######OpenITI# #META# bkid: 133368 #META# bk: تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة #META# المؤلف: محمد الطاهر ابن عاشور #META# الناشر: (دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس)، (دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة - مصر) #META# الطبعة: الثانية، 1429 هـ - 2008 م #META# عدد الصفحات: 179 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن عاشور #META# authinf: ابن عاشُور (1296 - 1393 هـ = 1879 - 1973 م). محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس. مولده ووفاته ودراسته بها. عين (عام 1932) شيخا للإسلام مالكيا. وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. له مصنفات مطبوعة، من أشهرها:. • (مقاصد الشريعة الإسلامية). • (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام). • (التحرير والتنوير) في تفسير القرآن، صدر منه عشرة أجزاء [اكتمل]. • (الوقف وآثاره في الإسلام). • (أصول الإنشاء والخطابة). • (موجز البلاغة). • ومما عني بتحقيقه ونشره (ديوان بشار بن برد) أربعة أجزاء. • وكتب كثيرا في المجلات. وهو والد محمد الفاضل الآتية ترجمته (1). __________. (1) الأزهرية 7: 198 ونموذج 457 والدراسة 3: 57 ووردت فيها وفاته سنة 1970 م، خطأ وهي وفاة ابنه محمد الفاضل. وانظر مجلة المنهل 39: 792. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [مع إضافة بين معقوفين] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 133368 #META# over: 1 #META# seal: D8906968 #META# oauth: 77 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# cat: بحوث ومسائل #META# lng: محمد الطاهر بن عاشور #META# higrid: 1393 #META# ad: 1393 #META# aseal: A8200EDF #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/133368 #META#Header#End# # تحقيقات وأنظار # في القرآن والسنة # تأليف # فضيلة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور PageV01P001 ### | AUTO تمهيد ### || AUTO تنبيه ونصيحة # إن واجب النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما يحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم قضى علي أن أنبه إخواننا إلى خطر أمر تفسير كتاب ~~الله والقول فيه دون مستند من نقل صحيح عن أساطين المفسرين، أو من إبداء ~~تفسير أو تأويل من قائله إلا إذا كان القائل قد توفرت فيه شروط المفسر من ~~الضلاعة في علوم الشريعة وعلوم العربية ولا سيما علمي المعاني والبيان ~~اللذين بدونهما لا يأمن المرء من تكرر الخطأ في فهم معاني القرآن فيضل ~~المقدم على ذلك ويضل غيره، وقد قال العلامة الزمخشري في خطبة الكشاف: «إن ~~أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ... علم ~~التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم. # فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز ~~أهل الدنيا في صناعة الكلام ... والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي ~~وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص ~~على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: ~~علم المعاني، وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما ~~أزمنة، بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ، جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ، ~~كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زمانا ورجع إليه ورد عليه فارسا في ~~علم الإعراب، مقدما في جملة الكتاب (يعني كتاب سيبويه) وكان مع ذلك مسترسل ~~الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس، دراكا للمحة وإن لطف ~~شأنها، منبها على الرمزة وإن خفي مكانها) ا. ه. # وقال العلامة السكاكي في المفتاح: «وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف ~~على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقر إلى هذين العملين المعاني ~~والبيان أشد الافتقار، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل» ~~ا. ه. PageV01P007 # وقد ذكر القرطبي في ms001 مقدمة التفسير: «إن من فسر شيئا من القرآن بدون مستند ~~من نقل صحيح أو دليل اقتضته قوانين العلم؛ كالنحو، والأصول، والبلاغة فهو ~~متبع لهواه ورأيه المجرد، واقع في الوعيد الوارد فيمن فسر القرآن بهواه ~~ورأيه». # وبرغم هذا ونحوه قد رأينا تهافت كثير من الناس على الخوض في تفسير آيات ~~من القرآن. فمنهم من يتصدى لبيان معاني الآيات على طريقة كتب التفسير، ~~ومنهم من يضع الآية ثم يركض في مجالات من أساليب المقالات تاركا معنى الآية ~~جانبا، جالبا من معاني الدعوة والموعظة ما كان جالبا، وقد دلت شواهد الحال ~~على ضعف كفاءة البعض لهذا العمل العلمي الجليل، فيجب على العاقل أن يعرف ~~قدره، وأن لا يتعدى طوره، وأن يرد الأشياء إلى أربابها، ويأتي البيوت من ~~أبوابها. وعلى من لا يأنس من نفسه الكفاءة وهو يرغب في إفادة العموم بمعاني ~~القرآن أن يقتصر على نقل كلام المفسرين في التفاسير المشتهرة عازيا ذلك إلى ~~مواقعه مع التحفظ على عباراته. وفي الناس طبقة ترتقي كفاءتها إلى درجة ~~تخولها التصرف في جمع كلام المفسرين وترتيبه واختصاره. والواجب على كل راغب ~~في التحلي بذلك أن يدقق النظر في ميزان نفسه ليقف عند الحد الذي يثق به ~~عندها حتى لا يختلط الخاثر بالزباد، ولا يكون كحاطب في حالك سواد، وبذلك ~~تحصل الفائدة والاستبراء للدين والعرض. وإن سكوت العلماء على زيادة في ~~الورطة، وإفحاش لأهل هذه الغلطة، فمن يركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء، فحق ~~على أساطين العلم تقويم اعوجاجه، وتمييز حلوه من أجابه، تحذيرا للمطالع، ~~وتنزيلا في البرج والطالع. # محمد الطاهر ابن عاشور # * * * PageV01P008 # تحقيقات وأنظار # في القرآن والسنة ### | AUTO القسم الأول # في القرآن PageV01P009 ### || AUTO {الرحمن على العرش استوى} # «كتب إلي أحد الفضلاء من بلد طولقة من عمالة قسنطينة يسألني عن قوله ~~تعالى في سورة طه: ### || AUTO {الرحمن على العرش استوى} # [طه: 5]، وذكر أنه عجز عن فهم المراد منها وأنه تطلب كشف الإشكال فلم ~~يحظ بكشفه، ولما رأيت من حذقه وسمو همته أحببت أن أتحفه بتفسير هذه الآية ms002 ~~على وجه أرجو أن يزيل إشكاله ويزيد على مثل هذا اللمم الشريف إقباله. # هذه الآية تندرج تحت القسم الثاني من أقسام المتشابه العشرة التي تعرضت ~~لتأصيلها وفرعتها في تفسير سورة آل عمران ونشرت خلاصة ما كتبته فيها في ~~مجلة الهداية الإسلامية في (ج 12) من المجلد (2) لسنة (1348 ه) وحاصله أن ~~هذا القسم هو من