لما ذكرنا لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء ~~في الكلام على قوله تعالى # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة # [النساء: 25] الآية ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه ~~الآية التي نحن بصددها. # وعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون ~~مسائل ذلك الباب، والمهم منه # وتبيين أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها، ولا نستقصي جميع ما في الباب، ~~لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم، والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [24.3] # قد قدمنا مرارا من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن ~~يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم ~~صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب ~~أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة. # وإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال ~~جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت ~~جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح. ~~قالوا فلا يجوز لعفيف ms2634 أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن ~~المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء في نفس الآية قرينة تدل على ~~عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية، لأن الزاني ~~المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] وقوله تعالى # لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة: 10] وقوله تعالى # ولا تمسكوا بعصم الكوافر # [الممتحنة: 10]، وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله ~~تعالى: # ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا # [البقرة: 221] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن ~~المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء؛ الذي هو الزنى؛ لا عقد ~~النكاح، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة، والقول بأن نكاح ~~الزاني للمشركة والزانية للمشرك، منسوخ ظاهر السقوط، لأن سورة النور ~~مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بد له من ~~دليل يجب الرجوع إليه. # مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة # اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة ~~الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح ~~الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه؛ ومن وافقهم؛ واحتج أهل ~~هذا القول بأدلة: # منها: عموم قوله تعالى # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة وعموم قوله تعالى # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضا والعفيفة. # ومن أدلتهم على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد ~~يد لامس: قال:غربها. قال أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: فاستمتع بها " # ؛ قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ~~ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من ~~وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ قال " طلقها، قال لا أصبر عنها ~~قال: فامسكها " اه من بلوغ المرام، وفيه تصريح ابن ms2635 حجر بأن رجاله ثقات، ~~وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره ~~في الموضوعات مرسلا عن أبي الزبير قال: " أتى رجل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن امرأتي ". # الحديث؛ ورواه أيضا مرسلا عن عبيد بن عمير، وحسان بن عطية كلاهما عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: وقد حمله أبو بكر الخلال على ~~الفجور؛ ولا يجوز هذا؛ وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث. # قال أحمد بن حنبل: " هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ليس له أصل. انتهى من موضوعات ابن الجوزي، وكثرة اختلاف العلماء في ~~تصحيح الحديث المذكور وتضعيفه معروفة ". # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا ريب أن العرب تكنى بمثل هذه العبارة، ~~عن عدم العفة عن الزنى، يعني بالعبارة المذكورة قول الرجل: إن امرأتي لا ~~ترد يد لامس. اه. وما قاله الشوكاني وغيره هو الظاهر لأن لفظ: لا ترد ~~يد لامس، أظهر في عدم الامتناع ممن أراد منها ما لا يحل كما لا يخفى ~~فحمله على تفريطها في المال غير ظاهر، لأن إطلاق لفظ اللامس على أخذ ~~المال، ليس بظاهر كما ترى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور في المرأة التي ظهر عدم ~~عفتها، وهي تحت زوج. وكلامنا الآن في ابتداء النكاح لا في الدوام عليه ~~وبين المسألتين فرق كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. # ثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن ~~الاستدلال بالآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى { الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة } الآية من وجهين. # الأول: أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه، ~~قالوا: والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدة التنفير منه، لأن الزاني لا ~~يطاوعه في زناه من النساء إلا التي هي في غاية الخسة لكونها مشركة لا ترى ~~حرمة الزنى أو زانية فاجرة خبيثة. # وعلى هذا القول فالإشارة في قوله تعالى { وحرم ذلك على ms2636 ~~المؤمنين } راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى، أعاذنا الله وإخواننا ~~المسلمين منه كعكسه، وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك. # الوجه الثاني: هو قولهم: إن المراد بالنكاح في الآية التزويج، إلا أن ~~هذه الآية التي هي قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية ~~} الآية منسوخة بقوله تعالى # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] الآية، وممن ذهب إلى نسخها بها: سعيد بن المسيب، والشافعي. ~~وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: هذا خبر من الله تعالى بأن ~~الزاني، لا يطأ إلا زانية، أو مشركة: أي لا يطاوعه على مراده من الزنا ~~إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا ينكحها إلا ~~زان: أي عاص بزناه، أو مشرك لا يعتقد تحريمه. # قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة } قال: " ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها، إلا ~~زان أو مشرك " ، وهذا إسناد صحيح عنه، من غير وجه أيضا، وقد روي عن ~~مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل ~~بن حيان، وغير واحد نحو ذلك. انتهى محل الغرض منه بلفظه. # فتراه صدر بأن المراد بالنكاح في الآية: الجماع، لا التزويج. وذكر صحته ~~عن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يعلمه تأويل ~~القرآن. وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين، وابن عباس رضي الله عنهما ~~من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية. # فقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدل على ~~أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح. فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في ~~العربية، وأنه قبيح، يرده قول الجبر ابن عباس كما ترى. # وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وقد روي عن ابن عباس، وأصحابه أن ~~النكاح في هذه الآية: الوطء. # واعلم أن إنكار الزجاج لهذا ms2637 القول في هذه الآية، أعني القول بأن النكاح ~~فيها الجماع. وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن، إلا بمعنى التزويج ~~مردود من وجهين: # الأول: أن القرآن جاء فيه النكاح بمعنى الوطء، وذلك في قوله تعالى: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره # [البقرة: 230] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: حتى ~~تنكح زوجا غيره، بأن معنى نكاحها له مجامعته لها حيث قال: # " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " # ومراده بذوق العسيلة: الجماع، كما هو معلوم. # الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يطلقون النكاح على ~~الوطء، والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء. قال الجوهري في صحاحه: ~~النكاح الوطء، وقد يكون العقد اه. وإنما سموا عقد التزويج نكاحا، لأنه ~~سبب النكاح أي الوطء، وإطلاق المسبب، وإرادة سببه معروف في القرآن، وفي ~~كلام العرب، وهو مما يسميه القائلون بالمجاز، المجاز المرسل كما هو معلوم ~~عندهم في محله، من إطلاق العرب النكاح على الوطء قول الفرزدق: # وذات حليل أنكحتها رماحنا # حلال لمن يبني بها لم تطلق # لأن الإنكاح في البيت ليس المراد به: عقد التزويج، إذ لا يعقد على ~~المسيبات، وإنما المراد به الوطء بملك اليمين والسبي مع الكفر. ومنه قوله ~~أيضا: # وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن # لها خاطب إلا السنان وعامله # فالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد كما صرح ~~بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله. # وقوله: # إذا سقى الله قوما صوب غاديه # فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا # التاركين على طهر نساءهم # والناكحين بشطى دجلة البقرا # ومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج. # قالوا: ومما يدل على أن النكاح في الآية غير التزويج، أنه لو كان معنى ~~النكاح فيها التزويج لو وجب حد المتزوج بزانية، لأنه زان، والزاني يجب ~~حده. وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانية لا يحد حد الزنى، ولو كان ~~زانيا لحد حد الزنى فافهم، هذا هو حاصل حجج من ms2638 قالوا إن النكاح في الآية ~~الوطء، وأن تزويج العفيف الزانية ليس بحرام كعكسه. # وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز التزويج الزاني لعفيفة ولا عكسه ~~وهو مذهب الإمام أحمد، وقد روي عن الحسن وقتادة، واستدل أهل هذا القول ~~بآيات وأحاديث. # فمن الآيات التي استدلوا بها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي قوله ~~تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين } قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية: ~~التزويج، وقد نص الله على تحريمه في قوله { وحرم ذلك على ~~المؤمنين } قالوا: والإشارة بقوله. ذلك راجعة إلى تزويج الزاني ~~بغير الزانية أو المشركة وهو نص قرآني في تحريم نكاح الزاني لعفيفة ~~كعكسه. # ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: # والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان # [المائدة: 5] قالوا: فقوله { محصنين غير مسافحين } أي ~~أعفاء غير زناة. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية: أنه لا يجوز نكاح المسافح ~~الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب، وقوله ~~تعالى # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان # [النساء: 25]. فقوله: # محصنات غير مسافحات # [النساء: 25] أي عفائف غير زانيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية، أنهن ~~لو كن مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن. # ومن أدلة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية { ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } الآية كلها في ~~عقد النكاح وليس واحد منها في الوطء، والمقرر في الأصول أن صورة سبب ~~النزول قطعية الدخول. وأنه قد جاء في السنة ما يؤيد صحة ما قالوا في ~~الآية، من أن النكاح فيها التزويج، وأن الزاني لا يتزوج إلا زانية ~~مثله، فقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله " # وقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا: رواه ms2639 أحمد، وأبو ~~داود ورجاله ثقات. # وأما الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية: # فمنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا من المسلمين استاذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت تسافح، ~~وتشترط له أن تنفق عليه قال: فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له ~~أمرها فقرأ عليه نبي الله: { والزانية لا ينكحهآ إلا زان ~~أو مشرك } رواه أحمد. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لهذا الحديث: وقد عزاه صاحب ~~المنتقى لأحمد وحده، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضا الطبراني في ~~الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات. # ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي ~~كان يحمل الأسارى بمكة، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته، ~~قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا ~~قال: فسكت عني فنزلت { والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو ~~مشرك } فدعاني فقرأها علي، وقال: # " لا تنكحها. " # رواه أبو داود، والنسائي والترمذي. # قال الشوكاني في نيل الأوطار في كلامه على حديث عمرو بن شعيب هذا الذي ~~ذكره صاحب المنتقى، وعزاه لأبي داود والنسائي والترمذي وحديث عمرو بن ~~شعيب حسنه الترمذي وساق ابن كثير في تفسير هذه الآية الأحاديث التي ذكرنا ~~بأسانيدها وقال في حديث عمرو بن شعيب هذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود، والنسائي في كتاب ~~النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به. # قالوا: فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن النكاح في قوله { الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة } أنه التزويج لا الوطء، ~~وصورة النزول قطعية الدخول، كما تقرر في الأصول قالوا: وعلى أن المراد به ~~التزويج، فتحريم نكاح الزانية والزاني منصوص في قوله تعالى: { وحرم ~~ذلك على المؤمنين }. # وقال ابن القيم في زاد المعاد، ما نصه: وأما نكاح الزانية فقد صرح الله ms2640 ~~سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إما زان ~~أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن ~~لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو ~~زان، ثم صرح بتحريمه فقال { وحرم ذلك على المؤمنين } ~~ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى. # إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا ~~يزني بها إلا زان أو مشرك، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا، وكذلك ~~حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها، وسياقها كيف، وهو ~~سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة فقال # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان # [النساء: 25] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من ~~دلالة المفهوم، فإن الابضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ~~ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم. انتهى محل الغرض من كلام ~~ابن القيم. # وهذه الأدلة التي ذكرنا هي حجج القائلين: بمنع تزويج الزاني العفيفة ~~كعكسه، وإذا عرفت أقوال أهل العلم، وأدلتهم في مسألة نكاح الزانية ~~والزاني فهذه مناقشة أدلتهم. # أما قول ابن القيم رحمه الله: إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن ~~يصان عن مثله كتاب الله، فيرده أن ابن عباس وهو هو في المعرفة باللغة ~~العربية وبمعاني القرآن صح عنه حمل الزني في الآية على الوطء ولو كان ذلك ~~ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به ولم يخف ~~عليه أنه ينبغي أن يصان عن مثله. # وقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزنى في الآية بالوطء هو معنى صحيح. ~~انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه. # وقول ابن القيم في كلامه هذا الذي ذكرنا عنه فإن لم يلتزمه، ولم يعقتده ms2641 ~~فهو مشرك يقال فيه: نعم هو مشرك، ولكن المشرك لا يجوز له نكاح الزانية ~~المسلمة، وظاهر كلامك جواز ذلك، وهو ليس بجائز فيبقى إشكال ذكر المشرك ~~والمشركة واردا على القول بأن النكاح في الآية التزويج كما ترى. # وقول ابن القيم رحمه الله في كلامه هذا: وليس هذا من باب دلالة المفهوم ~~فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع ~~وما عداه فعلى أصل التحريم يقال فيه: إن تزويج الزانية وردت فيه نصوص ~~عامة تقتضي جوازه كقوله تعالى: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] وهو شامل بعمومه للزانية والعفيفة والزاني والعفيف. وقوله # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] فهو أيضا بعمومه لجميع من ذكر، ولذا قال سعيد بن المسيب: ~~إن آية # وأنكحوا الأيامى # الآية ناسخة لقوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية } ~~الآية. وقال الشافعي: القول في ذلك كما قال سعيد من نسخها بها. # وبما ذكرنا يتضح أن دلالة قوله # محصنات غير مسافحات # [النساء: 25] على المقصود من البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه ~~قريبا، لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلا بدليل منطوقا ~~كان أو مفعوما كما تقدم إيضاحه. # وأما قول سعيد بن المسيب، والشافعي، بأن آية { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة } منسوخة بقوله # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32] فهو مستبعد، لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه ~~لا يصح نسخ الخاص بالعام، وأن الخاص يقضي على العام مطلقا، سواء تقدم ~~نزوله عنه أو تأخر، ومعلوم أن آية # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور:32] الآية أعم مطلقا من آية { الزاني لا ينكح إلا ~~زانية } الآية، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة ~~الثلاثة المذكورين، وإنما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة رحمه ~~الله، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام، وقد يجاب عن قول سعيد، والشافعي ~~بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية، وهي أنه لم يقيد الأيامى الأحرار ~~بالصلاح، وإنما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء، ولذا قال بعد الآية ms2642 # والصالحين من عبادكم وإمائكم # [النور: 32]. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات ~~تحقيقا، لأن حمل النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة ~~والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة ~~بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج: ولا أعلم ~~مخرجا واضحا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أن أصح ~~الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته ~~في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك ~~على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، ~~وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية. وسرقوا عينه ~~التي هي ذهبه أو فضته. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافا لمن ~~زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقا، وإذا جاز ~~حمل المشترك على معنيه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج ~~معا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، ~~وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى. # وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية والمانعون لذلك أقل وقد عرفت ~~أدلة الجميع. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة. ثم زنت وهي في عصمته ~~أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، ~~وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرقا بين الدوام على نكاحها، ~~وبين ابتدائه. واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله ~~عنه، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، ~~وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ~~ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ~~ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا ms2643 عليهن سبيلا ". # قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجه والترمذي ~~وصححه، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور، ~~وحديثه في الخطبة صحيح اه. # وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله. فحمد الله وأثنى عليه وذكر ~~ووعظ، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف. # ومن الأدلة على هذا الحديث المتقدم قريبا الذي فيه: أن الرجل قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: # " طلقها فقال: نفسي تتبعها فقال أمسكها " # وبينا الكلام في سنده، وأنه في الدوام على النكاح لا في ابتداء النكاح، ~~وأن بينهما فرقا، وبه تعلم أن قول من قال: إن من زنت زوجته، فسخ نكاحها ~~وحرمت عليه خلاف التحقيق، والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثاني: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي، أنه لا يجوز نكاح ~~المرأة الحامل من الزنا قبل وضع حملها بل لا يجوز نكاحها، حتى تضع حملها. ~~خلافا لجماعة من أهل العلم قالوا: يجوز نكاحها وهي حامل، وهو مروي عن ~~الشافعي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن نكاح الرجل امرأة حاملا من غيره ~~فيه سقي الزرع بماء الغير، وهو لا يجوز ويدل لذلك قوله تعالى # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] ولا يخرج من عموم هذه الآية إلا ما أخرجه دليل يجب الرجوع ~~إليه، فلا يجوز نكاح حامل حتى ينتهي أجل عدتها، وقد صرح الله بأن الحوامل ~~أجلهن أن يضعن حملهن، فيجب استصحاب هذا العموم، ولا يخرج منه إلا ما ~~أخرجه دليل من كتاب أو سنة. # الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية والزاني إن ~~تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونويا أن لا يعودا إلى الذنب، فإن ~~نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما، ويجوز نكاح غيرهما لهما ~~بعد التوبة، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل لهذا قوله تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون ms2644 النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما # [الفرقان: 68 -70] فقد صرح جل وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر ~~معهم إن تابوا وآمنوا، وعملوا عملا صالحا يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو ~~يدل على أن التوبة من الزنا، تذهب أثره. فالذين قالوا: إن من زنا بامرأة ~~لا تحل مطلقا، ولو تابا وأصلحا فقولهم خلاف التحقيق، وقد وردت آثار عن ~~الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا، وضرب له بعض الصحابة مثلا ~~برجل سرق شيئا من بستان رجل آخر، ثم بعد ذلك اشترى البستان فالذي سرقه ~~منه حرام عليه، والذي اشتراه منه حلال له، فكذلك مانال من المرأة حراما ~~فهو حرام عليه، وما نال منها بعد التوبة والتزويج حلال له، والعلم عند ~~الله تعالى. # واعلم أن قول من رد الاستدلال بآية # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # [الفرقان: 68] الآية. قائلا: إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين يرد ~~قوله: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أوضحنا أدلته من السنة ~~الصحيحة مرارا. والعلم عند الله تعالى. # الفرع الرابع: اعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزنية، لا يلزم ~~من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثا، لأنه إنما يتزوجها ليحفظها، ~~ويحرسها. ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعا باتا بان يراقبها دائما، ~~وإذا خرج ترك الأبواب مقفلة دونها، وأوصى بها من يحرسها بعده فهو يستمتع ~~بها. مع شدة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة، وإن جرى منها شئ لا علم ~~له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شئ عليه فيه، ولا يكون به ديوثا ~~كما هو معلوم، وقد علمت مما مر أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف ~~الزانية كعكسه، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك. # والأظهر لنا في هذه المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن ms2645 يتزوج إلا عفيفة ~~صينة. للآيات التي ذكرنا والأحاديث ويؤيده حديث # " فاظفر بذات الدين تربت يداك " # والعلم عند الله تعالى. ### || [24.4-5] # قوله تعالى في هذه الآية: يرمون معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحا ~~أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه، لأنه إن كان من غير ~~أبيه كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى فيه ثلاثة أحكام: # الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة. # والثاني: عدم قبول شهادته. # والثالث: الحكم عليه بالفسق. # فإن قيل: اين الدليل من القرآن على أن معنى يرمون المحصنات في هذه ~~الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب. # فالجواب: أنه دلت عليه قرينتان من القرآن: # الأولى قوله تعالى: { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } ~~بعد قوله { يرمون المحصنات } ومعلوم أنه ليس شيء من القذف ~~يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى. ومن قال: إن اللواط حكمه حكم ~~الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط. # وقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود، كما أشرنا له غير بعيد. # القرينة الثانية: هي ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله تعالى # الزاني لا ينكح إلا زانية # [النور: 3] الآية. وقوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # [النور: 2] فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني، يدل على إحصانهن أي عفتهن عن ~~الزنى، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى، وقد قدمنا جميع المعاني ~~التي تراد بالمحصنات في القرآن، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة ~~النساء في الكلام على قوله تعالى # والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم # [النساء: 24] فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير ~~زانيات، كقوله # محصنات غير مسافحات # [النساء: 25] أي عفائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى { ~~والذين يرمون المحصنات } أي العفائف، وإطلاق المحصنات على ~~العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير: # فلا تأمنن الحي قيسا فإنهم # بنو محصنات لو تدنس حجورها # وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام ~~العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر ms2646 الباهلي: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوى رماني # فقوله رماني بأمر: يعني أنه رماه بالكلام القبيح، وفي شعر امرئ القيس أو ~~غيره: # وجرح اللسان كجرح اليد # واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات: الجهة ~~الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله: ~~{ يرمون المحصنات } هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي ~~النسب، كما أوضحناه قريبا. # الجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا ~~رماها بالزنى، ولكن الله جل وعلا بين أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى ~~خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت بالشهداء، تلاعنا، وذلك في قوله ~~تعالى: # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء ~~إلا أنفسهم # [النور: 6] الآية. # ومضمونها: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، ~~والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به، ~~فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحدة منها: أشهد بالله إني لصادق فيما ~~رميتها به من الزنى، ثم يقول في الخامسة: علي لعنة الله إن كنت كاذبا ~~عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه ~~الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات بالله تقول في كل واحدة منها: أشهد بالله ~~إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: غضب الله علي ~~إن كان صادقا فيما رماني به من الزنى، كما هو واضح من نص الآية. # الجهة الثالثة: أن الله بين هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ~~ولم يبين ما أعد له في الآخرة، ولكنه بين في هذه السورة الكريمة ما ~~أعد له في الدنيا والآخرة من عذاب الله، وذلك في قوله [النور: 23 ~~2425] وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهن ~~الكريمة. # ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن ~~سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس ms2647 ~~فيهن دهاء ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ~~ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من ~~أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحا لها لاذما، ~~ومنه قول حسان رضي الله عنه: # نفج الحقيبة بوصها متنضد # بلهاء غير وشيكة الإقسام # وقول الآخر: # ولقد لهوت بطلفة ميالة # بلهاء تطلعني على أسرارها # وقول الآخر: # عهدت بها هندا وهند غريرة # عن الفحش بلهاء العشاء نؤم # رداح الضحى ميالة بحترية # لها منطق يصبي الحليم رخيم # والظاهر أن قوله تعالى # لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون # [النور: 2324] محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن تابوا وأصحلوا، لم ~~ينلهم شيء من ذلك الوعيد، ويدل له قوله تعالى { والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } [النور: ~~4] إلى قوله { إلا الذين تابوا } [النور: 5]. # وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة ~~نصوحا تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة ~~من أجلاء المفسرين إن آية { والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهدآء } التي جعل الله فيها التوبة ~~بقوله { إلا الذين تابوا } عامة، وأن آية # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة # [النور: 23] الآية. خاصة بالذين رموا عائشة رضي الله عنها أو غيرها من ~~خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق. # والعلم عند الله تعالى. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة، ~~لأن ذلك هو صريح قوله { والذين يرمون المحصنات } وقد أجمع ~~جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث، أو الإناث ~~للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية، من قذف الذكور للإناث، للجزم ~~بنفي الفارق بين الجميع. # وقد قدمنا إيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير ms2648 من نظائره ~~في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78] الآية. # المسألة الثانية: اعلم أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة ~~أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنه لجميعها ~~إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، خلافا لأبي حنيفة القائل: برجوع ~~الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود ~~بقوله: # وكل ما يكون فيه العطف # من قبل الاستثنا فكلا يقفو # دون دليل العقل أو ذي السمع # والحق الافتراق دون الجمع # ولذا لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين، وبني زهرة، ~~وبني تميم إلا الفاسق منهم، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع ~~الاستثناء للجميع، خلافا لأبي حنيفة القائل: برجوعه للأخيرة، فلا يخرج ~~عنده إلا فاسق الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه ~~الآية، إلا للجملة الأخيرة التي هي { وأولئك هم الفاسقون ~~إلا الذين تابوا } فقد زال عنهم الفسق ولا يقول: ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: إن شهادة ~~القاذف لا تقبل أبدا، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع ~~الاستثناء عنده للجملة الأخيرة. # وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، ~~وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقال الشعبي ~~والضحاك: لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير. # وقال جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع ~~أيضا لقوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } وأن القاذف ~~إذا تاب وأصلح قبلت شهادته. أما قوله { فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة } فلا يرجع له الاستثناء، لأن القاذف إذا تاب وأصلح، لا يسقط ~~عنه حد القذف بالتوبة. # فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله { وأولئك هم ~~الفاسقون } يرجع لها الاستثناء بلا خلاف، وأن الجلمة الأولى التي هي ~~{ فاجلدوهم ثمانين جلدة } لا يرجع له الاستثناء في قول ~~عامة أهل العلم، ولم يخالف إلا من ms2649 شذ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله { ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } يرجع لها الاستثناء في قول ~~جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في ~~كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة ~~الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض ~~المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من ~~الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف، ولا ~~يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل. # وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] الآية. # وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالا على ما ~~ذكرنا أنه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها ~~الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدل ذلك على أن ~~رجوعه لما قبله ليس شيئا مطردا. # ومن أمثلة ذلك قوله تعالى # فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا # [النساء: 92]، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط، لأن المطالبة ~~بها تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعا، لأن تصدق ~~مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ. # ومن أمثلة ذلك آية النور هذه، لأن الاستثناء في قوله: { إلا ~~الذين تابوا } لا يرجع لقوله: { فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة } كما ذكرنا آنفا. # ومن أمثلة ذلك قوله تعالى # فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق # [النساء: 89-90]، فالاستثناء في قوله: { إلا الذين يصلون ~~إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } لا يرجع إلى الجملة ~~الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه أعني قوله تعالى { ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } إذ لا يجوز اتخاذ ولي ~~ولا نصير من الكفار، ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وهذا لا خلاف ~~فيه بل الاستثناء راجع إلى الجملتين الأوليين أعني قوله ms2650 تعالى { ~~فخذوهم واقتلوهم } [النساء: 89]، أي فخذوهم بالأسر، واقتلوهم ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا ~~قتلهم، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما ~~اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ~~هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر. ~~وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم ~~الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز، تبين أنه لم يلزم رجوعه للجميع، ولا ~~إلى الأخيرة، وأن الأظهر الوقف حتى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله ~~بدليل، ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة، كان ظاهرا في رجوعه ~~للجميع. # وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب، ولذلك اختصرناه هنا. # والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة: اعلم أن من قذف إنسانا بغير الزنى أو نفي النسب كأن ~~يقول له: يا فاسق، أو آكل الربى، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير، ~~وذلك بما يراه الإمام رادعا له، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء ~~في ذلك من جهة الشرع. وقال بعض أهل العلم: لا يبلغ بالتعزير قدر الحد. ~~وقال بعض العلماء: إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعا ~~مطلقا. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الرابعة: اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حرا يجلد ~~أربعين، لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى. قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود، ~~وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة بن ذؤيب: يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد ~~عبدا قذف حرا ثمانين، وبه قال الأوزاعي، واحتج الجمهور بقوله تعالى # فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب # [النساء: 25] وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى لله، وأنه ربما كان ~~أخف فيمن قلت نعم الله عليه. وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه. # وأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على ms2651 عرض المقذوف، والجناية لا ~~تختلف بالرق والحرية، وربما قالوا لو كان يختلف لذكر كما في الزنى. # قال ابن المنذر: والذي عليه علماء الأمصار القول الأول وبه أقول. انتهى ~~كلام القرطبي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا: أن العبد ~~إذا قذف حرا جلد ثمانين لا أربعين، وإن كان هذا مخالفا لجمهور أهل ~~العلم، وإنما استظهرنا جلده ثمانين، لأن العبد داخل في عموم: { ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } ولا يكمن إخراجه من هذا العموم، ~~إلا بدليل ولم يرد دليل يخرج العبد من هذا العموم لا من كتاب ولا من سنة، ~~ولا من قياس، وإنما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى وألحق ~~العلماء بها العبد بجامع الرق، والزنى غير القذف. # أما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه. # وأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق، لأن القذف جناية ~~على عرض إنسان معين، والردع عن الأعراض حق للآدمي فيردع العبد كما يردع ~~الحر، والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # قد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل # [المائدة: 32] الآية. أن الحر إذا قذف عبدا لا يحد له، وذلك ثابت في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال " # اه. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: # " أقيم عليه الحد يوم القيامة " # يدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا وهو كذلك، وهذا لا نزاع فيه ~~بين من يعتد به من أهل العلم. # قال القرطبي: قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك ~~واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى، ~~ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص لكل واحد من صاحبه ~~إلا أن يعفو المظلوم انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. # المسألة الخامسة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أنه إذا صرح ms2652 في قذفه له ~~بالزنى كان قذفا ورميا موجبا للحد، وأما إن عرض ولم يصرح بالقذف، وكان ~~تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد قذفه، كقوله: أما أنا فلست بزان، ولا ~~أمي بزانية، أو ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنى، أو يا حلال بن ~~الحلال، أو نحو ذلك. # فقد اختلف أهل العلم: هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف، وإن لم ~~يصرح أو لا يحد حتى يصرح بالقذف تصريحا واضحا لا احتمال فيه؟ فذهب ~~جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد، ولو فهم منه إرادة ~~القذف، إلا أن يقر أنه أراد به القذف. # قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول هو رواية حنبل عن الإمام أحمد، وهو ~~ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، ~~وقتادة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، واحتج ~~أهل هذا القول بكتاب وسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النسآء # [البقرة: 235]، ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة، والتعريض قالوا: ولم ~~يفرق الله بينهما في كتابه، إلا لأن بينهما فرقا، ولو كانا سواء لم يفرق ~~بينهما في كتابه. # وأما السنة: فالحديث المتفق عليه، الذي قدمناه مرارا # " في الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن امرأتي ولدت ~~غلاما أسود وهو تعريض بنفيه، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~قذفا، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل ألك إبل؟ قال نعم: قال: فما ~~ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا قال: ومن ~~أين جاءها ذلك؟ قال لعل عرقا نزعه قال: وهذا الغلام الأسود لعل غرقا ~~نزعه " # قالوا: ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين ~~لم يكن قذفا هذا هو حاصل حجة من قالوا: بأن التعريض بالقذف، لا يوجب ~~الحد وإنما يجب الحد بالتصريح بالقذف. # وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم: إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، ~~وهو مذهب مالك وأصحابه، ms2653 وقال ابن قدامة في المغني: وروى الأثرم وغيره، عن ~~الإمام أحمد أن عليه الحد يعني المعرض بالقذف، قال: وروي ذلك عن عمر رضي ~~الله عنه، وبه قال إسحاق إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في ~~التعريض. # اه. # واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي، قال: والدليل لما قاله ~~مالك: هو أن موضوع الحد في القذف، إنما هو لأزالة المعرة التي أوقعها ~~القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفا كالتصريح ~~والمعول على الفهم، وقد قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب أنهم قالوا له: # إنك لأنت الحليم الرشيد # [هود: 87] أي السفينه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد ~~التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود، وقال تعالى في أبي جهل # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم: إنهم قالوا: # يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا # [مريم: 28] فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم ~~بذلك ولذلك قال تعالى: # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # [النساء: 156] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان ~~أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا: أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا ~~الولد، وقال تعالى: # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله ~~وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، ~~وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما ~~يفهم من صريحه اه. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإيضاح ~~المراد. # وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض ~~آيات قرآنية، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته، وذكر أن من أدلتهم أن ~~المعرة اللاحقة للمقذوف صريحا تلحقه بالتعريض له بالقذف، ولذلك يلزم ~~استواؤهما، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم، والتعريض يفهم منه ~~القذف فيلزم ms2654 أن يكون كالصريح. # ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض ~~الخلفاء الراشدين. قال ابن قدامة في المغني: لأن عمر رضي الله عنه حين ~~شاورهم في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية: فقالوا: قد مدح ~~أباه وأمه:فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان ~~يجلد الحد في التعريض. وروى الأثرم: أن عثمان رضي الله عنه جلد رجلا قال ~~لآخر: يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه، والوذر: عذر اللحم يعرض له ~~بكمر الرجال وانظر أسانيد هذه الآثار. # ومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد ~~محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق ~~بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى ~~القذف، فلا شك في أنه لا يكون قذفا. # انتهى من المغني. # ثم قال صاحب المغني: وذكر أبو بكر عبد العزيز: أن أبا عبد الله رجع عن ~~القول بوجوب الحد في التعريض، يعني بأبي عبد الله الإمام أحمد رحمه الله. ~~وقال القرطبي رحمه الله: وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون ومثل هذا كثير، ومنه قول ~~الحطيئة أو النجاشي: # قبيلة لا يخفرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح، وقال: ليت آل ~~الخطاب كانوا كذلك ولما قال الشاعر بعد ذلك: # ولا يردون الماء إلا عشية # إذا صدر الوراد عن كل منهل # قال عمر أيضا: ليت آل الخطاب كانوا كذلك، فظاهر هذا الشعر يشبه المدح، ~~ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته، لأن عنده مدح وصاحبه ~~يريد الذم بلا نزاع، ويدل على ذلك أول شعره وآخره، لأن أول الأبيات قوله: # إذا الله عادى أهل لؤم وذلة # فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل ms2655 # قبيلة لا يخفرون... # وفي آخر شعره: # وما سمى العجلان إلا لقوله # خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # وكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه. وقول الحطيئة: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي، كما ذكره بعض المؤرخين، وما ذكره ~~القرطبي رحمه الله في الكلام الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي ~~قالوه على مريم: هو تعريضهم لها بقوله # ما كان أبوك امرأ سوء # [مريم: 28] الآية لا يتعين بانفراده، لأن الله جل وعلا ذكر عنهم أنهم ~~قالوا لها غير ذلك وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي وذلك في ~~قوله تعالى: # فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا # [مريم: 27] فقولهم لها { لقد جئت شيئا فريا } في وقت ~~مجيئها بالولد تحمله ظاهر جدا في إرادتهم قذفها كما ترى، والكلام الذي ~~ذكر ابن قدامة: أن عثمان جلد الحد فيه وهو قول الرجل لصاحبه: يا بن شامة ~~الوذرة. قال فيه الجوهري في صحاحه: الوذرة بالتسكين الغدرة، وهي القطعة ~~من اللحم إذا كانت مجتمعة، ومنه قولهم: يا بن شامة الوذرة وهي كلمة قذف ~~وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم: يا بن ملقي أرحل الركبان، ~~أو يا بن ذات الرايات ونحوها، والجمع وذر مثل تمرة وتمر. اه. من صحاح ~~الجوهري. # والشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه. وقال صاحب اللسان: وفي حديث عثمان ~~رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فحده وهو من ~~سباب العرب وذمهم، وإنما أراد يا ابن شامة المذاكير يعنون الزنا، كأنها ~~كانت تشم كمرا مختلفة فكنى عنه، والذكر قطعة من بدن صاحبه، وقيل: أرادوا ~~بها القلف جمع قلفة الذكر، لأنها تقطع. # انتهى محل الغرض من لسان العرب. وهذا لا يتضح منه قصد الزنا ولم أر من ~~أوضح معنى شامة الوذر إيضاحا شافيا، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر ~~المعهود الواضح. # والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض ~~لها ms2656 بالزنا بسفاد الحيوانات، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد ~~الأنثى شم فرجها،واستنشق ريحه استنشاقا شديدا، ثم بعد ذلك ينزوا عليها ~~فيسافدها فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من ~~الحيوانات فرج أثناه، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة، فكنوا ~~عن المواقعة بشم المذاكير، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة، لأنه قطعة من ~~بدن صاحبه كقطعة اللحم، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر، ~~حتى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع والعلم عند الله تعالى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم، ~~وحججهم في التعريض بالقذف، هل يلزم به الحد أو لا يلزم به. # وأظهر القولين عندي: أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهما ~~واضحا من القرائن أن صاحبه يحد، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ~~ما يفهم منه ذلك فهما واضحا، لئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ ~~التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا والظاهر أنه على قول من قال من أهل ~~العلم: إن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف ~~للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض. والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة: قال القرطبي في تفسيره: الجمهور من العلماء على أنه لا ~~حد على من قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم، وقال الزهري، وسعيد بن ~~المسيب، وابن أبي ليلى عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم، وفيه قول ~~ثالث: وهو أنه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد. قال ابن المنذر: ~~وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحدا، ولا لقيته ~~يخالف في ذلك، وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون ~~جلدة. لا أعلم. في ذلك خلافا، انتهى منه. # المسألة السابعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي في مسألة ما لو قذف ~~رجل رجلا فقال آخر: صدقت أن المصدق قاذف فتجب إقامة الحد عليه، لأن ~~تصديقه للقاذف قذف خلافا لزفر ومن وافقه. ms2657 # وقال ابن قدامة في المغني: ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفا ~~سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه، وبه قال الشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي. ~~وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر، وبه قال ~~مالك، وعطاء ونحوه عن الزهري، لأنه أخبر بزناه. # اه. منه. # وأظهر القولين عندي: أنه لا يكون قاذفا ولا يحد، لأنه حكى عن غيره ولم ~~يقل من تلقاء نفسه، ويحتمل أن يكون صادقا، وأن الذي أخبره أنكر بعد ~~إخباره إياه كما لو شهد على رجل أنه قذف رجلا وأنكر المشهود عليه، فلا ~~يكون الشاهد قاذفا. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثامنة: أظهر قولي أهل العلم عندي فيمن قذف رجلا بالزنى، ولم ~~يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف أن الحد يسقط عن قاذفه، لأنه تحقق بزناه ~~أنه غير محصن، ولو كان ذلك لم يظهر إلا بعد لزوم الحد للقاذف، لأنه قد ~~ظهر أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على من قذفه، فلا يحد لغير عفيف ~~اعبتارا بالحالة التي يراد أن يقام فيها الحد، فإنه في ذلك الوقت ثبت ~~عليه أنه غير عفيف. # وهذا الذي استظهرنا عزاه ابن قدامة، لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي والقول ~~بأنه يحد هو مذهب الإمام أحمد. # قال صاحب المغني: وبه قال الثوري، وأبو ثور، والمزني، وداود. واحتجوا ~~بأن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب. # والأظهر عندنا هو ما قدمنا، لأنه تحقق أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على ~~قاذفه، فلا يحد لمن تحقق أنه غير عفيف. # وإنما وجب الحد قبل هذا، لأن عدم عفته كان مستورا، ثم ظهر قبل إقامة ~~الحد. والعلم عند الله تعالى. # المسألة التاسعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: يا ~~من وطئ بين الفخذين، أنه ليس بقذف، ولا يحد قائله، لأنه رماه بفعل لا يعد ~~زنا إجماعا، خلافا لابن القاسم من أصحاب مالك القائل: بوجوب الحد ~~زاعما أنه تعريض به. والعلم عند الله تعالى. # المسألة العاشرة: ms2658 اعلم أن حد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب ~~المقذوف إقامة الحد عليه، لأنه حق له، ولم يكن للقاذف بينة على ما ادعى ~~من زنا المقذوف، لأن الله يقول: { ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهدآء } ومفهوم الآية: أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه ~~المقبول شرعا أنه لا حد عليه، وإنما يثبت بذلك حد الزنا على المقذوف، ~~لشهادة البينة، ويشترط لذلك أيضا عدم إقرار المقذوف، فإن أقر بالزنا، ~~فلا حد على القاذف. وإن كان القاذف زوجا اعتبر في حده حد القذف امتناعه ~~من اللعان. قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافا في هذا كله ثم قال: وتعتبر ~~استدامة الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط، وبهذا قال ~~الشافعي، وأبو ثور. وقال الحسن وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم ~~يسقط بالعفو كسائر الحدود. ولنا أنه حد لا يستوفي إلا بعد مطالبة الآدمي ~~باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص، وفارق سائر الحدود. # فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، وحد السرقة إنما تعتبر فيه ~~المطالبة بالمسروق لا باستيفاء الحد، ولأنهم قالوا تصح دعواه، ويستحلف ~~فيه، ويحكم الحاكم فيه بعلمه، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف. فدل على ~~أنه حق الآدمي. اه من المغني، وكونه حقا لآدمي هو أحد أقوال فيه. # قال أبو عبد الله القرطبي: واختلف العلماء في حد القذف، هل هو من حقوق ~~الله، أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما؟ # الأول: قول أبي حنيفة. # والثاني: قول مالك والشافعي. # والثالث: قاله بعض المتأخرين. # وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام اقامه وإن لم يطلب ~~ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطر فيه ~~الحد بالرق كالزنا، وإن كان حقا للآدمي، فلا يقيمة الإمام إلا بمطالبة ~~المقذوف، ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف اه كلام ~~القرطبي. # ومذهب مالك وأصحابه كأنه مبني على القول الثالث، وهو أن الحد يسقط بعفو ~~المقذوف قبل بلوغ الإمام، فإن بلغ الإمام، فلا ms2659 يسقطه عفوه إلا إذا ادعى ~~أنه يريد بالعفو الستر على نفسه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن القذف حق للآدمي وكل حق ~~للآدمي فيه حق الله. # وإيضاحه: أن حد القذف حق للآدمي من حيث كونه شرع للزجر عن عرضه، ~~ولدفع معرة القذف عنه. فإذا تجرأ عليه القاذف انتهك حرمة عرض المسلم، ~~فكان للمسلم عليه حق بانتهاك حرمة عرضه، وانتهك أيضا حرمة نهى الله عن ~~وقوعه في عرض مسلم، فكان لله حق على القاذف بانتهاكه حرمة نهيه، وعدم ~~امتثاله، فهو عاص لله مستحق لعقوبته، فحق الله يسقط بالتوبة النصوح، وحق ~~المسلم يسقط بإقامة الحد، أو بالتحلل منه. # والذي يظهر على هذا التفصيل أن المقذوف إذا عفا وسقط الحد بعفوه أن ~~للإمام تعزير القاذف لحق الله. والله جل وعلا أعلم. # المسألة الحادية عشرة: قال القرطبي: إن تمت الشهادة على الزاني بالزنا ~~ولكن الشهود لم يعدلوا، فكان الحسن البصري، والشعبي يريان ألا حد على ~~الشهود، ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، والنعمان، ومحمد بن الحسن. # وقال مالك: وإذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطا عليه أو ~~عبدا يجلدون جميعا. وقال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق في أربعة عميان ~~يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون، فإن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود ~~عليه في الزنى، فقالت طائفة: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين، وكذلك ~~قال قتادة، وحماد، وعكرمة، وأبو هاشم، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال ~~الشافعي: إن قال عمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار إن شاءوا قتلوا، وإن ~~شاءوا عفوا، وأخذوا ربع الدية وعليه الحد. وقال الحسن البصري: يقتل وعلى ~~الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: إذا قال أخطأت، وأردت غيره ~~فعليه الدية كاملة، وإن قال تعمدت قتل، وبه قال ابن شبرمة اه كلام ~~القرطبي. # وقد قدمنا بعضه. # وأظهر الأقوال عندي: أنهم إن لم يعدلوا حدوا كلهم لأن من أتى بمجهول ~~غير معروف العدالة كمن لم يأت بشيء وأنه إن أقر بأنه تعمد الشهادة عليه، ~~لأجل أن يقتل يقتص منه. وإن ms2660 ادعى شبهة في رجوعه يغرم قسطه من الدية، ~~والقول بأنه يغرم الدية كاملة له وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثانية عشرة: قال القرطبي: قال مالك، والشافعي من قذف من يحسبه ~~عهدا فإذا هو حر فعليه الحد، وقاله الحسن البصري، واختاره ابن المنذر، ~~ومن قذف أم الولد حد. وروي عن ابن عمر. وهو قياس قول الشافعي، وقال الحسن ~~البصري: لا حد عليه. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما حده في قذف أم الولد، فالظاهر أنه ~~لا يكون إلا بعد موت سيدها، وعتقها من رأس مال مستولدها، أما قبل ذلك فلم ~~تتحقق حريتها بالفعل، ولا سيما على قول من يجيز بيعها من العلماء. ~~والقاذف لا يحد بقذف من لم يكن حرا حرية كاملة فيما يظهر، وكذلك لو قيل: ~~إن من قذف من يظنه عبدا، فإذا هو حر لا يجب عليه الحد لأنه لم ينو قذف ~~حر، وإنما نوى قذف عبد لكان له وجه من النظر؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى، ولأن المعرة تزول عن المقذوف بقول القاذف: ما قصدت قذفك ولا ~~أقول: إنك زان، وإنما قصدت بذلك من كنت أعتقده عبدا فأنت عفيف في نظري، ~~ولا أقول فيك إلا خيرا والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن قذف جماعة بكلمة ~~واحدة أو بكلمات متعددة، أو قذف واحدا مرات متعددة. وقد قدمنا خلاف أهل ~~العلم، فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة في الكلام على آيات الحج. # قال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإذا قذف الجماعة بكلمة ~~واحدة، فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، ما نصه: وبهذا قال طاوس ~~والشعبي: والزهري، والنخعي، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة ~~وصاحباه، وابن أبي ليلى وإسحاق. وقال الحسن وأبو ثور، وابن المنذر: لكل ~~واحد حد كامل، وعن أحمد مثل ذلك، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه هذا ~~أنه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات، ولنا قول ms2661 ~~الله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة }: [النور: ~~4] ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا ~~امرأة، فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد ~~واحد كما لو قذف واحدا، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف ~~بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف، وتزول المعرة، فوجب أن يكتفي به ~~بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا منفردا، فإن كذبه في قذف لا يلزم منه ~~كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا، ~~فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد، لأن الحق ثابت لهم ~~على سبيل البدل، فأيهم طالب به استوفى، وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق ~~المرأة على أوليائها في تزويجها، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن ~~أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به، واستيفاؤه لأن المعرة لم تزل عنه بعفو ~~صاحبه، وليس للعافي الطلب به، لأنه قد أسقط حقه. # وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى، أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحد ~~واحد، وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه لم يقم حتى طلبه الكل فحد ~~واحد، وإن طلبه واحد فأقيم له، ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم وهذا ~~قول عروة، لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه، وقع استيفاؤه لجميعهم. وإذا طلبه ~~واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم، ~~سقاطهم، وإن قدف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي، ~~وقتادة، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة والشافعي. وقال حماد ومالك: لا يجب ~~إلا حد واحد، لأنها جناية توجب حدا، فإذا تكررت كفى حد واحد، كما لو سرق ~~من جماعة أو زنى بنساء، أو شرب أنواعا من المسكر، ولنا أنها حقوق ~~لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص، وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق الله ~~تعالى إلى أن قال: وإن قذف رجلا مرات فلم يحد فحد ms2662 واحد رواية واحدة، ~~سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت، فإن ~~قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل ~~العلم، وحكي عن ابن القاسم: أنه أوجب حدا ثانيا، وهذا يخالف إجماع ~~الصحابه، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ~~ثانيا فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال: شهد على المغيرة بن ~~شعبة ثلاثة نفر أنه زان، فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع ~~المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فامر بجلدهم فجلدوا، ~~وقال شهود زور. فقال أبو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمه؟ ~~قال: نعم. والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة: وأنا أشهد أنه زان، فأراد أن ~~يعيد عليه الحد فقال علي يا أمير المؤمنين: إنك إن أعدت عليه الحد، أوجبت ~~عليه الرجم. # وفي الحديث آخر: فلا يعاد في فرية جلد مرتين. قال الأثرم: قلت لأبي عبد ~~الله قول علي: إن جلدته فأرجم صاحبك، قال: كأنه جعل شهادته شهادة رجلين: ~~قال أبو عبد الله: وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ~~ثم قال يقول: إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر، فأما إن حد له ~~وقذفه بزنا ثان نظرت، فإن قذفه بعد طول الفصل فحد ثان، لأنه لا يسقط ~~حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال، وإن ~~قذفه عقيب حده ففيه روايتان. # إحداهما: يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد، فيلزم فيه حد كما لو ~~طال الفصل، ولأن سائر أسباب الحد، إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني ~~حكمه، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب. # والثانية: لا يحد، لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو ~~قذفه بالزنا الأول. انتهى من المغني، وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم، ~~فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات قذف واحدا ms2663 مرات. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسائل لم نعلم فيها نصا من كتاب ~~ولا سنة. # والذي يظهر لنا فيها والله تعالى أعلم: أن من قذف جماعة بكلمة واحدة ~~فعليه حد واحد، لأنه يظهر به كذبه على الجميع وتزول به المعرة عن الجميع، ~~ويحصل شفاء الغيظ بحده للجميع. # والأظهر عندنا فيمن رمى جماعة بكلمات: أنه يتعدد عليه الحد، بعدد ~~الكلمات التي قذف بها، لأنه قذف كل واحد قذفا مستقلا لم يشاركه فيه ~~غيره وحده لبعضهم ولا يظهر به كذبه على الثاني الذي قذفه بلفظ آخر، ولا ~~تزول به عنه المعرة. وهذا إن كان قذف كل واحد منهم قذفا مفردا لم يجمع ~~معه غيره لا ينبغي أن يختلف فيه، والأظهر أنه إن قذفهم بعبارات مختلفة ~~تكرر عليه الحد بعددهم، كما اختاره صاحب المغني. # والأظهر عندنا: أنه إن كرر القذف لرجل واحد قبل إقامة الحد عليه يكفي ~~فيه حد واحد، وأنه إن رماه بالزنا بعد حده للقذف الأول بعد طول حد أيضا، ~~وإن رماه قرب زمن حده بعين الزنا الذي حد له لا يعاد عليه الحد، كما حكاه ~~صاحب المغني في قصة أبي بكرة والمغيرة بن شعبة، وإن كان القذف الثاني غير ~~الأول. كأن قال في الأول: زينب بأمرأة بيضاء، وفي الثاني قال: بامرأة ~~سوداء، فالظاهر تكرره والعلم عند الله تعالى. # وعن مالك رحمه الله في المدونة: إن قذف رجلا فلما ضرب أسواطا قذفه ~~ثانيا أو آخر ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه ولا يعتد بما مضى من ~~السياط. # المسألة الرابعة عشرة: الظاهر أن من قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية ~~لا حد عليه لأنه لم يعين واحدا فلم تلحق المعرة واحدا منهم، فإن طلبوا ~~إقامة الحد عليه جميعا لا يحد، لأنه لم يرم واحدا منهم بعينه، ولم يعر ~~من أراد بكلامه. # نقله المواق عن الباجي عن محمد بن المواز، ووجهه ظاهر كما ترى. واقتصر ~~عليه خليل في مختصرة في قوله عاطفا على ما لا حد فيه. أو ms2664 قال لجماعة: ~~أحدكم زان. # وقال ابن قدامة في المغني: واذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه ~~رجل، فلا حد عليه، في قول أحد من أهل العلم. وكذلك إن اختلف رجلان في شيء ~~فقال أحدهما الكاذب: هو ابن الزانية، فلا حد عليه نص عليه أحمد، لأنه لم ~~يعين أحدا بالقذف، وكذلك ما أشبه هذا ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في ~~قذفهم، مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنى كلهم، لم يكن عليه حد، لأنه لم ~~يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه. انتهى منه. # المسألة الخامسة عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندنا فيمن قال ~~لرجل: أنت أزنى من فلان. فهو قاذف لهما، وعليه حدان، لأن قوله أزنى صيغة ~~تفضيل، وهي تدل على اشتراك المفضل، والمفضل عليه في أصل الفعل، إلا أن ~~المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة ~~في صيغة التفضيل: أنت وفلان زانيان، ولكنك تفوقه في الزنى، وكون هذا ~~قذفا لهما واضح كما ترى، وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أن يحد ~~للمخاطب فقط، دون فلان المذكور، لا ينبغي أن يعول عليه، وكذلك ما عزاه ~~ابن قدامة للشافعي، وأصحاب الرأي من أنه ليس بقذف للأول، ولا للثاني إلا ~~أن يريد به القذف كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه، لأن صيغة أنت ~~أزنى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة، لا إشكال فيها. # وقال ابن قدامة في المغني محتجا للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة: أنه لا ~~حد على الثاني: ما نصه: والثاني يكون قذفا للمخاطب خاصة لأن لفظه افعل ~~قد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول الله تعالى: # أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى # [يونس: 35] وقال تعالى: # فأي الفريقين أحق بالأمن # [الأنعام: 81] وقال لوط: # بناتي هن أطهر لكم # [هود: 78] أي من أدبار الرجال، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه ~~كما أنه هو ساقه، ولم يعول عليه. # وحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التفضيل قد ms2665 ترد مرادا بها مطلق الوصف، ~~لا حصول التفضيل بين شيئين، ومثل له هو بكلمة: أحق أن يتبع وكلمة: أحق ~~بالأمن، وكلمة: أطهر لكم، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق ~~الوصف لا للتفضيل. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق ~~الوصف كما هو معلوم، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني، ولكنها ~~لا تحمل على غير التفضيل، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر ~~معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل، لأن الأصنام لا نصيب لها من ~~أحقية الاتباع أصلا في قوله: # أحق أن يتبع أمن لا يهدي # [يونس: 35] ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار ~~الرجال لا نصيب لها في الطهارة. # ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضا قوله تعالى: # وهو أهون عليه # [الروم: 27] أي هين سهل عليه، وقول الشنفرى: # وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن # بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل # أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي عزيزة طويلة. وقول معن بن أوس: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # أي لوجل. وقول الأحوص بن محمد الأنصاري: # أني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # أي لمائل. وقول الآخر: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي بواحد. وقال الآخر: # لعمرك إن الزبرقان لباذل # لمعروفه عند السنين وأفضل # أي وفاضل. إلى غير ذلك من الشواهد، ولكن قدمنا أنها لا تحمل على مطلق ~~الوصف، إلا لدليل خارج، أو قرينة واضحة تدل على ذلك. # وقوله له: أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة، ولا دليل صارف لصيغة ~~التفضيل، عن أصلها، فوجب إبقاؤها على أصلها، وحد القاذف، لكل واحد منهما ~~والإتيان بلفظة من في قوله: أنت أزنى من فلان، يوضح صراحة الصيغة في ~~التفضيل، والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة عشر: اعلم أنه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى، ms2666 ولا رمي ~~ولدها بأنه ابن زنى، ومن رمى أحدهما فعليه الحد، وهذا لا ينبغي أن يختلف ~~فيه، لأنه لم يثبت عليها زنى، ولا على ولدها أنه ابن زنى، وإنما انتفى ~~نسبه عن الزوج بلعانه. # وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عباد بن ~~منصور عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة ~~الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى ~~بعينه وسمع بأذنه الحديث وفيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ~~وقضى ألا يدعي ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ~~ولدها فعليه الحد إلى آخر الحديث. وفي هذا الحديث: التصريح بأن من رماها ~~أو رمى ولدها فعليه الحد. # واعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ~~ملاعنة: لست لأبيك الذي لاعن أمك، فعليه الحد خلاف التحقيق، لأن الزوج ~~الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان، فنفيه عنه حق مطابق للواقع، ولذا ~~لا يتوارثان ومن قال كلاما حقا، فإنه لا يستوجب الحد بذلك، كما لو قال ~~له: يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة أو يابن من لوعنت، وإنما يجب الحد ~~على قاذفه فيما لو قال له: أنت ابن زنى ونحوها من صريح القذف، والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة السابعة عشرة: في حكم ما لو قال لرجل يا زانية بتاء الفرق، أو ~~قال لامرأة يا زاني بلا تاء. قال ابن قدامة في المغني. هو قذف صريح لكل ~~منهما قال: واختار هذا أبو بكر، وهو مذهب الشافعي، واختار ابن حامد أنه ~~ليس بقذف إلا أن يفسره، وهو قول أبي حنيفة، لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا ~~زانية أي يا علامة في الزنا. كما يقال للعالم: علامة، ولكثير الرواية ~~راوية ولكثير الحفظ حفظة، ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا ~~للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ ms2667 خطاب ~~لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث ~~وحذفها، ولذلك لو قال للمرأة: يا شخصا زانيا، وللرجل: يا نسمة زانية ~~كان قاذفا. وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإنما كان ~~اسما للفعل، إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حفظة للمبالغ في ~~الحفظ وراوية للمبالغ في الرواية، وكذلك همزة لمزة وصرعة، ولأن كثيرا من ~~الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا ~~بما يراد باللفظ الصحيح. انتهى كلام صاحب المغني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا ~~زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنه يلزمه ~~الحد. # وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ~~يكون عاميا، لا يعرف العربية أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان ~~عاميا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ~~ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالما باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف ~~الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصا. # وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14]، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي الله عنه: # منع النوم بالعشاء الهموم # وخيال إذا تغار النجوم # من حبيب أصاب قلبك منه # سقم فهو داخل مكتوم # ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده: # لم تفتها شمس النهار بشيء # غير أن الشباب ليس يدوم # وقول كثير: # لئن كان يرد الماء هيمان صاديا # إلى حبيبا إنها لحبيب # ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي: # ولكن ليلى أهلكتني بقولها # نعم ثم ليلى الماطل المتبلح # يعني ليلى الشخص الماطل المتبلح. # وقول عمرة بن حزام العذري: # وعفراء أرجى الناس عندي مودة # وعفراء عني المعرض المتواني # أي الشخص المعرض. # وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت ~~أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، ms2668 ~~وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف كقوله: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن من رمى رجلا قد ثبت عليه الزنى سابقا ~~أو امرأة، قد ثبت عليها الزنى سابقا ببينة، أو إقرار، فلا حد عليه، لأنه ~~صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى، ويدل لهذا مفهوم المخالفة في ~~قوله { والذين يرمون المحصنات } الآية. فهو يدل بمفهومه ~~أن من رمى غير محصنة لا حد عليه، وهو كذلك، ولكنه يلزم تعزيره، لأنه رماه ~~بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقا مباحا لكل من ~~شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى. # المسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الإنسان إذا كان مشركا وزنى في شركة أو ~~كان مجوسيا، ونكح أمه أو ابنته مثلا في حال كونه مجوسيا، ثم أسلم بعد ~~ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات: # الأولى: أن يقول له: يا من زنى في أيام شركه أو يا من نكح أمه مثلا في ~~أيامه مجوسيا، وهذه الصورة لا حد فيها لأن صاحبها أخبر بحق والإسلام ~~يجب ما قبله. # الثانية: أن يقول له: يا من زنى بعد إسلامه أو نكح أمه بعد إسلامه، ~~فعليه الحد كما لا يخفى. # الثالثة: أن يقول له: يا زاني، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه، أو بعده ~~فإن فسره بأنه أراد أنه زنى بعد إسلامه، فعليه الحد، وإن قال: أردت بذلك ~~زناه في زمن شركه، فهل يقبل منه هذا التفسير، ويسقط عنه الحد، أو لا يقبل ~~ذلك منه، ويقام عليه الحد. اختلف العلماء في ذلك، وممن قال بأنه يحد ولا ~~يلتفت إلى تفسيره ذلك: مالك وأصحابه، وصرح به الخرقي من الحنابلة. وقال ~~ابن قدامة في المغني: لا حد عليه، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول ~~الخرقي: ومن قذف من كان مشركا وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى ~~قوله، وحد القاذف إذا طلب المقذوف، وكذلك من كان عبدا. انتهى. # المسألة العشرون: ms2669 اعلم أن من قذف بنتا غير بالغ بالزنى، أو قذف به ~~ذكرا غير بالغ فقد اختلف أهل العلم، هل يجب على القاذف الحد أو لا يجب ~~عليه؟ وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها: إذا ~~رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قاذفا عند مالك. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف، لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها ويعزر. ~~قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، ~~وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لأن القاذف كشف ~~ستره بطرف فلزمه الحد. # قال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع، يحد قاذفها، وكذلك الصبي ~~إذا بلغ عشرا ضرب قاذفه، قال إسحاق: إذا قذف غلاما يطأ مثله؛ فعليه ~~الحد، والجارية إذا جاوزت تسعا مثل ذلك قال ابن المنذر: لا يحد من قذف ~~من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب، ويعزر على الأذى. اه محل الغرض منه بلفظه. # وإذا عرفت مما ذكرنا أقوال أهل العلم في المسألة، فاعلم أن أظهرها عندنا ~~قول ابن المنذر: إنه لا يحد ولكن يعزر، ووجه ذلك أن من لم يبلغ من الذكور ~~والإناث مرفوع عنه القلم، ولا معرة تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ، ولو جاء ~~قاذف الصبي بأربعة شهداء على الصبي بالزنى فلا حد عليه إجماعا، ولو كان ~~قذفه قذفا على الحقيقة للزمه الحد بإقامة القاذف البينة على زناه، وإن ~~خالف في هذا جمع من أجلاء العلماء، ولكنه يعزر التعزير البالغ الرادع له، ~~ولغيره عن قذف من لم يبلغ. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الحادية والعشرون: اعلم أن الظاهر فيما لو قال رجل لآخر زنأت ~~بالهمزة أن القاذف إن كان عاميا لا يفرق بين المعتل والمهموز أنه يحد ~~لظهور قصده لقذفه بالزنى. وإن كان عالما بالعربية، وقال: إنما أردت ~~بقولي: زنأت بالهمزة معناه اللغوي، ومعنى زنأت بالهمزة: لجأت إلى شيء، أو ~~صعدت في جبل، ومنه قول قيس بن عاصم المنقري يرقص ابنه حكيما وهو صغير: ms2670 # أشبه أبا أمك أو أشبه حمل # ولا تكونن كهلوف وكل # يصبح في مضجعه قد انجدل # وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل # ومحل الشاهد منه قوله: زنأ في الجبل أي صعودا فيه، والهلوف الثقيل ~~الجافي العظيم اللحية، والوكل الذي يكل أمره إلى غيره، وزعم الجوهري أن ~~هذا الرجز لأم الصبي المذكور ترقصه به وهي منفوسة ابنة زيد الفوارس، ورد ~~ذلك على الجوهري أبو محمد بن بري. ورواه هو وغيره على ما ذكرنا، قال: ~~وقالت أمه ترد على أبيه: # أشبه أخى أو أشبهن أباكا # أما أبي فلن تنال ذاكا # تقصر أن تناله يداكا # قاله في اللسان. # المسألة الثانية والعشرون: فيمن نفى رجلا عن جده أو عن أمه أو نسبه إلى ~~شعب غير شعبه، أو قبيلة غير قبيلته. فذهب مالك: أنه إن نفاه عن أمه فلا ~~حد عليه، لأنه لم يدع عليها الزنا، ولم ينف نسبه عن أبيه، وإن نفاه عن ~~جده لزمه الحد، ولا حد عنده في نسبة جنس لغيره، ولو أبيض لأسود. قال في ~~المدونة: إن قال لفارسي: يا رومي أو يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد. وقال ~~ابن القاسم: اختلف عن مالك في هذا، وإني أرى ألا حد عليه إلا أن يقول: يا ~~ابن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي ~~كأن قال: يا ابن الحبشي وهو بربري فالحبشي والرومي في هذا سواء إذا كان ~~بربريا. # وقال ابن يونس: وسواء قال: يا حبشي أو يا ابن الرومي، فإنه لا يحد، ~~وكذلك عنه في كتاب محمد، قال الشيخ المواق: هذا ما ينبغي أن تكون به ~~الفتوى على طريقة ابن يونس فانظره أنت اه. # وهذا الذي ذكرنا من عدم حد من نسب جنسا إلى غيره هو مشهور مذهب مالك، ~~وقد نص عليه في المدونة، ومحل هذا عنده إن لم يكن من العرب. # قال مالك في المدونة: من قال لعربي: يا حبشي أو يا فارسي، أو يا رومي ~~فعليه الحد، لأن العرب تنسب إلى آبائها ms2671 وهذا نفي لها عن آبائها. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الفرق بين العربي وغيره المذكور عن ~~مالك لا يتجه كل الاتجاه، ووجه كون من قال لرومي: يا حبشي مثلا، لا ~~يحد.أن الظاهر أن مراده أنه يشبه الحبشي في بعض أخلاقه أو أفعاله، وهو ~~استعمال معروف في العربية اه. ومذهب أبي حنيفة أنه إن نفاه عن جده لا حد ~~عليه، بأن قال له: لست ابن جدك أنه لا حد عليه، لأنه صادق إذ هو ابن أبيه ~~لا جده، وكذلك لو نسب جنسيا إلى غيره كقوله لعربي: يا نبطي، فلا حد عليه ~~عنده على المشهور، وكذلك عنده إذا نسبه لقبيلة أخرى غير قبيلته أو نفاه ~~عن قبيلته، لأنه يراد به التشبيه بتلك القبيلة التي نسبه لها في الأخلاق ~~أو الأفعال، أو عدم الفصاحة، ونحو ذلك، فلا يتعين قصد القذف. # وقال صاحب تبيين الحقائق: وروي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل لرجل من ~~قريش: يا نبطي، فقال لا حد عليه اه. وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال ~~لرجل: يا ابن ماء السماء أو نسبه إلى عمه أو خاله، خلافا للمالكية، ومن ~~وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه، ونحوه أو زوج أمه الذي هو ربيبه، لأن ~~العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة ~~والشفقة، وقوله: ابن ماء السماء، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود ~~والسماحة والصفاء، قالوا: وكان عامر بن حارثة: يلقب بماء السماء لكرمه، ~~وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر. قالوا: وسميت أم المنذر بن امرئ ~~القيس بماء السماء، لحسنها وجمالها. وقيل لأولادها: بنو ماء السماء وهم ~~ملوك العراق اه. وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة، ولا ينبغي أن ~~يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من ~~غير نكير اه. # ومذهب الإمام أحمد: أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه. # واختلف عنه فيمن نفى رجلا عن قبيلته أو نسب جنسا ms2672 لغيره. قال ابن قدامة ~~في المغني: وإذا نفى رجلا عن أبيه، فعليه الحد نص عليه أحمد، وكذلك إذا ~~نفاه عن قبيلته وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أبو حنيفة، ~~والثوري، وحماد. اه. # وقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة والمشهور عنه بما ذكرناه قريبا، ثم قال ~~ابن قدامة في المغني: والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته، ~~ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال لأعجمي: إنك عربي، ~~لو قال للعربي: أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه، وعليه التعزير نص عليه ~~أحمد، لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكى عن أحمد رواية أخرى أن ~~عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي، لأنه ~~يحتمل غير القذف كثيرا فلا يتعين صرفه إليه، ومتى فسر شيئا من ذلك ~~بالقذف فهو قاذف اه. من المغني. # وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من ~~الوحي، والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يحد صاحبه لأن الحدود ~~تدرأ بالشبهات واحتمال الكلام غير القذف لا يقل عن شبهة قوية. وقد ذكر ~~ابن قدامة في المغني أن الأشعث بن قيس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول # " لا أوتي برجل يقول: إن قريشا ليست من كنانة إلا جلدته " # اه. وانظر إسناده. # المسألة الثالثة والعشرون: في أحكام كلمات متفرقة كمن قال لرجل: يا ~~قرنان، أو يا ديوث، أو يا كشخان، أو يا قرطبان، أو يا معفوج، أو يا قواد، ~~أو يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات، أو يا مخنث. أو قال ~~لامرأة: يا قحبة. # اعلم أن أهل العلم اختلفوا في هذه العبارات المذكورة فمذهب مالك: هو أن ~~من قال لرجل يا قرنان لزمه حد القذف لزوجته إن طلبته، لأن القرنان عند ~~الناس زوج الفاعلة، وكذلك من قال لامرأة: يا قحبة لزمه الحد عند ~~المالكية، وكذلك من قال: يا ابن منزلة الركبان، أو ms2673 يا ابن ذات الرايات. ~~كل ذلك فيه حد القذف عند المالكية، كما تقدمت الإشارة إليه، قالوا لأن ~~الزانية في الجاهلية كانت تنزل الركبان، وتجعل على بابها راية، وكذلك لو ~~قال له: يا مخنث لزمه الحد، إن لم يحلف أنه لم يرد قذفا، فإن حلف أنه لم ~~يرده أدب، ولم يحد. قاله في المدونة، وإن قال له: يا ابن الفاسقة أو يا ~~ابن الفاجرة، أو يا فاجر، أو يا حمار ابن الحمار، أو يا كلب، أو يا ثور، ~~أو يا خنزير. # ونحو ذلك فلا حد عليه، ولكنه يعزر تعزيرا رادعا حسبما يراه الإمام، ~~ومذهب أبي حنيفة: أنه قال له يا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا لص يا فاجر ~~يا منافق، يا لوطي يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الربا يا شارب الخمر، يا ~~ديوث، يا مخنث، يا خائن، يا ابن القحبة، يا زنديق، يا قرطبان، يا مأوى ~~الزواني أو اللصوص، يا حرام. أنه لا حد عليه في شيء من هذه الألفاظ، ~~وعليه التعزير، وآكد التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون سوطا، وأما لو ~~قال له: يا كلب، يا تيس، يا حمار، يا خنزير، يا بقر، يا حية يا حجام، يا ~~ببغاء يا مؤاجر، يا ولد الحرام، يا عيار، يا ناكس، يا مكنوس، يا سخرة يا ~~ضحكة يا كشخان، يا أبله، يا مسوس، فلا شيء عليه في شيء من هذه الألفاظ ~~عند الحنفية، ولا يعزر بها. قال صاحب تبيين الحقائق: لا يعزر بهذه ~~الألفاظ كلها لأن من عادتهم إطلاق الحمار ونحوه بمعنى البلادة والحرص أو ~~نحو ذلك، ولا يريدون به الشتيمة، ألا ترى يسمون به ويقولون: عياض بن ~~حمار، وسفيان الثوري، وأبو ثور وجمل، ولأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا ~~الكلام، وإنما يلحق القاذف. وكل أحد يعلم أنه آدمي، وليس بكلب ولا حمار ~~وأن القذف كاذب في ذلك. وحكى الهندواني أنه يعزر في زماننا في مثل قوله: ~~يا كلب يا خنزير، لأنه يراد به الشتم في عرفنا. # وقال شمس الآئمة السرخسي: الأصح ms2674 عندي أنه لا يعزر. وقيل: إن كان المنسوب ~~إليه من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر، لأنه يعد شيئا في حقه، وتلحقه ~~الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن ما قيل فيه، ومن ~~الألفاظ التي لا توجب التعزير قوله: يا رستاقي ويا ابن الأسود، ويا ابن ~~الحجام، وهو ليس كذلك. اه. من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه ~~الحنفي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها توجب ~~التعزيير فوجوب التعزير بها كما ذكروا واضح لا إشكال فيه. وأما الألفاظ ~~التي ذكرنا عنهم أنها لا تعزير فيها، فالأظهر عندنا أنه يجب فيها ~~التعزير، لأنها كلها شتم وعيب، ولا يخفى أن من قال لإنسان: يا كلب، يا ~~خنزير، يا حمار، يا تيس يا بقر إلى آخره، أن هذا شتم واضح لاخفاء به وليس ~~مراده أن الإنسان كلب أو خنزير، ولكن مراده تشبيه الإنسان بالكلب ~~والخنزير في الخسة والصفات الذميمة كما لا يخفى، فهو من نوع التشبيه الذي ~~يسميه البلاغيون تشبيها بليغا ولا شك أن عاقلا قيل له: يا كلب، أو يا ~~خنزير مثلا أن ذلك يؤذيه، ولا يشك أنه شتم، فهو أذى ظاهر وعليه فالظاهر ~~التعزير في الألفاظ المذكورة. # وكونهم يسمون الرجل حمارا أو كلبا لا ينافي ذلك لأن من الناس من يسم ~~ابنه باسم قبيح لا يرضى غيره أن يعاب به. والظاهر أنه إن قال لرجل: يا ~~ابن الأسود، وليس أبوه ولا أحد من أجداده بأسود، أنه يلزمه الحد لأنه نفي ~~لنسبه، وكذلك قوله: يا ابن الحجام إن لم يكن أبوه ولا أحد من أجداده ~~حجاما فهو قذف، لأنه نفي لنسبه وإلصاق له بأسود أو حجام ليس بينه وبينه ~~نسب كما هو قول المالكية ومن وافقهم. # وقال صاحب تبيين الحقائق: وتفسير القرطبان هو الذي يرى مع امرأته أو ~~محرمه رجلا، فيدعه خاليا بها. وقيل: هو السبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ~~ممدوح. وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه ms2675 إلى الضيعة، ~~أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته اه منه. # وقال ابن قدامة في المغني: وإن قال لرجل: يا ديوث، أو يا كشخان: فقال ~~أحمد: يعزر، وقال إبراهيم الحربي: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته. ~~وقال ثعلب: القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته. وقال: القرنان ~~والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند العامة عند العامة مثل ~~الديوث، أو قريب منه، فعلى القاذف به التعزير على قياس قوله في ~~الديوث،لأنه قذفه بما لا حد فيه. وقال خالد بن يزيد، عن أبيه في الرجل ~~يقول للرجل: يا قرنان إذا كان له أخوات، أو بنات في الإسلام ضرب الحد، ~~يعني أنه قاذف لهن. وقال خالد عن أبيه: القرنان عند العامة من له بنات ~~والكشخان: من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن، ~~والقواد عند العامة السمسار في الزنى والقذف بذلك كله يوجب التعزير، ~~لأنه قذف بما لا يوجب الحد اه. من المغني. وقال في المغني أيضا المنصوص ~~عن أحمد فيمن قال: يا معفوج أن عليه الحد، وظاهر كلام الخرقي يقتضي أن ~~يرجع إلى تفسيره، فإن فسر بغير الفاحشة مثل أن يقول: أردت يا مفلوج أو يا ~~مصابا دون الفرج ونحو هذا، فلا حد عليه، لأنه فسره بما لا حد فيه. وإن ~~فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به، وقال صاحب القاموس القرنان: ~~الديوث المشارك في قرينته لزوجته اه. منه وقال في القاموس أيضا: ~~القرطبان بالفتح الديوث، والذي لا غير له أو القواد اه. منه وقال في ~~القاموس: والتديث القيادة، وفي القاموس تحت الخط لا بين قوسين الكشخان ~~ويكسر: الديوث وكشخه تكشيخا وكشخنة: قال له: يا كشخان اه. منه. وهو ~~بالخاء المعجمة وقال الجوهري في صحاحه: والديوث وهو الذي لا غيرة له اه. ~~منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن التحقيق في جميع الألفاظ ~~المذكورة التي ذكرنا كلام العلماء فيها أنها تتبع العرف الجاري في البلد ~~الذي قيلت فيه، فإن ms2676 كان من عرفهم أن المراد بها الشتم بما لا يوجب الحد ~~وجب التعزير، لأجل الأذى ولا حد، وإن كان عرفهم أنها يراد بها الشتم ~~بالزنى، أو نفي النسب، وكان ذلك معروفا أنه هو المقصود عرفا، وجب الحد، ~~لأن العرف متبع في نحو ذلك. # والعلم عند الله تعالى. # المسألة الرابعة والعشرون: في حكم من قذف محصنا بعد موته، ومذهب مالك ~~في ذلك هو قوله في المدونة: من قذف ميتا فلولده، وإن سفل وأبيه وإن علا ~~القيام بذلك، ومن قام منهم أخذه بحده، وإن كان ثم من هو أقرب منه، لأنه ~~عيب، وليس للأخوة، وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء واحد ~~فللعصبة القيام. اه بواسطة نقل المواق. # وحاصلة: أن الميت المقذوف يحد قاذفه بطلب من وجد من فروعه، وإن سفلوا أو ~~واحد من أصوله، وإن علوا. ولا كلام في حال وجود الأصول أو الفروع لغيرهم ~~من الأخوة والعصبة، فإن لم يوجد من الأصول والفروع أحد، فللأخوة والعصبة ~~القيام، ويحد للمقذوف بطلبهم. هذا حاصل مذهب مالك في المسألة، وظاهره عدم ~~الفرق بين كون المقذوف الميت أبا أو أما، وبعض أهل العلم يفرق بين قذف ~~الأب والأم، لأن قذف الأم بالزنى فيه قدح في نسب ولدها، لأن ابن الزانية ~~قد يكون لغير أبيه من أجل زنا أمه. وقال ابن قدامة في المغني: وإن قذف ~~أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة، حد القاذف إذا طلب الابن ~~وكان حرا مسلما، أما إذا قذف وهي في الحياة، فليس لولدها المطالبة لأن ~~الحق لها، فلا يطالب به غيرها، ولا يقوم غيرها مقامها، سواء كانت محجورا ~~عليها أو غير محجور عليها، لأنه حق يثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق ~~مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها، لأن الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم ~~يكن لها ولد. وأما إن قذفت وهي ميتة. فإن لولدها المطالبة، لأنه قدح في ~~نسبه، ولأنه يقذف أمه بنسبته إلى أنه ابن زنى، ولا يستحق ذلك بطريق ~~الإرث، ولذلك ms2677 تعتبر الحصانة فيه، ولا تعتبر الحصانة في أمه، لأن القذف ~~له. وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال، وهو قول أصحاب الرأي، ~~لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة، فأشبه قذف المجنون. وقال الشافعي: إن ~~كان الميت محصنا فلوليه المطالبة، وينقسم بانقسام الميراث، وإن لم يكن ~~محصنا فلا حد على قاذفه، لأنه ليس بمحصن، فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان ~~حيا، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف من ليس محصنا حيا ولا ~~ميتا، لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلأن لا يحد بقذفه ~~ميتا أولى، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الملاعنة ومن رمى ~~ولدها فعليه الحد، يعني من رماه بأنه ولد زنى، وإذا وجب بقذف ولد ~~الملاعنة بذلك، فبقذف غيره أولى، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من ~~نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين، ولو كان ميتين، والحد ~~إنما وجب للولد، لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها، وهو ~~مشرك أو عبد، فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي، سواء كانت الأم حرة مسلمة ~~أو لم تكن. # وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: إذا قال لكافر أو عبد: لست لأبيك وأبواه ~~حران مسلمان فعليه الحد، وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد: لست لأبيك ~~فعليه الحد، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي: يصح أن ~~يحد المولى لعبده، واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه، ~~لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة، ولأن معنى هذا: إن ~~أمك زنت فأتت بك من الزنى، فإذا كان من الزنى منسوبا إليها كانت هي ~~المقذوفة دون ولدها. ولنا ما ذكرناه، ولأنه لو كان القذف لها لم يجب ~~الحد، لأن الكافر لا يرث المسلم، والعبد لا يرث الحر، ولأنهم لا يوجبون ~~الحد لقذف ميئة بحال، فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه. والله أعلم اه. ~~بطوله من المغني. ms2678 # وقد رأيت في كلامه أقوال أهل العلم في رمي المرأة الميتة، إن كان لها ~~أولاد، ورمي المرأة الحية التي لها أولاد، وبه نعلم أن الحد يورث عند ~~المالكية والشافعية إلا أنه عند المالكية، لا يطلبه إلا الفروع والأصول، ~~ويحد بطلب كل منهم وأن كان يوجد منهم من هو أقرب من طالب الحد، وأنه عند ~~عدم الفروع والأصول يطالب به الأخوة والعصبة، وكل ذلك يدل على أنهم ورثوا ~~ذلك الحق في الجملة عن المقذوف الميت، وأن الشافعية يقولون: إنه ينقسم ~~بانقسام الميراث، كما نقله عنهم صاحب المغني في كلامه المذكور، وأن ~~الحنفية يقولون: إن الحد لا يورث، وهو ظاهر المذهب الحنبلي، وأن بعض أهل ~~العلم قال: لا يحد قذف ميتة بحال. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم في هذه ~~المسألة: أن قذف الأم إن كان يستلزم نفي نسب ولدها فلها القيام حية، ~~ولولدها القيام إذا لم تطالب هي لأنه مقذوف بقذفها، خلافا لما في كلام ~~صاحب المغني، وكذلك إن كانت ميتة فله القيام، ويحد له القاذف. وقول صاحب ~~المغني تعتبر حصانته هو دون حصانتها هي لم يظهر له معنى، لأن نفي نسب ~~إنسان لا تشترط فيه حصانة المنفي نسبه، لأنا لو فرضنا أنها جاءت به من ~~زنى، فإنه هو لا ذنب له، ولا يعتبر زانيا كما ترى. # والحاصل: أن قذف الأم إن كان يستلزم قذف ولدها، فالأظهر إقامة الحد على ~~القاذف بطلب الأم، وبطلب الولد، وإن كانت حية، لأنه مقذوف وأحرى إن كانت ~~ميتة، وإن كانت الأم لا ولد لها أو لها ولد لا يستلزم قذفها قذفه فهي ~~مسألة: هل يحد من قذف ميتا أو لا؟ وقد رأيت خلاف العلماء فيها، ولكل ~~واحد من القولين وجه من النظر، لأن الظاهر أن حرمة عرض الإنسان لا تسقط ~~بالموت، وهذا يقتضي حد من قذف ميتة، ووجه الثاني: أن الميتة لا يصح منها ~~الطلب، فلا يحد بدون طلب، لأن من مات لا يتأذى بكلام القاذف، وإن كان ms2679 ~~كذبا بل يفرح به، لأنه يكون له فيه حسنات، وإن كان حقا ما رماه به، فلا ~~حاجة له بحده بعد موته، لأنه لم يقل إلا الحق وحده وهو صادق لا حاجة ~~للميت فيه. اه. # وأقربهما عندي أنه يعزر تعزيرا رادعا ولا يقام عليه الحد. # واعلم أن الحي إذا قذفه آخر بالزنا، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق، ~~فقد قال بعض أهل العلم: إن له المطالبة بحده مع علمه بصدقه فيما رماه به، ~~وهو مذهب مالك، ومن وافقه. # والأظهر عندي أنه إن كان يعلم أنما قذفه به حق أنه لا تنبغي له المطالبة ~~بحده، لأنه يتسبب في إيذائه بضرب الحد، وهو يعلم أنه محق فيما قال: ~~والعلم عند الله تعالى. # وذكر غير واحد من أهل العلم أن من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~قذفه هو صلى الله عليه وسلم أن ذلك ردة، وخروج من دين الإسلام، وهو ظاهر ~~لا يخفى، وأن حكمه القتل، ولكنهم اختلفوا إذا تاب هل تقبل توبته؟ فذهبت ~~جماعة من أهل العلم إلى أنه لا تقبل توبته ويقتل على كل حال وقال بعض أهل ~~العلم: تقبل توبته إن تاب، وهذا الأخير أقرب لكثرة النصوص الدالة على ~~قبول توبة من تاب، ولو من أعظم الكفر أنواع. والله تعالى أعلم. # المسألة الخامسة والعشرون: في حكم من قذف ولده: # وقد اختلف أهل العلم في ذلك. قال في المغني: وإذا قذف ولده وإن نزل لم ~~يجب الحد عليه، سواء كان القاذف رجلا أو امرأة وبهذا قال عطاء، والحسن، ~~والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال مالك، وعمر بن عبد العزيز، وأبو ~~ثور، وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية، ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه ~~قرابة الولادة كالزنى. # وأظهر القولين دليلا: أنه لا يحد الوالد لولده لعموم قوله: # وبالوالدين إحسانا # [البقرة: 83] [النساء: 36]، [الإنعام: 151]، [الإسراء: 23] وقوله # فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23] فلا ينبغي للولد أن يطلب حد والده للتشفي منه، وقول ~~المالكية في هذه المسألة في غاية الإشكال، لأنهم يقولون: إن الولد ms2680 يمكن ~~من حد والده القاذف له وأنه يعد بحده له فاسفا بالعقوق كما قال خليل في ~~مختصره وله حد أبيه وفسق، ومعلوم أن الفسق لا يكون إلا بارتكاب كبيرة، ~~والشرع لا يمكن أحدا من ارتكاب كبيرة. كما ترى مع أن الروايات عن مالك ~~نفسه ظاهرها عدم الحد وقاله غير واحد من أهل مذهبه. # المسألة السادسة والعشرون: في حكم من قتل أو أصاب حدا خارج الحرم، ثم ~~لجأ إلى الحرم هل يستوفي منه الحق في الحرم، أو لا يستوفي منه حتى يخرج ~~من الحرم؟ # اعلم أن هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة مذاهب: # الأول: أنه يستوفي منه الحق قصاصا كان أو أحدا قتلا كان أو غيره. # الثاني: أنه لا يستوفى منه حد ولا قصاص ما دام في الحرم سواء كان قتلا ~~أو غيره. # الثالث: أنه يستوفى منه كل شيء من الحدود إلا القتل، فإنه لا يقتل في ~~الحرم في حد كالرجم، ولا في قصاص والخلاف في هذه المسألة مشهور عند أهل ~~العلم. # قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من جنى جناية توجب قتلا خارج ~~الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، وهذا قول ابن عباس: وعطاء، وعبيد ~~بن عمير، والزهري، وإسحاق ومجاهد، والشعبي، وأبي حنيفة وأصحابه. # وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس، فعن أحمد ~~روايتان: # إحداهما: لا يستوفى من الملتجيء إلى الحرام فيه. # والثانية: يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم النهي عن القتل لقوله عليه الصلاة والسلام: # " فلا يسفك فيها دم " # وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى ~~التأديب فلم يمنع كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي، وهي ظاهر ~~المذهب. # قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام ~~في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد ~~جنايته، حتى يخرج منه إلى أن قال: وقال مالك والشافعي وابن المنذر: ~~يستوفى منه ms2681 فيه لعموم الأمر بجلد الزاني، وقطع السارق، واستيفاء القصاص ~~من غير تخصيص بمكان دون مكان.اه محل الغرض منه. # وقال ابن حجر في فتح الباري. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، حتى ~~يخرج إلى الحل باختياره ولكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ، ويذكر حتى يخرج. ~~وقال أبو يوسف: يخرج مضطرا إلى الحل وفعله ابن الزبير. # وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدا ثم دخل الحرم ~~لم يجالس ولم يبايع. # وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقا فيها، لأن العاصي هتك حرمة ~~نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن.اه محل الغرض منه. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار مشيرا إلى إقامة الحدود واستيفاء القصاص ~~في الحرم، وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وهو اختيار ابن المنذر، ويؤيد ~~ذلك عموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود في كل مكان وزمان. وذهب الجمهور ~~من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، والحنيفة، وسائر أهل العراق، وأحمد ~~ومن وافقه من أهل الحديث والعترة: إلى أنه لا يحل أن يسفك بالحرم دما، ~~ولا يقيم به حدا حتى يخرج منه من لجأ إليه. اه محل الغرض منه. # وإذا عرفت من هذه النقول أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم ~~ومناقشتها: أما الذين قالوا: يستوفى منه كل حد في الحرم إن لجأ إليه ~~كمالك، والشافعي، وابن المنذر، ومن وافقهم، فقد استدلوا بأدلة: # منها: أن نصوص الكتاب والسنة الدالة على إقامة الحدود واستيفاء القصاص، ~~ليس في شيء منها تخصيص مكان دون مكان ولا زمان دون زمان، وظاهرها شمول ~~الحرم وغيره. قالوا: والعمل بظواهر النصوص واجب، ولا سيما إذا كثرت. # ومنها: أن استيفاء القصاص وإقامة الحدود حق واجب بتشريع الله على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وفعل الواجب الذي هو عين طاعة الله في الحرم ~~ليس فيه أي انتهاك لحرمة الحرم، لأن أحق البلاد، بأن يطاع فيها الله ~~بامتثال أوامره هي حرمة، وطاعة الله في حرمة ليس فيها انتهاك له كما ترى. # أما استدلال هؤلاء بما ms2682 في الصحيحين بلفظ إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا ~~فارا بدم ولا فارا بخربة، فهو استدلال في غاية السقوط، لأن من ظن أنه ~~حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد غلط غلطا فاحشا، لأنه من ~~كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما، قال ~~البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن سعيد بن أبي ~~سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي " أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث ~~البعوث إلى مكة: أئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته ~~عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله، وأثنى عليه ثم قال: # " إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إن الله أذن لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها ~~اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ، الشاهد الغائب، " # فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح: إن ~~الحرم لا يعيذ عاصيا إلى آخره، وهذا صريح في أنه من كلام عمرو بن سعيد ~~الأشدق يعارض به أبا شريح " لما ذكر له كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومعلوم أنه لا حجة البتة في كلام الأشدق، ولا سيما في حال معارضته به ~~لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان كلامه لا يطابق الجواب عن ~~الحديث الذي ذكره أبو شريح رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم رحمه الله مثل ما ~~في البخاري من حديث أبي شريح إسنادا ومتنا. # وإذا تقرر أن القائل إن الحرم لا يعيذ عاصيا إلى آخره هو الأشدق علمت ~~أنه لا دلالة فيه وكذلك احتجاجهم بما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه ~~وسلم ms2683 " أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة " لأن أمره بقتله وهو ~~متعلق بأستار الكعبة في نفس الوقت الذي أحل الله له في الحرم، وقد صرح ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن حرمتها عادت كما كانت، ففعله صلى الله عليه ~~وسلم في وقت إحلال له ساعة في نهار، لا دليل فيه بعد انقضاء وقت الإحلال ~~ورجوع الحرمة كما ترى. # وأما الذين منعوا القتل في الحرم دون ما سواه من الحدود التي لا قتل ~~فيها والقصاص في غير النفس، فقد احتجوا بأن الحديث الصحيح الذي هو حديث ~~أبي شريح المتفق عليه فيه # " فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما؛ " # قالوا تصريحه صلى الله عليه وسلم بالنهي عن سفك الدم، دون غيره دليل على ~~أنه ليس كغيره، ولا يقاس غيره عليه، لأن النفس أعظم حرمة مما لا يستوجب ~~القتل من حد أو قصاص في غير النفس فيبقى غير القتل داخلا في عموم النصوص ~~المقتضية له في كل مكان وزمان، ويخرج خصوص القتل من تلك العمومات بهذا ~~الحديث الصحيح، ويؤيده أن قوله: دما نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ ~~العموم، فيشمل العموم المذكور إراقة الدم في قصاص أو حد أو غير ذلك. # واستدلوا أيضا بقول ابن عمر رضي الله عنهما: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ~~ما هجته. قال المجد في المنتقي: حكاه أحمد في رواية الأثرم. # وأما الذين قالوا: بأن الحرم لا يستوفى فيه شيء من الحدود، ولا من ~~القصاص قتلا كان أو غيره، فقد استدلوا بقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]، قالوا وجملة، { ومن دخله كان آمنا } ، خبر ~~أريد به الإنشاء فهو أمر عام، يستوجب أمن من دخل الحرم، وعدم التعرض له ~~بسوء، وبعموم النصوص الدالة على تحريم الحرم. # واستدلوا أيضا بآثار عن بعض الصحابة، كما روي عن ابن عباس، أنه قال في ~~الذي يصيب حدا ثم يلجأ إلى الحرم: يقام عليه الحد، إذا خرج من الحرم، ~~قال المجد في المنتقى: حكاه أحمد في ms2684 رواية الأثرم، وهذا ملخص أقوال أهل ~~العلم وأدلتهم في هذه المسألة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن أجرى ~~هذه الأقوال على القياس قول من قال: يستوفى من اللاجئ إلى الحرم كل حق ~~وجب عليه شرعا، قتلا كان أو غيره، لأن إقامة الحدود واستيفاء القصاص ~~مما أوجبه الله، وفعل ذلك طاعة، وتقرب إليه وليس في طاعة الله، وامتثال ~~أمره انتهاك لحرمة حرمه، وأجراها على الأصول، وهو أولاها، هو الجمع بين ~~الأدلة، وذلك بقول من قال: يضيق علي الجاني اللاجئ إلى الحرم، فلا يباع ~~له، ولا يشتري منه، ولا يجالس، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج، فيستوفى ~~منه حق الله إذا خرج من الحرم، لأن هذا القول جامع بين النصوص، فقد جمع ~~بين استيفاء الحق، وكون ذلك ليس في الحرم، وفي هذا خروج من الخلاف. ~~والعلم عند الله تعالى. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية. ### || [24.8] # قوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: { ويدرؤا عنها العذاب ~~أن تشهد أربع شهادات بالله } الآية، معنى: يدرأ: يدفع، ~~والمراد بالعذاب هنا: الحد، والمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: أن ~~تشهد فاعل يدرأ: أي يدفع عنها الحد شهادتها أربع شهادات الآية. # والدليل على أن المراد بالعذاب في قوله: { ويدرؤا عنها ~~العذاب } ، الحد من أوجه: # الأول: فيها سياق الآية، فهو يدل على أن العذاب تدرؤه عنها شهاداتها هو ~~الحد. # والثاني: انه أطلق اسم العذاب في مواضع أخر، على الحد مع دلالة السياق ~~فيها على أن المراد بالعذاب فيها الحد كقوله تعالى في هذه السورة ~~الكريمة: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]، فقوله: { وليشهد عذابهما } ، أي حدهما بلا نزاع. ~~وكذلك قوله تعالى في الإماء: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب # [النسا: 25] أي نصف ما على الحرائر من الجلد. # وهذه الآية: تدل على أن الزوج إذا رمى زوجته وشهد ms2685 شهاداته الخمس المبينة ~~في الآية أن المرأة يتوجه عليها الحد بشهاداته، وأن ذلك الحد المتوجه ~~إليها بشهادات الزوج تدفعه عنها شهاداتها هي الموضحة في الآية. # ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب ~~نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، ~~فشهادات الزوج القاذف تدرأ عنه هو حد القذف، وتوجه إليها هي حد الزنى، ~~وتدفعه عنها شهاداتها. # وظاهر القرآن أيضا أنه لو قذف زوجته وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف ~~فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو ~~الظاهر من الآيات القرآنية، لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4]، ولكن الله بين خروج الزوج من هذا العموم بشهاداته حيث قال # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة ~~الله عليه إن كان من الكاذبين # [النور: 67] فلم يجعل مخرجا من جلد ثمانين، وعدم قبول الشهادة، والحكم ~~بالفسق إلا بشهاداته التي قامت له مقام البينة المبرئة له من الحد. فإن ~~نكل عن شهاداته فالظاهر وجوب الحد عليه، لأنه لم تدرأ عنه أربعة عدول ~~يشهدون بصدقه، ولا شهادات تنوب عن الشهود. فتعين أنه يحد لأنه قاذف، ولم ~~يأت بما يدفع عنه حد القذف، وكذلك الزوجة إذا نكلت عن أيمانها فعليها ~~الحد، لأن الله نص على أن الذي يدرأ عنها الحد هو شهاداتها في قوله ~~تعالى: { ويدرؤا عنها العذاب } [8] الآية، وممن قال إن ~~الزوج يلزمه الحد إن نكل عن الشهادات الأئمة الثلاثة، خلافا لأبي حنيفة ~~القائل بأنه يحبس، حتى يلاعن، أو يكذب نفسه، فيقام عليه حد القذف، وممن ~~قال بأنها إن شهد هو، ونكلت هي أنها تحد بشهاداته ونكولها: مالك والشافعي ~~والشعبي، ومكحول، وأبو عبيد، وأبو ثور. # كما نقله عنهم صاحب المغني. # وهذا القول أصوب عندنا، لأنه ظاهر قوله: { ويدرؤا عنها ~~العذاب أن تشهد ms2686 أربع شهادات بالله } الآية. ولا ~~ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. ~~وقال أبو حنيفة وأحمد: لا حد عليها بنكولها عن الشهادات، وتحبس أيضا حتى ~~تلاعن أو تقر فيقام عليها الحد. # قال في المغني: وبهذا قال الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن ~~الحارث العكلي، وعطاء الخراساني، واحتج أهل هذا القول بحجج يرجع جميعها ~~إلى أن المانع من حدها أن زناها لم يتحقق ثبوته، لأن شهادات الزوج ~~ونكولها هي لا يتحقق بواحد منهما ولا بهما مجتمعين بثوت الزنى عليها. # وقول الشافعي ومالك ومن وافقهما في هذه المسألة أظهر عندنا لأن مسألة ~~اللعان أصل مستقل لا يدخله القياس على غيره، فلا يعدل فيه عن ظاهر النص ~~إلى القياس على مسألة أخرى. والعلم عند الله تعالى. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أن اللعان لا يلزم بين الزوجين؛ إلا بقذف الرجل ~~زوجته قذفا يوجب عليه الحد لو قاله لغير زوجة كرميها بالزنى، ونفي ولدها ~~عنه، وقول الجمهور هنا: إنه يكفي في وجوب اللعان قذفها بالزنى من غير ~~اشتراط أن يقول: رأيت بعيني، أظهر عندي مما روي عن مالك، من أنه لا يلزم ~~اللعان، حتى يصرح برؤية العين، لأن القذف بالزنى كاف دون التصريح برؤية ~~العين. وقول الملاعن في زمنه صلى الله عليه وسلم: رأت عيني وسمعت أذني، ~~لا يدل على أنه لو اقتصر على أنها زنت، أن ذلك لا يكفي، دون اشتراط رؤية ~~العين، وسماع الأذن كما لا يخفى، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في شهادات اللعان المذكورة في ~~قوله: # فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله # [النور: 6] إلى آخر الآيات، هل هي شهادات أو أيمان على أربعة أقوال: # الأول: أنها شهادات لأن الله سماها في الآية شهادات. # والثاني: أنها أيمان. # الثالث: أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة. # والرابع: عكسه، وينبني على الخلاف في ذلك أن من قال: إنها شهادات لا يصح ~~عنده اللعان، إلا ممن تجوز شهادته. فيشترط في الملاعن، ms2687 والملاعنة العدالة ~~وغيرها من شروط قبول الشهادة، ومن قال: إنها أيمان صح عنده اللعان من كل ~~زوجين، ولو كانا لا تصح شهادتهما لفسق أو غيره من مسقطات قبول الشهادة، ~~وينبني على الخلاف المذكور ما لو شهد مع الزوج ثلاثة عدول، فعلى أنها ~~شهادة يكون الزوج رابع الشهود، فيجب عليها حد الزنى، وعلى أنها أيمان يحد ~~الثلاثة ويلاعن الزوج. # وقيل: لا يحدون. وممن قال: بأنها شهادات وأن اللعان لا يصح إلا ممن تقبل ~~شهادته، وأنها تحد بشهادة الثلاثة مع الزوج أبو حنيفة رحمه الله ومن ~~تبعه، والأكثرون على أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة ~~بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن، مرادا بها اليمين، مع ~~دلالة القرائن على ذلك، وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور. # الأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله: # فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله # [النور: 6] لأن لفظة بالله يمين فدل قوله: بالله على أن المراد بالشهادة ~~اليمين للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد بالله في معنى: أقسم بالله. # الثاني: أن القرآن جاء فيه إطلاق شهادة وإرادة اليمين في قوله: # فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما # [المائدة: 107] ثم بين أن المراد بتلك الشهادة اليمين في قوله: # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم # [المائدة: 108] فقوله: { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم } [المائدة: 108] دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في ~~الآية اليمين، وهو واضح كما ترى. # وقال القرطبي: ومنه قوله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله # [المنافقون: 1] الآية، لأن قوله تعالى: # اتخذوا أيمانهم جنة # [المنافقون: 2] يدل على أن المراد بشهادتهم الأيمان هكذا، قال، ولا ~~يتعين عندي ما ذكره من الاستدلال بهذه الآية. والعلم عند الله تعالى. # الثالث: ما قاله ابن العربي: قال والفيصل أنها يمين لا شهادة، أن الزوج ~~يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في ~~الشريعة أن شاهدا يشهد ms2688 لنفسه بما يوجب حكما على غيره هذا بعيد في ~~الأصل، معدوم في النظر.اه منه بواسطة نقل القرطبي. # وحاصل استدلاله هذا: أن استقراء الشريعة تاما، يدل على أنه لم يوجد ~~فيها شهادة إنسان لنفسه بما يوجب حكما على غيره، وهو استدلال قوي، لأن ~~المقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة كما أوضحناه مرارا، ودعوى ~~الحنفية ومن وافقهم أن الزوج غير متهم لا يسوغ شهادته لنفسه، لإطلاق ~~ظواهر النصوص في عدم قبول شهادة الإنسان لنفسه مطلقا. # الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث اللعان أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لما جاءت الملاعنة بالولد شبيها بالذي رميت به # " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " # عند أحمد وأبي داود، وقد سمى صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية شهادات ~~اللعان أيمانا، وفي إسناد الرواية المذكورة عباد بن منصور، تكلم فيه غير ~~واحد، ويقال: إنه كان قدريا إلى غير ذلك من أدلتهم. # وأما الذين قالوا: إنها شهادات لا أيمان فاحتجوا: بأن الله سماها شهادات ~~في قوله: # ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم # [النور: 6] وفي قوله: # فشهادة أحدهم أربع شهادات # [النور: 6] الآية. وقوله: { ويدرؤا عنها العذاب أن ~~تشهد أربع شهادات بالله } [النور: 8] الآية. واستدلوا ~~أيضا بحديث # " أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم: اليهودية والنصرانية تحت المسلم، ~~والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك " # اه. # قالوا: إنما منع لعان اليهودية والنصرانية والعبد والأمة، لأنهم ليسوا ~~ممن تقبل شهادتهم، ولو كانت شهادات اللعان أيمانا لصح لعانهم، لأنهم ممن ~~تقبل يمينه، وقال الزيلعي في نصب الراية في الحديث المذكور: قلت: أخرجه ~~ابن ماجه في سننه عن ابن عطاء، عن أبيه عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أربع من النساء ~~لا ملاعنة بينهن وبين أزواجهن: النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت ~~المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك " انتهى، وأخرجه ~~الدارقطني في سننه، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن عمرو بن شعيب به ~~وقال عن جده عبد الله ms2689 بن عمرو مرفوعا # " أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين العبد ~~والحرة لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم ~~والنصراينة لعان " # انتهى. وقال الدارقطني: والوقاصي متروك الحديث، ثم أخرجه عن عثمان بن ~~عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به، قال: وعثمان بن عطاء ~~الخراساني ضعيف الحديث جدا. وتابعه يزيد بن زريع عن عطاء وهو ضعيف ~~أيضا. وروي عن الأوزاعي، وابن جريج وهما إمامان، عن عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده: قوله ولم يرفعاه ثم أخرجه كذلك موقوفا. ثم أخرجه عن عمار ~~بن مطر، ثنا حماد بن عمرو، عن زيد بن رفيع، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عتاب بن أسيد ألا لعان بين ~~أربع فذكر نحوه " قال وعمار بن مطر، وحماد بن عمرو، وزيد بن رفيع ضعفاء ~~انتهى. وقال البيهقي في المعرفة هذا حديث رواه عثمان بن عطاء، ويزيد بن ~~زريع الرملي، عن عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " أربعة لا ملاعنة بينهم النصرانية تحت المسلم إلى آخره " # قال وعطاء الخراساني معروف بكثرة الغلط، وابنه عثمان وابن زريع ضعيفان، ~~ورواه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن عمرو بن شعيب به وهو متروك الحديث ~~ضعفه يحيى بن معين، وغيره من الأئمه ورواه عمار بن مطر، عن حماد بن عمرو، ~~عن زيد بن رفيع، عن عمرو بن شعيب، وعمار بن مطر، وحماد بن عمرو، وزيد بن ~~رفيع ضعفاء. # وروي عن ابن جريج والأوزاعي، وهما إمامان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده موقوفا، وفي ثبوته موقوفا أيضا نظر، فإن رواية عن ابن جريج ~~والأوزاعي عمرو بن هارون، وليس بالقوي. ورواه يحيى بن أبي أنيسة أيضا، ~~عن عمرو بن شعيب به موقوفا، وهو متروك، ونحن إنما نحتاج بروايات عمرو بن ~~شعيب عن أبيه، عن جده إذا كان الراوي عنه ثقة وانضم إليه ما ms2690 يؤكده، ولم ~~نجد لهذا الحديث طريقا صحيحا إلى عمرو. والله أعلم انتهى كلامه. انتهى ~~كلام صاحب نصب الراية. # وقال صاحب الجوهر النقي: إن الحديث المذكور جيد الإسناد، ولو فرضنا جودة ~~إسناده كما ذكره لم يلزم من ذلك أن شهادات اللعان شهادات لا أيمان، ~~لاحتمال كون عدم الملاعنة بين ما ذكر في الحديث لعدم المكافأة. # والأظهر عندنا أنها أيمان أكدت بلفظ الشهادة، للأدلة التي ذكرنا، وهو ~~قول أكثر أهل العلم، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة: اعلم أنه لا يجوز في اللعان، الاعتماد على إتيان ~~المرأة بالولد أسود، وإن كانت بيضاء، وزوجها أبيض لقصة الرجل الذي ولدت ~~امرأته غلاما أسود، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعرض بنفي ~~الولد الأسود باللعان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من ~~أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال ومن أين جاءتها الورقة، قال لعل عرقا ~~نزعها. قال وهذا الغلام الأسود لعل عرقا نزعه " # والقصة مشهورة ثابتة في الصحيحين، وقد قدمناها مرارا، وفيها الدلالة ~~على أن سواد الولد لا يجوز أن يكون مستندا للرجل في اللعان كما ترى. # المسألة الرابعة: اعلم أن التحقيق: أن من قذف امرأة بالزنى قبل أن ~~يتزوجها ثم تزوجها أنه لم يأت بأربعة شهداء على زناها أنه يجلد حد القذف، ~~ولا يقبل منه اللعان، لأنها وقت القذف أجنبية محصنة داخلة في عموم قوله ~~تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] الآية، والزواج الواقع بعد ذلك لا يغير الحكم الثابت قبله ~~فما يروى عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، من أنه إن قذفها قبل الزواج، ثم ~~تزوجها بعد القذف أنهما يلتعنان خلاف الظاهر عندنا من نص الآية الكريمة. ~~والعلم عند الله تعالى. # المسألة الخامسة: اعلم أن التحقيق أن الزوج إن قذف زوجته وأمها بالزنا، ~~ولم يأت بالبينة أنه يحد للأم حد القذف، لأنه قذفها بالزنى وهي محصنة غير ~~زوجة، فهي داخلة ms2691 في عموم قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] الآية. وأما البنت فإنه يلاعنها، لأنه قذفها، وهي زوجة له، ~~فتدخل في عموم قوله تعالى: # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين # [النور: 6] إلى آخر آيات اللعان. # وبما ذكرنا تعلم أن قول بعض الأئمة: إنه إن حد للأم سقط حد البنت وإن ~~لاعن البنت لم يسقط حد الأم، أنه خلاف التحقيق الذي دلت عليه آيات ~~القرآن، وقد قال ابن العربي في القول المذكور: وهذا باطل جدا، فإنه خصص ~~عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه ~~اه. وهو ظاهر. # المسألة السادسة: اعلم أن الذي يظهر لنا أنه الصواب أن من قذف زوجته ~~بالزنى، ثم زنت قبل لعانه لها أنه لا حد عليه ولا لعان، لأنه تبين بزناها ~~قبل اللعان انها غير محصنة، ولا لعان في قذف غير المحصنة، كما قدمنا أنه ~~إن قذف أجنبية بالزنى، ثم زنت قبل أن يقام عليه الحد أن الظاهر لنا سقوط ~~الحد، لأنه قد تبين بزناها أنها غير محصنة قبل استيفاء الحد، فلا يحد ~~بقذف من ظهر أنها غير محصنة، وذكرنا الخلاف في ذلك. # وحجة من قال: يحد إن كانت أجنبية ويلاعن إن كانت زوجة أن الحد واللعان ~~قد وجبا وقت القذف فلا يسقطان بالزنى الطارئ، وبينا ان الأظهر سقوط ~~الحد واللعان، لتبين عدم الإحصان قبل الحد وقبل اللعان والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة السابعة: اعلم أن من رمى زوجته الكبيرة التي لا تحمل لكبر سنها ~~أنهما يلتعنان هو لدفع الحد، وهي لدرء العذاب: وأما إن رمى زوجته الصغيرة ~~التي لا تحمل لصغرها، فقد قدمنا خلاف العلماء هل يلزمه حد القذف إن كانت ~~صغيرة تطيق الوطء، ولم تبلغ؟ فعلى أنه يلزمه الحد يجب عليه أن يلتعن لدفع ~~الحد، وأما على القول: بأنه لا حد في قذف الصغيرة مطلقا فلا لعان عليه ~~في قذفها، وقد قدمنا الأظهر عندنا في ذلك. والعلم ms2692 عند الله تعالى. # المسألة الثامنة: اعلم أنه إن نفى حمل زوجته فقد اختلف أهل العلم، هل له ~~أن يلاعنها، وهي حامل لنفي ما في بطنها عنه، أو لا يجوز له اللعان حتى ~~تضع الولد؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه يلاعنها وهي حامل وينتفي عنه ~~حملها باللعان. وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ساق أحاديث اللعان: وفيه أن ~~الحامل تلاعن قبل الوضع لقوله في الحديث # " انظروا فإن جاءت " # الخ. كما تقدم في حديث سهل، وفي حديث ابن عباس، وعند مسلم من حديث ابن ~~مسعود، فجاء يعني الرجل هو وامرأته فتلاعنا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " لعلها أن تجيء به أسود جعدا فجاءت به أسود جعدا " # وبه قال الجمهور، خلافا لمن أبى ذلك من أهل الرأي معتلا بأن الحمل لا ~~يعلم، لأنه قد يكون نفخة. # وحجة الجمهور: أن اللعان لدفع حد القذف عن الرجل، ودفع الحد الرجم عن ~~المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا، ولذلك شرع اللعان مع ~~الآيسة. # وقد اختلف في الصغيرة، والجمهور: على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن ~~لدفع حد القذف عنه، دونها انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. # وقد قدمنا أن التعان قاذف الصغيرة مبني على أنه يحد لقذفها، وقد قدمنا ~~كلام أهل العلم واختلافهم في حد قاذف الصغيرة المطيقة للوطء، وذكرنا ما ~~يظهر لنا رجحانه من ذلك. # وأما الذين قالوا: لا تلاعن الحامل حتى تضع ولدها، فقد استدلوا بأمرين: # الأول: أن الحمل لا يتيقن وجوده قبل الوضع، لأنه قد يكون انتفاخا، وقد ~~يكون ريحا. # والثاني: هو ما جاء في بعض الروايات في أحاديث اللعان، مما يدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم أخر لعان الحامل حتى وضعت، ففي البخاري من حديث ابن ~~عباس: ما نصه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم بين فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما " # الحديث، قالوا فترتيبه فلاعن بالفاء على قوله: فوضعت ms2693 شبيها بالرجل إلخ ~~دليل على أن اللعان كان بعد الوضع كما هو مدلول الفاء، وأجيب من قبل ~~الجمهور عن هذه الرواية بما ذكر ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال في ~~كلامه على الرواية المذكورة: ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع المرأة لكن ~~أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبل ~~من حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في ~~قوله: فلاعن معقبة لقوله فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وهذه الجملة التي ~~ذكر ابن حجر أن جملة فلاعن معطوفة عليها مذكورة في حديث ابن عباس الذي ~~ذكرنا محل الغرض منه. # والذي يظهر لنا أن الحامل تلاعن قبل الوضع لتصريح الأحاديث الصحيحة ~~بذلك. ولما ذكره ابن حجر في كلامه الذي نقلناه آنفا. والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة التاسعة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن طلق امرأته ثم ~~قذفها بعد الطلاق، أنه إن كان قذفه لها بنفي حمل لم يعلم به إلا الطلاق، ~~أنه يلاعنها لنفي ذلك الحمل عنه، وإن كانت بائنا، وأنه إن قذفها بالزنى ~~بعد الطلاق حد، ولم يلاعن لأن تأخيره القذف واللعان إلى زمن بعد الطلاق ~~دليل على أنه قاذف والأظهر ولو كان الطلاق رجعيا، ولم تنقض العدة، وإن ~~كانت الرجعية في حكم الزوجة لأن طلاقه إياها قبل القذف دليل على أنه لا ~~يريد اللعان ويجلد، وهو قول ابن عباس: وقيل: يلاعن الرجعية قبل انقضاء ~~العدة، لأنها في حكم الزوجة، وهو مذهب أحمد المشهور ورواية أبي طالب عنه، ~~وبه قال ابن عمر، وجابر، وزيد، والنخعي، والزهري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ~~عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وله وجه من النظر والله أعلم. # وقال القرطبي: لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في ~~مسألة واحدة، وهي أن يكون الرجل غائبا فتأتى امرأته بولد في مغيبه. وهو ~~لا يعلم فيطلقها فتنقضي عدتها ثم يقدم فينفيه، فله أن يلاعنها هنا بعد ~~العدة. وكذلك لو قدم بعد ms2694 وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدة ~~من العدة، ويرثها لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما اه. منه ولا نص فيه ~~وله وجه من النظر. # وقال القرطبي أيضا: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت، فإن كان هناك نسب يريد ~~أن ينفيه، أو حمل يريد أن يتبرأ منه لاعن، وإلا لم يلاعن. وقال عثمان ~~البتي: لا يلاعن بحال. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن في الوجهين، لأنها ليست ~~بزوجة، وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفا بل هذا ~~أولى، لأن النكاح قد تقدم، وهو يريد الانتفاء من النسب، وتبرئته من ولد ~~يلحق به، فلا بد من اللعان، وإذا لم يكن هناك حمل يرجى، ولا نسب يخاف ~~تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به، وكان قذفا مطلقا داخلا تحت ~~عموم قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4] فوجب عليه الحد، وبطل ما قاله البتي لظهوره فساده انتهى كلام ~~القرطبي. # وقد قدمنا أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من النظر؛ ~~لأنها في حكم الزوجة، وذكرنا ما يظهر لنا أنه أظهر الأقوال في ذلك، ~~وأقوال العلماء، وفائدة لعانه أن يدفع عنه حد القذف، وكون الرجعية ~~كالزوجة قبل انقضاء العدة فيتوارثان، ولا يجوز له تزوج أختها، قبل انقضاء ~~العدة، ولا تزويج رابعة غيرها، لأنها تكون كالخامسة نظرا إلى أن الرجعية ~~كالزوجة، يقتضي أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من ~~النظر، وقد رأيت كثرة من قال به من أهل العلم، ووجه القول بعدمه أنه لما ~~طلقها عالما بزناها في زعمه، دل ذلك على أنه تارك للعان، وينبني على ~~الخلاف المذكور، ما لو ادعى أنها زنت بعد الطلاق الرجعي، وقبل انقضاء ~~العدة، هل يحكم عليه بأنه قاذف، لأنه رماها بزنى واقع بعد الفراق أو له ~~يلاعنها لنفي الحد عنه بناء على أن الرجعية في حكم الزوجة. # أما إن قذفها قبل أن يطلقها ثم طلقها بعد القذف، فالأظهر أن له لعانها ~~مطلقا، ولو كان الطلاق بائنا، لأن القذف وقع وهي ms2695 زوجة غير مطلقة، وروي ~~ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والقاسم بن محمد، ومكحول، ومالك، ~~والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الحارث العكلي، وجابر ~~بن زيد، وقتادة والحكم: يجلد. # وقال حماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي: لا حد ولا لعان، لأن اللعان ~~إنما يكون بين الزوجين وليس هذان بزوجين ولا يحد، لأنه لم يقذف أجنبية. # المسألة العاشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن ظهر بامرأته ~~حمل، وهو قائل إنه ليس منه إذا سكت عن نفي ذلك الحمل حتى وضعته ثم قال ~~إنه إنما سكت عن نفيه مدة الحمل رجاء أن يكون ريحا أو انتفاخا فينفش أو ~~يسقط ميتا، فيستريح بذلك من اللعان أنه يمكن من نفيه بلعان بعد الوضع، ~~لأن العذر الذي أبدى وجيه جدير بالقبول، فإن بادر بنفيه فورا عند وضعه، ~~فلا ينبغي أن يختلف في أن له ينفيه بلعان، وإن سكت عن نفيه بعد الوضع، ثم ~~أراد أن ينفيه بعد السكوت، فهل له ذلك أو ليس له، لأن سكوته بعد الوضع ~~يعد رضى منه بالولد، فلا يمكن من اللعان بعده. لم أعلم في هذه المسألة ~~نصا من كتاب، ولا سنة. والعلماء مختلفون فيها. قال القرطبي: قد اختلف في ~~ذلك ونحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته، حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض ~~به وليس له نفيه، وبهذا قال الشافعي، وقال أيضا متى أمكنه نفيه على ما ~~جرت به العادة من تمكنه من الحاكم، فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك، ~~وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة. وقال أبو يوسف، ومحمد: يعتبر فيه أربعون ~~يوما مدة النفاس قال ابن القصار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم ~~عليه واستلحاق ولد ليس منه، محرم عليه فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه، ~~ويفكر هل يجوز له نفيه أو لا، وإنما جعلنا الحد ثلاثة، لأنه أول حد ~~لكثرة، وآخر حد القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر فيها حال المصراة، ~~وكذلك ينبغي ms2696 أن يكون هنا. # وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهما بأولى من اعتبار مدة الولادة ~~والرضاع، إذ لا شاهد لهما في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهدا في الشريعة ~~من مدة المصراة انتهى كلام القرطبي، ولا يخفى ضعف ما استدل به ابن القصار ~~من علماء المالكية للتحديد بثلاثة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة مبنية على الاختلاف في ~~قاعدة أصولية، وهي هل ينزل السكوت منزلة الإقرار أولى. وقد أشار إلى ذلك ~~صاحب مراقي السعود بقوله: # وجعل من سكت مثل من أقر # فيه خلاف بينهم قد اشتهر # فالاحتجاج بالسكوتى نمى # تفريعه عليه من تقدما # وهو بفقد السخط والضد حرى # مع مضي مهلة للنظر # فمن قال: إن السكوت لا يعد رضى. قال: لأن الساكت قد يسكت عن الإنكار مع ~~أنه غير راضي، ومن قال: إنه يعد رضى، قال لأن سكوته قرينة دالة على رضاه ~~واستأنسوا بقوله صلى الله عليه وسلم في البكر إذنها صماتها، وبعضهم يقول ~~تخصيص البكر بذلك، يدل على أن غيرها ليس كذلك، والخلاف في هذه المسألة ~~معروف في فروع الأئمة وأصولهم، ومن تتبع فروعهم وجدهم في بعض الصور ~~يجعلون السكوت كالرضى كالسكوت عن اللعان زمنا بعد العلم بموجبه، ~~وكالسكوت عن القيام بالشفعة ونحو ذلك، ويكثر في فروع مذهب مالك جعل ~~السكوت كالرضى. # ومن أمثلة ذلك ما قاله ابن عاصم في رجزه في أحكام القضاء في مذهب مالك: # وحاضر لواهب من ماله # ولم يغير ما أرى من حاله # الحكم منعه القيام بانقضا # مجلسه إذ صمته عين الرضى # ولكل واحد من القولين وجه من النظر. # والذي يظهر لنا في مسألة السكوت عن اللعان أنه إنه سكت زمنا يغلب على ~~الظن فيه عادة أنه لا يسكت فيه إلا راض عد رضى وإلا فلا، لأن العرف محكم ~~والعلم عند الله تعالى. # المسألة الحادية عشرة: اعلم أنه إن كان النكاح فاسدا، وقذفها زوجها ~~بالزنى إن كان لنفي نسب يلحق به في ذلك النكاح الفاسد، فلا ينبغي أن ~~يختلف في أنه يلاعن لنفي النسب ms2697 عنه، وإن كان النكاح الفاسد يلحق فيه ~~الولد ولكنه قذفها بالزنى، وأراد اللعان لنفي الحد عنه، فالأظهر أن له ~~ذلك لأنها لما صارت يلحق به ولدها صارت في حكم الفراش. قاله مالك في ~~المدونة، وقال القرطبي: يلاعن في النكاح الفاسد زوجته، لأنها صارت فراشا ~~ويلحق النسب فيه مجرى اللعان فيه. اه. منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن النكاح الفاسد إن كان ~~مجمعا على فساده ولا يلحق الولد فيه أن الزوج القاذف فيه لا يمكن من ~~اللعان، بل يحد حد القذف إن لم يأت بأربعة شهداء، وهذا ظاهر لا يخفى ~~والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثانية عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي في الذي يقذف ~~زوجته الحامل بالزنى، ثم يأتي بأربعة شهداء على زناها: أنه له أن يلاعن ~~لنفي الحمل مع الشهود، لأن شهادة البينة لا تفيد الزوج إلا درأ الحد عنه. ~~أما رفع الفراش، ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان. # وقال القرطبي رحمه الله: اختلفوا أيضا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده؟ ~~فقال مالك والشافعي: يلاعن كان له شهود أو لم يكن، لأن الشهود ليس لهم ~~عمل في غير درإ الحد، وأما رفع الفراش ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنما جعل اللعان إذا لم يكن له شهود غير نفسه ~~لقوله تعالى: # ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم # [النور: 6] اه. منه. # المسألة الثالثة عشرة: قال القرطبي أيضا في تفسيره: يفتقر اللعان إلى ~~أربعة أشياء عدد الألفاظ، وهو أربع شهادات على ما تقدم، والمكان وهو أن ~~يقصد به أشرف البقاع بالبلدان، إن كان بمكة فبين الركن والمقام وإن كان ~~بالمدينة فعند المنبر وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة وإن كان في سائر ~~البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان ~~تعظيمه إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن ~~كانا لا دين لهما مثل الوثنيين، فإنه يلاعن بينهما في مجلس ms2698 حكمه والوقت، ~~وذلك بعد صلاة العصر وجمع الناس، وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، ~~فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان اه. # منه. مع أن مشهور مذهب مالك الذي هو مذهب القرطبي أنه لا ملاعنة بين ~~كافرين وبعض ما ذكره لا يخلو من خلاف. # المسألة الرابعة عشرة: اعلم أن الزوج لا يجوز له نفي الولد بلعان، إلا ~~بموجب يقتضي أن ذلك الولد ليس منه كأن تكون الزوجة زنت، قبل أن يمسها ~~الزوج أصلا، أو زنت بعد أن وضعت، ولم يمسها الزوج بعد الوضع حتى زنت أو ~~زنت في طهر لم يمسها فيه، لأن الحيضة قبل الزنى تدل على أن الحمل من ~~الزنى الواقع بعد الحيض، ولا يجوز له الاعتماد في نفي الحمل باللعان على ~~شبه الولد بغيره ولا بسواد الولد كما قدمنا، ولا بعزل لأن الماء قد يسبق ~~نزعه فتحبل منه، ولا بوطء في فخذين لأن الماء يسيل إلى الفرج فتحمل منه ~~كما قدمنا. # المسألة الخامسة عشرة: اعلم أن كل ولدين بينهما أقل من ستة اشهر فهما ~~توأمان، فلا يجوز نفي أحدهما، دون الآخر، فإن أقر الزوج بأحدهما لزمه ~~قبول الآخر، والظاهر أنه إن نفى أحدهما مع اعترافه بالثاني حد لقذفه كما ~~قاله مالك وأصحابه، ومن وافقهم. # وقد أوضحنا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، ~~ويعلم منه ان كل ولدين بينهما أقل من ستة أشهر فهما توأمان. # وقال ابن قدامة في المغني: وإن ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما ~~دون ستة أشهر، فاستلحق أحدهما، ونفي الآخر لحقا به، لأن الحمل الواحد، لا ~~يجوز أن يكون بعضه منه، وبعضه من غيره، فإذا ثبت نسبت أحدهما منه ثبت نسب ~~الآخر ضرورة، فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه، ولم نجعل ما أقر به ~~تابعا لما نفاه، لأن النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه، ms2699 ولهذا لو أتت امرأته ~~بولد يمكن أن يكون منه، ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطا، ولم ~~نقطعه عنه احتياطا لنفيه إلى أن قال: وإن استلحق أحد التوأمين، وسكت عن ~~الآخر لحقه، لأنه لو نفاه للحقه، فإذا سكت عنه كان أولى، ولأن امرأته متى ~~أتت بولد لحقه ما لم ينفعه عنه بلعان، وإن نفى أحدهما، وسكت عن الآخر ~~لحقاه جميعا. # فإن قيل: ألا نفيتم المسكوت عنه، لأنه قد نفى أخاه، وهما حمل واحد. # قلنا: لحوق النسب مبني على التغليب، وهو يثبت لمجرد الإمكان، وإن كان لم ~~يثبت الوطء ولا ينتفي الإمكان للنفي فافترقا فإن أتت بولد فنفاه ولاعن ~~لنفيه، ثم ولدت آخر لأقل من ستة أشهر لم ينتف الثاني باللعان الأول، لأن ~~اللعان تناول الأول وحده، ويحتاج في نفي الثاني إلى لعان ثان، ويحتمل أن ~~ينتفي بنفيه من غير حاجة إلى لعان ثان، لأنهما حمل واحد وقد لاعن لنفيه ~~مرة فلا يحتاج إلى لعان ثان ذكره القاضي.اه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا الأخير هو الأظهر، لأن الحمل ~~الواحد لا يحتاج إلى لعانين ثم قال في المغني متصلا بكلامه الأول: فإن ~~أقر بالثاني لحقه هو والأول لما ذكرناه، وإن سكت عن نفيه لحقاه أيضا، ~~فأما إن نفي الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل ~~آخر، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل، ولو أمكن لم ~~تكن هذه مدة حمل كامل. فإن نفى هذا الولد باللعان انتفى، ولا ينتفي بغير ~~اللعان لأنه حمل منفرد، وإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه، وإن كانت قد بانت ~~باللعان، لأنه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الأول. وإن لاعنها قبل وضع ~~الأول، فأتت بولد ثم ولدت آخر بعد ستة أشهر لم يلحقه الثاني، لأنها بانت ~~باللعان وانقضت عدتها بوضع الأول، وكان حملها الثاني بعد انقضاء العدة في ~~غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه. ثم قال في المغني أيضا: وإن مات أحد ms2700 ~~التوأمين فله أن يلاعن لنفي نسبهما، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ~~يلزمه نسب الحي، ولا يلاعن إلا لنفي الحد، لأن الميت لا يصح نفيه ~~باللعان، فإن نسبه قد انقطع بموته، فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ~~ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها لكون النكاح قد انقطع، وإذا لم ~~ينتف الميت لم ينتف الحي، لأنهما حمل واحد ولنا أن الميت ينسب إليه، ~~ويقال ابن فلان ويلزمه تجهيزه وتكفينه. فكان له نفي نسبه وإسقاط مؤنته ~~كالحي، وكما لو كان للميت ولد. اه. كلام صاحب المغني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر أنه إن كان للولد الميت الذي ~~يراد نفيه بعد الموت ولد كان حكمه في اللعان كحكم الحي، لأن ولده الحي لا ~~ينتفي إلا بنفي أبيه، فله اللعان لنفي نسب الميت لينتفي عنه ولده، وهذا ~~إن قلنا إن له أن يلاعن بعد هذه المدة الطويلة، لأنه لم ينف الولد الميت ~~إلا بعد أن عاش عمرا يولد له فيه، وقد يكون معذورا بالغيبة زمنا ~~طويلا، وكذلك عند من يقول: إن سكوت لا يسقط اللعان مطلقا كما تقدم، ~~وكذلك ان أريد إلزامه بتكفين الولد الميت وتجهيزه فالأظهر أن له أن ينفيه ~~عنه بلعان ليتخلص من مئونة تجهيزه وتكفينه. # والظاهر أنه إن نفى ولدا بعد موته، فإن كانت أمه حية فلا بد من اللعان، ~~لأنه قاذف أمه، وإن كانت الأم ميتة جرىعلى الخلاف في حد من قذف ميتة، ~~فعلى القول بالحد فله اللعان، وعلى القول بعدمه فلا لعان، وقد قدمنا ~~الخلاف في ذلك. ويعتضد ما ذكرنا بما تقدم قريبا من أن له اللعان لنفي ~~الولد لأنه يجتمع به موجبان للعان، وهما إسقاط الحد ونفي الولد، وبه تعلم ~~أن الأظهر عدم النظر إلى الولد الميت هل ترك مالا أو لا؟ والعلم عند ~~الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن أهل العلم اختلفوا في توأمي الملاعنة المنفيين باللعان، هل ~~يتوارثان توارث الشقيقين أو الأخوين لأم؟ وقال ابن الحاجب من المالكية: ~~هما شقيقان، وقال خليل ms2701 في التوضيح وهو شرحه لمختصر ابن الحاجب في الفقه ~~المالكي: إن كونهما شقيقين هو مشهور مذهب مالك. وقال المغيرة من ~~المالكية: يتوارثان توارث الأخوين لأم كالمشهور عند المالكية في توأمي ~~الزانية والمغتصبة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا أن توأمي الملاعنة ~~يتوارثان الأخوين لأم، وأنهما لا يحكم لهما بحكم الشقيقين، لأنهما لا ~~يحلقان بأب معروف، وإذا لم يكن لهما أب معروف فلا وجه لكونهما شقيقين، ~~ويوضح ذلك أنهما إنما ينسبان لأمهما، وبه تعلم أن مشهور مذهب مالك في هذه ~~المسألة خلاف الأظهر، وأما قول ابن نافع من المالكية: إن توأمي الزانية ~~شقيقان، فهو خلاف التحقيق لأن الزاني لا يلحق به نسب حتى يكون أبا لابنه ~~من الزنى، والرواية عن ابن القاسم بنحو قول ابن نافع ظاهرها السقوط كما ~~ترى، وأما ما قاله ابن رشد في البيان من أن توأمي المسبية، والمستأمنة ~~شقيقان، فوجهه ظاهر والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة عشرة: اعلم أنه إن تزوجها ثم قذفها بعد النكاح قائلا: ~~إنها زنت قبل أن يتزوجها، فإن أهل العلم اختلفوا هل له لعانها نظرا إلى ~~أن القذف وقع وهي زوجته أو يحد لقذفها ولا يمكن من اللعان نظرا إلى أنها ~~وقت الزنى الذي قذفها به أجنبيه منه، وليست بزوجة. # قال ابن قدامة في المغني: وإن قذفها بعد تزوجها بزنى أضافه إلى ما قبل ~~النكاح حد ولم يلاعن، سواء كان ثم ولد أو لم يكن وهو قول مالك وأبي ثور. ~~وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي: وقال الحسن وزرارة بن أبي أوفى ~~وأصحاب الرأي: له أن يلاعن لأنه قذف امرأته، فيدخل في عموم قوله تعالى: # والذين يرمون أزواجهم # [النور: 6] الآية، ولأنه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما ~~قبل النكاح، وحكى الشريف وأبو جعفر عن أحمد رواية أخرى كذلك. وقال ~~الشافعي: إن لم يكن ثم ولد لم يلاعن وإن كان بينهما ولد ففيه وجهان، ولنا ~~أنه قذفها قذفا مضافا إلى حال البينونة فأشبه ما ms2702 لو قذفها وهي بائن ~~وفارق قذف الزوجة، لأنه محتاج إليه، لأنها غاظته وخانته، وإن كان بينهما ~~ولد فهو محتاج إلى نفيه، وههنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في ~~نكاح حامل من الزنى، فلا يشرع له طريق إلى نفيه اه من المغني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أنه ~~إن لم يكن ولد، فلا يمكن الزوج من اللعان، ويحد لقذفها إن لم يأت بأربعة ~~شهداء، لأنه قذفها وهي أجنبية، فيدخل في عموم قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4] الآية لأنه قاذف محصنة ليست بزوجة، والنكاح الطارئ لا يغير ~~الحكم الذي تقرر قبله كما ترى. وإن كان هناك ولد يلحق به لو سكت، وهو ~~يعلم أنه ليس منه استنادا إلى بعض الأمور المسوغة لنفي الولد التي ~~قدمناها أن له أن يلاعن لنفي الولد. # والحاصل: أنه له اللعان لنفي الولد لا لدفع الحد فيما يظهر لنا. والعلم ~~عند الله تعالى. # المسألة السادسة عشرة: فيما لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا يا زانية، ~~فقيل: يلاعن، وقيل: لا يلاعن، لأن القذف إنما وقع بعد البينونة بالثلاث ~~على القول بالبينونة بها، وهو قول جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة ~~وأصحابهم. # قال ابن قدامة في المغني: نقل مهنأ قال سألت أحمد عن رجل قال لامرأته: ~~أنت طالق يا زانية ثلاثا. فقال: يلاعن، قلت: إنهم يقولون يحد، ولا ~~يلزمها إلا واحدة، قال: بئس ما يقولون فهذا يلاعن لأنه قذفها قبل الحكم ~~ببينونتها، فأشبه قذف الرجعية. اه منه وله وجه من النظر. والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة السابعة عشرة: فيما لو جاءت زوجته بولد فنفاه فصدقته الزوجة في ~~أن الولد من غيره، فعلى الزوجة حد الزنى. # واختلف أهل العلم هل ينتفي نسب الولد بتصادقهما بدون لعان، أو لا ينتفي ~~إلا بلعان. وكلا القولين مروي عن مالك، وأكثر الرواة عنه أنه لا ينتفي ~~إلا بلعان. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنه ms2703 لا ينتفي عن ~~الزوج إلا بلعانه، ولا يسقط حقه من لحوق نسبه بتصديق أمه للزوج، لأن ~~للولد حقا في لحوق نسبه فلا يسقط إلا بلعان الزوج، وأما الزوجة فلا يصح ~~منها اللعان في هذه الصورة لأنها مقرة بصدق الزوج في دعواه. # المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن الأظهر عندنا فيمن قذف امرأته فطالبت ~~بحده لقذفها فأقام شاهدين على إقرارها بالزنى الذي قذفها به أن حكم هذه ~~المسألة مبني على الاختلاف في الإقرار بالزنى. هل يثبت بشاهدين كغيره من ~~سائر الأقارير أو لا يثبت إلا بأربعة شهود. فمن قال: يثبت بشاهدين يلزم ~~قوله: أن الرجل لا يحد لقذفها لأن إقرارها بالزنى ثبت بالشاهدين، وعلى ~~الآخر يحد، لأن إقرارها لم يثبت هذا هو الأظهر عندنا. والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الأظهر أنهما شهدا عليه بأنه قذف امرأته ~~وقذفهما أعني الشاهدين لم تقبل شهادتهما بقذف المرأة، لأنهما لما ادعيا ~~عليه أنه قذفهما صارا له عدوين، لأن القذف يستوجب العداوة، قال ابن قدامة ~~في المغني: فإن شهد شاهدان أنه قذف فلانة وقذفنا لم تقبل شهادتهما ~~لاعترافهما بعداوته لهما وشهادة العدو لا تقبل على عدوه، فإن أبرآه وزالت ~~العداوة ثم شهد عليه بذلك القذف لم تقبل لأنها ردت للتهمة، فلم تقبل بعد ~~كالفاسق إذا شهد فردت شهادته لفسقه ثم تاب وأعادها، ولو أنهما ادعيا عليه ~~أنه قذفهما ثم أبرآه وزالت العداوة، ثم شهدا عليه بقذف زوجته قبلت ~~شهادتهما لأنهما لم يردا في هذه الشهادة، ولو شهدا أنه قذف امرأته ثم ~~ادعيا بعد ذلك أنه قذفهما فإن أضافا دعواهما إلى ما قبل شهادتهما، بطلب ~~شهادتهما لاعترافهما أنه كان عدوا لهما حين شهدا عليه، وإن لم يضيفاها ~~إلى ذلك الوقت وكان ذلك قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها، لأنه لا يحكم ~~عليه بشهادة عدوين، وإن كانت بعد الحكم لم يبطل، لأن الحكم تم قبل وجود ~~المانع كظهور الفسق، وإن شهدا أنه قذف امرأته وأمنا لم تقبل شهادتهما، ~~لأنها ردت في البعض للتهمة، فوجب أن ms2704 ترد للكل وإن شهدا على أبيهما أنه ~~قذف ضرة أمهما قبلت شهادتهما وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في ~~الجديد. وقال في القديم: لا تقبل لأنهما يجران إلى أمهما نفعا، وهو أنه ~~يلاعنها فتبين ويتوفر على أمهما وليس بشيء، لأن لعانه لها ينبني على ~~معرفته بزناها لا على الشهادة عليه بما لا يعترف به، وإن شهدا بطلاق ~~الضرة ففيه وجهان: # أحدهما: لا تقبل يجران إلى أمهما نفعا وهو توفيره على أمهما. # والثاني: تقبل لأنهما لا يجران إلى نفسهما نفعا اه من المغني. وكله لا ~~نص فيه ولا يخلو بعضه من خلاف، والأظهر عدم قبول شهادتهما بطلاق ضرة ~~أمهما لأنهما متهمان بجر النفع لأمهما، لأن طلاق الضرة فيه نفع لضرتها ~~كما لا يخفى وشهادة الإنسان بما ينفع أمه لا تخلو من تهمة كما ترى. ~~والعلم عند الله تعالى. # المسألة العشرون: في اختلاف اللغات أو الأزمنة في القذف أو الإقرار به. # قال ابن قدامة في المغني: ولو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها وشهد ~~آخر أنه أقر بذلك بالعجمية، تمت الشهادة، لأن الاختلاف في العربية ~~والعجمية عائد إلى الإقرار، دون القذف، ويجوز أن يكون القذف واحدا ~~والإقرار به في مرتين. وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر يوم الخميس بقذفها، ~~وشهد آخر أنه أقر بذلك يوم الجمعة تمت الشهادة لما ذكرناه، وإن شهد ~~أحدهما أنه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية، أو شهد أحدهما ~~أنه قذفها يوم الخميس، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة أو شهد أحدهما ~~أنه أقر أنه قذفها بالعربية أو بالعجمية أو شهد أحدهما، أنه أقر أنه ~~قذفها بالعربية، أو يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفها بالعجمية، ~~أو يوم الجمعة، أو يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة ففيه ~~وجهان: # أحدهما: تكمل الشهادة وهو قول أبي بكر ومذهب أبي حنيفة، لأن الوقت ليس ~~ذكره شرطا في الشهادة، وكذلك اللسان فلم يؤثر الاختلاف كما لو شهد ~~أحدهما أنه أقر بقذفها يوم الخميس بالعربية وشهد الآخر أنه ms2705 أقر بقذفها ~~يوم الجمعة بالعجمية، والآخر لا تكمل الشهادة، وهو مذهب الشافعي، لأنهما ~~قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم يثبت كما لو شهد أحدهما أنه ~~تزوجها يوم الخميس وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة وفارق الإقرار ~~بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين انتهى ~~من المغني. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة هي المعروفة عند العلماء ~~بالشهادة هل تلفق في الأفعال والأقوال، أو لا تلفق وبعضهم يقول تلفق في ~~الأقوال، دون الأفعال، وبعضهم يقول تلفق فيهما والفرق بينهما ليس بظاهر، ~~وقولهم: هما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما قد يقال فيه، وكذلك ~~الإقرار المختلف وقته أو لسانه هما إقراران لم تتم الشهادة على واحد ~~منهما، وهذه المسألة لا نص فيها كل من الأقوال فيها له وجه من النظر، ~~والخلاف المذكور وعدم النص لا يبعد أن يكون شبهة تدرأ الحد. والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة الواحدة والعشرون: اعلم أن الذي يظهر لنا أنه الصواب أن من نفى ~~حمل امرأته بلعان أنه ينتفي عنه، ولا يلزمه لعان آخر بعد وضعه. وهذا هو ~~التحقيق إن شاء الله تعالى وبه تعلم أن قول أبي حنيفة رحمه الله ومن ~~وافقه من أهل الكوفة، وقول الخرقي، ومن وافقه من الحنابلة أن الحمل لا ~~يصح نفيه باللعان، فلا بد من اللعان بعد الوضع، لأن الحمل قبل الوضع غير ~~محقق، لاحتمال أن يكون ريحا خلاف التحقيق فيما يظهر لنا من انتفاء الحمل ~~باللعان، كما هو قول مالك والشافعي، ومن وافقهم من أهل الحجاز كما نقله ~~عنهم ابن قدامة في المغني، وقصة هلال بن أمية رضي الله عنه صريحة في أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنه حمل امرأته باللعان، ولم يلزمه بإعادة ~~اللعان بعد الوضع، والرواية التي توهم أن لعانه كان بعد الوضع أوضحنا ~~الجواب عنها فيما تقدم بما أجاب به عنها ابن حجر في الفتح. # والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثانية والعشرون: في حكم ms2706 من قذف امرأته باللواط، وقد أوضحنا في ~~سورة هود في الكلام على قصة لوط أقوال أهل العلم في عقوبة اللائط ~~وبينا أن أقواها دليلا قتل الفاعل والمفعول به، وعليه فلا حد بالقذف ~~باللواط وإنما فيه التعزير، وذكرنا قول من قال من أهل العلم أن اللواط ~~حكمه حكم الزنى وعلى هذا القول يلاعن القاذف باللواط وإن امتنع من اللعان ~~حد والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة والعشرون: في حكم من ولدت امرأته ولدا لا يمكن أن يكون ~~منه فإن الولد لا يلحقه ولا يحتاج إلى نفيه بلعان، لأنه معلوم أنه ليس ~~منه كما لو تزوج امرأة فجاءت بولد كامل لأقل من ستة أشهر لأن أقل أمد ~~الحمل ستة أشهر كما أوضحناه في سورة الرعد، ولا خلاف في ذلك بين أهل ~~العلم، وككون الزوج صبيا لا يولد لمثله عادة لصغره ونحو ذلك. # واعلم أن الذي يظهر لنا أنه هو الصواب أن كل ولد جاءت به امرأة الصغير ~~قبل بلوغه أنه لا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان، وبه تعلم أن قول من قال ~~من الحنابلة، ومن وافقهم: إن الزوج إن كان ابن عشر سنين لحقه الولد وكذلك ~~تسع سنين ونصف، كما قاله القاضي من الحنابلة، إنه خلاف التحقيق ~~واستدلالهم على لحوق الولد بالزوج الذي هو ابن عشر سنين بحديث # " واضربوهم على الصلاة لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " # ظاهر السقوط، وإن اعتمده ابن قدامى مع علمه وغيره من الحنابلة. # فالتحقيق إن شاء الله تعالى هو ما قاله أبو بكر من الحنابلة من أنه لا ~~يلحق به الولد حتى يبلغ وهو ظاهر لا يخفى، وكما لو تزوج امرأة في مجلس، ~~ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ثم اتت أمرأته بولد لستة أشهر من حين العقد ~~أو تزوج مشرقي مغربية أو عكسه ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه. قال ~~ابن قدامة في المغني: وبذلك قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: يلحقه ~~نسبه، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل ألا ترى أنكم قلتم ms2707 إذا مضى ~~زمان الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله عدم لحوق الولد ~~فيما ذكر للعلم بأنه ليس منه ولا حاجة لنفيه. # والعلم عند الله تعالى. # المسألة الرابعة والعشرون: اعلم أن أظهر الأقوال وأقواها دليلا، أن ~~المتلاعنين يتأبد التحريم بينهما، فلا يجتمعان أبدا، وقد جاءت بذلك ~~أحاديث منها ما رواه أبو داود من حديث سهل بن سعد، وفيه فمضت السنة بعد ~~في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. انتهى. # وقال في نيل الأوطار: في هذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري ورجاله ~~رجال الصحيح، ومنها ما رواه الدارقطني عن سهل أيضا وفيه # " ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: لا يجتمعان أبدا " # انتهى منه بواسطة نقل المجد في المنتقى، وقال فيه صاحب نيل الأوطار وفي ~~إسناده عياض بن عبد الله، قال في التقريب: فيه لين، ولكنه قد أخرج له ~~مسلم. اه. # ومنها ما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا " # انتهى منه بواسطة نقل المجد أيضا. # ومنها ما رواه الدارقطني أيضا، عن علي رضي الله عنه قال: " مضت السنة ~~في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدا " ، وما رواه الدارقطني أيضا، عن علي، ~~وابن مسعود قالا: مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان، وقال صاحب نيل ~~الأوطار في حديث ابن عباس: أخرج نحوه أبو داود في قصة طويلة، وفي إسنادها ~~عباد بن منصور وفيه مقال، وقال في حديث على وابن مسعود أخرجهما أيضا عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة. انتهى منه. # وبه تعلم أن تأبيد التحريم أصوب من قول من قال من العلماء إن أكذب نفسه ~~حد، ولا يتأبد تحريمها عليه، ويكون خاطبا من الخطاب وهو مروي عن أبي ~~حنيفة ومحمد وسعيد بن المسيب والحسن، وسعيد بن جبير، وبعد العزيز بن أبي ~~سلمة، والأظهر أنه إن أكذب نفسه لحق به الولد وحد خلافا، ms2708 لعطاء القائل: ~~إنه لا يحد. # اعلم أن أقوال أهل العلم في فرقة اللعان قدمناها مستوفاة في سورة البقرة ~~في كلامنا الطويل على آية # الطلاق مرتان # [البقرة: 229] الآية، وقد قدمنا كلام أهل العلم واختلافهم في لعان ~~الأخرس في سورة مريم، ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية، ~~ومن أراد استقصاء مسائل اللعان فلينظر كتب فروع المذاهب الأربعة. ### || [24.21] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من ~~يشآء والله سميع عليم }. # بين جل وعلا في هذه الآية، أنه لولا فضله ورحمته، ما زكا أحد من خلقه ~~ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه. # ويفهم من الآية أنه لا يمكن أحدا أن يزكي نفسه بحال من الأحوال، وهذا ~~المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينا في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى: # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله ~~يزكي من يشآء # [النساء: 49] الآية. وقوله تعالى: # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]. # والزكاة في هذه الآية: هي الطهارة من أنجاس الشرك، والمعاصي. # وقوله: { ولكن الله يزكي من يشآء } أي يطهره من أدناس ~~الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته إلى الإيمان والتوبة النصوح، والأعمال ~~الصالحة. # وهذا الذي دلت عليه هذه الآية المذكورة لا يعارضه قوله تعالى: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9] ولا قوله: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14] على القول بأن معنى تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، لا ~~على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر، ووجه ذلك في قوله: من زكاها أنه لا ~~يزكيها إلا بتوفيق الله وهدايته إياه للعمل الصالح، وقبوله منه. # وكذلك الأمل في قوله: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14] كما لا يخفى. # والأظهر أن قوله: { ما زكا منكم من أحد } الآية: جواب لولا ~~التي تليه، خلافا لمن زعم أنه جواب لولا في قوله: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~رءوف رحيم # [النور: 20] وقد ms2709 تكرر في الآيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا، ~~لدلالة القرائن عليه. ### || [24.22] # نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر رضي الله عنه، ومسطح بن أثاثة بن ~~عباد بن المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ~~ابنة خالة أبي بكر رضي الله عنه، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته ~~وهجرته، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك ~~المذكور في قوله تعالى: # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم # [النور: 11] الاية، وهو ما رموها به من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل ~~السلمي رضي الله عنه. # وقصة الإفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة، وفي ~~الأحاديث الصحاح، فلما نزلت براءة عائشة رضي الله عنها في الآيات ~~المذكورة، حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى ~~عائشة بالإفك ظلما وافتراء، فأنزل الله في ذلك: { ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } ~~الآية. وقوله: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~} أي لا يحلف فقوله: يأتل وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين، تقول العرب ~~آلى يؤلي وائتلى إذا حلف، ومنه قوله تعالى: # للذين يؤلون من نسآئهم # [البقرة: 226] أي يحلفون مضارع آلى يؤلي إذا حلف. ومنه قول امرئ القيس: # ويوما على ظهر الكثيب تعذرت # علي وآلت حلفة لم تحلل # أي حلفت حلفة. وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبد الله بن أبي ~~بكر رضي الله عنهم: # فآليت لا تنفك عيني حزينة # عليك ولا ينفك جلدي أغبرا # والألية اليمين، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز: # قليل الألايا حافظ ليمينه # وإن سبقت منه الألية برت # أي لا يحلف أصحاب الفضل والسعة: أي الغنى كأبي بكر رضي الله عنه، أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة. ~~وقوله: أن يؤتوا: أي لا يحلفوا عن أن يؤتوا، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا وحذف ~~حرف الجر قبل المصدر ms2710 المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد. وكذلك حذف لا ~~النافية قبل المضارع بعد القسم، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهيا ~~عنه. ومفعول يؤتوا الثاني محذوف: أي أن يؤتوا أولي القربى النفقة ~~والإحسان، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه. # وقال بعض أهل العلم قوله: ولا يأتل: أي لا يقصر أصحاب الفضل، والسعة ~~كأبي بكر في إيتاء أولي القربى كمسطح، وعلى هذا فقوله يأتل يفتعل من ألا ~~يألوا في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ. # ومنه قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118] أي لا يقصرون في مضرتكم، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي: # وأشمط عريان يشد كتافه # يلام على جهد القتال وما ائتلا # وقول الآخر: # وإن كنائني لنساء صدق # فما آلى بني ولا أساءوا # فقوله: فما آلى بني: يعني ما قصروا، ولا أبطؤوا والأول هو الأصح. لأن ~~حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحا بنافعة، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف ~~معروف. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل ~~البر من إيتاء أولى القربي والمساكين والمهاجرين، جاء أيضا في غير هذا ~~الموضع كقوله تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس # [البقرة: 224] أي لا تحلفوا بالله عن فعل الخير، فإذا قيل لكم: اتقوا ~~وبروا، وأصلحوا بين الناس قلتم: حلفنا بالله لا نفعل ذلك، فتجعلوا الحلف ~~بالله سببا للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية. # وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتيتن على المعنى المذكور، وذكرنا ما يوضحه من ~~الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وليعفوا وليصفحوا } ~~فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن ~~يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته. # والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم، والصفح، قال بعض أهل ~~العلم مشتق ms2711 من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها ~~بصفحة العنق، معرضين عنها. وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء ~~مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون ~~في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن الناس والله يحب المحسنين # [آل عمران: 133 134] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن ~~الناس، من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على ذلك. ودلت أيضا: على أن ~~ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به وكقوله تعالى: # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ~~فإن الله كان عفوا قديرا # [النساء: 149] وقد بين تعالى في هذه الاية أن العفو مع القدرة من صفاته ~~تعالى، وكفى بذلك حثا عليه. وكقوله تعالى: # فاصفح الصفح الجميل # [الحجر: 85] وكقوله: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم } دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات ~~غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى ~~والله نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق على مسطح، ومفعول أن يغفر الله ~~محذوف للعلم به: أي يغفر لكم ذنوبكم. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أولي القربى } أي أصحاب ~~القرابة، ولفظه أولى اسم جمع لا واحد له من لفظه يعرب إعراب الجمع المذكر ~~السالم. # في هذه الآية الكريمة، دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العلم الصالح، ~~لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر ولم ~~يبطل هجرته لأن الله قال فيه بعد قذفه لها { والمهاجرين في ~~سبيل الله } فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه ~~لعائشة رضي الله عنها. # قال القرطبي في هذه الآية: دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا يحبط ~~الأعمال، لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله ms2712 بالهجرة والإيمان، وكذلك ~~سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] اه. # وما ذكر من أن الآية وصف مسطح بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان ~~معلوما. # وقال القرطبي أيضا: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب ~~الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء، هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى ~~من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله ~~عز وجل قوله تعالى: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47] وقد قال تعالى في آية أخرى # والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # [الشورى: 22] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. # ومن آيات الرجاء قوله تعالى # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [الزمر: 53] الآية. وقوله تعالى: # الله لطيف بعباده # [الشورى: 19] وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من ~~أمته في النار. انتهى كلام القرطبي. # وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل، آية الدين: وهي أطول ~~آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله تبارك وتعالى فيها الطرق الكفيلة ~~بصيانة الدين من الضياع، ولو كان الدين حقيرا كما يدل عليه قوله ~~تعالى فيها: # ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى ~~أجله # الآية [البقرة: 282] قالوا هذا من المحافظة في آية الدين على صيانة مال ~~المسلم، وعدم ضياعه، ولو قليلا يدل على العناية التامة بمصالح المسلم، ~~وذلك يدل على ان اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، ~~وشدة حاجته إلى ربه. # قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله ~~تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ms2713 مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ~~ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب # [فاطر: 3235]. # قد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب، ~~دليل على أن الله اصطفاها في قوله: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32] وبين أنهم ثلاثة أقسام: # الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضا فهو الذي ~~قال الله في فيه # خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم # [التوبة: 102]. # والثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب ~~بالنوافل من الطاعاتز # والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات ~~ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح ~~الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق، ثم إنه تعالى بين أن ~~إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو ~~لا يخلف المعياد في قوله: # جنات عدن يدخلونها # [فاطر: 33] إلى قوله: # ولا يمسنا فيها لغوب # [فاطر: 35] والواو في يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد والسابق على ~~التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، ~~فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل ~~على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن ~~الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية من أرجى آيات القرآن، ~~ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة ~~في الآية شامل لجميع المسلمين ولذا قال بعدها متصلا بها # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور # [فاطر: 36] إلى قوله: # فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37]. # واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد ms2714 بالجنة على المقتصد ~~والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا ~~يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه، لأن أكثر أهل الجنة ~~الظالمون لأنفسهم لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم. كما قال ~~تعالى: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما ~~هم # [ص: 24]. ### || [24.24] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات، أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، وبين في غير هذا ~~الموضع أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه يوم القيامة غير اللسان كقوله ~~تعالى: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # [يس: 65] وقوله تعالى: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 2021] إلى قوله تعالى: # وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين # [فصلت: 2023]. ### || [24.25] # قوله تعالى: { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق }. # المراد بالدين هنا الجزاء، ويدل على ذلك قوله: يوفيهم، لأن التوفية تدل ~~على الجزاء كقوله تعالى: # ثم يجزاه الجزآء الأوفى # [النجم: 41] وقوله تعالى: # وإنما توفون أجوركم يوم القيامة # [آل عمران: 185] وقوله: # ثم توفى كل نفس ما كسبت # [آل عمران: 161] و [البقرة: 281] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله: دينهم، أي جزاءهم الذي هو في غاية العدل والإنصاف، وقال ~~الزمخشري: دينهم الحق: أي جزاءهم الواجب الذي هم أهله والأول أصح، لأن ~~الله يجازي عباده بإنصاف تام، وعدل كامل، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة ~~كقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها # [النساء: 40] وقوله: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44] وقوله: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ms2715 ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ومن إتيان الدين ~~بمعنى الجزاء في القرآن قوله تعالى: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. ### || [24.27] # اعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك أن من أجل ~~التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى: ~~وقال ابن حجر في الفتح: وحكى الحطاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: ~~الاستئذان. وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل ~~منهما شاهد من كتاب الله تعالى. # الوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي ~~يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، ~~فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازما للإذن ~~أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم ~~أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، ~~وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي ~~هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: # لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم # [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى بعده: # فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم # [النور: 28]، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل ~~الكناية، والارداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع ~~الإذن. # الوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، ~~والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا أو علمه. # والمعنى: حتى تستعملوا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول ~~العرب: استئنس هل ترى أحدا، واستأنست فلم أر أحدا، أي تعرفت واستعلمت، ~~ومن هذا المعنى قوله تعالى: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء: 6] أي علمتم رشدهم وظهر لكم. وقوله تعالى عن موسى: # إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس # [طه: 10] وقوله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا # [القصص: 29] الآية فمعنى آنس نارا: ms2716 رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول ~~نابغة ذبيان: # كأن رحلي وقد زال النهار بنا # بذي الجليل على مستأنس وحد # من وحش وجرة موشى أكارعه # طاوى المصير كيف الصيقل الفرد # فقوله على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته، ومعنى كونه مستأنسا أنه ~~يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة في نظره إليهم، ومنه أيضا قول ~~الحارث بن حلزة اليشكري: يصف نعامة شبه بها ناقته: # آنست نبأة وأفزعها القنا # ص عصرا وقد دنا الإمساء # فقوله آنست نبأة: أي أحست بصوت خفي، وهذا الوجه الذي هو أن معنى ~~تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف ~~إنما هو يكون بالاستئذان أظهر عندي: وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه ~~الأول، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا. # وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى ~~تستأنسوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا تستأنسوا غلطا بدل ~~تستأذنوا لا يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عند ~~بعض أهل العلم. # ولو فرضنا صحته فهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم ~~يطلع على ذلك، لأن جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على كتابة تستأنسوا ~~في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا، ومضى على ذلك ~~إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير ~~نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير، كما قال ~~تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] وقال فيه # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] وقال تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه # [القيامة: 1617] الآية. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول ~~الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله { لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } الآية. نهي صريح، والنهي ~~المتجرد عن القرائن يفيد التحريم ms2717 على الأصح، كما تقرر في الأصول. # المسألة الثانية: اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل ~~واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ~~ولا يزد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه ثابت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، ~~حدثنا يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: ~~استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ~~ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " # فقال: والله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب: ولله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، ~~فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ذلك. # وقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينه: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت ~~أبا سعيد بهذا اه بلفظه من صحيح البخاري، وهو نص صحيح صريح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة رجع. ~~وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير ~~الناقد، حدثنا سفيان بن عيينه، حدثنا والله يزيد بن خصيفة، عن بسر ~~بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: كنت جالسا ~~بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعا أو مذعورا قلنا: ما ~~شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثا فلم يرد ~~علي فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ~~ثلاثا، فلم يردوا علي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا ms2718 استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " # فقال عمر: أقم عليها البينة، وإلا أوجعتك. ققال أبي بن كعب: لا ~~يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب ~~به. حدثنا قتيبة بن سعيد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن ~~خصيفة بهذا الإسناد، وزاد ابن أبي عرم في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت ~~معه، فذهبت إلى عمر فشهدت. اه بلفظه من صحيح مسلم. وفي لفظ عند مسلم من ~~حديث أبي سعيد قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على ~~هذا فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا، قم يا أبا ~~سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول هذا. # وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد فقال: إن كان هذا شيئا حفظته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فها، وإلا فلأجعلنك عظة. قال أبو ~~سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~الاستئذان ثلاث قال فجعلوا يضحكون، قال فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد ~~أفزع، تضحكون انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد. # وفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ~~ثلاثا إلى قوله: قال لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن فخرج فانطلق إلى ~~مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد: ~~فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق في الأسواق. وفي لفظ عند مسلم من حديث ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لتأتيني على هذا ببينة. وإلا ~~فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر ~~عشية. وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء العشي وجدوه قال يا أبا ~~موسى: ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: ms2719 نعم أبي بن كعب رضي الله عنه قال عدل ~~يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذلك يا بن الخطاب، فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال سبحان الله: إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت. # وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر آنت سمعت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، فلا تكن يابن الخطاب عذابا على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس في هذه الرواية قول عمر سبحان الله، ~~وما بعده. # فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد وأبي موسى، وأبي بن كعب رضي الله ~~عنهم تدل دلال صحيحة صريحة على أن الاستئذان ثلاث. وقال النووي في شرح ~~مسلم: وأما قوله لا يقوم إلا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا ~~معروف لكبارنا، وصغارنا. حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.اه منه. والظاهر منه كما قال وهذا الروايات الصحيحة ~~الصريحة تبين أن هذا الاستئذان المعبر عنه في الآية بالاستئناس والسلام ~~المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في ~~الآية، هو الاستئذان المكرر ثلاثا، لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد ~~كتاب الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وبذلك تعلم ~~أنما قاله ابن حجر في فتح الباري: من أن المراد بالاستئناس في قوله ~~تعالى: حتى تستأنسوا: الاستئذان بتنحنح، ونحوه عند الجمهور خلاف التحقيق، ~~وما استدل به لذلك من رواية الطبري من طريق تفسير الآية بما ذكر إلى آخر ~~ما ذكر من الأدلة لا يعول عليه، وأن الحق هو ما جاءت به الروايات الصحيحة ~~من الاستئذان والتسليم ثلاثا كما رأيت. # وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال ~~الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثا إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " الاستئذان ثلاث " # يؤيدها أنه صلى الله ms2720 عليه وسلم كذلك كان يفعل. قال # ابن حجر في الفتح: وفي رواية عبيد بن حنين، التي أشرت إليها في الأدب ~~المفرد، زيادة مفيدة، وهي أن أبا سعيد أو أبا مسعود قال لعمر: خرجنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه فسلم، فلم ~~يؤذن له، ثم سلم الثانية لم يؤذن له، ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له، فقال ~~قضينا ما علينا، ثم رجع فأذن له سعد الحديث. فثبت ذلك من قوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن فعله وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها ابو داود من حديث قيس ~~بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره كذا ~~فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق ~~مولاة سعد. # اه محل الغرض منه. وقوله: فثبت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم، ومن ~~فعله: يدل على أن قصة استئذانه صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة ~~صحيحة ثابتة. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الإمام أحمد: حدثنا ~~عبد الرزاق، أخبرنا عمر عن ثابت، عن أنس أو غيره " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال ~~سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~سلم ثلاثا عليه ورد سعد ثلاثا ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي ~~بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ~~ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبا فأكل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~فرغ قال: # " أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون " # وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو والأوزاعي سمعت يحيى بن أبي ~~كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد هو ~~ابن ms2721 عبادة قال: " زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد ردا خفيا فقلت ألا تأذن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا. ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع سلامك ~~وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " ، وذكر ابن كثير القصة إلى آخرها ثم قال: وقد روي هذا ~~من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوى والله أعلم. # وبما ذكرنا تعلم أن الاستئناس في الآية الاستئذان ثلاثا، وليس المراد ~~به التنحنح ونحوه، كما عزاه في فتح الباري للجمهور. واختلف هل يقدم ~~السلام أو الاستئذان؟ قال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أن ~~الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة: ~~أن يسلم ويستأذن ثلاثا فيجمع بين السلام، والاستئذان، كما صرح به في ~~القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام، ثم الاستئذان أو تقديم ~~الاستئذان ثم السلام والصحيح الذي جاءت به السنة. وقاله المحققون: إنه ~~يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ والثاني يقدم الاستئذان، ~~والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب ~~المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام. # انتهى محل الغرض منه بلفظه. ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على ~~الاستئاذن، وتقديم الاستئناس، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما ~~يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو كقوله تعالى: # يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين # [آل عمران: 43] والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: ms2722 # ومنك ومن نوح # [الأحزاب: 7] الآية ونوح قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا معروف ولا ~~ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مرادا بها الترتيب كقوله تعالى: # إن الصفا والمروة # [البقرة: 158] الآية وقد قال صلى الله عليه وسلم # " أبدأ بما بدأ الله به " # وفي رواية # " فأبدوا بما بدأ الله به " # بصيغة الأمر وكقول حسان رضي الله عنه: # هجوت محمدا وأجبت عنه # وعند الله في ذاك الجزاء # على رواية الواو في هذا البيت. # وإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي ~~إلا مطلق التشريك بين المعطوف، والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه قام ~~دليل على إرادة الترتيب في العطف، كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو ~~دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، لأن جواب الهجاء لا يكون إلا بعده، ~~أنها تدل على الترتيب لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن ~~بصددها لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو.اه. # وذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية أحاديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في السنن وغيرها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تكرر منه ~~تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه، بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فانظره، ~~وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول ~~المستأذن: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، كما ~~دلت عليه الأدلة. # واعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها ~~تغاير لأن في بعضها: أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه، فرده من ~~حينه، وفي بعضها أنه لم يأته إلا في اليوم الثاني، وجمع بينها ابن حجر في ~~الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع ~~إلى عمر إلا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال إلى أن ~~قال ويجمع ms2723 بينهما: بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه ~~فأخبر برجوعه فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر ~~في اليوم الثاني. # اه منه. والعلم عند الله تعالى. # تنبيهات تتعلق بهذه المسألة # الأول: اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد ~~الثالثة، لأنهم لما سمعوه، ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإذن، وقد بينت ~~السنة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاثة، خلافا لمن قال من أهل العلم: إن ~~له أن يزيد على الثلاث مطلقا، وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أولا، فإنه ~~يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه ~~بأنهم سمعوه. # التنبيه الثاني: اعلم أن الذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة، أنه إن علم أن ~~أهل البيت، لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة، بل ينصرف بعدها ~~لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوه خلافا لمن قال له ~~الزيادة، ومن فصل في ذلك، وقال النووي في شرح مسلم: أما إذا استأذن ~~ثلاثا، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب أشهرها أنه ~~ينصرف، ولا يعيد الاستئذان. والثاني يزيد فيه، والثالث إن كان بلفظ ~~الاستئذان المقتدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده. فمن قال بالأظهر فحجته ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " فلم يؤذن له فليرجع " # ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن والله ~~أعلم. # والصواب إن شاء الله تعالى هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث، لأنه ~~ظاهر النصوص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ~~كما هو مقرر في الأصول. # التنبيه الثالث: قال بعض أهل العلم: إن المستأذن ينبغي له ألا يقف تلقاء ~~الباب بوجهه ولكنه يقف جاعلا الباب عن يمينه أو يساره، ويستأذن وهو ~~كذلك، قال ابن كثير: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف ~~تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه، ms2724 أو يساره لما رواه أبو ~~داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية بن ~~الوليد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بشر قال " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ~~ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول # " السلام عليكم: السلام عليكم " # وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. انفرد به أبو داود. وقال أبو ~~داود أيضا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير، ح، وثنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة، ثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل قال عثمان: سعد، ~~فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم، يستأذن فقام على الباب، قال ~~عثمان: مستقبل الباب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " هكذا عنك أو هكذا فإنما الاستئذان من النظر " # ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن ~~رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود، من حديثه انتهى ~~من ابن كثير، والحديثان اللذان ذكرهما عن أبي داود نقلناهما من سنن أبي ~~داود لأن نسخة ابن كثير التي عندنا فيها تحريف فيهما. # وفيما ذكرنا دلالة على ما ذكرنا من أن المستأذن لا يقف مستقبل الباب ~~خوفا أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ~~ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى من في داخل ~~البيت. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة: اعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت، فلا ~~يجوز له أن يقول له: أنا بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورا به، لأن ~~لفظة: أنا يعبر بها كل أحد عن نفسه فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وقد ثبت ~~معنى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن ms2725 عبد الملك ~~حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرا رضي الله عنه يقول: # " " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب ~~فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا،كأنه كرهها " " # انتهى منه، وتكريره صلى الله عليه وسلم لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها ~~من جابر، لأنها لا يعرف بها المستأذن فهي جواب له صلى الله عليه وسل، بما ~~لا يطابق سؤاله، وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بأنا، لا يجوز لكراهة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وعدم رضاه به خلافا لمن قال: إنه مكروه ~~كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن ~~نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن ~~عبد الله رضى الله عنهما قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدعوت فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم:من هذا؟ قلت أنا فخرج وهو يقول: أنا أنا " # حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال قال ~~يحيى أخبرنا وقال أبو بكر: حدثنا وكيع عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، ~~عن جابر بن عبد الله قال: # " استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنا انا " # وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شميل، وأبو عامر العقدي " ~~ح " وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير " ح " وحدثني عبد الرحمن ~~بن بشر، حدثنا بهز كلهم عن شبعة بهذا الإسناد، وفي حديثهم كأنه ~~كره ذلك. انتهى منه، وقول جابر، كأنه كره ذلك فيه أنه لا يخفى من تكريره ~~صلى الله عليه وسلم لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه ~~غير الشيخين من باقي الجماعة. # المسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل ~~يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن ms2726 دخل على ~~من ذكر يغير استئذن فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له. # وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: " إنما جعل الاستئذان من أجل ~~البصر " ، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، ~~لئلا تكون منكشفة العورة: وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ~~ابن عمر، إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن. ومن طريق علقمة: ~~جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها ~~تريد أن. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرا: سأل رجل حذيفة: أستأذن ~~على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة، ~~دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟ ~~ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال نعم، قلت إنها في ~~حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى ~~من فتح الباري. # وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستذان على من ذكرنا، ~~ويفهم من الحديث الصحيح: # " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " # فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى، وقال ابن كثير رحمه الله ~~في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم أخبرنا أشعت بن سوار، عن ~~كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، وقال ~~أشعث، عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها ~~لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك ~~الحال: فنزلت: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ~~} [النور: 27] الآية، وقا ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: # إن ms2727 أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] قال يقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتا إلى أن قال: ~~والأدب كله قد جحده الناس قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي ~~في بيت واحد؟ قال نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى فقال تحب أن تراها ~~عريانه، قلت لا قال فاستأذن، قال: فراجعته فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: ~~قلت نعم، قال فاستأذن، قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما ~~من امرأة أكره إلى أن أرى عورتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك، ~~وقال ابن جريج عن الزهري سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن ~~مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم. اه محل الغرض منه، وهو يدل على ما ~~ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته أن ~~الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله تعالى: { لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ولأنه لا حشمة بين الرجل ~~وامرأته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ~~ولو كان أبا أو أما أو ابنا كما لا يخفى، ويدل له الأثر الذي ذكرناه ~~آنفا عن موسى بن طلحة: أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن ~~يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن. # وقال ابن كثير في تفسيره: وقال ابن جريج قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على ~~امرأته؟ قال لا، ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب وإلا ~~فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا ~~تحب أن يراها عليها. ثم نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده عن زينب امرأة ~~ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح ~~وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه قال: وإسناده صحيح اه محل الغرض ~~منه. والأول أظهر ولا سيما ms2728 عند من يرى إباحة نظر الزوج إلى فرج امرأته ~~كمالك وأصحابه ومن وافقهم. والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة: إذا قال أهل المنزل للمستأذن: ارجع وجب عليه الرجوع ~~لقوله تعالى: # وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم # [النور: 28] وكان بعض أهل العلم يتمنى إذا استأذن على بعض أصدقائه أن ~~يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله # هو أزكى لكم # [النور: 28] لأن ما قال الله إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيرا ~~وأجرا. والعلم عند الله تعالى. # المسألة السابعة: اعلم أن أقوى الأقوال دليلا وأرجحها فيمن نظر من كوة ~~إلى داخل منزل قوم ففقأوا عينه التي نظر إليهم بها، ليطلع على عوراتهم ~~أنه لا حرج عليهم في ذلك من إثم ولا غرم دية العين ولا قصاص، وهذا لا ~~ينبغي العدول عنه لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن ~~فيه، ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم لسقوطها عندنا، ~~لمعارضتها النص الثابت عنه صلى الله عليه وسلم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه ~~فلا دية له، ثم ذكر من أحاديث هذه الترجمة: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا ~~سفيان، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن ~~عليك جناح " # اه منه، والجناح الحرج. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ~~الصحيح: # " لم يكن عليك جناح " # لفظ جناح فيه نكرة في سياق النفي فهي تعم رفع كل حرج من إثم ودية وقصاص ~~كما ترى. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، ~~حدثنا جرير عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا ms2729 عينه " # اه منه. # وهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم أنهم يحل لهم أن ~~يفقؤوا عينه. وكون ذلك حلالا لهم مستلزم أنهم ليس عليهم فيه شيء من إثم، ~~ولا دية، ولا قصاص، لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة، كما لا يخفى. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه متصلا بكلامه هذا الذي ~~نقلنا عنه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان ~~عليك من جناح " # اه منه. # وقد بينا وجه دلالته على أنه لا شيء في عين المذكور، وثبوت هذا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما رأيت يدل على أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر ~~إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم. ~~ويزيد ما ذكرنا توكيدا وإيضاحا ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من أنه ~~هم أن يفعل ذلك. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه تحت الترجمة المذكورة آنفا وهي قوله: ~~باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ~~حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس رضي الله عنه: أن ~~رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو ~~مشاقص، وجعل يختله ليطعنه. # حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي ~~أخبره: أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ~~صلى الله عليه ms2730 وسلم قال: # " لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إنما جعل الإذن من قبل البصر " " # اه منه، وقد ذكر البخاري هذه الأحاديث التي ذكرناها عنه هنا في كتاب ~~الديات. # وقد قال في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر: حدثنا علي بن ~~عبد الله. حدثنا سفيان: قال الزهري حفظته كما أنك ها هنا عن سهل بن سعد ~~قال، اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى ~~الله عليه وسلم مدرى يحك بها رأسه فقال: # " لو أعلم أنك تنظر لطعنت به عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ". # حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه: أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص، أو بمشاقص فكأني أنظر ~~إليه يختل الرجل ليطعنه. وهذه النصوص الصحيحة تويد ما ذكرنا فلا التفات ~~لمن خالفها من أهل العلم، ومن أولها، لأن النص لا يجوز العدول عنه، إلا ~~لدليل يجب الرجوع إليه. # واعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا ~~كان طويلا غير عريض، وقوله في الحديث المذكور: من جحر في حجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. الحجر الأول. بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل ثقب ~~مستدير في أرض أو حائط: والثاني: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة: ~~وهي ناحية البيت. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل ~~فضيل بن الحسين وقتيبة بن سعيد، واللفظ ليحيى، وأبي كامل قال يحيى: ~~أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن رجلا اطلع من بعض جحر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ms2731 يختله ليطعنه. # وفي لفظ عند مسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث سهل بن سعد ~~الساعدي: أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " # وفي مسلم روايات أخر بهذا المعنى قد اكتفينا منها بما ذكرنا. # وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها ولا تأويلها بغير ~~مستند صحيح من كتاب أو سنة. ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين ~~الخائنة يحل أخذها، وتكون هدرا، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ~~ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة الثامنة: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولا إلى شخص ليحضر ~~عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا، هل يكون الإرسال إليه إذنا، لأنه طلب ~~حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله ~~الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا ~~أتى المنزل استئذانا جديدا، ولا يكتفي الإرسال؟ وكل من القولين قال به ~~بعض أهل العلم، واحتج من قال: إن الإرسال إليه إذن يكفي عن الاستئذان عند ~~إتيان المنزل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا ~~حماد عن حبيب وهشام عن محمد عن أبي هرير أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " رسول الرجل إلى رجل إذنه " # حدثنا حسين بن معاذ، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، ~~عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن " # قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع ms2732 ~~شيئا. اه من أبي داود. # قال ابن حجر في فتح الباري: وقد ثبت سماعه منه في الحديث الذي سيأتي في ~~البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع ~~حدثه. اه. # ويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقا: باب إذا دعي الرجل ~~فجاء هل يستأذن. وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " هو إذنه " # اه. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم، إلا ما هو صحيح عنده كما ~~قدمناه مرارا. # وقال ابن حجر في الفتح: في حديث: كون رسول الرجل إلى الرجل إذنه. وله ~~متابع أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ~~بلفظ # " رسول الرجل إلى الرجل إذنه " # ، وأخرج له شاهدا موقوفا على ابن مسعود قال: " إذا دعي الرجل فهو ~~إذنه " وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعا انتهى محل الغرض منه. # فهذه جملة أدلة من قالوا: بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم. # وأما الذين قالوا: يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل، ولا يكتفي بإرسال ~~الرسول، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ~~عمر بن ذر، حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، ~~أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجد لبنا في قدح فقال، # " أبا هر الحق أهل الصقة فادعهم إلي " # ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا " اه منه. ~~قال هذا الحديث الصحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم أرسل أبا هريرة ~~لأهل الصفة، ولم يكتفوا بالإرسال عن الاستئذان ولو كان يكفي عنه لبينه ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. # ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى الآية، { لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } الآية، لأن ~~ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره، وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة ms2733 ~~القولين. قال ابن حجر في فتح الباري: وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على ~~اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف ~~الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن ~~في العادة، وإلا لم يحتج إلى استئناف إذن. وقال ابن التين: لعل الأول ~~فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال والاستئذان ~~على كل حال أحوط وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول، ~~ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان، وبهذا ~~جمع الطحاوي، واحتج بقوله في حديث: فاقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا ~~هريرة لم يكن معهم، وإلا لقال فأقبلنا كذا. قال اه كلام ابن حجر وأقربها ~~عندي الجمع الأخير، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود ~~المتقدم: " فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن ". والعلم عند الله تعالى. ### || [24.30-31] # قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن }. # أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في ~~حفظ الفرج: حفظه من الزنى، واللواط، والمساحقة، وحفظه من الإبداء للناس ~~والانكشاف لهم، وقد دلت آيات أخر على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه ~~بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في ~~سورة المؤمنون وسأل سائل # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين # [المؤمنون: 56]. # فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم ~~حفظه عن الزوجه والموطوءة بالمك. # وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجب عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في ~~الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون: 5] في سورة # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال ~~والنساء ms2734 بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في ~~سورة الأحزاب وذلك في قوله تعالى: # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب: 35] إلى قوله تعالى: # والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما # [الأحزاب: 35] وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32] وقوله تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من ~~تاب # [الفرقان: 68 6970] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ ~~الفرج عن اللواط وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط كقوله: # أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 165166] وقوله تعالى: # ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ~~ناديكم المنكر # [العنكبوت: 2829] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة ~~هود وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة. # واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير ~~رحمه الله في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما ~~قال تعالى # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون: 5] الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث ~~في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. # اه منه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم } الآيتين [النور: 30] قال الزمخشري في الكشاف: من ~~للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز ~~الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه، فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون ~~حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى ms2735 أن المحارم لا بأس ~~بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن وأقدامهن وكذلك ~~الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى ~~الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقا ان أبيح النظر إلا ما ~~استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ويجوزأن يراد مع حفظها من ~~الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء. # وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى إلا هذا فإنه ~~أراد به الاستتار. اه كلام الزمخشري. # وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه ~~نظر. بل يدخل فيه دخولا أوليا حفظه من الزنى واللواط، ومن الأدلة على ~~ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج لأن النظر بريد الزنى ~~كما سيأتي إيضاحه قريبا إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من ~~المحارم لا يخلو بعضه من نظر وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله ~~في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة ~~الحجاب في سورة الأحزاب. # وقول الزمخشري: إن " من " في قوله { يغضوا من أبصارهم } ~~[النور: 30] للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن ~~نظرة الفجاءة لا حرج فيها وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرا عمدا ~~إلى ما لا يحل، وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من ~~أن من زائدة لا يعول عليه. وقال القرطبي وقيل: الغض: النقصان: يقال: غض ~~فلان من فلان: أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ~~ومنقوص، فمن صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اه منه. # والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضا ~~بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثلة تعدي الغض ~~للمعقول بنفسه قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وقول عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها ms2736 # وقول الآخر: # وما كان غض الطرف منا سجية # ولكننا في مذحج غربان # لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف. # ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: { يغضوا من أبصارهم } ~~[النور: 30] { يغضضن من أبصارهن } [النور: 31] وما ذكره ~~هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله، ولم يغض ~~بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: # يعلم خآئنة الأعين # [غافر: 19]. # وقد قال البخاري رحمه الله: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء ~~العجم يكشفن صدورهن ورؤسهن، قال اصرف بصرك عنهن، يقول الله عز وجل { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم } [النور: 30] قال قتادة: عما لا يحل لهم: { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم } [النور:30] خائنة الأعين النظر إلى ما نهي عنه. اه محل ~~الغرض منه بلفظه. # وبه تعلم أن قوله تعالى: # يعلم خآئنة الأعين # [غافر: 19] فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا ~~الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر، إلى ما لا يحل، جاء موضحا في ~~أحاديث كثيرة. # منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إياكم والجلوس بالطرقات، " # قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: # " إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، " # قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: # " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ~~" # انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه. # ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: # " أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز ~~راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس ~~يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن ms2737 الفضل فعدل وجهه عن ~~النظر إليها " # الحديث. # ومحل الشاهد منه: أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها، ~~فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن ~~وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن ~~شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب. # ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها ~~تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئا ~~اشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: ~~النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ~~كله ويكذبه " # اه هذا لفظ البخاري، والحديث منتفق عليه، وفي بعض روايات زيادة على ما ~~ذكرنا هنا. # ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: فزنى العين النظر، فإطلاق اسم ~~الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل # واضح على تحريمه والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة. # ومعلوم أن النظر سبب الزنى فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا ~~قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنا يكون سبب هلاكه، والعياذ بالله، ~~فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: # كسبت لقلبي نظرة لتسره # عيني فكانت شقوة ووبالا # ما مر بي شيء أشد من الهوى # سبحان من خلق الهوى وتعالى # وقال آخر: # ألم ترى أن العين للقلب رائد # فما تألف العينان فالقلب آلف # وقال آخر: # وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر # عليه ولا عن بعضه أنت صابر # وقال أبو الطيب المتنبي: # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه # فمن المطالب والقتيل القاتل # وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه ذم الهوى فصولا جيدة نافعة أوضح ~~فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها ms2738 منه، وذكر كثيرا من أشعار ~~الشعراء، والحكم النثرية في ذلك وكله معلوم. والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ~~}. # اعلم أولا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال: # الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها. # الثاني: أن الزينة هي ما يتزين به خارجا عن بدنها. # وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان: # أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالملاءة ~~التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار. # والثاني: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في ~~العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما ~~تسلتزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية ~~محله من البدن كما لا يخفى. # وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن ~~رجحانه. # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية وقوله تعالى: { ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها } [النور: 31] أي لا يظهرن شيئا ~~من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود كالرداء ~~والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ~~ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها ~~إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال ~~بقول ابن مسعود الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، ~~وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها } قال: وجهها وكفيها والخاتم. # وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، ~~وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي ~~نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ~~قال في قوله: { ولا يبدين زينتهن } الزينة: القرط، والدملوج، ~~والخلخال، والقلادة. وفي رواية ms2739 عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان، ~~فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي ~~الظاهر من الثياب، قال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله من لا تحل ~~له إلا الأسوة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو ~~منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري { إلا ما ظهر منها } ~~الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر ~~منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث ~~الذي رواه أبو داود في سننه: حدثنا يقعوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن ~~الفضل الحراني: قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير، عن قنادة، عن خالد ~~بن دريك، عن عائشة رضي الله عنها: " أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: # " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ~~" # وأشار إلى وجهه وكفيه. ولكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، ~~خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والله أعلم. اه كلام ابن ~~كثير. # وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: { إلا ما ظهر منها } ~~[النور: 31] واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة، هو ~~الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا، وعطاء، ~~والأوزاعي: الوجه والكفان، والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن ~~مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة ~~والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر ~~الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ~~ويديها إلى هنا وقبض على نصف الذراع ". # قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن ms2740 المرأة مأمورة بأن لا تبدي ~~وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ~~ضرورة. حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا ~~الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. # قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة ~~وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل ~~لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر القرطبي حديث ~~عائشة المذكور الذي قدمناه قريبا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من ~~علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ~~ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. اه محل ~~الغرض من كلام القرطبي. # وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما ~~كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفى ~~منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا ~~تبديه إلا لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر ~~بالتصون، والتستر، لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر ~~إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، ~~والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها ~~لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في ~~حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في ~~الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف ~~عنها إلى آخر كلامه. # وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، ~~وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في ~~قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن } [النور: 31] قال: الزينة ~~السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة ms2741 { إلا ما ظهر منها ~~} [النور: 31] قال: الثياب والجلباب. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج. فأما ~~الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار والخاتم. ~~ولفظ ابن جرير، فالظاهرة منها الثياب، وما يخفى، فالخلخالان والقرطان ~~والسواران. # وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: { ولا يبدين زينتهن ~~إلا ما ظهر منها } [النور: 31] قال: الكحل والخاتم. # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها } قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: { إلا ما ظهر ~~منها } قال: هو خضاب الكف، والخاتم. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~إلا ما ظهر منها } قال: وجهها، وكفاها، والخاتم. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ~~إلا ما ظهر منها } قال رقعة الوجه، وباطن الكف. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن ~~عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، ~~وضمت طرف كمها. # وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله { إلا ما ظهر منها } قال: ~~الوجه وثغرة النحر. # وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: { إلا ما ظهر منها } ~~قال الكفان والوجه. # وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة { ولا يبدين زينتهن ~~إلا ما ظهر منها } قال: المسكتان والخاتم والكحل. # قال قتادة وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا ~~وقبض نصف الذراع " # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله { إلا ما ~~ظهر منها } [النور: 31] قال القلبين يعني السوار، والخاتم والكحل. # وأخرج سعيد وابن جرير ms2742 عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: { ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [النور: 31] ~~قال: الخاتم والمسكة، قال ابن جريج، وقالت عائشة رضي الله عنها: القلب. ~~والفتخة. قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي، عبد الله بن الطفيل مزينة، ~~فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها: ~~إنها ابنة أخي وجارية فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا ~~وجهها وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف ~~مثل قبضة أخرى. اه محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. # وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة ~~الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال ~~كما ذكرنا. # الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا ~~يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ~~ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم ~~الاضطرار كما ترى. # وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب ~~الفتنة. # القول الثاني: أن المراد بالزينة. ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها ~~أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك ~~كالخضاب والكحل، ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس ~~له من البدن كما لا يخفى. # القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة هو من أصل ~~خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان. # وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم. # وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من ~~أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، وتكون في ~~نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضا في ترجمته أن ~~من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة ms2743 معنى معين ~~في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من ~~اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة ~~إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة. # وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان الذين ذكرناهما في ~~ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في ~~هذه الآية، التي نحن بصددها. # أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: { ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها } أن المراد بالزينة: الوجه ~~والكفان مثلا، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن ~~الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: ~~كالحلي، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز ~~الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة ~~الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم ~~صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه. # وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في ~~القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها ~~بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] وقوله تعالى # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده # [الأعراف: 32] وقوله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة # [الكهف: 7] وقوله تعالى # ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها # [القصص: 60] وقوله تعالى # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب # [الصافات: 6] وقوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # [النحل: 8] الآية. وقوله تعالى # فخرج على قومه في زينته # [القصص: 79] الآية. وقوله تعالى: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46] الآية. وقوله تعالى: # أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة # [الحديد: 30] الآية. وقوله تعالى: # قال موعدكم يوم الزينة # [طه: 59] وقوله تعالى عن قوم موسى: # ولكنا ms2744 حملنآ أوزارا من زينة # [طه: 87] وقوله تعالى { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ~~ما يخفين من زينتهن } فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد ~~به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو ~~الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع ~~يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في ~~كلام العرب كقول الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى # وإذا عطلن فهن خير عواطل # وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. # وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل ~~الخلقة وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي ~~زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال ~~بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، ~~والخضاب، ونحو ذلك. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن ~~مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها ~~رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر، ~~لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال ~~والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب ~~الافتتان بها، كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام ~~المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي. # واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من ~~بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا ~~الكتاب المبارك وغيرها من المواضع، بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في ~~الكلام على آية الحجاب، وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر ~~به للمنصف ما ذكرنا. # واعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث ~~عائشة ms2745 في دخول أسماء على النبي صلى الله عليه وسلم، في ثياب رقاق، وأنه ~~قال لها: # " إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " # وأشار إلى وجهه وكفيه. حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا، عن ~~ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد ~~بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال، وعلى كل حال فسنبين هذه ~~المسألة إن شاء الله بيانا شافيا مع مناقشة أدلة الجميع في سورة ~~الأحزاب ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا. # تنبيه # قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثيرة من أنواع الزينة، ~~ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب، لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة ~~فأردنا أن نبينها ها هنا تكميلا للفائدة. # أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنوع خضاب النساء الحناء، والقرط ما ~~يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراطن وقروط، وأقراط، ومنه ~~قول الشاعر: # أكلت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة وهي حلقة من فضة لا ~~فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم، وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه ~~فهي نوع من الخواتم، والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما ~~جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت ~~مسحل زوجة العجاج: # والله لا تخدعني بضم # ولا بتقبيل ولا بشم # إلا بزعزاع يسلي همي # تسقط منه فتخي في كمي # والخلخال، ويقال له: الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن ~~كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق ومنه قول امرئ ~~القيس: # إذا قلت هاتي نوليني تمايلت # على هضيم الكشح ريا المخلخل # والدملج: ويقال له الدملوج: هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من ~~الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب ومنه قول الشاعر: # ما مركب وركوب الخيل يعجبني # كمركب بين دملوج وخلخال # والسوار حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة ms2746 كالحلقة تلبسها المرأة في ~~معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القلب بضم القاف. # وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من ~~طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت ~~الزبير بن العوام رضي الله عنه: # تجول خلاخيل النساء ولا أرى # لرملة خلخالا يجول ولا قلبا # احب بني العوام من أجل حبها # ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا # والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذيل، والعاج سن الفيل، والذبل بالفتح ~~شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير ~~يصف امرأة: # ترى العبس الحولى جونا بكوعها # لها مسكا من غير عاج ولا ذبل # قال الجوهري في صحاحه، والمسك بفتحتين: جمع مسكة. # وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل، ومقتضى كلامهم ~~أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة، وقد قدمنا في سورة التوبة في الكلام ~~على قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة # [التوبة: 34] الآية. في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده، عند أبي داود والنسائي # " أن المرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يد ~~ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب " # الحديث. وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، ~~والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافا لكلام كثير من اللغويين في ~~قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة. والله تعالى ~~أعلم. # { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون }. # لما أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان ~~التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علم خلقه ما يتداركوه به، ما وقع ~~منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما ~~يكون بالتوبة، وهي الرجوع عن الذنب والإنابة إلى الله تعالى بالاستغفار ~~منه، وهي ثلاثة أركان: # الأول: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسا به. # والثاني: الندم على ما وقع ms2747 منه من المعصية. # والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدا، والأمر في قوله في هذه ~~الآية: { وتوبوا إلى الله جميعا } الظاهر أنه للوجوب وهو ~~كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز ~~فتجب منه التوبة أيضا. # وقوله: { لعلكم تفلحون } قد قدمنا مرارا أن أشهر معاني ~~لعل في القرآن اثنان. # الأول: أنها على بابي من الترجي أي توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، ~~وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أما الله جل وعلا، فهو عالم بكل ~~شيء، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء، وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون ~~في مخاطبة فرعون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44] وهو جل وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنه لا يتذكر ولا ~~يخشى. # معناه: فقولا له قولا لينا رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن ~~يتذكر أو يخشى. # والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل لعل في القرآن ~~للتعليل، إلا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129] قالوا فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل ~~معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر: # فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # أي كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم. # وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون، لأجل أن ~~تفلحوا أي تنالوا الفلاح، والفلاح في اللغة العربية: يطلق على معنيين: # الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد: # فاعقلي إن كنت لما تعقلي # ولقد أفلح من كان عقل # أي فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل. # المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن ~~قريع، وقيل كعب بن زهير: # لكل هم من الهموم سعه # والمسى والصبح لا فلاح معه # يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه. وقول ~~لبيد بن ربيعة أيضا: # لو أن حيا مدرك الفلاح # لناله ملاعب الرماح # يعني ms2748 لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه ~~عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ~~ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور: # فررت وأسلمت ابن امك عامرا # يلاعب أطراف الوشيج المزعزع # وبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان ~~والإقامة: حي على الفلاح كما هو معروف. # ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز ~~بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضى الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي ~~في النعيم والسرور، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جل وعلا، لجميع ~~المسلمين بالتوبة مشيرا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: { ~~لعلكم تفلحون } [النور: 31] أوضحه في غير هذا الموضع، وبين ~~أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات، أنها التوبة ~~النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا ~~سيما عند من يقول من أهل العلم: إن عسى من الله واجبة، وله وجه من ~~النظر، لأنه عز وجل جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من ~~فضله، فجرده وكرمه تعالى، وسعة رحمته يجعل ذلك الإنسان الذي أطعمه ربه ~~في ذلك الفضل يثق، بأنه ما أطعمه فيه، إلا ليتفضل به عليه. # ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار # [التحريم: 8] فقوله في آية التحريم هذه { يأيها الذين آمنوا ~~} كقوله في آية النور: { أيها المؤمنون } [النور: 31]. وقوله ~~في آية التحريم: # عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار # [التحريم: 8] كقوله في آية النور { لعلكم تفلحون } [النور: ~~31] لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه، ~~وقوله في آية التحريم: # توبوا إلى الله توبة نصوحا # [التحريم: 8] موضح لقوله في النور { وتوبوا إلى الله جميعا ~~} [النور: 31] ونداؤه لهم بوصف الإيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث ~~على ms2749 امتثال الأمر، لأن الاتصاف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح، يقتضي ~~المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والرجاء المفهوم من لفظه ~~عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى. # تنبيهات # الأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة. # وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب ~~إن كان متلبسا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جل وعلا، ~~وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدا. # وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحا وكفر الله عن سيئاته بتلك ~~التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك؛ أن توبته الأولى الواقعة على ~~الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد ~~لذنبه الجديد خلافا لمن قال: إن عوده للذنب نقض لتوبته الأولى. # الثاني: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلا ~~بالندم على فعل الذنب، والإقلاع عنه، إن كان متلبسا به كما قدمنا أنهما ~~من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف. # وإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلا، وإنما هو انفعال، ~~ولا خلاف بين أهل العلم في أن الله لا يكلف أحدا إلا بفعل يقع باختيار ~~المكلف، ولا يكلف أحدا بشيء إلا شيئا هو في طاقته كما قال تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] وقال تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] # وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلا تحت قدرة العبد، فليس ~~بفعل أصلا، وليس في وسع المكلف فعله، والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا ~~يطاق كما بينا. قال في مراقي السعود: # ولا يكلف بغير الفعل # باعث الأنبيا ورب الفضل # وقال أيضا: # والعلم والوسع على المعروف # شرط يعم كل ذي تكليف # واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ~~ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو ~~يمنعه. # أما ms2750 وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن، ~~والأحاديث النبوية، وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف ~~بالمحال هل يجوز عقلا أو لا؟ أما وقوع التكليف بالمحال عقلا، أو عادة، ~~فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه ~~أزلا، ومثال المستحيل عقلا أن يكلف بالجمع، بين الضدين كالبياض، ~~والسواد أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد ~~بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به ~~إجماعا. # وأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلا، ولا ~~خلاف في التكليف به فإيمان أبي لهب مثلا كان الله عالما في الأزل، بأنه ~~لا يقع كما قال الله تعالى عنه # سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 3] فوقوعه محال عقلا لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد، لأنه لو ~~وجد لاستحال العلم بعدمه جهلا، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا ~~المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلا، إذ لا يمنع العقل إيمان أبي لهب، ~~ولو كان مستحيلا لما كلفه الله بالإيمان، على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، فالإيمان عام، والدعوة عامة والتوفيق خاص. # وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام: # الأول: الواجب عقلا. # الثاني: المستحيل عقلا. # الثالث: الجائز عقلا، وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة، أن ~~الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل ~~يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال. وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده ~~بحال. وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معا. فإن كان العقل يقبل وجوده، ~~دون عدمه فهو الواجب عقلا، وذلك كوجود الله تعالى متصفا بصفات الكمال ~~والجلال. فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ~~ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلا. # وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلا، كشريك الله ~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، ms2751 فلو عرض على العقل السليم عدم شريك ~~لله في ملكه، وعبادته لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال ~~تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وقال: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91] فهو مستحيل عقلا. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه ~~معا، فهو الجائز العقلي، ويقال له الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، ~~فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده ~~لقبله أيضا، كما لا يخفى، فهو جائز عقلا جوازا ذاتيا، ولا خلاف في ~~التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي. # وقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب ~~عقلا، والمستحيل عقلا، قالوا والجائز عقلا لا وجود له أصلا، وزعموا ~~أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر، إما أن يكون الله عالما في ~~أزله، بأنه سيوجد فهو واجب الوجود لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم ~~الأزلي بوجوده، فإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلا لعلم الله بأنه ~~سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، ~~وذلك محال. وإما أن يكون الله عالما في أزله، بأنه لا يوجد، كإيمان أبي ~~لهب، فهو مستحيل عقلا، إذ لو وجد لانقلب العلم جهلا، سبحانه وتعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي ~~لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلا أن الله ~~تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده. # والحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده، لأنه مستحيل ~~استحالة ذاتية كالجمع بين النقيضين لا يقع التكليف به إجماعا، وكذلك ~~المستحيل عادة كما لا يخفى. # أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعا كإيمان أبي لهب فإنه ~~جائز عقلا، وإن استحال من جهة علم الله بعدم وقوعه، وهم يسمون هذا ~~الجائز الذاتي مستحيلا عرضيا ونحن ms2752 ننزه صفة علم الله عن أن نقول إن ~~الاستحالة بسببها عرضية. # فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم، مجمعون على وقوع ~~التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلا ~~لعلم الله بأنه لا يقع. # أما المستحيل عقلا لذاته كالجمع بين النقيضين والمستحيل عادة كمشي ~~المقعد، وطيران الإنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع ~~التكليف بكل منهما كما قال تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] وقال تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ". # وأما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف ~~بالمستحيل الذاتي عادة وعقلا، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز ~~عقلا مع إجماعهم على أنه لا يصح وقوعه بالفعل. وحجة من يمنعه عقلا ~~أنه عبث لا فائدة فيه، لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه ~~بما هو عاجز عنه عجزا محققا عبث لا فائدة فيه، قالوا فهو مستحيل، لأن ~~الله حكيم خبير، وحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف، هل يتأسف ~~على عدم القدرة، ويظهر أنه لو كان قادرا لا مثل، والامتحان سبب من ~~أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، ~~وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي اختباره هل يمتثل فلما ~~شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم كما قال تعالى عنه: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ~~يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه ~~بذبح عظيم # [الصافات: 103107]. # وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين ~~فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلا، مع إجماعهم على منعه إن كانت ~~الاستحالة لغير علم الله، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله: # وجوز التكليف بالمحال # في الكل من ثلاثة الأحوال # وقيل بالمنع لما قد امتنع # لغير علم الله أن ليس يقع # وليس واقعا إذا استحالا # لغير ms2753 علم ربنا تعالى # وقوله: وجوز التكليف يعني الجواز العقلي. # وقوله: وقيل بالمنع، أي عقلا ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلا ~~وعادة، كالجمع بين النقيضين وما استحال عادة، كمشي المقعد: وطيران ~~الإنسان، وإبصار الأعمى، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه. # وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة، فاعلم أن التوبة تجب كتابا ~~وسنة وإجماعا من كل ذنب اقترفه الإنسان فورا، وأن الندم ركن من ~~أركانها، وركن الواجب واجب، والندم ليس بفعل، وليس في استطاعة المكلف، ~~لأنه انفعال لا فعل والانفعالات ليست بالاختيار، فما وجه التكليف بالندم، ~~وهو غير فعل للمكلف، ولا مقدور عليه. # والجواب عن هذا الإشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه ~~التي يوجد بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعه ~~صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو ~~الذي فيه السم القاتل، والشراب الذي في السم القاتل لايستلذه عاقل لما ~~يتبع لذته من عظيم الضرر، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشد من السم ~~القاتل، وهو ما تسلتزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي، وتعذيبه ~~له أشد العذاب، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه، وينغص ~~عليه لذة الحياة. # ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم، وأنه يتوصل ~~إلى حصول الندم على المعصية، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها. # فالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم، وأنه إن استعملها حصل له ~~الندم، وبهذا الاعتبار كان مكلفا بالندم، مع أنه انفعال لا فعل. # ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر ~~وهو الحسين بن مطير: # فلا تقرب الأمر الحرام فإنه # حلاوته تفنى ويبقى مريرها # ونقل عن سفيان الثوري رحمه الله أنه كان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: # تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها # من الحرام ويبقى الإثم والعار # تبقى عواقب سوء في مغبتها # خير في لذة من بعدها النار # وأما الإشكال الذي في الإقلاع عن الذنب، فحاصله: أن من تاب من ms2754 الذنب ~~الذي هو متلبس به، مع بقاء فساد ذلك الذنب، أي أثره السيئ، هل تكون توبته ~~صحيحة، نظرا إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه. وإن كان الإقلاع عن ~~الذنب لم يتحقق للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أولا تكون توبته ~~صحيحة، لأن الإقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق. # ومن أمثلة هذا من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع ~~المستوجبة للعذاب إذا بث بدعته، وانتشرت في أقطار الدنيا، ثم تاب من ~~ارتكاب تلك البدعة، فندم على ذلك، ونوى ألا يعود إليه أبدا، مع أن ~~إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه، لانتشارها في أقطار الدنيا، ولأن من ~~سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ففساد ~~بدعته باق. # ومن أمثلته من غصب أرضا، ثم سكن في وسطها، ثم تاب من ذلك الغصب نادما ~~عليه، ناويا ألا يعود إليه، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة، وسلك أقرب ~~طريق للخروج منها، فهل تكون توبته صحيحة، في وقت سيره في الأرض المغصوبة ~~قبل خروجه منها، لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أولا تكون توبتة ~~صحيحة، لأن إقلاعه عن الغصب، لم يتم ما دام موجودا في الأرض المغصوبة، ~~ولو كان يسير فيها، ليخرج منها. # ومن أمثلته من رمى مسلما بسهم، ثم تاب فندم على ذلك، ونوى ألا يعود قبل ~~إصابة السهم للإنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في ~~طريقه إلى المرمى، هل تكون توبته صحيحه، لأنه فعل ما يقدر عليه، أولا ~~تكون صحيحة، لأن إقلاعه عن الذنب، لم يتحقق وقت التوبة، لأن سهمه في ~~طريقه إلى إصابة مسلم فجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة ~~صحيحة، لأن التوبة واجبة عليه، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه، ~~وما لا قدرة له عليه معذور فيه لقوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 268] إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبا. # وقال أبو هاشم، وهو من ms2755 أكابر المعتزلة كابنه أبي علي الجبائي: إن التائب ~~الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام، لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك ~~الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه إذ لا إقلاع إلا ~~حينئذ، والإقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح. لأنه تصرف في ملك ~~الغير بغير إذنه، وهو مناف للإقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور ~~مأمور به عنده أيضا، لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة، وهذا بناه ~~على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخل بأصل له آخر، وهو منع ~~التكليف بالمحال فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين ~~كليهما. اه. قاله في نشر البنود. # وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرا على مذهب الجمهور بقوله: # من تاب بعد أن تعاطى السببا # فقد أتى بما عليه وجبا # وإن بقي فساده كمن رجع # عن بث بدعة عليها يتبع # أو تاب خارجا مكان الغصب # أو تاب بعد الرمي قبل الضرب ### || [24.32] # قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم الله ~~من فضله } # الإنكاح هنا معناه: التزويج: { وأنكحوا الأيامى } أي زوجوهم، ~~والأيامى: جمع أيم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المسكورة، والأيم: هو ~~من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء كان قد تزوج قبل ذلك، أو لم يتزوج ~~قط يقال: رجل أيم: وامرأة أيم. وقد فسر الشماخ بن ضرار في شعره: ~~الأيم الأنثى بأنها التي تتزوج في حالتها الراهنة، وذلك في قوله: # يقر بعيني أن أنبأ أنها # وإن لم أنلها أيم لم تزوج # فقوله: لم تزوج تفسير لقوله: أنها أيم. ومن إطلاق الأيم على الذكر ~~لا زوج له قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: # لله در بني علي منهم وناكح # ومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر: # أحب الأيامى إذ بثينة أيم # وأحببت لما أن غنيت الغوانيا # والعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تئيم إذا صار الواحد منهما ~~أيما. وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيما. # ومثاله ms2756 في الأول قول الشاعر: # لقد إمت حتى لامني كل صاحب # رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت # ومن الثاني قوله: # فإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي # وإن كنت منكم أتأيم # ومن الأفضل قول يزيد بن الحكم الثقفي: # كل امرئ ستئيم منه # العرس أو منها يئيم # وقول الآخر: # نجوت بقوف نفسك غير أني # إخال بأن سييتم أو تئيم # يعني: ييتم ابنك وتئيم امرأتك. # فإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية { وأنكحوا ~~الأيامى } شامل للذكور والإناث. وقوله في هذه الآية { منكم } أي ~~من المسلمين، ويفهم من دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: منكم، أن ~~الأيامى من غيركم، أي من غير المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك. # وهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرحا به في آيات أخر كقوله ~~تعالى في أيامى الكفار الذكور: # ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا # [البقرة: 221] وقوله في أياماهم الإناث: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221]، وقوله فيهما جميعا: # فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة: 10]. # وبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا ~~يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقا وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافرة ~~إلا أن عموم هذه الآيات خصصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز ~~له تزوج المحصنة الكتابية خاصة، وذلك في قوله تعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] فقوله تعالى، عاطفا على ما يحل للمسلمين: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5] صريح في إباحة تزوج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهرة ~~أنها الحرة العفيفة. # فالحاصل: أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلا ~~صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص ~~الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم } يدل على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، ~~والإماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب لما تقرر في ms2757 الأصول. # وقد بيناه مرارا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، ~~وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها ~~تزويجها إياه، وأنما يقوله بعض أهل العلم من المالكية. ومن وافقهم من أن ~~السيد له منع عبده وأمته من التزويج مطلقا غير صواب لمخالفته لنص القرآن ~~في هذه الآية الكريمة. # واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: { وإمائكم } ، بينت آية ~~النساء أن الأمة لا تزوج للحر إلا بالشروط التي أشارت إليها الآية، فآية ~~النساء المذكورة مخصصة بعموم آية النور هذه بالنسبة إلى الإيماء وآية ~~النساء المذكورة هي قوله تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات # [النساء: 25] إلى قوله تعالى: # ذلك لمن خشي العنت منكم # [النساء: 25] فدلت آية النساء هذه على أن الحر لا يجوز له أن يتزوج ~~المملوكة المؤمنة، إلا إذا كان غير مستطيع تزويج حرة لعدم الطول عنده، ~~وقد خاف الزنى فله حينئذ تزوج الأمة بإذن أهلها المالكين لها، ويلزمه ~~دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانيات ولا متخذات الأخذان، ومع ~~هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا ~~من الاضطرار خيرا له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب ~~قول الجمهور من منع تزويج الحر الأمة، إلا بالشروط المذكورة في القرآن ~~كقول تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا # [النساء: 25]. وقوله: # ذلك لمن خشي العنت منكم # [النساء: 25] أي الزنى إلى آخر ما ذكر في الآية خلافا لأبي حنيفة ~~القائل بجواز نكاحها مطلقا، إلا إذا تزوجها على حرة. # والحاصل: أن قوله تعالى في آية النور هذه: وإمائكم خصصت عمومه آية ~~النساء كما أوضحناه آنفا، والعلماء يقولون: إن علة منع تزويج الحر ~~الأمة، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكا، لأن كل ذات رحم فولدها ~~بمنزلتها، فيلزمه ألا يتسبب في رق أولاده ما استطاع، ووجهه ظاهر كما ~~ترى. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إن ms2758 يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله } فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من ~~الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، والله لا يخلف الميعاد، وقد وعد الله ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز ~~لهم ذلك، وذلكم في قوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي ضيق عليه رزقه إلى قوله تعالى: # سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7] وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 23] الآية. ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر ~~عليها، وذلك في قوله: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # [طه: 132] وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله ~~تعالى عنه: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا # [نوح: 1012] وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه: # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم ولا تتولوا مجرمين # [هود: 52] الآية. وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وعليهما جميعا وسلم # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى # [هود: 3]. # ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] الآية. ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض: النبات ~~مما يأكل الناس والأنعام. وقوله تعالى: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66] الآية. وقوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] أي في الدنيا كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، وكما يدل ~~عليه قوله بعده في جزائه في الآخرة: # ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97] وقد قدمنا أنه جل وعلا وعد بالغنى عند ms2759 التزويج وعند الطلاق. # أما التزويج ففي قوله هنا: { إن يكونوا فقرآء يغنهم ~~الله من فضله } [النور: 32]. # وأما الطلاق ففي قوله تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان ~~الله واسعا حكيما # [النساء: 130] الآية. والظاهر أن المتزوج الذي وعد الله بالغنى، هو الذي ~~يريد بتزويجه الإعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج كما بينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج " # الحديث، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله، بغض البصر، وحفظ الفرج ~~فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك. # وقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد الله بالرزق من أطاعة ~~سبحانه جل وعلا ما أكرمه فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة، وما ~~قاله أهل الظاهر من أن هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله، ~~لأن قوله { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله } ~~[النور: 32] بعد قوله { والصالحين من عبادكم وإمائكم } ~~[النور: 32] يدل على وصف العبيد بالفقر والغنى، ولا يطلق الغني إلا على ~~من يملك المال الذي به صار غنيا، ووجه قوي ولا ينافي أن لسيده، أن ~~ينتزع منهم ذلك المال الذي هو ملك له. والعلم عند الله تعالى. ### || [24.33] # قوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ~~حتى يغنيهم الله من فضله }. # هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكيمو، هو المذكور في قوله: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون # [النور: 30] وقوله تعالى: { ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وسآء سبيلا } [الإسراء: 32] ونمو ذلك من الطحال قوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة: { فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم } قيل غفور لهن. وقيل غفور لهم. وقيل ~~غفور لهن ولهم. # وأظهرها: أن المعنى غفور لهن لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، بل ~~يغفره الله له لعذره بالإكراه كما يوضحه قوله تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106] الآية، ويؤيده قراءة ms2760 ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن ~~جبير، " فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ". ذكره عنه القرطبي، ~~وذكره الزمخشري عن ابن عباس رضي الله عنهم جميعا. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة ~~شاذة، وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادا بها لقراءة سبعية كما هنا، ~~فزيادة لفظة لهن في قراءة من ذكرنا استشهاد بقراءة شاذة لبيان بقراءة غير ~~شاذة أن الموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره، لأنه ~~غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور بقوله: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]. # وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت لا حاجة إلى تعليق ~~المغفرة بهن، لأن المكرهة على الزنى، بخلاف المكره عليه في أنها غير ~~آثمة. # قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما ~~يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإثم، ~~وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. انتهى منه. # والذي يظهر أنه لا حاجة إليه لأن إسقاط المؤاخذة بالإكراه يصدق عليه أنه ~~غفران ورحمة من الله بعبده. # والعلم عند الله تعالى. ### || [24.34] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم آيات مبينات. ويدخل فيها دخولا أوليا الآيات التي ~~بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، ودليل ما ~~ذكر من القرآن قوله تعالى: # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ آيات ~~بينات لعلكم تذكرون # [النور: 1] ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة ~~الكريمة، داخلة في قوله تعالى هنا: { ولقد أنزلنآ إليكم ~~آيات مبينات } الآية. # وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: { ولقد أنزلنآ إليكم ~~آيات مبينات } معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون: أي تتعظون ~~بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ، ويدل لذلك قوله تعالى: # وأنزلنا فيهآ آيات بينات لعلكم تذكرون # [النور: 1] فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها، ms2761 أن يتذكر ~~الناس، ويتعظوا بما فيها، ويدل لذلك عموم قوله تعالى: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب # [ص: 29] وقوله تعالى: # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 29] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ~~{ ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } معطوف على آيات: ~~أي أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم. # قال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلا معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون ~~المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم: أي قصة غريبة من قصصهم كقصة ~~يوسف، ومريم في براءتهما. # وقال الزمخشري: ومثلا من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة ~~يوسف، ومريم يعني قصة عائشة رضي الله عنها، وما ذكرنا عن أبي حيان ~~والزمخشري ذكره غيرهما. # وإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلا أي قصة عجيبة غريبة في هذه ~~السورة الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم: أي من ~~جنس قصصهم العجيبة، وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي ~~أنزلها إلينا، وعبر عنها بقوله: ومثلا هي براءة عائشة رضي الله عنها ~~مما رماها به أهل الإفك، وذلك مذكور في قوله تعالى: # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم # [النور: 11] إلى قوله تعالى: # أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ~~ورزق كريم # [النور: 26] الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل ~~الإفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به، وعلى هذا: # فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز ~~يوسف بأنه أراد بها سوءا تعني الفاحشة قالت: # ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم # [يوسف: 25] وقوله تعالى: # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ~~حتى حين # [يوسف: 35] لأنهم سجنوه بضع سنين، بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة ~~العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه بإقرار النسوة ms2762 ~~وامرأة العزيز نفسها وذلك في قوله تعالى: # فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي ~~بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف ~~عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين # [يوسف: 5051] وقال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته ~~عن نفسه فاستعصم # [يوسف: 32] الآية. # فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا، لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه ~~الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف، ~~لأنه هو وعائشة كلاهما رمي بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، ~~وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت ~~قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدم قريبا وبشهادة ~~الشاهد من أهلها. # إن كان قميصه قد من قبل # [يوسف: 26] إلى قوله: # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. # ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى عن قوم ~~مريم من أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج كقوله تعالى: # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما # [النساء: 156] يعني فاحشة الزنى. وقوله تعالى: # فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا # [مريم: 27] يعنون الفاحشة، ثم بين الله تعالى براءتها مما رموها به في ~~مواضع من كتابه كقوله تعالى: # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا وجعلنى مباركا # [مريم: 2931] إلى قوله: # ويوم أبعث حيا # [مريم:33] فكلام عيسى، وهو رضيع ببراءتها، يدل على أنها بريئة. وقد ~~أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى، من غير زوج، وذلك في قوله ~~تعالى: # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنآ ~~إليهآ ms2763 روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنمآ أنا ~~رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون ~~لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية ~~للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ~~فحملته فانتبذت به مكانا قصيا # [مريم: 1622] إلى آخر الآيات. # ومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في سورة الأنبياء: # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # [الأنبياء: 91] وقوله تعالى في التحريم: # ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين # [التحريم: 12] وقوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59]. # فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف وبراءته وقذف مريم ~~وبراءتها من أمثال من قبلنا فهي مما يبين بعض ما دل عليه قوله: { ~~ومثلا من الذين خلوا من قبلكم }. # والآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا ~~وكونه من نوع أمثال من قبلنا واضح، لأن كلا من عائشة، ومريم، ويوسف رمي ~~بما لا يليق، وكل منهم برأه الله، وقصة كل منهم عجيبة، ولذا أطلق ~~عليها اسم المثل في قوله: { ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم }. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وموعظة ~~للمتقين }. # قال الزمخشري: وموعظة ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله تعالى: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله # [النور: 2] لولا إذ سمعتموه، ولولا إذ سمعتموه. يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا. اه كلام الزمخشري. والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين ~~دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها. # ونظيره في القرآن قوله تعالى: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب # [فاطر: 18] وقوله تعالى: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45] فخص الإنذار بمن ذكر في الآيات، لأنهم هم المنتفعون به ~~مع أنه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة منذر لجميع الناس كما قال تعالى: # تبارك الذي ms2764 نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] ونظيره أيضا قوله تعالى: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق: 45] ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: { ولقد ~~أنزلنآ إليكم آيات مبينات } قرأه نافع، وابن كثير، ~~وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: مبينات بفتح الياء المثناة التحتية المشددة ~~بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: { ~~مبينات } بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل: فعلى قراءة من قرأ ~~بفتح الياء فلا إشكال في الآية، لأن الله بينها، وأوضحها، وعلى قراءة من ~~قرأ مبينات بكسر الياء بصيغة اسم الفاعل، ففي معنى الآية وجهان معروفان. # أحدهما: أن قوله: مبينات إسم فاعل بين المتعدية وعليه فالمفعول محذوف أي ~~مبينات الأحكام والحدود. # والثاني: أن قوله: مبينات وصف من بين اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه ~~فالمعنى آيات مبينات أي بينات واضحات، ويدل لهذا الوجه الأخير قوله ~~تعالى: # أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ آيات بينات # [النور: 1]. وذكر الوجهين المذكورين الزمخشري، وأبو حيان وغيرهما ~~ومثلوا لبين اللازمة بالمثل المعروف، وهو قول العرب: قد بين الصبح لذي ~~عينين. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من المعروف في العربية أن بين مضعفا، ~~وأبان كلتاهما تأتي متعدية للمفعول ولازمة، فتعدى بين للمفعول مشهور واضح ~~كقوله تعالى: # قد بينا لكم الآيات # [آل عمران: 118] [الحديد: 17] وتعدى أبان للمفعول مشهور واضح أيضا ~~كقولهم: أبان له الطريق: أي بينها له، وأوضحها، وأما ورود بين لازمة ~~بمعنى تبين وضح فمنه المثل المذكور: قد بين الصبح لذي عينين. أي تبين ~~وظهر ومنه قول جرير: # وجوه مجاشع طليت بلؤم # يبين في المقلد والعذار # فقوله: يبين بكسر الياء بمعنى: يظهر ويتضح، وقول جرير أيضا: # رأى الناس البصيرة فاستقاموا # وبينت المراض من الصحاح # ومنه أيضا قول قيس بن ذريح: # وللحب آيات تبين بالفتى # شحوب وتعرى من يديه الأشاجع # على الرواية المشهورة برفع شحوب. # والمعنى: للحب علامات تبين بالكسر أي تظهر وتتضح بالفتى، وهي شحوب الخ، ~~وأنشد ثعلب هذا البيت فقال: شحوبا بالنصب، وعليه فلا شاهد في البيت، ~~لأن شحوبا ms2765 على هذا مفعول، تبين فهو على هذا من بين المتعدية، وأما ورود ~~أبان لازمة بمعنى بان وظهر، فهو كثير في كلام العرب أيضا ومنه قول جرير: # إذا آباؤنا وأبوك عدوا # أبان المقرفات من العراب # أي ظهرت المقرفات وتبينت، وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # لو دب ذر فوق ضاحي جلدها # لأبان من آثارهن حدود # أي لظهر وبان من آثارهن حدود أي ورم، وقول كعب بن زهير: # قنواء في حرتيها للبصير بها # عتق مبين وفي الخدين تسهيل # فقوله: مبين وصف من أبان اللازمة: أي عتق بين واضح، وأي كرم ظاهر. ### || [24.36-37] # قرأ هذا الحرف جميع السبعة غير ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: { يسبح ~~له فيها } بكسر الباء الموحدة المشددة، مبنيا للفاعل، وفاعله رجال ~~والمعنى واضح على هذه القراءة. وقرأه ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: { ~~يسبح له فيها } بفتح الباء الموحدة المشددة، مبينا للمفعول، ~~وعلى هذه القراءة فالفاعل المحذوف قد دلت القراءة الأولى على أن تقديره: ~~رجال فكأنه لما قال يسبح له فيها، قيل: ومن يسبح له فيها؟ قال رجال: أي ~~يسبح له فيها رجال. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ما لفظه، وقد التزمنا أنا لا ~~نبين القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة ~~نفسها، أو آية أخرى غيرها إلى آخره، وإنما ذكرنا أن الآية يبين بعض ~~القراءات فيها معنى بعض، لأن المقرر عند العلماء أن القراءتين في الآية ~~الواحدة كالآيتين. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة الجمهور: يسبح بكسر الباء وفاعله رجال، ~~مبينة أن الفاعل المحذوف في قراءة ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح بفتح ~~الباء مبنيا للمفعول لحذف الفاعل هو رجال كما لا يخفى. والآية على هذه ~~القراءة حذف فيها الفاعل ليسبح، وحذف أيضا الفعل الرافع للفاعل الذي هو ~~رجال على حد قوله في الخلاصة: # ويرفع الفاعل فعل أضمرا # كمثل زيد في جواب من قرا # ونظير ذلك في كلام العرب قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط ms2766 مما تطيح الطوائح # فقوله: ليبك يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنيا ~~للمفعول، فكأنه قيل ومن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع لخصومة إلخ. وقراءة ابن ~~عامر، وشعبة هنا كقراءة ابن كثير: # كذلك يوحي إليك # [الشورى: 3] بفتح الحاء مبنيا للمفعول فقوله: الله فاعل يوحي المحذوفة، ~~ووصفه تعالى لهؤلاء الرجال الذين يسبحون له بالغدو والآصال، بكونهم ~~لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على ~~سبيل مدحهم، والثناء عليهم. يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل ~~فيها بحال، لأن ثناء الله على المتصف بها يدل على أن من أخل بها يستحق ~~الذم الذي هو ضد الثناء،ويوضح ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهيا ~~جازما في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون # [المنافقون: 9] وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9] الآية إلى غير ذلك من الآيات. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أنه على قراءة ابن عامر، وشعبة: يسبح بفتح الباء ~~يحسن الوقف على قوله: بالآصال، وأما على قراءة الجمهور يسبح بالكسر، ~~فلا ينبغي الوقف على قوله: بالآصال، لأن فاعل يسبح رجال، والوقف دون ~~الفاعل لا ينبغي كما لا يخفى. # المسألة الثانية: اعلم أن الضمير المؤنث في قوله { يسبح له ~~فيها } راجع إلى المساجد المعبر عنها بالبيوت في قوله: { في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه } [النور: 36] ~~والتحقيق: أن البيوت المذكورة، هي المساجد. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله { ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال } يدل بمفهومه ~~على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد، وقد يظهر للناظر أن ~~مفهوم قوله: رجال مفهوم لقب، والتحقيق عند الأصوليين أنه لا يحتج به. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن مفهوم لفظ الرجال، مفهوم لقب ~~بالنظر إلى مجرد لفظه، وأن ms2767 مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق، كما ~~أوضحناه في غير هذا الموضع، ولكن مفهوم الرجال هنا معتبر، وليس مفهوم لقب ~~على التحقيق، وذلك لأن لفظ الرجال، وإن كان بالنظر إلى مجرده اسم جنس ~~جامد وهو لقب بلا نزاع، فإنه يستلزم من صفات الذكورة ما هو مناسب لإناطة ~~الحكم به، والفرق بينه وبين النساء، لأن الرجال لا تخشى منهم الفتنة، ~~وليسوا بعورة خلاف النساء، ومعلوم أو وصف الذكورة وصف صالح لإناطة الحكم ~~به الذي هو التسبيح في المساجد، والخروج إليها دون وصف الأنوثة. # والحاصل: أن لفظ الرجال في الآية، وإن كان في الاصطلاح لقبا فإنما ~~يشتمل عليه من أوصاف الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإناث، يقتضي ~~اعتبار مفهوم المخالفة في لفظ رجال، فهو في الحقيقة مفهوم صفة لا مفهوم ~~لقب، لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإناطة الحكم به، والفرق في ذلك ~~بين الرجال والنساء كما لا يخفى. # المسألة الثالثة: إذا علمت أن التحقيق أن مفهوم قوله: رجال مفهوم صفة ~~باعتبار ما يستلزمه من صفات الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإناث، ~~في حكم الخروج إلى المساجد لا مفهوم لقب، وأن مفهوم الصفة معتبر عند ~~الجمهور خلافا لأبي حنيفة. # فاعلم أن مفهوم قوله هنا: رجال فيه إجمال، لأن غاية ما يفهم منه أن ~~النساء لسن كالرجال في الخروج للمساجد، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك أن البيان القرآني إذا كان غير واف بالمقصود من تمام البيان. ~~فإنا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير للمبين باسم الفاعل، ~~وتقدمت أمثلة لذلك. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن السنة النبوية بينت مفهوم المخالفة في قوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة: رجال،فبينت أن المفهوم المذكور معتبر، وأن ~~النساء لسن كالرجال في حكم الخروج إلى المساجد، وأوضحت أن صلاتهن في ~~بيوتهن أفضل لهن من الخروج إلى المساجد والصلاة فيها في الجماعة، بخلاف ~~الرجال، وبينت أيضا أنهن يجوز لهن الخروج إلى المساجد بشروط سيأتي ~~إيضاحها إن شاء الله تعالى، وأنهن إذا استأذن أزواجهن في الخروج إلى ms2768 ~~المساجد فهم مأمورون شرعا بالإذن لهن في ذلك مع التزام الشروط المذكورة. # أما أمر أزواجهن: بالإذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك فقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال البخاري رحمه الله في صحيحه في ~~كتاب النكاح: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري عن سالم، ~~عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها " # وقال البخاري أيضا في صحيحه في كتاب الصلاة: باب استئذان المرأة زوجها ~~بالخروج إلى المسجد: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، عن معمر عن ~~الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها " # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه أيضا، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن ~~حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن " # تابعه شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، ~~وزهير بن حرب جميعا عن ابن عيينة. قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ~~الزهري. سمع سالما يحدث عن أبيه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها " # وفي لفظ عند مسلم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها " # وفي لفظ عند مسلم أيضا، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # وفي لفظ له عنه أيضا: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن " # وفي لفظ له عنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل ms2769 " # وفي رواية له عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد " # وفي لفظه عنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم " # وفي رواية " إذا استأذنوكم " قال النووي في شرح مسلم: وهو صحيح وعوملن ~~معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور، وحديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما هذا الذي ذكرناه عن الشيخين بروايات متعددة، أخرجه أيضا غيرهما ~~وهو صريح في أن أزواج النساء مأمورون على لسانه صلى الله عليه وسلم ~~بالإذن لهن في الخروج إلى المساجد، إذا طلبن ذلك، ومنهيون عن منعهن من ~~الخروج إليها. # وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإذن لهن في الروايات المذكورة ~~ليس للإيجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن منعهن. ~~قالوا: هو لكراهة التنزيه لا للتحريم. # قال ابن حجر في فتح الباري: وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير ~~الوجوب، لأنه لو كان واجبا لانتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق ~~إذا كان المستأذن مخيرا في الإجابة أو الرد. # وقال النووي في شرح المهذب: فإن منعها لم يحرم عليه هذا مذهبنا، قال ~~البيهقي: وبه قال عامة العلماء. ويجاب عن حديث # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # بأنه نهي تنزيه، لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة ~~اه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الزوج ~~إذا استأذنته امرأته في الخروج إلى المسجد، وكانت غير متطيبة، ولا ~~متلبسة بشيء يستوجب الفتنة مما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، أنه يجب عليه ~~الإذن لها، ويحرم عليه منعها للنهي الصريح منه صلى الله عليه وسلم عن ~~منعها من ذلك، وللأمر الصريح بالإذن لها وصيغة الأمر المجردة عن القرائن ~~تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك، وصيغة النهي ~~كذلك تقتضي التحريم، وقد قال تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ms2770 # [النور: 63] وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # إلى غير ذلك من الأدلة، كما قدمنا. وقول ابن حجر: إن الإذن لا يتحقق إلا ~~إذا كان المستأذن مخيرا في الإجابة، والرد غير مسلم، إذ لا مانع عقلا، ~~ولا شرعا ولا عادة من أن يوجب الله عيه الإذن لامرأته في الخروج إلى ~~المسجد من غير تخيير، فإيجاب الإذن لا مانع منه. وكذلك تحريم المنع، وقد ~~دل النص الصحيح على إيجابه فلا وجه لرده بأمر محتمل كما ترى. وقول ~~النووي: لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه للفضيلة لا ~~يصلح، لأن يرد به النص الصريح منه صلى الله عليه وسلم، فأمره صلى الله ~~عليه وسلم الزوج بالإذن لها يلزمه ذلك، ويوجبه عليه، فلا يعارض بما ذكره ~~النووي كما ترى. وما ذكره النووي عن البيهقي: من أن عدم الوجوب قال به ~~عامة العلماء غير مسلم أيضا، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما، أنه لما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث ~~الذي ذكرنا عنه في أمر الأزواج بالإذن للنساء في الخروج إلى المساجد، ~~وقال ابنه: لا ندعهن يخرجن، غضب وشتمه ودفع في صدره منكرا عليه، مخالفته ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك دليل واضح على اعتقاده وجوب امتثال ~~ذلك الأمر بالإذن لهن. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ~~ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد ~~الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها " # فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ~~سيئا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتقول: والله لنمنعهن، وفي لفظ عند مسلم: فزبره ابن عمر قال: ~~أقول قال رسول الله ms2771 صلى الله عليه وسلم وتقول: لا ندعهن. وفي لفظ لمسلم ~~أيضا: فضرب في صدره. # واعلم أن ابن عبد الله بن عمر الذي زعم أنه لم يمتثل أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالإذن للنساء إلى المساجد جاء في صحيح مسلم أنه بلال بن عبد ~~الله بن عمر. # وفي رواية عند مسلم: أنه واقد بن عبد الله بن عمر: والحق تعدد ذلك فقد ~~قاله كل من بلال، وواقد ابني عبد الله بن عمر، وقد أنكر عمر على كل ~~منهما. كما جاءت به الروايات الصحيحة عند المسلم وغيره، فكون ابن عمر رضي ~~الله عنهما أقبل على ابنه بلال وسبه سبا سيئا وقال منكرا عليه، ~~أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: لنمنعهن: فيه دليل واضح ~~أن ابن عمر يرى لزوم الإذن لهن، وأن منعهن لا يجوز، ولو كان يراه ~~جائزا ما شدد النكير على ابنيه كما لا يخفى. # وقال النووي في شرح مسلم: قوله: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا. ~~وفي رواية فزبره. وفي رواية: فضرب في صدره، فيه تعزير المعترض على السنة ~~والمعارض لها برأيه. # قال مقيده عفا الله وغفر له: وكلام النووي هذا الذي رأيت اعتراف منه ~~بأن مذهبه وهو مذهب الشافعي ومن قال بقوله، كما نقل عن البيهقي، أنه قول ~~عامة العلماء، أن جميع القائلين بذلك مستحقون للتعزير، معترضون على ~~السنة، معارضون لها برأيهم، والعجب منه كيف يقر بأن بلال بن عبد الله بن ~~عمر مستحق للتعزير لاعتراضه على السنة، ومعارضته لها برأيه، مع أن مذهبه ~~الذي ينصره وينقل أنه قول عامة العلماء عن البيهقي هو بعينه قول بلال بن ~~عبد الله بن عمر الذي صرح هو بأنه يستحق به التعزير، وأنه اعتراض على ~~السنة ومعارضة لها بالرأي. وقال النووي: قوله: فزبره. # أى نهره. وقال ابن حجر في فتح الباري: ففي رواية بلال عند مسلم، فأقبل ~~عليه عبد الله فسبه سبا شديدا ما سمعته سبه مثله قط، وفسر عبد الله ~~بن هبيرة في رواية الطبراني السب ms2772 المذكور باللعن ثلاث مرات وفي رواية ~~زائدة عن الأعمش فانتهره وقال: أف لك. وله عن ابن نمير عن الأعمش فعل ~~الله بك وفعل، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس. ولمسلم من رواية أبي ~~معاوية: فزبره. ولأبي داود من رواية جرير: فسبه وغضب، إلى أن قال: وأخذ ~~من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وهو اعتراف ~~منه أيضا بأن من خالف الحديث المذكور معترض على السنن برأيه. # وبه تعلم أن ما قدمنا عنه من كون الأمر بالإذن لهن إلى المساجد ليس ~~للوجوب اعتراض على السنن بالرأي كما ترى. # وبما ذكرنا أن الدليل قد دل من السنة الصحيحة على وجوب الإذن للنساء في ~~الخروج إلى المساجد كما ذكرنا، ويؤيده أن ابن عمر لم ينكر أحد من الصحابة ~~تشنيعه على ولديه كما أوضحناه آنفا. والعلم عند الله تعالى. # وإذا علمت أن ما ذكرنا من النصوص الصريحة في الأمر بالإذن لهن يقتضي ~~جواز خروجهن إلى المساجد، فاعلم أنه ثبت في الصحيح أنهن كن يخرجن إلى ~~المسجد، فيصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله في ~~صحيحه: حدثنا يحيى بن بكير قال: أخبرنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ~~قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة رضي الله عنها أخبرته قالت: ~~كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ~~منلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا ~~يعرفهن أحد من الغلس اه. وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم وغيره. ~~وقد جاءت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما دالة على ما دل عليه حديث ~~عائشة هذا المتفق عليه من كون النساء كن يشهدن الصلاة في المسجد معه صلى ~~الله عليه وسلم. # تنبيه # قد علمت مما ذكرنا في روايات حديث ابن عمر المتفق عليه: أن في بعض ~~رواياته المتفق عليها تقييد أمر الرجال بالإذن للنساء في الخروج إلى ~~المسجد بالليل، وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بالليل، وهو ~~أكثرالروايات كما أشار له ابن حجر في ms2773 الفتح. # وقد يتبادر للناظر أن الأزواج ليسوا مأمورين بالإذن للنساء إلا في خصوص ~~الليل، لأنه أستر، ويترجح عنده هذا بما هو مقرر في الأصول من حمل المطلق ~~على المقيد، فتحمل روايات الإطلاق على التقييد بالليل، فيختص الإذن ~~المذكور بالليل. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي تقديم روايات الإطلاق وعدم ~~التقييد بالليل لكثرة الأحاديث الصحيحة الدالة على حضور النساء الصلاة ~~معه صلى الله عليه وسلم في غير الليل، كحديث عائشة المتفق عليه المذكور ~~آنفا الدال على حضورهن معه صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، وهي صلاة ~~نهار لا ليل، ولا يكون لها حكم صلاة الليل، بسبب كونهن يرجعن لبيوتهن، ~~ولا يعرفن من الغلس، لأن ذلك الوقت من النهار قطعا، لا من الليل، وكونه ~~من النهار مانع من التقييد بالليل، والعلم عند الله تعالى. # وأما ما يشترط في جواز خروج النساء إلى المساجد فهو المسألة الرابعة. # اعلم أن خروج المرأة إلى المسجد يشترط فيه عند أهل العلم شروط يرجع ~~جميعها إلى شيء واحد، وهو كون المرأة وقت خروجها للمسجد ليست متلبسة بما ~~يدعو إلى الفتنة مع الأمن من الفساد. # قال النووي في شرح مسلم في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " # ما نصه: هذا وما أشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، ~~ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي ألا تكون متطيبة، ولا ~~متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولاثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ~~ولا شابة ونحوها. ممن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ~~ونحوها. انتهى محل الغرض من كلام النووي. # قال مقيده عفا الله وغفر له: هذه الشروط التي ذكرها النووي وغيره منها ~~ما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لا نص فيه، ولكنه ملحق ~~بالمنصوص لمشاركته له في علته، وإلحاق بعضها لا يخلو من مناقشة كما سترى ~~إيضاح ذلك كله إن شاء الله تعالى. أما ما هو ثابت ms2774 عنه صلى الله عليه ~~وسلم من تلك الشروط، فهو عدم التطيب، فشرط جواز خروج المرأة إلى المسجد ~~ألا تكون متطيبة. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، ~~حدثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه عن بسر بن سعيد أن زينب ~~الثقفية كانت تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تطيب تلك الليلة " # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن ~~عجلان حدثني بكير بن عبد الله الأشج، عن بسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد ~~الله قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " # حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن ~~محمد بن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة " # اه. فهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن صحابيين، وهما: ~~أبو هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، صريح في ~~أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود ~~في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد عن محمد بن عمرو، عن أبي ~~سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات " # اه. وقوله: وهن تفلات: أي غير متطيبات. وقال النووي في شرح المهذب في ~~هذا الحديث وراه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وتفلات ~~بفتح التاء المثناة فوق وكسر الفاء: أي تاركات الطيب اه. ومنه قول امرئ ~~القيس: # إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها # تميل عليه هونة غير متغالي # وهذا الحديث أخرجه أيضا الإمام أحمد وابن خزيمة، عن أبي هريرة رضي ms2775 الله ~~عنه، وأخرجه ابن حبان من حديث زيد بن خالد. قاله الشوكاني وغيره. # وإذا علمت أن هذه الأحاديث دلت على المتطيبة ليس لها الخروج إلى ~~المسجد، لأنها تحرك شهوة الرجال بريح طيبها. # فاعلم أن أهل العلم ألحقوا بالطيب ما في معناه كالزينة الظاهرة، وصوت ~~الخلخال والثياب الفاخرة، والاختلاط بالرجال، ونحو ذلك بجامع أن الجميع ~~سبب الفتنة بتحريك شهوة الرجال، ووجهه ظاهر كما ترى. وألحق الشافعية ~~بذلك الشابة مطلقا، لأن الشباب مظنة الفتنة، وخصصوا الخروج إلى ~~المساجد بالعجائز. والأظهر أن الشابة إذا خرجت مستترة غير متطيبة، ولا ~~متلبسة بشيء آخر من أسباب الفتنة أن لها الخروج إلى المسجد لعموم ~~النصوص المتقدمة. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الخامسة: اعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من الصلاة في ~~المساجد، ولو كان المسجد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وبه تعلم أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " # خاص بالرجال، أما النساء فصلاتهن في بيوتهن خير لهن من الصلاة في ~~الجماعة في المسجد. # قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، ~~أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن " # وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وحديث ابن عمر صحيح رواه أبو ~~داود بلفظه هذا، بإسناد صحيح على شرط البخاري اه. # وهذا الحديث أخرجه أيضا الإمام أحمد. وقال ابن حجر في فتح الباري: وقد ~~ورد في بعض روايات هذا الحديث وغيره، ما يدل على أن صلاة المرأة في ~~بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت، عن ابن ~~عمر بلفظ # " لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن " # أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد ~~الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms2776 فقالت: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إني أحب الصلاة معك، فقال: # " قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في ~~حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ~~وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة " # وإسناد أحمد حسن وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود، ووجه كون ~~صلاتها في الإخفاء أفضل، الأمن فيه من الفتنة. انتهى محل الغرض من كلام ~~ابن حجر. # وحديث ابن مسعود الذي أشار له هو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن ~~المثنى، أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: ثنا همام عن قتادة، عن مورق عن أبي ~~الأحوص، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها ~~أفضل من صلاتها في بيتها " # اه. # وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح ~~على شرط مسلم، وقد روى أحمد عن أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم: # " خير مساجد النساء قعر بيوتهن " # وبما ذكرنا من النصوص تعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من صلاتهن ~~في الجماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من المساجد لثبوت ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومما يؤكد صلاتهن في بيوتهن ما أحدثنه من دخول المسجد في ثياب قصيرة هي ~~مظنة الفتنة، ومزاحمتهن للرجال في أبواب المسجد عند الدخول والخروج، ~~وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: لو أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا، لمنعهن من المسجد ~~كما منعت بنو إسرائيل نساءها. # وقد علمت مما ذكرنا من الأحاديث أن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: { ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال } الآية معتبر، ~~وأنه ليس مفهوم لقب، وقد أوضحنا المفهوم المذكور بالسنة كما رأيت. والعلم ~~عند الله تعالى. # قوله تعالى: { يخافون يوما ms2777 تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الرجال الذين يسبحون له في ~~المساجد بالغدو والآصال، إلى آخر ما ذكر من صفاتهم: أنهم يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم القيامة لشدة هوله، وما دلت عليه ~~هذه الآية الكريمة من عظم هول ذلك اليوم، وتأثيره في القلوب والأبصار، ~~جاء في آيات كثيرة من كتاب الله العظيم كقوله تعالى: # قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة # [النازعات: 89] وقوله تعالى: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42] وقوله تعالى: # وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: 18] الآية. ونحو ذلك من الآيات الدالة على عظم ذلك اليوم كقوله ~~تعالى: # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا السمآء منفطر به كان وعده مفعولا # [المزمل: 1718] الآية. وقوله تعالى: # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا # [الإنسان: 910] إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى تقلب القلوب والأبصار ~~أقوال متعددة لأهل التفسير، ذكرها القرطبي وغيره. # وأظهرها عندي: أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدة الخوف كما ~~قال تعالى: # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: 18] وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها بالنظر في جميع ~~الجهات من شدة الخوف، كما قال تعالى: # فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # [الأحزاب: 19] الآية. وكقوله تعالى: # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] فالدوران والزيغوغة المذكوران يعلم بهما معنى تقلب ~~الأبصار، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه في الدنيا. ### || [24.38] # قوله تعالى: { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله }. # الظاهر أن اللام في قوله: { ليجزيهم } ، متعلقة بقوله: { ~~يسبح } أي يسبحون له، ويخافون يوما ليجزيهم الله أحسن ما عملوا. ~~وقوله في هذه الآية الكريمة: ويزيدهم من فضله، الظاهر أن هذه الزيادة من ~~فضله تعالى، هي مضاعفة الحسنات، كما دل عليه قوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]، وقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ms2778 حسنة ~~يضاعفها # [النساء: 40]، وقوله تعالى: # والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261]. # وقال بعض أهل العلم: الزيادة هنا كالزيادة في قوله: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] والأصح: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ~~الكريم، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: # لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد # [ق: 3]. # وقد قدمنا قول بعض أهل العلم: أن قوله تعالى: { ليجزيهم الله ~~أحسن ما عملوا } ونحوها من الآيات يدل على أن المباح حسن، لأن ~~قوله: أحسن ما عملوا صيغة تفضيل، وأحسن ما عملوا هو ما تقربوا به الى ~~الله من الواجبات والمستحبات، وصيغة التفضيل المذكورة تدل على أن من ~~أعمالهم حسنا لم يجزه وهو المباح. قال في مراقي السعود: # ما ربنا لم ينه عنه حسن # وغيره القبيح والمستهجن ### || [24.39] # قوله تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم ~~يجده شيئا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أعمال الكفار باطلة، وأنها لا ~~شيء، لأنه قال في السراب الذي مثلها به: { حتى إذا جآءه لم ~~يجده شيئا } ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من بطلان أعمال ~~الكفار، جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء # [إبراهيم: 18] الآية. وقوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا أن عمل الكافر إذا كان على الوجه الصحيح أنه يجزى به في ~~الدنيا كما أوضحناه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97] الآية. # وقد دلت آيات من كتاب الله على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا، دون ~~الآخرة كقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] وقوله تعالى: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها ms2779 وهم فيها لا يبخسون ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # [هود: 1516] وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله ~~الصالح في الدنيا، دون الآخرة ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي ~~الله عنه كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة، وهو أحد ~~التفسيرين في قوله تعالى: { ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه } الآية أي وفاه حسابه في الدنيا على هذا القول، وقد بين الله ~~جل وعلا في سورة بني إسرائيل أن ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر ~~بعمله الصالح في الدنيا، أنه مقيد بمشيئة الله تعالى، وذلك في قوله ~~تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا # [الإسراء: 18] # تنبيه # في هذه الآية الكريمة سؤال ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا، دفع ~~إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وذلك في قولنا فيه: لا يخفى ما يسبق إلى ~~الذهن من أن الضمير في قوله: جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء، ~~لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل ومعلوم أن الصفة الإضافية، لا تتقوم ~~إلا بين متضائفين، فلا تدرك إلا بإدراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل، ~~إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء، ومفعول به واقع عليه المجيء. وقوله ~~تعالى: { لم يجده شيئا } يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء ~~في قوله تعالى: { جآءه }. # والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة. # قال فإن قال قائل كيف قيل: { حتى إذا جآءه لم يجده ~~شيئا } فإن لم يكن السراب شيئا فعلام دخلت الهاء في قوله: { حتى ~~إذا جآءه } ، قيل إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من ~~بعيد، فإذا قرب منه رق وصار كالهواء، وقد يحتمل أن يكون معناه حتى إذا ~~جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه ~~انتهى منه. # والوجه الأول أظهر عندي، ms2780 وعنده، بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه ~~إلخ. انتهى كلامنا في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وقد رأيت فيه ~~جواب ابن جرير الطبري عن السؤال المذكور، وقوله تعالى في هذه الآية: { ~~بقيعة } قيل جماع قاع كجار وجيرة. وقيل: القيعة والقاع بمعنى، وهو ~~المنبسط المستوى المتسع من الأرض، وعلى هذا فالقاع واحد القيعان كجار ~~وجيران. ### || [24.41] # اعلم أن الضمير المحذوف الذي هو فاعل علم قال بعض أهل العلم: إنه راجع ~~إلى الله تعالىفي قوله: { ألم تر أن الله يسبح له من ~~في السماوات } الآية، وعلى هذا فالمعنى كل من المسبحين والمصلين. ~~قد علم الله صلاته وتسبيحه. وقال بعض أهل العلم: إن الضمير المذكور إلى ~~قوله: { كل } أي كل من المصلين والمسبحين، قد علم صلاة نفسه وتسبيح ~~نفسه، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97] الآية كلام الأصوليين في أن اللفظ إن احتمل التوكيد ~~والتأسيس حمل على التأسيس، وبينا أمثلة متعددة لذلك من القرآن العظيم. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن ~~يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله: { كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه } راجعا إلى قوله { كل } أي كل من المصلين قد علم صلاة ~~نفسه، وكل من المسبحين، قد علم تسبيح نفسه، وعلى هذا القول فقوله تعالى { ~~والله عليم بما يفعلون } تأسيس لا تأكيد، أما على القول ~~بأن الضمير راجع إلى الله: أي قد علم صلاته يكون قوله: { والله ~~عليم بما يفعلون } كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد ~~اللفظي. # وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على ~~التوكيد كما تقدم إيضاحه. والظاهر أن الطير تسبح وتصلي صلاة وتسبيحا ~~يعملهما الله، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. # ومن الآيات الدالة على أن غير العقلاء الله ونحن لا نعلمه. قوله تعالى ~~في الحجارة # وإن منها ms2781 لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] فأثبت خشية للحجارة، والخشية تكون بإدراك. وقوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21] وقوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72] الآية. والإباء والإشفاق إنما يكونان بإدراك، والآيات ~~والأحاديث واردة بذلك، وهو الحق. وظاهر الآية أن للطير صلاة وتسبيحا، ~~ولا مانع من الحمل على الظاهر ونقل القرطبي عن سفيان: أن للطير ليس ~~فيها ركوع ولا سجود اه. # ومعلوم أن الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قول الأعشى: # تقول بنتي وقد غربت مرتحلا # با رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتبطي # نوما فإن لجنب المرء مضجعا # فقوله: مثل الذي صليت أي دعوت يعني قولها: يا رب جنب أبي الأوصاب ~~والوجعا. وقوله: { صآفات }: أي صافات أجنحتها في الهواء وقد بين ~~تعالى في غير هذا الموضع أن إمساكه الطير صافات أجنحتها في الهواء ~~وقابضات لها من آيات قدرته، واستحقاقه العبادة وحده، وذلك في قوله تعالى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك: 19] الآية. وقوله تعالى: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون # [النحل: 79]. ### || [24.55] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من هذه الأمة ليستخلفنهم في الأرض: أي ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم ~~السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدل على أن طاعة الله بالإيمان به، ~~والعمل الصالح سبب للقوة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة، كقوله ~~تعالى: # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم ~~بنصره # [الأنفال: 26] الآية. وقوله تعالى: # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ~~الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور # [الحج: 4041] وقوله ms2782 تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: { كما استخلف الذين من ~~قبلهم } أي كبني إسرائيل. # ومن الآيات الموضحة لذلك: قوله تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون # [القصص: 56] وقوله تعالى عن موسى عليه السلام وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129] وقوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها # [الأعراف: 137] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { ~~ليستخلفنهم } ، اللام موطئة لقسم محذوف: أي وعدهم الله، وأقسم ~~في وعده ليستخلفنهم. # قوله تعالى: { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم } هذا الدين الذي ارتضاه لهم هو دين الإسلام بدليل قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3]. وقوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]. وقوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # [آل عمران: 85]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وليمكنن ~~لهم دينهم }. قال الزمخشري تمكينه هو تثبيته وتوطيده. ### || [24.56] # هذه الآية الكريمة تدل على أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لرحمة الله تعالى سواء قلنا إن لعل في ~~قوله: { لعلكم ترحمون } حرف تعليل أو ترج، لأنها إن قلنا: ~~إنها حرف تعليل؛ فإقامة الصلاة وما عطف عليه سبب لرحمة الله، لأن العلل ~~أسباب شرعية. وإن قلنا: إن لعل للترجي: أي أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة ~~على رجائكم أن الله يرحمكم بذلك؛ لأن الله ما أطمعهم بتلك الرحمة عند ~~عملهم بموجبها إلا ليرحمهم لما هو معلوم من فضله وكرمه وكون: لعل هنا ~~للترجي إنما هو بحسب علم المخلوقين كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وهذا ~~الذي دلت عليه هذه الآية من أنهم إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ~~وأطاعوا الرسول ms2783 رحمهم الله بذلك جاء موضحا في آية أخرى، وهي قوله تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله # [التوبة: 71] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: { وأطيعوا ~~الرسول } بعد قوله { وأقيموا الصلاة } من عطف العام على ~~الخاص، لأن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان في عموم قوله: { ~~وأطيعوا الرسول } ، وقد قدمنا مرارا أن عطف العام على الخاص ~~وعكسه كلاهما من الإطناب المقبول إذا كان في الخاص مزية ليست في غيره من ~~أفراد العام. ### || [24.57] # قوله تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا معجزين في ~~الأرض }. # نهى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحسب أي يظن الذين كفروا ~~معجزين في الأرض، ومفعول معجزين محذوف: أي لا يظنهم معجزين ربهم، بل ~~قادر على عذابهم لا يعجز عن فعل ما أراد بهم لأنه قادر على كل شيء. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينا في آيات أخر كقوله تعالى: # واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله ~~مخزي الكافرين # [التوبة: 2] وقوله تعالى: # وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ~~وبشر الذين كفروا بعذاب أليم # [التوبة: 3] وقوله تعالى: # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ~~سآء ما يحكمون # [العنكبوت: 4] وقوله تعالى: # قل إي وربي إنه لحق ومآ أنتم بمعجزين # [يونس: 53]. وقوله تعالى: # يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون ~~ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء # [العنكبوت: 2122] الآية. وقوله في الشورى: # ومآ أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير # [الشورى: 31] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لا تحسبن الذين ~~كفروا } قرأه ابن عامر وحمزة: { لا يحسبن } بالياء المثناة التحتية ~~على الغيبة. وقرأه باقي السبعة: { لا تحسبن } بالتاء الفوقية. ~~وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بفتح السين وباقي السبعة بكسرها. # والحاصل أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين، وقراءة ~~عاصم بالتاء الفوقية وفتح السين، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء ~~الفوقية ms2784 وكسر السين، وعلى قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في ~~الآية مع فتح السين وكسرها، لأن الخطاب بقوله: لا تحسبن للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقوله { الذين كفروا } هو المفعول الأول. وقوله: { ~~معجزين } هو المفعول الثاني لتحسبن. وأما على قراءة: (لا يحسبن) ~~بالياء التحتية ففي الآية إشكال معروف وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة ~~أوجه: # الأول: أن قوله { الذين كفروا } في محل رفع فاعل (يحسبن)، ~~والمفعول الأول محذوف تقديره: (أنفسهم). و (معجزين): مفعول ثان: أي لا ~~يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض، وعزا هذا القول للزجاج، ~~والمفعول المحذوف قد تدل عليه قراءة من قرأ بالتاء الفوقية كما لا ~~يخفى، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما أو حذف أحدهما إن قام عليه دليل ~~كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: # ولا تجز هنا بلا دليل # سقوط مفعولين أو مفعول # ومثال حذف المفعولين معا مع قيام الدليل عليهما في قوله تعالى: # أين شركآئي الذين كنتم تزعمون # [القصص: 62 و 74] أي تزعمونهم شركائي. وقول الكميت: # بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # أي وتحسب حبهم عارا علي، ومثال حذف أحد المفعولين قول عنترة: # ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # أي لا تظني غيره واقعا. # الجواب الثاني: أن فاعل (يحسبن) النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مذكور ~~في قوله تعالى قبله # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النور: 54] أي لا يحسبن محمد صلى الله عليه وسلم الذين كفروا معجزين. ~~وعلى هذا فالذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ثان. وعزا هذا القول ~~للفراء، وأبي علي. # الجواب الثالث: أن المعنى: لا يحسبن الكفار الذين كفروا معجزين في الأرض ~~وعزا هذا القول لعلي بن سليمان، وهو كالذي قبله، إلا أن الفاعل في الأول ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني الكافر. وقال الزمخشري: وقرئ (لا ~~يحسبن) بالياء وفيه أوجه أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان. # والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أحدا يعجز الله في الأرض، حتى يطمعوا هم ~~في ms2785 مثل ذلك، وهذا معنى قوي جيد، وأن يكون فيه ضمير الرسول لتقدم ذكره في ~~قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وأن يكون الأصل: ~~لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول ~~الأول،وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع ~~بذكر اثنين عن ذكر الثالث.اه. # وما ذكره النحاس وأبو حاتم وغيرهما من أن قرأءة من قرأ: (لا يحسبن) ~~بالياء التحتية خطأ أو لحن كلام ساقط لا يلتفت إليه، لأنها قراءة سبعية ~~ثابتة ثبوتا لا يمكن الطعن فيه، وقرأ بها من السبعة: ابن عامر، وحمزة ~~كما تقدم. # وأظهر الأجوبة عندي: أن معجزة في الأرض هما المفعولان، فالمفعول الأول ~~معجزين، والمفعول الثاني دل عليه قوله: { في الأرض } ، أي لا تحسبن ~~معجزين الله موجودين أو كائنين في الأرض، والعلم عند الله تعالى. ### || [24.63] # قوله تعالى: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم ~~كدعآء بعضكم بعضا }. # لأهل العلم في هذه الآية أقوال راجعة إلى قولين: # أحدهما: أن المصدر الذي هو دعاء مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى هذا فالرسول مدعو. # الثاني: أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله، وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وعلى هذا فالرسول داع. # وإيضاح معنى قول من قال: إن المصدر مضاف إلى مفعوله، أن المعنى: لا ~~تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كدعاء بعضكم بعضا، فلا تقولوا له: يا ~~محمد مصرحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل ~~قولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع خفض الصوت احتراما له صلى ~~الله عليه وسلم. # وهذا القول: هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى كقوله: # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى # [الحجرات: 23] وقوله تعالى: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ms2786 ~~لكان خيرا لهم # [الحجرات: 45]. وقوله تعالى: # ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا # [البقرة: 104] الآية، وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة. كما ذكره عنهم القرطبي، وذكره ابن كثير عن الضحاك، عن ~~ابن عباس، وذكره أيضا عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ونقله أيضا عن ~~مالك عن زيد بن أسلم، ثم قال: إن هذا القول هو الظاهر، واستدل له ~~بالآيات التي ذكرنا وأما القول الثاني: وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ففي ~~المعنى وجهان: # الأول: ما ذكره الزمخشري في الكشاف، قال إذا احتاج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه، ~~ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع بغير ~~إذن الداعي. # والوجه الثاني: هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال، والقول في ذلك أن ~~المعنى في { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء ~~بعضكم بعضا } أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن ~~دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ~~ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العوفي والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الوجه الأخير يأباه ظاهر القرآن، ~~لأن قوله تعالى: { كدعآء بعضكم بعضا } يدل على خلافه، ولو ~~أراد دعاء بعضهم على بعض لقال: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم ~~على بعض فدعاء بعضهم بعضا، ودعاء بعضهم على بعض متغايران كما لا يخفى. # والظاهر أن قوله: لا تجعلوا من جعل التي بمعنى اعتقد، كما ذكرنا عن ابن ~~كثير آنفا. # قوله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }. # الضمير في قوله: عن أمره راجع إلى الرسول، أو إلى الله والمعنى واحد، ~~لأن الأمر من الله والرسول مبلغ عنه، والعرب تقول: خالف أمره وخالف عن ~~أمره: وقال بعضهم: يخالفون: مضمن معنى يصدون، أي يصدون عن أمره. # وهذا الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر ms2787 المجرد عن ~~القرائن يقتضي الوجوب، لأنه جل وعلا توعد المخالفين عن أمره بالفتنة أو ~~العذاب الأليم وحذرهم من مخالفة الأمر. وكل ذلك يقتضي أن الأمر ~~للوجوب، ما لم يصرف عنه صارف، لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد ~~الشديد والتحذير. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق ~~الوجوب دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون # [المرسلات: 48] فإن قوله: { اركعوا } أمر مطلق، وذمه تعالى للذين ~~لم يمتثلوه بقوله: { لا يركعون } يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله ~~تعالى لإبليس # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] فإنكاره تعالى على إبليس موبخا بقوله: { ما منعك ~~ألا تسجد إذ أمرتك } يدل على أنه تارك واجبا. وأن ~~امتثال الأمر واجب مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى: # اسجدوا لآدم # [البقرة: 34] و [الأعراف: 11] و [الإسراء: 61] و [الكهف: 50] و [طه: ~~116] وكقوله تعالى عن موسى # أفعصيت أمري # [طه: 93] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142] وكقوله تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفة ~~عاص، ولا يكون عاصيا إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم. وكقوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] فإنه يدل على أن أمر الله، وأمر رسوله مانع من الاختيار ~~موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى. وأشار إلى أن ~~مخالفته معصية بقوله بعده: # ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا # [الأحزاب: 36]. # واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب بدليل أن السيد لو ~~قال لعبده اسقني ماء مثلا، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس ~~للعبد أن يقول: عقابك لي ظلم لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب ~~علي الامتثال فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني، بل ms2788 يفهم من نفس ~~الصيغة أن الامتثال يلزمه، وأن العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه، ~~والفتنة في قوله { أن تصيبهم فتنة } قيل هي القتل، وهو مروي عن ~~ابن عباس، وقيل: الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء. # وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع ~~على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقال ~~بعض العلماء: فتنة: محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد دل استقراء القرآن العظيم أن ~~الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان. # الأول: أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] وقوله تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10] الآية. أي أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك. # الثاني: وهو أشهرها إطلاق الفتنة على الاختبار كقوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] الآية. وقوله تعالى: # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا لنفتنهم فيه # [الجن: 1617]. # والثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة كقوله تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله # [البقرة: 193]. وفي الأنفال: # ويكون الدين كله لله # [الأنفال: 39]. فقوله: # حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193] أي حتى لا يبقى شرك على أصح التفسيرين، ويدل على صحته ~~قوله بعده: # ويكون الدين لله # [البقرة: 193]، لأن الدين لا يكون كله لله حتى لا يبقى شرك كما ترى، ~~ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # كما لا يخفى. # والرابع: إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، أي لم تكن حجتهم، كما قال به بعض أهل العلم. # والأظهر عندي: أن الفتنة في قوله هنا: { أن تصيبهم فتنة } أنه ~~من النوع الثالث من الأنواع المذكورة. # وأن معناه أن يفتنهم الله أي يزيدهم ضلالا بسبب مخالفتهم، عن أمره، ~~وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. # وهذا المعنى تدل ms2789 عليه آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله جل وعلا: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14] وقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] وقوله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] الآية. وقوله تعالى: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم # [التوبة: 125] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة والعلم عند الله تعالى. ### || [24.64] # وقوله تعالى: { قد يعلم مآ أنتم عليه }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم ما عليه خلقه أي من الطاعة ~~والمعصية وغير ذلك. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية مع أنه معلوم بالضرورة من الدين، ~~جاء مبينا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس: 61] وقوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # [هود: 5] وقوله تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33] أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر. وقوله ~~تعالى: # وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم ~~وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم # [الشعراء: 217220]. وقوله تعالى: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف بالليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10] وقوله تعالى: # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # [الملك: 13]، وقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6] وقوله تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ms2790 # [الملك: 14] إلى غير ذلك من الآيات، وفي هذه الآيات وما في معناها أحسن ~~وعد للمطيعين، وأشد وعيد للعصاة المجرمين، ولفظة " قد " في قوله تعالى ~~في هذه الآية الكريمة: { قد يعلم مآ أنتم عليه } للتحقيق، ~~وإتيان " قد " للتحقيق مع المضارع كثير جدا في القرآن العظيم. كقوله ~~تعالى: # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا # [النور: 63] وقوله تعالى: # قد يعلم الله المعوقين منكم # [الأحزاب: 18] الآية. وقوله تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # [الأنعام: 33] الآية. وقوله تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144] الآية. # قوله تعالى: { ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما ~~عملوا والله بكل شيء عليم }. # قوله تعالى في هذه الآية: { ويوم يرجعون إليه } الظاهر أنه ~~ليس بظرف، بل هو معطوف على المفعول به الذي هو " ما " ، من قوله: { قد ~~يعلم مآ أنتم عليه } ، أي ويعلم يوم يرجعون إليه، وقد ذكر ~~الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة ينبئ الخلائق بكل ~~ما عملوا؛ أي يخبرهم به ثم يجازيهم عليه. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه جل وعلا يخبرهم يوم القيامة ~~بما عملوا جاء موضحا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] وقوله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه نزل الفرقان، وهو هذا القرآن ~~العظيم على عبده، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأجل أن يكون للعالمين ~~نذيرا، أي منذرا، وقد قدمنا مرارا أن الإنذار هو الإعلام المقترن ~~بتهديد وتخويف وأن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا كما أوضحناه في ~~أول سورة الأعراف. # وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للأسود ~~والأحمر والجن والإنس لدخول الجميع في قوله تعالى: { للعالمين ~~نذيرا }. # وهذا المعنى الذي ms2791 دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات أخر ~~كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] وقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # [سبأ: 28] الآية أي أرسلناك للناس كافة أي جميعا وقوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ # [الأنعام: 19] وقوله تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 3334] وقوله تعالى: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يقومنآ إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ~~يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم ~~من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من ~~دونه أوليآء أولئك في ضلال مبين # [الأحقاف: 2932] الآية: وفي معنى قوله تعالى تبارك أقوال لأهل العلم. ~~قال القرطبي: تبارك اختلف في معناه. فقال الفراء هو في العربية بمعنى: ~~تقدس وهما للعظمة، وقال الزجاج، تبارك: تفاعل من البركة. قال: ومعنى ~~البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقيل: تبارك: تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه: أي ~~زاد وكثر. وقيل المعنى: دام وثبت إنعامه قال النحاس: وهذا أولاها في ~~اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت ومنه برك الجمل والطير على الماء: ~~أي دام وثبت. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. # وقال أبو حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس: تبارك لم يزل، ولا يزول: ~~وقال الخليل: تمجد وقال الضحاك: تعظم، وحكى الأصمعي: تباركت عليكم من قول ~~عربي صعد رابية فقال ذلك لأصحابه: أي تعاليت وارتفعت. ففي هذه الأقوال ~~تكون صفة ذات، وقال ابن عباس أيضا، والحسن والنخعي: هو من البركة، وهو ~~التزايد في الخير من قبله. فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون ~~صفة فعل. انتهى محل الغرض ms2792 من كلام أبي حيان. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر في معنى تبارك بحسب اللغة التي ~~نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير الطبري، وعليه ~~فمعنى تبارك تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه ~~عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات ~~ويدر الأرزاق على الناس هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة ~~له، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير، ولا رزق كالأصنام، وسائر ~~المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد وعبادته كفر مخلد في نار جهنم، وقد ~~أشار تعالى إلى هذا في قوله: # إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا ~~له إليه ترجعون # [العنكبوت: 17] وقوله تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون # [النحل: 73] وقوله تعالى: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] وقوله تعالى: # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذرايات: 5758] وقوله تعالى: # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون # [غافر: 1314] الآية. # تنبيه # اعلم أن قوله تبارك فعل جامد لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع، ولا مصدر ~~ولا اسم فاعل ولا غير ذلك، وهو مما يختص به الله تعالى، فلا يقال لغيره ~~تبارك خلافا لما تقدم عن الأصمعي، وإسناده تبارك إلى قوله: { الذي ~~نزل الفرقان } يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم ~~البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه، كما أوضحناه في أول ~~سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1] الآية. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، وإطلاق العرب تبارك ~~مسندا إلى الله تعالى معروف في كلامهم ومنه قول الطرماح: # تباركت لا معط لشيء منعته # وليس لما أعطيت يا رب ms2793 مانع # وقول الآخر: # فليست عشيات الحمى برواجع # لنا أبدا ما أورق السلم النضر # ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى # تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر # وقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] وقوله: الفرقان يعني هذا القرآن العظيم، وهو مصدر زيدت ~~فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان، وهذا المصدر أريد به اسم ~~الفاعل، لأن معنى كونه فرقانا أنه فارق بين الحق والباطل، وبين الرشد ~~والغي، وقال بعض أهل العلم: المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول، ~~لأنه نزل مفرقا، ولم ينزل جملة. # واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث # [الإسراء: 106] الآية، وقوله: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # [الفرقان: 32] وقوله في هذه الآية الكريمة: نزل بالتضعيف يدل على كثرة ~~نزوله أنجما منجما. قال بعض أهل العلم: ويدل على ذلك قوله في أول سورة ~~آل عمران: # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل # [آل عمران: 3] الآية. قالوا عبر في نزول القرآن بنزل بالتضعيف لكثرة ~~نزوله وأما التوراة والإنجيل، فقد عبر في نزولهما بأنزل التي لا تدل على ~~تكثير، لأنهما نزلا جملة في وقت واحد، وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة ~~نزول القرآن كقوله تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا # [الكهف: 1] الآية وقوله في هذه الآية على عبده. قال فيه بعض العلماء: ~~ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان، يدل على أن العبودية لله هي أشرف ~~الصفات، وقد بينا ذلك في أول سورة بني إسرائيل. ### || [25.2] # قوله تعالى: { الذي له ملك السماوات والأرض } بدل من ~~الذي في قوله تعالى: { تبارك الذي نزل } ، وقال بعضهم: هو مرفوع على ~~المدح، وقال بعضهم: هو منصوب على المدح. وقد أثنى جل وعلا على نفسه ~~في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور، هي أدلة قاطعة على عظمته، واستحقاقه ~~وحده لإخلاص العبادة له: # الأول ms2794 منها: أنه هو الذي له ملك السموات والأرض. # والثاني: أنه لم يتخذ ولدا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # والثالث: أنه لا شريك له في ملكه. # والرابع: أنه هو خالق كل شيء. # والخامس: أنه قدر كل شيء خلقه تقديرا، وهذه الأمور الخمسة المذكورة في ~~هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر. # أما الأول منها: وهو أنه له ملك السموات والأرض، فقد جاء موضحا في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى في سورة المائدة: # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض # [المائدة: 40] الآية. وقوله تعالى في سورة النور: # ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير # [النور: 42] وقوله تعالى: # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير # [فاطر: 13] الآية. وجميع الآيات التي ذكر فيها جل وعلا أن له الملك، ~~فالملك فيها شامل لملك السموات والأرض، وما بينهما وغير ذلك. كقوله ~~تعالى: # قل اللهم مالك الملك # [آل عمران: 26] الآية، وقوله تعالى: # تبارك الذي بيده الملك # [الملك: 1] الآية: وقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وقوله تعالى: # وله الملك يوم ينفخ في الصور # [الأنعام: 73] الآية. وقوله تعالى: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] والآيات الدالة على أن له ملك كل شيء كثيرة جدا معلومة. # وأما الأمر الثاني: وهو كونه تعالى لم يتخذ ولدا، فقد جاء موضحا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 34] وقوله تعالى: # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # [الجن: 3] وقوله تعالى: # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة # [الأنعام: 101] الآية. وقوله تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # [مريم: 8893] وقوله تعالى: # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن ms2795 يقولون إلا كذبا # [الكهف: 45] وقوله تعالى: # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # [الإسراء: 40] وقوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله # [المؤمنون: 91] إلى قوله: # سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة وقد قدمنا ذلك في مواضع ~~من هذا الكتاب المبارك في سورة الكهف وغيرها. # وأما الأمر الثالث، وهو كونه تعالى لم يكن له شريك في الملك، فقد جاء ~~موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك # [الإسراء: 111] الآية، وقوله تعالى في سورة سبأ: # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # [سبأ: 22] وقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] لأن قوله: الواحد القهار يدل على تفرده بالملك، والقهر، ~~واستحقاق إخلاص العبادة، كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأمر الرابع: وهو أنه تعالى خلق كل شي، فقد جاء موضحا في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى: # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق ~~كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل # [الأنعام: 101102] وقوله تعالى: # ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون # [غافر: 6263] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأمر الخامس: وهو أنه قدر كل شيء خلقه تقديرا، فقد جاء أيضا ~~في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى # [الأعلى: 23] وقوله تعالى: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] وقوله تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49] إلى غير ذلك من الآيات وقال ابن عطية: تقدير الأشياء هو ~~حدها بالأمكنة، والأزمان، والمقادير، والمصلحة، والإتقان. انتهى بواسطة ~~نقل أبي حيان ms2796 في البحر. # تنبيه # في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: الخلق في اللغة العربية، ~~معناه التقدير ومنه قول زهير: # ولأنت تفرى ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفرى # قال بعضهم: ومنه قوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] قال: أي أحسن المقدرين، وعلى هذا فيكون معنى الآية وخلق ~~كل شيء: أي قدر كل شيء فقدره تقديرا، وهذا تكرار كما ترى، وقد أجاب ~~الزمخشري عن هذا السؤال، وذكر أبو حيان جوابه في البحر ولم يتعقبه. # والجواب المذكور هو قوله: فإن قلت في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله ~~{ وخلق كل شيء فقدره تقديرا } كأنه قال: وقدر كل شيء ~~فقدره. # قلت: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعي فيه التقدير والتسوية فقدره ~~وهيأه لما يصلح له. # مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى، الذي تراه فقدره ~~للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان ~~وجماد جاء به على الحيلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره ~~لأمر ما ومصلحة مطابقا لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمى إحداث الله ~~خلقا، لأنه لا يحدث شيئا لحكمته إلا على وجه التقدير غير متفاوت، فإذا ~~قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه ~~الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا، ~~وقيل: فجعل له غاية ومنتهى، ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمد معلوم. انتهى ~~كلام صاحب الكشاف وبعضه له اتجاه. والعلم عند الله تعالى. ### || [25.3] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من ~~دونه، متصفة بستة أشياء كل واحد منها برهان قاطع، أن عبادتها مع الله، لا ~~وجه لها بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار ~~جهنم، وهذا بعد أن أثنى على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في ~~الآية التي قبلها التي هي براهين قاطعة، على أن المتصف بها هو المعبود ~~وحده، والأمور الستة التي ms2797 هي من صفات المعبودات من دون الله: # الأول منها: أنها لا تخلق شيئا أي لا تقدر على خلق شيء. # والثاني منها: أنها مخلوقة كلها أي خلقها خالق كل شيء. # والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا. # الرابع والخامس والسادس: أنها لا تملك موتا، ولا حياة، ولا نشورا، أي ~~بعثا بعد الموت، وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة، جاءت ~~مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. # أما الأول منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئا، ~~فقد جاء مبينا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له # [الحج: 73] الآية. وقوله تعالى: # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون أموات غير أحيآء وما يشعرون ~~أيان يبعثون # [النحل: 2021] وقوله تعالى في سورة فاطر # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة ~~منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا # [فاطر: 40] وقوله تعالى في سورة لقمان: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~بل الظالمون في ضلال مبين # [لقمان: 11] وقوله تعالى في الأحقاف: # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين # [الأحقاف: 4]. وقوله تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق، ومن لا ~~يخلق، لأن من يخلق هو المعبود، ومن لا يخلق لا تصح عبادته، كقوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] الآية. أي وأما من لم يخلقكم، فليس برب، ولا بمعبود لكم ~~كما لا يخفى. وقوله تعالى: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # [النحل: 17] وقوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ms2798 ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # [الرعد: 16] أي ومن كان كذلك، فهو المعبود وحده جل وعلا وقوله تعالى: # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # [الأعراف: 191]. # وأما الأمر الثاني منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دونه مخلوقة، فقد ~~جاء مبينا في آيات من كتاب الله كآية النحل والأعراف، المذكورتين آنفا. # أما آية النحل فهي قوله تعالى: # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون # [النحل: 20] فقوله: وهم يخلقون صريح في ذلك. وأما الآية الأعراف فهي ~~قوله تعالى: # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # [الأعراف: 191] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأمر الثالث منها: وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ~~فقد جاء مبينا أيضا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل ~~أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا # [الرعد: 16]. وكقوله تعالى: # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا ~~يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون # [الأعراف: 191192] ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضرا ولا نفعا. ~~وقوله تعالى: # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا ~~أنفسهم ينصرون # [الأعراف: 197] وقوله تعالى: # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل ~~يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم ~~أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها # [الأعراف: 193195] الآية. # وفيها الدلالة الواضحة على أنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا، وقوله تعالى: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # [الحج: 73] الآية إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الرابع والخامس والسادس، من الأمور المذكورة: أعني كونهم لا يملكون ~~موتا، ولا حياة، ولا نشورا. فقد جاءت أيضا مبينة في آيات من كتاب الله ~~كقوله تعالى: # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء سبحانه وتعالى ms2799 عما يشركون # [الروم: 40]. # فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء سبحانه وتعالى عما يشركون، يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد ~~منهم يقدر أن يفعل شيئا من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبر ~~عنها بخلقكم، والموت المعبر عنه بقوله: ثم يميتكم، والنشور المعبر عنه ~~بقوله: ثم يحييكم، وبين أنهم لا يملكون نشورا بقوله: # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون # [الأنبياء: 21]، وبين أنهم لا يملكون حياة ولا نشورا في قوله تعالى: # قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ~~قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون # [يونس: 34] الآية، وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # [آل عمران: 145] وقوله تعالى: # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # [المنافقون: 11] الآية، وقوله تعالى: # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون # [نوح: 4] الآية، وقوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28] الآية، وقوله تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين # [غافر: 11] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه ~~الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدين. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا } أظهر الأقوال فيه أن المعنى لا يملكون لأنفسهم ~~دفع ضرر ولا جلب نفع. كما قاله القرطبي وغيره. وغاية ما في هذا التفسير ~~حذف مضاف دل المقام عليه، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب وقد أشار ~~إليه في الخلاصة بقوله: # وما يلي المضاف يأتي خلفا # عنه في الإعراب إذا ما حذفا # وقيل المعنى: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم، أو ينفعوها بشيء والأول هو ~~الأظهر: أي وإذا عجزوا عن دفع ضر عن أنفسهم وجلب نفع لها فهم عن الموت ~~والحياة والنشور أعجز، لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولا نشورا } اعلم ms2800 أن النشور ~~يطلق في العربية إطلاقين: # الأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدي، تقول: نشر الله الميت ينشره ~~نشرا ونشورا. # والثاني: أن يكون مصدر نشر الميت ينشر نشورا لازما، والميت فاعل نشر. # والحاصل: أن في المادة ثلاث لغات الأولى: أنشره رباعيا بالهمزة ينشره ~~بضم الياء إنشارا. ومنه قوله تعالى: # ثم عبس وبسر # [عبس: 22] وقوله تعالى: # وانظر إلى العظام كيف ننشزها # [البقرة: 259] بضم النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، ~~وأبي عمرو. وهو مضارع أنشره. والثانية نشر الله الميت ينشره بصيغة ~~الثلاثي المتعدي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: ~~ولا نشورا: أي لا يملكون أن ينشروا أحدا بفتح الياء، وضم الشين ~~والثالثة: نشر الميت بصيغة الثلاثي اللازم، ومعنى أنشره، ونشره متعديا ~~أحياه بعد الموت، ومعنى نشر الميت لازما حيي الميت وعاش بعد موته، ~~وإطلاق النشر والنشور على الإحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة ~~بعد الموت معروف في كلام العرب، ومن إطلاقهم نشر الميت لازما فهو ناشر ~~أي عاش بعد الموت قول الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها # عاش ولم ينقل إلى قابر # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # ومن إطلاق النشور بمعنى الإحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدي. قوله ~~هنا: ولا نشورا: أي بعثا بعد الموت، ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة ~~بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم قول الآخر: # إذا قبلتها كرعت بفيها # كروع العسجدية في الغدير # فيأخذني العناق وبرد فيها # بموت في عظامي أو فتور # فنحيا تارة ونموت أخرى # ونخلط ما نموت بالنشور # فقد جعل الغيبوبة من شدة اللذة موتا، والإفاقة منها نشورا، أي حياة ~~بعد الموت. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { واتخذوا من دونه آلهة ~~} حذف فيه أحد المفعولين: أي اتخذوا من دونه أصناما آلهة، كقوله تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة # [الأنعام: 74] الآية. والآلهة جمع إله، فهو فعال مجموع على أفعلة، لأن ~~الألف التي بعد الهمزة مبدلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة كما قال في ~~الخلاصة: ms2801 # ومدا أبدل ثاني الهمزين من # كلمة إن يسكن كآثر وأتمن # والإله المعبود فهو فعال بمعنى مفعول، وإتيان الفعال بمعنى المفعول جاءت ~~منه أمثلة في اللغة العربية كالإله بمعنى المألوه: أي المعبود، والكتاب ~~بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى: الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به. ومعلوم ~~أن المعبود بحق واحد وغيره من المعبودات أسماء الكفار، ما أنزل الله بها ~~من سلطان # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [يونس: 66]، # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23] الآية. ### || [25.4] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا وكذبوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا في هذا القرآن العظيم، الذي أوحاه الله إليه: { ~~إن هذا إلا إفك افتراه }: أي ما هذا القرآن إلا كذب ~~اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم وأعانه عليه على الإفك الذي افتراه قوم ~~آخرون، قيل: اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى ~~العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي، قال ذلك النصر بن الحر العبدري. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار كذبوه وادعوا عليه ~~أن القرآن كذب اختلقه، وأنه أعانه على ذلك قوم آخرون جاء مبينا في آيات ~~أخر كقوله تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب # [ص: 4] وقوله تعالى: # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [النحل: 101] وقوله تعالى: # بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم في أمر ~~مريج # [ق: 5] وقوله تعالى: # وكذب به قومك وهو الحق # [الأنعام: 66] الآية. والآيات في ذلك كثيرة معلومة. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنهم افتروا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه أعانه على افتراء القرآن قوم آخرون جاء أيضا موضحا ~~في آيات أخر كقوله تعالى: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر # [النحل: 103] وقوله تعالى: # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر # [المدثر: ms2802 24] أي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره إن هذا إلا قول ~~البشر، وقوله تعالى: # وليقولوا درست # [الأنعام: 105] كما تقدم إيضاحه في الأنعام، وقد كذبهم الله جل وعلا في ~~هذه الآية الكريمة فيما افتروا عليه من البهتان بقوله: { فقد جآءوا ~~ظلما وزورا } قال الزمخشري ظلمهم: أن جعلوا العربي يتلقن من ~~الأعجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب والزور هو ~~أن بهتوه بنسبه ما هو بريء منه إليه انتهى. وتكذيبه جل وعلا لهم في هذه ~~الآية الكريمة، جاء موضحا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103] كما تقدم إيضاحه في سورة النحل وقوله: # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم ~~بوكيل # [الأنعام: 66] وقوله تعالى: # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر إن هذآ إلا ~~قول البشر سأصليه سقر ومآ أدراك ما سقر # [المدثر: 2427] الآية، لأن قوله: { سأصليه سقر } بعذ ذكر ~~افترائه على القرآن العظيم يدل على عظم افترائه وأنه سيصلى بسببه عذاب ~~سقر، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول ~~وعمل. # واعلم أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل. فقوله: { فقد جآءوا ~~ظلما وزورا } أي فعلوه وقيل بتقدير الباء: أي جاءوا بظلم، ومن ~~إتيان بمعنى فعل قوله تعالى: # لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا # [آل عمران: 188] الآية. أي بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى: # فما يك من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب، لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل، ~~والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه. ومنه قوله تعالى في قوم لوط # والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات # [التوبة: 70] وقوله # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وإنما قيل لها مؤتفكات، لأن الملك أفكها أي قبلها كما أوضحه ~~تعالى بقوله تعالى # فجعلنا عاليها سافلها # [الحجرات: 74]. ### || [25.5-6] # ذكر جل وعلا في الأولى من هاتين الآيتين أن الكفار قالوا: إن هذا ~~القرآن أساطير الأولين أي مما كتبه، وسطره الأولون كأحاديث رستم ~~واسفنديار، وأن ms2803 النبي صلى الله عليه وسلم جمعه، وأخذه من تلك الأساطير، ~~وأنه اكتتب تلك الأساطير، قال الزمخشري: أي كتبها لنفسه وأخذها، كما ~~تقول: استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه، وقوله { فهي ~~تملى عليه } أي تلقى إليه، وتقرأ عند إرادته كتابتها ليكتبها، ~~والإملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه، والهمزة مبدلة من اللام ~~تخفيفا، والأصل في الإملاء الإملال باللام ومنه قوله تعالى: # فليكتب وليملل الذي عليه الحق # [البقرة: 282] الآية وقوله: { بكرة وأصيلا } البكرة: أول ~~النهار، والأصيل: آخره. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن الكفار قالوا: إن القرآن أساطير ~~الأولين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من غيره، وكتبه جاء موضحا ~~في آيات متعددة كقوله تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين # [الأنفال: 31]. # وقد ذكرنا آنفا الآيات الدالة على أنهم افتروا عليه أنه تعلم القرآن من ~~غيره، وأوضحناه تعنتهم، وكذبهم في ذلك في سورة النحل، ودلالة الآيات على ~~ذلك في الكلام على قوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي # [النحل: 103] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # ومن الآية الدالة على كذبهم في قوله: { اكتتبها فهي تملى ~~عليه } قوله تعالى: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48] وقوله تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي # [الأعراف: 157] إلى قوله تعالى: # فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي # [الأعراف: 158] الآية، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب وما ذكر جل وعلا ~~في الآية الأخيرة من قوله: { قل أنزله الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض } الآية. وجاء أيضا موضحا في آيات أخر ~~كقوله تعالى: # قل نزله روح القدس من ربك # [النحل: 102] الآية، وقوله تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] الآية. وقوله تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # [الشعراء: 192195]، وقوله تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه ms2804 # [طه: 114] وقوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # [القيامة: 1619] وقوله تعالى: # فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل ~~من رب العالمين # [الحاقة: 3843]، وقوله تعالى: # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى # [طه: 4] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله هنا: { الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض } أي ومن يعلم السر فلا شك أنه يعلم الجهر. # ومن الآيات الدالة على ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه تعالى ~~يعلم السر في السموات والأرض قوله تعالى: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7] وقوله تعالى: # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # [الملك: 13] وقوله تعالى: # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ~~وأن الله علام الغيوب # [التوبة: 78] وقوله تعالى: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 8]، وقوله تعالى: # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم # [السجدة: 6]، وقوله تعالى: # واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه # [البقرة: 235] الآية، وقوله تعالى: # وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا في كتاب ~~مبين # [النمل: 75]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة { إنه كان غفورا رحيما ~~} ، قال فيه ابن كثير: هو دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار لهم بأن ~~رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم، ~~وافترائهم، وفجورهم، وبهتانهم، وكفرهم، وعنادهم، وقولهم عن الرسول ~~والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيهم إلى الإسلام ~~والهدى، كما قال: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا ~~عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~والله غفور رحيم # [المائدة: 7374] وقال تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ms2805 الحريق # [البروج: 10]. # قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو ~~يدعوهم إلى التوبة والرحمة. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وما ~~ذكره واضح. # والآيات الدالة على مثله كثيرة كقوله تعالى: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38] وقوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [25.7-9] # قوله تعالى: { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار قالوا في نبينا صلى الله ~~عليه وسلم ما لهذا الرسول، يعنون ما لهذا الذي يدعي أنه رسول، وذلك كقول ~~فرعون في موسى: # قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] أي ما له يأكل الطعام كما نأكله، فهو محتاج إلى الأكل ~~كاحتياجنا إليه، ويمشي في الأسواق أي لا حتياجه إلى البيع والشراء، ليحصل ~~بذلك قوته يعنون أنه لو كان رسولا من عند الله، لكان ملكا من الملائكة ~~لا يحتاج إلى الطعام، ولا إلى المشي في الأسواق، وادعاء الكفار أن الذي ~~يأكل كما يأكل الناس، ويحتاج إلى المشي في الأسواق، لقضاء حاجته منها، ~~ولا يمكن أن يكون رسولا، وأن الله لا يرسل إلا ملكا، لا يحتاج للطعام، ~~ولا للمشي في الأسواق، جاء موضحا في آيات كثيرة، وجاء في آيات أيضا ~~تكذيب الكفار في دعواهم هذه الباطلة. # فمن الآيات الدالة على قولهم مثل ما ذكر عنهم في هذه الآية قوله تعالى: # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون # [المؤمنون: 3334] وقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]، وقوله تعالى عنهم: # فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا # [المؤمنون: 47] الآية، وقوله تعالى: # فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه # [القمر: 24] الآية. وقوله: # فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله ms2806 # [التغابن: 6] الآية. وقوله تعالى: # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا # [إبراهيم: 10]. # ومن الآيات التي كذبهم الله بها في دعواهم هذه الباطلة، وبين فيها أن ~~الرسل يأكلون ويمشون في الأسواق ويتزوجون ويولد لهم، وأنهم من جملة ~~البشر، إلا أنه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنه لو أرسل للبشر ملكا لجعله ~~رجلا، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزل عليهم ملكا ~~رسولا، لأن المرسل من جنس المرسل إليهم، قوله تعالى في هذه السورة ~~الكريمة: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20] وقوله تعالى: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا هم أزواجا ~~وذرية # [الرعد: 38] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109]، أي ولم نجعلهم ملائكة، لأن كونهم رجالا وكونهم من أهل ~~القرى، صريح في أنهم ليسوا ملائكة، وقوله تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: إنه ~~بشر، وإنه رسول. # وذلك لأن البشرية لا تنافي الرسالة في قوله تعالى: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]، وقوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # [الكهف: 110]، وقوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه # [فصلت: 6] الآية. وبين جل وعلا أن الرسل قالوا مثل ذلك في قوله: # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11] الآية، وقال تعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]، وقوله تعالى: { ويمشي في الأسواق } جمع سوق وهي ~~مؤنثة، وقد تذكر. والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه ~~نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له ms2807 جنة ~~يأكل منها }. # اعلم أولا أن لولا في هذه الآية الكريمة حرف تحضيض على التحقيق، ~~والتحضيض. هو الطلب بحث، وشدة، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: # وبهما التحضيض مزوهلا # ألا ألا وأولينها الفعلا # وبه تعلم أن المضارع في قوله: فيكون معه نذيرا منصوب بأن مستترة ~~وجوبا، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض، كما أشار له في ~~الخلاصة بقوله: # وبعد فاجواب نفي أو طلب # محضين أن وسترها حتم نصب # ونظير هذا من النصب بأن المستترة بعد الفاء التي هي جواب التحضيض، قوله ~~تعالى: # فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين # [المنافقون: 10] لأن قوله: أخرتني طلب منه للتأخير بحث وشدة، كما دل ~~عليه حرف التحضيض الذي هو لولا، نظيره من كلام العرب قول الشاعر: # لولا تعوجين يا سلمى على دنف # فتخمدي نار وجد كاد يفنيه # فقوله تعالى في الآية الكريمة: فأصدق بالنصب، وقول الشاعر: فتخمدي ~~منصوب أيضا، بحذف النون، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو ~~التحضيض. # واعلم أن جزم الفعل المعطوف على الفعل المنصوب أعني قوله: { وأكن ~~من الصالحين } إنما ساغ فيه الجزم، لأنه عطف على المحل لأن الفاء ~~لو حذفت مع قصد جواب التحضيض لجزم الفعل، وجواز الجزم المذكور عند الحذف ~~المذكور، هو الذي سوغ عطف المجزوم على المنصوب. وقد أشار إلى ذلك في ~~الخلاصة بقوله: # وبعد غير النفي جزما اعتمد # إن تسقط الفا والجزاء قد قصد # وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره، وأشار له الزمخشري من أن ~~لولا في الآية للاستفهام، ليس بصحيح. # واعلم أن الكفار في هذه الآية الكريمة اقترحوا بحث وشدة عليه صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة أمور: # الأول: أن ينزل إليه ملك، فيكون معه نذيرا أي يشهد له بالصدق، ويعينه ~~على التبليغ. # الثاني: أن يلقى إليه كنز، أي ينزل عليه كنز من المال ينفق منه، ويستغني ~~به عن المشي في الأسواق. # الثالث: أن تكون له جنة يأكل منها، والجنة في لغة العرب البستان ومنه ~~قول زهير: # كأن ms2808 عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # فقوله: تسقي جنة أي بستانا، وقوله: سحقا يعني أن نخله طوال. # وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة التي اقترحها الكفار ~~وطلبوها بشدة وحث، تعنتا منهم وعنادا، جاءت مبينة في غير هذا الموضع، ~~فبين جل وعلا في سورة هود اقتراحهم، لنزول الكنز، ومجيء الملك معه، وأن ~~ذلك العناد والتعنت قد يضيق به صدره صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله ~~تعالى: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء ~~معه ملك إنمآ أنت نذير # [هود: 12]، وبين جل وعلا في سورة بني إسرائيل اقتراحهم الجنة، وأوضح ~~أنهم يعنون بها بستانا من نخيل وعنب، وذلك في قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا # [الإسراء: 9091] واقتراحهم هذا شبيه بقول فرعون في موسى: # فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين # [الزخرف: 53] تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم. # وقد قدمنا في الكلام على آية سورة بني إسرائيل، هذه الآيات الدالة على ~~كثرة اقتراح الكفار، وشدة تعنتهم وعنادهم، وأن الله لو فعل لهم كل ما ~~اقترحوا لما آمنوا كما قال تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7] وقال تعالى: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # [الحجر: 1415] وقال تعالى: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111] الآية، وقال تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية # [يونس: 9697] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. # وقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه: يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد ~~في الأسواق كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن ms2809 ~~الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون ~~إنسانا معه ملك، حتى يتساعدا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا ~~فقالوا إن لم يكن مرفودا بذلك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من ~~السماء، يستظهر به، لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن ~~يكون له بستان يأكل منه، ويرتزق كالدهاقين أو يأكلون هم من ذلك البستان، ~~فينتفعون به في دنياهم، ومعاشهم انتهى منه، وكل تلك الاقتراحات لشدة ~~تعنتهم، وعنادهم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي يأكل ~~منها بالمثناة التحتية، وقرأ حمزة والكسائي: جنة نأكل منها بالنون، وهذه ~~القراءة هي مراد الزمخشري بقوله: أو يأكلون هم من ذلك البستان. # قوله تعالى: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين ~~اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم { إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا } يعنون: أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، ~~وقال مجاهد: مسحورا: أي مخدوعا كقوله: # فأنى تسحرون # [المؤمنون: 89]: أي من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحورا: أي له سحر أي ~~رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك، وقد ~~قدمنا كلام أهل العلم في قوله: مسحورا بشواهده العربية في سورة طه في ~~الكلام على قوله تعالى: # ولا يفلح الساحر حيث أتى # [طه: 69] ولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، من الإفك والبهتان خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون ~~سبيلا } ، وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: { إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } وما قاله الله لنبيه في ذلك، ~~وهو قوله: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } الآية. جاء كله ~~مصرحا به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك ~~وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون ~~إلا ms2810 رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال ~~فضلوا فلا يستطيعون سبيلا # [الإسراء: 4748]. # قال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك ~~الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز ~~عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالا لا يجدون قولا يستقرون ~~عليه، أو فضلوا عن الحق، فلا يجدون طريقا إليه اه. # والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ضربوا لك ~~الأمثال: أنهم تارة يقولون إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة ~~شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب، ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا: # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه # [الفرقان: 4] الآية، وقوله: # وقالوا أساطير الأولين # [الفرقان: 5] وقوله: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } وقوله تعالى: { فضلوا } أي عن طريق الحق، لأن ~~الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد ~~في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين، وقوله تعالى: { فلا ~~يستطيعون سبيلا } فيه أقوال كثيرة متقاربة. # وأظهرها أن معنى: فلا يستطيعون سبيلا: أي طريقا إلى الحق والصواب، ~~ونفي الاستطاعة المذكور هنا كقوله تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون # [هود: 20] وقوله تعالى: # الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا # [الكهف: 101] وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على ~~قوله تعالى: # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون # [هود: 20] وقد قدمنا أيضا معنى الظلم والضلال وما فيهما من الإطلاقات ~~في اللغة مع الشواهد العربية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، ~~فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [25.11] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار كذبوا بالساعة أي أنكروا ~~القيامة من أصلها لإنكارهم البعث بعد الموت والجزاء، وأنه جل وعلا أعتد ~~أي هيأ وأعد لمن كذب بالساعة: أي أنكر يوم القيامة سعيرا: أي نارا ~~شديدة الحر يعذبه بها يوم القيامة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وأعتدنا لمن كذب ~~بالساعة سعيرا } يدل على ms2811 أن التكذيب بالساعة كفر مستوجب لنار ~~جهنم، كما سترى الآيات الدالة على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى. وهذان ~~الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما تكذيبهم بالساعة، ووعيد ~~الله لمن كذب بها بالسعير جاءا موضحين في آيات أخر، أما تكذيبهم بيوم ~~القيامة لإنكارهم البعث، والجزاء بعد الموت، فقد جاء في آيات كثيرة عن ~~طوائف الكفار كقوله تعالى: # إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا ~~الأولى وما نحن بمنشرين # [الدخان: 3435] وقوله تعالى: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما كفر من كذب بيوم القيامة ووعيده بالنار، فقد جاء في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا ~~وما نحن بمستيقنين # [الجاثية: 32] إلى قوله: # ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # [الجاثية: 34] بعد قوله: # قلتم ما ندري ما الساعة # [الجاثية: 32] الآية، يدل على أن قولهم: { ما ندري ما الساعة } ~~هو سبب كون النار مأواهم، وقوله بعده: # ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا # [الجاثية: 35] لا ينافي ذلك لأن من اتخاذهم آيات الله هزوا تكذيبهم ~~بالساعة، وإنكارهم البعث كما لا يخفى، وكقوله تعالى: # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا ~~لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون # [الرعد: 5] فقد بين جلا وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد أن ~~إنكارهم البعث، الذي عبروا عنه باستفهام الإنكار في قوله تعالى عنهم: { ~~أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد } جامع بين ~~أمرين: # الأول منهما: أنه عجب من العجب لكثرة البراهين القطعية الواضحة الدالة ~~على ما أنكروه. # والثاني منهما: وهو محل الشاهد من الآية أن إنكارهم البعث المذكور كفر ~~مستوجب للنار وأغلالها والخلود فيها، وذلك في قوله تعالى مشيرا إلى ~~الذين أنكروا البعث # أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال ~~في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون # [الرعد: 5] ومعلوم أن إنكار البعث إنكار للساعة، وكقوله ms2812 تعالى: # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~فتردى # [طه: 16] أي لا يصدنك من لا يؤمن بالساعة عن الإيمان بها، فتردى: أي ~~تهلك لعدم إيمانك بها، والردى الهلاك، وهو هنا عذاب النار بسبب التكذيب ~~بالساعة، وقد قال تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11] وقوله تعالى في آية طه هذه: # فتردى # يدل دلالة واضحة على أنه إن صده من لا يؤمن بالساعة عن التصديق بها، أن ~~ذلك يكون سببا لرداه أي هلاكه بعذاب النار كما لا يخفى، وكقوله تعالى: # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # [الروم: 16] فآية الروم هذه، تدل على أن الذين كذبوا بلقاء الآخرة وهم ~~الذين كذبوا بالساعة معدودون مع الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، وأنهم في ~~العذاب محضرون. وهو عذاب النار. والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بل كذبوا بالساعة } ~~أظهر الأقوال فيه عندي أنه متصل بما يليه، وأن بل فيه للإضراب الانتقالي، ~~وقد أوضحنا معنى السعير مع بعض الشواهد العربية في أول سورة الحج، والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [25.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن النار يوم القيامة، إذا رأت ~~الكفار من مكان بعيد: أي في عرصات المحشر أشتد غيظها على من كفر بربها، ~~وعلا زفيرها فسمع الكفار صوتها من شدة غيظها، وسمعوا زفيرها. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين بعضه في سورة الملك، فأوضح ~~فيها شدة غيظها على من كفر بربها، وأنهم يسمعون لها أيضا شهيقا مع ~~الزفير الذي ذكره في آية الفرقان، هذه، وذلك في قوله تعالى: # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ~~تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 78] أي يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها، على من كفر ~~بالله تعالى. # وللعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق، وأقربها، أنهما يمثلهما معا ~~صوت الحمار في نهيقه، فأوله زفير، وآخره الذي يردده في صدره شهيق. # والأظهر أن معنى قوله تعالى: { سمعوا لها تغيظا } أي سمعوا ~~غليانها ms2813 من شدة غيظها، ولما كان سبب الغليان التغيظ أطلقه عليه، وذلك ~~أسلوب عربي معروف. وقال بعض أهل العلم: { سمعوا لها تغيظا }: ~~أي أدركوه، والإدراك يشمل الرؤية والسمع، وعلى هذا فالسمع مضمن معنى ~~الإدراك، وما ذكرنا أظهر. # وقال القرطبي: قيل المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، ~~ثم ذكر في آخر كلامه أن هذا القول هو الأصح. # مسألة # اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك ~~في قوله تعالى: { إذا رأتهم من مكان بعيد } ورؤيتها ~~إياهم من مكان بعيد، تدل على حدة بصرها كما لا يخفى، كما أن النار تتكلم ~~كما صرح الله به في قوله: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، كحديث محاجة النار مع الجنة، ~~وكحديث اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك، ويكفي في ذلك أن ~~الله جل وعلا صرح في هذه الآية، أنها تراهم وأن لها تغيظا على الكفار، ~~وأنها تقول: هل من مزيد. # واعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم، من المنتسبين للعلم من أن ~~النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ. وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن ~~الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي ~~الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا. # وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من الكتاب والسنة، لا ~~يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله. # وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: " إن القول بأن النار تراهم ~~هو الأصح، ثم قال لما روي مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا. قيل يا رسول ~~الله أو لها عينان؟ قال: أو ما سمعتم الله عز وجل يقول: { إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ~~} يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق ms2814 فيقول: وكلت بكل من جعل ~~مع الله إلها آخر فهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه " # وفي رواية " يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم " ~~ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق ~~في المعرفة، كما يفصل الطائر حب السمسم عن التربة، وخرجه الترمذي من حديث ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ~~ينطق فيقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها ~~آخر وبالمصورين " # وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. انتهى محل ~~الغرض من كلام القرطبي. # وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طريق مكحول، عن ~~أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدا من بين عيني جهنم. قالوا يا رسول ~~الله: وهل لجهنم من عين؟ قال: نعم أما سمعتم الله يقول: إذا رأتهم من ~~مكان بعيد. فهل تراهم إلا بعينين " # وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق ~~خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من يقل علي ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير ~~مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا قيل: يا رسول الله وهل لها من ~~عينين؟ قال: نعم أما سمعتم الله يقول: { إذا رأتهم من مكان ~~بعيد } إلى آخر كلامه " # ، وفيه شدة هول النار، وأنها تزفر زفرة يخاف منها جميع الخلائق. # نرجو الله جل وعلا أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب ~~إليها من قول وعمل. ### || [25.13-14] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار إذا ألقوا: أي طرحوا في ~~مكان ضيق من النار، في حال كونهم مقرنين، دعوا هنالك: أي في ذلك المكان ~~الضيق ثبورا، فيقال ms2815 لهم: لا تدعوا ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا، ~~فقوله: مكانا منصوب على الظرف، كما قال أبو حيان في البحر المحيط. # وما ذكره هنا من أنهم يلقون في مكان ضيق من النار، جاء مذكورا أيضا في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى: # إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة # [الهمزة: 89] وقوله تعالى: # والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ~~عليهم نار مؤصدة # [البلد: 1920] ومعنى مؤصدة في الموضعين بهمز، وبغير همز: مطبقة ~~أبوابها، مغلقة عليهم كما أوضحناه بشواهد العربية في سورة الكهف في ~~الكلام على قوله تعالى: # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف: 18] ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه، فهو في مكان ضيق، والعياذ ~~بالله، وقد ذكر أن الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد ~~في الحائط، وعن ابن مسعود: " أن جهنم تضيق على الكافر كتضييق الزج على ~~الرمح ". والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { مقرنين }: أي في الأصفاد ~~بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم: # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد # [إبراهيم: 49] والأصفاد القيود. والأظهر أن معنى مقرنين: أن الكفار يقرن ~~بعضهم إلى بعض في الأصفاد والسلاسل، وقال بعض أهل العلم: كل كافر يقرن هو ~~وشيطانه، وقد قال تعالى # حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين # [الزخرف: 38]. # وهذا أظهر من قول من قال: مقرنين مكتفين، ومن قول من قال: مقرنين: أي ~~قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والثبور: الهلاك والويل والخسران. # وقال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار. ~~كما قال موسى لفرعون: # وإني لأظنك يفرعون مثبورا # [الإسراء: 102] أي هالكا، قال عبد الله بن الزبعرى السهمي: # إذا جارى الشيطان في سنن الغس # ى ومن مال ميله مثبور. اه. # وقال الجوهري في صحاحه: والثبور الهلاك والخسران أيضا، قال الكميت: # ورأت قضاعة في الأيا # من رأي مثبور وثابر # أي مخسور وخاسر يعني في انتسابها لليمن. اه. # وقوله تعالى: { دعوا هنالك ثبورا } معنى دعائهم الثبور هو ~~قولهم: واثبوراه، يعنون: يا ms2816 ويل، ويا هلاك، تعال، فهذا حينك وزمانك. # وقال الزمخشري: ومعنى وادعوا ثبورا كثيرا أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم ~~فيه واحدا، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع ~~منها ثبور، لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا ~~غاية لهلاكهم. اه. # تنبيه # اعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال: مكانا ضيقا، وكذلك في ~~الأنعام في قوله تعالى: # يجعل صدره ضيقا حرجا # [الأنعام: 125] وقال في هود: # وضآئق به صدرك # [هود: 12] فما وجه التعبير في سورة هود، بقوله: ضائق على وزن فاعل، وفي ~~الفرقان والأنعام بقوله: ضيقا على وزن فيعل، مع أنه في المواضع الثلاثة ~~هو الوصف من ضاق يضيق، فهو ضيق. # والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة ~~باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقا، كما ~~أشار له ابن مالك في لامتيه بقوله: # وفاعل صالح للكل إن قصد ال # حدوث نحو غدا ذا فارح جذلا # وإن لم يقصد به الحدوث، والتجدد بقي على أصله. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك # [هود: 12] أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر، ويتجدد له بسبب عنادهم ~~وتعنتهم في قولهم: # لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك # [هود: 12] ولما كان كذلك، قيل فيه: ضائق بصيغة اسم الفاعل، أما قوله: ~~ضيقا في الفرقان والأنعام فلم يرد به حدوث، ولذلك بقي على أصله. # ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى: # وضآئق به صدرك # [هود: 12] وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: # أبلغ خداشا أنني ميت # كل امرئ ذي حسب مائت # فلما أراد حدوث الموت قال: مائت بوزن فاعل، وأصله ميت على وزن فيعل. # ومن أمثلته في فعل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي ~~قتيبه بن مسلم: # فما أنا من رزء وإن جل جازع # ولا بسرور بعد موتك فارح # فلما ms2817 نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال جازع وفارح، والأصل ~~جزع وفرح. # ومثاله في فعيل قول لبيد: # حسبت التقى والجود خير تجارة # رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا # فلما أراد حدوث الثقل قال: ثاقلا والأصل ثقيل، وقول السمهري العكلي: # بمنزلة أما اللئيم فسامن # بها وكرام الناس باد شحوبها # فلما أراد حدوث السمن قال: فسامن والأصل سمين. # واعلم أن قراءة ابن كثير ضيقا بسكون الياء في الموضعين راجعة في المعنى ~~إلى قراءة الجمهور بتشديد الياء لأن إسكان الياء تخفيف كهين ولين، في هين ~~ولين. والعلم عند الله تعالى. ### || [25.15-16] # التحقيق أن الإشارة في قوله: أذلك راجعة إلى النار، وما يلقاه الكفار ~~فيها من أنواع العذاب كما ذكره جل وعلا بقوله: # وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا # [الفرقان: 11] إلى قوله تعالى: # وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان: 14] وغير هذا من الأقوال لا يعول عليه، كقول من قال: إن ~~الإشارة راجعة إلى الكنز والجنة في قوله تعالى: # أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة # [الفرقان: 8] الآية، وكقول من قال: إنها راجعة إلى الجنات والقصور ~~المعلقة على المشيئة في قوله تعالى: # تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10] والتحقيق إن شاء الله أنه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته ~~قال: أذلك العذاب خير أم جنة الخلد الآية. # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء أيضا في غير هذا ~~الموضع كقوله تعالى في سورة الصافات: # إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا ~~فليعمل العاملون أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون # [الصافات: 6066] إلى قوله: # يهرعون # [الصافات: 70] وكقوله تعالى: # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت: 40] الآية. # وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظة خير ~~في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية: ms2818 # وغالبا أغناهم خير وشر # عن قولهم أخير منه وأشر # كما قدمناه موضحا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير # [النحل: 30] الآية. # والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل ~~والمفضل عليه فيما فيه التفضيل، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل ~~عليه، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا ~~خير فيه البتة، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال. # والجواب عن هذا الإشكال من وجهين: # الأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مرادا بها مطلق ~~الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مرارا وأكثرنا من شواهده ~~العربية في سورة النور وغيرها. # الثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء ~~بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء ~~بالفضل، كقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: # قال رب السجن أحب إلي # [يوسف: 33] الآية. # قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: { أذلك خير } ~~الآية، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب ~~في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله: # فشركما لخيركما الفداء # وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: # السجن أحب إلي مما يدعونني إليه # [يوسف: 33] وهذا الاستفهام على سبيل التوفيق والتوبيخ. اه الغرض من ~~كلام أبي حيان. # وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير ألبتة كما لا يخفى، ~~والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان. # وقوله تعالى في هذه الآية: { أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون } العائد محذوف: أي وعدها المتقون، والآية تدل على أن ~~الوعد الصادق بالجنة، يحصل بسبب التقوى. # وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى: # كذلك يجزي الله المتقين # [النحل: 31] وقوله تعالى: # لهم فيها ما يشآؤون ms2819 # [النحل: 31] العائد أيضا محذوف كالذي قبله: أي ما يشاءونه، وحذف العائد ~~المنصوب بالفعل أو الوصف كثير، كما قال في الخلاصة: # والحذف عندهم كثير منجلي # في عائد متصل إن انتصب # بفعل أو وصف # كمن نرجو يهب # وهذه الآية الكريمة، تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاءونه من أنواع ~~النعيم. # وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار ~~لهم فيها ما يشآؤون # [النحل: 31] والآيات المذكورة تدل على أن حصول كل ما يشاءه الإنسان لا ~~يكون إلا في الجنة، وقوله: { كانت لهم جزآء ومصيرا } المصير ~~مكان الصيرورة، وقد مدح الله جزاءهم ومحله كقوله تعالى: # نعم الثواب وحسنت مرتفقا # [الكهف: 31] لأن حسن المكان وجودته من أنواع النعيم. # وقوله في هذه الآية الكريمة: { كان على ربك وعدا ~~مسئولا } فيه وجهان معروفان: # أحدهما: أن معنى كونه مسؤولا أن المؤمنين كانوا يسألونه. وكانت ~~الملائكة أيضا تسأله لهم، أما سؤال المسلمين له فقد ذكره تعالى: بقوله ~~عنهم: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد # [آل عمران: 194] وسؤال الملائكة لهم إياه ذكره تعالى أيضا في قوله: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8] الآية، وقال بعض العلماء: مسؤولا: أي واجبا لأن ما وعد الله ~~به فهو واجب الوقوع، لأنه لا يخلف الميعاد، وهو جل وعلا يوجب على نفسه ~~بوعده الصادق ما شاء الله لا معقب لحكمه ويستأنس لهذا القول بلفظة على في ~~قوله تعالى: { كان على ربك وعدا مسئولا } كقوله تعالى: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47] وقال بعض أهل العلم: إن المسلمين يوم القيامة يقولون: قد ~~فعلنا في دار الدنيا كل ما أمرتنا به فأنجز لنا ما وعدتنا، والقولان ~~الأولان أقرب من هذا. والعلم عند الله تعالى. ### || [25.17-18] # قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: نحشرهم: بالنون ~~الدالة على العظمة، وقرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم: يحشرهم بالياء المثناة ~~التحيتة، وقرأ عامة ms2820 السبعة غير ابن عامر، فيقول بالياء المثناة التحتية، ~~وقرأ ابن عامر فنقول بنون العظمة. # فتحصل أن ابن كثير وحفصا يقرآن بالياء التحتية فيهما، وأن ابن عامر ~~يقرأ بالنون فيهما، وأن باقي السبعة يقرؤون: نحشرهم بالنون، فيقول ~~بالياء، وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يحشر الكفار يوم ~~القيامة، وما كانوا يعبدون من دونه: أي يجمعهم جميعا فيقول للمعبودين: ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فزينتم لهم أن يعبدوكم من دوني، أم هم ضلوا ~~السبيل: أي كفروا وأشركوا بعبادتكم إياكم من دوني من تلقاء أنفسهم من غير ~~أن تأمروهم بذلك ولا أن تزينوه لهم، وأن المعبودين يقولون: سبحانك أي ~~تنزيها لك عن الشركاء وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء: أي ليس للخلائق كلهم، أن يعبدوا أحدا سواك لا ~~نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من ~~غير أمرنا، ونحن برآء منهم، ومن عبادتهم، ثم قال: { ولكن ~~متعتهم وآبآءهم } أي طال عليهم العمر، حتى نسوا الذكر أي ~~نسوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك، لا ~~شريك لك، وكانوا قوما بورا قال ابن عباس " أي هلكى " ، وقال الحسن ~~البصري ومالك عن الزهري: أي لا خير فيهم اه. الغرض من كلام ابن كثير. # وقال أبو حيان في البحر: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء: ~~أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم إلى آخر كلامه. # وإذا عرفت ما ذكره جل وعلا في هذه الآية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له، ~~فاعلم أن العلماء اختلفوا في المعبودين. فقال بعضهم: المراد بهم الملائكة ~~وعيسى وعزير قالوا: هذا القول يشهد له القرآن، لأن فيه سؤال عيسى ~~والملائكة عن عبادة من عبدهم، كما قال في الملائكة: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 4041] وقال في عيسى عليه ms2821 السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116] وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين ~~في آية الفرقان هذه، ولذلك اختار غير واحد من العلماء أن المعبودين الذين ~~يسألهم الله في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء، دون الأصنام. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين ~~للأصنام، مع الملائكة وعيسى، وعزير لأن ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان: # الأولى: أنه عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل في ~~قوله: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله } ~~الآية. فلفظة ما تدل على شمول غير العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته. # القرينة الثانية: هي دلالة آيات من كتاب الله، على أن المعبودين غافلون ~~عن عبادة من عبدهم: أي لا يعلمون بها لكونهم غير عقلاء كقوله تعالى في ~~سورة يونس: # وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين # [يونس: 2829] وإنما كانوا غافلين عنها لأنهم جماد لا يعقلون. وإطلاق ~~اللفظ المختص بالعقلاء عليهم، نظرا إلى أن المشركين نزلوهم منزلة ~~العقلاء كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكقوله تعالى في الأحقاف: # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 56] فقد دل قوله تعالى: # وهم عن دعآئهم غافلون # [الأحقاف: 5] على أنهم لا يعقلون، ومع ذلك قال: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6] وكقوله تعالى في العنكبوت: # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا # [العنكبوت: 25] الآية. فصرح بأنهم أوثان، ثم ذكر أنهم ms2822 هم وعبدتهم يلعن ~~بعضهم بعضا. وكقوله تعالى: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله في هذه الآية الكريمة { حتى نسوا الذكر } الظاهر أن ~~معنى نسوا تركوا. والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد، وقيل ~~ذكر الله بشكر نعمه، والأصح أن قوله بورا معناه هلكى، وأصله اسم مصدر ~~يقع على الواحد وعلى الجماعة، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا: { ~~وكانوا قوما بورا } وقوله في سورة الفتح: # وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا # [الفتح: 12] ومن إطلاقه قول عبد الله بن الزبعرى السهمي رضي الله عنه: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # ويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم أهل ~~اليمن، ومنه قول الشاعر: # فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم # وكافوا به فالكفر بور لصانعه # واعلم أن ما ذكره الزمخشري في هذه الآية، وأطنب فيه من أن الله لا يضل ~~أحدا مذهب المعتزلة، وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإياك أن تغتر به، وما ذكر عن الحسن ~~البصري، ومالك، عن الزهري من أن معنى بورا لا خير فيهم له وجه في اللغة ~~العربية، ولكن التحقيق أنه ليس معنى الآية، وأن معنى بورا هلكى كما ~~تقدم، والعلم عند الله تعالى. ### || [25.19] # قوله تعالى: { فقد كذبوكم بما تقولون }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن المعبودين كذبوا العابدين وذلك في قوله ~~عنهم: # قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من ~~دونك من أوليآء # [الفرقان: 18]. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تكذيب المعبودين للعابدين، جاء في ~~آيات أخر كقوله تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6] وكقوله تعالى: # وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا ~~هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون # [النحل: 86] وقوله: # فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون # [يونس: 28] وقوله تعالى: # كلا ms2823 سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # قوله تعالى: { ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا }. # قال ابن كثير: ومن يظلم منكم أي يشرك بالله، وذكره القرطبي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما. وهذا التفسير تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254] وقوله تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106] وقوله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ~~الظلم في قوله تعالى: # ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82] فقال: أي بشرك كما قدمناه موضحا. ### || [25.20] # قوله تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض. # وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53] الآية. # وقال القرطبي في تفسير قوله: { وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة } ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير ~~عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني عليه أن لا يحسده ~~ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال ~~الضحاك في معنى: أتصبرون: أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لم لم ~~نعاف، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول ~~المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك ~~العلماء، وحكام العدل ألا ترى إلى قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فالفتنة أن يحسد المبتلي المعافى، ويحقر المعافى المبتلي، ~~والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر، وذلك عن الضجر. انتهى محل ~~الغرض من كلام القرطبي. وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن ~~قوله تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض # [الأنعام: 53] الآية. فيه فتنة أغنياء بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم ~~وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من ms2824 عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم، ~~ورثاثة حالهم، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال ~~تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11] وقال: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] إلى غير ذلك من الآيات، وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم ~~لهم في الدنيا كما قال تعالى: # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون # [الأعراف: 49] وقوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 2930] إلى قوله تعالى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 3436] وقوله تعالى: # ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة # [البقرة: 212] وقوله تعالى: { أتصبرون } ، أي على الحق أم لا تصبرون. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [25.21] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين لا يرجون لقاء الله قالوا: ~~لولا أنزل علينا الملائكة، أو نرى ربنا، ولولا في هذه الآية للتخضيض. # والمعنى أنهم طلبوا بحث وشدة أن تنزل عليهم الملائكة أو يرون ربهم، وهذا ~~التعنت الذي ذكره الله عنهم هنا من طلبهم إنزال الملائكة عليهم، أو ~~رؤيتهم ربهم ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92] وقولهم: { لولا أنزل علينا الملائكة } ~~قيل: فتوحي إلينا كما أوحت إليك، وهذا القول يدل له قوله تعالى: # قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله # [الأنعام: 124] الآية وقيل: لولا أنزل علينا الملائكة فتراهم عيانا، ~~وهذا يدل له قوله تعالى: # أو تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92] أي معاينة على القول بذلك، وقد قدمنا الأقوال في ذلك في ~~سورة بني إسرائيل. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يرجون. قال بعض العلماء: لا يرجون ~~أي لا يخافون لقاءنا لعدم. إيمانهم بالبعث. والرجاء يطلق على الخوف كما ~~يطلق على الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] قال ms2825 أي لا تخافون لله عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # فقوله لم يرج لسعها: أي لم يخف لسعها، وقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء ~~على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا لا يأملون، ~~وعزاه القرطبي لابن شجرة وقال: ومنه قول الشاعر: # أترجو أمة قتلت حسينا # شفاعة جده يوم الحساب # أي أتأمل أمة الخ. والذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله، لأنه لا ~~يصدق بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه، لأنه لا يؤمن بالثواب. # وقوله جل وعلا { لقد استكبروا في أنفسهم } أي أضمروا ~~التكبر عن الحق في قلوبهم، واعتقدوه عنادا وكفرا، ويوضح هذا المعنى ~~قوله تعالى: # إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه # [غافر: 56] وقوله تعالى: { وعتوا عتوا كبيرا } أي تجاوزوا ~~الحد في الظلم والطغيان يقال: عتا علينا فلان: أي تجاوز الحد في ظلمنا، ~~ووصفه تعالى عتوهم المذكور بالكبر، يدل على أنه بالغ في إفراطه، وأنهم ~~بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو، وهذه الآية الكريمة تدل على أن تكذيب ~~الرسل بعد دلالة المعجزات، ووضوح الحق وعنادهم والتعنت عليهم بطلب إنزال ~~الملائكة، أو رؤية الله استكبار عن الحق عظيم وعتو كبير يستحق صاحبه ~~النكال، والتقريع، ولذا شدد الله النكير على من تعنت ذلك التعنت واستكبر ~~عن قبول الحق، كما في قوله تعالى: # أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل # [البقرة: 108] وقوله تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم # [النساء: 153] الآية وقوله تعالى: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون # [البقرة: 55] واستدلال المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن الرؤية ~~الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال، وأعظم ~~الباطل، وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إن الله لا يرى قول باطل، ~~وكلام فاسد. # والحق الذي لا شك فيه: أن ms2826 المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما ~~تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ودلت عليه ~~الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما. كما أوضحناه في غير هذا الموضع. # وقد قدمنا في هذه السورة وفي سورة بني إسرائيل الآيات الدالة على أن ~~الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [25.22] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين طلبوا إنزال ~~الملائكة عليهم، أنهم يرون الملائكة لا بشرى لهم: أي لا تسرهم رؤيتهم ولا ~~تكون لهم في ذلك الوقت بشارة بخير، ورؤيتهم للملائكة تكون عند احتضارهم، ~~وتكون يوم القيامة ولا بشرى لهم في رؤيتهم في كلا الوقتين. # أما رؤيتهم الملائكة عند حضور الموت فقد دلت آيات من كتاب الله أنهم لا ~~بشارة لهم فيها لما يلاقون من العذاب من الملائكة عند الموت، كقوله ~~تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] الآية وقوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون # [الأنعام: 93] وقوله تعالى: # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم # [محمد: 2728] وأما رؤيتهم الملائكة يوم القيامة فلا بشرى لهم فيها ~~أيضا، ويدل لذلك قوله تعالى: # ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون # [الأنعام: 8] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } يدل بدليل خطابه: أي مفهوم مخالفته، أن ~~غير المجرمين يوم يرون الملائكة تكون لهم البشرى، وهذا المفهوم من هذه ~~الآية جاء مصرحا به في قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ~~نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون نزلا من غفور رحيم # [فصلت: 3032]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ويقولون ms2827 حجرا محجورا } ~~أظهر القولين فيه عندي أنه من كلام الكفار، يوم يرون الملائكة. لا من ~~كلام الملائكة وإيضاحه: أن الكفار الذين اقترحوا إنزال الملائكة إذا رأوا ~~الملائكة توقعوا العذاب من قبلهم، فيقولون حينئذ للملائكة: حجرا ~~محجورا: أي حراما محرما عليكم أن تمسونا بسوء أي لأننا لم نرتكب ذنبا ~~نستوجب به العذاب، كما أوضحه تعالى بقوله عنهم: # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون # [النحل: 28] فقولهم: ما كنا نعمل من سوء: أي لم نستوجب عذابا فتعذيبنا ~~حرام محرم، وقد كذبهم الله في دعواهم هذه بقوله: # بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون # [النحل: 28] وعادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أنهم يقولون هذا ~~الكلام: أي حجرا محجورا عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك. # وقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني: حجرا محجورا في باب المصادر غير ~~المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ نحو: معاذ الله، وعمرك ~~الله، ونحو ذلك وقوله: حجرا محجورا، أصله من حجره بمعنى منعه، والحجر ~~الحرام، لأنه ممنوع ومنه قوله: # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر # [الأنعام: 138] أي حرام # لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم # [الأنعام: 138] ومنه قول المتلمس: # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها # حجر حرام ألا تلك الدهاريس # فقوله حرام تأكيد لقوله حجر لأن معناه حرام وقول الآخر: # ألا أصبحت أسماء حجرا محرما # وأصحبت من أدنى حموتها حما # وقول الآخر: # قالت وفيها حيرة وذعر # عوذ بربي منكم وحجر # وقوله: محجورا توكيد لمعنى الحجر. قال الزمخشري: كقول العرب: ذيل ذائل. ~~والذيل الهوان، وموت مائت، وأما على القول بأن حجرا محجورا من قول ~~الملائكة، فمعناه: أنهم يقولون للكفار حجرا محجورا. أي حراما محرما ~~أن تكون للكفار اليوم بشرى، أو أن يغفر لهم، أو يدخلون الجنة وهذا القول ~~اختاره ابن جرير، وابن كثير وغير واحد. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يوم يرون الملائكة } ~~قال الزمخشري: يوم منصوب بأحد شيئين، إما بما دل عليه لا ms2828 بشرى أي يوم ~~يرون الملائكة يمنعون البشرى، أو يعدمونها، ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار ~~اذكر: أي اذكر يوم يرون الملائكة، ثم قال لا بشرى يومئذ للمجرمين. ### || [25.23] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في ~~سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19] الآية. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97] الآية. وغير ذلك فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [25.24] # استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ~~ينتهي في نصف نهار، ووجه ذلك أن قوله: مقيلا: أي مكان قيلولة وهي ~~الاستراحة في نصف النهار، قالوا: وهذا الذي فهم من هذه الآية الكريمة، ~~جاء بيانه في قوله تعالى: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا # [الإنشقاق: 79]. # ويفهم من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا } الآية. أن أصحاب النار ليسوا كذلك وأن ~~حسابهم غير يسير. # وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى قريبا من هذه الآية # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على ~~الكافرين عسيرا # [الفرقان: 26] فقوله: على الكافرين يدل على أنه على المؤمنين غير عسير، ~~كما قال تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] الآية. وقوله تعالى: # فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ~~على الكافرين غير يسير # [المدثر: 810] وقوله تعالى: # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر # [القمر: 8] وإذا علمت مما ذكرنا ما جاء من الآيات فيه بيان لقوله: أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا، فهذه أقوال بعض المفسرين في ~~المعنى الذي ذكرنا في الآية. # قال صاحب الدر المنثور: " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في ~~قوله: { خير مستقرا وأحسن مقيلا } قال " في الغرف من ~~الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، ~~وذلك مثل ms2829 قوله: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا # [الإنشقاق: 79] وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد، وابن جرير، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود قال " لا ينتصف ~~النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: " { أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } وقرأ ~~(ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: إنما هي ضحوة. فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل ~~أعداء الله مع الشياطين مقرنين. # وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، وأبو نعيم، في ~~الحلية، عن إبراهيم النخعي: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم ~~القيامة، نصف النهار. فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ~~فذلك قوله { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا }. # وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن الصواف قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على ~~المؤمنن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض ~~الجنة، حين يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله: { أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } إلى أن قال: ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل ~~الجنة الجنة، وأهل النار، النار، الساعة التي يكون فيها ارتفاع الضحى ~~الأكبر، إذ انقلب الناس إلى أهليهم، للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى ~~النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، ~~وأطعموا كبد الحوت فأشبعهم كلهم فذلك قوله: { أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } انتهى منه. # وذكر نحوه القرطبي مرفوعا وقال: ذكره المهدوي. والظاهر أنه لا يصح ~~مرفوعا، وقال القرطبي أيضا: وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد ~~الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " # فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف ms2830 عليه من صلاة ~~المكتوبة " # وهو ضعيف أيضا، وما ذكره عن ابن مسعود من أنه قرأ: (ثم إن ~~مقيلهم لإلى الجحيم) معلوم أن ذلك ذلك شاذ لا تجوز القراءة به، ~~وأن القراءة الحق # ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم # [الصافات: 68]. # واعلم أن قول قتادة في هذه الآية معروف مشهور، وعليه فلا دليل في الآية ~~لما ذكرنا، وقول قتادة هو أن معنى قوله: { وأحسن مقيلا } أي ~~منزلا ومأوى، وهذا التفسير لا دليل فيه على القيلولة في نصف النهار كما ~~ترى. # وقد بينا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: وجه الجمع بين ~~ما دل عليه قوله هنا: { وأحسن مقيلا } من انقضاء الحساب في نصف ~~نهار، وبين ما دل عليه قوله تعالى: # في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] وذكرنا الآيات المشيرة إلى الجمع، وبعض الشواهد العربية. # واعلم أن المشهور في كلام العرب أن المقيل القيلولة أو مكانها، وهي ~~الاستراحة نصف النهار زمن الحر مثلا، وإن لم يكن معها نوم، ومنه قوله: # جزى الله خير الناس خير جزائه # رفيقين قالا خيمتي أم معبد # أي نزلا فيها وقت القائلة، كما قاله صاحب اللسان، وما فسر به قتادة ~~الآية، من أن المقيل المنزل والمأوى، معروف أيضا في كلام العرب. ومنه ~~قول ابن رواحة: # اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # فقوله: يزيل الهام عن مقيله، يعني: الرؤوس عن مواضعها من الأعناق، ~~ومعلوم أن المقيل فيه المحل الذي تسكن في الرؤوس والظاهر أن من هذا ~~القبيل قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري: # وما تدري وإن أجمعت أمرا # بأي الأرض يدركك المقيل # وعليه فالمعنى: بأي الأرض يدركك الثواء والإقامة بسبب الموت أو غيره من ~~الأسباب، وصيغة التفضيل في قوله هنا: { خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا } تكلمنا على مثلها قريبا في الكلام على قوله تعالى: # قل أذلك خير أم جنة الخلد # [الفرقان: 15] الآية. ### || [25.25] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء تتشقق يوم القيامة بالغمام، ~~وأن الملائكة تنزل تنزيلا. وقال القرطبي: تتشقق السماء بالغمام أي ms2831 عن ~~الغمام. قال: والباء وعن يتعاقبان كقولك: رميت بالقوس، وعن القاموس ~~انتهى. ويستأنس لمعنى عن بقوله تعالى: # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا ~~يسير # [ق: 44] الآية. # وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة من تشقق السماء يوم ~~القيامة ووجود الغمام، وتنزيل الملائكة كلها جاءت موضحة في غير هذا ~~الموضع. # أما تشقق السماء يوم القيامة فقد بينه جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه ~~كقوله تعالى: # فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان # [الرحمن: 37] وقوله تعالى: # فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السمآء فهي ~~يومئذ واهية # [الحاقة: 1516] وقوله: # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] الآية وقوله تعالى: # فإذا النجوم طمست وإذا السمآء فرجت # [المرسلات: 89] الآية فقوله: فرجت: أي شقت، فكان فيها فروج أي شقوق ~~كقوله: # إذا السمآء انفطرت # [الإنفطار: 1] وقوله تعالى: # وفتحت السمآء فكانت أبوابا # [النبأ: 19] وأما الغمام ونزول الملائكة، فقد ذكرهما معا في قوله ~~تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة # [البقرة: 210] الآية. وقد ذكر جل وعلا نزول الملائكة في آيات أخرى ~~كقوله: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22] وقوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك # [الأنعام: 158] الآية وقوله تعالى: # ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين # [الحجر: 8]. # قال الزمخشري: والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام ~~الملائكة ينزلون، وفي أيديهم صحف أعمال العباد. انتهى منه. # وقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر تشقق بتشديد الشين، والباقون ~~بتخفيفها بحذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير: وننزل الملائكة بنونين ~~الأولى مضمومة، والثانية ساكنة مع تخفيف الزاي، وضم اللام، مضارع أنزل، ~~والملائكة بالنصب مفعول به، والباقون بنون واحدة وكسر الزاي المشددة ~~ماضيا مبنيا للمفعول، والملائكة مرفوعا نائب فاعل نزل، والأظهر أن يوم ~~منصوب باذكر مقدرا، كما قاله القرطبي، والعلم عند الله تعالى. ### || [25.26] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الملك الحق يوم القيامة له جل ~~وعلا دون غيره، وأن يوم القيامة كان عسيرا على الكافرين. # وهذان الأمران المذكوران في ms2832 هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من ~~كتاب الله أما كون الملك له يوم القيامة، فقد ذكره تعالى في آيات من ~~كتابه كقوله جل وعلا: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] وقوله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وقوله تعالى: # وله الملك يوم ينفخ في الصور # [الأنعام: 73] الآية إلى ذلك من الآيات. # وأما كون يوم القيامة عسيرا على الكافرين، فقد قدمنا الآيات الدالة ~~عليه قريبا في الكلام على قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # [الفرقان: 24] الآية. ### || [25.27-29] # من المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه الآية، هو ~~عقبة بن أبي معيط، وأن فلانا الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف، أو أخوه ~~أبي بن خلف، وذكر بعضهم أن في قراءة بعض الصحابة. ليتني لم أتخذ أبيا ~~خليلا، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير، لا القراءة، وعلى كل حال ~~فالعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر، ~~حتى مات على ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات الكريمة جاء موضحا في غيرها. فقوله: { ~~ويوم يعض الظالم على يديه } كناية عن شدة الندم ~~والحسرة، لأن النادم ندما شديدا، يعض على يديه، وندم الكافر يوم ~~القيامة وحسرته الذي دلت عليه هذه الآية، جاء موضحا في آيات أخر، كقوله ~~تعالى في سورة يونس: # وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون # [يونس: 54] الآية. وقوله تعالى في سورة سبأ # وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا ~~الأغلال في أعناق الذين كفروا # [سبأ: 33] الآية: وقوله تعالى: # قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها # [الأنعام: 31] الآية. والحسرة أشد الندامة وقوله تعالى: # كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ~~هم بخارجين من النار # [البقرة: 167] إلى غير ذلك من الآيات، وما ذكره هنا من أن الكافر يتمنى ~~أن يكون آمن بالرسول في دار الدنيا، واتخذ معه سبيلا: أي طريقا إلى ~~الجنة في قوله هنا: { يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } ~~جاء ms2833 موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا # [الأحزاب: 66] وقوله تعالى: # يقول يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24] وقوله تعالى: # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين # [الحجر: 2] إلى غير ذلك من الآيات. # والسبيل التي يتمنى الكافر أن يتخذها مع الرسول المذكورة في هذه الآية، ~~ذكرت أيضا في آيات أخر كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة سورة الفرقان # قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا # [المزمل: 19] و [الإنسان: 29] في المزمل والإنسان، ويقرب من معناه ~~المآب المذكورة في قوله تعالى: # ذلك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا # [النبأ: 39] وما ذكره هنا من أن الكافر ينادي بالويل، ويتمنى أنه لم ~~يتخذ من أضله خليلا، ذكره في غير هذا الموضع، أما دعاء الكفار بالويل: ~~فقد تقدم في قوله تعالى: # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا # [الفرقان: 1314] وأما تمنيهم لعدم طاعة من أضلهم، فقد ذكره أيضا في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ ~~منهم كما تبرءوا منا # [البقرة: 167] فلفظة لو في قوله: { لو أن لنا كرة } للتمني، ~~ولذلك نصب الفعل المضارع بعد الفاء في قوله: { فنتبرأ منهم } ~~الآية. وهو دليل واضح على ندمهم على موالاتهم، وطاعتهم في الدنيا، وما ~~ذكره جل وعلا هنا من أن أخلاء الضلال من شياطين الإنس والجن، يضلون ~~أخلاءهم عن الذكر بعد إذ جاءهم ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون # [الأعراف: 202] وقوله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم # [فصلت: 25] الآية وقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس # [الأنعام: 128] الآية، وقوله تعالى: # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67] وقوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار # [الأعراف: ms2834 38] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين # [سبأ: 31] الآيات. إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى هنا: { وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا } الأظهر أنه من كلام الله، وليس من ~~كلام الكافر النادم يوم القيامة، والخذول صيغة مبالغة، والعرب تقول: خذله ~~إذا ترك نصره مع كونه يترقب النصر منه، ومنه قوله تعالى: # وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران: 160] وقول الشاعر: # إن المرء ميتا بانقضاء حياته # ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا # وقول الآخر: # إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم # هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا # ومن الآيات الدالة على أن الشيطان يخذل الإنسان قوله تعالى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل # [إبراهيم: 22] وقوله تعالى: # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ~~ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترون # [الأنفال: 48] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: { لقد أضلني ~~عن الذكر } [الفرقان: 29] الأظهر أن الذكر القرآن وقوله: { لم ~~أتخذ فلانا خليلا } العرب تطلق لفظة فلان كناية عن العلم: أي ~~لم أتخذ أبيا أو أمية خليلا، ويكنون عن علم الأنثى بفلانة ومنه قول ~~عروة بن حزام العذري: # ألا قاتل الله الوشاة وقولهم # فلانة أضحت خلة لفلان # وقوله: { يعض الظالم } [الفرقان: 27] من عضض بكسر العين في ~~الماضي، يعض بفتحها في المضارع على القياس، ومنه قول الحارس بن وعلة ~~الذهلي: # الآن لما أبيض مسربتي # وعضضت من نابى على جذم # فإن الرواية المشهورة في البيت عضضت بكسر الضاد الأولى وفيها لغة بفتح ~~العين في الماضي، والكسر أشهر، وعض تتعدى بعلى كما في الآية وبيت الحارث ~~بن وعلة، المذكورين وربما عديت ms2835 بالباء ومنه قول ابن أبي ربيعة: # فقالت وعضت بالبنان فضحتني # وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر # وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء، قد يدخل قرينه النار ~~والتحذير من قرين السوء مشهور معروف، وقد بين جل وعلا في سورة الصافات: ~~أن رجلا من أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب ~~النار، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار، ~~وذلك في قوله تعالى: # قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك ~~لمن المصدقين # [الصافات: 5152] إلى قوله تعالى: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم قال تالله إن كدت ~~لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين # [الصافات: 5557]. ### || [25.30] # معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا صلى الله عليه وسلم شكا إلى ~~ربه هجر قومه، وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم أي تركهم لتصديقه، ~~والعمل به وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، ~~فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه ~~من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال. # واعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان ~~مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في ~~طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدا عثر ~~عليها. # أحدها: قوله تعالى: { وقال الرسول يرب إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا } فإن الأخذ التناول والمهجور ~~المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكا أي: فعلوا تركه. انتهى محل الغرض ~~منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود، شرح مراقي السعود في الكلام على قوله: # فكفنا بالنهي مطلوب النبي # قال مقيده عفا الله وغفر له: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكف فعل ~~وتفسيره لها بما يدل على ذلك، ولم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى ~~الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلت عليه، وهو كون الكف فعلا دلت عليه ~~آيتان كريمتان من سورة المائدة، دلالة واضحة لا ms2836 لبس فيها، ولا نزاع. فعلى ~~تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية الفرقان هذه فإنه قد بينته بإيضاح ~~الآيتان المذكورتان من سورة المائدة. أما الأولى منهما فهي قوله تعالى: # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون # [المائدة: 63] فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت ~~سماه الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة صنعا في قوله: # لبئس ما كانوا يصنعون # [المائدة: 63]. أي وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، ~~فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح كما ~~ترى. # وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون # [المائدة: 79] فقد سمى جل وعلا في هذه الآية الكريمة: تركهم التناهي، عن ~~المنكر فعلا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذم في ~~قوله: # لبئس ما كانوا يفعلون # [المائدة: 79] أي وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة ~~هذه الآية أيضا على ما ذكر واضحة كما ترى. # وقد دلت أحاديث نبوية على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " # فقد سمى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلاما، ~~ومما يدل من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ~~صلى الله عليه وسلم لمسجده بالمدينة: # لئن قعدنا والنبي يعمل # لذاك منا العمل المضلل # فسمى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملا مضللا، وقد أشار صاحب مراقي ~~السعود إلى أن الكف فعل على المذهب. أي وهو الحق. وبين فروعا مبنية على ~~ذلك نظمها الشيخ الزقاق في نظمه المسمى بالمنهج المنتخب، وأورد أبيات ~~الزقاق في ذلك وقال: وجلبتها هنا على سبيل التضمين، وهذا النوع يسمى ~~استعانة، وهو تضمين بيت فأكثر بقوله: # فكفنا بالنهي مطلوب النبي # والكف فعل في صحيح المذهب # له فروع ذكرت في المنهج # وسردها من بعد ذا البيت يجي # من شرب أو خيط ذكاة فضل ms2837 ما # وعمد رسم شهادة وما # عطل ناظر وذو الرهن كذا # مفرط في العلف فادر المآخذا # وكالتي ردت بعيب وعدم # وليها وشبهها مما علم # فالأبيات الثلاثة الأخيرة من نظم الشيخ الزقاق المسمى بالمنهج المنتخب، ~~وفيها بعض الفروع المبنية على الخلاف في الكف، هل هو فعل، وهو الحق أو ~~لا، وقول الزقاق في الأول من أبياته من شرب متعلق بقوله قبله: # وهل كمن فعل تارك كمن # له بنفع قدرة لكن كمن # من شرب إلخ فقوله: من شرب بيان للنفع الكامن في قوله: له بنفع قدرة، لكن ~~كمن: أي لكنه ترك النفع مع قدرته عليه، فتركه له كفعله لما حصل بسبب تركه ~~من الضرر على القول بأن الترك فعل يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل، فلا ~~ضمان عليه، وفضل الطعام كفضل الشراب في ذلك، وقوله: أو خيط يعني أن من ~~منع خيطا عنده ممن شق بطنه، أو كانت به جائفة، حتى مات ضمن الدية على ~~القول بأن الترك فعل، وعلى عكسه فلا ضمان، وقوله: ذكاة: يعني أن من مر ~~بصيد لم ينفذ مقتله وأمكنته تذكيته فلم يذكه حتى مات، هل يضمنه أو لا على ~~الخلاف المذكور؟ # وقوله: فضل ما: يعني أن من عنده ماء فيه فضل عن سقي زرعه ولجاره زرع ولا ~~ماء له، إذا منع منه الماء، حتى هلك زرعه، هل يضمنه أو لا على الخلاف ~~المذكور، وقوله: وعمد: يعني إذا كانت عنده عمد جمع عمود فمنعها من جار له ~~جدار يخاف سقوطه حتى سقط، هل يضمن أو لا؟ وقوله: رسم شهادة: يعني أن من ~~منع وثيقة فيها الشهادة بحق حتى ضاع الحق، هل يضمنه أو لا؟ وقوله: وما ~~عطل ناظر: يعني أن الناظر على مال اليتيم مثلا إذا عطل دوره، فلم يكرها، ~~حتى فات الانتفاع بكرائها زمنا أو ترك الأرض حتى تبورت هل يضمن أو لا، ~~وقوله: وذو الرهن: يعني إذا عطل المرتهن كراء الرهن، حتى فات الانتفاع به ~~زمنا، وكان كراؤه له أهمية، هل يضمن أو لا؟ وقوله: كذا مفرط ms2838 في العلف: ~~يعني أن من ترك دابة عند أحد ومعها علفها، وقال له قدم لها العلف، فترك ~~تقديمه لها حتى ماتت، هل يضمن أو لا، والعلف في البيت بسكون الثاني، وهو ~~تقديم العلف بفتح الثاني. # وقوله: وكالتي ردت بعيب وعدم. وليها: يعني أن الولي القريب إذا زوج ~~وليته، وفيها عيب يوجب رد النكاح وسكتت الزوجة، ولم تبين عيب نفسها وفلس ~~الولي هل يرجع الزوج على الزوجة بالصداق أو لا؟ فهذه الفروع وما شابهها ~~مبنية على الخلاف في الكف هل هو فعل أو لا؟ والصحيح أن الكف فعل، كما دل ~~عليه الكتاب والسنة واللغة، كما تقدم إيضاحه، وعليه فالصحيح لزوم الضمان ~~فيما ذكر. ### || [25.31] # لما شكا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه في قوله: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30] أنزل الله قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا } الآية، تسلية له صلى الله عليه وسلم: أي كما جعلنا ~~الكفار أعداء لك، يكذبونك، ويتخذون القرآن الذي أنزل إليك مهجورا، كذلك ~~الجعل لكل نبي عدوا: أي جعلنا لك أعداء، كما جعلنا لكل نبي عدوا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا } الآية. قد قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على ~~قوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس # [الأنعام: 112] الآية، وقوله تعالى: { وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا } قد قدمنا الكلام مستوفى على كفى اللازمة، والمتعدية بشواهده ~~العربية في سورة الإسراء في الكلام على قوله: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] وقوله: { وكفى بربك هاديا } جاء معناه موضحا ~~في آيات كثيرة، كقوله: # من يهد الله فهو المهتد # [الكهف: 17] وقوله تعالى: # قل إن هدى الله هو الهدى # [البقرة: 120] وقوله: ونصيرا: أي وكفى بربك نصيرا، جاء معناه أيضا في ~~آيات كثيرة، كقوله تعالى: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران: 160]. ### || [25.32] # قوله تعالى: { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا } # تقدمت الآيات التي بمعناه في آخر سورة الإسراء ms2839 في الكلام على قوله ~~تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث # [الإسراء: 106] الآية، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { كذلك ~~لنثبت به فؤادك } أي كذلك الإنزال مفرقا بحسب الوقائع ~~أنزلناه لا جملة كما اقترحوا، وقوله: { لنثبت به فؤادك } أي ~~أنزلناه مفرقا، لنثبت فؤادك بإنزاله مفرقا. # قال بعضهم: معناه لنقوي بتفريقه على حفظه، لأن حفظه شيئا فشيئا أسهل ~~من حفظه مرة واحدة، لو نزل جملة واحدة. # وقال بعضهم: ومما يؤكد ذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه أمي لا يقرأ ولا ~~يكتب. ### || [25.34] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم يوم القيامة، وأنهم شر مكانا، وأضل سبيلا. وبين في مواضع أخر أنهم ~~تكب وجوههم في النار ويسحبون على وجوههم فيها، كقوله تعالى: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار # [النمل: 90] الآية، وقوله تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار # [الأحزاب: 66] الآية وقوله تعالى: # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر # [القمر: 48] وبين جل وعلا في سورة بني إسرائيل أنهم يحشرون على وجوههم، ~~وزاد مع ذلك أنهم يحشرون عميا وبكما وصما، وذكر في سورة طه أن الكافر ~~يحشر أعمى. قال في سورة بني إسرائيل: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم ~~سعيرا # [الإسراء: 97] وقال في سورة طه # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها # [طه: 124126] الآية. # وقد بينا وجه الجمع بين آية بني إسرائيل وآية طه المذكورتين مع الآيات ~~الدالة على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويتكلمون ويسمعون كقوله تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38] وقوله تعالى: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] وقوله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53] في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: # ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124] وكذلك بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا دفع ~~إيهام ms2840 الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على آية بني إسرائيل المذكورة. # وصيغة التفضيل في قوله: { أولئك شر مكانا وأضل ~~سبيلا } قد قدمنا الكلام في مثلها في الكلام على قوله: # أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون # [الفرقان: 15] والمكان محل الكينونة. والظاهر أنه يكون حسيا، ومعنويا. ~~فالحسي ظاهر، والمعنوي كقوله تعالى: # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال ~~أنتم شر مكانا # [يوسف: 77] الآية، والسبيل الطريق وتذكر وتؤنث كما تقدم، ومن تذكير ~~السبيل قوله تعالى: # وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146] ومن تأنيثها قوله تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة # [يوسف: 108] الآية. ### || [25.35-36] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا # [مريم: 52]. ### || [25.37] # قد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفية إغراقهم في سورة الأعراف، في ~~الكلام على قوله تعالى: # وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ # [الأعراف: 64]. ### || [25.38] # الأظهر عندي أن قوله: { وعادا وثمودا } معطوف على قوله: وقوم ~~نوح الآية، وأن قوم نوح مفعول به لأغرقنا محذوفة دل عليها قوله بعده: # أغرقناهم وجعلناهم للناس آية # [الفرقان: 37] على حد قوله في الخلاصة: # فالسابق انصبه بفعل أضمرا # حتما موافق لما قد ذكرا # أي أهلكنا قوم نوح بالغرق، وأهلكنا عادا وثمودا وأصحاب الرس، وقرونا ~~بين ذلك كثيرا، أي وأهلكنا قرونا كثيرة بين ذلك المذكور من قوم نوح، ~~وعاد، وثمود. # والأظهر أن القرون الكثير المذكور بعد قوم نوح، وعاد، وثمود، وقبل أصحاب ~~الرس وقد دلت آية من سورة إبراهيم على أن بعد عاد، وثمود، خلقا كفروا ~~وكذبوا الرسل، وأنهم لا يعلمهم إلا الله جل وعلا. # وتصريحه بأنهم بعد عاد وثمود، يوضح ما ذكرنا وذلك في قوله تعالى: # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا ms2841 ~~أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه ~~مريب # [إبراهيم: 9]. # وقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى قوله: # فردوا أيديهم في أفواههم # [إبراهيم: 9] والإشارة في قوله { بين ذلك } راجعة إلى عاد، وثمود، ~~وأصحاب الرس: أي بين ذلك المذكور ورجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع ~~رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور أسلوب عربي معروف ومنه في الإشارة ~~قوله تعالى: # قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ~~عوان بين ذلك # [البقرة: 68] أي ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى: # وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67] أي بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر وقول عبد الله بن ~~الزبعري السهمي: # إن للخير وللشر مدى # وكلا ذلك وجه وقبل # أي وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤبة: # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كأنه أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق، وقد قدمنا هذا البيت. أما عاد ~~وثمود فقد جاءت قصة كل منهما مفصلة في آيات متعددة، وأما أصحاب الرس فلم ~~يأت في القرآن تفصيل قصتهم ولا اسم نبيهم، وللمفسرين فيهم أقوال كثيرة ~~تركناها لأنها لا دليل على شيء منها. # والرس في لغة العرب البئر التي ليست بمطوية، وقال الجوهري في صحاحه: ~~إنها البئر المطوية بالحجارة، ومن إطلاقها على البئر قول الشاعر: # وهم سائرون إلى أرضهم # فيا ليتهم يحفرون الرساسا # وقول النابغة الجعدي: # سبقت إلى فرط ناهل # تنابلة يحفرون الرساسا # والرساس في البيتين جمع رس، وهي البئر، والرس واد في قول زهير في ~~معلقته: # بكرن بكورا استحرن بسحرة # فهن لوادي الرس كاليد للفم # وقوله في هذه الآية: { وقرونا بين ذلك كثيرا }. جمع قرن. ~~وهو هنا الجيل من الناس الذين اقترنوا في الوجود في زمان من الأزمنة. ### || [25.39] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كلا من الماضين المهلكين من قوم ~~نوح وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، والقرون الكثيرة بين ذلك: أنه ضرب لكل ~~منهم الأمثال ليبين لهم الحق بضرب ms2842 المثل، لأنه يصير به المعقول كالمحسوس، ~~وأنه جل وعلا تبر كلا منهم تتبيرا، أي أهلكهم جميعا إهلاكا مستأصلا، ~~التتبير الإهلاك والتكسير ومنه قوله تعالى: # وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7] وقوله تعالى: # إن هؤلاء متبر ما هم فيه # [الأعراف: 139] أي باطل، وقوله تعالى: # ولا تزد الظالمين إلا تبارا # [نوح: 28] أي هلاكا، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، ~~وهما أنه جل وعلا ضرب لكل منهم الأمثال، وأنه تبرهم كلهم تتبيرا جاءا ~~مذكورين في غير هذا الموضع. # أما ضربه الأمثال للكفار، فقد ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع كقوله في ~~سورة إبراهيم: # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ~~وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال # [إبراهيم: 4445] وأما تتبيره جميع الأمم لتكذيبها رسلها، فقد جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى في سورة الأعراف: # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 9495] وقوله تعالى في سورة سبأ: # ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [سبأ: 34] وقوله تعالى في الزخرف: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] وقوله تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جآء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث # [المؤمنون: 44] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع الأمم ~~كذبوا رسلهم، وأن الله أهلكهم بسبب ذلك، وقد بين جل وعلا في آية أخرى أن ~~هذا العموم لم يخرج منه إلا قوم يونس دون غيرهم، وذلك في قوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف ms2843 أو يزيدون فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147148] وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب ~~الأمثال لكل منهم، لم يبين فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضا لهذه الآية ~~الكريمة التي هي آخر الأمم في هذا القرآن، كما ضربها لغيرهم من الأمم، ~~ولكنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه ضرب لهذه الأمة الأمثال في هذا القرآن ~~العظيم، ليتفكروا بسببها، وبين أنها لا يعقلها إلا أهل العلم، وأن الله ~~يهدي بها قوما، ويضل بها آخرين. # وهذه الآيات الدالة على ذلك كله فمنها قوله تعالى: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ~~من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة: 26]، وقوله تعالى: # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون # [الزمر: 27] وقوله تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]، وقوله تعالى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]، وقوله تعالى: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له # [الحج: 73]. والآيات الدالة على ذلك كثيرة معلومة والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [25.40] # أقسم جل وعلا في هذه الآية، أن الكفار الذين كذبوا نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهو أن الله أمطر عليها ~~حجارة من سجيل، وهي سدوم قرية قوم لوط، وهذان الأمران المذكوران في هذه ~~الآية الكريمة، وهما أن الله أمطر هذه القرية مطر السوء الذي هو حجارة ~~السجيل، وأن الكفار أتوا عليها، ومروا بها جاء موضحا في آيات أخرى. # أما كون الله أمطر عليها الحجارة المذكورة، فقد ذكره جل وعلا في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى: # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل # [الحجر: 74]، وبين في سورة الذاريات أن السجيل المذكور نوع من الطين، ~~وذلك في قوله تعالى: # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل ~~عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 3233]، ولا شك أن هذا ms2844 الطين وقعه أليم، شديد مهلك. كقوله ~~تعالى: # وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين # [الشعراء: 173]، وقوله تعالى: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فأخذتهم ~~الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 7274] الآية. # وأما كونهم قد أتوا على تلك القرية المذكورة فقد جاء موضحا أيضا في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137138] المراد بأنهم مروا على قرية قوم لوط، أن مرورهم ~~عليها، ورؤيتهم لها خالية من أهلها ليس فيها داع، ولا مجيب، لأن الله ~~أهلك أهلها جميعا لكفرهم وتكذيبهم رسوله لوطا فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر ~~عن تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لئلا ينزل بالذين كذبوه مثل ما ~~نزل بقوم لوط من العذاب والهلاك، ولذا وبخهم على عدم الاعتبار بما أنزل ~~بها من العذاب كقوله في آية الصافات المذكورة: { أفلا تعقلون } ، ~~وكقوله تعالى: في آية الفرقان هذه: { أفلم يكونوا يرونها ~~بل كانوا لا يرجون نشورا } فقوله: أفلم يكونوا يرونها: ~~توبيخ لهم على عدم الاعتبار كقوله في الآية الأخرى: أفلا تعقلون، ومعلوم ~~أنهم يمرون عليها مصبحين، وبالليل وأنهم يرونها، وكقوله تعالى: # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 7476] يعني: أن ديار قوم لوط بسبيل مقيم، أي بطريق مقيم، يمرون ~~فيه عليها في سفرهم إلى الشام، وقوله تعالى: { بل كانوا لا ~~يرجون نشورا } ، أي لا يخافون بعثا، ولا جزاء أو لا يرجعون بعثا ~~وثوابا. ### || [25.41-42] # تقدم إيضاحه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن ~~هم كافرون # [الأنبياء: 36]، وما قالوه هنا: من أنهم صبروا على آلهتهم، بين في سورة ~~(ص) أن بعضهم أمر به بعضا في قوله تعالى: # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم # [ص: 6] الآية. ### || [25.43] # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أرأيت من اتخذ إلهه هواه: ~~أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا ms2845 في هوى نفسه كان دينه، ومذهبه إلى أن ~~قال: قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، ~~فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول ". اه منه. # وذكر صاحب الدر المنثور: أن ابن أبي حاتم وابن مردويه أخرجا عن ابن عباس ~~" أن عبادة الكافر للحجر الثاني مكان الأول: هي سبب نزول هذه الآية " ، ~~ثم قال صاحب الدر المثنور: وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي، قال: ~~كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو ~~أحسن منه، رموا به وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا مناديا فنادى: ~~أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه، فأنزل الله هذه الآية: { أرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه } ، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال: ~~" ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان ". # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: { ~~أرأيت من اتخذ إلهه هواه }. قال: لا يهوى شيئا إلا ~~تبعه. # وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: { أرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } قال: كل ما هوى شيئا ركبه، وكل ما اشتهى أتاه لا ~~يحجزه عن ذلك ورع، ولا تقوى. # وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له أفي أهل القبلة شرك؟ قال. نعم ~~المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عبد ~~هواه ثم تلا هذه الآية الكريمة: { أرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه أفأنت تكون عليه وكيلا }. # وأخرج الطبرانين عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع ~~" # انتهى محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. # وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية: أن الواجب الذي يلزم العمل ~~به، هو أن يكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمره به معبوده جل وعلا، ~~فإذا كانت جميع أفعاله ms2846 تابعة لما يهواه، فقد صرف جميع ما يستحقه عليه ~~خالقه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية ~~الوضوح. # وإذا علمت هذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله ~~جل وعلا بينه في غير هذا الموضع في قوله: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله # [الجاثية: 23] الآية، وقوله تعالى: # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله ~~يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [فاطر: 8] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أفأنت تكون عليه ~~وكيلا }: استفهام إنكار فيه معنى النفي. # والمعنى: أن من أضله الله فاتخذ الهه هواه، لا تكون أنت عليه وكيلا أي ~~حفيظا تهديه، وتصرف عنه الضلال الذي قدره الله عليه، لأن الهدى بيد الله ~~وحده لا بيدك، والذي عليك إنما هو البلاغ، وقد بلغت. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحا في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] الآية، وقوله تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # [النحل: 37] الآية. وقوله تعالى: # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار # [الزمر: 19]، وقوله تعالى: # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما ~~كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # [يونس: 99100] الآية، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفا: # فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] الآية، وقوله تعالى تعالى في آية الجاثية المذكورة آنفا ~~أيضا # فمن يهديه من بعد الله # [الجاثية: 23] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة، والعلم عند الله تعالى. ### || [25.44] # أم في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى ~~بل الإضرابية، واستفهام الإنكار معا، والإضراب المدلول عليه بها هنا ~~إضراب انتقالي: # والمعنى: بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون: أي لا تعتقد ذلك ولا ~~تظنه، فإنهم لا يسمعون ms2847 الحق ولا يعقلونه: أي لا يدركونه بعقولهم إن هم ~~إلا كأنعام أي ما هم إلا كالأنعام، التي هي الإبل والبقر والغنم في عدم ~~سماع الحق، وإدراكه، بل هم أضل من الأنعام: أي أبعد عن فهم الحق، ~~وإدراكه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { بل هم أضل سبيلا } قال ~~الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟ # قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن ~~إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي ~~لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من ~~إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ~~ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو ~~المشرع الهني والعذب الروي. اه. منه. # وإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير ~~هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأعراف: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون # [الأعراف: 179]، وقوله تعالى في البقرة: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون # [البقرة: 171]. ### || [25.47] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباسا، ~~والنوم سباتا، وجعل لهم النهار نشورا، أما جعله لهم الليل لباسا، ~~فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطي جميع من في الأرض بظلامه، صار لباسا ~~لهم، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه، وربما انتفعوا بلباس الليل ~~كهروب الأسير المسلم من الكفار في ظلام الليل، واستتاره به حتى ينجو ~~منهم، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل كما قال أبو الطيب ~~المتنبي: # وكم لظلام الليل عندي من يد # تخبر أن المانوية تكذب # وقال ردى الأعداء تسري إليهم # وزارك فيه ذو الدلال المحجب # وأما جعله لهم النوم سباتا فأكثر المفسرين على ms2848 أن المراد بالسبات: ~~الراحة، من تعب العمل بالنهار، لأن النوم يقطع العمل النهاري، فينقطع به ~~التعب، وتحصل الاستراحة، كما هو معروف. # وقال الجوهري في صحاحه: السبات النوم وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] وقال الزمخشري في الكشاف: والسبات: الموت، والمسبوت: الميت، ~~لأنه مقطوع الحياة وهذا، كقوله: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60]. # فإن قلت: هل لا فسرته بالراحة؟ # قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد، وهو مرنق اه محل ~~الغرض منه. # وإيضاح كلامه: أن النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم إيضاحه، وعليه ~~فقوله: { وجعل النهار نشورا } أي حياة بعد الموت، وعليه ~~فالموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله: { والنوم سباتا } وإطلاق ~~الموت على النوم معروف في القرآن العظيم كقوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه # [الأنعام: 60] وقوله: { ثم يبعثكم فيه } فيه دليل على ما ذكره ~~الزمخشري، لأن كلا من البعث والنشور، يطلق على الحياة بعد الموت، وكقوله ~~تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى # [الزمر: 42]، وقال الجوهري في صحاحه: والمسبوت الميت والمغشى عليه. ~~اه. # والذين قالوا: إن السبات في الآية الراحة بسبب النوم من تعب العمل ~~بالنهار، قالوا: إن معنى قوله تعالى: { وجعل النهار نشورا } ~~أنهم ينشرون فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسبابهم، والظاهر أن هذا التفسير ~~فيه حذف مضاف، أو هو من النعت بالمصدر، وهذا التفسير يدل عليه قوله ~~تعالى: # وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 11] وقوله تعالى في القصص: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار في السعي ~~للمعاش. # وإذا علمت هذا فاعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في ~~مواضع أخر كقوله تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا ~~وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 911] وقوله تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ms2849 ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون # [القصص: 7173]. # وقوله تعالى: # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة لتبتغوا ~~فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب # [الإسراء: 12] الآية. # وقد أوضحنا هذا في الكلام على هذه الآية. # وكقوله تعالى: # والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى # [الليل: 12] وقوله تعالى: # والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها # [الشمس: 34] إلى غير ذلك من الآيات. # وفي الآيات المذكورة بيان أن الليل والنهار آيتان من آياته ونعمتان من ~~نعمته جل وعلا. ### || [25.48] # قوله تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين ~~يدي رحمته } # قد قدمنا الآية الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الأعراف: 57] على قراءة من قرأ بشرا بالباء. # وآية الأعراف وآية الفرقان المذكورتان تدلان على أن المطر رحمة من الله ~~لخلقه. # وقد بين ذلك في مواضع أخر كقوله تعالى: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم: 50] وقوله تعالى: # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته # [الشورى: 28] الآية. ### || [25.50] # التحقيق أن الضمير في قوله: ولقد صرفناه، راجع إلى ماء المطر المذكور في ~~قوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا # [الفرقان: 48] كما روي عن ابن عباس وابن مسعود، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، ~~وغير واحد، خلافا لمن قال: إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي ~~عن عطاء الخراساني وصدر به القرطبي، وصدر الزمخشري بما يقرب منه. # وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في: صرفناه، عائد إلى ماء المطر. # فأعلم أن المعنى: ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطرا كثيرا ~~في بعض السنين على بعض البلاد، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض ~~البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر. وقوله: ليذكروا أي ~~صرفناه بينهم، لأجل ms2850 أن يتذكروا: أي يتذكر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر، ~~نعمة الله عليهم، فيشكروا له، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من ~~البلاء، فيبادروا بالتوبة إلى الله جل وعلا، ليرحمهم ويسقيهم. وقوله: { ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا } أي كفرا لنعمة من أنزل ~~عليهم المطر، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا. # وهذا المعنى دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جل وعلا في سورة ~~الواقعة في قوله تعالى: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 82] فقوله: رزقكم: أي المطر، كما قال تعالى: # وينزل لكم من السمآء رزقا # [غافر: 13] وقوله: { أنكم تكذبون } أي بقولكم: مطرنا بنوء ~~كذا، ويزيد هذا إيضاحا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وقد قدمناه بسنده ~~ومتنه مستوفى، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوما على أثر ~~سماء أصابتهم من الليل: # " أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال قال: أصبح من ~~عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي ~~كافر بالكوكب. وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن ~~بالكوكب ". # وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا } يدخل فيه من قال مطرنا بنوء كذا. ومن قال ~~مطرنا بالبخار، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء، ثم يتجمع ثم ينزل ~~على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل، وأن المطر منه كما تقدم إيضاحه ~~فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### || [25.51-52] # المعنى: لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيرا ~~يتولى مشقة إنذارها عنك: أي ولكننا اصطفيناك، وخصصناك بعموم الرسالة ~~لجميع الناس، تعظيما لشأنك، ورفعا من منزلتك، فقابل ذلك بالاجتهاد ~~والتشدد التام في إبلاغ الرسالة ولا تطع الكافرين الآية. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ~~لجميع الناس، جاء موضحا، في آيات كثيرة كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] وقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # [سبأ: 28] وقوله: # وأوحي إلي ms2851 هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]. وقوله: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده # [هود: 17] الآية. # وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله ~~تعالى: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وقوله: { فلا تطع الكافرين } ذكره أيضا في غير ~~هذا الموضع. كقوله تعالى: # فلا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب: 48] الآية. قوله: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] وقوله: # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه # [الكهف: 28] الآية وقوله تعالى: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10]. # وقوله في هذه الآية الكريمة: وجاهدهم به: أي بالقرآن كما روي عن ابن ~~عباس. # والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كما قال ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة # [التوبة: 123] الآية. وقال تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # [التوبة: 73] وقوله تعالى: { فلا تطع الكافرين } ، من المعلوم ~~أنه صلى الله عليه وسلم، لا يطيع الكافرين ولكنه يأمر، وينهى ليشرع لأمته ~~على لسانه كما أوضحناه في سورة بني إسرائيل. ### || [25.53] # اعلم أن لفظة: مرج تطلق في اللغة إطلاقين. # الأول: مرج بمعنى أرسل وخلى. من قولهم: مرج دابته إذا أرسلها إلى المرج، ~~وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: # وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء # وعلى هذا فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر. # والإطلاق الثاني مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: # في أمر مريج # [ق: 5] أي مختلط، فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في ~~جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها. # وقوله: { هذا عذب فرات } يعني به ماء الآبار، والأنهار ~~والعيون في أقطار الدنيا. # وقوله: { وهذا ملح أجاج } أي البحر الملح، كالبحر المحيط، ~~وغيره من البحار التي هي ملح أجاج، وعلى هذا التفسير فلا إشكال. # وأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط، فالمعنى: أنه يوجد في بعض ~~المواضع اختلاط الماء الملح والماء ms2852 العذب في مجرى واحد، ولا يختلط أحدهما ~~بالآخر، بل يكون بينهما حاجز من قدرة الله تعالى، وهذا محقق الوجود في ~~بعض البلاد، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر ~~السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس، وقد زرت مدينة سانلويس عام ~~ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في ~~المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقاة أنه جاء ~~إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبا فراتا، وبالأخرى ~~ملحا أجاجا، والجميع في مجرى واحد، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل ~~وعلا ما أعظمه، وما أكمل قدرته. # وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية جاء موضحا في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى في سورة فاطر: # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج # [فاطر: 12] وقوله تعالى: # مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 1920] أي لا يبغي أحدهما على الآخر فيمتزج به، وهذا البرزخ ~~الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان، وسورة الرحمن قد بين الله ~~تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما، وذلك في قوله جل وعلا: # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون # [النمل: 16] وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض، الفاصل بين الماء العذب، ~~والماء الملح على التفسير الأول. # وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر، وأكد ~~شدة حجزه بينهما بقوله هنا: { وحجرا محجورا } ، والظاهر أن قوله ~~هنا: حجرا أي منعا، وحراما قدريا وأن محجورا توكيد له أي منعا ~~شديدا للاختلاط بينهما، وقوله: { هذا عذب } صفة مشبهة من قولهم: ~~عذب الماء بالضم فهو عذب. وقوله فرات صفة مشبهة أيضا، من فرت الماء ~~بالضم، فهو فرات، إذا كان شديد العذوبة. وقوله: وهذا ملح، صفة مشبهة ~~أيضا من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح. # قال الجوهري في صحاحه: ولا يقال مالح إلا في لغة ms2853 ردية ا ه. # وقد أجاز ذلك بعضهم واستدل له بقول القائل: # ولو تفلت في البحر والبحر مالح # لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا # وقوله: أجاج: صفة مشبهة أيضا من قولهم: أج الماء يؤج أجوجا فهو أجاج: ~~أي ملح مر، فالوصف بكونه أجاجا يدل على زيادة المرارة على كونه ملحا، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [25.54] # قال الزمخشري في الكشاف في تفسير هذه الآية الكريمة: فقسم البشر قسمين، ~~ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، ~~وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله: # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 39]، { وكان ربك قديرا } حيث خلق من النطفة الواحدة ~~بشرا نوعين ذكر وأنثى. انتهى منه. # هذا التفسير الذي فسر به الآية يدل له ما استدل عليه به وهو قوله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 3739] وهو دليل على أن آية الفرقان هذه بينتها آية القيامة ~~المذكورة، وفي هذه الآية الكريمة أقوال أخر غير ما ذكره الزمخشري. # منها: ما ذكر ابن كثير قال: فجعله نسبا وصهرا، فهو في ابتداء أمره ولد ~~نسيب ثم يتزوج فيصهر صهرا، وانظر بقية الأقوال في الآية في تفسير ~~القرطبي والدر المنثور للسيوطي. # مسألة # استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن بنت الرجل من الزنى، لا ~~يحرم عليه نكاحها. قال ابن العربي المالكي في هذه الآية: والنسب عبارة عن ~~خلط الماء بين الذكر والأنثى، على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقا ~~مطلقا، ولم يكن نسبا محققا، ولذلك لم يدخل تحت قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23] بنته من الزنى، لأنها ليست. ببنت له في أصح القولين ~~لعلمائنا، وأصبح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا، ~~فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت وما يحرم من الحلال، لا يحرم من ~~الحرام، لأن الله امتن بالنسب، والصهر على عباده ورفع قدرهما، وعلق ~~الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق ms2854 الباطل بهما، ولا يساويهما ~~انتهى منه. بواسطة نقل القرطبي عنه. # وقال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى، أو أخته أو ~~بنت ابنه من زنى: فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة، ~~وأصحابه، وأجازن ذلك آخرون منهم: عبد الملك بن الماجشون، وهو قول ~~الشافعي، وقد مضى هذا في النساء مجودا. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، ~~وأرجح القولين دليلا فيما يظهر أن الزنى لا يحرم به حلال، فبنته من ~~الزنى ليست بنتا له شرعا، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله ~~تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # [النساء: 11] فالإجماع على أنها ترث، ولا تدخل في آيات المواريث، دليل ~~صريح على أنها أجنبية منه، وليست بنتا شرعا، ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ~~ينبغي له أن يتزوجها بحال. وذلك لأمرين: # الأول: أن كونها مخلوقة من مائه، يجعلها شبيهة شبها صوريا بابنته ~~شرعا وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزعه عن تزويجها. # الأمر الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيء سبب وجوده معصيته لخالقه ~~جل وعلا، فالندم على فعل الذنب الذي هو ركن من أركان التوبة، لا يلائم ~~التلذذ بما هو ناشئ عن نفس الذنب، وما ذكره عن الشافعي من أنه يقول: إن ~~البنت من الزنى لا تحرم، هو مراد الزمخشري بقوله: # وإن شافعيا قلت قالوا بأنني # أبيح نكاح البنت والبنت تحرم # تنبيه # اعلم أنما ذكره صاحب الدر المنثور عن قتادة مما يقتضي أنه استنبط من ~~قوله تعالى في هذه الآية: { فجعله نسبا وصهرا } أن الصهر ~~كالنسب في التحريم، وأن كل واحد منهما تحرم به سبع نساء، لم يظهر لي ~~وجهه، ومما يزيده عدم ظهور ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول، كما تقدم ~~إيضاحه مرارا، والعلم عند الله تعالى. ### || [25.55] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ~~ولا يضرهم } # تقدم إيضاحه في سورة الحج وغيرها. # قوله تعالى: { وكان الكافر على ms2855 ربه ظهيرا }. # الظهير في اللغة: المعين، ومنه قوله تعالى: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4] وقوله تعالى: # قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين # [القصص: 17]. # ومعنى قوله في هذه الآية الكريمة: { وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا } على أظهر الأقوال، وكان الكافر معينا للشيطان، وحزبه من ~~الكفرة على عداوة الله ورسله، فالكافر من حزب الشيطان يقاتل في سبيله ~~أولياء الله الذين يقاتلون في سبيل الله، فالكافر يعين الشيطان وحزبه في ~~سعيهم، لأن تكون كلمة الله ليست في العليا، وهذا المعنى دلت عليه آيات من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا ~~أولياء الشيطان # [النساء: 76] الآية، ومعلوم أن الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، المقاتلين ~~في سبيل الله، أنه على ربه ظهير. # وقوله تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا ~~يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون # [يس: 7475] على قول من قال: إن الجند المحضرون هم الكفار، يقاتلون عن ~~آلهتهم ويدافعون عنها، ومن قاتل عن الأصنام مدافعا عن عبادتها، فهو على ~~ربه ظهير، وكونه ظهيرا على ربه أي معينا للشيطان، وحزبه على عداوة الله ~~ورسله، ككونه عدوا له المذكور في قوله تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين # [البقرة: 98] وقوله تعالى: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون # [فصلت: 19] ومعلوم بالضرورة أن جميع الخلق لو تعاونوا على عداوة الله لا ~~يمكن أن يضروه بشيء وإنما يضرون بذلك أنفسهم: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # [فاطر: 15]. ### || [25.56] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الأعراف وأول سورة الكهف. ### || [25.57] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] الآية. ### || [25.58] # قوله تعالى: { وتوكل على الحي الذي لا يموت }. # قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله ~~تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين ms2856 # [الفاتحة: 5]. # قوله تعالى: { وكفى به بذنوب عباده خبيرا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا # [الإسراء: 17]. ### || [25.59] # قوله تعالى: { الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } # قد قدمنا الآية التي فيها تفصيل ذلك في سورة الأعراف في الكلام على قوله ~~تعالى: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # [الأعراف: 54]. # قوله تعالى: { ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل ~~به خبيرا }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، في الكلام على قوله ~~تعالى: { ثم استوى على العرش } الآية. ### || [25.60] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا ~~للرحمن أي قال لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون، تجاهلوا ~~الرحمن، وقالوا: وما الرحمن، وأنكروا السجود له تعالى، وزادهم ذلك نفورا ~~عن الإيمان والسجود للرحمن، وما ذكره هنا من أنهم أمروا بالسجود له وحده ~~جل وعلا جاء مذكورا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. # وقوله تعالى: # فاسجدوا لله واعبدوا # [النجم: 62] وقد وبخهم تعالى على عدم امتثال ذلك في قوله تعالى: # وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون # [الإنشقاق: 21]. وقوله تعالى: # وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون # [المرسلات: 48] وتجاهلهم للرحمن هنا أجابهم عنه تعالى بقوله: # الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان # [الرحمن: 14]. # وقوله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. وقد قدمنا طرفا من هذا في الكلام على هذه الآية؛ وقد ~~قدمنا أيضا أنهم يعلمون أن الرحمن هو الله، وأن تجاهلهم له تجاهل عارف، ~~وأدلة ذلك. وقوله هنا: وزادهم نفورا، جاء معناه في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى: # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما ~~يزيدهم إلا نفورا # [الإسراء: 41]. # وقوله تعالى: # بل لجوا في عتو ونفور # [الملك: 21] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [25.61] # قد قدمنا كلام أهل العلم ms2857 في معنى تبارك في أول هذه السورة الكريمة. # والبروج في اللغة: القصور العالية، ومنه قوله تعالى: # ولو كنتم في بروج مشيدة # [النساء: 78]. # واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآية، فقال بعضهم: هي الكواكب ~~العظام. قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، ~~وقتادة، ثم قال: وقيل هي قصور في السماء للحرس. ويروى هذا عن علي، وابن ~~عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وهو ~~رواية عن أبي صالح أيضا، والقول الأول أظهر اللهم إلا أن تكون الكواكب ~~العظام، هي قصور للحرس فيجتمع القولان، كما قال تعالى: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [تبارك: 5] اه. محل الغرض من كلام ابن كثير. # وقال الزمخشري في الكشاف: البروج منازل الكواكب السبعة السيارة الحمل، ~~والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس ~~والجدي، والدلو والحوت، سميت البروج التي هي القصور العالية، لأنها لهذه ~~الكواكب كالمنازل لسكانها، واشتقاق البرج من التبرج لظهوره. اه منه. # وما ذكره جل وعلا هنا من أنه جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وهو ~~الشمس، وقمرا منيرا، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين # [الحجر: 16] وقوله تعالى: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] وقوله تعالى: # وجعلنا سراجا وهاجا # [النبأ: 13] وقوله تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # [نوح: 15 16] وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: وجعل فيها ~~سراجا بكسر السين وفتح الراء بعدها ألف على الإفراد، وقرأه حمزة ~~والكسائي: سرجا بضم السين، والراء جمع سراج، فعلى قراءة الجمهور بإفراد ~~السراج فالمراد به الشمس، بدليل قوله تعالى: { وجعل الشمس ~~سراجا } وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجمع. فالمراد بالسرج الشمس، ~~والكواكب العظام. # وقد قدمنا في سورة الحجر أن ظاهر القرآن أن القمر في السماء المبنية لا ~~السماء التي هي مطلق ما علاك، لأن الله بين في سورة الحجر، أن السماء ~~التي جعل فيها البروج هي المحفوظة، والمحفوظة هي المبنية في قوله ms2858 تعالى: # والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47] وقوله: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12] وليست مطلق ما علاك، والبيان المذكور في سورة الحجر في قوله ~~تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 1617] الآية. فآية الحجر هذه دالة على أن ذات البروج هي ~~المبنية، المحفوظة لا مطلق ما علاك. # وإذا علمت ذلك فاعلم أنه جل وعلا في آية الفرقان هذه، بين أن القمر في ~~السماء التي جعل فيها البروج، لأنه قال هنا: { تبارك الذي جعل ~~في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } ~~وذلك دليل على أنها ليست مطلق ما علاك، وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم ~~العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، مما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # فإن قيل: يوجد في كلام بعض السلف، أن القمر في فضاء بعيد من السماء، وأن ~~علم الهيئة دل على ذلك، وأن الإرصاد الحديثة بينت ذلك. # قلنا: ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدي القرآن العظيم، لأن الصحابة رضي ~~الله عنهم لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه صلى الله عليه وسلم، ~~وقالوا له يا نبي الله: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم لم ينزل يكبر حتى ~~يستدير بدرا؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة ~~فيه، وذلك في قوله تعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] وهذا الباب الذي أرشد القرآن العظيم إلى سده لما فتحه ~~الكفرة كانت نتيجة فتحه الكفر، والإلحاد وتكذيب الله ورسوله من غير فائدة ~~دنيوية، الذي أرشد الله إليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه، وعجائبه ~~في السماوات والأرض ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى، واستحقاقه للعبادة ~~وحده، وهذا المقصد الأساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار. # وعلى كل حال فلا يجوز لأحد ترك ظاهر القرآن العظيم إلا لدليل مقنع يجب ~~الرجوع إليه كما هو معلوم في محله. # ولا شك أن الذين يحاولون الصعود إلى القمر بآلاتهم ويزعمون أنهم نزلوا ms2859 ~~على سطحه سينتهي أمرهم إلى ظهور حقارتهم، وضعفهم، وعجزهم، وذلهم أمام ~~قدرة خالق السماوات والأرض جل وعلا. # وقد قدمنا في سورة الحجر أن ذلك يدل عليه قوله تعالى: # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب # [ص: 1011]. # فإن قيل: الآيات التي استدللت بها على أن القمر في السماء المحفوظة فيها ~~احتمال على أسلوب عربي معروف، يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت، وهو عود ~~الضمير إلى اللفظ وحده دون المعنى. # وإيضاحه أن يقال في قوله: { جعل في السمآء بروجا } هي السماء ~~المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: { وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا } راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، ~~وهذا أسلوب عربي معروف وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة: عندي ~~درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، ومنه قوله تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11] أي ولا ينقص من عمر معمر آخر. # قلنا: نعم هذا محتمل، ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل يجب الرجوع إليه، ~~والعدول عن ظاهر القرآن العظيم لا يجوز إلا لدليل يجب الرجوع إليه، وظاهر ~~القرآن أولى بالاتباع والتصديق من أقوال الكفرة، ومقلديهم والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [25.63] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. # قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا # [مريم: 47] الآية. ### || [25.64] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن عباده الصالحين، يبيتون ~~لربهم سجدا وقياما، يعبدون الله، ويصلون له بينه في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى: # أمن هو قانت آنآء الليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه # [الزمر: 9] وقوله تعالى: # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا # [السجدة: ms2860 16] وقوله تعالى: # إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 1618]. وقوله تعالى: { يبيتون } قال الزجاج: بات الرجل ~~يبيت: إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير: # فبتنا قياما عند رأس جوادنا # يزاولنا عن نفسه ونزاوله # انتهى بواسطة نقل القرطبي. ### || [25.65] # الأظهر أن معنى قوله: كان غراما: أي كان لازما دائما غير مفارق، ومنه ~~سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا أي لازم له، مولع به. # وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # ولهم عذاب مقيم # [المائدة: 37] و [التوبة: 68]. وقوله: # لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون # [الزخرف: 75]. وقوله: # فسوف يكون لزاما # [الفرقان: 77] وقوله تعالى: # فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]. وقوله: # لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون # [البقرة: 162] و [آل عمران: 88] وقوله: # ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور # [فاطر: 36]. وقوله تعالى: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]. وقوله: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56] إلى غير ذلك من الآيات. # وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو ~~عبيدة: الهلاك. قاله القرطبي. وقول الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فإنه لا يبال # يعني يكن عذابه دائما لازما. وكذلك قول بشر بن أبي حازم: # ويوم النسار ويوم الجفا # ركانا عذابا وكان غراما # وذلك هو الأظهر أيضا في قول الآخر: # وما أكلة إن نلتها بغنيمة # ولا جوعة إن جعتها بغرام ### || [25.67] # قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ولم يقتروا بضم الياء المثناة التحتية ~~وكسر التاء مضارع أقتر الرباعي، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: ولم يقتروا ~~بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كضرب، ~~وقرأه عاصم وحمزة، والكسائي، ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وضم ~~المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإقتار على قراءة نافع وابن ~~عامر، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد، وهو التضييق المخل بسد ~~الخلة اللازم، والإسراف في قوله تعالى: لم يسرفوا، مجاوزة الحد في ~~النفقة. # واعلم أن ms2861 أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة، أن الله مدح عباده ~~الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم، فلا يجاوزون الحد بالإسراف في الإنفاق، ولا ~~يقترون أي لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم. # وقال بعض أهل العلم: الإسراف في الآية: الإنفاق في الحرام والباطل، ~~والاقتار منع الحق الواجب، وهذا المعنى وإن كان حقا فالأظهر في الآية هو ~~القول الأول. # قال ابن كثير رحمه الله { والذين إذآ أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا } الآية: أي ليسوا مبذرين في إنفاقهم، ~~فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم ~~بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا، ولا هذا. انتهى محل الغرض ~~منه. # وقوله تعالى: { وكان بين ذلك قواما } أي بين ذلك المذكور من ~~الإسراف والقتر. قواما: أي عدلا وسطا سالما من عيب الإسراف والقتر. # وأظهر أوجه الإعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي، قال: وقواما خبر ~~كان واسمها مقدر فيها أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما، ثم قال ~~قاله الفراء، وباقي أوجه الإعراب في الآية ليس بوجيه عندي كقول من قال: ~~إن لفظة بين هي اسم كان، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني، ~~وقول من قال: إن بين هي خبر كان، وقواما حال مؤكدة له ومن قال إنهما ~~خبران كل ذلك ليس بوجيه عندي، والأظهر الأول. والظاهر أن التوسط في ~~الإنفاق الذي مدحهم به شامل لإنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه ~~الخير. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في غير هذا ~~الموضع، فمن ذلك أن الله أوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعمل بمقتضاه في ~~قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] الآية، فقوله: { ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك } أي ممسكة عن الإنفاق إمساكا كليا، يؤدي معنى قوله ~~هنا ولم يقتروا. وقوله: ولا تبسطها كل البسط، يؤدي معنى قوله هنا: لم ~~يسرفوا. وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ms2862 ~~تبذر تبذيرا # [الإسراء: 26] الآية، وقوله تعالى: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] الآية. على أصح التفسيرين. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام ~~على قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]. # مسألة # هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: { والذين إذآ أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا } الآية والآيات التي ذكرناها معها، ~~قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد. # وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها ~~واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما. # الأول منهما: اكتساب المال. # والثاني منهما: صرفه من مصارفه، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج، ولا ~~فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلا بوجود الآخر، فلو كان الإنسان ~~أحسن الناس نظرا في أوجه اكتساب المال إلا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه، ~~فإن جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة، وكذلك إذا كان الإنسان ~~أحسن الناس نظرا في صرف المال في مصارفه المنتجة إلا أنه أخرق جاهل ~~بأوجه اكتسابه. فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على ~~تحصيل شيء يصرفه. والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في ~~الصرف. # وإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين، وأن ~~الآيات المذكورة دلت على أحدهما فاعلم أن الآخر منهما هو اكتساب المال ~~أرشدت إليه آيات أخر دلت على فتح الله الأبواب إلى اكتساب المال بالأوجه ~~اللائقة، كالتجارات، وغيرها كقوله تعالى: # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # [البقرة: 198]، وقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: # علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 20]، والمراد بفضل الله في الآيات المذكورة ربح التجارة، ~~وكقوله تعالى: # إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29]، وقد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة # [الكهف: 19] الآية. أنواع الشركات، وأسماءها، وبينا ms2863 ما يجوز منها، وما ~~لا يجوز عند الأئمة الأربعة وأوضحنا ما اتفقوا على منعه، وما اتفقوا على ~~جوازه، وما اختلفوا فيه، وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب ~~المال بالأوجه الشرعية اللائقة. # وإذا علمت مما ذكرنا أن جميع مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين هما اكتساب ~~المال وصرفه في مصارفه. فاعلم أن كل واحد من هذين الأصلين، لا بد له من ~~أمرين ضروريين له: # الأول منهما: معرفة حكم الله فيه، لأن الله جل وعلا لم يبح اكتساب المال ~~بجميع الطرق التي يكتسب بها المال، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما ~~قال تعالى: # وأحل الله البيع وحرم الربا # [البقرة: 275]، ولم يبح الله جل وعلا، صرف المال في كل شيء بل أباح بعض ~~الصرف وحرم بعضه، كما قال تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة: 261] الآية. وقال تعالى في الصرف الحرام: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة # [الأنفال: 36] الآية، فمعرفة حكم الله في اكتساب المال وفي صرفه في ~~مصارفه أمر ضروري لا بد منه، لأن من لم يعلم ذلك قد يكتسب المال من وجه ~~حرام، والمال المكتسب من وجه حرام، لا خير فيه البتة، وقد يصرف المال في ~~وجه حرام، وصرفه في ذلك حسرة على صاحبه. # الأمر الثاني: هو معرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال، فقد يعلم الإنسان ~~مثلا أن التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعا، ولكنه لا يعلم أوجه ~~التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال، من ذلك الوجه الشرعي، وكم من ~~متصرف يريد الربح، فيعود عليه تصرفه بالخسران، لعدم معرفته بالأوجه التي ~~يحصل بها الربح. وكذلك قد يعلم الإنسان أن الصرف في الشيء الفلاني مباح، ~~وفيه مصلحة، ولكنه لا يهتدي إلى معرفة الصرف المذكور، كما هو مشاهد في ~~المشاريع الكثيرة النفع إن صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة، فإن جواز ~~الصرف فيها معلوم، وإيقاع الصرف على وجه المصلحة، لا يعلمه كل الناس. # وبهذا ms2864 تعلم أن أصول الاقتصاد الكبار أربعة: # الأول: معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال، واجتناب الاكتساب ~~به، إن كان محرما شرعا. # الثاني: حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات ~~والأرض، وما لا يبيحه. # الثالث: معرفة حكم الله في الأوجه التي يصرف فيها المال، واجتناب المحرم ~~منها. # الرابع: حسن النظر في أوجه الصرف، واجتناب ما لا يفيد منها، فكل من بنى ~~اقتصاده على هذه الأسس الأربعة كان اقتصاده كفيلا بمصلحته، وكان مرضيا ~~لله جل وعلا، ومن أخل بواحد من هذه الأسس الأربعة كان بخلاف ذلك، لأن من ~~جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله جل وعلا فلا خير في ماله، ولا بركة ~~كما قال تعالى: # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # [البقرة: 276] وقال تعالى: # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث # [المائدة: 100] الآية. # وقد تكلمنا على مسائل الربا في آية الربا في سورة البقرة وتكلمنا على ~~أنواع الشركات وأسمائها، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز في سورة الكهف ~~في الكلام على قوله تعالى: # فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة # [الكهف: 19] الآية. # ولا شك أنه يلزم المسلمين في أقطار الدنيا التعاون على اقتصاد يجيزه ~~خالق السماوات والأرض، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكون كفيلا ~~بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه الشرعية، وصرفه في مصارفه المنتجة ~~الجائزة شرعا لأن الاقتصاد الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحه الشرع ~~الكريم، لأن الذين نظموا طرقه ليسوا بمسلمين، فمعاملات البنوك والشركات ~~لا تجد شيئا منها يجوز شرعا، لأنها إما مشتملة على زيادات ربوية، أو ~~على غرر، لا تجوز معه المعاملة كأنواع التأمين المتعارفة عند الشركات ~~اليوم في اقطار الدنيا، فإنك لا تكاد تجد شيئا منها سالما من الغرر، ~~وتحريم بيع الغرر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن من ~~يدعي إباحة أنواع التأمين المعروفة عند الشركات، من المعاصرين أنه مخطئ ~~في ذلك، ولأنه لا دليل معه بل الأدلة الصحيحة على خلاف ما يقول، والعلم ms2865 ~~عند الله تعالى. ### || [25.72] # قوله تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما }. # أي إذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كراما مكرمين ~~أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم، وهو كل كلام لا خير فيه كما تقدم. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحه جل وعلا بقوله: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # [القصص: 55]، وقد قدمنا الآيات الدالة على معاملة عباد الرحمن للجاهلين، ~~في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] الآية. ### || [25.73] # قال الزمخشري: لم يخروا عليها ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي ~~للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلما، هو نفي للسلام لا للقاء. # والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها، حرصا على استماعها وأقبلوا ~~على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية مبصرون بعيون ~~راعية. انتهى محل الغرض منه. # ولا يخفى أن لهذه الآية الكريمة دلالتين: دلالة بالمنطوق، ودلالة ~~بالمفهوم، فقد دلت بمنطوقها على أن من صفات عباد الرحمن، أنهم إذا ذكروا ~~بآيات ربهم لم يخروا عليها، لم يكبوا عليها في حال كونهم صما عن سماع ما ~~فيها من الحق، وعميانا عن إبصاره، بل هم يكبون عليها سامعين ما فيها من ~~الحق مبصرين له. # وهذا المعنى دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # [الأنفال: 2] الآية. ومعلوم أن من تليت عليه آيات هذا الفرقان، فزادته ~~إيمانا أنه لم يخر عليها أصم أعمى. وكقوله تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # [التوبة: 124] وقوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد دلت الآية المذكورة أيضا بمفهومها: أن الكفرة المخالفين، لعباد ~~الرحمن الموصوفين في هذه الآيات، إذا ms2866 ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما ~~وعميانا: أي لا يسمعون ما فيها من الحق، ولا يبصرونه، حتى كأنهم لم ~~يسمعوها أصلا. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية بمفهومها جاء موضحا في آيات أخر ~~من كتاب الله كقوله تعالى في سورة لقمان: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم # [لقمان: 7] وقوله تعالى في الجاثية: # ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين # [الجاثية: 79] وقوله تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [البقرة: 124125] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # والظاهر أن معنى خرور الكفار على الآيات، في حال كونهم صماء وعميانا، ~~هو إكبابهم على إنكارها، والتكذيب بها، خلافا لما ذكره الزمخشري في ~~الكشاف، والصم في الآية جمع أصم: والعميان جمع أعمى والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [25.75] # قوله تعالى: { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا }. # الظاهر أن المراد بالغرفة في هذه الآية الكريمة جنسها الصادق بغرف ~~كثيرة، كما يدل عليه قوله تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37] وقوله تعالى: # لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار # [الزمر: 20] الآية. # وقد أوضحنا هذا في أول سورة الحج وفي غيرها. # قوله تعالى: { ويلقون فيها تحية وسلاما } # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10]. ### || [25.76] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # نعم الثواب وحسنت مرتفقا # [الكهف: 31]. ### || [25.77] # العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يقولون: ما عبأت بفلان أي ما باليت به، ~~ولا اكترثت به: أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر يستوجب الاكتراث، ~~والمبالاة به، وأصله من العبء، وهو الثقل ومنه قول أبي زيد يصف أسدا: ms2867 # كان بنحره وبمنكبيه # عبيرا بات يعبؤه عروس # وقوله: يعبؤه: أي يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة، يدور ~~على أربعة أقوال: # واعلم أولا أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله: لولا دعاؤكم، هل هو ~~مضاف إلى فاعله، أو إلى مفعوله، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون ~~بالآية، داعون: لا مدعوون: أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم ~~له. وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية، مدعوون، لا ~~داعون: أي ما يعبؤ بكم، لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده، وعبادته على ألسنة ~~رسله عليهم الصلاة والسلام. # واعلم أيضا أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على ~~كون المصدر فيها مضافا إلى فاعله. والرابع: مبني على كونه مضافا إلى ~~مفعوله. # أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافا إلى فاعله. # فالأول منها أن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له ~~وحده جل وعلا، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ثم أفرد ~~الكافرين دون المؤمنين بقوله: # فقد كذبتم # [الفرقان: 77] الآية. # والثاني منها: أن المعنى: لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد ~~والكروب: أي ولو كنتم ترجعون إلى شرككم، إذا كشف الضر عنكم. # والثالث: أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي: أي ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم ~~معه آلهة أخرى، ولا يخفى بعد هذا القول، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه، ~~ولا حاجة إليه. # أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية، مضاف إلى مفعوله فهو ~~ظاهر، أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله. # وإذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أن كل واحد منها، قد دل عليه قرآن وسنبين ~~هنا إن شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا ~~أنه أرجحها. # أما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله، ~~وأن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ms2868 إياكم إلى الإيمان به، وتوحيده، ~~وعبادته على ألسنة رسله، فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في ~~أول سورة هود: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود: 7] وقوله تعالى في أول سورة الكهف: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7] وقوله في أول سورة الملك: # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا # [الملك: 2]. # فهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض، وجميع ما على ~~الأرض والموت والحياة، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله، ويبتليهم أي أن ~~يختبرهم أيهم أحسن عملا. وهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # وفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله: لولا دعاؤكم: أي دعاؤه إياكم على ~~ألسنة رسله، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملا، وعلى هذا فلا إشكال في قوله: فقد ~~كذبتم: أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم: أي وقد دعاكم فكذبتم، وهذا ~~القول هو وحده الذي لا إشكال فيه. فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه. # وأما القول بأن معنى: لولا دعاؤكم: أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار ~~عند الشدائد، والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] وقوله تعالى: # جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [يونس: 22]. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] الآية، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة، فلا يظهر ~~كونه هو معنى آية الفرقان هذه. # أما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد ~~دل على معناه قوله تعالى: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء: 147] الآية. # والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلا، وهو أن المعنى: لولا ms2869 ~~دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعيطه ~~الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها. # واعلم أن لفظة ما، في قوله: { قل ما يعبؤا بكم ربي } قال ~~بعض أهل العلم: هي استفهامية. وقال بعضهم: هي نافية وكلاهما له وجه من ~~النظر. # واعلم أن قول من قال: لولا دعاؤكم: أي دعاؤكم إياي لأغفر لكم، وأعطيكم ~~ما سألتم راجع إلى القول الأول، لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو ~~معلوم. وقوله: فقد كذبتم: أي بما جاءكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان: 65] أن معنى قوله تعالى: { فسوف يكون لزاما } أي ~~سوفي يكون العذاب ملازما لهم غير مفارق، كما تقدم إيضاحه. # وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه ~~لهم بقوله: { فسوف يكون لزاما } أنه ما وقع من العذاب يوم بدر، ~~لأنهم قتل منهم سبعون وأسر سبعون، والذين قتلوا منهم ما أصابهم عذاب ~~القتل، واتصل به عذاب البرزخ والآخرة فهو ملازم لا يفارقهم بحال، وكون ~~اللزام المذكور في هذه الآية: العذاب الواقع يوم بدر، نقله ابن كثير عن ~~عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، ~~وقتادة، والسدي، وغيرهم ثم قال: وقال الحسن البصري: { فسوف يكون ~~لزاما } أي يوم القيامة، ولا منافاة بينهما. # انتهى من ابن كثير، ونقله صاحب الدر المنثور عن أكثر المذكورين وغيرهم. # وقال جماعة من أهل العلم: إن يوم بدر ذكره الله تعالى في آيات من كتابه، ~~قالوا هو المراد بقوله تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى # [السجدة: 21] أي يوم بدر # دون العذاب الأكبر # [السجدة: 21] أي يوم القيامة، وأنه هو المراد بقوله: { فسوف يكون ~~لزاما } ، وأنه هو المراد بالبطش والانتقام، في قوله تعالى: # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون # [الدخان: 16] وأنه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى: # إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا ms2870 على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # [الأنفال: 41] وهو يوم بدر، وأنه هو الذي فيه النصر في قوله تعالى: # ولقد نصركم الله ببدر # [آل عمران: 123] الآية، وكون المراد بهذه الآيات المذكورة يوم بدر ثبت ~~بعضه في الصحيح، عن ابن مسعود، وهو المراد بقول الشيخ أحمد البدوي ~~الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر: # وقد أتى منوها في الذكر: # لأنه العذاب واللزام # وأنه البطش والانتقام # وأنه الفرقان بين الكفر # والحق والنصر سجيس الدهر # ومعنى سجيس الدهر: أي مدته. # وأظهر الأقوال في الآية عندي، هو القول بأن المصدر فيها مضاف إلى مفعوله ~~لجريانه على اللغة الفصيحة من غير إشكال ولا تقدير، وممن قال به قتادة. ~~والعلم عند الله تعالى. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.3] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله ~~تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وفي آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # ولا تحزن عليهم # [الحجر: 88] وقوله تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97]. ### || [26.7-8] # أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى أن كثرة ما أنبت في الأرض، من كل ~~زوج كريم: أي صنف حسن من أصناف النبات، فيه آية دالة على كمال قدرته. # وقد أوضحنا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك أن إحياء الأرض بعد ~~موتها، وإنبات النبات فيها بعد عدمه من البراهين القاطعة على بعث الناس ~~بعد الموت. # وقد أوضحنا دلالة الآيات القرانية على ذلك في سورة البقرة في الكلام على ~~قوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] إلى قوله: # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22] وفي أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات # [النحل: 1011] الآية. ### || [26.10-11] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على ms2871 قوله تعالى: # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا # [مريم: 52] ### || [26.12-13] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام { إني أخاف أن يكذبون } أي بسبب أني قتلت منهم ~~نفسا، وفررت منهم لما خفت أن يقتلوني بالقتيل الذي قتلته منهم، ويوضح ~~هذا المعنى الترتيب بالفاء في قوله تعالى: # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون # [القصص: 33]، لأن من يخاف القتل فهو يتوقع التكذيب. وقوله: { ولا ~~ينطلق لساني } أي من أجل العقدة المذكورة في قوله تعالى عن موسى: # واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي # [طه: 2728] قدمنا في الكلام على آية طه هذه بعض الآيات الدالة على ما ~~يتعلق بهذا المبحث. # قوله تعالى: { فأرسل إلى هارون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا # [مريم: 53]. ### || [26.14] # لم يبين هنا هذا الذنب الذي لهم عليه الذي يخاف منهم أن يقتلوه بسببه، ~~وقد بين في غير هذا الموضع أن الذنب المذكور هو قتله لصاحبهم القبطي، فقد ~~صرح تعالى بالقتل المذكور في قوله تعالى: # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون # [القصص: 33] فقوله: مفسرا لقوله: { قتلت منهم نفسا } مفسر ~~لقوله: { ولهم علي ذنب } ، ولذا رتب بالفاء على كل واحد منهما: ~~قوله: { فأخاف أن يقتلون } وقد أوضح تعالى قصة قتل موسى له ~~بقوله في القصص # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15] وقوله: { فقضى عليه } أي قتله، وذلك هو الذنب ~~المذكور في آية الشعراء هذه. # وقد بين الله تعالى أنه غفر لنبيه موسى ذلك الذنب المذكور، وذلك في قوله ~~تعالى: # قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له # [القصص: 16] الآية. ### || [26.15] # صيغة الجمع في قوله: { إنا معكم مستمعون } للتعظيم، وما ~~ذكره جل وعلا في هذه الآية من رده على موسى خوفه ms2872 القتل من فرعون وقومه، ~~بحرف الزجر الذي هو كلا، وأمره أن يذهب هو وأخوه بآياته مبينا لهما أن ~~الله معهم: أي وهي معية خاصة بالنصر والتأييد، وأنه مستمع لكل ما يقول ~~لهم فرعون أوضحه أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]. وقوله تعالى: # قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا ~~فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون # [القصص: 35]. ### || [26.16] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم وطه، وبينا في سورة طه في ~~الكلام على قوله تعالى: # فقولا إنا رسولا ربك # [طه: 47] وجه تثنيته الرسول في طه، وإفراده هنا في الشعراء مع شواهده ~~العربية. ### || [26.18] # { قال ألم نربك فينا وليدا } # تربية فرعون لموسى هذه التي ذكرها له هي التي ذكر مبدؤها في قوله تعالى: # وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا ~~يشعرون # [القصص: 9] وقوله تعالى: # وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 39] الآية. ### || [26.19] # قوله تعالى في كلام فرعون لموسى: { وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين }. # أبهم جل وعلا هذه الفعلة التي فعلها لتعبيره عنها بالاسم المبهم الذي هو ~~الموصول في قوله: التي فعلت، وقد أوضحها في آيات أخر، وبين أن الفعلة ~~المذكورة هي قتله نفسا منهم كقوله تعالى: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15]. وقوله تعالى: # قال رب إني قتلت منهم نفسا # [القصص: 33] الآية. وقوله عن الإسرائيلي الذي استغاث بموسى مرتين: # قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما ~~تريد أن تكون من المصلحين # [القصص: 19]. # وأظهر الأقوال عندي في معنى قوله: { وأنت من الكافرين }: أن ~~المراد به كفر النعمة، يعني أنعمنا عليك بتربيتنا إياك صغيرا، وإحساننا ~~إليك تتقلب في نعمتنا فكفرت نعمتنا، وقابلت إحساننا بالإساءة لقتلك نفسا ~~منا، وباقي الأقوال تركناه لأن هذا أظهرها عندنا. # وقال بعض أهل العلم: رد موسى على فرعون امتنانه عليه بالتربية بقوله # وتلك نعمة ms2873 تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 22] يعني تعبيدك لقومي، وإهانتك لهم لا يعتبر معه إحسانك إلا ~~لأني رجل واحد منهم. والعلم عند الله تعالى. ### || [26.20] # أي قال موسى مجيبا لفرعون: فعلتها إذا: أي إذ فعلتها وأنا في ذلك ~~الحين من الضالين: أي قبل أن يوحي الله إلي، ويبعثني رسولا، وهذا هو ~~التحقيق إن شاء الله في معنى الآية. # وقول من قال من أهل العلم: وأنا من الضالين، أي من الجاهلين، راجع إلى ~~ما ذكرنا، لأنه بالنسبة إلى ما علمه الله من الوحي يعتبر قبله جاهلا: أي ~~غير عالم بما أوحى الله إليه. # وقد بينا مرارا في هذا الكتاب المبارك أن لفظ الضلال يطلق في القرآن ~~وفي اللغة العربية ثلاثة إطلاقات. # الإطلاق الأول: يطلق الضلال مرادا به الذهاب عن حقيقة الشيء. فتقول ~~العرب في كل من ذهب عن علم حقيقة شيء ضل عنه، وهذا الضلال ذهاب عن علم ~~شيء ما، وليس من الضلال في الدين. # ومن هذا المعنى قوله هنا: وأنا من الضالين: أي من الذاهبين عن علم حقيقة ~~العلوم، والأسرار التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي، لأني في ذلك الوقت لم ~~يوح إلي ومنه على التحقيق: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] أي ذاهبا عما علمك من العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي. # ومن هذا المعنى قوله تعالى: # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى # [طه: 52] فقوله: { لا يضل ربي } أي لا يذهب عنه علم شيء كائنا ~~ما كان، وقوله تعالى: # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى # [البقرة: 282] فقوله: أن تضل إحداهما: أي تذهب عن علم حقيقة المشهود به ~~بدليل قوله بعده: فتذكر إحداهما الأخرى، وقوله تعالى عن أولاد يعقوب: # إن أبانا لفي ضلال مبين # [يوسف: 8] وقوله: # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95] على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر: # وتظن سلمى أنني أبغي بها # بدلا أراها في الضلال تهيم # والإطلاق الثاني ms2874 وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن هو إطلاق الضلال على ~~الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر، وعن طريق الحق إلى الباطل، وعن طريق ~~الجنة إلى النار ومنه قوله تعالى: # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة: 7]. # والإطلاق الثالث: هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال، تقول العرب: ~~ضل الشيء إذا غاب واضمحل، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه ~~واضمحل، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالا، لأن المدفون تأكله ~~الأرض فيغيب فيها ويضمحل. # ومن هذا المعنى قوله تعالى: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض # [السجدة: 10] الآية يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض، فضلوا فيها: أي ~~غابوا فيها واضمحلوا. # ومن إطلاقهم الإضلال على الدفن، قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحرث ~~بن أبي شمر الغساني: # فإن تحيى لا أملك حياتي وإن تمت # فما في حياة بعد موتك طائل # فآب مضلوه بعين جلية # وغودر بالجولان حزم ونائل # وقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم: # أضلت بنو قيس بن سعد عميدها # وفارسها في الدهر قيس بن عاصم # فقول الذبياني: فآب مضلوه: يعني فرجع دافنوه، وقول السعدي: # أضلت أي دفنت، ومن إطلاق الضلال أيضا على الغيبة والاضمحلال قول ~~الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزيد # قذف الآتي به فضل ضلالا # وقول الآخر: # ألم تسأل فتخبرك الديار # عن الحي المضلل أين ساروا # وزعم بعض أهل العلم: أن للضلال إطلاقا رابعا: قال: ويطلق أيضا على ~~المحبة قال: ومنه قوله: # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95] قال أي في حبك القديم ليوسف، قال ومنه قول الشاعر: # هذا الضلال أشاب مني المفرقا # والعارضين ولم أكن متحققا # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي # بعد الضلال فحبلها قد أخلقا # وزعم أيضا أن منه قوله # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] قال أي محبا للهداية فهداك، ولا يخفى سقوط هذا القول. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [26.21] # قوله تعالى عن نبيه موسى: { ففررت منكم لما خفتكم }. # خوفه منهم هذا الذي ذكر هنا أنه سبب لفراره منهم، قد أوضحه تعالى وبين ~~سببه في قوله: # وجآء ms2875 رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين فخرج منها خآئفا يترقب قال رب ~~نجني من القوم الظالمين # [القصص: 2021] وبين خوفه المذكور بقوله تعالى: # فأصبح في المدينة خآئفا يترقب # [القصص: 18] الآية. # قوله تعالى: { فوهب لي ربي حكما وجعلني من ~~المرسلين }. # قد قدمنا الآيات الموضحة لابتداء رسالته المذكورة هنا في سورة مريم ~~وغيرها. # وقوله: { فوهب لي ربي حكما } قال بعضهم: الحكم هنا هو ~~النبوة، وممن روى عنه ذلك السدي. # والأظهر عندي: أن الحكم هو العلم النافع الذي علمه الله إياه بالوحي ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [26.23] # ظاهر هذه الآية الكريمة: أن فرعون لا يعلم شيئا عن رب العالمين، وكذلك ~~قوله تعالى عنه: # قال فمن ربكما يموسى # [طه: 49] وقوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقوله: # لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين # [الشعراء: 29] ولكن الله جل وعلا بين أن سؤال فرعون في قوله: { وما ~~رب العالمين }. وقوله: { فمن ربكما يموسى } تجاهل ~~عارف أنه عبد مربوب لرب العالمين بقوله تعالى: # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا # [الإسراء: 102] وقوله تعالى في فرعون وقومه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. # وقد أوضحنا هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى: # قال فمن ربكما يموسى # [طه: 49]. ### || [26.30-32] # قوله تعالى: { قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت ~~به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه }. # إلى أخر القصة. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة طه، والأعراف، قوله تعالى: # واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ~~ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين # [الشعراء: 6971] إلى قوله: # إلا رب العالمين # [الشعراء: 77] قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على ~~قوله تعالى: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا # [مريم: 41] الآيات. ### || [26.94-95] # قد قدمنا الآيات ms2876 الموضحة له في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة بني ~~إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا # [الإسراء: 63] وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 4344]. ### || [26.96-98] # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أهل النار يختصمون فيها جاء موضحا في ~~مواضع أخر من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالو النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم # [ص: 5960] إلى قوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]. # وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على ~~قوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار # [الأعراف: 38] وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا # [البقرة: 166] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة # تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب ~~العالمين # [الشعراء: 9798]، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في ~~الكلام على قوله تعالى: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1]. ### || [26.100] # قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # ولا يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48] الآية. وفي وسورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ # [الأعراف: 53] الآية. ### || [26.102] # دلت هذه الآية الكريمة على أمرين: # الأول منهما: أن الكفار يوم القيامة، يتمنون الرد إلى الدنيا، لأن لو في ~~قوله هنا { فلو أن لنا } للتمني، والكرة هنا: الرجعة إلى الدنيا، ~~وأنهم زعموا أنهم إن ردوا إلى الدنيا كانوا من المؤمنين المصدقين للرسل، ~~فيما جاءت به، وهذان الأمران قد قدمنا الآيات الموضحة لكل واحد منهما. # أما تمنيهم الرجوع إلى الدنيا فقد أوضحناه بالآيات القرآنية في سورة ~~الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل # [الأعراف: 53] وأما زعمهم أنهم ردوا إلى ms2877 الدنيا آمنوا، فقد بينا الآيات ~~الموضحة له في الأعراف في الكلام على الآية المذكورة وفي الأنعام في ~~الكلام على قوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. ### || [26.105] # قد قدمنا الكلام عليها في سورة الحج، وفي غيرها، وتكلمنا على قوله تعالى # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # [الشعراء: 109و 127و 164و 180] في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. ~~وبينا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] الآية. ### || [26.111] # قد قدمنا ما يدل عليه من القرآن في سورة هود في الكلام على قوله تعالى ~~عن قوم نوح: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا # [هود: 27]. ### || [26.114] # قد قدمنا ما يدل عليه من القرآن في سورة هود في الكلام على قوله تعالى ~~عن نوح: # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويقوم من ~~ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون # [هود: 2930] الآية. # وأوضحناه بالآيات القرآنية في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52] إلى قوله: # فتطردهم فتكون من الظالمين # [الأنعام: 52] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه # [الكهف: 28]. ### || [26.117-120] # قوله تعالى هنا عن نوح: { قال رب إن قومي كذبون } أوضحه ~~في غير هذا الموضع كقوله: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم ~~لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا # [نوح: 57] وقوله هنا: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي ~~احكم بيني وبينهم حكما، وهذا الحكم الذي سأل ربه إياه هو إهلاك الكفار، ~~وإنجاؤه هو ومن آمن معه، كما أوضحه تعالى في آيات أخر كقوله تعالى: # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10] وقوله تعالى: # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا ms2878 # [نوح: 26] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله هنا عن نوح: { ونجني ومن ~~معي من المؤمنين } قد بين في آيات كثيرة أنه أجاب دعاءه هذا ~~كقوله هنا: { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } ~~، وقوله تعالى: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15] الآية، وقوله تعالى: # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # [الصافات: 7576]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقوله هنا: { ثم أغرقنا بعد الباقين } جاء موضحا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # [العنكبوت: 14] وقوله تعالى: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37] إلى غير ذلك من الآيات، والمشحون المملوء ومنه قول عبيد بن ~~الأبرص: # شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # والفلك: يطلق على الواحد والجمع، فإن أطلق على الواحد جاز تذكيره كقوله ~~هنا: { في الفلك المشحون } وإن جمع أنث، والمراد بالفلك هنا ~~بالسفينة، كما صرح تعالى بذلك في قوله: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15] الآية. ### || [26.176] # قال أكثر أهل العلم: إن أصحاب الأيكة هم مدين. قال ابن كثير: وهو ~~الصحيح، وعليه فتكون هذه الآية بينتها الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين، ~~ومما استدل به أهل هذا القول أنه قال هنا لأصحاب الأيكة # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [الشعراء: 181183] وهذا الكلام ذكر الله عنه أنه قاله لمدين في مواضع ~~متعددة كقوله في هود # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويقوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية ~~الله خير لكم إن كنتم مؤمنين # [هود: 8486] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا في سورة الأعراف قولنا: فإن قيل الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ~~ذكر الله جل وعلا في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في ~~الشعراء أنه عذاب يوم الظلة. # فالجواب ما قاله ابن كثير رحمه ms2879 الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك ~~كله؛ أصابهم عذاب ويوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ~~ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ~~فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام. انتهى، وعلى القول بأن ~~شعيبا أرسل إلى أمتين: مدين وأصحاب الأيكة، وأن مدين ليسوا هم أصحاب ~~الأيكة فلا إشكال. وقد جاء ذلك في حديث ضعيف عن عبد الله بن عمرو، وممن ~~روى عنه هذا القول قتادة وعكرمة، وإسحاق بن بشر. # وقد قدمنا بعض الآيات الموضحة لهذا في سورة الحجر في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم # [الحجر: 7879] وأوضحنا هنالك أن نافعا، وابن عامر، وابن كثير قرأوا ~~ليكة في سورة الشعراء، وسورة (ص) بلام مفتوحة أول الكلمة، وتاء مفتوحة ~~آخرها من غير همز: ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف، وأن الباقين ~~قرأوا: الأيكة بالتعريف، والهمز وكسر التاء وأن الجميع اتفقوا على ذلك في ~~(ق والحجر). وأوضحنا هنالك توجيه القراءتين في الشعراء و (ص) ومعنى ~~الأيكة في اللغة مع بعض الشواهد العربية. ### || [26.184] # الجبلة الخلق ومنه قوله تعالى: # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # [يس: 62] وقد استدل بآية (يس) المذكورة على آية الشعراء هذه ابن زيد ~~نقله عنه ابن كثير، ومن ذلك قول الشاعر: # والموت أعظم حادث # مما يمر على الجبلة ### || [26.192-195] # أكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم تنزيل رب ~~العالمين، وأنه نزل به الروح الأمين الذي هو جبريل على قلب نبينا صلى ~~الله عليهما وسلم، ليكون من المنذرين به، وأنه نزل عليه بلسان عربي مبين، ~~وما ذكره جل وعلا هنا أوضحه في غير هذا الموضع، أما كون هذا القرآن تنزيل ~~رب العالمين فقد أوضحه جل وعلا في آيات من كتابه كقوله تعالى: # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه ~~إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين # [الواقعة: 7780] وقوله تعالى: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن ms2880 قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين # [الحاقة: 4143] وقوله تعالى: # طه مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة ~~لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ~~العلى # [طه: 14] وقوله تعالى: # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الزمر: 1] وقوله: # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا # [فصلت: 13] الآية. وقوله تعالى: # يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على ~~صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ~~مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون # [يس: 16] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقوله: { نزل به الروح ~~الأمين } بينه أيضا في غير هذا الموضع كقوله: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] الآية، وقوله: { لتكون من المنذرين } أي نزل ~~به عليك لأجل أن تكون من المنذرين به، جاء مبينا في آيات أخر كقوله ~~تعالى: # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به # [الأعراف: 12] الآية، أي أنزل إليك لتنذر به، وقوله تعالى: # تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما مآ أنذر ~~آبآؤهم # [يس: 56] الآية وقوله { بلسان عربي مبين } ذكره أيضا في ~~غير هذا الموضع كقوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103] وقوله تعالى: # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا # [فصلت: 3] الآية. # وقد بينا معنى اللسان العربي بشواهده في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى { وهذا لسان عربي مبين } وقد أوضحنا معنى إنزال ~~جبريل القرآن على قلبه صلى الله عليه وسلم بالآيات القرآنية في سورة ~~البقرة في الكلام على قوله تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] الآية. ### || [26.198-199] # قد قدمنا هذه الآية الكريمة، مع ما يوضحها من الآيات في النحل في الكلام ~~على قوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي # [النحل: 103] الآية. # واعلم أن كل صوت غير عربي تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل ومنه قول ~~حميد بن ثور يذكر صوت حمامة: # فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها # ولا عربيا شاقه صوت أعجما ### || [26.200-201] # قوله: سلكناه: أي أدخلناه كما قدمنا ms2881 إيضاحه بالآيات القرآنية والشواهد ~~العربية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين # [هود: 40] الآية، والضمير في سلكناه قيل: للقرآن، وهو الأظهر، وقيل: ~~للتكذيب والكفر المذكور في قوله: # ما كانوا به مؤمنين # [الشعراء: 199]، وهؤلاء الكفار الذين ذكر الله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم: هم الذين حقت عليهم كلمة ~~العذاب، وسبق في علم الله: أنهم أشقياء كما يدل لذلك قوله تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 9697] وقد أوضحنا شدة تعنت هؤلاء، وأنهم لا يؤمنون بالآيات في ~~سورة الفرقان وفي سورة بني إسرائيل وغيرهما. وقوله: { كذلك ~~سلكناه } نعت لمصدر محذوف أي كذلك السلك أي الإدخال. سلكناه: أي ~~أدخلناه في قلوب المجرمين، وإيضاحه على أنه القرآن أن الله أنزله على رجل ~~عربي فصيح بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه لأنه بلغتهم، ودخلت معانيه في ~~قلوبهم، ولكنهم لم يؤمنوا به، لأن كلمة العذاب حقت عليهم، وعلى أن الضمير ~~في سلكناه للكفر والتكذيب فقوله عنهم # ما كانوا به مؤمنين # [الشعراء: 199] يدل على إدخال الكفر والتكذيب في قلوبهم، أي كذلك السلك ~~سلكناه إلخ. ### || [26.203] # لفظة هل هنا يراد بها التمني، والآية تدل على أنهم تمنوا التأخير ~~والإنظار أي الإمهال، وقد دلت آيات أخر على طلبهم ذلك صريحا، وأنهم لم ~~يجابوا إلى ما طلبوا، كقوله تعالى: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44] وأوضح أنهم لا ينظرون في آيات من كتابه كقوله تعالى: # فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون # [الأنبياء: 40] وقوله تعالى: # وما كانوا إذا منظرين # [الحجر: 8] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [26.204] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد: 6] الآية، وذكرنا طرفا منه في سورة (يونس) في الكلام على ms2882 قوله ~~تعالى: # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون # [يونس: 5051]. ### || [26.205-207] # قد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر # [البقرة: 96]. ### || [26.208] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [26.209] # قد قدمنا الآيات الدالة عليه كقوله تعالى: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44] وقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله: ذكرى أعربه بعضهم مرفوعا، ~~على أنه خبر محذوف: أي هذه ذكرى، وأعربه بعضهم منصوبا، وفي إعرابه على ~~أنه منصوب أوجه. # منها: أنه ما ناب عن المطلق من قوله: منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان. # ومنها: أنه مفعول من أجله، أي منذرون من أجل الذكرى بمعنى التذكرة. # ومنها: أنها حال من الضمير في منذرون، أي ينذرونهم في حال كونهم ذوي ~~تذكرة. ### || [26.212] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين وحفظناها # [الحجر: 1617] الآية. ### || [26.213] # قد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22] بالدليل القرآني أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بمثل ~~هذا الخطاب، والمراد التشريع لأمته مع بعض الشواهد العربية، وقوله هنا { ~~فلا تدع مع الله إلها آخر } الآية. جاء معناه في آيات ~~كثيرة كقوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا } وقوله تعالى: # ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا # [الإسراء: 39]، وقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [26.214] # هذا الأمر في هذه الآية الكريمة بإنذاره خصوص ms2883 عشيرته الأقربين، لا ينافي ~~الأمر بالإنذار العام، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية كقوله تعالى: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]، وقوله تعالى: # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]، وقوله تعالى: # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] والآيات بمثل ذلك كثيرة. ### || [26.215] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] وقد وعدنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] بأنا نوضح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة ~~الشعراء في هذا الموضع، وهذا وفاؤنا بذلك الوعد، ويكفينا في الوفاء به أن ~~ننقل كلامنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد ~~والإعجاز. # فقد قلنا فيها ما نصه: والجواب عن قوله تعالى: # واخفض لهما جناح الذل # [الإسراء: 24] أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته، لأن الجناح يطلق لغة ~~حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: # واضمم إليك جناحك من الرهب # [القصص: 32]، والخفض مستعمل في معناه الحقيقي، الذي هو ضد الرفع، لأن ~~مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل، والتواضع بخفض جناحيه، فالأمر بخفض ~~الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما كما قال لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم { واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين } وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين ~~الجانب. أسلوب معروف ومنه قول الشاعر: # وأنت الشهير بخفض الجنا # ح فلا تك في رفعه أجدلا # وأما إضافة الجناح إلى الذل، فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير، لأن ~~الإضافة فيه كالإضافة في قولك: حاتم الجود. # فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة ~~الذل بالكسر، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال: # لا تسقني ماء الملام فإنني # صب قد استعذبت ماء بكائي # جاءه رجل فقال ms2884 له: صب لي في هذا الإناء شيئا من ماء الملام، فقال له: ~~إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئا من ماء اللمام فلا حجة فيه، ~~لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف ~~بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته ~~كحاتم الجود، ونظيره في القرآن الإضافة في قوله: # مطر السوء # [الفرقان: 40] و # عذاب الهون # [الأنعام: 93] أي مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب ~~أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه. والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى ~~الذل مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح ~~كنى به عن ذل الإنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد ~~صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية كإسناد الكذب، والخطيئة ~~إلى الناصية في قوله تعالى: # ناصية كاذبة خاطئة # [العلق: 16]، وكإسناد الخشوع، والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة # [الغاشية: 23]، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وفي كلام العرب. وهذا هو ~~الظاهر في معنى الآية، ويدل عليه كلام السلف من المفسرين. # وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في الصواعق: إن معنى إضافة الجناح إلى ~~الذل أن للذل جناحا معنويا يناسبه لا جناح ريش والله تعالى أعلم. ~~انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح. # والتحقيق: أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته كما ~~أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله ~~تعالى: { لمن اتبعك من المؤمنين } ، فإن قلت: المتبعون ~~للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما قوله: { لمن ~~اتبعك من المؤمنين }؟ # قلت: فيه وجهان؛ أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين، لمشارفتهم ~~ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان: صنف صدق واتبع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وصنف لم يوجد منهم إلا ~~التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق، لا ~~يخفض لهما الجناح. ms2885 # والمعنى:المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، أي أنذر قومك فإن اتبعوك، وأطاعوك ~~فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك ~~بالله وغيره. انتهى منه. # والأظهر عندي في قوله: { لمن اتبعك من المؤمنين } أنه ~~نوع من التوكيد يكثر مثله في القرآن العظيم كقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167] الآية. ومعلوم أنهم إنما يقولون بأفواههم وقوله تعالى: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: 79] ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم، وقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، وقوله تعالى: # حسدا من عند أنفسهم # [البقرة: 109] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [26.217-219] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، وتكون في الآية قرينة، تدل على عدم ~~صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة وفيما مضى من الكتاب. # وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: { وتقلبك في الساجدين } ~~قال فيه بعض أهل العلم المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين: أي ~~المؤمنين بالله كآدم ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل. # واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن ~~إبراهيم # وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون # [الزخرف: 28] وممن روى عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي، وفي ~~الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول وهي قوله تعالى قبله مقترنا به { ~~الذي يراك حين تقوم } فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب ~~الآباء إجماعا، وأول الآية مرتبطة بآخرها: أي الذي يراك حين تقوم إلى ~~صلاتك، وحين تقوم من فراشك، ومجلسك { وتقلبك في الساجدين } ~~أي المصلين، على أظهر الأقوال، لأنه صلى الله عليه وسلم، يتقلب في ~~المصلين قائما، وساجداص وراكعا، وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم أي إلى ~~الصلاة وحدك وتقلبك في الساجدين: أي المصلين إذا صليت بالناس. # وقوله هنا: { الذي يراك حين تقوم } الآية. يدل على الاعتناء ~~به صلى الله عليه وسلم، ويوضح ذلك قوله تعالى: # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا تقوم # [الطور: 48] الآية. # وقوله: وتوكل قرأه عامة السبعة غير ms2886 نافع وابن عامر: وتوكل بالواو، وقرأه ~~نافع وابن عامر فتوكل بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو ~~وبعضها فيها الفاء، وقوله هنا: { وتوكل على العزيز الرحيم ~~} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]، وبسطنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع بيان التوكل في سورة ~~بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا # [الإسراء: 2]. ### || [26.224] # الشعراء: جمع شاعر كجاهل وجهلاء، وعالم وعلماء، والغاوون: جمع غاو وهو ~~الضال، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يتبعهم الغاوون } ~~يدل على أن اتباع الشعراء من أتباع الشيطان بدليل قوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # [الحجر: 42] وقرأ هذا الحرف نافع وحده: يتبعهم بسكون التاء المثناة، ~~وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون يتبعهم بتشديد المثناة، وكسر الموحدة ~~ومعناهما واحد. # وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: { والشعرآء ~~يتبعهم الغاوون } يدل على تكذيب الكفار في دعواهم، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم شاعر، لأن الذين يتبعهم الغاوون لا يمكن أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم منهم. # ويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبينا أنهم ادعوا عليه صلى الله ~~عليه وسلم أنه شاعر وتكذيب الله لهم في ذلك، أما دعواهم أنه صلى الله ~~عليه وسلم شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر # [الأنبياء: 5] الآية، وقوله تعالى: # ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون # [الصافات: 36] وقوله تعالى: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون # [الحاقة: 41] الآية، وقوله تعالى: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين # [يس: 69]، وقوله تعالى: # ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ~~بل جآء بالحق وصدق المرسلين # [الصافات: 3637]، لأن قوله تعالى: { بل جآء بالحق } الآية. ~~تكذيب ms2887 لهم في قولهم إنه: { لشاعر مجنون }. # مسألتان تتعلقان بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: # " لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " # رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله في ~~الحديث، يريه بفتح المثناة التحتية وكسر الراء بعدها ياء، مضارع ورى ~~القيح جوفه، يريه، وريا إذا أكله وأفسده، والأظهر أن أصل وراه أصاب رئته ~~بالإفساد. # واعلم أن التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلام حسنه حسن، ~~وقبيحه قبيح. # ومن الأدلة القرآنية على ذلك أنه تعالى لما ذم الشعراء بقوله: # والشعرآء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء: 224226] استثنى من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا # [الشعراء: 227] الآية. # وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرح بأن امتلاء الجوف ~~من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على ~~الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر ~~القبيح المتضمن للكذب، والباطل كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيات ونحو ~~ذلك. # المسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في الشاعر إذا اعترف في شعره ~~بما يستوجب حدا، هل يقام عليه الحد؟ على قولين: # أحدهما: أنه يقام عليه لأنه أقر به والإقرار تثبت به الحدود. # والثاني: أنه لا يحد بإقراره في الشعر لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف ~~معتاد واقع لا نزاع فيه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي: أن الشاعر إذا أقر ~~في شعره بما يستوجب الحد، لا يقام عليه الحد، لأن الله جل وعلا صرح هنا ~~بكذبهم في شعرهم في قوله: # وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء: 226] فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد، ولكن الأظهر أنه إن ~~أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد به، كما ذكره ~~جماعة ms2888 من أهل الأخبار في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشهورة مع ~~النعمان بن عدي بن نضلة. # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة وقد ذكر محمد بن ~~إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة: أن ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل النعمان بن عدي بن نضلة ~~على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر فقال: # ألا هل أتى الحسناء أن حليلها # بميسان يسقى في زجاج وحنتم # إذا شئت غنتني دهاقين قرية # ورقاصة تجذو على كل منسم # فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني # ولا تسقني بالأصغر المتثلم # لعل أمير المؤمنين يسوءه # تنادمنا بالجوسق المتهدم # فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قا ل: إي والله إنه ليسوءني ~~ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن ~~الرحيم # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا ~~إله إلا هو إليه المصير # [غافر: 13] أما بعد: فقد بلغني قولك: # لعل أمير المؤمنين يسوءه # تنادمنا بالجوسق المتهدم # وأيم الله إنه ليسوءني، وقد عزلتك، فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، ~~فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذلك الشعر إلا شيء طفح ~~على لساني، فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا، وقد ~~قلت ما قلت فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره لأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به. انتهى محل الغرض، من ~~كلام ابن كثير وهذه القصة يستأنس بها لما ذكرنا. # وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن سليمان بن عبد الملك لما سمع قول ~~الفرزدق: # فبتن بجانبي مصرعات # وبت أفض أغلاق الختام # قال له: قد وجب عليك الحد، فقال الفرزدق: يا أمير المؤمنين قد درأ الله ~~عني الحد بقوله: # وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء: 226] فلم يحده مع إقراره بموجب الحد. ### || [26.226] # هذا ms2889 الذي ذكره هنا عن الشعراء من أنهم يقولون ما لا يفعلون، بين في آية ~~أخرى أنه من أسباب المقت عنده جل وعلا، وذلك في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 23]، والمقت في لغة العرب: البغض الشديد فقول الإنسان ما لا ~~يفعل كما ذكر عن الشعراء يبغضه الله، وإن كان قوله ما لا يفعل فيه تفاوت، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [26.227] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله ~~تعالى: # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا # [الكهف: 2] الآية. مع شواهده العربية. # وقوله تعالى: { وذكروا الله كثيرا }. # أثنى الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ~~بذكرهم الله كثيرا، وهذا الذي أثنى عليهم به هنا من كثرة ذكر الله، أمر ~~به في آيات أخر وبين جزاءه قال تعالى: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 10]، وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ~~وسبحوه بكرة وأصيلا # [الأحزاب: 4142] وقال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # [آل عمران: 190191] الآية. وقال تعالى: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما # [الأحزاب: 35]. # قوله تعالى: { وانتصروا من بعد ما ظلموا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له كقوله تعالى: # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس # [الشورى: 4142] وفي آخر سورة النحل على قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. # قوله تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون }. # المنقلب هنا المرجع والمصير. والأظهر أنه هنا مصدر ميمي، وقد تقرر في فن ~~الصرف أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف كان كل من مصدره الميمي، واسم ~~مكانه واسم زمانه على صيغة اسم المفعول. # والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا أي مرجع يرجعون. وأي مصير يصيرون، وما دلت ms2890 ~~عليه هذه الآية الكريمة، من أن الظالمين سيعلمون يوم القيامة المرجع الذي ~~يرجعون: أي يعلمون العاقبة السيئة التي هي مآلهم، ومصيرهم ومرجعهم، جاء ~~في آيات كثيرة كقوله تعالى: # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين # [التكاثر: 37]، وقوله تعالى: # وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا # [الفرقان: 42]، وقوله تعالى: # وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار # [الرعد: 42] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، وقوله: { أي منقلب } ~~ما ناب عن المطلق من قوله: { ينقلبون } وليس مفعولا به لقوله: { ~~وسيعلم } ، قال القرطبي رحمه الله: وأي منصوب بينقلبون، وهو بمعنى ~~المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم لأن أيا أسماء الاستفهام لا ~~يعمل فيها ما قبلها فيما ذكره النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك ~~أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله، لدخل بعض ~~المعاني في بعض: انتهى منه. والعلم عند الله تعالى. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.2] # تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة البقرة في الكلام على قوله ~~تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]. ### || [27.7] # قوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا } # إلى آخر القصة تقدم إيضاحه في مريم وطه والأعراف. ### || [27.16] # قوله تعالى: { وورث سليمان داوود }. # قد قدمنا أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال في سورة مريم في الكلام على ~~قوله تعالى: # فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب # [مريم: 5-6] الآية، وبينا هناك الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال. ### || [27.25] # تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة هود في الكلام على قوله ~~تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # [هود: 5] وقوله: { ألا يسجدوا لله }. الآية كقوله تعالى: # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37] وقوله تعالى: # فاسجدوا لله واعبدوا # [النجم: 62] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { الذي ms2891 يخرج ~~الخبء } وقال بعض أهل العلم: الخبأ في السموات: المطر، والخبأ في ~~الأرض: النبات، والمعادن، والكنوز، وهذا المعنى ملائم لقوله: { يخرج ~~الخبء } وقال بعض أهل العلم: الخبأ: السر والغيب أي يعلم ما غاب في ~~السموات، والأرض، كما يدل عليه قوله بعده { ويعلم ما تخفون ~~وما تعلنون } وكقوله في هذه السورة الكريمة: # وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا في كتاب ~~مبين # [النمل: 75] وقوله # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61] كما أوضحناه في سورة هود، وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة ~~غير الكسائي: ألا يسجدوا لله بتشديد اللام في لفظه ألا، ولا خلاف على هذه ~~القراءة أن يسجدوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظه لا، فالفعل ~~المضارع على هذه القراءة، وأن المصدرية المدغمة في لا ينسبك منهما مصدر ~~في محل نصب على الأظهر، وقيل في محل جر وفي إعرابه أوجه. # الأول: أنه منصوب على أنه مفعول من أجله: أي وزين لهم الشيطان أعمالهم، ~~من أجل ألا يسجدوا لله: أي من أجل عدم سجودهم لله، أو فصدهم عن السبيل، ~~لأجل ألا يسجدوا لله، وبالأول قال الأخفش، وبالثاني قال الكسائي، وقال ~~اليزيدي وغيره: هو منصوب على أنه بدل من أعمالهم: أي وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم، ألا يسجدوا أي عدم سجودهم، وعلى هذا فأعمالهم هي عدم سجودهم ~~لله، وهذا الإعراب يدل على أن الترك عمل كما أوضحناه في سورة الفرقان في ~~الكلام على قوله تعالى: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30] وقال بعضهم: إن المصدر المذكور في محل خفض على أنه بدل من ~~السبيل. أو على أن العامل فيه فهم لا يهتدون، وعلى هذين الوجهين فلفظة لا ~~صلة، فعلى الأول منهما. فالمعنى: فصدهم عن السبيل سجودهم لله، وعلى هذا ~~فسبيل الحق الذي صدوا عنه، هو السجود لله، ولا زائدة للتوكيد، وعلى ~~الثاني فالمعنى: فهم لا يهتدون لأن يسجدوا لله أي للسجود له، ms2892 ولا زائدة ~~أيضا للتوكيد، ومعلوم في علم العربية أن المصدر المنسبك من فعل، وموصول ~~حرفي إن كان الفعل منفيا ذكرت لفظة عدم قبل المصدر، ليؤدي بها معنى ~~النفي الداخل على الفعل، فقولك مثلا: عجبت من أن لا تقوم. # إذا سبكت مصدره لزم أن تقول: عجبت من عدم قيامك، وإذا كان الفعل مثبتا ~~لم تذكر مع المصدر لفظة عدم، فلو قلت عجبت من أن تقوم، فإنك تقوم في سبك ~~مصدره: عجبت من قيامك كما لا يخفى، وعليه فالمصدر المنسبك من قوله { ~~ألا يسجدوا } يلزم أن يقال فيه عدم السجود إلا إذا اعتبرت لفظة لا ~~زائدة، وقد أشرنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12] إلى أنا أوضحنا الكلام على زيادة لا لتوكيد الكلام في ~~كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في أول سورة البلد في ~~الكلام، على قوله تعالى: # لا أقسم بهذا البلد # [البلد: 1] وسنذكر طرفا من كلامنا فيه هنا. # فقد قلنا فيه: الأول وعليه الجمهور. أن لا هنا صلة على عادة العرب فإنها ~~ربما لفظت بلفظة لا، من غير قصد معناها الأصلي بل لمجرد تقوية الكلام، ~~وتوكيده كقوله تعالى: # ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن # [طه: 92] يعني أن تتبعني، وقوله تعالى: # ما منعك أن تسجد # [ص: 75] أي أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله تعالى في سورة ص # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75] وقوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] وقوله تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون # [النساء: 65] الآية أي فوربك، وقوله تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة # [فصلت: 34] أي والسيئة، وقوله تعالى: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] على أحد القولين، وقوله تعالى: # وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون # [الأنعام: 109] على أحد القولين، وقوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا # [الأنعام: 151] الآية. على أحد الأقوال الماضية، وكقول أبي النجم: # فما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الشمط القفندرا ms2893 # يعني أن تسخر، وقول الآخر: # وتلحينني في اللهو ألا أحبه # وللهو داع دائب غير سافل # يعني أن أحبهن ولا زائدة، وقول الآخر: # أبي جوده لا البخل واستعجلت به # نعم من فتى لا يمفع الجود قاتله # يعني أبا جوده البخل، ولا زائدة على خلاف في زيادتها في هذا البيت ~~الأخير، ولا سيما على رواية البخل بالجر، لأن لا عليها مضاف بمعنى لفظة ~~لا، فليست زائدة على رواية الجر وقول امرئ القيس: # فلا وأبيك أنبت العامري # لا يدعي القوم أني أفر # يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول ~~الشاعر: # ما كان يرضى رسول الله دينهم # والأطيبان أبو بكر ولا عمر # يعني وعمر ولا صلة، وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: # في بئر لا حور سرى وما شعر # بإفكه حتى رأى الصبح جشر # والحور الهلكة يعني في بئر هلكة ولا صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد ~~الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي: # أفعنك لا برق كان وميضه # غاب تسنمه ضرام مثقب # ويروى أفمنك وتشيمه بدل أفعنك وتسنمه، يعني أفعنك برق، ولا صلة، ومن ~~شواهد زيادتها قول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد صميم القلب لا يتقطع # يعني كاد يتقطع، وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ: # أعائش ما لقومك لا أراهم # يضيعون الهجان مع المضيع # فغلط منه، لأن لا في بيت الشماخ هذا نافية لا زائدة، ومقصوده أنها تنهاه ~~عن حفظ ماله، مع أن أهلها يحفظون مالهم، أي لا أرى قومك يضيعون مالهم ~~وأنت تعاتبينني في حفظ مالي، وما ذكره الفراء من أن لفظة لا لا تكون صلة ~~إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبي لا يصح على الإطلاق، بدليل ~~بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية، على القول بأن لا ~~فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي، وما ذكره الزمخشري من زيادة لا في أول ~~الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. انتهى محل الغرض من كتابنا: [دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب]. # وقرأ هذا الحرف الكسائي ms2894 وحده من السبعة: ألا يسجدوا بتخفيف اللام من ~~قوله ألا، وعلى قراءة الكسائي هذه، فلفظة ألا حرف استفتاح، وتنبيه ويا ~~حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، واسجدوا فعل أمر ~~ومعلوم في علم القراءات، أنك إذا قيل لك: قف على كل كلمة بانفرادها في ~~قراءة الكسائي أنك تقف في قوله: ألا يسجدوا ثلاث وقفات الأولى: أن تقف ~~على ألا. والثانية: أن تقف على يا، والثالثة: أن تقف على اسجدوا، وهذا ~~الوقف وقف اختبار لا وقف اختيار وأما على قراءة الجمهور، فإنك تقف وقفتين ~~فقط. الأولى: على ألا، ولا تقف على أن لأنها مدغمة في لا، والثانية: أنك ~~تقف على يسجدوا. # واعلم أنه على قراءة الكسائي قد حذف في الخط ألفان، الأولى: الألف ~~المتصلة بياء النداء، والثانية: ألف الوصل في قوله: اسجدوا، ووجه بعض أهل ~~العلم إسقاطهما في الخط، بأنهما لما سقطتا في اللفظ، سقطتا في الكتابة ~~قالوا ومثل ذلك في القرآن كثير. # واعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ألا ~~للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل ~~أمر قالوا، وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول ~~الأخطل: # ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر # وإن كان حيانا عدى آخر الدهر # وقول ذي الرمة: # ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا # ولا زال منهلا بجر عائك القطر # فقوله في البيتين ألا اسلمي: أي يا هذه اسلمي، وقول الآخر: # ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد # وقول الشماخ: # ألا يا صحبي أصبحاني قبل غارة سنجالي # وقبل منايا قد حضرن وآجالي # يعني ألا يا صحبي أصبحاني، ونظيره قول الآخر: # ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر # ومنه قول الآخر: # فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة # فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي # يعني ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته قول ~~الشاعر: # يا لعنة الله والأقوام كلهم # والصالحين على سمعان من جار # بضم ms2895 التاء من قوله: لعنة الله، ثم قال فيالغير اللعنة يعني أن المراد: ~~يا قوم لعنة الله إلى آخره، وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر ~~أداته مستشهدا لقراءة الكسائي المذكورة قول الشاعر: # يا قاتل صبيانا تجيء بهم # أم الهنينين من زند لها واري # ثم قال كأنه أراد قوم قاتل الله صبيانا، وقول الآخر: # يا من رأى بارقا أكفكفه # بين ذراعي وجبهة الأسد # ثم قال كأنه دعا يا قوم يا إخواتي، فلما أقبلوا عليه قال من رأى، وأنشد ~~بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته قول عنترة في معلقته: # يا شاة ما قنص لمن حلت له # حرمت على وليتها لم تحرم # قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص. # واعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع ~~الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا ويا: حرف ~~تنبيه كرر للتوكيد، وممن روى عنه هذا القول أبو الحسن بن عصفور، وهذا ~~القول اختاره أبو حيان في البحر المحيط، قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل ~~هذا التركيب الوارد عن العرب، ليست: يا فيه للنداء، وحذف المنادى، لأن ~~المنادى عندي لا يجوز حذفه، لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف ~~فاعله لحذفه، ولو حذف المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلقة، ~~وهو المنادى، فكان ذلك إخلالا كبيرا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه ~~كان ذلك دليلا على العامل فيه جملة النداء وليس حرف النداء حرف جواب ~~كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهن لدلالة ما سبق من السؤال، ~~على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي ~~للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التوكيد، وإذا كان ~~قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله: ~~فأصبحن لا يسألنني عن بما يه: والمتفقي اللفظ العاملين في قوله: # ولا للما بهم أبدا دواء # وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة أو قليلا فاجتماع غير العالمين، وهما مختلفا ms2896 ~~اللفظ يكون جائزا، وليس يا في قوله: # يا لعنة الله والأقوام كلهم # حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه ~~المنادى لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه ~~من النظر. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما له وجه من النظر عندي في قراءة، ~~الكسائي، أن يكون قوله: يا اسجدوا فعل مضارع حذفت منه نون الرفع، بلا ~~ناصب، ولا جازم، ولا نون توكيد، ولا نون وقاية. # وقد قال بعض أهل العلم: إن حذفها لا لموجب مما ذكر لغة صحيحة. # قال النووي في شرح مسلم في الجزء السابع عشر في صفحة 207 ما نصه: قوله: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا. كذا ~~هو في عامة النسخ، كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا من غير نون وهي لغة صحيحة، ~~وإن كانت قليلة الاستعمال، وسبق بيانها مرات. ومنها الحديث السابق في ~~كتاب الإيمان # " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا " # انتهى منه، وعلى أن حذف نون الرفع لغة صحيحة. فلا مانع من أن يكون قوله ~~تعالى: { يسجدوا } في قراءة الكسائي فعل مضارع، ولا شك أن هذا له وجه ~~من النظر، وقد اقتصرنا في سورة الحجر على أن حذفها مقصور على السماع، ~~وذكرنا بعض شواهده. والعلم عند الله تعالى. # تنبيهان # الأول: اعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه محل سجدة على كلتا القراءتين، ~~لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك ~~السجود، وتوبيخه. وبه تعلم أن قول الزجاج، ومن وافقه أنها ليست محل سجدة ~~على قراءة الجمهور، وإنما هي محل سجود على قراء الكسائي، خلاف التحقيق ~~وقد نبه على هذا الزمخشري وغيره. # التنبيه الثاني: اعلم أنه على قراءة الجمهور، لا يحسن الوقف على قوله: # لا يهتدون # [النمل: 24] وعلى قراءة الكسائي، يحسن الوقف عليه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ويعلم ما تخفون وما ~~تعلنون } قرأه حفص والكسائي بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأه ~~الباقون: يخفون، ويعلنون بالتحتية على ms2897 الغيبة، والعلم عند الله تعالى. ### || [27.40] # قوله تعالى: { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } # جاء معناه موضحا في آيات متعددة، كقوله تعالى: # من عمل صالحا فلنفسه # [فصلت: 46] و [الجاثية: 45] وقوله تعالى: # ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون # [الروم: 44] وقوله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم # [الإسراء: 7] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { ومن كفر فإن ربي غني كريم }. # جاء معناه موضحا أيضا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8] وقوله تعالى: # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # [التغابن: 6] وقوله تعالى: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # [فاطر: 15] وقوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [27.45] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أرسل نبيه صالحا إلى ثمود، فإذا ~~هم فريقان يختصمون، ولم يبين هنا خصومة الفريقين، ولكنه بين ذلك في سورة ~~الأعراف في قوله تعالى: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون # [الأعراف: 7576] فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة، الخصومة في الكفر ~~والإيمان. ### || [27.46] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت ~~من قبلهم المثلات # [الرعد: 6]. ### || [27.47] # قوله: اطيرنا بك: أي تشاءمنا بك، وكان قوم صالح إذا نزل بهم قحط أو بلاء ~~أو مصائب قالوا: ما جاءنا هذا إلا من شؤم صالح، ومن آمن به. والتطير: ~~التشاؤم، وأصل اشتقاقه من التشاؤم بزجر الطير. # وقد بينا كيفية التشاؤم والتيامن بالطير في سورة الأنعام في الكلام على ~~قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] وقوله تعالى: { قال طائركم عند الله } قال ~~بعض أهل العلم: أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، فالشر الذي ms2898 ~~أصابكم بذنوبكم لا بشؤم صالح، ومن آمن به من قومه. # وقد قدمنا معنى طائر الإنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تشاؤم الكفار بصالح، ~~ومن معه من المؤمنين جاء مثله موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله ~~تعالى في تشاؤم فرعون وقومه بموسى: # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا ~~إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون # [الأعراف: 131] وقوله تعالى في تطير كفار قريش، بنبينا صلى الله عليه ~~وسلم # وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل ~~من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا # [النساء: 78] والحسنة في الآيتين النعمة كالرزق والخصب، والعافية. ~~والسيئة المصيبة بالجدب والقحط، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وكقوله ~~تعالى: # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا ~~طائركم معكم # [يس: 1819] أي بليتكم جاءتكم من ذنوبكم، وكفركم. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بل أنتم قوم تفتنون } ~~، قال بعض العلماء تختبرون وقال بعضهم: تعذبون كقوله # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] وقد قدمنا إن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار ~~ليختبر بالسبك أزائف هو أم خالص؟ وأنها أطلقت في القرآن على أربعة معان: # الأول: إطلاقها على الإحراق بالنار كقوله تعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] وقوله تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10] اي حرقوهم بنار الاخدود على أحد التفسيرين. وقد اختاره بعض ~~المحققين. # المعنى الثاني: إطلاق الفتنة على الاختبار، وهذا هو أكثرها استعمالا ~~كقوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] وقوله تعالى: # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا لنفتنهم فيه # [الجن: 1617]. والآيات بمثل ذلك كثيرة. # الثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، ومن هنا ~~أطلقت الفتنة على الكفر والضلال كقوله تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [الأنفال: ms2899 39] أي حتى لا يبقى شرك، وهذا التفسير الصحيح، دل عليه الكتاب ~~والسنة. # أما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة # ويكون الدين لله # [البقرة: 193] وفي الأنفال # ويكون الدين كله لله # [الأنفال: 39] فإنه يوضح أن معنى: لا تكون فتنة، أي لا يبقى شرك، لأن ~~الدين لا يكون كله لله، ما دام في الأرض شرك كما ترى. # وأما السنة ففي قوله صلى الله عليه وسلم # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله " # فقد جعل صلى الله عليه وسلم الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس، هي ~~شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~واضح في أن معنى: لا تكون فتنة: لا يبقى شرك، فالآية والحديث كلاهما دال ~~على أن الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في الأرض شرك، ~~إلا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله: { حتى لا تكون ~~فتنة } وقد عبر صلى الله عليه وسلم بقوله: # " حتى يشهدوا ألا إله إلا الله " # فالغاية في الآية والحديث واحدة في المعنى. كما ترى. # الرابع: هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] أي لم تكن حجتهم، كما قاله غير واحد. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [27.49] # قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحا عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام نفعه الله بنصرة وليه: أي أوليائه لأنه مضاف إلى معرفة، ~~ووجه نصرتهم له، أن التسعة المذكورين في قوله تعالى: # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك ~~أهله وإنا لصادقون # [النمل: 4849] أي تخالفوا بالله، لنبيتنه: أي لنباغتنه بياتا: أي ~~ليلا فنقتله ونقتل أهله معه { ثم لنقولن لوليه } أي ~~أوليائه وعصبته { ما شهدنا مهلك أهله } أي ولا مهلكه هو، ~~وهذا يدل على أنهم لا يقدرون أن يقتلوه علنا، لنصرة أوليائه له، ~~وإنكارهم ms2900 شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه. والظاهر أن هذه ~~النصرة عصبية نسبية لا تمت إلى الذين بصلة، وأن أولياءه ليسوا مسلمين. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة هود في الكلام على قوله ~~تعالى: # قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت ~~علينا بعزيز # [هود: 91] الآية. وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وقوله تعالى في هذه الآية: تقاسموا التحقيق أنه فعل أمر ~~محكي بالقول. وأجاز الزمخشري، وابن عطية أن يكون ماضيا في موضع الحال، ~~والأول هو الصواب إن شاء الله، ونسبه أبو حيان للجمهور، وقوله في هذه ~~الآية: وإنا لصادقون، التحقيق فيه أنهم كاذبون في قولهم: وإنا لصادقون ~~كما لا يخفى، وبه تعلم أن ما تكلفه الزمخشري في الكشاف من كونهم صادقين ~~لا وجه له كما نبه عليه أبو حيان، وأوضحه وقرأ عامة السبعة غير حمزة ~~والكسائي لنبيتنه بالنون المضمومة بعد اللام، وفتح الفوقية المثناة التي ~~بعد التحتية المثناة، وقرأ حمزة والكسائي: لتبيتنه بالتاء الفوقية ~~المضمومة بعد اللام، وضم التاء الفوقية التي بعد الياء التحتية، وقرأ ~~عامة السبعة أيضا غير حمزة والكسائي: ثم لنقولن بالنون المفتوحة، موضع ~~التاء، وفتح اللام الثانية، وقرأ حمزة والكسائي ثم لتقولن بفتح التاء ~~الفوقية بعد اللام الأولى، وضم اللام الثانية، وقرأ عاصم: مهلك أهله بفتح ~~الميم، والباقون بضمها، وقرأ حفص عن عاصم: مهلك بكسر اللام والباقون ~~بفتحها. # فتحصل أن حفصا عن عاصم قرأ مهلك بفتح الميم وكسر اللام، وأن أبا بكر ~~أعني شعبة قرأ عن عاصم: مهلك بفتح الميم واللام، وأن غير عاصم قرأ مهلك ~~أهله بضم الميم وفتح اللام، فعلى قراءة من قرأ مهلك بفتح الميم، فهو مصدر ~~ميمي من هلك الثلاثي، ويحتمل أن يكون اسم زمان أو مكان. وعلى قراءة من ~~قرأ مهلك بضم الميم، فهو مصدر ميمي من أهلك الرباعي، ويحتمل أن يكون ~~أيضا اسم مكان أو زمان. ### || [27.51-53] # ذكر ms2901 جل وعلا في هذه الآيات الكريمة ثلاثة أمور: # الأول: أنه دمر جميع قوم صالح، ومن جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون، وذلك في قوله: { أنا دمرناهم وقومهم ~~أجمعين } أي وهم قوم صالح ثمود { فتلك بيوتهم خاوية } ~~أي خالية من السكان لهلاك جميع أهلها { بما ظلموا } أي بسبب ظلمهم ~~الذي هو كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي جعلها آية لهم. وقال بعضهم: ~~خاوية أي ساقطا أعلاها على أسفلها. # الثاني: أنه جل وعلا جعل إهلاكه قوم صالح آية: أي عبرة يتعظ بها من ~~بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به من نزل بهم من ~~التدمير. وذلك في قوله: { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ~~}. # الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، ~~وهم نبي الله صالح ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: { ~~وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } وهذه الأمور ~~الثلاثة التي ذكرها جل وعلا هنا جاءت موضحة في آيات أخر. # أما إنجاؤه نبيه صالحا، ومن آمن به وإهلاكه ثمود، فقد أوضحه جل وعلا في ~~مواضع من كتابه كقوله في سورة هود # فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ~~ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # [هود: 6668] وآية هود هذه قد بينت أيضا التدمير المجمل في آية النمل ~~هذه، فالتدمير المذكور في قوله تعالى: { أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين } بينت آية هود أنه الإهلاك بالصيحة، في قوله ~~تعالى: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين # [هود: 67] أي وهم موتى، وأما كونه جعل إهلاكه إياهم آية، فقد أوضحه ~~أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى فيهم: # فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم # [الشعراء: 157159] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة # أنا دمرناهم وقومهم أجمعين # [النمل: 51] قرأه نافع وابن ms2902 كثير وأبو عمرو. وابن عامر: إنا دمرناهم ~~بكسر همزة، إنا على الاستئناف، وقرأه الكوفيون وهم: عاصم وحمزة والكسائي: ~~أنا دمرناهم بفتح همزة أنا وفي إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها على ~~قراءة الكوفيين أوجه: منها: أنه بدل من عاقبة مكرهم، ومنها: أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، وتقديره هي: أي عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم. # وهذان الوجهان، هما أقرب الأوجه عندي للصواب، ولذا تركنا غيرهما من ~~الأوجه، والضمير في قوله: مكرهم وفي قوله: دمرناهم راجع إلى التسعة ~~المذكورين، في قوله تعالى: # وكان في المدينة تسعة رهط # [النمل: 48] الآية. وقوله: { خاوية } حال من بيوتهم، والعامل فيه ~~الإشارة الكامنة في معنى تلك. ### || [27.54-58] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ~~وأنتم تبصرون } إلى قوله تعالى: { فسآء مطر المنذرين ~~}. # قد قدمنا الآيات التي فيها إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود في الكلام ~~على قصة لوط وقومه، وبينا هناك كلام أهل العلم ومناقشة أدلتهم في عقوبة ~~فاعل فاحشة اللواط، ذكرنا الآيات المبينة لها أيضا في سورة الحجر في ~~الكلام على قصة لوط وقومه، وذكرنا بعض ذلك في سورة الفرقان. ### || [27.60-61] # قوله تعالى: { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل ~~لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات ~~بهجة }. # وقوله تعالى: { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ ~~أنهارا } الآيات. # قد أوضحنا ما تصمنته من البراهين على البعث في أول سورة البقرة، وأول ~~سورة النحل. ### || [27.65] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] الآية، وفي مواضع أخر. ### || [27.66] # أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى: بل ادراك ~~علمهم: أي تكامل علمهم في الآخرة، حين يعاينونها أي يعلمون في الآخرة ~~علما كاملا، ما كانوا يجهلونه في الدنيا، وقوله: { بل ادارك ~~علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون } أي في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار ~~الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل، يعلمونه في ms2903 الآخرة علما كاملا ~~لا يخالجه شك، عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء. # وإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية لأن القرآن ~~دل عليه دلالة واضحة في آيات متعددة كقوله تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون ~~اليوم في ضلال مبين # [مريم: 38] فقوله: أسمع بهم، وأبصر يوم يأتوننا بمعنى ما أسمعهم وما ~~أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا: أي يوم القيامة، وهذا يوضح ~~معنى قوله: { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي تكامل علمهم ~~فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإبصاره في ذلك الوقت. وقوله: # لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين # [مريم: 38] يوضح معنى قوله: { بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون } لأن ضلالهم المبين اليوم: أي في دار الدنيا، هو شكهم ~~في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22] أي علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل ~~حديد: أي قوي كامل. # وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة ~~الشورى، في الجواب عما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: # ينظرون من طرف خفي # [الشورى: 45]، وقوله تعالى: # فبصرك اليوم حديد # [ق: 22] أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: كمال العلم وقوة المعرفة. ~~وقوله تعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12] فقوله: إنا موقنون: أي يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: { ~~بل ادارك علمهم في الآخرة } وكقوله تعالى: # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل ~~لكم موعدا # [الكهف: 48] فعرضهم على ربهم صفا يتدارك به علمهم، لما كانوا ينكرونه. ~~وقوله: # بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا # [الكهف: 48] صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء، ~~كما ترى إلى غير ذلك من الآيات. # واعلم أن قوله: بل ادارك فيه اثنتا عشرة قراءة اثنتان منها فقط سبعيتان، ~~فقد قرأه عامة ms2904 السبعة، غير ابن كثير وأبي عمرو: بل ادارك بكسر اللام من ~~بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك ~~بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل ~~وأمثلة ذلك في القرآن، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على ~~قوله تعالى: # فإذا هي تلقف ما يأفكون # [الأعراف: 117] وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، ~~وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل. # والمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم: أي تدارك بمعنى: تكامل. ~~كقوله: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا # [الأعراف: 38] وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك. # قال البغوي: أي بلغ ولحق. كما يقال أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، والإضراب ~~في قوله تعالى: { بل ادارك } { بل هم في شك } { بل هم ~~منها عمون } إضراب انتقالي، والظاهر أن من في قوله تعالى: { بل ~~هم منها عمون } بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمى يعمى ~~فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: # إنهم كانوا قوما عمين # [الأعراف: 64] وقول زهير في معلقته: # واعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم ### || [27.76] # ومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه ~~الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت ~~طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة # [الصف: 14] والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت افترت ~~عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاحه في سورة مريم. # وقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى ابن ~~مريم، وهي: أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما ~~بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم قال: # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون # [مريم: 34] وذلك يبين بعض ما ms2905 دل عليه قوله تعالى هنا: { إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم ~~فيه يختلفون }. ### || [27.77] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله ~~تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1] الآية. ### || [27.80] # اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن، أن ~~معنى قوله هنا: إنك لا تسمع الموتى لا يصح فيه من أقوال العلماء، إلا ~~تفسيران: # الأول: أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى: أي لا تسمع الكفار، الذين أمات ~~الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع، لأن ~~الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم ~~الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع ~~اهتداء وانتفاع: ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا ~~قال بعده: # إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون # [النمل: 81]. # فاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى: اي الكفار هم أشقياء ~~في علم الله إسماع هدى وقبول للحق ما تسمع ذلك الإسماع، إلا من يؤمن ~~بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن ~~الموتى بالإسماع المثبت فيها، لمن يؤمن بآياته، فهو مسلم دليل واضح على ~~أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء لا موت مفارقة الروح ~~للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: { إنك لا تسمع ~~الموتى } مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: إنك لا تسمع الموتى ~~بقوله: إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، بل لقابله بما يناسبه كأن يقال: إن ~~تسمع إلا من لم يمت: أي يفارق روحه بدنه كما هو واضح. # وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا ~~الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول. # فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله ثم إليه يرجعون # [الأنعام: 36]، وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم أن المراد ms2906 بالموتى في ~~قوله: والموتى يبعثهم الله: الكفار، يدل له مقابلة الموتى في قوله: ~~والموتى يبعثهم الله بالذين يسمعون في قوله: { إنما يستجيب ~~الذين يسمعون } ويوضح ذلك قوله تعالى قبله: # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء ~~فتأتيهم بآية # [الأنعام: 35] أي فافعل، ثم قال: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجاهلين إنما يستجيب الذين يسمعون # [الأنعام: 3536] الآية، وهذا واضح فيما ذكرنا، ولو كان يراد بالموتى من ~~فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم كأن يقال: إنما يستجيب ~~الأحياء: أي الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم. وكقوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون # [الأنعام: 122]. # فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: أو من كان ميتا: أي كافرا، ~~فأحييناه: أي بالإيمان والهدى. # وهذا لا نزاع فيه، وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله: # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين # [يس: 70] وكقوله تعالى: # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات # [فاطر: 22] أي لا يستوي المؤمنون والكافرون. # ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: { إنك لا تسمع ~~الموتى } الآية. وما في معناها من الآيات كلها، تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه يحزنه عدم إيمانهم كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # [الأنعام: 33] الآية. وقوله تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97] الآية. وقوله: # ولا تحزن عليهم # [الحجر: 88] الآية. وقوله تعالى: # فلا تأس على القوم الكافرين # [المائدة: 68]، وكقوله تعالى: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] الآية. وقوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وقوله تعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه ~~كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له صلى الله عليه وسلم ms2907 ~~بين له فيها: أنه لا قدرة له صلى الله عليه وسلم على هدى من أضله الله، ~~فإن الهدى والإضلال بيده جل وعلا وحده وأوضح له أنه نذير، قد أتى بما ~~عليه فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم. # ومن الآيات النازلة تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله هنا: { إنك ~~لا تسمع الموتى } أي لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا يعني ما تسمع إسماع هدى وقبول، إلا من هديناهم ~~للإيمان بآياتنا فهم مسلمون. # والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # [النحل: 37] الآية، وقوله تعالى: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم # [المائدة: 41] وقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] الآية. وقوله تعالى: # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما ~~كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون # [يونس: 99100] إلى غير ذلك من الآيات، ولو كان معنى الآية، وما شابهها: ~~إنك لا تسمع الموتى: أي الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم، كما ترى. # واعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها: # الأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم: # فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء ~~إذا ولوا مدبرين ومآ أنت بهاد العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون # [الروم: 5253] ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، ~~فيكفي في بيانه آية الروم ما ذكرنا في آية النمل. # والثانية منهما قوله تعالى في سورة فاطر: # إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في ~~القبور # [فاطر: 22] وآية فاطر هذه كآية النمل والروم المتقدمتين، لأن المراد ~~بقوله: فيها من في القبور الموتى، ms2908 فلا فرق بين قوله: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80] وبين قوله: { ومآ أنت بمسمع من في القبور } ~~لأن المراد بالموتى ومن في القبور واحد كقوله تعالى: # وأن الله يبعث من في القبور # [الحج: 7] أي يبعث جميع الموتى من قبر منهم ومن لم يقبر، وقد دلت قرائن ~~قرآنية أيضا على أن معنى آية: فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله ~~تعالى قبلها: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة # [فاطر: 18] الآية، لأن معناها: لا ينفع إنذارك إلا من هداه الله ووفقه ~~فصار ممن يخشى ربه بالغيب، ويقيم الصلاة وما أنت بمسمع من في القبور: أي ~~الموتى أي الكفار الذين سبق لهم الشقاء كما تقدم. ومنها قوله تعالى ~~أيضا: # وما يستوي الأعمى والبصير # [فاطر: 19] أي المؤمن والكافر. وقوله تعالى قبلها: # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات # [فاطر: 22] اي المؤمنون والكفار. ومنها قوله تعالى بعده: # إن أنت إلا نذير # [فاطر: 23] أي ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلا نذير: أي وقد بلغت. # التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد ~~بالسماع المنفي في قوله: { إنك لا تسمع الموتى } خصوص ~~السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار ~~يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم ~~جميع أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع ~~المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا، وهذا التفسير الثاني جزم به ~~واقتصر عليه العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، كما سيأتي إيضاحه ~~إن شاء الله في هذا المبحث. # وهذا التفسير الأخير دلت عليه آيات من كتاب الله جاء فيها التصريح ~~بالبكم والصمم والعمى مسندا إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد ~~بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم، دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في ~~البصر والكلام، وذلك ms2909 كقوله تعالى في المنافقين: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18] فقد قال فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم كما ~~صرح به في قوله تعالى فيهم: # وإن يقولوا تسمع لقولهم # [المنافقون: 4] أي لفصاحتهم وقوله تعالى: # فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد # [الأحزاب: 19] فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم وإذا ذهب الخوف سلقوا ~~المسلمين بألسنة حداد هم الذين قال الله فيهم # صم بكم عمي # [البقرة: 18] وما ذلك، إلا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، ~~وهو ما ينتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صموا عنه: فلم يسمعوه، ~~وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه مع أنهم يسمعون غيره ~~ويبصرونه، وينطقون به كما قال تعالى: # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء # [الأحقاف: 26] الآية، وهذا واضح كما ترى. # وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح مع شواهده العربية في كتابنا: دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين ~~قوله في المنافقين: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] مع قوله فيهم: # ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم # [البقرة: 20] وقوله فيهم: # سلقوكم بألسنة حداد # [الأحزاب: 19] وقوله فيهم أيضا: # وإن يقولوا تسمع لقولهم # [المنافقون: 4]، وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على ~~السماع، الذي لا فائدة فيه، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك. # مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة # اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام ~~من كلمهم، وأن قول عائشة رضي الله عنها ومن تبعها: إنهم لا يسمعون ~~استدلالا بقوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } وما جاء ~~بمعناها من الآيات غلط منها رضي الله عنها، وممن تبعها. # وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين. # الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أحاديث متعددة، ثبوتا لا مطعن فيه. ولم يذكر صلى الله عليه وسلم أن ذلك ~~خاص بإنسان ولا بوقت. # والمقدمة الثانية: ms2910 هي أن النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم في سماع ~~الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة رضي ~~الله عنها بعض الآيات، على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع ~~إليه. لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات، وسنوضح هنا ~~إن شاء الله صحة المقدمتين المذكورتين، وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ~~ثابت عنه صلى الله عليه وسلم من غير معارض صريح. علم بذلك رجحان ما ~~ذكرنا، أن الدليل يقتضي رجحانه. # أما المقدمة الأولى وهي ثبوت سماع الموتى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقد قال البخاري في صحيحه: حدثني عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، ~~حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن أنس بن مالك عن أبي ~~طلحة ":أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا ~~من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على ~~قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد ~~عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض ~~حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم: # " يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ~~ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " # قال فقال عمر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلم من أجساد لا ~~أرواح لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " # قال قتادة أحياهم الله له، حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة ~~وحسرة، وندما، فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول صلى الله عليه وسلم من أولئك ~~الموتى بعد ثلاث. ms2911 وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك تخصيصا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه ~~فيما يظهر. # وقال البخاري في صحيحه أيضا: حدثني عثمان، حدثنا عبدة بن هشام، عن ~~أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: " وقف النبي صلى الله عليه وسلم على ~~قليب بدر فقال: # " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " # ثم قال: # " إنهم الآن يسمعون ما أقول. " # فذكر لعائشة فقالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت: { إنك ~~لا تسمع الموتى } حتى قرأت الآية " # انتهى من صحيح البخاري. وقد رأيته أخرج عن صحابيين جليلين، هما ابن عمر، ~~وأبو طلحة تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن أولئك الموتى يسمعون ما ~~يقول لهم، ورد عائشة لرواية ابن عمر بما فهمت من القرآن مردود كما سترى ~~إيضاحه إن شاء الله تعالى. # وقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } أن ردها على ابن عمر أيضا روايته عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أن الميت يعذب ببكاء أهله بما فهمت من الآية ~~مردود أيضا، وأوضحنا أن الحق مع ابن عمر في روايته لا معها فيما فهمت من ~~القرآن. وقال البخاري في صحيحه أيضا: حدثنا عياش، حدثنا عبد الأعلى، ~~حدثنا سعيد، قال: وقال لي خليفة: حدثنا ابن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة ~~عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ~~أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال: انظر إلى مقعدك في ~~الجنة " # الحديث، وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح، تصريح النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بأن الميت في قبره، يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نص ms2912 صحيح ~~صريح في سماع الموتى، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم فيه تخصيصا. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني إسحاق بن عمر بن سليط ~~الهذلي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: كنت مع عمر (ح) ~~وحدثنا شيبان بن فروخ واللفظ له: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن ~~أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال. الحديث. ~~وفيه: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر ~~بالأمس. يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله. قال: فقال عمر: فوالذي ~~بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله صلى الله وعليه وسلم، ~~فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~انتهى إليهم، فقال # " يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله ~~حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا. " # قال عمر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تكلم أجسادا لا أرواح ~~فيها؟ قال: # " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا على شيئا ~~" # حدثنا هداب بن خالد: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن أنس بن ~~مالك: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم ~~فقام عليهم فنادهم فقال: # " يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ~~ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم الله حقا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي ~~حقا، " # فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا، ~~وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال: # " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن ~~يجيبوا. ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر " # ثم ذكر مسلم بعد هذا رواية أنس عن أبي طلحة، التي ذكرناها عن البخاري، ~~فترى هذه الأحاديث الثابتة في الصحيح ms2913 عن عمر وابنه وأنس وأبي طلحة رضي ~~الله عنهم، فيها التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم، بأن الأحياء ~~الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله صلى الله عليه وسلم، وقد ~~أقسم صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يذكر تخصيصا، وقال مسلم رحمه الله ~~في صحيحه أيضا: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن ~~عبد الرحمن عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال ~~يأتيه ملكان فيقعدانه " # الحديث. وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بسماع الميت في قبره قرع ~~النعال وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، وظاهره العموم في كل من دفن ~~وتولى عنه قومه، كما ترى. # ومن الأحاديث الدالة على عموم سماع الموتى ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا ~~يحيى بن يحيى التميمي ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد: قال: يحيى بن يحيى: ~~أخبرنا وقال الآخران: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن شريك، وهو ابن أبي نمر، ~~عن عطاء بن يسار، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من ~~آخر الليل إلى البقيع فيقول: # " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل الفرقد " # ، ولم يقم قتيبة قوله: وأتاكم ما توعدون، وفي رواية في صحيح مسلم عنها ~~قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولي: # " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين ~~منا والمستأخرين. وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " # ثم قال مسلم رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: ~~حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن ~~بريدة، عن أبيه قال كان رسول ms2914 الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا ~~إلى المقابر فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر: السلام على أهل الديار ~~وفي رواية زهير: # " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية " # انتهى من صحيح مسلم. وخطابه صلى الله عليه وسلم لأهل القبور بقوله: # " السلام عليكم " # وقوله: # " وإنا إن شاء الله بكم " # ، ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه لأنهم لو كانوا لا ~~يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم ولا شك أن ذلك ~~ليس من شأن العقلاء فمن العبد جدا صدوره منه صلى الله عليه وسلم، وسيأتي ~~إن شاء الله ذكر حديث عمرو بن العاص الدال على أن الميت في قبره يستأنس ~~بوجود الحي عنده. # وإذا رأيت هذه الأدلة الصحيحة الدالة على سماع الموتى، فاعلم أن الآيات ~~القرآنية كقوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } [النمل:80] ~~وقوله: # ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر: 22] لا تخالفها. وقد أوضحنا الصحيح من أوجه تفسيرها وذكرنا دلالة ~~القرائن القرآنية عليه، وأن استقراء القرآن يدل عليه. # وممن جزم بأن الآيات المذكورة لا تنافي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا أبو ~~العباس ابن تيمية رحمه الله فقد قال في الجزء الرابع من مجموع الفتاوى من ~~صحيفة خمس وتسعين ومائتين إلى صحيفة تسع وتسعين ومائتين ما نصه: وقد تعاد ~~الروح إلى البدن في غير وقت المسألة كما في الحديث الذي صححه ابن عبد ~~البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من رجل يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~عليه روحه حتى يرد عليه السلام " # وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن أبي أوس الثقفي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة ~~الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله: كيف تعرض صلاتنا عليك ~~وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم ms2915 على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " # وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار، ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه مما ~~يبين أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب إذا شاء الله ذلك كما يشاء ~~وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة أو معذبة. ولذا أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالسلام على الموتى، كما ثبت في الصحيح والسنن: أنه كان ~~يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: # " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ~~يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ~~اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم " # وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم، ورأوهم ~~بعيونهم، يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة، ولكن لا يجب أن يكون ~~دائما على البدن في كل وقت، بل يجوز أن يكون في حال. # وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقام عليهم فقال: # " يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ~~ربيعة: أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإنني قد وجدت ما وعدني ربي ~~حقا. فسمع عمر رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله كيف يسمعوا وقد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في ~~قليب بدر " # وقد أخرجاه في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقف على قليب بدر، فقال: # " هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ وقال إنهم ليسمعون الآن ما أقول. " # فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر، إنما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت لهم هو الحق " # ثم قرأت قوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى } حتى ms2916 قرأت ~~الآية. # وأهل العلم بالحديث اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر وإن كانا لم ~~يشهدا بدرا، فإن أنسا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرا كما ~~روى أبو حاتم في صحيحه، عن أنس عن أبي طلحة رضي الله عنه " أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا ~~في طوى من أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عرصتهم ثلاث ~~ليال، فلما كان اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها فحركها ثم مشى وتبعه ~~أصحابه، وقالوا ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفاء الركي، ~~فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان أيسركم أنكم ~~أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلم ~~من أجساد ولا أرواح فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " # ، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخا، وتصغيرا، ونقمة، وحسرة، ~~وتنديما. وعائشة، قالت فيما ذكرته كما تأولت. # والنص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على تأويل من تأول من ~~أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك. فإن قوله تعالى: { إنك ~~لا تسمع الموتى } إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع ~~صاحبه، فإن هذا مثل ضربه الله للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع ~~سماع قبول بفقه، واتباع كما قال تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم ~~جميع أنواع السماع، بل السماع المعتاد كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل ~~انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به. وأما سماع آخر فلا ينفي ~~عنهم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم، إذا ولوا ~~مدبرين، فهذا موافق لهذا ms2917 فكيف يرفع ذلك. انتهى محل الغرض من كلام أبي ~~العباس ابن تيمية رحمه الله، وقد تراه صرح فيه بأن تأول عائشة لا يرد به ~~النص الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس في القرآن ما ينفي السماع ~~الثابت للموتى في الأحاديث الصحيحة. # وإذا علمت به أن القرآن ليس فيه ما ينفي السماع المذكور، علمت أنه ثابت ~~بالنص الصحيح، من غير معارض. # والحاصل: أن تأول عائشة رضي الله عنها بعض آيات القرآن، لا ترد به ~~روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ويتأكد ~~ذلك بثلاثة أمور: # الأول: هو ما ذكرناه الآن من أن رواية العدل لا ترد بالتأويل. # الثاني: أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنهم ليسمعون الآن ما أقول. قالت: إن الذي قاله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، " # فأنكرت السماع ونفته عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم ~~صح منه السماع كما نبه عليه بعضهم. # الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها، عن تأويلها المذكور إلى ~~الروايات الصحيحة. # قال ابن حجر في فتح الباري: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية ~~يونس بن بكير بإسناد جيد، عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: # " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " # ، وأخرجه أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ~~ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. انتهى منه. ~~واحتمال رجوعها لما ذكر قوي، لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين. # قال ابن حجر: إن أحدهما جيد. والآخر حسن، ثم قال ابن حجر: قال ~~الإسماعليي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على ~~غوامض العلم، ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص ~~مثله يدل على نسخه أو تخصيصه، أو استحالته. انتهى محل الغرض من كلام ابن ~~حجر. # وقال ابن القيم في ms2918 أول كتاب الروح: المسألة الأولى: وهي هل تعرف الأموات ~~زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # " ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ~~الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام " # فهذا نص في أنه يعرفه بعينه، ويرد عليه السلام. # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر، ~~فألقوا في قليب ثم جاء وقف عليهم وناداهم بأسمائهم # " يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني ~~وجدت ما وعدني ربي حقا، " # فقال له عمر: يا رسول الله: ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال: # " والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون ~~جوابا " # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا ~~انصرفوا عنه، وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل ~~القبور، أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول: # " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، " # وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب ~~المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم أن ~~الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر له: قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن ~~عبيد بن أبي الدنيا في كتاب القبور: # باب في معرفة الموتى بزيارة الأحياء # حدثنا محمد بن عون، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الله بن سمعان، عن زيد ~~بن أسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم ~~" # حدثنا محمد بن قدامة الجوهري، حدثنا معن بن عيسى القزاز، أخبرنا هشام بن ~~سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: " إذا مر ~~الرجل بقبر أخيه يعرفه فسلم عليه رد عليه ms2919 السلام وعرفه، وإذا مر بقبر لا ~~يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام ". # وذكر ابن القيم رحمه الله في كلام أبي الدنيا وغيره آثارا تقتضي سماع ~~الموتى، ومعرفتهم لمن يزورهم، وذكر في ذلك مرائي كثيرة جدا، ثم قال: ~~وهذه المرائي، وإن لم تصلح بمجردها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها، ~~وإنها لا يحصيها إلا الله قد تواطأت على هذا المعنى، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " أرى رؤيا كم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر " # يعني ليلة القدر فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء، كان كتواطئ روايتهم ~~له، ومما قاله ابن القيم رحمه الله في كلامه الطويل المذكور وقد ثبت في ~~الصحيح: أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه، فروى مسلم في صحيحه ~~من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: # " حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياق الموت، فبكى طويلا وحول وجهه إلى ~~الجدار " # الحديث، وفيه: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، ~~فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ~~ويقسم لحمها، حتى استأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي " فدل على أن ~~الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم اه. # ومعلوم أن هذا الحديث له حكم الرفع، لأن استئناس المقبور بوجود الأحياء ~~عند قبره لا مجال للرأي فيه. ومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل ~~المذكور، ويكفي في هذا تسمية المسلم عليها زائرا، ولولا أنهم يشعرون به ~~لما صح تسميته زائرا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره، لم يصح أن ~~يقال: زاره، وهذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم. # وكذلك السلام عليهم أيضا، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم ~~محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا زاروا القبور أن ~~يقولوا: # " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم ~~العافية " # وهذا السلام، والخطاب، والنداء لموجود ms2920 يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن ~~لم يسمع المسلم الرد. # ومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل قوله: وقد ترجم الحافظ أبو محمد ~~عبد الحق الأشبيلي على هذا فقال: ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن ~~الأحياء، ويعرفون أقوالهم وأعمالهم ثم قال: ذكر أبو عمر بن عبد البر من ~~حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم # " ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد ~~عليه السلام ". # ويروى من حديث أبي هريرة مرفوعا قال: # " فإن لم يعرفه وسلم عليه رد عليه السلام " # قال ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم " # ، واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " # ثم ذكر ابن القيم عن عبد الحق وغيره مرائي، وآثارا في الموضوع ثم قال ~~في كلامه الطويل، ويدل على هذا أيضا ما جرى عليه عمل الناس قديما، وإلى ~~الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه ~~فائدة، وكان عبثا. وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه، واحتج ~~عليه بالعمل. # ويروى فيه حديث ضعيف: ذكر الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره فيقول: يا ~~فلان بن فلانه " # الحديث. وفيه: # " اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ألا إله الا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وبالقرآن ~~إماما " # الحديث. ثم قال ابن القيم رحمه الله: فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال ~~العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف ms2921 في العمل به، وما ~~أجرى الله سبحانه العادة قط، بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وهي ~~أكمل الأمم عقولا، وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع، وتستحسن ~~ذلك لا ينكره منها منكر بل سنة الأول للآخر، ويقتدي فيه الآخر بالأول، ~~فلولا أن الخطاب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر ~~والمعدوم، وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه. # وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حضر جنازة رجل فلما دفن قال: سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل " ~~فأخبر أنه يسأل حينئذ، وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين، وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين، ثم ذكر ~~ابن القيم رحمه الله قصة الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، وتنفيذ عوف لوصية ~~الصعب له في المنام بعد موته، وأثنى على عوف بن مالك بالفقه في تنفيذه ~~وصية الصعب بعد موته لما علم صحة ذلك بالقرائن، وكان في الوصية التي ~~نفذها عوف إعطاء عشرة دنانير ليهودي من تركة الصعب كانت دينا له عليه، ~~ومات قبل قضائها. # قال ابن القيم: وهذا من فقه عوف بن مالك رضي الله عنه، وكان من الصحابة ~~حيث نفذ وصية الصعب بن جثامة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي ~~أخبره بها. من أن الدنانير عشرة وهي في القرن، ثم سأل اليهودي فطابق قوله ~~ما في الرؤيا فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى اليهودي الدنانير، وهذا فقه ~~إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك، ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقل الدنانير من ~~تركة صعب، وهي لأيتامه وورثته إلى يهودي بمنام، ثم ذكر ابن القيم رحمه ~~الله تنفيذ خالد وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما وصية ثابت بن قيس بن ~~شماس رضي الله عنه بعد موته، وفي وصيته المذكورة قضاء دين عينه لرجل في ~~المنام، وعتق بعض رقيقه، ms2922 وقد وصف للرجل الذي رآه في منامه الموضع الذي ~~جعل فيه درعه الرجل الذي سرقها، فوجدوا لأمر كما قال، وقصته مشهورة. # وإذا كان وصية الميت بعد موته قد نفذها في بعض الصور أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يدل على أنه يدرك ويعقل ويسمع، ثم قال ابن ~~القيم رحمه الله في خاتمة كلامه الطويل: والمقصود جواب السائل وأن الميت ~~إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له وسلامه عليه ~~ودعائه له أولى وأحرى اه. # فكلام ابن القيم هذا الطويل الذي ذكرنا بعضه جملة وبعضه تفصيلا فيه من ~~الأدلة المقنعة ما يكفي في الدلالة على سماع الأموات، وكذلك الكلام الذي ~~نقلنا عن شيخه أبي العباس ابن تيمية رحمهما الله تعالى وفي كلامهما الذي ~~نقلنا عنهما أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة، ومرائي متواترة وغير ذلك، ومعلوم ~~أن ما ذكرنا في كلام ابن القيم من تلقين الميت بعد الدفن، أنكره بعض أهل ~~العلم، وقال إنه بدعة، وأنه لا دليل عليه، ونقل ذلك عن الإمام أحمد وأنه ~~لم يعمل به إلا أهل الشام، وقد رأيت ابن القيم رحمه الله استدل له بأدلة: ~~منها: أن الإمام أحمد رحمه الله سئل عنه، فاستحسنه. # واحتج عليه بالعمل. ومنها: أن عمل المسلمين اتصل به في سائر الأمصار ~~والأعصار من غير إنكار. ومنها: أن الميت يسمع قرع نعال الدافنين، إذا ~~ولوا مدبرين، واستدلاله رحمه الله بهذا الحديث الصحيح استدلال قوي جدا، ~~لأنه إذا كان في ذلك الوقت يسمع قرع النعال، فلأن يسمع الكلام الواضح ~~بالتلقين من أصحاب، النعال أولى وأحرى، واستدلاله لذلك بحديث أبي داود # " سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل " # له وجه من النظر، لأنه إذا كان يسمع سؤال السائل فإنه يسمع تلقين ~~الملقن. والله أعلم. # والفرق بين سماعه سؤال الملك وسماعه التلقين من الدافنين محتمل احتمالا ~~قويا، وما ذكره بعضهم من أن التلقين بعد الموت لم يفعله إلا أهل الشام، ~~يقال فيه: إنهم هم أول من فعله، ولكن الناس تبعوهم في ذلك كما ms2923 هو معلوم ~~عند المالكية والشافعية. قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل بن ~~إسحاق المالكي في مختصره، وتلقينه الشهادة: وجزم النووي باستحباب التلقين ~~بعد الدفن. وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة والإرشاد، وقد سئل عنه أبو ~~بكر بن الطلاع من المالكية، فقال: هو الذي نختاره ونعمل به، وقد روينا ~~فيه حديثا عن أبي أمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد بالشواهد، وعمل أهل ~~الشام قديما إلى أن قال: وقال في المدخل: ينبغي أن يتفقده بعد انصراف ~~الناس عنه، من كان من أهل الفضل والدين، ويقف عند قبره تلقاء وجهه ~~ويلقنه، لأن الملكين عليهما السلام، إذ ذاك يسألانه وهو يسمع قرع نعال ~~المنصرفين. # وقد روى أبو داود في سننه عن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: " استغفروا لأخيكم ~~واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " إلى أن قال: وقد كان سيدي أبو حامد ~~بن البقال، وكان من كبار العلماء والصلحاء، إذا حضر جنازة عزى وليها بعد ~~الدفن، وانصرف مع من ينصرف، فيتوارى هنيهة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى ~~القبر، فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين عليهما السلام. انتهى محل الغرض ~~من كلام الحطاب. وما ذكره من كلام أبي بكر بن الطلاع المالكي له وجه قوي ~~من النظر، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى، ثم قال الحطاب: واستحب ~~التلقين بعد الدفن أيضا القرطبي والثعالبي وغيرهما، ويظهر من كلام الآبي ~~في أول كتاب الجنائز يعني من صحيح مسلم، وفي حديث عمرو بن العاص في كتاب: ~~الإيمان ميل إليه. # انتهى من الحطاب. وحديث عمرو بن العاص المشار إليه، هو الذي ذكرنا محل ~~الغرض منه في كلام ابن القيم الطويل المتقدم. # قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، وأبو معن الرقاشي، ~~وإسحاق بن منصور، كلهم عن أبي عاصم واللفظ لابن المثنى: حدثنا الضحاك، ~~يعني أبا عاصم قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ~~ابن ms2924 شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فبكى ~~طويلا وحول وجهه إلى الجدار. الحديث، وقد قدمنا محل الغرض منه بلفظه في ~~كلام ابن القيم المذكور، وقدمنا أن حديث عمرو هذا له حكم الرفع، وأنه ~~دليل صحيح على استئناس الميت بوجود الأحياء عند قبره. # وقال النووي في روضة الطالبين ما نصه: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن ~~فيقال: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ألا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن ~~البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ~~وأنت رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ورد به ~~الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قلت: هذا التلقين استحبه جماعات من أصحابنا، منهم القاضي حسين، وصاحب ~~التتمة، والشيخ نصر المقدسي في كتابه التهذيب، وغيرهم، ونقله القاضي حسين ~~عن أصحابنا مطلقا. والحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح ~~فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من ~~الأحاديث الصحيحة، كحديث " اسألوا له التثبيت " ووصية عمرو بن العاص: ~~أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ~~ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم في صحيحه، ولم يزل أهل الشام على العمل ~~بهذا التلقين، من العصر الأول، وفي زمن من يقتدي به. اه. محل الغرض من ~~كلام النووي. # وبما ذكر العلامة ابن القيم وابن الطلاع، وصاحب المدخل من المالكية، ~~والنووي من الشافعية، كما أوضحنا كلامهم تعلم أن التلقين بعد الدفن له ~~وجه قوي من النظر، لأنه جاء فيه حديث ضعيف، واعتضد بشواهد صحيحة، وبعمل ~~أهل الشام قديما، ومتابعة غيرهم لهم. # وبما علم في علم الحديث من التساهل في العمل بالضعيف، في أحاديث الفضائل ~~ولا سيما المعتضد منها بصحيح، وإيضاح شهادة الشواهد له أن حقيقة التلقين ~~بعد الدفن مركبة ms2925 من شيئين: # أحدهما: سماع الميت كلام ملقنه بعد الدفن. # والثاني: انتفاعه بذلك التلقين، وكلاهما ثابت في الجملة، أما سماعه ~~لكلام الملقن فيشهد له سماعه لقرع نعل الملقن الثابت في الصحيحين، وليس ~~سماع كلامه بأبعد من سماع قرع نعله كما ترى. وأما انتفاعه بكلام الملقن ~~فيشهد له انتفاعه بدعاء الحي، وقت السؤال في حديث " سلوا لأخيكم التثبيت ~~فإنه يسأل الآن " واحتمال الفرق بين الدعاء والتلقين قوي جدا كما ترى، ~~فإذا كان وقت السؤال ينتفع بكلام الحي الذي هو دعاؤه له، فإن ذلك يشهد ~~لانتفاعه بكلام الحي الذي هو تلقينه إياه، وإرشاده إلى جواب الملكين، ~~فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي، وفي الثاني انتفاع من الميت ~~بكلام الحي وقت السؤال، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين. # وفي ذلك كله: دليل على سماع الميت كلام الحي، ومن أوضح الشواهد للتلقين ~~بعد الدفن السلام عليه، وخطابه خطاب من يسمع، ويعلم عند زيارته كما تقدم ~~إيضاحه، لأن كلا منهما خطاب له في قبره، وقد انتصر ابن كثير رحمه الله في ~~تفسير سورة الروم في كلامه على قوله تعالى: # فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء # [الروم: 52] إلى قوله: # فهم مسلمون # [الروم: 53] لمساع الموتى وأورد في ذلك كثيرا من الأدلة التي قدمنا في ~~كلام ابن القيم، وابن أبي الدنيا، وغيرهما وكثيرا من المرائي الدالة على ~~ذلك، وقد قدمنا الحديث الدال على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجة. ~~ومما قال في كلامه المذكور، وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ~~بهذه الآية: { فإنك لا تسمع الموتى } على توهيم عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهما في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى ~~الذين ألقوا في قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، إلى أن قال: والصحيح عند ~~العلماء رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لما لها من الشواهد على ~~صحتها، من أشهر ذلك ما رواها ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا # " ما من أحد يمر بقبر ms2926 أخيه المسلم كان يعرفه " # الحديث. # وقد قدمنا في هذا المبحث مرارا وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث في ~~الكلام على آية النمل هذه تعلم أن الذي يرجحه الدليل: أن الموتى يسمعون ~~سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن يرد عليهم أرواحهم، حتى يسمعوا خطاب ~~ويردوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح أيضا تسمع وترد بعد فناء الأجسام، ~~لأنا قد قدمنا أن هذا ينبني على مقدمتين، ثبوت سماع الموتى بالسنة ~~الصحيحة، وأن القرآن لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن ~~القرآنية، واستقراء القرآن، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من غير معارض من ~~كتاب، ولا سنة ظهر بذلك رجحانه على تأول عائشة رضي الله عنها، ومن تبعها ~~بعض آيات القرآن كما تقدم إيضاحه، وفي الأدلة التي ذكرها العلامة ابن ~~القيم في كتاب الروح. على ذلك مقنع للمنصف، وقد زدنا عليها ما رأيت، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [27.83] # ظاهره هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات الله، ~~ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق، كقوله تعالى بعد ~~هذا بقليل: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87] وقوله تعالى: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47] وقوله تعالى: # ويوم نحشرهم جميعا # [الأنعام: 22] و [يونس: 28] وقوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # [الأنعام: 38] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد أوضحنا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في آية النمل ~~هذه في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها: { ويوم نحشر ~~من كل أمة فوجا } [النمل:83] الآية وبين قوله تعالى: # وكل أتوه داخرين # [النمل: 87] ونحوها من الآيات، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله: { ~~وكل أتوه داخرين } في الحشر العام لجميع الناس للحساب ~~والجزاء. وقوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } ~~الآية. في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة، لأجل التوبيخ المنصوص عليه ~~في قوله هنا: # حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا ~~بها ms2927 علما # [النمل: 84] الآية. وهذا يدل عليه القرآن كما ترى. وقال بعضهم: هذه ~~الأفواج التي تحشر حشرا خاصا هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم، وعليه ~~فالآية كقوله تعالى: # فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم أشد على الرحمن عتيا # [مريم: 6869] والفوج: الجماعة من الناس. ومنه قوله تعالى: # يدخلون في دين الله أفواجا # [النصر: 2] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فهم يوزعون } ~~[النمل:83] أي يرد أو لهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يدفعون جميعا كما ~~قاله غير واحد. ### || [27.84] # قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: أي يسألون عن اعتقادهم ~~وأعمالهم، ومقصوده بسؤالهم عن اعتقادهم قوله تعالى: { أكذبتم ~~بآياتي } ، لأن التصديق بآيات الله التي هي هذا القرآن. من عقائد ~~الإيمان، التي لا بد منها كما هو معلوم في حديث جبريل وغيره، ومقصوده ~~بسؤالهم عن أعمالهم قوله تعالى: { أما ذا كنتم تعملون } ~~والسؤال المذكور سؤال توبيخ وتقريع، فقد وبخهم تعالى فيه على فساد ~~الاعتقاد، وفساد الأعمال، والتوبيخ عليهما معا المذكور هنا جاء مثله في ~~قوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى # [القيامة:3132] كما أشار له ابن كثير رحمه الله فقوله تعالى: فلا صدق، ~~وقوله: ولكن كذب توبيخ على فساد الاعتقاد. وقوله: ولا صلى: توبيخ على ~~إضاعة العمل. ### || [27.85] # الظاهر أن القول الذي وقع عليهم هو كلمة العذاب، كما يوضحه قوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة: 13] ونحو ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فهم لا ينطقون } ، ظاهره ~~أن الكفار لا ينطقون يوم القيامة، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 3536] وقوله تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97] الآية، مع أنه بينت آيات أخر من كتاب الله أنهم ينطقون ~~يوم القيامة، ويعتذرون، كقوله تعالى عنهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] وقوله تعالى عنهم: # فألقوا السلم ما كنا ms2928 نعمل من سوء # [النحل: 28] وقوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا # [السجدة: 12] الآية. وقوله تعالى عنهم: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين ~~ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 106107] وقوله تعالى: # ونادوا يمالك # [الزخرف: 77] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كلامهم يوم ~~القيامة. # وقد بينا الجواب عن هذا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ~~في سورة المرسلات في الكلام على قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35] وما ذكرنا من الآيات، فذكرنا أن من أوجه الجواب عن ذلك، ~~أن القيامة مواطن، ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون، فإثبات النطق ~~لهم ونفيه عنهم كلاهما منزل على حال ووقت غير حال الآخر ووقته. ومنها أن ~~نطقهم المثبت لهم خاص بما لا فائدة لهم فيه، والنطق المنفي عنهم: خاص بما ~~لهم فيه فائدة ومنها غير ذلك، وقد ذكرنا شيئا من أجوبة ذلك في الفرقان، ~~طه والإسراء. ### || [27.86] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~الليل # [الإسراء: 12] الآية. ### || [27.88] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ~~ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضا أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~الاستدلال على المعنى، بكونه هو الغالب في القرآن، لأن غلبته فيه، تدل ~~على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعددة في هذا ~~الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما ~~معا آية النمل هذه. # وإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: { وترى الجبال ~~تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } [النمل: 88] ~~يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي واقفة ~~ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشا: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ms2929 # وقوف لحاج والركاب تهملج # والنوعان المذكوران من أنواع البيان يبينان عدم صحة هذا القول. # أما الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته، فهو أن قوله ~~تعالى: { وترى الجبال } معطوف على قوله: ففزع، وذلك المعطوف عليه ~~مرتب بالفاء على قوله تعالى: # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات # [النمل: 87] الآية. أي ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات، وترى ~~الجبال، فدلت هذه القرينة القرنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب ~~كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. # وأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح، لأن جميع ~~الآيات التي فيها حركه الجبال كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: # يوم تمور السمآء مورا وتسير الجبال سيرا # [الطور: 910] وقوله تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47] وقوله تعالى: # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20] وقوله تعالى: # وإذا الجبال سيرت # [التكوير: 3] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء } [النمل: 88] جاء نحوه في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المومنون: 14] وقوله تعالى: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3] وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن. ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إنه خبير بما تفعلون ~~}. # قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه # [هود: 5] إلى قوله: # إنه عليم بذات الصدور # [هود:5]. ### || [27.89] # قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله خير منها }. # اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات. # الأول حسنة: هي فعل خير من أفعال العبد، كالإنفاق في سبيل الله، وبذل ~~النفس والمال في إعلاء كلمة الله، ونحوه ذلك ومعنى قوله تعالى: { فله ~~خير منها } بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات، أن الثواب مضاعف، ~~فهو خير من نفس العمل، لأن من أنفق درهما واحدا في سبيل الله فأعطاه ~~الله ثواب سبعمائة درهم فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلا، ms2930 خير من ~~الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد، وهذا لا إشكال فيه كما ترى. # وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] ومعلوم أن عشر أمثال الحسنة خير منها، هي وحدها وكقوله ~~تعالى: # وإن تك حسنة يضاعفها # [النساء: 40] وقوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261] الآية. # وأما النوع الثاني من الحسنة: فكقول من قال من أهل العلم: إن المراد ~~بالحسنة في هذه الآية: لا إله إلا الله، ولا يوجد شيء خير من لا إله إلا ~~الله. بل هي أساس الخير كله، والذي يظهر على هذا المعنى أن لفظة خير ليست ~~صيغة تفضيل. # وأن المعنى فله خير عظيم عند الله حاصل له منها: أي من قبلها ومن أجلها ~~وعليه فلفظة من في الآية كقوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25] أي من أجل خطيآتهم أغرقوا، فأدخلوا نارا. وأما على الأول ~~فخير صيغة تفضيل، ويحتمل عندي. أن لفظة خير على الوجه الثاني صيغة تفضيل ~~أيضا، ولا يراد بها تفضيل شيء على لا إله إلا الله، بل المراد أن كلمة ~~لا إله إلا الله تعبد بها العبد في دار الدنيا، وتعبده بها فعله المحض، ~~وقد أثابه الله في الآخرة على تعبده بها، وإثابة فعله جل وعلا، ولا شك أن ~~فعل الله خير من فعل عبده، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وهم من فزع يومئذ آمنون }. # دلت على معناه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في أمنهم من الفزع # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة # [الأنبياء: 103] الآية. وقوله تعالى في أمنهم # فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في ~~الغرفات آمنون # [سبأ: 37] وقوله تعالى: # أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة # [فصلت: 40] الآية. وقوله تعالى: { وهم من فزع يومئذ } قرأه ~~عاصم، وحمزة، والكسائي بتنوين فزع، وفتح ميم يومئذ، وقرأه الباقون بغير ms2931 ~~تنوين، بل بالإضافة إلى يومئذ، إلا أن نافعا قرأ بفتح ميم يومئذ مع ~~إضافة فزع إليه، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بإضافة فزع إلى ~~يومئذ مع كسر ميم يومئذ، وفتح الميم وكسرها من نحو يومئذ قد أوضحناه ~~بلغاته وشواهده العربية مع بيان المختار من اللغات في سورة مريم في ~~الكلام على قوله تعالى: # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت # [مريم: 15] الآية. ### || [27.90] # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقال ابن مسعود، وابن عباس، ~~وأبو هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن ~~أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن وقتادة، وابن زيد في قوله تعالى: ~~{ ومن جآء بالسيئة } يعني: الشرك. # وهذه الآية الكريمة تضمنت أمرين: # الأول: أن من جاء ربه يوم القيامة بالسيئة كالشرك يكب وجهه في النار. # والثاني: أن السيئة إنما تجزي بمثلها من غير زيادة، وهذان الأمران جاءا ~~موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأول منهما: # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74] وكقوله تعالى في الثاني منهما: # ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160] الآية. وقوله تعالى: # ومن جآء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون # [القصص: 84] وقوله تعالى: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26]. # وإذا علمت أن السيئات لا تضاعف، فاعلم أن السيئة قد تعظم فيعظم جزاؤها ~~بسبب حرمة المكان كقوله تعالى: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25] أو حرمة الزمان كقوله تعالى في الأشهر الحرم: # فلا تظلموا فيهن أنفسكم # [التوبة: 36]. # وقد دلت آيات من كتاب الله أن العذاب يعظم بسبب عظم الإنسان المخالف، ~~كقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات # [الإسراء: 7475] وقوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: ms2932 4446] الآية وكقوله تعالى في أزواجه صلى الله عليه وسلم # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] الآية، قد قدمنا طرفا من الكلام على هذا في الكلام، على ~~قوله تعالى: # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات # [الإسراء: 75] مع تفسير الآية، ومضاعفة السيئة المشار إليها في هاتين ~~الآيتين، إن كانت بسبب عظم الذنب، حتى صار في عظمه كذنبين، فلا إشكال، ~~وإن كانت مضاعفة جزاء السيئة كانت هاتان الآيتان مخصصتين للآيات المصرحة، ~~بأن السيئة لا تجزي إلا بمثلها، والجميع محتمل، والعلم عند الله تعالى. ### || [27.91-92] # قوله تعالى: { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة } # جاء معناه موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا ~~أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد ~~الله الذي يتوفاكم # [يونس: 104] الآية. وقوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 34] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { وأمرت أن أكون من المسلمين وأن ~~أتلو القرآن }. # قد قدمنا الآيات التي فيها زيادة إيضاح لقوله: { وأمرت أن ~~أكون من المسلمين } في سورة الأنعام في الكلام على قوله ~~تعالى: # أمرت أن أكون أول من أسلم # [الأنعام: 14] الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله تعالى هنا: وأن أتلوا القرآن في سورة ~~الكهف في الكلام على قوله تعالى: # واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك # [الكهف: 27] الآية. # قوله تعالى: { ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين ~~}. # جاء معناه مبينا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40] وقوله تعالى: # إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل # [هود: 12] وقوله تعالى: # فتول عنهم فمآ أنت بملوم # [الذاريات: 54] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [27.93] # قوله تعالى: { وقل الحمد لله سيريكم آياته ~~فتعرفونها }. # جاء معناه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # قوله تعالى: { وما ربك بغافل عما تعملون }. # جاء معناه موضحا في آيات ms2933 كثيرة كقوله تعالى: # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42] إلى غير ذلك من الآيات. # وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: عما تعملون بتاء الخطاب، وقرأ ~~الباقون عما يعملون بياء الغيبة. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.5] # قد قدمنا أن قوله هنا: { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا } هو الكلمة في قوله تعالى: # وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل # [الأعراف: 137] الآية، ولم يبين هنا السبب الذي جعلهم به أئمة جمع إمام، ~~أي قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضا الشيء ~~الذي جعلهم وارثيه، ولكنه تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين ~~السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # [السجدة: 24] فالصبر واليقين، هما السبب في ذلك، وبين الشيء الذي جعلهم ~~له وارثين بقوله تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # [الأعراف: 137] الآية. وقوله تعالى: # كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين # [الدخان: 2528]، وقوله تعالى: # فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ~~كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 5759]. ### || [28.8] # قوله تعالى: { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا }. # اعلم أن التحقيق إن شاء الله، أن اللام في قوله: { ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل ~~الحقيقة لا المجاز، ويدل على ذلك قوله تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30] و [التكوير: 29]. # وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30] و [التكوير: 29] صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد ~~وقدرته بمشيئته جل وعلا، إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون، وقومه ~~بمشيئته جل وعلا، إلى التقاطهم موسى. ليجعله لهم عدوا وحزنا، فكأنه ~~يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدوا وحزنا، وهذا معنى ~~واضح، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى. # وقال ابن كثير رحمه ms2934 الله في تفسيره هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى ~~السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه: أن الله تعالى قيضهم ~~لالتقاطه، ليجعله عدوا لهم وحزنا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه. ~~انتهى محل الغرض من كلامه، وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء الله ~~تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: { وما تشآءون إلا أن يشآء ~~الله } كما بينا وجهه آنفا. # وبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين، وينشدون له الشواهد ~~من أن اللام في قوله ليكون: لام العاقبة، والصيرورة خلاف للصواب، وأن ما ~~يقوله البيانيون، من أن اللام في قوله: ليكون فيها استعارة تبعية، في ~~متعلق معنى الحرف، خلاف الصواب أيضا. # وإيضاح مراد البيانيين بذلك، هو أن من أنواع تقسيمهم لما يسمونه ~~الاستعارة التي هي عندهم، مجاز علاقته المشابهة أنهم يقسمونها إلى ~~استعارة أصلية، واستعارة تبعية، ومرادهم بالاستعارة الأصلية: الاستعارة ~~في أسماء الأجناس الجامدة والمصادر، ومرادهم باستعارة التبعية قسمان: # أحدهما: الاستعارة في المشتقات كاسم الفاعل والفعل. # والثاني: الاستعارة في متعلق معنى الحرف، وهو المقصود بالبيان. # فمثال الاستعارة الأصلية عندهم: رأيت أسدا على فرسه، ففي لفظة أسد في ~~هذا المثال: استعارة أصلية تصريحية عندهم، فإنه أراد تشبيه الرجل الشجاع ~~بالأسد لعلاقة الشجاعة، فحذف المشبه الذي هو الرجل الشجاع، وصرح بالمشبه ~~به الذي هو الأسد، على سبيل الاستعارة التصريحية، وصارت أصلية، لأن الأسد ~~اسم جنس جامد. # ومثال الاستعارة التبعية، في المشتق عندهم قولك: الحل ناطقة بكذا، ~~فالمراد عندهم: تشبيه دلالة الحال بالنطق بجامع الفهم، والإدراك بسبب كل ~~منهما، فحذف الدلالة التي هي المشبه، وصرح بالنطق الذي هو المشبه به على ~~سبيل الاستعارة التصريحية، واشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، ~~فجرت الاستعارة التبعية في اسم الفاعل الذي هو ناطقة، وإنما قيل لها ~~تبعية، لأنها إنما جرت فيه تبعا لجريانها في المصدر، الذي هو النطق، لأن ~~المشتق تابع للمشتق منه، ولا يمكن فهمه بدون فهمه، وهذا التوجيه أقرب من ~~غيره مما يذكرونه من توجيه ما ذكر. # ومثال الاستعارة التبعية ms2935 عندهم في متعلق معنى الحرف في زعمهم هذه الآية ~~الكريمة، قالوا: اللام فيها كلفظ الأسد في المثال الأول، فإنه أطلق على ~~غير الأسد لمشابهة بينهما، قالوا: وكذلك اللام أصلها موضوعة للدلالة على ~~العلة الغائية، وعلة الشيء الغائية: هي ما يحمل على تحصيله ليحصل بعد ~~حصوله: قالوا: والعلة الغائية للالقتاط في قوله تعالى: فالتقطه هي المحبة ~~والنفع والتبني: أي اتخاذهم موسى ولدا، كما صرحوا بأن هذا هو الباعث لهم ~~على التقاطه وتربيته، في قوله تعالى عنهم: # قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا # [القصص: 9]، فهذه العلة الغائية عندهم هي التي حملتهم على التقاطه، ~~لتحصل لهم هذه العلة بعد الالتقاط. # قالوا: ولما كان الحاصل في نفس الأمر بعد الالتقاط، هو ضد ما رجوه ~~وأملوه، وهو العداوة والحزن، شبهت العداوة والحزن الحاصلان بالالتقاط ~~بالمحبة والتبني والنفع، التي هي علة الالتقاط الغائية بجامع الترتب في ~~كل منهما، فالعلة الغائية: تترتب على معلولها دائما ترتب رجاء للحصول، ~~فتبنيهم لموسى ومحبته كانوا يرجعون ترتبهما على التقاطهم له، ولما كان ~~المترتب في نفس الأمر على التقاطهم له، هو كونه عدوا لهم وحزنا، صار ~~هذا الترتب الفعلي شبيها بالترتب الرجائي، فاستعيرت اللام الدالة على ~~العلة الغائية المشعرة بالترتب الرجائي للترتب الحصولي الفعلي الذي لا ~~رجاء فيه. # وإيضاحه: أن ترتب الحزن والعداوة على الالتقاط أشبه ترتب المحبة والتبني ~~على الالتقاط، أطلقت لام العلة الغائية في الحزن والعداوة، لمشابهتهما ~~للتبني والمحبة في الترتب، كما أطلق لفظ الأسد على الرجل الشجاع، ~~لمشابهتهما في الشجاعة. # وبعض البلاغيين يقول: في هذا جرت الاستعارة الأصلية أولا بين المحبة ~~والتبني، وبين العداوة والحزن اللذين حصولهما هو المجرور، فكانت ~~الاستعارة في اللام تبعا للاستعارة في المجرور، لأن اللام لا تستقل ~~فيكون ما اعتبر فيها تبعا للمجرور، الذي هو متعلق معنى الحرف، وبعضهم ~~يقول: فجرت الاستعارة أولا في العلية والغرضية، وتبعيتها في اللام، ~~وهناك مناقشات في التعبية في معنى الحرف تركناها، لأن غرضنا بيان مرادهم ~~بالاستعارة التبعية في هذه الآية بإيجاز. # وإذا ms2936 علمت مرادهم بما ذكر، فاعلم أن التحقيق إن شاء الله هو ما قدمنا، ~~وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة [منع جواز المجاز في المنزل للتعبد ~~والإعجاز] أن التحقيق: أن القرآن لا مجاز فيه، وأوضحنا ذلك بالأدلة ~~الواضحة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين } [القصص: 8] أي مرتكبين الخطيئة ~~التي هي الذنب العظيم كقوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25] وقوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # [البقرة: 81] الآية. # ومن إطلاق الخاطئ على المذنب العاصي: قوله تعالى: # ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا ~~الخاطئون # [الحاقة: 3637] وقوله تعالى: # ناصية كاذبة خاطئة # [العلق: 16] وقوله: # إنك كنت من الخاطئين # [يوسف: 29] والعلم عند الله تعالى. ### || [28.29] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة مريم. # واعلم أنا ربما تركنا كثيرا من الآيات التي تقدم إيضاحها من غير إحالة ~~عليها لكثرة ما تقدم إيضاحه. ### || [28.42] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من اتباعه اللعنة لفرعون وجنوده، ~~بينه أيضا في سورة هود بقوله فيهم: # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس ~~الرفد المرفود # [هود: 99] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { من المقبوحين } ~~قال الزمخشري: أي من المطرودين المبعدين، ولا يخفى أن المقبوحين اسم ~~مفعول، قبحه إذا صيره قبيحا، والعلم عند الله تعالى. ### || [28.56] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يهدي ~~من أحب هدايته، ولكنه جل وعلا هو الذي يهدي من يشاء هداه، وهو أعلم ~~بالمهتدين. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # [النحل: 37] الآية. وقوله: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم # [المائدة: 41] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. # وقوله: { وهو أعلم بالمهتدين } جاء معناه موضحا في آيات ~~كثيرة كقوله: # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ms2937 أعلم ~~بمن اهتدى # [النجم: 30] وقوله تعالى: # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين # [الأنعام: 117] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد أوضحنا سابقا أن الهدى ~~المنفى عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى هنا: { إنك لا تهدي ~~من أحببت } هو هدى التوفيق، لأن التوفيق بيد الله وحده، وأن الهدى ~~المثبت له صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] هو هدى الدلالة على الحق والإرشاد إليه، ونزول قوله تعالى: ~~{ إنك لا تهدي من أحببت } في أبي طالب مشهور معروف. ### || [28.86] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف: في الكلام على قوله ~~تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1] الآية. ### || [28.88] # قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }. # كقوله تعالى: # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 2627] والوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها مع التنزيه ~~التام عن مشابهة صفات الخلق، كما أوضحناه في سورة الأعراف وفي غيرها. # قوله تعالى: { له الحكم وإليه ترجعون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]، وقد تركنا ذكر إحالات كثيرة في سورة القصص هذه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-2] # قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة مستوفى في أول سورة هود، والاستفهام ~~في قوله: أحسب الناس: للإنكار. # والمعنى: أن الناس لا يتركون دون فتنة: أي ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: ~~آمنا، بل إذا قالوا آمنا فتنوا: أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، ~~حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمنا في غير الصادق. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينا في آيات أخر من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # [البقرة: 214] وقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ms2938 ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142] وقوله تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم # [محمد: 31] وقوله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران: 179] الآية. وقوله تعالى: # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور # [آل عمران: 154] الآية. وقوله تعالى: # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما ~~تعملون # [التوبة: 16] إلى غير ذلك من الآيات، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنا: # ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله ~~الذين صدقوا # [العنكبوت: 3] الآية. وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور ~~في هذه الآية يبتلى به المؤمنون على قدر ما عندهم من الإيمان، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ". ### || [29.4] # قد قدمنا الآيات الموضحة له. ### || [29.8] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]. ### || [29.10] # يعني أن من الناس من يقول: آمنا بالله بلسانه، فإذا أوذي في الله: أي ~~آذاه الكفار إيذاءهم للمسلمين جعل فتنة الناس، صارفة له عن الدين إلى ~~الردة، والعياذ بالله، كعذاب الله فإنه صارف رادع عن الكفر والمعاصي. ~~ومعنى فتنة الناس: الأذى الذي يصيبه من الكفار؟ وإيذاء الكفار للمؤمنين ~~من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة، وهذا قال به غير واحد. # وعليه فمعنى الآية الكريمة كقوله تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # [الحج: 11] قوله تعالى: { ولئن جآء نصر من ربك ~~ليقولن إنا كنا معكم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين الذين يقولون: آمنا ~~بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، إذا حصل للمسلمين من الكفار أذى، وهم معهم ~~جعلوا فتنة الناس: أي ms2939 أذاهم، كعذاب الله وأنه إن جاء نصر من الله لعباده ~~المؤمنين، فنصرهم على الكفار، وهزموهم وغنموا منهم الغنائم. قال: أولئك ~~المنافقون. ألم نكن معكم يعنون: أنهم مع المؤمنين ومن جملتهم، يريدون أخذ ~~نصيبهم من الغنائم. # وهذا المعنى جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من ~~الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين ~~نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين # [النساء: 141] وقوله تعالى: # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم ~~مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن ~~كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتني كنت ~~معهم فأفوز فوزا عظيما # [النساء: 7273] وقد قدمنا طرفا من هذا في سورة النساء. # وقد بين تعالى أنهم كاذبون في قولهم: إنا كنا معكم، وبين أنه عالم بما ~~تخفي صدورهم من الكفر والنفاق بقوله: { أو ليس الله بأعلم ~~بما في صدور }. ### || [29.12-13] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم } إلى قوله: { وليسألن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وزيادة إيضاحها من السنة الصحيحة في سورة ~~النحل، في الكلام على قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. ### || [29.15] # تقدم إيضاحه في هود وغيرها. # وقوله تعالى هنا: { وجعلناهآ آية للعالمين } يعني سفينة ~~نوح، كقوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس: 4142] ونحو ذلك من الآيات. ### || [29.17] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون # [النحل: 73]، وفي سورة الفرقان. ### || [29.24-25] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام، على قوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا # [الأعراف: 38] الآية. وفي ms2940 سورة الفرقان وغير ذلك. ### || [29.27] # قوله تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ~~}. # الضمير في قوله: ذريته راجع إلى إبراهيم. # والمعنى: أن الأنبياء والمرسلين الذين أنزلت عليهم الكتب بعد إبراهيم ~~كلهم من ذرية إبراهيم، وما ذكره هنا عن إبراهيم ذكر في سورة الحديد: أن ~~نوحا مشترك معه فيه، وذلك واضح لأن إبراهيم من ذرية نوح مع أن بعض ~~الأنبياء من ذرية نوح دون إبراهيم، وذلك في قوله تعالى: # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب # [الحديد: 26]. # قوله تعالى: { وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أتى إبراهيم أجره أي جزاء عمله ~~في الدنيا، وإنه في الآخرة أيضا من الصالحين. # وقال بعض أهل العلم: المراد بأجره في الدنيا: الثناء الحسن عليه في دار ~~الدنيا من جميع أهل الملل على اختلافهم إلى كفار ومؤمنين. والثناء الحسن ~~المذكور، هو لسان الصدق في قوله: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] وقوله تعالى: # وجعلنا لهم لسان صدق عليا # [مريم: 50] وقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لا ~~يخفى أن الصلاح في الدنيا يظهر بالأعمال الحسنة، وسائر الطاعات، وأنه في ~~الآخرة يظهر بالجزاء الحسن، وقد أثنى الله في هذه الآية الكريمة على نبيه ~~إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد أثنى على إبراهيم أيضا في ~~آيات أخر كقوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] وقوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه ~~إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [النحل: 120122] ### || [29.31-35] # قوله تعالى: { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية } الآية. # قد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # وجآءته البشرى يجادلنا في قوم لوط # [هود: 74]. { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا } إلى قوله: ~~[لقوم يعقلون }. ### || [29.36-37] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى قوله: { في ~~دارهم جاثمين ms2941 }. # تقدم إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قصته مع قومه وفي الشعراء ~~أيضا. ### || [29.38-40] # قوله تعالى: { وعادا وثمود وقد تبين لكم من ~~مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات ~~فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا ~~أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا ~~به الأرض ومنهم من أغرقنا }. # الظاهر أن قوله: وعادا: مفعول به لأهلكنا مقدرة، ويدل على ذلك قوله ~~قبل: # فأخذتهم الرجفة # [العنكبوت: 37] أي أهلكنا مدين بالرجفة، وأهلكنا عادا ويدل للإهلاك ~~المذكور قوله بعده { وقد تبين لكم من مساكنهم } أي هي ~~خالية منهم لإهلاكهم. وقوله: بعده أيضا: { فكلا أخذنا بذنبه ~~}. # وقد أشار جل وعلا في هذه الآيات الكريمة إلى إهلاك عاد، وثمود، وقارون، ~~وفرعون، وهامان، ثم صرح بأنه أخذ كلا منهم بذنبه، ثم فصل على سبيل ما ~~يسمى في البديع باللف والنشر المرتب، أسباب إهلاكهم فقال: { فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا } ، وهي الريح يعني: عادا، بدليل ~~قوله: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] وقوله: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] ونحو ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { ومنهم من ~~أخذته الصيحة } يعني ثمود بدليل قوله تعالى فيهم: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ~~ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # [هود: 6768] وقوله: { ومنهم من خسفنا به الأرض } يعني ~~قارون بدليل قوله تعالى فيه: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81] الآية. وقوله تعالى: { ومنهم من أغرقنا } يعني ~~فرعون وهامان بدليل قوله تعالى: # ثم أغرقنا الآخرين # [الشعراء: 66] [الصافات: 82] ونحو ذلك من الآيات. # والأظهر في قوله هذه الآية: وكانوا مستبصرين، أن استبصارهم المذكور هنا ~~بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة، كما دل عليه قوله تعالى: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # [الروم: 7]. وقوله تعالى: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك: 10] ونحو ذلك من الآيات. وقوله: { وما كانوا ms2942 سابقين } ~~كقوله تعالى: # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ~~سآء ما يحكمون # [العنكبوت: 4]. ### || [29.41-43] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فمثله كمثل الكلب # [الأعراف: 176] الآية وفي مواضع أخر. ### || [29.45] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل ~~لكلماته # [الكهف: 27] الآية. # قوله تعالى: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشآء والمنكر }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45]. ### || [29.46] # قد قدمنا إيضاحه، وتفسير إلا الذين ظلموا منهم في آخر سورة النحل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]. ### || [29.51] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، وفي آخر سورة طه في ~~الكلام على قوله تعالى: # أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى # [طه: 133] وغير ذلك. ### || [29.53-54] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ما عندي ما تستعجلون به # [الأنعام: 57] وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون # [يونس: 51] وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد: 6] الآية. ### || [29.56] # نادى الله جل وعلا عباده المؤمنين، وأكد لهم أن أرضه واسعة، وأمرهم أن ~~يعبدوه وحده دون غيره، كما دل عليه تقديم المعمول الذي هو إياي، كما ~~بيناه في الكلام على قوله تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. # والمعنى: أنهم إن كانوا في أرض لا يقدرون فيها على إقامة دينهم، أو ~~يصيبهم فيها أذى الكفار، فإن أرض ربهم واسعة فليهاجروا إلى موضع منها ~~يقدرون فيه على إقامة دينهم، ويسلمون فيه من أذى الكفار، كما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، كقوله ~~تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم ms2943 قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء: 97] وقوله تعالى: # وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب # [الزمر: 10]. ### || [29.57] # قوله تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت }. # جاء معناه موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران # كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة # [آل عمران: 185] وقوله: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] وقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. ### || [29.58] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا } قد قدمنا معنى وعملوا ~~الصالحات موضحا في أول سورة الكهف، وقدمنا معنى لنبوئنهم في سورة الحج ~~في الكلام على قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26] الآية. وذكرنا الآيات التي ذكرت فيها الغرف في آخر الفرقان ~~في الكلام على قوله تعالى: # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75] الآية. ### || [29.60] # قوله تعالى: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله ~~يرزقها }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كثيرا من الدواب التي لا تحمل ~~رزقها لضعفها، أنه هو جل وعلا يرزقها، وأوضح هذا المعنى في قوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6]. ### || [29.61-63] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر } إلى قوله: { قل ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [29.65] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] إلى قوله: # تبيعا # [الإسراء: 69]، وفي مواضع أخر. ### || [29.67] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم } الآية. # امتن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، على قريش، بأنه جعل لهم حرما ~~آمنا يعني حرم مكة، فهم آمنون فيه على أموالهم ودمائهم، والناس ms2944 الخارجون ~~عن الحرم، يتخطفون قتلا وأسرا. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينا في آيات أخر ~~كقوله تعالى في القصص: # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ أولم نمكن لهم حرما آمنا # [القصص: 57]. وقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] وقوله تعالى: # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس # [المائدة: 97] الآية. وقوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 34]. ### || [29.69] # قوله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا } # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين جاهدوا فيه، أنه يهديهم إلى ~~سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: لنهدينهم. # وهذا المعنى جاء مبنيا في آيات أخر كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17]. وقوله تعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا # [التوبة: 124] الآية. كما تقدم إيضاحه. # قوله تعالى: { وإن الله لمع المحسنين } # قد قدمنا إيضاحه في أخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128]. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.6-7] # قوله تعالى: وعد الله، مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله قبله: # وهم من بعد غلبهم سيغلبون # [الروم: 3] إلى قوله: # ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله # [الروم: 45] هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعدا. # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور: # الأول: أنه لا يخلف وعده. # والثاني: أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون. # والثالث: أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. # والرابع: أنهم غافلون عن الآخرة. وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير ~~هذا الموضع. # أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # إن الله لا يخلف الميعاد # [الرعد: 31] وقد بين تعالى أن وعيده للكفار لا يخلف أيضا في آيات من ~~كتابه كقوله تعالى: # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي # [ق: 2829] الآية. # والتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة، ms2945 هو وعيده ~~للكفار. # وكقوله تعالى: # كل كذب الرسل فحق وعيد # [ق: 14] وقوله: # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14]، فقوله: حق في هاتين الآيتين. أي وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه ~~بحال. # وأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعملون، فقد جاء ~~موضحا في آيات كثيرة، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون ~~كقوله تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # [هود: 17]. وقوله تعالى: # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # [الصافات: 71]، وقوله تعالى: # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # [الشعراء: 8 67103139158174-190]. وقوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [الأنعام: 116]، وقوله تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد بين جل وعلا أيضا في آيات من كتابه أن الكفار لا يعلمون كقوله ~~تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. وقوله تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]، وقوله تعالى: # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون # [البقرة: 171]، وقوله تعالى: # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن ~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا # [الفرقان: 44] وقوله تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون # [الأعراف: 179]، وقوله تعالى: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك: 10] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الثالث منها: وهو كونهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، فقد جاء ~~أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين # [العنكبوت: 38]: أي في الدنيا. وقوله تعالى: # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك ms2946 هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن ~~اهتدى # [النجم: 2930] الآية. # وأما الرابع منها: وهو كونهم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى عنهم: # هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا # [المؤمنون: 3637] الآية. # وقوله تعالى عنهم: # وما نحن بمنشرين # [الدخان: 35]، # وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29] و [المؤمنون: 37]، # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] والآيات في ذلك كثيرة معلومة. # تنبيه # اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم تدبرا ~~كثيرا، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس. # وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى ضعاف العقول من ~~المسلمين شدة إتقان الإفرنج، لأعمال الحياة الدنيا ومهارتهم فيها على ~~كثرتها، واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على ~~تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا ~~جهل فاحش، وغلط فادح. وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف ~~لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم ~~الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه. # فقد أوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل ~~فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولا أوليا، فقد نفى عنهم جل وعلا اسم ~~العلم بمعناه الصحيح الكامل، لأنهم لا يعلمون شيئا عمن خلقهم، فأبرزهم ~~من العدم إلى الوجود، وزرقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على ~~أعمالهم، ولم يعلموا شيئا عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية ~~في عذاب فظيع دائم: ومن غفل عن جميع هذا فليس معدودا من جنس من يعلم كما ~~دلت عليه الآيات القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم جل وعلا اسم العلم ~~بمعناه الصحيح الكامل أثبت لهم نوعا من العلم في غاية الحقارة بالنسبة ~~إلى غيره. # وعاب ذلك النوع من العلم بعيبين عظيمين: # أحدهما: قلته وضيق مجاله، لأنه لا يجاوز ظاهرا من الحياة الدنيا، ~~والعلم المقصور على ظاهر من الحياة ms2947 الدنيا في غاية الحقارة، وضيق المجال ~~بالنسبة إلى العلم بخالق السماوات والأرض جل وعلا، والعلم بأوامره ~~ونواهيه، وبما يقرب عبده منه، وما يبعده منه، وما يخلد في النعيم الأبدي ~~والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر. # والثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نيل غايته، لأنه لا يتجاوز ~~الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال ويكفيك من تحقير هذا العلم ~~الدنيوي أن أجود أوجه الإعراب في قوله: { يعلمون ظاهرا } أنه بدل ~~من قوله قبله لا يعلمون، فهذا العلم كلا علم لحقارته. # قال الزمخشري في الكشاف، وقوله: يعلمون بدل من قوله: لا يعلمون، وفي هذا ~~الإبدال من النكته أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده ~~ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا ~~يتجاوز الدنيا. # وقوله: { ظاهرا من الحياة الدنيا } يفيد أن الدنيا ظاهرا ~~وباطنا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعيم بملاذها ~~وباطنها، وحقيتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة ~~والأعمال الصالحة، وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من ~~ظواهرها. وهم الثانية يجوز أن يكون مبتدأ، وغافلون خبره، والجملة خبر، هم ~~الأولى، وأن يكون تكريرا للأولى، وغافلون: خبر الأولى، وأية كانت فذكرها ~~مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة، ومقرها، ومحلها وأنها منهم تنبع ~~وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف. # وقال غيره: وفي تنكير قوله: ظاهرا تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من ~~النفي، حتى يطابق المبدل منه. اه. ووجهه ظاهر. # واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، كما أوضحنا ذلك ~~غاية الإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 78] وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل ~~عنه أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها ~~مطابقا لما أمر الله به، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: كانت من ~~أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل ms2948 ~~وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما قال تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60] فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالا لأمر الله ~~تعالى وسعيا في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن ~~الآخرة، كما ترى الآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى. ### || [30.8] # لما بين جل وعلا أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، ثم ذكر أنهم ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم غافلون، أنكر عليهم غفلتهم عن ~~الآخرة، مع شدة وضوح أدلتها بقوله: { أولم يتفكروا في ~~أنفسهم } الآية؛ والتفكر التأمل، والنظر العقلي، وأصله إعمال الفكر، ~~والمتأخرون يقولون الفكر في الاصطلاح حركة النفس في المعقولات. وأما ~~حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل. # وقال الزمخشري في الكشاف: في أنفسهم يحتمل أن يكون ظرفا كأنه قيل: أو ~~لم يحدثوا التفكر في أنفسهم: أي في قلوبهم الفارغة من الفكر، والفكر لا ~~يكون إلا في القلوب، ولكنه: زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك: اعتقده في ~~قلبك وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر كقولك: تفكر في الأمر أجال فيه ~~فكره، وما خلق متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا ~~القول. وقيل معناه: فيعلموا، لأن في الكلام دليلا عليه إلا بالحق، وأجل ~~مسمى أي ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح، وحكمة بالغة، ولا لتبقى ~~خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا ~~بد لها أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. # ألا ترى إلى قوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115] كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا، والباء في قوله: ~~إلا بالحق مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ~~ولجامه، تريد: اشتراه وهو متلبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما، وكذلك ~~المعنى: ما خلقها إلا وهي متلبسة بالحق مقترنة به. # فإن قلت: إذا جعلت في أنفسهم صلة للتفكر فما معناه؟ # قلت: معناه أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم ms2949 من غيرها من ~~المخلوقات وهم أعلم، وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فتدبروا ما ~~أودعها الله ظاهرا، وباطنا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون ~~الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكم الذي دبر ~~أمرها على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن ~~سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من ~~الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى. انتهى كلام ~~صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض، وما ~~بينهما لا يصح أن يكون باطلا، ولا عبثا بل ما خلقهما إلا بالحق، لأنه ~~لو كان خلقهما عبثا لكان ذلك العبث باطلا ولعبا، سبحانه وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق، ~~وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، ~~حتى إذا انتهى الأجل المسمى لذلك بعث الخلائق، وجازاهم فيظهر في المؤمنين ~~صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، وتظهر في الكافرين ~~صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله، وشدة عدله، وإنصافه، دلت عليه آيات ~~كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين # [الدخان: 3840] فقوله تعالى: { إن يوم الفصل } الآية بعد ~~قوله { ما خلقناهمآ إلا بالحق } يبين ما ذكرنا. وقوله ~~تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وإن الساعة لآتية # [الحجر: 85] الآية. # فقوله تعالى: { وإن الساعة لآتية } بعد قوله: { وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~} يوضح ذلك، وقد أوضحه تعالى في قوله: # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى # [النجم: 31]. # وقد بين جل وعلا أن الذين يظنون أنه خلقهما باطلا لا لحكمة الكفار ~~وهددهم على ذلك الظن الكاذب بالويل من النار، وذلك في قوله تعالى: ms2950 # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]، وبين جل وعلا أنه لو لم يبعث الخلائق ويجازهم، لكان خلقه لهم ~~أولا عبثا، ونزه نفسه عن ذلك العبث سبحانه وتعالى عن كل ما يليق بكماله ~~وجلاله علوا كبيرا، وذلك في قوله تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # [المؤمنون: 115116]. # فهذه الآيات القرآنية تدل على أنه تعالى ما خلق الخلق إلا بالحق، وأنه ~~لا بد باعثهم، ومجازيهم على أعمالهم، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون هذا، ~~فكانوا غافلين عن الآخرة كافرين بلقاء ربهم. # وقوله تعالى في الآيات المذكورة وما بينهما: أي ما بين السماوات والأرض، ~~يدخل فيه السحاب المسخر بين السماء والأرض، والطير صافات، ويقبض بين ~~السماء والأرض والهواء الذي لا غنى للحيوان عن استنشاقه. ### || [30.9] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام، على قوله تعالى: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76] وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل # [المائدة: 32] الآية. وفي هود في الكلام على قوله تعالى: # وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 83] وفي الإسراء في الكلام على قوله تعالى: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17] الآية وفي غير ذلك. # وقوله تعالى في آية الروم هذه: { كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها } جاء موضحا ~~في آيات أخر، كقوله تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون # [غافر: 82] ونحو ذلك من الآيات. ### || [30.10] # قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو، كان عاقبة: بضم التاء اسم كان، ~~وخبرها السوأى وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ثم كان عاقبة ~~الذين بفتح التاء، خبر كان قدم على اسمها على حد قوله في الخلاصة: # وفي جميعها توسط الخبر # أجز....... # وعلى هذه ms2951 القراءة فالسوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن ~~السوأى مؤنثة لأمرين: # الأول: أن تأنيثها غير حقيقي. # والثاني: الفصل بينها وبين الفعل كما هو معلوم. وأما على قراءة ضم التاء ~~فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير حقيقي فقط. # وأظهر الأقوال في معنى الآية عندي، أن المعنى على قراءة ضم التاء، كانت ~~عاقبة المسيئين السوأى وهي تأنيث الأسوإ، بمعنى الذي هو أكثر سوءا: أي ~~كانت عاقبتهم العقوبة، التي هي أسوأ العقوبات، أي أكثرها سوءا وهي النار ~~أعاذنا الله، وإخواننا، المسلمين منها. # وأما على قراءة فتح التاء، فالمعنى: كانت السوأى عاقبة الذين أساءوا، ~~ومعناه واضح مما تقدم، وأن معنى قوله. أن كذبوا: أي كانت عاقبتهم أسوأ ~~العقوبات لأجل أن كذبوا. # وهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة توضح أن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه ~~إلى شقاء صاحبه، وسوء عاقبته، والعياذ بالله. كقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. وقوله: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10]. وقوله: # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا # [النساء: 155]. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الإسراء: 46]، وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل # [الأعراف: 101] وفي غير ذلك. # وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن السوأى منصوب بأساءوا: أي اقترفوا ~~الجريمة السوأى خلاف الصواب. وكذلك قول من قال: إن أن في قوله: أن كذبوا ~~تفسيرية، فهو خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى. ### || [30.11] # قوله تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في البقرة، والنحل، والحج، وغير ذلك. ### || [30.13] # قوله تعالى: { ولم يكن لهم من شركآئهم شفعاء }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # ولا يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48] الآية ms2952 في غير ذلك. # قوله تعالى: { وكانوا بشركآئهم كافرين }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]، وفي غير ذلك. ### || [30.17-18] # قد قدمنا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103] أن قوله هنا: { فسبحان الله حين تمسون } ~~الآيتين من الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس، وأوضحنا وجه ~~ذلك مع إيضاح جميع الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس. ### || [30.19] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في ذكرنا براهين البعث في سورة البقرة في ~~الكلام، على قوله تعالى: # ا لذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22] وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ينبت لكم به الزرع والزيتون # [النحل: 11] الآية، وفي غير ذلك. ### || [30.20] # قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: # منها خلقناكم # [طه: 55] الآية، وفي غير ذلك. ### || [30.21] # قوله تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا # [النحل: 72] الآية: ### || [30.22] # وقوله: { ومن آياته خلق السماوات والأرض } قد قدمنا ~~الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام، على قوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة: 164] الآية. وقوله: { واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم } قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع: أن اختلاف ألوان ~~الآدميين واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام كل ذلك من ~~آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده. قال تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك # [فاطر: 2728]، واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ~~ومن البراهين ms2953 القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير ~~للطبيعة من أعظم الكفر والضلال. # وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح بقوله في سورة الرعد: # وفي الأرض قطع متجاورات # [الرعد: 4] إلى قوله: # لقوم يعقلون # [الرعد: 4] وقرأ هذا الحرف حفص وحده عن عاصم { إن في ذلك لآيات ~~للعالمين } بكسر اللام: جمع عالم الذي هو ضد الجاهل. وقرأه ~~الباقون: للعالمين بفتح اللام كقوله: رب العالمين. ### || [30.23] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم # [الإسراء: 12] الآية. وفي سورة الفرقان. وغير ذلك. ### || [30.24] # قوله تعالى: { ومن آياته يريكم البرق { خوفا وطمعا ~~} الآية. # قد قدمنا ما يوضحه من الآيات مع تفسير قوله: { خوفا وطمعا } في ~~سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا # [الرعد: 12] الآية، وسنحذف هنا بعض الإحالات لكثرتها. ### || [30.28] # قوله تعالى: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ~~من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم ~~} الآية. # قد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق # [النحل: 71] الاية. ### || [30.39] # قوله تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام، على قوله تعالى: # يمحق الله الربا # [البقرة: 276] الآية. ### || [30.43] # قوله تعالى: { يومئذ يصدعون }. # أي يتفرقون فريقين: أحدهما في الجنة، والثاني: في النار. # وقد دلت على هذا آيات من كتاب الله كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~ولقآء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون # [الروم: 1416] وقوله تعالى: # وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة ~~وفريق في السعير # [الشورى: 7] ويدل لهذا قوله بعده # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا ms2954 الصالحات ~~من فضله إنه لا يحب الكافرين # [الروم: 4445] وقد أشار تعالى أيضا للتفرق المذكور هنا في قوله تعالى: # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم # [الزلزلة: 6]. ### || [30.52] # قوله تعالى: { فإنك لا تسمع } إلى قوله: { إن تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80] الآية. ### || [30.54] # قوله تعالى: { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من ~~بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة }. # قد بين الله تعالى الضعف الأول الذي خلقهم منه في آيات من كتابه، وبين ~~الضعف الأخير في آيات أخر، قال في الأول: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20] وقال: # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # [النحل: 4] وقال تعالى: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة # [يس: 77] الآية. وقال: # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق # [الطارق: 56] وقال: # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون # [المعارج: 39] إلى غير ذلك من الآيات. # وقال في الضعف الثاني: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # [النحل: 70] و [الحج: 5] وقال: # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون # [يس: 68] إلى غير ذلك من الآيات، وأشار إلى القوة بين الضعفين في آيات ~~من كتابه كقوله: # فإذا هو خصيم مبين # [النحل: 4] وإطلاقه نفس الضعف، على ما خلق الإنسان منه، قد أوضحنا وجهه ~~في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37] الآية. وقرأ عاصم وحمزة من ضعف في المواضع الثلاثة ~~المخفوضين، والمنصوب بفتح الضاد في جميعها، وقرأ الباقون بالضم. # واختار حفص القراءة بالضم وفاقا للجمهور: للحديث الوارد عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عطية العوفي أنه أعنى ابن عمر قرأ عليه ~~صلى الله عليه وسلم: من ضعف بفتح الضاد، فرد عليه صلى الله عليه وسلم، ~~وأمره أن يقرأها بضم الضاد، والحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ورواه ~~غيرهما والعلم عند الله تعالى. ### || [30.55] # قد قدمنا الآيات الموضحة له ms2955 في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار # [يونس: 45] وفي غير ذلك. ### || [30.56] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا بعثوا يوم القيامة، ~~وأقسموا أنهم ما لبثوا غير ساعة يقول لهم الذين أوتوا العلم والإيمان، ~~ويدخل فيهم الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصالحون: والله لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في سورة يس على ~~أصح التفسيرين، وذلك في قوله تعالى: # قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # والتحقيق أن هذا قول الكفار عند البعث، والآية تدل دلالة لا لبس فيها، ~~على أنهم ينامون نومة قبل البعث كما قاله غير واحد، وعند بعثهم أحياء من ~~تلك النومة التي هي نومة موت يقول لهم الذين أوتوا العلم والإيمان: هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: أي هذا البعث بعد الموت، الذي وعدكم الرحمن ~~على ألسنة رسله، وصدق المرسلون في ذلك، كما شاهدتموه عيانا فقوله في يس: # هذا ما وعد الرحمن # [يس: 52] قول الذين أوتوا العلم والإيمان، على التحقيق، وقد اختاره ابن ~~جرير، وهو مطابق لمعنى قوله: { وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث } الآية. # والتحقيق أن قوله هذا إشارة إلى ما وعد الرحمن وأنها من كلام المؤمنين، ~~وليست إشارة إلى المرقد في قول الكفار # من بعثنا من مرقدنا هذا # [يس: 52]، وقوله في كتاب الله: أي فيما كتبه وقدره وقضاه. وقال بعض ~~العلماء: إن قوله: # هذا ما وعد الرحمن # [يس: 52] الآية من قول الكفار، ويدل له قوله في الصافات: # وقالوا يويلنا هذا يوم الدين هذا يوم ~~الفصل الذي كنتم به تكذبون # [الصافات: 2021] الآية. ### || [30.57] # قوله تعالى: { ولا هم يستعتبون }. # قد قدمنا ما فيه من اللغات، والشواهد العربية في سورة النحل في الكلام ~~على قوله تعالى: # ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون # [النحل: 84]. ### || [30.58] # قوله تعالى: { ولئن جئتهم ms2956 بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90] وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون # [يونس: 96] الآية، وفي غير ذلك. ### || [30.60] # قوله تعالى: { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون }. # قد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22] أن الله تعالى قد بين في بعض الآيات القرآنية أنه يخاطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بخطاب لا يريد به نفس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإنما يريد به التشريع. # وبينا أن من أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى: مخاطبا له صلى الله عليه ~~وسلم # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23] الآية، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل نزول إما يبلغن عندك ~~الكبر أحدهما أو كلاهما، بزمن طويل، فلا وجه البتة لاشتراط بلوغهما، أو ~~بلوغ أحدهما الكبر عنده. بل المراد تشريع بر الوالدين لأمته، بخطابه صلى ~~الله عليه وسلم. # واعلم أن قول من يقول: إن الخطاب في قوله: { إما يبلغن عندك ~~الكبر أحدهما أو كلاهما } لمن يصح خطابه من المكلفين، ~~وأنه كقول طرفه بن العبد: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # خلاف الصواب. # والدليل على ذلك قوله بعد ذكر المعطوفات على قوله: { فلا تقل ~~لهمآ أف } ، # ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة # [الإسراء: 39] الآية، ومعلوم أن قوله: { ذلك ممآ أوحى ~~إليك } خطاب له صلى الله عليه وسلم كما ترى، وذكرنا هناك بعض الشواهد ~~العربية على خطاب الإنسان، مع أن المراد بالخطاب في الحقيقة غيره. # وبهذا تعلم أن مثل قوله تعالى: { ولا يستخفنك الذين لا ms2957 ~~يوقنون } وقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، وقوله: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]. وقوله: # لا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 22] يراد به التشريع لأمته لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من ~~ذلك الكفر الذي نهى عنه. # فائدة # روي من غير وجه: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ناداه ~~رجل من الخوارج في صلاة الفجر، فقال: # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين # [الزمر: 65]، فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة: { فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ~~[الروم: 60]. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-3] # قد قدمنا الآيات الموضحة لقوله: { هدى ورحمة للمحسنين } ~~في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 12]. ### || [31.7] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكافر إذا تتلى عليه آيات الله، ~~وهي هذا القرآن العظيم، ولى مستكبرا: أي متكبرا عن قبولها، كأنه لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا أي صمما وثقلا مانعا له من سماعها، ثم أمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشره بالعذاب الأليم. # وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ~~ورآئهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ~~ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم عذاب ~~عظيم # [الجاثية: 710]، وقد قال تعالى هنا: { كأن في أذنيه وقرا ~~} على سبيل التشبيه، وصرح في غير هذا الموضع أنه جعل في أذنيه الوقر ~~بالفعل في قوله: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الكهف: 57]. والظاهر أن الوقر المذكور على سبيل التشبيه الوقر الحسي، ~~لأن الوقر المعنوي يشبه الوقر الحسي والوقر المجعول على آذانهم بالفعل، ~~هو الوقر المعنوي المانع من سماع الحق فقط، دون ms2958 سماع غيره، والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [31.10] # قوله تعالى: { خلق السماوات بغير عمد ترونها }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الرعد، في الكلام على ~~قوله تعالى: # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها # [الرعد: 2] الآية. ### || [31.11] # قوله تعالى: { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق ~~الذين من دونه }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم # [الرعد: 16] الآية. وفي أول سورة الفرقان. ### || [31.13] # دلت هذه الآية الكريمة: على أن الشرك ظلم عظيم. # وقد بين تعالى ذلك في آيات أخر كقوله تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106]، وقوله تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254]، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ~~الظلم في قوله تعالى: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82] بأنه الشرك، وبين ذلك بقوله هنا { إن الشرك ~~لظلم عظيم } وقد أوضحنا هذا سابقا. ### || [31.18] # قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس }. # معناه لا تتكبر على الناس. ففي الآية نهي عن التكبر على الناس، والصعر ~~الميل، والمتكبر يميل وجهه عن الناس، متكبرا عليهم، معرضا عنهم، والصعر ~~الميل وأصله: داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبر يلوي ~~عنقه، ويميل خده عن الناس تكبرا عليهم، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من ميله فتقوما # وقول أبي طالب: # وكنا قديما لا نقر ظلامة # إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها # ومن إطلاق الصعر على الميل قول النمر بن تولب العلكي: # إنا أتيناك وقد طال السفر # نقود خيلا ضمرا فيها صعر # وإذا علمت أن معنى قوله: { ولا تصعر خدك للناس } لا ~~تتكبر عليهم. # فاعلم أنا قدمنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج ~~إنك من الصاغرين # [الأعراف: 13] الآيات القرآنية الدالة على التحذير من الكبر المبينة ms2959 ~~لكثرة عواقبه السيئة، وأوضحنا ذلك مع بعض الآيات الدالة على حسن التواضع، ~~وثناء الله على المتواضعين. # قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا }. # قد قدمنا إيضاحه وتفسير الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. ### || [31.19] # قوله تعالى: { واقصد في مشيك }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع كقوله: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] الآية. وقوله تعالى: # ولا تمش في الأرض مرحا # [لقمان: 18]. ### || [31.20] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم ولا هدى ولا كتاب منير }. # قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الحج. ### || [31.21] # وكذلك قوله تعالى: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى ~~عذاب السعير }. # قدمنا الآيات الموضحة له أيضا في أول سورة الحج في الكلام على قوله ~~تعالى: # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4]. ### || [31.25] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [31.27] # قوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله }. # قد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي # [الكهف: 109] الآية. ### || [31.28] # قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة }. # قد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته # [البقرة: 73] الآية. ### || [31.32] # قوله تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] الآية، وفي الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله ms2960 تدعون إن كنتم صادقين بل ~~إياه تدعون # [الأنعام: 4041] الآية، وفي غير ذلك. ### || [31.34] # قد قدمنا في سورة الأنعام أن هذه الخمسة المذكورة في خاتمة سورة لقمان: ~~أنها هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح ذلك بالسنة الصحيحة. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.3] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ~~ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ~~}. # قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [32.5] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يدبر الأمر من السماء، إلى الأرض، ~~وأنه يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة. # وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12]، وقد بين في سورة الحج أن اليوم عنده تعالى كألف سنة مما ~~يعده الناس، وذلك في قوله تعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47] وقد قال تعالى في سورة سأل سائل: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]. # وقد ذكرنا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] الجمع بين هذه ~~الآيات من وجهين: # الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ~~من أن يوم الألف في سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها ~~السموات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه ~~إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة. # الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال ~~المؤمن والكافر، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: # فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير # [المدثر: 910] وقوله تعالى: # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر # [القمر: 8]. # وقد أوضحنا هذا الوجه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # أصحاب الجنة ms2961 يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]، وقد ذكرنا في [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] أن ~~أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أنه حضر ~~كلا من ابن عباس وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول ~~فيها، ويقول: لا أدري. ### || [32.11] # قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم }. # ظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا ~~هو المشهور، وقد جاء في بعض الآثار أن اسمه عزرائيل. # وقد بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد كقوله ~~تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النساء: 97] الآية، وقوله تعالى: # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم # [محمد: 27] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم # [الأنعام: 93] الآية. وقوله تعالى: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61] إلى غير ذلك من الآيات. # وإيضاح هذا عند أهل العلم أن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد، هو المذكور ~~هنا، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك ~~الموت، أو يعينونه إعانة غير ذلك. # وقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر فيه # " أن ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها ~~إلى السماء وقد بين فيه صلى الله عليه وسلم ما تعامل به روح المؤمن وروح ~~الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك الموت حين يأخذها من البدن " # وحديث البراء المذكور صححه غير واحد، وأوضح ابن القيم في كتاب الروح ~~بطلان تضعيف ابن حزم له. # والحاصل: أن حديث البراء المذكور، دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين ~~يأخذون من يده الروح، حين يأخذه من بدن الميت. وأما قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] فلا إشكال فيه، لأن الملائكة لا يقدرون أن يتوفوا أحدا إلا ~~بمشيئته جل وعلا # وما ms2962 كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # [آل عمران: 145]. # فتحصل: أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله هنا: { قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } لأنه هو ~~المأمور بقبض الأرواح، وأن إسناده لملائكة في قوله تعالى: # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم # [محمد: 27] الآية. ونحوها من الآيات، لأن لملك الموت أعوانا يعملون ~~بأمره، وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] لأن كل شيء كائنا ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [32.12] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء # [الأعراف: 53] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38] الآية. ### || [32.13] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99]. ### || [32.22] # قد قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان الآيات الدالة على العواقب السيئة، ~~الناشئة عن الأعراض، عن التذكير بآيات الله في سورة الكهف، في الكلام على ~~قوله تعالى: # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه # [الكهف: 57]. ### || [32.26] # قوله تعالى: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم ~~من القرون يمشون في مساكنهم }. # قد قدمنا بعض الآيات الموضحة له في آخر سورة مريم، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98]. ### || [32.27] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى # [طه: 5354] وقد أوضحنا تفسير الأرض الجرز مع بعض الشواهد العربية في ~~سورة الكهف، في ms2963 الكلام على قوله تعالى: # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا # [الكهف: 8]. ### || [32.28-29] # أظهر أقوال أهل العلم عندي هو أن الفتح في هذه الآية الكريمة، هو الحكم ~~والقضاء، وقد قدمنا أن الفتاح وهي لغة حميرية قديمة. والفتاحة الحكم ~~والقضاء، ومنه قوله: # ألا من مبلغ عمرا رسولا # بأني عن فتاحتكم غنى # وقد جاءت آيات تدل على أن الفتح الحكم، كقوله تعالى عن نبيه شعيب: # على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين # [الأعراف: 89] أي احكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين. # وقوله تعالى عن نبيه نوح: # قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم ~~فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين # [الشعراء: 117118] الآية. أي احكم بيني وبينهم حكما. وقوله تعالى: # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ~~وهو الفتاح العليم # [سبأ: 26]. وقوله تعالى: # إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح # [الأنفال: 19] أي إن تطلبوا الحكم بهلاك الظالم منكم، ومن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد جاءكم الفتح: أي الحكم بهلاك الظالم وهو هلاكهم يوم ~~بدر، كما قاله غير واحد، وقد ذكروا أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر، جاء ~~أبو جهل، وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إنا قطان بيتك نسقي الحجيج، ~~ونفعل ونفعل، وإن محمدا قطع الرحم وفرق الجماعة، وعاب الدين، وشتم ~~الآلهة، وسفه أحلام الآياء، اللهم أهلك الظالم منا ومنه فطلب الحكم على ~~الظالم، فجاءهم الحكم على الظالم فقتلوا ببدر، وصاروا إلى الخلود في ~~النار إلى غير ذلك من الآيات. # وعلى قول من قال: من أهل العلم إن المراد بالفتح في الآية الحكم والقضاء ~~بينهم يوم القيامة فلا إشكال في قوله تعالى: { قل يوم الفتح لا ~~ينفع الذين كفروا إيمانهم } وعلى القول بأن المراد ~~بالفتح في الآية الحكم بينهم في الدنيا بهلاك الكفار. كما وقع يوم بدر، ~~فالظاهر أن معنى قوله تعالى: { قل يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم } أي إذا عاينوا الموت، وشاهدوا ~~القتل بدليل قوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين ms2964 فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون # [غافر: 8485] وقوله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # [النساء: 18] الآية. وقوله تعالى في فرعون: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين # [يونس: 9091] ولا يخفى أن قول من قال من أهل العلم: إن الفتح في هذه ~~الآية: فتح مكة أنه غير صواب بدليل قوله تعالى: { قل يوم الفتح ~~لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } ومعلوم أن فتح مكة لا ~~يمنع انتفاع المؤمن في وقته بإيمانه كما لا يخفى. ### || [32.30] # قوله تعالى: { وانتظر إنهم منتظرون }. # جاء معناه موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل ~~تربصوا فإني معكم من المتربصين # [الطور: 3031] ومعلوم أن التربص هو الانتظار. وقوله تعالى: # قل انتظروا إنا منتظرون # [الأنعام: 158] إلى غير ذلك من الآيات. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # قوله تعالى: { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: { ولا تجعل مع الله إلها آخر } [الإسراء: 39] ~~الآية وما دلت عليه آية الأحزاب هذه، من أن الخطاب الخاص لفظه بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم يشمل حكمه جميع الأمة، قد قدمنا الآيات الموضحة له في ~~سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس # [المائدة: 32] الآية. ### || [33.4] # قوله تعالى: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن أمهاتكم }. # في هذا الحرف أربع قراءات سبعية: قرأه عاصم وحده: تظاهرون بضم التاء ~~وتخفيف الظاء بعدها ألف فهاء مكسورة مخففة، وقرأه حمزة والكسائي: تظاهرون ~~بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة مخففة، فألف فهاء مفتوحة مخففة، وقرأه ابن ~~عامر: وحده كقراءة حمزة والكسائي: إلا أن ابن عامر يشدد الظاء، وهما ~~يخففانها، وقرأه ms2965 نافع وابن كثير، وأبو عمرو: تظهرون بفتح التاء بعدها ظاء ~~فهاء مفتوحتان مشددتان بدون ألف، فقوله تعالى: تظاهرون، على قراءة عاصم ~~مضارع ظاهر بوزن فاعل، وعلى قراءة حمزة، والكسائي فهو مضارع تظاهر بوزن ~~تفاعل حذفت فيه إحدى التاءين على حد قوله في الخلاصة: # وما بتاءين ابتدى قد يقتصر # فيه على تاكتبين العبر # فالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين وعلى قراءة ابن ~~عامر، فهو مضارع تظاهر أيضا، كقراءة حمزة والكسائي، إلا أن إحدى ~~التاءين، أدغمت في الظاء، ولم تحذف وماضيه اظاهر كادارك، واثاقلتم، ~~وادارأتم، بمعنى تدارك. إلخ. # وعلى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو فهو مضارع تظهر على وزن تفعل، ~~وأصله تتظهرون بتاءين، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء، وماضيه: اظهر نحو ~~اطيرنا وازينت بمعنى: تطيرنا، وتزينت، كما قدمنا إيضاحه في سورة طه في ~~الكلام على قوله تعالى: # فإذا هي تلقف ما يأفكون # [الأعراف: 117] و [الشعراء: 45] فعلم مما ذكرنا أن قولهم ظاهر من ~~امرأته، وتظاهر منها، وتظهر منها كلها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: أنت ~~علي كظهر أمي، يعني أنها حرام عليه، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في ~~الجاهلية. # وقد بين الله جل وعلا في قوله هنا: { وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } ، أن من قال لامرأته: ~~أنت علي كظهر أمي: لا تكون أما له بذلك، ولم يزد هنا على ذلك، ولكنه ~~جل وعلا أوضح هذا في سورة المجادلة، فبين أن أزواجهم اللائي ظاهروا منهم ~~لسن أمهاتهم، وأن أمهاتهم هن النساء التي ولدنهم خاصة دون غيرهن، وأن ~~قولهم: أنت علي كظهر أمي منكر من القول وزور. # وقد بين الكفارة اللازمة في ذلك عند العود وذلك في قوله تعالى: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن ~~الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسآئهم ~~ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون ~~خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من ms2966 ~~قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود ~~الله وللكافرين عذاب أليم # [المجادلة: 24]. # فقوله تعالى في آية الأحزاب هذه: { وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } كقوله تعالى في سورة ~~المجادلة: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2]، وقد رأيت ما في سورة المجادلة، من الزيادة والإيضاح لما ~~تضمنته آية الأحزاب هذه. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: قد علمت من القرآن أن الإقدام على الظهار من الزوجة ~~حرام حرمة شديدة كما دل عليه قوله تعالى: # وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا # [المجادلة: 2] فما صرح الله تعالى، بأنه منكر وزور فحرمته شديدة كما ~~ترى. وبين كونه كذبا وزورا بقوله: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم # [المجادلة: 2] وقوله تعالى: { ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم } [الأحزاب: 4]. # وأشار بقوله تعالى: # وإن الله لعفو غفور # [المجادلة: 2] أن من صدر منه منكر الظهار وزوره، إن تاب إلى الله من ذلك ~~توبة نصوحا غفر له ذلك المنكر والزور، وعفا عنه، فسبحانه ما أكرمه، وما ~~أحلمه. # المسألة الثانية: في بيان العود الذي رتب الله عليه الكفارة في قوله: # ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا # [المجادلة: 3] وإزالة إشكال في الآية. # اعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب] وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميما للفائدة. # ففي دفع إيهام الاضطراب ما نصه قوله تعالى: # والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3]. لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار ~~والعود معا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معا. وقوله ~~تعالى: { من قبل أن يتمآسا } صريح في أن التكفير يلزم كونه من ~~قبل العود إلى المسيس. # اعلم أولا: أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري، وحكاه ابن عبد ~~البر ms2967 عن بكير بن الأشج، والفراء، وفرقة من أهل الكلام وقال به شعبة: ~~من أن معنى { ثم يعودون لما قالوا } هو عودهم إلى لفظ الظهار، ~~فيكررونه مرة أخرى قول باطل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو ~~لا، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مرارا. # والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها، لا يشترط فيهما تكرير صيغة ~~الظهار، وما زعمه بعضهم أيضا من أن الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: " ~~والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما ~~قالوا " سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضا لما تقرر في الأصول ~~من وجوب الحمل على بقاء الترتيب، إلا لدليل. وإليه الإشارة بقول صاحب ~~مراقي السعود: # كذاك تريب لإيجاب العمل # بما له الرجحان مما يحتمل # وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة رضي ~~الله عنهم وأرضاهم. # فنقول وبالله تعالى نستعين: معنى العود عند مالك فيه قولان، تؤولت ~~المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح. # الأول: أنه العزم على الجماع فقط. # الثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معا، وعلى كلا القولين فلا ~~إشكال في الآية. # لأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعزمون على الجماع أو ~~عليه مع الإمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على ~~الجماع، أو عليه مع الإمساك، وبين الإعتاق قبل المسيس. # وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة، وهو واقع في القرآن كقوله ~~تعالى: # إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] أي أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن # [النحل: 98] أي أردت قراءته: # فاستعذ بالله # [النحل: 98] الآية. # ومعنى العود عند الشافعي: أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن ~~يطلقها فيه فلا يطلق، وعليه فلا إشكال في الآية أيضا، لأن إمساكه إياها ~~الزمن المذكور، لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح. # ومعنى العود عند أحمد: هو أن يعود ms2968 إلى الجماع أو يعزم عليه. أما العزم ~~فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به، وأما على القول بأنه ~~الجماع. # فالجواب: أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه. الكف عن المسيس مرة ~~أخرى، حتى يكفر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير، لأن ~~الآية على هذا القول، إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه ~~وجوب التكفير قبل مسيس آخر، وأما الإقدام على المسيس الأول، فحرمته ~~معلومة من عموم قوله تعالى: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3]. # ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: هو العزم على الوطء، وعليه ~~فلا إشكال كما تقدم. وما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره ~~عن مالك من أنه حكى عنه أن العود الجماع، فهو خلاف المعروف من مذهبه، ~~وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه، ~~ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرر في فروع الحنيفة من أنه ~~العزم على الوطء كما ذكرنا، وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ~~ذكرنا من أقوال الأئمة رحمهم الله. # وقال بعض العلماء: المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، ~~والمراد بالمسيس في قوله: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3] خصوص الجماع وعليه فلا إشكال، ولا يخفى عدم ظهور هذا ~~القول. # والتحقيق عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير لعموم قوله: { ~~من قبل أن يتمآسا } ، وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء، ~~قائلا: إن المراد بالمسيس في قوله: { من قبل أن يتمآسا } نفس ~~الجماع لا مقدماته، وممن قال بذلك: الحسن البصري، والثوري، وروي عن ~~الشافعي في أحد القولين. # وقال بعض العلماء اللام في قوله: لما قالوا بمعنى في أي يعودون فيما ~~قالوا بمعنى يرجعون فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم # " الواهب العائد في هبته " # الحديث. وقيل اللام بمعنى: عن: أي يعودون عما قالوا: أي يرجعون عنه، وهو ~~قريب مما قبله. # قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي ms2969 والله تعالى أعلم: أن ~~العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن ~~عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطئ ~~بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير. # ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: لما قال # " إذا التقا المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. وقالوا: يا ~~رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل ~~صاحبه " # فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإنسان. # فإن قيل: ظاهر الآية المتبادر، منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا ~~بطلانه، لأن الظاهر المتبادر من قوله: لما قالوا أنه صيغة الظهار، فيكون ~~العود لها تكريرها مرة أخرى. # فالجواب: أن المعنى: لما قالوا أنه حرام عليهم، وهو الجماع، ويدل لذلك ~~وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: # ونرثه ما يقول # [مريم: 80] أي ما يقول إنه يؤتاه من مال وولد في قوله: # لأوتين مالا وولدا # [مريم: 77]، وما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير، يلزمه الكف عن المسيس ~~مرة أخرى، حتى يكفر، هو التحقيق خلافا لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع ~~قبل المسيس كما روي عن الزهرين وسعيد بن جبير، وأبي يوسف، ولمن قال: تلزم ~~به كفارتان كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكره بعضهم عن عمرو ~~بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي. ولمن قال تلزمه ثلاث كفارات، كما رواه ~~سعيد بن منصور، عن الحسن، وإبراهيم. والعلم عند الله تعالى. انتهى بطوله ~~من [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب]. # المسألة الثالثة: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه لو قال لها: أنت علي ~~كظهر ابنتي، أو أختي، أو جدتي، أو عمتي أو أمي من الرضاع، أو أختي من ~~الرضاع أو شبهها بعضو آخر غير الظهر، كأن يقول: أنت علي كرأس ابنتي أو ~~أختي إلخ، أو كبطن من ذكر، أو فرجها، أو فخذها أن ذلك كله ظهار، إذ لا ~~فرق في المعنى بينه، وبين أنت علي كظهر أمي، لأنه ms2970 في جميع ذلك شبه ~~امرأته بمن هي في تأبيد الحرمة كأمه، فمعنى الظهار محقق الحصول في ذلك. # قال ابن قدامة في المغني: وهذا قول أكثر أهل العلم منهم: الحسن، وعطاء، ~~وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، ~~وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو جديد قولي الشافعي. # وقال في القديم: لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة لأنها أم أيضا، لأن ~~اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم، فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه ~~الله تعالى فيه، ولنا أنهن محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم، فأما الآية فقد ~~قال فيها: # وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا # [المجادلة: 2] وهذا موجود في مسألتنا، فجرى مجراه، وتعليق الحكم بالأم ~~لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها إذا كانت مثلها. # الضرب الثالث: أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب، ~~كالأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء، والأبناء، وأمهات ~~النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن فهو ظهار أيضا، والخلاف فيها كالتي ~~قبلها، ووجه المذهبين ما تقدم، ويزيد في الأمهات المرضعات دخولها في عموم ~~الأمهات فتكون داخلة في النص، وسائرهن في معناها، فثبت فيهن حكمها. انتهى ~~من المغني. وهو واضح كما ترى. # فرعان يتعلقان بهذه المسألة # الأول: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا شبه امرأته بظهر من تحرم ~~عليه تحريما موقتا، كأخت امرأته، وعمتها وكالأجنبية، فقال بعض أهل ~~العلم: هو ظهار وهو قول أصحاب مالك، وهو عندهم من نوع الكناية الظاهر، ~~وهو إحدى الروايتين، عن أحمد واختارها الخرقي، والرواية الأخرى عن أحمد: ~~أنه ليس بظهار، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. # وحجة القول الأول: أنه شبه امرأته بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم، ~~لاشتراك الجميع في التحريم، لأن مجرد قوله: أنت علي حرام، إذا نوى به ~~بالظهار، يكون ظهارا على الأظهر. والتشبيه بالمحرمة تحريم، فيكون ~~ظهارا. # وحجة القول الثاني: أن التي شبه بها امرأته، ليست محرمة على التأبيد، ~~فلا يكون لها حكم ظهر الأم إلا إن كان تحريمها مؤبدا كالأم، ولما كان ms2971 ~~تحريمها غير مؤبد كان التشبيه بها ليس بظهار كما لو شبهها بظهر حائض، أو ~~محرمة من نسائه، وأجاب المخالفون عن هذا: بأن مجرد التشبيه بالمحرمة يكفي ~~في الظهار لدخوله في عموم قوله: # وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا # [المجادلة: 2]، قالوا: وأما الحائض، فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج، ~~والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة، وليس في وطء واحدة ~~منهما حد بخلاف مستألتنا. انتهى من المغني مع تصرف يسير لا يخل بالمعنى. # وقال صاحب المغني: واختار أبو بكر: أن الظهار لا يكون إلا من ذوات ~~المحرم من النساء، قال: فبهذا أقول. # وقال بعض العلماء: إن شبه امرأته بظهر الأجنبية، كان طلاقا. قاله بعض ~~المالكية اه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على ~~الأصول، هو قول من قال: إنه يكون مظاهرا، ولو كانت التي شبه امرأته ~~بظهرها غير مؤبدة التحريم، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم، لأن مدار الظهار ~~على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة وذلك حاصل بتشبيهها بأمرأة محرمة ~~في الحال، ولو تحريما مؤقتا لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل، ~~والعلم عند الله تعالى. # الفرع الثاني: في حكم ما لو قال لها: أنت علي كظهر أبي أو ابني أو ~~غيرهما من الرجال، لا أعلم في ذلك نصا من كتاب، ولا سنة. والعلماء ~~مختلفون فيه. فقال بعضهم: لا يكون مظاهرا بذلك، قال ابن قدامة في ~~المغني: وهو قول أكثر العلماء، لأنه شبيه بما ليس بمحل للاستمتاع فأشبه ~~ما لو قال: أنت علي كما زيد، وهل فيه كفارة؟ على روايتين: إحداهما: ~~فيه كفارة، لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله. والثانية: ليس فيه شيء، ~~ونقل ابن القاسم عن أحمد، فيمن شبه امرأته بظهر الرجال، لا يكون ظهارا، ~~ولم أره يلزم فيه شيء، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع، ~~أشبه التشبيه بمال غيره. وقال بعضهم: يكون مظاهرا بالتشبيه بظهر الرجل. ~~وعزاه في المغني لابن القاسم صاحب مالك، وجابر بن زيد. ms2972 وعن أحمد روايتان، ~~كالمذهبين المذكورين، وكون ذلك ظهارا هو المعروف عند متأخري المالكية. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة ~~أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين ~~الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل. والصحيح عند جماعات ~~من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولا إن كانت له حقيقة ~~شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية ثم اللغوية، وعن أبي حنيفة: ~~أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية، وقال: لأن العرفية، وإن ترجحت بغلبة ~~الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع. # القول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما ~~فيكون اللفظ مجملا لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من ~~الاحتمالين بنية أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود ~~بقوله: # واللفظ محمول على الشرعي # إن لم يكن فمطلق العرفي # فاللغوي على الجلي ولم يجد # بحث عن المجاز في الذي انتخب # ومذهب النعمان عكس ما مضى # والقول بالإجمال فيه مرتضى # وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أبي مثلا ~~لا ينصرف في الحقيقة العرفية، إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته، لأن ~~العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم ~~الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا، يقتضي التحريم ~~فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار، والظاهر أن قوله: أنت علي كالميتة ~~والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلك، كقوله: أنت علي كظهر أبي فيجري على ~~حكمه. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته أنت علي حرام، أو إن ~~دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها فيها للعلماء نحو عشرين قولا كما هو ~~معروف في محله. # وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول ~~من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق. # وإيضاح ذلك: أن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي ms2973 حرام: ~~وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: انت علي كظهر أمي، ولا يخفى أن ~~أنت علي حرام مثلها في المعنى كما ترى. # وقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس: وأبي قلابة، ~~وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي. أنهم قالوا: التحريم ظهار. اه. ~~وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين، والاستغفار ~~لقوله: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] وقوله: # والله غفور رحيم # [البقرة: 218] و [آل عمران: 129] و [النساء: 25] و [الأنفال: 70] و ~~[التوبة: 27] و [الحديد: 12] و [الممتحنة: 7] و [التحريم: 1] بعد قوله: ~~لم تحرم الآية. # المسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي لا ~~فرق بينه وبين قوله: أنت علي كظهر أمي فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو ~~واضح كما ترى. # المسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت ~~علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارا إلا أن ينوي ~~به الظهار، لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها ~~مشهورا، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء. قاله ~~في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير أو أنها ~~مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار والقول قوله في نيته. قاله في ~~المغني. # وأما إن لم ينو شيئا فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر هو ~~صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه ~~روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ~~لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف ~~إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي، لأن اللفظ ~~المذكور، لا يتعين للظهار لا عرفا ولا لغة، إلا لقرينة تدل على قصده ~~الظهار. # قال ابن قدامة في المغني: ووجه الأول يعني القول بأن ذلك ms2974 ظهار أنه شبه ~~امرأته بجملة أمه، فكان مشبها لها بظهرها، فيثبت الظهار كما لو شبهها به ~~منفردا. # والذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن ~~يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا فأنت علي مثل أمي، أو قال ذلك ~~حال الخصومة، والغضب فهو ظهار، لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد ~~للامتناع من شيء أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه، ولأن كونها ~~مثل أمه في صفتها أو كرامتها لا يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها وهو ~~الظهار، وإن عدم هذا فليس بظهار، لأنه محتمل لغير الظهار احتمالا ~~كثيرا. # فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. انتهى محل الغرض ~~من المغني، وهو الأظهر فلا ينبغي العدول عنه والعلم عند الله تعالى. # المسألة السابعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي أنه إن قال: الحل علي ~~حرام أو ما أحل الله علي حرام، أو ما أنقلب إليه حرام وكانت له امرأة أنه ~~يكون مظاهرا، وذلك لدخول الزوجة في عموم الصيغ المذكورة. # قال في المغني: نص على ذلك أحمد في الصور الثلاث اه. وهو ظاهر. # وهذا على أقيس الأقوال، وهو كون التحريم ظهارا، وأظهر القولين عندي ~~فيمن قال: ما أحل الله من أهل ومال حرام على أنه يلزمه الظهار، مع لزوم ~~ما يلزم في تحريم ما أحل الله من مال، وهو كفارة يمين عند من يقول بذلك، ~~وعليه فتلزمه كفارة ظهار وكفارة يمين. # وهذا الذي استظهرنا هو الذي اختاره ابن عقيل خلافا لما نقله في المغني ~~عن أحمد ونصره من أنه يكفي فيه كفارة الظهار عن كفارة اليمين والعلم عند ~~الله تعالى. # المسألة الثامنة: أظهر أقوال أهل العلم عندي، فيمن قال لامرأته: أنت علي ~~حرام كظهر أمي، أو أنت علي كظهر أمي حرام: أنه يكون مظاهرا مطلقا، ولا ~~ينصرف للطلاق، ولو نواه، لأن الصيغة صريحة للظهار. # المسألة التاسعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت طالق ~~كظهر أمي، أن الطلاق إن كان ms2975 بائنا بانت به، ولا يقع ظهار بقوله: كظهر ~~أمي، لأن تلفظه بذلك وقع، وهي أجنبية فهو كالظهار من الأجنبية، وإن كان ~~الطلاق رجعيا، ونوى بقوله كظهر أمي الظهار كان مظاهرا، لأن الرجعية ~~زوجة يلحقها الظهار والطلاق، وإن لم ينوبه الظهار، فلا يكون ظهارا، لأنه ~~أتى بصريح الطلاق أولا، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له، وصريح الطلاق لا ~~ينصرف إلى الظهار. ونقل في المغني هذا الذي استظهرنا عن القاضي. وقال: ~~وهو مذهب الشافعي. وأما لو قدم الظهار على الطلاق فقال: أنت علي كظهر ~~أمي طالق، فالأظهر وقوع الظهار والطلاق معا سواء كان الطلاق بائنا أو ~~رجعيا، لأن الظهار لا يرفع الزوجية، ولا تحصل به البينونة، لأن الكفارة ~~ترفع حكمه، فلا يمنع وقوع الطلاق على المظاهر منها. والعلم عند الله ~~تعالى. # المسألة العاشرة: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن شبه أي عضو من ~~امرأته بظهر أمه، أو بأي عضو من أعضائها، فهو مظاهر لحصول معنى تحريم ~~الزوجة بذلك. # وسواء كان عضو الأم يجوز له النظر إليه كرأسها ويدها أو لا يجوز له ~~كفرجها وفخذها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ~~ورواية أخرى: أنه لا يكون مظاهرا، حتى يشبه جملة امرأته، لأنه لو حلف ~~بالله لا يمس عضوا معينا منها لم يسر إلى غيره من أعضائها، فكذلك ~~المظاهرة، ولأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، وعن أبي ~~حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والفرج فهو ظهار، ~~وإن شبهها بما يجوز النظر إليه، كاليد والرأس فليس بظهار، لأن التشبيه ~~بعضو يحل النظر كالتشبيه بعضو زوجة له أخرى، فلا يحصل به الظهار، وإنما ~~استظهرنا أنه ظهار مطلقا، لأن معنى التحريم حاصل به، فهو في معنى صريح ~~الظهار فقولهم: ولا هو في معنى المنصوص ليس بمسلم، بل هو في معناه، ~~وقياسه على حلفه بالله لا يمس عضوا معينا منها ظاهر السقوط، لأن معنى ~~التحريم يحصل ببعض، والحلف عن بعض لا يسري إلى بعض آخر، كما ترى. ms2976 وقول ~~أبي حنيفة: إنه العضو الذي يحل النظر إليه: لا يحصل الظهار بالتشبيه به ~~غير مسلم أيضا، لأنه وإن جاز النظر إليه فإن التلذذ به حرام، والتلذذ هو ~~المستفاد من عقد النكاح، فالتشبيه به مستلزم للتحريم، والظهار هو نفس ~~التحريم بواسطة التشبيه بعضو الأم المحرم. # واعلم أن القول بأن الظهار يحصل بقوله: شعرك، أو ريقك، أو كلامك علي ~~كظهر أمي، له وجه قوي من النظر، لأن الشعر من محاسن النساء التي يتلذذ ~~بها الأزواج كما بيناه في سورة الحج، وكذلك الريق فإن الزوج يمصه ويتلذذ ~~به من امرأته، وكذلك الكلام كما هو معروف. وأما لو قال لها: سعالك أو ~~بصاقك، أو نحو ذلك علي كظهر أمي، فالظاهر أن ذلك ليس بشيء، لأن ~~السعال والبصاق وما يجري مجراهما، كالدمع ليس مما يتمتع به عادة والعلم ~~عند الله تعالى. # المسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيمن قال لأمته: أنت علي كظهر ~~أمي، أو قال ذلك لأم ولده، فقال بعض أهل العلم: لا يصح الظهار من ~~المملوكة، وهو مروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ~~ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، ~~وأحمد، وقال بعضهم: يصح الظهار من الأمة أم ولد كانت أو غيرها، وهو مذهب ~~مالك وهو مروي أيضا عن الحسن، وعكرمة والنخعي، وعمرو بن دينار، وسليمان ~~بن يسار، والزهري، والحكم، والثوري، وقتادة، وهو رواية عن أحمد، وعن ~~الحسن، والأوزاعي: إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلا فلا. وعن عطاء: إن ظاهر ~~من أمته، فعليه نصف كفارة الظهار من الحرة. # واحتج الذين قالوا: إن الأمة لا يصح الظهار منها بأدلة: # منها: أنهم زعموا أن قوله: يظاهرون من نسائهم يختص بالأزواج دون الإماء. # ومنها: أن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تدخل فيه الأمة قياسا ~~على الطلاق. # ومنها: أن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، ومحل ~~الطلاق الأزواج دون الإماء. # ومنها: أن تحريم الأمة تحريم لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين ~~كتحريم سائر ماله عند ms2977 من يقول: بأن تحريم المال فيه كفارة يمين كما تقدم ~~في سورة الحج. # قالوا: ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته مارية، فلم يلزمه ~~ظهار بل كفارة يمين، كما قال تعالى في تحريمه إياها: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]، ثم قال: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] الآية. # واحتج القائلون بصحة الظهار من الأمة بدخولها في عموم قوله تعالى: # والذين يظاهرون من نسآئهم # [المجادلة: 3] قالوا: وإماؤهم من نسائهم، لأن تمتعهم بإمائهم من تمتعهم ~~بنسائهم قالوا: ولأن الأمة يباح وطؤها، كالزوجة فصح الظهار منها كالزوجة، ~~قالوا: وقوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم # [التحريم: 1] نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم شرب العسل في القصة ~~المشهورة، لا في تحريم الجارية وحجة الحسن والأوزاعي، وحجة عطاء كلتاهما ~~واضحة مما تقدم. # وقال ابن العربي المالكي في قول مالك وأصحابه: بصحة الظهار من الأمة، ~~وهي مسألة عسيرة علينا، لأن مالكا يقول: إذا قال لأمته أنت علي حرام لا ~~يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم ~~قوله: من نسائهم، لأنه أراد من محللاتهم. # والمعنى فيه: أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد، فصح في الأمة أصله ~~الحلف بالله تعالى اه. منه. بواسطة نقل القرطبي. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يبعد بمقتضى الصناعة الأصولية، ~~والمقرر في علوم القرآن: أن يكون هناك فرق بين تحريم الأمة وتحريم ~~الزوجة. # وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] جاء في بعض الروايات الصحيحة في السنن وغيرها، أنه نزل في ~~تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته مارية أم إبراهيم، وإن كان جاء في ~~الروايات الثابتة في الصحيحين: أنه نزل في تحريمه العسل الذي كان شربه ~~عند بعض نسائه، وقصة ذلك مشهورة صحيحة، لأن المقرر في علوم القرآن أنه ~~إذا ثبت نزول الآية في شيء معين، ثم ثبت بسند آخر صحيح أنها نزلت في شيء ~~آخر معين غير الأول، وجب حملها ms2978 على أنها نزلت فيهما معا، فيكون لنزولها ~~سببان، كنزول آية اللعان في عويمر، وهلال معا. # وبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] الآية نزل في تحريمه صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه، ~~وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم ~~الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ~~ظهارا منها وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، ~~وقد قال ابن عباس: لما بين أن فيه كفارة يمين: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]، ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن تحريمه ~~جاريته كفارة يمين، لأن الله تعالى قال: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] بعد تحريمه جاريته المذكورة في قوله: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] ومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة ~~يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى: # والله غفور رحيم # [التحريم: 2] بعد قوله: لم تحرم، وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~حرم جاريته قال مع ذلك: # " والله لا أعود إليها " # وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2]، ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية، واليمين المذكورة، مع ~~التحريم في قصة الجارية قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن ~~زيد بن أسلم. التابعي المشهور، لكنه أرسله. اه. وكذلك رواه عنه ابن ~~جرير. # وقال ابن كثير في تفسير: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح ~~وساق السند المذكور عن عمر رضي الله عنه، والمتن فيه التحريم واليمين كما ~~ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: { لم تحرم مآ أحل الله ~~لك } نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم جاريته، فالفرق بين تحريم ~~الجارية، والزوجة ظاهر، لأن آية لم تحرم دلت على أن تحريم الجارية لا ~~يحرمها، ms2979 ولا يكون ظهارا وآية: # والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة # [المجادلة: 3] الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار ~~المنصوص عليها في المجادلة لأن معنى { يظاهرون من نسآئهم } ~~على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي معناه ~~أنت علي حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم ~~تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، كما تقدم إيضاحه، وعلى ~~هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم ~~تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم ~~الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها ~~على أن تحريم الزوجة ظهار، لأن أنت علي كظهر أمي، وأنت علي حرام ~~معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، ~~وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين أو الاستغفار ~~كما تقدم، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه. # وقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولا، وسنذكرها هنا ~~باختصار ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء الله تعالى. # القول الأول: هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل، لا يترتب عليه شيء. ~~قال ابن القيم في إعلام الموقعين: وهو إحدى الروايتين، عن أبن عباس، وبه ~~قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، والشعبي، وداود وجميع أهل ~~الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية. اختاره أصبغ بن ~~الفرج. وفي الصحيح عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم ~~امرأته، فليس بشيء، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة) وصح عن مسروق أنه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد. ~~وصح عن الشعبي في تحريم المرأة لهو أهون علي من نعلي. وقال ms2980 أبو سلمة: ~~ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج ابن منهال: إن ~~رجلا جعل امرأته عليه حراما، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال ~~حميد قال الله تعالى: # فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب # [الشرح: 78]. وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. اه. منه. # واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون # [النحل: 116]. وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم # [المائدة: 87] وعموم قوله تعالى: # قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم # [الأنعام: 150]. وعموم قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] الآية. وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ، ومعلوم أن تحريم ما أحل الله ليس من أمرنا. # القول الثاني:أن التحريم ثلاث تطليقات، قال في إعلام الموقعين: وبه قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والحسن البصري، ~~ومحمد عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقضى فيها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ~~بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي، وقال: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن ~~تتزوج غيرك لأرجمنك: وقال في زاد المعاد: وروي عن الحكم بن عتبية ثم قال: ~~قلت الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر: أن في ذلك كفارة يمين، وذكر في ~~الزاد أيضا: أن ابن حزم نقل عن علي الوقف في ذلك، وحجة هذا القول بثلاث ~~أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما ~~عليه. # القول الثالث: أنها حرام عليه بتحريمه إياها: قال في إعلام الموقعين: ~~وصح هذا أيضا عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد ~~وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقا بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضا ~~علي رضي الله عنه، فإما أن يكون عنه روايتان، وإما أن ms2981 يكون أراد تحريم ~~الثلاث، وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم، ولم يتعرض لعدد ~~الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. # القول الرابع: الوقف. قال في إعلام الموقعين: صح ذلك أيضا عن أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو قول الشعبي، وحجة هذا القول: أن التحريم ~~ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم ~~به، وهو الطلاق وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع ~~في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه فوجب الوقف للاشتباه. # القول الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين. قال في ~~الإعلام: وهذا قول طاوس والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن اه. # وحكى هذا القول أيضا عن النخعي وإسحاق وابن مسعود وابن عمرو حجة هذا ~~القول، أن التحريم كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقا، وإن لم ينوه ~~كان يمينا لقوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] إلى قوله تعالى: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2]. # القول السادس: أنه إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، ~~وإن نوى يمينا فهو يمين، وإن لم ينو شيئا فهو كذبة لا شيء فيها، قاله ~~سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه، وحجة هذا القول، أن اللفظ محتمل لما نواه ~~من ذلك فيتبع نيته. # القول السابع: مثل هذا إلا أنه إن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها، وهو ~~قول الأوزاعي. وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2]. # القول الثامن مثل هذا أيضا، إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنة ~~إعمالا للفظ التحريم، هكذا ذكر هذا القول في: إعلام الموقعين ولم يعزه ~~لأحد. # وقال صاحب نيل الأوطار: وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي. # القول التاسع: أن فيه كفارة الظهار. قال في إعلام الموقعين: وصح ذلك عن ~~ابن عباس أيضا، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، ~~وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وحجة هذا ms2982 القول أن الله تعالى جعل ~~تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارا وجعله منكرا من القول وزورا، ~~فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرا، فإذا صرح بتحريمها كان أولى ~~بالظهار، وهذا أقيس الأقوال وأفقهها، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف ~~التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال ~~والأقوال، التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد وحكمه ~~إلى الله تعالى، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي أو قال: أنت علي ~~حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وقد كذب، فإن الله لم يجعلها كظهر ~~أمه، ولا جعلها عليه حرام، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ ~~الكفارتين وهي كفارة الظهار. # القول العاشر: أنه تطليقة واحدة: وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن ~~تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة، ~~فحمل اللفظ عليها، لأنها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة. # القول الحادي عشر: أنه ينوي فيما أراد من ذلك، فيكون له نيته في أصل ~~الطلاق وعدده، وإن نوى تحريما بغير طلاق فيمين مكفرة. قال ابن القيم: ~~وهو قول الشافعي. # وحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله، فلا يتعين واحد منها إلا ~~بالنية، فإن نوى تحريما مجردا كان امتناعا منها بالتحريم كامتناعه ~~باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين اه. وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو ~~القول الخامس. # قال في نيل الأوطار: وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري حكاه عنه ابن ~~القيم نفسه. # القول الثاني عشر: أنه ينوي في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة ~~كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقا فهو مؤل، وإن نوى الكذب فليس بشيء وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه. # وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت ~~بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة، وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة، ~~فاعتبرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب دين، ولم ms2983 يقبل في ~~الحكم بل يكون مؤليا، ولا يكون ظهارا عنده نواه، أو لم ينوه ولو صرح به ~~فقا: أعني بها الظهار لم يكن مظاهرا انتهى من إعلام الموقعين. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ذكر كلام ابن القيم: الذي ذكرناه ~~آنفا إلى قوله: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه هكذا قال ابن القيم: وفي ~~الفتح عن الحنفية: أنه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو ~~طلاقا فهي يمين ويصير مؤليا اه. # القول الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين. قال ابن القيم في ~~إعلام الموقعين: صح ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، ~~وعائشة، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة وعطاء، ~~ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، ~~وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم ~~رضي الله عنهم. # وحجة هذا القول ظاهر القرآن العظيم، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة ~~الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينا فلا يجوز جعل تحلة ~~الإيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها ~~لأجله. # اه منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن ابن القيم أراد بكلامه هذا ~~أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وأن قوله: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] نازل في تحريم الحلال المذكور في قوله تعالى: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1] وما ذكره من شمول قوله: { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم } لقوله: { لم تحرم مآ أحل الله ~~لك } على سبيل اليقين. والجزم لا يخلو عندي من نظر لما قدمنا عن بعض أهل ~~العلم من أن قوله: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ~~} نازل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود لما حرم على نفسه لا في ~~أصل التحريم، وقد أشرنا للروايات الدالة على ذلك في أول هذا البحث. # القول الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة. ms2984 قال ابن القيم: ~~وصح ذلك أيضا عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من ~~التابعين. # وحجة هذا القول أنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ~~ووجه تغليظها، تضمنها تحريم ما أحل الله، وليس إلى العبد. وقول المنكر ~~والزور، وإن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه، فغلظت كفارته ~~بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين، أو بإطعام ستين ~~مسكينا. # القول الخامس عشر: أنه طلاق ثم إنها كانت غير مدخول بها، فهو ما نواه من ~~الواحدة وما فوقها. وإن كانت مدخولا به فثلاث، وإن نوى أقل منها، وهو ~~إحدى الروايتين عن مالك. # وحجة هذا القول: أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يرتب عليه حكمه وغير ~~المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث. # وبعد: ففي مذهب مالك خمسة أقوال هذا أحدها: وهو مشهورها. والثاني: أنها ~~ثلاث بكل حال نوى الثلاث أو لم ينوها اختاره عبد الملك في مبسوطه. ~~والثالث: أنها واحدة بائنة مطلقا حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك. ~~والرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والخامس: أنه ~~ما نواه من ذلك مطلقا، سواء قبل الدخول أو بعده، وقد عرفت توجيه هذه ~~الأقوال. انتهى من إعلام الموقعين. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: المعروف أن المعتمد من هذه الأقوال عند ~~المالكية: اثنان وهما القول بالثلاث، وبالواحدة البائنة، وقد جرى العمل ~~في مدينة فاس بلزوم الواحدة البائنة في التحريم. قال ناظم عمل فاس: # وطلقة بائنة في التحريم # وحلف به لعرف الإقليم # ثم قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: وأما تحرير مذهب الشافعي ~~فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارا، وإن نوى التحريم كان تحريما لا يترتب ~~عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقا، وكان ما نواه. # وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة. # والثاني: لا يتعلق به شيء. # والثالث: أنه في حق الأمة صريح في ms2985 التحريم الموجب للكفارة، وفي حق الحرة ~~كناية، قالوا: إن أصل الآية إنما ورد في الأمة، قالوا فلو قال: أنت ~~علي حرام، وقال أردت بها الظهار والطلاق. فقال ابن الحداد: يقال له ~~عين أحد الأمرين، لأن اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معا، وقيل: ~~يلزمه ما بدأ به منهما، قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقا أنكره فقال: ~~الحل عليك حرام والنية نيتي لا نيتك ما لي عليك شيء فقال: الحل علي ~~حرام والنية في ذلك نيتك ما لك عندي شيء كانت النية نية الحالف لا ~~المحلف، لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع ثم قال: وأما تحرير مذهب ~~الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه، وإن لم ينوه إلا أن ينوي به الطلاق أو ~~اليمين، فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه، إلا أن ينوي ~~به الطلاق، أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة: أنه ظهار بكل ~~حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينا، ولا طلاقا كما لو نوى ~~الطلاق أو اليمين بقوله: أنت علي كظهر أمي، فإن اللفظين صريحان في ~~الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصله بقوله: أعني به الطلاق، فهل يكون ~~طلاقا أو ظهارا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارا كما لو قال: أنت ~~علي كظهر أمي أعني به الطلاق، أو التحريم، إذا التحريم صريح في ~~الظهار. والثانية: أنه طلاق، لأنه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته ~~أنه كناية فيه، فعلى هذه الرواية، إن قال: أعني به طلاقا طلقت واحدة، ~~وإن قال: أعني به الطلاق، فهل تطلق ثلاثا أو واحدة، على روايتين مأخذهما ~~هل اللام على الجنس أو العموم، وهذا تحرير مذهبه وتقريره، وفي المسألة ~~مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم، كان ظهارا ولو نوى به ~~الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن ~~تيمية، وعليه يدل النص والقياس، فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من ~~القول وزورا، وكان أولى بكفارة الظهار من شبه امرأته ms2986 بالمحرمة، وإذا حلف ~~به كان يمينا من الأيمان كما لو حلف بالتزام الحج والعتق والصدقة، وهذا ~~محض القياس والفقه ألا ترى أنه إذا قال: لله علي أن أعتق، أو أحج، أو ~~أصوم، لزمه، ولو قال: إن كلمت فلانا فلله علي ذلك على وجه اليمين، فهو ~~يمين وكذلك لو قال: هو يهودي أو نصراني كفر بذلك، ولو قال: إن فعل كذا ~~فهو يهودي أو نصراني كان يمينا. # وطرد هذا بل نظيره من كل وجه أنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي كان ~~ظهارا، فلو قال: إن فعلت كذا، فأنت علي كظهر أمي كان يمينا، طرد ~~هذا أيضا إذا قال: أنت طالق كان طلاقا ولو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق ~~كان يمينا، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة ~~والميزان، وبالله التوفيق، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي مع كثرتها ~~وانتشارها: أن التحريم ظهار، سواء كان منجزا أو معلقا، لأن المعلق على ~~شرط من طلاق أو ظهار يجب بوجود الشرط المعلق عليه، ولا ينصرف إلى اليمين ~~المكفرة على الأظهر عندي، وهو قول أكثر أهل العلم. # وقال مالك في الموطأ: فقال القاسم بن محمد: إن رجلا جعل امرأة عليه ~~كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إن هو تزوجها، ألا يقربها حتى ~~يكفر كفارة المتظاهر. اه. # ثم قال: وحدثني عن مالك: أنه بلغه أن رجلا سأل القاسم بن محمد وسليمان ~~بن يسار عن رجل تظاهر من امرأة قبل أن ينكحها، فقالا: إن نكاحها فلا ~~يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اه. # والمعروف عن جماهير أهل العلم أن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، ~~وكذلك الظهار. # وأما الأمة فالأظهر أن في تحرمها كفارة اليمين أو الاستغفار، كما دلت ~~عليه آية سورة التحريم كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثانية عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا في العبد والذمي هل يصح ~~منهما ظهار؟ وأظهر أقوالهم عندي في ms2987 ذلك: أن العبد يصح منه الظهار، لأن ~~الصحيح دخوله في عموم النصوص العامة، إلا ما أخرجه منه دليل خاص، كما ~~تقدم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: # والعبد والموجود والذي كفر # مشمولة له لدى ذوي النظر # وعليه فهو داخل في عموم قوله: # والذين يظاهرون من نسآئهم # [المجادلة: 3] ولا يقدح في هذا أن قوله: # فتحرير رقبة # [المجادلة: 3] لا يتناوله، لأنه مملوك لا يقدر على العتق لدخوله في ~~قوله: # فمن لم يجد فصيام شهرين # [المجادلة: 4] فالأظهر صحة ظهار العبد وانحصار كفارته في الصوم، لعدم ~~قدرته على العتق والإطعام، وأن الذمي لا يصح ظهاره، لأن الظهار منكر من ~~القول وزور يكفره الله بالعتق أو الصوم أو الإطعام، والذمي كافر والكافر ~~لا يكفر عنه العتق أو الصوم أو الإطعام ما ارتكبه من المنكر والزور ~~لكفره، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة والعلم عند الله تعالى. # المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في الظهار الموقت كأن ~~يقول: أنت علي كظهر أمي شهرا، أو حتى ينسلخ شهر رمضان مثلا فقال بعض ~~أهل العلم: يصح الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة ~~بلا كفارة، ولا يكون عائدا بالوطء بعد انقضاء الوقت. # قال في المغني: وهذا قول أحمد وبه قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة والثوري، ~~وإسحاق، وأبو ثور وأحد قولي الشافعي، وقوله الأخير لا يكون ظهارا وبه ~~قال ابن أبي ليلى، والليث، لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقا، وهذا لم ~~يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاوس: إذا ~~ظاهر في وقت فعليه الكفارة، وإن بر وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارا ~~مطلقا، لأن هذا اللفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب الأقوال عندي للصواب في هذه ~~المسألة قول من قال إن الظهار الموقت يصح ويزول بانقضاء الوقت، لأنه جاء ~~ما يدل عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حسنه الترمذي، وصححه ~~ابن خزيمة وابن ms2988 الجارود، وبعض طرقه لا يقل عن درجة الحسن، وإن أعل عبد ~~الحق وغيره بعض طرقه بالإرسال، لأن حديثا صححه بعض أهل العلم أقرب ~~للصواب مما لم يرد فيه شيء أصلا. # قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء المعنى ~~قالا: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال ~~ابن العلاء بن علقمة بن عياش، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر قال ابن ~~العلاء البياضي قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل ~~شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتايع بي، حتى أصبح، فظاهرت ~~منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء ~~فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر. ~~الحديث بطوله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بعتق رقبة، فذكر ~~أنه لا يجد رقبة، فأمره بصيام شهرين فذكر أنه لا يقدر، فأمره بإطعام ستين ~~مسكينا، فذكر كذلك فأعطاه صلى الله عليه وسلم صدقة قومه بني زريق من ~~التمر، وأمره أن يطعم وسقا منها ستين مسكينا ويستعين بالباقي. ومحل ~~الشاهد من الحديث: أنه ظاهر من امرأته ظهارا مؤقتا بشهر رمضان، وجامع ~~في نفس الشهر الذي جعله وقتا لظهاره، فدل ذلك على أن الظهار الموقت يصح، ~~ويلزم ولو كان توقيته لا يصح لبين صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان يتأبد ~~ويسقط حكم التوقيت لبينه صلى الله عليه وسلم لأن البيان لا يجوز تأخيره ~~عن وقت الحاجة إليه. # وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن ~~إسماعيل الخزاز ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة ~~ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة، جعل امرأته ~~عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان الحديث، ثم قال الترمذي بعد أن ساقه هذا ~~الحديث حسن، يقال سلمان بن صخر، ويقال ms2989 سلمة بن صخر البياضي والعمل على ~~هذا الحديث عند أهل العلم في كفارة الظهار ا. # ه. وهذه الطريق التي أخرج بها الترمذي هذا الحديث غير طريق أبي داود ~~التي أخرجه بها وكلتاهما تقوي الأخرى، والظاهر أن إسناد الترمذي هذا لا ~~يقل عن درجة الحسن، وما ذكروه من أن علي بن المبارك المذكور فيه، كان له ~~عن يحيى بن أبي كثير كتابان أحدهما سماع، والآخر إرسال، وأن حديث ~~الكوفيين عنه فيه شيء لا يضر الإسناد المذكور، لأن الرواي عنه فيه وهو ~~هارون بن إسماعيل الخزاز بصري لا كوفي، ولما ساق المجد في المنتقى حديث ~~سلمة بن صخر المذكور قال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال حديث حسن. ~~وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وأخرجه أيضا الحاكم، وصححه ابن خزيمة، ~~وابن الجارود، وقد أعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان بن يسار لم يدرك ~~سلمه، وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وفي إسناده أيضا محمد بن إسحاق. ~~اه. كلام الشوكاني. # وقد علمت إن الإسناد الذي ذكرنا عن الترمذي ليس فيه سليمان بن يسار، ولا ~~ابن إسحاق، فالظاهر صلاحية الحديث للاحتجاج، كما ذكره الترمذي وغيره. # وبذلك تعلم أن الصواب في هذه المسألة إن شاء الله هو ما ذكرنا، والعلم ~~عند الله تعالى. # المسألة الرابعة عشرة: الأظهر عندي أنه لو قال: أنت علي كظهر أمي إن ~~شاء الله أساء الأدب، ولا تلزمه الكفارة، وأن الاستثناء بالمشيئة يرفع ~~عنه حكم الكفارة، كما يرفع كفارة اليمين بالله، والعلم عند الله تعالى. # المسألة الخامسة عشرة: الأظهر أنه إن مات أو ماتت، أو طلقها قبل التكفير ~~لم يلزمه شيء، وأنه إن عاد فتزوجها بعد الطلاق لا يجوز له مسيسها، حتى ~~يكفر لأن الله أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث بالعود، فلا يعود إلا ~~بعد التكفير، ولا وجه لسقوط الكفارة بالطلاق فيما يظهر، مع أن بعض أهل ~~العلم يقول: إن كان الطلاق بعد الظهار بائنا، ثم تزوجها لم تلزمه كفارة، ~~وهو مروي عن قتادة: وبعضهم يقول: إن كانت البينونة بالثلاث، ثم ms2990 تزوجها ~~بعد زوج لم تلزمه الكفارة لسقوطها بالبينونة الكبرى، كما أسقطها صاحب ~~القول الذي قبله بالبينونة الصغرى، والعلم عند الله تعالى. # المسألة السادسة عشرة: إذا ظاهر من نسائه الأربع بكلمة واحدة كأن يقول ~~لهن: أنتن علي كظهر أمي، فقال بعض أهل العلم: تكفي في ذلك كفارة ~~واحدة. # قال في المغني: ولا خلاف في هذا في مذهب أحمد وهو قول علي وعمر وعروة ~~وطاوس، وعطاء وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في ~~القديم، وقال الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم، والثوري، ~~وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد: عليه لكل امرأة كفارة، لأنه وجد ~~الظهار والعود في حق كل امرأة منهن فوجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو ~~أفردها به، ولنا عموم قول عمر وعلي رضي الله عنهما، رواه عنهما الأثرم، ~~ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعا ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها ~~الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى، ~~وفارق ما إذا ظاهر منها بكلمات فإن كل تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، ~~وها هنا الكلمة واحدة، فالكفارة واحدة ترفع حكمها وتمحو إثمها، فلا يبقى ~~لها حكم. # انتهى منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقيس القولين الاكتفاء بكفارة واحدة، ~~وأحوطهما التكفير عن كل واحدة منهن، وأما إن ظاهر منهن بكلمات متعددة بأن ~~قال: لكل واحدة منهن بانفرادها أنت علي كظهر أمي، فالأظهر تعدد ~~الكفارة لأن كل كلمة من تلك الكلمات منكر من القول وزور، فكل واحدة منها ~~تقتضي كفارة. # قال في المغني: وهذا قول عروة وعطاء، وقال أبو عبد الله بن حامد: المذهب ~~رواية واحدة في هذا. قال القاضي: المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو عبد ~~الله، قال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنه تجزئه كفارة واحدة، واختار ذلك، ~~وقال هذا الذي قلناه اتباعا لعمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، ~~وربيعة وقبيصة، وإسحاق، لأن كفارة الظهار حق لله تعالى فلم تتكرر بتكرر ~~سببها كالحد، وعليه يخرج الطلاق، ولنا أنها أيمان متكررة على أعيان ~~متفرقة، فكان لكل ms2991 واحدة كفارة كما لو كفر ثم ظاهر، ولأنها أيمان لا يحنث ~~في إحداها بالحنث في الأخرى، فلا تكفرها كفارة واحدة ولأن الظهار معنى ~~يوجب الكفارة، فتتعدد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل، ويفارق ~~الحد، فإنه عقوبة، تدرأ بالشبهات. انتهى منه. # وقد علمت أن أظهر الأقوال عندنا تعدد الكفارة في هذه المسألة. وأما إن ~~كرر الظهار من زوجته الواحدة فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، أنه إن ~~كان كرره قبل أن يكفر عن الظهار الأول، فكفارة واحدة تكفي، وإن كان كفر ~~عن ظهاره الأول، ثم ظاهر بعد التكفير، فعليه كفارة أخرى لظهاره الواقع ~~بعد التكفير والعلم عند الله تعالى. # المسألة السابعة عشرة: اعلم أن كفارة الظهار هي التي أوضحها الله تعالى ~~بقوله: { فتحرير رقبة } إلى قوله: # فإطعام ستين مسكينا # [المجادلة: 3-4]. # فروع تتعلق بهذه المسألة # الفرع الأول: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في الرقبة، في كفارة الظهار، هل ~~يشترط فيها الإيمان أو لا يشترط فيها؟ فقال بعضهم: لا يشترط فيها ~~الإيمان، فلو أعتق المظاهر عبدا ذميا مثلا أجزأه، وممن قال بهذا ~~القول: أبو حنيفة، وأصحابه، وعطاء، والثوري، والنخعي، وأبو ثور، وابن ~~المنذر وهو إحدى الروايتين عن أحمد قاله في المغني. # وحجة أهل هذا القول أن الله تعالى قال في هذه الآية الكريمة: { ~~فتحرير رقبة } ولم يقيدها بالإيمان، فوجب أن يجزئ ما تناوله ~~إطلاق الآية، قالوا: وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله في كتابه، إلا ~~بدليل يجب الرجوع إليه. وممن قال باشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار: ~~مالك، والشافعي، والحسن، وإسحاق، وأبو عبيدة، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد. ~~قاله في المغني: واحتج لأهل هذا القول بما تقرر في الأصول من حمل المطلق ~~على المقيد. # وقد بينا مسألة حمل المطلق على المقيد في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن ~~آيات الكتاب] في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى في كفارة القتل ~~الخطأ # ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة # [النساء: 92] الآية. بقولنا فيه. وحاصل تحرير المقام في مسألة تعارض ~~المطلق والمقيد: أن ms2992 لها أربع حالات: # الأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما معا كتحريم الدم، فإن الله قيده في ~~سورة الأنعام، بكونه مسفوحا في قوله تعالى: # إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] وأطلقه عن القيد بكونه مسفوحا في سورة النحل والبقرة ~~والمائدة، قال في النحل: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به # [النحل: 115] وقال في البقرة: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله # [البقرة: 173] وقال في المائدة: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [المائدة: 3] الآية. وجمهور العلماء يقولون: بحمل المطلق على المقيد في ~~هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معا، ولذلك كانوا لا يرون ~~بالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم بأسا، لأنه دم غير مسفوح، ~~قالوا: وحمله عليه أسلوب من أساليب اللغة العربية، لأنهم يثبتون ثم ~~يحذفون اتكالا على المثبت، ومنه قول قيس بن الخطيم الأنصاري: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # فحذف راضون لدلالة راض عليه. وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # والأصل: فإني غريب وقيار أيضا غريب، فحذف إحدى الكلمتين لدلالة الأخرى ~~عليها. وقول عمرو بن أحمر الباهلي: # رماني بأمر كنت معه ووالدي # بريئا ومن أجل الطوى رماني # يعني كنت برئيا منه، وكان والدي بريئا منه أيضا. وقول النابغة ~~الجعدي: # وقد زعمت بن وسعد بأني # وما كذبوا كبير السن فاني # يعني زعمت بنو سعد أني فان وما كذبوا إلخ. وقالت جماعة من أهل الأصول: ~~إن حمل المطلق على المقيد بالقياس، لا بدلالة اللفظ وهو أظهرها. وقيل: ~~بالعقل، وهو أضعفها وأبعدها. # الحالة الثانية: هي أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، كالمسألة التي نحن ~~بصددها، فإن الحكم في آية المقيد وآية المطلق واحد، وهو عتق رقبة في ~~كفارة، ولكن السبب فيهما مختلف، لأن سبب المقيد قتل خطأ، وسبب المطلق ~~ظهار، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد، عند الشافعية، والحنابلة وكثير ~~من المالكية، ولذا شرطوا الإيمان في كفارة الظهار حملا ms2993 لهذا المطلق على ~~المقيد، خلافا لأبي حنيفة، ومن وافقه قالوا: ويعتضد حمل هذا المطلق عن ~~المقيد بقوله صلى الله عليه وسلم في قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله ~~عنه " أعتقها فإنها مؤمنة " ولم يستفصله عنها، هل هل كفارة أو لا؟ وترك ~~الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال. # قال في مراقي السعود: # ونزلن ترك الاستفصال # منزلة العموم في الأقوال # الحالة الثالثة: عكس هذه: وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم، ~~فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد، وقيل: لا، وهو قول أكثر العلماء، ~~ومثلوا له بصوم الظهار، وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما ~~مختلف، لأن أحدهما تكفير بصوم والآخر تكفير بإطعام، وأحدهما مقيد ~~بالتتابع، وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع، وهو الإطعام، فلا ~~يحمل هذا المطلق على هذا المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في ~~هذه الحالة، مثلوا لذلك بإطهام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه من قبل أن ~~يتماسا، مع أن عتقه وصومه قد قيدا بقوله: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3]، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإطعام قبل ~~المسيس، ومثل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين حيث قيد بقوله: # من أوسط ما تطعمون أهليكم # [المائدة: 89] مع إطلاق الكسوة عن القيد بذلك، في قوله: أو كسوتهم فيحمل ~~هذا المطلق على المقيد، فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون ~~أهليكم. # الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معا، ولا حمل في هذه ~~إجماعا وهو واضح، وهذا فيما إذا كان المقيد واحدا، أما إذا ورد مقيدان ~~بقيدين مختلفين، فلا يمكن حمل المطلق على كليهما لتنافي قيديهما، ولكنه ~~ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حمل المطلق على الأقرب ~~له منهما عند جماعة من العلماء فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له، ~~فلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه إذ لا ترجيح بلا مرجح، ومثال ~~كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد ~~التتابع والتفريق، مع أن ms2994 صوم الظهار مقيد بالتتابع في قوله تعالى: # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين # [المجادلة: 4] وصوم التمتع مقيد بالتفريق في قوله تعالى: # فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم # [البقرة: 196]، واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع، لأن كلا من صوم ~~الظهار واليمين صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين ~~بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع. # وقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات لم ثتبت لإجماع الصحابة، ~~على عدم كتب متتابعات في المصاحف العثمانية، ومثال كونهما ليس أحدهما ~~أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن الله تعالى قال فيه # فعدة من أيام أخر # [البقرة: 185] ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار ~~بالتتابع. وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من ~~الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما بل يبقى على الاختيار. إن شاء تابعه، ~~وإن شاء فرقه والعلم عند الله تعالى. انتهى من [دفع إيهام الاضطراب عن ~~آيات الكتاب] مع زيادة يسيرة للإيضاح. # الفرع الثاني: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة الظهار، هل ~~يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل ~~رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب، تمسكا بإطلاق الرقبة ~~في قوله تعالى: # فتحرير رقبة # [المجادلة: 3]، قال: ظاهره ولو معيبة، لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء. # وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم ~~في بعض العيوب. قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررا ~~بينا، لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا ~~يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا بينا، فلا يجزئ الأعمى، لأنه لا يمكنه ~~العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين، لأن ~~اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي،فلا ~~يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا. # قالوا: ولا يجوز المجنون ms2995 جنونا مطبقا، لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب ~~منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني، ثم قال: وبهذا كله قال ~~الشافعي ومالك، وأبو ثور وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه. # وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب ~~المذكورة. # وقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما ~~ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى، لأن نفع اليد يذهب بذهاب ~~هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر، من يد واحدة، لأن نفع اليدين يزول ~~أكثره بذلك. وإن قطعت كل واحدة من يد جاز، لأن من نفع الكفين باق وقطع ~~أنملة الإبهام كقطع جميعها، فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين، وإن كان ~~من غير الإبهام لم يمنع، لأن منفعتها لا تذهب، فإنها تصير كالأصابع ~~القصار، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحد منها ~~أنملة لم يمنع، وإن قطع من الإصبع أنملتان فهو كقطعها، لأن يذهب ~~بمنفعتها، وهذا جميعه مذهب الشافعي أي وأحمد. # وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ~~ويده جميعا من خلاف # أجزأت لأن منفعة الجنس باقية، فأجزأت في الكفارة كالأعور، فأما إن قطعتا ~~من وفاق: أي من جانب واحد لم يجز، لأن منفعة المشي تذهب، ولنا أن هذا ~~يؤثر في العمل، ويضر ضررا بينا. # فوجب أن يمنع إجزاءها كما لو قطعتا من وفاق، ويخالف العور فإنه لا يضر ~~ضررا بينا، والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس، فإنه لو ~~ذهب شمه أو قطعت أذناه معا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس. ولا يجزئ الأعرج ~~إذا كان عرجا كثيرا فاحشا، لأنه يضر بالعمل، فهو كطع الرجل إلى أن ~~قال: ويجزئ الأعور في قولهم جميعا. # وقال أبو بكر: فيه قول الآخر: إنه لا يجزئ، لأنه نقص يمنع التضحية ~~والإجزاء في الهدي، فأشبه العمى، والصحيح ما ذكرناه. فإن المقصود تكميل ~~الأحكام وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل ~~فأشبه قطع إحدى ms2996 الأذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررا بينا ويمنع ~~كثيرا من الصنائع، ويذهب بمنعفة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين. ~~فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك ~~بهما. # وأما الأضحية والهدي، فإنه لا يمنع منهما مجرد العور، وإنما يمنع انخساف ~~العين وذهاب العضو المستطاب، ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، ~~والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال ~~أبو حنيفة والشافعي. # وقال مالك وزفر: لا يجزئ، لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين، ~~ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف ~~اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإشارة والأخرس ~~إذا فهمت إشارته وفهم الإشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور. # وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ، لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل، ~~وهذا المنصوص عليه عن أحمد، لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرا من الأحكام ~~مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك ~~استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض ~~الشافعية لاجتماع النقصين فيه وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الأجزاء أن ~~الإشارة تقوم مقام الكلام في الإفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ ~~لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره. # وأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن ~~كان غير مرجو الزوال لم يجز. # وأما نضو الخلق يعني النحيف المهزول خلقة، فإن كان يتمكن من العمل أجزأ ~~وإلا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ ~~صوابا. وكذلك يجزئ من يخنق في بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء ~~والكبير الذي يقدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد ~~منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من ~~المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى. # ثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، وإذا ~~قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد ms2997 الزنا لكمال العتق فيهم ولا ~~يجزئ عتق المغصوب، لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ولا غائب غيبة ~~منقطعة لا يعلم خبره، لأنه لا تعلم حياته فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ~~ينقطع خبره أجزأ عتقه، لأنه عتق صحيح. # ولا يجزئ عتق الحمل، لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ~~ولا يتيقن أيضا وجوده وحياته. ولا عتق أم الولد، لأن عتقها مستحق بسبب ~~غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها. # وقال طاوس والبتي: يجزئ عتقها، لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى ~~من كتابته شيئا. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب ~~الأئمة الأربعة في المسألة. # ومعلوم أن مذهب مالك رحمه الله: اشتراط الإيمان في رقبة الظهار، واشتراط ~~سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته ~~عتق من غير إجزاء عن الكفارة. # ولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة أو الأصبعين أو الأصابع أو الإبهام أو ~~الأذنين، أو أشل أو أجذم أو أبرص، أو أصم أو مجنون. وإن أفاق أحيانا ولا ~~أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج ولا يابس الشق ولا غائب منقطع خبره، ~~ولا المريض مرضا يشرف به على الموت ولا الهرم هرما شديدا ولا الأعرج ~~عرجا شديدا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط ~~العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر ~~فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإجزاء وعدمه. # ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركا له في عبد، ثم قوم ~~عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده، لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه ~~بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه ~~الآخر فأعتقه تكميلا لرقبة الظهار، لم يجزه على ظاهر المدونة لتبعيض ~~العتق إن كان معسرا وقت عتق النصف الأول، ولأن عتق النصف الباقي ms2998 يلزمه ~~بالحكم، إن كان موسرا وقت عتق النصف الأول، ولو أعتق ثلاث رقاب عن أربع ~~زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء. لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة ~~منهن. # ويجزئ عند المالكية عتق المغصوب والمريض مرضا خفيفا، والأعرج عرجا ~~خفيفا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم ~~الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا ~~انتهى. # ومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإيمان في كفارة الظهار كما تقدم ولم ~~يجزئ عنده الأعمى ولا مقطوع اليدين معا أو الرجلين معا، ولا مقطوع ~~إبهامي اليدين ولا الأخرس ولا المجنون ولا أم الولد، ولا المدبر، ولا ~~المكاتب، إن أدى شيئا من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئا أجزأ عنده، ~~وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن ~~الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ~~ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من ~~خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين اه. # وقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في ~~كلام صاحب المغني ناقلا عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد ~~فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإطالة. # الفرع الثالث: اعلم أنه قد دل الكتاب والسنة والإجماع، على أن الصوم لا ~~يجزئ في الظهار إلا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى ~~الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك. # الفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب ~~للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن ~~حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له ~~رقبة يحتاج إليها لكونه زمنا أو هرما أو مريضا، أو نحو ذلك من الأسباب ~~التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. # قال بعضهم: وككونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: ms2999 لا يلزمه ~~الإعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم نظرا لحاجته إلى الرقبة الموجودة ~~عنده. # قال في المغني: وبهذا قال الشافعي أي وأحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، ~~والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، ~~سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن، لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى ~~الصيام، ألا يجد رقبة بقوله: # فمن لم يجد # [المجادلة: 4] وهذا واجد وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه لم يلزمه ~~شراؤها. وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: يلزمه، لأن وجدان ثمنها كوجدانها. ~~ولنا أن ما استغرقته حاجة الإنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى ~~الصيام كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى ~~محل الغرض منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة ~~إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمنا أو هرما لا يستغني عن ~~خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في ~~معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة ~~كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. إن ~~كانت الرقبة فاضلة عن ذلك، لزم إعتاقها، وإلا فلا. # والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنيا إلا أن ماله غائب. ~~فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريبا لم يجز الانتقال إلى الصوم، ~~لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدا جاز الانتقال إلى ~~الصوم، لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمنا ~~طويلا فيه إضرار بكل من الزوجين، وفي الحديث # " لا ضرر ولا ضرار " # خلافا لبعض أهل العلم في ذلك. # الفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه لم يجد رقبة ~~يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: # فمن ms3000 لم يجد فصيام شهرين # [المجادلة: 4] الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن ~~مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه ~~شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو ~~أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من ~~مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلا فلا، والعلم عند الله تعالى. # الفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعهما أي ~~موالاة صيام أيامه من غير فصل بينهما. ولا خلاف بينهم في أن من قطع ~~تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع ~~إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يفتقر لنية، لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه ~~كالمتابعة بين ركعات الصلاة. # والثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة، لأن ضم العبادة إلى ~~عبادة أخرى إذا كان شرطا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين. # والثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة ~~وهذا أقربها، لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم ~~الشهرين جميعا عبادة واحدة. لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ~~ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة وهو شهران ~~متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك ومذهب ~~أحمد عدم الاحتياج إلى نية التتابع مطلقا، وللشافعية وجهان أحدهما: ~~كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة. # الفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ~~ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم ~~التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد. # قال في المغني: وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال ابن المسيب، والحسن، ~~وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، ms3001 ~~وابن المنذر، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا ~~قول سعيد بن جبير والنخعي والحكم والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: أفطر ~~بفعله فلزمه الاستئناف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع ~~صوم كفارة الظهار بالإفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على ~~التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك ~~ولا ينقطع حكم التتابع، لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك والله جل وعلا ~~يقول: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] ويقول: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " # ، وإن كان يمكنه التحرز عن الإفطار الذي قطع به التتابع كالإفطار للسفر ~~في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان، لأن ~~شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في ~~مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشويق، فإن التتابع ~~ينقطع بذلك، لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر لقدرته على تأخير ~~السفر عن الصوم كعكسه، ولقدرته أيضا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ~~ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى، وإذا قطع التتابع بإفطار هو ~~قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر ~~لقوله تعالى: # فصيام شهرين متتابعين # [المجادلة: 4] وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا ~~والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # الأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهن ~~في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، ~~والمرض دون غيره كالإفطار للسفر والنفاس، لأن النفاس يمكن التحرز عنه ~~بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين أو ~~شهر، لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. والله تعالى أعلم. ms3002 # الفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلا، في أثناء ~~صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم. # اعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمدا انقطع تتابع صومه إجماعا، ~~ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر ~~منها أو غيرها وهذا لا نزاع فيه، وكذلك لو أكل أو شرب عمدا في نهار ~~الصوم المذكور، وأما إن كان جماعه ليلا في زمن صوم الكفارة، فإن كانت ~~المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع ~~التتابع، لأن وطء غير المظاهر منها ليلا زمن الصوم مباح له شرعا، ولا ~~يخل يتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. # وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه، وأما إن كان التي وطئها ~~ليلا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: ~~فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو ~~حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما. # وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال ~~الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، ~~والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: # فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 4] فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت على ما أمر، فلم يجزئه، ~~كما لو وطئ نهارا ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار فاستوى فيه الليل ~~والنهار كالاعتكاف. # وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، ~~وأبي ثور، وابن المنذر، لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء ~~غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذي قبله من غير ~~فارق، وهذا متحقق، وإن وطء ليلا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا ~~لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، ~~أو ms3003 وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائما، والإتيان بالصوم قبل التماس في ~~حق هذا لا سبيل إليه، سواء بني أو استأنف. انتهى محل الغرض من كلام صاحب ~~المغني، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع ~~التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي. لأن الصوم ~~فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع، لأن الله تعالى قال: # فصيام شهرين متتابعين # [المجادلة: 4]، وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما ~~بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعا كما ترى، وكون صومهما متتابعين ~~قبل المسيس واجب بقوله تعالى: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 4] لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل، ومما يوضحه ~~ما ذكرنا آنفا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم ~~الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل ~~الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم ~~عند الله تعالى. # الفرع العاشر: اعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ~~ناسيا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع أو ~~لا يعذر به ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع ~~التتابع بوطئه ناسيا وهذا مذهب مالكن وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عند ~~أحمد، ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان وقال بعضهم: يعذر ~~بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيا وهو قول الشافعي، وأبي ثور ~~وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيا، فأشبه ما لو أكل ناسيا. # اه. # وهذا القول له وجه قوي من النظر، لأن الله تعالى يقول: # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم # [الأحزاب: 5] الآية، وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح ~~مسلم # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286] قال الله تعالى: نعم قد فعلت ~~". # الفرع الحادي عشر: ms3004 إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر ~~لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارا لم ينقطع التتابع، لأن الوطء لا ~~أثر له في قطع التتابع، لأن أصل الإفطار لسبب غيره، وإن كانت الموطوءة ~~نهارا هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلا، وقد تكلمنا عليه ~~قريبا، قال ذلك صاحب المغني، ووجهه ظاهر، وقال أيضا؛ وإن لمس المظاهر ~~منها أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله ~~بموالاة الصيام، وإلا فلا يقطع والله تعالى أعلم. اه. ووجهه ظاهر أيضا. # الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل ~~إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينا، وقد نص الله تعالى على ذلك بقوله: # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ~~أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا # [المجادلة: 4]. # ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم وشدة الشبق، وهو شهوة ~~الجماع التي لا يستطيع صاحبها الصبر عنه، ومما يدل على أن الهرم من ~~الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت ~~في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ~~ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها # [المجادلة: 1] الآيات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يعتق رقبة يعني زوجها أوسا قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ ~~قالت: يا رسول الله: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين ~~مسكينا " # الحديث، ومحل الشاهد منه أنها لما قالت: له: إنه شيخ كبير اقتنع صلى ~~الله عليه وسلم بأن ذلك عذر في الانتقال، عن الصوم إلى الإطعام، فدل على ~~أنه سبب من أسباب العجز عنه، والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده ~~عن درجة الاحتجاج. # وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر ms3005 ~~الذي تكلمنا عليه سابقا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءا قد أوتيت من ~~جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ ~~رمضان، فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني ~~النهار. # الحديث وفيه قال # " فصم شهرين متتابعين، قال: قلت يا رسول الله وهل أصابني من أصابني إلا ~~في الصوم. قال: فتصدق " # ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: صم شهرين أخبره أن جماعه في زمن ~~الظهار، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع، لأنه ظاهر من امرأته، خوفا من ~~أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في ~~زمن الظهار، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره، وأباح له الانتقال إلى ~~الإطعام، وهذا ظاهر. # وقال ابن قدامة في المغني: بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من ~~الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفا، وقسنا عليهما ~~ما يشبههما في معناهما. # الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه لا يجزئ في الإطعام ~~أقل من إطعام ستين مسكينا وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب ~~أحمد خلافا لأبي حنيفة القائل: بأنه لو أطعم مسكينا واحدا ستين يوما ~~أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولا بالمد، ~~والمعنى فإطعام ستين مدا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يوما. # وإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر، لأن قوله ~~تعالى: مسكينا تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن ~~عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح، ولا يخف ~~أن نفع ستين مسكينا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يوما، لفضل ~~الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام فيكون ذلك أقرب ~~إلى الإجابة من دعاء واحد، وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبا من ~~صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا ~~يخفى، وعلى كل ms3006 حال فقوله تعالى في محكم كتابه: # فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا # [المجادلة: 4] لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، ~~فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه ~~الإطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام، مبين بالتمييز الذي هو ~~قوله تعالى: مسكينا، وبذلك يتحقق أن الإطعام في الآية واقع على نفس ~~العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره ~~المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى، وحمل المسكين في هذه ~~الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في أصولهم لما ~~يسمونه التأويل البعيد والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي ~~السعود بقوله: # فجعل مسكين بمعنى المد # عليه لائح سمات البعد # الفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من ~~الطعام: اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين ~~من البر الذي هو القمح مدا وثلثي قد، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر ~~والشعير، لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر، قال خليل المالكي في ~~مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان برا، وإن اقتاتوا تمرا ~~ومخرجا في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه. # وقال شارحه المواق: ابن يونس ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلا ثلثا بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله ~~مالك، قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمرا أو شعيرا أطعم منه ~~المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه، ومذهب أبي حنيفة: أنه ~~يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا كاملا من تمر أو شعير. ومذهب ~~الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مدا طلقا ومعلوم: أن المد النبوي ربع ~~الصاع، قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مدا من أي الأنواع كان، ~~وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي اه. ومذهب أحمد: أنه يعطي كل مسكين ~~مدا ms3007 من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير.اه. # وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ~~ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام ~~في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين، ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن ~~قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإمام أحمد، ~~ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: ~~أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين، أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ~~مد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو هريرة: يطعم مدا من أي الأنواع ~~كان، وبهذا قال الأوزاعي وعطاء، والشافعي. لما روى أبو داود بإسناده عن ~~عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ~~(يعني المظاهر) خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ستين مسكينا. # وروى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال: # " خذه وتصدق به " # وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه، ~~ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج كالفطرة وفدية الأذى. # وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال مدان من قمح: ~~مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي، لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان ~~لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي من القمح مدان ~~ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ~~سلمة بن صخر رضي الله عنه # " فأطعم وسقا من تمر ". # رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما، وروى الخلال بإسناده، ~~عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر " # وفي رواية أبي داود، والعرق ستون صاعا. وروى ابن ماجه بإسناده عن ~~ابن عباس قال: ms3008 " كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر ~~الناس فمن لم يجد فنصف صاع من بر ". # وروى الأثرم بإسناده، عن عمر رضي الله عنه قال: أطعم عني صاعا من تمر ~~أو شعير أو نصف صاع من بر، ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعا من تمر أو ~~شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر. # ولنا ما روى الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد ~~المدني، قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للمظاهر # " أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر " # وهذا نص ويدل على أنه مد بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي ~~هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفا فكان يدل على أنه نصف صاع من ~~التمر والشعير، ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لخولة امرأة أوس بن الصامت " اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق ~~من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين ~~مسكينا ". # وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، ~~قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك " # وروى أبو داود بإسناده، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: ~~زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعا. فعرقان يكونان ثلاثين صاعا لكل مسكين نصف ~~صاع، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من ~~التمر والشعير، كفدية الأذى. # فأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعا فوق ضعفها، وقال غيرها أصح ~~منها، وفي الحديث ما يدل على الضع، لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه ~~بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا، ~~فلو كان العرق ستين صاعا لكانت مائة وعشرين صاعا ولا قائل به، وأما ~~حديث المجامع الذي أعطاه ms3009 خمسة عشر صاعا فقال: تصدق به. # فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سواه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه ~~أمره بأكله. # وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعا، وليس ذلك مذهبا لأحد، ~~فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه، وحديث أوس أخي عبادة بن ~~الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه على أنه حجة لنا، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعطاه عرقا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعا ثلاثين ~~صاعا، وسائر الأخبار نجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز. وحمل ~~أخبارنا على الإجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس: راوي بعضها ومذهبه: أن ~~المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة، وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع ~~الإجماع الذي نقله سليمان بن يسار والله اعلم. انتهى بطوله من المغني ~~لابن قدامة، وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في ~~هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية: والعرق ستون صاعا، هذه الرواية ~~تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن ~~حبان، وفيها أيضا محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفا أن العرق يسع ~~خمسة عشرا صاعا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة ~~نفسه.اه منه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما ~~يعطي المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها. # وأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه، لأنه أحوطها في الخروج ~~من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى. # الفرع الخامس عشر: في كيفية الإطعام وجنس الطعام ومستحقه، أما مستحقه ~~فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: # فإطعام ستين مسكينا # [المجادلة: 4] والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير ~~كعكسه. # وأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعام، ~~وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية عن ms3010 أحمد، وعلى هذا القول لو غدى ~~المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة. لم يجزئه حتى يملكهم إياه. # وأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء ~~والعشاء أقل من القدر الواجب له، أنه يجزئه، لأنه داخل في معنى قوله: { ~~فإطعام ستين مسكينا } وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو ~~رواية عن أحمد، وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام ~~مشهورة. وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر ~~البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة. # ومعلوم أن أهل العلم اختلفوا في طعام كفارة الظهار فقال بعضهم: المجزئ ~~في ذلك هو ما يجزئ في صدقة الفطر، سواء كان هو قوت المكفر أو لا؟ ولا ~~يجزئه غير ذلك ولو كان قوتا له. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أن جميع ~~الحبوب التي هي قوت بلد المظاهر يجزئه الإخراج منها، لأنها هي طعام بلده، ~~فيصدق على من أطعم منها المساكين، أنه أطعم ستين مسكينا، فيدخل ذلك في ~~قوله تعالى: # فإطعام ستين مسكينا # [المجادلة: 4] ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في ~~كفارة اليمين في قوله تعالى: # فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم # [المائدة: 89] وهذا مذهب الشافعي واختيار أبي الخطاب من الحنابلة. # الفرع السادس عشر: اعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإطعام لا يجب فيه ~~التتابع، لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع، ولأن أكثر أهل الأصول، ~~على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في ~~هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من ~~قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم كما هو ~~معروف في محله. # الفرع السابع عشر: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر ~~زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإطعام، هل يلزمه إعادة ما مضى من ~~الإطعام، ms3011 لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض ~~أهل العلم: لا يلزمه ذلك لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، ~~فلم يوجب الاستئناف، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب ~~مالك: فهو أنه يستأنف الإطعام لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب ~~الاستئناف كالصيام والأول أظهر، لأن الواقع من الإطعام قبل جماعه يحتاج ~~بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه وليس موجودا. والعلم عند الله ~~تعالى. # الفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي، وقالت: ~~إن تزوجت فلانا، فهو علي كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهارا منها أو لا؟ ~~فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهارا. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، ~~وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة وبه قال ~~الزهري والأوزاعي وروي عن الحسن والنخعي. إلا أن النخعي قال: إذا قالت ~~ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اه. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، ~~لأن الله جل وعلا لم يجعل لها شيئا من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها ~~عليها، كما لا يخفى. # تنبيه # اعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة. اختلفوا فيما ~~يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب. # الأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة. # والثاني: أن عليها كفارة يمين. # والثالث: لا شيء عليها، واحتج من قال بأن عليها كفارة ظهار، وهو رواية ~~عن أحمد: بأنها قالت منكرا من القول وزورا، فلزمها أن تكفر عنه كالرجل، ~~وبما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة بنت طلحة قال: إن تزوجت ~~مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها ~~الكفارة، وبما روى علي بن مسهر عن الشيباني، قال: كنت جالسا في المسجد، ~~أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت ~~فقال: أنا مولى عائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن ~~الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، ms3012 فاستفتت ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ كثير. فأمروها أن تعتق ~~رقبة، وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. وروى سعيد هذين الأثرين مختصرين اه من ~~المغني. وانظر إسناد الأثرين المذكورين. # وأما الذين قالوا: تلزمها كفارة يمين، وهو قول عطاء، فقد احتجوا بأنها ~~حرمت على نفسها زوجها وهو حلال لها، فلزمتها كفارة اليمين اللازمة في ~~تحريم الحلال المذكورة في قوله تعالى: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] بعد قوله: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. وأما الذين قالوا: لا شيء عليها، ومنهم الشافعي، ومالك، ~~وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، فقد احتجوا بأنها قالت: منكرا من القول ~~وزورا، فلم يوجب عليها كفارة، كالسب والقذف ونحوهما من الأقوال المحرمة ~~الكاذبة. # وأظهر أقوالهم عندنا: أن من يرى في تحريم الحلال كفارة يمين يلزمها على ~~قوله كفارة يمين، ومن يرى أنه لا شيء فيه، فلا شيء عليها على قوله، وقد ~~قدمنا أهل العلم في تحريم الحلال في الحج، وفي هذا المبحث. اه. # واعلم أن الذين قالوا: تجب عليها كفارة الظهار، قالوا: لا تجب عليها حتى ~~يجامعها وهي مطاوعة له، فإن طلقها أو مات أحدهما قبل الوطء، أو أكرهها ~~على الوطء فلا كفارة عليها، لأنها يمين، فلا تجب كفارتها قبل الحنث كسائر ~~الأيمان، وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير، لأنه حق له عليها، ~~فلا يسقط بيمينها، ولأنه ليس بظهار انتهى من المغني وهو ظاهر، ولنكتف بما ~~ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة، ومن أراد استقصاء ذلك فهو ~~في كتب فروع المذاهب. ### || [33.6] # قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم }. # قال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن ~~لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإجماع ~~اه. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد بكون أزوجه صلى الله عليه وسلم ~~أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام ~~الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب # [الأحزاب: 53]، لأن الإنسان ms3013 لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب وقوله ~~تعالى: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2] ومعلوم أنهن رضي الله عنهن، لم يلدن جميع المؤمنين الذين ~~هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم } أنه ~~هو صلى الله عليه وسلم أب لهم وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما ~~قرءا: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو صلى الله ~~عليه وسلم أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في ~~رأفته ورحمته بهم: # عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رءوف رحيم # [التوبة: 128]، وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40]، ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي ~~وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل ~~القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه " # وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة. فقوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الحديث: # " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد " # يبين معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى. # مسألة # اعلم أن أهل العلم اختلفوا هل يقال لبنات أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخوات المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لإخوانهن كمعاوية، وعبد الله بن أبي ~~أمية أخوال المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات؟ قال ابن كثير ~~رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن ~~بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المسلمين، كما هو منصوص ~~الشافعي رضي الله عنه في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات ~~الحكم، وهل يقال لمعاوية، وأمثاله خال المؤمنين فيه قولان للعلماء رضي ~~الله عنهم؟ ونص الشافعي رضي الله عنه، على أنه لا يقال ذلك. وهل يقال ~~لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في الجمع المذكر السالم تغليبا فيه ~~قولان؟ صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح ~~الوجهين في مذهب الشافعي ms3014 رضي الله عنه. انتهى محل الغرض من كلام ابن ~~كثير. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في ذلك أنه لا يطلق منه ~~إلا ما ورد النص بإطلاقه، لأن الإطلاق المراد به غير الظاهر المتبادر ~~يحتاج إلى دليل صارف إليه، والعلم عند الله تعالى. ### || [33.7] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ من النبيين ميثاقهم ثم خص ~~منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم، ~~ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على جميع ~~النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون # [آل عمران: 81-82] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم في ~~الكلام على قصة الخضر، وقد بين جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص ~~الخسمة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. # وبما ذكرنا تعلم: أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب ~~هذه. # وقوله في هذه الآية الكريمة: ومنك ومن نوح من عطف الخاص على العام، وقد ~~تكلمنا عليه مرارا والعلم عند الله تعالى. ### || [33.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها }. # أمر الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أن يذكروا نعمته عليهم ~~حين جاءتهم جنود وهم جيش الأحزاب، فأرسل جل وعلا عليهم ريحا وجنودا لم ~~يرها المسلمون، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم ms3015 بها هنا في ~~سورة الأحزاب، بين أنه من عليهم بها أيضا في غزوة حنين، وذلك في قوله ~~تعالى: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها # [التوبة: 2526] الآية، وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بين جل وعلا ذلك ~~في الأنفال في الكلام على غزوة بدر، وذلك في قوله تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12] الآية، وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة، قد ~~بين الله جل وعلا في براءة أنه أيد بها نبيه صلى الله عليه وسلم وهو ~~في الغار وذلك في قوله: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها # [التوبة: 40] الآية. ### || [33.22] # قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ~~وما زادهم إلا إيمانا وتسليما }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين لما رأوا الأحزاب يعني ~~جنود الكفار الذين جاءوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم في غزوة الخندق قالوا: ~~هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ولم يبين هنا الآية التي ~~وعدهم إياه فيها. ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # [البقرة: 214]، وممن قال إن آية البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب ~~هذه: ابن عباس: وقتادة، وغير واحد وهو ظاهر. # وقوله في هذه الآية الكريمة: { وما زادهم إلا إيمانا } ~~الآية، صريح في أن الإيمان يزيد وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه، فلا ms3016 ~~وجه للاختلاف فيه مع تصريح الله جل وعلا به في كتابه، في آية متعددة ~~كقوله تعالى: # ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # [الفتح: 4] وقوله تعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا # [التوبة: 124] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [33.25] # قوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه رد الذين كفورا بغيظهم، لم ~~ينالوا خيرا، وأنه كفى المؤمنين القتال، وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. ولم يبين هنا السبب الذي رد به الذين كفروا وكفى به المؤمنين ~~القتال، ولكنه جل وعلا، بين ذلك بقوله: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # [الأحزاب: 9] أي وبسبب تلك الريح، وتلك الجنود ردهم بغيظهم وكفاكم ~~القتال كما هو ظاهر. ### || [33.30] # قوله تعالى: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } الآية. # قد قدمنا الآية الموضحة له في آخر سورة النمل في الكلام، على قوله ~~تعالى: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل: 90] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات # [الإسراء: 75] الآية. ### || [33.31] # قوله تعالى: { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل ~~صالحا نؤتهآ أجرها مرتين }. # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من قنت من نساء نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لله ولرسوله، وعمل عملا صالحا: أن الله جل وعلا يؤتيها أجرها ~~مرتين، والقنوت: الطاعة، وما وعد الله به جل وعلا من أطاع منهن بإيتائها ~~أجرها مرتين في هذه الآية الكريمة جاء الوعد بنظيره لغيرهن، في غير هذا ~~الموضع، فمن ذلك وعده لمن آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بإيتائه أجره مرتين، وذلك في قوله تعالى: # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ~~وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: ms3017 5154] الآية. # ومن ذلك وعده لجميع المطيعين من أمته صلى الله عليه وسلم بإيتائهم كفلين ~~من رحمته تعالى، وذلك في قوله جل وعلا: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم # [الحديد: 28]، الآية. # واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد الذي لا ينبغي العدول ~~عنه، أن الخطاب بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله # [الحديد: 28] الآية. عام لجميع هذه الأمة كما ترى، وليس في خصوص مؤمني ~~أهل الكتاب، كما في آية القصص المذكورة آنفا، وكونه عاما هو التحقيق إن ~~شاء الله، لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف، فما رواه ~~النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل ~~الكتاب كما في آية القصص، خلاف ظاهر القرآن، فلا يصح الحمل عليه إلا ~~بدليل يجب الرجوع إليه، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك، وعتبة بن أبي ~~حكيم، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري. # والصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا، لأن المعروف عند أهل العلم: أن ~~ظاهر القرآن المتبادر منه، لا يجوز العدول عنه، إلا لدليل يجب الرجوع ~~إليه. # وقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون ~~أجرهم مرتين، أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق هذه الأمة: { ~~يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين } أي ضعفين { من رحمته } وزادهم # ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم # [الحديد: 28] ففضلهم بالنور والمغفرة اه نقله عنه ابن جرير، وابن كثير. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [33.33] # قوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا }. # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على ~~عدم صحة ذلك القول، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة، وفي مواضع ~~كثيرة من هذا الكتاب المبارك. # ومما ms3018 ذكرنا من أمثلة ذلك في الترجمة قولنا فيها. ومن أمثلته قول بعض أهل ~~العلم: إن أزواجه صلى الله عليه وسلم لا يدخلن في أهل بيته في قوله ~~تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } [الأحزاب: 33] فإن قرينه السياق ~~صريحة في دخولهن، لأن الله تعالى قال: # يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا # [الأحزاب: 28] ثم قال في نفس خطابه لهن: { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } [الأحزاب: 33] ثم قال ~~بعده: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن # [الأحزاب: 34] الآية. # وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا ~~يصح إخراجها بمخصص، وروي عن مالك أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي ~~السعود بقوله: # واجزم بإدخال ذوات السبب # وارو عن الإمام ظنا تصب # فالحق أنهن داخلات في الآية اه من ترجمة هذا الكتاب المبارك. # والتحقيق إن شاء الله: أنهن داخلات في الآية، وإن كانت الآية تتناول ~~غيرهن من أهل البيت. # أما الدليل على دخولهن في الآية، فهو ما ذكرناه آنفا من أن سياق الآية ~~صريح في أنها نازلة فيهن. # والتحقيق: أن صورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو مقرر في الأصول. # ونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت. قوله تعالى في زوجة ~~إبراهيم: # قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت # [هود: 73]. # وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم: # " إنهم أهل البيت ودعا لهم الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا " # وقد روى ذلك جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أم ~~المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأبو سعيد، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وأم ~~المؤمنين عائشة، وغيرهم رضي الله عنهم. # وبما ذكرنا من دلالة القرآن والسنة: تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة ~~لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ms3019 ولعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله ~~عنهم كلهم. # تنبيه # فإن قيل: إن الضمير في قوله: { ليذهب عنكم الرجس } وفي ~~قوله: { ويطهركم تطهيرا } ضمير الذكور، فلو كان المراد نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لقيل: ليذهب عنكن ويطهركن. # فالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن الآية الكريمة شاملة لهن ~~ولعلي والحسن والحسين وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب ~~الذكور على الإناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله. # الوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن ~~زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع ~~المذكر، ومنه قوله تعالى في موسى: # فقال لأهله امكثوا # [طه: 10]. وقوله: # سآتيكم # [النمل: 7]. وقوله: # لعلي آتيكم # [طه: 10]. والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول ~~الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لسن ~~داخلات في الآية، يرد عليه صريح سياق القرآن، وأن من قال: إن فاطمة ~~وعليا والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها، ترد عليه الأحاديث المشار ~~إليها. # وقال بعض أهل العلم: إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة ~~والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ، ~~الآية، يعني أنه يذهب الرجس عنهم، ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله، ~~وينهى عنه من معصيته، لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب ~~تطهيرا. # وقال الزمخشري في الكشاف: ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا ~~يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، وليتصونوا عنها ~~بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر، لأن عرض المقترف للمقبحات ~~يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما الحسنات فالعرض منها نقي ~~مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه ~~الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم ms3020 فيما يرضاه لهم، وأمرهم به. وأهل البيت ~~نصب على النداء أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أهل بيته. # تنبيه # اعلم أنه يكثر في القرآن العظيم، وفي اللغة إتيان اللام المكسورة ~~منصوبا بعدها المضارع بعد فعل الإرادة كقوله هنا: { إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس } [الأحزاب: 33] الآية. وقوله: # يريد الله ليبين # [النساء: 26]. وقوله: # يريدون ليطفئوا نور الله # [الصف: 8] الآية. وقوله تعالى: # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم # [المائدة: 6] إلى غير ذلك من الآيات. وكقول الشاعر: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # وللعلماء في اللام المذكورة أقوال: منها أنها مصدرية بمعنى أن، وهو قول ~~غريب. ومنها: أنها لام كي، ومفعول الإرادة محذوف والتقدير: إنما يريد ~~الله أن يأمركم وينهاكم، لأجل أن يذهب عنكم الرجس: والرجس كل مستقذر ~~تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات معصية الله تعالى. # قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه }. # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~بيان الإجمال الواقع بسبب الإبهام في صلة موصول، وذكرنا أن من أمثلة ذلك ~~قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } ، لأن ~~جملة: الله مبديه صلة الموصول الذي هو ما. وقد قلنا في الترجمة المذكورة: ~~فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم في نفسه وأبداه الله، ~~ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي ~~الله عنها، حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن ~~زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37] وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو ~~اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم. # وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه صلى الله ~~عليه وسلم وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته لها، وهي تحت زيد، ms3021 وأنها ~~سمعته، قال سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة، كله لا صحة له، والدليل ~~عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئا، مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. انتهى محل الغرض من كلامنا في ترجمة هذا الكتاب ~~المبارك. # وقال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: واختلف الناس في تأويل هذه ~~الآية، فذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين منهم: الطبري: وغيره: ~~إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في ~~عصمة زيد، وكان حريصا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هوإلى أن قال: وهذا ~~الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف يعني قوله: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37] اه. ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق به صلى ~~الله عليه وسلم. # ونقل القرطبي نحوه عن مقاتل، وابن عباس أيضا. وذكر القرطبي عن علي بن ~~الحسين أن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدا سيطلق زينب، ~~وأن الله يزوجها رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن علم هذا بالوحي قال ~~لزيد: أمسك عليك زوجك. وأن الذي أخفاه في نفسه: هو أن الله سيزوجه زينب ~~رضي الله عنها، ثم قال القرطبي، بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية. وهو الذي عليه ~~أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين. كالزهري، والقاضي بكر بن ~~العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، إلى أن قال: فأما ما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض ~~المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن مثل هذا أو مستخف بحرمته. # قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: ~~فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر ودرا من ~~الدرر أنه إنما عتب ms3022 الله عليه في أنه قد أعلمه، أن ستكون هذه من أزواجك، ~~فكيف قال بعد ذلك لزيد: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37]، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، والله ~~أحق أن تخشاه. انتهى محل الغرض منه. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم وابن ~~جرير ها هنا آثارا عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها ~~صفحا لعدم صحتها، فلا نوردها إلى آخر كلامه. وفيه كلام علي بن الحسين ~~الذي ذكرنا آنفا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: ~~هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه، وهو أن الله أعلم نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن زيدا يطلق زينب، وأنه يزوجها إياه صلى الله عليه وسلم، وهي في ~~ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه صلى الله عليه وسلم قال له: # أمسك عليك زوجك # [الأحزاب: 37] فعاتبه الله على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ~~ستصير زوجته هو صلى الله عليه وسلم وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ~~ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه ~~في عصمة زيد. # والدليل على هذا أمران: # الأول: هو ما قدمنا من أن الله جل وعلا قال: { وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه } ، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا، هو زواجه إياها ~~في قوله: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } ~~ولم يبد جل وعلا شيئا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد ~~لأبداه الله تعالى كما ترى. # الأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة ~~الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم # [الأحزاب: 37] الآية فقوله تعالى: { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج } تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله ~~هو الذي ms3023 زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس ~~هو محبته لها التي كانت سببا في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله ~~تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا } الآية، لأنه يدل على ~~أن زيد قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. والعلم عند ~~الله تعالى. ### || [33.41] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بالإكثار من الذكر، جاء معناه في ~~آيات أخر كقوله تعالى: # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] وقوله تعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # [آل عمران: 191] وقوله تعالى: # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [33.47] # لم بيبن هنا المراد بالفضل الكبير في هذه الآية الكريمة، ولكنه بينه في ~~سورة الشورى في قوله تعالى: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو ~~الفضل الكبير # [الشورى: 22]. ### || [33.53] # قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ~~ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن }. # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها، ~~أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على ~~عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب ~~لم تذكر في الترجمة، ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة ~~فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن ~~آية الحجاب أعني قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من ورآء حجاب } خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر ~~لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: { ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم ~~يقل أحد من جميع المسلمين، إن غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في ~~الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، ms3024 وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: # وقد تخصص وقد تعمم # لأصلها لكنها لا تخرم # انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة. # وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة، الدليل الواضح على أن وجوب ~~الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن ~~كان أصل اللفظ خاصا بهن، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك ~~العلة الذي دل على أن قوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن } هو علة قوله تعالى: { فاسألوهن من ورآء ~~حجاب } هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا ~~المسلك المنطبق على جزيئاته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم ~~يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبا عند العارفين، وعرف ~~صاحب مراقي السعود دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء ~~والإشارة والإيماء، والتنبيه بقوله: # دلالة الإيماء والتنبيه # في الفن تقصد لدى ذويه # أن يقرن الوصف بحكم إن يكن # لغير علة يعبه من فطن # وعرف أيضا الإيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله: # والثالث الإيما اقتران الوصف # بالحكم ملفوظين دون خلف # وذلك الوصف أو النظير # قرانه لغيرها يضير # فقوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } لو لم ~~يكن علة لقوله تعالى: { فاسألوهن من ورآء حجاب } لكان ~~الكلام معيبا غير منتظم عند الفطن العارف. # وإذا علمت أن قوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن } هو علة قوله: { فاسألوهن من ورآء حجاب } ~~وعلمت أن حكم العلة عام. # فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي ~~السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه ~~الآية عاما، بدلالة القرينة القرآنية. # فاعلم أن الحجاب واجب، بدلالة القرآن على جميع النساء. # واعلم أنا في هذا المبحث نريد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب ~~على العموم، ثم الأدلة من السنة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن ~~أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب، على غير أزواجه صلى الله عليه وسلم، ms3025 وقد ~~ذكرنا آنفا أن قوله: { ذلكم أطهر لقلوبكم } [الأحزاب: 53] ~~الآية قرينة على عموم حكم آية الحجاب. # ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، ~~قوله تعالى: # يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن # [الأحزاب: 59]، فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى: يدنين عليهن من ~~جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة ~~تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم. # فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: { يدنين عليهن ~~من جلابيبهن } لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من ~~كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه ~~يستلزمه معارض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية ~~على وجوب ستر الوجه. # فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على قوله تعالى فيها: { ~~يدنين عليهن من جلابيبهن } يدخل في معناه ستر وجوههن ~~بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: { قل ~~لأزواجك } ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين ~~المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر ~~الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى. # ومن الأدلة على ذلك # أيضا: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها # [النور: 31]، من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى إلا ما ظهر منها ~~الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين ~~كما تقدم إيضاحه. # واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: # يدنين عليهن من جلابيبهن # [الأحزاب: 59] لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله ~~تعالى: # ذلك أدنى أن يعرفن # [الأحزاب: 59]، قال وقد دل قوله: أن يعرفن على أنهن سافرات كاشفات عن ~~وجوههن، لأن التي تستر وجهها لا تعرف باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية ~~يمنعه منعا باتا لأن قوله: { يدنين عليهن من ms3026 ~~جلابيبهن } صريح في منع ذلك. # وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: { ذلك أدنى أن يعرفن } راجعة ~~إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن ~~بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء ~~الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى. # وقوله في الآية الكريمة لأزواجك: دليل أيضا على أن المعرفة المذكورة في ~~الآية، ليست بكشف الوجوه، لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين. # والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة: # الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفا. # الثاني: قوله: لأزواجك كما أوضحناه أيضا. # الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم ~~سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج ~~البيوت وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، ~~وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزا عن زي الإماء، فيتعرض ~~لهن أولئك الفساق بالأذى ظنا منهم أنهن إماء. فأمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي ~~الإماء وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، ~~علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله: # ذلك أدنى أن يعرفن # [الأحزاب: 59] فهي معرفة بالصفة لا بالشخص. وهذا التفسير منسجم مع ظاهر ~~القرآن كما ترى. فقوله: # يدنين عليهن من جلابيبهن # [الأحزاب: 59]، لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو ~~أدنى وأقرب، لأن يعرفن: أي يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق ~~الذين يتعرضون للإماء، وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه ~~الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز بل هو ~~حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في ~~عموم قوله: # والذين في قلوبهم مرض # [الأحزاب: 60] في قوله تعالى: # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ms3027 # [الأحزاب: 60] إلى قوله: # وقتلوا تقتيلا # [الأحزاب: 61]. # ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، ~~قوله تعالى: # فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض # [الأحزاب: 32] الآية، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى: # حافظ للفرج راض بالتقى # ليس ممن قلبه فيه مرض # وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن ~~الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء ~~الجلابيب. # تنبيه # قد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ~~ابن مالك في الخلاصة: # المصدر اسم ما سوى الزمان من # مدلولي الفعل كأمن من أمن # وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة. # وإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعا، ~~وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، ~~وتارة إلى الزمن الكامن فيه. # فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: # يدنين عليهن # [الأحزاب: 59] ثم قال: # ذلك أدنى أن يعرفن # [الأحزاب: 59] أي ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين. # ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد # [ق: 20] فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ: أي ذلك الزمن ~~يوم الوعيد. # ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول، من أن خطاب ~~الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد ~~أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا ~~في ذلك، لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من أمته يعم حكمه جميع ~~الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، ~~وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم ~~الحكم؟ خلاف ms3028 في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، ~~وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم، أن خطاب الواحد لا يعم، لأن ~~اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعا، فلا يكون ~~صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون، على أن حكم خطاب الواحد عام ~~لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس. # أما القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء ~~المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه ~~وسلم في مبايعة النساء: # " إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة " # قالوا ومن أدلة ذلك حديث: " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ". قال ~~ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي ~~على الجماعة: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال حسن ~~صحيح. والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة ~~النساء # " إني لا أصافح النساء " # وساق الحديث كما ذكرناه، وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عما اشتهر ~~من الأحاديث على ألسنة الناس " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " وفي ~~لفظ: " كحكمي على الجماعة " ليس له أصل بهذا اللفظ. كما قاله العراقي في ~~تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر للزركشي لا يعرف. وسئل عنه المزي ~~والذهبي فأنكراه، نعم يشهد له ما رواه الترمذي والنسائي من حديث أميمة ~~بنت رقيقة، فلفظ النسائي ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة، ~~ولفظ الترمذي " إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " ، وهو من ~~الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما، وقال ~~ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل ~~إلى آخره، قريبا مما ذكرناه عنه. # انتهى. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت ~~رقيقة بقافين مصغرا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها وهي أخت ~~خديجة بنت خويلد. وقيل: عمتها، ms3029 واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد ~~الله بن عمير التيمي، تيم بن مرة. وأشار إلى ذلك في مراقي بقوله: # خطاب واحد لغير الحنبل # من غير رعي النص والقيس الجلي # انتهى محل الغرض منه. # وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان ~~لفظها خاصا بأزواجه صلى الله عليه وسلم، لأن قوله لامرأة واحدة من ~~أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبا. # ومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى: # والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير ~~متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن ~~والله سميع عليم # [النور: 60]، لأن الله جل وعلا بين في هذه الآية الكريمة، أن القواعد أي ~~العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا: أي لا يطمعن في النكاح لكبر السن وعدم ~~حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن، بشرط كونهن ~~غير متبرجات بزينة، ثم إنه جل وعلا مع هذا كله قال: # وأن يستعففن خير لهن # [النور: 60] أي يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي واستعفافهن عن وضع ~~ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرجات بزينة ~~خير لهن. # وأظهر الأقوال في قوله: أن يضعن ثيابهن: أنه وضع ما يكون فوق الخمار، ~~والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب. # فقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: # وأن يستعففن خير لهن # [النور: 60] دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في ~~النكاح، لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر ~~بحضرة الأجانب. # وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من ~~الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت ~~أن القرآن دل على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة، بأزواجه صلى ~~الله عليه وسلم، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة ~~المقتضية للطهارة التامة وعدم التدنس بأنجاس ms3030 الريبة، فمن يحاول منع ~~النساء المسلمين كالدعاة للسفر والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن ~~في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة ~~غاش لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، مريض القلب كما ترى. # واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلت ~~على ذلك أيضا أحاديث نبوية، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ~~وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت " # أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح في باب: لا يخلون رجل بامرأة ~~إلا ذو محرم إلخ. ومسلم في كتاب السلام في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية ~~والدخول عليها، فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول ~~عليهن، وسؤالهن متاعا إلا من وراء حجاب، لأن من سألها متاعا لا من وراء ~~حجاب، فقد دخل عليها، والنبي صلى الله عليه وسلم حذره من الدخول عليها، ~~ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرما لزوجته ~~كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه ونحو ذلك. قال له صلى الله عليه وسلم: # " الحمو الموت، " # فسمى صلى الله عليه وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها ~~باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، لأن الموت هو ~~أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا كما قال الشاعر: # والموت أعظم حادث # مما يمر على الجبلة # والجبلة: الخلق، ومنه قوله تعالى: # واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين # [الشعراء: 184]، فتحذيره صلى الله عليه وسلم هذا التحذير البالغ من دخول ~~الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، ~~دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: { فاسألوهن من ورآء ~~حجاب } [الأحزاب: 53] عام في جميع النساء كما ms3031 ترى. إذ لو كان حكمه ~~خاصا بأزواجه صلى الله عليه وسلم، لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ ~~العام في الدخول على النساء، وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو ~~لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما ~~محرم تحريما شديدا بانفراده، كما قدمنا أن مسلما رحمه الله أخرج هذا ~~الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها فدل على أن كليهما ~~حرام، وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: إياكم والدخول ~~بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرز عنه كما قيل: ~~إياك والأسد، وقوله: إياكم: مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا. # وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن ~~عليكم، ووقع في رواية ابن وهب، بلفظ: لا تدخلوا على النساء، وتضمن منع ~~الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. انتهى محل الغرض منه. وقال البخاري ~~رحمه الله في صحيحه: باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن. # وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله # وليضربن بخمرهن على جيوبهن # [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها. # حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت ~~شيبة: أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية. { ~~وليضربن بخمرهن على جيوبهن } أخذان أزرهن ~~فشقفنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري. ~~وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن: أي غطين ~~وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على ~~العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة ~~خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من ~~فتح الباري. وهذا الحديث الصحيح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه ~~فهمن أن معنى قوله تعالى: # وليضربن بخمرهن على جيوبهن # [النور: 31] يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن، ختمرن أي سترن ms3032 وجوههن ~~بها امتثالا لأمر الله في قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن } المقتضى ستر وجوههن، وبهذا يتحقق المنصف: أن ~~احتجاب المراة عن الرجل وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة ~~لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة رضي الله عنها على تلك النساء ~~بمسارعتهن، لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه ~~من قوله: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } إلا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في ~~دينهن،والله جل وعلا يقول: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44] فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. وقال ابن حجر في فتح ~~الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم عن صفية ما ~~يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش ~~لفضلا، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ~~ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: # وليضربن بخمرهن على جيوبهن # [النور: 31] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن ~~امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن ~~الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. ومعنى معتجرات مختمران كما جاء ~~موضحا في رواية البخاري المذكور آنفا، فترى عائشة رضي الله عنها مع ~~علمها، فهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت ~~أشد منهن تصديقا بكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. وهو دليل واضح على ~~أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: # وليضربن بخمرهن على جيوبهن # [النور: 31] من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن ~~احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله ~~كما ترى، فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في ~~الكتاب ولا السنة، ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن ~~الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانا بتنزيله، ومعنى ~~هذا ثابت ms3033 في الصحيح كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في ~~لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقال البزار أيضا: حدثنا محمد بن ~~المثنى حدثني عمرو بن عاصم: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي ~~الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحه ربها ~~وهي في قعر بيتها " # رواه الترمذي عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه اه. منه. # وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال رواه الطبراني في الكبير، ~~ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة، وما جاء فيه ~~من كون المرأة عورة: يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم ~~العورة. # ومما يؤيد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضا في مجمع الزوائد عن ابن مسعود: قال ~~إنما النساء عورة، وأن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها ~~الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ~~ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلي في ~~مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها. ثم قال: رواه الطبراني ~~في الكبير ورجاله ثقات. اه منه. ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي ~~فيه. # ومن الأدلة على ذلك الأحاديث التي قدمناها، الدالة على أن صلاة المرأة ~~في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد. كما أوضحناه في سورة النور في ~~الكلام على قوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36] الآية. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا. وفيما ذكرنا كفاية ~~لمن يريد الحق. # فقد ذكرنا الآيات القرآنية الدالة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالة ~~على الحجاب، وبينا أن من أصرحها في ذلك آية النور مع تفسير الصحابة لها، ~~وهي قوله تعالى: # وليضربن بخمرهن على جيوبهن # [النور: 31] فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم موجود ms3034 بينهم ينزل عليه الوحي، بأن المراد بها يدخل فيه ستر ~~الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن كما قالته ~~عائشة رضي الله عنها. # وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي المنصف، فسنذكر ~~لك أجوبة أهل العلم، عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهها ~~ويديها، بحضرة الأجانب. # فمن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة رضي ~~الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال # " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار ~~إلى وجهه وكفيه " # وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين. # الأولى: هي كونه مرسلا، لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله ~~أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور. # الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في ~~التقريب: ضعيف، مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع ~~أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب. # ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح قال: ~~شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة ~~قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال فأمر ~~بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء، ~~فوعظهن وذكرهن فقال: # " تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء ~~الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن ~~الشكاة، وتكفرن العشير. قال فجعلن يتصدقن من حليهن ~~يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن " # اه. هذا لفظ مسلم في صحيحه. قالوا: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء ~~الخدين يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى ~~خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين. وأجيب ms3035 عن حديث جابر هذا: بأنه ليس ~~فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها ~~على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم ~~كشفها عنه قصدا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه ~~بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته واثقتنا باليد # فعلى المحتج بحديث جابر المذكور، أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها ~~سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. وقد روى القصة ~~المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم ~~في صحيحه ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ~~وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر أنه رأى خدي ~~تلك المرأة السفعاء الخدين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث ~~جابر المذكور. # وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم وقوله: فقامت امرأة من ~~سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي ~~بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي معناه: من خيارهن، والوسط العدل ~~والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن ~~صوابه من سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في ~~سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء، وهذا ضد ~~التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين هذا كلام القاضي، وهذا ~~الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من ~~خيار النساء كما فسره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في ~~وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطا ~~وسطة أي توسطتهم. اه منه. وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث ~~جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة، ويحتمل أن جابرا ذكر ms3036 سفعة ~~خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها، لأن سفعة الخدين قبح ~~في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين: أي فيها تغير وسواد. وقال الجوهري ~~في صحاحه: والسفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة ~~سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور: # من الورق سفعاء العلاطين باكرت # فروع أشاء مطلع الشمس أسحما # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: السفعة في الخدين من المعاني المشهورة ~~في كلام العرب: أنها سواد وتغير في الوجه، من مرض أو مصيبة أو سفر شديد. ~~ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكا: # تقول ابنة العمري مالك بعد ما # أراك خضيبا ناعم البال أروعا # فقلت لها طول الأسى إذ سألتني # ولوعة وجد تترك الخد أسفعا # ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خدي الصقر ~~سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: # أهوى لها أسفع الخدين مطرق # ريش القوادم لم تنصب له الشبك # والمقصود: أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم ~~يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد ~~اللاتي لا يرجون نكاحا. # ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك، حديث ابن عباس الذي قدمناه قال: ~~أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي الله عنهما، يوم ~~النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا فوقف النبي صلى الله ~~عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل ~~فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله: إن فريضة الله في الحج ~~على عباده، أدركت أبي شيخا كبيرا. # الحديث، قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت ~~كاشفة عن وجهها. # وأجيب عن ذلك أيضا من وجهين: # الأول: الجواب بأنه ms3037 ليس في شيء من روايات الحديث، التصريح بأنها كانت ~~كاشفة عن وجهها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرها ~~على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: ~~أنها حسناء ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن ~~وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها ~~من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها كما أوضحناه في ~~رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز ~~أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها. ومما يوضح هذا أن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى ~~المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمه ~~بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث ~~المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، ~~واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدا لاحتمال أن ~~يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، ~~واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها. # فإن قيل: قوله إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء، قوله: فطفق الفضل ~~ينظر إليها. وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى ~~وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه. # فالجواب: أن تلك القرائن لاتستلزم استلزاما لا ينفك أنها كانت كاشفة، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرها لما ذكرنا من أنواع ~~الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف، وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة ~~وذلك لحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما ~~هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها # [النور: 31] بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من ~~تحت الثياب قول الشاعر: ms3038 # طافت أمامة بالركبان آونة # يا حسنها من قوام ما ومنتقبا # فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورا بالثياب لا منكشفا. # الوجه الثاني: أن المرأة محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها ~~كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من ~~الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وغيرهن ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن ~~عباس رضي الله عنهما، والفضل منعه النبي صلى الله عليه وسلم من النظر ~~إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذا ~~لإحرامها لا لجواز السفور. # فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة لأن ~~الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من ~~الرجال. # فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الورع وعدم ~~النظر إلى النساء، فلا مانع عقلا ولا شرعا، ولا عادة من كونها لم ينظر ~~إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها، ويفهم من ~~صرف النبي صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها، أنه لا سبيل إلى ترك ~~الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة المتقدمة ~~على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم. # وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في ~~الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر ~~إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداع إلى الفتنة، ~~والوقوع فيما لا ينبغي. ألم تسمع بعضهم يقول: # قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة # ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم # أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك ~~ولقد صدق من قال: # وما عجب أن النساء ترجلت # ولكن تأنيث الرجال عجاب # مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة # أعني آية الحجاب هذه # اعلم أنه لا يجوز ms3039 للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه. # ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها. # والدليل على ذلك أمور: # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: # " إني لا أصافح النساء " # الحديث. والله يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به صلى الله عليه وسلم، ~~والحديث المذكور قد قدمناه موضحا في سورة الحج في الكلام على النهي: عن ~~لبس المعصفر. مطلقا في الإحرام، وغيره للرجال. وفي سورة الأحزاب في آية ~~الحجاب هذه. # وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن ~~الرجل لا يصافح المرأة، ولا يلمس شيء من بدنه شيئا من بدنها، لأن أخف ~~أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ~~يقتضيها وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره. # الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، ~~وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن، ~~أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل ~~منصف يعلم صحة ذلك. # الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية، لقلة تقوى الله في ~~هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مرارا أن ~~بعض الأزواج من العوام، يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم ويسمون ذلك ~~التقبيل الحرام بالإجماع سلاما، فيقولون سلم عليها يعنون قبلها، فالحق ~~الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب، وأسبابها ومن أكبرها لمس ~~الرجل شيئا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما أوضحناه ~~في غير هذا الموضع، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: # سد الذرائع إلى المحرم # حتم كفتحها إلى المنحتم ### || [33.63] # قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله }. # أمر الله تعالى ms3040 نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول ~~للناس الذين يسألونه عن الساعة { إنما علمها عند الله } ~~ومعلوم أن إنما صيغة حصر. # فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلا الله وحده. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء واضحا في آيات أخر ~~من كتاب الله كقوله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث # [لقمان: 34] الآية. # وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الخمس المذكورة في قوله: { إن الله ~~عنده علم الساعة } الآية. هي المراد بقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] وكقوله تعالى: # يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ~~ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند ~~الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187]. وقوله تعالى: # يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ~~ذكراها إلى ربك منتهاهآ # [النازعات: 4244] وقوله تعالى: # إليه يرد علم الساعة # [فصلت: 47] الآية. وفي الحديث: # " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". # قوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الساعة التي هي القيامة لعلها ~~تكون قريبا، وذكر نحوه في قوله في الشورى: # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]، وقد أوضح جل وعلا اقترابها في آيات أخر كقوله: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] الآية. وقوله: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1]. وقوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1] الآية. ### || [33.64-68] # قوله تعالى: { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم ~~سعيرا } إلى قوله: { لعنا كبيرا }. # تقدمت الآيات الموضحة له مرارا. ### || [33.72] # ذكر جل وعلا في الآية الكريمة: أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما ~~يتبعها من ثواب وعقاب، على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن ~~يحملنها، وأشفقن منها: أي خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب ~~الله وسخطه، وهذا العرض والإباء، والإشفاق كله حق، وقد خلق الله ms3041 للسماوات ~~والأرض والجبال إدراكا بعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك ~~أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت أي خافت. # ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالة على إدراك ~~الجمادات المذكورة قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة: # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية ~~التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] الآية. ومنها قوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع، الذي كان يخطب ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في ~~صحيح البخاري وغيره. # ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي في مكة " # وأمثال هذا كثيرة، فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنة، إنما يكون بإدراك ~~يعلمه الله، ونحن لا نعلمه. كما قال تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] ولو كان المراد بتسبيح الجمادات، دلالتها على خالقها لكنا ~~نفقهه، كما هو معلوم وقد دلت عليه آيات كثيرة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا } الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام، وأن الضمير في قوله: { إنه كان ظلوما ~~جهولا } [الأحزاب: 72] راجع للفظ الإنسان مجردا عن إرادة المذكور منه ~~الذي هو آدم: # والمعنى: أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلوما جهولا: أي ~~كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران. # أحدهما: قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة ~~إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلا به: # ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ms3042 # [الأحزاب: 73] فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان، هو المعذب ~~والعياذ بالله، وهم المنافقون، والمنافقات، والمشركون، والمشركات، دون ~~المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ليعذب: لام التعليل وهي متعلقة ~~بقوله: وحملها الإنسان. # الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرد اللفظ ~~دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن، وقد جاء ~~فعلا في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11]، لأن الضمير في قوله: ولا ينقص من عمره: راجع إلى لفظ المعمر ~~دون معناه التفصيلي. كما هو ظاهر، وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام ~~على قوله تعالى: # وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61] وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية ~~بمسألة عندي درهم ونصفه: أي نصف درهم آخر كما ترى. وبعص من قال من أهل ~~العلم إن الضمير في قوله: { إنه كان ظلوما جهولا } عائد إلى ~~آدم، قال المعنى: أنه كان ظلوما لنفسه جهولا: أي غرا بعواقب الأمور، ~~وما يتبع الأمانة من الصعوبات، والأظهر هو ما ذكرنا والعلم عند الله ~~تعالى. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1] # قوله تعالى: { وله الحمد في الآخرة }. # قد ذكرنا ما هو بمعناه من الآيات في أول سورة الفاتحة في الكلام على ~~قوله: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]. ### || [34.2] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم ما يلج في الأرض، أي ما ~~يدخل فيها كالماء النازل من السماء، الذي يلج في الأرض، كما أوضحه بقوله ~~تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض # [الزمر: 21] الآية. # وقوله: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض # [المؤمنون: 18] الآية، فهو جل وعلا، يعلم عدد القطر النازل من السماء ~~إلى الأرض، وكيف لا يعلمه من خلقه: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] ويعلم أيضا ما يلج في الأرض من الموتى الذين يدفنون فيها، ~~كما قال جل وعلا # منها خلقناكم وفيها ms3043 نعيدكم # [طه: 55] وقال: # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا # [المرسلات: 2526] والكفات من الكفت: وهو الضم، لأنها تضمهم أحياء على ~~ظهرها، وأمواتا في بطنها، ويعلم ما يلج في الأرض من البذر كما قال ~~تعالى: # ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ~~إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. وكذلك ما في بطنها من المعادن وغير ذلك. # قوله: { وما يخرج منها } أي من الأرض كالنبات، والحبوب ~~والمعادن، والكنوز، والدفائن وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من ~~المطر، والثلج، والبرد، والرزق وغير ذلك، وما يعرج: أي يصعد فيها أي ~~السماء كالأعمال الصالحة، كما بينه بقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10] وكأرواح المؤمنين وغير ذلك كما قال تعالى: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] الآية. # وقال تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5] وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه يعلم جميع ما ~~ذكره في سورة الحديد في قوله: # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير # [الحديد: 4]. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على كمال إحاطة علم الله بكل شيء في أول سورة ~~هود، في الكلام على قوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه # [هود: 5] الآية، وفي مواضع أخر متعددة. ### || [34.3] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ~~قل بلى وربي لتأتينكم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أنكروا البعث، وقالوا: لا ~~تأتينا الساعة: أي القيامة، وأنه جل وعلا أمر نبيه أن يقسم لهم بربه ~~العظيم أن الساعة سوف تأتيهم مؤكدا ذلك توكيدا متعددا. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38] وقوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي ms3044 خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # [يس: 78] وقوله تعالى: # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا # [مريم: 66] وقوله تعالى عنهم: # وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29] # وما نحن بمنشرين # [الدخان: 35] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، وما ذكره جل وعلا من أنه أمر ~~نبيه بالإقسام لهم على أنهم يبعثون، جاء موضحا في مواضع أخر. # قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه إحدى الآيات ~~الثلاث التي لا رابعة لهن مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم ~~بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، ~~فإحداهن في سورة يونس عليه السلام وهي قوله تعالى: # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ~~ومآ أنتم بمعجزين # [يونس: 53] والثانية هذه: { وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } [سبأ: 3] والثالثة: ~~في سورة التغابن وهي قوله تعالى: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم # [التغابن: 7] الآية. # وقد قدمنا البراهين الدالة على البعث بعد الموت من القرآن في سورة ~~البقرة، وسورة النحل وغيرهما. # وقد قدمنا الآيات الدالة على إنكار الكفار البعث، وما أعد الله لمنكري ~~البعث من العذاب في الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا # [الفرفان: 11] وفي مواضع أخر. وقوله: قل بلى لفظة بلى قد قدمنا معانيها ~~في اللغة العربية بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى # [النحل: 28] الآية. # قوله تعالى: { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين }. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر جاء موضحا في آيات ~~أخر كقوله تعالى: # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا ms3045 عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس: 61] وقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في مواضع متعددة من ~~هذا الكتاب المبارك. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لا يعزب }: أي لا يغيب عنه ~~مثقال ذرة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: # أخي كان أما حلمه فمروح # عليه وأما جهله فعزيب # يعني أن الجهل غائب عنه ليس متصفا به. وقرأ هذا الحرف نافع وابن ~~عامر: عالم الغيب بألف بعد العين، وتخفيف اللام المكسورة، وضم الميم على ~~وزن فاعل. وقرأه حمزة والكسائي: علام الغيب بتشديد اللام وألف بعد اللام ~~المشددة وخفض الميم على وزن فعال وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم عالم ~~الغيب كقراءة نافع وابن عامر: إلا أنهم يخفضون الميم وعلى قراءة نافع، ~~وابن عامر: بضم الميم من قوله: عالم الغيب، فهو مبتدأ خبره جملة: { لا ~~يعزب عنه } الآية. أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب. # وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم عالم الغيب بخفض الميم فهو نعت ~~لقوله ربي: أي قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم، وكذلك على قراءة حمزة، ~~والكسائي: علام الغيب. وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير الكسائي: { لا ~~يعزب عنه } بضم الزاي من يعزب، وقرأه الكسائي بكسر الزاي. ### || [34.5] # لم يبين هنا نوع هذا العذاب، ولكنه بينه بقوله في الحج: # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم # [الحج: 51] وقوله: { معاجزين }: أي مغالبين، ومسابقين يظنون أنهم ~~يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم، والرجز العذاب كما قال: # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا # [البقرة: 59] الآية، وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: معجزين بلا ~~ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة. وقرأه ms3046 الباقون بألف بعد العين، ~~وتخفيف الجيم، ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم، فلا ~~يقدر على بعثهم وعقابهم. # وقال بعضهم: أن معنى معجزين بالتشديد: أي مثبطين الناس عن الإيمان وقرأ ~~ابن كثير، وحفص من رجز أليم: بضم الميم من قوله: أليم على أنه نعت ~~لقوله: عذاب. وقرأ الباقون: أليم بالخفض على أنه نعت لقوله: رجز. ### || [34.7-8] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا هل ندلكم على ~~رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد } إلى قوله { والضلال البعيد } # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث، وتكذيب الله لهم في ذلك ~~قدم موضحا في مواضع كثيرة، من هذا الكتاب في البقرة والنحل وغيرهما. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إذا مزقتم كل ممزق ~~} أي تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم، واختلطت بالأرض. وتلاشت فيها. ~~وقوله عنهم: { إنكم لفي خلق جديد } أي البعث بعد الموت وهو ~~مصب إنكارهم قبحهم الله، وهو جل وعلا يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم، ~~وعظامهم كما قال تعالى: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. ### || [34.9] # قوله تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض }. # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار، وتقريعهم على عدم ~~تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم، وما خلفهم من السماء والأرض، ليستدلوا ~~بذلك على كمال قدرة الله على البعث، وعلى كل شيء، وأنه هو المعبود وحده ~~جاء موضحا في مواضع أخر، كقوله تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب # [ق: 68] # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم # [الأعراف: 185]. وقوله تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال عبد ms3047 بن حيمد، أخبرنا ~~عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة: { أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض } قال: إنك إن ~~نظرت عن يمينك، أو عن شمالك أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء ~~والأرض. # قوله تعالى: { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط ~~عليهم كسفا من السمآء }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أمرين: # أحدهما: أنه إن شاء خسف الأرض بالكفار، خسفها بهم لقدرته على ذلك. # والثاني: أنه إن شاء أن يسقط عليهم كسفا من السماء فعل ذلك أيضا ~~لقدرته عليه. # أما الأول الذي هو أنه لو شاء أن يخسف بهم الأرض لفعل، فقد ذكره تعالى ~~في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور # [الملك: 16]، وقوله تعالى: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر # [الإسراء: 68] الآية. وقوله تعالى: # لولا أن من الله علينا لخسف بنا # [القصص: 82]، وقوله تعالى في الأنعام: # أو من تحت أرجلكم # [الأنعام: 65] الآية. # وقوله هنا: { أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } قد ~~بينا في سورة بني إسرائيل أنه هو المراد بقوله تعالى عن الكفار: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] الآية. وقرأه حمزة والكسائي: إن يشأ يخسف بهم الأرض، أو ~~يسقط عليهم كسفا من السماء بالياء المثناة التحتية في الأفعال الثلاثة. ~~أعني يشأ. ويخسف. ويسقط، وعلى هذه القراءة فالفاعل ضمير يعود إلى الله ~~تعالى أي إن يشأ هو أي الله يخسف بهم الأرض، وقرأ الباقون بالنون الدالة ~~على العظمة في الأفعال الثلاثة أي إن نشأ نحن إلخ. وقرأ حفص عن عاصم: ~~كسفا بفتح السين، والباقون بسكونها والكسف بفتح السين القطع، والكسف ~~بسكون السين واحدها. ### || [34.10-11] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى داود منه فضلا تفضل به ~~عليه، وبين هذا الفضل، الذي تفضل به على داود في آيات أخر كقوله تعالى: # وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشآء # [البقرة: ms3048 251] وقوله تعالى: # وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب # [ص: 20] وقوله تعالى: # ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب # [ص: 30]. وقوله تعالى: # فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب # [ص: 25]. وقوله تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # [ص: 26]. وقوله تعالى: # ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين # [النمل: 15] وقوله تعالى: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا # [الإسراء: 55] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { يجبال أوبي معه والطير }. # قد بينا الآيات الموضحة له مع إيضاح معنى { أوبي معه } في سورة ~~الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79]. # قوله تعالى: { وألنا له الحديد أن اعمل سابغات ~~وقدر في السرد }. # وقد قدمنا الآيات التي فيها إيضاحه، مع بعض الشواهد وتفسير قوله: { ~~وقدر في السرد } في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # [الأنبياء: 80]. وفي النحل في الكلام على قوله تعالى: # وسرابيل تقيكم بأسكم # [النحل: 81]. ### || [34.12-13] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر }. # قد بينا الآيات التي فيها إيضاح له في سورة الأنبياء في الكلام على ~~قوله: # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض # [الأنبياء: 81] الآية. مع الأجوبة عن بعض الأسئلة الواردة، على الآيات ~~المذكورة. # قوله تعالى: { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه } إلى قوله تعالى: { وقدور راسيات }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك وكنا لهم حافظين # [الأنبياء: 82]. ### || [34.20] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام، على قوله تعالى ~~عنه # لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39] الآية، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17]، وقوله: { ولقد صدق } قرأه عاصم، وحمزة والكسائي ~~بتشديد الدال والباقون بالتخفيف. ### || [34.21] # قوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ms3049 } الآية. # قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40] وفي غير ذلك من المواضع. ### || [34.22] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~} الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا # [الإسراء: 56]. ### || [34.23] # قوله تعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: # ولا يقبل منها شفاعة # [البقرة: 84]. ### || [34.24] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السماوات والأرض ~~قل الله }. # أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول للكفار: { من يرزقكم من السماوات والأرض ~~} أي يرزقكم من السماوات بأنزال المطر مثلا، والأرض بإنبات الزروع ~~والثمار ونحو ذلك. ثم أمره أن يقول: { الله } أي الذي يرزقكم من السماوات ~~والأرض هو الله، وأمره تعالى له صلى الله عليه وسلم بأن يجيب بأن رازقهم ~~هو الله يفهم منه أنه مقرون بذلك، وأنه ليس محل نزاع. # وقد صرح تعالى بذلك، في آيات كثيرة كقوله تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله # [يونس: 31] الآية، وإقرارهم بربوبيته تعالى يلزمه الاعتراف بعبادته ~~وحده، والعمل بذلك. # وقد قدمنا كثيرا من الآيات الموضحة لذلك في سورة بني إسرائيل في ~~الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [34.25] # قوله تعالى: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل ~~عما تعملون }. # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول ~~للكفار. إنهم وإياهم ليس أحد منهم مسؤولا عما يعمله الآخر، بل كل ~~منهم مؤاخذ بعمله، والآخر بريء منه. # وأوضح هذا المعنى في غير ms3050 هذا الموضع كقوله تعالى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، وقوله تعالى: # قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 12] إلى قوله: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6] وفي معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون # [البقرة: 134]. وكقوله تعالى عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام: # قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # [هود: 5455]. ### || [34.27] # أمر الله جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: ~~أروني أوثانكم التي ألحقتموها بالله شركاء له في عبادته، كفرا منكم، ~~وشركا وافتراء. وقوله: أروني الذين ألحقتم به شركاء، لأنهم إن أروه ~~إياها تبين برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضر، واتضح بعدها عن صفات ~~الألوهية. فظهر لكل عاقل برؤيتها بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ~~فإحضارها والكلام فيها، وهي مشاهدة أبلغ من الكلام فيها غائبة، مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم يعرفها، وكما أنه في هذه الآية الكريمة أمرهم. أن ~~يروه إياها ليتبين بذلك بطلان عبادتها، فقد أمرهم في آيات أخرى أن ~~يسموها بأسمائها لأن تسميتها بأسمائها يظهر بها بعدها عن صفات ~~الألوهية، وبطلان عبادتها لأنها أسماء إناث حقيرة كاللات والعزى، ومناة ~~الثالثة الأخرى، كما قال تعالى: # إن يدعون من دونه إلا إناثا # [النساء: 117] الآية، وذلك في قوله تعالى: # وجعلوا لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل ~~زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ~~ومن يضلل الله فما له من هاد # [الرعد: 33]. # والأظهر في قوله: { أروني الذين ألحقتم به } في هذه ~~الآية: هو ما ذكرنا من أن الرؤية بصرية وعليه فقوله: شركاء حال، وقال بعض ~~أهل العلم: إنها من رأى العلمية، وعليه فشركاء مفعول ثالث لأروني. قال ~~القرطبي: يكون أروني هنا من رؤية القلب فيكون شركاء مفعولا ثالثا ms3051 أي ~~عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله عز وجل، وهل ~~شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو وإلا فلم تعبدونها ا ه محل الغرض منه. ~~واختار هذا أبو حيان في البحر المحيط. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ~~{ كلا } ردع لهم، وزجر عن إلحاق الشركاء به. وقوله: { بل هو ~~الله العزيز الحكيم } أي والمتصف بذلك هو المستحق للعبادة، ~~وقد قدمنا معنى العزيز الحكيم بشواهده مرارا. ### || [34.28] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ~~ونذيرا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى: { إلا كآفة ~~للناس } ، استشهد به بعض علماء العربية على جواز تقدم الحال على ~~صاحبها المجرور بالحرف كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: # وسبق حال ما بحرف جر قد # أبوا ولا أمنعه فقد ورد # قالوا: لأن المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كافة: أي جميعا أي أرسلناك ~~للناس، في حال كونهم مجتمعين في رسالتك، وممن أجاز أبو علي الفارسي ~~وابن كيسان، وابن برهان، ولذلك شواهد في شعر العرب، كقلو طليحة بن خويلد ~~الأسدي: # فإن تك أذواد أصبن ونسوة # فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال # وكقول كثير: # لئن كان برد الماء هيمان صاديا # إلى حبيبا إنها لحبيب # وقول الآخر: # تسليت طرا عنكم بعد بينكم # بذكركم حتى كأنكم عندي # وقول الآخر: # غافلا تعرض المنية للمر # ء فيدعي ولات حين إباء # وقوله: # مشغوفة بك قد شغفت وإنما # حم الفراق فما إليك سبيل # وقوله: # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد # فقوله في البيت الأول فرغا: أي هدرا حال، وصاحبه المجرور بالباء الذي ~~هو بقتل، وحبال اسم رجل. وقوله في البيت الثاني: هيمان صاديا، حالان من ~~ياء المتكلم المجرورة بإلى في قوله: إلي حبيبا. وقوله في البيت ~~الثالث: طرا، حال من الضمير المجرور بعن في قوله: عنكم، وهكذا وتقدم ~~الحال على صاحبها المجرور بالحرف منعه أغلب النحويين. # وقال ms3052 الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: { ومآ أرسلناك ~~إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا } إلا رسالة عامة لهم ~~محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم، فإنها قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. # وقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ فجعله ~~حالا من الكاف، وحق الثاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية، ~~والعلامة، ومن جعله حالا من المجرور متقدما عليه فقد أخطأ، لأن تقدم ~~حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ~~ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى ~~لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب ~~الخطأين. اه منه. # وقال الشيخ الصبان في حاشيته على الأشموني: جعل الزمخشري. كافة صفة ~~لمصدر محذوف أي رسالة كافة للناس، ولكن اعترض بأن كافة مختصة بمن يعقل ~~وبالنصب على الحال كطرا، وقاطبة. انتهى محل الغرض منه، وما ذكره الصبان ~~في كافة هو المشهور المتداول في كلام العرب، وأوضح ذلك أبو حيان في ~~البحر، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. # قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك # [الأنعام: 116] الآية. وغير ذلك من المواضع. ### || [34.30] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # [يونس: 49]. ### || [34.31-33] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ~~ربهم } إلى قوله: { إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا }. # ذكرنا بعض الآيات التي فيها بيان له في سورة البقرة في الكلام على قوله ~~تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166] وبيناه في مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك. # قوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين ~~كفروا }. # جاء موضحا في مواضع أخر كقوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل # [غافر: 71] وقوله: # أولئك الذين كفروا بربهم ms3053 وأولئك الأغلال ~~في أعناقهم # [الرعد: 5] وقوله: # ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه # [الحاقة: 32] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [34.34-35] # قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها # [الأنعام: 123] وأوضحنا ذلك في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام ~~على قوله تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جآء أمة ~~رسولها كذبوه # [المؤمنون: 44] الآية. ### || [34.37] # وقوله تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى }. # قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. ### || [34.40-41] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من ~~دونك من أوليآء ولكن متعتهم # [الفرقان: 1718] الآية. ### || [34.43] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آبآؤكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. ### || [34.44] # قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [34.45] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه أهلك الأمم الماضية لما ~~كذبت رسله، وأن الأمم الماضية أقوى، وأكثر أموالا وأولادا، وأن ~~كفار مكة عليهم أن يخافوا من إهلاك الله لهم بسبب تكذيب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، ولم يؤتوا: أي كفار مكة ~~معشار ما أتى الله الأمم التي أهلكها من ms3054 قبل من القوة، جاء موضحا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض # [غافر: 82] وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الروم في الكلام على ~~قوله تعالى: # وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها # [الروم: 9]. ### || [34.46] # قوله تعالى: { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ~~إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: # أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون # [المؤمنون: 70]. ### || [34.47] # قوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29]. ### || [34.49] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]. ### || [34.50] # قوله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي ~~وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي }. # قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله ~~تعالى: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78] في معرض بيان حجج الظاهرية في دعواهم منع الاجتهاد. ### || [34.52] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون بالله، ~~وأن ذلك الإيمان لا ينفعهم لفوات وقت نفعه، الذي هو مدة دار الدنيا جاء ~~موضحا في آيات كثيرة. # وقد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله ~~تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق # [الأعراف: 53] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون ~~اليوم في ضلال مبين # [مريم: 38]، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ~~{ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } أنى تدل على ~~كمال الاستبعاد هنا، والتناوش: التناول، وقال بعضهم: هو خصوص التناول ~~السهل للشيء القريب. # والمعنى: أنه ms3055 يستبعد كل الاستبعاد ويبعد كل البعد، أن يتناول الكفار ~~الإيمان النافع في الآخرة بعد ما ضيعوا ذلك وقت إمكانه في دار الدنيا، ~~وقيل الاستبعاد لردهم إلى الدنيا مرة أخرى ليؤمنوا، والأول أظهر، ويدل ~~عليه قوله قبله: { وقالوا آمنا به } ومن أراد تناول شيء من ~~مكان بعيد لا يمكنه ذلك. والعلم عند الله تعالى. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # قوله تعالى: { الحمد لله فاطر السماوات والأرض ~~جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع } الآية. # الألف واللام في قوله: الحمد لله للاستغراق: أي جميع المحامد ثابت لله ~~جل وعلا، وقد أثنى جل وعلا على نفسه بهذا الحمد العظيم، معلما خلقه في ~~كتابه: أن يثنوا عليه بذلك، مقترنا بكونه فاطر السموات والأرض، جاعل ~~الملائكة رسلا، وذلك يدل على أن خلقه للسماوات والأرض، وما ذكر معه ~~يدل على عظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للحمد لذاته لعظمته وجلاله وكمال ~~قدرته مع ما في خلق السماوات والأرض، من النعم على بني آدم فهو يخلقهما ~~مستحق للحمد للذاته، ولإنعامه على الخلق بهما، وكون خلقهما جامعا بين ~~استحقاق الحمدين المذكورين، جاءت آيات من كتاب الله تدل عليه أما كون ~~ذلك يستوجب حمد الله لعظمته وكماله، واستحقاقه لكل ثناء جميل فقد جاء في ~~آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1] الآية. وقوله في أول سورة سبأ # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض # [سبأ: 1] الآية. وقوله تعالى في أول سورة الفاتحة: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] وقد قدمنا أن قوله: رب العالمين بينه قوله تعالى: # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين # [الشعراء: 2324]. وكقوله تعالى: # وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين # [الصافات: 181182] وقوله: # وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين # [الزمر: 75]. # وأما استحقاقه للحمد على خلقه بخلق السماوات والأرض، لما في ذلك من ~~إنعامه على بني آدم فقد جاء في آيات عن كتاب الله، ms3056 فقد بين تعالى أنه ~~أنعم على خلقه، بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض في آيات من ~~كتابه كقوله تعالى: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] وقوله تعالى: # وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين # [إبراهيم: 33] الآية. وقوله تعالى: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54] وقد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى تسخير ما في السماوات ~~لأهل الأرض في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # الآية [الحجر: 17]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { جاعل الملائكة رسلا } ~~قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج: 75]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فاطر السماوات والأرض } ~~أي خالق السماوات والأرض، ومبدعهما على غير مثال سابق. # وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: قال سفيان الثوري، ~~عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت لا ~~أدري ما فاطر السماوات والأرض: حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال ~~أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي بدأتها. ### || [35.2] # قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده } ~~الآية. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه ~~عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنا من كان أن يمسكه عنهم، وما ~~يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنا من كان أن يرسله إليهم، ~~وهذا معلوم بالضرورة من الدين، والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ~~ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة ~~المطر، كما قال تعالى: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم: 50]. # وقوله تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]. وقوله تعالى: # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ms3057 وينشر ~~رحمته # [الشورى: 28] الآية، ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب كقوله تعالى: # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # [القصص: 86] كما تقدم إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65] الآية. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله # [يونس: 107]. وقوله تعالى: # قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ~~ضرا أو أراد بكم نفعا # [الفتح: 11] الآية. وقوله تعالى: # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة # [الأحزاب: 17] الآية إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير # [الأنعام: 17] و (ما) في قوله تعالى: { ما يفتح الله } وقوله: ~~(وما يمسك) شرطية، وفتح الشيء التمكين منه وإزالة الحواجز دونه ~~والإمساك بخلاف ذلك. ### || [35.3] # قوله تعالى: { هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السمآء والأرض }. # الاستفهام في قوله: { هل من خالق غير الله } إنكاري فهو ~~مضمن معنى النفي. # والمعنى: لا خالق إلا الله وحده، والخالق هو المستحق للعبادة وحده. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الرعد في الكلام على قوله ~~تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه # [الرعد: 16] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # [الفرقان: 3] وفي غير ذلك من المواضع. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { يرزقكم من السمآء ~~والأرض } يدل على أنه تعالى هو الرازق وحده، وأن الخلق في غاية ~~الاضطرار إليه تعالى. # والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه # [الملك: 21] وقوله: # فابتغوا عند الله الرزق # [العنكبوت: 17]. # وقد قدمنا ms3058 كثيرا من الآيات الدالة على ذلك في سورة بني إسرائيل في ~~الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [35.4] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسليته صلى الله صلى الله عليه وسلم، ~~بأن ما لاقاه من قومه من التكذيب لاقاه الرسل الكرام من قومهم قبله ~~صلوات الله وسلامه عليهم جميعا جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا # [الأنعام: 34] وقوله تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43] والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. ### || [35.6] # قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا }. # قد قدمنا الآيات التي بمعناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك كقوله ~~تعالى في الكهف: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف: 50] الآية. # قوله تعالى: { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4]. ### || [35.8] # قوله تعالى: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون # [الأنعام: 33] وفي الكهف في الكلام على قوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم # [الكهف: 6] الآية. وغير ذلك من المواضع. ### || [35.9] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن إحياءه تعالى الأرض بعد موتها ~~المشاهد في دار الدنيا برهان قاطع على قدرته على البعث، قد تقدم إيضاحه ~~بالآيات القرآنية في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والأنبياء وغير ~~ذلك، وقد تقدمت الإحالة عليه مرارا. ### || [35.10] # قوله تعالى: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من كان يريد العزة فإنها ~~جميعها لله وحده، فليطلبها منه وليتسبب لنيلها بطاعته جل وعلا، فإن من ~~أطاعة أعطاه العزة في الدنيا والآخرة، أما الذين يعبدون الأصنام لينالوا ~~العزة بعبادتها، والذين ms3059 يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبتغون ~~عندهم العزة، فإنهم في ضلال وعمى عن الحق، لأنهم يطلبون العزة من محل ~~الذل. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات من ~~كتاب الله تعالى كقوله تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 8182] وقوله تعالى: # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء: 139] وقوله تعالى: # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو ~~السميع العليم # [يونس: 65]. وقوله تعالى: # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله # [المنافقون: 8] الآية وقوله تعالى: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180] والعزة: الغلبة والقوة، ومنه قول الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يختشى # إذ الناس إذ ذاك من عزيزا # أي من غلب استلب، ومنه قوله تعالى: # وعزني في الخطاب # [ص: 23] أي غلبني وقوي علي في الخصومة. # وقول من قال من أهل العلم: إن معنى الآية: { من كان يريد ~~العزة } أي يريد أن يعلم لمن العزة، أصوب منه ما ذكرنا. والعلم عند ~~الله تعالى. # قوله تعالى: { والذين يمكرون السيئات لهم عذاب ~~شديد } الآية. # قد تقدم بعض الكلام عليه في سورة النحل مع إعراب السيئات. # وقد قدمنا في مواضع أخر أن من مكرهم السيئات كفرهم بالله وأمرهم أتباعهم ~~به، كما قال تعالى: # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا # [سبأ: 33] وكقوله تعالى: # ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا # [نوح: 2223] العلم عند الله تعالى. ### || [35.11] # قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ~~}. # قد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الحج في الكلام على قوله ~~تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآية. # قوله تعالى: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه } # قد قدمنا الآيات الموضحة ms3060 له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] مع بيان الأحكام المتعلقة بالآية. # قوله تعالى: { وما يعمر من معمر ولا ينقص من ~~عمره إلا في كتاب } # قد قدمنا بعض الكلام عليه في آخر سورة الأحزاب، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. ### || [35.12] # قوله تعالى: { وما يستوي البحران هذا عذب فرات ~~سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج }. # تقدم إيضاحه في سورة الفرقان في الكلام على قول تعالى: # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ~~ملح أجاج # [الفرقان: 53]. # قوله تعالى: { ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها }. # قد تقدم الكلام عليه مع بسط أحكام فقهية تتعلق بذلك في سورة النحل في ~~الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14]. # وتقدم في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130]. # أن قوله في آية فاطر هذه { ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها } دليل قرآني واضح على بطلان ~~دعوى من ادعى من العلماء أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر ~~الملح خاصة. ### || [35.14] # قوله تعالى: { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } ~~الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82] وفي غيره من المواضع. ### || [35.15] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غني عن خلقه وأن خلقه ~~مفتقر إليه: أي فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضر ~~بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جل وعلا الغني لذاته الغني ~~المطلق. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة مع كونه معلوما من الدين بالضرورة، ~~جاء في مواضع كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى: # والله الغني ms3061 وأنتم الفقرآء وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم # [محمد: 38] الآية. وقوله تعالى: # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # [التغابن: 6] وقوله تعالى: # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8] إلى غير ذلك من الآيات. # وبذلك تعلم عظم افتراء الذين قالوا إن الله فقير ونحن الأغنياء، وقد ~~هددهم الله على ذلك بقوله: # سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ~~ونقول ذوقوا عذاب الحريق # [آل عمران: 181]. ### || [35.16-17] # قد قدمنا الايات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # [النساء: 133]. ### || [35.18] # قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الجواب عن بعض الأسئلة الواردة على الآية ~~في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. # قوله تعالى: { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل ~~منه شيء }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25] ووجه الجمع بين أمثال هذه الآية وبين قوله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] ونحوها من الآيات. # قوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب وأقاموا الصلاة }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن إنذاره صلى الله عليه وسلم محصور ~~في الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة، وهذا الحصر الإضافي، لأنهم ~~هم المنتفعون بالإنذار، وغير المنتفع بالإنذار، كأنه هو والذي لم ينذر ~~سواء بجامع عدم النفع في كل منهما. # وهذا المعنى جاء موضحا في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: # وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب # [يس: 1011] الآية. وقوله: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45] ويشبه معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: # فذكر بالقرآن من يخاف وعيد # [ق: ms3062 45] وقد قدمنا معنى الإنذار وأنواعه موضحا في سورة الأعراف في ~~الكلام على قوله تعالى: # فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين # [الأعراف: 2]. ### || [35.19] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع # [هود: 24] الآية. ### || [35.22] # قوله تعالى: { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات }. # الأحياء هنا المؤمنون والأموات الكفار، فالحياة هنا حياة إيمان والموت ~~موت كفر. # وهذا المعنى جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها # [الأنعام: 122] فقوله: { أو من كان ميتا }: أي موت كفر فأحييناه ~~حياة إيمان، وكقوله تعالى: # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين # [يس: 70] فيفهم من قوله: { من كان ميتا } أي وهي حياة إيمان أن ~~الكافرين الذين حق عليهم القول ليسوا كذلك، وقد أطبق العلماء على أن معنى ~~قوله # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله # [الأنعام: 36] أن المعنى والكفار يبعثهم الله. # وقد قدمنا هذا موضحا بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على ~~قوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل: 80] الآية. # قوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت ~~بمسمع من في القبور }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له وما جاء في سماع الموتى في سورة النمل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل: 80] الآية. ### || [35.27-28] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب ~~سود ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ~~ألوانه كذلك }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم # [الروم: 22] الآية، وبينا هناك دلالة الآيات على أنه جل وعلا هو ~~المؤثر وحده، وأن الطبائع لا تأثير لها إلا بمشيئته تعالى. ### || [35.32-33] # قوله تعالى: { ثم أورثنا ms3063 الكتاب الذين اصطفينا ~~من عبادنا } إلى قوله: { ولباسهم فيها حرير }. # قد قدمنا الكلام على هذه الآية، مع نظائرها من آيات الرجاء استطرادا، ~~وذكرنا معنى الظالم والمقتصد والسابق، ووجه تقديم الظالم عليهما بالوعد ~~في الجنات في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى # [النور: 22] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولباسهم فيها حرير } قد ~~قدمناه مع الآيات المماثلة. والمشابهة له في سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14]. ### || [35.37] # قوله تعالى: { وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل # [الأعراف: 53] الآية. ### || [35.40] # قوله تعالى: { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من ~~دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # [الفرقان: 3]، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء # [الرعد: 16] الآية. ### || [35.41] # قوله تعالى: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. ### || [35.42] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى # أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ ~~أهدى منهم # [الأنعام: 157] الآية. ### || [35.45] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها من دآبة } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له وشواهده العربية في سورة النحل ms3064 في الكلام ~~على قوله تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة # [النحل: 61] الآية. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1] # التحقيق أنه من جملة الحروف المقطعة في أوائل السور، والياء المذكورة ~~فيه ذكرت في فاتحة سورة مريم في قوله تعالى: # كهيعص # [مريم: 1] والسين المذكورة فيه ذكرت في أول الشعراء والقصص. في قوله: { ~~طسم } وفي أول النمل في قوله: { طس } وفي أول الشورى في قوله تعالى: # حم عسق # [الشورى: 12].. # وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة ~~هود. ### || [36.2-3] # قد بينا أن موجب التوكيد لكونه من المرسلين، هو إنكار الكفار لذلك في ~~قوله تعالى: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا # [الرعد: 43] في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين # [البقرة: 252]. ### || [36.6] # لفظة (ما) في قوله تعالى: { مآ أنذر آبآؤهم } قيل نافية وهو ~~الصحيح، وقيل موصولة، وعليه فهو المفعول الثاني لتنذر. وقيل مصدرية. # وقد قدمنا دلالة الآيات على أنها نافية وأن مما يدل على ذلك ترتيبه ~~بالفاء عليه قوله بعده: { فهم غافلون } ، ولأن كونهم غافلين يناسب ~~عدم الإنذار، لا الإنذار، وهذا هو الظاهر مع آيات أخر، دالة على ذلك كما ~~أوضحنا ذلك كله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [36.7] # الظاهر أن القول في قوله: { لقد حق القول على أكثرهم ~~} ، وفي قوله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول # [فصلت: 25] الآية. وفي قوله تعالى: # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا # [القصص: 63] الآية. وفي قوله تعالى: # ويحق القول على الكافرين # [يس: 70]. وقوله تعالى: # فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون # [الصافات: 31] والكلمة في قوله تعالى: # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 9697] وفي قوله تعالى: # قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين # [الزمر: 71] أن المراد بالقول ms3065 والكلمة أو الكلمات على قراءة، (حقت عليهم ~~كلمات ربك) بصيغة الجمع، هو قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] و [السجدة: 13] كما دلت على ذلك آيات من كتاب الله تعالى: ~~كقوله تعالى في آخر سورة هود: # ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [هود: 118119] وقوله تعالى في السجدة: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة: 13]. # وقوله تعالى: في أخريات ص: # قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 8485]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لقد حق القول على ~~أكثرهم } يدل على أن أكثر الناس من أهل جهنم، كما دلت على ذلك ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # [هود: 17] و [الرعد: 1] و [غافر: 59]، # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين # [الصافات: 71]، # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين # [الشعراء:8و 67و 103و 121و 174و 190]. # وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116] الآية. # وبينا بالسنة الصحيحة في أول سورة الحج: أن نصيب النار من الألف تسعة ~~وتسعون وتسعمائة، وأن نصيب الجنة منها واحد. ### || [36.8-9] # الأغلال: جمع غل وهو الذي يجمع الأيذي إلى الأعناق، والأذقان: جمع ذقن ~~وهو ملتقى اللحيين، والمقمح بصيغة اسم المفعول، هوالرافع، رأسه. والسد ~~بالفتح والضم: هو الحاجز الذي يسد طريق الوصول إلى ما وراءه. # وقوله: { فأغشينا } أي جعلنا على أبصارهم الغشاوة، وهي الغطاء الذي ~~يكون على العين يمنعها من الإبصار، ومنه قوله تعالى: # وعلى أبصارهم غشاوة # [البقرة: 7] وقوله تعالى: # وجعل على بصره غشاوة # [الجاثية: 23]. وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص: # هويتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # والمراد بالآية الكريمة: أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في ~~علم الله المذكورين في ms3066 قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس: 7] صرفهم الله عن الإيمان صرفا عظيما مانعا من وصوله إليهم، لأن ~~من جعل في عنقه غل، وصار الغل إلى ذقنه، حتى صار رأسه مرفوعا لا يقدر ~~أن يطأطئه، وجعل أمامه سد، وخلفه سد وجعل على بصره الغشاوة لا حيلة له ~~في التصرف، ولا جلب نفع لنفسه، ولا في دفع ضر عنها، فالذين أشقاهم الله ~~بهذه المثابة لا يصل إليهم خير. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية من كونه جل وعلا يصرف الأشقياء ~~الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه عن الحق ويحول بينهم وبينه، جاء موضحا ~~في آيات كثيرة كقوله تعالى: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الكهف: 57] وقوله تعالى: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # [البقرة: 7] وقوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشاوة # [الجاثية: 23] وقوله تعالى: # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء # [الأنعام: 125] وقوله تعالى: # ومن يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186] وقوله تعالى: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم # [المائدة: 41]. # وقوله تعالى: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم وأولئك هم الغافلون # [النحل: 108] وقوله تعالى: # وما كان لهم من دون الله من أوليآء يضاعف ~~لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون # [هود: 20]. وقوله تعالى: # الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا # [الكهف: 101] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد قدمنا أن هذا الطبع والختم على القلوب وكذلك الأغلال في الأعناق، ~~والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، أن جميع تلك الموانع المانعة من ~~الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب أن الله إنما جعلها عليهم بسبب ~~مسارعتهم، لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك، بطمس ~~البصائر والختم ms3067 على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار، لأن من ~~شؤم السيئات أن الله جل وعلا يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشر، ~~والحيلولة بينه وبين الخير جزاه الله بذلك على كفره جزاء وفاقا. # والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155] فالباء سببية، وفي الآية: تصريح منه تعالى أن سبب ذلك ~~الطبع على قلوبهم هو كفرهم، وكقوله تعالى: # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم # [المنافقون: 3] ومعلوم أن الفاء من حروف التعليل: أي فطبع على قلوبهم ~~بسبب كفرهم ذلك، وقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. وقوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110] وقوله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. # وقد دلت هذه الآية على أن شؤم السيئات يجر صاحبه إلى التمادي في ~~السيئات، ويفهم من مفهوم مخالفة ذلك، أن فعل الخير يؤدي إلى التمادي في ~~فعل الخير، وهو كذلك كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وقوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] وقوله تعالى: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن: 11] إلى غير ذلك من الآيات. # واعلم: أن قول من قال من أهل العلم: إن معنى قوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } أن المراد ~~بذلك الأغلال، التي يعذبون بها في الآخرة كقوله تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 7172] خلاف التحقيق، بل المراد بجعل الأغلال في أعناقهم وما ذكر ~~معه في الآية هو صرفهم عن الإيمان والهدى في دار الدنيا كما أوضحنا وقرأ ~~هذا الحرف: حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: { سدا } بالفتح في ~~الموضعين، وقرأه الباقون بضم السين، ومعناهما واحد على الصواب. والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [36.11] # قوله تعالى: { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي ~~الرحمن بالغيب }. # تقدم إيضاحه مع نظائره من الآيات في سورة فاطر في الكلام ms3068 على قوله ~~تعالى: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة # [فاطر: 18]. ### || [36.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء. # الأول: أنه يحيي الموتى مؤكدا ذلك متكلما عن نفسه بصيغة التعظيم. # الثاني: أنه يكتب ما قدموا في دار الدنيا. # الثالث: أنه يكتب آثارهم. # الرابع: أنه أحصى كل شيء في إمام مبين. أي في كتاب بين واضح، وهذه ~~الأشياء الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع. # أما الأول منها: وهو كونه يحيي الموتى بالبعث فقد جاء في آيات كثيرة من ~~كتاب الله تعالى. # كقوله تعالى: # قل بلى وربي لتبعثن # [التغابن: 7] وقوله تعالى: # قل إي وربي إنه لحق # [يونس: 53]. وقوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت بلى وعدا عليه حقا # [النحل: 38] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد قدمناها بكثرة في سورة البقرة وسورة النحل في الكلام على براهين ~~البعث وقدمنا الإحالة على ذلك مرارا. # وأما الثاني منها: وهو كونه يكتب ما قدموا في دار الدنيا فقد جاء في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 80]. وقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29]. وقوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 1314] وقوله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [الكهف: 49] الآية. وقوله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. # وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الكهف. # وأما الثالث منها: وهو كونهم تكتب آثارهم فقد ذكر في بعض الآيات أيضا. # واعلم أن قوله: { وآثارهم } فيه وجهان من التفسير معروفان عند ~~العلماء. # الأول منهما: أن معنى { ما قدموا } ما باشروا فعله في حياتهم، ~~وأن معنى { وآثارهم }: هو ما سنوه في الإسلام من سنة حسنة أو سيئة، ~~فهو من آثارهم التي يعمل ms3069 بها بعدهم. # الثاني: أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك ~~خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم " # يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده صلى الله عليه وسلم. # أما على القول الأول فالله جل وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من ~~أضلوهم وسنوا لهم السنن السيئة كما في قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] الآية. وقوله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]. # وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] وذكرنا حديث جرير، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك. # ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنه من هدى ~~أو ضلالة. قوله تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] بناء على أن المعنى بما قدم مباشرا له، وأخر مما عمل ~~به بعده مما سنه من هدى أو ضلال. وقوله تعالى: # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [الإنفطار: 5] على القول بذلك. # وأما على تفسير الثاني: وهو أن معنى { وآثارهم } خطاهم إلى المساجد ~~ونحوها، فقد جاء بعض الآيات دالا على ذلك المعنى كقوله تعالى: # ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم # [التوبة: 121] لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي ~~في غزوهم. # وأما الرابع: وهو قوله تعالى: { وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين } فقد تدل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني، وهو ~~كتابة جميع الأعمال التي قدموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال. # وأما على فرض كونه عاما فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى: # وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا # [الجن: 28] وقوله تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وهو أصح ~~القولين. والعلم عند الله تعالى. ### || [36.15] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على ms3070 قوله ~~تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار: { ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون } قد بين ~~أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير # [الملك: 89] الآية، وقد بين تعالى أن الذين أنكروا إنزال الله الوحي ~~كهؤلاء أنهم لم يقدروه حق قدره: أي لن يعظموه حق عظمته، وذلك في قوله ~~تعالى: # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91]. ### || [36.18-19] # قوله تعالى: { قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب ~~أليم قالوا طائركم معكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] وذكرنا بعض الكلام عليه في سورة النمل في الكلام على ~~قوله تعالى: # اطيرنا بك وبمن معك # [النمل: 47] الآية. ### || [36.21] # قوله تعالى: { اتبعوا من لا يسألكم أجرا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود في ~~الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29]. ### || [36.22] # قوله: فطرني معناه: خلقني وابتدعني، كما تقدم إيضاحه في أول سورة فاطر. # والمعنى: أي شيء ثبت لي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني، وابتدعني، ~~وأبرزني من العدم إلى الوجود، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ~~الذي يخلق هو وحده، الذي يستحق أن يعبد وحده، جاء موضحا في آيات كثيرة ~~من كتاب الله. # وقد قدمنا إيضاح ذلك في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # [الفرقان: 3] وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه ms3071 # [الرعد: 16] الآية. ### || [36.23-24] # الاستفهام في قوله تعالى: { أأتخذ }: للإنكار، وهو مضمن معنى ~~النفي: أي لا أعبد من دون الله معبودات، إن أرادني الله بضر لا تقدر على ~~دفعه عني، ولا تقدر أن تنقذني من كرب. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء ~~موضحا في آيات من كتاب الله تعالى: كقوله تعالى: # قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون # [الزمر: 38] وقوله تعالى: # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا # [الإسراء: 56] وقوله تعالى: # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض # [سبأ: 22] الآية. وقوله تعالى: # ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # [يونس: 18] وقوله تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا } أي لا شفاعة لهم أصلا حتى تغني شيئا، ونحو هذا أسلوب عربي ~~معروف، ومنه قول امرئ القيس: # على لا حب لا يهتدي بمناره # إذا سافه العود النباطي جرجرا # فقوله: لا يهتدي بمناره: أي لا منار له أصلا حتى يهتدي به. # وقول الآخر: # لا تفزع الأرنب أهوالها # ولا ترى الضب بها ينجحر # أي لا أرنب فيها، حتى تفزعها أهوالها، ولا ضب فيها حتى ينجحر: أي يتخذ ~~حجرا. # وهذا المعنى هو المعروف هو المعروف عند المنطقيين بقولهم: السالبة لا ~~تقتضي وجود الموضوع. كما تقدم إيضاحه. ### || [36.30] # بين جل وعلا أن العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون غير ~~مكتفين بتكذبيه، بل جامعين معه الاستهزاء. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ما يأتيهم من رسول } ~~نص صريح في تكذيب الأمم لجميع ms3072 الرسل لما تقرر في الأصول، من أن النكرة في ~~سياق النفي إذا زيدت قبلها " من " ، فهي نص صريح في عموم النفي، كما هو ~~معروف في محله. وهذا العموم الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا ~~في آيات أخر، وجاء في بعض الآيات إخراج أمة واحدة عن حكم هذا العموم ~~بمخصص متصل، وهوالاستثناء. # فمن الآيات الموضحة لهذا العموم قوله تعالى: # ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [سبأ: 34] وقوله تعالى: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء # [الأعراف: 94] إلى قوله: # فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 95]. # وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة " قد أفلح المؤمنون " ، في ~~الكلام على قوله تعالى: # ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جآء أمة ~~رسولها كذبوه # [المؤمنون: 44] الآية. # وقدمنا طرفا من الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها # [الأنعام: 123] الآية. # وأما الأمة التي أخرجت من هذا العموم فهي أمة يونس، والآية التي بينت ~~ذلك هي قوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. وقوله تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147148] والحسرة أشد الندامة، وهو منصوب على أنه منادى عامل ~~في المجرور بعده، فأشبه المنادى المضاف. # والمعنى: يا حسرة على العباد! تعالي واحضري، فإن الاستهزاء بالرسل هو ~~أعظم الموجبات لحضورك. ### || [36.33-35] # قوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة } إلى قوله: { ~~أفلا يشكرون }. # قد قدمنا أن إحياء الأرض المذكور في هذه الآية، برهان قاطع على البعث ~~في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22] وفي سورة النحل في الكلام على ms3073 قوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10] الآية، وفي غير ذلك من المواضع وأوضحنا في المواضع ~~المذكورة، بقية براهين البعث بعد الموت. ### || [36.41-42] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا # [النحل: 14] الآية. ### || [36.46] # ذم جل وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار بإعراضهم عن آيات الله. # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله ~~تعالى في أول سورة الأنعام: # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جآءهم # [الأنعام: 45] الآية. وقوله تعالى في آخر يوسف: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] وقوله تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر # [القمر: 12] وقوله تعالى: # وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية ~~يستسخرون # [الصافات: 1314] وأصل الإعراض مشتق من العرض بالضم، وهو الجانب، لأن ~~المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه صادا عنه. ### || [36.51] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة، والصور قرن من نور ~~ينفخ فيه الملك نفخة البعث، وهي النفخة الأخيرة، وإذا نفخها قام جميع أهل ~~القبور من قبورهم، أحياء إلى الحساب والجزاء. # وقوله: { فإذا هم من الأجداث } جمع جدث بفتحتين، وهو القبر، ~~وقوله: ينسلون: أي يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر، كما قال تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # [المعارج: 43] وقال تعالى: # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا # [ق: 44] الآية. وكقوله تعالى: # يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ~~مهطعين إلى الداع # [القمر: 78] الآية. وقوله: { مهطعين إلى الداع } أي مسرعين ~~مادي أعناقهم على أشهر التفسيرين، ومن إطلاق نسل بمعنى أسرع: # قوله تعالى: # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون # [الأنبياء: 96] وقول لبيد: # عسلان الذئب أمسى قاربا # برد الليل عليه فنسل # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن أهل ms3074 القبور يقومون أحياء عند ~~النفخة الثانية، جاء موضحا في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى كقوله ~~تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. وقوله تعالى: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس: 53]، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية كقوله تعالى: # يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج # [ق: 42] أي الخروج من القبور وقوله تعالى: # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة # [النازعات: 1314] والزجرة: هي النفخة الثانية. والساهرة: وجه الأرض، ~~والفلاة الواسعة، ومنه قول أبي كبير الهذلي: # يرتدن ساهرة كأن جميمها # وعميمها أسداف ليل مظلم # وقول لأشعث بن قيس: # وساهرة يضحى السراب مجللا # لأقطارها قد حببتها متلثما # وكقوله تعالى: # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون # [الصافات: 19] وقوله تعالى: # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره ثم ~~إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون # [الروم: 25] وهذه الدعوة بالنفخة الثانية، وقوله تعالى: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده # [الإسراء: 52] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [36.52] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: # وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ~~في كتاب الله إلى يوم البعث # [الروم: 56] الآية. ### || [36.60-61] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الكهف في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26] وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية، وفي سورة بني ~~إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [36.62] # قوله: { جبلا كثيرا }. أي خلقا كثيرا كقوله تعالى: # واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين # [الشعراء: 184]، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الشيطان أضل ~~خلقا كثيرا من بني آدم جاء مذكورا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس # [الأنعام: 128] أي قد استكثرتم أيها الشياطين، من إضلال الإنس، وقد قال ~~إبليس: لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا ms3075 قليلا، وقد بين ~~تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعا إلا القليل، صدقه ~~عليهم، وذلك في قوله تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # [سبأ: 20] كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم: { جبلا } ~~بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي: { ~~جبلا } بضم الجيم، والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر: ~~(جبلا) بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى ~~واحد أي خلقا كثيرا. ### || [36.65] # قوله تعالى: { وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون }. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من شهادة بعض جوارح الكفار عليهم ~~يوم القيامة، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة النور # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24] وقوله تعالى في فصلت: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 2021] الآية. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النساء في ~~الكلام على قوله تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]. # وبينا هناك أن آية يس هذه توضح الجمع بين الآيات كقوله تعالى عنهم: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42] مع قوله عنهم: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] ونحو ذلك من الآيات. ### || [36.68] # قوله تعالى: { ننكسه في الخلق } أي نقلبه فيه، فنخلقه على ~~عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل ~~وعلم، ثم جلعناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة ~~إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا ~~انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه بتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال ~~الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، وأصل معنى التنكيس: جعل ~~أعلا الشيء أسفله. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ms3076 جاء موضحا في غير هذا ~~الموضع كقوله تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54] الآية. وقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين # [التين: 45] الآية على أحد التفسيرين، وقوله تعالى في الحج: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # [الحج: 5] وقوله تعالى في النحل: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا # [النحل: 70] وقوله تعالى في سورة المؤمن: # ثم لتكونوا شيوخا # [غافر: 67]. # وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النحل وقرأ هذا الحرف عاصم، وحمزة: { ~~ننكسه } بضم النون الأولى، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من ~~التنكيس: وقرأه الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضم الكاف ~~مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن ~~عامر: { أفلا يعقلون } بتاء الخطاب؟ وقرأه الباقون: { أفلا ~~يعقلون } بياء الغيبة. ### || [36.69] # قوله تعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: # والشعرآء يتبعهم الغاوون # [الشعراء: 224] وذكرنا الأحكام المتعلقة بذلك هناك. ### || [36.70] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل: 80] الآية. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات # [فاطر: 22]. ### || [36.77] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # [النحل: 4]. ### || [36.78-81] # قوله تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } إلى قوله: { ~~وهو الخلاق العليم }. # قد بينا الآيات الموضحة له في سورة البقرة والنحل مع بيان براهين البعث. ### || [36.82] # قوله تعالى: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: ms3077 40] وبينا هناك أن الآيات المذكورة لا تنافي مذهب أهل السنة في ~~إطلاق اسم الشيء على الموجود دون المعدوم؟ وقد قدمنا القراءتين وتوجيههما ~~في قوله: { كن فيكون } هناك. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # أكثر أهل العلم على أن المراد بالصافات هنا، والزاجرات، والتاليات: ~~جماعات الملائكة، وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون، وذلك في قوله تعالى ~~عنهم: # وإنا لنحن الصآفون وإنا لنحن المسبحون # [الصافات: 165166] ومعنى كونهم صافين: أن يكونوا صفوفا متراصين بعضهم ~~جنب بعض في طاعة الله تعالى، من صلاة وغيرها. وقيل: لأنهم يصفون أجنحتهم ~~في السماء، ينتظرون أمر الله، ويؤيد القول الأول حديث حذيفة الذي قدمنا ~~في أول سورة المائدة في صحيح مسلم: وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا، وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء " # ، وهو دليل صحيح على أن الملائكة يصفون كصفوف المصلين في صلاتهم، وقد ~~جاء في بعض الآيات ما يدل على أنهم يلقون الذكر على الأنبياء، لأجل ~~الإعذار والإنذار به كقوله تعالى: # فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا # [المرسلات: 56]، فقوله: فالملقيات ذكرا كقوله هنا: فالتاليات ذكرا، ~~لأن الذكر الذي تتلوه تلقيه إلى الأنبياء كما كان جبريل ينزل بالوحي، على ~~نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه على الجميع، وقوله: عذرا أو ~~نذرا: أي لأجل الإعذار والإنذار، أي بذلك الذكر الذي تتلوه وتلقيه، ~~والإعذار: قطع العذر بالتبليغ. # والإنذار قد قدمنا إيضاحه وبينا أنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام ~~على قوله تعالى: # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 12] وقوله في هذه الآية: { فالزاجرات زجرا } ~~الملائكة تزجر السحاب، وقيل تزجر الخلائق عن معاص الله بالذكر الذي ~~تتلوه، وتلقيه إلى الأنبياء. # وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي ~~جماعات الملائكة: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد ~~وقتادة؛ كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما، وزاد ابن كثير وغيره ممن ~~قال به: مسروقا ms3078 والسدي والربيع بن أنس، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل ~~العلم. # وقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء. ~~واستأنس لذلك بقوله تعالى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك: 19] الآية. وقوله تعالى: # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صآفات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه # [النور: 41] الآية. # وقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم ~~للصلاة، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو، كما قال تعالى: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4]. # وقال بعض العلماء أيضا المراد بالزاجرات زجرا، والتاليات ذكرا: ~~جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس، ويزجرون عن معاص ~~الله بآياته، ومواعظه التي أنزلها على رسله. # وقال بعضهم: المراد بالزاجرات زجرا جماعات الغزاة يزجرون الخيل، لتسرع ~~إلى الأعداء، والقول الأول أظهر وأكثر قائلا، ووجه توكيده تعالى قوله: { ~~إن إلهكم لواحد } بهذه الأقسام، و " بإن " و " اللام " ~~هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكارا شديدا وتعجبوا من ذلك ~~تعجبا شديدا، كما قال تعالى عنهم: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # ، [ص: 5] ولما قال تعالى: { إن إلهكم لواحد } أقام الدليل ~~على ذلك بقوله: { رب السماوات والأرض وما بينهما ~~ورب المشارق } ، فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها ~~المشارق والمغارب، برهان قاطع على أنه المعبود وحده. # وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده، ~~أقامه على ذلك أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة البقرة: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163]، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلا به: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. # وقال الزمخشري ms3079 في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: ما حكم الفاء إذا ~~جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود ~~كقوله: # يا لهف زيابة للحارث ال # صابح فالغانم فالآئب # كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه ~~كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب ~~موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين، فعلى هذه القوانين ~~الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. # فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ # قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ~~ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه. # بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة، وجعلتهم جامعين لها ~~فعطفها بالفاء يفيد ترتبا لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف، ثم ~~للزجر ثم للتلاوة. وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. ~~وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فقد أفادت ~~ترتب الموصوفات في الفضل أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات ~~أفضل، والتاليات أبهر فضلا أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات ~~الطير، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر، ~~فإن الموصوفات مختلفة. انتهى كلام الزمخشري في الكشاف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو ~~حيان، والقرطبي وغيرهما، ولم يتعقبوه، والظاهر أنه كلام لاتحقيق فيه، ~~ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره: هل هو كذا أو على ~~العكس، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله، لأن من جزم بشيء ثم جوز ~~فيه النقيضين دل ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به. # والأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذكري ~~والإتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكري فقط، دون إرادة ترتيب ~~الصفات أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع، وهو كثير ~~في كلام العرب. # ومن ms3080 أمثلته في القرآن العظيم قوله تعالى: # فلا اقتحم العقبة ومآ أدراك ما العقبة فك ~~رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا ~~مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين ~~آمنوا # [البلد: 1117] الآية، فلا يخفى أن ثم حرف ترتيب وأن المرتب به الذي هو ~~كونه من الذين آمنوا لا ترتب له على ما قبله إلا مطلق الترتيب الذكري، ~~ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون ثم آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل ~~شيء # [الأنعام: 153154] الآية، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري. # وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس # [البقرة: 199]. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله: # إن من ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد قبل ذلك جده # وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: { ورب المشارق } ، لم يذكر ~~في هذه الآية إلا المشارق وحدها، ولم يذكر فيها المغارب. # وقد بينا في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ": وجه اختلاف ~~ألفاظ الآيات في ذلك. فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى: # ولله المشرق والمغرب # [البقرة: 115] ما لفظه أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب، ~~وثناهما في سورة الرحمن في قوله تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] وجمعهما في سورة " سأل سائل " في قوله تعالى: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب # [المعارج: 40] وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله تعالى: # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق # [الصافات: 5]. # والجواب: أن قوله هنا: { ولله المشرق والمغرب } المراد به ~~جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة ~~وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما روي عن ابن عباس وغيره. # قال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما معنى ذلك: ولله ~~المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه ms3081 كل يوم. # فتأويله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا ~~كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي ~~بعده، وكذلك غروبها. انتهى منه بلفظه. # وقوله: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، ومغربهما كما عليه ~~الجمهور، وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما. # وقوله: # برب المشارق والمغارب # [المعارج: 40] أي مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم. وقيل: مشارق الشمس ~~والقمر والكواكب ومغاربها. والعلم عند الله تعالى. ### || [37.6] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها # [الأنعام: 97] الآية. وقرأ هذا الحرف السبعة غير عاصم وحمزة، بإضافة ~~(زينة) إلى (الكواكب) أي بلا تنوين في (زينة)، مع خفض الباء في ~~(الكواكب). وقرأه حمزة وحفص عن عاصم: بتنوين (زينة)، وخفض (الكواكب) على ~~أنه بدل من (زينة). وقرأه أبو بكر عن عاصم: (بزينة الكواكب) بتنوين ~~(زينة)، ونصب (الكواكب)، وأعرب أبو حيان (الكواكب) على قراءة النصب ~~إعرابين. # أحدهما: أن (الكواكب) بدل من (السماء) في قوله تعالى: { إنا ~~زينا السمآء } والثاني: أنه مفعول به لزينة بناء على أنه مصدر ~~منكر، كقوله تعالى: # أو إطعام في يوم ذي مسغبة # [البلد: 14] # يتيما # [البلد: 15] الآية. # والأظهر عندي: أنه مفعول فعل محذوف تقديره أعني (الكواكب) على حد قوله ~~في الخلاصة: # ويحذف الناصبها إن علما # وقد يكون حذفه ملتزما ### || [37.7-10] # قوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد } إلى قوله: { ~~شهاب ثاقب }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق ~~السمع # [الحجر: 1718] الآية في سورة الحجر. ### || [37.11] # ذكر في هذه الآية الكريمة برهانين من براهين البعث، التي قدمنا أنها ~~يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. # الأول: هو المراد بقوله: { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم ~~من خلقنآ } لأن معنى (فاستفتهم): استخبرهم والأصل في معناه: اطلب ~~منهم الفتوى: وهي الإخبار بالواقع فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقا أي ~~أصعب إيجادا ms3082 واختراعا، أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر ~~منهم، وهي ما تقدم ذكره من الملائكة المعبر عن جماعاتهم بالصافات، ~~والزاجرات، والتاليات، والسماوات، والأرض، والشمس والقمر، ومردة الشياطين ~~كما ذكر ذلك كله في قوله تعالى: # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق إنا زينا السمآء الدنيا بزينة ~~الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد # [الصافات: 57]. # وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ~~ربنا من الملائكة، ومردة الجن والسماوات، والأرض، والمشارق، والمغارب، ~~والكواكب، أشد خلقا منا، لأنها مخلوقات عظام أكبر، وأعظم منا فيتضح بذلك ~~البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت، لأن من المعلوم ~~بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما قادر ~~على أن يخلق الأصغر الأقل كما قال تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، ~~كخلق الإنسان خلقا جديدا بعد الموت. وقال تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # [يس: 81] وقال تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33] وقال تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم # [الإسراء: 99] وقال تعالى في النازعات موضحا الاستفتاء المذكور في آية ~~الصافات هذه: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ~~ذلك دحاها أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال ~~أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 2733]. # وقد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم في قوله تعالى: { أم من ~~خلقنآ } عن السماوات والأرض والكواكب هو تغليب ما ذكر معها من العالم ~~كالملائكة على غير العالم، وذلك أسلوب عربي معروف. # وأما البرهان الثاني: فهو في قوله: { إنا خلقناهم من طين ~~لازب } لأن من خلقهم أولا من طين، وأصله التراب المبلول ms3083 بالماء لا ~~يشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ترابا، لأن الإعادة ~~لا يعقل أن تكون أصعب من البدء والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدا ~~كقوله تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] الآية. وقوله تعالى: # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] وقوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما، من براهين البعث في ~~سورة البقرة والنحل والحج وغير ذلك. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { من طين لازب } اللازب: هو ~~ما يلزق باليد مثلا إذا لاقته، وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا، ~~والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم، بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول علي ~~رضي الله عنه: # تعلم فإن الله زادك بسطة # وأخلاق خير كلها لك لازب # وقول نابغة ذبيان: # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # فقوله: ضربة لازب: أي شيئا ملازما لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله: # فإن يك هذا من نبيذ شربته # فإني من شرب النبيذ لتائب # صداع وتوصيم العظام وفترة # وغم مع الإشراق في الجوف لاتب # والبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجرا في إنكارهم البعث ~~المذكور بعدهما قريبا منهما في قوله تعالى: # وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أو آبآؤنا ~~الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة ~~واحدة فإذا هم ينظرون # [الصافات: 1519]. ### || [37.12] # قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي: عجبت بالتاء ~~المفتوحة وهي تاء الخطاب، المخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ~~حمزة والكسائي: بل عجبت بضم تاء المتكلم، وهو الله جل وعلا. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم ~~لهما بحكم الآيتين. # وبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات ~~العجب لله تعالى، فهي إذا من آيات الصفات على هذه القراءة. # وقد أوضحنا طريق الحق ms3084 التي هي مذهب السلف في آيات الصفات، وأحاديثها في ~~سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [37.20-21] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: # وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ~~في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث # [الروم: 56] الآية. ### || [37.22-23] # المراد بالذين ظلموا الكفار كما يدل عليه قوله بعده: { وما كانوا ~~يعبدون من دون الله }. # وقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة كقوله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقوله تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254]. وقوله تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106]. # وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم ~~بالشرك في قوله تعالى: # ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82]. وقوله تعالى: { وأزواجهم } جمهور أهل العلم منهم: ~~عمر وابن عباس، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد ~~الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، ~~والنصراني مع النصراني، وهكذا وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في ~~القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: # والذي خلق الأزواج كلها # [الزخرف: 12] الآية. وقوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]، وقوله تعالى: # فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى # [طه: 53] الآية. وقوله تعالى: # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم # [الحجر: 88] إلى غير ذلك من الآيات. # فقوله تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } أي ~~اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم، فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم، ~~وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد بأزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم خلاف ~~الصواب. وقوله تعالى: { وما كانوا يعبدون من دون الله } ~~أي احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل ~~العابدون والمعبودات جميعا النار كما أوضح ذلك بقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ms3085 ~~أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما ~~وردوها وكل فيها خالدون # [الأنبياء: 9899] وقد بين تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من ~~الأنبياء، والملائكة، والصالحين كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله ~~تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] إلى قوله: # هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء: 103]، وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه ~~لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه # [الزخرف: 5759] الآية. وقوله تعالى: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه # [الإسراء: 57] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فاهدوهم } من الهدي العام: أي ~~دلوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم أي طريق النار ليسلكوها إليها، والضمير ~~في قوله تعالى: { فاهدوهم } راجع إلى الثلاثة أعني الذين ظلموا، ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله. # وقد دلت هذه الآية أن الهدي يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير ~~ذلك في القرآن قوله: # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4] ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه كقوله تعالى: # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41] الآية. ### || [37.24-25] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]، وبينا هناك وجه الجمع بين الآيات في نحو قوله تعالى: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78]، وقوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]، مع قوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 9293] وقوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم # [الأعراف: 6] الآية. وقوله هنا: { وقفوهم إنهم مسئولون ~~}. ### || [37.27] # قد قدمنا الآيات الموضحة له مع التعرض لإزالة إشكالين في بعض الآيات ~~المتعلقة بذلك، في سورة # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] في الكلام على قوله تعالى: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101] ### || [37.31-32] ms3086 # قد قدمنا الآيات المبينة للمراد بالقول الذي حق عليهم في سورة يس في ~~الكلام على قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم # [يس: 7] الآية، وما ذكره جل وعلا عنهم من أنهم قالوا: إنه لما حق ~~عليهم القول الذي هو: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] فكانوا غاوين أغووا أتباعهم لأن متبع الغاوي في غيه، لا ~~بد أن يكون غاويا مثله، ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى في ~~سورة القصص: # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا # [القصص: 63] الآية، والإغواء الإضلال. ### || [37.33] # ذكر جل وعلا في هذه الآية أن الضالين والمضلين، مشتركون في العذاب يوم ~~القيامة، وبين في سورة الزخرف أن ذلك الاشتراك ليس بنافعهم شيئا، وذلك ~~في قوله تعالى: # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون # [الزخرف: 39] وبين في مواضع أخر أن الأتباع يسألون الله، أن يعذب ~~المتبوعين عذابا مضاعفا لإضلالهم إياهم، كقوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف # [الأعراف: 38] الآية. وقوله تعالى: # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 6768]. # وقد قدمنا الكلام على تخاصم أهل النار وسيأتي إن شاء الله له زيادة ~~إيضاح في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]. ### || [37.34-35] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العذاب الذي فعله بهؤلاء ~~المعذبين المذكورين في قوله تعالى: # إنا لذآئقون # [الصافات: 31] أي العذاب الأليم، وقوله تعالى: # فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون # [الصافات: 33] أنه يفعل مثله من التعذيب والتنكيل بالمجرمين، والمجرمون ~~جمع مجرم، وهو مرتكب الجريمة وهي الذنب الذي يستحقه صاحبه عليه التنكيل ~~الشديد، ثم بين العلة لذلك التعذيب، لأنها هي امتناعهم من كلمة التوحيد ~~التي هي لا إله إلا الله إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك ~~في دار الدنيا. فلفظة (إن) في قوله تعالى: ms3087 { إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } [الصافات: ~~35] من حروف التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه. # وعليه فالمعنى: كذلك نفعل بالمجرمين لأجل أنهم كانوا في دار الدنيا { ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } أي ~~يتكبرون عن قبولها ولا يرضون أن يكونوا أتباعا للرسل. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون ذلك هو سبب ~~تعذيبهم بالنار، دلت عليه آيات كقوله تعالى مبينا دخولهم النار: # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12] وقوله تعالى في ذكر صفات الكفار وهم أهل النار: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر: 45]. ### || [37.36] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: # والشعرآء يتبعهم الغاوون # [الشعراء: 224]. ### || [37.47] # قد قدمنا تفسيره مع ذكر الآيات الدالة على معناه في سورة المائدة في ~~الكلام على قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90] وبينا هنا كلام أهل العلم في نجاسة عين خمر الدنيا دون ~~خمر الآخرة وأن ذلك يشير إليه قوله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. ### || [37.48-49] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث صفات من صفات نساء أهل الجنة. # الأولى: أنهن قاصرات الطرف، وهو العين أي عيونهن قاصرات على أزواجهن، لا ~~ينظرن إلى غيرهم لشدة اقتناعهن واكتفائهن بهم. # الثانية: أنهن عين، والعين جمع عيناء، وهي واسعة دار العين، وهي ~~النجلاء. # الثالثة: أن ألوانهن بيض بياضا مشربا بصفرة، لأن ذلك هو لون بيض ~~النعام الذي شبههن به، ومنه قول امرئ القيس في نحو ذلك: # كبكر المقانات البياض بصفرة # غذاها غير الماء نمير المحلل # لأن معنى قوله: كبكر المقانات البياض بصفرة، أن لون المرأة المذكورة ~~كلون البيضة البكر المخالط بياضها بصفرة، وهذه الصفات: الثلاث المذكورة ~~هنا، جاءت موضحة في غير هذا الموضع ms3088 مع غيرها من صفاتهن الجميلة، فبين ~~كونهن قاصرات الطرف على أزواجهن بقوله تعالى في ص: # وعندهم قاصرات الطرف أتراب # [ص: 52] وكون المرأة قاصرة الطرف من صفاتها الجميلة، وذلك معروف في كلام ~~العرب، ومنه قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لو دب محمول # من الذر فوق الأتب منها لأثرا # وذكر كونهن عينا في قوله تعالى فيهن: # وحور عين # [الواقعة: 22]، وذكر صفاء ألوانهن وبياضها في قوله تعالى: # كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 23]. وقوله تعالى: # كأنهن الياقوت والمرجان # [الرحمن: 58] وصفاتهن كثيرة معروفة في الآيات القرآنية. # واعلم أن الله أثنى عليهن بنوعين من أنواع القصر: # أحدهما: أنهن قاصرات الطرف، والطرف العين، وهو لا يجمع ولا يثنى لأن ~~أصله مصدر، ولم يأت في القرآن إلا مفردا كقوله تعالى: # لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]. وقوله تعالى: # ينظرون من طرف خفي # [الشورى: 45]: ومعنى كونهن قاصرات الطرف هو ما قدمنا من أنهن لا ينظرن ~~إلى غير أزواجهن بخلاف نساء الدنيا. # والثاني من نوعي القصر: كونهن مقصورات في خيامهن، لا يخرجن منها كما قال ~~تعالى لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33]، وذلك في قوله تعالى: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72]، وكون المرأة مقصورة في بيتها لا تخرج منه من صفاتها ~~الجميلة، وذلك معروف معروف في كلام العرب ومنه قوله: # من كان حربا للنسا # ء فإنني سلم لهنه # فإذا عثرن دعونني # وإذا عثرت دعوتهنه # وإذا برزن لمحفل # فقصارهن ملاحهنه # فقوله: قصارهن يعني المقصورات منهن في بيوتهن اللاتي لا يخرجن إلا ~~نادرا، كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله: # وأنت التي حببت كل قصيره # إلى وما تدري بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد # قصار الخطا شر النساء البحاتر # والحجال: جمع حجلة وهي البيت الذي يزين للعروس، فمعنى قصيرات الحجال: ~~المقصورات في حجالهن. وذكر بعضهم أن رجلا سمع آخر، قال: لقد أجاد الأعشى ~~في قوله: # غراء فرعاء مصقول عوارضها # تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل # كأن مشيتها من بيت جارتها # مر السحابة لا ريث ولا عجل ms3089 # ليست كمن يكره الجيران طلعتها # ولا تراها لسر الجار تختتل # فقال له: قاتلك الله، تستحسن غير الحسن هذه الموصوفة خراجة ولاجة، ~~والخراجة الولاجة لا خير فيها ولا ملاحة لها، فهل لا قال كما قال أبو قيس ~~بن الأسلت: # وتكسل عن جاراتها قيزنها # وتعتل من إنيانهن فتعذر ### || [37.62] # قد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون # [الفرقان: 15]. ### || [37.63-64] # قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن # [الإسراء: 60]. ### || [37.66-67] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار في النار يأكلون من ~~شجرة الزقوم، فيملؤون منها بطونهم، ويجمعون معها شوبا من حميم. أي خلطا ~~من الماء البالغ غاية الحرارة، جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله ~~تعالى في الواقعة: # ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون لآكلون من ~~شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون ~~عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم # [الواقعة: 5155]، وقوله شرب الهيم، الهيم: جمع أهيم وهيماء وهي الناقة ~~مثلا التي أصابها الهيام، وهو شدة العطش بحيث لا يرويها كثرة شراب الماء ~~فهي تشرب كثيرا من الماء، ولا تزال مع ذلك في شدة العطش. ومنه قول غيلان ~~ذي الرمة: # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد # صداها ولا يقضي عليها هيامها # وقوله تعالى في الواقعة: # فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم # [الواقعة: 5455] يدل على أن الشوب أي الخلط من الحميم المخلوط لهم ~~بشجرة الزقوم المذكور هنا في الصافات، أنه شوب كثير من الحميم لا قليل. # وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: لشوبا من حميم. الشوب: ~~الخلط، والشوب والشوب لغتان، كالفقر والفقر، والفتح أشهر. قال القراء شاب ~~طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة انتهى منه. ### || [37.70] # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الكفار الذين أرسل إليهم نبينا صلى ~~الله عليه وسلم، ألفوا آباءهم ضالين: أي وجدوهم ms3090 على الكفر، وعبادة ~~الأوثان، فهم على آثارهم يهرعون: أي يتبعونهم في ذلك الضلال والكفر، ~~مسرعين فيه، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى عنهم: # قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # [البقرة: 170] وقوله عنهم: # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # [المائدة: 104] وقوله عنهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. وقوله عنهم: # إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آبآؤنا # [إبراهيم: 10] الآية، ورد الله عليهم في الآيات القرآنية معروف كقوله ~~تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170] وقوله: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104] وقوله تعالى: # قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم # [الزخرف: 24]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فهم على آثارهم } أي فهم ~~على اتباعهم، والاقتداء بهم في الكفر والضلال، كما قال تعالى عنهم: # وإنا على آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { يهرعون } ، قد قدمنا في سورة ~~هود أن معنى { يهرعون }: يسرعون ويهرولون، وأن منه قول مهلهل: # فجاءوا يهرعون وهم أسارى # تقودهم على رغم الأنوف ### || [37.71] # وقد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس: 7]. وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116] الآية. ### || [37.75-77] # تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، وتفسيره في سورة الأنبياء في الكلام على ~~قوله تعالى: # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # [الأنبياء: 76]. ### || [37.85-86] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة مريم في الكلام على ~~قوله تعالى: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا إذ قال لابيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا # [مريم: 4142] الآية. ### || [37.99-107] # اعلم أولا أن العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في ~~المنام بذبحه، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم لما باشر عمل ذبحه ms3091 ~~امتثالا للأمر، فداه الله بذبح عظيم، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وقد وعدنا ~~في سورة الحجر، بأنا نوضح ذلك بالقرآن في سورة الصافات، وهذا وقت إنجاز ~~الوعد. # اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن ~~الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود. # أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جدا من سياق الآيات، وإيضاح ~~ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من ~~الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه ~~السعي قال يبني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شآء الله من الصابرين فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه أن يإبراهيم قد صدقت ~~الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو ~~البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا ~~عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي ~~المحسنين # [الصافات: 99110] قال بعد ذلك عاطفا على البشارة الأولى: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112] فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في ~~الثانية لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم ~~بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضا: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ~~ينزه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولا الذي فدي ~~بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ~~ذلك. # وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية. أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم إذا احتمل التأسيس والتأكيد معا، وجب حمله على ~~التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه. # ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه ~~دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس ms3092 لهذا بأن ~~المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقينا عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، ~~وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم. # وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله ~~تعالى: # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد ~~يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين ~~بأنه يعيش حتى يلد يعقوب. # فهذه الآية أيضا دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ~~ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين، عند أهل الأصول في ~~حكمة التكليف، هل هي للامتثال فقط، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء، ~~لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست ~~هي امتثاله ذلك بالفعل، لأنه لم يرد ذبحه كونا وقدرا وإنما حكمة تكليفه ~~بذلك مجرد الابتلاء والاختبار، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا، كما صرح ~~بذلك في قوله تعالى: # إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح ~~عظيم # [الصافات: 106107] فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين ~~الامتثال والابتلاء. وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله: # للامتثال كلف الرقيب # فموجب تمكنا مصيب # أو بينه والابتلاء ترددا # شرط تمكن عليه انفقدا # وقد أشار بقوله: فموجب تمكنا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا، إلى أن ~~شرط التمكن من الفعل في التكليف، مبني على الخلاف المذكور، فمن قال: إن ~~الحكمة في التكليف هي الامتثال فقد اشترط في التكليف التمكن من الفعل، ~~لأنه لا امتثال إلا مع التمكن من الفعل، ومن قال إن الحكمة مترددة بين ~~الامتثال والابتلاء، لم يشترط التمكن من الفعل، لأن الحكمة الابتلاء ~~تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى، ومن الفروع المبنية على هذا ~~الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض، بعد الظهر غدا من ~~نهار ms3093 رمضان، ثم حصل لها الحيض بالفعل، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض، فعلى ~~أن حكمة التكليف الامتثال فقط، فلا كفارة عليها، ولها أن تفطر، لأنها ~~عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال ~~وتارة تكون الابتلاء، فإنها يجب عليها تبييت الصوم، ولا يجوز لها الإفطار ~~إلا بعد مجيء الحيض بالفعل، وإن أفطرت قبله كفرت. وكذلك من أفطر لحمى ~~تصيبه غدا، وقد علم ذلك بالعادة فهو أيضا ينبني على الخلاف المذكور. ### || [37.113] # قوله تعالى: { ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه ~~مبين }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. ### || [37.114] # ذكر جل وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع، كقوله في طه: # قال قد أوتيت سؤلك يموسى ولقد مننا عليك ~~مرة أخرى # [طه: 3637] لأن من سؤاله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون ~~معه، ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن. ### || [37.115] # قوله: { وقومهما } يعني بني إسرائيل. # والمعنى: أنه نجى موسى وهارون وقومهما من الكرب العظيم، وهو ما كان ~~يسومهم فرعون وقومه من العذاب، كذبح الذكور من أبنائهم وإهانة الإناث، ~~وكيفية إنجائه لهم مبينة في انفلاق البحر لهم، حتى خاضوه سالمين، وإغراق ~~فرعون وقومه وهم ينظرون. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة البقرة في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل ~~فرعون وأنتم تنظرون # [البقرة: 50]. وقدمنا تفسير الكرب العظيم في سورة الأنبياء في الكلام ~~على قوله تعالى في قصة نوح # فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم # [الأنبياء: 76]. ### || [37.116] # بين جل وعلا أنه نصر موسى وهارون وقومهما على فرعون، وجنوده، فكانوا هم ~~الغالبين: أي وفرعون وجنوده هم المغلوبون، وذلك بأن الله أهلكهم جميعا ~~بالغرق، وأنجى موسى وهارون وقومهما من ذلك الهلاك، وفي ذلك نصر عظيم لهم ~~عليهم وقد بين جل وعلا ذلك في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا ~~فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون # [القصص: ms3094 35] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [37.117] # الكتاب هو التوراة كما ذكره في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل # [السجدة: 23] وقوله تعالى: # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأنعام: 154] وقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون # [المؤمنون: 49] وقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا بعض الكلام على ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان # [البقرة: 53] الآية. ### || [37.137-138] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76] وفي سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا # [المائدة: 32] وغير ذلك من المواضع. ### || [37.143-144] # تسبيح يونس هذا، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام المذكور في الصافات، ~~جاء موضحا في الأنبياء في قوله تعالى: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 8788]. وقد قدمنا تفسير هذه الآية وإيضاحها في سورة ~~الأنبياء. ### || [37.148] # ما ذكره في هذه الآية الكريمة من إيمان قوم يونس وأن الله متعهم إلى ~~حين، ذكره أيضا في سورة يونس في قوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. ### || [37.149-154] # قوله تعالى { فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون } إلى قوله: { مالكم كيف تحكمون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57] إلى قوله تعالى: # سآء ما يحكمون # [النحل: 59]. ### || [37.167-170] # قد قدمنا الكلام على ما في معناه من ms3095 الآيات في سورة الأنعام في الكلام ~~على قوله تعالى: # أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ ~~أهدى منهم # [الأنعام: 157] الآية. ### || [37.171-173] # هذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم ~~منصورون دائما على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور ~~أيضا بالسيف والسنان، والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]. وقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51] وقوله تعالى: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47] وقوله تعالى: # فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم # [إبراهيم: 1314]. # وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على ~~قوله تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146] الآية. وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في آخر سورة ~~المجادلة. ### || [37.176-177] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت ~~من قبلهم المثلات # [الرعد: 6]، وذكرنا بعض الكلام على ذلك في سورة يونس في الكلام على قوله ~~تعالى: # أثم إذا ما وقع آمنتم به # [يونس: 51] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [37.181-182] # ختم هذه السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين، ولا شك أنهم من ~~عباده الذين اصطفى مع ثنائه على نفسه بقوله تعالى: { والحمد لله ~~رب العالمين } معلما خلقه أن يثنوا عليه بذلك، وما ذكره هنا من ~~حمده هذا الحمد العظيم، والسلام على رسله الكرام، ذكره في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى في سورة النمل # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # [النمل: 95] الآية. ويشبه ذلك قوله تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1] # قرأه الجمهور: ص بالسكون منهم القراء السبعة، والتحقيق أن ص من الحروف ~~المقطعة في أوائل السور كص في قوله تعالى # المص # [الأعراف: 1]، وقوله تعالى: # كهيعص # [مريم: 1]. # وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف ms3096 المقطعة في أوائل السور في أول سورة ~~هود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # وبذلك التحقيق المذكور، تعلم أن قراءة من قرأ ص بكسر الدال غير منونة، ~~ومن قرأها بكسر الدال منونة، ومن قرأها بفتح الدال، ومن قرأها بضمها غير ~~منونة، كلها قراءات شاذة لا يعول عليها. # وكذلك تفاسير بعض العلماء المبنية على تلك القراءات، فإنها لا يعول ~~عليها أيضا. # كما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: إن صاد بكسر الدال فعل أمر ~~من صادى يصادي مصاداة إذا عارض، منه الصدى. وهو ما يعارض الصوت في ~~الأماكن الصلبة الخالية من الأجسام، أي عارض بعملك القرآن وقابله به، ~~يعني امتثل أوامره واجتنب نواهيه واعتقد عقائده واعتبر بأمثاله واتعظ ~~بمواعظه. # وعن الحسن أيضا: أن ص بمعنى حادث وهو قريب من الأول. # وقرأءة ص بكسر الدال غير منونة: مروية عن أبي بن كعب، والحسن وابن أبي ~~إسحاق وأبي السمال وابن أبي عيلة ونصر بن عاصم. # والأظهر في هذه القراءة الشاذة، أن كسر الدال سببه التخفيف لالتقاء ~~الساكنين وهو حرف هجاء لا فعل أمر من صادى. # وفي رواية عن ابن أبي إسحاق، أنه قرأ { ص } بكسر الدال مع التنوين على ~~أنه مجرور بحرف قسم محذوف، وهو كما ترى، فسقوطه ظاهر. # وكذلك قراءة من قرأ { ص } بفتح الدال من غير تنوين، فهي قراءة شاذة ~~والتفاسير المبنية إليها ساقطة. # كقول من قال: صاد محمد قلوب الناس واستمالهم حتى آمنوا به. # وقول من قال: هو منصوب على الإغراء. # أي الزموا صاد، أي هذه السورة، وقول من قال معناه اتل، وقول من قال: إنه ~~منصوب بنزع الخافض، الذي هو حرف القسم المحذوف. # وأقرب الأقوال على هذه القراءة الشاذة، أن الدال فتحت تخفيفا لالتقاء ~~الساكنين، واختير فيها الفتح إتباعا للصاد، ولأن الفتح أخف الحركات، ~~وهذه القراءة المذكورة قراءة عيسى بن عمر، وتروى عن محبوب عن أبي عمرو. # وكذلك قراءة من قرأ صاد بضم الدال من غير تنوين، على أنه علم للسورة، ~~وأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هذه صاد ms3097 وأنه منع من الصرف للعلمية ~~والتأنيث لأن السورة مؤنثة لفظا. # وهذه القراءة مروية عن الحسن البصري وابن السميقع وهرون الأعور. # ومن قرأ صاد بفتح الدال قرأ: ق، ون كذلك، وكذلك من قرأها { ص } بضم ~~الدال فإنه قرأ # ق # [ق: 1]: و # ن # [القلم: 1] بضم الفاء والنون. # والحاصل أن جميع هذه القراءات، وجميع هذه التفاسير المبنية عليها، كلها ~~ساقطة، لا معول عليها. # وإنما ذكرناها لأجل التنبيه على ذلك. # ولا شك أن التحقيق هو ما قدمنا من أن { ص } من الحروف المقطعة في أوائل ~~السور، وأن القراءة التي لا يجوز العدول عنها هي قراءة الجمهور التي ~~ذكرناها. # وقد قال بعض العلماء: إن ص مفتاح بعض أسماء الله تعالى كالصبور والصمد. # وقال بعضهم معناه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله، ~~إلى غير ذلك من الأقوال. # وقد ذكرنا أنا قدمنا الكلام على ذلك مستوفى في أول سورة هود. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { والقرآن ذي الذكر } [ص: ~~1]، قد قدمنا أن أصل القرآن مصدر، زيد فيه الألف والنون. كما زيدتا في ~~الطغيان، والرجحان، والكفران، والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف. # وأكثر أهل العلم، يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم ~~المفعول. # وعليه فالقرآن بمعنى المقروء من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته ~~وأبرزته، ومنه قرأت الناقة السلا والجنين إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ~~ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: # تريك إذا دخلت على خلاء # وقد أمنت عيون الكاشحينا # ذراعي عيطل أدماء بكر # هجان اللون لم تقرأ جنينا # على إحدى الروايتين في البيت. # ومعنى القرآن على هذا المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فيه، ~~بعباراته الواضحة. # وقال بعض أهل العلم: إن الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل. # وعليه فالقرآن بمعنى القارئ وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت. # ومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه. # وعلى هذا فالقرآن بمعنى القارئ أي الجامع لأن الله جمع فيه جميع ما في ~~الكتب المنزلة. # وقوله تعالى في ms3098 هذه الآية الكريمة: { ذي الذكر } فيه وجهان من ~~التفسير معروفان عند العلماء. # أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول فلان مذكور يعنون له ذكر أي ~~شرف. # ومنه قول تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي شرف لكم على أحد القولين. # الوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير، لأن القرآن العظيم فيه ~~التذكير والمواعظ، وهذا قول الجمهور واختاره ابن جرير. # تنبيه # اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله ~~تعالى: { والقرآن ذي الذكر } ، فقال بعضهم: إن المقسم عليه ~~مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه وأقوالهم في ذلك كلها ~~ظاهرة السقوط. # فمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]. # ومنهم من قال هو قوله: # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # [ص: 54]. # ومنهم من قال هو قوله تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14] كقوله # تالله إن كنا لفي ضلال مبين # [الشعراء: 97]. وقوله: # والسمآء والطارق ومآ أدراك ما الطارق النجم ~~الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 14]. # ومنهم من قال هو قوله: # كم أهلكنا من قبلهم # [الأنعام: 6]، ومن قال هذا قال: إن الأصل لكم أهلكنا ولما طال الكلام، ~~حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا بدون لام. # قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] لما طال الكلام بين القسم والمقسم عليه، الذي هو قد أفلح من ~~زكاها، حذفت منه لام القسم. # ومنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله: ص قالوا معنى ص صدق رسول الله ~~والقرآن ذي الذكر. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه صلى الله عليه وسلم. # ومنهم من قال المعنى: هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب، { والقرآن ~~ذي الذكر } إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها. # وقال بعض العلماء إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال ~~الزمخشري في الكشاف، التقدير { والقرآن ذي الذكر } إنه لمعجز، ~~وقدره ابن عطية وغيره فقال: { والقرآن ذي الذكر } ما الأمر كما ms3099 ~~يقوله الكفار، إلى غير ذلك من الأقوال. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: ~~أن جواب القسم محذوف وأن تقديره { والقرآن ذي الذكر } ما الأمر ~~كما يقوله الكفار، وأن قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة. # الأول: منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا وأن الأمر ~~ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا # [الرعد: 43]. # والثاني: أن الإله المعبود جل وعلا واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله ~~الكفار في قوله تعالى عنهم: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]. # والثالث: أن الله جل وعلا يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار ~~في قوله تعالى عنهم: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38] وقوله: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا # [التغابن: 7] وقوله تعالى: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة # [سبأ: 3]. # أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى: # بل الذين كفروا في عزة وشقاق # [ص: 2]، لأن الإضراب بقوله بل، دليل واضح على المقسم عليه المحذوف. أي ~~ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية ~~وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة. # وأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة ~~المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وكون الإله المعبود واحدا لا شريك له فقد أشار لهما هنا. # أما كون الرسول مرسلا حقا ففي قوله تعالى هنا: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب # [ص: 4] يعني أي لا وجه للعجب المذكور. لأن يجيء المنذر الكائن منهم. # لا شك في أنه بإرسال من الله حقا. # وقولهم # هذا ساحر كذاب # [ص: 4] إنما ذكره تعالى إنكارا عليهم وتكذيبا لهم. # فعرف بذلك أن في ضمن المعنى والقرآن ذي الذكر إنك مرسل حقا ولو عجبوا ~~من مجيئك منذرا لهم، وزعموا أنك ساحر ms3100 كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق ~~الذي لا شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل، وأكرمهم على الله، ساحر كذاب. # وأما كون الإله المعبود واحدا لا شريك له، ففي قوله هنا: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]، لأن الهمزة في قوله: أجعل للإنكار المشتمل على معنى النفي، فهي ~~تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله صلى الله عليه وسلم: إن الإله المعبود ~~واحد. # وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم، على أن الله أقسم على ~~تكذيبهم فيها وإثباتها بالقسم صريحا كقوله تعالى مقسما على أن الرسول ~~مرسل حقا # يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين # [يس: 13] فهي توضح معنى ص والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين. # وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة كقوله تعالى # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين # [البقرة: 252]، وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له، فقد أقسم ~~تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى # والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ~~إن إلهكم لواحد # [الصافات: 14] ونحو ذلك من الآيات فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذكر ~~أي والقرآن ذي الذكر، إن إلهكم لواحد كما أشار إليه بقوله # أجعل الآلهة # [ص: 5] الآية. # وأما كون البعث حقا، فقد أقسم عليه إقساما صحيحا صريحا، في آيات من ~~كتاب الله، كقوله تعالى: # قل بلى وربي لتبعثن # [التغابن: 7]. وقوله تعالى: # قل بلى وربي لتأتينكم # [سبأ: 3] أي الساعة. وقوله: # قل إي وربي إنه لحق # [يونس: 53]. # وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان ~~المذكوران، وهي كون الرسول مرسلا، والبعث حقا، وأشار إلى ذلك إشارة ~~واضحة، وذلك في قوله تعالى # ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 13] فاتضح بذلك أن المعنى ق والقرآن المجيد، إن المنذر الكائن منكم ~~الذي عجبتم من مجيئه لكم منذرا رسول منذر لكم من الله حقا، وإن البعث ms3101 ~~الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإنكار، والاستبعاد، في قوله تعالى عنكم # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3] أي ذلك الرجع الذي هو البعث. # رجع بعيد في زعمكم واقع لا محالة وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في ~~قوله تعالى: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] إذ المعنى أن ما أكلته الأرض، من لحومهم، ومزقه من أجسامهم، ~~وعظامهم، يعلمه جل وعلا، لا يخفى عليه منه شيء فهو قادر على رده كما كان. # وإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة كما ~~قدمنا موضحا بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون # [يس: 51] وكونه صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا، يستلزم استلزاما ~~لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقا وأنه ليس بسحر ولا شعر ~~ولا كهانة ولا أساطير الأولين. # ولذلك أقسم تعالى، في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضا منزل من الله ~~كقوله تعالى في أول سورة الدخان # حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة # [الدخان: 13] الآية، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف: # حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم # [الزخرف: 14] ### || [38.2] # قد قدمنا الكلام قريبا على الإضراب ببل في هذه الآية. # وقوله تعالى هنا في عزة أي حمية واستكبار عند قبول الحق، وقد بين جل ~~وعلا في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرهم ~~بتقوى الله، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق ~~من أسباب دخولهم جهنم، وذلك في قوله تعالى عن بعض الكفار الذين يظهرون ~~غير ما يبطنون # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد # [البقرة: 206]. # والظاهر أن وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار: أن من اتصف بذلك ~~كأنه ينزل نفسه منزلة الغالب، القاهر، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن أصل ~~العزة في ms3102 لغة العرب الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] الآية، والعرب يقولون: من عز بز، يعنون من غلب استلب، ~~ومنه قول الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يحتشى # إذ الناس ذاك من عز بزا # وقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود: وعزني في الخطاب أي غلبني: ~~وقهرني في الخصومة. # والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله: { ~~بل الذين كفروا في عزة وشقاق } [ص: 2] الآية. وقوله: # أخذته العزة بالإثم # [البقرة: 206] الآية، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة ~~بالفعل، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين، وذلك ~~في قوله تعالى: # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. # ولذلك فسرها علماء التفسير، بأنها هي الحمية والاستكبار، عن قبول الحق. # والشقاق: هي المخالفة، والمعاندة كما قال تعالى: # وإن تولوا فإنما هم في شقاق # [البقرة: 137] الآية. قال بعض العلماء: وأصله من الشق الذي هو الجانب، ~~لأن المخالف المعاند، يكون في الشق أي في الجانب الذي ليس فيه من هو ~~مخالف له ومعاند. # وقال بعض أهل العلم: أصل الشقاق من المشقة لأن المخالف المعاند يجتهد في ~~إيصال المشقة إلى من هو مخالف معاند. # وقال بعضهم: أصل الشقاق من شق العصا وهو الخلاف والتفرق. ### || [38.3] # كم هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب، على ~~أنها مفعول به لأهلكنا وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، ومن في قوله: من ~~قرن، مميزة لكم، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، أشهر الأقوال ~~فيه أنه مائة سنة، والمعنى أهلكنا كثيرا من الأمم السالفة من أجل الكفر، ~~وتكذيب الرسل فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم الكفر بما جاء به لئلا نهلككم بسبب ذلك كما أهلكنا به القرون ~~الكثيرة الماضية. # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: # الأولى: أنه أهلك كثيرا من القرون الماضية، يهدد كفار مكة ms3103 بذلك. # الثانية: أنهم نادوا أي عند معاينة أوائل الهلاك. # الثالثة: أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء، أي فهو ~~وقت لا ملجأ فيه، ولا مفر من الهلاك بعد معاينته. # وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة ~~من كتابه. # أما المسألة الأولى: وهي كونه أهلك كثيرا من الأمم، فقد ذكرها في آيات ~~كثيرة، كقوله تعالى: # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح # [الإسراء: 17] وقوله تعالى: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة # [الحج: 45] الآية. وقوله تعالى: # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله # [ابراهيم: 9] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر بالله ~~وتكذيب رسله كقوله في هذه الآية الأخيرة مبينا سبب إهلاك تلك الأمم التي ~~صرح بأنها (لا يعلمها إلا الله) # جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به ~~وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب # [ابراهيم: 9]. # وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال العلم في ~~قوله تعالى: # فردوا أيديهم في أفواههم # [إبراهيم: 9] وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ~~فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا # [الطلاق: 89] وقوله تعالى: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ~~وجعلناهم للناس آية # [الفرقان: 37] إلى قوله تعالى: # وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا ~~تتبيرا # [الفرقان: 3839] وقوله تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14] وقوله تعالى: # كل كذب الرسل فحق وعيد # [ق: 14] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب ~~الرسل تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك إن ~~تمادوا على الكفر وتكذيبه صلى الله عليه وسلم. # ذكر تعالى ذلك ms3104 في آيات كثيرة كقوله تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها # [محمد: 10] لأن قوله تعالى: { وللكافرين أمثالها } تهديد ~~عظيم بذلك. # وقوله تعالى: # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد # [هود: 8283] فقوله: وما هي من الظالمين ببعيد فيه تهديد عظيم لمن يعمل ~~عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم، وفواحشهم المعروفة، وقد وبخ تعالى من ~~لم يعتبر بهم، ولم يحذر أن ينزل به مثل ما نزل بهم، كقوله في قوم لوط: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137138] وقوله تعالى: # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون ~~نشورا # [الفرفان: 40]. وقوله تعالى: # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # [العنكبوت: 35]. وقوله فيهم: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76]. وقوله فيهم وفي قوم شعيب # وإنهما لبإمام مبين # [الحجر: 79] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وأما المسألة الثانية: وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب فقد ذكر ~~تعالى في آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء. # أحدهما: نداؤهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين، وذلك في قوله تعالى: # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا ~~بعدها قوما آخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم ~~منها يركضون # [الأنبياء: 11] إلى قوله تعالى: # قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك ~~دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين # [الأنبياء: 1415] وقوله تعالى: # وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ ~~إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين # [الأعراف: 45]. # الثاني: من نوعي النداء المذكور نداؤهم بالإيمان بالله مستغيثين من ذلك ~~العذاب الذي أحسوا أوائله، كقوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون # [غافر: 8485] وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام، لدلالة ~~قوله: { ولات حين مناص } [ص:3] عليه. # وقوله تعالى ms3105 في هذه الآية الكريمة { ولات حين مناص } الذي هو ~~المسألة الثالة، معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة ~~العذاب، حين مناص، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه. # فقوله: ولات هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية كما زيدت في ~~ثم، فقيل فيها ثمت، وفي رب، فقيل فيها ربت. # وأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس وأنها لا تعمل إلا في ~~الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة والأوان، وأنها ~~لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، ~~وربما عكس، وهذا قول سيبويه وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: # في النكرات أعملت كليس " لا " # وقد تلى " لات " و " إن " ذا العملا # وما للات في سوى حين عمل # وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل # والمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن ~~إدراكه، ويطلق المناص على التأخر لأن من تأخر ومال إلى ملجأ ينقذه مما ~~كان يخافه فقد وجد المناص. # والمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا ~~طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر: # غمر الجراء إذا قصرت عنانه # بيدي استناص ورام جري المسحل # والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان ~~كلاهما راجع إلى شيء واحد. لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على ~~جزئياته، أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملا، يكون به خلاصه ونجاته ~~من ذلك. # فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون ~~بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك. # والعرب تطلق النوص على التأخر. والبوص بالباء الموحدة التحتية على ~~التقدم، ومنه قول امرئ القيس: # أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص # فتقصر عنها خطوة وتبوص # وأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين وأنها تعمل عمل ليس خلافا ~~لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين وأنه ms3106 رآها في ~~الإمام، وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه متصلة بها. # وعلى قول الجمهور منهم القراء السبعة، أن التاء ليست موصولة بحين، ~~فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء. # أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك ~~قراءة كسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها ~~مشكل. # وتعسف له الزمخشري وجها لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر ~~المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فنادوا ولات حين مناص ~~} أصل النداء: رفع الصوت، والعرب تقول: فلان أندى صوتا من فلان، أي ~~أرفع، ومنه قوله: # فقلت ادعى وأدعو إن أندا # لصوت أن ينادي داعيان # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند ~~معاينة العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا ~~مناص. ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 8485] الآية. وقوله تعالى: # فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون لا ~~تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يويلنآ إنا ~~كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين # [الأنبياء: 1215] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد بين تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه تعالى: # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما ~~لكم من نكير # [الشورى: 47]. وقوله تعالى: # فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس ~~والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا ~~وزر # [القيامة: 711] والوزر: الملجأ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه # والناس إلب علينا فيك ليس لنا # إلا الرماح وأطراف القنا وزر # وكقوله تعالى: # بل لهم موعد ms3107 لن يجدوا من دونه موئلا # [الكهف: 58] والموئل اسم مكان من وأل يئل إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه ~~قول الأعشى ميمون بن قيس: # وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم مائيل # أي ثم ما ينجو ### || [38.4] # قوله تعالى: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم ~~رسول منذر منهم، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من عجبهم ~~المذكور، ذكره في غير هذا الموضع، وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه وروده ~~عليهم في آيات أخر، فقال في عجبهم المذكور # ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم # [ق: 12]. # وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس # الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا ~~أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس # [يونس: 12] وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الأعراف عن قوم نوح وقوم ~~هود، فقال عن نوح مخاطبا لقومه # أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون # [الأعراف: 63]. # وقال عن هود مخاطبا لعاد: # أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفآء من ~~بعد قوم نوح # [الأعراف: 69] الآية، وبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر ~~مثلهم زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحدا من جنسهم. وأنه لو أراد أن ~~يرسل إليهم أحدا لأرسل إليهم ملكا لأنه ليس بشرا مثلهم وأنه لا يأكل ~~ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق. # والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان ~~في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 9495] وقوله تعالى: # أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون # [المؤمنون: 47] وقوله تعالى: # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون ms3108 ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون # [المؤمنون: 3334]. وقوله تعالى: # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان: 7]. وقوله تعالى: # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا # [التغابن: 6]. وقوله تعالى: # كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر # [القمر: 2324] الآية. وقوله تعالى: # قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا # [إبراهيم: 10] الآية. وقوله تعالى: # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 89] وقوله تعالى: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ~~ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شآء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون # [فصلت: 1314] وقوله تعالى: # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين # [المؤمنون: 24] وقوله تعالى: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من ~~الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما ~~كانوا إذا منظرين # [الحجر: 68] وقوله تعالى: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7] وقوله تعالى: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة ~~لا بشرى يومئذ للمجرمين # [الفرقان: 2122] الآية. وقوله تعالى عن فرعون مع موسى: # فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه ~~الملائكة مقترنين # [الزخرف: 53]. # وقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر في آيات من ~~كتابه. # كقوله تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20] وقوله تعالى: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # [الرعد: 38] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى # [يوسف: 109] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ms3109 ~~فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا ~~خالدين # [الأنبياء: 78] وقوله تعالى: # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # [ابراهيم: 11] أي بالرسالة والوحي ولو كان بشرا مثلكم إلى غير ذلك من ~~الآيات. ### || [38.6] # قوله تعالى: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها # [الفرقان: 42]. ### || [38.8] # قوله تعالى: { أأنزل عليه الذكر من بيننا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة، أنكروا أن الله خص نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على أحد ~~آخر منهم، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء في آيات أخر، مع الرد على ~~الكفار في إنكارهم خصوصه صلى الله عليه وسلم بالوحي، كقوله تعالى عنهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين من القريتين ~~الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود في الطائف زاعمين أنهما أحق ~~بالنبوة منه. # وقد رد جل وعلا ذلك عليهم في قوله تعالى: # أهم يقسمون رحمة ربك # [الزخرف: 32] لأن الهمزة في قوله: أهم يقسمون، للإنكار المشتمل على معنى ~~النفي، وكقوله تعالى: # قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله # [الأنعام: 124]. # وقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين ~~أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون # [الأنعام: 124] وأشار إلى رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله: # بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم ~~عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ~~ملك السماوات والأرض وما بينهما # [ص: 810] الآية. لأنه لا يجعل الرسالة حيث يشاء، ويخص بها من يشاء، إلا ~~من عنده خزائن الرحمة. وله ملك السموات والأرض. # وقوله تعالى: { أأنزل عليه ms3110 الذكر من بيننا } قد بين في ~~موضع آخر أن ثمود قالوا مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام، وذلك في قوله تعالى عنهم: # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر # [القمر: 25] وقد رد الله تعالى عليهم ذلك في قوله: # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # [القمر: 26]. ### || [38.10] # قوله تعالى: { أم لهم ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما } الآية. # قد قدمنا بعض الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17]. ### || [38.12-14] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح # [الحج: 42] الآية وفي غير ذلك من المواضع. ### || [38.16] # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في ~~سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ما عندي ما تستعجلون به # [الأنعام: 57]. وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # أثم إذا ما وقع آمنتم به # [يونس: 51] الآية وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة # [الرعد: 6] الآية. وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47] الآية. # وقد قدمنا أن القط، النصيب من الشيء، أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي ~~توعدنا به. # وأن أصل القط كتاب الجائزة لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه لذلك ~~الإنسان، وجمعه قطوط، ومنه قول الأعشى: # ولا الملك النعمان حين لقيته # بغبطته يعطي القطوط ويأفق # وقوله: ويأفق أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط. ### || [38.18-19] # قوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه } إلى قوله: { ~~أواب }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79] الآية. ### || [38.24-25] # قوله تعالى: { وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ~~ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك } الآية. # قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية، من الآيات القرآنية التي يفهم منها ~~صدور بعض الشيء، من الأنبياء صلوات ms3111 الله وسلامه عليهم، وبينا كلام أهل ~~الأصول في ذلك في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. # واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا ~~يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى ~~الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، وما جاء منه مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء. ### || [38.26] # قوله تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله } الآية. # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض } ، قد بينا الحكم الذي دل عليه، في سورة البقرة، في الكلام على ~~قوله تعالى: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة # [البقرة: 30] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله } قد أمر نبيه داود فيه، بالحكم بين الناس بالحق ونهاه ~~فيه عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى، علة للضلال عن سبيل الله، لأن ~~الفاء في قوله فيضلك عن سبيل الله تدل على العلية. # وقد تقرر في الأصول، في مسلك الإيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف ~~التعليل كقوله: سهى فسجد، وسرق فقطعت يده، أو لعلة السهو في الأول، ولعلة ~~السرقة في الثاني، وأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا ~~عن سبيل الله، في قوله تعالى بعده يليه: # إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب # [ص: 26]. # ومعلوم أن نبي الله داود، لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى، فيضله عن ~~سبيل الله، ولكن الله تعالى، يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، ~~وينهاهم، ليشرع لأممهم. # ولذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضا ~~عن مثل ذلك، في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط # [المائدة: 42]. وقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا ms3112 تتبع ~~أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك # [المائدة: 49] وكقوله تعالى: # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب: 1و 48] وقول تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] وقوله تعالى: # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه # [الكهف: 28] الآية. # وقد قدمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22]. # وبينا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي يخاطب بخطاب، ~~والمراد بذلك الخطاب غيره يقينا قوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا فلا تقل لهمآ أف ولا ~~تنهرهما # [الإسراء: 23] الآية، ومن المعلوم أن أباه صلى الله عليه وسلم توفي قبل ~~ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما # [الإسراء: 23] ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما، ولا كلاهما لأنهما ~~قد ماتا قبل ذلك بزمان. # فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 2324] الآية: إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته، ولا ~~يراد به هو نفسه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب. ~~إياك أعني واسمعي يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي ~~خاطب به امرأة، وهو يقصد أخرى وهي أخت حارثة بن لأم الطائي وهو قوله: # يا أخت خير البدو والحضاره # كيف ترين في فتى فزاره # أصبح يهوى حرة معطاره # إياك أعني واسمعي يا جاره # وذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المراة، وقول بعض أهل العلم إن الخطاب ~~في قوله: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما # [الإسراء: 23] الآية، هو الخطاب بصيغة المفرد، الذي يراد به عموم كل من ~~يصح خطابه. كقول طرفة بن العبد في معلقته: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # أي ستبدي لك ms3113 ويأتيك أيها الإنسان الذي يصح خطابك، وعلى هذا فلا دليل في ~~الآية، غير صحيح، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن ~~المخاطب بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم وعليه. فالاستدلال بالآية، ~~استدلال قرآني صحيح، والقرينة القرآنية المذكورة، هي أنه تعالى قال في ~~تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله صلى الله عليه وسلم، التي ~~أولها # وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر # [الإسراء: 23] الآية. ما هو صريح، في أن المخاطب بذلك هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لا عموم كل من يصح منه الخطاب، وذلك في قوله تعالى: # ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا # [الإسراء: 39]. ### || [38.27] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~باطلا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة الحجر في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الحجر: 85] وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون. في الكلام على قوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا # [المؤمنون: 115] الآية. # قوله تعالى: { ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار }. # الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، ذلك أي ~~خلقنا السماوات والأرض باطلا هو ظن الذين كفروا بنا، والنفي في قوله ما ~~خلقنا، منصب على الحال لا على عاملها الذي هو خلقنا، لأن المنفي بأداة ~~النفي التي هي ما: ليس خلقه للسماوات والأرض، بل هو ثابت، وإنما المنفي ~~بها، هو كونه باطلا، فهي حال شبه العمدة وليست فضلة صريحة، لأن النفي ~~منصب عليها هي خاصة، والكلام لا يصح دونها. والكلام في هذا معلوم في ~~محله، ونفي كون خلقه تعالى للسماوات والأرض باطلا نزه عنه نفسه ونزهه ~~عنه عباده الصالحون، لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالى. # أما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115] # ثم نزه نفسه، عن كونه خلقهم عبثا، بقوله تعالى: # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا ms3114 هو رب ~~العرش الكريم # [المؤمنون: 116] أي تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثا. # وأما تنزيه عباده الصالحين له عن ذلك، ففي قوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في ~~خلق السماوات والأرض ربنآ ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك فقنا عذاب النار # [آل عمران: 190191] فقوله تعالى عنهم سبحانك أي تنزيها لك، عن أن تكون ~~خلقت السماوات والأرض باطلا. فقولهم سبحانك تنزيه له، كما نزه نفسه عن ~~ذلك بقوله تعالى: # فتعالى الله الملك الحق # [المؤمنون: 116] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية: { فويل للذين كفروا من ~~النار } يدل على أن من ظن بالله ما لا يليق به جل وعلا، فله النار. # وقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا يليق به أرداه وجعله من ~~الخاسرين، وجعل النار مثواه. وذلك في قوله تعالى: # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم # [فصلت: 222324] الآية. # وقولنا في أول هذا المبحث الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن ~~في الفعل الصناعي قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]، وبينا هناك أن الفعل نوعان، أحدهما الفعل الحقيقي، ~~والثاني الفعل الصناعي، أما الفعل الحقيقي، فهو الحدث المتجدد المعروف ~~عند النحويين بالمصدر. # وأما الفعل الصناعي، فهو المعروف في صناعة علم النحو بالفعل الماضي، ~~والفعل المضارع، وفعل الأمر على القول بأنه مستقل عن المضارع. # ومعلوم أن الفعل الصناعي ينحل عند النحويين، عن مصدر وزمن، كما أشار له ~~في الخلاصة بقوله: # المصدر اسم ما سوى الزمان من # مدلولي الفعل كأمن من أمن # وعند جماعات من البلاغيين، أنه ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة، وهو الأقرب، ~~كما حرره بعض علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية، وبذلك تعلم أنه ~~لا خلاف بينهم في أن المصدر، والزمن كامنان في ms3115 الفعل الصناعي فيصح رجوع ~~الإشارة والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي. # فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن في الفعل، قوله هنا { ذلك ~~ظن الذين كفروا } الآية، فإن المصدر الذي هو الخلق، كامن في ~~الفعل الصناعي، الذي هو الفعل الماضي في قوله: { وما خلقنا ~~السمآء والأرض وما بينهما باطلا ذلك } أي خلق ~~السماوات المذكور الكامن في مفهوم خلقنا ظن الذين كفروا. # ومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي، قوله ~~تعالى: # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد # [ق: 20] أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد. ومثال رجوع الضمير ~~للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] فقوله: هو، أي العدل الكامن في مفهوم اعدلوا، كما تقدم ~~إيضاحه. ### || [38.28] # أم في قوله: أم نجعل الذين، وقوله، أم نجعل المتقين، كلتاهما، منقطعة ~~وأم المنقطعة، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب: # الأول: أنها بمعنى همزة استفهام الإنكار. # الثاني: أنها بمعنى بل الإضرابية. # والثالث: أنها تشمل معنى الإنكار والإضراب معا، وهو الذي اختاره بعض ~~المحققين. # وعليه فالإضراب بها هنا انتقالي لا إبطالي ووجه الإنكار بها عليهم واضح، ~~لأن من ظن بالله الحكيم الخبير، أنه يساوي بين الصالح المصلح، والمفسد ~~الفاجر، فقد ظن ظنا قبيحا جديرا بالإنكار. # وقد بين جل وعلا هذا المعنى، في غير هذا الموضع، وذم حكم من يحكم به، ~~وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21]. ### || [38.29] # قوله تعالى: كتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب، وقد ذكر جل وعلا، في هذه ~~الآية الكريمة، أنه أنزل هذا الكتاب، معظما نفسه جل وعلا، بصيغة الجمع، ~~وأنه كتاب مبارك وأن من حكم إنزاله، أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ~~ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن ~~يتذكر أولوا الألباب، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة، من شوائب الاختلال. # وكل ما ذكره في ms3116 هذه الآية الكريمة جاء واضحا في آيات أخر. # أما كونه جل وعلا، هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وقوله تعالى: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وقوله تعالى: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات # [آل عمران: 7]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وأما كون هذا الكتاب مباركا، فقد ذكره في آيات من كتابه كقوله تعالى: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه # [الأنعام: 9] الآية. وقوله تعالى: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون # [الأنعام: 155]. والمبارك كثير البركات، من خير الدنيا والآخرة. # ونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن ~~يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته ~~العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين، الذين ~~يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات، في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب. # وأما كونه تدبر آياته، من حكم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، ~~بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد صلى الله عليه وسلم: 24]. وقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82] وقوله تعالى: # أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت ~~آبآءهم الأولين # [المؤمنون: 68]. # وأما كون تذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا ~~الموضع، مقترنا ببعض الحكم الأخرى، التي لم تذكر في آية ص هذه كقوله ~~تعالى في سورة إبراهيم # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب # [إبراهيم: 52] فقد بين في هذه الآية الكريمة، أن تذكر أولي الألباب، من ~~حكم إنزاله مبينا منها حكمتين أخريين، من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس ~~به، وتحقيق معنى لا إله إلا الله، وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب، ~~من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى: # المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في ms3117 صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 12] لأن اللام في قوله لتنذر، متعلقة بقوله: أنزل، والذكرى ~~اسم مصدر بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا ~~الألباب. # وذكر حكمة الإنذار في آيات كثيرة كقوله: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]. وقوله تعالى: # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]. وقوله تعالى: # تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما مآ أنذر ~~آبآؤهم فهم غافلون # [يس: 56] الآية. وقوله تعالى: # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين # [يس: 70] الآية. # وذكر في آيات أخر، أن من حكم إنزاله، الإنذار والتبشير معا، كقوله ~~تعالى: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]. وقوله تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا # [الكهف: 12] الآية. # وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله أن يبين صلى الله عليه وسلم للناس ما ~~أنزل إليهم ولأجل أن يتفكروا، وذلك قوله تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # [النحل: 44]. وقد قدمنا مرارا كون لعل من حروف التعليل، وذكر حكمة ~~التبيين المذكورة مع حكمة الهدى والرحمة، في قوله تعالى: # ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # [النحل: 64]. # وبين أن من حكم إنزاله، تثبيت المؤمنين والهدى والبشرى للمسلمين في قوله ~~تعالى: # قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت ~~الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين # [النحل: 102]. # وبين أن من حكم إنزاله، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحكم بين ~~الناس بما أراه الله، وذلك في قوله تعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله # [النساء: 105] الآية. # والظاهر أن معنى قوله: { بمآ أراك الله } أي بما علمك من العلوم ~~في هذا القرآن العظيم، بدليل قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ms3118 ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52] الآية. وقوله تعالى: # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3]. # وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله إخراج الناس من الظلمات إلى النور وذلك ~~في قوله تعالى: # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم # [إبراهيم: 1] الآية. # وبين أن من حكم إنزاله التذكرة لمن يخشى في قوله تعالى: # طه مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة ~~لمن يخشى # [طه: 13] أي ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. # وهذا القصر على التذكرة إضافي، وكذلك القصر في قوله تعالى الذي ذكرناه ~~قبل هذا # ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه # [النحل: 64] الآية، بدليل الحكم الأخرى التي ذكرناها. # وبين أن من حكم إنزاله قرآنا عربيا وتصريف الله فيه من أنواع الوعيد ~~أن يتقي الناس الله، أو يحدث لهم هذا الكتاب ذكرا، أي موعظة وتذكرا، ~~يهديهم إلى الحق، وذلك في قوله تعالى: # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا # [طه: 113] والعلم عند الله تعالى. ### || [38.30] # قوله تعالى: { ووهبنا لداوود سليمان } الآية. # ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه وهب سليمان لداود، وقد بين في سورة النمل ~~أن الموهوب ورث الموهوب له، وذلك في قوله تعالى: # وورث سليمان داوود # [النمل: 16] # وقد بينا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى عن زكريا # فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا # [مريم: 56] الآية أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال. ### || [38.34] # قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على ~~كرسيه جسدا } الآية. # وقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وعلى ما يذكره المفسرون فيها، من ~~الروايات التي لا يخفى سقوطها، وأنها لا تليق بمنصب النبوة، في سورة ~~الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 2324]. وما روي عنه من السلف من ms3119 جملة تلك الروايات، أن الشيطان ~~أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه وطرد سليمان إلى آخره يوضح بطلانه، قوله ~~تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين # [الحجر: 42] واعتراف الشيطان بذلك في قوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]. ### || [38.36] # قد قدمنا الكلام عليه موضحا بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في ~~الكلام على قوله تعالى: # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره # [الأنبياء: 81] الآية. # وفسرنا هناك قوله هنا حيث أصاب وذكرنا هناك أوجه الجمع، بين قوله هنا: { ~~رخآء } ، وقوله هنا:، وقوله هناك: { ولسليمان الريح ~~عاصفة } ووجه الجمع أيضا بين عموم الجهات المفهوم من قوله هنا { ~~حيث أصاب } أي حيث أراد وبين خصوص الأرض المباركة المذكورة هناك في ~~قوله # تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها # [الأنبياء: 81]. ### || [38.37] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله ~~تعالى: # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك وكنا لهم حافظين # [الأنبياء: 82]. ### || [38.41-43] # قوله تعالى: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه ~~أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } إلى قوله: { ~~لأولي الألباب }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع التعرض لإزالة ما فيه من الإشكال ~~في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # وأيوب إذ نادى ربه # إلى قوله: # وذكرى للعابدين # [الأنبياء: 8384]. ### || [38.45] # قوله تعالى: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق } الآية. # أمر الله جل وعلا، نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن ~~يذكر عبده إبراهيم ولم يقيد ذلك الذكر بكونه في الكتاب، مع أنه قيده بذلك ~~في سورة مريم، في قوله تعالى: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا # [مريم: 41] الآية. ### || [38.48] # قوله تعالى: { واذكر إسماعيل واليسع } الآية. # أطلق هنا أيضا الأمر بذكر إسماعيل وقيده في سورة مريم بكونه في الكتاب ~~في قوله تعالى: # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد # [مريم: 54] الآية، وفي ذلك إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ~~أيضا بذكر جميع المذكورين في الكتاب. ولذلك جاء ذكرهم كلهم في القرآن ~~العظيم كما لا ms3120 يخفى. ### || [38.52] # قد قدمنا الكلام عليه، في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48]. ### || [38.54] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن نعيم الجنة، لا نفاد له، أي لا ~~انقطاع له ولا زوال، ذكره جل وعلا في آيات أخر كقوله تعالى فيه: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108]. وقوله تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. ### || [38.64] # قد قدمنا ما يوضحه، من الآيات القرآنية في مواضع متعددة، من هذا الكتاب ~~المبارك، ذكرنا بعضها في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا # [البقرة: 166] الآية، وذكرنا بعضه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله ~~تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا # [الأعراف: 38] الآية وغير ذلك من المواضع. ### || [38.76] # قد تقدم إيضاحه، مع بعض المباحث في سورة البقرة، في الكلام على قوله ~~تعالى: # إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # [البقرة: 34]. ### || [38.86] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود، وذكرنا الأحكام المتعلقة ~~بالآيات، في الكلام على قوله تعالى عن نبيه نوح # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] الآية. ### || [38.88] # الحين المذكور هنا، قال بعض العلماء: المراد به بعد الموت، ويدل له ما ~~قدمنا في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]. # وقال بعض العلماء: الحين المذكور هنا، هو يوم القيامة ولا منافاة بين ~~القولين، لأن الإنسان بعد الموت تتبين له حقائق الهدى والضلال. # واللام في لتعلمن موطئة للقسم، وقد أكد في هذه الآية الكريمة أنهم ~~سيعلمون نبأ القرآن أي صدقه، وصحة جميع ما فيه بعد حين بالقسم، ونون ~~التوكيد. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بأنهم سيعلمون نبأه بعد ~~حين، قد أشار إليه تعالى، في سورة الأنعام، في قوله تعالى: # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم ~~بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون # [الأنعام: 6667]. # قال غير واحد من العلماء: لكل نبإ مستقر، أي لكل خبر حقيقة ووقوع، فإن ~~كان حقا ms3121 تبين صدقه ولو بعد حين، وإن كان كذبا تبين كذبه، وستعلمون صدق ~~هذا القرآن ولو بعد حين. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1] # قد دل استقراء القرآن العظيم، على أن الله جل وعلا، إذا ذكر تنزيله ~~لكتابه، أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمنة صفاته العليا. # ففي أول هذه السورة الكريمة، لما ذكر تنزيله كتابه، بين أن مبدأ ~~تنزيله كائن منه جل وعلا، وذكر اسمه الله، واسمه العزيز، والحكيم، وذكر ~~مثل ذلك في أول سورة الجاثية، في قوله تعالى: # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين # [الجاثية: 1 3] وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى: # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق # [الأحقاف: 1 3] الآية. # وقد تكرر كثيرا في القرآن، ذكره بعض أسمائه وصفاته، بعد ذكر تنزيل ~~القرآن العظيم، كقوله في أول سورة # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا ~~إله إلا هو إليه المصير # [غافر: 1- 3] وقوله تعالى في أول فصلت: # حم تنزيل من الرحمن الرحيم # [فصلت: 1 2]. وقوله تعالى في أول هود # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1] وقوله في فصلت # وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد # [4142] وقوله تعالى في صدر يس # تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما مآ أنذر ~~آبآؤهم # [يس: 5 6] وقوله تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين # [الشعراء: 192- 193] الآية، وقوله تعالى: # تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل # [الحاقة: 43 44] الآية. # ولا يخفى أن ذكره جل وعلا هذه المسألة الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيل ~~هذا القرآن العظيم، يدل بإيضاح، على عظمة القرآن العظيم، وجلالة شأنه ~~وأهمية نزوله، والعلم عند الله تعالى. ### || [39.2-3] # قوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين ألا ~~لله الدين الخالص }. # أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن ms3122 ~~يعبده في حال كونه، مخلصا له الدين، أي مخلصا له في عبادته، من جميع ~~أنواع الشرك صغيرها وكبيرها، كما هو واضح من لفظ الآية. # والإخلاص، إفراد المعبود بالقصد، في كل ما أمر بالتقرب به إليه، وما ~~تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الإخلاص في العبادة لله وحده، لا بد ~~منه، جاء في آيات متعددة، وقد بين جل وعلا، أنه ما أمر بعبادة، إلا عبادة ~~يخلص له العابد فيها. # أما غير المخلص فكل ما أتى به من ذلك، جاء به من تلقاء نفسه، لا بأمر ~~ربه، قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] الآية، وقال جل وعلا # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين # [الزمر: 1112] إلى قوله تعالى: # قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه # [الزمر: 1315]. # وقد قدمنا الكلام على العمل الصالح، وأنه لا بد فيه من الإخلاص، في أول ~~سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات # [الكهف: 2] الآية. وفي غير ذلك من المواضع. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ألا لله الدين الخالص ~~} [الزمر: 3] أي التوحيد الصافي من شوائب الشرك، أي هو المستحق لذلك ~~وحده، وهو الذي أمر به. # وقول من قال من العلماء: إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله ~~موافق لما ذكرناه. والعلم عند الله تعالى. # ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده، بين شبهة الكفار التي احتجوا ~~بها، للإشراك به تعالى، في قوله تعالى هنا: # { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى } فبين أنهم يزعمون أنهم ~~ما عبدوا الأصنام، إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة. # فقوله: زلفى، ما ناب عن المطلق من قوله ليقربونا، أي ليقربونا إليه ~~قرابة تنفعنا بشفاعتهم في زعمهم. # ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه ~~وما ملك. # وقد قدمنا في سورة المائدة في الكلام ms3123 على قوله تعالى: # وابتغوا إليه الوسيلة # [المائدة: 35] أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون ~~الله وسائط من أصول كفر الكفار. # وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله جل وعلا # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # [يونس: 18]. # فصرح تعالى بأن هذا النوع، من ادعاء الشفعاء شرك بالله، ونزه نفسه ~~الكريمة عنه، بقوله جل وعلا # سبحانه وتعالى عما يشركون # [يونس: 18] وأشار إلى ذلك في آية الزمر هذه، لأنه جل وعلا لما قال عنهم: ~~{ ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن ~~الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون } أتبع ~~ذلك بقوله تعالى: { إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار }. # وقوله: كفار، صيغة مبالغة، فدل ذلك على أن الذين قالوا ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى جامعون بذلك، بين الكذب والمبالغة في الكفر ~~بقولهم ذلك. وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس. ### || [39.4] # قد قدمنا الآيات الموضحة، بكثرة في سورة النحل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57]. ### || [39.6] # قوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها ~~زوجها }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي ~~أبوهم آدم، ثم جعل من تلك النفس، زوجها يعني حواء. أي وبث جميع بني آدم ~~منهما، وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في أول سورة النساء # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] وقوله في الأعراف: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] الآية، وتأنيث الوصف، بقوله واحدة، مع أن الموصوف به ~~مذكر، وهو آدم نظرا إلى تأنيث لفظ النفس، وإن كان المراد بها مذكرا، ~~ونظير ذلك من كلام العرب ms3124 قوله: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # قوله تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج } # قد قدمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم، في سورة آل ~~عمران في الكلام على قوله تعالى # والخيل المسومة والأنعام والحرث # [آل عمران: 14]. # قوله تعالى: { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من ~~بعد خلق }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآية وبينا هناك المراد بالظلمات الثلاث المذكورة هنا. ### || [39.7] # قوله تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم }. # قد بين جل وعلا، في هذه الآية الكريمة، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق، ~~وأنه لا يضره كفرهم به، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8] وقوله تعالى: # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # [التغابن: 6]، وقوله تعالى: # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني # [يونس: 68] الآية. وقوله تعالى: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # [فاطر: 15] وقوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد صلى الله عليه وسلم: 38]، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة ~~من هذا الكتاب المبارك. # قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } الآية. # قد قدمنا إيضاحه مع إزالة الإشكال، والجواب عن الأسئلة الواردة، على تلك ~~الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وأوضحنا ذلك، مع إزالة الإشكال في بعض الآيات، في سورة ~~النحل، في الكلام على قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] الآية. ### || [39.8] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا ~~إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام ms3125 على قوله تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما # [يونس: 12] الآية. # قوله تعالى: { قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الإشارة إلى بحث أصوله في سورة الحجر في ~~الكلام على قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر: 3]. ### || [39.10] # قوله تعالى: { وأرض الله واسعة }. # الظاهر أن معنى الآية، أن الإنسان إذا كان في محل لا يتمكن فيه من إقامة ~~دينه على الوجه المطلوب، فعليه أن يهاجر منه، في مناكب أرض الله الواسعة، ~~حتى يجد محلا تمكنه فيه إقامة دينه. # وقد أوضح تعالى في هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء: 97]. وقوله تعالى: # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون # [العنكبوت: 56]، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله: { فإياي ~~فاعبدون } على قوله: { إن أرضي واسعة } دليل واضح على ذلك. ### || [39.15] # قوله تعالى: { قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو ~~الخسران المبين }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، من أوجه في سورة يونس، في الكلام على قوله ~~تعالى # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا ~~مهتدين # [يونس: 45]. ### || [39.16] # قوله تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله ~~تعالى: # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم # [الأنبياء: 39] الآية، وذكرنا طرفا من ذلك، في سورة بني إسرائيل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا # [الإسراء: 8]. ### || [39.17] # قوله تعالى: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ~~وأنابوا إلى الله } الآية. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من تحقيق معنى لا إله إلا الله، قد قدمنا ~~إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: # إياك ms3126 نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ### || [39.18] # قوله تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه }. # أظهر الأقوال في الآية الكريمة، أن المراد بالقول، ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، من وحي الكتاب والسنة، ومن إطلاق القول على القرآن قوله ~~تعالى: # أفلم يدبروا القول # [المؤمنون: 68] الآية. وقوله تعالى: # إنه لقول فصل وما هو بالهزل # [الطارق: 1314]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فيتبعون ~~أحسنه } أي يقدمون الأحسن، الذي هو أشد حسنا، على الأحسن الذي هو ~~دونه في الحسن، ويقدمون الأحسن مطلقا على الحسن. ويدل لهذا آيات من كتاب ~~الله. # أما الدليل على أن القرآن الأحسن المتبع. ما أنزل عليه صلى الله عليه ~~وسلم من الوحي، فهو في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] وقوله تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة # فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها # [الأعراف: 145]. # وأما كون القرآن فيه الأحسن والحسن، فقد دلت عليه آيات من كتابه. # واعلم أولا أنه لا شك في أن الواجب أحسن من المندوب، وأن المندوب أحسن ~~من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلا قوله تعالى: # وافعلوا الخير لعلكم تفلحون # [الحج: 77] قدموا فعل الخير الواجب، على فعل الخير المندوب، وقدموا هذا ~~الأخير، على مطلق الحسن الذي هو الجائر، ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن ~~الذي هو الواجب والمندوب، لا على مطلق الحسن، كما قال تعالى: # ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97] وقوله تعالى # ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون # [الزمر: 35] كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]، وبينا هناك دلالة على أن المباح حسن، كما قال صاحب ~~المراقي: # ما ربنا لم ينه عنه حسن # وغيره القبيح والمستهجن # ومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن قوله ~~تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126] فالأمر في ms3127 قوله: { فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به } للجواز، والله لا يأمر إلا بحسن. فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ~~ولكن الله بين أن العفو والصبر، خير منه وأحسن في قوله: { ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين } وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ~~كقوله تعالى في إباحة الانتقام، # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41]، مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]، وكقوله في جواز الانتقام # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النسا: 148] مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه، و أنه من صفاته جل وعلا ~~مع كمال قدرته وذلك في قوله بعده: # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ~~فإن الله كان عفوا قديرا # [النساء: 149]. وكقوله جل وعلا مثنيا على من تصدق، فأبدى صدقته # إن تبدوا الصدقات فنعما هي # [البقرة: 271] ثم بين أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء، خير من إبدائها الذي ~~مدحه بالفعل الجامد، الذي هو لإنشاء المدح الذي هو نعم، في قوله # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271]. # وكقوله في نصف الصداق اللازم، للزوجة بالطلاق، قبل الدخول، فنصف ما ~~فرضتم، ولا شك أن أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن، لأن الله شرعه في ~~كتابه في قوله # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] مع أنه رغب كل واحد منهما، أن العفو للآخر عن نصفه، وبين ~~أن ذلك أقرب للتقوى وذلك في قوله بعده # وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم # [البقرة: 237]. # وقد قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] ثم أرشد إلى الحسن بقوله # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] وقال تعالى: # والجروح قصاص # [المائدة: 45] ثم أرشد إلى الأحسن، في قوله: # فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45]. # واعلم أن في هذه الآية الكريمة أقوالا غير الذي اخترنا. # منها ما روي عن ابن عباس، في معنى { فيتبعون أحسنه } ~~[الزمر: 18] قال " هو الرجل يسمع ms3128 الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن، وينكف عن ~~القبيح، فلا يتحدث به ". # وقيل يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن. # وقيل: إن المراد بأحسن القول لا إله إلا الله، وبعض من يقول بهذا القول: ~~إن الآية نزلت فيمن كان يؤمن بالله قبل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~كزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، إلى غير ~~ذلك من الأقوال. ### || [39.19] # أظهر القولين في الآية الكريمة، أنهما جملتان مستقلتان، فقوله أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب جملة مستقلة، لكن فيها حذفا، حذف ما دل المقام عليه ~~واضح، لا إشكال فيه. # والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، تخلصه أنت منه، والاستفهام مضمن ~~معنى النفي، أي لا تخلص أنت با نبي أحدا سبق في علم الله أنه يعذبه من ~~ذلك العذاب، وهذا المحذوف دل عليه قوله بعده: { أفأنت تنقذ من ~~في النار } # وقد قدمنا مرارا قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف ~~كالفاء والواو وثم كقوله: # هنا: { أفمن حق عليه } وقوله: { أفأنت تنقذ }. # أما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري: أصل الكلام: ~~أمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه جملة شرطية، دخل عليها همزة ~~الإنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على ~~محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب ~~فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار ~~والاستبعاد، ووضع من في النار موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة، ~~فإنه لا يظهر كل الظهور. # واعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدمنا إيضاحه بالآيات ~~القرآنية في أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم # [يس: 7] الآية، وبينا دلالة الآيات على المراد بكلمة العذاب. ### || [39.20] # قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ~~من فوقها غرف مبنية } الآية. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية، ذكره جل ~~وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة سبأ # إلا ms3129 من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزآء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37]. وقوله تعالى في سورة التوبة: # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في ~~جنات عدن # [التوبة: 72] الآية. وقوله تعالى في سورة الصف: # يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك ~~الفوز العظيم # [الصف: 12]، لأن المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة بالغرف ~~المذكورة في الزمر وسبأ، وقد قدمنا طرفا من هذا في سورة الفرقان، في ~~الكلام على قوله تعالى: # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # [الفرقان: 75] الآية. ### || [39.21] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~فسلكه ينابيع في الأرض }. # الينابيع: جمع ينبوع، وهو الماء الكثير. # وقوله: فسلكه أي أدخله، كما قدمنا إيضاحه بشواهده العربية، والآيات ~~القرآنية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين # [هود: 40] الآية. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر، قد أوضحناه في أول سورة ~~سبأ في الكلام على قوله تعالى: # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها # [سبأ: 2] الآية. # قوله تعالى: { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه }. # قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في سورة الروم في الكلام على ~~قوله تعالى: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم # [الروم: 22] وأحلنا عليه في سورة فاطر، في قوله تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها # [فاطر: 27] الآية. # قوله تعالى: { ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله ~~حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب }. # قوله ثم يهيج: أي ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس، ويتم جفافه ويثور ~~من منابته فتراه أيها الناظر مصفرا يابسا، قد زالت خضرته ونضارته. ثم ~~يجعله حطاما أي فتاتا، متكسرا، هشيما، تذروه الرياح، إن في ذلك ~~المذكور من حالات ذلك الزرع، المختلف الألوان، لذكرى أي عبرة وموعظة ~~وتذكيرا لأولي الألباب، أي لأصحاب العقول السليمة من شوائب ms3130 الاختلال، ~~فقد ذكر جل وعلا مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير، وبين في موضع ~~آخر، أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضا بالدنيا. فوعظ ~~به في موضع وشبه به حالة الدنيا في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى في سورة ~~الحديد # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما # [الحديد: 20]. ويبين في سورة الروم أن أسباب اصفراره المذكور إرسال ~~الريح عليه، وذلك في قوله: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون # [الروم: 51]. ### || [39.22] # قوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه }. # قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125]. ### || [39.23] # قوله تعالى: { ومن يضلل الله فما له من هاد }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # [النحل: 37] الآية، وفي غير ذلك من الموضع. ### || [39.28] # قوله تعالى: { قرآنا عربيا غير ذي عوج }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله ~~تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما # [الكهف: 12] الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة: قرآنا انتصب على ~~الحال وهي حال مؤكدة، والحال في الحقيقة هو عربيا، وقرآنا توطئة له ~~وقيل انتصب على المدح. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: عربيا، أي لأنه بلسان عربي كما قال ~~تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وقال تعالى في أول سورة يوسف # إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون # [يوسف: 2]. وقال في أول الزخرف # إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون # [الزخرف: 3]. وقال في طه # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا # [طه: 113] وقال تعالى في ms3131 فصلت: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي # [فصلت: 44] وقال تعالى في الشعراء # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # [الشعراء: 192195] وقال تعالى في سورة شورى # وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ~~القرى ومن حولها # [الشورى: 7] الآية. وقال تعالى في الرعد # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله ~~من ولي ولا واق # [الرعد: 37] إلى غير ذلك من الآيات. # وهذه الآيات القرآنية تدل على شرف اللغة العربية وعظمها، دلالة لا ~~ينكرها إلا مكابر. ### || [39.33] # قوله تعالى: { والذي جآء بالصدق } الآية. # أوضح جل وعلا، أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده # أولئك هم المتقون لهم ما يشآءون عند ربهم ~~ذلك جزآء المحسنين # [الزمر: 3334]. # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي ~~كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه: { ~~والذي جآء بالصدق } الآية. وقوله تعالى في سورة البقرة # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده: # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون # [البقرة: 17] وقوله فيها أيضا # كالذي ينفق ماله رئآء الناس # [البقرة: 264] أي كالذين ينفقون بدليل قوله بعده # لا يقدرون على شيء مما كسبوا # [البقرة: 264] الآية. وقوله تعالى في التوبة # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام ~~العرب قول أشهب بن رميلة: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقول عديل بن الفرخ العجلي: # فبت أساقي القوم إخوتي الذي # غوايتهم غي ورشدهم رشد # وقول الراجز: # يا رب عبس لا تبارك في أحد # في قائم منهم ولا فيمن قعد # إلا الذي قاموا بأطراف المسد ### || [39.34] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار ~~لهم فيها ما يشآؤون ms3132 # [النحل: 31] الآية. ### || [39.35] # قوله تعالى: { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله ~~تعالى: # فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه # [الزمر: 1718] وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]. ### || [39.36] # قوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنفال، في الكلام على قوله ~~تعالى: # يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين # [الأنفال: 64] وعلى قراءة الجمهور بكاف عبده، بفتح العين وسكون الباء، ~~بإفراد العبد، والمراد به، النبي صلى الله عليه وسلم. كقوله: # فسيكفيكهم الله # [البقرة: 137] وقوله تعالى: # يأيها النبي حسبك الله # [الأنفال: 64] الآية. # وأما على قراءة حمزة والكسائي عباده بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف ~~على أنه جمع عبد، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم. # قوله تعالى: { ويخوفونك بالذين من دونه }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار عبدة الأوثان، يخوفون ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بالأوثان التي يعبدونها من دون الله، لأنهم ~~يقولون له: إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله، ~~يخوفون الرسل بالأوثان ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء. # ومعلوم أن أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه، لا يخافون غير الله ولا ~~سيما الأوثان، التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولذا قال تعالى ~~عن نبيه إبراهيم لما خوفوه بها # وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~فأي الفريقين أحق بالأمن # [الأنعام: 81] الآية. # وقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم # [هود: 5456]. # وقال تعالى في هذه السورة الكريمة، مخاطبا نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~بعد ms3133 أن ذكر تخويفهم له بأصنامهم # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ~~أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون # [الزمر: 38]. # ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله. # وقد بين جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوف المؤمنين أيضا، الذين هم ~~أتباع الرسل من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 175]. # والأظهر أن قوله { يخوف أولياءه } حذف فيه المفعول الأول، أي ~~يخوفكم أولياءه، بدليل قوله بعده: { فلا تخافوهم وخافون } ~~الآية. ### || [39.38] # قوله تعالى: { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ~~إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } الآية. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه، لا تقدر ~~أن تكشف ضرا أراد الله به أحدا، أو تمسك رحمة أراد بها أحدا، جاء ~~موضحا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42] وقوله تعالى: # قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو ~~يضرون قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون # [الشعراء: 7274]. وقوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # [فاطر: 2] وقوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء من ~~عباده # [يونس: 107] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ### || [39.45] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: # إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون # [الصافات: 3435]. ### || [39.47] # قوله تعالى: { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب ms3134 ~~يوم القيامة }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار، لو كان ~~لهم في الآخرة ما في الأرض جميعا ومثله معه، لفدوا أنفسهم به من سوء ~~العذاب الذي عاينوه يوم القيامة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر وصرح فيها ~~بأنه لا فداء ألبتة يوم القيامة كقوله تعالى: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين # [آل عمران: 91]. وقوله تعالى: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ~~يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # [المائدة: 3637] وقوله تعالى: # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير # [الحديد: 15]. وقوله تعالى: # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك ~~الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون # [الأنعام: 70]. فقوله { وإن تعدل كل عدل } أي وأن تفتد كل ~~فداء، وقوله تعالى: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة: 48] وقوله # ولا يقبل منها عدل # [البقرة: 123] الآية، والعدل الفداء وقوله تعالى # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء ~~الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد # [الرعد: 18]. # وقد قدمنا طرفا من هذا سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: # فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به # [آل عمران: 91] الآية. ### || [39.48] # قوله تعالى: { وبدا لهم سيئات ما كسبوا }. # قوله وبدا لهم أي ظهر لهم سيئات ما كسبوا، أي جزاء سيئاتهم التي ~~اكتسبوها في الدنيا، فالظاهر أنه أطلق السيئات هنا مرادا بها جزاؤها. # ونظيره من القرآن قوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. # ونظير ذلك أيضا إطلاق العقاب، على جزاء العقاب، في قوله تعالى: # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ms3135 ثم بغي عليه ~~لينصرنه الله # [الحج: 60] الآية. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنهم يبدوا لهم يوم القيامة، حقيقة ما ~~كانوا يعملونه في الدنيا جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى: # هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت # [يونس: 30] وقوله تعالى: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] وقوله تعالى: # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [الانفطار: 5]. وقوله تعالى: # ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا # [الكهف: 49] الآية. وقوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 1314] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [39.49] # قوله تعالى: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا ~~خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم ~~}. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه # [يونس: 12] الآية. ### || [39.55] # قوله تعالى: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى # فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه # [الزمر: 1718] وقدمنا طرفا منه في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]. ### || [39.58] # قد قدمنا الآيات الموضحة له من جهات في سورة الأعراف، في الكلام على ~~قوله تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل # [الأعراف: 53]. ### || [39.60] # قوله تعالى: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة }. # قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران في ~~الكلام على قوله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] الآية. # قوله تعالى: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين }. # تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، مع بيان جملة من آثار الكبر السيئة، في ~~سورة ms3136 الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ~~فاخرج إنك من الصاغرين # [الأعراف: 13]. ### || [39.65] # قوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } الآية. # قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # [الأنعام: 88]. # وقد ذكرنا في سورة المائدة الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه ~~الآيات على قوله تعالى: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة: 5] الآية. ### || [39.68] # قوله تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون # [يس: 51]. ### || [39.69-70] # قوله تعالى: { ووضع الكتاب }. # قد قدمنا إيضاحه، بالآيات القرآنية، في سورة الكهف، في الكلام على قوله ~~تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]. # قوله تعالى: { وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ~~ما عملت } الآية. # اختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: هم ~~الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا، واستدل من قال ~~هذا بقوله تعالى # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21]. # وقال بعض العلماء: الشهداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون على ~~الأمم، كما قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. # وقيل: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وأظهر الأقوال في الآية عندي، ~~أن الشهداء هم الرسل من البشر، الذين أرسلوا إلى الأمم، لأنه لا يقضي بين ~~الأمة حتى يأتي رسولها، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى: # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون # [يونس: 47] فصرح جل وعلا بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به ms3137 أممهم، كما قال ~~تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم # [المائدة: 109] وقال تعالى # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6] وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] لأن كونه صلى الله عليه وسلم هو الشهيد على هؤلاء الذين هم ~~أمته، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها. # وقد بين تعالى أن الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة، فدل على أنه ليس من ~~الملائكة، وذلك في قوله تعالى # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم # [النحل: 89] والرسل من أنفس الأمم كما قال تعالى في نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]. وقال تعالى: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم # [آل عمران: 164] الآية. # والمسوغ للإيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى: { وجيء ~~بالنبيين } [الزمر: 69] هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه، أنه ~~لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده جل وعلا. # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر، وجيء بكسر ~~الجيم كسرة خالصة. # وقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم. # وإنما كان الإشمام هنا جائزا، والكسر جائزا، لأنه لا يحصل في الآية ~~البتة، لبس بين المبني للفاعل، والمبني للمفعول، إذ من المعلوم أن قوله ~~هنا: وجيء مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه، وما كان كذلك جاز ~~فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم كما أشار له في الخلاصة بقوله: # واكسر أو أشمم فاثلاثي أعل # عينا وضم حاء كبوع فاحتمل # أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل، فإن ذلك قد يؤدي إلى ~~اللبس، فيشتبه المبني للمفعول، بالمبني للفاعل، فيجب حينئذ اجتناب الشكل ~~الذي يوجب اللبس، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له ~~في الخلاصة بقوله: # وإن بشكل خيف لبس يجتنب # ومن أمثلة ذلك قول الشاعر، وقد أنشده صاحب اللسان: # وإني على المولى ms3138 وإن قل نفعه # دفوع إذا ما صمت غير صبور # فقوله صمت أصله صيمت بالبناء للمفعول فيجب الإشمام أو الضم لأن الكسر ~~الخالص يجعله محتملا للبناء للفاعل كبعت وسرت. وقول جرير يرثي المرار بن ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة: # وأقول من جزع وقد فتنا به # ودموع عيني في الرداء غزار # للدافنين أخا المكارم والندا # لله ما ضمنت بك الأحجار # اصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام لأن الضم الخالص ~~يجعله محتملا للبناء للفاعل، كقلنا وقمنا. ### || [39.71] # قوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ~~}. # الزمر الأفواج المتفرقة، واحدة زمرة، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر، ~~وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى: # كلما ألقي فيها فوج # [الملك: 8] الآية، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى: # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها ~~حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم # [الأعراف: 38] الآية. # وقال في فصلت # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين # [فصلت: 25] وقال تعالى: # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالو النار # [ص: 59]. # ومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله: # وترى الناس إلى منزله # زمرا تنتابه بعد زمر # وقول الراجز: # إن العفاة بالسيوب قد غمر # حتى احزألت زمرا بعد زمر # قوله تعالى: { حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها }. # لم يبين جل وعلا هنا عدد أبوابها المذكورة، ولكنه بين ذلك، في سورة ~~الحجر في قوله # وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 4344]. # وقوله تعالى: { فتحت أبوابها } قرأه نافع وابن كثير وأبو عمر ~~وابن عامر: (فتحت) بتشديد التاء دلالة على التكثير. وقرأه عاصم وحمزة ~~والكسائي (فتحت) بتخفيف التاء. # قوله تعالى: { وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم ~~لقآء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ~~كلمة العذاب على الكافرين ms3139 }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [39.73] # قوله تعالى: { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32]. ### || [39.74] # قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشآء }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا دخلوها وعاينوا ما ~~فيها من النعيم، حمدوا ربهم وأثنوا عليه، ونوهوا بصدق وعده لهم، وذكر هذا ~~المعنى في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم ~~الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جآءت ~~رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون # [الأعراف: 43]. وقوله تعالى: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا # [الأعراف: 44] الآية. # وقوله تعالى: # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ~~ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا ~~يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب # [فاطر: 3335]. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.3] # قوله تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول }. # جمع جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بين الترغيب والترهيب والوعد ~~والوعيد، لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر، ~~وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات كثيرة من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم # [الحجر: 4950] وقوله تعالى: # قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل ~~شيء فسأكتبها للذين يتقون # [الأعراف: 156] الآية. وقوله تعالى في آخر الأنعام: # إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأنعام: ms3140 165]. وقوله في الأعراف: # إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم # [الأعراف: 167] والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. ### || [40.4] # قوله تعالى: { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه لا يجادل في آيات الله، أي لا ~~يخاصم فيها محاولا ردها، وإبطال ما جاء فيها، إلا الكفار. # وقد بين تعالى في غير هذا الموضع الغرض الحامل لهم على الجدال فيها مع ~~بعض صفاتهم، وذلك في قوله # ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا # [الكهف: 56] وأوضح ذلك الغرض، في هذه السورة الكريمة، في قوله # وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق # [غافر: 5]. # وقد قدمنا في سورة الحج أن الذين يجادلون في الله منهم، أتباع يتبعون ~~رؤساءهم المضلين، من شياطين الإنس والجن، وهم المذكورون في قوله تعالى # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه ~~فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 34]. # وإن منهم قادة هم رؤساؤهم المتبوعون وهم المذكورون في قوله تعالى: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله # [الحج: 89] الآية. # وبين تعالى في موضع آخر أن من أنواع جدال الكفار، جدالهم للمؤمنين الذين ~~استجابوا لله وآمنوا به وبرسوله، ليردوهم إلى الكفر بعد الإيمان، وبين ~~بطلان حجة هؤلاء، وتوعدهم بغضبه عليهم، وعذابه الشديد وذلك في قوله ~~تعالى: # والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم ~~عذاب شديد # [الشورى: 16]. # قوله تعالى: { فلا يغررك تقلبهم في البلاد }. # نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، ليشرع ~~لأمته عن أن يعزه تقلب الذين كفروا في بلاد الله، بالتجارات والأرباح، ~~والعافية وسعة الرزق، كما كانت قريش تفيض عليها الأموال من أرباح ~~التجارات، وغيرها من رحلة الشتاء والصيف المذكورة في قوله تعالى: # إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 2] أي إلى اليمن والشام وهم مع ذلك ms3141 كفرة فجرة، يكذبون نبي الله ~~ويعادونه. # والمعنى: لا تغتر بإنعام الله عليهم وتقلبهم في بلاده، في إنعام وعافية ~~فإن الله جل وعلا يستدرجهم بذلك الإنعام، فيمتعهم به قليلا، ثم يهلكهم ~~فيجعل مصيرهم إلى النار. # وقد أوضح هذا المعنى في آيات من كتابه كقوله تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196197]. وقوله تعالى: # ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات ~~الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب ~~غليظ # [لقمان: 2324] وقوله تعالى: # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير # [البقرة: 126] وقوله تعالى: # قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 6970] إلى غير ذلك من الآيات. # والفاء في قوله: فلا يغررك، سببية أي لا يمكن تقلبهم في بلاد الله. ~~متنعمين بالأموال والأرزاق، سببا لاغترارك بهم، فتظن بهم ظنا حسنا لأن ~~ذلك التنعم، تنعم استدراج، وهو زائل عن قريب، وهم صائرون إلى الهلاك ~~والعذاب الدائم. ### || [40.6] # قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر (كلمات) بصيغة الجمع المؤنث السالم ~~وقرأه الباقون (كلمة ربك) بالإفراد. وقد أوضحنا معنى الكلمة والكلمات ~~فيما يماثل هذه الآية في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس: 7]. ### || [40.8] # قوله تعالى: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم }. # لم يبين هنا الآية المتضمنة لوعدهم بالجنات، هم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم. # ولكنه جل وعلا أوضح وعده إياهم بذلك في سورة الرعد في قوله تعالى: # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى ~~الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب # [الرعد: 2223] الآية. ### || [40.11] # قوله تعالى: { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين }. # التحقيق الذي ms3142 لا ينبغي العدول عنه، أن المراد بالإماتتين في هذه الآية ~~الكريمة، الإماتة الأولى، التي هي كونهم في بطون أمهاتهم نطفا وعلقا، ~~ومضغا. قبل نفخ الروح فيهم، فهم قبل نفخ الروح فيهم لا حياة لهم، فأطلق ~~عليهم بذلك الاعتبار اسم الموت. # والإماتة الثانية هي إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في ~~دار الدنيا. # وأن المراد بالإحياءتين، الإحياءة الأولى في دار الدنيا، والإحياءة ~~الثانية، التي هي البعث من القبور إلى الحساب، والجزاء والخلود الأبدي، ~~الذي لا موت فيه، إما في الجنة وإما في النار. # والدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح ~~به واضحا في قوله جل وعلا # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28] وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال الآية لا معول عليه. # والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة، والمضغة ~~مثلا، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، ~~له أطوار كما قال تعالى: # وقد خلقكم أطوارا # [نوح: 14] # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق # [الزمر: 6]، ولما كان ذلك الشيء، تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، ~~وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ~~ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى، وقد ذكر له الزمخشري مسوغا غير ~~هذا، فانظره إن شئت. # قوله تعالى: { فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من ~~سبيل }. # قد بين جل وعلا في غير هذا الموضع، أن الاعتراف بالذنب في ذلك الوقت لا ~~ينفع، كما قال تعالى: # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير # [الملك: 11] وقال تعالى: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: فهل إلى خروج من سبيل، قد قدمنا ~~إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا ms3143 بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل # [الأعراف: 53]. ### || [40.12] # قوله تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا }. # قد تقدم الكلام عليه في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: # إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون # [الصافات: 3435] الآية. # قوله تعالى: { فالحكم لله العلي الكبير }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]. ### || [40.13] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم آياته }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه ~~آياته، أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه ~~العبادة وحده ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر كما قال تعالى: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت:37] الآية. # ومنها السماوات والأرضون، وما فيهما والنجوم، والرياح والسحاب، والبحار ~~والأنهار، والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار # [البقرة: 164] إلى قوله # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. وقال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]. وقال تعالى: # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي ~~خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون ~~واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله من ~~السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها ~~وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون # [الجاثية: 35] وقال تعالى: # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون # [يونس: 6]. # وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من أنه هو الذي يري خلقه آياته، ~~بينه وزاده إيضاحا في غير هذا الموضع، فبين أنه يريهم آياته في الآفاق ~~وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم حق، كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # والآفاق ms3144 جمع أفق وهو الناحية، والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، ~~وعجائبه، في نواحي سماواته وأرضه، ما يتبين به لكل عاقل أنه هو الرب ~~المعبود وحده. كما أشرنا إليه، من الشمس والقمر والنجوم والأشجار ~~والجبال، والدواب والبحار، إلى غير ذلك. # وبين أيضا أن من آياته التي يريهم ولا يمكنهم أن ينكروا شيئا منها ~~تسخيره لهم الأنعام ليركبوها ويأكلوا من لحومها، وينتفعوا بألبانها، ~~وزبدها وسمنها، وأقطها ويلبسوا من جلودها، وأصوافها وأوبارها وأشعارها، ~~كما قال تعالى: # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون # [غافر: 7981]. # وبين في بعض المواضع، أن من آياته التي يريها بعض خلقه، معجزات رسله، ~~لأن المعجزات آيات، أي دلالات، وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في ~~فرعون # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى # [طه: 56] وبين في موضع آخر، أن من آياته التي يريها خلقه، عقوبته ~~المكذبين رسله، كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط # ولقد تركنا منهآ آية بينة لقوم يعقلون # [العنكبوت: 35] # وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # [الأعراف: 133] الآية. # قوله تعالى: { وينزل لكم من السمآء رزقا }. # أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب ~~الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي ~~معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله: # أكنت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # فأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها. # وقد أوضحنا في رسالتنا المسمات: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد ~~والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها ~~القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز ~~المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل ~~عليه، يجب الرجوع إليه. # وإطلاق الرزق في آية ms3145 المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى في أول سورة الجاثية # ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به ~~الأرض بعد موتها # [الجاثية: 5] فأوضح بقوله { فأحيا به الأرض بعد موتها } ~~أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها. # وقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقا، لأن سبب الرزق، في آيات ~~كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22] الآية، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. # وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~وسخر لكم الفلك # [إبراهيم: 32] الآية. وقوله تعالى في سورة ق: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع ~~نضيد رزقا للعباد # [ق: 911]. # وبين في آيات أخر أن الرزق المذكور، شامل لما يأكله الناس، وما تأكله ~~الأنعام، لأن ما تأكله الأنعام، يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، ~~وجلودها وألبانها، وأصوافها وأوبارها، وأشعارها، كما تقدم كقوله تعالى: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # [السجدة: 27] وقوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات # [النحل: 1011] الآية. # فقوله: فيه تسيمون، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن ~~تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية، في سورة النحل ~~وكقوله تعالى # وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم # [طه: 5354] الآية. وقوله تعالى: # أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال أرساها ~~متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 3133] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { وما يتذكر إلا من ينيب }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الناس ما يتذكر منهم، أي ما يتعظ ~~بهذه الآيات ms3146 المشار إليها في قوله: { هو الذي يريكم آياته ~~وينزل لكم من السمآء رزقا وما يتذكر إلا ~~من ينيب } أي من رزقه الله الإنابة إليه. # والإنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي، إلى الإيمان والطاعة. # وهؤلاء المنيبون، المتذكرون، المتعظون، هم أصحاب العقول السليمة من ~~شوائب الاختلال، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران: # وما يذكر إلا أولوا الألباب # [آل عمران: 7] وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم # وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر ~~أولوا الألباب # [إبراهيم: 52] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات، على أن غير أولي ~~الألباب المتذكرين المذكورين آنفا، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض ~~عنها أشد الإعراض. # وقد جاء هذا المعنى موضحا، في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وقوله تعالى: # وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر # [القمر: 2] وقوله # وإذا رأوا آية يستسخرون # [الصافات: 14]. وقوله تعالى: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] وقوله # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين # [الأنعام: 4] في الأنعام ويس إلى غير ذلك من الآيات. ### || [40.14] # قوله تعالى: { فادعوا الله مخلصين له الدين }. # قد قدمنا الكلام على نحوه من الآيات في أول سورة الزمر، في الكلام على ~~قوله # فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين ~~الخالص # [الزمر: 23]. ### || [40.15-16] # قوله تعالى: { يلقي الروح من أمره على من يشآء من ~~عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في أول سورة النحل، في الكلام على ~~قوله تعالى # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون # [النحل: 2]. وقوله تعالى في آية المؤمن هذه { يوم هم بارزون لا ~~يخفى على الله منهم شيء } [غافر: 16] جاء مثله في آيات ~~كثيرة، كقوله في بروزهم ذلك اليوم # يوم تبدل الأرض غير ms3147 الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48] وقوله تعالى: # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا # [إبراهيم: 21] الآية وكقوله في كونهم لا يخفى على الله منهم شيء ذلك ~~اليوم # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية # [الحاقة: 18]. وقوله تعالى: # إن ربهم بهم يومئذ لخبير # [العاديات: 11]. وقوله تعالى: # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # [آل عمران: 5] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في أول سورة هود في ~~الكلام على قوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه # [هود: 5] الآية، وذكرنا طرفا من ذلك، في أول سورة سبأ، في الكلام على ~~قوله تعالى: # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض # [سبأ: 3] الآية. ### || [40.18] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين }. # الإنذار، والإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام ~~إنذارا. # وقد أوضحنا معنى الإنذار وأنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على ~~قوله تعالى # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به # [الأعراف: 2] الآية. # والظاهر أن قوله هنا { يوم الأزفة } هو المفعول الثاني للإنذار ~~لا ظرف له لأن الإنذار والتخويف من يوم القيامة، واقع في دار الدنيا. # والآزفة القيامة. أي أنذرهم يوم القيامة، بمعنى خوفهم إياه وهددهم بما ~~فيه من الأهوال العظام ليستعدوا لذلك في الدنيا بالإيمان والطاعة. # وإنما عبر عن القيامة بالآزفة لأجل أزوفها أي قربها، والعرب تقول: أزف ~~الترحل بكسر الزاي، يأزف بفتحها، أزفا بفتحتين، على القياس، وأزوفا فهو ~~آزف، على غير قياس، في المصدر الأخير، والوصف بمعنى قرب وقته وحان وقوعه، ~~ومنه قول نابغة ذبيان: # أزف الترحل غير أن ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # ويروى أفد الترحل، ومعناهما واحد. # والمعنى { وأنذرهم يوم الأزفة } أي يوم القيامة القريب ~~مجيؤها ووقوعها. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من اقتراب قيام الساعة، جاء موضحا في ~~آيات أخر كقوله تعالى: # أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة # [النجم: 5758] وقوله تعالى: # اقتربت ms3148 الساعة # [القمر: 1] الآية. وقوله تعالى # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] الآية. وقوله تعالى في الأحزاب: # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63] وقوله تعالى في الشورى # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. # وقد قدمنا هذا في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين } الظاهر فيه، أن إذ، بدل من يوم، وعليه فهو من قبيل المفعول ~~به، لا المفعول فيه، كما بينا آنفا. # والقلوب: جمع قلب وهو معروف. # ولدى: ظرف بمعنى عند. # والحناجر: جمع حنجرة وهي معروفة. # ومعنى كون القلوب لدى الحناجر، في ذلك الوقت فيه لعلماء التفسير وجهان ~~معروفان. # أحدهما: ما قاله قتادة وغيره، من أن قلوبهم يومئذ، ترتفع من أماكنها في ~~الصدور، حتى تلتصق بالحلوق، فتكون لدى الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم ~~فيموتوا، ولا هي ترجع إلى أماكنها في الصدور فيتنفسوا. وهذا القول هو ~~ظاهر القرآن. # والوجه الثاني: هو أن المراد بكون القلوب، لدى الحناجر، بيان شدة الهول، ~~وفظاعة الأمر، وعليه فالآية كقوله تعالى: # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 1011] وهو زلزال خوف وفزع لا زلزال حركة الأرض. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { كاظمين } معناه مكروبين ~~ممتلئين خوفا وغما وحزنا. # والكظم: تردد الخوف والغيظ والحزن في القلب حتى يمتلئ منه، ويضيق به. # والعرب تقول: كظمت السقاء إذا ملأته ماء، وشددته عليه. # وقول بعضهم كاظمين، أي ساكتين، لا ينافي ما ذكرنا، لأن الخوف والغم الذي ~~ملأ قلوبهم يمنعهم من الكلام، فلا يقدرون عليه، ومن إطلاق الكظم على ~~السكوت قول العجاج: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # ويرجع إلى هذا القول معنى قول من قال: كاظمين أي لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الله، وقال الصواب، كما قال تعالى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ: 38]. # وقوله: { كاظمين } حال من أصحاب القلوب على المعنى. والتقدير إذ ~~القلوب ms3149 لدى الحناجر أي إذ قلوبهم لدى حناجرهم في حال كونهم كاظمين، أي ~~ممتلئين خوفا وغما وحزنا، ولا يبعد أن يكون حالا من نفس القلوب، ~~لأنها وصفت بالكظم الذي هو صفة أصحابها. # ونظير ذلك في القرآن: # إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] فإنه أطلق في هذه الآية الكريمة، على الكواكب والشمس والقمر ~~صفة العقلاء في قوله تعالى: { رأيتهم لي ساجدين } والمسوغ ~~لذلك وصفه الكواكب والشمس والقمر بصفة العقلاء التي هي السجود. # ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4] وقوله تعالى: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # قوله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ~~}. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة وسورة الأعراف، وأحلنا عليه ~~مرارا. ### || [40.19] # قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في أول سورة هود، وفي غيرها ~~وأحلنا عليه أيضا مرارا. ### || [40.23-24] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه موسى عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام، بآياته وحججه الواضحة كالعصا واليد البيضاء إلى فرعون ~~وهامان وقارون فكذبوه، وزعموا أنه ساحر. # وأوضح هذا المعنى، في آيات كثيرة كقوله تعالى عن فرعون وقومه: # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها # [الأعراف: 132]، وقوله تعالى عن فرعون # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر # [طه: 71]. وقوله تعالى: # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم # [الشعراء: 34] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بيناها في مواضع متعددة من ~~هذا الكتاب المبارك. ### || [40.27] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام، عاذ بربه، أي اعتصم به، وتمنع من كل متكبر، أي متصف بالكبر، لا ~~يؤمن بيوم الحساب، أي لا يصدق بالبعث والجزاء. # وسبب عياذ موسى بربه المذكور، أن فرعون قال لقومه: # ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن ~~يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد # [غافر: 26]. # فعياذ موسى المذكور بالله إنما هو في الحقيقة من فرعون، وإن كانت ~~العبارة أعم من ms3150 خصوص فرعون، لأن فرعون لا شك أنه متكبر، لا يؤمن بيوم ~~الحساب فهو داخل في الكلام دخولا أوليا، وهو المقصود بالكلام. # وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من عياذ موسى بالله من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب كفرعون، وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله ~~تعالى عن موسى مخاطبا فرعون وقومه: # وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون # [الدخان: 20] الآية. ### || [40.28] # قوله تعالى: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن رجلا مؤمنا من آل فرعون يكتم ~~إيمانه، أي يخفى عنهم أنه مؤمن، أنكر على فرعون وقومه إرادتهم قتل نبي ~~الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين قال فرعون # ذروني أقتل موسى وليدع ربه # [غافر: 26] الآية. مع أنه لا ذنب له، يستحق به القتل، إلا أنه يقول: ربي ~~الله. # وقد بين في آيات أخر أن من عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل بهم، ~~وإخراجهم من ديارهم من غير ذنب، إلا أنهم يؤمنون بالله ويقولون: ربنا ~~الله، كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين حرقوا المؤمنين # قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم ~~عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ~~العزيز الحميد # [البروج: 48] وقوله تعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله # [الحج: 3940]. وقوله تعالى: عن الذين كانوا سحرة لفرعون، وصاروا من ~~خيار المؤمنين، لما هددهم فرعون قائلا # لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين # [الأعراف: 124] أنهم أجابوه، بما ذكره الله عنهم، في قوله: # قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون وما تنقم منآ ~~إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا # [الأعراف: 126] إلى غير ذلك من الآيات. # والتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية من جماعة فرعون كما هو ~~ظاهر قوله تعالى: { من آل فرعون }. # فدعوى أنه إسرائيلي، وأن في الكلام ms3151 تقديما وتأخيرا. وأن من آل فرعون ~~متعلق بيكتم، أي وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون أي يخفى إيمانه ~~عن فرعون وقومه خلاف التحقيق كما لا يخفى. # وقيل: إن هذا الرجل المؤمن هو الذي قال لموسى # إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج # [القصص: 20] وقيل غيره. # واختلف العلماء في اسمه اختلافا كثيرا فقيل: اسمه حبيب، وقيل اسمه ~~شمعان، وقيل اسمه حزقيل، وقيل غير ذلك ولا دليل على شيء من ذلك. # والظاهر في إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله تعالى، في هذه ~~الآية الكريمة، أن يقول ربي الله، أنه مفعول من أجله. # وقال البخاري رحمه الله في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا علي ~~بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي ~~كثير قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير قال قلت ~~لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء ~~الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ~~ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله قد جاءكم بالبينات من ربكم ". ### || [40.29] # قال تعالى: { قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد }. # الظاهر أن أرى في هذه الآية الكريمة علمية، عرفانية، تتعدى لمفعول واحدن ~~كما أشار له في الخلاصة بقوله: # لعلم عرفان وظن تهمه # تعدية لواحد ملتزمه # وعليه فالمعنى: قال فرعون ما أعلمكم وأعرفكم، من حقيقة موسى وأنه ينبغي ~~أن يقتل، خوف أن يبدل دينكم، ويظهر الفساد في أرضكم، إلا ما أرى أي أعلم ~~وأعرف أنه الحق والصواب فما أخفى عنكم خلاف ما أظهره لكم، وما أهديكم ~~بهذا إلا سبيل الرشاد، أي طريق السداد والصواب. # وهذان الأمران اللذان ذكر تعالى عن ms3152 فرعون أنه قالهما في هذه الآية ~~الكريمة، قد بين في آيات أخر أن فرعون كاذب في كل واحد منهما. # أما الأول منهما وهو قوله: { مآ أريكم إلا مآ أرى } فقد بين ~~تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه وأوضح فيها أنه يعلم ويتيقن أن الآيات ~~التي جاءه بها موسى حق، وأنها ما أنزلها إلا الله، وأنه جحدها هو ومن ~~استيقنها معه من قومه ليستخفوا بها عقول الجهلة منهم كقوله تعالى في سورة ~~النمل # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين # [النمل: 1214]. # فقوله تعالى: في هذه الآية { وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا } دليل واضح على أن فرعون كاذب في قوله: ~~{ مآ أريكم إلا مآ أرى }. # وكقوله تعالى في سورة بني إسرائيل: # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا # [الإسراء: 102] فقول نبي الله موسى لفرعون { لقد علمت مآ ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } مؤكدا ~~إخباره بأن فرعون عالم بذلك بالقسم، وقد دل أيضا على أنه كاذب في قوله: ~~ما أريكم إلا ما أرى. # وكان غرض فرعون بهذا الكذب، التدليس والتمويه ليظن جهلة قومه، أن معه ~~الحق، كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54]. # وأما الأمر الثاني وهو قوله: { ومآ أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد } فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه كقوله تعالى: # فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]. وقوله تعالى: # وأضل فرعون قومه وما هدى # [طه: 79]. # وقال بعض العلماء في قوله: { مآ أريكم إلا مآ أرى } أي ما ~~أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، من قتل موسى. والعلم عند الله تعالى. ### || [40.40] # قوله تعالى: { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~}. # هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات الدالة عن ms3153 أن السيئات لا تضاعف، ~~ولا تجزي إلا بمثلها بينها وبين الآيات الأخرى الدالة على أن السيئات ~~ربما ضوعفت في بعض الأحوال، كقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات # [الإسراء: 75] وقوله تعالى في نسائه رضي الله عنهن # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] إشكال معروف. وقد قدمنا الجواب عنه موضحا في سورة النمل، ~~في الكلام على قوله تعالى: # ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل: 90]. # قوله تعالى: { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون ~~فيها بغير حساب }. # قد أوضحنا معنى هذه الآية الكريمة، وبينا العمل الصالح بالآيات ~~القرآنية، وأوضحنا الآيات المبينة لمفهوم المخالفة، في قوله: { وهو ~~مؤمن } في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في سورة النحل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية. وفي أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا # [الكهف: 23]. ### || [40.41-42] # قوله تعالى: { وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم }. # الظاهر أن جملة قوله تدعونني لأكفر بالله، بدل من قوله: وتدعونني إلى ~~النار، لأن الدعوة إلى الكفر بالله والإشراك به دعوة إلى النار. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفر والإشراك بالله مستوجب لدخول ~~النار، بينه تعالى في آيات كثيرة من كتابه كقوله: # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # [المائدة: 72]، وقد قدمنا ما فيه كفاية من ذلك، في سورة الحج في الكلام ~~على قوله تعالى: # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء # [الحج: 31] الآية. ### || [40.44-45] # التحقيق الذي لا شك فيه، أن هذا الكلام، من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر ~~الله عنه، وليس لموسى فيه دخل. # وقوله { فستذكرون مآ أقول لكم } [غافر: 44]، يعني أنهم ~~يوم ms3154 القيامة، يعلمون صحة ما كان يقول لهم، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث ~~لا ينفع الندم، والآيات الدالة على مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم ~~القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا كثيرة، كقوله تعالى: # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم ~~بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون # [الأنعام: 6667] وقوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88]. وقوله تعالى: # كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون # [النبأ: 45] وقوله تعالى: # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون # [التكاثر: 34] وقوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وأفوض أمري إلى ~~الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ~~ما مكروا } دليل واضح على أن التوكل الصادق على أن التوكل الصادق ~~على الله، وتفويض الأمور إليه، سبب للحفظ والوقاية من كل سوء، وقد تقرر ~~في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم سها فسجد، أي سجد لعلة سهوه، ~~وسرق فقطعت يده، أي لعلة سرقته، كما قدمناه مرارا. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون التوكل على الله سببا للحفظ، ~~والوقاية من السوء، جاء مبنيا في آيات أخر، كقوله تعالى # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]. وقوله تعالى: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء # [آل عمران: 173174]. # وقد ذكرنا الآيات الدالة على ذلك بكثرة، في أول سورة بني إسرائيل، في ~~الكلام على قوله تعالى: # ألا تتخذوا من دوني وكيلا # [الإسراء: 2]. # والظاهر أن ما في قوله { سيئات ما مكروا } مصدرية، أي فوقاه ~~الله سيئات مكرهم، أي أضرار مكرهم وشدائده، والمكر: الكيد. # فقد دلت هذه الآية الكريمة، على أن فرعون وقومه أرادوا أن يمكروا بهذا ~~المؤمن الكريم وأن الله وقاه، أي حفظه ونجاه، من أضرار مكرهم وشدائده ~~بسبب توكله على الله، وتفويضه أمره إليه. # وبعض العلماء يقول: نجاه الله منهم مع موسى وقومه وبعضهم يقول: صعد ms3155 ~~جبلا فأعجزهم الله عنه ونجاه منهم، وكل هذا لا دليل عليه، وغاية ما دل ~~عليه القرآن أن الله وقاه سيئات مكرهم، أي حفظه ونجاه منها. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب } معناه أنهم لما أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن، وقاه الله ~~مكرهم، ورد العاقبة السيئة عليهم، فرد سوء مكرهم إليهم، فكان المؤمن ~~المذكور ناجيا، في الدنيا والآخرة وكان فرعون وقومه هالكين، في الدنيا ~~والآخرة والبرزخ. # فقال في هلاكهم في الدنيا: # وأغرقنآ آل فرعون # [الأنفال: 54] الآية، وأمثالها من الآيات. # وقال في مصيرهم في البرزخ # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46]. # وقال في عذابهم في الآخرة: # ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب # [غافر: 46]. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من حيق المكر السيئ، بالماكر أوضحه ~~تعالى في قوله # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. # والعرب تقول حاق به المكروه يحيق به حيقا وحيوقا، إذا نزل به وأحاط ~~به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة. # يقال حاق به السوء والمكروه، ولا يقال حاق به الخير، فمادة الحيق من ~~الأجوف الذي هو يائي العين، والوصف منه حائق على القياس، ومنه قول ~~الشاعر: # فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم # وحاق بهم من يأس ضبة حائق # وقد قدمنا أن وزن السيئة بالميزان الصرفي، فيعلة من السوء فأدغمت ياء ~~الفيعلة الزائدة في الواو، التي هي عين الكلمة، بعد إبدال الواو ياء على ~~القاعدة التصريفية المشار إليها، في الخلاصة بقوله: # إن يسكن السابق من واو ويا # واتصلا ومن عروض عريا # فياء الواو فلين مدغما # وشذ معطي غير ما قد رسما ### || [40.47-48] # قوله تعالى: { يتحآجون في النار } أصله يتفاعلون في الحجة أي ~~يختصمون، ويحتج بعضهم على بعض، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء موضحا ~~في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] وقوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين ms3156 قال الذين استكبروا للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل ~~كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا # [سبأ: 3133]. وقوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ~~قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم ~~لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون # [الأعراف: 3839] وقوله تعالى، # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا # [البقرة: 166167] وقوله تعالى: # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله ~~لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا ~~من محيص وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان ~~لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا ~~بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ ~~أشركتمون من قبل # [إبراهيم: 2122] والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا الكلام عليها في ~~مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. ### || [40.49] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل النار طلبوا من خزنة جهنم أن ~~يدعوا لهم الله أن يخفف عنهم من شدة عذاب النار. # وقد بين في سورة الزخرف أنهم نادوا مالكا خاصة، من خزنة أهل النار، ~~ليقضي الله عليهم، أي ليميتهم فيستريحوا بالموت من عذاب النار. # وقد أوضح جل وعلا في آيات من كتابه، أنهم لا يجابون في واحد من الأمرين. # فلا يخفف عنهم العذاب، الذي سألوا تخفيفه، في سورة المؤمن هذه. # ولا يحصل لهم الموت الذي سألوه في سورة الزخرف، فقال تعالى في عدم تخفيف ~~العذاب عنهم في هذه الآية. # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى قالوا فادعوا وما ms3157 دعاء الكافرين إلا ~~في ضلال # [غافر: 50] وقال تعالى # ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور # [فاطر: 36] وقال تعالى: # فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]: وقال تعالى: # لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون # [الزخرف: 75]: وقال تعالى: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان: 65] وقال تعالى: # فسوف يكون لزاما # [الفرقان: 77] وقال تعالى: # لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون # [البقرة: 162]. وقال تعالى: # ولهم عذاب مقيم # [التوبة: 68]. # وقال تعالى في عدم موتهم في النار: # لا يقضى عليهم فيموتوا # [فاطر: 36]. وقال تعالى: # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # [إبراهيم: 17]. وقال تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. وقال تعالى: # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]. وقال تعالى: # ويتجنبها الأشقى الذى يصلى النار الكبرى ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى: 1113] ولما قالوا # ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] أجابهم بقوله: # قال إنكم ماكثون # [الزخرف: 77]. ### || [40.50] # قوله تعالى: { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات }. # قد قدمنا الكلام عليه مع الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل في ~~الكلام على قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [40.51] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146] الآية، وذكرنا طرفا من ذلك في الصافات، في الكلام على ~~قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171172] وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله في سورة ~~المجادلة. ### || [40.53-54] # اللام في قوله: { ولقد آتينا موسى الهدى } موطئة للقسم ~~وصيغة الجمع في آتينا وأورثنا للتعظيم. # والمراد بالهدى ما تضمنه التوراة من الهدى في العقائد والأعمال: وأورثنا ~~بني إسرائيل الكتاب وهو التوراة، وقوله: هدى وذكرى لأولي الألباب مفعول ~~من أجله أي لأجل الهدى والتذكير. # وقال بعضهم: هدى حال، وورود المصدر المنكر حالا معروف، كما أشار له في ~~الخلاصة بقوله: # ومصدر منكر حالا يقع # بكثرة كبغتة زيد طلع # وقال القرطبي: هدى بدل من ms3158 الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، وما تضمنته هذه ~~الآية الكريمة، من أن الله أنزل التوراة على موسى وأنزل فيها الهدى لبني ~~إسرائيل جاء موضحا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: # وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا # [الإسراء: 2]. وقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل # [السجدة: 23] الآية. وقوله تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار # [المائدة: 44] وقوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون # [القصص: 43] وقوله تعالى: # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ~~ربهم يؤمنون # [الأنعام: 154] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأعراف: 145] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [40.56] # قوله تعالى: { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه }. # قد قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف: 13]، وذكرنا هناك بعض النتائج السيئة الناشئة عن الكبر. ### || [40.57] # قوله تعالى: { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق ~~الناس }. # قد قدمنا أن هذه الآية من البراهين الدالة على البعث، وأوضحنا كل ~~البراهين الدالة على البعث بالآيات القرآنية بكثرة في سورة البقرة، وسورة ~~النحل، وأحلنا على مواضع ذلك مرارا. ### || [40.58] # قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } الآية. # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، وما يستوي الأعمى والبصير، قد قدمنا ~~الكلام عليه في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع # [هود: 24] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسيء } قد قدمنا إيضاح معناه بالآيات ~~القرآنية، في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: ms3159 28]. ### || [40.59] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا # [الفرقان: 11]. ### || [40.60] # قال بعض العلماء { ادعوني أستجب لكم }: اعبدوني أثبكم من ~~عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: { إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }. # وقال بعض العلماء: { ادعوني أستجب لكم } أي اسألوني أعطكم. # ولا منافاة بين القولين، لأن دعاء الله من أنواع عبادته. # وقد أوضحنا هذا المعنى، وبينا وجه الجمع بين قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186] مع قوله تعالى: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [40.61] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفرقان في الكلام على قوله ~~تعالى: # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [الفرقان: 47] وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم # [الإسراء: 12]. ### || [40.67] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الحج في الكلام على قوله ~~تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة # [الحج: 5] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [40.68] # قوله تعالى: { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. وبينا أوجه القراءة في قوله: فيكون هناك. ### || [40.76] # لم يبين هنا جل وعلا عدد أبواب جهنم، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر، في ~~قوله تعالى: # وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 4344]. ### || [40.78] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله تبارك وتعالى قص على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، أنباء بعض الرسل، أي كنوح وهود، وصالح، وإبراهيم، ms3160 ولوط، ~~وشعيب، وموسى، وأنه لم يقصص عليه أنباء رسل آخرين، بينه في غير هذا ~~الموضع، كقوله في سورة النساء: # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]، وأشار إلى ذلك في سورة إبراهيم في قوله: # ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات # [إبراهيم: 9] الآية. وفي سورة الفرقان في قوله تعالى: # وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا # [الفرقان: 38] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { فإذا جآء أمر الله قضي بالحق ~~وخسر هنالك المبطلون }. # قوله هنا: فإذا جاء أمر الله أي قامت القيامة، كما قدمنا إيضاحه في قوله ~~تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] فإذا قامت القيامة، قضى بين الناس بالحق الذي لا يخالطه حيف ~~ولا جور، كما قال تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق # [الزمر: 69] الآية. # وقال تعالى: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق # [الزمر: 75]. # والحق المذكور في هذه الآيات: هو المراد بالقسط المذكور في سورة يونس في ~~قوله تعالى: # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط # [يونس: 47]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه إذا قامت القيامة يخسر المبطلون، ~~أوضحه جل وعلا في سورة الجاثية في قوله تعالى: # ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون # [الجاثية: 27]. # والمبطل هو: من مات مصرا على الباطل. # وخسران المبطلين المذكور هنا، قد قدمنا بيانه في سورة يونس، في الكلام ~~على قوله تعالى: # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا ~~مهتدين # [يونس: 45]. ### || [40.79-80] # قد قدمنا أن لفظة جعل، تأتي في اللغة العربية لأربعة معان، ثلاثة منها ~~في القرآن. # الأول: إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19] أي اعتقدوهم إناثا، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر. # الثاني: جعل بمعنى صير، كقوله: # حتى جعلناهم حصيدا خامدين ms3161 # [الأنبياء: 15] وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضا. # الثالث: جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1] أي خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور. # والظاهر، أن منه قوله هنا: { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~} أي خلق لكم الأنعام، ويؤيد ذلك قوله تعالى: # والأنعام خلقها لكم # [النحل: 5]، وقوله: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما # [يس: 71] الآية. # الرابع: وهو الذي ليس في القرآن جعل بمعنى شرع، ومنه قوله: # وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني # ثوبي فانهض نهض الشارب السكر # وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من الامتنان بهذه النعم ~~الكثيرة، التي أنعم عليهم بها، بسبب خلقه لهم الأنعام وهي الذكور ~~والإناث، من الإبل والبقر والضأن والمعز، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل ~~عمران في الكلام على قوله: والأنعام والحرث بينه أيضا في مواضع أخر، ~~كقوله تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس # [النحل: 57] والدفء ما يتدفؤون به في الثياب المصنوعة من جلود الأنعام ~~وأوبارها وأشعارها وأصوافها. # وقوله تعالى: # جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ ~~أثاثا ومتاعا إلى حين # [النحل: 80]. وقوله تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # [يس: 7173] وقوله تعالى: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا ~~للشاربين # [النحل: 66]. وقوله تعالى: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ~~وعليها وعلى الفلك تحملون # [المؤمنون: 2122]. وقوله تعالى: # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم ~~الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ~~ومن المعز اثنين # [الأنعام: 142143] إلى قوله تعالى: ms3162 # أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا # [الأنعام: 144] وقوله تعالى: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] الآية. وقوله تعالى: # جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا # [الشورى: 11] الآية. وقوله تعالى: # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون # [الزخرف: 12] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ### || [40.82] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم } الآية. # قد ذكرنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، ~~وبينا مواضعها في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم # [الروم: 9] الآية. ### || [40.85] # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة يونس في الكلام على قوله ~~تعالى: # أثم إذا ما وقع آمنتم به ءآلآن وقد كنتم به ~~تستعجلون # [يونس: 51]، وفي سورة ص في الكلام على قوله تعالى: # فنادوا ولات حين مناص # [ص: 3]. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-2] # قد قدمنا الكلام عليه وعلى نظائره من الآيات، في أول سورة الزمر. ### || [41.3-4] # قوله تعالى: { كتاب فصلت آياته }. # كتاب خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، والكتاب، فعال بمعنى مفعول، أي ~~مكتوب. # وإنما قيل له كتاب، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: # بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ # [البروج: 2122]. # ومكتوب أيضا في صحف عند الملائكة كما قال تعالى: # كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام ~~بررة # [عبس: 1116]. # وقال تعالى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، لما تضمنته الصحف ~~المكتوب فيها القرآن: # رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب ~~قيمة # [البينة: 23]. # وقوله تعالى: { فصلت آياته }. # التفصيل ضد الإجمال، أي فصل الله آيات هذا القرآن، أي بينها وأوضح فيها ~~ما يحتاج إليه الخلق، من أمور دينهم ودنياهم. # والمسوغ لحذف الفاعل في قوله تعالى: { فصلت آياته } هو العلم ~~بأن تفصيل آيات هذا القرآن، لا يكون إلا من الله وحده. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تفصيل آيات هذا الكتاب، ms3163 جاء موضحا في ~~آيات أخر، مبينا فيها أن الله فصله على علم منه وأن الذي فصله حكيم ~~خبير، وأنه فصله ليهدي به الناس ويرحمهم، وأن تفصيله شامل لكل شيء، وأنه ~~لا شك أنه منزل من الله كقوله تعالى: # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون # [الأعراف: 52] وقوله تعالى: # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1]. وقوله تعالى: # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العالمين # [يونس: 37] وقوله تعالى: # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون # [يوسف: 111] وقوله تعالى: # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا # [الأنعام: 114] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # قوله تعالى: { قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ~~ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون }. # قوله: قرآنا عربيا قد تكلمنا عليه وعلى الآيات التي بمعناه في القرآن ~~في سورة الزمر، في الكلام على قوله تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لقوم يعلمون } ، أي فصلت ~~آياته، في حال كونه قرآنا عربيا لقوم يعلمون. # وإنما خصهم بذلك، لأنهم هم المنتفعون بتفصيله، كما خصهم بتفصيل الآيات ~~في سورة يونس في قوله تعالى: # ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات ~~لقوم يعلمون # [يونس: 5]، وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: # قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو الذي ~~أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد ~~فصلنا الآيات لقوم يفقهون # [الأنعام: 9798] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد أوضحنا وجه تخصيص المنتفعين بالأمر المشترك دون غيرهم في سورة فاطر ~~في الكلام على قوله تعالى: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة # [فاطر: 18] وبينا هناك أن تخصيصهم بالإنذار دون غيرهم، في آية فاطر هذه، ~~وفي قوله تعالى في يس # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب # [يس: 11] وقوله في النازعات: # إنمآ أنت منذر من يخشاها # [النازعات: 45] وقوله في ms3164 الأنعام: # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع # [الأنعام: 51] الآية. مع أن أصل الإنذار عام شامل للمذكورين وغيرهم كما ~~يدل عليه قوله تعالى # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]. # وإنما خص المذكورين بالإنذار، لأنهم هم المنتفعون به، لأن من لم ينتفع ~~بالإنذار، ومن لم ينذر أصلا سواء في عدم الانتفاع، كما قال الله تعالى # وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [يس: 10]. # وقوله تعالى، في هذه الآية الكريمة { بشيرا ونذيرا } حال بعد ~~حال. وقد قدمنا الكلام عليه وبعض شواهده العربية، في أول سورة الكهف في ~~الكلام على قوله تعالى # لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر ~~المؤمنين # [الكهف: 2] الآية. وبسطنا الكلام عليه في أول سورة الأعراف في الكلام ~~على قوله تعالى: # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 2]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فأعرض أكثرهم } # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # [يس: 7] وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهم لا يسمعون } أي لا ~~يسمعون سماع قبول وانتفاع. # وقد أوضحنا ذلك بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على قوله ~~تعالى # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء # [النمل: 80] الآية. ### || [41.5] # قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا ~~إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب }. # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار صرحوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، بأنهم لا يستجيبون له ولا يؤمنون به، ولا يقبلون منه ما جاءهم ~~به فقالوا له قلوبنا التي نعقل بها، ونفهم في أكنة، أي أغطية. # والأكنة، جمع كنان، وهو الغطاء والغلاف الذي يغطي الشيء ويمنعه من ~~الوصول إليه. # ويعنون أن تلك الأغطية، مانعة لهم ms3165 من فهم ما يدعوهم إليه صلى الله عليه ~~وسلم، وقالوا إن في آذانهم التي يسمعون بها وقرا أي: ثقلا وهو الصمم. ~~وأن ذلك الصمم مانع لهم من أن يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~ومما يقول، كما قال تعالى عنهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26]. # وأن من بينهم وبينه حجابا، مانعا لهم من الاتصال والاتفاق، لأن ذلك ~~الحجاب يحجب كلا منهما عن الآخر، ويحول بينهم وبين رؤية ما يبديه صلى ~~الله عليه وسلم من الحق. # والله جل وعلا، ذكر عنهم هذا الكلام في معرض الذم، مع أنه تعالى صرح ~~بأنه جعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وجعل بينهم وبين رسوله ~~حجابا، عند قراءته القرآن، قال تعالى في سورة بني إسرائيل: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا # [الإسراء: 4546]. وقال تعالى في الأنعام: # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها # [الأنعام: 25] وقال تعالى في الكهف: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا # [الكهف: 57]. # وهذا الإشكال الذي أشرنا إليه في هذه الآيات قوي، ووجه كونه مشكلا ~~ظاهر، لأنه تعالى ذمهم على دعواهم الأكنة والوقر والحجاب في هذه الآية ~~الكريمة من فصلت، وبين في الآيات الأخرى أن ما ذمهم على ادعائه واقع بهم ~~فعلا، وأنه تعالى هو الذي جعله فيهم. # فيقال: فكيف يذمون على قول شيء، هو حق في نفس الأمر. # والتحقيق في الجواب عن هذا الإشكال، هو ما ذكرناه مرارا، من أن الله ~~إنما جعل على قلوبهم الأكنة، وطبع عليها وختم عليها، وجعل الوقر في ~~آذانهم، ونحو ذلك من الموانع من الهدى، بسبب أنهم بادروا إلى الكفر، ~~وتكذيب الرسل طائعين مختارين، فجزاهم الله على ذلك الذنب الأعظم، طمس ~~البصيرة، والعمى عن الهدى، جزاء وفاقا. # فالأكنة والوقر ms3166 والحجاب المذكورة إنما جعلها الله عليهم، مجازاة لكفرهم ~~الأول. # ومن جزاء السيئة، تمادي صاحبها في الضلال، ولله الحكمة البالغة في ذلك. # والآيات المصرحة بمعنى هذا كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: # وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم # [النساء: 155]. # فقول اليهود في هذه الآية { قلوبنا غلف } كقول كفار مكة: { ~~قلوبنا } { في أكنة } لأن الغلف، جمع أغلف وهو الذي عليه ~~غلاف، والأكنة جمع كنان، والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر. # وقد رد الله على اليهود دعواهم ببل التي هي للإضراب الإبطالي، في قوله # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]. # فالباء في قوله: بكفرهم سببية، وهي دالة على أن سبب الطبع على قلوبهم هو ~~كفرهم، والأكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد. # وكقوله تعالى: # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون # [المنافقون: 3]، والفاء في قوله: فطبع سببة أي ثم كفروا، فطبع على ~~قلوبهم بسبب ذلك الكفر. # وقد قدمنا مرارا أنه تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، ومن ~~المعلوم أن العلة الشرعية سبب شرعي. # وكذلك الفاء في قوله: # فهم لا يفقهون # [المنافقون: 3] فهي سببية أيضا، أي فطبع على قلوبهم، فهم بسبب ذلك ~~الطبع لا يفقهون أي لا يفهمون من براهين الله وحججه شيئا. # وذلك مما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد، وهو ما ينشأ ~~عن كل منهما من عدم الفهم. # لأنه قال في الطبع # فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون # [المنافقون: 3]. # وقال في الأكنة: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الأنعام: 25] أي كراهة أن يفقهوه، أو لأجل ألا يفقهوه، كما قدمنا ~~إيضاحه. # وكقوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] فبين أن زيغهم الأول، كان سببا لإزاغة الله قلوبهم، وتلك ~~الإزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب. # وكقوله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10] وقوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] الآية. وقوله تعالى: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # [التوبة: 125] الآية. # وإيضاح ms3167 هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب } [فصلت: 5] يقصدون بذلك ~~إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون به بوجه، ولا يتبعونه بحال، ~~ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة، والذنب الذي كان ~~سببا في الأكنة، والوقر والحجاب. # فدعواهم كاذبة، لأن الله جعل لهم قلوبا يفهمون بها، وآذانا يسمعون ~~بها، خلافا لما زعموا، ولكنه، سبب لهم الأكنة، والوقر والحجاب، بسبب ~~مبادرتهم إلى الكفر، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. # وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم: # وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم # [النساء: 155]. # وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة، الجواب على الإشكال ~~المذكور فقال: فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار فقال في معرض ~~الذم، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم، فقال: # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم # [البقرة: 88] ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى ~~التقرير والإثبات في سورة الأنعام، فقال: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الأنعام: 25] فكيف الجمع بينهما؟ # قلنا: إنه لم يقل ها هنا إنهم كذبوا في ذلك، إنما الذي ذمهم عليه، أنهم ~~قالوا إنا إذا كنا كذلك، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، ~~وهذا الثاني باطل. # أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اه منه. ~~والأظهر: هو ما ذكرنا. # قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: { ومن بيننا وبينك ~~حجاب } [فصلت:5]. # فإن قلت: هل لزيادة: من في قوله: ومن بيننا وبينك حجاب فائدة؟ قلت: نعم. # لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط ~~الجهتين. # وأما بزيادة " من " فالمعنى: أن حجابا ابتدأ منا وابتدأ منك. # فالمسافة المتوسطة لجهتنا، وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى ~~منه. # واستحسن كلامه هذا الفخر الرازي وتعقبه ابن المنير على الزمخشري، فأوضح ~~سقوطه ms3168 والحق معه في تعقبه عليه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ومن بيننا وبينك ~~حجاب } [فصلت: 5]، وقد قدمنا تفسيره وإيضاحه بالآيات القرآنية، في ~~سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. ### || [41.6-7] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد }. # أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ~~يقول للناس: { إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد }. # والقصر في قوله: { إنمآ أنا بشر } إضافي أي لا أقول لكم إني ~~ملك، وإنما أنا رجل من البشر. # وقوله: { مثلكم } في الصفات البشرية، ولكن الله فضلني بما أوحي ~~إلي من توحيده. # كما قال تعالى عن الرسل في سورة إبراهيم: # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11] أي كما من علينا بالوحي والرسالة. # وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في آخر سورة الكهف في ~~قوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا # [الكهف: 110] الآية. # وقد أوضحنا وجه حصر ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم، في مضمون لا إله ~~إلا الله، في قوله تعالى: # قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد ~~فهل أنتم مسلمون # [الأنبياء: 108] في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # وبينا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك إنكار المشركين كون الرسل ~~من البشر، وأنهم ينبغي أن يكونوا من الملائكة، وما رد الله عليهم به ذلك ~~من الآيات القرآنية، أوضحنا ذلك في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4] وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا # [الإسراء: 94] إلى قوله: # لنزلنا عليهم من السمآء ملكا ms3169 رسولا # [الإسراء: 95]. # قوله تعالى: { وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون }. # قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة، على أن الكفار مخاطبون ~~بفروع الشريعة، لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، بأنهم مشركون، ~~وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدهم بالويل على شركهم وكفرهم بالآخرة، وعدم ~~إيتائهم الزكاة، سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، ~~أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي. # ورجح بعضهم القول الأخير لأن سورة فصلت هذه، من القرآن النازل بمكة قبل ~~الهجرة، وزكاة المال المعروفة إنما فرضت بعد الهجرة سنة اثنتين، كما ~~قدمناه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: # وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين # [الأنعام: 141]. # وعلى كل حال، فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام. # أعني امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من ~~كونهم مخاطبين بذلك وأنهم يعذبون على الكفر، ويعذبون على المعاصي، جاء ~~موضحا في آيات أخر كقوله تعالى عنهم مقررا له: # ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ~~ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخآئضين ~~وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين # [المدثر: 4247]. # فصرح تعالى عنهم، مقررا له أن من الأسباب التي سلكتهم في سقر، أي ~~أدخلتهم النار، عدم الصلاة، وعدم إطعام المسكين، وعد ذلك مع الكفر بسبب ~~التكذيب بيوم الدين. # ونظير ذلك قوله تعالى: # خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه # [الحاقة: 3032] ثم بين سبب ذلك فقال: # إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على ~~طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم ولا ~~طعام إلا من غسلين # [الحاقة: 3336] الآية إلى غير ذلك من الآيات. ### || [41.8] # الأجر جزاء العمل، وجزاء عمل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هو نعيم ~~الجنة وذلك الجزاء غير ممنون، أي غير مقطوع، فالممنون اسم مفعول منه ~~بمعنى قطعه، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته: # لمعفر فهد تنازع شلوة # غبس كواسب ما يمن طعامها # فقوله: ms3170 ما يمن طعامها أي ما يقطع، وقول ذي الأصبع: # إني لعمرك ما بابي بذي غلق # على الصديق ولا خيري بممنون # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن أجرهم غير ممنون، نص الله تعالى ~~عليه في آيات أخر من كتابه، كقوله تعالى في آخر سورة الانشقاق # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر ~~غير ممنون # [الانشقاق: 25]. وقوله تعالى في سورة التين: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون # [التين: 6] وقوله تعالى في سورة هود # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # [هود: 108]. # فقوله: غير مجذوذ أي غير مقطوع، وبه تعلم أن غير مجذوذ وغير ممنون، ~~معناهما واحد. # وقوله تعالى في ص # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # [ص: 54] أي ماله من انتهاء ولا انقطاع. وقوله في النحل # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. # وهذا الذي ذكرنا هو الذي عليه الجمهور خلافا لمن قال: إن معنى غير ~~ممنون، غير ممنون عليهم به. # وعليه، فالمن في الآية من جنس المن المذكور، في قوله تعالى: # لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264]. # ومن قال: إن معنى غير ممنون، غير منقوص، محتجا بأن العرب تطلق الممنون ~~على المنقوص، قالوا: ومنه قول زهير: # فضل الجياد على الخيل البطاء فلا # يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # فقوله ممنونا أي منقوصا. # وهذا وإن صح لغة، فالأظهر أنه ليس معنى الآية. # بل معناها: هو ما قدمنا. والعلم عند الله تعالى. ### || [41.10] # قوله تعالى: { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك ~~فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام }. # الظاهر أن معنى قوله هنا في أربعة أيام: أي في تتمة أربعة أيام. # وتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط، لأنه تعالى قال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] ثم قال في أربعة أيام، أي في تتمة أربعة أيام. # ثم قال: # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة، فيكون مجموع الأيام التي ~~خلق فيها ms3171 السماوات والأرض وما بينهما، ستة أيام. # وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال، لأن الله تعالى صرح ~~في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام كقوله في الفرقان: # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به ~~خبيرا # [الفرقان: 59]. وقوله تعالى في السجدة # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع # [السجدة: 4] الآية. وقوله تعالى في ق. # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38] وقوله تعالى في الأعراف # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # فلو لم يفسر قوله تعالى { في أربعة أيام } بأن معناه في تتمة ~~أربعة أيام، لكان المعنى أنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ثمانية أيام، لأن قوله تعالى: { في أربعة أيام } إذا فسر بأنها ~~أربعة كاملة ثم جمعت مع اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض المذكورين في ~~قوله # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9]، واليومين اللذين خلقت فيهما السماوات المذكورين في قوله ~~تعالى: # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] لكان المجموع ثمانية أيام. # وذلك لم يقل به أحد من المسلمين. # والنصوص القرآنية مصرحة بأنها ستة أيام، فعلم بذلك صحة التفسير الذي ~~ذكرنا وصحة دلالة الآيات القرآنية عليه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وجعل فيها رواسي من ~~فوقها } قد قدمنا الكلام على أمثاله من الآيات، في سورة النحل في ~~الكلام على قوله تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15] الآية، وقوله تعالى: { وبارك فيها } أي أكثر فيها ~~البركات، والبركة الخير، وقوله تعالى { وقدر فيهآ أقواتها }. # التقدير والخلق في لغة العرب معناهما واحد. # والأقوات جمع قوت، والمراد بالأقوات أرزاق أهل الأرض ومعايشهم وما ~~يصلحهم. # وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام ms3172 الاضطراب، عن آيات الكتاب: # أن آية فصلت هذه، أعني قوله تعالى: { وقدر فيهآ أقواتها } ~~يفهم منها الجمع بين الآيات الدالة على أن الأرض خلقت قبل السماء كقوله ~~هنا # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] ثم رتب على ذلك بثم، قوله # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] إلى قوله # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12] مع بعض الآيات الدالة على أن السماء خلقت قبل الأرض، كقوله ~~تعالى في النازعات: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27] إلى قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات:30 ]. # فقلنا في كتابنا المذكور ما نصه: قوله تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء # [البقرة: 29] الآية، هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء، ~~بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال. # وكذلك آية حم السجدة، تدل أيضا على خلق الأرض قبل السماء، لأنه قال ~~فيها: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] إلى أن قال # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] الآية. # مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأنه قال فيها # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27]، ثم قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]. # اعلم أولا أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الجمع بين آية السجدة ~~وآية النازعات، فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولا قبل السماء غير ~~مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين، ثم دحا الأرض بعد ~~ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك. # فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك، بعد ~~خلق السماء. # ويدل لهذا أنه قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] ولم يقل خلقها ثم فسر دحوه إياها بقوله: # أخرج منها مآءها ومرعاها # [النازعات: 31] وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح ~~لا إشكال فيه. مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من ~~آية البقرة هذه. # وإيضاحه أن ms3173 ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بما فيها ~~بعد خلق السماء. # وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه ~~قال فيها # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء # [البقرة: 29] الآية. # وقد مكثت زمنا طويلا أفكر في حل هذا الإشكال حتى هداني الله إليه ذات ~~يوم ففهمته من القرآن العظيم. # وإيضاحه: أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين، كل منهما تدل عليه أية من ~~القرآن. # الأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعا قبل خلق السماء: الخلق اللغوي ~~الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل، الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، ~~والعرب تسمي التقدير خلقا. ومنه قول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت # وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير، أنه تعالى نص على ذلك في ~~سورة فصلت. # حيث قال: # وقدر فيهآ أقواتها # [فصلت: 10] ثم قال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] الآية. # الوجه الثاني: أنه لما خلق الأرض غير مدحوة وهي أصل لكل، ما فيها كان كل ~~ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلا. # والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، ~~وإن لم يكن موجودا بالفعل، قوله تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة # [الأعراف: 11] الآية، فقوله # خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11] أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم. # وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] أي مع ذلك، فلفظة بعد، بمعنى مع. # ونظيره قوله تعالى: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13] وعليه فلا إشكال في الآية. # ويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة وبها قرأ مجاهد، والأرض مع ذلك ~~دحاها. # وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة. لأنها مبينة على أن خلق السماء قبل الأرض وهو ~~خلاف التحقيق. # منها أن ثم: بمعنى الواو. # ومنها: أنها للترتيب الذكري كقوله تعالى: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17] الآية. ### || [41.12] # قوله تعالى: { وزينا السمآء الدنيا بمصابيح ms3174 ~~وحفظا } الآية. # المصابيح: النجوم. # وما تضمنته هذه الآية من تزيين السماء الدنيا بالنجوم، قد قدمنا إيضاحه ~~بالآيات القرآنية، في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها # [الأنعام: 97] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وحفظا } قد قدمنا إيضاحه ~~بالآيات القرآنية في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17] الآية. ### || [41.14] # قوله تعالى: { قالوا لو شآء ربنا لأنزل ملائكة ~~فإنا بمآ أرسلتم به كافرون }. # قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4]. ### || [41.16] # قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام ~~نحسات }. # الصرصر: وزنه بالميزان الصرفي فعفل، وفي معنى الصرصر لعلماء التفسير ~~وجهان معروفان. # أحدهما: أن الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب، التي يسمع ~~لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا فالصرصر من الصرة، التي هي الصيحة المزعجة. # ومنه قوله تعالى # فأقبلت امرأته في صرة # [الذاريات: 29] أي في صيحة، ومن هذا المعنى صرير الباب والقلم، أي ~~صوتهما. # الوجه الثاني: أن الصرصر من الصر الذي هو البرد الشديد المحرق، ومنه على ~~أصح التفسيرين قوله تعالى: # كمثل ريح فيها صر # [آل عمران: 117] الآية. أي فيها برد شديد محرق، ومنه قول حاتم الطائي: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا واقد ريح صر # عل يرى نارك من يمر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # فقوله: ريح صر، أي باردة شديدة البرد. # والأظهر أن كلا القولين صحيح، وأن الريح المذكورة. جامعة بين الأمرين، ~~فهي عاصفة شديدة الهبوب، باردة شديدة البرد. # وما ذكره جل وعلا من إهلاكه عادا بهذه الريح الصرصر، في تلك الأيام ~~النحسات، أي المشؤومات النكدات، لأن النحس ضد السعد، وهو الشؤم جاء ~~موضحا في آيات من كتاب الله. # وقد بين تعالى في بعضها عدد الأيام والليالي التي أرسل عليهم الريح ~~فيها، كقوله تعالى: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم ms3175 أعجاز نخل خاوية ~~فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 68] وقوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 4142]: وقوله تعالى: # إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس ~~مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر # [القمر: 1920] وقوله تعالى: # هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر ~~كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 2425] الآية. # وهذه الريح الصرصر هي المراد بصاعقة عاد في قوله تعالى: # فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد # [فصلت: 13] الآية. # وقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمر، نحسات، بسكون الحاء، وعليه ~~فالنحس، وصف أو مصدر، نزل منزلة الوصف. # وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، نحسات بكسر الحاء ووجهه ~~ظاهر. # قد قدمنا أن معنى النحسات: المشؤومات النكدات. # وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل: # في يوم نحس # [القمر: 19]. قال: النحس، البلاء، والشدة، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: ~~نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: # سواء عليه أي يوم أتيته # أساعة نحس تتقي أم بأسعد # وتفسير النحس بالبلاء والشدة تفسير بالمعنى، لأن الشؤم بلاء وشدة. ~~ومقابلة زهير النحس بالأسعد في بيته يوضح ذلك، وهو معلوم. # ويزعم بعض أهل العلم، أنها من آخر شوال، وأن أولها يوم الأربعاء وآخرها ~~يوم الأربعاء، ولا دليل على شيء من ذلك. # وما يذكره بعض أهل العلم من أن يوم النحس المستمر، هو يوم الأربعاء ~~الأخير من الشهر، أو يوم الأربعاء مطلقا، حتى إن بعض المنتسبين لطلب ~~العلم وكثيرا من العوام صاروا يتشاءمون بيوم الأربعاء الأخير من كل شهر، ~~حتى إنهم لا يقدمون على السفر، والتزوج ونحو ذلك فيه، ظانين أنه يوم نحس ~~وشؤم، وأن نحسه مستمر على جميع الخلق في جميع الزمن، لا أصل له ولا معول ~~عليه، ولا يلتفت إليه، من عنده علم، لأن نحس ذلك اليوم مستمر على عاد فقط ~~الذين أهلكهم الله فيه، فاتصل ms3176 لهم عذاب البرزخ والآخرة، بعذاب الدنيا، ~~فصار ذلك الشؤم مستمرا عليهم استمرارا لا انقطاع له. # أما غير عاد فليس مؤاخذا بذنب عاد، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. # وقد أردنا هنا أن نذكر بعض الروايات التي اغتر بها، من ظن استمرار نحس ~~ذلك اليوم، لنبين أنها لا معول عليها. # قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش # في يوم نحس مستمر # [القمر: 19] " قال: يوم الأربعاء ". # وأخرج ابن مردويه عن علي قال: " نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~باليمين مع الشاهد والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر ". # وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " قال لي جبريل أقض باليمين مع الشاهد. وقال: يوم الأربعاء يوم نحس ~~مستمر ". # وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " يوم نحس يوم الأربعاء ". # وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الأيام، وسئل عن يوم الأربعاء قال: # " يوم نحس " # ، قالوا كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: # " أغرق فيه الله فرعون وقومه، وأهلك عادا وثمود ". # وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ". # فهذه الرويات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر ~~بالله ولم يعصه لأن أغلبها ضعيف وما صح معناه منها، فالمراد بنحسه شؤمه ~~على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم. # فالحاصل أن النحس والشؤم إنما منشأه وسببه الكفر والمعاصي. # أما من كان متقيا لله مطيعا له، في يوم الأربعاء المذكور فلا نحس، ولا ~~شؤم فيه عليه. فمن أراد أن يعرف النحس والشؤم والنكد، والبلاء والشقاء ~~على الحقيقة، فليتحقق أن ذلك كله في معصية الله وعدم امتثال أمره، والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [41.17] # قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ms3177 ~~العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون }. # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهديناهم } المراد بالهدى فيه ~~هدى الدلالة والبيان، والإرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء. # والدليل على ذلك قوله تعالى بعده { فاستحبوا العمى على ~~الهدى } ، لأنها لو كانت هداية توفيق لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى ~~العمى. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فاستحبوا العمى على ~~الهدى } أي اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه. # وهذا المعنى الذي ذكرنا يوضحه قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم ~~وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان # [التوبة: 23] فقوله في آية التوبة هذه: # إن استحبوا الكفر على الإيمان # [التوبة: 23] موافق في المعنى لقوله هنا: فاستحبوا العمى على الهدى. # ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ~~ويصدون عن سبيل الله # [إبراهيم: 3] الآية. # فلفظة استحب في القرآن كثيرا ما تتعدى بعلى، لأنها في معنى اختار وآثر. # وقد قدمنا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # مثل الفريقين كالأعمى # [هود: 24] الآية. أن العمى الكفر، وأن المراد بالأعمى في آيات عديدة ~~الكافر. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الهدى يأتي في القرآن بمعناه ~~العام، الذي هو البيان، والدلالة، والإرشاد، لا ينافي أن الهدى قد يطلق ~~في القرآن في بعض المواضع، على الهدى الخاص الذي هو التوفيق، والاصطفاء، ~~كقوله تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] # فمن إطلاق القرآن الهدى على معناه العام قوله هنا: { وأما ثمود ~~فهديناهم } أي بينا لهم طريق الحق وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ~~ونهيناهم عن سلوكها على لسان نبينا صالح، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ~~{ فاستحبوا العمى على الهدى } أي اختاروا الكفر على ~~الإيمان بعد إيضاح الحق لهم. # ومن إطلاقه على معناه العام قوله تعالى: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3] بدليل قوله بعده # إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]، لأنه لو كان هدى توفيق لما قال: # وإما كفورا # [الإنسان: 3]. # ومن إطلاقه على معناه الخاص قوله تعالى: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. وقوله تعالى: # والذين اهتدوا ms3178 زادهم هدى # [محمد صلى الله عليه وسلم: 17]. وقوله: # من يهد الله فهو المهتد # [الكهف: 17]. # وبمعرفة هذين الإطلاقين تتيسر إزالة إشكال قرآني: هو أنه تعالى: أثبت ~~الهدى لنبينا صلى الله عليه وسلم في آية، وهي قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] ونفاه عنه في آية أخرى وهي قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. # فيعلم مما ذكرنا: أن الهدى المثبت له صلى الله عليه وسلم، هو الهدى ~~العام الذي هو البيان، والدلالة والإرشاد، وقد فعل ذلك صلى الله عليه ~~وسلم فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها هالك. # والهدى المنفي عنه في آية: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق، لأن ذلك بيد الله ~~وحده، وليس بيده صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم # [المائدة: 41] الآية. وقوله تعالى: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل # [النحل: 37] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وكذلك قوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس # [البقرة: 185] الآية، لا منافاة فيه بين عموم الناس في هذه الآية. وخصوص ~~المتقين في قوله تعالى: # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 2] لأن الهدى العام للناس هو الهدى العام، والهدى الخاص ~~بالمتقين، هو الهدى الخاص كما لا يخفى. # وقد بينا هذا في غير هذا الموضع، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } الآية. # الفاء في قوله: فأخذتهم سببية، أي فاستحبوا العمى على الهدى، وبسبب ذلك، ~~أخذتهم صاعقة العذاب الهون. # واعلم أن الله جل وعلا عبر عن الهلاك الذي أهلك به ثمود، بعبارات ~~مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله: { فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون } وقوله: # فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود # [فصلت: 13]. # وعبر عنه أبضا بالصاعقة في سورة الذاريات في قوله تعالى: # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا ms3179 ~~عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون # [الذارايات: 4344]. وعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في ~~سورة هود، في إهلاكه ثمود: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ~~ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # [هود: 6768] وقوله تعالى في الحجر: # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ~~فأخذتهم الصيحة مصبحين # [الحجر: 8283] وقوله تعالى في القمر: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31]. وقوله تعالى في العنكبوت # ومنهم من أخذته الصيحة # [العنكبوت: 40] يعني به ثمودا المذكورين في قوله قبله: # وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم # [العنكبوت: 38] الآية. # وعبر عنه بالرجفة، في سورة الأعراف في قوله تعالى: # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين ~~فأخذتهم الرجفة # [الأعراف: 7778] الآية. # وعبر عنه بالتدمير في سورة النمل، في قوله تعالى: # فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين # [النمل: 51]. # وعبر عنه بالطاغية في الحاقة في قوله تعالى: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. # وعبر عنه بالدمدمة في الشمس في قوله تعالى: # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها # [الشمس: 14]. # وعبر عنه بالعذاب، في سورة الشعراء، في قوله تعالى: # فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن ~~في ذلك لآية # [الشعراء: 157158] الآية. # ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم ~~صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك. # والصاعقة تطلق أيضا على الصوت المزعج المهلك، وعلى النار المحرقة، ~~وعليهما معا، ولشدة عظم الصيحة وهو لها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من ~~تحتهم، أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ~~ذلك تدميرا واضح. وقيل لها طاغية، لأنها واقعة مجاوزة للحد في القوة ~~وشدة الإهلاك. # والطغيان في لغة العرب: مجاوزة الحد. # ومنه قوله تعالى: # إنا لما طغا المآء # [الحاقة: 11] الآية. أي جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة. # واعلم أن التحقيق، أن المراد بالطاغية في قوله تعالى: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5] أنها الصيحة التي أهلكهم ms3180 الله بها، كما يوضحه قوله بعده: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. # خلافا لمن زعم أن الطاغية، مصدر كالعاقبة، والعافية، وأن المعنى أنهم ~~أهلكوا بطغيانهم، أي بكفرهم، وتكذيبهم نبيهم، كقوله: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11]. # وخلافا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم، الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم ~~أنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة، وكل هذا خلاف التحقيق. # والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، والسياق يدل عليه واختاره غير واحد. # وأما قوله تعالى: # فدمدم عليهم ربهم بذنبهم # [الشمس: 14] فإنه لا يخالف ما ذكرنا، لأن معنى دمدم عليهم ربهم بذنبهم، ~~أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم إياه، بسبب ذنبهم. # قال الزمخشري في معنى دمدم: وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة، إذا ألبسها ~~الشحم. # وأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح، فاتضح رجوع معنى الآيات ~~المذكورة إلى شيء واحد. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { صاعقة العذاب الهون } من ~~النعت بالمصدر، لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي ~~معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله: # ونعتوا بمصدر كثيرا # فالتزموا الإفراد والتذكيرا # وهو موجه بأحد أمرين: # أحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون. # والثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان ~~اللاحق بمن وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله. # وقوله تعالى: # بما كانوا يكسبون # [فصلت: 17] كالتوكيد في المعنى لقوله # فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت: 17] لأن كلا منهما سبب لأخذ الصاعقة إياهم، فالفاء في قوله: ~~فأخذتهم سببية، والباء في قوله بما كانوا سببية، والعلم عند الله تعالى. ### || [41.18] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أهلك ثمود بالصاعقة، ونجى من ذلك ~~إهلاك الذين آمنوا وكانوا يتقون الله، والمراد بهم صالح ومن آمن معه من ~~قومه. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء مبينا في غير هذا ~~الموضع، كقوله تعالى في سورة هود # فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي ms3181 العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة # [هود: 6667] الآية، وقوله تعالى في النمل: # ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن ~~اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون # [النمل: 45] إلى قوله تعالى في ثمود # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون # [النمل: 5253] أي وهم صالح ومن آمن معه. ### || [41.19] # قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع (يحشر) بضم الياء وفتح الشين مبنيا ~~للمفعول (أعداء الله) بالرفع على أنه نائب الفاعل. # وقرأه نافع وحمزة، من السبعة (نحشر أعداء الله) بالنون المفتوحة الدالة ~~على العظمة، وضم الشين مبنيا للفاعل، (أعداء الله) بالنصب على أنه مفعول ~~به، أي واذكر { ويوم يحشر أعدآء الله } أي يجمعون إلى ~~النار. # وما دلت عليه هذه الآية، من أن لله أعداء، وأنهم يحشرون يوم القيامة إلى ~~النار. جاء مذكورا في آيات أخر. # فبين في بعضها أن له أعداء وأن أعداءه هم أعداء المؤمنين وأن جزاءهم ~~النار كقوله تعالى # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين # [البقرة: 98] وقوله تعالى: # ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم # [الأنفال: 60] وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم # [الممتحنة: 1] الآية. وقوله تعالى: # فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو ~~له # [طه: 39] وقوله تعالى: # ذلك جزآء أعدآء الله النار لهم فيها دار ~~الخلد # [فصلت: 28] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهم يوزعون } أي يرد أولهم ~~إلى آخرهم، ويلحق آخرهم بأولهم، حتى يجتمعوا جميعا، ثم يدفعون في النار، ~~وهو من قول العرب: وزعت الجيش، إذا حبست أوله على آخره حتى يجتمع. # وأصل الوزع الكف، تقول العرب وزعه، يزعه وزعا، فهو وازع له، إذا كفه عن ~~الأمر، ومنه قول نابغة ذبيان: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت ألما أصح والشيب وازع # وقول الآخر: # ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى # من الناس إلا وافر العقل كامله # وبما ذكرنا تعلم أن أصل معنى يوزعون. أي يكف أولهم عن ms3182 التقدم وآخرهم عن ~~التأخر حتى يجتمعوا جميعا. # وذلك يدل على أنهم يساقون سوقا عنيفا، يجمع به أولهم مع آخرهم. # وقد بين تعالى أنهم يساقون إلى النار في حال كونهم عطاشا في قوله ~~تعالى: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 86]، ولعل الوزع المذكور في الآية يكون في الزمرة الواحدة من زمر ~~أهل النار، لأنهم يساقون إلى النار زمرا زمرا كما قدمنا الآيات الموضحة ~~له في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا # [الزمر: 71] الآية. ### || [41.20] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم # [يس: 65] الآية، وفي سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]. # وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النسا: 42] مع قوله # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. ### || [41.22-24] # قوله تعالى: { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: # ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]. # قوله تعالى: { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين }. # قد بينا معناه مع شواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون # [النحل: 84]. ### || [41.25] # قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم }. # لعلماء التفسير في تفسير قوله: { وقيضنا } عبارات يرجع بعضها، في ~~المعنى إلى بعض. # كقول بعضهم: { وقيضنا لهم قرنآء } أي جئناهم بهم: وأتحناهم ~~لهم. # وكقول بعضهم: { وقيضنا } أي هيأنا. # وقول بعضهم: { وقيضنا } أي سلطنا. # وقول بعضهم: أي بعثنا ووكلنا. # وقول بعضهم: { وقيضنا } أي سببنا. # وقول بعضهم: قدرنا ونحو ذلك من العبارات، فإن جميع تلك العبارات راجع ~~إلى شيء واحد، وهو أن الله تبارك وتعالى هيأ للكافرين قرناء من ms3183 الشياطين ~~يضلونهم عن الهدى ويزينون لهم الكفر والمعاصي وقدرهم عليهم. # والقرناء: جمع قرين وهم قرناؤهم من الشياطين على التحقيق. # وقوله { فزينوا لهم ما بين أيديهم } أي من أمر الدنيا ~~حتى آثروه على الآخرة: { وما خلفهم } أي من أمر الآخرة، فدعوهم ~~إلى التكذيب به، وإنكار البعث. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، أنه تعالى قيض للكفار قرناء من الشياطين، ~~يضلونهم عن الهدى، بينه في مواضع أخر من كتابه. # وزاد في بعضها سبب تقييضهم لهم، وأنهم مع إضلالهم لهم، يظنون أنهم ~~مهتدون، وأن الكافر يوم القيامة يتمنى أن يكون بينه وبين قرينه من ~~الشياطين بعد عظيم، وأنه يذمه ذلك اليوم كما قال تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جآءنا قال ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين # [الزخرف: 3638]. # فترتيبه قوله: نقيض له شيطانا،على قوله ومن يعش عن ذكر الرحمن، ترتيب ~~الجزاء على الشرط يدل على أن سبب تقييضه له، هو غفلته عن ذكر الرحمن. # ونظير ذلك قوله تعالى: # من شر الوسواس الخناس # [الناس: 4] لأن الوسواس هو كثير الوسوسة ليضل بها الناس، والخناس هو ~~كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس، من قولهم: خنس بالفتح يخنس بالضم ~~إذا تأخر. # فهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن، خناس عند ذكر الرحمن، كما دلت عليه ~~آية الزخرف المذكورة، ودل عليه قوله تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل: 99100] لأن الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، غافلون عن ذكر ~~الرحمن، وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم. # ومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم، قوله تعالى: # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا # [مريم: 83]، وقد أوضحنا الآيات الدالة على ذلك في سورة مريم في الكلام ~~على قوله تعالى: { أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~} الآية. وبينا هناك أقوال أهل العلم في معنى { تؤزهم أزا }. # وبينا أيضا هناك أن من الآيات ms3184 الدالة على ذلك قوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس وقال أوليآؤهم من الإنس # [الأنعام: 128] أي استكثرتم من إضلال الإنس في دار الدنيا، وقوله: # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون # [الأعراف: 202]. # ومنها أيضا قوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس: 60] إلى قوله: # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # [يس: 62] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد دل قوله في آية الزخرف: # فبئس القرين # [الزخرف: 38] على أن قرناء الشياطين المذكورين في آية فصلت، وآية الزخرف ~~وغيرهما، جديرين بالذم الشديد، وقد صرح تعالى بذلك في سورة النساء في ~~قوله: # ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا # [النساء: 38] لأن قوله: { فسآء قرينا } بمعنى { فبئس ~~القرين } ، لأن كلا من ساء وبئس فعل جامد لإنشاء الذم كما ذكره في ~~الخلاصة بقوله: # واجعل كبئس ساء واجعل فعلا # من ذي ثلاثة كنعم مسجلا # واعلم أن الله تعالى بين أن الكفار الذين أضلهم قرناؤهم من الشياطين ~~يظنون أنهم على هدى، فهم يحسبون أشد الضلال، أحسن الهدى، كما قال تعالى ~~عنهم: # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون # [الزخرف: 37] وقال تعالى: # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون # [الأعراف: 30]. # وبين تعالى أنهم بسبب ذلك الظن الفاسد هم أخسر الناس أعمالا في قوله ~~تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103104]. # وقوله تعالى في سورة الزخرف: # ومن يعش عن ذكر الرحمن # [الزخرف: 36] من قولهم عشا بالفتح عن الشيء، يعشو بالضم إذا ضعف بصره عن ~~إدراكه، لأن الكافر أعمى القلب. # فبصيرته تضعف عن الاستنارة بذكر الرحمن، وبسبب ذلك يقيض الله له قرناء ~~الشياطين. # قوله تعالى: { وحق عليهم القول } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم # [يس: 7] الآية. ### || [41.26] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن } الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام ms3185 على قوله تعالى: # خذوا مآ آتيناكم بقوة واسمعوا # [البقرة: 93]. ### || [41.30-32] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة مما أعده الله في الآخرة للذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا، ذكره الله تعالى في الجملة، في قوله في الأحقاف # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب ~~الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون # [الأحقاف: 1314] لأن انتفاء الخوف والحزن والوعد الصادق، بالخلود في ~~الجنة المذكور في آية الأحقاف هذه، يستلزم جميع ما ذكر في هذه الآية ~~الكريمة، من سورة فصلت. ### || [41.34-36] # قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو ~~حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } # قد أوضحناه مع الآيات التي بمعناه في آخر سورة الأعراف في الكلام على ~~قوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف # [الأعراف: 199] إلى قوله تعالى: # إنه سميع عليم # [الأعراف: 200]. ### || [41.37] # قوله تعالى: { ومن آياته الليل والنهار } الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله ~~تعالى: # وجعلنا الليل والنهار آيتين # [الإسراء: 12] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. # قوله تعالى: { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } الآية. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض # [النمل: 25] الآية. ### || [41.38] # قوله تعالى { فإن استكبروا } أي فإن تكبر الكفار عن توحيد ~~الله، والسجود له وحده، وإخلاص العبادة له، فالذين عند ربك وهم الملائكة، ~~يسبحون له بالليل، أي يعبدونه وينزهونه دائما ليلا ونهارا وهم لا ~~يسأمون، أي لا يملون من؟ ".:/ ةعبادة ربهم، لاستلذاذهم لها وحلاوتها ~~عندهم، مع خوفهم منه جل وعلا كما قال تعالى: # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته # [الرعد: 13]. # وقد دلت هذه الآية الكريمة من سورة فصلت على أمرين: # أحدهما: أن الله جل وعلا إن كفر به بعض خلقه، فإن بعضا آخر من خلقه ~~يؤمنون به، ويطيعونه كما ms3186 ينبغي، ويلازمون طاعته دائما بالليل والنهار. # والثاني منهما: أن الملائكة يسبحون الله ويطيعونه دائما لا يفترون عن ~~ذلك. # وهذان الأمران اللذان دلت عليهما هذه الآية الكريمة، قد جاء كل منهما ~~موضحا في غير هذا الموضع. # أما الأول منهما: فقد ذكره جل وعلا في قوله: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]. # وأما الثاني منهما: فقد أوضحه تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى في ~~الأنبياء: # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 1920] وقوله تعالى في آخر الأعراف: # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون # [الأعراف: 206] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة: { وهم لا يسأمون } [فصلت: 38] أي لا يملون. # والسآمة الملل ومنه قول زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا، لا أبا لك، يسأم ### || [41.39] # قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ~~فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت } الآية. # هذه الآية الكريمة قد أوضحنا الكلام عليها، مع ما في معناها من الآيات، ~~وبينا أن تلك الآيات فيها البرهان القاطع على البعث بعد الموت، وذكرنا ~~معها الآيات التي يكثر الاستدلال بها في القرآن، على البعث بعد الموت، ~~وهي أربعة براهين قرآنية. # ذكرنا ذلك في سورة البقرة وفي سورة النحل وغيرهما وأحلنا عليه مرارا. ### || [41.40] # قوله تعالى: { أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي ~~آمنا يوم القيامة }. # قد قدمنا الكلام عليه، مع ما يماثله من الآيات، في سورة الفرقان، في ~~الكلام على قوله تعالى: # قل أذلك خير أم جنة الخلد # [الفرقان: 15] الآية. ### || [41.44] # قوله تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة البقرة، في الكلام على قوله ~~تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82] الآية. ### || [41.46] # قوله تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه ms3187 ومن أسآء ~~فعليها }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] وفي سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: # ومن شكر فإنما يشكر لنفسه # [النمل: 40]. # قوله تعالى: { وما ربك بظلام للعبيد }. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونه ليس بظلام للعبيد، ذكره ~~في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا # [آل عمران: 182183] الآية. وقوله في الأنفال # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد كدأب آل فرعون # [الأنفال: 5152] الآية. وقوله في الحج: # ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد ومن الناس من يعبد الله # [الحج: 1011] الآية. وقوله في سورة ق: # ما يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق: 29]. # وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن لفظة ظلام فيها صيغة مبالغة. # ومعلوم أن نفي المبالغة، لا يستلزم نفي الفعل من أصله. # فقولك مثلا: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفي إلا مبالغته في قتلهم، فلا ~~ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال. # ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة، في الآيات المذكورة هو نفي الظلم من ~~أصله. # والجواب عن هذا الإشكال من أربعة أوجه: # الأول: أن نفي صيغة المبالغة في الآيات المذكورة، قد بينت آيات كثيرة، ~~أن المراد به نفي الظلم من أصله. # ونفي صيغة المبالغة، إذا دلت أدلة منفصلة على أن يراد به نفي أصل الفعل، ~~فلا إشكال لقيام الدليل على المراد. # والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة، كقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها # [النساء: 40] الآية. وقوله تعالى: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. وقوله تعالى: # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] وقوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا # [الأنبياء: 47] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه في سورة ~~الكهف والأنبياء. ms3188 # الوجه الثاني: أن الله جل وعلا نفي ظلمه للعبيد، والعبيد في غاية ~~الكثرة. # والظلم المنفي عنهم تستلزم كثرتهم كثرته، فناسب ذلك الإتيان بصيغة ~~المبالغة للدلالة على كثرة المنفي التابعة لكثرة العبيد، المنفي عنهم ~~الظلم، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلا، كان مجموع ذلك الظلم في ~~غاية الكثرة، كما ترى. # وبذلك تعلم اتجاه التعبير بصيغة المبالغة، وأن المراد بذلك نفي أصل ~~الظلم، عن كل عبد من أولئك العبيد، الذين هم في غاية الكثرة، سبحانه ~~وتعالى عن أن يظلم أحدا شيئا، كما بينته الآيات القرآنية المذكورة. # وفي الحديث: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " # الحديث. # الوجه الثالث: أن المسوغ لصيغة المبالغة، أن عذابه تعالى بالغ من العظم ~~والشدة، أنه لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم، ومعاصيهم لكان ~~معذبهم به ظلاما بليغ الظلم متفاقمه، سبحانه وتعالى في ذلك علوا ~~كبيرا. # وهذا الوجه والذي قبله أشار لهما الزمخشري في سورة الأنفال. # الوجه الرابع: ما ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين، من أن المراد ~~بالنفي في قوله { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46] نفي ~~نسبة الظلم إليه، لأن صيغة فعال مرادا بها النسبة فتغني عن ياء النسب ~~كما أشار له في الخلاصة بقوله: # ومع فاعل وفعال فعل # في نسب أغنى عن اليا فقبل # ومعنى البيت المذكور، أن الصيغ الثلاثة المذكورة فيه التي هي فاعل كظالم ~~وفعال كظالم، وفعل كفرح، كل منها قد تستعمل مرادا بها النسبة، ~~فيستغنى بها عن ياء النسب، ومثاله في فاعل قول الحطيئة فيه هجوه الزبر ~~قان بن بدر التميمي: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فالمراد بقوله الطاعم الكاسي النسبة، أي ذو طعام وكسوة، وقول الآخر وهو ~~من شواهد سيبويه: # وغررتني وزعمت أنك # لابن في الصيف تامر # أي ذو لبن وذو تمر، وقول نابغة ذبيان: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيء الكواكبي # فقوله: ناصب أي ذو نصب، ومثاله في فعال قول امرئ القيس: # وليس بذي رمح فيطعنني به # وليس بذي سيف وليس ms3189 بنبال # فقوله: وليس بنبال أي ليس بذي نبل، ويدل عليه قوله قبله: # وليس بذي رمح وليس بذي سيف. # وقال الأشموني بعد الاستشهاد بالبيت المذكور: قال المصنف يعني ابن مالك: ~~وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: { وما ربك بظلام ~~للعبيد } [فصلت:46] أي بذي ظلم اه. # وما عزاه لابن مالك جزم به غير واحد من النحويين والمفسرين، ومثاله في ~~فعل قول الراجز وهو من شواهد سيبويه: # لست بليلى ولكني نهر # لا أدلج الليل ولكن أبتكر # فقوله نهر بمعنى نهاري، وقد قدمنا إيضاحه معنى الظلم بشواهده العربية، ~~في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، والعلم عند الله تعالى. ### || [41.47] # قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة }. # تقدم الكلام على نحوه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو # [الأعراف: 187] وفي الأنعام عند قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59]. # قوله تعالى: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] الآية. ### || [41.48] # قوله تعالى: { وظنوا ما لهم من محيص }. # الظن هنا بمعنى اليقين، لأن الكفار يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، ~~وشاهدوا الحقائق، علموا في ذلك الوقت أنهم ليس لهم من محيص، أي ليس لهم ~~مفر ولا ملجأ. # والظاهر أن المحيص مصدر ميمي، من حاص يحيص بمعنى حاد وعدل وهرب. # وما ذكرنا من أن الظن في هذه الآية الكريمة بمعنى اليقين والعلم، هو ~~التحقيق إن شاء الله، لأن يوم القيامة تنكشف فيه الحقائق، فيحصل للكفار ~~العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك، كما قال تعالى عنهم، إنهم يقولون يوم ~~القيامة # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12]. وقال تعالى: # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا # [مريم: 38]. وقال تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. وقال تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال ms3190 أليس هذا ~~بالحق قالوا بلى وربنا # [الأنعام: 30] وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام ~~على قوله تعالى: # بل ادارك علمهم في الآخرة # [النمل: 66] الآية. # ومعلوم أن الظن يطلق في لغة العرب، التي نزل بها القرآن على معنيين: # أحدهما: الشك كقوله # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس: 36]، وقوله تعالى عن الكفار: # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # [الجاثية: 32]. # والثاني: هو إطلاق الظن مرادا به العلم واليقين، ومنه قوله تعالى هنا: ~~{ وظنوا ما لهم من محيص } [فصلت: 48] أي أيقنوا، أنهم ليس ~~لهم يوم القيامة محيص، أي لا مفر ولا مهرب لهم من عذاب ربهم، ومنه بهذا ~~المعنى قوله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53] أي أيقنوا ذلك وعلموه، وقوله تعالى: # الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم ~~إليه راجعون # [البقرة: 46] وقوله تعالى: # قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله # [البقرة: 249] وقوله تعالى: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 1920]، فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين. # ونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # وقول عميرة بن طارق: # بأن تفتروا قومي وأقعد فيكم # وأجعل مني الظن غيبا مرجما # والظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين، والفعل القلبي في الآية ~~المذكورة التي هي قوله: { وظنوا ما لهم من محيص } [فصلت: ~~48] معلق عن العمل في المفعولين بسبب النفي بلفظة ما في قوله: { ما ~~لهم من محيص } كما أشار له في الخلاصة بقوله: # *والتزم التعليق قبل نفي " ما " * ### || [41.50] # قوله تعالى: { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة ~~قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. ### || [41.51] # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وبعض ms3191 الأحاديث الصحيحة، الموافقة لها في ~~سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12]. ### || [41.53] # قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } ~~الآية. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا وما يتذكر إلا من ينيب # [غافر: 13] الآية. ### || [41.54] # قوله تعالى: { ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم } # المرية: الشك. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من شك الكفار في البعث والجزاء، قد قدمنا ~~الآيات الموضحة له، ولما يترتب عليه من الخلود في النار، في سورة الفرقان ~~في الكلام على قوله تعالى: # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا # [الفرقان: 11]. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود. # وقول الزمخشري في تفسير هذه الآية { كذلك يوحي إليك } أي مثل ~~ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل من قبلك الله. # يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني، قد أوحى الله إليك مثله، في ~~غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى أن الله تعالى كرر ~~هذه المعاني، في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه ~~البليغ، واللطف العظيم، لعباده من الأولين والآخرين. اه منه. # وظاهر كلامه، أن التشبيه في قوله: كذلك يوحى بالنسبة إلى الموحى باسم ~~المفعول. # والأظهر أن التشبيه في المعنى المصدري الذي هو الإيحاء. # وقوله في هذه الآية الكريمة { وإلى الذين من قبلك } لم يصرح ~~هنا بشيء من أسماء الذين من قبله الذين أوحى إليهم، كما أوحى إليه، ولكنه ~~قد بين أسماء جماعة منهم في سورة النساء، وبين فيها أن بعضهم لم يقصص ~~خبرهم عليه، وأنه أوحى إليهم وأرسلهم لقطع حجج الخلق، في دار الدنيا وذلك ~~في قوله تعالى: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى ms3192 إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا ~~لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ~~رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 163165]. # وقوله تعالى: { الله العزيز الحكيم } ذكر جل وعلا فيه الثناء ~~على نفسه، باسمه العزيز واسمه الحكيم بعد ذكره إنزاله وحيه على أنبيائه، ~~كما قال في آية النساء المذكورة # وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 165] بعد ذكره إيحاءه إلى رسله. # وقد قدمنا في أول سورة الزمر أن استقراء القرآن. قد دل على أن الله جل ~~وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ~~وذكرنا كثيرا من أمثلة ذلك. # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير (يوحي) بكسر الحاء بالبناء ~~للفاعل، وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: الله العزيز الحكيم فاعل يوحي. # وقرأه ابن كثير (يوحى إليك) بفتح الحاء بالبناء للمفعول، وعلى هذه ~~القراءة، فقوله: الله العزيز الحكيم، فاعل فعل محذوف تقديره يوحى كما ~~قدمنا إيضاحه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 3637] الآية. # وقد قدمنا معاني الوحي مع الشواهد العربية في سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] وغير ذلك من المواضع. ### || [42.4] # قوله تعالى: { وهو العلي العظيم }. # وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بالعلو والعظمة، وهما من الصفات ~~الجامعة كما قدمناه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين ~~الجامعتين المتضمنتين لكل كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر كقوله تعالى: # ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم # [البقرة: 255] وقوله تعالى: # إن الله كان عليا كبيرا # [النساء: 34]. وقوله تعالى: # عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال # [الرعد: 9] وقوله تعالى: # وله الكبريآء في السماوات والأرض # [الجاثية: 37] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [42.5] # قوله تعالى: { تكاد السماوات ms3193 يتفطرن من فوقهن ~~والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض }. # قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع والكسائي (تكاد) بالتاء الفوقية، ~~لأن السماوات مؤنثة وقرأه نافع والكسائي (يكاد) بالياء التحتية لأن تأنيث ~~السماوات غير حقيقي. # وقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وشعبة عن عاصم (يتفطرن) بتاء ~~مثناة فوقية مفتوحة بعد الياء وفتح الطاء المشددة مضارع. تفطر أي تشقق. # وقرأه أبو عمرو وشعبة عن عاصم (ينفطرن) بنون ساكنة بعد الياء وكسر ~~الطاء، المخففة مضارع انفطرت كقوله: # إذا السمآء انفطرت # [الإنفطار: 1] أي انشقت. # وقوله: تكاد مضارع كاد، التي هي فعل مقاربة، ومعلوم أنها تعمل في ~~المبتدأ والخبر معنى كونها فعل مقاربة، أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ ~~والخبر. # وإذا، فمعنى الآية أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر على القراءة ~~الأولى، والانفطار على القراءة الثانية. # واعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر، في هذه الآية الكريمة، فيه ~~للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن. # الوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفا من الله، وهيبة ~~وإجلالا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: # وهو العلي العظيم # [الشورى: 4] لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال، ~~حتى كادت تتفطر. # وعلى هذا الوجه فقوله بعده: { والملائكة يسبحون بحمد ~~ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } [الشورى: 5] مناسبته ~~لما قبله واضحة. # لأن المعنى: أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له، ~~وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا ~~يليق بكماله وجلاله، مع إثباتهم له كل كمال وجلال، خوفا منه وهيبة ~~وإجلالا، كما قال تعالى # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته # [الرعد: 13] وقال تعالى # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من ~~دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ~~ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل: 4950]. # فهم لشدة خوفهم من الله، وإجلالهم له يسبحون بحمد ربهم، ويخافون على أهل ~~الأرض، ولذا يستغفرون لهم خوفا عليهم من سخط الله، وعقابه، ويستأنس لهذا ~~الوجه بقوله تعالى # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض # [الأحزاب: 72] إلى ms3194 قوله: # وأشفقن منها # [الأحزاب: 72] لأن الإشفاق الخوف. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ويستغفرون لمن في ~~الأرض } يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله، ~~كما أوضحه تعالى بقوله: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7]. # فقوله: { للذين آمنوا } يوضح المراد من قوله: { لمن في ~~الأرض } [الشورى: 5]. # ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى عنهم إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك # [غافر: 7] لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار. # الوجه الثاني: أن المعنى { تكاد السماوات يتفطرن } من ~~شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض جل وعلا، ~~من كونه اتخذ ولدا، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهذا الوجه جاء ~~موضحا في سورة مريم، في قوله تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # [مريم: 8893] كما قدمنا إيضاحه. # وغاية ما في هذا الوجه أن آية الشورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر ~~السماوات، وقد جاء ذلك موضحا في آية مريم المذكورة. وكلا الوجهين حق. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يتفطرن من فوقهن } ~~فيه للعلماء أوجه. # قيل: يتفطرن، أي السماوات من فوقهن أي الأرضين، ولا يخفى بعد هذا القول ~~كما ترى. # وقال بعضهم: من فوقهن أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها. # وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت لم قال: { من فوقهن } [الشورى: ~~5] قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهي ~~العرش والكرسي، وصفوف الملائكة، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، ~~وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: { ~~يتفطرن من فوقهن } [الشورى: 5] أي يبتدئ الانفطار من جهتهن ~~الفوقانية. # أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السموات، فكان القياس أن يقال: ~~يتفطرن من تحتهن من الجهة التي ms3195 جاءت منها الكلمة. # ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق. كأنه قيل: يكدن يتفطرن من ~~الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن. # ونظيره في المبالغة قوله عز وجل # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم # [الحج: 1920] فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة اه. محل الغرض ~~منه. # وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله ~~في قولهم # اتخذ الرحمن ولدا # [مريم: 88]. # وقد قدمنا آنفا أنه دلت عليه آية مريم المذكورة وعليه فمناسبة قوله: { ~~والملائكة يسبحون بحمد ربهم } لما قبله أن الكفار ~~وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه، فإن الملائكة بخلافهم فإنهم يداومون ذكر ~~الله وطاعته. # ويوضح ذلك قوله تعالى: # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون # [فصلت: 38] وقوله تعالى: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]، كما قدمنا إيضاحه في آخر سورة فصلت. # قوله تعالى: { ألا إن الله هو الغفور الرحيم }. # أكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه هو الغفور الرحيم، وبين فيها ~~أنه هو وحده المختص بذلك. # وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد جاءا موضحين في ~~غير هذا الموضع. # أما اختصاصه هو جل وعلا بغفران الذنوب، فقد ذكره في قوله تعالى: # ومن يغفر الذنوب إلا الله # [آل عمران: 135]، والمعنى لا يغفر الذنوب إلا الله، وفي الحديث # " رب إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت " # الحديث. وفي حديث سيد الاستغفار: # " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني " # الحديث. وفيه # " وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". # ووجه دلالة هذه الآية على أن الله وحده هو الذي يغفر الذنوب، هو أن ضمير ~~الفصل بين المسند والمسند إليه في قوله: { ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم } [الشورى: 5] يدل على ذلك كما هو معلوم في محله، ~~وأما الأمر الثاني، هو توكيده تعالى أنه هو الغفور الرحيم فإنه أكد ذلك ~~هنا بحرف الاستفتاح الذي هو ms3196 ألا، وحرف التوكيد الذي هو إن. # وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: # إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم # [الرمز: 53]. وقوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن # [طه: 82] الآية. وقوله تعالى: # إن ربك واسع المغفرة # [النجم: 32] وقوله في الكفار: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم # [المائدة: 74] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # فنرجو الله جل وعلا الكريم الرؤوف الغفور الرحيم، أن يغفر لنا جميع ~~ذنوبنا ويتجاوز عن جميع سيئاتنا ويدخلنا جنته على ما كان منا، ويغفر ~~لإخواننا المسلمين. إنه غفور رحيم. ### || [42.6] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، { اتخذوا من دونه ~~أوليآء } أي أشركوا معه شركاء يعبدونهم من دونه، كما أوضح تعالى ذلك ~~في قوله: # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي ~~من هو كاذب كفار # [الزمر: 3] وقوله تعالى: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون # [البقرة: 257] وقوله تعالى: # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون # [الأعراف: 30] وقوله تعالى: # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه # [آل عمران: 175] أي يخوفكم أولياءه. وقوله تعالى: # فقاتلوا أولياء الشيطان # [النساء: 76] الآية. # وقد وبخهم تعالى على اتخاذهم الشيطان وذريته أولياء من دونه تعالى في ~~قوله: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50]. # وقد أمر جل وعلا باتباع هذا القرآن العظيم، ناهيا عن اتباع الأولياء ~~المتخذين من دونه تعالى، في أول سورة الأعراف في قوله تعالى # اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا ~~من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون # [الأعراف: 3]. # وقد علمت من الآيات المذكورة أن أولياء الكفار الذين اتخذوهم وعبدوهم من ~~دون الله نوعان: # الأول منهما: الشياطين، ومعنى عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما يزين لهم، ~~من الكفر والمعاصي، ms3197 فشركهم به شرك طاعة، والآيات الدالة على عبادتهم ~~للشياطين بالمعنى المذكور كثيرة كقوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس: 60] الآية. وقوله تعالى عن إبراهيم # يأبت لا تعبد الشيطان # [مريم: 44] الآية. وقوله تعالى: # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # [النساء: 117] أي وما يعبدون إلا شيطانا مريدا. وقوله تعالى # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 41] وقوله تعالى: # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل: 100] وقوله تعالى # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121] إلى غير ذلك من الآيات. # والنوع الثاني: هو الأوثان، كما بين ذلك تعالى بقوله: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر:3] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { الله حفيظ عليهم }. # أي رقيب عليهم حافظ عليهم كل ما يعملونه من الكفر والمعاصي، وفي أوله ~~اتخاذهم الأولياء، يعبدونهم من دون الله. # وفي الآية تهديد عظيم لكل مشرك. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ومآ أنت عليهم بوكيل ~~}. # أي لست يا محمد، بموكل عليهم تهدي من شئت هدايته منهم، بل إنما أنت نذير ~~فحسب، وقد بلغت ونصحت. # والوكيل عليهم هو الله الذي يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء كما قال ~~تعالى: # إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل # [هود: 12]. وقال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان ~~لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون # [يونس: 99100] وقال تعالى: # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء ~~فتأتيهم بآية ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين # [الأنعام: 35] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق في قوله تعالى: { ومآ أنت عليهم ~~بوكيل } ، وما جرى مجراه من الآيات ليس منسوخا بآية السيف والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [42.7] # قوله ms3198 تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: # لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين # [الشعراء: 194195]، وفي الزمر في الكلام على قوله تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] وفي غير ذلك من المواضع. # قوله تعالى: { لتنذر أم القرى ومن حولها }. # خص الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إنذاره، صلى الله عليه وسلم ~~بأم القرى ومن حولها، والمراد بأم القرى مكة حرسها الله. # ولكنه أوضح في آيات أخر أن إنذاره عام لجميع الثقلين كقوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] وقوله تعالى: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس # [سبأ: 28] الآية. كما أوضحنا ذلك مرارا في هذا الكتاب المبارك. # وقد ذكرنا الجواب عن تخصيص أم القرى ومن حولها هنا وفي سورة الأنعام في ~~قوله تعالى: # ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به # [الأنعام: 92] الآية، في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ~~فقلنا فيه: والجواب من وجهين: # الأول: أن المراد بقوله: # ومن حولها # [الأنعام: 92] شامل لجميع الأرض، كما رواه ابن جرير وغيره، عن ابن عباس. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا، أن قوله # ومن حولها # [الأنعام: 92] لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرسها الله، كجزيرة ~~العرب مثلا، فإن الآيات الأخر، نصت على العموم كقوله # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وذكر بعض أفراد العام بحكم العام، لا يخصصه عند عامة ~~العلماء، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور. # وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول ~~كقوله # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم، كما هو واضح. والعلم ~~عند الله تعالى اه منه. # قوله تعالى: { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه }. # تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: # أحدهما: أن من حكم إيحائه تعالى، إلى نبينا صلى الله عليه وسلم هذا ~~القرآن العربي، إنذار يوم الجمع، فقوله ms3199 تعالى: { وتنذر يوم ~~الجمع } معطوف على قوله: { لتنذر أم القرى } أي لا بد أن ~~تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع فحذف في الأول، أحد المفعولين وحذف في ~~الثاني أحدهما، فكان ما أثبت في كل منهما، دليلا على ما حذف في الثاني، ~~ففي الأول حذف المفعول الثاني، والتقدير " لتنذر أم القرى " أي أهل مكة ~~ومن حولها، عذابا شديدا إن لم يؤمنوا، وفي الثاني حذف المفعول الأول، ~~أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة أي تخوفهم مما فيه من الأهوال، ~~والأوجال ليستعدوا لذلك في دار الدنيا. # والثاني: أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه، أي لا شك في وقوعه، وهذان ~~الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، جاءا موضحين في آيات أخر. # أما تخويفه الناس يوم القيامة، فقد ذكر في مواضع من كتاب الله كقوله ~~تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] الآية. وقوله تعالى: # وأنذرهم يوم الأزفة # [غافر: 18] الآية. وقوله تعالى: # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا السمآء منفطر به # [المزمل: 1718]: وقوله تعالى: # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 46] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وأما الثاني منهما: وهو كون يوم القيامة لا ريب فيه فقد جاء في مواضع ~~أخركقوله تعالى: # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه # [النساء: 87] وقوله # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 25] وقوله تعالى: # وأن الساعة آتية لا ريب فيها # [الحج: 7] الآية. وقوله تعالى: # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها قلتم ما ندري ما الساعة # [الجاثية: 32] الاية. إلى غير ذلك من الآيات. # وإنما سمي يوم القيامة يوم الجمع، لأن الله يجمع فيه جميع الخلائق. ~~والآيات الموضحة لهذا المعنى، كثيرة كقوله تعالى: # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 4950] وقوله تعالى: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين # [المرسلات: 38]. وقوله تعالى: # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة # [النساء: 87] الآية. وقوله تعالى: # يوم يجمعكم ms3200 ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # [التغابن: 9] وقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103] وقوله تعالى: # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون # [آل عمران: 25] وقوله تعالى: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]. # وقد بين تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # [الأنعام: 38]، والآيات الدالة على الجمع المذكورة كثيرة. # قوله تعالى: { فريق في الجنة وفريق في السعير }. # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله خلق الخلق، وجعل منهم فريقا ~~سعداء، وهم أهل الجنة، وفريقا أشقياء وهم أصحاب السعير، جاء موضحا في ~~آيات أخر كقوله تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] وقوله تعالى: # ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم # [هود: 118119] أي ولذلك الاختلاف، إلى المؤمن وكافر وشقي وسعيد، خلقهم ~~على الصحيح، ونصوص الوحي الدالة على ذلك كثيرة جدا. # وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين ~~قوله: { ولذلك خلقهم } على التفسير المذكور، وبين قوله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة الذاريات. # وقد قدمنا معنى السعير بشواهده العربية في أول سورة الحج في الكلام على ~~قوله تعالى: # ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4]، والجنة في لغة العرب البستان. # ومنه قول زهير بن أبي سلمى: # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # فقوله: جنة سحقا، يعني بستانا طويل النخل، وفي اصطلاح الشرع هي دار ~~الكرامة التي أعد الله لأوليائه يوم القيامة. # والفريق: الطائفة من الناس، ويجوز تعدده إلى أكثر من اثنين، ومنه قول ~~نصيب: # فقال فريق القوم لا، وفريقهم # نعم وفريق قال ويحك ما ندري # والمسوغ للابتداء بالنكرة في قوله: فريق في الجنة، أنه في معرض التفصيل. # ونظيره من كلام العرب قول امرئ القيس: ms3201 # فلما دنوت تسديتها # فثوب نسيت وثوب أجر ### || [42.10] # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله }. # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام ~~فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحا في آيات كثيرة. # فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته قال في حكمه # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة { ولا تشرك في حكمه أحدا } ~~بصيغة النهي. # وقال في الإشراك به في عبادته: # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله. # وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين ~~هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند ~~من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. # وقد دل القرآن في آيات كثيرة، على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع ~~تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى # إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه # [يوسف: 40]، وقوله تعالى: # إن الحكم إلا لله عليه توكلت # [يوسف: 67] الآية. وقوله تعالى: # إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين # [الأنعام: 57] وقوله: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44]، وقوله تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]، وقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 88]، وقوله تعالى # له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 70] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد قدمنا إيضاحها في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]. # وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة ~~جدا، كقوله تعالى: # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل: 100]، وقوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: ms3202 121]، وقوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس: 60] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، كما تقدم إيضاحه في ~~الكهف. # مسألة # اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم ~~له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء ~~الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق ~~عليهم صفات من له التشريع. # سبحان الله وتعالى عن ذلك. # فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، فليتبع تشريعهم. # وإن ظهر يقينا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ~~ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. # سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه. # فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع ~~قوله هنا: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله } ، ثم قال مبينا صفات من له الحكم { ذلكم الله ربي ~~عليه توكلت وإليه أنيب فاطر السماوات ~~والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن ~~الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير له مقاليد السماوات والأرض ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء ~~عليم } [الشورى: 10-12]. # فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه ~~الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي ~~خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجا، ~~وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين # [الأنعام: 143] الآية، وأنه { ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير } وأنه { له مقاليد السماوات ~~والأرض } وأنه هو الذي # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الشورى: 12] أي يضيقه على من يشاء وهو { بكل شيء عليم }. # فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ~~ولا تقبلوا تشريعا من كافر خسيس حقير جاهل. # ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن ms3203 كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا # [النساء: 59] فقوله فيها: { فردوه إلى الله } كقوله في هذه { ~~فحكمه إلى الله }. # وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله: { فردوه إلى الله ~~} من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة، إلى من لم يتصف بصفات ~~من له الحكم، المعبر عنه في الآية بالطاغوت، وكل تحاكم إلى غير شرع الله ~~فهو تحاكم إلى الطاغوت، وذلك في قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # [النساء: 60]. # فالكفر بالطاغوت، الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية، شرط في ~~الإيمان كما بينه تعالى في قوله: # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # [البقرة: 256]. # فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم ~~يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما ~~لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26]. # فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات ~~والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل ~~المبصرات؟ # وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ # سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا؟ # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ~~كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 88]. # فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن ~~كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ # تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12] # فهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية، من ms3204 يستحق أن يوصف في ~~أعظم كتاب سماوي، بأنه العلي الكبير؟ # سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون قل أرأيتم ~~إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء ~~أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 70-73]. # فهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في ~~الأولى والآخرة، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال ~~قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه. # سبحان خالق السماوات والأرض، جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو ~~عبادته، أو ملكه. # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون # [يوسف: 40]. # فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته ~~وحده هي الدين القيم؟ # سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ومنها قوله تعالى: # إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون # [يوسف: 67]. # فهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه، وتفوض الأمور إليه؟ # ومنها قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع ~~أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله ~~أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس ~~لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون # [المائدة: 49-50]. # فهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه ~~مخالف لاتباع الهوى؟ وأن من تولى عنه أصابه الله ببعض ذنوبه؟ لأن الذنوب ~~لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة؟ وأنه لا حكم ms3205 أحسن من حكمه لقوم يوقنون؟ # سبحان ربنا وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. # ومنها قوله تعالى: # إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين # [الأنعام: 57]. # فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟ # ومنها قوله تعالى: # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا ~~تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا # [الأنعام: 114-115] الآية. # فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب ~~مفصلا، الذي يشهد أهل الكتاب أنه منزل من ربك بالحق، وبأنه تمت كلماته ~~صدقا وعدلا أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، وأنه لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم؟ # سبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه. # ومنها قوله تعالى: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59]. # فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق ~~للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من ~~الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل ~~والتحريم؟ # سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم. # ومنها قوله تعالى: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44]. # فهل فيهم من يستحق الوصف بذلك؟ # سبحان ربنا وتعالى عن ذلك. # ومنها قوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم # [النحل: 116-117]. # فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب، ~~لأجل أن يفتروه على الله، وأنهم لا يفلحون وأنهم يمتعون قليلا ثم يعذبون ~~العذاب الأليم، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم. # ومنها قوله تعالى: # قل هلم شهدآءكم الذين ms3206 يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم # [الأنعام: 150] الآية. # فقوله: { هلم شهدآءكم } صيغة تعجيز، فهم عاجزون عن بيان مستند ~~التحريم. وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم. ~~ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص ~~الربوبية. كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعا غير ~~تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله. # والآيات الدالة على هذا كثيرة، وقد قدمناها مرارا وسنعيد ما فيه كفاية، ~~فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه، أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت ~~مناظرة بين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، في حكم من أحكام التحريم والتحليل ~~وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن، في وحيه في تحريمه، وحزب الشيطان ~~يتبعون وحي الشيطان في تحليله. # وقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في ~~سورة الأنعام. # وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه: سلوا محمدا عن ~~الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها. # فقالوا: الميتة إذا ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع ~~أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال، فأنتم إذا أحسن من الله وأحل ~~ذبيحة. # فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] يعني الميتة أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده ~~الكريمة بسكين من ذهب: # وإنه لفسق # [الأنعام: 121] والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله: { ولا ~~تأكلوا } وقوله: { لفسق } أي خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع ~~الشيطان: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم # [الأنعام: 121]. أي بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام، فأنتم ~~إذا أحسن من الله، وأحل تذكية، ثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين، ~~في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121] فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن ms3207 متبع ~~تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله. # وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة ~~للقسم، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة إنكم لمشركون ~~بالفاء، لأنه لو كان شرطا لم يسبقه قسم لقيل: فإنكم لمشركون على حد قوله ~~في الخلاصة: # واقرن بفا حتما جوابا لو جعل # شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل # وهو مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر. # وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقا، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب ~~الله. # إحداهما قوله تعالى: # وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]. # والثانية قوله تعالى: # ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة خلاف ~~التحقيق. # بل المسوغ لحذف الفاء في آية: { إنكم لمشركون } تقدير القسم ~~المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء على حد قوله في الخلاصة: # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم # جواب ما أحرت فهو ملتزم # وعليه: فجملة إنكم لمشركون جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف فلا ~~دليل في الآية لحذف الفاء المذكور. # والمسوغ له في آية # بما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] أن ما في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد ~~من المحققين، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم. # وأما على قراءة الجمهور: فما موصولة أيضا، ودخول الفاء في خبر الموصول ~~جائز كما أن عدمه جائز فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز. # ومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى: # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 274] وهو كثير في القرآن وقال بعضهم: إن ما في قراءة الجمهور ~~شرطية، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب أما على قراءة نافع وابن عامر، ~~فهي موصولة ليس إلا كما هو التحقيق إن شاء الله. # وكون ما شرطية على قراءة وموصولة على قراءة لا إشكال فيه. لما قدمنا من ~~أن القراءتين في الآية الواحدة ms3208 كالآيتين. # ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله ~~تعالى: # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل: 100]، فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر ~~والمعاصي مخالفا لما جاءت به الرسل، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله ~~تعالى: # والذين هم به مشركون # [النحل: 100] وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه ~~عبادة للشيطان. # ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا ~~صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # [يس: 60-62]، ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولا أوليا # أفلم تكونوا تعقلون # [يس: 62]. # ثم بين المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا، في قوله ~~تعالى: # هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم ~~بما كنتم تكفرون اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون # [يس: 63-65] وقال تعالى: عن نبيه إبراهيم # يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا # [مريم: 44] فقوله: لا تعبد الشيطان: أي باتباع ما يشرعه من الكفر ~~والمعاصي، مخالفا لما شرعه الله. # وقال تعالى: # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا # [النساء: 117] فقوله: { وإن يدعون إلا شيطانا } يعني ما ~~يعبدون إلا شيطانا مريدا. # وقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 40-41]. # فقوله تعالى: { بل كانوا يعبدون الجن } أي يتبعون ~~الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم، من الكفر والمعاصي على أصح ~~التفسيرين. # والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم ~~في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # [إبراهيم: 22] إلى قوله # إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل # [إبراهيم: 22] فقد اعترف ms3209 بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار ~~الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة. # وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما ~~سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه عن قوله: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا # [التوبة: 31] كيف اتخذوهم أربابا؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم # " أنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبذلك ~~الاتباع اتخذوهم أربابا ". # ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئا، يعلمون أن الله حرمه ~~وحرموا شيئا يعلمون أن الله أحله، فإنهم يزدادون كفرا جديدا بذلك، مع ~~كفرهم الأول، وذلك في قوله تعالى: # إنما النسيء زيادة في الكفر # [التوبة: 37] إلى قوله: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. # وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه ~~الله، فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله: # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم # [الأنعام: 137] فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد. # وقوله تعالى: # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # [الشورى: 21] فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله ~~شركاء، ومما يزيد ذلك إيضاحا، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، ~~من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا، إني كفرت بما أشركتمون ~~من قبل، أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى ~~طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22] الآية، وهو واضح كما ترى. ### || [42.11] # قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ~~}. # قوله تعالى: { فاطر السماوات والأرض } تقدم تفسيره في أول ~~سورة فاطر. # وقوله: { جعل لكم من أنفسكم أزواجا }. # أي خلق لكم أزواجا من أنفسكم كما قدمنا الكلام عليه في سورة النحل في ~~الكلام ms3210 على قوله تعالى: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين وحفدة # [النحل: 72] وبينا أن المراد بالأزواج الإناث كما يوضحه قوله تعالى: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21] الآية. وقوله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة ~~إذا تمنى # [النجم: 45-46] وقوله: # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 39] وقوله تعالى: # والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق ~~الذكر والأنثى # [الليل: 1-3] الآية. وقوله في آدم: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها # [النساء: 1] الآية. وقوله تعالى فيه أيضا: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] الآية. وقوله تعالى فيه أيضا: # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها # [الزمر: 6] الآية. # وقوله تعالى: { ومن الأنعام أزواجا } هي الثمانية المذكورة في ~~قوله تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين # [الأنعام: 143] الآية. وفي قوله: # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] وهي ذكور الضأن والمعز والإبل والبقر وإناثها، كما قدمنا ~~إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: # والأنعام والحرث # [آل عمران: 14]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { يذرؤكم فيه } الظاهر أن ~~ضمير الخطاب في قوله { يذرؤكم } شامل للآدميين والأنعام، وتغليب الآدميين ~~على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله: يذرؤكم واضح لا إشكال فيه. # والتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله: " فيه " راجع إلى ما ذكر من ~~الذكور والإناث، من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: # جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا # [الشورى: 11] سواء قلنا إن المعنى: أنه جعل للآدميين إناثا من أنفسهم ~~أي من جنسهم، وجعل للأنعام أيضا إناثا كذلك، أو قلنا إن المراد ~~بالأزواج الذكور والإناث منهما معا. # وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية الكريمة يذرؤكم أي يخلقكم ويبثكم ~~وينشركم فيه، أي فيما ذكر من الذكور والإناث، أي في ضمنه، عن طريق ~~التناسل كما هو ms3211 معروف. # ويوضح ذلك في قوله تعالى: # اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونسآء # [النساء: 1] فقوله تعالى: { وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونسآء } يوضح معنى قوله: { يذرؤكم فيه }. # فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله يذرؤكم فيه، مع أنه على ~~ما ذكرتم، عائد إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟ # فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، رجوع الضمير ~~أو الإشارة بصيغة الإفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلا. # ومثاله في الضمير: # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به # [الأنعام: 46] الآية، فالضمير في قوله: به مفرد مع أنه راجع إلى السمع ~~والأبصار والقلوب. # فقوله: { يأتيكم به } أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، ومن هذا ~~المعنى قول رؤبة بن العجاج: # فيها خطوط من سواد وبلق # كأن في الجلد توليع البهق # فقوله: كأنه أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق. # ومثاله في الإشارة # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما ~~تؤمرون # [البقرة: 68] أي بين ذلك المذكور، من فارض وبكر، وقول عبد الله بن ~~الزبعري السهمي: # إن للخير وللشر مدى # وكلا ذلك وجه وقبل # أي كلا ذلك المذكور من الخير والشر. # وقول من قال، إن الضمير في قوله فيه راجع إلى الرحم، وقول من قال راجع ~~إلى البطن، ومن قال راجع إلى الجعل المفهوم من جعل وقول من قال: راجع إلى ~~التدبير، ونحو ذلك من الأقوال خلاف الصواب. # والتحقيق إن شاء الله هو ما ذكرنا والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~}. # وقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54]. ### || [42.12] # قوله تعالى: { له مقاليد السماوات والأرض يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر }. # مقاليد السموات والأرض هي مفاتيحهما. # وهو جمع لا واحد له من لفظه، فمفردها إقليد، وجمعها مقاليد على غير ~~قياس. # والإقليد المفتاح. وقيل: ms3212 واحدها مقليد، وهو قول غير معروف في اللغة. # وكونه جل وعلا { له مقاليد السماوات والأرض } أي ~~مفاتيحهما كناية عن كونه جل وعلا هو وحده المالك لخزائن السماوات والأرض ~~لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها. # وقد ذكر جل وعلا مثل هذا في سورة الزمر في قوله تعالى: # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ~~له مقاليد السماوات والأرض # [الزمر: 62-63] الآية. # وما دلت عليه آية الشورى هذه وآية الزمر المذكورتان من أنه جل وعلا هو ~~مالك خزائن السماوات والأرض، جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # ولله خزآئن السماوات والأرض ولكن ~~المنافقين لا يفقهون # [المنافقون: 7] وقوله تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. # وبين في مواضع أخر أن خزائن رحمته لا يمكن أن تكون لغيره، كقوله تعالى: # أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب # [ص: 9] وقوله تعالى # أم عندهم خزآئن ربك أم هم المسيطرون # [الطور: 37] وقوله تعالى # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100]. # وقوله في هذه الآية الكريمة { يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } جاء معناه موضحا في آيات أخر كقوله تعالى # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر له # [سبأ: 39] الآية. وقوله تعالى # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [سبأ: 36] وقوله تعالى # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا # [الرعد: 26] الآية. وقوله تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق # [النحل: 71] الآية. وقوله تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32] الآية. وقوله تعالى # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء: 135] الآية. وقوله تعالى # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله # [الطلاق: 7] الآية. وقوله تعالى: { ومن قدر عليه رزقه } أي ~~ضيق عليه رزقه لقلته. وكذلك قوله { يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } في الآيات المذكورة. # أي يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له ويقدر، أي يضيق ms3213 الرزق على من يشاء ~~تضييقه عليه كما أوضحناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87]. # وقد بين جل وعلا في بعض الآيات حكمة تضييقه للرزق على من ضيقه عليه. # وذكر أن من حكم ذلك أن بسط الرزق للإنسان، قد يحمله على البغي والطغيان ~~كقوله تعالى # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # [الشورى: 27]، وقوله تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ### || [42.13] # قوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7] الآية. # قوله تعالى: { ولا تتفرقوا فيه } # الضمير في قوله فيه: راجع إلى الدين في قوله: أن أقيموا الدين. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء ~~مبينا في غير هذا الموضع، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات ~~الدالة على ذلك، قوله تعالى # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # [آل عمران: 103] الآية. وقوله تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 153] وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون ~~هذا النهي، وعددهم على ذلك كقوله تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون # [الأنعام: 159] لأن قوله { لست منهم في شيء } إلى قوله { ~~يفعلون } فيه تهديد عظيم لهم. # وقوله تعالى في سورة # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] # وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب ~~بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين # [المؤمنون: 52-54]. # فقوله { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } أي إن هذه ~~شريعتكم شريعة واحدة ودينكم دين ms3214 واحد، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين. # وقوله جل وعلا: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } دليل ~~على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك. # وقوله تعالى: { فذرهم في غمرتهم حتى حين } فيه تهديد ~~لهم ووعيد عظيم على ذلك. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا ~~راجعون # [الأنبياء: 92-93] فقوله تعالى: { كل إلينا راجعون } فيه ~~ايضا تهديد لهم ووعيد على ذلك وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة ~~الأنبياء في الكلام على قوله تعالى # إن هذه أمتكم أمة واحدة # [الأنبياء: 92] الآية. # وقد جاء في الحديث المشهور # " افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافتراق النصارى إلى اثنتين ~~وسبعين فرقة، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الناجية منها ~~واحدة، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~". # قوله تعالى: { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه }. # بين جل وعلا أنه كبر على المشركين أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه صلى ~~الله عليه وسلم من عبادة الله تعالى وحده، وطاعته بامتثال أمره واجتناب ~~نهيه، ولعظم ذلك ومشقته عليهم، كانوا يكرهون ما أنزل الله ويجتهدون في ~~عدم سماعه لشدة كراهتهم له، بل يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم ~~لشدة بغضهم وكراهتهم لها. # والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وفيها بيان أن ذلك هو ~~عادة الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # فقد بين تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه ~~كقوله تعالى: # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن ~~كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ~~فعلى الله توكلت # [يونس: 71] الآية. وقوله تعالى عن نوح # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # [نوح: 7]. # فقوله تعالى { جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم } يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهتهم ~~لما يدعوهم ms3215 إليه نوح، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم إليه من ~~توحيد الله والإيمان به. # وقد بين الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم في آيات من كتابه كقوله تعالى # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا # [الحج: 72] فقوله تعالى: { تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر } الآية. يدل دلالة واضحة، على شدة بغضهم وكراهيتهم لسماع ~~تلك الآيات. # وكقوله تعالى: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26] الآية. وقوله تعالى في الزخرف: # لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون # [الزخرف: 78]، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون # أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون # [المؤمنون: 70] وقوله تعالى في القتال # ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم # [محمد صلى الله عليه وسلم: 9]، وقوله تعالى: # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك ~~أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم # [الجاثية: 6-8] وقوله تعالى: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم # [لقمان: 7]، وقوله تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب # [فصلت: 5] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. # واعلم أن هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله، يجب على كل مسلم أن يحذر كل ~~الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم، لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في ~~السوء، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ ~~إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى ~~لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ms3216 # [محمد صلى الله عليه وسلم: 24-28] فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر ثم يحذر ~~كل الحذر، من أن يقول للذين كفروا، الذين يكرهون ما أنزل الله سنطيعكم في ~~بعض الأمر، لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في الآيات المذكورة، ويكفيه ~~زجرا وردعا عن ذلك قول ربه تعالى # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم # [محمد صلى الله عليه وسلم: 27] إلى قوله # فأحبط أعمالهم # [محمد صلى الله عليه وسلم: 28]. # قوله تعالى: { الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي ~~إليه من ينيب }. # الاجتباء في اللغة العربية معناه الاختيار والاصطفاء. # وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه من يشاء ~~اجتباءه. # وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم ~~المؤمنين من هذه الأمة في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم وافعلوا الخير # [الحج: 77] إلى قوله: # هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78]. وقوله تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32] الآية. # وبين في موضع آخر أن منهم آدم وهو قوله تعالى: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122]. وذكر أن منهم إبراهيم في قوله: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] إلى قوله # شاكرا لأنعمه اجتباه # [النحل: 121] الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق ~~بالتعيين. # وقوله تعالى: { ويهدي إليه من ينيب } أي من سبق في علمه ~~أنه ينيب إلى الله أي يرجع إلى ما يرضيه، من الإيمان والطاعة، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى في سورة الرعد # إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب # [الرعد: 27]. ### || [42.15] # قوله تعالى: { وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم } # تقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى # وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم # [البقرة: 136]. ### || [42.17] # قوله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان }. # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب ms3217 في حال كونه ~~متلبسا بالحق الذي هو ضد الباطل، وقوله: { الكتاب } اسم جنس مراد به ~~جميع الكتب السماوية. # وقد أوضحنا في سورة الحج أن المفرد الذي هو اسم الجنس يطلق مرادا به ~~الجمع، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { والميزان } يعني أن الله جل ~~وعلا هو الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإنصاف. # وقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية: هو آلة الوزن المعروفة. # ومما يؤيد ذلك أن الميزان مفعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة. # وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان العدل والإنصاف، فالميزان الذي هو ~~آلة الوزن المعروفة داخل فيه، لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب ~~والميزان أوضحه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الحديد # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # [الحديد: 25]. # فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس ~~بالقسط، وهو العدل والإنصاف. وكقوله تعالى في سورة الرحمن # والسمآء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في ~~الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9]. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ~~الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، كما قاله غير ~~واحد من المفسرين. # وأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف أعني آلة الوزن التي ~~يوزن بها بعض المبيعات. # ومما يدل على ذلك أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان ~~لا بوضعه، وقال في سورة الشورى # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى: 17] وقال في الحديد: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان # [الحديد: 25]. # وأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإنزال، قال # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7] ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة، ~~وذلك في قوله: # وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 9] لأن الميزان الذي نهوا عن ms3218 إخساره هو أخو المكيال، كما قال ~~تعالى # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشيآءهم # [الشعراء: 181-183]. وقال تعالى # ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. وقال تعالى عن نبيه شعيب: # ولا تنقصوا المكيال والميزان # [هود: 84] الآية. وقال تعالى عنه أيضا # قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل ~~والميزان # [الأعراف: 85] الآية. وقال تعالى في سورة الأنعام: # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها # [الأنعام: 152] وقال تعالى في سورة بني إسرائيل # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا # [الإسراء: 35]. # فإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد، هو ~~العدل والإنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن ~~المعروفة، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم ~~يشكل الفرق بين الكتاب والميزان، لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف. # فالجواب من وجهين: # الأول منهما هو ما قدمنا مرارا من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين ~~مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلا للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في ~~الذوات، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى # سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى والذي أخرج المرعى # [الأعلى: 1-4] فالموصوف واحد والصفات مختلفة، وقد ساغ العطف لتغاير ~~الصفات. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهما # م وليث الكتيبة في المزدحم # وأما الوجه الثاني: # فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، من ~~المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان. # وإيضاح ذلك: أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب ~~السماوية. # وأما الميزان: فيصدق بالعدل والإنصاف الذي لم يصرح به في الكتب ~~السماوية، ولكنه معلوم مما صرح به فيها. # فالتأفيف في قوله تعالى # فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23]، من الكتاب لأنه مصرح به في الكتاب، ومنع ضرب الوالدين ~~مثلا المدلول عليه بالنهي على التأفيف من ms3219 الميزان، أي من العدل والإنصاف ~~الذي أنزله الله مع رسله. # وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] من الكتاب الذي أنزله الله، لأنه مصرح به فيه. # وقبول شهادة أربعة عدول في ذلك من الميزان الذي أنزله الله مع رسله. # وتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] الآية من الكتاب. # وتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه، المعروف من ذلك من الميزان، الذي ~~أنزله الله مع رسله. # وجلد القاذف الذكر للمحصنة الأنثى ثمانين جلدة ورد شهادته، والحكم بفسقه ~~المنصوص في قوله تعالى # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور: 4] إلى قوله # إلا الذين تابوا # [النور: 5] الآية من الكتاب الذي أنزله الله. # وعقوبة القاذف الذكر لذكر مثله، والأنثى القاذفة للذكر أو لأنثى بمثل ~~تلك العقوبة المنصوصة في القرآن من الميزان المذكور. # وحلية المرأة التي كانت مبتوتة، بسبب نكاح زوج ثان وطلاقه لها بعد ~~الدخول المنصوص في قوله تعالى # فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ # [البقرة: 230] أي فإن طلقها الزوج الثاني، بعد الدخول وذوق العسيلة فلا ~~جناح عليهما أي لا جناح على المرأة التي كانت مبتوتة والزوج الذي كانت ~~حراما عليه، أن يتراجعا بعد نكاح الثاني وطلاقه لها، من الكتاب الذي ~~أنزل الله. # وأما إن مات الزوج الثاني بعد أن دخل بها وكان موته قبل أن يطلقها، ~~فحليتها للأول الذي كانت حراما عليه، من الميزان الذي أنزله الله مع ~~رسله. # وقد أشرنا إلى كلام ابن القيم المذكور، وأكثرنا من الأمثلة لذلك في سورة ~~الأنبياء في كلامنا الطويل على قوله تعالى # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78] الآية. # قوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة قريب }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في أول سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] الآية. وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: # وما يدريك لعل الساعة تكون ms3220 قريبا # [الأحزاب: 63] وفي سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: # وأنذرهم يوم الأزفة # [غافر: 18] الآية. ### || [42.18] # قوله تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق }. # ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: # الأولى: أن الكفار الذين لا يؤمنون بالساعة، يستعجلون بها أي يطلبون ~~تعجيلها عليهم، لشدة إنكارهم لها. # والثانية: أن المؤمنين مشفقون منها، أي خائفون منها. # والثالثة: أنهم يعلمون أنها الحق، أي أن قيامها ووقوعها حق لا شك فيه. # وكل هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في ~~غير هذا الموضع. # أما استعجالهم لها فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام ~~على قوله تعالى # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت ~~من قبلهم المثلات # [الرعد: 6] وفي غير ذلك من المواضع. # وأما المسألة الثانية: التي هي إشفاق المؤمنين وخوفهم من الساعة، فقد ~~ذكره في مواضع أخر كقوله تعالى # الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة ~~مشفقون # [الأنبياء: 49] وقوله تعالى # يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار # [النور: 37] وقوله تعالى # يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا # [الإنسان: 7]. # وأما المسألة الثالثة: وهي علمهم أن الساعة حق، فقد دلت عليه الآيات ~~المصرحة بأنها لا ريب فيها، لأنها تتضمن نفي الريب فيها من المؤمنين. # والريب: الشك كقوله تعالى عن الراسخين في العلم: # ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 9] الآية. وقوله تعالى # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه # [النساء: 87] الآية: وقوله تعالى # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 25] الآية. وقوله تعالى: # وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه # [الشورى: 7] الآية. وقوله تعالى # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج: 6-7] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ~~ضلال بعيد }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ms3221 الفرقان في الكلام على قوله تعالى # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا # [الفرقان: 11]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يمارون } ، مضارع مارى، يماري، ~~مراء ومماراة، إذا خاصم وجادل. # ومنه قوله تعالى # فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا # [الكهف: 22]. # وقوله { لفي ضلال بعيد } أي بعيد عن الحق والصواب. # وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة العربية، مع الشواهد في سورة ~~الشعراء في الكلام على قوله تعالى # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20] وفي مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك. ### || [42.23] # قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى }. # قد بينا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا # [هود: 29] الآية. أن جميع الرسل عليهم الصلوات والسلام، لا يأخذون أجرا ~~على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك. # وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين ~~تلك الآيات، وآية الشورى هذه فقلنا فيه: # اعلم أولا أن في قوله تعالى { إلا المودة في القربى } ~~أربعة أقوال: # الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة ~~وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره، ~~أن معنى الآية { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } [الشورى: 23] أي إلا أن تودوني في قرابتي ~~التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون ~~كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم، وكان صلى الله عليه وسلم له في كل ~~بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل ~~أحد، لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس. # وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرا على التبليغ لأنه لم يؤمن. # وإذا كان لا يسأل أجرا إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجرا ~~كقول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ومثل هذا يسميه ms3222 البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم. # وهذا القول هو الصحيح في الآية، واختاره ابن جرير، وعليه فلا إشكال. # الثاني: أن معنى الآية { إلا المودة في القربى } ~~[الشورى: 23] أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول ~~عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين، وعليه فلا إشكال أيضا. # لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى قرابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71] وفي الحديث # " مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا اصيب منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " # وقال صلى الله عليه وسلم # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " # والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدا. # وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين، تبين أنه غير عوض عن ~~التبليغ. # وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال. # فمعناه على القول الأول { لا أسألكم عليه أجرا } لكن ~~أذكركم قرابتي فيكم. # وعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم. # القول الثالث: وبه قال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا أن تتوددوا ~~إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، وعليه فلا إشكال. # لأن التقرب إلى الله ليس أجرا على التبليغ. # القول الرابع: إلا المودة في القربى، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم ~~وتصلوا أرحامكم، ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم، وعليه ~~أيضا فلا إشكال. # لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجرا على التبليغ، فقد علمت الصحيح في تفسير ~~الآية وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال. # وأما القول بأن قوله تعالى: { إلا المودة في القربى } ~~[الشورى: 23] منسوخ بقوله تعالى: # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم # [سبأ: 47] فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه. # وقد علمت مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية. # مع أن كثيرا من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية، فيحسبون أن ~~معنى { إلا المودة في القربى } إلا ms3223 أن تودوني في أهل ~~قرابتي. # وممن ظن ذلك محمد السجاد حيث قال لقاتله يوم الجمل: أذكرك حم يعني ~~سورة الشورى هذه، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيلزم حفظه فيهم، لأن الله تعالى قال في حم هذه { إلا المودة ~~في القربى } [الشورى: 23] فهو يريد المعنى المذكور، يظنه هو المراد ~~بالآية، ولذا قال قاتله في ذلك: # يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهل لا تلا حاميم قبل التقدم # وقد ذكرنا هذا البيت والأبيات التي قبله في أول سورة هود، وذكرنا أن ~~البخاري ذكر البيت المذكور في سورة المؤمن، وذكرنا الخلاف في قائل ~~الأبيات الذي قتل محمدا السجاد بين طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، هل هو ~~شريح بن أبي أوفى العبسي كما قال البخاري، أو الأشتر النخعي، أو عصام بن ~~مقشعر، أو مدلج بن كعب السعدي، أو كعب بن مدلج. # وممن ظن أن معنى الآية هو ما ظنه محمد السجاد المذكور الكميت في قوله في ~~أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وجدنا لكم في آل حاميم آية # تأولها منا تقي ومعرب # والتحقيق إن شاء الله أن معنى الآية هو القول الأول { إلا ~~المودة في القربى } أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم ~~وتحفظوني فيها، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما هو شأن أهل ~~القرابات. # قوله تعالى: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ~~}. # الاقتراف معناه الاكتساب، أي من يعمل حسنة من الحسنات، ويكتسبها نزد له ~~فيها حسنا، أي نضاعفها له. # فمضاعفة الحسنات هي الزيادة في حسنها، وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب ~~الله تعالى كقوله تعالى # وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40] وقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160] وقوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] وقوله تعالى # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله هو خيرا وأعظم أجرا # [المزمل: 20] فكونه خيرا ms3224 وأعظم أجرا زيادة في حسنه، كما لا يخفى إلى ~~غير ذلك من الآيات: ### || [42.25] # قوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات }. # بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده، ~~ويعفو عن السيئات. وقد جاء ذلك موضحا في مواضع أخر كقوله تعالى: # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 104] وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم # [التحريم: 8] الآية. وقوله تعالى: # ومن يغفر الذنوب إلا الله # [آل عمران: 135] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا معنى التوبة وأركانها وإزالة ما في أركانها من الإشكال، في ~~سورة النور في الكلام على قوله تعالى # وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون # [النور: 31]. ### || [42.27] # قوله تعالى: { ولكن ينزل بقدر ما يشآء }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه ينزل ما يشاء تنزيله من الأرزاق ~~وغيرها بقدر، أي بمقدار معلوم عنده جل وعلا، وهو جل وعلا أعلم بالحكمة ~~والمصلحة في مقدار كل ما ينزله. وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع، كقوله ~~تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] وقوله تعالى: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [42.31] # قوله تعالى: { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~ومأواهم النار # [النور: 57] الآية. ### || [42.32] # قوله تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ~~}. # قوله: ومن آياته أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة ~~وحده، الجواري وهي السفن واحدتها جارية، ومنه قوله تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11] يعني سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في البحر. # وقوله { كالأعلام } أي كالجبال، شبه السفن بالجبال لعظمها. # وعن مجاهد أن الأعلام القصور، وعن الخليل: أن كل مرتفع تسميه ms3225 العرب ~~علما، وجمع العلم أعلام. # وهذا الذي ذكره الخليل معروف في اللغة، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها ~~صخرا: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر، من آياته ~~تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن ~~نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا ~~رحمة منا ومتاعا إلى حين # [يس: 41-44] وقوله تعالى # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ آية ~~للعالمين # [العنبكوت: 15] وقوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس # [البقرة: 164] إلى قوله # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164] الآية. وقوله تعالى في سورة النحل: # وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله # [النحل: 14] الآية. وقوله في فاطر: # وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله # [فاطر: 12]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو " الجواري " بياء ساكنة بعد الراء في ~~الوصل فقط، دون الوقف وقرأه ابن كثير بالياء المذكور في الوصل والوقف ~~معا، وقرأه الباقون الجوار بحذف الياء في الوصل والوقف معا. ### || [42.37] # قوله تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش } الآية. # قرأ هذا الحرف حمزة والكسائي (كبير الإثم)، بكسر الباء بعدها ياء ساكنة ~~وراء على صيغة الإفراد. # وقرأه الباقون بفتح الباء بعدها ألف فهمزة مكسورة قبل الراء على صيغة ~~الجمع. # وقوله { والذين }: في محل جر عطفا على قوله: # وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون # [الشورى: 36] أي وخير وأبقى أيضا للذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. # والفواحش جمع فاحشة. والتحقيق إن شاء الله أن الفواحش من جملة الكبائر. # والأظهر أنها من أشنعها، لأن الفاحشة في اللغة: وهي الخصلة المتناهية في ~~القبح، وكل متشدد في شيء مبالغ فيه فهو فاحش فيه. # ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد ms3226 # فقوله: الفاحش أي المبالغ في البخل المتناهي فيه. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وعده تعالى الصادق للذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش بما عنده لهم من الثواب الذي هو خير وأبقى، جاء موضحا في ~~غير هذا الموضع، فبين تعالى في سورة النساء أن من ذلك تكفيره تعالى عنهم ~~سيئاتهم، وإدخالهم المدخل الكريم وهو الجنة في قوله تعالى # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31]، وبين في سورة النجم أنهم باجتنابهم كبائر الإثم والفواحش، ~~يصدق عليهم اسم المحسنين ووعدهم على ذلك بالحسنى. # والأظهر أنها الجنة، ويدل له حديث # " الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم " # في تفسير قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] كما قدمناه. # وآية النجم المذكورة هي قوله تعالى # ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31] ثم بين المراد بالذين أحسنوا في قوله # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم إن ربك واسع المغفرة # [النجم: 32]. # وأظهر الأقوال في قوله: إلا اللمم، أن المراد باللمم صغائر الذنوب، ومن ~~أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه # [النساء: 31] الآية. فدلت على أن اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر، ~~وخير ما يفسر به القرآن، القرآن. # ويدل لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح: قال ما رأيت شيئا أشبه ~~باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين ~~النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ". # وعلى هذا القول فالاستثناء في قوله إلا اللمم منقطع، لأن اللمم الذي هو ~~الصغائر على هذا القول لا يدخل في الكبائر والفواحش، وقد قدمنا تحقيق ~~المقام في الاستثناء المنقطع. في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما # [مريم: 62]. # وقالت جماعة من أهل العلم: الاستثناء متصل فالواو عليه، فمعنى إلا ~~اللمم: إلا أن يلم بفاحشة مرة ثم يجتنبها ولا يعود ms3227 لها بعد ذلك. # واستدلوا لذلك بقول الراجز: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك ما ألما # وروى هذا البيت ابن جرير والترمذي وغيرهما مرفوعا. وفي صحته مرفوعا ~~نظر. # وقال بعض العلماء. المراد باللمم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي، قبل ~~الدخول في الإسلام ولا يخفى بعده. # وأظهر الأقوال هو ما قدمنا لدلالة آية النساء المذكورة عليه، وحديث ابن ~~عباس المتفق عليه. # واعلم أن كبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين، وقد جاء تعيين بعضها ~~كالسبع الموبقات أي المهلكات لعظمها، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي ~~هريرة # " أنها الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر وأكل ~~الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات " # وقد جاءت روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين بعض ~~الكبائر # " كعقوق الوالدين واستحلال حرمة بيت الله الحرام والرجوع إلى البادية ~~بعد الهجرة وشرب الخمر واليمين الغموس والسرقة ومنع فضل الماء ومنع فضل ~~الكلأ وشهادة الزور ". # وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود # " أن أكبر الكبائر الإشراك بالله الذي خلق الخلق ثم قتل الرجل ولده خشية ~~أن يطعم معه، ثم زناه بحليلة جاره " # وفي بعضها أيضا # " أن من الكبائر تسبب الرجل في سب والديه " # ، وفي بعضها أيضا # " أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفرا " # وذلك يدل على أنهما من الكبائر. # وفي بعض الروايات # " أن من كبائر الوقوع في عرض المسلم، والسبتين بالسبة ". # وفي بعض الرويات # " أن منها جمع الصلاتين من غير عذر ". # وفي بعضها # " أن منها اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله " # ويدل عليهما قوله تعالى: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 87]. وقوله # أفلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. # وفي بعضها # " أن منها سوء الظن بالله " # ويدل له قوله تعالى # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات الظآنين بالله ظن السوء عليهم ~~دآئرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد ~~لهم جهنم وسآءت مصيرا # [الفتح: 6]. # وفي بعضها # " أن منها الإضرار ms3228 في الوصية ". # وفي بعضها أن منها الغلول، ويدل له قوله تعالى: # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة # [آل عمران: 161]. وقدمنا معنى الغلول في سورة الأنفال، وذكرنا حكم ~~الغال. # وفي بعضها # " أن من أهل الكبائر الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " # ويدل له قوله تعالى: # أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم # [آل عمران: 77] ولم نذكر أسانيد هذه الروايات ونصوص متونها خوف الإطالة، ~~وأسانيد بعضها لا تخلو من نظر لكنها لا يكاد يخلو شيء منها عن بعض ~~الشواهد الصحيحة، من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن أهل العلم اختلفوا في حد الكبيرة. # فقال بعضهم: هي كل ذنب استوجب حدا من حدود الله. # وقال بعضهم: هي كل ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. # واختار بعض المتأخرين حد الكبيرة بأنها هي كل ذنب دل على عدم اكتراث ~~صاحبه بالدين. # وعن ابن عباس: أن الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع. وعنه أيضا ~~أنها أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أنها لا تنحصر في سبع، وأن ما ~~دل عليه من الأحاديث على أنها سبع لا يقتضى انحصارها في ذلك العدد، لأنه ~~إنما دل على نفي غير السبع بالمفهوم، وهو مفهوم لقب، والحق عدم اعتباره. # ولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضا، لأن زيادة الكبائر على ~~السبع مدلول عليها بالمنطوق. # وقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع، والمنطوق مقدم على المفهوم، مع ~~أن مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم. # والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم ~~من مطلق المعصية سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، ~~أو كان وجوب الحد فيه، أو غير ذلك مما يدل على تغليظ التحريم وتوكيده. # مع أن بعض أهل العلم قال: إن ms3229 كل ذنب كبيرة. وقوله تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه # [النساء: 31] الآية. وقوله: # إلا اللمم # [النجم: 32] يدل على عدم المساواة، وأن بعض المعاصي كبائر. وبعضها ~~صغائر، والمعروف عند أهل العلم: أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع ~~الاستغفار، والعلم عند الله تعالى. ### || [42.40] # قوله تعالى: { وجزآء سيئة سيئة مثلها }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] الآية. وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: # فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه # [الزمر: 17-18] الآية. ### || [42.41] # قوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على آية النحل وآية الزمر ~~المذكورتين آنفا. ### || [42.44] # قوله تعالى: { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } ~~الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى # فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد ~~فنعمل غير الذي كنا نعمل # [الأعراف: 53]. ### || [42.52] # قوله تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ~~}. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده # [النحل: 2] الآية. # قوله تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا }. # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان }. يبين الله جل وعلا فيه منته على هذا النبي ~~الكريم، بأنه علمه هذا القرآن العظيم ولم يكن يعلمه قبل ذلك، وعلمه ~~تفاصيل دين الإسلام ولم يكن يعلمها قبل ذلك. # فقوله: ما كنت تدري ما الكتاب: أي ما كنت تعلم ما هو هذا الكتاب الذي هو ~~القرآن العظيم، حتى علمتكه، وما كنت تدري ما الإيمان الذي هو تفاصيل هذا ~~الدين الإسلامي، حتى علمتكه. # ومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن ~~الإيمان شامل للقول والعمل ms3230 مع الاعتقاد. # وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة، منها: حديث وفد عبد القيس المشهور، ~~ومنها حديث: # " من قام رمضان إيمانا واحتسابا " # الحديث، فسمى فيه قيام رمضان إيمانا، وحديث # " الإيمان بضع وسبعون شعبة " # ، وفي بعض رواياته # " بضع وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق ". # والأحاديث بمثل ذلك كثيرة ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي في شعب الإيمان ~~فهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان يعرف تفاصيل الصلوات المكتوبة ~~وأوقاتها ولا صوم رمضان، وما يجوز فيه وما لا يجوز ولم يكن يعرف تفاصيل ~~الزكاة ولا ما تجب فيه ولا قدر النصاب وقدر الواجب فيه ولا تفاصيل الحج ~~ونحو ذلك، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { ولا الإيمان }. # وما ذكره هنا من أنه لم يكن يعلم هذه الأمور حتى علمه إياها بأن أوحى ~~إليه هذا النور العظيم الذي هو كتاب الله، جاء في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم # [النساء: 113] الآية. وقوله جل وعلا # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3]. # فقوله في آية يوسف هذه: # وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3] كقوله هنا { ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان } [الشورى: 52] وقوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] على أصح التفسيرات كما قدمناه في سورة الشعراء في الكلام على ~~قوله تعالى: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء } ، الضمير في قوله: جعلناه راجع إلى القرآن ~~العظيم المذكور في قوله: { روحا من أمرنا } [الشورى: 52] وقوله: ~~{ ما كنت تدري ما الكتاب } أي ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم ~~نورا نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا. # وسمي القرآن نورا، لأنه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك. # وما ذكره هنا من أن هذا القرآن نور، جاء موضحا في آيات أخر كقوله ~~تعالى: # يا ms3231 أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174]. # وقوله تعالى # واتبعوا النور الذي أنزل معه # [الأعراف: 157] وقوله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة: 15-16] وقوله تعالى: # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا # [التغابن: 8]. # وما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كون هذا القرآن نورا يدل على أنه ~~هو الذي يكشف ظلمات الجهل، ويظهر في ضوئه الحق، ويتميز عن الباطل ويميز ~~به بين الهدى والضلال والحسن والقبيح. # فيجب على كل مسلم أن يستضيء بنوره، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم ~~حرامه ويمتثل أوامره ويجتنب ما نهى عنه ويعتبر بقصصه وأمثاله. # والسنة كلها داخلة في العمل به، لقوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. # قوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم }. # الصراط المستقيم، قد بينه تعالى في قوله: # اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة: 6-7]. # وقوله في هذه الآية الكريمة { وإنك لتهدي } الآية، قد بينا ~~الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] الآية، وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: { وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم } [الشورى: 52] مع قوله # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. # والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والمستقيم. الذي لا اعوجاج فيه، ~~ومنه قول جرير: # أمير المؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم ### || [42.53] # قوله تعالى: { ألا إلى الله تصير الأمور }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الأمور كلها تصير إلى الله، أي ترجع ~~إليه وحده لا إلى غيره. جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر ~~كله # [هود: 123] وقوله تعالى: # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 109-110] إلى غير ذلك من الآيات. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-3] ms3232 # قوله تعالى: { حم والكتاب المبين إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا } الآية. # قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود. # وقوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربيا } قد قدمنا ~~الكلام عليه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: # لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين # [الشعراء: 194-195] وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] الآية. ### || [43.8] # قوله تعالى: { فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل ~~الأولين }. # الضمير في قوله منهم عائد إلى القوم المسرفين، المخاطبين بقوله: # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين # [الزخرف: 5]، وفيه ما يسميه علماء البلاغة بالالتفات من الخطاب إلى ~~الغيبة. # وقوله { أشد منهم } مفعول به لأهلكنا، وأصله نعت لمحذوف، ~~والتقدير: فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا، على حد قوله في الخلاصة: # وما من المنعوت والنعت عقل # يجوز حذفه وفي النعت يقل # وقوله بطشا: تمييز محول من الفاعل على حد قوله في الخلاصة: # والفاعل المعنى انصبن بأفعلا # مفضلا كأنت أعلا منزلا # والبطش: أصله الأخذ بعنف وشدة. # والمعنى: فأهلكنا قوما أشد بطشا من كفار مكة الذين كذبوا نبينا بسبب ~~تذكيبهم رسلهم فليحذر الكفار الذين كذبوك أن نهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا ~~الذين كانوا أشد منهم بطشا، أي أكثر منهم عددا وعددا وجلدا. # فعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بإهلاك الأقوى الأكثر. # وقوله في هذه الآية الكريمة: { ومضى مثل الأولين } أي صفتهم ~~التي هي إهلاكهم المستأصل، بسبب تكذيبهم الرسل. # وقول من قال: { مثل الأولين } أي عقوبتهم وسنتهم راجع في المعنى ~~إلى ذلك. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، بأن الله أهلك من هم أقوى منهم، ليحذروا أن يفعل بهم مثل ~~ما فعل بأولئك، جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها # [الروم: 9] الآية. وقوله تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ms3233 ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض # [غافر: 82] الآية. وقوله تعالى: # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السمآء عليهم مدرارا # [الأنعام: 6] إلى قوله تعالى: # فأهلكناهم بذنوبهم # [الأنعام: 6] الآية. وقوله تعالى: # وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار مآ ~~آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير # [سبأ: 45]. وقوله تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما ~~كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في ~~الأرض إنه كان عليما قديرا # [فاطر: 44]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ومضى مثل الأولين } ما ~~تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد كفار مكة الذين كذبوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، بصفته إهلاكهم وسنته فيهم التي هي العقوبة وعذاب الاستئصال، ~~جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ~~استكبارا في الأرض ومكر السيىء ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون إلا ~~سنة آلأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن ~~تجد لسنت الله تحويلا # [فاطر: 42-43] وقوله تعالى: # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم ~~يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة ~~الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك ~~الكافرون # [غافر: 83-85] وقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين # [الكهف: 55] الآية. وقوله تعالى: # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين # [الزخرف: 55-56]. # وقد قدمنا بعض الآيات الدالة على هذا في سورة المائدة في الكلام على ~~قوله تعالى: # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل # [المائدة: 32] الآية. ### || [43.9] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة بني إسرائيل، في الكلام على ~~قوله ms3234 تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [43.10] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم ~~فيها سبلا لعلكم تهتدون }. # قرأ هذا الحرف، عاصم وحمزة والكسائي { مهدا } بفتح الميم وسكون الهاء ~~وقرأه باقي السبعة { مهادا } بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف ~~ومعناهما واحد وهو الفراش. # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جعل الأرض لبني آدم مهدا أي ~~فراشا وأنه جعل لهم فيها سبلا أي طرقا ليمشوا فيها ويسلكوها، فيصلوا ~~بها من قطر إلى قطر. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، ~~من كونه تعالى جعل الأرض فراشا لبني آدم وجعل لهم فيها الطرق، لينفذوا ~~من قطر إلى قطر، جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: # والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا # [نوح: 19-20]، وكقوله تعالى: # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا ~~فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون # [الأنبياء: 31]. # وذكر كون الأرض فراشا لبني آدم في آيات كثيرة كقوله تعالى: # والأرض فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات: 48] وقوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22]. وقوله تعالى: # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسمآء ~~بنآء # [غافر: 64] الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون # [النحل: 15]. ### || [43.11] # قوله تعالى: { والذي نزل من السمآء مآء بقدر ~~فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من دلالة إحياء الأرض بعد موتها على خروج ~~الناس من قبورهم أحياء بعد الموت، في قوله تعالى: { كذلك تخرجون ~~} جاء موضحا في آيات كثيرة قد قدمناها في سورة البقرة في الكلام على ~~قوله تعالى: # وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22] مع بقية براهين البعث في القرآن. وأوضحنا ذلك أيضا في ~~سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء ms3235 لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10]، وفي غير ذلك من المواضع، وأحلنا على ذلك مرارا كثيرة في ~~هذا الكتاب المبارك. # وقد قدمنا في سورة الفرقان معنى الإنشاء والنشور وما في ذلك من اللغات ~~مع الشواهد العربية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { بقدر }. # قال بعض العلماء: أي بقدر سابق وقضاء. # وقال بعض العلماء: أي بمقدار يكون به إصلاح البشر فلم يكثر الماء جدا ~~فيكون طوفانا فيهلكهم، ولم يجعله قليلا دون قدر الكفاية، بل نزله بقدر ~~الكفاية من غير مضرة، كما قال تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # [المؤمنون: 18]. وقال تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] إلى قوله # ومآ أنتم له بخازنين # [الحجر: 22]. ### || [43.12-13] # قوله تعالى: { والذي خلق الأزواج كلها }. # الأزواج الأصناف، والزوج تطلقه العرب على الصنف. # وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما ~~لا يعلمه إلا الله. # قال تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. # وقال تعالى: # وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى # [طه: 53] وقال تعالى: # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج # [الحج: 5] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات. # وقال تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم # [لقمان: 10]. ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى: # وآخر من شكله أزواج # [ص: 58]. وقوله تعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم # [طه: 131]. # وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] الآية. # قوله تعالى: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ~~ربكم إذا استويتم عليه }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن، في الكلام على قوله ~~تعالى # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها # [غافر: ms3236 79] الآية. وضمير المفرد المذكر الغائب في قوله: { لتستووا ~~على ظهوره } ، وقوله: { إذا استويتم عليه } راجع إلى ~~لفظ ما في قوله: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون }. # قوله تعالى: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين }. # يعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن ~~الأنعام ليستووا أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ~~ربهم عليهم بتلك المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون { ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } ~~[الزخرف: 13]. # وقوله: " سبحان " قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه، بإيضاح وأنه ~~يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله ~~وجلاله والإشارة في قوله { هذا } راجعة إلى لفظ { ما } من قوله: { ~~ما تركبون } وجمع الظهور نظرا إلى معنى { ما } ، لأن معناها عام ~~شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد، فالجمع في الآية باعتبار معناها، ~~والإفراد باعتبار لفظها. # وقوله: { الذي سخر لنا هذا } أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ~~ما نركبه من الأنعام والسفن لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا ~~عليها ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ~~ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك. # وقوله تعالى: { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين. # والعرب تقول: أقرن الرجل للأمر وأقرنه إذا كان مطيقا له كفؤا للقيام ~~به من قولهم: أقرنت الدابة للدابة، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت ~~على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها، فتجرها لأن الضعيف إذا لز في القرن أي ~~الحبل، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير: # وابن اللبون إذا ما لز في قرن # لم يستطع صولة البزل القناعيس # وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب وقد أنشده ~~قطرب لهذا المعنى: # لقد علم القبائل ما عقيل # لنا في النائبات بمقرنينا # وقوله ms3237 ابن هرمة: # وأقرنت ما حملتني ولقلما # يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر # وقول الآخر: # ركبتم صعبتي أشرا وحيفا # ولستم للصعاب بمقرنينا # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم ~~يذلله الله لهم لما أقرنوا له ولما أطاقوه جاء مبينا في آيات أخر. قال ~~تعالى في ركوب الفلك: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس: 41-42]. وقال تعالى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا # [النحل: 14] الآية. وقال تعالى: # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره ولتبتغوا من فضله # [الجاثية: 12] الآية. وقال تعالى: # وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ~~وسخر لكم الأنهار # [إبراهيم: 32] الآية. وقال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس # [البقرة: 164] الآية. وقال تعالى: # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك ~~تجري في البحر بأمره ويمسك السمآء أن تقع ~~على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقال تعالى في تسخير الأنعام: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72] وقال تعالى: # فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم ~~تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن ~~يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين # [الحج: 36-37] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.15] # قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا }. # قال بعض العلماء { جزءا } أي عدلا ونظيرا، يعني الأصنام وغيرها من ~~المعبودات من دون الله. # وقال بعض العلماء: { جزءا } أي ولدا. # وقال بعض العلماء: { جزءا } يعني البنات. # وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن الجزء النصيب، واستشهد على ذلك ~~بآية الأنعام. أعني قوله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا # [الأنعام: 136] الآية. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن قول ابن كثير هذا رحمه ~~الله غير ms3238 صواب في الآية. # لأن المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، ~~والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام. # وبين الأمرين فرق واضح كما ترى. # وأن قول قتادة ومن وافقه: إن المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو ~~الشريك غير صواب أيضا. # لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب. # أما كون المراد بالجزء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث، ~~فهذا هو التحقيق في الآية. # وإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين: # أحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مرادا به ~~البنات، ويقولون: أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة أي تلد ~~البنات، قالوا ومنه قول الشاعر: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا # وقول الآخر: # زوجتها من بنات الأوس مجزئة # للعوسج اللدن في أبياتها زجل # وأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلا إنها كذب وافتراء على العرب. # قال في الكشاف في الكلام على هذه الآية الكريمة: ومن بدع التفاسير، ~~تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو ~~إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه ~~أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتا وبيتا: # *إن أجزأت حرة يوما فلا عجب* # زوجتها من بنات الأوس مجزئة ا ه. منه بلفظه. # وقال ابن منظور في اللسان: وفي التنزيل العزيز: { وجعلوا له من ~~عباده جزءا } [الزخرف: 15]. قال أبو إسحاق يعني به الذين جعلوا ~~الملائكة بنات الله تعالى وتقدس عما افتروا، قال: وقد أنشدت بيتا يدل ~~على أن معنى جزءا معنى الإناث قال: ولا أدري البيت هو قديم أم مصنوع؟ # *إن أجزأت حرة يوما فلا عجب* # والمعنى في قوله: { وجعلوا له من عباده جزءا } [الزخرف: ~~15] أي جعلوا نصيب الله من الولد الإناث، قال ولم أجده في شعر قديم ولا ~~رواه عن العرب الثقات، وأجزأت المرأة ولدت الإناث، وأنشد أبو حنيفة: # *زوجتها من بنات الأوس مجزئة* # انتهى ms3239 الغرض من كلام صاحب اللسان. # وظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج أن قولهم: أجزأت المرأة إذا ولدت ~~الإناث معروف، ولذا ذكره وذكر البيت الذي أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له. # والوجه الثاني: وهو التحقيق إن شاء الله أن المراد بالجزء في الآية ~~الولد، وأنه أطلق عليه اسم الجزء، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد ~~كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى. # وأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث فقرينة ~~السياق دالة عليه دلالة واضحة، لأن جعل الجزء المذكور لله من عباده هو ~~بعينه الذي أنكره الله إنكارا شديدا وقرع مرتكبه تقريعا شديدا في ~~قوله تعالى بعده # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ~~وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا # [الزخرف: 16-17] إلى قوله: # وهو في الخصام غير مبين # [الزخرف: 18]. # وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم { جزءا } بضم الزاي وباقي السبعة ~~بإسكانها وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة، بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف ~~التنوين للوقف. ### || [43.16] # قوله تعالى: { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم ~~بالبنين }. # أم هنا بمعنى استفهام الإنكار، فالكفار لما قالوا: الملائكة بنات الله ~~أنكر الله عليهم أشد الإنكار، موبخا لهم أشد التوبيخ، حيث افتروا عليه ~~الولد، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى كما قال هنا: { ~~أم اتخذ مما يخلق بنات } وهي النصيب الأدنى من الأولاد، ~~وأصفاكم أنتم، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من ~~الأولاد. # وإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله هنا # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا # [الزخرف: 17] يعني الأنثى، كما أوضحه بقوله: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58] يعني فكيف تجعلون لله الإناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن ~~امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسودا يعني من الكآبة وهو كظيم أي ممتلئ ~~حزنا وغما، وكقوله تعالى هنا # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # [الزخرف: 18] ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم ms3240 لهم بأنهم مع افترائهم عليه ~~جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي، ينشأ في الحلية ~~من الحلي والحلل وأنواع الزينة، من صغره إلى كبره ليجبر بتلك الزينة نقصه ~~الخلقي الطبيعي، وهو في الخصام غير مبين، لأن الأنثى غالبا لا تقدر على ~~القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها. # وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإيضاح في سورة بني ~~إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وكقوله تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57]. وقوله تعالى: # ويجعلون لله ما يكرهون # [النحل: 62]. وقوله تعالى: # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # [الإسراء: 40] وقوله تعالى # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. وقوله تعالى: # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم ~~خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم ~~من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ~~أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون ~~أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين # [الصافات: 149-157]. # وقد قدمنا كثيرا من الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة النحل في ~~الكلام على قوله تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57] ووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلا لله في قوله: # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا # [الزخرف: 17] الآية ظاهر، لأن البنات المزعومة يلزم ادعاءها أن تكون من ~~جنس من نسبت إليه، لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في ~~صفاته. ### || [43.19] # قوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون }. # قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر { عند الرحمن } بسكون النون ~~وفتح الدال ظرف كقوله تعالى: # إن الذين عند ربك لا يستكبرون # [الأعراف: 206]، وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي { الذين هم عباد ~~الرحمن } بكسر العين وباء موحدة بعدها ألف وضم الدال جمع عبد كقوله: { ~~وعباد الرحمن } الآية. # وقوله { أشهدوا خلقهم }. قرأه عامة السبعة غير نافع أشهدوا ~~بهمزة ms3241 واحدة مع فتح الشين، وقرأه نافع أأشهد. بهمزتين الأولى مفتوحة ~~محققة، والثانية مضمومة مسهلة بين بين وقالوا يجعل بين الهمزتين ألف ~~الإدخال على إحدى الروايتين. # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع مسائل: # الأولى: أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث زاعمين أنهم بنات ~~الله. # الثانية: أنه وبخهم على ذلك توبيخا شديدا وأنكر عليهم ذلك في قوله: { ~~أشهدوا خلقهم } يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثا. # الثالثة: أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم. # الرابعة: أنهم يسألون عنها يوم القيامة. # وهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت موضحة في غير ~~هذا الموضع. # أما الأولى منها. وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثا، فقد ذكرها تعالى ~~في مواضع من كتابه كقوله تعالى # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # [الإسراء: 40]. وكقوله تعالى: # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى # [النجم: 27] الآية، وقوله تعالى # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم ~~خلقنا الملائكة إناثا # [الصافات: 149-150] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # وأما المسألة الثانية: وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإنكار والتوبيخ ~~والتقريع هل شهدوا خلق الملائكة وحضروه، حتى علموا أنهم خلقوا إناثا فقد ~~ذكرها في قوله تعالى: # أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون # [الصافات: 150] وبين تعالى أنه لم يشهد الكفار خلق شيء في قوله: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51] الآية. # وأما المسألة الثالثة: التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم، فقد ~~ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # [الإنفطار: 10-12] وقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29]، وقوله تعالى: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 80]، وقوله تعالى: # إن رسلنا يكتبون ما تمكرون # [يونس: 21] وقوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك # [الإسراء: 13-14] الآية. وقوله تعالى: # سنكتب ms3242 ما يقول ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79]. # وأما المسألة الرابعة: وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر، فقد ~~ذكرها تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون # [العنكبوت: 13] وقوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92-93]، وقوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44] وقوله تعالى: # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ~~تالله لتسألن عما كنتم تفترون # [النحل: 56] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.20] # في هذه الآية الكريمة إشكال معروف، ووجهه أن قول الكفار الذي ذكره الله ~~عنهم هنا، أعني قوله تعالى { وقالوا لو شآء الرحمن ما ~~عبدناهم } [الزخرف: 20]، هو بالنظر إلى ظاهره كلام صحيح، لأن الله ~~لو شاء أن يعبدوهم ما عبدوهم، كما قال تعالى # ولو شآء الله مآ أشركوا # [الأنعام: 107]، وقال تعالى: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن ~~من الجاهلين # [الأنعام: 35]، وقال تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13] الآية. وقال تعالى: # فلو شآء لهداكم أجمعين # [الأنعام: 149]، وقال تعالى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99]. # وهذا الإشكال المذكور في آية الزخرف هو بعينه واقع في آية الأنعام، وآية ~~النحل. # أما آية الأنعام فهي قوله: # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء # [الأنعام: 148]. # وأما آية النحل، فهي قوله: # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا # [النحل: 35] الآية. # فإذا عرفت أن ظاهر آية الزخرف وآية الأنعام، وآية النحل: أن ما قاله ~~الكفار حق، وأن الله لو شاء ما عبدوا من دونه من شيء ولا أشركوا به ~~شيئا، كما ذكرنا في الآيات الموضحة قريبا. # فاعلم أن وجه الإشكال، أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها ~~حق، قال في آية الزخرف: { ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون } [الزخرف: 20] أي يكذبون، وقال في آية الأنعام ms3243 # كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # [الأنعام: 148]، وقال في آية النحل # كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل ~~إلا البلاغ المبين # [النحل: 35]. # ومعلوم أن الذي فعله الذين من قبلهم، هو الكفر بالله والكذب على الله، ~~في جعل الشركاء له وأنه حرم ما لم يحرمه. # والجواب عن هذا أن مراد الكفار بقولهم { لو شآء الرحمن ما ~~عبدناهم } [الزخرف: 20] وقولهم # لو شآء الله مآ أشركنا # [الأنعام: 148] مرادهم به أن الله لما كان قادرا على منعهم من الشرك، ~~وهدايتهم إلى الإيمان ولم يمنعهم من الشرك. دل ذلك على أنه راض منهم ~~بالشرك في زعمهم. # قالوا لأنه لو لم يكن راضيا به، لصرفنا عنه، فتكذيب الله لهم في الآيات ~~المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به، والله جل وعلا يكذب هذه الدعوى في ~~الآيات المذكورة وفي قوله # ولا يرضى لعباده الكفر # [الزمر: 7]. # فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية القدرية، تستلزم الرضى وهو زعم باطل، ~~وهو الذي كذبهم الله فيه من الآيات المذكورة. # وقد أشار تعالى إلى هذه الآيات المذكورة، حيث قال في آية الزخرف: # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون # [الزخرف: 21] أي آتيناهم كتابا يدل على أنا رضوان منهم بذلك الكفر، ثم ~~أضرب عن هذا إضراب إبطال مبينا أن مستندهم في تلك الدعوى الكاذبة هو ~~تقليد آبائهم التقليد الأعمى، وذلك في قوله # بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 22] أي شريعة وملة وهي الكفر وعبادة الأوثان # وإنا على آثارهم مهتدون # [الزخرف: 22]. # فقوله عنهم مهتدون هو مصب التكذيب، لأن الله إنما يرضى بالاهتداء لا ~~بالضلال. # فالاهتداء المزعوم أساسه تقليد الآباء الأعمى، وسيأتي إيضاح رده عليهم ~~قريبا إن شاء الله. # وقال تعالى في آية النحل بعد ذكره دعواهم المذكورة: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ~~ومنهم من حقت عليه الضلالة # [النحل: 36]. فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه ms3244 لم يكن راضيا بكفرهم، ~~وأنه بعث في كل أمة رسولا، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده، ~~ويجتنبوا الطاغوت أي يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه. # وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة أي ثبت ~~عليه الكفر والشقاء. # وقال تعالى في آية الأنعام # قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم ~~أجمعين # [الأنعام: 149]. فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية، هو الحجة البالغة ~~على خلقه، يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق، فهو فضل منا ورحمة. # ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة، لأنه لم يكن له ذلك دينا علينا ~~ولا واجبا مستحقا يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه ~~فعدل. وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق، قبل أن يخلق ~~الخلق، وعلم أن قوما صائرون إلى الشقاء وقوما صائرون إلى السعادة، فريق ~~في الجنة وفريق في السعير. # وأقام الحجة على الجميع، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في ~~الحق لبسا فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك. # ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء ~~الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، ~~وصرف قدرهم وإراداتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه، من أعمال ~~الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء. # فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا، طائعين مختارين، غير مجبورين، ولا ~~مقهورين # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]. # قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم ~~أجمعين # [الأنعام: 149]. # وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء. # ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة ~~الاختيارية والحركة الاضطرارية، كحركة المرتعش فرقا ضروريا، لا ينكره ~~عاقل. # وأنك لو ضربت من يدعى أن الخلق مجبورون، وفقأت عينه مثلا، وقتلت ولده ~~واعتذرت له بالجبر، فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي ~~فعلته بك، بل هو ms3245 فعل الله، وأنا لا دخل فيه فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى ~~بلا شك. # بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلا: # إن هذا بإرادتك ومشيئتك. # ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا ~~يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن أحدا أن ينكر علم ~~الله بكل شيء، قبل وقوعه والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا ~~مكابر. # وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه، برهان قاطع على بطلان تلك ~~الدعوى. # وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك ~~تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك ~~المستقلة في زعمك دون إرادة الله أن لا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي ~~سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك؟ وتصير علم الله جهلا، ~~بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟ # والجواب بلا شك: هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]، وقال الله تعالى: # قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم ~~أجمعين # [الأنعام: 149]. ولا إشكال البتة في أن علم الله يخلق للعبد قدرة وإرادة ~~يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد ~~وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولا ~~يجور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]. # والمناظرة التي ذكرها بعضهم، بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار ~~المعتزلي توضح هذا. # وهي أن عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء يعني أن السرقة والزنا ~~ليسا بمشيئة الله، لأنه في زعمه أنزه من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته. # فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل. # ثم قال: سبحان من لم يقع في ملكه إلا ما يشاء. # فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه. # فقال أبو ms3246 إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه، أأنت الرب وهو العبد؟ # فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالرديء، دعاني ~~وسد الباب دوني؟ أتراه أحسن أم أساء؟ # فقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقا واجبا لك عليه فقد ~~ظلمك وقد أساء، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وإن كان ملكه المحض ~~فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ~~ما لهذا جواب. # ومضمون جواب أبي إسحاق هذا الذي أفحم به عبد الجبار، هو معنى قوله ~~تعالى: # قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم ~~أجمعين # [الأنعام: 149]. # وذكر بعضهم أن عمرو بن عبيد جاءه أعرابي فشكا إليه أن دابته سرقت وطلب ~~منه أن يدعو الله ليردها إليه. # فقال عمرو ما معناه: اللهم إنها سرقت ولم ترد سرقتها، لأنك أنزه وأجل من ~~أن تدبر هذا الخنا. # فقال الأعرابي: ناشدتك الله يا هذا، إلا ما كففت عني من دعائك هذا ~~الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد، ولا ثقة لي ~~برب، يقع في ملكه ما لا يشاؤه فألقمه حجرا. # وقد ذكرنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في ~~الكلام عن آية الأنعام المذكورة في هذا البحث، وفي سورة الشمس في الكلام ~~عن قوله تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8]. ### || [43.21] # أم هنا تتضمن معنى استفهام الإنكار، يعني جل وعلا أن هذا الذي يزعم ~~الكفار من أنهم على حق في عبادتهم الأوثان، وجعلهم الملائكة بنات الله، ~~لا دليل لهم عليه. ولذا أنكر أن يكون آتاهم كتابا يحل فيه ذلك وأن ~~يكونوا مستمسكين في ذلك بكتاب من الله، فأنكر عليهم هذا هنا إنكارا ~~دالا على النفي للتمسك بالكتاب المذكور، مع التوبيخ والتقريع. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن كفرهم المذكور لم يكن عن هدى من ~~الله، ولا كتاب أنزله الله بذلك، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى ~~في سورة فاطر # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون ms3247 الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة ~~منه # [فاطر: 40] الآية. # وقوله تعالى في الأحقاف # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني ~~بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين # [الأحقاف: 4]. # وقوله تعالى في الروم: # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # [الروم: 35]. # وقوله تعالى في الصافات: # أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم ~~صادقين # [الصافات: 156-157]. # وقوله تعالى في النمل: # أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السمآء والأرض أإله مع الله قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين # [النمل: 64]. # وقوله تعالى في الحج ولقمان: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # [الحج: 8]. # وقوله تعالى في الأنعام: # قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون # [الأنعام: 148]. ### || [43.23-24] # قوله تعالى: { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية ~~من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على ~~قوله تعالى # ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جآء أمة ~~رسولها كذبوه # [المؤمنون: 44] الآية. # وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها # [الأنعام: 123]، وقوله تعالى: { قل أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آبآءكم } [الزخرف: 24]. # قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: قل أو ~~لو جئتكم بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. # وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم، قال أو لو جئتكم بفتح القاف واللام ~~بينهما ألف بصيغة الفعل الماضي. # فعلى قراءة الجمهور فالمعنى قل لهم يا نبي الله أتقتدون بآبائكم في ~~الكفر والضلال، ولو جئتكم بأهدى، أي بدين أهدى مما وجدتم عليه آبائكم، ~~وصيغة التفضيل هنا لمطلق ms3248 الوصف لأن آباءهم لا شيء عندهم من الهداية ~~أصلا. # وعلى قراءة ابن عامر وحفص: فالمعنى قال هو: أي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية مرارا في هذا الكتاب المبارك. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسفيه رأي الكفار وبيان شدة ضلالهم في ~~تقليدهم آباءهم هذا التقليد الأعمى، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى في البقرة: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]، وكقوله تعالى في المائدة: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. # وأوضح تعالى في آية لقمان أن ما وجدوا عليه آباءهم من الكفر والضلال ~~طريق من طرق الشيطان يدعوهم بسلوكها إلى عذاب السعير، وذلك في قوله ~~تعالى: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير # [لقمان: 21] كقوله تعالى: # إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين فهم على آثارهم ~~يهرعون # [الصافات: 69-70]، وقوله تعالى: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنآ آبآءنا لها ~~عابدين قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين # [الأنبياء: 51-54] والآيات بمثل ذلك كثيرة. ### || [43.26-27] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام قال لأبيه وقومه: إنه براء أي بريء، من جميع معبوداتهم التي ~~يعبدونها، من دون الله أي يعني أنه بريء من عبادة كل معبود، إلا المعبود ~~الذي خلقه وأوجده فهو وحده معبوده. # وقد أوضح تعالى في هذا المعنى الذي ذكره عن إبراهيم في مواضع أخر من ~~كتابه كقوله تعالى: # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 75-78] الآية. وكقوله ms3249 تعالى: # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ ~~أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 78-79]. # وزاد جل وعلا في سورة الممتحنة براءته أيضا من العابدين وعداوته لهم ~~وبغضه لهم في الله، وذلك في قوله تعالى: # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده # [الممتحنة: 4]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فإنه سيهدين } ذكر نحوه ~~في قوله: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] وقوله تعالى: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] وقوله تعالى: # فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين # [الأنعام: 77]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { إنني برآء مما ~~تعبدون } { إلا الذي فطرني } أي خلقني. يدل على أنه لا ~~يستحق العبادة، إلا الخالق وحده جل وعلا. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، دلت عليه آيات أخر من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم # [البقرة: 21] الآية، وقوله تعالى: # واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين # [الشعراء: 184] وقوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار # [الرعد: 16] وقوله تعالى: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # [النحل: 17] الآية، وقوله تعالى: # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # [الأعراف: 191] وقوله تعالى: # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون # [الفرقان: 2-3] الآية إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.28-30] # الضمير المنصوب في جعلها على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة ~~على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله # إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني # [الزخرف: 26-27] لأن لا إله إلا ms3250 الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو ~~البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات. # وهذا المعنى جاء موضحا في قوله # إنني برآء مما تعبدون # [الزخرف: 26]. # ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه ~~الذي شرعه على ألسنة رسله. # وهذا المعنى جاء موضحا في قوله: # إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # [الزخرف: 27]. # وضمير الفاعل المستتر في قوله { وجعلها } [الزخرف: 28]. # قال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق. # وقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى. # فعلى القول الأول فالمعنى صير إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ~~ولده وولد ولده. # وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين: # أحدهما: وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به ~~السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ~~لرب العالمين ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب ~~يابني إن الله اصطفى لكم الدين # [البقرة: 130-132] الآية. # والأمر الثاني هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، كقوله تعالى # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي # [البقرة: 124]، أي واجعل من ذريتي أيضا أئمة، وقوله تعالى عنه # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي # [إبراهيم: 40] وقوله عنه # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] وقوله عنه هو وإسماعيل # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128] إلى قوله # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم # [البقرة: 129]. # وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. # ولذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # " أنا دعوة إبراهيم ". # وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة ~~العنكبوت # ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27]، وقال عنه وعن نوح ms3251 في سورة الحديد # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب # [الحديد: 26] الآية. # وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال. # وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ~~ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه، لأن كفار مكة الذين كذبوا ~~بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا إنه ساحر. # وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى { بل متعت ~~هؤلاء } يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم { ولما جآءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون } [الزخرف: 30]. # وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة ~~المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في ~~البقرة: # قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] أي الظالمين من ذرية إبراهيم. # وقوله تعالى في الصافات # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما ~~محسن وظالم لنفسه مبين # [الصافات: 113]. # فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس ~~كذلك. # وقوله تعالى في النساء # فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ~~ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا # [النساء: 54-55]. # وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون وذلك في قوله # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 26]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لعلهم يرجعون } أي جعل ~~الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد ~~المؤمنين لمهتدين منهم، لأن الحق ما دام قائما في جملتهم فرجوع الزائغين ~~عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله { لعلهم يرجعون } ~~[الزخرف: 28]. # والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم، لأنهم لا يعرفون من يصير إلى ~~الهدى، ومن يصير إلى الضلال. # وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ms3252 الكريمة، وفي الكلام تقديم وتأخير. # والمعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ~~يرجعون، أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. ا ه منه. # وإيضاح كلامه، أن المعنى أن إبراهيم، قال لأبيه وقومه: إنني براء مما ~~تعبدون لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق. # والضمير في قوله لعلهم يرجعوا على هذا راجع إلى أبيه وقومه. # وعلى ما ذكرناه أولا فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه، لأن الضالين منهم ~~داخلون في لفظ العقب. # فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم ~~عند الله تعالى. # مسألة # ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية ~~والبنين، لأنه قال في بعضها عن إبراهيم # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. # وقال عنه في بعضها # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي # [إبراهيم: 40] وفي بعضها # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة # [إبراهيم: 37] الآية، وفي بعضها # قال ومن ذريتي # [البقرة: 124] وفي بعضها # وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب # [العنكبوت: 27] وفي بعضها { وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه } [الزخرف: 28]. # فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد، ~~لأن جميعها في شيء واحد. وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن، يدل على أن من وقف ~~وقفا أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه، أن حكم ذلك واحد. # وقد دلت بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية ~~واسم البنين. # وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت، في اسم الذرية والبنين والفرض أن ~~العقب بمعناها، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضا، فمن الآيات ~~الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى # ومن ذريته داوود وسليمان # [الأنعام: 84] إلى قوله # وعيسى وإلياس # [الأنعام: 85] وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية، لأن ~~عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له. # ومن الآيات الدالة على ms3253 دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23] وقوله تعالى # وبنات الأخ وبنات الأخت # [النساء: 23] لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة، شامل لبنات البنات ~~وبنات بناتهن وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في ~~استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. # فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ~~ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه. # وكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة ~~معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب ولم نبسط على ذلك ~~الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك ~~فقط. # أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه. # وذلك في قوله تعالى # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] الآية، فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، ~~وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد ~~البنات في اسم الولد. # وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء. # ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم. # أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات لأن قوله تعالى # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ~~الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 6-8] ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما ~~لا يخفى. # والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظا ~~ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن ~~أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات وواحد بخلاف ~~ذلك وهو الولد. # وأما الستة الباقية منها فهي الآل والأهل ومعناهما واحد. # والقرابة والعشيرة والقوم والموالي، وكلام العلماء فيها مضطرب. # ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه ~~إلا على سبيل التقريب إلا لفظين ms3254 منها وهما القرابة والعشيرة. # أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # " أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل ~~" # مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى # فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى # [الأنفال: 41] كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس ~~هذه. # وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن ~~عباس أنه لما نزلت # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي # " يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا " # الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد ~~العاشر له صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية أبي هريرة في الصحيح. أنه لما نزلت الآية المذكورة قال # " يا معشر قريش أو كلمة نحوها " # الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة، ~~والأول هو الأظهر لحديث ابن عباس المذكور وعليه الأكثر. # تنبيه # [فإن قيل] ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ ~~البنين والشاعر يقول في خلاف ذلك: # بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ~~ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين، ربما كانوا أعداء لأهل ~~أمهاتهم وكثيرا ما يتبع الولد أباه وعصبته، في عداوة أخواله وبغضهم كما ~~هو معلوم. # [فالجواب] أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي ~~معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى ~~منفي عن والد أمه، فلا يقال له ابن بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق ~~من مائه، وله جهة أخرى هي كونه خارجا في الجملة من هذا الشخص، سواء كان ~~بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة ~~لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه صلى الله عليه ms3255 وسلم في قوله في ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما # " إن ابني هذا سيد " # الحديث وهو المراد في الآيات القرآنية كقوله تعالى: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # [النساء: 23] وقوله تعالى # وبنات الأخ وبنات الأخت # [النساء: 23] وكقوله تعالى: # لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا ~~إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء ~~أخواتهن # [الأحزاب: 55] الآية. # فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين ~~والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، ~~وهو إطلاق لفظ الابن على كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة ~~بناته. # وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول. # فإن بني البنات، ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك ~~الاعتبار لأنهم لم يخلقوا من مائهم، وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما ~~كانوا أباعد وربما كانوا أعداء. # فصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت. # وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له ولا تناقض مع انفكاك الجهة. # وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة ~~لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه. # فاعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن ابني هذا سيد " # وقوله تعالى: # وبنات الأخ وبنات الأخت # [النساء: 23] ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين: # وقوله تعالى: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40] يتنزل على الجهة الأخرى. وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر ~~بقوله: # *وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد* # ويزيد ذلك إيضاحا: أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات، فيكون ~~ذلك القتال بين أعمام الرجل وأخواله، فيكون مع عصبته دائما على أخواله، ~~كما في البيت المذكور. # وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم. ~~كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول: # إذا كنت في سعد وأمك منهم # شطيرا فلا يغررك خالك من سعد # فإن ابن أخت القوم مصغي إناؤه # إذا لم يزاحم خاله بأب جلد # فقوله مصغي إناؤه من الإصغاء وهو الإمالة، لأن الإناء إذا أميل ms3256 ولم يترك ~~معتدلا لم يتسع إلا للقليل، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته. # وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجد والإخوة. # فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإخوة، فقد راعى في الجد إحدى الجهتين. # ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى. # ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد عشر لفظا خوف ~~الإطالة. ولأننا لم نجد نصوصا من الوحي تحدد شيئا منها تحديدا دقيقا. # ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون ~~الإناث. # وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك. # لأن الله تعالى قال: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء # [الحجرات: 11] الآية. فعطفه على النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في ~~لفظ القوم. # ونظيره من كلام العرب قول زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري # قوم آل حصن أم نساء # وأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل على ذلك، ~~فقد بينه قوله تعالى في ملكة سبأ: # وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت ~~من قوم كافرين # [النمل: 43]. # وأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب ~~يوالي ويوالى به. # ولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم ~~بالجزاء. # ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين في قوله تعالى: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # [محمد صلى الله عليه وسلم: 11]. # وأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله تعالى: # وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون # [يونس: 30]. كما أثبت لهم ولاية النار في قوله: # مأواكم النار هي مولاكم # [الحديد: 15] الآية. # وأطلق تعالى اسم الموالي على العصبة في قوله تعالى: # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون # [النساء: 33]. # وأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله تعالى: # يوم لا ms3257 يغني مولى عن مولى شيئا # [الدخان: 41]. # ويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم ومنه قول الفضل ~~بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تظهرن لنا ما كان مدفونا # وقول طرفة بن العبد: # وأعلم علما ليس بالظن أنه # إذ ذل مولى المرء فهو ذليل # والحاصل أن من قال هذا وقف، أو صدقة على قومي، أو موالي أنه إن كان هناك ~~عرف خاص، وجب اتباعه في ذلك، وإن لم يكن هناك عرف فلا نعلم نصا من كتاب ~~ولا سنة يحدد ذلك تحديدا دقيقا. # وكلام أهل العلم فيه معروف في محاله. # والعلم عند الله تعالى. ### || [43.31-32] # وقالوا: أي قال كفار مكة، لولا أي هلا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين، أي من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف عظيم يعنون بعظمه، كثرة ~~ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد ~~بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة ~~بن كعب يجتمع نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. # وعظيم الطائف. هو عروة بن مسعود. وقيل حبيب بن عمرو بن عمير. وقيل هو ~~كنانة بن عبد يا ليل وقيل غير ذلك. # وإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولا أن يبعث الله رسولا من البشر كما ~~أوضحناه مرارا. # ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولا إلا من البشر ~~تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح ~~تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين: # وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث يجعلون كثرة ~~المال، والجاه في الدنيا، موجبا لاستحقاق النبوة. وتنزيل الوحي. # ولذا زعموا، أن محمدا صلى الله عليه وسلم، ليس أهلا لإنزال هذا القرآن ~~عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه ~~صلى الله عليه وسلم. # وقد ms3258 بين تعالى في هذه الآية الكريمة، شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، بقوله { ~~أهم يقسمون رحمت ربك } والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ~~ربك النبوة وإنزال الوحي. # وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن كقوله تعالى في الدخان # إنا كنا مرسلين رحمة من ربك # [الدخان: 5-6] الآية، وقوله في آخر القصص # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # [القصص: 86] الآية، وقوله في آخر الأنبياء # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # وقد قدمنا الآيات الدالة، على إطلاق الرحمة: والعلم على النبوة في سورة ~~الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا # [الكهف: 65] الآية. # وقدمنا معاني إطلاق الرحمة، في القرآن في سورة فاطر، في الكلام على قوله ~~تعالى # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر: 2] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية { نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات } [الزخرف: 32] يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم ~~وحظوظهم، في الدنيا، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنيا، ~~وهذا فقيرا، وهذا رفيعا، وهذا وضيعا، وهذا خادما، وهذا مخدوما، ونحو ~~ذلك فإذا لم يفوض إليهم، حظوظهم في الدنيا، ولم يحكمهم فيها. # بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر ~~إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟ # فهذا مما لا يعقل ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا } التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير. # ومعنى تسخير بعضهم لبعض، خدمة بعضهم البعض، وعمل بعضهم لبعض، لأن نظام ~~العالم في الدنيا، يتوقف قيامه على ذلك فمن حكمته جل وعلا، أن يجعل هذا ~~فقيرا مع كونه قويا قادرا على العمل، ويجعل هذا ضعيفا لا يقدر على ~~العمل بنفسه، ولكنه تعالى يهيئ له دراهم، يؤجر بها ذلك الفقير القوي ~~فينتفع القوي بدراهم الضعيف، والضعيف بعمل القوي فتنتظم المعيشة، لكل ~~منهما وهكذا. ms3259 # وهذه المسائل التي ذكرها الله جل وعلا، في هذه السورة الكريمة جاءت كلها ~~موضحة في آيات أخر من كتاب الله. # أما زعمهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أنقص شرفا، وقدرا من أن ينزل ~~عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في (ص) في قوله تعالى # أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ~~ذكري # [ص: 8] الآية. # فقول كفار مكة # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8] معناه إنكارهم، أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن ~~فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله، وجاهه وشرفه فيهم. # وقد قال قوم صالح، مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى منهم # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر # [القمر: 25]. # فقلوب الكفار متشابهة فكانت أعمالهم متشابهة. # كما قال تعالى # كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118] وقال تعالى # أتواصوا به بل هم قوم طاغون # [الذاريات: 53]. # وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك ~~دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى: # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله # [الأنعام: 124] وقوله تعالى في المدثر # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر: 52]. # أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء، كما قال مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر ~~القرآن. # وفي الآية قول آخر معروف. # وأما إنكاره تعالى عليهم، اقتراح إنزال الوحي على غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم، الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار لتجهيلهم، ~~وتسفيه عقولهم، في قوله: { أهم يقسمون رحمة ربك } ~~[الزخرف: 32]. فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام. # لأنه تعالى لما قال # وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل مآ أوتي رسل الله # [الأنعام: 124] أتبع ذلك بقوله، ردا عليهم، وإنكارا لمقالتهم # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. # ثم أوعدهم على ذلك بقوله # سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون # [الأنعام: 124]. # وأما كونه تعالى ms3260 هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر ~~كقوله تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما ~~الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم فهم فيه سوآء # [النحل: 71]. وقوله تعالى # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21] وقوله تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26] وقوله تعالى: # ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # [الشورى: 27] وقوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # [النساء: 135] الآية. # وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل، والتفاوت في الأرزاق، والحظوظ والقوة ~~والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا { ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا } [الزخرف: 32]، كما تقدم. # وقوله تعالى هنا { ورحمة ربك خير مما يجمعون }. ~~يعني أن النبوة، والاهتداء يهدي الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم ~~القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها. # وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى، في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ~~يونس # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58] وقوله تعالى في آل عمران # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة ~~من الله ورحمة خير مما يجمعون # [آل عمران: 157]. # مسألة # دلت هذه الآيات الكريمة، المذكورة هنا، كقوله تعالى: { نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم } [الزخرف: 32] الآية. وقوله # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق # [النحل: 71] الآية ونحو ذلك من الآيات، على أن تفاوت الناس في الأرزاق، ~~والحظوظ سنة، من سنن الله السماوية الكونية، القدرية، لا يستطيع أحد من ~~أهل الأرض، البتة تبديلها، ولا تحويلها، بوجه من الوجوه، # فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت ~~الله تحويلا # [فاطر: 43]. # وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع ~~النبوات، والرسائل السماوية، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص، ~~عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس، في معايشهم أمر باطل. لا يمكن بحال ~~من الأحوال. # مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون. وإنما يقصدون استئثارهم، بأملاك ~~جميع الناس، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها، كيف شاءوا، ms3261 تحت ستار كثير من ~~أنواع الكذب، والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم، ~~وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم. # فالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليها، هم المتمتعون بجميع خيرات ~~البلاد. وغيرهم من عامة الشعب. محرومون من كل خير. مظلومون في كل شيء. ~~حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة، كما تعلف البغال والحمير. # وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس ~~بدعوى أن هذا فقير وهذا غني وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، ~~وأوعد من لم ينته عن ذلك، بقوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو ~~تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 135]. وقوله: # فإن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 135] فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك. ### || [43.33-35] # قوله لبيوتهم، في الموضعين، قرأه ورش وأبو عمرو وحفص، عن عاصم بضم الباء ~~على الأصل. # وقرأه قالون، عن نافع وابن كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وشعبة عن ~~عاصم { لبيوتهم } بكسر الباء لمجانسة الكسرة للياء. # وقوله سقفا: قرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، سقفا ~~بضمتين، على الجمع. # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو { سقفا } بفتح السين وإسكان القاف على ~~الإفراد المراد به الجمع. # وقوله: { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } قرأه نافع وابن كثير، ~~وابن عامر، في رواية ابن ذكوان، وإحدى الروايتين عن هشام وأبي عمرو ~~والكسائي { لما متاع الحياة الدنيا } بتخفيف الميم من لما. # وقرأه عاصم، وحمزة وهشام، عن ابن عامر، وفي إحدى الروايتين { لما متاع ~~الحياة الدنيا } بتشديد الميم من لما. # ومعنى الآية الكريمة، أن الله لما بين حقارة الدنيا، وعظم شأن الآخرة في ~~قوله: # ورحمت ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 32]. # أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة، بين المؤمنين، ~~والكافرين وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصا بالمؤمنين، دون الكافرين ~~وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر، في نعيم الدنيا بقوله: { ~~ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ms3262 } أي لولا كراهتنا ~~لكون جميع الناس أمة واحدة، متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها ~~للكفار. # ولكننا لعلمنا، بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا، وحبها لها لو ~~أعطينا ذلك كله للكفار، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا ~~كفارا، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنيا وفقيرا، وأشركنا ~~بينهم في الحياة الدنيا. # ثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله: { وإن كل ~~ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين } [الزخرف: 35]. # أي خالصة لهم دون غيرهم. # وهذا المعنى جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة # [الأعراف: 32]. # فقوله: # قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا # [الأعراف: 32] أي مشتركة بينهم في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة. # أي خاصة بهم، دون الكفار، يوم القيامة. # إذ لا نصيب للكفار البتة في طيبات الآخرة. # فقوله في آية الأعراف هذه # قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا # [الأعراف: 32] صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة ~~الدنيا. # وذلك الاشتراك المذكور، دل عليه حرف الامتناع، للوجود الذي هو لولا، في ~~قوله هنا { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } [الزخرف: ~~33]. # وخصوص طيبات الآخرة، بالمؤمنين المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله # خالصة يوم القيامة # [الأعراف: 32] هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله { ~~والآخرة عند ربك للمتقين } [الزخرف: 35]. # وجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ المتقين لأن كل مؤمن اتقى الشرك ~~بالله. # وما دلت عليه هذه الآيات. من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة ~~الدنيا، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار # [البقرة: 126] وقوله # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24] وقوله تعالى # يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع ~~الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم ~~بما كنتم تعملون # [يونس: 23] وقوله # قل إن ms3263 الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70] والآيات بمثل هذا كثيرة. # وقد بين تعالى في آيات من كتابه، أن إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم ~~عليه، ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين # [القلم: 44-45] وقوله تعالى # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين # [الأنعام: 44-45] وقوله تعالى # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 95] وقوله تعالى # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا # [مريم: 75] على أظهر التفسيرين. وقوله تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران: 178] وقوله تعالى: # فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير # [الحج: 44]. # ودعوى الكفار، أن الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه ~~واستحقاقهم لذلك، وأنه إن كان البعث حقا أعطاهم خيرا منه في الآخرة قد ~~ردها الله عليهم في آيات كثيرة كقوله تعالى # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، وقوله تعالى # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا # [سبأ: 37]، وقوله تعالى # قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون # [الأعراف: 48]، وقوله تعالى: # مآ أغنى عنه ماله وما كسب # [المسد: 2] وقوله تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11] وقوله تعالى # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم # [الأنعام: 94] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا طرفا من هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. # ولنرجع إلى تفسير ms3264 ألفاظ الآية الكريمة. فقوله { جعلنا } أي صيرنا، وقوله ~~{ لبيوتهم } بدل اشتمال مع إعادة العامل، من قوله لمن يكفر، وعلى قراءة ~~سقفا بضمتين، فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف. # وعلى قراءة سقفا بفتح السين، وسكون القاف: فهو مفرد أريد به الجمع. # وقد قدمنا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5] أن المفرد إذا كان اسم جنس. يجوز إطلاقه مرادا به الجمع ~~وأكثرنا من أمثلة ذلك في القرآن، ومن الشواهد العربية. على ذلك. # وقوله { ومعارج } الظاهر أنه جمع معرج بلا ألف بعد الراء. # والمعرج والمعراج بمعنى واحد وهو الآلة التي يعرج بها أي يصعد بها، إلى ~~العلو. # وقوله: يظهرون أي يصعدون ويرتفعون، حتى يصيروا على ظهور البيوت. ومن ذلك ~~المعنى قوله تعالى # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا # [الكهف: 97]. # والسرر جمع سرير، والاتكاء معروف. # والأبواب جمع باب وهو معروف، والزخرف الذهب. # قال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد، والأبواب والسرر كل ذلك من ~~فضة، كأنه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى ~~فقوله زخرفا مفعول، عامله محذوف والتقدير وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا. # وقال بعض العلماء: إن جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، أي ذهب. # وقد ذكر القرطبي أن إعراب قوله وزخرفا على هذا القول أنه منصور بنزع ~~الخافض، وأن المعنى من فضة، ومن زخرف، فحذف حرف الجر فانتصب زخرفا. # وأكثر علماء النحو على أن النصب بنزع الخافض ليس مطردا ولا قياسيا، ~~وما سمع منه يحفظ ولا يقاس عليه. # وعليه درج ابن مالك في الخلاصة في قوله: وإن حذف فالنصب للمنجر نقلا، ~~إلخ. # وعلي بن سليمان وهو الأخفش الصغير يرى اطراده في كل شيء أمن فيه اللبس، ~~كما أشار في الكافية بقوله: # وابن سليمان اطراده رأى # إن لم يخف لبس كمن زيد نأى # وقوله تعالى: { وإن كل ذلك لما متاع الحياة ~~الدنيا } على قراءة الجمهور بتخفيف الميم من لما، فإن هي المخففة، من ~~الثقيلة، واللام هي الفارقة بين إن ms3265 المخففة من الثقيلة، وإن النافية ~~المشار إليها بقوله في الخلاصة: # وخففت إن فعل العمل # وتلزم اللام إذا ما تهمل # وما مزيدة للتوكيد، وأما على قراءة عاصم وحمزة وابن عامر في إحدى ~~الروايتين عن هشام لما بتشديد الميم فإن نافية، ولما حرف إثبات بمعنى ~~إلا. # والمعنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. # وذكره بعضهم أن تشديد ميم لما على بعض القراءات في هذه الآية وآية ~~الطارق # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4] لغة بني هذيل بن مدركة والعلم عند الله تعالى. ### || [43.36-38] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء # [فصلت: 25] الآية. ### || [43.39] # قد قدمنا الكلام عليه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: # فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون # [الصافات: 33]. ### || [43.40] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النمل في الكلام على قوله ~~تعالى: # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء ~~إذا ولوا مدبرين # [النمل: 80]. ### || [43.43] # أمر الله جل وعلا، نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن ~~يتمسك بهدي هذا القرآن العظيم، وبين له أنه على صراط مستقيم أي طريق ~~واضح. لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام الذي تضمنه هذا القرآن العظيم، ~~الذي أوحي إليه. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، قد جاء موضحا في آيات أخر، من كتاب ~~الله. # أما أمره بالتمسك بالقرآن العظيم، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ~~الكهف في الكلام على قوله تعالى: # واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل ~~لكلماته # [الكهف: 27]. # وأما إخباره له صلى الله عليه وسلم على صراط مستقيم فمن الآيات التي ~~أوضح ذلك فيها قوله تعالى: # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا ~~تتبع أهوآء الذين لا يعلمون # [الجاثية: 18]، وقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض # [الشورى: 52-53]، وقوله تعالى: # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون # [المؤمنون: 73-74] ms3266 وقوله تعالى: # فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم # [الحج: 67] وقوله تعالى: # فتوكل على الله إنك على الحق المبين # [النمل: 79] إلى غير ذلك من الآيات. # وآية الزخرف هذه تدل على أن التمسك بهذا القرآن على هدى من الله، وهذا ~~معلوم بالضرورة. ### || [43.45] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة. من أن جميع الرسل جاءوا بإخلاص التوحيد ~~لله، الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله، جاء موضحا في آيات كثيرة، كقوله ~~تعالى # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]. # وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]، وذلك التوحيد هو أول ما يأمر به كل نبي أمته. # قال تعالى: # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره # [الأعراف: 59]، وقال تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره # [الأعراف: 65]، وقال تعالى: # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره # [الأعراف: 73]، وقال تعالى: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا ~~الله # [الأعراف: 85] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.46] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى ~~فرعون وملئه }. # قد قدمنا الكلام على قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف وطه. ### || [43.48] # قوله تعالى: { وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون }. # لم يبين هنا نوع العذاب الذي أخذهم به، ولكنه أوضحه في الأعراف في قوله ~~تعالى: # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات # [الأعراف: 132-133]، وقوله تعالى: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # [الأعراف: 130] الآية. ### || [43.49-50] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أوضحه في الأعراف بقوله: # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ms3267 إذا هم ~~ينكثون # [الأعراف: 134 - 135]. # والرجز المذكور في الأعراف هو بعينه العذاب المذكور في آية الزخرف هذه. ### || [43.52] # قوله تعالى عن فرعون: { ولا يكاد يبين }. # قد تقدم الكلام عليه في طه في الكلام على قوله تعالى عن موسى # واحلل عقدة من لساني # [طه: 27]. ### || [43.53] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7] الآية. ### || [43.55] # قوله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم }. # آسفونا معناه أغضبونا، وأسخطونا وكون المراد بالأسف الغضب، يدل عليه ~~إطلاق الأسف على أشد الغضب في قوله تعالى: # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا # [الأعراف: 150] على أصح التفسيرين. ### || [43.56] # قد قدمنا الكلام عليه في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: # فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين # [الزخرف: 8]. ### || [43.57-58] # قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصدون) بضم الصاد. # وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصدون) بكسر الصاد. # فعلى قراءة الكسر فمعنى يصدون يضجون ويصيحون، وقيل يضحكون، وقيل معنى ~~القراءتين واحد. كيعرشون ويعرشون ويعكفون ويعكفون. # وعلى قراءة الضم فهو من الصدود والفاعل المحذوف في قوله (ضرب). # قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعري السهمي قبل إسلامه. # أي ولما ضرب ابن الزبعري المذكور عيسى ابن مريم مثلا فاجأك قومك ~~بالضجيج والصياح والضحك، فرحا منهم وزعما منهم أن ابن الزبعري خصمك، أو ~~فاجأك صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل. # والظاهر أن لفظة من هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية، يذكرون أن من ~~معاني من السببية، ومنه قوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]. # أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا. # ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات. # وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعري عيسى مثلا أن الله لما أنزل قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]، قال ابن الزبعري: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~كل معبود من دون الله في النار وأننا وأصنامنا ms3268 جميعا في النار، وهذا ~~عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله فإن كان ابن مريم مع النصارى ~~الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه. # وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة لأن عزيرا عبده اليهود، والملائكة ~~عبدهم بعض العرب. # فاتضح أن ضربه عيسى مثلا، يعني أنه على ما يزعم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم قاله، من أن كل معبود وعابده في النار، يقتضي أن يكون عيسى ~~مثلا لأصنامهم، في كون الجميع في النار، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه. # فزعم ابن الزبعري أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتضى مساواة ~~الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه صلى الله عليه وسلم يعترف بأن عيسى ~~رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده. # وعند ذلك أنزل الله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 101-103] الآية، وأنزل الله أيضا قوله تعالى: { ولما ~~ضرب ابن مريم مثلا } [الزخرف: 57] الآية. # وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: { ما ضربوه لك إلا جدلا ~~} ، أي ما ضربوا عيسى مثلا إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل. # وقيل إن جدلا حال وإتيان المصدر المنكر حالا كثير، وقد أوضحنا توجيهه ~~مرارا. # والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق. # قال جماعة من العلماء، والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في ~~أنفسهم أنه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة، على ~~ما زعموه، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات. # والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة " ما " التي هي في الموضع ~~العربي لغير العقلاء لأنه قال # إنكم وما تعبدون # [الأنبياء: 98] ولم يقل (ومن) تعبدون وذلك صريح في أن المراد الأصنام، ~~وأنه لا يتناول عيسى ولا ms3269 عزيرا ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ~~ذلك بقوله تعالى بعده: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] الآية. # وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة، لم تتناول عيسى بمقتضى ~~لسانهم العربي، الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلا، ~~إلا لأجل الجدل، والخصومة بالباطل. # ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله { ما ضربوه لك إلا ~~جدلا } مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعري يرجع إلى أمرين: # أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة ~~إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله: # فسيف بني عبس وقد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد ~~منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر ~~الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي، وأن ورقاء بن زهير، ضرب بسيف بني عبس، ~~رأس خالد بن جعفر الكلابي، الذي قتل أباه ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه، ~~فإن معنى: نبا السيف ارتفع عن الضريبة ولم يقطع. # والشاعر يهجو بني عبس بذلك. # والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد ~~المذكور، كل ذلك معروف في محله. # والأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعري عيسى مثلا، ~~وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه. # وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله # فعقروا الناقة # [الأعراف: 77] وقوله # فكذبوه فعقروها # [الشمس: 14] وبين صيغة الإفراد في قوله: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29]. # وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله ولما ضرب ابن مريم مثلا هو ~~عامة قريش. # والذين قالوا إن كفار قريش لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ~~عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59]. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تريد بذكر عيسى إلا ~~أن نعبدك كما ms3270 عبد النصارى عيسى. # وعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلا للنبي صلى الله عليه وسلم، في ~~عبادة الناس لكل منهما، زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى. # وعلى هذا القول فمعنى قوله { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ~~ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ~~ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه. # وقوله تعالى: # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله # [آل عمران: 64] الآية. # وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة فمعناه يكرره عليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم كثيرا قبل الهجرة كما هو معلوم. # وكذلك قوله # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون # [آل عمران: 80]. # ولا شك أن كفار قريش متيقنون، في جميع المدة التي أقامها صلى الله عليه ~~وسلم، في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو ~~إلا إلى عبادة الله، وحده لا شريك له. # فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون، في ~~ذلك. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { أآلهتنا خير أم هو }؟ # التحقيق أن الضمير في قوله { هو } راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما ~~الصلاة والسلام. # قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى. # قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى. # وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عبد من دون الله، ولم يكن ذلك سببا لكونه في ~~النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار. # وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم. # والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك وأنت تزعم ~~أنه في النار، بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]. # وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع ms3271 ~~اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله، من أنا وآلهتنا، في النار ليس ~~بحق أيضا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بل هم قوم خصمون } أي ~~لد، مبالغون في الخصومة، بالباطل، كما قال تعالى: # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] أي شديدي الخصومة. # وقوله تعالى: # وهو ألد الخصام # [البقرة: 204]، لأن الفعل بفتح فكسر كخصم، من صيغ المبالغة، كما هو ~~معلوم في محله. # وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا # ولما ضرب ابن مريم مثلا # [الزخرف: 57] الآية إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه. # ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها. # فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلا لأصنامهم، في دخول النار، فإن ~~ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] لأنها لما نزلت قالوا إن عيسى عبد من دون الله كآلهتهم ~~فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء. # وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفا. # وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، في ~~أن عيسى قد عبد، وأنه صلى الله عليه وسلم، يريد أن يعبد كما عبد عيسى، ~~فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59] وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد ~~بالمثل. # وأما الآيات التي بينت قوله { ما ضربوه لك إلا جدلا } ~~[الزخرف: 58] فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى. ### || [43.59] # قوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه }. # والتحقيق أن الضمير في قوله: هو عائد إلى عيسى أيضا لا إلى محمد عليهما ~~الصلاة والسلام. # وقوله هنا: { عبد أنعمنا عليه } لم يبين هنا شيئا من ~~الإنعام الذي أنعم به على عبده عيسى، ولكنه بين ذلك في المائدة، في قوله ~~تعالى: # إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب ~~والحكمة ms3272 والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ ~~تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات # [المائدة: 110] وفي آل عمران، في قوله تعالى # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين # [آل عمران: 45] إلى قوله # ومن الصالحين # [آل عمران: 46] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.61] # قوله تعالى: { وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها ~~}. # التحقيق أن الضمير في قوله: وإنه راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى قوله: { لعلم للساعة } على القول الحق الصحيح الذي يشهد ~~له القرآن العظيم، والسنة المتواترة، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان، حيا ~~علم للساعة أي علامة لقرب مجيئها لأنه من أشراطها الدالة على قربها. # وإطلاق علم الساعة على نفس عيسى، جار على أمرين، كلاهما أسلوب عربي ~~معروف. # أحدهما: أن نزول عيسى المذكور، لما كان علامة لقربها، كانت تلك العلامة، ~~سببا لعلم قربها، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب. # وإطلاق المسبب وإرادة السبب، أسلوب عربي معروف في القرآن، وفي كلام ~~العرب. # ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: # وينزل لكم من السمآء رزقا # [غافر: 13]. # فالرزق مسبب عن المطر والمطر سببه، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد ~~سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب. # ومعلوم أن البلاغيين، ومن وافقهم، يزعمون أن مثل ذلك، من نوع ما يسمونه ~~المجاز المرسل، وأن الملابسة بين السبب والمسبب من علاقات المجاز المرسل ~~عندهم. # والثاني من الأمرين أن غاية ما في ذلك، أن الكلام على حذف مضاف، ~~والتقدير، وإنه لذو علم للساعة، أي وإنه لصاحب إعلام الناس، بقرب مجيئها، ~~لكونه علامة لذلك، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كثير في ~~القرآن، وفي كلام العرب، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: # وما يلي المضاف يأت خلفا # عنه في الإعراب إذا ما حذفا # وهذا الأخير أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت ms3273 بالمصدر ~~كقولك: زيد كرم وعمرو عدل أي ذو كرم وذو عدل كما قال تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2]، وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: # ونعتوا بمصدر كثيرا # فالتزموا الإفراد والتذكيرا # أما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح، ففي قوله تعالى في سورة ~~النساء: # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء: 159] أي ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك صريح في أن عيسى حي ~~وقت نزول آية النساء هذه، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب. # ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض. # فإن قيل قد ذهبت جماعة من المفسرين، من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الضمير ~~في قوله: قبل موته راجع إلى الكتابي، أي إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت ~~الكتابي. # فالجواب أن يكون الضمير راجعا إلى عيسى، يجب المصير إليه، دون القول ~~الآخر، لأنه أرجح منه من أربعة أوجه: # الأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع ~~بعض. # والقول الآخر بخلاف ذلك. # وإيضاح هذا أن الله تعالى قال: { وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } ثم قال تعالى: { ~~وما قتلوه } أي عيسى، { وما صلبوه } أي عيسى { ولكن ~~شبه لهم } أي عيسى { وإن الذين اختلفوا فيه } أي ~~عيسى { لفي شك منه } أي عيسى # ما لهم به من علم # [النساء: 157] أي عيسى، # وما قتلوه يقينا # [النساء: 157] أي عيسى # بل رفعه الله إليه # [النساء: 158] أي عيسى { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به } أي عيسى { قبل موته } أي عيسى # ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا # [النساء: 159] أي يكون هو، أي عيسى عليهم شهيدا. # فهذا السياق القرآني الذي ترى، ظاهر ظهورا لا ينبغي العدول عنه، في أن ~~الضمير في قوله قبل موته، راجع إلى عيسى. # الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر ~~الضمير، ملفوظ مصرح به، في قوله تعالى: # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله # [النساء: 157]. # وأما على القول الآخر فمفسر ms3274 الضمير ليس مذكورا في الآية أصلا، بل هو ~~مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد ~~أهل الكتاب المقدر. # ومما لا شك فيه، أن ما لا يحتاج إلى تقدير، أرجح وأولى، مما يحتاج إلى ~~تقدير. # الوجه الثالث: من مرجحات هذا القول الصحيح، أنه تشهد له السنة النبوية ~~المتواترة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تواترت عنه الأحاديث بأن ~~عيسى حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكما مقسطا. # ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر. # قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة ~~من المفسرين ما نصه: # وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى ا ~~ه. # وقوله بالدليل القاطع يعني السنة المتواترة، لأنها قطعية وهو صادق في ~~ذلك. # وقال ابن كثير، في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه: # وقد تواترت الأحاديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، # " أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا ~~وحكما مقسطا " # ا ه منه. # وهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك. # وأما القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر ~~القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة. # الوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح، واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج ~~إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يصدق، إلا مع ~~تخصيص، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس، وغيره، ظاهرة البعد ~~والسقوط لأنه على القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى عيسى فلا ~~إشكال ولا خفاء، ولا حاجة إلى تأويل، ولا إلى تخصيص. # وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جدا بالنسبة لكل من ~~فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عال إلى أسفل، والذي يقطع رأسه ~~بالسيف وهو غافل والذي يموت في نومه ونحو ذلك، فلا يصدق هذا العموم ~~المذكور في الآية على هذا ms3275 النوع، من أهل الكتاب، إلا إذا ادعى إخراجهم ~~منه بمخصص. # ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من ~~المخصصات المتصلة أو المنفصلة. # وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال ~~إن رأسه يتكلم، بالإيمان بعيسى، وأن الذي يهوي من عال إلى أسفل يؤمن به ~~وهو يهوي، لا يخفى بعده وسقوطه، وأنه لا دليل ألبتة عليه كما ترى. # وبهذا كله تعلم، أن الضمير في قوله # قبل موته # [النساء: 159]، راجع إلى عيسى، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله ~~تعالى هنا: { وإنه لعلم للساعة } [الزخرف: 61] كما ذكرنا. # فإن قيل: إن كثيرا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي، ~~ويعتقدون مثل ما يعتقده، ضلال اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بقوله ~~تعالى: # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي # [آل عمران: 55] وقوله # فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم # [المائدة: 117]. # فالجواب أنه لا دلالة في إحدى الآيتين ألبتة على أن عيسى قد توفي فعلا. # أما قوله تعالى: # إني متوفيك # [آل عمران: 55] فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه: # الأول: أن قوله: { متوفيك } حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملا غير ~~ناقص، والعرب تقول: توفي فلان دينه يتوفاه فهو متوف له إذا قبضه وحازه ~~إليه كاملا من غير نقص. # فمعنى: # إني متوفيك # [آل عمران: 55] في الوضع اللغوي أي حائزك إلي، كاملا بروحك وجسمك. # ولكن الحقيقة العرفية خصصت التوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم ونحو ~~هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ~~ثلاثة مذاهب. # الأول: هو تقديم الحقيقة العرفية، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها. # وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد، وهو المقرر في أصول مالك إلا ~~أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل. # وإلى تقديم الحقيقة العرفية، على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعودي ~~بقوله: # واللفظ محمول على الشرعي # إن لم يكن فمطلق العرفي # فاللغوي على الجلي ولم يجب # بحث عن المجاز في ms3276 الذي انتخب # المذهب الثاني: هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية بناء على أن ~~العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع. # وهذا القول مذهب أبي حنيفة رحمه الله. # المذهب الثالث: أنه لا تقدم العرفية على اللغوية، ولا اللغوية على ~~العرفية، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما، فيحكم على اللفظ ~~بأنه مجمل، لاحتمال هذه واحتمال تلك. # وهذا اختيار ابن السبكي، ومن وافقه، وإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار ~~في مراقي السعود بقوله: # ومذهب النعمان عكس ما مضى # والقول بالإجمال فيه مرتضى # وإذا علمت هذا، فاعلم أنه على المذهب الأول، الذي هو تقديم الحقيقة ~~اللغوية، على العرفية، فإن قوله تعالى: # إني متوفيك # [آل عمران: 55] لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه، ولا يدل على ~~الموت أصلا، كما أن توفي الغريم لدينه لا يدل على موت دينه. # وأما على المذهب الثاني: وهو تقديم الحقيقة العرفية على اللغوية، فإن ~~لفظ التوفي حينئذ، يدل في الجملة على الموت. # ولكن سترى إن شاء الله، أنه وإن دل على ذلك في الجملة، لا يدل على أن ~~عيسى قد توفي فعلا. # وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب، في سورة آل ~~عمران، وجه عدم دلالة الآية، على موت عيسى فعلا، أعني قوله تعالى: # إني متوفيك # [آل عمران: 55] فقلنا ما نصه: # والجواب عن هذا، من ثلاثة أوجه: # الأول أن قوله تعالى: { متوفيك } لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل ~~على كونه قد مضى وهو متوفيه قطعا يوما ما ولكن لا دليل على أن ذلك ~~اليوم قد مضى. # وأما عطفه ورافعك إلى، على قوله: متوفيك، فلا دليل فيه لإطباق جمهور أهل ~~اللسان العربي، على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي ~~مطلق التشريك. # وقد ادعى السيرافي والسهيلي، إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثر ~~للمحققين وهو الحق خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد ~~وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه. # وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء ms3277 وقال لم أجده في كتابه. # وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. # حكاه عنه صاحب الضياء اللامع. # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " أبدأ بما بدأ الله به " # يعني الصفا لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب. # وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع. # وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فكذلك لا تقتضي المنع ~~منهما. # فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول كقوله: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] الآية بدليل الحديث المتقدم. # وقد يكون المعطوف بها مرتبا كقول حسان: # *هجوت محمدا وأجبت عنه* # على رواية الواو. # وقد يراد بها المعية كقوله: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15] وقوله # وجمع الشمس والقمر # [القيامة: 9] ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل. # الوجه الثاني: أن معنى # متوفيك # [آل عمران: 55] أي منيمك ورافعك إلي، أي في تلك النومة. # وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60]، وقوله: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42]، وعزى ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين ~~المذكورتين. # الوجه الثالث: أن متوفيك، اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه ~~قولهم: توفي فلان دينه إذا قبضه إليه، فيكون معنى متوفيك على هذا، قابضك ~~منهم إلي حيا، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. # وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أياما، ثم أحياه فلا معول عليه، إذ لا ~~دليل عليه. ا ه. من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. # وقد قدمنا في هذا البحث أن دلالة قوله تعالى: # متوفيك # [آل عمران: 55] على موت عيسى فعلا، منفية من أربعة أوجه، وقد ذكرنا ~~منها ثلاثة، من غير تنظيم، أولها أن { متوفيك } حقيقة لغوية في ~~أخذه بروحه وجسمه. # الثاني: أن { متوفيك } وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي، ولا ~~دليل في الآية على أن ذلك التوفي قد وقع ومضى، بل السنة المتواترة ~~والقرآن دالان على خلاف ms3278 ذلك، كما أوضحنا في هذا المبحث. # الثالث: أنه توفي نوم، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه ~~الوفاة، فكل من النوم والموت، يصدق عليه اسم التوفي، وهما مشتركان في ~~الاستعمال العرفي. # فهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع ~~إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. # وذكرنا الأول منها بانفراده لنبين مذاهب الأصوليين فيه. # وأما قوله تعالى: # فلما توفيتني # [المائدة: 117] الآية، فدلالته على أن عيسى مات، منفية من وجهين: # الأول منهما: أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولا شك أن يموت قبل يوم ~~القيامة، فإخباره يوم القيامة بموته، لا يدل على أنه الآن قد مات كما لا ~~يخفى. # والثاني منهما: أن ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد، لا ~~توفي موت. # وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم في قوله: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني # [المائدة: 117] الآية، تدل على ذلك لأنه لو كان توفي موت، لقال ما دمت ~~حيا، فلما توفيتني لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة كما في قوله: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31]. # أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم، إلى ~~موضع آخر. # وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد ~~العرفية، وهذا لا إشكال فيه. # وأما الوجه الرابع، من الأوجه المذكورة سابقا، أن الذين زعموا أن عيسى ~~قد مات، قالوا إنه لا سبب لذلك الموت، إلا أن اليهود قتلوه وصلبوه، فإذا ~~تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره، تحققنا أنه لم يمت ~~أصلا، وذلك السبب الذي زعموه، منفي يقينا بلا شك، لأن الله جل وعلا ~~قال: # وما قتلوه وما صلبوه # [النساء: 157]. وقال تعالى: # وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه # [النساء: 157-158]. # وضمير رفعه ظاهر في رفع الجسم والروح معا كما لا يخفى. # وقد بين الله جل وعلا مستند اليهود في اعتقادهم أنهم قتلوه، بأن الله ~~ألقى شبهه على إنسان آخر فصار من ms3279 يراه يعتقد اعتقادا جازما أنه عيسى. # فرآه اليهود لما أجمعوا على قتل عيسى فاعتقدوا لأجل ذلك الشبه الذي ألقي ~~عليه اعتقادا جازما أنه عيسى فقتلوه. # فهم يعتقدون صدقهم، في أنهم قتلوه وصلبوه، ولكن العليم اللطيف الخبير، ~~أوحى إلى نبيه، في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه. # فمحمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوه عندهم علم من الله بأمر عيسى لم ~~يكن عند اليهود ولا النصارى كما أوضحه تعالى بقوله # وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ~~بل رفعه الله إليه # [النساء: 157-158]. # والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كلاهما دال على أن عيسى حي، وأنه سينزل في آخر ~~الزمان، وأن نزوله من علامات الساعة، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ~~ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي ~~شبه بعيسى هو عيسى. # وقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك، وأن قوله # متوفيك # [آل عمران: 55] لا يدل على موته فعلا. # وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه، وأنه على المقرر في الأصول، في ~~المذاهب الثلاثة التي ذكرنا عنهم، ولا إشكال في أنه لم يمت فعلا. # أما على القول بتقديم الحقيقة اللغوية فالأمر واضح، لأن الآية على ذلك ~~لا تدل على الموت. # وأما على القول بالإجمال، فالمقرر في الأصول أن المحمل، لا يحمل على ~~واحد من معنييه، ولا معانيه بل يطلب بيان المراد منه، بدليل منفصل. # وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي. # وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، فإنه يجاب ~~عنه من أوجه: # الأول: أن التوفي محمول على النوم، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة ~~العرفية. # والثاني: أنا وإن سلمنا أنه توفي موت، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع ~~فعلا. # الثالث: أن القول المذكور بتقديم العرفية، محله ms3280 فيما إذا لم يوجد دليل ~~صارف، عن إرادة العرفية اللغوية، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية ~~قولا واحدا. # وقد قدمنا مرارا دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا ~~دون العرفية. # واعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية، محله فيما إذا لم تتناس ~~اللغوية بالكلية، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية، وجب المصير إلى ~~العرفية إجماعا، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: # أجمع إن حقيقة تمات # على التقدم له الإثبات # فمن حلف ليأكلن من هذه النخلة، فمقتضى الحقيقة اللغوية، أنه لا يبر ~~يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها. # ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها. # والمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعا، لأن اللغوية في مثل هذا أميتت ~~بالكلية. # فلا يقصد عاقل ألبتة الأكل من جذع النخلة. # أما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى: # إني متوفيك # [آل عمران: 55] فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى. # ومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازا لغويا، وأن ~~اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية، ومجازا عرفيا. # وقد قدمنا مرارا أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق ~~في رسالتنا المسماة " منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز ". # فاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة، وأن ~~عيسى لم يمت وأنه ينزل في آخر الزمان وإنما قلنا إن قوله تعالى هنا: { ~~وإنه لعلم للساعة } أي علامة ودليل على قرب مجيئها، لأن ~~وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا الله. # وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك مرارا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فلا تمترن بها } أي لا ~~تشكن في قيام الساعة فإنه لا شك فيه. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له مرارا كقوله تعالى: # وأن الساعة آتية لا ريب فيها # [الحج: 7]. وقوله: # وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة ~~وفريق في السعير # [الشورى: 7]. وقوله # ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه # [الأنعام: 12] وقوله # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ms3281 # [آل عمران: 25] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.62] # وقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة مرارا كقوله: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] الآية. وقوله # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف: 50] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.65] # قوله تعالى: { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم ~~أليم }. # قوله هنا { ظلموا } أي كفروا، بدليل قوله في مريم، في القصة بعينها، # فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم # [مريم: 37]. # وقوله { من مشهد يوم عظيم } يوضحه قوله هنا: { من عذاب ~~يوم أليم }. # وقد قدمنا مرارا الآيات الدالة على إطلاق الظلم على الكفر كقوله، # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وقوله: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254] وقوله: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106] وقوله تعالى # ولم يلبسوا إيمانهم بظلم # [الأنعام: 82] أي بشرك، كما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم، في ~~الحديث الثابت في صحيح البخاري. ### || [43.66] # الاستفهام بهل هنا بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، أي ما ينتظر ~~الكفار إلا الساعة، أي القيامة أن تأتيهم بغتة، أي في حال كونها مباغتة ~~لهم، أي مفاجئة لهم، وهم لا يستغفرون أي بمفاجأتها في حال غفلتهم وعدم ~~شعورهم بمجيئها. # والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: { أن تأتيهم ~~بغتة } في محل نصب، على أنه بدل اشتمال من الساعة، وكون ينظرون، ~~بمعنى ينتظرون، معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس: # فإنكما إن تنظراني ساعة # من الدهر تنفعني لدى أم جندب # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الساعة تأتيهم بغتة، جاء موضحا في ~~آيات من كتاب الله. كقوله تعالى في الأعراف: # ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة # [الأعراف: 187]. وقوله تعالى في القتال # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد ~~جآء أشراطها # [محمد صلى الله عليه وسلم: 18] وقوله تعالى: # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون فلا يستطيعون توصية # [يس: 49-50] الآية. # فالمراد بالصيحة: القيامة. # وقوله: { وهم يخصمون فلا يستطيعون ms3282 توصية } الآية، ~~يدل على أنها تأتيهم وهم في غفلة، وعدم شعور بإتيانها، إلى غير ذلك من ~~الآيات. والعلم عند الله تعالى. ### || [43.68-69] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بعض صفات الذين ينتفي عنهم الخوف ~~والحزن يوم القيامة. # فذكر منها هنا الإيمان بآيات الله والإسلام، وذكر بعضا منها في غير هذا ~~الموضع. # فمن ذلك الإيمان والتقوى، وذلك في قوله تعالى في سورة يونس # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون # [يونس: 62-63]. # ومن ذلك الاستقامة، وقولهم: ربنا الله، وذلك في قوله في فصلت # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # [فصلت: 30] الآية: وقوله تعالى في الأحقاف # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [الأحقاف: 13] إلى غير ذلك من الآيات. # والخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل. # والحزن: الغم من أمر ماض. # وربما استعمل كل منها في موضع الآخر. # وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف. # قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى # إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229]. # قال معناه: إلا أن يعلما. # ومنه قول أبي محجن الثقفي: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # تروي عظامي في الممات عروقها # ولا تدفني في الفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # فقوله أخاف: أي أعلم لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته. # وقوله في هذه الآية الكريمة { الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين } ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام. # وقد دل بعض الآيات على اتحادهما كقوله تعالى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35-36]. # ولا منافاة في ذلك، فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه ~~الإسلام من الاعتقاد والعمل. كما ثبت في الصحيح، في حديث وفد عبد القيس، ~~والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا. # ومن أصرحها في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم # " الإيمان بضع وسبعون ". # وفي بعض الروايات الثابتة ms3283 في الصحيح # " وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق ". # فقد سمى صلى الله عليه وسلم # " إماطة الأذى عن الطريق " # إيمانا. # وقد أطال البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان، في ذكر الأعمال التي جاء ~~الكتاب والسنة تسميتها إيمانا. # فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد. # وقد يطلق الإيمان إطلاقا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان ~~بالقلب، كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح. # والقلب مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله. فغيره تابع له. وعلى هذا ~~تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام. # فالإيمان، على هذا الإطلاق، اعتقاد والإسلام شامل للعمل. # واعلم أن مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14]. # قال بعض العلماء: المراد بالإيمان هنا، معناه الشرعي، والمراد بالإسلام ~~معناه اللغوي. # لأن إذعان الجوارح وانقيادها دون إيمان القلب إسلام لغة لا شرعا. # وقال بعض العلماء: المراد بكل منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإيمان في ~~قوله: ولما يدخل الإيمان، يراد به عند من قال هذا، نفي كمال الإيمان لا ~~نفي أصله، ولكن ظاهر الآية لا يساعد على هذا، لأن قوله { ولما ~~يدخل } فعل في سياق النفي وهو صيغة عموم، على التحقسق، وإن لم يؤكد ~~بمصدر، ووجهه واضح جدا، كما قدمناه مرارا. # وهو أن الفعل الصناعي ينحل، عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن، ~~ونسبة عند البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، وهو أصوب. # فالمصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعا، وهو نكرة لم تتعرف بشيء ~~فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي. # وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ ~~العموم بقوله: # ونحو لا شربت أو وإن شربا # واتفقوا إن مصدر قد جلبا # ووجه إهمال لا في هذه الآية في قوله تعالى: # لا خوف # [يونس: 62] أن لا الثانية التي هي # ولا هم يحزنون # [يونس: 62] بعدها معرفة ms3284 وهي الضمير، وهي لا تعمل في المعارف، بل في ~~النكرات، فلما وجب إهمال الثانية، أهملت الأولى لينسجم الحرفان بعضهما مع ~~بعض في إهمالهما معا. ### || [43.70] # قوله تعالى في هذه الآية { وأزواجكم } فيه لعلماء التفسير وجهان: # أحدهما، أن المراد بأزواجهم، نظراؤهم وأشباههم في الطاعة وتقوى الله ~~واقتصر على هذا القول ابن كثير. # والثاني: أن المراد بأزواجهم، نساؤهم في الجنة. # لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم والتلذذ من الأول. # ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة، بكونهم مع نسائهم دون ~~الامتنان عليهم، بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة. # قال تعالى: # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # [يس: 55-56]. # وقال كثير من أهل العلم: إن المراد بالشغل المذكور في الآية، هو افتضاض ~~الأبكار. وقال تعالى: # وزوجناهم بحور عين # [الدخان: 54]. وقال تعالى: # وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون # [الواقعة: 22-23]. وقال تعالى: # فيهن خيرات حسان # [الرحمن: 70] إلى قوله: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72]، وقال: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48] وقال تعالى: # وعندهم قاصرات الطرف أتراب # [ص: 52] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا: أن مفرد الأزواج زوج بلا هاء، وأن الزوجة بالتاء لغة لا لحن ~~خلافا لمن زعم أن الزوجة لحن من لحن الفقهاء، وأن ذلك لا أصل له في ~~اللغة. # والحق أن ذلك لغة عربية، ومنه قول الفرزدق: # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقول الحماسي: # فبكى بناتي شجوهن وزوجتي # والظاعنون إلى ثم تصدع # وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفية # " إنها زوجتي " # وقوله { تحبرون } أقوال العلماء فيه راجعة إلى شيء واحد، وهو أنهم ~~يكرمون بأعظم أنواع الإكرام وأتمها. ### || [43.71] # قوله تعالى: { يطاف عليهم بصحاف من ذهب }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وجميع الآيات التي فيها الإنعام على أهل ~~الجنة بأواني الذهب والفضة، والتحلي بهما، ولبس الحرير، ومنه السندس ~~والإستبرق، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: ms3285 14]. # قوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ ~~الأعين، أي تلتذ به الأعين أي برؤيته لحسنه، كما قال تعالى: # صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين # [البقرة: 69]. وأسند اللذة إلى العين، وهي في الحقيقة مسندة لصاحب ~~العين، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية، وهي مقدم شعر الرأس، في قوله ~~تعالى: # ناصية كاذبة خاطئة # [العلق: 16] وكإسناد الخشوع، والعمل والنصب، إلى الوجوه، في قوله تعالى: # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة # [الغاشية: 2-3] الآية. # ومعلوم أن الكذب والخطيئة مسندان في الحقيقة لصاحب الناصية، كما أن ~~الخشوع والعمل، والنصب مسندات إلى أصحاب الوجوه. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الجنة، فيها كل مشتهى، وكل مستلذ، ~~جاء مبسوطا موضحة أنواعه في آيات كثيرة، من كتاب الله، وجاء محمد أيضا ~~إجمالا شاملا لكل شيء من النعيم. # أما إجمال ذلك ففي قوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. # وأما بسط ذلك وتفصيله، فقد بين القرآن، أن من ذلك النعيم المذكور في ~~الآية، المشارب، والمآكل والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع ~~الحلي والملابس والخدم إلى غير ذلك، وسنذكر بعض الآيات الدالة على كل شيء ~~من ذلك. # أما المآكل فقد قال تعالى: # لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون # [الزخرف: 73]، وقال: # ولحم طير مما يشتهون # [الواقعة: 21] وقال تعالى: # وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 32-33] وقال تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها # [البقرة: 25] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # أما المشارب، فقد قال تعالى: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ~~عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا # [الإنسان: 5-6]. وقال تعالى: # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا ~~فيها تسمى سلسبيلا # [الإنسان: 17-18] الآية، وقوله تعالى: # يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 17-19]. وقال تعالى: ms3286 # يطاف عليهم بكأس من معين بيضآء لذة ~~للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 45-47]: وقال تعالى: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من ~~كل الثمرات # [محمد صلى الله عليه وسلم: 15] وقال تعالى # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الملابس والأواني والحلي، فقد قدمنا الكلم عليها مستوفى في سورة ~~النحل. # وأما المناكح فقد قدمنا بعض الآيات الدالة عليها قريبا. # وهي كثيرة كقوله تعالى: # ولهم فيهآ أزواج مطهرة # [البقرة: 25] الآية. ويكفي ما قدمنا من ذلك قريبا. # وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، ففي آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54]. وقوله تعالى: # هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # [يس: 56] وقوله تعالى: # على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين # [الواقعة: 15-16]. # والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب. # وقوله تعالى # إخوانا على سرر متقابلين # [الحجر: 47]. وقوله تعالى: # فيها سرر مرفوعة # [الغاشية: 13]. وقوله تعالى: # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # [الرحمن: 76] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما خدمهم فقد قال تعالى في ذلك: # يطوف عليهم ولدان مخلدون # [الواقعة: 17] الآية. وقال تعالى في سورة الإنسان في صفة هؤلاء الغلمان: # إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا # [الإنسان: 19]، وذكر نعيم أهل الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # [الإنسان: 20]. # والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة وحسنها وكمالها كالظلال والعيون ~~والأنهار وغير ذلك كثيرة جدا ولنكتف بما ذكرنا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وأنتم فيها خالدون } ، ~~قد قدمنا الآيات الموضحة، لأن خلودهم المذكور لا انقطاع له ألبتة كقوله ~~تعالى: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] أي غير مقطوع، وقوله تعالى: # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد # [ص: 54] وقوله تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. ### || [43.72] # قد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة، ونحوها من الآيات ms3287 الدالة على أن ~~العمل سبب لدخول الجنة كقوله تعالى: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43] وقوله تعالى: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] وقوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. # وبينا أقرب أوجه الجمع بين هذه الآيات الكريمة وما بمعناها، مع قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " لن يدخل أحدكم عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". # وذكرنا في ذلك أن العمل الذي بينت الآيات كونه سبب دخول الجنة هو العمل ~~الذي تقبله الله برحمة منه وفضل. # وأن العمل الذي لا يدخل الجنة هو الذي لم يتقبله الله. # والله يقول: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. ### || [43.77] # اللام في قوله { ليقض } لام الدعاء. # والظاهر أن المعنى، أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار، أن يدعو الله ~~لهم بالموت. # والدليل على ذلك أمران: # الأول: أنهم لو أرادوا دعاء الله بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا يا مالك، ~~ولما خاطبوه في قولهم: { ربك }. # والثاني: أن الله بين في سورة المؤمن أن أهل النار، يطلبون خزنة النار، ~~أن يدعو الله لهم ليخفف عنهم العذاب، وذلك في قوله تعالى: # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب # [غافر: 49]. وقوله { ليقض علينا ربك } أي ليمتنا فنستريح ~~بالموت من العذاب. # ونظيره قوله تعالى: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15] أي أماته. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { قال إنكم ماكثون } ~~دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت بل يمكثون في النار معذبين إلى غير ~~نهاية. # وقد دل القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا ~~تغني هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها. # أما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا { قال إنكم ~~ماكثون } فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم ms3288 لا ~~يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]، وقوله تعالى: # ويتجنبها الأشقى الذى يصلى النار الكبرى ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى: 11-13]. وقوله تعالى: # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا # [فاطر: 36] الآية. وقوله تعالى: # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # [إبراهيم: 17] الآية. # وأما كون النار لا تغني عنهم، فقد بينه تعالى بقوله: # كلما خبت زدناهم سعيرا # [الإسراء: 97]، فمن يدعي أن للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية ~~الكريمة. # وأما كون العذاب لا يخفف عنه فقد دلت عليه آيات كثيرة جدا كقوله: # ولا يخفف عنهم من عذابها # [فاطر: 36]. وقوله تعالى: # فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون # [النحل: 85]، وقوله تعالى: # فلن نزيدكم إلا عذابا # [النبأ: 30]، وقوله تعالى: # لا يفتر عنهم # [الزخرف: 75] الآية. وقوله: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان: 65] وقوله تعالى: # فسوف يكون لزاما # [الفرقان: 77] على الأصح في الأخيرين. # وأما كونهم لا يخرجون منها فقد جاء موضحا في آيات من كتاب الله، كقوله ~~تعالى في البقرة: # كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ~~هم بخارجين من النار # [البقرة: 167] وقوله تعالى في المائدة: # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم # [المائدة: 37]، وقوله تعالى في الحج: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها # [الحج: 22] الآية. وقوله تعالى في السجدة: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة: 20]، وقوله تعالى في الجاثية: # فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون # [الجاثية: 35] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد أوضحنا هذا المبحث إيضاحا شافيا في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب ~~عن آيات الكتاب " في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى # قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام: 128] وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: # لابثين فيهآ أحقابا # [النبأ: 23] وسنوضحه أيضا إن شاء الله، في هذا الكتاب المبارك في ~~الكلام على آية النبأ المذكورة، ونوضح هناك إن شاء الله إزالة إشكال ~~يورده الملحدون على الآيات التي فيها إيضاح هذا المبحث. ### || [43.78] # قد قدمنا ms3289 الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # [الشورى: 13]. ### || [43.80] # قوله تعالى: { بلى ورسلنا لديهم يكتبون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله ~~تعالى: # ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]، وأكثرنا من الآيات الموضحة لذلك في سورة مريم في الكلام ~~على قوله تعالى: # كلا سنكتب ما يقول # [مريم: 79] الآية. ### || [43.81] # اختلف العلماء في معنى { إن } في هذه الآية. # فقالت جماعة من أهل العلم إنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ~~ابن جرير الطبري، والذين قالوا إنها شرطية، اختلفوا في المراد بقوله: ~~فأنا أول العابدين. # فقال بعضهم: فأنا أول العابدين لذلك الولد. # وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله على فرض أن له ولدا. # وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد ~~وقالت جماعة آخرون: إن لفظة { إن } في الآية نافية. # والمعنى ما كان لله ولد، وعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله: { ~~فأنا أول العابدين } ثلاثة أوجه الأول وهو أقربها: أن ~~المعنى ما كان لله ولد فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن ~~كل ما لا يليق بكماله، وجلاله. # والثاني أن معنى قوله { فأنا أول العابدين }: أي الآنفين ~~المستنكفين من ذلك يعني القول الباطل المفترى على ربنا الذي هو ادعاء ~~الولد له. # والعرب تقول: عبد بكسر الباء يعبد بفتحها فهو عبد بفتح فكسر على القياس، ~~وعابد أيضا سماعا، إذا اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه، ومنه قول الفرزدق: # أولئك قومي إن هجوني هجوتهم # وأعبد أن أهجو كليبا بدارم # فقوله: وأعبد يعني آنف وأستنكف. # ومنه أيضا قول الآخر: # متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله # ويعبد عليه لا محالة ظالما # وفي قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه المشهورة: أنه جيء بامرأة من جهينة ~~تزوجت، فولدت لستة أشهر، فبعث بها عثمان لترجم، اعتقادا منه أنها كانت ~~حاملا قبل العقد لولادتها قبل تسعة أشهر، فقال له علي رضي الله عنهما: ~~إن الله يقول: # وحمله ms3290 وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]، ويقول جل وعلا: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14] فلم يبق عن الفصال من المدة إلا ستة أشهر. # فما عبد عثمان رضي الله عنه، أن بعث إليها، لترد ولا ترجم. # ومحل الشاهد من القصة، فوالله: [ما عبد عثمان] أي ما أنف ولا استنكف من ~~الرجوع إلى الحق. # الوجه الثالث: أن المعنى { فأنا أول العابدين } أي ~~الجاحدين النافين أن يكون لله ولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: # الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة: أنه يتعين المصير إلى القول ~~بأن إن نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمنع أن يصح له معنى بحسب وضع ~~اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء. # وإنما اخترنا أن { إن } هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك ~~متعين في نظرنا لأربعة أمور: # الأول: إن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جريانا واضحا، لا إشكال ~~فيه، فكون إن كان بمعنى ما كان كثير في القرآن، وفي كلام العرب كقوله ~~تعالى: # إن كانت إلا صيحة واحدة # [يس: 29] أي ما كانت إلا صيحة واحدة. # فقولك مثلا معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد فأنا أول العابدين، ~~الخاضعين للعظيم الأعظم، المنزه عن الولد أو الآنفين المستنكفين، من أن ~~يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله، من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين ~~النافين، أن يكون لربنا ولد، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لا إشكال ~~فيه، لأنه جار على اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه ~~الله، تنزيها تاما عن الولد، من غير إيهام ألبتة لخلاف ذلك. # الأمر الثاني: أن تنزيه الله عن الولد، بالعبارات التي لا إيهام فيها، ~~هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة، في القرآن كما قدمنا إيضاحه، في سورة ~~الكهف في الكلام على قوله تعالى: # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم ms3291 شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89] والآيات الكثيرة التي ذكرناها في ذلك تبين أن (إن) نافية. # فالنفي الصريح الذي لا نزاع فيه يبين أن المراد في محل النزاع النفي ~~الصريح. # وخير ما يفسر به القرآن القرآن فكون المعبر في الآية: وما كان للرحمن ~~ولد بصيغة النفي الصريح مطابق لقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111] الآية. وقوله تعالى في أول الفرقان # ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك # [الفرقان: 2] الآية. وقوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون: 91] الآية. وقوله تعالى: # لم يلد ولم يولد # [الإخلاص: 3] وقوله تعالى # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون # [الصافات: 151-152] إلى غير ذلك من الآيات. # وأما على القول بأن إن شرطية وأن قوله تعالى: { فأنا أول ~~العابدين } جزاء لذلك الشرط فإن ذلك لا نظير له ألبتة في كتاب الله، ~~ولا توجد فيه آية تدل على مثل هذا المعنى. # الأمر الثالث: هو أن القول بأن (إن) شرطية لا يمكن أن يصح له معنى في ~~اللغة العربية، إلا معنى محذور، لا يجوز القول به بحال، وكتاب الله جل ~~وعلا، يجب تنزيهه عن حمله على معان محذورة لا يجوز القول بها. # وإيضاح هذا أنه على القول بأن (إن) شرطية، وقوله: { فأنا أول ~~العابدين } جزاء الشرط لا معنى لصدقه ألبتة إلا بصحة الربط بين ~~الشرط والجزاء. # والتحقيق الذي لا شك فيه أن مدار الصدق والكذب في الشرطية المتصلة، منصب ~~على صحة الربط بين مقدمها الذي هو الشرط وتاليها الذي هو الجزاء، ~~والبرهان القاطع على صحة هذا، هو كون الشرطية المتصلة، تكون في غاية ~~الصدق مع كذب طرفيها معا، أو أحدهما لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها، ~~فمثال كذبهما معا مع صدقها قوله تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فهذه قضية في غاية الصدق كما ترى، مع أنها لو أزيلت أداة ~~الربط بين طرفيها كان كل واحد من طرفيها، قضية كاذبة بلا شك، ونعني بأداة ms3292 ~~الربط لفظة لو من الطرف الأول، واللام من الطرف الثاني، فإنهما لو أزيلا ~~وحذفا صار الطرف الأول كان فيهما آلهة إلا الله، وهذه قضية في منتهى ~~الكذب، وصار الطرف الثاني فسدتا أي السماوات والأرض، وهذه قضية في غاية ~~الكذب كما ترى. # فاتضح بهذا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين الطرفين ~~وعدم صحته. فإن كان الربط صحيحا فهي صادقة، ولو كذب طرفاها أو أحدهما ~~عند إزالة الربط. وإن كان الربط بينهما كاذبا كانت كاذبة كما لو قلت: لو ~~كان هذا إنسانا لكان حجرا، فكذب الربط بينهما وكذب القضية بسببه كلاهما ~~واضح. # وأمثلة صدق الشرطية مع كذب طرفيها كثيرة جدا كالآية التي ذكرنا، وكقولك ~~لو كان الإنسان حجرا لكان جمادا، ولو كان الفرس ياقوتا لكان حجرا، ~~فكل هذه القضايا ونحوها صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط. # ومثال صدقها مع كذب أحدهما، قولك لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت ~~فإنها شرطية صادقة لصدق الربط بين طرفيها، مع أنها كاذبة أحد الطرفين دون ~~الآخر، لأن عدم النجاة من الموت صدق، وكون زيد في السماء كذب، هكذا مثل ~~بهذا المثال البناني، وفيه عندي أن هذه الشرطية التي مثل بها اتفاقية لا ~~لزومية، ولا دخل للاتفاقيات في هذا المبحث. # والمثال الصحيح: لو كان الإنسان حجرا لكان جسما. # واعلم أن قوما زعموا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات منصب على خصوص ~~التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك. # وزعموا أن هذا المعنى هو المراد عند أهل اللسان العربي. # والتحقيق الأول. ولم يقل أحد ألبتة بقول ثالث في مدار الصدق والكذب في ~~الشرطيات. # فإذا حققت هذا، فاعلم أن الآية الكريمة، على القول بأنها جملة شرط وجزاء ~~لا يصح الربط بين طرفيها ألبتة بحال على واحد من القولين اللذين لا ثالث ~~لهما إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال. # وإيضاح ذلك أنه على القول الأخير، أن مصب الصدق والكذب، في الشرطيات ~~إنما هو ms3293 التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك. # فمعنى الآية عليه باطل بل هو كفر. # لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد، سبحانه ~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد، لم يكن أول العابدين، وفساد هذا ~~المعنى كما ترى. # وأما على القول الأول الذي هو الصحيح أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات ~~على صحة الربط بين طرفي الشرطية. # فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين ~~طرفيها ألبتة أيضا، إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال، لأن ~~كون المعبود ذا ولد، واستحقاقه هو، أو ولده العبادة، لا يصح الربط بينهما ~~ألبتة إلا على معنى هو كفر بالله، لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن ~~يكون ولدا أو والدا. # وبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله { فأنا أول العابدين } ~~إنما يعلق به محال لاستحالة كون الرحمن ذا ولد. # ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال. # فتعليق عبادة الله التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور فساده كما ~~ترى، وإنما تصدق الشرطية في مثال هذا لو كان المعلق عليه مستحيلا، ~~فادعاء أن (إن) في الآية شرطية مثل ما لو قيل: لو كان معه آلهة لكنت أول ~~العابدين له، وهذا لا يصدق بحال، لأن واحدا من آلهة متعددة، لا يمكن أن ~~يعبد، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال. # ويتضح لك ذلك بمعنى قوله: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض # [المؤمنون: 91] الآية. # فإن قوله إذا: أي لو كان معه غيره من الآلهة، لذهب كل واحد منهم بما ~~خلق واستقل به، وغالب بعضهم بعضا ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام ولفسد ~~كل شيء. # كما قال تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]، وقوله تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش ms3294 سبيلا # [الإسراء: 42] على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين. # ومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلا هو طلبهم طريقا إلى مغالبته كما ~~يفعله بعض الملوك مع بعضهم. # والحاصل: أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين ~~الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلا أيضا لأن الشرط المستحيل لا يمكن ~~أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل. # أما كون الشرط مستحيلا والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر. فهذا مما لا ~~يصح بحال. # ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه. # ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها ~~الذي هو الجزاء لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه، وأن ما ~~ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك، وإيضاح ~~ذلك أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط لا بد أن يكون ~~موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما ألبتة. # وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية ~~الكريمة التي نحن بصددها، بل هو مناقض لمعنى الآية. # والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان. # ونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلا. # وبالثاني منهما كون الصدق المذكور، من أجل خصوص المادة. # ومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات، وأنه في ~~حكم الكذب لعدم اضطراده، لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى. # والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد، الذي لا يختلف باختلاف المادة ~~بحال. # ولا شك أن كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها إلا إذا كان جزاؤها محالا ~~خاصة. # فإن وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء، فلا بد أن يكون ذلك، لكونها ~~اتفاقية أو لأجل خصوص المادة فقط. # فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك: إن كان زيد في السماء لم ينج من ~~الموت. فالشرط الذي هو كونه في السماء باطل والجزاء الذي هو كونه لم ms3295 ينج ~~من الموت صحيح. # وإنما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية. # ومعلوم أن الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها أصلا. # فلا يقتضي ثبوت أحدهما ولا نفيه ثبوت الآخر ولا نفيه، فلا ارتباط بين ~~طرفيها في المعنى أصلا وإنما هو في اللفظ فقط. # فكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت أصلا، ولا ارتباط ~~بينهما إلا في اللفظ. # فهو كقولك: إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل. # وقد قدمنا إيضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة ~~الكهف في الكلام على قوله تعالى: # وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا # [الكهف: 57] فراجعه. # ومعلوم أن قوله { قل إن كان للرحمن ولد } لم يقل أحد ~~إنها شرطية اتفاقية ولم يدع أحد، أنها لا علاقة بين طرفيها أصلا. # ومثال وقوع ذلك لأجل خصوص المادة فقط، ما مثل به الفخر الرازي لهذه ~~الآية الكريمة، مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الآية الكريمة وبين ما ~~مثل لها به، فإنه لما قال: إن الشرط الذي هو { قل إن كان ~~للرحمن ولد } باطل، والجزاء الذي هو: { فأنا أول ~~العابدين } صحيح. # مثل لذلك بقوله: إن كان الإنسان حجرا فهو جسم، يعني أن قوله: إن كان ~~الإنسان حجرا شرط باطل فهو كقوله تعالى { قل إن كان للرحمن ~~ولد } فكون الإنسان حجرا وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل. # فلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجرا ~~فهو جسم دل ذلك على أن الجزاء الصحيح في قوله: { فأنا أول ~~العابدين } يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو { إن كان ~~للرحمن ولد }. # وهذا غلط فاحش جدا، وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة، لأن الجزاء ~~المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجرا فإنما هو جسم ~~إنما صدق لأجل خصوص المادة لا لمعنى اقتضاه الربط ألبتة. # وإيضاح ذلك أن النسبة بين الجسم والحجر، والنسبة بين الإنسان والجسم هي ~~العموم والخصوص المطلق في كليهما. # فالجسم أعم مطلقا من الحجر، والحجر أخص مطلقا من الجسم، كما ms3296 أن الجسم ~~أعم من الإنسان أيضا عموما مطلقا، والإنسان أخص من الجسم أيضا خصوصا ~~مطلقا: فالجسم جنس قريب للحجر، وجنس بعيد للإنسان، وإن شئت قلت: جنس ~~متوسط له. # وإيضاح ذلك أن تقول في التقسيم الأول: # الجسم إما نام أي يكبر تدريجا أو غير نام، فغير النامي كالحجر مثلا، ~~ثم تقسم النامي تقسيما ثانيا؟ فتقول: # النامي إما حساس أو غير حساس، فغير الحساس منه كالنبات. # ثم تقسم الحساس تقسيما ثالثا فتقول: # الحساس إما ناطق أو غير ناطق، والناطق منه هو الإنسان. # فاتضح أن كلا من الإنسان والحجر يدخل في عموم الجسم، والحكم بالأعم على ~~الأخص صادق في الإيجاب بلا نزاع ولا تفصيل. # فقولك: الإنسان جسم صادق في كل تركيب، ولا يمكن أن يكذب بوجه، وذلك ~~للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنسا للإنسان، وكون الإنسان فردا ~~من أفراد أنواع الجسم، فلأجل خصوص هذه الملابسة بينهما، كان الحكم على ~~الإنسان بأنه جسم صادقا، على كل حال، سواء كان الحكم بذلك، غير معلق على ~~شيء أو كان معلقا على باطل أو حق. # فالاستدلال يصدق هذا المثال على صدق الربط بين الشرط والجزاء في قوله ~~تعالى { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين } بطلانه كالشمس في رابعة النهار. # والعجب كل العجب من عاقل يقوله، لأن المثال المذكور إنما صدق لأن ~~الإنسان يشمله مسمى الجسم. # أما من كان له ولد فالنسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين المقابلة، ~~لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ~~ومساوي نقيضه. # لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبودا بحق بحال. # وإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت: الإنسان جسم لقلت الحق ولو ~~قلت: المولود له معبود، أو المولود معبود. قلت الباطل الذي هو الكفر ~~البواح. # ومما يوضح ما ذكرنا إجماع جميع النظار على أنه إن كانت إحدى مقدمتي ~~الدليل باطلة، وكانت النتيجة صحيحة أن ذلك لا يكون إلا لأجل خصوص المادة ~~فقط، وأن ذلك الصدق لا عبرة به، ms3297 فحكمه الكذب ولا يعتبر إلا الصدق اللازم ~~المضطرد في جميع الأحوال. # فلو قلت مثلا: كل إنسان حجر، وكل حجر جسم، لأنتج من الشكل الأول كل ~~إنسان جسم، وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى. # مع أن المقدمة الصغرى، من الدليل التي هو قولك: كل إنسان حجر في غاية ~~الكذب كما ترى. # وإنما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما أوضحنا، ولولا ذلك لكانت كاذبة لأن ~~النتيجة لازم الدليل والحق لا يكون لازما للباطل فإن وقع شيء من ذلك ~~فلخصوص المادة كما أوضحنا. # وبهذا التحقيق تعلم، أن الشرط الباطل لا يلزم وتطرد صحة ربطه إلا بجزاء ~~باطل مثله. # وما يظنه بعض أهل العلم من أن قوله تعالى # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك # [يونس: 94] كقوله تعالى { قل إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين } [الزخرف: 81] فهو غلط فاحش والفرق بين ~~معنى الآيتين شاسع فظن استوائها في المعنى باطل. # وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: { فإن كنت في شك } الآية معناه ~~المقصود منه جار على الأسلوب العربي، ولا إيهام فيه، لأنا أوضحنا سابقا ~~أن مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزئها، فهي صادقة ولو كذب ~~طرفاها عند إزالة الربط كما تقدم إيضاحه قريبا. # فربط قوله: # فإن كنت في شك # [يونس: 94] بقوله # فاسأل الذين يقرءون الكتاب # [يونس: 94] ربط صحيح لا إشكال فيه، لأن الشاك في الأمر شأنه أن يسأل ~~العالم به عنه كما لا يخفى، فهي قضية صادقة، مع أن شرطها وجزاءها كلاهما ~~باطل بانفراده، فهي كقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها، وإن كان الطرفان ~~باطلين عند إزالة الربط. # أما قوله تعالى { قل إن كان للرحمن ولد فأنا ~~أول العابدين } [الزخرف: 81] على القول بأن إن شرطية لا تمكن ~~صحة الربط بين شرطها وجزائها ألبتة، لأن الربط بين المعبود وبين كونه ~~والدا أو ولدا لا يصح بحال. # ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا ms3298 أشك ولا أسأل أهل الكتاب " # فنفي الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي صلى الله عليه وسلم هو ~~ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا ~~أعبده. # وعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر صحيح، بخلاف الربط ~~بين العبادة وكون المعبود والدا أو ولدا فلا يصح. # فاتضح الفرق بين الآيتين وحديث: # " لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب " # رواه قتادة بن دعامة مرسلا. # وبنحوه قال بعض الصحابة. فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك. # وما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه لقبحه ~~وشناعته، ولم أعلم أحدا من الكفار في ما قص الله في كتابه يتجرأ على ~~مثله أو قريب منه. # وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. # وسنذكر هنا كلامه القبيح للتنبيه على شناعة غلطه، الديني واللغوي. # قال في الكشاف ما نصه: { قل إن كان للرحمن ولد } ~~[الزخرف: 81] وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، ~~فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم ~~الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. # وهذا كلام وراد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي ~~الولد والإطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن ~~نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ~~وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها حالا مثلها فهو في صورة إثبات ~~الكينونة، والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. # ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في ~~القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس ~~بإله. # فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى ~~خالقا للكفر. # وتنزيهه عن ذلك وتقديسه ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ~~ذكرنا، مع الدلالة على سماحة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة ~~القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه ms3299 وغاية النفار والاشمئزاز ~~من ارتكابه. # ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له: " أما ~~والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها ~~غيرك ". # وقد تمحل الناس؟ أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت ~~والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن. ~~ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم لإضافة ~~الولد. إليه ا ه الغرض من كلام الزمخشري. # وفي كلام هذا من الجهل بالله وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في ~~المعاني اللغوية ما الله عالم به. # ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله. # وسنبين لك ما يتضح به ذلك فإنه أولا قال: إن كان للرحمن ولد وضح ذلك ~~ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد ~~وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد له كما يعظم الرجل، ولد الملك لتعظيم أبيه. # فكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل، لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، ~~وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك ~~يقتضي، أن ذلك الولد لا يستحق العبادة، بحال، ولو كان في ذلك تعظيم ~~لأبيه، لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة والكفر بعبادة كل والد وكل ~~مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحا. # أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحا ألبتة. # وما أظنه يصح في لغة من لغات العجم فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا ~~يصح بوجه. # فمعنى الآية عليه لا يصح بوجه، لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون ~~محالا مثله. # والزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر ~~إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا. # فضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما ذكرنا ~~وعلى تناقضه وتخبطه. # فإنه قال فيها إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارا ~~تلظى. # قال ms3300 سعيد للحجاج: لو علمت إن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. # فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير متناقض للمعنى الذي ~~مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله. # فقوله: لو علمت أن ذلك إليك في معنى { قل إن كان للرحمن ~~ولد } ، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص ~~واحد. # فلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت ~~أول العابدين لله. # ولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه. # وكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي ~~يتقاصر عن التلفظ به كل كافر. # فقد اضطر فيه أيضا إلى ألا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا شنيعا ~~فإنه قال فيه: # ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في ~~القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله. # فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول ~~الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب إلخ. # فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة ~~نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع ~~المستحيل وهو زعمه الخبيث أن الله إن كان خالقا للكفر في القلوب، ~~ومعذبا عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى ~~العربي للآية. # لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى " إن كان ~~للرحمن ولد " في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله أنه شيطان لا ~~إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # كقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول العابدين. # فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا ~~يخفى أن الادعاء على الله ms3301 أنه شيطان مناقض لقوله: فأنا أول العابدين. # وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله، وتناقضه لشناعته ~~ووضح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في ~~طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح وكم من كلام ~~مليء بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته كما قيل: # وإني وإني ثم إني وإنني # إذا انقطعت نعلي جعلت له شسعا # فظل يعمل أياما رويته # وشبه الماء بعد الجهد بالماء # واعلم أن الكلام على القدر، وخلق أفعال العباد، قدمنا منه جملا كافية ~~في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20]، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله خالق كل شيء، كما قال ~~تعالى: # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62] الآية، وقال تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. وقال: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3]، وقال تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49]. # فالإيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري ~~يقتضي أن لله شيطان، سبحانه الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوا ~~كبيرا. # وجزى الزمخشري بما هو أهله. # الأمر الرابع: هو دلالة استقراء القرآن العظيم أن الله تعالى إذا أراد ~~أن يفرض المستحيل ليبين الحق بفرضه علقه أولا بالأداة التي تدل على عدم ~~وجوده وهي لفظة لو: ولم يعلق عليه ألبتة إلا محالا مثله، كقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]، وقوله تعالى: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # [الزمر: 4]، وقوله تعالى: # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ # [الأنبياء: 17] الآية. # وأما تعليق ذلك بأداة لا تقتضي عدم وجوده كلفظة إن مع كون الجزاء غير ~~مستحيل فليس معهودا في القرآن. # ومما يوضح هذا المعنى الذي ذكرنا، المحاورة التي ذكرها جماعة من ~~المفسرين، التي وقعت بين النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وهي وإن ~~كانت أسانيدها غير قائمة، فإن معناها اللغوي صحيح. # وهي أن النضر بن الحارث كان يقول: ms3302 # الملائكة بنات الله فأنزل الله قوله تعالى: { قل إن كان ~~للرحمن ولد } [الزخرف: 81] الآية. # فقال النضر للوليد بن المغيرة: ألا ترى أنه قد صدقني؟ # فقال الوليد: لا ما صدقك ولكنه يقول: # ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي الموحدين، من أهل مكة المنزهين ~~له عن الولد. فمحاورة هذين الكافرين، العالمين بالعربية، مطابقة لما ~~قررنا. # لأن النضر قال: إن معنى الآية على أن إن شرطية مطابق لما يعتقده الكفار ~~من نسبة الولد إلى الله، وهو معنى محذور وأن الوليد قال: إن (إن) ~~نافية، وأن معنى الآية على ذلك هو مخالفة الكفار وتنزيه الله عن الولد. # وبجميع ما ذكرنا يتضح أن إن في الآية الكريمة نافية. # وذلك مروري عن ابن عباس والحسن والسدي وقتادة وابن زيد وزهير بن محمد ~~وغيرهم. # تنبيه # اعلم أن ما قاله ابن جرير وغير واحد من أن القول بأن إن نافية يلزمه ~~إيهام المحذور الذي لا يجوز في حق الله. # قالوا: لأنه إن كان المعنى ما كان لله ولد فإنه لا يدل على نفي الولد، ~~إلا في الماضي، فللكفار أن يقولوا إذا صدقت لم يكن له في الماضي ولد. # ولكن الولد طرأ عليه، بعد ذلك لما صاهر الجن، وولدت له بناته التي هي ~~الملائكة. # وإن هذا المحذور يمنع من الحمل على النفي لا شك في عدم صحته لدلالة ~~الآيات القرآنية بكثرة على أن هذا الإيهام لا أثر له ولو كان له أثر لما ~~كان الله يمدح نفسه بالثناء عليه بلفظة كان الدالة على خصوص الزمن الماضي ~~في نحو قوله تعالى # وكان الله عزيزا حكيما # [النساء: 158]، # وكان الله عليما حكيما # [النساء: 17]، # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 96]، # وكان الله على كل شيء قديرا # [الأحزاب: 27]، # إن الله كان عليا كبيرا # [النساء: 34] إلى غير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها. # فإن معنى كل تلك الآيات أنه كان ولم يزل. # فلو كان الكفار يقولون ذلك الذي زعموه الذي هو قولهم: صدقت ما كان له ~~ولد في الماصي ولكنه طرأ له لقالوا مثله ms3303 في الآيات التي ذكرنا. # كأن يقولوا # كان عليما حكيما # [النساء: 24] في الماضي ولكنه طرأ عليه عدم ذلك وهكذا في جميع الآيات ~~المذكورة ونحوها. # وأيضا فإن المحذور الذي زعموه لم يمنع من إطلاق نفي الكون الماضي في ~~قوله تعالى # وما كان ربك نسيا # [مريم: 64]، وقوله # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] وقوله # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # [القصص: 59]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. # ومن أوضحها في محل النزاع قوله تعالى # وما كان معه من إله # [المؤمنون: 91] الآية. # ولم يمنع من نفي القرآن للولد في الزمن الماضي في قوله تعالى # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون: 91] فإن الكفار لم يقولوا يوما ما: صدقت ما اتخذه في الماضي ~~ولكنه طرأ عليه اتخاذه. # وكذلك في قوله # ولم يتخذ ولدا # [الفرقان: 2] وقوله # لم يلد # [الإخلاص: 3]، لأن لم تنقل المضارع إلى معنى الماضي. # والكفار لم يقولوا يوما صدقت لم يتخذ ولدا في الماضي، ولكنه طرأ عليه ~~اتخاذه ولم يقولوا لم يلد في الماضي، ولكنه ولد أخيرا. # والحاصل أن الكفار لم يقروا أن الله منزه عن الولد لا في الماضي ولا في ~~الحال، ولا في الاستقبال. # ومعلوم أن الولادة المزعومة حدث متجدد. # وبذلك تعلم أنما زعموه من إيهام المحذور في كون إن في الآية نافية لا ~~أساس له ولا معول عليه، وأن ما ادعوه من كونها شرطية ليس له معنى في ~~اللغة العربية إلا المعنى المحذور الذي لا يجوز في حق الله بحال. # واعلم أن كلام الفخر الرازي في هذه الآية الكريمة الذي يقتضي إمكان صحة ~~الربط بين طرفيها على أنها شرطية لا شك في غلطه فيه. # وأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا ~~أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك، فهو إبطال صحيح، وكلامه فيه في ~~غاية الحسن والدقة، وهو يقتضي إبطاله بنفسه، لجميع ما كان يقرره في الآية ~~الكريمة. # والحاصل أن كون معنى إن في الآية الكريمة هو النفي لا إشكال فيه، ولا ~~محذور ولا إيهام، وأن ms3304 الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة ~~لهذا المعنى في القرآن. # وأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى، غير محذور في ~~اللغة، وليس له في كتاب الله نظير، لإجماع أهل اللسان العربي على اختلاف ~~المعنى في التعليق بإن، والتعليق بلو. # لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط ~~بخلاف إن. # فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط بلا نزاع. # وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه، ~~فلأسباب أخر، وأدلة خارجة، ولا يجوز حملها على أحد أمرين المذكورين، إلا ~~بدليل منفصل كما أوضحناه، في غير هذا الموضع. # تنبيه # اعلم أن ما ذكرنا من أن لو تقتضي عدم وجود الشرط، وأن إن تقتضي الشك ~~فيه، لا يرد عليه قوله تعالى: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94] الآية. كما أشرنا له قريبا. # لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: (إن كنت في شك) خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته. # وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 22] الآية. دلالة القرآن الصريحة على أنه صلى الله عليه وسلم ~~يتوجه إليه الخطاب من الله، والمراد به التشريع لأمته، ولا يراد هو صلى ~~الله عليه وسلم ألبتة بذلك الخطاب. # وقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى # وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23] الآية، فالتحقيق أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته لا هو نفسه، لأنه هو المشرع لهم بأمر الله. # وإيضاح ذلك أو معنى: { إما يبلغن عندك الكبر } أي إن ~~يبلغ عندك الكبر يا نبي الله والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أف. # ومعلوم أن أباه مات وهو حمل، وأمه ماتت وهو في صباه فلا يمكن أن يكون ~~المراد: إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما ms3305 والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك ~~بأزمان. # وبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو ~~أحدهما الكبر عنده. # وقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف وأوردنا شاهدا لذلك رجز سهل بن ~~مالك الفزاري في قوله: # يا أخت خير البدو والحضاره # كيف ترين في فتى فزاره # أصبح يهوى حرة معطاره # إياك أعني واسمعي يا جاره # وقد بسطنا القصة هناك، وبينا أن قول من قال: إن الخطاب في قوله تعالى: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما # [الإسراء: 23] الآية: لكل من يصح خطابه من أمته، صلى الله عليه وسلم لا ~~له هو نفسه، باطل بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات: # ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة # [الإسراء: 39] الآية. # والحاصل أن آية: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94] الية. لا ينقص بها الضابط الذي ذكرنا لأنها كقوله: # لا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 22] # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] # فلا تكونن من الممترين # [البقرة: 147] # ولا تطع الكافرين والمنافقين # [الأحزاب: 48] # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] إلى غير ذلك من الآيات. # ومعلوم أنه هو صلى الله عليه وسلم، لا يفعل شيئا من ذلك ألبتة، ولكنه ~~يؤمر وينهي ليشرع لأمته على لسانه. # وبذلك تعلم اطراد الضابط الذي ذكرنا في لفظة لو، ولفظة إن، وأنه لا ~~ينتقض بهذه الآية. # هذا ما ظهر لنا في هذه الآية الكريمة، ولا شك أنه لا محذور فيه ولا غرر ~~ولا إيهام، والعلم عند الله تعالى. ### || [43.82] # قد قدمنا معنى لفظة سبحان، وما تدل عليه من تنزيه الله عن كل ما لا يليق ~~بكماله وجلاله وإعراب لفظة سبحان مع بعض الشواهد العربية في أول سورة بني ~~إسرائيل. # ولما قال تعالى: # قل إن كان للرحمن ولد # [الزخرف: 81] الآية. نزه نفسه تنزيها تاما عما يصفونه به من نسبة ~~الولد إليه مبينا أن رب السماوات والأرض، ورب العرش، جدير بالتنزيه عن ~~الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. # وما تضمنته هذه الآية ms3306 الكريمة، من أنه لما ذكر وصف الكفار له، بما لا ~~يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلما خلقه في كتابه، أن ينزهوه عن كل ما لا ~~يليق به، جاء مثله موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد # [المؤمنون: 91] إلى قوله تعالى: # سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون # [المؤمنون: 91-92] وقوله تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 42-43] وقوله تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # [الأنبياء: 22]. وقوله تعالى: # سبحانه أن يكون له ولد له وما في السماوات وما ~~في الأرض وكفى بالله وكيلا # [النساء: 171] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [43.83] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون # [الحجر: 3] الآية. ### || [43.84] # قوله تعالى: { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض ~~إله }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في الكلام على قوله ~~تعالى: # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم # [الأنعام: 3] الآية. ### || [43.85] # قوله تعالى: { وعنده علم الساعة }. # قد بينا الآيات الموضحة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] الآية. # وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو # [الأعراف: 187] وفي غير ذلك من المواضع. ### || [43.86] # قوله تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # ولا يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48] الآية. وفي غير ذلك من المواضع. ### || [43.87] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة، في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. ### || [43.88] # قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي (وقيله) ms3307 ~~بفتح اللام وضم الهاء، وقرأه عاصم وحمزة: (وقيله) بكسر اللام والهاء. # قال بعض العلماء إعرابه بأنه عطف محل على الساعة لأن قوله تعالى: # وعنده علم الساعة # [الزخرف: 85] مصدر مضاف إلى مفعوله. # فلفظ الساعة مجرور لفظا بالإضافة، منصوب محلا بالمفعولية، وما كان ~~كذلك جاز في تابعه النصب نظرا إلى المحل، والخفض نظرا إلى اللفظ، كما ~~قال في الخلاصة: # وجر ما يتبع ما جر ومن # راعى في الاتباع المحل فحسن # وقال في نظيره في الوصف: # واخفض أو انصب تابع الذي انخفض # كمبتغي جاه ومالا من نهض # وقال بعضهم: هو معطوف على # سرهم # [الزخرف: 80]. # وعليه فالمعنى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، { وقيله ~~يرب } الآية. # وقال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول مطلق. # أي، وقال: قيله وهو بمعنى قوله إلا أن القاف لما كسرت، أبدلت الواو ياء ~~لمجانسة الكسرة. # قالوا: ونظير هذا الإعراب قول كعب بن زهير: # تمشي الوشاة جانبيها وقيلهم # إنك يا بن أبي سلمى لمقتول # أي ويقولون: قيلهم. # وقال بعضهم: هو منصوب بيعلم محذوفة لأن العطف الذي ذكرنا على قوله: ~~سرهم، والعطف على الساعة يقال فيه إنه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف ~~عليه بما لا يصلح لكونه اعتراضا، وتقدير الناصب إذا دل المقام عليه لا ~~إشكال فيه. كما قال في الخلاصة: # ويحذف الناصبها إن علما # وقد يكون حذفه ملتزما # وأما على قراءة الخفض، فهو معطوف على الساعة، أي وعنده علم الساعة، وعلم ~~قيله يا رب. # واختار الزمخشري أنه مخفوض بالقسم، ولا يخفى بعده كما نبه عليه أبو ~~حيان. # والتحقيق أن الضمير في قيله، للنبي صلى الله عليه وسلم. # والدليل على ذلك، أن قوله بعد: # فاصفح عنهم وقل سلام # [الزخرف: 89] خطاب له صلى الله عليه وسلم بلا نزاع، فادعاء أن الضمير في ~~قيله لعيسى لا دليل عليه ولا وجه له. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من شكواه صلى الله عليه وسلم، إلى ربه ~~عدم إيمان قومه، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ms3308 ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]، وذكر مثله عن موسى في قوله تعالى في الدخان: # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون # [الدخان: 22]، وعن نوح قوله تعالى: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 5-6] إلى آخر الآيات. ### || [43.89] # قرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (فسوف ~~يعلمون) بياء الغيبة، وقرأ نافع وابن عامر (فسوف تعلمون) بتاء الخطاب. # وهذه الآية الكريمة تضمنت، ثلاثة أمور: # الأول: أمره صلى الله عليه وسلم بالصفح عن الكفار. # والثاني: أن يقول لهم سلام. # والثالث: تهديد الكفار، بأنهم سيعلمون حقيقة الأمر وصحة ما يوعد به ~~الكافر من عذاب النار. # وهذه الأمور الثلاثة جاءت موضحة في غير هذا الموضع: # كقوله تعالى في الأول # وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل # [الحجر: 85]، وقوله تعالى # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم # [الأحزاب: 48]. # والصفح الإعراض عن المؤاخذة بالذنب. # قال بعضهم: وهو أبلغ من العفو. # قالوا: لأن الصفح أصله مشتق من صفحة العنق، فكأنه يولي المذنب بصفحة ~~عنقه معرضا عن عتابه فما فوقه. # وأما الأمر الثاني، فقد بين تعالى أنه هو شأن عباده الطيبين. # ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم سيدهم كما قال تعالى # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]، وقال تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # [القصص: 55]. وقال عن إبراهيم إنه قال له أبوه: # لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا # [مريم: 46] قال له # سلام عليك # [مريم: 47]. # ومعنى السلام في الآيات المذكورة، إخبارهم بسلامة الكفار من أذاهم، ومن ~~مجازاتهم لهم بالسوء، أي سلمتم منا لا نسافهكم، ولا نعاملكم بمثل ما ~~تعاملوننا. # وأما الأمر الثالث الذي هو تهديد الكفار بأنهم سيعلمون الحقيقة قد جاء ~~موضحا في آيات كتاب الله كقوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88] وقوله تعالى: # لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون # [الأنعام: 67] وقوله: # كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون # [النبأ: 4-5]. وقوله تعالى: # كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ms3309 # [التكاثر: 3-4]. وقوله تعالى: # لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 6-7] إلى غير ذلك من الآيات. # وكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى: { فاصفح عنهم } [89] ~~وما في معناه منسوخ بآيات السيف، وجماعات من المحققين يقولون هو ليس ~~بمنسوخ. # والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال، والصفح عن الجهلة، والإعراض ~~عنهم، وصف كريم، وأدب سماوي، لا يتعارض مع ذلك، والعلم عند الله تعالى. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.3] # قوله تعالى: { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة }. # أبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بين أنها هي ليلة القدر في ~~قوله تعالى # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وبين كونها (مباركة) المذكورة هنا في قوله تعالى # ليلة القدر خير من ألف شهر # [القدر: 3] إلى آخر السورة. # فقوله { في ليلة مباركة } أي كثيرة البركات والخيرات. # ولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها، في ~~سورة القدر كثيرة البركات، والخيرات جدا. # وقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، التي أنزل فيها ~~القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]. # فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها ~~دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح. # ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل. # والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنهم من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا ~~أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من ~~المحققين. # فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح، بلا مستند كتاب ولا ~~سنة صحيحة. ### || [44.4-6] # قوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من ~~عندنآ }. # معنى قوله يفرق، أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة، التي هي ليلة ~~القدر، كل أمر حكيم، أي ذي حكمة بالغة لأن كل ما يفعله الله، مشتمل على ~~أنواع الحكم الباهرة: # وقال بعضهم: حكيم، أي محكم، ولا تغيير فيه، ولا تبديل. # وكلا الأمرين حق لأن ما ms3310 سبق في علم الله، لا يتغير ولا يتبدل، ولأن جميع ~~أفعاله في غاية الحكمة. # وهي في الاصطلاح وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها. # وإيضاح معنى الآية أن الله تبارك وتعالى في كل ليلة قدر من السنة يبين ~~للملائكة ويكتب لهم، بالتفصيل والإيضاح جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ~~ليلة القدر من السنة الجديدة. # فتبين في ذلك الآجال والأرزاق والفقر والغنى، والخصب والجدب والصحة ~~والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنا ما كان. # قال الزمخشري في الكشاف: ومعنى يفرق: يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق ~~العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها، إلى الأخرى القابلة إلى أن قال: ~~فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك ~~الزلازل، والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا ~~وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت ا ه محل الغرض منه بلفظه. # ومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة ~~المذكورين، لأنا لم نعلم له مستندا. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضا على أن الليلة ~~المباركة هي ليلة القدر فهو بيان قرآني آخر. # وإيضاح ذلك أن معنى قوله # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] أي في ليلة التقدير لجميع أمور السنة، من رزق وموت، وحياة ~~وولادة ومرض، وصحة وخصب وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة. # قال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه ~~في الموتى في تلك السنة. # وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد ~~بقوله { فيها يفرق كل أمر حكيم } [الدخان: 4]. # وقد قدمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] أن قدر بفتح الدال مخففا يقدر ويقدر بالكسر والضم كيضرب ~~وينصر قدرا بمعنى قدر تقديرا، وأن ثعلبا أنشد لذلك قول الشاعر: # فليست عشيات الحمى برواجع # لنا أبدا ما أورق السلم النضر # ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى # تباركت ما تقدر يقع ms3311 ولك الشكر # وبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر، لأن الله يقدر فيها وقائع ~~السنة. # وبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر ~~حكيم } وأوضحنا هناك أن القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره ~~الله من قضائه: ومنه قول هدبة بن الخشرم: # ألا يا لقومي للنوائب والقدر # وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري # واعلم أن قول من قال: إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من ~~الليالي من قولهم: فلان ذو قدر أي ذو شرف ومكانة رفيعة لا ينافي القول ~~الأول لاتصافها بالأمرين معا، وصحة وصفها بكل منهما كما أوضحنا مثله ~~مرارا. # واختلف العلماء في إعراب قوله { أمرا من عندنآ } ، قال بعضهم: ~~هو مصدر منكر في موضع الحال، أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به. # وممن قال بهذا الأخفش. # وقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من قوله (أنزلناه) وجعل (أمرا) بمعنى: ~~إنزالا. # وممن قال به المبرد. # وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من يفرق، فجعل (أمرا) بمعنى فرقا أو ~~فرق بمعنى أمرا. # وممن قال بهذا الفراء والزجاج. # وقال بعضهم هو حال من (أمر) أي (يفرق فيها بين كل أمر حكيم). # في حال كونه أمرا من عندنا، وهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان ~~الحال من النكرة وهي متأخرة عنها لأن النكرة التي هي (أمر) وصفت بقوله ~~(حكيم) كما لا يخفى. # وقال بعضهم { أمرا } مفعول به لقوله (منذرين) وقيل غير ذلك. واختار ~~الزمخشري: أنه منصوب بالاختصاص، فقال: جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه ~~بالحكيم ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة، بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرا ~~حاصلا من عندنا، كائنا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا وهذا الوجه ~~أيضا ممكن، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { إنا كنا مرسلين رحمة من ربك }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا # [الكهف: 65] الآية. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله ms3312 تعالى # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر: 2]. ### || [44.14] # هذا الذي ادعوه على النبي صلى الله عليه وسلم افتراء، من أنه معلم، ~~يعنون أن هذا القرآن علمه إياه بشر، وأنه صلى الله عليه وسلم مجنون، قد ~~بينا الآيات الموضحة لإبطاله. # أما دعواهم أنه معلم فقد قدمنا الآيات الدالة على تلك الدعوى في سورة ~~النحل، في الكلام على قوله تعالى: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر # [النحل: 103] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون # [الفرقان: 4] إلى قوله # فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. # وبينا الآيات الموضحة لافترائهم وتعنتهم في سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. # وفي الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # فقد جآءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين ~~اكتتبها # [الفرقان: 4-5]. # وأما دعواهم أنه مجنون، فقد قدمنا الآيات الموضحة لها. ولإبطالها في ~~سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: # أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق() # [المؤمنون: 70] الآية. ### || [44.17-18] # قوله تعالى: { وجآءهم رسول كريم أن أدوا إلي ~~عباد الله }. # الرسول الكريم هو موسى، والآيات الدالة على أن موسى هو الذي أرسل لفرعون ~~وقومه كثيرة ومعروفة. # وقوله: { أدوا إلي } أي سلموا إلى عباد الله يعني بني إسرائيل، ~~وأرسلوهم معي. # فقوله { عباد الله } مفعول به لقوله: { أدوا }. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن موسى طلب فرعون أن يسلم له بني ~~إسرائيل ويرسلهم معه جاء موضحا في آيات أخر، مصرح فيها بأن عباد الله ~~بنو إسرائيل، كقوله تعالى في طه: # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم # [طه: 47] وقوله تعالى في الشعراء # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن ~~أرسل معنا بني إسرائيل # [الشعراء: 16-17] الآية. # والتحقيق أن أن في قوله { أن أدوا } هي المفسرة، لأن مجيء ~~الرسول يتضمن معنى القول لا المخففة من الثقيلة، وأن قوله: ms3313 { عباد ~~الله } مفعول به كما ذكرنا وكما أوضحته آية طه والشعراء لا منادى ~~مضاف. ### || [44.20] # قوله تعالى: { وإني عذت بربي وربكم } الآية. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: # وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل ~~متكبر لا يؤمن بيوم الحساب # [غافر: 27]. ### || [44.28] # لم يبين هنا من هؤلاء القوم الذين أورثهم ما ذكره هنا، ولكنه بين في ~~سورة الشعراء أنهم بنو إسرائيل وذلك في قوله تعالى: # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59] الآية كما تقدم في الترجمة، وفي الأعراف. ### || [44.30-31] # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه نجى بني إسرائيل من العذاب ~~المهين الذي كان يعذبهم به فرعون وقومه، جاء موضحا في آيات أخر، مصرح ~~فيها بأنواع العذاب المذكور، كقوله تعالى في سورة البقرة # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # [البقرة: 49]. إلى قوله # وأنتم تنظرون # [البقرة: 50]. وقوله في الأعراف # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم # [الأعراف: 141] الآية. وقوله تعالى في المؤمن # فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبنآء الذين آمنوا معه # [غافر: 25] الآية. وقوله تعالى في إبراهيم: # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبنآءكم # [إبراهيم: 6] الآية. وقوله في الشعراء: # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 22]. # فتعبيده إياهم من أنواع عذابه لهم، إلى غير ذلك من الآيات. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن فرعون كان عاليا من ~~المسرفين، أوضحه أيضا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في يونس: # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن ~~المسرفين # [يونس: 83] وقوله تعالى في أول القصص # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طآئفة منهم يذبح أبنآءهم ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين # [القصص: 4] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [44.48] # قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الحج في الكلام على ms3314 قوله تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج: 19]. # وقد تركنا إحالات متعددة بينا فيها بعض آيات سورة الدخان هذه خشية ~~الإطالة بكثرة الإحالة. ### || [44.58] # قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة مريم في الكلام على قوله: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين # [مريم: 97] الآية. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.3-5] # ذكر جل وعلا، في هذه الآيات الكريمة، من أول سورة الجاثية ست براهين، من ~~براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق ~~للعبادة وحده تعالى. # الأول: منها خلقه السماوات والأرض. # الثاني: خلقه الناس. # الثالث: خلقه الدواب. # الرابع: اختلاف الليل والنهار. # الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به. # السادس: تصريف الرياح. # وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين ~~يعقلون عن الله حججه، وآياته. # فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم. # ولذا قال: { لآيات للمؤمنين } ، ثم قال: { آيات لقوم ~~يوقنون } ، ثم قال: { آيات لقوم يعقلون }. # وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في ~~آيات كثيرة جدا كما هو معلوم. # أما الأول منها وهو خلقه السماوات والأرض المذكور في قوله: { إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } فقد جاء في آيات ~~كثيرة كقوله تعالى # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب # [ق: 6-8] وقوله تعالى: # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض # [سبأ: 9] الآية. وقوله: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] الآية. وقوله: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض # [الأعراف: 185] الآية. وقوله: # ومن آياته خلق السماوات والأرض # [الروم: 22 والشورى: 29] في الروم والشورى. وقوله: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء # [البقرة: 22] وقوله تعالى: # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسمآء ~~بنآء # [غافر: 64]، وقوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات: 47-48]. وقوله تعالى: # ألم نجعل الأرض مهادا # [النبأ: ms3315 6] الى قوله # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا معروفة. # وأما الثاني منها: وهو خلقه الناس المذكور في قوله: { وفي خلقكم } ~~فقد جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم: 20] وقوله: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم # [البقرة: 21] الآية. وقوله تعالى عن نبيه نوح: # ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم ~~أطوارا # نوح: [13-14]، وقوله تعالى: # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ~~في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون # [الزمر: 6] وقوله # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. # وأما الثالث منها: وهو خلقه الدواب المذكور في قوله: { وما يبث ~~من دآبة } فقد جاء أيضا موضحا في آيات كثيرة أيضا من كتاب الله ~~كقوله تعالى في سورة الشورى: # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير # [الشورى: 29]. وقوله تعالى في البقرة: # ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة # [البقرة: 164] الآية. وقوله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن ~~الله على كل شيء قدير # [النور: 45]، وقوله تعالى # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # [الزمر: 6] والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. # وأما الرابع منها: وهو اختلاف الليل والنهار المذكور في قوله: واختلاف ~~الليل والنهار. فقد جاء موضحا أيضا في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله ~~تعالى في البقرة: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس # [البقرة: 164] الى قوله: # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. وقوله تعالى في آل عمران: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]، وقوله تعالى في فصلت: # ومن آياته الليل ms3316 والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37] الآية، وقوله تعالى: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 37-38] الآية. وقوله تعالى: # يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار # [النور: 44]، وقوله تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون # [القصص: 71-73]، وقوله تعالى: # وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل ~~والنهار أفلا تعقلون # [المؤمنون: 80] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وأما الخامس منها وهو: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات ~~الرزق فيها المذكور في قوله: { ومآ أنزل الله من السمآء ~~من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها } فقد جاء موضحا ~~أيضا في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها # [البقرة: 164] الى قوله # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]، وقوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا # [عبس:24-27] الى قوله # متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس: 32] وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه # [عبس: 24] أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه ~~كالخبز الذي يأكله، ويعيش به من خلق الماء الذي كان سببا لنباته. هل ~~يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ # الجواب: لا. # ثم وهب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى ~~الأرض، على هذا الوجه الذي يحصل به النفع، من غير ضرر بإنزاله على الأرض ~~رشا صغيرا، حتى تروى به الأرض تدريجا. # من غير أن يحصل به ms3317 هدم، ولا غرق كما قال تعالى: # فترى الودق يخرج من خلاله # [النور: 43 والروم: 48]. # الجواب: لا. # ثم هب أن الماء قد خلق فعلا، وأنزل في الأرض، على ذلك الوجه الأتم ~~الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها مسمار النبات؟ # الجواب: لا. # ثم هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه فهل يقدر أحد غير الله أن ~~يخرج السنبل من ذلك النبات؟ # الجواب: لا. # ثم هب أن السنبل خرج من النبات فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه ~~وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحا للغذاء والقوت؟ # الجواب: لا. # وقد قال تعالى: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # [الأنعام: 99]، وكقوله تعالى: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به ~~حبا ونباتا وجنات ألفافا # [النبأ: 14-16]. وقوله تعالى: # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # واعلم أن إطلاقه تعالى الرزق على الماء، في آية الجاثية هذه، قد أوضحنا ~~وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا # [غافر: 13] الآية. # وأما السادس منها: وهو تصريف الرياح المذكور في قوله { وتصريف ~~الرياح } فقد فقد جاء موضحا أيضا في آيات من كتاب الله كقوله في ~~البقرة: # وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164] وقوله تعالى: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46]، وقوله تعالى # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22] الى غير ذلك من الآيات. # تنبيه # اعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة، في أول سورة الجاثية، هذه ثلاثة ~~منها، من براهين البعث، التي يكثر في القرآن العظيم، الاستدلال بها على ~~البعث، كثرة مستفيضة. # وقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة وسورة ~~النحل وغيرهما، وأحلنا عليها مرارا كثيرة من هذا الكتاب المبارك وسنعيد ~~طرفا منها هنا لأهميتها إن شاء الله تعالى. # والأول من البراهين المذكورة هو خلق السماوات والأرض هنا ms3318 في سورة ~~الجاثية هذه { إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين } لأن خلقه جل وعلا للسماوات والأرض، من أعظم البراهين ~~على بعث الناس بعد الموت لأن من خلق الأعظم الأكبر، لا شك في قدرته على ~~خلق الأضعف الأصغر. # والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، ~~وقوله تعالى: # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم # { يس: 81]. وقوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي ~~الموتى بلى إنه على كل شيء قدير # [الأحقاف: 33] وقوله تعالى: # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم # [الإسراء: 99] الآية. وقوله تعالى: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ~~ذلك دحاها أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال ~~أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 27-33]. # ونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات: # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ # [الصافات: 11] الآية، لأن قوله: { أم من خلقنآ } يشير به إلى خلق ~~السماوات والأرض، وما ذكر معهما المذكور في قوله تعالى: # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق # [الصافات: 5] الى قوله # فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10]. # وأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى، ~~لأن من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم، ~~مرة أخرى كما لا يخفى. # والاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جدا في كتاب الله كقوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # { الحج: 5] الى آخر الآيات. وقوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79] وقوله تعالى: # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ~~أولا يذكر ms3319 إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك ~~شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا # [مريم: 66-68] الآية. وقوله تعالى: # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] الآية. وقوله تعالى: # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء: 51] وقوله تعالى: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء: 104] وقوله تعالى: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15] وقوله تعالى: # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون # [الواقعة: 62] وقوله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة ~~إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى # [النجم: 45-47] وقوله تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى # [القيامة: 36-40]. وقوله تعالى: # والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد ~~الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 1-4] الى قوله: # فما يكذبك بعد بالدين # [التين: 7] يعني أي شئ يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد ~~علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على ~~عاقل أن من ابتدع الإيجاد الأول لا شك في قدرته، على إعادته مرة أخرى إلى ~~غير ذلك من الآيات. # وأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها المذكور في قوله ~~تعالى في سورة الجاثية هذه: { ومآ أنزل الله من السمآء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها } ، فانه يكثر ~~الاستدلال به أيضا على البعث في القرآن العظيم، لأن من أحيا الأرض بعد ~~موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم، لأن الجميع أحياء بعد موت. # فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # [فصلت: 39] وقوله تعالى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك ~~بأن الله ms3320 هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه ~~على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج: 5-7] وقوله تعالى: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير # [الروم: 50] وقوله تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # [الأعراف: 57]. # فقوله تعالى: { كذالك نخرج الموتى } أي نبعثهم من قبورهم ~~أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد ~~الميت، وقوله تعالى: # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # [الروم: 19] يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: # وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # [ق: 11] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [45.6-8] # قوله تعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق }. # أشار جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى آيات القرآن العظيم، وبين ~~لنبيه أنه يتلوها عليه، متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ~~ولا من خلفه. # وما ذكره جل وعلا في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه كقوله ~~تعالى في البقرة: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن ~~المرسلين # [البقرة: 251-252] وقوله تعالى في آل عمران: # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~وما الله يريد ظلما للعالمين # [آل عمران: 107-108] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { تلك } بمعنى ~~هذه. # ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإشارة إلى ~~القريب كقوله: # ذلك الكتاب # [البقرة: 2] بمعنى هذا الكتاب. كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن ~~المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي: # فإن تك خيلي قد أصيب صميمها # فعمدا على عيني تيممت ms3321 مالكا # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذالكا # يعني أنا هذا. # وقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب، عن ~~آيات الكتاب) في أول سورة البقرة وقوله تعالى: { نتلوها } أي نقرؤها ~~عليك. # وأسند جل وعلا تلاوتها إلى نفسه لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله ~~بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغا عنه جل وعلا. # ونظير ذلك قوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # [القيامة: 16-19]. # فقوله: فإذا قرأناه أي قرأه عليك المرسل به، من قبلنا مبلغا عنا، ~~وسمعته منه، فاتبع قرآنه أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه. # وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه # [طه: 114]. # وسماعه صلى الله عليه وسلم القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله ~~وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] وقوله تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين # [الشعراء: 192-195] وقوله تعالى في هذه الآية: { تلك آيات الله ~~} [الجاثية: 6] يعني آياته الشرعية الدينية. # واعلم أن لفظ الآية، يطلق في اللغة العربية إطلاقين، وفي القرآن العظيم ~~إطلاقين أيضا. أما إطلاقاه في اللغة العربية. # فالأول منهما وهو المشهور في كلام العرب، فهو إطلاق الآية بمعنى ~~العلامة، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان: # توهمت آيات لها فعرفتها # لستة أعوام وذا العام سابع # ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار في قوله بعده: # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # وأما الثاني منهما فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء بآيتهم ~~أي بجماعتهم. # ومنه قول برج بن مسهر: # خرجنا من النقبين لا حي مثلنا # بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا # وقوله: بآياتنا يعني بجماعتنا. # وأما إطلاقاه في القرآن العظيم: ms3322 # فالأول منهما إطلاق الآية الشرعية الدينية كآيات هذا القرآن العظيم، ~~ومنه قوله تعالى هنا: { تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق } الآية. # وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية كقوله ~~تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]. # أما الآية الكونية القدرية فهي بمعنى الآية اللغوية التي هي العلامة، ~~لأن الآيات الكونية علامات قاطعة، على أن خالقها هو الرب المعبود وحده. # وأما الآية الشرعية الدينية، فقال بعض العلماء: إنها أيضا من الآية ~~التي هي العلامة، لأن آيات هذا القرآن العظيم، علامات على صدق من جاء ~~بها، لما تضمنته من برهان الإعجار، أو لأن فيها علامات يعرف بها مبدأ ~~الآيات ومنتهاها. # وقال بعض العلماء إنها من الآية بمعنى الجماعة، لتضمنها جملة من كلمات ~~القرآن وحروفه. # واختار غير واحد أن أصل الآية أيية بفتح الهمزة وفتح الياءين بعدها، ~~فاجتمع في الياءين موجبا إعلال، لأن كلا منهما متحركة أصلية بعد فتح ~~متصل، كما أشار له في الخلاصة بقوله: # من واو وياء بتحريك أصل # ألفا أبدل بعد فتح متصل # إن حراك التالي.... الخ. # والمعروف في علم والمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجبا إعلال في ~~كلمة واحدة فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منهما، وإعلال الثاني ~~بإبداله ألفا كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول ~~كغاية، وراية، وآية على الأصح، من أقوال عديدة، ومعلوم أن إعلالهما لا ~~يصح، ولهذا أشار فى الخلاصة بقوله: # من واو وياء بتحريك أصل # ألفا أبدل بعد فتح متصل # إن حرك التالي... إلخ. # والمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجبا إعلال في كلمة واحدة ~~فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منها، وإعلال الثاني بإبداله ألفا ~~كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول كغاية وراية، ~~وآية على الأصح، من اقوال عديدة، ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار ~~في الخلاصة بقوله: # وإن لحرفين ذا الإعلال استحق # صحح أول وعكس قد يحق # قوله تعالى: { فبأي حديث بعد الله ms3323 وآياته يؤمنون ~~ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم }. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن من كفر بالله وبآيات الله ~~ولم يؤمن بذلك مع ظهور الأدلة والبراهين على لزوم الإيمان بالله، وآياته ~~أنه يستبعد، أن يؤمن بشئ آخر، لأنه لو كان يؤمن بحديث لآمن بالله وبآياته ~~لظهور الأدلة على ذلك، وأن من لم يؤمن بآيات الله متوعد بالويل، وأنه ~~أفاك أثيم، والأفاك: كثير الإفك وهو أسوأ الكذب، والأثيم: هو مرتكب الإثم ~~بقلبه وجوارحه، فهو مجرم بقلبه ولسانه وجوارحه، قد ذكره تعالى في غير هذا ~~الموضع فتوعد المكذبين لهذا القرآن، بالويل يوم القيامة، وبين استبعاد ~~إيمانهم، بأي حديث بعد أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وذلك بقوله في آخر ~~المرسلات: # وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ ~~للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون # [المرسلات: 48-50] فقوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين ~~} كقوله هنا { ويل لكل أفاك أثيم }. # وقد كرر تعالى وعيد المكذبين بالويل في سورة المرسلات كما هو معلوم ~~وقوله في آخر المرسلات: { فبأي حديث بعده يؤمنون } ~~كقوله هنا في الجاثية: { فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون }. # ومعلوم أن الإيمان بالله على الوجه الصحيح، يستلزم الإيمان بآياته، وأن ~~الإيمان بآياته كذلك يستلزم الإيمان به تعالى، وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم } ~~يدل على أن من يسمع القرآن يتلى ثم يصر على الكفر والمعاصي في حالة كونه ~~متكبرا عن الانقياد إلى الحق الذي تضمنته آيات القرآن كأنه لم يسمع آيات ~~الله، له البشارة يوم القيامة بالعذاب الأليم وهو الخلود في النار، وما ~~تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في ~~لقمان: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب ~~أليم # [لقمان: 7] وقوله تعالى في الحج: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ms3324 ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير # [الحج: 72] وقوله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]، فقوله تعالى عنهم: ماذا قال آنفا: يدل على أنهم ما كانوا ~~يبالون بما يتلو عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والهدى. # وقد ذكرنا كثيرا من الآيات المتعلقة بهذا المبحث في سورة فصلت في ~~الكلام على قوله تعالى: # فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب # [فصلت: 4-5] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية: { كأن لم يسمعها } خففت فيه لفظة ~~كأن، ومعلوم أن كأن إذا خففت كان اسمها مقدرا وهو ضمير الشأن والجملة ~~خبرها كما قال في الخلاصة: # وخففت كأن أيضا فنوى # منصوبها وثابتا أيضا روى # وقد قدمنا في أول سورة الكهف: أن البشارة تطلق غالبا على الإخبار بما ~~يسر، وأنها ربما أطلقت في القرآن وفي كلام العرب على الإخبار بما يسوء ~~أيضا. # وأوضحنا ذلك بشواهده العربية، وقوله في هذه الآية الكريمة: { ويل ~~لكل أفاك أثيم }. # قال بعض العلماء: { ويل } واد في جهنم. # والأظهر أن لفظة { ويل } كلمة عذاب وهلاك، وأنها مصدر لا لفظ له من ~~فعله، وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم ~~بالهلاك. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فبأي حديث بعد الله ~~وءاياته يؤمنون }. # قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو وحفص، عن عاصم: يؤمنون بياء الغيبة. # وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم تؤمنون بتاء الخطاب. # وقرأه ورش عن نافع والسوسي عن أبى عمرو يومنون بإبدال الهمزة واوا ~~وصلا ووقفا. # وقرأه حمزة بإبدال الهمزة واوا في الوقف دون الوصل. # والباقون بتحقيق الهمزة مطلقا. ### || [45.9] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة توعد الأفاك الأثيم بالويل، والبشارة ~~بالعذاب الأليم. # وقد قدمنا ms3325 قريبا أن من صفاته، أنه إذا سمع آيات الله تتلى عليه أصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها، وذكر في هذه الآية الكريمة أنه إذا علم من آيات ~~الله شيئا اتخذها هزوا أي مهزوءا بها، مستخفا بها، ثم توعده على ذلك ~~بالعذاب المهين. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يتخذون آيات الله هزوا، ~~وأنهم سيعذبون على ذلك يوم القيامة، قد بينه تعالى في غير هذا الموضع ~~كقوله تعالى في آخر الكهف: # ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ~~ورسلي هزوا # [الكهف: 106] وقوله تعالى في الكهف أيضا: # ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ~~ما قدمت يداه # [الكهف: 56-57] الآية. وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه: # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم ~~بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا # [الجاثية: 34-35] الآية. # وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم هزؤا بضم ~~الزاي بعدها همزة محققة. # وقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واوا. # وقرأه حمزة هزءا بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل. # وأما في حالة الوقف، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي فتكون الزاي ~~مفتوحة بعدها ألف، وعنه إبدالها واوا محركة بحركة الهمزة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لهم عذاب مهين } أي لأن ~~عذاب الكفار الذين كانوا يستهزءون بآيات الله لا يراد به إلا إهانتهم ~~وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب. # وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا ~~فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب. # فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة بل ليؤلوا بعده إلى الرحمة ودار ~~الكرامة. ### || [45.10] # قوله تعالى: { من ورآئهم جهنم } قد قدمنا الآيات الموضحة له ~~مع الشواهد العربية في سورة إبراهيم في الكلام على قوله تعالى: # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورآئه ~~جهنم # [إبراهيم: 15-16] الآية. وبينا هناك أن أصح الوجهين أن وراء بمعنى ms3326 أمام. # فمعنى من ورائه جهنم أي أمامه جهنم يصلاها يوم القيامة كما قال تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] أي أمامهم ملك. # وذكر هناك الشواهد العربية على إطلاق وراء بمعنى أمام، وبينا أن هذا هو ~~التحقيق في معنى الآية وكذلك آية الجاثية هذه، فقوله تعالى { من ~~ورآئهم جهنم } أي أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولا يغني عنهم ما ~~كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ~~}. # أوضح فيه أن ما كسبه الكفار في دار الدنيا من الأموال والأولاد لا يغني ~~عنهم شيئا يوم القيامة أي لا ينفعهم بشيء فلا يجلب لهم بسببه نفع ولا ~~يدفع عنهم بسببه ضر، وإنما اتخذوه من الأولياء في دار الدنيا من دون ~~الله، كالمعبودات التي كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها شركاء لله لا ينفعهم ~~يوم القيامة أيضا بشيء. # وهاتان المسألتان اللتان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد أوضحهما الله ~~في آيات كثيرة من كتابه. # أما الأولى منهما: وهي كونهم لا يغني عنهم ما كسبوا شيئا فقد أوضحها في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب مآ أغنى عنه ماله وما ~~كسب # [المسد: 1-2] وقوله تعالى: # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11] وقوله تعالى: # الذى جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده ~~كلا لينبذن في الحطمة # [الهمزة: 2-4] الآية. وقوله تعالى: # قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون # [الزمر-50] وقوله تعالى: # يليتها كانت القاضية مآ أغنى عني ماليه # [الحاقة: 27 - 28] الآية. وقوله تعالى: # قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون # [الأعراف: 48]. وقوله تعالى عن إبراهيم: # ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون # [الشعراء: 87-88] وقوله تعالى: # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # [سبأ: 37] الآية. وقوله تعالى: # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار # [آل عمران: 10]. وقوله تعالى # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم ms3327 من الله شيئا وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون # [آل عمران: 116]. وقوله تعالى في المجادلة # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ~~فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا # [المجادلة: 16-17] الآية. # والآيات بمثل هذا كثيرة جدا، وقد قدمنا كثيرا منها في مواضع متعددة من ~~هذا الكتاب المبارك. # وأما الثانية منهما، وهي كونهم لا تنفعهم المعبودات، التي اتخذوها ~~أولياء من دون الله، فقد أوضحها تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في ~~هود: # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت ~~عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ~~لما جآء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب # [هود: 101]. وقوله تعالى # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون # [الأحقاف: 28]. وقوله تعالى: # وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون # [القصص: 64]: وقوله تعالى # ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم ~~موبقا # [الكهف: 52] وقوله تعالى: # ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب ~~له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون ~~وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء # [الأحقاف: 5-6] الآية وقوله تعالى: # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل ~~خبير # [فاطر: 13-14]. وقوله تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 81-82]، وقوله تعالى: # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # [العنكبوت: 25]، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أوليآء } ، الأولياء جمع ولي. # والمراد بالأولياء هنا، المعبودات التي يوالونها بالعبادة من دون الله، ~~{ وما } في قوله: { وما كسبوا }؟ { وما اتخذوا } موصولة ms3328 وهي في محل ~~رفع في الموضعين، لأن { ما } الأولى فاعل { يغني }؟ { وما } الثانية ~~معطوفة عليها وزيادة لا، قبل المعطوف على منفي معروفة. وقوله: { ولا ~~يغني } أي لا ينفع. والظاهر أن أصله من الغناء بالفتح والمد وهو ~~النفع. # ومنه قول الشاعر: # وقل غناء عنك مال جمعته # إذا صار ميراثا وواراك لاحد # فقوله: قل غناء أي قل نفعا. وقول الآخر: # قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا # قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا # فقوله: الغناء أي النفع # والبيت من شواهد إعمال المصدر المعرف بالألف واللام، لأن قوله: قول ~~الأحبة، فاعل قوله الغناء. وأما الغناء بالكسر والمد فهو الألحان ~~المطربة. # وأما الغنى بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. # وأما الغنى بالفتح والقصر فهو الإقامة، من قولهم غنى بالمكان بكسر النون ~~يغنى بفتحها غنى بفتحتين إذا أقام به. # ومنه قوله تعالى # كأن لم تغن بالأمس # [يونس: 24] وقوله تعالى # كأن لم يغنوا فيها # [الأعراف: 92] كأنهم لم يقيموا فيها. # وأما الغنى بالضم والقصر فهو جمع غنية وهي ما يستغنى به الإنسان. # وأما الغناء بالمد والضم فلا أعلمه في العربية. # وهذه اللغات التي ذكرنا في مادة غنى كنت تلقيتها في أول شبابي في درس من ~~دروس الفقه لقننيها شيخي الكبير أحمد الأفرم بن محمد المختار الجكني، ~~وذكر لي بيتي رجز في ذلك لبعض أفاضل علماء القطر وهما قوله: # وضد فقر كإلى وكسحاب # النفع والمطرب أيضا ككتاب # وكفتى إقامة وكهنا # جمع لغنية لما به الغنى ### || [45.11] # الإشارة في قوله { هذا هدى } راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه ~~بآيات الله في قوله # تلك آيات الله # [البقرة: 252]. وقوله # فبأي حديث بعد الله وآياته # [الجاثية: 6] الآية. وقوله: # يسمع آيات الله تتلى عليه # [الجاثية: 8] وقوله: # وإذا علم من آياتنا شيئا # [الجاثية: 9]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى، وأن من كفر بآياته ~~له العذاب الأليم، جاء موضحا في غير هذا الموضع. # أما كون القرآن هدى، فقد ذكره تعالى، في آيات كثيرة كقوله تعالى # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم ms3329 يؤمنون # [الأعراف: 52]. وقوله تعالى: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين # [النحل: 89] وقوله تعالى # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وقوله تعالى # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان # [البقرة: 185] وقوله # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 1-2] وقوله تعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم، فقد جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه # [هود: 17] الآية: وقوله تعالى # وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه ~~فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه ~~وسآء لهم يوم القيامة حملا # [طه: 99-101] وقوله تعالى: # ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ~~ورسلي هزوا # [الكهف: 106] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. # وقد قدمنا في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] الآية. وغير ذلك من المواضع، أن الهدى يطلق في القرآن ~~إطلاقا عاما، بمعنى أن الهدى هو البيان والإرشاد وإيضاح الحق، كقوله # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] أي بينا لهم الحق وأوضحناه وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه، ~~وكقوله # هدى للناس # [البقرة: 185] وقوله هنا { هذا هدى } وأنه يطلق أيضا في القرآن ~~بمعناه الخاص وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء كقوله # هدى للمتقين # [البقرة: 2] وقوله # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء # [فصلت: 44] وقوله # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17] وقوله # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد أوضحنا في سورة فصلت أن معرفة إطلاق الهدى المذكورين، يزول بها ~~الإشكال الواقع في آيات من كتاب الله. # والهدى مصدر هداه على غير قياس، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر، وبينا ~~فيما مضى مرارا أن تنزيل المصدر منزلة الوصف إما على حذف مضاف، وإما على ~~المبالغة. # وعلى الأول فالمعنى هذا القرآن ذو هدى أي يحصل بسببه الهدى لمن ms3330 اتبعه ~~كقوله # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # وعلى الثاني فالمعنى أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتى ~~أطلق عليه أنه هو نفس الهدى. # وقوله في هذه الآية الكريمة، لهم عذاب من رجز أليم، أصح القولين فيه أن ~~المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية لأن العذاب أنواع متفاوتة ~~والمعنى لهم عذاب، من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم. أي ~~الموصوف بشدة الألم وفظاعته. # والتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفا بمعنى المفعل، فما ~~يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق ~~الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه ~~في القرآن العظيم قوله تعالى: # عذاب أليم # [البقرة: 10] أي مؤلم وقوله تعالى: # بديع السماوات والأرض # [البقرة: 117] أي مبدعهما وقوله تعالى: # إن هو إلا نذير لكم # [سبأ 46] الآية. أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد ~~يكرب: # أمن ريحانة الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع # فقوله الداعي السميع يعني الداعي المسمع. وقوله أيضا: # وخيل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع # أي موجع. وقول غيلان بن عقبة: # ويرفع من صدور شمردلات # يصك وجوهها وهج أليم # أي مؤلم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم من رجز ~~أليم بخفض أليم على أنه نعت لرجز. # وقرأه ابن كثير وحفص عن عاصم من رجز أليم، برفع أليم على أنه نعت لعذاب. ### || [45.12] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا # [النحل: 14] الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين # [الزخرف: 12-13]. ### || [45.15] # { من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها } # قد قدمنا الآيات الموضحة له في ms3331 سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم # [الإسراء: 7] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [45.16] # قوله تعالى: { وفضلناهم على العالمين }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه فضل بني إسرائيل على العالمين. # وذكر هذا المعنى في موضع آخر من كتابه كقوله تعالى في سورة البقرة: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47] في الموضعين. وقوله في الدخان: # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # [الدخان: 32]، وقوله في الأعراف: # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على ~~العالمين # [الأعراف: 140]. # ولكن الله جل وعلا بين أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، خير من بني ~~إسرائيل وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف # [آل عمران: 110] الآية. فخير صيغة تفضيل والآية نص صريح في أنهم خير من ~~جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم. # ومما يزيد ذلك إيضاحا حديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في امته: " أنتم توفون سبعين أمة ~~أنتم خيرها وأكرمها على الله " # وقد رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم هو حديث مشهور. # وقال ابن كثير: حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد ~~نحوه. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن ~~حيدة المذكور رضي الله عنه. # لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، وقد قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. وقوله: { وسطا } أي خيارا عدولا. # واعلم أن ما ذكرنا من كون أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من بني ~~إسرائيل كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة لا ~~يعارض الآيات المذكورات آنفا في تفضيل بني إسرائيل. # لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # والمعدوم في ms3332 حال عدمه ليس بشئ حتى يفضل أو يفضل عليه. # ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد صلى الله عليه وسلم صرح بأنها هي خير ~~الأمم. # وهذا واضح لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل. إنما يراد به ~~ذكر أحوال سابقة. # لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا كما قال تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. # ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلا إلا ما يراد به أنه كان في ~~زمنهم السابق لا في وقت نزول القرآن. # ومعلوم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن موجودة في ذلك الزمن ~~السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها، صرح الله بأنها ~~هي خير الأمم، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. ### || [45.18] # قوله تعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط ~~مستقيم # [الزخرف: 43]. # قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون }. # نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية الكريمة عن ~~اتباع أهواء الذين لا يعلمون. # وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل فى الكلام على قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا # [الإسراء: 22] أنه جل وعلا يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وينهاه، ~~ليشرع بذلك الأمر والنهي، لأمته كقوله هنا: { ولا تتبع أهوآء ~~الذين لا يعلمون }. # ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ولكن ~~النهي المذكور، فيه التشريع لأمته كقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24]. وقوله تعالى: # فلا تطع المكذبين # [القلم: 8]. وقوله # ولا تطع كل حلاف مهين # { القلم: 10]. وقوله: # ولا تجعل مع الله إلها آخر # [الإسراء: 39]. وقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # وقد بينا الأدلة القرآنية على أنه صلى الله عليه وسلم يخاطب، والمراد به ~~التشريع لأمته، في ms3333 آية بني إسرائيل المذكورة. # وما تضمنته آية الجاثية هذه، من النهي عن اتباع أهوائهم جاء موضحا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى في الشورى: # ولا تتبع أهوآءهم وقل آمنت بمآ أنزل الله من ~~كتاب # [الشورى: 15] وقوله تعالى في الأنعام: # فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون # [الأنعام: 150]. وقوله تعالى في القصص # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [القصص: 50]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقد بين تعالى في قد أفلح المؤمنون أن الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم ~~وذلك في قوله تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن # [المؤمنون: 71]. # والأهواء: جمع هوى بفتحتين وأصله مصدر، والهمزة فيه مبدلة من ياء كما هو ~~معلوم. ### || [45.19] # قوله تعالى: { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض }. # قد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارا أن الظلم في لغة العرب أصله وضع ~~الشيء في غير موضعه. # وأن أعظم أنواعه الشرك بالله لأن وضع العبادة في غير من خلق ورزق هو ~~أشنع أنواع وضع الشيء في غير موضعه. # ولذا كثر في القرآن العظيم، إطلاق الظلم بمعنى الشرك. كقوله تعالى: # والكافرون هم الظالمون # [البقرة: 254]. وقوله تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين # [يونس: 106] وقوله تعالى: # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقد ثبت في صحيح البخاري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر قوله تعالى: { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]. " بأن معناه ~~ولم يلبسوا إيمانهم بشرك " ". # وما تضمنته آية الجاثية هذه من أن الظالمين بعضهم أولياء بعض جاء ~~مذكورا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في آخر الأنفال: # والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض إلا تفعلوه ~~تكن فتنة في الأرض وفساد كبير # [الأنفال: 73]. وقوله تعالى: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. وقوله تعالى: ms3334 # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257]. وقوله تعالى: # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله # [الأعراف: 30] الآية. وقوله تعالى: # فقاتلوا أولياء الشيطان # [النساء: 76] الآية. وقوله تعالى: # إنما ذلكم الشيطان # [آل عمران: 175]، وقوله # إنما سلطانه على الذين يتولونه # [النحل: 100] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { والله ولي المتقين }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه ولي المتقين، وهم الذين يمتثلون ~~أمره ويجتنبون نهيه. # وذكر في موضع آخر أن المتقين أولياؤه فهو وليهم وهم أولياؤه لأنهم ~~يوالونه بالطاعة والإيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله ~~تعالى: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]. # ثم بين المراد بأوليائه في قوله # الذين آمنوا وكانوا يتقون # [يونس: 63]، فقوله تعالى: { وكانوا يتقون } كقوله في آية ~~الجاثية هذه { والله ولي المتقين }. # وقد بين تعالى في آيات من كتابه أنه ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه كقوله ~~تعالى: # إنما وليكم الله ورسوله # [المائدة: 55] الآية. وقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]. وقوله تعالى: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا # [محمد: 11] الآية. وقوله تعالى # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين # [الأعراف: 196] وقوله تعالى في الملائكة # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 41] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه بأبسط من هذا. ### || [45.20] # الإشارة في قوله { هذا } للقرآن العظيم. # والبصائر جمع بصيرة والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في حق ~~لبسا كقوله تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة # [يونس: 108] أي على علم ودليل واضح. # والمعنى أن هذا القرآن براهين قاطعة، وأدلة ساطعة، على أن الله هو ~~المعبود وحده، وأن ما جاء به محمد حق. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس جاء موضحا في ~~مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أخريات الأعراف # قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا ~~بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # [الأعراف: 203] وقوله ms3335 تعالى في الأنعام # قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ~~ومن عمي فعليها ومآ أنا عليكم بحفيظ # [الأنعام: 104]. # وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله ~~في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون # [القصص: 43]. # وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحا في غير ~~هذا الموضع. # أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة قريبا. # وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على ~~قوله تعالى # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا # [الكهف: 65]، وفي أولها في الكلام على قوله تعالى # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]. وفي فاطر في الكلام على قوله تعالى # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر: 2]. وفي الزخرف في الكلام على قوله: # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لقوم يوقنون } أي لأنهم ~~المنتفعون به. # وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف. # وهو أن المبتدأ الذي هو قوله { هذا } اسم إشارة إلى مذكر مفرد، والخبر ~~الذي هو بصائر جمع مكسر مؤنث. # فيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر؟ # والجواب: أن مجموع القرآن كتاب واحد، تصح الإشارة إليه بهذا، وهذا ~~الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله ~~عليها كما لا يخفى. ### || [45.21] # قوله تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة (ص) في الكلام على قوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]. ### || [45.23] # قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه }. # قد أوضحنا معناه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون ~~عليه وكيلا # [الفرقان: 43]. # قوله تعالى: # ختم الله على ms3336 قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة # [البقرة: 7]. ### || [45.24] # قوله تعالى: { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إنكار الكفار للبعث بعد الموت، جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى عنهم # وما نحن بمنشرين # [الدخان: 35] وقوله # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # [المؤمنون: 35-37] وقوله تعالى عنهم # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3] وقوله تعالى عنهم # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا ~~عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة # [النازعات: 10-12]. وقوله تعالى: # قال من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقد قدمنا البراهين القاطعة القرآنية، على تكذيبهم في إنكارهم البعث، ~~وبينا دلالتها على أن البعث واقع لا محالة، في سورة البقرة، وسورة النحل، ~~وسورة الحج، وأول سورة الجاثية هذه، وأحلنا على ذلك مرارا. # وبينا في سورة الفرقان الآيات الموضحة أن إنكار البعث كفر بالله، ~~والآيات التي فيها وعيد منكري البعث بالنار في الكلام على قوله تعالى: # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا # [الفرقان: 11] ### || [45.27] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: # فإذا جآء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون # [غافر: 78]. ### || [45.28] # قوله تعالى: { كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها }. # قد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49]. ### || [45.29] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: # كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79]، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [45.34] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. ### || [45.35] # قوله تعالى: { فاليوم لا يخرجون منها ولا ms3337 هم ~~يستعتبون }. # قد أوضحنا معنى قوله: يستعتبون في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن ~~للذين كفروا ولا هم يستعتبون # [النحل: 84]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فاليوم لا يخرجون ~~منها } ، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على ~~قوله تعالى: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77]. ### || [45.36] # قوله تعالى: { فلله الحمد رب السماوت ورب الأرض ~~رب العالمين }. # أتبع الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، حمده جل وعلا بوصفه بأنه رب ~~السماوات والأرض ورب العالمين، وفي ذلك دلالة على أن رب السماوات والأرض، ~~ورب العالمين مستحق لكل حمد ولكل ثناء جميل. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى في ~~سورة الفاتحة # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] وقوله تعالى في آخر الزمر # وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين # [الزمر: 75] وقوله تعالى: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين # { الأنعام: 45] وقوله تعالى في أول الأنعام # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1] وقوله تعالى في أول سبأ { الحمد لله الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير } [سبأ: 1]. وقوله تعالى في أول ~~فاطر # الحمد لله فاطر السماوات والأرض # [فاطر: 1] الآية. ### || [45.37] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له الكبرياء في السماوات والأرض، ~~يعني أنه المختص بالعظمة، والكمال والجلال والسلطان، في السماوات والأرض، ~~لأنه هو معبود أهل السماوات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه، ~~وتمجيده، والخضوع والذل له. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينا في آيات أخر كقوله تعالى: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله وهو ~~الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما # [الزخرف: 84-85]. # فقوله # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] معناه أنه هو وحده الذي يعظم ويعبد في السماوات والأرض ~~ويكبر ويخضع له ويذل. # وقوله تعالى: ms3338 # وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم # [الروم: 27]. # فقوله # وله المثل الأعلى في السماوات والأرض # [الروم: 27] معناه أن له الوصف الأكمل، الذي هو أعظم الأوصاف، وأكملها ~~وأجلها في السماوات والأرض. # وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أن الله يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما ~~أسكنته ناري " ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-2] # قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة. في أول سورة هود، وقدمنا الكلام ~~على قوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم في أول سورة الزمر. ### || [46.3] # قوله تعالى: { ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى }. # صيغة الجمع في قوله: خلقنا للتعظيم. # وقوله: إلا بالحق أي خلقا ملتبسا بالحق. # والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبسا بالحق أنه ~~خلقهما لحكم باهر، ولم يخلقهما باطلا، ولا عبثا، ولا لعبا، فمن الحق ~~الذي كان خلقهما متلبسا به، إقامة البرهان، على أنه هو الواحد المعبود ~~وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف ~~الكريم كقوله تعالى في البقرة # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163] ثم أقام البرهان على أنه هو الإله الواحد بقوله بعده: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. # فتلبس خلقه للسماوات والأرض بالحق واضح جدا، من قوله تعالى: { إن ~~في خلق السماوات والأرض } إلى قوله { لآيات لقوم ~~يعقلون } [البقرة: 164] بعد قوله # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو # [البقرة: 163] لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله ~~هو أعظم الحق. # وكقوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21] # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء ms3339 فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون # [البقرة: 22]، لأن قوله { اعبدوا ربكم } فيه معنى الإثبات من لا ~~إله إلا الله. # وقوله { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ~~يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه. # وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع، على صحة معنى لا إله إلا الله، ~~نفيا وإثباتا، بخلقه للسماوات والأرض، وما بينهما في قوله # الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء # [البقرة: 21-22 } الآية. # وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا ~~بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع، على توحيده جل وعلا، ومن كثرة ~~الآيات القرآنية، الدالة على إقامة هذا البرهان، القاطع المذكور، على ~~توحيده جل وعلا، علم من استقراء القرآن، أن العلامة الفارقة من يستحق ~~العبادة، وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقا لغيره، فمن كان خالقا ~~لغيره، فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء، فهو مخلوق محتاج، ~~لا يصح أن يعبد بحال. # فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة ~~آنفا: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم # [البقرة: 21] الآية. # فقوله: { الذي خلقكم } يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، ~~وقوله تعالى: # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء # [الرعد: 16] الآية. يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده. # وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل، لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين ~~القاطعة، على توحيده جل وعلا، في قوله # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون # إلى قوله # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # أتبع ذلك بقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # [النحل: 3-17]. # وذلك واضح جدا فى أن من يخلق غيره هو المعبود وأن من لا يخلق شيئا لا ~~يصح أن يعبد. # ولهذا قال تعالى بعده قريبا منه # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون # [النحل: 20]. وقال تعالى ms3340 في الأعراف # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون # [الأعراف: 191]. وقال تعالى في الحج # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له # [الحج: 73] أي ومن لم يقدر أن يخلق شيئا لا يصح أن يكون معبودا بحال ~~وقال تعالى: # سبح اسم ربك الأعلىالذي خلق فسوى # [الأعلى: 1-2] الآية. # ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا ~~يستحق ذلك. # قال في صفات من يستحق العبادة: # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. # وقال في صفات من لا يصح أن يعبد # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون # [الفرقان: 3]. الآية. # والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه ~~تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا بالحق. # وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما، خلقا ~~متلبسا به، تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل ~~شيء علما، وذلك في قوله تعالى: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما # [الطلاق: 12]. # فلام التعليل في قوله: لتعلموا متعلقة بقوله { خلق سبع سماوات ~~} الآية وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر ~~يتنزل بينهن، إلا خلقا متلبسا بالحق. # ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقا متلبسا به، هو ~~تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملا، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال ~~تعالى في أول سورة هود: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود: 7]. # فلام التعليل في قوله: ليبلوكم متعلقة بقوله { خلق سبع سماوات ~~} وبه تعلم أنه ما خلقهما إلا خلقا متلبسا بالحق. # ونظير ذلك قوله تعالى في أول ms3341 الكهف # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]. وقوله تعالى في أول الملك: # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا # [الملك: 2]. # ومما يوضح أنه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقا متلبسا بالحق، قوله ~~تعالى في آخر الذاريات # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات: 56-57]. # سواء قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء ~~منهم، لأن عبادتهم يحصل بهم تعظيم الله وطاعته، والخضوع له كما قال ~~تعالى: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]. وقال تعالى: # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون # [فصلت: 38]. # أو قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ~~ويذعنوا لعظمتي، لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعا، والكفار يذعنون لقهره ~~وسلطانه تعالى كرها. # ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال. # وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقا متلبسا به، ~~جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى # [النجم: 31]. # فقوله تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ~~أي هو خالقها ومن فيهما { ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا } الآية. # ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون # [يونس: 4]. # ولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، لا ~~لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيئ، ~~في قوله تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]. # وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثا، لا لتكليف وحساب وجزاء، ~~وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى # أفحسبتم أنما ms3342 خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # [المؤمنون: 115-116]. # فقوله (فتعالى الله) أي تنزه وتعاظم، وتقدس، عن أن يكون خلقهم لا لحكمة ~~تكليف وبعث، وحساب وجزاء. # وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولو الألباب، كما قال تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # إلى قوله: # ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار # [آل عمران: 190-191]، فقوله عنهم { سبحانك } أي تنزيها لك، عن أن ~~تكون خلقت هذا الخلق، باطلا لا لحكمة تكليف، وبعث وحساب وجزاء. # وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: { ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } ، يفهم منه أنه لم ~~يخلق ذلك باطلا، ولا لعبا ولا عبثا. # وهذا المفهوم جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى { وما ~~خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا } الآية، ~~وقوله تعالى: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ، وقوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق # [الدخان: 38-39]. # وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه { وأجل مسمى } معطوف على قوله: ~~{ بالحق } أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا ~~متلبسا بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد ~~السماوات والأرض، وهو يوم القيامة كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في ~~قوله تعالى # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وإن الساعة لآتية # [الحجر: 85] الآية. # فقوله في الحجر: { وإن الساعة لآتية } بعد قوله { إلا ~~بالحق } يوضح معنى قوله فى الأحقاف { إلا بالحق وأجل ~~مسمى }. # وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمدا ينتهي إليه ~~أمرهما. كما قال تعالى: # والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. وقال تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104] وقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # [إبراهيم: 48] وقوله: # وإذا السمآء كشطت # [التكوير: 11] وقوله تعالى # يوم ترجف ms3343 الأرض والجبال # [المزمل: 14] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون }. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم ~~به الرسل جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6] وقوله في يس # وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [يس: 10]. وقوله تعالى: # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين # [الأنعام: 4 - يس: 46]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # والإعراض عن الشيء الصدود عنه. وعدم الإقبال إليه. # قال بعض العلماء: وأصله من العرض بالضم. وهو الجانب. لأن المعرض عن الشي ~~يوليه بجانب عنقه. صادا عنه. # والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد. فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام ~~إنذار. # وقد أوضحنا معاني الإنذار في أول سورة الأعراف. # و { ما } في قوله { عمآ أنذروا } قال بعض العلماء هي موصولة. ~~والعائد محذوف، أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه. أي خوفوه من عذاب ~~يوم القيامة. وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم. # وقال بعض العلماء: هي مصدرية. أي والذين كفروا معرضون عن الإنذار، ~~ولكليهما وجه. ### || [46.4] # قد ذكرنا قريبا أن قوله: { ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهمآ إلا بالحق } يتضمن البرهان القاطع على صحة ~~معنى لا إله إلا الله. وأن العلامة الفارقة بين المعبود بحق. وبين غيره ~~هي كونه خالقا. وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحا. لأنه ذكر من ~~صفات المعبود بحق أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق. وذكر من ~~المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر. مخلد في النار أنها لا تخلق شيئا. # فقوله تعالى: { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } ~~أي هذه المعبودات التي تعبدونها من دون الله. أروني ماذا خلقوا من الأرض. # فقوله: أروني. يراد بها التعجيز والمبالغة في عدم خلقهم شيئا. وعلى أن ~~{ ما } استفهامية. و { ذا } موصولة. # فالمعنى أروني ما الذي خلقوه من الأرض. وعلى أن { ما } و { ذا ms3344 } بمنزلة ~~كلمة واحدة يراد بها الاستفهام. # فالمعنى: أروني أي شيء خلقوه من الأرض؟ # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من لم يخلق شيئا في الأرض ولم يكن ~~له شرك في السماوات. لا يصح أن يكون معبودا بحال جاء موضحا في آيات ~~كثيرة. كقوله تعالى في فاطر # قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات أم آتيناهم كتابا # [فاطر: 40] الآية. وقوله في لقمان: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # [لقمان: 11] وقوله في سبأ # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير # [سبأ: 22] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقد قدمنا طرفا منها قريبا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ائتوني بكتاب من قبل ~~هذآ } ، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على ~~قوله تعالى: # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون # [الزخرف: 21]. ### || [46.5-6] # قوله تعالى: { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من ~~لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعآئهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم ~~أعدآء } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى: # ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا ~~من دون الله أوليآء # [الجاثية: 10] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا # [مريم: 81]. ### || [46.7] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا قرئت عليهم آيات هذا ~~القرآن العظيم الذي هو الحق ادعوا أنها سحر مبين واضح. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من افترائهم على القرآن أنه سحر وعلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه ساحر جاء موضحا في آيات كثيرة. كقوله ~~تعالى في سبأ # وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ ~~إلا سحر مبين # [سبأ: 43]. وقوله تعالى في الزخرف # ولما جآءهم ms3345 الحق قالوا هذا سحر وإنا به ~~كافرون # [الزخرف: 30] وقوله تعالى: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم # [الانبياء: 2-3] إلى قوله # أفتأتون السحر وأنتم تبصرون # [الأنبياء: 3] وقوله تعالى: # ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين # [هود: 7]. # والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ### || [46.8] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا }. # أم هذه هي المنقطعة وقد قدمنا أنها تأتي بمعنى الإضراب. # وتأتي بمعنى همزة الإنكار. # وتأتي بمعناهما معا وهو الظاهر في هذه الآية الكريمة. # فأم فيها على ذلك تفيد معنى الإضراب والإنكار معا، فهو بمعنى دع هذا، ~~واسمع قولهم المستنكر لظهور كذبهم فيه، أن محمدا افترى هذا القرآن، وقد ~~كذبهم الله في هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله تعالى # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله # [يونس: 38] الآية. وقوله # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات # [هود: 13] وقوله تعالى # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ~~ولكن تصديق الذي بين يديه # [يونس: 37] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { قل إن افتريته فلا ~~تملكون لي من الله شيئا } أي إن كنت افتريت هذا القرآن على ~~سبيل الفرض. # والتقدير: عاجلني الله بعقوبته الشديدة، وأنتم لا تملكون لي منه شيئا، ~~أي لا تقدرون أن تدفعوا عني عذابه إن أراد أن يعذبني على الافتراء. # فكيف أفتريه لكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عذاب الله عني؟ # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في غير هذا ~~الموضع، كقوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]. # فقوله تعالى في آية الحاقة هذه: { ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل } كقوله في آية الأحقاف { قل إن افتريته }. # وقوله في الحاقة: { فما منكم من أحد عنه حاجزين } ~~يوضح معنى قوله: { فلا تملكون لي من الله ms3346 شيئا }. لأن ~~معنى قوله: # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]، أنهم لا يقدرون على أن يحجزوا عنه أي يدفعوا عنه عقاب ~~الله له بالقتل، لو تقول عليه بعض الأقاويل. # وذلك هو معنى قوله: { فلا تملكون لي من الله شيئا } أي ~~لا تقدرون على دفع عذابه عني. # ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: # قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا # [المائدة: 17] وقوله تعالى: # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # [المائدة: 41]. # وما تضمنته آية الأحقاف هذه وآية الحاقة المبينة لها من أنه لو افترى ~~على الله أو تقول عليه عاجله بالعذاب، وأنه لا يقدر أحد على دفعه عنه. ~~جاء معناه في بعض الآيات. كقوله تعالى في يونس: # قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15] أي إني أخاف إن عصيت ربي بالافتراء عليه بتبديل قرآنه أو ~~الإتيان بقرآن غيره. عذاب يوم عظيم. # وذكر الله تعالى مثل هذا عن بعض الرسل في آيات أخر كقوله عن صالح # قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته # [هود: 63] الآية. وقوله تعالى عن نوح: # ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم # [هود: 30] الآية. ### || [46.9] # قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل }. # الأظهر في قوله { بدعا } أنه فعل بمعنى المفعول فهو بمعنى مبتدع، ~~والمبتدع هو الذي أبدع على غير مثال سابق. # ومعنى الآية قل لهم يا نبي الله: ما كنت أول رسول أرسل إلي البشر، بل قد ~~أرسل الله قبلي جميع الرسل إلى البشر، فلا وجه لاستبعادكم رسالتي، ~~واستنكاركم إياها، لأن الله أرسل قبلي رسلا كثيرة. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحا في آيات ~~كثيرة، كقوله تعالى: # ولقد أرسلنا ms3347 رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية # [الرعد: 38] وقوله تعالى: # ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات # [الروم: 47] الآية. وقوله تعالى: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده # [النساء: 163] الآية. وقوله تعالى # حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~الله العزيز الحكيم # [الشورى: 1-3] وقوله تعالى: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43] الآية. وقوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # [آل عمران: 144] الآية. وقوله تعالى: # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا # [الأنعام: 34] الآية، الآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # قوله تعالى: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم }. # التحقيق إن شاء الله، أن معنى الآية الكريمة، ما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم في دار الدنيا، فما أدري أأخرج من مسقط رأسي أو أقتل كما فعل ببعض ~~الأنبياء. # وما أدري ما ينالني من الحوادث والأمور في تحمل أعباء الرسالة. # وما أدري ما يفعل بكم أيخسف بكم، أو تنزل عليكم حجارة من السماء، ونحو ~~ذلك. # وهذا هو اختيار ابن جرير وغير واحد من المحققين. # وهذا المعنى في هذه الآية دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسني السوء # [الأعراف: 188] الآية. # وقوله تعالى آمرا له صلى الله عليه وسلم: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب # [الأنعام: 50] الآية. # وبهذا تعلم أن ما يروى عن ابن عباس وأنس وغيرهما من أن المراد، { ومآ ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي في الآخرة فهو خلاف التحقيق، ~~كما سترى إيضاحه إن شاء الله. # فقد روي عن ابن عباس وأنس وقتادة والضحاك وعكرمة والحسن في أحد قوليه ~~أنه لما نزل قوله تعالى: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~} فرح المشركون واليهود والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما ~~يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع ms3348 الذي يقوله، من ~~عند نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. # فنزلت # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية. # وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، لقد بين لك الله ما يفعل بك ~~فليت شعرنا ما هو فاعل بنا. # فنزلت # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار # [الفتح: 5] الآية. ونزلت: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47]. # فالظاهر أن هذا كله خلاف التحقيق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهل ~~مصيره يوم القيامة لعصمته صلوات الله وسلامه عليه: وقد قال له الله تعالى # وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى # [الضحى: 4-5] وأن قوله: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~} في أمور الدنيا كما قدمنا. فإن قيل: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم # " من حديث أم العلاء الأنصارية ما يدل على أن قوله: { ما يفعل بي ~~} أي في الآخرة فإن حديثها في قصة وفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه ~~عندهم، ودخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، أنها قالت: رحمة الله ~~عليك، أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل تعني عثمان بن ~~مظعون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما يدريك أن الله أكرمه؟ " ~~فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ~~هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول ~~الله ما يفعل بي " # الحديث. # فالجواب هو ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله، فقد قال في تفسير هذه ~~الآية الكريمة، بعد أن ساق حديث أم العلاء المذكور بالسند الذي رواه به ~~أحمد رحمه الله انفرد به البخاري دون مسلم، وفي لفظ له # " ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل به " # ، وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك اه. محل الغرض ~~منه وهو الصواب إن شاء الله، والعلم عند الله ms3349 تعالى. ### || [46.10] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به }. # جواب الشرط في هذه الآية محذوف. # وأظهر الأقوال في تقديره إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به، ~~وجحدتموه فأنتم ضلال ظالمون. وكون جزاء الشرط في هذه الآية كونهم ضالين ~~ظالمين بينه قوله تعالى في آخر فصلت: # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد # [فصلت 52]، وقوله في آية الأحقاف هذه { فآمن واستكبرتم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين }. # وقال أبو حيان في البحر: مفعولا أرأيتم محذوفان لدلالة المعنى عليهما. # والتقدير: أرأيتم حالكم، إن كان كذا ألستم ظالمين. # فالأول حالكم، والثاني ألستم ظالمين، وجواب الشرط محذوف أي فقد ظلمتم. # ولذلك جاء فعل الشرط ماضيا. # وبعض العلماء يقول: إن { أرءيتم } بمعنى أخبرني، والعلم عند الله ~~تعالى. # قوله تعالى: { وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله }. # التحقيق: إن شاء الله، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي ~~معروف، وهو إطلاق المثل، على الذات نفسها، كقولهم: مثلك، لا يفعل هذا، ~~يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله. # وعلى هذا فالمعنى، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن، وحي ~~منزل حقا من عند الله، لا أنه شهد على شيء آخر مماثل له. # ولذا قال تعالى { فآمن واستكبرتم }. # ومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مرادا به الذات كقوله تعالى # أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات # [الأنعام: 122] الآية. # فقوله: كمن مثله في الظلمات، أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى # فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا # [البقرة: 137] أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على ~~التحقيق. # ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن مسعود { فإن آمنوا ~~بمثل مآ آمنتم به } الآية. # والقول بأن لفظة ما في الآية مصدرية، وأن المراد تشبيه الإيمان ~~بالإيمان، أي فإن آمنوا بإيمان مثل إيمانكم فقد ms3350 اهتدوا لا يخفى بعده. # والشاهد في الآية هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه كما قال الجمهور، ~~وعليه فهذه الآية مدنية في سورة مكية. # وقيل: إن الشاهد موسى بن عمران عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقيل ~~غير ذلك. ### || [46.11] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه }. # أظهر أقوال العلماء في هذه الآية الكريمة، أن الكافرين الذين قالوا ~~للمؤمنين لو كان خيرا ما سبقونا إليه، أنهم كفار مكة، وأن مرادهم أن ~~فقراء المسلمين، وضعفاءهم كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم، أحق عند الله ~~من أن يختار لهم الطريق التي فيها الخير. # وأنهم هم الذين لهم عند الله عظمة وجاه واستحقاق السبق لكل خير لزعمهم ~~أن الله أكرمهم في الدنيا بالمال والجاه، وأن أولئك الفقراء لا مال لهم ~~ولا جاه، وأن ذلك التفضيل في الدنيا يستلزم التفضيل في الآخرة. # وهذا المعنى الذي استظهرناه في هذه الآية الكريمة تدل له آيات كثيرة من ~~كتاب الله، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. # أما ادعاؤهم أن ما أعطوا من المال، والأولاد والجاه، في الدنيا دليل على ~~أنهم سيعطون مثله في الآخرة، وتكذيب الله لهم في ذلك، فقد جاء موضحا في ~~آيات كثيرة كقوله تعالى # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56]، وقوله تعالى # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن ~~عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ~~مدا # [مريم: 77-79] الآية. # وقوله تعالى # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين # [سبأ: 35] مع قوله # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى # [سبأ: 37] الآية. وقوله تعالى: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ~~فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ # [فصلت: 50]. # وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. # وأما احتقار الكفار لضعفاء ms3351 المؤمنين وفقرائهم، وزعمهم أنهم أحقر عند ~~الله، من أن يصيبهم بخير، وأنما هم عليه لو كان خيرا لسبقهم إليه أصحاب ~~الغنى، والجاه والولد، من الكفار فقد دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى في ~~الأنعام: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53]. # فهمزة الإنكار في قوله: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، تدل على إنكارهم ~~أن الله يمن على أولئك الضعفاء بخير. # وقد رد الله عليهم بقوله: # أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جآءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم # [الأنعام: 53-54] الآية. وقوله تعالى في الأعراف: # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ~~قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم ~~الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون # [الأعراف: 48-49] وقوله تعالى في ص # وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصر # [ص: 62-63]. # فقد قال غير واحد: إن الرجال الذين كانوا يعدونهم من الأشرار هم ضعفاء ~~المسلمين الذين كانوا يسخرون منهم في دار الدنيا ويزعمون أنهم أحقر من أن ~~ينالهم الله بخير ويدل له قوله # أتخذناهم سخريا # [ص: 63] وسيسخر ضعفاء المسلمين في الجنة من الكفار الذين كانوا يسخرون ~~منهم في الدنيا وهم في النار، كما قال تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] إلى قوله تعالى # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. وقوله تعالى # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من ~~الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة # [البقرة: 212] الآية. ### || [46.12] # قوله تعالى: { وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى # لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين # [الشعراء: 194-195] وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] الآية. # قوله تعالى: { لينذر الذين ظلموا وبشرى ~~للمحسنين }. # قد ms3352 قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان أنواع الإنذار في القرآن في أول ~~سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به # [الأعراف: 2] الآية. وفي أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى # لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر ~~المؤمنين # [الكهف: 2] الآية. ### || [46.13] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة # [فصلت: 30] الآية. ### || [46.15] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه }. # قرأ هذا الحرف، نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { حسنا } بضم ~~الحاء وسكون السين، وكذلك هو في مصاحفهم. # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: إحسانا بهمزة مكسورة وإسكان الحاء وألف بعد ~~السين. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] وقال أبو حيان في البحر: # قيل ضمن { ووصينا } معنى ألزمنا فيتعدى لاثنين فانتصب حسنا وإحسانا ~~على المفعول الثاني لوصينا. # وقيل: التقدير إيصاء ذا حسن أو ذا إحسان ويجوز أن يكون حسنا بمعنى ~~إحسان فيكون مفعولا له، أي ووصيناه بها لإحساننا إليهما فيكون الإحسان ~~من الله تعالى. # وقيل: النصب على المصدر على تضمين معنى أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه ~~إحسانا ا ه منه، وكلها له وجه. # قوله تعالى: { حملته أمه كرها ووضعته كرها }. # قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: { كرها } ~~بفتح الكاف في الموضعين. # وقرأه عاصم وحمزة والكسائي، وابن ذكوان، عن ابن عامر: { كرها } بضم ~~الكاف في الموضعين. # وهما لغتان كالضعف والضعف. # ومعنى حملته { كرها } أنها في حال حملها به تلاقي مشقة شديدة. # ومن المعلوم ما تلاقيه الحامل، من المشقة والضعف، إذا أثقلت وكبر الجنين ~~في بطنها. # ومعنى وضعته كرها: أنها في حالة وضع الولد، تلاقي من ألم الطلق، وكربه ~~مشقة شديدة، كما هو معلوم. # وهذه المشاق العظيمة التي تلاقيها الأم في حمل الولد ووضعه، لا شك أنها ~~يعظم حقها بها، ويتحتم برها، ms3353 والإحسان إليها كما لا يخفى. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من المشقة التي تعانيها الحامل، ودلت ~~عليه آية أخرى، وهي قوله تعالى في لقمان: # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا ~~على وهن # [لقمان: 14] أي تهن به وهنا على وهن أي ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما ~~تزايد وعظم في بطنها، ازدادت ضعفا على ضعف. # وقوله في آية الأحقاف هذه كرها في الموضعين مصدر منكر وهو حال أي حملته ~~ذات كره ووضعته ذات كره، وإتيان المصدر المنكر حالا كثير كما أشار له في ~~الخلاصة بقوله: # ومصدر منكر حالا يقع # بكثرة كبغتة زيد طلع # وقال بعضهم: كرها في الموضعين نعت لمصدر، أي حملته حملا ذا كره، ~~ووضعته وضعا ذا كره، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا }. # هذه الآية الكريمة، ليس فيها بانفرادها تعرض لبيان أقل مدة الحمل، ~~ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يعلم أقل أمد الحمل، لأن هذه ~~الآية الكريمة، من سورة الأحقاف، صرحت بأن أمد الحمل والفصال معا، ~~ثلاثون شهرا. # وقوله تعالى في لقمان: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14]. وقوله في البقرة # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 223] يبين أن أمد الفصال عامان وهما أربعة وعشرون شهرا، فإذا ~~طرحتها من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمدا للحمل، وهي أقله، ~~ولا خلاف في ذلك بين العلماء. # ودلالة هذه الآيات على أن ستة أشهر أمد للحمل هي المعروفة عند علماء ~~الأصول بدلالة الإشارة. # وقد أوضحنا الكلام عليها، في مباحث الحج، في سورة الحج، في مبحث أقوال ~~أهل العلم، في حكم المبيت بمزدلفة، وأشرنا لهذا النوع، من البيان في ~~ترجمة هذا الكتاب المبارك. # قوله تعالى: { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين ~~سنة }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: { ~~حتى يبلغ أشده } ، وفي ترجمة هذا الكتاب المبارك. ### || [46.17-18] # قوله تعالى: { والذي قال لوالديه أف لكمآ ~~أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي ~~وهما يستغثيان الله ويلك آمن إن وعد الله ~~حق فيقول ms3354 ما هذآ إلا أساطير الأولين ~~أولئك الذين حق عليهم القول } الآية. # التحقيق إن شاء الله أن، { الذي } في قوله: { والذي قال ~~لوالديه } بمعنى الذين، وأن الآية عامة في كل عاق لوالديه مكذب ~~بالبحث. # والدليل من القرآن على أن الذي، بمعنى الذين، وأن المراد به العموم، أن ~~{ الذي } في قوله: { والذي قال لوالديه } مبتدأ خبره قوله ~~تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول } الآية. # والإخبار عن لفظة الذين في قوله { أولئك الذين حق ~~عليهم } القول بصيغة الجمع، صريح في أن المراد بالذي، العموم لا ~~الإفراد. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. # وبهذا الدليل القرآني تعلم أن قول من قال في هذه الآية الكريمة أنها ~~نازلة في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ليس بصحيح، كما ~~جزمت عائشة رضي الله عنها ببطلانه. # وفي نفس آية الأحقاف هذه دليل آخر واضح على بطلانه، وهو أن الله صرح بأن ~~الذين قالوا تلك المقالة حق عليهم القول، وهو قوله # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. # ومعلوم أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أسلم وحسن إسلامه، وهو ~~من خيار المسلمين وأفاضل الصحابة، رضي الله عنهم. # وغاية ما في هذه الآية الكريمة هو إطلاق الذي وإرادة الذين، وهو كثير في ~~القرآن وفي كلام العرب، لأن لفظ الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله ~~صلتها، وقد تقرر في علم الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ ~~العموم، كما أشار له في مراقي السعود بقوله: # صيغة كل أو الجميع # وقد تلا الذي التي الفروع # فمن إطلاق الذي وإرادة الذين في القرآن، هذه الآية الكريمة من سورة ~~الأحقاف، وقوله تعالى في سورة البقرة: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] الآية. أي كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون # [البقرة: 17] بصيغة الجمع في الضمائر الثلاثة التي هي { بنورهم } ~~{ وتركهم } ، والواو في { لا يبصرون } وقوله تعالى في ~~البقرة أيضا: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس } [البقرة: ms3355 ~~264] أي كالذين ينفقون بدليل قوله # لا يقدرون على شيء مما كسبوا # [البقرة: 264]. وقوله في الزمر: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر: 33] وقوله في التوبة # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] أي كالذين خاضوا بناء على أنها موصولة لا مصدرية، ونظير ~~ذلك من كلام العرب قول أشهب بن رميلة: # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقول عديل بن الفرخ العجلي: # وبت أساقي القوم إخوتي الذي # غوايتهم غيي ورشدهم رشدي # وقول الراجز: # يا رب عبس لا تبارك في أحد # في قائم منهم ولا في من قعد # إلا الذي قاموا بإطراف المسد # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أف لكمآ } كلمة تضجر. وقائل ~~ذلك عاق لوالديه غير مجتنب نهى الله في قوله: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف # [الإسراء: 23] الآية. وقوله { أتعدانني }: فعل مضارع وعد، وحذف ~~واوه في المضارع مطرد، كما ذكره في الخلاصة بقوله: # فا أمر أو مضارع من كوعد # احذف وفي كعدة ذاك اطرد # والنون الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية كما لا يخفى. # وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة ~~والكسائي: أتعدانني بنونين مكسورتين مخففتين وياء ساكنة. # وقرأه هشام عن ابن عامر بنون مشددة مكسورة وبياء ساكنة. # وقرأه نافع وابن كثير بنونين مكسورتين مخففتين وياء مفتوحة، والهمزة ~~للإنكار. # وقوله { أن أخرج } أي أبعث من قبري حيا بعد الموت. # والمصدر المنسبك من أن وصلتها هو المفعول الثاني لتعدانني يعني أتعدانني ~~الخروج من قبري حيا بعد الموت، والحال قد مضت القرون أي هلكت الأمم ~~الأولى، ولم يحيي منهم أحد، ولم يرجع بعد أن مات. # وهما أي والداه يستغيثان الله أي يطلبانه أن يغيثهما بأن يهدي ولدهما ~~إلى الحق والإقرار بالبعث، ويقولان لولدهما: ويلك آمن. أي بالله وبالبعث ~~بعد الموت. # والمراد بقولهما ويلك: حثة على الإيمان إن وعد الله حق، أي وعده بالبعث ~~بعد الموت حق لا شك فيه، فيقول ذلك الولد العاق المنكر للبعث: ms3356 { ما ~~هذآ } إن الذي تعدانني إياه من البعث بعد الموت، { إلا أساطير ~~الأولين }. # والأساطير جمع أسطورة. وقيل جمع إسطارة، ومراده بها ما سطره الأولون، أي ~~كتبوه من الأشياء التي لا حقيقة لها. # وقوله { أولئك } ترجع الإشارة فيه، إلى العاقين المكذبين، بالبعث ~~المذكورين في قوله: { والذي قال لوالديه أف لكمآ } ~~الآية. # وقوله: { حق عليهم القول } أي وجبت عليهم كلمة العذاب. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة يس في الكلام على قوله تعالى # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون # يس: 7]. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن منكري البعث يحق عليهم القول ~~لكفرهم، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله ~~تعالى # وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا # [الفرقان: 11]. ### || [46.20] # معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: { ~~أذهبتم طيباتكم }. # فقوله يعرضون على النار: قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها كقول ~~العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب. # وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس ~~هذا بالحق # [الأحقاف: 34] وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله: # قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون # [الأحقاف: 34]. وقوله تعالى: # فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 45- 46] لأنه عرض عذاب. # وقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم ~~عنها، حتى يروها كما قال تعالى: # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53] الآية. وقال تعالى: # وجيء يومئذ بجهنم # [الفجر: 23]. # وقال بعض العلماء: في الكلام قلب، وهو مروي عن ابن عباس وغيره. # قالوا: والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا قالوا وهو كقول العرب: ~~عرضت الناقة على الحوض. يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله ~~تعالى: # وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا # [الكهف: 100]. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: # هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولا، ms3357 والمفعول ~~فاعلا، ونحو ذلك اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلا في ~~التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبها به والمشبه به مشبها بشرط أن يتضمن ~~ذلك نكتة وسرا لطيفا كما هو المعروف عندهم فى مبحث التشبية المقلوب. # وأجازه كثير من علماء العربية. # والذي يظهر لنا أنه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها، إلا أنه يحفظ ما ~~سمع منه، ولا يقاس عليه ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز: # ومنهل مغبرة أرجاؤه # كأن لون أرضه سماؤه # أي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر: # وبدا الصباح كأن غرته # وجه الخليفة حين يمتدح # لأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح فقلب التشبية ليوهم أن ~~الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه. # قالوا ومن أمثلته في القرآن # وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة # [القصص: 76]، لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح أي تنهض بها ~~بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: # فعميت عليهم الأنبآء # [القصص: 66] أي عموا عنها. ومن أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير: # كأن أوب ذراعيها إذا عرقت # وقد تلفع بالقور العساقيل # لأن معنى قوله: تلفع لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور الحجارة العظام، ~~والعساقيل: السراب. # والكلام مقلوب، لأن القور هي التي تلتحف بالعساقيل لا العكس كما أوضحه ~~لبيد في معلقته بقوله: # فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى # واجتاب أردية السراب إكامها # فصرح بأن الإكام التي هي الحجارة اجتابت أي لبست أردية السراب. # والأردية جمع رداء، وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل ~~الآية عليه، لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه. # وظاهر الآية جار على الأسلوب العرب الفصيح، كما أوضحه أبو حيان في البحر ~~المحيط. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } قرأه ابن كثير وابن ~~عامر { أأذهبتم } بهمزتين وهما على أصولهما في ذلك. # فابن كثير يسهل الثانية بدون ألف إدخال بين الهمزتين. # وهشام يحققها ويسهلها مع ألف الإدخال، وابن ذكوان يحققها من غير إدخال. # وقرأه ms3358 نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: { أذهبتم ~~طيباتكم } بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام. # واعلم أن للعلماء كلاما كثيرا في هذه الآية قائلين إنها تدل على أنه ~~ينبغي التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك. # وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك خوفا منه، أن يدخل في ~~عموم من يقال لهم يوم القيامة: { أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا } الآية. والمفسرون يذكرون هنا آثارا كثيرة في ~~ذلك، وأحوال أهل الصفة وما لاقوه من شدة العيش. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: # التحقيق: إن شاء الله في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في ~~المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم، لأنه تعالى ما ~~أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم. # وأنما قلنا: إن هذا هو التحقيق، لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه ~~والله تعالى يقول: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] الآية. # أما كون الآية في الكفار فقد صرح الله تعالى به في قوله: { ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم ~~} الآية. # والقرآن والسنة الصحيحة، قد دلا على أن الكافر إن عمل عملا صالحا ~~مطابقا للشرع، مخلصا فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم ~~ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه الله يثاب ~~بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك ولا نصيب له في ~~الآخرة. # فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # [هود: 15-16] وقوله تعالى: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. # وقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته، ~~في قوله تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا # [الإسراء: ms3359 18]. # وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، ~~وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها " # هذا لفظ مسلم في صحيحه. # وفي لفظ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن ~~الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته " # فهذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه التصريح، بأن ~~الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا ~~والآخرة معا، وبمقتضى ذلك. يتعين تعيينا لا محيص عنه، أن الذي أذهب ~~طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر، لأنه لا يجزي بحسناته إلا في ~~الدنيا خاصة. # وأما المؤمن الذي يجزي بحسناته في الدنيا والآخرة معا، فلم يذهب طيباته ~~في الدنيا، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها ~~في الدنيا كما قال تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثوابا في ~~الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة. # والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وعلى كل حال فالله جل وعلا أباح لعباده ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم ~~التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة # [الأعراف: 32]. # فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في ~~الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح ~~في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. # ولا ينافي هذا أن ms3360 من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة، يكون ~~لهم أجر زائد على ذلك، لأن المؤمنين يؤجرون، بما يصيبهم في الدنيا من ~~المصائب والشدائد، كما هو معلوم. # والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا، ~~لأنه يجزي في الدنيا فقط كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند مسلم، ~~قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19] وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فاليوم تجزون عذاب ~~الهون } أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار. # وقوله تعالى: { بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون } ، الباء في قوله: بما كنتم ~~سببية، وما مصدرية أي تجزون عذاب الهون بسبب كونكم مستكبرين في الأرض، ~~وكونكم فاسقين. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون الاستكبار في الأرض والفسق من ~~أسباب عذاب الهون، وهو عذاب النار، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى: # أليس في جهنم مثوى للمتكبرين # [الزمر: 60] وقوله تعالى: # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار # [السجدة: 20] الآية. # وقد قدمنا النتائج الوخيمة الناشئة عن التكبر في سورة الأعراف في الكلام ~~على قوله تعالى: # فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف: 13] الآية. # وقوله تعالى: { بغير الحق } مع أنه من المعلوم أنهم لا يستكبرون ~~في الأرض إلا استكبارا متلبسا بغير الحق كقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه، وقوله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم # [البقرة: 79]، ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، ~~وهو أسلوب عربي نزل به القرآن. ### || [46.21] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف }. # أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة أخا عاد ولم يعينه ولكنه بين في آيات ~~أخرى، أنه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كقوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا # [الأعراف: 65 وهود 11-50] في سورة الأعراف وسورة هود وغير ذلك من ms3361 ~~المواضع. # قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن النبي هودا نهى قومه أن يعبدوا ~~غير الله، وأمرهم بعبادته تعالى وحده، وأنه خوفهم من عذاب الله، إن ~~تمادوا في شركهم به. # وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية جاءا موضحين في آيات أخر. # أما الأول منهما ففي قوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره # [الأعراف: 65 وهود: 50] في سورة الأعراف وسورة هود ونحو ذلك من الآيات. # وأما خوفه عليهم العذاب العظيم فقد ذكره في الشعراء في قوله تعالى: # واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم ~~بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم # [الشعراء: 132-135] وهو يوم القيامة. ### || [46.22] # معنى قوله تعالى: { لتأفكنا عن آلهتنا } ، أي لتصرفنا عن ~~عبادتها إلى عبادة الله وحده. # وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين. # أحدهما: إنكار عاد على هود أنه جاءهم، ليتركوا عبادة الأوثان، ويعبدوا ~~الله وحده. # والثاني: أنهم قالوا له: ائتنا بما تعدنا من العذاب وعجله لنا إن كنت ~~صادقا فيما تقول، عنادا منهم وعتوا. # وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين # [الأعراف: 70]. ### || [46.23] # قوله تعالى: { وأبلغكم مآ أرسلت به }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبي الله هودا قال لقومه، إنه ~~يبلغهم ما أرسل به إليهم، لأنه ليس عليه إلا البلاغ، وهذا المعنى جاء ~~مذكورا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: # قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب ~~العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح ~~أمين # [الأعراف: 67-68] وقوله تعالى في سورة هود # فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به ~~إليكم # [هود: 57] الآية. ### || [46.24] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات # [فصلت: ms3362 16]. ### || [46.26] # قوله تعالى: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه ~~}. # لفظة { إن } في هذه الآية الكريمة فيها للمفسرين ثلاثة أوجه، يدل ~~استقراء القرآن، على أن واحدا منها هو الحق، دون الاثنين الآخرين. # قال بعض العلماء: إن شرطية وجزاء الشرط محذوف، والتقدير إن مكناكم فيه ~~طغيتم وبغيتم. # وقال بعضهم: إن زائدة بعد ما الموصولة حملا لما الموصولة على ما النافية ~~لأن ما النافية تزاد بعدها لفظة إن كما هو معلوم. # كقول قتيلة بنت الحرث والنضر العبدرية: # أبلغ بها ميتا بأن تحية # ما إن نزل بها النجائب تخفق # وقول دريد بن الصمة في الخنساء: # ما إن رأيت ولا سمعت به # كاليوم طالى أينق جرب # فإن زائدة بعد ما النافية في البيتين وهو كثير، وقد حملوا على ذلك ما ~~الموصولة فقالوا: تزاد بعدها إن كآية الأحقاف هذه. وأنشد لذلك الأخفش: # يرجى المرء ما إن لا يراه # وتعرض دون أدناه الخطوب # أي يرجى المرء الشيء الذي لا يراه، وإن زائدة، وهذان هما الوجهان اللذان ~~لا تظهر صحة واحد منهما. # لأن الأول منها فيه حذف وتقدير. # والثاني منهما فيه زيادة كلمة. # وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. # أما الوجه الثالث الذي هو الصواب إن شاء الله، فهو أن لفظة إن نافية بعد ~~ما الموصولة أي وقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من القوة في الأجسام، ~~وكثرة الأموال والأولاد، والعدد. # وإنما قلنا: إن القرآن يشهد لهذا القول لكثرة الآيات الدالة عليه، فإن ~~الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية ~~كانت أشد منهم بطشا وقوة، وأكثر منهم عددا، وأموالا، وأولادا، فلما ~~كذبوا الرسل، أهلكهم الله ليخافوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يهلكهم الله بسببه، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، كقوله تعالى في ~~المؤمن # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون # [غافر: 82]. # وقوله فيها ms3363 أيضا: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم ~~قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم # [غافر: 21] الآية. # وقوله تعالى في الروم: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها # [الروم: 9] الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله ~~تعالى: # فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين # [الزخرف: 8]. ### || [46.28] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى: # ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا ~~من دون الله أوليآء ولهم عذاب عظيم # [الجاثية: 10]. ### || [46.29-30] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، أنه صرف إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم { نفرا من الجن } والنفر دون العشرة ~~{ يستمعون القرءان } وأنهم لما حضروه، قال بعضهم لبعض { ~~أنصتوا } أي اسكتوا مستمعين، وأنه لما قضى. أي انتهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قراءته { ولوا } أي رجعوا إلى قومهم من الجن في حال ~~كونهم منذرين أي مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بالله، ويجيبوا ~~داعيه محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخبروا قومهم، أن هذا الكتاب الذي ~~سمعوه يتلى، المنزل من بعد موسى يهدي إلى الحق، وهو ضد الباطل، وإلى طريق ~~مستقيم، أي لا اعوجاج فيه. # وقد دل القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا ~~عن القرآن كله وقع ولم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أوحى الله ~~ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها، مع بيانها وبسطها، بتفصيل ~~الأقوال التي قالتها الجن، بعد استماعهم القرآن العظيم: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا # [الجن: 1-2] إلى آخر الآيات. ### || [46.31] # منطوق هذه الآية أن من أجاب داعي الله محمدا صلى الله عليه وسلم وآمن ~~به، وبما ms3364 جاء به، من الحق غفر الله له ذنوبه. وأجاره من العذاب الأليم، ~~ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها، والمعروف بدليل الخطاب، أن من لم يجب ~~داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره، من عذاب أليم، بل ~~يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرحا به مبينا في آيات أخر، ~~كقوله تعالى: # وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين # [هود: 119] وقوله تعالى: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13] وقوله تعالى: # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار # [الأعراف: 38]: وقوله تعالى # فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس ~~أجمعون # [الشعراء: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات. # أما دخول المؤمنين، المجيبين داعي الله من الجن، الجنة فلم تتعرض له ~~الآية الكريمة بإثبات ولا نفي، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن ~~يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى في سورة الرحمن: # ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان # [الرحمن: 46-47 } وبه تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنه ~~يفهم من هذه الآية، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء ~~إيمانهم وإجابتهم داعي الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، ~~كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق. # وقد أوضحنا ذلك في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب " في ~~الكلام على هذه الآية، من سورة الأحقاف فقلنا فيه ما نصه: # هذه الآية، يفهم من ظاهرها، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه، ~~وإجارته من عذاب أليم، لا دخوله الجنة. # وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ~~بظاهر هذه الآية، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، ~~مع أنه جاء في آية أخرى، ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس، بقوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 47]. # ويستأنس لهذا بقوله تعالى: ms3365 # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56] فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس. # والجواب عن هذا، أن آية الأحقاف، نص فيها على الغفران، والإجارة من ~~العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة، بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص ~~فيها على دخولهم الجنة، لأنه تعالى قال فيها: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. # وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: { ولمن ~~خاف } ، يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معا ~~بقوله: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13-16-18-21-23]. # فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإنس ~~والجن، فلا تعارض بين الآيتين، لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى. # ولو سلمنا أن قوله: { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم ~~من عذاب أليم } ، يفهم منه عدم دخولهم الجنة، فإنه إنما يدل ~~عليه بالمفهوم، وقوله: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن:46] # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق. # والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. # ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعي وجدناه معدوما من ~~أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو ~~مخالفة ولا ثالث. # ولا يدخل هذا المفهوم المدعي في شيء من أقسام المفهومين. # أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح. # وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة، فلأن عدم دخوله في ~~مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح. # فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو ~~اللقب، وليس داخلا في واحد منهما. # فظهر عدم دخوله فيه أصلا. # أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط، فلأن قوله: { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب. # وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر، ~~لا بالجملة قبله، كما قيل به. # وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور، فتقرير ms3366 المعنى: { أجيبوا داعي ~~الله وآمنوا به } إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، فيتوهم في الآية ~~مفهوم هذا الشرط المقدر. # والجواب عن هذا: أن مفهوم الشرط عند القائل به، إنما هو في فعل الشرط لا ~~في جزائه، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته، فمفهوم أن تجيبوا داعي ~~الله وتؤمنوا به يغفر لكم، أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم ~~يغفر لهم، وهو كذلك. # أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات ~~كثيرة، فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره. # كما لو قلت لشخص مثلا: إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت. # فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع، لأن قطع اليد مرتب ~~أيضا على السرقة كالغرم. # وكذلك الغفران، والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة ~~داعي الله والإيمان به. # فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض، ثم بين في موضع آخر، وهذا لا ~~إشكال فيه. # وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب، فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ~~ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه، أعني المسند إليه سواء كان لقبا ~~أو كنية أو اسما او اسم جنس أو غير ذلك. # وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة. # والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب، أن الغفران والإجارة من العذاب ~~المدعي بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما، وأن تخصيصهما بالذكر يدل على ~~نفي غيرهما في الآية سندان لا مسند إليهما بدليل أن المصدر فيهما كامن في ~~الفعل ولا يستند إلى الفعل إجماعا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل ~~الحكاية. # ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندا إليه، ~~لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره، وإلا ~~لما كان للتخصيص بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة. # وأجيب من جهة الجمهور: بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم، إذ ~~لا يمكن الإسناد بدون مسند إليه. ms3367 # ومما يوضح ذلك أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما ~~هو المسند إليه لا في المسند، لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده ~~وصفاتها، فيقصد بعضها بالذكر دون بعض فيختص الحكم بالمذكور. # أما المسند فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد والأوصاف أصلا، وإنما ~~يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية. # ولو حكمت مثلا على الإنسان بأنه حيوان، فإن المسند إليه الذي هو ~~الإنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده، لأن كل فرد منها حيوان بخلاف ~~المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته، ~~وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد، لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم ~~الحكم على الإنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلا. # والحكم بالمباين على المباين باطل، إذا كان إيجابيا باتفاق العقلاء. # وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما ~~يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي، إن كانت خارجية أو ~~الذهني إن كانت حقيقية. # وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة. # وإنما يراعى فيه مطلق الماهية، ولو سلمنا تسليما جدليا أن مثل هذه ~~الآية يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة ~~به، وربما كان اعتباره كفرا كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله ~~تعالى: # محمد رسول الله # [الفتح: 29] فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن رسول الله، فهذا كفر بإجماع المسلمين. # فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعا ولا لغة ولا عقلا، ~~سواء كان اسم جنس، أو اسم عين، أو اسم جمع أو غير ذلك. # فقولك جاء زيد لا يفهم منه عدم مجيء عمرو. # وقولك: رأيت أسدا، لا يفهم منه عدم رؤيتك لغير الأسد. # والقول بالفرق، بين اسم الجنس، فيعتبر، واسم العين فلا يعتبر، لا يظهر. # فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية. # ولا يقول ابن خويز ms3368 منداد وابن القصار من المالكية ولا يقول بعض الحنابلة ~~باعتبار مفهوم اللقب، لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به، إلا أنه ~~يقول: # لو لم يكن اللقب مختصا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، كما علل ~~به مفهوم الصفة لأن الجمهور يقولون: ذكر اللقب ليسند إليه وهو واضح لا ~~إشكال فيه. # وأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف ~~المفاهيم بقوله: # أضعفها اللقب وهو ما أبى # من دونه نظم الكلام العرب # وحاصل فقه هذه المسألة أن الجن مكلفون، على لسان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بدلالة الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين وأن كافرهم في الجنة بإجماع ~~المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] وقوله تعالى: # فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس ~~أجمعون # [الشعراء: 94-95] وقوله تعالى: # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار # [الأعراف: 38] إلى غير ذلك من الآيات. # وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم ~~الآيتين المذكورتين. # والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله تعالى. اه. منه بلفظه. ### || [46.33] # قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنها من الآيات الدالة على البعث ~~في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا على ذلك مرارا، ~~والباء في قوله { بقادر } يسوغه أن النفي متناول لأن فما بعدها، فهو في ~~معنى أليس الله بقادر؟ # ويوضح ذلك قوله بعد: بلى. مقررا لقردته على البعث وغيره. ### || [46.35] # قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل }. # اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة ~~اختلافا كثيرا. # وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب ~~والشورى، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام. # وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر ~~كما صبروا أربعة فصار هو صلى الله عليه وسلم خامسهم. # واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة ms3369 ~~والسلام، وأن لفظة من، في قوله: من الرسل بيانية يظهر أنه خلاف التحقيق، ~~كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] الآية، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ~~ونهاه عن أن يكون مثل يونس، لأنه هو صاحب الحوت وكقوله: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115] فآية القلم، وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي ~~العزم من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر كصبرهم ~~ليسوا جميع الرسل والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ولا تستعجل لهم }. # نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يستعجل ~~لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول تستعجل محذوف تقديره ~~العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء ~~موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا # [المزمل: 11]. وقوله تعالى # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]. # فإن قوله { ومهلهم قليلا } ، وقوله: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17] موضح لمعنى قوله { ولا تستعجل لهم }. # والمراد بالآيات، نهيه صلى الله عليه وسلم عن طلب تعجيل العذاب لهم، ~~لأنهم معذبون، لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال، كما يوضحه ~~قوله تعالى # فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا # [مريم: 84] وقوله تعالى # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24] وقوله تعالى # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار # [البقرة: 126] الآية. وقوله تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196-197] وقوله تعالى: # قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون # [يونس: 69-70] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار }. # قد قدمنا ms3370 الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار يتعارفون بينهم # [يونس: 45] وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العآدين # [المؤمنون: 113]. # وبينا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في ~~الآيات المذكورة. # قوله تعالى: { بلاغ }. # التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: { بلاغ } أنه خبر ~~مبتدأ محذوف تقديره، هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه. # ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم # هذا بلاغ للناس ولينذروا به # [إبراهيم: 52]، وقوله في الأنبياء # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين # [الأنبياء: 106]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. # والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن ~~الفعال يأتي كثيرا، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغا: أي تبليغا، وكلمه ~~كلاما، أي تكليما، وطلقها طلاقا، وسرحها سراحا، وبينه بيانا. # كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا ~~مهموزته قياس مصدرها التفعيل. # وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله. # أما القول بأن المعنى وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم ~~عند الله تعالى. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: وصدوا عن سبيل الله، قال بعضهم: هو من ~~الصدود، لأن صد في الآية لازمة. # وقال بعضهم: هو من الصد لأن صد في الآية متعدية. # وعليه فالمفعول محذوف أي صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي عن الدخول في ~~الإسلام. # وهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة، فإن ذلك ~~يكون تكرارا مع قوله { كفروا } لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن ~~سبيل الله. # وأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار لأن المعنى أنهم ضالون في ~~أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله، وقد قدمنا في سورة النحل ~~في الكلام على قوله تعالى: # فلنحيينه حياة طيبة ms3371 ولنجزينهم أجرهم # [النحل: 97] الآية، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على ~~التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أضل أعمالهم } أي أبطل ~~ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقري الضيف، وبر الوالدين، ~~وحمي الجار، وصلة الرحمن، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ~~ويكون لا أثر له، كما قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وهذا هو الصواب في معنى الآية. # وقيل: أضل أعمالهم أي أبطل كيدهم، الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو ~~الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم } أي غفر لهم ~~ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة { وأصلح بالهم } أي أصلح ~~لهم شأنهم وحالهم إصلاحا لا فساد معه، وما ذكره جل وعلا هنا في أول هذه ~~السورة الكريمة، من أن يبطل أعمال الكافرين، ويبقي أعمال المؤمنين جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # [هود: 15-16]. وقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] وقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة ~~إيضاح مهمة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19]. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97] الآية. وذكرنا طرفا منه في سورة الأحقاف في الكلام على ~~قوله تعالى: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف: ms3372 20] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { أضل أعمالهم } أصله من ~~الضلال بمعنى الغيبة، والاضمحلال. لا من الضالة كما زعمه الزمخشري فهو ~~كقوله: # وضل عنهم ما كانوا يفترون # [الأنعام: 24]. # وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء في الكلام ~~على قوله: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى: # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا # [الكهف: 104] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الكهف في ~~الكلام على قوله تعالى # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات # [الكهف: 2] الآية، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وآمنوا بما نزل على ~~محمد }. # قال فيه ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة ~~الإيمان، بعد بعثته صلى الله عليه وسلم اه منه. # ويدل لذلك قوله تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك ~~في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون # [هود: 17]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { وهو الحق } جملة اعتراضية ~~تتضمن شهادة الله بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم، صلى الله ~~عليه وسلم هو الحق من الله، كما قال تعالى: # وكذب به قومك وهو الحق # [الأنعام: 66]، قال تعالى: # وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين # [الحاقة: 50-51] وقال تعالى: # قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم ~~فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه # [يونس: 108] الآية وقال تعالى: # يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم # [النساء: 170] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم } أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار أي إبطالها ~~واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم، ~~كله واقع بسبب ms3373 أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل. # والزائل المضمحل تسميه العرب باطلا وضده الحق. # وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة ~~باقية، لا زائلة مضمحلة. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن اختلاف الأعمال، يستلزم اختلاف ~~الثواب، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل، الذي يستوجب الإنكار ~~عليه، جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون # [القلم: 35-36]. وقوله تعالى: # أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]. وقوله تعالى: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم }. # قال فيه الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ # قلت: في جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار. # واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين. # أو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز ~~المؤمنين اه. منه. # وأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مثل له. ### || [47.4] # قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب ~~أوزارها }. # قوله تعالى: فضرب الرقاب مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ~~ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع: # وهي فعل الأمر كقوله تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 78] الآية. # واسم فعل الأمر كقوله تعالى: # عليكم أنفسكم # [المائدة: 105] الآية. # والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم # [الحج: 29] الآية. # والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: { فضرب الرقاب } ، أي ~~فاضربوا رقابهم، وقوله تعالى: { حتى إذآ أثخنتموهم } أي ~~أوجعتم فيهم قتلا. # فالإثخان هو الإكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض. # وقوله: فشدوا الوثاق، أي فأسروهم، والوثاق بالفتح والكسر اسم لما يؤسر ~~به الأسير من قد ونحوه. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم ms3374 ~~المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله ~~تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]، الآية، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات أخر كقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية. # وقوله: # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12]، وقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] الآية. وقوله: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # [الأنفال: 57] الآية، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فإما ~~منا بعد وإما فدآء } أي فإما تمنون عليهم منا، أو تفادونهم ~~فداء. # ومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة: # وما لتفصيل كإما منا # عامله يحذف حيث عنا # ومنه قول الشاعر: # لأجهدن فإما درء واقعة # تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل # وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها وممن يروى ~~عنه هذا القول، ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك وابن جريج. # وذكر ابن جرير عن أبي بكر رضي الله عنه ما يؤيده. # ونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يجوز عنده المن ولا ~~الفداء، لأن الآية المنسوخة عنده بل يخير عنده الإمام بين القتل ~~والاسترقاق. # ومعلوم أن آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه. # وأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وإن جميع الآيات ~~المذكورة، محكمة، فالإمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من من ~~وفداء وقتل واسترقاق. # قالوا: قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن ~~الحارث أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى. # ومن على ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان يسترق السبي من العرب ~~وغيرهم. # وقال الشوكاني في نيل الأوطار: # والحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء ~~والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم ~~يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم فى مقام المنع، ~~وقول علي ms3375 وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة. # وقد استرق بني ناجية ذكورهم وإناثهم وباعهم كما هو مشهور في كتب السير ~~والتواريخ اه. محل الغرض منه. # ومعلوم أن بني ناجية من العرب. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: # لم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق. # ومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد، والله تبارك وتعالى في ~~كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات، في توكيد ثبوت ملك ~~الرقيق، وهي ملك اليمين لأن ما ملكته يمين الإنسان، فهو مملوك له تماما، ~~وتحت تصرفه تماما، كقوله تعالى: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم # [النساء: 3] وقوله: # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين # [المؤمنون: 5-6] في سورة # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] و # سأل سآئل # [المعارج: 1] وقوله: # والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم ~~كتاب الله عليكم # [النساء: 24] الآية. وقوله: # والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم # [النور: 33] الآية. وقوله: # والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم # [النساء: 36]. وقوله: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت ~~يمينك # [الأحزاب: 52] الآية. وقوله: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله ~~عليك # [الأحزاب: 50] الآية. وقوله: # أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن # [النور: 31]. وقوله: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات # [النساء: 25] وقوله: # فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم # [النحل: 71]. وقوله # هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء # [الروم: 28] الآية، فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك ~~بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها، وهي معلومة، فلا ينكر ~~الرق في الإسلام، إلا مكابر أو ملحد أو من لا يؤمن بكتاب الله، ولا بسنة ~~رسوله. # وقد قدمنا حكمة الملك بالرق وإزالة الإشكال في ملك الرقيق المسلم ms3376 في ~~سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # ومن المعلوم أن كثيرا من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا ~~أرقاء مملوكين، أو أبناء أرقاء مملوكين. # فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدا لأنس بن مالك. # وهذا مكحول كان عبدا لامرأة من هذيل فأعتقته. # ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم. # واعلم أن ما يدعيه بعض من المتعصبين، لنفي الرق في الإسلام من أن آية ~~القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله، لأنها أوجبت واحدا من أمرين لا ~~ثالث لهما، وهما المن والفداء فقط فهو استدلال ساقط من وجهين: # أحدهما أن فيه استدلالا بالآية، على شيء لم يدخل فيها، ولم تتناوله ~~أصلا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى. # وإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى، إلى من وفداء، لم ~~تتناول قطعا إلا الرجال المقاتلين من الكفار لأن قوله { فضرب ~~الرقاب } ، وقوله: { حتى إذآ أثخنتموهم }. صريح في ذلك ~~كما ترى. # وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بالفاء قوله: { فشدوا الوثاق } ~~الآية. # فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرا ألبتة. # ويزيد ذلك إيضاحا أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء ~~والصبيان. # ولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية، لا يمكن أن يستدل ~~بها على شيء غير الرجال المقاتلين، لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال ~~الذين أسروا، في حال كونهم مقاتلين، ولو قصره على هؤلاء، لم يمكنه أن ~~يقول بنفي الرق من أصله كما ترى. # الوجه الثاني: هو ما قدمنا من الأدلة على ثبوت الرق في الإسلام. وقوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة: # { حتى تضع الحرب أوزارها } أي إذا لقيتم الكفار فاضربوا ~~أعناقهم { حتى إذآ أثخنتموهم } قتلا فأسروهم { حتى ~~تضع الحرب أوزارها } أي حتى تنتهي الحرب. # وأظهر الأقوال في معنى وضع الحرب أوزارها أنه وضع ms3377 السلاح، والعرب تسمي ~~السلاح وزرا، وتطلق العرب الأوزار على آلات الحرب وما يساعد فيها ~~كالخيل، ومنه قول الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وفي معنى أوزار الحرب، أقوال أخر معروفة تركناها، لأن هذا أظهرها عندنا. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [47.7] # ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن المؤمنين، إن نصروا ربهم، ~~نصرهم على أعدائهم، وثبت أقدامهم، أي عصمهم من الفرار والهزيمة. # وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، وبين في بعضها صفات الذين وعدهم ~~بهذا النصر كقوله تعالى # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # [الحج: 40] ثم بين صفات الموعودين بهذا النصر في قوله تعالى بعده # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور # [الحج: 41] وكقوله تعالى: # وكان حقا علينا نصرالمؤمنين # [الروم: 47]، وقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51] وقوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في بيان صفات من ~~وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف # [الحج: 41] الآية. يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ~~ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر ~~ألبتة. # فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئا ثم جاءه يطلب منه ~~الأجرة. # فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين ثم يقولون: إن ~~الله سينصرنا مغررون لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا ~~يخفى. # ومعنى نصر المؤمنين لله، نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم، في أن ~~تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتتمثل أوامره وتجتنب ~~نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم. ### || [47.10] # قد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 83]، وأحلنا على الآيات الموضحة ms3378 لذلك في سورة الروم في الكلام على ~~قوله تعالى: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض # [الروم: 9] الآية. وأوضحناها في الزخرف في الكلام على قوله: # فأهلكنآ أشد منهم بطشا # [الزخرف: 8] الآية وفي الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: # ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه # [الأحقاف: 26] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [47.13] # التي توضح معنى هذه الآية، هي المشار إليها في نفس الآية، التي ذكرنا ~~قبلها. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إخراج كفار مكة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم منها بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما ~~جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم # [الممتحنة: 1] الآية، وقوله تعالى # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30]. # وقد أخرجوه فعلا بمكرهم المذكور، وبين جل وعلا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من ديارهم لا ذنب لهم يستوجبون به الإخراج إلا ~~الإيمان بالله، كما قال تعالى: # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله # [الحج: 40] وقال تعالى: # يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم # [الممتحنة: 1] أي يخرجون الرسول وإياكم لأجل إيمانكم بربكم. # وقال تعالى في إخراجهم له # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول # [التوبة: 13] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء ~~مشددة مكسورة ونون ساكنة. # وقرأه ابن كثير وكآئن، بألف بعد الكاف، وهمزة مكسورة. # وكلهم عند الوقف يقفون على النون الساكنة، كحال الصلة، إلا أبا عمرو ~~فإنه يقف على الياء. # وقد قدمنا أوجه القراءة في كأين ومعناها، وما فيها من اللغات، مع بعض ~~الشواهد العربية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة # [الحج: 45] الآية. ### || [47.15] # قوله تعالى: { مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ ~~أنهار من مآء غير آسن ms3379 وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ~~}. الآية. # أنهار الماء، وأنهار الخمر التي ذكرها الله في هذه الآية بين بعض ~~صفاتها، في آيات أخرى كقوله تعالى: # تجري من تحتها الأنهار # [البقرة: 25-266] في آيات كثيرة، وقوله # ومآء مسكوب # [الواقعة: 31]. وقوله: # إن المتقين في ظلال وعيون # [المرسلات:41] وقوله # فيها عين جارية # [الغاشية: 12]، وقد بين تعالى من صفات خمر الجنة أنها لا تسكر شاربها، ~~ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه كقوله تعالى: # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19]، وقوله # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47]. # وقد قدمنا معنى هذه الآيات بإيضاح في سورة المائدة في الكلام على قوله ~~تعالى # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه # [المائدة: 90] الآية. وقوله تعالى في الآية الكريمة { غير آسن } أي ~~غير متغير اللون ولا الطعم. والآسن والآجن معناهما واحد، ومنه قول ذي ~~الرمة: # ومنهل آجن قفر محاضره # تذروا الرياح على جماته البعرا # وقول الراجز: # ومنهل فيه الغراب ميت # كأنه من الأجون زيت # سقيت منها القوم واستقيت # وبما ذكرنا تعلم أن قوله: غير آسن كقوله: من لبن لم يتغير طعمه. # قوله تعالى: { ولهم فيها من كل الثمرات }. # قد بين تعالى في سورة البقرة أن الثمار التي يرزقها أهل الجنة يشبه ~~بعضها بعضا في الجودة والحسن والكمال، ليس فيها شيء رديء، وذلك في قوله ~~تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها # [البقرة: 25]. # قوله تعالى: { وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم # [الحج: 19-20] الآية. ### || [47.18] # { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم ~~لا يشعرون # [الزخرف: 66]. # قوله تعالى: { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم ms3380 }. # التحقيق إن شاء الله تعالى، في معنى هذه الآية الكريمة، أن الكفار يوم ~~القيامة، إذا جاءتهم الساعة، يتذكرون ويؤمنون بالله ورسوله، وأن الإيمان ~~في ذلك الوقت لا ينفعهم لفوات وقته فقوله { ذكراهم } مبتدأ خبره { ~~فأنى لهم } أي كيف تنفعهم ذكراهم وأيمانهم بالله، وقد فات الوقت ~~الذي يقبل فيه الإيمان. # والضمير المرفوع في { جآءتهم } عائد إلى الساعة التي هي القيامة. # وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن الكفار يوم ~~القيامة يؤمنون، ولا ينفعهم إيمانهم جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد # [سبأ: 52]، وقوله تعالى: # وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان ~~وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الأعراف في الكلام على قوله ~~تعالى: # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله # [الأعراف: 53] إلى قوله - # أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل # [الأعراف: 53]. # فظهر أن قوله { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم } على ~~حذف مضاف، أي أنى لهم نفع ذكراهم. # والذكرى اسم مصدر بمعنى الاتعاظ الحامل على الايمان. ### || [47.20] # قوله تعالى: { فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون ~~إليك نظر المغشي عليه من الموت }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه إذا أنزل سورة محكمة، أي متقنة ~~الألفاظ والمعاني، واضحة الدلالة، لا نسخ فيها وذكر فيها وجوب قتال ~~الكفار، تسبب عن ذلك، كون الذين فى قلوبهم مرض أي شك ونفاق، ينظرون كنظر ~~الإنسان الذي يغشى عليه لأنه في سياق الموت، لأن نظر من كان كذلك تدور ~~فيه عينه ويزيغ بصره. # وهذا إنما وقع لهم من شدة الخوف من بأس الكفار المأمور بقتالهم. # وقد صرح جل وعلا بأن ذلك من الخوف المذكور في قوله: # فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # [الأحزاب: 19]. # وقد بين تعالى، أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله سورة، ~~فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن ms3381 ~~الجهاد، وذمهم الله على ذلك، وذلك في قوله تعالى: # وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ~~ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون # [التوبة: 86-87]. ### || [47.24] # الهمزة في قوله: أفلا يتدبرون للإنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة، ~~على أصح القولين، والتقدير أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن كما ~~أشار له في الخلاصة بقوله: # وحذف متبوع بدا هنا استبح # وقوله تعالى: { أم على قلوب أقفالهآ } فيه منقطعة بمعنى ~~بل، فقد أنكر تعالى عليهم إعراضهم عن تدبر القرآن، بأداة الإنكار التي هي ~~الهمزة، وبين أن قلوبهم عليها أقفال لا تنفتح لخير، ولا لفهم قرآن. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإنكار على من أعرض عن تدبر ~~كتاب الله، جاء موضحا في آيات كثيرة، كقوله تعالى # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82]، وقوله تعالى { أفلم يدبروا القول أم ~~جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين } [المؤمنون: 68]، ~~وقوله تعالى # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # [ص: 29]. # وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها # [الكهف: 57] الآية. وقوله تعالى: # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض ~~عنهآ # [السجدة: 22]. # ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات هذا القرآن العظيم أي تصفحها ~~وتفهمها، وإدراك معانيها والعمل بها، فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، ~~فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات إن كان الله أعطاه فهما يقدر ~~به على التدبر، وقد شكا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه من هجر قومه ~~هذا القرآن، كما قال تعالى # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]. # وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، ~~أمر لا بد منه للمسلمين. # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المشتغلين بذلك هم خير ms3382 الناس. كما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه أنه قال # " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " # وقال تعالى: # ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون # [آل عمران: 79]. # فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة ~~الثابتة المبينة له. من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على ~~هدى. # ولا يخفى على عاقل أن القول بمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، اكتفاء عنهما بالمذاهب المدونة. وانتفاء الحاجة إلى تعلمهما، ~~لوجود ما يكفي عنهما من مذاهب الأئمة من أعظم الباطل. # وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، ومخالف لأقوال الأئمة ~~الأربعة. # وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة ومخالف لأقوال الأئمة ~~الأربعة. # فمرتكبه مخالف لله ولرسوله ولأصحاب رسوله جميعا وللأئمة رحمهم الله، ~~كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. # مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة # المسألة الأولى: # اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبر هذا القرآن العظيم، وتفهمه ~~والعمل به. لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة، وأن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد ~~المطلق بشروطه المقررة عندهم التي لم يستند اشتراط كثير منها إلى دليل من ~~كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس جلي، ولا أثر عن الصحابة، قول لا مستند ~~له من دليل شرعي أصلا. # بل الحق الذي لا شك فيه، أن كل من له قدرة من المسلمين، على التعلم ~~والتفهم، وإدراك معانى الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم ~~منهما. # أما العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوع إجماعا. # وأما ما علمه منهما علما صحيحا ناشئا عن تعلم صحيح. فله أن يعمل به. ~~ولو آية واحدة أو حديثا واحدا. # ومعلوم أن هذا الذم والإنكار على من يتدبر كتاب الله عام لجميع الناس. # ومما يوضح ذلك أن المخاطبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون ~~والكفار، ليس أحد منهم مستكملا لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول، ms3383 ~~بل ليس عندهم شيء منها أصلا. فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل ~~به، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالإصلاح الأصولي لما وبخ الله الكفار ~~وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، ولما أقام عليهم الحجة به حتى يحصلوا ~~شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين، كما ترى. # ومعلوم أن من المقرر فى الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وإذا ~~فدخول الكفار والمنافقين، في الآيات المذكورة قطعي، ولو كان لا يصح ~~الانتفاع بهدي القرآن إلا لخصوص المجتهدين لما أنكر الله على الكفار عدم ~~تدبرهم كتاب الله، وعدم عملهم به. # وقد علمت أن الواقع خلاف ذلك قطعا، ولا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط ~~إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نصوص صحيحة، من الكتاب ~~والسنة، لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، حتى تشترط فيها شروط الاجتهاد، بل ~~ليس فيها إلا الاتباع، وبذلك تعلم أنما ذكره صاحب مراقي السعود تبعا ~~للقرافي من قوله: # من لم يكن مجتهدا فالعمل # منه بمعنى النص مما يحظل # لا يصح على إطلاقه بحال لمعارضته لآيات وأحاديث كثيرة من غير استناد إلى ~~دليل. # ومن المعلوم، أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب والسنة، إلا بدليل يجب ~~الرجوع إليه. # ومن المعلوم أيضا، أن عمومات الآيات والأحاديث، الدالة على حث جميع ~~الناس، على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، أكثر من أن تحصى، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي " # وقوله صلى الله عليه وسلم # " عليكم بسنتي " # الحديث. ونحو ذلك مما لا يحصى. # فتخصيص جميع تلك النصوص، بخصوص المجتهدين وتحريم الانتفاع بهدي الكتاب ~~والسنة على غيرهم، تحريما باتا يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح تخصيص تلك النصوص بآراء جماعات من ~~المتأخرين المقرين على أنفسهم بأنهم من المقلدين. # ومعلوم أن المقلد الصرف، لا يجوز عده من العلماء ولا من ورثة الأنبياء، ~~كما سترى إيضاحه إن شاء الله. وقال صاحب مراقي السعود، في نشر البنود، في ~~شرحه ms3384 لبيته المذكور آنفا ما نصه: يعني أن غير المجتهد، يحظل له. أي يمنع ~~أن يعمل بمعنى نص من كتاب أو سنة وإن صح سندها لاحتمال عوارضه، من نسخ ~~وتقييد، وتخصيص وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهد، فلا ~~يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد. قاله القرافي. اه. محل الغرض منه بلفظه. # وبه تعلم أنه لا مستند له، ولا للقرافي الذي تبعه، في منع جميع ~~المسلمين، غير المجتهدين من العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، إلا مطلق ~~احتمال العوارض، التي تعرض لنصوص الكتاب والسنة، من نسخ أو تخصيص أو ~~تقييد ونحو ذلك، وهو مردود من وجهين: # الأول: أن الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ والعام ظاهر في ~~العموم حتى يثبت ورود المخصص، والمطلق ظاهر في الإطلاق، حتى يثبت ورود ~~المقيد والنص يجب العمل به، حتى يثبت النسخ بدليل شرعي، والظاهر يجب ~~العمل به عموما كان أو إطلاقا أو غيرهما، حتى يرد دليل صارف عنه الى ~~المحتمل المرجوح. كما هو معروف في محله. # وأول من زعم أنه لا يجوز العمل بالعام، حتى يبحث عن المخصص فلا يوجد ~~ونحو ذلك، أبو العباس بن سريج وتبعه جماعات من المتأخرين، حتى حكوا على ~~ذلك الإجماع حكاية لا أساس لها. # وقد أوضح ابن القاسم العبادي، في الآيات البينات غلطهم في ذلك، في كلامه ~~على شرح المحل لقول ابن السبكي في جمع الجوامع، ويتمسك بالعام في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قبل البحث عن المخصص، وكذا بعد الوفاة، خلافا ~~لابن سريج اه. # وعلى كل حال فظواهر النصوص، من عموم وإطلاق، ونحو ذلك، لا يجوز تركها ~~إلا لدليل يجب الرجوع إليه، من مخصص أو مقيد، لا لمجرد مطلق الاحتمال، ~~كما هو معلوم في محله. # فادعاء كثير من المتأخرين، أنه يجب ترك العمل به، حتى يبحث عن المخصص، ~~والمقيد مثلا خلاف التحقيق. # الوجه الثاني: أن غير المجتهد إذا تعلم بعض آيات القرآن، أو بعض أحاديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليعمل بها، تعلم ذلك النص ms3385 العام، أو المطلق، ~~وتعلم معه، مخصصه ومقيده إن كان مخصصا أو مقيدا، وتعلم ناسخه إن كان ~~منسوخا وتعلم ذلك سهل جدا، بسؤال العلماء العارفين به، ومراجعة كتب ~~التفسير والحديث المعتد بها في ذلك، والصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم ~~أحدهم آية فيعمل بها، وحديثا فيعمل به، ولا يمتنع من العمل بذلك حتى ~~يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، وربما عمل الإنسان بما علم فعلمه ما لم يكن ~~يعلم، كما يشير له قوله تعالى: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282] وقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29] على القول بأن الفرقان هو العلم النافع الذي يفرق به بين ~~الحق والباطل. # وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به # [الحديد: 28] الآية. # وهذه التقوى، التي دلت الآيات، على أن الله يعلم صاحبها، بسببها ما لم ~~يكن يعلم، لا تزيد على عمله بما علم، من أمر الله وعليه فهي عمل ببعض ما ~~علم زاده الله به علم ما لم يكن يعلم. # فالقول بمنع العمل بما علم من الكتاب والسنة، حتى يحصل رتبة الاجتهاد ~~المطلق، هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين، من الانتفاع بنور القرآن، ~~حتى يحصلوا شرطا مفقودا، فى اعتقاد القائلين بذلك، وادعاء مثل هذا على ~~الله وعلى كتابه وعلى سنة رسوله هو كما ترى. # تنبيه مهم # يجب على كل مسلم، يخاف العرض على ربه، يوم القيامة، أن يتأمل فيه ليرى ~~لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطاعة الكبرى، التى عمت جل بلاد ~~المسلمين من المعمورة. # وهي ادعاء الاستغناء عن كتاب الله وسنة رسوله، استغناء تاما، في جميع ~~الأحكام من عبادات ومعاملات، وحدود وغير ذلك، بالمذاهب المدونة. # وبناء هذا على مقدمتين: # إحداهما: أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين. # والثانية: أن المجتهدين معدومون عدما كليا، لا وجود لأحد منهم، في ~~الدنيا، وأنه بناء على هاتين المقدمتين، يمنع العمل بكتاب الله وسنة ~~رسوله منعا باتا على جميع أهل الأرض، ويستغنى ms3386 عنهما بالمذاهب المدونة. # وزاد كثير منهم على هذا منع تقليد غير المذاهب الأربعة، وأن ذلك يلزم ~~استمراره إلى آخر الزمان. # فتأمل يا أخي رحمك الله: كيف يسوغ لمسلم، أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب ~~الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما، ~~استغناء عنهما بكلام رجال، غير معصومين ولا خلاف في أنهم يخطئون. # فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة، لا حاجة إلى تعلمهما، وأنهما يغني ~~غيرهما، فهذا بهتان عظيم، ومنكر من القول وزور. # وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه، فهو أيضا زعم باطل، لأن ~~تعلم الكتاب والسنة، أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع ~~كوناه في غاية التعقيد، والكثرة والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات ~~متعددة: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17-22-40]. ويقول تعالى في الدخان: # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون # [الدخان: 58]. # ويقول في مريم: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]. # فهو كتاب ميسر، بتيسير الله، لمن وفقه الله للعمل به، والله جل وعلا ~~يقول # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم # [العنكبوت: 49]، ويقول # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون # [الأعراف: 52]. # فلا شك أن الذي يتباعد، عن هداه، يحاول التباعد، عن هدى الله ورحمته. # ولا شك أن هذا القرآن العظيم، هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه، ~~ليستضاء به فيعلم في ضوئه الحق من الباطل والحسن من القبيح والناف من ~~الضار، والرشد من الغي. # قال الله تعالى: # يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174]. وقال تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة: 15-16]. وقال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52] وقال تعالى: # فآمنوا ms3387 بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا # [التغابن: 8] وقال تعالى: # فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # [الأعراف: 157]. # فإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم، هو النور الذي أنزله الله ~~ليستضاء به، ويهتدي بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصريتك أن تعمى عن النور. # فلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم: # خفافيثش أعماها النهار بضوئه # ووافقها قطع من الليل مظلم # مثل النهار يزيد أبصار الورى # نورا ويعمي أعين الخفاش # يكاد البرق يخطف أبصارهم # [البقرة: 22]. # أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب # [الرعد: 19]. # ولا شك أن من عميت بصيرته عن النور، تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله ~~له نورا، فما له من نور. # وبهذا تعلم أيها المسلم المنصف، أنه يجب عليك الجد، والاجتهاد في تعلم ~~كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالوسائل النافعة المنتجة، ~~والعمل بكل ما علمك الله منهما، علما صحيحا. # ولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في ~~القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ وعام ~~وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين وأحوال الرجال، من رواة الحديث، والتمييز ~~بين الصحيح والضعيف، لأن الجميع ضبط وأتقن ودون، فالجميع سهل التناول ~~اليوم. # فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين. # وجميع الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم حفظت ودونت، وعلمت أحوال ~~متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف. # فجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدا على كل من ~~رزقه الله فهما وعلما. # والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك تسهل ~~معرفته اليوم على كل ناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهما ووفقه ~~لتعلم كتاب الله وسنة رسوله. # واعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق، ~~على الله وكتابه وعلى النبي ms3388 وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي، ~~في حاشيته على الجلالين، في سورة الكهف وآل عمران وغتر بقوله في ذلك، خلق ~~لا يحصى من المتسمين، باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل. # فقد قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا # [الكهف: 23] الآية، بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء عن المستثنى ~~منه بزمان، ما نصه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله فإن شرط حل ~~الأيمان بالمشيئة أن تتصل، وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس ~~أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول ~~الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة، ضال مضل ~~وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. ~~اه. منه بلفظه. # فانظر يا أخي رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله ~~على الله، وكتابه وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وأصحابه # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 19]. # أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم ~~مخالفة للكتاب والسنة، وأقوال الصحابة فهو قول باطل بالكتاب والسنة ~~وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سنرى ~~إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة. ~~فالذي ينصره هو الضال المضل. # وأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة، من أصول الكفر، فهذا أيضا ~~من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكا لحرمة كتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16]. # والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله ~~وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، ~~حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح. # والقول بأن العمل ms3389 بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر ألبتة عن ~~عالم بكتاب الله وسنة رسوله وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة ~~أصلا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرا والواقع في نفس الأمر أن ~~ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس. # ومما يوضح لك ذلك أن آية الكهف هذه، التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل ~~الأيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر وزمنها عن اليمين وأن ذلك مخالف ~~للمذاهب الأربعة: وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول ~~الكفر كله باطل لا أساس له. # وظاهر الآية بعيد مما ظن بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير ~~الآية إليه أصلا، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة، ولا التضمن ولا ~~الالتزام. فضلا على أن تكون ظاهرة فيه. # وسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحا، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال لهم # " سأخبركم غدا " # ، ولم يقل إن شاء الله فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه، وعدم تعليقه ~~بمشيئته جل وعلا فتأخر عنه الوحي. # ثم علمه الله في الآية والأدب معه في قوله: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. # ثم قال لنبيه # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف: 24] يعني إن قلت سأفعل كذا غدا، ثم نسيت أن تقول إن شاء الله، ~~ثم تذكرت بعد ذلك، فاذكر ربك، أي قل إن شاء الله، أي لتتدارك بذلك الأدب، ~~مع الله الذي فاتك عند وقته، بسبب النسيان وتخرج من عهدة النهي في قوله ~~تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. # والتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور، الذي هو ظاهر ~~الآية الصحيح لا يخالف مذهبا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وهو التحقيق ~~في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء كما أوضحه كبير ~~المفسرين. أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله. # وقد قدمنا إيضاحه في ms3390 الكلام على آية الكهف هذه. فيا أتباع الصاوي ~~المقلدين له تقليدا أعمى على جهالة عمياء، أين دل ظاهر آية الكهف هذه، ~~على اليمين بالله، أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان؟ # هل النبي صلى الله عليه وسلم حلف لما قال للكفار: سأخبركم غدا؟ # وهل قال الله: ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدا؟ # ومن أين جئتم باليمين، حتى قلتم إن ظاهر القرآن، هو حل الأيمان بالمشيئة ~~المتأخرة عنها، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة ~~الأربعة، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ # ومما يزيد ما ذكرنا إيضاحا ما قاله الصاوي أيضا في سورة آل عمران في ~~الكلام على قوله تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله # [آل عمران: 7] فإنه قال على كلام الجلال ما نصه: زيغ أي ميل عن الحق ~~للباطل، قوله: بوقوعهم في الشبهات واللبس، أي كنصارى نجران، ومن حذا ~~حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ ~~بظواهر الكتاب والسنة اه. # فانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله وما أجرأ قائله على ~~انتهاك حرمات الله، وكتابه ونبيه وسنته صلى الله عليه وسلم، وما أدله على ~~أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به. فإنه جعل ما قاله نصارى نجران، هو ظاهر ~~كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من حذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن. # وذكر أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر مع ~~أنه لا يدري وجه ادعاء نصارى نجران على ظاهر القرآن أنه كفر، مع أنه مسلم ~~أن ادعاءهم على ظاهر القرآن أنه كفرهم ومن حذا حذوهم ادعاء صحيح إلا أن ~~الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. # وقد قال قبل هذا: قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال نعم، فقالوا حسبنا، ~~أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية. # فاتضح ms3391 أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171] هو أن عيسى ابن الله ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء ~~قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. # وهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها ألبتة، بوجه ~~من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى ~~نجران ذلك كذب بحت. # فقول الصاوي كنصارى نجران، ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن صريح في ~~أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن ~~اعتقاد باطل باطل باطل، حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ~~ظاهره، بل هو لا يدل عليه ألبتة فضلا عن أن يكون ظاهره وقوله: { وروح ~~منه } كقوله تعالى: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] أي كل ذلك من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض مبدؤه ~~ومنشؤه جل وعلا. # فلفظة من في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن وهو الحق ~~خلافا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران. # وقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من ~~أصول الكفر لا يعلمون ما هي الظواهر وأنهم يعتقدون شيئا ظاهر النص. ~~والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلا عن أن يكون ظاهره. # فبنوا باطلا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا الباطل. # ولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها لمنعهم ذلك، من أن ~~يقولوا ما قالوا. # فتصور الصاوي، أن ظاهر آية الكهف المتقدمة، هو حل الأيمان، بالتعليق ~~بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وبناؤه على ذلك مخالفة ظاهر الآية ~~لمذاهب الأئمة الأربع، وأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، مع ~~أن الآية لا تشير أصلا إلى ما اعتقد أنه ظاهرها. # وكذلك اعتقاده أن ظاهر آية آل عمران المذكورة هو ما زعمه نصارى نجران، ~~من أن عيسى ابن الله فإنه ms3392 كله باطل وليس شيء مما زعم ظاهر القرآن مطلقا، ~~كما لا يخفى على عاقل. # وقول الصاوي في كلامه المذكور في سورة آل عمران: إن العلماء قالوا: إن ~~الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. قول باطل لا يشك في بطلانه من ~~عنده أدنى معرفة. # ومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول ~~الكفر؟ سموهم لنا، وبينوا لنا من هم؟ # والحق الذي لا شك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم، ولا متعلم، لأن ظواهر ~~الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله ليستضاء به في أرضه ~~وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه. # والنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدا لا يكاد يوجد منها إلا ~~أمثلة قليلة جدا كقوله تعالى: # فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196]. # والغالب الذي هو الأكثر هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر. # وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي ~~صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول. # فتنفير الناس وإبعادها عن كتاب الله، وسنة رسوله، بدعوى أن الأخذ ~~بظواهرهما من أصول الكفر هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى. # وأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل ~~التباعد ويتجنب أسبابها كل الاجتناب، فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع ~~وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي. # وهذا كما ترى، وبما ذكرنا يتبين أن من أعظم أسباب الضلال، ادعاء أن ~~ظواهر الكتاب والسنة دالة على معان قبيحة، ليست بلائقة. # والواقع في نفس الأمر بعدها وبراءتها من ذلك. # وسبب تلك الدعوى الشنيعة على ظواهر كتاب الله، وسنة رسوله، هو عدم معرفة ~~مدعيها. # ولأجل هذه البلية العظمى، والطامة الكبرى، زعم كثير من النظار الذين ~~عندهم فهم، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، غير لائقة بالله، لأن ~~ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري ~~في ms3393 إضاءته في قوله: # والنص إن أوهم غير اللائق # بالله كالتشبيه بالخلائق # فاصرفه عن ظاهره إجماعا # واقطع عن الممتنع الأطماعا # وهذه الدعوى الباطلة، من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى، وأحاديث ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها، ~~لكل مسلم راجع عقله، هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه. # ولا بد أن نتساءل هنا فنقول: # أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق، في الذات والصفات ~~والأفعال؟ # والجواب الذي لا جواب غيره: بلى. # وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته ~~تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟ # والجواب الذي لا جواب غيره: لا. # فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظا أنزله الله في كتابه، مثلا دالا على صفة ~~من صفات الله اثنى بها تعالى على نفسه، يكون ظاهره المتبادر منه، مشابهته ~~لصفة الخلق؟ # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16]. # فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف وصفاتهما متخالفة كل التخالف. # فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول ~~صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق ~~والمخلوق؟ # فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقا بالخالق ~~منزها عن مشابهة صفات المخلوق. # وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق. # فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ~~ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]. # والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75] أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا ثابتة له على الوجه ~~اللائق بكماله وجلاله. # وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين ~~أنها من صفات التأثير كالقدرة، قال تعالى في تعظيم شأنها # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم ms3394 القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون # [الزمر: 67]. # وبين أنها صفة تأثير كالقدرة، في قوله تعالى: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]، فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي ~~صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى. # ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة ألبتة، لإجماع أهل الحق والباطل، كلهم ~~على أنه لا يجوز تثنية القدرة. # ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله، دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ~~ودم في معنى هذا اللفظ، الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق ~~السماوات والأرض. # فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها، لا ~~يليق بالله، لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان، وأنها يجب صرفها، عن هذا ~~الظاهر الخبيث، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها، إن ~~قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى، وعلى كتابه العظيم، وإنك بسببه ~~كنت أعظم المشبهين والمجسمين، وقد جرك شؤم هذا التشبيه، إلى ورطة ~~التعطيل، فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق ~~به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا ~~إجماع، ولا قول أحد من السلف. # وماذا عليك لو صدقت الله وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله ~~وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل؟ # وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ # هل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عن أحد؟ حتى يفهم صفة المخلوق من ~~اللفظ الدال على صفة الخالق؟ # فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في ~~كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. # واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف ~~اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: ~~هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، ms3395 وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من ~~رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك. # فاليد مثلا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه ~~بالجارحة، وأنا أنفيها عنك نفيا باتا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو ~~النعمة أو القدرة مثلا أو الجود. # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16]. # فاتقوا الله يأولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات ~~الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور # [الطلاق: 10-11]. # ومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات الله المؤولين لها بمعان لم ترد عن ~~الله ولا عن رسوله يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض. # فيقرون بأن الصفات السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة لله مع التنزيه، ~~ونعني بها القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، لأنها ~~يشتق منها قادر حي عليم إلخ. وكذلك في بعض الصفات الجامعة كالعظمة ~~والكبرياء والملك والجلال مثلا، لأنها يشتق منها العظيم المتكبر والجليل ~~والملك، وهكذا ويجحدون كل صفة ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لم يشتق منها غيرها كصفة اليد والوجه ونحو ذلك، ولا شك أن هذا ~~التفريق بين صفات الله التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لا وجه له ألبتة بوجه من الوجوه. # ولم يرد عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم الإذن في الإيمان ببعض ~~صفاته وجحد بعضها، وتأويله لأنها لا يشتق منها. # وهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغا لجحد ما وصف الله به نفسه؟ # ولا شك عند كل مسلم راجع عقله، أن عدم الاشتقاق لا يرد به كلام الله، ~~فيما أثنى به على نفسه، ولا كلام رسوله فيما وصف به ربه. # والسبب الموجب للإيمان إيجابا حتما كليا هو كونه من عند الله، وهذا ~~السبب هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإيمان بكل ما جاء عن ~~الله سواء استأثر الله بعلمه كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في ~~العلم كما قال الله ms3396 عنهم: # والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا # [آل عمران: 7]. # فلا شك أن قوله تعالى: # لما خلقت بيدي # [ص: 75] من عند ربنا. وقوله تعالى: # والله على كل شيء قدير # [البقرة: 284] من عند ربنا أيضا، فيجب علينا الإيمان بالجميع، لأنه كله ~~من عند ربنا. # أما الذي يفرق بينه، وهو عالم بأن كله من عند ربه، بأن هذا يشتق منه، ~~وهذا لا يشتق منه فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض. # والمقصود أن كلما جاء من عند الله، يجب الإيمان به سواء كان من ~~المتشابه، أو من غير المشتابه، وسواء كان يشتق منه أو لا. # ومعلوم أن مالكا رحمه الله سئل كيف استوى، فقل الاستواء غير مجهول ~~والكيف غير معقول، والإيمان به واجب. # وما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإرادة مثلا ونحوهما ليست كاليد، ~~والوجه، بدعوى أن القدرة والإرادة مثلا ظهرت آثارهما في العالم العلوي ~~والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها فهو من أعظم الباطل. # ومما يوضح ذلك أن الذي يقوله هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد اليت خلق ~~الله بها نبيه آدم. # ونحن نرجو أن يغفر الله للذين ماتوا على هذا الاعتقاد، لأنهم لا يقصدون ~~تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه. # فقصدهم حسن ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة. # وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها ~~نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق ~~قصدا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم فهم ~~كما قال الشافعي رحمه الله: # رام نفعا فضر من غير قصد # ومن البر ما يكون عقوقا # ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: # وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما # [الأحزاب: 5]. # وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه ~~أولا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة ms3397 صفة المخلوق، ~~لسلموا مما وقعوا فيه. # ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم، عالم كل العلم، بأن الظاهر ~~المتبادر، مما مدح الله به نفسه، في آيات الصفات هو التنزيه التام عن ~~صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه لا يليق، لأنه تشبيه بصفات الخلق، ~~لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر ~~والتشبيه. # فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه ~~المؤولون لا أساس له كما ترى. # فإن قيل: إن هذا القرآن العظيم، نزل بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف في ~~لغتها، كيفية لليد مثلا، إلا كيفية المعاني المعروفة عندها كالجارحة، ~~وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة ~~لما ذكرتم. # فالجواب من وجهين: # الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة ~~صفة الله لصفة الخلق. # والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية ~~للسمع والبصر، غلا هذه المشاهدة، في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم ~~بأذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة. # فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته ~~العرب من لغتها من جميع ذلك، هو المشاهد في المخلوقات. # وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حدا ~~لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما ~~قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ~~والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. # كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي ~~والمحيا، والمميت والممات. فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة، ~~التامة، بين صفات الخالق والمخلوق. # الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم، ~~من كونها صفة كمال، وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق. # هل ms3398 عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن تقول: لا. فإن ~~قال ذلك. # قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات. # فالذات والصفات من باب واحد. # فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات. # ومعلوم أن الصفات، تختلف وتتباين، باختلاف موصوفاتها. # ألا ترى مثلا أن لفظة رأس كلمة واحدة؟ # إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي، ~~وإلى المال فقلت رأس المال، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل. # فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تباينا، شديدا بحسب اختلاف ~~إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة فما بالك بما أضيف من الصفات إلى الله ~~وما أضيف منها إلى خلقه، فإنه يتباين كتباين الخلق والمخلوق، كما لا ~~يخفى. # فاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقري في إضاءته: # والنص إن أوهم غير اللائق # شرط مفقود قطعا، لأن نصوص الوحي الواردة في صفات الله، لا تدل ظواهرها ~~ألبتة، إلا على تنزيه الله، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال. # فكل المسلمين، الذين يراجعون عقولهم، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر ~~المتبادر السابق إلى ذهن المسلم، هو مخالفة الله لخلقه، كما نص عليه ~~بقوله # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] وقوله # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] ونحو ذلك من الآيات، وبذلك تعلم أن الإجماع الذي بناه على ~~ذلك في قوله: # فاصرفه عن ظاهره إجماعا # إجماعا مفقود أصلا، ولا وجود له ألبتة، لأنه مبني على شرط مفقود لا ~~وجود له ألبتة. # فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولم ~~يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم ولم يقله أحد من الأئمة ~~الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين. # وإنما لم يقولوا بذلك لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على ~~تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي ~~لصفرها عنه كما ترى. # ولأجل هذا كله قلنا فى مقدمة هذا الكتاب المبارك، إن الله تبارك ms3399 وتعالى ~~موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازا، لأنا نعتقد اعتقادا جازما لا يتطرق ~~إليه شك، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، لا تدل ألبتة إلى على التنزيه ~~عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال. # وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازا لا ينكره مسلم. # ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة، ونفي المجاز، كثرة الجاهلين ~~الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها مجازات. # وجعلوا ذلك طريقا إلى نفيها، لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز ~~نفيها. # فقالوا مثلا: اليد مجاز يردا به القدرة والنعمة أو الجود، فنفوا صفة ~~اليد، لأنها مجاز. # وقالوا على العرش استوى: مجاز فنفوا الاستواء، لأنه مجاز. # وقالوا: معنى استوى: استولى، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على ~~العراق. # ولو تدبروا كتاب الله، لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل ~~اليد بالقدرة، أو النعمة، لأن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة ~~البقرة # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون # [البقرة: 59]. ويقول في الأعراف # فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل ~~لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما ~~كانوا يظلمون # [الأعراف: 162] فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله حطة، وهي فعلة من ~~الحط بمعنى الوضع خبر مبتدأ محذوف أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا أي ~~حط ووضع لها عنا فهي بمعنى طلب المغفرة، وفي بعض روايات الحديث في شأنهم ~~أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونا فقط فقالوا حنطة وهي القمح. # وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى. # فزادوا لاما فقالوا استولى. # وهذه اللام التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله ~~تعالى # وقولوا حطة # [البقرة: 58، والأعراف: 161]. ويقول الله جل وعلا في منع تبديل القرآن ~~بغيره: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. # ولا شك أن من بدل استوى باستولى مثلا لم يتبع ms3400 ما أوحى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # فعليه أن يجتنب التبديل ويخاف العذاب العظيم، الذي خافه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لو عصا الله فبدل قرآنا بغيره المذكور في قوله # إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. # واليهود لم ينكروا أن اللفظ الذي قاله الله لهم: هو لفظ حطة ولكنهم ~~حرفوه بالزيادة المذكورة. # وأهل هذه المقالة، لم ينكروا أن كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرفوها ~~وقالوا في معناها استولى وإنما أبدلوها بها، لأنها أصلح في زعمهم من لفظ ~~كلمة القرآن، لأن كلمة القرآن توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي ~~المنزهة اللائقة بالله مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله ~~على عرشه المزعوم، باستيلاء بشر على العراق. # وهل كان أحد يغاب بالله على عرشه حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟ # وهل يوجد شيء إلا والله مستول عليه، فالله مستول على كل شيء. # وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استوى على كل شيء غير العرش؟ # فافهم. # وعلى كل حال، فإن المؤول، زعم أن الاستواء يوهم غير اللائق بالله ~~لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، وجاء بدله بالاستيلاء، لأنه هو اللائق به ~~في زعمه، ولم ينتبه. # لأن تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو ~~أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا، إلا أنه يقول: إن الاستيلاء ~~المزعوم منزه، عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء ~~بشر على العراق والله يقول # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون # [النحل: 74]. # ونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل، نحن نسألك إذا علمت أنه لا بد من ~~تنزيه أحد اللفظين أعني لفظ # استوى # [البقرة: 29 والأعراف: 54] الذي أنزل الله به الملك على النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرآنا يتلى، كل حرف منه عشر حسنات ومن أنكر أنه من كتاب الله ~~كفر. # ولفظة استولى التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من ~~كتاب الله ولا سنة رسوله ms3401 ولا قول أحد من السلف. # فأي الكلمتين أحق بالتنزيه في رأيك. الأحق بالتنزيه كلمة القرآن، ~~المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها، من تلقاء أنفسكم، ~~من غير مستند أصلا؟ # ونحن لا يخفى علينا الجواب الصحيح، عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه. # واعلم أنما ذكرنا من أن ما وصف الله به نفسه من صفات، فهو موصوف به ~~حقيقة لا مجازا، على الوجه اللائق بكماله وجلاله. # وأنه لا فرق ألبتة بين صفة يشتق منها وصف، كالسمع والبصر والحياة. # وبين صفة لا يشتق منها كالوجه واليد. # وأن تأويل الصفات كتأويل الاستواء بالاستيلاء لا يجوز ولا يصح. # هو معتقد أبي الحسن الأشعري رحمه الله. # وهو معتقد عامة السلف، وهو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # فمن ادعى على أبي الحسن الأشعري، أن يؤول صفة من الصفات، كالوجه اليد ~~والاستواء، ونحو ذلك فقد افترى عليه افتراء عظيما. # بل الأشعري رحمه الله مصرح في كتبه العظيمة التي صنفها بعد رجوعه عن ~~الاعتزال، [كالموجز]، [ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين]، [والإبانة ~~عن أصول الديانة] أن معتقده الذي يدين الله به هو ما كان عليه السلف ~~الصالح من الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وإثبات ذلك كله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. # وأن ذلك لا يصح تأويله ولا القول بالمجاز فيه. # وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم. # وهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم، قبل أن ~~يهديه الله إلى الحق، وسنذكر لك هنا بعض نصوص أبي الحسن الأشعري رحمه ~~الله لتعلم صحة ما ذكرنا عنه. # قال رحمه الله [في كتاب الإبانة عن أصول الديانة]، الذي قال غير واحد ~~أنه آخر كتاب صنفه، ما نصه: # فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها ~~تدينون قيل له: # قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين ms3402 بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل ~~وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة ~~الحديث. # ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ~~نصر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون. # لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان به الحق ورفع به الضلال ~~وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين وشك الشاكين. ~~فرحمة الله عليه من إمام مقدم وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين. # وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسوله وما جاء من عند الله، ~~وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا. # وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ~~ولدا وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، ~~وأن النار حق، والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. # وأن الله استوى على عرشه كما قال # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] وأن له وجها كما قال: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27]. وأن له يدين بلا كيف كما قال # خلقت بيدي # [ص: 75] وكما قال # بل يداه مبسوطتان # [المائدة: 64] وأن له عينان بلا كيف كما قال: # تجري بأعيننا # [القمر: 14] اه. محل الغرض منه بلفظه. # وبه تعلم أن من يفتري على الأشعري أنه من المؤولين المدعين أن ظاهر آيات ~~الصفات وأحاديثها لا يليق بالله كاذب عليه كذبا شنيعا. # وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة أيضا في إثبات الاستواء ~~لله تعالى ما نصه: # إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ # قيل له نقول: إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]. وقد قال الله عز وجل: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10] وقد قال: # بل رفعه الله إليه # [النساء: 158]. قال عز وجل # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه # [السجدة: ms3403 5]. وقال حكاية عن فرعون: # يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا # [غافر: 36-37]. # فكذب فرعون نبي الله موسى عليه السلام في قوله: (إن الله عز وجل فوق ~~السماوات). وقال عز وجل: # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض # [الملك: 16]. # فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات: قال { أأمنتم ~~من في السمآء } لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما ~~علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات. هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه ~~الله في كتاب الإبانة المذكور. # وقد أطال رحمه الله فى الكلام بذكر الأدلة القرآنية، في إثبات صفة ~~الاستواء، وصفة العلو لله جل وعلا. # ومن جملة كلامه المشار إليه ما نصه: # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله عز وجل # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان. وجحدوا أن ~~يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى ~~القدرة. # ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر ~~عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم. # فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على ~~الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش ~~والأفراد، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها. # وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: # إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على ~~العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها. # ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها. # وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله عز وجل في كل مكان فلزمهم ~~أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية. # وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم. اه. # هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه الله في آخر مصنفاته. # وهو كتاب الإبانة عن أصول ms3404 الديانة. # وتراه صرح رحمه الله بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة ~~والجهمية والحرورية لا قول أحد من أهل السنة وأقام البراهين الواضحة على ~~بطلان ذلك. # فليعلم مؤولو الاستواء بالاستيلاء أن سلفه في ذلك المعتزلة والجهمية ~~والحرورية، لا أبو الحسن الأشعري رحمه الله ولا أحد من السلف. # وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم # [الأنعام: 3] الآية. أن قول الجهمية ومن تبعهم: إن الله في كل مكان قول ~~باطل. # لأن جميع الأمكنة الموجودة، أحقر وأقل وأصغر، من أن يسع شيء منها خالق ~~السماوات والأرض، الذي هو أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، ولا ~~يحيط به شيء. # فانظر إيضاح ذلك في الأنعام. # واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة، من أن ما في القرآن العظيم، من صفة ~~الاستواء والعلو والفوقية، يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه ~~يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني ~~كله باطل. # وسببه سوء الظن بالله وبكتابه، وعلى كل حال فمدعي لزوم الجهة لظواهر ~~نصوص القرآن العظيم. # واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل يقال له: # ما مرادك بالجهة؟ # إن كنت تريد بالجهة مكانا موجودا، انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر ~~القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين. # وإن كنت تريد بالجهة العدم المحض. # فالعدم عبارة عن لا شيء. # فميز أولا، بين الشيء الموجود وبين لا شيء. # وقد قال أيضا أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة أيضا ما ~~نصه: # فإن سئلنا أتقولون إن لله يدين؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله عز وجل: # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10]. وقوله عز وجل: # لما خلقت بيدي # [ص: 75]. # وأطال رحمه الله، الكلام في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة ~~اليدين لله. # ومن جملة ما قال ما نصه: # ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله عز وجل عنى بقوله: { يدي } يدين ~~ليستا نعمتين. # فإن قالوا: لأن اليد إذا لم ms3405 تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. # قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ # فإن رجوعنا إلى شاهدنا، وإلى ما نجده فيما بيننا من الخلق؟ # فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة. # قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله عز وجل فكذلك لم نجد ~~حيا من الخلق، إلا جسما لحما ودما، فاقضوا بذلك على الله عز وجل. # وإلا فأنتم لقولكم متأولون ولاعتلالكم ناقضون. # وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا. # فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله عز وجل عنهما، يدين ليستا ~~نعمتين لا جارحتين ولا كالأيدي؟ # وكذلك يقال لهم: # لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما، ~~ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم. # فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، من أجل أن ذلك خلاف ~~الشاهد اه. محل الغرض منه بلفظه. # وبه تعلم أن الأشعري رحمه الله، يعتقد أن الصفات التي أنكرها المؤولون ~~كصفة اليد، من جملة صفات المعاني كالحياة ونحوها، وأنه لا فرق ألبتة بين ~~صفة اليد وصفة الحياة فما اتصف الله به من جميع ذلك فهو منزه عن مشابهة ~~ما اتصف به الخلق منه. # واللازم لمن شبه في بعض الصفات ونزه في بعضها أن يشبه في جميعها أو ينزه ~~في جميعها، كما قاله الأشعري. # أما ادعاء ظهور التشبيه في بعضها دون بعض، فلا وجه له بحال من الأحوال، ~~لأن الموصوف بها واحد، وهو منزه عن مشابهة صفات خلقه. # ومن جملة كلام أبي الحسن الأشعري رحمه الله المشار إليه آنفا في إثبات ~~الصفات ما نصه: # فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون قوله: # مما عملت أيدينآ # [يس: 71] وقوله # لما خلقت بيدي # [ص: 75] على المجاز؟ # قيل له: حكم كلام الله عز وجل أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء ~~عن ظاهره إلى المجاز إلا لحجة. # ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم فإذا ورد بلفظ العموم، والمراد ms3406 ~~به الخصوص، فليس لهو على حقيقة الظاهر؟ # وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة؟ # كذلك قول الله عز وجل # لما خلقت بيدي # [ص: 75] على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ~~ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة. # ولو جاز ذلك لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم، فهو على الخصوص، وما ~~ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة. # وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما ادعيتموه، أنه مجاز ~~بغير حجة. # بل واجب أن يكون قوله { لما خلقت بيدى } إثبات يدين لله ~~تعالى في الحقيقة غير نعمتين غذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان ~~أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين. اه محل الغرض منه بلفظه. # وفيه تصريح أبي الحسن الأشعري رحمه الله، بأن صفات الله كصفة اليد ثابتة ~~له حقيقة لا مجازا، وأن المدعين أنها مجاز هم خصومه وهو خصمهم كما ترى. # وإنما قال رحمه الله: إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازا، لأنه لا يشك ~~فى أن ظاهر صفة الله هو مخالفة صفة الخلق، وتنزيهها عن مشابهتها كما هو ~~شأن السلف الصالح كلهم. # فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب ~~من أقذار التشبيه، لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة ~~اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق. # فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل ~~له. # تنبيه مهم # فإن قيل دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله وصف نفسه بصفة ~~اليدين كقوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]. وقوله تعالى: # بل يداه مبسوطتان # [المائدة: 64] وقوله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه # [الزمر: 67] الآية. # والأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة، كما هو ~~معلوم، وأجمع المسلمون على أنه جل ms3407 وعلا، لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي مع ~~أنه تعالى قال # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون # [يس: 71] فلم أجمع المسلمون على تقديم آية لما خلقت بيدي على آية مما ~~عملت أيدينا؟ # فالجواب: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ ~~الجموع تأتي لمعنيين أحدهما إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع ~~تعدد أصلا، لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم، إنما يراد بها واحد. # والثاني أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف، وإذا علمت ذلك، فاعلم ~~أن القرآن العظيم. يكثر فيه جدا إطلاق الله جل وعلا، على نفسه صيغة ~~الجمع، يريد بذلك تعظيم نفسه، ولا يريد بذلك تعددا ولا أن معه غيره، ~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيران كقوله تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # فصيغة الجمع في قوله { إنا } وفي قوله: { نحن } وفي قوله: { ~~نزلنا } وقوله: { لحافظون } لا يراد بها أن معه منزلا للذكر، ~~وحافظا له غيره تعالى. # بل هو وحده المنزل له والحافظ له، وكذلك قوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59] وقوله # أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون # [الواقعة: 69]. وقوله: # أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 72]، ونحو هذا كثير في القرآن جدا، وبه تعلم أن صيغة الجمع ~~في قوله { إنا }. وفي قوله { خلقنا } وفي قوله: # عملت أيدينآ # [يس: 71] إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلا. # وإذا كان يراد بها التعظيم، لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة ~~قوله: { لما خلقت بيدي } ، لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع ~~في قوله: { أيدينآ } لمجرد التعظيم. # وما كان كذلك لا يدل على التعدد فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن ~~المراد بالتعظيم واحد حكم بذلك، كالآيات المتقدمة. # وإن دل على معنى آخر حكم به. # فقوله مثلا: { وإنا له لحافظون } قام فيه البرهان القطعي أنه ~~حافظ واحد، وكذلك قوله: { أم نحن الخالقون } ، { أم نحن ~~المنزلون } ، { أم ms3408 نحن المنشئون } فإنه قد قام في كل ذلك ~~البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشىء واحد. # وأما قوله { مما عملت أيدينآ } فقد دل البرهان القطعي، على ~~أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله: # لما خلقت بيدي # [ص: 75] كما تقدم إيضاحه قريبا. # وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: # لحافظون # [الحجر: 9]. وقوله: # أم نحن الخالقون # [الواقعة: 59] وقوله: # أم نحن المنزلون # [الواقعة: 69] وقوله: # أم نحن المنشئون # [الواقعة: 72] وقوله # خلقنا لهم مما عملت أيدينآ # [يس: 71] لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط. # وقد أجاب أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا ~~في المعنى. # واعلم أن لفظ اليدين، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالا خاصا، بلفظ ~~خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به ~~معنى أمام. # واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة بين ~~خاصة، أعني لفظة بين يديه، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال ~~عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا ~~القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت. # وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه # [سبأ: 31] أي ولا بالذي كان أمامه سابقا عليه من الكتب. # وكقوله: # ومصدقا لما بين يديه من التوراة # [المائدة: 46] أي مصدقا لما كان أمامه متقدما عليه من التوراة. # وكقوله: # فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم # [فصلت: 25]، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم. # وكقوله تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى ~~غير ذلك من الآيات. # ومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ~~ولا جارحتين. ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص. ~~بلفظ خاص مشهور، في كلام العرب فلا صلة له ms3409 باللفظ الدال على الجارحة، ~~بالنسبة إلى الإنسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة ~~لله تعالى فافهم. # وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه: مقالات الإسلاميين واختلاف ~~المصلين، الذي ذكر فيه أقوال جميع أهل الأهواء والبدع والمؤولين والنافين ~~لصفات الله أو بعضها ما نصه: # جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ~~جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ~~يردون من ذلك شيئا. # وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله سبحانه على عرشه كما قال # الرحمان على العرش استوى # [طه: 5] وأن له يدين بلا كيف كما قال: # خلقت بيدي # [ص: 75]. وكما قال: # بل يداه مبسوطتان # [المائدة: 64] إلى أن قال في كلامه هذا، بعد أن سرد مذهب أهل السنة ~~والجماعة. ما نصه: # فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ~~وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، ~~وعيله نتوكل وإليه المصير، هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب ~~المقالات المذكور. # وبه تعلم أنه يؤمن بكل ما جاء عن الله في كتابه وما ثبت عن رسوله صلى ~~الله عليه وسلم لا يرد من ذلك شيئا ولا ينفيه بل يؤمن به ويثبته لله، ~~بقلا كيف ولا تشبيه، كما هو مذهب أهل السنة. وقال أبو الحسن الأشعري ~~أيضا في كتاب المقالات المذكور ما نصه: # وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على ~~العرش كما قال عز وجل: # الرحمان على العرش استوى # [طه: 5] ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول: استوى بل كيف، ثم أطال ~~الكلام رحمه الله، في إثبات الصفات كما قدمنا عنه، ثم قال ما نصه وقالت ~~المعتزلة: إن ms3410 الله استوى على عرشه بمعنى استولى. اه. محل الغرض منه ~~بلفظه. # فتراه صرح في كتاب المقالات المذكور، بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء، هو ~~قول المعتزلة لا قوله هو، ولا قول أحد من أهل السنة. # وزاد في كتاب الإبانة مع المعتزلة الجهمية والحرورية كما قدمنا. # وبكل ما ذكرنا تعلم أن الأشعري رجع عن الاعتزال إلى مذهب السلف في آيات ~~الصفات وأحاديثها. # وقد قدمنا إيضاح الحق في آيات الصفات بالأدلة القرآنية بكثرة في سورة ~~الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54] الآية. # واعلم أن أئمة القائلين بالتأويل، رجعوا قبل موتهم عنه، لأنه مذهب غير ~~مأمون العاقبة، لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، لا ~~تليق بالله لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق. # ثم نفى تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث، لأجل تلك الدعوى ~~الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة، أو ~~قول صحابي أو أحد من السلف. # وكل مذهب هذه حاله، فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب ~~السلف. # وقد أشار تعالى في سورة الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير ~~بالله، وبصفاته عالم بما يليق به وبما لا يليق وذلك في قوله تعالى: # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به ~~خبيرا # [الفرقان: 59]. # فتأمل قوله: { فاسأل به خبيرا } ، بعد قوله: { ثم استوى ~~على العرش الرحمن } ، تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على ~~العرش خبير بالرحمن وبصفاته لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق. # فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن. # وقد قال تعالى: # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14]. # وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه، وأنه غير لائق غير ~~خبير، نعم والله هو غير خبير. # وسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن ~~تأويل الصفات. # أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، ~~وهو القاضي ms3411 محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن ~~بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعا باتا، ويقول فيها بمثل ما ~~قدمنا عن الأشعري. # وسنذكر لك هنا بعض كلامه. # قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد ما نصه: # باب في أن لله وجها ويدين، فإن قال قائل. فما الحجة في أن لله عز وجل ~~وجها ويدين؟ قيل له قوله: # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27]. # وقوله: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]. فأثبت لنفسه وجها ويدين. # فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله { خلقت بيدى } ~~أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، ~~وبمعنى القدرة، كما قال: لي عند فلان يد بيضاء. يراد به نعمة. # وكما يقال: هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان، يراد به أنه تحت قدرته ~~وفي ملكه. # ويقال: رجل أيد إذا كان قادرا. # وكما قال تعالى: # خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما # [يس: 71] يريد عملنا بقدرتنا. وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # فكذلك قوله: { خلقت بيدي } يعني بقدرتي أو نعمتي. # يقال لهم هذا باطل لأن قوله: { بيدي } يقتضي إثبات يدين هما صفة ~~له. # فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان. # وأنتم لا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له ~~قدرتين؟ # وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن ~~يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم. # وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، لأن نعم الله تعالى ~~على آدم وعلى غيره لا تحصى. # ولأن القائل لا يجوز أن يقول: رفعت الشيء بيدي أو وضعته بيدي أو توليته ~~بيدي وهو يعني نعمته. # وكذلك لا يجوز أن يقال: لي عند فلان يدان يعني نعمتين. # وإنما يقال لي عنده يدان بيضاوان، لأن القول: يد، لا يستعمل إلا في اليد ~~التي هي صفة الذات. # ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو ms3412 كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ~~ذلك إبليس، وعن أن يقول وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له، وأنا أيضا ~~بيدك خلقتني التي هي قدرتك وبنعمتك خلقتني؟ # وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه، دليل على فساد ما ~~قالوه. # فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة؟ إذ كنتم لم تعقلوا ~~يد صفة ووجه صفة لا جارحة. # يقال له: لا يجب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا ~~جسما أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك. # وكما لا يجب متى كان قائما بذاته أن يكون جوهرا أو جسما، لأنا وإياكم ~~لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. اه. محل الغرض منه بلفظه. # وهو صريح في أنه يرى أن صفة الوجه وصفة اليد وصفة العلم والحياة والقدرة ~~كلها من صفات المعاني ولا وجه للفرق بينها وجميع صفات الله مخالفة لجميع ~~صفات خلقه. # وقال الباقلاني أيضا في كتاب التمهيد ما نصه: # فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ # قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرض كما أخبر في كتابه، فقال: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] وقال تعالى # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10] وقال: # أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا ~~هي تمور # [الملك: 16]. # ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإنسان، وفمه وفي الحشوش والمواضع ~~التي يرغب عن ذكرها، تعالى عن ذلك، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذ خلق ~~منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان. # ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا ~~وشمائلنا. # وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله، إلى أن قال رحمه ~~الله: ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال ~~الشاعر: # قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم ms3413 يزل قادرا قاهرا ~~عزيزا مقتدرا. # وقوله: # ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54، يونس: 2] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فيبطل ~~ما قالوه. # فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله، لأعرف ذلك. # قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها. # وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء ~~والوجه والعينان واليدان. اه محل الغرض منه بلفظه. # وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني ~~المذكور. # وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني كالحياة والعلم ~~والقدرة والإرادة، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه. # واعلم أن إمام الحرمين، أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من أعظم أئمة ~~القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد. # ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية فإنه قال فيها: # اختلف مسالك العلماء، في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع ~~على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان ~~منها. # فرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وأجراء الظواهر على مواردها، ~~وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه. # والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا، اتباع سلف الأمة، فالأولى ~~الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك، أن إجماع الأمة حجة ~~متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. # وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما ~~فيها وهم صفوة الإسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة. # وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ~~ما يحتاجون إليه منها. # فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم ~~بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. # فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا ~~بأنه الوجه المتبع بحق. # فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزه الرب تعالى عن صفات المحدثات ms3414 ولا يخوض في ~~تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب. # ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]، فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. # فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله: # لما خلقت بيدي # [ص: 75]، # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27]، وقوله # تجرى بأعيننا # [القمر: 14]، وما صح عن الرسول عليه السلام كخبر النزول وغيره على ما ~~ذكرنا، فهذا بيان ما يجب لله تعالى. اه. كلامه بلفظه من الرسالة ~~النظامية المذكورة مع أن رجوع الجويني فيها إلى أن الحق هو مذهب السلف ~~أمر معلوم. # وكذلك أبو حامد الغزالي، كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل ثم رجع ~~عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه هو مذهب السلف. # وقال في كتابه: إلجام العوام عن علم الكلام: # اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف ~~أعني الصحابة والتابعين، ثم قال: إن البرهان الكلي على أن الحق في مذهب ~~السلف وحده ينكشف بتسليم أربعة أصول مسلمة عند كل عاقل. # ثم بين أن الأول من تلك الأصول المذكورة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد في دينهم ودنياهم. # الأصل الثاني: أنه بلغ كلما أوحى إليه من صلاح العباد في معادهم ~~ومعاشهم، ولم يكتم منه شيئا. # الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام الله وأحراهم بالوقوف على ~~أسراره هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لازموه وحضروا ~~التنزيل وعرفوا التأويل. # والأصل الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ~~ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان التأويل من الدين أو علم الدين ~~لأقبلوا عليه ليلا ونهارا ودعوا إليه أولادهم وأهلهم. # ثم قال الغزالي: وبهذه الأصول الأربعة المسلمة عند كل مسلم نعلم بالقطع ~~أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه. اه. باختصار. # ولا شك أن استدلال الغزالي هذا لأن مذهب السلف هو الحق استدلال لا شك في ~~صحته، ووضوح وجه ms3415 الدليل فيه، وأن التأويل لو كان سائغا أو لازما لبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولقال به أصحابه وتابعوهم كما لا يخفى. # وذكر غير واحد عن الغزالي: أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله ~~وحفظ الأحاديث الصحيحة والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة ~~رسوله. # وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري رحمه الله. # واعلم أيضا أن الفخر الرازي الذي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل رجع ~~عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في ~~صفات الله. # وقد قال في ذلك في كتابه: أقسام اللذات. # لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ~~ولا تشفي عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]، # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10]، وفي النفي: # ليس كمثله شىء # [الشورى: 11]، # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. اه. # وقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها: # نهاية إقدام العقول عقال # وغاية سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا # وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أن جمعنا فيه قيل وقال # إلى آخر الأبيات. # وكذلك غالب أكابر الذين كانوا يخوضون في الفلسفة والكلام، فإنه ينتهي ~~بهم أمرهم إلى الحيرة وعدم الثقة بما كانوا يقررون. # وقد ذكر عن الحفيد ابن رشد وهو من أعلم الناس بالفلسفة أنه قال: # ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟ # وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة ~~والندم، وقد قال في ذلك: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها # وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر # على ذقن أو قارعا سن نادم # وأمثال هذا كثيرة. # فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها ~~خبيث لا يليق بالله لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها ~~وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ms3416 ولم يقلها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين. # فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف؟ # إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء ~~منكم ومن دعواكم. # وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين ~~بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في الإباحة ~~والمقالات. # وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، ~~وأن الحق هو اتباع مذهب السلف كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي ~~المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ~~ممن ذكرنا. # فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وألا تجادلوا في آيات الله بغير سلطان ~~أتاكم، والله جل وعلا يقول في كتابه: # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير # [غافر: 56]. # ويقول تعالى: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل ~~الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير # [لقمان: 20-21]. # المسألة الثانية في الكلام على الاجتهاد # اعلم أولا أنا قدمنا بطلان قول الظاهرية بمنع الاجتهاد مطلقا، وأن من ~~الاجتهاد ما هو صحيح موافق للشرع الكريم، وبسطنا أدلة ذلك بإيضاح في سورة ~~الأنبياء في الكلام على قوله تعالى # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78] الآية. # وبينا طرفا منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. # وغرضنا في هذه المسألة هو أن نبين أن تدبر القرآن وانتفاع متدبره بالعمل ~~بما علم منه الذي دل عليه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة التي نحن ~~بصددها التي هي قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالهآ } ، لا يتوقف على تحصيل ms3417 الاجتهاد المطلق ~~بشروطه المعروفة عند متأخري الأصوليين. # اعلم أولا: أن المتأخرين من أهل الأصول الذين يقولون بمنع العمل ~~بالكتاب والسنة مطلقا إلا للمجتهدين، يقولون: # إن شروط الاجتهاد هي كون المجتهد بالغا، عاقلا شديد الفهم. # طبعا عارفا بالدليل العقلي، الذي هو استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد ~~نقل صارف عنه. # عارفا باللغة العربية، وبالنحو من صرف وبلاغة مع معرفة الحقائق الشرعية ~~والعرفية. # وبعضهم يزيد المحتاج إليه من فن المنطق كشرائط الحدود، والرسوم، وشرائط ~~البرهان. # عارفا بالأصول، عارفا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنة. # ولا يشترط عندهم حفظ النصوص، بل يكفي عندهم علمه بمداركها في المصحف ~~وكتب الحديث: # عارفا بمواقع الإجماع والخلاف. # عارفا بشروط المتواتر، والآحاد والصحيح والضعيف. # عارفا بالناسخ والمنسوخ. # عارفا بأسباب النزول. # عارفا بأحوال الصحابة وأحوال رواة الحديث، اختلفوا في شرط عدم إنكاره ~~للقياس. اه. # ولا يخفى أن مستندهم في اشتراطهم لهذه الشروط ليس نصا من كتاب ولا سنة ~~يصرح بأن هذه الشروط كلها لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة، ولا إجماعا ~~دالا على ذلك. # وإنما مستندهم في ذلك هو تحقيق المناط في ظنهم. # وإيضاح ذلك هو أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع ~~المسلمين كلها دال على ان العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما. # ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العلم بحكمه ألبتة. # وهذا مما لا يكاد ينازع فيه أحد. # ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط. # لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به أرادوا أن يحققوا هذا ~~المناط، أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل. # فاشترطوا جميع الشروط المذكورة، ظنا منهم أنه لا يمكن تحقيق حصول العلم ~~بالوحي دونها. # وهذا الظن فيه نظر. # لأن كل إنسان له فهم إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة فلا يمتنع عليه، ~~ولا يستحيل أن يتعلم معناه ويبحث عنه هل هو ms3418 منسوخ أو مخصص أو مقيد حتى ~~يعلم ذلك فيعمل به. # وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلا. وإخبارهم ~~بذلك ليس من نوع التقليد، بل هو من نوع الاتباع. # وسنبين إن شاء الله الفرق بين التقليد والاتباع في مسألة التقليد ~~الآتية. # والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى واردة بإلزام جميع المكلفين ~~بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # وليس في شيء منها التخصيص بمن حصل شروط الاجتهاد المذكورة. # وسنذكر طرفا منها لنبين أنه لا يجوز تخصيصها بتحصيل الشروط المذكورة. # قال الله تعالى: # اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا ~~من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون # [الأعراف: 3]، والمراد بما أنزل إليكم هو القرآن والسنة المبينة له لا ~~آراء الرجال. # وقال تعالى: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # [النساء: 61]. # فدلت هذه الآية الكريمة أن من دعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصد عن ذلك، ~~أنه من جملة المنافقين، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. # وقال تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر # [النساء: 59] الآية، والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتابه والرد ~~إلى الرسول بعد وفاته صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى سنته. # وتعليقه الإيمان في قوله: # إن كنتم تؤمنون بالله # [النور: 2] على رد التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يفهم منه أن من ~~يرد التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله. # وقال تعالى: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من ~~قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون # [الزمر: 55]. # ولا شك أن القرآن أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والسنة مبينة له، وقد هدد ~~من لم يتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا بقوله: # من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون # [الزمر: 55]. # وقال تعالى: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو ~~الألباب # [الزمر: 18]، ولا شك ms3419 أن كتاب الله وسنة رسوله أحسن من آراء الرجال. # وقال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب # [الحشر: 7]. # وقوله: { شديد العقاب } فيه تهديد شديد لمن لم يعمل بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما إن كان يظن أن أقوال الرجال تكفي ~~عنها. # وقال تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر # [الأحزاب: 21]، والأسوة: الاقتداء. # فيلزم المسلم أن يجعل قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك باتباع ~~سنته. # وقال تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]، وقد أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى ~~يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما اختلفوا فيه. # وقال تعالى: # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [القصص: 50]. # والاستجابة له صلى الله عليه وسلم بعد وفاته هي الرجوع إلى سنته صلى ~~الله عليه وسلم، وهي مبينة لكتاب الله. # وقد جاء في القرآن العظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتبع شيئا ~~إلا الوحي. # وأن من أطاعه صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله. # قال تعالى في سورة يونس: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. # وقال تعالى في الأنعام: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي # [الأنعام: 50]. # وقال تعالى في الأحقاف: # قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا ~~إلا نذير مبين # [الأحقاف: 9]. # وقال تعالى في الأنبياء: # قل إنمآ أنذركم بالوحي # [الأنبياء: 45] الآية، فحصر الإنذار في الوحي دون ms3420 غيره. # وقال تعالى: # قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي # [سبأ: 50]، فبين أن الاهتداء إنما هو بالوحي والآيات بمثل هذا كثيرة. # وإذا علمت منها أن طريقه صلى الله عليه وسلم هي اتباع الوحي، فاعلم أن ~~القرآن دل على أن من أطاعه صلى الله عليه وسلم فهو مطيع لله كما قال ~~تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] وقال تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31] الآية. # ولم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالا في الدنيا ولا شقيا في الآخرة إلا ~~لمتبعي الوحي وحده. # قال تعالى في طه # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [طه: 123]، وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي ~~الوحي. # ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. # ولا شك أن انتفاء الضلال والشقاوة والخوف والحزن عن متبعي الوحي، المصرح ~~به في القرآن، لا يتحقق فيمن يقلد عالما ليس بمعصوم، لا يدري أصواب ما ~~قلده فيه أم خطأ، في حال كونه معرضا عن التدبر في كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # ولا سيما إن كان يظن أن آراء العالم الذي قلده، كافية مغنية، عن كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # والآيات القرآنية الدالة على لزوم اتباع الوحي، والعمل به، لا تكاد ~~تحصى، وكذلك الأحاديث النبوية الدالة على لزوم العمل بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تكاد تحصى، لأن طاعة الرسول طاعة الله. # وقد قال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب # [الحشر: 7]. # وقال تعالى: # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون # [آل عمران: 132]. # وقال تعالى: # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله ~~لا يحب الكافرين # [آل عمران: 32]. # وقال: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم ms3421 الله عليهم # [النساء: 69] الآية. # وقال تعالى: # ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما # [الأحزاب: 71]. # وقال تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # [النساء: 80]. # وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر # [النساء: 59] الآية. # وقال تعالى: # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين # [النساء: 13-14]. # وقال تعالى: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن ~~توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ ~~المبين # [المائدة: 92]. # وقال تعالى: # وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين # [الأنفال: 1]. # وقال تعالى # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين # [النور: 54]. # وقال: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ~~لعلكم ترحمون # [النور: 56]. # وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33]. # وقال تعالى: # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ~~ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفآئزون # [النور: 51-52]. # وقال تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]الآية. # وقال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله # [التوبة: 71] الآية. # ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه ~~الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # فنصوص القرآن والسنة كلها دالة على لزوم تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه ~~والعمل به. # فتخصيص تلك النصوص كلها، بدعوى أن تدبر الوحي وتفهمه والعمل به: لا يصح ~~شيء منه إلا لخصوص المجتهدين، الجامعين لشروط الاجتهاد ms3422 المعروفة عند ~~متأخري الأصوليين، يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. # ولا دليل على ذلك ألبتة. # بل أدلة الكتاب والسنة، دالة على وجوب تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل ~~بكل ما علم منه، علما صحيحا قليلا كان أو كثيرا. # وهذه المسألة الثانية يتداخل بعض الكلام فيها، مع بعض الكلام، في ~~المسألة الأولى. فهما شبه المسألة الواحدة. # المسألة الثالثة في التقليد في بيان معناه لغة واصطلاحا وأقسامة وبيان ~~ما يصح منها وما لا يصح # اعلم أن التقليد في اللغة، هو جعل القلادة في العنق. # وتقليد الولاة هو جعل الولايات قلائد في أعناقهم. # ومنه قول لقيط الأيادي: # وقلدوا أمركم لله دركم # رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا # وأما التقليد في اصطلاح الفقهاء: فهو الأخذ بمذهب الغير من غير معرفة ~~دليله. # ولا يصح الاجتهاد ألبتة في شيء يخالف نصا من كتابه أو سنة ثابتة، ~~سالما من المعارض. # لأن الكتاب والسنة حجة على كل أحد كائنا من كان، لا تسوغ مخالفتهما ~~ألبتة لأحد كائنا من كان فيجب التفطن، لأن المذهب الذي فيه التقليد يختص ~~بالأمور الاجتهادية ولا يتناول ما جاء فيه نص صحيح من الوحي سالم من ~~المعارض. # قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: مختصرا على مذهب الإمام ~~مالك بن أنس ما نصه: # [والمذهب لغة الطريق ومكان الذهاب، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ~~ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية] اه. محل الغرض منه ~~بلفظه. # فقوله: من الأحكام الاجتهادية تدل على أن اسم المذهب لم يتناول مواقع ~~النصوص الشرعية السالمة من المعارض. # وذلك أمر لا خلاف فيه لإجماع العلماء على أن المجتهد المطلق إذا أقام ~~باجتهاده دليلا، مخالفا لنص من كتاب أو سنة أو إجماع، أن دليله ذلك ~~باطل بلا خلاف. # وأنه يرد بالقادح المسمى في الأصول بفساد الاعتبار. # وفساد الاعتبار الذي هو مخالفة الدليل لنص أو إجماع من القوادح التي لا ~~نزاع في إبطال الدليل بها. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في ~~القوادح: # والخلف للنص أو إجماع دعا # فسادا ms3423 لاعتبار كل من وعى # وبما ذكرنا تعلم أنه لا اجتهاد أصلا ولا تقليد أصلا في شيء يخالف نصا ~~من كتاب أو سنة أو إجماع. # وإذا عرفت ذلك فاعلم أن بعض الناس من المتأخرين أجاز التقليد، ولو كان ~~فيه مخالفة نصوص الوحي، كما ذكرنا عن الصاوي وأضرابه. # وعليه أكثر المقلدين للمذاهب في هذا الزمان وأزمان قبله. # وبعض العلماء منع التقليد مطلقا، وممن ذهب إلى ذلك ابن خويز منداد من ~~المالكية، والشوكاني في القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. # والتحقيق: أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز. # ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون ~~الثلاثة المفضلة. # وسنذكر كل الأقسام هنا إن شاء الله مع بيان الأدلة. # أما التقليد الجائز الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد ~~العامي عالما أهلا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان ~~شائعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيه. # فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ~~حكم النازلة تنزل به فيفتيه فيعمل بفتياه. # وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولا بل يسأل ~~عنها من شاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعمل بفتياه. # قال صاحب نشر البنود في شرحه لقوله في مراقي السعود: # رجوعه لغيره في آخر # يجوز للإجماع عند الأكثر # ما نصه: يعني أن العامي يجوز له عند الأكثر، الرجوع إلى قول غير المجتهد ~~الذي استفتاه أولا في حكم آخر لإجماع الصحابة رضي الله عنهم، على أنه ~~يسوغ للعامي السؤال لكل عالم، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها. # فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى غلى بعد سؤاله، فكذلك في ~~المسألة الأخرى. قاله الخطاب شارح مختصر خليل. # قال القرافي: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من ~~العلماء من غير حجر. # وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر ms3424 وقلدهما فله أن يستفتي أبا ~~هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم بغير نكير. # فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل. اه. محل الغرض منه. # وما ذكره من انعقاد الإجماعين صحيح كما لا يخفى، فالأقوال المخالفة لهما ~~من متأخري الأصوليين كلها مخالفة للإجماع. # وبعض العلماء يقول: إن تقليد العامي المذكور للعالم وعمله بفتياه من ~~الاتباع لا من التقليد. # والصواب: أن ذلك تقليد مشروع مجمع على مشروعيته. # وأما ما ليس من التقليد بلا خلاف؟ فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم ~~باجتهاده، مجتهدا آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد ~~إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه. # وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون، الصحابة وغيرهم من القرون ~~المشهود لهم بالخير، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره، من جميع العلماء. # فإن هذا النوع من التقليد، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة، ولم يقل به ~~أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من القرون الثلاثة ~~المشهود لهم بالخير. # وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله، فلم يقل أحد منهم بالجمود ~~على قول رجل واحد معين دون غيره، من جميع علماء المسلمين. # فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع، ومن يدعي خلاف ذلك، فليعين ~~لنا رجلا واحدا من القرون الثلاثة الأول، التزم مذهب رجل واحد معين ولن ~~يستطيع ذلك أبدا، لأنه لم يقع ألبتة. # وسنذكر هنا إن شاء الله جملا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من ~~التقليد وحجج القائلين به، ومناقشتها. وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر ~~لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله. # قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، في كتابه جامع بيان العلم ~~وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ما نصه: # باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع. # قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ms3425 من دون ~~الله # [التوبة: 31]. # وروي عن حذيفة وغيره قالوا: " لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم ~~وحرموا عليهم فاتبعوهم ". # وقال عدي بن حاتم: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي الصليب فقال لي: " يا ~~عدي: ألق هذا الوثن من عنقك " ، فانتهين إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى ~~أتى على هذه الآية: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله } قال قلت يا رسول الله: إنا لم نتخذهم ~~أربابا. قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما ~~أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت بلى فقال: تلك عبادتهم " # حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري في ~~قوله عز وجل: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله } أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما ~~أطاعوهم ولكنهم أمروهم، فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، ~~فكانت تلك الربوبية. # قال وحدثنا ابن وضاح، ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري قال: قيل ~~لحذيفة في قوله # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] أكانوا يعبدونهم؟ فقال لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام ~~فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه. # وقال جل وعز: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم # [الزخرف: 23-24]. # فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: # إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [سبأ: 34]. # وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل: # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال: 22]. # وقال: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم # [البقرة: 166-167]. # وقال عز وجل عائبا لأهل الكفر وذاما لهم: # ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا ~~وجدنآ آبآءنا لها عابدين # [الأنبياء: 52-53]. # وقال ms3426 # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67]. # ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء. # وقد احتج العلماء بهذه الآيات، في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك ~~من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر. # وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر ~~وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ~~ملوما على التقليد بغير حجة. # لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا، وإن اختلفت الآثام فيه. # وقال الله عز وجل: # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون # [التوبة: 115]. # وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد ~~أيضا. # فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم ~~لها، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك. # أخبرنا عبد الوارث ثم ساق السند إلى أن قال: # " حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني لأخاف على أمتي من بعدي ~~من أعمال ثلاثة " ، قال وما هي يا رسول الله؟ قال: " أخاف عليهم من زلة ~~العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع " # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله " # هذا لفظ أبي عمر في جامعه. # وكثير بن عبد الله المذكور في الإسناد ضعيف، وأبوه عبد الله مقبول. # ولكن المتنين المرويين بالإسناد المذكور كلاهما له شواهد كثيرة تدل على ~~أن أصله صحيح. # ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر في جامعه بإسناده عن زياد بن حدير عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، وأئمة مضلون. # ثم ذكر بالإسناد المذكور عن ابن مهدي عن جعفر بن حبان، عن ms3427 الحسن قال: ~~قال أبو الدرداء: إن فيما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، ~~والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق. # ثم أخرج بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول في مجلسه كل ~~يوم، قلما يخطئه أن يقول ذلك " الله حكم قسط هلك المرتابون إن وراءكم ~~فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، ~~والمرأة والصبي والأسود والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن، ~~فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ~~ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم " إلى آخر ما ذكره رحمه الله من الآثار ~~الدالة على نحو ما تقدم من أن زلة العالم من أخوف المخاوف على هذه الأمة. # وإنما كانت كذلك لأن من يقلد العالم تقليدا أعمى يقلده فيما زل فيه ~~فيتقول على الله أن تلك الزلة التي قلد فيها العالم من دين الله، وأنها ~~مما أمر الله بها ورسوله، وهذا كما ترى والتنبيه عليه هو مراد ابن عبد ~~البر. # ومرادنا أيضا بإيراد الآثار المذكورة. # ثم قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه ما نصه: # وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق ~~كثير. # وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطىء، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا ~~يعرف وجهه. # حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ثم ساق السند إلى أن قال: عن ابن مسعود أنه ~~كان يقول: " اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة " فيما بين ذلك. # ثم ساق الروايات في تفسيرهم الإمعة. # ومعنى الإمعة معروف. # قال الجوهري في صحاحه: يقال الإمع والإمعة أيضا للذي يكون لضعف رأيه مع ~~كل أحد، ومنه قول ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة. اه. منه. # ولقد أصاب من قال: # شمر وكن في أمور الدين مجتهدا # ولا تكن مثل عير قيد فانقادا # وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود في تفسير الإمعة أنه قال. # كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى ms3428 إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو ~~فيكم اليوم المحقب دينه الرجال. # ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: # ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا ~~برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله ~~ذلك ثم تمضي الأتباع. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي، وهو حديث ~~مشهور عند أهل العلم، يستغنى عن الإسناد لشهرته عندهم: # يا كميل إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم ~~رباني ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور ~~العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، إلى آخر الحديث. # وفيه: أف لحامل حق لا بصيره له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ~~لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري ~~حقيقته، فهو فتنة لمن افتتن به، وإن من الخير كله من عرفه الله دينه، ~~وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. # ولا شك أن المقلد غيره تقليدا أعمى يدخل فيما ذكره علي رضي الله عنه في ~~هذا الحديث، لأنه لا يدري عن دين الله شيئا إلا أن الإمام الفلاني عمل ~~بهذا. # فعلمه محصور في أن من يقلده من الأئمة ذهب إلى كذا ولا يدري أمصيب هو ~~فيه أم مخطىء. # ومثل هذا لم يستضىء بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق لجواز الخطأ على ~~متبوعه، وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب. # ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه بإسناده عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه أنه قال: # ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في ~~الشر. # وقال في جامعه أيضا رحمه الله: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ~~قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: # " تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير ms3429 علم ~~فيضلون ويضلون " # وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده. # ثم ذكر رحمه الله آثارا نحو ما تقدم ثم قال: # وقال: عبيد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. # وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند ~~النازلة تنزل بها. # لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك، لأن العلم ~~درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها. # وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة. والله أعلم. # ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول ~~الله عز وجل: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43 والأنبياء: 7]. # وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة ~~إذا أشكلت عليه. # فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد من تقليد عالمه، ~~وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا. # وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل، ~~والقول في العلم. # ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه ~~فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمها ~~على من أفتاه " # ثم ذكر بسنده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: # من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه اه. # ولا شك أن المقلد أعمى عما يفتي به لأن علمه به محصور في أن فلانا قاله ~~مع علمه بأن فلانا ليس بمعصوم من الخطأ والزلل. # ثم قال أبو عمر رحمه الله: وقال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين ~~وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه. # قالوا: والمقلد لا علم له. ولم يختلفوا في ذلك إلى أن قال رحمه الله، ms3430 ~~وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: # التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه. # وذلك ممنوع منه في الشريعة. # والاتباع ما ثبت عليه حجة. # وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله ~~لدليل يوجب عليك ذلك فأنت مقلده. # والتقليد في دين الله غير صحيح. # وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه. # والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. # وقال أبو عمر في آخر كلامه في هذا الباب ما نصه: # ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار. # وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، في كلامه عن التقليد ما نصه: # وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية ~~عقلية بعد ما تقدم. # فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله، وأنا أورده قال: # يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فيما حكمت به؟ # فإن قال: نعم، أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. # وإن قال: حكمت به بغير حجة. # قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ~~ذلك إلا بحجة؟ # قال الله عز وجل # إن عندكم من سلطان بهذآ # [يونس: 68] أي من حجة بهذا؟ # فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة، لأني قلدت كبيرا من ~~العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي. # قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد ~~معلم معلمك أولى. # لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك: كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت ~~عليك. # فإن قال: نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه. # وكذلك من هو أعلا حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وإن أبى ذلك نقض قوله. # وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر، وأقل علما؟ # ولا تجوز تقليد من أكبر وأكثر علما، ms3431 وهذا تناقض؟ # فإن قال لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو ~~أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك. # قيل له: كذلك من تعلم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى ~~علمه، فيلزمك تقليده. وترك تقليد معلمك. # وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك. لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو ~~فوقه إلى علمك. # فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء، أولى بالتقليد من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله. ~~والأعلى للأدنى أبدا. # وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادا اه. # ثم قال أبو عمر رحمه الله بعد هذا ما نصه: # يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم ~~يقلدوا؟ # فإن قال: قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لم أحصها. # والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني. # قيل له: أما العلماء، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا ~~شك فيه. # ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض. # فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض. # وكلهم عالم، والعالم الذي رغبت عن قوله، أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه. # فإن قال: قلدته لأني أعلم أنه صواب. # قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟ # فإن قال نعم. أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل. # وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني. # قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك. # فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم ~~منك. # فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس. # قيل له: فإنه إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا. # فإن قال: أنا أقلد ms3432 بعض الصحابة. # قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ~~ممن أخذت بقوله؟ # على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. # وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم عن مالك، قال: ليس كل ~~ما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]. فإن قال قصري وقلة علمي يحملني على التقليد. # قيل له: أما من قلد فيما ينزل. # من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره ~~فمعذور، لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له ~~من تقليد عالم، فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره ~~في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. # ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله؟ فيحمل غيره ~~على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها ~~إلى غير ما كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه؟ # وهو مقر أن قائله يخطىء ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب، فيما ~~خالفه فيه. # فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه ~~للعامة. # وكفى بهذا جهلا، وردا للقرآن قال الله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. وقال: # أتقولون على الله ما لا تعلمون # [الأعراف: 28]. # وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، ~~والظن لا يغني من الحق شيئا اه. كله من جامع ابن عبد البر رحمه الله. # واعلم أن حاصل جميع حجج المقلدين منحصر في قولهم: نحن معاشر المقلدين ~~ممتثلون قول الله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43 والأنبياء: 7]. # فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا. # وقد أرشد ms3433 النبي صلى الله عليه وسلم من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال ~~في حديث صاحب الشجة: # " ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العيي السؤال ". # وقال أبو العسيف: الذي زنى بأمرأة مستأجرة: # " وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، ~~وأن على امرأة هذا الرجم فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه ": # وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر. # فروى شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي ~~فيها فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه ~~بريء: هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر بن الخطاب إنني لأستحيي من الله ~~أن أخالف أبا بكر. # وصح عنه أنه قال له: # رأينا لرأيك تبع، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر. # وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفتون الناس ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ~~وأبو موسى. # وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة. # كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان ~~زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب. # وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا " # في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد الفراغ، ~~وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام. # قال المقلدة: # وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وهم العلماء أو ~~العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به. # فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم. # وقال تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه # [التوبة: 100]. # وتقليدهم اتباع لهم ففاعله ممن رضي الله عنهم، ويكفي ذلك الحديث ~~المشهور. # " أصحابي كالنجوم بأيهم ms3434 اقتديتم اهتديتم " # وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن ~~الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " # وقال: # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ~~ابن أم عبد " # وقد كتب عمر إلى شريح: ان اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله ~~فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون. # وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة. # وألزم بالطلاق الثلاث فتبعوه أيضا. # واحتلم مرة، فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلتها ~~صارت سنة. # وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه ~~عليك فكله إلى عالمه. # وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم. # وهذا تقليد لهم قطعا. # إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد قال تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122] فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم. # وهذا تقليد منهم للعلماء. # وصح عن ابن الزبير، أنه سئل عن الجد والإخوة، فقال: # أما الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا " # ، فإنه أنزله أبا. # وهذا ظاهر في تقليده له. # وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له. # وجاءت الشريعة، بقبول قول القائف، والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات، ~~وغيرها والحاكمين بالمثل، في جزاء الصيد وذلك تقليد محض. # وأجمعت الأمة ms3435 على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل، وإن ~~اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء. # وأجمعوا على جواز شراء اللحمان، والثياب والأطعمة وغيرها، من غير سؤال ~~عن أسباب حلها،وتحريمها اكتفاء بتقليد أربابها. # ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح ~~العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين. # وهذا مما لا سبيل إليه شرعا، والقدر قد منع من وقوعه. # وقد أجمع الناس على تقليد الزوج، للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته وجواز ~~وطئها تقليدا لهن في كونها هي زوجته. # وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة، ~~وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ~~ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد. # ويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها. # وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات. # ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل. # وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحرث: أرضعتك وأرضعت امرأتك، فأمره ~~صلى الله عليه وسلم بفراقها، وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك. # وقد صرح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غياث: سمعت سفيان يقول: إذا ~~رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه. # وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له ~~تقليد من هو مثله. # وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير، قلته تقليدا لعمر. # وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب، قلته تقليدا لعثمان. # وقال في مسألة الجد مع الإخوة إنه يقاسمهم ثم قال: وإنما قلت بقول زيد. ~~وعنه قبلنا أكثر الفرائض. # قال في موضع آخر من كتابه الجديد، قلته تقليدا لعطاء. # وهذا أبو حنيفة رحمه الله في مسائل الآبار ليس معه فيها إلا تقليد من ~~تقدمه من التابعين فيها وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة. # ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ~~ببلدنا. # ويقول في غير ms3436 موضع: ما رأيت أحدا أقتدي به يفعله، ولو جمعنا ذلك من ~~كلامه لطال. # وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، ونحن نقول ~~ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا. # وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين ~~ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا. # وذلك عام في كل علم وصناعة. # وقد فاوت الله سبحانه بين قوي الأذهان، كما فاوت بين الأبدان، فلا يحسن ~~في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله، والجواب ~~عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها. # ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه ~~وتعالى هذا عالما، وهذا متعلما وهذا متبعا للعالم مؤتما به بمنزلة ~~المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع، وأين حرم الله تعالى على الجاهل ~~أن يكون متبعا للعالم مؤتما به مقلدا له يسير بسيره وينزل بنزوله. # وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض ~~على كل منهم عين، أن يأخذ حكم نازلة من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ # وهل ذلك في إمكان أحد فضلا عن كونه مشروعا؟ # وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحوا البلاد، وكان الحديث ~~العهد بالإسلام يسألهم فيفتونه. # ولا يقولون له عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل ولا يعرف ~~ذلك عن أحد منهم ألبتة. # وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود؟ فهو من لوازم الشرع ~~والقدر. # والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد. وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام ~~وغيرها. # ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ~~ورواتها إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي. # وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد ~~العالم. # فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع ~~بأذنه ما رواه. # وهذا عقل بقلبه ما سمعه فأدى هذا مسموعه، وأدى ms3437 هذا معقوله. # وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلغ ~~منزلتهما القبول منهما. # ثم يقال للمانعين من التقليد أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ، ~~بأن يكون مقلده مخطئا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب ~~الحق. # ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه. # وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالما بتلك ~~السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده ~~لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء اه. # هذا هو غاية ما يحتج به المقلدون، وقد ذكره ابن القيم رحمه الله في ~~إعلام الموقعين، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجها. # وسنذكر هنا إن شاء الله جملا مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف. # وتزيد المسألة إن شاء الله إيضاحا وإقناعا. # قال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفا ما ~~نصه: # قال أصحاب الحجة: # عجبا لكم معاشر المقلدين، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم ~~بأنهم ليسوا من أهله، ولا معدودين في زمرة أهله. # كيف أبطلتم مذهبكم، بنفس دليلكم، فما للمقلد وما للاستدلال؟ # وأين منصب المقلد من منصب المستدل؟ # وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها، من صاحب الحجة فتجملتم ~~بها، بين الناس، وكنتم في ذلك متشبهين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما ~~شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه، وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب لستم من ~~أهله غصبتموه. # فأخبرونا، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، وبرهان دلكم عليه، ~~فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أم سلكتم ~~سبيله اتفاقا، وتخمينا من غير دليل. # وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين، سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب ~~التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم. # ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة، قلتم لسنا من أهل هذه السبيل، وإن ~~خاطبناكم بحكم التقليد، فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. # والعجب أن ms3438 كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم، تدعي أنها على حق، ~~حاشا فرقة التقليد، فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم ~~شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليها، ~~وبرهان دلهم عليها، وإنما سبيلهم محض التقليد. # والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل. # وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا نحن ~~على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه. # فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن ~~يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله. # وقالوا نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، ~~واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم. # وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد، وتحريمه، وأنه لا ~~يحل القول به في دين الله. # ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا ~~توليته. # ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط. # وكذلك المفتي يحرم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس. # والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده إذ طريق ذلك مسدودة عليه. # ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كل ~~ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب، أو قول من هو أعلم من متبوعه أو ~~نظيره. # وهذا من أعجب العجب. # وأيضا فإنا نعلم بالضرورة، أنه لم يكن في عصر الصحابة، رجل واحد اتخذ ~~رجلا منهم يقلده في جميع أقواله، فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره، ~~فلم يأخذ منها شيئا. # ونعلم بالضرورة، أن هذا لم يكن في عصر التابعين، ولا تابعي التابعين. # فليكذبنا المقلدون برجل واحد، سلك سبيلهم الوخيمة، في القرون الفضيلة ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه صلى الله عليه ~~وسلم. # فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه، يبيحون به الفروج، والدماء ~~والأموال، ويحرمونها ولا يدرون أذلك صواب أم ms3439 خطأ على خطر عظيم، ولهم بين ~~يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على ~~شيء اه محل الغرض منه بلفظه. # وعلى كل حال فأنتم أيها المقلدون: تقولون إنه لا يجوز العمل بالوحي إلا ~~لخصوص المجتهدين فلم سوغتم لأنفسكم الاستدلال على التقليد بآية: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]، وآية # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة # [التوبة: 122]. # هل رجعتم عن قولكم بأن الاستدلال بالوحي لا يجوز لغير المجتهد، أو ~~ارتكبتم ما تعقتدون أنه حرم من استدلالكم بالقرآن مع شدة بعدكم عن رتبة ~~الاجتهاد؟ # وفي هذا رد إجمالي ما استدللتم به على التقليد الذي أنتم عليه. # ثم يقال: أليست هذه الآيات التي استدللتم بها في زعمكم، من ظواهر ~~الكتاب، التي سن لكم الصاوي وأمثاله، أن العمل بها من أصول الكفر. # فإنه لم يستثن شيئا من ظواهر القرآن يكون العمل به ليس من أصول الكفر. # فلم تجرأتم على شيء هو من أصول الكفر وسوغتم لأنفسكم الاستدلال بالقرآن، ~~مع أنه لا يجوز عندكم إلا للمجتهدين. # وسنذكر رد استدلال المقلدين تفصيلا، بإيجاز إن شاء الله تعالى. # أما استدلالهم بآية # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] فهو استدلال في غير محله. # فإن الآية لا تدل على هذا النوع من التقليد الأعمى الذي هم عليه من ~~التزام جميع أقوال رجل واحد وترك جميع ما سواها. # ولا شك أن المراد بأهل الذكر أهل الوحي الذين يعلمون ما جاء من عند الله ~~كعلماء الكتاب والسنة. # فقد أمروا أن يسألوا أهل الذكر ليفتوهم بمقتضى ذلك الذكر الذي هو الوحي. # ومن سأل عن الوحي وأعلم به، وبين له كان عمله به اتباعا للوحي لا ~~تقليدا واتباع الوحي لا نزاع في صحته. # وإن كانت الآية تدل على نوع تقليد في الجملة، فهي لا تدل إلا على ~~التقليد الذي قدمنا أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو تقليد العامي الذي ~~تنزل به النازلة عالما من العلماء، وعمله بما أفتاه ms3440 به من غير التزام ~~منه لجميع ما يقوله ذلك العالم، ولا تركه لجميع ما يقوله غيره. # وأما استدلالهم بالحديث الوارد في # " الرجل الذي أصابته شجة في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه: هل يعلمون له ~~رخصة في التيمم؟ # فقالوا: ما نرى لك رخصة وأنت قادر على الماء، فاغتسل فمات. # فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا ~~إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيي السؤال " # فهو استدلال أيضا في غير محله، وهو حجة أيضا على المقلدين لا لهم. # قال في إعلام الموقعين في بيان وجه ذلك ما نصه: # إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرشد المستفتين، كصاحب الشجة بالسؤال ~~عن حكمه، وسنته فقال: # قتلوه قتلهم الله، فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم. # وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد. # فإنه ليس علما باتفاق الناس. # فإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله، فهو حرام وذلك أحد ~~أدلة التحريم. # فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم. # وكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجرة لأهل العلم. # فإنه لما أخبروه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البكر الزاني ~~أقره على ذلك، ولم ينكره، فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم. # وأما استدلالهم بأن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف ~~أبا بكر، وأن ذلك تقليد منه له. فلا حجة لهم فيه أيضا. # وخلاف عمر لأبي بكر رضي الله عنهما أشهر من أن يذكر. # كما خالفه في سبي أهل الردة فسباهم أبو بكر، وخالفه عمر. # وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا لمن ولدت لسيدها منهن. # ونقص حكمه، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي. # وخالفه في أرض العنوة فقسمها أبو بكر ووقفها عمر. # وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية، ورأى عمر ~~المفاضلة. # وخالفه في الاستخلاف، فاستخلف أبو بكر عمر على المسلمين، ولم يستخلف ~~عليهم عمر أحدا إيثارا لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل ms3441 أبي ~~بكر رضي الله عنهم. # وخالفه في الجد والإخوة، مع أن خلاف أبي بكر الذي استحيى منه عمر هو ~~خلافه في قوله: إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ~~والله منه برئ، هو ما دون الولد والوالد فاستحيى عمر من مخالفة أبي بكر ~~في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابا مأمونا عليه ~~الخطأ. # ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقر عند موته أنه لم يقض في ~~الكلالة بشيء. # وقد اعترف أنه لم يفهمها، قاله في إعلام الموقعين. # ومن العجب استدلال المقلدين على تقليدهم، باستحياء عمر من مخالفة أبي ~~بكر، مع أنهم لم يستحيوا من مخالفة أبي بكر وعمر، وجميع الصحابة، ومخالفة ~~الكتاب والسنة إذا كان ذلك، لا يوافق مذهب إمامهم، كما هو معلوم من ~~عادتهم. # وكما أوضحه الصاوي في الكلام الذي قدمنا على قوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. # فقد قدمنا هناك أنه قال: إن من خرج عن المذاهب الأربعة فهو ضال مضل، ولو ~~وافق الصحابة، والحديث الصحيح والآية. # وربما أداه ذلك إلى الكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول ~~الكفر! # فمن هذا مذهبه ودينه، وكيف يستدل باستحياء عمر من مخالفة أبي بكر؟ # بل كيف يستدل بنص من نصوص الوحي، أو قول أحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ # مع أن أبا بكر خليفة راشد أمر النبي بالاقتداء به في قوله: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " # الحديث. # فليس الاقتداء بالخلفاء كالاقتداء بغيرهم. # وأما استدلالهم على تقليدهم بقول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: رأينا ~~لرأيك تبع. # فيكفي في رده ما قدمنا قريبا، من مخالفة عمر لأبي بكر، مع القصة التي ~~قال له فيها: رأينا لرأيك تبع، رد فيها على أبي بكر بعض ما قاله. # وأيد الصحابة ما قال عمر في رده على أبي بكر رضي الله عنهما. # لأن الحديث المذكور في وفد بزاخة من ms3442 أسد وغطفان حين قدموا على أبي بكر ~~يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية. # فقالوا هذه المجلية قد عرفناها. فما المخزيه. # قال: تنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم ~~منا؟ وتدون لنا قتلانا إلى آخر كلامه. # وفيه: فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا سنشير عليك. # أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت. # وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم، وتردون ما أصبتم منا، فنعم ما ذكرت. # وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار. # فإن قتلانا قد قاتلت فقتلت على ما أمر الله أجورها على الله، ليس لها ~~ديات. # فتتابع القوم على ما قال عمر رضي الله عنه. # فهذه القصة الثابتة: هي التي في بعض ألفاظها ورأينا لرأيك تبع. # وأنت ترى عمر رضي الله عنه لم يقلد فيها أبا بكر رضي الله عنه، إلا فيما ~~يعتقد صوابه. # فإنما ظهر له أنه صواب قال له فيه: نعم ما ذكرت. # وما ظهر له أنه ليس بصواب رده على أبي بكر، وهو قول أبي بكر بدفع ديات ~~الشهداء. # لأن عمر يعتقد أن الشهيد في سبيل الله لا دية له، لأن الله يقول: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده ~~من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم # [التوبة: 111]. # وذلك يوضح لك أن الصحابة رضي الله عنهم لا يعدلون عن الكتاب والسنة إلى ~~قول أحد. # وأما احتجاجهم بتقليد ابن مسعود لعمر فهو ظاهر السقوط، ولو وافق عمر في ~~بعض المسائل فهو من قبيل موافقة بعض العلماء لبعض، لاتفاق رأيهم لا ~~لتقليد بعضهم لبعض. # وقد خالف ابن مسعود عمر رضي الله عنهما في مسائل كثيرة جدا، كمخالفته ~~له في أم الولد، لأن ابن مسعود يقول فيها إنها تعتق من نصيب ولدها، ومن ~~ذلك أن ابن ms3443 مسعود كان يطبق في ركوعه إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ~~ركبتيه. # وكان ابن مسعود يقول في الحرام هي يمين وعمر يقول: إنه طلقة واحدة. # وكان ابن مسعود يحرم النكاح بين الزانيين وعمر يتوبهما، وينكح أحدهما ~~الآخر. # وكان ابن مسعود يرى بيع الأمة طلاقها، وعمر يرى عدم ذلك وأمثال هذا ~~كثيرة معلومة. # مع أن ابن مسعود يقول: إنه أعلم الصحابة بكتاب الله وأنه لو كان يعلم ~~أحدا أعلم منه به لرحل إليه. # ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. # وقد قدمنا عنه قوله: # " كن عالما أو متعلما ولا تكن إمعة " # فليس ابن مسعود من أهل التقليد، مع أن المقلدين المحتجين بتقليد ابن ~~مسعود لعمر، لا يقلدون ابن مسعود، ولا عمر ولا غيرهما من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # ولا يأخذون بقول الله ولا رسوله وإنما يفضلون على ذلك كله تقليد أحد ~~الأئمة أصحاب المذاهب رحمهم الله. # وأما استدلالهم على التقليد بأن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر. # وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي. # وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب فهو ظاهر السقوط أيضا. # لأنه من المعلوم أن الصحابة المذكورين رضي الله عنهم لا يدعون سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد، وهذا لا شك فيه. # وكان ابن عمر يدع قول عمر، إذا ظهرت له السنة. # وكان ابن عباس يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. # وأما استدلالهم على التقليد بأن معاذا رضي الله عنه صلى مسبوقا فصلى ~~ما أدرك مع الإمام أولا، ثم قضى ما فاته بعد سلام الإمام، وكانوا قبل ~~ذلك يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام في الباقي. # وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك # " إن معاذا قد سن لكم سنة، فكذلك فافعلوا " # فهو ظاهر السقوط أيضا، لأن ذلك لم يكن سنة إلا بأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما لا ms3444 يخفى. # فلا حجة قطعا في قول أحد كائنا من كان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~موجود. # وإنما العبرة بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره. # وهذا معلوم بالضرورة من الدين. # وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم # [النساء: 59]. # قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية ~~هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط أيضا. # لأنه لا يجوز طاقة أولي الأمر إجماعا فيما خالف كتابا أو سنة، ولا ~~طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه ~~وسلم. # ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر: ما يشمل الأمراء ~~والعلماء. # لأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون، ولا تجوز طاعة ~~أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه. # لأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين: # أحدهما: أن يكون طاعة لله ولرسوله من غير نزاع، وطاعة أولي الأمر في مثل ~~هذا من طاعة الله ورسوله. # والثاني: أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة الله ورسوله أو لا؟ # وفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى ~~كما صرح الله تعالى بذلك في نفس الآية. # لأنه تعالى لما قال: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59]، أتبع ذلك قوله: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا # [النساء: 59]. # فالآية صريحة في رد كل نزاع إلى الله ورسوله. # والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. # وقد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] بعض الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية ms3445 الخالق، كحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، ~~فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". # وحديث علي رضي الله عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن ~~يدخلوا في النار " لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف ~~" ". # وفي الكتاب العزيز: # ولا يعصينك في معروف # [الممتحنة: 12]. # ولا يخفى أن طاعة الله وطاعة رسوله المأمور بها في الآية لا يتحقق ~~وجودها إلا بمعرفة أمر الله ورسوله ونهي الله ورسوله. # والمقلدون مقرون على أنفسهم بأنهم لا يعلمون أمر الله ولا نهيه، ولا أمر ~~رسوله ولا نهيه. # وغاية ما يدعون علمه هو أن الإمام الذي قلدوه قال كذا، مع عجزهم عن ~~التمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، بل أكثرهم لا يميزون بين قول الإمام ~~وبين ما ألحقه أتباعه بعده مما قاسوه على أصول مذهبه. # ولا شك أن طاعة العلماء هي اقتفاء ما كانوا عليه من النظر في كتاب الله ~~وسنة رسوله وتقديمهما على كل قول وعلى كل رأي كائنا ما كان. # فمن قلدهم التقليد الأعمى وترك الكتاب والسنة لأقوالهم، فهو المخالف لهم ~~المتباعد عن طاعتهم كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله. # وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه # [التوبة: 100]، قائلين: إن تقليدهم من جملة اتباعهم بإحسان، فمقلدهم ممن ~~رضي الله عنه بنص الآية فهو ظاهر السقوط أيضا: # لأن الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين ساروا على مثل ما كانوا عليه من ~~العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # فلم يكن أحد منهم يقلد رجلا ويترك الكتاب والسنة لقوله. # فالمقلدون التقليد الأعمى ليسوا ممن اتبعهم ألبتة، بل هم أعظم الناس ~~مخالفة لهم، وأبعدهم عن اتباعهم، فأتبع الناس لمالك مثلا ابن وهب ~~ونظراؤه، ممن يعرضون أقواله على الكتاب والسنة، فيأخذون منها ما وافقهما ~~دون غيره. ms3446 # وأتبع الناس لأبي حنيفة أبو يوسف ومحمد مع كثرة مخالفتهما له، لأجل ~~الدليل من كتاب أو سنة. # وأتبع أصحاب أحمد بن حنبل له البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم لتقديمهم ~~الدليل على قوله وقول غيره، وهكذا. # وأما استدلالهم على تقليدهم: بحديث # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # فهو ظاهر السقوط أيضا. # اعلم أولا أن الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث ضعيف ~~لا يصح الاحتجاج به. # فجميع طرقه ليس فيها شيء قائم، قال في إعلام الموقعين: # روى هذا الحديث من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن ~~المسيب عن ابن عمر. # ومن طريق حمزة الجري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها. # قال ابن عبد البر حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أنا أبا عبد الله بن ~~مضرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار. # وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم اه. منه. # وضعف الحديث المذكور معروف عند أهل العلم. # مع أن المقلدين المحتجين به يمنعون تقليد الصحابة، ويحرمون الاهتداء ~~بتلك النجوم. # وهو تناقض عجيب لأنهم تركوا نفس ما دل عليه الحديث واستدلوا بالحديث على ~~ما لم يتعرض له الحديث، وهو تقديمهم تقليد أئمتهم على تقليد الصحابة. # مع أن قياسهم على الصحابة لا يصح لعظم الفارق، وبما ذكرنا تعلم سقوط ~~استدلالهم بما ذكروا عن ابن مسعود من قوله: # " من كان مستنا منكم فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد " # والله جل وعلا يقول: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44] الآية. # وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " # وقوله صلى الله عليه وسلم # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # فهو حجة عليهم لا لهم. # لأن سنة الخلفاء الراشدين التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقرونة بسنته ليس فيها ألبتة تقليد ms3447 أعمى، ولا التزام قول رجل بعينه. # بل سنتهم هي اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقديمهما ~~على كل شيء. # لأنهم هم أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأشدهم حرصا على ~~العمل بما جاء به. # فالذي يقدم آراء الرجال على كتاب الله وسنة رسوله ويستدل على ذلك بحديث # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " # الحديث، هو كما ترى. # وأقوال الخلفاء رضي الله عنهم وأفعالهم كلها معروفة مدونة إلى الآن ليس ~~فيها تقليد أعمى ولا جمود على قول رجل واحد. # وإنما هي عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # ومشاورة لأصحابه فيما نزل من النوازل واستنباط ما لم يكن منصوصا من ~~نصوص الكتاب والسنة على أحسن الوجوه وأتقنها، وأقربها لرضى الله ~~والاحتياط في طاعته. # وكانوا إذا بلغهم شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليه ولو ~~كان مخالفا لرأيهم. # فقد رجع أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى قول المغيرة بن شعبة، ومحمد بن ~~مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض للجدة السدس. # وكان أبو بكر يرى أنها لا ميراث لها، وقد قال لها لما جاءته " لا أرى لك ~~شيئا في كتاب الله ولا أعلم لك شيئا في سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ". # وقد رجع عمر إلى قول المذكورين في دية الجنين # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها غرة عبد أو وليدة ". # ورجع عمر أيضا إلى حديث عبد الرحمن بن عوف # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ". # ورجع عمر أيضا إلى قول الضحاك بن سفيان # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ~~دية زوجها ". # ورجع عثمان بن عفان إلى حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالسكنى في البيت الذي توفي عنها زوجها ~~وهي فيه حتى تنقضي عدتها. # وكان عثمان بعد ذلك يفتي بوجوب السكنى للمتوفى عنها حتى تنقضي ms3448 عدتها. # وأمثال هذا أكثر من أن تحصى، وفي ذلك بيان واضح، لأن سنة الخلفاء ~~الراشدين هي المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وتقديم سنته على كل شيء، فعلينا جميعا أن نعمل بمثل ما كانوا يعملون ~~لنكون متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنتهم. # أما المقلد المعرض عن سنتهم، وعن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، مفضلا على ذلك تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد رحمهم ~~الله، فما كان يحق له أن يستدل بحديث # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " # الحديث لأنه مقر بمقتضى تقليده، بأنه أبعد الناس عن العمل بحديث # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " # الحديث. # وأما استدلالهم، بأن عمر كتب إلى شريح: # أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فيما قضى به الصالحون ~~فهو حجة عليهم أيضا لا لهم. # لأن فيه تقديم كتاب الله، ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم العمل ~~بما قضى به الصالحون، وخيرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولو كان المقلدون يمتثلون هذا، لما أنكر عليهم أهل العلم، ولكن المقلدين ~~المحتجين بهذا يمنعون العمل بكتاب الله وسنة رسوله، والعمل بفتاوى أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ويوجبون الجمود على قول الإمام الذي قلدوه والتزموا بمذهبه. # ومن كانت هذه حاله، فلا يحق له أن يستدل بشيء من هذه الأدلة. # وأما استدلالهم بأن عمر رضي الله عنه منع بيع أمهات الأولاد فتبعه ~~الصحابة. # وألزم الطلاق الثلاث بكلمة واحد وتبعه الصحابة. # فهو ظاهر السقوط أيضا. # وقد قدمنا أن متابعة بعض الصحابة لبعض إنما هي لاتفاقهم فيما رأوه، لا ~~لأن بعضه مقلد بعضا تقليدا أعمى. # وقد قدمنا إيضاح ذلك بما يكفي. # مع أن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون تقليد عمر، وسائر الصحابة، فمن ~~عجائبهم أنهم يستدلون بما يعتقدون أن العمل به ممنوع. # وأما استدلالهم بأن عمرو بن العاص ms3449 قال لعمر لما احتلم: خذ ثوبا غير ~~ثوبك، فقال لو فعلت صارت سنة. فهو ظاهر السقوط أيضا. # لأن عمر بن الخطاب خاف أن يفعل شيئا فيعتقد من لا علم عنده أنه إنما ~~فعله لكونه سنة، فامتنع من فعله لأجل هذا المحذور. # مع أن المقلد يرى منع تقليد عمر رضي الله عنه. # وأما استدلالهم بما ذكروه عن أبي وغيره أنه قال: # ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه، فهو حجة عليهم ~~أيضا لا لهم. # لأن قوله: ما استبان لك فاعمل به، صريح في أن ما استبان من كتاب الله ~~وسنة رسوله، يجب العمل بله ولا يجوز العدول عنه لقول أحد. # وهذا نقيض ما عليه المقلدون، فهم دائما يستدلون على مذهبهم بما يناقضه. # والأظهر أن مراد أبي بن كعب بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكل علمه إلى ~~الله. # فمراده بما اشتبه المتشابه، ومراده بعالمه الله. # فهو يشير إلى قوله تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا # [آل عمران: 7]. # فالذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا، فقد وكلوا ما اشتبه عليهم إلى ~~عالمه وهو الله. # ويحتمل أن يكون مراد أبي بقوله: فكله إلى عالمه أي فكله إلى من هو أعلم ~~به منك من العلماء. # وهذا هو الذي فهمه ابن القيم في إعلام الموقعين من كلام أبي. # وعلى هذا الاحتمال فلا حجة فيه أيضا للمقلدين لأن من خفي عليه شيء من ~~العلم فوكله إلى من هو أعلم به منه، فقد أصاب. # ولا يلزم من ذلك الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله بل هو عمل بالقرآن ~~لقوله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. # وأما استدلالهم على تقليدهم بأن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موجود بين أظهرهم، وأن ذلك تقليد لهم فهو ظاهر السقوط ~~أيضا. # لأنهم ما كانوا يفتونهم في حالة وجود ms3450 رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرهم إلا بما علمهم من الكتاب والسنة كما لا يخفى. # ومن أفتى منهم وغلط في فتواه أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فتواه ~~التي ليست مطابقة للحق، وردها عليه كإنكاره على أبي السنابل بن بعكك قوله ~~لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها ووضعت حملها بعد ذلك بأيام: # " إنها لا تنقضي عدتها إلى بعد أربعة أشهر وعشر ليال ". # وقد استدل أبو السنابل على ما أفتى به بعموم قوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234]. # وقد رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فتواه مبينا أن عموم قوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا # [البقرة: 234]. الآية، مخصص بقوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. # وكإنكاره صلى الله عليه وسلم على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا ~~له رخصة وهو يقدر على الماء. # وقد قدمنا قصته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيهم: # " قتلوه قتلهم الله " # الحديث. # والظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى # فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا # [النساء: 43]. وغفلوا عن قوله: # وإن كنتم مرضى # [النساء: 43] الآية، وأمثال هذا كثيرة. # وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122] قائلين إن الآية أوجبت قبول إنذارهم، وأن ذلك تقليد لهم، ~~فهو ظاهر السقوط أيضا. # لأن الإنذار في قوله: { ولينذروا قومهم } لا يكون برأي. # وإنما يكون بالوحي خاصة، وقد حصر تعالى الإنذار في الوحي بأداة الحصر ~~التي هي إنما في قوله: # قل إنمآ أنذركم بالوحي # [الأنبياء: 45]. # وبه تعلم أن الإنذار لا يقوم إلا بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة، لم يكن ~~قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير. # فمما لا شك فيه أن هذا الإنذار المذكور في قوله { ولينذروا } ، ~~والتحذير من مخالفته في قوله: { لعلهم يحذرون } ليس برأي ولا ~~اجتهاد. # وإنما ms3451 هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، ~~كما يدل عليه قوله تعالى قبله # ليتفقهوا فى الدين # [التوبة: 122]، فهو يدل على أن قوله # ولينذروا قومهم # [التوبة: 122] أي بما تفقهوا فيه من الدين. # وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # فتبين أن الآية لا دليل فيها ألبتة لطائفة التقليد، الذين يوجبون تقليد ~~إمام بعينه، من غير أن يرد من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء. # ونجعل أقواله عيارا لكتاب الله وسنة رسوله فما وافق أقواله منها قبل ~~وما لم يوافقها منها رد. # وهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه، وعدم جوازه. # فالآية الكريمة بعيدة كل البعد من الدلالة عليه، مع أن استدلال المقلدين ~~بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع باتا، لأنه ~~استدلال بقرآن. # وأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد، كما سيأتي إيضاحه إن ~~شاء الله. # وأما استدلالهم بأن ابن الزبير، قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه في أن الجد يحجب الإخوة، فهو ظاهر السقوط أيضا. # وقد قدمنا مرارا في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضا ما يكفي ~~فأغنى عن إعادته هنا. # وأما استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق. قائلين: إن قبول شهادته ~~فيما شهد به تقليد له، فهو ظاهر السقوط لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا ~~عليه به. من تقليد رجل واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ ~~مما خالفها شيء، ولو كان كتابا أو سنة. # وذلك من وجهين. # أحدهما: أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله، لأن الله ~~يقول: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] ويقول: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282] إلى غير ذلك من الآيات. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال. # وفي الحديث # " شاهداك أو يمينه " # وهو حديث صحيح. # فالأخذ بشهادة ms3452 الشاهد إذا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله لا من التقليد ~~لرجل واحد بعينه تقليدا أعمى. # الوجه الثاني: أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك ~~بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ~~ظهر له من الرأي. # ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس، وبين خبر ~~التواتر المستند إلى عقل. # فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس. # وأن الثاني لا يوجبه، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان ~~قدم العالم مقطوعا به. # لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله. # مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه. # فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من ~~المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه. # فالشاهد إن أخبر عن محسوس، وكان عدلا، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعا ~~لا يتطرق إليه الشك بخلاف المجتهد، فإنه عدل أخبر عما ظنه، فوضوح الفرق ~~بين الأمرين كما ترى. # وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين ~~بالمثل في جزاء الصيد. # وتقليد الأعمى في القبلة. # وتقليد المؤذنين في الوقت والمترجمين والمعرفين، والمعدلين، والمجرحين. # وتقليده المرأة في طهرها، فهو كله ظاهر السقوط أيضا. # لأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة. # فالعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى. # وذلك كله من قبيل الشهادة، والإخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره، ~~لا من قبيل الفتوى في الدين. # وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي صلى الله عليه وسلم ~~من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد # " هذه الأقدام بعضها من بعض " # فلو كان قول القائف: لا يقبل لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم. # ولما برقت أسارير وجهه سرورا به. # فقبوله لذلك، فهو اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد قدمنا ms3453 الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص، وبينا أن بعضها ~~ثابت في الصحيح. ورد قول من منع ذلك في سورة الأنعام في الكلام على قوله ~~تعالى: # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141]. # فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين. # ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء ~~الصيد، لأن الله نص عليه في قوله تعالى # فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم # [المائدة: 95] الآية. # وهكذا كل من ذكروا، فإن قبول قولهم: إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله ~~من كتاب أو سنة أو إجماع. # مع أن الإخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس، والتقليد الذي استدلوا به ~~عليه إخبار عن معقول مظنون. # والفرق بين الأمرين قدمناه قريبا، فليس شيء من ذلك تقليدا أعمى بدون ~~حجة. # وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة ~~وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها. # فهو ظاهر السقوط أيضا. # لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما. # وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية، لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين ~~من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة، حتى يظهر ما يخالف ذلك. # ومما يدل على ذلك، ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث # " عائشة رضي الله عنها قالت " إن قوما قالوا يا رسول الله: إن قوما ~~يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا عليه ~~أنتم وكلوا، قال: وكانوا حديثي عهد بالكفر " # قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث: رواه البخاي والنسائي وابن ~~ماجه، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة ~~إلى أن يقوم دليل الفساد. اه منه. # وقد أجمع العلماء على هذا، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي. # لأن الله لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئا حتى يعلم حليته لوقعوا ~~في حرج عظيم تتعطل به المعيشة، ويختل به نظامها. # فأجاز الله ms3454 تعالى ذلك برفع الحرج كما قال تعالى # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد، لأنه اخذ بالحجة ~~والدليل، وليس من التقليد. # وأما استدلالهم على التقليد بأن الله لو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وان ~~يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا ~~سبيل إليه شرعا وقدرا. # فهو ظاهر السقوط أيضا. # ومن أوضح الأدلة على سقوطه أن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، لم ~~يكن فيهم تقليد رجل واحد بعينه هذا التقليد الأعمى. # ولم تتعطل متاجرهم ولا صنائعهم، ولم يرتكبوا ما يمنعه الشرع ولا القدر. # بل كانوا كلهم لا يقدمون شيئا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وكان فيهم علماء مجتهدون يعلمون بالكتاب والسنة ويفتون بهما. # وكان فيهم قوم دون رتبتهم في العلم، يتعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ما ~~يحتاجون للعمل به في أنفسهم، وهم متبعون لا مقلدون. # وفيهم طائفة أخرى، هي العوام لا قدرة لها على التعلم. # وكانوا يستفتون فيما نزل بهم من النوازل من شاءوا من العلماء وتارة ~~يسألونه عن الدليل فيما أفتاهم به. # وتارة يكتفون بفتواه ولا يسألون ولم يتقيدوا بنفس ذلك العالم الذي ~~استفتوه. # فإذا نزلت بهم نازلة أخرى، سألوا عنها غيره من العلماء إن شاءوا. # ولا إشكال في هذا الذي مضت عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم، ولا يلزمه ~~تعطيل صنائع ولا متاجر، ولا يمنعه شرع ولا قدر. # فكيف يستدل منصف للتقليد الأعمى، بأن الناس لو لم ترتكبه لوقعوا في ~~المحذور المذكور. # وعلى كل حال فكل عاقل لم يعمه التعصب، يعلم أن تقليد إمام واحد بعينه، ~~بحث لا يترك من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء، وجعل أقواله ~~عيارا لكتاب الله، وسنة رسوله فما وافق أقوالهم منهما جاز العمل به، وما ~~خالفها منهما وجب اطراحه، وترك العمل به لا وجه له ألبتة. # وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم وإجماع الأئمة الأربعة. # فالواجب على المسلمين تعلم كتاب ms3455 الله وسنة رسوله، والعمل بما علموا ~~منهما. # والواجب على العوام الذين لا قدرة لهم على التعلم سؤال أهل العلم، ~~والعمل بما أفتوهم به. # وسيأتي لهذا زيادة إيضاح وإقناع للمنصف في التنبيهات الآتية إن شاء الله ~~تعالى. # وقد بينا هنا بطلان جميع الحجج التي يحتج بها المقلدون التقليد المذكور، ~~وما لم نذكر من حججهم، قد أوضحنا رده وإبطاله فيما ذكرنا. # تنبيهات مهمة تتعلق بهذه المسألة # التنبيه الأول. # اعلم أن المقلدين، اغتروا بقضيتين ظنوهما صادقتين، وهما بعيدتان من ~~الصدق، وظن صدقهما يدخل أوليا في عموم قوله تعالى # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس: 36] وقوله صلى الله عليه وسلم: # " أياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " # أما الأولى منهما فهي ظنهم، أن الإمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطلع ~~على جميع معاني كتاب الله، ولم يفته منها شيء وعلى جميع سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يفته منها شيء. # ولذلك فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإمام ~~اطلع على تلك الآية وعلم معناها، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه. # وأنه ما ترك العمل بهما إلا لأنه اطلع على ما هو أقوى منهما وأرجح. # ولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه شيء من الوحي الموجود بين ~~أيديهم. # وهذا الظن كذب باطل بلا شك. # والأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي، كما سيأتي ~~إيضاحه إن شاء الله. # ومن أصرح ذلك أن الإمام مالكا رحمه الله، إمام دار الهجرة المجمع على ~~علمه وفضله وجلالته، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل ~~بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبي جعفر ورده عليه. # وأخبره أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في أقطار الدنيا، ~~كلهم عنده علم ليس عند الآخر. # ولم يجمع الحديث جمعا تاما بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة ~~الأربعة. # لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تفرقوا في أقطار الدنيا ~~روي ms3456 عنهم كثير من الأحاديث لم يكن عند غيرهم، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا ~~بعد أزمان. # وكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص. # فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى ~~مات رضي الله عنه. # وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا فبينها له ولم يفهم. # فقد ثبت عنه رضي الله عنه أنه قال: ما سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال لي # " يكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء " # فهذا من أوضح البيان، لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بآية الصيف # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء: 176] والآية تبين معنى الكلالة بيانا شافيا، لأنها أوضحت ~~أنها: ما دون الولد والوالد. # فبينت نفي الولد بدلالة المطابقة في قوله تعالى: # إن امرؤ هلك ليس له ولد # [النساء: 176] وبينت نفي الوالد بدلالة الالتزام في قوله تعالى # وله أخت فلها نصف ما ترك # [النساء: 176]، لأن ميراث الأخت يستلزم نفي الولد. # ومع هذا البيان النبوي الواضح لهذه الآية الكريمة، فإن عمر رضي الله عنه ~~لم يفهم. # وقد صح عنه أن الكلالة لم تزل مشكلة عليه. # وقد خفي معنى هذا أيضا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال في ~~الكلالة: أقول فيها برأيي. فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان، هو ما دون الولد والوالد. # فوافق رأيه معنى الآية. # والظاهر أنه لو كان فاهما للآية لكفته عن الرأي. # كما # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: " تكفيك آية الصيف ~~". # وهو تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن في الآية كفاية عن كل ما سواها في ~~الحكم المسؤول عنه. # ومما يوضح ذلك أن عمر طلب من النبي صلى الله عليه وسلم بيان الآية. # وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم. # فما أحال عمر على الآية إلا لأن فيها ms3457 من البيان ما يشفي ويكفي. # وقد خفي على أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم # " أعطى الجدة السدس حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس " # فرجع إلى قولهما. # ولم يعلم عمر رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم: قضى في دية ~~الجنين بغرة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل. # ولم يعلم عمر رضي الله عنه بأن المرأة ترث من دية زوجها. حتى أخبره ~~الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن يورث امرأة ~~أشيم الضبابي من دية زوجها. # ولم يعلم أيضا بآخذ الجزية من المجوسي حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف. ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. # ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثا حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه. # ولم يعلم عثمان رضي الله عنه بوجوب السكنى للمتوفى عنه حتى أخبرته قريعة ~~بنت مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات ~~عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدتها. # وأمثال هذا أكثر من أن تحصر. # فهؤلاء الخلفاء الراشدون وهم هم، خفي عليهم كثير من قضايا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأحاديثه مع ملازمتهم له، وشدة حرصهم على الأخذ منه. # فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم. # فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشأوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في ~~أقطار الدنيا؟ # وروي عنه الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها؟ # والحاصل أن ظن إحاطة الإمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من ~~الحق شيئا، وليس بصحيح قطعا. # لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث فلم يطلع عليها ويرويه بعض العدول عن ~~الصحابة فيثبت عند غيره. # وهو معذور في ترك العمل به، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في ~~البحث. # ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ. # وقد يكون الإمام اطلع على الحديث، ولكن السند ms3458 الذي بلغه به ضعيف فيتركه ~~لضعيف السند. # ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث فهو معذور في ~~تركه، لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة ~~الأخرى. # وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ~~ذلك الشيء الذي ظنه لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها، إلى أسباب ~~أخر كثيرة، كترك الأئمة للعمل ببعض النصوص. # وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته ~~في معانيها كلها ظن باطل. # وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله. # فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم رحمهم الله من أنهم قد يخطئون ونهوا ~~عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة. # فالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئا. # أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا ~~متبع لهم. # ودعواه اتباعهم كذب محض. # وأما القضية الثانية: # فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ. # وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك ~~الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل ما لذلك الإمام الذي قلدوه. # لأنهم متبعون له فيجري عليهم ما جرى عليه. # وهذا ظن كاذب باطل بلا شك. # لأن الإمام الذي قلدوه بذلك جهده في تعلم كتاب الله وسنة رسوله وأقوال ~~أصحابه وفتاويهم. # فقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء ~~الوحي المنزل. # ومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده. # وأما مقلدوه فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله وأعرضوا عن ~~تعلمهما إعراضا كليا مع يسره وسهولته ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ~~ويصيبون منزلة الوحي المنزل من الله. # فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟ # وهذا الفرق العظيم بينهم، وبينهم، يدل دلالة واضحة، على ms3459 أنهم ليسوا ~~مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق. # وليسوا معذورين لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء ~~وحيه المنزل. # والذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام ~~عباداتهم ومعاملاتهم. # وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة. # والحاصل أن المعرض عن كتاب الله، وسنة رسوله المفرط في تعلم دينه، مما ~~أنزل الله، وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على كتاب الله، وسنة رسوله، ~~لا يكون له ألبتة ما للإمام الذي لم يعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم ~~يقدم عليهما شيئا ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة. # فأين هذا من هذا؟ # سارت مشرقة وسرت مغربا # شتان بين مشرق ومغرب # التنبيه الثاني # اعلم أن الأئمة الأربعة رحمهم الله، متفقون على منع تقليدهم، التقليد ~~الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم. # ولو كانوا أتباعهم حقا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا ~~عنه. # قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه: # أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن ~~أحمد القاضي المالكي، قال حدثنا موسى بن إسحاق، قال حدثنا إبراهيم بن ~~المنذر، قال حدثنا معن بن عيسى، قال سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر ~~أخطىء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ~~ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اه. محل الغرض منه بلفظه. # فمالك رحمه الله مع علمه وجلالته وفضله يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما ~~خالف الوحي من رأيه. # فمن كان مالكيا فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند. # وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه أيضا: # أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي حدثني أبي حدثنا محمد بن عمر بن ~~لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي، قال أنبأنا عبد الله بن مسلمة ms3460 ~~القعنبي قال: # دخلت على مالك فوجدته باكيا فسلمت عليه فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت ~~له: # يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي يا ابن قعنب إنا لله على ما فرط ~~مني، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ~~ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. # اه. محل الغرض منه بلفظه. # ومن المعلوم بالضرورة أن مالكا رحمه الله لا يسره ولا يرضيه تقديم رأيه ~~هذا الذي يسترجع ويبكي ندما عليه، ويتمنى لو ضرب بالسياط ولم يكن صدر ~~منه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # فليتق الله وليستحي من الله من يقدم مثل هذا الرأي على الكتاب والسنة ~~زاعما أنه متبع مالكا في ذلك. # وهو مخالف فيه لمالك، ومخالف فيه لله ولرسوله، ولأصحابه ولكل من يعتد به ~~من أهل العلم. # وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: # وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة. # فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة ~~حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي. # وقال إسماعيل بن عيسى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، ~~ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره ~~لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه إلى أن قال: # وقال أحمد بن حنبل: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الثوري ولا ~~الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. # وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. # وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى ~~يعلم من أين قلنا. # وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه ~~يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله ~~اه محله الغرض منه. # ومما لا شك فيه أن الأئمة الأربعة ms3461 رحمهم الله نهوا عن تقليدهم في كل ما ~~خالف كتابا أو سنة كما نقله عنهم أصحابهم. # كما هو مقرر في كتب الحنفية عن أبي حنيفة. # وكتب الشافعية عن الشافعي القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي. # وكتب المالكية، والحنابلة عن مالك وأحمد رحمهم الله جميعا. # وكذلك كان غيرهم من أفاضل العلماء يمنعون من تقليدهم فيما لم يوافق ~~الكتاب والسنة وقد يتحفظون منه ولا يرضون. # قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه: # وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن سحنون، قال كان مالك بن ~~أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون ~~إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما. # وإذا سأله محمد بن إبراهيم بن دينار وذووه لم يجبهما. # فقال له: # يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي فلا تجيبا؟ # فقال: # أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ # قال: نعم: فقال له: # إني قد كبرت سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي ~~خالطني في بدني. # ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقا قبلاه، وإذا سمعا ~~خطأ تركاه. # وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. # قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح. # لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن. اه منه. # التنبيه الثالث # اعلم أن المقلدين للأئمة هذا التقليد الأعمى قد دل كتاب الله، وسنة ~~رسوله، وإجماع من يعتد به من أهل العلم، أنه لا يجوز لأحد منهم أن يقول: ~~هذا حلال وهذا حرام. # لأن الحلال ما أحله الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه ~~أو سنة رسوله، والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ~~في كتابه، أو سنة رسوله. # ولا يجوز ألبتة للمقلد أن يزيد على قوله: هذا الحكم قاله الإمام الذي ~~قلدته أو أفتى به. # أما دلالة القرآن على منع ذلك فقد قال تعالى: # قل ms3462 أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59] وقال تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون # [النحل: 116]. وقال تعالى: # قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا # [الأنعام: 150] الآية. # ومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب كما بيناه مرارا، ~~وأوضحنا أدلته من السنة الصحيحة. # ومما يوضح هذا أن المقلد الذي يقول: هذا حلال وهذا حرام من غير علم بأن ~~الله حرمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم يقول على الله بغير علم ~~قطعا. # فهو داخل بلا شك في عموم قوله تعالى: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون # [الأعراف: 33]. # فدخوله في قوله: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~} كما ترى. # وهو داخل أيضا في عموم قوله تعالى: # إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 169]. # وأما السنة، فقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان. # ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان قال: أملاه ~~علينا إملاء. # ح وحدثني عبد الله بن هاشم واللفظ له حدثني عبد الرحمن يعني ابن مهدي ~~حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: # " كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو ~~سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: " ~~اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله " # الحديث. # وفيه # " وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على ~~حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري، أتصيب حكم ms3463 الله فيهم أم لا ~~" # هذا لفظ مسلم في صحيحه. # وفيه النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم عن نسبة حكم إلى الله، ~~حتى يعلم بأن هذا حكم الله الذي شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. # ولأجل هذا كان أهل العلم لا يتجرؤون على القول بالتحريم والتحليل إلا ~~بنص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه: # حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح ~~قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال: ~~قال الربيع بن خيثم: # إياكم أن يقول الرجل في شيء إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله: ~~كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه. # قال أو يقول: # إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبت لم أحله ولم آمر به. # وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من ~~أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء: ~~هذا حلال وهذا حرام. # ما كانوا يجترئون على ذلك. # وإنما كانوا يقولون: نكره هذا. # ونرى هذا حسنا. # ونتقي هذا، ولا نرى هذا. # وزاد عتيق بن يعقوب، ولا يقولون حلال ولا حرام. # أما سمعت قول الله عز وجل: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59]. # الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله: قال أبو عمر: ~~معنى قول مالك هذا إن ما أخذ من العلم رأيا واستحسانا لم نقل فيه حلال ~~ولا حرام والله اعلم. اه. محل الغرض منه. # وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره، في الكلام على قوله ~~تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام # [النحل: 116] الآية، ما نصه: # أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا ms3464 هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما ~~سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا حرام ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا ~~يستحبون. # وقال ابن وهب: # قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام. # ولكن يقولون: إياكم وكذا وكذا. ولم أكن لأصنع هذا. # ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل ليس لأحد أن يقول أو ~~يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارئ تعالى بذلك عنه. # وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: # إني أكره كذا. # وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى اه. محل الغرض منه. # وإذا كان مالك وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر أهل العلم لا يتجرؤون ~~أن يقولوا في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي: هذا حلال أو حرام. # فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي؟ # فتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب إنما نشأ لهم من ~~الجهل بكتاب الله وسنة رسوله، وآثار السلف الصالح. # وآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها. # لأنه تعالى لما قال: # فجعلتم منه حراما وحلالا # [يونس: 59] أتبع ذلك بقوله # قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون # [يونس: 59]. # ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه. # فمن كان عنده إذن من الله بتحريم هذا أو تحليله فليعتمد على إذن الله في ~~ذلك. # ومن لم يكن عنده إذن من الله في ذلك فليحذر من الافتراء على الله. # إذ لا واسطة بن الأمرين. # ومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها. # فالذين يقولون من الجهلة المقلدين: هذا حلال وهذا حرام، وهذا حكم الله، ~~ظنا منهم أن أقوال الإمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني ~~عنهما. # وأن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينه أعمتهم ~~ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق حتى صاروا يقولون هذا. # فهم كما ترى، مع أن الإمام الذي قلدوه، ما كان يتجرأ على مثل ms3465 الذي ~~تجرؤوا عليه، لأن علمه يمنعه من ذلك. # والله جل وعلا يقول: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولو الألباب # [الزمر: 9]. # التنبيه الرابع # اعلم أن مما لا بد منه معرفة، الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل ~~الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال. # وإيضاح ذلك، أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، او إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال. # لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل ~~الاجتهاد. # لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم ~~مخالفتها كائنا من كان. # ولا يجوز التقليد فيما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا إذ لا أسوة في غير ~~الحق. # فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط. # ولا اجتهاد، ولا تقليد فيما دل عليه نص، من كتاب أو سنة، سالم من ~~المعارض. # والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في ~~صحة معناه أحد من أهل العلم. # وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه. # وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، ~~وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع ما ثبت عليه حجة. # وقال في موضع آخر من كتابه: # كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، ~~والتقليد في دين الله غير صحيح. # وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ ~~والتقليد ممنوع. اه. # وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: # وقد فرق الإمام أحمد رحمه الله بين التقليد والاتباع. # فقال أبو داود: # سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه. # قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: أما كون العمل بالوحي اتباعا لا ~~تقليدا فهو ms3466 أمر قطعي. # والآيات الدالة على تسميته اتباعا كثيرة جدا: # كقوله تعالى: # اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا ~~من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون # [الأعراف: 3]. # وقوله تعالى: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] الآية. # وقوله تعالى: # قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا ~~بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # [الأعراف: 203]. # وقوله تعالى: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. # وقوله تعالى: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون # [الأنعام: 155]. # وقوله تعالى: # اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ~~وأعرض عن المشركين # [الأنعام: 106]. # وقوله تعالى: # قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا ~~إلا نذير مبين # [الأحقاف: 9]. # والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. فالعمل بالوحي، هو الاتباع كما دلت عليه ~~الآيات. # ومن المعلوم الذي لا شك فيه، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا ~~يصح اجتهاد يخالفه من الوجوه، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه. # فاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن مواضع الاتباع ليست محلا ~~أصلا للاجتهاد ولا للتقليد. # فنصوص الوحي الصحيحة الواضحة الدلالة السالمة من المعارض لا اجتهاد ولا ~~تقليد معها ألبتة. # لأن اتباعها والإذعان لها فرض على كل أحد كائنا من كان كما لا يخفى. # وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في ~~الاجتهاد. # وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد. # فجعل شروط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين ~~مواضعهما خلط وخبط، كما ترى. # والتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك ~~الوحي الذي يتبعه. # وأنه يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها. # ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد. # فيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة، ويعمل بكل ما ~~علم من ms3467 ذلك، كما كان عليه أول هذه الأمة، من القرون المشهود لها بالخير. # التنبيه الخامس. # اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور، يقولون: # هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة، وتقديمهما ~~على آراء الرجال من التكليف بما لا يطاق. # لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما. # ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإمام الذي نقلده. # لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئا غير ذلك. # فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة لا نعلم شيئا من أحكام عباداتنا ولا ~~معاملاتنا، وتعطلت بيننا الأحكام إذ لا نعرف قضاء ولا فتوى ولا غير ذلك ~~من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا. # لأن أحكامه مدونة عندنا وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب ~~أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين. # ونحن نقول: # والله لقد ضيقتم واسعا. وادعيتم العجز، وعدم القدرة في أمر سهل. # ولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين التقليد الأعمى، للمذاهب المدونة ~~تقتضي صعوبة شديدة جدا في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة ~~بنور الوحي. # وذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة والإعراض عنهما ~~إعراضا كليا يتوارثه الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد. # فالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل. # ونحن لا نقول: إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده. # بل نعوذ بالله من أن نقول ذلك. # ولكنا نقول: إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما، ولا يجوز الإعراض عنهما وأن ~~كل ما علمه المكلف منهما علما صحيحا ناشئا عن تعلم صحيح وجب عليه ~~العمل به. # فالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإعراض عنهما إعراضا كليا اكتفاء ~~عنهما بغيرهما. # وهذا من أعظم المنكر وأشنع الباطل. # فالذي ندعو إليه هو المبادرة بالرجوع إليهما بتعلمهما أولا ثم العمل ~~بهما والتوبة إلى الله من الإعراض عنهما. # ودعوى أن تعلمهما غير مقدور عليه، لا يشك في بطلانها عاقل، ونعيذ أنفسنا ~~وإخواننا بالله أن يدعوا على أنفسهم أن على ms3468 قلوبهم أكنة، وفي آذانهم ~~وقرا يمنعهم من فهم كتاب الله. # لأن ذلك قول الكفار لا قول المسلمين قال الله تعالى # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا ~~فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون # [فصلت: 1-5]. # فاحذر يا أخي وارحم نفسك أن تقول مثل قول هؤلاء الكفرة وأنت تسمع ربك ~~يقول: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17-22-23-40]، ويقول: # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون # [الدخان: 58]. # ويقول # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # [ص: 29]. # فلا تخرج نفسك من عموم أولي الألباب الذين هم أصحاب العقول، لأنك إن ~~فعلت ذلك اعترفت على نفسك أنك لست من جملة العقلاء. # وعلى كل حال فلا يخلو المقلدون، التقليد الأعمى، من أحد أمرين: # أحدهما: ألا يلتفتوا إلى نصح ناصح. # بل يستمرون على تقليدهم الأعمى، والإعرض عن نور الوحي عمدا. # وتقديم رأي الرجال عليه. # وهذا القسم منهم لا نعلم له عذرا في كتاب الله ولا سنة رسوله. # ولا في قول أحد من الصحابة، ولا أحد من القرون المشهود لهم بالخير. # لأن حقيقة ما هم عليه، هو الإعراض عما أنزل الله عمدا مع سهولة تعلم ~~القدر المحتاج إليه منه، والاستغناء عنه بأقوال الأئمة. # ومن كان هذا شأنه وهو تام العقل والفهم قادر على التعلم فعدم عذره كما ~~ترى. # الأمر الثاني: هو أن يندم المقلدون على ما كانوا عليه من التفريط في ~~تعلم الوحي، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # ويبادروا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ويشرعوا في ذلك بجد. تائبين مما ~~كانوا عليه من التفريط قبل ذلك، وهذا القسم على هدى من الله. # وهو الذي ندعو إخواننا إليه. # التنبيه السادس # لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكاما ~~غير أحكام الاختيار. # فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحا حقيقيا، فهو في ms3469 سعة من ~~أمره فيه. # وقد استثنى الله جل وعلا، حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها ~~المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات، تحريما وهي الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به. # فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من ~~حكم التحريم. # قال تعالى في سورة الأنعام: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم # [الأنعام: 145]. # وقال في الأنعام أيضا: # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه # [الأنعام: 119]. # وقال تعالى في النحل: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم # [النحل: 115]. # وقال تعالى في البقرة: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم # [البقرة: 173]. # وقال تعالى في المائدة: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به # إلى قوله: # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم # [المائدة: 3]. # وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارا حقيقيا، بحيث يكون لا ~~قدرة له ألبتة، على غيره مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلا على ~~الفهم. # أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم. # أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجا لأنه لا يقدر على تعلم كل ما ~~يحتاجه في وقت واحد. # أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور ~~للضرورة. # لأنه لا مندوحة له عنه. # أما القادر على التعلم المفرط فيه. # والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي. # فهذا الذي ليس بمعذور. # التنبيه السابع ms3470 # اعلم أن موقفنا من الأئمة رحمهم الله من الأربعة وغيرهم. هو موقف سائر ~~المسلمين المنصفين منهم. # وهو موالاتهم، ومحبتهم، وتعظيمهم، وإجلالهم، والثناء عليهم، بما هم عليه ~~من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة وتقديمهما على رأيهم ~~وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها. # وأما المسائل التي لا نص فيها فالصواب النظر في اجتهادهم فيها. # وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا. # لأنهم أكثر علما وتقوى منا. # ولكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضى الله ~~وأحوطها وأبعدها من الاشتباه. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " # وقال: # " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " # وحقيقة القول الفصل في الأئمة رحمهم الله أنهم من خيار علماء المسلمين ~~وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد ~~وأجر الإصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورون فيه باجتهادهم معذورون في ~~خطئهم فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك. # ولكن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حاكمان عليهم وعلى أقوالهم ~~كما لا يخفى. # فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # فلا تك ممن يذمهم وينتقصهم ولا ممن يعتقد أقوالهم مغنية عن كتاب الله ~~وسنة رسوله أو مقدمة عليهما. # التنبيه الثامن # اعلم أن كلا من الأئمة أخذت عليه مسائل. قال بعض العلماء: إنه خالف ~~فيها السنة. # وسنذكر طرفا من ذلك هنا إن شاء الله. # أما الإمام أبو حنيفة رحمه الله فهو أكثر الأئمة في ذلك، لأنه أكثرهم ~~رأيا. # ولكثرة المسائل التي حصل فيها القيل والقال من ذلك لا نحتاج إلى بسط ~~تفصيلها. # وبعض المسائل التي قيل فيها ذلك يظهر أنه لم تبلغه السنة فيها، وبعضها ~~قد بلغته السنة فيها، ولكنه تركها لشيء آخر ظنه أرجح منها. # كتركه العمل لحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأموال. # وحديث " تغريب الزاني البكر " لأنه ترك العمل بذلك ms3471 ونحوه احتراما ~~للنصوص القرآنية في ظنه. # لأنه يعتقد أن الزيادة على النص نسخ وأن القضاء بالشاهد واليمين نسخ. ~~لقوله تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282]. # فاحترم النص القرآني المتواتر، فلم يرض نسخه بخبر آحاد سنده دون سنده. # لأن نسخ المتواتر بالآحاد عنده، رفع للأقوى بالأضعف، وذلك لا يصح. # وكذلك حديث تغريب الزاني البكر فهو عنده زيادة ناسخة لقوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # [النور: 2] والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. # فتركه العمل بهذا النوع من الأحاديث بناه على مقدمتين: # إحداهما: أن الزيادة على النص نسخ. # والثانية: أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. # وخالفه في المقدمة الأولى جمهور العلماء. # ووافقوه في الثانية. # والذي يظهر لنا ونعتقده اعتقادا جازما أن كلتا المقدمتين ليست بصحيحة. # أما الزيادة فيجب فيها التفصيل. # فإن كانت أثبتت حكما نفاه النص أو نفت حكما أثبته النص فهي نسخ. # وإن كانت لم تتعرض للنص بنفي ولا إثبات بل زادت شيئا سكت عنه النص فلا ~~يمكن أن تكون نسخا لأنها إنما رفعت الإباحة العقلية التي هي البراءة ~~الأصلية. # ورفعها ليس نسخا إجماعا. # وأما نسخ المتواتر بالآحاد. # فالتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا مانع منه ولا محذور فيه، ولا وجه لمنعه ~~ألبتة، وإن خالف في ذلك جمهور أهل الأصول. # لأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عن المتواتر لا وجه لردها، ولا ~~تعارض ألبتة بينها وبين المتواتر إذ لا تناقض بين خبرين اختلف زمنهما، ~~لجواز صدق كل منهما في وقته. # فلو أخبرك مثلا عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، بأن أخاك الغائب لم يزل ~~غائبا ولم يأت منزله. # لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك ~~موجود في منزله الآن. # فهل يسوغ لك أن تقول له كذبت، لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت؟ # ولو قلت له ذلك لقال لك هم في وقت إخبارهم لك صادقون، ولكن أخاك جاء بعد ~~ذلك. # فالمتواتر في وقت نزوله ms3472 صادق. # وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضا. # لأنه أفاد تجدد شيء لم يكن. # فحصر المحرمات مثلا في الأربع المذكورة في قوله تعالى: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة # [الأنعام: 145] الآية. صادق في ذلك الوقت. # لا يوجد محرم على طاعم بطعمه إلا تلك المحرمات الأربع. # فلا تحرم في ذلك الوقت الحمر الأهلية ولا ذو الناب من السباع ولا الخمر ~~ولا غير ذلك. # فإذا جاء بعد خبر آحاد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: حرم لحوم ~~الحمر الأهلية بخيبر، فهل يسوغ لقائل أن يقول: # هذا الخبر الصحيح مردود لأنه يعارض حصر المحرمات في الأربع المذكورة في ~~آية: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما # [الأنعام: 145] الآية؟ # ولو قال ذلك لقيل له: # هذا الخبرالصحيح لا تناقضه الآية، لأنه إنما أفاد حكما جديدا طارئا ~~لم يكن مشروعا من قبل. # وأحكام الشريعة تتجدد شيئا فشيئا. # والآية لم تدل على استمرار الحصر المذكور فيها. # فتبين أن زيادة حكم طارئ لا تناقض بينها وبين ما كان قبلها. # وإيضاح هذا أن نسخ المتواتر بالآحاد إنما رفع استمرار حكم المتواتر ~~ودلالة المتواتر على استمرار حكمه ليست قطعية حتى يمنع نسخها بأخبار ~~الآحاد الصحيحة. # وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الأنعام. # وقصدنا مطلق المثال لما يقال: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله خالف فيه ~~السنه برأيه. # وغرضنا أن نبين أنه رحمه الله لم يخالف شيئا من ذلك، إلا لشيء اعتقده ~~مسوغا لذلك. # وأنه لا يترك السنة إلا لشيء يراه مستوجبا لذلك شرعا. # ومما يبين ذلك أنه كان يقدم ضعيف الحديث على الرأي. # قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ما نصه: # وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف ~~الحديث عنده أولى من القياس والرأي. # وعلى ذلك بني مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي. # وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس. # ومنع قطع يد ms3473 السارق لسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف. # وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف. # وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك. # وترك القياس في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة. # فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة قوله، وقول الإمام أحمد: # وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعف في اصطلاح ~~المتأخرين. # بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا اه. محل الغرض ~~منه. # ومن أمثلة ما ذكر أن أبا حنيفة رحمه الله خالف فيها السنة لزوم ~~الطمأنينة في الصلاة وتعين تكبيرة الإحرام في الدخول فيها والسلام للخروج ~~منها. # وقراءة الفاتحة فيها والنية في الوضوء والغسل إلى غير ذلك من مسائل ~~كثيرة. # ولا يتسع المقام هنا لذكر ما استدل به أبو حنيفة لذلك ومناقشة الأدلة. # بل المقصود بيان أن الأئمة لا يخلو أحد منهم من أن يؤخذ عليه شيء خالف ~~فيه سنة وأنهم لم يخالفوها إلا لشيء سوغ لهم ذلك. # وعند المناقشة الدقيقة قد يظهر أن الحق قد يكون معهم وقد يكون الأمر ~~بخلاف ذلك. # وعلى كل حال فهم مأجورون ومعذورون كما تقدم إيضاحه. # وقد أخذ بعض العلماء على مالك رحمه الله أشياء قال: # إنه خالف فيها السنة قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه: # وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن ~~الأغلب يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة ~~كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مما قال مالك فيها برأيه، ~~قال: ولقد كتبت إليه في ذلك. انتهى محل الغرض منه. # ومعلوم أن مثل كلام الليث هذا عن مالك لا أثر له، لأنه لم يعين المسائل ~~المذكورة ولا أدلتها. # فيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك لأدلة خفيت على الليث، فليس خفاؤها ~~على مالك بأولى من خفائها على الليث. # ولا شك أن مذهب مالك المدون فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي. والظاهر أن ~~بعضها لم يبلغه ms3474 رحمه الله ولو بلغه لعمل به. # وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه. # ومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه صيام ست من شوال بعد صوم رمضان. # قال رحمه الله في الموطأ ما نصه: إني لم أر أحدا من أهل العلم والفقه ~~يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف. # وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته. # وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، ولو رأوا في ذلك رخصة ~~عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك. اه منه بلفظه. # وفيه تصريح مالك رحمه الله بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من ~~السلف، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا شك أنه لو بلغه الترغيب فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان ~~يصومها ويأمر بصومها، فضلا عن أن يقول بكراهتها. # وهو لا يشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرأف وأرحم بالأمة منه. # لأن الله وصفه صلى الله عليه وسلم في القرآن بأنه رؤوف رحيم. # فلو كان صوم السنة يلزمه المحذور الذي كرهها مالك من أجله لما رغب فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولراعى المحذور الذي راعاه مالك. # ولكنه صلى الله عليه وسلم، ألغى المحذور المذكور وأهدره، لعلمه بأن شهر ~~رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال. # كما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد ~~من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات لشهرة المكتوبات الخمس ~~وعدم التباسها بغيرها. # وعلى كل حال، فإنه ليس لإمام من الأئمة أن يقول هذا الأمر الذي شرعه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب. # وصيام الستة المذكورة، وترغيب النبي صلى الله عليه وسلم فيه ثابت عنه. # قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: # حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعا عن إسماعيل، قال ~~ابن أيوب حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد ms3475 بن سعيد بن قيس عن عمر بن ~~ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " # انتهى منه بلفظه. # وفيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في صوم الستة ~~المذكورة فالقول بكراهتها من غير مستند من أدلة الوحي خشية إلحاق الجهال ~~لها برمضان، لا يليق بجلالة مالك وعلمه وورعه، لكن الحديث لم يبلغه كما ~~هو صريح كلامه نفسه رحمه الله في قوله: لم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، ~~ولو بلغه الحديث لعمل به. # لأنه رحمه الله من أكثر الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأحرصهم على العمل بسنته. # والحديث المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصوم السنة ~~المذكور رواه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم ~~ثوبان وجابر وابن عباس وأبو هريرة والبراء بن عازب كما بينه صاحب نيل ~~الأوطار. # وعلى كل حال فالحديث صحيح ويكفي في ذلك إسناد مسلم المذكور. # ولا عبرة بكلام من تكلم في سعد بن سعيد لتوثيق بعض أهل العلم له واعتماد ~~مسلم عليه في صحيحه. # ومن أمثلة ما لم تبلغ مالكا رحمه الله فيه السنة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إفراد صوم يوم الجمعة، فقد قال رحمه الله في الموطأ ما نصه: # لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم ~~الجمعة وصيامه حسن. # وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه. # وأراه كان يتحراه. انتهى منه بلفظه. # وفيه تصريحه رحمه الله بأنه لم يسمع أحدا من أهل العلم ينهى عن صوم ~~الجمعة. # وأن ذلك حسن عنده، وأنه رأى بعض أهل العلم يتحرى يوم الجمعة ليصومه. # وهذا تصريح منه رحمه الله بأنه لم يبلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن صوم يوم الجمعة وحده، وأمره من صامه أن يصوم معه يوما غيره وإلا أفطر ~~إن ابتدأ ms3476 صيامه ناويا إفراده. # ولو بلغته السنة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمل بها وترك ~~العمل بغيرها. # لأن النهي عن صوم يوم الجمعة وحده ثابت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قال البخاري رحمه الله في صحيحه: # حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن محمد بن ~~عباد، قال سألت جابرا رضي الله عنه. # أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الجمعة؟ قال: نعم. زاد غير أبي ~~عاصم يعني أن ينفرد بصومه. # حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده " # حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة ح وحدثني محمد حدثنا غندر حدثنا شعبة عن ~~قتادة عن أبي أيوب # " عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين ~~أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطري ". # وقال حماد بن الجعد سمع قتادة حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته فأمرها، ~~فأفطرت، انتهى من صحيح البخاري بلفظه. # وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: # حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الحميد بن جبير عن محمد ~~بن عباد بن جعفر " سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وهو يطوف بالبيت ~~أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم، ورب ~~هذا البيت ". # وقال مسلم أيضا: # وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص وأبو معاوية عن الأعمش ح وحدثنا ~~يحيى بن يحيى واللفظ له أخبرنا أو بمعاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده ms3477 " # وفي لفظ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة ~~بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم " # هذا لفظ مسلم في صحيحه. # ولا شك أن هذا الأحاديث لو بلغت مالكا ما خالفها، فهو معذور في كونها ~~لم تبلغه. # وقال النووي في شرح مسلم: وأما قول مالك في الموطأ: لم أسمع أحدا من ~~أهل العلم والفقه ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن. # وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه. # فهذا الذي قاله هو الذي رآه. # وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو. # والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره. # وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به. # ومالك معذور، فإنه لم يبلغه. # قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم ~~يخالفه. انتهى منه. # وهذا هو الحق الذي لا شك فيه. # لأن مالكا من أورع العلماء وأكثر الناس اتباعا لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا يدعها وهو عالم بها. # وقوله في هذا الحديث: # " إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم " # أي كأن ينذر أحد صوم اليوم الذي يشفي الله فيه مريضه، فوافق ذلك يوم ~~الجمعة. # لأن صومه له لأجل النذر، الذي لم يقصد بأصله تعيين يوم الجمعة. # وإنما النهي فيمن قصد بصومه نفس يوم الجمعة دون غيره. # والغرض عندنا إنما هو المثال لبعض الأحكام التي لم تبلغ مالكا فيها ~~السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بلغته لعمل بها. # ومعلوم أن هنالك بعضا من النصوص ترك مالك العمل به مع أنه بلغه، لأنه ~~يعقتد أن ما ترك النص من أجله أرجح من النص. # وهذا يحتاج فيه إلى مناقشات دقيقة بين الأدلة، فقد يكون الحق في ذلك مع ~~هذا الإمام تارة ومع غيره أخرى. # فقد ترك مالك العمل بحديث خيار المجلس مع أنه حديث ms3478 متفق عليه، وقد بلغ ~~مالكا. # وقد حلف عبد الحميد الصائغ من المالكية بالمشي إلى مكة على أنه لا يفتي ~~بثلاث. قالها مالك. # ومراده بالثلاث المذكورة عدم القول بخيار المجلس هذا مع صحة الحديث فيه. # وجنسية القمح والشعير مع صحة الأحاديث الدالة على أنهما جنسان. # والتدمية البيضاء، ولا شك أن مالكا بلغه حديث خيار المجلس هذا. # فقد روي في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع ~~الخيار " # قال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه. انتهى منه ~~بلفظه. # مع أن مالكا لم يعمل بهذا الحديث الصحيح: # وأشار في الموطأ إلى بعض الأسباب التي منعته من العمل به في قوله: # وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه، لأن خيار المجلس لم ~~يحدد بحد معروف. # فصار القول به مانعا من انعقاد البيع إلى حد غير معروف. # وقد يكون المتعاقدان في سفينة في البحر لا يمكنهم التفرق بالأبدان. # وقد يكونان مسجونين في محل لا يمكنهما التفرق فيه. # وقد حمل مالك التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الكلام. # وصيغة العقد قال: # وقد أطلق التفرق على التفرق في الكلام دون الأبدان في قوله تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] فالتفرق في الآية إنما هو بالتكلم بصيغة الطلاق لا ~~بالأبدان. # وقوله تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة # [البينة: 4] فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد. # فلا يشترط أن يكون بالأبدان: # وحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس، هذا كثيرة معروفة. # منها ما هو في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282]، وقوله: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]، وقوله: # إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم # [النساء: 29]. # ومنها ما هو بغير ذلك. # وليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها، وإنما غرضنا المثال. # لأن الإمام قد يترك نصا بلغه ms3479 لاعتقاد أن ما ترك من أجله النص أرجح من ~~نفس النص، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه فينظر في ~~الأدلة، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضى الله. # كما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة، لا يفتي بقول مالك في هذا. # مع أنه عالم مالكي، لأنه رأى الأدلة واضحة وضوحا لا لبس فيه، في أن ~~المراد بالتفرق التفرق بالأبدان. # وقد صرح بذلك جماعة من الصحابة منهم ابن عمر راوي الحديث، ولم يعلم لهم ~~مخالف من الصحابة. # ولا شك أن المنصف إذا تأمل تأملا صادقا خاليا من التعصب عرف أن الحق ~~هو ثبوت خيار المجلس. # وإن المراد بالتفرق التفرق في الأبدان لا بالكلام. # لأن معنى التفرق بالكلام هو حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشتري. # وكل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول ~~الإيجاب والقبول. # فحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، حمل له على تحصيل حاصل، ~~وهو كما ترى. # مع أن حمل الكلام على هذا المعنى يستلزم أن المراد بالمتبايعين في ~~الحديث المتساومان، لأنه لا يصدق عليهما اسم المتبايعين حقيقة إلا بعد ~~حصول الإيجاب والقبول. # وحمل المتبايعين في كلام النبي صلى الله عليه وسلم على المتساومين ~~اللذين لم ينعقد بينهما بيع خلاف الظاهر أيضا كما ترى. # وأما كون القمح والشعير جنسا واحدا، فقد استدل له مالك ببعض الآثار ~~التي ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # قال في الموطأ: إنه بلغه أن سليمان بن يسار قال: فني علف حمار سعد بن ~~أبي وقاص فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرا، ولا تأخذ إلا ~~مثله. اه منه بلفظه. # وفي الموطأ أيضا عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن ~~الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته، فقال لغلامة: خذ من حنطة أهلك فابتع ~~بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله. اه منه بلفظه. # وفي الموطأ أيضا: أن مالكا بلغه عن القاسم بن محمد عن ابن ms3480 معيقيب ~~الدوسي مثل ذلك. قال مالك: وهو الأمر عندنا اه. منه بلفظه. # فهذه الآثار هي عمدة مالك رحمه الله في كون القمح والشعير جنسا واحدا. # وعضد ذلك بتقارب منفعتهما، والتحقيق الذي لا شك فيه أن القمح والشعير ~~جنسان، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا تصح معارضتها ألبتة بمثل هذه الآثار المروية عمن ذكر. # وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا ~~بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه " # انتهى منه بلفظه. # وهو صريح بأن القمح والشعير جنسان مختلفان، كاختلافهما مع التمر والملح. # وأن التفاضل جائز مع اختلاف الجنس إن كان يدا بيد، وروى مسلم في صحيحه ~~والإمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد " # اه منه بلفظه. # وللنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه، وفي آخره: وأمرنا أن نبيع البر ~~بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا. # قال المجد في المنتقى: لما ساق هذا الحديث ما نصه: وهو صريح في كون البر ~~والشعير جنسين، وما قاله صحيح كما ترى. # والأحاديث بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا طرفا منها في سورة البقرة ~~والمقصود هنا بيان صراحة الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في أن القمح والشعير جنسان لا جنس واحد، وأنها لا يجوز ترك العمل بها مع ~~صحتها ووضوحها، ولا أن يقدم عليها اثر موقوف على سعد بن أبي وقاص ولا أثر ~~موقوف على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ولا أثر موقوف على ابن ~~معيقيب. # واعلم أنه لا يصح الاستدلال لكون القمح والشعير جنسا واحدا بحديث معمر ~~بن عبد الله الثابت في صحيح مسلم وغيره، كنت أسمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " الطعام ms3481 بالطعام مثلا بمثل " # الحديث. # وذلك لأمرين: أحدهما أن معمر المذكور قال في آخر الحديث، وكان طعامهم ~~يومئذ الشعير. # فقد عين أن عرفهم المقارن للخطاب يخصص الطعام المذكور بالشعير. # والمقرر في أصول مالك: أن العرف المقارن للخطاب من المخصصات المنفصلة ~~التي يخصص بها العام قال في مراقي السعود في ذلك: # والعرف حيث قارن الخطابا # ودع ضمير البعض والأسبابا # الأمر الثاني: إن الاستدلال بالحديث المذكور على فرض اعتبار عمومه، وعدم ~~تخصيصه بالعرف المذكور، يقتضي أن الطعام كله جنس واحد فيدخل التمر والملح ~~لصدق الطعام عليهما. # وهذا لا قائل به كما ترى. # فالظاهر أن الإمام مالكا رحمه الله ومن وافقه من أهل العلم، لم تبلغهم ~~هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة، بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس. # وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدا بيد. # وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه، وإن خالف ~~في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم. # وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما. # والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكا خالف فيها السنة المعروفة ~~منها ما ذكرنا. # ومنها مسألة سجود الشكر وسجدات التلاوة في المفصل. # وعدم الجهر بآمين، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم قول ~~الإمام: ربنا ولك الحمد. # وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر. # وترك السجدة الثانية في الحج وغير ذلك من المسائل. # وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى ~~غيرها أرجح منها، وأن بعضها لم يبلغه، وأن الحق قد يكون معه في بعض ~~المسائل التي أخذت عليه. # وقد يكون مع غيره، كما قال مالك نفسه رحمه الله: # كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر. # وهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار ~~آحاد. # لأن القرآن أقوى سندا وإن كانت السنة أظهر دلالة، ولأجل هذا لم يبح ~~ميتة الجراد بدون ذكاة لأنه يقدم عموم # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: ms3482 3] الآية. على حديث # " أحلت لنا ميتتان ودمان " # الحديث، وقدم عموم قوله تعالى # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55]الآية. على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين لأن التأمين ~~دعاء، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة. # فالآية أقوى سندا وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع. # ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا. # وقد قدم مالك رحمه الله دليل القرآن فيما ذكرنا كما قدمه أيضا في ~~الثانية من سجدتي الحج لان نص الآية الكريمة فيها كالتصريح في أن المراد ~~سجود الصلاة، لأن الله يقول فيها. # يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم # [الحج: 77]. # فذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة. # والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة كقوله: # فصل لربك وانحر # [الكوثر: 2]. # ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر # فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين # [الحجر: 98]. # قالوا لأن معنى قوله: { فسبح بحمد ربك } أي صل لربك ~~متلبسا بحمده، وكن من الساجدين في صلاتك # ولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج { يأيها الذين آمنوا ~~اركعوا } الآية. أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى { ~~فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } # ثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة رحمهم الله لا يلحقهم نقص ولا عيب ~~فيما أخذ عليهم، لأنهم رحمهم الله بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله ~~على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم، فالمصيب منهم ~~له أجر اجتهاده وإصابته، والمخطىء منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه، ~~ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم رحمهم الله، وإنما قصدنا مع ~~الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم يجب تقديمهما على أقوالهم، لأنهم غير معصومين من الخطأ، وأن مذاهبهم ~~المدونة لا يصح ولا يجوز الاستغناء بها عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وأن على كل مسلم قادر على التعليم أن يتعلم الكتاب والسنة، ~~ومعرفة مذاهب الأئمة تعينه ms3483 على ذلك، والنظر فيما استدل به كل منهم يعينه ~~على معرفة أرجح الأقوال وأقربها إلى رضى الله. # وكذلك الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن كل واحد منهما لا يخلو من شيء قد ~~أخذ عليه، ومرادنا هنا التمثيل لذلك، وأن الوحي مقدم على أقوالهم جميعا، ~~وليس قصدنا الإكثار من ذلك. # وهذه أمثلة بالمطلوب وكان الشيخ رحمه الله أرجأ إيرادها فنذكرها على ما ~~هو ظاهر من المذهبين ونرجو أن تكون موافقة لما أراد. وبالله التوفيق. # فمما هو في مذهب أحمد رحمه الله صوم يوم الشك وهو يوم الثلاثين من ~~الشعبان حينما يشك فيه هل هو تمام شعبان أو أول رمضان. وذلك حينما تكون ~~السماء مغيمة خشية أن يظهر الهلال خلف الغيم أو القتر. # ولا يكون يوم شك إذا كانت السماء صحوا لأنه إذا رؤي الهلال فهو رمضان ~~وإلا فهو من شعبان. # فمذهب أحمد هو صوم هذا اليوم المشكوك فيه احتياطا لرمضان، وهو نص ~~المعنى إلا أنه ذكر عن أحمد روايات أخر. ولكن صومه هو المقدم في المذهب. ~~ولكنه مخالف لصريح النص في قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك: # " من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم " # صلى الله عليه وسلم. # قال في بلوغ المرام: ذكره البخاري تعليقا ووصله، قال في سبل السلام: ~~واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلة ~~بغيم ساتر، أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان. # والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه. اه. يعني بما في معناه قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين " # متفق عليه، ولمسلم # " فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين " # وللبخاري # " فأكملوا العدة ثلاثين " # وشبهة أحمد في قوله صلى الله عليه وسلم # " فاقدروا له " # بمعنى فضيقوا عليه كما في قوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله # [الطلاق: 7] ولكن هذا معارض للنص الصريح في معنى # " فاقدروا له ثلاثين " # وقوله # " فأكملوا العدة ثلاثين " # أي ms3484 سواء في شعبان أو في تمام رمضان عند الفطر. # ولم يقل بصومه من الأئمة إلا أحمد رحمه الله. # ومما هو عند الشافعي قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة الأجنبية بدون ~~حائل مع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث # " عائشة رضي الله عنها " كنت أنام معترضة في القبلة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائم يصلي فإذا سجد غمزني في رجلي فأقبضها فإذا قام مددتها ". # وقد أجابوا عن ذلك باحتمال سترها بحائل فجاء قولها " افتقدت رسول الله ~~ذات ليلة فقمت أطلبه والحجرات ليس فيه آنذاك السرج حتى وقعت كفي على بطن ~~قدمه وهو ساجد يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقلت: والله إنك لفي ~~واد وأنا في واد ". # فلما قام للركعة الثانية ظنته ذهب عند بعض نسائه فاغتسل ثم جاء يصلي ~~عندها فقامت وأدخلت يدها في شعر رأسه تتحس هل اغتسل أم لا.. إلخ ". # ولهم أجوبة على كل ذلك ولكنها لا تنهض مع هذه النصوص الصريحة. # وشبهة الشافعي في ذلك في معنى لامستم النساء من قوله تعالى: # أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم ~~النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا # [النساء: 43]. الآية ولم يقل بنقض الوضوء به من الأئمة إلا الشافعي رحمه ~~الله. # ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يتأتى من أحد أئمة ~~المسلمين أن يخالف نصا صريحا من كتاب أو سنة، بدون أن تكون لديه شبهة ~~معارضة بنص آخر، أو عدم بلوغ النص إليه، أو عدم صحته عنده أو غير ذلك مما ~~هو معروف في هذا المقام. # وإنما أوردنا هذين المثالين تتمة للبحث ولمجرد المثال. # التنيبه التاسع. # اعلم أن كل من يرى أنه لا بد له من تقليد الإمام في كل شيء بدعوى أنه لا ~~يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ~~ولا أحد غير ذلك الإمام. # يجب عليه أن يتنبه تنبها تاما للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي خالها ~~حقا، وبين ما ألحق بعده على قواعد ms3485 مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتا بعد ~~وقت من أنواع الاستحسان التي لا أساس لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم. # ولو علم الإمام بإلحاقهم بمذهبه، لتبرأ منها، وأنكر على ملحقها، فنسبة ~~جميع ذلك للإمام من الباطل الواضح. # ويزيده بطلانا نسبته إلى الله ورسوله، بدعوى أنه شرع ذلك على لسان ~~رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين منهم. # ومن أمثلته في مذهب مالك قول خليل المالكي في مختصره الذي قال فيه ~~مبينا لما به الفتوى: كأقل الطهر يعني أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة ~~عشر يوما. # والذين يعتنقون مذهب مالك يعتقدون أن مالكا يقول: بأن أقل الطهر بين ~~الحيضتين خمسة عشر يوما. # وهذا لم يقله مالك أبدا ولم يفت به ولم يروه عنه أحد من أصحابه. # والذي كان يقوله مالك: إن أقل الطهر ثمانية أيام أو عشرة أيام. # وهو الذي نقله عنه أجلاء أهل مذهبه كأبي محمد بن أبي زيد في رسالته رحمه ~~الله. # والقول بأن أقل الطهر خمسة عشر هو قول ابن مسلمة واعتمده صاحب التلقين، ~~وجعله ابن شاش المشهور أي مشهور مذهب مالك. # مع أن مالكا لم يقله ولم يعلم به، وأمثال هذا كثيرة جدا في مذهب مالك ~~وغيره. # ومثال استحسان المتأخرين لما لم يقله الإمام مما لا شك أنه لو بلغ ~~الإمام لم يقبله قول الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره في الصوم: ~~وعاشوراء وتاسوعاء. ما نصه: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام المولد ~~كرهه بعض من قرب عصره ممن صلح علمه وورعه. # قال إنه من أعياد المسلمين فينبغي ألا يصام فيه، وكان شيخنا أبو عبد ~~الله القوري يذكر ذلك كثيرا ويستحسنه. انتهى. # قلت: لعله يعني ابن عباد. فقد قال في رسائله الكبرى ما نصه: وأما المولد ~~فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل ~~فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع ~~وإمتاع البصر والسمع والتزين بلبس ms3486 فاخر الثياب وركوب فاره الدواب، أمر ~~مباح لا ينكر على أحد قياسا على غيره من أوقات الفرح. # والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود ~~وارتفع فيه علم الشهود وانقشع فيه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا ~~الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان ومقارنة ذلك بالنيروز ~~والمهرجان أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمة وتدفعه الآراء المستقيمة. # ولقد كنت فيما خلا من الزمان خرجت في يوم مولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن ~~وجدت هناك سيدي الحاج بن عاشر رحمه الله وجماعة من أصحابه وقد أخرج بعضهم ~~طعاما مختلفا ليأكلوه هنالك. # فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل، وكنت إذ ذاك صائما فقلت ~~لهم: إني صائم. # فنظر إلى سيدي الحاج نظرة منكرة، وقال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم ~~فرح وسرور يستقبح في مثله الصيام بمنزلة العيد. # فتأملت كلامه فوجدته حقا، وكأنني كنت نائما فأيقظني. انتهى بلفظه. # فهذا الكلام الذي يقتضي قبح صوم يوم المولد وجعله كيوم العيد من غير ~~استناد إلى كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا قول أحد من ~~أصحابه ولا من تابعيه. # ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة ولا من فقهاء الأمصار المعروفين الذي ~~أدخله بعض المتأخرين في مذهب مالك، ومالك بريء منه براءة الشمس من اللمس، ~~ولم يجر على أصول مذهبه، لأن علة تحريم صوم يوم العيد والفطر عنده أن ~~الله تعالى يكلف عباده في كل سنة عبادتين عظيمتين والأمر بهما عام لكل من ~~يستطيعهما، وإحداهما تجب في العمر مرة واحدة وهي الحج، والثانية تجب كل ~~سنة في شهر رمضان منها، وهي الصوم، فإذا انتهت عبادة الحج أو عبادة الصوم ~~ألزم الله الناس كلهم أن يكونوا في ضيافته يوم النحر ويوم عيد الفطر. # فمن صام في أحد اليومين أعرض عن ضيافة الله، والإعراض عن ضيافته تعالى ~~لا يجوز. # فإلحاق يوم المولد بيوم العيد إلحاق لا أساس له، لأنه إلحاق ليس بجامع ~~بينهما ولا نفي فارق ms3487 ولا إلحاق ألبتة إلا بجامع أو نفي فارق. # وكل من لمس يطمس الله بصيرته يعلم أن الحق الذي لا شك فيه هو اتباع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # ومعلوم أن جعل يوم المولد كيوم العيد في منع الصوم لم يقله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا أحد من الأئمة الأربعة. # فهو تشريع لاستقباح قربة الصوم ومنعها في يوم المولد من غير استناد إلى ~~وحي ولا قياس صحيح ولا قول أحد ممن يقتدى به. # ومما لا نزاع فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله الله رحمه للعالمين ~~كما قال تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] ورسالته صلى الله عليه وسلم هي أعظم نعمة على الخلق كما ~~بينه علماء التفسير في الكلام على قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا # [إبراهيم: 28] الآية، والخير كل الخير في اتباعه صلوات الله وسلامه ~~عليه، والشر كل الشر في تشريع ما لم يشرعه والتقول عليه بما لم يقله. # فالمقلدون لمالك مثل هذا التقليد الأعمى يعتقدون أن هذا الكلام الذي ~~ذكره الحطاب عن زروق وابن عباد وابن عاشر، أنه هو مذهب مالك وأنه من شرع ~~الله ودينه، وأنه ما دام من مذهب مالك، فاللازم تقديمه على الكتاب والسنة ~~لأنهما لا يجوز العمل إلا للمجتهد المطلق. # وهذا مثال من بلايا التقليد الأعمى وعظائمه. # ولا يخفى أن ادعاء أن وجود نعم الله كمولد النبي صلى الله عليه وسلم يدل ~~على استقباح طاعة الله بالصوم في أوقات وجود تلك النعم ظاهر الفساد، لأن ~~المناسب لنعم الله هو طاعته بأنواع الطاعات كالصوم. # ولذا تجد الناس ينذرون لله صوم اليوم الذي ينعم الله عليهم فيه بشفاء ~~المريض إتيان الغائب، وهذا أمر معروف وهو المعقول لا عكسه. # ومما يوضح هذا أن إنزال القرآن العظيم هو أعظم نعمة على البشر. # ولأجل ذلك علمهم الله حمده تعالى على هذه النعمة العظمى في أول سورة ~~الكهف في قوله تعالى # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: ms3488 1] الآية. # وقد بين تعالى أنه أنزل هذه النعمة في شهر رمضان، فكان نزول هذه النعمة ~~في شهر رمضان مقتضيا لصومه لا لجعل أيامه أعيادا يستقبح صومها، لأن ~~الله تعالى قال # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان # [البقرة: 185]. # وهذا هو أعظم النعم، وقد رتب على هذا بالفاء قوله بعده، # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185]. الآية فافهم. # والمقصود بهذا المثال النصيحة للذين لم يقدروا على غير هذا التقليد ~~الأعمى ليبحثوا في كتب المذهب وأمهاته عن أقوال الإمام وكبار أصحابه ~~ليفرقوا بينها وبين أنواع الاستحسان التي لا مستند لها، التي يدخلها ~~المتأخرون وقتا بعد وقت وهي ظاهرة الفساد عند من رزقه الله علما بكتاب ~~الله وسنة رسوله. # ومما لا شك فيه أن أقوال مالك وكبراء أصحابه مثلا، أحرى بالصواب في ~~الجملة من استحسان ابن عباس وابن عاشر وأمثالهما. # التنبيه العاشر. # اعلم أن الدعوى التي اتفق عليها متأخرو الأصوليين التي تتضمن حكمهم على ~~خالق السماوات والأرض جل وعلا لا يجوز لمسلم يريد الحق والإنصاف أن ~~يعقتدها، ولا أن يصدقهم فيها لظهور عدم صحتها ومخالفتها للنص، والحكم ~~فيها على الله بلا مستند، وهو جل وعلا الذي يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع ~~الحساب. # وهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي، وهو أن الاجتهاد قد انقرض ~~في الدنيا واسند بابه. # وأن الله تعالى تحكوم عليه بأن لا يخلق مجتهدا ولا يعلم أحدا من خلقه ~~علما يمكن أن يكون به مجتهدا إلى ظهور المهدي المنتظر. # وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل بكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحدا كائنا من ~~كان غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة، كما نص على هذه الدعوى ~~حاكيا إجماعهم عليها صاحب مراقي السعود في قوله: # والمجمع اليوم عليه الأربعه # وقفو غيرها الجميع منعه # حتى يجيء الفاطم المجدد # دين الهدى لأنه مجتهد # ومراده بالفاطمي المهدي المنتظر لأنه شريف. # وقوله: حتى يجيء. حرف غاية، والمغيا به، منع تقليد أحد غير الأربعة ~~المذكور في قوله: وقفوا غيرها الجميع ms3489 منعه. # وهذا صريح في أنهم حاكمون على الله القدير العليم، بأنه لا يخلق مجتهدا ~~قبل وجود المهدي المنتظر، وهذا الذي قاله صاحب مراقي السعود هو المقرر في ~~كتب المتأخرين من الأصوليين من أهل المذاهب المدونة. # وهذا الحكم على الله الذي كل يوم هو في شأن بأنه لا يخلق مجتهدا قبل ~~المهدي من مدة انقراض الاجتهاد المزعوم هو يا أخي كما ترى. # ولا شك أنك إن لم يعمك التعصب المذهبي تقطع أنه لا مستند له، وهذا الذي ~~ذكره صاحب مراقي السعود قد صرح بما يناقضه في قوله قبله: # والأرض لا عن قائم مجتهد # تخلو إلى تزلزل القواعد # وهذا النقيض الأخير هو الصحيح الموافق للحق. # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه قال: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي ~~أمر الله " # الحديث. وهو حديث مشهور متفق عليه لا نزاع في صحته. # ولا شك في أن هذه الطائفة التي صرح النبي صلى الله عليه وسلم: بأنها لا ~~تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله أنها طائفة على كتاب الله، وسنة ~~رسوله، وليست ألبتة من المقلدين التقليد الأعمى. # لأن الحق هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة كما ~~قال تعالى في سورة النساء: # يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم # [النساء:170] وقال في الأنعام: # وكذب به قومك وهو الحق # [الأنعام: 66]. وقال في النمل # فتوكل على الله إنك على الحق المبين # [النمل: 79] وقال في يونس: # يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم # [يونس: 108] والآيات بمثل ذلك كثيرة. # فدعوى أن الأرض لم يبق فيها مجتهد ألبتة، وأن ذلك مستمر إلى ظهور المهدي ~~المنتظر مناقضة لهذا الحديث الثابت ثبوتا لا مطعن فيه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ومما لا نزاع فيه أن كل ما يناقض الحق فهو ضلال، لأن الله جل وعلا يقول: # فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون # [يونس: 32]. والعلم عند الله تعالى. ms3490 # التنبيه الحادي عشر # اعلم يا أخي أن هذا الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، واعتقاد الاستغناء عنهما بالمذاهب المدونة الذي عم جل من في ~~المعمورة في المسلمين من أعظم المآسي والمصائب، والدواهي اتي دهت ~~المسلمين من مدة قرون عديدة. # ولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن الكتاب والسنة من ~~جملتها ما عليه المسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية ~~المنافي لأصل الإسلام. # لأن الكفار إنما احتاجوهم بفصلهم عن دينهم بالغزو الفكري عن طرق الثقافة ~~وإدخال الشبه والشكوك في دين الإسلام. # ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنا منيعا لهم من تأثير الغزو الفكر في ~~عقائدهم ودينهم. # ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال لم ~~تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة رحمهم الله مقام كلام الله والاعتصام ~~بالقرآن، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والتحصين بسنته. # ولذلك وجد الغزو الفكري طريقا إلى قلوب الناشئة من المسلمين: # ولو كان سلاحهم المضاد # القرآن والسنة لم يجد إليهم سبيلا # ولا شك أن كل منصف يعلم أن كلام الناس، ولو بلغوا ما بلغوا من العلم ~~والفضل، لا يمكن أن يقوم مقام كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. # وبالجملة فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الفكري الذي قضى على كيان ~~المسلمين، ووحدتهم وفصلهم عن دينهم، لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب الله ~~وسنة رسوله لرجع مدحورا في غاية الفشل لوضوح أدلة الكتاب والسنة، وكون ~~الغزو الفكري المذكور لم يستند إلا على الباطل والتمويه كما هو معلوم. ### || [47.25-28] # الظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قوم ~~كفروا بعد إيمانهم. # وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم،فلما بعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به. # وعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه ~~وتيقنوه، وعلى هذا ms3491 فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ~~ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم. # وعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89] لأن قوله: # فلما جآءهم ما عرفوا # مبين معنى قوله: { من بعد ما تبين لهم الهدى } ، وقوله ~~{ كفروا به } مبين معنى قوله: { ارتدوا على أدبارهم ~~}. # وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين. # وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سبب ارتداء هؤلاء القوم من ~~بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم كما قال تعالى مشيرا إلى ~~علة ذلك { الشيطان سول لهم } أي زين لهم الكفر والارتداد عن ~~الدين، وأملى لهم أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر. # قال الزمخشري: سول سهل لهم ركوب العظائم من السول، وهو الاسترخاء، وقد ~~اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا. # وأملى لهم ومد لهم في الآمال والأماني. انتهى. # وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع ~~لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ~~ومناهم بطول الأعمار. # لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي. # وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وأملى ~~لهم بفتح الهمزة واللام بعدها ألف وهو فعل ماض مبني للفاعل، وفاعله ضمير ~~يعود إلى الشيطان. # وأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى: # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف: 183]، وقوله تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # [آل عمران: 178] الآية. # ومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120]. # وقال تعالى: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء: 64] إلى قولك # وعدهم وما ms3492 يعدهم الشيطان إلا غرورا # [الإسراء: 64]. # وقال بعض العماء: ضمير الفاعل في قوله { وأملى لهم } على قراءة ~~الجمهور راجع إلى الله تعالى. # والمعنى: الشيطان { سول لهم } أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ~~ذلك وحسنه لهم، والله جل وعلا أملى لهم: أي أمهلهم إمهال استدراج. # وكون التسويل من الشيطان والإمهال من الله، قد تشهد لهم آيات من كتاب ~~الله كقوله تعالى في تزيين الشيطان لهم # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم # [الأنفال: 48] الآية. وقوله تعالى، # تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ~~ولهم عذاب أليم # [النحل: 63]، وقوله تعالى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # [إبراهيم: 22] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # وكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجا: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين # [الأعراف: 182-183]. وقوله تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران: 178] وقوله تعالى: # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا # [مريم: 75] وقوله تعالى # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44] وقوله تعالى: # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 95]. وقوله تعالى # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 55-56] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة وأملي لهم بضم الهمزة وكسر ~~اللام بعدها ياء مفتوحة بصيغة الماضي المبني للمفعول والفاعل المحذوف فيه ~~الوجهان المذكوران آنفا في فاعل، وأملي لهم على قراءة الجمهور بالبناء ~~للفاعل. # وقد ذكرنا قريبا ما يشهد لكل منهما من القرآن كقوله تعالى في إملاء ~~الشيطان لهم # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120] وقوله في إملاء الله لهم: # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف: ms3493 183] كما تقدم قريبا، والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر } راجعة إلى قوله تعالى، { ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم }. # أي ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم { قالوا ~~للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض ~~الأمر }. # وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل ~~الله وكرهه أولئك المطاعون. # والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له ~~على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى ~~فيمن كان كذلك # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم # [محمد: 27-28]. # وقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # [الشورى: 10] وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك. # وبينا في سورة الشورى أيضا شدة كراهة الكفار لما نزل الله، وبينا ذلك ~~بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # [الشورى: 13]. # وقد قدمنا مرارا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة والله يعلم { إسرارهم } قرأه ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم أسرارهم بفتح الهمزة ~~جمع سر. # وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إسرارهم بكسر الهمزة مصدر أسر كقوله: # وأسررت لهم إسرارا # [نوح: 9] وقد قالوا لهم ذلك سرا فأفشاه الله للعالم بكل ما يسرون وما ~~يعلنون. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فكيف إذا توفتهم ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } أي: فكيف يكون ~~حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟ # أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة، يتوفون الكفار وهم ~~يضربون وجوههم وأدبارهم جاء موضحا في موضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى ~~في ms3494 الأنفال: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم # [الأنفال: 50] وقوله في الأنعام: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون # [الأنعام: 93] الآية. # فقوله: { باسطوا أيديهم } أي بالضرب المذكور. # والإشارة في قوله { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط ~~الله } راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي أعني قوله { ~~يضربون وجوههم }. # أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب { بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله } أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما ~~نزله. # والإسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا. # وقوله: وكرهوا رضوانه لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان ~~الله. # لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل، ~~كراهة رضوانه لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه، فهو ككارهه. # وقوله: فأحبط أعمالهم أي أبطلها، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. وقد ~~أوضحنا المقام في ذلك إيضاحا تاما في سورة بني إسرائيل في الكلام على ~~قوله تعالى # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء:19]. # وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] الآية. # واعلم أن هذه الآية الكريمة، قد قال بعض العلماء: إنها نزلت في ~~المنافقين. # وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار ~~الذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، وهو عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم والتعويق عن الجهاد ونحو ذلك. # وبعضهم يقول: إن الذين اتبعوا ما أسخط الله، هم اليهود حين كفروا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم لما عرفوه، وكرهوا رضوانه، وهو الإيمان به صلى الله ~~عليه وسلم. # والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، ~~وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله. # مسألة # اعلم أن كل مسلم، يدب عليه في هذا ms3495 الزمان، تأمل هذه الآيات، من سورة ~~محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد. # لأن كثيرا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد ~~الشديد. # لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من السنن. # فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض ~~الأمر، فهو داخل في وعيد الآية. # وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في الأمر كالذين يتبعون القوانين ~~الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم من ~~تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. # وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم. # فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر. ### || [47.31] # اللام في قوله: لنبلونكم موطئة لقسم محذوف. # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة عن عاصم بالنون الدالة على العظمة ~~في الأفعال الثلاثة أعني لنبلونكم، ونعلم، ونبلو. # وقرأه شعبة عن عاصم بالمثناة التحتية. # وضمير الفاعل يعود إلى الله وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله جل ~~وعلا يبلو الناس أي يختبرهم بالتكاليف، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد ~~ليتميز بذلك صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم. جاء موضحا في آيات ~~أخر. # كقوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله # [البقرة: 214] الآية. # وقوله تعالى # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]. # وقوله تعالى # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما ~~تعملون # [التوبة: 16]. # وقوله تعالى # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين # [العنكبوت: 1-3]. ms3496 # وقوله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179]الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { حتى نعلم المجاهدين } ~~الآية. # وقد قدمنا إزالة الإشكال في نحوه في سورة البقرة في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143] الآية. # فقلنا في ذلك ما نصه: # ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علما ~~لم يكن يعلمه سبحانه وتعالى، عن ذلك علوا كبيرا، بل هو تعالى عالم بكل ~~ما سيكون قبل أن يكون. # وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم والله عليم بذات الصدور # [آل عمران: 154]. # فقوله: والله عليم بذات الصدور بعد قوله: ليبتلي، دليل قاطع على أنه لم ~~يستفد بالاختبار شيئا لم يكن عالما به سبحانه وتعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا. # لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار. # وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره ~~لخلقه. # ومعنى إلا لنعلم أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان ~~عالما به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر ~~والنجوى، فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى. اه. # قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: [وهذا العلم هو العلم ~~الذي يقع عليه به الجزاء لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم ~~عليهم، فتأويله حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، لأنهم إذا أمروا بالعمل ~~يشهد منهم ما عملوا فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، ونبلو ~~أخباركم نختبرها ونظهرها] انتهى محل الغرض منه. # وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: ~~[ولنبلونكم أيها المؤمنين بالقتل وجهاد أعداء الله حتى نعلم المجاهدين ~~منكم يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد. في الله منكم ms3497 وأهل الصبر ~~على قتال أعدائه فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي ~~الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم فنعرف الصادق ~~منكم من الكاذب]. انتهى محل الغرض منه بلفظه. # وما ذكره من أن المراد بقوله: حتى نعلم المجاهدين الآية، حتى يعلم ~~حزبنا. # وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين له وجه، وقد يرشد له قوله تعالى: { ~~ونبلو أخباركم } أي نظهرها ونبرزها للناس. # وقوله تعالى: # ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب # [آل عمران: 179] لأن المراد يميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك للناس. # ولذا قال # وما كان الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179] فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم ~~بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب. # والقول الأول وجيه أيضا، والعلم عند الله تعالى. ### || [47.32] # الظاهر أن صدوا في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا ~~غيرهم عن سبيل الله فهم ضالون مضلون. # وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم # [النحل: 97]. الآية. أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في ~~الأصول. # وصدوا هنا، إن قدرت لازمة فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله ~~كفروا. # وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسا. # لأن قوله: كفروا يدل على كفرهم في أنفسهم. # وقوله: وصدوا على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن ~~الحق، وهذا أرجح مما قبله. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وشآقوا الرسول } أي خالفوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم مخالفة شديدة. # وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين أحدهما أن الذين كفروا وصدوا غيرهم ~~عن الحق وخالفوه صلى الله عليه وسلم لن يضروا الله بكفرهم شيئا، لأنه ~~غني لذاته الغنى المطلق. # والثاني أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم، لأن ذلك الكفر سبب لإحباط ~~أعمالهم، كما قال تعالى: { وسيحبط أعمالهم }. # وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات ~~من كتاب ms3498 الله. # فمن الآيات الدالة على الأول الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره ~~بمعصيتهم، قوله تعالى: # ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. # وقوله تعالى: # إن تكفروا فإن الله غني عنكم # [الزمر: 7]. # وقوله تعالى: # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8]. # وقوله تعالى: # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ~~ما في السماوات وما في الأرض # [يونس: 68]. # وقوله تعالى: # فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني ~~حميد # [التغابن: 6]. # وقوله تعالى: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد # [فاطر: 15] إلى غير ذلك من الآيات. # ومن الآيات الدالة على الثاني وهو إحباط أعمالهم بالكفر أي إبطالها به ~~قوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # وقوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف # [إبراهيم: 18] الآية. # وقوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39]. # وقوله تعالى: # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون # [هود: 16] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [47.33] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } الآية. # قد قدمنا كثيرا جدا من الآيات المماثلة له قريبا في جملة كلامنا ~~الطويل على قوله تعالى # أفلا يتدبرون القرآن # [النساء: 82] الآية. ### || [47.34] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من مات على الكفر لن يغفر الله له، ~~لأن النار وجبت له بموته على الكفر، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب ~~الله. # كقوله تعالى # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين # [آل عمران: 91]. # وقوله تعالى # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون # [البقرة: 161-162]. # وقوله تعالى # ولا الذين يموتون وهم ms3499 كفار أولئك أعتدنا ~~لهم عذابا أليما # [النساء: 18]. # وقوله تعالى: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 217]. ### || [47.35] # قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم إلى السلم بفتح ~~السين. # وقرأ حمزة وشعبة إلى السلم بكسر السين. # وقوله تعالى: { فلا تهنوا } أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قوله تعالى: # فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله # [آل عمران: 146]. # وقوله تعالى: # ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين # [الأنفال: 18] أي مضعف كيدهم، وقول زهير بن أبي سلمى: # وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت # فأصبح الحبل منها واهنا خلقا # وقوله تعالى: { وأنتم الأعلون } جملة حالية فلا تضعفوا عن قتال ~~الكفار وتدعوا إلى السلم، اي تبدؤوا بطلب السلم أي الصلح والمهادنة وأنتم ~~الأعلون. أي والحال أنكم انتم الأعلون أي الأقهرون والأغلبون لأعدائكم، ~~ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون. # وهذا التفسير في قوله { وأنتم الأعلون } هو الصواب. # وتدل عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى بعده { والله معكم } ~~لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب وهو القاهر المنصور الموعود ~~بالثواب. # فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح ~~والمهادنة. # وكقوله تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]، وقوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51] الآية، وقوله # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47] وقوله تعالى # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم # [التوبة: 14] الآية. # ومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى: # ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون ~~فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون # [النساء: 104] الآية، لأن قوله تعالى { وترجون من الله ما ~~لا يرجون } من النصر الذي وعدكم الله به والغلبة وجزيل الثواب. # وذلك كقوله هنا { وأنتم الأعلون } وقوله: { والله معكم } ~~أي بالنصر والإعانة والثواب. # واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال إن ~~إحداهما ناسخة للأخرى، بل ms3500 هما محكمتان وكل واحدة منهما منزلة على حال غير ~~الحال التي نزلت عليه الأخرى. # فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: { فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم } إنما هو عن الابتداء بطلب السلم. # والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار ~~بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله # [الأنفال: 61] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { والله معكم } قد قدمنا ~~الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها ~~به ابن كثير رحمه الله. # وهو أن المعنى: لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون أي في حال ~~قوتكم وقدرتكم على الجهاد. # أي، وأما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي ~~الصلح والمهادنة، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: # السلم تأخذ منها ما رضيت به # والحرب تكفيك من أنفاسها جرع # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولن يتركم أعمالكم } ~~أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم. # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى شيئا من ~~ثواب الأعمال جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى # وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا # [الحجرات: 14] أي لا ينقصكم من ثوابها شيئا. # وقوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. # والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولن يتركم } أصله من الوتر، ~~وهو الفرد. # فأصل قوله: لن يتركم لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها. ### || [47.36] # هذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى جاءت مبينة في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من ms3501 رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم # [الحديد: 28] إلى غير ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { ولا يسألكم أموالكم }. # في هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير منها أن المعنى: ولا ~~يسألكم النبي صلى الله عليه وسلم أموالكم أجرا على ما بلغكم من الوحي ~~المتضمن لخير الدنيا والآخرة. # وهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله # [سبأ: 47]. # وقوله تعالى: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86]. # وقوله تعالى: # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] وذكرنا بعض ذلك في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23]. ### || [47.38] # قوله تعالى: { والله الغني وأنتم الفقرآء }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له قريبا في الكلام على قوله تعالى: # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا ~~الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى # [محمد: 32] الآية. # قوله تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~ثم لا يكونوا أمثالكم }. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # [النساء: 133]. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1] # التحقيق الذي عليه الجمهور أن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية، لأنه فتح ~~عظيم. # وإيضاح ذلك أن الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا ~~بالكفار فيدعوهم إلى الإسلام وبينوا لهم محاسنه. # فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإسلام. # ومما يوضح ذلك أن الذين شهدوا صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ذي القعدة عام ست كانوا ألفا وأربعمائة. # ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان ~~خروجه إلى ms3502 مكة في رمضان عام ثمان. # وكان معه عشرة آلاف مقاتل، وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح ~~لكونه سببا لقوة المسلمين وكثرة عددهم. # وليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم. # وإنما قلنا ذلك لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا. # ولأن ظاهر القرآن يدل عليه لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في ~~طريقه صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة. # ولفظ الماضي في قوله: { إنا فتحنا } يدل على أن ذلك الفتح قد ~~مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين خلاف الظاهر. # والآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهي قوله ~~تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] الآية. # وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في ~~قوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # [الفتح: 2]. الآية. ### || [48.4] # قوله تعالى: { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم }. # ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الإيمان يزيد دلت عليه آيات أخر من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا # [الأنفال: 2]. وقوله تعالى: # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون # [التوبة: 124] وقوله تعالى: # ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا # [المدثر: 31] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحناه مرارا. # والحق الذي لا شك فيه. أن الإيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة ~~والجماعة، وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة كما تقدم. # قوله تعالى: { ولله جنود السماوات والأرض }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له جنود السماوات والأرض وبين في ~~المدثر أن جنوده هذه لا يعلمها إلا هو، وذلك في قوله: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. ### || [48.5-6] # قوله تعالى: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ~~ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات الظآنين بالله ظن السوء }. # أظهر الأقوال وأصحها في الآية أن اللام ms3503 في قوله: { ليدخل } متعلقة ~~بقوله # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم # [الفتح: 4]. # وإيضاح المعنى { هو الذي أنزل السكينة } أي السكون ~~والطمأنينة إلى الحق، في قلوب المؤمنين، ليزدادوا بذلك إيمانا لأجل أن ~~يدخلهم بالطمأنينة إلى الحق، وازدياد الإيمان جنات تجري من تحتها ~~الأنهار. # ومفهوم المخالفة في قوله: { في قلوب المؤمنين } أن قلوب غير ~~المؤمنين ليست كذلك وهو كذلك ولذا كان جزاؤهم مخالفا لجزاء المؤمنين كما ~~صرح تعالى بذلك في قوله: { ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين ~~بالله ظن السوء }. # وإيضاح المعنى أنه تعالى وفق المؤمنين بإنزال السكينة، وازدياد الإيمان ~~وأشقى غيرهم من المشركين والمنافقين فلم يوفقهم بذلك ليجازي كلا بمقتضى ~~عمله. # وهذه الآية شبيهة في المعنى بقوله تعالى في آخر الأحزاب: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات # [الأحزاب: 72-73]. # قوله تعالى: { وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد ~~لهم جهنم وسآءت مصيرا } # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه يجازي المشركين والمشركات ~~والمنافقين والمنافقات بثلاث عقوبات وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم. # وقد بين في بعض الآيات بعض نتائج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب: # ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى # [طه: 81]. وقوله في اللعنة، # ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا # [النساء: 52] وقوله في نار جهنم: # ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته # [آل عمران: 192] الآية. ### || [48.8] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم شاهدا ومبشرا ونذيرا. # وقد بين تعالى أنه يبعثه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاهدا على ~~أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين. قال تعالى في شهادته صلى الله ~~عليه وسلم يوم القيامة على أمته # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41 } وقوله تعالى: # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء # [النحل: 89]. # فآية النساء وآية النحل المذكورتان الدالتان على شهادته صلى ms3504 الله عليه ~~وسلم يوم القيامة على أمته تبينان آية الفتح هذه. # وما ذكرنا من أنه مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين أوضحه في قوله تعالى: # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ~~وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]. # وقد أوضحنا هذا في أول سورة الكهف، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة، ذكره وزيادة في سورة الأحزاب في قوله تعالى: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 45-46]. # وقوله هنا: { إنآ أرسلناك شاهدا } حال مقدرة. وقوله: مبشرا ~~ونذيرا كلاهما حال معطوف على حال. ### || [48.11] # قوله تعالى: { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا }. # أمر الله جل وعلا نبيه أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا ~~بأعذار كاذبة: { فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا } أي لا أحد يملك دفع ~~الضر الذي أراد الله إنزاله بكم ولا منع النفع الذي أراد نفعكم به فلا ~~نافع إلا هو ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده ولا ~~منع نفع أراده. # وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، ما جاء موضحا في آيات أخر من كتاب ~~الله كقوله تعالى في الأحزاب # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا # [الأحزاب: 17]. # وقوله تعالى في آخر يونس # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله # [يونس: 107] الآية. # وقوله في الأنعام: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير # [الأنعام: 17]. # وقوله تعالى في المائدة: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له # [فاطر: 2] الآية. # وقوله تعالى في الملك { قل أرأيتم إن أهلكني الله ~~ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم } [الملك: 28]. # وقد ذكرنا ms3505 بعض الآيات الدالة على هذا في أول سورة فاطر في الكلام على ~~قوله تعالى { ما يفتح الله للناس من رحمة } الآية. وفي ~~سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: # قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا # [الأحقاف: 8]. ### || [48.26] # قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل السكينة على رسوله وعلى ~~المؤمنين. والسكينة تشمل الطمأنينة والسكون إلى الحق والثبات والشجاعة ~~عند البأس. # وقد ذكر جل وعلا إنزاله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين في براءة في ~~قوله تعالى: # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين # [التوبة: 26] وذكر إنزال سكينته على رسوله في قوله في براءة: # إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل ~~الله سكينته عليه # [التوبة: 40] الآية. # وذكر إنزاله سكينته على المؤمنين في قوله # فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم # [الفتح: 18] الآية. # وهذه الآيات كلها لم يبين فيها موضع إنزال السكينة، وقد بين في هذه ~~السورة الكريمة أن محل إنزال السكينة هو القلوب، وذلك في قوله: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين # [الفتح: 4] الآية. ### || [48.28] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله }. # ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة وسورة الصف ~~وزاد فيهما أنه فاعل ذلك، ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. ### || [48.29] # قوله تعالى: { محمد رسول الله والذين معه ~~أشدآء على الكفار رحمآء بينهم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. # قوله تعالى: { مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع }. # قرأ هذا الحرف ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر شطأه بفتح الطاء، والباقون ~~من السبعة بسكون الطاء. # وقرأ عامة ms3506 السبعة غير ابن ذكوان: فآزره بألف بعد الهمزة. # وقرأه ابن ذكوان عن عامر فأزره بلا ألف بعد الهمزة مجردا. # وقرأ عامة السبعة غير قنبل على سوقه بواو ساكنة بعد السين. # وقرأه قنبل عن ابن كثير بهمزة ساكنة بدلا من الواو وعنه ضم الهمزة بعد ~~السين بعدها واو ساكنة. # وهذه الآية الكريمة قد بين الله فيها أنه ضرب المثل في الإنجيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقا ~~ضعيفا متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد ~~وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها، فكذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه كانوا في أول الإسلام في قلة وضعف ثم لم يزالوا يكثرون ~~ويزدادون قوة حتى بلغوا ما بلغوا. # وقوله تعالى: { كزرع أخرج شطأه } أي فراخه فنبت في جوانبه. ~~وقوله { فآزره } على قراءة الجمهور من المؤازرة، بمعنى المعاونة ~~والتقوية، وقال بعض العلماء: { فآزره } أي ساواه في الطول، وبكل واحد ~~من المعنيين فسر قول امرئ القيس: # بمحنية قد آزر الصال نبتها # مجر جيوش غانمين وخيب # وأما على قراءة ابن ذكوان { فآزره } بلا ألف، فالمعنى شد أزره أي ~~قواه. # ومنه قوله تعالى عن موسى # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ~~أزري # [طه: 29-31] الآية. وقوله، { فاستغلظ } أي صار ذلك الزرع غليظا ~~بعد أن كان رقيقا، وقوله: { فاستوى } أي استتم وتكامل على سوقه أي ~~على قصبه. # وما تضمنته الآية الكريمة من المثل المذكور في الإنجيل المضروب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم ~~بعد ذلك يكثرون ويقوون. جاء موضحا في آيات من كتاب الله تعالى كقوله # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم ~~بنصره # [الأنفال: 26] الآية. وقوله تعالى # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # [آل عمران: 123] وقوله تعالى # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم ~~واخشون # [المائدة: 3] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # وقوله تعالى ms3507 في هذه الآية الكريمة: { لا تقدموا } فيه لعلماء ~~التفسير ثلاثة أوجه: الأول منها وهو أصحها وأظهرها أنه مضارع قدم اللازمة ~~بمعنى تقدم. # ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب بكسر الدال فيهما، وهو اسم فاعل قدم ~~بمعنى تقدم. # ويدل لهذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة لا تقدموا ~~بفتح التاء والدال المشددة وأصله لا تتقدموا فحذفت إحدى التاءين. # الوجه الثاني: أنه مضارع قدم المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم أي ~~لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله ورسوله بل أمسكوا عن ذلك حتى ~~تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله. # الوجه الثالث: أنه مضارع قدم المتعدية ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع ~~النظر عن وقوعها على مفعولها، لأن المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على ~~مفعوله. # ونظير ذلك قوله تعالى: # وهو الذي يحيي ويميت # [المؤمنون: 80] اي هو المتصف بالإحياء والإماتة، ولا يراد في ذلك ~~وقوعهما على مفعول. # وكقوله تعالى: # قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9] لأن المراد، أن المتصفين بالعلم لا يستوون مع غير المتصفين ~~به. # ولا يراد هنا وقوع العلم على مفعول، وكذلك على هذا القول: لا تقدموا، لا ~~تكونوا من المتصفين بالتقديم. # وقد قدمنا في كلامنا الطويل على آية: # أفلا يتدبرون القرآن # [النساء: 82] أن لفظة بين يديه معناها أمامه، وذكرنا الآيات الدالة على ~~ذلك. # والمعنى لا تتقدموا أمام الله ورسوله: فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن ~~من الله، وهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي ~~الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولا أوليا تشريع ما لم يأذن به الله ~~وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله، لأنه لا حرام إلا ما حرمه الله ~~ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله. # وقد أوضحنا هذه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة شورى في الكلام على قوله ~~تعالى: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله # [الشورى: 10] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: ms3508 26] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وفي غير ذلك من المواضع. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { واتقوا الله } أي بامتثال ~~أمره واجتناب نهيه. # وقوله { إن الله سميع عليم } فهو سميع لكل ما تقولون من ~~التقديم بين يديه وغيره، عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره. ### || [49.2] # سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفد تميم، أشار عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد ~~بن زرارة بن عدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليه الأقرع بن حابس بن عقال. # فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عم: ما أردت خلافك، فارتفعت ~~أصواتهما فأنزل الله: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي } ذكره البخاري في صحيحه وغيره. # وهذه الآية الكريمة علم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويحترموه، ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن ~~يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، ~~كما ينادي بعضهم بعضا. # وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابا يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن ~~يقولوا يا نبي الله أو يا رسول الله ونحو ذلك. # وقوله: { أن تحبط أعمالكم } أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط ~~أعمالكم، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون أي لا ~~تعلمون بذلك. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتعظميه واحترامه جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى: # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه # [الفتح: 9] على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وقوله تعالى # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا # [النور: 63] كما تقدم وقوله تعالى # فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه # [الأعراف: 157] الآية. وقول هنا: # ولا تجهروا له بالقول # [الحجرات: 2] أي لا تنادوه باسمه: كيا محمد. # وقد دلت آيات من ms3509 كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، ~~وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله: # يأيها النبي # [الأنفال: 64-65-70]. # يأيها الرسول # [المائدة: 41-67]. # يأيها المزمل # [المزمل: 1]. # يأيها المدثر # [المدثر: 1] مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم كقوله # وقلنا ياآدم # [البقرة: 35]. وقوله: # وناديناه أن يإبراهيم # [الصافات: 104] وقوله: # قال ينوح إنه ليس من أهلك # [هود: 46]. # قيل # قيل ينوح اهبط بسلام منا # [هود: 48]. وقوله: # قال يموسى إني اصطفيتك على الناس # [الأعراف: 144] وقوله: # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك # [آل عمران: 55] وقوله: # يداوود إنا جعلناك خليفة # [ص: 26]. # أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما ~~يذكر في غير ذلك كقوله: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # [آل عمران: 144]. وقوله: # وآمنوا بما نزل على محمد # [محمد: 2]. وقوله: # محمد رسول الله والذين معه # [الفتح: 29]. # وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه صلى الله عليه وسلم بغض الصوت عنده لا ~~يكون إلا من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها وأن لهم بذلك ~~عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم # [الحجرات: 3]. # وقال بعض العلماء في قوله: { ولا تجهروا له بالقول } أي لا ~~ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض. # قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ما نصه: وفي هذا دليل على ~~أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس ~~والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت ~~بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة ~~النبوة، وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل ~~الغرض منه. # وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال ~~القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره وظاهر الآية يرد عليه. # وقد قال ابن كثير رحمه ms3510 الله في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله عز وجل: ~~{ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } أي إنما ~~نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، ~~فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح # " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب ~~له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها ~~بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض " # اه محل الغرض منه بلفظه. # ومعلوم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كحرمته في أيام ~~حياته، وبه تعلم أن ما جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره صلى ~~الله عليه وسلم وهم في صخب ولغط. وأصواتهم مرتفعة ارتفاعا مزعجا كله لا ~~يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر. # وقد شدد عمر رضي الله عنه النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده صلى ~~الله عليه وسلم، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا. # مسألتان # الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي صلى الله عليه وسلم المشعر بالغض منه ~~أو تنقيصه صلى الله عليه وسلم والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن ~~الإسلام وكفر بالله. # وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وسخروا منه ~~في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ~~قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم # [التوبة: 65-66]. # المسألة الثانية # وهي من أهم المسائل، اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله ~~تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق ~~خلقه كحق النبي صلى الله عليه وسلم، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة. # وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ~~ربوبيته ms3511 التجاء عبده إليه اذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا ~~الله. # فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله ~~وحده، لأنه من خصائص الربوبية فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة ~~الله ومرضاته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ومرضاته وهو عين التوقير ~~والتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو ~~اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا. # وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، أن التجاء المضطر من عباده ~~إليه وحده، في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى. # من أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى: # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # [النمل: 59] إلى قوله: # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [النمل: 64]. # فإنه جل وعلا قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات: # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ~~ءآلله خير أما يشركون # [النمل: 59]. # ثم بين خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال: # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم ~~قوم يعدلون # [النمل: 60]. # فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء ~~وإنبات الحدائق ذات البهجة، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله، من ~~خصائص ربوبية الله، ولذا قال تعالى بعدها { أإله مع الله } ~~يقدر على خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، ~~والجواب لا. لأنه لا إله إلا الله وحده. # ثم قال تعالى: # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون # [النمل: 61]. # فهذه المذكورات أيضا، التي هي جعل الأرض قرارا، وجعل الأنهار خلالها، ~~وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين من خصائص ربوبيته جل ~~وعلا، ولذا قال بعد ذكرها أإله مع الله؟ والجواب لا. # فالاعتراف ms3512 من خصائص ربوبيته جل وعلا هو الحق، وهو من طاعة الله ورسوله، ~~ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم في تعظيم ~~الله. # ثم قال تعالى وهو محل الشاهد # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ~~ما تذكرون # [النمل: 62]. # فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء وجعل الناس ~~خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون. # فتأمل قوله تعالى: { أإله مع الله } مع قوله: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # [النمل: 62] تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن ~~المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية، بينه وبين خلق السماوات ~~والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار، لأنه ~~جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: # أإله مع الله # [النمل: 60-64]. # فمن صرف شيئا من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ~~ضمن قوله: { أإله مع الله } فلا فرق ألبتة بين تلك المذكورات في ~~كونها كلها من خصائص الربوبية. # ثم قال تعالى: # أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل ~~الرياح بشرى بين يدي رحمته أإله مع الله ~~تعالى الله عما يشركون # [النمل: 63]. # فهذه المذكورات التي هي هدي الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح ~~بشرا، أي مبشرات، بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته جل ~~وعلا. # ولذا قال تعالى: { أإله مع الله } ، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن ~~يكون معه إله يستحق شيئا مما ذكر فقال جل وعلا: { تعالى الله ~~عما يشركون }. # ثم قال تعالى: # أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السمآء والأرض أإله مع الله قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين # [النمل: 64]. # فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس ~~من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته جل ~~وعلا ولذا ms3513 قال بعدها { أإله مع الله }. # ثم عجز جل وعلا كل من يدعي شيئا من ذلك كله لغير الله، فقال آمرا ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز: # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [النمل: 64]. # وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية، أن إجابة المضطرين الداعين، وكشف ~~السوء عن المكروبين، من خصائص الربوبية كخلق السماوات والأرض وإنزال ~~الماء، وإنبات النبات، والحجز بين البحرين إلى آخر ما ذكر. # وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية، كما ~~أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل جاء موضحا في آيات أخر، كقوله ~~تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء ~~من عباده # [يونس: 107]. # وقوله تعالى: # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير # [الأنعام: 17]. # وقوله تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له # [فاطر: 2] الآية. # فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ~~ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم معظمين ~~لله ولرسوله، لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو ~~اتباعه والاقتداء به، في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. # فإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ~~ويأمر به وقد قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] وقال تعالى: # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # [الزمر: 11]إلى قوله: # قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه # [الزمر: 11-15]. # واعلم أن الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون علما ~~يقينا أن ما ذكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص ~~الربوبية وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر، في وقت ~~العواصف ms3514 يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه فإذا ~~أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك. # وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق # [يونس: 22-23]. # وقوله تعالى: # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم # [الأنعام: 63-65] الآية. # وقوله تعالى: # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل ~~إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء ~~وتنسون ما تشركون # [الأنعام: 40-41]. # وقوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب ~~البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما ~~كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا # [الإسراء: 67-68-69]. # وقوله تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65]. # وقوله تعالى: # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم ~~مقتصد # [لقمان: 32]. # وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه لما فتح ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة ذهب فارا منه إلى بلاد الحبشة فركب في ~~البحر ms3515 متوجها إلى الحبشة فجاءتهم ريح عاصف. # فقال القوم بعضهم لبعض إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال ~~عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في ~~البر غيره. اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فألضعن يدي في يد ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر فخرج ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه. ~~انتهى. # وقد قدمنا هناك أن بعض المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالا من هؤلاء ~~الكفار المذكورين لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما ~~يطلب المؤمنون من الله، وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من ~~الالتجاء في أقوات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك ~~قرب قبر النبي صلى الله عليه وسلم وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح ~~زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ~~ومحبة الصالحين كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات ~~رسوله. # لأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو غير من يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله وسخط النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسخط كل متبع له بالحق. # ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، ~~وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون # [آل عمران: 79-80]. # بل الذي كان يأمر به صلى الله عليه وسلم هو ما يأمره الله بالأمر به في ~~قوله تعالى # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ms3516 الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون # [آل عمران: 64]. # واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلا متدينا في زعمه مدعيا حب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتعظيمه وهو يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويمدحه بأنه ~~هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات ~~البهجة، وأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الأرض قرارا وجعل خلالها ~~أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا إلى آخر ما تضمنته ~~الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه ~~من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله. # وقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين ~~وكشف السوء عن المكروبين. # فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل وأن نعظم ربنا بامتثال ~~أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا صلى الله عليه وسلم ~~باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له والاقتداء به في كل ما ~~جاء به. # وألا نخالفه صلى الله عليه وسلم ولا نعصيه، وألا نفعل شيئا يشعر بعدم ~~التعظيم والاحترام، كرفع الأصواب قرب قبره صلى الله عليه وسلم، وقصدنا ~~النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه صلى ~~الله عليه وسلم تعظيم الموافق لما جاء به صلى الله عليه وسلم ويتركوا ما ~~يسميه الجهلة محبة وتعظيما وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك ~~لحرمات الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 123-124]. # واعلم أيضا رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف ~~السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدرعليها إلا الله، ~~كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير. # فإن التجاء ms3517 العبد إلى ربه في ذلك أيضا من خصائص ربوبيته جل وعلا كما ~~قال تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض # [يونس: 31] وقال تعالى: # فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له # [العنكبوت: 17]. وقال تعالى: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49] الآية. وقال تعالى: # وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات # [النحل: 72] وقال تعالى: # واسألوا الله من فضله # [النساء: 32] إلى غير ذلك من الآيات. # وفي الحديث # " إذا سألت فاسأل الله " # وقد أثنى الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتجائهم ~~إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم # [الأنفال: 9] الآية. فنبينا صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه إذا ~~أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ~~ولا نبتدع. # تنبيه # اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما ~~أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات فيخلص تقربه بذلك إلى الله ~~ولا يصرف شيئا منه لغير الله كائنا ما كان. # والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمسلم عليه صلى الله عليه ~~وسلم أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي، لأن هيأة الصلاة داخلة ~~في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان صلى الله عليه وسلم هو ~~وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده. ### || [49.6] # نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد أرسله النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم ~~فلما سمعوا به تلقوه فرحا به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم ~~وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله ~~هذه الآية. # وهي تدل على عدم تصديق الفاسق في خبره. # وصرح تعالى في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق، وذلك في قوله: # ولا ms3518 تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون # [النور: 4] ولا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق وعدم قبول خبره. # وقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين: # الأول منهما: أن الفاسق إن جاء بنبإ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه ~~الفاسق حق أو كذب فإنه يجب فيه التثبت. # والثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول من قبول خبر العدل لأن قوله ~~تعالى: { إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا } بدل بدليل ~~خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن الجائي بنبإ إن كان غير فاسق بل عدلا لا ~~يلزم التبين في نبئه على قراءة: فتبينوا. ولا التثبت على قراءة: فتثبتوا، ~~وهو كذلك. # وأما شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلت عليه آية النور المذكورة آنفا. # وقد قدمنا معنى الفسق وأنواعه في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. # وقوله { أن تصيببوا قوما } أي لئلا تصيبوا قوما، أو كراهة أن ~~تصيبوا قوما بجهالة، أي لظنكم النبأ الذي جاء به الفاسق حقا فتصبحوا ~~على ما فعلتم من إصابتكم للقوم المذكورين نادمين لظهور كذب الفاسق فيما ~~أنبأ به عنهم، لأنهم لو لم يتبينوا في نبإ الوليد عن بني المصطلق ~~لعاملوهم معاملة المرتدين؟ ولو فعلوا ذلك لندموا. # وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: فتبينوا بالباء التحتية ~~الموحدة بعدها مثناة تحتية مشددة ثم نون. وقرأه حمزة والكسائي: فتثبتوا ~~بالثاء المثلثة بعدها ياء تحتية موحدة مشددة ثم تاء مثناة فوقية. # والأول من التبين، والثاني من التثبت. # ومعنى القراءتين واحد، وهو الأمر بالتأني وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة ~~فيما أنبأ به الفاسق. ### || [49.7] # قوله تعالى: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان }. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه هو الذي حبب إليهم ~~الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، جاء موضحا ~~في آيات كثيرة مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله ~~تعالى: # من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا ms3519 مرشدا # [الكهف: 17]. # وقوله تعالى: # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه # [الإسراء: 97] الآية. # وقوله تعالى: # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون # [الأعراف: 178]. # وقوله تعالى: # ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم ~~أن يهدينا وألا يضلنا. ### || [49.10] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة }. # هذه الأخوة التي أثبت الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة للمؤمنين بعضهم ~~لبعض هي أخوة الدين لا النسب. # وقد بين تعالى أن الأخوة تكون في الدين في قوله تعالى # فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين # [الأحزاب: 5] الآية. # وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]، أن الأخوة الدينية أعظم وأقوى من الأخوة النسبية، وبينا ~~أدلة ذلك من الكتاب والسنة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [49.11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ~~قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من ~~نسآء عسى أن يكن خيرا منهن } # قوله: { لا يسخر قوم من قوم } أي لا يستخفوا ولا يستهزؤوا ~~بهم، والعرب تقول: سخر منه بكسر الخاء، يسخر بفتح الخاء على القياس، إذا ~~استهزأ به واستخف. # وقد نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن السخرية من الناس، مبينا ~~أن المسخور منه قد يكون خيرا من الساخر. # ومن أقبح القبيح استخاف الدنيء الأرذل بالأكرم الأفضل، واستهزاؤه به. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن السخرية جاء ذم فاعله وعقوبته ~~عند الله في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم # [التوبة: 79]. # وقد بين تعالى أن الكفار المترفين في الدنيا كانوا يسخرون من ضعاف ~~المؤمنين في دار الدنيا، وأن أولئك يسخرون من الكفار يوم القيامة، كما ~~قال تعالى: # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من ~~الذين آمنوا والذين ms3520 اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة # [البقرة: 212] وقال تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] إلى قوله تعالى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. # فلا ينبغي لمن رأى مسلما في حالة رثة تظهر بها عليه آثار الفقر والضعف ~~أن يسخر منه لهذه الآيات التي ذكرنا. # قوله تعالى: { ولا تلمزوا أنفسكم }. # أي لا يلزم أحدكم أخاه كما تقدم إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام ~~على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # وقد أوعد الله جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1]، والهمزة كثير الهمز للناس، واللمزة كثير اللمز. # قال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل كالغمز بالعين احتقارا وازدراء، ~~واللمز باللسان، وتدخل فيه الغيبة. # وقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله: # ولا يغتب بعضكم بعضا # [الحجرات: 12] ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه # [الحجرات: 12] فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض ~~أخيه. ### || [49.13] # قوله تعالى { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، ولم يبين ~~هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من ~~كتاب الله. # فبين أنه خلق ذلك الذكر الذي هو آدم من تراب، وقد بين الأطوار التي مر ~~بها ذلك التراب، كصيرورته طينا لازبا وحمأ مسنونا وصلصالا كالفخار. # وبين أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم فقال في ~~سورة النساء: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] وقال تعالى في الأعراف # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] وقال تعالى: في الزمر # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ms3521 # [الزمر: 6]. # وقد قدمنا أنه خلق نوع الإنسان على أربعة أنواع مختلفة: # الأول منها: خلقه لا من أنثى ولا من ذكر وهو آدم عليه السلام. # والثاني: خلقه من ذكر بدون أنثى وهو حواء. # والثالث: خلقه من أنثى بدون ذكر وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة ~~والسلام. # الرابع: خلقه من ذكر وأنثى وهو سائر الآدميين، وهذا يدل على كمال قدرته ~~جل وعلا. # مسألة # قد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها ~~الأول مستندا إلى وجود الرجل وفرعا عنه. # وهذا أمر كوني قدري من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه. # وقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه بمراعاة هذا ~~الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي. # فجعل الرجل قائما عليها وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها كما قال ~~تعالى: # الرجال قوامون على النسآء # [النساء: 34]. # فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق ~~لأن الفوارق بين النوعين كونا وقدرا أولا، وشرعا منزلا ثانيان تمنع ~~من ذلك منعا باتا. # ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر. # ولا شك أن سبب هذا للعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم ~~هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم. # وقد ثبت في صحيح البخاري من حيدث ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ~~والمتشبهات من النساء بالرجال " # وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة بني إسرائيل، وبينا هناك أن من لعنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق ~~بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من ~~الله ورسوله. # ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى فرق الله ~~جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي ~~نسبة الأولاد إليه. ms3522 # وفي تعدد الزوجات دون الأزواج: صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل ~~واحد في قوله تعالى: # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # [البقرة: 282] الآية، فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما، وقد ~~صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة. # وقد قال تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22] أي غير عادلة لعدم استواء النصيبين لفضل الذكر على ~~الأنثى. # ولذلك: وقعت امرأة عمران في مشكلة لما وردت مريم، كما قال تعالى عنها: # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى ~~والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى # [آل عمران: 36] الآية. # فامرأة عمران تقول: { وليس الذكر كالأنثى } ، وهي صادقة في ~~ذلك بلا شك. # والكفرة وأتباعهم يقولون: إن الذكر والأنثى سواء. # ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة وكذب هذه الموجبة. # وقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل وتفضيل الذكر على ~~الأنثى في الميراث وتعدد الزوجات، وكون الولد ينسب إلى الرجل، وذكرنا ~~طرفا من ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # وللرجال عليهن درجة # [البقرة: 228] وبينا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفا ~~وكمالا وقوة طبيعية خلقية، وكون الأنوثة بعكس ذلك. # وبينا أن العقلاء جميعا مطبقون على الاعتراف بذلك، وأن من أوضح الأدلة ~~التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها ~~تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو ~~الأنوثة كما قال الشاعر: # وما الحلي إلا زينة من نقيصة # يتمم من حسن إذا الحسن قصرا # وقد بينا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله: # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # [الزخرف: 18]، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له ~~أنقص الولدين وأضعفهما خلقة وجبلة وهو الأنثى. # ولذلك نشأت في الحلية من صغرها، لتغطية النقص الذي هو الأنوثة وجبره ~~بالزينة، ms3523 فهو في الخصام غير مبين. # لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة ~~الفحول الذكور، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي. # وإنكار الله تعالى على الكفار أنهم مع ادعائهم له الولد جعلوا له أنقص ~~الولدين وأضعفهما كثير في القرآن كقوله تعالى: # أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون # [الصافات: 153-154] وقوله: # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما # [الإسراء: 40] وقوله تعالى: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # [الزمر: 4] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية، لأن كمال ذكورته وشرفها وقوتها ~~الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى، ~~لكماله بذكورته ونقصها بأنوثتها. # ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة ~~البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها، فإن المرأة تتأثر بذلك ~~تأثرا طبعيا كونيا قدريا مانعا لها من مزاولة الأعمال كالحمل ~~والنفاس وما ينشأ عن ذلك من الضعف والمرض والألم. # بخلاف الرجل فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك، ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على ~~القول بمساواتهما في جميع الميادين إلا مكابر في المحسوس، فلا يدعو إلى ~~المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته. # وقد قدمنا في الموضعين اللذين أشرنا لهما من هذا الكتاب المبارك ما يكفي ~~المنصف، فأغنى عن إعادته هنا. # قوله تعالى: { وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا } # لما كان قوله تعالى: { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } يدل ~~على استواء الناس في الأصل، لأن أباهم واحد وأمهم واحدة وكان في ذلك أكبر ~~زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض، بين تعالى أنه جعلهم ~~شعوبا وقبائل لأجل أن يتعارفوا أي يعرف بعضهم بعضا، ويتميز بعضهم عن ~~بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه. # وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر ~~غير الأنساب. # وقد بين الله ذلك هنا بقوله: { إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم } فاتضح ms3524 من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره ~~من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال: # فقد رفع الإسلام سلمان فارس # وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب # وقد ذكروا أن سلمان رضي الله عنه كان يقول: # أبي الإسلام لا أب ليس سواه # إذا افتخروا بقيس أو تميم # وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه ~~إلى الألوان ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه تقوى ~~الله جل وعلا وطاعته، فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم لله، ولا كرم ولا فضل ~~لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب. # والشعوب جمع شعب، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب ~~وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. # فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، ~~والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل. # خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس ~~فصيلة: # وسميت الشعوب، لأن القبائل تتشعب منها. اه. # ولم يذكر من هذه الست في القرآن إلا ثلاث الشعوب، والقبائل كما في هذه ~~الآية، والفصيلة في المعارج في قوله: # وفصيلته التي تؤويه # [المعارج: 13] وقد قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات موضحا في سورة بني ~~إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # واعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست على بعض كإطلاق البطن على القبيلة ~~في قول الشاعر: # وإن كلابا هذه عشر أبطن # وأنت بريء من قبائلها العشر # كما قدمناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # ثلاثة قروء # [البقرة: 228]. ### || [49.14] # قوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية من ~~العرب قالوا آمنا، وأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول لهم: { لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ، وهذا يدل على نفي ~~الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم # وذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام ms3525 لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي ~~الأعم. # وقد قدمنا مرارا أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي ~~الصحيح هو استسلام القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل، ~~فمؤداهما واحد كما يدل له قوله تعالى: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35-36]. # وإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام ~~في هذه الآية الكريمة، لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام، ولذلك ~~وجهان معروفان عند العلماء أظهرهما عندي أن الإيمان المنفى عنهم في هذه ~~الآية هو مسماه الشرعي الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام ~~اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب. # وإنما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية ~~مقدمة على اللغوية على الصحيح، لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر. وأن ~~توكل السرائر إلى الله. # فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفي به شرعا، وإن ~~كان القلب منطويا على الكفر. # ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: { ولكن قولوا ~~أسلمنا } ، لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى ~~به شرعا عن التنقيب عن القلوب. # وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلاما لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن ~~نفيل العدوي مسلم الجاهلية: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # دحاها فلما استوت شدها # جميعا وأرسى عليها الجبالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # إذ هي سقيت إلى بلدة # أطاعت فصبت عليها سجالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الريح تصرف حالا فحالا # فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد، وإذا حمل ~~الإسلام في قوله: { ولكن قولوا أسلمنا } أنقذنا واستسلمنا ~~بالألسنة والجوارح. فلا إشكال في الآية. # وعلى هذا القول فالأعراب المذكورون منافقون، لأنهم مسلمون في الظاهر، ~~وهم كفار في الباطن. # الوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: { لم تؤمنوا } ~~نفي كمال الإيمان، لا نفيه من أصله. # وعليه فلا إشكال أيضا، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا ms3526 لا ~~إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص. # وإنما استظهرنا الوجه الأول، وهو أن المراد الإسلام معناه اللغوي دون ~~الشرعي، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر، لأن ~~قوله جل وعلا: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } يدل على ~~ذلك دلالة كما ترى، لأن قوله: { يدخل } فعل في سياق النفي وهو من صيغ ~~العموم كما أوضحناه مرارا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: # ونحو لا شربت أو إن شربا # واتفقوا إن مصدر قد جلبا # فقوله: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم }: في معنى لا ~~دخول للإيمان في قلوبكم. # والذين قالوا بالثاني. قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله، والأول ~~أظهر كما ترى. # وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: { قالت الأعراب }: المراد به ~~بعض الأعراب، وقد استظهرنا أنهم منافقون لدلالة القرآن على ذلك، وهم من ~~جنس الأعراب الذين قال الله فيهم: # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص ~~بكم الدوائر # [التوبة: 98]، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية، لأن الله ~~بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ~~ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ~~إن الله غفور رحيم # [التوبة: 99]. ### || [49.16] # لما قال هؤلاء الأعراب: آمنا، وأمر الله نبيه أن يكذبهم في قوله # قل لم تؤمنوا # [الحجرات: 14] وقوله: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] أمر نبيهم أن يقول لهم بصيغة الإنكار: # أتعلمون الله بدينكم # [الحجرات: 17] وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون والله لا يخفى عليه شيء من ~~حالكم، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السموات والأرض وعالم ~~بكل شيء. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزكية النفس بالكذب جاء موضحا ~~في غير هذا الموضع كقوله تعالى # هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32] والآيات بمثل ذلك ms3527 كثيرة معلومة. ### || [49.18] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # [هود: 5]. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1] # المقسم عليه في الآية محذوف، والظاهر أنه كالمقسم عليه المحذوف في سورة ~~ص، وقد أوضحناه في الكلام عليها. ### || [50.2-3] # قد قدمنا في سورة ص أن من المقسم عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق ~~وأن رسالته حق، كما دل عليه قوله في ص: # وعجبوا أن جآءهم منذر # [ص: 4] وقد دل على ذلك قوله هنا: { بل عجبوا أن جآءهم ~~منذر منهم } ، وقد قدمنا في ص أنه يدخل في المقسم عليه تكذيب ~~الكفار في إنكارهم البعث، ويدل عليه قوله هنا: { فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا } الآية، ~~والحاصل أن المقسم عليه في ص، بقوله: # والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]، وفي ق بقوله { والقرآن المجيد } محذوف وهو تكذيب ~~الكفار في إنكارهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم البعث، ~~وإنكارهم كون المعبود واحدا، وقد بينا الآيات الدالة على ذلك في سورة ص، ~~وذكرنا هناك أن كون المقسم عليه في سورة ق هذه المحذوف يدخل فيه إنكارهم ~~لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: { بل عجبوا أن ~~جآءهم منذر منهم } وتكذيبهم في إنكارهم للبعث بدليل قوله: { ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب } وبينا وجه إيضاح ذلك ~~بالآيات المذكورة هناك وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [50.6] # الهمزة في قوله: { أفلم } تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه، كما ~~قدمنا مرارا أنه أظهر الوجهين، وأنه أشار إليه في الخلاصة بقوله: # وحذف متبوع بدا هنا استبح # والتقدير: أأعرضوا عن آيات الله فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها ومالها من فروج. أي ليس فيها من شقوق ولا تصدع ولا تفطر، ~~وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تعظيم شأن كيفية بنائه تعالى للسماء ~~وتزيينه لها وكونها لا تصدع ولا شقوق فيها جاء كله موضحا ms3528 في آيات أخر ~~كقوله جل وعلا في بنائه للسماء: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها # [النازعات: 27-28]، وقوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]، وقوله تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]، وقوله تعالى: # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت # [الملك: 3]، وقوله تعالى: # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن ~~الخلق غافلين # [المؤمنون: 17]، وقوله تعالى في أول الرعد: # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ~~ثم استوى على العرش # [الرعد: 2] وقوله تعالى في لقمان: # خلق السماوات بغير عمد ترونها # [لقمان: 10] الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في تزيينه ~~للسماء # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # [الملك: 5]، وقوله تعالى # وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا # [فصلت: 12] الآية، وقوله تعالى # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب # [الصافات: 6]، وقوله تعالى # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين # [الحجر: 16]. وكقوله تعالى في حفظه للسماء من أن يكون فيها فروج أي ~~شقوق: # فارجع البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3]، والفطور والفروج بمعنى واحد، وهو الشقوق والصدوع. وقوله ~~تعالى # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها ~~معرضون # [الأنبياء: 32]، أما إذا كان يوم القيامة فإن السماء تتشقق وتتفطر، ~~وتكون فيها الفروج كما قال تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25]. وقال تعالى: # فإذا انشقت السمآء فكانت وردة # [الرحمن: 37] الآية. وقال تعالى: # فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السمآء # [الحاقة: 15-16] الآية. وقال تعالى: # إذا السمآء انشقت وأذنت لربها وحقت # [الإنشقاق: 1-2]، وقال تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الإنفطار: 1]، وقال تعالى: # يوما يجعل الولدان شيبا السمآء منفطر به # [الإنفطار: 17-18]. وقال تعالى: # فإذا النجوم طمست وإذا السمآء فرجت # [المرسلات: 8-9]. ### || [50.7-8] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه مد الأرض وألقى فيها الجبال ~~الرواسي وأنبت فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، وهذا الذي ~~تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله ~~تعالى: # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ms3529 وأنهارا ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين # [الرعد: 3] إلى قوله: # لقوم يتفكرون # [الرعد: 3]، وكقوله: # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل ~~دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق ~~الذين من دونه # [لقمان: 10-11] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة: { من كل زوج بهيج } أي من كل صنف حسن من أصناف ~~النبات، وقوله: { تبصرة } أي قدرنا الأرض وألقينا فيها الرواسي ~~وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة لأجل أن نبصر عبادنا كمال قدرتنا على ~~البعث وعلى كل شيء وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا. ### || [50.11] # قوله تعالى: { وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج }. # قوله: كذلك الخروج، معناه أن الله تبارك وتعالى: يبين أن إحياء الأرض ~~بعد موتها بإنبات النبات فيها بعد انعدامه واضمحلاله، دليل على بعث الناس ~~بعد الموت بعد كونهم ترابا وعظاما. فقوله: كذلك الخروج يعني أن خروج ~~الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات من الأرض بعد عدمه، بجامع ~~استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم، وهذا أحد براهين البعث التي يكثر ~~الاستدلال عليه بها في القرآن، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في صدر ~~سورة البقرة وأول النحل وأول الجاثية، وغير ذلك من المواضع. ### || [50.14] # قوله تعالى: { كل كذب الرسل فحق وعيد }. # هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ~~وثبت في حقه ثبوتا لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله ~~بعض أهل العلم من أن الله يصح ان يخلف وعيده، لأنه قال: إنه لا يخلف وعده ~~ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح ~~هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال: # وإني وإن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # لا يصح بحال، لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما ~~دل عليه قوله هنا: { كل كذب ms3530 الرسل فحق وعيد }. وقد ~~تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد. أي لعلة سهوه ~~وسرق فقطعت يده أي لعله سرقته، ومنه قوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حق ووجب ~~عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة ~~موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي # [ق: 28-29] الآية، والتحقيق: أن المراد بالقول الذي لا يبدل لديه هو ~~الوعيد الذي قدم به إليهم. # وقوله تعالى في سورة ص # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب # [ص: 14]. وبهذا تعلم أن الوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو وعيد عصاة ~~المسلمين بتعذيبهم على كبائر الذنوب، لأن الله تعالى أوضح ذلك في قوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و 116] وهذا في الحقيقة تجاوز من الله عن ذنوب عباده ~~المؤمنين العاصين، ولا إشكال في ذلك، وقد أوضحنا هذا في كتابنا دفع إيهام ~~الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى # قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام: 128]. ### || [50.15] # هذه الآية الكريمة من براهين البعث، لأن من لم يعي بخلق الناس ولم يعجز ~~عن إيجادهم الأول لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى، لأن ~~الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء. والآيات الدالة على هذا كثيرة ~~جدا، كقوله تعالى # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. وقوله تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] وقوله: # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء: 51] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد أوضحنا الآيات الدالة ~~على براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، كخلق الناس ~~أولا، وخلق السماوات والأرض وما فيهما وإحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك ~~في مواضع متعددة من هذا ms3531 الكتاب المبارك، في البقرة والنحل والحج والجاثية ~~وغير ذلك، وأحلنا على ذلك مرارا كثيرة. ### || [50.16] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور # [هود: 5]. ### || [50.17-18] # قوله إذ: منصوب بقوله: أقرب، أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت ~~الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الذي خلق الإنسان ~~ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة ~~الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال، لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها ~~شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى كإقامة الحجة على العبد ~~يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الذي ~~هو المتلقيان محذوف تقديره، إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان ~~فيكتبانه عليه. # قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة اه منه. والمعنى واضح لأن ~~الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هام ~~الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد ~~أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله. # والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد، والأظهر أن معناه المقاعد، وقد يكثر ~~في العربية إطلاق الفعل وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل ~~بمعنى المآكل، والنديم بمعنى المنادم، وقال بعضهم: القعيد هنا هو ~~الملازم، وكل ملازم دائما أو غالبا يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن ~~نويرة التميمي: # قعيدك ألا تسمعيني ملامة # ولا تنكئي قرح الفؤاد فيجعا # والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني ~~عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر ~~الباهلي: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن ms3532 أجل الطوى رمان # وقول قيس بن الخطيم الأنصاري: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقول ضبائي بن الحارث البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئا أي كنت بريئا منه وكان والدي ~~بريئا منه. # وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت ~~راض. # وقول ضابيء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار ~~غريب، وهذا أسلوب عربي معروف، ودعوى أن قوله في الآية: { قعيد } هي ~~الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه ~~كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا ~~الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ~~{ ما يلفظ من قول }. أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام إلا ~~لديه، أي إلا والحال أن عنده رقيبا. أي ملكا مراقبا لأعماله حافظأ ~~لها شاهدا عليها لا يفوته منها شيء. # عتيد: أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه ~~الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء ~~موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله. # كقوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # [الإنفطار: 10-12]. وقوله تعالى: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون # [الزخرف: 80]. وقوله تعالى: # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون # [الجاثية: 28-29]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى # كلا سنكتب ما يقول # [مريم: 79] الآية. # وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى # ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين ~~يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على ~~صاحب ms3533 السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال ~~صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر؟ ~~وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل العبد الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب ~~عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ # فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. لأن قوله: من قول نكرة في سياق الفني زيدت قبلها لفظة من، فهي ~~نص صريح في العموم. # وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب، وكلهم ~~مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون: لا ~~يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع متفقون على ~~إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون لا يكتب أصلا، ~~وبعضهم يقولون: يكتب أولا ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما ~~فيه ثواب أو عقاب هو معنى قوله تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39] الآية. # والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه. قالوا: إن في الآية نعتا ~~محذوفا سوغ حذفه العلم به، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ~~ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف، ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء، وقد ~~قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله ~~تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها بدليل قوله # فأردت أن أعيبها # [الكهف: 79] وقوله تعالى: # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة # [الإسراء: 58] الآية: القرية ظالمة بدليل قوله تعالى: # وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # [القصص: 59]، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر: # ورب أسيلة الخدين بكر # مهفهفة لها فرع وجيد # أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد ms3534 بن الأبرص: # من قوله قول ومن فعله # فعل ومن نائله نائل # أي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل. ### || [50.22] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله: # بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ~~بل هم منها عمون # [النمل: 66]. ### || [50.30] # قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم { يوم نقول } ~~بالنون الدالة على العظمة. وقرأه نافع وشعبة { يوم يقول } بالياء، ~~وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله، واعلم أن الاستفهام في قوله { ~~هل من مزيد } فيه للعلماء قولان معروفان. الأول: أن الاستفهام ~~إنكاري كقوله تعالى # هل يهلك إلا القوم الظالمون # [الأنعام: 47] أي ما يهلك إلا القوم الظالمون، وعلى هذا، فمعنى { هل ~~من مزيد } لا محل للزيادة لشدة امتلاء النار، واستدل بعضهم لهذا ~~الوجه بآيات من كتاب الله كقوله تعالى: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13] وقوله تعالى: # وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين # [هود: 119] قال: فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله ~~تعالى: # لقد حق القول على أكثرهم # [يس: 7] الآية، لأن إقسامه تعالى في هذه الآية المدلول عليه بلام ~~التوطئة في لأملأن على أنه يملأ جهنم من الجنة والناس، دليل على أنها لا ~~بد أن تمتلئ، ولذا قالوا: إن معنى هل من مزيد، لا مزيد، لأني قد امتلأت ~~فليس في محل للمزيد، وأما القول الآخر، فهو أن المراد بالاستفهام في قول ~~النار: هل من مزيد؟ وهو طلبها للزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب ~~العزة فيه قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط أي كفاني قد امتلأت، ~~وهذا الأخير هو الأصح، لما ثبت في الصحيحين، وغيرهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " أن جهنم لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي ~~بعضها إلى بعض وتقول قط قط " # ، لأن في هذا ms3535 الحديث المتفق عليه التصريح بقولها قط قط، أي كفاني قد ~~أمتلأت، وأن قولها قبل ذلك هل من مزيد لطلب الزيادة، وهذا الحديث الصحيح ~~من أحاديث الصفات، وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة الأعراف ~~والقتال. واعلم أن قول النار في هذه الآية: هل من مزيد، قول حقيقي ينطقها ~~الله به، فزعم بعض أهل العلم أنه كقول الحوض: # امتلأ الحوض فقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وأن المراد بقوله ذلك هو ما فيهم من حالها خلاف التحقيق وقد أوضحنا ذلك ~~بأدلته في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12] والعلم عند الله تعالى. ### || [50.31] # قوله: أزلفت أي قربت. وقوله غير بعيد: فيه معنى التوكيد لقوله: أزلفت ~~سواء أعربت غير بعيد بأنها حال أو ظرف، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ~~إزلاف الجنة للمتقين جاء في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت # [التكوير: 12-13]. وقوله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم ~~للغاوين # [الشعراء: 90-91]. # قال البغوي رحمه الله في تفسير هذه الآية: غير بعيد ينظرون إليها قبل أن ~~يدخلوها. ### || [50.35] # قوله: { لهم ما يشآءون فيه } قد قدمنا الآيات الموضحة له في ~~سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # لهم فيها ما يشآؤون كذلك يجزي الله المتقين # [النحل: 31]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ولدينا مزيد }. قال بعض ~~العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر، والعلم عند الله تعالى. ### || [50.36] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد ~~منهم بطشا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى # فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين # [الزخرف: 8]. ### || [50.38] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # [الأعراف: 54] وبينا هناك أن الله أوضح ms3536 ذلك في فصلت في قوله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] إلى قوله - # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12]. وأوضحنا ذلك في سورة فصلت واللغوب: التعب والإعياء من ~~العمل. ### || [50.39] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالصبر على ما يقوله الكفار والتسبيح بحمده جل وعلا أطراف النهار، قد ~~ذكره الله في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أخريات طه: # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى # [طه: 130]، وأمره له بالتسبيح بعد أمره له بالصبر على أذى الكفار فيه ~~دليل على أن التسبيح يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة داخلة ~~في التسبيح المذكور كما قدمنا إيضاح ذلك، وذكرنا فيه حديث نعيم بن همار ~~في آخر الحجر في الكلام على قوله تعالى: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح ~~بحمد ربك وكن من الساجدين # [الحجر: 97-98]، وبينا هناك أن الله أمر بالاستعانة بالصبر وبالصلاة كما ~~قال تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45] الآية. ### || [50.42] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون # [يس: 51]. ### || [50.44] # قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: تشقق بتشديد الشين بإدغام إحدى ~~التاءين فيها، وقرأ الباقون بتخفيف الشين لحذف إحدى التاءين، وقوله ~~تعالى: { سراعا }: جمع سريع، وهو حال من الضمير المجرور في قوله: { ~~عنهم } أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي وهو الملك ~~الذي ينفخ في الصور ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء، وما تضمنته هذه ~~الآية الكريمة من أن الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر ~~قاصدين نحو الداعي، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون # [المعارج: 43]، وقوله تعالى: # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ms3537 ~~ينسلون # [يس: 51]، وقوله: { ينسلون } أي يسرعون، وقوله تعالى # يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ~~مهطعين إلى الداع # [القمر: 7-8] الآية، فقوله { مهطعين }: أي مسرعين مادي أعناقهم ~~على الأصح، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على ~~قوله: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]. ### || [50.45] # قوله تعالى: { ومآ أنت عليهم بجبار }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99]. # قوله تعالى: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة # [فاطر: 18] الآية. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # أكثر أهل العلم، على أن المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق إن شاء الله، ~~ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح. # ومنه قوله تعالى # فأصبح هشيما تذروه الرياح # [الكهف: 45]، ومعنى تذروه: ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر ~~وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة: # ومنهل آجن قفر محاضره # تذرو الرياح على جماته البعرا # ولا يخفى سقوط قول من قال: إن الذاريات النساء. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فالحاملات وقرا } أكثر أهل ~~العلم على أن المراد بالحاملات وقرا: السحاب. أي المزن تحمل وقرا ثقلا ~~من الماء. # ويدل لهذا القول تصريح الله جل وعلا بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ~~ثقيلة، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله كقوله تعالى # وينشىء السحاب الثقال # [الرعد: 12]، وهو جمع سحابة ثقيلة، وقوله تعالى # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # [الأعراف: 57]. # وقال بعضهم: المراد بالحاملات وقرا: السفن تحمل الأثقال من الناس ~~وأمتعتهم، ولو قال قائل: إن الحاملات وقرا الرياح أيضا كان وجهه ~~ظاهرا. # ودلالة بعض الآيات عليه واضحة، لأن الله تعالى صرح بأن الرياح تحمل ~~السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء ~~الله، فنسبه حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي ~~محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى ms3538 # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت # [الأعراف: 57] الآية. # فقوله تعالى: { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا }: أي حتى ~~إذا حملت الرياح سحابا ثقالا، فالإقلال الحمل، وهو مستند إلى الريح. ~~ودلالة هذا على أن الحاملات وقرا هي الرياح ظاهرة كما ترى، ويصح شمول ~~الآية لجميع ذلك. # وقد قدمنا مرارا أنه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، ~~وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها. # والقول بأن الحاملات وقرا: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط، ~~وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فالجاريات يسرا } ~~[الذاريات: 3] أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسرا: السفن تجري ~~في البحر يسرا أي جريا ذا يسر أي سهولة. # والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مرارا: أي فالجاريات ~~في حال كونها ميسرة مسخرا لها البحر، ويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف ~~بالجري على السفن كقوله تعالى: # ومن آياته الجوار في البحر # [الشورى: 32]. الآية، وقوله: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11]، وقوله تعالى # والفلك تجري في البحر بأمره # [الحج: 65] وقوله تعالى: # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره # [الجاثية: 12] إلى غير ذلك من الآيات. # وقيل الجاريات الرياح. وقيل غير ذلك. # وقوله تعالى: { فالمقسمات أمرا }: هي الملائكة يرسلها الله ~~في شؤون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5]، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل ~~لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك ~~الأمم، كما وقع لقوم صالح. # والتحقيق أن قوله: أمرا مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد ~~أريد به الجمع. # وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم، وفي كلام العرب من تنكير المفرد ~~كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5]، والمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله: { إنما توعدون ~~لصادق وإن ms3539 الدين لواقع } [الذاريات: 5-6] والموجب لهذا ~~التوكيد هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء. # وقوله: { إنما توعدون } ما، فيه موصولة والعائد إلى الصلة ~~محذوف، والوصف بمعنى المصدر أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق ~~لا كذب فيه. # وقال بعض العلماء: ما، مصدرية، أي إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب ~~لصادق. # وقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في لصادق بمعنى اسم المفعول. أي إن ~~الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به، ونظير ذلك قوله تعالى: # في عيشة راضية # [الحاقة: 21] أي مرضية. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة ~~كقوله تعالى: # إن الله لا يخلف الميعاد # [آل عمران: 9]. وقوله: # إن ما توعدون لآت # [الأنعام: 134]. وقوله تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # والمراد بالدين هنا الجزاء، أي وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة ~~كما قال تعالى # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق # [النور: 25] أي جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى: # وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزآء الأوفى # [النجم: 40-41]. # وقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن ~~الكفار، وهددهم على ذلك الظن السىء بالويل من النار، قال تعالى منكرا ~~على من ظن عدم البعث والجزاء، ومنزها نفسه عن أنه خلقهم. عبثا لا لبعث ~~وجزاء: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # [المؤمنون: 115-116]. وقال تعالى: # وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار # [ص: 27]، في قوله في آية في ص هذه: باطلا أي عبثا لا لبعث وجزاء. ### || [51.7-9] # قوله تعالى: { ذات الحبك } فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب ~~بعضها بعضا، فذهب بعض أهل العلم، إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه ~~فالمعنى ذات الحبك أي ذات الطرائق، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو ~~الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك، وهو جمع ms3540 حبيكة أو حباك، ~~قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى ~~قول زهير: # مكلل بأصول النجم تنسجه # ريح خريق بضاحي مائة حبك # وقول الراجز: # كأنما جللها الحواك # طنفسة في وشيها حباك # وممن نقل عنه هذا القول الكلبي والضحاك. # وقال بعض أهل العلم: ذات الحبك أي ذات الخلق الحسن المحكم، وممن قال به ~~ابن عباس وعكرمة وقتادة. # وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى: # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # [الملك: 3-4] إلى غير ذلك من الآيات. # وعلى هذا القول فالحبك مصدر، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه، تقول ~~فيه العرب: حبكه حبكا بالفتح على القياس. والحبك بضمتين بمعناه. # وقال بعض العلماء: ذات الحبك: أي الزينة. # وممن روي عنه هذا سعيد بن جبير والحسن، وعلى هذا القول، فالآية كقوله: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها # [ق: 6] الآية. # وقال بعض العلماء: ذات الحبك أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله ~~تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]. # والعرب تسمى شدة الخلق حبكا، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك. # ومنه قول امرئ القيس. # قد غدا يحملني في أنفه # لاحق الأطلين محبوك ممر # والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله ~~تعالى { إنكم لفي قول مختلف } [الذاريات: 8] أي إنكم ~~أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وشأن القرآن، ~~لأن بعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم ~~يقول: أساطير الأولين، وقول من قال في قول مختلف أي لأن بعضهم مصدق، ~~وبعضهم مكذب خلاف التحقيق. # ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين. قوله تعالى في ~~ق # بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم في أمر ms3541 ~~مريج # [ق: 5] أي مختلط. وقال بعضهم: مختلف، والمعنى واحد. # وقوله تعالى: { يؤفك عنه من أفك } [الذاريات: 9] أظهر ~~الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري، أن لفظة عن في الآية ~~سببية كقوله تعالى: # وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك # [هود: 53] أي بسبب قولك، ومن أجله، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول ~~المختلف، والمعنى يؤفك أي يصرف عن الإيمان بالله ورسوله عنه، أي عن ذلك ~~القول المختلف أي بسببه من أفك أي من سبقت له الشقاوة في الأزل، فحرم ~~الهدى وأفك عنه، لأن هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضا ويناقضه. # ومن أوضح الأدلة على كذب القول وبطلانه اختلافه وتناقضه كما لا يخفى، ~~فهذا القول المختلف الذي يحاول كفار مكة أن يصدوا به الناس عن الإسلام، ~~الذي يقول فيه بعضهم: إن الرسول ساحر، وبعضهم يقول شاعر، وبعضهم يققول: ~~كذاب. ظاهر البطلان لتناقضه وتكذيب بعضه لبعض، فلا يصرف عن الإسلام بسببه ~~إلا من صرف، أي صرفه الله عن الحق لشقاوته في الأزل فمن لم يكتب عليه في ~~سابق علم الله الشقاوة والكفر لا يصرفه عن الحق قول ظاهر الكذب والبطلان ~~لتناقضه. # وهذا المعنى جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # فإنكم وما تعبدون مآ أنتم عليه بفاتنين ~~إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 161-163] ومعنى هذه الآية أن دين الكفار، الذي هو الشرك بالله ~~وعبادة الأوثان، مع حرصهم على صد الناس عن دين الإسلام إليه ما هم ~~بفاتنين، أي ليسا بمضلين عليه أحدا لظهور فساده وبطلانه إلا من هو صال ~~الجحيم، أي إلا من قدر الله عليه الشقاوة وأنه من أهل النار في سابق ~~علمه، هذا هو الظاهر لنا في معنى هذه الآية الكريمة. # وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: { يؤفك عنه } راجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، أي يصرف عن الإيمان بالنبي أو ~~القرآن، من أفك أي صرف عن الحق، وحرم الهدي لشدة ظهور الحق في صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن منزل من ms3542 الله، وهذا خلاف ظاهر السياق كما ~~ترى. # وقول من قال: يؤفك عنه.أي يصرف عن القول المختلف الباطل من أفك، أي من ~~صرف عن الباطل إلى الحق لا يخفى بعده وسقوطه. # والذين قالوا: هذا القول يزعمون أن الإفك يطلق على الصرف عن الحق إلى ~~الباطل، وعن الباطل إلى الحق، ويبعد هذا أن القرآن لم يرد فيه الإفك مراد ~~به إلا الصرف عن الخير إلى الشر دون عكسه. ### || [51.15] # لا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة ~~المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه على أن سبب نيل هذه ~~الجنات والعيون هو تقوى الله والسبب الشرعي هو العلة الشرعية على الأصح، ~~وكون التقوى سبب دخول الجنات الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء ~~موضحا في آيات آخر في كتاب الله كقوله تعالى: # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا # [مريم: 63] وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى: # لهم فيها ما يشآؤون كذلك يجزي الله المتقين # [النحل: 31]. ### || [51.20-21] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية. ### || [51.22] # اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء، فذهبت جماعة من أهل ~~العلم، أن المراد أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر وهو أنزل من السماء، ~~ويكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر، لهذا المعنى كقوله تعالى: # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا # [غافر: 13] وقوله تعالى: # واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله من ~~السمآء من رزق # [الجاثية: 5] الآية. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة المؤمن. # وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على ~~عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا، ولذلك كثر ~~الامتنان به في القرآن على الخلق. # وقال بعض أهل العلم: معنى قوله: { وفي السمآء رزقكم وما ~~توعدون } أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من ~~السماء، كما قال تعالى: # يدبر الأمر من السمآء ms3543 إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه # [السجدة: 5] الآية. قوله تعالى: { وما توعدون } ، ما، في محل رفع ~~عطف على قوله: { رزقكم } ، والمراد بما يوعدون، قال بعض أهل العلم: ~~الجنة، لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح، ~~لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك كما قيل: # وقد يسمى سماء كل مرتفع # وإنما الفضل حيث الشمس والقمر # ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه: # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا # وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # قال له صلى الله عليه وسلم: # " إلى أين يا أبي ليلى " قال: إلى الجنة، قال: " نعم إن شاء الله ". # وقال بعض أهل العلم: وما توعدون من الخير والشر كله مقدر في السماء، كما ~~بيناه في القول الثاني في المراد بالرزق في الآية، وهذا المعنى فيما ~~يوعدون به أنسب لهذا القول الثاني في معنى الرزق. # وقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، فمن ذلك ما ~~ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية { ~~وفي السمآء رزقكم وما توعدون } [الذاريات: 22] فقال: ~~ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة يمكث ثلاثا لا ~~يصيب شيئا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له ~~أخ أحسن منه نية، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق ~~بينهما الموت. # ومن ذلك أيضا: ما ذكره الزمخشري في تفسير هذه الآية قال: وعن الأصمعي ~~قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ ~~قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت من موضع يتلى فيه كلام ~~الرحمان. فقال: اتل علي فتلوت: والذاريات فلما بلغت قوله تعالى: { وفي ~~السمآء رزقكم } قال: حسبك فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من ~~أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت ~~أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل ~~أصغر فسلم ms3544 علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت # فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم ~~تنطقون # [الذاريات: 23] فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى ~~حلف لم يصدقوه بقوله حتى الجؤوه إلى اليمين، قائلا ثلاثا، وخرجت معها ~~نفسه انتهى. ### || [51.24-25] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ~~إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } # إلى آخر القصة. قد قدمنا إيضاحه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى # ونبئهم عن ضيف إبراهيم المكرمين # [الحجر: 51] الآيات. وفي سورة هود في القصة المذكورة، فأغنى ذلك عن ~~إعادته هنا. ### || [51.37] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76]، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [51.41] # قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا # [فصلت: 16] الآية. ### || [51.44] # قوله تعالى: { فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17] الآية. ### || [51.47] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها # [ق: 6] الآية. # تنبيه # قوله تعالى في هذه الآية الكريمة { بنيناها بأيد } ، ليس من ~~آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله { بأيد } ليس جمع يد: ~~وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا بأيد فعل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة ~~في قوله { بأيد } في مكان الفاء والياء في مكان العين، والدال في مكان ~~اللام. ولو كان قوله تعالى: { بأيد } جمع يد لكان وزنه أفعلا، فتكون ~~الهمزة زائدة والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين والياء ~~المحذوفة لكونه منقوصا هي اللام. # والأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى # وأيدناه بروح القدس # [البقرة: 87 و 253] أي قويناه به، فمن ظن أنها ms3545 جمع يد في هذه الآية فقد ~~غلط غلطا فاحشا، والمعنى: والسماء بنيانها بقوة. ### || [51.52-53] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبي قوما إلا قالوا ساحر ~~أو مجنون، ثم قال: { أتواصوا به } ، ثم أضرب عن تواصيهم بذلك ~~إضراب إبطال، لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال: { بل هم ~~قوم طاغون } أي الموجب الذي جمع على اتفاقهم جميعا على تكذيب ~~الرسل ونسبتهم للسحر والجنون، واتحاد في الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في ~~الكفر. # وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوبهم بعض في الكفر ~~والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم. # وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة: # كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118]. ### || [51.54] # نفيه جل وعلا في هذه الآية الكريمة اللوم عن نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~يدل على أنه أدى الأمانة ونصح الأمة. # وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3]. وقوله تعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة معلومة. ### || [51.55] # قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان التي تضمنها ~~أن يجعل الله شيئا لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا ~~نذكر بقية حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدمنا أمثلة ذلك. # ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير ~~وهي رجاء انتفاع المذكر به، لأن تعالى قال هنا: { وذكر } ، ورتب ~~عليه قوله { فإن الذكرى تنفع المؤمنين }. # ومن حكم ذلك أيضا خروج المذكر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله: # قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون # [الأعراف: 164]. # ومن حكم ذلك أيضا النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه ~~لأن الله تعالى يقول # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]. # وقد ms3546 بين هذه الحجة في آخر طه في قوله # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # { طه: 134] الآية. # وأشار لها في القصص في قوله # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين # [القصص: 47]. # وقد قدمنا هذه الحكم في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى # عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم # [المائدة: 105]. ### || [51.56] # اختلف العلماء في معنى قوله { ليعبدون } ، فقال بعضهم المعنى ما ~~خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقيا، فالحكمة المقصودة من ~~إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه ~~قوله تعالى: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان. # وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم. # وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي، فإن ~~قتلوكم فاقتلوهم، من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، ~~وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر: # فسيف بني عبس وقد ضربوا به # نبا من يدي ورقاء عن رأس خالد # فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن ~~رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي. # وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا # [الحجرات: 14] الآية بدليل قوله: # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر # [التوبة: 99] - إلى قوله - # سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم # [التوبة: 99]. # وقال بعض العلماء: معنى قوله: { إلا ليعبدون }: أي " إلا ~~ليقروا لي بالعبودية طوعا أو كرها " لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر ~~مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه، وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس ~~واختاره، ويدل له قوله تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15] الآية، والسجود والعبادة كلاهما ms3547 خضوع وتذلل لله جل وعلا، ~~وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعا وبعضهم يفعله كرها. # وعن مجاهد أنه قال: { إلا ليعبدون }: أي إلا ليعرفوني. واستدل ~~بعضهم لهذا القول بقوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] ونحو ذلك من الآيات. وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته ~~فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # وقال بعض أهل العلم: وهو مروي عن مجاهد أيضا معنى قوله: { إلا ~~ليعبدون }: أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي ~~دون غيره، وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليهم باللام في قوله: ~~{ ليعبدون } إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع ~~من أمرتهم الرسل لطاعة الله الا إرادة كونية قدرية، لأنها لو كانت كذلك ~~لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك بدليل قوله تعالى # قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-3] إلى آخر السورة. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية ~~الكريمة { إلا ليعبدون } في إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي ~~أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ~~وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات ~~من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم ~~أحسن عملا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم. # قال تعالى في أول سورة هود: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء # [هود: 7]، ثم بين الحكمة في ذلك فقال: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ~~إن هذآ إلا سحر مبين # [هود: 7]. # وقال تعالى في أول سورة الملك: # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا # [الملك: 2]. # وقال تعالى في أول سورة الكهف: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]الآية. ms3548 # فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ~~ابتلاؤهم أيهم أحسن عملا، يفسر قوله { ليعبدون }. وخير ما يفسر به ~~القرآن القرآن. # ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا تتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه ~~والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولا وبعثهم ثانيا، هو ~~جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس: # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون # [يونس: 4]، وقوله في النجم: # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى # { النجم: 31]. # وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملا، لم ~~يؤمر ولم ينه، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد ~~الموت أي ويجازيه على عمله، قال تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى # [القيامة: 36-37] - إلى قوله - # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى # [القيامة: 40]. # والبراهين على البعث دالة على الجزاء، وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن ~~الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم منكرا ذلك ~~عليهم في قوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # [المؤمنون: 115-116]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله ~~تعالى: # ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وأجل مسمى # [الأحقاف: 3]. # تنبيه # اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما ~~بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافا، والواقع خلاف ذلك. لأن ~~كلام الله لا يخالف بعضه بعضا، وإيضاح ذلك أن الله تبارك وتعالى ذكر في ~~بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل ~~شيء، وأنه محيط بكل شيء علما، وذلك في ms3549 قوله تعالى في آخر الطلاق: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما # [الطلاق: 12]. # وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو ~~المعبود وحده، كقوله تعالى # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163]، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار # [البقرة: 164] - إلى قوله - # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164] ولما قال: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] بين أن خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده # الذي خلقكم والذين من قبلكم # [البقرة: 21] الآية. # والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جدا في القرآن، ~~وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله ~~تعالى: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من ~~دونه آلهة لا يخلقون شيئا # [الفرقان: 2-3]الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى # أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء # [الرعد: 16] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. # وذكر في بعض الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في ~~قوله: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا # [هود: 7]. # وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله: # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط # [يونس: 4] الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ~~ليعبدوه، فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافا مع أنها لا ~~اختلاف بينها، لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة ~~الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: # لتعلموا أن الله على كل شيء قدير # [الطلاق: 12] وقوله: # اعبدوا ربكم الذي خلقكم # [البقرة: 21] راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله، لأن من عرف الله أطاعه ~~ووحده. # وهذا ms3550 العلم يعلمهم الله إياه ويرسل لهم الرسل بمقتضاه ليهلك من هلك عن ~~بينة، ويحيي من حيي عن بينه، فالتكليف بعد العلم، والجزاء بعد التكليف، ~~فظهر بهذا اتفاق الآيات لأن الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء ~~المذكور في الآيات والتكليف لا بد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن ~~حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ~~ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرتب على ~~بعض. # وقد بينا معنى { إلا ليعبدون } في كتابنا دفع إيهام الاضطراب ~~عن آيات الكتاب في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: # ولذلك خلقهم # [هود: 119] وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله { ~~ولذلك خلقهم } أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي ~~قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في ~~قوله: { إلا ليعبدون } ، إرادة دينية شرعية. # وبينا هناك أيضا الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسما إلى ~~شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]: وقال: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. # والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته ~~وحده وأمرهم بذلك وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله ~~جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، ~~فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة، وبهذا تعلم وجه الجمع بين ~~قوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. وقوله: # ولذلك خلقهم # [هود: 119]، وبين قوله { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } [الذاريات: 56]، وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية ~~شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية وليست ملازمة ~~لهما، لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا، ويريد ذلك ~~كونا وقدرا من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول ألا ms3551 ليطاع بإذن الله # [النساء: 64]، فقوله: إلا ليطاع: أي فيما جاء به من عندنا، لأنه مطلوب ~~مراد من المكلفين شرعا ودينا، وقوله: بإذن الله يدل على أنه لا يقع من ~~ذلك إلا ما أراده الله كونا وقدرا، والله جل وعلا يقول: # والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم # [يونس: 25] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل ميسر لما خلق له " # والعلم عند الله تعالى. ### || [51.57] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وهو يطعم ولا يطعم # { الأنعام: 14]. ### || [51.59] # أصل الذنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار ~~والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا ~~اسم الذنوب، التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء ~~بالدلو: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب # ويروى: # إنا إذا شاربنا شريب # له ذنوب ولنا ذنوب # فإن أبى كان لنا القليب # ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي. # وقيل عبيد: # وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشأس من نداك ذنوب # وقول أبي ذؤيب: # لعمرك والمنايا طارقات # لكل بني أب منها ذنوب # فالذنوب في البيتين النصيب، ومعنى الآية الكريمة، فإنه للذين ظلموا ~~بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ذنوبا، أي نصيبا من عذاب الله مثل ~~ذنوب أصحابهم من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم. # وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات كثيرة من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا ~~والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا وما هم بمعجزين # [الزمر: 50 - 51]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فلا يستعجلون } قد قدمنا ~~الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت ~~من قبلهم المثلات # [الرعد: 6] وفي سورة مريم في الكلام على قوله: # فلا تعجل ms3552 عليهم إنما نعد لهم عدا # [مريم: 84] وغير ذلك من المواضع. ### || [51.60] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بالويل من يوم القيامة لما ~~ينالهم فيه من عذاب النار، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى في ص # فويل للذين كفروا من النار # [ص: 27] وقوله في إبراهيم # وويل للكافرين من عذاب شديد # [إبراهيم: 2]. وقوله في المرسلات: # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15-19-24-28-34-37-40-45-47-49] والآيات بمثل ذلك كثيرة ~~معلومة. # وقد قدمنا أن كلمة { وويل } ، قل فيها بعض أهل العلم: إنها مصدر لا ~~فعل له من لفظه، ومعناه الهلاك الشديد، وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ من ~~حره، والذي سوغ الابتداء بهذه النكرة أن فيها معنى الدعاء. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # هذه الأقسام التي أقسم الله بها تعالى في أول هذه السورة الكريمة أقسم ~~ببعضها بخصوصه، وأقسم بجميعها في آية عامة لها ولغيرها. # أما الذي أقسم به منها إقساما خاصا فهو الطور، والكتاب المسطور، ~~والسقف المرفوع، والأظهر أن الطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وقد ~~أقسم الله تعالى بالطور في قوله: # والتين والزيتون وطور سينين # [التين: 1-2]. # والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإقسام ~~به في كتابه كقوله تعالى: # حم والكتاب المبين # [الزخرف: 1-2] وقوله تعالى: # يس والقرآن الحكيم # [يس: 1-2] وقيل هو كتاب الأعمال، وقيل غير ذلك، { والسقف ~~المرفوع }: هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في آيات متعددة ~~كقوله: # والسمآء ذات الحبك # [الذاريات: 7] وقوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] وقوله تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، والرق بفتح الراء كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها، وقيل هو ~~الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: { منشور } أي مبسوط، ومنه قوله: # كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]. وقوله: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر: 52] { والبيت المعمور }. " هو البيت المعروف في ~~السماء المسمى بالضراح بضم الضاد، وقيل فيه معمور، لكثرة ما يغشاه من ~~الملائكة المتعبدين، فقد جاء الحديث أنه يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا ~~يعودون إليه بعدها ms3553 ". # وقوله: { والبحر المسجور } فيه وجهان من التفسير للعلماء. ~~أحدهما أن المسجور هو الموقد نارا. قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة ~~نارا، من هذا المعنى قوله تعالى: # ثم في النار يسجرون # [غافر: 72] # الوجه الثاني: هو أن المسجور بمعنى المملوء، لأنه مملوء ماء، ومن إطلاق ~~المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته: # فتوسطا عرض السرى وصدعا # مسجورة متجاورا قلامها # فقوله: مسجورة أي عينا مملوءة ماء، وقول النمر بن تولب العكلي: # إذا شاء طالع مسجورة # ترى حولها النبع والساسما # وهذان الوجهان المذكوران في معنى المسجور هما أيضا في قوله # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6]، وأما الآية العامة التي أقسم فيها تعالى بما يشمل جميع ~~هذه الأقسام وغيرها، فهي قوله تعالى: # فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون # [الحاقة: 38-39]، لأن الإقسام في هذه الآية عامة في كل شيء. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إن عذاب ربك لواقع } ~~، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول الذاريات، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [52.13-14] # الدع في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى # فذلك الذي يدع اليتيم # [الماعون: 2] أي يدفعه عن حقه بقوة وعنف، وقد تضمنت هذه الآية الكريمة ~~أمرين: # أحدهما أن الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة. # والثاني: أنهم يقال لهم يوم القيامة توبيخا وتقريعا: { هذه ~~النار التي كنتم بها تكذبون }. # وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات أخر، ~~أما الأخير منهما، وهو كونهم يقال لهم { هذه النار التي ~~كنتم بها تكذبون } ، وقد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله في ~~السجدة # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون # [السجدة: 20]: وقوله في سبأ # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ~~ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون # [سبأ: 42] وقوله تعالى في المرسلات: # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب ~~إنها ترمي بشرر كالقصر ms3554 # [المرسلات: 29-32] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأول منهما وهو كونهم يدفعون إلى النار بقوة فقد ذكره الله جل ~~وعلا في آيات من كتابه كقوله تعالى: # خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم # [الدخان: 47] أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار. والعتل في لغة العرب: ~~الجر بعنف وقوة، ومنه قول الفرزدق: # ليس الكرام بناحليك أباهم # حتى ترد إلى عطية تعتل # وقوله تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام # [الرحمن: 41] أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحد منهم، أي مقدم شعر رأسه ~~وقدمه، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة. # وقد بين جل وعلا أنهم أيضا يسحبون في النار على وجوههم في آيات من ~~كتابه كقوله تعالى: # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر # [القمر: 48]، وقوله تعالى: # الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا ~~فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون # [غافر: 70-72]. # وقوله: في هذه الآية الكريمة: يوم يدعون، بدل من قوله: يومئذ، في قوله ~~تعالى قبله { فويل يومئذ للمكذبين } [الطور: 11]. ### || [52.16] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار معذبون في النار لا محالة، ~~سواء صبروا أو لم يصبروا، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع، وقد أوضح هذا ~~المعنى في قوله: # قالوا لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ ~~أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص # [إبراهيم: 21]. ### || [52.21] # قوله تعالى: { كل امرىء بما كسب رهين }. # ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بين تعالى في آيات ~~أخر أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في ~~جنات يتسآءلون عن المجرمين # [المدثر: 38-41]. # ومن المعلوم أن التخصيص بيان، كما تقرر في الأصول. ### || [52.22] # لم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلا أنه مما يشتهون. ~~وقد بين صفات هذه الفاكهة في مواضع أخر كقوله تعالى: # وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 32-33] وبين أنها أنواع ms3555 في مواضع أخر كقوله: # ولهم فيها من كل الثمرات # [محمد: 15] الآية. وقوله تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها # [البقرة: 25] الآية. وقوله تعالى: # أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون # [الصافات: 41-42] إلى غير ذلك من الآيات. # ووصف اللحم المذكور بأنه من الطير، والفاكهة بأنها مما يتخيرونه على ~~غيره، وذلك في قوله: # وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما ~~يشتهون # [الواقعة: 20-21]. ### || [52.23] # قرأه ابن كثير وأبو عمرو: { لا لغو } بالبناء على الفتح، { ولا ~~تأثيم } كذلك لأنها، لا، التي لنفي الجنس فبنيت معها، وهي إن كانت كذلك ~~نص في العموم، وقرأه الباقون من السبعة { لا لغو فيها ولا ~~تأثيم } بالرفع والتنوين. لأن لا النافية للجنس إذا تكررت كما هنا جاز ~~إعمالها وإهمالها، والقراءتان في الآية فيهما المثال للوجهين: وإعمالها ~~كثير، ومن شواهد إهمالها قراءة الجمهور في هذه الآية، وقول الشاعر: # وما هجرتك حتى قلت معلنة # لا ناقة لي في هذا ولا جمل # وقوله: { يتنازعون فيها كأسا }: أي يتعاطون، ويتناول بعضهم ~~من بعض كأسا أي خمرا، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم ~~يعطي بعضهم بعضا شيئا ويناوله إياه، فهم يتنازعونه كتنازع كؤوس الشراب ~~والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. # ومنه في الشراب قول الأخطل: # وشارب مربح بالكأس نادمني # لا بالحصور ولا فيها بسوار # نازعته طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة السار # فقوله: نازعته طيب الراح: أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها، ومنه في ~~الكلام قول امرئ القيس: # ولما تنازعنا الحديث وأسمحت # هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلب الكأس إلا على الإناء ~~المملوء، وهي مؤنثة وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لا لغو ~~فيها ولا تأثيم } يعني أن خمر الجنة التي يتعاطاها المؤمنون، فيها ~~مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا، فخمر الآخرة لا لغو فيها، واللغة كل ~~كلام ساقط لا خير فيه، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الخبيث والهذيان، ~~لأنها ms3556 لا تؤثر في عقولهم بخلاف خمر الدنيا، فإنهم إن يشربوها سكروا وطاشت ~~عقولهم، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان، وكل ذلك من اللغو. # والتأثيم: هو ما ينسب به فاعله إلى الإثم، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها ~~بشربها، لأنها مباحة له، فنعم بلذتها كما قال تعالى: # وأنهار من خمر لذة للشاربين # [محمد: 15] ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثما بخلاف خمر الدنيا، ~~فشاربها يأثم بشربها ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا ~~والقذف. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مخالفة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء ~~موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # يطاف عليهم بكأس من معين بيضآء لذة ~~للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 45-74] وقوله { لا فيها غول }: أي ليس فيها غول يغتال ~~العقول، فيذهبها كخمر الدنيا. { ولا هم عنها ينزفون }: أي لا ~~يسكرون، وكقوله تعالى: # يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 17-19]: وقوله { لا يصدعون } أي لا يصيبهم الصداع ~~الذي هو وجع الرأس بسببها. # وقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة، وبينا أنها مخالفة في ~~جميع الصفات لخمر الدنيا. وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة ~~في الكلام على قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر # [المائدة: 90] الآية. ### || [52.24] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة يطوف عليهم غلمان جمع ~~غلام، أي خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة ~~الحجر في الكلام على قوله تعالى: # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم # [الحجر: 53]. # ولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله { كأنهم ~~لؤلؤ مكنون } في أصدافه، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: ~~مكنون أي مخزون لنفاسته، لأن النفيس هو الذي يخزن ويكن. # وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله # يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين # [الواقعة: 17-18]. وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، وذكر ms3557 بعض ما يطاف ~~عليهم به في قوله: # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب # [الزخرف: 71]. وقوله تعالى: # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا # [الإنسان: 15-16]. # والظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله: { ويطاف عليهم } في آية ~~الزخرف والإنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة، ~~وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى: # ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا # [الإنسان: 19]. ### || [52.26-27] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا، وأن ~~المسؤول عنهم يقول للسائل: { إنا كنا قبل } ، أي في دار الدنيا ~~{ في أهلنا مشفقين } أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا ~~أحياء فمن الله علينا أي أكرمنا، وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار ~~الدنيا فهدانا، ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة عذاب السموم، والسموم ~~النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع ~~سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # أنامل لم تضرب على البهم بالضحى # بهن ووجه لم تلحه السمائم # وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز: # اليوم يوم بارد سمومه # من جزع اليوم فلا ألومه # الفاء في قوله: { فمن الله علينا } ، تدل على أن علة ذلك هي ~~الخوف من الله في دار الدنيا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ~~الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة ~~منه في الآخرة، يفهم من دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من ~~عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحا في غير هذا ~~الموضع. فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب ~~يوم القيامة، وذلك في قوله # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ~~ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا ~~إنه ظن أن لن يحور # [الإنشقاق: 10-14] الآية. # وقد تقرر في مسلك الإيماء ms3558 والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف ~~التعليل، فقوله: # إنه كان في أهله مسرورا # [الإنشقاق: 13] علة لقوله: # فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا # [الإنشقاق: 12-13]. # والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله ~~بعده: # إنه ظن أن لن يحور # [الإنشقاق: 14] لأن معناه، ظن ألن يرجع إلى الله حيا يوم القيامة، ولا ~~شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقا في أهله خوفا من ~~العذاب، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون لن يحور، بمعنى لن يرجع ~~معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: # أليلتنا بذي حسم أنيري # إذا أنت انقضيت فلا تحوري # فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي. # وقول لبيد بن ربيعة العامري: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # يجور رمادا بعد ما هو ساطع # أي يرجع رمادا، وقيل: يصير، والمعنى واحد. وقوله تعالى: # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال في سموم وحميم ~~وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا ~~قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث ~~العظيم وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون # [الواقعة: 41-47] الآية، لأن تنعمهم في الدنيا المذكور في قوله { ~~مترفين } ، وإنكارهم للبعث المذكور في قوله { أإذا متنا ~~وكنا ترابا } الآية. دليل على عدم إشفاقهم في الدنيا، وهو علة ~~كونهم في سموم وحميم. # وقد قدمنا قريبا أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: ~~{ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ، الآية. علة لقوله: { ~~في سموم وحميم } الآية. # وقد ذكر جل وعلا أن الإشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنة والنجاة ~~من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في ~~المعارج # والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ~~ربهم غير مأمون # { المعارج: 27-28] - إلى قوله - # أولئك في جنات مكرمون # [المعارج: 35]،وذكر ذلك من صفات أهل الجنة في قوله تعالى # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون # [المؤمنون: 57] - إلى قوله - # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # [المؤمنون: ms3559 61]، وقد قال تعالى: # والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم # [الواقعة: 10-12]. # وقوله في آية الواقعة المذكورة: { وكانوا يصرون على الحنث ~~العظيم } ، أي يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار ~~البعث، وقيل المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة كما في قوله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38] ### || [52.29-30] # نفى الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين ~~الكريمتين ثلاث صفات قبيحة عن نبيه صلى الله عليه وسلم رماه بها الكفار، ~~وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنه كاهن أو مجنون، فقد نفاها ~~صريحا بحرف النفي الذي هو ما في قوله: { فمآ أنت } وأكد النفي ~~بالباء في قوله: { بكاهن } وأما كونه شاعرا فقد نفاه ضمنا بأم ~~المنقطعة في قوله: { أم يقولون شاعر } ، لأنها تدل على الإضراب ~~والإنكار المتضمن معنى النفي. # وقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى ~~في نفي الجنون عنه في أول القلم: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2] وقوله في التكوير # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22] وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون # [الحاقة: 41-42] وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { نتربص به ريب ~~المنون } أي ننتظر به حوادث الدهر، حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: ~~الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر ~~هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: # أمن المنون وريبه تتوجع # والدهر ليس بمعتب من يجزع # لأن الضمير في قوله: وريبه يدل على أن المنون الدهر، ومن ذلك أيضا قول ~~الآخر: # تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # وقال بعض العلماء: المنون في الآية الموت، وإطلاق المنون على الموت ~~معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي: # هم منعوا حمى الوقبي بضرب # يؤلف بين أشتات المنون # لأن الذين ماتوا ms3560 عند ذلك الماء المسمى بالوقبا، جاءوا من جهات مختلفة، ~~فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في ~~بلاد شتى. ### || [52.34] # قد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في ~~قوله: # فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون ~~الله # [البقرة: 23] الآية. # وفي سورة يونس في قوله تعالى # قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله # [يونس: 38] الآية. # وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله: # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا ~~من استطعتم من دون الله # [هود: 13] الآية. # وتحداهم في سورة الطور هذه به كله في قوله { فليأتوا بحديث ~~مثله } الآية. # وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88]الآية. # وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: { فليأتوا ~~بحديث مثله } كما أطلق عليه ذلك في قوله # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # [الزمر: 23] الآية، وقوله تعالى: # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه # [يوسف: 111] الآية. ### || [52.35] # قد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة مريم في الكلام ~~على قوله تعالى: # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 78]. ### || [52.38] # قوله تعالى: { أم لهم سلم يستمعون فيه }. الآية. # قد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة الحجر في الكلام ~~على قوله تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين وحفظناها # [الحجر: 16-17] الآية. ### || [52.39] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57]، وفي مواضع أخر متعددة. ### || [52.40] # قد قدمنا الآيات الموضحة له وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود في ~~الكلام على قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا # [هود: 29] الآية. ### || [52.44] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأنعام في ms3561 الكلام على قوله ~~تعالى # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم # [الأنعام: 7] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [52.46] # قوله تعالى: { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا }. # بين جل وعلا في هذه الآية أن كيد الكفار لا يغني عنهم شيئا في الآخرة ~~في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان ~~لكم كيد فكيدون # [المرسلات: 38-39]. # وبين أنه لا ينفعهم في الدنيا أيضا كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون # [الطور: 42] وقوله # إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا # [الطارق: 15-16] الآية، وقوله # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم ~~إن كيدي متين # [القلم: 44-45] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [52.47] # الظاهر أن قوله { عذابا دون ذلك } هو ما عذبوا به في دار الدنيا ~~فمن القتل وغيره، لما دل على ذلك قوله # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر # [السجدة: 21] الآية. وقوله تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14] إلى غير ذلك من الآيات، ولا مانع من دخول عذاب القبر في ~~ذلك، لأنه قد يدخل في ظاهر الآية، وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه ~~عندي. والعلم عند الله تعالى. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-4] # اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية ~~الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين، وقال بعضهم: ~~إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، ولفظة النجم علم ~~للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجردا إلا عليها، ومنه ~~قول نابغة ذبيان: # أقول والنجم قد مالت أواخره # إلى المغيب تثبت نظرة حار # فقوله: { والنجم }: يعني الثريا. وقوله تعالى: { إذا هوى }: أي ~~سقط مع الصبح، وهذا اختيار ابن جرير: وقيل النجم: الزهرة، وقيل المراد ~~بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كقوله: # ويولون الدبر # [القمر: 45] يعني الأدبار. وقوله: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22] أي والملائكة. وقوله: # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # [الفرقان: ms3562 75] أي الغرف. # وقد قدمنا أمثلة كثيرة لهذا في القرآن، وفي كلام العرب في سورة الحج في ~~الكلام على قوله تعالى: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5]، وإطلاق النجم مرادا به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر ~~بن أبي ربيعة: # ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد النجم والحصى والتراب # وقول الراعي: # فباتت تعد النجم في مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # وعلى هذا القول، فمعنى هوى النجوم سقوطها إذا غربت أو انتثارها يوم ~~القيامة. وقيل: النجم النبات الذي لا ساق له. وقال بعض أهل العلم: المراد ~~بالنجم الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنجما منجما في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها ~~اسم النجم صدقا عربيا صحيحا كما يطلق على ما حان وقته من الدية ~~المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب. # وعلى هذا فقوله: { إذا هوى } ، أي نزل به الملك من السماء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقوله { هوى } يهوي هويا إذا اخترق الهوى نازلا ~~من أعلا إلى أسفل. # اعلم أولا أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها، وإن اختاره ~~ابن جرير وروي عن ابن عباس وغير واحد، ليس بوجيه عندي. # والأظهر أن النجم يراد به النجوم. وإن قال ابن جرير بأنه لا يصح، ~~والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75]، لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى هنا، كالمراد ~~بمواقع النجوم في الواقعة. # وقد اختلف العلماء أيضا في المراد بمواقع النجوم فقال بعضهم: هي ~~مساقطها إذا غابت. وقال بعضهم انتثارها يوم القيامة. وقال بعضهم: منازلها ~~في السماء، لأن النازل في محل واقع فيه. وقال بعضهم: هي مواقع نجوم ~~القرآن النازل بها الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في ~~نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة، وبمواقع النجوم في ~~الواقعة هو نجوم القرآن التي ms3563 نزل بها الملك نجما فنجما، وذلك لأمرين ~~أحدهما أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم على حق وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم، وهو قوله # إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون # [الواقعة: 77-78] - إلى قوله - # تنزيل من رب العالمين # [الواقعة: 80]. # والإقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صدق ~~القرآن العظيم وأنه منزل من الله جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله ~~تعالى: # يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على ~~صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم # [يس: 1-5] وقوله تعالى: # حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم # [الزخرف: 1-4] وخير ما يفسر به القرآن القرآن. # والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم أنسب ~~لقوله بعده: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 76]، لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في ~~غاية العظمة. # ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم ~~الأرض. والعلم عند الله تعالى. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ما ضل صاحبكم وما غوى ~~} ،قال بعض العلماء: الضلال يقع من الجهل بالحق، والغيي هو العدول عن ~~الحق مع معرفته، أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم بالحق متبع له. # وقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء ~~في الكلام على قوله تعالى: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم # [الكهف: 103-104] الآية. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه صلى الله عليه وسلم على هدى ~~مستقيم، جاء موضحا في آيات كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى: # فتوكل على الله إنك على الحق المبين # [النمل: 79] وقوله ms3564 تعالى # فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم # [الحج: 67] وقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله ~~تعالى: # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط ~~مستقيم # [الزخرف: 43]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة # إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 4] استدل به علماء الأصول على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يجتهد، والذين قالوا إنه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] الآية. وقوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67] الآية. وقوله تعالى: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113] الآية. # قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال { عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم } الآية. ولما قال: { ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى } ، ولا منافاة بين الآيات، لأن قوله: { إن هو إلا ~~وحي يوحى } معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عن الله إلا ~~شيئا أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر أو كهانة، أو ~~أساطير الأولين هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنه أذن ~~للمتخلفين عن غزة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من ~~غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع. ### || [53.5] # المراد بشديد القوى في هذه الآية: هو جبريل عليه السلام، والمعنى أنه ~~صلى الله عليه وسلم علمه هذا الوحي. ملك شديد القوى هو جبريل. # وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين: # أحدهما: أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم، علمه جبريل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله. # والثاني: أن جبريل شديد القوة. # الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع. # أما الأول منهما وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه، فقد جاء ~~موضحا في آيات من كتاب الله ms3565 كقوله تعالى: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] الآية. وقوله تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين # [الشعراء: 192-194]. وقوله تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه # [طه: 114]. وقوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه ~~وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 16-18] أي إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغا له ~~عنا فاتبع قرآنه، أي اقرأ كما سمعته يقرأ. # وأما الأمر الثاني، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي، فقد ذكره في ~~قوله # إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين # [التكوير: 19-20]. وقوله في آية التكوير هذه: { لقول رسول } أي ~~لقوله المبلغ له عن الله، فقرينته ذكر الرسول تدل على أنه إنما بلغ شيئا ~~أرسل به، فالكلام كلام الله بألفاظه ومعانيه، وجبريل مبلغ عن الله، وبهذا ~~الاعتبار نسب القول له. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعه إلا منه، ~~فهو القول الذي أرسله الله به. وأمره بتبليغه، كما تدل عليه قرينة ذكر ~~الرسول، وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء الله في سورة التكوير. والعلم ~~عند الله تعالى. ### || [53.17] # قد قدمنا بعض الكلام عليه في أول سورة الإسراء. ### || [53.21-22] # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله ~~تعالى: # ويجعلون لله البنات # [النحل: 57] الآية، وفي مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. ### || [53.25] # بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له الآخرة والأولى وهي الدنيا، ~~وبين هذا في غير هذا الموضع كقوله # إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى # [الليل: 12-13] وبين في موضع آخر أن له كل شيء، وذلك في قوله: # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء # [النمل: 91]، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. ### || [53.26] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ms3566 نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة # [البقرة: 48] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [53.27] # وقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [53.31] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى # ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق وأجل مسمى # [الأحقاف: 3]، وفي سورة الذاريات في الكلام على قوله تعالى # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ### || [53.32] # قوله تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: # والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ~~ما غضبوا هم يغفرون # [الشورى: 37]. # قوله تعالى: { إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم ~~أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله ~~يزكي من يشآء # [النساء: 49]، وفي غير ذلك من المواضع. ### || [53.33-41] # قوله { تولى }: أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: { وأعطى قليلا ~~} ، قال بعضهم قليلا من المال. وقال بعضهم: أعطى قليلا من الكلام ~~الطيب. وقوله: { وأكدى } أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى ~~صاحب الحفر. إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله ~~من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر، وهذا الذي ~~أعطى قليلا وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل هو الوليد بن المغيرة قارب ~~أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فعيره بعض المشركين، فقال: أرتكت ~~دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو ~~أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد ~~إلى الشرك وأعطى الذي غيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه ثمامة. فأنزل ~~الله عز وجل الآية. # وعلى هذا فقوله: { تولى }: أي الوليد عن الإسلام بعد أن قارب، وأعطى ~~قليلا ms3567 من المال للذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه. { وأكدى }: أي بخل ~~عليه بالباقي، وقيل أعطى قليلا من الكلام الطيب كمدحه للقرآن، واعترافه ~~بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدى أي انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: ~~هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، ~~وهذا قول السدي ولم ينسجم مع قوله بعده: { أعنده علم الغيب } ~~الآية. # وعن محمد بن كعب القرظي أنه أبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلا، وقطعه لذلك ~~معروف. # واقتصر الزمخشري على أنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: روي أن عثمان ~~بن عفان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو ~~أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا ~~وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه، فقال عبد الله: ~~أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، ~~وأمسك عن العطاء فنزلت الآية. # ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. ~~انتهى منه. # ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه. # وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: # الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بالهمزة في قوله: { أعنده ~~علم الغيب } والمراد نفي علمه للغيب. # الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفا لم ينبأ بما فيها هذا الكافر. # الثالث: أن إبراهيم وفى أي أتم القيامة بالتكاليف التي كلفه ربه بها. # والرابع: أن في تلك الصحف، أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. # الخامس: أن فيها أيضا أنه ليس للإنسان إلا ما سعى. # السادس: أن سعيه سوف يرى. # السابع: أنه يجزاه جزاء الأوفى، أي الأكل الأتم. # وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في ms3568 غير هذا الموضع. # أما الأول منها، وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة ~~كقوله تعالى: # أم عندهم الغيب فهم يكتبون # [الطور: 41 والقلم: 47]. وقوله: # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 78]. وقوله # وما كان الله ليطلعكم على الغيب # [آل عمران: 179] وقوله تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # [الجن: 26-27] وقوله تعالى: # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارا. # والثاني: الذي هو أن لإبراهيم وموسى صحفا لم يكن هذا المتولي المعطي ~~قليلا المكدي عالما بها، ذكره تعالى في قوله: # إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى # [الأعلى: 18-19]. # والثالث: منها وهو إبراهيم وفي تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]، وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلى بها أنها ~~التكاليف. # وأما الرابع منها: وهو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فقد ذكره تعالى في ~~آيات من كتابه كقوله تعالى: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون # [العنكبوت: 12] وقوله تعالى # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإشكال، في ~~سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة ~~النحل في الكلام على قوله تعالى: # ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ~~ما يزرون # [النحل: 25]. # وأما الخامس منها: وهو أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فقد جاء موضحا في ~~آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] الآية. وقوله: # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46] الآية وقوله: # ومن عمل ms3569 صالحا فلأنفسهم يمهدون # [الروم: 44] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية ~~الكريمة: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } يدل على أن ~~الإنسان لا يستحق أجرا إلا على ما سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية ~~لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات، لأن قوله: { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا ~~يملك شيئا إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكا له ولا ~~مستحقا له. # وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره وهي ~~قوله تعالى # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء # [الطور: 21]. # وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى } وبين قوله: { والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان } الآية. في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه والجواب من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على ~~نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى، ~~وإنما قال وأن ليس للإنسان، وبين الأمرين فرق ظاهر، لأن سعي الغير ملك ~~لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه. # وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ~~ونحو ذلك ما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه. # الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا ~~كفارا لما حصل لهم ذلك. فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل ~~غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض ~~يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردا، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل ~~الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في االجماعة، وهذا الوجه يشير إليه ~~قوله تعالى: { واتبعتهم ذريتهم بإيمان }. # الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد ms3570 كما هو نص ~~قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [النجم: ~~39] ولكن من سعي الآباء فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه، بأن رفع ~~إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم. # فالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها، لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا ~~الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله عليهم بما ~~ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين، والخلق الذين ينشؤهم ~~للجنة. والعلم عند الله تعالى. اه منه. # والأمر السادس والسابع: وهما أن عمله سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، ~~فقد جاءا موضحين في آيات كثيرة كقوله تعالى: # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم # [الأعراف: 8-9] الآية. # وقوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. # وقوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. # وقوله تعالى: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فهو يرى } أي يعلم ذلك الغيب، ~~والآية تدل على أن سبب النزول لا يخلو من إعطاء شيء في مقابلة تحمل ~~الذنوب عمن أعطى لأن فاعل ذلك ليس عنده علم الغيب، فيعلم به أن الذي ضمن ~~له تحمل ذنوبه بفعل ذلك، ولم ينبأ بما في الصحف الأولى، من أنه لا تزر ~~وازرة وزر أخرى أي لا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى. # وقد قدمنا تفسيره موضحا في سورة بني إسرائيل، وأنه لا يملك الإنسان ولا ~~يستحق إلا سعي نفسه، وقد اتضح بذلك أنه لا يمكن أن يتحمل إنسان ذنوب غيره ~~وقد دلت على ذلك آيات كثيرة معلومة. # وقال أبو حيان في البحر: أفرأيت بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو ~~الموصول وصلته. والمفعول الثاني هو جملة { أعنده علم الغيب ~~فهو يرى }. ### || [53.45-46] # ذكر جل ms3571 وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الزوجين أي النوعين الذكر ~~والأنثى من نطفة، وهي نطفة المني إذا تمنى أي تصب وتراق في الرحم، على ~~أصح القولين. # ويدل قوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59] وقوله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37]. # والعرب تقول: أمنى الرجل ومني إذا أراق المني وصبه. # وقال بعض العلماء: { من نطفة إذا تمنى } أي تقدر بأن يكون ~~الله قدر أن ينشأ منها حمل، ومن قول العرب: # منى الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن ~~عامر المصطلقي: # لا تأمن الموت في حل وفي حرم # إن المنايا توافي كل إنسان # واسلك سبيلك فيها غير محتشم # حتى تلاقي ما يمني لك الماني # وقد قدمنا الكلام على النطفة مستوفى من جهات في سورة النحل في الكلام ~~على قوله تعالى: # خلق الإنسان من نطفة # [النحل: 4] الآية. وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث # [الحج: 5]، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين، أعني الذكر ~~والأنثى من النطفة جاء موضحا في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على ~~أمرين: هما قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ~~ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى # [القيامة: 36-40] فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله: { أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى } ، وذكر أنه ما خلقه ليهمله ~~من التكليف والجزاء، منكرا على من ظن ذلك بقوله: { أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى } أي مهملا من التكليف والجزاء. # وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله ~~تعالى: # وهو الذي خلق من المآء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا ms3572 # [الفرقان: 54]. ### || [53.47] # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وأحلنا عليها مرارا كثيرة. ### || [53.50-51] # وقد قدمنا الآيات الموضحة لما أهلك به عادا، والآيات الموضحة لما أهلك ~~به ثمود في سورة فصلت في قوله تعالى في الكلام في شأن عاد: # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا # [فصلت: 16] الآية. وقوله في شأن ثمود: # فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17] الآية. ### || [53.52] # قوله: { وقوم نوح } معطوف على قوله: # وأنه أهلك عادا الأولى # أي وأهلك قوم نوح ولم يبين هنا كيفية إهلاكهم، ولكنه بين ذلك في مواضع ~~أخر من كتابه كقوله تعالى: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم # [الفرقان: 37] الآية. # وقوله تعالى: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون # [العنكبوت: 14]. # وقوله تعالى: # ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين # [الأنبياء: 77]. # وقوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]. # وقوله تعالى: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37 والمؤمنون: 27] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون قوم نوح أظلم وأطغى، أي أشد ظلما ~~وطغيانا من غيرهم، قد بينه تعالى في آيات أخر كقوله تعالى: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم ~~لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا # [نوح: 5-7]. # وقوله تعالى: # قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم ~~يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا ~~كبارا # [نوح: 21- 22] - إلى قوله - # وقد أضلوا كثيرا # [نوح: 24]. # وقوله تعالى: # إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 27]. # وقوله: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه # [هود: 38]. # ومن أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14] لأن قوما لم يتأثروا بدعوة نبي كريم ناصح في هذا الزمن ~~الطويل، لا شك أنهم أظلم الناس وأطغاهم. ### || [53.53] # المؤتفكة، مفتعلة من الإفك، وهو القلب والصرف، والمراد بها قرى قوم لوط ~~بدليل قوله في غير هذا الموضع: ms3573 # والمؤتفكات # [التوبة: 70 والحاقة: 9] بالجمع. فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كما ~~أوضحناه مرارا، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وفي كلام العرب وأحلنا عليه ~~مرارا، وإنما قيل لها: مؤتفكة، لأن جبريل أفكها فأتفكت، ومعنى أفكها أنه ~~رفعها نحو السماء ثم قلبها جاعلا أعلاها أسفلها، وجعل عاليها أسفلها، هو ~~ائتفاكها وإفكها. # وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة هود في قوله تعالى: # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة # [هود: 82] الآية. # وقوله تعالى في سورة الحجر: # فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 73-74]. # وقد بينا قصة قوم لوط في هود والحجر، وقوله في هذه الآية الكريمة: { ~~أهوى } تقول العرب: هوى الشيء إذا انحدر من عال إلى أسفل. وأهواه: ~~غيره إذا ألقاه من العلو إلى السفل، لأن الملك رفع قراهم ثم أهواها أي ~~ألقاها تهوي إلى الأرض، منقبلة أعلاها أسفلها ### || [53.57] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # أتى أمر الله # ، وفي سورة المؤمن في قوله تعالى: # وأنذرهم يوم الأزفة # [غافر: 18] الآية. ### || [53.59] # قد قدمنا الآيات التي فيها إطلاق اسم الحديث على القرآن في سورة الطور. ~~في الكلام على قوله تعالى: # فليأتوا بحديث مثله # [الطور: 34 ] آية. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1] # قوله تعالى: { اقتربت الساعة }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى # أتى أمر الله # [النحل: 1] وفي غير ذلك من المواضع. ### || [54.2] # قوله تعالى: { وإن يروا آية يعرضوا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم # [الأنعام: 7] الآية. ### || [54.7-8] # قوله تعالى: { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر مهطعين إلى الداع } # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51] وفي سورة ق في الكلام على قوله تعالى: # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا # [ق: 44]. # قوله تعالى: ms3574 { يقول الكافرون هذا يوم عسر }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24] وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47]. ### || [54.10-12] # قرأ هذا الحرف ابن عامر { ففتحنآ } بتشديد التاء للتكثير، وباقي ~~السبعة بتخفيفها. # وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه نوحا دعاه قائلا: إن ~~قومه غلبوه سائلا ربه أن ينتصر له منهم، وأن الله انتصر له منهم، ~~فأهلكهم بالغرق، لأنه تعالى فتح أبواب السماء بماء منهمر أي متدفق منصب ~~بكثرة وأنه تعالى فجر الأرض عيونا. # وقوله: { عيونا } ، تمييز محول عن المفعول، والأصل فجرنا عيون الأرض. ~~والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، وأل، في قوله: { فالتقى المآء } ~~للجنس، ومعناه التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر، أي قدره الله ~~وقضاه. # وقيل: إن معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهما ~~الله بمقدار ليس أحدهما أكثر من الآخر، والأول أظهر. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من دعاء نوح ربه جل وعلا، أن ينتصر له، من ~~قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعا بالغرق ~~في هذا الماء المتلقى من السماء والأرض، موضحا في آيات أخر من كتاب الله ~~كقوله تعالى في الأنبياء: # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين # [الأنبياء: 76-77]. # وقوله تعالى في الصافات # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم # [الصافات: 75] - إلى قوله - # ثم أغرقنا الآخرين # [الصافات: 82]. # وقد بين جل وعلا أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكا ~~مستأصلا، وتلك الآيات فيها بيان لقوله هنا: فانتصر وذلك كقوله تعالى: # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا ~~إلا فاجرا كفارا # [نوح: 26-27] وما دعا نوح على قومه ms3575 إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه لا ~~يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله تعالى: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن # [هود: 36]. وقد قال تعالى # ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 4]. # وقوله تعالى { عيونا } قرأه ابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان ~~وعاصم، في رواية شعبة وحمزة والكسائي: { عيونا } بكسر العين لمجانسة ~~الياء. # وقرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر في رواية هشام وعاصم في رواية حفص ~~عيونا بضم العين على الأصل. ### || [54.13] # لم يبين هنا ذات الألواح والدسر، ولكنه بين في مواضع أخر أن المراد ~~وحملناه على سفينة ذات ألواح، أي من الخشب ودسر: أي مسامير تربط بعض ~~الخشب ببعض، وواحد الدسر دسار ككتاب وكتب، وعلى هذا القول أكثر المفسرين. # وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: الدسور الخيوط التي تشد بها ألواح ~~السفينة. # وقال بعض العلماء: الدستور جؤجؤ السفينة أي صدرها ومقدمها الذي تدسر به ~~الماء أي تدفعه وتمخره، به، قالوا: هو من الدسر وهو الدفع. # فمن الآيات الدالة على أن ذات الألواح والدسر السفينة. قوله تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11] أي السفينة كما أوضحناه في سورة الشورى في الكلام على قوله ~~تعالى: # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. وقوله تعالى: # فأنجيناه وأصحاب السفينة # [العنكبوت: 15] وقوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [54.15] # الضمير في قوله تعالى: { تركناهآ } ، قال بعض العلماء إنه عائد ~~إلى هذه الفعلة العظيمة التي فعل بقوم نوح. # والمعنى، ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح وإهلاكنا لهم آية لمن بعدهم، ~~لينزجروا ويكفوا عن تكذيب الرسل، لئلا نفعل بهم مثل ما فعلنا بقوم نوح. ~~وكو هذه الفعلة آية نص عليه تعالى بقوله: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ~~وجعلناهم للناس آية # [الفرقان: 37] وقوله تعالى # فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم ~~أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين # [الشعراء: 119-121]. ms3576 # وقال بعض العلماء: الضمير في تركناها عائد إلى السفينة، وكون سفينة نوح ~~آية بينه الله تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ آية ~~للعالمين # [العنكبوت: 15] وقوله تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون # [يس: 41-42]. ### || [54.17] # قد قدمنا إيضاحه في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. ### || [54.19] # قد قدمنا الآيات الموضحة له، وكلام أهل العلم في يوم النحس المستمر، في ~~سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات # [فصلت: 16]. ### || [54.24-25] # قوله تعالى: { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } ~~الآية. # قوله تعالى: { أألقي الذكر عليه من بيننا } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة لهما في الكلام على قوله تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ص: 4]، وقوله تعالى: # أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ~~ذكري # [ص: 8]. ### || [54.27] # قوله تعالى: { إنا مرسلو الناقة فتنة لهم }. # قوله: { إنا مرسلو الناقة }: أي مخرجوها من الهضبة، { ~~فتنة لهم } أي ابتلاء واختبارا، وهو مفعول من أجله، لأنهم ~~اقترحوا على صالح إخراج ناقة من صخرة، وأنها إن خرجت لهم منها آمنوا به ~~واتبعوه، فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزة لصالح، وفتنة لهم أي ~~ابتلاء واختبارا، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على ~~لسان نبيه صالح من أن يمسوها بسوء وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله ~~بعذابه. # والمفسرون يقولون: إنهم قالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة ~~وبراء عشراء اتبعناك. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله أرسل لهم هذه الناقة ~~امتحانا واختبارا، وأنهم إن تعرضوا لآية الله هذه، التي هي الناقة بسوء ~~أهلكهم، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: في سورة ~~الأعراف: # قد جآءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله ~~لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم # [الأعراف: 73]، وقوله ms3577 تعالى في سورة هود عن صالح # ويقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل ~~في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام ذلك وعد غير مكذوب # [هود: 64-65]، وقوله تعالى في الشعراء: # قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم # [الشعراء: 155-156]. # وقد بين تعالى: أنهم عقروا الناقة فجاءهم العذاب المستأصل في آيات من ~~كتابه كقوله تعالى في الأعراف: # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم # [الأعراف: 77] - إلى قوله - # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين # [الأعراف: 77-78]، وقوله تعالى: # فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب # [الشعراء: 157-158]، وقوله # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم # [الشمس: 14] الآية. # وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: # فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # [فصلت: 17]. ### || [54.28] # قوله تعالى: { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل ~~شرب محتضر }. # أي أخبر يا صالح ثمود أن الماء - وهو ماء البئر التي كانت تشرب منها ~~الناقة - قسمة بينهم، فيوم للناقة - ويوم لثمود، فقوله: { بينهم }: ~~أي بين الناقة وثمود وغلب العقلاء على الناقة { كل شرب محتضر ~~} أي يحضره صاحبه، فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آية أخرى وهي قوله تعالى في ~~الشعراء: # قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم # [الشعراء: 155] وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في ~~قوله تعالى: # فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها # [الشمس: 13]. ### || [54.29] # قوله: { فتعاطى } ، قال أبو حيان في البحر: فتعاطى هو مطاوع عاطا، ~~وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضا، فتعاطاها قدار ~~وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه. # والعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه ~~قول حسان رضي الله عنه: # كلتاهما حلب العصير فعاطني # بزجاجة أرخاهما للمفصل # وقوله: { فعقر } أي تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين ~~محذوفان تقديرهما كما ذكرنا، وعبر ms3578 عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم، وعبر ~~عنه في الشمس بأنه أشقاهم وذلك في قوله: # إذ انبعث أشقاها # [الشمس: 12]. # وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك أن ~~الله تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة، لأنه نال: فتعاطى فعقر، ~~بالإفراد مع أنه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم كقوله في ~~سورة الأعراف: # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم # [الاعراف: 77] الآية، وقوله تعالى في هود # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65] وقوله في الشعراء: # فعقروها فأصبحوا نادمين # [الشعراء: 157] وقوله في الشمس: # فكذبوه فعقروها # [الشمس: 14]. # ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29] يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحدا ~~منهم لينفذ ما اتفقوا عليه، أصالة عن نفسه ونيابة عن غيره. ومعلوم أن ~~المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسبة العقر إلى المنفذ المباشر ~~للعقر، وصحت نسبته أيضا إلى الجميع، لأنهم متمالئون كما دل عليه ترتيب ~~تعاطي العقر بالفاء في قوله: فتعاطا فعقر على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم ~~في مباشرة العقر في قوله تعالى: { فنادوا صاحبهم } أي نادوه ~~ليعقرها. # وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر، وهو أن إطلاق المجموع مرادا ~~به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب. # وقد قدمنا في سورة الحجرات أن منه قراءة حمزة في قوله تعالى: # فإن قاتلوكم فاقتلوهم # [البقرة: 191] بصيغة المجرد في الفعلين لأن من قتل ومات لا يمكن أن يؤمر ~~بقتل قاتله، بل المراد في إن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، ونظيره ~~قول ابن مطيع: # فإن تقتلونا عند حرة واقم # فإنا على الإسلام أول من قتل # أي فإن تقتلوا بعضنا، وأن منه أيضا: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا # [الحجرات: 14] لأن هذا في بعضهم دون بعض. بدليل قوله تعالى: # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر # [التوبة: 99] - إلى قوله - # سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم # [التوبة: ms3579 99]. # وقد قدمنا في الحجرات وغيرها، أن من أصرح الشواهد العربية في ذلك قول ~~الشاعر: # فسيف بني عبس وقد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # وقوله تعالى: { فعقر }: أي قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل ~~والنحر والجرح ومنه قول امرئ القيس: # تقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل # ومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقري الضيق قول جرير: # تعدون عقر الذيب أفضل مجدكم # بني ضوطرا لولا الكمي المقنعا ### || [54.31] # قوله تعالى: { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة فصلت، في الكلام على قوله ~~تعالى: # فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # [فصلت: 17]. ### || [54.34] # قوله: { إنآ أرسلنا عليهم حاصبا }: قد قدمنا الآيات ~~الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء # [الفرقان: 40]، وقوله: { إلا آل لوط نجيناهم بسحر } قد ~~قدمنا الآيات الموضحة له إيضاحا شافيا بكثرة. # وقد تضمنت إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود وسورة الحجر في الكلام على ~~القصة المذكورة في السورتين. ### || [54.41-42] # تضمنت هاتان الآيتان ثلاثة أمور: # الأول: أن آل فرعون جاءتهم النذر. # الثاني: أنهم كذبوا بآيات الله. # الثالث: أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر. # وهذه الأمور الثلاثة المذكورة هنا جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله، ~~أما الأول منها وهو أن آل فرعون وقومه جاءهم النذر، فقد أوضحه تعالى في ~~آيات كثيرة من كتابه. # اعلم أولا أن قوله { جآء آل فرعون النذر } [القمر: 41]، ~~قيل: هو جمع نذير وهو الرسول: وقيل هو مصدربمعنى الإنذار فعلى أنه مصدر. # فقد بينت الآيات القرآنية بكثرة أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو موسى ~~وهارون، وعلى أنه جمع نذير أي منذر، فالمراد به موسى وهارون، وقد جاء في ~~آيات كثيرة إرسال موسى وهارون لفرعون كقوله تعالى في طه: # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ~~ربك # [طه: 47]. # ثم بين تعالى إنذارهما له في قوله ms3580 # إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى # [طه: 48] ونحوها من الآيات، وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن الله ~~تبارك وتعالى أرسل لفرعون نبيين هما موسى وهارون، كما قال تعالى: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] وهنا جمع النذر في قوله { ولقد جآء آل فرعون ~~النذر } ، وللعلماء عن هذا أجوبة. أحدها أن أقل الجمع اثنان كما هو ~~المقرر في أصول مالك بن أنس رحمه الله، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله: # أقل معنى الجمع في المشتهر # لاثنان في رأي الإمام الحمير # قالوا، ومنه قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] ولهما قلبان فقط وقوله: # فإن كان له إخوة فلأمه السدس # [النساء: 11] والمراد بالإخوة اثنان فصاعدا كما عليه الصحابة فمن بعدهم ~~خلافا لابن عباس، وقوله # وأطراف النهار # [طه: 130] وله طرفان. ومنها ما ذكره الزمخشري وغيره من أن المراد بالنذر ~~موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به ~~المرسلون. ومنها أن النذر مصدر بمعنى الإنذار. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في الجواب، أن من كذب رسولا ~~واحدا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرا واحدا فقد كذب جميع ~~النذر، لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون لا إله إلا الله كما ~~أوضحه تعالى بقوله: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] وقوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25]. وقوله تعالى: # واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45]. # وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله تعالى: # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون ~~حقا # [النساء: 150-151] الآية، وأشار إلى ذلك في قوله: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285]. وقوله # لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون # [البقرة: 136] وقوله تعالى: # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد ms3581 منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم # [النساء: 152] الآية. # وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ~~وذلك في قوله: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء: 105] ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحا ~~وحده، حيث فرد ذلك بقوله: # إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون # [الشعراء: 106] - إلى قوله - # قال رب إن قومي كذبون # [الشعراء: 117] وقوله تعالى: # كذبت عاد المرسلين # [الشعراء: 123]، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث فرده بقوله: # إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون # [الشعراء: 124] ونحو ذلك في قوله تعالى في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، ~~وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه، ويزيده ~~إيضاحا قوله صلى الله عليه وسلم # " إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد " # يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع. # وأما الأمر الثاني: وهو كون فرعون وقومه كذبوا بآيات الله، فقد جاء ~~موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين # [الأعراف: 132]، وقوله تعالى: # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى # [طه: 56]. وقوله تعالى: # فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى # [النازعات: 20-21]. وقوله تعالى: # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ~~في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا ~~هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتهآ ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين # [النمل: 12-14]. # وأما الأمر الثالث وهو قوله تعالى: # فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42]، فقد جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان ~~مبين # [الذاريات: 38] - إلى قوله - # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم # [الذاريات: 40] وقوله تعالى: # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم # [طه: 78] وقوله تعالى: # وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون # [البقرة: 50] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله: { أخذ عزيز مقتدر } يوضحه قوله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ms3582 ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. # وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا قوله تعالى { ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى } الآية " # والعزيز الغالب، والمقتدر: شديد القدرة عظيمها. ### || [54.43] # قوله تعالى: { أكفاركم خير من أولئكم }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: # فأهلكنآ أشد منهم بطشا # [الزخرف: 8]، وفي صدر سورة الروم، وغير ذلك من المواضع. ### || [54.48] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. ### || [54.49] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزخرف في بعض المناقشات التي ذكرناها في ~~الكلام على قوله تعالى: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. ### || [54.52-53] # الصحيح في معنى الآية أن كل شيء فعله الناس مكتوب عليهم في الزبر، التي ~~هي صحف الأعمال، # وكل صغير وكبير مستطر # ، أي مكتوب عليهم لا يترك منه شيء. # وهذا المعنى جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا # [الكهف: 49] وقوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران: 30]. # والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب. والمستطر معناه المسطور، أي المكتوب، ~~والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. ### || [54.54] # أي في جنات وأنهار كما أوضح تعالى ذلك في قوله # تجري من تحتها الأنهار # [البقرة: 25]، وقوله تعالى: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى # [محمد: 15]. # وقد ذكرنا كثيرا من أمثلة إطلاق المفرد، وإرادة الجمع كما هنا في ~~القرآن العظيم، مع تنكير المفرد وتعريفه، وإضافته، وأكثرنا أيضا من ~~الشواهد العربية على ذلك في سورة الحج في الكلام على قوله ms3583 تعالى: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5]، وفي غير ذلك من المواضع. والعلم عند الله تعالى. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-2] # قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية لما تجاهل الكفار الرحمن جل وعلا، ~~كما ذكره الله عنهم في قوله تعالى: # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن # [الفرقان: 60] كما تقدم في الفرقان. # وقد قدمنا معنى الرحمن وأدلته من الآيات في أول سورة الفاتحة. # وقوله تعالى: { علم القرآن }. # أي علم نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن فتلقته أمته عنه، وهذه الآية ~~الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم إنه تعلم هذا القرآن من بشر ~~كما تقدم في قوله: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر # [النحل: 103]، وقوله تعالى # فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر # [المدثر: 24] أي يرويه محمد عن غيره. # وقوله تعالى: # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون فقد جآءوا ظلما وزورا ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 4 - 5]. # فقوله تعالى هنا { الرحمن علم القرآن } أي ليس الأمر كما ~~ذكرتم من أنه تعلم القرآن من بشر، بل الرحمن جل وعلا هو الذي علمه إياه، ~~والآيات الدالة على هذا كثيرة جدا، كقوله تعالى # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض # [الفرقان: 6]، وقوله تعالى: # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1]، وقوله تعالى # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا # [فصلت: 1-4] وقوله تعالى: # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون # [الأعراف: 52] وقوله تعالى # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من ~~الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا # [طه: 113]. وقوله تعالى: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33] وقوله تعالى: # إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 17-19] وقوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء ms3584 من عبادنا # [الشورى: 52] وقوله تعالى # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3]. وقوله تعالى # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء: 113] ومن أعظم ذلك هذا القرآن العظيم. # وقوله تعالى # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان # [البقرة: 185]. # وتعليمه جل وعلا هذا القرآن العظيم، قد بين في مواضع أخر أنه من أعظم ~~نعمه كما قال تعالى # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # - إلى قوله تعالى - # ذلك هو الفضل الكبير # [فاطر: 32]. # وقد علم الله تعالى الناس أن يحمدوه على هذه النعمة العظمى التي هي ~~إنزال القرآن، وذلك في قوله تعالى # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا # [الكهف: 1]، وبين أن إنزاله رحمة منه لخلقه جل وعلا في آيات من كتابه ~~كقوله تعالى: # وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك # [القصص: 86] وقوله: # إنا كنا مرسلين رحمة من ربك # [الدخان: 5-6] وقد بينا الآيات الموضحة لذلك في الكهف والزخرف. # { علم القرآن } حذف في أحد المفعولين، والتحقيق أن المحذوف هو ~~الأول لا الثاني، كما ظنه الفخر الرازي، وقد رده عليه أبو حيان، والصواب ~~هو ما ذكره، من أن المحذوف الأول، وتقديره: علم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل جبريل، وقيل الإنسان. ### || [55.3-4] # اعلم أولا أن خلق الإنسان وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة، ~~كما أشار تعالى لذلك بقوله، في أول النحل: # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين # [النحل: 4]، وقوله: في آخر يس # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # [يس: 77]. # فالإنسان بالأمس نطفة واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام يجادل في ~~ربه وينكر قدرته على البعث، فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين ~~الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة وجعله خصيما مبينا آية من ~~آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق. ms3585 # وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { خلق الإنسان } لم يبين هنا ~~أطوار خلقه للإنسان، ولكنه بينها في آيات أخر كقوله تعالى في الفلاح # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 12-14]. # والآيات المبينة أطوار خلق الإنسان كثيرة معلومة. # وقد بينا ما يتعلق بالإنسان من الأحكام في جميع أطواره قبل ولادته في ~~أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآية، وبينا هناك معنى النطفة والعلقة والمضغة في اللغة. # وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة { علمه البيان } التحقيق ~~فيه أن المراد بالبيان الإفصاح عما في الضمير. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنه علم الإنسان البيان قد جاء ~~موضحا في قوله تعالى: # فإذا هو خصيم مبين # [النحل: 4 ويس: 77] في سورة النحل ويس، وقوله { مبين } على أنه أسم ~~فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم، أي مبين كل ما يريد بيانه، ~~وإظهاره بلسانه مما في ضميره، وذلك لأنه ربه علمه البيان، وعلى أنه صفة ~~مشبهة من أبان اللازمة، وأن المعنى فإذا هو خصيم مبين أي بين الخصومة ~~ظاهرها، فكذلك أيضا، لأنه ما كان بين الخصومة إلا لأن الله علمه البيان. # وقد امتن الله جل وعلا على الإنسان بأننه جعل له آلة البيان التي هي ~~اللسان والشفتان، وذلك في قوله تعالى # ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين # [البلد: 8-9]. ### || [55.5] # الحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون، كما زيدت في الطغيان والرجحان ~~والكفران، فمعنى بحسبان أي بحساب وتقدير من العزيز العليم وذلك من آيات ~~الله ونعمه أيضا على بني آدم، لأنهم يعرفون به الشهور والسنين والأيام، ~~ويعرفون شهر الصوم وأشهر الحج ويوم الجمعة وعدد النساء اللاتي تعتد ~~بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ms3586 جاء موضحا في آيات أخر من ~~كتاب الله كقوله تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون # [يونس: 5]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله ~~تعالى: # فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب # [الإسراء: 12]. ### || [55.6] # اختلف العلماء في المراد بالنجم في هذه الآية، فقال بعض العلماء: النجم ~~هو ما لا ساق له من النبات كالبقول، والشجر هو ما له ساق، وقال بعض أهل ~~العلم: المراد بالنجم نجوم السماء. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم ~~هو نجوم السماء، والدليل على ذلك أن الله جل وعلا في سورة الحج صرح بسجود ~~نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من ~~النبات بخصوصه. ونعني بآية الحج قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر # [الحج: 18] الآية. # فدلت هذه الآية أن الساجد من الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية ~~المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، ~~وعلى هذا الذي اخترناه، فالمراد بالنجم النجوم، وقد قدمنا الكلام عليه في ~~أول سورة النجم وأول سورة الحج، وذكرنا أن من الشواهد العربية لإطلاق ~~النجم وإرادة النجم قول الراعي: # فباتت تعد النجم في مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # وقول عمرو بن أبي ربيعة المخزومي: # أبرزها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد النجم والحصا والتراب # وقوله في هذه الآية الكريمة: { يسجدان } قد قدمنا الكلام عليه ~~مستوفى في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. ### || [55.7] # قوله: والسماء رفعها قد بينا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام ms3587 على ~~قوله: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها # [ق: 6] الآية. # وقوله: { ووضع الميزان } ، قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى ~~في الكلام على قوله تعالى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى: 17] الآية. ### || [55.9] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها # [الأنعام: 152]، وذكرنا بعضه في سورة الشورى. ### || [55.10-12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية أنه وضع الأرض للأنام وهو الخلق، لأن وضع ~~الأرض لهم على هذا الشكل العظيم، القابل لجميع أنواع الانتفاع من إجراء ~~الأنهار وحفر الآبار وزرع الحبوب والثمار، ودفن الأموات وغير ذلك من ~~أنواع المنافع، من أعظم الآيات وأكبر الآلاء التي هي النعم، ولذا قال ~~تعالى: بعده: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من امتنانه جل وعلا على خلقه بوضع الأرض ~~لهم بما فيها من المنافع، وجعلها آية لهم، دالة على كمال قدرة ربهم ~~واستحقاقه للعبادة وحده، جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله ~~تعالى: # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين # [الرعد: 3] الآية، وقوله تعالى: # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه # [الملك 15] الآية. # وقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها مآءها ~~ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 30-33] وقوله تعالى # والأرض فرشناها فنعم الماهدون # [الذاريات: 48] وقوله تعالى: # الذى جعل لكم الأرض فراشا # [البقرة: 22] الآية. # وقوله تعالى # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا ~~فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب ونزلنا من السمآء مآء مباركا # [ق: 7-9] الآية. # وقوله تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فيها فاكهة } أي فواكه ~~كثيرة، وقد قدمنا أن هذا أسلوب عربي معروف، وأوضحنا ذلك بالآيات وكلام ~~العرب. # وقوله: { والنخل ذات الأكمام } ذات أي صاحبة، والأكمام جمع ~~كم ms3588 بكسر الكاف، وهو ما يظهر من النخلة في ابتداء إثمارها، شبه اللسان ثم ~~ينفخ عن النور، وقيل: هو ليفها، واختار ابن جرير شموله للأمرين. # وقوله: { والحب } كالقمح ونحوه. # وقوله: { ذو العصف } ، قال أكثر العلماء: العصف ورق الزرع، ومنه ~~قوله تعالى: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5] وقيل العصف: التبن. # وقوله: { والريحان }: اختلف العلماء في معناه، فقال بعض أهل ~~العلم: هو كل ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه. وقال بعض ~~العلماء الريحان: الرزق، ومنه قول النجم بن تولب العكلي: # فروح الإله وريحانه # ورحمته وسماء درر # غمام ينزل رزق العباد # فأحيا البلاد وطاب الشجر # ويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائي، وأما على ~~قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين. # وإيضاح ذلك أن هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: { ~~والحب ذو العصف والريحان } بضم الباء والذال والنون من ~~الكلمات الثلاث، وهو عطف على فاكهة أي فيها فاكهة، وفيها الحب إلخ، وقأه ~~ابن عامر: # { والحب ذو العصف والريحان } ، بفتح الباء والذال ~~والنون من الكلمات الثلاث، وفي رسم المصحف الشامي ذا العصف بألف بعد ~~الذال، مكان الواو، والمعنى على قراءته: وخلق الحب ذا العصف والريحان، ~~وعلى هاتين القراءتين، فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين. # وقراءة حمزة والكسائي بضم الباء في الحب وضم الذال في ذو العصف وكسر نون ~~الريحان عطفا على العصف، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم لأن الحب ~~الذي هو القمح ونحوه صاحب عصف وهو الورق أو التبن وليس صاحب مشموم طيب ~~ريح. # فيتعين على هذه القرءاة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن، ~~والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب، فالآية على هذا المعنى ~~كقوله # متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 33] وقوله تعالى: # فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم # [السجدة: 27]. وقوله تعالى # فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا ~~وارعوا أنعامكم # [طه: 53-54] وقوله تعالى: # لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون # [النحل: 10-11] الآية. # وقوله تعالى في هذه الآية ms3589 الكريمة { فيها فاكهة } ما ذكره تعالى ~~فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع، حاء موضحا في آيات أخر من كتاب ~~الله كقوله تعالى في سورة الفلاح # لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون # [المؤمنون: 19] وقوله تعالى: # وفاكهة وأبا # [عبس: 31] إلى غير ذلك من الآيات. # وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى: # فأنبتنا به جنات وحب الحصيد # [ق: 9]، وقوله تعالى: # فأنبتنا فيها حبا وعنبا # [عبس: 27-28] وقوله تعالى: # وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون # [يس: 33]، وقوله تعالى: # نخرج منه حبا متراكبا # [الأنعام: 99] الآية. وقوله تعالى: # إن الله فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95] إلى غير ذلك من الآيات. # وما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنحل، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله ~~تعالى: # والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد # [ق: 10-11]، وقوله تعالى: # فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب # [المؤمنون: 19] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان، على أنه الرزق كما في قراءة حمزة ~~والكسائي، جاء موضحا في آيات كثيرة أيضا كقوله تعالى: # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء ~~رزقا # [غافر: 13] وقوله تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض # [يونس: 31] الآية، وقوله تعالى: # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه # [الملك: 21] وقوله تعالى: # وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات # [غافر: 64] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # مسألة # أخذ بعض علماء الأصول من هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات كقوله ~~تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } أن ~~الأصل فيما على الأرض الإباحة، حتى يرد دليل خاص بالمنع، لأن الله امتن ~~على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه ~~في آية الرحمن هذه، وامتن عليهم بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعا في قول # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]. # ومعلوم أنه جل وعلا لا يمتن بحرام إذ لا منة في شيء محرم، واستدلوا لذلك ~~أيضا بحصر المحرمات في أشياء معينة في ms3590 آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير # [الانعام: 145] وقوله تعالى: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن # [الأعراف: 33] الآية. وقوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] الآية. # وفي هذه المسألة قولان آخران. # أحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة، ~~واحتجوا لهذا بأن جميع الأشياء مملوكة لله جل وعلا، والأصل في ملك الغير ~~منع التصرف فيه إلا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول، ليس هذا ~~محل بسطها. # القول الثاني: هو الوقف وعدم الحكم فيها بمنع ولا إباحة حتى يقوم ~~الدليل، فتحصل أن في المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والإباحة، والوقف. # قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو ~~التفصيل، لأن الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس بها ثلاث حالات: # الأول: أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر كأنواع الفواكه وغيرها. # الثانية: أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع كأكل الأعشاب السامة القاتلة. # الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فإن كان فيها نفع ~~لا يشوبه ضررن فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك ~~لعموم قوله: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]. وقوله # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10] الآية. # وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا ضرر ولا ضرار " # وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات: # الأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر. # والثانية: عكس هذا. # والثالثة: أن يتساوى الأمران. # فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع لحديث # " لا ضرر ولا ضرار " # ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإن كان النفع أرجح، فالأظهر ~~الجواز، لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة ~~المرجوحة، ms3591 كما أشار في مراقي السعود بقوله: # وألغ إن يك الفساد أبعدا # أو رجح الإصلاح كالأسارا # تفدى بما ينفع للنصارا # وانظر تدلي دولي العنب # في كل مشرق وكل مغرب # ومراده: تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، أو البعيدة ممثلا ~~له بمثالين: # الأول منها: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة ~~قدمت على المفسدة المرجوحة، التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم ~~فداء للأسارى. # الثاني: أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب، مصلحة راجحة على مفسدة ~~عصرالخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضررعصر ~~الخمر منه، لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة، ~~وهذا التفصيل الذي اخترنا، قد أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: # والحكم ما به يجيء الشرع # وأصل كل ما يضر المنع # تنبيه # اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا ~~بدليل من الشرع، ويقولون إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية ~~المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل ~~عنه. # ونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي ~~قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل ~~تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله # [البقرة: 279] الآية، وكانت وقت نزولها عندهم أموال مكتسبة من الربا، ~~اكتسبوها قبل نزول التحريم، بين الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، ~~على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا حرج عليهم فيه، إذ لا تحريم إلا ~~ببيان، وذلك في قوله تعالى: # فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف # [البقرة: 275] وقوله: ما سلف أي ما مضى قبل نزول التحريم، ومن الآيات ~~الدالة على ذلك قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف # [النساء: 22] وقوله تعالى # وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23] والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله: { إلا ما قد ~~سلف ms3592 }. منقطع أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم، فهو عفو، لأنه ~~على البراءة الأصلية. # ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون # [التوبة: 115] لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب ~~بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين عاتبهم الله في ~~قوله # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى # [التوبة: 113] الآية. ندموا على الاستغفار لهم، فبين الله لهم أن ~~استغفارهم لهم لا مؤاخذة به، لأنه وقع قبل بيان منعه، وهذا صريح فيما ~~ذكرنا. # وقد قدمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضا في الكلام ~~على قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وبينا هناك كلام أهل العلم في ذلك، وأوضحنا ما جاء في ذلك ~~من الآيات القرآنية. والعلم عند الله تعالى. ### || [55.14-15] # الصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة، أي صوت إذا قرع بشيء، وقيل ~~الصلصال المنتن، والفخار الطين المطبوخ، وهذه الآية بين الله فيها طورا ~~من أطوار التراب الذي خلق منه آدم، فبين في آيات أنه خلقه من تراب كقوله ~~تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59] وقوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] وقوله تعالى: # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ~~بشر تنتشرون # [الروم: 20] وقوله تعالى # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة # [غافر: 67] وقوله تعالى # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 55]. # وقد بينا في قوله تعالى: { فإنا خلقناكم من تراب } وقوله ~~{ منها خلقناكم } أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها، ~~لأنه أصلهم وهم فروعه، ثم إن الله تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار ~~طينا، ولذا قال # اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد ~~لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وقال # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] وقال تعالى: # وبدأ خلق ms3593 الإنسان من طين # [السجدة: 7]. وقال # أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11] وقال تعالى: # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71] ثم خمر هذا الطين فصار حمأ مسنونا، أي طينا أسود متغير ~~الريح، كما قال تعالى # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26] الآية. قال تعالى: # إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 28] وقال عن إبليس # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من ~~حمإ مسنون # [الحجر: 33] والمسنون قيل المتغير وقيل المصور وقيل الأملس، ثم يبس هذا ~~الطين فصار صلصالا. كما قال هنا: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14] وقال # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26]. # فالآيات يصدق بعضها بعضا، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى. # قوله { والجآن } أي وخلق الجان وهو أبو الجن، وقيل هو إبليس. وقيل: ~~هو الواحد من الجن. # وعليه فالألف واللام للجنس، والمارج: اللهب الذي لا دخان فيه، وقوله { ~~من نار } بيان لمارج. أي من لهب صاف كائن من النار. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار، جاء ~~موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في الحجر # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ~~والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 26-27] وقوله تعالى # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. # وقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: # إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # [البقرة: 34]. ### || [55.17] # قد أوضحنا الكلام عليه في أول الصافات في الكلام على قوله تعالى: # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق # [الصافات: 5]. ### || [55.19-20] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ~~ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا # [الفرقان: 53]. ### || [55.22] # قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو، { يخرج } بضم الياء وفتح الراء ~~مبنيا للمفعول، ms3594 وعليه فاللؤلؤ نائب فاعل يخرج وقرأه باقي السبعة: { ~~يخرج } بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل، وعليه فاللؤلؤ فاعل ~~يخرج. # اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن المراد بقوله في هذه الآية يخرج ~~منهما أي من مجموعها الصادق بالبحر الملح، وأن الآية من إطلاق المجموع ~~وإرادة بعضه، وأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان من البحر الملح وحده دون ~~العذب. # وهذا القول الذي قالوه في هذه الآية مع كثرتهم وجلالتهم لا شك في ~~بطلانه، لأن الله صرح بنقيضه في سورة فاطر، ولا شك أن كل ما ناقض القرآن ~~فهو باطل، وذلك في قوله تعالى: # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها # [فاطر: 12] فالتنوين في قوله: { من كل } تنوين عوض أي من كل واحد من ~~العذب والملح تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها، وهي اللؤلؤ ~~والمرجان، وهذا مما لا نزاع يه. # وقد أوضحنا هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130] الآية واللؤلؤ الدر، والمرجان الخرز الأحمر. وقال بعضهم: ~~المرجان صغار الدر واللؤلؤ كباره. ### || [55.24] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة شورى في الكلام على قوله تعالى: # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. ### || [55.26-27] # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل ~~وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، وقوله تعالى: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58] وقوله تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185] إلى غير ذلك من الآيات. # والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن ~~بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. # وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، وفي ~~سورة القتال. والعلم عند الله تعالى. ### || [55.33] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على ms3595 قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17] وتكلمنا أيضا هناك على غيرها من الآيات التي يفسرها ~~الجاهلون بكتاب الله بغير معانيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ### || [55.37] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة، وأنها ~~إذا انشقت صارت وردة كالدهان، وقوله: { وردة }: أي حمراء كلون الورد، ~~وقوله { كالدهان }: فيه قولان معروفان للعلماء. # الأول منها: أن الدهان هو الجلد الأحمر، وعليه فالمعنى أنها تصير وردة ~~متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه. # والثاني: أن الدهان هو ما يدهن به، وعليه، فالدهان، قيل: هو جمع دهن، ~~وقيل: هو مفرد، لأن العرب تسمى ما يدهن به دهانا، وهو مفرد، ومنه قول ~~امرئ القيس: # كأنهما مزادتا متعجل # فريان لما تدهني بدهان # وحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر، ~~يكون الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة ~~فشبهها بحمرة الورد. وحمرة الأديم الأحمر. # قال بعض أهل العلم: إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة. وقال ~~بعض أهل العلم: أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من ~~الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم ~~القيامة ترى على حقيقة لونها. # وأما على القول بأن الدهان هو ما يدهن به، فإن الله وقد وصف السماء عند ~~انشقاقها بوصفين أحدهما حمرة لونها، والثاني أنها تذوب وتصير مائعة ~~كالدهن. # أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن ~~السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر. # وأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله ~~في غير هذا الموضع وذلك في قوله تعالى في المعارج # إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون ~~السمآء كالمهل # [المعارج: 6-8] والمهل شيء ذائب على كلا القولين سواء قلنا: إنه دردي ~~الزيت وهو عكره، أو قلنا إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما. # وقد أوضح تعالى في الكهف أن ms3596 المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، ~~وذلك في قوله تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. # والقول بأن الوردة تشبيه الفرس الكميت وهو الأحمر لأن حمرته تتلون ~~باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى ~~الغبرة في فصل. # وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة واضح ~~البعد عن ظاهر الآية، وقول من قال: إنها تذهب وتجيء معناه له شاهد في ~~كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: # يوم تمور السمآء مورا # [الطور: 9] الآية، ولكنه لا يخلو عندي من بعد. # وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء ~~موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى: # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] وقوله تعالى: # فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السمآء # [الحاقة: 15-16]. # وقوله: # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25] الآية. وقوله: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة ق في الكلام على ~~قوله تعالى: # وما لها من فروج # [ق: 6]. ### || [55.39] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه يوم القيامة لا يسأل إنسا ولا ~~جانا عن ذنبه، وبين هذا المعنى في قوله تعالى في القصص: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78]. # وقد ذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل ~~والمرسل إليهم، وذلك في قوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]، وقوله # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92-93]. # وقد جاءت آيات من كتاب الله مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات، التي قد ~~يظن غير العالم أن بينها اختلافا، اعلم أولا أن للسؤال المنفي في قوله ~~هنا { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } ، ~~وقوله { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } أخص من السؤال ~~المثبت في قوله { فوربك لنسألنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون } ، لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان ~~قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة وللجمع بين هذه الآيات ~~أوجه معروفة ms3597 عند العلماء. # الأول منها: وهو الذي دل عليه القرآن، وهو محل الشاهد عندنا من بيان ~~القرآن بالقرآن هنا، هو أن السؤال نوعان: أحدهما سؤال التوبيخ والتقريع ~~وهو من أنواع العذاب، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام. # فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام، لأن الله ~~أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم كما قال تعالى: # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. # وعليه فالمعنى لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، سؤال استخبار واستعلام لأن ~~الله أعلم بذنبه منه. # والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان عن ~~ذنب أو غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى: # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون # [آل عمران: 106]، ومثاله عن غير ذنب قوله تعالى: # وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل ~~هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 24-26] وقوله تعالى # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا # [الطور: 13-15] الآية، وقوله # ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130]. # أما سؤال الموءودة في قوله: # وإذا الموءودة سئلت # [التكوير: 8] فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الندب، لأنها سئلت عن ~~أي ذنب قتلت وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه، ~~لأنها هي تقول لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلما. # وكذلك سؤال الرسل، فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة ~~الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته، وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه ~~قرآن، وموضع هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن، وقد بينا بقيتها في كتابنا ~~دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في أول سورة الأعراف. # وقد قدمنا طرفا في هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على ~~قوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]. ### || [55.41] # قوله: { بسيماهم }: أي بعلامتهم المميزة لها، وقد دل القرآن على ~~أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم # [آل ms3598 عمران: 106] الآية، وقال تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]، وقال تعالى: # وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [يونس: 27]، وقال تعالى: # ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 40-42] لأن معنى قوله { ترهقها قترة } أي يعلوها ويغشاها ~~سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه: 102] ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون، ولذا لما ~~أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوإ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد ~~الوجوه وزرقة العيون حيث قال: # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # ولا سيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: { ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } فإن ذلك يزيده ~~قبحا على قبح. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام } ، وقد قدمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور في ~~الكلام على قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. ### || [55.43-44] # أما قوله: { هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ~~} فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور أيضا في الكلام على قوله ~~تعالى: # هذه النار التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 14]. # وأما قوله تعالى: { يطوفون بينها وبين حميم آن } فقد ~~قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله: # يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في ~~بطونهم # [الحج: 19-20] الآية. ### || [55.46] # وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان ~~صحيحان كلاهما يشهد له قرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا ~~لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. # وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، ~~كلاهما يشهد له قرآن: # أحدهما: أن المراد بقوله: { مقام ربه }: أي قيامه بين يدي ربه، ~~فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو ms3599 العبد الخائف، ~~وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 40-41]، فإن قوله { ونهى النفس عن الهوى }: ~~قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن ~~هواها. # والوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى: ~~أي خاف هذا العبد قيام العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها ~~عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه ~~وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255]، وقوله تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33]، وقوله تعالى: # ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه # [يونس: 61] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن: # يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم # [الأحقاف: 31] الآية، أن قوله: { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } ، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13 و 16]، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من ~~الجن يدخلون الجنة. ### || [55.54] # قوله تعالى: { متكئين على فرش بطآئنها من ~~إستبرق }. # قد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14] جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس ~~والإستبرق، والحلية بالذهب والفضة، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه ~~الأمة في دار الدنيا. ### || [55.56] # قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف } # قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48]. ### || [55.72] # قد قدمنا معنى القصر في الخيام، وقصر الطرف على الأزواج في سورة الصافات ~~في الكلام على قوله تعالى: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48]، وقدمنا الآيات الدالة على صفات نساء أهل الجنة في مواضع ~~كثيرة من ms3600 هذا الكتاب في سورة البقرة والصافات. وغير ذلك. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-2] # الذي يظهر لي صوابه أن إذا هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأن قوله ~~الآتي: # إذا رجت الأرض رجا # [الواقعة: 4] بدل من قوله: { إذا وقعت الواقعة } وأن جواب ~~إذا هو قوله: # فأصحاب الميمنة # [الواقعة: 8] وهذا هو اختيار أبي حيان خلافا لمن زعم أنها مسلوبة معنى ~~الشرط هنا، وأنها منصوبة بأذكر مقدرة أو أنها مبتدأ، وخلافا لمن زعم ~~أنها منصوبة بليس المذكورة بعدها. # والمعروف عند جمهور النحويين أن إذا ظرف مضمن معنى الشرط منصوب بجزائه، ~~وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأحوال العظيمة ظهرت منزلة ~~أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. # وقوله في هذه الآية الكريمة: { إذا وقعت الواقعة } أي قامت ~~القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة. # وقد بين جل وعلا أن الواقعة هي القيامة في قوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت ~~الواقعة وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية # [الحاقة: 13-16]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { ليس لوقعتها كاذبة } ~~فيه أوجه من التفسير معروفة عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له قرآن. # الوجه الأول: أن قوله كاذبة مصدر جاء بصفة اسم الفاعل، فالكاذبة بمعنى ~~الكذب كالعافية بمعنى المعافاة، والعاقبة بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى ~~عند جماعات من العلماء # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11] قالوا معناه لا تسمع فيها لغوا، وعلى هذا القول، فالمعنى ~~ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف بل هو أمر واقع يقينا لا محالة. # ومن هذا المعنى، قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب، أي ما تأخر ولا ~~تخلف ولا جبن. # ومنه قول زهير: # ليث يعثر يصطاد الرجال إذا # ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه # [النساء: 87] الآية، وقوله تعالى: # وأن الساعة آتية لا ريب فيها # [الحج: 7]، وقوله تعالى: # ربنآ إنك جامع الناس ms3601 ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 9]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الشورى في الكلام ~~على قوله تعالى: # وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه # [الشورى: 7]. # الوجه الثاني: أن اللام في قوله: { لوقعتها } ظرفية، و { ~~كاذبة } اسم فاعل صفة لمحذوف أي ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة بل ~~جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها ليس فيهم ~~نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها. # وهذا المعنى تشهد له في الجملة آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم # [الشعراء: 201]، وقوله تعالى: # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم # [الحج: 55]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: # بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ~~بل هم منها عمون # [النمل: 66]، وباقي الأوجه قد يدل على معناه قرآن ولكنه لا يخلو من بعد ~~عندي، ولذا لم أذكره، وأقربها عندي الأول. ### || [56.3] # خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة رافعة، ومفعول كل من الوصفين محذوف. # قال بعض العلماء: تقديره هي خافضة أقواما في دركات النار، رافعة ~~أقواما إلى الدرجات العلى إلى الجنة، وهذا المعنى قد دلت عليه آيات ~~كثيرة كقوله: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]، وقوله تعالى: # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك ~~لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار # [طه: 75-76] وقوله تعالى: # وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. # وقال بعض العلماء: تقديره خافضة أقواما كانوا مرتفعين في الدنيا رافعة ~~أقواما كانوا منخفضين في الدنيا، وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله ~~تعالى، كقوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] - إلى قوله - # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35] إلى غير ذلك من الآيات. # وقال بعض العلماء: تقديره، خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة كالنجوم ms3602 ~~التي تسقط وتتناثر يوم القيامة، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة، كما ~~قال تعالى: # وإذا الكواكب انتثرت # [الإنفطار: 2] وقال تعالى: # وإذا النجوم انكدرت # [التكوير: 2] رافعة: أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة كالجبال ~~التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض كما قال تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]، فقوله: { وترى الأرض بارزة } لأنها لم يبق على ~~ظهرها شيء من الجبال، وقال تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. # وقد قدمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن، أن ذلك يوم القيامة، وأنها ~~تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن. # وقد صرح بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضا يوم القيامة، وذلك في قوله ~~تعالى: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال # [الحاقة: 13-14] الآية. # وعلى هذا القول، فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة، وأنه يختل فيه نظام ~~العالم، وعلى القولين الأولين، فالمراد الترغيب والترهيب، ليخاف الناس في ~~الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله ويرغبوا في أسباب الرفع ~~فيطيعوه أيضا، وقد قدمنا مرارا أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على ~~شمولها للجميع. ### || [56.4-6] # قد قدمنا أن الأظهر عندنا أن قوله { إذا رجت }. بدل من قوله # إذا وقعت الواقعة # { الواقعة: 1]، والرج: التحريك الشديد، وما دلت عليه هذه الآية من أن ~~الأرض يوم القيامة تحرك تحريكا شديدا جاء موضحا في آيات أخر كقوله ~~تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1]، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج في ~~الكلام على قوله تعالى: # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1] وقوله تعالى: { وبست الجبال بسا } في معناه لأهل ~~العلم أوجه متقاربة، لا يكذب بعضها بعضا وكلها حق، وكلها يشهد له قرآن. # وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها ~~أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن، فنذكر جميع الأوجه وأدلتها القرآنية. # قال أكثر المفسرين { وبست الجبال بسا } أي فتت تفتيتا حتى ~~صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، ومنه ms3603 قول لص من غطفان أراد أن يخبز ~~دقيقا عنده فخاف أن يعجل عنه، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقا ~~ملتوتا، وهو البسيسة. # لا تخبزا خبزا وبسابسا # ولا تطيلا بمناخ حبسا # وهذا الوجه يشهد له قرآن كقوله تعالى: # يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا # [المزمل: 14]، فقوله: { كثيبا مهيلا } أي رملا متهايلا، ومنه ~~قول امرئ القيس: # ويوما على ظهر الكثيب تعذرت # علي وآلت حلفة لم تحلل # ومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل واضحة، فقوله: { وكانت ~~الجبال كثيبا مهيلا } مطابق في المعنى لتفسير { وبست ~~الجبال بسا } بأن بسها هو تفتيتها وطحنها كما ترى. # وما دلت عليه هذه الآيات من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد ~~الصلابة والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق، والرمل المتهايل يشهد ~~له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن، كقوله ~~تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]، وقوله تعالى: # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن # [المعارج: 8-9] وأصل العهن أخص من مطلق الصوف لأنه الصوف المصبوغ خاصة. ~~ومنه قول زهير بن أبى سلمى في معلقته: # كأن فتاة العهن في كل منزل # نزلن به حب الفنا لم يحطم # وقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانه وغرابيب سود، فإذا ~~بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في ~~الهوى، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثا بالفاء على قوله: ~~{ وبست الجبال بسا } لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع ~~الشمس إذا قابلتها: { منبثا } أي متفرقا، ووصفها بالهباء المنبث ~~أنسب لكون البس بمعنى التفتيت والطحن. # الوجه الثاني: أن معنى قوله: { وبست الجبال بسا } أي سيرت ~~بين السماء والأرض، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها من قول العرب: ~~بسست الإبل أبسها، بضم الباء وأبستها أبسها بضم الهمزة وكسر الباء، لغتان ~~بمعنى سقتها، ومنه حديث: # " يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام، والعراق يبسون والمدينة خير ~~لهم لو كانوا يعلمون " # وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله ms3604 كقوله تعالى: # ويوم نسير الجبال # [الكهف: 47] الآية، وقوله # وتسير الجبال سيرا # [الطور: 10]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. # الوجه الثالث: أن معنى قوله: { وبست الجبال بسا } نزعت من ~~أماكنها وقلعت، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح ~~التام لأحوال الجبال يوم القيامة، وأطوارها، بالآيات القرآنية، وفي سورة ~~طه في الكلام على قوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فكانت هبآء ~~منبثا } كقوله تعالى: # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20] والهباء إذا انبث، أي تفرق، واضمحل وصار لا شيء، والسراب قد ~~قال الله تعالى فيه: # حتى إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39]. ### || [56.7-9] # قوله تعالى: { وكنتم أزواجا ثلاثة }. # أي صرتم أزواجا ثلاثة،والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه # ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين # [البقرة: 35] أي فتصيرا من الظالمين. # ومنه قول الشاعر: # بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # وقوله: { أزواجا }: أي أصنافا ثلاثة، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة ~~بقوله: { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة السابقون ~~السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم } ~~[الواقعة: 8-12] أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين، كما أوضحه تعالى ~~بقوله: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين في سدر مخضود # [الواقعة: 27-28] الآيات، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال كما أوضحه ~~تعالى: بقوله # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال في سموم وحميم # [الواقعة: 41-42] الآيات. # قال بعض العلماء: قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. # وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة. # وقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم، كما رأهم النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ~~ليلة الإسراء. # وقيل سموا أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين، أي مباركون على ~~أنفسهم، لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليمن البركة. # وسمي الآخرون أصحاب الشمال، وقيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. # وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب ms3605 تسمي الشمال شؤما، ~~كما تسمي اليمين يمينا، ومن هنا قيل لهم أصحاب المشأمة أو لأنهم مشائيم ~~على أنفسهم: فعصوا الله فأدخلهم النار، والمشائيم ضد الميامين، ومنه قول ~~الشاعر: # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة # ولا ناعب إلا بين غرابها # وبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: # والسابقون السابقون أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11]، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه ~~السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضا في آخرها، وذلك في قوله: # فأمآ إن كان من المقربين فروح وريحان ~~وجنات نعيم وأمآ إن كان من أصحاب اليمين ~~فسلام لك من أصحاب اليمين وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين فنزل من حميم وتصلية ~~جحيم # [الواقعة: 88-94]. # والمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال. # وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في البلد في قوله تعالى: # فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا ~~مقربة # [البلد: 13-15] - إلى قوله تعالى - # أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا ~~بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة # [البلد: 18-20]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { مآ أصحاب الميمنة } ~~[الواقعة: 8]، وقوله: { مآ أصحاب المشأمة } [الواقعة: 9] ~~استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة، وشأن هؤلاء في الشقاوة، ~~والجملة فيهما مبتدأ وخبر، وهي خبر المبتدأ قبله، وهو أصحاب الميمنة في ~~الأول وأصحاب المشأمة في الثاني. # وهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1-2]، # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1-2]. والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو ~~إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى، وقوله: { والسابقون ~~} لم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله، ولكنه ذكر في مقابلة ~~تكرير لفظ السابقين. # والأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر على عادة العرب في تكريرهم اللفظ ~~وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف ~~خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف ومنه قول أبي النجم: # أنا أبو النجم وشعري شعري # لله درى ما أجن صدري # فقوله: وشعري شعري يعني ms3606 شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه. ### || [56.13-14] # وقوله: ثلة: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، هم ثلة، والثلة الجماعة من ~~الناس، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل، وهو الكسر. # وقال الزمخشري: والثلة من الثل، وهو الكسر، كما أن الأمة من الأم وهو ~~الشبح، كأنها جماعة كسرت من الناس، وقطعت منهم. اه. منه. # واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر: # فجاءت إليهم ثلة خندفية # بجيش كتيار من السيل مزيد # لأن قوله: تيار من السيل: يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة. # وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من ~~الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # [الواقعة: 39-40]. فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه ~~الأمة، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة. # وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم " # الحديث. والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما المراد ~~بالقليل، وثلة من الآخرين، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة. # وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه ~~الأمة، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة. # قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: ظاهر القرآن في هذا المقام: أن ~~الأولين في الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن ~~قوله تعالى: { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } ~~في السابقين خاصة، وأن قوله: # ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # [الواقعة: 39-40] في أصحاب اليمين خاصة. # وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول ~~الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من ~~الآخرين في خصوص أصحاب اليمين لأنه واضح من سياق الآيات. # أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة، لأن قوله: # إذا وقعت الواقعة # [الواقعة: 1] - إلى قوله - # فكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 6] لا شك أنه ms3607 لا يخص أمة دون أمة، وأن الجميع مستوون في ~~الأهوال والحساب والجزاء. # فدل ذلك على أن قوله: # وكنتم أزواجا ثلاثة # [الواقعة: 7] عام في جميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين ~~منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة. # وعلى هذا، فظاهر القرآن، أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين ~~من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب ~~اليمين من هذه الأمة، لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله: { ~~وقليل من الآخرين } وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة { ~~وثلة من الآخرين }. # ولا غرابة في هذا، لأن الأمم الماضية أمم كثيرة. # وفيها أنبياء كثيرة ورسل، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها. # أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين ~~من جميع الأمم، لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين ~~الكثيرين أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير. # ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير، لا ينافي ما ~~جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة. # فأما كون قوله { وقليل من الآخرين } دل ظاهر القرآن على أنه ~~في خصوص السابقين، فلأن الله قال # والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم # [الواقعة: 10-12] ثم قال تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين { ~~ثلة من الأولين وقليل من الآخرين }. # وأما كون قوله: # وثلة من الآخرين # [الواقعة: 40] في خصوص أصحاب اليمين، فلأن الله تعالى قال # فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لاصحاب اليمين ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين # [الواقعة: 36-40]، والمعنى هم أي أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين، وهذا واضح كما ترى. ### || [56.15-16] # السرر جمع سرير، وقد بين تعالى: أن سررهم مرفوعة في قوله: في الغاشية # فيها سرر مرفوعة # [الغاشية: 13] وقوله تعالى { موضونة } منسوجة بالذهب، وبعضهم يقول ~~بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج ms3608 أحكم ودخل بعضه في بعض، ~~تسميه العرب وضنا، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا، ومنه الدرع الموضونة ~~إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض. # ومنه قول الأعشى: # ومن نسج داود موضونة # تساق مع الحي عيرا فعيرا # وقوله أيضا: # وبيضاء كالنهى موضونة # لها قونس فوق جيب البدن # ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخال بعضها في ~~بعض وضينا. # ومنه قول الراجز: # ليتك تعدو قلقا وضينها # معترضا في بطنها جنينها # مخالفا دين النصارى دينها # وهذه السرر المزينة، هي المعبر عنها بالأرائك في قوله # متكئين فيها على الأرآئك # [الكهف: 31] وقوله: # هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # [يس: 56] وقوله في هذه الآية الكريمة { متكئين } حال من الضمير ~~في قوله { على سرر } والتقدير: استقروا على سرر في حال كونهم ~~متكئين عليها. # وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونهم على سرر متقابلين، أي ~~ينظر بعضهم إلى وجه بعض، كلهم يقابل الآخر بوجهه، جاء موضحا في آيات أخر ~~كقوله تعالى في الحجر # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين # [الحجر: 47] وقوله في الصافات # أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في ~~جنات النعيم على سرر متقابلين # [الصافات: 41-44]. ### || [56.17] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى # ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ ~~مكنون # [الطور: 24]. ### || [56.18-19] # قوله تعالى: { وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ~~ينزفون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى # يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23] وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى # إنما الخمر والميسر # [المائدة: 90]. ### || [56.20-21] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون # [الطور: 22]. ### || [56.22-23] # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى # ولهم فيهآ أزواج مطهرة # [البقرة: 25] الآية، وفي الصافات في الكلام على قوله تعالى # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48] وفي ms3609 غير ذلك من المواضع. ### || [56.25-26] # قد قدمنا الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم ~~فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62] وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع وذكرنا شواهده من القرآن ~~وكلام العرب، وبينا كلام أهل العلم في حكمه شرعا. ### || [56.30-33] # أما قوله { وظل ممدود } فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ~~النساء في الكلام على قوله تعالى # وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57] وأما قوله { ومآء مسكوب } فقد دلت عليه آيات كثيرة ~~من كتاب الله كقوله تعالى # فيهآ أنهار من مآء غير آسن # [محمد: 15] وقوله # إن المتقين في جنات وعيون # [الحجر: 45] وقوله # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء # [الأعراف: 50] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. # والمسكوب اسم مفعول سكب الماء ونحوه إذا صبه بكثرة، والمفسرون يقولون: ~~إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وأن الماء يصل إليهم أينما كانوا كيف ~~شاءوا، كما قال تعالى # عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا # [الإنسان: 6] وأما قوله { وفاكهة كثيرة } الآية: فقد قدمنا ~~الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون # [الطور: 22]. ### || [56.35-38] # الضمير في أنشأناهن: قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور، وقال بعض ~~العلماء. هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام. # فمن قال إنه راجع إلى مذكور، قال هو راجع إلى قوله # وفرش مرفوعة # [الواقعة: 34] قال: لأن المراد بالفرش النساء والعرب تسمي المرأة لباسا ~~وإزارا وفراشا ونعلا، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله { مرفوعة ~~} رفع المنزلة والمكانة. # ومن قال: إنه راجع إلى غير مذكور، قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن، ~~ولكن ذكر الفرش دل عليهن. لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن. # وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله { ~~إنا أنشأناهن إنشآء } لأن الإنشاء هو الاختراع والابتداع. # وقالت جماعة من أهل العلم: أن المراد بهن بنات آدم التي كن في الدنيا ~~عجائز شمطا رمصا، وجاءت ms3610 في ذلك آثار مرفوعة عنه صلى الله عليه وسلم، ~~وعلى هذا القول: فمعنى أنشأناهن إنشاء أي خلقناهن خلقا جديدا. # وقوله تعالى { فجعلناهن } أي فصيرناهن أبكارا، وهو جمع بكر، ~~وهو ضد الثيب. # وقوله { عربا } قرأه عامة القراء السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم { ~~عربا } بضم العين والراء، وقرأ حمزة وشعبة { عربا } بسكون الراء، ~~وهي لغة تميم، ومعنى القراءتين واحدة، وهو جمع عروب، وهي المتحببة إلى ~~زوجها الحسنة التبعل، وهذا هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله. # ومنه قول لبيد: # وفي الخباء عروب غير فاحشة # ريا الروادف يعشى دونها البصر # وقوله تعالى: { أترابا } جمع ترب بكسر التاء، والترب اللذة. وإيضاحه ~~أن ترب الإنسان ما ولد معه في وقت واحد، ومعناه في الآية: أن نساءأهل ~~الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهم على سن واحدة في ~~غاية الشباب. # وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاثة ~~وثلاثين سنة، وجاءت بذلك آثار مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكون ~~الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب. # ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل ~~الجنة، جاءت موضحة في آيات أخر. # أما كونهن يوم القيامة أبكارا، فقد أوضحه في سورة الرحمن في قوله ~~تعالى: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56] في الموضعين لأن قوله: { لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جآن } نص في عدم زوال بكارتهن، وأما كونهن عربا أي ~~متحببات إلى أزواجهن، فقد دل عليه قوله في الصافات: # وعندهم قاصرات الطرف عين # [الصافات: 48] لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى ~~غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، كما قدمنا إيضاحه، ولا شك أن ~~المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل معه. # وقوله في ص: # وعندهم قاصرات الطرف أتراب # [ص: 52]، وقوله في الرحمن: # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ms3611 ~~ولا جآن # [الرحمن: 56]، وأما كونهن أترابا فقد بينه تعالى في قوله في آية ص هذه، ~~{ وعندهم قاصرات الطرف أتراب } ، وفي سورة النبأ في ~~قوله تعالى: # إن للمتقين مفازا حدآئق وأعنابا # [النبأ: 31 - 33]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { لأصحاب اليمين } [الواقعة: ~~38] يتعلق بقوله: { إنآ أنشأناهن } ، وقوله { فجعلناهن ~~} أي: أنشأناهن وصيرناهن أبكارا لأصحاب اليمين. ### || [56.41-43] # قد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم ~~في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله ~~تعالى # فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم # [الطور: 27]. # وقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام ~~على قوله تعالى # وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57] وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا ~~{ وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } وقوله في ~~المرسلات # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب # [المرسلات: 30-31]. # وقوله: { من يحموم } أي من دخان أسود شديد السواد ووزن اليحموم ~~يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود ~~لاحتراقه بالنار. ### || [56.45-46] # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله: # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن ~~الله علينا # [الطور: 26-27] الآية. ### || [56.47] # لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين بعض أسبابه، فذكر ~~منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن ~~القرآن دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم ~~القيامة، لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه ~~الآية الكريمة، وقوله تعالى: # فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في ~~أهله مسرورا # [الانشقاق: 11-13]، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة ~~آنفا. # وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سببا لدخول النار، ~~لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل ms3612 من يحموم، بين أن من ~~أسباب ذلك أنهم قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما } ~~الآية جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا ~~لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون # [الرعد: 5]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله ~~تعالى: # وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا # [الفرقان: 11]، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث ~~آبائهم الأولين في قوله { أو آبآؤنا الأولون } وأنه تعالى بين ~~لهم أنه يبعث الأولين والآخرين في قوله، # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50] جاء موضحا في غير هذا الموضع، فبينا فيه أن البعث ~~الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين، وذلك في قوله تعالى في ~~الصافات # وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أو آبآؤنا ~~الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة ~~واحدة فإذا هم ينظرون # [الصافات: 15-19]. وقوله: { أو آبآؤنا الأولون } ، قرأه عامة ~~القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافع: { أو ءابآؤنا } بفتح ~~الواو على الاستفهام والعطف، وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا ~~جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء، وثم نحو { أو ءابآؤنا } # أفأمن أهل القرى # [الأعراف: 97] # أثم إذا ما وقع # [يونس: 51]، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين الأول منهما أن ~~أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة ~~الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظا لا معنى لأن ~~الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله. # والمعنى على هذا واضح وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإنكار التي ~~هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين، بأداة ~~الإنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظا لا رتبة، وهذا القول هو ~~قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن ~~هشام في مغني ms3613 اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرا بعد أن كنا نميل ~~إلى غيره. # الوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة ~~بجملة محذوفة، والجملة المصدرية بالاستفهام معطوفة على المحذوف بحرف ~~العطف الذي بعد الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع ~~من كشافه، وربما مال إلى غيره. # وعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟ وما ذكره ~~الزمخشري هنا من أن قوله: # ءابآؤنا # [الواقعة: 48] معطوف على واو الرفع في قوله: { لمبعوثون } ، وأنه ~~ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل ~~بالهمزة لا يصح، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما. # وهذا الوجه الأخير مال إليه ابن مالك في الخلاصة في قوله: # وحذف متبوع بداهنا استبح # وعطفك الفعل على الفعل يصح # وقرأ هذا الحرف قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو، والذي يظهر لي ~~على قراءتهما أو بمعنى الواو العاطفة، وأن قوله: { ءابآؤنا } ، معطوف ~~على محل المنصوب الذي هو اسم إن، لأن عطف المرفوع على منصوب إن بعد ذكر ~~خبرها جائز بلا نزاع، لأن اسمها وإن كان منصوبا فأصله الرفع لأنه مبتدأ ~~في الأصل، كما قال ابن مالك في الخلاصة: # وجائز رفعك معطوفا على # منصوب إن بعد أن تستكملا # وإنما قلنا إن أو بمعنى الواو، لأن إتيانها بمعنى الواو معروف في القرآن ~~وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: # فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا # [المرسلات: 5-6] لأن الذكر الملقى للعذر، والنذر معا لا لأحدهما، لأن ~~المعنى أنها أتت الذكر إعذارا وإنذارا، وقوله تعالى: # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # [الإنسان: 24] أي ولا كفورا، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن ~~معد يكرب: # قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم # ما بين ملجم مهرة أو سافع # فالمعنى ما بين الملجم مهره وسافع: أي آخذ بناصيته ليلجمه، وقول نابغة ~~ذبيان: # قالت ألا ليت ما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد # فحسبوه فألفوه كما زعمت # ستا وستين لم تنقص ولم تزد # فقوله: أو ms3614 نصفه بمعنى ونصفه كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين، لأن ~~مرادها أنهما تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها ~~التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة، فوجدوه ستا وستين ونصفها ثلاث ~~وثلاثون، فيكون المجموع تسعا وتسعين، والمروي في ذلك عنها أنها قالت: # ليت الحمام ليه # إلى حمامتيه # ونصفه قديه # تم الحمام مايه # وقول توبة بن الحمير: # قد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # وقوله تعالى: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون } [الواقعة: 47] جمع عامة القراء على ثبات همزة الاستفهام ~~في قوله: { أئذا متنا } وأثبتها أيضا عامة السبعة غير نافع ~~والكسائي في قوله: { أءنا } وقرأه نافع والكسائي { أءنا ~~لمبعوثون } ، بهمزة واحدة مكسورة على الخبر، كما عقده صاحب الدرر ~~اللوامع في أصل مقرأ الإمام منافع بقوله: # فصل واستفهام إن تكررا # فصير الثاني منه خبرا # واعكسه في النمل وفوق الروم # إلخ................ # والقراءات في الهمزتين في { أئذا } و { أإنا } معروفة، فنافع يسهل ~~الهمزة الثانية بين بين. ورواية قالون عنه هي إدخال ألف بين الهمزتين ~~الأولى المحققة والثانية المسهلة. # ورواية قالون هذه عن نافع بالتسهيل والإدخال مطابقة لقراءة أبي عمرو، ~~فأبو عمرو وقالون عن نافع يسهلان ويدخلان، ورواية ورش عن نافع هي تسهيل ~~الأخيرة منها بين بين من غير إدخال ألف. وهذه هي قراءة ابن كثير وورش ~~فابن كثير وورش يسهلان ولا يدخلان. # وقرأ هشام عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين، وبينهما ألف الإدخال. # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن عامر بتحقيق الهمزتين من غير ~~ألف الإدخال، هذه هي القراءات الصحيحة، في مثل { أإذا } و { أءنا } ~~ونحو ذلك في القرآن. # تنبيه # اعلم وفقني الله وإياك أن ما جرى في الأقطار الافريقية من إبدال الأخيرة ~~من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة من أشنع وأعظم ~~الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم، وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه ~~إلا الجاهل الذي لا يدري، الذي يظن أن القراءة بالهاء صحيحة، وإنما قالا ~~هذا لأن إبدال الهمزة فيما ms3615 ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولم ينزل عليه به جبريل ألبتة، ولم يرو عن صحابي ولم ~~يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال، فالتجرؤ على الله ~~بزيادة حرف في كتابه، وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء ~~ألبتة، هو كما ترى، وكون اللغة العربية قد سمع فيها إبدال الهمزة هاء لا ~~يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه. لم يأذن بإدخاله الله ولا ~~رسوله. # ودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها، لأن جريان العمل ~~بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في ~~الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~لا خلاف فيه. # وقوله تعالى: { متنا } وقرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن ~~عاصم متنا بضم الميم وقرأه نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { متنا } ~~بكسر الميم، وقد قدمنا مسوغ كسر الميم لغة في سورة مريم في الكلام على ~~قوله تعالى: # يليتني مت قبل هذا # [مريم: 23]. ### || [56.49-50] # لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآية المتقدمة، أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبرا مؤكدا بأن الأولين والآخرين ~~كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من بعث الأولين والآخرين وجمعهم يوم ~~القيامة جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله: # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن # [التغابن: 9]، وقوله تعالى # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة # [النساء: 87] وقوله تعالى: # ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه # [آل عمران: 9] الآية، وقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس # [هود: 103] وقوله تعالى: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين # [المرسلات: 38]، وقوله تعالى: # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]. # وقد قدمنا هذا موضحا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17]. ### || [56.51-55] # قد قدمنا إيضاح هذا وتفسيره في سورة الصافات في الكلام على ms3616 قوله تعالى: # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم # [الصافات: 67]. ### || [56.56] # النزل بضمتين: هو رزق الضيف الذي يقدم له نزوله إكراما له، ومنه قوله ~~تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا # [الكهف: 107]، وربما استعملت العرب النزول في ضد ذلك على سبيل التهكم ~~والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزول فيما يقدم لأهل النار من العذاب ~~كقوله هنا: في عذابهم المذكور في قولهم: # لآكلون من شجر من زقوم # [الواقعة: 52] - إلى قوله - # شرب الهيم هذا نزلهم # [الواقعة:55-56] أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم ~~عند نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزول على عذاب أهل النار، جاء ~~موضحا في غير هذا الموضع كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: # فنزل من حميم وتصلية جحيم # [بالواقعة: 93-94]، وقوله تعالى في آخر الكهف: # إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا # [الكهف: 102] ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعد الضبي: # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا # جعلنا القنا والمرهفات له نزلا # وقوله: { يوم الدين } أي يوم الجزاء كما تقدم مرارا. ### || [56.57] # لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين، وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه ~~تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم ~~وشرب الحميم، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال: نحن ~~خلقناكم هذا الخلق الأول فلولا تصدقون. أي فهل لا تصدقون بالبعث الذي هو ~~الخلق الثاني، لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا ~~يخفى. # وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني، جاء ~~موضحا في آيات كثيرة جدا كقوله تعالى # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]، وقوله: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء: 104]، وقوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] وقوله تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ms3617 # [يس: 79]، وقوله تعالى: # فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة # [الإسراء: 51]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد ذكرناها بإيضاح ~~وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة والنحل والحج ~~والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا عليها كثيرا. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { فلولا تصدقون } لولا حرف ~~تحضيض، ومعناه الطلب بحث وشدة، فالآية تدل على شدة حث الله للكفار وحضه ~~لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولا. ### || [56.58-59] # قد قدمنا قريبا كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف، ~~وذكرناه قبل هذا مرارا، وقوله تعالى: { أفرأيتم ما تمنون } ~~يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة ما موصولة، ~~والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف، لأنه منصوب بفعل، ~~والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه، والعرب تقول: أمنى النطفة بصيغة الرباعي، ~~يمنيها بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: # من نطفة إذا تمنى # [النجم: 46] ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة. إلا أن القراءة بها ~~شاذة. # وممن قرأ تمنون بفتح مضارع في الثلاثي المجرد، أبو السمال وابن السميقع، ~~وقوله تعالى: { أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } ~~استفهام تقرير، فإنهم لا بد أن يقولوا: أنتم الخالقون، فيقال لهم: إذا ~~كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحم، ~~فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى، وأنتم تعلمون أن الإعادة لا يمكن ~~أن تكون أصعب من الابتداء، والضمير المنصوب في تخلقونه عائد إلى الموصول ~~أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقا، ثم مضغا إلى آخر أطواره. # وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال قدرة الله على ~~البعث وغيره، وعلى أنه المعبود وحده، ببيان أطوار خلق الإنسان، جاء ~~موضحا في آيات أخر، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى بالآيات القرآنية، ~~وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في ~~الكلام على قوله تعالى: # يأيها الناس إن كنتم في ريب ms3618 من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب # [الحج: 5] الآية. # وذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضا في الكلام على قوله ~~تعالى: # خلق الإنسان علمه البيان # [الرحمن: 3-4] وفي غير ذلك من المواضع. # وبينا الآيات الدالة على أطوار خلقه جملة وتفصيلا في الحج. # تنبيه. # هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة مني تمنى، يجب ~~على كل إنسان النظر فيه، لأن الله جل وعلا وجه صفة الأمر بالنظر فيه إلى ~~مني الإنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف ~~عنه، وذلك في قوله تعالى: # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق # [الطارق: 5-6] الآية، وقد قدمنا شرحها في أول سورة النحل، وقرأ هذا ~~الحرف نافع، { أفرءيتم } بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين. # والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه إبدال الهمزة ألفا ~~وإشباعها لسكون الياء بعدها. # وقرأه الكسائي: { أفرءيتم } بحذف الهمزة، وقرأه باقي السبعة ~~بتحقيق الهمزة. # وقوله تعالى: { ءأنتم } قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن ~~عامر في إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية، والرواية المشهورة التي ~~بها الأداء عن ورش عن نافع إبدال الثانية ألفا مشبعا مدها لسكون النون ~~بعدها، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى ~~بتحقيق الهمزتين، وقالون، وأبو عمرو وهشام بألف الإدخال بين الهمزتين ~~والباقون بدونها. ### || [56.60-61] # قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير { قدرنا } بتشديد ~~الدال، وقرأه ابن كثير بتخفيفها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ~~أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، ويكون كل ذلك ~~صحيحا، وكله يشهد له قرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه ~~الآية الكريمة. # وإيضاح ذلك أن قوله { قدرنا } وجهين من التفسير وفيما تتعلق به { ~~على أن نبدل } وجهان أيضا، فقال بعض العلماء: وهو اختيار ابن ~~جرير أن قوله { نحن قدرنا بينكم الموت } أي قدرنا ~~لموتكم آجالا مختلفة وأعمارا متفاوتة فمنكم من يموت صغيرا ومنكم من ~~يموت شابا، ومنكم ms3619 من يموت شيخا. # وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى # ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم ~~من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر # [الحج: 5] وقوله تعالى # ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ~~ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون # [غافر: 67] وقوله تعالى # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11] وقوله تعالى: # ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ # [المنافقون: 11] وقوله { وما نحن بمسبوقين } أي ما نحن ~~بمغلوبين، العرب تقول: سبقه على كذا أي غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه أي ~~وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم فلا يقدر ~~أحد أن يقدم أجلا أخرناه ولا يؤخر أجلا قدمناه. # وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة كقوله تعالى # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الاعراف: 34] وقوله تعالى # إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر # [نوح: 4] الآية، وقوله تعالى # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا # [آل عمران: 145] إلى غير ذلك من الآيات. # وعلى هذا القول، فقوله تعالى: { على أن نبدل أمثالكم } ~~ليس متعلقا بمسبوقين بل بقوله تعالى: { نحن قدرنا بينكم ~~الموت } والمعنى: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم، أي ~~نبدل من الذين ماتوا أمثالا لهم نوجدهم. # وعلى هذا، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا ~~وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء ~~كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين # [الأنعام: 133] إلى غير ذلك من الآيات. # وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة قدرنا بالتشديد مناسبة لهذا ~~الوجه، وكذلك لفظة بينكم. # الوجه الثاني: أن قدرنا بمعنى قضينا وكتبنا أي كتبنا الموت وقدرناه على ~~جميع الخلق، وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، وقوله تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران: 185]، وقوله تعالى: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58]، وعلى ms3620 هذا القول فقوله: { على أن نبدل }: متعلق ~~بمسبوقين أي ما نحن مغلوبين والمعنى وما نحن بمغلوبين على أن نبدل ~~أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا فنحن قادرون على إهلاككم، ولا يوجد أحد ~~يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلا منكم. # وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان ~~الله على ذلك قديرا # [النساء: 133] وقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء # [الأنعام: 133]، وقوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على ~~الله بعزيز # [إبراهيم: 19-20] وقوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] وقد قدمنا هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: { ~~إن يشأ يذهبكم أيها الناس } الآية، وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة: { وننشئكم في ما لا تعلمون } ، فيه للعلماء ~~أقوال متقاربة. # قال بعضهم: ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأن ~~ننشئكم قردة وخنازير، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم. # وقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات، فنغير صفاتكم ونجمل ~~المؤمنين ببياض الوجوه، ونقبح الكافرين بسواد الوجوه وزرقة العيون. إلى ~~غير ذلك من الأقوال. ### || [56.63-65] # تضمنت هذه الآية الكريمة برهانا قاطعا ثانيا على البثع وامتنانا ~~عظيما على الخلق بخلق أرزاقهم لهم، فقوله تعالى: { أفرءيتم ما ~~تحرثون } ، يعني أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها أي ~~تحريكها وتسويتها أأنتم تزرعونه، أي تجعلونه زرعا، ثم تمنونه إلى أن ~~يصير مدركا صالحا للأكل أم نحن الزارعون له، ولا شك أن الجواب الذي لا ~~جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا ~~على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا ~~البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم، وكون إنبات ~~النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء ms3621 اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى # [فصلت: 39] وقوله تعالى: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير # [الروم: 50]، وقوله تعالى: # حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # [الأعراف: 75]. # والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات ~~براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك ~~من المواضع، وأحلنا عليها مرارا. # تنيبه # اعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه ~~الآية الكريمة، لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ~~ما يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن ~~للامتنان، لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على ~~البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا ~~وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس: 24-32]. # والمعنى: انظر أيها الإنسان الضعيف إلى طعامك كالخبز الذي تأكله ولا غنى ~~لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سببا لإنباته هل يقدر أحد غير ~~الله على خلق الماء؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود. ثم هب أن الماء ~~خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي ~~يسقى به الأرض من غير هدم ولا غرق؟ ثم هب أن الماء نزل في الأرض من هو ~~الذي يقدر على شق الأرض عن مسار الزرع؟ ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي ~~يقدرعلى إخراج السنبل منه؟ ثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر ~~على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحا للأكل؟ # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # [الأنعام: ms3622 99]، والمعنى: انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفا لا يصلح ~~للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعا مدركا ~~صالحا للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه ~~قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الإنعام، ولذا قال: { إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } ، فاللازم أن يتأمل الإنسان ~~وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى: { أنا صببنا المآء صبا ~~ثم شققنا الأرض } أي عن النبات شقا إلى آخر ما بيناه، وقوله ~~تعالى في هذه الآية الكريمة: { لو نشآء لجعلناه حطاما } ~~يعني لو نشاء تحطيم ذلك الزرع لجعلناه حطاما، أي فتاتا وهشيما، ولكنا ~~لم نفعل ذلك رحمة بكم، ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء ~~الشرط، وتقديره كما ذكرنا، وقوله، { فظلتم تفكهون }. # قال بعض العلماء: المعنى فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم. # وقال بعض العلماء: تفكهون بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإنفاق عليه ~~كقوله تعالى: # فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها # [الكهف: 42]. # وقال بعض العلماء: تندمون على معصية الله التي كانت سببا لتحطيم زرعكم، ~~والأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر. ### || [56.68-70] # تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانا عظيما على خلقه بالماء الذي يشربونه، ~~وذلك أيضا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه ~~إليه، والمعنى: أفرأيتم الماء الذين تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة ولو ~~أعدمناه لهلكتم جميعا في أقرب وقت: { أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون }. # والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا هو منزله من المزن، ونحن لا ~~قدرة لنا على ذلك فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه ~~تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره، وما تضمنته ~~هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان ~~بالله وطاعته شكرا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: { فلولا ~~تشكرون } جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ ~~أنتم ms3623 له بخازنين # [الحجر: 22] وقوله تعالى: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10] وقوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحيي به ~~بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسي كثيرا # [الفرقان: 48-49]. وقوله تعالى: # وأسقيناكم مآء فراتا # [المرسلات: 27] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: { لو نشآء ~~جعلناه أجاجا } أي لو نشاء جعله أجاجا لفعلنا، ولكن جعلناه ~~عذبا فراتا سائغا شرابه، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج ~~هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى. لو شاء لجعل الماء غير ~~صالح للشراب. جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30] وقوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # [المؤمنون: 18] لأن الذهاب بالماء وجعله غورا لم يصل إليه وجعله ~~أجاجا، كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء، وهذه الآيات ~~المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى. وقوله تعالى في هذه ~~الآية الكريمة { أأنتم أنزلتموه من المزن } يدل على أن ~~جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله ~~كله نازل من المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه. # وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحا في آيات أخر كقوله ~~تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه ~~في الأرض } وقوله تعالى # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض # [الزمر: 21] وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ ~~أنتم له بخازنين # [الحجر: 22] وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها # [سبأ: 2] الآية وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فلولا ~~تشكرون } فلولا بمعنى هلا، وهي حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض ~~والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا ms3624 المنعم العظيم بحث وحض. # واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده. # فشكر العبد لربه، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، ~~فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا ما يرضي من خلقها، وهكذا في جميع ~~الجوارح، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب ~~واللسان، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا: { ~~فلولا تشكرون } وقوله تعالى # واشكروا لي ولا تكفرون # [البقرة: 152] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. # وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومنه ~~قوله تعالى # ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158] وقوله تعالى # إن ربنا لغفور شكور # [فاطر: 34] إلى غير ذلك من الآيات. # تنبيه لغوي # اعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة وإلى المنعم أخرى، فإن عديت إلى ~~النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر كقوله تعالى # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي # [النحل: 19] الآية، وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو ~~اللام كقولك: نحمد الله ونشكر له، ولم تأت في القرآن معداة إلا باللام، ~~كقوله { واشكروا لى ولا تكفرون } وقوله # أن اشكر لي ولوالديك # [لقمان: 14] وقوله # واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # [البقرة: 172] وقوله # فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون # [العنكبوت: 17] إلى غير ذلك من الآيات. # وهذه هي اللغة الفصحى، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن، ومن ذلك ~~قول أبي نخيلة: # شكرتك إن الشكر حبل من اتقى # وما كل من أوليته نعمة يقضى # وقول جميل بن معمر: # خليلي عوجا اليوم حتى تسلما # على عذبة الأنياب طيبة النشر # فإنكما إن عجتما لي ساعة # شكرتكما حتى أغيب في قبري # وهذه الآيات من سورة الواقعة قد دلت على أن اقتران جواب لو باللام، وعدم ~~اقترانه بها كلاهما سائغ، لأنه تعالى قال # لو نشآء لجعلناه حطاما # [الواقعة: 65] باللام ثم قال { لو نشآء جعلناه أجاجا } ~~بدونها. ### || [56.71-73] # قوله تعالى: { التي تورون } أي توقدونها من ms3625 قولهم: أورى النار إذا ~~قدحها وأوقدها، والمعنى: أفرأيتم النار التي توقدونها من الشجر أأنتم ~~أنشأتم شجرتها التي توقد منها، أي أوجدتموها من العدم؟ # والجواب الذي لا جواب غيره: أنت يا ربنا هو الذي أنشأت شجرتها، ونحن لا ~~قدرة لنا بذلك فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أن من أنشأ شجرة ~~النار وأخرجها منها قادر على كل شيء؟ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ~~كون خلق النار من أدلة البعث، وجاء موضحا في يس في قوله تعالى # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذآ أنتم منه توقدون # [يس: 79-80] فقوله في آخر يس { توقدون } هو معنى قوله في الواقعة: { ~~تورون } وقوله في آية يس { الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا } بعد قول { يحييها الذي أنشأهآ أول ~~مرة } دليل واضح على أن خلق النار من أدلة البعث، وقوله هنا { ~~أأنتم أنشأتم شجرتهآ } أي الشجرة التي توقد منها كالمرخ ~~والعفار، ومن أمثال العرب في كل شجر نار، واستنجد المرخ والعفار، لأن ~~المرخ والعفار هما أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار منهما، يأخذون ~~قضيبا من المرخ ويحكمون به عودا من العفار فتخرج من بينهما النار، ~~ويقال كل شجر فيه نار إلا العناب. # وقوله: { نحن جعلناها تذكرة } أي نذكر الناس بها في دار ~~الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها. نار الآخرة التي هي أشد منها حرا ~~لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار، وقد صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم: أن حرارة نار الآخرة مضاعفة على حرارة نار الدنيا سبعين مرة. فهي ~~تفوقها بتسع وستين ضعفا كل واحد منها مثل حرارة نار الدنيا. # وقوله تعالى { ومتاعا للمقوين } أي منفعة للنازلين بالقواء ~~من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون، لأنهم ~~ينتفعون بالنار انتفاعا عظيما في الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح ~~الزاد. # وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون اللفظ واردا ~~للامتنان.وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهوما للموقين، لأنه جيء ms3626 به للامتنان ~~أي وهو متاع أيضا لغير المقوين من الحاضرين بالعمران، وكل شيء خلا من ~~الناس يقال له أقوى، فالرجل إذا كان في الخلا قيل له: أقوى. والدار إذا ~~خلت من أهلها قيل لها أقوت. # ومنه قول نابغة ذبيان: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأبد # وقول عنترة: # حيث من طلل تقادم عهده # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وقيل للمقوين: أي للجائعين، وقيل غير ذلك، والذي عليه الجمهور هو ما ~~ذكرنا. ### || [56.75-76] # قد قدمنا الكلام عليه في أول سورة النجم. ### || [56.95-96] # أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، وأكد إخباره بأن هذا القرآن ~~العظيم هو حق اليقين، وأمر نبيه بعد ذلك بأن يسبح باسم ربه العظيم. # وهذا الذي تضمنته هذه الآية ذكره الله جل وعلا في آخر سورة الحاقة في ~~قوله في وصفه للقرآن # وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين ~~فسبح باسم ربك العظيم # [الحاقة: 50-52]، والحق هو اليقين. # وقد قدمنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين أسلوب عربي، ~~وذكرنا كثرة وروده في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى # ولدار الآخرة # [يوسف: 109] ولدار هي الآخرة وقوله # ومكر السيىء # [فاطر: 43]، والمكر هو السيىء بدليل قوله بعده: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. # وقوله: # من حبل الوريد # [ق: 16] والحبل هو الوريد، وقوله: # شهر رمضان # [البقرة: 185] والشهر هو رمضان. # ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس. # كبكر المقانات البياض بصفرة # غذاها نمير الماء غير المخلل # والبكر هي المقانات. # وقول عنترة: # ومشك سابغة هتكت فروجها # بالسيف عن حامي الحقيقة معلم # لأن مراده بالمشك هنا الدرع بدليل قوله: هتكت فروجها، يعني الدرع، وإن ~~كان أصل المشك لغة السير الذي تشد به الدرع، لأن السير لا تمكن إرادته في ~~بيت عنترة هذا خلافا لما ظنه صاحب تاج العروس، بل مراد عنترة بالمشك ~~الدرع، وأضافه إلى السابغة التي هي الدرع كا ذكرنا، وإلى هذا يشير ما ~~ذكروه في باب العلم: وعقده في الخلاصة بقوله: # وإن يكونا ms3627 مفردين فأضف # حتما وإلا أتبع الذي ردف # لأن الإضافة المذكورة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد ~~بينا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب أن قوله في الخلاصة: # ولا يضاف اسم لما به اتحد # معنى وأول موهما إذا ورد # أن الذي يظهر لنا من استقراء القرآن والعربية أن ذلك أسلوب عربي، وأن ~~الاختلاف بين اللفظين كاف في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وأنه لا ~~حاجة إلى التأويل مع كثرة ورود ذلك في القرآن والعربية. # ويدل له تصريحهم بلزوم إضافة الاسم إلى اللقب إن كانا مفردين نحو سعيد ~~كرز، لأن ما لا بد له من تأويل لا يمكن أن يكون هو اللازم كما ترى، فكونه ~~أسلوبا أظهر. # وقوله { فسبح باسم ربك العظيم } التسبيح: أصل الإبعاد ~~عن السوء،وتسبيح الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك ~~التنزيه واجب له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والظاهر أن الباء في ~~قوله { باسم ربك } داخلة على المفعول، وقد قدمنا في سورة مريم في ~~الكلام على قوله تعالى # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] أدلة كثيرة من القرآن وغيره على دخول الباء على المفعول الذي ~~يتعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] والمعنى: وهزي جذع النخلة. # وقوله: # ومن يرد فيه بإلحاد # [الحج: 25] أي إلحادا إلى آخر ما قدمنا من الأدلة الكثيرة، وعليه، ~~فالمعنى: سبح اسم ربك العظيم كما يوضحه قوله في الأعلى # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. # وقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى، أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى ~~المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # ولا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا لإمكان كون المراد نفس ~~الاسم، لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون عن كل ما لا يليق، ~~ووصفها الله بأنها بالغة غاية الحسن، وفي ذلك أكمل تنزيه لها لأنها ~~مشتملة على صفاته الكريمة، وذلك في قوله # ولله الأسمآء الحسنى ms3628 فادعوه بها # [الإسراء: 180] وقوله تعالى: # أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 111]. # ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى، هل الاسم هو ~~المسمى أولا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية، والعلم عند الله تعالى. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1] # قد قدمنا مرارا أن التسبيح هو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله ~~وجلاله، وأصله في اللغة الإبعاد عن السوء، من قولهم سبح. إذا صار بعيدا، ~~ومنه قيل للفرس: سابح، لأنه إذا جرى يبعد بسرعة، ومن ذلك قول عنترة في ~~معلقته: # إذ لا أزال على رحالة سابح # نهر تعاوره الكماة مكلم # وقول عباس بن مرداس السلمي: # لا يغرسون فسيل النخل حولهم # ولا تخاور في مشتاهم البقر # إلا سوابح كالعقبان مقربة # في دارة حولها الأخطار والفكر # وهذا الفعل الذي هو سبح قد يتعدى بنفسه بدون اللام كقوله تعالى: # وتسبحوه بكرة وأصيلا # [الفتح: 9]، وقوله تعالى # ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا # [الإنسان: 26]، وقد يتعدى باللام كقوله هنا: { سبح لله } ، وعلى ~~هذا فسبحه وسبح له لغتان كنصحه ونصح له. وشكره وشكر له، وذكر بعضهم في ~~الآية وجها آخر، وهو أن المعنى: { سبح لله ما في السماوات ~~والأرض } ، أي أحدث التسبيح لأجل الله أي ابتغاء وجهه تعالى. ذكره ~~الزمخشري وأبو حيان، وقيل: { سبح لله } أي صلى له. # وقد قدمنا أن التسبيح يطلق على الصلاة، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ~~أهل السماوات والأرض يسبحون لله، أي ينزهونه عما لا يليق، بينه الله جل ~~وعلا في آيات أخر من كتابه كقوله تعالى في سورة الحشر # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم # [الحشر: 1] وقوله في الصف # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم # [الصف: 1] أيضا وقوله في الجمعة # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم # [الجمعة: 2]، وقوله في التغابن # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # [التغابن: 1]. # وزاد في سورة ms3629 بني إسرائيل أن السموات السبع والأرض يسبحن لله مع ما ~~فيهما من الخلق وأن تسبيح السموات ونحوها من الجمادات يعلمه الله ونحن لا ~~نفقهه أي لا نفهمه، وذلك في قوله تعالى: # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن تسبيح ~~الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79] ونحو ذلك تسبيح حقيقي يعلمه الله ونحن لا نعلمه. # والآية الكريمة فيها الرد الصريح، على زعم من أهل العلم، أن تسبيح ~~الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها، لأن دلالة الكائنات على عظمة ~~خالقها، يفهمها كل العقلاء، كماصرح الله تعالى بذلك في قوله # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس # [البقرة: 164] - إلى قوله - # لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164] وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن. # وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض # [الكهف: 77] الآية، وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72] وفي غير ذلك من المواضع. # وقد عبر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله: { سبح ~~لله } ، وكذلك في الحشر، والصف، وعبر في الجمعة والتغابن، وغيرهما ~~بقوله: # يسبح # [الحشر: 24] بصيغة المضارع. # قال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك ~~التسبيح لله، هو شأن أهل السموات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل ~~ذكر معناه الزمخشري وأبو حيان. # وقوله: { وهو العزيز الحكيم } قد قدمنا معناه مرارا وذكرنا ~~أن العزيز، هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، وأن العزة هي الغلبة، ومنه ~~قوله: # ولله العزة ولرسوله # [المنافقون: 8] وقوله: وعزني في الخطاب: أي غلبني في ms3630 الخصام، ومن أمثال ~~العرب من عز بز، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يختشى # إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # والحكيم، هو من يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها. # وقوله: { ما في السماوات والأرض }. غلب فيه غير العاقل وقد ~~قدمنا في غير هذا الموضع، أنه تعالى تارة يغلب غير العاقل. في نحو ما في ~~السموات وما في الأرض لكثرته، وتارة يغلب العاقل لأهميته، وقد جمع المثال ~~للأمرين قوله تعالى في البقرة: # بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون # [البقرة: 116]. فغلب غير العاقل في قوله: { ما في السماوات } ، ~~وغلب العاقل في قوله: { قانتون }. ### || [57.4] # قوله تعالى: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش } # قوله: { فى ستة أيام }. قد قدمنا إيضاحه في سورة فصلت في ~~الكلام على قوله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت:9] - إلى قوله تعالى- # فقضاهن سبع سماوات في يومين # [فصلت: 12]، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام # [الأعراف: 54]. # وقوله تعالى: { ثم استوى على العرش } قد قدمنا الآيات ~~الموضحة له بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى # ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار # [الأعراف: 54] الآية. وذكرنا طرفا صالحا من ذلك في سورة القتال في ~~كلامنا الطويل على قوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. # قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها }. # قد قدمنا إيضاحه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها # [سبأ: 2]. # قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم }. # قد قدمنا إيضاحه وبينا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة. ~~والمعية الخاصة، مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على ~~قوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا ms3631 والذين هم محسنون # [النحل: 128]. ### || [57.9] # وقوله تعالى: { هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور }. # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي ينزل على عبده محمد صلى ~~الله عليه وسلم آيات بينات، أي واضحات، وهي هذا القرآن العظيم، ليخرج ~~الناس بهذا القرآن العظيم المعبر عنه بالآيات البينات من الظلمات، أي من ~~ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور التوحيد والهدى، وهذا المعنى الذي تضمنته ~~هذه الآية الكريمة جاء مبينا في قوله تعالى في الطلاق: # فاتقوا الله يأولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات ~~الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور # [الطلاق: 10-11] وآية الطلاق هذه بينت أن آية الحديد من العام المخصوص، ~~وأنه لا يخرج بهذا القرآن العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله ~~للإيمان والعمل الصالح، فقوله في الحديد: { ليخرجكم من ~~الظلمات } أي بشرط الإيمان والعمل الصالح بدليل قوله: { ليخرج ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات } ، ~~الآية. # فالدعوة إلى الإيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة، ولكن ~~التوفيق إلى الخروج به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله، كما دلت ~~عليه آيات الطلاق المذكورة والله جل وعلا يقول: # والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم # [يونس:25]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نورا يخرج الله به ~~المؤمنين من الظلمات إلى النور، جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله ~~تعالى: # يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] وقوله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة: 15-16] وقوله تعالى: # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا # [التغابن: 8] وقوله تعالى: # فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # [الأعراف: 157] وقوله تعالى: # ولكن جعلناه نورا نهدي به ms3632 من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى: 52] الآية. ### || [57.10] # قوله تعالى: { ولله ميراث السماوات والأرض }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40]. الآية. ### || [57.12] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين يوم القيامة، يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمانهم، وهو جمع يمين، وأنهم يقال لهم: { بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ذلك هو الفوز العظيم }. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا، جاء موضحا في آيات أخر، أما ~~سعي نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فقد بينه تعالى في سورة التحريم، وزاد ~~فيه بيان دعائهم الذين يدعون به في ذلك الوقت وذلك في قوله تعالى: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه ~~نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8] الآية. # وأما تبشيرهم بالجنات، فقد جاء موضحا في مواضع أخر، وبين الله فيها أن ~~الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضا يبشرهم كقوله تعالى: # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيهآ أبدا إن ~~الله عنده أجر عظيم # [التوبة: 21-22] وقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30] - إلى قوله - # نزلا من غفور رحيم # [فصلت: 32] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [57.14] # الضمير المرفوع في ينادونهم راجع إلى المنافقين والمنافقات، والضمير ~~المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات، وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية ~~الكريمة: أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم القيامة ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قالوا لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، وقيل لهم ~~جوابا لذلك: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، وضرب بينهم بالسور المذكور ~~أنهم ينادون المؤمنين: ألم نكن معكم، أي في دار الدنيا، كنا نشهد معكم ~~الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم؟ قالوا: بلى، أي كنتم معنا ~~في دار الدنيا، ولكنكم فتنتم أنفسكم. # وقد قدمنا مرارا معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن، وبينا أن من ms3633 معاني ~~إطلاقاتها في القرآن الضلال كالكفر والمعاصي، وهو المراد هنا أي فتنتم ~~أنفسكم: أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن، ومن هذا المعنى قوله ~~تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193] أي لا يبقى شرك كما تقدم إيضاحه، وقوله: { وتربصتم ~~} التربص: الانتظار، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين ~~الدوائر أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم، كقوله تعالى: في منافقي ~~الأعراب المذكورين في قوله: # وممن حولكم من الأعراب منافقون # [التوبة: 101]، # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص ~~بكم الدوائر عليهم دآئرة السوء # [التوبة: 98] وقوله تعالى { وارتبتم } أي شككتم في دين الإسلام، ~~وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم: # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم ~~يترددون # [التوبة: 45]. # وقوله تعالى: { وغرتكم الأماني حتى جآء أمر الله ~~} الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم ~~مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقا سفهاء في صدقهم، أي في إيمانهم، كما ~~بين تعالى ذلك في قوله: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون # [البقرة: 11-12] الآية، وقوله تعالى: # وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا إنهم هم السفهآء # [البقرة: 13] الآية، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الأماني ~~المذكورة من الغرور الذي اغتروا به جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله ~~تعالى # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] - إلى قوله - # ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 124]. # وقوله: { حتى جآء أمر الله } ، الأظهر أنه الموت لأنه ينقطع ~~به العمل. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: { وغركم بالله الغرور } ~~هو الشيطان وعبر عنه بصيغة المبالغة، التي هي الفعول لكثرة غروره لبني ~~آدم، كما قال تعالى # وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # [النساء: 120]. # وما ذكره جل وعلا وفي هذه الآية الكريمة، من أن الشيطان الكثير بالغرور ~~غرهم بالله، جاء موضحا في آيات أخر كقوله ms3634 تعالى في آخر لقمان: # إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور # [لقمان: 33]، وقوله في أول فاطر # يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 5-6] وقوله تعالى في آية لقمان وآية فاطر المذكورتين { إن ~~وعد الله حق }. # وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور، دليل واضح على أن مما ~~يغرهم به الشيطان أن وعد الله بالبعث ليس بحق، وأنه غير واقع، والغرور ~~بالضم الخديعة. ### || [57.15] # قوله تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: # فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به # [آل عمران: 91] وفي غير ذلك من المواضع. ### || [57.16] # قد قدمنا مرارا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة ~~الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان. # الأول منهما: هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتا، فيكون بمعنى ~~الماضي المثبت، لأن لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى ~~المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن ~~فيها على النفي الصريح في لم فينفيه. ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى ~~الماضي المثبت. وعليه فالمعنى: { ألم يأذن للذين }: أي آن ~~للذين آمنوا. # والوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على ~~أن يقر فيقول: بلى، وقوله: يأن: هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ~~ومنه قول كعب بن مالك رضي الله عنه: # ولقد أنى لك أن تناهي طائعا # أو تستفيق إذا نهاك المرشد # فقوله: أنى لك أن تناهى طائعا، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي ~~تتناهى فيه طائعا، أي حضر وقت تناهيك، ويقال في العربية: آن يئين كباع ~~يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر: # ألما يئن لي ms3635 أن تجلى عمايتي # وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا # والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر ~~القرآن ومواعظه. # وقوله تعالى: { أن تخشع قلوبهم } المصدر المنسبك من أن وصلتها ~~في محل رفع فاعل بأن، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة ~~والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان: # رماد ككحل العين لأيا أبينه # ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # فقوله: خاشع أي منخفض مطمئن، والخشوع في الشرع خشية من الله تداخل ~~القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون، كما هو شأن الخائف. # وقوله: { لذكر الله } ، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ~~ذكر الله، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الانفال: 2] أي خافت عند ذكر الله، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه، ~~والخشية المذكورة هنا معناهما واحد. # وقال بعض العلماء: المراد بذكر الله القرآن، وعليه فقوله: { وما ~~نزل من الحق } من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين، كقوله ~~تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي ~~قدر فهدى # [الأعلى: 1-3]، كما أوضحناه مرارا. # وعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]، فالاقشعرار المذكور، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا ~~القرآن العظيم المعبرعنه بأحسن الحديث، يفسر معنى الخشوع لذكر الله، وما ~~نزل من الحق هنا كما ذكر، وقوله تعالى: { ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم } قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: # ثم قست قلوبكم # [البقرة: 74] بعض أسباب قسوة قلوبهم، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا ~~في آية الحديد هذه، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين، من أهل الكتاب جاء ~~موضحا في آيات أخر كقوله تعالى # ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا ms3636 لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110] وقوله تعالى: # فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون # [الحديد: 27] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [57.20] # قوله تعالى: { كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم ~~يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: # ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما # [الزمر: 21]، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره. ### || [57.22-23] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض ~~كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار وفي الأنفس، من الأمراض ~~والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس، وقبل وجود المصائب، فقوله: { ~~من قبل أن نبرأهآ } ، الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة ~~في ضمن قوله: # وفي أنفسكم # [الذاريات: 21] أو إلى المصيبة، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله. # وقوله تعالى: { إن ذلك على الله يسير } أي سهل هين لإحاطة ~~علمه وكمال قدرته. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من المصائب إلا ~~وهو مكتوب عند الله قبل ذلك، أوضحه الله تعالى في غير هذا الموضع، كقوله ~~تعالى: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون # [التوبة: 51] وقوله تعالى # مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله # [التغابن: 11] وقوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين # [البقرة: 155]، لأن قوله: { ولنبلونكم بشيء من ~~الخوف والجوع } قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له ~~جل وعلا قبل وقوعها، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع، ليكونوا مستعدين لها ~~وقت نزولها بهم، لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها، ونقص الأموال والثمرات ~~مما أصاب من مصيبة، ونقص الأنفس في قوله: والأنفس، مما أصاب من مصيبة في ~~الأنفس، وقوله في آية الحديد هذه # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم # [الحديد: 23] أي بينا لكم أن الأشياء مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق، وأن ~~ما كتب واقع لا محالة لأجل ألا تحزنوا ms3637 على شيء فاتكم، لأن فواته لكم ~~مقدر، وما لا طمع فيه قل الأسى عليه، ولا تفرحوا بما آتاكم، لأنكم إذا ~~علمتم أن ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد أن يأتيكم قل فرحكم به، ~~وقوله: تأسوا، مضارع أسى بكسر السين يأسى بفتحها أسى بفتحتين على القياس، ~~بمعنى حزن ومنه قوله تعالى: # فلا تأس على القوم الكافرين # [المائدة: 68] وقوله: من مصيبة مجرور في محل رفع لأنه فاعل أصاب جر بمن ~~المزيدة لتوكيد النفي، وما نافية. ### || [57.25] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط }. # قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان # [الشورى:17]، وقدمنا هناك كلام أهل العلم في معناه. # قوله تعالى: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }. # بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة والتي قبلها، أن إقامة دين ~~الإسلام تنبني على أمرين: أحدهما هو ما ذكره بقوله { وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان } لأن في ذلك إقامة البراهين علىالحق ~~وبين الحجة وإيضاح الامر والنهي والثواب والعقاب، فإذا أصر الكفار على ~~الكفر وتكذيب الرسل مع ذلك البيان والإيضاح، فإن الله تبارك وتعالى أنزل ~~الحديد أي خلقه لبني آدم ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين، وهو ~~قتلهم إياهم بالسيوف والرماح والسهام، وعلى هذا فقوله هنا: { ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } توضحه آيات كثيرة، كقوله ~~تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم # [التوبة: 14]، وقوله تعالى: # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الانفال: 12 } ، والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة، وقوله: { ~~ومنافع للناس } ، لا يخفى ما في الحديد من المنافع للناس، وقد ~~أشار الله إلى ذلك في قوله: # ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو ~~متاع # [الرعد: 17] لأن مما يوقد عليه في النار ابتغاء المتاع الحديد. ### || [57.26] # قوله تعالى: { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون }. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: # وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ~~بل متعت هؤلاء # [الزخرف: ms3638 28-29] الآية. ### || [57.28] # قد قدمنا أن التحقيق أن هذه الآية الكريمة من سورة الحديد في المؤمنين ~~من هذه الأمة، وأن سياقها واضح في ذلك، وأن من زعم من أهل العلم أنها في ~~أهل الكتاب فقد غلط، وأن ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة أعظم مما ~~وعد به مؤمني أهل الكتاب وإتيانهم أجرهم مرتين كما قال تعالى فيهم: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ~~وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 52-54] الآية. # وكون ما وعد به المؤمنين من هذه الأمة أعظم من أن إيتاء أهل الكتاب ~~أجرهم مرتنين أعطى المؤمنين من هذه الأمة مثله كما بينه بقوله: { ~~يؤتكم كفلين من رحمته } ، وزادهم بقوله: { ويجعل ~~لكم نورا تمشون به ويغفر لكم }. ### || [57.29] # قوله تعالى: { وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الفضل بيد الله وحده وأنه يؤتيه من ~~يشاء جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى # وإن يردك بخير فلا رآد لفضله # [يونس: 107]. # وقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة فاطر في الكلام على قوله ~~تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2]. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.2-4] # قوله تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما ~~هن أمهاتهم } إلى قوله: { فإطعام ستين مسكينا }. # قد قدمنا الكلام عليه موضحا في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم # [الأحزاب: 4] وبينا هناك كلام أهل العلم، وأدلتهم ومناقشتها في مسائل ~~الظهار، ومسائل أحكام الكفارة بالعتق، والصيام، والإطعام، وأوجه القراءة ~~في الآية. ### || [58.7] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم } إلى قوله { إن الله بكل شيء ~~عليم }. # قد قدمنا الكلام عليه في آخر سورة النحل في الكلام ms3639 على قوله تعالى: # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128]، وذكرنا هناك معنى المعية الخاصة، والمعية العامة، والآيات ~~القرآنية الدالة على كل واحدة منهما. ### || [58.8] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ~~ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان }. # قد قدمنا الكلام عليه مع بيان الفرق بين النجوى بالخير، والنجوى بالإثم ~~والعدوان في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس # [النساء: 114]. ### || [58.14] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم ما هم منكم ولا منهم } # قال بعض أهل العلم: معنى { ألم تر إلى الذين تولوا }: ~~ألم ينته علمك إلى الذين تولوا. # وقد قدمنا الرد على من قال: إن لفظة { ألم تر } لا تعدى إلا بحرف ~~الجر الذي هو إلى، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول، وبينا أن ذلك وإن كان ~~هو الذي في القرآن في جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها ~~صحيحة. # ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس: # ألم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم، ~~وهم اليهود والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وقد صرح ~~الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله ~~عليهم # [الممتحنة: 13]. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا ~~من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحا ~~في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142] - إلى قوله - # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]. ### || [58.16] # ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة ~~والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع ~~السلاح، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم ms3640 ~~معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترسا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم ~~لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى { فصدوا عن سبيل الله } الظاهر ~~أنه من صد المتعدية، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن ~~صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله { اتخذوا أيمانهم جنة } ~~والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مرارا. # وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما كون المنافقين ~~يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله ~~جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب الله، أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها ~~الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة # ويحلفون على الكذب وهم يعلمون # [المجادلة: 14]، وقوله تعالى # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] الآية، وقوله تعالى # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم # [التوبة: 95] الآية. وقوله تعالى # وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون # [التوبة: 42] وقوله تعالى # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ~~إنهم سآء ما كانوا يعملون # [المنافقون: 2]. # وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله فقد بينه الله في آيات من كتابه كقوله ~~تعالى # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا # [الأحزاب: 18]، وقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا ~~غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا # [آل عمران: 156]، وقوله تعالى: # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا # [آل عمران: 168]، وقوله تعالى: # وإن منكم لمن ليبطئن # [النساء: 72]. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { فلهم عذاب مهين } ، أي ~~لأجل نفاقهم، كما قال تعالى # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] الآية. ### || [58.17] # قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } الآية. # قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه # [الكهف: 35] - إلى قوله ms3641 - # خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36]. ### || [58.19] # قوله تعالى: { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله }. # ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إسناد إنساء ذكر الله إلى الشيطان، ذكره ~~تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # [الأنعام: 68]، وقوله تعالى # فأنساه الشيطان ذكر ربه # [يوسف: 42]، وفي معناه قول فتى موسى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63]. ### || [58.20] # ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أن الذين يحادون الله ورسوله داخلون في ~~جملة الأذلين، لا يوجد أحد أذل منهم وقوله: { يحآدون الله ~~ورسوله } أي يعادون ويحالفون ويشاقون، وأصله مخالفة حدود الله التي ~~حدها. # وقوله: { في الأذلين } أي الذين هم أعظم الناس ذلا. والذل: ~~الصغار والهوان والحقارة. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل ~~خلق الله، بينه جل وعلا في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم ~~المفضية إلى الذل والخزي والهوان، كقوله تعالى: # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم # [التوبة: 63] وقوله تعالى: # إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما ~~كبت الذين من قبلهم # [المجادلة: 5]، وقوله تعالى: # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم ~~شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله ~~شديد العقاب # [الحشر: 3-4] وقوله تعالى # فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق ~~الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم ~~فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار # [الأنفال: 12-14] إلى غير ذلك من الآيات. ### || [58.21] # قد دلت هذه الآية الكريمة على أن رسل الله غالبون لكل من غالبهم، ~~والغلبة نوعان: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميع الرسل، وغلبة ~~بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر بالقتال منهم دون من لم يؤمر به. # وقد دلت هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآية كقوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ms3642 # [الصافات: 171-173] أنه لن يقتل نبي في جهاد قط، لأن المقتول ليس بغالب، ~~لأن القتل قسم مقابل للغلبة، كما بينه تعالى في قوله: # ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب # [النساء: 74] الآية. وقال تعالى: # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51] الآية. وقد نفى عن المنصور كونه مغلوبا نفيا باتا في قوله ~~تعالى: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم # [آل عمران: 160]. # وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: # أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون # [البقرة: 87] وقوله تعالى: # قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم فلم قتلتموهم # [آل عمران: 183] ليسوا مقتولين في جهاد، وأن نائب الفاعل في قوله تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146]، على قراءة قتل بالبناء للمفعول، هو ربيون لا ضمير ~~النبي. # وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في ~~الكلام على قوله تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146] وذكرنا بعضه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # [الصافات: 171]. ### || [58.22] # قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم }. # وردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر، والمراد بها الإنشاء، وهذا النهي ~~البليد، والزجر العظيم عن مولاة أعداء الله، وإيراد الإنشاء بلفظ الخبر ~~أقوى وأوكد، من إيراده الإنشاء، كما هو معلوم في محله، ومعنى قوله { ~~يوآدون من حآد الله ورسوله }: أي يحبون ويوالون أعداء ~~الله ورسوله. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي والزجر العظيم عن مولاة أعداء ~~الله جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده # [الممتحنة: 4]. وقوله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار ms3643 رحمآء بينهم # [الفتح: 29] وقوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. وقوله تعالى: # وليجدوا فيكم غلظة # [التوبة: 123] الآية. وقوله تعالى: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم # [التوبة: 73] إلى غير ذلك من الآيات. # وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ولو كانوا آبآءهم } زعم ~~بعضهم أنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قائلا: إنه قتل أباه كافرا يوم ~~بدر أو يوم أحد، وقيل: نزلت في ابن عبد الله بن عبد الله بن أبي ~~المنافق المشهور، وزعم من قال: إن عبد الله استأذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قتل أبيه عبد الله بن أبي فنهاه، وقيل: نزلت في أبي بكر، وزعم من ~~قال إن أباه أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه فضربه ~~ابنه أبو بكر حتى سقط. # وقوله: { أو أبناءهم } ، زعم بعضهم أنها نزلت في أبي بكر حين طلب مبارزة ~~ابنه عبد الرحمن يوم بدر. # وقوله: { أو إخوانهم } زعم بعضهم أنها نزلت في مصعب بن عمير ~~قالوا: قتل أخاه عبيد بن عمير. وقال بعضهم: مر بأخيه يوم بدر يأسره رجل ~~من المسلمين، فقال: شدد عليه الأسر، علم أن أمه ملية وستفديه. # وقوله: { أو عشيرتهم } قال بعضهم: نزلت في عبيدة بن الحارث بن ~~المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، لما قتلوا ~~عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، في المبارزة يوم بدر، ~~وهم بنو عمهم، لأنهم أولاد ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وعبد شمس ~~أخوهاشم كما لا يخفى، وقوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22] أي ثبته في قلوبهم بتوفيقه. # وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تثبيت الإيمان في قلوبهم جاء موضحا في ~~قوله تعالى: # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة # [الحجرات: 7-8]. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # تقدم للشيخ رحمه الله كلام على معنى التسبيح عند ms3644 قوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79]. # وقال رحمه الله: التسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع ~~تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وساق رحمه الله ~~النصوص في تسبيح المخلوقات جميعها. # وقال في آخر المبحث: والظاهر أن قوله تعالى: { وكنا فاعلين } ~~مؤكد لقوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ~~والطير } والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب ~~خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة [من الجزء الرابع وذكر عند ~~أول سورة الحديد زيادة لذلك]. # وفي مذكرة الدراسة مما أملاه رحمه الله في فصل الدراسة على أول سورة ~~الجمعة: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم # [الجمعة: 1] قال: التسبيح التنزيه، وما التي لغير العقلاء، لتغلب غير ~~العقلاء لكثرتهم، وكان يمكن الاكتفاء بالإحالة على ما ذكره رحمه الله ~~تعالى، إلا أن الحاجة الآن تدعو إلى مزيد بيان بقدر المستطاع، لتعلق ~~المبحث بأمر بالغ الأهمية، ونحن اليوم في عصر تغلب عليه العلمانية ~~والمادية، فنورد ما أمكن أملا في زيادة الإيضاح. # إن أصل التسبيح من مادة سبح، والسباحة والتسبيح مشتركان في أصل المادة، ~~فبينهما اشتراك في أصل المعنى، والسباحة في الماء ينجو بها صاحبها من ~~الغرق، وكذلك المسبح لله والمنزه له ينجو من الشرك ويحيا بالذكر والتمجيد ~~لله تعالى. # وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي: سبح لله كما جاء في أول سورة الحديد. # قال أبو حيان عندها: لما أمر الله تعالى الخلق بالتسبيح في آخر سورة ~~الواقعة، يعني في قوله تعالى: # إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك ~~العظيم # [الواقعة: 95-96] جاء في أول السورة التي تليها مباشرة بالفعل الماضي، ~~ليدل على أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزم به كل ما في السماوات ~~والأرض اه. # ومعلوم أن الفعل قد جاء أيضا بصيغة المضارع كما في آخر هذه السورة: # يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم # [الحشر: 24]، وفي أول سورة الجمعة: # يسبح ms3645 لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس العزيز الحكيم # [الجمعة: 1]، وفي أول سورة التغابن: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # [التغابن: 1]، وهذه الصيغة تدل على الدوام والاستمرار. # بل جاء الفعل بصيغة الأمر: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]، # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]. وجاءت المادة بالمصدر: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]، ليدل ذلك كله بدوام واستمرار التسبيح لله تعالى من جميع ~~خلقه، كما سبح سبحانه نفسه، وسبحته ملائكته ورسله، على ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى بيانه. # وما في قوله تعالى: { ما في السماوات وما فى الأرض } من ~~صيغ العموم، وأصل استعماله لغير العقلاء، وقد تستعمل للعاقل إذا نزل غير ~~العاقل، كما في قوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]، ومجيؤها هنا لغير العاقل تغليبا له لكثرته كما تقدم، ~~فتكون شاملة للعاقل من باب أولى. # ومما يلفت النظر أن التسبيح الذي في معرض العموم كله في القرآن مسند إلى ~~" ما " دون " من " إلا في موضع واحد، هو قوله تعالى: # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن # [الإسراء: 44]، وهذا شاهد على شمول " ما " وعمومها المتقدم ذكرها، لأنه ~~سبحانه أسند التسبيح أولا إلى السماوات السبع والأرض صراحة بذواتهن، وهن ~~من غير العقلاء بما في كل منهن من أفلاك وكواكب وبروج، أو جبال ووهاد ~~وفجاج، ثم عطف على غير العقلاء بصيغة " من " الخاصة بالعقلاء فقال: { ~~ومن فيهن } ، وإن كان " من " ، قد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلن ~~منزلة العقلاء كما في قول الشاعر: # أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ # لعلي إلى من قد هويت أطير # وبهذا شمل إسناد التسبيح لكل شيء في نطاق السماوات والأرض، عاقل وغير ~~عاقل. وقد أكد هذا الشمول بصريح قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، وكلمة " شيء " أعم العمومات، كما في قوله تعالى: # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62]، فشملت السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن والطير ms3646 ~~والحيوان والنبات والشجر والمدر، وكل مخلوق لله تعالى. # وقد جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة إثبات التسبيح من كل ذلك كل ~~على حدة. # أولا: تسبيح الله تعالى نفسه: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون # [الروم: 17-18] # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # [الأنبياء:22] ثانيا: تسبيح الملائكة # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30] وقوله: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم # [الزمر: 75]. و # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]. # ثالثا: تسبيح الرعد: # ويسبح الرعد بحمده # [الرعد: 13]. # رابعا: تسبيح السماوات السبع والأرض، # تسبح له السماوات السبع والأرض # [الإسراء: 44]. # خامسا: تسبيح الجبال: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق # [ص: 18]. # سادسا: تسبيح الطير: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير # [الأنبياء: 79]. # سابعا: تسبيح الإنسان: # فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين # [الحجر: 98]، # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]، # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا # [مريم: 11]. # فهذا إسناد التسبيح صراحة لكل هذه العوالم مفصلة ومبينة واضحة. # وجاء مثل التسبيح، ونظيره وهو السجود مسندا لعوالم أخرى وهي بقية ما في ~~هذا الكون من أجناس وأصناف في قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس # [الحج: 18]. # ويلاحظ هنا أنه تعالى أسند السجود أولا لمن في السماوات ومن في الأرض و ~~" من " هي للعقلاء، أي الملائكة والإنس والجن، ثم عطف على العقلاء غير ~~العقلاء بأسمائهن من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهذا ~~شمول لم يبق كائن من الكائنات ولا ذرة في فلاة إلا شمله. # وبعد بيان هذا الشمول والعموم، يأتي مبحث العام الباقي على عمومه، ~~والعام المخصوص، وهل عموم " ما " هنا باق على عمومه أم دخله تخصيص؟ # قال جماعة ms3647 من العلماء منهم ابن عباس، إن العموم باق على عمومه، وإن لفظ ~~التسبيح محمول على حقيقته في التنزيه والتحميد. # وقال قوم: إن العموم باق على عمومه لم يدخله خصوص، ولكن التسبيح يختلف، ~~ولكل تسبيح بحسبه، فمن العقلاء بالذكر والتحميد والتمجيد كالإنسان ~~والملائكة والجن، ومن غير العاقل سواء الحيوان والطير والنبات والجماد، ~~فيكون بالدلالة بأن يشهد على نفسه، ويدل على أن الله تعالى خالق قادر. # وقال قوم: قد دخله التخصيص. # ونقل القرطبي عن عكرمة، قال: الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد ~~الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا ~~سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة. ويريد أن التسبيح من الحي أو النامي سواء ~~الحيوان أو النبات وما عداه فلا. وقال القرطبي: ويستدل لهذا القول من ~~السنة بما ثبت عن أبي عباس رضي الله عنهما من وضع الجريد الأخضر على ~~القبر، وقوله صلى الله عليه وسلم فيه: # " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " # أي بسبب تسبيحهما، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما اه. # والصحيح من هذا كله الأول الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي ~~يشهد له القرآن الكريم لعدة أمور: # أولا: لصريح قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. # ثانيا: أن الحامل لهم على القول بتسبيح الدلالة، هو تحكيم الحس والعقل، ~~حينما لم يشاهدوا ذلك ولم تتصوره العقول، ولكن الله تعالى نفى تحكيم ~~العقل الحسي هنا، وخطر على العقل بقوله تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. # ثالثا: قوله تعالى في حق نبي الله داود عليه السلام: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير # [الأنبياء: 79]. وقوله تعالى: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق # [ص: 18]، فلو كان تسبيحها معه تسبيح دلالة كما يقولون، لما كان لداود ~~عليه السلام خصوصية على غيره. # رابعا: أخبر الله تعالى أن لهذه العوالم كلها إدراكا تاما كإدراك ~~الإنسان أو أشد منه، قال تعالى عن السماوات والأرض والجبال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن ms3648 يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]، فأثبت تعالى لهذه العوالم إدراكا وإشفاقا من تحمل ~~الأمانة، بينما سجل على الإنسان ظلما وجهالة في تحمله إياها، ولم يكن ~~هذا العرض مجرد تسخير، ولا هذا الإباء مجرد سلبية، بل عن إدراك تام، كما ~~في قوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]، فهما طائعين لله، وهما يأبين أن يحملن الأمانة إشفاقا ~~منها. # وفي أواخر هذه السورة الكريمة سورة الحشر، قوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21] ومثله قوله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر ~~منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~المآء وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] وهذا هو عين الإدراك أشد من إدراك الإنسان. # وفي الحديث: # " لا يسمع صوت المؤذن من حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة " # فبم سيشهد إن لم يك مدركا الأذان والمؤذن. # وعن إدراك الطير، قال تعالى عن الهدهد يخاطب نبي الله سليمان: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس ~~من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون # [النمل: 22-24]. # ففي هذا السياق عشر قضايا يدركها الهدهد ويفصح عنها لنبي الله سليمان. # الأولى: إدراكه أنه أحاط بما لم يكن في علم سليمان. # الثانية: معرفته لسبإ بعينها دون غيرها، ومجيؤه منها بنبأ يقين لا شك ~~فيه. # الثالثة: معرفته لتولية المرأة عليهم مع إنكاره ذلك عليهم. # الرابعة: إدراكه ما أوتيته سبأ من متاع الدنيا من كل شيء. # الخامسة: أن لها عرشا عظيما. # السادسة: إدراكه ما هم عليه من السجود للشمس من دون الله. # السابعة: إدراكه أن هذا شرك بالله تعالى. # الثامنة: أن هذا من تزيين الشيطان ms3649 لهم أعمالهم. # التاسعة: أن هذا ضلال عن السبيل القويم. # العاشرة: أنهم لا يهتدون. # وقد اقتنع سليمان بإدراك الهدهد لهذا كله فقال له: # سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين # [النمل: 27]. # وسلمه رسالة، وبعثه سفيرا إلى بلقيس وقومها: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28] وكانت سفارة موفقة جاءت بهم مسلمين في قوله تعالى عنها: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44]. # وكذلك ما جاء عن النملة في قوله تعالى عنها: # حتى إذآ أتوا على وادي النمل قالت نملة ~~يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18] فقد أدركت مجيء الجيش، وأنه لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم، ~~وأن عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق. # ويدخلوا مساكنهم، وهذا الإدراك منها جعل سليمان عليه السلام يتبسم ~~ضاحكا من قولها. وأن لها قولا علمه سليمان عليه السلام. # فقد جاء في السنة إثبات إدراك الحيوانات للمغيبات فضلا عن المشاهدات، ~~كام في حديث الموطأ في فصل يوم الجمعة: # " وإن فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة " # إلى قوله صلى الله عليه وسلم # " وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلى وهي تصيح بأذنها من فجر ~~يوم الجمعة حتى طلوع الشمس إشفاقا من الساعة إلا الجن والإنس " # ، فهذا إدراك وإشفاق من الحيوان، وإيمان بالمغيب، وهو قيام الساعة ~~وإشفاق من الساعة أشد من الإنسان. # وقصة الجمل الذي ند على أهله وخضع له صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~الصديق: لكأنه يعلم إنك رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: # " نعم إنه ما بين لابتيها إلا وهو يعلم أني رسول الله " # فهذا كله يثبت إدراكا للحيوان بالمحسوس وبالغيب إدراكا لا يقل عن ~~إدراك الإنسان، فما المانع من إثبات تسبيحها حقيقة على ما يعلمه الله ~~تعالى منها؟ وقد جاء النص صريحا في التسبيح المثبت لها في أنه تسبيح ~~تحميد لا مطلق دلالة كما في قوله تعالى: # ويسبح الرعد بحمده # [الرعد: 13]، وقرنه مع تسبيح الملائكة، # والملائكة من خيفته # [الرعد: 13] وهذا نص في محل النزاع، ms3650 وإثبات لنوع التسبيح المطلوب. # خامسا: لقد شهد المسلمون منطق الجماد بالتسبيح وسمعوه بالتحميد حسا ~~كتسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم، وكحنين الجذع للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى سمعه كل من في المسجد، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعلم حجرا في مكة ما مررت عليه إلا وسلم علي " # ، وما ثبت بفرد يثبت لبقية أفراد جنسه، كما هو معلوم في قاعدة الواحد ~~بالجنس والواحد بالنوع. # ومن هذا القبيل في أعظم من ذلك ما رواه البخاري في كتاب المناقب عن أنس ~~رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف ~~بهم فقال: " أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين " # وفي موطأ مالك: لما رجع صلى الله عليه وسلم من سفر طلع عليهم أحد فقال # " هذا جبل يحبنا ونحبه " # فهذا جبل من كبار جبال المدينة يرتجف لصعود النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعمر وعثمان، فيخاطبه صلى الله عليه وسلم خطاب العاقل المدرك: # " أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين " # ، فيعرف النبي ويعرف الصديق والشهيد فيثبت، فبأي قانون كان ارتجافه؟ ~~وبأي معقول كان خطابه؟ وبأي معنى كان ثبوته؟ ثم ها هو يثبت له صلى الله ~~عليه وسلم المحبة المتبادرة بقوله: يحبنا ونحبه. # وإذا ناقشنا أقوال القائلين بتخصيص هذا العموم من إثبات التسبيح ~~للجمادات ونحوها، لما وجدنا لهم وجهة نظر إلا أن الحس لم يشهد شيئا من ~~ذلك، وقد أوردنا الأمثلة على إثبات ذلك لسائر الأجناس، وتقدم تنبيه الشيخ ~~على تأكيد ذلك بقوله تعالى: # وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79] ردا على استبعاده. # ومن الأدلة القرآنية في هذا المقام، ما جاء في سياق قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، جاء بعدها قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45] وهذا نص يكذب المستدلين بالحس. # لأن الله تعالى أخبر بأنه جعل بين الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك ~~الحالة، وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ms3651 حجابا يحجبه عنهم، وهذا الحجاب ~~مستور عن أعينهم فلا يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه محجوب ~~عنهم، ولا يرون الحجاب لأنه مستور، وهذا هو الصحيح في هذه الآية. # وقد قال فيها بعض البلاغيين. إن مستورا هنا بمعنى ساترا ويقال لهم: إن ~~جعل مستورا بمعنى ساتر تكرار لمعنى حجاب، لأن قوله تعالى: # جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا # [الإسراء: 45] هو بمعنى ساتر، أي يستره عن الذين لا يؤمنون بالآخرة وليس ~~في ذلك زيادة معنى، ولا كبير معجزة، ولكن الإعجاز في كون الحجاب مستورا ~~عن أعينهم، وفي هذا تحقيق وجود المعنيين، وهما حجبه صلى الله عليه وسلم ~~عنهم، وستر الحجاب عن أعينهم، وهذا أبلغ في حفظه صلى الله عليه وسلم ~~منهم، لأنه لو كان الحجاب مرئيا أي ساترا فقط مع كونه مرئيا لربما ~~اقتحموه عليه، وأقوى في الإعجاز، لأنه لو كان الحجاب مرئيا لكان كاحتجاب ~~غيره من سائر الناس. ولكن حقيقة الإعجاز فيه هو كونه مستورا عن أعينهم، ~~وهذا ما رجحه ابن جرير. # وقد جاءت قصة امرأة أبي لهب مفصلة هذا الذي ذكرناه كما ساقها ابن كثير ~~قال: # " لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى ~~قوله: { وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من ~~مسد } [المسد: 4-5] جاءت امرأة أبي لهب وفي يدها فهر، ولها ولولة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أبي بكر رضي الله عنه عند الكعبة ~~فقال له: إني أخاف عليك أن تؤذيك، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ~~تعالى عاصمني منها " ، وتلا قرآنا، فجاءت ووقفت على أبي بكر وقالت: إن ~~صاحبك هجاني. قال: لا ورب هذه البنية إنه ليس بشاعر ولا هاج، فقالت: إنك ~~مصدق وانصرفت ". # أي ولم تره وهو جالس مع أبي بكر رضي الله عنه. # فهل يقال بعدم وجود الحجاب لأنه مستور لم يشاهد، أم أننا نثبته كما أخبر ~~تعالى وهو القادر على كل شيء؟ وعليه وبعد إثباته نقول: ما الفرق ms3652 بين ~~إثبات حقيقة قوله تعالى هنا: # حجابا مستورا # [الإسراء: 45]، وقوله تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]؟ ففي كلا المقامين إثبات أمر لا ندركه بالحس، فالتسبح لا ~~نفقهه، والحجاب لا نبصره. # وقد أوردنا هذه النماذج، ولو مع بعض التكرار، لما يوجد من تأثر البعث ~~بدعوى الماديين أو العلمانيين، الذين لا يثبتون إلا المحسوس، لتعطي ~~القارئ زيادة إيضاح، ويعلم أن المؤمن بإيمانه يقف على علم ما لم يعلمه ~~غيره، ويتسع أفقه إلى ما وراء المحسوس، ويعلم أن وراء حدود المادة عوالم ~~يقصر العقل عن معالمها، ولكن المؤمن يثبتها. # وقد رسم لنا النبي صلى الله عليه وسلم الطريق الصحيح في مثل هذا ~~المقام من إثبات وإيمان، كما في صحيح البخاري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس ~~فقال: " بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، ~~وإنما خلقنا للحرث، فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال: فإني أومن ~~بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم، وبينما رجل في غنمه، إذ عدا الذئب ~~فذهب منها بشاة. فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا: ~~استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس: ~~سبحان الله ذئب يتكلم، قال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم ~~". # ففي هذا النص الصريح نطق البقرة ونطق الذئب بكلام معقول من خصائص ~~العقلاء على غير العادة، مما استعجب له الناس وسبحوا الله إعظاما لما ~~سمعوا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع هذا الاستعجاب بإعلان إيمانه ~~وتصديقه، ويضم معه أبا بكر وعمر، وإن كانا غائبين عن المجلس، لعلمه منهما ~~أنهما لا ينكران ما ثبت بالسند الصحيح لمجرد استبعاده عقلا. # وهنا يقال لمنكري التسبيح حقيقة وما المانع من ذلك؟ أهو متعلق القدرة أم ~~استعباد العقل لعدم الإدراك الحسي؟ # فأما الأول. فممنوع، لأن الله تعالى على كل شيء قدير. وقد أخرج لقوم ~~صالح ناقة عشراء من جوف الصخرة الصماء، وأنطق الحصا في ms3653 كفه صلى الله عليه ~~وسلم. # وأما الثاني: فلا سبي إليه حتى ينتظر إدراكه وتحكيم العقل فيه، فإن الله ~~تعالى قال: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. # فلم يبق إلا الإيمان أشبه ما يكون بالمغيبات. وإيمان تصديق وإثبات لا ~~تكييف وإدراك وخالق الكائنات أعلم بحالها وبما خلقها عليه. # فيجب أن نؤمن بتسبيح كل ما في السماوات والأرض، وإن كان مستغربا عقلا، ~~ولكن أخبر به خالقه سبحانه، وشاهدنا المثال مسموعا من بعض أفراده. ### || [59.2] # قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم }. # أجمع المفسرون أنها في بني النضير، إلا قولا للحسن أنها في بني ~~قريظة،ورد هذا القول بأن بني قريظة لم يخرجوا ولم يجلوا ولكن قتلوا. # وقد سميت هذه السورة بسورة بني النضير، حكاه القرطبي عن ابن عباس. # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس سورة الحشر قال: قل سورة النضير، وهم ~~رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام نزلوا المدينة في فتن بني ~~إسرائيل، انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم. # واتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو ~~النبي الذي نعته في التوراة، لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم ~~أحد ارتابوا ونكثوا. فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، ~~فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة، فأخبر جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، فأمر بقتل كعب، فقتله محمد بن مسلمة غيلة، وكان أخاه من الرضاعة. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة، حين أتاهم في ~~دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة، ~~فهموا بطرح الحجر عليه صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله تعالى. # ولما قتل كعب، أمر صلى الله عليه وسلم بالمسيرة إليهم، وطالبهم بالخروج ~~من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، ولكن أرسل إليهم عبد ~~الله بن أبي سرا: لا تخرجوا من الحصن، ووعدهم ms3654 بنصرهم بألفي مقاتل من ~~قومه، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان، أو الخروج معهم، فدربوا ~~أنفسهم، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية. فحاصرهم صلى الله عليه وسلم إحدى ~~وعشرين ليلة. # وقيل: أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: اخرج ~~في ثلاثين من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثون منا ليسمعوا منك، فإن صدقوا آمنا ~~كلنا، ففعل. فقالوا: كيف نفهم. ونحن ستون؟ أخرج في ثلاثة ويخرج إليك ~~ثلاثة من علمائنا، ففعلوا فاشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك فأرسلت ~~امرأة منهم ناصحة إلى أخيها، وكان مسلما فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فساره بخبرهم قبل أن يصل صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ~~فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن ~~أبي، فطلبوا الصلح فأبى عليهم صلى الله عليه وسلم إلا الجلاء، على أن ~~يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة، فكانوا ~~يحملون كل ما استطاعوا ولو أبواب المنازل، يخربون بيوتهم ويحملون ما ~~استطاعوا معهم وقد أوردنا مجمل هذه القصة في سبب نزول هذه السورة لأن ~~عليها تدور معاني هذه السورة كلها، وكما قال الإمام أبو العباس ابن تيمية ~~رحمه الله في رسالة أصول التفسير: إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير ~~(وليعلم المسلمون مدى ما جبل عليه اليهود من غدر وما سلكوا من أساليب ~~المراوغة فما أشبه الليلة بالبارحة). # والذي من منهج الشيخ رحمه الله في الأضواء قوله تعالى: { هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } ~~حيث أسند إخراجهم إلى الله تعالى مع وجود حصار المسلمين إياهم. # وقد تقدم للشيخ رحمه الله نظيره عند قوله تعالى: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # [الأحزاب: 25]، قال رحمه الله تعالى عندها: ذكر جل وعلا أنه { رد الذين ~~كفروا بغيظهم } الآية، ولم يبين السبب الذي ردهم به. ولكنه جل وعلا بين ~~ذلك بقوله: # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا ms3655 لم تروها # [الأحزاب: 9] اه. # وهنا أيضا في هذه الآية أسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين ~~إياهم، وقد بين تعالى السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله تعالى: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب # [الحشر: 2]، وهذا من أهم أسباب إخراجهم، لأنهم في موقف القوة وراء ~~الحصون، لم يتوقع المؤمنون خروجهم، وظنوا هم أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقد كان هذا الإخراج من الله إياهم بوعد ~~سابق من الله لرسوله في قوله تعالى: # فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله ~~وهو السميع العليم # [البقرة: 137]. # وبهذا الإخراج تحقق كفاية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم منهم، فقد ~~كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم، فكان إخراجهم حقا من الله تعالى: وبوعد ~~مسبق من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. # وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطبا للمسلمين في خصوصهم: # فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن ~~الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل ~~شيء قدير # [الحشر: 6] وتسليط الرسول صلى الله عليه وسلم هو بما بين صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # وهو ما يتمشى مع قوله تعالى: # وقذف في قلوبهم الرعب # [الحشر: 2]. # وجملة هذا السياق هنا يتفق مع السياق في سورة الأحزاب عن بني قريظة سواء ~~بسواء، وذلك في قوله تعالى: # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم # [الأحزاب: 26-27] وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم لله تعالى، فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب. كما أنه هو تعالى الذي رد ~~الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا. # بما أرسل عليهم من الرياح والجنود، وهو الذي كفى المؤمنين القتال. وهو ~~تعالى الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم. وورث المؤمنين ديارهم وأموالهم، ~~وكان الله على كل شيء قديرا. # ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية. يطلب الاعتبار والاتعاظ ms3656 بما فعل ~~الله بهم: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر: 2]. # أي بإخراج الذين كفروا من حصونهم وديارهم ومواطن قوتهم، ما ظننتم أن ~~يخرجوا لضعف اقتداركم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم لقوتها ومنعتها، ولكن ~~أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. فلم يستطيعوا ~~البقاء. وكانت حقيقة إخراجهم من ديارهم هي من الله تعالى. # قوله تعالى: { لأول الحشر }. # اختلف في معنى الحشر في هذه الآية، وبناء عليه اختلف في معنى الأول. # فقيل: المراد بالحشر أرض المحشر، وهي الشام. # وقيل المراد بالحشر: الجمع. # واستدل القائلون بالأول بآثار منها: ما رواه ابن كثير عن عكرمة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: من شك في أن أرض المحشر ها هنا يعني الشام ~~فليقرأ هذه الآية: { هو الذي أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } ، وما رواه أبو ~~حيان في البحر عن عكرمة أيضا والزهري، وساق قوله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لبني النضير: # " أخرجوا " # ، قالوا: إلى أين؟ قال: # " إلى أرض المحشر " # وعلى هذا تكون الأولية هنا مكانية، أي لأول مكان من أرض المحشر. وهي أرض ~~الشام، وأوائله خيبر وأذرعات. # وقيل: إن الحشر على معناه اللغوي وهو الجمع. قال أبو حيان في البحر ~~المحيط. الحشر الجمع للتوجه إلى ناحية ما، ومن هذا المعنى. قيل: الحشر هو ~~حشد الرسول صلى الله عليه وسلم الكتائب لقتالهم. وهو أول حشر منه لهم ~~وأول قتال قاتلهم. وعليه فتكون الأولية زمانية وتقتضي حشرا بعده. فقيل: ~~هو حشر عمر إياهم بخيبر. وقيل: نار تسوق الناس من المشرق إلى المغرب، وهو ~~حديث في الصحيح. وقيل: البعث. # إلا أن هذه المعاني أعم من محل الخلاف لأن النار المذكورة والبعث ليستا ~~خاصتين باليهود، ولا ببني النضير خاصة ومما أشا إليه الشيخ رحمه الله أن ~~من أنواع البيان الاستدلال على أحد المعاني بكونه هو الغالب في القرآن، ~~ومثل له في المقدمة بقوله تعالى: # لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]، فقد قال بعض العلماء: بأن المراد بهذه الغلبة. الغلبة ~~بالحجة والبيان، والغالب في القرآن ms3657 استعمال الغلبة بالسيف والسنان، وذلك ~~دليل واضح على دخول تلك الغلبة في الآية، لأن خير ما يبين به القرآن ~~القرآن. # وهنا في هذه الآية، فإن غلبة استعمال القرآن بل عموم استعماله في الحشر ~~إنما هو للجمع، ثم بين المراد بالحشر لأي شيء منها قوله تعالى: # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير # [النمل: 17]، وقوله: # وحشرنا عليهم كل شيء قبلا # [الأنعام: 111]، وقوله عن نبي الله داود: # والطير محشورة كل له أواب # [ص: 19]، وقوله تعالى عن فرعون: # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]، وقوله تعالى: # قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين # [الأعراف: 111]. وقوله: # فحشر فنادى # [النازعات: 23] فكلها بمعنى الجمع. # وإذا استعمل بمعنى يوم القيامة فإنه يأتي مقرونا بما يدل عليه، وهو ~~جميع استعمالات القرآن لهذا، مثل قوله تعالى: # وترى الأرض بارزة وحشرناهم # [الكهف: 47] وذلك في يوم القيامة لبروز الأرض. وقوله تعالى: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]، وذلك في يوم القيامة لتقييده باليوم. وقوله تعالى: # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا # [طه: 102]. وقوله تعالى: # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير: 5] وقوله تعالى: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون # [فصلت: 19]. إلى غير ذلك مما هو مقيد بما يعين المراد بالحشر، وهو يوم ~~القيامة. # فإذا أطلق كان لمجرد الجمع كما في الأمثلة المتقدمة، وعليه فيكون المراد ~~بقوله تعالى: { لأول الحشر } ، أن الراجح فيه لأول الجمع، وتكون ~~الأولية زمانية وفعلا، فقد كان أول جمع لليهود، وقد أعقبه جمع آخر ~~لإخوانهم بني قريظة بعد عام واحد، وأعقبه جمع آخر في خيبر، وقد قدمنا ربط ~~إخراج بني النضير من ديارهم بإنزال بني قريظة من صياصيهم، وهكذا ربط جمع ~~هؤلاء بأولئك إلا أن هؤلاء أجلوا وأخرجوا، وأولئك قتلوا واسترقوا. # تنبيه # وكون الحشر بمعنى الجمع لا يتنافى مع كون خروجهم كان إلى أوائل الشام، ~~لأن الغرض الأول جمعهم للخروج من المدينة، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى الشام ~~أو إلى غيرها. # وقد استدل بعض العلماء على أن توجههم كان إلى الشام من قوله ms3658 تعالى: # يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا # [النساء: 47]، لأن السياق في أهل الكتاب، والتعريض بأصحاب السبت ألصق ~~بهم. # فقال بعض المفسرين: الوجوه هنا هي سكناهم بالمدينة، وطمسها تغير ~~معالمها، وردهم على أدبارهم. أي إلى بلاد الشام التي جاءوا منها اولا ~~حينما خرجوا من الشام إلى المدينة، انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~حكاه أبو حيان وحسنه الزمخشري. # قوله تعالى: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا }. # أتى: تأتي لعدة معان، منها بمعنى المجيء، ومنها بمعنى الإنذار، ومنها ~~بمعنى المداهمة. # وقد توهم الرازي أنها من باب الصفات، فقال: المسألة الثانية قوله: { ~~فأتاهم الله } ، لا يمكنهم إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور ~~العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، وإن صرف الآيات عن ظواهرها ~~بمقتضى الدلائل العقلية جائز اه. # وهذا منه على مبدئه في تأويل آيات الصفات، ويكفي لرده أنه مبني على ~~متقضى الدلائل العقلية، ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب صفات الله ~~تعالى، لأنها فوق مستويات العقول: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11] ولا يحيطون به علما سبحانه وتعالى. # أما معنى الآية، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب ~~الصفات كما في قوله تعالى: # فأتى الله بنيانهم من القواعد # [النحل: 26]، أي هدمه واقتلعه من قواعده، ونظيره: # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # [يونس: 24]. وقوله: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها # [الرعد: 41] وقوله # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ # [الأنبياء: 44]. # وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في العدوى: أني قلت أتيت أي دهيت، ~~وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا. # ويقال: أتي فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو، ومنه ~~قولهم: " من مأمنه يؤتي الحذر ". فيكون قوله تعالى: { فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا } أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث ~~لم يحتسبوا من قتل كعب بن ms3659 الأشرف وحصارهم، وقذف الرعب في قلوبهم. # وهناك موقف آخر في سورة البقرة يؤيد ما ذكرناه هنا، وهو قوله تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره إن الله على كل شيء قدير # [البقرة: 109]. # فقوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره } وهو في سياق أهل الكتاب، وهم بذاتهم الذين قال فيهم: { ~~فأتاهم الله } فيكون، فأتاهم الله هنا هو إتيان أمره تعالى الموعود ~~في بادئ الأمر عند الأمر بالعفو والصفح. # وقد أورد الشيخ رحمه الله عند قوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا ~~حتى يأتي الله بأمره } أن هذه الآية في أهل الكتاب كما ~~هو واضح من السياق، وقال: والأمر في قوله: { بأمره } ، قال بعض ~~العلماء: هو واحد الأوامر، وقال بعضهم: هو واحد الأمور. # فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي، فإن الأمر المذكور، هو ~~المصرح به في قوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون # [التوبة: 29]. # وعلى القول بأن واحد الأمور، فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ~~ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم # [الحشر: 2-3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على ~~التحقيق. اه [من الجزء الأول من الأضواء]. # فقد نص رحمه الله على أن آية: { فاعفوا واصفحوا حتى ~~يأتي الله بأمره } مرتبطة بآية: { فأتاهم الله من ~~حيث لم يحتسبوا } هذه كما قدمنا: أن هذا هو الأمر الموعود به، ~~وقد أتاهم به من حيث لم يحتسبوا، ويشهد لهذا كله القراءة الثانية فآتاهم ~~بالمد: بمعنى أعطاهم وأنزل بهم، ويكون الفعل متعديا والمفعول محذوف دل ~~عليه قوله { من حيث ms3660 لم يحتسبوا } أي أنزل بهم عقوبة وذلة ~~ومهانة جاءتهم من حيث لم يحتسبوا والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب }. # منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليود، ومفهوم المحالفة يدل على أن ~~العكس بالعكس، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب، سبب من أسباب النصر، وهو ضد ~~الهزيمة. # وقد جاء ذلك المفهوم مصرحا به في آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله ~~تعالى: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا # [الفتح: 18]، ومنها قوله تعالى: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين # [التوبة: 25-26]، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة، ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا من الملائكة فكان النصر لهم، ~~وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى: { وعذب الذين ~~كفروا } أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم. # ومنها قوله تعالى: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل ~~كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي ~~العليا والله عزيز حكيم # [التوبة: 40]. # وهذا الموقف آية من آيات الله، اثنان أعزلان يتحديان قريشا بكاملها، ~~بعددها وعددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، ~~ويأتي الطلب على فم الغار بقلوب حانقة، وسيوف مصلته، وآذان مرهفة حتى ~~يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت نعليه ~~لأبصرنا، فيقول صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة، ومنتهى ~~السكينة # " ما بالك باثنين الله ثالثهما " # ومنها، وفي أخطر المواقف في الإسلام، في غزوة بدر، حيثما التقى الحق ~~بالباطل وجها لوجه، جاءت قوى الشر في خيلائها وبطرها وأشرها، ms3661 وأمامها ~~جند الله في تواضعهم وإيمانهم وضراعتهم إلى الله # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله ~~إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر ~~إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من ~~السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به ~~الأقدام # [الأنفال: 9-11]. # فما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا لتطمئن به قلوبهم، وما غشاهم النعاس ~~إلا أمنة منه، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم، فقاموا بقلتهم قوى الشر ~~على كثرتهم، وتم النصر من عند الله بمدد من الله، كما ربط على قلوب أهل ~~الكهف: # وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا ~~رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا # [الكهف: 14]. # هذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب المدلول عليه بمفهوم ~~المخالفة من قوله تعالى: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين # [الحشر: 2]، وقد جمع الله تعالى الأمرين المنطوق والمفهوم في قوله ~~تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [الأنفال: 12] فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله: { فثبتوا ~~الذين آمنوا } ، ونص على الرعب في قوله: { سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب } فكانت الطمأنينة تثبيتا للمؤمنين، ~~والرعب زلزلة للكافرين. # وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام. لما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالتوجه إلى بني قريظة، قال: " إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام " ، ~~ومما يدل على أسباب هذه الطمأنينة في هذه المواقف قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين # [الأنفال: 45-46]. # فذكر الله تعالى أربعة أسباب للطمأنينة. # الأولى: الثبات، وقد دل عليها قوله تعالى: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4]. # والثانية: ذكر الله كثيرا، ms3662 وقد دل عليها قوله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. # والثالثة: طاعة الله ورسوله، ويدل لها قوله تعالى: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة ~~وقول معروف # [محمد: 20-21]. # والرابعة: عدم التنازع والاعتصام والألفة، ويدل عليها قوله تعالى: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # [آل عمران: 103]. # ومن ذكر أسباب الهزيمة من رعب القلوب، وأسباب النصر من السكينة ~~والطمأنينة، تعلم مدى تأثير الدعايات في الآونة الأخيرة. وما سمي بالحرب ~~الباردة من كلام وإرجاف مما ينبغي الحذر منه أشد الحذر، وقد حذر الله ~~تعالى منه في قوله تعالى: # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا # [الأحزاب: 18]: وقد حذر تعالى من السماع لهؤلاء في قوله تعالى: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ~~والله عليم بالظالمين # [التوبة: 47]. # ولما اشتد الأمر على المسلمين في غزوة الأحزاب، وبلغ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن اليهود نقضوا عهدهم، أرسل إليهم صلى الله عليه وسلم من ~~يستطلع خبرهم، وأوصاهم إن هم رأوا غدرا ألا يصرحوا بذلك، وأن يلحنوا له ~~لحنا حفاظا على طمأنينة المسلمين، وإبعادا للإرجاف في صفوفهم. # كما بين تعالى أثر الدعاية الحسنة في قوله تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين ~~من دونهم # [الأنفال: 60] وقد كان بالفعل لخروج جيش أسامة بعد انتقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وعند تربص الأعراب - كان له الأثر ~~الكبير في إحباط نوايا المتربصين بالمسلمين، وقالوا: ما أنفذوا هذا البعث ~~إلا وعندهم الجيوش الكافية والقوة اللازمة. # وما أجراه الله في غزوة بدر من هذا القبيل أكبر دليل عملي، إذ يقلل كل ~~فريق في أعين الآخرين. كما قال تعالى: # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن ~~الله سلم إنه عليم بذات الصدور ms3663 وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وإلى الله ترجع الأمور # [الأنفال: 43-44] وهذا كله مما ينبغي الاستفادة منه اليوم على العدو في ~~قضية الإسلام والمسلمين. ### || [59.4] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }. # المشاقة العصيان، ومنه شق العصا، والمخالفة. # وهذا يدل على أن الله تعالى أوقع ما أوقعه ببني النضير من إخراجهم من ~~ديارهم وتخريب بيوتهم، بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، وأن المشاقة ~~المذكورة هي علة العقوبة الحاصلة بهم، ولا شك أن مشاقة الله ورسوله من ~~أعظم أسباب الهلاك. # وفي الآية مبحث أصولي مبني على أن المشاقة قد وقعت من غير اليهود، فلم ~~تقع بهم تلك العقوبة كما وقع من المشركين المنصوص عليها في قوله تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12]، وهذا في بدر قطعا، ثم قال: { ذلك بأنهم ~~شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله ~~شديد العقاب } [الحشر: 4]، ولما قدر صلى الله عليه وسلم على أهل ~~مكة لم يوقع بهم ما أوقع باليهود من قتل، بل قال: # " اذهبوا فأنتم الطلقاء " # فوجد الوصف الذي هو المشاقة الذي هو علة الحكم، ولم يوجد الحكم الذي هو ~~الإخراج من الديار وتخريب البيوت. # قال الفخر الرازي: فإن قيل: لو كانت المشاقة علة لهذا التخريب لوجب أن ~~يقال: أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب، ومعلوم أنه ليس كذلك: قلنا: ~~هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها اه. # وقد بحث الشيخ رحمه الله هذه المسألة في آداب البحث والمناظرة، وفي ~~مذكرة الأصول في مبحث النقض، وعنون له في آداب البحث بقوله: تخلف الحكم ~~ليس بنقض سواء لوجود مانع أو تخلف شرط. # ومثل لتخلف الحكم بوجود مانع بقتل الوالد ولده عمدا، مع عدم قتله ~~قصاصا به، لأن علة القصاص موجودة، وهي القتل العمد، والحكم وهو القصاص ~~متخلف. ومثل لتخلف الشرط بسرقة ms3664 أقل من نصاب أو من غير الحرز. # ثم قال: النوع الثالث: تخلف حكمها عنها لا لسبب من الأسباب التي ذكرنا، ~~ومثل له بعضهم بقوله تعالى: # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار # [الحشر: 3] قالوا: فهذه العلة، التي هي مشاقة الله ورسوله، قد توجد في ~~قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حكمها عنها، وهذه الآية الكريمة تؤيد قول ~~من قال: إن النقض في فن الأصول تخصيص للعلة مطلقا، لا نقض لها، وعزاه في ~~مراقي السعود للأكثرين في قوله في مبحث القوادح في الدليل في الأصول: # منها وجود الوصف دون الحكم # سماه بالنقض وعاة العلم # والأكثرون عندهم لا يقدح # بل هو تخصيص وذا مصحح # إلى قوله: # ولست فيما استنبطت بضائر # إن جاء لفقد شرط أو لمانع # وقد أطلعني بعض الإخوان على شرح لفضيلة الشيخ، رحمه الله، على مراقي ~~السعود في أوائله على قول المؤلف: # ذو فترة بالفرع لا يراع # وتكلم على حكم أهل الفترة، ثم على تخصيص بعض الآيات، ومن ثم إلى تخصيص ~~العلة. # وجاء في هذا المخطوط ما نصه: ورجح الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الحشر ~~أن تخصيص العلة كتخصيص النص مطلقا، مستدلا بقوله تعالى: # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء # [الحشر: 3] الآية، وقد فعل ذلك غير بني النضير، فمل يفعل لهم مثل ما فعل ~~لهم والله أعلم اه. # إلا أني طلبت هذا الترجيح في ابن كثير عند الآية، فلم أقف عليه فليتأمل، ~~ولعله في غير التفسير. # أما ما ذكره رحمه الله تعالى عن بعض في آداب البحث والمناظرة، وهو أنه: ~~قد يتخلف الحكم عن العلة، لا لشيء من الأسباب التي ذكرنا، فالذي يظهر لي ~~- والله تعالى أعلم - أن تخلف الحكم عن العلة في غير اليهود، وإنما هو ~~لتخلف جزء منها، وأن العلة مركبة، أي هي في اليهود مشاقة وزيادة، تلك ~~الزيادة لم توجد في غير اليهود، فوقع الفرق، وذلك أن مشاقة غير اليهود ~~كانت لجهلهم وشكهم، كما أشار تعالى لذلك عنهم بقوله ms3665 تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79] إلى آخر السورة، فهم في حاجة إلى زيادة بيان، وكذلك في قوله ~~في أول سورة ص: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما ~~سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في ~~شك من ذكري # [ص: 4-8]. # فهم في عجب ودهشة واستبعاد أن ينزل عليه صلى الله عليه وسلم الذكر من ~~بينهم، وهم في شك من أمرهم، فهم في حاجة إلى إزالة الشك والتثبت من ~~الأمر، ولذا لما زال عنهم شكهم وتبينوا من أمرهم، وراحوا يدخلون في دين ~~الله أفواجا، بينما كان كفر اليهود جحود بعد معرفة، فكانوا يعرفونه صلى ~~الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم # وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون # [البقرة: 146]، وقد سمي لهم فيما أنزل كما قال عيسى عليه السلام: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] فلم ينفعهم بيان، ولكنه الحسد والجحود كما بين تعالى أمرهم ~~بقوله عنهم: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # [البقرة: 109] وقوله: # ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم # [آل عمران: 69]، وقوله: # وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون # [البقرة: 75]، وقوله # يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون # [آل عمران: 71]. # فقد كانوا جبهة تضليل للناس، وتحريف للكتاب. وتلبيس للحق بالباطل. كل ~~ذلك عن قصد وعلم، بدافع الحسد ومناصبة العداء وخصم هذا حاله فلا دواء له، ~~لأن المدلس لا يؤمن جانبه، والمضلل لا يصدق، والحاسد لا يشفيه إلا زوال ~~النعمة عن المحسود، ومن جانب آخر فقد قطع الله الطمع ms3666 عن إيمانهم # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون # [البقرة: 75] كما أيأس من إيمانهم بعد إقرارهم على أنفسهم بتغلف قلوبهم ~~عن سماع الحق ورؤية النور: # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون # [البقرة: 88]. # وكل هذه الصفات لم تكن موجودة في كل من شاق الله ورسوله من غير اليهود، ~~وقد صرح تعالى بأنهم استحقوا هذا الحكم للأسباب التي اختصوا بها دون ~~غيرهم في قوله تعالى: # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم ~~وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض # [البقرة: 84-85]. # فكل ذلك من نقض الميثاق، والغدر في الصلح، وسفك الدماء، والتظاهر بالإثم ~~والعدوان، والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، كان خاصا باليهود، فكانت ~~العلة مركبة من المشاقة. ومن هذه الصفات التي اختصوا بها، وكان الحكم ~~صريحا هنا بقوله عنهم: # فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب # [البقرة: 85] وكان خزيهم في الدنيا: هو ما وقع بهم من إخراج وتخريب ~~وتقتيل. # وإن من كانت هذه حاله كما تقدم، لم يكن لهم الاستئصال الكلي بإخراجهم أو ~~تقتيلهم، فلم يعد يصلح فيهم استصلاح ولا يتوقع منهم صلاح، وكفي شاهدا ~~على ذلك أن بني قريظة لم يتعظوا، ولم يستفيدوا ولم يعتبروا كما أمرهم ~~الله: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر: 2]. # ما اتعظ بنو قريظة بما وقع بإخوانهم بني النضير، فلجؤوا بعد عام واحد ~~إلى ما وقع فيه بنو النضير من غدر وخيانة، فكان اختصاص اليهود بالحكم ~~لتلك العلة المشتركة، لأنهم - وإن شاركهم غيرهم في المشاقة - فلم يشاركهم ~~غيرهم في الجانب الآخر مما قدمنا من دوافع المشاقة. # وللدوافع تأثير في الحكم، كما في قصة آدم وإبليس. فقد اشترك آدم وإبليس ~~في عموم علة العصيان، إذ نهي ms3667 آدم عن قربان الشجرة، وأمر إبليس بالسجود ~~لآدم مع الملائكة، فأكل آدم مما نهي عنه، وامتنع إبليس عما أمر به ~~فاشتركا في العصيان كما قال تعالى عن آدم: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]، وقال عن إبليس: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12]، ولكن السبب كان مختلفا، فآدم نسي ووقع تحت وسوسة ~~الشيطان فخدع بقسم إبليس بالله تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21]، وكانت معصية عن إغواء ووسوسة # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا ~~فيه # [البقرة: 36]. # أما إبليس، فكان عصيانه عن سبق إصرار، وعن حسد واستكبار كما قال تعالى: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين # [البقرة: 34]، ولما خاطبه الله تعالى بقوله: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] قال في إصراره وحسده وتكبره: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [ص: 76]. # فاختلفت الدوافع، وكان لدى إبليس ما ليس لدى آدم في سبب العصيان ~~وبالتالي اختلفت النتائج، فكانت النتيجة مختلفة تماما. أما آدم فحين ~~عاتبه على أكله من الشجرة في قوله تعالى: # وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين # [الأعراف: 22] رجعا حالا واعترفا بذنبهما قائلين: # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23] وكانت العقوبة لهما قوله تعالى: # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24]. # فكان هبوط آدم مؤقتا ولحقه قوله تعالى: # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [البقرة: 38]، فأدركته هداية الله، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى: # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم # [البقرة: 37]. # أما نتيجة إبليس فلما عاتبه تعالى في معصيته في قوله تعالى: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] كان جوابه استعلاء، وتعاظما، على النقيض مما ms3668 كان في جواب آدم ~~إذ قال: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [ص: 76]، فكان جوابه كذلك عكس ما كان جوابا على آدم # قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي ~~إلى يوم الدين # [ص: 77-78]. # ولقد قالوا: إن الذي جر على إبليس هذا كله هو الحسد، حسد آدم على ما ~~أكرمه الله به فاحتقره وتكبر عليه، فوقع في العصيان، وكانت نتيجته الطرد. # وهكذا اليهود: إن داءهم الدفين هو الحسد والعجب بالنفس، فجرهم إلى ~~الكفر، ووقعوا في الخيانة، وكانت النتيجة القتل والطرد. # وقد بين الشيخ - رحمه الله - أن مشاقة اليهود هذه هي من الإفساد في ~~الأرض الذي نهاهم الله عنه، وعاقبهم عليه مرتين، وتهددهم إن هم عادوا ~~للثالثة عاد للانتقام منهم، وها هم قد عادوا، وشاقوا الله ورسوله، فسلط ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. # قال رحمه الله في سورة الإسراء عند قوله تعالى: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8]، لما بين تعالى أن بني إسرائيل قضي إليهم في الكتاب أنهم ~~يفسدون في الأرض مرتين - وبين نتائج هاتين المرتين - بين تعالى أيضا: ~~أنهم إن عادوا للإفساد في المرة الثالثة، فإنه جل وعلا يعود للانتقام ~~منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله: { وإن عدتم عدنا } ، ~~ولم يبين هنا هل عادوا للإفساد في المرة الثالثة أم لا؟ # ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وكتم صفاته، ونقض عهوده ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من ~~أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقا لقوله: { ~~وإن عدتم عدنا } فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين، وجرى على بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وخيبر، ما جرى ~~من القتل والسلب والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة ~~والمسكنة. # ومن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به ms3669 فلعنة ~~الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم ~~أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله ~~من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب ~~على غضب وللكافرين عذاب مهين # [البقرة: 89-90] وقوله: # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم # [البقرة: 100] وقوله: # ولا تزال تطلع على خآئنة منهم # [المائدة: 13] ونحو ذلك من الآيات. # ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد إلى الانتقام منهم قوله تعالى: # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شآقوا ~~الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد ~~العقاب # [الحشر: 2-4] وقوله: # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم # [الأحزاب: 26-27] الآية اه منه. # فهذا منه رحمه الله بيان ودليل إلى مغايرة المشاقة الواقعة من اليهود ~~للمشاقة الواقعة من غيرهم، فكان تخلف الحكم عمن شاقوا الله ورسوله من غير ~~اليهود لتخلف بعض العلة في الحكم كما قدمنا. والله تعالى أعلم. ### || [59.5] # اللينة هنا، قيل اسم عام للنخل، وهذا اختيار ابن جرير. # وقيل: نوع خاص منه، وهو ما عدا البرني والعجوة فقط: # ونقل ابن جرير عن بعض أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، وقال: وإنما ~~سميت لينة، لأنها فعلة من فعل وهو اللون، وهو ضرب من النخل: ولكن لما ~~انكسر ما قبلها انقلبت إلى يا إلخ وهذا الأخير قريب مما عليه أهل المدينة ~~اليوم: حيث يطلقون كلمة " لونة " على ما لا يعرفون له اسما خاصا، ولعل ~~كلمة - لونة - محرفة عن كلمة لينة، ويوجد عند أهل المدينة من أنواع ~~النخيل ما يقرب من سبعين نوعا. # وقيل: إن اللينة كل شجرة لليونتها بالحياة. # وقد نزلت هذه الآية في ms3670 تقطيع وتحريق بعض النخيل لبني النضير عند حصارهم ~~وقطع من البستان المعروف بالبويرة، كما روى ابن كثير عن صاحبي الصحيحين، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، ~~فأنزل الله عز وجل: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قآئمة على أصولها فبإذن الله } [الحشر: 5] الآية. # وقال حسان رضي الله عنه: # وهان على سراة بني لؤي # حريق بالبويرة مستطير # والبويرة معروفة اليوم، وهو بستان يقع في الجنوب الغربي من مسجد قباء. # وقيل في سبب نزولها: إن اليهود قالوا: يا محمد إنك تنهي عن الفساد، فما ~~بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله الآية. # وقيل: إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل، وقالوا إنما هو مغانم ~~المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطع من الإثم، ~~وأن قطع ما قطع وترك ما ترك { فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين }. # وعلى هذه الأقوال، قال ابن كثيرة وغيره: إن قوله تعالى: { فبإذن ~~الله } أي الإذن القدري والمشيئة الإلهية، أي كما في قوله تعالى: # ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله # [آل عمران: 166]، وقوله: # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه # [آل عمران: 152]. # والذي يظهر - والله تعالى أعلم. أن الإذن المذكور في الآية، هو إذن ~~شرعي، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير # [الحج: 39]، لأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه بناء على قاعدة الأمر ~~بالشيء أمر به وبمالا يتم إلا به. # والحصار نوع من القتال، ولعل من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل لتمام ~~الرؤية، أو لإحكام الحصار، أو لإذلال وإرهاب العدو في حصاره وشعاره بعجزه ~~عن حماية أمواله وممتلكاته، وقد يكون فيه إثارة له ليندفع في حمية للدفاع ~~عن ممتلكاته وأمواله، فينكشف عن حصونه ويسهل القضاء عليه، إلى غير ذلك من ~~الأغراض الحربية، والتي أشار الله تعالى إليها في قوله: { وليخزي ~~الفاسقين } أي بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم، وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق ~~فلا يملكون له دفعا. ms3671 # وعلى كل فالذي أذن بالقتال وهو سفك الدماء وإزهاق الأنفس وما يترتب عليه ~~من سبي وغنائم لا يمنع في مثل قطع النخيل إن لزم الأمر، ويمكن أن يقال: ~~إن ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبإذن الله أذن. # وبهذا يمكن أن يقال: إذا حاصر المسلمون عدوا، ورأوا أن من مصلحتهم أو ~~من مذلة العدو إتلاف منشآته وأمواله، فلا مانع من ذلك. والله تعالى أعلم. # وغاية ما فيه، أنه إتلاف بعض المال للتغلب على العدو وأخذ جميع ماله، ~~وهذا له نظير في الشرع، كعمل الخضر في سفينة المساكين لما خرقها، أي ~~أعابها بإتلاف بعضها ليستخلصها من اغتصاب الملك إياها، وقال # وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82]. # وقد جاء اعتراض المشركين على المسلمين في قتالهم في الأشهر الحرم، كم ~~اعترض اليهود على المسلمين في قطع النخيل، وذلك في قوله تعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل # [البقرة: 217]. # فقد تعاظم المشركون قتل المسلمين لبعض المشركين في وقعة نخلة، ولم ~~يتحققوا دخول الشهر الحرام، واتهموهم باعتداء على حرمة الأشهر الحرم، ~~فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا بأن القتال في الشهر الحرام كبير، ~~ولكن ما ارتكبه المشركون من صد عن سبيل الله وكفر بالله، وصد عن المسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه - وهم المسلمون - أكبر عند الله، والفتنة عن ~~الدين وأكبر من القتل، أي الذي استنكروه من المسلمين. # وهكذا هنا، لئن تعاظم اليهود على المسلمين قطع بعض النخيل، وعابوا على ~~المسلمين إيقاع الفساد بإتلاف بعض المال، فيكف بهم بغدرهم وخيانتهم نقضهم ~~العهود، وتمالئهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد سجل هذا ~~المعنى كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف: # لقد خزيت بغدرتها الحبور # كذالك الدهر ذو صرف يدور # وذلك أنهم كفروا برب # عظيم أمره أمر كبير # وقد أوتوا معا فهما وعلما # وجاءهم من الله النذير # إلى ms3672 أن قال: # فلما أشربوا غدرا وكفرا # وجذبهم عن الحق الثغور # أرى الله النبي برأي صدق # وكان الله يحكم لا يجور # فأيده وسلطه عليهم # وكان نصيره نعم النصير # فقد أشار إلى أن خزي بني النضير بسبب غدرهم وكفرهم بربهم، فكان الإذن في ~~قطع النخيل هو إذن شرعي، ويمكن أن يقال عنه، هو عمل تشريعي إذا ما دعت ~~الحاجة، لمثل ما دعت الحاجة هنا إليه. والعلم عند الله تعالى. ### || [59.6] # قوله تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب }. # الضمير في منهم هنا عائد على بني النضير. # والفيء: الغنيمة بدون قتال، وقد جعله تعالى هنا على رسوله خاصة. # وقال: { فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~ولكن الله يسلط رسله على من يشآء } أي لما كان ~~إخراج اليهود مرده إلى الله تعالى بما قذف في قلوبهم الرعب، وبما سلط ~~عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الفيء لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يشاركه فيه عيره. # وقد جاء مصداق ذلك عن عمر رضي الله عنه الذي ساقه الشيخ تغمده الله ~~برحمته عند آخر كلامه على مباحث الأنفال عند قوله: المسألة التاسعة: اعلم ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير لا من ~~المغانم، وساق حديث أنس بن أوس المتفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، في قصة مطالبة علي والعباس ميراثهما عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه قال لهما: إن الله كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال عز وجل: { ومآ أفآء الله على ~~رسوله منهم فمآ أوجفتم } إلى قوله { قدير } [الحشر: ~~6]، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم ~~ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ~~ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما ms3673 لله إلخ اه. # وكانت هذه خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جاء بعدها ما هو ~~أعم من ذلك في قوله تعالى: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7] - أي عموما - # فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل # [الحشر: 7]. # وهذه الآية لعمومها مصدرا ومصرفا، فقد اشتملت على أحكام ومباحث عديدة، ~~وقد تقدم لفضيلة الشيخ - تغمده الله برحمته - الكلام على كل ما فيها عند ~~أول سورة الأنفال على قوله تعالى: # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1]، فاستوفى واستقصى وفصل وبين مصادر ومصارف الفيء والغنيمة ~~والنفل. وما فتح من البلاد صلحا أو عنوة، ومسائل عديدة مما لا مزيد ~~عليه، ولا غنى عنه والحمد لله تعالى. ### || [59.7] # قوله تعالى: { كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ~~}. # معنى الدولة والدولة - بضم الدال في الأولى، وفتحها في الثانية: يدور ~~عند المفسرين على معنيين: # الدولة بالفتح: الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر، وبالضم اسم الشيء ~~الذي يتداول من الأموال. # وقال الزمخشري: معنى الآية. كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطي الفقراء، ~~ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به، أو كيلا يكون ~~دولة جاهلية بينهم. # ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة، لأنهم ~~أهل الرئاسة والغلبة والدولة، وكانوا يقولون: من عز بز، والمعنى: كيلا ~~يكون أخذه غلبة أثرة جاهلية، ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا ~~ومال الله دولا، يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. إلخ. # والجدير بالذكر هنا: أن دعاة بعض المذاهب الاقتصادية الفاسدة، يحتجون ~~بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ويقولون: يجوز للدولة أن تستولي على مصادر ~~الإنتاج ورؤوس الأموال، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء، وما يسمونهم طبقة ~~العمال، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادي، وفساد اجتماعي، قد ثبت خطؤه، ~~وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال. # لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة. من الإنفاق على المجاهدين، ~~وتأمين الغزاة في الحدود والثغور، وليس يعطي للأفراد كما يقولون، ثم - هو ~~أساسا - مال جاء غنيمة للمسلمين، وليس نتيجة كدح الفرد ms3674 وكسبه. # ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص، ولا هو أيضا كسب لشخص معين. تحقق ~~فيه العموم في مصدره، وهو الغنيمة، والعموم في مصرفه، وهو عموم مصالح ~~الأمة، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه، فشتان بين هذا الأصل في التشريع وهذا ~~الفرع في التضليل. # ومن المؤسف أنهم يؤيدون دعواهم بإقحام الحديث في ذلك، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " المسلمون شركاء في ثلاثة: الماء والنار والكلأ " # ، ومعلوم أن الشركة في هذه الثلاثة - ما دامت على عمومها - فالماء شركة ~~بين الجميع ما دام في مورده من النهر أو البئر العام أو السيل أو الغدير. ~~أما إذا انتقل من مورده العام وأصبح في حيازة ما، فلا شركة لأحد فيه مع ~~من حازه، كمن ملأ إناء من النهر أو السيل ونحوه، فما كان في إنائه فهو ~~خاص به، وهذا الكلأ ما دام عشبا في الأرض العامة - لا في ملك إنسان معين ~~- فهو عام لمن سبق إليه، فإذا ما أحتشه إنسان وحازه، فلا شركة لأحد فيه، ~~وكذلك ما كان منه نابتا في ملك إنسان بعينه فهو أحق به من غيره. # ويظهر ذلك بالحوت في البحر والنهر فهو مشاع للجميع، والطير في الهواء ~~يصاد. فإنه قدر مشترك بين جميع الصيادين، فإذا صاده إنسان فقد حازه واختص ~~به، وهذا أمر تعترف فيه جميع النظم الاقتصادية وتعطي تراخيص رسمية لذلك. # وهناك العمل الجاري في تلك الدول، مما يجعلهم يتناقضون في دعواهم ~~الاشتراك في الماء والنار والكلأ، وذلك في شركات المياه والنور فإنهم ~~يجعلون في كل بيت عدادا يعد جالونات الماء التي استهلكها المنزل ~~ويحاسبونه عليه، وإذا تأخر قطعوا عليه الماء وحرموه من شربه. # وكذلك التيار الكهربائي، فإنه نار، وهو الطاقة الفعالة في المدن فإنهم ~~يقيسونه بعداد يعد الكيلوات، ويبيعونه على المستهلك، فلماذا لا يجعلون ~~الماء والكهرباء، شركة بين المواطنين؟ أم الناس شركاء فيما لا يعود على ~~الدولة، أما حق الدولة فخاص للحكام؟ إنه عكس ما في قضية الفيء تماما. # حيث إن الفيء والغنيمة الذي جعله الله حلالا ms3675 من مال العدو، وهو كسب عام ~~دخل على الأمة بمجهود الأمة كلها، الماثل في الجيش الذي يقاتل باسمها، ~~وجعله تعالى في مصارف عامة في مصالح الأمة، لله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل. # فلله: أي الجهاد في سبيل الله. # وللرسول لقيامه بأمر الأمة، وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ نفقة أهله ~~عاما، وما بقي يرده في سبيل الله. # ولذي القربى. من تلزمه نفقتهم. # واليتامى والمساكين: هذا هو التكافل الاجتماعي في الأمة. # وابن السبيل: المنقطع في سفره، وهذا تأمين للمواصلات. # فكان مصرفه بهذا العموم دون اختصاص شخص به أو طائفة { كي لا يكون ~~دولة بين الأغنيآء منكم }. # وإنه لمن مواطن الإعجاز في القرآن. أن يأتي بعد هذا التشريع قوله تعالى: ~~{ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله } [الحشر: 7] الآية، لأنه تشريع في أمر ~~يمس الوتر الحساس في النفس، وهو موطن الشح والحرص، ألا وهو كسب المال ~~الذي هو صنو النفس، والذي تولى الله قسمته في أهم من ذلك، وهو في ~~الميراث. # قسمه تعالى مبينا فروضه، وحصة كل وارث، لأنه كسب بدون مقابل، وكسب ~~إجباري. والنفوس متطلعة إليه فتولاه الله تعالى، وكذلك الفيء والغنيمة، ~~وحرم الغلول فيه قبل القسمة. # ومثل هذا المال هو الذي ألفوا قسمته مغنما، والذي بذلوا النفوس والمهج ~~قبل الوصول إليه، فإذا بهم يمنعون منه، ويحال بينهم وبينه، فيقسم المنقول ~~فقط، ولا يقسم العقار الثابت، ويقال لهم: حدث هذا { كي لا يكون ~~دولة بين الأغنيآء منكم } [الحشر: 7]، سواء الأغنياء ~~بأبدانهم وقدرتهم على العمل وعلى الجهاد أو الأغنياء بأموالهم بما حصلوه ~~من مغانم قبل ذلك. # وكان لا بد لنفوسهم من أن تتحرك نحو هذا المال، وفعلا ناقشوا عمر رضي ~~الله عنه فيه، ولكن هنا يأتي سوط الطاعة المسلت، وأمر التشريع المسكت إنه ~~عن الله أتاكم به رسول الله: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله } [الحشر: 7] ~~فإن الآية وإن كانت عامة في جميع التشريع إلا أنها هنا أخص، وهي به أقرب، ~~والمقام إليها ms3676 أحوج. # وهنا ينتقل بنا القول إلى ما آتانا به الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ~~هذا المعنى بالذات أي: معنى المشاركة في الأموال. # لقد جاء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والأنصار يؤثرون المهاجرين على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وقد أعانهم الله على شح نفوسهم، فمجتمعهم ~~مجتمع بذل وإعطاء وتضحية وإيثار، ومع هذا فقد كان منه صلى الله عليه وسلم ~~أن يأتيه الضيف فلا يجد له قرى في بيته، فيقول لأصحابه: # " من يضيف هذا، الليلة وله الجنة؟ " # فيأخذه بعض أصحابه، ويأتيه فقراء المهاجرين يطلبونه ما يحملهم عليه في ~~الجهاد، فيعتذر إليهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه، فيتولون وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا: ألا يجدوا ما يحملهم عليه، ويأتيه القدح من اللبن، ~~فيدعو: يا أهل الصفة. ليشاركوه إياه لقلة ما عندهم، وأبو هريرة يخرج من ~~المسجد فيصرع على بابه من الجوع، بينما العديد من أصحابه ذوو يسار، منهم ~~من يجهز الجيش من ماله، ومنهم من يتصدق بالقافلة كاملة وما فيها، ومنهم ~~من يتصدق بخيار بساتين المدينة ومنهم ومنهم فلم يأخذ قط ولا درهما ~~واحدا ممن تصدق بقافلة كاملة وما تحمل، لم يأخذ منه درهما بدون رضاه، ~~ليشارك معه فيه واحدا من أهل الصفة، ولا ممن تصدق بستانه صاع تمر يعطيه ~~لأبي هريرة، يسد مسغبته، ولا بعيرا واحدا ممن جهز جيشا من ماله ليحمل ~~عليه متطوعا في سبيل الله. # إنها أموال محترمة، وأملاك مستقرة خاصة بأصحابها، فهناك غنيمة وفيء أخذ ~~بقوة الأمة ومددها للجيش، جعل في مصارف عامة للأمة وللجيش، وهنا أموال ~~خاصة لم تمس ولم تلمس، إلا برضى نفس وطيب خاطر، ولذا كانوا يجودون ولا ~~يبخلون، ويعطون ولا يشحون، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكان ~~مجتمعا متكافلا مؤتلفا متعاطفا وسيأتي زيادة إيضاح لهذا المجتمع عند ~~الكلام على مجتمع المدينة على قوله تعالى: # للفقرآء المهاجرين # [الحشر: 8]، وما بعدها من الآيات إن شاء الله تعالى. # وللشيخ رحمه الله تعالى كلام مقنع على هذه المسألة في سورة الزخرف على ~~قوله ms3677 تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32] الآية. نسوق نصه لأهميته: # قال رحمه الله: مسألة: دلت هذه الآية الكريمة المذكورة هنا كقوله تعالى: ~~{ نحن قسمنا بينهم معيشتهم } الآية. وقوله تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق # [النحل: 71] الآية. ونحو ذلك من الآيات على أن تفاوت الناس في الأرزاق ~~والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل ~~الأرض ألبتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه، # فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت ~~الله تحويلا # [فاطر: 43] وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود ~~الله ولجميع النبوات والرسائل السماوية إلى ابتزاز ثروات الناس ونزع ~~ملكهم الخاص عن أملاكهم، بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل ~~لا يمكن بحال من الأحوال، مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون. وإنما ~~يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس لينعموا بها ويتصرفوا فيها كيف شاءوا ~~تحت ستار كثيف من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع ~~على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم. # فالطغمة القليلة الحاكمة ومن ينضم إليها هم المتمتعون بجميع خيرات ~~البلاد وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء، حتى ~~ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير. # وقد علم الله - جل وعلا في سابق علمه - أنه يأتي ناس يغتصبون أموال ~~الناس بدعوى أن هذا فقير، وهذا غني، وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك ~~الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو ~~تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 135] وفي قوله: { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } وعيد شديد لمن فعل ذلك. انتهى حرفيا. # والحق أن الأرزاق قسمة الخلاق، فهو أرأف بالعباد من أنفسهم، وليس في ~~خزائنه من نقص ولكنها الحكمة لمصلحة عباده، وفي الحديث القدسي: # " إن من عبادي لمن يصلح له الفقر، ولو أغنيته لفسد ms3678 حاله، وإن من عبادي ~~لمن يصلح له الغنى ولو أفقرته لفسد حاله " # فهو سبحانه يعطي بقدر، ولا يمسك عن قتر. # ويكفي في هذا المقام سياق الآية الكريمة التي تكلم الشيخ رحمة الله ~~تعالى في أسلوبها في قوله تعالى: # نحن قسمنا # [الزخرف: 32] وهذا الضمير معلوم أنه للتعظيم والتفخيم، ومثله الضمير في ~~قسمنا، فلا مجال لتدخل المخلوق، ولا مكان لغير الله تعالى في ذلك. ~~والقسمة إذا كانت من الله تعالى، فلا تقوى قوة في الأرض على إبطالها، ثم ~~إن واقع الحياة يؤيد ذلك بل ويتوقف عليه، كما قال تعالى # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. # وهؤلاء المعتدون على أموال الناس يعترفون بذلك، ويقرون نظام الطبقات ~~عمال وغير عمال. إلخ، فلا دليل في آية سورة الحشر هنا { كي لا يكون ~~دولة بين الأغنيآء منكم } [الحشر: 7] ولا حق لهم فيما ~~فعلوا في أموال الناس بهذا المبدأ الباطل. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا }. # قال الشيخ رحمه الله تعالى في المقدمة: إن السنة كلها مندرجة تحت هذه ~~الآية الكريمة، أي أنها ملزمة للمسلمين العمل بالسنة النبوية، فيكون ~~الأخذ بالسنة أخذا بكتاب الله، ومصداق ذلك قوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. # وقد قال السيوطي: الوحي وحيان: # وحي أمرنا بكتابته، وتعبدنا بتلاوته، وهو القرآن الكريم. # ووحي لم نؤمر بكتابته، ولم نتعبد بتلاوته وهو السنة. # وقد عمل بذلك سلف الأمة وخلفها، كما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال في ~~مجلسه بالمسجد النبوي: لعن الله في كتابه الواصلة والمستوصلة والواشمة ~~والمستوشمة، فقالت امرأة قائمة عنده، وفي كتاب الله؟ قال: نعم، قالت: لقد ~~قرأته من دفته إلى دفته، فلم أجد هذا الذي قلت، فقال لها: لو كنت قرأتيه ~~لوجدتيه، أو لم تقرئي قوله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7]. # وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، ومن لعنها ~~رسول الله فقد لعنها الله، فقالت ms3679 له: لعل بعض أهلك يفعله؟ فقال لها: ~~ادخلي وانظري فدخلت بيته ثم خرجت ولم تقل شيئا، فقال لها: ما رأيت؟ ~~قالت: خيرا، وانصرفت. # وجاء الشافعي وقام في أهل مكة. فقال: سلوني يا أهل مكة عما شئتم أجبكم ~~عنه من كتاب الله. فسأله رجل عن المحرم يقتل الزنبور، ماذا عليه في كتاب ~~الله. فقال: يقول الله تعالى: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7] وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " # الحديث، وحدثني فلان عن فلان، وساق بسنده إلى عمر بن الخطاب، سئل: ~~المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه، فقال: لا شيء عليه. # فقد اعتبر سعيد بن المسيب السنة من كتاب الله، والشافعي اعتبر سنة ~~الخلفاء الراشدين من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من القرآن، واعتبر كل منهما جوابه من كتاب الله بناء ~~على هذه الآية الكريمة. # وهذا ما عليه الأصوليون يخصصون بها عموم الكتاب، ويقيدون مطلقه. # فمن الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان: ~~فالكبد والطحال " # فخص بهذا الحديث عموم قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3]، وكذلك في النكاح: # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها " # ، وخص بها عموم: # وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24]، ونحوه كثير. # ومن الثاني: قطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق من الكوع تقييدا لمطلق # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]، وكذلك مسح الكفين في التيمم تقييدا أو بيانا لقوله ~~تعالى: # فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه # [المائدة: 6]، ونحو ذلك كثير، وكذلك بيان المجمل كبيان مجمل قوله تعالى: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] فلم يبين عدد الركعات لكل وقت، ولا كيفية الأداء، # " فصلى صلى الله عليه وسلم على المنبر وهم ينظرون، ثم قال لهم: " صلوا ~~كما رأيتموني أصلي " وحج وقال لهم: " خذوا عني مناسككم ". # وقد أجمعوا على أن السنة أقوال وأفعال وتقرير، وقد ألزم العمل بالأفعال ~~قوله تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة ms3680 حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]، والتأسي يشمل القول والفعل، ولكنه في الفعل أقوى، ~~والتقرير مندرج في الفعل، لأنه ترك الإنكار على أمر ما، والترك فعل ~~والترك فعل عند الأصوليين، كما قال صاحب مراقي السعود. # والترك فعل في صحيح المذهب # تنبيه # تنقسم أفعاله صلى الله عليه وسلم إلى عدة أقسام: # أولا: ما كان يفعله بمقتضى الجبلة، وهو متطلبات الحياة من أكل وشرب ~~ولبس ونوم، فهذا كله يفعله استجابة لمتطلبات الحياة، وكان يفعله قبل ~~البعثة ويفعله كل إنسان، فهو على الإباحة الأصلية، وليس فيه تشريع جديد، ~~ولكن صورة الفعل، وكيفيته ككون الأكل والشراب باليمين إلخ، وكونه من أمام ~~الآكل، فهذا هو موضع التأسي به صلى الله عليه وسلم وكذلك نوع المأكول أو ~~تركه ما لم يكن تركه لمانع كعدم أكله صلى الله عليه وسلم للضب والبقول ~~المطبوخة، وقد بين السبب في ذلك، فالأول: لأنه ليس في أرض قومه فكان ~~يعافه، والثاني لأنه نناجي من لا يناجي، وقد قال صاحب المراقي: # وفعله المركوز في الجبله # كالأكل والشرب فليس مله # من غير لمح الوصف.... # ثانيا: ما كان مترددا بين الجبلة والتشيع كوقوفه صلى الله عليه وسلم ~~بعرفة راكبا على ناقته، ونزوله بالمحصب منصرفه من منى. فالوقوف الذي هو ~~ركن الحج يتم بالتواجد في الموقف بعرفة على أية حالة، فهل كان وقوفه صلى ~~الله عليه وسلم راكبا من تمام نسكه. أم أنه صلى الله عليه وسلم فعله دون ~~قصد إلى النسك؟ خلاف بين الأصوليين. ولا يبعد من يقول: قد يكون فعله صلى ~~الله عليه وسلم هذا ليكون أبرز لشخصه في مثل هذا الجمع، تسهيلا على من ~~أراده لسؤال أو رؤية أو حاجة، فيكون تشريعا لمن يكون في منزلته في ~~المسؤولية. # ثالثا: ما ثبتت خصوصيته به مثل جواز جمعه بين أكثر من أربع نسوة ~~بالنكاح لقوله تعالى: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك # [الأحزاب: 50]، وكن أكثر من أربع، ونكاح الواهبة نفسها لقوله تعالى: # خالصة لك من دون المؤمنين # [الأحزاب: 50] فهذا ms3681 لا شركة لأحد معه فيه. # رابعا: ما كان بيانا لنص قرآني، كقطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق ~~من الكوع بيانا لقوله تعالى # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38]. وكأعمال الحج والصلاة، فهما بيان لقوله تعالى # وأقيموا الصلاة # [البقرة: 43]، وقوله: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97]، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ، وقال: # " خذوا عني مناسككم " # ، فهذا القسم حكمه للأمة، حكم المبين بالفتح، ففي الوجوب واجب، وفي غيره ~~بحسبه. # خامسا: ما فعله صلى الله عليه وسلم لا لجبلة ولا لبيان، ولم تثبت ~~خصوصيته له، فهذا على قسمين: أحدهما أن يعلم حكمه بالنسبة إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه للأمة كذلك، كصلاته ~~صلى الله عليه وسلم في الكعبة، وقد علمنا أنها في حقه صلى الله عليه وسلم ~~جائزة، فهي للأمة على الجواز. # ثانيهما: ألا يعلم حكمه بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا القسم ~~أربعة أقوال: # أولها: الوجوب. عملا بالأحوط، وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية، ورواية ~~عن أحمد. # ثانيهما: الندب، لرجحان الفعل على الترك، وهو قول بعض الشافعية، ورواية ~~عن أحمد أيضا. # ثالثها: الإباحة، لأنها المتيقن، ولكن هذا فيما لا قربة فيه، إذ القرب ~~لا توصف بالإباحة. # رابعها: التوقف، لعدم معرفة المراد، وهو قول المعتزلة، وهذا أضعف ~~الأقوال، لأن التوقف ليس فيه تأس. # فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسيا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجوبا أو ندبا، ومثلوا لهذا الفعل # " بخلعه صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة، فخلع الصحابة كلهم نعالهم، ~~فلما انتهى صلى الله عليه وسلم سألهم عن خلعهم نعالهم قالوا: رأيناك فعلت ~~ففعلنا، فقال لهم: " أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتها " # ، فإنه أقرهم على خلعهم تأسيا به. ولم يعب عليهم مع أنهم لم يعلموا ~~الحكم قبل إخباره إياهم. وقد جاء هنا { ومآ آتاكم } بصيغة العموم. # وقال الشيخ رحمه الله في دفع الإيهام في ms3682 سورة الأنفال عند قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]، ما نصه: وهذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول ~~التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا، ونظيرها قوله تعالى: # ولا يعصينك في معروف # [الممتحنة: 12]. # وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقا من غير قيد، كقوله: ~~{ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا } [الحشر: 7] وقوله: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31] الآية، و # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]. # والظاهر: أن وجه الجمع والله تعالى أعلم: أن آيات الإطلاق مبينة أنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة، فالشرط ~~المذكور في قوله: # إذا دعاكم # [الأنفال: 24] متوفر في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمكان عصمته، ~~كما دل عليه قوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. # والحاصل: أن آية # إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي الله، وأن ~~الآيات الأخر بينت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو أبدا إلا إلى ~~ذلك، صلوات الله وسلامه عليه. # انتهى. # وقد بينت السنة كذلك حقيقة ومنتهى ما جاء به صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: # " ما تركت خيرا يقربكم إلى الله إلا بينته لكم وأمرتكم به، وما تركت ~~شرا يباعدكم عن الله إلا بينته لكم، وحذرتكم منه ونهيتكم عنه ". # تنبيه # الواقع أن العمل بهذه الآية الكريمة هو من لوازم نطق المسلم بالشهادتين. ~~لأن قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، اعتراف لله تعالى بالألوهية ~~وبمستلزماتها، ومنها إرسال الرسل إلى خلقه، وإنزال كتبه وقوله: أشهد أن ~~محمدا رسول الله، اعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الله لخلقه، ~~وهذا يستلزم الأخذ بكل ما جاء به هذا الرسول الكريم من الله سبحانه ~~وتعالى، ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما جاءه به رسول الله، ولا ms3683 يحق له أن ~~يعصي الله بما نهاه عنه رسول الله، فهي بحق مستلزمة للنطق بالشهادتين. # ويؤيد هذا قوله تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر # [النساء: 59] فربط مرد الخلاف إلى الله والرسول بالإيمان بالله واليوم ~~الآخر. # وقال الشيخ رحمه الله عند هذه الآية في سورة النساء: أمر الله في هذه ~~الآية الكريمة بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يرد ~~التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه تعالى ~~قال: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] انتهى. # فاتضح بهذا كله أن ما أتانا به صلى الله عليه وسلم فهو من عند الله، ~~وأنه بمنزلة القرآن في التشريع، وأن السنة تستقل بالتشريع كما جاءت ~~بتحريم لحوم الحمر الأهلية. وكل ذي مخلب من الطير وناب من السباع، ~~وبتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، أو هي مع ابنة أخيها أو ابنة ~~أختها ونحو ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " لا ألفين أحدكم على أريكة أهله يقول: ما وجدنا في كتاب الله أخذناه، ~~وما لم نجده في كتاب الله تركناه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ". # والنص هنا عام في الأخذ بكل ما أتانا به، وترك ما نهانا عنه، وقد جاء ~~تخصيص هذا العموم في قوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]، وقوله: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # [النور: 61] وقوله تعالى: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة: 286]. # وجاء الحديث ففرق بين عموم النهي في قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا " # وقد جاء هذا التذييل على هذه الآية بقوله تعالى: # واتقوا الله إن الله شديد العقاب # [المائدة: 2] إيذانا بأن هذا التكليف لا هوادة فيه، وأنه ملزم للأمة ~~سرا وعلنا، وأن من خالف شيئا منه يتوجه إليه هذا الإنذار الشديد، لأن ~~معصيته معصية لله، وطاعته ms3684 من طاعة الله # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] والعلم عند الله تعالى. ### || [59.8-9] # في هذه الآية الكريمة وصف شامل للمهاجرين في دوافع الهجرة: أنهم { ~~يبتغون فضلا من الله } ، وغايتها: وهي { وينصرون ~~الله ورسوله } ، والحكم لهم بأنهم { أولئك هم ~~الصادقون }. # ومنطوق هذه الأوصاف يدل بمفهومه أنه خاص بالمهاجرين، مع أنه جاءت نصوص ~~أخرى تدل على مشاركة الأنصار لهم فيه: منها قوله تعالى: # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك بعضهم أوليآء بعض # [الأنفال: 72]، وقوله تعالى بعدها: # والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ~~حقا # [الأنفال: 74]. # فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس، وذكر معهم الأنصار بالإيواء ~~والنصر، ووصف الفريقين معا بولاية بعضهم لبعض، وأثبت لهم معا حقيقة ~~الإيمان # أولئك هم المؤمنون حقا # [الأنفال: 4]، أي الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في ~~عامل النصرة وفي صدق الإيمان. # وفي قوله تعالى: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة # [الحشر: 9] وصف شامل للأنصار، تبوءوا الدار: أي المدينة، والإيمان من ~~قبلهم: أي ببيعة العقبة الأولى والثانية من قبل مجيء المهاجرين، بل ومن ~~قبل إيمان بعض المهاجرين يحبون من هاجر إليهم ويستقبلونه بصدور رحبة، ~~ويؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لأنهم هاجروا إليهم. # وظاهر النصوص تدل بمفهومها أن غيرهم لم يشاركهم في هذه الصفات، ولكن في ~~الآية الأولى ما يدل لمشاركة المهاجرين الأنصار في هذا الوصف الكريم، وهو ~~الإيثار على النفس، لأن حقيقة الإيثار على النفس هو بذل المار للغير عند ~~حاجته مقدما غيره على نفسه، وهذا المعنى بالذات سبق أن كان من المهاجرين ~~أنفسهم المنصوص عليه في قوله تعالى: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم # [الحشر: 8] فكانت لهم ديار، وكانت عندهم أموال وأخرجوا منها كلها، فلئن ~~كان الأنصار واسوا إخوانهم المهاجرين ببعض أموالهم، وقاسموهم ممتلكاتهم، ~~فإن المهاجرين لم ينزلوا عن بعض ms3685 أموالهم فحسب، بل تركوها كلها. أموالهم ~~وديارهم وأولادهم وأهلهم، فصاروا فقراء بعد إخراجهم من ديارهم وأموالهم. ~~ومن يخرج من كل ماله ودياره ويترك أهله وأولاده، لا يكون أقل تضحية ممن ~~آثر غيره ببعض ماله، وهو مستقر في أهله ودياره، فكأن الله عوضهم بهذا ~~الفيء عما فات عنهم. # وقد ذكر ابن كثير رحمه الله: أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ما ~~يشعر بهذا المعنى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم فقالوا يا رسول ~~الله: أموالنا بيننا قطائع " # الحديث. # أي أن الأنصار عرفوا ذلك للمهاجرين، وعليه أيضا، فقد استوى المهاجرون ~~مع الأنصار في هذا الوصف المثالي الكريم، وكان خلقا لكثيرين منهم بعد ~~الهجرة كما فعل الصديق رضي الله عنه حين تصدق بكل ماله فقال له، رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أبقيت لأهلك " # ؟ فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله. وكذلك عائشة الصديقة رضي ~~الله عنها. حينما كانت صائمة وليس عندها سوى قرص من الشعير وجاء سائل ~~فقالت لبريرة: ادفعي إليه ما عندك، فقالت: لها: ليس إلا ما ستفطرين عليه، ~~فقالت لها: ادفعيه إليه، ولعلها أحوج إليه الآن، أو كما قالت. # ولما جاء المغرب أهدى إليهم رجل شاة بقرامها - وقرامها هو ما كانت العرب ~~تفعله إذا أرادوا شواء شاة طلوها من الخارج بالعجين حفظا لها من رماد ~~الجمر - فقالت لبريرة: كلي، هذا خير من قرصك. # وكما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تصدق بالعير وما تحمله من ~~تجارة حين قدمت، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرج الناس ~~إليها. # فعلى هذا، كان مجتمع المدينة في عهده صلى الله عليه وسلم مجتمعا ~~متكافلا بعضهم أولياء بعض، وقد نوه صلى الله عليه وسلم في قصة غنائم ~~حنين بفضل كلا الفريقين في قوله صلى الله عليه وسلم: # " لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار " # ومن بعده عمر رضي الله عنه قال: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين ~~أن يعرف لهم حقهم ويحفظ ms3686 لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوأوا ~~الدار والإيمان، من قبل أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. # ثم كان هذا خلق المهاجرين والأنصار جميعا، كما وقع في وقعة اليرموك، ~~قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من الماء ~~وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به فقلت له: أسقيك؟ فأشار ~~برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق ~~إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول ~~آه آه. فأشار هشام أن أنطلق إليه فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، ~~فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. # وكان منهج الخواص من بعدهم، كما نقل القرطبي عن أبي يزيد البسطامي أنه ~~قال: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ، قدم علينا حاجا فقال لي: ما ~~حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا، وإن فقدنا صبرنا، فقال: هكذا كلاب ~~بلخ عندنا. فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا وإن وجدنا ~~آثرنا. # وفي قوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]. الإيثار على النفس: تقديم الغير عليها مع الحاجة، والخصاصة: ~~التي تختل بها الحال، وأصلها من الاختصاص، وهو الانفراد في الأمر. # فالخصاصة الانفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر: # أما الربيع إذا تكون خصاصة # عاش السقيم به وأثرى المقتر # وهل يصح الإيثار من كل إنسان ولو كان ذا عيال أو تلزمه نفقة غيره أم لا؟ ~~وما علاقته مع قوله # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219]؟ # والجواب على هذا كله في كلام الشيخ رحمه الله على قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] في أول سورة البقرة. # قال رحمه الله: قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون } ، ~~عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله ~~بعض ماله لا كله، ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي ms3687 إنفاقه، والذي ينبغي ~~إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخرى أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد ~~على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: { ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو } ، والمراد بالعفو الزائد على قدر ~~الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور ومنه قوله ~~تعالى: # حتى عفوا # [الأعراف: 95] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. # وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه ~~الجهد واستفراغ الوسع. # ومنه قول الشاعر: # خذي العفو مني تستديمي مودتي # ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة، وقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29] فنهاه عن البخل بقوله: { ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك } ، ونهاه عن الإسراف بقوله: { ولا ~~تبسطها كل البسط } ، فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه ~~بقوله: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. # فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والإقتار، ~~فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل فالمنع في محل الإعطاء مذموم، ~~وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29]، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # ولا تبسطها كل البسط # [الإسراء: 29]. # وقد قال الشاعر: # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت # يداه كالمزن حتى تخجل الديما # فإنها خطرات من وساوسه # يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # وقد بين تعالى في مواضع أخرى، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا ~~كان مصرفه الذي صرف منه مما يرضي الله كقوله تعالى: # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين # [البقرة: 215] الآية، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على ~~صاحبه في قوله: # فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة # [الأنفال: 36]. # وقد قال الشاعر: # إن الصنيعة لا تعد صنيعة # حتى يصاب بها طريق المصنع # فإن قيل: هذا ms3688 الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن ~~الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة ~~إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9]. # فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم: هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل ~~مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت ~~على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، ~~وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم: # " وابدأ بمن تعول " # ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس ~~يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة ~~واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. # وأما على القول بأن قوله تعالى: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3] يعني به الزكاة، فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. انتهى ~~منه. # والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة: # الأولى: الإنفاق من بعض المال بصفة عامة، كما في قوله تعالى: { ومما ~~رزقناهم ينفقون }. # الثانية: الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه، كما في قوله تعالى # وآتى المال على حبه # [البقرة: 177]، وهذا أخص من الأول، وقوله: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] الآية. # الثالثة: الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] فهي أخص من الخاص الأول. # وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب، حتى قيل: إن المراد ~~بها الزكاة. وهي تشمل النافلة، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة، وتدخل في ~~قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى، لأنها إيثار للغير ~~على خاصة النفس، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما، وهي الحد الوسط بين ~~الاكتفاء بأقل الواجب، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة ~~الناس، كما بينه تعالى بقوله: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ms3689 ~~كل البسط # [الإسراء: 29]. وكما امتدح الله تعالى قوما بالاعتدال في قوله: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. # وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفلسفة الأخلاقية القائلة: " الفضيلة وسط بين ~~طرفين " أي طرفي الإفراط والتفريط. فالشجاعة مثلا وسط بين التهور ~~والجبن، والكرم وسط بين التبذير والتقتير. # والإنفاق جوانب متعددة، وأحكام متفاوتة، قد بين الشيخ رحمه الله جانبا ~~من الأحكام، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى، وتنحصر في الآتي: نوع ما يقع ~~منه الإنفاق، الجهة المنفق عليها، موقف المنفق، وصورة الإنفاق. # أما ما يقع منه الإنفاق: قد بينه تعالى أولا من كسب حلال لقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه ~~إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني ~~حميد # [البقرة: 267]. # وقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]. # أما الجهة المنفق عليها: فكما في قوله تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم # [البقرة: 215] فبدأ بالوالدين برا لهما، وثنى بالأقربين. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الصدقة على القريب صدقة وصلة، وعلى البعيد صدقة " # ثم اليتامى وهذا واجب إنساني وتكافل اجتماعي، لأن يتيم اليوم منفق الغد، ~~وولد الأبوين اليوم قد يكون يتيما غدا، أي أن من أحسن إلى اليتيم اليوم ~~قد يترك أيتاما، فيحسن عليهم ذلك اليتيم الذي أحسنت إليه بالأمس، ~~والمساكين وابن السبيل أمور عامة. # وجاء بالقاعدة العامة التي يحاسب الله تعالى عليها ويجازي صاحبها # وما تفعلوا من خير # [البقرة: 215] - أي مطلقا - # فإن الله به عليم # [البقرة: 215]، وكفى في ذلك علمه تعالى. # أما موقف المنفق وصورة الإنفاق: فإن هذا هو سر النفقة في الإسلام، ~~وفلسفة الإنفاق كلها تظهر في هذا الجانب، مما تميز به الإسلام دون غيره ~~من جميع الأديان أو النظم. # لأنه يركز على الحفاظ على شعور وإحساس المسكين، بحيث لا يشعره بجرح ~~المسكنة، ms3690 ولا ذلة الفاقة كما في قوله تعالى: # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا ~~يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 262]. # ثم فاضل بين الكلمة الطيبة والصدقة المؤذية في قوله تعالى: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى ~~والله غني حليم # [البقرة: 263] يعطي ولا يمن بالعطاء. # وأفهم المنفقين أن المن والأذى يبطل الصدقة # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى # [البقرة: 264] لما فيه من جرح شعور المسكين. # وقد حث على إخفائها إمعانا في الحفاظ على شعوره وإحساسه # إن تبدوا الصدقات فنعما هي # [البقرة: 271] - أي مع الآداب السابقة - # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271] أي لكم أنتم في حفظ ثوابها. # وقد # " جعل صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله " رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه " # ، وكما قال تعالى: # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 274]. # ومن خصائص الإسلام في هذا الباب أنه كما أدب الأغنياء في طريقة الإنفاق، ~~فقد أدب الفقراء في طريقة الأخذ. وذلك في قوله تعالى: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل ~~أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون ~~الناس إلحافا # [البقرة: 273]. ### || [59.18-19] # في هذه الآية الكريمة حث على تقوى الله في الجملة، واقترنت بالحث على ~~النظر والتأمل فيما قدمت كل نفس لغد، وتكرر الأمر فيها بتقوى الله، مما ~~يدل على شدة الاهتمام والعناية بتقوى الله على ما سيأتي تفصيله إن شاء ~~الله، سواء كان التكرار للتأكيد أم كان للتأسيس، وسيأتي بيانه إن شاء ~~الله. # أما الاهتمام بالحث على التقوى، فقد دلت له عدة آيات من كتاب الله ~~تعالى، ولو قيل: إن الغاية من رسالة الإسلام كلها، بل ومن جميع الأديان ~~هو تحصيل التقوى لما كان بعيدا، وذلك للآتي: # أولا: قوله تعالى: ms3691 # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21] ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فتكون ~~التقوى بمضمون هاتين الآيتين. هي الغاية من خلق الثقلين الإنس والجن. وقد ~~جاء النص مفصلا في حق كل أمة على حدة، منها في قوم نوح عليه السلام وقال ~~تعالى: # كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون # [الشعراء: 105-108] وفي قوم عاد قال تعالى: # كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ~~ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون # [الشعراء: 123-126] وفي قوم لوط: # كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون # [الشعراء: 160-163]، وفي قوم شعيب، قوله تعالى: # كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم ~~شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون # [الشعراء: 176-179]. # فكل نبي يدعو قومه إلى التقوى كما قدمنا، ثم جاء القرآن كله دعوة إلى ~~التقوى وهداية للمتقين، كما في مطلع القرآن الكريم: # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 1-2]، وبين نوع هذه الهداية المتضمنة لمعنى التقوى بقوله ~~تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بمآ أنزل ~~إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون # [البقرة: 3-5]. # وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - معنى التقوى عند قوله تعالى: # ولكن البر من اتقى # [البقرة: 189]. # قال: لم يبين هنا من المتقي، وقد بينه تعالى في قوله: # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوآ وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177]. # وقد بينت آيات عديدة آثار التقوى في العاجل والآجل. # منها في العاجل قوله تعالى: ms3692 # ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا # [الطلاق: 4]، وقوله: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]، وقوله: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]، وقوله # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128]. # أما في الآجل وفي الآخرة، فإنها تصحب صاحبها ابتداء إلى أبواب الجنة كما ~~في قوله تعالى: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]، فإذا ما دخلوها آخت بينهم وجددت روابطهم فيما بينهم ~~وآنستهم من كل خوف، كما في قوله تعالى # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]، # يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون # [الزخرف: 68-70] إلى قوله: # لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون # [الزخرف: 73] إلى أن تنتهي بهم إلى أعلى عليين، وتحلهم مقعد صدق، كما في ~~قوله تعالى: # إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. # فتبين بهذا كله منزلة التقوى من التشريع الإسلامي وفي كل شريعة سماوية، ~~وأنها هنا في معرض الحث عليها وتكرارها، وقد جعلها الشاعر السعادة كل ~~السعادة كما في قوله، وهو لجرير: # ولست أرى السعادة جمع مال # ولكن التقي هو السعيد # فتقوى الله خير الزاد ذخرا # وعند الله للأتقى مزيد # والتقوى دائما هي الدافع على كل خير، الرادع عن كل شر، روى ابن كثير في ~~تفسيره عن الإمام أحمد في مجيء قوم من مضر، مجتابي الثمار والعباءة. حفاة ~~عراة متقلدي السيوف. فيتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ثم ~~خرج، فأمر بالا ينادي للصلاة، فصلى ثم خطب الناس وقرأ قوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة # [النساء: 1] إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في سورة الحشر: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ~~ما قدمت لغد # [الحشر: 18] الآية، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره ms3693 حتى ~~قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، ~~بل قد عجزت ثم تتابع الناس إلى قوله: حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيء " # الحديث. # فكانت التقوى دافعا على سن سنة حسنة تهلل لها وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كما أنها تحول دون الشر، من ذلك قوله تعالى: # وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ~~ولا يبخس منه شيئا # [البقرة: 282]، وقوله: # فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه # [البقرة: 283] فإن التقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة، وكقوله ~~عن مريم في طهرها وعفتها لما أتاها جبريل وتمثل لها بشرا سويا: # قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18]. # وكما في حديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ومنهم الرجل ~~مع ابنة عمه لما قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها ~~وترك لها المال. # وهكذا في تصرفات العبد كما في قوله تعالى: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32]. # والخطاب في قوله تعالى: # ولتنظر نفس # [الحشر: 18]، لكل نفس كما في قوله تعالى: # ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون # [البقرة: 281]، وقوله: # ووفيت كل نفس ما كسبت # [آل عمران: 25]. # فالنداء أولا بالتقوى لخصوص المؤمنين، والأمر بالنظر لعموم كل نفس، لأن ~~المنتفع بالتقوى خصوص للمؤمنين كما أوضحه الشيخ - رحمة الله عليه - في ~~أول سورة البقرة، والنظر مطلوب من كل نفس فالخصوص للإشفاق، والعموم ~~للتحذير. # ويدل للأول قوله تعالى: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43]. # ويدل للثاني قوله: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف ~~بالعباد # [آل عمران: 30]. وما في قوله تعالى: # ما قدمت # [الحشر: 18] عامة ms3694 في الخير والشر، وفي القليل والكثير. # ويدل للأول قوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران: 30]. # ويدل للثاني قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، والحديث # " اتقوا النار ولو بشق تمرة " # وغدا تطلق على المستقبل المقابل للماضي، كما قال الشاعر: # واعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عم # وعليه أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى عن إخوة يوسف: # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب # [يوسف: 12]، وقوله تعالى # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. # وتطلق على يوم القيامة كما هنا في هذه الآية لدلالة القرآن على ذلك، من ~~ذلك قوله تعالى في نفس المعنى: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ~~يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. # والقرائن في الآية منها: اكتنافها بالحث على تقوى الله قبله وبعده. # ومنها: التذييل بالتحذير في قوله: { إن الله خبير بما ~~تعملون } أي بالمقاصد في الأعمال وبالظواهر والبواطن، ولأن يوم ~~القيامة هو موضع النسيان، فاحتاج التنبيه عليه. # ويكون التعبير عن يوم القيامة بغد لقرب مجيئه وتحقق وقوعه كقوله تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]، وقوله: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~إن الله على كل شيء قدير # [النحل: 77]. # ومن ناحية أخرى، فإن الغد لكل إنسان بمعنى يوم القيامة يتحقق بيوم موته، ~~لأنه يعاين ما قدم قدم يوم موته، وقد نكر لفظ نفس وغد هنا، فقيل في الأول ~~لقلة من الناظرين، وفي الثاني لعظم أمره وشدة هوله. # وهنا قد تكرر الأمر بتقوى الله كما أسلفنا مرتين، فقيل للتأكيد، قاله ~~ابن كثير، وقيل للتأسيس، قاله الزمخشري وغيره. # فعلى أنه للتأكيد ظاهر وعلى التأسيس يكون الأول لفعل المأمور والثاني ~~لترك المحظور، مستدلين بمجيء موجب الفعل أولا { ولتنظر نفس ما ~~قدمت } ، ومجيء موجب التحذير ثانيا { إن الله خبير بما ~~تعملون }. # وهذا وإن ms3695 كان له وجه، ويشهد للتأكيد قوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] وإن كانت نسخت بقوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] فيدل لمفهومه قوله: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا # [التوبة: 102] أي بترك بعض المأمور، وفعل بعض المحظور. # وعليه فلا تحقق التقوى إلا بمراعاة الجانبين، ولكن مادة التقوى وهي ~~اتخاذ الوقاية مما يوجب عذاب الله تشمل شرعا الأمرين معا لقوله تعالى ~~في عموم اتخاذ الوقاية # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]. # فكان أحد الأمرين بالتقوى يكفي لذلك ويشمله، ويكون الأمر بالتقوى الثاني ~~لمعنى جديد، وفي الآية ما يرشد إليه، وهو قوله تعالى { ما قدمت } ~~، لأن " ما " عامة كما قدمنا وصيغة قدمت على الماضي يكون الأمر بتقوى ~~الله أولا بالنسبة لما مضى وسبق من عمل تقدم بالفعل، ويكون النظر بمعنى ~~المحاسبة والتأمل على معنى الحديث: # " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " # فقد ذكره ابن كثير. # فإذا ما نظر في الماضي وحاسب نفسه، وعلم ما كان من تقصير أو وقوع في ~~محظور، جاءه الأمر الثاني بتقوى الله لما يستقبل من عمل جديد ومراقبة ~~الله تعالى عليه # والله بما تعملون خبير # [الحديد: 10]، فلا يكون هناك تكرار، ولا يكون توزيع، بل بحسب مدلول عموم ~~" ما " وصيغة الماضي " قدمت " والنظر للمحاسبة. # تنبيه # مجيء " قدمت " بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل، وعدم التأخير، ~~لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي، والمستقبل ليس بيده، ولا يدري ما ~~يكون فيه، # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [لقمان: 34] وكما في وقوله: # " حجوا قبل ألا تحجوا " # ، وقوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133]، وقوله تعالى: # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون # [الحشر: 19]. # بعد الحث على تقوى الله وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد ~~جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه ~~النسيان، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا. # وقد ms3696 نص القرآن على أن الذين نسوا الله هم المنافقون في قوله تعالى في ~~سورة التوبة: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون # [التوبة: 67] وهذا عين الوصف الذي وصفوا به في سورة الحشر. وقوله تعالى: ~~{ فنسيهم } أي أنساهم أنفسهم، لأن الله تعالى لا ينسى # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52]، # وما كان ربك نسيا # [مريم: 64]. # وقد جاء أيضا: وصف كل من اليهود والنصارى والمشركين بالنسيان في ~~الجملة، ففي اليهود يقول تعالى: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا ~~مما ذكروا به # [المائدة 13]. # وفي النصارى يقول تعالى: # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 14]. # وفي المشركين يقول تعالى: # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم ~~الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء ~~يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون # [الأعراف: 51]، فيكون التحذير منصبا أصالة على المنافقين وشاملا معهم ~~كل تلك الطوائف لاشتراكهم جميعا في أصل النسيان. # أما النسيان هنا، فهو بمعنى الترك، وقد نص عليه الشيخ - رحمة الله تعالى ~~عليه - عند الكلام على قوله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115]. # فذكر وجهين، وقال: العرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا، ومنه ~~قوله تعالى: # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى # [طه: 126]. # فالمراد من هذه الآية الترك قصدا. # وكقوله: # فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون # [الاعراف: 51]. # وقوله: # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم # [السجدة: 14]. # وقوله: # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر: 19] الآية. انتهى. # أما النسيان الذي هو ضد الذكر، وهو الترك عن قصد، فليس داخلا هنا، لأن ~~هذه الأمة قد أعفيت من المؤاخذة عليه، كما في قوله تعالى: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا # [البقرة: 286]. الآية. # وفي الحديث أن الله تعالى قال: # " قد فعلت قد فعلت " # أي عند ما تلاها صلى الله عليه وسلم. # وجاء في ms3697 السنة # " إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - هذا النوع في دفع إياهم ~~الاضطراب على الجواب عن الإشكال الموجود في نسيان آدم، هل كان عن قصد أو ~~عن غير قصد، وإذا كان عن غير قصد، فكيف يؤاخذ؟. وبين خصائص هذه الأمة في ~~هذا الباب رحمة الله تعالى عليه، فليرجع إليه. # وإذا تبين المراد بالتحذير من مشابهتهم في النسيان، وتبين معنى النسيان، ~~فكيف أنساهم الله أنفسهم؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام ~~لزيادة البيان: # قال ابن كثير رحمه الله: لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل الصالح، ~~فإن الجزاء من جنس العمل. # وقال القرطبي: نسوا الله أي تركوا أمره، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها ~~خيرا. # وقال أبو حيان: الذين نسوا الله هم الكفار تركوا عبادة الله، وامتثال ما ~~أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من ~~العذاب، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب. # إلخ. # وقال ابن جرير: تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم، وهذا من باب ~~الجزاء من جنس العمل. # أما الزمخشري والفخر الرازي، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثا كلاميا ~~حيث قالا في معنى { نسوا الله } [الحشر: 19] كما قال الجمهور، أما ~~في معنى { فأنساهم أنفسهم } [الحشر: 19] فذكرا وجهين. الأول: ~~كالجمهور، والثاني: بمعنى، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه ~~أنفسهم كقوله تعالى: # لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]، وقوله: # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد # [الحج: 2] اه. # وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق ~~يوم القيامة، وليس خاصا بمن نسي الله كما قال تعالى في نفس الآية التي ~~استدلا بها { وترى الناس سكارى } ، فهو عام في جميع الناس. # وقوله: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2]. والذهول أخو النسيان، وهو هنا عام في كل مرضعة # وتضع كل ذات حمل حملها # [الحج: 2] وهو أيضا عام، وذلك من ms3698 شدة الهول يوم القيامة، ولعل الحامل ~~لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى ~~الله، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى. # ولوجود إسناد الإنساء إلى لاشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # [الكهف: 63]، وكما في قوله تعالى: # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # [الأنعام: 68]، وقوله: عن صاحب يوسف: # فأنساه الشيطان ذكر ربه # [يوسف: 42]. # ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير ~~والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني، وأنها كلها من الله # قل كل من عند الله # [النساء: 78]، # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من الله كما في قوله ~~تعالى: # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه # [البقرة: 102]، ثم قال: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة: 102] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه ~~السلام # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] تأدبا في الخطاب مع الله تعالى، ولكن هذا المقام مقام ~~إخبار من الله عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم، فأوقع ~~عليهم النسيان لأنفسم مجازاة لهم على أعمالهم، فكان نسبته إلى الله ~~وبإخبار من الله عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة: نسوا الله فنسيهم. # تنبيهان # الأول: جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى: # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا # [الجاثية: 34]. # وقوله: # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم # [السجدة: 14]. # وقوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، وفي هذا نسبة النسيان إلى الله تعالى فوقع الإشكال مع ~~قوله تعالى: # وما كان ربك نسيا # [مريم: 64] وقوله: # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52]. # وقد أجاب الشيخ - رحمة الله عليه - عن ذلك في دفع إيهام الاضطراب، بأن ~~النسيان المثبت بمعنى الترك كما تقدم، والمنفي عنه تعالى: هو الذي بمعنى ~~السهو، لأنه محال على الله تعالى. # التنبيه الثاني # مما نص عليه الشيخ - رحمة الله ms3699 تعالى عليه - في مقدمة الأضواء، أن من ~~أنواع البيان أن يوجد في الآية اختلاف للعلماء وتوجد فيها قرينة دالة على ~~المعنى المراد، وهو موجود هنا في هذه المسألة وهو قوله تعالى: # اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا # [الجاثية: 34] وهذا القول يكون يوم القيامة، وقد عبر عن النسيان بصيغة ~~المضارع وهي للحال أو الاستقبال، ولا يكون النسيان المخبر عنه في الحال ~~إلا عن قصد وإرادة، وكذلك لا يخبر عن نسيان سيكون في المستقبل إلا عن قصد ~~وإرادة، وهذا في النسيان بمعنى الترك عن قصد، أما الذي بمعنى السهو فيكون ~~بدون قصد ولا إرادة، فلا يصح التعبير عنه بصيغة المضارع ولا الإخبار ~~بإيقاعه عليهم في المستقبل، فصح أن كل نسيان نسب إلى الله فهو بمعنى ~~الترك، وكان قوله تعالى: { فأنساهم أنفسهم } [الحشر: 19] ~~مفسرا ومبينا لمعنى # اليوم ننساكم # [الجاثية: 34] ولقوله # إنا نسيناكم # [السجدة: 14] والعلم عند الله تعالى. ### || [59.20] # دلت هذه الآية الكريمة على عدم استواء الفريقين: أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة.وهذا أمر معلوم بداهة، ولكن جاء التنبيه عليه لشدة غفلة الناس عنه، ~~ولظهور أعمال منهم تغاير هذه القضية البديهية، كمن يسيء إلى أبيه فتقول ~~له: إنه أبوك، قاله بعض المفسرين. # وهذا في أسلوب البيان يراد به لازم الخبر. أي يلزم من ذلك التنبيه أن ~~يعملوا ما يبعدهم عن النار ويجعلهم من أصحاب الجنة، لينالوا الفوز # وهذا البيان قد جاءت نظائره عديدة في القرآن كقوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28] وكقوله: # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18] أي في الحكم عند الله، ولا في الواقع في الحياة أو في ~~الآخرة، كما قال تعالى: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21] وهنا كذلك # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] في المرتبة والمنزلة والمصير. # قال أبو حيان: هذا بيان مقابلة الفريقين أصحاب النار في الجحيم، وأصحاب ~~الجنة في النعيم، والآية عند ms3700 جمهور المفسرين في بيان المقارنة بين ~~الفريقين، وهو ظاهر السياق بدليل ما فيها من قوله: { أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون } ، فهذا حكم على أحد الفريقين بالفوز، ~~ومفهومه الحكم على الفريق الثاني بالهلاك والخسران، ويشهد له أيضا ما ~~قبلها # ولا تكونوا كالذين نسوا الله # [الحشر: 19] أي من هذا الفريق فأنساهم أنفسهم، فصاروا أصحاب النار على ~~ما سيأتي بيانه إن شاء الله. # وهنا احتمال آخر، وهو لا يستوي أصحاب النار في النار ولا أصحاب الجنة في ~~الجنة، فيما هم فيه من منازل متفاوتة كما أشار إليه أبو حيان عند قوله ~~تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة # [فصلت: 34]، ولكن عدم وجود اللام هنا يجعله أضعف احتمالا، وإلا لقال: ~~لا يستوي أصحاب النار، ولا أصحاب الجنة، وهذا المعنى، وإن كان واقعا ~~لتفاوت درجات أهل الجنة في الجنة، ومنازل أهل النار في النار، إلا أن ~~احتماله هنا غير وارد، لأن آخر الآية حكم على مجموع أحد الفريقين، وهم ~~أصحاب الجنة أي في مجموعهم كأنه في مثابة القول: النار والجنة لا ~~يستويان، فأصحابهما كذلك. # وقد نبه أبو السعود على تقديم أصحاب النار، في الذكر على أصحاب الجنة ~~بأنه ليبين لأول وهلة أن النقص جاء من جهتهم كما في قوله: # هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور # [الرعد: 16] اه. # وبيان ذلك أن الفرق بين المتفاوتين في الزيادة والنقص، يمكن اعتبار ~~التفاوت بالنسبة إلى النقص في الناقص، ويمكن اعتباره بالنسبة إلى الزيادة ~~في الزائد. # فقدم الجانب الناقص ليبين أن التفاوت الذي حصل بينهما، إنما هو بسبب ~~النقص الذي جاء منهما لا بسبب الزيادة في الفريق الثاني: والنتيجة في ذلك ~~عدم إمكان جانب النقص الاحتجاج على جانب الزيادة، وفيه زيادة تأنيب لجانب ~~النقص، وفي الآية إجمال أصحاب النار وأصحاب الجنة. # ومعلوم أن كلمة أصحاب تدل على الاختصاص، فكأنه قال: أهل النار وأهل ~~الجنة المختصون بهما. # وقد دل القرآن أن أصحاب النار هم الكفار كما قال تعالى # والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون # [البقرة: 39]. # والخلود ms3701 لا خروج معه كما في قوله تعالى # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165] إلى قوله # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ ~~منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله ~~أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من ~~النار # [البقرة: 167] وكقوله في سورة الهمزة # يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة ~~ومآ أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي ~~تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة # [الهمزة: 3-8] أي: مغلقة عليهم. # أما أصحاب الجنة فهم المؤمنون كقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب ~~الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون # [الأحقاف: 13-14] وقد جمع القسمين في قوله تعالى # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون # [البقرة: 81-82]. # كما جاء مثل هذا السياق كاملا متطابقا فيفسر بعضه بعضا كما قدمنا، ~~وذلك في سورة التوبة قال تعالى # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ~~وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم # [التوبة: 67-68]. # فهذه أقسام الكفر والنفاق، وأخص أصحاب النار والاختصاص من الخلود فيها ~~ولعنهم وهي حسبهم، وهم الذين نسوا الله فنسيهم، وهم عين من ذكر في هذه ~~السورة سورة الحشر، ثم جاء مقابلة تماما في نفس السياق في قوله تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ~~وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في ~~جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم # [التوبة: 71-72]. # وهذه أيضا أخص صفات أهل الجنة، من الرحمة والرضوان، والخلود، والإقامة ~~الدائمة في جنات عدن، إذ العدن الإقامة الدائمة، ms3702 ومنها المعدن لدوام ~~إقامته في مكانه، ورضوان من الله أكبر. # ثم يأتي الختام في المقامين متحدا، وهو الحكم بالفوز لأصحاب الجنة، ففي ~~آية التوبة # ذلك هو الفوز العظيم # [التوبة: 72] وفي آية الحشر { أصحاب الجنة هم الفآئزون ~~} ، وبهذا علم من هم أصحاب النار، ومن هم أصحاب الجنة. # وتبين ارتباط هذه المقابلة بين هذين الفريقين، وبين ما قبلهم ممن نسوا ~~فأنساهم أنفسهم، ومن اتقوا الله وقدموا لغدهم، وبهذا يعلم أن عصاة ~~المسلمين غير داخلين هنا في أصحاب النار، لما قدمنا من أن أصحاب النار هم ~~المختصون بها ممن كفروا بالله وكذبوا بآياته، وكما يشهد لهذا قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا # [مريم: 71-72]، والظالمون هنا هم المشركون في ظلمهم أنفسهم. # وبهذا يرد على المعتزلة أخذهم من هذه الآية عدم دخول أصحاب الكبيرة ~~الجنة على أنهم في زعمهم لو دخلوها لاستووا مع أصحاب الجنة. # وهذا باطل كما قدمنا، ومن ناحية أخرى يرد بها عليهم، وهي أن يقال: إذا ~~خلد العصاة في النار على زعمكم مع ما كان منهم من إيمان بالله وعمل صالح ~~فماذا يكون الفرق بينهم وبين الكفار والمشركين، وتقدم قوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض # [ص: 28]. # وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى عليه، مسألة بقاء العصاة وخروجهم من ~~النار وخلود الكفار فيها بحثا واسعا في دفع إيهام الاضطراب في سورة ~~الأنعام فليرجع إليه. # وقد استدل الشافعي رحمه الله، بهذه الآية أن المسلم لا يقتل بالذمي ولا ~~بكافر لأنهما لا يستويان، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالهقر. ~~ذكره الزمخشري. # وهذا وإن كان حقا إلا أن أخذه من هذه الآية فيه نظر، لأنها في معرض ~~المقارنة للنهاية يوم القيامة. ### || [59.21] # قوله تعالى: { لو أنزلنا } يدل على أنه لم ينزله، وأنه ذكر على ~~سبيل المثال ليتفكر الناس في أمره كما قال تعالى: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به ms3703 الموتى # [الرعد: 31] الآية. # قال الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عندها: جواب لو محذوف. # قال بعض العلماء: تقديره لكان هذا القرآن إلخ اه. # وقال ابن كثير: يقول تعالى: معظما لأمر القرآن ومبينا علو قدره، وأنه ~~ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد الحق والوعيد ~~الأكيد، { لو أنزلنا هذا القرآن } الآية. # فإن كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع ~~وتصدع من خوف الله عز وجل. # فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، ~~وقد فهمتم عن الله أمره وقد تدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى: { وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون }. # وقد وجد لبعض الناس شيئا من ذلك عن سماع آيات من القرآن، من ذلك ما ~~رواه ابن كثير في سورة الطور عن عمر رضي الله عنه قال: خرج عمر رضي الله ~~عنه يعس بالمدينة ذات ليلة فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلي ~~فوقف يستمع قراءته فقرأ والطور حتى بلغ إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع. ~~قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليا ثم ~~رجع إلى منزله فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. # وذكر القرطبي: قال جبير بن مطعم قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أسارى بدر فوافيته يقرأ في صلاة المغرب والطور إلى قوله ~~تعالى: # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع # [الطور: 7-8]، فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت ~~أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وذكر في خبر مالك بن دينار أنه ~~سمعها فجعل يضطرب حتى غشي عليه اه. # وقد نقل السيوطي في الإتقان خبر مالك بن دينار بتمامه في فصل إعجاز ~~القرآن. # وقال: قد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف، وقد ينشأ هنا ~~سؤال كيف يكون هذا تأثير القرآن لو أنزل على الجبال ولم تتأثر به القلوب، ~~وقد أجاب ms3704 القرآن عن ذلك في قوله تعالى: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة # [البقرة: 74]، وكذلك أصموا آذانهم عن سماعه وغلفوا قلوبهم بالكفر عن ~~فهمه، وأوصدوها بأقفالها فقالوا: قلوبنا غلف، وكذلك قوله تعالى: # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ~~ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا # [الكهف: 57] أي: بسبب الإعراض وعدم التدبر والنسيان، ولذا قال تعالى ~~عنهم: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] فهذه أسباب عدم تأثر الكفار بالقرآن كما قال الشاعر: # إذا لم يكن للمرء عين صحيحة # فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر # بمفهوم المخالفة أن المؤمنين تخشع قلوبهم وتلين جلودهم، كما نص تعالى ~~عليه بقوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشآء # [الزمر: 23] وقوله تعالى: { لو أنزلنا } يدل على أنه لم ينزله على ~~جبل ولم يتصدع منه. # وقد جاء في القرآن ما يدل عليه: لو أنزله، من ذلك قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72]. # وهذا نص صريح لأن الجبال أشفقت من حمل الأمانة وهي أمانة التكليف بمقتضى ~~خطاب الله تعالى إياها. # فإذا كانت الجبال أشفقت لمجرد العرض عليها فكيف بها لو أنزل عليها وكلفت ~~به. # ومنها: أن الله تعالى لما تجلى للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا. # والقرآن كلام الله وصفة من صفاته، فهو شاهد وإن لم يكن نصا. # ومنها النص على أن بعض الجبال التي هي الحجارة ليهبط من خشية الله لقوله ~~تعالى: # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]. # وقد جاء في السنة إثبات ما يشبه ذلك في جبل أحد، # " حينما صعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ~~رضي الله عنهما فارتجف بهم، ms3705 فقال صلى الله عليه وسلم: " أثبت أحد فإن ~~عليك نبي وصديق شهيدان " # وسواء كان ارتجافه إشفاقا أو إجلالا فدل هذا كله على أنه تعالى: وإن ~~لم ينزل القرآن على جبل أنه لو أنزله عليه لرأيته كما قال تعالى: { ~~خاشعا متصدعا من خشية الله }. # وبهذا أيضا يتضح أن جواب لو في قوله تعالى: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # [الرعد: 31] لكان هذا القرآن أرجح من تقديرهم لكفرتم بالرحمن، لأن موضوع ~~تسيير الجبال وخشوعها وتصديعها واحد، وهو الذي قدمه الشيخ رحمة الله ~~تعالى عليه هناك، والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون }. # الأمثال: جمع مثل، وهو مأخوذ من المثل، وأصل المثل الانتصاب، والممثل ~~بوزن اسم المفعول المصور على مثال غيره. # قال الراغب الأصفهاني، يقال: مثل الشيء إذا انتصب وتصور، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار " # والتمثال: الشيء المصور، وتمثل كذا تصور قال تعالى: # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17]. # والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر مشابهة ليبين أحدهما ~~الآخر ويصوره، نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن، فإن هذا القول يشبه قولك: ~~أهملت وقت الإمكان أمرك، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال ~~فقال: # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]. # وفي آية أخرى: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا ~~العالمون # [العنكبوت: 43]. # والمثال يقال على وجهين: # أحدهما: بمعنى المثل نحو مشبه ومشبه به، قال بعضهم: وقد يعبر بهما عن ~~وصف الشيء، نحو قوله تعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون # الرعد: 35]. # والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو ~~أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة. # وذلك ان الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط. # والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط. # والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط. # والشكل يقال فيما يشارك في القدر والمساحة فقط، والمثل عام في جميع ذلك. # ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل ms3706 وجه خصه بالذكر فقال: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. إلخ اه. # فقوله في تعريف المثل. إنه عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، ~~بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره. # فإنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكى على ما قيل أولا كقولهم: ~~الصيف ضيعت اللبن بكسر التاء خطابا للمؤنثة. # فلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته، لقلت له: الصيف ~~ضيعت اللبن بكسر التاء على الحكاية. # وهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب، وأكثر ما في ~~القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه صورة ~~بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان. # وقد ساق الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عددا منها في الجزء الرابع عند ~~قوله تعالى: # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ~~وكان الإنسان أكثر شيء جدلا # [الكهف: 54]، ومن أهم أغراض هذا النوع من التشبيه هو بيان صورة بصورة ~~وجعل الخفي جليا، والمعنوي محسوسا كقوله تعالى: # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى ~~المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه # [الرعد: 14]. # فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة، وفي تلك الصورة بكل ~~أجزائها، وهو باسط يده مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه، وهو فاغر فاه ~~ليشرب، لقلت وأي جدوى تعود عليه، ومتى يذوق الماء وهو على تلك الحالة، ~~إنه يموت عطشا ولا يذوق منه قطرة. # وكذلك حال من يدعو غير الله مع ما يدعوهم من دونه لا يحصل على طائل ~~كقوله تعالى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41] فأي غناء لإنسان في بيت العنكبوت. # وكذلك أي غناء في ولاية غير الله فكذلك الحال هنا، أريد بالأمثال صور ~~يصور لانتزاع الحكم من السامع بعد أن تصبح الصورة محسوسة ملموسة، وانظر ~~قوله تعالى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187] وكيف غطى وأخفى في هذا الأسلوب ms3707 ما يستحي منه وأبرزه ~~بلباسه في التشبيه بما يتقي به، ومدى مطابقة معنى اللباس لحاجة كل من ~~الزوجين للآخر، وتلك في قوله تعالى: { وتلك الأمثال } عائدة إلى ~~الأمثلة المتقدمة قريبا في عمل المنافقين مع اليهود ونتائج أعمالهم، ~~وهكذا كل موالاة بين غير المسلمين وكل معاداة وانصراف عما جاء به سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم. # وكذلك في بيان مدى فعالية القرآن وتأثيره، لو أنزل على الجبال لخشعت ~~وتصدعت، مما يستوجب التفكير فيه والأتعاظ به، ثم مثال الفريقين في قوله ~~تعالى: # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر: 19]، ونتيجة ذلك في الآخرة من عدم استواء الفريقين، فأصحاب نار ~~وأصحاب جنة. # ولكأن الأمثال هنا والتنبيه عليها إشارة إلى أن أولئك بنسيانهم لله ~~وإنسائه إياهم أنفسهم، صاروا بهذا النسيان أشد قساوة من الجبال، بل إن ~~الجبال أسرع تأثرا بالقرآن منهم لو كانوا يتفكرون. # وقد قال أبو السعود: إنه أراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه ~~عند تلاوته وقلة تدبره فيه اه. # وهكذا بهذه الأمثلة ينتزع الحكم من السامع على أولئك المعرضين الغافلين ~~بأن قلوبهم قاسية كالجبال أو أشد قسوة كما قدمنا، بخلاف المؤمنين تلين ~~جلودهم وقلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق كما قال تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشآء # [الزمر: 23]. ### || [59.22-24] # جاءت في هذه الآيات الثلاث: ذكر كلمة التوحيد مرتين، كما ذكر فيها أيضا ~~تسبيح الله مرتين وذكر معهما العديد من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ~~فكانت بذلك مشتملة على ثلاث قضايا أهم قضايا الأديان كلها مع جميع الأمم ~~ورسلهم، لأن دعوة الرسل كلها في توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته ~~وتنزيهه، والرد على مفتريات الأمم على الله تعالى: # فاليهود قالوا: عزير ابن الله. # والنصارى قالوا المسيح ابن الله. # والمشركون قالوا: # اتخذ الرحمن ولدا # [مريم: 88]، # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]، وقالوا: # أجعل الآلهة إلها ms3708 واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]. # فكلهم ادعى الشريك مع الله، وقالوا: ثالث ثلاثة وغير ذلك. # وكذلك في قضية التنزيه، فاليهود قالوا: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]، وقالوا: # يد الله مغلولة غلت أيديهم # [المائدة: 64]. # والمشركون قالوا: # وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا # [الفرقان: 60]، ونسبوا الله ما لا يرضاه أحدهم لنفسه، وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا، في الوقت الذي إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم. # وهذا كما تراه أعظم افتراء على الله تعالى، وقد سجله عليهم القرآن في ~~قوله تعالى # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا # [الكهف: 4-5] وكما قال تعالى: # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون # [الصافات: 151-152]، وقال مبينا جرم مقالتهم، # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 88-92]. # فكانت تلك الآيات الثلاث علاجا في الجملة لتلك القضايا الثلاث، توحيد ~~الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتنزيه الله سبحانه وتعالى مع إقامة ~~الأدلة عليها. # وقد اجتمعت معا لأنه لا يتم أحدها إلا بالآخرين، ليتم الكمال لله ~~تعالى. # قال أبو السعود: إن الكمالات كلها مع كثرتها وتشعبها راجعة إلى الكمال ~~في القدرة والعلم اه. # وهذا كله متوفر في هذا السياق، وقد بدأ بكلمة التوحيد، لأنها الأصل، لأن ~~من آمن بالله وحده آمن بكل ما جاء عن الله، وآمن بالله على ما هو له أهل، ~~ونزهه عما ليس له بأهل قال تعالى: { هو الله الذي لا إله ~~إلا هو } [الحشر:22] ثم أعقبه بالدليل على إفراده تعالى بالألوهية ~~بما لا يشاركه غيره فيه بقوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة ~~} [الحشر: 22]. # وهذا الدليل نص عليه على أنه دليل لوحدانية الله تعالى في مواضع أخرى ~~منها قوله تعالى # إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع ~~كل شيء ms3709 علما # [طه: 98] ووسع كل شيء هنا تساوى عالم الغيب والشهادة، ومنها قوله تعالى # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ~~الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم # [النمل: 25-26]. وقوله تعالى # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم # [البقرة: 255] إلى قوله # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]. # وهذا قطعا لا يشاركه فيه غيره، كما قال تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59] فكان من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو، وجاء ~~بدليل ثان، وهو قوله تعالى { هو الرحمن الرحيم } وقد نص ~~عليه صراحة أيضا كدليل على الوحدانية في قوله تعالى # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163] فهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. # من رحمته التي اختص بها في الدنيا قوله: # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته # [الشورى: 28] وقوله: # فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض ~~بعد موتهآ # [الروم: 50] أي: بإنزاله الغيب وإنبات النبات مما لا يقدر عليه إلا هو ~~فكان حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو. # وقد جمع الدليلين العلم والرحمة معا في قوله تعالى: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما # [غافر: 7]. # ثم جاءت كلمة التوحيد مرة أخرى، { هو الله الذي لا إله ~~إلا هو } ، وجاء بعدها من الصفات الجامعة قوله: { الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر } ، وهذا الدليل على وحدانيته تعالى نص عليه ~~في موضع آخر صريحا في قوله تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ~~الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو ~~يحيي ويميت # [الأعراف: 158] فالذي له ملك السماوات والأرض هو الملك الحق الكامل ~~الملك، وهو الذي يملك التصرف في ملكه كما يشاء بالإحياء والإماتة وحده، ~~كما قال تعالى # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير الذي خلق الموت والحياة ms3710 # [الملك: 1-2] وهو القدوس السلام المؤمن المهيمن على ملكه كما في قوله ~~أيضا # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم # [البقرة: 255] فالقيوم هو المهيمن والقائم بكل نفس، العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون، ثم جاء بالدليل الأعظم في قوله تعالى: { ~~هو الله الخالق البارىء المصور } فهو وحده المتفرد ~~بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من ~~موضع كما في قوله تعالى: # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # [الأنعام: 101] ثم قال # ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ~~شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل # [الأنعام: 102]. # وذكر أيضا الخلق مفصلا والملك مجملا في قوله تعالى # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث # [الزمر: 6] ثم قال # ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو ~~فأنى تصرفون # [الزمر: 6] وقال # ذلكم الله ربكم خالق كل شيء # [غافر: 62] ثم قال # لا إله إلا هو فأنى تؤفكون # [غافر: 62] وجمع الملك والخلق معا في قوله # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا # [الفرقان: 2] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. # ومن تأمل براهين القرآن على وحدانية الله تعالى، وعلى قدرته، على البعث ~~وهما أهم القضايا العقائدية يجد أهمها وأوضحها وأكثرها، هو هذا الدليل، ~~أعني دليل الخلق والتصوير. # وقد جاء هذا الدليل في القرآن جملة وتفصيلا، فمن الإجمال ما جاء في أصل ~~المخلوقات جميعا # الله خالق كل شيء # [الزمر: 62] وقوله تعالى: # تبارك الذي بيده ms3711 الملك وهو على كل شيء ~~قدير # [الملك: 1]، وقال: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] ثم قال # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83] وقال: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 1-2] أي خالق الإيجاد والعدم، وخلق العدم يساوي في الدلالة على ~~القدرة خلق الإيجاد، لأنه إذا لم يقدر على إعدام ما أوجد يكون الموجود ~~مستعصيا عليه، فيكون عجزا في الموجد له، كمن يوجد اليوم سلاحا ولا ~~يقدر على إعدامه، وإبطال مفعوله، فقد يكون سببا في إهلاكه، ولا تكتمل ~~القدرة حقا إلا بالخلق والإعدام معا، وقال في خلق السماوات والأرض: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. # وقال في خلق الأفلاك وتنظيمها: # وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر # [الأنبياء: 33]. # ثم في أصول الموجودات في الأرض بقوله: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]. # وفي أصول الأجناس: الماء والنار والنبات والإنسان، قال: # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59]. # وذكر معه القدرة على الإعدام: # نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين # [الواقعة: 60]. # وفي أصول النبات: # أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. # وفي أصول الماء: # أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن أم نحن المنزلون # [الواقعة: 68-69]. # وفي أصل تطوير الحياة: # أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71-72]. # وفي جانب الحيوان # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17] الآية. # ولهذا فقد تمدح تعالى بهذه الصفة، صفة الخلق وصفة آلهة المشركين بالعجز، ~~كما قال تعالى: # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل ~~دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من ~~كل زوج كريم # [لقمان: 10] ثم قال: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ~~بل الظالمون في ضلال مبين # [لقمان: 11]. # ومعلوم أنها لم تخلق شيئا كما قال تعالى موبخا لهم: # أيشركون ما ms3712 لا يخلق شيئا وهم يخلقون # [الأعراف: 191]. # وبين أنهما لا يستويان في قوله: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # [النحل: 17]، ثم بين نهاية ضعفها وعجزها في قوله تعالى: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا # [الفرقان: 3] وهذا غاية العجز. كما ضرب لذلك المثل بقوله: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73] فهم حقا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولو بقدر ~~الذبابة؟ وهكذا ترى صفة الخلق المتصف بها سبحانه وتعالى أعظم دليل على ~~وحدانية الله تعالى، وهي متضمنة صفة التصوير والعلم لأن لكل مخلوق صورة ~~تخصه؟ ولا يكون ذلك إلا عن علم بالغيب والشهادة، كما تقدم. # وهكذا أيضا كان هذا الدليل أقوى الأدلة على البعث، كما قال تعالى: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم # [يس: 77-79] إلى آخر السورة. # وكذلك في قوله تعالى صريحا في ذلك ونصا عليه: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين ~~لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ~~ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم ~~من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5] ثم قال تعالى: # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور # [الحج: 6-7]. # ثم بين تعالى أن جاحد هذا الدليل إنما هو مكابر جاهل، ضال مضل، وذلك في ms3713 ~~قوله بعده مباشرة: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ~~له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد # [الحج: 8-10]. # ومن هنا كان أول نداء في المصحف يوجه إلى الناس جميعا بعبادة الله كان ~~لاستحقاقه عبادته وحده، لأنه متصف بصفة الخلق كما قال تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # [البقرة: 21-22]. أي لأنهم ليسوا له بأنداد فيما اتصف به سبحانه فلا ~~تشركوهم مع الله في عبادته. # فكانت هذه الصفات لله تعالى في آخر هذه السورة حقا أدلة على إثبات ~~وحدانية الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد وحده ~~لا إله إلا هو. # والواجب على الخلق تنزيهه عما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى عما يشركون، ~~يسبح له ما في السموات والأرض، لأنها من مخلوقاته وهو العزيز الحكيم، ~~وقوله تعالى { له الأسمآء الحسنى } لم يبين هنا المراد من أنه ~~سبحانه له الأسماء الحسنى، وقد بين في سورة الأعراف المراد بذلك في قوله ~~تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180]. # قال القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع ~~والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده وإفضاله، ومجيء، قوله تعالى: ~~{ له الأسمآء الحسنى } بعد تعداد أربعة عشر اسما من أسمائه ~~سبحانه يدل على أن له أكثر من ذلك، ولم يأت حصرها ولا عدها في آية من ~~كتاب الله. # وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو ~~وتر يحب الوتر " # وسرد ابن كثير عدد المائة مع اختلاف في الروايات. # وذكر عند آية الأعراف أنها ليست محصورة في ms3714 هذا العدد لحديث ابن مسعود في ~~مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ~~ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ~~أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب ~~عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، ~~إلا أذهب الله حزنه وهمه " # الحديث اه. # ومحل الشاهد منه ظاهر في أن لله أسماء أنزلها في كتبه وأسماء خص بها بعض ~~خلقه كما خص الخضر بعلم من لدنه، وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، ~~كما يدل حديث الشفاعة: # " فيلهمني ربي بمحامد لم أكن أعرفها من قبل " # ، والواقع أنه لا تعارض بين الحديثين. # لأن الأول: يتعلق بعدد معين، وبما يترتب عليها من الجزاء. # والحديث الثاني: يتعلق ببيان أقسام أسمائه تعالى، من حث العلم بها ~~وتعليمها وما أنزل منها. # وقد ذكر هذا الجمع ابن حجر في الفتح في كتاب الدعوات عند باب: لله مائة ~~اسم غير واحد. # وقد حاول بعض العلماء استخراج المائة اسم من القرآن فزادوا ونقصوا ~~لاعتبارات مختلفة، وقد أطال في الفتح بحث هذا الموضوع في أربع عشرة صحيفة ~~مما لا غنى عنه ولا يمكن نقله، ولا يصلح تلخيصه. # وقد ذكر من أفردها بالتأليف. # كما أن القرطبي ذكر أنه ألف فيها، وأساس البحث يدور على نقطتين: # الأولى: تعيين المائة اسم المرادة # والثانية: معنى أحصاها، وفي رواية حفظها. # وقد حضرت مجلسا للشيخ رحمة الله تعالى عليه في بيته مع الشيخ عبد ~~العزيز بن عبد الله بن باز وسأله عن الصحيح في ذلك، فكان حاصل ما ذكر في ~~ذلك المجلس أن التعيين لم يأت فيه نص صحيح، وأن الإحصاء أو الحفظ لا ~~ينبغي حمله على مجرد الحفظ للألفاظ غيبا، ولكن يحمل على أحصى معانيها ~~وحفظها من التحريف فيها والتبديل والتعطيل، وحاول التخلق بحسن صفاتها ~~كالحلم والعفو والرأفة ms3715 والرحمة والكرم، ونحو ذلك، والحذر من مثل الجبار ~~والقهار، ومراقبة مثل: الحسيب الرقيب، وكذلك التعرض لمثل التواب والغفور ~~بالتوبة وطلب المغفرة، والهادي والرزاق بطلب الهداية والرزق ونحو ذلك. # ونقل القرطبي عن ابن العربي عند قوله تعالى: # فادعوه بها # [الأعراف: 180] أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به تقول: ~~يا رحمن ارحمني، يا رزاق ارزقني: يا هادي اهدني، يا تواب تب علي، ~~وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين اه. # مسألة # يؤخذ من كلام ابن العربي هذا ما يقوله الفقهاء في ذكر اسم الله عند ~~الذبح أن يقتصر على قوله: بسم الله ولا يقول الرحمن الرحيم، لأن اسم ~~الرحمن الرحيم يقتضي الرحمة، وهي لا يتناسب معها الذبح ورسول الروح. # ويؤيد هذا ما ذكره ابن قدامة أنه # " ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذبح قال: " بسم الله والله ~~أكبر " # أي أكبر وأقدرك عليها، وهو أكبر منك عليك منها. # فإذا فقه الإنسان أسماء الله الحسنى على هذا النحو، كان حقا قد أحصاها ~~وحفظها في استعمالها في معانيها، فكان حقا من أهل الجنة، والعلم عند ~~الله تعالى. # ولقد استوقفني طويلا مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلا لها ~~وختاما وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد، وإقامة الدليل، وإلزام ~~أهل الإلحاد والتعطيل، فمكثت طويلا أتطلب ربطها بما قبلها، فلم أجد في ~~كل ما عثرت عليه من التفسير أكثر من شرح المفردات، وإيراد بعض التنبيهات ~~مما لا ينفذ إلى أعماق الموضوع، ولا يشفي عليلا في مجتمعاتنا الحديثة، ~~أو يذهب شبه المدنية المادية، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها ~~فإذا بها تبدأ أولا بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم، وهذا أمر ~~فوق مستوى الإدراك الإنساني، ثم تسوق أعظم حدث تشهده المدينة بعد الهجرة ~~من إخراج اليهود، ولم يكن مظنونا إخراجهم، فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا فكانوا موضع العبرة والموعظة. # ثم تأتي لموقف فريقين متقابلين، فريق المؤمنين والكافرين. # يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار وما كانوا عليه من أخوة ومودة ~~ورحمة وعطاء وإيثار ms3716 على النفس. # ويتمثل الفريق الآخر في المنافقين واليهود، وما كان بينهم من مواعدة ~~وإغراء وتحريض، ثم تخل عنهم وخذلان لهم. # فكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، ~~وهي صورة المجتمع في المدينة آنذاك. # ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الحزبين ومنتهاهما وعدم ~~استوائهما، وفي ذلك تقرير المصير: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة هم الفآئزون # [الحشر: 20]. # وهذه أخطر قضية في كل أمة أي تقرير مصيرها، ثم بيان حقيقة تأثير القرآن ~~وفعاليته في المخلوقات، ولو كانت جبلا أشم أو حجرا أصم لو أنزل عليه ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، فإذا بها قد اشتملت على موضوع الخلق ~~والخالق والأمة والرسالة والبدء والنهاية وصراع الحق مع الباطل، والكفر ~~والإيمان والنفوس في الشح والإحسان، وكلها مواقف عملية ومناهج واقعية ~~وأمثلة بيانية # وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]. # فإذا ما توجه الفكر في هذا العرض، وتنقل من موقف إلى موقف، وتأمل صنع ~~الله وقدرته وآياته، نطق بتسبيحه، وعلم أنه سبحانه هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة، علم ما سيكون عليه العالم قبل وجوده، فأوجده ~~على مقتضى علمه به، وسيره على النحو الذي أوجده عليه، علم خذلان ~~المنافقين لليهود قبل أن يحرضهم، فكان كما علم سبحانه وحذر من مشابهتهم، ~~وعلم أنه لو أنزل القرآن على جبل ماذا يكون حاله، فحث العباد بالأخذ به، ~~ولعلمه هذا بالغيب والشهادة، كان حقا هو الله وحده. # ثم مرة أخرى: { هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر } [الحشر: 23]، برهان آخر في صور متعددة، ~~وبراهين متنوعة على وحدانيته سبحانه الملك القدوس، الملك المهيمن على ~~ملكه القدوس المسلم من كل نقص، المسيطر على ما في ملكه كله لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة. كما قال تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير # [الملك: 1]. # وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معا عالم الغيب والشهادة، والملك ~~القدوس والسلام المهيمن، فنجدها مترابطة ms3717 متلازمة لأن العالم إذا لم يملك ~~التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه. # والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه. # فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات: العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل ~~الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا ~~يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون، هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى. # وهنا، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله. # فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد. # والبارئ الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر ~~شيئا أوجده إلا الله. # والمصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد ~~من موجوداته على صورة تختص به إلا الله سبحانه وتعالى، كما هو موجود في ~~خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه. # وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون ~~بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب، وهذا لا ~~يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة، فكان تقديره بموجب علمه والملك ~~القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره. # والمهيمن: يسير ما يوجد على مقتضى ما يقدره. # والذي قدر فهدى، العزيز الذي لا يقهر الجبال الذي يقهر كل شيء لإرادته، ~~وتقديره، ويخضعه لهيمنته. # المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق، وأكبر من أن يشاركه غيره في ~~صفاته، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان الله ~~عما يشركون. # وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم، { ~~هو الله الخالق البارىء المصور } [الحشر: 24] وهو ~~أعظم دليل كما تقدم، وهو كما قال: دليل الإلزام، لأن الخلق لا بد لهم من ~~خالق، وهذه قضية منطقية مسلمة، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد، وقد ~~ألزمهم في قوله تعالى: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # [الطور: 35]، وهذا بالسير، والتقسيم أن يقال: إما خلقوا ms3718 من غير شيء ~~خلقهم أي من العدم، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئا لأن فاقد الشيء لا ~~يعطيه، والعدم ليس أمرا وجوديا حتى يمكن له أن يوجد موجودا. # أم هم الخالقون؟ # وهم أيضا يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم، فيبقى المخلوق لا بد ~~له من خالق، وهو الله تعالى: الخالق البارئ. # ولو قيل من جانب المنكر: إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان ~~والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها، كالأبوين للحيوان ~~وكالحرث والسقي للنبات إلخ، فجاء قوله تعالى: { المصور } ، فهل الأبوان ~~يملكان تصوير الجنين من جنس الذكورة أوالأنوثة أو من جنس اللون والطول ~~والقصر والشبه؟ # الجواب: لا وكلا، بل ذلك لله وحده، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، ~~كما قال تعالى: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. # وكذلك في النبات، توضع الحبة وتسقى بالماء، فالتربة واحدة، والماء واحد، ~~فمن الذي يصور شكل النبات هذا نجم على وجه الأرض، وذاك نبت على ساق، وهذا ~~كرم على عرش، وذاك نخل باسقات، فإذا طلعت الثمرة في أول طورها فمن الذي ~~يصورها في شكلها، من استداردتها أو استطالتها أو غير ذلك، وإذا تطورت إلى ~~النضج فمن الذي صورها في لونها الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأخضر أو ~~الأبيض؟ هل هي التربة أو الماء أو هما معا، لا وكلا. # إنه هو الله الخالق البارئ المصور، سبحانه له الأسماء الحسنى يسبح له ما ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها. # وهنا عود على بدء يختم السورة بما بدأت به مع بيان موجباته واستحقاقه، ~~وآيات وحدانيته، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة وقد ~~كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول ~~وإياكم }. # نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ العدو المشترك أولياء، ولفظ العدو مفرد، ~~ويطلق على الفرد ms3719 والجماعة. # ومن إطلاقه على الفرد قوله تعالى: # فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك # [طه: 117] يعني بالعدو إبليس. # ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو # [الكهف: 50]، والمراد به هنا الجمع لما ففي السياق من القرائن منها قوله ~~" أولياء " بالجمع، ومنها { تلقون إليهم بالمودة } وهو ~~ضمير جمع، ومنها { وقد كفروا } بواو الجمع، ومنها يخرجون أيضا ~~بالجمع، وقوله بعدها # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا # [الممتحنة: 2] وكلها بضمائر الجمع. # أما العدو المراد هنا فقد عم وخص في وصفه فوصفه أولا بقوله { وقد ~~كفروا بما جآءكم من الحق } وخص بوصفه يخرجون الرسول، ~~والوصف بالكفر يشمل الجميع، فيكون ذكرهما معا للتأكيد والاهتمام بالخاص، ~~كقوله تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل # [البقرة: 98] ففي ذكر الخاص هنا وهو وصف العدو بإخراج الرسول والمؤمنين ~~للتهييج على من أخرجوهم من ديارهم كقوله # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم # [البقرة: 191]. # وقد بين تعالى المراد بالذين أخرجوا الرسول والمؤمنين في عدة مواضع، ~~منها قوله تعالى: # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك # [محمد: 13] أي مكة، ومنها قوله: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار # [التوبة: 40] الآية. # فعليه يكون المراد بعدوي وعدوكم هنا، خصوص المشركين بمكة. # وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقصة ~~الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم ~~مما يؤيد المراد بالعدو هنا، ولكن، وإن كانت بصورة السبب قطعية الدخول ~~إلا أن عموم اللفظ لا يهمل، فقوله { عدوى وعدوكم } ، وقوله: { ~~وقد كفروا بما جآءكم من الحق } يشمل كل من كفر بما ~~جاءنا من الحق كاليهود والنصارى والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة. # وقد جاء النص على كل طائفة مستقلة، ففي سورة المجادلة عن المنافقين قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم ما هم منكم ولا منهم # [المجادلة: 14]. # وتكلم عليها الشيخ رحمة الله تعالى عليه. # وعن اليهود ms3720 في سورة الحشر كما تقدم، وعن اليهود والنصارى معا قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء # [المائدة: 51]. # ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم، ~~وكالهندوكية، والبوذية وغيرهم، ومما يتبع هذا العموم ما جاء في قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة ~~اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون # [المائدة: 57-58]. # فكل من هزئ بشيء من الدين أو اتخذه لعبا ولهوا فإنه يخشى عليه من ~~تناول هذه الآية إياه. # تنبيه # ذكر المقابلة هنا بين عدوي وعدوكم أولياء فيه إبراز صورة الحال وتقبيح ~~الفعل، لأن العداوة تتنافى مع الموالاة والمسارة للعدو بالمودة، وقد ناقش ~~بعض المفسرين قضية التقديم والتأخير في تقديم عدوي أولا، وعطف عدوكم ~~عليه، فقال الفخر الرازي: التقديم لأن عداوة العبد لله بدون علة، وعداوة ~~العبد للعبد لعلة، وما كان بدون علة فهو مقدم على ما كان بعلة اه. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي، وهو أن ~~عداوة العبد لله هي الأصل، وهي أشد قبحا، فلذا قدمت، وقبحها في أنهم ~~عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رازقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم. # وقد جاء في الأحاديث القدسية ما يستأنس به في ذلك فيما رواه البيهقي ~~والحاكم، عن معاذ والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرجاء ما نصه: # " إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري " ~~وفيه " خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ~~ويتبغضون إلي بالمعاصي " # كما أن تقديمه يؤكد بأنه هو السبب في العداوة بين المؤمنين والكافرين، ~~وما كان سببا فحقه التقديم. # ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل، أن الكفار لو آمنوا بالله وانتفت ~~عداوتهم لله لأصبحوا إخوانا للمؤمنين وانتفت العداوة بينهما، وكذا كونه ~~مغيا بغاية في قوله تعالى: # فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في ~~سبيل الله ms3721 # [النساء: 89]. # ومثله قوله تعالى في قوم إبراهيم: # وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا ~~حتى تؤمنوا بالله وحده # [الممتحنة: 4] فإذا هاجر المشركون وآمن الكافرون، انتفت العداوة وجاءت ~~الموالاة. # ومما قدمنا من أن سبب النهي عن موالاة الأعداء، هو الكفر يعلم أنه إذا ~~وجدت عداوة لا لسبب الكفر فلا ينهى عن تلك الموالاة لتخلف العلة ~~الأساسية، كما جاء في قوله تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]، ثم قال تعالى: # وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور ~~رحيم # [التغابن: 14]. # فلما تخلف السبب الأساسي في النهي عن موالاة العدو الذي هو الكفر، جاء ~~الحث على العفو والصفح والغفران، لأن هذه العداوة لسبب آخر هو ما بينه ~~قوله تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15]. فكان مقتضاها فقط الحذر من أن يفتنوه، وكان مقتضى ~~الزوجية حسن العشرة، كما هو معلوم. وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة عند ~~هذه الآية، إن شاء الله تعالى. # وقد نص صراحة على عدم النهي المذكور في خصوص من لم يعادوهم في الدين في ~~قوله تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم # [الممتحنة: 8] الآية. # وللموالاة أحكام عامة وخاصة، وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى عليه في ~~عدة مواضع من الأضواء. # منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] وقد أطال البحث فيها. # ومنها في الجزء الثالث عرضا ضمن قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] وبين روابط العالم الإسلامي بتوسع. # ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء # [الكهف: 50] الآية. # ومنها في مخطوط السابع عند قوله تعالى: # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك أهلكناهم # [محمد: 13] وأحال فيها على آية الممتحنة هذه. # ومنها أيضا عند قوله تعالى: # ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~سنطيعكم في بعض الأمر # [محمد: 26]، وأحال عندها على مواضع متقدمة من سورة الشورى وبني إسرائيل. # ومنها في سورة المجادلة على قوله ms3722 تعالى: # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم # [المجادلة: 14]. # وفيما كتبه رحمة الله تعالى عليه، بيان لكل جوانب أحكام هذه الآية، غير ~~أني لم أجده رحمة الله تعالى عليه تعرض لما في هذه السورة من خصوص ~~التخصيص للآية بقوله تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم # [الممتحنة: 8] الآية. # ولم أسمع منه رحمة الله تعالى عليه فيها شيئا مع أنها نص في تخصيص ~~العموم من هذه الآية، وسيأتي لها بيان لذلك عندها إن شاء الله. # تنبيه # رد أهل السنة بهذه الآية وأمثالها على المعتزلة قولهم: إن المعصية تنافي ~~الإيمان، لأن الله ناداهم بوصف الإيمان مع قوله: { ومن يفعله ~~منكم فقد ضل سوآء السبيل } فلم يخرجهم بضلالهم عن عموم ~~إيمانهم، ويشهد لهذا أن الضلال هنا عن سواء السبيل لا مطلق السبيل. ### || [60.2] # يثقفوكم: أي يدركوكم، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، والرمح ~~المثقف المقوم. # قال الراغب: ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة، قال ~~تعالى: # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191]، وقال # فإما تثقفنهم في الحرب # [الأنفال: 57] اه. # فهذه نصوص القرآن في أن الثقافة بمعنى الإدراك، وقوله تعالى { ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } الآية، نص على أن العداوة وبسط ~~اليد واللسان بالسوء، يكون بعد أن يثقفوهم مع أنه العداء سابق بإخراجهم ~~إياهم من ديارهم، فيكون هذا من باب التهييج وشدة التحذير، وأن الذي يكون ~~بعد الشرط هو بسط الأيدي بالسوء لأنهم الآن لا يقدرون عليهم بسبب الهجرة، ~~ومن أدلة القرآن على وجود العداوة بالفعل لدى عموم من دون المؤمنين في ~~قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر # [آل عمران: 118] فقوله: من دونكم يشمل المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، ~~وقوله { ودوا ما عنتم } أي في الحاضر، وقوله: { قد بدت ~~البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } لم ~~يتوقف على الشرط المذكور في إن يثقفوكم، فهم أعداء، وقد بدت منهم البغضاء ~~قولا وفعلا. ms3723 # وعلى هذا تكون الآية إعلان المقاطعة بين المؤمنين، ومن دونهم وقوله: ~~وودوا لو تكفرون، قد بين تعالى سبب ذلك بأنه الحسد كما في قوله تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # [البقرة: 109]. # وقال تعالى: # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ~~بما كسبوا # [النساء: 88] إلى قوله # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # [النساء: 89]. ### || [60.3] # قوله تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ~~يوم القيامة يفصل بينكم }. # الأرحام تستعمل في القرآن لعموم القرابة، كقوله تعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]، وقوله تعالى: { يفصل بينكم } أي بتقطع الأنساب ~~بينهم، كما بينه تعالى بقوله: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]. # وقد بين تعالى نتيجة هذا الفصل بينهم يوم القيامة في قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]، قوله في موضع آخر: # وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه # [المعارج: 12-13] فعمت جميع الأقارب وبينت سبب الفصل بينهم، وما يترتب ~~عليه. # وهذه الآية خطاب للمؤمنين في ذوي أرحامهم من المشركين، كما في قصة سبب ~~النزول في أمر حاطب بن أبي بلتعة في إرساله الخطاب لأهل مكة قبيل الفتح ~~بأمر التجهز لهم. # ومفهوم الوصف في أول السياق عدوي وعدوكم، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، ~~يدل بمفهوم المخالفة أن أولي الأرحام من المؤمنين قد لا يفصل بينهم يوم ~~القيامة. # ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء # [الطور: 21]، وقوله تعالى في دعاء الملائكة من حمله العرش للمؤمنين: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم # [غافر: 8]. # وهذه الآية بيان واضح في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب. # وهذا المعنى بالذات تقدم للشيخ رحمة الله تعالى عليه، الكلام عليه عند ~~قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي ms3724 أقوم # [الإسراء: 9] والآية الآتية بيان واضح لحقيقة هذا المعنى وشموله في جميع ~~الأمم. ### || [60.4] # قوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا ~~حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك } الآية. # الأسوة كالقدوة، وهي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو ~~قبيحة، ولذا قال تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] وهنا أيضا: { قد كانت لكم أسوة حسنة ~~في إبراهيم والذين معه }. # وقد بين تعالى هذا التأسي المطلوب، وذلك بقوله: { إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون ~~الله } الآية. # فالتأسي هنا في ثلاثة أمور. أولا: التبرؤ منهم ومما يعبدون من دون الله ~~ثانيا: الكفر بهم. # ثالثا: إبداء العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها أبدا إلى الغاية ~~المذكورة حتى يؤمنوا بالله وحده، وهذا غاية في القطيعة بينهم وبين قومهم، ~~وزيادة عليهم إبداء العداوة والبغضاء أبدا، والسبب في ذلك هو الكفر، ~~فإذا آمنوا بالله وحده انتفى كل ذلك بينهم. # وهنا سؤال، هو موضع الأسوة إبراهيم والذين معه بدليل العطف بينهما. # وقوله تعالى: { في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم } فقائل القول لقومهم إبراهيم والذين مع إبراهيم، وهذا محل ~~التأسي بهم فيما قالوه لقومهم. # وقوله تعالى: { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ~~لك } فهذا القول من إبراهيم ليس موضع التأسي، وموضع التأسي المطلوب في ~~إبراهيم عليه السلام هو ما قاله مع قومه المتقدم جملة، وما فصله تعالى في ~~موضع آخر في قوله تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين # [الزخرف: 26-27] وهذا التبرؤ جعله باقيا في عقبه، كما قال تعالى: # وجعلها كلمة باقية في عقبه # [الزخرف: 28]. # وقوله تعالى: { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ~~لك } الآية. لم يبين هنا سبب هذا الاستثناء وهل هو خاص بإبراهيم لأبيه ~~أم لماذا؟ # وقد بينه تعالى في موضع آخر في قوله ms3725 تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114] تلك الموعدة التي كانت له عليه في بادئ دعوته حينما قال ~~له أبوه # أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم: 46-47] فكان قد وعده ووفى بعهده، فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه، فكان محل التأسي في إبراهيم في هذه التبرؤ من أبيه، لما تبين ~~له أنه عدو لله. # وقد جاء ما يدل على أنها قضية عامة وليست خاصة في إبراهيم عليه السلام ~~كما في قوله تعالى: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم # [التوبة: 113] وفي هذه الآية وما قبلها أقوى دليل على أن دين الإسلام ~~ليست فيه تبعية أحد لأحد، بل كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. # ومن عجب أن يأتي نظير موقف إبراهيم من أبيه مواقف مماثلة في أمم متعددة، ~~منها موقف نوح عليه السلام من ابنه لما قال # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين # [هود: 45] فلما تبين له أمره أيضا من قوله تعالى: # ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # [هود: 46] الآية # قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به ~~علم # [هود: 47] الآية. فكان موقف نوح من ولده كموقف إبراهيم من أبيه. # ومنها موقف نوح ولوط من أزواجهما في قوله تعالى: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا # [التحريم: 10] الآية. # ومنها موقف زوجة فرعون من فرعون في قوله تعالى: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ms3726 ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11] فتبرأت الزوجة من زوجها، وهذا التأسي قد بين تمام البيان ~~معنى قوله تعالى: # لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم # [الممتحنة: 3] أي ولا آباؤكم ولا أحد من أقربائكم، يوم القيامة يفصل ~~بينكم، وقول إبراهيم لأبيه { ومآ أملك لك من الله من ~~شيء } [الممتحنة: 4] بينه ما قدمنا من أن الإسلام ليس فيه تبعية، وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى، وكل نفس بما كسبت رهينة. # وقوله: # يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا # [الأنعام: 158]، وقوله: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19]. # وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى عليه محاضرة في (كنو بنيجريا) في ~~مجتمع فيه من يتعلق ببعض الأشخاص في اعتقاداتهم، فعرض هذا الموضوع، وبين ~~عدم استطاعة أحد نفع أحد فكان لها وقع عظيم الأثر في النفوس، ولعل الله ~~ييسر طبعها مع طبع جميع محاضراته في تلك الرحلة الميمونة. # مسألة # جعل بعض المفسرين هذه الآية دليلا على أن شرع من قبلنا شرع لنا بدليل ~~التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين معه، وتحقيق هذه المسألة في كتب ~~الأصول، وهذه الآية وإن كانت دالة في الجملة على أن شرع من قبلنا شرع ~~لنا، إلا أنها ليست نصا في محل النزاع. # وقد قسم الشيخ رحمة الله تعالى عليه، حكم المسألة إلى ثلاثة أقسام: # قسم هو شرع لنا قطعا، وهو ما جاء في شرعنا أنه شرع لنا كآية الرجم، ~~وكهذه الآية في العداوة والموالاة، وإما ليس بشرع لنا قطعا كتحريم العمل ~~يوم السبت، وتحريم بعض الشحوم. # إلخ. # وقسم ثالث: وهو محل النزاع، وهو ما ذكر لنا في القرآن، ولم نؤمر به ولم ~~ننه عنه. # فالجمهور على أنه شرع لنا لذكره لنا، لأنه لو لم يكن شرعا لنا لما كان ~~لذكره لنا فائدة، واستدلوا بقوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ms3727 فيه # [الشورى: 13] وبهذه الآية أيضا، والشافعي يعارض في هذا القسم ويقول: ~~الآية في العقائد لا في الفروع، ويستدل بقوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] وعلى هذا التقسيم المذكور، فالآية ليست نصا في محل ~~النزاع، لأننا أمرنا بالتأسي به في معين جاء في شرعنا الأمر به في أول ~~السورة. # تنبيه # يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن الخلاف بين الشافعي ~~والجمهور يكاد يكون شكليا، وكل محجوج بما حج به الآخر، وذلك كالآتي: # أولا: قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~} يدل على وجود شرعة وعلى وجود منهاج، فإذا جئنا لاستدلال الجمهور # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] لم نجد فيه ذكر المنهاج، ونجد واقع التشريع، أن منهاج ما ~~شرع لنا يغاير منهاج ما شرع لمن قبلنا كما في مشروعية الصيام قال تعالى: # كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم # [البقرة: 183] وهذا يتفق في أصل الشرعة، ولكن جاء ما يبين الاختلاف في ~~المنهاج في قوله تعالى: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187] ومعنى ذلك أنه كان محرما، وهو ضمن منهاج من قبلنا ~~وشرعتهم فاتفقنا معهم في الشرعة واختلف منهجنا عن منهجهم بإحلال ما كان ~~منه حراما، وهذا ملزم للجمهور، هكذا بقية أركان الإسلام في الصلاة فهي ~~مشروعة للجميع، كما في قوله تعالى: # أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود # [البقرة: 125]، وقوله: # ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم # [إبراهيم: 37] وقوله عن عيسى # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31]، وغير ذلك. # وفي الحج # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]، وقوله: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] الآية، فجميع الأركان، وهي فروع لا عقائد مشروعة في جميع ~~الأديان على جميع الأمم، فاشتركنا معهم في المشروعية، ولكن هل كانت كلها ~~كمنهجها عندنا في أوقاتها وأعدادها وكيفياتها، لقد وجدنا المغايرة في ~~الصوم واضحة، وهكذا في غيرها، فالشرعة عامة للجميع والمنهاج خاص كما يقول ~~الشافعي، والعلم عند الله تعالى. ### || [60.6] # إعادة ms3728 هذه الآية تأكيد على معنى الآية الأولى. # وقوله: { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } يفسره ما ~~تقدم من قوله: # إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي # [الممتحنة: 1]، لأنها تساويها في الماصدق، وهنا جاء بهذا اللفظ ليدل على ~~العموم، وتكون قضية عامة فيما بعد لكل من يرجو الله واليوم الآخر، أن ~~يتأسى بإبراهيم عليه السلام والذين معه في موقفهم المتقدم. # وقوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد } التولي هنا الإعراض عن أوامر الله عموما. # وهنا يحتمل تولي الكفار وموالاتهم، فإن الله غني عنه حميد. # قال ابن عباس: كمل في غناه، ومثله قوله تعالى: # فكفروا وتولوا واستغنى الله # [التغابن: 6]. # وقد جاء بيان استغناء الله عن طاعة الطائعين عموما وخصوصا فجاء في ~~خصوص الحج # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. # وجاء في العموم قوله تعالى: # إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني حميد # [إبراهيم: 8]، لأن أعمال العباد لأنفسهم، كما قال تعالى: # ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني ~~عن العالمين # [العنكبوت: 6]. # وكما في الحديث القدسي: # " لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ~~ذلك في ملكي شيئا " # وقد بين تعالى غناه المطلق بقوله: # لله ما في السماوات والأرض إن الله هو ~~الغني الحميد # [لقمان: 26]. ### || [60.7] # لم يبين هنا هل جعل المودة بالفعل بينهم وبين من عادوهم وأمروا ~~بمقاطعتهم وعدم موالاتهم من ذوي أرحامهم أم لا. ولكن عسى من الله ~~للتأكيد، والتذييل بقوله تعالى: { والله قدير } يشعر بأنه فاعل ~~ذلك لهم، وقد جاء ما يدل على أنه فعله فعلا في سورة النصر حين دخل الناس ~~في دين الله أفواجا، وقد فتح الله عليهم مكة وكانوا طلقاء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكذلك موقف أبي سفيان وغيره، وعام الوفود إلى ~~المدينة بعد الفتح، وفي التذييل بأن الله قدير، يشعر بأن تأليف القلوب ~~ومودتها إنما هو من قدرة الله تعالى ms3729 وحده، كما بينه قوله تعالى: # لو أنفقت ما في الأرض جميعا # [الأنفال: 63] الآية. # لأن المودة المتوقعة بسبب هداية الكفار، والهداية منحة من الله: إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. والعلم عند الله تعالى. ### || [60.8-9] # اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة من الآية في أول السورة، ولكن في ~~هاتين الآيتين صنفان من الأعداء وقسمان من المعاملة. # الصنف الأول: عدو لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم. ~~فهؤلاء يقول تعالى في حقهم { لا ينهاكم الله } { أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم }. # والصنف الثاني: قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على ~~إخراجهم، وهؤلاء يقول تعالى فيهم: إنما ينهاكم الله أن تولوهم إذا فهما ~~قسمان مختلفان وحكمان متغايران، وإن كان القسمان لم يخرجا عن عموم عدوي ~~وعدوكم المتقدم في أول السورة، وقد اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة ~~بعد النهي المتقدم، ثم إنها نسخت بآية السيف أو غيرها على ما سيأتي. # واعتبر الآية الثانية تأكيدا للنهي الأول، وناقش بعض المفسرين دعوى ~~النسخ في الأولى، واختلفوا فيمن نزلت ومن المقصود منها، والوقع أن ~~الآيتين تقسيم لعموم العدو المتقدم في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء # [الممتحنة: 1]، مع بيان كل قسم وحكمه، كما تدل له قرائن في الآية ~~الأولى، وقرائن في هاتين الآيتين على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # أما التقسيم فقسمان: قسم مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم، ~~فلم ينه الله المسلمين عن برهم والإقساط إليهم، وقسم غير مسالم يقاتل ~~المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على إخراجهم، فنهى الله المسلمين عن ~~موالاتهم، وفرق بين الإذن بالبر والقسط، وبين النهي عن الموالاة والمودة، ~~ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الأولى من قرائن، وهي عموم الوصف بالكفر، ~~وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم. # ومعلوم أن إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من ديارهم كان ~~نتيجة لقتالهم وإيذائهم، فهذا السم هو المعني بالنهي عن موالاته لموقفه ~~المعادي لأن المعاداة تنافي الموالاة. # ولذا عقب عليه بقوله تعالى: { ومن ms3730 يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون } فأي ظلم بعد موالاة الفرد لأعداء أمته وأعداء الله ~~ورسوله. # أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا ~~المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ~~ظاهروا على إخراجهم، فهؤلاء من جانب ليسوا محلا للموالاة لكفرهم، وليس ~~منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم. # وعلى هذا فإن الآية الثانية ليس فيها جديد بحث بعد البحث المتقدم في أول ~~السورة، وبقي البحث في الآية الأولى، ومن جانبين: الأول: بيان من المعنى ~~بها، والثاني: بيان حكمها، وهل هي محكمة أم نسخت. # وقد اختلفت أقوال المفسرين في الأمرين، ولأهمية هذا المبحث وحاجة الأمة ~~إليه في كل وقت، وأشد ما تكون في هذا العصر لقوة تشابك مصالح العالم وعمق ~~تداخلها، وترابط بعضه ببعض في جميع المجالات، وعدم انفكاك دولة عن أخرى ~~مما يزيد من وجوب الاهتمام بهذا الموضوع. # وإني مستعين الله في إيراد ما قيل فيها، ثم مقدم ما يمكن أخذه من مجموع ~~أقوال المفسرين، وكلام الشيخ رحمة الله عليه. # القول الأول إنها منسوخة، قال القرطبي عن أبي زيد أنها كانت في أول ~~الإسلام زمن الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخت قيل بآية: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] قاله قتادة. # وقيل: كانت في أهل الصلح فلما زال زال حكمها وانتهى العمل بها بعد فتح ~~مكة. # وقيل: هي في أصحاب العهد حتى ينتهي عهدهم أو ينبذ إليهم أي أنها كانت ~~مؤقتة بوقت ومرتبطة بقوم. # وقيل: إنها كانت في العاجزين عن القتال من النساء والصبيان من المشركين. # وقيل: إنها في ضعفة المؤمنين عن الهجرة حينما كانت الهجرة واجبة، فلم ~~يستطيعوا، وعلى كل هذه الأقوال تكون قد نسخت، بفوات وقتها وذهاب من عني ~~بها. # والقول الثاني: إنها محكمة قاله أيضا القرطبي ونقله عن أكثر أهل ~~التأويل، ونقل من أدلتهم أنها نزلت في أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله ~~عنهما، جاءت إليها وهي لم تسلم بعد وكان بعد الهجرة، وجاءت لابنتها ~~بهدايا فأبت أن تقبلها ms3731 منها وأن تستقبلها حتى تستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأذن لها وأمرها بصلتها وعزاه للبخاري ومسلم. # وقال غيره: ذكره البخاري في تاريخه، وذكر عن الماوردي أن قدومها كان في ~~وقت الهدنة، ومعلوم أن وقت الهدنة من القسم الأول الذي قيل: إنه منسوخ أي ~~بانتهائها، وعليها فالآية دائرة عند المفسرين بين الإحكام والنسخ. # وإذا رجعنا إلى سبب نزول السورة وتقيدنا بصورة السبب، نجد أولها نزل بعد ~~انتهاء العهد بنقض المشركين إياه، وعند تهيئ المسلمين لفتح مكة، ومجيء أم ~~أسماء وإن كان بعد الهدنة فهل كان النساء داخلات في العهد أم لا؟ لعدم ~~التصريح بذكرهن. # وعليه فلا دلالة في قصة أم أسماء على عدم النسخ ولا على إثباته. # وإذا رجعنا إلى عموم اللفظ نجد الآية صريحة شاملة لكل من لم يناصب ~~المسلمين العداء، ولم يظهر سوءا إليهم، وهي في الكفار أقرب منها في ~~المسلمين، لأن الإحسان إلى ضعفة المسلمين معلوم بالضرورة الشرعية، وعليه ~~فإن دعوى النسخ تحتاج إلى دليل قوي يقاوم صراحة هذا النص الشامل، وتوفر ~~شروط النسخ المعلومة في أصول التفسير. # ويؤيد عدم النسخ ما نقله القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة، وكذلك ~~كلام الشيخ رحمة الله تعالى عليه عند قوله تعالى: # إلا أن تتقوا منهم تقاة # [آل عمران: 28] بأن ذلك رخصة في حالة الخوف والضعف مع اشتراط سلامة ~~الداخل في القلب، فإن مفهومه أنها محكمة وباق العمل بها عند اللزوم، ~~ومفهومه أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوة وعدم خوف وفي مأمن منهم، ~~وليس منهم قتال، وهم في غاية من المسالمة فلا مانع من برهم بالعدل ~~والإقساط معهم، وهذا مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوة ~~إلى الإسلام بحسن المعاملة وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم، ~~وعدم معاداة من لم يعادهم، ومما يدل لذلك من القرائن التي نوهنا عنها ~~سابقا ما جاء في التذييل لهذه الآية بقوله تعالى: { إن الله ~~يحب المقسطين } فهذا ترشيح لما قدمنا كما قابل هذا بالتذييل ~~على الآية الأخرى: # ومن ms3732 يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون # [التوبة: 23]، ففيه مقابلة بين العدل والظلم فالعدل في الإحسان، والقسط ~~لمن يسالمك، والظلم ممن يوالي من يعادي قومه. # ومما ينفي النسخ عدم التعارض بين هذا المعنى، وبين آية السيف، لأن شرط ~~النسخ التعارض، وعدم إمكان الجمع، ومعرفة التاريخ، والجمع هنا ممكن ~~والتعارض منفي، وذلك لأن الأمر بالقتال لا يمنع الإحسان قبله، كما أن ~~المسلمين ما كانوا ليفاجئوا قوما بقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، وهذا من ~~الإحسان قطعا، ولأنهم قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل الذمة ~~بكل إحسان وعدالة. # وقصة الظعينة في صحيح البخاري صاحبة المزادتين لم يقاتلوها أو يأسروها ~~أو يستبيحوا ماءها بل استاقوها بمائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ من مزادتيها قليلا، ودعا فيه ورده، ثم استقوا وقال لها: اعلمي أن ~~الله هو الذي سقانا ولم تنقص من مزادتيك شيئا، وأكرموها وأحسنوا إليها ~~وجمعوا لها طعاما، وأرسلوها في سبيلها فكانت تذكر ذلك، وتدعو قومها ~~للإسلام. # وقصة ثمامة لما جيء به أسيرا وربط في سارية المسجد، وبعد أن أصبح ~~عاجزا عن القتال لم يمنعهم من الإحسان إليه، فكان يراح عليه كل يوم ~~بحليب سبع نياق حتى فك أسره فأسلم طواعية، وهكذا نص قوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 8-9] الآية. # ومعلوم أنه لم يكن ثم أسير بيد المسلمين إلا من الكفار. # وفي سنة تسع وهي سنة الوفود، فكان يقدم إلى المدينة المسلمون وغير ~~المسلمين، فيتلقون الجميع بالبر والإحسان كوفد نجران وغيرهم وها هوذا وفد ~~تميم جاء يفاخر ويفاوض في أسارى له، فيأذن لهم صلى الله عليه وسلم، ~~ويستمع مفاخرتهم ويأمر من يرد عليهم من المسلمين، وفي النهاية يسلمون ~~ويجيزهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجوائز، وهذا أقوى دليل على عدم ~~النسخ، لأن وفدا يأتي متحديا مفاخرا لكنه لم يقاتل ولم يظاهر على ~~إخراجهم من ديارهم، وجاء في أمر جار في عرف العرب فجاراهم فيه صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن أعلن لهم أنه ما ms3733 بالمفاخرة بعث، ولكن ترفقا بهم، ~~وإحسانا إليهم، وتأليفا لقلوبهم، وقد كان فأسلموا، وهذا ما تعطيه جميع ~~الأقوال التي قدمناها. # وقد بحث إمام المفسرين الطبري هذه المسألة من نواحي النقل وأخيرا ختم ~~بحثه بقوله ما نصه: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال عنى بذلك ~~قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين } من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم ~~وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن الله عز وجل عم بقوله: { الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم } ~~جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ~~ذلك منسوخ، لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ~~ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك ~~دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو ~~سلاح. # وقد بينا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء ~~وأمها. # وقوله: { إن الله يحب المقسطين } ، يقول إن الله يحب ~~المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من ~~برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم. انتهى منه. # وفي تفسير آيات الأحكام للشافعي رحمه الله مبحث هام نسوقه أيضا بنصه ~~لأهميته: # قال الله عز وجل: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين } الآية. قال: يقال: والله أعلم إن بعض ~~المسلمين تأثر من صلة المشركين أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم وقطع الولاية ~~بينهم وبينهم ونزل # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله # [المجادلة: 22] الآية، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل { ~~لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } { ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن ~~تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } ، ~~وقال ms3734 الشافعي رحمه الله: وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام ~~والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع ~~المظاهرة على المسلمين، وذلك لأنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين ~~والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من لم يظاهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا ~~عليهم فنهاهم عن ولايتهم إذ كان الولاية غير البر والإقساط، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم فادى بعض أسارى بدر، وقد كان أبو عزة الجمحي ممن ~~من عليه، وقد كان معروفا بعداوته، والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومن ~~بعد بدر على ثمامة بن أثال، وكان معروفا بعداوته، وأمر بقتله ثم من ~~عليه بعد أسره وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة فسألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يأذن له أن يميرهم فأذن له فمارهم. # وقال الله عز وجل: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله اه منه. # وهذا الذي صوبه ابن جرير وصححه الشافعي رحمه الله الذي تقتضيه روح ~~التشريع الإسلامي، أما وجهة النظر التي وعدنا بتقديمها فهي أن المسلمين ~~اليوم مشتركة مصالحهم بعضهم ببعض ومرتبطة بمجموع دول العالم من مشركين ~~وأهل كتاب، ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش منعزلة عن المجموعة الدولية ~~لتداخل المصالح وتشابكها، ولا سيما في المجال الاقتصادي عصب الحياة اليوم ~~من إنتاج أو تصنيع أو تسويق، فعلى هذا تكون الآية مساعدة على جواز ~~التعامل مع أولئك المسالمين ومبادلتهم مصلحة بمصلحة على أساس ما قاله ابن ~~جرير وبينه الشافعي، وذكره الشيخ رحمة الله عليه في حقيقة موقف المسلمين ~~اليوم من الحضارة الغربية في عدة مناسبات من محاضراته ومن الأضواء نفسه، ~~وبشرط ما قاله الشيخ رحمة الله تعالى عليه من سلامة الداخل أي عدم الميل ~~بالقلب، ولو قيل بشرط آخر وهو مع عدم وجود تلك المصلحة عند المسلمين ~~أنفسهم، أي أن العالم الإسلامي يتعاون أولا مع بعضه، فإذا أعوزه أو بعض ~~دوله حاجة عند غير المسلمين ممن لم يقاتلوهم ms3735 ولم يظاهروا عدوا على ~~قتالهم فلا مانع من التعاون مع تلك الدولة في ذلك، ومما يؤيد كل ما تقدم ~~عمليا معاملة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لليهود في ~~خيبر. # فمما لا شك فيه أنهم داخلون أولا في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أوليآء # [الممتحنة: 1]. ومنصوص على عدم موالاتهم في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين # [المائدة: 51]. # ومع ذلك لما أخرجهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وحاصرهم بعدها في ~~خيبر وفتحها الله عليه وأصبحوا في قبضة يده فلم يكونوا بعد ذلك في موقف ~~المقاتلين، ولا مظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم. عاملهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالقسط فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها وأبقاهم فيها على ~~جزء من الثمرة كأجراء يعملون لحسابه وحساب المسلمين، فلم يتخذهم عبيدا ~~يسخرهم فيها، وبقيت معاملتهم بالقسط كما جاء في قصة ابن رواحة رضي الله ~~عنه لما ذهب. يخرص عليهم وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة ليخفف عنهم، ~~فقال لهم كلمته المشهورة: والله لأنتم أبغض الخلق إلي وجئتكم من عند أحب ~~الخلق إلي، ولن يحملني بغضي لكم، ولا حبي له أن أحيف عليكم، فإما أن ~~تأخذوا بنصف ما قدرت، وإما أن تكفوا أيديكم ولكم نصف ما قدرت، فقالوا له: ~~بهذا قامت السماوات والأرض أي بالعدالة والقسط، وقد بقوا على ذلك نهاية ~~زمنه صلى الله عليه وسلم وخلافة الصديق وصدرا من خلافة عمر حتى أجلاهم ~~عنها. # ومثل ذلك المؤلفة قلوبهم أعطاهم صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وأعطاهم ~~الصديق حتى منعهم عمر رضي الله عنه. # وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة لأهميتها ومسيس الحاجة إليها اليوم. # وفي الختام إن أشد ما يظهر وضوحا في هذا المقام ولم يدع أحد فيه ~~نسخا قوله تعالى: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: ms3736 15]. # فهذه حسن معاملة وبر وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك بالله ولم ~~يقاتل المسلمين. فكان حق الأبوة مقدما ولو مع الكفر والمجاهدة على ~~الشرك. # وكذلك أيضا في نهاية هذه السورة نفسها قوله تعالى: # فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة: 10]. # ثم قال تعالى: # وءاتوهم ما أنفقوا # [الممتحنة: 10] أي آتوا المشركين أزواج المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا ~~على أزواجهم بعد هجرتهن. فبعد أن أسلمت الزوجة وهاجرت وانحلت العصمة ~~بينها وبين زوجها الكافر، وبعدت عنه بالهجرة وفاتت عليه ولم يقدر عليها، ~~يأمر الله المسلمين أن يؤتوا أزواجهن وهم مشركون، ما أنفقوا من صداق عند ~~الزواج ونحوه مع بقاء الأزواج على الكفر وعجزهم عن استرجاع الزوجات وعدم ~~جواز موالاتهم قطعا لكفرهم، وهذا من المعاملة بالقسط والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [60.10] # في قوله تعالى: { إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } نص على امتحان ~~المؤمنات المهاجرات، وكان صلى الله عليه وسلم يمتحنهن: ما خرجت كرها ~~لزوج أو فرارا لسبب ونحو ذلك. ذكره ابن كثير وغيره. # وقيل: كان امتحانهن البيعة الآتية: ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ~~الآية، ومفهومه أن الرجال المهاجرون لا يمتحنون. # وفعلا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه والسبب في ~~امتحانهن دون الرجال، هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: { ~~فإن علمتموهن مؤمنات } ، كأن الهجرة وحدها لا تكفي في ~~حقهن بخلاف الرجال، فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون # [الحشر: 8] وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجرا يعلم أن عليه تبعة الجهاد ~~والنصرة فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان فلا يحتاج إلى امتحان، ولا يرد ~~عليه مهاجر أم قيس لأنه أمر جانبي، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة ~~المنوه عنه في أول هذه السورة # إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي # [الممتحنة: 1] الآية، بخلاف النساء فليس عليهن ms3737 جهاد ولا يلزمهن بالهجرة ~~أية تبعية، فأي سبب يواجههن في حياتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره، ~~فإنهن يخرجن باسم الهجرة. فكان ذلك موجبا للتوثق من هجرتهن بامتحانهن ~~ليعلم إيمانهن، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى: { الله أعلم ~~بإيمانهن } ، وفي حق الرجال # أولئك هم الصادقون # [الحجرات: 15]، وكذلك من جانب آخر وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق ~~مع طرف آخر، وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه، ويعوض هو عما أنفق عليها، ~~وإسقاط حقه في النكاح وإيجاب حقه في العوض قضايا حقوقية، تتطلب إثباتا ~~بخلاف هجرة الرجال. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار } معلوم أن المؤمنات المهاجرات بعد ~~الامتحان والعلم بأنهن مؤمنات لا ينبغي إرجاعهن إلى الكفار، لأنهم ~~يؤذونهن إن رجعن إليهم، فلأي شيء يأتي النص عليه؟ # قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح ~~الحديبية، والتي كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى المسلمين ردوه على ~~المشركين، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين لا يردونه على المسلمين ~~فأخرجت النساء من المعاهدة وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص ~~السنة بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنة معلوم، وقد بينه الشيخ رحمة الله ~~تعالى عليه في مذكرة الأصول، وذكر القاعدة من مراقي السعود بقوله: # وخصص الكتاب والحديث به # أو بالحديث مطلقا فلتنتبه # ومما ذكره لأمثلة تخصيص السنة بالكتاب قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما أبين من حي فهو ميت " # ، أي محرم، جاء تخصيص هذا العموم بقوله تعالى: # ومن أصوافها وأوبارها # [النحل: 80] أي ليس محرما. # ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3] جاء تخصيص هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالجراد والحوت " # الحديث قال القرطبي: جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من ~~الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد، فأقبل زوجها وكان ~~كافرا، فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب ~~لم تجف بعد، فأنزل الله هذه ms3738 الآية، وقال بعض المفسرين: إنها ليست مخصصة ~~للمعاهدة، لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء، وإنما كانت في حق الرجال ~~فقط. # وذكر القرطبي وابن كثير # " أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت فارة من زوجها عمرو بن العاص ~~ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها ~~وحبسها، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ردها علينا للشرط، فقال صلى ~~الله عليه وسلم " كان الشرط في الرجال لا في النساء " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها مخصصة ~~لمعاهدة الهدنة، وهي من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن، كما قاله ابن ~~كثير. # وقد روي أنها مخصصة عن عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل ~~بن حيان والسدي. # ويدل على أنها مخصصة أمران مذكوران في الآية. # الأول منهما: أنها أحدثت حكما جديدا في حقهن وهو عدم الحلية بينهن ~~وبين أزواجهن، فلا محل لإرجاعهن، ولا يمكن تنفيذ معاهدة الهدنة مع هذا ~~الحكم فخرجن منها وبقي الرجال. # والثاني منهما: أنها جعلت للأزواج حق المعاوضة على ما أنفقوا عليهن، ولو ~~لم يكن داخلات أولا لما كان طلب المعاوضة ملزما، ولكنه صار ملزما، ~~وموجب إلزامه أنهم كانوا يملكون منعهن من الخروج بمقتضى المعاهدة ~~المذكورة، فإذا خرجن بغير إذن الأزواج كن كمن نقض العهد فلزمهن العوض ~~المذكور. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن } ، فيها تحريم المؤمنات على الكافرين، والظاهر أن ~~التحريم بالهجرة لا بالإسلام قبلها، واتفق الجمهور على أنه إذا أسلم ~~وهاجر أحد الزوجين بقيت العصمة إلى نهاية العدة، فإن هاجر الطرف الآخر ~~فيها، فهما على نكاحهما الأول. # وهنا مبحث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجها أبي العاص بن ~~الربيع. # وقد كثر الخلاف في أمر ردها إليه هل كان بالعقد الأول، أو جدد لها صلى ~~الله عليه وسلم عقدا جديدا، ومن أسباب كثرة الخلاف الربط بين تاريخ ~~إسلامها وتاريخ إسلامه، وبينهما ms3739 ست سنوات وهذا خطأ، لأن قبل نزول الآية ~~لم يقع تحريم بين مسلمة وكافر، ونزولها بعد الحديبية وإسلامها كان سنة ~~ثمان، يحمل على عدم انقضاء عدتها، وهذا يوافق على ما عليه الجمهور، ونقل ~~ابن كثير قولا، وهو أن المسلمة كانت بالخيار إن شاءت فسخت نكاحها وتزوجت ~~بعد انقضاء عدتها، وإن شاءت انتظرت اه. # وهذا القول له وجه، لأنه بإسلامها لم يكن كفأ لها وإذا انتفت الكفاءة ~~أعطيت الزوجة الخيار، كقصة بريرة لما عتقت وكان زوجها مملوكا، ولا يرده ~~قوله تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ~~لأن ذلك في حالة كفر الزوج لقوله تعالى: { فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار } والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { وءاتوهم مآ أنفقوا } يدل على أن الفرقة إذا ~~جاءت بسبب من جهة الزوجة أن عليها رد ما أنفق الزوج عليها، وكونه الصداق ~~أو أكثر قد بحثه الشيخ رحمة الله تعالى عليه في مبحث الخلع في سورة ~~البقرة. # وقوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } ، أمر ~~المؤمنين بفك عصمة زوجاتهم الكوافر، فطلق عمر بن الخطاب يومئذ زوجتين، ~~وطلق طلحة بن عبيد الله زوجته أروى بنت ربيعة، وعصم الكوافر عام في كل ~~كافرة، فيشمل الكتابيات لكفرهن باعتقاد الولد لله، كما حققه الشيخ رحمة ~~الله تعالى عليه، ولكن هذا العموم قد خصص بإباحة الكتابيات في قوله ~~تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5] أي الحرائر، وبقيت الحرمة بين المسلم والمشركة بالعقد على ~~التأبيد. # ومفهوم العصمة لا يمنع الإمساك بملك اليمين، فيحل للمسلم الاستمتاع ~~بالمشركة بملك اليمين، وعليه تكون حرمة المسلمة على الكافر مطلقا مشركا ~~كان أو كتابيا على التأبيد لقوله تعالى: { لا هن حل لهم } أي ~~في الحاضر، { ولا هم يحلون لهن } أي في المستقبل، وقد فصل ~~الشيخ رحمة الله تعالى عليه مسألة المحرمات من النكاح فيما تقدم عند قوله ~~تعالى: # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات # [النساء: 25] الآية. # تنبيه # هنا سؤال، وهو: إذا كان الكفر هو سبب فك عصمة الكافرة من المسلم، وتحريم ~~المسلمة على الكافر، ms3740 فلماذا حلت الكافرة من أهل الكتاب للمسلم، ولم تحل ~~المسلمة للكافر من أهل الكتاب؟ والجواب من جانبين: الأول: أن الإسلام ~~يعلو ولا يعلى عليه والقوامة في الزواج للزوج قطعا لجانب الرجولة، وإن ~~تعادلا في الحلية بالعقد، لأن التعادل لا يلغي الفوارق كما في ملك ~~اليمين، فإذا امتلك رجل امرأة حل له أن يستمتع منها بملك اليمين والمرأة ~~إذا امتلكت عبدا لا يحل لها أن تستمتع منه بملك اليمين، ولقوامة الرجل ~~على المرأة وعلى أولادها وهو كافر لا يسلم لها دينها، ولا لأولادها، ~~والجانب الثاني شمول الإسلام وقصور غيره، ويبين عليه أمر اجتماعي له مساس ~~بكيان الأسرة وحسن العشرة، وذلك أن المسلم إذا تزوج كتابية، فهو يؤمن ~~بكتابها وبرسولها، فسيكون معها على مبدأ من يحترم دينها لإيمانه به في ~~الجملة، فسيكون هناك مجال للتفاهم، وقد يحصل التوصل إلى إسلامها بموجب ~~كتابها، أما الكتابي إذا تزوج مسلمة، فهو لا يؤمن بدينها، فلا تجد منه ~~احتراما لمبدئها ودينها، ولا مجال للمفاهمة معه في أمر لا يؤمن به كلية، ~~وبالتالي فلا مجال للتفاهم ولا للوئام، وإذا فلا جدوى من هذا الزواج ~~بالكلية، فمنع منه ابتداء. # وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ~~آتيتموهن أجورهن } يعني صداقهن. # ويدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، وقد جاء النص بهذا ~~المفهوم في قوله تعالى: # وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون ~~المؤمنين # [الأحزاب: 50]، فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص به صلى الله عليه وسلم، ~~فقوله تعالى: { خالصة لك من دون المؤمنين } لا يحله ~~لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله { إذآ آتيتموهن أجورهن } ~~ظاهر في أن النكاح لا يصح إلا بإتيان الأجور. # وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق كما في قوله تعالى: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن # [البقرة: 236] الآية. # وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة، أنه إن دخل بها فله صداق المثل، ويدل ~~لإطلاق الأجور على ms3741 الصداق قوله تعالى في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولا ~~للحرائر # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات # [النساء: 25] إلى قوله # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن # [النساء: 25] وفي نكاح أهل الكتاب # المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين # [المائدة: 5] الآية، وقوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: # إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن # [الأحزاب: 50] وبهذا كله يرد على من استدل بلفظ الأجور على نكاح المتعة ~~في قوله تعالى: # فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن # [النساء: 24] وتقدم مبحث المتعة موجزا للشيخ رحمة الله تعالى عليه عند ~~قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن }. ### || [60.12] # قوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف }. # القيد بالمعروف هنا للبيان ولا مفهوم له، لأن كل ما يأمر به صلى الله ~~عليه وسلم معروف، وفيه حياتهن، وقد بينه الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عند ~~قوله تعالى: # إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وتقدم الكلام عليه ~~عند قوله تعالى # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] ولكن فيه تنبيه على أن من كان في موضع الأمر من بعده لا طاعة ~~له إلا في المعروف والعلم عند الله تعالى. ### || [60.13] # يرى المفسرون أن هذه الآية في ختام هذه السورة كالآية الأولى في أولها، ~~وهذا ما يسمى عودا على بدء. # قال أبو حيان: لما افتتح هذه السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياء ~~ختمها بمثل ذلك تأكيدا لترك موالاتهم وتنفيرا للمسلمين عن توليهم ~~وإلقاء المودة إليهم. # وقال ابن كثير: ينهى تبارك وتعالى عن موالاة الكافرين في آخر هذه ~~السورة، كما نهى عنها في أولها، والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنها لم ~~تكن لمجرد التأكيد للنهي المتقدم، ولكنها تتضمن معنى جديدا، وذلك للآتي: # أولا: أنها نص في قوم غضب الله عليهم، وعلى أنها للتأكيد حملها البعض ~~العموم، لأن كل كافر مغضوب عليه، وحملها البعض على خصوص اليهود، لأنه وصف ~~صار عرفا لهم، هو قول الحسن وابن زيد. قاله أبو حيان، ومما تقدم ms3742 للشيخ ~~رحمة الله تعالى عليه في مقدمة الأضواء: أنه إذا اختلف في تفسير آية، ~~وكان أكثر استعمال القرآن لأحد المعنيين كان مرجحا على الآخر، وهو محقق ~~هنا، كما قال الحسن، أصبح عرفا عليهم، وقد خصهم تعالى في قوله: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير # [المائدة: 60] وقولهم فيهم: # فبآءو بغضب على غضب # [البقرة: 90] وقد فرق الله بينهم وبين النصارى في قوله تعالى # غير المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة: 7]، ولو قيل: إنها في اليهود والمنافقين، لما كان بعيدا لأنه ~~تعالى نص على غضبه على المنافقين في هذا الخصوص في سورة المجادلة في قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على ~~الكذب وهم يعلمون # [المجادلة: 14] وعلى هذا فتكون خاصة في اليهود والمنافقين، والغرض من ~~تخصيصها بهما وعودة ذكرهما بعد العموم المتقدم في عدوي وعدوكم، كما ~~أسلفنا هو والله تعالى أعلم: لما نهى أولا عن موالاة الأعداء وأمر ~~بتقطيع الأواصر بين ذوي الأرحام، جاء بعدها ما يشيع الأمل بقوله: # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة # [الممتحنة: 7] وعاديتم عامة باقية على عمومها. ولكن اليهود والمنافقين ~~لم يدخلوا في مدلول عسى تلك، فنبه تعالى عليهم بخصوصهم لئلا يطمع ~~المؤمنون أو ينتظروا شيئا من ذلك، فأيأسهم من موالاتهم ومودتهم، كيأس ~~اليهود والمنافقين في الآخرة، أي بعدم الإيمان الذي هو رابطة الرجاء ~~المتقدم في عسى، وفعلا كان كما أخر الله، فقد جعل المودة من بعض ~~المشركين ولم يجعلها من بعض المنافقين ولا اليهود، فهي إذا مؤسسة لمعنى ~~جديد، وليست مؤكدة لما تقدم، والعلم عند الله تعالى. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.2-4] # في الآية الأولى إنكار على الذين يقولون ما لا يفعلون، وفي الآية ~~الثانية بيان شدة غضب الله ومقته على من يكون كذلك، ولكن لم يبين هنا ~~القول المغاير للفعل المنهى عنه، والمعاتبون عليه والمستوجب لشدة الغضب ~~إلا أن مجيء الآية الثالثة بعدهما ms3743 يشعر بموضوع القول والفعل، وهو الجهاد ~~في سبيل الله. # وقد اتفقت كلمة علماء التفسير على أن سبب النزول مع تعدده عندهم: أنه ~~حول الجهاد في سبيل الله من رغبة في الإذن لهم في الجهاد ومعرفة أحب ~~الأعمال إلى الله، ونحو ذلك. # وقد بين القرآن في عدة مواضع أن موضع الآيتين الأولى والثانية فيما ~~يتعلق بالجهاد وتمنيهم إياه. # من ذلك قوله تعالى عنهم: # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذآ ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت ~~الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت # [محمد: 20]. # ومنها قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية ~~الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب # [النساء: 77]. # ومنها قوله تعالى: # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسئولا # [الأحزاب: 15]. # ففي الآية الأولى تمنوا نزول سورة يؤذن فيها بالقتال، فلما نزلت صار ~~مرضى القلوب كالمغشي عليه من الموت. # وفي الثانية: قيل لهم كفوا أيديكم عن القتال، فتمنوا الإذن لهم فيه، ~~فلما كتب عليهم رجعوا وتمنوا لو أخروا إلى أجل قريب. # وفي الثالثة: أعطوا العهود على الثبات وعدم التولي، وكان عهد الله ~~مسؤولا، فلما كان في أحد وقع ما وقع وكذلك في حنين، ويشهد لهذا أيضا ~~قوله تعالى: # وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام ~~لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ~~يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا ~~بهآ إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الأدبار # [الأحزاب: 13-15] الآية. # ففي هذا السياق بيان لعتابهم على نقض العهد، وهو معنى: لم تقولون ما لا ~~تفعلون سواء بسواء، ويقلل هذا أن الله تعالى امتدح طائفة أخرى منهم حين ~~أوفوا بالعهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه في قوله ms3744 تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا # [الأحزاب: 23]. # ثم بين الفرق بين الفريقين بقوله بعدها # ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب ~~المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم إن الله كان ~~غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم ~~لم ينالوا خيرا # [الأحزاب: 24-25] الآية، وذلك في غزوة الأحزاب. # فتبين بهذا أن الفعل المغاير للقول هنا هو عدم الوفاء بالعهد الذي قطعوه ~~على أنفسهم من قبل فاستوجبوا العتاب عليه، كما تبين أن الذين وفوا بالعهد ~~استوجبوا الثناء على الوفاء، وقد استدل بالآية من عموم لفظها على الإنكار ~~على كل من خالف قوله فعله، سواء في عهد أو وعد أو أمر أو نهي. # ففي الأمر والنهي كقوله تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44]. # وكقوله عن نبي الله شعيب لقومه: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]. # وفي العهد قوله: # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا # [الإسراء: 34]. # ومن هذا الوجه، فقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى عليه في عدة مواضع، ~~منها في سورة هود عند قول شعيب المذكور. # ومنها عند قوله تعالى: # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد # [مريم: 54] في سورة مريم. # وبحث فيها الوفاء بالوعد، والفرق بين الوعد والوعيد، والوفاء بالوعد ~~والخلف في الوعيد، وعقد لها مسألة، وساق آيتي الصف هناك. # قوله تعالى: { إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }. # اختلف علماء التفسير في المراد بالبنيان المرصوص، فنقل بعضهم عن الفراء: ~~أنه المتلاحم بالرصاص لشدة قوته، والجمهور: أنه المتلاصق المتراص ~~المتساوي. # والواقع أن المراد بالتشبيه هنا هو وجه الشبه، ولا يصح أن يكون هنا هو ~~شكل البناء لا في تلاحمه بالرصاص، وعدم انفكاكه ولا تساويه وتراصه، لأن ~~ذلك يتنافى وطبيعة الكر والفر في أرض المعركة، ولكل وقعة نظامها حسب ~~موقعها. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن وجه الشبه المراد هنا هو عموم القوة ~~والوحدة. # قال الزمخشري: يجوز أن يريد استواء بنائهم في الثبات ms3745 حتى يكونوا في ~~اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص اه. # ويدل لهذا الآتي: # أولا قوله تعالى: # وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال والله سميع عليم # [آل عمران: 121]. # فالمقاعد هنا هي المواقع للجماعات من الجيش، وهي التعبئة حسب ظروف ~~الموقعة، كما فعل صلى الله عليه وسلم في وضع الرماة في غزوة أحد حماية ~~لظهورهم من التفاف العدو بهم لطبيعة المكان، وكما فعل في غزوة بدر ورصهم ~~سواهم بقضيب في يده أيضا لطبيعة المكان. # وهكذا، فلا بد في كل وقعة من مراعاة موقعها، بل وظروف السلاح والمقاتلة. # وقد ذكر صاحب الجمان في تشبيهات القرآن أجزاء الجيش وتقسيماته بصفة عامة ~~من قلب وميمنة وميسره وأجنحة، ونحو ذلك فيكون وجه الشبه هو الارتباط ~~المعنوي والشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب كما فعل الحباب بن المنذر ~~في غزوة بدر حين نظر إلى منزل المسلمين من الموقع فلم يرقه، وسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأجابه فأبدى خطة جديدة فأخذ بها صلى الله عليه ~~وسلم وغير الموقع من مكان المعركة. # وثانيا قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين # [الأنفال: 45-46]. # فذكر تعالى من عوامل النصر: الثبات عند اللقاء، وذكر الله والطاعة، ~~والامتثال، والحفاظ عليها بعدم التنازع والصبر عند الحملة والمجالدة، ~~فتكون حملة رجل واحد، وكلها داخلة تحت معنى البنيان المرصوص في قوته ~~وحمايته وثباته، وقد عاب تعالى على اليهود تشتت قلوبهم عند القتال في ~~قوله تعالى: # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر: 14]، وامتجح المؤمنين في قتالهم بوحدتهم كأنهم بنيان مرصوص. # وقد جاءت السنة بهذا التشبيه للتعاون في قوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا " # فهو يبين المراد من وجه الشبه في البنيان المرصوص هنا، وقد أثر عن أبي ~~موسى رضي الله عنه قوله لأصحابه: الزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. # وعن أكثم بن صيفي: أقلوا الخلاف على أمرأئكم، وإن المسلمين اليوم لأحوج ~~ما يكونون إلى ms3746 الالتزام بهذا التوجيه القرآني الكريم، إزاء قضيتهم العامة ~~مع عدوهم المشترك، ولا سيما، وقد مر العالم الإسلامي بعده تجارب في ~~تاريخهم الطويل وكان لهم منها أوضح العبر، ولهم في هذا المنهج القرآني ~~أكبر موجب لاسترجاع حقوقهم والحفاظ على كيانهم، فضلا عن أنه العمل الذي ~~يحبه الله من عباده، وبالله تعالى التوفيق. ### || [61.5] # قول موسى عليه السلام: لم تؤذونني؟ لم يبين نوع هذا الإيذاء وقد جاء مثل ~~هذا الإجمال في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا # [الأحزاب: 69]. # وأحال عليه ابن كثير في تفسيره، وساق حديث البخاري أنه صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما برص وإما ~~أدرة وإما آفة، وأن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يوما وحده ~~فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وأن الحجر ~~عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر حتى انتهى ~~إلى ملأ من بني إسرائيل فرأه عريانا أحسن ما خلق الله عز وجل وبرأه مما ~~يقولون إلى آخر القصة ". # ونقله غيره من المفسرين عندها، وعلى هذا يكون إيذاؤهم إياه إيذاء شخصيا ~~بادعاء العيب فيه خلقة، وهذا وإن صح في آية الأحزاب لقوله تعالى: { ~~فبرأه الله مما قالوا } ، فإنه لا يصح في آية الصف هذه لأن ~~قول لهم. { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } مما ~~يثير إلى أن الإيذاء في جانب الرسالة لا في جانبه الشخصي، ويرشح له قوله ~~تعالى بعده مباشرة: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }. # أي فلما زاغوا بما آذوا به موسى، فيكون إيذاء قومه له هنا إيذاء زيغ ~~وضلال، وقد آذوه كثيرا في ذلك كما بينه تعالى في قوله عنهم: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة # [البقرة: 55]. # وكذلك قوله تعالى: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ~~مآ آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ms3747 ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين # [البقرة: 93]. # فها هم يؤخذ الميثاق عليهم ويرفع فوقهم الطور، ويقال لهم: { خذوا مآ ~~آتيناكم بقوة واسمعوا } فكله يساوي قوله: { وقد ~~تعلمون أني رسول الله إليكم } ، لأن قد هنا للتحقيق، ~~ومع ذلك يؤذونه بقولهم: { سمعنا وعصينا } ويؤذونه بأن أشربوا في ~~قلوبهم حب العجل وعبادته بكفرهم، ولذا قال لهم: { بئسما يأمركم ~~به إيمانكم إن كنتم مؤمنين }. # وقد جمع إيذاء الكفار لرسول الله مع إيذاء قوم موسى لموسى في قوله ~~تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم # [النساء: 153] الآية. # ومن مجموع هذا يتبين أن الإيذاء المنصوص عليه هنا هو في خصوص الرسالة، ~~ولا مانع من أنهم آذوه بأنواع من الإيذاء في شخصه، وفي ما جاء به فبرأه ~~الله مما قالوا في آية الأحزاب وعاقبهم على إيذائه فيما أرسل به إليهم ~~بزيغ قلوبهم، والعلم عند الله تعالى. # وقوله: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } ، تقدم كلام ~~الشيخ رحمة الله تعالى عليه على هذا المعنى في سورة الروم، عند الكلام ~~على قوله تعالى: # ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا ~~بآيات الله # [الروم: 10] الآية. # وقال: إن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى شقاء صاحبه، وسارق هذه الآية ~~{ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } وقوله: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10]. # وأحال على سورة بني إسرائيل على قوله: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الإسراء: 46]. # وعلى سورة الأعراف على قوله: # فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك ~~يطبع الله على قلوب الكافرين # [الأعراف: 101]. # ومما يشهد لهذا المعنى العام بقياس العكس قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وأمثالها. # ومما يلفت النظر هنا إسناد الزيغ للقلوب في قوله تعالى: { فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم }. # وأن والهداية أيضا للقلب كما في قوله تعالى: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء ~~عليم # [التغابن: 11]. # ولذا حرص المؤمنين على هذا الدعاء: # ربنا ms3748 لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا # [آل عمران: 8] فتضمن المعنيين، والعلم عند الله تعالى. ### || [61.6] # قوله تعالى: { وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل ~~إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد }. # ذكر موسى ولم يذكر معه البشرى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عيسى ~~فذكرها معه، مما يدل بمفهومه أنه لم يبشر به إلا عيسى عيه السلام، ولكن ~~لفظ عيسى مفهوم لقب ولا عمل عليه عند الأصوليين، وقد بشرت به صلى الله ~~عليه وسلم جميع الأنبياء، ومنهم موسى عليه السلام ومما يشير إلى أن موسى ~~مبشرا به قول عيسى عليه السلام في هذه الآية: # مصدقا لما بين يدي، والذي بين يديه هي التوراة أنزلت على موسى. # وقد جاء صريحا التعريف به صلى الله عليه وسلم وبالذين معه في التوراة ~~في قوله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا # [الفتح: 29] إلى قوله تعالى: # ذلك مثلهم في التوراة # [الفتح: 29]. # كما جاء وصفهم في الإنجيل في نفس السياق، في قوله تعالى: # ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه # [الفتح: 29] إلى آخر السورة. # وجاء النص في حق جميع الأنبياء في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. # قال ابن كثير: قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن ~~بعث وهو حيي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ~~ليتبعنه وينصرنه. اه. # وجاء مصداق ذلك في قصة النجاشي لما سمع من جعفر عنه صلى الله عليه وسلم: ~~فقال: " أشهد أن رسول الله وأن الذي نجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به ~~عيسى ابن مريم، وما قاله أيضا: والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته ms3749 ~~حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه. في حديث طويل ساقه ابن كثير، وعزاه إلى ~~أحمد رحمه الله. # وكذلك دعوة نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129]. # ولذا قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي التي رأت " # وقد خص عيسى بالنص على البشرى به صلى الله عليه وسلم أنه آخر أنبياء بني ~~إسرائيل، فهو ناقل تلك البشرى لقومه عما قبله. # كما قال: { مصدقا لما بين يدي من التوراة } ومن ~~قبله ناقل عمن قبله، وهكذا حتى صرح بها عيسى عليه السلام وأداها إلى ~~قومه. # وقوله تعالى: { اسمه أحمد } جاء النص أنه صلى الله عليه وسلم له ~~عدة أسماء، وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: # " أن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به ~~الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " # وبهذه المناسبة فقد ذكر صلى الله عليه وسلم باسمه أحمد هنا. وباسمه محمد ~~في سورة محمد صلى الله عليه وسلم. # كما ذكر صلى الله عليه وسلم بصفات عديدة أجمعها ما يعد ترجمة ذاتية من ~~الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. # وسيأتي المزيد من بيان ذلك عند قوله تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] إن شاء الله تعالى. ### || [61.8] # تقدم بيان ذلك للشيخ رحمة الله تعالى عليه عند قوله تعالى: # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى: 16] في سورة الشورى، وقوله: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # [الأنبياء: 18] في سورة الأنبياء. ### || [61.10-11] # فسرت التجارة بقوله تعالى: # تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون # [الصف: 11]. # التجارة: هي التصرف في رأس المال طلبا للربح كما قال تعالى: # إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم # [البقرة: 282]. # وقال تعالى: # وتجارة تخشون كسادها # [التوبة: 24]. # والتجارة هنا فسرت بالإيمان بالله ورسوله، وبذل المال ms3750 والنفس في سبيل ~~الله، فما هي المعارضة الموجودة في تلك التجارة الهامة، بينها تعالى في ~~قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده ~~من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم # [التوبة: 111]، فهنا مبايعة، وهنا بشرى وهنا فوز عظيم. # وكذلك في هذه الآية: # يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك ~~الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله ~~وفتح قريب # [الصف: 12-13]. # وقد دل القرآن على أنه من فاتته هذه الصفقة الرابحة فهو لا محالة خاسر، ~~كما في قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16]. # حقيقة هذه التجارة أن رأس مال الإنسان حياته ومنتهاه مماته. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " # والعرب تعرف هذا البيع في المبادلة كما قول الشاعر: # فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # إن شربت الحلم بعدك بالجهل # وقول الآخر: # بدلت بالجمة رأسا أزعرا # وبالثنايا الواضحات الدردرا # كما اشبرى المسلم إذ تنصرا # فأطلق الشراء على الاستبدال. # تنبيه # في هذه الآية الكريمة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله ~~تعالى: # وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # [الصف: 11]. # وفي آية إن الله اشترى من المؤمنين، قدم النفس عن المال فقال # اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم # [التوبة: 111]، وفي ذلك سر لطيف. # أما في آية الصف، فإن المقام مقام تفسير وبيان لمعنى التجارة الرابحة ~~بالجهاد في سبيل الله. # وحقيقة الجهاد بذل الجهد والطاقة، والمال هو عصب الحرب وهو مدد الجيش. ~~وهو أهم من الجهاد بالسلاح، فبالمال يشترى السلاح، وقد تستأجر الرجال كما ~~في الجيوش الحديثة من الفرق الأجنبية، وبالمال يجهز الجيش، ولذا لما جاء ~~الإذن بالجهاد أعذر الله المرضى والضعفاء، وأعذر معهم الفقراء الذين لا ~~يستطيعون تجهيز أنفسهم، وأعذر معهم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ms3751 لم يوجد ~~عنده ما يجهزهم به كما في قوله تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # [التوبة: 91] إلى قوله: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. # وكذلك من جانب آخر، قد يجاهد بالمال من لا يستطيع بالسلاح كالنساء ~~والضعفاء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من جهز غازيا فقد غزا " # أما الآية الثانية، فهي في معرض الاستبدال والعرض والطلب أو ما يسمى ~~بالمساومة، فقدم النفس لأنها أعز ما يملك الحي، وجعل في مقابلها الجنة ~~وهي أعز ما يوهب، وأحسن ما قيل في ذلك. # أثامن بالنفس النفيسة ربها # وليس لها في الخلق كلهم ثمن # بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها # بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن # لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها # لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن # فالتجارة هنا معاملة مع الله إيمانا بالله وبرسوله وجهاد بالمال ~~والنفس، والعمل الصالح، كما قيل أيضا. # فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا # فإنما الربح والخسران في العمل # وفي آية # إن الله اشترى # [التوبة: 111] تقديم بشرى خفية لطيفة بالنصر لمن جاهد في سبيل الله وهي ~~تقديم قوله: { فيقتلون } بالبناء للفاعل أي فيقتلون عدوهم { ~~ويقتلون } بالبناء للمجهول، لأن التقديم هنا يشعر بأنهم يقتلون ~~العدو قبل أن يقتلهم ويصيبون منه قبل أن يصيب منهم، ومثل هذا يكون في ~~موقف القوة والنصر والعلم عند الله تعالى. ### || [61.14] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } الآية. # في هذه الآية أيضا إشعار المسلمين بالنصر في قوله تعالى: # فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين # [الصف: 14] ولكن لم يبين فيها هل كانوا أنصار الله كما كان الحواريون ~~أنصار الله أم لا؟ # وقد جاء ما يدل على أنهم بالفعل أنصار الله كما تقدم في سورة الحشر في ~~قوله تعالى: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله # [الحشر: 8]. # وكذلك الأنصار في قوله ms3752 تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة: 100] وكقوله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا # [الفتح: 29] فأشداء على الكفار هو معنى ينصرون الله ورسوله، ثم جاء ~~المثل المضروب لهم بالتآزر والتعاون في قوله تعالى: # ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار # [الفتح: 29] فسماهم أنصارا، وبين نصرتهم سواء من المهاجرين والأنصار ~~رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والعلم عند الله تعالى. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.2] # قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم }. # بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الأميين في مذكرة الدراسة ~~بقوله: الأميين أي العرب، والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان ~~كثير من العرب اه. # وسمي أميا نسبة إلى أمه يوم ولدته لم يعرف القراءة ولا الكتابة وبقي ~~على ذلك. # ومما يدل على أن المراد بالأميين هم العرب بعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم لقوله تعالى { رسولا منهم } كما يدل عليه قوله تعالى ~~عن نبي الله إبراهيم: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37] إلى قوله تعالى: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم # [البقرة: 129]. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: وهذه الآية نص في أن الله تعالى ~~استجاب دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام فيهم اه. # وفي الحديث: # " إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب " # ، وهذا حكم على المجموع لا على الجميع، لأن في العرب من كان يكتب مثل ~~كتبة الوحي، عمر وعلي وغيرهم. # وقوله تعالى: { رسولا منهم } هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدليل قوله تعالى عن أهل الكتاب: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157]. # وقد بين تعالى أن المكتوب عندهم هو ما بشر به عيسى عليه السلام في قوله ~~تعالى: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي ms3753 اسمه أحمد # [الصف: 6]. # وكونه صلى الله عليه وسلم أميا بمعنى لا يكتب، بينه قوله تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنكبوت: 48]. # وبين تعالى الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم أميا مع أنه يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم بنفي الريب عنه كما كانوا يزعمون أن ما جاء به صلى الله ~~عليه وسلم: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه # [الفرقان: 5] فقال: # إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. ### || [62.3] # قوله تعالى: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } الآية. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في المذكرة المشار إليها: هذا ~~عطف على قوله: في الأميين، أي، بعث هذا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأميين، وفي آخرين منهم، وقيل: عطف على الضمير في قوله: يعلمهم، أي ~~يعلمهم ويعلم آخرين منهم، والمراد بقوله: وآخرين كل من يأتي بعد الصحابة ~~من أهل الإسلام إلى يوم القيامة بدليل قوله: # وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ # [الأنعام: 19]. # وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما يدل على أن قوله: وآخرين، نزلت ~~في فارس قوم سلمان، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب اه. # وسبق أن قدمنا الكلام على هذا المعنى عند الكلام على قوله تعالى: # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان # [الحشر: 10]. # ولكن سقنا كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، حين عثرنا عليه ~~لزيادة الفائدة والاستئناس. ### || [62.4] # قوله تعالى: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء }. # اختلف في مرجع اسم الإشارة هنا وفي المراد بالمتفضل به عليهم، أهم الأمة ~~الأمية تفضل الله عليها ببعثة نبي منهم فيهم؟ أم هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأمي تفضل الله تعالى عليه ببعثته معلما هاديا؟ أم هم ~~الآخرون الذين لم يلحقوا زمن البعثة ووصلتهم دعوتها، وأدركوا فضلها؟ # وقد اكتفى الشيخ رحمة الله تعالى عليه وعلينا، في مذكرة الدراسة بقوله ~~ذلك أي المذكور من بعث هذا النبي الكريم في الأميين، فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل ms3754 العظيم، ومن عظم فضله تفضله على هذه الأمة بهذا ~~النبي الكريم اه. # وهذا القول منه رحمة الله تعالى علينا وعليه، يتضمن القولين الأول ~~والثاني من الأقوال الثلاثة، تفضل الله على الأميين ببعثته هذا النبي ~~الكريم فيهم، وتفضل الله على النبي ببعثه فيهم مما لا يشعر بأنه لا ~~خلاف بين هذه الأقوال الثلاثة، وأنها من الاختلاف التنوعي أو هي من ~~المتلازمات فلا مانع من إدارة الجميع، لأن فضل الله تعالى قد شمل الجميع. # وقد نص الأول بقوله: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين # [آل عمران: 164] وهذا عين ما في سورة الجمعة سواء، لأن الامتنان هو ~~التفضل. # ونص على الثاني بقوله تعالى: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]. # ونص على الثالث بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم # [المائدة: 54]. # فقوله: فسوف يأتي، ويساوي # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة: 3]، فهو خلاف تنوع، وفضل الله شامل للجميع. ### || [62.5] # قوله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: هذا مثل ضربه الله ~~لليهود، وهو أنه شبههم بحمار، وشبه التوراة التي كلفوا العمل بما فيها ~~بأسفار أي كتب جامعة للعلوم النافعة، وشبه تكليفهم بالتوراة: بحمل ذلك ~~الحمار لتلك الأسفار، فكما أن الحمار لا ينتفع بتلك العلوم النافعة التي ~~في تلك الكتب المحمولة على ظهره، فكذلك اليهود لم ينتفعوا بما في التوراة ~~من العلوم النافعة لأنهم كلفوا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وإظهار ~~صفاته للناس فخانوا وحرفوا وبدلوا فلم ينفعهم ما في كتابهم من العلوم ~~اه. # فأشار الشيخ رحمة الله تعالى ms3755 علينا وعليه، إلى أن وجه الشبه عدم ~~الانتفاع بما تحملوه من التوراة وهم يعلمون ما فيها من رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقد أوضح الله تعالى هذا في موضع آخر في قوله تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون # [البقرة: 146] فقد جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم فلم ينفعهم علمهم به. # وهذه الآية أشد ما ينبغي الحذر منها، وخاصة لطلاب العلم وحملته، كما قال ~~تعالى: { بئس مثل القوم } [الجمعة: 5] أي تشبيههم في هذا المثل ~~بهذا الحيوان المعروف. # وقد سبق للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على هذا المثال في ~~عدة مواضع من الأضواء، منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى: # فمثله كمثل الكلب # [الأعراف: 176] الآية. # ومنها في الجزء الثالث عند قوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد # [إبراهيم: 18] الآية. # ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى: # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس # [الكهف: 54] في سورة الكهف بما فيه الكفاية. # والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله من قبيل التشبيه ~~المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد وهو عدم الانتفاع بالمحمول، كالبيت الذي ~~فيه: # كالعيس في البيداء يقتلها الظما # والماء فوق ظهورها محمول # والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي لأن وجه ~~الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبا نافعة، والحامل حمار لا علاقة له ~~بها بخلاف ما في البيت، لأن العيش يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه، ~~والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينيه، وفيه إشارة إلى أن من ~~موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كلية أنهم وصلوا إلى حد الإياس من ~~انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل، فنقلها الله إلى قوم أحق بها وبالقيام ~~بها. ### || [62.6] # قال الشيخ رحمة الله تعالىعلينا وعليه في إملائه: الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والذين هادوا هم اليهود. # ومعنى هادوا: أي رجعوا بالتوبة إلى الله من عبادة العجل. # ومنه قوله تعالى: # إنا ms3756 هدنآ إليك # [الأعراف: 156]، وكان رجوعهم عن عبادة العجل بالتوبة النصوح: حيث سلموا ~~أنفسهم للقتل توبة وإنابة إلى الله كما بينه بقوله: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54] إلى قوله # فتاب عليكم # [البقرة: 54]. # وقوله: { إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في: { إن زعمتم أنكم ~~أوليآء الله } اي إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله، ~~وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس، فتمنوا الموت لأن ولي الله حقا ~~يتمنى لقاءه، والإسراع إلى ما أعد له من النعيم المقيم اه. # وفي قوله رحمة الله تعالى علينا وعليه. إشارة إلى بيان زعمهم المجمل في ~~الآية وهو ما بينه تعالى بقوله عنهم وعن النصارى معهم: # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه # [المائدة: 18]. # وقد رد زعمهم عليهم بقوله تعالى: # قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن ~~خلق # [المائدة: 18]. # ومثل هذه الآية إن زعمتم قوله تعالى: # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94]. # وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: وقيل المراد بالتمني المباهلة، ~~والمراد من الآية إظهار كذب اليهود في دعواهم أنهم أولياء الله. # وقوله: { إن زعمتم } مع قوله: { إن كنتم } شرطان يترتب الأخذ ~~منهما على الأول أي فتمنوا الموت، إن زعمتم، إن صدقتم في زعمكم، ونظيره ~~من كلام العرب قول الشاعر: # إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا # منا معاقل عز زانها كرم ### || [62.7] # قوله تعالى: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ~~}. # نص على أنهم لا يتمنون الموت أبدا، وأن السبب هو ما قدمت أيديهم، ولكن ~~ليبين ما هو ما قدمت أيديهم الذي منعهم من تمني الموت. # وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه. لا يتمنونه لشدة ~~حرصهم على الحياة كما بينه تعالى بقوله: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة # [البقرة: 96] فشدة حرصهم على الحياة لعلمهم أنهم إذا ماتوا دخلوا النار، ~~ولو تمنوا لماتوا من حينهم. # وقوله: ms3757 { بما قدمت أيديهم } الباء سببية والمسبب انتفاء ~~تمنيهم وما قدمت أيديهم من الكفر والمعاصي اه. # والذي أشار إليه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، من الأسباب من ~~كفرهم ومعاصيهم، قد بينه تعالى في موضع آخر صريحا في قوله تعالى: # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ~~ذلك بما قدمت أيديكم # [آل عمران: 181-182]. # فالباء هنا سببية أيضا أي ذوقوا عذاب الحريق بسبب ما قدمت أيديكم من ~~هذه المذكورات، ولهذا كله لن يتمنوا الموت ويود أحدهم لو يمر ألف سنة وما ~~هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، فقد أيقنوا الهلاك ويئسوا من الآخرة. # كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله ~~عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور # [الممتحنة: 13] ولهذا كله لم يتمنوا الموت، كما أخبر الله تعالى عنهم. ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [62.8] # قوله تعالى: { قل إن الموت الذي تفرون منه ~~فإنه ملاقيكم }. # أي إن فررتم من الموت بعدم تمنيه فلن يجعلكم تنجون منه وهو ملاقيكم لا ~~محالة، وملاقيكم بمعنى مدرككم، كما في قوله تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]. ### || [62.9-10] # هذه الآية الكريمة، وهذا السياق يشبه في مدلولة وصورته قوله تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع ~~لهم # [الحج: 27-28] مع قوله: # فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام # [البقرة: 198] الآية. # ففي كل منهما نداء، وأذان الحج وصلاة وسعي وإتيان وذكر الله، ثم انتشار ~~وإفاضة مما يربط الجمعة بالحج في الشكل وإن اختلف الحجم، وفي الكيف وإن ~~تفاوتت التفاصيل، وفي المباحث والأحكام كثرة وتنويعا من متفق عليه ~~ومختلف فيه، مما يجعل مباحث الجمعة لا تقل أهمية عن مباحث الحج، وتتطلب ~~عناية بها كالعناية به. # وقد نقل عن الشيخ رحمة الله تعالى عليه أنه كان عازما على بسط الكلام ~~فيها كعادته ms3758 رحمة الله تعالى عليه، ولكن إرادة الله نافذة، وقدرته غالبة. ~~وإن كل إنسان يستشعر مدى مباحث الشيخ وبسطه وتحقيقه للمسائل ليحجم ويترك ~~الدخول فيها تقاصرا دونها ولا سيما وأن ربط هذه المباحث بنصوص القرآن ~~ليس بالأمر المبين، كما أشار إليه أبو حيان في مضمون قوله في نهاية ~~تفسيره لهذه السورة بعد إيجاز الكلام عن أحكامها، قال ما نصه: وقد ملأ ~~المفسرون كثيرا من أوراقهم بأحكام وخلاف في مسائل الجمعة مما لا تعلق ~~بها بلفظ القرآن اه. # فهو يشير بأن لفظ القرآن لا تعلق له بتلك الأحكام التي ناقشها المفسرون ~~في مباحث الجمعة، ولكن الدارس لمنهج الشيخ رحمة الله تعالى عليه في ~~الأضواء، والمتذوق لأسلوبه لم يقتصر على اللفظ فقط، أي دلالة النص ~~التطابقي وتأمل أنواع الدلالات من تضمن والتزام وإيماء وتنبيه، فإنه يجد ~~لأكثر أو كل ما قاله المفسرون والمحدثون والفقهاء من المباحث أصولا من ~~أصول تلك الدلالات. # وإني أستلهم الله تعالى الرشد وأستمد، العون والتوفيق لبيان كل ما يظهر ~~من ذلك إن شاء الله، فإن وفقت فبفضل من الله وخدمة لكتابه، وإلا فإنها ~~محاولة تغتفر بجانب القصور العلمي وتحسين القصد، والله الهادي إلى سواء ~~السبيل. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع } [الجمعة: 9] الآية. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الدراسة ما نصه: إذا ~~نودي للصلاة أي قام المنادي بها، وهو المؤذن يقول: حي على الصلاة. # وقوله: { من يوم الجمعة } أي من صلاة يوم الجمعة أي صلاة الجمعة ~~اه. # ومما يدل على أن المراد بها صلاة الجمعة نفسها دون بقية صلوات ذلك اليوم ~~مجيء من التي للتبعيض ثم تتبين هذا البعض بالأمر، بترك البيع في قوله: { ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } ، لأن هذا خاص ~~بالجمعة دون غيرها لوجود الخطبة، وقد كانت معينة لهم قبل نزول هذه الآية، ~~وصلوها قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كما سيأتي إن ~~شاء الله. # والمراد بالنداء هو ms3759 الأذان، كما أشار إليه الشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه، وكما في قوله تعالى: # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا # [المائدة: 58]. # ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " # وقيل: النداء لغة هو النداء بصوت مرتفع لحديث: # " فإنه أندى منك صوتا " # وقد عرف الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الأذان لغة عند قوله تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] فال: الأذان لغة الإعلام. # ومنه قوله تعالى: # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر # [التوبة: 3] وقول الحارث بن حلزة: # آذنتنا ببنيها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # والأذان من خصائص هذه الأمة، شعارا للمسلمين ونداء للصلاة. # بدء مشروعيته: # اختلف في بدء المشروعية، والصحيح أنه بدئ بعد الهجرة، وجاءت نصوص لكنها ~~ضعيفة: أنه شرع ليلة الإسراء أو بمكة. # منها: عن علي رضي الله عنه عند البزار: أنه شرع مع الصلاة. # ومنها عن ابن عباس عند ابن حبان أنه شرع بمكة عن أول الصلاة. # وقال ابن حجر: لا يصح شيء من ذلك. # أما مشروعيته بعد الهجرة، وفي المدينة ففيها نصوص عديدة صحيحة نبين بدأه ~~وكيفيته. # منها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما قال: # " كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي ~~بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس ~~النصارى، وقال بعضهم قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ~~ينادي بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا بلال قم فناد ~~بالصلاة " # ، وفي الموطأ لمالك رحمه الله # " أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع ~~الناس للصلاة، فأرى عبد الله بن زيد الأنصاري خشبتين في النوم فقال: إن ~~هاتين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تؤذنون ~~للصلاة "؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استيفظ فذكر له ذلك ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان ". # وبعض الروايات الأخرى ms3760 عن غير ابن عمر وعند غير الشيخين بألفاظ أخرى، ~~وصور مختلفة منها قالوا: " انصب راية فإذا رآها الناس أذن بعضهم بعضا أي ~~أعلمه عند حضور الصلاة، فلم يعجبه ذلك فذكر له القنع، وهو الشبور ~~لليهود فلم يعجبه، فقال هذا من أمر اليهود ". # وفي رواية أنس " أن ينوروا نارا فلم يعجبه شيء من ذلك كله ". # وفي حديث عبد الله بن زيد # " لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس ~~لجمع الصلوات طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده. فقلت يا عبد ~~الله أتبيع الناقوس قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا ~~أدلك على ما هو خير من ذلك. فقلت: بلى، فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، ~~الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله! أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على ~~الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله ~~أكبر لا إله إلا الله ". ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: " نقول: إذا ~~أقمت للصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن ~~محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد ~~قامت الصلاة. فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما ~~رأيت فقال " إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ~~فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به ~~فسمع عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: يا رسول الله والذي بعثك ~~بالحق لقد رأيت ما رأى، فقال صلى الله عليه وسلم: " فلله الحمد " # رواه أبو داود. # وفي رواية له، فقال: " إني لبين نائم ويقظان إذا أتاني آت فأراني الأذان ~~". # فتبين من هذا كله أن الصحيح في مشروعية الأذان أنه كان بعد الهجرة، وفي ~~المدينة المنورة. # وهنا سؤال حول ms3761 مشروعية الأذان. قال بعض الناس: كيف يترك أمر الأذان وهو ~~بهذه الأهمية من الصلاة فيكون أمر مشروعيته رؤيا يراها بعض الأصحاب، وطعن ~~في سند الحديث واستدل بحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قم يا بلال فناد بالصلاة " # والجواب عن هذا من عدة وجوه: # منها: سند حديث عبد الله صحيح، وقد ناقشة الشوكاني رحمه الله، وذكر ~~تصحيحه ومن صححه ويشهد لصحته ما قدمناه من رواية الموطإ بإرادة اتخاذ ~~خشبتين، فأرى عبد الله بن زيد خشبتين الحديث، وكذلك في الصحيحين إثبات ~~التشاور فيما يعلم به حين الصلاة. # ومنها: أنه لا يتعارض مع حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر لم يذكر ألفاظ ~~النداء فيكون الجمع بينهما. إما أن بلالا كان ينادي بغير هذه الصيغة، ثم ~~رأى عبد الله الأذان فعلمه بلالا. # وقد يشهد لهذا الوجه ما جاء عن ابن أبي ليلى قال: " أحيلت الصلاة ثلاثة ~~أحوال، وحدثنا أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالا ~~في الدور ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على ~~الآطام ينادون المسلمين حتى نقسوا أكادوا أن ينقسوا " ، فجاء رجل من ~~الأنصار فقال: يا رسول الله إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا ~~كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قال فقال ~~مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت ~~يقظان غير نائم. فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد أراك الله خيرا فمر ~~بلالا فليؤذن " ، فقال عمر: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما ~~سبقت استحييت " # لأبي داود أيضا. # ففيه أنه صلى الله عليه وسلم كان قد هم أن يبث رجالا في الدور، وعلى ~~الأطم ينادون للصلاة، فيكون نداء بلال أولا من هذا القبيل دون تعيين ~~ألفاظ، أما أن يكون نداء بلال الوارد في الصحيح بألفاظ الأذان، الواردة ~~في حديث ms3762 عبد الله بعد أن رأى ما رآه أمره صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ~~بلالا فنادى به، ولا تعارض في ذلك كما ترى. # ومنها أيضا: أن رؤيا عبد الله للأذان لا تجعله مشروعا له من عنده ولا ~~متوقفا عليه، لأنه جاء في الرؤيا الصالحة أنها جزء من ست وأربعين جزءا ~~من النبوة # وهذا النظم لألفاظ الأذان لا يكون إلا من القسم فهي بعيدة عن الوساوس ~~والهواجس لما فيها من إعلان العقيدة وإرغام الشيطان كما في الحديث: # " إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر " # إلخ. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما سمعها أقرها وقال: # " إنها لرؤيا حق " # ، أو # " لقد أراك الله حقا " # ، فكانت سنة تقرير كما يقرر بعض الناس على بعض الأفعال. # ثم جاء بعد ذلك تعليمه صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة فصار سنة ثابتة، ~~وكان يتوجه السؤال لو أنه لم يبلغه صلى الله عليه وسلم وعملوا به مجرد ~~الرؤيا، ولكن وقد بلغه وأقره فلا سؤال إذا. # ومنها: أن في بعض الروايات أن الوحي قد جاءه به، ولما أخبره عمر قال له: ~~سبقك بذلك الوحي. ذكر في مراسيل أبي داود. # وذكر عن ابن العربي بسط الكلام إثبات الحكم بالرؤيا ذكرهما المعلق على ~~بذل المجهود. # ومنها ما قيل: ترك مجيء بيان وتعليم لأذان إلى أن رآه عبد الله ورواه ~~عمر رضي الله عنهما لأمرين، ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا ~~مع ذكر الله فيكون مجيئه عن طريقهما أولى وأكرم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أن يأتيهم من طريقه هو حتى لا يكون عناية من يدعوهم لإطرائه. # وهذا وإن كان متوجها إلا أن فيه نظرا لأنه صلى الله عليه وسلم لو ~~جاءهم بأعظم من ذلك لما كان موضع تساؤل. # من مجموع ما تقدم يكون أصل مشروعية الأذان سنة ثابتة، إما أنه كان قد ~~هم أن يبعث رجالا في البيوت ينادوه، وإما لأنه أقر ما رأى عبد الله ~~فيكون أصل المشروعية منه صلى الله عليه وسلم، والتقرير منه على ms3763 الألفاظ ~~التي رآها عبد الله. # فضل الأذان وآداب المؤذن # لا شك أن الأذان من أفضل الأعمال، وأن المؤذن يشهد له ما سمع صوته من ~~حجر ومدر. إلخ. # وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: # " أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة " # وقال عمر رضي الله عنه: لولا الخلافة لأذنت. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين " # رواه أبو داود والترمذي، إلى غير ذلك من فضائل الأذان، فقيل: مؤتمن على ~~الوقت، وقيل: مؤتمن على عورات البيوت عند الأذان فقد حث صلى الله عليه ~~وسلم المؤذنين على الوضوء له كما في حديث: # " لا ينادي للصلاة إلا متوضىء " # وإن كان الحدث لا يبطله اتفاقا. # ولما كان بهذه المثابة كانت له آداب في حق المؤذنين. # منها: أن يكونوا من خيار الناس، كما عند أبي داود: " ليؤذن لكم خياركم ~~وليؤمكم أقرؤكم " ، وعليه حذر صلى الله عليه وسلم من تولي الفسقة الأذان ~~كما في حديث: # " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن " # المتقدم. فإن فيه زيادة عند البزار قالوا يا رسول الله. لقد تركتنا ~~نتنافس في الأذان بعدك فقال: # " إنه يكون بعدي أو بعدكم قوم سفلتهم مؤذنوهم " # ومنها: أنه يكره التغني فيه، لأنه ذكر ودعاء إلى أفضل العبادات، وقد جاء ~~عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا قال له: إني أحبك في الله، قال ابن ~~عمر: لكني أبغضك في الله، فقال: ولم؟ قال لأنك تتغنى في أذانك. # وفي المغني لابن قدامة: ولا يعتد بأذان صبي ولا فاسق، أي ظاهر الفسق، ~~وعند المالكية: لا يحاكي في أذلة الفسقة. # ومنها: ألا يلحن فيه لحنا بينا، قال في المغني: ويكره اللحن في ~~الأذان، فإنه ربما غير المعنى، فإن من قال: أشهد أن محمدا رسول الله ~~ونصب لام رسول. أخرجه عن كونه خبرا. # ولا يمد لفظه أكبر لأنه يجعل فيها ألفا فيصير جمع كبر، وهو الطبل، ولا ~~يسقط الهاء من اسم الله والصلاة ولا الحاء من الفلاح، لما روى أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله ms3764 صلى الله عليه وسلم # " لا يؤذن لكم من يدغم الهاء " # الحديث أخرجه الدار قطني. # فأما إن كان ألثغ لا تتفاحش جاز أذانه، فقد روي أن بلالا كان يقول: ~~أسهد بجعل الشين سينا، نقله ابن قدامة، ولكن لا أصل لهذا الأثر مع شهرته ~~على ألسنة الناس، كما في كشف الخفاء ومزيل الإلباس. # ومن هذا ينبغي تعهد المؤذنين في هذين الأمرين اللحن والتلحين وكذلك ~~الفسق، وصفة المؤذنين ولا سيما في بلاد الحرمين الشريفين مهبط الوحي ~~ومصدر التأسي، وموفد القادمين من كل مكان ليأخذوا آداب الأذان والمؤذنين، ~~عن أهل هذه البلاد المقدسة. # ألفاظ الأذان والإقامة والراجح منها # مع بيان التثويب والترجيع # مدار ألفاظ الأذان والإقامة في الأصل على حديثي عبد الله بن زيد ~~بالمدينة، وحديث أبي محذورة في مكة بعد الفتح. وما عداهما تبع لهما كحديث ~~بلال وغيره، رضي الله عنهم. # وحديث عبد الله موجود في السنن أي فيما عدا البخاري ومسلم. وهو متقدم من ~~حيث الزمن كما تقدم ذلك في مبحث مشروعية الأذان وأنه كان ابتداء في ~~المدينة أول مقدمه صلى الله عليه وسلم إليها. # وحديث أبي محذورة موجود في السنن وفي صحيح مسلم. ولم يذكر البخاري ~~واحدا منهما، وإنما ذكر قصة سبب المشروعية، وحديث # " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " # على ما سيأتي إن شاء الله. # وعليه سنقدم حديث عبد الله لتقدمه في الزمن: وألفاظه كما تقدم في بدء ~~المشروعية هي: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله ~~إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن ~~محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على ~~الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. # ومجموعه خمس عشرة كلمة أي جملة. ففيه تربيع التكبير في أوله وتثنية ~~باقيه، وإفراد آخره. وفيه الإقامة بتثنية التكبير في أوله في كلمة وإفراد ~~باقيها إلا لفظ الإقامة، ولفظها: الله أكبر الله اكبر. أشهد أن لا إله ~~إلا الله. ms3765 أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة، حي على الفلاح. قد ~~قامت الصلاة قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. # قال الشوكاني: رواه أحمد وأبو داود، وقال عنه الترمذي: حسن صحيح. وذكر ~~له عدة طرق. ومنها عند الحاكم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والبيهقي ~~وابن ماجه. # حديث أبي محذورة: وحديث أبي محذورة كان بعد الفتح كما في السنن أنه خرج ~~في نفر فلقي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من حنين، وأذن مؤذنه صلى ~~الله عليه وسلم، فظل أبو محذورة في نفره يحونه استهزاء به، فسمعهم صلى ~~الله عليه وسلم فأحضرهم فقال: # " أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشاروا إلى أبي محذورة، فحبسه ~~وأرسلهم، ثم قال له قم فأذن بالصلاة فعلمه " # أما ألفاظه: فعند مسلم بتثنية التكبير في أوله: والباقي كحديث عبد الله ~~بن زيد مع زيادة ذكر الترجيع. وقد ساقه مسلم في ثلاثة مواضع وبلفظ ~~التكبير مرتين فقط. # الموضع الأول: عن أبي محذورة نفسه، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ~~الأذان: الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله ~~إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله. حي على ~~الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله ~~أكبر، لا إله إلا الله. # والموضع الثاني: في قصة الإغارة أنه # " كان صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإذا ~~سمع أذانا أمسك وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على الفطرة ". ثم قال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خرجت من النار " # الحديث. # والموضع الثالث: عن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله ~~أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ms3766 أشهد أن لا إله إلا الله " # الحديث، فهذه كلها ألفاظ مسلم لأذان أبي محذورة، ولم يذكر مسلم عن ~~الإقامة إلا حديث أنس، أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وعند غير ~~مسلم جاء حديث أبي محذورة بتربيع التكبير في أوله، كحديث عبد الله بن ~~زيد، وبالترجيع والتثويب في الفجر، وفيها أن الترجيع يكون أولا بصوت ~~منخفض. ثم يرجع ويمد بهما أي بالشهادتين صوته، وذلك عند أحمد وأبي داود ~~والترمذي والنسائي، أما الإقامة فجاءت عن أبي محذورة روايتان: الأولى ~~قال: وعلمني النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر ~~الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن ~~محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على ~~الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ~~الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. # الثانية: مثل الأذان تماما بتربيع التكبير، وبدون ترجيع، وتثنية ~~الإقامة أي: الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله ~~إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن ~~محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على ~~الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا ~~الله. # فالأولى كالأذان في رواية مسلم، والثانية كرواية الأذان عند غيره بدون ~~ترجيع ولا تثويب، وإضافة لفظ الإقامة مرتين. # هذا مجموع ما جاء في أصول ألفاظ الأذان من حديثي عبد الله بن زيد وأبي ~~محذورة. # وبالنظر في حديث عبد الله بن زيد نجده لم تختلف ألفاظه لا في الأذان ولا ~~في الإقامة. وهو بتربيع التكبير في الأذان وبدون تثويب ولا ترجيع، ~~وبإفراد الإقامة إلا لفظ الإقامة، أما حديث أبي محذورة فجاء بعدة صور في ~~الأذان وفي الإقامة. # أما الأذان فعند مسلم بتثينة التكبير في أوله وعند غيره بتربيعه، وعند ~~الجميع إثبات الترجيع في الشهادتين، ms3767 وأن الأولى منخفضة، والثانية مرتفعة، ~~كبقية ألفاظ الأذان، وأما الإقامة فجاءت مرتين مرتين، وجاءت مثل الأذان ~~تماما عند غير مسلم سوى الترجيع والتثويب مع تثنية الإقامة، فكان الفرق ~~بين الحديثين كالآتي: # في ألفاظ الأذان ثلاثة نقاط: # أولا: ذكر الترجيع. # ثانيا: التثويب. # ثالثا: عدد التكبير في أوله. # أما الترجيع فيجب أن يؤخذ به، لأنه متأخر بعد الفتح، ولا معارضة فيه، ~~لأنه زيادة بيان وبسند صحيح. # وأما التثويب، فقد ثبت من حديث بلال، وكان أيضا متأخرا عن حديث عبد ~~الله قطعا، وقد ثبت أن بلالا أذن للصبح فقيل له: إن رسول الله صلى الله ~~عليه سلم نائم فصرخ بلال بأعلى صوته: " الصلاة خير من النوم ". # قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر. أي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: # " اجعل ذلك في أذانك " # فاختصت بالفجر. # وذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني # " عن بلال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يثوب في العشاء " # رواه ابن ماجه، وقال: دخل ابن عمر رضي الله عنهما مسجدا يصلي فيه، فسمع ~~رجلا يثوب في أذان الظهر فخرج فقيل له: أين؟ فقال: أخرجتني البدعة، فلزم ~~بهذا كله الأخذ بها في صلاة الفجر خاصة. # أما التكبير في أول الأذان، ففي رواية مسلم لأبي محذورة مرتين في كلمة ~~فاختلف مع حديث عبد الله بن زيد، وعند غير مسلم بتربيع التكبير. وبالنظر ~~إلى سند مسلم فهو أصح سندا، وبالنظر إلى ما عند غيره، تجد فيه زيادة ~~صحيحة، وهي تربيع التكبير، فوجب العمل بها كما وجب العمل بالتثويب ~~والترجيع، لأن الرواية المتفقة مع الحديث الآخر أولى من المختلفة معها. # أما الإقامة: ففي حديث عبد الله لم تختلف كما تقدم، ولكنها في حديث أبي ~~محذورة قد جاءت متعددة ولم تتفق صورة من صورها مع حديث عبد الله، حيث إن ~~فيها مرتين مرتين في جميع الكلمات، ومنها كالأذان مع لفظ الإقامة مرتين، ~~وسند الجميع سواء. # فهل نأخذ في الإقامة بحديث عبد الله أم بحديث ms3768 أبي محذورة؟ من حيث ~~الصناعة كل منهما في السند سواء. # وفي حديث أبي محذورة زيادة وهي تشبيهها بالأذان، فلو كان الأمر قاصرا ~~على ذلك لكان العمل بحديث أبي محذورة في الإقامة أولى، لأنه متأخر وفيه ~~زيادة صحيحة، ولكن وجدنا حديث بلال في الصحيح، وعند مسلم أيضا وهو أمر ~~بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر بالإقامة. وحديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنه قال: " كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، ~~والإقامة مرة، مرة غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " ~~رواه أبو داود والنسائي. # وبهذين الحديثين يمكن الترجيح بين حديثي عبد الله وأبي محذورة في كل من ~~الأذان والإقامة. # فمن حديث بلال: نشفع الأذان ولكنهم يختلفون في تحقيق المناط في المراد ~~بالشفع من حيث التكبير لأن الشفع يصدق على اثنين وأربع، وعند في الأذان ~~إما مرتان وإما أربع، وكلاهما يصدق عليه معنى الشفع. ولكن إذا اعتبرنا أن ~~كل تكبيرتين جملة واحدة، كان تحقق الشفع بجملتين، فيأتي أربع تكبيرات. ~~وإذا اعتبرنا كل تكبيرة كلمة وجد الشفع في جملة واحدة لاشتمالها على ~~كلمتين، ولهذا وقع الخلاف. # ولكن الأذان لم تعد عباراته بالكلمات المفردة بل بالجمل، لأننا نعد ~~قولنا: حي على الصلاة، وهي في الواقع جملة تشتمل على عدة كلمات مفردة، ~~وعليه فقولنا: الله أكبر الله اكبر كلمة، وعلى هذا يكون الشفع بتكرارها، ~~فيأتي أربع تكبيرات: وهذا يتفق مع رواية الحديثين، وحديث عبد الله ~~تماما. # وقال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض: إن حديث أبي محذورة جاء في ~~نسخة الفاسي لمسلم بأربع تكبيرات اه. # وبهذا تتفق الروايات كلها في تربيع التكبير في الأذان. # أما الإقامة فحديث بلال نص في إيثار الإقامة إلا لفظ الإقامة وهو عين نص ~~الإقامة في حديث عبد الله، وعين النص في حديث عبد الله بن عمر، والإقامة ~~مرة مرة إلا الإقامة، أي فهي مرتين وعلى هذا العرض وبهذه المناقشة يكون ~~الراجح هو العمل بحديث عبد الله بن زيد في الأذان ms3769 والإقامة، مع أخذ ~~الترجيع والتثويب من حديث أبي محذورة للأذان. # ثم نسوق ما أخذ به فقهاء الأمصار من هذا كله مع بيان النتيجة من جواز ~~العمل بالجميع إن شاء الله. # قال ابن رشد في البداية ما نصه: اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات ~~مشهورة. إحداها: تثنية التكبير وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى، وهو مذهب ~~أهل المدينة مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع في ~~الشهادتين بصوت أخفض من الأذان. # والصفة الثانية: أذان المكيين، وبه قال الشافعي، وهو تربيع التكبير ~~الأول والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. # والصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي ~~الأذان، وبه قال أبو حنيفة. # والصفة الرابعة: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول وتثليث ~~الشهادتين، وحي على الصلاة وحي على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إله إلا ~~الله حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية أعني الأربع ~~كلمات تبعا ثم يعيدهن ثالثة. وبه قال الحسن البصري وابن سيرين. # والسبب في اختلاف كل واحد من هؤلاء الفرق الأربع اختلاف الآثار في ذلك، ~~واختلاف اتصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم ~~بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضا يحتجون بالعمل ~~المتصل عندهم بذلك، وكذلك الكوفيون والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد ~~لقوله اه. # ثم ساق نصوص كل فريق من النصوص التي أوردناها سابقا، ولم يورد نصا ~~لمذهب البصريين الذي فيه التثليث المذكور، وقد وجد في مصنف عبد الرزاق ~~بسند جيد مجلد (1) ص 465 وجاء مرويا عن بعض الصحابة في المصنف المذكور. # وقال في الإقامة: أما صفتها فإنها عند مالك والشافعي بتثنية التكبير في ~~أولها، وبإفراد باقيها إلا لفظ الإقامة، فعند الشافعي مرتين وعند أبي ~~حنيفة، فهي مثنى مثنى، وأما أحمد فقد خير بين الأفراد والتثنية. فيها ~~اه. # تلك هي خلاصة أقوال أئمة الأمصار في ألفاظ الأذان والإقامة، وقد أجملها ~~العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد تحت عنوان: فصل مؤذنيه صلى ~~الله عليه وسلم قال ما نصه: ms3770 # وكان أبو محذورة يرجع الأذان ويثني الإقامة وبلال لا يرجع ويفرد ~~الإقامة، فأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال، ويعني ~~بأذان أبي محذورة على رواية تربيع التكبير، وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق ~~بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل الحديث وأهل المدينة بأذان ~~بلال وإقامته، أي بتربيع التكبير وبدون ترجيع، وبإفراد الإقامة إلى لفظ ~~الإقامة، قال: وخالف مالك في الموضعين إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة، ~~فإنه لا يكررها اه. # ومراده بمخالفة مالك هنا لأهل الأمصار، وإلا فهو متفق مع بعض الصور ~~المتقدمة. أما في عدم إعادة التكبير، فعلى حديث أبي محذورة عند مسلم، ~~وعدم تكريره للفظ الإقامة، فعلى بعض روايات حديث بلال أن يوتر الإقامة أي ~~على هذا الإطلاق، وبهذا مرة أخرى يظهر لك أن تلك الصفات كلها صحيحة، ~~وأنها من باب اختلاف التنوع وكل ذهب إلى ما هو صحيح وراجح عنده، ولاتعارض ~~مطلقا إلا قول الحسن البصري وابن سيرين بالتثليث ولم يقل به أحد من ~~الأئمة الأربعة. # وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى كلمة فصل في ذلك: في المجموع بعد ذكر ~~هذه المسألة ما نصه: فإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم ~~تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكرهون شيئا ~~من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات ونحو ~~ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اه. # وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في موضع آخر: مما لا ينبغي ~~الخلاف فيه ما نصه: وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ~~ولا من تركه. # وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع ~~الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد والتمتع والقرآن. # تنبيه # قد جاء في التثويب بعض الآثار عن عمر وبعض الأمراء، والصحيح أنه مرفوع، ~~كما في قصة بلال المتقدمة، ولا يبعد أن ما جاء عن عمر أو غيره يكون ~~تكرارا ms3771 لما سبق أن جاء عن بلال مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل ~~فيها هل هو خاص بالفجر أو عام في كل صلاة يكون الإمام نائما فيها؟ ~~والصحيح أنه خاص بالفجر وفي الأذان لا عند باب الأمير أو الإمام. وتقدم ~~أثر عبد الله بن عمر فيمن ثوب في أذان الظهر أنه اعتبره بدعة وخرج من ~~المسجد. # كيفية أداء الأذان # يؤدي الأذان بترسل وتمهل، لأنه إعلان للبعيد، والإقامة حدرا لأنها ~~للحاضر القريب، أما النطق بالأذان فيكون جزما غير معرب. # قال في المغني: ذكر أبو عبد الله بن بطة، أنه حال ترسله ودرجه أي في ~~الأذان والإقامة. لا يصل الكلام بعضه ببعض، بل جزما. وحكاه عن ابن ~~الانباري عن أهل اللغة، وقال: وروي عن إبراهيم النخعي قال: شيئان مجزومان ~~كانوا لا يعربونهما الأذان والإقامة، قال: وهذا إشارة إلى إجماعهم. # حكم الأذان والإقامة # قال ابن رشد: واختلف العلماء في حكم الأذان هل هو واجب أو سنة مؤكدة؟ ~~وإن كان واجبا فهل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية؟ اه. # فتراه يدور حكمه بين فرض العين والسنة المؤكدة، والسبب في هذا الاختلاف، ~~اختلافهم في وجهة النظر في الغرض من الأذان هل هو من حق الوقت للإعلام ~~بدخوله أو من حق الصلاة، كذكر من أذكارها أو هو شعار للمسلمين يميزهم عن ~~غيرهم؟ # وسنجمل أقوال الأئمة رحمهم الله مع الإشارة إلى مأخذ كل منهم ثم بيان ~~الراجح إن شاء الله. # أولا: اتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه سنة على ما رجحه النووي عن ~~الشافعي في المجموع أنه سنة في حق الجميع المنفرد والجماعة في الحضر وفي ~~السفر، أي أنه لا تتعلق به صحة الصلاة. # وحكي عنه أنه فرض كفاية أي للجماعة أو للجمعة خاصة، والدليل لهم في ذلك ~~حديث المسيء صلاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه معها الوضوء ~~واستقبال القبلة، ولم يعلمه أمر الأذان ولا الإقامة. # ثانيا: مالك جاء عنه أنه فرض على المساجد التي للجماعة وليس على ~~المنفرد فرضا ولا سنة. # وعنه: ms3772 أنه سنة مؤكدة على مساجد الجماعة، ففرق مالك بين المنفرد ومساجد ~~الجماعة. وفي متن خليل عندهم أنه سنة لجماعة تطلب غيرها في فرض وقتي، ولو ~~جمعة أي وما عدا ذلك فليس بسنة. فلم يجعله على المنفرد وأصلا. واختلف ~~القول عنه في مساجد الجماعة ما بين الفرض والسنة المؤكدة، واستدل بحديث ~~ابن عمر رضي الله عنه. كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح، ~~وكان يقول إنما الأذان للإمام الذي يجتمع له الناس. رواه مالك. # وكذلك أثر ابن مسعود وعلقمة: صلوا بغير أذان ولا إقامة قال سفيان، كفتهم ~~إقامة المصر، وقال ابن مسعود: إقامة المصر تكفي، رواهما الطبراني في ~~الكبير بلين. # ثالثا: وعند الحنابلة: قال الخرقي: هو سنة أي كالشافعي وأبي حنيفة، ~~وغير الخرقي قال كقول مالك. # رابعا: عند الظاهرية فرض على الأعيان، ويستدلون بحديث مالك بن الحويرث ~~وصاحبه، قال لهما صلى الله عليه وسلم: # " إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما " # متفق عليه. # فحملوا الأمر على الوجوب. # هذا موجز أقوال الأئمة رحمهم الله مع الإشارة إلى أدلتهم في الجملة ~~وحكمه كما رأيت دائر بين السنة عموما عند الشافعي وأبي حنيفة، والوجوب ~~عند الظاهرية. # والسنة المؤكدة أو فرض الكفاية عند مالك وغيره على تفصيل في ذلك. # وقد رأيت النصوص عند الجميع، ولكن من أسباب الخلاف في حكم الأذان هو ~~تردد النظر فيه هل هو في حق الوقت للإعلام بدخول الوقت، أو هو حق الصلاة ~~نفسها، أو هو شعار للمسلمين؟ # فعلى أنه من حق الوقت، فأذان واحد، فإنه يحصل به الإعلام ويكفي عن غيره، ~~ولا يؤذن من فاته أول الوقت، ولا من يصلي في مسجد قد صليت فيه الفريضة ~~أولا ولا للفوائت. # وإن كان من حق الصلاة فهل هو شرط في صحتها أو سنة مستقلة. # وعلى أنه للوقت للإعلام به، فإنه يعارضه حديث قصة تعريسهم آخر الليل، ~~ولم يوقظهم إلا حر الشمس، وأمره صلى الله عليه وسلم بالانتقال عن ذلك ~~الوادي ثم نزولهم والأمر بالأذان والإقامة، فلا معنى لكونه ms3773 للوقت في هذا ~~الحديث، وهو من رواية مالك في الموطأ. # وعلى أنه للصلاة فله جهتان: # الأولى: إذا كان المصلي منفردا ولا يطلب من يصلي معه. # والثانية: أنه إذا كانوا جماعة. # فإذا كان منفردا لا يطلب من يصلي معه، فلا ينبغي أن يختلف في كونه ليس ~~شرطا في صحة الصلاة، وليس واجبا عليه لأن الأذان للإعلام، وليس هناك من ~~يقصد إعلامه. # ولحديث المسيء صلاته المتقدم ذكره، وقد يدل لذلك ظاهر نصوص القرآن في ~~بيان شروط الصلاة التي هي: الطهارة، والوقت، وستر العورة، واستقبال ~~القبلة. # ففي الطهارة قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] الآية. # وفي الوقت قال تعالى: # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل # [هود: 114] الآية ونحوها. # وفي العورة قال تعالى: # يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31] الآية. # وفي القبلة قال تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144]. # وأما في الأذان: فقال تعالى: # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا # [المائدة: 58]. # وقال في سورة الجمعة في هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } وكلاهما حكاية واقع، ~~وليس فيهما صيغة أمر كغير الأذان مما تقدم ذكره. # أما حديث ابن الحويرث فهو في خصوص جماعة، وليس في شخص واحد كما هو نص ~~الحديث. # وبقي النظر فيه في حق الجماعة، هل هو على الوجوب في حقهم أم على الندب؟ ~~وإذا كان بالنصوص القرآنية المتقدمة أنه ليس شرطا لصحة صلاة الفرد، فليس ~~هو إذا بشرط في صحة صلاة الجماعة فيجعل الأمر فيه على الندب. # وعليه حديث ابن صعصعة أن أبا سعيد قال له: " أراك تحب الغنم والبادية، ~~فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا ~~يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، سمعته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". رواه البخاري ومالك في الموطإ ~~والنسائي. # ومحل الشاهد فيه قوله رضي ms3774 الله عنه: فأذنت للصلاة فارفع صوتك. فيفهم منه ~~أنه إن لم يؤذن فلا شيء عليه، وأنه يراد به الحث على رفع الصوت لمن يؤذن ~~ولو كان في البادية، لما يترتب عليه من هذا الأجر. # أما كونه شعارا للمسلمين فينبغي أن يكون وجوبه متعلقا بالمساجد في ~~الحصر، فيلزم أهلها، كما قال مالك والشافعي في حق المساجد. # قال الشافعي: يقاتلون عليه إن تركوه، ذكر النووي في المجموع لدليل ~~الإغارة في الصبح أو الترك بسبب سماعه، وكذلك يتعلق في السفر بالإمام، ~~وينبغي أن يحرص عليه لفعله صلى الله عليه وسلم في كل أسفاره في غزواته ~~وفي حجه كما هو معلوم، وما عدا ذلك فهو لا شك سنة لا ينبغي تركها. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تقسيم نحو هذا في المجموع في الجزء ~~الثاني والعشرين: وللأذان عدة جوانب تبع لذلك منها في حالة الجمع بين ~~الصلاتين، فقد جاءت السنة بالأذان والإقامة للأولى منهما، والاكتفاء ~~بالإقامة للثانية، كما في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء ~~في المزدلفة على الصحيح، وهو من أدلة عدم الوجوب لكل صلاة. # ومنها أن لا أذان على النساء أي لا وجوب. وإن أردن الفضيلة أتين به ~~سرا، وقد عقد له البيهقي بابا قال فيه: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ~~وساق فيه عن عبد الله بن عمر موقوفا، قال: ليس على النساء أذان ولا ~~إقامة، ثم ساق عن أسماء رضي الله عنها مرفوعا: " ليس على النساء أذان ~~ولا إقامة ولا جمعة ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة، ولكن تقوم في ~~وسطهن " هكذا رواه الحكم ابن عبد الله الأيلي وهو ضعيف، وقال: ورويناه في ~~الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوفا ومرفوعا، ورفعه ضعيف وهو قول ~~الحسن وابن المسيب وابن سيرين والنخعي. # تعدد المؤذنين لصلاة الجمعة ولبقية الصلوات الخمس في المسجد الواحد # أولا: ما يتعلق بالجمعة، صور التعدد لها فيه صورتان، صورة تعدد الأذان ~~أي قبل الوقت وبعد الوقت، وضورة تعدد المؤذنين بعد الوقت على ما سيأتي في ~~ذلك إن ms3775 شاء الله، أما تعدد الأذان فقد بوب له البخاري رحمه الله في ~~صحيحه في باب الجمعة قال: باب الأذان يوم الجمعة، وساق حديث السائب بن ~~يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان ~~عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ففيه ~~الأذان أولا للوقت كبقية الصلوات، وفيه أذان قبل الوقت زاده عثمان لما ~~كثر الناس، وهو المعنى الثالث، والاثنان الآخران هما الأذان للوقت، ~~والإقامة الموجودان من قبل. # وذكر ابن حجر رحمه الله في الشرح، تنبيها قال فيه: ورد ما يخالف ذلك ~~الخبر بأن عمر رضي الله عنه هو الذي زاد الأذان. # ففي تفسير جويبر عن الضحاك عن زيادة الراوي عن برد بن سنان عن مكحول عن ~~معاذ أن عمر أم مؤذنيه أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا من المسجد حتى يسمع ~~الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر. ثم قال عمر نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين اه. # ثم ناقش ابن حجر هذا الأثر وقال: إنه منقطع ثم ذكر أنه وجد له ما يقويه ~~إلى آخر كلامه. # فهذا دليل على تعدد الأذان للجمعة قبل الوقت وعند دخوله، سواء من عمر أو ~~من عثمان أو منهما معا، رضوان الله عليهما. # أما مكان هذا الأذان وزمانه، فإن المكان قد جاء النص أنه كان على ~~الزوراء. # وقد كثر الكلام في تحديد الزوراء مع اتفاقهم أنها مكان بالسوق، هذا يتفق ~~مع الغرض من مشروعيته لتنبيه أهل السوق بوقت الجمعة للسعي إليها. # أما الزوراء بعينها فقال علماء تاريخ المدينة إنه اسم للسوق نفسها، ~~وقيل: مكان منها مرتفع كان عند أحجار الزيت، وعند قبر مالك بن سنان، وعند ~~سوق العباءة. # والشيء الثابت الذي لم يقبل التغير، هو قبل مالك بن سنان، لكن يقولون ~~عنده، وليس في مكانه، وقد بدا لي أن الزوراء هو مكان المسجد ms3776 الذي يوجد ~~الآن بالسوق في مقابلة الباب المصري المعروف بمسجد فاطمة، ويبدو لي أن ~~الزوراء حرفت إلى الزهراء، والزهراء عند الناس يساوي فاطمة لكثرة قولهم: ~~فاطمة الزهراء، ومعلوم قطعا أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يكن لها مسجد في هذا المكان، فلا صحة لنسبة ~~هذا المسجد إليها، بل ولا ما نسب لأبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم من ~~مساجد في جوانب مسجد المصلى المعروف الآن بمسجد الغمامة. # وإنما صحة ما نسب إليهم رضوان الله تعالى عليهم هو أن تلك الأماكن كانت ~~مواقفهم في مصلى العيد، ولهذا تراها كلها في هذا المكان المتواجدة فيه. # فأولهم أبو بكر رضي الله عنه، وقد أخر موقفه عن موقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فصلى العيد تأدبا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء من ~~بعده، واختلفت أماكن مصلاهم فأقيمت تلك المساجد في أماكن قيامهم. # أما ما ينسب إلى فاطمة الزهراء فلا مناسبة له ولا صحة له، وقد قال بعض ~~المتأخرين: إنه منسوب إلى إحدى الفضليات من نساء العصور المتأخرة، واسمها ~~فاطمة، وعليه فلعلها قد جددته ولم تؤسسه لأنه لا موجب أيضا لتبرعها ~~بإنشاء مسجد بهذا القرب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وبمناسبة العمل بالقضاء فقد عرض على صك شرط وقف للأشراف الشراقمة ~~بالمدينة المنورة، وفي بعض تحديد أعيانه يقول: الواقع في طريق الزوراء، ~~ويحده جنوبا وقف الحلبي، ووقف الحلبي موجود حتى الآن معروف يقع عن ~~المسجد الموجود بالفعل في الجنوب الشرقي وليس بينه وبين المسجد المذكور ~~إلا السور. والشارع فقط، وتاريخ هذا الصك قبل مائة سنة من تاريخ كتابة ~~هذه الأحرف أي قبل عام ألف ومائتين من الهجرة. # وبهذا ترجح عندي أن موضع أذان عثمان رضي الله عنه كان بذلك المكان، وأنه ~~المتوسط بسوق المدينة، وتقدر مسافته عن المسجد النبوي بحوالي مائتين ~~وخمسين مترا تقريبا. # وقد كان الأذان الأول زمن النبي صلى الله عليه وسلم على المنارة، ~~وهكذا الأذان للوقت ms3777 زمن الخلفاء الراشدين، ثم من بعدهم. أما هذا الأذان ~~فكان ابتداؤه من الزوراء، ثم نقل إلى باب المسجد، ثم نقل إلى ما بين يدي ~~الإمام، وذلك زمن هشام بن عبد الملك، ثم نقل إلى المنارة. # أما زمانه فلم أقف على تحديد صحيح صريح، كم كان بينه وبين الثاني؟ وهل ~~كان بعد دخول الوقت أو قبله. # وقد ذكر ابن حجر في الفتح رواية عن الطبراني ما نصه: فأمر بالنداء الأول ~~على دار له يقال لها الزوراء، فكان يؤذن عليها، فإذا جلس على المنبر أذن ~~مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي رواية له من هذا الوجه، فأذن ~~بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، إلى أن قال: وتبين ~~بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية ~~الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. # فتراه يرجح كونه بعد دخول الوقت وعند خروج عثمان أي من بيته وكان يسكن ~~إلى تلك الجهة، ولكن هذا لا يتمشى مع الغرض من إيجاد هذا الأذان، لأنه ~~لما كثر الناس جعله في السوق لإعلامهم، فإذا كان بعد الوقت، فأي فائدة ~~منه، وكيف يعد ثالثا، إنه يكون من تعدد المؤذنين لا من تعدد الأذان. # ثم إن مسكن عثمان رضي الله عنه كان بجوار مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومحله معروف حتى الآن، وكان يعرف برباط عثمان. فكيف يجعل هذا الأذان ~~عند خروجه مع بعد ما بين الزوراء ومكان سكناه. # ثم إن من المتفق عليه أن الأذان بين يدي الإمام هو الأذان الذي بعد دخول ~~الوقت، وتصح الصلاة بعده، فالأذان الثالث كالأول بالنسبة للصبح، وبهذا ~~يترجح أنه كان قبل الوقت لا بعده، كالأول للصبح ليتحقق الغرض منه، وعليه ~~ينبغي أن يراعي في زمنه ما بينه وبين الثاني وما يتحقق به الغرض من رجوع ~~أهل السوق وتهيئتهم للجمعة وهذا يختلف باختلاف الأماكن والبلاد، وسواء ~~كان قبل الوقت أو بعده، فلا بد من زمن بينهما يتمكن فيه أهل السوق ms3778 من ~~الحضور إلى المسجد وإدراك الخطبة. # ولو أخذنا بعين الاعتبار ما وقع لعثمان نفسه زمن عمر رضي الله عنه لما ~~دخل المسجد وعمر يخطب فعاتبه على التأخير، ثم أحدث عثمان هذا الأذان في ~~عهده لوجدنا قرينة تقديمه عن الوقت لئلا يقع غيره فيما يقع هو فيه، والله ~~تعالى أعلم. # وسيأتي نص ابن الحاج على أنه قبل الوقت. # وهذا آخر ما يتعلق بتعدد الأذان يوم الجمعة، وسيأتي التنبيه على ما يوجد ~~من نداءات أخرى يوم الجمعة في بعض الأمصار عند الكلام على ما استحدث في ~~الأذان وابتدع فيه، مما ليس منه إن شاء الله. # أما تعدد المؤذنين يوم الجمعة # فقد جاء صريحا في صحيح البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا في حديث ~~طويل عن ابن عباس زمن عمر رضي الله عنه، وفيه: ما نصه: # " فجلس عمر على المنبر ولما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو ~~أهله إلى آخر " # الحديث. # فهذا نص صريح من البخاري أنه كان لعمر مؤذنون، وكانوا يؤذنون حين يجلس ~~على المنبر، وكان يجلس إلى أن يفرغوا من الأذان، ثم يقوم فيخطب أي كان ~~أذانهم كلهم بعد دخول الوقت. # قال ابن الحاج في المدخل، وكانوا ثلاثة يؤذنون واحدا بعد واحد، ثم زاد ~~عثمان أذانا آخر بالزوراء قبل الوقت، فتحصل من هذا وجود تعدد المؤذنين ~~لصلاة الجمعة، وكانوا زمن عمر ثلاثة وكانوا يؤذنون متفرقين واحدا بعد ~~واحد. # وقد ذكر ابن حجر في الفتح أيضا ضمن كلامه على الحديث المتقدم تحت عنوان ~~" المؤذن الواحد يوم الجمعة " رواية عن ابن حبيب # " أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رقي المنبر وجلس أذن المؤذنون وكانوا ~~ثلاثة واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام فخطب ". # ثم قال: فإنه دعوى تحتاج إلى دليل، ولم يرد ذلك صريحا من طريق متصلة ~~يثبت مثلها. # ثم قال: ثم وجدته في مختصر البويطي عن الشافعي، وفي تعليق لسماحة رئيس ~~الجامعة في الحاشية على ذلك قال في مخطوطة الرياض في مختصر المزني: وسواء ~~كان في مختصر البويطي ms3779 أو المزني فإن عزوه إلى الشافعي صحيح وابن حجر لم ~~يعلق على وجود هذا الأثر بشيء. # وقال النووي في المجموع: قال الشافعي رحمه الله في البويطي: والنداء يوم ~~الجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان ~~فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ليسمع الناس، فيأتون إلى ~~المسجد، فإذا فرغوا خطب الإمام بهم. فهذا أيضا نص الشافعي ينقله النووي ~~على تعدد المؤذنين يوم الجمعة فوق المنارة جملة. والإمام على المنبر، ~~وبهذا تظهر مشروعية تعدد الأذان للجمعة، قبل وبعد الوقت من عمل الخلفاء ~~الراشدين، وفي توفر الصحابة المرضيين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مما ~~يصلح أن يقال فيه إجماع سكوتي في وفرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ~~كما ثبتت مشروعية تعدد الأذان بعد الوقت من فعل الخلفاء أيضا وإجماع ~~الصحابة عليه مع أثر فيه نقاش مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # أما ما يتعلق بالأذان لبقية الصلوات الخمس فكالآتي: # أولا: تعدد الأذان، فقد ثبت في حديث بلال وابن أم مكتوم في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " # متفق عليه، وهذا في صلاة الفجر فقط لما في الحديث من القرائن المتعددة ~~التي منها: ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، أي إن أذان ~~بلال قبل الفجر يحل الطعام وأذان ابن أم مكتوم بعد دخول الوقت حين يحرم ~~الطعام على الصائم. # وفي رواية: " لم يكن ابن مكتوم يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت " وكان ~~بينهما من الزمن، ففي بعض الروايات أنه " لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ~~ويرقى هذا ". رواه مسلم. # وفي رواية للجماعة عن ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن " # - أو قال: # " ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم " # قال الشوكاني: يريد القائم المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح ~~نشيطا أو يتسحر، إن كان له حاجة إلى الصيام، ويوقظ النائم ليتأهب للصلاة ~~بالغسل ms3780 والوضوء، فالأول يشعر بتواليهما مع فرق يسير، والآخر يدل بالفرق ~~بينهما، وكلاهما صحيح السند. # وقد فسر هذا النووي في شرح مسلم ونقله عن الشوكاني في نيل الأوطار ~~بقوله: قال العلماء معناه: إن بلالا كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد ~~أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم ~~مكتوم فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع ~~طلوع الفجر، وهذا يتفق مع قوله صلى الله عليه وسلم # " ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم " # إلى آخره، ويصدقه ما جاء في الأثر أيضا عن ابن أم مكتوم وكان رجلا ~~أعمى فلا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وهذا الأذان الأول للفجر هو ~~مذهب الجمهور ما عدا الإمام أبا حنيفة رحمه الله من الأئمة الأربعة، وحمل ~~أذان بلال على النداء بغير ألفاظ الأذان. # قال الشوكاني: وعند الأحناف أن أبا حنيفة رحمه الله # " لما أذن بلال قبل الوقت أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع ~~فيقول: إلا أن العبد قد نام " # وهذا الأثر رواه الترمذي وقال حديث غير محفوظ. # وفي فتح القدير للأحناف، ما نصه: ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها، ويعاد ~~في الوقت. # وقال أبو يوسف: يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل، قال في الشرح: وهو ~~قول الشافعي، وقال: لتوارث أهل الحرمين، فيكون أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ~~رحمهما الله قد وافق الجمهور في مشروعية الأذان قبل الفجر قبل الوقت، وإن ~~ما استدل به أن أبو حنيفة ليس بمحفوظ، وقد جوزه أبو يوسف في النصف الأخير ~~من الليل. # وجاء نص المالكية أنه في السدس الأخير، قال في مختصر خليل: غير مقدم على ~~الوقت إلا الصبح فبسدس الليل الأخير. # وعند الحنابلة في المعنى ما نصه: قال أصحابنا: ويجوز الأذان للفجر بعد ~~نصف الليل، وهذا مذهب الشافعي إلى قوله: # وقد روى الأثرم عن جابر قال: كان مؤذن مسجد دمشق يؤذن لصلاة الصبح في ~~السحر بقدر ما يسير الراكب ستة أميال فلا ينكر ذلك مكحول ولا يقول فيه ms3781 ~~شيئا اه. # تنبيه # قال في المغني: وقال طائفة من أهل الحديث إذا كان مؤذنان يؤذن أحدهما ~~قبل طلوع الفجر والآخر بعده، فلا بأس أي ليعرف الأول منهما من الثاني ~~ويلتزما بذلك ليعلم الناس الفرق بين الأذانين كما كان زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انتهى ملخصا. # أما تعدد المؤذنين لبقية الأوقات الخمسة فكالآتي: # أولا: فإن الأصل في ذلك عند العلماء هو حديث بلال وابن أم مكتوم ~~المتقدم ذكره في صلاة الفجر، ثم قاسوا عليه للحاجة بقية الصلوات، كما ~~استأنسوا لزيادة عمر وعثمان في الجمعة للجماعة لزيادة الإعلام كما تقدم. # ثانيا: نسوق موجز الأقوال في ذلك عند الشافعية: # قال النووي في شرح مسلم: باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد الواحد، وساق ~~كلامه على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم. # ثم قال ما نصه: وفي الحديث استحباب مؤذنين للمسجد الواحد، يؤذن أحدهما ~~قبل الفجر والآخر عند طلوعه. # قال أصحابنا: فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة، وأربعة فأكثر ~~بحسب الحاجة. # وقد اتخذ عثمان رضي الله عنه أربعة للحاجة عند كثرة الناس. # قال أصحابنا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدا، فالمستحب ألا يؤذنون دفعة ~~واحدة، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع ~~بينهم، وإن ضاق الوقت، فإن كان المسجد كبيرا أذنوا متفرقين في أقطاره، ~~وإن كان ضيقا وقفوا معا وأذنوا، وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى ~~تشويش، فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلا واحد اه. # فهذا نص النووي على قول أصحابه أي الشافعية في المسألة ساقه في شرح ~~مسلم، وقال في المجموع شرح المهذب على نص المتن إذ قال: الماتن: والمستحب ~~أن يكون المؤذن للجماعة اثنين. وذكر حديث بلال وابن أم مكتوم، فإن احتاج ~~إلى الزيادة جعلهم أربعة، لأنه كان لعثمان أربعة، والمستحب أن يؤذن واحد ~~بعد واحد، لأن ذلك أبلغ في الإعلام. # قال النووي في الشرح: قال أبو علي الطبري: تجوز الزيادة ms3782 إلى أربعة، ثم ~~ناقش المسألة مع من خالفه في العدد: ثم قال: العبرة بالمصلحة، فكما زاد ~~عثمان إلى أربعة للمصلحة جاز لغيره الزيادة. # وذكر عن صاحب الحاوي إلى ثمانية، ثم قال: فرع. وساق فيه ما نصه: # فإن كان للمسجد مؤذنان أذن واحد بعد واحد، كما كان بلال وابن أم مكتوم، ~~فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم، فإن ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا ~~في أقطاره كل واحد في قطر ليسمع أهل تلك الناحية، وإن كان صغيرا أذنوا ~~معا وإذا لم يؤد إلى تهويش. # قال صاحب الحاوي وغيره: ويقفون جميعا عليه كلمة كلمة فإن أدى إلى تهويش ~~أذن واحد. إلخ. # وفي صحيح البخاري، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، وساق بسنده # " عن مالك بن الحويرث " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من ~~قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيما ورفيقا، فلما رأى شوقنا إلى ~~أهالينا، قال: " ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا إذا حضرت الصلاة، ~~فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " # قال في الفتح أثناء الشرح: وعلى هذا فلا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في ~~السفر: لأن الحضر أيضا لا يؤذن فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعددهم ~~لتباعد أقطار البلد أذن كل واحد في جهة ولا يؤذنون جميعا. # وقد قيل: إن أول من أحدث التأذين جميعا بنو أمية. # وقال الشافعي في الأم: وأحب أن يؤذن مؤذن بعد مؤذن، ولا يؤذنون جميعا، ~~وإن كان مسجد كبير فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه، مؤذن، يسمع من يليه في ~~وقت واحد اه. # وهذا الذي حكاه الشارح عن الشافعي موجود في الأم، ولكن بلفظ فلا بأس أن ~~يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد اه. # وهذا القدر كاف لبيان قول الشافعي وأصحابه، من أن التعدد جائز بحسب ~~المصلحة. # وعند مالك جاء في الموطأ حديث بلال وابن أم مكتوم أيضا. # وقال الباجي في شرحه: ويدل هذا الحديث على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد ~~يؤذنان، لصلاة واحدة. # وروى علي ms3783 بن زياد عن مالك: لا بأس أن يؤذن للقوم في السفر والحرس ~~والمركب ثلاثة مؤذنين وأربعة، ولا بأس أن يتخذ في المسجد أربعة مؤذنين ~~وخمسة. # قال ابن حبيب: ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات، كالصبح والظهر ~~والعشاء، أن يؤذن خمسة إلى عشرة واحد بعد واحد، وفي العصر من ثلاثة إلى ~~خمسة، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد. # فهذا نص مالك والمالكية في جواز تعدد الأذان في المسجد الواحد، يؤذنون ~~واحدا بعد واحد. # وفي متن خليل ما نصه: وتعدده وترتيبهم إلا المغرب، وجمعهم كل على أذان. # وذكر الشارح الخرشي من خمسة إلى عشرة في الصبح والظهر والعشاء، وفي ~~العصر من ثلاثة إلى خمسة، وفي المغرب واحد أو جماعة. إلخ. # وعند الحنابلة قال في المغني: " فصل " ولا يستحب الزيادة على مؤذنين ~~لحديث بلال وابن أم مكتوم أيضا، ثم قال: إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة ~~عليهما فيجوز. # فقد روي عن عثمان رضي الله عنه، أنه كان له أربعة مؤذنين. وإن دعت ~~الحاجة إلى أكثر منهم كان مشروعا، وإذا كان أكثر من واحد وكان الواحد ~~يسمع الناس، فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، لأن مؤذني النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، وإن كان الإعلام لا يحصل بواحد ~~أذنوا على حسب ما يحتاج إليه، إما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية أو ~~دفعة واحدة في موضع واحد. # قال أحمد: إن أذن عدة في منارة فلا بأس، وإن خافوا من تأذين واحد بعد ~~واحد فوات أول الوقت، أذنوا جميعا دفعة واحدة. # وعند الأحناف: جاء في فتح القدير شرح الهداية في سياق إجابة المؤذن ~~وحكاية الأذان ما نصه: # إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحدا بعد واحد، فالحرمة للأول ~~إلى أن قال: فإذا فرض أن سمعوه من غير مسجده تحقق في حقه السبب، فيصير ~~كتعددهم في المسجد الواحد، فإن سمعهم معا أجابة معتبرا كون جوابه لمؤذن ~~مسجده، هذا نصوص الأئمة رحمهم الله في جواز تعدد المؤذنين والأذان ms3784 في ~~المسجد الواحد للصلاة الواحدة متفرقين أو مجتمعين. # وقال ابن حزم: ولا يجوز أن يؤذن إثنان فصاعدا معا، فإن كان ذلك ~~فالمؤذن هو المبتدئ إلى أن قال: # وجائز أن يؤذن جماعة واحدا بعد واحد للمغرب وغيرها سواء في كل ذلك، فلم ~~يمنع تعدد الأذان من عدة مؤذنين في المسجد الواحد أحد من سلف الأمة. # الحكمة في الأذان # أما الحكمة في الأذان فإن أعظمها أن من خصائص هذه الأمة كما تقدم في أصل ~~مشروعيته، وقد اشتمل على أصول عقائد التوحيد تعلن على الملأ، تملأ ~~الأسماع حتى صار شعار المسلمين. # ونقل عن القاضي عياض رحمه الله قوله: # اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعه من العقليات ~~والسمعيات، فأوله: إثبات الذات وما تستحقه من الكمالات والتنزيه عن ~~أضدادها وذلك بقوله " الله أكبر " وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ~~ما ذكرناه. # ثم يصرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه ~~وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين، ثم يصرح ~~بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي ~~قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب ~~الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد ~~كلمات العقائد العقليات، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة، لأن ~~معرفة وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من جهة العقل. # ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار ~~بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. إلخ. # ومراده بالعقليات في العقائد أي إثبات وجود الله وأنه واحد لا شريك له، ~~وهو المعروف عندهم بقانون الإلزام، الذي يقال ففيه إن الموجود إما جائز ~~الوجود أو واجبه، فجائز الوجود جائز العدم قبل وجوده واستوى الوجود ~~والبقاء في العدم قبل أن يوجد، فترجح وجوده على بقائه في العدم. وهذا ~~الترجيح لا بد له من مرجح وهو الله تعالى. وواجب الوجود لم يحتج إلى ~~موجد. ولم ms3785 يجز في صفة عدم وإلا لاحتاج موجده إلى موجد، ومرجح وجوده على ~~موجود. # وهكذا فاقتضى الإلزام العقلي وجوب وجود موجد واجب الوجود، وهذا من حيث ~~الوجود فقط، وقد أدخل العقل في بعض الصفات التي يستلزمها الوجود، والحق ~~أن العقل لا دخل له في العقائد من حيث الإثبات أو النفي، لأنها سمعية ولا ~~تؤخذ إلى عن الشارع الحكيم، لأن العقل يقصر عن ذلك، ومرادنا التنبيه على ~~إدخال العقليات هنا فقط. # وقد سقنا كلام القاضي عياض هذا في حكمة الأذان لوجاهته، ولتعلم من ~~خصوصية الأذان في هذه الأمة وغيرها به أنه ليس بصلصلة ناقوس أجوف، ولا ~~أصوات بوق أهوج، ولا دقات طبل أرعن، كما هو الحال عند الآخرين، بل هو ~~كلمات ونداء يوقظ القلوب من سباتها، وتفيق النفوس من غفلتها، وتكف ~~الأذهان عن تشاغلها، وتهيئ المسلم إلى هذه الفريضة العظمى، ثانية أركان ~~الإسلام وعموده. # فإذا ما سمع الله أكبر الله أكبر مرتين، عظم الله في نفسه، واستحضر ~~جلاله وقدسه واستصغر كل شيء بعد الله، فلا يشغله شيء عن ذكر الله، لأن ~~الله أكبر من كل شيء، فلا يشغل نفسه عنه أي شيء. # فإذا سمع أشهد أن لا إله إلا الله، علم أن من حقه عليه طاعة الله ~~وعبادته. # وإذا سمع: أشهد أن محمدا رسول الله، علم أنه يلزمه استجابة داعي الله. # وإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح، علم أن فلاحه في صلاته في وقتها ~~لا فيما يشغله عنها. # وهكذا فكان ممشاه إليها تخشعا، وخطاه إلى المسجد تطوعا مع حضور القلب ~~واستجماع الشعور. # ومن هنا أيضا ندرك السر في طلب السامع محاكاة الأذان تبعا للمؤذن ~~ليرتبط معه في إعلانه وعقيدته وشعوره، كما جاء في أثر عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه # " أن رجلا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " قل مثل ما يقولون، فإذا انتهيت فاسأل تعطه " # رواه أبو داود. # وقد قدمنا هذا الموضع هنا، وإن كان ليس من منهج الكتاب، ولكن لموجب ms3786 ~~اقتضاء، ولمناسبة مبحث الأذان. # أما الموجب فهو أني سمعت منذ أيام أثناء الكتابة في مباحث الأذان، وسمعت ~~من إذاعة لبلد عربي مسلم أن كاتبا استنكر الأذان في الصبح خاصة، وفي ~~بقية الأوقات بواسطة المكبر للصوت، وقال إنه يرهق الأعصاب وخاصة عند أداء ~~الناس لأعمالهم أو عند الفراغ منها والعودة لراحتهم، ولا سيما في الفجر ~~عند نومهم، فكان وقعه أليما أن يصدر ذلك وينشر، ولكن أجاب عليه أحد ~~خطباء الجمع في خطبة وافية، وأفهمه أن الإرهاق والاضطراب إنما هو من عدم ~~الاستجابة لهذا النداء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان ~~يبول في أذن النائم، وأنه يعقد عليه ثلاث عقد. فإذا ما استيقظ وذكر الله ~~انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة أخرى، فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة، ~~وأصبح نشيطا إلى غير ذلك من الرد الكافي. # ولا شك أن مثل تلك الكتابة لا تصدر إلا ممن لا يعي معنى الأذان. # هذا ما استوجب عرض الحكمة من الأذان، وإن كانت مجانبة لمنهج الكتاب، ~~ولكن بمناسبة مباحث الأذان يغتفر ذلك، وبالله التوفيق. # محاكاة المؤذن # تعتبر محاكاة المؤذن ربطا لسامع الأذان، وتنبيها له لموضوعه، جاء ~~الحديث: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " # رواه البخاري. # وفي رواية عنده عن معاوية رضي الله عنه أنه قال - أي معاوية -: وهو على ~~المنبر مثل قول المؤذن إلى قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، ولما قال ~~المؤذن " حي على الصلاة " قال معاوية: " لا حول ولا قوة إلا بالله " ، ~~وكذلك " حي على الفلاح " ، ثم قال: " هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم ". # وعند النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه: " كنا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقام بلال ينادي، فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم: # " من قال مثل هذا يقينا دخل الجنة " # كيفية المحاكاة، في الحديث الأول فقولوا مثلما يقول، وهكذا يشعر بتتبعه ~~جملة جملة، وفي الحديث الثاني: فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم: " من ~~قال مثل هذا " وبعد السكوت تنطبق المثلية بمجيء الأذان بعد ms3787 فراغ المؤذن، ~~فوقع الاحتمال. # وقد جاء عند مسلم وأبي داود ما يؤيد الأول، فعن عمر رضي الله عنه أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله ~~أكبر، ثم قال أشهد ألا إله إلا الله، قال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم ~~قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: ~~حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، ~~قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر. قال: الله ~~أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة " # فهذا نص صريح في أن محاكي المؤذن يتابعه جملة جملة إلى آخره ما عدا ~~الحيعلتين. فإنه يتي بدلا منها بالحوقلة. وقالوا: إن الحيعلتين نداء ~~للإقبال على المنادي. وهذا يصدق في حق المؤذن. أما الذي يحكي الأذان فلم ~~يرفع صوته ولا يصدق عليه أن ينادي غيره فلا أجر له في نطقه بهما. فيأتي ~~بلا حول ولا قوة إلا الله لأمرين: الأول أنه ذكر يثاب عليه سرا وعلانية. ~~والثاني: استشعار بأنه لا حول له عن معصية ولا قوة له على طاعة إلا بالله ~~العلي العظيم، وفيه استعانة بالله وحوله وقوته على إجابة هذا النداء. ~~وأداء الصلاة مع الجماعة. # وقد أخذ الجمهور بحديث عمر عند مسلم بمحاكاة المؤذن في جميع الأذان على ~~النحو المقدم. وعند مالك يكتفي إلى الحوقلة لحديث معاوية. ونص كتب ~~المالكية أنه هو المشهور في المذهب. وغير المشهور أي مقابل المشهور طلب ~~حكاية الأذان جميعه، ذكره الزمخشري على خليل. # بعض الزيادات على ألفاظ الأذان # تقدم ذكر الحوقلة عند الحيعلة في بعض روايات مسلم وغيره، عند الشهادتين ~~يقول زيادة: " وأنا أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا. وبالإسلام دينا، ~~غفرت له ذنوبه ". # الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الله ms3788 له الوسيلة. # وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي ~~صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي ~~الوسيلة حلت له الشفاعة " # وهذا عام للأذان، في الصلوات الخمس إلا أنه جاء في المغرب والفجر بعض ~~الزيادات، ففي المغرب حكى النووي: أنه له أن يقول بعد النداء: " اللهم ~~هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك اغفر لي " ، ويدعو بين الأذان، ~~والإقامة. ذكره صاحب المهذب وعزاه لحديث أم سلمة، وأقره النووي في ~~المجموع. # أما في سماع أذان الفجر فيقول عند الصلاة خير من النوم: صدقت وبررت. ~~حكاه النووي في المجموع. # وعن الرافعي قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصلاة خير من ~~النوم. # وإذا سمع المؤذن وهو في الصلاة، نص العلماء على أنه لا يحكيه، لأنه في ~~الصلاة لشغلا، وإذا سمعه وهو في المسجد جالس نص أحمد أنه لا يقوم حالا ~~للصلاة حتى يفرغ المؤذن أو يقرب. # وإذا دخل المسجد وهو يؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول ~~جمعا بن الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة، فلا بأس ذكره صاحب ~~المغني عن أحمد رحمه الله. # أجابة أكثر من مؤذن # وللعلماء مبحث فيما لو سمع أكثر من مؤذن، قال النووي: لم أر فيه شيئا ~~لأصحابنا، وفيه خلاف للسلف، وقال حكاه القاضي عياض في شرح مسلم، والمسألة ~~محتملة، ثم قال: والمختار أن يقال: المتابعة سنة متأكدة يكره تركها ~~لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر، وهذا يختص بالأول لأن الأمر لا يقتضي ~~التكرار. # وذكر صاحب الفتح وقال: وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد ~~السبب اه. # وعند الأحناف الحق للأول. # وأصل هذه المسألة في مبحث الأصول، هل الأمر المطلق يقتضي تكرار المأمور ~~به ms3789 أم لا؟ # وقد بحث هذا الموضع فضيلة شيخنا رحمة الله تعالى عليه في مذكرة الأصول ~~وحاصله: إن الأمر إما مقيد بما يقتضي التكرار أو مطلق عنه: ثم قال: والحق ~~أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل يخرج من عهدته بمرة، ثم فصل رحمة ~~الله تعالى عليه القول فيما اتفق عليه وما اختلف به، ومنه تعدد حكاية ~~المؤذن وبحثها بأوسع في الأضواء عن تعدد الفدية في الحج، والواقع أن سبب ~~الخلافة فيما اختلف فيه إنما هو من باب تحقيق المناط هل السبب المذكور ~~مما يقتضي التعدد أم لا؟ # والأسباب في هذا الباب ثلاثة أقسام، قسم يقتضي التكرار قطعا، وقسم لا ~~يقتضيه قطعا، وقسم هو محل الخلاف. # فمن الأسباب المقتضية التكرار قطعا: ما لو ولد له توأمان فإن عليه ~~عقيقتين، ومنها: لو ضرب حاملا فأجهضت جنينين لوجبت عليه غرتان. # ومن الأسباب التي لا تقتضي التكرار ما لو أحدث عدة أحداث من نواقض ~~الوضوء فأراد أن يتوضأ فإنه لا يكرر الوضوء بعدد الأحداث، ويكفي وضوء ~~واحد، وكذلك موجبات الغسيل لو تعدت قبل أن يغتسل فإنه يكفيه غسل واحد عن ~~الجميع. # ومما اختلف فيه ما كان دائرا بين هذا وذاك، كما لو ظاهر من عدة زوجات ~~هل عليه كفارة واحدة نظرا لما أوقع من ظهار أم عليه عدة كفارات نظرا ~~لعدد ظاهر منهن؟ وكذلك إذا ولغ عدة كلاب في إناء هل يعفر الإناء مرة ~~واحدة، أم يتعدد التعفير لتعدد الولوغ من عدة كلاب؟ # ومن ذلك ما قالوه في إجابة المؤذن إذا تعدد المؤذنون تعددت الأسباب، فهل ~~تتعدد الإجابة أم يكتفي بإجابة واحدة. تقدم قول النووي أنه لم يجد شيئا ~~لأصحابه، وكلام العز بن عبد السلام بتعدد الإجابة وبالنظر الأصولي، نجد ~~تعدد المؤذنين ليس كتعدد نواقض الوضوء لأن المتوضئ إذا أحدث ارتفع وضوءه ~~وليس عليه أن يتوضأ لهذا الحديث، فإذا أحدث مرة أخرى لم يقع هذا الحدث ~~الثاني على طهر ولم يجد حدثا آخر. # وهكذا مهما تعددت الأحداث، فإذا أراد الصلاة كان عليه أن يرفع ms3790 حدثه ~~فيكفي فيه وضوء واحد، ولكن مستمع المؤذن حينما سمع المؤذن الأول فهو ~~مطالب بمحاكاته، فإن فرغ منه وسمع مؤذنا آخر، فإن من حق هذا المؤذن ~~الآخر أن يحاكيه، ولا علاقة لأذان هذا بذاك، فهو من باب تجدد السبب ~~وتعدده أو هو إليه أقرب، كما لو سمع أذان الظهر فأجابه ثم سمع أذان العصر ~~فلا يكفي عنه إجابة أذان الظهر، فإن قيل: قد اختلف الوقت وجاء أذان جديد، ~~فيقال قد اختلف المؤذن فجاء أذان جديد. # وأقرب ما يكون لهذه المسألة مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند ذكره في حديث قوله صلى الله عليه وسلم # " آمين آمين " ثلاث مرات وهو يصعد المنبر، ولما سئل عن ذلك قال: " أتاني ~~جبريل فقال يا محمد من ذكرت عنده ولم يصل عليك باعده الله في النار فقل: ~~آمين فقلت آمين " # ، وذكر بقية المسائل فإن بهذا يتعين تكرار الصلاة عليه صلى الله عليه ~~وسلم عند كل ما يسمع ذكره صلوات الله وسلامه عليه، وهنا عليه تكرار ~~محاكاة المؤذن، كما رجحه ابن عبد السلام والله تعالى أعلم. # تنبيه # وإذا سمع المؤذن وهو في صلاة فلا يقول مثل ما يقول المؤذن، وإذا كان في ~~قراءة أو دعاء أو ذكر خارج الصلاة، فإنه يقطعه ويقول مثل قول المؤذن. # قاله ابن تيمية في الفتاوى وابن قدامة في المغني، والنووي في المجموع. # تنبيه # ولا يجوز النداء للصلاة جمعة أو غيرها من الصلوات الخمس إلا بهذه ~~الألفاظ المتقدم ذكرها، وما عداها مما أدخله الناس لا أصل له، كالتسبيح ~~قبل الفجر، والتسبيح والتحميد والتكبير يوم الجمعة بما يسمى [بالتطليع] ~~ونحوه فكل هذا لا نص عليه ولا أصل له. # وقد نص في فتح الباري ردا على ابن المنير، حيث جعل بعض الهيئات أو ~~الأقوال من مكملات الإعلام، فقال ابن حجر: وأغرب ابن المنير ولو كان ما ~~قاله على إطلاقه لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة، ومن ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان، وليس كذلك ms3791 لا لغة ~~ولا شرعا. # وفي الحاشية للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تعليق على كلام ابن ~~المنير بقوله هذا فيه نظر. والصواب أن ما أحدثه الناس من رفع الصوت ~~بالتسبيح قبل الأذان والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده، كما ~~أشار إليه الشارع بدعة يجب على ولاة الأمر إنكارها حتى لا يدخل في الأذان ~~ما ليس منه، وفيما شرعه الله غنية وكفاية عن المحدثات فتنبه. # وقال في الفتح أيضا ما نصه: وما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء ~~إليها بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد ~~دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى، وقال ابن الحاج في المدخل جلد2 ص ~~254، وينهي المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح بالليل، وإن كان ذكر الله ~~تعالى حسنا وعلنا لكن في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله وسلامه ~~عليه، ولم يعين فيها شيئا معلوما. # وقال بعده بقليل: وكذلك ينبغي أن ينهاهم عما أحدثوه من صفة الصلاة ~~والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم عند طلوع الفجر، وإن كانت ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر العبادات وأجلها، فينبغي ~~أن يسلك بها مسلكها، فلا توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها. # وقال صاحب الإبداع في مضار الابتداع. ما نصه: # ومن البدع ما يسمى بالأولى والثانية، أعني ما يقع قبل الزوال يوم الجمعة ~~من الدعاء إليها بالذكر والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحو ذلك، ولا خلاف في أن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا عهد السلف الصالح، وإنما النظر في ذمه واستحسانه اه. # وهذا النظر مفروغ منه في التنبيهات المتقدمة لابن حجر وابن الحاج وابن ~~باز. # والقاعدة الأصولية الفقهية: أن العبادات مبناها على التوقيف، وما لم يكن ~~دينا ولا عبادة عند السلف الصالح فلا حاجة إليه اليوم، كما قال مالك ~~رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. # وقد ذكر صاحب الإبداع أيضا تاريخ ms3792 إحداث رفع الصوت بالصلاة والتسليم على ~~النبي الكريم عقب الأذان، فقال: كان ابتداء ذلك في أيام السلطان الناصر ~~صلاح الدين بن أيوب وبأمره في مصر وأعمالها، لسبب مذكور في كتب التاريخ ~~اه. # والسبب يتعلق ببدعة الفاطميين بسبب بعض الأشخاص على المنابر والمنائر، ~~فغير عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما كان على المنابر بقوله: إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر. # وكذلك غير صلاح الدين ما كان بعد الأذان بالصلاة والتسليم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # تنبيه # من أسباب تمسك بعض البلاد بهذين العملين هو ألا يؤذن قبل الجمعة، ~~فاعتاضوا عن الأذان بما يسمى التطليع أو بالأولى والثانية أي التطليعة ~~الأولى والتطليعة الثانية، وكذلك لا يؤذنون للفجر قبل الوقت فاستعاضوا ~~عنه بالتسبيح والتكبير وغيره. # أما الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب كل أذان، فقد ~~قاسوا المؤذن على السامع في حديث: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي ~~مرة صلى الله عليه بها عشرا " # فقالوا: والمؤذن أيضا يصلي ويسلم، ثم زادوا في القياس خطة وجعلوا صلاة ~~المؤذن وتسليمه على النبي صلى الله عليه وسلم بصوت مرتفع كالأذان، ~~وبهذا تعلم أنه ما أميتت سنة إلا ونشأت بدعة، وأن قياس المؤذن على السامع ~~ليس سليما. # وتقدم لك أن محاكاة المؤذن لربط السامع بالأذان ليتجاوب معه في معانيه، ~~ولو قيل: إن للمؤذن أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم سرا ~~بعد الفراغ من الأذان، وأن يسأل الله الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليشارك في الأجرين: أجر الأذان وأجر سؤال الوسيلة. لكان له أجر. والعلم ~~عند الله تعالى. # حي على خير العمل في الأذان # اتفق الأئمة رحمهم الله على أنها ليست من ألفاظ الأذان، وحكاها الشوكاني ~~عن العترة، وناقش مقالتهم وآثارها بأسانيدها. # ومما جاء فيها عندهم أثر عن ابن عمر، أنه كان يؤذن بها أحيانا. # ومنها عن علي بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول. # ثم ms3793 قال: وأجاب الجمهور عن كل ذلك بأن أحاديث ألفاظ الأذان في الصحيحين ~~وغيرهما لم يثبت فيهما شيء من ذلك. # قالوا: وإذا صح ما روي أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ~~ذكره فيها. # وقد أورد البيهقي حديثا في نسخ ذلك، ولكن من طريق لا يثبت النسخ بمثلها ~~اه. ملخصا. # وقد ذكر صاحب جمع الفوائد حديثا عن بلال رضي الله عنه أنه كان يؤذن ~~للصبح فيقول: حي على خير العمل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ~~مكانها الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل " ، وقال: رواه ~~الطبراني في الكبير بضعف اه. # ولا يبعد أن يكون أثر بلال هذا هو الذي عناه علي بن الحسين، وعلى كل ~~فهذا الأثر وإن كان ضعيفا فإنه مرفوع، وفيه التصريح بالمنع منها، وعليه ~~الأئمة الأربعة وغيرهم إلا ما عليه الشيعة فقط. # ومن جهة المعنى، فإن معناها لا يستقيم مع بقية النصوص الصحيحة الصريحة، ~~وذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن خر العمل أمر نسبي، وأن ~~خير جميع الأعمال كلها هو أولا وقبل كل شيء الإيمان بالله، وذلك # " أنه صلى الله عليه وسلم سئل " أي الأعمال أفضل يا رسول الله، قال: " ~~إيمان الله " ، قيل: ثم ماذا؟ فقال: " مرة الجهاد في سبيل الله " ، وقال ~~مرة: " الصلاة على أول وقتها " ، وقال مرة: " بر الوالدين " # وفي كل مرة يقدم إيمانا بالله. # فعليه، الإيمان بالله هو خير العمل، وليست الصلاة، ثم بعد الإيمان بالله ~~فهو بحسب حال السائل وحالة كل شخص، فمن كان قويا وليس عليه حق لوالديه، ~~فالجهاد أفضل الأعمال في حقه مع من الحفاظ على الصلاة، فإن كان ذا ~~والدين، فبرهما مقدم على كل عمل. ولم لا، فإن الصلاة على أول وقتها لغير ~~هؤلاء فإطلاق القول بالصلاة خير العمل في حق جميع الناس لا يصح مع هذه ~~الأحاديث. ولهذا منع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يقولها، ~~وجعلها: خيرا من النوم. وهذا لا نزاع فيه ولا بالنسبة لأي أحد ms3794 من الناس. ~~والله تعالى أعلم. # الصلاة بين أذان عثمان رضي الله عنه والأذان الذي بين يدي الإمام # تعود الناس في جميع الأمصار صلاة ركعتين عند الأذان الأول، والذي يقع ~~الآن قبل الوقت وقبل جلوس الإمام على المنبر، وهو المسمى عند الفقهاء ~~بأذان عثمان، وقد تساءل الناس عن هذه الصلاة، أهي سنة أم لا؟ ويتجدد هذا ~~السؤال من حين إلى آخر، وأجمع ما رأيت فيه هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ~~في رسالة خاصة، جوارا على سؤال وجه إليه هذا نصه: # هل الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة فعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو أحد من أصحابه أو التابعين أو الأئمة أم لا؟ وهل هو منصوص في ~~مذهب من مذاهب الأئمة المتفق عليهم، وقوله صلى الله عليه وسلم # " بين كل أذانين صلاة " # ، هل هو مخصوص بيوم الجمعة، أم هو عام في جميع الأوقات؟ فأجاب رحمه الله ~~بقوله: # أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان ~~شيئا، ولا نقل هذا عن أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤذن على ~~عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي بالناس، فما كان يمكن أن يصلي بعد ~~الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ~~ولا نقل عن أحد أنه صلى صلى الله عليه وسلم في بيته قبل الخروج يوم ~~الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه فيها الترغيب في ~~الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت كقوله: # " من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له " # .. الحديث. # وهذا المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أتوا امسجد يوم الجمعة ~~يصلون من حين يدخلون ما تيسر. منهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي ~~عشر ركعات ومنهم من يصلي ثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي أقل من ذلك. ولهذا ~~كان ms3795 جمهور الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة ~~بعدد. # ثم قال: وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور من ~~مذهب أحمد. # وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة، فمنهم من جعلها ركعتين، ومنهم ~~من جعلها أربعا تشبيها لها بسنة الظهر، وقالوا: إن الجمعة ظهر مقصورة، ~~وهذا خطأ من وجهين وساقهما. وخلاصة ما ساقه فيهما أن الجمعة لها خصائص لا ~~توجد في الظهر فليست ظهرا مقصورة. # وكذلك أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم في سفره سنة للظهر، أي وهي مقصورة ~~في السفر فلا تمسك في ذلك. # أما عن حديث # " بين كل أذانين صلاة " # فالصواب أنه لا يقال إن قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة، وأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " بين كل أذانين صلاة " مرتين. وقال في الثالثة: " لمن شاء " # وهذا يدل على أن الصلاة مشروعة قبل الأوقات الخمسة، وأن ذلك ليس بسنة ~~راتبة. وقد احتج بعض الناس بهذا على الصلاة يوم الجمعة. # وعارض غيره قائلا: الأذان الذي على المنارة لم يكن على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ويتوجه عليه أن يقال: هذا الأذان الثالث لما ~~سنه عثمان رضي الله عنه واتفق عليه المسلمون صار أذانا شرعا، وحينئذ ~~فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائز حسنة، وليست سنة راتبة ~~كالصلاة قبل المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ~~ينكر عليه. # وهذا أعدل الأقوال. # وكلام أحمد يدل عليه، وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال ~~يعتقدون أن هذه سنة راتبة أو واجبة، لا سيما إذا داوم الناس عليها، ~~فينبغي تركها أحيانا، كما ينبغي ترك قراءة السجدة يوم الجمعة أحيانا. # ثم قال: وإذا كان رجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعا إذا تركها وبين ~~لهم السنة لم ينكروا عليه، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعا ~~ورأى في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعا للخصام والشر ~~لعدم التمكن من بيان الحق ms3796 لهم، وقولهم له ونحو ذلك. فهذا أيضا حسن. # فالعمل الواحد يكون مستحبا فعله تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من ~~مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية. # كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم إلى ~~آخره. اه ملخصا. # فأنت تراه رحمه الله قد بين أولا أنها ليست من فعله صلى الله عليه ~~وسلم، لعدم وجود مكان لها في عهده، ولا في عهد صاحبيه من بعده، وأن فعلها ~~بعد حديث عثمان رضي الله عنه يرجع إلى حال الشخص، فإن كان عاميا التمس ~~له مخرج من حديث: # " بين كل أذانين صلاة " # لا على أنها سنة راتبة. # أما العالم الذي يقتدى به فإن كان مطاعا فتركها أحسن. # وتعليم الناس متعين، وإن كان غير مطاع ويرجو نفعهم أو يخشى خصومة عليهم ~~تضيع عليهم منفعتهم منه، ففعلها تأليفا لقلوبهم، فهذا حسن. اه ملخصا. # وهذا منه رحمه الله من أدق مسالك سياسة الدعوة إلى الله، حيث ينبغي ~~للداعي أن يراعي حالة العامة، وأن يكون بفعله مؤثرا كتأثيره بقوله مع ~~مراعاة الأحوال ما هو أصلح لهم فيما فيه سعة من الأمر، كما بين أنها ليست ~~بسنة راتبة. # وقد ساق ضمنا كلام العلماء في حكم الصلاة قبل الجمعة مطلقا، أي عند ~~المجيء وقبل الأذان، وهذا كله ما عدا الداخل للمسجد وقت الخطبة فيما ~~يتعلق بتحية المسجد. # وقال النووي في المجموع بعد مناقشة كلام المذهب. قال: # وأما السنة قبلها فالعمدة فيها حديث عبد الله بن معقل المذكور. # " بين كل أذانين صلاة " # ، والقياس على الظهر قال: وذكر أبو عيسى الترمذي أن عبد الله بن مسعود ~~كان يصلي قبل الجمعة أربعا، وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك، وهذا ~~منهم على أنها راتبة الظهر انتقلت إلى الجمعة، ولا علاقة لها بالأذان، بل ~~من حين مجيئه إلى المسجد. # قوله تعالى: { من يوم الجمعة }. # قال الزمخشري ونقله عنه أبو حيان من في قوله { من يوم الجمعة } ~~بيان لإذا وتفسير له اه. # يعني: إذا نودي فهي بيان لإذا الظرفية وتفسير لها. ms3797 # والجمعة: بضم الجيم والميم قراءة الجمهور. وبضم الجيم وتسكين الميم ~~قراءة عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما، وهما لغتان وجمعهما جمع ~~وجمعات. # قال الفراء: يقال الجمعة بإسكان الميم، والجمعة بضمها والجمعة بفتح ~~الميم، فتكون صفة لليوم أي يجمع الناس. # وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤها جمعة، يعني بضم ~~الميم. # وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن، مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف ~~وحجرة وحجر، وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. حكاه القرطبي وغيره. # وقال الزمخشري: قرئ بهن جميعا. وقال غيره: والأول أصح لقول ابن عباس ~~رضي الله عنهما. # وذكر في سبب تسمية هذا اليوم عدة أسباب لا تناقض بين شيء منها. # من ذلك ما قاله ابن كثير رحمه الله: إنها مشتقة من الجمع، وأهل الإسلام ~~يجتمعون فيه في كل أسبوع. # ومنها: أنه تم فيه خلق جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي ~~خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خلق آدم يعني جمع خلقه، وفيه الحديث ~~عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: # " يا سلمان، ما يوم الجمعة "؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم أو أبوكم " # ، قال ابن كثير: وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعلم. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن ما حكاه عن أبي هريرة له حكم الرفع، ~~كما جاء في الموطإ في فضل يوم الجمعة # " أنه خير يوم تطلع فيه الشمس، فيه خلق آدم " # إلى آخر الحديث، وسيأتي إن شاء الله عند بيان فضلها. # وقد كان يقال له في الجاهلية يوم العروبة. # ونقل عن الزجاج والفراء وأبي عبيدة: أن العرب العاربة كانت تسمي الأيام ~~هكذا: السبت شبار، الأحد أول، الاثنين أهون، الثلاثاء جبار، الأربعاء ~~دبار، الخميس مؤنس، الجمعة العروبة. وأول من نقل العروبة إلى الجمعة كعب ~~بن لؤي، نقل من بذل المجهود شرح أبي داود. # وقيل: أول من سماه بالجمعة ms3798 كعب بن لؤي، وقد كان معروفا بهذا الاسم في ~~أول البعثة، كما جاء في سبب أول جمعة صليت بالمدينة. # قال القرطبي: وأول من سماها جمعة: الأنصار، ونقل عن ابن سيرين قوله: جمع ~~أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن ~~تنزل الجمعة هم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوما ~~يجتمعون فيه في كل سبعة أيام يوم، وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو ~~الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنتذاكر الله ونصلي فيه ونستذكر ~~أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم ~~العروبة. # فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة وهو أبو أمامة رضي الله عنه، فصلى بهم يومئذ ~~ركعتين. وذكرهم فسموه يوم الجمعة حتى اجتمعوا فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا ~~وتغدوا منها لقلتهم. # فهذه أول جمعة في الإسلام. # أما أول جمعة أقامها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي التي أقامها في ~~مقدمه إلى المدينة حين نزل قباء يوم الإثنين ومكث الثلاثاء والأربعاء ~~والخميس، وفي صبيحة الجمعة نزل إلى المدينة فأدركته في بني سالم بن عوف ~~في بطن واد لهم، قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا فجمع بهم صلى الله ~~عليه وسلم وخطب، وهو موضع معروف إلى اليوم في بني النجار، وقد ساق ~~القرطبي خطبته صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ثم كانت الجمعة التي ~~تلتها في الإسلام في قرية جوانا بالأحساء اليوم. # وقد خص الله المسلمين بهذا اليوم وفضله، كما قال ابن كثير وغيره لحديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري ومسلم قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له ~~فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد " # ، لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم # " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان ~~للنصارى يوم الأحد، فجاء الله ms3799 بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة ~~والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا ~~والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق " # ذكره ابن كثير، من خصائص يوم الجمعة. # كما اختصت هذه الأمة بيوم الجمعة عن سائر الأيام، فقد اختص يوم الجمعة ~~نفسه بخصائص عن سائر الأيام، أجمعها ما جاء في الموطإ مالك عن أبي هريرة ~~" أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه، فحدثني عن ~~التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن ~~قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، ~~وفيه تيب عليه وفيه مات، وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم ~~الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، ~~وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ~~" # قال كعب: ذلك في كل سنة. قلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت: ~~فقلت: من الطور فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام، وإلى ~~مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس " # يشك. قال أبو هريرة، ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب ~~الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، ~~قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعب. فقلت: ثم قرأ التوراة، فقال: بل هي ~~في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب. قم قال عبد الله بن سلام: ~~قد علمت أية ساعة هي؟ قال أبو هريرة فقلت له: أخبرني بها ولا تضن علي، ~~فقال ms3800 عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت ~~وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " # وتلك الساعة ساعة لا يصلي فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي " # قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال فهو كذلك ". # فهذا نص صريح في أنه خير يوم طلعت عليه الشمس، ثم بيان أن الخيرية فيه ~~لما وقع به من أحداث، وإلا فجميع الأيام حركة فلكية لا مزية فيها إلا ما ~~خصها الله دون غيرها من الوقائع. # وقد تعددت هنا في حق أبينا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولذا ~~قيل: يوم الجمعة يوم آدم، ويوم الإثنين يوم محمد صلى الله عليه وسلم، أي # " لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن كثرة صيامه يوم الإثنين قال " ~~ذلك يوم ولدت فيه، وعلي فيه أنزل " # الحديث. # ولما كان يوم الجمعة هو يوم آدم فيه خلق، وفيه أسكن الجنة، وفيه أنزل ~~إلى الأرض، وفيه تاب الله عليه، وفيه قيام الساعة. فكان يوم العالم من ~~بدء أبيهم إلى منتهى حياتهم، فكأنه في الإسلام يوم تزودهم إلى ذلك ~~المصير. # وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ { ألم } ~~السجدة، و { هل أتى على الإنسان } في فجر يوم الجمعة. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وذلك لما فيهما من ذكر خلق الله ~~آدم وحياة الإنسان ومنتهاه، كما في سورة السجدة في قوله تعالى: # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر ~~الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي ~~أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ms3801 ~~ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # [السجدة: 4-9]. # وفي سورة { هل أتى على الإنسان } قوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنآ أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا إن الأبرار ~~يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 1-5]. # ففي هذا بيان لخلق العالم كله جملة ثم خلق آدم، ثم تناسل نسله ثم ~~منتهاهم ومصيرهم ليتذكر بخلق أبيه آدم، وما كان من أمره كيلا ينسى ولا ~~يسهو عن نفسه. # وهكذا ذكر مثل هذا التوجيه في الجملة ابن حجر في الفتح، وناقش حكم ~~قراءتهما والمداومة عليها أو تركهما، وذلك في باب ما يقرأ في صلاة ~~الجمعة. # وفي المنتقى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح: آلم تنزيل، وهل أتى على الإنسان، وفي ~~صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون. رواه أحمد ومسلم وأبو داود ~~والنسائي. # وناقش الشوكاني السجود فيها أي في فجر الجمعة أو في غيرها من الفريضة، ~~إذا قرأ ما فيه سجدة تلاوة. # وحكي السجود في فجر الجمعة عن عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وابن ~~الزبير وقال: هو مذهب الشافعي، وقال: كرهه مالك وأبو حنيفة وبعض ~~الحنابلة، فراجعه. # الساعة التي في يوم الجمعة # فقد تقدم كلام أبي هريرة رضي الله عنه مع عبد الله بن سلام وهو قول ~~الأكثر، ويوجد عند مسلم: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يفرغ من ~~الصلاة، وقد ناقش هذه المسألة جميع العلماء، وحكى أقوالهم الزرقاني في ~~شرح الموطأ، وكلاهما بسند صحيح: إلا أن سند مالك لم يطعن فيه أحمد وسند ~~مسلم قد نقل الزرقاني الكلام. # فيه، ومن تكلم عليه، والذي يلفت النظر ما يتعلق بقيام الساعة في يوم ~~الجمعة من قوله صلى الله عليه وسلم: ms3802 # " وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس ~~شفقا من الساعة إلا الجن والإنس " # ففيه التصريح بأن الدواب عندها هذا الإدراك الذي تفرق به بين أيام ~~الأسبوع، وعندها هذا الإيمان بيوم القيامة والإشفاق منه، وأخذ منه ~~العلماء أن الساعة تكون في يوم الجمعة وفي أوله، فإذا كان هذا أمر غيب ~~عنا، فقد أخبرنا به صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نعطي هذا اليوم حقه من ~~الذكر والدعاء، مما يليق من العبادات إشفاقا أو تزودا لهذا اليوم، لا ~~أن نجعله موضع النزهة واللعب والتفريط، وقد يكون إخفاؤها مدعاة للاجتهاد ~~كل اليوم كليلة القدر، وقد نفهم من هذا كله المعنى الصحيح لحديث: # " من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه " # إلى آخره، وأن الحق فيه ذهب إليه الجمهور على ما سيأتي إن شاء الله عند ~~مناقشة وقت السعي إلى الجمعة. قال النيسابوري في تفسيره: وكانت الطرقات ~~في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون ~~بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة، إذ ~~البكور إليها من شدة العناية بها. # قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله }. # قرأ الجمهور فاسعوا وقرأها عمر فامضوا. روى ابن جرير رحمه الله أنه قيل ~~لعمر رضي الله عنه: إن أبيا يقرؤها فاسعوا، قال أما إنه أقرؤنا وأعلمنا ~~بالمنسوخ. وإنما هي فامضوا. # وروي أيضا عن سالم أنه قال: ما سمعت عمر قط يقرؤها إلا فامضوا. # وبوب له البخاري قال باب قوله: # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة: 3] وقرأ عمر { فامضوا } ، وذكر القرطبي عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قرأها { فامضوا إلى ذكر الله } ، وقال لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ~~ردائي اه. # وبالنظر فيما ذكره القرطبي نجد الصحيح قراءة الجمهور لأمرين. الأول: ~~لشهادة عمر نفسه رضي الله عنه أن أبيا أقرؤهم وأعلمهم بالمنسوخ، وإذا ~~كان كذلك فالقول قوله، لأنه أعلمهم وأقرؤهم. أما قراءة ابن مسعود فقال ~~القرطبي: إن سنده غير متصل، لأنه عن إبراهيم النخعي عن ms3803 ابن مسعود، ~~وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود شيئا اه. # وقد اختلف في معنى السعي هنا، وحاصل أقوال المفسرين فيه على ثلاثة أقوال ~~لا يعارض بعضها بعضا: # الأول: العمل لها، والتهيؤ من أجلها. # الثاني: القصد والنية على إتيانها. # الثالث: السعي على الأقدام دون الركوب. # واستدلوا لذلك بأن السعي يطلق في القرآن على العمل، قاله الفخر الرازي. ~~وقال: هو مذهب مالك والشافعي، قال تعالى: # وإذا تولى سعى في الأرض # [البقرة: 205]، وقال: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4] أي العمل. # واستدلوا للثاني بقول الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام، ولكن سعي ~~القلوب والنية. # واستدلوا للثالث بما في البخاري عن أبي عبس بن جبر واسمه عبد الرحمن، ~~وكان من كبار الصحابة مشى إلى الجمعة راجلا، وقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار " # ذكره القرطبي، ولم يذكره البخاري في التفسير. # وبالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة نجدها متلازمة لأن العمل أعم من السعي، ~~والسعي أخص، فلا تعارض بين أعم وأخص، والنية شرط في العمل، وأولى هذه ~~الأقوال كلها ما جاء في قراءة عمر رضي الله عنه الصحيحة: فامضوا. # فهي بمنزلة التفسير للسعي. # وروي عن الفراء: أن المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، والصحيح أن ~~السعي يتضمن معنى زائدا وهو الجد والحرص على التحصيل، كما في قوله ~~تعالى: # والذين سعوا في آياتنا معاجزين # [الحج: 51] بأنهم حريصون على ذلك: وهو أكثر استعمالات القرآن. # قال الراغب الأصفهاني: السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد ~~في الأمر خيرا كان أو شرا، قال تعالى: # وسعى في خرابهآ # [البقرة: 114]. # وإذا تولى سعى في الأرض # [البقرة: 205]. # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها # [الإسراء: 19]. وجمع الأمرين الخير والشر # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39-40] وهو ما تشهد له اللغة، كما في قول زهير بن أبي سلمى: # سعى ساعيا غيظ ابن مرة بعدما # تبزل ما بين العشيرة بالدم # وكقول الآخر: # إن أجز علقمة بن سعد سعيه ms3804 # لا أجزه ببلاء يوم واحد # تنبيه # من هذا كله يظهر أن السعي هو المضي مع مراعاة ما جاء في السنة من الحث ~~على السكينة والوقار. # لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا ~~تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " # وهذا أمر عام لكل آت إلى كل صلاة ولو كان الإمام في الصلاة لحديث أبي ~~قتادة عند البخاري قال: # " بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع جلبة رجال فلما ~~صلى قال: " ما شأنكم "؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: " فلا تفعلوا ~~إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم ~~فأتموا " # اه. # وكذلك حديث # " أبي بكرة رضي الله عنه لما ركع خلف الصف ودب حتى دخل في الصف وهو ~~راكع، فقال له صلى الله عليه وسلم: " زادك الله حرصا، ولا تعد " # على رواية تعد من العود. # وهنا يأتي مبحث بم تدرك الجمعة؟ # الأقوال في القدر الذي به تدرك الجمعة ثلاثة، وتعتبر طرفين وواسطة. # الطرف الأول: القول بأنها لا تدرك إلا بإدراك شيء من الخطبة، هذا ما ~~حكاه ابن حزم عن مجاهد وعطاء وطاوس وعمر، ولم يذكر له دليلا. # والقول الآخر: تدرك ولو بالجلوس مع الإمام قبل أن يسلم، وهو مذهب أبي ~~حنيفة رحمة الله: ومذهب ابن حزم، بل عند أبي حنيفة رحمه الله: أنه لو أن ~~الإمام سها وسجد، وفي سجود السهو أدركه المأموم لأدراك الجمعة بإدراكه ~~سجود السهو مع الإمام، لأنه منها، ولكن خالف الإمام أبا حنيفة صاحبه محمد ~~على ما سيأتي. # والقول الوسط هو قول الجمهور: أنها تدرك بإدراك ركعة كاملة مع الإمام، ~~وذلك بإدراكه قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، فحينئذ يصلي ~~مع الإمام ركعة ثم يضيف إليها أخرى وتتم جمعته بركعتين، وإلا صلى ظهرا. # أما الراجح من ذلك فهو قول الجمهور للأدلة الآتية: # أولا أن القول الأول لا دليل عليه ms3805 أصلا، ويمكن أن يلتمس لقائله شبهة ~~من قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله } لحمل ذكر الله على خصوص الخطبة ~~لقوله تعالى بعدها { فإذا قضيت الصلاة } [الجمعة: 10]. # فسمى الصلاة في الأول بالنداء إليها، وسمى الصلاة أخيرا بانقضائها، ~~وذكر الله جاء بينهما ولكن يرده استدلال الجمهور الآتي. # والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وابن حزم استدل له بحديث # " فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " # والجمعة ركعتان فقط، فإتمامها بتمام ركعتين، واعتبروا إدراك أي جزء منها ~~إدراكا لها، وقد خالف أبا حنيفة في ذلك صاحبه محمد لأدلة الجمهور ~~الآتية: # وأدلة الجمهور من جانبين: # الأول: خاص بالجمعة، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " # أي فتتم له جمعة بركعتين، وأخذوا من مفهوم إدراك ركعة، أن من لم يدرك ~~ركعة كاملة فلا يصح له أن يضيف لها أخرى، وعليه أن يصلي ظهرا. # والجانب الثاني عام في كل الصلوات، وهو حديث الصحيحين، # " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " # وقد رد الأحناف على الحديث الأول بأنه ضعيف، واعتبروا الإدراك في الحديث ~~الثاني، يحصل بأي جزء، ورد عليهم الجمهور بالآتي: # أولا: الحديث الخاص بمن أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى. ذكره ~~ابن حجر في بلوغ المرام. # وقال: رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن ~~قوى أبو حاتم إرساله، وقال الصنعاني في الشرح: وقد أخرج الحديث من ثلاث ~~عشرة طريقا عن أبي هريرة، ومن ثلاث طرق عن ابن عمر، وفي جميعها مقال إلى ~~أن قال: ولكن كثرة طرقه يقوي بعضها بعضا، مع أنه خرجه الحاكم من ثلاث ~~طرق: # إحداها: من حديث أبي هريرة: وقال فيها على شرط الشيخين إلى آخر اه. # وقال النووي في المجموع: ويغني عنه ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أدرك ركعة من الصلاة ms3806 فقد أدرك الصلاة " # فهذا نص صحيح، وهو صريح في أن إدراك الصلاة إنما هو بإدراك ركعة، ~~وبالإجماع لا يكون إدراك الركعة بإدراك الجلوس قبل السلام، لأن من دخل مع ~~الإمام في إحدى الصلوات وهو جالس في التشهد لا يعتد بهذه الركعة إجماعا، ~~وعليه الصلاة كاملة. # والنص الخاص أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى يجعل معنى ~~الإدراك لركعة كاملة يعتد بها، ومن لم يدرك ركعة كاملة لم يكن مدركا ~~للجمعة. # وقد حكى النووي في المجموع أن الجمعة تدرك بركعة تامة لحديث الصحيحين ~~المذكور، وقال: احتج به مالك في الموطأ، والشافعي في الأم وغيرهما. # وقال الشافعي معناه: لم تفته تلك الصلاة، ومن لم تفته الجمعة صلاها ~~ركعتين، وقال: وهو قول أكثر العلماء. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن ~~عمر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب، والأسود، وعلقمة والحسن البصري وعروة ~~بن الزبير، والنخعي والزهري، ومالك والأوزاعي والثوري، وأحمد وإسحاق وأبي ~~ثور وأبي يوسف. # وتقدم أن الذي وافق الجمهور من أصحاب أبي حنيفة، إنما هو محمد لما في ~~كتاب الهداية ما نصه: # وقال محمد رحمه الله: إن من أدرك أكثر الركعة بني عليها الجمعة وإن أدرك ~~أقلها بنى عليها الظهر. # وفي الشرح: أن أكثر الركعة هو بإدراك الركوع مع الإمام. # وبالنظر في الأدلة نجد رجحان أدلة الجمهور للآتي: # أولا: قوة استدلالهم بعموم # " من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة " # ، وهذا عام في الجمعة وفي غيرها، وهو من أحاديث الصحيحين. # ثم بخصوص # " من أدرك من الجمعة ركعة مع الإمام فليضف إليها أخرى " # ، وتقدم الكلام على سنده وتقوية طرقه بعضها ببعض. # وقد أشرنا إلى معنى الإدراك وهو ما يمكن الاعتداد به في عدد الركعات، ~~وهي نقطة هامة لا ينبغي إغفالها، وأن مفهوم من أدرك ركعة مع الإمام فليضف ~~إليها أخرى، أن من لم يدرك ركعة كاملة لا يتأتى له أن يضيف إليها أخرى، ~~بل عليه كما قال الجمهور أن يصلي أربعا. # ثانيا ضعف استدلال المعارض لأن: ما أدركتم فصلوا. ms3807 على من أدرك من ~~الجمعة ركعة خاص بها. # ثم إن معنى الإدراك ليس كما ذهب المستدل إليه، بل لا بد أن يكون إدراكا ~~لما يعتد به. # وأشرنا إلى أن الإجماع على أن من لم يدرك ركعة كاملة لا يعتد بها في عدد ~~الركعات، ويشير إلى هذا المعنى حديث أبي بكرة حيث ركع قبل أن يصل إلى ~~الصف ليدرك الركعة قبل أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، ولو كان ~~إدراك الركعة يتم بأي جزء منها لما فعل أبو بكرة هذه الصورة، وقد قال له ~~صلى الله عليه وسلم: # " هذا زادك الله حرصا ولا تعد " # ومعلوم أنه اعتد بتلك الركعة لإدراكه الركوع منها، وبهذا تعلم أنه لا ~~دليل لمن اشترط إدراك شيء من الخطبة، لأن من أدرك ركعة فقد فاتته الخطبة ~~كلها، وفاتته الأولى من الركعتين، وأدراك الجمعة بإدراك الثانية. والعلم ~~عند الله تعالى. # حكم صلاة الجمعة عنقها الفدء # قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله }. # فيه الأمر بالسعي إذا نودي إليها، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يوجد له ~~صارف، ولا صارف له هنا، فكان يكفي حكاية الإجماع على وجوبها، كما حكاه ~~ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، ونقله الشوكاني، وهو قول الأئمة الأربعة ~~رحمهم الله، ولكن وجد من يقول: إن الجمعة ليست واجبة. # ولعله ظن أن في الآية صارف للأمر عن الوجوب، وهو ما جاء في آخر السياق ~~في قوله تعالى: { وذروا البيع ذلكم خير لكم } فقالوا: ~~إن الأمر لتحصيل الخير المذكور، وقد نقل عن بعض اتباع بعض الأئمة رحمهم ~~الله ما يوهم أنها ليست بفرض، وهو مسطر في كتبهم، مما قد يغتر به بعض ~~البسطاء ولا سيما مع ضعف الوازع وكثرة الشاغل في هذه الآونة، مما يستوجب ~~إيراده من أقوال أصحابهم وأئمتهم رحمهم الله جميعا. # فعند المالكية حكاية ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة. # وعند الشافعية قال الخطابي: فيها الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من ~~فروض الكفاية. # وعند الأحناف، قال في ms3808 شرح الهداية: وقد نسب إلى مذهب أبي حنيفة أنها ~~ليست بفرض. # وكلها أقوال مردودة في المذهب من أصحابهم وأئمة مذاهبهم، فلزم التنبيه ~~عليها، وبيان الحق فيها من كتبهم، ومن كلام أصحابهم، وإليك بيان ذلك: # أما ما نسب لمالك رحمه الله فقد حكاه ابن العربي عن ابن وهب ورده بقوله: ~~وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة، ورد عليه قوله بتأويلين: أحدهما أن ~~مالكا يطلق السنة على الفرض، والثاني: أنه أراد سنة على صفتها لا ~~يشاركها فيها سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمة الجمعة على كل من سمع ~~النداء، اه. نقلا من نيل الأوطار. # ومما يؤيد قول ابن العربي في الوجه الأول ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ~~علينا وعليه، عن مالك وغيره في تحرزهم في الفتيا من قول حلال وحرام وواجب ~~إلخ. في سياق ما وقع من خلاف والنهي عن التعصب، وأن مالكا أشد تحفظا في ~~ذلك، ومما يؤيد الوجه الثاني أيضا رواية المدونة بما نصه ما قول مالك: ~~إذا اجتمع الأضحى والجمعة أو الفطر فصلى رجل من أهل الحضر العيد مع ~~الإمام ثم أراد ألا يشهد الجمعة هل يضع ذلك عنه شهود صلاة العيد ما وجب ~~عليه من إتيان الجمعة؟ قال لا، كان مالك يقول: لا يضع ذلك عنه ما وجب ~~عليه من إتيان الجمعة، وقال مالك: ولم يبلغني أن أحدا أذن لأهل العوالي ~~إلا عثمان، ولم يكن مالك يرى الذي فعل عثمان، وكان يرى أن من وجبت عليه ~~الجمعة لا يضعها عنه إذن الإمام، وإن شهد مع الإمام قبل ذلك من يومه ذلك ~~عيدا.اه من المدونة، فهذه نصوص صريحة عن مالك أن الجمعة واجبة لا يضعها ~~عمن وجبت عليه إذن الإمام بصرف النظر عن فقه مسألة العيد والجمعة، فإن ~~فيها خلافا مشهورا، ولكن يهمنا تنصيص مالك على خصوص الجمعة، وفي مختصر ~~خليل عند المالكية ما نصه: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر، قال ms3809 شارحه ~~الخرشي: لزمت ووجبت إثم تاركها وعقوبته، فهذه أقوال المالكية وحقيقة مذهب ~~مالك رحمه الله. # أما الشافعية فقال صاحب المهذب، ما نصه: صلاة الجمعة واجبة لما روى جابر ~~وساق حديثه. وقال النووي في المجموع شرح المهذب: إنما تتعين على كل مكلف ~~حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه.إلى أن قال: أما حكم المسألة فالجمعة فرض عين ~~على كل مكلف غير أصحاب الأعذار، والنقص المذكور بين هذا هو المذهب، وهو ~~المنصوص للشافعي في كتبه، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا ما حكاه ~~القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما من بعض الأصحاب أنه ~~غلط، فقال: هي فرض كفاية، قالوا: وسبب غلطه أن الشافعي قال: من وجبت عليه ~~الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، وغلط من فهمه. لأن مراد الشافعي من خوطب ~~بالجمعة وجوبا خوطب بالعيدين متأكدا، واتفق القاضي أبو الطيب وسائر من ~~حكى هذا الوجه على غلط قائله، قال القاضي أبو إسحاق المروزي: لا يحل أن ~~يحكى هذا عن الشافعي ولا يختلف أن مذهب الشافعي: أن الجمعة فرض عين، ونقل ~~ابن المنذر في كتابيه كتاب الإجماع والإشراق: إجماع المسلمين على وجوب ~~الجمعة. اه من المجموع للنوي، وهذا الذي حكاه النووي وابن المنذر ~~والمروزي عن الشافعي هو المنصوص عنه في كتاب الأم للشافعي نفسه، قال مجلد ~~(1) ص 188 تحت عنوان: إيجاب الجمعة بعد ما ذكر الآية { إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة } قال: ودلت السنة من فرض الجمعة على ~~ما دل عليه كتاب الله تبارك وتعالى وساق حديث: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم - يعني الجمعة - فاختلفوا ~~فيه، فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع " # إلى أن قال: والتنزيل ثم السنة يدلان على إيجاب الجمعة، وقال: ومن كان ~~مقيما ببلد تجب فيه الجمعة من بالغ حر لا عذر له وجبت عليه الجمعة. فهذه ~~نصوص الشافعي عامة في الوجوب وخاصة في الأعيان، وهذا بيان كاف لمذهب ~~الشافعي رحمه الله ms3810 من نص كتابه الأم اه. # الحديث الذي استدل به الشافعي رحمه الله # " نحن الآخرون السابقون " # هو عين الحديث الذي بوب عليه البخاري وجوب الجمعة، ووجه الاستدلال منه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم " # ففيه التنصيص على الفرضية. # أما الأحناف، فقال في شرح الهداية ما نصه: وقد نسب إلى مذهب أبي حنيفة ~~أنها ليست بفرض. # ثم قال: وهذا من جهلهم، وسبب غلطهم قول القدوري: ومن صلى الظهر يوم ~~الجمعة في منزله ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته، وإنما أراد حرم عليه ~~وصحت الظهر بترك الفرض. إلى آخره. # ثم قال: وقد صرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر، وذكر أول الباب، اعلم ~~أن الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع، فحكي الإجماع على وجوبها ~~وجهل من نسب إلى مذهبهم القول بعدم فرضيتها، وهذه أيضا حقيقة مذهب أبي ~~حنيفة رحمه الله، وأنها عند أصحابه آكد من الظهر. # أما الحنابلة. فقال في المغني ما نصه: الأصل في فرض الجمعة الكتاب ~~والسنة والإجماع، وساق الآية { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة } الآية، وقال بعدها: فصل: وتجب الجمعة والسعي إليها سواء ~~كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا أو عدلا أو فاسقا، نص عليه أحمد، وهذا ~~أعم وأشمل، حتى مع الإمام غير العادل وغير السني. # فهذه نصوص المذاهب الأربعة في وجوب الجمعة وفرضها على الأعيان. فلم يبق ~~لأحد بعد ذلك أدنى شبهة يلتمسها من أي مذهب، ولا تتبع شواذه للتهاون بفرض ~~الجمعة لنيابة الظهر عنها. # ثم اعلم أن في الآية قرينة على هذا الوجوب وأنه لا صارف للأمر عن وجوب ~~السعي إليها، وذلك أن مع الأمر بالسعي إليها الأمر بترك البيع والنهي ~~عنه، إذا كان ترك البيع واجبا من أجلها فما وجب هو من أجله كان وجوبه هو ~~أولى، قال في المغني: فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب ولا ويجب السعي ~~إلا إلى الواجب، ونهي عن البيع لئلا يشغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما ~~نهي عن البيع من أجلها، وهو ms3811 واضح كما ترى والأحاديث في الوعيد لتاركها ~~بدون عذر مشهور تؤكد هذا الوجوب. # من ذلك حديث أبي الجعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله عليه قلبه " # رواه أبو داود، وسكت عنه. # وفي المنتقى، قال: رواه الخمسة أي ما عدا البخاري ومسلما، وفي المنتقى ~~عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول على أعواد منبره: # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن ~~من الغافلين " # رواه مسلم. # وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لقوم يتخلفون عن ~~الجمعة: # " لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن ~~الجمعة بيوتهم " # رواه أحمد ومسلم. # وقد فسر الطبع في حديث أبي الجعد بأنه طبع النفاق، كما في قوله تعالى في ~~سورة المنافقون # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون # [المنافقون: 3]، وقيل: طبع ضلال، كما في الحديث: ثم يكون أي القلب ~~كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا. نسأل الله العافية ~~والسلامة لنا ولجميع المسلمين والتوفيق لفضل هذا اليوم الذي خص الله به ~~هذه الأمة. # مسألة # من المخاطب بالسعي هنا، أي من الذي تجب عليه الجمعة تستهل الآية الكريمة ~~بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } ، وهو نداء عام لكل ~~مؤمن ذكر وأنثى، وحر، وعبد صحيح ومريض، فشمل كل مكلف على الإطلاق كقوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183]. # وقوله تعالى (فاسعوا) الواو فيه للجميع، وإن كانت للمذكر إلا أنها عائدة ~~إلى الموصول السابق وهو عام كما تقدم، فيكون طلب السعي متجها إلى كل ~~مكلف إلا ما أخرجه الدليل. # وقد أخرج الدليل من هذا العموم أصنافا، منها: المتفق عليه، ومنها ~~المختلف فيه. # فمن المتفق عليه: ما أخرج من عموم خطاب التكليف كالصغير والنائم ~~والمجنون لحديث # " رفع القلم عن ثلاثة " # وما خرج من خصوص الجمعة، كالمرأة إجماعا فلا جمعة على النساء. # وكالمريض ms3812 فلا جمعة عليه اتفاقا كذلك. # وهو من يشق عليه أو يزيد مرضه، ومن يمرضه تابع له. وقد اختلف في المسافر ~~والمملوك. ومن في حكم المسافر وهم أهل البوادي. # قال القرطبي: قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } خطاب ~~للمكلفين بإجماع ويخرج منه المرضى، والزمنى، والعبيد، والنساء، بالدليل ~~والعميان، والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة. # روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضا، ~~أو مسافرا، أو امرأة، أو صبيا، أو مملوكا، فمن استغنى بلهو، أو تجارة، ~~استغنى الله عنه، والله غني حميد " # خرجه الدارقطني اه. # ويشهد لما رواه القرطبي ما رواه ابن حجر في بلوغ المرام عن طارق بن شهاب ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوكا وامرأة، ~~وصبيا، ومريضا " # ، رواه أبو داود. # وقال: طارق لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم: وذكر أبو داود أنه ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، وأخرجه الحاكم من رواية ~~طارق المذكور عن أبي موسى اه. # قال الصنعاني: يريد المؤلف بهذا، أي برواية عن أبي موسى أنه أصبح ~~متصلا. # قال: وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر ومولى لابن الزبير رواه البيهقي ~~وناقش سنده. # وقال: وفيه أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا " خمسة لا جمعة عليهم: ~~المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية " اه. # وقد ذكر صاحب المنتقى. حديث طارق كما ساقه صاحب البلوغ، وقال الشوكاني ~~فيه: قال الحافظ وصححه غير واحد. # وقال الخطابي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، وذكر صحبة طارق، ونقل قول ~~العراقي، فإذا ثبتت صحبته فالحديث صحيح، وغايته أن يكون مرسل صحابي وهو ~~حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبو إسحاق الاسفرائيني، بل ادعى بعض ~~الأحناف الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة اه. # وقال الشوكاني: على أنه قد اندفع الإعلال: بالإرسال بما في رواية الحاكم ~~من ms3813 ذكر أبي موسى إلى آخره، أي صار موصولا، كما قال ابن حجر سابقا. # ووجه حجية مرسل الصحابي عندهم. هو أن الصحابي إذا أرسل الحديث ولم يرفعه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون بينه وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم واسطة وتلك الواسطة هي صحابي آخر والصحابي ثقة، فتكون الواسطة ~~الساقطة ثقة، فيصح الحديث، ولذا دعي بعض الأحناف أن مرسل الصحابي حجة ~~لهذا السبب، وعلى هذا مناقشة أهل الحديث والتفسير لهذه المسألة، وبالتأمل ~~في الآية الكريمة وعموم السياق يظهر من مجموعه شهادة القرآن، إلى صحة ذلك ~~لدلالة الإيماء. # أما عن النساء ففيه الإجماع كما تقدم، ويشهد له أن الدعوة إلى السعي إلى ~~الجمعة، وترك البيع من أجلها، ثم الانتشار بعدها في الأرض والابتغاء من ~~فضل الله بالعمل والكسب يشعر بأن هذا كله للرجال، لأن المرأة محلها في ~~بيتها، كما في قوله تعالى: # وقرن في بيوتكن # [الأحزاب: 33]. # وتقدم لفضيلة والدنا الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، مبحث مفصل ~~استدل بدليل قرآن على سقوط الجمعة عن النساء، وذلك عند قوله تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 36-37]. # وبين رحمة الله تعالى علينا وعليه، مفهوم رجال، هل هو مفهوم صفة أو ~~مفهوم لقب، وساق علاقة النساء بالمساجد في الجمعة وغيرها، أما المملوك ~~فمما يستأنس له أيضا من السياق في قوله تعالى: { وذروا البيع } ~~إذ البيع والشراء ابتداء ليس من حق العبيد إلا بإذن السيد. # وقوله: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله } [الجمعة: 10]، فإن المملوك لا ينتشر ~~في الأرض إلا بإذن السيد أيضا، وكذلك المسافر فليس مشتغلا ببيع ولا محل ~~اشتغال به، وهو منتشر في الأرض بسفره وسفره شاغل له، وبسفره يقصر الصلاة ~~ويجمعها. # وقد حكى الشوكاني الاتفاق بين الفقهاء على سقوط الجمعة عن المملوك إلا ~~داود، وكذلك المسافر إذا كان سائرا، أما إذا كان نازلا، فخالف فيه داود ~~أيضا. # ومما استدل به الجمهور على سقوط الجمعة عن المسافر ms3814 وقت نزوله ما وقع من ~~فعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، إذا كانت الوقفة يوم الجمعة، ~~وكان صلى الله عليه وسلم نازلا ولم يصل الجمعة، بدليل أنه لم يجهر ~~بالقراءة، ونازع في ذلك ابن حزم وقال: غاية ما فيه ترك الجهر في الجهرية، ~~وهذا لا يبطلها. # ولكن يمكن أن يقال له: لقد قال صلى الله عليه وسلم: # " خذوا عني مناسككم " # والصلاة أثناء الحج مما يؤخذ عنه صلى الله عليه وسلم كالجمع تقديما في ~~عرفة وتأخيرا في مزدلفة، ولا يتأتى أن يترك الجهر في الجهرية وهو أقل ما ~~فيه أنه خلاف الأولى ويأمرهم أن يأخذوه عنه. # ومن هذا كله صح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا جمعة على مملوك ولا ~~مسافر. كما لا جمعة على المرأة والمريض، وبالله تعالى التوفيق. # قال ابن كثير: وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد ~~والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض ويتم المريض وما أشبه ذلك من ~~الأعذار. # أما سقوطها عن أهل البوادي ومن في حكمهم، فهو قول لجمهور مع اختلافهم في ~~تحقيق المناط في ذلك بين المصر والقرية، والبادية، وبالرجوع إلى أقوال ~~الأئمة نجد الخلاف الآتي أقوال الأئمة في مكان الجمعة. # أولا: عند أبي حنيفة رحمه الله قال في الهداية ما نصه: لا تصح الجمعة ~~إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرية لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع " # وفسر الشارح ابن الهمام المصر بقوله: والمصر الجامع كل موضع له أمير ~~وقاضي ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وناقش الأثر الذي أورده المصنف قائلا: ~~رواه ابن أبي شيبة موقوفا على علي رضي الله عنه " لا جمعة ولا تشريق ~~ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة " صححه ابن حزم. # ورواه عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، قال: ~~لا تشريق ولا جمعة إلا في مصر جامع اه. # وذكر هذا الأثر ms3815 القرطبي موقوفا على علي رضي الله عنه. # وعند المالكية قال في متن خليل في فصل شروط الجمعة مانصه: باستيطان بلد ~~أو أخصاص لا خيم. # وفسر الشارح: الاستيطان بالعزم على الإقامة على نية التأبيد، ولا تكفي ~~نية الإقامة ولو طالت، وجاء في المتن بعدها قوله: ولزمت المكلف الحر ~~الذكر بلا عذر المتوطن. # وقال الشارح على كلمة متوطنا: هو أيضا من شروط الوجوب. يعني أنه يشترط ~~في وجوبها الاستيطان ببلد يتوطن فيه ويكون محلا للإقامة يمكن الشراء ~~فيه، وإن بعدت داره من المنارة سمع النداء أو لم يسمع، ولو على خمسة ~~أميال أو ستة إجماعا. فلا تجعل على مسافر ولا مقيم ولو نوى إقامة زمنا ~~طويلا إلا تبعا اه. أي تبعا لغيره. # وعند الشافعي قال في المهذب ما نصه: ولا تصح الجمعة إلا في أبنية ~~يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد أو قرية لأنه لم تقم جمعة في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية، ~~ولم ينقل أنها أقيمت في بدو، فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا ~~الجمعة لم يجز، لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو، وإن انهدم ~~البلد فأقام أهله على عمارته، فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع ~~الاستيطان. # قال النووي في الشرح ما نصه: قال أصحابنا يشترط لصحة الجمعة أن تقام في ~~أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء وصيفا من تنعقد بهم الجمعة. # قال الشافعي والأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب أو طين أو قصب ~~أو سعف أو غيرهما، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق والقرى الصغار، ~~والأسراب المتخذة وطنا، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة بلا ~~خلاف، لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف. # وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءا وصيفا وهي مجتمعة ~~بعضها إلى بعض فقولان. ثم قال: أصحهما باتفاق الأصحاب لا تجب عليهم ~~الجمعة ولا تصح منهم، وبه قطع الأكثرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ms3816 ثم ذكر ~~الدليل بقوله لحديث: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ولم يصل هكذا. # وعند الحنابلة قال في المغني ما نصه: # فصل # فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم، وهو الاستيطان في قرية ~~على الأوصاف المذكورة لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء، ولا تجب على مسافر ~~ولا على مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف، أو في بعض ~~السنة. # فإن خربت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون فيها عازمون على إصلاحها فحكمها ~~باق في إقامة الجمعة بها وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم ~~الاستيطان. # هذه خلاصة أقوال أهل المذاهب الأربعة متفقة على اشتراط الوطن ~~والاستيطان. وإن اختلفت في صفة الوطن من مصر أو قرية أو نحوها مبينة بحجر ~~أو طين أو أخشاب أو خيام ثابتة صيفا وشتاء على ما تقدم. # وقد انفرد أبو حنيفة ومعه صاحبه أبو يوسف باشتراط وجود الأمير والقاضي ~~الذي يقيم الحدود احترازا من القاضي الذي لا يقيم الحدود، كقاضي السوق، ~~أو إذا كان من يلي القضاء امرأة على مذهبه في ذلك وهي لا تقضي في الحدود ~~لعدم جواز شهادتها فيها، واكتفى الأئمة الثلاثة بمطلق الاستيطان، ومعلوم ~~أن الاستيطان يستلزم الإمارة شرعا وعقلا. # أما شرعا فلقوله صلى الله عليه وسلم: # " ما من ثلاثة لا يؤمرون عليهم أميرا إلا استحوذ عليهم الشيطان ". # وعقلا، فإن مستوطنين لا تسلم أحوالهم من خلافات ومشاحة فيما بينهم فلا ~~بد من شخص يرجعون إليه، وهو في معنى الأمير المطلوب، كما أن الاستيطان ~~يستلزم السوق لحوائجهم كما هو معلوم عرفا. # وقد استدل الجمهور بحديث ابن عباس رضي الله عنه " أن أول جمعة جمعت بعد ~~جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال ~~لها جواثي " وبحديث أبي أمامة أنه جمع بهم بالمدينة قبل مجيء النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات. مما لا ~~يستلزم المصر الذي اشترطه أبو حنيفة رحمه الله، وأجاب الأحناف عن ذلك ~~بعدم ms3817 المعارضة بين حديث علي وحديث ابن عباس، وفعل أبي أمامة، وقالوا: إن ~~قول علي لا يكون إلا عن سماع، ولأن قوله تعالى: { فاسعوا إلى ~~ذكر الله } ليس على إطلاقه بإتفاق الأمة، إذ لا يجوز إقامتها في ~~البراري إجماعا، ولا في كل قرية عند ابن عباس، بل يشترط ألا يظعن أهلها ~~عنها صيفا ولا شتاء، فكان خصوص المكان مرادا فيها إجماعا، فقدر القرية ~~من أخذ بحديث ابن عباس بأنها القرية الخاصة. وقدر الأحناف المصر وقالوا: ~~هو أولى لنص حديث علي " إلا في مصر جامع " ، وقالوا إن إقامتها في قرية ~~جواثي غاية ما فيه تسمية جواثا قرية، وهذه التسمية هي عرف الصدر الأول، ~~وهو لغة القرآن في قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] أي مكة والطائف، ومكة بلا شك مصر، وفي الصحاح أن جواثا ~~حصن بالبحرين، فهي مصر إذ الحصن لا يخلو عن حاكم عليهم وعالم، أما صلاة ~~أبي أمامة فلم تكن عن علم ولا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~كانت شرعت الجمعة آنذاك، فلا حجة فيه. والذي يقتضيه النظر بين هذه ~~الأقوال والله تعالى أعلم: أن رأي الجمهور أرجح. ويتمشى مع قواعد مذهب ~~أبي حنيفة في الجملة، لأن الأحناف يتفقون مع الجمهور على تسمية المصر ~~قرية كشمية الطائف ومكة قرى. # وجاء في القرآن: مكة أم القرى، فالقرية أعم من المصر، ومذهب أبي حنيفة ~~تقديم العام على الخاص في كثير من الأمور، كما في حديث # " فيما سقت السماء العشر " # فقدمه على حديث # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " # ، من هذا كله يتضح أن الاستيطان مجمع عليه، فلا تصح في غير وطن، ولا ~~تلزم غير مستوطن. ومن قال بغير ذلك فقد خالف الأئمة، وشذ عن الأمة، وليس ~~له سلف فيما ذهب إليه، والذي قاله الجمهور يشهد له سياق القرآن الكريم ~~بالإيماء والإشارة، لأننا لو أخذنا بعين الاعتبار الأمر بالسعي إلى ذكر ~~الله وترك البيع حتى لا يشغل عنها، ثم الانتشار في الأرض بعد ms3818 قضائها، ~~لتحصل عندنا من مجموع ذلك كله أن هناك جماعة نوديت وكلفت باستجابة النداء ~~والسعي، ثم الكف عن البيع الذي يشغل عن السعي، ومثل هذا البيع الذي ~~يكلفون بالكف عنه والذي يخشى منه شغل الناس عن السعي إلى الجمعة لا يكون ~~عقدا بين اثنين فقط، ولا يكون عملا فرديا بل يشعر بأنه عمل بين أفراد ~~عديدين ومبايعات متعددة مما يشكل حالة السوق، والسوق لا يكون في البوادي ~~بل في القرى وللمستوطنين. # والعادة أن أهل البوادي ينزلون إلى القرى والأمصار للتزود من أسواقها، ~~وإذا وجد السوق، ووجدت الجماعة، اقتضى ذلك وجود الحاكم لاحتمال المشاحة ~~والمنازعات. كما تقدم استلزام ذلك شرعا وعقلا، كما أن قوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10] يدل على الكثرة، لأن مادة الانتشار لا تطلق على الواحد ولا ~~الاثنين، كما في حديث # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " # ، ومنه انتشار الخبر لا يصدق على ما يكون بين اثنين، أو أكثر، إذا كانوا ~~يتكتمون. فإذا استفاض وكثر من يعرفه، قيل له: انتشر الخبر. # قال صاحب معجم مقاييس اللغة في مادة نشر: النون والشين والراء أصل صحيح ~~يدل على فتح شيء وتشعبه، فقوله: وتشعبه يدل على الكثرة. # وقد يقال: اكتسى البازي ريشا نشرا، أي منتشرا واسعا طويلا، ومعلوم ~~أن ريش البازي كثير، وهذا الوصف لا يتأتى من نفر قلائل في بادية، بل لا ~~يتأتى تحققه إلا من أهل القرى المستوطنين. وفعلنا في هذا قد أوضحنا هذه ~~المسألة خاصة لهؤلاء الذين يقولون: إن الجمعة كالجماعة تصح من أي عدد في ~~أي مكان على أية حالة كانوا، وهو قول في الواقع لم يكن لهم فيه سلف، ~~وخالفوا به السلف والخلف، مع ما في قولهم من هدم حكمة التشريع في إقامة ~~الجمعة، حيث إننا وجدنا حكمة الجماعة في العدد القليل، ولأهل كل مسجد في ~~كل ضاحية. # ثم نأت الجمعة لأهل القرية والمصر ومن في ضواحيها على بعد خمسة أو ستة ~~أميال، كما قال المالكية، وكما كان السلف يأتون ms3819 إلى المدينة زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، لما فيه من تجمع للمسلمين على نطاق أوسع من نطاق ~~الجماعة. # ثم يأتي العيد وهو على نطاق أوسع فيشمل حتى النساء يحضرن ذلك اليوم، ثم ~~يأتي الحج يأتون إليه من كل فج عميق، ولعل مما يشهد لهذا ويرد على من ~~خالفه، ما جاء في اجتماع العيد والجمعة. إذ خيرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين النزول إلى الجمعة وبين الاكتفاء بالعيد أي أهل الضواحي. # ثم أخبرهم بأنه سيصلي الجمعة، فلو أن الجمعة تصح منهم في منازلهم ~~وضواحيهم لأرشدهم إلى ذلك وأعفاهم من النزول سواء في يوم العيد الذي يكون ~~في يوم الجمعة أو في الجمعة من غير يوم العيد، بل كانوا ينزلون من أطراف ~~المدينة كما هو معلوم، والعلم عند الله تعالى. # العدد في الجمعة # والواقع أن مسألة العدد في الجمعة قد كثر الخلاف فيها. فمن قائل: تصح ~~بواحد مع الإمام. وعزاه ابن رشد للطبري، ومن قائل باثنين مع الإمام وعزاه ~~القرطبي للحسن، ومن قائل بثلاثة مع الإمام وعزى لأبي حنيفة، ومن قائل ~~باثني عشر رجلا، وعزاه القرطبي لربيعة، ومن قائل بثلاثين، ومن قائل ~~بأربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. ومن قائل بكل عدد يتأتى في قرية ~~مستوطنة، وألا يكونوا ثلاثة ونحوها، وهو قول مالك. قال في متن خليل: ~~وبجماعة تتقرى بهم قرية بلا حد. # وقال في الشرح: أي جماعة يمكنهم الدفع عن أنفسهم في الأمور الكثيرة لا ~~النادرة، وذلك يختلف بحسب الجهات إلى أن قال: وأفهم كلام المؤلف أن ~~الاثني عشر لا تتقرى بهم قرية. فقوله: بلا حد أي بعد الاثني عشر اه. # والواقع أن كل هذه الأقوال ليس عليها مستند يعول عليه في العدد. بحيث لو ~~نقص واحد بطلت، ولكن الذي يشهد له الشرع من السماحة واليسر، هو ما قاله ~~مالك رحمه الله، وما قدمنا من أن السياق يدل على وجود جماعة لها سوق، ~~ويتأتى منها الانتشار في الأرض بعد انقضاء الصلاة. ولم نطل الكلام في هذه ~~المسألة لعدم وجود نص ms3820 صريح فيها، وكل ما يستدل به فهو حكاية حال تحتمل ~~الزيادة والنقص ولا يعمل بمفاهيمها. والعلم عند الله تعالى. # قوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~} الآية. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنبيه على ما فيها من مبحث ~~أصولي، وهو الأمر بعد الحظر وأصح ما فيه أنه يرد الأمر المحظور إلى ما ~~كان عليه قبل ورود الحظر عليه. # مسألة # وقت السعي إلى الجمعة ظاهر قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع } [الجمعة: 9] أن السعي يكون بعد النداء، وعند ترك البيع، ~~ومفهومه أن قبل النداء لا يلزم السعي ولا ترك البيع، وهذا ظاهر من النص، ~~ولكن جاءت نصوص للحث على البكور إلى الجمعة، منها قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما تيسر له " # الحديث. # وحديث # " من راح في الساعة الأولى " # إلى آخر الحديث، فكان البكور مندوبا إليه، وهذا أمر مسلم به، ولكن وقع ~~الخلاف بين مالك والجمهور في مبدأ البكور، ومعنى الساعة الأولى أي ساعة ~~لغوية أو زمنية. وهل هي الأولى من النهار أو الأولى بعد الأذان، فقال ~~مالك: إن الساعة لغوية، وهي الأولى بعد الأذان، إذ لا يجب السعي إلا بعده ~~وقبله لا تكليف به. # وحمل الجمهور الساعة على الساعة الزمنية، وأن الأولى هي الأولى من ~~النهار، والراجح ما ذهب إليه الجمهور لعدة أمور: # أولا: في لفظ حديث البكور، لأن لفظ البكور لا يكون إلا لأول النهار، ~~ولا يقال لما بعد الزوال بكور، بل يسمى عشيا كما في قوله تعالى: # بكرة وعشيا # [مريم: 11] وتكرار بكر، وابتكر، يدل على أنه في بكرة النهار وأوائله، ~~وكذلك لفظة من راح، لأن الرواح لأول النهار. # ثانيا في الحديث: # " وصلى ما تيسر " # له دليل قاطع على أن هناك زمنا يتسع للصلاة بقدر ما تيسر له. أما على ~~مذهب مالك فلا متسع لصلاة بعد النداء. ولا سيما في زمنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن إلا أذان واحد، وبعد النداء ms3821 فلا متسع للصلاة. # ثالثا: ما جاء عن بعض السلف، كما تقدم أنه كان يصلي أربعا وثماني ~~واثنتي عشرة ركعة، وهذا كله لا يكون مع الساعات اللغوية، وما جاء عند ~~النيسابوري من قوله في تفسيره: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر ~~وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. # وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة، والذي يقتضيه ~~النظر في هذه المسألة: هو أن زمن السعي له جهتان: جهة وجوب وإلزام، وهذا ~~لا شك أنه بعد النداء إلا من كان محله بعيدا. بحيث لو انتظر حتى ينادى ~~لها لا يدركها فيتعين عليه السعي إليها قبل النداء اتفاقا، لأنه لا ~~يتمكن من أداء ما وجب عليه من صلاة الجمعة إلا بذلك. # وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا مخصوص من ظاهر النص المتقدم. # الجهة الثانية: جهة ندب واستحباب، وهذا لا يتقيد بزمن وإنما هو بحسب ~~ظروف الشخص. فمن تمكن من البكور ولم يتعطل ببكوره ما هو ألزم منه، فيندب ~~له البكور، وبحسب ما يكون بكوره في الساعات الخمس المذكورة في الحديث ~~يكون ماله من الأجر، ويشهد لهذا المعنى أمران: # الأول: حديث الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول. فإذا حضر ~~الإمام طوت الصحف وجلسوا يستمعون الذكر، فكتابة الأول فالأول قبل خروج ~~الإمام، تدل على فضل الأولية قبل النداء كما تقدم. # الأمر الثاني: أننا وجدنا لكل واجب مندوبا والسعي إلى الجمعة عند ~~النداء واجب، فيكون له مندوب وهوالسعي قبل النداء، فكما للصلاة والصيام ~~والزكاة واجب ومندوب. فكذلك للسعي واجب ومندوب، فواجبه بعد النداء، ~~ومندوبه قبله، والله تعالى أعلم. # الغسل للجمعة # في قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة: 9] ترتيب السعي إلى ذكر ~~الله على النداء، ومعلوم أن هذا مقيد بسبق الطهر إجماعا. وقد جاء في ~~قوله تعالى # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] فكانت الطهارة بالوضوء شرطا في صحة الصلاة. # وهنا في خصوص الجمعة لم يذكر شيء في خصوص الطهر ms3822 لها بوضوء أو غسل. # وقد جاءت أحاديث في غسل الجمعة منها حديث أبي سعيد من قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " # ، وفي لفظ # " طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم كطهر الجنابة " # وهذا نص صريح في وجوب الغسل على كل من بلغ سن الحلم. # وجاء حديث آخر: # " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل " # وهذا نص صريح في أفضلية الغسل على الوضوء، وبالتالي صحة الجمعة بالوضوء ~~وهذا مذهب الجمهور. # وقد جاء عند مالك في الموطإ: أن عثمان دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فعاتبه ~~على تأخره، فأخبره أنه ما إن سمع النداء حتى توضأ. وأتى إلى المسجد فقال ~~له: والوضوء أيضا، وذلك بمحضر من الصحابة، فلم يأمره بالعودة إلى الغسل، ~~ولو كان واجبا لما تركه عثمان من نفسه، ولا أقره عمر وتركه على وضوئه. # فقال الجمهور: إن الحديث الأول قد نسخ الوجوب فيه بحديث المفاضلة ~~المذكور، واستدلوا على ذلك بأمرين: الأول قصة عمر مع عثمان هذه. # والثاني: قول عائشة رضي الله عنها كانوا في أول الأمر هم فعلة أنفسهم ~~فكانوا يأتون إلى المسجد ويشتد عرقهم فتظهر لهم روائح فعزم عليهم صلى ~~الله عليه وسلم بالغسل، ولما فتح الله عليهم وجاءته العلوج وكفوا مؤنة ~~العمل، رخص لهم في ذلك، وهذا هو مذهب الجمهور، كما قدمنا. # وعند الظاهرية وجوب الغسل، ولكن لليوم لا للجمعة، لنص الحديث: غسل يوم ~~الجمعة ولم يقل الغسل لصلاة الجمعة، واستدلوا لما ذهبوا إليه من النصوص ~~في تعهد الشعور والأظافر والغسل بصيغة عامة كل يوم على الإطلاق، وقيدوه ~~في الغسل بخصوص الجمعة، وعليه فإن من لم يغتسل عندهم قبل الصلاة فعليه أن ~~يغتسل بعدها، وأنه ليس شرطا عندهم لصحتها، والذي يظهر هو صحة مذهب ~~الجمهور لأمرين: # الأول: أن مناسبة الغسل في هذا اليوم أنسب ما تكون لهذا التجمع، كما ~~أشارت عائشة رضي الله عنها، فإذا أهدرنا هذه المناسبة كان يوم الجمعة ~~وغيرها سواء. # الثاني: أن سياق الآية يشير إشارة خفية ms3823 إلى عدم وجوب الغسل، لأنه لم ~~يذكر نوع طهارة عند السعي بعد الأذان، ومعلوم أنه لا بد من طهر لها، ~~فيكون إحالة على الآية الثانية العامة في كل الصلوات، # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6] الآية. فيكتفي بالوضوء وتحصل الفضيلة بالغسل، والعلم عند ~~الله تعالى. # قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها وتركوك قآئما }. # في عود الضمير على التجارة وحدها مغايرة لذكر اللهو معها. # وقال الزمخشري: حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وذكر قراءة أخرى، ~~انفضوا إليه يعود الضمير إلى اللهو، وهذا توجيه قد يسوغ لغة كما في قول ~~نابغة ذبيان: # وقد أراني ونعما لاهيين بها # والدهر والعيش لم يهمم بإمرار # فذكر الدهر والعيش، وأعاد عليهما ضميرا منفردا اكتفاء بأحدهما عن ~~الآخر للعلم به، وهو كما قال ابن مالك: وحذف ما يعلم جائز؟ # وقد ذكر الشيخ رحمه الله لهذا نظائر في غير عود الضمير، كقوله تعالى: # وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم # [النحل: 81]، فالتي تقي الحر، تقي البرد، فاكتفى بذكر أحدهما لدلالته ~~على الآخر، ولكن المقام هنا خلاف ذلك. # وقد قال الشيخ عن هذه الآية في دفع إيهام الاضطراب: لا يخفى أن أصل مرجع ~~الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو، بدلالة لفظة أو على ذلك، ~~ولكن الضمير رجع إلى التجارة وحدها دون اللهو، فبينه وبين مفسره بعض ~~منافاة في الجملة، والجواب: أن التجارة أهم من اللهو وأقوى سببا في ~~الانفضاض عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم انفضوا من أجل العير ~~واللهو كان من أجل قدومها، مع أن اللغة يجوز فيها رجوع الضمير لأحد ~~المذكورين قبله. أما في العطف بأو فواضح، كقوله تعالى: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء: 112]. # وأما الواو فهو فيها كثير كقوله # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة # [البقرة: 45] وقوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]، وقوله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة: 34] اه. # أي أن هذه الأمثلة كلها يذكر فيها أمران، ويعود الضمير على ms3824 واحد منهما. # وبناء على جواب الشيخ رحمة الله تعالى عليه، يمكن القول بأن عود الضمير ~~على أحد المذكورين، إما لتساويهما في الماصدق، وإما لمعنى زائد فيما عاد ~~عليه الضمير. # فمن المتساويين قوله تعالى: { ومن يكسب خطيئة أو إثما } ~~لتساويهما في النهي والعصيان، ومما له معنى زائد قوله تعالى: { ~~واستعينوا بالصبر والصلاة } وإنها أي الصلاة، لأنها أخص ~~من عموم الصبر، ووجود الأخص يقتضي وجود الأعم دون العكس، ولأن الصلاة ~~وسيلة للصبر، كما في الحديث: # " كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرهم فزع إلى الصلاة " # وكذلك قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها } أي الفضة، لأن كنز الفضة أوفر، وكانزوها أكثر ~~فصورة الكنز حاصلة فيها بصفة أوسع، ولدى كثير من الناس، فكان توجيه ~~الخطاب إليهم أولى، ومن ناحية أخرى لما كانت الفضة من ناحية أخرى لما ~~كانت الفضة من الناحية النقدية أقل قيمة، والذهب أعظم، كان في عود الضمير ~~عليها تنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه أشمل وأعم، وأشد تخويفا لمن ~~يكنزون الذهب. # أما الآية هنا، فإن التوجيه الذي وجهه الشيخ رحمه الله تعالى عليه، لعود ~~الضمير على التجارة، فإنه في السياق ما يدل عليه، وذلك في قوله تعالى ~~بعدها: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة } ، فذكر السببين المتقدمين لانفضاضهم عنه صلى الله عليه ~~وسلم، ثم عقبه بقوله تعالى، بالتذييل المشعر بأن التجارة هي الأصل بقوله: ~~{ والله خير الرازقين } ، والرزق ثمرة التجارة. # فكان هذا بيانا قرآنيا لعود الضمير هنا على التجارة دون اللهو. والعلم ~~عند الله تعالى. # تنبيه # قال أبو حيان عن ابن عطية: تأمل إن قدمت التجارة على اللهو في الرؤية، ~~لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين اه. # يريد بقوله: في الرؤية، وإذا رأوا. وبقوله: مع التفضيل { قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة } أي لأن اللهو أبين ~~في الظهور، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى: أنه عند التفضيل ذكر اللهو ~~للواقع فقط، لأن اللهو لا خير فيه مطلقا فليس محلا ms3825 للمفاضلة، وأخر ذكر ~~التجارة لتكون أقرب لذكر الرزق لارتباطهما معا، فلو قدمت التجارة هنا ~~أيضا لكان ذكر اللهو فاصلا بينهم وبين قوله تعالى: { والله خير ~~الرازقين } ، وهو لا يتناسق مع حقيقة المفاضلة. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الدراسة: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمنافقون جمع منافق وهو من يظهر الإيمان ~~ويسر الكفر. # قالوا: نشهد إنك لرسول الله، أي قالوا ذلك نفاقا وخوفا، ولم يقولوه ~~خالصا من قلوبهم. ولذا قال الله: { والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، ~~وإنما شهد عليهم بالكذب مع أن ظاهر قولهم حق لأن بواطنهم تكذب ظواهرهم ~~لأن الأعمال بالنيات، وإنما كسر همزة إن في المواضع الثلاثة، لأنها بعد ~~فعل معلق باللام، ولولا ذلك لفتحت، لأنها في محل المصدر. # ولأبي حيان قول حسن في ذلك إذ قال: إن قولهم: نشهد يجري مجرى اليمين. ~~ولذلك تلقى بما يتلقى به القسم، وكذا فعل اليقين. والعلم يجري مجرى القسم ~~بقوله: { إن لرسول الله } أعني بقصد التوكيد بإن واللام، ثم ~~قال: وأصل الشهادة أن يواطئ اللسان القلب، وهذا بالنطق وذلك بالاعتقاد ~~فأكذبهم الله: وفضحهم بقوله: { والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون }. # أي لم تواطئ قلوبهم ألسنتهم على تصديقك، واعتقادهم أنك غير رسول، فهم ~~كاذبون عند الله وعند من عرف حالهم، أو كاذبون عند أنفسهم، إذ أنهم ~~يعتقدون أن قولهم: { إنك لرسول الله } كذب. # وجاء قوله تعالى: { والله يعلم إنك لرسوله } بين ~~شهادتهم وتكذيبهم إيذانا بأن الأمر كما قالوا على حد قوله تعالى: # وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله # [الفتح: 28 - 29]. # تنبيه في هذه الآية مبحث بلاغي في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء فقولوا: ~~الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فذهب الجمهور إلى أنه ينحصر فيهما ~~بلا واسطة، والمخبر إما صادق وإما كاذب. وهذا بناء على مطابقة الخبر ~~للواقع أو عدم مطابقته ولا علاقة له بالاعتقاد. # قال السعد في التلخيص، وقال بعض الناس: صدق الخبر وكذبه مطابقته لاعتقاد ms3826 ~~المخبر لا للواقع. واستدلوا لذلك بأن عدم مطابقته للواقع يكون من قبيل ~~الخطأ لا من قبيل الكذب. # ولحديث عائشة رضي الله عنهما عن ابن عمر: " ما كذب ولكنه وهم " ، وهذا ~~مذهب الجاحظ وهو صدق الخبر مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر مستدلا ~~بالآية { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } مع ~~قولهم: { إنك لرسول الله }. فكذبهم الله مع أن خبرهم مطابق ~~للواقع، لكنهم لم يعتقدوا ما قالوا فكذبهم الله لذلك. # ومقتضى مذهب الجاحظ القول بوجود واسطة بين الصدق والكذب، وهي عدم اعتقاد ~~المخبر لما أخبر به، ولو طابق الواقع، ولكن ما قدمناه من كلام أبي حيان ~~يرد هذا المذهب ويبطل استدلال الجاحظ ومن وافقه بالآية، لأن تكذيب الله ~~إياهم منصب على قوم قالوا نشهد، والشهادة أخص من الخبر، ولأنهم ضمنوا ~~شهادتهم التأكيد المشعر بالقسم والموحي بمطابقة القول لما في القلب ولا ~~سيما في هذا المقام، وهو مقام الإيمان والتصديق، فأكذبهم الله في كون ~~إخبارهم بصورة الشهادة والحال أنهم لم يأتوا بالشهادة على وجهها وهو عدم ~~مطابقتها لاعتقادهم. # والقرآن ينفي وجود واسطة بين الصدق والكذب كما في قوله تعالى: # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]. # أما فقه اليمين وما تنعقد به وأحكامها، فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه هذا المبحث مستوفى في سورة المائدة عند قوله تعالى: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم # [المائدة: 89] الآية. # وذكر في معنى لغو اليمين عند العلماء قولين: # الثاني منهما: هو أن يحلف على ما يعتقده فيظهر خلافه وعزا لمالك، وأنه ~~مروي عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وساق أسماء كثيرين، ~~ولا يبعد أن يقال: ينبغي أن نفرق بين الحد اللغوي عند البلاغيين، والحد ~~الشرعي حيث يقبل شرعا ما كان مبناه على غلبة الظن عند المتكلم، لأنه حد ~~علمه ولعدم المؤاخذة في الشرع في مثل ذلك والله أعلم. ### || [63.2] # قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة }. # قرئ أيمانهم بفتح الهمزة جمع يمين، وقرئ بكسرها من الإيمان ضد الكفر، أي ~~ما أظهروه من أمور الإسلام. # ومما تقدم ms3827 أن من أنواع البيان إذا كان في الآية قراءتان، وفيهما ما يرجح ~~إحداهما، وتقدم كلام أبي حيان تخريجه على اليمين. # وللشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة التدريس قوله: الإيمان جمع ~~يمين وهي الحلف والجنة الترس، وهو المجن الذي تتقي به السيوف والنبال ~~والسهام في الحرب، والمعنى أن المنافقين إذا ظهر شيء من نفاقهم أو سمعت ~~عنهم كلمة كفر، حلفوا بالله أنهم ما قالوا ذلك وما فعلوه، فيجعلون حلفهم ~~ترسا يقيهم من مؤاخذة النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم. # كما قال تعالى: # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر # [التوبة: 74] الآية. # وقال: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم # [التوبة: 56] الآية. # وقال: # يحلفون بالله لكم ليرضوكم # [التوبة: 62] الآية. ونحو ذلك، فهذه نصوص تدل على أنهم يحلفون أيمانا ~~على إيمانهم. # ومن جهة المعنى: أن أيمانهم وحلفهم منصب على دعوى إيمانهم، فلا انفكاك ~~بين اليمين والإيمان، لأنهم يحلفون أنهم مؤمنون، واليمين أخص من الإيمان، ~~وحمله على الأخص يقتضي وجود الأعم، فاحلف على الأيمان يستلزم دعوى ~~الإيمان وزيادة، ومجرد دعوى الإيمان لا يستلزم التأكيد بالإقسام والحلف. # قوله تعالى: { فصدوا عن سبيل الله }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: أي بسبب اتخاذهم أيمانهم جنة ~~وخفاء كفرهم الباطن، تمكنوا من صد بعض الناس عن سبيل الله، لأن ~~المسلمين يظنونهم إخوانا وهم أعداء. وشر الأعداء من تظن أنه صديق ولذا ~~حذر الله نبيه منهم بقوله: # هم العدو فاحذرهم # [المنافقون: 4] وصدهم الناس عن سبيل الله كتعويقهم عن الجهاد. كما بينه ~~بقوله: # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا # [الأحزاب: 18] الآية. # وبقوله: # وقالوا لا تنفروا في الحر # [التوبة: 81] الآية. # وقوله: # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا # [آل عمران: 168] الآية. # قوله تعالى: { إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ساء فعل جامد لإنشاء الذم بمعنى ~~بئس اه. # وقد بين تعالى تلك الإساءة من المنافقين في عدة جهات منها قوله تعالى: # يخادعون الله والذين آمنوا # [البقرة: 9]. # وقوله: # إن ms3828 المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. # وكان خداعهم بالقول وبالفعل، وخداعهم بالقول في قولهم عنهم: # يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم # [الفتح: 11]. # وخداعهم في الفعل في قوله عنهم: # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس # [النساء: 142]. # وفي الجهاد قولهم: # إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا # [الأحزاب: 13]. ### || [63.3] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع ~~على قلوبهم }. # في هذه الآية نص على أن الطبع على قلوبهم نتيجة لكفرهم بعد إيمانهم، ~~ومثله قوله تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]. # وكقوله: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. # وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، عن بعض العلماء: ذلك بأنهم ~~آمنوا، أي بألسنتهم نفاقا ثم كفروا بقلوبهم في الحقيقة اه. # وتقدم في أول سورة البقرة ختم الله على قلوبهم فهم لا يعقلون بعد هذا ~~الطبع، ومع هذا الختم كقوله تعالى: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الكهف: 57]. ### || [63.4] # قوله تعالى: { هم العدو فاحذرهم }. # فيه ما يشعر بحصر العداوة في المنافقين مع وجودها في المشركين واليهود، ~~ولكن إظهار المشركين شركهم، وإعلان اليهود كفرهم مدعاة للحذر طبعا. # أما هؤلاء فادعاؤهم الإيمان وحلفهم عليه، قد يوحي بالركون إليه ولو رغبة ~~في تأليفهم. فكانوا أولى بالتحذير منهم لشدة عداوتهم ولقوة مداخلتهم مع ~~المسلمين، مما يمكنهم من الاطلاع على جميع شؤونهم. # وقد جاء في آخر السورة كله كاشفا لحقيقتهم ومبينا شدة عداوتهم سواء في ~~قولهم # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا # [المنافقون: 7] أو في تآمرهم على المسلمين في قولهم: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]. ### || [63.6] # وقوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين }. # هم هنا المنافقون، كقوله تعالى: # إن المنافقين هم الفاسقون # [التوبة: 67]. ### || [63.7] # قوله تعالى: { ولله خزآئن السماوات والأرض }. # تقدم بيانه للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند قوله تعالى: # له مقاليد السماوات والأرض # [الزمر: 63]. ### || [63.8] # قوله تعالى: { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله } الآية. # تقدم للشيخ ms3829 رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ما فيها من القول ~~بالموجب؟ ### || [63.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام عليه عند قوله تعالى: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]، وقد بين سبب لهو المال والولد عن ذكر الله، بأن العبد يفتن ~~في ذلك في قوله تعالى الآتي في سورة التغابن: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده ~~أجر عظيم # [التغابن: 15]. # أي لمن سخر المال في طاعة الله، وبالتأمل في آخر هذه السورة، وآخر التي ~~قبلها نجد اتحادا في الموضوع والتوجيه. # فهناك قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ~~ومن التجارة والله خير الرازقين # [الجمعة: 11]. # وجاء عقبه مباشرة سورة: إذا جاءك المنافقون، ولعله مما يشعر أن الذين ~~بادروا بالخروج للعير هم المنافقون، وتبعهم الآخرون لحاجتهم لما تحمل ~~العير، وهنا بعد ما ركن المنافقون للمال جاء # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا # [المنافقون: 7] فكانت أموالهم فتنة لهم في مقالتهم تلك، فحذر الله ~~المؤمنين بقوله: { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ~~ذكر الله } سواء كان المراد بالأموال خصوص ذكر الخطبة والعير ~~المتقدم ذكرهما، أو عموم العبادات والمكتسبات. ### || [63.10] # قوله تعالى: { وأنفقوا من مما رزقناكم }. # فيه الإنفاق من بعض ما رزقهم، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، ~~مبحث الاقتصاد في الإنفاق عند قوله في أول سورة البقرة: # ومما رزقناهم ينفقون # [البقرة: 3]. ### || [63.11] # قوله تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ ~~}. # وكذلك لا يقدمها عليه، كما في قوله تعالى: # لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # [يونس: 49]. # وبين تعالى عدم تأخرهم مع أنهم وعدوا بأنهم يصدقون ويكونون من الصالحين، ~~مشيرا للسبب في قوله تعالى: { والله خبير بما تعملون } أي ~~لو أخركم، لأن شيمتكم الكذب وخلف الوعد، وأن هذا دأب أمثالهم كما بينه ~~تعالى في قوله: # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ms3830 ~~ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم ~~من قبل ما لكم من زوال # [إبراهيم: 44]. # وقوله تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها # [المؤمنون: 99-100]. # فقوله تعالى عنهم: كلا إنها كلمة هو قائلها، تعادل في ما صدقها. # قوله تعالى: { والله خبير بما تعملون }. # أي لو أخرهم لن يصدقوا ولن يكونوا من الصالحين، والله تعالى محيط علمه ~~بما سيكون، كإحاطته بما قد كان. والله تعالى أعلم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1] # تقدم معنى التسبيح ومدلول ما في السماوات وما في الأرض في أول سورة ~~الحشر والحديد، وهذه السورة آخر السور المفتتحة بالتسبيح. والفعل هنا ~~بصيغة المضارع الدال على التجدد والحدوث. والتذييل هنا بصفات الكمال لله ~~تعالى بقوله: { له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير } للإشعار بأن الملك لله وحده لا شريك له: نافذ فيه أمره ~~ماض فيه حكمه بيده أزمة أمره، كما في قوله تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير # [الملك: 1]. # وكقوله في سورة يس: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ~~وإليه ترجعون # [يس: 82-83]. # ومن قدرته على كل شيء، وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء، أن جعل العالم كله ~~يسبح له بحمده تنفيذا لحكمة فيه، كما في قوله: # له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 70]، فجمع الحمد والحكم معا لجلالة قدرته وكمال صفاته. ### || [64.2-4] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في مذكرة الدراسة: المعنى أن ~~الله هو الذي خلقكم وقدر على قوم منكم الكفر، وعلى قوم منكم الإيمان، ~~ثم بعد ذلك يهدي كلا لما قدره عليه كما قال: # والذي قدر فهدى # [الأعلى: 3] فيسر الكافر إلى العمل بالكفر، ويسر المؤمن للعمل بالإيمان، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # اه. # ومن المعلوم أن هذا النص من مأزق القدرية والجبرية، وأن أهل ms3831 السنة ~~يؤمنون أن كلا بقدر الله ومشيئته. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ~~العقيدة الواسطية: وهم أهل السنة وسط بين قول: إن العبد مجبور على عمله ~~لا اختيار له كالورقة في مهب الريح. # وبين قول: إن العبد يخلق فعله بنفسه ويفعل ما يريده بمشيئته. # وأهل السنة يقولون بقوله تعالى: # لمن شآء منكم أن يستقيم وما تشآءون إلا أن ~~يشآء الله رب العالمين # [التكوير: 28-29]. # وقد ذكر القرطبي أقوال الطائفتين من أهل العلم، ولكل طائفة ما استدلت ~~به، الأولى عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه ~~مؤمنا ". # وبما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو ~~باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه ~~الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ". # وقال: قال علماؤنا: تعلق العلم الأزلي بكل معلوم. فيجري ما علم وأراد ~~وحكم. # الثانية ما جاء في قوله: وقال جماعة من أهل العلم: إن الله خلق الخلق ~~ثم كفروا وآمنوا. قالوا: وتمام الكلام: وهو الذي خلقكم، ثم وصفهم فقال: { ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن }. # وكقوله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه # [النور: 45]، قالوا فالله خلقهم والمشي فعلهم. # واختاره الحسين بن الفضل، قال: لأنه لو خلقهم كافرين ومؤمنين لما وصفهم ~~بفعلهم، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة " # الحديث اه. # وبالنظر في هاتين المقالتين نجد الآتي: # أولا: التشبيه في المقالة الثانية لا يسلم، لأن وصف الدواب في حالة ~~المشي ليس وصفا فعليا، وإنما هو من ضمن خلقه تعالى لها ولم يكن منها ~~فعل في ذلك. # ثانيا: ما استدلت به كل طائفة من الحديثين لا تعارض بينهما، لأن الحديث ~~الأول، # " إن أحدكم ليعمل " # لبيان ms3832 المصير والمنتهى، وفق العلم الأزلي والإرادة القدرية. # والحديث الثاني لبيان مبدأ وجود الإنسان في الدنيا وأنه يولد على الفطرة ~~حينما يولد. أما مصيره فبحسب ما قدر الله عليه. # وقد نقل القرطبي كلاما للزجاج وقال عنه: هو أحسن الأقوال ونصه: إن الله ~~خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر وخلق المؤمن. ~~وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان. والكافر يكفر ويختار ~~الكفر بعد أن خلق الله إياه، لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه، لأن ~~وجود خلاف المقدر عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل. # قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، وهو الذي عليه جمهور الأمة اه. # ولعل مما يشهد لقول الزجاج قوله تعالى: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96]. # هذا حاصل ما قاله علماء التفسير، وهذا الموقف كما قدمنا من مأزق القدر ~~والجبر، وقد زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وبتأمل النص وما يكتنفه من ~~نصوص في السياق مما قبله وبعده: نجد الجواب الصحيح والتوجيه السليم، وذلك ~~ابتداء من قوله تعالى: # له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # [التغابن: 1]. # فكون الملك له لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، وكونه على كل شيء قدير يفعل ~~في ملكه ما يريد. # ثم قال: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن والله بما تعملون بصير }. # ثم جاء بعدها قوله تعالى: { خلق السماوات والأرض بالحق ~~وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما ~~في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور }. # فخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان في أحسن صورة آيتان من آيات الدلالة ~~على البعث، كما قال تعالى في الأولى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # وقال في الثانية: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79]. # ولذا جاء عقبها قوله: { وإليه المصير }. # أي بعد الموت والبعث. فكأنه يقول لهم: هو الذي خلقكم وخلق لكم آيات ~~قدرته على بعثكم، من ذلك خلق السماوات والأرض، ومن ذلك خلقكم وتصويركم في ~~أحسن تقويم، ms3833 فكأن موجب ذلك الإيمان بقدرته تعالى على بعثكم بعد الموت، ~~وبالتالي إيمانكم بما بعد البعث، من حساب وجزاء وجنة ونار، ولكن فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن. # وقد جاء بعد ذكر الأمم قبلهم: وبيان أحوالهم جاء تفنيد زعم الكفار ~~بالبعث والإقسام على وقوعه في قوله تعالى: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير # [التغابن: 7]. لأن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس. ويشهد لهذا ~~التوجيه في قوله تعالى في سورة الإنسان: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 1-3]. # فقوله تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # [الإنسان: 2] كقوله تعالى: # هو الذي خلقكم # [التغابن: 2]. # ثم قال: # فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان: 2] وهما حاستا الإدراك والتأمل، فقال: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3] مع استعداده للقبول والرفض. # وقوله: # إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3] مثل قوله هنا: # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] أي بعد التأمل والنظر وهداية السبيل بالوحي، ولذا جاء في ~~هذا السياق في هذه السورة # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا # [التغابن: 8]. # وبكل ما تقدم في الجملة يظهر لنا أن الله خلق الإنسان من نطفة ثم جعل له ~~سمعا وبصرا ونصب الأدلة على وجوده وقدرته على بعث الموتى، ومن ثم ~~مجازاتهم على أعمالهم وأرسل إليه رسله وهداه النجدين، ثم هو بعد ذلك إما ~~شاكرا وإما كفورا ولو احتج إنسان في الدنيا بالقدر لقيل له: هل عندك ~~علم بما سبق في علم الله عليك، أم أن الله أمرك ونهاك وبين لك الطريق. # وعلى كل، فإن قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها، كما قال علي رضي الله ~~عنه: القدر سر الله في خلقه. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا ذكر القضاء فأمسكوا " # ، ولكن على المسلم النظر فيما أنزل الله من وحي وبعث من رسل. # وأهم ما في الأمر هو جري الأمور على مشيئة الله ms3834 وقد جاء موقف عملي في ~~قصة بدر، يوضح حقيقة القدر ويظهر غاية العبر في قوله تعالى: # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن ~~الله سلم إنه عليم بذات الصدور # [الأنفال: 43]. # فهو تعالى الذي سلم من موجبات التنازع والفشل بمقتضى علمه بذات الصدور. # ثم قال: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وإلى الله ترجع الأمور # [الأنفال: 44]، فقد أجرى الأسباب على مقتضى إرادته فقلل كلا من ~~الفريقين في أعين الآخر ليقضي الله أمرا كان في سابق علمه مفعولا، ثم ~~بين المنتهى، { وإلى الله ترجع الأمور } ، والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [64.6] # فيه استنكار الكفار أن يكون من يهديهم بشرا لا ملكا، كما قال تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]، وقوله تعالى: # أبشرا منا واحدا نتبعه # [القمر: 24]. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في مذكرة الدراسة: فشبهتهم هذه ~~الباطلة ردها الله في آيات كثيرة كقوله تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # [الأنعام: 9]، وقوله: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا # [يوسف: 109]. أي لا ملائكة وقوله # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20] الآية. # قوله تعالى: { فكفروا وتولوا واستغنى الله ~~والله غني حميد } تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ~~الكلام عليه عند قوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] إلى قوله # ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. ### || [64.7] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أي أن الكفار ادعوا أنهم لا ~~يبعثون قائلين: # إن العظام الرميم لا تحيي قل لهم، يا نبي الله: بلى وربي لتبعثن، وبلى ~~حرف يأتي لأحد معنيين الأول رد نفي، كما هنا. # الثاني: جواب استفهام مقترن بنفي نحو قوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، وقوله: { وربي } قسم بالرب على البعث الذي هو ~~الإحياء بعد الموت، وقد أقسم به عليه في القرآن ثلاث ms3835 مرات. الأول هذا. # والثاني قوله: # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق # [يونس: 53]. # الثالث قوله: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم # [سبأ: 3] اه. # وقوله: { ثم لتنبؤن بما عملتم } بينه تعالى بقوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]، وقوله: { وذلك على الله يسير } اسم ~~الإشارة راجع إلى البعث ويسره أمر مسلم، لأن الإعادة أهون من البدء. كما ~~قال تعالى عن الكفار: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79]، وقوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]، وقال # وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. ### || [64.8] # قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي ~~أنزلنا }. # النور هنا هو القرآن كما قال تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] وهو القرآن، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى عليه الكلام عليه ~~عند قوله تعالى: # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات # [الحديد: 9] من سورة الحديد، وفي المذكرة سماه نورا لأنه كاشف ظلمات ~~الجهل والشك والشرك والنفاق. ### || [64.9-10] # قوله تعالى: { يوم يجمعكم ليوم الجمع }. # يوم الجمع هو يوم القيامة، وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ظرف ~~منصوب بأذكر مقدرة أو بقوله # خبير # [التغابن: 8]. # فيكون المعنى: أنه يوم القيامة خبير بأعمالكم في الدنيا لم يخف عليه ~~منها شيء فيجازيكم عليها، سمي يوم الجمع لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون ~~في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49 - 50]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام عليه في عدة مواضع منها ~~في الجزء الثالث عند قوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس # [هود: 103]. # ومنها في الجزء السابع عند الآية ms3836 المتقدمة، # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]. # ومن أصرح الأدلة فيه: آية الشورى # وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه # [الشورى: 7]، ثم قال: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. # قوله تعالى: { ذلك يوم التغابن }. # الغبن: الشعور بالنقص ومثله الخبن لاشتراكهما في حرفين من ثلاثة، كما في ~~فقه اللغة، فبينهما تقارب في المعنى كتقاربهم في الحرف المختلف، وهو ~~الغين والخاء ولخفاء الغين في الحلق وظهور الخاء عنها كان الغبن لما خفي، ~~والخبن لما ظهر. # وقد بين تعالى موجب الغبن للغابن والمغبون فقال: { ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ~~ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم } ، وبين حال المغبون بقوله: ~~{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير } [التغابن: ~~10]. # وقد بين العلماء حقيقة الغبن في هذا المقام بأن كل إنسان له مكان في ~~الجنة ومكان في النار. فإذا دخل أهل النار النار بقيت أماكنهم في الجنة، ~~وإذا دخل أهل الجنة الجنة بقيت أماكنهم في النار. # وهناك تكون منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في ~~الجنة لأهل الجنة يتوارثونها عنهم، فيكون الغبن الأليم، وهو استبدال مكان ~~في النار بمكان في الجنة ورثوا أماكن الآخرين الذين ذهبوا إلى النار. ### || [64.11-12] # في هذه الآية الكريمة نص صريح بأن ما يصيب أحدا مصيبة إلا بإذن الله. # ومعلوم أنه كذلك ما يصيب أحدا خير إلا بإذن الله على حد قوله: # وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] أي والبرد. # ولكن التنصيص على المصيبة هنا ليدل أن كل شيء ينال العبد إنما هو بإذن ~~الله، لأن الجبلة تأبى المصائب وتتوقاها، ومع ذلك تصيبه، وليس في مقدوره ~~دفعها بخلاف الخير، قد يدعي أنه حصله باجتهاد منه كما قال قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. # وقوله: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قرئ يهدأ بالهمز من ~~الهدوء، وقلبه بالرفع، وهي بمعنى يهدي قلبه، لأنه يعلم أن ما أصابه لم ~~يكن ليخطئه، فيسترجع ms3837 فيطمئن قلبه بهذا ولا يجزع، وهذا من خصائص المؤمن. # كما قال صلى الله عليه وسلم # " عجبا لأمر المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء ~~صبر، فكان خيرا له حتى الشوكة يشاكها في قدمه " # ومثل هذا قوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ~~الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون # [البقرة: 155-157]. # أي إلى ما يلزمهم من امتثال وصبر ولذا جاء بعدها { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } [التغابن: 12]. # ومن ناحية أخرى يقال: إن قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة ~~إلا بإذن الله } والكفر أعظم المصائب، ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه. # والإيمان بالله أعظم النعم، فيقول قائل: إن كان كل ذلك بإذن الله، فما ~~ذنب الكافر وما فضل المؤمن، فجاء قوله تعالى: { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } [التغابن: 12] بيانا لما يلزم العبد، وهو طاعة ~~الرسل فيما جاءوا به، ولا يملك سوى ذلك. # وفي قوله تعالى: { يهد قلبه } من نسبة الهداية إلى القلب بيان ~~لقضية الهداية العامة والخاصة، كما قالوا في قوله تعالى عنه صلى الله ~~عليه وسلم: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] مع قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]. # فقالوا: الهداية الأولى دلالة إرشاد كقوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. # والثانية: هداية توفيق وإرشاد ويشهد لذلك شبه الهداية من الله لقلب من ~~يؤمن بالله، وقوله تعالى { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~} [التغابن: 12] بتكرار فعل الطاعة يدل على طاعة الرسول تلزم مستقلة. # وقد جاءت السنة بتشريعات مستقلة وبتخصيص القرآن ونحو ذلك، كما تقدم عند ~~قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7]. # ومما يشهد لهذا قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59]، فكرر الفعل بالنسبة لله وللرسول ولم يكرره بالنسبة ~~لأولي الأمر، لأن طاعتهم لا تكون استقلالا بل تبعا لطاعة الله وطاعة ~~رسوله، كما في الحديث: # " لا طاعة لمخلوق ms3838 في معصية الخالق ". ### || [64.14] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على ذلك عند قوله تعالى: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]. # ومما يعتبر توجيها قرآنيا لعلاج مشاكل الحياة الزوجية وقضية الأولاد ~~التعقيب على ذلك بقوله تعالى: { وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم } [التغابن: 14] أي إن ~~عداوة الزوجة والأولاد لا ينبغي أن تقابل إلا بالعفو والصفح والغفران، ~~وأن ذلك يخفف أو يذهب أو يجنب الزوج والوالد نتائج هذا العداء، وأنه خير ~~من المشاحة والخصام. # وفي موضع آخر قال: # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 28] أي قد تفتن عن ذكر الله، # لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله # [المنافقون: 9]. # وتقدم للشيخ هذا المبحث في سورة الكهف كما أشرنا. ### || [64.16] # قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }. # يفهم منه أن التكليف في حدود الاستطاعة، ويبينه قوله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. # وقوله تعالى: # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # [البقرة: 286]. # وفي الحديث: قال الله قد فعلت. وهذا في الأوامر دون النواهي، لأن ~~النواهي تروك. # كما جاء في السنة # " ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " # ، وهذا من خصائص هذه الأمة. # كما تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند أواخر سورة البقرة، ~~وتحقيق ذلك في رخص الصلاة والصيام ونحوهما. # قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون }. # قالوا: الشح، أخص من البخل، وقيل البخل: أن تضن بمالك، والشح أن تضن ~~بمال غيرك، والواقع أن الشح منتهى البخل. وإن ذكره هنا بعد قضايا الأزواج ~~والأولاد وفتنتهم وعداوتهم، ثم الأمر بالسمع والطاعة والإنفاق في قوله: { ~~واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم } يشعر ~~بأن أكثر قضايا الزوجية منشؤها من جانب المال حرصا عليه أو بخلا به، ~~حرصا عليه بالسعي إليه بسببهم، فقد يفتن في ذلك، وشحا به بعد تحصيله ~~فقد يعادونه فيه. # والعلاج الناجع في ذلك كله الإنفاق وتوقي الشح، والشح من ms3839 جبلة النفس # وأحضرت الأنفس الشح # [النساء: 128] وفي إضافة الشح إلى النفس مع إضافة الهداية فيما تقدم إلى ~~القلب سر لطيف، وهو أن الشح جبلة البشرية. والهداية منحة إلهية، والأولى ~~قوة حيوانية، والثانية قوة روحية. # فعلى المسلم أن يغالب بالقوة الروحية ما جبل عليه من قوة بشرية لينال ~~الفلاح والفوز، كما أشار تعالى بقوله: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]. # ثم قال: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا # [الكهف: 46]. # قوله تعالى: { واسمعوا وأطيعوا }. # أي لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وعصينا، ولا كقوم نوح الذين قال عنهم: # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # [نوح: 7]. # وقد ندد بقول الكفار: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26]. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: اسمعوا ما يقال لكم وأطيعوا ~~فيما سمعتم، لا كمن قبلكم المشار إليهم بالآيات المتقدمة. ### || [64.17] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، قد بين تعالى أنه يضاعف الإنفاق ~~سبعمائة إلى أكثر بقوله: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل # [البقرة: 261] إلى قوله: # والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261]. # وأصل القرض في اللغة: القطع وفي الشرع قطع جزء من المال يعطيه لمن ينتفع ~~به ثم يرده، أي أن الله تعالى يرد أضعافا، وقد سمى معاملته مع عبيده ~~قرضا وبيعا وشراء وتجارة. # ومعنى ذلك كله أن العبد يعمل لوجه الله والله جل وعلا يعطيه ثواب ذلك ~~العمل، كما في قوله تعالى: { إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعفه لكم } الآية. # وقوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. # وقوله: # فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به # [التوبة: 111]. # وقوله: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم # [الصف: 10 - 11] الآية، مع قوله تعالى: # تجارة لن تبور # [فاطر: 29]. # والقرض الحسن هو ما يكون من الكسب الطيب خالصا لوجه الله اه. # ومما يشهد لقوله رحمه الله في معنى القرض الحسن قوله تعالى: ms3840 # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس # [البقرة: 264]. لأن ذلك لم ينفق بإخلاص لوجه الله، ومجيء الحس على القرض ~~الحسن هنا بعد قضية الزوجية والأولاد وتوقي الشح يشعر بأن الإنفاق على ~~الأولاد والزوجة إنما هو من باب القرض الحسن مع الله، كما في قوله تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين # [البقرة: 215] الآية. # وأقرب الأقربين بعد الوالدين هم الأولاد والزوجة. # وفي الحديث في الحث على الإنفاق # " حتى اللقمة يضعها الرجل في في امرأته " # وقوله: { والله شكور حليم }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه شكر الله لعبده هو مجازاته له ~~بالأجر الجزيل على العمل القليل. # وقوله: { حليم } أي لا يعجل بالعقوبة بل يستر ويتجاوز عن ذنوب. ومجيء ~~هذا التذييل هنا يشعر بالتوجيه في بعض نواحي إصلاح الأسرة، وهو أن يقبل ~~كل من الزوجين عمل الآخر بشكر، ويقابل كل إساءة بحلم ليتم معنى حسن ~~العشرة، ولأن الإنفاق يستحق المقابلة بالشكر والعداوة تقابل بالحلم. ### || [64.18] # قوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة }. # مجيء الآية بالجملة الاسمية يشعر بالحصر، وقد صرح به في قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59]، ومجيؤه هنا أيضا يشعر بأن الرقابة على الأسرة بين ~~الطرفين إنما هي لله تعالى، لأنهما يكونان في عزلة عن الناس ولا يطلع على ~~ما بينهما إلا الله، عالم الغيب والشهادة، أي فليراقب كل منهما ربه عالم ~~الغيب والشهادة، ومجازيا كلا منهما على فعله. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # قوله تعالى: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا ~~الله ربكم } الآية. # قيل في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله ~~عنها فنزلت، وقيل غير ذلك، وعلى كل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ~~كما هو معلوم. # ومما يشهد لهذه القاعدة ما لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين ~~السورتين، حيث كان آخر ما قبلها موضوع الأولاد والزوجات من فتنة وعداء. # والإشارة إلى علاج ما بين الزوجين ms3841 من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه ~~سابقا هناك، فإن صلح ما بينهم بذاك فبها ونعمت، وإن تعذر ما بينهما ~~وكانت الفرقة متحتمة فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقة الفرقة ~~السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه من عدد وإنفاق ونحو ذلك. # وقوله تعالى: { يأيها النبي } بالنداء للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقوله، { إذا طلقتم } بخطاب لعموم الأمة. قالوا: كان النداء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للأمة تكريما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتكليفا للأمة. وقيل: خوطبت الأمة في شخصية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كخطاب الجماعة في شخصية رئيسها. # وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ولهذه الآية استدل من يقول: إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يكون داخلا في عموم خطاب الأمة اه. # والواقع أن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث أقسام: # الأول: قد يتوجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم ولا يكون داخلا فيه ~~قطعا، وإنما يراد به الأمة بلا خلاف من ذلك قوله تعالى في بر الوالدين: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 23-24]. # فكل صيغ الخطاب هنا موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قطعا ليس مراد ~~بذلك لعدم وجود والدين، ولا أحدهما عند نزولها كما هو معلوم. # الثاني: أن يكون خاصا به لا يدخل معه غيره قطعا، نحو قوله تعالى: # وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون ~~المؤمنين # [الأحزاب: 50]. # والثالث: هو الشامل له صلى الله عليه وسلم ولغيره بدليل هذه الآية، وأول ~~السورة التي بعدها في قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك # [التحريم: 1]، فهذا كله خطاب موجه له صلى الله عليه وسلم. # وجاء بعدها مباشرة # قد فرض الله لكم # [التحريم: 2] - بخطاب الجميع - # تحلة أيمانكم # [التحريم: 2] فدل أن الآية داخلة في ms3842 قوله تعالى: { يأيها ~~النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } ، وهذا باتفاق. # وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، هذه المسألة بأقوى دليل ~~فيها عند قوله تعالى: # فأقم وجهك للدين حنيفا # [الروم: 30] إلى قوله: # منيبين إليه # [الروم: 31]. # وقوله تعالى: { إذا طلقتم النسآء } الآية. يشعر بأن كل ~~المطلقات من النساء يطلقن لعدتهن وتحصى عدتهن. # والإحصاء العدد مأخوذ من الحصا، وهو الحصا الصغير كانت العرب تستعمله في ~~العدد لأميتهم، ثم ذكر بعض عدد لبعض المطلقات ولم يذكر جميعهن مع أنه من ~~المطلقات من لا عدة لهن وهن غير المدخول بهن. ومن المطلقات من لم يذكر ~~عدتهن هنا. # قال الزمخشري: إنه لا عموم ولا تخصيص، لأن لفظ النساء اسم جنس يطلق على ~~الكل وعلى البعض، وقد أطلق هنا على البعض وهو المبين حكمهن بذكر عدتهن، ~~وهنا اللاتي يئسن والصغيرات وذوات الحمل، وحاصل عدد النساء تتلخص في ~~الآتي، وهي أن الفرقة إما بحياة أو بموت، والمفارقة إما حامل أو غير ~~حامل، فالحامل عدتها بوضع حملها اتفاقا، ولا عبرة بالخلاف في ذلك لصحة ~~النصوص، وغير الحامل بأربعة أشهر وعشر مدخول بها وغير مدخول. والمفارقة ~~بالحياة إما مدخول بها أو غير مدخول بها، فغير المدخول بها لا عدة عليها ~~إجماعا، والمدخول بها إما من ذوات الإقراء فعدتها ثلاثة قروء على خلاف ~~في المراد بالقرء. # وأما من ليست من ذوات الإقراء. كاليائسة والصغيرة، فعدتها بالأشهر ثلاثة ~~أشهر. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في الجزء الأول عند قوله ~~تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228]، وفصل أنواع المطلقات المدخول بهن وغير المدخول بهن ~~وأنواع العدد بالإقراء أو الأشهر أو الحمل وبين الجمع بين العمومات ~~الواردة في ذلك كله مما يغني عن الإعادة هنا. # تنبيه # كل ما تقدم في شأن العدة، إنما هو في خصوص الحرائر، وبقي مبحث الإماء. # أما الإماء: فالحوامل منهن كالحرائر سواء بسواء، وغير الحوامل فالجمهور ~~على أنها على النصف من الحرة إلا أن الحيضة لما لم تكن تتجزأ فجعلت عدتها ~~فيها ms3843 حيضتين. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. # أما ذات الأشهر، فالجمهور على أنها تعتد شهرا ونصفا، وخالف مالك فجعل ~~لها ثلاثة أشهر، فيكون مالك رحمة الله وافق الجمهور في ذوات الحيض، وخالف ~~الجمهور في ذوات الأشهر، وقد أخطأ ابن رشد مع مالك في نقاشه معه هذه ~~المسألة، فقال في بداية المجتهد: # وقد اضطرب قول مالك في هذه المسألة، فلا بالنص أخذ ولا بالقياس عمل، ~~يعني أنه لم يأخذ بالنص في ذوات الحيض فيجعل لهن ثلاثة قروء، كما أخذ به ~~في ذوات الأشهر، حيث جعل لهن ثلاثة أشهر بالنص ولا بالقياس عمل، أي فلم ~~ينصف الأشهر قياسا على الحيض، فكان مذهبه ملفقا بين القياس في ذوات ~~الحيض، والنص في ذوات الأشهر، فخالف في ذلك الأئمة الثلاثة. # واضطرب قوله في نظر ابن رشد، لأنه لم يطرد القياس فيهما، ولا أعمل النص ~~فيهما، ولكن الحق في المسائل الخلافية لا يمكن أن يعرف إلا بعد معرفة ~~وجهة النظر عن المخالف، فقد يكون محقا، وقد يكون فعلا الحق مع غيره. # وفي هذه المسألة بالذات أشار العدوي في حاشيته: بأن وجهة نظر مالك هي ~~الرجوع إلى أصل الغرض من العدة وهو براءة الرحم. والشهر والنصف لا يكفي ~~للمرأة نفسها أن تخبر عن نفسها عما إذا كانت حاملا أم لا، فأكمل لها ~~المدة المنصوص عليها. # أما الحيضتان: ففيهما بيان لبراءة الرحم اه. ملخصا. # وهذا الذي قاله العدوي له أصل من الشرع، لأن ذات الإقراء وجدناها في بعض ~~الصور تعتد بحيضة، كما جاء النص في عدة المختلعة، وإن كان فيها خلاف. ~~ووجدنا الأمة تثبت براءة رحمها في غير هذا بحيضتين قطعا، وهي فيما إذا ~~كانت سرية لمالكها فأراد بيعها فإنه يستبرئها بحيضة، والذي يشتريها ~~يستبرئها بحيضة قبل أن يمسها. ثم هو يفترشها ويأمن من أن يسقي ماءه زرع ~~غيره، فعلمنا أن في الحيضتين براءة للرحمن، فاكتفى بهما مالك ووافق ~~الجمهور # وأما الشهر والنصف فإنهما لا يمكن أن تتبين المرأة فيهما حملا، لأنها ~~مدة الأربعين الأولى وهي مرحلة النطفة. فظهر بهذا ms3844 أن الحق مع مالك، وان ~~ابن رشد هو الذي اضطربت مقالته على مالك، وقد سقنا هذا التنبيه لبيان ~~واجب طالب العلم أمام المسائل الخلافية من ضرورة البحث عن السبب ووجهة ~~نظر المخالف وعدم المبادرة للإنكار، لأن يكون هو أحق بأن ينكر عليه ولا ~~يسارع لرد قول قد يكون قوله هو أولى بأن يرد عليه. وبالله التوفيق. # وقوله تعالى: { فطلقوهن لعدتهن } ، اتفق المفسرون أن ~~المراد لاستقبال عدتهن وفيه مبحث الطلاق السني والبدعي. واعلم أن الحامل ~~وغير المدخول بها لا بدعة في طلاقهما عند الجمهور، وألحقت بهما الصغير ~~والطلاق البدعي هو جمع الثلاث في مرة أو الطلاق في الحيضة أو في طهر مسها ~~فيه. وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله: يفرق الطلقات على الصغير كل طلقة ~~في شهر ولا يجمعها، وقد طال البحث في حكم الطلاق البدعي، هل يقع ويحتسب ~~على المطلق أم لا. # والأصل فيه حديث # " عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فبلغ ذلك عمر فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم " مره فليراجعها " ~~". # والذي عليه الجمهور أنه يعتد بتلك الطلقة، وإن خالف فيها السنة، وعليه ~~أن يراجعها وليعمل كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فليمسكها حتى ~~تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها في طهر لم يمسها فيه. أي لتستقبل ~~عدتها ما لم تكن الطلقة الثالثة أو بالثلاث على ما عليه الجمهور. # وقد سئل أحمد رحمه الله عن الاعتداد بهذه الطلقة في الحيضة فقال: إن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: فليراجعها. يدل على الاعتداد بها لأنه لا رجعة ~~إلا من طلاق. # وقد أطال ابن دقيق العيد الكلام عليها في أحكام الإحكام وغيره مما لا ~~داعي إلى سرده، وحاصله ما قدمنا، ولم يقل بعدم الاعتداد بها إلا سعيد بن ~~المسيب وجماعة من التابعين. # وقال أبو حيان إن قوله تعالى: { فطلقوهن لعدتهن } على ~~إطلاقه يشعر بالاعتداد بالطلاق سنيا كان أو بدعيا. ### || [65.2] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو ms3845 فارقوهن بمعروف }. # ظاهره أن الإمساك بمعروف إذا بلغن أجلهن، مع أنهن إذا بلغن إلى ذلك ~~الحد خرجن من العدة وانتهى وجه المراجعة. ولكن المراد هنا إذا قاربن ~~أجلهن ولم يتجاوزنه أو يصلن إليه بالفعل، والقاعدة أن ما قارب الشيء يعطي ~~حكمه كما في قوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # [النحل: 98]. # ومثل الآية الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " # مع أنه عند الإتيان أو أثناءه لا يحق له أن يقول ذلك، وإنما يقوله ~~إذاقارب دخوله، فكذلك هنا. # أما المطلقة ثلاثا فقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثا ~~وافيا عند قوله تعالى: # الطلاق مرتان # [البقرة: 229] مما لا مزيد عليه. ### || [65.3] # قوله تعالى: { قد جعل الله لكل شيء قدرا }. # بعد الأمر بإحصاء العدة، وكون العدد مختلفة الأنواع من إقراء إلى أشهر ~~إلى وضع الحمل، والمعتدات متفاوتات الإقراء وأمد الحمل، فقد تكون في أوله ~~أو وسطه أو آخره، وكل ذلك لا بد من إحصائه لما يترتب عليه من حرمة وحيلة، ~~فتخرج من عدة هذا وتحل لذاك. # كما قال تعالى: # ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله # [البقرة: 235] وهذا كله لا يتأتى إلا بالإحصاء. # والإحصاء لا يكون إلا لمقدر معلوم، وعليه فقوله تعالى: { قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا } مؤكد لهذا كله، وكذلك فيه نص صريح أنه ~~تعالى قد جعل لكل شيء من الأشياء أيا كان هو قدرا لا يتعداه لا بزيادة ~~ولا بنقص، ولفظ شيء أعم العمومات. # وقد جاءت آيات كثيرة دالة على هذا العموم عامة وخاصة، فمن الآيات العامة ~~قوله تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49]. # وقوله: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]. # وقوله: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8]. # وقد جمع العام والخاص قوله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. # ومن التقدير الخاص في مخصوص قوله: # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز ~~العليم والقمر قدرناه ms3846 منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون # [يس: 38-40]. # إنها قدرة باهرة وحكمة بالغة، وإرادة قاهرة، وسلطة غالبة، قدرة من أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # وقد قال العلماء الهيئة: أن حساب مسير هذه الأفلاك في منازلها أدق ما ~~يكون من مآت أجزاء الثانية، ولو اختلف جزء من الثانية لاختل نظام العالم ~~ولما صلحت على وجه الأرض حياة، ونحن نشاهد حركة الليل والنهار ونقصانهما ~~وزيادتهما وفصول السنة كما قال تعالى: # والله يقدر الليل والنهار علم ألن تحصوه # [المزمل: 20]. # وهو سبحانه وتعالى يحصيه، وكذلك التقدير لوجود الإنسان قبل وبعد وجوده، ~~قال تعالى: # من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره # [عبس: 18-19] أي قدر خلقه وصورته ونوعه كما بين ذلك بقوله: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا # [الشورى: 49-50] الآية. إلى قوله: # إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. # وهذا أيضا من آيات قدرته يرد بها سبحانه على من جحد وجود الله وكفر ~~بالبعث كما في مستهلها قوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره من أي شيء خلقه # [عبس: 17-18]. # ثم بين تعالى أنه خلقه من نطفة ماء مهين، ولكن قدر الله تعالى قدرتها ~~وصورتها حتى صارت خلقا سويا، وجعل له وهو في بطن أمه عينين ولسانا ~~وشفتين أي وأنفا وأذنين ويدين ورجلين وكل جهاز فيه حير الحكماء في صنعه ~~ونظامه. # ثم قدر تعالى أرزاقه على الأرض قبل وجوده يوم خلق الأرض، وجعله آية على ~~قدرته وعاتب الإنسان على كفره: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. # وبعد وجود الكون وخلق الإنسان في الإيجاد بإنزال المطر، # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا # [عبس: 24-28]. # ثم إن صب هذا ms3847 الماء كان بقدر، كما في قوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر # [المؤمنون: 18]. # وقوله: # ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير ~~بصير # [الشورى: 27] أي بقدر ما يصلحهم ولو زاده لفسد حالهم، كما في قوله قبلها # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء # [الشورى: 27] وبقدر مصلحتهم ينزل لهم أرزاقهم. # كما نبه على ذلك بقوله: # إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. # هذه لمحة عن حكمة تقدير العزيز الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي قدر ~~الأشياء قبل وجودها كما في قوله: # والذي قدر فهدى # [الأعلى: 3]. # وكما في حديث القلم وكتابة كل شيء قبل وجوده بزمانه ومكانه ومقداره ~~وبيان عجز قدرة الخالق وعجز المخلوق كما في قوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [النحل: 61]. # وكقوله: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11] أي لا يتعداه ولا يتخطاه، وقد تحداهم الله في ذلك بقوله: # فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ~~فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونهآ إن كنتم ~~صادقين # [الواقعة: 83-87] كلا إنهم مدينون ولن يستطيعوا إرجاعها. # وهنا يقال للدهريين والشيوعيين الذين لا يعترفون بوجود فاعل مختار وعزيز ~~قهار، إن هذا الكون بتقديراته ونظمه لآية شاهدة وبينة عادلة على وجود ~~الله سبحانه وتعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]. # كما يقال للمؤمنين أيضا إن ما قدره الله نافذ، وما قدر للعبد آتيه، وما ~~لم يقدر له لن يصل إليه، طويت الصحف وجفت الأقلام # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم # [الحديد: 23]. # ويقال مرة أخرى: اعملوا كل ميسر لما خلق له، وبالله تعالى التوفيق. ### || [65.4] # قوله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن }. # فيه إطلاق لوضع الحمل على اي صفة كان هو، وأجمع العلماء على أن يصدق ~~بوضعه حيا أو ميتا، ولكن اشترط فيه أن يكون قد ظهرت فيه خلقة الإنسان ~~لا مضغة ولا علقة، ms3848 كما أن فيه إطلاق الأجل سواء للمطلقة أو المتوفى عنها ~~من أنه ينقضي أجل الحوامل بوضع الحمل، وتقدم بيان ذلك مفصلا للشيخ رحمة ~~الله تعالى علينا وعليه، وهنا مبحث أقل الحمل وأكثره، وتقدم تفصيله للشيخ ~~أيضا عند قوله تعالى: # الله يعلم ما تحمل كل أنثى # [الرعد: 8]. الآية. ### || [65.6] # قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف }. # بين تعالى مدة الرضاع في قوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]. # وجعل أبو حنيفة رحمه الله ثلاثة أشهر زيادة على الحولين لتمرين الطفل ~~على الفطام، وذلك كما قال تعالى: # لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]. # فإذا أمكن فطام الطفل قبلها بدون مضرة عليه فلا مانع، وعلى الوالد إيتاء ~~الأجرة على مدة الرضاع إلى الفطام سواء كانت المدة الشرعية كما هنا أو ~~الفعلية قبلها. وليس ملزما بما زاد على الحولين في نص الآية. # والائتمار بمعروف يشعر بأن للعرف دخلا في ذلك كما هو تنبيه صريح أن لا ~~يضار أحد الوالدين بولده وأن تكون المفاهمة بين الزوجين بعد الفرقة في ~~جميع الأمور سواء في خصوص الرضاع أو غيره مبناها على المعروف والتسامح ~~والإحسان وفاء لحق العشرة السابقة، ولا تنسوا الفضل بينكم. ### || [65.8] # قوله تعالى: { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها } ~~الآية. # ذكر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء أن كأين بمعنى ~~كم فهي إخبار بعدد كثير، وذك إعرابها، والمعنى كثير من قرية عتت عن أمر ~~ربها أي تكبرت وطغت وتقدم تفصيله للمعنى بالأمثلة والشواهد عند قوله ~~تعالى: # فكأين من قرية أهلكناها # [الحج: 45] في سورة الحج. # ومما قدمه رحمة الله تعالى علينا وعليه، ومن قوله تعالى: # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا # [الكهف: 59] بيان لأصحاب الرئاسة ورجال السياسة أن هلاك الدنيا بفساد ~~الدين، وأن أمن القرى وطمأنينة العالم بالحفاظ على الدين. # ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عامة الناس للحفاظ على ~~دينهم وسلامة دنياهم، فحمل الشارع مهمته للأمة كلها كل بحسبه باليد ms3849 أو ~~باللسان أو القلب، وهذا الأخير أضعف الإيمان، ومع ضعفه ففيه الإبقاء على ~~دوام الإحساس بوجود المنكر إلى أن يقدر هو أو غيره على تغييره. # قد بين الله تعالىهذا المفهوم ببيان حال الذين مكنهم في الأرض بنصره في ~~قوله تعالى: # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور # [الحج: 41]. # ثم ذكر تعالى الأمم التي كذبت وعتت من قوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب ~~مدين. # ثم قال: # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]. ### || [65.12] # قوله تعالى: { الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن }. # جاء في بيان السماوات أنها سبع طباق، كما في قوله تعالى: # الذي خلق سبع سماوات طباقا # [الملك: 3]. # وبين الحديث في الإسراء أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ~~وجاء لفظ السماء مفردا وجمعا، فالمفرد كما في قوله # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]. # وقوله: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء # [البقرة: 22]. # أما الأرض فلم يأت لفظها إلا مفردا، ولم يأت تفصيلها كتفصيل السماء ~~سبعا طباقا، فاختلف في المثلية فجاء عن ابن عباس أنها مثلية تامة عددا ~~وطباقا وخلقا. وقيل: عددا وأقاليم يفصلها البحار، وقيل عددا طباقا ~~متراكمة كطبقات البصلة مثلا، ولقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه في المقدمة أن من أوجه البيان إذا لم يوجد في الكتاب ووجد في السنة ~~فإنه يبين بها لأنها وحي، وقد جاء في السنة أن الأرض سبع أرضين كما في ~~حديث: # " من اغتصب أرضا أو من أخذ شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين " # متفق عليه. # وفي حديث موسى لما قال " يا رب علمني شيئا أدعوك به فقال: قل لا إله ~~إلا الله. فقال: يا رب كل الناس يقولون ذلك. قال: يا موسى، لو أن ~~السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في ~~كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ". رواه النسائي. # فهذه أحاديث صحيحة أثبتت ms3850 أن الأرضين سبع، ولم يأت تفصيل للكيفية ولا ~~للهيئة فثبت عندنا العدد ولم يثبت غيره، فنثبته ونكل غيره لعلم الله ~~تعالى. # ومما يؤيد ثبوت العدد على سبيل الإجمال أن مثلية الأرض للسماء لم تذكر ~~إلا عند ذكر السماء مجملة مع ذكر العدد ولم يذكر عند تفصيلها بطباق مما ~~يشعر أن المراد من المثلية العدد، وقيل إن هذا لا يتنافى مع أفراد اللفظ ~~لأن جمعه شاذ. # كما قال ابن مالك: # وأرضون شذو السنون # وقد أشار تعالى إلى أن هناك من حالات الأرض والسماء ما لم يعلمه الخلق ~~في قوله تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51]، وهم لا يزالون عاجزين عن كيفية خلق أنفسهم إلا تفصيلات ~~جزئية، والمهم من السياق والغرض الأساسي، تنبيه الخلق على عظم قدرة الله ~~تعالى في قوله تعالى: # لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12]. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1] # قول تعالى: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك }. الآية. # تقدم في أول السورة قبلها بيان علاقة الامة بالخطاب الخاص به صلى الله ~~عليه وسلم، وقد اختلف في تحريم ما أحل الله له بين كونه العسل أو هو ~~مارية جاريته صلى الله عليه وسلم، وسيأتي زيادة إيضاحه عند الكلام وعلى ~~حكمه. # وقوله تعالى: { لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي ~~مرضاة أزواجك } ظاهر فيه معنى العتاب، كما في قوله تعالى: # عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك لعله ~~يزكى # [عبس: 1-3]. # وكلاهما له علاقة بالجانب الشخصي سواء ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء ~~صناديد قريش، وهذا مما يدل على أن التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض ~~الشخصية فيه. # وبهذا نأخذ بقياس العكس دليلا واضحا على بطلان قول القائلين: إن ~~إعماره صلى الله عليه وسلم لعائشة من التنعيم كان تطييبا لخاطرها، ولا ~~يصح لأحد غيرها. # ومحل الاستدلال هو أن من ليس له حق في تحريم ما أحل الله له ابتغاء ~~مرضاة أزواجه لا يحل له إحلال، وتجويز ما لا ms3851 يجوز ابتغاء مرضاتهن، وهذا ~~ظاهر بين ولله والحمد. # أما تحلة اليمين وكفارة الحنث وغير ذلك، فقد تقدم بيانه للشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم # [البقرة: 225]. # أما حقيقة التحريم هنا، ونوع الكفارة، وهل كفر صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك ام أن الله غفر له فلم يحتج لتكفير، فقد أوضحه الشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه في مذكرة الإملاء عند هذه الآية. # وفي الأضواء عند قوله تعالى في أول سورة الأحزاب # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم # [الأحزاب: 4]، وذلك أن للعلماء نحو عشرين قولا، ورجح القول بأن التحريم ~~ظهار لما يدل عليه ظاهر القرآن، وأن القول الذي يليه أنه يمين وناقش ~~المسألة بأدلتها هناك. ### || [66.4] # قوله تعالى: { إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما ~~}. # أطلقت التوبة هنا وقيدت في الأية بعدها بأنها توبة نصوح، في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا # [التحريم: 8]. # وحقيقة التوبة النصوح وشروطها وآثارها تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه، عند قوله تعالى: # وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون # [النور: 31]. # وقوله تعالى: { فقد صغت قلوبكما }. # قال الشيخ في إملائه: صغت: بمعنى مالت ورضيت وأحبت ما كره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اه. # وقال: وقلوبكما جمع مع أنه لاثنتين هما حفصة وعائشة، فقيل لأن المعنى ~~معلوم والجمع أخف من المثنى إذا أضيف. وقيل هو مما استدل به على أن أقل ~~الجمع اثنين كما في الميراث في قوله # فإن كان له إخوة # [النساء: 11]. # وجواب الشرط في قوله تعالى: { إن تتوبآ } محذوف تقديره، فقال واجب ~~عليكما، لأن قلوبكما مالت إلى ما لا يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اه. # وقدره القرطبي بذلك خير لكم ومعناهما متقارب. # قوله تعالى: { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير }. # قال أبو حيان: الوقف على مولاه، وتكون الولاية خاصة بالله، ويكون جبريل ~~مبتدأ وما بعده عطف عليه، وظهير خبر، وعليه يكون جبريل ms3852 ذكر مرتين بالخصوص ~~أولا وبالعموم ثانيا. # وقيل: الوقف على وجبريل معطوفا على لفظ الجلالة في الولاية، ثم ابتدئ ~~بصالح المؤمنين وعطف عليهم الملائكة، ويدخل فيهم جبريل ضمنا اه. # فعلى الوقف الأول يكون درج صالح المؤمنين بين جبريل وبين الملائكة ~~تنبيها على علو منزلة صالح المؤمنين، وبيان منزلتهم من عموم الملائكة ~~بعد جبريل، وعلى الوقف الثاني فيه عطف جبريل على لفظ الجلالة في الولاية ~~بالواو، وليس فيه ما يوهم التعارض مع الحديث في ثم إذ محل العطف هو ~~الولاية، وهي قدر ممكن من الخلق ومن الله تعالى كما في قوله تعالى: # هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين # [الأنفال: 62] لأن النصر يكون من الله ويكون من العباد، من باب الأخذ ~~بالأسباب # إلا تنصروه فقد نصره الله # [التوبة: 40]. # وكما في قوله تعالى: # وينصرون الله ورسوله # [الحشر: 8]. # وقوله: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران: 52] بخلاف سياق الحديث، فقد كان في موضوع المشيئة حينما قال ~~الأعرابي: ما شاء الله وشئت. فقال له صلى الله عيله وسلم: # " أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده " # لأن حقيقة المشيئة لله تعالى وحده كما في قوله: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [التكوير: 29]. # وكقوله: # بل لله الأمر جميعا # [الرعد: 31]. # وكقوله: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4]. # ومن اللطائف في قوله تعالى: { وإن تظاهرا عليه } إلى آخر ما ~~سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنه قال: إن المتظاهرتين ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان فقط تآمرتا عليه فيما بينهما، ~~فجاء بيان الموالين له ضدهما كل من ذكر في الآية. فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة، ما يدل على عظم كيدهن وضعف الرجال ~~أمامهن، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]، بينما قال في كيد الشيطان: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76]. # وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله: # ما استعظم الإله كيدهنه # إلا لأنهن هن هنه ### || [66.5] # فيه بيان أن الخيرية التي يختارها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في ~~النساء ms3853 هي تلك الصفات من الإيمان والصلاح. # وجاء الحديث # " فعليك بذات الدين تربت يمينك ". # وقوله تعالى: # ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم # [البقرة: 221]. # وفي تقديم الثيبات على الأبكار هنا في معرض التخيير ما يشعر بأولويتهن. ~~مع أن الحديث # " هلا بكرا تداعبك وتداعبها " # ، ونساء الجنة لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، ففيه أولوية الأبكار. وقد ~~أجاب المفسرون بأن هذا للتنويع فقط، وأن الثيبات في الدنيا والأبكار في ~~الجنة كمريم ابنة عمران، والذي يظهر والله تعالى أعلم: أنه لما كان في ~~مقام الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنبيههن لما يليق بمقامه ~~عندهن ذكر من الصفات العالية دينا وخلقا، وقدم الثيبات ليبين أن ~~الخيرية فيهن بحسب العشرة ومحاسن الأخلاق. # وقوله تعالى: { عسى ربه إن طلقكن } لم يبين هل طلقهن أم ~~لا؟ مع أن عسى من الله للتحقيق، ولكنه لم يقع طلاقهن كما بينه تعالى في ~~سورة الأحزاب، بأنه تعالى خيرهن بين الله ورسوله، وبين الحياة الدنيا ~~وزينتها، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فلم يطلقهن، ولم يبدله ~~أزواجا خيرا منهن. # وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة وإخلال الزواج ~~إليه وتحريم النساء بعدهن عليه عند قوله تعالى: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك # [الأحزاب: 50]. # وقوله: # ترجي من تشآء منهن # [الأحزاب: 51]. # وقوله: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن # [الأحزاب: 52] الآية. # وبين الناسخ من المنسوخ في ذلك في دفع إياهم الاضطراب عن آيات الكتاب. ### || [66.7] # قوله تعالى: { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم }. # لم يبين هنا نوع الاعتذار الذي نهوا عنه ولا سبب النهي عنه لماذا؟ ولا ~~زمنة، وقد بين تعالى نوع اعتذارهم في مثل قوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار # [الأعراف: 38]. # وكقوله تعالى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم # [الأنعام: 23-24]. # وكقوله بعدها: # ولو ترى إذ وقفوا على ms3854 النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27] فهذا غاية في الاعتذار، ولكنهم نهوا عنه وذلك يوم ~~القيامة، كما في قوله: # إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد # [الأنعام: 27] أي إلى الدنيا. # وقد نهوا عن هذا الاعتذار لأنه لا ينفعهم كما في قوله تعالى: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا ~~هم يستعتبون # [الروم: 57]. # وقوله: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار # [غافر: 52]. ### || [66.8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا }. # تقدمت الإحالة على كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في بيان ~~أنواع التوبة وشروط كونها نصوحا على قوله تعالى: # وتوبوا إلى الله جميعا # [النور: 31]. # قوله تعالى: { نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ~~}. # إلى آخر الآية، تقدم بيان هذا النور وحالتهم تلك للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه في سورة الحديد عند قوله تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]. ### || [66.9] # قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم }. # فيه الأمر بقتال الكفار، والمنافقين والغلظة عليهم، ومعلوم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار، ولم يعلم أنه قاتل المنافقين قتاله ~~للكفار، فما نوع قتاله صلى الله عليه وسلم للمنافقين وبينه؟ والله تعالى ~~أعلم. # قوله تعالى: # وجاهدهم به جهادا كبيرا # [الفرقان: 52] أي بالقرآن لقوله قبله # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا # [الفرقان: 50-52]. # ومعلوم أن المنافقين كافرون، فكان جهاده صلى الله عليه وسلم للكفار ~~بالسيف ومع المنافقين بالقرآن. # كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في عدم قتلهم، لئلا يتحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه، ولكن كان جهادهم بالقرآن لا يقل شدة عليهم من السيف، ~~لأنهم أصبحوا في خوف وذعر يحسبون كل صيحة عليهم، وأصبحت قلوبهم خاوية ~~كأنهم خشب مسندة، وهذا أشد عليهم من الملاقاة بالسيف. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [66.10] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا ms3855 امرأة ~~نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنينا عنهما من الله ~~شيئا }. الآية. # أجمع المفسرون هنا على ان الخيانة ليست زوجية. # وقال ابن عباس: نساء الانبياء معصومات، ولكنها خيانة دينية بعدم إسلامهن ~~وإخبار أقوامهن بمن يؤمن مع أزواجهن اه. # وقد يستأنس لقول ابن عباس هذا بتحريم التزوج من نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعده، والتعليل له بأن ذلك يؤذيه، كما في قوله تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما # [الأحزاب: 53]. # فإذا كان تساؤلهن بدون حجاب يؤذيه، والزواج بهن من بعده عند الله ~~عظيم، فكيف إذا كان غير التساؤل وبغير الزواج؟ إن مكانه الأنبياء عند ~~الله أعظم من ذلك. # وقوله تعالى: { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } فيه ~~بيان أن العلاقة الزوجية لا تنفع شيئا من الكفر، وقد بين تعالى ما هو ~~أهم من ذلك في عموم القرابات كقوله تعالى: # يوم لا ينفع مال ولا بنون # [الشعراء: 88]. # قوله: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] الآية. # وجعل الله هاتين المرأتين مثلا للذين كفروا، وهو شامل لجميع الأقارب ~~كما قدمنا. # وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في معرض محاضرة له ~~الاستطراد في ذلك، وذكر قصة هاتين المرأتين، وقصة إبراهيم مع أبيه ونوح ~~مع ولده، فاستكمل جهات القرابات زوجة مع زوجها، وولد مع والده، ووالد مع ~~ولده. وذكر حديث # " يا فاطمة إعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا ". # ثم قال: ليعلم المسلم أن أحدا لا يملك نفع أحد يوم القيامة، ولو كان ~~أقرب قريب إلا بواسطة الإيمان بالله وبما يكرم الله به من شاء بالشفاعة، ~~كما في قوله تعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] الآية. ### || [66.11] # جاء في هذا المثل بيان مقابل للبيان المتقدم والمفهوم المخالف له، وهو ~~أن المؤمن لا تضره معاشرة الكافر كما أن الكافر لا تنفعه معاشرة المؤمن، ~~وفي هذا ms3856 المثل قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء: # لقد اختارت امرأة فرعون في طلبها حسن الجوار قبل الدار اه. # أي في قولها: { ابن لي عندك بيتا في الجنة } الآية. ### || [66.12] # قوله تعالى: { ومريم ابنة عمران التي أحصنت ~~فرجها فنفخنا فيه من روحنا }. # بين تعالى المراد بالروح بأنه جبريل عليه السلام في قوله: # فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17] وهو جبريل. # كما في قوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] أي نزل جبريل بالقرآن، وفي هذه الآية رد على النصارى ~~استدلالهم بها على أن عيسى عليه السلام ابن الله ومن روحه تعالى، سبحانه ~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وبيان هذا الرد أن قوله تعالى: # فأرسلنآ إليهآ روحنا # [مريم: 17] تعدية أرسل بنفسه، يدل على أن الذي أرسل يمكن إرساله بنفسه، ~~وهو فرق عند أهل اللغة، بينما يرسل نفسه وما يرسل مع غيره كالرسالة، ~~والهدية، فيقال فيه: أرسلت إليه بكذا، كما في قوله: # وإني مرسلة إليهم بهدية # [النمل: 35] الآية. # فالهدية لا ترسل بنفسها، ومثله بعثت، تقول: بعثت البعير من مكانه، وبعثت ~~مبعوثا، وبعثت برسالة، ثانيا قوله: # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم 17] لفظ الروح مؤنث، كما في قوله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 83-84] أنت الفعل في بلغت، وهنا الضمير مذكر عائد لجبريل. # وقوله: # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17]، ولو أنه من روح الله على ما ذهب إليه النصارى، لما كان في ~~حاجة إلى هذا التمثيل. # ثالثا قوله لها: # إنمآ أنا رسول ربك # [مريم: 19] ورسوله ربها هو جبريل عليه السلام، وليس روحه تعالى. # رابعا: قوله: # لأهب لك غلاما زكيا # [مريم: 19]، ولم يقل لأهب لك روحا من الله. # ومن هذا أيضا قوله تعالى للملائكة # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71] يعني آدم عليه السلام # فإذا سويته ونفخت فيه من روحى # [ص: 72] أي نفخت فيه الروح التي بها الحياة، # فقعوا له ساجدين # [ص: 72]. فلو أن الروح من الله لكان آدم أولى من عيسى، لأنه لم يذكر ~~إرسال رسول ms3857 له، وقد قال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، فكذلك عيسى عليه السلام لما بشرتها به الملائكة، # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ~~قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون # [آل عمران: 47]، فكل من آدم وعيسى، قال له تعالى { كن فكان } والله ~~تعالى أعلم. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى تبارك، وذكر أقوال ~~المفسرين واختلافهم في معناها. ورجح أنه بحسب اللغة والاشتقاق أنه تفاعل ~~من البركة، والمعنى: تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وهذا يستلزم عظمته ~~وتقديسه.. إلخ. # ثم ذكر تنبيها في عدم تصريفها واختصاصها بالله تعالى. وإطلاق العرب ~~إياها على الله تعالى. # وقال في إملائه: الذي بيده الملك. أي نفوذ المقدور في كل شيء يتصرف في ~~كل شيء بما يشاء لا معقب لحكمه اه. # والتقديم للموصول وصلته هنا بالصفة الخاصة به تعالى، وهي قوله تعالى: { ~~تبارك } يدل على عظمة الموصول. # ويدل له قوله تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]، لأن التقديم بالتسبيح وهو التنزيه يساوي التقديم بقوله تعالى: ~~{ تبارك } ، والموصول بعد التسبيح بصلته كالموصول بعد تبارك وصلته ~~سواء بسواء، وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في ~~إملائه. والله أعلم. # وقد تقدمت الإشارة إلى الفرق بين الملك والمالك عند قوله تعالى: # الملك القدوس السلام المؤمن # [الحشر: 23]، وهنا تجتمع الصفتان، فالذي بيده الملك وملكوت كل شيء هو ~~المالك له الملك عليه، وهو رب العالمين سبحانه. ### || [67.2] # قوله تعالى: { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى هذه الآية الكريمة بما ~~يوضحها من الآيات عند الكلام على قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وقبلها في سورة هود على قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7]. # وقال رحمه الله في إملائه: جعل للعالم موتتين وإحياءتين، وبينه بقوله ms3858 ~~تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28] الآية. # والآية تدل عن أن الموت أمر وجودي لا عدمي كما زعم الفلاسفة، لأنه لو ~~كان عدميا، لما تعلق به الخلق. ### || [67.3] # قوله تعالى: { الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى ~~في خلق الرحمن من تفاوت } الآية. # ذكر خلق السماوات السبع الطباق على هذا النحو دون تفاوت أو فطور بعد ذكر ~~أول السورة، يدل على أن خلق هذه السبع من كمال قدرته. # وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الحكمة في خلق السماوات ~~والأرض ضمن تنبيه عقده في أواخر سورة الذاريات. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الآية الكريمة، ~~والآيات الموضحة لها عند الكلام على أول سورة ق عند قوله تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6] قال في إملائه: إن قوله تعالى في خلق الرحمن عام في جميع ~~مخلوقاته، من معنى الاستواء والحكمة والدقة في الصنع، وتدخل السماوات في ~~ذلك بدليل قوله تعالى: # صنع الله الذي أتقن كل شيء # [النمل: 88] وإتقان كل شيء بحسبه، كما في قوله: # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. # وقوله: # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7]. # وبدأ خلق الإنسان من طين، وهذا الحال للسماء في الدنيا فقط، وستنفطر يوم ~~القيامة، كما في قوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25] ونحو ذلك من الآيات. # قوله تعالى: { فارجع البصر هل ترى من فطور }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] في سورة الأنبياء. # وعند قوله: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم # [ق: 6] في سورة ق. # ولعل مجيء هذه الآية بعد # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [الملك: 2] توجيه إلى حسن صنع الله وإبداعه في خلقه { ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت } [الملك: 3]. ### || [67.4] # المنصوص هنا إرجاع البصر كرتين، ولكن حقيقة النظر أربع مرات. # الأولى ms3859 في قوله: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3]. # والثانية في قوله: # فارجع البصر هل ترى من فطور # [الملك: 3]. # والثالث والرابعة في قوله: { ثم ارجع البصر كرتين } ~~[الملك: 4]. # وليس بعد معاودة النظر أربع مرات من تأكيد، والحسير: العي الكليل العاجز ~~المتقطع دون غاية، كما في قول الشاعر: # من مد طرفا إلى ما فوق غايته # ارتد خسآن من الطرف قد حسرا # وقال القرطبي: يقال قد حسر بصره يحسر حسورا، أي كل وانقطع نظره من طول ~~مدى، وما أشبه ذلك فهو حسير ومحسور أيضا. # قال: # نظرت إليها بالمحصب من منى # فعاد إلي الطرف وهو حسير ### || [67.5] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان زينة السماء بالمصابيح، ~~وجعلها رجوما للشياطين بيانا كاملا عند قوله تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من ~~استرق السمع فأتبعه شهاب مبين # [الحجر: 16-18]. # وقد ذكر طرفا من هذا البحث في سورة الفرقان لا بد من ضمه إلى هذا ~~المبحث هناك لارتباط بعضها ببعض. # تنبيه # فقد ظهرت تلك المخترعات الحديثة ونادى أصحاب النظريات الجديدة والناس ~~ينقسمون إلى قسمين: قسم يبادر بالإنكار وآخر يسارع للتصديق، وقد يستدل كل ~~من الفريقين بنصوص من القرآن أو السنة، ولعل من الأولى أن يقال: إن ~~النظريات الحديثة قسمان: نظرية تتعارض مع صريح القرآن، فهذه مردودة بلا ~~نزاع كنظريه ثبوت الشمس مع قوله تعالى: # والشمس تجري لمستقر لها # [يس: 38]. # ونظرية لا تتعارض مع نص القرآن ولم ينص عليها، وليس عندنا من وسائل ~~العلم ما يؤيدها ولا يرفضها. # فالأولى أن يكون موقفنا موقف التثبت ولا نبادر بحكم قاطع إيجابا أو ~~نفيا، وذلك أخذا من قضية الهدهد وسبأ مع نبي الله سليمان لما جاء ~~يخبرهم. وكان عليه السلام لم يعلم عنهم شيئا فلم يكذب الخبر بكونه من ~~الهدهد ولم يصدقه لأنه لم يعلم عنهم سابقا، مع أنه وصف حالهم وصفا ~~دقيقا. # وكان موقفه عليه السلام موقف التثبت مع ما لديه من إمكانيات الكشف ~~والتحقيق من الريح والطير ms3860 والجن، فقال للمخبر وهو الهدهد: سننظر، أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين. # ونحن في هذه الآونة لسنا أشد إمكانيات من نبي الله سليمان آنذاك، وليس ~~المخبرون عن مثل هذه النظريات أقل من الهدهد. فليكن موقفنا على الأقل ~~موقف من سينظرأيصدق الخبر أم يظهر كذبه؟ # والغرض من هذا التنبيه هو ألا نحمل لفظ القرآن فيما هو ليس صريحا فيه ~~ما لا يحتمله، ثم يظهر كذب النظرية أو صدقها، فنجعل القرآن في معرض ~~المقارنة مع النظريات الحديثة، والقرآن فوق ذلك كله # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42]. # قوله تعالى: { ولقد زينا السمآء الدنيا }. # فالدنيا تأنيث الأدنى أي السماء الموالية للأرض، ومفهومه أن بقية ~~السماوات ليست فيها مصابيح التي هي النجوم والكواكب كما قال: # بزينة الكواكب # [الصافات: 6] ويدل لهذا المفهوم ما جاء به عن قتادة: أن الله جعل النجوم ~~لثلاثة أمور. أمران هنا، وهما زينة السماء الدنيا ورجوما للشياطين. ~~والثالثة علامات واهتداء في البر والبحر، وهذه الأمور الثلاثة تتعلق ~~بالسماء الدنيا. لأن الشياطين لا تنفذ إلى السماوات الأخرى لأنها أجرام ~~محفوظة، كما في حديث الإسراء # " لها أبواب وتطرق ولا يدخل منها إلا بإذن " # وكقوله: # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا ~~تفتح لهم أبواب السمآء # [الأعراف: 40]. # وكذلك ليس هناك من يحتاج إلى اهتداء بها في سيره لأن الملائكة كل في ~~وضعه الذي أوجده الله عليه لأن الزينة لن ترى لوجود جرم السماء الدنيا، ~~فثبت أن النجوم خاصة بالسماء الدنيا. # وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا من كل شيطان مارد # [الصافات: 6-7]. # ومفهونم الدنيا عدم وجودها فيما بعدها، ولا وجود للشيطان في غير السماء ~~الدنيا. # وقوله تعالى: { وجعلناها رجوما للشياطين } ، وهي الشهب ~~من النار، والشهب النار، كما في قوله: # أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون # [النمل: 7]، والرجوم والشهب هي التي ترمي بها الشياطين عند استراق ~~السمع، كما في قوله تعالى: # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: ms3861 9]. # وقوله: # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات:10]. # وهنا سؤال، وهو إذا كان الجن من نار، كما في قوله: # وخلق الجآن من مارج من نار # [الرحمن: 15]، فكيف تحرقه النار؟ # فأجاب عنه الفخر الرازي بقوله: إن النار يكون بعضها أقوى من بعض، ~~فالأقوى يؤثر على الأضعف، ومما يشهد لما ذهب إليه قوله تعالى بعده { ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير } والسعير: أشد النار. # ومعلوم أن النار طبقات بعضها أشد من بعض، وهذا أمر ملموس، فقد تكون ~~الآلة مصنوعة من حديد وتسلط عليها آلة من حديد أيضا، أقوى منها فتكسرها. # كما قيل: لا يغل الحديد إلا الحديد، فلا يمنع كون أصله من نار ألا يتعذب ~~بالنار، كما أن أصل الإنسان من طين من حمإ مسنون، ومن صلصال كالفخار، ~~وبعد خلقه فإنه لا يحتمل التعذيب بالصلصال ولا بالفخار، فقد يقضي عليه ~~بضربة من قطعة من فخار، والعلم عند الله تعالى. ### || [67.7-8] # قوله تعالى: { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي ~~تفور تكاد تميز من الغيظ }. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه في هذه الآية: إثبات ~~أن للنار حسا وإدراكا وإرادة، والقرآن أثبت للنار أنها تغتاظ وتبصر ~~وتتكلم وتطلب المزيد، كما قال هنا: { تكاد تميز من الغيظ }. # وقال: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12]. # وقال: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] قوله تعالى: { كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتهآ }. # بين تعالى أن للنار خزنة، وقد بين تعالى ان هؤلاء الخزنة هم الملائكة ~~الموكلون بالنار، كما في قوله تعالى: # عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # كما بين عدتهم في قوله تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30]. # وقال: # وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # [المدثر: 31]. # وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: دلت هذه الآية على ~~أن أهل النار يدخلونها جماعة بعد جماعة، كما في قوله تعالى: # كلما دخلت أمة لعنت ms3862 أختها # [الأعراف: 38]. # قوله تعالى: { ألم يأتكم نذير }. # قال رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: هذا سؤال الملائكة لأهل ~~النار، والنذير بمعنى المنذر، فهو فعيل بمعنى مفعل، وإن ذكر عن الأصمعي ~~إنكاره ونظيره من القرآن: بديع السماوات: بمعنى مبدع، وأليم: بمعنى مؤلم. # ومن كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب: # أمن ريحانه الداعي السميع # يؤرقني وأصحابي هجوع # فالسميع بمعنى المسمع. # وقول غيلان: # ويرفع من صدور شمردلات # يصد وجوهها وهج أليم # أي مؤلم، والإنذار إعلام مقترن بتخويف. # وقال: وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يعذب بالنار أحدا إلا بعد أن ~~ينذره في الدنيا، وقد بين هذا المعنى بأدلته بتوسع عند قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، وساق هذه الآية هناك. ### || [67.9] # قوله تعالى: { قالوا بلى قد جآءنا نذير }. # قد اعترفوا بمجيء النذير إليهم. # وقد بين تعالى ذلك في قوله # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. ### || [67.10] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: أي قال أهل النار: لو ~~كنا نسمع من يعقل عن الله حججه أو نعقل حجج الله ما كنا في أصحاب السعير، ~~أي النار، فهم يسمعون، ولكن لا يسمعون ما ينفعهم في الآخرة، ويعقلون ولكن ~~لا يعقلون ما ينفعهم في الآخرة، لأن الله قال: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم # [البقرة: 7]. # وقال: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا # [الكهف: 57]. # وقد بين هذا الذي ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه عدة نصوص صريحة في ~~ذلك، منها أصل خلقتهم الكاملة في قوله تعالى # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان: 2]. # وفي آخر سورة الملك هذه قوله # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # [الملك: 23]. # ولكنهم سمعوا وعصوا، كما في قوله: # سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل ~~بكفرهم # [البقرة: 93]. # وهذا، وإن كان في بني إسرائيل، إلا أنه قال لهذه الأمة: # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون # [الأنفال: 21]. # وقال تعالى ms3863 عنهم: # قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا # [الأنفال: 31]. # وقوله عنهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26] وقد بين تعالى سبب عدم استفادتهم بما يسمعون في قوله تعالى: # ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا # [الجاثية: 7-9]. # وقوله: # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها # [لقمان: 7]. # فقولهم هنا: { لو كنا نسمع أو نعقل } أي سماع تعقل ~~وتفهم. ### || [67.11] # قال رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: الاعتراف الإقرار، أي أقروا ~~بذنبهم يوم القيامة حيث لا ينفع الإقرار والندم، وتقدم له رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه، بيان انتفاع الكفار بإقرارهم هذا بتوسع عند قوله ~~تعالى: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل # [الأعراف: 53]. # واستدل بهذه الآية، آية الملك هناك. # والظاهر أن الأصل في ذلك كله أن اعترافهم وإيمانهم بعد فوات الأوان ~~بالمعاينة، كما جاء في حق فرعون في قوله تعالى: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين # [يونس: 90]، فقيل له: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. # وجاء أصرح ما يكون في قوله: # يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا # [الأنعام: 158]. # فلما جاء بعض آيات الله وظهر الحق، لم يكن للإيمان محل بعد المعاينة { ~~لا ينفع نفسا إيمانها } أي من قبل المعاينة كحالة فرعون ~~المذكورة، لأن حقيقة الإيمان التصديق بالمغيبات، فإذا عاينها لم تكن ~~حينذاك غيبا، فيفوت وقت الإيمان والعلم عند الله، وعليه حديث التوبة: ما ~~لم يغرغر. ### || [67.12] # الخشية: شدة الخوف، كما قال تعالى: # الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة ~~مشفقون # [الأنبياء: 49]. # وبين تعالى محل تلك الخشية في قوله: # إنما يخشى ms3864 الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] لأنهم يعرفون حق الله تعالى ويراقبونه. # وقد بين تعالى حقيقة خشية الله: # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]. # وقوله: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21]. # فالذين يخشون ربهم بالغيب هم الذين يعرفون حق الله عليهم ومراقبته إياهم ~~في السر والعلن، ويعلمون أنه مطلع عليهم مهما تخسفوا وتستروا وهم دائما ~~منيبون إلى الله، كما في قوله: # هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي ~~الرحمن بالغيب وجآء بقلب منيب # [ق: 32-33]، وهذه أعلى درجات السلوك مع الله تعالى، كما بين أنها منزلة ~~العلماء. # وقد عاب تعالى أولئك الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، ~~ويخشون الناس ولا يخشون الله، فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. # وإفراد الله بالخشية منزلة الأنبياء، كما في قوله: # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا # [الأحزاب: 39]. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: والعرب تمدح من يكون في خلوته ~~كمشهده مع الناس. # ومنه قول مسلم بن الوليد: # يتجنب الهفوات في خلواته # عف السريرة غيبه كالمشهد # والواقع أن هذه الصفة، وهي خشية الله بالغيب والإيمان بالغيب أساس عمل ~~المسلم كله، ومعاملاته، لأنه بإيمانه بالغيب سيعمل كل خير طمعا في ثواب ~~الله، كما في مستهل المصحف # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ~~الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 1-3] الآية. # وبمخافة الله بالغيب سيتجنب كل سوء، فيسلم ويتحصل له ما قال الله تعالى ~~عنهم: { مغفرة وأجر كبير } ، مغفرة من ذنوب { وأجر ~~كبير } على أعماله، رزقنا الله خشيته في السر والعلن. # وليعلم أن المراد بالغيب مما هو من جانب العبد لا سيده، كما في الحديث ~~في الإحسان # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وهذا الإحساس هو أقوى عامل على اكتساب خشية الله سبحانه. ### || [67.13-14] # فيه دلالة على أن ms3865 السر والجهر عند الله وفي علم الله على حد سواء، لأنه ~~عليم بذات الصدور يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # وقوله تعالى: # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به # [الرعد: 10]. # وقوله: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. # وتقدم للشيخ عند كل من الآيتين بيان هذه الآية. # وقد تقدم قوله تعالى: # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله # [المجالة: 1] الآية. # وقوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه # [ق: 16] الآية. # وتقدم في سورة التحريم قبل هذه السورة مباشرة قوله تعالى: # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما ~~نبأت به وأظهره الله عليه # [التحريم: 3] الآية، ففيه بيان عملي مشاهد بأنه تعالى يعلم السر وأخفى، ~~ولذا قال تعالى هنا { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير } [الملك: 14]. # كما قال في سورة التحريم: # قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير # [التحريم: 3]. # وقال القرطبي نقلا عن أبي إسحاق الإسفرائيني: من أسماء صفات الذات ما ~~هو للعلم منها العليم، ومعناه تفهيم جميع المعلومات، ومنها الخبير، ويختص ~~بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون، ومنها الحكيم ويختص بأنه يعلم دقائق ~~الأوصاف، ومنها الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه ألا يغيب ~~عنه شيء. ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى، ومنها المحصي ويختص بأنه لا ~~تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النهار واشتداد الريح وتساقط الأرواق، ~~فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد ~~قال: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ~~[الملك: 14]، ومن في قوله تعالى: { ألا يعلم من خلق } أجازوا ~~فيها أن تكون فاعل يعلم، وهو الله تعالى، أي إن الذي خلق يعلم ما خلق ~~ومنه ما في الصدور. # وأجازوا أن تكون مفعولا والفاعل ضمير مستتر في الفعل يعلم، ذكرهما ~~القرطبي وأبو حيان، وهو واضح ومحتمل. # ولكن الذي تشهد له النصوص أنها مفعول كما في قوله: # إنه بكل شيء عليم # [الشورى: 12]، # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: ms3866 19]. # وقوله: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96]، ومن أعمالهم ما يسرون، وما يجهرون. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [67.15] # الذلول فعول بمعنى مفعول، وهو مبالغة في الذل. # تقول: دابة ذلول بينة الذل، وقيل في معنى تذليل الأرض عدة أقوال لا ~~تنافي بينها، ومجموعها دائر على تمكين الانتفاع منها عن تسهيل الاستقرار ~~عليها وتثبيتها بالجبال، كقوله تعالى: # والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 32-33]. # ومن إمكان الزرع فيها كقوله: # فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا ~~وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ~~ولأنعامكم # [عبس: 27-32]، وقد جمع أكثرها في قوله: تعالى: # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا وجعلنا ~~فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتا # [المرسلات: 25-27]. # وكنت أسمع الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية: إنها ~~من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتا للإنسان في حياته بتسهيل ~~معيشته منها وحياته على ظهرها، فإذا مات كانت له أيضا كفاتا بدفنه ~~فيها. # ويقول: لو شاء الله لجعلها حديدا ونحاسا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث ~~فيها ولا يحفر ولا يبني، وإذا مات لا يجد مدفنا فيها. # ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: { فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه } لترتبه على ما قبله بالفاء، أي ~~بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها، وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب ~~فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ. # والأمر في قوله تعالى: { فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه } للإباحة. ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى: { هو ~~الذي جعل لكم الأرض ذلولا } فيه امتنان من الله تعالى على ~~خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيها وحثا للأمة على السعي ~~والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها، مما ~~يجعل الأمة أحق بها من غيرها. # كما قال تعالى: # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك ~~تجري في البحر بأمره # [الحج: 65]. # وفي قوله: # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] وغير ذلك من الآيات. # ومن رأى هذا ms3867 التسخير اعترف لله بالفضل والقيام لله بالحمد، وتقديم الشكر ~~كما قال تعالى: # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها ~~خير فاذكروا اسم الله عليها صوآف فإذا وجبت ~~جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ~~كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون # [الحج: 36]. # وقوله: # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 12-14]. # أي مع شكر النعمة الاتعاظ والعبرة والاستدلال على كمال القدرة. # ومنها المعاد والمنقلب إلى الله تعالى، فقوله: { وإليه النشور ~~} بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق وما يتضمن من النظر والتأمل في ~~مسببات الأسباب وتسخير الله لها، كقوله تعالى: # وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 14] بعد ذكر # خلق الأزواج كلها # [الزخرف: 12] أي الأصناف وتسخير الفلك والأنعام والبحر والبر فيه ضمنا ~~إثبات القدرة على البعث، فيكون المشي في مناكب الأرض واستخدام مناكبها ~~واستغلال ثرواتها والانتفاع من خيراتها لا لطلب الرزق وحده، وإلا لكان ~~يمكن سوقه إليهم، ولكن للأخذ بالأسباب أولا، وللنظر في المسببات والعبرة ~~بالمخلوقات والتزود لما بعد الممات، كما في آية الجمعة: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 10]. # أي عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه. # وعليه، فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى، والاستغناء ~~والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي ~~في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود. # وقد قال النووي في مقدمة المجموع: إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على ~~استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة لتستغني عن غيرها، وإلا احتاجت ~~إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج، وهذا هو واقع العالم اليوم، إذ ~~القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية. # وقد أعطى الله العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله، فعليهم أن يحتلوا ~~مكانهم ويحافظوا على مكانتهم ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا. وبالله ~~التوفيق. ms3868 ### || [67.16] # ذكر أبو حيان قراءة { ءأمنتم } عدة قراءات من تحقيق الهمزتين، ومن ~~تسهيل الثانية ومن إدخال ألف بينهما وغير ذلك، والخسف ذهابها سفلا، كما ~~خسف بقارون، والمور الحركة المضطربة أو الحركة بسرعة، وقد ثبتها تعالى ~~بالجبال أوتادا كما قال: # والجبال أرساها متاعا لكم # [النازعات: 32 - 33]، ومن السماء. قال ابن جرير: هو الله تعالى اه. # وعزاه القرطبي لابن عباس، ويشهد لما قاله: ما جاء بعده من خسف الأرض ~~وإرسال الحاصب، فإنه لا يقدر عليه إلا الله، كما أنه ظاهر النص، وبهذا ~~يرد على الكسائي فيما ذهب إليه ومن تبعه عليه كأبي حيان، إذا قالوا: إنه ~~على تقدير محذوف من قبيل المجاز، ومجازه عندهم أن ملكوته في السماء أي ~~على حذف مضاف وملكوته في كل شيء، ولكن خص السماء بالذكر، لأنها مسكن ~~ملائكته، وثم عزته وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تتنزل قضاياه وكتبه ~~وأوامره ونهيه. إلخ. # وقيل: هو جبريل لأنه الموكل بالخسف، وقيل: إنه مجاراة لهم في معتقدهم ~~بأن الله في السماء، وهذه الأقوال مبناها على نفي صفة العلو لله تعالى، ~~وفرارا من التشبيه في نظرهم، ولكن ما عليه السلف خلاف ما ذهبوا إليه، ~~ومعتقد السلف هو طبق ما قاله ابن جرير لحديث الجارية: # " أين الله؟ قالت في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة " # ولعدة آيات في هذا المعنى. # وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذا المبحث بأوسع وأوضح ما ~~يمكن مما لم يدع لبسا ولا يترك شبهة، ولا يستغني عنه مسلم عالما كان أو ~~متعلما، فالعالم يأخذ منه منهج التعليم السليم وأسلوب البيان الحكيم، ~~والمتعلم يأخذ منه ما يجب عليه من معتقد قويم واضح جلي سليم. # وقد يقال: إن معنى في هو الظرفية، فنجعل السماء ظرفا لله تعالى، وهذا ~~يقتضي التشبيه بالمتحيز. # فيقال: إنه سبحانه منزه عن الظرفية بالمعنى المعروف والمنصوص في حق ~~المخلوق. # وقد دلت النصوص من السنة على نفي ذلك عنه تعالى واستحالته عقلا عليه ~~سبحانه في حديث: # " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة أو دراهم في ترس، ms3869 وما الكرسي ~~في العرش إلا كحلقة في فلاة، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف ~~أحدكم " # فانتفت ظرفية السماء له سبحانه على المعروف لنا، ولأنه سبحانه مستو على ~~عرشه. # وفيما قدمه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في هذا المبحث شفاء ~~وغناء، ولله الحمد والمنة. قال القرطبي: إن في السماء بمعنى فوق السماء ~~كقوله: # فسيحوا في الأرض # [التوبة: 2] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز # وقيل: في بمعنى على كقوله: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] أي عليها إلى أن قال: والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة ~~منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند، والمراد ~~بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلو اه. # وهذا الذي ذكره هو عين مذهب السلف، وقد ذكر كلاما آخره فيه التأويل ~~وفيه التنزيه. ### || [67.19] # الطير صافات، أي مادات أجنحتها. ويقبضن: أي يضمنها إلى أجسامها. # قال أبو حيان: عطف بالفعل ويقبضن على الاسم، صافات، ولم يعطف باسم ~~قابضات، لأن الأصل في الطيران هو بسط الجناح، والقبض طارئ، وهذا الذي ~~قاله أبو حيان: جار على القاعدة عندهم من أن الاسم للدوام والثبوت، ~~والفعل للتجدد والحدوث، فالحركة الدائمة في الطيران هي صف الجناح، ~~والجديد عليه هو القبض. # وقوله تعالى: { ما يمسكهن إلا الرحمن } دليل على ~~قدرته تعالى وآية لخلقه، كما في قوله تعالى: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون # [النحل: 79]. # فهي آية على القدرة، وقد جاء في آيات أخرى أنه تعالى هو الذي يمسك ~~السماوات والأرض بقدرته جل وعلا، كما في قوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. # فهو سبحانه ممسكهما بقدرته تعالى عن أن تزولا، ولو قدر فرضا زوالهما لا ~~يقدر على إمساكهما إلا هو وكما في قوله: # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك ~~تجري في البحر بأمره ويمسك السمآء ms3870 أن تقع ~~على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. # تنبيه # ولعل مما يستدعي الانتباه توجيه النظر إلى الطير في الهواء صافات. ~~ويقبضن: ما يمسكهن إلا الرحمن، بعد التخويف بخسف الأرض بأن معلقة في ~~الهواء كتعلق الطير المشاهد إليكم ما يمسكها إلا الله، وإيقاع الخسف بها، ~~كإسقاط الطير من الهواء، لأن الجميع ما يمسكه إلا الله تعالى، وهو القادر ~~على الخسف بها، وعلى إسقاط الطير. ### || [67.21] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك ~~رزقه }. # يقول تعالى للمشركين: من هذا الذي غيره سبحانه يرزقكم، إن أمسك الله ~~عنكم رزقه. # والجواب. لا أحد يقدر على ذلك ولا يملكه إلا الله. # وقد صرح تعالى بهذا السؤال وجوابه في قوله تعالى: # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله # [سبأ: 2]. # أي لا أحد سواه سبحانه لا إله إلا هو، قال تعالى: # هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض لآ إله إلا هو فأنى تؤفكون # [فاطر: 3]. # وذلك لأن الذي يقدر على الخلق هو الذي يملك القدرة على الرزق، كما قال ~~تعالى: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون # [يونس: 31]. # وكقوله: # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [الروم: 40]. # وهذا من كمال القدرة على الإحياء والإماتة والرزق، وقد بين تعالى أن ذلك ~~لمن بيده مقاليد الأمور سبحانه، وتدبير شؤون الخلق كما في قوله تعالى: # له مقاليد السماوات والأرض # [الزمر: 63] ثم قال: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء ~~عليم # [الشورى: 12]، أي يبسط ويقدر، يعلم لا عن نقص ولا حاجة، ولكن يعلم ~~بمصالح عباده، # الله لطيف بعباده يرزق من يشآء وهو القوي ~~العزيز # [الشورى: 19] أي يعاملهم بلطفه وهو قوي على أن يرزق الجميع رزقا ~~واسعا، وهو العزيز في ملكه، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، كما قال ~~تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26] أي بمقتضى اللطف والعلم # وما من دآبة في الأرض ms3871 إلا على الله رزقها # [هود: 6]. # ومن هذا كله يرد على أولئك الذين يطلبون عند غيره الرزق، كما في قوله: # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون # [النحل: 73]. # وقد جمع الأمرين توبيخهم وتوجيههم في قوله تعالى: # إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون ~~إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له إليه ترجعون # [العنكبوت: 17]. # وقد بين تعالى قضية الخلق والرزق والعبادة كلها في قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 57-58]. # وقد بين تعالى في الآيات المتقدمة أنه يرزق العباد من السماوات والارض ~~جملة. # وبين في آيات أخرى كيفية هذا الرزق تفصيلا مام يعجز الخلق عن فعله، ~~وذلك في قوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا ~~وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس: 24-32]. # فجميع أنواع الرزق في ذلك ابتداء من إنزال الماء من السماء، ثم ينشأ عنه ~~إشقاق الأرض عن النبات بأنواعه حبا وعنبا وزيتونا ونخلا وحدائق ~~وفاكهة، وكلها للإنسان، وقضبا وأبا للأنعام، والأنعام أرزاق أيضا لحما ~~ولبنا، وجميع ذلك قوامه إنزال الماء من السماء، ولا يقدر على شيء من ذلك ~~كله إلا الله. # فإذا أمسكه الله عن الخلق لا يقوى مخلوق على إنزاله، فإذا علم المسلم أن ~~الأرزاق بيد الخلاق، ومن بيده مقاليد السماوات والأرض لن يتجه برغبة ولا ~~يتوجه بسؤال إلا إلى الله تعالى، موقنا حق اليقين أنه هو سبحانه هو ~~الرزاق ذو القوة المتين. # وكما قال تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون فورب السمآء ~~والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات: 22-23]. # وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قولها: " والله لا يكمل إيمان العبد حتى ~~يكون يقينه بما عند الله أعظم مما بيده ". ### || [67.30] ms3872 # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن ~~يأتيكم بمآء معين }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه عند قوله تعالى: # وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه في ~~الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون # [المؤمنون: 18] في سورة المؤمنون. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1] # قوله تعالى: { ن }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على الحروف المقطعة في ~~أوائل السور عند الكلام على أول سورة هود: وذكر الأقوال كلها، وهي خمسة ~~أقوال. # فقيل: إنها مما استأثر الله بعلمه أو أنها من أسماء الله، أو مركبة من ~~عدة حروف كل حرف من اسم، أو أسماء للسور، أو أنها للأعجاز، وبين رحمه ~~الله وجه كل قول منها، ورجح الأخير، وأنها للإعجاز بدليل أنه يأتي بعدها ~~دائما الانتصار للقرآن، وقد بسط البحث بما يكفي ويشفي. # وقال ابن كثير بأقوال أخرى، منها أن { ن } [القلم: 1] بمعنى الدواة أي ~~بمناسبة ذكر القلم، وعزاه إلى الحسن وقتادة، وقال إن فيه حديثا مرفوعا، ~~ولكن غريب جدا، وهو عن ابن عباس: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق ~~القلم، فقال: أكتب الحديث. # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " خلق الله النون وهي الدواة " # وذكر ابن جرير كل هذه الأوجه وزاد أوجها أخرى: منها انها افتتاحيات ~~لأوائل السور تسترعي انتباه المستمعين، ثم يتلى عيهم ما بعدها. وقيل: هي ~~من حساب الجمل وغير ذلك. # وقد ذكر ابن جرير عند أول سورة الشورى: # حم * عسق # [الشورى: 1-2] أثرا نقله عنه ابن كثير واستغربه واستنكره، ولكن وقع ما ~~يقرب من مصداقه ومطابقته مطابقة تامة. # ونصه من ابن جرير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له وعنده حذيفة بن ~~اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله: { حم * عسق } ، قال فأطرق ثم ~~أعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض فلم يجبه بشيء، وكره مقالته، ثم كررها ~~الثالثة فلم يجبه شيئا. # فقال له حذيفة: أنا أنبئك بها، وقد عرفت بم كرهها، نزلت في رجل من أهل ~~بيته يقال له: ms3873 عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تنبني ~~عليه مدينتان فشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم ~~وانقطاع دولتهم ومدنهم، بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء ~~مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت، ~~فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف ~~الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله: { حم * عسق } يعني عزيمة من الله ~~وفتنة وقضاء. # { حم * عسق } يعني عدلا منه (سين) يعني سيكون { ق } يعني واقع ~~بهاتين المدينتين اه. # ومع استغراب ابن كثير إياه واستنكاره له، فقد وقع مثل ما يشير إليه ~~الحديث على ثورة العراق على عبد الإله في بغداد، حيث يشقها النهر شقين، ~~وأنه من آل البيت، وقد وقع بها ما جاء وصفه في الأثر المذكور. ### || [68.2-4] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الرد على مقالتهم تلك عند ~~قوله تعالى: # أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق # [المؤمنون: 70] الآية من سورة المؤمنون. # وساق النصوص، وقال: إن في الآية ما يرد عليهم، وهو قوله تعالى: # بل جآءهم بالحق # [المؤمنون: 70] اه. # وهكذاهنا في الآية ما يدل على بطلان دعواهم، ويرد عليهم، وهو قوله ~~تعالى: { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي على ما جئت به من ~~الحق وقمت به من البلاغ عن الله والصبر عليه، كما رد عليهم بقوله: # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22]. # وكذلك قوله تعالى في حق رسوله الكريم الأعظم: { وإنك لعلى ~~خلق عظيم } لأن المجنون سفيه لا يعني ما يقول ولا يحسن أي تصرف. ~~والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال. # وقوله تعالى: { وإن لك لأجرا غير ممنون } ، المن: ~~القطع. أي إن أجره صلى الله عليه وسلم عند الله غير منقطع. # قال الشاعر: # لمقفر قهر تنازع شلوه # عبس كواسب لا يمن طعامها # وقد بين تعالى دوام أجره دون انقطاع في قوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ms3874 # [الأحزاب: 56]. # وصلوات الله تعالى عليه وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلا ولا ~~نهارا وهي من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء. # وفي سورتي: الضحى وألم نشرح، بكاملها # ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من ~~الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 3-5]. # وقوله # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]. # ومعلوم من السنة أن من دل على خير فله مثل من عمل به، فما من مسلم تكتب ~~له حسنة في صحيفته إلى وللرسول صلى الله عليه وسلم مثلها. # وقد قال صلى الله عليه وسلم # " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " # ، ومنها: # " أو علم ينتفع به " # وأي علم أعم نفع مما جاء به صلى الله عليه وسلم وتركه في الأمة حتى قال: # " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي " # إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دوام أجره. # أما جزاؤه عند الله فلا يقدر قدره إلا الله تعالى. # وقوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } تقدم أن هذه بمثابة ~~الرد على ادعاء المشركين أولا عليه صلى الله عليه وسلم ورميه بالجنون. ~~لأن أخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق لهم، وهنا أقصى مراتب العلو في ~~الخلق. # وقد أكد هذا السياق بعوامل المؤكدات باندراجه في جواب القسم الأول في ~~أول السورة، وبإن اللام في لعلى، وجاء بعلى الدالة على الاستعلاء والتمكن ~~بدل من ذو مثلا (ذو خلق عظيم) لبيان قوة التمكن والاستعلاء، وأنه صلى ~~الله عليه وسلم فوق كل خلق عظيم متمكن منه مستعل عليه. # وقد أجمل الخلق العظيم هنا وهو من أعم ما امتدح الله به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم في كتابه، وقد أرشدت عائشة رضي الله عنها إلى ما يبين هذا ~~الإجمال حينما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم الذي امتدح به فقالت # " كان خلقه القرآن " # ، تعني والله تعالى أعلم: أنه صلى الله عليه وسلم يأتمر بأمره وينتهي ~~بنواهيه، كما في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. # وكما ms3875 في قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]. # وكما قال صلى الله عليه وسلم # " لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # ، فكان هو صلى الله عليه وسلم ممتثلا لتعاليم القرآن في سيرته كلها، ~~وقد أمرنا بالتأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فكان من أهم ما يجب على ~~الأمة معرفة تفصيل هذا الإجمال ليتم التأسي المطلوب. # وقد أخذت قضية الأخلاق عامة، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم خاصة. محل ~~الصدارة من مباحث الباحثين وتقرير المرشدين، فهي بالنسبة للعموم أساس ~~قوام الأمم، وعامل الحفاظ على بقائها، كما قيل: # إنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # وقد أجمل صلى الله عليه وسلم البعثة كلها في مكارم الأخلاق في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". # وقد عنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم ~~بقضية أخلاقه بعد نزول هذه الآية، فسألوا عائشة رضي الله عنها عن ذلك ~~فقالت: # " كان خلقه القرآن " # وعني بها العلماء بالتأليف، كالشمائل للترمذي. # أما أقوال المفسرين في الخلق العظيم المعنى هنا فهي على قولين لا تعارض ~~بينهما. # منها: أنه الدين، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. # والآخر قول عائشة: # " كان خلقه القرآن " # والقرآن والدين مرتبطان. ولكن لم يزل الإجمال موجودا. وإذا رجعنا إلى ~~بعض الآيات في القرآن نجد بعض البيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من ~~عظيم الخلق مثل قوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199]. # وقوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. # وقوله: # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم # [آل عمران: 159]. # وقوله: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125]. # ومثل ذلك من الآيات التي فيها التوجيه أو الوصف بما هو أعظم الأخلاق، ~~وإذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم هو القرآن، فالقرآن يهدي للتي ms3876 هي أقوم. # والمتأمل للقرآن في هديه يجد مبدأ الأخلاق في كل تشريع فيه حتى ~~العبادات. # ففي الصلاة خشوع وخضوع وسكينة ووقار، فأتوها وعليكم السكينة والوقار. # وفي الزكاة مروءة وكرم # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى # [البقرة: 264]. # وقوله: # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا # [الإنسان: 9]. # وفي الصيام # " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ~~". # وقوله صلى الله عليه وسلم # " الصيام جنة " # وفي الحج: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197]. # وفي الاجتماعيات: خوطب صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الأخلاق، حتى ولو ~~لم يكن داخلا تحت الخطاب لأنه ليس خارجا عن نطاق الطلب # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 24]، ثم يأتي بعدها # وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا # [الإسراء: 23-24]، مع أن والديه لم يكن أحدهما موجودا عند نزولها، إلى ~~غير ذلك من التعاليم العامة والخاصة التي اشتمل عليها القرآن. # وقد عني صلى الله عليه وسلم بالأخلاق حتى كان يوصي بها المبعوثين في كل ~~مكان، كما أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: # " اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ~~". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء " # أي إن الحياء وهو من أخص الأخلاق سياج من الرذائل، وهذا مما يؤكد أن ~~الخلق الحسن يحمل على الفضائل، ويمنع من الرذائل، كما قيل في ذلك: # إن الكريم إذا تمكن من أذى # جاءته أخلاق الكرام فأقلعا # وترى اللئيم إذا تمكن من أذى # يطغى فلا يبقى لصلح موضعا # وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب في قوله تعالى: # الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. # تنيبه # إن من ms3877 أهم قضايا الأخلاق بيانه صلى الله عليه وسلم لها بقوله: # " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". # مع أن بعثته بالتوحيد والعبادات والمعاملات وغير ذلك مما يجعل الأخلاق ~~هي البعثة. # وبيان ذلك في قضية منطقية قطعية حملية، مقدمتها حديث صحيح، وهو # " الدين حسن الخلق " # ، والكبرى آية كريمة. قوله تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوآ وأولئك هم ~~المتقون # [البقرة: 177]. # ولمساواة طرفي الصغرى في الماصدق، وهو الدين حسن الخلق، يكون التركيب ~~المنطقي بالقياس الاقتراني حسن الخلق هو البر، والبر هو الإيمان بالله ~~واليوم الآخر، إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة، ينتج حسن الخلق هو ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وما عطف عليه. # وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الدين كله بأقسامه الثلاثة: # الإسلام من صلاة وزكاة. إلخ. # والإيمان بالله وملائكته. إلخ. # ومن إحسان في وفاء وصدق وصبر وتقوى الله تعالى، إذ هي مراقبة الله سرا ~~وعلنا، وقد ظهرت نتيجة عظم هذه الأخلاق في الرحمة العامة الشاملة في ~~قوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # وكذلك للأمة يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ". # وهي قضية منطقية أخرى # " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # فمكارم الأخلاق رحمة للعالمين في الدنيا، ومنزلة عليا للمؤمنين في ~~الآخرة. # تنبيه آخر # اتفق علماء الاجتماع أن أسس الأخلاق أربعة: # هي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة، ويقابلها رذائل أربعة: # هي الجهل، والشره، والجبن، والجور، ويتفرع عن كل فضيلة فروعها: # الحكمة: الذكاء وسهولة الفهم، وسعة العلم، وعن العفة، القناعة والورع ~~والحياء والسخاء والدعة والصبر والحرية، وعن الشجاعة النجدة وعظم ~~الهمة، وعن السماحة الكرم والإيثار والمواساة والمسامحة. # أما العدالة وهي أم الفضائل الأخلاقية، فيتفرع عنها الصداقة والألفة ms3878 ~~وصلة الرحم وترك الحقد ومكافأة الشر بالخير واستعمال اللطف. فهذه أصول ~~الأخلاق وفروعها فلم تبق خصلة منها إلا وهي مكتملة فيه صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد برأه الله من كل رذيلة، فتحقق أنه صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم ~~فعلا وعقلا. # وقال الفخر الرازي: لقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم. والخلق ما ~~تخلق به الإنسان، لأن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، ولا بد لكل نبي من خصلة فاضلة. فاجتمع له صلى الله عليه ~~وسلم جميع خصال الفضل عند جميع الأنبياء. وهذا وإن كان له وجه إلا أن ~~واقع سيرته صلى الله عليه وسلم أعم من ذلك. # فقد كان قبل البعثة والوحي ملقبا عند القرشيين بالأمين، كما في قصة وضع ~~الحجر في الكعبة إذ قالوا عنه الأمين ارتضيناه. # وجاء # " عن زيد بن حارثة لما أخذ أسيرا وأهدته خديجة رضي الله عنها لخدمته ~~صلى الله عليه وسلم. # وجاء أهله بالفداء يفادونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " ~~ادعوه وأخبروه فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء " ، فقال زيد: والله لا ~~أختار على صحبتك أحدا أبدا، فقال له أهله: ويحك أتختار الرق على ~~الحرية؟ فقال: نعم، والله لقد صحبته فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته قط. ~~ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله قط " ورجع قومه وبقي هو عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده وأعلن تبنيه " # على ما كان معهودا قبل البعثة. # إننا لو قلنا: إن اختيار الله إياه قبل وجوده وتعهد الله إياه بعد وجوده ~~من شق الصدر في طفولته ومن موت أبويه ورعاية الله له. # كما في قوله تعالى: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] إلى قوله: # ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضآلا فهدى ~~ووجدك عآئلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر ~~وأما السآئل فلا تنهر وأما بنعمة ربك ~~فحدث # [الضحى: 6-11]. # إنها نعمة الله تعال عليه وعلى أمته معه صلوات الله ms3879 وسلامه عليه، ورزقنا ~~التأسي به. ### || [68.8-16] # إذا كان في مجيء الآية قبل هذه # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] رد على دعواهم الكاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجنون. # ففي هذه الآية تنزيهه صلى الله عليه وسلم مما اشتملت عليه من رذائل ~~ونقائص وافتضاح لهم. وبيان الفرق والبون الشاسع بينه وبينهم. ففي الوقت ~~الذي وصفة بأنه على خلق عظيم وصفهم بعكس ذلك من كذب ومداهنة وكثرة حلف ~~ومهانة وهمز ومشي بنميمة ومنع للخير وعتل وتجبر واعتداء، وظلم، وانقطاع ~~زنيم، عشر خصال ذميمة، ونتيجتها الوسم بالخزي على الأنوف صغارا لهم. # وقد جاءت آيات القرآن تبين مساوئ تلك الصفات وتحذر منها، ولا يسعنا ~~إيرادها كلها وتكفي الإشارة إلى بعضها تنبيها على جميعها في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا ~~تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون يأيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ~~أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم # [الحجرات: 11-12]. # قوله تعالى: { ودوا لو تدهن فيدهنون }. # ذكر القرطبي لمعاني المداهنة فوق عشرة أقوال أرجحها الملاينة، وقد ذكر ~~هنا ودادتهم وتمنيهم المداهنة، ولم يذكر لنا هل داهنهم صلى الله عليه ~~وسلم أم لا؟ وهل يريدون بذلك مصلحة أم لا؟ # وقد جاء بيان ذلك مفصلا بأنهم أرادوا التدرج من المداهنة وملاينته صلى ~~الله عليه وسلم معهم إلى ما بعدها من تعطيل الدعوة. # وقد رجح ابن جرير ذلك بقوله: ود هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في ~~دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادتك إلهك، ~~كما قال جل ثناؤه: # ولولآ أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74] اه. # ويشهد لما قاله ابن جرير هذا ما جاء في سبب نزول سورة ms3880 الكافرون. # فأنزل الله تعالى # قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-3] السورة. # ومما هو صريح في قصدهم بالمداهنة والدافع عليها والجواب عليهم قد جاء ~~موضحا في قوله تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # [البقرة: 109]، ثم قال تعالى مبينا موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من هذه المحاولة بقوله: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره # [البقرة: 109]. # وقد جاء الله بأمره حكما بينه وبينهم، وهنا يمكن أن يقال: إن كل مداهنة ~~في الدين مع المشركين تدخل في هذا الموضوع. # وقد جاء بعد قوله تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين } ~~إشارة إلى أنهم لا يطاعون في مداهنتهم، وأنهم سيبذلون كل ما في وسعهم ~~لترويج مداهنتهم ولو بكثرة الحلف، وفرق بين المداهنة في الدين، والملاطفة ~~في الدنيا أو التعاون وتبادل المنافع الدنيوية، كما قدمنا عند قوله ~~تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم # [الممتحنة: 8] الآية، والله تعالى أعلم. ### || [68.46] # هذا استفهام إنكاري يدل على أنه لم يسألهم أجرا على دعوته إياهم. # وقال تعالى: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23] فالأجر المسؤول المستفهم عنه هو الأجر المادي بالمال ~~ونحوه. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث الأجر على الدعوة من ~~جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومبحث أخذ الأجرة على ~~الأعمال التي أصلها مزية الله بحثا وافيا عند قوله تعالى: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] من سورة هود. ### || [68.48] # لم يبين هنا من هو صاحب الحوت، ولا نداءه وهو مكظوم، ولا الوجه المنهي ~~عنه أن يكون مثله، وقد بين تعالى صاحب الحوت في الصافات في قوله تعالى: # وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون # [الصافات: 139-140] إلى قوله: # فالتقمه الحوت وهو مليم # [الصافات: 142]. # وأما النداء فقال الشيخ رحمة الله ms3881 تعالى علينا وعليه: قد بينه تعالى في ~~سورة الأنبياء عند قوله تعالى: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 87-88]. # فصاحب الحوت هو يونس، ونداؤه هو المذكور في الآية، وحالة ندائه وهو ~~مكظوم. # أما الوجه المنهي عن أن يكون مثله فهو الحال الذي كان عليه عند النداء، ~~وهو في حالة غضبه، وهو مكظوم، وهذا بيان لجانب من خلقه صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى: { فاصبر } أي على إيذاء قومك، ولعل هذا من خصائص ~~وخواص توجيهات الله إليه، كما في قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك ~~إلا بالله # [النحل: 126-127] إلى آخر الآية، فقد بين تعالى خلقا فاضلا عاما ~~للأمة في حسن المعاملة والصفح. # ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { واصبر } أي لا تعاقب ~~انتقاما ولو بالمثلية ولكن اصبر، وقد كان منه صلى الله عليه وسلم مصداق ~~ذلك في رجوعه من ثقيف حينما آذوه وجاء جبريل عليه السلام، ومعه ملك ~~الجبال يأتمر بأمره إلى أن قال: # " لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.. إني لأرجو أن يخرج الله من ~~أصلابهم من يؤمن بالله " # فقد صفح وصبر ورجى من الله إيمان من يخرج من أصلابهم. # وهذا أقصى درجات الصبر والصفح وأعظم درجات الخلق الكريم. ### || [68.49] # قوله تعالى: { لنبذ بالعرآء وهو مذموم }. # بين تعالى أنه لم ينبذ بالعراء على صفة مذمومة، بل إنه تعالى أنبت عليه ~~شجرة تظله وتستره، كما في قوله تعالى: # وأنبتنا عليه شجرة من يقطين # [الصافات: 146]. ### || [68.50] # بينه تعالى بقوله: # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147-148]. ### || [68.51-52] # فيه عود آخر السورة على أولها. وأن الكفار إذا سمعوا الذكر شخصت أبصارهم ~~نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمونه بالجنون. والرد عليهم بأن هذا ~~الذي سمعوه ms3882 ليس بهذيان المجنون، وما هو إلا ذكر للعالمين، وفيه ترجيح ~~القول بأن المراد بنعمة ربك في أول السورة، إنما هي ما أوحاه إليه من ~~الذكر. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-2] # الحاقة من أسماء القيامة وجاء بعدها # كذبت ثمود وعاد بالقارعة # [الحاقة: 4] وهي من أسماء القيامة أيضا، كما قال تعالى: # ومآ أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث # [القارعة: 3-4] الآية. # سميت بالحاقة لأنه يحق فيها وعد الله بالبعث والجزاء، وسميت بالقارعة، ~~لأنها تقرع القلوب بهولها # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى # [الحج: 2]. # كما سميت الواقعة # ليس لوقعتها كاذبة # [الواقعة: 2]. ### || [69.4-5] # والطاغية فاعلة من الطغيان، وهو مجاوزة الحد مطلقا، كقوله: # إنا لما طغا المآء # [الحاقة: 11]. # وقوله: # إن الإنسان ليطغى # [العلق: 6]. # وقد اختلف في معنى الطغيان هنا، فقال قوم: طاغية عاقر الناقة، كما في ~~قوله تعالى: # كذبت ثمود بطغواهآ إذ انبعث أشقاها # [الشمس: 11-12] فتكون الباء سببية أي بسبب طاغيتها، وقيل: الطاغية ~~الصيحة الشديدة التي أهلكتهم، بدليل قوله تعالى: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31] الباء آلية، كقولك: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين. # والذي يشهد له القرآن هو المعنى الثاني لقوله تعالى: # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا ~~عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون # [الذاريات: 43-44]، ولو قيل: لا مانع من إرادة المعنيين لأنهما متلازمان ~~تلازم المسبب للسبب، لأن الأول سبب الثاني لما كانوا بعيدا، ويشير إليه ~~قوله تعالى: # فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة # [الذاريات: 44]. # فالعتو هو الطغيان في الفعل، والصاعقة هي الصيحة الشديدة، وقد ربط ~~بينهما بالفاء. ### || [69.6-7] # تقدم للشيخ رحمة تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات # [فصلت: 16] المتقدم في فصلت، وفي هذا التفصيل لكيفية إهلاك عاد وثمود ~~بيان لما أجمل في سورة الفجر، في قوله تعالى: # فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 13]. ### || [69.9] # المؤتفكات: المنقلبات، وهي قرى قوم لوط. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه تفصيل ذلك عند قوله تعالى في ~~هود # فلما ms3883 جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها # [هود: 82] الآية. # وفي النجم عند قوله تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]. # تنبيه # نص تعالى هنا أن فرعون ومن قبله، والمؤتفكات جاءوا بالخاطئة وهي: # فعصوا رسول ربهم # [الحاقة: 10]، وكذلك عاد وثمود كذبوا بالقارعة. فالجميع اشترك في ~~الخاطئة، وهي عصيان الرسول # فعصى فرعون الرسول # [المزمل: 16]، ولكنه قد أخذهم أخذة رابية. # ونوع في أخذهم ذلك: فأغرق فرعون وقوم نوح، وأخذ ثمود بالصيحة، وعادا ~~بريح، وقوم لوط بقلب قراهم، كما أخذ جيش أبرهة بطير أبابيل، فهل في ذلك ~~مناسبة بين كل أمة وعقوبتها، أم أنه للتنويع في العقوبة لبيان قدرته ~~تعالى وتنكيله بالعصاة لرسل الله. # الواقع أن أي نوع من العقوبة فيه آية على القدرة، وفيه تنكيل بمن وقع ~~بهم، ولكن تخصيص كل أمة بما وقع عليها يثير تساؤلا، ولعل مما يشير إليه ~~القرآن إشارة خفيفة هو الآتي: # أما فرعون فقد كان يقول: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي # [الزخرف: 51]، فلما كان يتطاول بها جعل الله هلاكه فيها أي في جنسها. # وأما قوم نوح فلما يئس منهم بعد ألف سنةإلا خمسين عاما، وأصبحوا لا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا، فلزم تطهير الأرض منهم، ولا يصلح لذلك إلا ~~الطوفان. # وأما ثمود فأخذوا بالصيحة الطاغية، لأنهم نادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، ~~فلما كان نداؤهم صاحبهم سببا في عقر الناقة كان هلاكهم بالصيحة الطاغية. # وأما عاد فلطغيانهم بقوتهم، كما قال تعالى فيهم: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]، وسواء عماد بيوتهم وقصورهم، فهو كناية عن طول أجسامهم ~~ووفرة أموالهم وتوافر القوة عندهم، فأخذوا بالريح وهو أرق وألطف ما يكون، ~~مما لم يكونوا يتوقعون منه أية مضرة ولا شدة. # وكذلك جيش أبرهة لما جاء مدل بعدده وعدته، وجاء معه بالفيل أقوى ~~الحيوانات، سلط الله عليه أضعف المخلوقات والطيور # وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من ~~سجيل # [الفيل: 3-4]. # أما قولم لوط فلكونهم قلبوا الأوضاع بإتيان الذكور دون الإناث، فكان ~~الجزاء من جنس ms3884 العمل، قلب الله عليهم قراهم. والعلم عند الله تعالى. # ولا شك أن في ذلك كله تخويف لقريش. ### || [69.14] # تقدم بيانه للشيخ رحمه الله في سورة الكهف عند قوله تعالى: # ويوم نسير الجبال # [الكهف: 47]. ### || [69.18] # تقدم بيانه للشيخ رحمه الله عند قوله تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]. ### || [69.19] # قوله تعالى: { فأما من أوتي كتابه بيمينه }. # تقدم للشيخ رحمة الله بيان قضية أخذ الكتب وحقيقتها، عند قوله تعالى: # ووضع الكتاب # [الكهف: 49] في سورة الكهف. # وكذلك بحثها في كتابه دفع إيهام الاضطراب، وبيان القسم الثالث من وراء ~~ظهره، وفي هذا التفصيل في حق الكتاب والكتابة وتسجيل الأعمال وإيتائها ~~بنصوص صريحة واضحة، كقوله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49]. # وقولهم صراحة: # يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها # [الكهف: 49]. # وقوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. # وقوله: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]، فهو كتاب مكتوب ينشر يوم القيامة يقرؤه كل إنسان بنفسه ~~مما يرد قول من يجعل أخذ الكتاب باليمين أو الشمال كناية عن اليمن ~~والشؤم. وهذا في الواقع إنما هو من شؤم التأويل الفاسد وبدون دليل عليه، ~~والمسمى عند الأصوليين باللعب. نسأل الله السلامة والعافية. ### || [69.20] # والظن واسطة بين الشك والعلم، وقد يكون بمعنى العلم إذا وجدت القرائن، ~~وتقدم للشيخ بيانه عند قوله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53] أي علموا بقرنية. # قوله: # ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 53]، وهو هنا بمعنى العلم، لأن العقائد لا يصلح فيها الظن، ولا ~~بد فيها من العلم والجزم. # وقد دل القرآن على أن الظن قد يكون بمعنى العلم، بمفهوم قوله تعالى: # إن بعض الظن إثم # [الحجرات: 12]، فمفهومه أن بعضه لي إثما، فيكون حقا، وكذلك قوله ~~تعالى: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم # [البقرة: 46]. ### || [69.28] # قيل: فيما إنها استفهامية بمعنى أي شيء أغنى عني ماليه، والجواب لا شيء، ~~وقيل: نافية، أي لم يغن عني ماليه شيئا في هذا اليوم، ويشهد لهذا المعنى ~~الثاني ms3885 قوله تعالى: # يوم لا ينفع مال ولا بنون # [الشعراء: 88]. # وقوله: # مآ أغنى عنه ماله وما كسب # [المسد: 2]. # وتقدم للشيخ رحمة الله علينا وعليه في سورة الكهف على قوله تعالى: # ولئن رددت إلى ربي # [الكهف: 36]. # وفي سورة الزخرف عند قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا # [الزخرف: 33] الآية. ### || [69.29] # أي لا سلطان ولا جاه ولا سلطة لأحد في ذلك اليوم، كما في قوله تعالى: # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة # [الكهف: 48] حفاة عراة. # وقوله: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم # [الأنعام: 94]. ### || [69.33-34] # فيه عطف عدم الحض على طعام المسكين، على عدم الإيمان بالله العظيم، مما ~~يشير إلى أن الكافر يعذب على الفروع. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث هذه المسألة في أول ~~سورة فصلت عند قوله تعالى: # وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة # [فصلت: 6-7]، وكنت سمعت منه رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله: كما أن ~~الإيمان يزيد بالطاعة، والمؤمن يثاب على إيمانه وعلى طاعته، فكذلك الكفر ~~يزداد بالمعاصي. ويجازى الكافر على كفره وعلى عصيانه، كما في قوله تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88]. # فعذاب على الكفر وعذاب على الإفساد، ومما يدل لزيادة الكفر، قوله تعالى: # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم # [آل عمران: 90]، وتقدم للشيخ رحمه الله مبحث زيادة العذاب عند آية ~~النحل. ### || [69.40] # إضافة القول إلى الرسول الكريم على سبيل التبليغ، كما جاء بعدها، قوله: # تنزيل من رب العالمين # [الحاقة: 43] والرسول يحتمل النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل جبريل، ~~وقد جاء في حق جبريل. قوله تعالى: # إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين # [التكوير: 19-21]. # وهنا المراد به الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة. قوله تعالى: # وما هو بقول شاعر # [الحاقة: 41] وما عطف عليه لأن من اتهم بذلك هو الرسول محمد صلى الله ~~عليه ms3886 وسلم فنفاه ذلك عنه، فيكون في ذلك كله إثبات الصفة الكريمة لسند ~~القرآن من محمد عن جبريل عن الله، وقد أشار لذلك في الآية الأولى في قوله # مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 21-22]. # فأثبت السلامة والعدالة لرسل الله في تبليغ كلام الله، وفي هذا رد على ~~قريش ما اتهمت به الرسول صلى الله عليه وسلم. # وفيه أيضا الرد على الرافضة دعواهم التغيير أو النقص في القرآن. ### || [69.44] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وبيان هذا المعنى وهو على ظاهره ~~عند الكلام على قوله تعالى: # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون ~~لي من الله شيئا # [الأحقاف: 8] الآية، وهو على سبيل الافتراض بالنسبة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد استبعد أبو حيان أن يكون الضمير في تقول راجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم لاستحالة وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم. # وقال: إنها قرئت بالمبني للمجهول ورفع بعض، وقال: وعلى قراءة الجمهور ~~يكون فاعل تقول مقدر تقديره: ولو تقول علينا متقول، وقد ذكر تلك القراءة ~~كل من القرطبي والكشفي، ولكن لم يذكرها ابن كثير ولا الطبري ولا ~~النيسابوري ممن يعنون بالقراءات، مما يجعل في صحتها نظرا، فلو صحت لكانت ~~موجهة ولكن ما استبعده أبو حيان ومنعه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الواقع صحيح، ولكن على سبيل الافتراض فليس ممنوعا، وقد جاء الافتراض ~~في القرآن فيما هو أعظم من ذلك. # كما في قوله تعالى: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81] وقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] والنص الصريح في الموضوع ما قاله الشيخ: في قوله تعالى: # قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا # [الأحقاف: 8]. ### || [69.51-52] # في هذا نفي كل باطل من شعر أو كهانة أو غيرها، ولكل نقص أو زيادة. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان إضافة الحق لليقين، ومعنى ~~التسبيح باسم ربك عند آخر سورة الواقعة، وحق اليقين هو منتهى العلم، إذ ~~اليقين ثلاثة ms3887 درجات. # الأولى: علم اليقين. # والثانية: عين اليقين. # والثالثة: حق اليقين كما في التكاثر # كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 5-7] فهاتان درجتان، والثالثة إذا دخلوها كان حق اليقين، ~~ومثله في الدنيا العلم بوجود الكعبة والتوجه إليها في الصلاة ثم رؤيتها ~~عين اليقين ثم بالدخول فيها يكون حق اليقين، وكما نسبح الله وهو تنزيهه، ~~فكذلك ننزه كلامه، لأنه صفة من صفاته. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1] # المعلوم أن مادة سأل لا تتعدى بالياء، كتعديها هنا. ولذا قال ابن كثير: ~~إن الفعل ضمن معنى فعل آخر يتعدى بالباء وهو مقدر ما استعجل، واستدل لذلك ~~بقوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب # [الحج: 47]، وذكر عن مجاهد أن سأل بمعنى دعا. # واستدل له بقوله تعالى عنهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، وذكر هذا القول ابن جرير أيضا عن مجاهد. # وقرئ سال بدون همزة من السيل، ذكرها ابن كثير وابن جرير، وقالوا: هو واد ~~في جهنم، وقيل: مخفف سأل اه. # ولعل مما يرجح قول ابن جرير أن الفعل ضمن معنى مثل آخر قوله تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18] الآية. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذا المعنى عند الكلام ~~على قوله تعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وأحال على سورة سأل وقال وسيأتي زيادة إيضاح إن شاء الله. # وقد بين هناك أن قولهم يدل على جهالتهم حيث لم يطلبوا الهداية إليه إن ~~كان هو الحق. # وحيث انه رحمه الله أحال على هذه السورة لزيادة الإيضاح فإن المناسب ~~إنما هو هذه الآية: { سأل سآئل } بمعنى استعجل أو دعا لوجود ~~الارتباط بين آية سأل، وآية { اللهم إن كان هذا هو ~~الحق }. المذكورة. فإنهما مرتبطان بسبب النزول. # كما قال ابن جرير وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: { سأل سآئل } ~~قال: دعا داع بعذاب واقع. قال: هو قولهم ms3888 { اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا } الآية. والقائل هو ~~النضر بن الحارث بن كلدة. # والإيضاح المنوه عنه يمكن استنتاجه من هذا الربط ومن قوله رحمه الله: ~~إنه يدل على جهالتهم وبيان ما إذا كان هذا العذاب الواقع هل وقوعه في ~~الدنيا أم يوم القيامة. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن جهالة قريش دل عليها العقل والنقل، لأن ~~العقل يقضي بطلب النفع ودفع الضر كما قيل: # لما نفع يسعى اللبيب فلا تكن ساعيا. # وأما النقل فلأن ما قص الله علينا أن سحرة فرعون وقد جاءوا متحدين غاية ~~التحدي لموسى عليه السلام ولكنهم لما عاينوا الحق قالوا آمنا وخروا سجدا ~~ولم يكابروا كما قضى الله علينا من نبئهم في كتابه قال تعالى: # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى # [طه: 70] ولما اعترض عليهم فرعون وقال: # آمنتم له قبل أن ءاذن لكم # [طه: 71] إلى آخر كلامه، قالوا وهو محل الشاهد هنا، لن نؤثرك على ما ~~جاءنا من البينات والذي فطرنا ولم يبالوا بوعيده ولا بتهديده. # وقال في استخفاف: فاقض ما أنت قاض، فهم لما عاينوا البينات خروا سجدا ~~أعلنوا إيمانهم وهؤلاء كفار قريش يقولون مقالتهم تلك. # أما وقوع العذاب المسؤول عنه فإنه واقع بهم يوم القيامة، وإنما عبر ~~بالمضارع الدال على الحال للتأكيد على وقوعه، وكأنه مشاهد وقاله الفخر ~~الرازي وقال هو نظير قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. # وفي قوله تعالى # للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج # [المعارج: 2-3] دليل على تأكيد وقوعه لأن ما ليس له دافع لا بد من ~~وقوعه. أما متى يكون فقد دلت آية الطور نظيره هذه أن ذلك سيكون يوم ~~القيامة في قوله تعالى: # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع # [الطور: 7-8] ثم بين ظرف وقوعه # يوم تمور السمآء مورا وتسير الجبال سيرا # [الطور: 9-10] وفي سياق هذه السورة في قوله تعالى: # يوم تكون السمآء كالمهل وتكون الجبال ~~كالعهن ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم # [المعارج: 8-11] ms3889 إلى قوله تعالى # تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى # [المعارج: 17-18] فإنها كلها من أحوال يوم القيامة، فدل بذلك على زمن ~~وقوعه. ولعل في قوله تعالى { تدعوا من أدبر وتولى ~~وجمع فأوعى } رد على أولئك المستخفين بالعذاب المستعجلين به ~~مجازاة لهم بالمثل، كما دعوا وطلبوا لأنفسهم العذاب استخفافا فهي تدعوهم ~~إليها زجرا وتخويفا مقابلة دعاء بدعاء، أي إن كنتم في الدنيا دعوتم ~~بالعذاب فهذا هو العذاب يدوعكم إليه { تدعوا من أدبر } عن سماع ~~الدعوة وأعرض عنها وتولى وهذا الرد بهذه الصفات التي قبله من تغيير ~~السماء كالمهل وتسيير الجبال كالعهن، وتقطع أواصر القرابة من الفزع ~~والهول مما يخلع القلوب كام وقع بالفعل في الدنيا، كما ذكر القرطبي قصة ~~جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أسارى بدر فسمعته يقرأ # والطور وكتاب مسطور # [الطور: 1-2] إلى قوله تعالى: # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع # [الطور: 7-8] فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن ~~أن أقوم من مقامي حتى يقع العذاب. # وذكر القرطبي أيضا عن هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى ~~الحسن وعنده رجل يقرأ والطور حتى بلغ { إن عذاب ربك لواقع ~~} فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. # وذكر ابن كثير عن عمر رضي الله عنه أنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة إذ ~~سمع رجل يقرأ بالطور قربا لها أعيد منها عشرين ليلة، فكان هذا الوصف ~~المفزع ردا على ذاك الطلب المستخف والله تعالى أعلم. ونأمل أن نكون قد ~~وفينا الإيضاح الذي أراده رحمه الله تعالى. ### || [70.4] # في هذه الآية الكريمة مقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، وجاءت آيات أخر ~~بأنه ألف سنة في قوله تعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47] وقوله: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة # [السجدة: 5] فكان بينهما مغايرة في المقدار بخمسين مرة. # وقد بحث ms3890 الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة في كتاب دفع ~~إيهام الاضطراب، وفي الأضواء في سورة الحج عند الكلام على قوله تعالى: # وإن يوما عند ربك # [الحج: 47] الآية. # ومما ينبغي أن يلاحظ أن الإيام مختلفة. ففي سأل هو يوم عروج الروح ~~والملائكة، وفي سورة السجدة هو يوم عروج الأمر فلا منافاة. ### || [70.8] # المهل دريدي الزيت، وقيل غير ذلك. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الرحمن عند الكلام على ~~قوله تعالى: # فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان # [الرحمن: 37]. ### || [70.9] # العهن: الصوف، وجاء في آية أخرى وصف العهن بالمنفوش في قوله تعالى: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 4-5]، وجاءت لها عدة حالات أخرى كالكثيب المهيل وكالسحاب. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بين كل ذلك عند قوله تعالى: # ويوم نسير الجبال # [الكهف: 47] في سورة الكهف. ### || [70.10] # الحميم: القريب والصديق والولي الموالي كما في قوله تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. # وفي هذه الآية الكريمة أنه في يوم القيامة لا يسأل حميم حميما مع أنهم ~~يبصرونهم بأبصارهم. # وقد بين تعالى موجب ذلك وهو اشتغال كل إنسان بنفسه، كما في قوله تعالى: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]، وكل يفر من الآخر يقول نفسي نفسي، كما في قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. # وقد جاء ما هو أعظم من ذلك في حديث الشفاعة كل نبي يقول: نفسي نفسي، ~~وجاء قوله تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2]، وليس بعد ذلك من فزع إلا المؤمنون # وهم من فزع يومئذ آمنون # [النمل: 89] جعلنا الله تعالى منهم. آمين. ### || [70.19] # الهلوع: فعلو من الهلع صيغة مبالغة، والهلع، قال في الكشاف: شدة سرعة ~~الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، وقد فسره الله في الآية # إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ms3891 منوعا # [المعارج: 20-21]. # وفلظ الإنسان هنا مفرد، ولكن أريد به الجنس أي جنس الإنسان في الجملة ~~بدليل استثناء المصلين بعده في قوله تعالى: # إلا المصلين # [المعارج: 22]، ومثله قوله تعالى: # والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر # [العصر: 1-3] ونظيره كثير. # وقد قال ابن جرير: إن هذا الوصف بالهلع في الكفار ويدل لما قال أمران: # الأول تفسيره في الآية واستثناء المصلين وما بعده منه، لأن تلك الصفات ~~كلها من خصائص المؤمنين، ولذا عقب عليهم بقوله: # أولئك في جنات مكرمون # [المعارج: 35]، ومفهومه أن المستثنى منه على خلاف ذلك. # والثاني الحديث الصحيح: # " عجبا لأمر المؤمن شأنه كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، ~~وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن " # ، فمفهومه أن غير المؤمنين بخلاف ذلك، وهو الذي ينطبق عليه الوصف ~~المذكور في الآية أنه هلوع. ### || [70.22-23] # وصف الله تعالى من استثناهم من الإنسان الهلوع بتسع صفات. # اثنتان منها تختص بالصلاة، وهما الأولى والأخيرة مما يدل على أهمية ~~الصلاة، ووجوب شدة الاهتمام بها. وهذا من المسلمات في الدين لمكانتها من ~~الإسلام، وفي وصفهم هنا بأنهم على صلاتهم دائمون، وفي الأخير، على صلاتهم ~~يحافظون. # قال في الكشاف: الدوام عليها المواظبة على أدائها لا يخلون بها، ولا ~~يشتغلون عنها بشيء من الشواغل. # وذكر حديث عائشة مرفوعا " أحب الأعمال إلى الله أدومها ولو قل ". # ويشهد لهذا الذي قاله قوله تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة يخافون يوما # [النور: 36-37] وقوله: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9]. # قال: والمحافظة عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا ~~أركانها ويكملوها بسننها وآدابها، وهذا يشهد له قوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون: 1-2]. # وحديث المسيء صلاته، حيث قال ms3892 له صلى الله عليه وسلم: # " ارجع فصل فإنك لم تصل " # ، فنفى عنه أنه صلى الله مع إيقاعه الصلاة أمامه، وذلك لعدم الحفاظ ~~عليها بتوفيتها حقها. # وقد بدأ الله أولئك المستثنين وختمهم بالصلاة مما يفيد أن الصلاة أصل ~~لكل خير، ومبدأ لهذا المذكور كله لقوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة: 45] فهي عون على كل خير. # ولقوله تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]، فهي سياج من كل منكر، فجمعت طرفي المقصد شرعا، وهما ~~العون على الخير والحفاظ من الشر أي جلب المصالح ودرء المفاسد، ولذا فقد ~~عني بها النبي صلى الله عليه وسلم كل عنايتها، كما هو معلوم، إلى الحد ~~الذي جعلها الفارق والفيصل بين الإسلام والكفر في قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من ترك الصلاة فقد كفر ". # واتفق الأئمة رحمهم الله على قتل تاركها. وكلام العلماء على أثر الصلاة ~~على قلب المؤمن وروحه وشعوره وما تكسبه من طمأنينة وارتياح كلام كثير ~~جدا توحي به كله معاني سورة الفاتحة. ### || [70.24-25] # هذا هو الوصف الثاني، ويساوي إيتاء الزكاة لأن الحق المعلوم لا يكون إلا ~~في المفروض، وهو قول أكثر المفسرين ولا يمنع أن السورة مكية، فقد يكون ~~أصل المشروعية بمكة، ويأتي التفصيل بالمدينة، وهو في السنة الثانية من ~~الهجرة، وهنا إجمالا في هذه الآية. # الأول: في الأموال. # والثاني: في الحق المعلوم. أي القدر المخرج، ولم تأت آية تفصل هذا ~~الإجمال إلا آية: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7]، وقد بينت السنة هذا الإجمال. # أما الأموال، فهي لإضافتها نعم كل أموالهم، وليس الأمر كذلك، فالأموال ~~الزكوية بعض من الجميع وأصولها عند جميع المسلمين هي: # أولا: النقدان: الذهب والفضة. # ثانيا: ما يخرج من الأرض من حبوب وثمار. # ثالثا: عروض التجارة. # رابعا: الحيوان، ولها شروط وأنصباء. وفي كل من هذه الأربعة تفصيل، وفي ~~الثلاثة الأولى بعض الخلاف. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان كل ما يتعلق بأحكامها ~~جملة تفصيلا عن آيتي # والذين ms3893 يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة: 34] وقوله تعالى: # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141]، ولم يتقدم ذكر لزكاة الحيوان ولا زكاة الفطر، وعليه ~~نسوق طرفا من ذلك لتفصيل النصاب في كل منها، وما يجب في النصاب، وما ~~تدعو الحاجة لذكره من مباحث في ذلك كالخلطة مثلا، والصفات في المزكى، ~~والراجح فيما اختلف فيه، ثم نتبع ذلك بمقارنة بين هذه الأنصباء في بهيمة ~~الأنعام وأنصباء الذهب والفضة لبيان قوة الترابط ين الجميع ودقة الشارع ~~في التقدير. # أولا: ببيان النوع الزكوي من الحيوان. # اعلم رحمنا الله وإياك: إن مذهب الجمهور أنه لا زكاة في الحيوان إلا في ~~بهيمة الأنعام الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم الضأن والمعز سواء. وألحق ~~بالبقر الجواميس، والإبل تشمل العراب والبخاتي، والخلاف في الخيل. # ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى دليل أبي حنيفة رحمه الله استدل لوجوب ~~الزكاة في الخيل بالقياس في حملها على الأصناف الثلاثة الأخرى، إذا كانت ~~للنسل أي كانت ذكورا وإناثا، بخلاف ما إذا كانت كلها ذكورا يجامع ~~التناسل في كل واشترط لها السوم أيضا. # وبحديث: # " ما من صاحب ذهب لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفح له صفائح ~~من نار فتكوى بها جبينه وجنبه وظهره " # الحديث. وفيه ذكر الأموال الزكوية كلها والإبل والبقر والغنم. فقالوا: ~~والخيل يا رسول الله؟ فقال: # " الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر، ولرجل وزر. أما التي لرجل أجر، ~~فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة " # - إلى آخر ما جاء في هذا القسم - # " ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ~~فهي لذلك ستر. ورجل ربطها رياء وفواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر ". # فقال رحمه الله: إن حق الله في رقابها وظهورها هو الزكاة. وقد خالفه في ~~ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد ووافقه زفر، وبما رواه الدار قطني والبيهقي ~~والخطيب من حديث جابر مرفوعا: " في كل فرس سائمة دينار او عشرة دراهم ". # أدلة الجمهور على عدم وجوب الزكاة فيها ms3894 والرد على أدلة أبي حنيفة رحمه ~~الله: # واستدل الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " # والفرس اسم جنس يعم ويعدم ذكرها مع بقية الأجناس الأخرى حتى سئل عنها ~~صلى الله عليه وسلم، فلو كانت مثلها في الحكم لما تركها في الذكر. # وحديث: # " قد عفوت عن الخيل فهاتوا زكاة الرقة " # رواه أبو داود. # وأجابوا على استدلال أبي حنيفة، بأن حق الله في رقابها، وظهورها إعارتها ~~وطرقها إذا طلب ذلك منه. # كما أجابوا على حديث جابر بما نقله الشوكاني والدار قطني من أنه لا تقوم ~~به حجة. # ورد أبو حنيفة على دليل الجمهور بأن فرسه مجمل وهو يقول بالحديث إذا كان ~~الفرس للخدمة. # أما إذا كانت الخيل للتناسل، فقد خصها القياس، وعلى حديث عفوت عن الخيل ~~بأنه لم يثبت، وهذه دعوى تحتاج إلى إثبات، فقد ذكر الشوكاني أنه حسن. # ولعل مما يرد استدلال أبي حنيفة نفس الحديث الذي استدل به من قرينة ~~التقسيم، إذا أناط الأجر فيها بالجهاد عليها، ولم يذكر الزكاة مع أن ~~الزكاة قد تكون ألزم من الأجر أو أعم من الجهاد لأنها تكون لمن لا يستطيع ~~الجهاد كالمرأة مثلا فتزكي فلو كانت فيها الزكاة لما خرجت عن قسم الأجر. # ثانيا: لو كان حق الله في المذكور هو الزكاة لما ترك لمجرد تذكرها وخيف ~~تعرض للنسيان، لأن زكاة الأصناف الثلاثة الأخرى لم تترك لذلك بل يطالب ~~بها صاحبها، ويأتي العامل فيأخذها، وإن امتنع صاحبها أخذت جبرا عليه، ~~وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور في عدم الوجوب. # ومن ناحية أخرى، فقد اختلف القول عن أبي حنيفة رحمه الله فيما تعامل به، ~~وفيما يخرج في زكاتها، فقيل: إنه مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو ~~عشرة دراهم، وبين أن يقومها ويدفع عن كل مائتي درهم خمسة دراهم. # وقد جعل الأحناف زكاتها لصاحبها ولا دخل للعامل فيها ولا يجبر الإمام ~~عليها، وقد أطال في الهداية الكلام عليها، ولعل أحسن ما يقال في ذلك ما ~~جاء ms3895 عن عمر رضي الله عنه في سنن الدارقطني، قال: جاء ناس من أهل الشام ~~إلى عمر رضي الله عنه، فقالاو: إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا، ~~وإنا نحب أن نزكيه، فقال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله أنا، ثم استشار ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حسن، وسكت علي، فسأله، ~~فقال: هو حسن لو لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك. # فأخذ من الفرس عشرة دراهم، وفيه: فوضع على الفرس دينارا. # وفي المنتقى عن أحمد رحمه الله أنهم قالوا: نحب أن يكون لنا فيها زكاة ~~وطهور، فهي إذا دائرة بين الاستحباب والترك. # وقد جاء في نفس الحديث الطويل المتقدم أنهم # " قالوا: والحمر يا رسول الله فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه ~~الآية الجامعة الفاذة { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~} [الزلزلة: 7] " # رواه الستة إلا الترمذي. # وعليه فإن الأحاديث التي هي نص في الوجوب أو للترك لم تصلح للاحتجاج، ~~والحديث الذي فيه الاحتمال في معنى حق الله في ظهورها ورقابها، قال ابن ~~عبد البر: إنه مجمل، فلم يكن في النصوص المرفوعة متمسك للأحناف في قولهم ~~بوجوب زكاة الخيل، وبقي مفهوم الحديث. # وقول عمر رضي الله عنه. أما مفهوم الحديث فقد أشرنا إلى القرائن التي ~~فيه على عدم الوجوب. # وأما فعل عمر رضي الله عنه ففيه قرائن أيضا، بل أدلة على عدم الوجوب ~~وهي أولا لأنهم هم الذين طلبوا منه أن يزكيها ويطهرها بالمزكاة وإيجاب ~~الزكاة لا يتوقف على رغبة المالك. # ثانيا: توقف عمر وعدم أخذها منهم لأول مرة، ولو كانت معلومة له مزكاة ~~لما خفيت عليه ولما توقف. # ثالثا: تصريحه بأنه لم يفعله صاحباه من قبله، فكيف يفعله هو؟ # رابعا: قول علي: ما لم تكن جزية من بعدك. أي: إن أخذها عمر استجابة ~~لرغبة أولئك فلا بأس لتبرعهم بها، ما لم يكن ذلك سببا لجعلها لازمة على ~~غيرهم فتكون كالجزية على المسلمين. # ومما يستدل به للجمهور حديث # " قد عفوت عن الخيل والرقيق فأدوا زكاة أموالكم " # رواه أبو داود. ms3896 # قال الشوكاني بإسناد حسن: وهذا ما يتفق مع حديث # " ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده " # رواه الجماعة. # وقد أجاب الأحناف على تردد عمر بأن الخيل لم تكن تعرف سائمة للنسل عند ~~العرب، ولكنها ظهرت بعد الفتوحات في عهد عمر وفي هذا القول نظر. وعليه ~~فلا دليل على وجوب الزكاة في الخيل فتبقى على البراءة الأصلية، ولهذا لم ~~يأت للخيل ذكر في كتاب أنصباء بهيمة الأنعام، ولا يرد عليه أن البقر لم ~~يأت ذكرها أيضا فيه، لأن زكاة البقر جاءت فيها نصوص متعددة لأصحاب ~~السنن. # وللبخاري وغيره بيان أنصباء الزكاة وما يؤخذ فيها: معلوم أنه لم يأت نص ~~من كتاب الله يفصل ذلك، ولكن تقدم في مقدمة الشيخ رحمه الله تعالى علينا ~~وعليه أن من أنواع البيان بيان القرآن بالسنة، وهو نوع من بيان القرآن ~~لقوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7]. # وقد بينت السنة أركان الإسلام كعدد الركعات وأوقات الصلوات مفصلة ومناسك ~~الحج. # فكذلك بينت السنة مجمل هذا الحق، وفي أي أنواع الأموال، وإن أجمع نص في ~~ذلك هو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه وقرنه بسيفه، وقد ~~عمل به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومضى عليه العمل فيما بعد. # وقد رواه الجماعة عن أنس رضي الله عنه، قال أرسل إلي أبو بكر كتابا، ~~وكان نقش الخاتم عليه " محمد " سطر، و " رسول " ، و " الله " سطر: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر بها رسوله، فمن سألها من ~~المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل قومها فلا يعط، في أربع وعشرين من ~~الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس ~~وثلاثنين ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاص فابن لبون، فإذا بلغت ستا ~~وثلاثنين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستا وربعين إلى ~~ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس ms3897 وسبعين ففيها ~~جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى ~~وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ~~ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا ~~أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا ففيها ~~شاة. # وصدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت ~~على عشرين ومائة إلى مائتين فيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث ~~مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة. # فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا ~~أن يشاء ربها، فلا يجتمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما ~~كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. الحديث. # فقد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب أنصباء الإبل والغنم وما يجب ~~في كل منهما، ولم يتعرض لأنصباء البقر، ولكن بين أنصباء البقر حديث معاذ ~~عند أصحاب السنن، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ~~اليمن ألا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثنين: فإذا بلغت ففيها عجل ~~تبيع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة. # ولهذين النصين الصحيحين يكتمل بيان أنصباء بهيمة الأنعام: الإبل والبقر ~~والغنم، وهو الذي عليه الجمهور وعليه العمل. # وما روي عن سعيد بن المسيب: في كل عشر من البقر شاة إلى ثلاثين، ففيها ~~تبيع فلم يعمل به أحد. # تنبيه # وليس في الوقص في بهيمة الأنعام زكاة، والوقص هو ما بين كل نصاب والذي ~~يليه، كما بين الخمسة والتسعة من الإبل، وما بين الأربعين والعشرين ومائة ~~من الغنم، وما بين الثلاثين والأربعين من البقر، وهذا باتفاق إلا خلاف ~~للأحناف في وقص البقر فقط، والصحيح هو مذهب الجمهور في الجميع. لحديث ~~معاذ لقوله صلى الله عليه وسلم # " حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة " # ، فمفهومه أنه ms3898 لا زكاة بعد الثلاثين حتى تبلغ أربعين، فما بين الثلاثين ~~والأربعين لا زكاة فيه. # وأبو حنيفة يقول فيه بنسبة من التبيع، وقد اشترط لزكاة بهيمة الأنعام ~~النسل والسوم، وأنه لا زكاة في المعلوفة، ولا التي للعمل كالإبل للحمل ~~عليها، والبقر للحرث ونحو ذلك. # وقال مالك في المعلوفة، وفي العوامل الزكاة قال في الموطإ ما نصه: في ~~الإبل النواضح والبقر السواقي وبقر الحرث إني أرى أن يؤخذ من ذلك كله إذا ~~وجبت فيه الصدقة. واستدلوا لمالك في ذلك بأمرين: # الأول: من جهة النصوص. # والثاني: من جهة المعنى. # أما النصوص، فما جاء عاما في حديث أبي بكر رضي الله عنه في أنصباء ~~الزكاة في أربع وعشرين من الإبل فما دونه الغنم في كل خمس شاة لعمومه في ~~السائمة والمعلوفة، هذا في الإبل وكذلك في الغنم في كل أربعين شاة شاة أي ~~بدون قيد السوم. # وأما من جهة المعنى: فقال الباجي: إن كثرة النفقات وقلتها إذا أثرت في ~~الزكاة فإنها تؤثر في تخفيفها وتثقيلها ولا تؤثر في إسقاطها ولا إثباتها، ~~كالخلطة والتفرقة والسقي بالنضح والسبح، ولا فرق بين السائمة والمعلوفة ~~إلا تخفيف النفقة وتثقيلها. # وأما التمكن من الانتفاع بها فعلى حد واحد لا يمنع علفها من الدر ~~والنسل، ورد الجمهور على أدلة مالك أيضا بأمرين: # الأول: من جهة النصوص. # والثاني: من جهة المعنى. # أما النصوص: فما جاء في الإبل في حديث بهز بن حكيم، وفيه: " في كل ~~أربعين من الإبل سائمة ابنة لبون " رواه أبو داود والنسائي وغيرهما. # وفي الغنم حديث # " في سائمة الغنم الزكاة " # وهو حديث صحيح. # وفي كتاب أبي بكر وعمر فقالوا: جاء قيد السوم في الحديثين، وأدلة مالك ~~مطلقة ويحمل الملطق على المقيد كما هو معلوم. # ومما يدل على رجحان أدلة الجمهور أن في حديث الغنم جاء المطلق في بيان ~~العدد في كل أربعين شاة شاة، فهو لبيان النصاب اكثر منه لبيان الوصف. # وحديث: # " في سائمة الغنم الزكاة " # لبيان محل الوجوب أكثر منه لبيان العدد، ومن جهة أخرى يعتبر الحديثان ms3899 ~~مترابطان، وأن كلا منهما عام من وجه خاص من وجه آخر، فحديث # " في سائمة الغنم الزكاة " # ، عام في الغنم بدون عدد خاص في السائمة. # وحديث: # " في كل أربعين شاة شاة " # عام في الشياه خاص بالأربعين. فيخصص عموم كل منهما بخصوص الآخر، فيقال: ~~في سائمة الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين، ويقال: في كل أربعين شاة شاة إذا ~~كانت سائمة، وبهذا تلتئم الأدلة في الإبل والغنم لاشتراط السوم وتحديد ~~العدد. # أما البقر فقد حكي الإجماع على اعتبار السوم، ومن أدلة الجمهور من جهة ~~المعنى أن السوم والنسل للنماء، فيحتمل المواساة، أما المعلوفة والعوامل ~~فليست تحتمل المواساة. ومما تقدم يترجح قول الجمهور في اشتراط السوم ~~والنسل. والله تعالى أعلم. # ما جاء في الخلطة، وهي اختلاط المالين معا لرجلين أو أكثر، وهي على ~~قسمين: # أولا: خلطة أعيان. # ثانيا: خلطة أوصاف. # فخلطة الأعيان: أن يكون المال مشتركا بين الخلطاء على سبيل المشاع، كمن ~~ورثوا غنما أو بقرا مثلا ولم يقتسموه أو أهدي إليهم ولم يقتسموه. وهذه ~~الخلطة يكون حكم المال فيها، كحكمه لو كان لشخص واحد، أو خلطة الأوصاف، ~~فهي أن يكون المال متميزا، وكل منهم يعرف حصته وماله بعدد وأوصاف سواء ~~بألوانها أو بوسمها أو نحو ذلك. ولكنهم خلطوا المال ليسهل القيام عليه ~~كاختلاطهم في الراعي والمرعي والمسرح والمراح والفحل والدلو والمحلب. # ونحو ذلك مما هو منصوص عليه لما فيه من الرفق والأكتفاء بواحد من كل ~~ذلك، لجميع المال ولو فرق لاحتاج كل مال منه إلى واحد من ذلك كله، فهذه ~~الخلطة لها تأثير في الزكاة عند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ~~رحمهم الله، ولا تأثير لها عند أبي حنيفة رحمه الله، وإنما التأثير عنده ~~في خلطة المشاع. # واختلف القائلون بتأثيرها في الزكاة على من تؤثر: # فقال أحمد والشافعي: تؤثر على جميع الخلطاء، من يملكون نصابا، ومن لا ~~يملك. # وقال مالك: لا تؤثر إلا على من ملك نصابا فأكثر، ومن لا يملك نصابا ~~فلا تأثير لها عليه. ودليل الجمهور على أبي حنيفة في تأثيرها ms3900 هو قوله صلى ~~الله عليه وسلم في كتاب بيان أنصباء الصدقة. ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع ~~بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهم يتراجعان بالسوية. # فقال الجمهور: النهي عن تفريق المجتمع لا يتأتى إلا في اجتماع الأوصاف ~~لأن اجتماع المشاع لا يتأتى تفريقه خشية الصدقة، وكذلك التراجع بالسوية ~~لا يقال إلا في خلطة الأوصاف، لأن خلطة المشاع ما يؤخذ منها مأخوذ من ~~المجموع وعلى المشاع أيضا، لأن كل شريك على المشاع له حصته من كل شاة ~~على المشاع. # مثال ذلك عند الجميع، وإليك المثال للجميع، لو أن ثلاثة أشخاص يملك كل ~~واحد منهم أربعين شاة، فإن كان كل منهم على حدة، فعلى كل واحد منهم شاة ~~فإن اختلطوا كانت عيلهم جميعا شاة واحدة بالسوية، بينهم لأن مجموعهم ~~مائة وعشرون، وهو حد الشاة. # وهذا عند الأئمة الثلاثة القائلين بتأثير الخلطة: مالك والشافعي وأحمد، ~~ولو أن للأول عشرين شاة وللثاني أربعين وللثالث ستين ففيها أيضا شاة. # ولكن عند أحمد والشافعي كل بحصته فلو كانت الشاة بستين درهما، لكان على ~~الأول عشرة دراهم بنسبة غنمه من المجموع، وعلى الثاني عشرون وعلى الثالث ~~ثلاثون كل بنسبة غنمه من المجموع. # وعند مالك: لا شيء على الأول لأنه لم يملك نصابا، والشاة على الثاني ~~والثالث فقط، وبنسبة غنمهما من المجموع، فعلى الثاني خمسا القيمة أربعة ~~وعشرون. وعلى الثالث ثلاثة أخماسها ستة وثلاثون درهما وهكذا. # والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين ~~فإنما يتراجعان بالسوية ". # فقال الجمهور: النهي عن تفريق المجتمع وتقاسمهما بالسوية دليل على تأثير ~~الخلطة في الزكاة لما فيه من إرفاق. # قال الباجي: كما في الإرفاق في سقي الحرث ما سقي بالنضح وما سقي بغير ~~النضح. # وقال أبو حنيفة: ما كان من خليطين يعني الشريكين ولكن يرده قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يتراجعان بالسوية " # لأن التراجع لا يتحقق إلا في خلطة الجوار والأوصاف. # وقال مالك: لا تأثير للخلطة على ms3901 من لم يملك النصاب لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " في كل أربعين شاة شاة " # ، فمن لم يملك أربعين شاة فلا زكاة عليه ولا تأثير للخلطة عليه. ولعل من ~~النصوص المقدمة يكون الراجع مذهب أحمد والشافعي في قضية الخلطة. والله ~~تعالى أعلم. # الشروط المؤثرة في الخلطة عند القائلين بها كالآتي: عند أحمد رحمه الله ~~تعالى خمسة أوصاف، وهي اتحاد المالين في الآنى المرعى. المسرح. المبيت. ~~المحلب. الفحل. # وعند الشافعي رحمه الله ذكر النووي عشرة أوصاف الخمسة الأولى. وزاد أن ~~يكون الشريكان من أهل الزكاة: أن يكون المال المختلط نصابا، أن يمضي ~~عليهم حول كامل، اتحاد المشرب: اتحاد الراعي. # وعند مالك: الراعي، والفحل، والمراح، والدلو، والمراد بالدلو المشرب، ~~عند الشافعي وعليه: يكون الجميع متفقين تقريبا في الأوصاف، وما زاده ~~الشافعي معلوم شرعا، لأنها شروط في أصل وجوب الزكاة. ولكن اختلفوا في ~~المراد من هذه الأوصاف هل تشترط جميعها أو يكفي وجود بعضها. # الواقع أنه لا نص في ذلك ولكن يرجع إلى تحقيق المناط فيما يكون به ~~الإرفاق، فمالك اكتفى ببعضها كالفحل والمرعى، والراعي. والشافعي. اشترط ~~توفر جميع تلك الأوصاف، وإلا فلا تكون الخلطة مؤثرة، ولكل في مذهبه خلاف ~~في تلك الأوصاف لا نطيل الكلام بتتبعه، وإنما يهمنا بيان الراجح فيما فيه ~~الخلاف في أصل المسألة، وقد ظهر أن الراجح هو الآتي: # أولا: صحة تأثير الخلطة. # ثانيا: اشتراط الأوصاف التي تتحقق بها الخلطة عرفا. # ملحوظة # لقد عرفنا أنصباء بهيمة الأنعام جملة وتفصيلا، وبقي علينا الإجابة عن ~~سؤال طال ما جال تفكر كل دارس فيه، وهو ما يقوله جميع الفقهاء: إن ~~المقادير توقيفية، ومنها أنصباء الزكاة. ومعنى توقيفية: أنه لا اجتهاد ~~فيها، ولكن هل هي جاءت لغوية، أو أن بين هذه الأنصباء ارتباط ونسبة ~~مطردة. # الواقع: أنه، وإن كان الواجب على كل مسلم والذي عليه المسلمون قديما ~~وحديثا هو الامتثال والطاعة، إلا أننا لما كنا في عصر مادي والنظام ~~الاقتصادي هو الأصل في سياسة العالم اليوم، فإن البعض قد يتطلع إلى ~~الإجابة عن هذا ms3902 السؤال. # وقد حاولت الإجابة عليه بعمل مقارنة عامة توجد بها نسبة مطردة كالآتي: # أولا: في النقدين معلوم أن نصاب الذهب عشرون مثقالا، والفضة مائتا ~~درهم وفي كل منهما ربع العشر، وكان صرف الدينار عشر دراهم، فيكون نصاب ~~الذهب من ضرب عشرين في عشرة فيساوي مائتين، فهي نسبة مطردة كما ترى. # وإذا جئنا للنسبة بين الذهب والفضة وهي أصل الأثمان، وبين الغنم نجد ~~الآتي: # أولا: # " في حديث عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ~~ليشتري لهم شاة فذهب وأتاهم بشاة ودينار، فقال له صلى الله عليه وسلم " ~~ماذا فعلت "؟ فقال اشتريت شاتين بالدينار، ثم لقيني رجل فقال: أتبيعني ~~شاة فبعته شاة بدينار، فقال له صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك في ~~صفقة يمينك " ". # معنى هذا أن الدينار قيمته الشرائية تعادل شاتين، من ضرب عشرين دينارا ~~في اثنتين فيساوي أربعين شاة، وهذا هو نصاب الغنم، وفي الأربعين شاة شاة، ~~وقيمتها الشرائية نصف الدينار، وهي خمسة دراهم وهي ما يؤخذ في العشرين ~~مثقالا فاطردت النسبة أيضا بين الذهب والفضة وبين الغنم. # أما بين الغنم والإبل فقد وجدنا أن البدنة عن سبع شياه في الهدي، ونصاب ~~الإبل خمسة وتضربها في سبع فيساوي خمسة وثلاثين، ولو جعلت ستا لكانت ~~تعادل اثنين وأربعين فأخذنا بالأقل احتياطا لحق المسكين، فكان بين نصاب ~~الإبل ونصاب الغنم نسبة مطردة. # وكذلك نصاب الغنم، ونصاب النقدين نسبة مطردة. فظهرت الدقة واطراد النسبة ~~في الأنصباء. # ما يجوز أخذه وما لا يجوز أخذه في الزكاة # اتفقوا على أنه لا تؤخذ الذكور في الزكاة اللهم إلا ابن لبون لمن لم ~~تكن عنده بنت مخاض. # واختلف فيما لو كان النصاب كله ذكورا، والواقع أن هذا نادر، ولكن ~~اتفقوا على أنه لا تؤخذ السخال مع وجوب الاعتداد بها على صاحبها. # كما جاء عن عمر رضي الله عنه: اعتد عليهم بالسخلة يأتي بها الراعي، ولا ~~تأخذها منهم، ولا يجوز أخذ فحل الإبل ولا تيس الغنم ولا الربى، ولا ~~الحلوبة. # لما في ذلك من ms3903 المضرة على صاحب المال. # كما لا تؤخذ السخلة ولا العجفاء لما فيه من مضرة المسكين، والأصل في ذلك ~~ما رواه مالك رحمه الله في الموطأ، قال: اعتد عليهم بالسخلة يحملها ~~الراعي، ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل ~~الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء الغنم وخيارها، وغذاء ~~الغنم صغارها وخيارها كبارها وأسمنها فهي عدل أي وسط. # وهنا تتحتم كلمة، يعتبر كل نظام مالي في العالم نظاما ماديا بحتا ~~يقوم على مباني الأرقام والإحصاء، فهو جاف في شكله، كالجسم بدون روح إلا ~~نظام الزكاة، فهو نظام حي له روحه وعاطفته. # ففي الوقت الذي يلزم الغني بدفع قسط للفقير، يحظر على العامل أن يأخذ ~~فوق ما وجب، أو أحسن ما وجد. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " وإياكم وكرائم الأموال ". # وفي الوقت الذي يدفع الغني فيه جزءا من ماله يستشعر أنه يدفعه لوجه ~~الله وينتظر أجره جل وعلا، فأصحبت الزكاة بين عامل متحفظ، وبين مالك ~~متطوع عامل يخشى قوله صلى الله عليه وسلم: # " واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " # ، ومالك يرجو في الحسنة عشر أمثالها وسبعمائة، وزيادة مضاعفة. # وقد وقعت قضية مذهلة لم يشهد نظام مالي في العالم مثلها، وهي أنه: # " ذهب عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم للصدقة فمر برجل في قرية قريبة ~~من المدينة بصاحب إبل فحسبها. فقال لصاحبها: أخرج بنت لبون. فقال صاحب ~~الإبل: كيف أخرج بنت لبون في الزكاة، وهي لا ظهر يركب ولا ضرع يحلب، ولكن ~~هذه ناقة كوماء، فخذها في سبيل الله. فقال العامل: وكيف آخذ شيئا لم يجب ~~عليك؟ فتلاحيا معا، العامل وصاحب المال وأخذا، قال له العامل: إن كنت ~~ولا بد مصرا فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب بالمدينة: ~~اذهب بها إليه فإن قبلها منك أخذتها، فذهب بها، فقال له صلى الله عليه ~~وسلم: " أعن طيب نفس "؟ قال نعم يا رسول الله. فأمر العامل بأخذها، فدعا ~~له صلى الله عليه ms3904 وسلم بالبركة " # فعاش حتى عهد معاوية. فكانت زكاة إبله هذه هي روح الزكاة في الإسلام لا ~~ما يفعله أصحاب الأموال في النظم الأخرى. # أما نظام الضرائب حيث يتهربون، ويقللون ويتخذون دفاتر متعددة بعضها ~~لمصلحة الضرائب يقلل فيها دخله كسبه لتخف الضريبة عليها، لأنه يراها ~~مغرما كالجزية، وبعضها لنفسه ليعرف حقيقة ماله. # أما الزكاة فإن مالكها يقدم زكاتها لوجه الله ليطهر ماله لقوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103]. # وكما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحدكم ليتصدق بالصدقة وإنها لتقع أول ما تقع في كف الرحمن ~~فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه - أي ولد فرسه - حتى تكون مثل جبل أحد ~~". # وكما قال صلى الله عليه وسلم: # " ما نقصت صدقة من مال ". # زكاة الفطر # إن أهم مباحث زكاة الفطر هي الآتي: # أولا: حكمها صدر تشريعها. # ثانيا: على من تكون. # ثالثا: مم تكون. # رابعا: كم تكون. # خامسا: متى تكون. # سادسا: هل تجزئ فيها القيمة أم لا؟ # وكذلك القيمة في غيرها من الزكوات. # أما حكمها فهي فرض عين عند أحمد والشافعي وعند أبي حنيفة هي واجب على ~~اصطلاحه، أي ما وجب بالسنة. # وعند المالكية واجبة، وقيل: سنة. # قال في مختصر خليل بن إسحاق: يجب بالسنة صاع. إلخ. # والسبب في اختلافهم هذا هل هي داخلة في عموم # وآتوا الزكاة # [البقرة: 43] أي شرعت بأصل مشروعية الزكاة في الكتاب والسنة أم أنها ~~شرعت بنص مستقل عنها. # فمن قال بفرضيتها قال: إنها داخلة في عموم إيجاب الزكاة، ومن قال ~~بوجوبها، فهذا اصطلاح للأحناف. ولا يختلف الأمر في نتيجة التكليف إلا أن ~~عندهم لا يكفر بجحودها. # وقال الماليكة: يجب بالسنة صاع من بر إلخ. أي أن وجوبها بالسنة لا ~~بالكتاب. # وعندهم: لا يقاتل أهل بلد على منعها، ويقتل من جحد مشروعيتها، وهذا هو ~~الفرق بينهم وبين الأحناف. # ولكن في عبارة مالك في الموطأ إطلاق الوجوب أنه قال: أحسن ما سمعت فيها ~~يجب على الرجل من زكاة الفطر أن الرجل يؤدي ذلك عن كل من يضمن ms3905 نفقته. ~~إلخ. # ومن أسباب الخلاف بين الأئمة رحمهم الله نصوص السنة منها قولهم: فرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير. ~~الحديث. # فلفظة فرض: أخذ منها من قال بالفرضية، وأخذ منها الآخرون، بمعنى قدر، ~~لأن الفرض القدر والقطع. # وحديث قيس بن سعد بن عبادة عند النسائي قال: # " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ~~فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ". # فمن قال بالوجوب والفرض. قال: الأمر للأول للوجوب، وفرضية زكاة المال ~~شملتها بعمومها. فلم يحتج معها لتجديد أمر ولم تنسخ فنهى عنها، وبقيت على ~~الوجوب. الأول وحديث: # " فرض رسول صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ~~وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، وهمن أداها بعد ~~الصلاة فهي صدقة من الصدقات " # فمن لم يقل بفرضيتها قال: إنها طهرة للصائم وطعمة للمساكين، فهي لعلة ~~مربوطة بها وتفوت بفوات وقتها، ولو كانت فرضا لما فاتت بفوات الوقت. ~~وأجاب الآخرون بأن ذلك على سبيل الحث على المبادرة لأدائها، ولا مانع من ~~أن تكون فرضا وأن تكون طهرة. # ويشهد لهذا قوله تعالى # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم # [التوبة: 103]، فهي فريضة وهي طهرة. # والراجح من ذلك كله أنها فرض للفظ الحديث: # " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من بر " # لأن لفظ فرض إن كان ابتداء فهو للوجوب وإن كان بمعنى قدر، فيكون الوجوب ~~بعموم آيات الزكاة، وهو أقوى. # وحديث # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بصدقة الفطر صاعا من تمر " # الحديث رواه أبو داود. والأمر للوجوب ولا صارف له هنا. # وقد قال النووي: إن القول بالوجوب هو قول جمهور العلماء، وهذا هو القول ~~الذي تبرأ به الذمة ويخرج به العبد من العهدة، والله تعالى أعلم. # أما مم تكون: فالأصل في ذلك أثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ورواه ~~مالك في الموطأ عنه. # قال: كنا ms3906 نخرج صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا ~~من تمر أو صاعا من زبيب. # وجاء لفظ السلت، وجاء لفظ الدقيق وجاء لفظ السويق. فوقف قوم عند المنصوص ~~عليه فقط وهم الظاهرية. ونظر الجمهور إلى عموم الطعام والغرض من ~~مشروعيتها على خلاف في التفصيل عند الأئمة رحمهم الله كالآتي: # أولا: عند الشافعية يجوز إخراجها من كل قوت لأثر أبي سعيد، وفيه لفظ ~~الطعام. # ثانيا: من غالب قوت المكلف بها، لأنها الفضل عن قوته. # ثالثا: من غالب قوت البلد، لأنها حق يجب في الذمة تعلق بالطعام ~~كالكفارة. # وقال النووي: تجوز من كل حب معشر، وفي الأقط خلاف عن الشافعي والمالكية. # روى مالك في الموطأ حديث أبي سعيد المتقدم. وقال الباجي في شرحه: تخرج ~~من القوت، ونقل عن مالك في المختصر: يؤديها من كل ما تجب فيه الزكاة إذا ~~كان ذلك من قوته. وهو مثل قول النووي من كل حب معشر. وناقش الباجي مسألة ~~إجزائها من الأرز والذرة والدخن. فقال: لا تجوز منها عند أشهب ويجوز عند ~~مالك. وناقش القطاني، الحمص، والترمس، والجلبان، فقال مالك: يجوزها إذا ~~كانت قوته، وابن حبيب: لا يجوزها لأنها ليست من المنصوص. # واتفق مذهب المالكية أن المطعوم الذي يضاف إلى غيره كالأبازير: كزبرة ~~وكمون ونحوه أنها لا تجزئ، الحنابلة قال في المغني: من كل حبة وتمرة ~~تقتات. # وقال في الشرح: أي عند عدم الأجناس المنصوص عليها، فيجزئ كل مقتات من ~~الحبوب والثمار. # قال: وظاهر هذا أنه لا يجزئه المقتات من غيرها كاللحم واللبن، وعند ~~انعدام هذه أيضا يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها. # وعن ابن حامد عندهم: حتى لحم الحيتان والأنعام، ولا يردون إلى أقرب قوت ~~الأمصار، ويجزئ الأقط لأهل البادية إن كان قوتهم. وعندهم من قدر على ~~المنصوص عليه فأخرج غيره لم يجزه. # الأحناف: تجوز من البر والتمر والشعير والزبيب والسويف والدقيق. # ومن الخبز مع مراعاة القيمة، وتجوز القيمة عندهم عوضا عن الجميع مع ~~الاختلاف عندهم في مقدار الواجب من ms3907 هذه الأصناف بين الصاع أو نصف الصاع ~~على ما يأتي إن شاء الله. # وقد ناقشهم ابن قدامة في المغني عند قوله: # ومن أعطى القيمة لم تجزئه، ونقل عن أحمد أخاف ألا تجزئه خلاف سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا العرض نجد الأئمة رحمهم الله اتفقوا على ~~المنصوص عليه في أثر أبي سعيد، وزاد بعضهم من غير المنصوص عليه غير ~~المنصوص: # إما بعموم لفظ الطعام، وإن كان يراد به عرافا القمح، إلا أن العبرة ~~بعموم اللفظ وهو العرف اللغوي. # وإما بعموم مدلول المعنى العام، والخلاف في الأقط. والنص يقضى به. # وانفرد الأحناف بالقول بالقيمة وبالنظر إلى المعنى العام لمعنى الزكاة، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " طعمة للمسكين وطهرة للصائم ". # وقوله: اغنوهم بها عن السؤال. لوجدنا إشارة إلى جواز إخراجها من كل ما ~~هو طعمة للمساكين ولا نحده بحد أو نقيده بصنف، فإلحاق غير المنصوص ~~بالمنصوص بجامع العلة متجه، أما القيمة، فقد ناقش مسألتها صاحب فتح ~~القدير شرح الهداية في باب زكاة الأموال، وعمدة أدلتهم الآتي. # أولا: بين الجذعة والمسنة في الإبل بشاتين. # ثانيا: قول معاذ لأهل اليمن: " ائتوني بخميس أو لبيس مكان الذرة ~~والشعير؟ أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه ~~البخاري. # ثالثا: # " رأى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة حسنة في إبل الصدقة، فقال " ما ~~هذه "؟ قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل؟. قال " ~~نعم " ". # رابعا: مثلها مثل الجزية يؤخذ فيها قدر الواجب كام تؤخذ عينه. والجواب ~~عن هذا كله كالآتي: # أما التعويض بين الجذعة والمسنة أو الحقة إلى آخره في الإبل بشاتين أو ~~عشرين درهما، وهو المنصوص في حديث أنس في كتاب الأنصباء المتقدم، ونصه: ~~ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده، وعنده حقة، فإنه تقبل ~~منه الحقة، ويجعل معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة ~~وليست عنده، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه ويعطيع المصدق عشرين درهما أو ~~شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست ms3908 عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل ~~منه ابنة لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما. إلى آخر الحديث. # فليس في هذا دليل على قبول القيمة في زكاة الفطر. لأن نص الحديث فمن ~~وجبت عليه سن معينة وليست عنده، وعنده أعلى أو أنزل منها فللعدالة بين ~~المالك والمسكين جعل الفرق لعدم الحيف، ولم يخرج عن الأصل وليس فيه أخذ ~~القيمة مستقلة، بل فيه أخذ الموجود ثم جبر الناقص. # فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها صلى الله عليه وسلم. # ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب، والأصناف المطلوبة في زكاة ~~الفطر إذا عدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسه لا إلى القيمة، ~~وهذا واضح. # وقال ابن حجر رحمه الله في الفتح: لو كانت القيمة مقصودة لاختلفت حسب ~~الزمان والمكان، ولكنه تقدير شرعي. # أما قول معاذ لأهل اليمن: " ائتوني بخميس أو لبيس مكان الذرة والشعير ". ~~فقد ناقشه ابن حجر في الفتح من حيث السند والمعنى. ولكن السند ثابت، أما ~~المعنى، فقيل: إنه في الجزية. # ورد هذا بأن فيه مكان الذرة والشعير، والجزية ليست منها. # وقيل: إنه بعد أن يستلم الزكاة الواجبة من أجناسها يستبدلها من باب ~~البيع والمعاوضة عملا بما فيه المصلحة للطرفين. # وقيل: إنه اجتهاد منه رضي الله عنه، ولكنه اجتهاد أعرفهم بالحلال ~~والحرام إلى غير ذلك. # والصحيح الثاني: إنه تصرف بعد الاستلام وبلوغها محلها ولا سيما مع نقلها ~~إلى المدينة بخلاف زكاة الفطر فليست تنقل ابتداء، ولأن مهمة زكاة المال ~~أعم من مهمة زكاة الفطر، ففيها النقدان والحيوان. # أما زكاة الفطر فطعمة للمسكين في يوم الفطر فلا تقاس عليها. # أما الناقة الحسنة التي رآها صلى الله عليه وسلم، وأنها بدل من بعيرين، ~~فهو من جنس الاستبدال بالجنس عملا للمصلحة لم تخرج عن جنس الواجب. # وأما الجزية يؤخذ منها قدر الواجب فلا دليل فيه، إذ زكاة الفطر فيها ~~جانب تعبد وارتباط بركن في الإسلام. # وأما الجزية فهي عقوبة على أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، فأيما أخذ منهم ms3909 ~~فهو واف بالغرض، فلم يبق للقائلين بالقيمة في زكاة الفطر مستند صالح ~~فضلا عن عدم النص عليها. # وختاما: إن القول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين: # الجهة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر تلك الأصناف لم ~~يذكر معها القيمة ولو كانت جائزة لذكرها مع ما ذكر، كما ذكر العوض في ~~زكاة الإبل، وهو صلى الله عليه وسلم أشفق وأرحم بالمسكين من كل إنسان. # الجهة الثانية: وهي القاعدة العامة، أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد ~~المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل. # كما رد ابن دقيق العيدت على الحنابلة قولهم: إن الاشنان يجزئ عن التراب ~~في الولوغ. أي لأنه ليس من جنسه ويسقط العمل به. # وكذلك لو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس ~~المنصوصة، فكأن الفرع الذي هو القيمة سيعود على الأصل الذي هو الطعام ~~بالإبطال، فيبطل. # ومثل ما يقوله بعض الناس اليوم في الهدي بمنى مثلا بمثل، علما بأن ~~الأحناف لا يجيزون القيمة في الهدي، لأن الهدي فيه جانب تعبد، وهو النسك. # ويمكن أن يقال لهم أيضا: إن زكاة الفطر فيها جانب تعبد طهرة للصائم ~~وطعمة للمساكين، كما أن عملية شرائها ومكيلتها وتقديمها فيه إشعار بهذه ~~العبادة. أما تقديمها نقدا فلا يكون فيها فرق عن أي صدقة من الصدقات، من ~~حيث الإحساس بالواجب والشعور بالإطعام. # وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة، لأن القول بالقيمة فيها جزء الناس على ~~ما هو أعظم، وهو القول بالقيمة في الهدي وهو ما لم يقله أحد على الإطلاق ~~حتى ولا الأحناف. # بيان القدر الواجب في زكاة الفطر # اتفق الجميع على أن الواجب في زكاة الفطر على كل شخص عن نفسه، إنما هو ~~صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم من جميع الأصناف المتقدم ذكرها. # وخالف أبو حنيفة في القمح، فقال: نصف الصاع فقط منها يكفي. وسيأتي بيان ~~الراجح في ذلك إن شاء الله. # ثم اختلفوا بعد ذلك في مقدار الصاع الواجب من ms3910 حيث الوزن. فقال الجمهور: ~~هوخمسة أرطال وثلث. # وقال أبو حنيفة: هو ثمانية أرطال، وخالفه أبو يوسف، ووافق الجمهور. # ما مقدار الصاع، فهو في العرف الكيل، وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل ~~الكفين، ولتفاوت الناس في ذلك عمد العلماء إلى بيان مقداره بالوزن. # وقد نبه النووي أن المقدار بالوزن تقريبي، لأن المكيلات تختلف في الوزن ~~ثقلا وخفة، باختلاف أجناسها كالعدس والشعير مثلا، وما كان عرفه الكيل ~~لا يمكن ضبطه بالوزن، ولكنه على سبيل التقريب. # ولهذا المعنى قال صاحب المغني: إن من أخرج الزكاة بالوزن عليه أن يزيد ~~بالقدر الذي يعلم أنه يساوي الكيل ولا سيما إذا كان الموزون ثقيلا. # ونقل عن أحمد أن من أخرج وزن الثقيل من الخفيف يكون قد أخرج الواجب ~~بالتأكيد. # أقوال العلماء في وزن الصاع # قال الجمهور: هو خمسة أرضال وثلث الرطل بالعراقي. # وقال أبو حنيفة رحمه الله: هو ثمانية أرطال، وخالفه أبو يوسف كما تقدم، ~~وسبب الخلاف هو أن أبا حنيفة أخذ بقول أنس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بمد " # ، وهو رطلان، ومعلوم أن الصاع أربعة أمداد، فعليه يكون ثمانية أرطال. # ودليل الجمهور: هو أن الأصل في الكيل هو عرف المدينة، كما أن الأصل في ~~الوزن هو عرف مكة، وعرف المدينة في صاع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~خمسة أرطال وثلث. # كما جاء عن أحمد رحمه الله قال: أخذت الصاع من أبي النضر. # وقال أبو النضر: أخذته عن أبي ذؤيب، وقال: هذا صاع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي يعرف بالمدينة. # قال أبو عبد الله: فأخذنا العدس فعبرنا به، وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال ~~به، لأنه لا يتجافى عن موضعه، فكلنا به، ثم وزناه، فإذا هو خمسة أرطال ~~وثلث، وقال: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبين لنا من صاع النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثا من البر والعدس وهما أثقل الحبوب، فما ~~عداهما من أجناس الفطرة أخف منهما فإذا أخرج منها خمسة أرطال وثلث فهي ms3911 ~~أكثر من صاع. # وقال النووي: نقل الحافظ عبد الحق في كتاب الأحكام عن أبي محمد بن علي ~~بن حزم أنه قال: وجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي يؤدي به الصدقات ليس بأكثر من رطل ونصف ولا ~~دون رطل وربع. # وقال بعضهم: هو رطل وثلث، وقال: ليس هذا اختلافا، ولكنه على حسب رزنه ~~بالراء أي رزانته، وثقله من البر والتمر والشعير قال: وصاع ابن أبي ذؤيب ~~خمسة أرطال وثلث وهو صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن أدلة الجمهور وسبب رجوع أبي يوسف عن قول أبي حنيفة ما جاء في المغني ~~وغيره أن أبا يوسف لما قدم المدينة وسألهم عن الصاع فقالوا:خمسة أرطال ~~وثلث، فطالبهم بالحجة فقالوا: غدا، فجاء من الغد سبعون شيخا كل واحد ~~منهم أخذ صاعا تحت ردائه، فقال: صاعي ورثته عن أبي وورثه أبي عن جدي، ~~حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ أبو يوسف يقارنها ~~فوجدها كلها سواء، فأخذوا واحدا منها وعايره بالماش وهو العدس غير ~~المدشوش، فكان خمسة أرطال وثلثا، فرجع إلى قول أهل المدينة. # وفي تلك القصة أنه رجع إلى العراق فقال لهم: أتيتكم بعلم جديد الصاع ~~خمسة أرطال وثلث فقالوا له: خالفت شيخ القوم فقال: وجدت أمرا لم أجد له ~~مدفعا. # أما وزن الرطل العراقي فأساس الوحدة فيه هي الدرهم، وقد ذكر النووي عنه ~~ثلاثة أقوال: # الأول: أنه مائة وثلاثون درهما بدراهم الإسلام. # والثاني: أنه مائة وثمانية وعشرون. # والثالث: أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهي تسعون ~~مثقالا. # وقال في المغني: وقد زادوه مثقالا فصار واحدا وتسعين مثقالا، وكمل به ~~مائة وثلاثون درهما، وقصدوا بهذه الزيادة إزالة كسر الدرهم. # ثم قال: والعمل الأول. # أما بالنسبة لبقية الأرطال في الأمصار الأخرى، فكالآتي نقلا من كشاف ~~القناع: # الرطل البعلي تسعمائة درهم. # والقدسي ثمانمائة. # والحلبي سبعمائة وعشرون. # والدمشقي ستمائة. # والمصري مائة وأربعة وأربعون. وكل رطل اثنا عشر أوقية في سائر ms3912 البلاد، ~~مقسوم عليها الدراهم. # وعليه فالصاع يساوي ستمائة وخمسة وثمانين وخمسة أسبع الدرهم. وأربعمائة ~~وثمانين مثقالا. # وعليه أيضا يكون الصاع بالأرطال الأخرى. هو المصري أربعة أرطال وتسع ~~أواق وسبع أوقية، وبالدمشقي رطل وخمسة أسباع أوقية. وبالحلبي أحد عشر ~~رطلا وثلاثة أسباع أوقية، وبالقدسي عشر أواق وسبعا أوقية. # وإذا كانت موازين العالم اليوم قد تحلوت إلى موازين فرنسية، وهي بالكيلو ~~جرام، والكيلو ألف جرام، فلزم بيان النسبة بالجرام، وهي أن: # المكيلات تتفاوت ثقلا وكثافة، فأخذت الصاع الذي عندي وعايرته أولا على ~~صاع آخر قديما فوجدت أمرا ملفتا للنظر عند المقارنة، وهو أن الصاع ~~الذي عندي يزيد عن الصاع الآخر قدر ملء الكف، فنظرت فإذا القدر الذي فوق ~~فتحة الصاعين مختلفة، لأن أحد الصاعين فتحته أوسع. # فكان الجزء المعلى فوق فتحته يشكل مثلثا قاعدته أطول من قاعدة المثلث ~~فوق الصاع الآخر فعايرتهما مرة أخرى على حد الفتحة فقط بدون زيادة فكانا ~~سواء. فعايرتهما بالماء حيث أن الماء لا يختلف وزنه غالبا ما دام صالحا ~~للشرب وليس مالحا، وأنه لا يسمح بوجود قدر زائد فوق الحافة، فكان زن ~~الصاع بعد هذا التأكيد هو بالعدس المجروش 2.600 كيلوين وستمائة جرام. # وبالماء 3.100 ثلاثة كيلوات ومائة جرام. # وأرجوا أن يكون هذا العمل كافيا لبيان الوزن التقريبي للصاع النبوي في ~~الزكاة. # زكاة الورق المتداول # من المعلوم أن التعامل بالورق بدلا عن الذهب والفضة أمر قد حدث بعد ~~عصور الأئمة الأربعة وعصور تدوين الفقه الإسلامي، وما انتشرت إلا في ~~القرن الثامن عشر ميلاديا فقط، ولهذا لم يكن لأحد الأئمة رحمهم الله رأي ~~فيها، ومنذ أن وجدت وعلماء المسلمين مختلفون في تقييمها وفي تحقيق ~~ماهيتها ما بين كونها سندات عن ذهب أو فضة أو عروض تجارة أو نقد بذاتها. # والخلاف في ذلك مشهور، وإن كان الذي يظهر والله تعالى أعلم: أنها وثائق ~~ضمان من السلطان. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه إبداء وجهة نظره فيها في ~~الربا، وهل يباع بها الذهب والفضة نسيئة أم لا؟ # ومهما يكن ms3913 من نظريات في ماهيتها، فإنها باتفاق الجميع تعتبر مالا، وهي ~~داخلة في عموم قوله تعالى: # وفي أموالهم # [الذاريات: 19] لأنها أصبحت ثمن المبيعات وعوض السلع. # فعلية تكون الزكاة فيها واجبة. والنصاب بالنسبة إليها يعتبر بما يشترى ~~بها من ذهب وفضة في أي عملة كانت هي. # ففي السعودية مثلا ينظر كم يشترى بها عشرون مثقالا ذهبا أو مائتا ~~درهم فضة، فيعتبر هذا القدر هو النصاب، وفيه الزكاة وهو ربع العشر سواء ~~بسواء. # وهكذا مثل الاسترليني، والروبية والدولار، لأن كل عملة من ذلك وثيقة ~~ضمان من السلطان الذي أصدرها أي الدولة التي أصدرتها. سواء قيل إن الزكاة ~~فيما ضمنته تلك الوثيقة، أو فيها بعينها، أو في قيمتها كعرض، فهي لن تخرج ~~بحال من الأحوال عن دائرة التمول والاستبدال، وإن تحصيل الفقير لشيء منها ~~أيا كانت فإنه بها سيحصل على مطلوبه من مأكل وملبس وما شاء من مصالح وفق ~~ما يحصل عليه بعين الذهب والفضة. # وفي هذا رد على من يقول. لا زكاة فيها، لأنها ليست بنقد ذهب ولا فضة، ~~ولا يخفى أن إسقاط الزكاة عنها إسقاط للزكاة من أغلبية العالم، إن لم يكن ~~من جميعه. # تنبيه # سبق أن سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في موضع زكاة العروض ~~في قول المالكية: # يشترط أن ينض في يد التاجر المدير ولو درهما أثناء الحول وإلا لما وجبت ~~عليه زكاة في عروض تجارته. # فقال رحمة الله تعالى علينا وعليه. لو كان مالك رحمه الله موجودا اليوم ~~لم يقل ذلك، لأن العالم اليوم كله لا يكاد يعرف إلا هذه الأوراق، وقد لا ~~ينص في يده درهم واحد فضة. ويترتب على ذلك إسقاط الزكاة عن عروض التجارة ~~وهي غالب أموال الناس اليوم. # فكذلك يقال لمن لا يرى الزكاة في الأوراق النقدية أنه يترتب عليه باطل ~~خطير، وهو تعطيل ركن الزكاة وحرمان المسكين من حقه المعلوم في أموال ~~الأغنياء، وما ترتب عليه باطل، فهو باطل. # ولعلنا بهذا العرض الموجز، نكون قد أوردنا عجالة ما بقي من مبحث ms3914 الزكاة، ~~وإن لم يكن على سبيل التفصيل المعهود من الشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه، وفقد قدمنا أنه لا يجارى في تفصيله، وأن تتبع الجزئيات في هذا ~~المبحث سيطيل الكتابة، وهو بحمد الله مبسوط في كتب الفقه، وإنما قصدنا ~~بيان أهم المسائل، وبيان ما هو الراجح فيما اختلف فيه، وبالله تعالى ~~التوفيق. ### || [70.26] # يوم الدين هو يوم الحساب. كما تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ~~في سورة الفاتحة. ### || [70.27] # أي خائفون: كما بينه تعالى بقوله: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] وقوله: # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن ~~الله علينا ووقانا عذاب السموم # [الطور: 26-27]. ### || [70.29-31] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]، وما بعدها، وفي سورة النساء، وبين أن كل مبتغ وراء ~~الزوجة وملك اليمين فهو داخل تحت قوله: # فأولئك هم العادون # [المؤمنون: 7]، وخاصة من قال: بنكاح المتعة. لأن المستمتع بها ليست زوجة ~~وليست أمة مملوكة. # تنبيه # والجدير بالذكر أنه لم يبق من يقول بنكاح المتعة كمذهب لطائفة ما، إلا ~~الشيعة بصرف النظر عمن خالف الإجماع من غيرها، ولكن الشيعة أنفسهم شبه ~~متناقضين في كتبهم، إذ ينص الحللي وهو من أئمتهم، في باب النكاح: أن للحر ~~وللعبد على السواء أن ينكح نكاحا مؤقتا، وهو نكاح المتعة بأي عدد شاء ~~من النساء وبدون حد، فجعل هذا العقد كملك اليمين، والحال أن المعقود ~~عليها حرة، وهذا متناقض. # وفي كتاب الطلاق، قال: إن المطلقة ثلاثا لا يحلها لزوجها الأول إلا أن ~~تنكح زوجا غيره في نكاح دائم وليس مؤقتا. # وهنا يقال لهم: إما أن تعتدوا بنكاحها الثاني المؤقت فيلزم أن يحلها ~~للأول لأنه تعالى قال: # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230] فإن اعتبرتموه نكاحا لزم إحلالها به للزوج الأول. وإن لم ~~تعتبروه نكاحا لزمكم القول ببطلانه وهو المطلوب. # وبهذا يظهر أن مبتغى وراء ذلك، أي أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم هم ~~العادون. ### || [70.32] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه في أول سورة ms3915 # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]. # وفي المسألة السادسة من مسائل مبحث: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث # [الأنبياء: 78]. ### || [70.33] # قرئ بشهاداتهم بالجمع وقرئ بشهادتهم بالإفراد، فقيل: إن الإفراد يؤدي ~~معنى الجمع للمصدر كما في قوله: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19]. فأفرد في الصوت مرادا به الأصوات. # وقيل: الإفراد لشهادة التوحيد مقيمون عليها. والجمع لتنوع الشهادات بحسب ~~متعقلها، ولا تعارض بين الأمرين فما يشهد لذلك قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # [فصلت: 30]. # قال أبو بكر رضي الله عنه: أي داموا على ذلك حتى ماتوا عليه. # وبدل للثاني عمومات آية الشهادة المتنوعة في البيع والطلاق والكتابة في ~~الدين وغير ذلك، والله تعالى أعلم. # وفي هذه الآية عدة مسائل: # المسألة الأولى: أطلق القيام بالشهادة هنا وبين أن قيامهم بها إنما هو ~~لله في قوله تعالى: # وأقيموا الشهادة لله # [الطلاق: 2]، وقوله: # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهدآء لله ولو على أنفسكم # [النساء: 135]. # المسألة الثانية: قوله { بشهاداتهم قآئمون } في معرض المدح، ~~وإخراجهم من وصف # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج: 19] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك ~~الوصف الذميم. # وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم، منها قوله تعالى: # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه # [البقرة: 283]، وقوله: # ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين # [المائدة: 106]. # وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله: # والذين لا يشهدون الزور # [الفرقان: 72]. # وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور، وكان صلى الله عليه وسلم متكئا ~~فجلس، فقال: # " ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته ~~سكت " # تنبيه # قوله: { والذين هم بشهاداتهم قآئمون } يفيد القيام ~~بالشهادة مطلقا، وجاء قوله: # ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا # [البقرة: 282] فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها. # وفي الحديث: # " خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ". # وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها، ويشهدون قبل أن يستشهدوا. وقد جمع ~~العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود ms3916 له بما عنده ~~له من شهادة، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه، والثاني ~~بعكس ذلك. # وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق الله على قسمين، قسم تستديم فيه ~~الحرمة كالنكاح والطلاق، فلا يتركها، وتركها جرحة في عدالته، وقسم لا ~~تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها. ~~لحديث هذال في قصة ماعز حيث قال له صلى الله عليه وسلم: # " هلا سترته بردائك " # المسألة الثالثة: مواطن الشهادة الواردة في القرآن، والتي يجب القيام ~~فيها، نسوقها على سبيل الإجمال. # الأول: الإشهاد في البيع في قوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة: 282]. # الثاني: الطلاق، والرجعة لقوله تعالى: # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2]. # الثالث: كتابة الدين لقوله تعالى: # فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم # [البقرة: 282] الآية. # الرابع: الوصية عند الموت لقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل ~~منكم # [المائدة: 106] الآية. # الخامس: دفع مال اليتيم إليه إذ رشد، قوله تعالى: # فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم # [النساء: 6]. # السادس: إقامة الحدود لقوله تعالى: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2] السابع: في السنة عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " # ، وهذه كلها مواطن هامة تتعلق بحق الله وحق العباد من حفظ للمال والعرض ~~والنسب، وفي حق الحي والميت واليتيم والكبير، فهي في شتى مصالح الأمة ~~استوجبت الحث على القيام بها { والذين هم بشهاداتهم ~~قآئمون } والتحذير من كتمانها # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه # [البقرة: 283]. # وقوله: # ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله # [البقرة: 140]. # وقوله: # ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا # [البقرة: 282]. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: # والذين هم بشهاداتهم قآئمون # [المعارج: 33] كلها صيغ الجمع، والشهادة قد تكون من فرد، وقد تكون من ~~اثنين، وقد تكون من ثلاثة، وقد تكون من أربعة، وقد تكون من جماعة. # وجملة ذلك أن الشهادة في الجملة من حث ms3917 الشاهد تكون على النحو الآتي: ~~إجالا رجل واحد، ورجل ويمين، ورجل وامرأتان، ورجلان، وثلاثة رجال، ~~وأربعة، وطائفة من المؤمنين، وامرأة، وامرأتان، وجماعة الصبيان. # وقد جاءت النصوص بذلك صريحة. أما الواحد، فقال تعالى: # وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل # [يوسف: 26]. # فهو، وإن كان ملفت النظر إلى القرينة في شق القميص، إلا أنه شاهد واحد. # وجاء في السنة: شهادة خزيمة رضي الله عنه، لما شهد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشراء الفرس من الأعرابي، وجعلها صلى الله عليه وسلم بشهادة ~~رجلين. # وجاءت السنة بثبوت شهادة الطبيب والقائف والخارص ونحوهم. # وجاء في ثبوت رمضان، فقد قبل صلى الله عليه وسلم شهادة أعرابي، وقبل ~~شهادة عبد الله بن عمر سواء كان قبولها اكتفاء بها أو احتياطا لرمضان. # وأما شهادة الرجل الواحد ويمين المدعي، فلحديث ابن عباس # " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين " # وتكلم عليه ابن عبد البر، وأطال في تصحيحه وتوجيهه. # وعند مالك ومذهب لأحمد شهادة امرأتين، ويمين المدعي، وخالفها الجمهور. # وأما شهادة رجل وامرأتين، فلقوله تعالى: # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهدآء # [البقرة: 282] وبين تعالى توجيه ذلك بقوله: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. # وبهذا النص رد الجمهور مذهب مالك، والمذهب المحكي عن أحمد لأنه لم ينقل ~~إلا أربع نسوة ولم تستقل النسوية بالشهادة. # وأما شهادة الرجلين فلقوله تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282]. # وأما ثلاثة رجال، فلقوله صلى الله عليه وسلم في إثبات الفاقة والإعسار. # " حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، فيقولون، لقد أصابت فلانة فاقة ~~" # الحديث، وهو حديث قبيصة عند مسلم وأحمد. # وأما الأربعة ففي إثبات الزنا خاصة، وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه ذلك في أول سورة النور. # وأما الطائفة ففي إقامة الحدود لقوله تعالى: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. # وأما شهادة المرأة ففي أحوال النساء خاصة، كما في حديث عقبة بن الحارث: # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ms3918 إني أرضعتهما، فقال ~~له صلى الله عليه وسلم فارقها، فقال: كيف أفارقها لقول امرأة؟ فقال له: ~~كيف وقد قيل؟ " # وقد وقع الخلاف في قبول شهادتها وحدها ولكن الصحيح ما قدمنا. # وأما المرأتان فعند من لم يقبل شهادة المرأة، وقيل عند استهلال الصبي، ~~لأن الغالب حضور أكثر من واحدة. # وأما جماعة الصبيان ففي جناياتهم على بعض، وقبل أن يتفرقوا ولم يدخل ~~فيهم كبير. وفيه خلاف. # ورجح الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعيله العمل بها في مذكرة أصول الفقه، ~~في مبحث رواية الصغار. # المسألة الخامسة: اتفقوا أنه لا دخل للنساء في الشهادة في الحدود، وإنما ~~تكون في المال أو ما يؤول إلى المال، فيما يتعلق بما تحت الثياب من ~~النساء. # وفي الشهادة مباحث عديدة مبسوطة في كتب الفقه وكتب القضاء، كتبصرة ~~الحكام لابن فرحون وغيره. # وقد بسط ابن القيم الكلام عليها في الطرق الحكمية وابن فرحون في تبصرة ~~الحكام لمن أحب الرجوع إليه، ولكن مما لا بد منه هو شروط الشاهد ~~المعتبرة، وكلها تدور على ما تحصل به الطمأنينة إلى الحق المشهود به ~~لأمرين أساسيين هما الضبط، كما في قوله تعالى في حق النسوة # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. # والثاني العدالة والصدق، كما في قوله تعالى: # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا # [الحجرات: 6] وهنا مبحث مشهور، وهو: هل الأصل في المسلمين العدالة حتى ~~تظهر جرحه أم العكس؟ # والصحيح الأول. # وقد كان العمل على ذلك إلى أن جاء رجل من العراق لعمر رضي الله عنه فقال ~~له: أدرك الناس لقد تفشت شهادة الزور. فقال عمر: بتزكية الشهود وإثبات ~~عدالتهم. # قد أورد ابن فرحون في مراتب الشهود إحدى عشرة مرتبة وهي: # الأولى: الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز ~~شهادته في كل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله ~~إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة. # الثانية: المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه ~~كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية ms3919 علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. # الثالثة: الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز ~~شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ~~ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو ~~نقص فيها، ويقبل فيها التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه ~~بما شهد به إذا أبهم ذلك. # الرابعة: المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حكمه كذلك ~~إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. # الخامس: الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول ~~شهادته، وأجازها ابن القاسم، وهو مذهب مالك. # السادسة: الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين ~~في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزكيته، لأنه هو المعروف ~~بمجهول الحال. # والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتى ينكشف أمره. # السابعة: الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع ~~من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض ~~العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه. # الثامنة: الذي يتوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون ~~شهادته شبهة توجب حكما. # التاسعة: الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، فلا ~~تجوز شهادته دون تزكية ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن ~~علم بجرحته إذا شهد على توبته منها، ونزوعه منها، والمحدود في القذف ~~بمنزلته على مذهب مالك، لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز ~~بمعرفة تزيده في الخير. # العاشرة: المقيم على الجرحة المشهود بها، فلا تجوز شهادته ولا تقبل ~~التزكية فيه، وإن زكى، وإنما تقبل تزكيته فيما يستقبل إذا تاب. # الحادية عشر: شاهد الزور، فلا تصح شهادته وإن تاب وحسنت حاله، وروى أبو ~~زيد عن ابن القاسم: أن شهادته تجوز إذا تاب وعرفت توبته بتزيد حاله في ~~الصلاح. # قال: ولا أعلمه ms3920 إلا في قول مالك، فقيل: إن ذلك اختلاف من القول. # وقيل: معنى رواية أبي زيد إذا جاء تائبا مقرا على نفسه بشهادة الزور ~~قبل أن تظهر عليه، وهو الأظهر والله سبحانه وتعالى اعلم اه. # وقد أوردنا هذه المراتب لأنها شملت أنواع الشهود قوة وضعفا، وفيما تقبل ~~شهاداتهم. # تنبيه # وقد قيل في تفريق الشهود: إن هذا في الزنا خاصة، وقيل: للقاضي أن يفرقهم ~~متى ما رأى ذلك، وأن أول من فرقهم علي رضي الله عنه، وذكر الشيخ رحمة ~~الله تعالى علينا وعليه تفريق الشهود في قصة سليمان، وهو كلام في قضية ~~المرأة التي رميت بالزنا، واختلف في تحليف الشاهد. # فالجمهور: لا يحلف، ورجح ابن القيم جوازه فيما تقبل شهادته للضرورة ~~كالمرأة الواحدة، والكافر في السفر، ومدار قبول الشهادة على الطمأنينة ~~لصدق الشاهد، وذلك يدور على أصلين: # الأول: هو الضابط كما في قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. # والثانية: العدالة كما في قوله تعالى # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا # [الحجرات: 6] والعلم عند الله تعالى. # وللشهادة مباحث عديدة اكتفينا بما أوردنا. # وقد بحث ابن القيم رحمه الله مباحث الشهادة من حيث العدد والموضوع في ~~كتاب الطرق الحكمية. # تنبيه # للشهادة علاقة باليمين في الحكم، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم " ~~شاهدان أو يمينه ". # فما هي تلك العلاقة، وبين هذه العلاقة قوله تعالى: # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم # [الأنعام: 19] وقوله # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت: 53]، وقوله: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78]، وقوله: # هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني ~~وبينكم # [الأحقاف: 8] ونحو ذلك من الآيات، لأنه تعالى: شاهد ومطلع على أحوال ~~العباد لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، فإذا ~~اعوز المدعي شاهدا حلف مع الشاهد كأنه قال: أستشهد بالله الذي يعلم مني ~~صدق دعواي. # وكذلك المدعى عليه إذا عجز المدعي عن البينة كانت الدعوى متوجهة، ومما ~~يشبه، كما يقول المالكية: فإن المدعى عليه يقول لدى البينة والشهادة ms3921 على ~~عدم ثبوت ما ادعى به على ألا، وهو خير الشاهدين. # من هو أكبر شهادة مما عجز عنها المدعي ألا وهو الاستشهاد بالله تعالى، ~~فيحلف على براءة ذمته مما ادعى به عليه. # تنبيه # ومن هنا يعلم حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف بغير الله فقد أشرك " # أي لأن الحالف يقيم المحلوف به مقام الشهود الذين رأوا أو سمعوا، ~~والمحلوف إذا كان غائبا لا يرى ولا يسمع، فإذا حلف به كان قد أعطاه صفات ~~من يرى ويسمع، والحال أنه بخلاف ذلك، ومن ناحية أخرى الحالف والمستحلف ~~بالله يعلمان أن الله تعالى قادر على أن ينتقم من صاحب اليمين الغموس، ~~وغير الله إذا ما حلف به لا يقوى ولا قدر على شيء من ذلك والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [70.36-37] # مهطعين: أي مسرعين نافرين، وعزين جمع عزة، وهم الجماعة، أي ما بال أولئك ~~الكفار المنصرفين عنك متفرقين، وعليه قول الكميت: # ونحن وجندل باغ تركنا # كتائب جندل شتى عزين # وكذلك هنا فهم متفرقون عنه صلى الله عليه وسلم جماعات من كل جهة عن ~~اليمين وعن الشمال. تفرقت بهم الأهواء وأخذتهم الحيرة كقوله تعالى: # فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة # [المدثر: 49-51]. # ونقل ابن كثير عن أحمد رحمه الله في أهل الأهواء، فهم مخالفون للكتاب، ~~مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب. ### || [70.39] # أجمل ما يعلمون في ما الموصولة مما، وقد بينه تعالى في عدة مراحل من ~~تراب أولا ثم من نطفة. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ~~ذلك في أكثر من موضع، وأصرح نص في ذلك قوله تعالى # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المراسلات: 20] وقوله: # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من مآء دافق ~~يخرج من بين الصلب والترآئب # [الطارق: 5-7] أي ماء الرجل وماء المرأة يختلطان معا، كما في قوله ~~تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # [الإنسان: 1-2]. # وقوله تعالى: { كلا إنا خلقناهم ms3922 مما يعلمون } ليس ~~لمجرد الإخبار، لأنهم يعلمون، والعالم ليس في حاجة إلى إخبار، ولكن يراد ~~بذلك لازم الخبر، وهو إفهامهم بأن من خلقهم من هذا الذي يعلمون قادر على ~~إعادتهم وبعثهم ومجازاتهم، كما في سورة الدهر # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا # [الإنسان: 2]. ثم قال: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]. ثم بين المصير # إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا ~~إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 4-5]. ### || [70.40] # قوله تعالى: { فلآ أقسم برب المشارق والمغارب }. # قوله تعالى: { فلآ أقسم } ظاهر النفي، والحال أنه أقسم بدليل جواب ~~القسم بعده # إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم # [المعارج: 40-41]، وللعلماء في مجيء لا هذه، كلام كثير، وقد فصله الشيخ ~~رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب في سورة البلد، ~~وسيطبع إن شاء الله في نهاية هذه التتمة. # وقوله: { برب المشارق والمغارب } فهو الله تعالى رب كل ~~شيء ومليكه، وقد نص على نظيره في سورة الرحمن # رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # [الرحمن: 17-18]. # وقد جمعت المشارق هنا، وثنيت في الرحمن وأفردت في قوله تعالى # ولله المشرق والمغرب # [البقرة:115]، فالجمع على مشارق الشمس في السنة لكل يوم مشرق، كما قال ~~ابن عباس والتثنية لمشرق الشمس والقمر والإفراد على الجهة، وسيأتي في دفع ~~إيهام الاضطراب أيضا. ### || [70.43] # قوله تعالى: { يوم يخرجون من الأجداث سراعا }. # بين هنا حالة الخروج من الأجداث وهي القبور، وهي أنهم يخرجون سراعا، ~~وبين في موضع آخر أنهم يخرجون مبعثرين هنا وهناك. في قوله تعالى: # إذا بعثر ما في القبور # [العاديات: 9]، وفي قوله تعالى # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم # [الزلزلة: 6]. ### || [70.44] # قوله تعالى: { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة }. # حالة ثانية، وقد جمع الحالات في سورة اقتربت الساعة في قوله تعالى: # يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم ~~يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ~~مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم ~~عسر # [القمر: 6-8] نسأل الله تعالى السلامة ms3923 والعافية. # وفي ختام السورة الكريمة لهذا الوصف والوعيد الشديد تأييد للقول بأن ~~سؤالهم في أولها بعذاب واقع، إنما هو استخفاف واستبعاد. فبين لهم تعالى ~~بعد عرض السورة نهاية ما يستقبلون به ليأخذوا حذرهم ويرجعوا إلى ربهم، ~~فارتبط آخر السورة بأولها. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1] # فيه بيان أن الله تعالى أرسل رسوله نوحا لينذر قومه قبل أن يأتيهم ~~العذاب فالنذارة أولا وهي عامة في جميع الأمم والرسل. # كقوله تعالى: # و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وذلك لإقامة الحجة أولا، كما في قوله تعالى: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان هذه ~~المسألة في سورة بني إسرائيل على قوله تعالى: # و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [71.3-4] # قوله تعالى: { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~يغفر لكم من ذنوبكم } الآية. # جعل الطاعة هنا لنبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعلق ~~عليها مغفرة الله لذنوبهم. # وقد بين تعالى أن طاعة النبي هي طاعة الله، فهي في الأصل طاعة لله ~~لأنه مبلغ عن الله كما في قوله تعالى في سورة النساء # وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 79-80]. ### || [71.5] # قوله تعالى: { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ~~}. # أي على الدوام كما قال: # ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا # [نوح: 8-9]. # أي أن نبي الله نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. بذل كل ما يمكنه ~~في سبيل الدعوة إلى الله، وقد بين تعالى مدة مكثه فيهم على تلك الحالة في ~~قوله تعالى: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14]. ### || [71.7] # قوله تعالى: { جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا }. # بين تعالى الغرض من جعل الأصابع في الآذان لعدم السماع، كما في قوله ~~تعالى: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن # [فصلت: 26] وإصرارهم واستكبارهم إنما هو عن اتباع ما دعاهم إليه ms3924 نوح ~~عليه السلام. # كما قالوا: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي وما نرى لكم علينا من فضل # [هود: 27]، وقريب منه قوله تعالى: # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # [الشورى: 13]. ### || [71.10-11] # رتب إرسال السماء عليهم مدرارا على استغفارهم، وهذا يدل على أن ~~الاستغفار والتوبة والعمل الصالح قد يكون سببا في تيسير الرزق. # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث: # " من أراد أن ينسأ له في عمره ويوسع له في رزقه فليصل رحمه ". # وقد تكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه على هذه المسألة في سورة ~~هود عند قوله تعالى: # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يمتعكم متاعا حسنا # [هود: 3] الآية. # كما دلت الآية الأخرى في هذه السورة على أن المعصية سبب للهلاك في قوله: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]. ### || [71.14] # هي المبينة في قوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 12-14]. # وهذا مروي معناه عن ابن عباس. قاله ابن كثير والقرطبي. # وقيل أطوارا: شبابا وشيوخا وضعفاء. # وقيل أطوارا: أي أنواعا صحيحا وسقيما وبصيرا وضريرا وغنيا ~~وفقيرا. # وقيل أطوارا: اختلافهم في الأخلاق والأفعال. قاله القرطبي. # ولكن كما قدم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه. أنه إذا تعددت الأقوال ~~في الآية وكان فيها قرينة دالة على أحد الأقوال لإنه يبينه، وهنا قرينة ~~في الآية على أن المراد هو الأول وإن كان الجميع صحيحا، والقرينة هي أن ~~الآية في قضية الخلق وهو الإيجاد الأول، لأن ما بعد الإيجاد صفات عارضة. # وقد جاء نظير الآية في سورة المؤمنون كما قدمنا، وقد ذيلت بقوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. # ومنها أن الآية سيقت في الدلالة على قدرة الله على بعثهم بعد موتهم ~~لمجازاتهم، فكان الأنسب بها أن يكون متعلقها كمال الخلقة والقدرة على ~~الإيجاد. # والأنسب لهذا المعنى ms3925 هو خلقهم من نطفة أمشاج وماء مهين، ثم تطويرها إلى ~~علقة، ثم تطوير العلقة مضغة، ثم خلق المضغة عظاما، ثم كسو العظام لحما، ~~ثم نشأته نشأة أخرى. # إنها قدرة باهرة وسلطة قاهرة. # ومثله في الواقعة: # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59]. # وفي الطور في أصل الخلقة: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # [الطور: 35]. # إن أصل الخلقة والإيجاد وهو أقوى دليل على القدرة، وهو الذي يجاب به على ~~الكفرة، كما في قوله تعالى: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17] ثم قال: # من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره # [عبس: 17-19] ذلك كله دليل على أن المراد بالأطوار في الآية، هو ما جاء ~~عن ابن عباس المشتملة عليه سورة المؤمنون. # تنبيه # إن بيان أطوار خلقة الإنسان على النحو المتقدم أقوى في انتزاع الاعتراف ~~بقدرة الله من العبد، من يحيي المخلوق جملة، لأنه يوقف على عدة مراحل من ~~حياته وإيجاده، وكل طور منها آية مستقلة، وهذا التوجيه موجود في الظواهر ~~الكونية أيضا من سماء وأرض، فالسماء كانت دخانا وكانت رتقا ففتقهما، ~~والأرض كانت على غير ما هي عليه الآن، وبين الجميع في قوله: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها ~~فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ~~ذلك دحاهآ أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال ~~أرساها # [النازعات: 27-32] وأجمع من ذلك كله في قوله تعالى في فصلت # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا # [فصلت: 9-12]، ثم ختم تعالى هذا التفصيل الكامل بقوله: # ذلك تقدير العزيز العليم # [فصلت: 12]، ففيه بيان أن تلك الأطوار في المخلوقات بتقدير معين، وأنه ~~بعلم، ومن العزيز سبحانه، فكان من ms3926 الممكن خلقها دفعة واحدة، إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # ولكن العرض على هذا التفصيل أبعد أثرا في نفس السامع وأشد تأثيرا ~~عليه. والعلم عند الله تعالى. ### || [71.15-18] # في هذه الآية مع ما قبلها ثلاثة براهين من براهين البعث الأربعة التي ~~كثر مجيئها في القرآن. # الأولى: خلق الإنسان # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79]. # والثانية: خلق السماوات والأرض: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # والثالثة: إحياء الأرض بعد موتها # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت # [الحج: 5]، # إن الذي أحياها لمحى الموتى # [فصلت: 39]. # والرابع: الذي لم تذكر هنا هو إحياء الموتى بالفعل، كقتيل بني إسرائيل، # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى # [البقرة: 73]. # وقد تقدم تفصيل ذلك في أكثر من موضع للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، ~~وهنا سياق هذه البراهين للرد على المكذبين بالبعث، ولكن في هذا السياق ~~إشكال فيما يبدو كبير وهو قوله تعالى: # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا # [نوح: 15]. # وإذا كان السياق للاستدلال بالمعلوم المشاهد على المجهول الغيبي، فإن ~~خلق الإنسان أطوارا محسوس مشاهد ومسلم به، وإنبات الإنسان من الأرض ~~بإطعامه من نباتها وإحيائها بعد موتها واهتزازها وإنباتها النبات أمر ~~محسوس. # ويمكن أن يقال للمخاطب: كما شاهدت خلق الإنسان من عدم وتطوره أطوارا، ~~وشاهدت إحياء الأرض الميتة، فإن الله الذي خلقك وأحيا لك الأرض الميتة ~~قادر على أن يعيدك ويخرجك منها إخراجا. # ولكن كيف تقول: وكما شاهدت خلق السماوات سبعا طباقا فإن القادر على ~~ذلك قادر على بعثك. والحال أن الإنسان لم يشاهد خلق السموات سبعا ~~طباقا، ولا رأى كيف خلقها الله سبعا طباقا، والإشكال هنا هو كيف قيل ~~لهم: { ألم تروا كيف }. # والكيف للحال والهيئة، وهم لم يشاهدوها كما قال تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51]. # وكيف يستدلون بالمجهول عندهم على المغيب عنهم؟ # وهنا تساءل ابن كثير تساؤلا واردا، وهو قوله: { طباقا } أي واحدة ~~فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ ms3927 أو هو من الأمور المدركة ~~بالحس، مما علم من التسيير والكسوفات. وأظنه يعني التسيير من السير، فإن ~~الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا، فأدناها القمر في السماء ~~الدنيا وذكر الكواكب السبعة في السماوات السبع، وكلام أهل الهيئة ولم ~~يتعرض للإشكال بحل يركن إليه. # وقال القرطبي: قوله تعالى: { ألم تروا } كيف على جهة الاخبار لا ~~المعاينة. # كما تقول: ألم تر كيف فعلت بفلان كذا؟ # وعلى كلام القرطبي يرد السؤال الأول، إذا كان ذلك على جهة الإخبار، فكيف ~~يجعل الخبر دليلا على خبر آخل لا يدرك إلا بالسمع؟ # والجواب عن ذلك مجملا مما تشير إليه آيات القرآن الكريم كالآتي: # أولا: أن تساؤل ابن كثير هل يتلقى ذلك من جهة السمع فقط؟ أو هو من ~~الأمور المدركة بالحس، لا محل له لأنه لا طريق إلا النقل فقط، كما قال ~~تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51] أي آدم. فلم نعلم كيف خلق ولا كيف سارت الروح في جسم جماد ~~صلصال، فتحول إلى جسم حساس نام ناطق. # وأما قول القرطبي: إنه على جهة الإخبار لا المعاينة، فهو الذي يشهد له ~~القرآن. # ويجيب القرآن على السؤال الوارد عليه، وذلك في قوله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود # [فصلت: 9-13]. # لأن الله تعالى خاطب هنا الكفار قطعا لقوله: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9]. # وخاطبهم بأمور مفصلة لم يشهدوها قطعا من خلق الأرض في يومين، ومن تقدير ~~أقواتها في أربعة أيام ومن استوائه إلى السماء وهي دخان. # ومن قوله لها وللأرض: # ائتيا ms3928 طوعا أو كرها # [فصلت: 11]. # ومن قولهما: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # ومن قضائهن سبع سماوات في يومين. # ومن وحيه في كل سماء أمرها. # كل ذلك تفصيل لأمور لم يشهدوها ولم يعلموا عنها بشيء، ومن ضمنها قضاؤه ~~سبع سماوات، فكان كله على سبيل الإخبار لجماعة الكفار. # وعقبه بقوله: # ذلك تقدير العزيز العليم # [فصلت: 12] فكان مقتضى هذا الإخبار وموجب هذا التقدير من العزيز العليم، ~~أن يصدقوا أو أن يؤمنوا. وهذا من خصائص كل إخبار يكون مقطوعا بصدقه من ~~كل من هو واثق بقوله: يقول الخبر، وكان لقوة صدقه ملزم لسامعه، ولا يبالي ~~قائله بقبول السامع له أو إعراضه عنه. # ولذا قال تعالى بعد ذلك مباشرة { فإن أعرضوا } أي بعد إعلامهم ~~بذلك كله، فلا عليك منهم: # فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود # [فصلت: 13]. # وحيث إن الله خاطبهم هنا { ألم تروا كيف } فكان هذا أمر لفرط ~~صدق الإخبار به، كالمشاهد المحسوس الملزم لهم؟ # وقد جاءت السنة وبينت تلك الكيفية أنها سبع طباق بين كل سماء، والتي ~~تليها مسيرة خمسمائة عام، وشمل كل سماء وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام. # وقد يقال: إن الرؤية هنا في الكيفية حاصلة بالعين محسوسة، ولكن في شخصية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج حيث عرج به ورأى السبع ~~الطباق، وكان يستأذن لكل سماء. ومشاهدة الواحد من الجنس كمشاهدة الجميع، ~~فكأننا شاهدناها كلنا لإيماننا بصدقه صلى الله عليه وسلم، ولحقيقة ~~معرفتهم إياه صلى الله عليه وسلم في الصدق من قبل. والعلم عند الله ~~تعالى. ### || [71.21] # قوله تعالى: { واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا }. # ينص تعالى هنا أن قوم نوح اتبعوا من هذا وصفه مع أن المال يزيد الإنسان ~~نفعا. وقد بين تعالى أن المال فعلا قد يورث خسارة، وهلاكا كما في قوله ~~تعالى: # إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] أي بالطغيان يكون إهلاكا. ### || [71.26-27] # في هذه نص على أن نبي الله نوحا طلب من الله إهلاك من على الأرض ~~جميعا، مع أن عادة الرسل الصبر ms3929 على أممهم، وفيه إخبار نبي الله نوح عمن ~~سيولد من بعد، وأنهم لم يلدوا إلا فاجرا كفارا، فكيف دعا على قومه هذا ~~الدعاء وكيف حكم على المواليد فيما بعد؟ # والقرآن الكريم بين هذين الأمرين: # أما الأول: فإنه لم يدع عليهم هذا الدعاء إلا بعد أن تحدوه ويئس منهم، ~~أما تحديهم ففي قولهم: # ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ~~تعدنآ # [هود: 32]. # وقوله: # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر # [القمر: 9-10]. # وأما يأسه منهم فلقوله تعالى: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن # [هود: 36]. # وأما إخباره عمن سيولد بأنه لن يولد لهم إلا فاجر كفار، فهو من مفهوم ~~الآية المذكورة آنفا، لأنه إذا لم يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فسواء في ~~الحاضر أو المستقبل. # وكذلك بدليل الاستقراء، وهو دليل معتبر شرعا وعقلا، وهو أنه مكث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما وما آمن معه إلا قليل كانوا هم ومن معهم غيرهم ~~حمل سفينة فقط، فكان دليلا على قومه أنهم فتنوا بالمال ولم يؤمنوا له، ~~وهو دليل نبي الله موسى عليه السلام أيضا على قومه. # كما قال تعالى: # ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. # فأخبر نبي الله موسى عن قومه أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، ~~وذلك من استقراء حالهم في مصر لما أراهم الآية الكبرى # فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال ~~أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 21-24]. # وبعد ان ابتلاهم الله بما قص علينا في قوله: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين # [الأعراف: 133]. # وقوله تعالى بعدها: # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ms3930 بالغوه إذا هم ~~ينكثون # [الأعراف: 134-135]. # فمن كانت هذه حالته وموسى يعاين ذلك منهم، لا شك أنه يحكم عليهم أنهم لن ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. # وكذلك كان دليل الاستقراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه استدل ~~به على عكس الأقوام الآخرين، حينما رجع من الطائف وفعلت معه ثقيف ما فعلت ~~فأدموا قدميه، وجاءه جبريل ومعه ملك الجبال واستأذنه في أن يطبق عليهم ~~الأخشبين، فقال: # " لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجوا أن يخرج الله من ~~أصلابهم من يقول لا إله إلا الله " # وذلك أنه صلى الله عليه وسلم علم باستقراء حالهم أنهم لا يعلمون فهم ~~يمتنعون عن الإيمان لقلة تعلمهم وأنهم في حاجة إلى التعليم. # فإذا علموا تعلموا، وأن طبيعتهم قابلة للتعليم لا أنهم كغيرهم في ~~إصرارهم، لأنه شاهد من كبارهم إذا عرض عليهم القرآن وخوطبوا بخطاب العقل ~~ووعوا ما يخاطبون به وسلموا من العصبية والنوازع الأخرى فإنهم يستجيبون ~~حالا كما حدث لعمر وغيره رضي الله عنهم إلا من أعلمه الله بحاله مثل ~~الوليد بن المغيرة # ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا ~~وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا # [المدثر: 11-14] - إلى قوله - # كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا # [المدثر: 16-17] - إلى قوله - # سأصليه سقر # [المدثر: 26] فعلم صلى الله عليه وسلم حاله ومآله، ولذا فقد دعا عيله ~~يوم بدر. # ومثله أبو لهب لما تبين حاله بقوله تعالى: # سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب # [المسد: 3-4] فلكون العرب أهل فطرة، ولكون الإسلام دين الفطرة أيضا ~~كانت الاستجابة إليه أقرب. # انظر مدة مكثه صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى انتقاله إلى الرفيق ~~الأعلى ثلاثا وعشرين سنة، كما عدد من أسلم فيها بينما نوح عليه السلام ~~يمكث ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن معه إلا القليل. # ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]، كان بدليل الاستقراء من قومه، والعلم عند الله تعالى. # وقوله تعالى: # وقال نوح ms3931 رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا # [نوح: 26]، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا؟ وبينه في مواضع أخر منها ~~قوله: # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له # [الأنبياء: 76]. # وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى: # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا # [نوح: 25] فجمع الله لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق، مقابل أعظم ~~الذنبين الضلال والإضلال. # وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله: # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنآ أبواب ~~السمآء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى المآء على أمر قد قدر وحملناه على ~~ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا # [القمر: 10-14] الآية. # قال ابن كثير: لقد أغرق الله كل من على وجه الأرض من الكفار، حتى ولد ~~نوح من صلبه. وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله: # يبني اركب معنا # [هود: 42] إلى قوله: # فكان من المغرقين # [هود: 43] لما أخذت نوحا العاطفة على ولده قال: # رب إن ابني من أهلي # [هود: 45] إلى قوله: # إنه ليس من أهلك # [هود: 46] أثار بعض الناس تساؤلا حول ذلك في قراءة # إنه عمل غير صالح # [هود: 46]، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره. # وتساءلوا حول صحة نسبه، والحق أن الله تعالى قد عصم نساء الأنبياء ~~إكراما لهم، وأنه ابنه حقا، لأنه لما قال # إن ابني من أهلي # [هود: 45] تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته. # ثانيا: نسبته إليه في أهله، فكان الجواب عليه من الله بنفي النسبة ~~الثانية لا الأولى، إنه ليس من أهلك. ولم يقل: إنه ليس ابنك، والأهل أعم ~~من الابن، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، والعكس بالعكس، فلما ~~نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية، ولو لم يكن ابنه ~~لصلبه لكان النفي ينصب عليها. # ويقال: إنه ليس ابنك، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله، ~~وكذلك قوله تعالى بعدها: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا # [هود: 37] أي لأن الظالمين ms3932 ليسوا من الأهل بالنسبة للدين، لأن الدين ~~يربط البعيدين، والظلم الذي هو بمعنى الكفر يفرق القريبين. والعلم عند ~~الله تعالى. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-2] # فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعاجبهم به، وهدايتهم بهديه وإيمانهم ~~بالله، وتقدمت الإشارة بذلك من كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ~~في سورة الأحقاف عند قوله تعالى: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29]، وفي آية الأحقاف بيان لما قام به النفر من الجن بعد ~~سماعهم القرآن بأنهم لما قضى سماعهم ولوا إلى قومهم منذرين. # وفيها: بيان أنهم عالمون بكتاب موسى وهو التوراة، وقد شهدوا بأن القرآن ~~مصدق لما بين يديه وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، كما جاء هنا قوله: { ~~يهدي إلى الرشد }. ### || [72.4] # والشطط: البعيد المفرط في البعد، قال عنترة في معلقته: # شطت مزار العاشقين فأصبحت # عسرا على طلابها ابنة مخرم # وروي: # حلت بأرض الزائرين فأصبحت # وأنشد أيضا لغيره: # شط المزار بجذوى وانتهى الأمل # ففي كلا البيتين الشطط الإفراط في البعد، إذ في الأول قال: فأصبحت عسرا ~~علي طلابها، وفي الثاني قال: وانتهى الأمل، وقد بين القرآن أن المراد ~~بالشطط البعد الخاص، وهو البعد عن الحق، كما في قوله تعالى: # فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط # [ص: 22]. # ومنه البعد عن حقيقة التوحيد إلى الشرك، وهو المراد هنا كما في سورة ~~الكهف في قوله: # لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنآ إذا شططا # [الكهف: 14] لأن دعاءهم غير الله أبعد ما يكون عن الحق. # ويدل على أن المراد هنا ما جاء في هذه السورة { فآمنا به ولن ~~نشرك بربنآ أحدا }. ### || [72.8] # بين تعالى المراد بتلك الحراسة بأنه لحفظها عن استراق السمع، كما في ~~قوله: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب ~~وحفظا # [الصافات: 6-7]، وبين تعالى حالهم قبل ذلك بأنهم كانوا يقعدون منها ~~مقاعد للسمع فيسترقون الكلمة وينزلون بها إلى الكاهن فيكذب معها مائة ~~كذبة، كما بين تعالى أن الشهب تأتيهم من النجوم. # كما في قوله تعالى: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين # [الملك: ms3933 5]. ### || [72.10] # فيه نص على أن الجن لا تعلم الغيب، وقد صرح تعالى في قوله: # فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين # [سبأ: 14]. # وقد يبدو من هذه الآية إشكال، حيث قالوا أولا: # إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا ~~به # [الجن: 1-2]، ثم يقولون { وأنا لا ندري أشر أريد بمن ~~في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } ، والواقع أنهم ~~تساءلوا لما لمسوا السماء فمنعوا منها لشدة حراستها، وأقروا أخيرا لما ~~سمعوا القرآن وعلموا السبب في تشديد حراسة السماء، لأنهم لما منعوا ما ~~كان يخطر ببالهم أنه من أجل الوحي لقوله # وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله ~~أحدا # [الجن: 7]. # وقوله تعالى: # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا # [الجن: 8] يدل بفحواه أنهم منعوا من السمع، كما قالوا فمن يستمع الآية ~~يجد له شهابا رصدا، ولكن قد يظن ظان أنهم يحاولون السماع ولو مع ~~الحراسة الشديدة، ولكن الله تعالى صرح بأنهم لم ولن يستمعوا بعد ذلك، كما ~~قال تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212]. ### || [72.16-17] # وهذا كما قال تعالى: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66] وقوله: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] فكلها نصوص على أن الأمة إذا استقامت على الطريقة القويمة ~~شرعة الله لفتح عيلهم بركات من السماء والأرض. # ومثل ذلك قوله تعالى: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا # [نوح: 10-12]. # ومفهوم ذلك أن من لم يستقم على الطريقة فقد يكون انحرافه أو شركه موجبا ~~لحرمانه من نعمة الله تعالى عليه، كما جاء صريحا ي قوله: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ~~ثمر # [الكهف: 32-34]. # فهذه نعمة كاملة، كما ms3934 وصف الله تعالى: # فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ~~مآ أظن أن تبيد هذه أبدا ومآ أظن الساعة ~~قآئمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ~~بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا # [الكهف: 34-37] إلى قوله: # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ ~~أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ~~يليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا # [الكهف: 42-43]. # وما أشبه الليلة بالبارحة فيما يعيشه العالم الإسلامي اليوم بين ~~الاتجاهين المتناقضين الشيوعي والرأسمالي. # وما أثبته الواقع من أن المعسكر الشيوعي الذي أنكر وجود الله وكفر بالذي ~~خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلا، فانه وكل من يسير في فلكه مع مدى ~~تقدمه الصناعي، فإنه مفتقر لكافة الأمم الأخرى في استيراد القمح، وإن ~~روسيا بنفسها لتفرج عن بعض احتياطها من الذهب لتشتري قمحا. ولا زالت ~~تشتريه من المعسكر الرأسمالي. # وهكذا الدول الإسلامية التي تأخذ في اقتصادياتها بالمذهب الاشتراكي ~~المتفرع من المذهب الشيوعي. فإنها بعد أن كانت تفيض بإنتاجها الزراعي على ~~غيرها، أصبحت تستورد لوازمها الغذائية من خارجها، وتلك سنة الله في خلقه، ~~ولو كانوا مسلمين كما قص الله تعالى علينا قصة أصحاب الجنة # إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون # [القلم: 17-19] إلى قوله # فأصبحت كالصريم # [القلم:20] إلى قوله # قالوا سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين # [القلم: 29]. # ولذا كانت الزكاة طهرة للمال ونماء له. # وقوله { لنفتنهم فيه } أي نختبرهم فيما هم فاعلون من شكر ~~النعمة وصرفها فيما يرضي الله، أم الطغيان بها ومنع حقها؟ # إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]، # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده ~~أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 15-16]. ### || [72.18] # المساجد جمع مسجد. والمسجد لغة ms3935 اسم مكان من سجد يسجد على وزن مفعل، ~~كمجلس على غير القياس مكان الجلوس، وهو لغة يصدق على كل مكان صالح ~~للسجود. # وقد ثبت من السنة أن الأرض كلها صالحة لذلك، كما في قوله صلى الله عليه ~~وسلم، # " وجعلت لي الأرض مسجدا طهورا " # ، واستثنى منها أماكن خاصة نهى عن الصلاة فيها لأوصاف طارئة عليها وهي ~~المزبلة والمجزرة والمقبر وقارعة الطريق وفوق الحمام. ومواضع الخسف ~~ومعاطن الإبل، والمكان المغصوب على خلاف فيه من حيث الصحة وعدمها والبيع. # وقد عد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه تسعة عشر موضعا عند قوله ~~تعالى: # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين # [الحجر: 80] في الكلام على حكم أرض الحجر ومواطن الخسف، وساق كل موضع ~~بدليله، وهو بحث مطول مستوفى والمسجد عرفا كل ما خصص للصلاة وهو المراد ~~بالإضافة هنا لله تعالى، وهي إضافة تشريف وتكريم مع الإشعار باختصاصها ~~بالله أي بعبادته وذكره، كما قال تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة # [النور: 36-37] الآية. # ولهذا منعت من اتخاذها لأمور الدنيا من بيع وتجارة، كما في الحديث: # " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك ~~" # رواه النسائي والترمذي وحسنه. # وكذلك إنشاد الضالة لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سمعتم من ينشد ضالة بالمسجد، فقولوا له: لا ردها الله عليك، فإن ~~المساجد لم تبن لذلك " # رواه مسلم. # وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد. قال له صلى الله عليه وسلم: # " إن هذه المساجد لم تبن لذلك، إنما هي لذكر الله وما والاه " # ، وفي موطأ مالك: أن عمر رضي الله عنه بني رحبة في ناحية المسجد تسمى ~~البطحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج ~~إلى هذه الرحبة. # واللغط هو الكلام الذي فيه جلبة واختلاط. " وأل " في المساجد للاستغراق ~~فتفيد شمول جميع المساجد، كما تدل في عمومها على المساواة، ms3936 ولكن جاءت ~~آيات تخصص بعض المساجد بمزيد فضل واختصاص، وهي المسجد الحرام خصه الله ~~تعالى بما جاء في قوله: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ~~ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 96-97]. فذكر هنا سبع خصال ليست لغيره من المساجد من أنه أول ~~بيت وضع للناس ومبارك وهدى للعالمين، وفيه آيات بينات ومقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا، والحج والعمرة إليه، وآيات أخر. # والمسجد الأقصى، قال تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1] فخص بكونه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ~~وبالبركة حوله وأري صلى الله عليه وسلم فيه من آيات ربه. # وقد كان من الممكن أن يعرج به إلى السماء من جوف مكة، ومن المسجد ~~الحرام، ولكن ليريه من آيات الله كعلامات الطريق لتكون دليلا له على ~~قريش في إخباره بالإسراء والمعراج، وتقديم جبريل له الأقداح الثلاثة ~~بالماء واللبن والخمر، واختياره اللبن رمزا للفطرة. واجتماع الأنبياء له ~~والصلاة بهم في المسجد الأقصى، بينما رآهم في السماوات السبع، وكل ذلك من ~~آيات الله أريها صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، ~~ومسجد قباء، فمسجد قباء نزل فيه قوله تعالى: # أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين # [التوبة: 108]. # فجاء في صحيح مسلم # " أن أبا سعيد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي مسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم؟ فأخذ صلى الله عليه وسلم من الحصباء وضرب بها أرض ~~مسجده، وقال: " مسجدكم هذا " ". # وجاء في بلوغ المرام وغيره: حديث ابن عباس رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: " إن الله يثني ~~عليكم " فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء " # ، رواه البزار بسند ضعيف. # قال في سبل السلام: وأصله في ms3937 أبي داود والترمذي في السنن عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " نزلت هذه الآية في أهل قباء " # فيه رجال يحبون أن يتطهروا # [التوبة: 108]. # قال ابن حجر: وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر ~~الحجارة. # وقال صاحب وفاء الوفاء: وروى ابن شيبة من طرق: ما حاصله أن الآية لما ~~نزلت أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قباء. # وفي رواية: أهل ذلك المسجد. # وفي رواية: بني عمرو بن عوف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما بلغ من طهوركم؟ قالوا: ~~نستنجي بالماء ". # قال: وروى أحد وابن شيبة واللفظ لأحمد عن أبي هريرة قال: انطلقت إلى ~~مسجد التقوى أنا وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب، فأتينا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا لنا: انطلقوا إلى مسجد التقوى، فانطلقنا نحوه. ~~فاستقبلنا يداه على كاهل أبي بكر وعمر فثرنا في وجهه فقال: من هؤلاء يا ~~أبا بكر؟ قال: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة وجندب. # فحديث مسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك النصوص في مسجد ~~قباء. # وقد قال ابن حجر رحمه الله: والحق أن كلا منهما أسس على التقوى، وقوله ~~تعالى: # فيه رجال يحبون أن يتطهروا # [التوبة: 108] ظاهر في أهل قباء. # وقيل: إن حديث مسلم في خصوص مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ردا ~~على اختلاف رجلين في المسجد المعنى بها، فأراد صلى الله عليه وسلم أن ~~يبين لهم أن الآية ليست خاصة بمسجد قباء، وإنما هي عامة في كل مسجد أسس ~~على التقوى، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معلوم في ~~الأصول. # وعليه، فالآية إذا اشتملت وتشتمل على كل مسجد أينما كان، إذا كان أساسه ~~من أول يوم بنائه على التقوى، ويشهد لذلك سياق الآية بالنسبة إلى ما ~~قبلها وما بعدها، فقد جاءت قبلها قصة مسجد الضرار بقوله: # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ~~بين ms3938 المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ~~من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجد ~~أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم ~~فيه # [التوبة: 107-108]. # ومعلوم أن مسجد الضرار كان بمنطقة قباء، وطلبوا من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن يصلي لهم فيه تبركا في ظاهر الأمر، وتقريرا لوجوده يتذرعون ~~بذلك، ولكن الله كشف عن حقيقتهم. # وجاءت الآية بمقارنة بين المسجدين فقال تعالى له: # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا # [التوبة: 108] الآية. # وجاء بعد ذلك مباشرة للمقارنة مرة أخرى أعم من الأولى في قوله تعالى: # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم # [التوبة: 109-110]. # وبهذا يكون السبب في نزول الآية هو المقارنة بين مبدأين متغايرين، وأن ~~الأولية في الآية في قوله: # من أول يوم # [التوبة: 108] أولية نسبية أي بالنسبة لكل مسجد في أول يوم بنائه، وإن ~~كان الظاهر فيها أولية زمانية خاصة، وهو أول يوم وصل صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، ونزل بقباء، وتظل هذه المقارنة في الآية موجودة إلى ما شاء الله ~~في كل زمان ومكان كما قدمنا. # وقد اختصت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها بروابط عديدة، أهمها ~~تحديد مكانها حيث كان بوحي أو شبه الوحي. # ففي البيت الحرام قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26]. # وفي المسجد الأقصى: ما جاء في الأثر عنه: أن الله أوحى إلى نبيه داود. ~~أن ابن لي بيتا، قال: واين تريدني أبنيه لك يا رب؟ قال: حيث ترى الفارس ~~المعلم شاهرا سيفه. # فرآه في مكانه الآن، وكان حوشا لرجل من بني إسرائيل. إلى آخر القصة في ~~البيهقي. # وفي مسجد قباء بسند فيه ضعف. # " لما نزل صلى الله عليه وسلم قباء ms3939 قال: من يركب الناقة إلى أن ركبها ~~علي، فقال له: أرخ زمامها فاستنت، فقال: خطوا المسجد حيث استنت ". # وفي المسجد النبوي: جاء في السير كلها # " أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بحي من أحياء المدينة، وقالوا له: ~~هلم إلى العدد والعدة، فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى وصلت إلى ~~أمام بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وكان أمامه مربد لأيتام ومقبرة ~~ليهود، فاشترى المكان ونبش القبور وبنى المسجد ". # وكذلك في البناء فكلها بناء رسل الله، فالمسجد الحرام بناه إبراهيم عليه ~~السلام، أي البناء الذي ذكره القرآن وما قبله فيه روايات عديدة، ولكن ~~الثابت في القرآن قوله تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل # [البقرة: 127]. # وكذلك بيت المقدس، وبينه وبين البيت أربعون سنة، كما في حديث عائشة في ~~البخاري أي تجديد بنائه. # وكذلك مسجد قباء، فقد شارك صلى الله عليه وسلم في بنائه، وجاء في قصة ~~بنائه # " أن رجلا لقي النبي صلى الله عليه وسلم حاملا حجرا فقال: دعني ~~أحمله عنك يا رسول الله، فقال له: " انطلق وخذ غيرها، فلست بأحوج من ~~الثواب مني " ". # وكذلك مسجده الشريف بالمدينة المنورة، حين بناه أولا من جذوع النخل ~~وجريده، ثم بناه مرة أخرى بالبناء بعد عودته من تبوك. # ولهذه الخصوصيات لهذه المساجد الأربعة، تميزت عن عموم المساجد كما ~~قدمنا. # ومن أهم ذلك مضاعفة الأعمال فيها، أصلها الصلاة، كما بوب لهذا البخاري ~~بقوله: [باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]، وساق الحديثين. # الأول حديث: # " لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ~~ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ". # والحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ". # كما اختص المسجد النبوي بروضته، التي هي روضة من رياض الجنة. # وبقوله صلى الله عليه وسلم # " ومنبري على ترعة من ترع الجنة " # ، وهو حديث مشهور # " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على ترعة من ترع الجنة ~~". # واختص ms3940 مسجد قباء بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة " # أخرجه ابن ماجه وعمر بن شبة بسند جيد، ورواه أحمد والحاكم، وقال: صحيح ~~الإسناد. # قال في وفاء الوفاء: وقال عمر بن شبة: حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا ~~أيوب بن حيام عن سعيد بن الرقيش الأسدي قال: جاءنا أنس بن مالك إلى مسجد ~~قباء، فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري، ثم سلم وجلس وجلسنا حوله فقال: # سبحان الله: ما أعظم حق هذا المسجد، لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن ~~يؤتى، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه ليصلي فيه أربع ركعات أقلبه ~~الله بأجر عمرة. # وقد اشتهر هذا المعنى عند العامة والخاصة، حتى قال عبد الرحمن بن الحكم ~~في شعر له: # فإن أهلك فقد أقررت عينا # من المعتمرات إلى قباء # من اللائي سوالفهن غيد # عليهن الملاحة البهاء # وروى ابن شبة بسند صحيح من طريق عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قال: سمعت ~~أبي يقول: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس ~~مرتين. لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل، وغير ذلك من ~~الآثار مرفوعة وموقوفة، مما يؤكد هذا المعنى من أن قباء اختص بأن: من ~~تطهر في بيته وأتى إليه عامدا وصلى فيه ركعتين كان له كأجر عمرة. # تنبيه # وهنا سؤال يفرض نفسه: لماذا كان مسجد قباء دون غيره، ولماذا اشترط ~~التطهر في بيته لا من عند المسجد؟ ولقد تطلبت ذلك طويلا فلم أقف على قول ~~فيه، ثم بدا لي من واقع تاريخه وارتباطه بواقع المسلمين والمسجد الحرام ~~أن مسجد قباء له ارتباطات عديدة بالمسجد الحرام. # أولا: من حيث الزمن، فهو أسبق من مسجد المدينة. # ومن حيث الأولية النسبية، فالمسجد الحرام أول بيت وضع للناس. # ومسجد قباء أول مسجد بناه المسلمون. # والمسجد الحرام بناه الخليل. # ومسجد قباء بناه خاتم المرسلين. # والمسجد الحرام كان مكانه باختيار من الله، وشبيه ms3941 به مكان مسجد قباء. # ومن حيث الموضوعية فالمسجد الحرام مأمنا وموئلا للعاكف والباد. # ومسجد قباء مأمنا ومسكنا وموئلا للمهاجرين الأولين، ولأهل قباء فكان ~~للصلاة فيه شدة ارتباط بالمسجد الحرام تجعل المتطهر في بيته والقاصد إليه ~~للصلاة فيه كأجر عمرة. ولو قيل: إن اشتراط التطهير في بيته لا عند المسجد ~~شدة عناية به أولا، وتمحيص القصد إليه ثانيا، وتشبيها أو قريبا ~~بالفعل من اشتراط الإحرام للعمرة من الحل، لا من عند البيت في العمرة ~~الحقيقة، لما كان بعيدا. فالتطهر من بيته والذهاب إلى قباء للصلاة فيه ~~كالإحرام من الحل والدخول في الحرم للطواف والسعي، كما فيه تعويض ~~المهاجرين عما فاتهم من جوار البيت الحرام قبل الفتح. والله تعالى أعلم. # تنبيه آخر # إن مما ينبغي أن يعلم أن للمسجد في المجتمع الإسلامي رسالة عظمى ألزم ما ~~يكون على المسلمين إحياؤها: وهي أن المسجد لهم هو بيت الأمة فيهم لجميع ~~مصالحهم العامة والخاصة تقريبا مما يصلح له، فكأن المسجد النبوي في أول ~~أمر المسلمين المثال لذلك. # إذ كان المصلى الذي تتضاعف فيه الصلاة، وكان المعهد لتلقي العلم منه صلى ~~الله عليه وسلم، ومن جبريل عليه السلام ومن الأئمة ورثة الأنبياء، ولا ~~يزال بحمد الله كما قال صلى الله عليه وسلم # " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالما كعالم المدينة ". # وكما قال: # " من راح إلى مسجدي لعلم يتعلمه أو يعلمه كان كمن غزا في سبيل الله " # ، وكان فيه تعليم الصبيان للقراءة والكتابة، وكان ولا يزال كذلك إلى ~~اليوم بحمد الله، وكان مقرا للإفتاء ومجلسا للقضاء ومقرا للضيافة، ~~ومنزلا للأسارى، ومصحا للجرحى. # وقد ضربت لسعد فيه قبة لما أصابه سهم ليعوده صلى الله عليه وسلم من قريب ~~ومقرا للقيادة، فتعقد فيه ألوية الجهاد، وتبرم فيه معاهدات الصلح، ~~ومنزلا للوفود كوفد تميم وعبد القيس، وبيتا للمال كمجيء مال البحرين ~~وحراسة أبي هريرة له. # ولما نقب ببيت مال المسلمين، قال عمر رضي الله عنه لعامله هناك: انقله ~~إلى المسجد فلا يزال المسجد فيه مصلى أي ms3942 ليتولى حراسته ومقيلا للعزاب ~~ومبيتا للغرباء. إلى غير ذلك مما لا يوجد في أي مؤسسة أخرى. ولا تتأتى ~~إلا في المسجد، مما يؤكد رسالة المسجد، ويستدعي الانتباه إليه وحسن ~~الاستفادة منه. # وبمناسبةاختصاص هذه المساجد الأربعة بمزيد الفضل وزيادة مضاعفة الصلاة، ~~فإن في المسجد النبوي خاصة عدة مباحث طالما أشير إليها في عدة مواضع وهي ~~من الأهمية بمكان، وأهمها أربعة مباحث نوردها بإيجاز، وهي: # الأول: مضاعفة الصلاة بألف. وهل هي خاصة بمسجده صلى الله عليه وسلم الذي ~~كان من بنائه صلى الله عليه وسلم، أم يشمل ذلك ما دخله من زيادات. # وكذلك امتداد الصفوف خارجه عن الزحمة وهل هي في الفرض فقط أم فيه وفي ~~النقل، وهل هي للرجال والنساء أم للرجال فقط. # وقضية الأربعين صلاة الثانية بعد التوسعة الأولى لعمر وعثمان، ونقل ~~المحراب إلى القبلة عن الروضة، فأي الصفين أفضل. الصف الأول أم صفوف ~~الروضة. # الثالث: صلاة المأمومين عند الزحام أمام الإمام. # الرابع: حديث شد الرحال والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~يأتي بمحث موجب الربط بين أول الآية وآخرها، وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا. لما فيه من التنويه والإيماء إلى بناء المساجد على القبور ~~مع تمحيص العبادة لله وحده. # وتلك المباحث كنت قد فصلتها في رسالة المسجد النبوي التي كتبتها من قبل، ~~ونجمل ذلك هنا: # المبحث الأول # هل الفضلية خاص بالفرض، أم بالنفل؟ اتفق الجمهور على الفرض، ووقع الخلاف ~~في النفل، ما عدا تحية المسجد ركعتين بعد الجمعة وركعتين قبل المغرب. # وأما الخلاف في النوافل الراتبة في الصوات الخمس وفي قيام الليل، وسبب ~~الخلاف هو عموم # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه " # فمن حمله على العموم شمله بالنافلة، ومن حمل العموم على الأصل فيه قصره ~~على الفريضة، إذ العام على الإطلاق يحمل على الأخص منه وهي الفريضة. # وقد جاء حديث زيد بن ثابت عند أبي داود وغيره # " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". # وجاء التصريح بمسجده بقوله: # " صلاة ms3943 المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة ". # وما جاء عن الترمذي في الشمائل ومجمع الزوائد: # " أن عبد الله بن سعد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ~~بيته والصلاة في المسجد. فقال صلى الله عليه وسلم: " قد ترى ما أقرب بيتي ~~من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون ~~المكتوبة " ". # وفي رواية " # " أرأيت قرب بيتي من المسجد؟ قال: بلى. قال فإني أصلي النافلة في بيتي ~~". # أقوال الأئمة رحمهم الله، وعلى هذا التفصيل كانت أقوال الأئمة رحمهم ~~الله كالتالي: # قول الإمام أبي حنيفة: إن النافلة في البيت أفضل، وإذا وقعت في المسجد ~~النبوي كان لها نفس الأجر، أي أنها عامة في كل الصلوات. # ولكنها في البيت أفضل هي منها في المسجد. # وعند الشافعي: اختلفت الرواية عنه، فذكر النووي في شرح مسلم العموم. ~~وجاء عنه في المجموع ما يفيد الخصوص وإن لم يصرح به. # والنصوص في صلاة النافلة في البيت عديدة: # ومنها: # " اجعلوا صلاتكم في بيوتكم ". # ومنها # " أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم ". # وذكر القرطبي عن مسلم: # " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته ". # وعند المالكية يعم الفرض والنفل، واستدل لذلك بأن الحديث في معرض ~~الامتنان والنكرة إذا كانت في سياق الامتنان تعم، أي قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه " # ، فصلاة لفظ نكرة. # وفي معرض الامتنان والتفضل بهذا الأجر العظيم، فكان عاما في الفرض ~~والنفل، والذي يظهر والله تعالى أعلم لا خلاف بين الفريقين. إذ فضيلة ~~الألف حاصلة لكل صلاة صلاها الإنسان فيه فرضا كانت أو نفلا. # وصلاة النافلة في البيت تكون أفضل منها في المسجد بدوام صلاته صلى الله ~~عليه وسلم النوافل في البيت مع قرب بيته من المسجد، كما أن هذه الفضيلة ~~تشمل صلاة الرجل والمرأة. # ولكن صلاة المرأة مع ذلك أفضل في بيتها منها في المسجد، وهذا هو المبحث ~~الثاني: أي أيهما أفضل ms3944 للمرأة صلاتها في بيتها أم في المسجد النبوي؟ # وهذه المسألة قد بحثها فضيلة الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعيله عند ~~قوله تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # [النور: 36-37]. # وأن مفهوم { رجال } مفهوم صفة في هذه المسألة، لا مفهوم لقب وعليه ~~فالنساء يسبحن في بيوتهن، وقد ساق البحث وافيا في عموم المساجد وخصوص ~~المسجد النبوي، مما يكفي توسع. # أما المبحث الثالث: وهو هل المضاعفة خاصة بمسجده صلى الله عليه وسلم ~~الذي بناه، والذي كان موجودا أثناء حياته صلى الله عليه وسلم أو أنها ~~توجد فيه وفيما دخله من الزيادة من بعده. # أما مثار البحث هو ما جاء في نص الحديث اسم الإشارة في مسجدي هذا، فقال ~~بعض العلماء: اسم الإشارة موضع للتعيين، وقال علماء الوضع: إنه موضع بوضع ~~عام لموضوع له خاص، فيختص عند الاستعمال بمفرد معين، وهو ما كان صالحا ~~للإشارة الحسية، وهو عين ما كان موجودا زمن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعلوم أن الإشارة لم تتناول الزيادة التي وجدت بعد تلك الإشارة، فمن ~~هنا جاء الخلاف والتساؤل. # وقد نشأ هذا التساؤل في زمن عمر رضي الله عنه عند أول زيادة زادها في ~~المسجد النبوي، فرأى بعض الصحابة يتجنبون الصلاة في تلك الزيادة ويرغبون ~~في القديم منها، فقال لهم: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يريد توسعة المسجد لما وسعته، ووالله إنه لمسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولو امتد إلى ذي الحليفة، أو ولو امتد إلى صنعاء، فهذا مثار البحث ~~وسببه. # ولكن لو قيل: إنه في نفس الحديث مبحث لغوي آخر وهو أن قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " في مسجدي " # بالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم، والإضافة تفيد التخصيص أو التعريف. # وفيه معنى العموم والشمول، والآن مع الزيادة في كل زمان وعلى مر الإيام، ~~فإنه لم يزل هون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه كان تصريح عمر ~~إنه لمسجد رسول الله ms3945 صلى الله عليه وسلم. # أقوال العلماء: الجمهور على أن المضاعفة في جميع أجزائه بما فيها ~~الزيادة، ونقل عن النووي في شرح مسلم: أنها خاصة بالمسجد. # الأول: قبل الزيادة، وقيل: إنه رجع عنه. وهذا الرجوع موجود في المجموع ~~شرح المهذب، وعليه فلم يبق خلاف في المسألة. # وقال ابن فرحون: وقفت على كلام لمالك سئل عن ذلك فقال: ما أراه عليه ~~السلام أشار بقوله: # " في مسجدي هذا " # إلا لما سيكون من مسجد بعده، وأن الله أطلعه على ذلك. # وقد قدمت الإشارة إلى أن عمر رضي الله عنه ما زاد في المسجد إلا بعد أن ~~سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم رغبته في الزيادة، فيكون تأييدا لقول ~~مالك رحمه الله. # وروي أيضا # " أنه صلى الله عليه وسلم قال يوما وهو في مصلاه في المسجد " لو زدنا ~~في مسجدنا " وأشار بيده نحو القبلة ". # وفي رواية: # " إني أريد أن أزيد في قبلة مسجدنا " # ، مما يدل على أن الزيادة كانت في حسبان رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومع الرغبة في الزيادة لم تأت إشارة إلى ما يغير حكم الصلاة في تلك ~~الزيادة المنتظرة، ولا يقال إنها قبل وجودها لا يتعلق بها حكم، لأننا ~~رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رتب أحكاما على أمور لم توجد بعد ~~كمواقيت الإحرام المصري والشامي والعراقي، وكقوله صلى الله عليه وسلم # " ستفتح اليمين، وستفتح الشام، وستفتح العراق " # ، ومع كل منها يقول: # " سيؤتى بأقوام يبسون هلم إلى الرخاء والسعة فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم ~~والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". # وقال البعض: إن قوله صلى الله عليه وسلم # " في مسجدي هذا " # لدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة، غير هذا المسجد، ~~لا لإخراج ما سيزاد في المسجد النبوي. قاله السمهودي اه. # ولكن لم يعلم أنه كانت هناك عدة مساجد له صلى الله عليه وسلم، فلم يكن ~~إلا المسجد والمصلى، وبقية المساجد أطلقت عليها اصطلاحا. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام موجز في ذلك، وهو أن الزيادة كانت في عهدي ms3946 ~~عمر وعثمان رضي الله عنهما. # وقعت زيادة كل منهما من جهة القبلة ومع هذا، فإن كلا منهما كان إذا صلى ~~بالناس قام في القبلة الواقعة في تلك الزيادة فيمتنع أن تكون الصلاة في ~~تلك الزيادة ليست لها فضيلة المسجد، إذ يلزم عليه صلاة عمر وعثمان ~~بالناس. # وصلاة الناس معهم في الصفوف الأولى في المكان المفضول مع ترك الأفضل ~~اه. # ومن كل ما قدمنا يتضح أن حكم الزيادة في المسجد النبوي كحكم الأصل في ~~مضاعفة الأجر إلى ألف. # وقد كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ما يفيد ذلك، وسيأتي ~~ذلك إن شاء الله في مبحث الأربعين صلاة، وصلاة الناس في الصف خارج ~~المسجد. # تنبيه # هذه المضاعفة أجمعوا على أنها في الكيف لا في الكم، فلو أن على إنسان ~~فوائت يوم خمس صلوات، وصلى صلاة هي خير من ألف صلاة، لن تسقط عنه شيئا ~~من تلك الفوائت، فهي في نظري بمثابة ثوب وثوب آخر أحدهما قيمته ألف درهم، ~~والآخر بدرهم واحد، فكل منهما ثوب في مهمته ولن يلبسه أكثر من شخص في وقت ~~مهما كان ثمنه. # وكذلك كالقلم، والقلم فمهما غلا ثمن القلم، فلن يكتب به شخصان في وقت ~~واحد. # تنبيه آخر # مما لا شك فيه أن للمسجد الأساسي خصائص لم توجد في بقية المسجد كالروضة ~~من الجنة، والمنبر على ترعة من ترع الجنة، وبعض السواري ذات التاريخ. # وقد قال النووي: إذا كان الشخص سيصلى منفردا أو نفلا، فإن الأفضل أن ~~يكون في الروضة وإلا ففي المسجد الأول، وإذا كان في الجماعة، فعليه أن ~~يتحرى الصف الأول، وإلا ففي أي مكان من المسجد، وهذا معقول المعنى. # والحمد لله. # المبحث الرابع # وهو بعد هذه التوسعة وانتقال الصف الأول عن الروضة، فهل الأفضل الصلاة ~~في الجماعة في الصف الأول، أم في الروضة مع تخلفه عن الأول؟ ولتصوير هذه ~~المسألة نقدم الآتي: # أمام المصلى موضعان أحدهما الروضة، بفضلها روضة من رياض الجنة. # والصف الأول، وفيه: لو يعلمون ما الصف الأول لاستهموا عليه، ms3947 فأي ~~الموضعين يقدم على الآخر؟ # ومعلوم أنهم كانوا قبل التوسعة يمكنهم الجمع بين الفضيلتين، إذ الصف ~~الأول كان في الروضة. # أما الآن وبعد التوسعة فقد انفصل الصف الأول عن الروضة، ما دام الإمام ~~يصلي في مقدمة المسجد، ولم أقف على تفصيل في المسألة. # ولكن عمومات للنووي، وللشيخ ابن تيمية رحمهما الله على ما قدمنا في مبحث ~~شمول المضاعفة للزيادة، ولكن توجد قضية يمكن استنتاج الجواب منها، وهي ~~قبل التوسعة كان للصف الأول ميمنة وميسرة، وكان للميمنة فضيلة على ~~الميسرة. ومعلوم أن ميمنة الصف قبل التوسعة كانت تقع غربي المنبر أي ~~خارجة عن الروضة، والميسرة كلها كانت في الروضة، ومع ذلك فقد كانوا ~~يفضلون الميمنة على الميسرة لذاتها عن الروضة لذاتاه أيضا، فإذا كانت ~~الميمنة وهي خارج الروضة مقدمة عندهم عن الروضة، فلأن يقدم الصف الأول من ~~باب أولى. # وهناك حقيقة فقهية ذكرها النووي، وهي تقديم الوصف الذاتي على الوصف ~~العرضي، وهو هنا الصف الأول وصف ذاتي للجماعة. وفضل الروضة وصف عرضي ~~للمكان. أي لكل حل من ذكر أو صلاة فريضة أو نافلة، فتقديم الصف الاول ~~لكونه ذاتيا بالنسبة للجماعة أولى من تقديم الروضة لكونه وصفا عرضيا. # وقد مثل لهذه القاعدة النووي بقوله: فلو أن إنسانا في طريقه إلى الصلاة ~~بالمسجد النبوي فوجد مسجدا آخر يصلي جماعة فكان بين أن يدرك لجماعة مع ~~هؤلاء أو يتركها، ويمضي إلى المسجد النبوي، وتفوته الصلاة فيصلي منفردا ~~بألف صلاة، فقال: يصلي في هذا المسجد جماعة أولى له، لأنه تحصيل الجماعة ~~وصف ذاتي للصلاة، وتحصيل خير من ألف صلاة وصف عرضي بسبب فضل المسجد ~~النبوي اه. ملخصا. # وقد يقال أيضا: إن العبد مكلف بإيقاع الصلاة في جماعة أكثر منه تكليفا ~~بإيقاعها في المسجد النبوي، وهكذا الحال فإنا مطالبون بالصف الأول على ~~الإطلاق حيث ما كان أكثر منا مطالبة بالصلاة في الروضة، والعلم عند الله ~~تعالى. # المبحث الخامس # وهو في حالة ازدحام المسجد وامتداد الصفوف إلى الخارج في الشارع أو ~~البرحة، فهل لامتداد الصفوف تلك المضاعفة ms3948 أم لا؟ # لنعلم أن فضيلة الجماعة حاصلة بلا خلاف. أما المضاعفة إلى ألف، فلم أقف ~~على نص فيها، وقد سألت الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عن ذلك مرتين ~~ففي الأولى مال إلى اختصاص المسجد بذلك، وفي المرة الثانية وبينهما نحو ~~من عشر سنوات مال إلى عموم الأجر، وقال ما معناه: إن الزيادة تفضل من ~~الله، وهذا امتنان على عباده، فالمؤمل في سعة فضل الله أنه لا يكون رجلان ~~في الصف متجاورين أحدهما على عتبة المسجد إلى الخارج، والآخر عليها إلى ~~الداخل، ويعطي هذا ألفا ويعطي هذا واحد. # وكتفاهما متلاصقتان، وهذا واضح والحمد لله. # وقد رأيت في مسألة الجمعة عند المالكية نصا، وكذلك عند غيرهم ممن ~~يشترطون المسجد للجمعة، فإنهم متفقون أن الصفوف إذا امتدت إلى الشوارع ~~والرحبات خارج المسجد أن الجمعة صحيحة، مع أنهم أوقعوها في غير المسجد، ~~لكن لما كانت الصفوف ممتدة من المسجد إلى خارجه انجر عليها حكم المسجد ~~وصحت الجمعة. # فنقول هنا: كذلك لما كانت الصفوف خارجة عن المسجد النبوي: ينجر عليها ~~حكم المسجد إن شاء الله. والله تعالى أعلم. # وقد يستدل لذلك بالعرف وهو: لو سألت من صلى في مثل ذلك أين صليت؟ في ~~قباء؟ أم في المسجد النبوي؟ لقال: بل في المسجد النبوي. فلم يخرج بذلك عن ~~مسمى المسجد عرفا. # المبحث السادس # وهو عند الزحام في المسجد النبوي خاصة، وفي بقية المساجد عامة. حينما ~~يضيق المكان ويضطر المصلون للصلاة في صفوف عديدة خارج المسجد وأمام ~~الإمام متقدمين عليه بعدة صفوف فما حكم صلاة هؤلاء؟ # قد ذكر النووي في المجموع الخلاف عن الشافعي، وأن الصحيح من المذهب هو ~~الصحة مع الكراهة. # وذكر المالكية الصحة كذلك، وقد استدلوا لها بصلاة ابن عباس رضي الله عنه ~~ذات ليلة عند ميمونة رضي الله عنها بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم. # وابن عباس آنذاك غلام، فقام على يساره صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه تكريما لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما ms3949 شعر به صلى الله عليه وسلم وبعد أن كبر ودخل في الصلاة، فأخذه ~~صلى الله عليه وسلم بيده ونقله من ورائه وجعله صلى الله عليه وسلم عن ~~يمينه بحذائه في موقف الواحد، كما هو معلوم من حكم المنفرد مع الإمام. # ومحل الاستدلال في ذلك هو أن الجهات بالنسبة للإمام أربع: خلفه وهي ~~للكثيرين من اثنين فصاعدا. # وعن يمينه وهو موقف الفرد، ويساره وأمامه، أما اليسار: فقد وقف فيه ابن ~~عباس وليس بموقف، فأخذه صلى الله عليه وسلم وجعله عن يمينه. # ولكن بعد أن دخل في الصلاة وأوقع بعض صلاته في ذلك المقام، وقد صحت ~~صلاته حيث بنى على الجزء الذي سبق أن أوقعه عن اليسار لضرورة الجهل ~~بالموقف. # وبقيت جهة الإمام فليست بجهة موقف، ولكن عند الضرورة وللزحمة لم يكن من ~~التقدم على الإمام بد، فجازت أو فصحت للضرورة، كما صحت عن يساره صلى الله ~~عليه وسلم، والله تعالى أعلم. # ويقوي هذا الاستدلال أنه لو جاء شخص إلى الجماعة ولم يجد له مكانا إلا ~~بجوار الإمام، فإنه يقف عن يمينه بجواره، كما لو كان منفردا مع وجود ~~الصفوف العديدة. ولكن صح وقوفه للضرورة. # المبحث السابع # موضع: الأربعين صلاة، وهو من جهة خاص بالمسجد النبوي، ومن جهة عام في كل ~~مسجد، ولكن لا بأربعين صلاة بل بأربعين يوما. أما ما يخص المسجد النبوي، ~~فقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة ونجاة من ~~العذاب، وبرئ من النفاق ". # قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواته رواة الصحيح. أخرجه أحمد في ~~مسنده والطبراني في الأوسط. # وفي مجمع الزوائد: رجاله ثقات. وهو عند الترمذي بلفظ: # " من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: ~~براءة من النار، وبراءة من النفاق ". # قال الترمذي: هو موقوف على أنس، ولا أعلم أحدا رفعه. # وقال ملا علي القاري: مثل هذا لا يقال بالرأي، وقد تكلم بعض ms3950 الناس في ~~هذا الحديث بروايتين. # أما الأولى: فبسبب نبيط ابن عمر. # وأما الثانية: فمن جهة الرفع والوقف. وقد تتبع هذين الحديثين بعض أهل ~~العلم بالتدقيق في السند، وأثبت صحة الأول وحكم الرفع للثاني. وقد ~~أفردهما الشيخ حماد الأنصاري برسالة رد فيها على بعض من تكلم فيهما من ~~المتأخرين. نوجز كلامه في الآتي: # قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة في زوائد الأربعة: نبيط بن عمر، ~~ذكره ابن حبان في الثقات، فاجتمع على توثيق نبيط كل من ابن حبان والمنذري ~~والبيهقي وابن حجر، ولم يجرحه أحد من أئمة هذا الشأن. فمن ثم لا يجوز ~~لأحد أن يطعن ولا أن يضعف من وثقه أئمة معتبرون، ولم يخالفهم إمام من ~~أئمة الجرح والتعديل، وكفى من ذكروا من أئمة هذا الشأن قدوة. # ذلك ولو فرض وقدر جدلا أنه في السند مقالا، فإن أئمة الحديث لا يمنعون ~~إذا لم يكن في الحديث حلال أو حرام أو عقيدة، بل كان باب فضائل الأعمال ~~لا يمنعون العمل به، لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد. # ونقل السيوطي مثل ذلك عن أحمد وابن المبارك. # أما حديث إدراك تكبيرة الإحرام في أي مسجد، فهذا أعم من موضوع المسجد ~~النبوي الذي نتحدث عنه، وكل أسانيده ضعيفة ولكن قال الحافظ ابن حجر: ~~يندرج ضمن ما يعمل به في فضائل الأعمال. انتهى ملخصا. # وهذا الحث على أربعين صلاة في المسجد النبوي لعله والله تعالى أعلم من ~~باب التعود والتزود، لما يكسبه ذلك العمل من مداومة وحرص على أداء ~~الصلوات الخمس ثمانية أيام في الجماعة، واشتغاله الدائم بشأن الصلاة ~~وحرصه عليها، حتى لا تفوته صلاة مما يعلق قبله بالمسجد، فتصبح الجماعة له ~~ملكة ويصبح مرتاحا لارتياد المسجد وحريصا على بقية الصلوات في بقية ~~أيامه لا تفوته الجماعة إلا من عذر. # فلو كان زائرا ورجع إلى بلاده رجع بهذه الخصلة الحميدة، ولعل في مضاعفة ~~الصلاة بألف تكون بمثابة الدواء المكثف الشديد الفعالية، السريع الفائدة، ~~أكثر مما جاء في عامة المساجد بأربعين يوما لا ms3951 تفوته تكبيره الإحرام، إذ ~~الأربعون صلاة في المسجد النبوي تعادل أربعين ألف صلاة فيما سواه، وهي ~~تعادل حوالي صلوات اثنين وعشرين سنة. # ولو راعينا أجر الجماعة خمسا وعشرين درجة، لكانت تعادل صلاة المنفرد ~~خمسمائة وخمسين سنة، أي في الأجر والثواب لا في العدد، أي كيفا لا كما، ~~كما قدمنا. وفضل الله عظيم. # وليعلم أن الغرض من هذه الأربعين هو كما أسلفنا التعود والحرص على ~~الجماعة. # أما لو رجع فترك الجماعة وتهاون في شأن الصلاة عياذا بالله، فإنها تكون ~~غاية النكسة. نسأل الله العافية، كما نعلم أن هذه الأربعين صلاة لا علاقة ~~لها لا بالحج ولا بالزيارة، على ما تقدم للشيخ رحمه الله في آداب الزيارة ~~في سورة الحجرات. # وأن الزيارة تتم بصلاة ركعتي تحية المسجد والسلام على رسول الله صلا ~~الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضوان الله تعالى عيلنا وعليهم، ثم الدعاء ~~لنفسه وللمسلمين بالخير، ثم إن شاء انصرف إلى أهله، وإن شاء جلس ما تيسر ~~له. # وبالله تعالى التوفيق. # مبحث السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان جانب من جوانب السلام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكلام على قوله تعالى: # أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون # [الحجرات: 2] في التحذير من مبطلات الأعمال وبيان ما هو حق لله فلا يصرف ~~لغيره، وما هو حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يتجاوز به. # وقد يجر الحديث عن السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله ~~وفضيلته إلى موضوع شد الرحال إلى المسجد، وإلى السلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # شد الرحال إلى المسجد النبوي # للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم # ومما اختص به المسجد النبوي، بل ومن أهم خصائصه بعد الصلاة، السلام على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من داخل هذا المسجد قديما وحديثا. # كما جاء في الصحيح # " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه السلام " # ومجمعون ms3952 أن ذلك يحصل لمن سلم عليه صلى الله عليه وسلم من قريب، وما كان ~~هذا السلام يوما من الإيام إلا من المسجد النبوي سواء قبل أو بعد إدخال ~~الحجرة في المسجد. # ومعلوم أن أول آداب الزيارة والسلام عليه السلام، البدء بصلاة ركعتين ~~تحية المسجد وبعد السلام ينصرف عن المواجهة ويدعو ما شاء وهو في أي مكان ~~من المسجد. # وهنا مسألة طالما أثير النزاع فيها: وهي شد الرحال للسلام على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وهي إن كان محلها مبحث الزيارة وأحكامها وآدابها، إلا أننا نسوق موجزا ~~عنها بمناسبة حديث شد الرحال، ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. # من المعلوم أن أصل هذه المسألة هو حديث: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد " # المتقدم ذكره لاختلافهم في تقدير المستثنى منه. والمراد بشد الرحال إليه ~~في تلك المساجد، أهو خصوص الصلاة أم للصلاة وغيرها. # ولنتصور حقيقة هذه المسألة ينبغي أن نعلم أولا أن البحث في هذه المسألة ~~له ثلاث حالات: # الأولى: شد الرحال إلى المسجد النبوي للزيارة. وهذا مجمع عليه. # الثانية: زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلام عليه من قريب بدون شد ~~الرحال، وهذا أيضا مجمع عليه. # الثالثة: شد الرحال للزيارة فقط. # وهذه الحالة الثالثة هي محل البحث عندهم ومثار النقاش السابق. # قال ابن حجر في فتح الباري على حديث شد الرحال: قال الكرماني: وقد وقع ~~في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة، وصنفت فيها ~~مسائل من الطرفين. # قلت: أي ابن حجر، يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على ~~الشيخ تقي الدين بن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي ~~وغيره لابن تيمية وهي مشهورة في بلادنا. اه، وهذا يعطينا مدى الخلاف ~~فيها وتاريخه. # وقد أشار ابن حجر إلى مجمل القول فيها بقوله: أن الجمهور أجازوا ~~بالإجماع شد الرحال لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن حديث # " لا تشد الرحال " # إنما يقصد به خصوص الصلاة، وليس مكان أولى من مكان بالصلاة ms3953 تشد له ~~الرحال إلا المساجد الثلاثة لما خصت من فضيلة مضاعفة الصلاة فيها. # والشيخ تقي الدين جعل موضوع النهي عند شد الرحال عاما للصلاة وغيرها. ~~واعترض عليه باتفاق الأمة على جواز شد الرحال لأي مكان لعدة أمور كما هو ~~معلوم. # ومما استدل به على عدم شد الرحال لمجرد الزيارة، ما روي عن مالك كراهية ~~أن يقال زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. # وأجيب عن ذلك: بأن كراهية مالك للفظ فقط تأدبا لا أنه كره أصل الزيارة، ~~فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن ~~مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع. والله الهادي إلى الصواب اه. # ولعل مذهب البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور، لأنه أتى في نفس الباب ~~بعد حديث شد الرحال مباشرة بحديث # " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه " # مما يشعر بأنه قصد بيان موجب شد الرحال هو فضيلة الصلاة فيكون النهي عن ~~شد الرحال مختصا بالمساجد ولأجل الصلاة إلا في تلك المساجد الثلاثة ~~لاختصاصها بمضاعفة الصلاة فياه دون غيرها من بقية المساجد والأماكن ~~الأخرى. # وقد ناقش ابن حجر لفظ الحديث ورجح هذا المذهب حيث قال: # قال بعض المحققين قوله # " إلا إلى ثلاثة مساجد " # المستثنى منه محذوف. فإما أن يقدر عاما فيصير لا تشد الرحال إلى مكان ~~في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة. أو أخص من ذلك. لا سبيل إلى الأول ~~لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها، فتعين ~~الثاني. # والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة ~~فيه إلا إلى الثلاثة، فيبطل بذلك قوله: من منع شد الرحال إلى زيارة قبره ~~الشريف صلى الله عليه وسلم. وغيره من قبور الصالحين. والله أعلم. # وقال السبكي الكبير: ليس في الأرض بقعة تفضل لذاتها حتى تشد إليها ~~الرحال غير البلاد الثلاثة. ومرادي بالفضل: ما شهد الشرع باعتباره ورتب ~~عليه حكما شرعيا. أما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها، بل لزيارة ~~أو جهاد ms3954 أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات. قال: وقد التبس ذلك ~~على بعضهم، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في ~~المنع وهو خطأ، لأن الأستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه. فمعنى ~~الحديث: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ~~ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة. وشد الرحال إلى الزيارة أو طلب ليس ~~إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان. والله أعلم اه. # وبتأمل كلام ابن حجر، نجده يتضمن إجراء معادلة على نص الحديث بأن له ~~حالتين فقط. # الأولى: أن يقال لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لخصوص الصلاة ~~ولا تشد لغيرها من الأماكن لأجل الصلاة، فيكون النهي منصبا على شد ~~الرحال لأي مكان سوى المساجد الثلاثة من أجل أن يصلي فيما عداها. فيبقى ~~غير الصلاة خارجا عن النهي فتشد له الرحال لأي مكان كان. # وغير الصلاة يشمل طلب العلم والتجارة والنزهة والاعتبار والجهاد ونحو ~~ذلك، والنصوص في ذلك كله متضافرة. # ففي طلب العلم ما قدمنا من نصوص، وقد رحل نبي الله موسى إلى الخضر، كما ~~قال تعالى: # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا # [الكهف: 60] إلى قوله: # لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا # [الكهف: 62] إلى قوله: # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا # [الكهف: 66]. وفي السفر للتجارة قوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله # [المزمل: 20] وقوله: # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه # [الملك: 15] وغيرها كثيرة. # والسفرة للعبرة قوله تعالى: # قل سيروا في الأرض فانظروا # [النمل: 69]. # وقوله # ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين وبالليل أفلا تعقلون # [الصافات: 136-138]. # وقوله # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي ~~خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بهآ أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في ms3955 الصدور # [الحج: 45-46]. # فقد أمر الله العباد بالسير ليعقلوا بقلوبهم حالة تلك القرى الخاوية ~~ليتعظوا بأحوال أهلها. # فهذه نصوص جواز السفر لعدة أمور، فيكون من ضمنها السفر لزيارة النبي ~~صلى الله عليه وسلم والسلام عليه. حيث إن السلام عليه صلى الله عليه وسلم ~~المشروعة بلا نزاع، والحالة الثانية: أن يكون النهي عاما لجميع الأماكن ~~في جميع الأمور فلا تشد الرحال قط إلا إلى الثلاثة المساجد وبلدانها ~~الثلاثة. # ولكن لا لخصوص الصلاة فقط، بل لكل شيء مشروع بأصله مما قدمنا أنواعه من ~~طلب العلم والتجارة والعظة والنزهة وغير ذلك، كصوم واعتكاف ومجاورة وحج ~~وعمرة وصلة رحم، ومشاهدة معالم تاريخية ونحو ذلك. # ومن هذا كله السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا شد الرحال ~~إلى المدينة لكل شيء كان منها الزيارة والسلام على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا معارضة على حالة من الحالتين، ولا يتعارض معهما الحديث ~~المذكور، على أي تقدير المستثنى منه في هذا الحديث. # وجهة نظر # وبالتحقيق في هذه المسألة وإثارة النزاع فيها يظهر أن النزاع والجدال ~~فيها أكثر مما كانت تحتمل، وهو إلى الشكلي أقرب منه إلى الحقيقي. ولا ~~وجود له عمليا. # وتحقيق ذلك كالآتي: وهو ما داموا متفقين على شد الرحال للمسجد النبوي ~~للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتفقون على السلام على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بدون شد الرحال. # فلن يتأتى لإنسان أن يشد الرحال للسلام دون المسجد، ولا يخطر ذلك على ~~بال إنسان، وكذلك شد الرحل للصلاة في المسجد النبوي دون أن يسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لن يخطر على بال إنسان. وعليه فلا نفكاك لأحدهما ~~عن الآخر. # لأن المسجد النبوي ما هو إلا بيته صلى الله عليه وسلم، وهل بيته إلا جزء ~~من المسجد كما في حديث الروضة # " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ". # فهذا قوة ربط بين بيته ومنبره في مسجده. # ومن ناحية أخرى هل يسلم أحد عليه صلى الله عليه ms3956 وسلم من قريب، لينال فضل ~~رد السلام عليه منه صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كان سلامه عن قرب ومن ~~المسجد نفسه؟ # وهل تكون الزيارة سنية إلا إذ دخل المسجد وصلى أولا تحية المسجد؟ # وبهذا فلا انفكاك لشد الرحل إلى المسجد عن زيارة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، ولا لزيارته صلى الله عليه وسلم عن المسجد، فلا موجب لهذا النزاع. # وهنا وجهة نظرأخرى وهي، أن قوله صلى الله عليه وسلم # " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه السلام " # فإن إطلاقه عن كل قيد من قرب أو بعد مما يدل على العموم من حيث المجيئ ~~للسلام عليه. # فيقال: إن هذه فضيلة عظيمة ولا يتأتى للبعيد تحصيلها إلا بشد الرحال ~~إليها كوسيلة لتحصيلها والوسيلة تأخذ حكم الغاية من وجوب أو ندب أو ~~إباحة، كالسعي إلى الجمعة واجب، لأن أداء الجمعة واجب، وإعداد الثياب ~~الجميلة إليها مثلا مندوب، لأن التجمل إليها مندوب ومثله إعداد الطيب ~~بالنسبة لحضورها. # وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية مناقشة هذه المسألة، ولكنه جاء بأمثلة ~~قابلة هي للنقاش فقال: ليس كل غاية مشروعة تكون وسيلتها مشروعة، كحج ~~المرأة وخروجها إلى المسجد، فإن الأول مشروط فيه وجود المحرم. والثاني: ~~مشروط فيه إذن الزوج. # والنقاش لها أن سفر المرأة مطلقا ممنوع إلا مع المحرم، سواء كان لهذا ~~المسجد وللحج أو لغيره. # وخروجها إلى المسجد ليس بمطلوب منها في الأصل، ولكن إذا طلبت الإذن يؤذن ~~لها. فالأصل فيه المنع حتى نحصل على الإذن. # وعلى هذا يقال: لو كان شد الرحل إليها غير مشروع لما كان لفاعله نصيب في ~~فضلها، ولا يحصل على رد السلام منه صلى الله عليه وسلم. # ولو كان كذلك للزم التنبيه عليه عند بيان فضيلته لعدم تأخير البيان، ~~فكأن يقال مثلا: فأرد عليه السلام، إلا من شد الرحال لذلك. أو يقال من ~~أتاني من قريب فسلم علي... إلخ. ولكن لم يأت شيء من هذا التنبيه وبقي ~~الحديث على عمومه. # وليعلم أن شيخ الإسلام ابن ms3957 تيمية رحمه الله يفرق بين السلام على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبين عامة المسلمين، لما لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حقوق وخصائص ليست لغيره من وجوب محبة وتعظيم وفرضية صلاة ~~وتسليم في صلواتنا وعند دخول المساجد والخروج منها، بل وعند سماع ذكره ~~مما ليس لغيره قط. # كما أن زيارة غيره صلى الله عليه وسلم للدعاء له والترحم عليه، بينما ~~زيارته صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ليرد الله تعالى عليه روحه قبرد ~~علينا السلام. # وزيارة غيره في أي مكان من العالم لا مزية له، بينما زيارته صلى الله ~~عليه وسلم من مسجده وقد خص بما لم يختص به غيره. # وأعتقد أن هذه المسألة لولا نزاع معاصري شيخ الإسلام معه في غيرها لما ~~كان لها محل ولا مجال. # ولكنهم وجدوها حساسة ولها مساس بالعاطفة ومحبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأثاروها وحكموا عليه بالالتزام. أي بلازم كلامه حينما قال: # لا يكون شد الرحال لمجرد الزيارة، بل تكون للمسجد من أجل الزيارة، عملا ~~بنص الحديث فتقولوا عليه ما لم يقله صراحة. ولو حمل كلامه على النفي بدل ~~من النهي لكان موافقا، أي لا يتأتى ذلك لأنه رحمه الله لم يمنع زيارته ~~صلى الله عليه وسلم ولا السلام عليه، بل يجعلها من الفضائل والقربات، ~~وإنما يلتزم بنص الحديث في جعل شد الرحال إلى المسجد، ولكل شيء ومنه ~~السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرح بذلك في كتبه. # قال في بعض رسائله وردوده ما نصه: # فصل # قد ذكرت فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره، كما ~~يذكر أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب. # وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك وكيف يسلم عليه، وهل يستقبل ~~الحجرة أم القبلة على قولين. فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة، كمالك ~~والشافعي وأحمد إلى أن قال: # والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب باتفاق أئمة المسلمين، لم يقل أحد من ~~أئمة المسلمين إن هذا السفر لا ms3958 تقصر فيه الصلاة ولا نهى أحد عن السفر إلى ~~مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره صلى الله عليه وسلم، بل هذا ~~من أفضل الأعمال الصالحة ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهى عن ذلك ولا ~~نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في ~~زيارة سائر القبور. # إلى أن قال: # وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء ~~والصالحين أولى. # ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم له خاصية ليست لغيره من الأنبياء ~~والصالحين، وهو أن أمرنا أن نصلي عليه ونسلم عليه في كل صلاة، ويتأكد ذلك ~~في الصلاة وعند الأذان وسائر الأدعية، وأن نصلي ونسلم عليه عند دخول ~~المسجد، مسجده وغير مسجده، وعند الخروج منه. فكل من دخل مسجده فلا بد أن ~~يصلي فيه ويسلم عليه في الصلاة. # والسفر إلى مسجده مشروع، لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره، حين كره ~~مالك رحمه الله أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. لأن ~~المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليها والدعاء لهم، وذلك السلام ~~والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده، وعند ~~سماع الأذان وعند كل دعاء. فتشرع الصلاة عليه عند كل دعاء، فإنه أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم اه. # وإذا كان هذا كلامه رحمه الله، فإن المسألة شكلية وليست حقيقية. إذ أنه ~~يقرر بأن السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم مشروع وإن كان يزور قبره ~~صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه، وأن ذلك من أفضل القربات ومن صالح ~~الأعمال. # أي وإن كانت الزيارة مقصودة عند السفر. # وإذا كان السفر إلى المسجد لا ينفك عن السلام عليه صلى الله عليه وسلم، ~~والسلام عليه لا ينفك عن الصلاة في المسجد. فلا موجب لهذا النقاش، وجعل ~~هذه المسألة مثار نزاع أو جدال. # وقد صرح رحمه الله بما يقرب من هذا المعنى في موضع آخر من كلامه، إذ ~~يقول في ج 27 ص 342 من المجموع ما نصه: # فمن سافر ms3959 إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فصلى في مسجده وصلى في مسجد قباء، وزار القبور كما قضت به سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح. # ومن أنكر هذا السفر، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد، وسافر ~~إلى مدينته فلم يصل في مسجده صلى الله عليه وسلم ولا يسلم عليه في ~~الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال، مخالف لسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لإجماع أصحابه ولعلماء الأمة. # وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما أنه محرم. والثاني أنه لا شيء عليه ~~ولا أجر له. # والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية يصلون في مسجده صلى الله ~~عليه وسلم ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق ~~المسلمين. إلى أن قال: وذكرت أنه يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلى صاحبيه اه. # فأي موجب لنزاع أو خلاف في هذا القول، فإن كان في قوله رحمه الله فيمن ~~قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد، وسافر إلى ~~مدينته فلم يصل في مسجده صلى الله عليه وسلم في الصلاة بل أتى القبر ثم ~~رجع فهذا مبتدع.. إلخ. # فمن من المسلمين يجيز لمسلم أن يشد رحله إلى المدينة لمجرد زيارة القبر ~~دون قصد الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم، ودون أن يصلي عليه صلى الله ~~عليه وسلم في الصلاة، وهو يعلم أن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم ~~بألف صلاة. # فدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطتان ومن ~~ادعى انفكاكهما عمليا فقد خالف الواقع، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى ~~الخلاف وزال موجب النزاع. والحمد لله رب العالمين. # وصرح في موضع آخر ص 346 في قصر الصلاة في السفر لزيارة قبور الصالحين عن ~~أصحاب أحمد أربعة أقوال. الثالث منها تقصر إلى قبر نبينا عليه ms3960 الصلاة ~~والسلام. # وقال في التعليل لهذا القول: إذا كان عامة المسلمين لا بد أن يصلوا في ~~مسجده فكل من سافر إلى قبره المكرم فقد سافر إلى مسجده المفضل. # وكذلك قال بعض أصحاب الشافعي، إلى أن قال: وكذلك كثير من العلماء يطلق ~~السفر إلى قبره المكرم، وعندهم أن هذا يتضمن السفر إلى مسجده، إذ كان كل ~~مسلم لا بد إذا أتى الحجرة المكرمة أن يصلي في مسجده فهما عندهم ~~متلازمان. # وبعد نقله لأقوال العلماء قال ما نصه: # وحقيقة الأمر أن فعل الصلاة في مسجده من لوازم هذا السفر، فكل من سافر ~~إلى قبره المكرم لا بد أن تحصل له طاعة وقربة يثاب عليها بالصلاة في ~~مسجده. # وأما نفس القصد فأهل العلم بالحديث يقصدون السفر إلى مسجدة، وإن قصد ~~منهم من قصد السفر إلى القبر أيضا إذا لم يعلم النهي. # وهذا غاية في التصريح منه رحمه الله أنه لا انفكاك من حيث الواقع بين ~~الزيارة والصلاة في المسجد عند عامة العلماء. # ثم قال في حق الجاهل: وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى ~~القبر، ثم إنه لا بد أن يصلي في مسجده فيثاب على ذلك. وما فعله وهو منهي ~~عنه ولم يعلم أنه منهي عنه لا يعاقب عليه فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر ~~اه. # وقد أكثرنا النقول عنه رحمه الله لما وجدنا من ليس في هذا الموضع على ~~كثير من الناس، حتى قال ابن حجر في فتح الباري فيها: وهذا أعظم ما أخذ ~~على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهي وإن كانت شهادة من ابن حجر أنها أشد ما ~~أخذ عليه مع ما رمي به من خصومه في العقائد ومحاربة البدع، إلا أنها بحمد ~~الله بعد هذه النقول عنه من صريح كلام لم يعد فيها ما يتعاظم منه، فعلى ~~كل متكلم في هذه المسألة أن يرجع إلى أقواله رحمه الله فلم يترك جانبا ~~إلا وبينه سواء، في حق العالم أو الجاهل. وبالله تعالى التوفيق. # هذا ما يتعلق ms3961 بخصوص السفر إلى المدينة المنورة للمسجد وللزيارة معا، ~~على التفصيل المتقدم. # أما بقية الأماكن ما عدا المساجد الثلاثة فلا تشد الرحال إليها للصلاة ~~أو الدعاء أو الاعتكاف ونحو ذلك، مما لا مزية لها في مكان دون آخر قط، ~~أيا كانت تلك البقعة أو كانت تلك العبادة. وذلك لحديث أبي هريرة في ~~الموطأ في الساعة التي في يوم الجمعة قال: " خرجت إلى الطور فلقيت كعب ~~الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه تيب عليه، وفيه ~~مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين ~~تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد ~~مسلم وهو يصلي يسأل الله شيا إلى أعطاه إياه ". # قال كعب: ذلك في كل سنة يوم. فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة ~~فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن ~~أبي بصرة الغفاري قال: من من أين أقبلت؟ فقلت من الطور فقال: لو أدركتك ~~قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد: إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا ~~وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس " # يشك أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار ~~وما حدثته به في يوم الجمعة إلى آخر الحديث هذا العظيم. # قال الباجي: على هذا الحديث خروج أبو هريرة إلى الطور يحتمل أن يكون ~~لحاجة عنت له فيه، ويحتمل أن يكون قصده على معنى التعبد والتقرب بإيتانه، ~~إلا ان قول بصرة: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت. دليل على أن فهم ~~منه التقرب بقصده. وسكوت أبي هريرة حين أنكر عليه دليل على أن الذي فهم ~~منه كان ms3962 قصده. أقول: لقد صرح أبو هريرة أنه كان للصلاة كما في مجمع ~~الزوائد لأحمد عن شهر، وقال: حسن. # والحديث يدل على أن من نذر صلاة بمسجد البصرة أو الكوفة أنه يصلي بموضعه ~~ولا يأتيه لحديث بصرة المنصوص في ذلك، وذلك أن النذر يكون فيما فيه ~~القربة، ولا فضيلة لمساجد البلاد على بعضها البعض، تقتضي قصده بإعمال ~~المطي إليه إلا المساجد الثلاثة فإنها تختص بالفضيلة. # وأما من نذر الصلاة والصيام في شيء من مساجد الثغور، فإنه يلزمه إتيانها ~~والوفاء بنذره لأن نذره قصدها لم يكن لمعنى الصلاة فيها، بل قد اقترن ~~بذلك الرباط فوجب الوفاء به. # ولا خلاف في المنع من ذلك من غير المساجد الثلاثة، إلا ما قاله محمد بن ~~مسلمة في المبسوط. فإنه أضاف إلى ذلك مسجدا رابعا وهو مسجد قباء، فقال: ~~من نذر أن يأتيه فيصلي فيه كان عليه ذلك اه. # ولعل مقصد محمد بن مسلمة في إضافته مسجد قباء العمل بما جاء في مسجد ~~قباء من أثر اختص به عن أنس بن مالك فيما رواه عمر بن شيبة قال حدثنا ~~سويد بن سعيد قال حدثنا أيوب بن صيام عن سعيد بن الرقيش الأسدي قال: ~~جاءنا أنس بن مالك إلى مساجد قباء، فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري، ثم ~~سلم وجلسنا حوله فقال: سبحان الله ما أعظم حق هذا المسجد ولو كان على ~~مسيرة شهر، كان أهلا أن يؤتى، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه ليصلي ~~فيه أربع ركعات أقلبه الله بأجر عمرة. # وتقدم عن وفاء الوفاء نقله بقوله: # وكان هذا الحكم معلوما عند العامة، حتى قال ابن شيبة: قال أبو غسان: ~~ومما يقوي هذه الأخبار ويدل على تظاهرها في العامة والخاصة، قول عبد ~~الرحمن بن الحكم في شعر له: # فإن أهلك فقد أقررت عينا # من المعتمرات إلى قباء # من اللاتي سوالفهن غيد # عليهن الملاحة بالبهاء # تنبيه # إن قول أنس ليشعر بجواز شد الرحل إلى قباء لو كان بعيدا، ولكنه للمعاني ~~في المساجد الثلاثة الأخرى، فلا يتعارض ms3963 مع الحديث الأول. # تنبيه آخر # أبيات الشاعر تشعر بخطأ التجمع في يوم معين لقباء، واجتماع الرجال ~~والنساء. # تنبيه ثالث # يوجد فرق بصفة إجمالية عامة بين زيارة عموم المقابر لعامة الناس، وخصوص ~~زيارة القبور الثلاثة. إذ الغرض من زيارة عامة المقابر هو الدعاء لها ~~وتذكر الآخر كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة ". # أما هذه الثلاثة المشرفة فلها خصائص لم يشاركها فيها غيرها: # أولا: ومن حيث الموضوع ارتباطها بالمسجد النبوي أحد المساجد التي من ~~حقها شد الرحال إليها. # ثانيا: عظيم حق من فيها على المسلمين، إذ بزيارتهم لا بتذكر الآخرة ~~فحسب، بل ويستفيد ذكريات الدنيا وعظيم جهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله ~~ونصرة دينه وهداية الأمة والقيام بأمر الله، حتى عبد الله وحده وعمل ~~بشرعه، فيما يثير إحساس المسلم وجوب تجديد العهد مع الله تعالى وحده على ~~العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدي خلفائه الراشدين ~~رضوان الله عليهم. # وهذا ما يجعل الإنسان يتوجه إلى الله عقب السلام عليهم بخالص الدعاء، أن ~~يجزيهم على ذلك ما يعلم سبحانه أنهم أهل له. # ثالثا: عظيم الفضل من الله على من سلم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أن يرد الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم روحه فيرد عليه السلام، ~~وكل ذلك أو بعضه لا يوجد عند عامة المقابر. وهذا مع مراعاة الآداب ~~الشرعية في الزيارة لما تقدم. # مسألة # في هذه الآية الكريمة: { وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا } جمع بين مسألتين، فكأن الأولى تدل على الثانية ~~بمفهومها، وكأن الثانية تكون منطوق الأولى، لأن كون المساجد لله يقتضي ~~إفراده تعالى بالعبادة وألا يدعي معه أحد. # أما إفراده بالعبادة، فقد كتب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، على ~~ذلك مبحثا كاملا في سورة الحجرات في مسألة من المسائل على قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط ms3964 أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون # [الحجرات: 2]. # وبين في هذه المسألة ما هو حق لله وما هو حق لرسول الله، ووجوب إفراد ~~الله تعالى بما هو حقه تعالى، وبين فيها آداب السلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأن وضع اليد على اليد كهيأة الصلاة نوع من أنواع ~~العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى اه. # وأن الجمع هنا بين المفهوم والمنطوق بنفس المفهوم، لما يدل على شدة ~~الاهتمام به والعناية بأمره، وإنه ليلفت النظر إلى ما جاء في الأحاديث ~~الصحيحة من النهي الأكيد والوعيد الشديد بالنسبة لقضية المساجد ودعوة ~~التوحيد، وما كان يفعله الأولون من بناء المساجد على القبور، ويفتحون ~~بذلك بابا مطلا على الشرك.كحديث أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما عند ~~البخاري ومسلم في قصتيهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما شاهدتاه ~~بالحبشة من هذا القبيل، فقال صلى الله عليه وسلم: # " أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ". # وكحديث الصحيحين: # " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " # ، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره أي خشية اتخاذه مسجدا ". # حديث الموطأ قوله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد " # فكل ذلك مما يشدد الحذر من الجمع بين القبور والمساجد خشية الفتنة وسدا ~~للذريعة، ويشهد لهذا ما ذكره علماء التفسير رحمهم الله من سبب النزول، أن ~~اليهود والنصارى كانوا إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا مع الله غيره، ~~فحذر الله المسلمين أن يفعلوا ذلك. # وهذه المسألة مما تفشت في كثير من البلدان الإسلامية مما يستوجب التنبيه ~~لها، وربط هذه الآية بها مع تلك النصوص النبوية الصريحة في شأنها مهما ~~كان المسجد. # وذكر ابن كثير عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية لم يكن في الأرض ~~مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إيلياء، بيت المقدس. # تنبيه # قد أثير في هذه المسألة تساؤلات من ms3965 بعض الناس بالنسبة للمسجد النبوي ~~وموضع الحجرة منه بعد إدخالها فيه. # وقد أجاب عن ذلك ابن حجر في فتح الباري بقوله على حديث عائشة رضي الله ~~عنها، أنه صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي مات فيه: # " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " # قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا. رواه البخاري ~~في كتاب الجنائز. # وفي بعض رواياته: غير أنه خشي: فقال ابن حجر: وهذا قالته عائشة قبل أن ~~يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل ~~محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة اه. # وذكرت كتب السيرة وتاريخ المسجد النبوي بعض الأخبار في ذلك، ومن ذلك ما ~~رواه السمهودي في وفاء الوفاء قال: وعن المطلب قال: كانوا يأخذون من تراب ~~القبر فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم، وكان في الجدار كوة فأمرت بالكة ~~فسدت هي أيضا. # ونقل عن ابن شيبة قال أو غسان بن يحيى بن علي بن عبد الحميد، وكان علما ~~بأخبار المدينة ومن بيت كتابه وعلم: لم يزل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي دفن فيه هو وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ظاهرا حتى بنى عمر ~~بن عبد العزيز عليه الخطار المزور الذي هو عليه اليوم، حين بنى المسجد في ~~خلافة الوليد بن عبد الملك، وإنما جعله مزورا كراهة أن يشبه تربيع ~~الكعبة، وأن يتخذ قبلة يصلى إليه. # قال أبو زيد بن شيبة قال أبو غسان: وقد سمعت غير واحد من أهل العلم يزعم ~~أن عمر بن عبد العزيز بنى البيت غير بنائه الذي كان عليه وسمعت من يقول: ~~بنى علي بيت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أجدر فدون القبر ثلاثة ~~أجدر، جدار بناء بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وجدار البيت الذي يزعم ~~أنه بنى عليه - يعني عمر بن عبد العزيز -، وجدار الخطار الظاهر، وقال: ~~قال أبو غسان يما حكاه الأقشهدي: أخبرني الثقة عن عبد الرحمن بن مهدي ms3966 عن ~~منصور بن ربيعة عن عثمان بن عروة، قال: قال عروة: نازلت عمر بن عبد ~~العزيز في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ألا يجعل في المسجد أشد ~~المنازل فأبى وقال: كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه. قال قلت: فإن ~~كان لا بد فاجعل له جؤجؤا. أي وهو الموضع لنزور خلف الحجرة اه. # فهذه منازلة في موضع الحجرة والمسجد وهذا جواب عمر بن عبد العزيز. # وقد آلت إليه الخلافة وهو الخليفة الراشد الخامس، وقد أقر هذا الوضع لما ~~اتخذت تلك الاحتياطات من أن يكون القبر قبلة للمصلين،وهذا مما لا شك فيه ~~في خير القرون الأولى، ومشهد من أكابر المسلمين، مما لا يدع لأحد مجالا ~~لاعتراض أو احتجاج أو استدلال، وقد بحثت هذه المسألة من علماء المسلمين، ~~في كل عصر. # وقال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المدخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ~~صلى الله عليه وسلم، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل ~~المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر ~~الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا ~~يتمكن أحد من استقبال قبره اه. من فتح المجيد. # وقد قال بعض العلماء: إن هذا العمل الذي اتخذ حيال القبر الشريف وقبري ~~صاحبيه إنما هو استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم # " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " # كما قال ابن القيم في نونيته، وهو من أشد الناس إنكارا على شبهات الشرك ~~كشيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى قال: # فأجاب رب العالمين دعاءه # وأحاطه بثلاثة الجدران # حتى غدت أرجاؤه بدعائه # في عزة وحماية وصيان # وقال صاحب فتح المجيد: ودل الحديث أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~عبد لكان وثنا. ولكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل ~~إليه. # ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي ~~عليها اه. # وهذا الذي قاله ms3967 حقيقة دقيق مأخذها، لأنه لو لم يكن بعد إدخال الحجرة في ~~مأمن من الصلاة إليه لكان وثنا وحاشاه صلى الله عليه وسلم يكون في حياته ~~داعيا إلى الله وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى يكون قبره وثنا ينافي ~~التوحيد، ويهدم ما بناه في حياته. # وكيف يرضى الله لرسوله ذلك حاشا وكلا. هذا مجمل ما قيل في هذه المسألة. # وجهة نظر # وهنا وجهة نظر، وإن كنت لم أقف على قولها فيها، وهي أن كل نص متقدم صريح ~~في النهي عن اتخاذ المساجد في القبور، بأن يكون القبر أولا ثم يتخذ عليه ~~المسجد، كما جاء في قصة أصحاب الكهف: # قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا # [الكهف: 21] أي أن القبر أولا والمسجد ثانيا. # أما قضية الحجرة والمسجد النبوي فهي عكس ذلك، إذ المسجد هو الأول وإدخال ~~الحجرة ثانيا، فلا تنطبق عليه تلك النصوص في نظري. والله تعالى أعلم. # ومن ناحية أخرى لم يكن الذي أدخل في المسجد هو القبر أو القبور، بل الذي ~~أدخل في المسجد هو الحجرة أي بما فيها، وقد تقدم كلام صاحب فتح المجيد في ~~تعريف الوثن: أنه ما سجد إليه من قريب. # وعليه فما من مصل يبعد عن مكة إلا ويقع بينه وبين الكعبة قبور ومقابر. ~~ولا يعتبر مصليا إلى القبور لبعدها ووجود الحواجز دونه، وإن كان البعد ~~نسبيا. فكذلك في موضع القبور الثلاثة في الحجرة، فإنها بعيدة عن مباشرة ~~الصلاة إليها، والحمد لله رب العالمين. # وأيضا لشيح الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاما في ذلك ملخصه من ~~المجموع جلد 27 ص 323 وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ودفن في ~~حجرة عائشة رضي الله عنها، وكانت هي وحجر نسائه في شرقي المسجد وقبليه، ~~لم يكن شيء من ذلك داخلا المسجد. واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر ~~الصحابة بالمدينة. # ثم بعد ذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مراون بنحو من سنة من بيعته ~~وسع المسجد وأدخلت فيه الحجرة للضرورة. # فإن الوليد كتب ms3968 إلى نائبه عمر بن عبد العزيز، أن يشتري الحجر من ~~ملاكها ورثة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهن كن توفين كلهن رضي ~~الله عنهن، فأمره أن يشتري الحجرة ويزيدها في المسجد فهدمها وأدخلها في ~~المسجد، وبقيت حجرة عائشة على حالها. وكانت مغلقة لا يمكن أحد من الدخول ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا لصلاة عنده ولا لدعاء ولا غير ~~ذلك. إلى حين كانت عائشة في الحياة وهي توفيت قبل إدخال الحجرة بأكثر من ~~عشرين أو ثلاثين سنة. # وقال في صفحة 328: ولم تمكن تمكن أحدا أن يفعل عند قبره شيئا مما نهى ~~عنه وبعدها كانت مغلقة، إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبنى عليها ~~حائط آخر. # فكل ذلك صيانة له صلى الله عليه وسلم، أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا. ~~وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون، ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم ~~وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم، فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر ~~المكرم بل فعلوه لئلا يتخذ وثنيا يعبد. ولا يتخذ بيته عيدا، ولئلا يفعل ~~به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم. انتهى. # وتقدم شرح ابن القيم لوضع الجدران الثلاثة وجعل طرف الجدار الثالث من ~~الشمال على شكل رأس مثلث، وأن المشاهد اليوم بعد ابن تيمية وابن القيم ~~رحمهما الله، وجود الشبك الحديدي من وراء ذلك كله، ويبعد عن رأس المثلث ~~إلى الشمال ما يقرب من ستة أمتار يتوسطها، أي تلك المسافة محراب كبير، ~~وهذا كان في المسجد سابقا، أي قبل الشبك. ما يدل على بعد ما بين المصلى ~~في الجهة الشمالية من الحجرة المكرمة وبين القبور الثلاثة، وينفي أي ~~علاقة للصلاة من ورائه بالقبور الشريفة. والحمد لله رب العالمين. # وفي ختام هذه المسألة وقد أثير فيها كلام في موسم حج سنة 1394 في منى ~~ومن بعض المشتغلين بالعلم نقول: # لو أنها لم تدخل بالفعل لكان للقول بعدم إدخالها مجال. أما وقد أدخلت ~~بالفعل وفي عهد عمر بن عبد العزيز وفي القرون المشهود لها ms3969 بالخير، ومضى ~~على إدخالها ثلاثة عشر قرنا، فلا مجال للقول إذا. # ومن ناحية أخرى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سكت على ما هو أعظم من ~~ذلك، ألا وهو موضوع بناء الكعبة وكونها لم تستوعب قواعد إبراهيم ولها باب ~~واحد ومرتفع عن الأرض. # وكان باستطاعته صلى الله عليه وسلم أن يعيد بناءها على الوجه الأصح، ~~فتستوعب قواعد إبراهيم، ويكون لها بابان ويسويهما بالأرض. ولكنه صلى الله ~~عليه وسلم ترك ذلك لاعتبارات بينهما في حديث عائشة رضي الله عنهما. # ألا يسع من يتكلم في موضوع الحجرات اليوم ما وسع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الكعبة وما وسع السلف رحمهم الله في عين الحجرة. # ومن ناحية ثالثة: لو أنه أخذ بقولهم، فأخرجت من المسجد أي جعل المسجد من ~~دونها على الأصل الأول. # ثم جاء آخرون وقالوا: نعيدها على ما كانت عليه في عهد الخليفة الراشد ~~عمر بن عبد العزيز، ألا يقال في ذلك ما قال مالك للرشيد رحمهما الله في ~~خصوص الكعبة لما بناها ابن الزبير، وأعادها الحجاج وأراد الرشيد أن ~~يعيدها على بناء ابن الزبير فقال له مالك رحمه الله: لا تفعل لأني أخشى ~~أن تصبح الكعبة ألعوبة الملوك. فيقال هنا أيضا فتصبح الحجرة ألعوبة ~~الملوك بين إدخال وإخراج. وفيه من الفتنة ما فيه والعلم عند الله تعالى. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # بين تعالى المراد من المقدار المطلوب قيامه بما جاء بعده { نصفه ~~أو انقص منه قليلا } [المزمل: 3] أي من نصفه أو زد عليه أي على ~~نصفه، وفي هذه الآية الكريمة وما بعدها بيان لمجمل قوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] الآية. # وفيها بيان لكيفية القيام، وهو بترتيل القرآن، وفيها رد على مسألتين ~~اختلف فيهما. # الأولى منهما: عدد ركعات قيام الليل، أهو ثماني ركعات أو أكثر؟ # وقد خير صلى الله عليه وسلم بين هذه الأزمنة من الليل، فترك ذلك لنشاطه ~~واستعداده وارتياحه. فلا يمكن التعبد بعدد لا يصح دونه ولا يجوز تعديه، ~~واختلف في قيام رمضان ms3970 خاصة، والأولى أن يؤخذ بما ارتضاه السلف، وقد قدمنا ~~في هذه المسألة رسالة عامة هي رسالة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد ~~النبي عليه السلام، وقد استقر العمل على عشرين في رمضان. # والمسألة الثانية: ما يذكره الفقهاء في كيفية قيام الليل عامة هل الأفضل ~~كثرة الركعات لكثرة الركوع والسجود، وحيث إن أقرب ما يكون العبد إلى الله ~~وهو ساجد، أم طول القيام للقراءة؟ حيث إن للقارئ بكل حرف عشر حسنات، فهنا ~~قوله تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا } [المزمل: 4] نص على أن ~~العبرة بترتيل القرآن ترتيلا، وأكد بالمصدر تأكيدا لإرادة هذا المعنى ~~كما قال ابن مسعود: " لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذا الشعر؟ قفوا ~~عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة " وقد بينت أم ~~سلمة رضي الله عنها تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: كان يقطع ~~قراءته آية آية # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم ملك يوم الدين # [الفاتحة: 1-4] رواه أحمد. # وفي الصحيح عن أنس: سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت ~~مدا ثم قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } يمد بسم الله ويمد ~~الرحمن، ويمد الرحيم. # تنبيه # إن للمد حدودا معلومة في التجويد حسب تلقي القراء رحمهم الله، فما زاد ~~عنها فهو تلاعب، وما قل عنها فهو تقصير في حق التلاوة. # ومن هذا يعلم أن المتخذين القرآن كغيره في طريقة الأداء من تمطيط وتزيد ~~لم يراعوا معنى هذه الآية الكريمة، ولا يمنع ذلك تحسين الصوت بالقراءة، ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم # " زينوا القرآن بأصواتكم ". # وقال أبو موسى رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت أعلم ~~أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. وهذا الوصف هو الذي يتأتى منه الغرض ~~من التلاوة، وهو التدبر والتأمل، كما في قوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن # [النساء: 82]، كما أنه هو الوصف الذي يتأتى معه الغرض من تخشع القلب ~~كما في قوله تعالى: # الله نزل أحسن ms3971 الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]، ولا تتأثر به القلوب والجلود إلا إذا كان مرتلا، فإذا كان ~~كالشعر أو الكلام العادي لما فهم، وإذا كان مطربا كالأغاني لما أثر. ~~فوجب الترتيل كما بين صلى الله عليه وسلم. ### || [73.5] # معلوم أن القول هنا هو القرآن كما قال تعالى # إنه لقول رسول كريم # [التكوير: 19] وقوله: # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون # [القصص: 51]. # وقوله: # إنه لقول فصل # [الطلاق: 13] وقوله # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122] ونحو ذلك من الآيات. # ولكن وصفه بالثقل مع أن الثقل للأوزان وهي المحسوسات. # فقال بعض المفسرين: إن الثقل في وزن الثواب، وقيل في التكاليف به، وقيل ~~من أثناء نزول الوحي عليه، وكل ذلك ثابت للقرآن الكريم، فمن جهة نزوله ~~فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي أخذته برحاء شديدة ~~وكان يحمر وجهه كأنه مذهبه، وكان إذا نزل عليه صلى الله عليه وسلم وهو في ~~سفره على راحلته بركت به الناقة، وجاء عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان واضعا رأسه على فخذه، فأتاه الوحي قال أنس: فكان فخذي تكاد ~~تنفصل مني، ومن جانب تكاليفه فقد ثقلت على السماوات والأرض والجبال ~~وأشفقن منها كما هو معلوم ومن جانب ثوابه فقد جاء في حديث مسلم. # " الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن أو تملأ ما ~~بين السماء والأرض ". # وحديث البطاقة وكل ذلك يشهد بعضه لبعض ولا ينافيه. # وقد بين تعالى أن هذا الثقل قد يخففه الله على المؤمنين، كما في الصلاة ~~في قوله: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم # [البقرة: 45-46]، وكذلك القرآن ثقيل على الكفار خفيف على المؤمنين محبب ~~إليهم. # وقد جاء في الآثار أن بعض السلف كان يقوم الليل كله بسورة من سور القرآن ~~تلذذا وارتياحا، كما قال تعالى: # ولقد يسرنا القرآن للذكر # [القمر: 17] فهو ثقيل في وزنه ثقيل في تكاليفه، ولكن يخففه الله ms3972 وييسره ~~لمن هداه ووفقه إليه. ### || [73.6] # أي ما تنشأه من قيام الليل أشد مواطأة للقلب وأقوم قيلا في التلاوة ~~والتدبر والتأمل، وبالتالي بالتأثر، ففيه إرشاد إلى ما يقابل هذا الثقل ~~فيما سيلقى عليه من القول، فهو بمثابة التوجيه غلى ما يتزود به لتحمل ثقل ~~أعباء الدعوة والرسالة. # وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله: لا يثبت القرآن في ~~الصدر ولا يسهل حفظه وييسر فهمه إلا القيام به من جوف الليل، وقد كان ~~رحمه الله تعالى لا يترك ورده من الليل صيفا أو شتاء، وقد أفاد هذا ~~المعنى قوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45] فكان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة. # وهكذا هنا فإن ناشئة الليل كانت عونا له صلى الله عليه وسلم على ما ~~سيلقى عليه من ثقل القول. # مسألة # قيل: إن قيام الليل كان فرضا عليه صلى الله عليه وسلم قبل أن تفرض ~~الصلوات الخمس لقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] والنافلة الزيادة، وقيل: كان فرضا عليه صلى الله عليه ~~وسلم وعلى عامة المسلمين، لقوله تعالى في هذه السورة: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك # [المزمل: 20] ثم خفف هذا كله بقوله: # فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن # [المزمل: 20] إلى قوله: # فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ~~وأعظم أجرا # [المزمل: 20]. # ولكنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا داوم عليه، فكان يقوم الليل ~~شكرا لله كما في حديث عائشة رضي الله عنها # " أفلا أكون عبدا شكورا " # وبقي سنة لغيره بقدر ما يتيسر لهم. والله تعالى أعلم. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-2] # الإنذار إعلام بتخويف، فهو أخص من مطلق الإعلام، وهو متعد لمفعولين ~~المنذر باسم المفعول والمنذر به، ولم يذكر هنا واحد منهما. # أما المنذر فقد بينت آيات أخر أنه قد يكون للكافرين، كما ms3973 في قوله تعالى: # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] تخويفا لهم. # وقد يكون للمؤمنين لأنهم المنتفعون به كما في قوله: # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب # [يس: 11]. # وقد يكون للجميع أي لعامة الناس كما في قوله تعالى: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا # [يونس: 2]. # وأما المنذر به فهو ما يكون يوم القيامة. # وقد قدر الأمرين هنا ابن جرير بقوله: فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا ~~بالله وعبدوا غيره. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، تفصيل ذلك عند قوله تعالى: # لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 2] في سورة الأعراف. ### || [74.4] # قد اختلف المفسرون في المراد من كل من لفظتي الثياب، وفطهر هل هما دلا ~~على الحقيقة، ويكون المراد طهارة الثوب من النجاسات؟ أم هما على الكناية؟ # والمراد بالثوب البدن، والطهارة عن المعنويات من معاصي وآثام ونحوها أم ~~على الحقيقة والكناية، فقد ذكر ابن جرير وغيره نحوا من خمسة أقوال: # الأول عن ابن عباس وعكرمة والضحاك أن معناه: لا تبلس ثيابك على معصية ~~ولا على غدرة، واستشهد بقول غيلان: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من عذرة أتقنع # وقول الآخر: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # فكل رداء يرتديه جميل # فاستعمل اللفظين في الكناية، وقد يستدل له بقوله: # ووضعنا عنك وزرك # [الشرح: 2]. # وورد عن ابن عباس: لا تلبس ثيابك من كسب غير طيب، فاستعمل الثياب في ~~الحقيقة والتطهير في الكناية. # وعن مجاهد: أصلح عملك، وعملك فاصلح فاستعملهما معا في الكناية عن العمل ~~الصالح. # وعن محمد بن سيرين وابن زيد على حقيقتهما، فطهر ثيابك من النجاسة. # ثم قال: والذي قاله ابن سيرين وابن زيد أظهر في ذلك. # وقول ابن عباس وعكرمة قول عليه أكثر السلف. والله أعلم بمراده. # وقال غيره: ثيابك هي نساؤك، كما في قوله # هن لباس لكم # [البقرة: 187] فأمرهن بالتطهر وتخيرهن طاهرات خيرات. # هذه أقوال المفسرين واختيار ابن جرير منها، والواقع في السياق ما يشهد ~~لاختيار ابن جرير، ms3974 وهو حمل اللفظين على حقيقتهما. # وترجيح قول ابن سيرين أن المراد طهارة الثوب من النجاسة، والقرينة في ~~الآية أنها اشتملت على أمرين: # الأول: طهارة الثوب، والثاني هجر الرجز. # ومن معاني الرجز المعاصي، فيكون حمل طهارة الثوب على حقيقته، وهو الرجز ~~على حقيقته لمعنى جديد أولى. # وهذه الآية بقسميها جاء نظيرها بقسميها أصرح من ذلك في قوله تعالى: # وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان # [الأنفال: 11] والله تعالى أعلم. # وقد جعل الشافعي هذه الآية دليلا على الطهارة للصلاة. ### || [74.8-10] # الناقور هو الصور، وأصل الناقور الصوت، وقوله: { يوم عسير على ~~الكافرين غير يسير }. # وقيل: عسير وغير يسير على الكافرين. # وقال الزمخشري: إن غير يسير كان يكفي عنها يوم عسير، إلا أنه ليبين لهم ~~أن عسره لا يرجى تيسيره، كعسر الدنيا، وأن فيه زيادة وعيد للكافرين. # ونوع بشارة للمؤمنين لسهولته عليهم، ولعل المعنيين مستقلان، وأن قوله ~~تعالى: { يوم عسير } هذا كلام مستقل وصف لهذا اليوم، وبيان للجميع ~~شدة هوله، كما جاء في وصفه في قوله تعالى: # يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد # [الحج: 1-2]، ومثل قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] ونحو ذلك. # ثم بين تعالى أن اليوم العسير أنه على الكفارين غير يسير، كما قال تعالى ~~عنهم # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا السمآء منفطر به # [المزمل: 17-18] بينما يكون على المؤمنين يسيرا، مع أنه عسير في ذاته ~~لشدة هو له، إلا أن الله ييسره على المؤمنين، كما بين تعالى هذه الصور ~~بجانبها في قوله تعالى من سورة النمل: # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شآء الله وكل أتوه داخرين ~~وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 87-88] - إلى قوله - # من جآء بالحسنة فله خير منها وهم ms3975 من فزع ~~يومئذ آمنون ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم ~~في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون # [النمل: 89-90]. # فالفزع من صعقة يوم ينفخ في الصور عام لجميع من في السماوات ومن في ~~الأرض، ولكن استثنى الله من شاء، ثم بين تعالى هؤلاء المستثنين ومن يبقى ~~في الفزع، فبين الآمنين وهم من جاء بالحسنة، والآخرون من جاء بالسيئة. ### || [74.30-31] # في قوله تعالى: { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا } حكى القرطبي في معنى الفتنة هنا معنيين: # الأول: التحريق كما في قوله: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10]. # والثاني: الابتلاء. وقد تقدم للشيخ مرارا في كتابه ودروسه، أن أصل ~~الفتنة الاختبار. # تقول: اختبرت الذهب إذا أدخلته النار لتعرف زيفه من خالصه. # ولكن السياق يدل على الثاني، وهو الاختبار والابتلاء لقوله تعالى: { ~~وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا }. # وقوله: { وما يعلم جنود ربك إلا هو } أي عددهم، فلو ~~كان المراد التحريق والوعيد بالنار، لما كان مجال لتساؤل الذين في قلوبهم ~~مرض والكافرين عن هذا المثل ولما كان يصلح أن يجعل مثلا، ولما كان ~~الحديث عن عدد جنود: ربك بحال، وفي هذه الآية الكريمة عدة مسائل هامة. # الأولى: جعل المثل المذكور، أي جعل العدد المعين فتنة لتوجه السؤال أو ~~مقابلته بالإذعان، فقد تساءل المستبعدون واستسلم وأذعن المؤمنون، كما ذكر ~~تعالى في صريح قوله: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق ~~من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا # [البقرة: 26]. # ثم بين تعالى الغرض من ذلك طبق ما جاء في الآية هنا # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفاسقين # [البقرة: 26]، فهذه الآية من سورة البقرة مبينة تماما لآية المدثر. # المسألة الثانية: قوله تعالى: { ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب } أن هذا مطابق لما عندهم في التوراة، وهذا مما يشهد لقومهم ~~على صدق ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وما ادعاه لإيمانهم ~~وتصديقهم. ms3976 # وقد ذكر القرطبي حديثا في ذلك واستغربه، ولكن النص يشهد لذلك. # المسألة الثالثة: أن المؤمن كلما جاءه أمر عن الله وصدقه، ولو لم يعلم ~~حقيقته اكتفاء بأنه من الله، ازداد بهذا التصديق إيمانا وهي مسألة ~~ازدياد الإيمان بالطاعة والتصديق. # المسألة الرابعة: بيان أن الواجب على المؤمن المبادرة بالتصديق ~~والانقياد، ولو لم يعلم الحكمة أو السر أو الغرض بناء على أن الخبر من ~~الله تعالى، وهو أعلم بما رواه. # وفي هذه المسألة مثار نقاش حكمة التشريع، وهذا أمر واسع، ولكن المهم ~~عندنا هنا ونحن في عصر الماديات وتقدم المخترعات وظهور كثير من علامات ~~الاستفهام عند كثير من آيات الأحكام، فإنا نود أن نقول: # إن كل ما صح عن الشارع الحكيم من كتاب أو سنة وجب التسليم والانقياد ~~إليه، علمنا الحكمة أو لم نعلم. لأن علمنا قاصر وفهمنا محدود والعليم ~~الحكيم الرؤوف الرحيم سبحانه لا يكلف عباده إلا بما فيه الحكمة. # ومجمل القول إن الأحكام بالنسبة لحكمتها قد تكون محصورة في أقسام ثلاثة: # القسم الأول: حكم تظهر حكمته بنص كما في وجوب الصلاة، جاء إن الصلاة ~~تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهذه حكمة جليلة والزكاة جاء عنها أنها تطهرهم ~~وتزكيهم. # وفي الصوم جاء فيه: لعلكم تتقون. # وفي الحج جاء فيه: ليشهدوا منافع لهم. فمع أنها عبادات لله فقد ظهرت ~~حكمتها جلية. # وفي الممنوعات كما قالوا في الضروريات الست، حفظ الدين، والعقل، والدم، ~~والعرض، والنسب، والمال لقيام الحياة ووفرة الأمن، وصيانة المجتمع، وجعلت ~~فيها حدود لحفظها وغير ذلك. # وقسم لم تظهر حكمته بهذا الظهور، ولكنه لم يخل من حكمة، كالطواف، ~~والسعي، والركوع، والسجود، والوضوء، والتيمم، والغسل، ونحو ذلك. # وقسم ابتلاء وامتحان أولا، ولحكمة ثانيا، كتحويل القبلة، كما قال ~~تعالى: # وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم ~~من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه # [البقرة: 143]. # وفي التحول عنها حكمة كما في قوله تعالى: # لئلا يكون للناس عليكم حجة # [البقرة: 150]. # والمسلم في كلتا الحالتين ظهرت له الحكمة أو لم تظهر وجب عليه الامتثال ~~والانقياد، كا ms3977 قال عمر عند استلامه للحجر: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ~~فقبله امتثالا واقتداء بصرف النظر عن ما جاء من أن عليا رضي الله عنه ~~قال له: بلى يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع، فيأتي يوم القيامة وله لسان ~~وعينان يشهد لمن قبله، لأن عمر أقبل عليه ليقبله قبل أن يخبره علي رضي ~~الله عنه. # وقد تنكشف الأمور عن حكمة لا نعلمها كما في قصة الخضر مع موسى عليهما ~~السلام، إذ خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار وكلها أعمال لم يعلم ~~لها موسى عليه السلام حكمة، فلما أبداها له الخضر علم مدى حكمتها. # وهكذا نحن اليوم وفي كل يوم، وقد بين تعالى هذا الموقف بقوله: # والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا # [آل عمران: 7]. # وقد جاء في نهاية الآية الكريمة ما يلزم البشر بالعجز ويدفعهم إلى ~~التسليم في قوله: { وما يعلم جنود ربك إلا هو }. # فكذلك بقية الأمور من الله تعالى هو أعلم بها. والعلم عند الله تعالى. ### || [74.42-47] # في هذه الآية الكريمة أن أصحاب اليمين يتساءلون عن المجرمين، وسبب ~~دخولهم النار، وكان الجواب أنهم لم يكونوا من المصلين ولم يكونوا يطعموا ~~المسكين، وكانوا يخوضون مع الخائضين. وكانوا يكذبون بيوم الدين، فجمعوا ~~بين الكفر بتكذيبهم بيوم الدين وبين الفروع، وهي ترك الصلاة والزكاة ~~المعبر عنها بإطعام المسكين إلى آخره فهذه الآية ما الأدلة على أن الكافر ~~مطالب بفروع الشرع مع أصوله. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مناقشة هذه المسألة عند ~~قوله تعالى: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون # [فصلت: 6-7] في سورة فصلت. ### || [74.48] # فيه أن الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين، كما أن فيها إثبات الشفاعة ~~للشافعين، ومفهوم كونها لا تنفع الكفار أنها تنفع غيرهم. # وقد جاءت نصوص في الشفاعة لمن ارتضاهم الله، وقد دلت نصوص على كلا ~~الأمرين، فمن عدم الشفاعة للكفار قوله تعالى: # ما ms3978 للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر: 18]. # وقوله: # ومآ أضلنآ إلا المجرمون فما لنا من شافعين # [الشعراء: 99-100] ونحو ذلك من الآيات. # وفي القسم الثاني قوله تعالى: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. # وكذلك الشفيع لا يشفع إلا من أذن له ولا يشفعون إلا فيمن أذنوا فيه، كما ~~قال تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وقوله: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن # [طه: 109]. # ومبحث الشفاعة واسع مقرر في كتب العقائد. # وخلاصة القول فيها أنها لا تكون إلا بإذن من الله المأذون له فيها، وقد ~~ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى وهي المقام المحمود، وعدة ~~شفاعات بعدها منها ما اختص به صلى الله عليه وسلم كالشفاعة العظمى ودخول ~~الجنة والشفاعة في غير مسلم وهو عمه أبو طالب للتخفيف عنه، ومنها ما ~~يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصلحاء، والله تعالى أعلم. ### || [74.49-51] # في هذه الآية تشبيه المدعوين في إعراضهم عن الدعوة والتذكرة بالحمر ~~الفارة من الصيادين أو الأسد، وقد شبه أيضا العالم غير المنتفع بعلمه ~~بالحمار يحمل أسفارا، فهما تشبيهان بالداعي والمدعو إذا لم تنفعه ~~الدعوة، وتقدم للشيخ في مبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-2] # قال ابن جرير: اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: { لآ أقسم ~~بيوم القيامة } ، فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار، لا أقسم مفصولة ~~من أقسم سوى الحسن والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك: لأقسم ~~بيوم القيامة. بمعنى أقسم بيوم القيامة. # ثم دخلت عليها لام القسم والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع ~~لا مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قراء الأمصار بإجماع الحجة من القراء ~~عليه. # وقد اختلف الذين قرؤوا ذلك على وجه الذي اخترنا قراءته في تأويله، فقال ~~بعضهم: لا صلة،إنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة، وعزاه إلى سعيد بن ~~جبير. # وقال آخرون: بل دخلت لا توكيدا للكلام. # وذكر عن أبي بكر بن عياش في قوله: لا ms3979 أقسم. توكيد للقسم كقوله: لا ~~والله. # وقال بعض نحويي الكوفة: لا، رد لكلام قد مضى من كلام المشركين الذين ~~كانوا ينكرون الجنة والنار. # ثم ابتدئ القسم، فقيل: { أقسم بيوم القيامة } وكان يقول: ~~كل يمين قبلها رد كلام، فلا بد من تقديم لا قبلها، ليفرق بذلك بين اليمين ~~التي تكون جحدا واليمين التي تستأنف، ويقول: ألا ترى أنك تقول مبتدئا: ~~والله إن الرسول لحق، وإذا قلت: لا والله، إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت ~~قوما أنكروه، واختلفوا أيضا في ذلك هل هو قسم أم لا. # وذكر الخلاف في ذلك، والواقع أن هذه المسألة من المشكلات من حيث وجود ~~اللام، وهل هي نافية للقسم أم مثبتة؟ وعلى أنها مثبتة فما موجبها؟ هل هي ~~رد لكلام سابق أم تأكيد للقسم؟ وهل وقع إقسام أم لا؟ كما ذكر كل ذلك ابن ~~جرير. # وقد تناولها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في كتابه دفع إيهام ~~الاضطراب في موضعين الاول في هذه السورة. واثاني في سورة البلد عند قوله ~~تعالى: # لآ أقسم بهذا البلد # [البلد: 1]، فبين في الموضع الأول أنها أي لا: نافية لكلام قبلها فلا ~~تتعارض مع الإقسام بيوم القيامة فعلا الواقع في قوله تعالى: # واليوم الموعود # [البروج: 2]. # والثاني أنها صلة، وقال: سيأتي له زيادة إيضاح، والموضع الثاني: # لآ أقسم بهذا البلد # [البلد: 1] ساق فيه بحثا طويلا مهما جدا نسوق خلاصته. # وسيطبع الكتاب إن شاء الله مع هذه التتمة فليرجع إليه. خلاصة ما ساقه ~~رحمة الله تعالى علينا وعليه: # قال: الجواب عليها من أوجه. الأول، وعليه الجمهور أن لا هنا صلة على ~~عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة لا من غير قصد معناها الأصلي، بل ~~لمجرد تقوية الكلام وتوكيده كقوله: # ما منعك إذا رأيتهم ضلوا ألا تتبعني. يعني أن تتبعني. # وقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب. # وقوله: فلا وربك لا يؤمنون. # وقول امرئ القيس: # فلا وأبيك ابنة العامري # لا يدع القوم أني أفر # يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، قول ~~الشاعر: ms3980 # ما كان يرضى رسول الله دينهم # والأطيبان أبو بكر ولا عمر # يعني وعمر، وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج: # في بئر لا حور سرى وما شعر # بإفكه حتى رأى الصبح شجر # والحور: الهلكة: يعني في بئر هلكة، وأنشد غيره: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد صميم القلب لا يتقطع # والوجه الثاني: أن لا نفي لكلام المشركين المكذبين للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقوله: أقسم: إثبات مستأنف. # وقيل: إن هذا الوجه، وإن قال به كثير من العلماء، إلا أنه ليس بوجيه ~~عندي، لقوله تعالى في سورة القيامة { ولآ أقسم بالنفس ~~اللوامة } ، لأن قوله { ولآ أقسم بالنفس اللوامة ~~} يدل على انه لم يرد الإثبات المستأنف بعد النفي بقوله أقسم والله تعالى ~~أعلم. # الوجه الثالث: أنها حرف نفي أيضا ووجهه أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار ~~عن تعظيم المقسم به. فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية. ~~والمراد أنه لا يعظم بالقسم، بل هو في نفسه عظيم أقسم به أولا. وهذا ~~القول ذكره صاحب الكشاف وصاحب روح المعاني، ولا يخلو عندي من نظر. # الوجه الرابع: أن اللام لام الابتداء، أشبعت فتحتها. والعرب ربما أشبعت ~~الفتحة بألف والكسرة بياء والضمة بواو. ومثاله في الفتحة قول عبد يغوث ~~الحارث: # وتضحك مني شيخة عبشمية # كأن لم ترى قبلي يسيرا يمانيا # فالأصل: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. # وقول الراجز: # إذا العجوز غضبت فطلق # ولا ترضاها ولا تملق # وقول عنترة في معلقته: # ينباع من ذفري غضوب جسرة # زيافة مثل العتيق المكدم # فالأصل ينبع، يعني العرق ينبع من الذفري من ناقته، فأشبعت الفتحة فصارت ~~ينباع، وقال: ليس هذا الإشباع من ضرورة الشعر. # ثم ساق الشواهد على الإشباع بالضمة والكسرة، ثم قال: يشهد لهذا لوجه ~~قراءة قنبل: لأقسم بهذا البلد بلام الابتداء، وهو مروي عن البزي والحسن. ~~والعلم عند الله تعالى اه. ملخصا. # فأنت ترى أنه رحمة الله قدم فيها أربعة أوجه صلة، ونفي الكلام قبلها، ~~وتأكيد للقسم، ولام ابتداء. واستدل له بقراءة قنبل أي لأقسم متصلة، أما ~~كونها لام ابتداء ms3981 لقراءة قنبل والحسن، فقد تقدم أن ابن جرير لا يستجيز ~~هذه القراءة لإجماع الحجة من القراء على قراءتها مفصولة { لا } أقسم. # ولعل أرجح هذه الأوجه كلها أنها لتوكيد القسم، كما ذكر ابن جرير عن ~~نحويي الكوفة والله تعالى أعلم. ### || [75.3] # هذا الحسبان قد جاء مصرحا به في قوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # [يس: 78]. # وجاء الجواب: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79] الآية. ### || [75.4] # كل المفسرين على أن المعنى نجعل بنانه متساوية ملتحمة كخف البعير، أي لا ~~يستطيع أن يتناول بها شيئا ولا يحسن بها عملا. # وهذا في الواقع لم نفهم له وجها مع السياق، فهو وإن كان دالا على قدرة ~~الله وعجز العبد. ولكن السياق في إنكار البعث واستبعاده ومجيء نظير لك في ~~سورة يس، يرشد إلى أن سبحانه قادر بعد موت العبد وتلاشيه في التراب وتحول ~~عظامه رميما، فهو قادر على أن يعيده تماما، كما أنشأه أول مرة، ومن ضمن ~~تلك الإعادة أن يسوي بنانه، أي يعدلها وينشؤها كما كانت أول مرة، والعلم ~~عند الله تعالى. # ويرشد له قوله تعالى: # وهو بكل خلق عليم # [يس: 79]، ومن الخلق ما كان عليه خلق، خلق هذا الإنسان المكذب المعترض، ~~فهو سبحانه يعيده على ما كان عليه تماما، وهذا أبلغ في القدرة وأبلغ في ~~الإلزام يوم القيامة. والعلم عند الله. ### || [75.7-11] # قرئ برق بكسر الراء وفتحها فبالكسر فزع، ودهش أصله من برق الرجل، إذا ~~نظر إلى البرق فدهش بصره، ومنه قول ذي الرمة: # لو أن لقمان الحكيم تعرضت # لعينيه مي سافرا كاد يبرق # وقول الأعشى: # وكنت أرى في وجه مية لمحة # فأبرق مغشيا على مكانيا # وبرق بالفتح شق بصره، وهو من البريق، أي لمع بصره من شدة شخوصه. # قال أبو حيان: والواقع أنه لا مانع من إرادة المعنيين ما دامت القراءتان ~~صحيحتان، وقد يشهد لهذا النص في سورة إبراهيم في قوله تعالى: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ~~مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم ms3982 طرفهم # [إبراهيم: 42-43]. # قال ابن كثير: ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر من شدة ~~الرعب. # وقوله: # يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر # [القيامة: 10-11] تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة ص ~~على قوله تعالى: # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص # [ص: 3]. ### || [75.13] # المراد بما قدم هنا هو ما قدمه من عمل ليوم القيامة، كما في قوله تعالى: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول ~~يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 23-24] وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه عند قوله ~~تعالى # وبدا لهم سيئات ما كسبوا # [الزمر: 48] من سورة الزمر. ### || [75.14] # بينه قوله تعالى: # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] وقوله: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49] وتقدم في سورة الكهف. ### || [75.15] # أي أنها لا تنفعه آنذاك، كما في قوله تعالى: # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم # [غافر: 52]. # وقد بين تعالى بعض معاذيرهم تلك في مثل قوله تعالى: # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. # وقوله: # فأغويناكم إنا كنا غاوين # [الصافات: 32]. # وقوله: # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضآلين ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 106-108]. # وقوله: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير # [الملك: 10-11]. ### || [75.16-17] # فيه النهي عن تحريك لسانه صلى الله عليه وسلم، وبيان أن الله تعالى عليه ~~جمعه وقرآنه، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان لشدة حرصه على ~~استيعاب ما يوحى إليه، يحرك لسانه عند الوحي فنهى عن ذلك. # وقد بين تعالى مدى هذا النهي ومدة هذه العجلة في قوله تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه # [طه: 114] وفيه الإيماء إلى حسن الاستماع والإصغاء عند الإيحاء به كما ~~في آداب الاستماع # فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون # [الأعراف: 204]. # وقوله: # إن علينا ms3983 جمعه وقرآنه # [القيامة: 17] قد بين تعالى أن جمعه وقراءته عليه في قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # تنبيه # إن في قوله تعالى: { إن علينا جمعه وقرآنه } فيه إشارة ~~إلى أنه نزل مفرقا، وإشارة إلى أن جمعه على هذا النحو الموجود برعاية ~~وعناية من الله تعالى وتحقيقا لقوله تعالى { إن علينا جمعه ~~وقرآنه } ويشهد لذلك أن هذا الجمع الموجود من وسائل حفظه، كما تعهد ~~تعالى بذلك: والله تعالى أعلم. # وقال أبو حيان: إن علينا جمعه في صدرك. وقرآنه أي تقرأه. ### || [75.18] # تقدم للشيخ بيانه عند قوله تعالى: # علمه شديد القوى # [النجم: 5] من سورة النجم. ### || [75.19] # قد نبه تعالى كما جاء في مقدمة الأضواء أنه ما من مجمل إلا وجاء تفصيله ~~في مكان آخر، وقد نص تعالى على هذا في كثير من الآيات، كما في قوله # كتاب فصلت آياته # [فصلت: 3]، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك في ~~أول فصلت. ### || [75.22] # تقدم بيانه للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: # قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني # [الأعراف: 143]. ### || [75.26-30] # لم يبين ما هي التي بلغت التراقي ولكنه معلوم أنها الروح، كما في قوله ~~تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 83-84] - إلى قوله - # ترجعونهآ إن كنتم صادقين # [الواقعة: 87]، فهذه حالات النزع والروح تبلغ الحلقوم وتبلغ التراقي. ~~وقد يترك التصريح للعلم كما في قوله تعالى: # إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى ~~توارت بالحجاب # [ص: 32] أي الشمس، وهكذا هنا فلمعرفتها بالقرائن ترك التصريح بالروح أو ~~النفس، وقد صرح تعالى بذلك في قوله: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون # [الأنعام: 93] الآية. # وقوله تعالى: { وقيل من راق }. # اختلف في معنى راق هذه، فقيل من الرقية أي قال من حوله: من يرتقيه هل من ~~طبيب يرقيه؟ أي حالة اشتداد الأمر عليه رجاء لشفاه أو استبعادا بأنه لا ~~ينفعه، وقيل: من الرقى أن تقول ms3984 الملائكة من الذي سيرقى بروحه أملائكة ~~العذاب أم ملائكة الرحمة؟ # ولكن في الآية # آية قرينة على أن الأول أرجح، لأن قول الملائكة يكون في حق الشخص ~~المتردد في أمره، وهذا هنا ليس موضع تردد لأن نهاية السياق فيه # فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى # [القيامة: 31-32] إلى ما بعده. # وقال أبو حيان: على أنه من قول الملائكة من يرقى بروحه، يكون ذلك ~~كراهية. منهم أن يصعدوا بها، وفي هذا نظر، لأن الله تعالى جعل ملائكة ~~للمشركين وهم ملائكة العذاب، وملائكة للمؤمنين، وهم ملائكة الرحمة. ولا ~~يستكره فريق منهما أن يصعد بما تخصص له، بل قد لا يسمح للآخر بما يخصه. # كما في حديث الذي قتل مائة نفس، وأدركته الوفاة في منتصف الطريق، فحضرته ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون أيهم يصعد بروحه، كل يريد أن يتولى ~~قبض روحه أولئك يقولون: إنه قتل مائة نفس ولم يعمل خيرا قط، وأولئك ~~يقولون: إنه خرج تائبا إلى الله تعالى. # وهذا كما تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه من ترجيح أحد المعنيين ~~المختلف فيهما بين المفسرين لوجود قرينة في الآية. وقد وجدت القرينة وهي ~~ما في آخر الآية والسياق من أنه ليس موضع تردد { فلا صدق ولا ~~صلى } الآية. والله تعالى أعلم. ### || [75.36] # رد على زعم أنه خلق سدى وهملا، وأنه لا يحاسب ولا يسأل وبالتالي لا ~~يبعث. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لآ إله ~~إلا هو رب العرش الكريم # [المؤمنون: 115-116] أي تعالى الله عن العبث، وقد ساق الشيخ الأدلة ~~الوافية هناك. ### || [75.37-40] # بلى إنه على كل شيء قدير، مجيء هذا الاستفهام الإنكاري أو التقريري، بعد ~~أيحسب الإنسان أن يترك سدى. وسوق هذه الآيات. العظيمات الدالة على القدرة ~~الباهرة، فيه رد على إنكار ضمني وهو أنه لا يعتقد وجوده سدى ولا حساب ~~عليه إلا من استبعد البعث. # ولو أقر بالبعث لآمن بالجزاء ms3985 واعترف بالسؤال وعلم أنه لم يخلق عبثا، ~~ولن يترك سدى. ولكن لما أنكر البعث ظن وحسب أنه يترك سدى، فجاء تذكيره ~~بأصل خلقته وتطوره ليستخلص منه اعترافه، لأن من قدر على خلقه من منى ~~يمنى، وتطويره إلى علقة ثم إلى خلق سوي، فهو قادر على بعثه مرة أخرى. # وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه الأطوار في أكثر من ~~موضع، وأحال عليها عند قوله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة ~~إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى # [النجم: 45-47] في سورة والنجم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-2] # اتفق المفسرون على أن هل هنا بمعنى (قد) أي أن الاستفهام تقريري يستوجب ~~الإجابة عليه بنعم. # ولفظ الإنسان في { هل أتى على الإنسان } ، وقيل هو الإنسان ~~الأول آدم عليه السلام، آتى عليه حين من الدهر، لم يكن شيء يذكر. # وقيل: هو عموم الإنسان من بني آدم فيكون المعنى على الأول، أن آدم عليه ~~السلام أتى عليه حين من الدهر قيل: أربعون سنة. # ذكر عن ابن عباس: كان طينا ثم صلصالا حتى نفخ فيه الروح. # ويكون على الثاني أن الإنسان أتى عليه حين من الدهر، هو أربعون يوما ~~نطفة، ثم أربعون يوما علقة، ثم أربعون يوما مضغة، وكل ذلك شيء ولكنه لم ~~يكن مذكورا، أي ضعيفا، وكلاهما محتمل. # ولفظ الإنسان الثاني في قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة أمشاج } اتفقوا على أنه عام في بني آدم، لأنه هو الذي خلق ~~من نطفة أمشاج أخلاط، وقد رجح الفخر الرازي أن لفظ الإنسان في الموضعين ~~بمعنى واحد وهو المعنى العام ليستقيم الأسلوب بدون مغايرة بين اللفظين إذ ~~لا قرينة مميزة. # ولعل في السياق قرينة تدل على ما قاله، وهي أن قوله تعالى: { نبتليه } ~~قطعا لبني آدم، لأن آدم عليه السلام، انتهى أمره بالسمع والطاعة # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم # [البقرة: 37] ولم يبق مجال لابتلائه، إنما ذلك لبنيه. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة ms3986 أمشاج } ~~فيه بيان مبدء خلق الإنسان، وله أطوار في وجوده بعد النطفة علقة ثم مضغة ~~ثم خلقا آخر، وكل ذلك من لا شيء قبله. # كما قال تعالى: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك عند الآية الكريمة { ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا }. ### || [76.3] # الهداية هنا بمعنى البيان، كما في قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. # والسبيل الطريق السوي، وفيه بيان انقسام الإنسان إلى قسمين: شاكر معترف ~~بنعمة الله تعالى عليه، مقابل لها بالشكر أو كافر جاحد. # وقوله: { إما شاكرا } ، يشير إلى إنعام الله تعالى على العبد، وقد ~~ذكر تعالى نعمتين عظيمتين: # الأولى: إيجاد الإنسان من العدم بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وهذه نعمة ~~عظمى لا كسب للعبد فيها. # والثانية: الهداية بالبيان والإرشاد إلى سبيل الحق والسعادة، وهذه نعمة ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب ولا كسب للعبد فيها أيضا: # وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها. # الأولى: وجوده بعد العدم. # الثانية: نعمة الإيمان. # الثالثة: دخول الجنة. # وقالوا: الإيجاد من العدم، تفضل من الله تعالى كما قال: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]، ومن جعله الله عقيما فلن ينجب قط. # والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]. # وقد جاء في الحديث: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه " # الحديث. # وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين، لا كسب له في ذلك. # والثالث، الإنعام بدخول الدجنة كما في الحديث: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعلمه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وقد ذكر تعالى نعمتين صراحة، وهما خلق الإنسان بعد العدم، وهدايته ~~السبيل. # والثالث: تأتي ضمنا في ذكر النتيجة # إن الأبرار يشربون من ms3987 كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5] لأن الأبرار هم الشاكرون بدليل التقسيم # شاكرا وإما كفورا إنآ أعتدنا للكافرين ~~سلاسلا وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من ~~كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 3-5]. # وقوله تعالى: { إنا هديناه السبيل } تقدم أنها هداية بيان. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الهداية العامة والخاصة. ~~والجمع بينهما في أكثر من موضع، وفي مستهل هذه السورة بيان لمبدأ الإنسان ~~وموقفه من بعثة الرسل وهدايتهم ونتائج أعمالهم من شكر أو كفر. # وقد جاءت السنة بقراءة هذه السورة في الركعة الثانية من فجر يوم الجمعة، ~~مع قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن قراءتهما معا في ذلك اليوم ~~لمناسبة خلق آدم في يوم الجمعة ليتذكر الإنسان في هذا اليوم، وهو يوم ~~الجمعة مبدأ خلق أبيه آدم ومبدأ خلق عموم الإنسان ويتذكر مصيره ومنتهاه ~~ليرى ما هو عليه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل هو شاكر أو كفور ~~اه. # ملخصا. # ومضمون ذلك كله أنه رحمه الله يرى أن الحكمة في قراءة السورتين في فجر ~~الجمعة، أن يوم الجمعة هو يوم آدم عليه السلام فيه خلق، وفيه نفخ فيه ~~الروح، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه ثبيت عليه، وفيه تقوم ~~الساعة. # كما قيل: يوم الجمعة يوم آدم ويوم الاثنين يوم محمد صلى الله عليه وسلم، ~~أي فيه ولد وفيه أنزل عليه، وفيه وصل المدينة في الهجرة، وفيه توفي. # ولما كان يوم الجمعة يوم إيجاد الإنسان الأول ويوم أحداثه كلها إيجادا ~~من العدم وإنعاما عليه بسكنى الجنة وتواجده على الأرض، وتلقى التوبة ~~عليه من الله أي يوم الإنعام عليه حسا ومعنى، فناسب أن يذكر الإمام ~~بقراءته سورة السجدة في فجر يوم الجمعة لما فيها من قصة خلق آدم في قوله: # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ~~ثم سواه ونفخ فيه من روحه # [السجدة: 7-9]. # وفيها قوله تعالى: # ولو ms3988 شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة: 13] مما يبث الخوف في قلوب العباد، إذ لا يعلم من أي الفريقين ~~هو، فيجعله أشد حرصا على فعل الخير، وأشد خوفا من الشر. # ثم حذر من نسيان يوم القيامة # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ # [السجدة: 14]. # وهكذا في الركعة الأولى، يرجع المسلم إلى أصل وجوده ويستحضر قصة الإنسان ~~الأول. # وكذلك يأتي في الركعة الثاني بقصته هو منذ بدأ خلقه { من نطفة ~~أمشاج } ويذكره بالهدى الذي أنزل عليه ويرغبه في شكرانه عليه ويحذره ~~من جحودها وكفرانها. # وقد بين له منتهاه على كلا الأمرين # إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا ~~إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 4-5]. # فإذا قرع سمعه ذلك في يوم خلقه ويوم مبعثه حيث فيه تقوم الساعة فكأنه ~~ينظر ويشاهد أول وجوده وآخر مآله فلا يكذب بالبعث. وقد علم مبدأ خلقه ولا ~~يقصر في واجب، وقد علم منتهاه، وهذا في غاية الحكمة كما ترى. # ومما يشهد لما ذهب إليه رحمه الله، اعتبار المناسبات كما في كثير من ~~الأمور، كما في قوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه # [البقرة: 185] فجميع الشهور من حيث الزمن سواء، ولكن بمناسبة بدء نزول ~~القرآن في هذا الشهر جعله الله محلا للصوم، وأكرم فيه الأمة كلها بل ~~العالم كله، فتتزين فيه الجنة وصفد فيه مردة الشياطين، وتتضاعف فيه ~~الأعمال. # وكذلك الليلة منه التي كان فيها البدء اختصها تعالى عن بقية ليالي ~~الشهر، وهي ليلة القدر جعلها الله تعالى خيرا من ألف شهر، وما ذاك إلا ~~لأنها كما قال تعالى: # إنآ أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] السورة بتمامها. # مسألة # لقد أكثر الناس القول في اعتبار المناسبات في الإسلام وعدم اعتبارها، ~~ووقع فيها الإفراط والتفريط، وكما قيل: # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # ومنطلقا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تقدم هذه النبذة في هذه ~~المسألة، وهي ms3989 أنه بالتأمل في الشرع وأحداث الإسلام عامة وخاصة. # أي في عموم الأمم وخصوص هذه الأمة، نجد المناسبات قسمين مناسبة معتبرة ~~عني بها الشرع لما فيها من عظة وذكرى تتجدد مع تجدد الأيام والأجيال، ~~وتعود على الفرد والجماعة بالتزود منها، ومناسبة لم تعتبر، إما لاقتصارها ~~في ذاتها وعدم استطاعة الأفراد مسايرتها. # فمن الأول يوم الجمعة، وتقدم طرف من خصائص هذا اليوم في سورة الجمعة، ~~وكلام شيخ الإسلام رحمه الله، وقد عني بها الإسلام في الحث على القراءة ~~المنوه عنها في صلاة الفجر، وفي الحث على أدائها والحفاوة بها من اغتسال ~~وطيب وتبكير إليها، كما تقدم في سورة الجمعة. # ولكن من غير غلو ولا إفراط، فقد جاء النهي عن صوم يومها وحده، دون أن ~~يسبق. بصوم قبله، أو يلحق بصوم بعده كما نهى عن إفراد ليلتها بقيام، ~~والنصوص في ذلك متضافرة ثابتة، فكانت مناسبة معتبرة مع اعتدال وتوجه إلى ~~الله أي بدون إفراط أو تفريط. # ومنها يوم الاثنين كما أسلفنا، فقد جاء # " عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن صيامه يوم الاثنين فقال: " هذا يوم ~~ولدت فيه وعلي فيه أنزل " # ، وكان يوم وصوله المدينة في الهجرة وكان يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، ~~فقد احتفى به صلى الله عليه وسلم للمسببات المذكورة، وكلها أحداث عظام ~~ومناسبات جليلة. # فيوم مولده صلى الله عليه وسلم وقعت مظاهر كونية ابتداء من واقعة أبرهة، ~~وإهلاك جيشه إرهاصا بولده صلى الله عليه وسلم، ثم ظهور نجم بني الختان، ~~وحدثت أمه وهي حامل به فيما قيل: إنها أتيت حين حملت به صلى الله عليه ~~وسلم فقيل لها: " إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: # أعيذه بالواحد # من شر كل حاسد # ثم سميه محمدا " ، وذكر ابن هشام أنها رأت حين حملت به أنه خرج منها ~~نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. # وذكر ابن هشام. أن حسان بن ثابت وهو غلام سمع يهوديا يصرخ بأعلى صوته ~~على أطمة بيثرب: يا معشر يهود: حتى ms3990 إذا اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك مالك، ~~قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. # وساق ابن كثير في تاريخه، والبيهقي في خصائصه وابن هشام في سيرته ~~أخبارا عديدة مما شهده العالم ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، نوجز منها ~~الآتي: عن عثمان بن أبي العاص أن أمه حضرت مولده صلى الله عليه وسلم ~~قالت: # فما شيء أنظر إليه في البيت إلا نور، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني ~~لأقول: ليقعن علي. # وعن أبي الحكم التنوخي: قال: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى ~~نسوة إلى الصبح يكفأن عليه برمة، فأكفأن عليه صلى الله عليه وسلم برمة، ~~فانفلقت عنه، ووجد مفتوح العينين شاخصا ببصره إلى السماء. # وقد كان لمولده من الأحداث الكونية ما لفت أنظار العالم كله. # ذكر ابن كثير منها انكفاء الأصنام على وجوهها، وارتجاس إيوان كسرى، ~~وسقوط بعض شرفه، وخمود نار فارس، ولم تخمد قبلها، وغاضت بحيرة ساوة، فكان ~~في ذلك إرهاص بتكسير الأصنام وانتشار الإسلام، ودخول الفرس في الإسلام، ~~ثم كان بدء الوحي عليه صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين. # الحفاوة بهذا اليوم # لا شك أن العالم لم يشهد حدثين أعظم من هذين الحدثين. مولد سيد الخلق ~~وبدء إنزال أفضل الكتب، فكان صلى الله عليه وسلم يحتفى به وذلك بصيامه، ~~وهو العمل المشروع الذي يعبر به المسلم عن شعوره فيه، والعبادة الخالصة ~~التي يشكر الله تعالى بها على هاتين النعمتين العظيمتين. # أما ما يفعله بعض الناس من احتفالات ومظاهر، فقد حدث ذلك بعد أن لم يكن ~~لا في القرن الأول ولا الثاني، ولا الثالث، وهي القرون المشهود لها ~~بالخير، وأول إحداثه في القرن الرابع. # وقد افترق الناس فيه إلى فريقين، فريق ينكره، وينكر على من يفعله لعدم ~~فعل السلف إياه، ولا مجيء أثر في ذلك، وفريق يراه جائزا لعدم النهي عنه، ~~وقد يشدد كل فريق على الآخر في هذه المسألة. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم كلام وسط في غاية ~~الإنصاف، نورد موجزه ms3991 لجزالته، والله الهادي إلى سواء السبيل. # قال رحمه الله في فصل قد عقده للأعياد المحدثة: فذكر أول جمعة من رجب ~~وعيد خم في الثامن عشر من ذي الحجة، حيث خطب صلى الله عليه وسلم، وحث على ~~اتباع السنة وبأهل بيته، ثم أتى إلى عمل المولد فقال: # وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه ~~السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له والله قد يثيبهم ~~على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم عيدا، مع اختلاف الناس في مولده، أي في ربيع أو في رمضان، فإن ~~هذا لم يفعله السلف رضي الله عنهم مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه. # ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به ~~منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له ~~منا، وهم على الخير أحرص. # وإنما كمال محبته وتعظيمه. في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته ~~باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، ~~فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تراهم حرصاء على أمثال هذه البدع، مع ما لهم ~~فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في ~~أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه. وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا ~~يقرأ فيه، ولا يتبعه. وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه ~~قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجاجيد المزخرفة وأمثال هذه الزخارف ~~الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما ~~يفسد حال صاحبها. # واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع. # وفيه أيضا من بدعة وغيرها، ثم رسم طريق العمل السليم للفرد في نفسه ~~والداعية مع غيره، فقال: فعليك هنا بأدبين أحدهما أن يكون حرصك على ~~التمسك بالسنة باطنا وظاهرا. # الثاني: أن ms3992 تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ~~ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر، يفعل ما هو أنكر منه، ~~أو بترك واجب أو مندوب تركه أضمر من فعل ذلك المكروه. # ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوض عنه من الخير المشروع، بحسب ~~الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئا إلا بشيء. # ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، فإنه كما أن ~~الفاعلين لهذه البدع معيبون، قد أتوا مكروها فالتاركون أيضا للسنن ~~مذمومون. # وكثير من المنكرين لبدع العبادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو ~~الأمر به.. # ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العادات المشتملة على ~~نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتعظيم ~~المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن ~~قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من ~~بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد. # ولهذا قيل لأحمد: إن بعض الأمراء ينفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك، ~~فقال: دعه، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه: أن ~~زخرفة المصاحف مكروهة، فمثل هؤلاء إن لم يفعلوا هذا، وإلا اعتاضوا عنه ~~الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتب فجور، ككتب الأسماء ~~والأصفار أو حكمة فارس والروم. # ومراتب الأعمال ثلاث: إحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه. # والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد، أو ~~لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع. # والثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلا. # فأما الأولى: فهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أعمال السابقين ~~الأولين. # وأما الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين. إلى علم أو ~~عبادة، ومن العامة أيضا، وهؤلاء خير مما لا يعمل عملا صالحا مشروعا ~~ولا غير مشروع، ومع هذا ms3993 فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ~~ذلك موافقة بعض المنافقين له في ظاهر الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك ~~المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين، فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي ~~معرفتها والعمل بها اه. # لقد عالج رحمه الله هذه المسألة بحكمة الداعي وسياسة الدعوة مما لا يدع ~~مجالا للكلام فيها. # ولكن قد حدث بعده رحمه الله أمور لم تكن من قبل ابتلى بها العالم ~~الغربي، وغزا بها العالم الشرقي، ولبس بها على المسلمين، وهي تلك المبادئ ~~الهدامة والغزو الفكري، وإبراز شخصيات ذات مبادئ اقتصادية أو فلسفي، ~~ارتفع شأنها في قومهم ونفثت سمومهم إلى بني جلدتنا، وصاروا يقيمون لهم ~~الذكريات ويقدمون عنهم الدراسات جهلا أو تضليلا فقام من المسلمين من ~~يقول: # نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقا سلفيا ولا عمل القرون للشهود ~~لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى، لنجمع ~~شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين، ويكون ذلك من باب: يحدث للناس من ~~الأحكام بقدر ما أحدثت من البدع إلى آخره. # وهنا لا ينبغي الإسراع في الجواب، ولكن انطلاقا من كلام شيخ الإسلام ~~المتقدم، يمكن أن يقال: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره صلى الله ~~عليه وسلم مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل أذان على كل منارة من كل ~~مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على ~~الثلاثين مرة جهرا وسرا. جهرا يملأ الأفق، وسرا يملأ القلب والحس. # ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه ~~السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن ~~لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها ~~أنها السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: ms3994 # " والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس ~~أجمعين ". # فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا ~~يحبه، ومن هذا يمكن أن يقال: إن ما يلابس عمل المولد من لهو ولعب واختلاط ~~غير مشروع، وأعمال في أشكال لا أصل لها يجب تركه وتنزيه التعبير عن محبته ~~صلى الله عليه وسلم عما لا يرضاه صلى الله عليه وسلم. # وقد كان صلى الله عليه وسلم هذا اليوم بالصوم، وإن كان المراد مقابلة ~~فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين ~~الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور. # ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله ~~لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم ~~بما تريده من دراسة للسيرة النبوية. # وختاما فبدلا من الموقف السلبي عند التشديد في النكير أن يكون عملا ~~إيجابيا في حكمة وتوجيه لما هو أولى بحسب المستطاع، كما قال شيخ الإسلام ~~رحمه الله، وبالله تعالى التوفيق: # ومن المناسبات ليلة القدر لبدء نزول القرآن فيها لقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] ثم بين تعالى مقدارها بقوله: # ليلة القدر خير من ألف شهر # [القدر: 3] وبين خواصها بقوله: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر # [القدر: 4-5]. # الحفاوة بها # لقد بين صلى الله عليه وسلم بقوله: # " التمسوها في العشر الأواخر، وفي الوتر من العشر الأواخر " # ، وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر كلها التماسا لتلك الليلة، فكان ~~يحييها قائما في معتكفه، كما جاء في الحديث # " وإذا جاء العشر شد مئزره وطوى فراشه وأيقظ أهله " # فلم يكن يمرح ولا يلعب ولا حتى نوم بل اجتهاد في العبادة. # وكذلك شهر رمضان بكامله لكونه أنزل فيه القرآن أيضا، كام تقدمت الإشارة ~~إليه، فكان تكريمه بصوم نهاره وقيام ليلة لا بالملاهي واللعب والحفلات، ~~كما له بعض صار يعد الناس ms3995 وسائل ترفيه خاصة، فيعكس فيه القصد ويخالف ~~المشروع. # ومن المناسبات يوم عاشوراء، لقد كان له تاريخ قديم وكانت العرب تعظمه في ~~الجاهلية وتكسو فيه الكعبة، # " ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومونه فقال لهم: " ~~لم تصومونه "؟ فقالوا: يوما نجى الله فيه موسى من فرعون فصامه شكرا ~~لله فصمناه. فقال صلى الله عليه وسلم: " نحن أحق بموسى منكم " فصامه وأمر ~~الناس بصيامه " # إنها مناسبة عظمى نجاة نبي الله موسى من عدو الله فرعون، نصرة الحق على ~~الباطل، ونصر جند الله وإهلاك جند الشيطان. # وهذا بحق مناسبة يهتم لها كل مسلم. ولذا قال صلى الله عليه وسلم # " نحن أحق بموسى منكم " # نحن معشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد ". # وقد كان صيامه فرضا حتى نسخ بفرض رمضان، وهكذا مع عظم مناسبته من إعلاء ~~كلمة الله ونصرة رسوله، كان ابتهاج موسى عليه السلام به في صيامه شكرا ~~لله. # وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطريق السليم والسنة ~~النبوية الكريمة لا ما يحدثه بعض العوام والجهال من مظاهر وأحداث لا أصل ~~لها، ثم يأتي العمل الأعم والمناسبات المتعددة في مناسك الحج منها ~~الهرولة في الطواف، لقد كانت عن مؤامرة قريش في عزمها على الغدر ~~بالمسلمين في عمرة القضية فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يظهروا النشاط في ~~الطواف، وذلك حينما جاء الشيطان لقريش وقال لهم: # هؤلاء المسلمون مع محمد صلى الله عليه وسلم جاءوا إليكم وقد أنهكتهم حمى ~~يثرب، فلو ملتم عليهم لاستأصلتموهم، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكان الموقف خطيرا جدا وحرجا حيث لا مدد للمسلمين ولا سبيل ~~للانسحاب ولا بد لهم من إتمام العمرة. # فكان التصرف الحكيم، أن يعكسوا على المشركين نظريتهم ويأتونهم من الباب ~~الذي أتوا منه. # فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " أروهم اليوم منكم قوة " # فهرولوا في الطواف وأظهروا قوة ونشاطا مما أدهش المشركين حتى قالوا: ~~والله ما هؤلاء بإنس إنهم لكالجن " ، وفوتوا عليهم الفرصة بذلك وسلم ~~المسلمون. # فهو أشبه بموقف ms3996 موسى من فرعون، فنجى الله رسوله صلى الله عليه وسلم من ~~غدر قريش فكان هذا العمل مخلدا ومشروعا في كل طواف قدوم حتى اليوم، مع ~~زوال السبب حيث هرول المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع بعد فتح مكة بسنتين. # قال العلماء: بقي هذا العمل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أولا، وتذكروا ولهذا الموقف وما لقيه المسلمون في بادئ الدعوة. # وجاء السعي والهرولة فيه لما فيه من تجديد اليقين بالله، حيث تركت هاجر، ~~وهي من سادة المتوكلين على الله والتي قالت لإبراهيم: # اذهب فلن يضيعنا الله. تركت حتى سعت إلى نهاية العدد، كما يقول علماء ~~الفرائض وهو سبعة. # إذ كل عدد بعده تكرار لمكرر قبله، كما قالوا في عدد السماوات والأرض ~~وحصى الجمار وأيام الأسبوع، إلخ. # وذلك لتصل إلى أقصى الجهد وتنقطع أطماعها من غوث يأتيها من الأرض، فتتجه ~~بقوة اليقين وشدة الضراعة إلى السماء وتتوجه بكليتها، وإحساسها بقلبها ~~وقالبها إلى الله. فيأتيها الغوث الأعظم سقيا لها وللمسلمين من بعدها. # فكان ذلك درسا عمليا ظل إحياؤه تجديدا له. # وهذكا النحر، وقصة الفداء لما كان فيه درس الأمة لأفرادها وجماعتها في ~~أسرة كاملة. والد ووالدة، وولد كل يسلم قياده لأمر الله، وإلى أقصى حد ~~التضحية حينما قال إبراهيم لإسماعيل ما قصه تعالى علينا # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى # [الصافات: 102]. # إنه حدث خطير وأي رأي للولد في ذبح نفسه، ولكنه التمهيد لأمر الله، فكان ~~موقف الولد لا يقل إكبارا عن موقف الوالد: # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين # [الصافات: 102] ولم يكن ذلك عرضا وقبولا فحسب، بل جاء وقت التنفيذ إلى ~~نقطة الصفر، كما يقال: # والكل ماض في سبيل التنفيذ، # فلمآ أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103] يا له من موقف يعجز كل بيان عن تصويره ويئط كل قلم عن ~~تفسيره، ويثقل كل لسان عن تعبيره، شيخ في كبر سنه يعمل سكينا بيده ويتل ~~ولده وضناه بالأخرى، كيف قويت يده ms3997 على حمل السكين، وقويت عيناه على ~~رؤيتها في يده، وكيف طاوعته يده الأخرى على تل ولده على جبينه؟ # إنها قوة الإيمان وسنة الالتزام، وها هو الولد مع أبيه طوع يده، يتصبر ~~لأمر الله ويستسلم لقضاء الله { ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين } والموقف الآن والد بيده السكين، وولد ملقى على الجبين، ~~ولم يبق إلا توقف الأنفاس للحظة التنفيذ، ولكن رحمة الله أوسع وفرجه من ~~عنده أقرب، # وناديناه أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين # [الصافات: 104-105]. # فكانت مناسبة عظيمة وفائدتها كبيرة خلدها الإسلام في الهدى والضحية. # وفي رمي الجمار، إلى آخره، وهكذا كلها في مناسك وعبادة وقربة إلى الله ~~تعالى في تجرد وانقطاع، ودوام ذكر لله تعالى. # وهناك أحداث جسام ومناسبات عظام، لا تقل أهمية عن سابقاتها، ولكن لم ~~يجعل لها الإسلام أي ذكرى، كما في صلح الحديبية. # لقد كان هذا الصلح من أعظم المناسبات في الإسلام، إذ كان فيه انتزاع ~~اعتراف قريش بالكيان الإسلامي ماثلا في الصلح والعهد الذي وثق بين ~~الطرفين وقد سماه الله فتحا، كما قال تعالى: # فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا # الفتح: 27]. # ونزلت سورة الفتح في عودته صلى الله عليه وسلم من صلح الحديبية. # وكذلك يوم بدر كان يوم الفرقان، فرق الله فيه بين الحق والباطل ونصر فيه ~~المسلمين مع قلتهم على المشركين مع كثرتهم. # وكذلك يوم فتح مكة وتحطيم الأصنام والقضاء نهائيا على دولة الشرك في ~~البلاد العربية، ومن قبل ذلك ليلة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة ~~ونزوله في الغار، إذ كان فيها نجاته صلى الله عليه وسلم من فتك المشركين، ~~كما قال الصديق وهما في الطريق إلى الغار حينما كان يسير أحيانا أمام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأحيانا خلفه فسأله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون خلفك، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أتريد لو كان شيء يكون فيك يا أبا بكر " # فقلت نعم فداك أبي وأمي يا رسول ms3998 الله، # " فإني إن أهلك أهلك وحدي، وإن تصب أنت يا رسول الله تصب الدعوى معك ". # وكذلك وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة بداية حياة جديدة وبناء كيان ~~أمة جديدة، وكل ذلك لم يجعل الإسلام لذلك كله عملا خاصا به والناس في ~~إبانها تأخذهم عاطفة الذكرى، ويجرهم حنين الماضي وتتراءى لهم صفحات ~~التاريخ، فهل يقفون صما بكما أم ينطقون بكلمة تعبير؟ وشكر لله إنه إن ~~يكن من شيء فلا يصح بحال من الأحوال، أن يكون من اللهو واللعب والمنكر ~~وما لا يرضى الله ولا رسوله. # إنه إن يكن من شيء، فلا يصح إلا من المنهج الذي رسمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، في مثل تلك المناسبات من عبادة في صيام أوصدقة أو نسك ولا ~~يمكن أن يقال فيها بما يقال في المصالح المرسلة حيث كانت. # وكان عهد التشريع ولم يشرع في خصوصها شيء، وهل الأمر فيها كالأمر في ~~المولد على ما قدمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتكون ضمن عموم ~~قوله تعالى # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]، وضمن قوله تعالى: # فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر: 2] رأي بقصص الماضين. # ونحن أيضا نقص على أجيالنا بعد هذه القرون، أهم أحداث الإسلام لاستخلاص ~~العظة والعبرة أم لا؟ # وهذا ما يتيسر إيراده بإيجاز في هذه المسألة، وبالله تعالى التوفيق. # تنبيه مما يعتبر ذا صلة بهذا المبحث في الجملة ما نقله ابن كثير في ~~التفسير عند كلامه على قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3]. # قال عندها: وقال الإمام أحمد حدثنا جعفر بن عوف حدثنا أبو العميس عن قيس ~~بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: ~~يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا يا معشر اليهود ~~نزلت لاتخاذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية قال قوله { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3999 والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. # ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به، ورواه أيضا مسلم ~~والترمذي والنسائي أيضا من طرق عن قيس بن مسلم به. ولفظ البخاري عند ~~تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري عن قيس عن طارق قال: قالت اليهود ~~لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدا فقال عمر: إني لأعلم ~~حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت: ~~يوم عرفة وأنا والله بعرفة. # وساق عن ابن جرير قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليه هذه الآية ~~لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. # فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} أجابه عمر بما أجاب به سابقا، وقال في يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما ~~بحمد الله لنا عيد. # ونقل عن ابن جرير عن ابن عباس قرأ الآية فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية ~~علينا لاتخذنا يومها عيدا فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين ~~يوم عيد ويوم جمعة. # ومحل الإيراد أن عمر سمع اليهود يشيد بيوم نزولها، فقد أقر اليهودي على ~~ذلك ولم ينكر عليه، ولكن أخبره بالواقع وهو أن يوم نزولها عيد بنفسه بدون ~~أن نتخذه نحن. # وكذلك ابن عباس أقر اليهودي على إخباره وتطلعه واقتراحه، فلم ينكر عليه ~~كما لم ينكر عمر مما يشعر أنه لو لم يكن نزولها يوم عيد، لكان من المحتمل ~~أن تتخذ عيدا. ولكنه صادف عيدا أو عيدين، فهو تكريم لليوم بمناسبة ما ~~نزل فيه من إكمال الدين وإتمام النعمة. # قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ~~الأمشاج. الأخلاط، كما قال تعالى # من مآء دافق يخرج من بين الصلب والترآئب # [الطارق: 6-7]. # قوله تعالى: { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا }. # بين تعالى أنه هدى الإنسان السبيل، وهو بعد الهداية إما شاكرا وإما ~~كفورا. # وهذه الهداية هداية بيان ms4000 وإرشاد، كما في قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17] كما أن الهداية الحقيقية بخلق التوفيق فضلا من الله على من ~~شاء، كما تقدم عند قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الجمع بين الآيتين، ومعنى ~~الهداية العامة والخاصة. ### || [76.4] # قوله تعالى: { سلاسلا وأغلالا وسعيرا }. # بين تعالى نوع هذه السلاسل بذرعها في قوله تعالى: # في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا # [الحاقة: 32]. ### || [76.5-6] # قوله تعالى: { يشربون من كأس }. # مادة يشرب تتعدى بنفسها، فيقال: يشرب كأسا بدون مجيء من، ومن للتبعيض، ~~وللابتداء، فقيل: هي هنا للابتداء، وأن الفعل مضمن معنى فعل آخر، وهو ~~يتنعمون ويرتوون كما قالوا في عينا يشرب بها عباد الله. إذ الباء تكون ~~للإرادة ولا إرادة هنا، فهم يتنعمون بها. # والذي يظهر أن من للتبعيض فعلا، وأن شرب أهل الجنة على سبيل الترفه ~~والتلذذ، وهي عادة المترفين المنعمين، يشربون بعض الكأس لا كله. # وقد دل على ذلك أنهم لا يشربون عن ظمإ كما في قوله تعالى لآدم # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا ~~تظمؤا فيها ولا تضحى # [طه: 118-119]، وسيأتي تعدية يسقون بنفسها إلى الكأس # ويسقون فيها كأسا # [الإنسان: 17]، ويأتي قوله تعالى # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. # ويؤيد هذا اتفاقهم على التضمين في # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6]، فهو هنا واضح. # وهناك التبعيض ظاهر. ### || [76.7] # قوله تعالى: { يوفون بالنذر }. # تقدم للشيخ رحمةالله تعالى علينا وعليه مبحث النذر وافيا عند قوله ~~تعالى: # وليوفوا نذورهم # [الحج: 29] الآية في سورة الحج. ### || [76.8-9] # اختلف في مرجع الضمير في على حبه، هل هو راجع على الطعام أم على الله ~~تعالى؟ أي ويطعمون الطعام على حب الطعام لقلته عندهم وحاجتهم إليه، أم ~~على حب الله رجاء ثواب الله؟ # وقد رجح ابن كثير المعنى الأول، وهو اختيار ابن جرير وساق الشواهد على ~~ذلك كقوله # وآتى المال على حبه # [البقرة: 177]، وقوله # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ms4001 تحبون # [آل عمران: 92]. # والواقع أن الاستدلال الأول فيه ما في هذه الآية ولكن أقرب دليلا ~~وأصرح، قوله تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]. # وفي الآية التي بعدها في هذه السورة قرينة تشهد لرجوعه للطعام على ما ~~تقدم، وهي قوله تعالى بعدها { إنما نطعمكم لوجه الله ~~لا نريد منكم جزآء ولا شكورا } [الإنسان: 9] لأنها في ~~معنى حب الله. مما يجعل الأولى للطعام وهذه لله. والتأسيس أولى من ~~التأكيد، فيكون السياق: ويطعمون الطعام على حاجتهم إياه، ولوجه الله ~~تعالى. والله تعالى أعلم. # مسألة # في قوله تعالى: { مسكينا ويتيما وأسيرا } جمع أصناف ثلاثة: ~~الأول والثاني من المسلمين غالبا أما الثالث وهو الأسير فلم يكن لدى ~~المسلمين أسرى إلا من الكفار، وإن كانت السورة مكية إلا أن العبرة بعموم ~~اللفظ كما هو معلوم. # وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس: أنها في الفرس من المشركين وساق قصة ~~أسارى بدر. # واختار ابن جرير أن الأسرى هم الخدم، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن ~~الأسارى هنا على معناها الحقيقي، لأن الخدم لا يخرجون عن القسمين ~~المتقدمين اليتيم والمسكين، وهؤلاء الأسارى بعد وقوعهم في الأسر، لم يبق ~~لهم حول ولا طول. فلم يبق إلا الإحسان إليهم. # وهذا من محاسن الإسلام وسمو تعاليمه، وإن العالم كله اليوم لفي حاجة إلى ~~معرفة هذه التعاليم السماوية السامية حتى مع أعدائه، وقد تقدم شيء من ~~ذلك عند الكلام على قوله تعالى: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم # [الممتحنة: 8]، وهؤلاء بعد الأسر ليسوا مقاتلين. ### || [76.11] # قوله تعالى: { ولقاهم نضرة وسرورا }. # تقدم معنى قوله تعالى # وجوه يومئذ ناضرة # [القيامة: 22]، وهنا جمع لهم بين النضرة والسرور، والذي يظهر والله ~~تعالى أعلم: أن النضرة لما يرون من النعيم والسرور لما ينالونه من النظر ~~إلى وجه الله الكريم كما تقدم، # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] فيكون السرور نتيجة النظر إلى وجه الله الكريم. والله ~~تعالى أعلم. ### || [76.15-16] # فيه التنصيص ms4002 على أواني الفضة في الجنة. # وجاء بصحاف من ذهب وأكواب، وهي محرمة في الدنيا، كما هو معلوم، وقد بين ~~تعالى أن الذي يطوف عليهم هم # ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا # [الإنسان: 19]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الطور عند قوله # ويطوف عليهم غلمان لهم # [الطور: 24]، والقوارير جمع قارورة، والعرب تطلق القارورة على إناء ~~الزجاج خاصة، ولكن الآية صريحة في أنها قوارير من فضة، مما دل على صحة ~~إطلاق القارورة، على غير آنية الزجاج كالفضة مثلا. # قال صاحب اللسان: والقارورة: ما قر فيه الشراب وغيره، وقيل: لا يكون إلا ~~من الزجاج خاصة. # وقوله تعالى: # قواريرا قواريرا من فضة # [الإنسان: 15-16] قال بعض أهل العلم: معناه أواني زجاج في بياض الفضة ~~وصفاء القوارير، قال ابن سيده: وهذا أحسن اه. # وقال ابن شدياق في معجم مقاييس اللغة: إن مادة قر، القاف والراء أصلان ~~صحيحان يدل أحدهما على برد، والآخر على تمكن، وذكر من التمكن استقر ~~ومستقر، كما ذكر صاحب اللسان كثيرا من ذلك ثم قال: # ومن الباب القر: بضم الراء: صب الماء في الشيء. يقال: قررت الماء، والقر ~~صب الكلام في الأذن، وذكر منه الإقرار ضد الجحود لاستقرار الحق به. # ثم ذكر مسألة إثبات اللغة بالسماع أو بالقياس فقال: وهذه مقاييس صحيحة، ~~فإما أن نتعدى ونتحمل الكالم كما بلغنا عن بعضهم أنه قال: سميت القارورة ~~لاستقرار الماء فيها وغيره، فليس هذا من مذهبنا. # وقد قلنا: إن كلام العرب ضربان. منه ما هو قياس وقد ذكرناه، ومنه ما وضع ~~وضعا. # والمسألة من مباحث الأصول في الألفاظ، هل هي بوضع لا يقاس عليه وتبقى ~~كما وضعتها العرب، أو أنها توضع بالقياس؟ وفائدة الخلاف هل المسكرات كلها ~~مثلا يتناولها مسمى الخمر بالوضع فتكون محرمة بنص # إنما الخمر والميسر # [المائدة: 90] الية، أو أنها محرمة قياسا على الخمر بجامع علة الإسكار ~~وعليه، فإذا كانت اللغة تساعد على الإطلاق قياسا، فهو أقوى في الحكم بأن ~~يأتي الحكم بالنص لا بالقياس بجامع العلة. ولعل التحقيق ms4003 في هذه المسألة ~~ما قاله علماء الوضع من أن اللغات منها توقيفي ومنها قياسي. # وفي قوله تعالى: { قدروها تقديرا } توجيه إلى حسن الصنع في ~~التسوية في التقدير، والمقاسات. ### || [76.17] # وقبلها، قال تعالى: # كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5]، فقد قيل هما معا، فهي في برد الكافور وطيب الزنجبيل. ### || [76.21] # قوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا }. # وهذا وصف شراب الجنة، والشراب هنا هو الخمر، وتقدم للشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه بيان هذا المفهوم من أن شراب خمر الدنيا ليس طهورا، ~~لأن أحوال الجنة لها أحكامها الخاصة، ويشهد لهذا ما تقدم في قوله تعالى: # ويطاف عليهم بآنية من فضة # [الإنسان: 15] مع أن أواني الفضة محرمة في الدنيا لحديث: # " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # ، ومع ذلك فإن أهل الجنة ينعمون بها. # وكذلك ينعمون بخمر الجنة، وكل أوصافها في الجنة عكس أوصافها في الدنيا ~~كما تقدم، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، كما أوضحه الشيخ رحمة الله تعالى ~~عيلنا وعليه عند قوله تعالى # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19] في سورة الواقعة. ### || [76.23] # نزلنا وتنزيلا يدل على التكرار بخلاف أنزلنا، وقد بين تعالى أنه أنزل ~~القرآن في ليلة القدر في سورة القدر # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، وهنا إثبات التنزيل. # وقد بين تعالى كيفية التنزيل في قوله تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]. # وقد بين تعالى الحكمة في هذا التفريق على مكث في قوله تعالى: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # [الفرقان: 32]، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذه ~~المسألة في سورة الفرقان، والإحالة فيها على بيان سابق. ### || [76.26] # قوله تعالى: { فاسجد له وسبحه ليلا طويلا }. # تقدم بيان مقدار المطلوب قيامه من الليل في أول سورة المزمل في قوله ~~تعالى: # يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه ~~أو انقص منه قليلا أو زد عليه # [المزمل: 1-4] الآية. ### || [76.28] # قوله تعالى: { نحن خلقناهم ms4004 وشددنآ أسرهم }. # الأسر: الربط بقوة مأخوذ من الأسر هو جلد البعير رطبا، وهو القد، وسمي ~~الأسير أسيرا لشد قيده بقوة بجلد البعير الرطب، وهو هنا تقويه بشد ربط ~~الأعضاء المتحركة في الإنسان في مفاصله بالعصب، وهو كناية عن الاتقان ~~والقوة في الخلق. # وقد بين تعالى ذلك في قوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، وقوله: # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7]. ### || [76.29-30] # السبيل هنا منكر، ولكنه معين بقوله: { إلى ربه } ، لأن السبيل إلى ~~ربه هو السبيل المستقيم. # كما قال تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] وفي النهاية قال: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153]، وهو الصراط المستقيم الذي دعا إليه صلى الله عليه وسلم. # كام في قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض # [الشورى: 52-53] وهو القرآن الكريم كما تقدم للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه في قوله تعالى: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]، وقد بين تعالى أنه القرآن كله في قوله تعالى: # الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 1-2] بعد قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } ، كأنه ~~قال: الهادي إلى الصراط المستقيم المنوه عنه في الفاتحة: هو القرآن ~~الكريم # هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 2-3] إلى آخر الصفات، فيكون السبيل هنا معلوما. # وقوله تعالى قبلها: { إن هذه تذكرة } مشعر بأن السبيل عن ~~طريق التذكر فيها والاتعاظ بها. # وقوله: { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ، علق اتخاذ ~~السبيل إلى الله على مشيئة من شاء، وقيدها ربط مشيئة العبد بمشيئة الله ~~تعالى في قوله: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله } ~~[الإنسان: 30]، وهذه مسألة القدر. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثها بحثا وافيا عند ~~قوله تعالى # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99] في يونس وأحال على النساء. إلا أن قوله تعالى في التذييل على ~~الآية الكريمة بقوله: { إن الله كان عليما حكيما } أن كل ~~ما يقع في هذا الكون من سلوك وأعمال أنه ms4005 بعلم من الله وحكمة. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-6] # يقسم تعالى بهذه المسميات، واختلف في { والمرسلات } ، { ~~فالعاصفات } ، { والناشرات }. # فقيل: هي الرياح، وقيل: الملائكة أو الرسل، وعرفا أي متتالية كعرف ~~الفرس، واختار كونها الرياح ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة. واختار ~~كونها الملائكة أبو صالح عن أبي هريرة والربيع بن أنس. # وعن أبي صالح: أنها الرسل قاله ابن كثير، واختار الأول وقال توقف ابن ~~جرير، والواقع أن كلام ابن جرير يفيد أنه لا مانع عنده من إرادة الجميع، ~~لأن المعنى محتمل ولا مانع عنده. # واستظهر ابن كثير أنها الرياح لقوله تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22] وقوله: # وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الأعراف: 57]. # وهذا هو الذي اختاره الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة ~~الإملاء، أما الفارقات، فقيل الملائكة، وقيل: آيات القرآن، ورجح الشيخ ~~الأول، وأما الملقيات ذكرا عذرا أو نذرا. # فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانها في سورة الصافات عند ~~قوله تعالى: # فالتاليات ذكرا # [الصافات: 3]. # وفي مذكرة الإملاء. قوله: { عذرا }: اسم مصدر بمعنى الإعذار، ومعناه ~~قطع العذر. # ومنه المثل: من أعذر فقد أنذر، وهو مفعول لأجله والنذر اسم مصدر بمعنى ~~الإنذار، وهو مفعول لأجله أيضا، والإنذار الإعلام المقترن بتهديد، وأو ~~في قوله: { أو نذرا } بمعنى الواو أي لأجل الإعذار والإنذار: ومجيء ~~أو بمعنى الواو، كمجيء ذلك في قول عمرو بن معد يكرب: # قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم # ما بين ملجم مهره أو سافع # أي وسافع. ### || [77.7] # هو المقسم عليه، والوقع أن نبين كل قسم ومقسم عليه مناسبة ارتباط في ~~الجملة غالبا، والله تعالى يقسم بما شاء على ما شاء، لأن المقسم به من ~~مخلوقاته فاختيار ما يقسم به هنا أو هناك غالبا يكون لنوع مناسبة، ولو ~~تأملناه هنا، لوجدنا المقسم عليه هو يوم القيامة، وهم مكذبون به فأقسم ~~لهم بما فيه إثبات القدرة عليه، فالرياح عرفا تأتي بالسحاب تنشره ثم ~~يأتي المطر، ويحيي الله الأرض بعد موتها. # وهذا من أدلة القدرة على البعث، والعاصفات منها ms4006 بشدة، وقد تقتلع الأشجار ~~وتهدم البيوت مما لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم عليها، وما فيها من ~~الدلالة على الإهلاك والتدمير، وكلاهما دال على القدرة على البعث. # ثم تأتي الملائكة بالبيان والتوجيه والإعذار والإنذار، { إنما ~~توعدون لواقع }. والله تعالى أعلم. ### || [77.8-10] # كلها تغييرات كونية من آثار ذلك اليوم الموعود. وطمس النجوم ذهاب نورها، ~~كقوله: # وإذا النجوم انكدرت # [التكوير: 2] { وإذا السمآء فرجت } أي تشققت وتفطرت كما ي ~~قوله تعالى: # إذا السمآء انشقت # [الإنشقاق: 1]، # إذا السمآء انفطرت # [الإنفطار: 1]، ونسف الجبال تقدم بيانه في عدة محال. وما يكون لها من ~~عدة أطوار من دك وتفتيت وبث وتسيير كالسحاب ثم كالسراب، وتقدم في سورة ق ~~عند قوله تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم # [ق: 6]. ### || [77.11] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه في سورة الواقعة عند قوله ~~تعالى: # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم # [الواقعة: 49-50]. ### || [77.12-13] # يوم الفصل هو يوم القيامة، يفصل فيه بين الخلائق، بين الظالم والمظلوم، ~~والمحق والمبطل والدائن والمدين، كما بينه تعالى بقوله: # هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين # [المرسلات: 38]، وكقوله # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. ### || [77.15] # وعيد شديد من الله تعالى للمكذبين. وقد تقدم معنى ذلك للشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه عند آخر سورة الذاريات، عند قوله تعالى: # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون # [الذاريات: 60]. ### || [77.20-22] # الماء المهين: هو النطفة الأمشاج، والقرار المكين: هو الرحم، وقد مكنه ~~الله وصانه حتى من نسمة الهواء. # والآيات الباهرات في هذا القرار فوق أن توصف، وقد بين تعالى أنه الرحم ~~بقوله تعالى: # ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى # [الحج: 5] والقدر المعلوم هو مدة الحمل إلى السقط أو الولادة. # وتقدم للشيخ التنويه عن ذلك في أول سورة الحج، وأنها أقدار مختلفة وآجال ~~مسماة. ### || [77.23] # فيه التمدح بالقدرة على ذلك وهو حق، ولا يقدر عليه إلا الله كما جاء في ~~قوله: # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59]. # وقد بينه ms4007 تعالى في أول سورة الحج: ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة إلى آخر ~~السياق. ### || [77.25-26] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة طه عند قوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض مهدا # [طه: 53]، والكفات: الموضع الذي يكفتون فيه، والكفت الضم أحياء على ~~ظهرها، وأمواتا في بطونها، كما في قوله: # وفيها نعيدكم # [طه: 55]، وقد جمع المعنيين في قوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا # [نوح: 17-18]. ### || [77.29-33] # بينه بعد بقوله تعالى: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه ~~جمالة صفر # [المرسلات: 30-33]، أي وهي جهنم. # وقد بين تعالى في موضع آخر أنهم يدفعون إليها دفعا في قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. ### || [77.35] # نص على أنهم لا ينطقون في ذلك اليوم مع أنهم ينطقون ويجيبون على ما ~~يسألون، كما في قوله تعالى: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. # وقوله: # فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون # [القلم: 30]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على هذه المسألة في ~~سورة النمل عند قوله تعالى: # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون # [النمل: 85]. # وبين وجه الجمع بالإحالة على دفع إيهام الاضطراب عند سورة المرسلات هذه، ~~وأن ذلك في منازل وحالات. ### || [77.43] # فيه النص على أن عملهم في الدنيا سبب في تمتعهم بنعيم الجنة في الآخرة، ~~ومثله قوله تعالى: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43]. # وجاء في الحديث: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " # ، ولا معارضة بين النصين، إذ الدخول بفضل من الله وبعد الدخول يكون ~~التوارث وتكون الدرجات ويكون التمتع بسبب الأعمال. فكلهم يشتركون في ~~التفضل من الله عليهم بدخول الجنة، ولكنهم بعد الدخول يتفاوتون في ~~الدرجات بسبب الأعمال. ### || [77.44] # في الآية التي قبلها قال تعالى: # بما كنتم تعملون # [المرسلات: 43]. # وهنا قال: { نجزي المحسنين } ، ولم يقل نجزي العاملين، مما ~~يشعر بأن الجزاء إنما هو على الإحسان في العمل لا مجرد العمل فقط، وتقدم ~~أن ms4008 الغاية من التكليف، إنما هي الإحسان في العمل # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا # [الملك: 1-2]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك في سورة الكهف عند ~~قوله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]. ### || [77.48] # هذه الآية الكريمة من آيات الاستدلال على أن الكفار مؤاخذون بترك ~~الفروع، وتقدم التنبيه على ذلك مرارا، والمهم هنا أن أكثر ما يأتي ذكره ~~من الفروع هي الصلاة مما يؤكد أنها هي بحق عماد الدين. ### || [77.50] # أي بعد هذا القرآن الكريم لما فيه من آيات ودلائل ومواعظ كقوله تعالى: # فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون # [الجاثية: 6]. # وقد بين تعالى أنه نزله أحسن الحديث هدى في قوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشآء # [الزمر: 23]. # وذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم إلى أبي هريرة يرويه: إذا قرأ # والمرسلات عرفا # [المرسلات: 1] فقرأ { فبأي حديث بعده يؤمنون } فليقل: ~~آمنت بالله وبما أنزل. # وذكر في سورة القيامة عن أبي داود وأحمد عدة أحاديث بعدة طرق أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من قرأ في سورة الإنسان { أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى } [القيامة: 40] قال: سبحانك اللهم فبلى، وإذا قرأ ~~سورة (والتين) فانتهى إلى قوله: { أليس الله بأحكم ~~الحاكمين } [التين: 8] فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " # ومن قرأ { والمرسلات } ، فبلغ { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } فليقل: آمنا بالله اه. # وإنا نقول: آمنا بالله كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-5] # عم أصله عن ما أدغمت النون في الميم، ثم حذف ألف الميم، لدخول حرف الجر ~~عليه للفرق بين ما الاستفهامية وما الموصولة. # والمعنى: عن أي شيء يتساءلون، وقد يفصل حرف الجر عن ما، فلا يحذف ~~الألف. # وأنشد الزمخشري قول حسان ms4009 رضي الله عنه: # على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد # وقال في الكشاف: وعن ابن كثير أنه قرأ عمه، بهاء السكت، ثم وجهها بقوله: ~~إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدئ يتساءلون عن النبإ ~~العظيم، على أن يضمر يتساءلون، لأن ما بعده يفسره. # وقال القرطبي: قوله: عن النبإ العظيم: ليس متعلقا بيتساءلون المذكور في ~~التلاوة، ولكن يقدر فعل آخر عم يتساءلون عن النبإ العظيم، وإلا لأعيد ~~الاستفهام أعن النبإ العظيم؟ # وعلى كل، فإن ما تساءلوا عنه أبهم أولا، ثم بين بعده بأنهم يتساءلون ~~عن النبإ العظيم، ولكن بقي بيان هذا النبإ العظيم ما هو؟ # فقيل: هو الرسول صلى الله عليه وسلم في بعثته لهم. # وقيل: في القرآن الذي أنزل عليه يدعوهم به. # وقيل في البعث بعد الموت. # وقد رجح ابن جرير: احتمال الجميع وألا تعارض بينها. # والواقع أنها كلها متلازمة، لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها، ومن ~~صدق بواحد منها صدق بها كلها، ومن اختلف في واحد منها لا شك أن يختلف ~~فيها كلها. # ولكن السياق في النبإ وهو مفرد. فما المراد به هنا بالذات؟ # قال ابن كثير والقرطبي: من قال إنه القرآن: قال بدليل قوله: # قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون # [ص: 67-68]. # ومن قال: إنه البعث قال بدليل الآتي بعدها: # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17]. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن أظهرها دليلا هو يوم القيامة والبعث، ~~لأنه جاء بعده بدلائل وبراهين البعث كلها، وعقبها بالنص على يوم الفصل ~~صراحة، أما براهين البعث فهي معلومة أربعة: خلق الأض والسماوات، وإحياء ~~الأرض بالنبات، ونشأة الإنسان من العدم، وإحياء الموتى بالفعل في الدنيا ~~لمعاينتها وكلها موجودة هنا. # أما خلق الأرض والسماوات، فنبه عليه بقوله: # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # [النبأ: 6-7]، وقوله: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا ~~وهاجا # [النبأ: 12-13] فكلها آيات كونية دالة على قدرته تعالى كما قال: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # وأما إحياء ms4010 الأرض بالنبات ففي قوله تعالى: # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به ~~حبا ونباتا وجنات ألفافا # [النبأ: 14-16] كما قال تعالى: # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى # [فصلت: 39]. # وأما نشأة الإنسان من العدم، ففي قوله تعالى: # وخلقناكم أزواجا # [النبأ: 8] أي أصنافا، كما قال تعالى: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79]. # وأما إحياء الموتى في الدنيا بالفعل، ففي قوله تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] والسبات: الانقطاع عن الحركة. وقيل: هو الموت، فهو ميتة ~~صغرى، وقد سماه الله وفاة في قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42]، وقوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه # [الأنعام: 60]، وهذا كقتيل بني إسرائيل وطيور إبراهيم، فهذه آيات البعث ~~ذكرت كلها مجملة. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه إيرادها مفصلة في أكثر ~~من موضع، ولذا عقبها تعالى بقوله: # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17] أي للبعث الذي هم فيه مختلفون، يكون السياق مرجحا للمراد ~~بالنبأ هنا. # ويؤكد ذلك أيضا، كثرة إنكارهم وشدة اختلافهم في البعث أكثر منهم في ~~البعثة، وفي القرآن، فقد أقر أكثرهم ببلاغة القرآن، وأنه ليس سحرا ولا ~~شعرا، كما أقروا جميعا بصدقه عليه السلام وأمانته، ولكن شدة اختلافهم ~~في البعث كما في أول سورة ص ق، ففي ص قال تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب # [ص: 4-5]. # وفي ق قال تعالى: # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ~~ذلك رجع بعيد # [ق: 2-3]، فهم أشد استبعادا للبعث مما قبله، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون }. # لم يبين هنا هل علموا أم لا. ولكن ذكر آيات القدرة الباهرة على إحيائهم ~~بعد الموت بمثابة إعلامهم بما اختلفوا فيه، لأنه بمنزلة من ms4011 يقول لهم: إن ~~كنتم مختلفين في إثبات البعث ونفيه، فهذه هي آياته ودلائله فاعتبروا بها ~~وقايسوه عليها، والقادر على إيجاد تلك، قادر على إيجاد نظيرها. # ولكن العلم الحقيقي بالمعاينة لم يأت بعد لوجود السين وهي للمستقبل، وقد ~~جاء في سورة التكاثر في قوله: # ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف ~~تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون ~~علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين ~~اليقين # [التكاثر: 1-7]، وهذا الذي سيعلمونه يوم الفصل المنصوص عليه في السياق، # إن يوم الفصل كان ميقاتا # [النبأ: 17]. ### || [78.6] # قرئ بالإفراد، مهدا أي كالمهد للطفل، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى: # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا # [طه: 53]. ### || [78.9-11] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان هذه الثلاثة، كون النوم ~~سباتا: راحة أو موتا، والليل لباسا، ساترا ومريحا، والنهار معاشا ~~لطلب المعاش، وذلك عند كلامه على قوله تعالى من سورة الفرقان: # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [الفرقان: 47] وكلها آيات دالات على القدرة على البعث، كما تقدمت ~~الإشارة إليه. ### || [78.12] # أي السماوات السبع، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك ~~عند قوله تعالى في سورة ق # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6] وساق النصوص مماثلة هناك. ### || [78.18] # النفخ في الصور للبعث، وهذا معلوم، وتأتون أفواجا: قد بين حال هذا ~~المجيء مثل قوله تعالى: # يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] وقوله: # كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع # [القمر: 7-8] والأفواج هنا قيل: الأمم المختلفة كقوله: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه ~~بيمينه # [الإسراء: 71] الآية، ولكن الآية بتاء الخطاب: فتأتون مما يشعر بأن ~~الأفواج في هذه الأمة. # وقد روى القرطبي وغيره أثرا # " عن معاذ، أنه سأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا معاذ، ~~سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من ~~أمتي " # وساقها، ms4012 وكذلك ساقها الزمخشري، وقال ابن حجر في الكافي الشافي في تخريج ~~أحادث الكشاف: أخرجه الثعلبي وابن مردويه من رواية محمد بن زهير، عن محمد ~~بن الهندي عن حنظلة السدوسي عن أبيه عن البراء بن عازب عنه بطوله وهي: ~~بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم ~~فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، وبعضهم صما، بكما، وبعضهم ~~يمضغون ألسنتهم، فهي مدلات على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم ~~أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، ~~وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جلبابا سابغة من قطران لازقة ~~بجلودهم. # أما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت، والمنكسون: أكلة الربا، ~~والعمى: الجائرون في الحكم، والصم: المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ~~ألسنتهم: العلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، ومقطوع الأيدي: ~~مؤذوا الجيران، والمصلبون: السعاة بالناس إلى السلطان، والذين أشد ~~نتنا: متبعوا الشهوات، ومانعوا حق الله في أموالهم، ولابسوا الجلباب: ~~أهل الكبر والفخر. انتهى بإيجاز بالعبارة، والله تعالى أعلم. ### || [78.20] # تقدم بيان أحوالها يوم القيامة، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه بيان ذلك مفصلا، عند قوله تعالى من سورة طه: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] وعند قوله تعالى في سورة النمل: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. ### || [78.23-25] # لم يبين الأحقاب هنا كم عددها، وهذه مسألة فناء النار، وعدم فنائها. # وقيل:المراد بالأحقاب هنا جزء من الزمن لا كله، وهي الأحقاب الموصوف ~~حالهم فيها لما بعدهم من كونهم لا يذوقون فيها، أي في النار أحقابا من ~~الزمن، لا يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا. # أما بقية الأحقاب فيقال لهم: فلن نزيد إلا عذابا، وهذه المسألة قد ~~بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في كتاب دفع إيهام الاضطراب، ~~عند الكلام على هذه الآية، وفي سورة الأنعام على قوله تعالى: # قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام: 128] الآية، وهو بحث مطول، وسيطبع الكتاب بإذن الله تعالى مع ~~هذه التتمة. ms4013 # وذكر القرطبي في معنى الحقب: آثارا عديدة منها: عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا " # الحقب: بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة ~~مما تعدون. # " فلا يتكلن أحدكم على أنه يخرج من النار " # ذكره الثعلبي. # وقد رجح القرطبي دوامهم، أي الكفار في النار أبد الآبدين. اه. ### || [78.29] # قيل المراد بالشيء هنا: أعمال العباد، أي أنه بعد قوله: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26] أي وفق أعمالهم بدون زيادة ولا نقص، قال: وقد أحصينا ~~أعمالهم وكتبناها، وهذا كقوله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلآ أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. وقوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]، وقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، وقوله: # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. # واللفظ عام في كل شيء، ويشهد له قوله تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49] وبقدر فيه معنى الإحصاء، وفي السنة: حديث القلم المشهور، ~~وكقوله: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12] وتقدم في سورة الجن قوله تعالى: # وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا # [الجن: 28]. # وهذه الآية أعظم الدلالات على قدرته تعالى وسعة علمه، وألا يفوته شيء ~~قط، وأنه يعلم بالجزئيات علمه بالكليات. # وكما تقدم في سورة المجادلة # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم ~~بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم # [المجادلة: 7]. # وكذلك التفصيل في قوله: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59 ]. ### || [78.31] # بينه ms4014 بعده بقوله تعالى: # حدآئق وأعنابا # [النبأ: 32] - إلى قوله - # جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 36]. ### || [78.36] # في حق الكفار، قال: جزاء وفاقا، وفي حق المؤمنين، قال عطاء حسابا. # ففي الأول بيان أن مجازاتهم وفق أعمالهم ولا يظلم ربك أحدا. # وفي الثاني بيان بأن هذا النعيم عطاء من الله وتفضل عليهم به من الأصل، ~~وهو المفاز المفسر في قوله تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]. # ودخول الجنة ابتداء عطاء من الله كما في حديث: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " # وقوله: حسابا: إشعار بأن تفاوت أهل الجنة في الجنة بالحساب ونتائج ~~الأعمال. وقيل حسابا: بمعنى كفاية، حتى يقول كل واحد منهم: حسبي حسبي. ~~أي كافيني. ### || [78.38] # قوله تعالى: { يوم يقوم الروح والملائكة صفا }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه، عند الكلام على قوله ~~تعالى من سورة الكهف: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف: 48]. # وقد ذكر ابن كثير لمعنى الروح هنا سبعة أقوال هي: أرواح بني آدم، أبو ~~بنو آدم أنفسهم، أو خلق من خلق الله على صور بني آدم ليسوا بملائكة ولا ~~بشر، ويأكلون ويشربون، أو جبريل أو القرآن، أو ملك عظيم بقدر جميع ~~المخلوقات. ونقلها الزمخشري وحكاها القرطبي، وزاد: ثامنا وهم حفظة على ~~الملائكة، وتوقف ابن جرير في ترجيح واحد منها. # والذي يشهد له القرآن بمثل هذا النص أنه جبريل عليه السلام، كما في قوله ~~تعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر # [القدر: 4]، ففيه عطف الملائكة على الروح من باب عطف العام على الخاص، ~~وفي سورة القدر عطف الخاص على العام. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: { لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن }. # قال الزمخشري: لشدة هول الموقف، وهؤلاء وهم أكرم الخلق على الله وأقربهم ~~إلى الله، لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، فغيرهم من الخلق من باب ~~أولى. # وقال ابن كثير: هو مثل قوله تعالى: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105] ومثله قوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده ms4015 إلا بإذنه # [البقرة: 255]. # والواقع أن هذا كله مما يدل على أن ذلك اليوم لا سلطة ولا سلطان لأحد ~~فقط، حتى ولا بكلمة إلا من أذن فيها، كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ### || [78.39] # قوله تعالى: { ذلك اليوم الحق }. # هو يوم القيامة لاسم الإشارة، وقد أشير إليه بالاسم الخاص بالبعيد ذلك ~~بدلا من هذا، مع قرب التكلم عنه، ولكن إما لبعده زمانيا عن زمن التحدث ~~عنه، وإما لبعد منزلته وعظم شأنه، كقوله تعالى: # الم ذلك الكتاب # [البقرة: 1-2]، وفي هذا عود على بدء في أول السورة، وهو إذا كانوا ~~يتساءلون مستغربين أو منكرين ليوم القيامة، فإنهم سيعلمون حقا، وها هو ~~اليوم الحق لا لبس فيه ولا شك ليرونه عين اليقين. # قوله تعالى: { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا }. # المآب: المرجع، كما تقدم مثله # فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا # [المزمل: 19]، فإذا كان هذا اليوم كائنا حقا، والناس فيه إما إلى ~~جهنم، كانت مرصادا للطاغين مآبا، وإما مفازا حدائق وأعنابا، فبعد ~~هذا البيان، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، يؤب به عند ربه مآبا يرضاه ~~لنفسه، ومن شاء هنا نص في التخيير، ولكن المقام ليس مقام تخيير، وإنما هو ~~بمثابة قوله تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنآ أعتدنا ~~للظالمين نارا # [الكهف: 29] الآية. # فهو إلى التهديد أقرب، كما أن فيه اعتبار مشيئة العبد فيما يسلك، والله ~~تعالى أعلم. # ويدل على التهديد ما جاء بعده. ### || [78.40] # قوله تعالى: { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا }. # وقوله: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } [النبأ: 40] ~~وهذا كله تحذير شديد، وحث أكيد على السعي الحثيث لفعل الخير، وطلب النجاة ~~في اليوم الحق، نسأل الله السلامة والعافية. # قوله تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه }. # قد بين تعالى نتيجة هذا النظر إما المسرة به وإما الفزع منه، كما في ~~قوله: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف ms4016 ~~بالعباد # [آل عمران: 30]. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1] # الواو للقسم، والمقسم به محذوف، ذكرت صفاته في كل المذكورات، إلى قوله: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5]. # وقد اختلف في المقسم به فيها كلها، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. # والنازعات: جمع نازعة، والنزع: جذب الشيء بقوة من مقره، كنزع القوس عن ~~كبده، ويستعمل في المحسوس والمعنوي، فمن الأول نزع القوس كما قدمنا، ومنه ~~قوله: ونزع يده، وقوله: # تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20] وينزع عنهما لباسهما، ومن المعنوي قوله تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا # [الحجر: 47]، وقوله: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59]، والحديث: لعله نزعه عرق. # والإغراق المبالغة، والاستغراق: الاستيعاب. # أما المراد بالنازعات غرقا هنا، فقد اختلف فيه إلى حوالى عشرة أقوال ~~منها: أنها الملائكة تنزع الأرواح، والنجوم تنتقل من مكان إلى مكان آخر، ~~والأقواس تنوع السهام، والغزاة ينزعون على الأقواس، والغزاة ينزعون من ~~دار الإسلام إلى دار الحرب للقتال، والوحوش تنزع إلى الطلا، أي الحيوان ~~الوحشي. # والناشطات: قيل أصل الكلمة: النشاط والخفة، والأنشوطة: العقدة ~~سهلة الحل، ونشطه بمعنى ربطه، وأنشطه حله بسرعة وخفة، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كأنما أنشط من عقال ". # أما المراد به هنا فقد اختلف فيه على النحو المتقدم تقريبا، فقيل: ~~الملائكة تنشط الأرواح، وقيل: أرواح المؤمنين تنشط عند الفزع، ولم يرجح ~~انب جرير معنى منها، وقال: كلها محتملة، وحكاها غيره كلها. # وقد ذكر في الجلالين المعنى الأول منها فقط، والذي يشهد له السياق ~~والنصوص الأخرى: أن كلا من النازعات والناشطات: هم الملائكة، وهو ما روي ~~عن ابن عباس ومجاهد، وهي صفات لها في قبض الأرواح. # ودلالة السياق على هذا المعنى: هو أنهما وصفان متقابلان: الأول نزع ~~بشدة، والآخر نشاط بخفة، فيكون النزع غرقا لأرواح الكفار، والنشط بخفة ~~الأرواح المؤمنين، وقد جاء ذلك مفسرا في قوله تعالى في حق نزع أرواح ~~الكفار # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون # [الأنعام: 93] الآية. وقوله ms4017 تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق # [الأنفال: 50]، وقوله تعالى في حق المؤمنين: # يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27-28]، وقوله: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. # وهذا يتناسب كل المناسبة مع آخر السورة التي قبلها إذ جاء فيها: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه # [النبأ: 40]، ونظر المرء ما قدمت يداه يبدأ من حالة النزع حينما يثقل ~~اللسان عن النطق في حالة الحشرجة، حين لا تقبل التوبة عند العاينة لما ~~سيؤول إليه، فينظر حينئذ ما قدمت يداه، وهذا عند نزع الروح أو نشطها، ~~والله تعالى أعلم. ### || [79.3-4] # قيل: السابحات النجوم. وقيل: الشمس والقمر والليل والنهار، والسحاب ~~والسفن، والحيتان في البحار، والخيل في الميدان. # وذكرها كلها أيضا ابن جرير ولم يرجح. وقال: كلها محتملة، وذكرها غيره ~~كذلك. # والواقع، فإنها كلها آيات عظام تدل على قدرته تعالى، إلا أن السياق ~~في أمر البحث والمعاد، وأقرب ما يكون إليه الآيات الكونية: الشمس والقمر ~~والنجوم، وقد وصف الله الشمس والقمر بالسابحات في قوله تعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] والسابقات من النجوم، السيارة. ### || [79.5] # اتفق المفسرون على أنها الملائكة، وذكر الفخر الرازي رأيا له بعيدا، ~~وهو أنها الأرواح، وأنها قد تدبر أمر الإنسان في المنامات، وهو قول لا ~~يعول عليه كما ترى. # والذي يشهد له النص أنها الملائكة، كما في قوله تعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر # [القدر: 4] وكما وصف الله الملائكة بقوله: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. ### || [79.6-7] # هما النفختان في الصور، الراجفة هي الاولى، والرادفة هي الثانية، كما في ~~قوله تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. # وتقدم ms4018 للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة يس عند قوله تعالى: # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون # [يس: 51]، وسميت الأولى الراجفة، لما يأخذ العالم كله من شدة الرجفة، ~~كما في قوله تعالى: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14] وقوله: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر: 68]. # وذكر ابن كثير عن الإمام أحمد رحمه الله بسنده: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. فقال رجل: يا رسول ~~الله: أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذا يكفيك الله ما أهمك من ~~دنياك وآخرتك " # وسنده قال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ~~أبي الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - الحديث ". ### || [79.10] # قال ابن كثير: يستنكر المشركون البعث بعد الموت، والحافرة: الحياة بعد ~~موتهم ومصيرهم إلى القبور. # ونقل أن الحافرة النار، وأكثر المفسرين على أنها الحياة الأولى: يقال: ~~عاد في حافرته رجع في طريقه، كأن محياه الأول حفر طريقه بمشيه فيها، ~~وعليه لا علاقة له بحفرة القبر، وإنما هو تعبير عربي عن العودة في الأمر، ~~ويشهد له قول الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب # معاذ الله من صلع وعار # أي أرجع إلى الصبا بعد الصلع والشيب. # وقول الآخر: # أقدم أخا نهم على الأساوره # ولا يهولنك رؤوس نادره # فإنما قصرك ترب الساهره # حتى تعود بعدها في الحافره # من بعد ما صرت عظاما ناخره # وقد دلت الآية بعدها، إلى أن المراد بالحافرة العودة إلى الحياة مرة ~~أخرى، في قوله: # قالوا تلك إذا كرة خاسرة # [النازعات: 12]. # والكرة: هي العودة إلى الحياة الأولى. وهي ما قبل حفرة القبر من تكرار ~~الحياة السابقة. والله تعالى أعلم. ### || [79.11] # العظام النخرة البالية، والتي تخللها الريح، كما في قول الشاعر: # وأخليتها من مخها فكأنها # قوارير في أجوافها الريح تنخر # ونخرة الريح شدة صوتها، ومنه المنخر، لأخذ الهواء منه، ويدل لهذا قوله ms4019 ~~تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # [يس: 78]. ### || [79.15-16] # بين تعالى هذا الحديث وموضوعه ومكانه بقوله تعالى بعده: { إذ ناداه ~~ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى } [النازعات: 16-17] - إلى قوله - # فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # قوله تعالى: { إذ ناداه ربه بالواد المقدس } بين ~~القرآن الكريم، أنه الطور في قوله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا # [القصص: 29] - إلى قوله - # فلمآ أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في ~~البقعة المباركة # [القصص: 30] والمباركة تساوي المقدس. # فبين تعالى أن المناداة كانت بالطور وهو الواد المقدس، وهو طوى، وفي ~~البقعة المباركة. وقد بين تعالى ما كان في ذلك المكان من مناجاة وأمر ~~العصا والآيات الأخرى في سورة طه من أول قوله تعالى: # وهل أتاك حديث موسى إذ رءا نارا # [طه: 9-10] - إلى قوله - # اذهب إلى فرعون # [طه: 24]. # وقد فصل الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه القول في ذلك الموقف في سورة ~~مريم عند قوله تعالى: # وناديناه من جانب الطور الأيمن # [مريم: 52]. # وقد بين تعالى في سورة طه، كامل قصة المناداة من قوله: # إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية # [طه: 12-15]. # ثم قصة العصا والآية في يده عليه السلام، وإرساله إلى فرعون إنه طغى، ~~وسؤال موسى: # رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري # [طه: 25-26]، واستوزار أخيه معه، دون التعرض إلى أسلوب الدعوة، وفي هذه ~~السورة الكريمة بيان لمنهج الدعوة، وما ينبغي أن يكون عليه نبي الله موسى ~~مع عدو الله فرعون. وأسلوب العرض: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ~~فتخشى، ثم تقديم الآية الكبرى، ودليل صحة دعواه مما يلزم كل داعية اليوم ~~أن يقف هذا الموقف، حيث لا يوجد اليوم أكثر من فرعون، ولا أشد طغيانا ~~منه حيث ادعى الربوبية والألوهية معا فقال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: ms4020 24]، وقال: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38]، ولا يوجد اليوم أكرم على الله من نبي الله موسى وأخيه ~~هارون. # ومع ذلك فيكون منهج الدعوة من أكرم خلق الله إلى أكفر عباد الله بهذا ~~الأسلوب الهادئ اللين الحكيم منطلقا من قوله تعالى: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44] فكانا كما أمرهما الله، وقالا كما علمهما الله، # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 18-19]، وهذا المنهج هو تحقيق لقوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]. # وقد وضع القرآن منهجا متكاملا للدعوة إلى الله، وفصله العلماء بما ~~يشترط في الداعي والمدعو إليه، ومراعاة حال المدعو. # وقد قدم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: # يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم # [المائدة: 105] من سورة المائدة. # وقوله تعالى: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88] في سورة هود. # وقوله تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125] في سورة النحل. # ومجموع ذلك كله يشكل منهجا كاملا لمادة طريق الدعوة إلى الله تعالى، ~~فيما يتعلق بالداعي والمدعو وما يدعو إليه، وكيفية ذلك والحمد لله. ### || [79.20-21] # ذكر هنا الآية الكبرى فقط، وذكر تعالى منها ان فرعون جمع بين التكذيب ~~والعصيان، وتقدم في سورة القمر قوله: # ولقد جآء آل فرعون النذر كذبوا بئاياتنا ~~كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 41-42]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك هناك. ### || [79.25-26] # النكال: هو اسم لما جعل نكالا للغير، أي عقوبة له حتى يعتبر به، ~~والكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد. قاله ~~القرطبي. # واختلف في الآخرة والأولى: أهم الدنيا والآخرة؟ أم هم الكلمتان ~~العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38]. # والثانية قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة. وقد اختار ابن كثير الأول، ~~واختار ابن جرير الثاني، ومعه كثير من المفسرين. # ولكن يرد على اختيار ابن كثير: أن السياق ms4021 قدم الآخرة، مع ان تعذيب فرعون ~~مقدم فيه نكال الأولى، وهي الدنيا. # كما يرد على اختيار ابن جرير، أن الله تعالى جعل أخذه إياه نكالا، ~~ليعتبر به من يخشى، والعبرة تكون أشد بالمحسوس، وكلمتاه قيلتا في زمنه. # والقرآن يشهد لما قاله ابن كثير، في قوله تعالى: # فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية # [يونس: 92]، وهذا هو محل الاعتبار. # وقد قال تعالى بعد الآية: # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى # [النازعات: 26]. # واسم الإشارة في قوله: إن في ذلك: راجع إلى الأخذ والنكال المذكورين، أي ~~المصدر المفهوم ضمنا في قوله تعالى: { فأخذه الله } وقوله: ~~نكال، بل إن نكال مصدر بنفسه، أي فأخذه الله ونكل به، وجعل نكاله به عبرة ~~لمن يخشى. ### || [79.27-28] # لما كان فرعون على تلك المثابة من الطغيان والكفر، وكان من أسباب ~~طغيانه الملك والقوة، كما في قوله تعالى: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]، وقوله: # إن فرعون علا في الأرض # [لقصص: 4]، وقوله عنه: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي # [الزخرف: 51]. # وهذه كلها مظاهر طغيانه وعوامل قوته، خاطبهم الله بما آل إليه هذا ~~الطغيان، ثم خاطبهم في أنفسهم محذرا من طغيان القوة { أأنتم أشد ~~خلقا أم السمآء } ، حتى لو ادعيتم أنكم أشد قوة من فرعون، الذي ~~أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فهل أنتم أشد خلقا أم السماء؟ # وقد جاء الجواب مصرحا بأن السماء أشد خلقا منهم في قوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. # وبين ضعف الإنسان في قوله في نفس المعنى # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا ~~خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11]. # وفي هذا بيان على قدرته تعالى على بعثهم بعد إماتتهم وصيرورتهم عظاما ~~نخرة. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، شي من ذلك عند آية الصافات # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا ~~خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11]. # قوله تعالى: { بناها رفع سمكها فسواها }. # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك. في سورة ms4022 ق عند قوله ~~تعالى: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها # [ق: 6]. ### || [79.30-32] # في هذه الآية الكريمة وصف الأرض بأن الله تعالى: دحاها، وجاء في آية ~~أخرى أنه طحاها بالطاء، وجاء في آية أخرى أنه بسطها، وهي قوله تعالى: # وإلى الأرض كيف سطحت # [الغاشية: 20]. # وقد اختلف في تفسير قوله: دحاها، فقال ابن كثير: تفسيره ما بعده { ~~أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال أرساها } ~~[النازعات: 31-32] وهذا قول ابن جرير عن ابن عباس. # وقال القرطبي: دحاها أي بسطها. # والعرب تقول: دحا الشيء إذا بسطه. # وقال أبو حيان: دحاها بسطها ومهدها للسكنى والاستقرار عليها: ثم فسر ~~ذلك التمهيد بما لا بد منه من إخراج الماء والمرعى، وإرسائها بالجبال. # ومما ذكر يتأتى السكنى والمعيشة حتى الملح والمأكل والمشرب، وهذا هو ~~كلام الزمخشري بعينه. # وقال الفخر الرازي: دحاها بسطها، فترى أن جميع المفسرين تقريبا متفقون ~~على أن دحاها بمعنى بسطها. # وقول ابن جرير وابن كثير: إن دحاها فسر بما بعده لا يتعارض مع البسط ~~والتمهيد، كما قال ابو حيان: إنه ذكر لوازم التسكن إلى المعيشة عليها من ~~إخراج مائها ومرعاها لان بهما قوام الحياة. # ومما يستأنس به أن الدحو معروف بمعنى البسط، قول ابن الرومي: # ما أنس لا أنس خبازا مررت به # يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر # ما بين رؤيتها في كفه كرة # وبين رؤيتها قوراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة # في صفحة الماء ترمي فيه بالحجر # وقد أثير حول هذه الآية مبحث شكل الأرض أمبسوطة هي أم كروية مستديرة؟ # وإذا رجعنا إلى أمهات كتب اللغة نجد الآتي: # أولا: في مفردات الراغب: قال دحاها، أزالها من موضعها ومقرها. # ومنه قولهم: دحا المطر الحصى من وجه الأرض أي جرفها، ومر الفرس يدحو ~~دحوا: إذا جر يده على وجه الأرض فيدحوا ترابها. # ومنه أدحى النعام، وقال: الطحو كالدحو، وهو بسط الشيء والذهاب به والأرض ~~وما طحاها، وأنشد قول الشاعر: # طحا بك قلب في الحسان طروب # أي ذهب بك. # وفي معجم مقاييس اللغة، مادة دحو: الدال والحاء ms4023 والواو أصل واحد يدل على ~~بسط وتمهيد. # يقال: دحى الله الأرض يدحوها دحوا إذا بسطها. # ويقال: دحا المطر: الحصا عن وجه الأرض، وهذا لأنه إذا كان كذلك فقد مهد ~~الأرض. # ويقال للفرس، إذا رمى بيده رميا لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيرا: مر ~~يدحو دحوا، ومن الباب أدحى النعام الموضع الذي يفرخ فيه أفعول من دحوت، ~~لأنه يدحوه برجله ثم يبيض فيه، وليس للنعامة عش. # وفي لسان العرب مادة دحا، والدحو: البسط، دحى الارض يدحوها دحوا: ~~بسطها. # وقال الفراء في قوله عز وجل: { والأرض بعد ذلك دحاها } ~~[30]، قال بسطها، وذكر الأدحى مبيض النعام في الرمل، لأن النعامة تدحوه ~~برجلها، ثم تبيض فيه. # وذكر حديث ابن عمر: " فدحا السيل فيه بالبطحاء " ، أي رمى وألقى. # قال: وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة، فقال: لا بأس به، أي المراماة ~~بها والمسابقة. # وعن ابن الأعرابي: هو يدحو بالحجر، أي يرمي به ويدفعه، والداحي: الذي ~~يدحو الحجر بيده، وأنشد لأوس بن حجر بمعنى ينزع قوله: # ينزع جلد الحصا أحسين مبترك # كأنه فاحص أو لاعب داح؟ # وفي حديث أبي رافع: " كنت ألاعب الحسن والحسين رضوان الله عليهما ~~بالمداحي " ،هي أحجار أمثال القرصة، كانوا يحفرون حفرة يدحون فيها بتلك ~~الحجارة، فإذا وقع الحجر فيها غلب صاحبها، وإن لم يقع غلب. # والدحو: هو رمي اللاعب بالحجر والجوز وغيره اه. # وما ذكره صاحب اللسان عن أبي رافع لا زال موجودا حتى الآن بالمدينة، ~~ويسمى الدحل باللام، كما وصف تماما. # وبعد إيراد أقوال أصول مراجع اللغة، وما قدم من أقوال المفسرين. فإننا ~~نواجه الجدل القائم بين بعض علماء الهيئة، وبعض العلماء الآخرين، في ~~موضوع شكل الأرض، ولعلنا نوفق بفضل من الله إلى بيان الحقيقة في ذلك، ~~حتى لا يظن ظان تعارض القرآن، وما يثبت من علوم الهيئة أو يغتر جاهل بما ~~يقال في الإسلام. # وبتأمل قول المفسرين نجدها متفقة في مجموعها: بأن دحاها مهدها وسهل ~~الحياة عليها، وذكر لوازم التمكين من الحياة عليها من إخراج الماء، ~~والمرعى، ووضع الجبال، وهو ms4024 المتفق مع نصوص القرآن في قوله: # ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا # [النبأ: 6-7]. # وقوله: # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه # [الملك: 15]. # وكل ذلك من باب واحد، وهو تمهيدها والتمكين للعيش عليها، وليس فيه ~~معنى التكوير والاستدارة. # وإذا جئنا إلى كتب اللغة نجدها كلها، تنص على أن الدحو: البسط، والرمي، ~~والإزالة، والتمهيد، فالبسط والتمهيد والرمي بالحجر المستدير في الحفرة ~~الصغيرة معان مشتركة؟ وكلها تفسر دحاها، بمعنى بسطها ومهدها. وأن ~~الأدحية مبيض النعام لا بيضه، كما يقولون وسمي بذلك لأنها تدحوه بيدها ~~لتبيض فيه، إذ لا عش لها. # وعليه، فلا دليل من كتب اللغة على ان الدحو هو التكوير، ولكن ما قول ~~العلماء في شكل الأرض، بصرف النظر عن كون القرآن تعرض له أو لم يتعرض؟ # إذا رجعنا إلى كلام من نظر في علم الهيئة من المسلمين، فإنا نجدهم ~~متفقين على أن شكل الأرض مستدير. # وقبل إيراد شيء من أقوالهم ننبه على أنه لا علاقة لهذا البحث بموضوع ~~الحركة، سواء للأرض أو غيرها، فذاك بحث مستقل، ليس هذا محله، وإنما البحث ~~في الشكل. # أما أقوال العلماء في شكل الأرض، فإن أجمع ما وقفت عليه، وأصرح وأبين، ~~هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة الهلال، جاء فيها: قال ~~في موضع منها قوله، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من علماء الأمة، أن ~~الأفلاك مستديرة، قال تعالى: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37] وقال: # وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر ~~كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] وقال تعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. # قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. وهكذا هو في لسان العرب: الفلك ~~الشيء المستدير. ومنه يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار. قال تعالى: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5]، والتكوير هو التدوير. ومنه قيل: كار العمامة وكورها، ~~ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل. لأن أصل الكرة ms4025 كورة تحركت الواو وانفتح ~~ما قبلها فقلبت ألفا. # وقال: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] مثل حسبان الرحى، وقال: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: 3] وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات ~~من المثلث أو المربع أو غيرهما، فإنه يتفاوت لأن زواياه مخالفة لقوائمه. # والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفا لبعض. # وجاء فيه قوله أيضا: وقال الإمام او بالحسين أحمد بن جعفر بن المنادي، ~~من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار، في متون ~~العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد: لا خلاف بين العلماء أن ~~السماء على مثال الكرة، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب، كدورة ~~الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين، أحدهما في الشمال، والآخر في ناحية ~~الجنوب. # قال: ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليلا على ~~ترتيب واحد في حركتها ومقادير أجزائها، إلى أن تتوسط السماء، ثم تنحدر ~~على ذلك الترتيب، فكأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دورا واحدا. # هذه نبذة من أقوال علماء المسلمين في شكل الأفلاك، ثم قال: وهذا محل ~~القصد بالذات، وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر ~~مثل الكرة. # قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب، لا يوجد طلوعها وغروبها على ~~جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب. # قال: فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء، كالنقطة في الدائرة، يدل على ~~ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء، على قدر واحد، فيدل ذلك ~~على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد، فاضطرار أن تكون ~~الأرض وسط السماء اه. بلفظه. # فهذا نقل لإجماع الأمة، من إمام جليل في علمي المعقول والمنقول، على أن ~~الأرض على شكل الكرة، وقد ساق الأدلة الاضطرارية من حركة الأفلاك على ~~ذلك. # ومن جهة العقل أيضا يقال: إن أكمل الأجرام هو المستدير كما قال في ~~قوله: # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت # [الملك: ms4026 3]. # وعليه، فلو قدر لسائر على وجه الأرض، وافترضنا الأرض مسطحة كسطح البيت ~~أو القرطاس مثلا، لكان لهذا السائر من نهاية ينتهي إليها، وهي منتهى ~~التسطيح أو يسقط في هاوية، وباعتبارها كرة، فإنه يكمل دورته، ويكررها ولو ~~سار طيلة عمره لما كان لمسيره منتهى، لأنه يدور على سطحها من جميع ~~جهاتها. # والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # كان من الممكن أن نقدم هذه النتيجة من أول الأمر ما دامت متفقة في ~~النهاية مع قول علماء الهيئة. ولا نطيل النقول من هنا وهناك، ولكن قد ~~سقنا ذلك كله لغرض أعم من هذا كله، وقضية أشمل وهي من جهتين: # أولاهما: أن علماء المسلمين مدركون ما قال به علماء الهيئة، ولكن لا من ~~طريق النقل أو دلالة خاصة على هذه الجزئية من القرآن، ولكن عن طريق ~~النظر، والاستدلال، إذ علماء المسلمين لم يجهلوا هذه النظرية، ولم تخف ~~عليهم هذه الحقيقة. # ثانيتهما: مع علمهم بهذه الحقيقة وإدراكهم لهذه النظرية، لم يعز واحد ~~منهم دلالتها لنصوص الكتاب أو السنة. # وبناء عليه نقول: إذا لم تكن النصوص صريحة في نظرية من النظريات ~~الحديثة، لا ينبغي أن نقحمها في مباحثها نفيا أو إثباتا، وإنما نتطلب ~~العلم من طريقه، فعلوم الهيئة من النظر الاستدلال، وعلوم الطب من التجارب ~~والاستقراء، وهكذا يبقى القرآن مصانا عن مجال الجدل في نظرية قابلة ~~للثبوت والنفي، أو التغيير والتبديل، كما لا ينبغي لمن لم يعلم حقيقة أمر ~~في فنه أن يبادر بإنكارها ما لم تكن مصادمة لنص صريح. # وعليه أن يتثبت أولا وقد نبهنا سابقا على ذلك في مثل ذلك في قصة نبي ~~الله سليمان مع بلقيس والهدهد حينما جاءه، فقال: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22] وقص عليه خبرها مع قومها، فلم يبادر عليه السلام ~~بالإنكار. لكون الآتي بالخبر هدهدا، ولم يكن عنده علم به ولم يسارع ~~أيضا بتصديقه، لأنه ليس لديه مستند عليه، بل أخذ في طريق التثبت بواسطة ~~الطريق الذي جاءه الخبر به قال: # سننظر أصدقت أم ms4027 كنت من الكاذبين # [النمل: 27]، وأرسله بالكتاب إليهم، فإذا كان هذا من نبي الله سليمان ~~ولديه وسائل وإمكانيات كما تعلم. فغيره من باب أولى. # تنبيه آخر # إذا كان علماء الإسلام يثبتون كروية الأرض، فماذا يقولون في قوله تعالى: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17] - إلى قوله - # وإلى الأرض كيف سطحت # [الغاشية: 20]. وجوابهم كجوابهم على قوله تعالى: # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة # [الكهف: 86]، أي في نظر العين، لأن الشمس تغرب عن أمة، وتستمر في الأفق ~~على أمة أخرى، حتى تأتي مطعلها من الشرق في صبيحة اليوم الثاني، ويكون ~~بسط الأرض وتمهيدها، نظرا لكل إقليم وجزء منها لسعتها وعظيم جرمها. # وهذا لا يتنافى مع حقيقة شكلها، فقد نرى الجبل الشاهق، وإذا تسلقناه ~~ووصلنا قمته وجدنا سطحا مستويا، ووجدنا أمة بكامل لوازمها، وقد لا يعلم ~~بعض من فيه عن بقية العالم، وهكذا، والله تعالى أعلم. ### || [79.46] # العشية: ما بين الزوال إلى الغروب، والضحى: ما بين طلوع الشمس إلى ~~الزوال، وهذا تحديد بنصف نهار. # وقد جاء التحديد بساعة من نهار. # وجاء: # يوما أو بعض يوم # [الكهف: 19]. # وجاء: # إن لبثتم إلا عشرا # [طه: 103]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى في ~~سورة يونس: # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار # [يونس: 45]، وأحال على دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وسيطبع إن ~~شاء الله مع هذه التتمة. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-2] # سبب نزول هذه السورة باتفاق المفسرين، أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~مشغولا بدعوة صناديد قريش، فأتاه ابن أم مكتوم، وهو رجل أعمى وقال: " ~~أقرئني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمني مما علمك الله " ~~وكرر ذلك، فلم يتفق ذلك وما هو مشتغل به صلى الله عليه وسلم، وما يرجوه ~~مما هو أعظم، فعبس وتولى عنه منصرفا، لما هو مشتغل به. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على قوله ~~تعالى: { أن جآءه الأعمى } ما نصه: عبر تعالى ms4028 عن هذا الصحابي ~~الجليل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم، بلقب يكرهه الناس، مع أنه قال: # ولا تنابزوا بالألقاب # [الحجرات: 11]. # والجواب: هو ما نبه عليه بعض العلماء: من أن السر في التعبير عنه بلفظ ~~الأعمى، للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه ~~اه منه بلفظه. # وقال الفخر الرازي: إنه وإن كان أعمى لا يرى، فإنه يسمع وبسماعه حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقدامه على مقاطعته يكون مرتكبا معصية، ~~فكيف يعاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فكلامه هذا يشعر بأنه إن كان معذورا لعدم الرؤية، فليس معذورا لإمكان ~~سماعه، ولكن ذكره بوصفه ليوجب العطف عليه والرفق به. # والظاهر والله تعالى أعلم: أن كلام الرازي ليس بعيدا عما ذكره الشيخ، ~~لأن معناه أنه عاقبه لعدم رفقه به. ومراعاة حالة عماه. # فعليه، يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد ~~وسادة القوم، وكأنه يقول لهم: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، فهذا كفيف البصر، ولكن وقاد البصيرة أبصر الحق وآمن، وجاء ~~مع عماه يسعى طلبا للمزيد، وأنتم تغلقت قلوبكم وعميت بصائركم فلم تدركوا ~~الحقيقة ولم تبصروا نور الإيمان، كما في الآية الكريمة: { فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور } والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # مما اتفق عليه المحدثون: جواز ذكر مثل هذه الأوصاف إذا كانت للتعريف لا ~~للتنقيص، فقالوا: الأعمى والأعور والأعرج. وفي الحرف قالوا: الخراز، ~~والخرقى، ونحوذ ذلك، وهذا ما فيه مصلحة لترجمة الرجال في السند. # ومثله: ليس تنابزا بالألقاب في هذا الفن. والله تعالى أعلم. # ومثله: إذا كان للتعريف في غرض سليم دون تنقص كما قدمنا. # وقوله تعالى: { عبس وتولى } ، فإن فيه مثل ما في قوله تعالى: { ~~أن جآءه الأعمى } لأن العبوسة أمر لا يتفق في الظاهر مع قوله ~~تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم، ms4029 # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] وقوله: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88]. ولم أقف على جواب لذلك، ولم يتعرض له الشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب. # والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه لا يتأتى معه، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يتكلم بما يسيء إلى هذا الصحابي في نفسه بشيء يسمعه فيزعجه، كل ~~ما كان منه صلى الله عليه وسلم إنما هو تقطيب الجبين، وهذه حركة مرئية لا ~~مسموعة. # والحال: أن هذا أعملى لا يرى تلك الحركة، فكأنه لم يلق إساءة منه صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم مطمئن له لما هو عليه من خير في دينه. كما ~~قال في حنين: وأكل أقواما إلى ما في قلوبهم، أي لما أعطى المؤلفة ~~قلوبهم، ولم يعط الأنصار على ما هو معروف في القصة، فلم يعاتبه الله على ~~ذلك, ورضي الأنصار وبكوا فرحا ورضا. # ثم إن تقطيب الجبين وانبساط أسارير الوجه لحزن أو فرح، يكاد يكون جبليا ~~مما كان منه صلى الله عليه وسلم، فهو من باب الجبلية تقريبا، كأن المثير ~~له غرض عام من خصوص الرسالة ومهمتها. # ومع ذلك فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان بعد نزولها يقول له: # " مرحبا فيمن عاتبني فيه ربي " # ، ويكرمه، وقد استخلفه على المدينة مرتين. # وعلى هذا يكون المراد بهذا أمران: # الأول: التسامي بأخلاقه صلى الله عليه وسلم إلى ما لا نهاية له، إلى حد ~~اللحظ بالعين، والتقطيب بالجبين، ولو لمن لا يراه، كما قال صلى الله عيله ~~وسلم: # " ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين " # وذلك في صلح الحديبية. # والثاني: تأديب للأمة وللدعاة خاصة، في شخصية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كما علمهم في شخصيته في بر الوالدين، في قوله تعالى: # إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء: 23]. # وهذا السياق بكامله من أول السورة إلى قوله تعالى: # كلآ إنها تذكرة فمن شآء ذكره # [عبس: 11-12]، بيان لأن الرسول ms4030 صلى الله عليه وسلم لا يراعي في الدعوة ~~إلى الله غنيا ولا فقيرا، وأن يصبر على ضعفه المؤمنين. لأن الرسالة ~~تبليغ وليس عليه ما وراء ذلك من مسؤولية، فلا يتكلف لهم. # وقد حثه الله تعالى على الصبر مع المؤمنين، لإيمانهم في قوله تعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ~~وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 28-29]. # ومثله قوله تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # [الأنعام: 52]. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، شيء من هذا البيان عند هذه ~~الآية، وبين أن هذا التنبيه قد وقع من نبي الله نوح إلى قومه، حينما ~~ازدروا ضعفة المؤمنين في قوله تعالى: # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي # [هود: 27] - إلى قوله: # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ~~ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون # [هود: 29]. # وقد دلت هذه الآية وأمثالها، على صدق مقالة هرقل حينما سأل أبا سفيان، ~~عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: أهم سادة القوم أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ~~ضعفاؤهم. فقال: هكذا هم أتباع الرسل. # وقال العلماء في ذلك: لأنهم أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن السلطان والجاه، ~~فليس لديهم حرص على منصب يضيع، ولا جاه يهدر، ويجدون في الدين عزا ~~ورفعة، وهكذا كان بلال وصهيب وعمار، وهكذا هو ابن أم مكتوم رضي الله ~~عنهم. ### || [80.5-7] # بيان لموقفه صلى الله عليه وسلم من جميع الأمة، وحرصه على إسلام الجميع ~~حتى من أعرض واستغنى، شفقة بهم ورحمة، كما بين تعالى حاله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: # عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم # [التوبة: 128] وكقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن ms4031 لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. # وقوله: { وما عليك ألا يزكى } ، بيان أنه صلى الله عليه ~~وسلم ليس عليه ممن لا يتزكى، وقد صرح تعالى بذلك في قوله: # إنمآ أنت منذر # [الرعد: 7] وقوله: # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48]، وقوله: # ليس عليك هداهم # [البقرة: 272]، ومثل ذلك. # وقد جمع الأمرين من الجانبين في قوله تعالى عن نوح عليه السلام # ومآ أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير ~~مبين # [الشعراء: 114-115]. ### || [80.11-22] # معلوم أن كلمة: كلا: ردع عما سبق، وهو في جملته منصب على التصدي لمن ~~استغنى؟ الإلحاح عليهم والحرص على سماعهم منه، ولكن الله تعالى يقول: إن ~~منزلة القرآن والوحي والدين أعلى منزلة من أن تبذل لقوم هذه حالتهم فهي ~~على ما هي عليه من تكريم ورفعة وطهرة وصيانة، وما عليها من حفظة سفرة ~~كرام بررة أحرى بأن يسعى إليها، والخير لمن أتاها يطلبها. # { فمن شآء ذكره } ، وهذا للتهديد لا للتخيير بدليل ما بعده { ~~قتل الإنسان مآ أكفره } [عبس: 17]، قتل الإنسان: دعاء عليه، ~~والإنسان: للجنس الكافر، وما أكفره: أي ما أشد كفره بها، بعد هذا كله من ~~علو منزلتها. # وقوله تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره } قيل: ما أكفره هنا، ~~ما أفعله أي ما أشد كفره. # وقال الزمخشري: هي تعجب من أفراطه في كفران نعم الله. # وقيل: أي شيء حمله على التكذيب والكفر؟ وكلها محتملة. # ولعل المعنى الأول أظهر لقوله قبله: قتل الإنسان، ولمجيء هذا المعنى في ~~مواضع أخر: إن الإنسان لظلوم كفار، وكذلك فعول في قوله: # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن ~~الإنسان لكفور # [الحج: 66]، وهكذا صفة الجاحدين لآيات الله، كما في قوله: # وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور # [لقمان: 32]. # ثم رد تعالى عليه ذلك برده إياه إلى أصل خلقته، ليتعظ من نفسه في قوله ~~تعالى: { من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ~~ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره } [عبس: 18 - ~~21]، لأن هذه الثلاثة مسلم بها، ورتب عليها الرابعة { ثم إذا شآء ~~أنشره } [عبس: 22]. # وقوله: { من نطفة خلقه ms4032 فقدره } تقدم مرارا بيان أصل ~~خلق الإنسان وأطواره. # وقوله: { ثم السبيل يسره } قيل: السبيل إلى خروجه من بطن ~~أمه، حيث أدار رأسه إلى جهة الخروج، بدلا مما كان عليه إلى أعلى، وهذا ~~من التيسير في سبيل خروجه، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وهو اختيار ابن ~~جرير. # وقيل: السبيل: أي الدين في وضوحه، ويسر العمل به، كقوله تعالى: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]، وهو مروي عن الحسن وابن زيد، ورجحه ابن كثير. # ولعل ما رجحه ابن كثير هو الأرجح، لأن تيسير الولادة أمر عام في كل ~~حيوان، وهو مشاهد ملموس، فلا مزية للإنسان فيه على غيره، كما أن ما قبله ~~دال عليه أو على مدلوله وهو القدرة في قوله تعالى: { من نطفة ~~خلقه فقدره } [عبس: 19]. # وقد يكون تيسير الولادة داخلا تحت قوله: فقدره. أي قدر تخلقه وزمن ~~وجوده وزمن خروجه، وتقديرات جسمه وقدر حياته، وقدر مماته، كما هو معلوم. # أما تيسير سبيل الدين، فهو الخاص بالإنسان، وهو المطلوب التوجه إليه. ~~وهو الذي يتعلق بغيره ما بين تخلقه من نطفة وتقديره. وبين إماتته ~~وإقباره. أي فترة حياته في الدنيا، أي خلقه من نطفة وقدر مجيئه إلى ~~الدنيا. ويسر له الدين في التكاليف. ثم أماته ليرى ماذا عمل { ثم ~~إذا شآء أنشره } [عبس: 22]. # ولذا جاء في النهاية بقوله: كلا لما يقض ما أمره. وليس هنا ما يدل على ~~الأمر. إلا السبيل يسره. والله تعالى أعلم. ### || [80.24-31] # بعد ما بين له مم خلق، بين له هنا كيف يطعمه، وفي كليهما آية على ~~القدرة. # وقد اتفقت الآيتان على خطوات ثلاث متطابقة فيهما. فصب الماء من السماء ~~إلى الأرض، يقابل دفق الماء في الرحم. وشق الأرض للنبات، يقابل خروجه إلى ~~الدنيا. وإنبات أنواع النباتات، يقابل تقادير الخلق المختلفة. # وفي التنصيص على أنواع النبات من حب وقضب وعنب ورمان وزيتون ونخيل ~~وفواكه متعددة، وحدائق ملتفة، لظهور معنى المغايرة فيها، مع أنها من ~~أصلين مشتركين: الماء من السماء. والتربة في الأرض، يسقى بماء واحد. ms4033 # ومرة أخرى. يقال للشيوعيين والدهريين: # قتل الإنسان مآ أكفره من أي شيء خلقه # [عبس: 17-18]. # أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ~~ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشآء لجعلناه ~~حطاما # [الواقعة: 58-65]. # إنهم بلا شك لا يدعون لأنفسهم فعل شيء من ذلك. وإنهم ليعلمون أن لها ~~خالقا مدبرا. ولكنهم يكابرون. # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]، صدق الله العظيم، وكذب كل كفار أثيم. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان خلق الإنسان في مواطن ~~متعددة سابقة آخرها في سورة الرحمن # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]، وبيان طعامه في كل من سورتي الواقعة والجاثية. ### || [80.38-41] # الإسفار: الإضاءة، وهو تهلل الوجه بالسرور، كما قال تعالى: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11]، والاستبشار من تقدم البشرى في قوله تعالى: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. # وقوله تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار # [الحديد: 12]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك في سورة الحديد. # وقوله تعالى: { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها ~~قترة } [عبس: 40-41]، بينهم تعالى بأنهم هم الكفرة الفجرة. # وتقدم بيان ذلك للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، في سورة الرحمن على ~~الكلام على قوله تعالى: # يعرف المجرمون بسيماهم # [الرحمن: 41]. # وقد جمع لهم هنا بين الكافر والفجور، وهما الكفر في الاعتقاد والفجور في ~~الأعمال، كما في قوله تعالى: # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]، والعلم عند الله تعالى. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1] # اختلف في معنى كورت هنا أكثر من عشرة أقوال، وكلها تدور على نهاية ~~أمرها: # فقيل: كورت: لف بعضها على بعض، فأنطمس نورها. # وقيل: حجبت بكارة، أي لفت بها. # وقيل: ألقيت في البحر. # وقيل: دخلت في العرش. # وقيل: اضمحلت. # وقيل: نكست. # وقال ابن جرير: نقول كما ms4034 قال الله تعالى: { كورت }. # والذين يشهد له القرآن، أن هذا كله راجع إلى تغير حالها في آخر أمرها، ~~لأن الله تعالى جعل لها أجلا مسمى، ومعنى ذلك أنها تنتهي إليه على الوجه ~~الذي يعلمه سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: # وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى # [لقمان: 29]. # فمفهومه: أنه إذا جاء هذا الأجل توقفت عن جريانها. # وهو ما يشير إليها قوله تعالى: # فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس ~~والقمر # [القيامة: 7-9]، أي بعد أن لم يجتمعا قط، وما كان لهما أن يجتمعا قبل ~~ذلك الوقت، كما في قوله تعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. # ولعل أقرب الأقوال المنقولة في ذلك: هو القول بأنه بمعنى نكست. أي ردت ~~إلى حيث أتت، كما في الحديث، فتطلع من مغربها، وعليه فتجتمع مع القمر. ### || [81.2] # قيل: انكدرت انصبت، وقيل: تغيرت من الكدرة، وكلها متلازمة ولا تعارض. # ويشهد للأول قوله تعالى: # وإذا الكواكب انتثرت # [الانفطار: 2]. # ويشهد للثاني: # فإذا النجوم طمست # [المرسلات: 8]، لأنها إذا تناثرت وذهبت من أماكنها وتغير نظامها، فقد ~~ذهب نورها وطمست. ### || [81.3] # أي ذهب بها من مكانها. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان حالة الجبال في نهاية ~~الدنيا في عدة مواطن. من أهمها عند قوله تعالى في سورة طه # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]، وعند قوله تعالى من سورة الكهف: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف: 47]. ### || [81.8-9] # الوأد: الثقل، كما في قوله تعالى: # ولا يؤوده حفظهما # [البقرة: 255]. # والموءودة: المثقلة بالتراب حتى الموت، وهي الجارية، كانت تدفن حية، ~~فكانوا يحفرون لها الحفرة ويلقونها فيها، ثم يهيلون عليها التراب. # وقوله تعالى: { بأي ذنب قتلت } إشعار بأنه لا ذنب لها، فتقتل ~~بسببه، بل الجرم على قاتلها. # ولكن لعظم الجرم يتوجه السؤال إليها تبكيتا لوائدها. # وقد جاء عن عمر رضي الله عنه قوله: أمران في الجاهلية. أحدهما: يبكيني ~~والآخر يضحكني. # أما الذي يبكيني: فقد ذهبت بابنة لي ms4035 لوأدها، فكنت أحفر لها الحفرة وتنفض ~~التراب عن لحيتي وهي لا تدري ماذا أريد لها، فإذا تذكرت ذلك بكيت. # والأخرى: كنت أصنع إلها من التمر أضعه عند رأس يحرسني ليلا، فإذا ~~أصبحت معافى أكلته، فإذا تذكرت ذلك ضحكت من نفسي. # أما سبب إقادامهم على هذه الجريمة الشنيعة وما دفعهم على ارتكابها، فقد ~~ناقشه الشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه بتوسع، عند قوله تعالى من سورة ~~النحل: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ~~ألا سآء ما يحكمون # [النحل: 57-59]. # وبهذه المناسبة، فإن هنا تنبيهين لا بد من إيرادهما. # الأول منهما: ما يشبه الوأد في هذه الآونة الحديثة، وهو التعرض لمنع ~~الحمل بأي وسيلة كانت. # وقد بحثت هذه المسألة قديما وحديثا. أما قديما ففي عملية العزل، وجاء ~~فيه حديث جابر # " كنا نعزل والقرآن ينزل " # رواه مسلم. زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه ~~القرآن. وجاء فيه: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا. # كما جاء التحذير الشديد في حديث حذامة بنت وهب أخت عكاشة قال: حضرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أناس قال: # " " لقد هممت أن أنهي عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون ~~أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا " ، فسألوه عن العزل، فقال: " ذلك ~~الوأد الخفي " ". # زاد عبد الله في حديثه عن المقري زيادة وهي: وإذا الموءودة سئلت. # ففي الحديث الأول: ما يفيد التقرير. # وفي الثاني: ما يفيد شدة النكير. # وجاء في صحيح مسلم أيضا # " عن أبي سعيد " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني ~~المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا الغربة، ورغبنا في الفداء، ~~فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ذلك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرنا، لا نسأله، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا ~~عليكم ألا ms4036 تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ~~ستكون " ". # وفي رواية: # " إن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة ". # وفي رواية: " فقال لنا: # " وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون. ما من نسمة كائنة إلى ~~يوم القيامة إلا هي كائنة ". # وفي رواية: # " لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر ". # قال أبو محمد: وقوله: لا عليكم أقرب إلى النهي. # وقال الحسن: والله لكأن هذا زجر. # فأنت ترى قوله صلى الله عليه وسلم: وإنكم لتفعلون، مشعر بعدم علمه ~~سابقا، مما يتعارض مع الزيادة في حديث جابر، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم ينهنا، نبقي قول جابر، مما يستدل به المجوزون، ويعارضه: ~~وهي الموءودة، أو الوأد الخفي. # وكان للوأد عند العرب في الجاهلية سببان: # الأول: اقتصادي، خشية إملاق، ومن إملاق حاضر. # والثاني: حمية وغيرة. # وقد رد القرآن عليهم في السبب الأول، في قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا # [الإسراء: 31]. # وقوله: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم # [الأنعام: 151]. # وأخيرا كان هذا التساؤل شديد التوبيخ لهم، { وإذا الموءودة ~~سئلت }. # وفي هذه الآية أثيرت مرة أخرى وبشكل آخر أثارها أعداء المسلمين مكيدة ~~للسذج، فأثيرت من الناحية الاقتصادية. # وكان مبدؤها المعروف عند كتاب هذا العصر بنظرية " مالتس " والآن لغرض ~~عسكري لتقليل عدد جنود المسلمين، حينما علم العدو أن الإسلام يبيح تعدد ~~الزوجات مثنى وثلاث ورباع، فأرادوا أن يوقفوا هذا النمو. # ويكفي أن نورد هنا قوله صلى الله عليه وسلم: # " تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم ". # وفي رواية # " مكاثر بكم الأمم ". # وفيه # " تزوجوا الولود الودود " # ونحو ذلك. # وقد كنت جمعت في ذلك بحثا في محاضرة وافية في هذا الغرض، من حيث ~~السياسة والاقتصاد، والدفاع مع عمل إحصائيات للدول التي تطالب بهذا ~~العمل، مما يدفع رأي كل قائل به. # والذي يهمنا في هذا المقام تنبيه المسلمين، إلى أن هذه الدعوة إلى تحديد ~~أو تنظيم النسل منشؤها من اليهود، وتشجيعها في الشرق من ms4037 دول الغرب، وكثير ~~من الدول الغربية تبذل المال الطائل لتفشي هذا الأمر في دول الشرق الأوسط ~~وخاصة الإسلامية والعربية. # التنبيه الثاني # وهو حول ما يصرح به دعاة تحرير المرأة في صورة مناصرة لها، والواقع ~~أنهم دعاة شقائها ومعاداة لها، وهدم لما مكنها الله منه في ظل الإسلام. # وذلك أن المرأة في الجاهلية كانت هذه حالة من حالاتها توأد حية، وتورث ~~كالمتاع، ومهملة الشخصية إلى غير ذلك. فحباها الإسلام ما يثبت شخصيتها ~~ابتداء من إيفائها حقها في الحياة كالرجل، ثم اختيارها في الزواج، وحقها ~~في الميراث إلى غير ذلك. # وقد تقدم الحديث عن ذلك في عدة محلات، منها للشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه، عند قوله تعالى: # الرجال قوامون على النسآء # [النساء: 34]. ### || [81.12] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان هذا المعنى عند الكلام ~~على قوله تعالى من سورة الحج: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه ~~فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 3-4]. ### || [81.13] # الزلفى: القربى، وأزلفت: قربت، وتقدم بيان ذلك للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه في سورة ق عند قوله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [ ق: 31]. ### || [81.14] # المراد بالنفس هنا: العموم، أي كل نفس، كما في قوله تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30] الآية. ### || [81.15-22] # ظاهر قوله تعالى: { فلآ أقسم } نفى القسم، ولكنه قسم قطعا، بدليل ~~التصريح بجواب القسم في قوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم ~~}. # وبهذا يترجح ما تقدم في أول سورة القيامة # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة: 1]. # ومثل الآتي # لا أقسم بهذا البلد # [البلد: 1]. # تنبيه # يجمع المفسرون أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، لأنها دالة ~~على قدرته، وليس للمخلوق أن يحلف إلا بالله تعالى. # ولكن هل في المغايرة بما يقسم الله تعالى به معنى مقصود، أم لمجرد ~~الذكر، وتعدد المقسم به؟ # وبعد التأمل، ظهر والله تعالى أعلم، أنه سبحانه لا يقسم بشيء في موضع ms4038 ~~دون غيره، إلا لغرض يتعلق بهذا الموضع، يكون بين المقسم به، والمقسم عليه ~~مناسبة وارتباط، وقد يظهر ذلك جليا، وقد يكون خفيا. # وهذا فعلا ما تقتضيه الحكمة والإعجاز في القرآن، وإن كنت لم أقف على ~~بحث فيه. # ولكن مما يشير إلى هذا الموضوع، ما جاء بالإقسام بمكة مرتين، وفي ~~حالتين متغايرتين. # الأولى: قوله تعالى: # لآ أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ~~ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 1-4]. # والموضع الثاني: قوله تعالى: # والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد ~~الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 1-4]. # فالمقسم به في الموضعين: مكة المكرمة، والمقسم عليه في الموضعين خلق ~~الإنسان، ولكن في الموضع الأول كان المقسم عليه مكابدة الإنسان من أول ~~ولادته إلى نشأته، إلى كده في حياته، إلى نهايته ومماته. # من ذلك مكابدته صلى الله عليه وسلم منذ ولادته إلى حيث مات أبوه قبله، ~~ولحقت به أمه، وهو في طفولته، وبعد الوحي كابد مع قومه ولقى منهم عنتا ~~شديدا، حتى تآمروا على قتله، فلكأنه يقول له: اصبر على ذلك، فإن ~~المكابدة لا بد منها، هي ملازمة للإنسان كملازمتك لهذا البلد منذ ولادتك. # وفي ذكر { ووالد وما ولد } إشعار ببدء المكابدة، وبأشدها من ~~حالة الولادة وطبيعة الطفولة، ولذا ذكر هنا هذا البلد بدون أي وصف. # أما في الموضع الثاني: فالمقسم عليه، وإن كان هو خلق الإنسان، إلا أنه ~~في أحسن تقويم، وهي أعظم نعمة عليه جاء بالمقسم به عرضا للنعم، وتعددها ~~من التين والزيتون، سواء كان المراد بهما الفاكهة المذكورة أو أماكنها، ~~وهو بيت المقدس مع طور سينين. # فجاء بمكة أيضا ولكن بوصف مناسب فقال: # وهذا البلد الأمين # [التين: 3] فكأنه يقول: إن من أنعم على تلك البقاع بالخير والبركة ~~والقداسة، أنعم على الإنسان بنعمة حسن خلقته وحسن تقويمه وفضله على سائر ~~مخلوقاته. والله تعالى أعلم. # وهنا يقسم بحالات الكواكب على أصح الأقوال، في ظهورها واختفائها ~~وجريانها، وبالليل إذا عسعس: أقبل وأدبر، أو أضاء وأظلم، والصبح إذا ~~تنفس: ms4039 أي أظهرت وأشرق، وهما أثران من آثار الشمس في غروبها وشروقها. # والمقسم عليه: هو أن القرآن قول رسول كريم كأنه يقول: إن القرآن المقسم ~~عليه حاله في الثبوت والظهور، وحال الناس معه. كحال هذه الكواكب الثوابت ~~لديكم في ظهورها تارة، واختفائها أخرى. # وكحال الليل والصبح فهو عند أناس موضع ثقة وهداية كالصبح في إسفاره، ~~قلوبهم متفتحة إليه وعقولهم مهتدية به، فهو لهم روح ونور، وعند أناس ~~مظلمة أمامه قلوبهم عمى عنه بصائرهم، وفي آذانهم وقر، وهو عليهم عمى، ~~وأناس تارة وتارة كالنجوم أحيانا، وأحيانا، تارة ينقدح نوره في قلوبهم، ~~فتظهر معالمه فيسيرون معه، وتارة يغيب عنهم نوره فتخنس عنه عقولهم وتكنس ~~دونه قلوبهم، كما قال تعالى عنهم: # كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم ~~قاموا # [البقرة: 20]. # وليس بعيدا أن يقال: إنه من وجه آخر، تعتبر النجوم كالكتب السابقة، مضى ~~عليها الظهور في حينها والخفاء بعدها. # والليل إذا عسعس: هو ظلام الجاهلية. # والصبح إذا تنفس: يقابله ظهور الإسلام، وأنه سينتشر انتشار ضوء النهار، ~~ولا تقوى قوة قط على حجبه، وسيعم الآفاق كلها، مهما وقفوا دونه # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # [الصف: 8]. # وقد يكون في هذا الإيراد غرابة على بعض الناس، ولا سيما وأني لم أقف على ~~بحث مستقل فيه، ولا توجيه يشير إليه، ولكن مع التتبع وجدت اطراده في ~~مواضع متعددة، وجدير بأن يفرد برسالة. # ومما أطرد فيه هذا التوجيه سورة الضحى، يقول الله تعالى: # والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3]، فإن المقسم عليه عدم تركه صلى الله عليه وسلم ولا التخلي ~~عنه، فجاء بالمقسم به قسمي الزمن ليلا ونهارا، كأنه يقول له: ما قلاك ~~ربك ولا تخلى عنك، لا في ضحى النهار حيث تنطلق لسعيك، ولا في ظلمة الليل ~~حين تأوي إلى بيتك. # ومعلوم ما كان من عمه أبي طالب حينما كان يجعله ينام مع اولاده ليلا، ~~حتى إذا أخذ الجميع مضاجعهم يأتي خفية فيقيمه من مكانه. ويضع ms4040 أحد أولاده ~~محله، حتى لو كان أحد نواه بسوء، وقد رآه في مكانه الأول يصادف ولده، ~~ويسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4]، أي من كل ما طلعت عليه الشمس وسجاه الليل. # ومنه أيضا: وهو أشد ظهورا في سورة العصر قال تعالى: # والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا # [العصر: 1-3]، إلى آخر السورة. فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان، ~~الغالية عليه من خسر، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، ~~والعصر المعاصر للإنسان: طيلة حياته وهو محل عمله، الذي به يخسر ويربح. ~~وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه. # وكنت قد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن العمر وزمن ~~الحياة حجة على الإنسان كالرسالة والنذارة سواء، وذكر قوله تعالى: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير # [فاطر: 37]، فجعل في الآية التعمير، وهو إشغال العمر موجبا للتذكر ~~والتأمل، ومهلة للعمل، كما تخبر إنسانا بأمر ثم تمهله إلى أن يفعل ما مر ~~به، فهو أمكن في الحجة عليه. # فكان القسم في العصر على الربح والخسران، أنسب ما يكون بينهما، إذ جعلت ~~حياة الإنسان كسوق قائمة والسلعة فيه العمل والعامل هو الإنسان. كما قال ~~تعالى: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله # [الصف: 10-11]. # وفي الحديث الصحيح عند مسلم: # " سبحان الله تملأ الميزان، وفيه كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو ~~موبقها " # ، فإن كان يشغل عمره في الخير فقد ربح، وأعتق نفسه وإلا فقد خسر ~~وأهلكها ". # ويشير لذلك أيضا قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. # فصح أن الدنيا سوق، والسلعة فيها عمل الإنسان، والمعاملة فيه مع الله ~~تعالى، فظهر الربط والمناسبة مع المقسم به، والمقسم عليه. # قوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم }. # أجمعوا على أن المراد بالقول هو القرآن، وأما المراد بالرسول الكريم ~~جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى: { ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين ms4041 وما صاحبكم بمجنون } ~~[التكوير: 20-22]. # فصاحبكم هنا: هو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صحبهم منذ ولادته وذو ~~القوة عند ذي العرش: هو جبريل عليه السلام، وفي إسناد القول إليه ما قد ~~يثير شبهة أن القول منه، مع أنه كلام الله تعالى. # وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، ~~بإيراد النصوص الصريحة في أن القرآن كلام الله تعالى، وقال: وإن في نفس ~~هذه الآية ما يرد هذه الشبهة، ويثبت تلك الحقيقة، وهي قوله تعالى: { ~~لقول رسول } لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي ~~جاء به هو ما أرسل به من غيره، إلى ما أرسل إليه به. # تنيبه # في وصف جبريل عليه السلام بتلك الأوصاف. # نص في تمكينه من حفظ ما أرسل به، وصيانته عن التغيير والتبديل، لأنه ~~مكين، فلا يصل إليه ما يخل برسالته، ولأنه مطاع ثم. والمطاع لا يؤثر ~~عليه غيره، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من ~~أن يتسلط أحد عليه فيغيره، ومن أن يغيره الذي جاء به، وهذا كله بمثابة ~~الترجمة لسند تلقي القرآن الكريم. # وقوله: { وما صاحبكم بمجنون } [التكوير: 22] بيان لتتمة ~~السند، حيث قال: # ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب ~~بضنين # [التكوير: 23-24]، فنفى عنه صلى الله عليه وسلم نقص التلقي بنفي آفة ~~الجنون، فهو في كمال العقل وقوة الإدراك، ومن قبل أثبت له كمال الخلق # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. # وأثبت له اللقيا، فلم يلتبس عليه جبريل بغيره، وهي أعلى درجات السند، ~~فاجتمع له صلى الله عليه وسلم الكمال الخلقي. # والكمال الخلقي - بضم الخاء وكسرها - أي الكمال حسا ومعنى، ثم نفى عنه ~~التهمة بأن يضمن بشيء مما أرسل به مع نفاسته وعلو منزلته وجليل علومه، ~~وأنه كلام رب العالمين. # وفي الختام إفهامهم: بأنه ليس بقول شيطان رجيم، حيث تقدم # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212]. # وأن من يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، فلم يبق لهم موجب للانصراف عنه، ~~وألزموا بالأخذ ms4042 به حيث أصبح من الثابت أنه كلام الله، جاء به رسول كريم، ~~وبلغة لصاحبكم صاحب الخلق العظيم، وليس بقول شيطان رجيم. # فلزمهم الأخذ به، وإلا فأين تذهبون. أين تسيرون عنه، بعد أن ثبت لكم ~~سنده ومصدره؟ # ونظير هذا السند في تمجيد القرآن وإثبات إتيانه من الله، قوله تعالى في ~~أول سورة النجم: # ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة ~~فاستوى وهو بالأفق الأعلى # [النجم: 2-7]. ### || [81.26] # بمثابة من يسد عليهم الطريق إلا له لأنه - أي القرآن - ليس في نزوله من ~~الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شبهة ولا تهمة، فليس للعاقل أن ~~يحيد عنه، وكل ذهاب إلىغيره فطرق مسدود، وضلال وهلاك. ### || [81.28] # أي بعد هذا البيان وقوة هذا السند، وإظهار ثبوت الرسالة، فقد أعذر من ~~أنذر، لمن شاء منكم أن يستقيم. ### || [81.29] # فيه قضية القدر والإرادة الكونية والقدرية. # وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في عدة مواطن. # منها في سورة الزخرف عند قوله تعالى: # لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20]، وفيها مناظرة المعتزلي مع السني.ومنها في سورة الذاريات: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد ~~منهم من رزق # [الذاريات: 56-57]، والفرق بين الإرادة الكونية والقدرية. # تنبيه # إذا كان الكثيرون يستدلون في قضية القضاء والقدر بهذه الآية، فإنه ينبغي ~~ألا تغفل أهميتها في جانب الضراعة إلى الله دائما، بطلب التفضل من ~~الله تعالى علينا بالمشيئة بالاستقامة فضلا من عنده، كما أمرنا في ~~الصلاة في كل ركعة منها أن نطلبه هذا الطلب # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]. # تنبيه آخر # لقد أجملت الاستقامة هنا، وهي منبه عليها في سورة الفاتحة: إلى صراط ~~الذين أنعم الله عليهم، كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1] # أي انشقت، كما في سورة الانشقاق # إذا السمآء انشقت # [الأنشاق: 1]، قيل: هيبة الله. # وقيل: لنزول الملائكة، كقوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25]. # وتقدم للشيخ رحمة ms4043 الله تعالى علينا وعليه، في سورة الشورى عند الكلام ~~على قوله تعالى في وصف أهوال القيامة # يوما يجعل الولدان شيبا السمآء منفطر به # [المزمل: 17-18]. # ومثل الانفطار والتشقق الانفراج، كقوله: # فإذا النجوم طمست وإذا السمآء فرجت # [المرسلات: 8-9]. ### || [82.4] # أي بعثر من فيها. كما في قوله تعالى: # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور # [العاديات: 9-10]. # وقد دل هذا اللفظ على سرعة الانتشار، كبعثرة الحب من الكف كما في قوله ~~تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة ق عند قوله تعالى: # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا # [ق: 44]. ### || [82.5] # أي كل نفس، كما تقدم في سورة التكوير. # وقد تكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه على ذلك في دفع إيهام ~~الاضطراب في سورة الانفطار هذه، عند نفس الآية. ### || [82.7-8] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك في سورة الكهف عند ~~قوله تعالى: # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ~~من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا # [الكهف: 37]، أي هذه أطوار الإنسان في خلقته. # ومما يشهد لحسن الخلقة، وكمال الصورة قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]. # واختلاف الصور إنما هو من آيات الله وابتداء من الرحم، كما قال: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6]. # وتقدم في صورة الحشر # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24]. # وفي اختلاف الصور على تشابهها من أعظم آيات الله تعالى. ### || [82.10-12] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك في سورة ق عند ~~الكلام على قوله تعالى: # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 17-18]. # وأحال عندها على بعض ما جاء في سورة مريم عند قوله تعالى: # كلا سنكتب ما يقول # [مريم: 79]. # وبين رحمة الله تعالى علينا وعليه أن هذه الكتابة لإقامة الحجة على ~~الإنسان، كما في قوله: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ms4044 ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]. # وقيل في حافظين: يحفظون بدن الإنسان. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الأنعام عند الكلام ~~على قوله تعالى: # ويرسل عليكم حفظة # [الأنعام: 61] مستدلا بقوله تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11]. # ومما تجدر الإشارة إليه، أن في وصف الحفظة هنا بهذه الصفات، من كونهم ~~حافظين كراما يعلمون، فاجتمعت لهم كل صفات التأهيل، لا على درجات ~~الكناية من حفظ وعلو منزلة، وعلم بما يكتبون. # وكأنه توجيه لما ينبغي لولاة الأمور مراعاته في استكتاب الكتاب ~~والأمناء. # ولذا قالوا: على القاضي أن يتخير كاتبا أمينا حسن الخط فاهما. # ومن هذا الوصف يعلم أنه لا يختلط عليهم عمل بعمل، وكونهم حفظة لا يضيعون ~~شيئا، ولو كان مثقال الذرة # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] الآية. ### || [82.13] # أي دائم، كما في قوله تعالى: # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيهآ أبدا # [التوبة: 21-22]. ### || [82.16-17] # دليل من دلة خلود الكفار في النار. # لقوله: # وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما ~~هم عنها بغآئبين # [الانفطار: 14-16]. # كقوله تعالى: # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ ~~منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله ~~أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من ~~النار # [البقرة: 167]. # وهكذا غالبا أسلوب المقابلة بين الفريقين وما لهما. # ثم بين أن ذلك يوم الدين وهو يوم الجزاء، كما تقدم في سورة الفاتحة # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. # ثم بين تعالى شدة الهول في ذلك اليوم # ومآ أدراك ما يوم الدين # [الانفطار: 17]. # وتقدم في # الحاقة ما الحآقة # [الحاقة: 1-2]. # ومثله قوله تعالى: # القارعة ما القارعة # [القارعة: 1-2]. ### || [82.19] # أي لشدة هوله وضعف الخلائق، كما تقدم في قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34-35]، وقوله: # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]. # ولحديث الشفاعة: # " كل نبي يقول: نفسي نفسي، إلى أن تنتهي ms4045 إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقول: أنا لها ". # وحديث فاطمة: " اعملي.... ". # وقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، ونحو ذلك. # وقوله: { والأمر يومئذ لله } ، ظاهر هذه الآية تقييد الأمر ~~بالظرف المذكور، ولكن الأمر لله في ذلك اليوم، وقيل ذلك اليوم، كما في ~~قوله تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4]. # وقوله: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54]، أي يتصرف في خلقه بما يشاء من أمره لا يشركه أحد، كما لا ~~يشركه أحد في خلقه. # ولذا قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # قل إن الأمر كله لله # [آل عمران: 154]. # وقال: # ليس لك من الأمر شيء # [آل عمران: 128] ونحو ذلك. # ولكن جاء الظرف هنا لزيادة تأكيد، لأنه قد يكون في الدنيا لبعض الناس ~~بعض الأوامر، كما في مثل قوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة # [طه: 132]. # وقوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59]. # وقوله: # فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد # [هود: 97]، وهي كلها في الواقع أوامر نسبية. وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله. # ولكن يوم القيامة حقيقة الأمر كله، والملك كله لله تعالى وحده، لقوله ~~تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # فلا أمر مع أمره، ولا متقدم عليه حتى ولا بكلمة، إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا، وهو كقوله: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26]، مع أن هنا في الدنيا ملوكا، كما في قصة يوسف، # وقال الملك ائتوني به # [يوسف: 50]. # وفي قصة الخضر وموسى # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79]. # أما يوم القيامة فيكونون كما قال تعالى: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم # [الأنعام: 94]. # وكقوله: # هلك عني سلطانيه # [الحاقة: 29]، فقد ذهب كل سلطان ولك ملك، والملك يومئذ لله الواحد ~~القهار. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-3] # التطفيف: التنقيص من الطفيف، وهو الشيء القليل. # وقد فسره ما بعده في قوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على ~~الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون } [المطففين: 2-3]. # قالوا: نزلت في رجل كان له مكيالان كبير وصغير، إذا ms4046 اكتال لنفسه على ~~غيره، اكتال بالمكيال الكبير، وإذا كال من عنده لغيره، اكتال بالمكيل ~~الصغير، ففي كلتا الحالتين تطفيف، أي تنقيص على الناس من حقوقهم. # والتقديم في افتتاحية هذه السورة بالويل للمطففين، يشعر بشدة خطر هذا ~~العمل، وهو فعلا خطيرا، لأنه مقياس اقتصاد العالم وميزان التعامل، فإذا ~~اختل أحدث خللا في اقتصاده، وبالتالي اختلال في التعامل، وهو فساد كبير. # وأكبر من هذا كله، وجود الربا إذا بيع جنس بجنسه، وحصل تفاوت في الكيل ~~أو الوزن. # وفيه كما قال تعالى: # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # [البقرة: 279]. # ولذا فقد ورد ذكر الكيل والوزن، والحث على العناية بهما في عدة مواطن، ~~بعدة أساليب منها الخاص ومنها العام. # فقد ورد في الأنعام والأعراف وهود وبني إسرائيل والرحمن والحديد، أي في ~~ست سور من القرآن الكريم. # أولا في سورة الأنعام، في سياق ما يعرف بالوصايا العشر، # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا # [الأنعام: 151]. وذكر بر الوالدين والنهي عن قتل الأولاد والقرب من ~~الفواحش، وقتل النفس التي حرم الله، والنهي عن مال اليتيم. # ثم قال: # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى وبعهد الله أوفوا # [الأنعام: 152]. # وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عندها كلاما موجزا مفيدا، ~~بأن الأمر هنا بقدر الوسع، ومن أخل من غير قصد التعدي، لا حرج عليه. # وقال: ولم يذكر هنا عقوبة لمن تعمد ذلك، ولكنه توعده بالويل في موضع ~~آخر، وساق أول هذه السورة: { ويل للمطففين }. # كما بين عاقبة الوفاء بالكيل بقوله: # ذلك خير وأحسن تأويلا # [النساء: 59] أي مآلا. # وهنا يلفت كلامه رحمه الله النظر إلى نقطة هامة. وهي في قوله تعالى: # لا نكلف نفسا إلا وسعها # [الأنعام: 152]، حيث إن التطفيف الزيادة الطفيفة، والشيء الطفيف القليل. # فكأن الآية هنا تقول: تحروا بقدر المستطاع من التطفيف ولو يسيرا. # وبعد بذل الجهد لا نكلف نفسا إلا وسعها، وهذا غاية في التحري مع شدة ~~التحذير والتوعد بالويل، وإذا كان الوعيد ms4047 بالويل على الشيء الطفيف، فما ~~فوقه من باب أولى. # الموضع الثاني في سورة الأعراف من قوله تعالى: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة ~~من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين # [الأعراف: 85]. # فاقترن الأمر بالوفاء بالكيل، بالأمر بعبادة الله وحده، لأن في الأمرين ~~إعطاء كل ذي حق حقه، من غير ما نقص. # وبين أن في عدم الإيفاء المطلوب بخس الناس أشياءهم، وفساد في الأرض بعد ~~إصلاحها. # الموضع الثالث في سورة هود، ومع شعيب أيضا: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويقوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية ~~الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ # [هود: 84-86]. # وبنفس الأسلوب أيضا كما تقدم، ربطه بعبادة الله تعالى وحده، وتكرار ~~الأمر بعد النهي، ولا تنقصوا المكيال والميزان، ثم أوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط نهي عن نقصه، وأمر بإيفائه نص على المفهوم بالتأكيد. ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، مع التوجيه بأن ما عند الله ~~خير لهم. # الموضع الرابع في سورة بني إسرائيل # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # [الإسراء: 29]، أي اعتدال في الإنفاق مع نفسه، فضلا عن غيره، ثم إن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء، ثم # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الإسراء: 31]، وكلها في مجال الاقتصاد وبعدها # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الإسراء: 32-33]. # وقد يكون الباعث عليهما أيضا غرض مالي # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الإسراء: 34]، وهو من أخص أبواب المال. # ثم الوفاء بالعهد ثم # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا # [الإسراء: 35]، فمع ms4048 ضروريات الحياة حفظ النفس والعرض والمال يأتي الحفاظ ~~على الكيل والوزن. # الموضع الخامس في سورة الشورى وهو أعم مما تقدم، وجعله مقرونا بإنزال ~~الكتاب في قوله تعالى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما ~~يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. # وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند هذه الآية، بما أشرنا إلى ~~أنه عام، فقال: الميزان هنا مراد به العدل والإنصاف، وأن هذا المعنى ~~متضمن آلة الوزن وزيادة. # وأورد بقية الآيات هنا في مبحث مفصل، فذكر آية الرحمن وآية الحديد، ~~وتكلم على الجميع بالتفصيل. # وفي قوله تعالى في سورة الرحمن: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7]، مقابلة عظيمة بين رفع السماء الذي هو حق وعدل وقدرة، ~~والميزان وضعه في الأرض، لتقوموا بالعدل والإنصاف، وبهذا العدل قامت ~~السماوات والأرض. # وفي سورة الحديد اقتران الميزان بإرسال الرسل وإنزال الكتب # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # [الحديد: 25]. # ومعلوم أن الميزان الذي أنزل مع الكتاب هو ميزان الحق والعدل، والنهي عن ~~أكل أموال الناس بغير حق، وعدم بخس الناس أشياءهم. # فكانت هذه الآية أعم وأشمل آيات الوفاء في الكيل والوزن. # بمثابة قوله تعالى: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل # [النساء: 58]. # وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه. # وكذلك هنا الميزان مع الكتاب المنزل، وبه يستوفي كل إنسان حقه في أي نوع ~~من أنواع التعامل، فكل من غش في سلعة أو دلس أو زاد في عدد، أو نقص أو ~~زاد في ذرع، أو نقص فهو مطفف للكيل، داخل تحت الوعيد بالويل. # فمن باع ذهبا مثلا على أنه صاف من الغش وزن درهم، وفيه من النحاس عشر ~~الدرهم، فقد نقص وطفف لنفسه فأخذ حق درهم كامل. ذهبا، ونقص حيث أعطى ~~درهما إلا عشر. # ومن باع رطلا سمنا وفيه عشر الرطل شحما، فقد طفف بمقدار هذا العشر ~~لنفسه، ونقص وبخس المشتري بمقدار ذلك: # وهكذا من باع ثوبا عشر ms4049 أمتار وهو ينقص ربع المتر فقد طفف وبخس بمقدار ~~هذا الربع. # وهكذا في القسمة بين الناس وبين الأولاد، وبين الأهل وكل ما فيه عطاء، ~~وأخذ بين اثنين، الله تعالى أعلم. # ومن باب ما يذكره العلماء في مناسبات السورة بعضها من بعض. # فقد قال أبو حيان لما ذكر السورة التي قبلها مصير الأبرار والفجار يوم ~~القيامة، ذكر هنا من موجبات ذلك وأهمها تطفيف الكيل، وبخس الوزن، وهذا في ~~الجملة متوجه، ولكن صريح قوله تعالى في السورة السابقة # وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت ~~وأخرت # [الانفطار: 4-5]، فهو وإن كان عاما في كل ما قدمه لنفسه من عمل الخير، ~~وما أخر من أداء الواجبات عليه، فإنه يتضمن أيضا خصوص ما قدم من وفاء في ~~الكيل ورجحان في الوزن، وما أخر في تطفيف في الكيل وبخس طمعا في المال ~~وجمعا للتراث، كما قال تعالى: # وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا ~~جما كلآ إذا دكت الأرض دكا دكا وجآء ربك ~~والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يليتني ~~قدمت لحياتي # [الفجر: 19-24]. # ومن هنا يعلم للعاقل أن ما طفف من كيل أو بخس من وزن، مهما جمع منه، ~~فإنه يؤخره وراءه ومسؤول عنه، ونادم عليه، وقائل: يا ليتني قدمت لحياتي، ~~ولات ساعة مندم. ### || [83.4-6] # تقريع وتوبيخ لهؤلاء الناس، وفيه مسألتان: # الأولى: أن الباعث على هذا العمل هو عدم اليقين بالبعث أو اليقين موجود، ~~لكنهم يعملون على غير الموقنين أي غير مبالين، كما قال الشاعر في مثل ~~ذلك، وهو ما يسمى في البلاغة بلازم الفائدة: # جاء شقيق عارضا رمحه # إن بني عمك فيهم رماح # فالمتكلم يعلم أن شقيقا عالم بوجود الرماح في بني عمه، وأنهم مستعدون ~~للحرب معه، ولكنه رأى منه عدم المبالاة وعدم الاستعداد، بأن وضع رمحه ~~أمامه معترضا فهو بمنزلة من لا يؤمن بوجود الرماح في بني عمه، وهو لم ~~يرد بكلامه معه أن يخبره بأمر يجهله، ولكنه أراد أن ينبهه لما يجب عليه ~~فعله ms4050 من التأهب والاستعداد، وهكذا هنا، وهذا عام في كل مسوف ومتساهل كما ~~جاء: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " إلخ. # إي وهو مؤمن بالإيمان ولوازمه من الجزاء والحساب. # المسألة الثانية من قوله تعالى: { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } [المطففين: 6] يفهم أن مطفف الكيل والوزن وهو يعلمون هذا ~~حقيقة غالبا ولا يطلع عليه الطرف الآخر، فيكون الله تعالى هو المطلع على ~~فعله، فهو الذي سيحاسبه ويناقشه، لأنه خان الله الذي لا تخفى عليه خافية ~~سبحانه، ولذا قال تعالى: { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } ولم يقل: يوم يقتص لكل إنسان من غريمه، ويستوفي كل ذي حق ~~حقه. # تحذير شديد # قال القرطبي عند هذه الآية: وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابيا قال له: ~~قد سمعت ما قال الله في المطففين فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين ~~بلا كيل ولا وزن. اه. # إنها مقالة ينبغي أن تقال لكل آكل أموال الناس بغير حق أيا كان هو، ~~وبأي وجه يكون ذلك. # تنبيه # من الملعوم أن كل متبايعين يطلب كل منهما الأحظ لنفسه، فالمطفف لا بد أن ~~يخفي طريقه على غريمه. # وذكر علماء الحسبة طرقا عديدة مما ينبغي لولي الأمر خاصة، وللمتعامل مع ~~غيره عامة، أن يتنبه لها. # من ذلك قالوا: أولا من ناحية المكيال قد يكون جرم المكيال لينا فيضغطه ~~بين يديه، فتتقارب جوانبه فينقص ما يحتوي عليه، ولذا يجب أن يكون إناء ~~الكيل صلبا، والغالب جعله من الخشب أو ما يعادله. # ومنها: أنه قد يكون خشبا منقورا من جوفه، ولكن لا يبلغ بالتجويف إلى ~~نهاية المقدار المطلوب، فيرى من خارجه كبيرا، ولكنه من الداخل صغير لقرب ~~قعره. # ومنها: قد يكون منقورا إلى نهاية الحد المطلوب، ولكنه يدخل فيه شيئا ~~يشغل فراغه من أسفله، ويثبته في قعره. فينقص ما يكال بقدر ما يشغل الفراغ ~~المذكور، فقد يضع ورقا أو خرقا أو جبسا أو نحو ذلك. # ثانيا: من ناحية الميزان قد يبرد السنج، أي معايير الوزن حتى ينقص ~~وزنها، وقد يجوف منها شيئا ms4051 ويملأ التجويف بمادة أخف منها. # ولذا يجب أن يتفقد أجزاء المعايير، وقد يتخذ معايرا من الحجر فتتناقص ~~بكثرة الاستعمال بسبب ما يتحتت منها على طول الأيام. # ومنها: أن يضع تحت الكفة التي يزن فيها السلعة شيئا مثقلا لاصقا ~~فيها، لينتقص من الموزون بقدر هذا الشيء. # ولكيلا يظهر هذا، فتراه دائما يضع المعيار في الكفة الثانية لتكون ~~راجحة بها. # وهناك أنواع كثيرة، كأن يطرح السلعة في الكفة بقوة، فترجح بسبب قوة ~~الدفع، فيأخذ السلعة حالا قبل أن ترجع إلى أعلا، موهما الناظر أنها ~~راجحة بالميزان. # أما آلة الذرع فقد يكون المقياس كاملا واقيا، ولكنه بعد أن يقيس المتر ~~الأول بالآلة إلى الخف، ويسحب بالمذروع إلى الأمام بمقدار الكف مثلا، ~~فيكون النقص من المذروع بقدر ما سحب من القماس. # وكلها أمور قد تخفى على كثير من الناس، وقد وقع لي مع بائع أن لاحظت ~~عليه في ميزان مما يرفعه بيده حتى أعاد الوزن خمس مرات في كل مرة، يأتي ~~بطريقة تغاير الأخرى، حتى قضى ما عنده فالتفت إلي وقال لي: لا أبيع بهذا ~~السعر، فقلت له: خذ ما تريد وزن كما أريد، فطلب ضعف الثمن فأعطيته ~~فأعطاني الميزان لأزن بنفسي. # وهنا ينبغي أن ننبه على حالات الباعة حينما يكون السعر مرتفعا وتجد ~~بائعا يبيع برخص، فقد يكون لعلة في الوزن أو في السلعة أو مضرة الآخر. # تنبيه آخر # بهذه الأسباب وحقائقها وشدة خطرها كان عمر رضي الله عنه يتجول في السوق ~~بنفسه، ويتفقد المكيال والميزان. يخرج من السوق من يجد في مكياله أو ~~ميزانه نقصانا، ويقول: لا تمنع عنا المطر. # وهكذا يجب على ولاة الأمور تفقد ذلك باستمرار، ولا سيما في البلاد التي ~~يقل فيها الوازع الديني وتشتد فيها الأسعار، بما يلجىء الباعة إلى ~~التحايل أو العناد. # وقد منع عمر بائع زبيب أرخص السعر لعلمه أن تاجرا قدم ومعه زبيب بكثرة، ~~فقيل لعمر: لماذا منعت البيع برخص؟ فقال: لأنه يفسد السوق، فيخسر القادم ~~فيمتنع من الجلب إلى المدينة، وهذا قد ربح من ms4052 قبل. # تنبيه آخر # مما ينبغي أن يعلم أن نوع المكيال ومقداره ونوع الميزان ومقداره مرجعه ~~إلى السلطان، كما قال علماء الحسبة: أن على الأمة أن تطيع السلطان في ~~أربع: في نوع المكيال والميزان، ونوع العملة التي يطرحها للتعامل بها، ~~وإعلان الحرب او قبول الصلح. # فإذا اتخذ الصاع أو المد أو الكيلة أو الويبة أو القدح، أو أي نوع ~~كبيرا كان أو صغيرا، فيجب التقييد به في الأسواق. # وكذلك الوزن اتخذ الدرهم والاوقية والرطل أو الأقة أو اتخذ الجرام ~~والكيلوا فكل ذلك له. # أما إذا كان الأمر بين اثنين في قسمة مثلا كقسمة صبرة من حب فتراضوا ~~على أن يقتسموها بإناء كبير للسرعة وكان مضبوطا، لا تختلف به المرات، ~~بأن يكون صلبا ويمكن الكيل به. # أو كذلك الوزن اتفقوا على قطعة حديد معينة، لكل واحد وزنها عدة مرات فلا ~~بأس بذلك، لأن الغرض قسمة المجموع لا مثامنة على الأجزاء. # أما المكاييل الإسلامية الأساسية والموازين، فقد تقدم بيانها من الشيخ ~~رحمة الله تعالى علينا وعليه في زكاة ما يخرج من الأرض، وزكاة النقدين، ~~وقدمنا بيان مقابلها بالوزن الحديث في زكاة الفطر، عند قوله تعالى: # والذين في أموالهم حق معلوم للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25] وبالله تعالى التوفيق. # غريبة # في ليلة الفراغ من كتابة هذا المبحث رأيت الشيخ رحمة الله تعالى علينا ~~وعليه فيما يرى النائم، وبعد أن ذهب عني رأيت من يقول لي: إن لتطفيف ~~الكيل والوزن دخلا في الربا، فألحقته في أول البحث، بعد أن تأملته فوجدته ~~صحيحا بسبب المفاضلة. ### || [83.14] # ران: بمعنى غطى كما في الحديث # " إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، وما يزال كذلك حتى يغطيه " # الحديث. # وقال الشاعر: # وكم ران من ذنب على قلب فاجر # فتاب من الذنب الذي ران فانجلى # وقال أبو حيان: وأصل الرين: الغلبة: يقال: رانت الخمر على عقل شاربها ~~واشتدت: # ثم لما رآه رانت به الخ # مر وألا يريه بانتفاء # بيان القراءات في هذه الآية: # قال أبو حيان: قرئ بل ران بإدغام اللام ms4053 في الراء وبالإظهار وقف حفص على ~~بل وقفا خفيفا يسيرا ليتبين الإظهار. # وقال أبو جعفر بن الباذش: وأجمعوا، يعني القراء، على إدغام اللام في ~~الراء، إلا ما كان من سكت حفص على بل، ثم يقول: ران. # وهذا الذي ذكره كما ذكر من الإجماع. # ففي كتاب اللوامع عن قالون من جميع طرقه: إظهار اللام عند الراء نحو ~~قوله: بل رفعه الله إليه بل ربكم. # وفي كتاب ابن عطية. وقرأ نافع: بل ران من غير مدغم. # وفيه أيضا: وقرأ نافع أيضا: بالإدغام والإمالة. # وقال سيبويه: البيان والإدغام حسنان. # وقال الزمخشري: وقرئ بإدغام اللام في الراء. وبالإظهار والإدغام أجود، ~~وأميلت الألف وفخمت. اه. # أما المعنى فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك ~~وافيا في سورة الكهف عند الكلام على قوله تعالى: # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # [الكهف: 57]. الآية. ### || [83.26] # توجيه إلى ما ينبغي أن تكون فيه المنافسة، وهي بمعنى الرغبة في الشيء. # قال أبو حيان: نافس في الشيء رغب فيه، ونفست عليه بالشيء أنفس نفاسة، ~~إذا بخلت به عليه ولم تحب أن يصير إليه. # والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن ذلك من المطالبة والمكاثرة بالشيء ~~النفيس، فكل يسابق إليه ليحوزه لنفسه. # وفي هذه الآية الكريمة لفت لأول السورة، إذا كان أولئك يسعون لجمع المال ~~بالتطفيف، فلهم الويل يوم القيامة. # وإذا كان الأبرار لفي نعيم يوم القيامة، وهذا شرابهم، فهذا هو محل ~~المنافسة، لا في التطفيف من الحب أو أي مكيل أو موزون. ### || [83.29-30] # وصفهم بالإجرام هنا يشعر بأنه السبب في ضحكهم من المؤمنين وتغامزهم بهم، ~~وتقدم في سورة البقرة بيان موجب آخر في قوله تعالى: # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من ~~الذين آمنوا # [البقرة: 212]. # وقد بين تعالى في سورة البقرة أن الذين اتقوا فوق هؤلاء يوم القيامة، ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب. # وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هناك، وأحال على هذه الآية في ~~البيان لنوع السخرية، وزاد البيان في سورة الأحقاف على قوله ms4054 تعالى: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11]. # ومن الدافع لهم على هذا القول ونتيجة قولهم، وساق آية المطففين عندها، ~~وكذلك عند أول سورة الواقعة على قوله تعالى: # خافضة رافعة # [الواقعة: 3]. # ومما تجدر الإشارة إليه، أن هذه الحالة ليست خاصة بهذه الأمة، بل تقدم ~~التنبيه على أنها من غيرها ممن تقدم من الأمم. # ففي قوم نوح: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه # [هود: 38]. # وكان نفس الجواب عليهم: # قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم # [هود: 38-39]. # وجاء بما يفيد أكثر من ذلك حتى بالرسل في قوله تعالى: # ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون # [الأنبياء: 41]. # ومثلها في سورة الأنبياء بنص الآية المذكورة. # تنبيه # إذا كان هذا حال بعض الذين أجرموا مع بعض ضعفه المؤمنين، وكذلك حال بعض ~~الأمم مع رسلها، فإن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه ألا يتأثر بسخرية ~~أحد منه، ويعلم أنه على سنن غيره من الدعاة إلى الله تعالى، وأن الله ~~تعالى سينتصر له إما عاجلا وإما آجلا، كما في نهاية كل سياق من هذه ~~الآيات. ### || [83.34-36] # وهذا رد على سخرية المشركين منه في الدنيا، وهو كما قال تعالى: # والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة # [البقرة: 212]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه في سورة المؤمنون على ~~الكلام على قوله: # إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم ~~الفآئزون # [المؤمنون: 111]، والحمد لله رب العالمين. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1] # تقدم الكلام عليه في أول سورة الانفطار، عند قوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]، والإحالة على كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في ~~سورتي الشورى وق. ### || [84.2] # تقدم بيان مادة أذن في سورة الجمعة، عند الكلام على الأذان، وأذنت هنا ~~بمعنى استمعت وأطاعت، وحقت أي حق لها أو هي محقوقة بذلك، أي لا يوجد ~~ممانع لهذا الأمر. # وقد حمله بعض المفسرين على ms4055 المعنى المجازي في أذنت، أي لما لم يكن ~~ممانعة من تشققها، كان ذلك بمثابة الامتثال والاستماع. # وقد قدمنا أن للجمادات بالنسبة إلى الله تعالى حالة لا كهي بالنسبة ~~للمخلوقين، في مبحث أول الحشر في معنى التسبيح من الجمادات. # وقد جاء صريحا في السماء والأرض من ذلك قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72]، وقال تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. ### || [84.3] # أي سويت وأزيلت جبالها، وسويت وهادها، كما قال تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ~~فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 105-107]. # ومن هذا الحديث عن ابن عباس وعن علي. وساق هذا الثاني ابن كثير عن ابن ~~جرير بسنده إلى علي بن الحسين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من ~~الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى " # الحديث. # وعن ابن عباس # " تمد كما يمد الأديم العكاظي ". # وعند القرطبي عن ابن عباس # " يزاد فيها كذا وكذا ". # وقال الرازي: هو بمعنى تبدل الأرض غير الأرض، والواقع أن استبدال الأرض ~~غير الأرض ليس على معنى الذهاب بهذه الموجودة والإتيان بأرض جديدة، لما ~~جاء في حديث الأذان: # " ما من حجر ولا مدر ولا شجر، يسمع صوت المؤذن إلا سيشهد له يوم القيامة ~~" # والذي يؤتى له من جديد، لا يتأتى له أن يشهد على شيء لم يشهده، وعلى كل ~~فإن تسيير الجبال وتسوية الأرض لا شك أنه يوجد زيادة في وجه الأرض ~~ومساحتها، فسواء مدت بكذا وكذا. كما قال ابن عباس، أو مدت بتوسعة أديمها ~~وزيد في بسطها، بعد أن تلقى ما في جوفها كالشيء السميك إذا ما ضغط، فخفت ~~سماكته وزادت مساحته، كما يشير إليه قوله تعالى: # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا # [الفجر: 21]. # وقوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض ms4056 ~~والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت ~~الواقعة * وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية # [الحاقة: 13-16]. # فيكون مد الأرض بسبب دكها، فيزاد في بسطها، ولعل هذا الوجه هو ما يشهد ~~له القرآن لجمع الأمرين هنا وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ ~~وقعت الواقعة وانشقت السماء، فهو وفق ما في هذه السورة # إذا السمآء انشقت # [الانشقاق: 1] وبعدها # وإذا الأرض مدت # [الانشقاق: 3] والله أعلم. ### || [84.4] # قيل: ألقت كنوزها وتخلت عنها، ورد هذا بأن ذلك قد يكون قبل الساعة. # وقيل: ألقت الموتى وتخلت عنهم بعد قيامهم وبعثهم من قبورهم فلم يبق في ~~جوف الأرض أحد. # وقوله تعالى: وتخلت: أي بعد أن كانت لهم كفاتا أحياء وأمواتا، وبعد ~~أن كانت لهم مهادا، لفظتهم وتخلت عنهم، وهذا ما يزيد في رهبة الموقف ~~وشدته والتضييق على العباد، والا ملجأ لهم ولا منجى إلا إلى الله، كما ~~قال تعالى: # كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر # [القيامة: 11-12]. ### || [84.5] # أي كما أذنت السماء، فالكون كله إذن مطيع منقاد لأوامر الله، طوعا أو ~~كرها. ### || [84.6] # قيل: الإنسان للجنس وقيل لفرد، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ~~السياق يدل للأول للتقسيم الآتي، فأما من أوتى كتابه بيمينه، وأما من ~~أوتي كتابه بشماله، لأنه لا يكون لفرد، وإنما للجنس وعلى أنه للجنس ~~فالكدح العمل جهد النفس. # وقال ابن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقال غيره مشيرا إلى أن الكدح فيه معنى النصب: # ومضت بشاشة كل عيش صالح # وبقيت أكدح للحياة وأنصب # ويشهد لهذا قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 4]، كما قدمنا في محله. # تنبيه # من هذا العرض القرآني الكريم من مقدمة تغيير أوضاع الكون سماء وأرضا، ~~ووضع الإنسان في يكدح إلى ربه كدحا فملاقيه، أي بعمله الذي يحصل عليه من ~~خلال كدحه، فإن العاقل المتبصر لا يجعل كدحه إلا فيما يرضي الله ويرضى ~~هو به، إذا لقي ربه ما دام أنه كادح، لا محالة كما هو مشاهد. # تنبيه آخر # قوله تعالى: { يأيها ms4057 الإنسان } عام في الشمول لكل إنسان مهما ~~كان حاله من مؤمن وكافر، ومن بر وفاجر، والكل يكدح ويعمل جاهد التحصيل ما ~~هو مقبل عليه، كما في الحديث: # " اعملوا كل ميسر لما خلق له " # أي ومجد فيه وراض به، وهذا منتهى حكمة العليم الخبير. # ومما هو جدير بالتنبيه عليه، هو أنه إذا كانت السماء مع عظم جرمها، ~~والأرض مع مساحة أصلها أذنت لربها وحقت، مع أنها لم تتحمل أمانة، ولن ~~تسأل عن واجب فكيف بالإنسان على ضعفه، # أأنتم أشد خلقا أم السمآء # [النازعات: 27]، وقد تحمل أمانة التكليف فأشفقن منها وحملها الإنسان، ~~فكان أحق بالسمع والطاعة في كدحه، إلى أن يلقى ربه لما يرضيه. ### || [84.7-14] # في هذا التفصيل بيان لمصير الإنسان نتيجة كدحه، وما سجل عليه في كتاب ~~أعماله، وذلك بعد أن تقدم في الانفطار قوله: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون * إن الأبرار لفي نعيم * وإن ~~الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 10-14]. # وجاء في المطففين # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين: 7] ثم بعده # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين # [المطففين: 18]. # جاء هنا بيان إتيانه هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ~~ببعض، في بيان مآل العلم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله. # وتقدم للشيخ مباحث إتيان الكتب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر، عند كل ~~من قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] في سورة الإسراء - إلى قوله تعالى - # فمن أوتي كتابه بيمينه # [الإسراء: 71]، وبين أحوال الفريقين أهل اليمين وأهل الشمال، وأحال على ~~أول السورة. # وقوله: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # [الكهف: 49]، في سورة الكهف وهنا ذكر سبحانه وتعالى حالة من حالات كلا ~~الفريقين. # فالأولى: يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض فقط دون مناقشة، كما في حديث ~~عائشة رضي الله عنها # " من نوقش الحساب عذب " # والثانية: يدعو على نفسه بالثبور وهو الهلاك، ومنه: المواطأة على الشيء ~~سميت مثابرة، لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه. # وهنا مقابلة عجيبة بالغة الأهمية، وذلك بين سرورين أحدهما آجل والآخر ms4058 ~~عاجل. # فالأول في حق من أوتي كتابه بيمينه، أنه ينقلب إلى أهله مسرورا ينادي ~~فرحا # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19]، وأهله آنذاك في الجنة من الحور والولدان، ومن أقاربه ~~الذين دخلوا الجنة، كما في قوله تعالى: # جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم # [الرعد: 23]. # وقوله: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21]، فهم وإن كانوا ملحقين بهم إلا أنهم من أهلهم، وهذا من تمام ~~النعمة أن يعلم بها من يعرفه من أهله، وهذا مما يزيد سرور العبد، وهو ~~السرور الدائم. # والآخر سرور عاجل، وهو لمن أعطوا كتبهم بشمالهم، لأنهم كانوا في أملهم ~~مسرورين في الدنيا، وشتان بين سرور وسرور. # وقد بين هنا نتيجة سرور أولئك في الدنيا، بأنهم يصلون سعيرا، ولم يبين ~~سبب سرور الآخرين، ولكن ينبه في موضع آخر وهو خوفهم من الله في قوله ~~تعالى: # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن ~~الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من ~~قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم # [الطور: 26-28]. # وهنا يقال: إن الله سبحانه لم يجمع على عبده خوفان، ولم يعطه الأمنان ~~معا، فمن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~* فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 40-41]. # ومن أمن مكر الله وقضى كل شهواته وكان لا يبالي فيؤتى كتابه بشماله ~~ويصلى سعيرا، كما في قوله تعالى: # وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال * في سموم ~~وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * ~~إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم * وكانوا يقولون أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [الواقعة: 41-47]، تكذيبا للبعث. وقوله هذا هو بعينه المذكور في الآيات ~~{ إنه ظن أن لن يحور }. وقوله: { إنه ظن أن لن ~~يحور } ، هذا الظن مثل ما تقدم في حق المطففين # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون # [المطففين: 4-5]، مما يشعر أن عدم الإيمان بالبعث أو الشك فيه، هو ~~الدافع لكل سوء والمضيع ms4059 لكل خير، وأن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق ~~لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث هو منطلق جميع الأعمال الصالحة ~~كما في مستهل المصحف # هدى للمتقين # [البقرة: 2] الآيات. ### || [84.16-19] # الشفق: لغة: رقة الشيء. # قال القرطبي: يقال شيء شفيق، أي لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه أي رق ~~قلبه عليه، والشفقة الاسم من الإشفاق وهو رقة القلب، وكذلك الشفق. # قال الشاعر: # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا # والموت أكرم نزال على الحرم # فالشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، فكأن تلك الرقة من ضوء الشمس. # ونقل عن الخليل: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة إذا ~~ذهب، قيل: غاب الشفق. اه. # وهذا ما عليه الأئمة الثلاثة في توقيت وقت المغرب من غروب الشمس إلى ~~غياب الشفق، وهو الحمرة بعد الغروب، كما قال الخليل. # وعند أبي حنيفة رحمه الله: أن الشفق هو البياض الذي بعده. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في بيان أوقات الصلوات الخمس ~~عند قوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون # [الروم: 17-18]، ورجح أن الشفق: الحمرة. # ونقل القرطبي قولا، قال: وزعم الحكماء أن البياض لا يغيب أصلا. # وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردد من أفق ~~إلى أفق ولم أره يغيب. # وقال ابن أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر، ثم قال: قال علماؤنا: فلما ~~لم يتجدد وقته سقط اعتباره. ا ه. # فهو بهذا يرجح مذهب الجمهور في معنى الشفق، والنصوص في ذلك من السنة ~~فيها مقال. # فقد روى الدارقطني حديثا مرفوعا: # " الشفق الحمرة " # وتكلم عليه الشوكاني ثم ذكر من يقول به من الصحابة وهم ابن عمر، وابن ~~عباس، وأبو هريرة، وعبادة. ومن الأئمة: الشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري، ~~وأبو سيف ومحمد، من الفقهاء، والخليل والفراء من أهل اللغة. # فأنت ترى أن أبا يوسف ومحمدا من أصحاب أبي حنيفة وافقا الجمهور. # وفي شرح الهداية أيضا: رواية عن أبي حنيفة. # أما ما ذكره القرطبي ففيه نظر، أي من جهة ms4060 عدم غياب البياض، فإن المعروف ~~عند علماء الفلك أن بين الأحمر والأبيض مقدار درجتين، والدرجة تعادل أربع ~~دقائق، وعليه فالفرق بسيط، والله تعالى أعلم. # وقوله: { والليل وما وسق } [الانشقاق: 17]، هو الجمع والضم ~~للشيء الكثير، ومنه سمي الوسق بمقدار معين من مكيل الحب، وهو ستون صاعا. ~~وقيل: فيه معان أخرى، ولكن هذا أرجحها. # والمعنى هنا: والليل وما جمعه من المخلوقات. قيل: كأنه أقسم بكل شيء ~~كقوله تعالى: # فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون # [الحاقة: 38- 39]. # وقوله: { والقمر إذا اتسق } ، أي اتسع أي تكامل نوره، وهو ~~افتعل من وسق، والقاعدة الصرفية أن فاء الفعل المثالي، أي الذي فؤه واو، ~~إذا بني على افتعل تقلب الواو تاء وتدغم التاء في التاء، كما في: وصلته ~~فاتصل ووزنته فاتزن، أو تصل أو تزن، وهكذا هنا أو تسق. # وقوله: { لتركبن طبقا عن طبق }. # قال ابن جرير: اختلف القراء في قراءته، فقرأه عمر بن الخطاب وابن مسعود ~~وأصحابه وابن عباس وعامة قراء مكة والكوفة لتركبن بفتح التاء والباء، ~~واختلف قارئوا ذلك في معناه، فقال بعضهم: يعني يا محمد، ويعني حالات ~~الترقي والعلو والشدائد مع القوم، وهذا المعنى عن مجاهد وابن عباس. # وقيل: طبقا عن طبق: يعني سماء بعد سماء، أى طباق السماء، وهو عن الحسن ~~وأبي العالية ومسروق. # وعن ابن مسعود: أنها السماء تتغير أحوالها تتشقق بالغمام، ثم تحمر ~~كالمهل، إلى غير ذلك. وقد رجح القراءة الأولى والمعنى الأول. # وقرأ عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين: لتركبن بالتاء وبضم الباء على ~~وجه الخطاب للناس كافة. # وذكر المفسرون لمعناه حالا بعد معان حال معان عديدة طفولة وشبابا ~~وشيخوخة، فقرا وغنى، وقوة وضعفا، حياة وموتا وبعثا، رخاء وشدة، إلى ~~كل ما تحتمله الكلمة. # وقال القرطبى: الكل محتمل، وكله مراد، والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن ~~ذلك إنما هو بعامة الناس ويكون يوم القيامة، إذ السياق في أصول البعث، ~~إذا السماء انشقت، وإذا الأرض مدت، فأما من أوتي كتابه بيمينه وذكر ~~الحساب المنقلب، ثم التعبير بالمستقبل،لتركبن، ولو كان لأمر الدنيا من ms4061 ~~تغير الأحوال لكان أولى به الحاضر أو الماضي، وإن كان من المستقبل ما ~~سيأتي من الزمن لكنه ليس بجديد، إذ تقلب الأحوال في شأن الحياة أمر مستقر ~~فى الأذهان، ولا يحتاج إلى هذا الأسلوب. # أما أمور الآخرة من بعث، وحشر، وعرض، وميزان وصراط وتطاير كتب، واختلاف ~~أحوال الناس باختلاف المواقف، فى عرصات القيامة فهى الحرية بالتنبيه ~~عليها وبالتحذير منها والعمل لأجلها فى كدحه إلى ربه، فلذا جاء بذلك وهو ~~مشعر باستمرار حالة اللإنسان بعد الكدح إلى حالات متعددة ودرجات متفاوتة. # ولو اعتبرنا حال المقسم به من حيث تطور الحال من شفق أو آخر ضوء الشمس ~~ثم ليل، وما جمع وغطى بظلامه، ثم قمر يبدأ هلالا إلى اتساق نوره، لكان ~~انتقالا من تغير حركات الزمن الى تغير أحوال الإنسان قطعا، وأن القادر ~~على ذلك في الدنيا قادر على ذلك في الآخرة. ### || [84.25] # قيل: المن: القطع والنقص، ومنه قول الشاعر: # لمعفر قهد تناثر شلوه # عنس كواسب ما يمن طعامها # والقهد: ضرب من الضأن تعلوه حمرة صغيرة آذانه، والكواسب: الوحوش، أى ~~ذئاب أو سباع لا ينقطع طعامها. # وقال القرطبي: مننت الحبل إذا قطعته. # وسأل نافع بن الأزرق، ابن عباس عنها فقال: غير مقطوع، فقال هل تعرف ذلك ~~العرب؟ قال: نعم، قد عرفه أخو يشكر، حيث يقول: # غترى خلفهن من سرعة الرج # ع منينا كأنه أهباء # قال المبرد: المنين الغبار لأنها تقطعه وراءها. # وقيل: غير ممنون أي غير ممنون به عليهم، لنكمل النعمة عليهم. # وقال ابن جرير: غير ممنون أي غير محسوب ولا منقوص. وذكره ابن عباس ~~ومجاهد. # وقال ابن كثير: غير مقطوع، كقوله تعالى: # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108]، ورد قول من قال إنه غير ممنون به عليهم، لأن لله تعالى أن ~~يمتن على عباده وهم ما دخلوا الجنة الا بفضل من الله ومنه عليهم. انتهى. # ومما يشهد لقول ابن جرير غير محسوب عموم قوله تعالى: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] وخصوص قوله تعالى: # ومن عمل صالحا من ذكر أو ms4062 أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب # [غافر: 40]. # قوله تعالى: # جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 36]، فهو بمعنى كافيا من قولك: حسبي بمعنى كافيني. # والذي يظهر والله تعالى أعلم أن كلا من المعنيين مقصود ولا مانع منه، ~~وما ذهب إليه ابن كثير لا يتعارض مع قول الآخرين، لأن المن الممنوع هو ما ~~فيه أذى وتنقيص، كما فى قوله: # ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى # [البقرة: 262]، أما المن من الله تعالى على عبده، فهو عين الإكرام ~~والزلفى إليه سبحانه. والعلم عند الله تعالى. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1] # البروج: جمع برج، واختلف فى المعنى المراد به هنا هل هى المنازل أو ~~الكواكب أو قصور في السماء عليها حراسها؟ # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك في سورة الحجر، عند ~~الكلام على قوله تعالى: # ولقد جعلنا في السماء بروجا # [الحجر: 16]، وفي سورة الفرقان عند قوله تعالى: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. # وقيل: إن أصل هذه المادة من الظهور، ومنه تبرج المرأة، وساق بيان المعنى ~~المقصود من بروج السماء وعدد المنازل المذكورة. # وبمناسبة ارتباط السور بعضها ببعض، فإن بعض المفسرين يقول: لما ذكر مآل ~~الفريقين وتطاير الصحف فى السورة الأولى، ذكر هنا عملا من أشد أعمال ~~الكفار مع المؤمنين في قصة الأخدود. # والذي يظهر أقوى من هذا، هو والله تعالى أعلم: أنه لما ذكر سابقا ~~انفطار السماء وتناثر النجوم وانشقاق السماء، وإذنها لربها حق لها ذلك، ~~جاء هنا بيان كنه هذه السماء أنها عظيمة البنية بأبراجها الضخمة أو ~~بروجها الكبيرة، فهي مع ذلك تأذن لربها وتطيع وتنشق لهول ذلك اليوم ~~وتنفطر، فأولى بك أيها الإنسان، والله تعالى أعلم. ### || [85.2] # هو يوم القيامة باجماع المفسرين، وقد كانوا يوعدون به فى الدنيا فهو ~~اليوم الموعود به كل من الفريقين، كما قال تعالى فى حق المؤمنين # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الانبياء: 103]، وفى حق الكفار # فذرهم يخوضوا ms4063 ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون # [الزخرف: 83] وسيعترفون بذلك عند البعث حينما يقولون: # قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52]. # فاليوم الموعود هو يوم القيامة الموعود به لمجازات كلا الفريقين على ~~عملهم. ### || [85.3] # لم يصرح هنا من الشاهد وما المشهود، وقد ذكر الشاهد فى القرآن بمعنى ~~الحاضر، كقوله تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185]، وقوله: # عالم الغيب والشهادة # [الأنعام: 73]. # وذكر المشهود بمعنى الشاهد باسم المفعول، كقوله تعالى: # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. # فالشاهد والمشهود قد يكونان من المشاهدة، وذكر الشاهد من الشهادة، ~~والمشهود من المشهود به أو عليه، كما فى قوله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # فشهيد الأولى: أي شهيد على الأمة التي بعثت فيها، وشهيد الثانية: أي ~~شاهد على الرسل في أممهم. # ومن هنا اختلفت أقوال المفسرين إلى ما يقرب من عشرين قولا. # قال ابن جرير: ما ملخصه: يوم الجمعة، والمشهود يوم عرف أو النحر، وعزاه ~~لعلي وأبي هريرة، والشاهد محمد صلى الله عليه وسلم.، والمشهود يوم ~~القيامة. وعزاه لابن عباس والحسن بن علي هو يوم القيامة، وعزاه لابن ~~عباس. ثم قال: والصواب عندي أنه صالح لكل ما يقال له مشاهد، ويقال له ~~مشهود فلم يفصل ما إذا كان بمعنى الحضور، أو الشهادة، ومثله القرطبي وابن ~~كثير. # وقد فصل أبو حيان على ما قدمنا، فقال: إن كان بمعنى الحضور، فالشاهد ~~الإنسان والمشهود يوم القيامة، ولما ذكر اليوم الموعود ناسب أن يذكر كل ~~من يشهد فى ذلك اليوم، ومن يشهد عليه، وذكرنا نحوا من عشرين قولا. ~~وقال: كل له متمسك، والذي يظهر والله تعالى أعلم: أنه من باب الشهادة لأن ~~ذكر اليوم الموعود وهو يكفي عن اليوم المشهود، بل إنه يحتاج إلى من يشهد ~~فيه وتقام الشهادة على ما سيعرض فيه لإقامة الحجة على الخلق لا لإثبات ~~الحق. # وقد جاء في القرآن تعداد الشهود في ذلك اليوم، مما يتناسب مع ms4064 العرض ~~والحساب. # ومجمل ذلك أنها تكون خاصة وعامة وأعم من العامة، فمن الخاصة شهادة ~~الجوارح على الإنسان كما في قوله تعالى: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون # [فصلت: 20] وقوله: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # [يس: 65]، وهذه شهادة فعل ومقال لا شهادة حال، كما بينها قوله تعالى ~~عنهم: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم ~~أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون ~~أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون # [فصلت: 21-22]، ورد الله زعمهم ذلك بقوله: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين # [فصلت: 23]. # وتقدم للشيخ بيان شهادة الأعضاء في سورة يس وفي سورة النساء عند قوله ~~تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]، وشهادة الملائكة وهم الحفظة كما في قوله تعالى: # وقال قرينه هذا ما لدي عتيد # [ق: 23]، وقوله: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21]، ثم شهادة الرسل كل رسول على أمته، كما في قوله عن عيسى عليه ~~وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117]، فهذا وإن كان في الحياة فسيؤديها يوم القيامة. # وكقوله في عموم الأمم # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم # [النحل: 89]. # ومنها: شهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على جميع الرسل كما في قوله ~~تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. # ومنها: شهادة هذه الأمة على سائر الأمم، كما في قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. # ومنها شهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأمة لقوله تعالى: # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. # ومنها: شهادة الله تعالى على الجميع. # وهذا ما يتناسب مع ذكر اليوم الموعود وما يكون فيه من الجزاء والحساب ~~على الأعمال ومجازاة الخلائق عليها: وسيأتي في نفس السياق قوله: # والله على كل شيء ms4065 شهيد # [البروج: 9]، وهو كما ترى لا يتقيد بشاهد واحد، وأيضا لا يعارض بعضها ~~بعضا. # فاختلاف الشهود وتعددهم باختلاف المشهود عليه، وتعدده من فرد إلى أمة ~~إلى رسل، إلى غير ذلك. وكلها داخلة في المعنى وواقعة بالفعل. # وقد ذكرت أقوال أخرى، ولكن لا تختص بوم القيامة. # ومنها: أن الشاهد الله والملائكة وأولوا العلم، والمشهود به وحدانية ~~الله تعالى. # ومنها: الشاهد المخلوقات، والمشهود به قدرة الله تعالى، فتكون الشهادة ~~بمعنى العلامة. # وأكثر المفسرين إيرادا في ذلك الفخر الرازي حيث ساقها كلها بأدلتها إلا ~~ما ذكرناه من السنة فلم يورده. # وقد جاء في السنة تعيين الشهادات لغير ما ذكر. # منها الشهادة للمؤذن: ما يسمع صوته شجر ولا حجر ولا مدر، إلا شهد له يوم ~~القيامة. # ومنها: شهادة الأرض على الإنسان بما عليها المشار إليه في قوله تعالى: # يومئذ تحدث أخبارها # [الزلزلة: 4]. # ومنها: شهادة المال على صاحبه فيم أنفقه. # ومنها: شهادة الصيام والقرآن وشفاعتهما لصاحبهما. ونحو ذلك والله تعالى ~~أعلم. # تنبيه # في هذا العرض إشعار يتعلق بالقضاء وكمال العدالة، وهو إذا كان رب العزة ~~سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء شهيد، وبكل شيء عليم، وموكل حفظه يكتبون ~~أعمال العباد، ومع ذلك لم يقض بين الخلائق بما يعلمه منهم ولا بما سجلته ~~ملائكته ويستنطق أعضاءهم، ويستشهد الرسل على الأمم والرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - على الرسل، أي بأنهم بلغوا أممهم رسالات الله إليهم، فلأن لا ~~يقضي القاضي بعلمه من باب أولى. والعلم عند الله تعالى. # وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: # " إنكم تحتكمون إلي وإنما أنا بشر أقضي لكم على نحو ما أسمع، فمن ~~اقتطعت له شيئا من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار " # الحديث. أي كان من الممكن أن ينزل عليه الوحي، ولا سيما في تلك القضية ~~بعينها، إذ قالوا في مواريث درست معالمها ولا بينة بينهما، ولكن إذا نزل ~~الوحي عليه صلى الله عليه وسلم فيها، فمن بالوحي لمن يأتي بعده في ~~القضاء؟ # ولذا قال صلى الله عليه وسلم ms4066 # " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". # ومعلوم أن البينة فعيلة من البيان، فتشمل كل ما يبين الحق من شهادة ~~وقرينة كما في قصة يوسف من القرائن مع إخوته ومع امرأة العزيز. إلخ. ### || [85.4-5] # قال أبو حيان، وجواب القسم في قوله تعالى: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] قيل: محذوف، فقيل: لتبعثن ونحوه، وقيل: مذكور، فقيل: إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ونحوه، وقيل: قتل، وهذا نختاره، وحذفت ~~اللام أي لقتل وحسن حذفها كما حسن في قوله: # والشمس وضحاها # [الشمس: 1]، ثم قال: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9] أي لقد أفلح، ويكون الجواب دليلا على لعنة الله على من فعل ~~ذلك، وتنبيها لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. # وإذا كان قتل هي الجواب فهي جملة خبرية، وإذا كان الجواب غيرها في جملة ~~إنشائية، دعاء عليهم. # وقرئ: قتل بالتشديد، قرأها الحسن وابن مقسم، وقرأها الجمهور بالتخفيف ~~1ه. # والأخدود: جمع خد، وهو الشق في الأرض طويلا. وقوله: { النار ذات ~~الوقود } الوقود بالضم وبالفتح، والقراءة بالفتح كالسحور، والوضوء. ~~فبالفتح ما توقد كصبور والماء المتوضأ به والطعام المتسحر به، وبالضم ~~المصدر، والفعل والوقود بالضم ما توقد به. # ذكر صاحب القاموس، والنار ذات الوقود: بدل من الأخدود. # وقيل في معناها: عدة أقوال، حتى قال أبو حيان: كسلت عن نقلها. # ونقل الفخر الرازي ثلاثة منها. # والمشهور عند ابن كثير ما رواه أحمد ومسلم: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: ~~إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع لي غلاما لأعلمه السحر، فدفع إليه ~~غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر والملك راهب، فأتى الغلام ~~الراهب فسمع من كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال ما حبسك؟ ~~وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا ~~أراد الساحر ضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك، فقل: حبسني ~~الساحر: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد ms4067 حبست الناس، ~~فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أمر ~~الساحر؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك ~~وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس ورماها فقتلها، ~~ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني، إنك ستبتلى، ~~فإن ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ~~ويشفيهم، وكان للملك جليس أعمى فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ~~اشفني. فقال: ما أنا أشفي أحدا، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به ~~دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما ~~كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فقال: ~~أنا. قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك ~~الله، فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني بلغ من ~~سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء، فقال: أما أنا لا أشفي أحدا ~~إنما يشفي الله عز وجل، قال: أنا. قالا: لا، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي ~~وربك الله فأخذه أيضا بالعذاب حتى دل على الراهب فأوتي بالراهب فقيل: ~~ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال ~~للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرقه أيضا، وقال للغلام: ~~ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ~~ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه، فذهبوا به فلما علموا به الجبل، ~~فال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء ~~الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم ~~الله تعالى، فبعث به نفرا إلى البحر في فرفور، فقال: إذا لججتم به ~~البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما ~~شئت فغرقوا هم، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال للملك: إنك لست ms4068 ~~بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ~~ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل: بسم الله رب الغلام، ~~فإنك إن فعلت ذلك قتلتني ففعل، ووضع السهم في قوسه ورماه به في صدغه، ~~فوضع الغلام يده في موضع السهم ومات، فقال الناس آمنا برب الغلام، فقيل ~~للملك: أرأيت ما كنت تحذر، فقد والله وقع بك: قد آمن الناس كلهم فأمر ~~بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع ~~عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها قال: فكانوا يتعادون ويتدافعون، فجاءت ~~امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي، اصبري ~~يا أماه فإنك على الحق " # وقد قيل: إن الغلام دفن فوجد زمن عمر بن الخطاب ويده على صدغه، كلما ~~رفعت خرج الدم من جرحه، وإذا تركت أعيدت على الجرح. # وقد سقنا هذه القصة، وهي من أمثل ما جاء في هذا المعنى لها فيها من ~~العبر، والتي يمكن أن يستفاد منها بعض الأحكام، حيث إن ابن كثير، عزاها ~~للإمام أحمد بن حنبل ومسلم، أي لصحة سندها مرفوعة إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من ذلك الآتي: # الأول: أن السحر بالتعلم كما جاء قصة الملكين ببابل، هاروت وماروت ~~يعلمان الناس السحر. # الثاني: إمكان اجتماع الخير مع الشر: إذا كان الشخص جاهلا بحال الشر، ~~كاجتماع الإيمان مع الراهب مع تعلم السحر من الساحر. # ثالثا: إجراء خوارق العادات على أيدي دعاة الخير، لبيان الحق والتثبت ~~في الأمر، كما قال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر ~~الساحر؟ # الرابع: أنه كان أميل بقلبه إلى أمر الراهب، إذ قال: اللهم إن كان أمر ~~الراهب أحب إليك، فسأل عن أمر الراهب ولم يسل عن أمر الساحر؟ # الخامس: اعتراف العالم بالفضل لمن هو أفضل منه، كاعتراف الراهب للغلام. # السادس: ابتلاء الدعاة إلى الله ووجوب الصبر على ذلك، وتفاوت درجات ~~الناس في ذلك. # السابع: إسناد الفعل كله لله، إنما يشفي الله. ms4069 # الثامن: رفض الداعي إلى الله الأجر على عمله وهدايته # قل مآ أسألكم عليه من أجر # [الفرقان: 57]. # التاسع: بيان ركن أصيل في قضية التوسل، وهو أن مبناه على الإيمان بالله ~~ثم الدعاء وسؤال الله تعالى. # العاشر: غباوة الملك المشرك المغلق قلبه بظلام الشرك، حيث ظن في نفسه ~~أنه الذي شفى جليسه. وهو لم يفعل له شيئا، وكيف يكون وهو لا يعلم؟ # الحادي عشر: اللجوء إلى العنف والبطش عند العجز عن الإقناع والإفهام، ~~أسلوب الجهلة والجبابرة. # الثاني عشر: منتهى القسوة والغلظة في نشر الإنسان، بدون هوادة. # الثالث عشر: منتهى الصبر وعدم الرجوع عن الدين، وهكذا كان في الأمم ~~الأولى، وبيان فضل الله على هذه الأمة، إذ جاز لها التلفظ بما يخالف ~~عقيدتها وقلبها مطمئن بالإيمان. # وقد جاء عن الفخر الرازي قوله: الآية تدل على أن المكره على الكفر ~~بالإهلاك العظيم الأولى به أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر ~~كالرخصة في ذلك، وقال. وروى الحسن # " أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~لأحدهما: تشهد أني رسول رسول الله؟ فقال: نعم، فتركه، وقال للآخر مثله، ~~فقال: لا بل أنت كذاب. فقتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: " أما ~~الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذي قتل فأخذ بالأفضل ~~فهنيئا له " ". # وتقدم بحث هذه المسألة للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه. # الرابع عشر: إجابة دعوة الغلام ونصرة الله لعباده المؤمنين: اللهم ~~اكفنيهم بما شئت. # الخامس عشر: التضحية بالنفس في سبيل نشر الدعوة، حيث دل الغلام الملك ~~على الطريقة التي يتمكن الغلام من إقناع الناس بالإيمان بالله، ولو كان ~~الوصول لذلك على حياته هو. # السادس عشر: إبقاء جسمه حتى زمن عمر - رضي الله عنه - إكراما لأولياء ~~الله، والدعاة من أن تأكل الأرض أجسامهم. # السابع عشر: إثبات دلالة القدرة على البعث. # الثامن عشر: حياة الشهداء لوجود الدم وعودة اليد مكانها، بحركة مقصودة. # التاسع عشر: معرفة تلك القصة عند أهل مكة حيث حدثوا بها تخويفا من ~~عواقب ms4070 أفعالهم بضعفة المؤمنين، كما هو موضح في تمام القصة. # العشرون: نطق الصبي الرضيع بالحق. ### || [85.6] # الضمير في قوله: { هم } ، والضمير في قوله: { قعود } ، ذكر فيهما ~~خلاف. # فقيل: راجعان إلى من أحرقوا وأقعدوا عليها. # وقيل: راجعان إلى الكفار. # وعليه ففي قوله: { عليها قعود } ، إشكال وهو كيف يتمكن لهم ~~القعود على النار. # فقيل: إنها رجعت عليهم فأحرقتهم، فقعودهم عليها حقيقة. # وقيل: قعود على حافتها، كما تقول: قعود على النهر أو على البئر أو على ~~حافته وحوله، كما يقال: نزل فلان على ماء كذا، أي عنده. # وأنشد أبو حيان بيت الأعشى: # تشب لمقرورين يصطليانها # وبات على النار الندى والمحلق # وقد استدل صاحب القول الأول بقوله تعالى الآتي: # فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق # [البروج: 10]، فقال: الحريق في الدنيا وجهنم في الآخرة. # ولكن في الآية قرينة، على أن الضمائر راجعة إلى الكفار الذين قتلوا ~~المؤمنين وأحرقوهم، وهي قوله: # ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم # [البروج: 10]، حيث رتب العذاب المذكور على عدم التوبة، وجاء بثم التي هي ~~للتراخي، مما يدل على أنهم لم تحرقهم نارهم انتقاما منهم حالا، بل ~~أمهلوا ليتوبوا من فعلتهم الشنيعة، وإلا فلهم العذاب المذكور في ~~الآخرة. والله تعالى أعلم. ### || [85.7] # بمعنى حضور يتفق قوله تعالى: # إذ هم عليها قعود # [البروج: 6]، أي حضور يشاهدون إحراق المؤمنين، وهذا زيادة في التبكيت ~~بهم، إذ يرون هذا المظهر بأعينهم ولم يشفقوا بهم ولم يعتبروا بثباتهم. ### || [85.8] # هذا ما يسمى أسلوب المدح بما يشبه الذم ونظيره في العربية أقوال الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وذكر أبو حيان قول الشاعر: وهو قيس الرقيات: # ما نقموا من بني أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا # وقول الآخر: # ولا عيب فيها غير شكله عينها # كذاك عناق الطير شكلا عيونها # يقال عين شكلاء: إذا كان في بياضها حمرة قليلة يسيرة. # وقدمنا أن نقمتهم عليهم للمستقبل، كما في قوله تعالى: { إلا أن ~~يؤمنوا بالله } [البروج: 8]، لا على الماضي إلا أن آمنوا، لأنهم ~~كانوا يقولون لهم: ms4071 إما أن ترجعوا عن دينكم، وإما أن تلقوا في النار، ولم ~~يحرقوهم على إيمانهم السابق، بل على إصرارهم على الإيمان للمستقبل. # والإتيان هنا بصفتي الله تعالى العزيز الحميد إشعار بأنه سبحانه قادر ~~على نصرة المؤمنين والانتقام من الكافرين، إذ العزيز هو الغالب، كما ~~يقولون: من عز بز، ولكن جاء وصفه بالحميد، ليشعر بأمرين. # الأول: أن المؤمنين آمنوا رغبة ورهبة، رغبة في الحميد على ما يأتي ~~الغفور الودود، ورهبة من العزيز كما سيأتي في قوله: # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12]، وهذا كمال الإيمان رغبة ورهبة وأحسن حالات المؤمن. # والأمر الثاني: حتى لا ييأس أولئك الكفار من فضله ورحمته، كما قال: # ثم لم يتوبوا # [البروج: 10]، إذ أعطاهم المهلة من آثار صفته الحميد سبحانه. ### || [85.9] # قوله تعالى: { الذي له ملك السماوات والأرض }. # تأكيد وبيان العزيز الحميد، إذ لا يخرج عن سلطانه أحد، فهو القاهر فوق ~~عباده، وهو المدبر أمر ملكه، سبحانه وتعالى. # قوله تعالى: { والله على كل شيء شهيد }. # ربط بأول السورة وشاهد ومشهود، فهو سبحانه على كل شيء شهيد، ومن ذلك فعل ~~أولئك، وفيه شدة تخويف أولئك وتحذيرهم على شاكلتهم، بأن الله تعالى شهيد ~~على أفعالهم فلن تخفى عليه خافية. # وقد جاء بصيغة المبالغة في شهيد، لما يتناسب مع هذا المقام كما فيه ~~المقابلة بالفعل، كما كانوا قعودا على النار وشهودا على إحراق أولياء ~~الله تعالى، فإنه سبحانه سيعاملهم بالمثل، إذ يحرقهم وهو عليهم شهيد. ### || [85.10-11] # قوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا }. # يحتمل أن يكون مرادا به أصحاب الأخدود، وفتنوا بمعنى أحرقوا، ويحتمل أن ~~يكون عاما في كل من أذى المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ويردوهم عنه بأي ~~أنواع الفتنة والتعذيب. # وقد رجع الأخير أبو حيان وحمله على العموم أولى، ليشمل كفار قريش ~~بالوعيد والتهديد، وتوجيههم إلى التوبة مما أوقعوه بضعفة المؤمنين، كعمار ~~وبلال وصهيب وغيرهم. # ويرجح هذا العموم، العموم الآخر الذي يقابله في قوله: { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ms4072 } [البروج: 11]، فهذا ~~عام بلا خلاف في كل من اتصف بهذه الصفات. ### || [85.12] # في مقام المنطوق بالمفهوم من العزيز الحميد، كما تقدم. ### || [85.13] # قيل: يبدئ الخلق ويعيده، كالزرع والنبات والإنسان بالمولد والموت، ثم ~~بالبعث. # قيل: يبدأ الكفار بالعذاب ويعيده عليهم، واستدل لهذا بقوله # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. # وفي الحديث: # " ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها ~~بقاع قرقر، ثم يأتي بها أوفر ما تكون سمنا فتطؤه بخفافها فتستن عليه كما ~~مر عليه أخراها أعيد عليه أولها، حتى يقضى بين الخلائق فيرى مصيره إما ~~إلى جنة، وإما إلى نار " # إلى آخر الحديث في صاحب البقر والغنم والذهب. # ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم هو الأول، لأنه يكثر في القرآن كقوله ~~تعالى: # قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 34]. وقوله # قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 34]. # وجعله آية على قدرته ودليلا على عجز ونقص الشركاء، في قوله في أول هذه ~~الآية: # قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 34]، ورد عليهم بقوله: # قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 34]، وقوله: # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فاعلين # [الأنبياء: 104]. ### || [85.17-18] # بعد عرض قصة أصحاب الأخدود تسلية للمؤمنين وتثبيتا لهم، وزجرا ~~للمشركين وردعا لهم، جاء بأخبار لبعض من سبق من الأمم وفرعون وثمود بدل ~~من الجنود، وهم جمع جند، وهم الكثرة، وأصحاب القوة، وحديثه ما قص الله من ~~خبره مع موسى وبني إسرائيل. # وفي اختيار فرعون هنا بعد أصحاب الأخدود لما بينهما من المشاكلة ~~والمشابهة، إذ فرعون طغى وادعى الربوبية، كملك أصحاب الأخدود الذي قال ~~لجليسه: ألك رب غيري؟ ولتعذيبه بني إسرائيل بتقتيل الأولاد واستحياء ~~النساء، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، ولتقديم الآيات والبراهين على صدق ~~الداعية، إذ موسى عليه السلام قدم لفرعون من آيات ربه الكبرى فكذب ~~وعصى، والغلام قدم لهذا الملك الآيات الكبرى: إبراء الأكمه والأبرص بإذن ~~الله، وعجز فرعون عن ms4073 موسى وإدراكه، وعجز الملك عن قتل الغلام إذ نجاه ~~الله من الإغراق والدهدهة من قمة الجبل، فكان لهذا أن يرعوى عن ذلك ~~ويتفطن للحقيقة، لكن ساطانه أعماه كما أعمى فرعون. # وكذلك آمن السحرة لما رأوا آية موسى وخروا لله سجدا. # وهكذا آمن الناس برب الغلام، فوقع الملك فيما وقع فيه فرعون. إذ جمع ~~فرعون السحرة ليشهد الناس عجز موسى وقدرته، فانقلب الموقف عليه، وكان أول ~~الناس إيمانا هم أعوان فرعون على موسى، وهكذا هنا كان أسرع الناس إيمانا ~~الذي جمعهم الملك ليشهدوا قتله للغلام. # فظهر تناسب ذكر فرعون دون غيره من الأمم الطاغية السابقة، إن كان في ~~الكل عظة وعبرة، ولكن هذا منتهى الإعجاز في قصص القرآن وأسلوبه، والله ~~تعالى أعلم. # وكذلك ثمود لما كان منهم من مظاهر القوة والطغيان، وقد جمعهما الله ~~أيضا معا في سورة الفجر في قوله: # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى ~~الأوتاد # [الفجر: 9- 10]، وهكذا جمعهما هنا فرعون وثمود. ### || [85.19] # أي مستمر في كل الأمم، وتقدم في سورة الانشقاق قبلها # بل الذين كفروا يكذبون # [الانشقاق: 22]. # فقال الكرماني، محمود بن حمزة بن نصر تاج القراء في كتابه أسرار التكرار ~~في القرآن: إن المغايرة لمراعاة رؤوس الآي والفواصل، ولكن الظاهر من ~~السياق في الموضعين مراعاة السياق لا فواصل الآي، لأن في سورة الانشقاق ~~الحديث مع المشركين # لتركبن طبقا عن طبق * فما لهم لا يؤمنون * ~~وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون * بل الذين ~~كفروا يكذبون # [الانشقاق: 19- 22]. # وفي سورة البروج هنا ذكر الأمم من فرعون وثمود وأصحاب الأخدود والمشركين ~~في مكة، ثم قال: { بل الذين كفروا في تكذيب } [البروج: ~~19]، فناسب هذا هنا، وناسب ذاك هناك. والله تعالى أعلم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-3] # أصل الطرق في اللغة: الدق، ومنه المطرقة، ولذا قالوا للآتي ليلا: طارق، ~~لأنه يحتاج إلى طرق الباب. # وعليه قول امرئ القيس: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول # أي جئتها ليلا، وقول الآخر: # ألم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ms4074 # وقول جرير: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # وقت الزيارة فارجعي بسلام # وفي الحديث: # " أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " # ، فهو لفظ عم في كل ما يأتي شيئة المفاجئ، ولكأنه يأتي في حالة غير ~~متوقعة، ولكنه هنا خص بما فسر به بعده قي قوله تعالى: { ومآ أدراك ~~ما الطارق * النجم الثاقب } [الطارق: 2-3]. # فقيل: ما يثقب الشياطين عند استراق السمع، كما تقدم في قوله تعالى: # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9]، فيكون عاما في كل نجم. # وقيل: خاص، فقيل: زحل وقيل: المريخ، وقيل الثريا، لأنه إذا أطلق النجم ~~عند العرب، كان مرادا به الثريا. # وتقدم هذا للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول سورة النجم. # وقيل: الثاقب المضيء، يثقب الظلام بضوئه، وعليه فهو للجنس عامة، لأن ~~النجوم كلها مضيئة. # قال القرطبي، وقال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبره به، وكل ~~شيء قال فيه: وما فيه يدريك، لم يخبره به. # والواقع أنه الغالب، فقد جاءت: " وما أدراك " ثلاث عشرة مرة، كلها أخبره ~~إلا واحدة، وهي في الحاقة # ومآ أدراك ما الحاقة # [الحاقة: 3] وما عداها، فقد أخبره بها، وهي: # ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر # [المدثر: 27-28]. # وفي المرسلات # ومآ أدراك ما يوم الفصل # [المرسلات: 14]. # وفي الانفطار: # ومآ أدراك ما يوم الدين # [الانفطار: 17]، إلى قوله # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا # [الانفطار: 19]. # وفي المطففين: # ومآ أدراك ما سجين كتاب مرقوم # [المطففين: 8-9]. # وفي البلد: # ومآ أدراك ما العقبة فك رقبة # [البلد: 12-13]. # وفي القدر: # ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير ~~من ألف شهر # [القدر: 2-3]. # وفي القارعة: # ومآ أدراك ما القارعة # [القارعة: 3]. # وأيضا: # فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 9-10]، وفي هذه السورة { ومآ أدراك ما الطارق * ~~النجم الثاقب } [الطارق: 2-3]، فكلها أخبره عنها إلا في الحاقة. # تنبيه # يلاحظ أنها كلها في قصار السور من الحاقة وما بعدها، أما ما يدريك، فقد ~~جاءت ms4075 ثلاث مرات فقط، # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]، في الأحزاب، # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]، في الشورى، # وما يدريك لعله يزكى # [عبس: 3] في عبس وتولى، فلم يخبره فيبها صراحة، إلا أنه في الثالثة قد ~~يكون أخبره لأنه قال { لعله يزكى } فهو وإن لم يصرح هل هو ~~تزكى أم لا، إلا أن لعل من الله تعالى للتحقيق، كما هو معلوم. # تنبيه آخر # قال كثير من المفسرين: أقسم الله بالسماء، وبالنجم الطارق لعظم أمرها، ~~وكبر خلقهما كما في قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]، ولأنه أقسم بالنجم إذا هوى. # وفيما تقدم للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه ترجيح كون مواقع النجوم، # والنجم إذا هوى # [النجم: 1]: إنما هو نجوم القرآن وتنزيله منجما وهو به نزول الملك به ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [86.4] # قيل: حافظ لأعماله يحصيها عليه، كما في قوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. # وقيل: حافظ، أي حارس، كقوله تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11]، والسياق يشهد للمعنيين معا، لأن قوله تعالى بعده # فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * ~~يخرج من بين الصلب والترآئب # [الطارق: 5-7] يدل على أنه في تلك المراحل في حفظ، فهو أولا في قرار ~~مكين. # وفي الحديث: # " أن الله وكل بالرحم ملكا " # الحديث. # وبعد بلوغه سن التكليف يجري عليه القلم فيحفظ عليه عمله فلا مانع من ~~ارادة المعنيين معا، وليس هذا من حمل المشترك على معنييه، لأن كلا من ~~المعنيين له متعلق، يختص بزمن خلاف الآخر. ### || [86.5-7] # الإنسان هنا خاص ببني آدم وذريته عامة، ولم يدخل فيه آدم ولا حواء ولا ~~عيسى عليه السلام لآنه بين ما خلق منه، وهو في قوله تعالى: { خلق من ~~مآء دافق يخرج من بين الصلب والترآئب } [الطارق: ~~6-8]. # وتقدم للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه بيان هذه الآية عند قوله ~~تعالى: # خلق الإنسان من نطفة # [النحل: 4]، وفي سورة ms4076 الواقعة عند قوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59]، وتقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج # [الإنسان: 2]، في سورة الدهر. ### || [86.8] # " إنه " هنا أي إن الله على رجعه، الضمير فيه، قيل: راجع للماء الدافق، ~~أي أنه سبحانه قادر على رجع هذا الماء من حيث خرج، كرد اللبن إلى الضرع ~~مثلا، ورد الطفل إلى الرحم، وهذا مروي عن عكرمة ومجاهد. # وقيل: على رجع الإنسان بعد الموت، وهذا وإن كان في الأول دلالة على ~~القدرة، ولا يقدر عليه إلا الله، إلا أن في السياق ما يدل على أن ~~المراد، هو الثاني لعدة أمور: # الأول: أن رد الماء لم يتعلق به حكم ولا أمر آخر سوى إثبات القدرة بخلاف ~~رجع الإنسان بعد الموت، فهو قضية الإيمان بالبعث. ويتعلق به أحكام يوم ~~القيامة. # الثاني: مجيء القرآن بالخلق الأول، دليل على الإعادة بعد الموت، كقوله ~~تعالى في يس: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه # [يس: 78] - أي من ماء دافق - # قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة # [يس: 78-79]، أي من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب. # الثالث: أن الأول يحتاج معه إلى تقدير عامل ليوم تبلى السرائر، نحو اذكر ~~مثلا بخلاف الثاني، فإن العامل فيه: هو لقادر، أي لقادر على رجعه يوم ~~تبلى السرائر. # ونقل أبو حيان عن ابن عطية قوله: وكل من خالف ذلك إنما فر من أن يكون " ~~لقادر " هو العامل في الظرف، لأنه يوهم أن قدرته على رجعه مقيدة بذلك. ~~ولكن بتأمل أسلوب العرب يعلم جوازه، لأنه قال: { إنه على رجعه ~~لقادر } [الطارق: 8] على الإطلاق أولا وآخرا، وفي كل وقت ثم ذكر ~~تعالى: وخصص من الأوقات الوقت الأهم على الكفار، لأنه وقت الجزاء والوصول ~~إلى العذاب للتحذير منه. 1ه. # فظهر بذلك أن الضمير في رجعه عائد للإنسان أي بعد موته بالبعث، وأن ~~العامل هو " لقادر ". ### || [86.9] # تقدم للشيخ رحمة الله علينا وعليه بيانه عند الكلام على قوله ms4077 تعالى: # هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت # [يونس: 30]، وساق عندها هذه الاية، وسيأتي التصريح به في سورة العاديات ~~عند قوله تعالى: # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور # [العاديات: 9-10]. وقد أجمل ابتلاء السرائر. # وكذلك أجمل الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بإيراد الآيات. # وذكر المفسرون: أن المراد بها أمانة التكليف فيما لا يعلمه إلا الله، ~~ومثلوا لذلك بالحفاظ على الطهارة للصلاة، وغسل الجنابة، وحفظ الصوم، ونحو ~~ذلك. ومنه العقائد وصدق الإيمان أو النفاق، عياذا بالله. # والسرائر: هي كل ما يخفيه الإنسان حتى في المعاملات مع الناس، كما في ~~الأثر # " الكيس من كانت له عند الله خبيئة سر " # ، وقوله: # وأسروا قولكم أو اجهروا به # [الملك: 13]، فالسر ضد الجهر، وقال الأحوص: # سيبقى لها في مضمر القلب والحشا # سريرة ود يوم تبلى السرائر # قال أبو حيان: سمعه الحسن، فقال: ما أغفله عما في السماء والطارق. ### || [86.10] # قالوا: ليس من قوة في نفسه لضعفه، ويدل على قوله: # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة # [الكهف: 48]. # وقوله: # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة # [القلم: 43] أي من الضعف وشدة الخوف، ولا ناصر له من غيره، كما في قوله: # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~منتصرا # [الكهف: 43]. # وقوله: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19]. ### || [86.11-12] # قيل: رجع السماء: إعادة ضوء النجوم والشمس والقمر. # وقيل: الرجع: الملائكة ترجع بأعمال العباد. # وقيل الرجع: المطر وأرزاق العباد. والأرض ذات الصدع، قيل: تنشق عن ~~الخلائق يوم البعث. # وقيل: تنشق بالنبات. # والذي يشهد له القرآن: أن الرجع والصدع متقابلان من السماء والأرض ~~بالمطر والنبات، كما في قوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا ~~* وعنبا وقضبا # [عبس: 24-28]، والله تعالى أعلم. ### || [86.13] # قال ابن كثير: قال ابن عباس حق. وكذا قال قتادة، وقال آخرون: حكم عدل. ~~وقال القرطبي: إنه أي القرآن، يفصل بين الحق والباطل. # وقيل: هو ما تقدم ms4078 من الوعيد في هذه السورة # إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 8-9]. # وقال أبو حيان بما قال به القرطبي أولا، ثم جوز أن يكون مرادا به ~~الثاني، أي أن الإخبار عن رجع الإنسان يوم تبلى السرائر، قول فصل، وهذا ~~ما يفيده كلام ابن جرير، وعزاه النيسابوري إلى القفال. # وسياق السورة يشهد لهذا القول الثاني، لأن السورة كلها في معرض إثبات ~~القدرة على البعث، وإعادة الإنسان بعد الفناء، حيث تضمنت ثلاثة أدلة من ~~أدلة البعث. # الأول: السماء ذات الطارق. لعظم خلقتها، وعظم دلالتها على القدرة. # الثاني: خلق الإنسان أولا من ماء دافق، كما في قوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79]. # الثالث: مجموع قوله: # والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع # [الطارق: 11-12]، أي إنزال المطر، وإنبات النبات وهو إحياء الأرض بعد ~~موتها. فناسب أن يكون الإقسام على تحقق البحث. # وأكد هذا ما جاء بعده من الوعيد بالإمهال رويدا، وقد سمي بيوم الفصل، ~~كما في قوله: # لأي يوم أجلت * ليوم الفصل * ومآ أدراك ما ~~يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 12-15]. # وذكر الويل في هذه الآية للمكذبين يعادل الإمهال في هذه السورة ~~للكافرين، وإذا ربطنا بين القسم والمقسم عليه، لكان أظهر وأوضح، لأن رجع ~~الماء بعد فنائه بتلقيح السحاب من جديد يعادل رجع الإنسان بعد فنائه في ~~الأرض، وتشقق الأرض عن النبات يناسب تشققها يوم البعث عن الخلائق، والله ~~تعالى أعلم. ### || [86.15-16] # نسبة هذا الفعل له تعالى قالوا إنه: من باب المقابلة كقوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54]، وقوله # إنما نحن مستهزئون * الله يستهزىء بهم # [البقرة: 14-15]، وهو في اللغة، كقول القائل، لما سئل عن أي الطعام ~~يريد، وهو عار يريد كسوة. # قالوا اختر طعاما نجد لك طبخة # قلت اطبخوا لي جبة وقميصا # وقد اتفق السلف، أنه لا ينسب إلى الله تعالى على سبيل الإطلاق، ولا يجوز ~~أن يشتق له منه اسم، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد، لأنه في غير ~~المقابلة لا يليق بالله تعالى، وفي معرض المقابلة ms4079 لا يليق بالله تعالى، ~~وفي معرض المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة، والكيد أصله ~~المعالجة للشيء بقوة. # وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: والعرب قد تطلق الكيد على المكر، ~~والعرب قد يسمون المكر كيدا، قال الله تعالى: # أم يريدون كيدا # [الطور: 42]، وعليه فالكيد هنا لم يبين، فإذا كان بمعنى المكر، فقد تقدم ~~للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان شيء منه عند قوله تعالى: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]، بأن مكرهم محاولتهم قتل عيسى، ومكر الله إلقاء الشبه، ~~أي شبه عيسى على غير عيسى. # وتقدم قوله تعالى: # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم ~~من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ~~وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون # [النحل: 26]، وهذا في قصة النمرود، فكان مكرهم بنيان الصرح ليصعد إلى ~~السماء، فكان مكر الله بهم أن تركهم حتى تصاعدوا بالبناء، فاتى بنيانهم ~~من القواعد، فهدمه عليهم. # وهكذا الكيد هنا، إنهم يكيدون للإسلام والمسلمين يريدون ليطفؤوا نور ~~الله بأفواههم، والله يكيد لهم بالاستدراج حتى يأتي موعد إهلاكهم، وقد ~~وقع تحقيقه في بدر، إذ خرجوا محادة لله ولرسوله، وفي خيلائهم ومفاخرتهم ~~وكيد الله لهم أن قلل المؤمنين في أعينهم، حتى طمعوا في القتال، وأمطر ~~أرض المعركة، وهم في أرض السبخة، والمسلمون في أرض وملية فكان زلقا ~~عليهم وثباتا للمؤمنين، ثم أنزل ملائكته لقتالهم. والله تعالى أعلم. ### || [86.17] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، ما نصه: ~~هذا الإمهال المذكور هنا ينافي قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] الآية. # والجواب: أن الإمهال منسوخ بآيات السيف 1ه. # وهذا ما لا يفيده كلام الطبري، وإن لم يصرح به وهو منصوص القرطبي. ولعل ~~في نفس الآية ما يدل على ذلك وهو قوله: { أمهلهم رويدا } ، لأن ~~رويدا بمعنى قليلا، فقد قيل الإمهال بالقلة مما يشعر بمجيء النسخ وأنه ~~ليس نهائيا. والله تعالى أعلم. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1] # تقدم معنى التسبيح وهو التنزيه عن كل ما لا يليق، والأمر ms4080 بالتسبيح هنا ~~منصب على { اسم ربك } ، وفي آيات أخر، جاء الأمر بتسبيح الله تعالى ~~كقوله: # ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا # [الإنسان: 26]. ومثل: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]. # وتسبيح الرب سبحانه كقوله: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180]، فاختلف في هذه الآية، هل المراد تسبيح الله أو المراد ~~تسبيح اسمه تعالى، كما هو هنا؟ # ثم اختلف في المراد بتسبيح اسم الله تعالى، وجاءت مسألة الاسم والمسمى. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الواقعة، عند قوله ~~تعالى: # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]، قوله: إن الباء هناك داخلة على المفعول كدخولها عليه في ~~قوله: # وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا # [مريم: 25]، وأحال على متقدم في ذلك، وحكى كلام القرطبي أن الاسم بمعنى ~~المسمى، واستشهد له من كلام العرب بقول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وقال: لا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا، لإمكان كون المراد ~~نفس الاسم، لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون، ووصفها الله ~~بأنها بالغة غاية الحسن، لاشتمالها على صفاته الكريمة، كما في قوله: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180]. وقوله تعالى: # أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. ثم قال: ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم ~~والمسمى هل الاسم هو المسمى أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية. 1ه. # فتضمن كلامه رحمة الله تعالى علينا وعليه، احتمال كون المراد: تنزيه اسم ~~الله عما ألحد فيه الملحدون، كاحتمال تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق ~~بجلاله، كما تضمن عدم لزوم كون الاسم هنا بمعنى المسمى، ولعلنا نورد مجمل ~~بيان تلك النقاط إن شاء الله. # أما تنزيه أسماء الله فهو على عدة معان. # منها: تنزيهها عن إطلاقها على الأصنام كاللات والعزى واسم الآلهة. # ومنها: تنزيهها عن اللهو بها واللعب، كالتلفظ بها في حالة تنافي الخشوع ~~والإجلال كمن يعبث بها ويلهو، ونظيره من يلهو ويسهو عن ms4081 صلاته، # فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 4-5]، أو وضعها في غير مواضعها، كنقش الثوب أو الفراش ~~الممتهن. # ومنها: تنزيهها عن المواطن غير الطاهرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا ~~دخل الخلاء نزع خاتمه لما في من نقش محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنه: صيانة الأوراق المكتوبة من الابتذال صونا لاسم الله. # وعلى هذا تكون هذه الآية موضحة لآية الواقعة، وأن { اسم ربك } ~~واقع موقع المفعول به، وهو المراد بالتسبيح، وعلى أن المراد تسبيح الله ~~تعالى، فقالوا: إن الاسم هو المسمى، كما قال القرطبي وغيره، وقالوا: ~~الاسم صلة، كما في بيت لبيد المتقدم. # أما مسألة الاسم هل هو عين المسمى أم لا، فقد أشار إليها الفخر الرازي، ~~وقال: إنه وصف ركيك. # أما قول الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، ولا يلزم في نظري كون الاسم ~~بمعنى المسمى هنا، فإنه بلازم إلى بسط قليل، ليظهر صحة ما قاله. # وقد ناقشها الرازي بعد مقدمة، قال فيها: من الناس من تمسك بهذه الآية، ~~في أن الاسم نفس المسمى. # فأقول: إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع، فلا بد ~~ها هنا من بيان أن الاسم ما هو والمسمى ما هو. # فنقول: إن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ، وبالمسمى تلك الذات، ~~فالعاقل لا يمكن أن يقول: الاسم هو المسمى، وإن كان المراد من الاسم هو ~~تلك الذات، وبالمسمى أيضا تلك الذات. كان قولنا الاسم نفس المسمى، هو أن ~~تلك الذات هي تلك الذات. وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل، فعلمنا أن هذه ~~المسألة في وصفها ركيكة، وذكر الاشتباه على المتأخرين بسبب لفظ الاسم ~~الذي هو قسيم الفعل والحرف، إذ هو مراد المتقدمين في إطلاقه وإرادة ~~مسماه. # ومن هنا تعلم: لماذا أعرض الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عن بيانها؟ ~~وقد أوردنا هذا البيان المجمل، لنطلع القارئ إليه، وعلى كل تقدير عند ~~المتقدمين أو المتأخرين فإنه إن وقع الاحتمال في الذوات الأخرى فلا يقع ms4082 ~~في ذات الله وأسمائه، لأن لأسماء الله أحكاما لا لأسماء الآخرين، ~~ولأسمائه سبحانه حق التسبيح والتنزيه والدعاء بها كما تقدم. # وهنا وجهة نظر لم أر من صرح بها، ولكن قد تفهم من كلام بعض المفسرين ~~وتشير إليها السنة. وهي: أن يكون التسبيح هنا بمعنى الذكر والتعبد، ~~كالتحميد والتهليل والتكبير. # وقد جاء في كلام الرازي قوله: ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه، ونحوه ~~في بعض نقول الطبري. # أما إشارة السنة إلى ذلك، فقد روى الطبري وغيره عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنها لما نزلت، قال صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأها: # " سبحان ربي الأعلى ". # وكذلك ما روي # " أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت { فسبح باسم ربك ~~العظيم } [الواقعة: 74]، قال: " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزلت هذه ~~قال: " اجعلوها في سجودكم " ". # وساق القرطبي أثرا طويلا في فضلها في الصلاة وخارج الصلاة، لكنه ليس ~~بصحيح. # وجاء الحديث الصحيح # " تسبحون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتكبرون ثلاثا وثلاثين، وتختمون ~~المائة بلا إله إلا الله ". # وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " " ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، بعد أن نزلت عليه { ~~إذا جآء نصر الله والفتح } [النصر: 1]، إلا يقول: " ~~سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي " # ، وقالت: يتأول القرآن. # وقالت أم سلمة: # " إنه كان يقولها في قيامه وقعوده، ومجيئه وذهابه، صلى الله عليه وسلم " # فيكون سبح اسم ربك: أي اذكر ربك. # وهذا ما دلت عليه الآية الأخرى في هذه السورة نفسها في قوله تعالى: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15] فصرح بذكر اسم ربك، كما جاء { سبح اسم ربك } ~~، فوضع الذكر موضع التسبيح، وهو ما أشرنا إليه. وبالله تعالى التوفيق. ### || [87.2] # أطلق الخلق ليعم على كل مخلوق كما تقدم في السجدة، الذي أحسن كل شيء ~~خلقه، والتسوية التقويم والتعديل، وقد خلق الله كل مخلوق مستو على أحسن ~~ما يتناسب لخلقته وما خلق له، فخلق السماوات فسواها في أقوى بناء، وأعلى ~~سمك، وأشد تماسك، لا ترى ms4083 فيها من تشقق ولا فطور، وزينها بالنجوم، وخلق ~~الأرض ودحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها وجعلها فراشا ~~ومهادا، وخلق الأشجار فسواها على ما تصلح له من ذوات الثمار ووقود ~~النار وغير ذلك. # وهذه الحيوانات في خلقتها وتسويتها آية # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى ~~السمآء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * ~~وإلى الأرض كيف سطحت # [الغاشية: 17-20]. # أما الإنسان فهو في أحسن تقويم، كل ذلك مما يستوجب حقا له سبحانه أن ~~يسبح اسمه في ذاته، وجميع صفاته، حيث جمع بين الخلق والتسوية، فلكمال ~~القدرة والتنزيه عن كل نقص. ### || [87.3] # أطلق هنا التقدير ليعم كل مقدور، وهو عائد على كل مخلوق، لأن من لوازم ~~الخلق التقدير، كما قال تعالى: # إنا كل شيء خلقناه بقدر # [القمر: 49]، وقوله: # قد جعل الله لكل شيء قدرا # [الطلاق: 3]، وهذه الآية ومثيلاتها من أعظم آيات القدرة، وقد جمعها ~~تعالى عند التعريف التام لله تعالى، لما سأل فرعون نبي الله موسى عن ربه ~~قال: # فمن ربكما يموسى * قال ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى # [طه: 49-50]. # وقد تقدم بيان عموم قوله تعالى: # الذي خلق فسوى # [الأعلى: 2] وهنا قدر كل ما خلق، وهدى كل مخلوق إلى الله ما قدره له، ~~ففي العالم العلوي قدر مقادير الأمور، وهدى الملائكة لتنفيذها، وقدر ~~الأفلاك، وهداها إلى ما قدر لها، كل في فلك يسبحون. # وفي الأشجار والنباتات قدر لها أزمنة معينة في إيتائها وهدايتها إلى ما ~~قدر لها، فالجذر ينزل إلى أسفل والنبتة تنمو إلى أعلى، وهكذا الحيوانات ~~في تلقيحها ونتاجها وإرضاعها، كل قد هداه إلى ما قدر له، وهكذا الإنسان. # وقد قال الفخر الرازي: إن العالم كله داخل تحت منطوق هذه الآية. # أما معناه بالتفصيل، فتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة ~~طه عند الكلام على قوله تعالى: # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. ### || [87.6-7] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى { نقرئك } في سورة طه في ~~الكلام على قوله تعالى: ms4084 # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه # [طه: 114]، وبينه بآية القيامة # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه # [القيامة: 16-17]. # وقوله: فلا تنسى: بحثه رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام ~~الاضطراب مع ما ينسخ من الآيات فينساه، وسيطبع إن شاء الله تعالى مع هذه ~~التتمة، تتمة للفائدة. ### || [87.9] # هل، { إن } هنا بمعنى إذ أو أنها شرطية؟ وهل للشر مفهوم مخالفة أم لا؟ ~~كل ذلك بحثه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بتوسع في دفع إيهام ~~الاضطراب، ورجح أنها شرطية، وقسم المدعو إلى ثلاثة أقسام مقطوع بنفعه، ~~ومقطوع بعدم نفعه، ومحتمل وقال: محل التذكير ما لم يكن مقطوعا بعدم ~~نفعه، كمن بين له مرارا فأعرض، كأبي لهب، وقد أخبر الله عنه بمآله فلا ~~نفع في تذكيره. ### || [87.10] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الحكمة من الذكرى. # ومنها تذكير المؤمنين، وذلك في الكلام على قوله تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55] في سورة الذاريات. ### || [87.11-12] # أي بسبب شقائهم السابق أزلا، كما قال تعالى: # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق # [هود: 106]. ### || [87.13] # نفى عنه الضدين، لأن الإنسان بالذات إما حي وإما ميت، ولا واسطة بينهما، ~~ولكن في يوم القيامة تتغير الموازين والمعايير، وهذا أبلغ في التعذيب، إذ ~~لو مات لاستراح، ومع أنه يتلقى من العذاب ما لا حياة معه، كما في قوله ~~تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]. # وقوله: # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # [إبراهيم: 17]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان معنى ذلك في سورة طه عند ~~الكلام على قوله تعالى: # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]. ### || [87.14-15] # أسند الفلاح هنا إلى من تزكى وذكر اسم ربه فصلى، وفي غير هذه الآية أسند ~~التزكية لمشيئة الله في قوله: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21]، وفي آية ms4085 أخرى، نهى عن تزكية النفس. # وقد تقدم للشيخ بيان ذلك في سورة النور عند الكلام على قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد # [النور: 21] على أن زكى بمعنى تطهر من الشرك والمعاصي، لا على أنه أخرج ~~الزكاة، والذي يظهر أن آية النجم إنما نهى فيها عن تزكية النفس لما فيه ~~من امتداحها، وقد لا يكون صحيحا كما في سورة الحجرات # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] والله تعالى أعلم. ### || [87.16-19] # قرئ: تؤثرون بالتاء وبالياء راجعا إلى # الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى # [الأعلى: 11-12]، وعلى أنها بالتاء للخطاب أعم، وحيث إن هذا الأمر عام ~~في الأمم الماضية، ويذكر في الصحف الأولى كلها عامة، وفي صحف إبراهيم ~~وموسى، مما يدل على خطورته، وأنه أمر غالب على الناس. # وقد جاءت آيات دالة على أسباب ذلك منها الجهل وعدم العلم بالحقائق، كما ~~في قوله تعالى: # وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 64]، أي الحياة الدائمة. # وقد روى القرطبي عن مالك بن دينار قوله: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، ~~والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف ~~والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟ # ومن أسباب ذلك أن الدنيا زينت للناس وعجلت لهم كما في قوله: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث # [آل عمران: 14]. # ثم قال: # ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب # [آل عمران: 14]. # وبين تعالى هذا المآب الحسن وهو في وصفه يقابل { والآخرة خير ~~وأبقى } ، فقال: # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله ~~بصير بالعباد # [آل عمران: 15]. # تأمل هذا البديل، ففي الدنيا ذهب وخيل ونساء والأنعام والحرث، وقد قابل ~~ذلك كله بالجنة فعمت وشملت، ولكن نص على أزواج مطهرة ليعرف الفرق ms4086 بين ~~نساء الدنيا ونساء الآخرة، كما تقدم في # أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين # [محمد: 15]، # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19]، وغير ذلك مما ينص على الخيرية في الآخرة. # ولا شك أن من آثر الآخرة غالب على من آثر الدنيا، وظاهر عليه، كما صرح ~~تعالى بذلك في قوله: # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من ~~الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب # [البقرة: 212]. # فمن هذا يظهر أن أسباب إيثار الناس للحياة الدنيا هو تزيينها وزخرفتها ~~في أعينهم بالمال والبنين والخيل والأنعام # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا # [الكهف: 46]. # وقد سيق هذا، لا على سبيل الإخبار بالواقع فحسب، بل إن من ورائه ما يسمى ~~لازم الفائدة، وهو ذم من كان هذا حاله، فوجب البحث عن العلاج لهذه ~~الحالة. # وإذا ذهبنا نتطلب العلاج فإننا في الواقع نواجه أخطر موضوع على الإنسان، ~~لأنه يشمل حياته الدنيا ومآله في الآخرة، ويتحكم في سعادته وفوزه أو ~~شقاوته وحرمانه، وإن قرب مأخذ لنا لهو هذا الموطن بالذات من هذه السورة، ~~وهو بضميمة ما قبلها إليها من قوله تعالى: # سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذى ~~يصلى النار الكبرى # [الأعلى: 10-12]، وبعدها # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15]، فقد قسمت هذه الآيات الأمة كلها أمة الدعوة إلى قسمين. # أما التذكير والإنذار، إذ قال تعالى: # فذكر إن نفعت الذكرى # [الأعلى: 9] فهذا موقف النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء تقسيم الأمة ~~إلى القسمين الآيتين: # سيذكر من يخشى # [الأعلى: 10] فينتفع بالذكرى وتنفعه، # ويتجنبها الأشقى # [الأعلى: 11] فلا تنفعه ولا ينتفع بها، ثم جاء الحكم بالفلاح: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14] أي من يخشى # وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 15] ولم يغفل عن ذكر الله تعالى، وهذا الموقف بنفسه هو المفصل ~~في سورة الحديد، وفي معرض التوجيه لنا والتوبيخ للأمم الماضية أيضا # ألم يأن للذين آمنوا أن ms4087 تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 16]. # فقسوة القلب وطول الأمد والتسويف: هي العوامل الأساسية للغفلة وإيثار ~~الدنيا. والخشية والذكر: هي العوامل الأساسية لإيثار الآخرة ثم عرض ~~الدنيا في حقيقتها بقوله: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث # [الحديد: 20] - إلى قوله - # والله ذو الفضل العظيم # [الحديد: 21]. # فوصف الداء والدواء معا في هذا السياق. فالداء: هو الغرور، والدواء: هو ~~المسابقة إلى مغفرة من الله ورضوانه. # وقوله: { إن هذا لفي الصحف الأولى } ، قيل: اسم الإشارة ~~راجع إلى السورة، كلها لتضمنها معنى التوحيد والمعاد والذكر والعبادات، ~~والصحف الأولى: هي صحف إبراهيم وموسى، على أنها بدل من الأولى. # وجاء عند القرطبي: أن صحف إبراهيم كانت أمثالا، وصحف موسى كانت مواعظ، ~~وذكر نماذج لها. # وعند الفخر الرازي من رواية # " أبي ذر رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم " كم أنزل ~~الله من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب على آدم عشر صحف، وعلى شئث خمسين ~~صحيفة: وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان " ". # وفي هذا نص على أن في القرآن مما في الصحف الأولى، وقد جاء ما يدل أن ~~معان أخرى كذلك في صحف إبراهيم وموسى كما في سورة النجم في قوله: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي ~~وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى # [النجم: 36-40]. # وهذا يؤيد أنها أكثرها أمثالا ومواعظ، كما يؤكد ترابط الكتب السماوية. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-7] # الكلام في { هل } هنا، كالكلام في { هل } التي في أول سورة الإنسان، ~~أنها استفهامية أو أنها بمعنى قد؟ # ورجح أبو السعود وغيره أنها استفهامية للفت النظر وشدة التعجب ~~والتنويه، بشأن هذا الحديث، وهو مروي عن ابن عباس قال: رضي الله عنه: # " لم يكن أتاه فأخبره به " # وحديث الغاشية ms4088 هو خبرها الذي يتحدث عنها. # والغاشية قال أبو حيان: أصلها في اللغة: الداهية تغشى الناس، واختلف في ~~المراد بها هنا، فقيل: يوم القيامة. # وقيل: النار. واستدل كل قائل بنصوص. فمن الأول قوله: # يوم يغشاهم العذاب # [العنكبوت: 55]. # قال الفخر الرازي. وإنما سميت القيامة بها الاسم، لأن ما أحاط بالشيء من ~~جميع جهاته فهو غاش له، والقيامة كذلك من وجوه. الأول، أنها ترد على ~~الخلق بغتة، وهو كقوله: # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو ~~تأتيهم الساعة بغتة # [يوسف: 107]. # والثاني: أنها تغشى الناس جميعا من الأولين والآخرين. # والثالث: أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد. # ومن استدلالهم على أنها النار، قوله تعالى: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50]. # وقيل الغاشية: أهل النار يغشونها أي يدخلونها، فالغاشية كالدافة في حديث ~~الأضاحي. # وقال الطبري: والراجح عندي أن الله تعالى أطلق ليعم، فيجب أن تطلق ليعم ~~أيضا. # والذي يظهر رجحانه والله تعالى أعلم: أنها في عموم القيامة وليس في خصوص ~~النار، فالنار من أهوال ودواهي القيامة، وهو ما يشهد له القرآن في هذا ~~السياق من عدة وجوه، ومنها: أنه جاء بعدها قوله: { وجوه يومئذ ~~خاشعة } [الغاشية: 2]، ويوم أنسب للقيامة منه للنار. # ومنها: التصريح بعد ذلك، بأن من كانت تلك صفاتهم تصلى نارا حامية، مما ~~يدل على أن الغاشية شيء آخر سوى النار الحامية. # ومنها: أن التعميم ليوم القيامة يشمل جميع الخلائق، وهو الأنسب بالموقف، ~~ثم ينجي الله الذين اتقوا. # وقد بين الله تعالى قسيم هذا الصنف، منا يدل على أن الحديث المراد ~~إلغاؤه، إنما هو عن حالة عموم الموقف. # قوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * ~~تصلى نارا حامية } الآيات. # اتفقوا على أن يومئذ، يعنى يوم القيامة. # وقال ابن حيان: والتنوين فيه تنوين فيه تنوين عوض. وهو تنوين عوض عن ~~جملة، ولم تتقدم جملة تصلح أن يكون التنوين عوضا عنها، ولكن لما تقدم ~~لفظ الغاشية. # وأل موصولة باسم الفاعل، فتنحل للتي غشيت أي للداهية التي غشيت، ~~فالتنوين عوض من هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها، وإلى الموصول ms4089 ~~الذي هو التي، وهذا مما يرجح ويؤيد ما قدمناه، من أن الغاشية هي القيامة. ~~وجوه يومئذ خاشعة، بمعنى ذليلة. # قال أبو السعود: وهذا وما بعده وقع جوابا عن سؤال، نشا من الاستفهام ~~التشويقي المتقدم، كأنه قيل من جانبه صلى الله عليه وسلم # " ما أتاني حديثها، فأخبره الله تعالى. فقال: وجوه " # إلخ. # قال: ولا بأس بتنكيرها لأنها في موقع التنويع، اي سوغ الابتداء بالنكرة ~~كونها في موقع التنويع: وجوه كذا، ووجوه كذا. # وخاشعة: خبر المبتدأ، أي وما بعده من صفاتهم. # وقوله: { عاملة ناصبة } العمل معروف، والنصب: التعب، وقد اختلف ~~في زمن العمل والنصب هذين، هل هو كان منها في الدنيا أم هو واقع منهم ~~فعلا في الآخرة، وما هو على كلا التقديرين: فالذين قالوا: هو كان منهم ~~في الدنيا، منهم من قال: عمل ونصب في العبادات الفاسدة كعمل الرهبان ~~والقسيسين والمبتدعة الضالين، فلم ينفعهم يوم القيامة، أي كما في قوله: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # ومنهم من قال: عمل ونصب والتذ، فيما لا يرضى الله، فعامله الله بنقيض ~~قصده في الآخرة، ولكن هذا الوجه ضعفه ظاهر، لأن من هذه حالهم لا يعدون في ~~عمل ونصب بل في متعة ولذة. # والذين قالوا: سيقع منهم بالفعل يوم القيامة، اتفقوا على أنه عمل ونصب ~~في النار من جر السلاسل، عياذا بالله. وصعودهم وهبوطهم الوهاد والوديان، ~~أي كما في قوله: # سأرهقه صعودا # [المدثر: 17]، وقوله: # ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا # [الجن: 17]. # وقد ذكر الفخر الرازي تقسيما ثلاثيا، فقال: إما أن يكون ذلك كله في ~~الدنيا أو كله في الآخرة، أو بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة، ولم يرجح ~~قسما منها إلا أن وجه القول بأنها في الدنيا وهي في القسيسين، ونحوهم. ~~فقال: لما نصبوا في عبادة إله وصفوه بما ليس متصفا به، وإنما تخيلوه ~~تخيلا أي بقولهم # ثالث ثلاثة # [المائدة: 73] وقولهم: # عزير ابن الله # [التوبة: 30]، فكانت عبادتهم لتلك الذات المتخيلة لا لحقيقة الإله ~~سبحانه. # ولا يبعد أن يقال ms4090 على هذا الوجه: إن من كان ممن لا ينطق بالشهادتين ~~ويعمل على جهالة فيما لا يعذر بجهله أن يخشى عليه من هذه الآية، كما يخشى ~~على من يعمل على علم، ولكن في بدعة وضلالة. # ومما يشهد للأول حديث المسيء صلاته. ولأثر حذيفة " رأى رجلا يصلي فطفق ~~فقال له: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين سنة. قال له: ما صليت ~~منذ أربعين سنة ولو مت على ذلك، مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم ~~". # والأحاديث الواردة في ذلك على سبيل العمومات مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من عمل عملا ليس عليه أمري فهو رد " # أي مردود. # وحديث الحوض # " فيذاد أقوام عن حوضي، فأقول: أمتي، أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا ~~أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا ". # ونحو ذلك مما يوجب الانتباه إلى صحة العمل وموافقته لما جاء به النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وكذلك القسم الثاني كما في قوله: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم # [الكهف: 103-104] الآية. # أما الراجح من القولين في زمن { عاملة ناصبة } أهو في الدنيا ~~أم في الآخرة؟ فإنه القول بيوم القيامة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة، ~~والأدلة على ذلك من نفس السياق. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد جدا في هذا الترجيح، ولم أقف على قول ~~لغيره أقوى منه، نسوق مجمله للفائدة: # قال في المجموع في تفسير هذه السورة بعد حكاية القولين: الحق هو الثاني ~~لوجوه، وساق سبعة وجوه: # الأول: أنه على القول الثاني يتعلق الظرف بما يليه، أي وجوه يوم ~~الغاشية، خاشعة عاملة ناصبة صالية. # أما على القول الأول فلا يتعلق إلا بقوله: تصلى. ويكون قوله: خاشعة ~~صفة للوجوه، قد فصل بينها وبين الموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى. ~~والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية، والتقديم ~~والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ~~ترتيبه، والتقديم والتأخير، إنما يكون مع قرينة. # والثاني: أن الله ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة بعد ms4091 ذلك # وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة ~~عالية # [الغاشية: 8-10]، أي في ذلك اليوم، وهو يوم الآخرة: فالواجب تناظر ~~القسمين أي في الظرف. # الثالث: أن نظير هذين القسمين ما ذكر في موضع آخر في قوله: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 22-25]، وفي موضع آخر في قوله: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 38-42]، وهذا كله وصف للوجوه في الآخرة. # الرابع: أن المراد بالوجوه أصحابها لأن الغالب في القرآن وصف الوجوه ~~بالعلامة كقوله: # سيماهم في وجوههم # [الفتح: 29]، وقوله # فلعرفتهم بسيماهم # [محمد: 30]، وهذا الوجه لم تتضح دلالته على المقصود. # الخامس: أن قوله: خاشعة عاملة ناصبة، لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن ~~في هذا اللفظ ذم، فإن هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصف مشترك بين ~~عباده المؤمنين وعباده الكافرين، والذم لا يكون بالوصف المشترك ولو أريد ~~المختص، لقيل: خاشعة للأوثان مثلا، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة ~~الشيطان، وليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا ولا وعيد عليه، فحمله على ~~هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن، وهذا الوجه من أقواها في ~~المعنى وأوضحها دلالة. # وقد يشهد له أن هؤلاء قد يكون منهم العوام المغرورون بغيرهم، ويندمون ~~غاية الندم يوم القيامة على اتباعهم إياهم، كما في قوله تعالى: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين # [فصلت: 29]. # السادس: وهو مهم أيضا، أنه لو جعل لهم في الدنيا لكان خاصا ببعض ~~الكفار دون بعض، وكان مختصا بالعباد منهم، مع أن غير العباد منهم يكونون ~~أسوأ عملا ويستوجبون أشد عقوبة. # السابع: أن هذا الخطاب لو جعل لهم في الدنيا لكان مثله ينفر من أصل ~~العبادة والتنسك ابتداء، أي وقد جاءت السنة بترك أصحاب الصوامع ~~والمتنسكين دون التعرض لهم بقتل ولا قتال، كما أنها أقرت أصحاب الديانات ~~على دياناتهم، مما يشعر باحترام أصل ms4092 التعبد لعموم الجنس، كما أشار رحمة ~~الله تعالى عليه. # وقد أوردنا مجمل كلامه رحمه الله، لئلا تتخذ الآية على غير ما هو الراجح ~~فيها، أو يحمل السياق على غير ما سيق له، وقد ختم كلامه بتوجيه لطيف ~~بقوله: ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة، وليس في الخطاب تقييد، ~~كان هذا سعيا في إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه 1ه. # ومن الذي يعطي نفسه حق إصلاح الخطاب في كلام رب العالمين، إنها لفتة إلى ~~ضرورة ومدى أهمية تفسير القرآن بالقرآن، الذي نهجه الشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن. # وقد بدا لي وجه آخر، وهذا لو جعل هذا العمل الكفار والمبتدعة، لكان ~~منطوقه أن العذاب وقع عليهم مجازاة على عملهم ونصبهم في عبادتهم تلك، ~~والحال أن عذاب الكفار عموما إنما هو على ترك العمل لله وحده، وعقاب ~~المبتدعة فيما ابتدعوه من ضلال، فإذا كان ما ابتدعوه لا علاقة له بأركان ~~الإسلام ولا بالعقيدة، وإنما هو في فروع من العبادات ابتدعوها لم تكن في ~~السنة، فإنهم وإن عملوا ونصبوا فلا أجر لهم فيها، ولا يقال: إنهم يعذبون ~~عليها بطل ذلك المذكور مع سلامة العقيدة في التوحيد، والقيام بالواجب في ~~أركان الإسلام، إذ العذاب المذكور ليس مقابلا بالعمل والنصب المذكور، ~~والله تعالى أعلم. # قوله تعالى { تسقى من عين آنية }. # قيل: حاضرة، ويل: شديدة الحرارة، وهذا الأخير هو ما يشهد له القرآن في ~~قوله تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم آن # [الرحمن: 44]، ومعلوم أن الحميم شديد الحرارة، كما أن حملها على معنى ~~حاضرة لم يكن فيه بيان معنى ما في تلك العين من أنواع الشراب المعد ~~والمحضر لهم، وفي المعجم حميم آن: قد انتهى حره، والفعل: أنى الماء ~~المسخن يأني بكسر النون. قال عباس: # علانية والخيل يغشى متونها # حميم وآن من دم الجوف ناقع # قوله تعالى { ليس لهم طعام إلا من ضريع }؟ # تكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب عن آيات ~~الكتاب في الجمع ms4093 بينه وبين قوله تعالى: # فليس له اليوم ها هنا حميم * ولا طعام إلا من ~~غسلين # [الحاقة: 35-36]، وبين الصحيح من معنى الضريع ما هو، وأنه نبت معروف ~~للعرب، وهو على الحقيقة لا المجاز. # وقد أورد الفخر الرازي سؤالا والجواب عليه، وهو كيف ينبت الضريع في ~~النار؟ فأجاب بالإحالة على تصور كيف يبقى جسم الكفار حيا في النار، ~~وكذلك الحيات والعقارب في النار. # وهذا وإن كان وجيها من حيث منطق القدرة، ولكن القرآن قد صرح بأن النار ~~فيها شجرة الزقوم، وأنها فتنة للظالمين في قوله: # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين * ~~فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون # [الصافات: 62-66]، فأثبت شجرة تخرج في أصل الجحيم، وأثبت لها لازمها وهو ~~طلعها في تلك الصورة البشعة، وأثبت لازم اللازم وهو أكلهم منها حتى ملء ~~البطون. # والحق أن هذا السؤال وجوابه قد أثار المبطلون، ولكن غاية ما في الأمر ~~سلب خاصية الإحراق في النار عن النبات، وليس هذا ببعيد على قدرة من خلق ~~النار وجعل لها الخاصية. # وقد وجد نظيره في الدنيا فتلك نار النمروذ، كانت تحرق الطير في الجو إذا ~~اقترب منها، وعجزوا عن الدنو إليها ليلقوا فيها إبراهيم ووضعوه في ~~المنجنيق ورموه من بعيد، ومع ذلك حفظه الله منها بقوله تعالى لها: # كوني بردا وسلاما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء. ### || [88.8-16] # وهذا هو قسيم القسم الأول في بيان حال أهل الجنة، ولم يعطف بالواو ~~إيذانا بكمال تباين مضمونيهما. ويومئذ هو يوم الغاشية المتقدم، وهذا ~~يقتضي أن الغاشية عامة في الفريقين. وإن اختلفت أحوالها مع مختلف الناس، ~~وعليه فمنهم من تغشاه بهولها، ومنهم من تغشاه بنعيمها. وهي بالنسبة لكل ~~منهما متناهية فيما تغشاهم به، وهي صادقة على الفريقين. # ومعلوم أن الغاشية تطلق على الخير كما تطلق على الشر، بمعنى الشمول ~~والإحاطة التامة. ومن إطلاقها على الخير ما جاء في الحديث: # " ما جلس قوم مجلسا يذكرون ms4094 الله تعالى فيه إلا حفتهم الملائكة ~~وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده " # أخرجه مسلم. وبيان ذلك وتحقيقه في حق كلا القسمين كالآتي: # أما الأول منهما: وهو الغاشية في حق أهل النار فقد غشيهم العذاب حسا ~~ومعنى ظاهرا وباطنا أو لا خشوع في ذلة، وهي ناحية نفسية، وهي أثقل ~~أحيانا من الناحية المادية، فقد يختار بعض الناس الموت عنها، ثم مع ~~الذلة العمل والنصب حسا وبدنا، ومع النصب الشديد تصلى نارا حامية، ~~وكان يكفي تصلى نارا. ولكن إتباعها بوصفها حامية فهو زيادة في إبراز ~~عذابهم وزيادة في غشيان العذاب لهم، ثم يسقون من عين آنية متناهية في ~~الحرارة فيكونون بين نار حامية من الخارج وحميم من الداخل تصهر منه ~~البطون، فهو أتم في الشمول للغاشية لهم من جميع الوجوه، وفي حق القسم ~~المقابل تعميم كامل وسرور شامل كالآتي، وجوه ناعمة مكتملة النعمة، تعرف ~~في وجوههم نضرة النعيم. # وهذا في شموله من الناحية المعنوية كمقابله في القسم الأول بدلا من ~~خاشعة في ذلة ناعمة في نضرة لسعيها راضية الذي سعته في الدنيا، والذي ~~تسعى لتحصيله أو ثوابه في جنة عالية بدلا من عمل ونصب، لا تسمع فيها ~~لاغية، منزلة أدبية رفيعة حيث لا تسمع فيها كلمة لغو ولا يليق بها، فهو ~~إكرام لهم حتى في الكلمة التي يسمعونها، كما في قوله: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26]. { فيها عين جارية }. ومعلوم أنها عيون ~~وأنهار تجري، كقوله: # في جنات وعيون # [الحجر: 45 والدخان: 52]، ومن لوازم العيون والأنهار، هو كمال النعيم، ~~فأشجار ورياحين، فروح وريحان وجنة نعيم. وهذا في التعميم يقابل العين ~~الآنية في الحميم للقسم الأول، فيها سرر مرفوعة وهم عليها متكئون بدل من ~~عمل الآخرين في نصب وشقاء. وأكواب موضوعة لإتمام التمتع وكمال الخدمة ~~والرفاهية. حيث اشتمل ما تراه العين وما تسمعه الأذن وما يتذوقون طعمه من ~~شراب وغيره. # فيكون بذلك قد غشيهم النعمة، كما غشيت أولئك النقمة وتكون الغاشية بمعنى ~~الشاملة، وعلى عمومها للفريقين، وهي ms4095 صالحة لغة وشرعا للمعذبين بالعذاب، ~~وللمنعمين بالنعيم. وبالله تعالى التوفيق. # تنبيه # مجيء { فيها } مرتين: { فيها عين جارية * فيها سرر ~~مرفوعة }. للدلالة على قسمي نعيم الجنة. الأول: عيون ونزهة. ~~والثاني: سرر وسكن. ### || [88.17-21] # توجيه الأنظار إلى تلك المذكورات الأربعة، لما فيها من عظيم الدلائل على ~~القدرة وعلى البعث وثم الإقرار لله تعالى بالوحدانية والألوهية، نتيجة ~~لإثبات ربوبيته تعالى لجميع خلقه. # أما الإبل فلعلها أقرب المعلومات للعرب وألصقها بحياتهم في مطعمهم من ~~لحمها ومشربهم من ألبانها، وملبسهم من أوبارها وجلودها، وفي حلهم ~~وترحالهم بالحمل عليها مما لا يوجد في غيرها في العالم كله لا في الخيل ~~ولا في الفيلة، ولا في أي حيوان آخر، وقد وجه الأنظار إليها مع غيرها في ~~معرض امتنانه تعالى عليهم في قوله: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون # [يس: 71-73]. # وكذلك في خصوصها في قوله: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 5-7]. # إنها نعم متعددة ومنافع بالغة لم توجد في سواها ألبتة، وكل منها دليل ~~على القدرة بذاته. أما الحبال فهي مما يملأ عيونهم في كل وقت ويشغل ~~تفكيرهم في كل حين، لقربها من حياتهم في الأمطار والمرعى في سهولها، ~~والمقيل في كهوفها وظلها، والرهبة والعظمة في تطاولها وثباتها في مكانها. ~~وقد وجه الأنظار إليها أيضا في موطن آخر في قوله تعالى: # ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا # [النبأ: 6-7]، ثوابت، كما بين تعالى أنها، رواسي للأرض أن تميد بكم # والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 32-33]. فهي مرتبطة بحياتهم وحياة أنعامهم كما أسلفنا. # أما السماء ورفعها أي ورفعتها في خلقها وبدون عمد ترونها وبدون فطور أو ~~تشقق على تطاول زمنها، فهي أيضا محط أنظارهم، وملتقى طلباتهم في سقيا ~~أنعامهم. # ومعلوم أن خلق السماء والأرض ms4096 من آيات الله الدالة على البعث، كما تقدم ~~مرارا. # وتقدم للشيخ عند قوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض # [البقرة: 164 وآل عمران: 190] الآية. بيان كونها آية. أما الأرض وكيف ~~سطحت، فإن الآية فيها مع عمومها كما في قوله: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # وقوله: # كيف سطحت # آية ثابتة، لأن جرمها مع إجماع المفسرين على تكويرها، فإنها ترى مسطحة ~~أي من النقطة التي هي في امتداد البصر، وذلك يدل على سعتها وكبر حجمها، ~~لأن الجرم المتكور إذا بلغ من الكبر والضخامة حدا بعيدا يكاد سطحه يرى ~~مسطحا من نقطة النظر إليه، وفي كل ذلك آيات متعددات للدلالة على قدرته ~~تعالى على بعث الخلائق، وعلى إيقاع ما يغشاهم على مختلف أحوالهم. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنبيه على هذا المعنى، عند ~~الكلام على قوله تعالى: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض # [يونس: 101] الآية. من سورة يونس. # تنبيه # التوجيه هنا بالنظر إلى الكيفية في خلق الإبل ونصب الجبال، ورفع السماء، ~~وتسطيح الأرض، مع أن الكيفية للحالة، والله تعالى لم يشهد أحدا على شيء ~~من ذلك كله # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض # [الكهف: 51]. فكيف يوجه السؤال إليهم للنظر إلى الكيفية وهي شيء لم ~~يشهدوه. # والجواب والله تعالى أعلم: هو أنه بالتأمل في نتائج خلق الإبل، ونصب ~~الجبال إلخ. وإن لم يعلموا الكيف، بل ويعجزون عن كنهه وتحقيقه، فهو أبلغ ~~في إقامة الدليل عليهم، كمن يقف أمام صنعة بديعة يجهل سر صنعتها، فيتساءل ~~كيف تم صنعها؟ وقد وقع مثل ذلك وهو الإحالة على الأثر بدلا من كشف الكنه ~~والكيف، وذلك في سؤال الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربه، أن ~~يريه كيف يحيي الموتى. فكان الجواب: أن أراه الطيور تطير، بعد أن ذبحها ~~بيده وقطعها، وجعل على كل جبل منها جزءا. فلم يشاهد كيفية وكنه، وحقيقة ~~الإحياء، وهو دبيب الروح فيها وعودة الحياة إليها. لأن ذلك ليس في ~~استطاعته، ولكن شاهد الآثار المترتبة على ذلك، وهي تحركها وطيرانها ~~وعودتها ms4097 إلى ما كانت عليه قبل ذبحها. مع أنه كان للعزيز موقف مماثل وإن ~~كان أوضح في البيان حيث شاهد العظام وهو سبحانه ينشزها، ثم يكسوها لحما. ~~والله تعالى أعلم. # أما قوله تعالى بعد ذلك # فذكر إنمآ أنت مذكر # فإن مجيء هذا الأمر بالفاء في هذا الموطن، فإنه يشعر بأن النظر الدقيق ~~والفكر الدارس، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الاستدلال على وجود الله وعلى ~~قدرته، كما نطق مؤمن الجاهلية قس بن ساعدة في خطبته المشهورة: ليل داج، ~~ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض ~~مدحاة، وأنهار مجراة. فقد ذكر السماء والجبال والأرض. # وكقول زيد بن عمرو بن نفيل: مؤمن الجاهلية المعروف # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا # دحاها فلما استوت شدها # سواء وأرسى عليها الجبالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # إذا هي سيقت إلى بلدة # أطاعت فصبت عليها سجالا # وأسلمت وجهي لمن أسلمت # له الريح تصرف حالا فحالا # فكان على هؤلاء العقلاء أن ينظروا بدقة وتأمل، فيما يحيط بهم عامة. وفي ~~تلك الآيات الكبار خاصة، فيجدون فيها ما يكفيهم. # كما قيل: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # فإذا لم يهدهم تفكيرهم ولم تتجه أنظارهم. فذكرهم إنما أنت مذكر. وهذا ~~عام، أي سواء بالدلالة على القدرة من تلك المصنوعات أو بالتلاوة من آيات ~~الوحي. والعلم عند الله تعالى. ### || [88.25-26] # فيه الدلالة على أن الإياب هو المرجع. # قال عبيد: # وكل ذي غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # كما في قوله: # إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون # [المائدة: 48]، وهو على الحقيقة كما في صريح منطوق قوله تعالى: # ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم # [آل عمران: 55]، وقوله: # ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون # [الأنعام: 164]. # وقوله: { ثم إن علينا حسابهم } الإتيان بثم للإشعار ما ~~بين إيابهم وبدء حسابهم، # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47]. # وقوله: { إن علينا } ، بتقدم حرف التأكيد، وإسناد ذلك لله ms4098 تعالى، ~~وبحرف على مما يؤكد ذلك لا محالة، وأنه بأدق ما يكون، وعلى الصغيرة ~~والكبيرة كما في قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # [البقرة: 284]. # ومن الواضح مجيء { إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا ~~حسابهم } ، بعد قوله تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * ~~إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر # [الغاشية: 21-24] تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتخويف لأولئك الذين ~~تولوا وأعرضوا، ثم إن الحساب في اليوم الآخر ليس خاصا بهؤلاء، بل هو عام ~~بجميع الخلائق. ولكن إسناده لله تعالى مما يدل على المعاني المتقدمة. # نسال الله العفو والسلامة. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-5] # اختلف في المراد بالفجر، فقيل: انفجار النهار من ظلمة الليل. # وقيل: صلاة الفجر. # وكلا القولين له شاهد من القرآن. أما انفجار النهار، فكما في قوله ~~تعالى: # والصبح إذا تنفس # [التكوير]. # وأما صلاة الفجر فكما في قوله: # وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]، ولكن في السياق ما يقرب القول الأول، إذ هو في الأيام ~~والليالي الفجر وليال عشر، الليل إذا يسري، وكلها آيات زمنية أنسب لها ~~انفجار النهار. # بقي في ذلك اختلافهم في أي الفجر عنى هنا، فقيل بالعموم في كل يوم، ~~وقيل: بالخصوص. والأول قول ابن عباس وابن الزبير وعلي رضي الله عنهم. # وعلى الثاني فقيل: خصوص الفجر يوم النحر. وقيل: أول يوم المحرم، وليس ~~هناك يعول عليه. إلا أن فجر يوم النحر أقرب إلى الليالي العشر، إن قلنا: ~~هي عشر ذي الحجة على ما يأتي إن شاء الله. # أما الليالي العشر فأقوال المفسرين محصورة في عشر ذي الحجة، وعشر المحرم ~~والعشر الأواخر من رمضان. والأول جاء عن مسروق أنها العشر التي ذكرها ~~الله في قصة موسى عليه السلام وأتممناها بعشر، وكلها الأقوال الثلاثة ~~مروية عن ابن عباس. وليس في القرآن نص بعينها. # وفي السنة بيان فضيلة عشر ذي الحجة وعشر رمضان كما هو معلوم، فإن جعل ~~الفجر خاصا بيوم النحر، كان ذي الحجة أقرب للسياق. والله ms4099 تعالى أعلم. # والشفع والوتر: ذكر المفسرون أكثر من عشرين قولا ومجموعها يشمل جميع ~~المخلوقات جملة وتفصيلا. # أما جملة فقالوا: إنما الوتر هو الله، للحديث: # " إن الله وتر يحب الوتر " # ، وما سواه شفع، كما في قوله: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]، فهذا شمل كل الوجود الخالق والمخلوق، كما في عموم # فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون # [الحاقة: 38-39]. # أما التفصيل فقالوا: المخلوقات إما شفع كالحيوانات أزواجا، والسماء. ~~والأرض، والجبل، والبحر، والنار، والماء. وهكذا ذكروا لكل شيء مقابله، ~~ومن الأشياء الفرد كالهواء وكلها من باب الأمثلة. # والواقع أن أقرب الأقوال عندي والله أعلم: أنه هو الأول لأنه ثبت علميا ~~أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط حتى الحصاة الصغيرة. # فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات والذرة لها نواه ومحيط، ~~وبينهما ارتباط وعن طريقهما التفجير الذي اكتشف في هذا العصر، حتى في أدق ~~عالم الصناعة كالكهرباء، فإنها من سالب وموجب، وهكذا لا بد من دورة ~~كهربائية للحصول على النتيجة من أي جهاز كان، حتى الماء الذي كان يظن به ~~البساطة فهو زوج وشفع من عنصرين، أكسجين وهدروجين، ينفصلان إذا وصلت درجة ~~حرارة الماء إلى مائة إلى الغليان، ويتآلفان إذا نزلت الدرجة إلى حد معين ~~فيتقاطران ماء، وهكذا. # ونفس الهواء عدة غازات وتراكيب، فلم يبق في الكون شيء قط فردا وترا ~~بذاته، إلا ما نص عليه الحديث # " إن الله وتر يحب الوتر " # ويمكن حمل الحديث على معنى الوتر فيه مستغنى بذاته عن غيره، والواحد في ~~ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. فصفاته كلها وتر كالعلم بلا جهل والحياة ~~بلا موت. إلخ. بخلاف المخلوق، وقلنا: المستغنى بذاته عن غيره، لأن كل ~~مخلوق شفعا، فإن كل عنصر منه في حاجة إلى العنصر الثاني، ليكون معه ذاك ~~الشيء والله سبحانه بخلاف ذلك. ولهذا كان القول الأول، وهو أن الوتر هو ~~الله، والشفع هو المخلوقات جميعها، هو القول الراجح، وهو الأعم في ~~المعنى. # قوله { والليل إذا يسر } اتفق المفسرون على المعنى وهو ms4100 سريان ~~الليل، ولكن الخلاف في التعيين هل المراد به عموم الليالي في كل ليلة أم ~~ليلة معينة، وما هي؟ # فقيل: بالعموم كقوله: # والليل إذا عسعس # [التكوير: 17]. # وقيل: بالخصوص في ليلة مزدلفة أو ليلة القدر. # وأيضا يقال: إذا كان الفجر فجر النحر، والعشر عشر ذي الحجة فيكون { ~~والليل إذا يسر } ليلة الجمع. والله تعالى أعلم. # وقد رجح القرطبي وغيره عموم الليل، وقد جمع في هذا القسم جميع الموجودات ~~جملة وتفصيلا، فشملت الخالق والمخلوق والشفع والوتر إجمالا وتفصيلا، ~~في انفجار الفجر وانتشار الخلق وسريان الليل وسكون الكون، والعبادات في ~~الليالي العشر. # فكان من أعظم ما أقسم الله به قوله تعالى: { هل في ذلك قسم ~~لذى حجر } أي عقل، والحجر كل مادته تدور على الإحكام والقوة، ~~فالحجر لقوته، والحجرة لإحكام ما فيها. والعقل سمي حجرا بكسر الحاء. ~~لأنه يحجر صاحبه عما لا يليق، والمحجور عليه لمنعه من تصرفه وإحكام أمره، ~~وحجر المرأة لطفلها، فهذه المقسم بها الخمسة هل فيها قسم كاف لذي عقل، ~~والجواب: بلى، وهذا ما يقوي هذا القسم بلا شك. # ثم اختلف في جواب هذا القسم حيث لم يصرح تعالى به، كما صرح به في نظيره، ~~وهو قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. ثم صرح بالمقسم عليه # إنه لقرآن كريم # [الواقعة: 77] الآية. وهنا لم يصرح به من عظم القسم فوقع الخلاف في ~~تعيينه. # فقيل: هو مقدر تقديره ليعذبن يدل له قوله: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد # [الفجر: 6] - إلى قوله: - # فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 13]. # وقيل: موجود وهو قوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]، قاله القرطبي. # وهذا من حيث الصناعة في اللغة وأساليب التفسير وجيه، ولكن يوجد في نظري ~~والله تعالى أعلم: ارتباط بين القسم وجوابه وبينما يجيء في آخر السورة من ~~قوله: # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا # [الفجر: 21]، إلى آخر السورة.كما أنه يظهر ارتباط كبير بينه وبين آخر ~~السورة التي قبلها، إذ جاء فيها # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * ~~إلا من ms4101 تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر # [الغاشية: 21-24]، { والفجر وليال عشر } [الفجر: 1-2] - إلى ~~قوله - { هل في ذلك قسم لذى حجر } [الفجر: 5] لأن ما فيه ~~من الوعيد بالعذاب الأكبر والقصر في إيابهم إلى الله وحده وحسابهم عليه ~~فحسب يتناسب معه هذا القسم العظيم. أما ارتباطه بما في آخر السورة، فهو ~~أن المقسم به هنا خمس مسميات { والفجر * وليال عشر * ~~والشفع والوتر * والليل إذا يسر } [الفجر: 1-4]، ~~والذي في آخر السورة أيضا خمس مسميات: # دكت الأرض دكا دكا * وجآء ربك والملك صفا ~~صفا * وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر ~~الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر: 21-23]. صور اشتملت على اليوم الآخر كله من أول النفخ في الصور، ~~ودك الأرض إلى نهاية الحساب، وتذكر كل إنسان ماله وما عليه، تقابل ما ~~اشتمل عليه القسم المتقدم من أمور الدنيا. ### || [89.6-11] # لم يبين هنا ماذا ولا كيف فعل، بمن ذكروا، وهم عاد وثمود وفرعون. # وقد تقدم ذكر ثلاثتهم في سورة الحاقة عند قوله تعالى: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]، { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ~~* سخرها عليهم } [الحاقة: 6-7] - إلى قوله - { فأخذهم ~~أخذة رابية } [الحاقة: 10]. # والجديد هنا: هو وصف كل من عاد من أنها ذات العماد، ولم يخلق مثلها في ~~البلاد، وثمود أنهم جابوا الصخر بالواد، وفرعون أنه ذو أوتاد. # وقد اختلف في المعنى بهذه الصفات كلها. # أما عاد، فقيل: العماد عماد بيوت الشعر، والمراد بها القبيلة. وطول عماد ~~بيوتها: كناية عن طول أجسامهم، كما قيل في صخر: # رفيع العماد طويل النجاد # وطول الأجسام يدل على قوة أصحابها. # وقيل: إرم: كانت مدينة رفيعة البنيان، وذكروا في أخبارها قصصا تفوق ~~الخيال، وأنها في الربع الخالي، ولكن حيث لم تثبت أخبارها بسند يعول ~~عليه، ولم يصدقه الواقع، فقال قوم: قد خسف بها ولم تعد موجودة. # أما ثمود: فقد جابوا، أي نحتوا الصخر بالواد، بواد القرى في مدائن صالح، ~~وهي بيوتهم موجودة حتى الآن. # وأما فرعون ذو الأوتاد، فقيل: هي أوتاد الخيام، كان يتدها لمن يعذبهم. # وقيل: هي كناية ms4102 عن الجنود يثبت بها ملكه. # وقيل: هي أكمات وأسوار مرتفعات، يلعب له في مرابعها. # قال ابن جرير ما نصه: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة " ~~وفرعون ذي الأوتاد، ذكر لنا أنها كانت مطال، وملاعب يلعب له تحتها من ~~أوتاد وجبال ". # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن هذا القول هو الصحيح، وأنها مرتفعة، ~~وأنها هي المعروفة الآن بالأهرام بمصر، ويرجح ذلك إلى عدة أمور: # منها: أنها تشبه الأوتاد في منظرها طرفه إلى أعلا، إذ القمة شبه الوتد، ~~مدببة بالنسبة لضخامتها، فهي بشكل مثلث، قاعدته إلى أسفل وطرفه إلى أعلا. # ومنها: ذكره مع ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، بجامع مظاهر القوة، ~~فأولئك نحتوا الصخر بيوتا فارهين، وهؤلاء قطعوا الصخر الكبير من موطن لا ~~جبال حوله، مما يدل أنها نقلت من مكان بعيد. والحال أنها قطع كبار صخرات ~~عظام ففي اقتطاعها وفي نقلها إلى محل بنائها، وفي نفس البناء كل ذلك مما ~~يدل على القوة والجبروت، وتسخير العباد في ذلك. # ومنها: أن حملها على الأهرام القائمة بالذات والمشاهدة في كل زمان ولكل ~~جيل، أوقع في العظة والاعتبار، بأن من أهلك تلك الأمم، قادر على إهلاك ~~المكذبين من قريش وغيرهم. # صدق الله العظيم: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. ### || [89.15-20] # قوله تعالى: { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ~~ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ~~* كلا } # بين تعالى أنه يعطي ويمسك ابتلاء للعبد. # وقوله تعالى: { كلا } ، وهي كلمة زجر وردع، وبيان أن المعنى لا كما ~~قلتم فيه تعديل لمفاهيم الكفار، بأن العطاء والمنع لا عن إكرام ولا ~~لإهانة، ولكنه ابتلاء، كما في قوله تعالى: # كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة # [الأنبياء: 35]. # وقوله: # واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 28]. # قوله تعالى: { كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا ~~تحاضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث ~~أكلا لما * وتحبون المال حبا جما }. # بعد ما بين سبحانه صحة المفاهيم في العطاء والمنع، جاء في هذه الآيات ~~وبين ms4103 حقيقة فتنة المال إيجابا وسلبا جمعا وبذلا، فبدأ بأقبح الوجوه ~~من الإمساك من عدم إكرام اليتيم، مهيض الجناح، مكسور الخاطر، والتقاعس عن ~~إطعام المسكين، خالي اليد جائع البطن، ساكن الحركة، وهذان الجانبان أهم ~~مهمات بذل المال وهم يمسكون عنها، وقد بين تعالى أن هذا الجانب هو اقتحام ~~العقبة عند الشدة، في قوله تعالى في سورة البلد # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا ~~مقربة أو مسكينا ذا متربة # [البلد: 11-16]. # ومن الجانب الآخر { وتأكلون التراث أكلا لما } أي ~~الميراث، فلا يعطون النسوة وهن ضعيفات الشخصية، أحوج إلى مال مورثهن، ~~وتحبون المال حبا حتى استعبدكم وألهاكم التكاثر فيه. # وهنا لفت نظر للفريقين، فمن أعطي منهم لا ينبغي له أن يغفل طرق البذل ~~الهامة، ومن منع لا ينبغي له أن يستشرف إلى ما لا ينبغي له، وبالله ~~تعالى التوفيق. ### || [89.21-22] # تقدم في سورة الحاقة أيضا هذا السياق نفسه، بعد ذكر ثمود وعاد وفرعون ~~في قوله: # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 13-14] - إلى قوله - # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة: 17] الآية. مما يبين معنى صفا صفا، أي على أرجائها صفا بعد ~~صف. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الإحالة على ما يفسرها في ~~سورة الرحمن على قوله تعالى: # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض # [الرحمن: 33]. وقوله تعالى: { وجآء ربك والملك صفا ~~صفا } [الفجر: 22]، وجاء ربك: من آيات الصفات. # مواضع البحث والنظر # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مرارا في الأضواء في عدة ~~محلات، وليعلم أنها والاستواء وحديث النزول والإتيان المذكور في قوله ~~تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع ~~الأمور # [البقرة: 210] سواء. # وقد أورد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث آيات الصفات كاملة في ~~محاضرة أسماها " آيات الصفات " وطبعت مستقلة. # كما تقدم له رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الأعراف عند ms4104 قوله ~~تعالى: # ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار # [الأعراف: 54]، وإن كان لم يتعرض لصفة المجيء بذاتها، إلا أنه قال: إن ~~جميع الصفات من باب واحد، أي أنها ثابتة لله تعالى على مبدأ ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير، على غير مثال للمخلوق، فثبت استواء يليق بجلاله ~~على غير مثال للمخلوق. # وكذلك هنا كما ثبت استواء ثبت مجيء ثبت نزول. # والكل من باب # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، أي على ما قال الشافعي رحمة الله: نحن كلفنا بالإيمان، ~~فعلينا أن نؤمن بصفات الله على ما لا يليق بالله على مراد الله، وليس ~~علينا أن نكيف، إذ الكيف ممنوع على الله سبحانه. ### || [89.23] # قد بين تعالى موضوع تذكر الإنسان، وهو قوله: # يقول يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24]. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان في ذلك سورة الفرقان ~~عند قوله تعالى: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا # [الفرقان: 27] الآيات. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-2] # قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد }. # تقدم الكلام على هذه اللام، وهل هي لنفي القسم أو لتأكيده، وذلك عند ~~قوله تعالى: # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة: 1]، إلا أنها هنا ليست للنفي، لأن الله تعالى قد أقسم بهذا ~~البلد في موضع آخر، وهو في قوله تعالى: # والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد ~~الأمين # [التين: 1-3]، لأن هذا البلد مراد به مكة إجماعا لقوله تعالى بعده: { ~~وأنت } - أي الرسول صلى الله عليه وسلم - { حل } ، أي حال أو حلال ~~{ وأنت حل بهذا البلد } [البلد: 2]، أي مكة، على ما سيأتي ~~إن شاء الله. # وقد ذكر القرطبي وغيره نظائرها من القرآن، والشعر العربي مما لا يدل على ~~نفي، كقوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # [الأعراف: 12]، مع أن المراد ما منعك من السجود، وكقول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة # وكاد صميم القلب لا يتقطع # أي وكاد صميم القلب يتقطع. # وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثا مطولا في دفع إيهام ~~الاضطراب. # وقوله تعالى: { وأنت حل ms4105 بهذا البلد } ، حل: بمعنى حال، ~~والفعل المضعف يأتي مضارعه من باب، نصر، وضرب، فإن كان متعديا كان من ~~باب نصر. # تقول: حل العقدة يحلها بالضم، وتقول: حل بالمكان يحل بالكسر إذا أقام ~~فيه، والإحلال دون الإحرام. # وقد اختلف في المراد بحل هل هو من الإحلال بالمكان، أو هو من التحلل ضد ~~الإحرام؟ # فأكثر المفسرين أنه من الإحلال ضد الإحرام، واختلفوا في المراد بالإحلال ~~هذا. # فقيل: هو إحلال مكة له في عام الفتح، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده. # وقيل:حل: أي حلال له ما يفعل بمكة غير آثم، بينما هم آثمون بفعلهم. # وقيل: حل: أي من المشركين معظمون هذا البلد وحرمته في نفوسهم، ولكنهم ~~مستحلون إيذاءك وإخراجك. # وذكر أبو حيان: أنه من الحلول والبقاء والسكن، أي وأنت حال بها. 1ه. # وعلى الأول يكون إخبارا عن المستقبل ووعدا بالفتح، وأنها تحل له بعد ~~أن كانت حراما، فيقاتل أهلها وينتصر عليهم أو أنه تسلية له، وأن الله ~~عالم بما يفعلون به، وسينصره عليهم. # وعلى الثاني: يكون تأكيدا لشرف مكة، إذ هي أولا فيها بيت الله وهو شرف ~~عظيم، ثم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حال فيها بين أهلها. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن هذا الثاني هو الراجح، وإن كان أقل ~~قائلا، وذلك لقرائن من نفس السورة ومن غيرها من القرآن الكريم. # منها: أن حلوله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد له شأن عظيم فعلا، وأهمه ~~الله رافع عنهم العذاب لوجوده فيهم، كما في قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]، فكأنه تعالى يقول: وهذا البلد الأمين من العذاب، وهؤلاء ~~الآمنون من العذاب بفضل وجودك فيهم. # ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم بحلوله فيها بين أظهرهم، يلاقي من المشاق ~~ويصبر عليها. # وفيه أروع المثل للصبر على المشاق في الدعوة، فقد آذوه كل الإيذاء، حتى ~~وضعوا سلا الجزور عليه وهو يصلي عند الكعبة. وهو يصبر عليهم، وآذوه في ~~عودته من الطائف، وجاء ملك الجبال نصرة له، فأبى وصبر ودعا لهم، ms4106 ومنعوه ~~الدخول إلى بلده مسقط رأسه فصبر، ولم يدع عليهم، ورضى الدخول في جوار رجل ~~مشرك وهذا هو المناسب لقوله بعده # لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 4]، وهذا من أعظمه. # فإذا كان كل إنسان يكابد في حياته، أيا كان هو، ولأي غرض كان، فمكابدتك ~~تلك جديرة بالتقدير والإعظام، حتى يقسم بها. والله تعالى أعلم. ### || [90.3] # قيل: الوالد هو آدم، { وما ولد } ، قيل: ما نافية. وقيل: مصدرية. # فعلى أنها نافية: أي وكل عظيم لم يولد له. # وعلى المصدرية: أي بمعنى الولادة من تخليص نفس من نفس، وما يسبق ذلك من ~~تلقيح وحمل ونمو الجنين وتفصيله وتخليقه وتسهيل ولادته. # وقيل: ووالد وما ولد: كل والد مولود من حيوان وإنسان. # وقد رجح بعض العلماء أن الوالد هو آدم، وما ولد من ذريته، بأنه المناسب ~~مع هذا البلد لأنها أم القرى، وهو أبو البشر، فكأنه أقسم بأصول الموجودات ~~وفروعها. ### || [90.4] # تقدم بيانه عند قوله تعالى: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # [الانشقاق: 6]. ### || [90.6-7] # لم يبين أيراه أحد؟ ومن الذي يراه؟ # ومعلوم أنه سبحانه وتعالى يراه، ولكن جاء الجواب مقرونا بالدليل ~~والإحصاء في قوله تعالى بعده # ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * ~~وهديناه النجدين # [البلد: 8-10]، لأن من جعل للإنسان عينين يبصر بهما ويعلم منه خائنة ~~الأعين، ولسانا ينطق به ويحصى عليه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد، وهداه الطريق، طريق البذل وطريق الإمساك، وإذا كان الأمر كذلك فلن ~~ينفق درهما إلا وهو سبحانه يعلمه ويراه. ### || [90.10] # النجد: الطريق، وهو كما تقدم في سورة الإنسان بعد تفصيل خلق الإنسان # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 2-3]، أي الطريق على كلا الأمرين بدليل # إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]. وتقدم المعنى هناك، ويأتي في السورة بعدها عند قوله ~~تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8]. زيادة إيضاح له، إن شاء الله تعالى. ### || [90.11] # وقد بين المراد بالعقبة فيما بعد بقوله: # ومآ أدراك ما العقبة # [البلد: 12]، ثم ذكر ms4107 تفصيلها. # وقد ذكر أن كل ما جاء بصيغة وما أدراك، فقد جاء تفصيله بعد كقوله تعالى: # القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * ~~يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القارعة: 1-4]، وما بعدها. # وتقدم عند قوله تعالى: # الحاقة * ما الحآقة # [الحاقة: 1-2]. # وفي تفسير العقبة بالمذكورات، فك الرقبة، وإطعام اليتيم والمسكين توجيه ~~إلى ضرورة الإنفاق حقا ما لا يدعيه الإنسان بدون حقيقة في قوله: # يقول أهلكت مالا لبدا # [البلد: 6]. # أما فك الرقبة: فإنك الإسهام في عتق الرقيق والاستقلال في عتقها يعبر ~~عنه بفك النسمة. # وهذا العنصر من العمل بالغ الأهمية، حيث قدم في سلم الاقتحام لتلك ~~العقبة. # وقد جاءت السنة ببيان فضل هذا العمل حتى أصبح عتق الرقيق أو فك النسمة، ~~يعادل به عتق المعتق من النار كل عضو بعضو، وفيه نصوص عديدة ساقها ابن ~~كثير، وفي هذا إشعار بحقيقة موقف الإسلام من الرق، ومدى حرصه وتطلعه إلى ~~تحرير الرقاب. # فها هو هنا يجعل عتق الرقبة، سلم اقتحام العقبة، وجعله عتقا للمعتق من ~~النار كل عضو بعضو. ومعلوم أن كل مسلم يسعى لذلك وجعله كفارة لكل يمين ~~وللظهار بين الزوجين، وكفارة القتل الخطأ، كل ذلك نوافذ إطلاق الأسارى ~~وفك الرقاب في الوقت الذي لم يفتح للاسترقاق إلى باب واحد، هو الأسر في ~~القتال مع المشركين لا غير، وهما مما سبق تنبيها عليه ردا على ~~المستشرقين ومن تأثر بهم. في ادعائهم على الإسلام أنه متعطش لاسترقاق ~~الأحرار. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على قوله تعالى: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9] في سورة الإسراء. ### || [90.14] # أي شدة وجوع. والساغب: الجائع. قال القرطبي: وأنشد أبو عبيدة: # فلو كنت جارا يابن قيس لعاصم # لما بت شبعانا وجارك ساغبا # أي لو كنت جارا بحق تعني بحق الجار، لما حدث لجارك هذا. # وهذا القيد لحال الإطعام دليل على قوة الإيمان بالجزاء ما عند الله على ~~ما في قوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8]، على ما تقدم من ms4108 أن الضمير في حبه أنه للطعام، وهذا غالب ~~في حالات الشدة والمسغبة، وقوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]، فهي أعلى منازل الفضيلة في الإطعام. ### || [90.15] # وقوله: { يتيما ذا مقربة } [15]، فاليتيم من حرم أبويه أو ~~أحدهما، وقد خصوا في اللغة يتيم الحيوان، من فقد الأم، وفي الطيور من فقد ~~الأبوين، وفي الإنسان من فقد الأب. # وذا مقربة: أي قرابة، وخص به، لأن الإطعام في حقه أفضل وأولى من غيره، ~~وفيه الحديث # " أن الصدقة على الغريب صدقة وصلة، وعلى البعيد صدقة فقط ". # والأحاديث في الإحسان إلى اليتيم متضافرة، ويكفي قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين " # أي السبابة والتي تليها. ### || [90.16] # قيل: المسكين من السكون وقلة الحركة، والمتربة: اللصوق بالتراب. # وقد اختلف في التفريق بين المسكين والفقير أيهما أد احتياجا وما حد كل ~~منهما، فاتفقوا أولا على أنه إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، ~~وإذا ذكر أحدهما فقط، فيشمل الثاني معه، ويكون الحكم جامعا لهما كما هو ~~هنا، فالإطعام يشمل الإثنين معا، وإذا اجتمعا فرق بينهما بالتعريف. # فالمسكين كما تقدم والفقير، قالوا: مأخوذ من الفقرة وهي الحفرة تحفر ~~للنخلة ونحوها للغرس، فكأنه نزل إلى حفرة لم يخرج منها. # وقيل: من فقار الظهر، وإذا أخذت فقار منها عجز عن الحركة، فقيل: على هذا ~~الفقير أشد حاجة، ويرجحه ما جاء في قوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79] فسماهم مساكين مع وجود سفينة لهم يتسببون عليها للمعيشة، ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " # الحديث. مع قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إني أعوذ بك من الفقر " # ، وهذا الذي عليه الجمهور، خلافا لمالك. # وقد قالوا في تعريف كل منهما: المسكين من يجد أقل ما يكفيه، والفقير: من ~~لا يجد شيئا، والله تعالى أعلم. ### || [90.17] # قوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا }. # هذا قيد في اقتحام العقبة، بتلك الأعمال من عتق أو إطعام، لأن عمل غير ~~المؤمن لا يجعله يقتحم العقبة يوم ms4109 القيامة لإحباط عمله ولاستيفائه إياه ~~في الدنيا، وثم هنا للترتيب الذكري لا الزمني، لأن الإيمان مشروط وجوده ~~عند العمل. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان شروط قبول العمل وصحته في ~~سورة الإسراء عند قوله تعالى: # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن # [طه: 112]، وكقوله: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن # [النحل: 97]، لأن الإيمان هو العمل الأساسي في حمل العبد على عمل الخير ~~يبتغي به الثواب، وخاصة الإنفاق في سبيل الله، لأن بذل بدون عوض عاجل. # وقد بحث العلماء موضوع عمل الكافر الذي عمله حالة كفره ثم أسلم، هل ~~ينتفع به بعد إسلامه أم لا؟ # والراجح: أنه ينتفع به، كما ذكر القرطبي # " أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال: يا رسول الله إنا كنا نتحنث ~~بأعمال في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام " أسلمت على ما ~~أسلفت من الخير " # ، وحديث # " عائشة قالت: " يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ~~ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ~~ذلك شيئا؟ قال: لا، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " ". # ومفهومه أنه لو قالها، أي لو أسلم فقالها كان ينفعه، والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة }. # تتمة لصفاتهم، والصبر عام على الطاعة وعن المعصية، والمرحمة زيادة في ~~الرحمة، والحديث # " الراحمون يرحمهم الرحمن ". # وذكر المرحمة هنا يتناسب مع العطف الرقيق والمسكين واليتيم، والله تعالى ~~أعلم. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # في تلك الآيات العشر يقسم الله تعالى سبع مرات بسبع آيات كونية، هي ~~الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية، مع ~~حالة لكل مقسم به، وذلك على شيء واحد، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة ~~من دساها، ومع كل آية جاء القسم بها توجيها إلى أثرها العظيم المشاهد ~~الملموس، الدال على القدرة الباهرة. # وذلك كالآتي أولا: { والشمس وضحاها } [الشمس: 1] فالشمس وحدها ~~آية دالة على قدرة خالقها، لما فيها من طاقة حرارية في ms4110 ذاتها تفوق كل ~~تقدير، وهي على الزمان بدون انتقاص، فهي في ذاتها آية. # ثم جاء وصف أثرها وهو: ضحاها، وهو انتشار ضوئها ضحوة النهار، وهذا وحده ~~آية، لأن نتيجة لحركتها، وحركتها آية من آيات الله كما قال تعالى: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم ~~مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم # [يس: 37-38]، وهي الآية التي حاج بها إبراهيم عليه السلام نمروذ في ~~قوله: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258]. # ففي هذا السير قدرة باهرة ودقة متناهية، وضحاها: نتيجة لهذا السير، ثم ~~ضحاها نعم جزيلة على الكون كله، من انتشار في الأرض وانتفاع بضوئها ~~وأشعتها. # وقد قالوا: لو اقتربت درجة أو ارتفعت درجة لما استطاع أحد أن ينتفع منها ~~بشيء، لأنها تحرق باقترابها، ويتجمد العالم من بعدها، ذلك تقدير العزيز ~~العليم. # فالضحى وحده آية وهو حرها كقوله: # وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى # [طه: 119]، أي بحر الشمس، وقد أقسم تعالى بالضحى وحده في قوله تعالى: # والضحى والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2]. # وقوله: { والقمر إذا تلاها } [الشمس: 2]، فهو كذلك القمر وحده ~~آية، وكذلك تلوه للشمس ونظام مسيره بهذه الدقة، وهذا النظام فلا يسبقها ~~ولا تفوته: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. # وفي قوله تعالى: { إذا تلاها } أي تلا الشمس، دلالة على سير ~~الجميع، وأنها سابقته وهو تاليها. # فقيل: تاليها عند أول الشهر تغرب، ويظهر من مكان غروبها. # وقد قال بعض أهل الهيأة: تاليها في منزلة الحجم، أي كبرى وهو كبير بعدها ~~في الحجم، وفيه نظر. # ولا يخفى ما في القمر من فوائد للخليفة، من تخفيف ظلمة الليل، وكذلك بعض ~~الخصائص على الزرع، وأهم خصائصه بين الشهور بتقسيم السنة ومعرفة العبادات ~~من صوم، وحج، وزكاة، وعدد النساء، وكفارات بصوم، وحلول الديون، وشروط ~~المعاملات، وفي كل ما له صلة بالحساب في عبادة أو معاملة. # وقد جاء القسم بالقمر في المدثر في ms4111 قوله: # كلا والقمر * والليل إذ أدبر # [المدثر: 32-33] الآية، وقوله # والقمر إذا اتسق # [الانشقاق: 18]، ما يدل على عظمة آيته ودقة دلالته. # وقوله: { والنهار إذا جلاها } [الشمس: 3]، والنهار هو أثر من ~~آثار ضوء الشمس. # وجلاها. قيل: الضمير فيه راجع للشمس كما في الذي قبله، ولكن اختار لبن ~~كثير أن يكون راجعا للأرض، أي كشفها وأوضح كل ما فيها ليتيسر طلب المعاش ~~والسعي، كقوله: # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا # [يونس: 67]، وقوله: # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا # [الفرقان: 47]. # وقد أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى: أي ظهر ووضح بدون ضمير إلى غيره في ~~قوله تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]، أي في مقابلة غشاوة الليل يكون يتجلي النهار. # وقد بين تعالى عظم آية النهار وعظم آية الليل، وأنه لا يقدر على الإتيان ~~بهما إلا الله، كما في قوله: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. # وقوله: { والليل إذا يغشاها } [الشمس: 4]، قالوا يغشى الشمس ~~فينحجب ضياؤها، والكلام على الليل، كالكلام على النهار، من حيث الآية. ~~والدلالة على قدرته تعالى. # وتقدمت النصوص الكافية وسيأتي الإقسام بالليل في قوله: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1]، أي يغشى الكون كله، كما في قوله: # والليل وما وسق # [الانشقاق: 17]، أي جمع واشتمل بظلامه. # والضمير في يغشاها: راجع إلى الشمس، وعليه، قيل: إن الإقسام في هذه ~~الأربعة راجع كله إلى الشمس في حالات مختلفة، في ضحاها ثم تجليها، ثم تلو ~~القمر لها، ثم يغشيان الليل إياها، وهنا سؤال: كيف يغشى الليل الشمس، مع ~~أن الليل وهو الظلمة نتيجة لغروب الشمس عن الجهة التي فيها الليل؟ # فقيل: إن الليل يغطي ضوء الشمس، فتتكون الظلمة، والواقع خلاف ذلك. وهو ~~أن الشمس ظاهرة وضوؤها منتشر، ولكن في قسم ms4112 الأرض المقابل للظلمة ~~الموجودة، كما أن الظلمة تكون في القسم المقابل للنهار، وهكذا. # ولذا قال ابن كثير: إن الضمير في يغشاها وجلاها راجع إلى الأرض، إلا أن ~~فيه مغايرة في مرجع الضمير، والله تعالى أعلم. # وقوله: { والسمآء وما بناها } [الشمس: 5]، قيل: ما، بمعنى ~~الذي، وجيء بها بدلا عن من، التي لأولى العلم، لإشعارها معنى الوصفية، ~~أي والسماء والقادر الذي بناها، وكذلك ما بعدها في الأرض، وما طحاها ~~ونفس، والحكيم العليم الذي سواها، وما مشترك بين العالم وغيره، كقوله: # ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 3]، ومثله # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]. # وتقدم مرارا أحوال السماء في بنائها ورفعها، وجعلها سبعا طباقا، وقد ~~بين في تلك النصوص كيفية بنائها، وأنه سبحانه وتعالى بناها بقوة، كما في ~~قوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأيد # [الذاريات: 47]، أي بقوة، وقوله تعالى: { والأرض وما طحاها } ~~[الشمس: 6] مثل دحاها. # وقالوا: إبدال الدال طاء مشهور، وطحا تأتي بمعنى خلق، وبمعنى ذهب في كل ~~شيء، فمن الأول: # وما تدري جذيمة من طحاها # ولا من ساكن العرش الرفيع # ومن الثاني قول علقمة: # طحا بك قلب في الحسان طروب # يعيد الشباب عصر حان مشيب # ولا منافاة في ذلك بأنه تعالى خلقها ومدها، وذهب بأطرافها كل مذهب، أي ~~في مدها. # تنبيه # قالوا: ذكر السماء وما بناها، للدلالة على حدوثها، وبالتالي على حدوث ~~الشمس والقمر، وأن تدبيرهما لله. # وقوله: { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها } [الشمس: 7-8]، قالوا: النفس تحمل كامل خلقة الإنسان بجسمه ~~وروحه وقواه الإنسانية، من تفكير وسلوك... إلخ. # وقيل: النفس هنا بمعنى القوى المفكرة المدركة مناط الرغبة والاختيار، ~~وعليه فذكر النفس بالمعنى الأول، تكون تسويتها في استواء خلقتها وتركيب ~~أعضائها، وهي غاية في الدلالة على القدرة والكمال والعلم، كما في قوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، وقال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، أي من أعضاء وأجزاء وتراكيب وعدة أجهزة تبهر العقول في ~~السمع، وفي البصر، وفي الشم، وفي الذوق، وفي الحس، ومن داخل الجسم ما هو ~~أعظم، فحق ms4113 أن يقسم بها. # وما سواها: اي بالقدرة الباهرة، والعلم الشاملز وذكرها بالمعنى الثاني، ~~فإنه في نظري أعظم من المعنى الأول، وذلك أن القوى المدركة والمفكرة ~~والمقدرة للأمور التي لها الاختيار، ومنها القبول والرفض والرضى والسخط ~~والأخذ والمنع، فإنها عالم مستقل. # وإنها كما قلنا أعظم مما تقدم، لأن الجانب الخلقي قال تعالى فيه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، ولكن في هذا الجانب قال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. # ومعلوم أن بعض أفراد الإنسان حملها بصدق واداها بوفاء، ونال رضى الله ~~تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه. # فهذه النفس في تسويتها لتلقى معني الخير والشر، واستقبال الإلهام الإلهي ~~للفجور، والتقوى أعظم دلالة على القدرة من تلك الجمادات التي لا تبدي ولا ~~تعيد، والتي لا تمسك سلبا ولا إيجابا. # وهنا مثال بسيط فيما استحدث من آلات حفظ وحساب، كالآلة الحاسبة والعقل ~~الألكتروني، فإنها لا تخطئ كما يقولون، وقد بهرت العقول في صفتها، ولكن ~~بنظرة بسيطة نجدها أمام النفس الإنسانية كقطرة من بحر. # فنقول: إنها أولا من صنع هذه النفس ذات الإدراك النامي والاستنتاج ~~الباهر. # ثانيا: هي لا تخطئ لأنها لا تقدر أن تخطئ، لأن الخطأ ناشئ عن اجتهاد ~~فكري، وهي لا اجتهاد لها، إنما تشير وفق ما رسم لها كالمادة المسجلة في ~~شريط، فإن المسجل مع دقة حفظه لها فإنه لا يقدر أن يزيد ولا ينقص حرفا ~~واحدا. # أما الإنسان فإنه يغير ويبدل، وعندما يبدل كلمة مكان كلمة، فلقدرته على ~~إيجاد الكلمة الأخرى، أو لاختياره ترك الكلمة الأولى. # وهكذا هنا، فالله تعالى هنا خلق تلك النفس أولا، ثم سواها على حال تقبل ~~تلقي الإلهام بقسيمة: الفجور والتقوى، ثم تسلك أحد الطريقين، فكأن مجيء ~~القسم بها بعد تلك المسميات دلالة على عظم ذاتها وقوة دلالتها على قدرة ~~خالقها، وما سواها مستعدة قابلة لتلقي إلهام الله إياها. # تنبيه # وفي مجيئها بعد الآيات الكونية. من شمس وقمر وليل ونهار، ms4114 وسماء وأرض، ~~لفت إلى وجوب التأمل في كل المخلوقات، يستلهم منها الدلالة على قدرة ~~خالقها والاستدلال على تغير الأزمان، وحركة الأفلاك، وإحداث السماء ~~بالبناء أنه لا بد لهذا العالم من صانع، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء ~~وعدم. # كما عرض إبراهيم عليه السلام على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية ~~والألوهية، فأشار إلى الشمس أولا، ثم إلى القمر، ثم انتقل به إلى الله ~~سبحانه. # وقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 8]، إن كان ~~ألهمها بمعنى هداها وبين لها، فهو كما في قوله: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]، وقوله: # إنا هديناه السبيل # [الإنسان: 3]، وهذا على الهداية العامة، التي بمعنى الدلالة والبيان. # وإن كان بمعنى التيسير والإلزام، ففيه إشكال القدر في الخير والاختيار. # وقد بحث هذا المعنى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام ~~الاضطراب بحثا وافيا. # قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها * وقد خاب من ~~دساها } [الشمس: 9-10]. # هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين ~~المقسم به والمقسم عليه. # وقد نوه عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله ~~تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]، من سورة ص، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه. # والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل، وزكاها بمعنى طهرها، وأول ~~ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى: # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28]، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى، كما في ~~قوله تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]، ثم بعمل الطاعات # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15]. # واختلف في مرجع الضمير في زكاها ودساها، وهو يرجع إلى اختلافهم في { ~~فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 8]، فهل يعود إلى الله ~~تعالى، كما في { ونفس وما سواها } [الشمس: 7]، أم يعود على ~~العبد. # ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص. فمما يستدل به للقول الأول قوله ~~تعالى: # بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا # [النساء: 49]، وقوله: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ms4115 ~~من أحد أبدا # [النور: 21]، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول عند هذه ~~الآية: # " اللهم أئت نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، وانت وليها ومولاها ~~". # ومما استدل به للقول الثاني فكقوله: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15]، وقوله: # ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله ~~المصير # [فاطر: 18]، وقوله: # فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك ~~فتخشى # [النازعات: 18-19]، وقوله: # وما يدريك لعله يزكى # [عبس: 3]، وكلها كما ترى محتملة، والإشكال فيها كالإشكال فيما قبلها. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن الجمع بين تلك النصوص كالجمع في التي ~~قبلها، وأن ما يتزكى به العبد من إيمان وعمل في طاعة وترك لمعصية، فإنه ~~بفضل من الله، كما في قوله تعالى المصرح بذلك # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21]. # وكل النصوص التي فيها عود الضمير أو إسناد التزكية إلى العبد، فإنها ~~بفضل من الله ورحمة، كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان، فهو الذي ~~يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح. وترك المعاصي، كما في قولك " لا ~~حول ولا قوة إلا بالله " وقوله: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32]، وقوله: # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم # [النساء: 49]، إنما هو بمعنى المدح والثناء،كما في قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14]، بل إن في قوله تعالى: # بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا # [النساء: 49]، الجمع بين الأمرين، القدري والشرعي، { بل الله ~~يزكي من يشآء } بفضله، { ولا يظلمون فتيلا } بعدله. ~~والله تعالى أعلم. ### || [91.11-14] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بطغواهآ * إذ انبعث ~~أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ~~* فكذبوه فعقروها }. # ثمود اسم للقبيلة أسند إليها التكذيب، أي بنبي الله صالح، وأشقاها هو ~~عاقر الناقة أسند الانبعاث له وحده بين ما جاء بعده، { فكذبوه ~~فعقروها } [الشمس: 14]، فأسند العقر لهم. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الجمع بين ذلك في سورة ~~الزخرف، ومضمونه أنهم متواطؤون معه كما في ms4116 قوله: # فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر # [القمر: 29]، فكانوا شركاء له في عقرها كما قال الشاعر: # والسامع الذم شريك لقائه # ومطعم المأكول شريك للآكل # وفي # " قصة أبي طلحة في صيد الحمار الوحشي، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهم محرمون للعمرة " هل دله عليه منكم أحد؟ قالوا: لا، قال: هل عاونه ~~عليه منكم أحد؟ قالوا: لا، قال: فكلوا إذا " # ، لأن مفهومه: لو عاونوا أو دلوا لكانوا شركاء في صيده، فيحرم عليهم ~~لقوله تعالى: # لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95]، وبعدم اشتراكهم حل لهم، فلو عاونوا أو شاركوا لحرم ~~عليهم، وهنا لما كانوا راضين ونادوه وتعاطى سواء عهودهم أو عطاؤهم أو غير ~~ذلك فعقرها وحده، كان هذا باسم الجميع، فكانت العقوبة باسم الجميع، ويؤخذ ~~من هذا قتل الجماعة بالواحد، وعقوبة الربيئة مع الجاني، والله تعالى ~~أعلم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-2] # يقسم الله تعالى بالليل والنهار وأثرهما على الكون، على أنهما آيتان ~~عظيمتان. # وتقدم الكلام عليهما في السورة قبلها عند قوله: # والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها # [الشمس: 3-4]. # وتقدم للشيخ رحمة الله علينا وعليه الكلام على هاتين الآيتين، عند قوله ~~تعالى: # وجعلنا الليل والنهار آيتين # [الإسراء: 12]، في سورة بني إسرائيل، وذكر النصوص في هذا المعنى. وأثر ~~الليل والنهار في حياة الناس، ومعرفة الحساب ونحوه. ### || [92.3] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحث هذه المسألة، وإيراد كل ~~النصوص في عدة مواضع، أشار إليها كلها في سورة النجم عند قوله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة ~~إذا تمنى # [النجم: 45-46]، وقد قرئت بعد قراءات منها { وما خلق الذكر ~~والأنثى } ، ومنها { الذكر والأنثى }. # وذكرها ابن كثير مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى القراءة ~~المشهورة. # { وما خلق الذكر والأنثى } ، اختلف في لفظة " ما " فقيل: ~~إنها مصدرية، أي وخلق الذكر والأنثى. # وقيل: بمعنى من، أي والذي خلق الذكر والأنثى. فعلى الأول يكون القسم ~~بصفة من صفات الله وهي صفة الخلق، ويكون خص الذكر والأنثى لما فيهما من ~~بديع صنع الله وقوة قدرته سبحانه ms4117 على ما يأتي. # وعلى قراءة: والذكر والأنثى. يكون القسم بالمخلوق كالليل والنهار، لما ~~في الخلق من قدرة الخالق أيضا، وعلى أنها بمعنى الذي يكون القسم بالخالق ~~سبحانه، وتكون ما هنا مثل في قوله: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، وغاية ما فيه استعمالها وهي في الأصل لغير أولي العلم، إلا ~~أنها لوحظ فيها معنى الصفة، وهي صفة الخلق أو على ما تستعمله العرب عند ~~القرينة، كقوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم # [النساء: 22]، وقوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]، لما لوحظ فيه معنى الصفة وهو الاستمتاع، ساغ استعمال ما ~~بدلا عمن. # وفي اختصاص خلق الذكر والأنثى في هذا المقام لفت نظر إلى هذه الصفة، لما ~~فيها من إعجاز البشر عنها، كما في الليل والنهار من الإعجاز للبشر من أن ~~يقدروا على شيء في خصوصه، كما قدمنا في السورة قبلها. # وذلك: أن أصل التذكير والتأنيث أمر فوق إدراك وقوى البشر، وهي كالآتي ~~أولا في الحيوانات الثديية، وهي ذوات الرحم تحمل وتلد، فإنها تنتج عن ~~طريق اتصال الذكور بالإناث. # وتذكير الجنين أو تأنيثه ليس لأبويه دخل فيه، إنه من نطفة أمشاج، أي ~~أخلاط من ماء الأب والأم، وجعل هذا ذكرا وذاك أنثى، فهو هبة من الله كما ~~في قوله: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. # وقد ثبت علميا أن سبب التذكير والتأنيث من جانب الرجل، أي أن المرأة ~~صالح لهذا وذاك، وماء الرجل هو الذي به يكون التمييز لانقسام يقع فيه، ~~فالمرأة لا تعدو أن تكون حرثا، والرجل هو الزارع، ونوع الزرع يكون عن ~~طريقه، كما أشارت إليه الآية الكريمة # نسآؤكم حرث لكم # [البقرة: 223]، والحرث لا يتصرف في الزرع، وإنما التصرف عن طريق الحارث. # ويتم ذلك عن طريق مبدء معلوم علميا، وهو أن خلية التلقيح في الأنثى ~~دائما وأبدا مكونة من ثمانية وأربعين جزءا، وهي دائمة وأبدا تنقسم ~~إلى قسمين متساويين أربعة وعشرين، فيلتحم قسم منها مع ms4118 قسم خلية الذكر، ~~وخلية الذكر سبعة وأربعون، وإنما أبدا تنقسم أيضا عند التلقيح إلى ~~قسمين، ولكن أحدهما أربعة وعشرون، والآخر ثلاثة وعشرون، فإذا أراد الله ~~تذكير الحمل سبق القسم الذي من ثلاثة وعشرين. # فيندمج مع قسيم خلية الأنثى، وهو أربعة وعشرون، فيكون مجموعهما سبعة ~~وأربعين، فيكون الذكر بإذن الله. # وإذا أراد الله تأنيث الحمل سبق القسم الذي هو أربعة وعشرون من الرجل، ~~فيندمج مع قسيم خلية المرأة أربعة وعشرين، فيكون من مجموعهما ثمانية ~~وأربعون، فتكون الأنثى بإذن الله، وهكذا في جميع الحيوانات. # أما النباتات فإن بعض الأشجار تتميز فيه الذكور من الإناث، كالنخل ~~والتوت مثلا، وبقية الأشجار تكون الشجرة الواحدة تحمل زهرة الذكور وزهرة ~~الأنوثة، فتلقح الرياح بعضها من بعض. # وقد حدثني عدة أشخاص عن غريبتين في ذلك. # إحداهما أن نخلة موجودة حتى الآن في بعض السنين فحلا يؤخذ منه ليؤبر ~~النخيل، وفي بعض السنين نخلة تطلع وتثمر. # وحدثني آخر في نفس المجلس: من أنه توجد عندهم شجرة نخل يكون أحد شقيها ~~فحلا يؤخذ منه الطلع يلقح به النخل، وشقها الآخر نخلة يتلقح من الشق ~~الآخر لمجاورته. # كما حدثني ثالث: أن والده قطع بعض فحل النخل لكثرته في النخيل، وبعد ~~قطعه نبت في أصله ومن جذعه وجذوره نخلة تثمر, وكل ذلك على خلاف العادة، ~~ولكنه دال على قدرة الله تعالى، وأنه خالق الذكر والأنثى. # أما عمل هذا الجهاز في الحيوانات، بل وفي الحشرات الدقيقة، وتكاثرها، ~~فهو فوق الحصر والحد. # وقد ذكروا في عالم الحشرات، ما يلقح نفسه بنفسه، باحتكاك بعض فخذيه ~~ببعض، وكل ذلك مما لا يعلمه ولا يقدر على إيجاده إلا الله سبحانه وتعالى، ~~مما لو تأمله العاقل لوجد فيه كما أسلفنا القدرة الباهرة، أعظم مما في ~~الليل إذا يغشى وما في النهار إذا تجلى، ولا سيما إذا صغر الكائن ~~كالبعوضة فما دونها مما لا يكاد يرى بالعين، ومع ذلك فإن فيه الذكورة ~~والأنوثة. سبحانك اللهم ما أعظم شأنك. ### || [92.4-10] # تقدم في السورة الأولى قوله تعالى: # قد أفلح من ms4119 زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، وكلاهما بالسعي إليه والعمل من أجله، وهنا يقول: إن ~~سعيكم مهما كان لشتى، أي متباعد بعض عن بعض. # والشتات: التباعد والافتراق، وشتى: جمع شتيت، كمرض ومريض، وقتلى وقتيل ~~ونحوه، ومنه قول الشاعر: # قد يجمع الله الشتيتين بعد ما # يظنان كل الظن ألا تلاقيا # وهذا جواب القسم، وفي القسم ما يشعر بالارتباط به، كبعد ما بين الليل ~~والنهار، وما بين الذكر والأنثى، فهما مختلفان تماما، وهكذا هما مفترقان ~~في النتائج والوسائل، كبعد ما بين فلاح من زكاها، وخيبة من دساها المتقدم ~~في السورة قبلها. # ثم فصل هذا الشتات في التفصيل الآتي { فأما من أعطى ~~واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * ~~وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * ~~فسنيسره للعسرى } [الليل: 5-10]. # وما أبعد ما بين العطاء والبخل والتصديق والتكذيب واليسرى والعسرى، وقد ~~أطلق أعطى ليعم كل عطاء من ماله وجاهه وجهده حتى الكلمة الطيبة، بل حتى ~~طلاقة الوجه، كما في الحديث: # " ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ". # والحسنى: قيل المجازاة على الأعمال. # وقيل: للخلف على الإنفاق. # وقيل: لا إله إلا الله. # وقيل: الجنة. # والذي يشهد له القرآن هو الأخير لقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، فقالوا: الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، ~~وهذا المعنى يشمل كل المعاني لأنها أحسن خلف لكل ما ينفق العبد، وخير ~~وأحسن مجازاة على أي عمل مهما كان، ولا يتوصل إليها إلا بلا إله إلا ~~الله. # وقوله: { فسنيسره لليسرى } وقوله: { فسنيسره ~~للعسرى } بعد ذكر أعطى واتقى في الأولى، وبخل واستغنى في الثانية. # قيل: هو دلالة على أن فعل الطاعة ييسر إلى طاعة أخرى، وفعل المعصية يدفع ~~إلى معصية أخرى. # قال ابن كثير: مثل قوله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. # ثم قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة، دالة على أن الله عز وجل، يجازي ~~من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر. # والأحاديث الدالة على ms4120 ذلك كثيرة. وذكر عن أبي بكر عند أحمد، وعن علي عند ~~البخاري، وعبد الله بن عمر عند أحمد، وعدد كثير بروايات متعددة، أشملها ~~وأصحها حديث علي عند البخاري قال علي: " كنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال: # " " ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار " ~~فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ " فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ~~ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى } [الليل5-7] - إلى قوله - { ~~فسنيسره للعسرى } [الليل: 10] " # فهي من الآيات التي لها تعلق ببحث القدر. # وتقدم مرارا بحث هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # قال أبو حيان: جاء قوله: { فسنيسره للعسرى } على سبيل ~~المقابلة، لأن العسرى على سبيل المقابلة، لأن العسرى لا تيسير فيها. 1ه. # وهذا من حيث الأسلوب ممكن، ولكن لا يبعد أن يكون معنى التيسير موجودا ~~بالفعل، إذ المشاهد أن من خذلهم الله -عياذا بالله- يوجد منهم إقبال ~~وقبول وارتياح، لما يكون أثقل وأشق ما يكون على غيرهم، ويرون ما هم فيه ~~سهلا ميسرا لا غضاضة عليهم فيه، بل وقد يستمرؤون الحرام ويستطعمونه. # كما ذكر لي شخص: أن لصا قد كف عن السرقة حياء من الناس، وبعد أن ~~كثر ماله وكبر سنه أعطى رجلا دراهم ليسرق له من زرع جاره، فذهب الرجل ~~ودار من جهة أخرى وأتاه بثمرة من زرعه هو، أي زرع اللص نفسه، فلما أكلها ~~تفلها، وقال: ليس فيه طعمة المسروق، فمن أين أتيت به؟ قال: أتيت من زرعك، ~~ألا تستحي من نفسك، تسرق وعندك ما يغنيك. فخجل وكف. # وقد جاء عن عمر نقيض ذلك تماما، وهو أنه طلب من غلامه أن يسقيه مما في ~~شكوته من لبنه، فلما طعمه استنكر طعمه، فقال للغلام: من أين هذا؟ فقال: ~~مررت على إبل الصدقة فحلبوا لي منها، وها هو ذا، وضع عمر إصبعه في فيه، ~~واستقاء ما شرب. # إنها حساسية الحرام استنكرها عمر، وأحسن بالحرام فاستقاءه، وهذا وذاك ~~بتيسير من ms4121 الله تعالى، وصدق صلى الله عليه وسلم # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # ونحن نشاهد في الأمور العادية أصحاب المهن والحرف كل واحد راض بعمله ~~وميسر له، وهكذا نظام الكون كله، والذي يهم هنا أن كلا من الطاعة أو ~~المعصية له أثر كبير على ما بعده. # تنبيه # قيل: إن هذه المقارنة بين: من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، ومن بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى، واقعة بين أبي بكر رضي الله عنه، وبين غيره من المشركين. # ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ فهي عامة في كل من أعطى واتقى وصدق، أو ~~بخل واستغنى وكذب. والله تعالى أعلم. ### || [92.11] # رد على من بخل واستغنى، وما هنا يمكن أن تكون نافية أي لا يغني عنه شيء، ~~كما في قوله: # مآ أغنى عني ماليه # [الحاقة: 28] وقوله: # يوم لا ينفع مال ولا بنون # [الشعراء: 88]. # ويمكن أن تكون استفهامية وقوله: { إذا تردى } أي في النار عياذا ~~بالله، أو تردى في أعماله، فمآله إلى النار بسبب بخله في الدنيا، كما ~~يشهد له قوله تعالى: # ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ~~ما بخلوا به يوم القيامة # [آل عمران: 180] الآية. ### || [92.12] # فيه للعلماء أوجه، منها: إن طريق الهدى وموصل علينا بخلاف الضلال. # ومنها: التزام الله للخلق عليه لهم الهدى، وهذا الوجه محل إشكال، إذ أن ~~بعض الخلق لم يهدهم الله. # وقد بحث هذا الأمر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام ~~الاضطراب، من أن الجواب عليه من حيث إن الهدى عام وخاص. والله تعالى ~~أعلم. ### || [92.13] # أي بكمال التصرف والأمر، وقد بينه تعالى في سورة الفاتحة # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]، أي المتصرف في الدنيا # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]، أي المتصرف في الآخرة وحده # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # وهذا كدليل على تيسيره لعباده إلى ما يشاء في الدنيا، ومجازاتهم بما شاء ~~في الآخرة. ### || [92.14] # أي تتلظى، واللظى: اللهب الخالص، وفي وصف النار هنا بتلظى مع أن ms4122 لها ~~صفات عديدة منها: السعير، وسقر، والجحيم، والهاوية، وغير ذلك. # وذكر هنا صنفا خاصا، وهو من كذب وتولى، كما تقدم في موضع آخر في وصفها ~~أيضا بلظى في قوله تعالى: # كلا إنها لظى * نزاعة للشوى # [المعارج: 15-16]، ثم بين أهلها بقوله: # تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى # [المعارج: 17-18]. # وهو كما هو هنا # فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاهآ إلا الأشقى * ~~الذي كذب وتولى # [الليل: 14-16]، وهو المعنى في قوله قبله: # وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى # [الليل: 8-9]، مما يدل أن للنار عدة حالات أو مناطق أو منازل، كل منزلة ~~تختص بصنف من الناس، فاختصت لظى بهذا الصنف، واختصت سقر بمن لم يكن من ~~المصلين، وكانوا يخوضون مع الخائضين، ونحو ذلك. ويشهد له قوله: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]، كما أن الجنة منازل ودرجات، حسب أعمال المؤمنين، والله ~~تعالى أعلم. ### || [92.15-21] # قوله تعالى: { لا يصلاهآ إلا الأشقى * الذي كذب ~~وتولى * وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله ~~يتزكى }. # هذه الآية من مواضع الإيهام، ولم يتعرض لها في دفع إيهام الاضطراب، وهو ~~أنها تنص وعلى سبيل الحصر، أنه لا يصلى النار ألا الأشقى مع مجيء قوله ~~تعالى: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم: 71] مما يدل على ورود الجميع. # والجواب من وجهين: الأول كما قال الزمخشري: إن الآية بين حالي عظيم من ~~المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين. # فقيل: الأشقى وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له، وقال ~~الأتقى، وجعل مختصا بالجنة، وكأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: عنهما هما ~~أبو جهل أو أمية بن خلف المشركين، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، حكاه ~~أبو حيان عن الزمخشري. # والوجه الثاني: هو أن الصلى الدخول والشي، وأن يكون وقود النار على سبيل ~~الخلود، والورود والدخول المؤقت بزمن غير الصلى لقوله في آية الورود، ~~التي هي قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا # [مريم: ms4123 72]، ويبقى الإشكال، بين الذين اتقوا وبين الأتقى ويجاب عنه: بأن ~~التقى يرد، والأتقى لا يشعر بورودها، كمن يمر عليها كالبرق الخاطف. والله ~~تعالى أعلم. # ولولا التأكيد في آية الورود بالمجيء بحرف من وإلا وقوله: # كان على ربك حتما مقضيا # [مريم: 71] لولا هذه المذكورات لكان يمكن أن يقال: إنها مخصوصة بهذه ~~الآية، وأن الأتقى لا يردها، إلا أن وجود تلك المذكورات يمنع من القول ~~بالتخصيص. والله تعالى أعلم. # وفيه تقرير مصير القسمين المتقدمين، من أعطى واتقى وصدق، ومن بخل ~~واستغنى وكذب، وأن صليها بسبب التكذيب والتولي والإعراض وهو عين الشقاء، ~~ويتجنبها الأتقى الذي صدق، وكان نتيجة تصديقه أنه أعطى ماله يتزكى، وجعل ~~إتيان المال نتيجة التصديق أمر بالغ الأهمية. # وذلك أن العبد لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض، لأن الدنيا كلها ~~معاوضة حتى الحيوان تعطيه علفا يعطيك ما يقابله من خدمة أو حليب.. إلخ. # فالمؤمن المصدق بالحسنى يعطي وينتظر الجزاء الأوفى الحسنة بعشر أمثالها، ~~لأنه مؤمن أنه متعامل مع الله، كما في قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. # أما المكذب: فلم يؤمن بالجزاء آجلا، فلا يخرج شيئا لأنه لم يجد عوضا ~~معجلا، ولا ينتظر ثوابا مؤجلا، ولذا كان الذين تبؤوا الدار والإيمان، ~~يحبون من هاجر إليهم ويواسونهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، إيمانا بما عند الله، بينما كان ~~المنافقون لا ينفقون إلا كرها ولا يخرجون إلا الرديء، الذي لم يكونوا ~~ليأخذوه من غيرهم إلا ليغمضوا فيه، ولك ذلك سببه التصديق بالحسنى أو ~~التكذيب بها. # ولذا جاء في الحديث الصحيح # " والصدقة برهان " # أي على صحة الإيمان بما وعد الله المتقين، من الخلف المضاعفة الحسنة. # وقوله: { يؤتي ماله يتزكى } ، أي يتطهر ويستزيد، إذ التزكية ~~تأتي بمعنى النماء، كقوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103]، وهذا رد على قوله تعالى: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14]، وعلى عموم: # فأما من أعطى واتقى # [الليل: 5]، ولا يقال: إنها زكاة المال، لأن ms4124 الزكاة لم تشرع إلا ~~بالمدينة، والسورة مكية عند الجمهور، وقيل: مدنية. والصحيح الأول. # تنبيه # قد قيل أيضا: إن المراد بقوله: { وسيجنبها الأتقى * الذى ~~يؤتي ماله يتزكى } [الليل: 17 - 18]، إلى آخر السورة. نازل ~~في أبي بكر رضي الله عنه، ولما كان يعتق ضعفة المسلمين، ومن يعذبون على ~~إسلامهم في مكة، فقيل له: لو اشتريت الأقوياء يساعدونك ويدافعون عنك. ~~فأنزل الله الآيات إلى قوله: { وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى * إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى } [الليل: ~~19-20]، وابتغاء وجه رب هو بعينه، وصدق بالحسنى أي لوجه الله يرجو الثواب ~~من الله. # وكما تقدم، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن صورة السبب ~~قطعية الدخول. فهذه بشرى عظيمة للصديق رضي الله عنه، ولسوف يرضى في غاية ~~من التأكيد من الله تعالى، على وعده إياه صلى الله عليه وسلم وأرضاه. ~~وذكر ابن كثير: أن في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله هذا خير، ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يدعي منها ضرورة، فهل يدعي منها ~~كلها أحد؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم " # ا ه. # وإنا لنرجو الله كذلك فضلا منه تعالى. # تنبيه # في قوله تعالى: { ولسوف يرضى } [الليل: 21]، وذكر ابن كثير ~~إجماع المفسرين أنها في أبي بكر رضي الله عنه أعلى منازل البشرى، لأن هذا ~~الوصف بعينه، قيل للرسول صلى الله عليه وسلم قطعا في السورة بعدها، سورة ~~الضحى # وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى # [الضحى: 4-5]، فهو وعد مشترك للصديق وللرسول صلى الله عليه وسلم، إلا ~~أنه في حق الرسول صلى الله عليه وسلم أسند العطاء فيه لله تعالى بصفة ~~الربوبية # ولسوف يعطيك ربك # [الضحى: 5] كما ذكر فيه العطاء، مما يدل على غيره صلى الله عليه وسلم، ~~وهو معلوم بالضرورة، من أنه صلى الله عليه وسلم له عطاءات لا يشاركه فيها ~~أحد، على ما سيأتي إن شاء الله. ### | [93 - سورة ms4125 الضحى] ### || [93.1-3] # تقدم معنى الضحى في السورة المتقدمة. # وقيل: المراد به هنا النهار كله، كما في قوله: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون # [الأعراف: 97-98]، وقوله: { والليل إذا سجى } قيل: أقبل، ~~وقيل: شدة ظلامه، وقيل: غطى، وقيل: سكن. # واختار الشيخ رحمه الله علينا وعليه إملائه معنى: سكن. # واختار ابن جرير أنه سكن بأهله، وثبت بظلامه، قال كما يقال بحر ساج، إذا ~~كان ساكنا، ومنه قول الأعشى: # فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم # وبحرك ساج ما يواري الدعامصا # وقول الراجز: # يا حبذا القمراء والليل الساج # وطرق مثل ملاء النساج # وأنشدهما القرطبي، وذكر قول جرير: # ولقد رميتك يوم رحن بأعين # ينظرن من خلل الستور سواج # أقسم تعالى بالضحى والليل هنا فقط لمناسبتها للمقسم عليه، لأنهما طرفا ~~الزمن وظرف الحركة والسكون، فإنه يقول له مؤانسا: ما ودعك ربك وما قلى، ~~لا في ليل ولا في نهار، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله. # وقوله: { ما ودعك ربك } ، قرئ بالتشديد من توديع المفارق. ~~وقرئ: ما ودعك، بالتخفيف من الودع، أي من الترك، كما قال أبو الأسود: # ليت شعري عن خليل ما الذي # نما له في الحب حتى ودعه # أي تركه، وقول الآخر: # وثم ودعنا آل عمرو وعامر # فرائس أطراف المثقفة السمر # أي تركوهم فرائس السيوف. # قال أبو حيان: والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقا، فقد بالغ ~~في تركك. اه. # والقراءة الأولى أشهر وأولى، لأن استعمال ودع بمعنى ترك قليل. # قال القرطبي: وقال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع ولا وذر، لضعف الواو ~~إذا قدمت واستغنوا عنها بترك، ويدل على قول المبرد سقوط الواو في ~~المضارع، فتقول في مضارع: ودع يدع كيزن ويهب ويرث، من المضارع: يذرهم، ~~والأمر: ذرهم. فترجحت قراءة الجمهور بالتشديد من ودعك من التوديع. # وقد ذكرنا هذا الترجيح، لأن ودع بمعنى ترك فيها شدة وشبه جفوة وقطيعة، ~~وهذا لا يليق بمقام المصطفى صلى الله عليه وسلم عند ms4126 ربه. أما الموادعة ~~والوداع، فقد يكون مع المودة والصلة، كما يكون بين المحبين عند الافتراق، ~~فهو وإن وادعه بجسمه فإنه لم يوادعه بحبه وعطفه، والسؤال عنه وهو ما ~~يتناسب مع قوله تعالى: { وما قلى }. # تنبيه # هنا ما ودعك بصيغة الماضي، وهو كذلك للمستقبل، بدليل الواقع وبدليل # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4]، لأنها تدل على مواصلة عناية الله به حتى يصل إلى الآخرة ~~فيجدها خيرا له من الأولى، فيكون ما بين ذلك كله في عناية ورعاية ربه. # وقد جاء في صلح الحديبية، قال لعمر: أنا عبد الله ورسوله، أي تحت رحمته ~~وفي رعايته. # وقوله: وما قلى، حذف كاف الخطاب لثبوتها فيما معها، فدلت عليها هكذا، ~~قال المفسرون: # وقال بعضهم: تركت لرأس الآية، والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ~~ومداخل اللطف، أن الموادعة تشعر بالوفاء والود، فأبرزت فيها كاف الخطاب، ~~أي لم تتأت موادعتك وأنت الحبيب، والمصطفى المقرب. # أما قلى: ففيها معنى البغض، فلم يناسب إبرازها في إبعاد قصده صلى الله ~~عليه وسلم بشيء من هذا المعنى، كما تقول لعزيز عليك: لقد أكرمتك، وما ~~أهنت لقد قربتك، وما أبعدت كراهية أن تنطق بإهانته وكراهيته، أو تصرح بها ~~في حقه، والقلى: يمد ويقصر هو البغض، يمد إذا فتحت القاف، ويقصر إذا ~~كسرتها، وهو واوي وياءي، وذكر القرطبي، قال: انشد ثعلب: # أيام أم الغمر لا نقلاها # ولو تشاء قبلت عيناها # وقال في كثير عزة: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # فالأول قال: فقلاها من الواوي، والثاني قال: مقلية من الياء، وهما في ~~اللسان شواهد: # وقد جاء في السيرة ما يشهد لهذا المعنى ويثبت دوام موالاته سبحانه ~~لحبيبه وعنايته به وحفظه له بما كان بكاؤه به عمه، وقد قال عمه في ذلك: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # وذكر ابن هشام في رعاية عمه له، أنه كان إذا جن الليل وأرادوا أن ~~يناموا، تركه مع أولاده ينامون، حتى إذا أخذ كل مضجعه، عمد عمه ms4127 إلى واحد ~~من أبنائه، فأقامه وأتى بمحمد صلى الله عليه وسلم ينام موضعه، وذهب بولده ~~ينام مكان محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان هناك من يريد به سوءا ~~فرأى مكانه في أول الليل، ثم جاء من يريده بسوء وقع السوء بابنه، وسلم ~~محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعل الصديق رضي الله عنه عند الخروج إلى ~~الهجرة في طريقهما إلى الغار، فكان رضي الله عنه تارة يمشي أمامه صلى ~~الله عليه وسلم، وتارة يمشي وراءه، فسأله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: # " أذكر الرصيد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك، فقال: أتريد لو ~~كان سوء يكون بك يا أبا بكر؟ قال: بلى، فداك أبي وأمي يا رسول الله، ثم ~~قال: إن أهلك أهلك وحدي، وإن تهلك تهلك معك الدعوة " # فذاك عمه في جاهلية وليس على دينه صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه. ### || [93.4] # خير تأتي مصدرا كقوله: إن ترك خيرا أي مالا كثيرا، وتأتي أفعل تفضيل ~~محذوفة الهمزة، وهي هنا أفعل تفضيل بدليل ذكر المقابل، وذكر حرف من، مما ~~يدل على أنه سبحانه أعطاه في الدنيا خيرات كثيرة، ولكن ما يكون له في ~~الآخرة فهو خير وأفضل مما أعطاه في الدنيا، ويوهم أن الآخرة خير له صلى ~~الله عليه وسلم وحده من الأولى، ولكن جاء النص على أنها خير للأبرار ~~جميعا، وهو قوله تعالى: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الخيرية للأبرار عند ~~الله، أي يوم القيامة بما أعد لهم، كما في قوله: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13]، وقوله: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5]. # أما بيان الخيرية هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيان الخير في ~~الدنيا أولا، ثم بيان الأفضل منه في الآخرة. # أما في الدنيا المدلول عليه بأفعل التفضيل، أي لدلالته على اشتراك ~~الأمرين في الوصف، وزيادة أحدهما على الآخر، فقد أشار إليه في هذه السورة ms4128 ~~والتي بعدها، ففي هذه السورة قوله تعالى: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى: 6]، أي منذ ولادته ونشأته، ولقد تعهده الله سبحانه من صغره ~~فصانه عن دنس الشرك، وطهره وشق صدره ونقاه، وكان رغم يتمه سيد شباب ~~قريش، حيث قال عمه عند خطبته خديجة لزواجه بها فقال: # " فتى لا يعادله فتى من قريش، حلما وعقلا وخلقا، إلا رجح عليه ". # وقوله: # ووجدك ضآلا فهدى * ووجدك عآئلا فأغنى # > [7- 8]. # على ما سيأتي بيانه كله، فهي نعم يعددها تعالى عليه، وهي من أعظم خيرات ~~الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره، ثم اصطفائه بالرسالة، ثم حفظه من الناس، ~~ثم نصره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته. # ومن الناحية المعنوية ما جاء في السورة بعدها: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الانشراح: 1-4]. # أما خيرية الآخرة على الأولى، فعلى حد قوله: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]، وليس بعد الرضى مطلب، وفي الجملة: فإن الأولى دار عمل ~~وتكليف وجهاد، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام، فهي لا شك أفضل من الأولى. ### || [93.5] # جاء مؤكدا باللام وسوف، وقال بعض العلماء: يعطيه في الدنيا من إتمام ~~الدين وإعلاء كلمة الله، والنصر على الأعداء. # والجمهور: أنه في الآخرة، وهذا إن كان على سبيل الإجمال، إلا أنه فصل في ~~بعض المواضع، فأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]. # وجاء في السنة بيان المقام المحمود وهو الذي يغبطه عليه الأولون ~~والآخرون، كما # " في حديث الشفاعة العظمى حين يتخلى كل نبي، ويقول: " نفسي نفسي، حتى ~~يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها " # إلخ. # ومنها: الحوض المورود، وما خصت به أمته غرا محجلين، يردون عليه الحوض. # ومنها، الوسيلة، وهي منزلة رفيعة عالية لا تنبغي إلا لعبد واحد، كما في ~~الحديث: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي وسلوا الله لي ~~الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد، وأرجو أن أكون ~~أنا هو ". # وإذا ms4129 كانت لعبد واحد فمن يستقدم عليها، وإذا رجا ربه أن تكون له طلب من ~~الأمة طلبها له، فهو مما يؤكد أنها له، وإلا لما طلبها ولا ترجاها، ولا ~~أمر بطلبها له. وهو بلا شك أحق بها من جميع الخلق، إذ الخلق أفضلهم ~~الرسل، وهو صلى الله عليه وسلم مقدم عليهم في الدنيا، كما في الإسراء ~~تقدم عليهم في الصلاة في بيت المقدس. # ومنها: الشفاعة في دخول الجنة كما في الحديث: # " أنه صلى الله عليه وسلم أول من تفتح له الجنة، وأن رضوانا خازن الجنة ~~يقول له: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك ". # ومنها: الشفاعة، المتعددة حتى لا يبقى أحد من أمته في النار، كما في ~~الحديث: # " لا أرضى وأحد من أمتي في النار " # أسأل الله أن يرزقنا شفاعته، ويوردنا حوضه. آمين. # وشفاعته الخاصة في الخاص في عمه أبي طالب، فيخفف عنه بها ما كان فيه. # ومنها: شهادته على الرسل، وشهادة أمته على الأمم وغير ذلك، وهذه بلا شك ~~عطايا من الله العزيز الحكيم لحبيبه وصفيه الكريم، صلوات الله وسلامه ~~عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # تنبيه # اللام في { وللآخرة } وفي { ولسوف } للتأكيد وليست للقسم، وهي ~~في الأول دخلت على المبتدأ، وفي الثانية المبتدأ محذوف تقديره، لأنت سوف ~~يعطيك ربك فترضى. قاله أبو حيان وأبو السعود. ### || [93.6] # تقدم بيان معنى اليتيم عند قوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8]. # والرسول صلى الله عليه وسلم مات أبوه، وهو حمل له ستة أشهر، وماتت أمه ~~وهي عائدة من المدينة بالأبواء وعمره صلى الله عليه وسلم. # وقد قيل: إن يتمه لأنه لا يكون لأحد حق عليه، نقله أبو حيان. # والذي يظهر أن يتمه راجع إلى قوله { ما ودعك ربك } ، أي ~~ليتولى الله تعالى أمره من صغره، وتقدم معنى إيواء الله له، فكان يتمه ~~لإبراز فضله، لأن يتيم الأمس أصبح سيد الغد، وكافل اليتامى. ### || [93.7] # الضلال: يكون حسا ومعنى، فالأول: كمن تاه في طريق يسلكه، والثاني: كمن ~~ترك الحق فلم يتبعه. فقال قوم: ms4130 المراد هنا هو الأول، كأن ضل في شعب من ~~شعاب مكة، أو في طريقه إلى الشام. ونحو ذلك. # وقال آخرون: إنما هو عبارة عن عدم التعليم أولا ثم منحه من العلم مما ~~لم يكن يعلم، كقوله: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بحث هذه المسألة في عدة ~~مواضع: أولا في سورة يوسف عند قوله تعالى: # إن أبانا لفي ضلال مبين # [يوسف: 8]، وساق شواهد الضلال لغة هناك. # وثانيا: في سورة الكهف عند قوله تعالى: # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا # [الكهف: 104]. # وثالثا: في سورة الشعراء عند قوله تعالى: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]. # وفي دفع إيهام الاضطراب أيضا: وهذا كله يغني عن أي بحث آخر. # ومن الطريف ما ذكره أبو حيان عند هذه الآية، حيث قال: ولقد رأيت في ~~النوم، أني أفكر في هذه الجملة، فأقول على الفور: ووجدك: أي وجد رهطك ~~ضالا فهداه بك، ثم أقول: على حذف مضاف، نحو: واسأل القرية. 1ه. # وقد أورد النيسابوري هذا وجها في الآية، وبهذه المناسبة أذكر منامين ~~كنت رأيتهما ولم أرد ذكرهما حتى رأيت هذا لأبي حيان، فاستأنست به ~~لذكرهما، وهما: الأول عندما وصلت إلى سورة ن عند قوله تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]، ومن منهج الأضواء تفسير القرآن بالقرآن، وهذا وصف مجمل، ~~وحديث عائشة " كان خلقه القرآن " فأخذت في التفكير، كيف أفصل هذا المعنى ~~من القرآن، وأبين حكمه وصفحه وصبره وكرمه وعطفه ورحمته ورأفته وجهاده ~~وعبادته، وكل ذلك مما جعلني أقف حائرا وأمكث عن الكتابة عدة أيام، فرأيت ~~الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في النوم، كأننا في الجامعة الإسلامية ~~بالمدينة المنورة، وكأنه ليس في نشاطه العادي، فسألته ماذا عندك اليوم؟ # فقال: عندي تفسير. # فقلت: أتدرس اليوم؟ قال: لا، فقلت: وما هذا الذي بيدك؟ لدفتر في يده، ~~فقال: مذكرة تفسير، أي التي كان سيفسرها وهي مخطوطة، فقلت له: من أين في ms4131 ~~القرآن؟ فقال: من أول ن إلى آخر القرآن، فحرصت على أخذها لأكتب منها، ~~ولم أتجرأ على طلبها صراحة، ولكن قلت له: إذا كنت لم تدرس اليوم فأعطنيها ~~أبيضها وأجلدها لك، وآتيك بها غدا، فأعطانيها فانتبهت فرحا بذلك وبدأت ~~في الكتابة. # والمرة الثانية في سورة المطففين، لما كتبت على معنى التطفيف، ثم فكرت ~~في التوعد الشديد عليه ما يتأتى فيه من شيء طفيف، حتى فكرت في أن له صلة ~~بالربا، إذا ما بيع جنس بجنسه، فحصلت مغايرة في الكيل ووقع تفاضل، ولكني ~~لم أجد من قال به، فرأيت فيما يرى النائم، أني مع الشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه، ولكن لم يتحدث معي في شيء من التفسير. # وبعد أن راح عني، فإذا بشخص لا أعرفه يقول: وأنا أسمع دون أن يوجه ~~الحديث إلي إن في التطفيف ربا، إذا بيع الحديد بحديد، وكلمة أخرى في ~~معناها نسيتها بعد أن انتبهت. # وقد ذكرت ذلك تأسيا بأبي حيان، لما أجد فيه من إيناس، والله أسأل أن ~~يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا سواء السبيل، وعلى ما جاء في الرؤيا ~~من مبشرات. وبالله تعالى التوفيق. ### || [93.8] # العائل: صاحب العيال، وقيل: العائل الفقير: على أنه من لازم العيال ~~الحاجة، ولكن ليس بلازم، ومقابلة عائلا بأغنى، تدل على أن معنى عائلا ~~أي فقيرا، ولذا قال الشاعر: # فما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغنى متى يعيل # وما تدري وإن ذمرت سقبا # لغيرك أم يكون لك الفصيل # وهذا مما يذكره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من تعداد النعم عليه، ~~وأنه لم يودعه وما قلاه، لقد كان فقيرا من المال فأغناه الله بمال عمه. # وقد قال عمه في خطبة نكاحه بخديجة: وإن كان في المال قل فما أحببتم من ~~الصداق، فعلي، ثم أغناه الله بمال خديجة، حيث جعلت مالها تحت يده. # قال النيسابوري ما نصه: يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهو ~~مغموم، فقالت: مالك؟ فقال: الزمان زمان قحط، فإن أنا بذلت المال ينفد ~~مالك، ms4132 فأستحي منك، وإن أنا لم أبذل أخاف الله، فدعت قريشا وفيهم الصديق، ~~قال الصديق: فأخرجت دنانير حتى وضعتها، بلغت مبانا لم يقع بصري على من ~~كان جالسا قدامي، ثم قالت: اشهدوا أن هذا المال ماله، إن شاء فرقه وإن ~~شاء أمسكه. # فهذه القصة وإن لم يذكر سندها، فليس بغريب على خديجة رضي الله عنه أن ~~تفعل ذلك له صلى الله عليه وسلم، وقد فعلت ما هو أعظم من ذلك، حيث دخلت ~~معه الشعب فتركت مالها، واختارت مشاركته صلى الله عليه وسلم لما هو فيه ~~من ضيق العيش، حتى أكلوا ورق الشجر، وأموالها طائلة في بيتها. # ثم كانت الهجرة وكانت مواساة الأنصار، لقد قدم المدينة تاركا ماله ومال ~~خديجة، حتى إن الصديق ليدفع ثمن المربد لبناء المسجد، وكان بعد ذلك فيء ~~بني النضير، وكان يقضي الهلال ثم الهلال ثم الهلال، لا يوقد في بيته صلى ~~الله عليه وسلم نار، إنما هما الأسودان: التمر والماء. # ثم جاءت غنائم حنين، فأعطى عطاء من لا يخشى الفقر، ورجع بدون شيء، وجاء ~~مال البحرين فأخذ العباس ما يطيق حمله، وأخيرا توفي صلى الله عليه وسلم ~~ودرعه مرهونة في آصع من شعير. # وقوله تعالى: { ووجدك عآئلا فأغنى } ، يشير إلى هذا ~~الموضع، لأن أغنى تعبير بالفعل، وهو يدل على التجدد والحدوث، فقد كان صلى ~~الله عليه وسلم من حيث المال حالا فحالا، والواقع أن غناه صلى الله ~~عليه وسلم كان قبل كل شيء، هو غنى النفس والاستغناء عن الناس، ويكفي أنه ~~صلى الله عليه وسلم أجود الناس. # وكان إذا لقيه جبريل ودارسه القرآن كالريح المرسلة، فكان صلى الله عليه ~~وسلم القدوة في الحالتين، في حالي الفقر والغنى، إن قل ماله صبر، وإن ~~كثر بذل وشكر. # استغن ما أغناك ربك بالغنى # وإذا تصبك خصاصة فتجمل # ومما يدل على عظم عطاء الله له مما فاق كل عطاء. قوله تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ~~* لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ولا تحزن عليهم واخفض ms4133 جناحك ~~للمؤمنين # [الحجر: 87-88]. # وقد اختلفوا في المقارنة بين الفقير الصابر والغني الشاكر، ولكن الله ~~تعالى قد جمع لرسوله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين، ليرسم القدوة ~~المثلى في الحالتين. # تنبيه # في الآية إشارة إلى أن الإيواء والهدى والغنى من الله لإسنادها هنا لله ~~تعالى. # ولكن في السياق لطيفة دقيقة، وهي معرض التقرير، يأتي بكاف الخطاب: ألم ~~يجدك يتيما، ألم يجدك ضالا، ألم يجدك عائلا، لتأكيد التقرير، لم يسند ~~اليتيم ولا الإضلال ولا الفقر لله، مع أن كله من الله، فهو الذي أوقع ~~عليه اليتم، وهو سبحانه الذي منه كلما وجده عليه، ذلك لما فيه من إيلام ~~له، فما يسنده لله ظاهرا، ولما فيه من التقرير عليه أبرز ضمير الخطاب. # وفي تعداد النعم: فآوى، فهدى، فأغنى. أسند كله إلى ضمير المنعم، ولم ~~يبرز ضمير الخطاب. # قال المفسرون: لمراعاة رؤوس الآي والفواصل، ولكن الذي يظهر والله تعالى ~~أعلم: أنه لما كان فيه امتنان، وأنها نعم مادية لم يبرز الضمير لئلا يثقل ~~عليه المنة، بينما أبرزه في: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الانشراح: 1-4]. لأنها نعم معنوية، انفرد بها صلى الله عليه وسلم. ~~والله تعالى أعلم. ### || [93.9-11] # مجيء الفاء هنا مشعر، إما بتفريغ وهذا ضعيف، وإما بإفصاح عن تعدد، وقد ~~ذكر الجمل بتقدير، مهما يكن من شيء. # وقد ساق تعالى هنا ثلاث مسائل: الأولى معاملة الأيتام فقال: { فأما ~~اليتيم فلا تقهر } ، أي كما آواك والله فآوه، وكما أكرمك ~~فأكرمه. # وقالوا: قهر اليتيم أخذ ماله وظلمه. # وقيل: قرء بالكاف " تكهر " ، فقالوا: هو بمعنى القهر إلا أنه أشد. # وقيل: هو بمعنى عبوسة الوجه، والمعنى أعم، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل، ومن الجبن ~~والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال " # ، فالقهر أعم من ذلك. # وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم، والتي زادت على العشرين ~~موضعا، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أبواب كلها تدور حول دفع ms4134 المضار عنه، ~~وجلب المصالح له في ماله وفي نفسه، فهذه أربعة، وفي الحالة الزوجية، وهي ~~الخامسة. أما دفع المضار في ماله، ففي قوله تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152]، جاءت مرتين في سورة الأنعام والأخرى في سورة الإسراء، ~~وفي كل من السورتين ضمن الوصايا العشر المعروفة في سورة الأنعام، بدأت ~~بقوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا # [الأنعام: 151]. # وذكر قتل الولد وقربان الفواحش وقتل النفس ثم مال اليتيم. ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. # ويلاحظ أن النهي منصب على مجرد الاقتراب من ماله إلا بالتي هي أحسن، ~~وقد بين تعالى التي هي أحسن بقوله: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف # [النساء: 6]. # وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرا، فله الأقل من ~~أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي إن كان العمل ~~يستحق أجرة ألف ريال، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته فقط، وإن كان ~~العمل يكفيه أجرة مائة ريال، ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط، حفظا ~~لماله. # ثم بعد النهي عن اقتراب مال اليتيم ذلك، فقد تتطلع بعض النفوس إلى فوارق ~~بسيطة من باب التحيل أو نحوه، من استبدال شيء مكان شيء، فيكون طريقا، ~~لاستبدال طيب بخبيث، فجاء قوله تعالى: # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~إنه كان حوبا كبيرا # [النساء: 2]. # والحوب: أعظم الذنب، ففيه النهي عن استبدال طيب ماله، بخبيث مال الولي ~~أو غيره حسدا له على ماله، كما نهى عن خلط ماله مع مال غيره كوسيلة ~~لأكله مع مال الغير، وهذا منع للتحيل وسد الذريعة، حفظا لماله. # ثم يأتي الوعيد الشديد في صورة مفزعة في قوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]. # وقد اتفق العلماء: أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما ~~فيه إتلاف ms4135 أو تفويت سواء كان بأكل حقيقة أو باختلاس أو بإحراق أو إغراق، ~~وهو المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق، إذ لا فرق في ضياع مال ~~اليتيم عليه، بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال ~~فيه، فهو تفويت عليه وكل ذك حفظا لماله. # وأخيرا، فإذا تم الحفاظ على ماله لم يقربه إلا بالتي هي أحسن، ولم ~~يبدله بغيره أقل منه، ولم يخلطه بماله ليأكله عليه، ولم يعتد عليه بأي ~~إتلاف كان محفوظا له، إلى أن يذهب يتمه ويثبت رشده، فيأتي قوله تعالى: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا # [النساء: 6]. # ثم أحاط دفع المال إليه بموجبات الحفظ بقوله في آخر الآية: # فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم # [النساء: 6]، أي حتى لا تكون مناكرة فيما بعد. # وفي الختام ينبه الله فيهم وازع مراقبة الله بقوله: # وكفى بالله حسيبا # [النساء: 6]، وفيه إشعار بأن أمواله تدفع إليه بعد محاسبة دقيقة فيما له ~~وعليه. # ومهما يكن من دقة في الحساب، فالله سيحاسب عنه، وكفى بالله حسيبا، وهذا ~~كله في حفظ ماله. # أما جلب المصالح، فإننا نجد فيها أولا جعله مع الوالدين، والأقربين، في ~~عدة مواطن، منها قوله تعالى: # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى # [البقرة: 215]. # ومنها قوله: إيراده في أنواع البر من الإيمان بالله وإنفاق المال # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين # [البقرة: 177]، إلى آخر الآية. # ومنها: ما هو أدخل في الموضوع حيث جعل له نصيبا في التركة في قوله: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8]، بصرف النظر عن مباحث الآية من جهات أخرى، ومرة أخرى يجعل ~~لهم نصيبا فيما هو أعلى منزلة في قوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله # [الأنفال: 41] الاية. # وكذلك في سورة ms4136 الحشر في قوله تعالى: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل # [الحشر: 7]. # فجعلهم الله مع ذي القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد جعله الله في عموم وصف الأبرار، وسببا للوصول إلى أعلى درجات ~~النعيم في قوله تعالى: # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5]. # وذكر أفعالهم التي منها: أنهم يوفون بالنذر, ثم بعدها: أنهم يطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. # وجعل هذا الإطعام اجتياز العقبة في قوله: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا ~~مقربة # [البلد: 11-15] الآية. # ولقد وجدنا ما هو أعظم من ذلك، وهو أن يسوق الله الخضر وموسى عليهما ~~السلام ليقيما جدارا ليتيمين على كنز لهما حتى يبلغا أشدهما، في قوله ~~تعالى: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82]. # هذا هو الجانب المالي من دفع المضرة عنه في حفظه ماله، ومن جانب جلب ~~النفع إليه عن طريق المال. # أما الجانب النفسي فكالآتي: # أولا: عدم مساءته في نفسه، فمنها قوله تعالى: # أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع ~~اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين # [الماعون: 1-3]. # ومنها قوله: # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على ~~طعام المسكين # [الفجر: 17-18]، فقدم إكرامه إشارة له. # ثانيا: في الإحسان إليه، منها قوله تعالى: # لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى # [البقرة: 83]، فيحسن إليه كما يحسن لوالديه ولذي القربى. # ومنها سؤال، وجوابه من الله تعالى: # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد ~~من المصلح # [البقرة: 220]، أي تعاملونهم كما تعاملون الإخوان، وهذا أعلى درجات ~~الإحسان والمعروف، ولذا قال تعالى: { والله يعلم المفسد ~~من المصلح }. # وفي تقديم ذكر المفسد على المصلح: إشعار لشدة التحذير من الإفساد في ~~معاملته، ms4137 ولأنه محل التحذير في موطن آخر جعلهم بمنزلة الأولاد في قوله: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. # أي حتى في مخاطبتهم إياهم لأنهم بمنزلة أولادهم، بل ربما كان لهم أولاد ~~فما بعد أيتاما من بعدهم، فكما يخشون على أولادهم إذا صاروا أيتاما من ~~بعدهم، فليحسنوا معاملة الأيتام في أيديهم وهذه غاية درجات العناية ~~والرعاية. # تلك هي نصوص القرآن في حسن معاملة اليتيم وعدم الإساءة إليه، مما يفصل ~~مجمل قوله: { فأما اليتيم فلا تقهر }. # لا بكلمة سديدة ولا بحرمانه من شيء يحتاجه، ولا بإتلاف ماله، ولا ~~بالتحيل على أكله وإضاعته، ولا بشيء بالكلية، لا في نفسه ولا في ماله. # والأحاديث من السنة على ذلك عديدة بالغة مبلغها في حقه، وكان صلى الله ~~عليه وسلم أرحم الناس به وأشفقهم عليه، حتى قال: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين -يشير إلى السبابة والوسطى- وفرج ~~بينهما " # رواه البخاري وأبو داود والترمذي. # وفي رواية أبي هريرة عند مسلم ومالك: # " كافل اليتيم له أو لغيره " # أي قريب له أو بعيد عنه. # وعن أحمد والطبراني مرفوعا: # " من ضم يتيما من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، وجبت له الجنة " # قال المنذري: رواه أحمد، محتج بهم إلا علي بن زيد. # وعن ابن ماجه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم، يحسن إليه. وشر بيت في المسلمين، ~~بيت فيه يتيم يساء إليه ". # وجاء عند أبي داود ما هو أبعد من هذا وذلك، حتى إن الأم لتعطل مصالحها ~~من أجل أيتامها، في قوله صلى الله عليه وسلم # " أنا وامرأة الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ بيده - يزيد بن زربع - ~~بفتح الزاي وإسكان الباء - بالوسطى والسبابة امرأة آمت زوجها - بألف ~~ممدودة وميم مفتوحة وتاء - أصبحت أيما، بوفاة زوجها - ذات منصب وجمال ~~حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا ". # وجعله الله دواء لقساوة القلب، كما روى أحمد ورجاله الصحيح عن أبي هريرة ~~رضي الله ms4138 عنه، أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه ~~فقال: # " امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين ". # وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي، حيث يخاطب الله تعالى ~~أفضل الخلق وأرحمهم، وأرأفهم بعباد الله، الموصوف بقوله تعالى: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]، وبقوله: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]، ليكون مثالا مثاليا في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها، فلا ~~يرحمون ضعيفا، ولا يؤدون حقا إلى من قوة يدينون لمبدأ " من عز بز، ~~ومن غلب استلب " يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة، كما قال شاعرهم: # قبيلة لا يخفرون بذمة # ولا يظلمون الناس حبة خردل # ويقول حكيمهم: # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم # قوم يئدون بناتهم، ويحرمون من الميراث نساءهم، يأكلون التراث أكلا ~~لما، ويحبون المال حبا جما، فقلب مقاييسهم وعدل مفاهيمهم، فألان ~~قلوبهم ورقق طباعهم، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه. # وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنا تأتي فوق كل ما ~~تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها، مما يحقق كمال التكامل ~~الاجتماعي بأبهى معانيه، المنوه عنه في الآية الكريمة # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]، فجعل كافل اليتيم اليوم، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ~~ذرية ضعافا، وعبر هنا عن الأيتام بلازمهم وهو الضعف إبرازا لحاجة ~~اليتيم إلى الإحسان، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم، ~~فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من ~~بعدهم. # وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلا اجتماعيا في كفالة اليتيم، بل إن ~~اليتيم نفسه، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى ~~أيتامك من بعدك، وكما تدين تدان، فإن كان خيرا كان الخير بالخير والبادئ ~~أكرم، وإن شرا كان بمثله والبادئ أظلم. # ومع هذا الحق المتبادل، فإن الإسلام يحث عليه ويعني به، ورغب في ~~الإحسان إليه وأجزل المثوبة عليه، وحذر من الإساءة عليه، وشدد العقوبة ~~فيه. # وقد يكون فيما أوردناه إطالة، ولكنه ms4139 وفاء بحق اليتيم أولا، وتأثر ~~بكثرة ما يلاقيه اليتيم ثانيا. # تنبيه # ليس من باب الإساءة إلى اليتيم تأديبه والحزم معه، بل ذلك من مصلحته كما ~~قيل: # قس ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # وقوله: # { وأما السآئل فلا تنهر } [10]، قالوا: السائل الفقير ~~والمحتاج، يسأل ما يسد حاجته وهو مقابل لقوله: # ووجدك عآئلا فأغنى # [الضحى: 8]، أي فكما أغناك الله وبدون سؤال، فإذا أتاك سائل فلا تنهره، ~~ولو في رد الجواب بالتي هي أحسن. # ومعلوم: أن الجواب بلطف، قد يقوم مقام العطاء في إجاية السائل، وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا لم يجد ما يعطيه للسائل يعده وعدا حسنا لحين مسيره، ~~أخذا من قوله تعالى: # وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ~~ترجوها فقل لهم قولا ميسورا # [الإسراء: 28]. # وقد أورد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيتين عند هذه الآية في ~~هذا المعنى، هما قول الشاعر: # إن لم تكن ورق يوما أجود بها # للسائلين فإني لين العود # لا يعدم السائلون الخير من خلقي # إما نوالي وإما حسن مردود # فليسعد النطق إن لم يسعد المال. # وقيل: السائل المستفسر عن مسائل الدين والمسترشد، وقالوا هذا مقابل ~~قوله: { ووجدك ضآلا فهدى } [الضحى: 7]، أي لا تنهر مستغنيا ~~ولا مسترشدا، كقوله تعالى: # عبس وتولى أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2]. # وقد كان صلى الله عليه وسلم رحيما شفيقا على الجاهل حتى يتعلم، كما في # " قصة الأعرابي الذي بال في المسجد حين صاح به الصحابة فقال لهم " لا ~~تزرموه، إلى أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا ~~أحدا أبدا " # وكالآخر الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: " هلكت وأهلكت، واقعت ~~أهلي في رمضان، حتى كان من أمره أن أعطاه فرقا من طعامه يكفر به عن ~~ذنبه، فقال: أعلى أفقر منا يا رسول الله؟ فقال: # " قم فأطعمه أهلك ". # وقد كان صلى الله عليه وسلم يقف للمرأة في الطريق يصغي إليها حتى يضيق ~~من معه وهو يصبر لها ولم ينهرها، بل يجيبها على أسئلتها. # وقد حث ms4140 صلى الله عليه وسلم على إكرام طلب العلم، وبين أن الملائكة لتضع ~~أجنحتها لطالب العلم، وأن الحيتان في البحر لتستغفر له رضى بما يصنع. # وقوله: { وأما بنعمة ربك فحدث } [11]: النعمة كل ما ~~أنعم الله به على العبد، وهي كل ما ينعم به العبد من مال وعافية وهداية ~~ونصرة من النعومة واللين، فقيل: المراد بها المذكورات والتحدث بها شكرها ~~عمليا من إيواء اليتيم كما آواه الله، وإعطاء السائل كما أغناه الله، ~~وتعليم المسترشد كما علمه الله، وهذا من شكر النعمة، أي كما أنعم الله ~~عليك، فتنعم انت على غيرك تأسيا بفعل الله معك. # وقيل: التحدث بنعمة الله هو التبليغ عن الله من آية وحديث، والنعمة هنا ~~عامة لتنكيرها وإضافتها، كما في قوله تعالى: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]، أي كل نعمة، ولكن الذي يظهر أنها في الوحي أظهر أو هو أولى ~~بها، أو هو أعظمها، لقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3]، فقال: نعمتي، وهنا نعمة ربك. ولا يبعد عندي أن يكون صلى ~~الله عليه وسلم إنما نحر مائة ناقة في حجة الوداع، لما أنزل الله عليه ~~هذه الآية، ففعل شكرا لله على إتمام النعمة بإكمال الدين. # وقد قالوا في مناسبة هذه السورة بما قبلها: إن التي قبلها في الصديق # وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى * ~~وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغآء ~~وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى # [الليل: 17-21]، وهنا في الرسول صلى الله عليه وسلم # ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من ~~الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 3-5]، مع الفارق الكبير في العطاء والخطاب. # والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهر من مناسبات الآي في السورة ~~الواحدة، كما بين هاتين السورتين والليل مع والضحى، ثم ما بين الضحى وألم ~~نشرح، إنها تتمة النعم التي يعددها الله تعالى على رسوله. # وهكذا على ما ستأتي الإشارة إليه في محله إن شاء الله تعالى. أعلم علما ~~بأن بعض العلماء لم ms4141 يعتبر تلك المناسبات. # ولكن ما كانت المناسبة فيه واضحة، فلا ينبغي إغفاله، وما كانت خفية لا ~~ينبغي التكلف له. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-4] # ذكر تعالى هنا ثلاث مسائل: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر. # وهي وإن كانت مصدرة بالاستفهام، فهو استفهام تقريري لتقرير الإثبات، ~~فقوله تعالى { ألم نشرح } بمعنى شرحنا على المبدأ المعروف، من أن ~~نفي إثبات. وذلك لأن همزة الاستفهام وهي فيها معنى النفي دخلت على لم وهي ~~للنفي، فترافعا فبقي الفعل مثبتا،. قالوا: ومثله قوله تعالى: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]. وقوله: # قال ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18]. # وعليه قول الشاعر: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # فتقرر بذلك أنه تعالى يعدد عليه نعمة العظمى، وقد ذكرنا سابقا ارتباط ~~هذه السورة بالتي قبلها في تتمة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # وروى النيسابوري عن عطاء وعمر بن عبد العزيز: أنهما كانا يقولان: هذه ~~السورة وسورة الضحى سورة واحدة، وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة، وما ~~كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم والذي دعاهما إلى ذلك هو ~~قوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك } كالعطف على قوله: # ألم يجدك يتيما # [الضحى: 6]، ورد هذا الادعاء -أي من كونهما سورة واحدة- وعلى كل فإن هذا ~~إذا لم يجعلهما سورة واحدة فإنه يجعلهما مرتبطتين. معا في المعنى، كما ~~في الأنفال والتوبة. # واختلف في معنى شرح الصدر، إلا أنه لا منافاة فيما قالوا، وكلها يكمل ~~بعضها بعضا. # فقيل: هو شق الصدر سواء كان مرة أو أكثر، وغسله وملؤه إيمانا وحكمه، ~~كما في رواية مالك بن صعصعة في ليلة الإسراء، ورواية أبي هريرة في غيرها. # وفيه كما في رواية أحمد: أنه شق صدره وأخرج منه الغل والحسد، في شيء ~~كهيئة العلقة، وأدخلت الرأفة والرحمة. # وقيل: شرح الصدر، إنما هو توسيعه للمعرفة والإيمان ومعرفة الحق، وجعل ~~قلبه وعاء للحكمة. # وفي البخاري عن ابن عباس # " شرح الله صدره للإسلام ". # وعند ابن كثير: نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، كقوله # فمن يرد الله أن ms4142 يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125]. # والذي يشهد له القرآن: أن الشرح هو الانشراح والارتياح. وهذه حالة نتيجة ~~استقرار الإيمان والمعرفة والنور والحكمة. كما في قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، فقوله: فهو على نور من ربه: بيان لشرح الصدر للإسلام. # كما أن ضيق الصدر، دليل على الضلال، كما في نفس الآية # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا # [الأنعام: 125] الآية. # وفي حاشية الشيخ زادة علي البيضاوي قال: لم يشرح صدر أحد من العالمين، ~~كما شرح صدره عليه السلام، حتى وسع علوم الأولين والآخرين فقال: # " أوتيت جوامع الكلم " # ا ه. # ومراده بعلوم الأولين والآخرين، ما جاء في القرآن من أخبار الأمم ~~الماضية مع رسلهم وأخبار المعاد، وما بينه وبين ذلك مما علمه الله تعالى. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن شرح الصدر الممتن به عليه صلى الله ~~عليه وسلم، أوسع وأعم من ذلك، حتى إنه ليشمل صبره وصفحه وعفوه عن أعدائه، ~~ومقابلته الإساءة بالإحسان، حتى إنه ليسع العدو، كما يسع الصديق. # كقصة عودته من ثقيف: أذا آذوه سفهاؤهم، حتى ضاق ملك الجبال بفعلهم، وقال ~~له جبريل: إن ملك الجبال معي، إن أردت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل، ~~فينشرح صدره إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكأنهم لم يسيؤوا إليه فيقول: # " اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم ~~من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ". # وتلك أعظم نعمة وأقوى عدة في تبليغ الدعوة وتحمل أعباء الرسالة، ولذا ~~توجه نبي الله موسى إلى ربه يطلبه إياها، لما كلف الذهاب إلى الطاغية ~~فرعون كما في قوله تعالى: # اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي ~~صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * ~~يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون ~~أخي * اشدد به أزري # [طه: 24-31] إلى آخر السياق. # فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل: بدأها بشرح ~~الصدر، ثم تيسير الأمر، وهذان ms4143 عاملان ذاتيان، ثم الوسيلة بينه وبين ~~فرعون، وهو اللسان في الإقناع، # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27-28]، ثم العامل المادي أخيرا في المؤازرة، # واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به ~~أزري # [طه: 29-31]، فقدم شرح الصدر على هذا كله لأهميته، لأنه به يقابل كل ~~الصعاب، ولذا قابل به ما جاء به السحرة من سحر عظيم وما قابلهم به فرعون ~~من عنت أعظم. # وقد بين تعالى من دواعي انشراح الصدر وإنارته، ما يكون من رفعة وحكمة ~~وتيسير، وقد يكون من هذا الباب مما يساعد عليه تلقي تلك التعاليم من ~~الوحي، كقوله تعالى: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199]، وكقوله: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]، مما لا يتأتى إلا ممن شرح الله صدره. # ومما يعين الملازمة عليه على انشراح الصدر، وفعلا قد صبر على أذى ~~المشركين بمكة ومخادعة المنافقين بالمدينة، وتلقى كل ذلك بصدر رحب. # وفي هذا كما قدمنا توجيه لكل داعية إلى الله، أن يكون رحب الصدر هادئ ~~النفس متجملا بالصبر. # وقوله: { ووضعنا عنك وزرك } ، والوضع يكون للحط والتخفيف، ~~ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدي بعن كان للحط، وإن عدي بعلى كان للحمل، في ~~قولهم: وضعت عنك: ووضعت عليك، والوزر لغة الثقل. # ومنه: حتى تضع الحرب أوزارها، أي ثقلها من سلاح ونحوه. # ومنه الوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، وشرعا الذنب كما في الحديث: # " ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إل يوم القيامة " # ، وقد يتعاوران في التعبير كقوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة # [النحل: 25]، وقوله مرة أخرى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13]. # وقد أفرد لفظ الوزر هنا وأطلق، ولم يبين ما هو وما نوعه، فاختلف فيه ~~اختلافا كثيرا. # فقيل: ما كان فيه من أمر الجاهلية، وحفظه من مشاركته معهم، فلم يلحقه ~~شيء منه. # وقيل: ثقل تألمه مما كان عليه قومه، ولم يستطع تغييره، وشفقته صلى الله ~~عليه وسلم بهم، أي كقوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن ms4144 لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]، أي أسفا عليهم. # وقال أبو حيان: هو كناية عن عصمته صلى الله عليه وسلم من الذنوب، ~~وتطهيره من الأرجاس. # وقال ابن جرير: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام ~~الجاهلية التي كنت فيها. # وقال ابن كثير: هو بمعنى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. # فكلام أبي حيان: يدل على العصمة، وكلام ابن جرير يدل على شيء في ~~الجاهلية، وكلام ابن كثير مجمل. # وفي هذا المجال مبحث عصمة الأنبياء عموما، وهو مبحث أصولي تحققه كتب ~~الأصول لسلامة الدعوة، وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثه ~~في سورة طه عند الكلام على قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]، وأورد كلام المعتزلة والشيعة والحشوية، ومقياس ذلك، عقلا ~~وشرعا، وفي سورة ص عند قوله تعالى: # وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه # [ص: 24]، # ونبه عندها على أن كل ما يقال في داود عليه السلام حول هذا المعنى، كله ~~إسرائيليات لا تليق بمقام النبوة. 1ه. # أما في خصوصه صلى الله عليه وسلم، فإنا نورد الآتي: إنه مهما يكن من ~~شيء، فإن عصمته صلى الله عليه وسلم من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب ~~القطع بها، لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]، لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعا. # أما قبل البعثة، فالعصمة من الكبائر أيضا، يجب الجزم بها لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره، وقد شق صدره في سن الرضاع، ~~وأخرج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو كان قد وضع منه شيء لأخذوه عليه حين ~~عارضوه في دعوته، ولم يذكر من ذلك ولا شيء فلم يبق إلا القول في الصغائر، ~~فهي دائرة بين الجواز والمنع، فإن كانت جائزة ووقعت، فلا تمس مقامه صلى ~~الله عليه وسلم لوقوعها قبل البعثة والتكليف، وأنها قد غفرت وحط عنها ~~ثقلها، فإن لم تقع ولم تكن جائزة ms4145 في حقه، فهذا المطلوب. # وقد ساق الألوسي رحمه الله في تفسيره: أن عمه أبا طالب، قال لأخيه ~~العباس يوما: " لقد ضمته إلي وما فارقته ليلا ولا نهارا ولا ائتمنت ~~عليه أحدا " ، وذكر قصة بنيه ومنامه في وسط أولاده أول الليل، ثم نقله ~~أباه محل أحد أبنائه حفاظا عليه، ثم قال: " ولم أر منه كذبة ولا ضحكا ~~ولا جاهلية، ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون ". # وذكرت كتب التفسير أنه صلى الله عليه وسلم أراد مرة في صغره أن يذهب ~~لمحل عرس ليرى ما فيه، فلما دنا منه أخذه النوم ولم يصح إلا على حر ~~الشمس، فصانه الله من رؤية أو سماع، شيء من ذلك. # ومنه قصة مشاركته في بناء الكعبة حن تعرى ومنع منه حالا، وعلى المنع من ~~وقوع شيء منه صلى الله عليه وسلم بقي الجواب على معنى الآية، فيقال والله ~~تعالى أعلم: إنه تكريم له صلى الله عليه وسلم كما جاء في أهل بدر، قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # مع أنهم لن يفعلوا محرما بذلك، ولكنه تكريم لهم ورفع لمنزلتهم. # وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوب ويستغفر ويقوم الليل حتى تورمت ~~قدماه، وقال: # " أفلا أكون عبدا شكورا ". # فكان كل ذلك منه شكرا لله تعالى، ورفعا لدرجاته صلى الله عليه وسلم. # وقد جاء: # " النعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه " # ، وهو حسنة من حسناته صلى الله عليه وسلم. # أو أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتد على نفسه بالتقصير، ويعتبر ذنبا ~~يستثقله ويستغفر منه، كما كان إذا خرج من الخلاء قال: # " غفرانك ". # ومعلوم أنه ليس من موجب للاستغفار، إلا ما قيل شعوره بترك الذكر في تلك ~~الحالة، استوجب منه ذلك. # وقد استحسن العلماء قول الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو أن ~~المراد مثل ما جاء في القرآن من بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم، وفي ~~سبيل الدعوة، فيرد اجتهاده فيعظم عليه كقصة ابن مكتوم، ms4146 وعوتب فيه # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2]، الآية، ونظيرها ولو كان بعد نزول هذه السورة، إلا أنه من ~~باب واحد كقوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]، وقصة أسارى بدر، وقوله: # ليس لك من الأمر شيء # [عمران: 128]، واجتهاده في إيمان عمه، حتى قيل له: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]، ونحو ذلك. فتحمل الآية عليه، أو أن الوزر بمعناه اللغوي، ~~وهو ما كان يثقله من أعباء الدعوة، وتبليغ الرسالة، كما ذكر ابن كثير في ~~سورة الإسراء عن الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت، وعرفت أن الناس مكذبي، ~~فقعدت معتزلا حزينا، فمر بي أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له ~~كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وقص ~~عليه الإسراء ". # ففيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم فظع، والفظاعة: ثقل وحزن، والحزن: ~~ثقل. وتوقع تكذيبهم إياه أثقل على النفس من كل شيء. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: { الذي أنقض ظهرك } ، أي ثقله مشعر بأن للذنب ~~ثقلا على المؤمن ينوء به، ولا يخففه إلا التوبة وحطه عنه. # وقوله: { ورفعنا لك ذكرك } ، لم يبين هنا بم ولا كيف رفع له ~~ذكره، والرفع يكون حسيا ويكون معنويا، فاختلف في المراد به أيضا. # فقيل: هو حسي في الأذان والإقامة، وفي الخطب على المنابر وافتتاحيات ~~الكلام في الأمور الهامة، واستدلوا لذلك بالواقع فعلا، واستشهدوا بقول ~~حسان رضي الله عنه، وهي أبيات في ديوانه من قصيدة دالية: # أغر عليه للنبوة خاتم # من الله مشهود يلوح ويشهد # وضم الإله اسم النبي إلى اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن أشهد # وشق له من اسمه ليجله # فذوا العرش محمود وهذا محمد # ومن رفع الذكر معنى أي من الرفعة، ذكره صلى الله عليه وسلم في كتب ~~الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه. # وقد نص القرآن أن الله جعل الوحي ذكرا له ms4147 ولقومه، في قوله تعالى: # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط ~~مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 43-44]، ومعلوم أن ذكر قومه ذكر له، كما قال الشاعر: # وكم أب قد علا بابن ذرى رتب # كما علت برسول الله عدنان # فتبين أن رفع ذكره صلى الله عليه وسلم، إنما هو عن طريق الوحي سواء كان ~~بنصوص من توجيه الخطاب إليه بمثل # يأيها الرسول # [المائدة: 41]، # يأيها النبي # [الأنفال: 64]، # يأيها المدثر # [المدثر: 1]، والتصريح باسمه في مقام الرسالة # محمد رسول الله # [الفتح: 29]، أو كان في فروع التشريع، كما تقدم في أذان وإقامة وتشهد ~~وخطب وصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. ### || [94.7-8] # النصب: التعب بعد الاجتهاد، كما في قوله: # وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة # [الغاشية: 2-3]. # وقد يكون النصب للدنيا أو للآخرة، ولم يبين المراد بالنصب في أي شيء، ~~فاختلف فيه، ولكنها أقوال متقاربة. # فقيل: في الدعاء بعد الفراغ من الصلاة. # وقيل: في النافلة من الفريضة، والذي يشهد له القرآن، أنه توجيه عام ~~للأخذ بحظ الآخرة بعد الفراغ من عمل الدنيا، كما في مثل قوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]، وقوله: # إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا # [المزمل: 6] أي لأنها وقت الفراغ من عمل النهار وفي سكون الليل: وقوله: # إذا جآء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]، فيكون وقته كله مشغولا، إما للدنيا وإما للدين. # وفي قوله: { فإذا فرغت فانصب } ، حل لمشكلة الفراغ التي شغلت ~~العالم حيث لم تترك للمسلم فراغا في وقته، لأنه إما في عمل للدنيا، وإما ~~في عمل للآخرة. # وقد روي عن ابن عباس: " أنه مر على رجلين يتصارعان فقال لهما: ما بهذا ~~أمرنا بعد فراغنا ". # وروي عن عمر أنه قال: " إني لأكره لأحدكم أن يكون خاليا سبهللا، لا في ~~عمل دنيا ولا دين " ولهذا لم يشك الصدر الأول فراغا في الوقت. # ومما يشير إلى ms4148 وضع الصدر الأول، ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ~~أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها -وأنا يومئذ حديث السن-: " أرأيت قول ~~الله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما # [البقرة: 158]، فما على الرجل شيء ألا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: كلا لو ~~كان كما تقول لكانت، فلا جناح عليه الا يطوف بهما ". # فانظر رحمك الله وإياي، فيم يفكر حديث السن، وكيف يستشكل معاني القرآن، ~~فمثله لا يوجد عنده فراغ. # تنبيه # ذكر الألوسي في قوله تعالى: { فانصب } قراءة شاذة بكسر الصاد، وأخذها ~~الشيعة على الفراغ من النبوة، ونصب علي إماما، وقال: ليس الأمر متعينا ~~بعلي فالسني يمكن أن يقول: فانصب أبا بكر، فإن احتج الشيعي بما كان في ~~غدير حم، احتج السني بأن وقته لم يكن وقت الفراغ من النبوة. # بلى إن قوله صلى الله عليه وسلم: # " مروا أبا بكر فليصل بالناس " # كان بعده، وفي قرب فراغه صلى الله عليه وسلم من النبوة، إذا كان في مرضه ~~الذي مات فيه. # فإن احتج الشيعي بالفراغ من حجة الوداع، رده السني بأن الآية قبل ذلك. ~~انتهى. # وعلى كل إذا كان الشيعة يحتجون بها، فيكفي ارد احتجاجهم أنها شاذة، ~~وتتبع الشواذ قريب من التأويل المسمى باللعب عند علماء التفسير، وهو صرف ~~اللفظ عن ظاهره، لا لقرينة صارفة ولا علاقة رابطة. # ومن اللعب في التأويل في هذه الآية، كا يفعله بعض العوام: رأيت رجلا ~~عاميا عاديا، قد لبس حلة كاملة من عمامة وثوب صقيل وحزام جميل مما ~~يسمونه نصبة، أي بدلة كاملة، فقال له رجل: قد لبس حلة كاملة من عمامة ~~وثوب صقيل وحزام جميل مما يسمونه نصبة، أي بدلة كاملة، فقال له رجل: ما ~~هذه النصبة يا فلان؟ فقال له: لما فرغت من عملي نصبت، كما قال تعالى: { ~~فإذا فرغت فانصب }. # كما سمعت آخر يتوجع لقلة ما في يده، ويقول لزميله: ألا تعرف لي شخصا ~~انصب عليه، أي آخذ قرضة ms4149 منه، فقلت له: ولم تنصب عليه؟ والنصب كذب وحرام. ~~فقال: إذا لم يكن عند الإنسان شيء، ويده خالية فلا بأس، لأن الله قال: { ~~فإذا فرغت فانصب } ، وهذا وأمثاله مما يتجرأ عليه العامة ~~لجهلهم، أو أصحاب الأهواء لنحلهم. # قوله تعالى { وإلى ربك فارغب }. # التقديم هنا مشعر بالتخصيص وهو كقوله تعالى: # إياك نعبد # [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد غيرك: وهكذا هنا لا ترغب إلى غيره سبحانه، ~~كأنه يقول: الذي أنعم عليك بكل ما تقدم، هو الذي ترغب فيما عنده لا سواه. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-3] # التين هو الثمرة المعروفة التي لا عجم لها ولا قشرة، والزيتون هو كذلك ~~الثمرة التي منها الزيت، وطور سينين هو جبل الطور الذي ناجى موسى عنده ~~ربه، والبلد الأمين هو مكة المكرمة، والواو للقسم. # وقد اختلف في المراد بالمقسم به في الأول، والثاني التين والزيتون، ~~واتفقوا عليه في الثالث والرابع على ما سيأتي. # أما التين والزيتون، فعن ابن عباس رضي الله عنهما " أنهما الثمرتان ~~المعروفتان " وهو قول عكرمة والحسن ومجاهد. كلهم يقول: التين: تينكم الذي ~~تأكلون، والزيتون: زيتونكم الذي تعصرون. # وعن كعب: التين: مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وكذا عن قتادة. ~~وأرادوا منابت التين والزيتون بقرينة الطور والبلد الأمين، على أن منبت ~~التين والزيتون لعيسى، وطور سينين لموسى، والبلد الأمين لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # ولكن حمل التين والزيتون على منابتهما لا دليل عليه، فالأولى إبقاؤهما ~~على أصلهما، ويشهد لذلك الآتي: # أولا التين: قالوا: إنه أشبه ما يكون من الثمار بثمر الجنة، إذ لا عجم ~~له ولا قشر، وجاء عنه في السنة # " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى له طبق فيه تين، فأكل منه ثم قال ~~لأصحابه: فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا ~~عجم فكلوه، فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس " # ، ذكره النيسابوري ولم يذكر من خرجه. # وذكره ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، قائلا: ويذكر عن أبي الدرداء # " أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين " # وساق ms4150 النص المتقدم. ثم قال: وفي ثبوت هذا نظر. # وقد ذكر المفسرون وابن القيم وصاحب القاموس: للتين خواص، وقالوا: إنها ~~مما تجعله محلا للقسم به، وجزم ابن القيم: أنه المراد في السورة. # ومما ذكروا من خواصه، قالوا: إنه يجلو رمل الكلى والمثانة ويؤمن من ~~السموم، وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة، ويغسل الكبد والطحال، ~~وينقي الخلط البلغمي من المعدة، ويغذي البدن غذاء جيدا، ويابسه يغذي ~~وينفع العصب. # وقال جالينوس: إذا أكل مع الجوز والسذاب، قبل أخذ السم القاتل نفع، وحفظ ~~من الضر، وينفع السعال المزمن ويدر البول ويسكن العطش الكائن عن البلغم ~~المالح، ولأكله على الريق منفعة عجيبة. # وقال ابن القيم: لما لم يكن بأرض الحجاز والمدينة، لم يأت له ذكر في ~~السنة، ولكن قد أقسم الله به في كتابه، لكثرة منافعه وفوائده. # والصحيح: أن المقسم به هو التين المعروف. اه. # وكما قال ابن القيم رحمه الله: لم يذكر في السنة لعدم وجوده بالحجاز ~~والمدينة، فكذلك لم يأت ذكره في القرآن قط إلا في هذا الموضع، ولم يكن ~~من منابت الحجاز والمدينة لمنافاة جوه لجوها، وهو إن وجد أخيرا إلا ~~أنه لا يجود فيها جودته في غيرها. # فترجح أن المراد بالتين هو هذا المأكول، كما جاء عمن سمينا: ابن عباس ~~ومجاهد وعكرمة والحسن. # أما الزيتون، فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في المقدمة، ~~أن من أنواع البيان إذا اختلف في المعنى المراد، وكان مجيء أحد المعنيين ~~أو المعاني المحتملة أكثر في القرآن، فإنه يكون أولى بحمل اللفظ عليه. # وقد جاء ذكر الزيتون في القرآن عدة مرات مقصودا به تلك الشجرة ~~المباركة، فذكر في ضمن الأشجار خاصة في قوله تعالى من سورة الأنعام # وجنات من أعناب والزيتون والرمان # [الأنعام: 99] - إلى قوله - # إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # [الأنعام: 99]، وسماها بذاتها في قوله تعالى من سورة المؤمنين # وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين # [المؤمنون: 20]، وذكرها مع النخل والزرع في عبس في قوله تعالى: # فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا ms4151 وزيتونا ونخلا # [عبس: 27-29]، وذكر من أخص خصائص الأشجار، في قوله في سورة النور في ~~المثل العظيم المضروب # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور # [النور: 35]. فوصفها بالبركة ووصف زيتها بأنه يكاد يضيء، ولو لم تمسسه ~~نار، واختيارها لهذا المثل العظيم، يجعلها أهلا لهذا القسم العظيم هنا. # أما طور سينين: فأكثرهم على أنه جبل الطور، الذي ناجى الله موسى عنده، ~~كما جاء في عدة مواطن، وذكر الطور فيها للتكريم وللقسم فمن ذكره للتكريم ~~قوله تعالى: # وناديناه من جانب الطور الأيمن # [مريم: 52]، ومن ذكره للقسم به قوله تعالى: # والطور وكتاب مسطور # [الطور: 1-2]. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الطور قوله، وقد ~~أقسم الله بالطور في قوله تعالى: { والتين والزيتون وطور ~~سينين } ا ه. # أما البلد الأمين فهو مكة لقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]، فالأمين بمعنى الأمن، أي من الأعداء، أن يحاربوا أهله ~~أو يغزوهم، كما قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]، والأمين بمعنى أمن جاء في قول الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني # حلفت يمينا لا أخون أميني # يريد: آمني. ### || [95.4] # وهذا هو المقسم عليه، والتقويم التعديل كما في قوله: # ولم يجعل له عوجا قيما # [الكهف: 1-2]، وأحسن تقويم شامل لخلق الإنسان حسا ومعنى أي شكلا وصورة ~~وإنسانية، وكلها من آيات القدرة ودلالة البعث. # وروى عن علي رضي الله عنه: # دواؤك منك ولا تشعر # وداؤك منك ولا تبصر # ونزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الكبير # وقد بين تعالى خلقه ابتداء من نطفة فعلقة إلى آخره في أكثر من موضع، كما ~~في قوله: # ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى # [القيامة: ms4152 37-40]. # وكذلك في هذه السورة التنبيه على البعث بقوله: # فما يكذبك بعد بالدين # [التين: 7]. # أما الجانب المعنوي فهو الجانب الإنساني، وهو المتقدم في قوله: # ونفس وما سواها # [الشمس: 7]، على ما قدمنا هناك، من أن النفس البشرية هي مناط التكليف، ~~وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنسانا، وبهما كان خلقه في أحسن تقويم، ~~ونال بذلك أعلى درجات التكريم: # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء: 70]. # والإنسان وإن كان لفظا مفردا إلا أنه للجنس بدلالة قوله: # ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا # [التين: 5-6]، وهذا مثل ما في سورة # والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر # [العصر: 1-3]، فباستثناء الجمع منه، علم أن المراد به الجنس. # والتأكيد بالقسم المتقدم على خلق الإنسان في أحسن تقويم، يشعر أن ~~المخاطب منكر لذلك، مع أن هذا أمر ملموس محسوس، لا ينكره إنسان. # وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على ~~ذلك: بأن غير المنكر إذا ظهرت عليه علامات الإنكار، عوامل معاملة المنكر، ~~كقول الشاعر: # جاء شقيق عارضا رمحه # وإن بني عمك فيهم رماح # وإمارات الإنكار على المخاطبين، إنما هي عدم إيمانهم بالبعث، لأن العاقل ~~لو تأمل خلق الإنسان، لعرف منه أن القادر على خلقه في هذه السورة، قادر ~~على بعثه. # وهذه المسألة أفردها الشيخ في سورة الجاثية بتنبيه على قوله تعالى: # وفي خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم ~~يوقنون # [الجاثية: 4]، وتكرر هذا البحث في عدة مواضع، وأصرح دلالة على هذا ~~المعنى ما جاء في آخر يس # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79]. ### || [95.5] # قيل: رد إلى الكبر والهرم وضعف الجسم والعقل. # إن الثمانين وبلغتها # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # كما في قوله تعالى: # ومن نعمره ننكسه في الخلق # [يس: 68]. # وذكر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذا القول، وساق معه قوله: # الله الذي خلقكم من ضعف ms4153 ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54]، وساق آية التين هذه # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5]، وقال: على أحد التفسيرين، وقوله: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # [الحج: 5]، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رواه ابن جرير. # وقيل: رد إلى النار بسبب كفره، وهذا مروي عن مجاهد والحسن. # وقد رجح ابن جرير المعنى الأول، وهو كما ترى، ما يشهد له القرآن في ~~النصوص التي قدمنا، واستدل لهذا الوجه من نفس السورة. وذلك لأن الله ~~تعالى قال في آخرها # فما يكذبك بعد بالدين # [التين: 7]، أي بعد هذه الحجج الواضحة، وهي بدء خلق الإنسان وتطوره إلى ~~أحسن أمره، ثم رده إلى أحط درجات العجز أسفل سافلين، وهذا هو المشاهد ~~لهم، يحتج به عليهم. # أما رده إلى النار فأمر لم يشهده ولم يؤمنوا به، فلا يصلح أن يكون ~~دليلا يقيمه عليهم، لأن من شأن الدليل أن ينقل من المعلوم إلى المجهول ~~والبعث هو موضع إنكارهم، فلا يحتج عليهم لإثبات ما ينكرونه بما ينكرونه، ~~وهذا الذي ذهب إليه واضح. # ومما يشهد لهذا الوجه: أن حالة الإنسان هذه في نشأته من نطفة، فعلقة، ~~فطفلا، فغلاما، فشيخا، فهرم، وعجز. جاء مثلها في النبات وكلاهما من ~~دلائل البعث، كما في قوله: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو # [الحديد: 20] - إلى قوله - # كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب ~~شديد ومغفرة من الله ورضوان # [الحديد: 20]، وقوله: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ~~ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله ~~حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب # [الزمر: 21]. # فكذلك الإنسان، لأنه كالنبات سواء كما قال تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا # [نوح: 17-18]. # ويكون الاستثناء إلا الذين آمنوا فإنهم لا يصلون إلى حالة الخوف وأرذل ~~العمر، لأن المؤمن مهما طال عمره، فهو في ms4154 طاعة، وفي ذكر الله فهو كامل ~~العقل، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على ~~تلاوته، لا يصاب بالخوف ولا الهذيان. # وقد شاهدنا شيخ القراء بالمدينة المنورة للشيخ حسين الشاعر، لا زال على ~~قيد الحياة عند كتابة هذه الأسطر تجاوز المائة بكثير، وهو لا يزال يقرئ ~~تلاميذه القرآن، ويعلمهم القراءات العشر، وقد يسمع لأكثر من شخص يقرءون ~~في أكثر من موضع وهو يضبط على الجميع. # وقد روى الشوكاني مثله، عن ابن عباس أنه قال، ذلك. ### || [95.6] # أي غير مقطوع أو غير ممنون به عليهم. # وعلى الأول: فالأجر هو الثواب، إما بدوام أعمالهم لكمال عقولهم، وإما ~~بأن الله يأمر الملائكة أن تكتب لهم من الأجر ما كانوا يعملونه في حال ~~فوتهم من صيام وقيام، وتصدق من كسبهم ونحو ذلك، للأحاديث في حق المريض ~~والمسافر، فيظل ثواب أعمالهم مستمرا عليهم غير مقطوع. # وعلى الثاني: فيكون الجر هو النعيم في الجنة يعطونه ولا يمن به عليهم، ~~ولا يقطع عنهم كما قال تعالى: # أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا # [الرعد: 35]. # تنبيه # وهنا وجهة نظر من وجهين: وجه خاص وآخر عام. # أما الخاص: فإن كلمة رددناه، فالرد يشعر إلى رد لأمر سابق، والأمر ~~السابق هو خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأحسن تقويم شامل لشكله ومعناه، أي ~~جسمه وإنسانيته، فرده إلى أسفل سافلين، يكون بعدم الإيمان كالحيوان بل هو ~~في تلك الحالة أسفل دركا من الحيوان، وأشرس من الوحش، فلا إيمان يحكمه ~~ولا إنسانية تهذبه، فيكون طاغية جبارا يعيث في الأرض فسادا، وعليه يكون ~~الاستثناء، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فبإيمانهم وعملهم الصالحات ~~يترفعون عن السفالة، ويرتفعون إلى الأعلى فلهم أجر غير ممنون. # والوجهة العامة وهي الشاملة لموضوع السورة من أولها ابتداء من التين ~~والزيتون وما معه في القسم إلى { لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا } [التين: 4-6] الآية. # فإنه إن صح ما جاء في قصة آدم في قوله: # فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا ms4155 ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة # [طه: 121]. روى المفسرون أن آدم لما بدت له سوأته ذهب إلى أشجار الجنة ~~ليأخذ من الورق ليستر نفسه، وكلما جاء شجرة زجرته ولم تعطه، حتى مر ~~بشجرة التين فأعطته، فأخلفها الله الثمرة مرتين في السنة، وكافأها بجعل ~~ثمرتها باطنها كظاهرها لا قشر لها ولا عجم. # وقد روى الشوكاني في أنها شجرة التين التي أخذ منها الورق. فقال: وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: " لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالا ~~من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه ". # قال: وأخرج الفريابي وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال: " كان لباس ~~آدم وحواء كالظفر - وذكر الأثر - وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة " ~~قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوأتهما. # وبهذا النقل يكون ذكر التين هنا مع خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده ~~أسفل سافلين إلا الذين آمنوا سر لطيف جدا، وهو إشعار الإنسان الآن، أن ~~جنس الإنسان كله بالإنسان الأول أبي البشر، وقد خلقه الله في أحسن حالة ~~حسا ومعنى، حتى رفعه إلى منزلة إسجاد الملائكة وله وسكناه الجنة، فهي ~~أعلى منزلة التكريم، وله فيها أنه لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا ~~يضحى، وظل كذلك على ذلك إلى أن أغواه الشيطان ونسي عهد ربه إليه، ووقع ~~فيه وكان له ما كان، فدلاهما بغرور وانتقلا من أعلى عليين إلى أسفل ~~سافلين، فنزل إلى الأرض يحرث ويزرع ويحصد ويطحن ويعجن ويخبز، حتى يجد ~~لقمة العيش، فهذا خلق الإنسان في أحسن تقويم ورده أسفل سافلين. # وهذا شأن أهل الأرض جميعا، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر ~~غير ممنون، برجوعهم إلى الجنة كما رجع إليها آدم بالتوبة، فتلقى آدم من ~~ربه كلمات فتاب عليه، ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى. # وإن في ذكر البلد الأمين لترشيح لهذا المعنى، لأن الله جعل الحرم لأهل ~~مكة أمنا كصورة الآمن ms4156 في الجنة، فإن امتثلوا وأطاعوا نعموا بهذا الأمن، ~~وإن تمردوا وعصوا، فيخرجون منها ويحرمون أمنها. # وهكذا تكون السورة ربطا بين الماضي والحاضر، وانطلاقا من الحاضر إلى ~~المستقبل، فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين. فيما فعل بآدم ~~وفيما يفعل بأولئك، حيث أنعم عليهم بالأمن والعيش الرغد، وإرسالك إليهم ~~وفيما يفعل لمن آمن أو بمن يكفر، اللهم بلى. ### || [95.7] # فالدين هو الجزاء كما في سورة الفاتحة # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] والخطاب قيل للرسول صلى الله عليه وسلم. # وأن ما في قوله: فما هي بمعنى من أي، فمن الذي يكذبك بعد هذا البيان، ~~بمجيء الجزاء والحساب ليلقى كل جزاء عمله. ### || [95.8] # السؤال كما تقدم في # ألم نشرح # [الشرح: 1]، أي للإثبات، وهو سبحانه وتعالى بلا شك أحكم الحاكمين، كما ~~ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: # " اللهم بلى " # كما سيأتي. # وأحكم الحاكمين، قيل: أفعل تفضيل من الحكم أي أعدل الحاكمين، كما في ~~قوله تعالى: # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. # وقيل: من الحكمة، أي في الصنع والإتقان والخلق، فيكون اللفظ مشتركا، ~~ولا يبعد أن يكون من المعنيين معا، وإن كان هو في الحكم أظهر، لأن ~~الحكيم من الحكمة يجمع على الحكماء. # فعلى القول بالأمرين: يكون من استعمال المشترك في معنييه معا، وهو هنا ~~لا تعارض بل هما متلازمان، لأن الحكيم لا بد أن يعدل، والعادل لا بد أن ~~يكون حكيما يضع الأمور في مواضعها. # وقد بين تعالى هذا المعنى في عدة مواطن كقوله تعالى: # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28]، الجواب: لا، وكقوله: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ~~ومماتهم سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21]، وفي قوله { سآء ما يحكمون } بيان لعدم عدالتهم ~~في الحكم، وبعده عن الحكمة. # ومعلوم أن عدم التسوية بينهم في مماتهم أنه بالبعث والجزاء، فهو سبحانه ~~أحكم الحاكمين في صنعه وخلقه. خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأعدل الحكام ~~في حكمه لم ms4157 يسو بين المحسن والمسيء. # وقد اتفق المفسرون على رواية الترمذي لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~مرفوعا: # " من قرأ والتين والزيتون، فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين، فليقل: بلى، ~~وأنا على ذلك من الشاهدين ". # ومثله عن جابر مرفوعا، وعن ابن عباس قوله: # " سبحانك اللهم، فبلى " # والعلم عند الله تعالى. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # في هذه الآيات الخمس تسع مسائل مرتبط بعضها ببعض ارتباط السبب بالمسبب، ~~والعام بالخاص، والدليل بالمدلول عليه، وكلها من منهج هذا الكتاب ~~المبارك. وفي الواقع أنها كلها مسائل أساسية بالغة الأهمية عظيمة ~~الدلالة. # وقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها وأمثالها من السور التي فيها ~~العجائب، وذلك لما جاء فيها من التأسيس لافتتاحية تلك الرسالة العظيمة، ~~ولا تستطيع إيفاءها حقها عجزا وقصورا. # وقد كتب فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأسلوبه مائتين وعشرين صفحة ~~متتالية، وفصلا آخر في مباحث تتصل بها، ولو أوردنا كل ما يسعنا مما ~~تحتمله، لكان خروجا عن موضوع الكتاب، ولذا فإنا نقصر القول على ما يتصل ~~بموضوعه، إلا ما جرى القلم به مما لا يمكن تركه، وبالله تعالى التوفيق. # أما المسائل التسع التي ذكرت هنا، فإنا نوردها لنتقيد بها وهي: # أولا: الأمر بالقراءة، يوجه لنبي أمي. # والثانية: كون القراءة هذه باسم الرب سبحانه مضافا للمخاطب صلى الله ~~عليه وسلم باسم ربك. # الثالثة: وصف للرب الذي خلق بدلا من اسم الله، واسم الذي يحيي ويميت أو ~~غير ذلك. # الرابعة: خلق الإنسان بخصوصه، بعد عموم خلق وإطلاقه. # الخامسة: خلق الإنسان من علق، ولم يذكر ما قبل العلقة من نطفة أو خلق ~~آدم من تراب. # السادسة: إعادة الأمر بالقراءة مع وربك الأكرم، بدلا من أي صفة أخرى، ~~وبدلا من الذي خلق المتقدم ذكره. # الثامنة: التعليم بالقلم. # التاسعة: تعليم الإنسان ما لم يعلم. # لما كانت هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وكانت تلك الآيات ~~الخمس أول ما نزل منها على الصحيح، فهي بحق افتتاحية الوحي، فكانت موضع ~~عناية المفسرين وغيرهم، والكلام على ذلك مستفيض في كتب ms4158 التفسير والحديث ~~والسيرة، فلا موجب لإيراده هنا. ولكن نورد الكلام على ما ذكرنا من موضوع ~~الكتاب إن شاء الله. # أما المسألة الأولى: قوله تعالى: { اقرأ } ، فالقراءة لغة الإظهار، ~~والإبراز، كما قيل في وصف الناقة: لم تقرأ جنينا، أي لم تنتج. # وتقدم للشيخ بيان هذا المعنى لغة وتوجيه الأمر بالقراءة إلى نبي أمي لا ~~تعارض فيه، لأن القراءة تكون من مكتوب وتكون من متلو، وهنا من متلو يتلوه ~~عليه جبريل عليه السلام، وهذا إبراز للمعجزة أكثر، لأن الأمي بالأمس صار ~~معلما اليوم. وقد أشار السياق إلى نوعي القراءة هذين، حيث جمع القراءة ~~مع التعليم بالقلم. # وفي قوله تعالى: { اقرأ } بدء للنبوة وإشعار بالرسالة، لأنه يقرأ ~~كلام غيره. # وقوله تعالى: { باسم ربك } ، تؤكد لهذا الإشعار، أي ليس من عندك ~~ولا من عند جبريل الذي يقرئك. # وقد قدمنا الرد على كونه صلى الله عليه وسلم لم يكتب ولا يقرأ مكتوبا، ~~من أنه صيانة للرسالة، كما أنه لم يكن يقول الشعر وما ينبغي له، إذا ~~لارتاب المبطلون. # كما قال تعالى: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنكبوت: 48] الآية. وذلك عند قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته # [الجمعة: 2]. # وهنا لم يبين ما يقرؤه ولكن مجيئ سورة القدر بعدها بمثابة البيان لما ~~يقرؤه وهي: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]، وجاء بيان ما أنزل في سورة الدخان # حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة ~~مباركة # [الدخان: 1-3]. # وللشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان لذلك عند قوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]، فكأنه في قوة اقرأ ما يوحي إليك من ربك، والمراد به هو ~~القرآن بالإجماع. # المسألة الثانية: قوله: { باسم ربك } ، أي اقرأ باسم ربك منشئا ~~ومبتدئا القراءة باسم ربك، وقد تكلم المفسرون على الباء أهي صلة، ويكون ~~اقرأ اسم ربك، أي قل باسم الله، كما في أوائل السور. # وقيل: الباء بمعنى على، أي على اسم ربك، وعليه: فالمقروء محذوف. # والذي يظهر والله تعالى ms4159 أعلم أن قوله: { باسم ربك } أي أن ما ~~تقرؤه هو من ربك، وتبلغه للناس باسم ربك، وأنت مبلغ عن ربك على حد قوله: # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. # وقوله: # ما على الرسول إلا البلاغ # [المائدة: 99]، أي عن الله تعالى. # وكقوله: # ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله # [النساء: 64]. # ونظير هذا في الأعراف الحاضرة خطاب الحكم، أو ما يسمى خطاب العرش، حينما ~~يقول ملقيه باسم الملك، أو باسم الأمة، أو باسم الشعب، على حسب نظام ~~الدولة، أي باسم السلطة التي منها مصدر التشريع والتوجيه السياسي. # وهنا باسم الله، باسم ربك، وصفة ربك هنا لها مدلول الربوبية الذي ينبه ~~العبد إلى ما أولاه الله إياه من التربية والرعاية والعناية، إذ الرب ~~يفعل لعبده ما يصلحه، ومن كمال إصلاحه أن يرسل إليه من يقرأ عليه وحيه ~~بخبري الدنيا والآخرة، وفي إضافته إلى المخاطب إيناس له. # المسألة الثالثة: وصف الرب بالذي خلق مع إطلاق الوصف، وذلك لأن صفة ~~الخلق هي أقرب الصفات إلى معنى الربوبية، ولأنها أجمع الصفات للتعريف ~~بالله تعالى لخلقه، وهي الصفة التي يسلمون بها # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف:87]. # ولأن كل مخلوق لا بد له من خالق # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # [الطور: 35]، وقد أطلق صفة الخلق عن ذكر مخلوق ليعم ويشمل الوجود كله، ~~خالق كل شيء في قوله: # ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ~~شيء # [الأنعام: 102]. # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل # [الزمر: 62]. # هو الله الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24]. # وتلك المسائل الثلاث: هي الأصول في الرسالة وما بعدها دلالة عليها، ~~فالأمر بالقراءة تكليف لتحمل الوحي، وباسم ربك بيان لجهة التكليف، والذي ~~خلق تدليل لتلك الجهة، أي الرسالة والرسول والمرسل مع الدليل المجمل. # ولا شك أن المرسل إليهم لم يؤمنوا ولا بواحدة منها، فكان لا بد من إقامة ~~الأدلة على ثبوتها بالتفصيل. # ولما كانت ms4160 جهة المرسل هي الأساس وهي المصدر، كان التدليل عليها أولا، ~~فجاء التفصيل في شأنها بما يسلمون به ويسلمونه في أنفسهم، وهي المسألة ~~الرابعة. # والخامسة: خلق الإنسان من علق، وهذا تفصيل بعد إجمال ببيان للبعض من ~~الكل فالإنسان بعض مما خلق، وذكره من ذكر العام بعد الخاص أولا، ومن ~~إلزامهم بما يسلمون به ثم لانتقالهم مما يعلمون، ويقرون به إلى ما لا ~~يعلمون وينكرون. # وفي ذكر الإنسان بعد عموم الخلق تكريم له، كذكر الروح بعد عموم ~~الملائكة، تنزل الملائكة والروح فيها ونحوه، والإنسان هنا الجنس بدليل ~~الجمع في علق جمع علقة، ولأنه أوضح دلالة عنده، ليستدل بنفسه من نفسه كما ~~سيأتي. # وقوله: { من علق } ، وهو جمع علقة، وهي القطعة من الدم، كالعرق أو ~~الخيط بيان على قدرته تعالى، وذلك لأنهم يشاهدون ذلك أحيانا فيما تلقى ~~به الرحم، ويعلمون أنه مبدأ خلقة الإنسان. # فالقادر على إيجاد إنسان في أحسن تقويم من هذه العلقة، قادر على جعلك ~~قارئا وإن لم تكن تعلم القراءة من قبل، كما أوجد الإنسان من تلك العلقة ~~ولم يكن موجودا من قبل، ولأن الذي يتعهد تلك العلقة حتى تكتمل إنسانا ~~يتعهدها بالرسالة. # وقد يكون في اختيار الإنسان بالذات وبخصوصه لتفصيل مرحلة وجوده، أن غيره ~~من المخلوقات لم تعلم مبادئ خلقتها كعلمهم بالإنسان، ولأن الإنسان قد مر ~~ذكره في السورة قبلها # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، فبين أنه من هذه العلقة كان في أحسن تقويم، ومن حسن تقويم ~~إنزال الكتاب القيم. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المقام هنا مقام دلالة على وجود الله، ~~فبدأ بما يعرفونه ويسلمون به لله، ولم يبدأ من النطفة أو التراب، لأن خلق ~~آدم من تراب لم يشاهدوه، ولأن النطفة ليست بلازم لها خلق الإنسان، فقد ~~تقذف في غبر رحم كالمحتلم، وقد تكون فيه، ولا تكون مخلقة. اه. # وهذا في ذاته وجيه، ولكن لا يبعد أن يقال: إن السورة في مستهل الوحي ~~وبدايته، فهي كالذي يقول: إذا كنت بدأت بالوحي إليه ولم يكن ms4161 من قبل، ولم ~~يوجد منه شيء بالنسبة إليك، فليس هو بأكثر من إيجاد الإنسان من علقة، بعد ~~أن لم يكن شيئا. # وعليه يقال: لقد تركت مرحلة النطفة مقابل مرحلة من الوحي، قد تركت أيضا ~~وهي فترة الرؤيا الصالحة، كما في الصحيحين # " أنه صلى الله عليه وسلم كان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة، ~~يراها فتأتي كفلق الصبح " # فكان ذلك إرهاصا للنبوة وتمهيدا لها لمدة ستة أشهر، ولذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له جزء من ست وأربعين ~~جزءا من النبوة " # وهي نسبة نصف السنة من ثلاث وعشرين مدة الوحي، ولكن الرؤيا الصالحة قد ~~يراها الرجل الصالح، ومثل ذلك تماما فترة النطفة، فقد تكون النطفة ولا ~~يكون الإنسان، كما تكون الرؤيا ولا تكون النبوة، أما العلقة فلا تكون إلا ~~في رحم وقرار مكين، ومن ثم يأتي الإنسان مخلقا كاملا، أو غير مخلق على ~~ما يقدر له. # فلما كانت فترة النطفة ليست بلازمة لخلق الإنسان، وكان مثلها فترة ~~الرؤية ليست لازمة للنبوة ترك كل منها مقابل الآخر، ويبدأ الدليل بما هو ~~الواقع المسلم على أن الله تعالى هو الخالق، والخالق للإنسان من علقة، ~~فكان فيه إقامة الدليل من ذاتية المستدل، فالدليل هو خلق الإنسان، ~~والمستدل به هو الإنسان نفسه، كما في قوله تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، فيستدل لنفسه من نفسه على قدرة خالقه سبحانه. # وإذا تم بهذا الاستدلال على قدرة الرب الخالق، كان بعده إقامة الدليل ~~على صحة النبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءت المسألة السادسة ~~وهي إعادة القراءة في قوله: { اقرأ وربك الأكرم } ، إذ أقام ~~الدليل على أنك مرسل من الله تبلغ عنه وتقرأ باسمه، فاعلم أن تلك ~~القراءة وهذا الوحي من ربك الأكرم، والأكرم قالوا: هو الذي يعطي بدون ~~مقابل، ولا انتظار مقابل، والواقع أن مجيء الوصف هنا بالأكرم بدلا من أي ~~صفة أخرى، لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها ~~لعظم العطاء ms4162 وجزيل المنة. # فأولا: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم. وكفى. # وثانيا: نعمة الخلق والإيجاد، فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم ~~بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلا من ~~الرب الأكرم سبحانه. # ثم تأتي المسألة الثامنة: وهي من الدلالة على النبوة والرسالة، وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم، سواء كان الوقف على: اقرأ، وابتداء الكلام: وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم. أو الوقف على الأكرم وابتداء الكلام. # الذي علم بالقلم، لأن من يعلم الجاهل بالقلم، يعلم غيره بدون القلم ~~بجامع التعليم بعد الجهل. فالقادر على هذا قادر على ذلك. # والتاسعة: بيان لهذا الإجمال حيث لم يبين ما الذي علمه بالقلم. فقال: { ~~علم الإنسان ما لم يعلم } ، وهذا مشاهد ملموس في أشخاصهم # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78]. # فالله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وكل ما تعلمه الإنسان فهو من الله ~~تعلمونهن مما علمكم الله، وهل الرسالة والنبوة إلا تعليم الرسول ما لم ~~يكن يعلم؟ وبهذا تم إقامة الدليل على صحة النبوة، أي الرسالة والرسول ~~والمرسل، وهي أسس الدعوة والبعثة الجديدة. # وقد اشتهر عند الناس أنه نبئ " باقرأ " وأرسل " بالمدثر " ولكن في نفس ~~هذه السورة معنى الرسالة، لما قدمنا من أن القراءة باسم ربك،إشعار بأنه ~~مرسل من ربه إلى من يقرأ عليهم، ففيها إثبات الرسالة من أول بدء الوحي. # تنبيه # في قوله تعالى: { الذى علم بالقلم } ، مبحث التعليم ومورد ~~سؤال، وهو إذا كان تعالى تمدح بأنه علم بالقلم وأنه علم الإنسان ما لم ~~يعلم، فكان فيه الإشادة بشأن القلم، حيث الله تعالى قد علم به، وهذا أعلى ~~مراتب الشرف مع أنه سبحانه قادر على التعليم بدون القلم، ثم أورده في ~~معرض التكريم في قوله: # ن والقلم وما يسطرون مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون # [القلم: 1-2]، وعظم المقسم عليه وهو نعمة الله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بالوحي، يدل على عظم المقسم به، وهو القلم وما يسطرون به من كتابة ~~الوحي وغيره. # وقد ms4163 ذكر القلم في السنة أنواعا متفاوتة، وكلها بالغة الأهمية. # منها: أولها وأعلاها: القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، ~~والوارد في الحديث # " أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب " # الحديث. # فعلى رواية الرفع، يكون هو أول المخلوقات ثم جرى بالقدر كله، وبما قدر ~~وجوده كله. # ثانيها: القلم الذي يكتب مقادير العام في ليلة القدر من كل سنة، المشار ~~إليه بقوله: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان: 4]. # ثالثها: القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل. # ثالثها: القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين المنوه عنه بقوله تعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]، أي بالكتابة كما في قوله: # كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون # [الانفطار: 11-12]، إذا قلنا إن الكتابة في ذلك تستلزم قلما، كما هو ~~الظاهر. # رابعا: القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم الله، ومن أهمها ~~أقلام كتاب الوحي، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكتابة سليمان لبلقيس. # وقوله تعالى: { الذى علم بالقلم } ، شامل لهذا كله، إذا كان ~~هذا كله شأن القلم وعظم أمره، وعظيم المنة له على الأمة، بلى وعلى ~~الخليقة كلها. # وقد افتتحت الرسالة بالقراءة والكتابة، فلماذا لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي أعلن عن هذا الفضل كله للقلم! لم يكن هو كاتبا به، ولا ~~من أهله بل هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما في قوله: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]. # والجواب: أنا أشرنا أولا إلى ناحية منه، وهي أنه أكمل للمعجزة، حيث ~~أصبح النبي الأمي معلما كما قال تعالى: # يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة # [آل عمران: 164]. # وثانيا: لم يكن هذا النبي الأمي مغفلا شأن القلم، بل عنى به كل ~~العناية، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتابا للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين ~~يديه، مع أنه يحفظه ويضبطه، وتعهد الله له بحفظه وبضبطه في قوله تعالى: # سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله ms4164 # [الأعلى: 6-7]، حتى الذي ينساه يعوضه الله بخير منه أو مثله، كما في ~~قوله تعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها # [البقرة: 106]، ووعد الله تعالى بحفظه في قوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. # ومع ذلك، فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ وكان له عدة كتاب، وهذا غاية ~~في العناية بالقلم. # وذكر ابن القيم من الكتاب الخلفاء الأربعة، ومعهم تتمة سبعة عشر شخصا، ~~ثم لم يقتصر صلى الله عليه وسلم في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة ~~الوحي، بل جعل التعليم به أعم، كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة، ~~وكان كاتبا محسنا " ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في ~~الاستيعاب. # وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: " علمت ناسا من أهل الصفة ~~الكتابة والقرآن ". # وقد كانت دعوته صلى الله عليه وسلم، الملوك إلى الإسلام بالكتابة كما هو ~~معلوم. # وأبعد من ذلك، ما جاء في قصة أسارى بدر، حيث كان يفادي بالمال من يقدر ~~على الفداء، ومن لم يقدر. وكان يعرف الكتابة مفاداته أن يعلم عشرة من ~~الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك. # وكان ممن تعلم: زيد بن ثابت وغيره. # فإذا كان المسلمون وهم في بادئ أمرهم وأحوج ما يكون إلى المال والسلاح، ~~بل واسترقاق الأسارى فيقدمون تعليم الغلمان الكتابة على ذلك كله، ليدل ~~على أمرين: # أولهما: شدة وزيادة العناية بالتعليم. # وثانيهما: جواز تعليم الكافر للمسلم ما لا تعلق له بالدين، كما يوجد ~~الآن من الأمور الصناعية، في الهندسة، والطب، والزراعة، والقتال، ونحو ~~ذلك. # وقد كثر المتعلمون بسبب ذلك، حتى كان عدد كتاب الوحي اثنين وأربعين ~~رجلا ثم كان انتشار الكتابة مع الإسلام، وجاء النص على الكتابة في توثيق ~~الدين في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه # [البقرة: 282] الآية، وهي أطول آية في كتاب الله تعالى ms4165 رسمت فيهم كتابة ~~العدل الحديثة كلها. # وإذا كان هذا شأن القلم وتعلمه، فقد وقع الكلام في تعليمه للنساء على ~~أنهن شقائق الرجال في التكليف والعلم، فهل كن كذلك في تعلم الكتابة أم ~~لا؟ # مبحث تعليم النساء الكتابة # وقع الخلاف بسبب نصين في المسألة: # الأول: حديث # " الشفاء بنت عبد الله قالت: " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها ~~الكتابة؟ " # رواه المجد في المنتقى عن أحمد وأبي داود وقال بعده: وهو دليل على جواز ~~تعلم النساء الكتابة. # والثاني: حديث عائشة رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعا: # " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة - يعني النساء - وعلموهن الغزل ~~وسورة النور " # قال الشوكاني في نيل الأوطار، على حديث المنتقى وحديث عائشة: إن حديث ~~الشفاء دليل على جواز تعليمهن، وحديث النهي: محمول على من يخشى من ~~تعليمها الفساد، أعني تعليم الكتابة والقراءة. # أما تعليم العلم فليس محل خلاف، والواقع أن هذه المسألة واضحة المعالم، ~~إذا نظرت كالآتي: # أولا: لا شك أن العلم من حيث هو خير من الجهل، والعلم قسمان: علم سماع ~~وتلقي، وهذه سيرة زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة كانت ~~القدوة الحسنة في ذلك في فقه الكتاب والسنة، وكم استدركت على الصحابة ~~رضوان الله تعالى عليهم، وهذا مشهور ومعلوم. # والثاني: علم تحصيل بالقراءة والكتابة، وهذا يدور مع تحقق المصلحة من ~~عدمها، فمن رأى أن تعليمهن مفسدة منعه، كما روي عن علي رضي الله عنه: أنه ~~مر على رجل يعلم امرأة الكتابة فقال: لا تزد الشر شرا. # وروي عن بعض الحكماء: أنه رأى امرأة تتعلم الكتابة، فقال: أفعى تسقى ~~سما، وأنشدوا الآتي: # ما للنساء وللكتا # بة والعمالة والخطابة # هذا لنا ولهن منا # أن يبتن على جنابه # ومثله ما قاله المنفلوطي: # يا قوم لم تخلق بنات الورى # للدرس والطرس وقال وقيل # لنا علوم ولها غيرها # فعلموها كيف نشر الغسيل # والثوب والإبرة في كفها # طرس عليه كل خط جميل # وهذا نظر إلى تعليمهن ms4166 وموقفهن من زاوية واحدة. كما قال الشاعر الآخر: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # مع أننا وجدنا في تاريخ المرأة نسوة شاركن في القتال، حتى عائشة رضي ~~الله عنها كانت تسقي الماء، وأم سلمة تداوي الجرحى، إذ لا يؤخذ قول كل ~~منهما على عمومه. # قال صاحب التراتيب الإدارية: أورد القلنشدي أن جماعة من النساء كن ~~يكتبن، ولم ير أن أحدا من السلف أنكر عليهم. اه. ومن المعلوم رواية " ~~كريمة " لصحيح البخاري، وهي من الرواية المعتبرة عن المحدثين، فقد رأيت ~~بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها ~~تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي، وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله: وقد ~~ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الإفريقية خصوصا شنقيط: شنجط، أي ~~شنقيط، وهي المعروفة الآن بموريتانيا، وتيتبكتو، وقبيلة كنت العجب، حتى ~~جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل للرجال، وختمته ~~زوجته في جهة أخرى للنساء. أه. # ومما يؤيد ما ذكره أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لإفريقيا، سمعنا ~~ونحن في مدينة أطار وهي على مقربة من مدينة شنجيط المذكورة، سمعنا من ~~كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقا مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة. # وقد سمعت في الآونة الأخيرة، أنه كانت توجد امرأة تدريس في المسجد ~~النبوي، الحديث، والسيرة، واللغة العربية وهي شنقيطية. # ويجب أن تكون النظرة لهذه المسألة على ضوء واقع الحياة اليوم وفي كل ~~يوم، وقد أصبح تعليم المرأة من متطلبات الحياة، ولكن المشكلة تكمن في ~~منهج تعليمها، وكيفية تلقيها العلم. # فكان من اللازم أن يكون منهج تعليمها قاصرا على النواحي التي يحسن أن ~~تعمل فيها كالتعليم والطب وكفى. # أما كيفية تعليمها، فإن مشكلتها إنما جاءت من الاختلاط في مدرجات ~~الجامعات، وفصول الدراسة في الثانويات في فترة المراهقة، وقلة المراقبة، ~~وفي هذا يكمن الخطر منها وعليها في آن واحد، فإذا كان لا بد من تعليمها، ~~فلا بد أيضا من المنهج الذي يحقق الغاية منه ويصمن السلامة فيه، ~~والتوفيق من الله سبحانه. # أما ms4167 ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب ~~وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة ~~والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية ~~والقوة الأخلاقية. # أما ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب ~~وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة ~~والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية ~~والقوة الأخلاقية. # وقد أوردت هذا المبحث استطرادا لبيان وجهة النظر في هذه المسألة، ~~اقتباسا من قوله تعالى: { الذى علم بالقلم } ، وبالله ~~التوفيق. # مسألة # بيان أولية الكتابة عامة والعربية خاصة، وأول من خط بالقلم على الأرض: # جاء في المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية المطبوع سنة ~~1304 ه ما نصه: وإنما أصول الكتابة اثني عشر على ما قاله ابن خلكان، ~~وتبعه كثير من المؤلفين، كالدميري في حياة الحيوان، والحلبي في السيرة ~~وغيرهما. # قال: إن جميع كتابات الأمم من سكان المشرق والمغرب اثنتي عشرة كتابة، ~~خمس منها ذهب من يعرفها وبطل استعمالها وهي: الحميرية، والقبطية، ~~والبربرية، والأندلسية، واليونانية، وثلاث منها فقد من يعرفها في بلاد ~~الإسلام ومستعملة في بلادها، وهي السريانية والفارسية والعبرانية ~~والعربية. ا ه. كلامه باختصار وفيه ما فيه. # قال: والحميرية: هي خط أهل اليمن قوم هود وهم عاد الأولى، وهي عاد إرم، ~~وكانت كتابتهم تسمى المسند الحميري، وكانت حروفها كلها منفصلة، وكانوا ~~يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، حتى جاءت دولة ~~الإسلام، وليس بجميع اليمن من يكتب ويقرأ. # وقال المقريزي في الخطط: القلم المسند، هو القلم الأول من أقلام حمير ~~وملوك عاد. اه. # والمعروف الآن أن الحروف المستعملة في الكتابة في العالم كله بصرف النظر ~~عن اللغات المنطوق بها هي ثلاثة فقط، الخط العربي بحروف ألف باء وبها ~~لغات الشرق. # والحروف اللاتينية وبها لغات أوروبا والحروف الصينية. # أما اللغات، وهي فوق ألفي لغة " والأمهرية بحرف قريب من اللاتيني ". # أما أولية الكتابة العربية، ms4168 فقال صاحب المطالع النصرية: فقد اختلفت ~~الروايات فيها، كما قاله الحافظ السيوطي في الأوائل. # وكذا في المزهر في النوع الثاني والأربعين، قال: إنه يرى آدم عليه ~~السلام أول من كتب بالقلم، وأن الكتابات كلها من وضعه، كان قد كتبها في ~~طين وطبخه، يعني أحرقه ودفنه قبل موته بثلاثمائة سنة، وبعد الطوفان وجد ~~كل قوم كتابا فتعلموه، وكانت اثنى عشر كتابا، فتعلموه بإلهام إلهي. # وقيل: إن أول من خط بالعربي إسماعيل عليه السلام. اه. # وقد أطال السيوطي في المزهر الكلام في هذه المسألة، نقلا عن ابن فارس ~~الشدبامي. # وعن العسكري عن الأوائل في ذلك أقوال، فقيل إسماعيل، وقيل: مرار بن مرة، ~~وهما من أهل الأنبار، وفي ذلك يقول الشاعر: # كتبت أبا جاد وخطى مرامر # وسورت سربالي ولست بكاتب # وقيل: أول من وضعه أبجد، وهوز وحطي، وكلمن، وصعفص، وقرشت، وكانوا ملوكا ~~فسمي الهجاء بأسمائهم. # وذكر عن الحافظ أبي طاهر السلفي بسنده عن الشعبي قال: أول من كتب ~~بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة ~~من أهل الأنبار. # وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدثنا عبد الله بن محمد ~~الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين ~~تعلمتم الكتابة؟ قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة: من أين ~~تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار، ثم قال ابن فارس: والذي نقوله ~~إن: الخط توفيقي، وذلك لظاهر قوله تعالى: { الذى علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم }. # وقوله: # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1]. # وإذا كان هذا فليس ببعيد، أن يوقف الله آدم أو غيره من الأنبياء عليهم ~~السلام على الكتابة، فأما أن يكون شيئا مخترعا اخترعه من تلقاء نفسه، ~~فهذا شيء لا نعلم صحته إلا من خبر صحيح. # قال السيوطي: قلت يؤيد ما قاله من التوقيف، ما أخرجه ابن شقة من طريق ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " أول كتاب أنزله الله من السماء أبا جاد ~~". # وأخرج الإمام أحمد ms4169 في مسنده عن أبي ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام " # اه. # وقد أطال النقول في ذلك مما يرجع إلى الأول، وليس فيه نقل صحيح يقطع به. # وقد أوردنا هذه النبذة بخصوص كلام ابن فارس، من أن تعليم الكتابة أمر ~~توقيفي، وما استدل به السيوطي من أول كتاب أنزله الله في السماء، فإن في ~~القرآن ما يشهد لإمكان ذلك، وهو أن الله تعالى أنزل الصحف لموسى مكتوبة. # وفي الحديث # " إن الله كتب الألواح لموسى بيده، وغرس جنة عدن بيده ". # وإذا كان موسى تلقى ألواحا مكتوبة، فلا بد أن تكون الكتابة معلومة له ~~قبل إنزالها، وإلا لما عرفها. # أما المشهور في الأحرف التي نكتب بها الآن، فكما قال السيوطي في المزهر، ~~ونقله عنه صاحب المطالع المصرية ما نصه: # المشهور عند أهل العلم ما رواه ابن الكلبي عن عوانة، قال: أول من كتب ~~بخطنا هذا. وهو الجزم مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن حدرة. كما ~~في القاموس. وهم من عرب طيء تعلموه من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه ~~السلام، ثم علموه أهل الأنبار، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة ~~وغيرها، فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة ~~الجندل، وكانت له صحبة بحرب بن أمية فتعلم حرب منه، ثم سافر معه بشر إلى ~~مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان. فتعلم منه جماعة من أهل مكة. # فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبيل الإسلام. # ولذا قال رجل كندي من أهل دومة الجندل، يمن على قريش بذلك: # لا تجحدوا نعماء بشر عليكم # فقد كان ميمون النقيبة أزهرا # أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا # من المال ما قد كان شتى مبعثرا # وأتقنتموا ما كان بالمال مهملا # وطأمنتموا ما كان منه مبقرا # فأجريتم الأقلام عودا وبدأة # وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا # وأغنيتم عن مسند إلى حميرا # وما زبرت في الصحف أقلام حميرا # قال: وكذلك ذكر النووي في شرح مسلم نقل عن ms4170 الفراء، أنه قال: إنما كتبوا ~~الربا في المصحف بالواو، لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ~~ولغتهم الربوا، فعلموهم صورة الخط على لغتهم. 1ه. # تنبيه آخر # قوله تعالى: { الذى علم بالقلم } ، لا يمنع تعليمه تعالى ~~بغير القلم، كما في قصة الخضر مع موسى عليه السلام في قوله تعالى: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. # وكما في حديث # " نفث في روعي أنه لن تموت نفس، حتى تستكمل رزقها وأجلها " # الحديث. # وكما في # " حديث الرقية بالفاتحة لمن لدغته العقرب في قصة السرية المعروفة، فلما ~~سأله صلى الله عليه وسلم " وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء في نفث روعي " ~~". # وحديث علي لما سئل " هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم؟ قال: ~~لا، إلا فهما يؤتيه الله من شاء في كتابه. وما في هذه الصحيفة ". # وقوله: واتقوا الله ويعلمكم الله. نسأل الله علم ما لم نعلم، والعمل بما ~~نعلم. وبالله التوفيق. ### || [96.6-7] # ظاهر هذه الآية أن الاستغناء موجب للطغيان عند الإنسان، ولفظ الإنسان ~~هنا عام، ولكن وجدنا بعض الإنسان يستغني ولا يطغى، فيكون هذا من العام ~~المخصوص، ومخصصه إما من نفس الآية أو من خارج عنها، ففي نفس الآية ما ~~يفيده قوله تعالى: { أن رآه استغنى } ، أي إن رأي الإنسان نفسه، ~~وقد يكون رأيا واهما ويكون الحقيقة خلاف ذلك، ومع ذلك يطغى، فلا يكون ~~الاستغناء هو سبب الطغيان. # ولذا جاء في السنة: ذك العائل المتكبر، لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى، ~~فهو معنى في نفسه لا بسبب غناه. # أما من خارج الآية، فقد دل على هذا المعنى، قوله تعالى: # فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم ~~هي المأوى # [النازعات: 37-39]، فإيثار الحياة الدنيا هو موجب الطغيان، وكما في قوله ~~تعالى: # الذى جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده ~~كلا لينبذن في الحطمة # [الهمزة: 2-4] الآية. # ومفهومه: أن من لم يؤثر الحياة الدنيا، ولم يحسب أن ماله أخلده، لن ~~يطغيه ماله ولا غناه، كما ms4171 جاء في قصة النفر الثلاثة الأعمى والأبرص ~~والأقرع من بني إسرائيل. # وقد نص القرآن على أوسع غنى في الدنيا في نبي الله سليمان، آتاه الله ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ومع هذا قال: # إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى ~~توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق # [ص: 32-33] الآية. # وقصة الصحابي الموجودة في الموطأ: لما شغل ببستانه في الصلاة، حين رأى ~~الطائر لا يجد فرجة من الأغصان، ينفذ منه، فجاء إلى النبي وقال: " يا ~~رسول الله: إني فتنت ببستاني في صلاتي، فهو في سبيل الله " فعرفنا أن ~~الغنى وحده ليس موجبا للطغيان، ولكن إذا صحبه إيثار الحياة الدنيا على ~~الآخرة، وقد يكون طغيان النفس من لوازمها لو لم يكن غنى. إن النفس لأمارة ~~بالسوء. وأنه لا يقي منه إلا التهذيب بالدين كما قال تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء # [الشورى: 27] الآية. # وقد ذكر عن فرعون تحقيق ذلك حين قال: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون # [الزخرف: 51]، وكذلك قال قارون # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]، وقال: ثالث الثلاثة من بني إسرائيل " إنما ورثته كابرا عن ~~كابر بخلاف المسلم " إلى آخره. فلا يزيده غناه إلا تواضعا وشكرا ~~للنعمة، كما قال نبي الله سليمان # قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن ربي غني كريم # [النمل: 40]، وقد نص في نفس السورة أنه شكر الله # فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين # [النمل: 19]. # وفي العموم قوله: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي ~~في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين # [الأحقاف: 15]. # وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms4172 أصحاب المال الوفير ~~فلم يزدهم إلا قربا لله، كعثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وأمثالهم، وفي الآية ربط لطيف بأول السورة، إذا كان خلق الإنسان من ~~علق، وهي أحوج ما يكون إلى لطف الله وعنايته ورحمته في رحم أمه، فإذا بها ~~مضغة ثم عظام، ثم تكسى لحما، ثم تنشأ خلقا آخر، ثم يأتي إلى الدنيا ~~طفلا رضيعا لا يملك إلا البكاء، فيجري الله له نهرين من لبن أمه، ثم ~~ينبت له الأسنان، ويفتق له الأمعاء، ثم يشب ويصير غلاما يافعا، فإذا ما ~~ابتلاه ربه بشيء من المال أو العافية، فإذا هو ينسى كل ما تقدم، وينسى ~~حتى ربه ويطغى ويتجاوز حده حتى مع الله خالقه ورازقه، كما رد عليه تعالى ~~بقوله: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة # [يس: 77-79] الآية. # ومما في الآية من لطف التعبير قوله تعالى: { أن رآه استغنى } ، ~~أي أن الطغيان الذي وقع فيه عن وهم، تراءى له، أنه استغنى سواء بماله أو ~~بقوته. لأن حقيقة المال ولو كان جبالا، ليس له منه إلا ما أكل ولبس ~~وأنفق. # وهل يستطيع أن يأكل لقمة واحدة إلا بنعمة العافية، فإذا مرض فماذا ينفعه ~~ماله، وإذا أكلها وهل يستفيد منها إلا بنعمة من الله عليه. # ومن هذه الآية أخذ بعض الناس، أن الغني الشاكر أعظم من الفقير الصابر، ~~لأن الغنى موجب للطغيان. # وقد قال بعض الناس: الصبر على العافية، أشد من الصبر على الحاجة. ### || [96.15-16] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب: أسند ~~الكذب إلى الناصية، وفي مواضع أخرى أسنده إلى غير الناصية، كقوله: # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله وأولئك هم الكاذبون # [النحل: 105]. # وذكر الجواب بأنه أطلق الناصية وأراد صاحبها على أسلوب لإطلاق البعض ~~وإيراد الكل، وذكر الشواهد عليه من القرآن كقوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب ms4173 وتب # [المسد: 1]. # والذي ينبغي التنبيه عليه من جهة البلاغة: أن البعض الذي يطلق ويراد به ~~الكل، لا بد في هذا البعض من مزيد مزية للمعنى المساق فيه الكلام. # فمثلا هنا ذم الكذب وأخذ الكاذب بكذبه، فجاء ذكر الناصية وهي مقدم شعر ~~الرأس، لأنها أشد نكارة على صاحبها ونكالا به، إذ الصدق يرفع الرأس ~~والكذب ينكسه ذلة وخزيا. # فكانت هي هنا أنسب من اليد أو غيرها، بينما في أبي لهب تطاول بماله، ~~والغرض مذمة ماله وكسبه الذي تطاول به، واليد هي جارحة الكسب، وآلة ~~التصرف في المال، فكانت اليد أولى فيه من الناصية. # وهكذا كما يقولون: بث الأمير عيونه: يريدون جواسيس له، لأن العين من ~~الإنسان أهم ما فيه لمهمته تلك. ولم يقولوا: بث أرجله ولا رؤوسا ولا ~~أيد، لأنها كلها ليست كالعين في ذلك. # ومن هذا القبيل # قلوب يومئذ واجفة # [النازعات: 8]، # يأيتها النفس المطمئنة # [الفجر: 27]. # لأن القلب هو مصدر الخوف والنفس هي محط الطمأنينة، على أن النفس جزء من ~~الإنسان، وهكذا، ومنه الآتي # كلا لا تطعه واسجد واقترب # [العلق: 19]، أطلق السجود وأراد الصلاة، لأن السجود أخص صفاتها. ### || [96.19] # ربط بين السجود والاقتراب من الله كما قال: # ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا # [الإنسان: 26] وقوله: في وصف أصحابه رضي الله عنهم: # تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا # [الفتح: 29]، فقوله: # يبتغون فضلا من الله ورضوانا # [الفتح: 29]، في معنى يتقربون إليه يبين قوله: # واسجد واقترب # وهذا مما يدل لأول وهلة أن الصلاة أعظم قربة إلى الله، حيث وجه إليها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من أول الأمر، كما بين تعالى في قوله: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1] # الضمير في أنزلناه للقرآن قطعا. # وحكى الألوسي عليه الإجماع، وقال: ما يفيد أن هناك قولا ضعيفا لا ~~يعتبر من أنه لجبريل. # وما قاله عن الضعف لهذا القول، يشهد له السياق، وهو قوله تعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها ms4174 # [القدر: 4]. # والمشهور: أن الروح هنا هو جبريل عليه السلام، فيكون الضمير في أنزلنا ~~لغيره، وجيء بضمير الغيبة، تعظيما لشأن القرآن، وإشعارا بعلو قدره. # وقد يقال: ذكر سورة القدر قبلها مشعرة به في قوله: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]، ثم جاءت { إنا أنزلناه } [القدر: 1]، أي القرآن ~~المقروء، والضمير المتصل في إنا، ونا في إنا أنزلناه مستعمل للجمع ~~وللتعظيم، ومثلها نحن، وقد اجتمعا في قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]، والمراد بهما هنا التعظيم قطعا لاستحالة التعدد أو إرادة ~~معنى الجمع. # فقد صرح في موضع آخر باللفظ الصريح في قوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23]، والمراد به القرآن قطعا، فدل على أن المراد بتلك الضمائر ~~تعظيم الله تعالى. # وقد يشعر بذلك المعنى وبالاختصاص تقديم الضمير المتصل إنا، وهذا المقام ~~مقام تعظيم واختصاص لله تعالى سبحانه، ومثله # إنآ أعطيناك الكوثر # [الكوثر: 1]، وقوله: # إنآ أرسلنا نوحا # [نوح: 1]، # إنا نحن نحيي ونميت # [ق: 43]، وإنزال القرآن منة عظمى. # وقد دل تعظيم المنة وتعظيم الله سبحانه في قوله: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته # [ص: 29]، فقال: كتاب أنزلناه بضمير التعظيم، ثم قال في وصف الكتاب: ~~مبارك. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنصيص على أنه للتعظيم عند ~~الكلام على آية ص هذه # كتاب أنزلناه إليك مبارك # [ص: 29]. # والواقع أنه جاءت الضمائر بالنسبة إلى الله تعالى بصيغ الجمع للتعظيم ~~وبصيغ الإفراد، فمن صيغ الجمع ما تقدم، ومن صيغ الإفراد قوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، وقوله: # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71]، وقوله: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. # ويلاحظ في صيغ الإفراد: أنها في مواضع التعظيم والإجلال، كالأول في مقام ~~خلق البشر من طين، ولا يقدر عليه إلا الله. # والثاني: في مقام أنه يعلم ما لا تعلمه الملائكة، وهذا لا يكون إلا لله ~~سبحانه، فسواء جيء بضمير بصيغة الجمع أو الإفراد، ففيها كلها تعظيم لله ~~سبحانه وتعالى سواء بنصها، وأصل الوضع أو بالقرينة في السياق. # ثم اختلف في ms4175 المنزل ليلة القدر، هل هو الكل أو البعض؟ # فقيل: وهو رأي الجمهور أنه أوائل تلك السورة فقط أي بداية الوحي ~~بالقرآن، وهو مروي عن ابن عباس، قال: " ثم تتالى نزول الوحي، بعد ذلك ~~وكان بين أوله وآخره عشرون سنة ". # وقيل: المنزل في تلك الليلة، هو جميع القرآن جملة واحدة، وكله إلى سماء ~~الدنيا، ثم صار ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما حسب ~~الوقائع. # وهذا الأخير هو رأي الجمهور كما قدمنا، وقد اختاره الشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]، وحكاه الألوسي وحكى عليه الإجماع. # وعن ابن حجر في فتح الباري، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول يجمع ~~فيه بين القولين الأخيرين، وهو أنه لا منافاة بين القولين، ويمكن الجمع ~~بينهما، بأن يكون نزل جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، وبدء نزول ~~أوله # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]، في ليلة القدر. # وقد أثير حول هذه المسألة جدال ونقاش كلامي حول كيفية نزول القرآن، ~~وأدخلوا فيها القول بخلق القرآن، وأن جبريل نقله من اللوح المحفوظ، وأن ~~الله لم يتكلم به، عند نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن ذلك، وكتب جوابه ~~وطبع، فكان كافيا. وقد نقل فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين أن ~~الله تعالى تكلم به عند وحيه، ورد على كل شبهة في ذلك. # والواقع أنه لا تعارض كما تقدم، بين كوه في اللوح المحفوظ ونزوله إلى ~~السماء الدنيا جملة، ونزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما، لأن ~~كونه في اللوح المحفوظ، فإن اللوح فيه كل ما هو كائن وما سيكون إلى يوم ~~القيامة، ومن جملة ذلك القرآن الذي سينزله الله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ونزوله جملة إلى سماء الدنيا، فهو بمثابة نقل جزء مما في اللوح وهو جملة ~~القرآن، فأصبح القرآن موجودا في كل من اللوح المحفوظ كغيره مما هو فيه، ms4176 ~~وموجودا في سماء الدنيا ثم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما. # ومعلوم أنه الآن هو أيضا موجود في اللوح المحفوظ، لم يخل منه اللوح، ~~وقد يستدل لإنزاله جملة ثم تنزيله منجما بقوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] لأن نزل بالتضعيف تدل على التكرار كقوله: # تنزل الملائكة # [القدر: 4]، أي في كل ليلة قدر. # وقد جاء { أنزلناه } ، فتدل على الجملة. # وقد بينت السنة تفصيل تنزيله مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله: ~~كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم. قالوا: ماذا ~~قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير " # الحديث في صحيح البخاري. # وفي أبي داود وغيره # " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان ~~". # وعلى هذا يكون القرآن موجودا في اللوح المحفوظ حينما جرى القلم بما هو ~~كائن وما سيكون، ثم جرى نقله إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر، ثم نزل ~~منجما في عشرين سنة. # وكلما أراد الله إنزال شيء منه تكلم سبحانه بما أراد أن ينزله، فيسمعه ~~جبريل عليه السلام عن الله تعالى. ولا منافاة بين تلك الحالات الثلاث. ~~والله تعالى أعلم. # وقد قدمنا الكلام على صور كيفية نزول الوحي وتلقي الرسول صلى الله عليه ~~وسلم للوحي. # وقيل: معنى { أنزلناه في ليلة القدر } ، أي أنزلنا القرآن ~~في شأن ليلة القدر تعظيما لها، فلم تكن ظرفا على هذا الوجه. # والواقع: أن هذا القول وإن كان من حيث الأسلوب ممكنا إلا أن ما بعده ~~يغني عنه، لأن إعظام ليلة القدر وبيان منزلتها قد نزل فيها قرآن فعلا، ~~وهو ما بعدها مباشرة في قوله: # ومآ أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير ~~من ألف شهر # [القدر: 2-3]، إلى آخر السورة. # وعليه، فيكون أول السورة في شأن إنزال القرآن وبيان ظرف إنزاله، وآخر ~~السورة في ليلة القدر ms4177 وبيان منزلتها. # وقد ذكرت ليلة القدر مبهمة، ولكن جاء في القرآن ما يعين الشهر التي هي ~~فيه، وهو شهر رمضان لقوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الدخان بيان ذلك، ~~وأنها الليلة التي فيها يبرم كل أمر حكيم، وليست ليلة النصف من شعبان كما ~~يزعم بعض الناس. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الحكمة من إنزاله مفرقا ~~عند قوله تعالى: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولو الألباب # [ص: 29]. ### || [97.3] # القدر: الرفعة، والقدر: بمعنى المقدار. # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في مذكرة الإملاء ووجه تسميتها ~~ليلة القدر فيه وجهان: # أحدهما: أن معنى القدر الشرف والرفعة، كما تقول العرب: فلان ذو قدر، أي ~~رفعة وشرف. # الوجه الثاني: أنها سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها وقائع ~~السنة، ويدل لهذا التفسير الأخير قوله تعالى: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من ~~عندنآ # [الدخان: 3-5]. # وهذا المعنى قد ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الدخان من ~~الأضواء. # والواقع أن في السورة ما يدل للوجه وهو القدر والرفعة، وهو قوله: # ومآ أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير ~~من ألف شهر # [القدر: 2-3]. # فالتساؤل بهذا الأسلوب للتعظيم كقوله: # القارعة ما القارعة ومآ أدراك ما القارعة # [القارعة: 1-3]، وقوله: { خير من ألف شهر } ، فيه النص ~~صراحة على علو قدرها ورفعتها، إذ أنها تعدل في الزمن فوق ثلاث وثمانين ~~سنة، أي فوق متوسط أعمار هذه الأمة. # وأيضا كونها اختصت بإنزال القرآن فيها، وبتنزل الملائكة والروح فيها، ~~وبكونها سلاما هي حتى مطلع الفجر، لفيه الكفاية بما لم تختص وتشاركها في ~~ليلة القدر من ليالي السنة. # وعليه: فلا مانع من أن تكون سميت بليلة القدر، لكونها محلا لتقدير ~~الأمور في كل سنة، وأنها بهذا وبغيره علا قدرها وعظم شأنها، والله تعالى ~~أعلم، تذكير بنعمة كبرى. # إذا كانت أعمال العبد تتضاعف في ms4178 تلك الليلة، حتى تكون خيرا من ألف شهر، ~~كما في هذا النص الكريم. فإذا صادفها العبد في المسجد النبوي يصلي، وصلاة ~~فيه بألف صلاة، فكم تكون النعمة وعظم المنة، من المنعم المتفضل سبحانه، ~~إنه لمما يعلي الهمة ويعظم الرغبة. # وقد اقتصرت على ذكر المسجد النبوي دون المسجد الحرام، مع زيادة المضاعفة ~~فيه، لأن بعض المفسرين قال بمضاعفة السيئة فيها. # كذلك أي أن المعصية في ليلة القدر كالمعصية في ألف شهر، والمسجد الحرام ~~يحاسب فيه العبد على مجرد الإرادة، فيكون الخطر أعظم، وفي المدينة أسلم. # ولعل مما يؤيد ذلك أن ليالي القدر كلها، كانت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المدينة، وقد أثبتها أهل السنة كافة، وادعت الشيعة نسخها ورفعها ~~كلية، وهذا لا يلتفت إليه لصحة النصوص وشبه المتواترة. # تنبيه # لم يأت تحديد لتلك الليلة من أي رمضان تكون، وقد أكثر العلماء في ذلك ~~القول وإيراد النصوص. # فالأقوال منها على أعم ما يكون، من أنها في عموم السنة، وهذا لم يأت ~~بجديد، وهو عن ابن مسعود وإنما أراد الاجتهاد. ومنها: أنها في عموم ~~رمضان، وهذا حسب عموم نص القرآن. # ومنها: أنها في العشر الأواخر منه، وهذا أخص من الذي قبله. # ومنها: أنها في الوتر من العشر الأواخر، وهذا أخص من الذي قبله. # ومنها: أنها في آحاد الوتر من العشر الأواخر. # فقيل: في إحدى وعشرين. # وقيل: ثلاث وعشرين. # وقيل: خمس وعشرين. # وقيل: سبع وعشرين. # وقيل: تسع وعشرين. # وقيل: آخر ليلة من رمضان على التعيين، وفي كل ليلة من ذلك نصوص. # ولكن أشهرها وأكثرها وأصحها، ما جاء أنها في سبع وعشرين، وإحدى وعشرين، ~~ولا حاجة إلى سرد النصوص الواردة في كل ذلك، فم يبق كتاب من كتب التفسير ~~إلا ذكرها، ولا سيما ابن كثير والقرطبي. # تنبيه # إذا كانت كل النصوص التي وردت في الوتر من العشر الأواخر صحيحه، فإنه لا ~~يبعد أن تكون ليلة القدر دائرة بينها، وليست بلازمة في ليلة منها ولا ~~تخرج عنها، فقد تكون في سنة هي ليلة إحدى ms4179 وعشرين، بينما في سنة أخرى ليلة ~~خمس أو سبع وعشرين، وفي أخرى ليلة ثلاث أو تسع وعشرين، وهكذا. والله ~~تعالى أعلم. # وقد حكى هذا الوجه ابن كثير عن مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال: وهو ~~الأشبه، والله تعالى أعلم. # وقد قيل: إنه صلى الله عليه وسلم قد أنسيها، لتجتهد الأمة في الشهر كله ~~أو في العشر كلها، ومما يؤكد أنها في العشر الأواخر اعتكافه صلى الله ~~عليه وسلم، التماسا لليلة القدر. # وقد جاء في فضلها ما استفاضت به كتب الحديث والتفسير، ويكفي فيها نص ~~القرآن الكريم. # وفي هذه الليلة مباحث عديدة يطول تتبعها، منها ما يذكر من أماراتها. # ومنها: محاولة البعض استخراجها من القرآن. # ومنها: علاقتها بحكم بني أمية، وليس على شيء من ذلك نص يمكن التعويل ~~عليه، لذا لا حاجة إلى إيراده، اللهم إلا ما جاء في بعض أمارات نهارها ~~صبيحتها، حيث جاء التنويه عن شيء منه في الحديث # " ورأيتني أسجد صبيحتها في ماء وطين ". # فذكروا من علامات يومها أن تطلع الشمس بيضاء، وقالوا: لأن أنوار ~~الملائكة عند صعودها، تتلاقى مع أشعة الشمس فتحدث فيها بياض الضوء، وهذا ~~مروي عن أبي في صحيح مسلم. # ومنها: اعتدال هوائها وجوها ونحو ذلك، ومما يمكن أن يكون له صلة ~~بالسورة ذاتها، ما حكاه ابن كثير أن بعض السلف، أراد استخراجها من كتاب ~~الله في نفس السورة، فقال: إن كلمة هي في قوله: # سلام هي # [القدر: 5]، تقع السابعة والعشرين من عد كلماتها، فتكون ليلة سبع ~~وعشرين. # وقيل أيضا: إن حروف كلمة ليلة القدر تسعة أحرف، وقد تكررت ثلاث مرات، ~~فيكون مجموعها سبعة وعشرين حرفا، فتكون ليلة سبع وعشرين. # ولعل أصوب ما يقال: هو ما قدمنا من أنها تتصل في ليالي الوتر من العشر ~~الأواخر، ولا تخرج عنها. والله تعالى أعلم. ### || [97.4] # قيل: الروح هو جبريل، كما في قوله: # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91]، ويكون فيها أي في جماعة الملائكة، أو معطوف على ~~الملائكة من عطف الخاص على العام. # وقيل: إن الروح نوع من الملائكة ms4180 مستقل، ويكون فيها ظرف للنزول أي في تلك ~~الليلة. # قوله تعالى: { من كل أمر }. # الأمر يكون واحد الأمور وواحد الأوامر، والذي يظهر أنه شامل لهما معا، ~~لأن الأمر من الأمور لا يكون إلا بأمر من الأوامر # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. # ويشهد له ما جاء في شأنها في سورة الدخان # فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنآ # [الدخان: 4-5]. # والذي يفرق من الأمر، هو أحد الأمور. حيث يفصل بين الخير والشر والضر ~~والنفع إلى آخره، ثم قال: # أمرا من عندنآ # [الدخان: 5]، كما أشار إليه السياق: # لا إله إلا هو يحيي ويميت # [الدخان: 8]، فكل أمر من الأمور يقتضي أمرا من الأوامر، وهذا يمكن أن ~~يكون من الألفاظ المشتركة المستعملة في معنييها، والله تعالى أعلم. ### || [97.5] # قيل: سلام، هي أي أن الملائكة تسلم على كل مؤمن لقيته. # وقيل: سلام، هي أي كل أمر فيها هو سلام، ولا يصاب أحد فيها بسوء، وعلى ~~كل فلا تعارض بين القولين، فالأول جزء من الثاني، لأن الثاني يجعلها ~~ظرفا لكل خير، وينفي عنها كل شر، ومن الخير العظيم، سلام الملائكة على ~~المؤمنين. # لطيفة # كون إنزال القرآن هنا في الليل دون النهار، مشعر بفضل اختصاص الليل. # وقد أشار القرآن والسنة إلى نظائره، فمن القرآن قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، ومنه قوله: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود # [ق: 40]، # إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا # [المزمل: 6]، وقوله: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. # ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان ثلث الليل الآخر، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا " # الحديث. # وهذا يدل على ان الليل أخص بالنفحات الإلهية، وبتجليات الرب سبحانه ~~لعباده، وذلك لخلو القلب وانقطاع الشواغل وسكون الليل، ورهبته أقوى على ~~استحضار القلب وصفائه. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-4] # ذكر هنا الذين كفروا، ثم جاءت من، وجاء بعدها أهل الكتاب والمشركين، مما ~~يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلا ms4181 من أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة ~~أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب لوجود العطف، وأن أهل الكتاب ليسوا ~~من المشركين. # وهذا المبحث معروف عند المتكلمين وعلماء التفسير، واتفقوا على: أن أهل ~~الكتاب هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم عبدة الأوثان، والكفر بجميع ~~القسمين. # وأهل الكتاب مختص باليهود والنصارى، ولكن الخلاف هل الشرك يجمعهما أيضا ~~أم لا؟ # فبين الفريقين عموم وخصوص، عموم في الكفر وخصوص في أهل الكتاب لليهود ~~والنصارى، وخصوص في المشركين لعبدة الأوثان. # ولكن جاءت آيات تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب أيضا: كما في ~~قوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون # [التوبة: 30-31]. # فجعل مقالة كل من اليهود والنصارى إشراكا. # وجاء عن عبد الله بن عمر منع نكاح الكتابية وقال: " وهل كبر إشراكا من ~~قولها: # اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116]، فهو وإن كان مخالفا للجمهور في منع الزواج من ~~الكتابيات، إلا أنه اعتبرهن مشركات. # ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع فى مسمى الشرك، هل يشمل أهل الكتاب ~~أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقا في الشرع في معاملة أهل الكتاب ومعاملة ~~المشركين، فأحل ذبائح أهل الكتاب ولم يحلها من المشركين، وأحل نكاح ~~الكتابيات ولم يحله من المشركات، كما قال تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221]. # وقوله: # ولا تمسكوا بعصم الكوافر # [الممتحنة: 10]. # وقال: # لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن # [الممتحنة، 10]، بين ما في حق الكتابيات قال: # والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن # [المائدة: 5]، فكان بينهما مغايرة في الحكم. # وقد جمع والدنا الشيخ محمد الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه بين تلك ~~النصوص في دفع إيهام الاضطراب عند قوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله # [التوبة: 30]، المتقدم. ذكرها ms4182 جمعا مفصلا مفاده أن الشرك الأكبر ~~المخرج من الملة أنواع، وأهل الكتاب متصفون ببعض دون بعض، إلى آخر ما ~~أورده رحمه الله تعالى علينا وعليه. # ولعل في نفس آية { وقالت اليهود عزير ابن الله } ، ~~فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه من وجهين: # الأول: قوله تعالى: # يضاهئون قول الذين كفروا # [التوبة: 30]، أي يشابهونهم في مقالتهم، وهذا القدر اتصف به المشركون من ~~انواع الشرك. # الثاني: تذييل الآية بصيغة المضارع عما يشركون بين ما وصف عبدة الأوثان ~~في سورة البينة بالاسم والمشركين. # ومعلوم أن صيغة الفعل تدل على التجدد والحدوث، وصيغة الاسم تدل على ~~الدوام والثبوت، فمشركو مكة وغيرهم دائمون على الإشراك وعبادة الأصنام، ~~وأهل الكتاب يقع منهم حينا وحينا. # وقد أخذ بعض العلماء: أن الكفر ملة واحدة، فورث الجميع من بعض، ومنع ~~الآخرون على أساس المغايرة والعلم عند الله تعالى. # تنبيه # بقي المجوس وجاءت السنة أنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب لحديث: # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". # وقوله تعالى: { منفكين حتى تأتيهم البينة } ، ~~اختلف في منفكين اختلافا كثيرا عند جميع المفسرين، حتى قال الفخر ~~الرازي عند أول هذه السورة ما نصه: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه ~~الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظما وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار ~~من العلماء. # ثم إنه رحمه الله لم يلخص كيفية الإشكال فيها. # وأنا أقول وجه الإشكال: أن تقدير الآية: { لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة } ، التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ~~إنه لم يذكر منفكون عماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا ~~عليه. # فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، ~~التي هي الرسول، ثم قال بعد ذلك { وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة } ، وهذا ~~يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين ~~الآية الأولى والآية الثانية تناقض في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما ~~أظن. # اه. ms4183 حرفيا. # وقد سقت كلامه لبيان مدى الإشكال في الآيتين، وهو مبني على أن منفكين ~~بمعنى تاركين: وعليه جميع المفسرين. # والذي جاء عن الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: أن منفكين ~~أي مرتدعين عن الكفر والضلال، حتى تأتيهم البينة، أي أتتهم. # ولكن في منفكين، وجه يرفع هذا الإشكال، وهو أن تكون منفكين بمعنى ~~متروكين لا بمعنى تاركين، أي لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من ~~الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة على معنى قوله تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36]، وقوله: # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون # [العنكبوت: 1-2]، أي لن يتركوا وقريب منه قوله تعالى: # قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ~~آلهتنا عن قولك # [هود: 53]. # وقد حكى أبو حيان قولا عن ابن عطية قوله، ويتجه في معنى الآية قول ثالث ~~بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر ~~الله تعالى وقدرته ونظره لهم، حتى يبعث الله تعالى إليهم رسولا منذرا، ~~تقوم به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا ~~سدى، ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى اه. # فقول ابن عطية يتفق مع ما ذكرناه، ويزيل الإشكال الكبير عن المفسرين، ~~كما أسلفنا. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول في ذلك نسوقه لشموله، وهو ضمن ~~كلامه على هذه السورة في المجموع مجلد 16 ص 495 قال: # وفي معنى قوله تعالى: لم يكن هؤلاء وهؤلاء منفكين. ثلاثة أقوال ذكرها ~~غير واحد من المفسرين. # هل المراد: لم يكونوا منفكين عن الكفر؟ # أو هل لم يكونوا مكذبين بمحمد حتى بعث، فلم يكونوا منفكين من محمد ~~والتصديق بنبوته حتى بعث. # أو المراد: أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول. # وناقش تلك الأقوال وردها كلها ثم قال: فقوله: { لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } ، أي ~~لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم، كما أن ~~المنفك لا حجر عليه، ms4184 وهو لم يقل مفكوكين، بل قال: منفكين، وهذا أحسن، إلى ~~أن قال: والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ولا ترسل ~~إليهم رسل. # والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث اليهم ~~رسولا، وهذا كقوله: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36]، لا يؤمر، ولا ينهى، أي: أيظن أن هذا يكون؟ هذا ما لا ~~يكون ألبتة، بل لا بد أن يؤمر وينهى. # وقريب من ذلك قوله تعالى: # إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ~~أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين # [الزخرف: 3-5]. وهذا استفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر، ~~ونعرض عن إرسال الرسل. # تبين من ذلك كله أن الأصح في " منفكين " معنى " متروكين " وبه يزول ~~الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى، وبالله ~~تعالى التوفيق. # قوله تعالى: { حتى تأتيهم البينة رسول من الله ~~يتلو صحفا مطهرة }. # أجمل البينة ثم فصلها فيما بعدها { رسول من الله يتلو ~~صحفا }. # وفي هذا قيل: إن البينة هي نفس الرسول في شخصه، لما كانوا يعرفونه قبل ~~مجيئه، كما في قوله: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6]، وقوله: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم # [البقرة: 146]. # فكأن وجوده صلى الله عليه وسلم بذاته بينة لهم. # ولذا جاء في الآثار الصحيحة أنهم عرفوا يوم مولده بظهور نجم نبي الختان ~~إلى آخر أخباره صلى الله عليه وسلم، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ~~وكذلك المشركون كانوا يعرفونه عن طريق أهل الكتاب، وبما كان متصفا به صلى ~~الله عليه وسلم، ومن جميل الصفات كما قالت له خديجة عند بدء الوحي له ~~وفزعه منه: " كلا والله لن يحزيك الله، والله إنك لتحمل الكل وتعين على ~~نوائب الدهر " إلى آخره. # وقول عمه أبي طالب: " والله ما رأيته لعب مع الصبيان ولا علمت عليه كذبة ~~" إلخ. # وقد لقبوه بالأمين. # وحادثة شق الصدر في رضاعه، بل وقبل ذلك في قصة أبيه عبد الله، لما تعرضت ~~له المرأة ms4185 تريده لنفسها، فأبى. ولما تزوج ودخل بآمنة أم النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقيها بعد ذلك، فقالت له: لا حاجة لي بك، فقال: وكيف كنت ~~تتعرضين لي؟ فقالت: رأيت نورا في وجهك، فأحببت أن يكون بي، فلما تزوجت ~~وضعته في آمنة ولم أره فيك الآن، فلا حاجة لي فيك. # فكلها دلائل على أنه صلى الله عليه وسلم كان في شخصه بينة لهم، ثم أكرمه ~~الله بالرسالة، فكان رسولا يتلو صحفا مظهرة، من الأباطيل والزيغ وما لا ~~يليق بالقرآن. # ومما استدل به لذلك قوله تعالى عنه: # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46] فعليه يكون رسول من الله بدل من البينة مرفوع على ~~البدلية، أو أن البينة ما يأتيهم به الرسول مما يتلوه عليهم من الصحف ~~المطهرة فيها كتب قيمة. # فالتشريع الذي فيها والإخبار الذي أعلنه تكون البينة. وعلى كل، فإن ~~البينة تصدق على الجميع، كما تصدق على المجموع، ولا ينفك أحدهما عن ~~الآخر، فلا رسول إلا برسالة تتلى، ولا رسالة تتلى إلا برسول يتلوها. # وقد عرف لفظ البينة، للإشارة إلى وجود علم عنها مسبق عليها. # فكأنه قيل: حتى تأتيهم البينة الموصوفة لهم في كتبهم، ويشير إليها ما ~~قدمنا في أخبار عيسى عليه السلام عنه، وآخر سورة الفتح # ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه # [الفتح: 29] الآية. # قوله تعالى: { فيها كتب }. # جمع كتاب، وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: كتب: ~~بمعنى مكتوبات. # وقال ابن جرير: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة. يذكر القرآن بأحسن ~~الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. # وحكاه ابن كثير واقتصر عليه. # وقال القرطبي: إن الكتب بمعنى الأحكام، مستدلا بمثل قوله تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] وقوله: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]. # وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، فجعله كتبا، لأنه يشتمل على أبواب من ~~البيان. # وذكر الفخر الرازي: أنه يحتمل في كتب أي الآيات المكتوبة في المصحف، وهو ~~قريب من قول الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه. # وقال الشوكاني: المراد: الآيات ms4186 والأحكام المكتوبة فيها، وهذه المعاني ~~وإن كانت صحيحة، إلا أن ظاهر اللفظ أدل على تضمن معنى كتب منه على معنى ~~كتابة أحكام. # والذي يظهر أن مدلول كتب على ظاهرها، وهو تضمن تلك الصحف المطهرة لكتب ~~سابقة قيمة، كما ينص عليه قوله تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى # [الأعلى: 16-17]، ثم قال: # إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى # [الأعلى: 18-19]، وكقوله في عموم الكتب الأولى: # قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي # [الأحقاف: 30]، وقوله: # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل # [آل عمران: 3-4]. # ولذا قال: # والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق # [الأنعام: 114]، أي بما فيه من كتبهم القيمة المتقدم إنزالها، كما في ~~قوله: # ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ومثلا من ~~الذين خلوا من قبلكم # [النور: 34]. # وقوله: # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون # [النمل: 76]. # وقال: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين ~~يديه # [الأنعام: 92]، ونحو ذلك من الآيات، مما يدل على أن آي القرآن متضمنة ~~كتبا قيمة مما أنزلت من قبل، وقد جاء عمليا في آية الرحمن وقوله: # وكتبنا عليهم فيهآ # [المائدة: 45] أي في التوراة # أن النفس بالنفس والعين بالعين # [المائدة: 45]، فهذه من الكتب القيمة التي تضمنها القرآن الكريم، كما ~~قال: # ولكم في القصاص حياة # [البقرة: 179]. # ولعل هذا بين وجه المعنى فيما رواه المفسرون عن الإمام أحمد، # " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب " أمرت أن أقرأ عليك ~~سورة البينة، فقال: أو ذكرت، ثم " ". # وبكى رضي الله عنه، لأن فيها زيادة طمأنينة له على إيمانه بأنه آمن ~~بكتاب تضمن الكتب القيمة المتقدمة، والتي يعرفها عبد الله بن سلام أن ~~الرجم في التوراة لما غطاها الآتي بها، كما هو معروف في القصة. والعلم ~~عند الله تعالى. # قوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا ~~من بعد ما جآءتهم البينة }. # يلاحظ أن السورة في ms4187 أولها عن الكفار عموما من أهل الكتاب والمشركين ~~معاص، وهنا الحديث عن أهل الكتاب فقط، وذلك مما يخصهم في هذا المقام دون ~~المشركين، وهو أنهم لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم به صلى الله عليه وسلم، ~~وبما سيأتي به، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به. # وكقوله صراحة: # وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا ~~بينهم # [الشورى: 14]، فلمعرفتهم به قبل مجيئه، واختلافهم فيه بعد مجيئه، وخصهم ~~هنا بالذكر في قوله: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءتهم البينة }. # تنبيه # مما يدل على ما ذكرنا من معنى كتب قيمة، أمران من كتاب الله. # الأول منهما: اختصاص أهل الكتاب هنا بعد عموم الحديث عن الذين كفروا، ~~وما قدمنا عن نصوص. # الثاني: أن القرآن لما ذكر الرسول يتلو على المشركين قال: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياته # [الجمعة: 2]، فهذا نفس الأسلوب، ولكن قال: آياته، لأنهم لم يكن لهم علم ~~بالكتب الأخرى، فاقتصر على الآيات. ### || [98.5] # وهذا لا يستوجب التفرق في أمره صلى الله عليه وسلم. # ولكن هنا لم يبين موضع الأمر بعبادة الله مخلصين له الدين، هل هو في ~~كتبهم السابقة، أم في هذا القرآن الذي يتلى عليهم في صحف مطهرة؟ # وقد بين القرآن العظيم أن هذا الأمر موجود في كل من كتبهم والقرآن ~~الكريم، فما في كتبهم قوله تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله # [النحل: 36]. # وقوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. # فإقامة الدين وعدم التفرقة فيه، هو عين عبادة الله مخلصين له الدين. # ومما في القرآن قوله تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ~~ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق ms4188 وأنتم تعلمون ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين # [البقرة: 40-43]. # فقد نص على كامل المسألة هنا، أن الكتب القيمة المنصوص عليها في الصحف ~~المطهرة هي كتب أهل الكتاب، لقوله تعالى: # وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم # [البقرة: 41]، وأنهم أمروا في هذا القرآن بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع ~~التعليمات المذكورة نفسها، وإقام الصلاة لا يكون إلا عبادة الله بإخلاص. # وهذه الأوامر سواء كانت في كتبهم أو في القرآن لا تقتضي التفرق، بل ~~تستوجب الاجتماع والوحدة. # قوله تعالى: { وذلك دين القيمة }. # القيمة: فيعلة من القوامة، وهي غاية الاستقامة. # وقد جاء بعد قوله: # فيها كتب قيمة # [البينة: 3]، أي مستقيمة بتعاليمها. # وقد نص تعالى على أن القرآن أقومها وأعدلها كما في قوله: # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم # [الإسراء: 9]، وقال تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا قيما # [الكهف: 1-2]، فنفى عنه العوج، وأثبت له الاستقامة. # وهذا غاية في القوامة كما قدمنا من قبل، من أن المستقيم قد يكون فيه ~~انحناء كالطريق المعبد المستقيم عن المرتفعات والمنخفضات، لكنه ينحرف ~~تارة يمينا وشمالا مع استقامته، فهو مع الاستقامة لم يخل من العوج. # ولكن ما ينتفي عنه العوج وتثبت له الاستقامة، هو الطريق الذي يمتد في ~~اتجاه واحد بدون أي اعوجاج إلى أي الجانبين، مع استقامته في سطحه. # وهكذا هو القرآن، فهو الصراط المستقيم، ولذا قال تعالى: { وذلك ~~دين القيمة } الملة القيمة، قيمة في ذاتها، وقيمة على غيرها: ~~ومهيمنة عليه، وكقوله: # ذلك الدين القيم # [يوسف: 40]، وقوله: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # [الأنعام: 161- 163]. # تنبيه # إن في هذه الآية ردا صريحا على أولئك الذين ينادون بدون علم إلى دعوة ~~لا تخلو من تشكيك، حيث لم تسلم من لبس، وهي دعوة وحدة الأديان، ومحل ~~اللبس فيها أن هذا القول منه حق، ومنه باطل. # أما ms4189 الحق فهو وحدة الأصول، كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة # [البينة: 5]، وأما الباطل فهو الإبهام، بأن هذا ينجر على الفروع مع ~~الجزم عند الجميع، بأن فروع كل دين قد لا تتفق كلها مع فروع الدين الآخر، ~~فلم تتحد الصلاة فلي جميع الأديان ولا الصيام، ونحو ذلك. # وقد أجمع المسلمون على أن العبرة بما في القرآن من تفصيل للفروع والسنة، ~~تكمل تفصيل ما أجمل. # وهنا النص الصريح بأن ذلك الذي جاء به القرآن هو دين القيمة، وأن القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم، وهي أفعل تفضيل، فلا يمكن أن يعادل ويساوي مع غيره ~~أبدا مع نصوص القرآن، بأن الله أخذ العهد على جميع الأنبياء لئن أدركوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به، ولينصرنه وليتبعنه، وأخذ عليهم ~~العهد بذلك. وقد أخبر الرسل أممهم بذلك. فلم يبق مجال في هذا الوقت ولا ~~غيره لدعوة الجاهلية بعنوان مجوف وحدة الأديان، بل الدين الإسلامي وحده # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]، وبالله تعالى التوفيق. ### || [98.6] # قرئت البرية بالهمزة وبالياء، فقرأ بالهمز: نافع وابن ذكوان. والباقون ~~بالياء، فاختلف في أخذها. # قال القرطبي: قال الفراء: إن أخذت البرية من البراءة بفتح الباء والراء: ~~أي التراب. فأصله غير مهموز بقوله منه: براه الله يبروه بروا، أي خلقه، ~~وقيل: البرية من بريت القلم أي قدرته. # وقد تضمنت هذه الآية مسألتين: الأولى منهما: أن أولئك في نار جهنم ~~خالدين فيها، ومبحث خلود الكفار في النار، تقدم للشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه وافيا. # والمسألة الثانية أنهم شر البرية، والبرية أصلها البريئة، قلبت الهمزة ~~ياء تسهيلا، وأدغمت الياء في الباء، والبريئة الخليقة والله تعالى بارئ ~~النسم، هو الخالق البارئ المصور سبحانه. # ومن البرية الدواب والطيور، وهنا النص على عمومه، فأفهم أن أولئك شر من ~~الحيوانات والدواب. # وقد جاء النص صريحا في هذا المعنى في قوله تعالى: # إن شر الدواب عند ms4190 الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال: 22]، وقد بين أن المراد بهم الكفار في قوله: # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم # [محمد: 23]، وقال عنهم: # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ~~ضلال مبين # [الزخرف: 40]، فهم لصممهم وعماهم في ضلال مبين. # وقد ثبت أن الدواب ليست في ضلال مبين، لأنها تعلم وتؤمن بوحدانية الله، ~~كما جاء في هدهد سليمان، أنكر على بلقيس وقومها سجودهم للشمس والقمر من ~~دون الله. # ونص مالك في الموطأ في فضل يوم الجمعة " أنه وما من دابة إلا تصيخ ~~بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس خشية الساعة " ، وهذا كله ليس ~~عند الكافر منه شيء، ثم في الآخرة لما يجمع الله جميع الدواب ويقتص ~~للعجماء من القرناء، فيقول لها: كوني ترابا، فيتمنى الكافر لو كان مثلها ~~فلم يحصل له، كما قال: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ~~يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. # وذلك والله تعالى أعلم: أن الدواب لم تعمل خيرا فتبقى لتجازى عليه، ولم ~~تعمل شرا لتعاقب عليه فكانت لا لها ولا عليها إلا ما كان فيما بينها ~~وبين بعضها، فلما اقتص لها من بعضها انتهى أمرها، فكانت نهايتها عودتها ~~إلى منبتها وهو التراب. بخلاف الكافر فإن عليه حساب التكاليف وعقاب ~~المخالفة فيعاقب بالخلود في النار، فكان شر البرية. ### || [98.7] # الحكم هنا بالعموم، كالحكم هناك. ولكنه هنا بالخيرية والتفضيل. # أما من حيث الجنس فلا إشكال، لأن الإنسان أفضل الأجناس # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء: 70]. # وأما من حيث العموم، فقال بعض العلماء فيها ما يدل على صالح المؤمنين ~~أفضل من الملائكة. # ولعل مما يقوي هذا الاستدلال، هو أن بعض أفراد جنس الإنسان أفضل من عموم ~~أفراد جنس الملائكة، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا فضل بعض أفراد ~~الجنس لا يمنع في البعض الآخر ولكن هل بعض أفراد الأمة بعده أفضل من عموم ~~أو بعض أفراد الملائكة؟ هذا هو محل الخلاف. # وللقرطبي مبحث في ذلك: مبناه على أصل المادة وورود النصوص من ms4191 جهة أصل ~~المادة إن كانت البرية مأخوذة من البري وهو التراب. فلا تدخل الملائكة ~~تحت هذا التفضيل وإلا فتدخل. # وأما من جهة النصوص، فقال في سورة البقرة عند قوله: # قال ياآدم أنبئهم بأسمآئهم # [البقرة: 33]، قال المسألة الثالثة: اختلف العلماء في هذا الباب أيهما ~~أفضل، الملائكة أو بنو آدم؟ على قولين، فذهب قول إلى أن الرسل من البشر ~~أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من ~~الملائكة. # وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل، واحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون. وقوله: # قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك # [الأنعام: 50]. # وبما في البخاري يقول الله: " من ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منه " ~~وهذا نص على أن الملأ الأعلى خير من ملا الأرض. # واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } ~~[البينة: 7]، بالهمز من برأ الله الخلق، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم " # أخرجه أبو داود. # وبأن الله يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل والله ~~تعالى أعلم. # وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الملائكة خير منهم، لأن طريق ~~ذلك خبر الله، وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة. # وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر، حيث قالوا: ~~الملائكة أفضل. قال: وأنا من قال من أصحابنا والشيعة: إن الأنبياء أفضل، ~~لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، إلى آخره. # ثم رد هذا الاستدلال. # وقد سقنا هذا البحث لبيان الخلاف في هذه المسألة المشتمل عليها لفظ ~~البرية، وأعتقد أن المفاضلة جزئية لا كلية، وذلك أن جنس البشر خلاف جنس ~~الملائكة، والملائكة فيهم النص بأنهم # عباد مكرمون # [الأنبياء: 26]، والبشر فيهم النص # ولقد كرمنا بني آدم # [الإسراء: 70]، والفرق بينهما، كالفرق بين الاسم والفعل ms4192 في الدلالة. # ففي الملائكة بالاسم: مكرمون، وهو يدل على الدوام والثبوت، وفي بني آدم ~~كرمنا، وهو يدل على التجدد والحدوث. # وهذا هو الواقع، فالتكريم ثابت ولازم ودائم للملائكة بخلافه في بني آدم ~~إذ فيهم وفيهم، ولا يبعد أن يقال: إن التفضيل في الأعمال من حيث صدورها ~~من بني آدم ومن الملائكة، إذ الملائكة تصدر عنها أعمال الخير جبلة أو ~~بدون نوازع شر، بخلاف بني آدم، وإن أعمال الخير تصدر عنها بمجهود مزدوج، ~~حيث ركبت فيه النفس اللوامة والأمارة بالسوء. ونحو ذلك من الجانب ~~الحيواني. # وازدواجية المجهود، هو أنه ينازع عوامل الشر حتى يتغلب عليها، ويبذل ~~الجهد في فعل الخير، فهو يجاهد للتخليص من نوازع ثم الشر، هو يجاهد ~~للقيام بفعل الخير، وهذا مجهود يقتضي التفضيل على المجهود من جانب واحد. # وقد جاء في السنة ما يشهد لذلك، لما ذكر صلى الله عليه وسلم أصحابه " أن ~~يأتي بعدهم من أن العامل منهم له أجر خمسين، فقالوا: خمسين منا أو منهم ~~يا رسول الله قال: # " بل خمسين منكم، لأنكم تجدون أعوانا على الخير وهم لا يجدون ". # وحديث # " سبق درهم مائة ألف درهم " # وبين صلى الله عليه وسلم، أن الدرهم سبق الأضعاف المضاعفة، لأنه ثاني ~~اثنين فقط، والمائة ألف جزء من مجموع كثير. # فالنفس التي تجود بنصف ما تملك، ولا يتبقى لها إلا درهم، خير بكثير ممن ~~تنفق جزءا ضئيلا مما تملك ويتبقى لها المال الكثير، فكانت عوامل التصدق ~~ودوافعه مختلفة منزلة في النفس متضادة. فالدرهم في ذاته وماهيته من جنس ~~الدراهم الأخرى، لم تتفاوت الماهية ولا الجنس، ولكن تفاوتت الدوافع ~~والعوامل لإنفاقه، ولعل المفاضلة المقصودة تكون من هذا القبيل أولى. ~~والله تعالى أعلم. ### || [98.8] # قوله تعالى: { جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى ~~من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } # فيه أربع مسائل: ثلاثة مجملة جاء بيانها في القرآن. والرابعة مفصلة ~~ولها شواهد. # أما الثلاثة المجملة فأولها قوله: { جزآؤهم عند ربهم } ، إذ ~~الجزاء في مقابل شيء يستوجبه، وعند ربهم تشعر بأنه تفضل منه، وإلا ms4193 لقال: ~~جزاؤهم على ربهم. # وقد بين ذلك صريح قوله تعالى: # إن للمتقين مفازا حدآئق وأعنابا وكواعب ~~أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~كذابا جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 31-36]، فنص على أن هذا الجزاء كله من ربهم عطاء لهم من عنده. # الثانية والثالثة قوله: # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار # [طه: 76]، فأجمل ما في الجنات، ونص على أنها تجري من تحتها الأنهار، مع ~~إجمال تلك الأنهار، وقد فصلت آية { عم يتسآءلون } ما أعد لهم في ~~الجنة من حدائق وأعناب وكواعب وشراب وطمأنينة، وعدم سماع اللغو إلى آخره. ~~كما جاء تفصيل الأنهار في سورة القتال، في قوله تعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ~~ومغفرة من ربهم # [محمد: 15]، والخلود في هذا النعيم هو تمام النعيم. # قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه }. # يعتبر هذا الإخبار من حيث رضوان الله تعالى على العباد في الجنة، من باب ~~العام بعد الخاص. # وقد تقدم في وسورة الليل في قوله تعالى: # وسيجنبها الأتقى الذى يؤتي ماله يتزكى # [الليل: 17-18] - إلى قوله - # ولسوف يرضى # [الليل: 21]، واتفقوا على أنها في الصديق رضي الله عنه كما تقدم، وجاء ~~في التي بعدها سورة والضحى قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]، أي للرسول صلى الله عليه وسلم. # وهنا في عموم # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية # [البينة: 7]، فهي عامة في جميع المؤمنين الذين هذه صفاتهم، ثم قال رضي ~~الله عنهم، وقد جاء ما بين سبب رضوان الله تعالى عليهم وهو بسبب أعمالهم، ~~كما في قوله تعالى: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة # [الفتح: 18]، فكانت المبايعة سببا للرضوان. # وفي هذه الآية الإخبار بأن الله رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولم يبين زمن ~~هذا الرضوان أهو سابق في الدنيا أم حاصل في الجنة، وقد جاءت آية تبين ms4194 أنه ~~سابق في الدنيا، وهي قوله تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم # [التوبة: 100]، فقوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه } ، ثم يأتي بعدها { وأعد لهم جنات }. # فهو في قوة الوعد في المستقبل، فيكون الإخبار بالرضى مسبقا عليه. # وكذلك آية سورة الفتح في البيعة تحت الشجرة إذ فيها # لقد رضي الله عن المؤمنين # [الفتح: 18]، وهو إخبار بصيغة الماضي، وقد سميت " بيعة الرضوان ". # تنبيه # في هذا الأسلوب الكريم سؤال، وهو أن العبد حقا في حاجة إلى أن يعلم ~~رضوان الله تعالى عليه، لأنه غاية أمانيه، كما قال تعالى: # ذلك الفوز العظيم # [التوبة: 100]. # أما الإخبار عن رضى العبد عن الله، فهل من حق العبد أن يسأل عما إذا كان ~~هو راضيا عن الله أم لا؟ إنه ليس من حقه ذلك فعلا، فيكون الإخبار عن ~~ذلك بلازم الفائدة، وهي أنهم في غاية من السعادة والرضى فيما هم فيه من ~~النعيم إلى الحد الذي رضوا وتجاوزوا رضاهم حد النعيم إلى الرضى عن ~~المنعم. # كما يشير إلى شيء من ذلك آخر آية النبأ # عطآء حسابا # [النبأ: 36]، إنهم يعطون حتى يقولوا: حسبنا حسبنا، أي كافينا. # قوله تعالى: { ذلك لمن خشي ربه }. # اسم الإشارة منصب على مجموع الجزاء المتقدم، وقد تقدم أنه للذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، وهنا يقول: إنه لمن خشي ربه، مما يفيد أن تلك الأعمال ~~تصدر منهم عن رغبة ورهبة. # رغبة فيما عند الله، ورهبة من الله، ومثله قوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، وقوله: # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 40- 41]. # والواقع أن صفة الخوف من الله تعالى، هي أجمع صفات الخير في الإنسان، ~~لأنها صفة الملائكة المقربين. # كما قال تعالى عنهم: # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون # [النحل: 50]. # وقد عم الحكم في ذلك بقوله تعالى: # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير ms4195 # [الملك: 12]. # وفي هذه الآية السر الأعظم، وهو كون الخشية في الغيبة عن الناس، وهذا ~~أعلى مراتب المراقبة لله، والخشية أشد الخوف. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-6] # الزلزلة: الحركة الشديدة بسرعة، ويدل لذلك فقه اللغة من وجهين: # الأول: تكرار الحروف، أو ما يقال تكرار المقطع الواحد، مثل صلصل وقلقل ~~وزقزق، فهذا التكرار يدل على الحركة. # والثاني: وزن فعل بالتضعيف كغلق وكسر وفتح، فقد اجتمع في هذه الكلمة ~~تكرار المقطع وتضعيف الوزن. # ولذا، فإن الزلزال أشد ما شهد العالم من حركة، وقد شوهدت حركات زلزال في ~~أقل من ربع الثانية، فدمر مدنا وحطم قصورا. # ولذا فقد جاء وصف هذا الزلزال بكونه شيئا عظيما في قوله تعالى: # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # [الحج: 1]، ويدل على هذه الشدة تكرار الكلمة في زلزلت وفي زلزلها، كما ~~تشعر به هذه الإضافة. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، إيراد النصوص المبينة لذلك ~~في أول سورة الحج كقوله تعالى: # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # [الحاقة: 14]، وقوله: # إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا } [الواقعة: ~~4-5]، وقوله: { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة # [النازعات: 6-7]، وساق قوله: { وأخرجت الأرض أثقالها } ~~[الزلزلة: 2]. # واختلف في الأثقال ما هي على ثلاثة أقوال: # فقيل: موتاها. وقيل: كنوزها، وقيل: التحدث بما عمل عليها الإنسان. ولعل ~~الأول أرجح هذه الثلاثة، لأن إخراج كنوزها سيكون قبل النفخة، والتحدث ~~بالأعمال منصوص عليه بذاته، فليس هو الأثقال. ورجحوا القول الأول لقوله ~~تعالى: # ألم نجعل الأرض كفاتا أحيآء وأمواتا # [المرسلات: 25- 26]. # وقالوا: الإنس والجن ثقلان على ظهرها، فهما ثقل عليها، وفي بطنها فهم ~~ثقل فيها، ولذا سميا بالثقلين. قال الفخر الرازي وابن جرير. # وروي عن ابن عباس: أنه موتاها. # وشبيه بذلك قوله: # وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق: 3-4]، ولا يبعد أن يكون الجميع إذا راعينا صيغة الجمع ~~أثقالها، ولم يقل ثقلها وإرادة الجمع مروية أيضا عن ابن عباس. ذكره ~~الألوسي، وابن جرير عنه وعن مجاهد. # وحكى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه القولين في إملائه: أي ms4196 موتاها، ~~وقيل: كنوزها وقوله تعالى: { وقال الإنسان ما لها } ، لفظ ~~الإنسان هنا عام وظاهره أن كل إنسان يقول ذلك، ولكن جاء ما يدل على أن ~~الذي يقول ذلك هو الكافر. أما المؤمن فيقول: # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 52] في قوله: # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # [يس: 51-52]. # فالكافر يدعو بالويل والمؤمن يطمئن للوعد، ومما يدل على أن الجواب من ~~المؤمنين، لا من الملائكة، كما يقول بعض الناس، ما جاء في آخر السياق ~~قوله: # فإذا هم جميع # [يس: 53] - أي كلا الفريقين - # لدينا محضرون # [يس: 53]. # وقوله: { ما لها } سؤال استيضاح، وذهول من هول ما يشاهد. وقوله: { ~~يومئذ تحدث أخبارها } ، التحديث هنا صريح في الحديث وهو ~~على حقيقته، لأن في ذلك اليوم تتغير أوضاع كل شيء وتظهر حقائق كل شيء، ~~وكما أنطق الله الجلود ينطق الأرض، فتحدث بأخبارها، # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 21]، وتقدم تفصيل ذلك عند أول سورة الحشر، لأن الله أودع في ~~الجمادات القدرة على الإدراك والنطق، والمراد بإخبارها أنها تخبر عن ~~أعمال كل إنسان عليها في حال حياته. # ومما يشهد لهذا المعنى حديث المؤذن # " لا يسمع صوته حجر ولا مدر إلا وشهد له يوم القيامة " # ، وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو أن إخبارها هو ما أخرجته من أثقالها ~~بوحي الله لها والأول أظهر لأنه يثبت معنى جديدا. ويشهد له الحديث ~~الصحيح. ### || [99.7-8] # في هاتين الآيتين مبحثان أحدهما في معنى من لعمومه، والآخر في صيغة ~~يعمل. # أما الأول فهو مطروق في جميع كتب التفسير على حد قولهم: من للعموم ~~المسلم والكافر، مع أن الكافر لا يرى من عمل الخير شيئا، لقوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وفي حق المسلم، قد لا يرى كل ما عمل من شر، لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ms4197 دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. # وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة بتوسع في دفع ~~إيهام الاضطراب بما يغني عن إيراده. # أما المبحث الثاني فلم أر من تناوله بالبحث، وهو في صيغة يعمل، لأنها ~~صيغة مضارع، وهي للحال والاستقبال. # والمقام في هذا السياق # يومئذ يصدر الناس أشتاتا # [الزلزلة: 6]، وهو يوم البعث، وليس هناك مجال للعمل، وكان مقتضى السياق ~~أن يقال: فمن عمل مثقال ذرة خيرا يره. ولكن الصيغة هنا صيغة مضارع، ~~والمقام ليس مقام عمل، ولكن في السياق ما يدل على أن المراد بعمل مثقال ~~ذرة أي من الصنفين ما كان من قبل ذلك، لقوله تعالى # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم # [الزلزلة: 6]، فهم إنما يروا في ذلك اليوم أعمالهم التي عملوها من قبل، ~~فتكون صيغة المضارع هنا من باب الالتفات، حيث كان السياق أولا من أول ~~السورة في معرض الإخبار عن المستقبل: إذا زلزلت الأرض زلزالها، وإذا ~~أخرجت الأرض أثقالها، وإذا قال الإنسان ما لها. في ذلك اليوم الآتي تحدث ~~أخبارها، وفي ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم التي عملوها من ~~قبل كما في قوله: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40]، وقوله: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]. # ثم جاء الالتفات بمخاطبتهم على سبيل التنبيه والتحذير، فمن يعمل الآن في ~~الدنيا مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل الآن في الدنيا مثقال ذرة شرا يره ~~في الآخرة، ومثال الذرة: قيل: هي النملة الصغيرة، لقول الشاعر: # من القاصرات الطرف لو دب محول # من الذر فوق الإتب منها لأثرا # والإتب: قال في القاموس: الإتب بالكسر، والمئتبة كمكنسة برد يشق، فتلبسه ~~المرأة من غير جيب ولا كمين، وقيل: هي الهباء التي ترى في أشعة الشمس، ~~وكلاهما مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وسيأتي زيادة إيضاح لكيفية الوزن في سورة القارعة إن شاء الله. # ولعل ذكر الذرة هنا على سبيل المثال لمعرفتهم لصغرها، لأنه تعالى عمم ~~العمل في قوله: # يوم ينظر المرء ما قدمت يداه # [النبأ: 40]، أيا كان هو ms4198 مثقال ذرة أو مثاقيل القناطير، وقد جاء النص ~~صريحا بذلك في قوله تعالى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61]. # وهنا تنبيهان: الأول من ناحية الأصول، وهو أن النص على مثقال الذرة من ~~باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلا يمنع رؤية مثاقيل الجبال، بل هي ~~أولى وأحرى. # وهذا عند الأصوليين ما يسمى الإلحاق بنفي الفارق، وقد يكون المسكوت عنه ~~أولى بالحكم من المنطوق به، وقد يكون مساويا له، فمن الأول هذه الآية ~~وقوله: # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء: 23]، ومن المساوي قوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10]، فإن إحراق ماله وإغراقه ملحق بأكله، بنفي الفارق وهو ~~مساو لأكله في عموم الإتلاف عليه، وهو عند الشافعي ما يسمى القياس في ~~معنى الأصل، أي النص. # التنبيه الثاني في قوله تعالى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك # [يونس: 61]. # رد على بعض المتكلمين في العصر الحاضر، والمسمى بعصر الذرة، إذ قالوا: ~~لقد اعتبر القرآن الذرة أصغر شيء، وأنها لا تقبل التقسيم، كما يقول ~~المناطقة: إنها الجوهر الفرد، الذي لا يقبل الانقسام. # وجاء العلم الحديث، ففتنت الذرة وجعل لها أجزاء. ووجه الرد على تلك ~~المقالة الجديدة، على آيات من كتاب الله هو النص الصريح من مثقال ذرة ولا ~~أصغر من ذلك إلا في كتاب. # فمعلوم ذلك عند الله ومثبت في كتاب ما هو أصغر من الذرة، ولا حد لهذا ~~الأصغر بأي نسبة كانت، فهو شامل لتفجير الذرة ولأجزائها مهما صغرت تلك ~~الأجزاء. # سبحانك ما أعظم شأنك، وأعظم كتابك، وصدق الله إذ يقول: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38]. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-5] # قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: # العاديات: جمع عادية، والعاديات: المسرعات في مسيرها. # فمعنى العاديات: أقسم بالمسرعات في سيرها. # ثم قال: وأكثر العلماء على ms4199 أن المراد به الخيل، تعدو في الغزو، والقصد ~~تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. # وقال بعض العلماء: المراد بالعاديات: الإبل تعدو بالحجيج من عرفات إلى ~~مزدلفة ومنى. # ومعنى قوله: ضبحا: أنها تضبح ضبحا، فهو مفعول مطلق، والضبح: صوت أجواف ~~الخيل عند جريها. # وهذا يؤيد القول الأول الذي يقول هي الإبل، ولا يختص الضبح بالخيل. # فالموريات قدحا: أي الخيل توري النار بحوافرها من الحجارة، إذا سارت ~~ليلا. # وكذلك الذي قال: العاديات: الإبل. قال: برفعها الحجارة فيضرب بعضها ~~بعضا. # ويدل لهذا المعنى قول الشاعر: # تنفي يداها الحصا في كل هاجرة # نفي الدراهم تنقاد الصياريف # فالمغيرات صبحا، الخيل تغير على العدو وقت الصبح. # وعلى القول الأول: فالإبل تغير بالحجاج صبحا من مزدلفة إلى منى يوم ~~النحر. # فأثرن به نقعا: أي غبارا. قال به. أي: بالصبح أو به. أي بالعدو. # والمفهوم من العاديات: توسطن به جمعا، أي دخلن في وسط جمع أي خلق كثير ~~من الكفار. # ونظير هذا المعنى قول بشر بن أبي حازم: # فوسطن جمعهم وأفلت حاجب # تحت العجاجة في الغبار الأقتم # وعلى القول الثاني الذي يقول: العاديات الإبل تحمل، الحجيج. # فمعنى قوله: { فوسطن به جمعا } ، أي صرن بسبب ذلك العدو، وسط ~~جمع. وهي المزدلفة، وجمع اسم من أسماء المزدلفة. # ويدل لهذا المعنى قول صفية بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأم الزبير بن العوام رضي الله عنهما: # فلا والعاديات مغبرات جمع # بأيدها إذا سطع الغبار # وهذا الذي ساقه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، قد جمع أقوال جميع ~~المفسرين في هذه الآيات، وقد سقته بحروفه لبيانه للمعنى كاملا. # ولكن مما قدمه رحمة الله تعالى علينا وعليه أن من أنواع البيان في ~~الأضواء: أنه إذا اختلف علماء التفسير في معنى وفي الآية قرينة. ترد أحد ~~القولين أو تؤيد أحدهما فإنه يشير إليه. # وقد وجد اختلاف المفسرين في هذه الآيات في نقطة أساسية من هذه الآيات مع ~~اتفاقهم في الألفاظ، ومعانيها والأسلوب وتراكيبه. # ونقطة الخلاف هي معنى الجمع الذي توسطن به، ms4200 أهو المزدلفة لأن من أسمائها ~~جمعا كما في الحديث: # " وقفت ها هنا وجمع كلها موقف " # وهذا مروي عن علي رضي الله عنه، في نقاش بينه وبين ابن عباس. ساقه ابن ~~جرير. # أم بالجمع جمع الجيش في القتال على ما تقدم، وهو قول ابن عباس وغيره. ~~حكاه ابن جرير وغيره. # وقد وجدنا قرائن عديدة في الآية تمنع من إرادة المزدلفة بمعنى جمع، وهي ~~كالآتي: اولا وصف الخيل أو الإبل على حد سواء بالعاديات، حتى حد الضبح ~~وروى النار بالحوافر وبالحصا، لأنها أوصاف تدل على الجري السريع. # ومعلوم أن الإفاضة عن عرفات ثم من المزدلفة لا تحتمل هذا العدو، وليس هو ~~فيها بمحمود، لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي # " السكينة السكينة " # فلو وجد لما كان موضع تعظيم وتفخيم. # ثانيا: أن المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، كما قاله بشار: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # أي: لشدة الكر والفر. # ثالثا: قوله تعالى: # فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به ~~جمعا # [العاديات: 3-5]، جاء مرتبا بالفاء، وهي تدل على الترتيب والتعقيب. # وقد تقدم المغيرات صبحا، وبعدها فوسطن به جمعا. # وجمع هي المزدلفة، وإنما يؤتى إليها ليلا. فكيف يقرن صبحا، ويتوطن ~~المزدلفة ليلا. # وعلى ما حكاه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنهم يغيرون صبحا من ~~المزدلفة إلى منى، تكون تلك الإغارة صبحا بعد التوسط بجمع، والسياق ~~يؤخرها عن الإغارة ولم يقدمها عليها. # فتبين بذلك أن إرادة الزدلفة غير متأتية في هذا السياق. # ويبقى القول الآخر وهو الأصح. والله تعالى أعلم. # ولو رجعنا إلى نظرية ترابط السور فيها ترشيحا لهذا المعنى، وهو أنه في ~~السورة السابقة، ذكرت الزلزلة وصدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم. # وهنا حث على أفضل الأعمال التي تورث الحياة الأبدية والسعادة الدائمة في ~~صورة مماثلة، وهي عدوهم أشتاتا في سبيل الله لتحصيل ذاك العمل الذي ~~يحبون رؤيته في ذلك الوقت، وهو نصرة دين الله أو الشهادة في سبيل الله، ~~والعلم عند الله تعالى. ### || [100.6-8] # هذا الجواب قال ms4201 القرطبي: الكنود: الكفور الجحود لنعم الله، وهو قول ابن ~~عباس. # وقيل الحسن: يذكر المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فنظمه: # يا أيها الظالم في فعله # والظلم مردود على من ظلم # إلى متى أنت وحتى متى # تشكو المصيبات وتنسى النعم # وروى أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكنود هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". # وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أبشركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع ~~رفده، وجلد عبده " # خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. # وروى ابن عباس أيضا أنه قال: # " الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، ~~وبلسان كنانة: البخيل السيء الملكة ". # وقال مقاتل. وقال الشاعر: # كنود لنعماء الرجال ومن يكن # كنودا لنعماء الرجال يبعد # أي كفور. # ثم قيل: هو الذي يكفر اليسير، ولا يشكر الكثير. # وقيل: الجاحد للحق. # وقيل: سميت كندة كندة، لأنها جحدت أباها. # وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر: # دع البخلاء إن شمخوا وصدوا # وذكري بخل غانية كنود # في نقول كثيرة وشواهد. # ومنها: الكنود الذي ينفق نعم الله في معصية الله. # وعن ذي النون: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه ~~الخير منوعا. # وقيل: الحسود الحقود. # ثم قال القرطبي رحمه الله في آخر البحث: # قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. # وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال ~~غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. اه. # وهكذا كما قال: إن صح الأثر فلا قول لأحد، ولكن كل هذه الصفات من باب ~~اختلاف التنوع، لأنها داخلة ضمن معنى الجحود للحق أو للنعم. # وقد استدل ذو النون المصري بالآية الكريمة، وهي مفسرة للكنود على ~~المعاني المتقدمة بأنه هو الهلوع # إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا # [المعارج: 20-21]. # ومثلها قوله: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن وأمآ إذا ms4202 ما ابتلاه ~~فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. # وقد عقب عليه هناك بمثل ما عقب عليه هنا. # فهناك قال تعالى: # كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على ~~طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما ~~وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 17-20]. # وهنا عقب عليه بقوله: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]، والله تعالى أعلم. # وقوله: إن الإنسان عام في كل إنسان، ومعلوم أن بعض الإنسان ليس كذلك، ~~كما قال تعالى: # فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى # [الليل: 5-6]، مما يدل على أنه من العام المخصوص. # وأن هذه الصفات من طبيعة الإنسان إلا ما هذبه الشرع، كما قال تعالى: # وأحضرت الأنفس الشح # [النساء: 128]. # وقوله: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9]. # ونص الشيخ في إملائه أن المراد به الكافر. # قوله تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد }. # اختلف في مرجع الضمير في: وإنه، فقيل: راجع للإنسان، ورجحه الشيخ رحمة ~~الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، مستدلا بقوله تعالى بعده # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]. # وقيل: راجع إلى رب الإنسان. # واختار هذا القرطبي وقدمه. # وجميع المفسرين يذكرون الخلاف، وقد عرفت الراجح منها، وعليه، فعلى أنه ~~راجع لرب الإنسان فلا إشكال في هذه الآية، وعلى أنه راجع للإنسان ففيه ~~إشكال أورده الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الإضطراب ~~وأجاب عليه. # وهو أنه جاءت نصوص تدل على أنه ينكر ذلك، وأنه كان يجب أن يحسن صنعا، ~~ونحو ذلك. # ومن الجواب عليه: أن شهادته بلسان الحال. # وقد أورد بعض المفسرين شهادتهم بلسان المقال في قوله تعالى: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر # [التوبة: 17]، إلا أن هذه الشهادة بالكفر هي الشرك. والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: { وإنه لحب الخير لشديد }. # الخير عام، كما تقدم في قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } [الزلزلة: 7]. # ولكنه هنا خاص بالمال، فهو من العام الذي أريد به لخاص من قصر العام على ~~بعض أفراده، لأن المال فرد من أفراد الخير، ms4203 كقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180]، أي مالا، لأن عمل الخير يصحبه معه ولا يتركه. # وفي معنى هذا وجهان: الأول وإنه لحب الخير أي بسبب حبه الخير لشديد ~~بخيل، شديد البخل. # كما قيل: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # أي شديد البخل على هذه الرواية من هذا البيت. # والوجه الثاني: وإنه لشديد حب المال. قالهما ابن كثير. # وقال: كلاهما صحيح، والواقع أن الثاني يتضمن الأول. # ويشهد للوجه الثاني، قوله تعالى: # وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال ~~حبا جما # [الفجر: 19-20] وقلنا إن الثاني يتضمن الأول، لأن من أحب المال حبا ~~جما سيحمله حبه على البخل. # وفي هذا النص مذمة حب المال وهو جبلة في الإنسان، إلا من هذبه الإسلام، ~~إلا أن الذم ينصب على شدة الحب التي تحمل صاحبها على ضياع الحقوق أو تعدي ~~الحدود. # وهذه الآية وما قبلها نازلة في الكفار كما قدمنا كلام الشيخ رحمة الله ~~تعالى علينا وعليه في إملائه. ### || [100.9] # البعثرة: الانتثار. # وقال الزمخشري: إن هذه الكلمة مأخوذة من أصلين: البعث والنثر. # فالبعث: خروجهم أحياء. # والنثر: الانتشار كنثر الحب، فهي تدل على بعثهم منتشرين. # وقد نص تعالى على هذا المعنى في قوله: # وإذا القبور بعثرت # [الانفطار: 4]، أي بعثر من فيها. # وقوله: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43]. # وقوله: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. # وقوله: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القارعة: 4]. ### || [100.10] # قيل: حصل أي أبرز. قاله ابن عباس. # وقيل: ميز الخير من الشر. # والحاصل من كل شيء ما بقي. # قال لبيد: # وكل امرئ يوما سيعلم سعيه # إذا حصلت عند الإله الحصائل # والمراد بما في الصدور الأعمال، وهذا كقوله: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]. # ونص على الصدور هنا، مع أن المراد القلوب، لأنها هي مناط العمل ومعقد ~~النية. # والعقيدة وصحة الأعمال كلها مدارها على النية، كما في حديث: # " إنما الأعمال بالنيات " # وحديث: # " ألا أن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله " # الحديث. # وقال الفخر الرازي: خصص القلب بالذكر، لأنه محل لأصول الأعمال. # ولذا ذكره في ms4204 معرض الذم، فإنه # آثم قلبه # [البقرة: 283]، وفي معرض المدح # وجلت قلوبهم # [الأنفال: 2]. # ويشهد لما قاله قوله: # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء: 89]. # وقوله: # ثم قست قلوبكم # [البقرة: 74]. # وقال: # ثم تلين جلودهم وقلوبهم # [الزمر: 23]. # وقوله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، ونحو ذلك. # ومما يدل على أن المراد بالصدور ما فيها هو القلب. # قوله: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. # وقال الفخر الرازي: نص على الصدور ليشمل الخير والشر، لأن القلب محل ~~الإيمان. # والصدر هو محل الوسوسة لقوله تعالى: # الذى يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5]. # وهذا وإن كان وجيها، لأن محل الوسوسة أيضا هو القلب، فيرجع إلى المعنى ~~الأول والله أعلم. ### || [100.11] # ذكر الظرف هنا يشعر بقصر الوصف عليه مع أنه سبحانه خبير بهم في كل وقت ~~في ذلك اليوم، وقبل ذلك اليوم، ولكنه في ذلك اليوم يظهر ما كان خفيا، ~~فهو بحانه يعلم السر وأخفى، وهو سبحانه لا يخفى عليه خافية. # ولكن ذكر الظرف هنا للتحذير مع الوصف بخبير، أخص من عليم، كما في قوله: # قال نبأني العليم الخبير # [التحريم: 3]. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-3] # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول سورة الواقعة، وقال: ~~كالطامة والصاخة، والآزفة، والقارعة. 1ه. أي وكذلك الصاخة والساعة. # ومعلوم أن الشيء إذا عظم خطره كثرت أسماؤه. # أو كما روي عن الإمام علي: كثر الأسماء تدل على عظم المسمى. # ومعلوم أن ذلك ليس من المترادفات، فإن لكل اسم دلالة على معنى خاص به. # فالواقعة لصدق وقوعها، والحاقة لتحقق وقوعها، والطامة لأنها تطم وتعم ~~بأحوالها، والآزفة من قرب وقوعها أزفت الآزفة مثل اقتربت الساعة، وهكذا ~~هنا. # قالوا: القارعة مثل قرع الصوت الشديد لشدة أهوالها. # وقيل: القارعة اسم للشدة. # قال القرطبي: تقول العرب: قرعتهم القارعة وفقرتهم الفاقرة، إذا وقع بهم ~~أمر فظيع. # قال ابن جرير: # وقارعة من الأيام لولا # سبيلهم لزاحت عندك حينا # وقال تعالى: # ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة # [الرعد: 31]، وهي الشديدة من شدائد الدهر. # وقوله: ms4205 { ومآ أدراك ما القارعة } ، تقدم قولهم: إن كل ما ~~جاء وما أدراك أنه يدريه وما جاء وما يدريك لا يدريه. # وقد أدراه هنا بقوله: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون ~~الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 4-5]،وهذا حال من أحوالها. # وقد بين بعض الأحوال الأخرى في الواقعة بأنها خافضة رافعة، وهي الطامة ~~والصاخة: ينظر المرء ما قدمت يداه. # وقوله: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34-35]. # وأيضا فإن كل حالة يذكر الحال الذي يناسبها، فالقارعة من القرع وهو ~~الضرب، ناسب أن يذكر معها ما يوهن قوى الإنسان إلى ضعف الفراش البثوث، ~~ويفكك ترابط الجبال إلى هباء العهن المنفوش. ### || [101.4] # الفراش: جمع فراشة. # وقيل: هي التي تطير وتتهافت في النار. # وقيل: طير رقيق يقصد النار ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق. # وذكر الشيخ في إملائه قول جرير: # إن الفرزدق ما علمت وقومه # مثل الفراش غشين نار المصطلى # وقال الفراء: هو غوغاء الجراد الذي ينتشر في الأرض ويركب بعضه بعضا من ~~الهول. # ونقل القرطبي عن الفراء: أنه الهمج الطائر من بعوض وغيره. # ومنه الجراد. ويقال: هو أطيش من فراشة قال: # طويش من نفر أطياش # أطيش من طائرة الفراش # وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو ~~يذبهن عنها. وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ". # والمبثوث: المنتشر. # ومثله قوله: # خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم ~~جراد منتشر # [القمر: 7]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيانه في " سورة اقتربت ~~الساعة " ، سورة ق والقرآن، وسورة يس والقرآن الحكيم. بما يغني عن إعادته ~~هنا. # وقد قيل: إن وصفها بالفراش في أول حالها في الاضطراب والحيرة. # ووصفها كالجراد في الكثرة ووحدة الاتجاه # مهطعين إلى الداع # [القمر: 8]. ### || [101.5] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الواقعة بيان أحوال ~~الجبال يوم القيامة من بدئها بكثيب مهيل، ثم كالعهن المنفوش، ثم تسير ~~كالسراب. # وأحال فيها ms4206 على غيرها، كقوله: # تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب # [النمل: 88]. # وتقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة سأل سائل. ### || [101.6-7] # في قوله: { فأما من ثقلت موازينه } ، دلالة على وقع الوزن ~~لكل إنسان. # والموازين: يراد بها الموزون، ويراد بها آلة الوزن، كالمعايير، وهما ~~متلازمان. # وتقدم أن المعايير بالذرة وأقل منها. # وقد جاء نصوص على وضع الموازين وإقامتها بالعدل والقسط. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك عند قوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. # وقوله: { فهو في عيشة راضية } ، قالوا: بمعنى مرضية، وراضية ~~أصلها مرضية، كما في قوله: # وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية # [الغاشية: 8-9]، إسناد الرضى للعيشة، على أنها هي فاعلة الرضى، لأن كلمة ~~العيشة جامعة لنعيم الجنة وأسباب النعيم، راضية طائعة لينة لأصحاب الجنة، ~~فتفجر لهم الأنهار طواعية، وتدنو الثمار طواعية، كما في قوله: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23]. # فالقول الأول: هو المعروف في البلاغة بإطلاق المحل وإرادة الحال، كقوله ~~تعالى: # فليدع ناديه # [العلق: 17]. # والنادي: مكان منتدى القوم، أي ينادي بعضهم بعضا للاجتماع فيه. # والمراد: من يحل في هذا النادي، ويكون هنا أطلق المحل وهو محل العيشة، ~~وأراد الحال فيها. # وعلى الثاني: فهو إسناد حقيقي من إسناد الرضى لمن وقع منه أو قام به. ~~ومما هو جدير بالذكر أن حمله على الأسلوب البياني ليس متجها كالآية ~~الأخرى، لأن العيشة ليست محلا لغيرها بل هي حالة، والمحل الحقيقي هو ~~الجنة والعيشة حالة فيها، وهي اسم لمعاني النعيم كما تقدم، فيكون حمل ~~الإسناد على الحقيقة أصح. # وقد جاءت الأحاديث: أن الجنة تحس بأهلها وتفرح بعمل الخير، كما أنها ~~تتزين وتبتهج في رمضان، وأنها تناظرت مع النار. وكل يدلي بأهله وفرحه ~~بهم، حتى وعد الله كلا بملئها. # ونصوص تلقي الحور والولدان والملائكة في الجنة لأهل الجنة بالرضى ~~والتحية معلومة. # وقوله: # لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون # [يس: 57]، أي لا يتأخر عنهم شيء. # وقوله: # وقال لهم خزنتها سلام ms4207 عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين # [الزمر: 73]. # وقوله: # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جآن # [الرحمن: 56]. # وقاصرات الطرف عن رضى بأهلهن. ومنه # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72]، أي على أزواجهن. # وقوله: # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14]، ونحو ذلك، مما يشعر بأنه نعيم الجنة بنفسه راض بأهل ~~الجنة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || [101.8-11] # وقع الخلاف في المراد من قوله: { فأمه هاوية } ، هل المراد ~~بأمه مأواه وهي النار، وأن هاوية من أسمائها، أم المراد بأمه رأسه وأن ~~هاوية من الهوى، فيلقى في النار منكسا رأسه يهوي في النار. # وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ذلك في دفع إيهام الاضطراب، ~~ولا يبعد من يقول إنه لا تعارض بين القولين. # فتكون أمه هاوية، وهي النار ويلقى فيها منكسا تهوي رأسه والعياذ بالله. # وحكى القرطبي على أن الأم بمعنى قول لبيد: # فالأرض معقلنا وكانت أمنا # فيها مقابرنا وفيها نولد # وعلى معنى الهاوية البعيدة والداهية، قول الشاعر: # يا عمرو لو نالتك رماحنا # كنت كمن تهوى به الهاوية # والهاوية: مكان الهوى. # كما قيل: # أكلت دما إن لم أرعك بضرة # بعيدة مهوى القرط مياسة القد # أو طيبة النشر. # وفي الحديث: # " إن أحدكم ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بأسا يهوى بها في النار أربعين ~~خريفا ". # نسأل الله السلام. # وقد فسر الهاوية بما بعدها: { ومآ أدراك ما هيه نار ~~حامية } [القارعة: 10-11]. # وقد فسر الهاوية بأنها أسفل دركات النار. عياذا بالله. # وقد جاء قوله تعالى: # كلا لينبذن في الحطمة ومآ أدراك ما الحطمة ~~نار الله الموقدة # [الهمزة: 4-6]. # والنبذ: الطرح، مما يرجح ما قلناه من إمكان إرادة المعنيين كون أمه هي ~~الهاوية أي النار، يهوي فيها على أم رأسه، وذلك بالنبذ في الهاوية بعيدة ~~المهوى، وعادة الجسم إذا ألقى من شاهق بعيدا يسبغه إلى أسفل أثقله، ~~وأثقل جسم الإنسان رأسه. والله تعالى أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-2] # ألهاكم: أي شغلكم، ولهاه: تلهيه، أي علله. # ومنه قول امرئ القيس: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي ms4208 تمائم محول # أي شغلتها. # والتكاثر: المكاثرة. ولم يذكر هنا في أي شيء كانت المكاثرة، التي ~~ألهتهم. # قال ابن القيم: ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا ~~المتكاثر به وإما إرادة الإطلاق. 1ه. # ويعنى رحمة الله بالأول: ذم الهلع، والنهم. # وبالثاني: ليعم كل ما هو صالح للتكاثر به، مال وولد وجاه، وبناه وغراس. # ولم أجد لأحد من المفسرين ذكر نظير لهذه الآية. # ولكنهم اتفقوا على ذكر سبب نزولها في الجملة، من أن حيين تفاخرا بالآباء ~~وأمجاد الأجداد، فعددوا الأحياء، ثم ذهبوا إلى المقابر، وعدد كل منهما ~~مالهم من الموتى يفخرون بهم، ويتكاثرون بتعدادهم. # وقيل: في قريش بين بني عبد مناف وبني سهم. # وقيل: في الأنصار. # وقيل: في اليهود وغيرهم، مما يشعر بأن التكاثر كان في مفاخر الآباء. # وقال القرطبي: الآية تعم جميع ما ذكره وغيره. # وسياق حديث الصحيح: # " لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". # قال ثابت: عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت { ~~ألهاكم التكاثر } [التكاثر: 1]. # وكأن القرطبي يشير بذلك، إلى أن التكاثر بالمال أيضا. # وقد جاءت نصوص من كتاب الله تدل على أن التكاثر الذي ألهاهم، والذي ~~ذمهم الله بسببه أو حذرهم منه، إنما هو في الجميع، كما في قوله ~~تعالى: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما # [الحديد: 20] - إلى قوله - # وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور # [الحديد: 20]. # ففيه التصريح: بأن التفاخر والتكاثر بينهم في الأموال والأولاد. # ثم جاءت نصوص أخرى في هذا المعنى كقوله: # وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار ~~الآخرة خير للذين يتقون # [الأنعام: 32]. # وقوله: # وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 64]. # ولكون الحياة الدنيا بهذه المثابة، جاء التحذير منها والنهي عن أن ~~تلههم، وفي قوله تعالى: ms4209 # يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون # [المنافقون: 9]. # وبين تعالى أن ما عند الله للمؤمنين خير من هذا كله في قوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ~~ومن التجارة والله خير الرازقين # [الجمعة: 11]. # ومما يرجح أن التكاثر في الأموال والأولاد في نفس السورة، ما جاء في ~~آخرها من قوله: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8]، لمناسبتها لأول السورة. # كما هو ظاهر بشمول النعيم للمال شمولا أوليا. # وقوله: { حتى زرتم المقابر }. # أخذ منه من قال: أن تفاخرهم، حملهم على الذهاب إلى المقابر ليتكاثروا ~~بأمواتهم، كما في أخبار أسباب النزول المتقدمة. # والصحيح في زرتم المقابر: يعني متم: لأن الميت يأتي القبر كالزائر لأن ~~وجوده فيه مؤقتا. # وقد روي: أن أعرابيا سمع هذه الآية، فقال: بعثوا ورب الكعبة، فقيل له ~~في ذلك، فقال: لأن الزائر لا بد أن يرتحل. # تنبيه # قد بحث بعض العلماء مسألة زيارة القبور هنا لحديث: # " كنت نهيتكم عن زيادة القبور، ألا فزوروها فإنها تزهد في الدنيا ~~وتذكر في الآخرة ". # وقالوا: إن المنع كان عاما من أجل ذكر مآثر الآباء والموتى، ثم بعد ذلك ~~رخص في الزيارة، واختلفوا فيمن رخص له. فقيل: للرجال دون النساء لعدم ~~دخولهن في واو الجماعة في قوله: # " فزوروها ". # وقيل: هو عام للرجال وللنساء، واستدل كل فريق بأدلة يطول إيرادها. # ولكن على سبيل الإجمال لبيان الأرجح، نورد نبذة من البحث. # فقال المانعون للنساء: إنهن على أصل المنع، ولم تشملهن الرخصة، ومجيء ~~اللعن بالزيارة فيهن. وقال المجيزون: إنهن يدخلن ضمنا في خطاب الرجال، ~~كدخولهن في مثل قوله: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # [البقرة: 43]، فإنهن يدخلن قطعا. # وقالوا: إن اللعن المنوه عنه جاء في الحديث بروايتين رواية: # " لعن الله زائرات القبور ". # وجاء # " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليهن السرج " # إلى آخره. # فعلى صيغة المبالغة: زوارات لا تشمل مطلق الزيارة، وإنما تختص ~~للمكثرات، لأنهن بالإكثار لا يسلمن من عادات الجاهلية ms4210 من تعداد مآثر ~~الموتى المحظور في أصل الآية. # أما مجرد زيارة بدون إكثار ولا مكث، فلا. # واستدلوا لذلك. بحديث # " عائشة رضي الله عنها لما ذكر لها صلى الله عليه وسلم، السلام على أهل ~~البقيع، فقالت: " وماذا أقول يا رسول الله، إن أنا زرت القبور؟ قال: ~~قولي: السلام عليكم آل دار قوم مؤمنين " # الحديث. # فأقرها صلى الله عليه وسلم، على أنها تزور القبور وعلمها ماذا تقول إن ~~هي زارت. # وكذلك بقصة مروره على المرأة التي تبكي عند القبر فكلمها، فقالت: إليك ~~عني: وهي لا تعلم من هو، فلما ذهب عنها قيل لها: إنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، جاءت تعتذر فقال لها، # " إنما الصبر عند الصدمة الأولى ". # ولم يذكر لها المنع من زيارة القبور، مع أنه رآها تبكي. # وهذه أدلة صريحة في السماح بالزيارة. ومن ناحية المعنى، فإن النتيجة من ~~الزيارة للرجال من في حاجة إليها كذلك، وهي كون زيارة القبور تزهد في ~~الدنيا وترغب في الآخرة. # وليست هذه بخاصة في الرجال دون النساء، بل قد يكن أحوج إليه من الرجال. # وعلى كل، فإن الراجح من هذه النصوص والله تعالى أعلم، هو الجواز لمن ~~يكثرن ولا يتكلمن بما لا يليق، مما كان سببا للمنع الأول، والعلم عند ~~الله تعالى. # تنبيه آخر # من لطائف القول في التفسير، ما ذكره أبو حيان عن التكاثر في قوله: # حتى زرتم المقابر # [التكاثر: 2]، ما نصه: # وقيل هذا تأنيب على الإكثار من زيارة، تكثيرا بمن سلف وإشادة بذكره، # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم قال " ~~فزوروها " # أمر إباحة للاتعاظ بها، لا لمعنى المباهاة والتفاخر. # ثم قال: قال ابن عطية: كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة ~~والرخام وتلوينها شرفا، وبيان النواويس عليها، أي الفوانيس، وهي السرج. # ثم قال أبو حيان: وابن عطية: لم ير إلا قبور أهل الأندلس، فكيف لو رأى ~~ما يتباهى به أهل مصر في مدافنهم بالقرافة الكبرى والقرافة الصغرى، وباب ~~النصر وغير ذلك. وما يضيع فيها من ms4211 الأموال، لتعجب من ذلك ولرأى ما لم ~~يخطر ببال. # وأما التباهي بالزيارة: ففي هؤلاء المنتمين إلى الصوفية أقوام ليس لهم ~~شغل إلا زيارة القبور: زرت قبر سيدي فلان بكذا، وقبر فلان بكذا، والشيخ ~~فلانا بكذا، فيتذكرون أقاليم طافوها على قدم التجريد. # وقد حفظوا حكايات عن أصحاب تلك القبور وأولئك المشايخ، بحيث لو كتبت ~~لجاءت أسفارا. وهم مع ذلك لا يعرفون فروض الوضوء ولا سننه. # وقد سخر لهم الملوك وعوام الناس في تحسين الظن بهم وبذل المال لهم، وأما ~~من شذ منهم لأنه يتكلم للعامة فيأتي بعجائب، يقولون: هذا فتح من العلم ~~اللدني على الخضر. # حتى إن من ينتمي إلى العلم، لما رأى رواج هذه الطائفة سلك مسلكهم، ونقل ~~كثيرا من حكاياتهم، ومزج ذلك بيسير من العلم طلبا للمال والجاه وتقبيل ~~اليد. # ونحن نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته. 1ه. بحروفه. # وهذا الذي قاله رحمه الله من أعظم ما افتتن به المسلمون في دينهم ~~ودنياهم معا. # أما في دينهم: فهو الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم، صيانة ~~للتوحيد، من سؤال غير الله. وأما في الدنيا فإن الكثير من هؤلاء يتركون ~~مصالح دنياهم من زراعة أو تجارة أو صناعة، ويطوف بتلك الأماكن تاركا ~~ومضيعا من يكون السعي عليه أفضل من نوافل العبادات. # مما يلزم على طلبة العلم في كل مكان وزمان، أن يرشدوا الجهلة منهم، وأن ~~يبينوا للناس عامة خطأ وجهل أولئك، وأن الرحيل لتلك القبور ليس من سنة ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا كان من عمل الخلفاء الراشدين، ولا من ~~عامة الصحابة ولا التابعين، ولا من عمل أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله. # وإنما كان عمل الجميع زيارة ما جاورهم من المقابر للسلام عليهم والدعاء ~~لهم، والأتعاظ بحالهم، والاستعداد لما صاروا إليه. # نسأل الله الهداية والتوفيق، لاتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والاقتفاء بآثار سلفة الأمة، آمين. ### || [102.3-4] # كلا: زجر عن التلهي والتكاثر والمذكور، وسوف تعلمون: أي حقيقة الأمر، ~~ومغبة هذا التلهي، ثم كلا سوف تعلمون، ms4212 تكرار للتأكيد. # وقيل: إنه لا تكرار، لما روي عن علي رضي الله عنه: أن الأولى في القبر، ~~والثانية يوم القيامة. وهو معقول. # واستدل بهم بعضهم على عذاب القبر. # ومعلوم صحة حديث القبر # " إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ". # والسؤال فيه معلوم، ولكن أرادوا مأخذه من القرآن. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في الكلام على سورة غافر، عند # وحاق بآل فرعون سوء العذاب # [غافر: 45]، إثبات عذاب القبر من القرآن. # وكذلك بيان معناه في آخر سورة الزخرف عند الكلام على قوله تعالى: # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون # [الزخرف: 89]. # وهذا الزجر هنا والتحذير لهم ردا على ما كانوا عليه في التكاثر. # كما قال الشاعر: # ولست بالأكثر منهم حصى # وإنما العزة للكاثر # وأصرح دليل لإثبات عذاب القبر من القرآن، هو قوله تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]، لأن الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة. ### || [102.5-7] # لو: هنا شرطية: جوابها محذوف باتفاق قدره ابن كثير أي لو علمتم حق ~~العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر، وعلم ~~اليقين: أجاز أبو حيان إضافة الشيء لنفسه، أي لمغايرة الوصف، إذ العلم هو ~~اليقين، ولكنه آكد منه. # وعن حسان قوله: # سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم # لو يعلمون يقين العلم ما ساروا # ولترون الجحيم: جواب لقسم محذوف. # وقال: المراد برؤيتها عند أول البعث، أو عند الورود، أو عند ما يتكشف ~~الحال في القبر. # ثم لترونها عين اليقين: # قيل: هذا للكافر عند دخولها، هذا حاصل كلام المفسرين. # ومعلوم أن هذا ليس لمجرد الإخبار برؤيتها، ولكن وعيد شديد وتخويف بها، ~~لأن مجرد الرؤية معلوم. # وإن منكم إلا واردها ولكن هذه الرؤية أخص، كما في قوله: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف: 53]، أي أيقنوا بدليل قوله: # ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 53]. # وقد يبدو وجه في هذا المقام، وهو أن الرؤية هنا للنار نوعان: # الرؤية الأولى: رؤية علم وتيقن، في قوله: ms4213 { لو تعلمون علم ~~اليقين } ، علما تستيقنون به حقيقة يوم القيامة لأصبحتم بمثابة من ~~يشاهد أهواله ويشهد بأحواله، كما في حديث الإحسان: # " أن تعبد الله كأنك تراه ". # وقد وقع مثله في قصة الصديق لما أخبر نبأ الإسراء، فقال: " صدق محمد، ~~فقالوا: تصدقه وأنت تسمع منه؟ قال: إني لأصدقه على أكثر من ذلك ". # فلعلمه علم اليقين بصدقه صلى الله عليه وسلم فيما يخبر، صدق بالإسراء ~~كأنه يراه. # وتكون الرؤية الثانية، رؤية عين ومشاهدة، فهو عين اليقين. # وقد قدمنا مراتب العلم الثلاث: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. # فالعلم: ما كان عن دلائل. # وعين اليقين: ما كان عن مشاهدة. # وحق اليقين: ما كان عن ملابسة ومخالطة، كما يحصل العلم بالكعبة، ووجهتها ~~فهو علم اليقين، فإذا رآها فهو عين اليقين بوجودها، فإذا دخلها وكان في ~~جوفها فهو حق اليقين بوجودها. والله تعالى أعلم. ### || [102.8] # أصل النعيم كل حال ناعمة من النعومة والليونة، ضد الخشونة واليبوسة، ~~والشدائد، كما يشير إليه قوله تعالى: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]. # ثم قال: # إذا مسكم الضر فإليه تجأرون # [النحل: 53]، فقابل النعمة بالضر. # ومثله قوله تعالى: # ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ~~ذهب السيئات عني # [هود: 10]. # وعلى هذا فإن نعم الله عديدة، كما قال: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18]. # وبهذا تعلم أن كل ما قاله المفسرون، فهو من قبيل التمثيل لا الحصر، كما ~~قال تعالى: { لا تحصوهآ }. # وأصول هذه النعم أولها بالإسلام # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3]. # ويدخل فيها نعم التشريع والتخفيف، عما كان على الأمم الماضية. # كما يدخل فيها نعمة الإخاء في الله # واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا # [آل عمران: 103]، وغير ذلك كثيرا. # وثانيها: الصحة، وكمال الخلقة والعافية، فمن كمال الخلقة الحواس # ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين # [البلد: 8-9]. # ثم قال: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. # وثالثها: المال في كسبه وإنفاقه سواء، ففي ms4214 كسبه من حله نعمة، وفي إنفاقه ~~في أوجهه نعمة. # هذه أصول النعم، فماذا يسأل عنه، منها جاءت السنة بأنه سيسأل عن كل ذلك ~~جملة وتفصيلا. # أما عن الدين والمال والصحة، ففي مجمل الحديث # " إذا كان يوم القيامة، لا تزل قدم عبد حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما ~~أبلاه، وعن علمه فيم عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ~~شبابه فيم أفناه ". # ولعظم هذه الآية وشمولها، فإنها أصبحت من قبيل النصوص مضرب المثل، فقد ~~فصلت السنة جزئيات ما كانت تخطر ببال أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد روى القرطبي ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر ~~وعمر، فقال: " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول ~~الله! قال: وأنا، والذي نفسي بيده! لأخرجني الذي أخركما، قوما فقاما ~~فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته ~~المرأة قالت: مرحبا! وأهلا! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء - أي يطلب ماء عذبا -. إذ ~~جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: ~~الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق ~~فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إياك والحلوب، فذبح لهم: فأكلوا من الشاة، ~~ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكر وعمر: " والذي نفسي بيده! لتسألن عن هذا يوم النعيم ~~يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا ~~النعيم " # وخرجه الترمذي. # وقال فيه: # " هذا والذي نفسي بيده، من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد ~~ورطب طيب، وماء بارد " # وكنى الرجل الذي من الأنصار. # فقال: أبو الهيثم بن ms4215 التيهان. # قال القرطبي: قلت: اسم هذا الرجل مالك بن التيهان، ويكنى أبا الهيثم. # وقد ذكر ابن كثير هذه القصة من عدة طرق. # ومنها: عند أحمد # " أن عمر رضي الله عنه أخذ بالفرق وضرب به الأرض، وقال: " إنا لمسؤولون ~~عن هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لف الرجل بها عورته، ~~أو كسرة سد بها جوعه، أو حجر يدخل فيه من الحر والقر " ". # وقال سفيان بن عيينة: إن ما سد الجوع، وستر العورة من خشن الطعام، لا ~~يسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يسأل عن النعيم، والدليل عليه أن الله ~~أسكن آدم الجنة فقال له: # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # [طه: 118-119]. # فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما ~~يسكن فيه من الحر ويستر به عورته، لآدم عليه السلام بالإطلاق، لا حساب ~~عليها لأنه لا بد له منها. # وذكر عن أحمد أيضا بسنده # " أنهم كانوا جلوسا فطلع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه ~~أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله، نراك طيب النفس؟ # قال: أجل، قال: خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى الله، خير من الغنى، ~~وطيب النفس من النعم ". # قال: ورواه ابن ماجه0 عن أبي هريرة. # وبهذا، فقد ثبت من الكتاب والسنة، أن النعيم الذي هو محل السؤال يوم ~~القيامة عام في كل ما يتنعم به الإنسان في الدنيا، حسا كان أو معنى. # حتى قالوا: النوم مع العافية، وقالوا: إن السؤال عام للكافر والمسلم، ~~فهو للكافر توبيخ وتقريع وحساب، وللمؤمن تقرير بحسب النعمة وجحودها ~~وكيفية تصريفها. والعلم عند الله تعالى. # وكل ذلك يراد منه الحث على شكر النعمة، والإقرار للمنعم والقيام بحقه ~~سبحانه فيها، كما قال تعالى عن نبي الله: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأصلح لي في ms4216 ذريتي إني تبت إليك وإني من ~~المسلمين # [الأحقاف: 15]. # اللهم أوزعنا شكر نعمتك، واجعل ما أنعمت علينا عونا لنا على طاعتك. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-2] # العصر: اسم للزمن كله أو جزء منه. # ولذا اختلف في المراد منه، حيث لم يبين هنا. # فقيل: هو الدهر كله، أقسم الله به لما فيه من العجائب، أمة تذهب وأمة ~~تأتي، وقدر ينفذ، وآية تظهر، وهو لا يتغير، ليل يعقبه نهار، ونهار يطرده ~~ليل، فهو في نفسه عجب. # كما قيل: # موجود شبيه المعدوم، ومتحرك يضاهي الساكن. # كما قيل: # وأرى الزمان سفينة تجري بنا # نحو المنون ولا نرى حركاته # فهو في نفسه آية، سواء في ماضيه لا يعلم متى كان، أو في حاضره لا يعلم ~~كيف ينقضي، أو في مستقبله. # واستدل لهذا القول بما جاء موقوفا على علي رضي الله عنه، ومرفوعا من ~~قراءة شاذة: والعصر ونوائب الدهر. وحمل على التفسير إذ لم يصح قرآنا، ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. # وعليه قول الشاعر: # سبيل الهوى وعر، وبحر الهوى غمر # ويوم الهوى شهر، وشهر الهوى دهر # وقيل العصر: الليل والنهار. # قال حميد بن ثور: # ولم يلبث العصران يوم ليلة # إذا طلبا أن يدركا ما يتمما # والعصران: أيضا الغداة العشي. # كما قيل: # وأمطله العصرين حتى يملني # ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # والمطل: التسويف وتأخير الدين. # كما قيل: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # وقيل: إن العشي ما بعد زوال الشمس إلى غروبها، وهو قول الحسن وقتادة. # ومنه قول الشاعر: # تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر # وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر # وعن قتادة أيضا: هو آخر ساعة من ساعات النهار، لتعظيم اليمين فيه، ~~وللقسم بالفجر والضحى. # وقيل: هو صلاة العصر لكونها الوسطى. # وقيل: عصر النبي صلى الله عليه وسلم أو زمن أمته، لأنه يشبه عصر عمر ~~الدنيا. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن أقرب هذه الأقوال كلها قولان: إما ~~العموم بمعنى الدهر للقراءة الشاذة، إذ أقل درجاتها التفسير، ولأنه يشمل ~~بعمومه بقية الأقوال. # وإما ms4217 عصر الإنسان أي عمره ومدة حياته الذي هو محل الكسب والخسران لإشعار ~~السياق، ولأنه يخص العبد في نفسه موعظة وانتفاعا. # ويرجع لهذا المعنى ما يكتنف هذه السورة من سور التكاثر قبلها، والهمزة ~~بعدها، إذ الأولى تذم هذا التلهي والتكاثر بالمال والولد، حتى زيارة ~~المقابر بالموت، ومحل ذلك هو حياة الإنسان. # وسورة الهمزة في نفس المعنى تقريبا، في الذي جمع مالا وعدده، يحسب أن ~~ماله أخلده. # فجمع المال وتعداده في حياة الإنسان وحياته محدودة، وليس مخلدا في ~~الدنيا، كما أن الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان. # وعليه، فإما أن يكون المراد بالعصر في هذه السورة العموم لشموله الجميع ~~وللقراءة الشاذة، وهذا أقواها. # وإما حياة الإنسان، لأنه ألزم له في عمله، وتكون كل الإطلاقات الأخرى من ~~إطلاق الكل، وإرادة البعض، والله تعالى أعلم. # وقوله: { إن الإنسان لفى خسر }. # لفظ الإنسان وإن كان منفردا، فإن أل فيه جعلته للجنس. # وقد بينه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، ~~وتقدم التنبيه عليه مرارا، فهو شامل للمسلم والكافر، إلا من استثنى الله ~~تعالى. # وقيل: خاص بالكافر، والأول أرجح للعموم. # وإن الإنسان لفي خسر، جواب القسم، والخسر: قيل: هو الغبن، وقيل: النقص: ~~وقيل، العقوبة، وقيل: الهلكة، والكل متقارب. # وأصل الخسر والخسران كالكفر والكفران، النقص من رأس المال، ولم يبين هنا ~~نوع الخسران في أي شيء، بل أطلق ليعم، وجاء بحرف الظرفية، ليشعر أن ~~الإنسان مستغرق في الخسران، وهو محيط به من كل جهة. # ولو نظرنا إلى أمرين وهما المستثنى والسورة التي قبلها، لا تضح هذا ~~العموم، لأن مفهوم المستثنى يشمل أربعة أمور: عدم الإيمان وهو الكفر، ~~وعدم العمل الصالح وهو العمل الفاسد، وعدم التواصي بالحق وهو انعدام ~~التواصي كلية أو التواصي بالباطل، وعدم التواصي بالصبر، وهو إما انعدام ~~التواصي كلية أو الهلع والجزع. # والسورة التي قبلها تلهي الإنسان بالتكاثر في المال والولد، بغية الغنى ~~والتكثر فيه، وضده ضياع المال والولد وهو الخسران. # فعليه يكون الخسران في الدين من حيث الإيمان بسبب الكفر، وفي ms4218 الإسلام ~~وهو ترك العمل، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل ~~وترك الحق، وفي الهلع والفزع. # ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه، ~~وكل ذلك جاء في القرآن ما يدل عليه نجمله كالآتي: # أما الخسران بالكفر. فكما في قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين # [الزمر: 65]. # وقوله: # قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله # [الأنعام: 31]، أي لأنهم لم يعملوا لهذا اللقاء، وقصروا أمرهم في الحياة ~~الدنيا فضيعوا أنفسهم، وحظهم في الآخرة. # وأما الخسران بترك العمل، فكما في قوله تعالى: # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم # [الأعراف: 9]، لأن الموازين هي معايير الأعمال كما تقدم # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. # ومثله: # ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد ~~خسر خسرانا مبينا # [النساء: 119]، لأنه سيكون من حزب الشيطان # ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون # [المجادلة: 19]، أي بطاعتهم إياه في معصية الله. # وأما الخسران بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا بالضلال، والحق هو ~~الإسلام بكامله، وقد نال تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # [آل عمران: 85]. # وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع، فكما قال ~~تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # [الحج: 11]. # تحقيق المناط في حقيقة خسران الإنسان # اتفقوا على أن رأس مال الإنسان في حياته هو عمره. كلف بإعماله في فترة ~~وجوده في الدنيا، فهي له كالسوق. # فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر. # ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. # وقوله: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~تؤمنون بالله ورسوله # [الصف: 10-11] الآية. # وفي الحديث عند مسلم: # " الطهور شطر الإيمان ". # وفي آخره # " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " # مما يؤكد أن رأس مال ms4219 الإنسان عمره. # ولأهمية هذا العمر جاء قسيم الرسالة والنذارة في قوله: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير # [فاطر: 37]. # وعلى هذا قالوا: إن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى. # وهدى كل إنسان النجدين، وجعل لكل إنسان منزلة في الجنة ومنزلة في النار. # فمن آمن وعمل صالحا كان مآله إلى منزلة الجنة، وسلم من منزلة النار، ~~ومن كفر كان مآله إلى منزلة النار، وترك منزلته في الجنة. # كما جاء في حديث القبر # " أول ما يدخل في قبره إن كان مؤمنا يفتح له باب إلى النار، ويقال له: ~~ذاك مقعدك من النار لو لم تؤمن ثم يقفل عنه، ويفتح له باب إلى الجنة ~~ويقال له: هذا منزلك يوم تقوم الساعة، فيقول: رب، أقم الساعة ". # وإن كان كافرا كان على العكس تماما، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل ~~النار النار، فيأخذ كل منزلته فيها، وتبقى منازل أهل النار في الجنة ~~خالية فيتوارثها أهل الجنة، وتبقى منازل أهل الجنة في النار خالية، فتوزع ~~على أهل النار، وهنا يظهر الخسران المبين، لأنه من ترك منزلة في الجنة ~~وذهب إلى منزلة في النار، فهو بلا شك خاسر، وإذا ترك منزلته في الجنة ~~لغيره وأخذ هو بدلا منها منزلة غيره في النار، كان هو الخسران المبين، ~~عياذا بالله. # أما في غير الكافر وفي عموم المسلمين، فإن الخسران في التفريط بحيث لو ~~دخل الجنة ولم ينل أعلى الدرجات يحس بالخسران في القوت الذي فرط فيه، ~~ولم يناقش في فعل الخير، لينال أعلى الدرجات. # فهذه السورة فعلا دافع لكل فرد إلى الجد والعمل المربح، ودرجات الجنة ~~رفيعة ومنازلها عالية مهما بذل العبد من جهد، فإن أمامه مجال للكسب ~~والربح، نسأل الله التوفيق والفلاح. # وقد قالوا: لا يخرج إنسان من الدنيا إلا حزينا، فإن كان مسيئا فعلى ~~إساءته، وإن كان محسنا فلتقصيره، وقد يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. # فالخوف ms4220 من المستقبل أمامهم، والحزن على الماضي خلفهم، والله تعالى أعلم. # ويبين خطر هذه المسألة: أن الإنسان إذا كان في آخر عمره، وشعر بأيامه ~~المعدودة وساعاته المحدودة، وأراد زيادة يوم فيها، يتزود منها أو ساعة ~~وجيزة يستدرك بعضا مما فاته، لم يستطع لذلك سبيلا، فيشعر بالأسى والحزن ~~على الأيام والليالي والشهور والسنين التي ضاعت عليه في غير ما كسب ولا ~~فائدة، كان من الممكن أن تكون مربحة له، وفي الحديث الصحيح: # " نعمتان مغبون فيهما الإنسان: الصحة والفراغ ". # أي أنهما يمضيان لا يستغلهما في أوجه الكسب المكتملة، فيفوتان عليه بدون ~~عوض يذكر ثم يندم، ولات حين مندم. # كما قيل في ذلك: # بدلت جمة برأس أزعرا # وبالثنايا البيض الدر دررا # كما اشترى المسلم إذ تنصرا # تنبيه # في سورة التكاثر تقبيح التلهي بالتكاثر بالمال والولد ونحوه، ثم الإشعار ~~بأنه سببه الجهل، لأنهم لو كانوا يعلمون علم اليقين لما ألهاهم ذلك حتى ~~باغتهم الموت. # وهنا إشعار أيضا بأن سبب هذا الخسران الذي يقع فيه الإنسان، هو الجهل ~~الذي يجر إلى الكفر والتمادي في الباطل، ويساعد على هذا قسوة القلب، وطول ~~الأمد. كما قال تعالى: # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 16]. # تنبيه آخر # قوله تعالى: { إن الإنسان لفى خسر } ، نص على الإنسان على ما ~~تقدم وقد جاءت آية أخرى تدل على أن الجن كالإنس في قوله تعالى: # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين # [الأحقاف: 18]. # وتقدم بيان تكليف الجن بالدعوة واستجابتهم لها. والدعوة إليها. ### || [103.3] # هذا هو المستثنى من الإنسان المتقدم، مما دل على العموم كما قدمنا، ~~والإيمان لغة التصديق وشرعا الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة، في ~~حديث جبريل عليه السلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن ~~الإسلام والإيمان والإحسان. # وعملوا الصالحات: العطف يقتضي المغايرة. # ولذا قال بعض الناس: إن ms4221 الأعمال ليست داخلة في تعريف الإيمان ومقالاتهم ~~معروفة. # والجمهور: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح. # فالعمل داخل فيه ويزيد وينقص، وقد قدمنا: أن العمل شرط أقرب من أن يكون ~~جزءا، أي أن الإيمان يصدق بالاعتقاد، ولا يتوقف وجوده على العمل، ولكن ~~العمل شرط في الانتفاع بالإيمان، إذا تمكن العبد من العمل، ومما يدل لكون ~~الإيمان يصدق عليه حد الاعتقاد والنطق، ولو لم يتمكن العبد من العمل، قصة ~~الصحابي الذي أسلم عند بدء المعركة، وقاتل، واستشهد ولم يصل لله ركعة ~~فدخل الجنة. # والجمهور: على أن مجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه، كما كان يعتقد عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم صحة رسالته، ولكنه لم يقل كلمة يحاج له صلى ~~الله عليه وسلم بها، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين، ولم يعمل كان ~~مناقضا لقوله. # وقد قدمنا هذه المسألة مفصلة. # والصالحات: جمع صالحة، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وتعريفه ~~وشروط كون العمل صالحا بأدلته من كونه موافقا لكتاب الله صاحبه خالصا ~~لوجه الله، وكونه صادرا من مؤمن بالله، إلخ. # وقوله: { وتواصوا بالحق }. # يعتبر التواصي بالحق، من الخاص بعد العام، لأنه داخل في عمل الصالحات. # وقيل: إن التواصي، أن يوصي بعضهم بعضا بالحق. # وقيل: الحق كل ما كان ضد الباطل فيشمل عمل الطاعات، وترك المعاصي. # واعتبر هذا أساسا من أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقرينة ~~التواصي بالصبر، أي على الأمر والنهي، على ما سيأتي إن شاء الله. # وقيل: الحق، هو القرآن، لشموله كل أمر وكل نهي، وكل خير، ويشهد لذلك ~~قوله تعالى في حق القرآن # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105]. # وقوله: # إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق فاعبد الله ~~مخلصا له الدين # [الزمر: 2]. # وقد جاءت آيات في القرآن تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، ~~أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها، من ذلك ما وصى الله به الأنبياء ~~وعموما، من نوح وإبراهيم ومن بعدهم في قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم ms4222 وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. # وإقامة الدين للقيام بكليته، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن ~~بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى: # ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون # [البقرة: 132]. # ومن بعد إبراهيم يعقوب كما قال تعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # [البقرة: 133]. # فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وكذلك بالعبادة من صلاة ~~وزكاة، كما في قوله تعالى عن نبي الله عيسى عليه السلام: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا ~~بوالدتي # [مريم: 31-32]. # وكذلك الحالة الاجتماعية ماثلة في الوصية بالوالدين والأولاد، لترابط ~~الأسرة، ففي الوالدين قوله تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا ~~على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 14-15]. # وفي الأبناء قال: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # [النساء: 11]. # وفي الحقوق العامة أوامر ونواهي، عبادات ومعاملات، جاءت آيات الوصايا ~~العشر التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: " من أراد أن ينظر إلى وصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم ms4223 وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 151-153]. # تلك الوصايا الجامعة أبواب الخير الموصدة أبواب الشر والمذيلة بهذا ~~التبيين والتعريف، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه لا تتبعوا السبل. # ولو أردنا أن نربط بين هذا وبين التواصي بالحق وبينهما وبين فاتحة ~~الكتاب، لكانت النتيجة كالآتي في قوله: { وتواصوا بالحق } ، ~~إحالة على تلك الوصايا، وهي شاملة جامعة ومعنون لها بأنها صراط الله ~~المستقيم. # فكأن قوله: { وتواصوا بالحق } ، مساويا لقوله: وتواصوا ~~بالصراط المستقيم. واستقيموا عليه. # ثم في سورة الفاتحة: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]، وهذا صراط الله المستقيم فاتبعوه. # فكانت سورة العصر مشتملة على التواصي بالاستقامة على صراط الله المستقيم ~~واتباعه، ويأتي عقبها قوله: { وتواصوا بالصبر } ، بمثابة ~~التثبيت على هذا الصراط المستقيم إذ الصبر لازم على عمل الطاعات، كما هو ~~لازم لترك المنكرات. # وتلك الوصايا العشر جمعت أمرا ونهيا فعلا وتركا وكذلك فيه الإشارة ~~إلى ما يقوله دعاة الإسلام من أن العمل الصالح والدعوة إلى الحق والتواصي ~~به، فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالبا من يقوم به يتعرض لأذى ~~الناس، فلزمهم التواصي بالصبر، كما قال لقمان لابنه يوصيه وجامعا في ~~وصيته وصية سورة العصر إذ قال: # يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور # [لقمان: 17]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان قواعد الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر بالتفصيل عند قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل # [المائدة: 105]، في سورة المائدة. # فصارت هذه السورة بحق جامعة لأصول الرسالة. # كما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لو تأمل الناس هذه السورة ~~لكفتهم. # قوله: { وتواصوا بالحق } ، جاء الحث على التواصي بالرحمة ~~أيضا مع الصبر، في قوله تعالى: # ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ~~وتواصوا بالمرحمة # [البلد: 17]. وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر ~~والتواصي بالمرحمة، تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوامه الفضائل المثلى، ~~والقيم الفضلى. # لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق، والاستقامة على الطريق المستقيم. # وبالتواصي بالصبر، يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط، ms4224 ويتخطون كل ~~عقبات تواجههم. # وبالتواصي بالمرحمة: يكونون مرتبطين كالجسد الواحد، وتلك أعطيات لم ~~يعطها إلا القرآن وأعطاها في هذه السورة الموجزة. وبالله التوفيق. # تنبيه # قال الفخر الرازي: إن الله تعالى لما أخبر عن هؤلاء بالنجاة من الخسران، ~~وفوزهم بالعمل الصالح والإيمان، أخبر عنهم أنهم لم يكتفوا بما يتعلق بهم ~~أنفسهم بل تعدوا إلى غيرهم، فدعوهم إلى ما فازوا به على حد قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " حب لأخيك ما تحب لنفسك " # ا ه. ملخصا. # ويشهد لهذا قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة # [فصلت: 30] - إلى قوله - # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم # [فصلت: 33-35]. # فقد بين تعالى أن الناس أقسام ثلاثة، إزاء دعوة الرسل. # قوم آمنوا وقالوا: ربنا الله، واستقاموا على ذلك بالعمل الصالح. # وقوم: ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم وهم أحسن قولا بلا شك. # وقوم: عادوا الدعاة وأساؤوا إليهم. # ثم بين موقف الدعاة من أولئك المسيئين في غضون قوله تعالى: { ولا ~~تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع } أي إساءة المسيئين { ~~بالتي هي أحسن } فيصبحوا أولياء لك وبين أن هذه المنزلة { ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا } ثم بين أن من ارتفع ~~إليها وسلك مسلكها # إنه لذو حظ عظيم # [القصص: 79]. # تنبيه # كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، قول للدعاة عدوان: ~~أحدهما: من الإنس. والآخر من الشياطين. # وقد أرشدنا الله لكيفية التغلب عليهما واكتفاء شرهما. # أما عداوة الإنس فبمقابلة الإساءة بالإحسان، فيصبح وليا حميما. # وأما عدو الجن فبالاستعاذة منه # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم # [الأعراف: 200]. # نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. # وقد أشرنا إلى أن الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قدم مبحث الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر عند قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ms4225 لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم # [المائدة: 105]. # وذكر سورة العصر عندها، وعقد مسائل متعددة في منهج المر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، بما لا غنى عنه. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1] # اختلف في معنى كلمة ويل. # فقيل: هو واد في جهنم. # وقيل: هي كلمة عذاب وهلاك. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وذكر هذين المعنيين في سورة ~~الجاثية عند قوله تعالى: # ويل لكل أفاك أثيم # [الجاثية: 7]، وبين أنها مصدر لا لفظ له من فعله وأن المسوغ للابتداء ~~بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك. # وقد استظهر رحمه الله تعالى هذا المعنى. # ومما يشهد لما استظهره رحمه الله، ما جاء في حق أصحاب الجنة التي أصبحت ~~كالصريم، أنهم قالوا عند رؤيتهم إياها # قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين # [الأنبياء: 14]، فهي كلمة تقال عند نزول المصائب، وعند التقبيح. # وقال الفخر الرازي: أصل الويل لفظة السخط والدم، وأصلها نوى لفلان، ثم ~~كثرت في كلامهم فوصلت باللام، ويقال: ويح بالحاء للترحم اه. # ومما يدل لقول الرازي أيضا قول قارون # ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر # [القصص: 82]. # ومثله للتعجب في قوله: # قالت يويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا # [هود: 72]. # وقوله: # قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي # [المائدة: 31]. # فالظاهر: أنها كلمة تقال عند الشدة والهلكة، أو شدة التعجب مما يشبه ~~المستبعد. # والذي يشهد له القرآن: هو هذا المعنى، وسبب الخلاف قد يرجع لمجيئها تارة ~~مطلقة كقوله: # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15]، وهنا { ويل لكل همزة لمزة } [الهمزة: ~~1]. # ويجيء مع ذكر ما يتوعد به كقوله: # فويل للذين كفروا من النار # [ص: 27]، وقوله: # فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم # [الزخرف: 65]، فذكر النار والعذاب الأليم. # وكذلك قوله: # فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم # [مريم: 37]، فهي في هذا كله للوعيد الشديد، مما ذكر معها من النار ~~والعذاب الأليم ومشهد يوم عظيم، وليست مقصودة بذاتها دون ما ذكر معها، ~~والعلم عند الله تعالى. # وقوله: { همزة لمزة } ، قيل: هما بمعنى واحد، ms4226 وهو الغيبة. # وأنشد ابن جرير قول زياد الأعجم: # تدلى بودي إذ لاقيتني كذبا # وإن أغيب فأنت الهامز الهمزة # وعزا هذا لابن عباس، وهو الذي يصيب الناس ويطعن فيهم. # وقد جاء في القرآن استعمال كل من الكلمتين مفردة عن الأخرى، بما يدل على ~~المغايرة. # ففي الهمزة قوله: # ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشآء بنميم # [القلم: 10-11]، مما يدل على الكذب والنميمة. # وفي الهمزة قوله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب # [الحجرات: 11]. # وقوله: # ومنهم من يلمزك في الصدقات # [التوبة: 58]، مما يدل على أنها أقرب للتنقص والعيب في الحضور لا في ~~الغيبة، فتغاير الهمز في المعنى، وفي الصفة، والجمع بينهما جمع بين ~~القبيحين، فكان مستحقا لهذا الوعيد الشديد بكلمة ويل. # وقد قيل: الهمز باليد: وقيل: باللسان في الحضرة، والهمز في الغيبة. # وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان، والغمز بالعين، وكلها معان متقاربة ~~تشترك في تنقص الآخرين. ### || [104.2] # هذا الوصف يشعر بأنه علة فيما قبله، إذ الموصول هنا يدل من كل المتقدمة، ~~وليس العيب في جمع مالا بل في عدده. يحسب أن ماله أخلده. وفي عدده عدة ~~معان: # قيل: عده كل وقت وآخر، تحفظا عليه. # وقيل: عدده كنزه. # وقيل: عدده أعده للحاجة. # وقرئ: جمع وعدد بالتشديد وبالتخفيف. والمراد به من لم يؤد حق الله فيه ~~شحا وبخلا، كما تقدم في سورة # ألهاكم التكاثر # [التكاثر: 1]. ### || [104.3] # هذا الحسبان هو المذموم عليه، والمنصب عليه الوعيد، لأنه كفر بالبعث. ~~كما قال صاحب الجنة في الكهف # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا ومآ أظن الساعة قائمة # [الكهف: 35-36]. ### || [104.4] # كلا: ردع وزجر له على حسبانه الباطل، ولينبذن في جواب قسم محذوف دل عليه ~~قوله: كلا. # وهذا يفسره ما تقدم في قوله: # فأمه هاوية # [القارعة: 9]، أي ينبذ نبذا، فيهوي على أم رأسه. # عياذا بالله. # والحطمة: فعلة من الحطم، وهو الكسر، ثم الأكل الكثير. # وقد فسرت بما بعدها # نار الله الموقدة # [الهمزة: 6]، وسميت " حطمة " لأنها تحطم كل ما ألقي فيها، وتقول: هل من ms4227 ~~مزيد. ### || [104.8-9] # قيل: مؤصدة في عمد. بأن العمد صارت وصدا للباب كالقفل، والغلق له. ~~وقيل: في عمد: أنهم يدخلون في عمد كالقصبة، مجوفة الداخل. # وقيل: في عمد: أي توضع أرجلهم في العمد على صورة القيد في الخشبة ~~الممتدة، يشد فيها عدد من الأشخاص في أرجلهم. # وكنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في ذلك: أن العمد بمعنى ~~القصبة المجوفة تضيق عليهم، كما في قوله: # وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # فيكون أرجح في هذا المعنى. # وقد نص عليه في إملائه رحمة الله تعالى علينا وعليه. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.3-4] # اختلف في معنى السجيل هنا. # فقال قوم: هو السجين، أبدلت النون لاما، والسجين النار. # وقيل: إن السجيل من السجل، كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، ~~كما أن سجينا لديوان أعمالهم واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال، ومنه ~~السجل الدلو المملوء ماء، وهي حجارة مرسلة لقوله: { وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل }. # وقوله: إن سجينا، عن الديوان أعمالهم، يعني قوله تعالى: # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين # [المطففين: 7]. # وقيل: معنى سجيل ستك وطين، يعني بعض حجر وبعض طين. # وقيل: معناه الشديد. # وقيل: السجيل اسم لسماء الدنيا. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، ترجيح أنها من طين شديد ~~القوة. # وهذا ما يشهد له القرآن لما في سورة الذاريات # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل ~~عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك ~~للمسرفين # [الذاريات: 32-34] فنص على أنها من طين. # والحجارة من الطين: هي الآجر وهو الطين المطبوخ حتى يتحجر. # وجاء النص الآخر أنها من سجيل منضود في قوله: # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود # [هود: 82]. # وقيل فيها: كالحمصة والعدسة، والضمير في عليهم راجع لأصحاب الفيل، ~~وقصتهم طويلة مشهورة. # تنبيه # قد أوردنا نصوص معنى سجيل، وترجيح الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ~~أنها حجارة من طين شديد القوة تنبيها على ما قيل من استبعاد ذلك، وردا ~~على من صرف معناها إلى ms4228 غير الحجارة المحسوسة. # أما من استبعدها، فقد حكاه الفخر الرازي بقوله: واعلم أن من الناس من ~~أنكر ذلك. # وقالوا: لو جوزنا أن يكون في الحجارة التي تكون مثل العدسة من الثقل ما ~~يقوى به على أن ينفذ من رأس الإنسان ويخرج من أسفله، لجوزنا أن يكون ~~الجبل العظيم خاليا عن الثقل، وأن يكون في وزن التبنة، وذلك يرفع الأمان ~~عن المشاهدات. # فإنه متى جاز ذلك فليجز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار، ولا نراها، وأن ~~يحصل الإدراك في عين الضرير، حتى يكون هو بالمشرق، ويرى قطعة من الأرض ~~بالأندلس، وكل ذلك محال. # ثم قال: واعلم أن ذلك جائز في مذهبنا، إلا أن العادة جارية بأنها لا ~~تقع. # وهذا القول يحكيه الفخر الرازي المتوفي سنة 606 ستمائة وست، فنرى ~~استبعادهم إياها مبني على تحكيم العقل، وهذا باطل لأن خوارق العادات ~~دائما فوق قانون العقل، بل إن تصورات العقل نفسه منشؤها من تصوراتنا لما ~~نشاهده. # وإذا حدث العقل بما لم يشهده أو يعلم كنه وجوده لاستبعده كما هو في ~~واقعنا اليوم، لو حدثت به العقول سابقا من نقل الحديث، والصورة على ~~الأثير، وتوجيه الطائرات وأمثالها، لما قوي على تصورها لأنها فوق نطاق ~~محسوساته ومشاهداته. # وحتى نحن لو لم يسايرها من علم بما يحمله الأثير من تيار كهربائي، وما ~~له من دور فعال في ذلك لما أمكننا تصوره، ثم من يمنع شيئا من ذلك على ~~قدرته تعالى. # وقد أخبرنا أن تلك الجبال سيأتي يوم تكون فيه كالعهن المنفوش أخف من ~~التبنة، التي مثلوا بها، بل ستكون أقل من ذلك، كما قال تعالى: # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20]، فظهر بطلان هذا القول الذي استبعدها لعدم إدراك العقل لها. # أما من يؤول هذا المعنى إلى معنى آخر، فهو قريب من الأول من حيث المبدأ، ~~إلا أنه أثبت الأصل وفسره بما يتناسب والعقل. # وهو محكي عن الإمام محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا، إذ فسر الحجارة ~~من سجيل، بأنه وباء الجدري. # وبالتالي: فالطير الأبابيل: هي البعوض وما ms4229 أشبهه. # وقد اعتذر له السيد قطب: بأن الدافع لذلك هو ما كان شائعا في عصره من ~~موجات متضاربة، موجة انحراف في التفكير نحو الإسلام واستغلال ~~الإسرائيليات، كمثال على ما يشبه الأباطيل في تشويه حقائق الإسلام عند ~~غير المسلمين. # ومن ناحية أخرى طوفان علمي حديث، من إنتاج العقل البشري فبدلا من أن ~~تثبت حادثة كهذه صرفت إلى ما يألفه العقل من إيقاع ميكروب الجدري بجيش ~~أبرهة حتى أهلكه لكي لا يتصادم في إثبات الحادثة على ما نص عليه القرآن ~~العقلية العلمانية الحديثة. # هذا ملخص ما اعتذر به السيد قطب عن هذا القول. # ولكن من الناحية العلمية والنصوص القرآنية، فقد تقدم: أن الحجارة التي ~~من سجيل، جاء النص على أنها ليست خاصة بهؤلاء القوم، بل ألقيت على قوم ~~لوط، بعد أن جعل عاليها سافلها، فما موقع الجدري منهم بعد إهلاكهم ~~بإفكها المذكور؟ # ثم جاء أيضا: أنها من طين، فأين الطين من الجراثيم الجدرية؟ # ومن الناحية العلمية: من أين جيء بمكروب الجدري؟ وأين كان قبل أن تأتي ~~به الطير الأبابيل؟ # ومتى كان ميكروب الجدري أو غيره يميز بين قرشي وحبشي؟ # ومتى كان أي ميكروب يفتك بقوم وبسرعة، يجعلهم كعصف مأكول، مع أن: ~~فجعلهم، تشعر بالسرعة في إهلاكهم، والعصف اليابس الذي تعصف به الريح ~~لخفته. # ومتى كان وجود الجدري طفرة وفجاءة، إنه يظهر في حالات فردية، ثم ينتشر ~~هذا من الناحية العلمية، وإدراك العقل، لما عرف من ميكروب الجدري. # ولكن ملابسات الحادثة تمنع من تصور ذلك عقلا لعدم انتشاره في جميع ~~أفراد المنطقة، ولعدم تأثيره فعلا بهذه الصورة، ولعدم أيضا تصور مجيئه ~~فجاءة، فدل العقل نفسه على عدم صحة هذا القول. # ثم من ناحية أخرى إذا رددنا خوارق العادات لعدم تصور العقل لها، فكيف ~~نثبت مثل: حنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ونحو ~~ذلك، وتسبيح الحصى في كفه صلوات الله وسلامه عليه؟ # وقد شاهد العقل الصورة القصوى، وهي خروج الناقة من الصخرة لقوم صالح، بل ~~إننا الآن بالحس والعقل ms4230 نشاهد ما لا ندرك كنهه في وسائل الإعلام، ونسمع ~~الصوت من الجماد مسجلا على شريط بسيط جدا. # فهل ينفي الباقي؟ بل كيف أثبت النصارى لعيسى ابن مريم عليه السلام إبراء ~~الأكمه والأبرص. وإحياء الموتى، وعمل الطير من الطين، ثم ينفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله. # وكيف أثبت اليهود لموسى أمر العصا وشق البحر؟ وأين العقل من ذلك كله؟ # الواقع أننا في زمان ومع كل قضية، يجب أن نلتزم جانب الاعتدال، لا هو ~~جري وراء كل خبر، ولو كان إسرائيليا ولا هو رد لكل نص ولو كان صريحا ~~قرآنيا، بل كما قال السيد قطب في ذلك: # يجب أن نستمد فكرنا من نصوص القرآن، وأن ما يقرره نعتقده ونقول به. # وقد ناقشنا هاتين الفكرتين القديمة التي استبعدت ذلك كلية، والحديثة ~~التي أولتها. # ونضيف شيئا آخر في جانب الفكرة الثانية، وهي لعل مما حدا بأصحابها إلى ~~ذلك ما جاء عن قتادة قوله: إنه لم ير الجدري بأرض العرب مثل تلك السنة. # وقيل أيضا: لم ير شجر الحنظل، إلا في ذلك التاريخ. # فيقال أيضا: إن العقل لا يستبعد هنا أن يكون إهلاك هذا الجيش الكبير ~~بتلك الحجارة في مكان معسكره في بطن الوادي، ووقوع الجثث مصابة بها، لا ~~يمنع أن تتعفن ثم يتولد منها مكروب الجدري، ولا مانع من ذلك. والعلم عند ~~الله تعالى. # تنبيه آخر # قالوا: إن أصحاب هذا الجيش نصارى وهم أهل دين وكتاب، وأهل مكة وثنيون لا ~~دين لهم، والكعبة ممتلأة بالأصنام، فكيف أهلك الله النصارى أصحاب الدين ~~ولم يسلطهم على الوثنيين؟ # وأجيب عن ذلك بعدة أجوبة. # منها: أن الجيش ظالم باغ، والبغي مرتعه وخيم، ولو كان المظلوم أقل من ~~الظالم، ويشهد لذلك الحديث # " في نصرة المظلوم، واستجابة دعوته ولو كان كافرا ". # ومنها: أن الوثنية اعتداء على حق الله في العبادة، وغزو هذا الجيش ~~اعتداء على حقوق العباد. ومنها: إنه إرهاص لمولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إذ ولد في هذا العام نفسه. # وكلها وإن كانت لها وجه من النظر، إلا ms4231 أنه يبدو لي وجه، وهو أن الأصل في ~~نشأة البيت وإقامته، إنما هو الله رفع قواعده وأقام الصلاة في رحابه، ~~وكان طاهرا مطهرا للعاكفين فيه والركع السجود، وإنما الوثنية طارئة ~~عليه وإلى أمد قصير مداه ودنا منتهاه، لدين جديد. # والمسيحية بنفسها تعلم ذلك وتنص عليه وتبشر به، فكانت معتدية على الحقين ~~معا، حق الله في بيته، والذي تعلم حرمته وماله، وحق العباد الذين حوله. # وكانت لو سلطت عليه بمثابة المنتصرة على مبدأ صحيح، مع فسادها مبدأ صحة ~~وسلامة بناء البيت، ووضعه البيت الذي من خصائصه أن يكون مثابة للناس ~~وأمنا. # فكيف لا يأمن هو نفسه من غزو الغزاة وطغيان الطغاة، فصانه الله تعالى ~~صيانة لمبدأ وجوده، وحفاظا على أصل وضعه في الأرض، ويكفي نسبته لله بيت ~~الله. # وقد أدرك أبو طالب هذا المعنى بعينه إذ قال لأبرهة: # أنا رب الإبل وللبيت ربه يحميه. وأتى باب الكعبة فتعلق بها وقال: # لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عددا يوالك # إن يدخلوا البلد الحرا # م فأمر ما بدا لك # وقيل: إنه قال: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # إنهم لن يقهروا قواكا ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-2] # اختلف في اللام في لإيلاف قريش، هل هي متعلقة بما قبلها، وعلى أي معنى. ~~أم متعلقة بما بعدها، وعلى أي معنى. # فمن قال: متعلقة بما قبلها، قال متعلقة بجعل في قوله: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5]. # وتكون بمعنى لأجل إيلاف قريش يدوم لهم ويبقى تعظيم العرب إياهم، لأنهم ~~أهل حرم الله، أو بمعنى إلى أي جعلنا العدو كعصف مأكول، هزيمة له ونصرة ~~لقريش نعمة عليهم، إلى نعمة إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. # ومن قال: متعلقة بما بعدها، قال لإيلاف قريش إيلافهم الذي ألقوه أي ~~بمثابة التقرير له، ورتب عليه، فليعبدوا رب هذا البيت. أي أثبته إليهم ~~وحفظه لهم. # وهذا القول الأخير هو اختيار ابن جرير، ورواه ابن عباس، ورد جواز القول ~~الأول، لأنه ms4232 يلزمه فصل السورتين عن بعض. # وقيل: إنها للتعجب، أي أعجبوا لإيلاف قريش، حكاه القرطبي عن الكسائي ~~والأخفش، والقول الأول لغيره. # وروي أيضا عن ابن عباس وغيره، واستدلوا بقراءة السورتين معا في الصلاة ~~في ركعة قرأ بهما عمر بن الخطاب، وبأن السورتين في أبي بن كعب متصلتان، ~~ولا فصل بينهما. # وحكى القرطبي القولين، ولم يرجح أحدهما، ولا يبعد اعتبار الوجهين لأنه ~~لا يعارض بعضها بعضا. # وما اعترض به ابن جرير بأنه يلزم عليه اتصال السورتين فليس بلازم، لأنه ~~إن أراد اتصالهما في المعنى، فالقرآن كله متصلة سورة معنى. # ألا ترى إلى فاتحة الكتاب وفيها # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]، فجاءت سورة البقرة: # ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة: 2]، وبعدها ذكر أوصافهم وقال: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5]، فأي ارتباط أقوى من هذا، كأنه يقول: الهدى الذي تطلبونه في ~~هذا الكتاب فهو هدى للمتقين، وإن أراد اتصالا حسا بعدم البسملة، ~~فنظيرها سورة براءة مع الأنفال، ولكن لا حاجة إلى ذلك، لأن إجماع القراء ~~على إثبات البسملة بينهما، اللهم إلا مصحف أبي بن كعب، وليس في هذين ~~الوجهين وجه أرجح من وجه. # ولذا لم يرجع بينهما أحد من المفسرين، سوى ابن جرير رحمه الله: # وصحة الوجهين أقوى وأعم في الامتنان وتعداد النعم. # والإيلاف: قيل من التأليف، إذ كانوا في رحلتيهم يألفون الملوك في الشام ~~واليمن، أو كانوا هم في أنفسهم مؤلفين ومجمعين، وهو امتنان عليهم بهذا ~~التجمع والتألف، ولو سلط عليهم لفرقهم وشتتهم، وأنشدوا: # أبونا قصي كان يدعي مجمعا # به جمع الله القبائل من فهر # وقيل: من الألف والتعود، أي ألفوا الرحلتين. # فللإبقاء لهم على ما ألفوه وقريش قال أبو حيان: علم على القبيلة. # وقيل: أصلها من النقرش، وهو الاجتماع أو التكسب والجمع. # وقيل: من دابة البحر المسماة بالقرش وهي أخطر حيواناته، وهو مروي عن ابن ~~عباس في جوابه لمعاوية. # وأنشد في قول الشاعر: # وقريش هي التي تسكن الب # حر بها سميت قريش قريشا # تأكل الرث والسمين ولا تترك # فيها لذي جناحين ريشا ms4233 # هكذا في البلاد حي قريش # يأكلون البلاد أكلا كميشا # ولهم آخر الزمان نبي # يكثر القتل فيهم والخموشا # وقوله تعالى: { رحلة الشتآء والصيف } ، هو تفسير لإيلاف ~~سواء على ما كانوا يؤالفون بين الملوك في تلك الرحلات، أو ما كانوا ~~يألفونه فيهما. ### || [106.3-4] # المراد بالبيت: البيت الحرام، كما جاء في دعوة إبراهيم عليه وعلى نبينا ~~الصلاة والسلام # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37]. # وقوله تعالى: { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف }. # بمثابة التعليل لموجب أمرهم بالعبادة، لأنه سبحانه الذي هيأ لهم هاتين ~~الرحلتين اللتين كانتا سببا في تلك النعم عليهم، فكان من واجبهم أن ~~يشكروه على نعمه ويعبدوه وحده. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان هذا المعنى، عند قوله ~~تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] وساق النصوص بهذا المعنى بما أغنى عن إعادته. # تنبيه # في قوله تعالى: { فليعبدوا رب هذا البيت الذي ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } ، ربط بين النعمة ~~وموجبها، كالربط بين السبب والمسبب. # ففيه بيان لموجب عبادة الله تعالى وحده، وحقه في ذلك على عباده جميعا، ~~وليس خاصا بقريش. وهذا الحق قرره أول لفظ في القرآن، وأول نداء في ~~المصحف، فالأول قوله تعالى: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]، كأنه يقول هو سبحانه مستحق للحمد، لأنه رب العالمين، أي ~~خالفهم ورازقهم، وراحمهم إلى آخره. # والثاني: # يا أيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21]. # ثم بين الموجب بقوله: # الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21]. # ثم عدد عليهم نعمه بقوله: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22]. # فهذه النعم تعادل الإطعام من جوع، والأمن من خوف، في حق قريش، ومن ذلك ~~قوله تعالى: # إنآ أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر # [الكوثر: 1-2]. # وقد بين تعالى أن الشكر يزيد النعم والكفر يذهبها، إلا ما كان ~~استدراجا، فقال في شكر النعمة: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. # وقال في الكفران ms4234 وعواقبه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. # وبهذه المناسبة إن على كل مسلم أفرادا وجماعات، أن يقابلوا نعم الله ~~بالشكر، وأن يشكروها بالطاعة والعبادة لله، وأن يحذروا كفران النعم. # تنبيه آخر # في الجمع بين إطعامهم من جوع وآمنهم من خوف، نعمة عظمى لأن الإنسان لا ~~ينعم ولا يسعد إلا بتحصيل النعمتين هاتين معا، إذ لا عيش مع الجوع، ولا ~~أمن مع الخوف، وتكمل النعمة باجتماعهما. # ولذا جاء الحديث # " من أصبح معافى بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه، فقد اجتمعت عنده ~~الدنيا بحذافيرها ". # تنبيه آخر # إن في هذه السورة دليلا على أن دعوة الأنبياء مستجابة، لأن الخليل عليه ~~وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لأهل الحرام بقوله: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات # [إبراهيم: 37]. # وقال: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك # [البقرة: 129]، فأطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف، وبعث فيهم رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياته. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-3] # الذي يكذب بالدين، فيه اسم الموصول مبهم بينه ما بعده، وهو الذي يدع ~~اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين. # وقد بين تعالى في آية أخرى، أن الإيمان بيوم الدين يحمل صاحبه على إطعام ~~اليتيم والمسكين في قوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8]. # ثم قال مبينا الدافع على إطعامهم إياهم: # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا # [الإنسان: 9-10]. # وهنا سؤال: وهو لم خص المكذبين بيوم الدين عمن يرتكب هذين الأمرين دع ~~اليتيم، وهو دفعه وزجره، وعدم الحض على إطعام المسكين، وبالتالي عدم ~~إطعامه هو من عنده؟ # والجواب: أنهما نموذجان، ومثالان فقط. # والأول منهما: مثال للفعل القبيح. # والثاني: مثال للترك المذموم. # ولأنهما عملان إن لم يكونا إسلاميين فهما إنسانيان، قبل كل شيء. # وفي الآية الأخرى توجيه للجواب، وهو أن المؤمن يخاف من الله يوما ms4235 ~~عبوسا، وعبر بالعبوس في حق يوم القيامة، لئلا يعبس هو في وجه اليتيم ~~والمسكين لضعفهما. # ومن جانب آخر فإن كان التكذيب بيوم الدين، يحمل على كل الموبقات، إلا ~~أنها قد تجد ما يمنع منها، كالقتل والزنى والخمر لتعلق حق الآخرين، وكذلك ~~السرقة والنهب. # أما إيذاء اليتيم وضياع المسكين، فليس هناك من يدفع عنه، ولا يمنع إيذاء ~~هؤلاء عنهما، وليس لديهما الجزاء الذي ينتظره أولئك منهم على الإحسان ~~إليهم. # وجبلت النفوس على ألا تبدل إلا بعوض، ولا تكف إلا عن خوف، فالخوف مأمون ~~من جانبي اليتيم والمسكين، والجزاء غير مأمول منهما، فلم يبق دافع ~~للإحسان إليهما، ولا رادع عن الإساءة لهما إلا الإيمان بيوم الدين ~~والجزاء، فيحاسب الإنسان على مثقال الذرة من الخير. # وقيل: إن دع اليتيم: هو طرده عن حقه وعدم الحض على طعام المسكين: عدم ~~إخراج الزكاة. # ولكن في الآية ما يمنع ذلك، لأن الزكاة إنما يطالب بها المؤمن والسياق ~~فيمكن يكذب بيوم الدين فلا زكاة. ### || [107.4-7] # اختلف في المصلين الذين توجه إليهم الوعيد بالويل هنا. # والجمهور: على أنهم الذين يسهون عن أدائها، ويتساهلون في أمر المحافظة ~~عليها. # وقيل: عن الخشوع فيها وتدبر معانيها. # ولكن الصحيح أنه الأول. # وقد جاء عن عطاء وعن ابن عباس أنهما قالا: الحمد لله الذي قال عن ~~صلاتهم، ولم يقل في صلاتهم، كما أن السهو في الصلاة لم يسلم منه أحد، حتى ~~أنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم من ركعتين في الظهر كما ~~هو معلوم من حديث ذي اليدين، وقال: # " إني لا أنسى، ولكني أنسى لأسن " # فكيف ينسيه الله ليسن للناس أحكام السهو، ويقع الناس في السهو بدون عمد ~~منهم. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". # وقد عقد الفقهاء باب سجود السهو تصحيحا لذلك. # لذلك بقي من المراد بالذين هم عن صلاتهم ساهون. # قيل: نزلت في أشخاص بأعيانهم. # وقيل: في كل من أخر الصلاة عن أول وقتها، أو عن وقتها كله، إلى ms4236 غير ~~ذلك، أو عن أدائها في المساجد وفي الجماعة. # وقيل: في المنافقين. # وفي السورة تفسير صريح لهؤلاء، وهو قوله تعالى: { الذين هم ~~يرآءون ويمنعون الماعون } [الماعون: 6-7]. # والمرائي في صلاته قد يكون منافقا، وقد يكون غير منافق. # فالرياء أعم من جهة، والنفاق أعم من جهة أخرى، أي قد يرائي في عمل ما، ~~ويكون مؤمنا بالبعث والجزاء وبكل أركان الإيمان، ولا يرائي في عمل آخر، ~~بل يكون مخلصا فيه كل الإخلاص. # والمنافق دائما ظاهره مخالف لباطنه في كل شيء، لا في الصلاة فقط. # ولكن جاء النص: بأن المراءاة في الصلاة، من أعمال المنافقين. # وجاء النص أيضا. بأن منع الماعون من طبيعة الإنسان إلا المصلين، كما في ~~قوله تعالى: # إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين # [المعارج: 19-22]. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان السهو عنها وإضاعتها ~~عند قوله تعالى: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب # [مريم: 59-60] الآية. # وبين في آخر المبحث تحت عنوان: مسألة في حكم تاركي الصلاة جحدا أو ~~كسلا. وزاده بيانا، عند قوله تعالى: # والذين هم على صلواتهم يحافظون # [المؤمنون: 9] في دفع إيهام الاضطراب للجمع بين هذه الآية وآية # ما سلككم في سقر # [المدثر: 42]. # وذكر قول الشاعر: # دع المساجد للعباد تسكنها # على ما سنذكره بعد، ثم نبه قائلا: إذا كان الوعيد عمن يسهو عنها فكيف ~~بمن يتركها؟ اه. # وقد تساءل بعض المفسرين عن موجب اقتران هذه الآية بالتي قبلها. # وأجابوا: بأن الكل من دوافع عدم الإيمان بالبعث، ومن موجبات التكذيب ~~بيوم الدين، فهي مع ما قبلها في قوة، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على ~~طعام المسكين، وعن صلاتهم ساهون، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. # فجمعهم مع الأول، ونص على وعيده الشديد، وبين وصفا ولهم، وهو أنهم ~~يمنعون الماعون. # تنبيه # في هذه السورة، وفي آية # والذين هم على صلواتهم يحافظون # [المؤمنون: 9]، التي هي من صفات المؤمنين معادلة كبيرة. ms4237 # إحداهما: في المنافقين تاركي الصلاة أو مضيعيها. # والأخرى في المؤمنين المحافظين عليها، أي أن الصلاة هي المقياس والحد ~~الفاصل. وعليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر ". # أما أثر الصلاة في الإسلام، وعلى الفرد والجماعة، فهي أعظم من أن تذكر. # وقد وجدنا بعض آثارها وهو المراءاة في العمل، أي ازدواج الشخصية ~~والانعزال في منع الماعون، أي لا يمد يد العون ولو باليسير لمجتمعه الذي ~~يعيش فيه، وقد جاءت نصوص صريحة في مهمة الصلاة عاجله وآجله. # ففي العاجل قوله تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]، ومن الفحشاء: دع اليتيم وعدم إطعام المسكين، وفي الدرجة ~~الأولى. # ومنها: كل رذيلة. منكرة، فهي إذن سياج يصونه عن كل رذيلة. وهي عون على ~~كل شديدة، كما قال تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة # [البقرة: 45]، فجعلها قرينة الصبر في التغلب على الصعاب، وهي في الآخرة ~~نور، كما قال تعالى: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]، الآية، مع قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ". # وقوله: { ويمنعون الماعون } ، قيل: في الماعون الزكاة لقلتها، ~~والماعون: القليل، والماعون: المال في لغة قريش. # وقيل: هو ما يعين على أي عمل، ومنه الدلو والفأس والإبرة والقدر. ونحو ~~ذلك. # وإذا كان السهو عن الصلاة يحمل على منع الماعون، فإن من يمنع الماعون ~~وهو الآلة أو الإناء يقضي به الحاجة ثم يرد، كما هو بدون نقصان، فلأن ~~يمنع الصدقة أو الزكاة من باب أولى. # ومن هنا: لم يكن المنافق ليزكي ماله ولا يتصدق على محتاج، بل ولا يقرض ~~آخر قرضا حسنا. ولذا نجد تفشي الربا في المنافقين أشد وأكثر. # وهنا يأتي مبحثان: # الأول منهما: حكم الرياء وما حده؟ # والثاني: حكم العارية. # أما الرياء: فقيل وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد ~~رؤية الناس لها فيحمد عليها، وقد جاء في الحديث تسميته الشرك الخفي: # " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قالوا: ms4238 وما الشرك الخفي يا رسول ~~الله؟ قال: الرياء، فإنه أخفى في نفوسكم من دبيب النمل ". # وجاء قوله تعالى: # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]. # وبيان الشرك فيه أنه يعمل العمل مما هو أصلا لله، كالصلاة أو الصدقة أو ~~الحج، ولكنه يظهره لقصد أن يحمده الناس عليه. # فكأن هذا الجزء منه مشاركة مع الله، حيث أصبح من عمله جزء لطلب الثناء ~~من الناس عليه. # وقد جاء حديث أبي هريرة عند مسلم: يقول الله تعالى: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معي غيري تركته وشركه ~~". # أما حكم الرياء في العمل، ففي هذا النص دلالة على رد العمل على صاحبه، ~~وتركه له. # فقيل: إنه يكون لا له فيه، ولا عليه منه. # فقيل: لا يخلو من ذم، كما حذر الله تعالى منه بقوله: # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ~~ورئآء الناس # [الأنفال: 47]. # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به " # رواه مسلم. # والتسميع: هو العمل ليسمع الناس به كما في حديث الوليمة # " في اليوم الأول والثاني والثالث سمعة. ومن سمع سمع به ". # فالرياء مرجعه إلى الرؤية، والتسميع مرجعه إلى السماع. # ومعلوم أنها نزلت في قريش يوم بدر، وقد أحبط الله عملهم، وردهم على ~~أعقابهم. # وفي حديث أبي هريرة، وقيل: إنه محبط للأعمال لمسمى الشرك لقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48]. # وأجيب: بأنه يحبط العمل الذي هو فيه فقط، فإن راءى في الصلاة أحبطها ولا ~~يتعدى إلى الصوم، وإن راءى في صلاة نافلة لا يتعدى إحباطها إلى صلاة ~~فريضة، وهكذا، قد يبدأ عملا خالصا لله، ثم يطرأ عليه شبح الرياء، فهل ~~يسلم له عمله أو يحبطه ما طرأ عليه من الرياء؟ # فقالوا: إن كان خاطرا ودفعه عنه فلا يضره، وإن استرسل معه. فقد رجح ~~أحمد وابن جرير، عدم بطلان العمل نظرا لسلامة ms4239 القصد ابتداء. # ودليلهم في ذلك: ما روى أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني # " أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل ~~للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله تعالى قال: ~~" كلهم إذا كان أصل أمره، أن تكون كلمة الله هي العليا " ". # وذكر عن ابن جرير: أن هذا في العمل الذي يرتبط آخره بأوله، كالصلاة ~~والصيام. # أما ما كان مثل القراءة والعلم. فإنه يلزمه تجديد النية الخالصة لله، أي ~~لأن كل جزء من القراءة، وكل جزء من طلب العلم مستقل بنفسه، فلا يرتبط بما ~~قبله. # وهناك مسألة: وهي أن العبد يعمل العمل لله خالصا، ثم يطلع عليه بعض ~~الناس، فيحسنون الثناء عليه فيعجبه ذلك. فلا خوف أنه ليس من الرياء في ~~شيء لما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه، # " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يعمل من الخير يحمده الناس عليه، ~~فقال صلى الله عليه وسلم " عاجل بشرى المسلم " # رواه مسلم. # وقد ذكر بعض العلماء: أن من كان يعمل عملا خفيا، ثم حضر الناس فتركه ~~من أجلهم خشية الرياء، أنه يدخل في الرياء، لأنه يضعف في نفسه أن يخلص ~~النية لله، وفي هذا بعد ومشقة. # أما منع الماعون وإعطاؤه، وهو العارية كما تقدم. # فإن مبحث العارية في ناحيتين: ما هي العارية، والثاني: حكمها أواجب أم ~~مباح، وحكم ضمانها مضمونة أم لا؟ # أما تعريفها عند الفقهاء: هي إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، مع ~~بقاء عينه. # وقولهم مع بقاء عينه: كالقدر والفأس والإبرة والمنخل، ونحو ذلك، بخلاف ~~ما يكون إتلافه في استعماله، كالشمع للإضاءة، والزيت للدهن، والكحل ~~للاكتحال، ونحو ذلك، مما تنفذ عينه باستعماله، فلا يكون عارية، ولكن يكون ~~قرضا، والقرض يكون معاوضته بمثله. # أما حكم العارية. فقيل: جائز. # وقيل: بل واجب. # وقيل: مستحب. # وحكى ابن قدامة الإجماع على استحبابها، ودليل من قال بالوجوب بنص الآية: ~~{ ويمنعون الماعون } [الماعون: 7]، ولحديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه في حق ms4240 الإبل لما ذكر الزكاة # " وأن حقها إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحه لبنها، يوم ورودها ". # والواقع أن هذا الحديث ذكر فيه ما ليس بعارية قطعا، مثل طرق الفحل ومنح ~~اللبن، مما يضعف الاستدلال به. # وقد ساق المجد في المنتقى برواية أحمد ولهم. # أما الوعيد في الآية فقالوا:هو منصب على الصفات الثلاث: السهو عن ~~الصلاة، والرياء في العمل، ومنع الماعون جميعا، ومن اتصف بواحدة فله ~~قدره من الوعيد بحبسه. # وأقل ما يقال فيها ما جاء في قوله تعالى: # وتعاونوا على البر والتقوى # [المائدة: 2]، والحديث الصحيح في حق الزكاة، # " لما ذكر صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة والإبل والبقر والخيل، وقال: ~~" ولا ينسى حق الله في ظهرها ". # ثم سئل عن الحمر، فقال: " لم أجد إلا الآية الشاذة الفاذة: { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره } [الزلزلة: 7] ". # وإعارة المتاع إباحة المنفعة وهي خير كثير. # والحديث الآخر: # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ". # ونقل الشوكاني عن الكشاف قولا: أنها تكون واجبة عند الاضطرار، وقبيح في ~~غير الضرورة مروءة. اه. # والضرورة: مثل الدلو إذا وردت الماء دلو معك، وفي اضطرار إلى الماء. # وقياس الفقهاء: أنه لو تلف شيء بسبب ذلك لضمن المانع. # كما قالوا في الامتناع في بعض الصور: هل هو فعل أو ترك؟ مثل من كان عنده ~~خيط، واحتيج إليه في خياطة جرح إنسان، أو قطنة فمات، فهل يعد ترك إعطاء ~~الخيط مجرد ترك لا يؤاخذ عليه، أو يعتبر فعلا لأنه تسبب عنه موت إنسان. # ومثله منع الدلو ليروي أو يسقي إبله أو يشرب هو؟ # والصحيح عندهم: أن الترك في مثل هذه الحالة يؤاخذ عليه مؤاخذة الفعل، ~~كما قال صاحب مراقي السعود. # والترك فعل في صحيح المذهب # وهنا ما يشهد له الاستعمال العربي الصحيح، كما قيل في بناء المسجد: # لئن قعدنا والنبي يعمل # لذاك منا العمل المضلل # فسمي القعود عن العمل عملا مضللا، فتحصل من هذا أن العارية مستحبة ~~شرعا ومروءة وعرفا في حالة الاختيار، وواجبة في حالة الاضطرار، مع ~~ملاحظة أن حالات ms4241 الاستعارة أغلبها اضطرار، إلا أن حالات الاضطرار ~~تتفاوت ظروفها. # وقد امتدح الله الأنصار بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ~~فالعارية من باب أولى، لأنه ينتفع بها وترد لصاحبها. # وقد امتدح الشاعر القوم بعدم منعهم الماعون، بقوله: # قوم على الإسلام ولما يمنعوا # ماعونهم ويضيع التهليلا # وإن كان بعض الناس حمل الماعون هنا على الزكاة، ولكن قول الشاعر: قوم ~~على الإسلام، يتضمن إخراجهم الزكاة ضمن إسلامهم، فيكون الباقي امتداد ~~حالهم في خصوص الماعون. # بقي مبحث ضمانها: تختلف الأقوال في ضمان العارية، فبعضهم يعتبرها أمانة، ~~وعليه فلا تكون مضمونة وهذا مذهب الحنفية والمالكية، إذا لم يحصل منه ~~تعد. # وعند الشافعي وأحمد: أنها مضمونة، إلا إذا كانت على الوجه المأذون فيه. # كما قالوا في السيف: يستعيره فينكسر في القتال فلا ضمان فيه. # واستدل من قال بضمانها بالحديث العام # " على اليد ما أخذت، حتى تؤديه " # رواه المجد في المنتقى، وقال: رواه الخمسة إلا النسائي. # " وبحديث صفوان بن أمية، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم ~~حنين أذرعا قيل ثلاثين، وقيل ثمانين، وقيل مائة. فقال: أغصبا يا محمد؟ ~~قال: " بل عارية مضمونة، فقال: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب " # رواه أحمد وأبو داود. # ونص الفقهاء: أن ضمانها بقيمتها يوم تلفت أو بمثلها، إن كانت مثيلة، ~~ويستدل له بما # " جاء في قصعة حفصة لما ضربتها عائشة فسقطت على الأرض فانكسرت، وانتثر ~~الطعام، فأخذ صلى الله عليه وسلم قصعة عائشة وردها إلى حفصة، وقال: " ~~قصعة بقصعة، وطعام بطعام " # أي أن الضمان إما بالمثل إن كان مثليا، أو بالقيمة إن كان مقوما. # وإذا كانت العارية مضمونة وحكمها الجواز، فللمستعير طلب ردها متى شاء، ~~إلا إذا تعلقت بها مصلحة المستعير، ولا يمكن ردها إلا بمضرة عليه. # قالوا: كمن أعار سفينة وتوسط بها المستعير عرض البحر، فلا يملك المعير ~~ردها لتعذر ذلك وسط البحر. # وقيل: له طلبها، وتكون بالأجرة على المستعير، والأول أرجح. # وكالذي أعار ms4242 أرضا للزرع، وقبل أن يستحصد الزرع يطلبها صاحبها، هكذا. ~~والله تعالى أعلم. # حكم من جحد العارية # إن حديث المرأة المخزومية مشهور، وهو أنها كانت تستعير المتاع وتجحده، ~~فاشتهرت بذلك، ثم إنها سرقت فقطعت في السرقة، لا في جحد المتاع المستعار، ~~وهذا هو الأصح. # لأن السرقة لا تكون إلا على وجه التخفي ومن حرز. # والاستعارة خلاف ذلك، وإنما تدخل في قوله تعالى: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58]. # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " على اليد ما أخذت حتى تؤديه ". # وحديث # " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " # رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. # وهذا مجمل مباحث العارية، وتفصيل فروعها في كتب الفقه أوجزنا منه ما ~~يتعلق بمنع الماعون وعدم جواز منعه، وما يتعلق ببذله، وبالله تعالى ~~التوفيق. # تنبيه # في هذه السورة بيان منهج علمي يلزم كل باحث، وهو جمع أطراف النصوص وعدم ~~الاقتصار على جزء منه، وذلك في قوله تعالى: { فويل للمصلين } ~~[الماعون: 4]، وهي أية مستقلة، ولو أخذت وحدها لكانت وعيدا للمصلين. # كما قال الشاعر الماجن في قوله: # دع المساجد للعباد تسكنها # وسر إلى خانة الخمار يسقينا # ما قال ربك ويل للألى سكروا # وإنما قال ويل للمصلينا # ولذا لا بد من ضميمة ما بعدها للتفسير والبيان، الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون، ثم فسر هذا التفسير أيضا بقوله: { الذين هم يرآءون ~~ويمنعون الماعون } [الماعون: 6-7]. # ومثل هذه الآية من الحديث، ما جاء عند ابن ماجه ما نصه بسنده عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن مسيرة المسجد تعطلت: فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: من عمر مسيرة المسجد كتب له كفلان من الأجر " ". # هذا الحديث وإن كان في الزوائد، قال عنه: في إسناده ليث بن أبي سليم ~~ضعيف، إلا أنه نص فيما تمثل له لأن من اقتصر على جوابه صلى الله عليه ~~وسلم اعتبر مسيرة المسجد أفضل، ومن جمع طرفي الحديث عرف المقصود منه. # ويتفرع على هذا ما أخذه مالك ms4243 رحمه الله في باب الشهادة: أن الشخص لا يحق ~~له أن يشهد على مجرد قول سمعه، إلا إذا استشهدوه عليه، وقالوا: أشهد ~~عليه، أو إلا إذا سمع الحديث من أوله مخافة أن يكون في أوله ما هو مرتبط ~~بآخره، كما لو قال المتكلم للآخر: لي عندك فرس، ولك عندي مائة درهم، ~~فيسمع قوله: لك عندي مائة درهم، ولم يسمع ما قبلها، فإذا شهد على ما سمع ~~كان إضرارا بالمشهود عليه، وهذه السورة تدل لهذا المأخذ، والله تعالى ~~أعلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1] # الكوثر فوعل من الكثرة، وأعطيناك قرئ: أعطيناك، بإبدال العين نونا، ~~وليست النون مبدلة عن العين، كإبدال الألف من الواو أو العين في الأجوف ~~ونحوه، ولكن كلا منهما أصل بذاته، وقراءة مستقلة. قاله أبو حيان. # واختلف في الكوثر. # فقيل: علم. # وقيل: وصف. # وعلى العلمية قالوا: إنه علم على نهر في الجنة، وعلى الوصف قالوا: الخير ~~الكثير. # ومما استدل به على العلمية، ما جاء في السنة من الأحاديث الصحاح، ذكرها ~~ابن كثير وغيره. # وفي صحيح البخاري عن أنس قال: # " لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: " أتيت نهر ~~حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر " ". # وبسنده أيضا عن عائشة رضي الله عنها " سئلت عن قوله تعالى: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1]، قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم، شاطئاه عليهما در مجوف، آنيته كعدد النجوم ". # وبسنده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير ~~الذي أعطاه الله إياه. # قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، ~~فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير، الذي أعطاه الله إياه. # وذكر ابن كثير هذه الأحاديث وغيرها عن أحمد رحمه الله: ومنها بسند أحمد ~~إلى أنس بن مالك قال: # " أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما إما قال ~~لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى ms4244 الله عليه وسلم: إنه ~~نزلت علي أنفا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك ~~الكوثر، حتى ختمها، فقال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ ~~قال: نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم ~~القيامة، آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، ~~فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". # وذكر ابن كثير ما جاء في صفة الحوض، وهذه النصوص على أن الكوثر نهر في ~~الجنة، أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. # وفي الحديث الأخير عن الإمام أحمد قوله: " عليه خير كثير " يشعر بأن ~~معنى الوصفية موجود. # ولذا قال بعض المفسرين: إنه الخير الكثير. # وممن قال ذلك ابن عباس، كما تقدم في حديث البخاري عنه. # واستدلوا على المعنى، بقول الشاعر الكميت: # وأنت كثير يا ابن مروان طيب # وكان أبوك ابن الفصائل # والذي تطمئن إليه النفس أن الكوثر: هو الخير الكثير، وأن الحوض أو النهر ~~من جملة ذلك. # وقد أتت آيات تدل على إعطاء الله لرسوله الخير الكثير، كما جاء في قوله ~~تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] الآية. # وفي القريب سورة الضحى وفيها: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]، أعقبها بنعم جليلة من شرح الصدور، ووضع الوزر، ورفع الذكر، ~~واليسر بعد العسر. # وبعدها في سورة التين جعل بلده الأمين، وأعطى المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أجرا غير ممنون. # وبعدها سورة اقرأ. امتن عليه القرآن، وعلمه ما لم يكن يعلم. # وبعدها سورة القدر: أعطاه ليلة خيرا من ألف شهر. # وبعدها سورة البينة: جعل أمته خير البرية، ومنحهم رضاه عنهم، وأرضاهم ~~عنه. # وبعدها سورة الزلزلة: حفظ لهم أعمالهم، فلم يضيع عليهم مثقال الذرة من ~~الخير. # وفي سورة العاديات: أكبر عمل الجهاد، فأقسم بالعاديات في سبيل الله، ~~والنصر على الأعداء. # وفي سورة التكاثر: تربيتهم على نعمه ليشكروا، فيزيدهم من فضله. # وفي سورة العصر: جعل أمته خير أمة أخرجت للناس، تؤمن بالله وتعمل ~~الصالحات وتتواصى بالحق وتدعو إليه، وتتواصى بالصبر، ms4245 وتصبر عليه. # وبعدها في سورة قريش: أكرم الله قومه، فآمنهم وأعطاهم رحلتيهم. # وفي السورة التي قبلها مباشرة، وهي سورة الماعون: يمكن عمل مقارنة تامة ~~أولا. # وفي الجملة، لئن كان المنافقون يمنعون الماعون، فقد أعطيناك الخير ~~الكثير، ثانيا. # وعلى التفصيل ففي الأولى، وصف المنافقين والمكذبين بدع اليتيم، وفي ~~الضحى قد بين له حق اليتيم # فأما اليتيم فلا تقهر # [الضحى: 9]، فكان هو خير موكل، وخير كافل، ووصفهم هنا بأنهم لا يحضون ~~على طعام المسكين. # وقد أوضح له في الضحى، # وأما السآئل فلا تنهر # [الضحى: 10]، فكان يؤثر السائل على نفسه، وهؤلاء ساهون عن صلاتهم يراءون ~~بأعمالهم. # وفي هذه السورة # فصل لربك # [الكوثر: 2]، أداء الصلاة وخالصة لربه، وإطعام المسكين بنحر الهدى ~~والضحية والصدقة، وكل ذلك خير كثير، يضاف إليه ما جاءت به السنة، كما في ~~حديث: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت ~~الشفاعة، وحلت لي الغنائم، ولم تكن تحل لأحد قبلي. وكان النبي يبعث ~~لقومه خاصة، فبعث للناس كافة، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل ~~أدركته الصلاة فليصل ". # وقوله: # " رفع لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". # وفي قوله تعالى: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ~~ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة: 286]. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى قال: قد فعلت، قد فعلت ". # وقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]، وهو المقام الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. # إلى غير ذلك من النصوص، بما يؤكد قول ابن عباس، عند البخاري: إن الكوثر: ~~الخير الكثير. # وأن النهر في الجنة من هذا الكوثر الذي أعطيه صلى الله عليه وسلم. ### || [108.2] # في هذا مع ما قبله ربط بين النعم وشكرها، وبين العبادات وموجبها، فكما ~~أعطاه الكوثر فليصل لربه سبحانه ولينحر له، كما تقدم في سورة ms4246 لإيلاف ~~قريش، في قوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. # وهناك # إنآ أعطيناك الكوثر # [الكوثر: 1]، وهو أكثر من رحلتيهم وأمنهم، { فصل لربك } مقابل # فليعبدوا رب هذا البيت # [قريش: 3]. # وقيل: إنه لما كان في السورة قبلها بيان حال المنافقين في السهو عن ~~الصلاة والرياء في العمل، جاء هنا بالقدوة الحسنة { فصل لربك } ~~مخلصا له في عبادتك، كما تقدم في السورة قبلها # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]. # وقوله تعالى في تعليم الأمة، في خطاب شخصه صلى الله عليه وسلم # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، مع عصمته صلى الله عليه وسلم من أقل من ذلك، والصلاة عامة ~~والفريضة أخصها. # وقيل: صلاة العيد، والنحر: قيل فيه أقوال عديدة: # أولها: في نهر الهدى أو نحر الضحية: وهي مرتبطة بقول من حمل الصلاة على ~~صلاة العيد، وأن النحر بعد الصلاة كما في حديث البراء بن عازب # " لما ضحى قبل أن يلي، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الضحية ~~بعد الصلاة، فقال: إني علمت اليوم يوم لحم فعجلت بضحيتي، فقال له: شاتك ~~شاة لحم؟ فقال: إن عندنا لعناقا أحب إلينا من شاة، أتجزئ عني؟ قال: ~~اذبحها، ولن تجزئ عن أحد غيرك ". # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث الضحية وافيا عند قوله ~~تعالى: # فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير # [الحج: 28]، وقد ذكروا في معاني: وانحر: أي ضع يدك اليمنى على اليسرى ~~على نحرك في الصلاة، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. # وأقوال أخرى ليس عليها نص. # والنحر: هو طعن الإبل في اللبة عند المنحر ملتقى الرقبة، بالصدر. # وأصح الأقوال في الصلاة. # وفي النحر هو ما تقدم من عموم الصلاة وعموم النحر أو الذبح لما جاء في ~~قوله تعالى: # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين # [الأنعام: 162]. # واتفق الفقهاء أن النحر للإبل، والذبح للغنم، والبقر متردد فيه بين ~~النحر والذبح، وأجمعوا على أن ذلك هو الأفضل، ms4247 ولو عمم النحر في الجميع، ~~أو عمم الذبح في الجميع لكان جائزا، ولكنه خلاف السنة. # وقالوا: إن الحكمة في تخصيص الإبل بالنحر، وهو طول العنق، إذ لو ذبحت ~~لكان مجرى الدم من القلب إلى محل الذبح بعيدا فلا يساعد على إخراج جميع ~~الدم بيسر، بخلاف النحر في المنحر، فإنه يقرب المسافة ويساعد القلب على ~~دفع الدم كله، أما الغنم فالذبح مناسب لها، والعلم عند الله تعالى. ### || [108.3] # قال البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: شانؤك: عدوك اه. # والأبتر: هو الأقطع الذي لا عقب له. # وأنشد أبو حيان، قول الشاعر: # لئيم بدت في أنفه خنزوانة # على قطع ذي القربى أجذ أباتر # وقال: شانئك: مبغضك. # وفي هذه الآية يخبر سبحانه وتعالى: أن مبغض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الأقطع. # فقيل: نزلت في العاصي بن وائل. # قال لقريش: دعوه، فإنه أبتر لا عقب له، إذا مات استرحتم، فأنزلها الله ~~تعالى ردا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد جاء مصداقها بالفعل في قوله تعالى: في غزوة بدر في قوله تعالى: # ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع ~~دابر الكافرين # [الأنفال: 7]. # فقتل صناديد قريش، وصدق الوعيد فيهم. # ومثله عموم قوله تعالى: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين # [الأنعام: 45]. # وجاء: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1]. # فهي في معناها أيضا. # وبقي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقبه من آل بيته، وفي أمته ~~كلها. # كما تقدم في قوله تعالى: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1] # نداء للمشركين بمكة، لما عرضوا عليه صلى الله عليه وسلم أن يترك دعوته ~~ويملكوه عليهم أو يعطوه من المال ما يرضيه ونحوه فرفض، فقالوا: تقبل ~~منا ما نعرضه عليك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فسكت عنهم فنزلت، ~~وقالوا له: إن يكن الخير معنا أصبته، وإن يكن معك أصبناه. # وفي مجيء: قل، مع أن مقول القول كان قد يكفي في البلاغ، ولكن مجيئها ~~لغاية فما هي؟ # قال الفخر الرازي: ms4248 إما لأنهم عابوه صلى الله عليه وسلم في السورة التي ~~قبلها بقولهم: إنه أبتر فجاء قوله: { قل } ، إشعارا بأن الله يرد عن ~~رسوله بهذا الخطاب، الذي ينادي عليهم في ناديهم بأثقل الأوصاف عليهم، ~~فقال له: { قل يأيها الكافرون }. # أو أنه لما كان هذا الخطاب فيه مغايرة المألوف من تخاطبه معهم من أسلوب ~~الحكمة والموعظة الحسنة، وكان فيه من التقريع لهم ومجابهتهم، قال له: قل: ~~إشعارا بأنه مبلغ عن الله ما أمر به، وجاءت يا، وهي لنداء البعيد، ~~لبعدهم في الكفر والعناد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [109.2-5] # قيل، تكرار في العبارات للتوكيد، كتكرار # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15]، وتكرار: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]. # ونظيره في الشعر أكثر من أن يحصر، من ذلك ما أورده القرطبي رحمه الله: # هل لا سألت جموع كندة # يوم ولو أين أينا # وقول الآخر: # يا علقمة يا علقمة يا علقمة # خير تميم كلها وأكرمه # وقول الآخر: # يا أقرع بن حابس يا أقرع # إنك إن يصرع أخوك تصرع # وقول الآخر: # ألا يا سلمى ثم اسلمي ثمت اسلمي # ثلاث تحيات وإن لم تكلم # وقد جاءت في أبيات لبعض تلاميذ الشيخ رحمه الله تعالى، ضمن مساجلة له ~~معه قال فيها: # تالله إنك قد ملأت مسامعي # درا عليه قد انطوت أحشائي # زدني وزدني ثم زدني ولتكن # منك الزيادة شافيا للداء # فكرر قوله: زدني ثلاث مرات # وقيل: ليس فيه تكرار، على أن الجملة الأولى عن الماضي والثانية عن ~~المستقبل. # وقيل: الأولى عن العبادة، والثانية عن المعبود. # وقيل غير ذلك، على ما سيأتي إن شاء الله. # والسورة في الجملة نص على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعبد معبودهم، ولا ~~هم عابدون معبوده، وقد فسره قوله تعالى: # فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه الكلام على هذا المعنى، عند ~~آية يونس تلك، وذكر هذه السورة هناك. # وقد ذكر أيضا في دفع إيهام الاضطراب جوابا على إشكال ms4249 في السورة وهو ~~قوله تعالى: { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ~~مآ أعبد } ، نفى لعبادة كل منهما معبود الآخر مطلقا، مع أنه قد آمن ~~بعضهم فيما بعد وعبد ما يعبده صلى الله عليه وسلم، وأجاب عن ذلك بأحد ~~أمرين: موجزهما أنهما من جنس الكفار، وإن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ~~ما داموا كفارا إلى آخره، أو أنها من العام المخصوص، فتكون في خصوص من ~~حقت عليهم كلمات ربك. ا ه. مخلصا. # وقد ذكر أبو حيان وجها عن الزمخشري: أن ما يتعلق بالكفار خاص بالحاضر، ~~لأن ما إذا دخلت على اسم الفاعل تعينه للحاضر. # وناقشه أبو حيان، بأن ذلك في مغالب لا على سبيل القطع. # والذي يظهر من سياق السورة، قد يشهد لما ذهب إليه الزمخشري، وهو أن ~~السورة تتكلم عن الجانبين على سبيل المقابلة جهة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وجهة الكفار في عدم عبادة كل منهما معبود الآخر. # ولكنها لم تساو في اللفظ بين الطرفين، فمن جهة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم جاء في الجملة الأولى { لا أعبد ما تعبدون } عبر عن كل ~~منهما بالفعل المضارع الدال على الحال: أي لا أعبد الآن ما تعبدون الآن ~~بالفعل. ثم قال: { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } فعبر عنهم ~~بالاسمية وعنه هو بالفعلية، أي ولا أنتم متصفون بعبادة ما أعبد الآن. # وفي الجملة الثانية قال: { ولا أنآ عابد ما عبدتم ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد } [الكافرون: 4-5]. فعبر عنه بأنه ليس ~~متصفا بعبادة ما يعبدون ولا هم عابدون ما يعبد، فكان وصفه هو صلى الله ~~عليه وسلم في الجملتين بوصفين مختلفين بالجملة الفعلية تارة وبالجملة ~~الاسمية تارة أخرى، فكانت إحداهما لنفي الوصف الثابت، والأخرى لنفي حدوثه ~~فيما بعد. # أما هم فلم يوصفوا في الجملتين إلا بالجملة الاسمية الدالة على الوصف ~~الثابت، أي في الماضي إلى الحاضر، ولم يكن فيما وصفوا به جملة فعلية من ~~خصائصها التجدد والحدوث، فلم يكن فيها ما يتعرض للمستقبل فلم يكن إشكال، ~~والله تعالى أعلم. # فإن ms4250 قيل: إن الوصف باسم الفاعل يحتمل الحال والاستقبال، فيبقى الإشكال ~~محتملا. # قيل: ما ذكره الزمخشري من أن دخول ما عليه تعينه للحال، يكفي في نفي هذا ~~الاحتمال، فإن قيل: قد ناقشه أبو حيان. # وقال: إنها أغلبية وليست قطعية. # قلنا: يكفي في ذلك حكم الأغلب، وهو ما يصدقه الواقع، إذ آمن بعضهم وعبد ~~معبوده صلى الله عليه وسلم، وما في قوله: { ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد } ، واقعة في الأولى على غير ذي علم، ~~وهي أصنامهم وهو استعمالهم الأساسي. # وفي الثانية: في حق الله تعالى وهو استعمالها في غير استعمالها الأساسي، ~~فقيل: من أجل المقابلة، وقد استعملت فيمن يعلم، كقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3]، لأنهن في معرض الاستمتاع بهن، فللقرينة جاز ذلك. # وقيل: إنها مع ما قبلها مصدرية، أي ما مصدرية بمعنى عبادتكم الباطلة، ~~ولا تعبدون عباداتي الصحيحة. # وهذا المعنى قوي، وإن تعارض مع ما ذكر من سبب النزول، إلا أن له شاهدا ~~من نفس السورة ويتضمن المعنى الأول، ودليله من السورة قوله تعالى في آخر ~~السورة: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]، فأحالهم على عبادتهم، ولم يحلهم على معبودهم. ### || [109.6] # هو نظير ما تقدم في سورة يونس # أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون # [يونس: 41]. # وكقوله: # ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم # [البقرة: 139]. # وليس في هذا تقريرهم على دينهم الذي هم عليه، ولكن من قبيل التهديد ~~والوعيد كقوله: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها # [الكهف: 29]. # وفي هذه السورة قوله: # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] وصف يكفي بأن عبادتهم وديانتهم كفر. # وقد قال لهم الحق # لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 2]، لأنها عبادة باطلة. عبادة الكفار، وبعد ذلك إن أبيتم إلا ~~هي، فلكم دينكم ولي دين. # تنبيه # في هذه السورة منهج إصلاحي، وهو عدم قبول ولا صلاحية أنصاف الحلول، لأن ~~ما عرضوه عليه صلى الله عليه وسلم من المشاركة في العبادة، يعتبر في ~~مقياس المنطق حلا وسطا لاحتمال إصابة ms4251 الحق في أحد الجانبين، فجاء الرد ~~حاسما وزاجرا وبشدة، لأن فيه أي فيما عرضوه مساواة للباطل بالحق، وفيه ~~تعليق المشكلة، وفيه تقرير الباطل، إن هو وافقهم ولو لحظة. # وقد تعتبر هذه السورة مميزة وفاصلة بين الطرفين، ونهاية المهادنة، ~~وبداية المجابهة. # وقد قالوا: إن ذلك بناء على ما أمره الله به في السورة قبلها # إنآ أعطيناك الكوثر # [الكوثر: 1]، أي وإن كنت وصحبك قلة، فإن معك الخير الكثير، ولمجيء قل ~~لما فيها من إشعار بأنك مبلغ عن الله، وهو الذي ينصرك، ولذا جاء بعدها ~~حالا سورة النصر وبعد النصر: تب العدو. # وهذا في غاية الوضوح، ولله الحمد. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1] # فيه ذكر النصر والفتح، مع أن كلا منهما مرتبط بالآخر: فمع كل نصر فتح، ~~ومع كل فتح نصر. # فهل هما متلازمان أم لا؟ # كما جاء النصر مضافا إلى الله تعالى، والفتح مطلقا. # أولا اتفقوا على نزول هذه السورة بعد فتح مكة. # ومعلوم: أنه سبق فتح مكة عدة فتوحات. # منها فتح خيبر، ومنها صلح الحديبية، سماه الله تعالى فتحا في قوله: # فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا # [الفتح: 27]. # والنصر يكون في معارك القتال ويكون بالحجة والسلطان، ويكون بكف العدو، ~~كما في الأحزاب. # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا # [الأحزاب: 25]. # وكما في اليهود قوله: # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على ~~كل شيء قديرا # [الأحزاب: 26-27]. # فالنصر حق من الله، # وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم # [آل عمران: 126]. # وقد علم المسلمون ذلك، كما جاء في قوله تعالى: # مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله # [البقرة: 214]، فهم يتطلعون إلى النصر. # ويأتيهم الجواب # ألا إن نصر الله قريب # [البقرة: 214]. # وجاء قوله صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". # وقد قال تعالى لموسى وأخيه ms4252 # لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]، فهو نصر معية وتأييد، فالنصر هنا عام. # وكذلك الفتح في الدين بانتشار الإسلام، وأعظم الفتح فتحان: فتح ~~الحديبية، وفتح مكة. # إذ الأول تمهيد للثاني، والثاني قضاء على دولة الشرك في الجزيرة، ويدل ~~لإرادة العموم في النصر والفتح. ### || [110.2] # فكأن الناس يأتون من كل جهة حتى من اليمن، وهذا يدل على كمال الدعوة ~~ونجاح الرسالة. # ويدل لهذا مجيء آية # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3]، وكان نزولها في حج تلك السنة. # ويلاحظ أن النصر هنا جاء بلفظ نصر الله، وفي غير هذا جاء نصر الله، وما ~~النصر إلا من عند الله. # ومعلوم أن هذه الإضافة هنا لها دلالة تمام وكمال، كما في بيت الله. مع ~~أن المساجد كلها بيوت لله، فهو مشعر بالنصر كل النصر، أو بتمام النصر كله ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # والفتح، هنا قيل: هو فتح مكة، وقيل فتح المدائن وغيرها. # وتقدمت الإشارة إلى فتوحات عديدة، قبل مكة. # وهناك فتوحات موعود بها بعد فتح مكة نص صلى الله عليه وسلم عليها منها ~~في غزوة الأحزاب وهم يحفرون الخندق، لما اعترضتهم كدية وأعجزتهم، ودعى ~~إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذ ماء وتمضمض ودعا ما شاء الله ~~أن يدعو ثم ضرب، فكانت كالكثيب. # وقد جاء فيها ابن كثير بعدة روايات وطرق مختلفة، وكلها تذكر # " أنه صلى الله عليه وسلم ضرب ثلاث ضربات، فأبرقت تحت كل ضربة برقة، ~~وكبر صلى الله عليه وسلم عند كل واحدة منها، فسألوه فقال " في الأولى: ~~أعطيت مفاتيح فارس " # وذكر اليمن والشام، وكلها روايات لا تخلو من نقاش، ولكن لكثرتها يقوي ~~بعضها بعضا. # وأقواها رواية النسائي بسنده قال: # " " لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لهم صخرة ~~حالت بينهم وبين الحفر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ~~ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم، فندر ms4253 ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر، ~~فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ثم ضرب الثانية، وقرأ ما ~~قرأه أولا، وبرقت أيضا. ثم الثالثة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد تكسرت، فأخذ رداءه صلى الله عليه وسلم وجلس، فسأل سلمان لما رأى من ~~البرقات الثلاث: فقال له: " أرأيت ذلك؟ " قال: أي والذي بعثك بالحق يا ~~رسول الله، فأخبرهم أنه رفعت له في الأولى مدائن كسرى وما حولها ومدائن ~~كثيرة حتى رآها بعينه، فقالوا: ادعو الله لنا أن يفتح علينا. # فدعا لهم، وفي الثانية: رفعت له مدائن قيصر وما حولها، وفي الثالثة ~~مدائن الحبشة، وكلها يطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ففتح ~~عليهم، فدعا لهم إلا في الحبشة، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعوا الحبشة ~~ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم " # انتهى ملخصا. # وقد رواه كل من ابن كثير والنسائي مطولا، فهذه الروايات وإن كانت تحتمل ~~مقالا. # فقد جاء في الموطإ ما لا يحتمل مقالا، ولا شك في صحته، ولا في دلالته، ~~وهو ما رواه مالك عن هشام عن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن ~~سفيان بن أبي زهير أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة ~~خير لهم لو كانو يعلمون، وبفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ~~ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم ولو كانوا يعلمون ". # فهذا نص صحيح صريح منه صلى الله عليه وسلم في حياته بفتح اليمن والشام ~~والعراق، وما فتحت كلها إلا من بعده صلى الله عليه وسلم إلا اليمن. # ويؤيد هذا القول ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، إذ قال: الله أكبر، الله ~~أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن، جاء أهل اليمن، قيل: يا رسول ~~الله، وما أهل اليمن؟ قال: قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، ~~والفقه يمان، والحكمة يمانية ms4254 " # رواه ابن كثير عنه. # وقد كان فتح مكة عام ثمان من الهجرة، وجاءت الوفود في دين الله أفواجا ~~عام تسع منها، وجاء وفد اليمن وأرسل صلى الله عليه وسلم عماله إلى اليمن ~~بعد فتح مكة، وقدم عليه علي رضي الله عنه من اليمن في العام العاشر في ~~موسم الحج، ففتحت اليمن بعد فتح مكة في حياته صلى الله عليه وسلم. # وعليه: تكون فتوحات قد وقعت بعد فتح مكة، يمكن أن يشملها هنا قوله ~~تعالى: # والفتح # [النصر: 1]، وليس مقصورا على فتح مكة كما قالوا. # وقد يؤخذ بدلالة الإيماء: الوعد بفتوحات شاملة، لمناطق شاسعة من قوله ~~تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق # [الحج: 27]، لأن الإتيان من كل فج عميق، يدل على الإتيان إلى الحج من ~~بعيد، والإتيان إلى الحج يدل على الإسلام، وبالتالي يدل على مجيء ~~المسلمين من بعيد، وهو محل الاستدلال والله تعالى أعلم. ### || [110.3] # تقدم الكلام على التسبيح ومتعلقه وتصريفه. # وهنا قرن التسبيح بحمد الله، وفيه ارتباط لطيف بأول السورة وموضوعها، إذ ~~هي في الدلالة على كمال مهمة الرسالة بمجيء نصر الله لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين ولدينه. ومجيء الفتح العام على المسلمين لبلاد الله ~~بالفعل أو بالوعد الصادق كما تقدم، وهي نعمة تستوجب الشكر ويستحق موليها ~~الحمد. # فكان التسبيح مقترنا بالحمد في مقابل ذلك وقوله: { بحمد ربك } ~~، ليشعر أنه سبحانه المولى للنعم، كما جاء في سورة الضحى في قوله تعالى: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3]. # وقوله في سورة اقرأ: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]، وتكرارها # اقرأ وربك الأكرم # [العلق: 3]، لأن صفة الربوبية مشعرة بالإنعام. # وقوله: { واستغفره } ، قال البعض: إن الاستغفار عن ذنب فما هو. ~~وتقدم الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند قوله تعالى: # ووضعنا عنك وزرك # [الشرح: 2]. # ومما تجدر الإشارة إليه أن التوبة دعوة الرسل، ولو بدأنا من آدم عليه ~~السلام مع قصته ففيها # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه # [البقرة: 37]، ومعلوم موجب تلك التوبة. # ثم ms4255 نوح عليه السلام يقول: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات # [نوح: 28] الآية. # وإبراهيم عليه السلام يقول: # وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب ~~الرحيم # [البقرة: 128]. # وبناء عليه قل بعض العلماء: إن الاستغفار نفسه عبادة كالتسبيح، فلا يلزم ~~منه وجود ذنب. # وقيل: هو تعليم لأمته. # وقيل: رفع لدرجاته صلى الله عليه وسلم. # وقد جاء في السنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " # ، فتكون أيضا من باب الاستكثار من الخير، والإنابة إلى الله تعالى. # تنبيه # جاء في التفسير عند الجميع أنه صلى الله عليه وسلم منذ أن نزلت هذه ~~السورة وهو لم يكن يدع قوله: # " سبحانك اللهم وبحمدك " # تقول عائشة رضي الله عنها: " يتأول القرآن " أي يفسره، ويعمل به. # ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنه قال: والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل ~~للأمر بما هو قوام أمر الدين، من الجمع بين الطاعة والاحتراز من المعصية، ~~وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا لأمته، ولأن الاستغفار من التواضع وهضم ~~النفس فهو عبادة في نفسه. # وفي هذا لفت نظر لأصحاب الأذكار والأوراد الذين يحرصون على دوام ذكر ~~الله تعالى، حيث هذا كان من أكثر ما يداوم عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، مع ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في أذكار الصباح والمساء دون ~~الملازمة على ذكر اسم من أسماء الله تعالى وحده، منفردا مما لم يرد به ~~نص صحيح ولا صريح. # ولا شك أن الخير كل الخير في الاتباع لا في الابتداع، وأي خير أعظم مما ~~اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، ويأمر به، ويلازم هو ~~عليه. # وقلنا في آخر حياته: لأنه صلى الله عليه وسلم توفي بعدها بمدة يسيرة. # وفي هذه الآية دلالة الإيمان، كما قالوا: ودلالة الالتزام كما جاء عن ~~ابن عباس في قصة عمر رضي الله عنه مع كبار المهاجرين والأنصار، حينما كان ~~يسمح له بالجلوس معهم، ويرى في وجوههم، وسألوه ms4256 وقالوا: # إن لنا أولادا في سنه، فقال: إنه من حيث علمتم. # وفي يوم اجتمعوا عنده فدعاه عمر، قال ابن عباس، فعلمت أنه ما دعاني إلا ~~لأمر فسألهم عن قوله تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]، السورة. # فقالوا: إنها بشرى بالفتح وبالنصر، فقال: ما تقول أنت يا ابن عباس؟ # قال: فقلت، لا والله، إنها نعت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بين أظهرنا. # فقال عمر: وأنا لا أعرف فيها إلا كما قلت: أي أنه صلى الله عليه وسلم ~~جاء لمهمة، وقد تمت بمجيء النصر والفتح والدخول في الدين أفواجا. # وعليه يكون قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة. فعليه أن يتأهب لملاقاة ربه ~~ليلقى جزاء عمله، وهو مأخذ في غاية الدقة، وبيان لقول علي رضي الله عنه: ~~أو فهم أعطاه الله من شاء في كتاب الله. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1] # التب: القطع. # ومن المادة: بت بتقديم الباء، فهي تدور على معنى القطع، كما يفيده فقه ~~اللغة في دوران المادة على معنى واحد. # وقال: التب، والتبب، والتباب، والتبيب، والتتبيب، النقص والخسار، إلى أن ~~قال: وتبت يداه: ضلتا وخسرتا. # وقال الفخر الرازي: التبات: الهلاك، ونظيره قوله تعالى: # وما كيد فرعون إلا في تباب # [غافر: 37]، أي في هلاك. # وذلك لأن أبا لهب أهلك نفسه بفساد اعتقاده وسوء فعاله، كما جاء في السنة ~~قول الأعرابي: هلكت وأهلكت: أي بوقاعه أهله في رمضان، وجاء قوله تعالى: # فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جآء أمر ربك وما زادوهم ~~غير تتبيب # [هود: 101]. # فقالوا: غير خسران، والخسران يؤدي إلى الهلاك، والقطع. # كما جاء في معناه في قصة صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قوله ~~تعالى: # فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني ~~غير تخسير # [هود: 63]، فظهر من هذا كله أن معنى: تبت يدا أبي لهب، دائر بين معنى ~~القطع والهلاك والخسران. # أما قطعها فلم يقدر عليه قطع يديه قبل موته. # وأما الهلاك والخسران: فقد هلك بالغدة. # وأما الخسران: فما أشد خسرانه ms4257 بعد هذا الحكم عليه من الله تعالى. # وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن في الهلاك والخسران، فما معنى إسناد ~~التب لليدين؟ # الجواب: أن ذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل كما تقدم في قوله تعالى: # ناصية كاذبة # [العلق: 16]، مع أن الكاذب هو صاحبها. # وقد قدمنا هناك أن مثل هذا الأسلوب لا بد فيه من زيادة اختصاص للجزء ~~المنطوق في المعنى المراد. # فلما كان الكذب يسود الوجه ويذل الناصية، وعكسه الصدق يبيض الوجه ويعر ~~الناصية، أسند هناك الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد ~~مثلا. # ولما كان الهلاك والخسران غالبا بما تكسبه الجوارح، واليد أشد اختصاصا ~~في ذلك أسند إليها البت. # ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين، ما جاء بعدها، قوله تعالى: { ~~وتب } ، أي أبو لهب نفسه. # وسواء كان قوله تعالى: { تبت يدآ أبي لهب } ، على سبيل ~~الإخبار أو الإنشاء، فإنه محتمل من حيث اللفظ. # ولكن قوله تعالى بعده: { وتب } ، فهو إخبار، فيكون الأول للإنشاء ~~كقوله: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]. # ثم جاء الثاني تصديقا له، وجاءت قراءة ابن مسعود { وتب }. ### || [111.2] # سواء كانت ما استفهامية فهو استفهام إبكار، أو كانت نافية فإنه نص، على ~~أن ماله لم يغن عنه شيئا. # وقوله: { وما كسب }. # فقيل: أي من المال الأول ما ورثه أو ما كسب من عمل جر عليه هذا ~~الهلاك، وهو عداؤه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # ونظير هذه الآية المتقدمة # وما يغني عنه ماله إذا تردى # [الليل: 11]. # وتقدم الكلام عليه هناك. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان معنى { مآ أغنى ~~عنه ماله وما كسب } ، عند قوله تعالى: # من ورآئهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا ~~شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم ~~عذاب عظيم # [الجاثية: 10]. # وساق كل النصوص في هذا المعنى بتمامها. # تنبيه # في هذه الآية سؤالان هما: # أولا: لقد كان صلى الله عليه وسلم مع قومه في مكة ملاطفا حليما، فكيف ~~جاء به عمه بهذا الدعاء: { تبت يدآ أبي لهب }؟ والجواب: ms4258 أنه ~~كان يلاطفهم ما دام يطمع في إسلامهم، فلما يئس من ذلك، كان هذا الدعاء في ~~محله، كما وقع من إبراهيم عليه السلام، كان يلاطف أباه # يأبت لا تعبد الشيطان # [مريم: 44]، # يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك ~~فاتبعني أهدك صراطا سويا # [مريم: 43]، فلما يئس منه تبرأ منه كما قال تعالى: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]. # والسؤال الثاني: وهو مجيء قوله تعالى: { وتب } ، بعد قوله: { ~~تبت يدآ أبي لهب } ، مع أنها كافية سواء كانت إنشاء للدعاء ~~عليه أو إخبارا بوقوع ذلك منه. # والجواب، والله تعالى أعلم، أن الأول لما كان محتملا الخبر، وقد يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت، أو إنشاء وقد لا ينفذ كقوله: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]، أو يحمل على الذم فقط، والتقبيح فجاء " وتب " لبيان أنه واقع ~~به لا محالة، وأنه ممن حقت عليهم كلمات ربك لييأس صلى الله عليه وسلم، ~~والمسلمون من إسلامه. وتنقطع الملاطفة معه، والله تعالى أعلم. # وقد وقع ما أخبر الله به، فهو إعجاز القرآن أن وقع ما أخبر به، كما أخبر ~~ولم يتخلف. # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115]، وقوله: # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا ~~أنهم لا يؤمنون # [يونس: 33]. # نسأل الله العافية، إنه سميع مجيب. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1] # الأحد: قال القرطبي: أي الواحد الوتر، الذي لا شبيه له ولا نظير، ولا ~~صاحبة، ولا ولد، ولا شريك. 1ه. # ومعلوم أن كل هذه المعاني صحيحة، في حقه تعالى. # وأصل أحد: وحد: قلبت الواو همزة. # ومنه قول النابغة: # كأن رحلي وقد زال النهار بنا # بذي الجليل على مستأنس وحد # وقال الفخر الرازي في أحد وجهان: # أحدهما: أنه بمعنى واحد. # قال الخليل: يجوز أن يقال: أحد اثنان ثلاثة، ثم ذكر أصلها وحد، وقلبت ~~الواو همزة للتخفيف. # والثاني: أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين. # قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال: رجل أحد ~~ولا درهم أحد، كما يقال: رجل واحد ms4259 أي فرد به، بل أحد صفة من صفات الله ~~تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء. # ثم قال: ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها: # أحدهما: أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه. # وثانيها: أنك لو قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال: لكنه يقاومه ~~اثنان بخلاف الأحد. # فإنك لو قلت: فلان لا يقاومه أحد، لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان. # وثالثها: أن الواحد، يستعمل في الإثبات، والأحد يستعمل في النفي. # تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا. # وتقول في النفي: ما رأيت أحدا، فيفيد العموم. # أما ما نقله عن الخليل، وقد حكاه صاحب القاموس فقال: ورجل وحد وأحد، أي ~~خلافا لما قاله الأزهري. # وأما قوله: إن أحدا تستعمل في النفي فقد جاء استعمالها في الإثبات ~~أيضا. # كقوله: # أو جآء أحد منكم من الغائط # [المائدة: 6]. # فتكون أغلبية في استعمالها ودلالتها في العموم واضحة. # وقال في معجم مقاييس اللغة في باب الهمزة والحاء وما بعدها: أحد، إنها ~~فرع والأصل الواو وحد. # وقد ذكر في الواو وفي مادة وحد. قال: الواو والحاء والدال أصل واحد يدل ~~على الانفراد من ذلك الوحدة بفتح الواو وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم ~~مثله. # قال: # يا واحد العرب الذي # ما في الأنام له نظير # وقيل: إن هذا البيت لبشار يمدح عقبة بن مسلم، أو إلى ابن المولى يزيد بن ~~حاتم، نقلا عن الأغاني. # فيكون بهذا ثبت أن الأصل بالواو والهمزة فرع عنه. # وتقدم أن دلالتها على العموم أوضح أي أحد. # وقد دلت الآية الكريمة، على أن الله سبحانه وتعالى أحد، أي في ذاته ~~وصفاته لا شبيه ولا شريك، ولا نظير ولا ند له، سبحانه وتعالى. # وقد فسره ضمنا قوله: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. # وقوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، أما المعنى العام فإن القرآن كله، والرسالة المحمدية ~~كلها، بل وجميع الرسالات، إنما جاءت لتقرير هذا المعنى، بأن الله سبحانه ~~واحد أحد. # بل كل ما في الوجود شاهد على ذلك. # كما قيل: ms4260 # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # أما نصوص القرآن على ذلك فهي أكثر من أن تحصى، لأنها بمعنى لا إله إلا ~~الله. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، إشارة إلى ذلك في أول الصافات ~~وفي غيرها، وفي البقرة # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم # [البقرة: 163]. # وفي التوبة: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو # [التوبة: 31]، فجاء مقرونا بلا إله إلا الله. # وفي ص قوله: # قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله ~~الواحد القهار # [ص: 65]. # وكما قدمنا أن الرسالة كلها جاءت لتقرير هذا المعنى، كما في قوله: # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد # [إبراهيم: 52]، سبحانه جل جلاله وتقدست أسماؤه وتنزهت صفاته، فهو واحد ~~أحد في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله. # وقد جاء القرآن بتقرير هذا المعنى عقلا كما قرره نقلا، وذلك في قوله ~~تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 42-43]. # وقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. # فدل على عدم فسادهما بعدم تعددهما، وجمع العقل والنقل في قوله: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. ### || [112.2] # قال بعض المفسرين: يفسره ما بعده { لم يلد ولم يولد }. # وقال ابن كثير، وهذا معنى حسن. # وقال بعض العلماء: هو المتناهي في السؤدد، وفي الكمال من كل شيء. # وقيل: من يصمد الخلائق إليه في حاجاتهم، ولا يحتاج هو إلى أحد. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، معنى الصمد في سورة الأنعام ~~عند قوله تعالى: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] فذكر شواهد هذه الأقوال كلها. # وبإمعان النظر في مبدأ يفسره ما بعده، يتضح أن السورة كلها تفسير لأولها ~~{ قل هو الله أحد } لأن الأحدية، هي تفرده سبحانه بصفات الجلال ~~والكمال كلها، ولأن ms4261 المولود ليس بأحد، لأنه جزء من والده. # والوالد ليس بأحد، لأن جزءا منه في ولده. # وكذلك من يكون له كفء. فليس بأحد لوجود الكفء، وهكذا السورة كلها لتقرير ~~{ قل هو الله أحد }. ### || [112.3] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان شواهده عند قوله تعالى: # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك # [الفرقان: 2] الآية من سورة الفرقان. # تنبيه # ففي اتخاذ الولد لا يستلزم نفي الولادة، لأن اتخاذ الولد قد يكون بدون ~~ولادة كالتبني أو غيره، كما في قصة يوسف في قوله تعالى عن عزيز مصر: # أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا # [يوسف: 21]. # ففي هذه السورة نفي أخص، فلزم التنبيه عليه في هذه السورة الكريمة وهي ~~سورة الإخلاص. والتي تعدل ثلث القرآن لاختصاصها بحق الله تعالى في ذاته ~~وصفاته من الوحدانية والصمدية، ونفي الولادة والولد، ونفي الكفء، وكلها ~~صفات انفراد الله سبحانه. # وقد جاء فيها النص الصريح بعدم الولادة، وأنه سبحانه وتعالى لم يلد ولم ~~يولد، فهي أخص من تلك، وهذا من المسلمات عن المسلمين جميعا بدون شك ولا ~~نزاع ولم يؤثر فيها أي خلاف. # ولكن غير المسلمين لم يسلموا بذلك، فاليهود قالوا: عزيز ابن الله، ~~والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله. # فاتفقوا على ادعاء الولد لله، ولم يدع أحد أنه سبحانه مولود. # وقد جاءت النصوص الصريحة في نفي الولد عن الله سبحانه وتعالى، إلا أن ~~مجرد النص الذي لم يؤمن به الخصم لا يكفي لإقناعه، وفي هذه السورة وهي ~~المختصة بصفات الله، لم يأت التنويه فيها عن المانع من اتخاذ الله للولد، ~~ومن كونه سبحانه لو يولد. # ولما كان بيان المانع أو الموجب من منهج هذا الكتاب، إذا كان يوجد للحكم ~~موجب أو مانع ولم تتقدم الإشارة إلى ذلك، فيما تقدم من كلام الشيخ رحمة ~~الله تعالى علينا وعليه مع أنه رحمه الله، قد تكلم على آيات الأسماء ~~والصفات جملة وتفصيلا، بما يكفي ويشفي. # ولكن جاء في ms4262 القرآن الكريم ذكر ادعاء الولد لله، سبحانه وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وجاء الرد من الله تعالى مع بيان المانع مفصلا مع الإشعار بالدليل ~~العقلي، ولذا لزم التنويه عليه، وذلك في قوله تعالى: # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون # [البقرة: 116-117]. # فهذا نص صريح فيما قالوه: { اتخذ الله ولدا }. # ونص صريح في تنزيه الله سبحانه وتسبيحه عما قالوا. # ثم جاء حرف الإضراب عن قولهم: # بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون # [البقرة: 116]، ففيه بيان المانع عقلا من اتخاذ الولد بما يلزم الخصم، ~~وذلك أن غاية اتخاذ الولد أن يكون بارا بوالده، وأن ينتفع الوالد بولده. ~~كما في قوله تعالى: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]، أو يكون الولد وارثا لأبيه كما في قوله تعالى عن نبي الله ~~تعالى زكريا عليه السلام: # فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل ~~يعقوب # [مريم: 5-6] الآية. # والله سبحانه وتعالى حي باق يرث ولا يورث كما قال تعالى: # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 26-27] الآية. # وقوله: # ولله ميراث السماوات والأرض # [آل عمران: 180]. # فإذا كان لله سبحانه وتعالى كل ما في السماوات والأرض في قنوت وامتثال ~~طوعا أو كرها، كما قال تعالى: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # [مريم: 92-93]. # فهو سبحانه وتعالى ليس في حاجة إلى الولد لغناه عنه. # ثم بين سبحانه قدرته على الإيجاد والإبداع في قوله تعالى: # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون # [البقرة: 117]. # وهذا واضح في نفي الولد عنه سبحانه وتعالى. # وقد تمدح سبحانه في قوله: # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا # [الإسراء: 111]. # أما أنه لم يولد. فلم يدع أحد عليه ذلك. لأنه ممتنع عقلا، بدليل ms4263 ~~الممانعة المعروف وهو كالآتي: # لو توقف وجوده سبحانه على أن يولد لكان في وجوده محتاجا إلى من يوجده، ~~ثم يكون من يلده في حاجة إلى والد، وهكذا يأتي الدور والتسلسل وهذا باطل. # وكذلك فإن الحاجة إلى الولد بنفيها معنى الصمدية المتقدم ذكره، ولو كان ~~له والد لكان الوالد أسبق وأحق، تعالى الله عن ذلك. # وقد يقال: من جانب الممانعة العقلية لو افترض على حد قوله: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. # فنقول على هذا الافتراض: لو كان له ولد فما مبدأ وجود هذا الولد وما ~~مصيره؟ فإن كان حادثا فمتى حدوثه؟ وإن كان قديما تعدد القدم، وهذا ~~ممنوع. # ثم إن كان باقيا تعدد البقاء، وإن كان منتهيا فمتى انتهاؤه؟ # وإذا كان مآله إلى الانتهاء فما الحاجة إلى إيجاده مع عدم الحاجة إليه، ~~فانتفى اتخاذ الولد عقلا ونقلا، كما انتفت الولادة كذلك عقلا ونقلا. # وقد أورد بعض المفسرين سؤالا في هذه الآية، وهو لماذا قدم نفي الولد ~~على نفي الولادة؟ مع أن الأصل في المشاهد أن يولد ثم يلد؟ # وأجاب بأنه من تقديم الأهم لأنه رد على النصارى في قولهم: عيسى ابن ~~الله، وعلى اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى قول المشركين: الملائكة ~~بنات الله، ولأنه لم يدع أحد أنه سبحانه مولود لأحد، فكانت دعواهم الولد ~~لله فرية عظمى. اه. # كما قال تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. # وقوله: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: 88-91]. # فلشفاعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد على عدم إمكانها بقوله: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # [مريم: 92-93]. # وقد قدمنا دليل المنع عقلا ونقلا. # وهنا سؤال أيضا، وهو إذا كان ادعاء الولد قد وقع، وجاء الرد عليه: فإن ~~ادعاء الولادة لم يقع، فلماذا ذكر نفيه مع عدم ادعائه؟ # والجواب ms4264 والله تعالى أعلم: أن من جور الولادة له وأن يكون له ولد، فقد ~~يجوز الولادة عليه، وأن يكون مولودا فجاء نفيها تتمة للنفي والتنزيه، ~~كما في حديث البحر، كان السؤال عن الوضوء من مائة فقط، فجاء الجواب عن ~~مائه وميتته، لأن ما احتمل السؤال في مائه يحتمل الاشتباه في ميتته. ~~والله تعالى أعلم. ### || [112.4] # وقالوا: كفؤا وكفوا وكفاء، بمعنى واحد، وهو المثل. # وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى الآية، وكلها تدور على معنى نفي ~~المماثلة. # فعن كعب وعطاء: لم يكن له مثل ولا عديل. # وروى ابن جرير عن ابن عباس: أنه بمعنى ليس كمثله شيء. # وعن مجاهد: أي لا صاحبة له. # وقد جاء نفي الكفء والمثل والند والعدل، فالكفء في هذه السورة والمثل في ~~قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، وقوله: # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74]. # والند في قوله: # فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # [البقرة: 22]. # والعدل في قوله: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # [الأنعام: 1]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند آية الأنعام بيان لذلك، أي ~~يساوونه بغيره من العدل بكسر أوله، وهو أحد شقي حمل البعير على أحد ~~التفسيرين، والآخر من العدول عنه إلى غيره. # وفي هذه السورة مبحثان يوردهما المفسرون. أحدهما: أسباب نزولها، والآخر: ~~ما جاء في فضلها، ولم يكن من موضوع هذا الكتاب تتبع ذلك، إلا ما كان له ~~دوافع تتعلق بالمعنى. # أما ما جاء في فضلها، فقد قال أبو حيان في تفسيره: لقد أكثر المفسرون ~~إيراد الآثار في ذلك، وليس هذا محلها، وهو كما قال، فقد أوردها ابن كثير ~~والفخر الرازي والقرطبي وابن حجر في الإصابة في ترجمة معاذ بن جبل ~~وغيرهم، وليس هذا محل إيرادها، اللهم إلا ما جاء في الصحيح: أن تلاوتها ~~تعدل ثلث القرآن لتعلق موضوعها بالتوحيد. # أما المبحث الآخر وهو سبب نزولها، فقيل فيه. إن المشركين طلبوا منه صلى ~~الله عليه وسلم أن ينسب لهم ربه، فنزلت. # وقوله فيها { لم يلد ولم يولد } ، رد على إثبات النسب له ~~سبحانه وتعالى. # وقد ms4265 جاء مثل هذا المعنى حينما سأل فرعون موسى عن ربه، فقال له: # وما رب العالمين # [الشعراء: 23]. # فجاء جوابه: # قال رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم ~~موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ~~ورب آبآئكم الأولين قال إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 24-27]. # وكنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أن موجب قول فرعون عن ~~موسى لمجنون، لأنه سأله بما في قوله: # قال فرعون وما رب العالمين # [الشعراء: 23]، وما يسأل بها عن شرح الماهية فكان مقتضى السؤال بها أن ~~يبين ماهية الرب سبحانه وتعالى، من أي شيء هو، كما يقال في جواب: ما ~~الإنسان إنه حيوان ناطق. # ولكن موسى عليه السلام أعرض عن سؤال فرعون لجهله عن حقيقة الله تعالى أو ~~لتجاهله، كما في قوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]، وأجابه عما يخصه ويلزمه الاعتراف به من أنه سبحانه رب ~~السماوات والأرض وما بينهما، لا ربوبية فرعون الكاذبة. # ومثل ذلك في القرآن، لما سألوا عن الأهلة، ما بالها تبدو صغيرة، ثم ~~تكبر؟ فهو سؤال عن حقيقة تغيرها، فترك القرآن جوابهم على سؤالهم وأجابهم ~~بما يلزمهم وينفعهم. # وكذلك جواب الخليل عليه السلام للنمرود حينما حاجه في ربه # إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258]. # فذكره سبحانه بصفاته، وفي هذه السورة لما سألوا عن حقيقة الله ونسبه جاء ~~الجواب بصفاته، لأن ما يسألون عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق ~~سبحانه، وفي الممكن لا في الواجب الوجود لذاته، سبحان من لا يدرك كنهه ~~غيره، وصدق الله العظيم في قوله: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]، # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # [طه: 110]. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1] # قال أبو حيان وغيره: الفلق فعل بمعنى مفعول أي مفلوق، واختلف في المراد ~~بذلك. # فقيل: إنه الصبح يتفلق عنه الليل. # وقيل: الحب والنوى. # وقيل: هو جب في جهنم. # وقال بعض المفسرين: كل ما فلقه الله عن غيره، كالليل عن الصبح، والحب عن ~~النبت، ms4266 والأرض عن النبات، والجبال عن العون، والأرحام عن الأولاد، ~~والسحاب عن المطر. # وقال ابن جرير: إن الله أطلق ولم يقيد، فتطيق كذلك كما أطلق. # والذي يظهر أن كل الأقوال ما عدا القول بأنه جب في جهنم من قبيل اختلاف ~~التنوع، وأنها كلها محتملة، قال ابن جرير على الإطلاق. # أما القول بأنه جب في جهنم، فلم يثبت فيه نص، وليست فيه أية مشاهدة يحال ~~عليها للدلالة على قدرة الله تعالى، كما في الأشياء الأخرى المشاهدة. # والذي يشهد له القرآن هو الأول، كما جاء النص الصريح في الصبح والحب ~~والنوى، كقوله تعالى: # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من ~~الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله ~~فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم # [الأنعام: 95-96]. # وكلها آيات دالة على قدرة الله، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها في ~~بدء الوحي، وأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يرى رؤيا، إلا جاءت كفلق ~~الصبح. # والفلق: بمعنى الصبح معروف في كلام العرب. # وعليه قول الشاعر: # يا ليلة لم أنمها بت مرتقبا # أرعى النجوم إلى أن قدر الفلق # وقول الآخر مثله وفيه: إلى أن نور الفلق بدل قدر، والواقع أنه في قوة ~~الإقسام برب الكون كله يتفلق بعضه عن بعض. ### || [113.2] # وهذا عام وهو على عمومه، حتى قال الحسن: إن إبليس وجهنم مما خلق. # وللمعتزلة في هذه الآية كلام حول خلق أفعال العباد، وأن الله لا يخلق ~~الشر، وقالوا: كيف يخلقه ويقدره، ثم يأمر بالاستعاذة به سبحانه مما خلقه ~~وقدره؟ # وأجيب من أهل السنة: بأنه لا مانع من ذلك، كما في قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أعوذ بك منك ". # وقد قال تعالى: # الله خالق كل شيء # [الرعد: 16]. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، مناقشة هذه المسألة في مناظرة ~~الأسفرائيني مع الجبائي في القدر. # ومعلوم أن المخلوق لا يتأتى منه شيء قط إلا بمشيئة الخالق، وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله. ### || [113.3] # الغاسق: قيل الليل، لقوله ms4267 تعالى: # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل # [الإسراء:78]. # ووقب: أي دخل. # وعليه قول الشاعر: # إن هذا الليل قد غسقا # واشتكيت الهم والأرقا # وقول الآخر: # يا طيف هند قد أبقيت لي أرقا # إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا # قال القرطبي: وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. # وقيل: الغاسق: القمر إذا كان في آخر الشهر، # " لحديث عائشة عند الترمذي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ~~تعوذي من هذا فإنه الغاسق إذا وقب " # أي القمر. # وقائل هذا القول يقول: إنه أنسب لما يجيء بعده من السحر، لأنه أكثر ما ~~يكون عندهم في آخر الشهر. # ونقل القرطبي عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، أن أهل الريب يتحينون وجبة ~~القمر، أي سقوطه وغيوبته. # وأنشد قول الشاعر: # أراحني الله من أشياء أكرهها # منها العجوز ومنها الكلب والقمر # هذا يبوح وهذا يستضاء به # وهذه ضمرز قوامة السحر # والضمرز: الناقة المسنة، والمرأة الغليظة. # والصحيح الأول: الذي هو الليل بشهادة القرآن. # والثاني: تابع له، لأن القمر في ظهوره واختفائه مرتبط بالليل، فهو بعض ~~ما يكون في الليل، وفي الليل تنتشر الشياطين وأهل الفساد، من الإنسان ~~والحيوان ويقل فيه المغيث إلا الله. # وفي الحديث: # " أطفؤوا السرج فإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم ليلا " # أي الفأرة. ### || [113.4] # المراد به السحرة قطعا، سواء كان النفث من النساء كما هو ظاهر اللفظ، ~~أو من الرجال على معنى الجماعات، أو النفوس الشريرة فتشمل النوعين. # وأجمع المفسرون: أنها نزلت في لبيد بن الأعصم، لما سحر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أتاه جبريل عليه السلام وأخبره. # وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث السحر وأقسامه وأحكامه ~~وكل ما يتعلق به، عند الكلام على قوله تعالى: # ولا يفلح الساحر حيث أتى # [طه:69]، من سورة طه، ما عدا مسألة واحدة، وهي حكم ما لو قتل أو أتلف ~~شيئا بسحره، فما يكون حكمه، ونوردها موجزة. # مسألة # ذكر ابن قدامة في المغني رحمه الله النوع السادس من أنواع القتل: أن ~~يقتله ms4268 بسحر يقتل غالبا فيلزمه القود، وإن كان مما لا يقتل غالبا، ففيه ~~الدية ا ه. # وذكر النووي في المنهاج شرح مغني المحتاج للشافعية: التنبيه على أنه ~~يقتل كذلك. # وذكر مثله ابن حجر في الفتح: أن الساحر يقتل إذا قتل بسحره. # تنبيه # يقع تأثير السحر على الحيوان كما يقع على الإنسان. # قال أبو حيان: أخبرني أنه رأى في بعض الصحراء عند البعض. خيطا أحمر، قد ~~عقدت فيه عقد على فصلان أي جمع فصيل، فمنعت من رضاع أمهاتها بذلك، فكان ~~إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع. ا ه. # كما يقع الحسد أيضا على الحيوان، بل وعلى الجماد أي عين العائن تؤثر في ~~الحيوان والجماد والنبات، كما تؤثر في الإنسان على ما سيأتي إن شاء ~~الله. ### || [113.5] # اقتران الحسد بالسحر هنا، يشير إلى وجود علاقة بين كل من السحر والحسد، ~~وأقل ما يكون هو التأثير الخفي الذي يكون من الساحر بالسحر، ومن الحاسد ~~بالحسد مع الاشتراك في عموم الضرر، فكلاهما إيقاع ضرر في خفاء، وكلاهما ~~منهى عنه. # وقد أوضح فضيلة الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنواع السحر وأحكامه ~~وأورد فيه كلاما وافيا. # وقد ظهر بما قدمنا: أن الحسد له علاقة بالسحر نوعا ما، فلزم إيضاحه ~~وبيان أمره بقدر المستطاع، إن شاء الله. # أولا: تعريفه: قالوا: إن الحسد هو تمني زوال نعمة الغير، أو عدم حصول ~~النعمة للغير شحا عليه بها. # وقد قيدت الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، أي عند إيقاعه الحسد بالفعل، ~~ولم يقيدها من شر الساحر إذا سحر. # وذلك والله تعالى أعلم: أن النفث في العقد هو عين السحر، فتكون ~~الاستعاذة واقعة موقعها عند سحره الواقع منه بنفثه الحاصل منه في العقد. # أما الحاسد فلم يستعذ منه إلا عند إيقاعه الحسد بالفعل، أي عند توجهه ~~إلى المحسود، لأنه قبل توجهه إلى المحسود بالحسد لا يتأتى منه شر، فلا ~~محل للاستعاذة منه. # أما حقيقة الحسد: فيتعذر تعريفه منطقيا. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه ms4269 قال في السحر: لا يمكن ~~تعريفه لخفائه. # ومعلوم أن الحسد أشد خفاء، لأنه عمل نفسي وأثر قلبي، وقد قيل فيه: إنه ~~كإشعاع غير مرئي، ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود، عند تحرقه بقلبه على ~~المحسود، وقد شبه حسد الحاسد بالنار في قولهم: # اصبر على مضض الحسود # فإن صبرك قاتله # كالنار تأكل بعضها # إن لم تجد ما تأكله # وقد أنكر بعض الفلاسفة وقوع السحد، حيث إنه غير مشاهد وهم محجوجون بكل ~~موجود غير شاهد، كالنفس والروح والعقل. # وقد شوهدت اليوم أشعة [إكس] وهي غير مرئية، ولكنها تنفذ إلى داخل الجسم ~~من إنسان وحيوان، بل وخشب ونحوه. ولا يردها إلا مادة الرصاص لكثافة ~~معدنه، فتصور داخل جسم الإنسان من عظام وأمعاء وغيرها، فلا معنى لرد شيء ~~لعدم رؤيته. # تنبيه # قد أطلق الحسد هنا ولم يبين المحسود عليه، ما هو أنه كما تقدم زوال ~~النعمة عن الغير. # وقد نبه القرآن الكريم على أعظم النعمة التي حسد عليها المسلمون عامة، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي نعمة الإسلام ونعمة الوحي وتحصيل ~~الغنائم. # فأهل الكتاب حسدوا المسلمين على الإسلام في قوله تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # [البقرة: 109]. # والمشركون حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي إليه، كما ~~في قوله تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54]. # والناس هنا عام أريد به الخصوص، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، كما في ~~قوله تعالى: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173]. # فالناس الأولى عام أريد به خصوص رجل واحد، وهو نعيم ابن مسعود الأشجعي. # ومما جاء فيه الحسد عن نعمة متوقعة. قوله تعالى: # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من ~~قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا ~~يفقهون إلا قليلا # [الفتح: 15]. # فتبين بنص القرآن ms4270 أن الحسد يكون في نعمة موجودة، ويكون في نعمة متوقع ~~وجودها. # تنبيه آخر # توجد العين كما يوجد الحسد، ولم أجد من فرق بينهما مع وجود الفرق. # وقد جاء في الصحيح # " إن العين لحق ". # كما جاء في السنن: # " لو أن شيئا يسبق القدر لسبقته العين ". # ويقال في الحسد، حاسد، وفي العين: عائن، ويشتركان في الأثر، ويختلفان في ~~الوسيلة والمنطلق. # فالحاسد: قد يحسد ما لم يره، ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، ومصدره ~~تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود، وبتمني زوالها عنه أو عدم ~~حصولها له وغاية في حطة النفس. # والعائن: لا يعين إلا ما يراه والموجود بالفعل، ومصدره انقداح نظرة ~~العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله. # وقد يطلق عليه أيضا الحسد، وقد يطلق الحسد ويراد به الغبطة، وهو تمني ~~ما يراه عند الآخرين من غير زواله عنهم. # وعليه الحديث: # " لا حسد في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الخير، ~~ورجل أتاه الله في الحكمة فهو يقضي بها بين الناس ". # وقال القرطبي: روي مرفوعا # " المؤمن يغبط، والمنافق يحسد ". # وقال: الحسد أول ذنب عصى الله به في السماء، وأول ذنب عصى به في الأرض، ~~فحسد إبليس آدم وحسد قابيل هابيل 1ه. # تحذير # كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله: إن أول معصية وقعت ~~هي الحسد، وجر شؤمها إلى غيرها، وذلك لما حسد إبليس أبانا آدم على ما ~~آتاه الله من الكرامات من خلقه بيديه، وأمر الملائكة بالسجود له، فحمله ~~الحسد على التكبر، ومنعه التكبر من امتثال الأمر بالسجود، فكانت النتيجة ~~طرده، عياذا بالله. # أسباب الحسد # وبتأمل القصة، يظهر أن الحامل على الحسد أصله أمران: # الأول: ازدراء المحسود. # والثاني: إعجاب الحاسد بنفسه، كما قال إبليس معللا لامتناعه من السجود: # أنا خير منه # [الأعراف: 12]. # ثم فصل معنى الخيرية المزعومة بقوله: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]، ويلحق بذلك جميع الأسباب. # وقد ذكروا منها التعزز في نفسه، ولا يريد لأحد أن يرتفع عليه، والتعجب ms4271 ~~بأنه يعجب بنفسه، ولا يرى أحدا أولى منه، والخوف من فوات المقاصد عند ~~شخص إذا رآه سيستغني عنه، وحب الرئاسة ممن لا يريد لأحد أن يتقدم عليه في ~~أي فن أو مجال. # وذكرها الرازي نقلا عن الغزالي. # ومن هنا لا نرى معجبا بنفسه قط، إلا ويزدري الآخرين ويحسدهم على أدنى ~~نعمة أنعمها الله عليهم. عافانا الله من ذلك. # تنبيه # إذا كانت أول معصية وقعت هي حسد إبليس بأبينا آدم على ما أنعم الله به ~~عليه، وجاء حسد المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي، ~~وحسد أهل الكتاب للمسلمين على نعمة الإسلام، وجاءت هذه السورة في أواخر ~~القرآن، فكأنها جاءت في أعقاب القرآن لتذكر المسلمين بعظم نعمته عليهم ~~وشدة حسدهم عليه، ليحذروا أعداءهم الذين يكيدون لهم في دينهم، من كل من ~~الجنة والناس، على ما سيأتي في السورة بعدها والأخيرة، إن شاء الله. # مسألة # في حكم من قتل أو كسر أو أتلف شيئا بالعين # تقدم بيان ذلك في حق السحر، أما في حق العين، فقد قال ابن حجر في فتح ~~الباري في كتاب الطب ما نصه وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، يعني ~~بالعين. # فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه لو قتل فعليه القصاص أو الدية ~~إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله ~~كفرا. 1ه. # ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه، وقالوا: إنه لا يقتل غالبا ~~ولا يعد مهلكا. # وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب ~~على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال، مما لا انضباط له، ~~كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة. # وأيضا، فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصوله مكروه لذلك الشخص، ولا ~~يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر ~~العين. 1ه. # ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، ms4272 والفرق بينهما ~~عسير. # ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف ~~بذلك من مداخلة الناس، وأنه يلزمه بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، ~~فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة ~~الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة. # قال النووي: وهذا القول صحيح متعين، لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. 1ه. ~~من فتح الباري. # وبتأمل قول القرطبي والنووي بدقة لا يوجد بينهما خلاف في الأصل، إذ ~~القرطبي يقيد كلامه بما يتكرر منه بحيث يصير عادة له. # والنووي يقول: إنه لا يقتل غالبا، وعليه فلو ثبت أنه يقتل غالبا وتكرر ~~ذلك منه، فإنه يتفق مع كلام القرطبي تماما في أن من أتلف بعينه وكان ~~معتادا منه ذلك فهو ضامن، وهذا معقول المعنى، والله تعالى أعلم. # وعند الحنابلة في كشاف القناع ما نصه: والمعيان الذي يقتل بعينه. # قال ابن نصر الله في حواشي الفروع: ينبغي أن يلحق بالساحر الذي يقتل ~~بسحره غالبا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ويفعله باختياره وجب به ~~القصاص 1ه. # مسألة # بيان ما تعالج به العين # لما كان الحسد أضر ما يكون على الإنسان، والإصابة بالعين حق لا شك فيها ~~وجاء فيها: # " لو أن شيئا يسبق القدر لسبقته العين ". # وحديث: # " إن العين لحق " # فقد فصلت السنة كيفية اتقائها قبل وقوعها، والعلاج منها إذا وقعت. # وذلك فيما رواه مالك في الموطأ وغيره من الصحاح، في حديث سهل بن حنيف، ~~وبوب البخاري في صحيحه باب رقعة العين، وذكر حديث # " عائشة أنها قالت: " أمرني النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر أن ~~يسترقي من العين " ". # وعقد مالك في الموطأ بابا بعنوان " الوضوء من العين " وباب آخر بعده ~~بعنوان " الرقية من العين " ، وساق حديث سهل بتمامه وفيه بيان كيفية ~~اتقائها وعلاجها، ولذا نكتفي بإيراده لشموله. # قال: # " عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي ~~سهل ms4273 بن حنيف بالحرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان ~~سهل رجلا أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ~~ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأوتي رسول الله فأخبر ~~أن سهلا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، إن العين حق، توضأ له ~~فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس " ~~". # وساق مرة أخرى وفيه، فقال صلى الله عليه وسلم " هل تتهمون له أحدا؟ ~~قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى عليه وسلم عامرا ~~فتغيظ عليه، وقال: # " علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، اغتسل له، " # فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخل إزاره في قدح ~~ثم صب عليه فراح سهل مع الناس، ليس به بأس ". # فهذه القصة تثبت قطعا وقوع العين، وهذا أمر مجمع عليه من أهل السنة ~~وسلف الأمة، كما أنها ترشد إلى أن من برك، أي قال: تبارك الله. # وفي بعض الروايات لغير مالك: هلا كبرت، أي يقول: الله أكبر ثلاثا، ~~فإذن ذلك يرد عين العائن. # كما جاء في السنة # " أن الدعاء يرد البلاء " # فإذا لم تدفع عند صدورها وأصابت، فإن العلاج منها كما جاء هنا توضأ، ~~واللفظ الآخر: # " اغتسل له ". # وقد فصل المراد بالغسل له: أنه غسل الوجه واليدين أي الكفين فقط، ~~والمرفقين والركبتين والقدمين وطرف الإزار الداخلي، ويكون ذلك في إناء لا ~~يسقط الماء على الأرض، ويفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف ويكفؤ الإناء ~~خلفه. # وقد ذكرها مفصلة القاضي الباجي في شرح الموطأ فقال: وروي عن يحيى بن ~~يحيى عن ابن نافع في معنى الوضوء الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يغسل الذي يتهم بالرجل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه ورجليه ms4274 ~~وداخلة إزاره، وقال: ولا يغسل ما بين اليد والمرفق، أي لا يغسل الساعد من ~~اليد. # وروي عن الزهري أنه قال: الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه: أن يؤتى ~~العائن بقدح فيه ماء، فيمسك مرتفعا من الأرض فيدخل فيه كفه فيمضمض، ثم ~~يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى ~~فيصب بها على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ظهر كفه ~~اليسرى صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على مرفقه الأيمن، ثم ~~يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على ~~قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده ~~اليسرى فيصب بها على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ~~ركبته اليسرى، كل ذلك في قدح ثم يدخل داخلة إزاره في القدح ولا يوضع ~~القدح في الأرض، فيصب على رأس المعين من خلفه صبة واحدة، وقيل: يغتفل ~~ويصب عليه، أي في حالة غفلته، ثم يكفأ القدح على ظهر الأرض وراءه. # وأما داخله إزاره: فهو الطرف المتدلي الذي يفضي من مأزره إلى جلده ~~مكانه، إنما يمر بالطرف الأيمن على الأيسر، حتى يشده بذلك الطرف المتدلي ~~الذي يكون من داخل. اه. # ومما يرشد إليه هذا الحديث تغيظه صلى الله عليه وسلم على عامر بن ربيعة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " علام يقتل أحدكم أخاه " # مما يبين شناعة هذا العمل، وأنه قد يقتل. # ومما ينبغي مراعاته من كل الطرفين من ابتلى بالعين، فليبارك عند رؤيته ~~ما يعجبه لئلا يصب أحدا بعينه، وليلا تسبقه عينه. # وكذلك من اتهم أحدا بالعين، فليكبر ثلاثا عند تخوفه منه. فإن الله ~~يدفع العين بذلك. والحمد لله. # وقد ذكروا للحسد دواء كذلك، أي يداوي به الحاسد نفسه ليستريح من عناء ~~الحسد المتوقد في قلبه المنغص عليه عيشه الجالب عليه حزنه، وهو على سبيل ~~الإجمال في أمرين. # العلم ثم العمل والمراد بالعلم هو أن يعلم يقينا أن النعمة ms4275 التي يراها ~~على المحسود، إنما هي عطاء من الله بقدر سابق وقضاء لازم، وأن حسده إياه ~~عليها لا يغير من ذلك شيئا، ويعلم أن ضرر الحسد يعود على الحاسد وحده في ~~دينه لعدم رضائه بقدر الله وقسمته لعباده، لأنه في حسده كالمعترض على ~~قوله تعالى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32]، وفي دنياه لأنه يورث السقام والأحزان والكآبة ونفرة الناس ~~منهم ومقتهم إياه، ومن وراء هذا وذاك، العقاب في الآخرة. # أما العمل فهو مجاهدة نفسه ضد نوازع الحسد، كما تقدمت الإشارة إليه في ~~الأسباب، فإذا رأى ذا نعمة فازدرته عينه، فليحاول أن يقدره ويخدمه. # وإن راودته نفسه بالإعجاب بنفسه، ردها إلى التواضع وإظهار العجز ~~والافتقار. # وإن سولت له نفسه تمنى زوال النعمة عن غيره، صرف ذلك إلى تمني مثلها ~~لنفسه. وفضل الله عظيم. # وإن دعاه الحسد إلى الاساءة إلى المحسود، سعى إلى الإحسان إليه، وهكذا ~~فيسلم من شدة الحسد، ويسلم غيره من شره. # وكما في الأثر: # " المؤمن يغبط، والمنافق يحسد ". # نسأل الله العافية والمعافاة. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-3] # تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الإحالة على هذه السورة عند ~~كلامه على قوله تعالى: # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير # [هود: 2]، في سورة هود، فقال على تلك الآية: فيها الدلالة الواضحة على ~~أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها هي أن يعبد الله تعالى وحده ~~ولا يشرك في عبادته شيء. # وساق الآيات المماثلة لها ثم قال: وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة ~~الفاتحة، وسنقضي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة الناس، لتكون ~~خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى اه. # وإن في هذه الإحالة منه رحمة الله تعالى علينا وعليه لتنبها على ~~المعاني التي اشتملتها هذه السورة الكريمة، وتوجيها لمراعاة تلك ~~الخاتمة. # كما أن في تلك الإحالة تحميل مسؤولية الاستقصاء حيث لم يكتف بما قدمه في ~~سورة الفاتحة، ولا فيما قدمه في سورة هود، وجعل الاستقصاء في هذه السورة، ~~ومعنى الاستقصاء: الاستيعاب إلى ms4276 أقصى حد. # وما أظن أحدا يستطيع استقصاء ما يريده غيره، ولا سيما ما كان يريده ~~الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وما يستطيعه هو. # ولكن على ما قدمنا في البداية: أنه جهد المقل ووسع الطاقة. فنستعين الله ~~ونستهديه مسترشدين بما قدمه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورتي ~~الفاتحة وهود، ثم نورد وجهة نظر في السورتين معا الفلق والناس، ثم منهما ~~وفي نسق المصحف الشريف، آمل من الله تعالى وراج توفيقه ومعونته. # أما الإحالة فالذي يظهر أن موجبها هو أنه في هذه السورة الكريمة اجتمعت ~~ثلاث صفات لله تعالى من صفات العظمة والكمال: رب الناس، ملك الناس، إله ~~الناس، ولكأنها لأول وهلة تشير إلى الرب الملك هو الإله الحق الذي يستحق ~~أن يعبد وحده. # ولعله ما يرشد إليه مضمون سورة الإخلاص قبلها: هو الله أحد، الله الصمد، ~~وهذا هو منطق العقل والقول الحق، لأن مقتضى الملك يستلزم العبودية، ~~والعبودية تستلزم التأليه والتوحيد في الألوهية، لأن العبد المملوك تجب ~~عليه الطاعة والسمع لمالكه بمجرد الملك، وإن كان مالكه عبدا مثله، فكيف ~~بالعبد المملوك لربه وإلهه، وكيف بالمالك الإله الواحد الأحد الفرد ~~الصمد؟ # وقد جاءت تلك الصفات الثلاث: الرب الملك الإله، في أول افتتاحية أول ~~المصحف: # الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك ~~يوم الدين # [الفاتحة: 2-4]، والقراءة الأخرى { ملك يوم الدين }. # وفي أول سورة البقرة اول نداء يوجه للناس بعبادة الله تعالى وحده، لأنه ~~ربهم مع بيان الموجبات لذلك في قوله تعالى: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21]. # ثم بين الموجب لذلك بقوله: # الذي خلقكم والذين من قبلكم # [البقرة: 21]. # وقوله: # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم # [البقرة: 22]. # وهذا كله من آثار الربوبية واستحقاقه تعالى على خلقه العبادة، ثم بين ~~موجب إفراده وحده بذلك بقوله: # فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # [البقرة:22]. # أي كما أنه لا ند له في الخلق ولا في الرزق ولا في شيء مما ذكر، فلا ~~تجعلوا لله ms4277 أندادا أيضا في عبادة، وأنتم تعلمون حقيقة ذلك. # وعبادته تعالى وحده ونفى الأنداد، هو ما قال عنه الشيخ رحمة الله تعالى ~~علينا وعليه: معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا. # فالإثبات في قوله تعالى: # واعبدوا الله # [النساء: 36]. # والنفي في قوله: # فلا تجعلوا لله أندادا # [البقرة: 22]. # وكون الربوبية تستوجب العبادة، جاء صريحا في قوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. # فالموصول وصلته في معنى التعليل لموجب العبادة، وسيأتي لذلك زيادة إيضاح ~~إن شاء الله تعالى في نهاية السورة. # وقد جاء هنا لفظ { برب الناس } ، بإضافة الرب إلى الناس، بما ~~يشعر بالاختصاص، مع أنه سبحانه رب العالمين ورب كل شيء، كما في أول ~~الفاتحة: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]. # وفي قوله: # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء # [الأنعام: 164]. # فالإضافة هنا إلى بعض أفراد العام. # وقد أضيف إلى بعض أفراد أخرى كالسماوات والأرض وغيرها من بعض كل شيء، ~~كقوله: # قل من رب السماوات والأرض قل الله # [الرعد: 16]. # وقوله: # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9]. # وإلى البيت # فليعبدوا رب هذا البيت # [قريش: 3]. # وإلى البلد الحرام # إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة # [النمل: 91]. # وإلى العرش # رب العرش الكريم # [المؤمنون: 116]. # وإلى الرسول # اتبع مآ أوحي إليك من ربك # [الأنعام: 106]. # وقوله: # وربك فكبر # [المدثر: 3]، إلى غير ذلك. # ولكن يلاحظ أنه مع كل إضافة من ذلك ما يفيد العموم، وأنه مع إضافته لفرد ~~من أفراد العموم، فهو رب العالمين، ورب كل شيء، ففي إضافته إلى السماوات ~~والأرض جاء معها # قل الله # [الرعد: 16]. # وفي الإضافة إلى المشرق والمغرب جاء # لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا # [المزمل: 9]. # وفي الإضافة إلى البيت جاء # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4] وهو الله سبحانه. # وفي الإضافة إلى البلدة جاء # الذي حرمها # [النمل: 91]، وهو الله تعالى. # وفي الإضافة إلى العرش جاء قوله تعالى: # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب ~~العرش # [المؤمنون: 116]. # وفي الإضافة ms4278 إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جاء قوله: # ما ودعك ربك # [الضحى: 3]، وغير ذلك من الإضافة، إلى أي فرد من أفراد العموم يأتي معها ~~ما يفيد العموم، وأن الله رب العالمين. # وهنا رب الناس جاء معها { ملك الناس إله الناس } [الناس: ~~2-3]، ليفيد العموم أيضا. لأن إطلاق الرب قد يشارك فيه السيد المطاع، ~~كما في قوله: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31]. # وقول يوسف لصاحبه في السجن: # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42]، أي الملك على أظهر الأقوال، وقوله: # ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة # [يوسف: 50] الآية. # فجاء بالملك والإله للدلالة على العموم، في معنى رب الناس، فهو سبحانه ~~رب العالمين ورب كل شيء، ولكن إضافته هنا إلى خصوص الناس إشعار بمزيد ~~اختصاص، ورعاية الرب سبحانه لعبده الذي دعاه إليه ليستعيذ به من عدوه، ~~كما أن فيه تقوية رجاء العبد في ربه بأنه سبحانه بربوبيته سيحمي عبده ~~لعبوديته ويعيذه مما استعاذ به منه. # ويقوي هذا الاختصاص إضافة الرب للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ~~أطواره منذ البدأين: بدأ الخلقة وبدأ الوحي، في قوله: # اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق # [العلق: 1-2]، ثم في نشأته # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] - إلى قوله # ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضآلا فهدى ~~ووجدك عآئلا فأغنى # [الضحى: 6-8]. # وجعل الرغبة إليه في السورة بعدها # وإلى ربك فارغب # [الشرح: 8]، بعد تعداد النعم عليه من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع ~~الذكر، ثم في المنتهى قوله: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]. # قوله تعالى: { ملك الناس } ، في مجيء ملك الناس بعد رب الناس، ~~تدرج في التنبيه على تلك المعاني العظام، وانتقال بالعباد من مبدإ ~~الإيمان بالرب لما شاهدوه من آثار الربوبية في الخلق والرزق، وجميع تلك ~~الكائنات، كما تقدم في أول نداء وجه إليهم # اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم # [البقرة: 21-22]. # كل ms4279 هذه الآثار التي لمسوها وأقروا بموجبها، بأن الذي أوجدها هو ربهم، ~~ومن ثم ينتقلون إلى الدرجة الثانية، وهي أن ربه الذي هذه أفعاله هو ملكه ~~وهو المتصرف في تلك العوالم، وملك لأمره وجميع شؤونه، ومالك لأمر الدنيا ~~والآخرة جميعا. # فإذا وصل بإقراره إلى هذا الإدراك، أقر له ضرورة له بالألوهية وهي ~~المرتبة النهاية. إله الناس أي مألوههم ومعبودهم وهو ما خلقهم إليه، # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. # وفي إضافة الملك إلى الناس من إشعار الاختصاص، مع أنه سبحانه ملك كل ~~شيء، فيه ما في إضافة الرب للناس المتقدم بحثه، فهو سبحانه ملك الملك كما ~~في قوله: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء # [آل عمران: 26]. # وقوله تعالى: # له الملك وله الحمد # [التغابن: 1]. # وقوله: # له ملك السماوات والأرض # [البقرة: 107]، وقوله: # الملك القدوس # [الحشر: 23]. # فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالملك لا شريك له في ملكه، كما قال تعالى: # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك # [الإسراء: 111] فبدأ بالحمد أولا. # ومثله قوله: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83]، بدأ بتسبيح نفسه وتنزيهه لعموم الملك ومطلق التصرف ونفي ~~الشريك لأن ملكه ملك تصرف وتدبير مع الكمال في الحمد والتقديس. # وكقوله: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير # [الملك: 1]. # وبهذه النصوص يعلم كمال ملكه تعالى، ونقص ملك ما سواه من ملوك الدنيا، ~~ونعلم أن ملكهم بتمليك الله تعالى إياهم كما في قوله تعالى: # والله يؤتي ملكه من يشآء # [البقرة: 247]. # وقوله: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء # [آل عمران: 26]. # ومن المعلوم أن ملوك الدنيا ملكهم سياسة ورعاية، لا ملك تملك وتصرف، ~~وكما في قوله تعالى: # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال ~~إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم والله يؤتي ms4280 ملكه من يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 247]. # والجدير بالتنبيه عليه بهذه المناسبة أن " بريطانيا " تحترم نظام ~~الملكية إلى هذا الوقت الحاضر، بدافع من هذا المعتقد، وأنه لا ملك إلا ~~بتمليك الله إياه، وأن ملوك الدنيا باصطفاء من الله. # والآية تشير إلى ما نحن بصدد بيانه، من أن ملوك الدنيا لا يملكون أمر ~~الرعية لأن طالوت ملكا، وليس مالكا لأموالهم. # بينما ملك الله تعالى ملك خلق وإيجاد وتصرف كما في قوله تعالى: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. # وعليم قدير هنا من خصائصه سبحانه وتعالى، فيتصرف في ملكه بعلم وعن قدرة ~~كاملتين سبحانه، له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير. # وتظهر حقيقة ذلك إذا جاء اليوم الحق، فيتلاشى كل ملك قل أو كثر، ويذل ~~كل ملك كبر أو صغر، ولم يبق إلا ملكه تعالى يوم هم بارزون، لا يخفى على ~~الله منهم شيء، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. # وفي سورة الفاتحة # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. # والقراءة الأخرى # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. # في القراءتين معا إشعار بالفرق بين ملك الله وملك العباد، كالفرق بين ~~الملك المطلق والملك النسبي، إذ الملك النسبي لا يملك، والملك المطلق، ~~فهو الملك القدوس، والذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع الخلائق كلهم. # ومن كانت هذه صفاته، فهو المستحق لأن يعبد وحده سبحانه، ولا يشرك معه ~~أحد، وهذا هو شعار العبد في الركن الخامس من أركان الإسلام، حين يهل ~~بالتلبية: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. # قوله تعالى: { إله الناس }. # هذه هي المرتبة الثالثة في كمال العبودية، وإفراد الله تعالى بالألوهية. # وهذا هو محل الإحالة، التي عناها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ~~فيما يظهر، لأن العبد إذا أقر بأن الله تعالى ربه وخالقه، ومنعم عليه ~~أوجده من العدم، ورباه بالنعم، لا رب سواه، ثم تدرج بعلمه ويقينه إلى ms4281 ~~الإقرار بأن ربه هو مليكه والمتصرف في أمره وحده، وأنه لا يملك هو نفسه ~~مع الله شيئا، ولا يملك له أحد من الله شيئا. # وأن كل تصرفات العالم كله بأمره فلا يصل إليه خير إلا بإذنه، ولا يصرف ~~عنه ضرر إلا بأمره. # وعرف في يقين: أنه عبد مملوك لمن بيده ملكوت السماوات والأرض، توصل ~~بعلمه هذا أن من كانت هذه صفاته، كان هو وحده المستحق لإفراده بالعبادة ~~وبالألوهية، لا إله إلا هو. # فيكون في خاتمة المصحف الشريف انتزاع الإقرار من العبد لله سبحانه بطريق ~~الإلزام، بالمعنى الذي أرسل الله به رسله، وأنزل من أجله كتبه، وهو أن ~~يعبد الله وحده، وهو ما صرح الشيخ به في الإحالة السابقة. # وإذا كان الشيخ رحمه الله، قد نبه على مراعاة خاتمة المصحف، فإنا لو ~~رجعنا إلى أول المصحف وآخره لوجدنا ربطا بديعا، إذ تلك الصفات الثلاث ~~في سورة الناس موجودة في سورة الفاتحة، فاتفقت الخاتمة مع الفاتحة في هذا ~~المعنى العظيم، إذ في الفاتحة الحمد لله رب العالمين، وملك يوم الدين، ~~فجاءت صفة الربوبية والملك والألوهية في لفظ الجلالة. # وتكون الخاتمة الشريفة من باب عود على بدء، وأن القرآن كله فيما بين ذلك ~~شرح وبيان لتقدير هذا المعنى الكبير. # وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في النهاية، إن شاء الله تعالى. ### || [114.4] # كلاهما صيغة مبالغة من الوسوسة والخنس، بسكون النون. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان معنى الوسوسة، والوسواس ~~لغة وشرعا، أي المراد عند كلامه على قوله تعالى: # فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد # [طه: 120] الآية. # وبين مشتقاتهما وأصل اشتقاقهما، وهو يدور على أن الوسوسة: الحديث الخفي. ~~والخنس: التأخر، كما تكلم على ذك في دفع إيهام الاضطراب، حيث اجتمع ~~المعنيان المتنافيان. # لأن الوسواس: كثير الوسوسة، ليضل بها الناس. والخناس: كثير التأخر ~~والرجوع عن إضلال الناس. # وأجاب بأن لكل مقام مقالا، وأنه يوسوس عند غفلة العبد عن ذكر ربه، خانس ~~عند ذكر العبد ربه تعالى، كما دل عليه قوله تعالى: ms4282 # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]، إلى آخره. اه. ### || [114.5-6] # اختلف في الظرف هنا، هل هو ظرف للوسواس حينما يوسوس، فيكون موجودا في ~~الصدور، ويوسوس للقلب، أو هو ظرف للوسوسة. ويكون المراد بالصدور القلوب، ~~لكونها حالة في الصدور من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال على ما هو جار ~~في الأساليب البلاغية. # وعلى حد قوله تعالى: # فليدع ناديه # [العلق: 17]، أطلق النادي، وأراد من يحل فيه من القوم. # وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحث تعدية الوسوسة تارة بإلى ~~وتارة باللام، ففي سورة الأعراف # فوسوس لهما الشيطان # [الأعراف: 20]، وفي طه: # فوسوس إليه الشيطان # [طه: 120]. # وحاصل ما ذكره في الجمع بينهما أحد أمرين: إما أن حروف الجر ينوب بعضها ~~عن بعض، وذكر شواهده، وإما أن يكون وسوس له، أي لأجله ووسوس إليه أي أنهى ~~إليه الوسوسة، ولكن هنا قال: { في صدور الناس } ، ولم يقل: إلى ~~صدور الناس، فهل هو من باب نيابة حروف الجر بعضها عن بعض أيضا؟ أم هي ~~ظرف محض؟ # والظاهر أنها ظرف، ولكن هل هو الظرف للوسواس، أو ظرف للوسوسة نفسها؟ # وبالنظر إلى كلام المفسرين، فإن كلام ابن جرير يحتمل اعتبار المعنيين ~~بدون تعيين. # وأما القرطبي، والألوسي، فصرحا بما ظهر لهما ووصلا إليه. # فقال القرطبي: قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من مجرى الدم ~~في العروق سلطه الله على ذلك وذكر الحديث # " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه ". # وقال: إن أبا ثعلبة الخشني قال: سألت ربي أن يريني الشيطان، ومكانه من ~~ابن آدم، فرأيته يداه في يديه ورجلاه في رجليه ومشاعيه في جسده، غير أن ~~له خطما كخطم الكلب؟ فإذا ذكر الله خنس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ ~~بقلبه. # أما الألوسي فقد صرح بالتقسيم الذي أوردناه، فقال: الذي يوسوس في صدور ~~الناس. # قيل: أريد قلوبهم مجازا. # وقال بعضهم:إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو بمنزلة الدهليز، فيلقي منه ما ~~يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه، ولا مانع ms4283 عقلا من دخوله في جوف ~~إنسان. وساق الحديث أيضا # " إن الشيطان يجري " # إلى آخره. # ومراده بالمجاز ما قدمنا من إطلاق المحل وإرادة الحال. # وذكر ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، ~~فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس. # والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن الصدر ظرف للوسواس، وأنه يوقع الوسوسة ~~في القلب. على ما قاله ابن عباس ومجاهد رحمهم الله. # وفي لفظ الناس هنا المضاف إليه الصدور: اختلاف في المراد منه، فقيل: ~~الإنس الظاهر الاستعمال. # وقيل: الثقلان: الإنس والجن. # وإن إطلاق الناس على الجن مسموع، كما حكاه القرطبي. قال عن بعض العرب: # إنه كان يحدث فجاء قوم من الجن فوقفوا، فقيل: من أنتم: فقالوا: ناس من ~~الجن، وهذا معنى قول الفراء. # واستدل صاحب هذا القول بطريق القياس باستعمال لفظي رجال ونفر في قوله ~~تعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6]، وقوله: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن # [الأحقاف: 29]. # وعليه يكون الوسواس المستعاذ منه يوسوس في صدور الجن والإنس. # وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوجه: ولكنه رده وضعفه، لأن لفظ ~~الناس أظهر وأشهر في الإنس، وهو المعروف في استعمال القرآن، ولأنه على ~~هذا يكون قسم الشيء قسما منه، لأنه يجعل الناس قسيم الجن، ويجعل الجن ~~نوعا من الناس اه. ملخصا. # وعلى كل، فإن منهج الأضواء أن ما كان محتملا وكان أكثر استعمالات ~~القرآن لأحد الاحتمالين، فإن كثرة استعماله إياه مرجحا، وجميع استعمالات ~~القرآن للفظ الناس إنما هو في خصوص الإنس فقط، ولم تستعمل ولا مرة واحدة ~~في حق الجن مع مراعاة استعمالها في هذه السورة وحدها خمس مرات، حتى سميت ~~سورة الناس. # أما القياس على لفظتي رجل ونفر، فقد رده شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا ~~بأنهما وردا مقيدين رجال من الجن، نفرا من الجن. # أما على الإطلاق فلم يردا، وهكذا لفظ الناس فلا مانع من استعماله مقيدا ~~ناس من الجن. أما على الإطلاق فلا. # وعليه، فحيث ورد لفظ ms4284 الناس هنا مطلقا فلا يصح حمله على الجن والإنس ~~معا، بل يكون خاصا بالإنس فقط، ويكون في صدور الناس أي في صدور الإنس. # وقد ذكر أبو السعود معنى آخر في لفظ الناس: وهو أن الناسي عن النسيان، ~~حذفت الياء تخفيفا لأن الوسواس لا يوسوس إلا في حين النسيان والغفلة. # وعليه، يكون حذف الياء كحذفها من الداع في قوله: # يوم يدع الداع # [القمر: 6] ونحوه. # ولكن يبقى على هذا القول بيان من المراد بالناسي، أهو من الإنس أم من ~~الجن، فلم يخرج الاحتمالين السابقين، مع أن هذا القول من لوازم معنى ~~الوسواس الخناس. # ويرد على هذا القول جمع الصدور وإفراد الناس، والجمع لا يضاف إلى جمع، ~~أي جمع الصدور، لأن الفرد ليس له جمع من الصدور، فيقابل الجمع بجمع، أو ~~يكتفي بالمفرد بمفرد. # وقد جاء في إضافة الجمع إلى المثنى في قوله: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. # قال أبو حيان: وحسنه أن المثنى جمع في المعنى، والجمع في مثل هذا أكثر ~~استعمالا من المثنى والتثنية دون الجمع. # كما قال الشاعر: # فتخالسا نفسيهما بنوافذ # كنوافذ العيط التي لا ترفع # وهذا كان القياس وذلك أن المعبر عن المثنى بالمثنى، لكن كرهوا اجتماع ~~تثنيتين فعدلوا إلى الجمع بأن التثنية جمع في المعنى والإفراد، لا يجوز ~~عند أصحابنا إلا في الشعر. # كقوله: # حمامة بطن الواديين ترنمي # يريد بطني، وغلط ابن مالك في التسهيل إذ قال: ونختار الإفراد على لفظ ~~التثنية، فتراه غلط ابن مالك في اختياره جواز إضافة الجمع إلى المفرد، ~~كما أنه قال: ولا يجوز ذلك إلا في الشعر، وأنه مع المثنى لكراهية اجتماع ~~التثنيتين، فظهر بطلان قول أبي السعود. # أما الراجح في الوجهين في معنى الناس المتقدم ذكرهما. فهو الوجه الأول، ~~وهو أنهم الإنس، وأن قوله تعالى: { من الجنة والناس } ، بيان ~~لمن يقوم بالوسوسة، أي بيان للوسواس الخناس وأنه من كل من وسواس الجنة ~~ووسواس الناس. # ويظهر ذلك في أمور: # منها: أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته تبعا له فهو في حق ~~الناس ms4285 أظهر. # ومنها: أننا لو جعلنا الناس الأولى عامة لمن يوسوس إليه كان من الجنة، ~~والناس مصدر الوسوسة، فيكون من وسواس الناس من يوسوس في صدور الجن. وهذا ~~بعيد. # ومنها: أنه لو كان لفظ الناس يشمل الجن والإنس، لما احتيج إلى هذا ~~التقسيم الجنة والناس، واكتفى في الثانية بما اكتفى به في الأولى، وكان ~~يكون الذي يوسوس في صدور الناس، ولكن جاء بيان محل الوسوسة صدور الناس، ~~ثم جاء مصدر الوسوسة الجنة والناس، والله تعالى أعلم. # تنبيه # ذكر أبو حيان في آخر تفسيره مقارنة لطيفة بين سورتي المعوذتين، فقال: ~~ولما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، ~~جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث، الرب، والملك، والإله، وإن ~~اتحد المطلوب. # وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق، والنفاثات، والحاسد، بصفة واحدة وهي ~~الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه. # وهذه الأخرى لفتة كريمة، طالما كنت تطلعت إليها في وجهتي نظر، إحداهما: ~~بين السورتين، والأخرى بين سورة الناس ونسق المصحف الشريف، سيأتي ~~إيرادهما إن شاء الله. # إلا أنه على وجهة نظر أبي حيان، وهي أنه تعالى في سورة الفلق جاء في ~~الاستعاذة بصفة واحدة وهي رب الفلق. # وفي سورة الناس جاء في الاستعاذة بثلاث صفات، مع أن المستعاذ منه في ~~الأولى ثلاثة أمور، والمستعاذ منه في الثانية أمر واحد، فلخطر الأمر ~~الواحد جاءت الصفات الثلاث. # ويقال أيضا من جهة أخرى: إن المستعاذ منه في السورة الأولى أمور تأتي ~~من خارج الإنسان، وتأتيه اعتداء عليه من غيره، وقد تكون شرورا ظاهرة، ~~ومثل ذلك قد يمكن التحرز منه أو اتقاؤه قبل وقوعه، وتجنبه إذا علم به. ~~بينما الشر الواحد في الثانية يأتيه من داخليته وقد تكون هواجس النفس وما ~~لا يقدر على دفعه، إذ الشيطان يرانا ولا نراه، كما في قوله: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # [الأعراف: 27]. # وقد يثر عليه خلجات نفسه ونوازع فكره، فلا يجد له خلاصا إلا بالاستعاذة ~~واللجوء إلى رب الناس ملك الناس إله الناس. # أما ms4286 الوجهتان اللتان نوهنا عنهما، فالأولى بين السورتين وهي مما أورده ~~أبو حيان: إذ في سورة الفلق قال: # قل أعوذ برب الفلق # [الفلق: 1]، ورب الفلق تعادل قوله: # رب العالمين # [الفاتحة: 2]. # لأنه ما من موجود في هذا الكون إلا وهو مفلوق عن غيره. # ففي الزرع: # فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95]. # وفي الزمن: # فالق الإصباح # [الأنعام: 96]. # وفي الحيوانات: # الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ~~وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]. # وفي الجمادات يشير إلى قوله تعالى: # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من المآء كل ~~شيء حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي ~~أن تميد بهم # [الأنبياء: 30-31]. # فرب الفلق تعادل رب العالمين، فقابلها في الاستعاذة بعموم المستعاذ منه، ~~من شر ما خلق. # ثم جاء ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به، وهو من شر غاسق إذا وقب، ~~والنفاثات في العقد، وحاسد إذا حسد. # فالمستعاذ به صفة واحدة، والمستعاذ منه عموم ما خلق جملة وتفصيلا، ~~بينما في السورة الثانية جاء بالمستعاذ به ثلاث صفات العظمة لله تعالى: ~~الرب والملك والإله. # فقابل المستعاذ منه وهو شيء واحد فقط، وهو الوسواس الخناس، وهذا يدل على ~~شدة خطورة المستعاذ منه. # وهو كذلك، لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل ~~شر عاجلا أو آجلا، لوجدناه بسبب الوسواس الخناس. وهو مرتبط بتاريخ وجود ~~الإنسان. # وأول جناية وقعت على الإنسان الأول، إنما هي من هذا الوسواس الخناس، ~~وذلك أن الله تعالى لما كرم آدم، فخلقه بيده وأسجد الملائكة له وأسكنه ~~الجنة هو وزوجه لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، يأكلان ~~منها رغدا حيث ما شاءا، إلا من الشجرة الممنوعة، فوسوس إليهما الشيطان ~~حتى أكلا منها ودلاهما بغرور، حتى أهبطوا منها جميعا بعضهم لبعض عدو. # وبعد سكناهما الأرض أتى ابنيهما قابيل وهابيل فلاحقهما أيضا بالوسوسة، ~~حتى طوعت نفس أحدهما قتل أخيه فأصبح من النادمين. # وهكذا بسائر الإنسان في حياته بالوسوسة حتى يربكه في الدنيا، ويهلكه في ms4287 ~~الآخرة، ولقد اتخذ من المرأة جسرا لكل ما يريد. وها هو يعيد الكرة في ~~نزع اللباس عن أبوينا في الجنة، فينتزعه عنهما في ظل بيت الله الحرام في ~~طوافهم قبل البعثة ولا يزال يغويه، وعن طريق المرأة في كل زمان ومكان ~~ليخرجه عن الاستقامة كما أخرج أبويه من الجنة. # ولا يزال يجلب على الإنسان بخيله ورجله بارا بقسمه بين يدي الله بعزته ~~ليغوينهم أجمعين. # وإن أخطر أبواب الفساد في المجتمعات لهي عن المال أو الدم أو العرض، كما ~~في الحديث في حجة الوداع: # " أن إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا " # إلى آخره. # وهل وجدت جناية على واحد منها، إلا من تأثير الوسواس الخناس. اللهم ~~لا. # وهكذا في الآخرة. # وقد بين تعالى الموقف جليا في مقالة الشيطان البليغة الصريحة: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل # [إبراهيم: 22] الآية. # ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان، هو الشك ولا طريق إليه ~~إلا بالوسوسة، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي ~~دنياهم، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه، ويشككهم في ~~قدرتهم على التقدم والاستغلال الحقيقي، بل وفي استطاعتهم على الإبداع ~~والاختراع، ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه، فيبقى المسلمون يدورون في حلقة ~~مفرغة، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى. # والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبدا، بل ما يبنيه اليوم يهدمه ~~غدا، وقد أعلن عن هذه النتيجة الخطيرة رئيس مؤتمر المستشرقين في الشرق ~~الأوسط، منذ أكثر من ثلاثين عاما، حينما انعقد المؤتمر في [بيروت] لعرض ~~نتائج أعمالهم ودراسة وأساليب تبشيرهم. # فتشكى المؤتمرون من أن لهم زهاء أربعين سنة من عملهم المتواصل، ولم ~~يستطيعوا أن ينصروا مسلما، واحدا، فقال رئيس المؤتمر إذا لم نستطع أن ~~ننصر مسلما، ولكن استطعنا أن نوجد ذبذبة في الرأي، ms4288 فقد نجحنا في ~~عملنا. # وهكذا منهج العدو، تشكيك في قضايا الإسلام ليوجد ذبذبة في عقيدة ~~المسلمين، فعن طريق الميراث تارة، وعن طريق تعدد الزوجات أخرى، وعن دوافع ~~القتال، وعن استرقاق الرقيق، وعن وعن. # حتى وجد من أبناء المسلمين من يتخطى حدود الشك إلى التصديق، وأخذ يدعو ~~إلى ما يدعو إليه العدو، وما ذاك كله إلا حصاد ونتائج الوسواس الخناس. # فلا غرو إذا أن تجمع الصفات الجليلة الثلاث: رب الناس، ملك الناس، إله ~~الناس.هذه وجهة النظر الأولى بين سورتي الفلق والناس. # أما الوجهة الثانية وهي بين سورة الناس ونسق المصحف الشريف، بقوله ~~تعالى: # الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك ~~يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم # [الفاتحة: 2-7]. # وفي هذه البداية الكريمة بث الطمأنينة في القلب المعبر عنها بالحمد، ~~عنوان الرضى والسعادة والإقرار لله بالربوبية، ثم الإيمان بالبعث ~~والإقرار لله بملك يوم الدين، ثم الالتزام بالعبادة لله وحده والالتجاء ~~إليه مستعينا به، مستهديا الصراط المستقيم، سائلا صحبة الذين أنعم ~~عليهم. # ثم يأتي بعدها مباشرة في أول سورة البقرة # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 2]، أي أن الهدى الذي تنشده إلى الصراط المستقيم، فهو في هذا ~~الكتاب لا ريب فيه، ثم بين المتقين الذي أنعم الله عليهم بقوله: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بمآ أنزل ~~إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة: 3-4]. # ومرة أخرى للتأكيد: أولئك لا سواهم على هدى من ربك وأولئك هم المفلحون. # ثم تترسل السورة في تقسيم الناس إلى الأقسام الثلاثة: مؤمنين وكافرين ~~ومذبذبين بين بين وهم المنافقون. # ثم يأتي النداء الصريح وهو أول نداء في المصحف لعموم الناس # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21]، ويقيم البراهين على استحقاقه للعبادة وعلى إمكان البعث ~~بقوله: # الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل ~~من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ms4289 تعلمون # [البقرة: 21-22]. # وبعد تقرير الأصل وهي العقيدة، تمضي السورة في ذكر فروع الإسلام، فتشتمل ~~على أركان الإسلام كلها وعلى كثير من مسائل المعاملات والجهاد، وقل من ~~أبواب الفقه إلا وله ذكر في هذه السورة، ويأتي ما بعدها مبينا لما أجمل ~~فيها أو لما يذكر ضمنها. # وهكذا حتى ينتهي القرآن بكمال الشريعة وتمام الدين. # ولما جاء في وصف المتقين المهتدين في أول المصحف، أنهم يؤمنون بالغيب ~~ومنه الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، أمور الغيب ~~تستلزم اليقين، لترتب الجزاء عليه ثوابا أو عقابا. # والثواب: والعقاب هما نتيجة الفعل والترك. # والفعل والترك: هما مناط التكليف، لأن الإنسان يمتثل الأمر رجاء الثواب، ~~ويكف عن متعلق النهي مخافة العقاب. # فلكأن نسق المصحف يشير إلى ضرورة ما يجب الانتباه إليه، من أن القرآن ~~بدأ بالحمد ثناء على الله بما أنعم على الإنسان بإنزاله، وإرسال الرسول ~~صاحبه به، ثم نقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وهو الأعظم قدرا ~~وخطرا، ثم رسم له الطريق الذي سلكه المهتدون أهل الإنعام والرضى، ثم ~~أوقفه عليه ليسلك سبيلهم. # وهكذا إلى أن جاء به بعد كمال البيان والإرشاد والهداية، جاء به إلى ~~نهاية هذا الصراط المستقيم، فاستوقفه ليقول له إذا اطمأننت لهذا الدين، ~~وآمنت بالله رب العالمين، واعتقدت مجيء يوم الدين، وعرفت طريق المهتدين ~~ورأيت أقسام الناس الثلاث مؤمنين وكافرين ومنافقين، ونهاية كل منهم، ~~فالزم هذا الكتاب، وسر على هذا الصراط ورافق أهل الإنعام، وجانب المغضوب ~~عليهم والضالين، واحذر من مسلك المنافقين المتشككين، وحاذر كل الحذر من ~~موجب ذلك كله، وهو الوسواس الخناس، أن يشكك في متعلقات الإيمان، أو في ~~استواء طريقك واستقامته أو في عصمة كتابك وكماله، وكن على يقين مما أنت ~~عليه، ولا تنس خطره على أبويك من قبل، إذ هما في الجنة دار السلام ولم ~~يسلما منه، ودلالهما بغرور فحاذر منه ولذ بي كلما ألم بك أو مسك ~~طائف منه، وكن كسلفك الصالح إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون. # وقد ms4290 علمت عداوته لك من بعد، وعداوته ناشئة عن الحسد. # ولكأن ارتباط السورتين ليشير إلى منشأ تلك العداوة وارتباطها بها ~~التحذير، إذ في الأولى: ومن شر حاسد إذا حسد، فحسد الشيطان آدم على إكرام ~~الله إياه كما أسلفنا. # والعدو الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن المحسود، ولئن كانت توبة آدم ~~هي سبيل نجاته، كما في قوله تعالى: # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه # [البقرة: 37]. # فنجاتك أيضا في كلمات تستعيذ بها من عدوك: برب الناس ملك الناس إله ~~الناس، لأن الرب هو الذي يرحم عباده، وملك الناس هو الذي يحميهم ويحفظهم ~~ويحرسهم. وإله الناس الذي يتألهون إليه ويتضرعون ويلوذون به سبحانه. # تنبيه # إذا كان هذا كله خطر الوسواس الخناس من الجنة والناس، وهما عدو مشترك ~~ومتربص حاقد حاسد، فما طريق النجاة منه؟ # الذي يظهر، والله تعالى أعلم: أن طريق النجاة تعتمد على أمرين: # الأول: يؤخذ من عمومات الكتاب والسنة. # والثاني: سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه. # أما الأول فهو: إذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد، فإن ~~عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد كما في قوله: # فإذا عزمت فتوكل على الله # [آل عمران: 159]، وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]. # وقال: صلى الله عليه وسلم: # " دع ما يريبك إلا ما لا يريبك ". # والقاعدة الفقيهة # " اليقين لا يرفع بشك ". # والحديث: # " يأتي الشيطان لأحدكم وهو في الصلاة فينفخ في مقعدته، فيتخيل إليه أنه ~~أحدث ولم يحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا ". # ومن هنا كانت التكاليف كلها على اليقين، فالعقائد لا بد فيها من اليقين. # والفروع في العبادات لا بد فيها من النية # " إنما الأعمال بالنيات ". # والشرط في النية الجزم واليقين، فلو نوى الصلاة على أنه إن حضر فلان ~~تركها، لا تنعقد نيته، ولو نوى صوما أنه إن شاء أفطر، لا ينعقد صومه. # ونص مالك في الموطإ، أنه نوى ليوم الشك في ليلته الصوم غدا، على أنه ms4291 إن ~~صح من رمضان فهو لرمضان، وإلا فهو نافلة، لا ينعقد صومه لا فرضا ولا ~~نفلا حتى لو جاء رمضان لا يعتبر له منه، وعليه قضاؤه لعدم الجزم بالنية. # والحج: لو نواه لزمه ولزمه المضي فيه، ولا يملك الخروج منه باختياره. # وهكذا المعاملات في جميع العقود مبناها على الجزم حتى في المزح واللعب، ~~يؤاخذ في البعض كالنكاح والطلاق والعتاق. # فمن هذا كله، كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما يقضي على ~~نوازع الشك والتردد، ولم يبق في قلب المؤمن جال لشك ولا محل لوسوسة. # وقد كان الشيطان يفر من طريق عمر رضي الله عنه. # أما الذي كنت سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه فقوله: لقد ~~علمنا الله كيفية اتقاء العدو من الإنس ومن الجن. # أما العدو من الإنس ففي قوله تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم # [فصلت: 34]. # فدل على أن مقابلة إساءة العدو بالإحسان إليه تذهب عداوته، وتكسب ~~صداقته، كما قال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } السيئة. # وأما عدو الجن ففي قوله تعالى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع العليم # [فصلت: 36]. # وهو ما يدل عليه ما تقدم من الآثار من أن الشيطان يخنس إذا سمع ذكر ~~الله. # وعلى قوله رحمه الله: فإن شيطان الجن يندفع بالاستعاذة منه بالله، ~~ويكفيه ذلك، لأن كيد الشيطان كان ضعيفا. # أما شيطان الإنس فهو في حاجة إلى مصانعة ومدافعة والصبر عليه، كما يرشد ~~إليه قوله تعالى: # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # [فصلت: 35]. # رزقنا الله تعالى وجميع المسلمين حظا عظيما في الدنيا والآخرة، إنه ~~المسؤول، وخير مأمول. # روى ابن كثير حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " كان يتعوذ من أعين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما ~~وترك ما سواهما " رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن ~~صحيح. # وروي # " عن عبد الله الأسلمي، أن ms4292 رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على ~~صدره ثم قال: " قل ": فلم أدر ما أقول. # ثم قال لي: " قل ". فقلت: هو الله أحد، ثم قال لي: قل. قلت: أعوذ برب ~~الفلق من شر ما خلق حتى فرغت منها، ثم قال لي قل. قلت: أعوذ برب الناس ~~حتى فرغت منها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هكذا فتعوذ. وما ~~تعوذ المتعوذون بمثلهن قط " ". # والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على أفضل خلقه وأكرمهم عليه، ~~من اصطفاه لرسالته وشرفنا ببعثته، وختم به رسله وكرمنا به وهدانا ~~لاتباعه، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم ~~الدين، وعلينا معهم أجمعين. إنه سميع مجيب. ms4293