المتشابه الذي نشأ التشابه فيه من القصد إلى إعلام الأمة ~~بمعان من شؤون عظمة الله تعالى تعين إيرادها مجملة لتعظيم وقعها في نفوس ~~السامعين حتى يستحضر كل لب مقدارا من مدلولها على مقدار تفاوت القرائح ~~والأفهام مع الاعتماد على إيمان المخاطبين بها أن لا يحملوها على ما يظهر ~~بادئ الرأي من معان لا تليق بجلال الله تعالى، وهذه الآية ونحوها كقوله ~~تعالى في سورة الأعراف: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54، يونس: 3، ~~الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4]، لكونها من المتشابه كانت ~~طرائق علماء الإسلام في الكلام عليها مختلفة متفاوتة. # فأما السلف من الصحابة فلم يخض منهم فيه سائل ولا مسؤول، ولا تطلبوا ~~بيانه من الرسول، وتلك سنتهم في أمثالها حين كانت عقائد الأمة سالمة من ~~الدغل، وحين كان معظم انصرافها إلى حسن العمل، ثم حدث التشوف إلى الغوص على ~~المعاني في عصر التابعين، وربما ظنت بكذابهم أسئلة السائلين، فأخذوا يسدون ~~باب الخوض في مثل هذا، ويبتعدون عنه لواذا، وألحقوه بالمتشابه فقضوا ~~بالإمساك عن تأويله، ويقولون آمنا به، ويتأولون لطريقتهم بقوله تعالى: {وما ~~يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7]، ثم بقوله: {والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7]؛ ولذلك نقل عن جماعة منهم ~~أنهم قالوا في آيات المتشابه: «نمرها PageV01P011 # إمرارا كما جاءت بلا كيف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل». # ودرج على ذلك معظم أئمة العصر الذي بعد عصر التابعين مثل: مالك، وأبي ~~حنيفة، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة ومن تبع ~~طريقتهم من أصحابهم والطبقة التي تليهم مثل: الشافعي، وعبد الله بن ~~المبارك، وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد شيخ ms003 البخاري، وأحمد بن حنبل، ~~والبخاري. # وقد سئل مالك رحمه الله عن هذه الآية، فقال للسائل: «الاستواء معلوم، ~~والكيفية مجهولة، وفي رواية: (الكيف غير معقول)، والإيمان به واجب، والسؤال ~~عنه بدعة، وأظنك رجل سوء أخرجوه عني». وعن سفيان الثوري أنه سئل عن الآية، ~~فقال: «فعل فعلا في العرش سماه استواء». ثم طلع الشك بقرنه في نفوس من لم ~~يزنوا الإيمان حق وزنه، فاضطر المتكلمون من أئمة الإسلام فيما اضطروا إليه ~~من تبيين حقائق الصفات وتعلقاتها، إلى أن يخوضوا في الآيات وتأويل ~~متشابهاتها؛ إقناعا للمرتاب وإقماعا لمن جاء يفتح لإلحاده الباب. ولم يروا ~~عملهم هذا مخالفا لما درج عليه السلف ولكنهم رأوا السلف سلكوا التأويل ~~بإجمال، ورأوا أنفسهم في حاجة إلى تفصيل التأويل ورأوا أن كلتا الطريقتين ~~تأويل. وفسروا قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} ~~[آل عمران: 7]، بمعنى عطف قوله: {والراسخون} على اسم الجلالة. ولقد أبدع ~~إمام الحرمين في بيان وجه عدم الإمساك عن تفصيل التأويل؛ إذ قال: «إن كل ~~مؤمن مجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في الكلام العربي فإذا فعل ~~ذلك فهو قد فسر لا محالة (يعني حيث لم يحمل اللفظ على ظاهر معناه) فلا ~~فائدة في تأخيره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في تأخره عن ذلك إلباس على ~~الناس وإيهام للعوام، وقال الغزالي: «لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين ~~شبهة لا ترتفع إلا به» ا. ه. وتسمى هذه الطريقة طريقة الخلف وهي الطريقة ~~المثلى المناسبة لما عدا القرون الثلاثة الأولى، ومن ثم قال بعض العلماء: ~~«طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم». # ومعنى هذا الكلام فيما أفهم أنا: أن السلف أرشدوا إلى تطلب السلامة من ~~الخوض في مثله خشية قصور الأفهام والتورط في الشك، فلما لم ينصع الناس إلى ~~نصحهم وأبوا إلا السؤال وإدخال الشك تعين سلوك طريقة الخلف فهي أعلم، أي: ~~أدخل في العلم، أي: أكثر علما؛ لأن بيان التأويل وتفصيله يكثر فيه الاحتياج ~~إلى الاستدلال بالعلم والقواعد. PageV01P012 # وكلتا الطريقتين طريقة ms004 هدي يسع المسلم سلوكها. قال ابن السبكي في خاتمة ~~جمع الجوامع: «وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر المعنى، وننزه ~~عند سماع المشكل. ثم اختلف أئمتنا أنؤول أم نفوض منزهين مع اتفاقهم على أن ~~جهلنا بتفصيله لا يقدح». # فعلى طريقة الخلف تأولوا قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ~~بتأويلات ثلاثة: التأويل الأول: قال جمهور الأشاعرة وفي مقدمتهم إمام ~~الحرمين: إن معنى الاستواء القهر والغلبة والاستيلاء، كما في قول الأخطل: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وقول الآخر: # فلما علونا واستوينا عليهم ... جعلناهم مرعى لنسر وطائر # وهذا هو التأويل الشائع بين طلبة العلم. وعندي أن معناه ضعيف؛ إذ لا ~~مناسبة لأن تستعمل غلبة العرش في معنى عظمة الله تعالى؛ إذ ليس العرش ~~بمتوهم فيه خالقية ولا تعاص حتى يعبر بغلبته عن عظمة الغالب وعلى هذا ~~التأويل. فالمراد بالعرش: العرش الذي هو من عالم السماوات. # التأويل الثاني: للإمام الرازي قال: الاستواء الاقتدار، وزعم أنه أحسن ~~تأويل. والحق عندي أنه تأويل ضعيف؛ إذ لا كبير معنى للاقتدار هنا، والمراد ~~بالعرش على هذا مثل المراد به على التأويل الأول. # التأويل الثالث: قال صاحب الكشاف: «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير ~~الملك (بكسر اللام) يرادف الملك (بضم الميم وسكون اللام) عرفا (أي: يلازم ~~وصف الملك جعله العرب كناية عن الملك (بضم الميم)، فقالوا: استوى فلان على ~~العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير ألبتة» ا. ه، «يريد أن ذلك من ~~الكناية باللازم المتعارف عن الملزوم، ومعلوم أن اللفظ المستعمل كناية عن ~~لازم معناه لا يلزم فيه صحة إرادة الملزوم؛ فلذلك زاد صاحب الكشاف قوله: ~~«وإن لم يقعد على السرير ألبتة»، فالمراد بالاستواء فيه هو معنى الجلوس، ~~والمراد بالعرش PageV01P013 # كرسي الملك فحصلت الكناية بذلك عن الملك ولا استواء ولا عرش. # ويظهر لي تأويل رابع، وميزانه في سورة الحق ماتع، وهو أن قوله تعالى: ~~{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5]، مركب دال على هيئة جلوس الملك على ~~العرش، وتلك ms005 هيئة عظيمة في عقول السامعين فقد عرف العرب ملوك الفرس وملوك ~~الروم وتبابعة اليمن ودخلت وفودهم إليهم، وتحدثوا بعظمتهم في سوامرهم ~~ونواديهم حتى تقرر في أذهان أهل الصناعة اللسانية منهم ما لهؤلاء الملوك ~~عند جلوسهم على عرضهم من العظمة المفرطة والجلالة البالغة، فجاء في هذه ~~الآية تشبيه عظمة الله تعالى التي لا تصل العقول إلى كنه هيئتها، بهيئة ~~عظمة هؤلاء الملوك تشبيها مقصودا به التقريب وهو من تشبيه المعقول ~~بالمحسوس، واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها في معنى الهيئة ~~المشبهة استعمال الاستعارة التمثيلية. وقد تقرر في علم البيان أن التمثيل ~~هو أعلى أنواع الاستعارة؛ لابتنائه على التشبيه المركب الذي هو أبدع من ~~التشبيه البسيط وقد نشأت عنه أمثال العرب كما هو مقرر، وعلى هذا الوجه ~~فالمراد بالاستواء وبالعرش مثل المراد به في التأويل الثالث، وإنما ترجح ~~عندي كون الآية استعارة تمثيلية وليست بكناية وإن كانت الكناية تجيء ~~بالمركب نحو قول زياد الأعجم: # إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج # لوجهين: أحدهما: اعتبار رشاقة المعنى فإن الكناية تنبني على صحة إرادة ~~المعنى الصريح وذلك أصل الفرق بينها وبين المجاز المرسل الذي علاقته ~~اللزوم، فقولهم: طويل النجاد، لا يفهم منه السامع إلا أن له نجادا طويلا، ~~وأن ذلك يلزمه طول القامة، وأن المتكلم ما أراد إلا الإخبار عن طول القامة، ~~فالسامع يظن أنه طويل النجاد حقيقة، وكذلك جبان الكلب، ومهزول الفصيل، ألا ~~ترى أن قول عنترة: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # لا يفهم منه السامع إلا أن الشاعر شبك بالرمح جسدا لعلمه بأنه لا يشك ~~ثيابه بالرمح لقصده تخريق ثيابه، بل إنما أراد أنه شك جسده، ولما كان شك ~~الجسد لا يكون إلا مع شك الثياب صح التكني عنه بشك الثياب والمقصود شك ~~الجسد، أي: طعنه، وهنا لا يحصل المعنى الكنائي إلا مع المعنى الأصلي، وقد ~~يكون المتحدث عنه لا نجاد له ولا كلب له ولا فصيل إلا أن ذلك أمر قلما ~~يعلمه السامع. ms006 PageV01P014 # وأما الآية فلا يصح فيها إرادة المعنى الأصلي لما هو معلوم لكل مؤمن من ~~استحالة جلوس الرحمن على العرش فلا يصح التكني به عن معنى الملك المقصود من ~~الآية. ولا يغني عن ذلك قول صاحب الكشاف: «وإن كان لم يقعد على السرير ~~ألبتة»؛ لأن الذي نظر به تجوز فيه إرادة المعنى الأصلي والآية لا يجوز فيها ~~ذلك، فكيف يصح في الآية الانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى الكنائي مع ~~أن المنتقل منه لا يستقر فيه الذهن فضلا على أن ينتقل منه، فلزم سلوك طريقة ~~الاستعارة التمثيلية، ونظير الآية قول أبي تمام: # من شاعر وقف الكلام ببابه ... واكتن في كنفي ذراه المنطق # فقوله: وقف الكلام ببابه، ليس كناية عن ملازمة صنعة الكلام لهذا الشاعر، ~~بل هو تمثيل لتسخير الكلام حتى صارت هيئة مقدرته على الكلام الذي يريده ~~تشبه هيئة تسخير عبد واقف ببابه لخدمته يتوجه أينما وجهه، أو هيئة عاف واقف ~~ببابه لطلب معروفه، وكذلك قوله: واكتن في كنفي ذراه المنطق، لظهور أن ~~الشاعر لم يثبت لنفسه ذرى يسكنها المنطق، بخلاف بيت زياد الأعجم فإن ~~المروءة والسماحة والندى مشتمل عليها ابن الحشرج فتكون قبة ابن الحشرج ~~مشتملة على السماحة والمروءة والندى لاشتمالها على الموصوف بها. # الوجه الثاني: بقاء لفظ الاستواء ولفظ العرش لمعنييهما الحقيقيين؛ لأن ~~المركب في الاستعارة التمثيلية ليس فيها إطلاق مفرداته على غير ما وضعت له ~~بل مفرداته باقية في معانيها، وإنما الاستعارة في مجموع المركب. وهذا الوجه ~~أحسن تأويلا، وأقوم قيلا، وأوضح حجة ودليلا. # * * * PageV01P015 ### || AUTO تفسير آية التغابن # سألني عالم فاضل صديق، اعتاد تأنيسي بزيارته، عن تفسير قوله تعالى: {يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9]، وما وجه تسمية يوم ~~القيامة في هذه الآية بيوم التغابن غير منثلج لما قاله بعض المفسرين في وجه ~~هذه التسمية من أن التغابن هو أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وذكر أنه ~~راجع تفاسير كثيرة فلم يجد فيها ما يقنعه، وحاورني في ذلك محاورة هزت من ~~عطفي إلى أن أفصح في ms007 تفسير هذه الآية بما عسى أن يكون فيه مقنع، واللبيب ~~يتبع أحسن القول ويسمع، ذهب الجمهور: إلى أن سورة التغابن مكية إلا الآيات ~~الأخيرة من آخرها التي أولها {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم} [التغابن: 14] الآيات، وأحسب أن هذه الآيات هي التي بعثت ~~القائلين بأن السورة مدنية، إذن نعلم أن المقصود من الخطاب بالآية هم أهل ~~مكة ابتداء وهم قريش؛ ولذلك جاء فيها: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل ~~بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ~~ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم ~~الجمع ذلك يوم التغابن} [التغابن 7 - 9]، وقد قال أئمة من المفسرين: إن ~~عادة القرآن أنه يريد بالذين كفروا متى ذكر في القرآن المشركين من قريش، ~~وقوله {قل بلى} كلمة (بلى) فيه إبطال للنفي الواقع في قوله: {لن يبعثوا}، ~~فإنها حرف يفيد عكس معنى (نعم) ويقع بعد النفي في الاستفهام وفي الخبر، ~~وقوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} [التغابن: 9]، ظرف متعلق بقوله: {لتنبؤن ~~بما عملتم} ويجوز أن يتعلق بقوله: {لتبعثن} باعتبار عطف قوله: {ثم لتنبؤن} ~~عليه، أي: يبعثكم فينبؤكم يوم يجمعكم ليوم الجمع؛ لأن البعث حاصل قبل ~~الجمع، وقوله: {فآمنوا بالله ورسوله} [التغابن: 7] ... إلخ، جملة معترضة ~~بين الفعل والظرف، و {ليوم الجمع} يوم القيامة، وقوله: {ذلك يوم التغابن} ~~جاء فيه اسم الإشارة للبعيد؛ لتهويله ولفت العقول إليه؛ فذلك عدل عن وصفه ~~بيوم بعده، فلم يقل: ليوم الجمع يوم التغابن؛ لئلا يفوت معنى الحصر ~~المقصود، وسيعلم ما فيه من النكبة، وجملة: {ذلك يوم التغابن} جملة اسمية ~~معرفة الجزأين فكان حقها أن تفيد الحصر، أي: هو يوم التغابن وليس غيره من ~~الأيام يوم تغابن، ومعنى هذا الحصر: أن ذلك اليوم لما حصل فيه التغابن في ~~أهم الفضائل جعل ما عداه من الأيام التي يقع فيها PageV01P016 # التغابن؛ كالعدم فحصر جنس يوم التغابن في ذلك اليوم بتنزيل الواقع غيره ~~منزلة العدم. # وهذا من قصر الصفة على الموصوف على ms008 وجه المبالغة، وهذا الوجه من الحصر ~~يسمى بالحصر الادعائي؛ لأن المتكلم يدعي أن الوصف بيوم التغابن محصور في ~~ذلك اليوم وهو يوم الجمع؛ كقولهم: أنت الحبيب. # واعلم أن الحصر إنما حصل هنا من صيغة القصر التي هي تعريف المسند والمسند ~~إليه ولم يحصل الحصر من التعريف باللام في قوله: {التغابن} بناء على أن ~~اللام فيه دالة على معنى الكمال؛ لأن معنى الجنس الذي هو أصل معنى اللام ~~صالح هنا فلا يعدل عنه إلى حمل اللام على معنى الكمال؛ إذ لا يحمل عليه إلا ~~عند تعين الحمل عليه بالقرينة وهي منفية هنا لاستقامة الحمل على تعريف ~~الجنس وهو أكثر معاني اللام، ولولا صيغة القصر لما استفيد معنى الحصر، فكيف ~~يكون حاصلا من معنى الكمال الذي لم ينشأ في هذا المقام إلا من حصول معنى ~~الحصر، فلا يختلط عليك كما اختلط على بعض العلماء. # والتغابن مشتق من الغبن، والغبن: الحط من قيمة المبيع عند شرائه، فكل ~~شراء بأقل من القيمة فهو غبن، ومادة التغابن تفاعل من الغبن، وأصل مادة ~~التفاعل تدل على وقوع الفعل من جانبين فصاعدا؛ كالتقاتل، والتسابق، فلفظ: ~~{التغابن} يدل على وقوع غبن حاصل بين جوانب في يوم القيامة، وقد اتفق ~~المفسرون على أن المفاعلة غير مقصود منها هنا وقوع الفعل من جوانب ولكنهم ~~اختلفوا في تحصيل المعنى. # فذهب الزمخشري ومن تبعه مثل: الفخر والبيضاوي إلى أن المفاعلة هنا هي أن ~~يغبن أهل السعادة أهل الشقاوة؛ إذ ينزلون منازل الجنة التي كان يمكن لأهل ~~الشقاوة أن ينزلوها لو عملوا عمل السعداء، وهذا يشبه الغبن، فالغبن ~~المستفاد من هذا الجانب استعارة وهذا أحد جانبي الفعل، وأما جانب غبن أهل ~~الشقاوة فجعله الزمخشري تهكما؛ لأن نزولهم في منازل النار ليس غبنا لأهل ~~السعادة، وعلى هذا الوجه يكون اللفظ مستعملا في مجازين مختلفين على وجه ~~يشبه المشاكلة التقديرية، وهذا المعنى ينحو إلى تفصيل كلام مجمل نقل عن ابن ~~عباس وهو تفسير بعيد جد البعد. PageV01P017 # وذهب ابن عطية إلى أن صيغة التفاعل هنا غير ms009 مستعملة في معناها الأصلي وهو ~~الدلالة على وقوع الفعل من جانبين فأكثر، بل هنا لحصول الفعل من جانب واحد ~~للمبالغة مثل: التواضع والتمايل، فيكون المعنى: ذلك يوم الغبن، أي: يوم غبن ~~الكافرين، وهو ينحو إلى تفصيل كلام نقل عن مجاهد في تفسير الآية هو أقرب ~~إلى الاستعمال وأبعد عن التعسف ولكنه لا يشفي الغليل؛ لأن الأشقياء والكفار ~~لم يغبنوا فيما لقوه، بل أخذوا حقهم من العذاب فلم يحصل معنى أصل الغبن ~~فضلا عن المبالغة فيه المستفادة من مادة التفاعل التي لا يحسن ادعاؤها إلا ~~إذا كان أصل الفعل واقعا، فهذا التفسير وإن خرج من ورطة عدم صحة التفاعل لم ~~يخرج من ورطة عدم وجود أصل مادة الغبن. # وجميع التفاسير مع رأينا لم يخرج عن هذين المعنيين إما مع ضبط أو مع ~~تخليط، ومنهم من مر بالآية مرا ولم يحتلب منها درا، أما أنا فأكد ثمادي، ~~وأستهدي بالهادي فأقول # ليس المعنى في الآية حاصلا من مراعاة معاني المفردات لا على وجه الحقيقة ~~ولا على وجه المجاز، ولكنه معنى عزيز جليل حاصل من مجموع التركيب، وهو ~~قوله: {ذلك يوم التغابن} فقد أشار الحصر الادعائي الذي قدمنا بيانه إلى أن ~~المخاطبين يحسبون أياما كثيرة أيام تغابن قد عرفوها واشتهرت، وأن المتكلم ~~يحسب أن تلك الأيام التي عرفها الناس ليست بأيام تغابن، وأن هذا اليوم ~~المتحدث عنه هو يوم التغابن لا غيره من الأيام، فبنا أن نتعرف الأيام التي ~~يعدها المخاطبون أيام تغابن، وأن نرجع إلى أحوال المخاطبين وهم أهل مكة ومن ~~حولهم ذلك أن {التغابن} هنا قد أضيف إليه {يوم} فعملنا أن ليس المراد من ~~التغابن تغابن آحاد الناس في بيوعاتهم الخاصة التي تعرض من شاعة إلى أخرى ~~وفي يوم وآخر، بل المراد تغابن يحصل في يوم معين يكثر فيه التبايع فيغبن ~~فيه ناس كثير ويتربص فيه بعض الناس ببعض لإلحاق الغبن والخسارة، ولا نجد ~~أياما بهذه الصفة غير أيام الأسواق، وقد كانت قريش أهل تجارة وكانت الأسواق ~~حول مكة في الحج سوق ms010 عكاظ، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة، فكل داخل إلى ~~الأسواق يحرص على أن يجلب الربح إلى نفسه ويغبن غيره ويحذر من أن يغبنه ~~غيره، فكل يترقب الربح ويحذر الخسارة ولا يرضى لنفسه أن يكون مغبونا؛ لأن ~~الغبن يؤذن بغباوة المغبون واستخفاف الناس به وتمشي الحيلة عليه، وكل هذه ~~أوصاف يأباها العربي، فشبه في الآية حال الناس يوم القيامة بحال PageV01P018 # الناس يوم السوق في ترقب ما ينفع والإشفاق مما يضر، وهو تشيبه هيئة ~~بهيئة، وليس تشبيه معنى لفظ مفرد بمعنى مفرد آخر، واستعمل المركب الدال على ~~الهيئة المشبه بها فأطلق على الهيئة المشبهة على طريقة الاستعارة التمثيلية ~~وهي أعلى أنواع الاستعارة، والمقصود من ذلك: تذكير الكفار والمؤمنين بتلك ~~الحالة بين الرغبة والرهبة حتى يستحضروا كأنهم قد تلبسوا بها فيحذروا سوء ~~عاقبتها من الآن؛ وذلك بأن يسعوا إلى ما يجلب الربح ويتقوا ما يجلب الخسارة ~~الحقة، قال تعالى: {يرجون تجارة لن تبور} [فاطر: 29]، وقد تكرر في القرآن ~~تمثيل حال أهل الفوز وأهل الثبور في الآخرة بحال التجارة، كما في قوله ~~تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16]. # ونظير هذا المعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي، ~~وذكره البخاري تعليقا في بعض أبواب الأدب: «إنما المفلس الذي يفلس يوم ~~القيامة»، وقوله تعالى: {ذلك اليوم الحق} [النبأ: 39]، أي: يوم القيامة هو ~~يوم النصر؛ لأن اليوم إذا أطلق فهو يوم النصر لبعض جيوش العرب أو بعض ~~ملوكهم كما قالوا يوم تحلاف اللمم، وفي الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة ~~الباردة» فإنه اشتهر بين الناس الغنيمة الباردة، بمعنى الغنيمة بلا مشقة ~~عمل من شأنه اصعاد مرادة البدن لكن الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة؛ ~~لأنه غنيمة أجر عظيم حصلت في برودة الجسم وهو الآمن بهذا الوصف الذي هو وصف ~~مدح في عرفهم، ومن هذا قوله تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15]، أي: إذا كنتم تعلمون وصف الخاسر ~~فالخاسرون حقا هم الذين خسروا أنفسهم ... إلخ. # ولذلك جاء هذا الكلام المجموع في قوله: ms011 {ذلك يوم التغابن} مجيء الدليل ~~والمقدمة، وهو أسلوب عجيب في صناعة التخاطب فهو بمنزلة الدليل، لقوله: ~~{فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} [التغابن: 8]، وهو أيضا بمنزلة ~~المقدمة لقوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10)} [التغابن: ~~9، 10]، فلا جرم أن يحصل للسامعين بعد سماع تلك المقدمة وهذه النتيجة روعة ~~الخائف الوجل، فتحملهم على توخي خير العمل. # * * * PageV01P019 ### || AUTO مراجعة في تفسير قوله تعالى: # {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} # [الشورى: 23] # طالعت في الجزء السادس من المجلة الزيتونية بحثا نفسيا دبجه قلم الأستاذ ~~الفاضل المنزل مني منزلة الابن البار الشيخ الناصر الصدام في ما يعول عليه ~~من تفسير قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} ~~[الشورى: 23]، فرأيته ختم بحثه بالرغبة في إحقاق الحق من معنى الآية، وعلمت ~~أنه يحب مجاذبة البحث مما أكده من الرجاء والحث، فهز عطفي إلى تذكر عهد زمن ~~مديد، بأن أسايره بتكملة وتأييد، وفصل بين قريب وبعيد، أقول: # إن ما استظهره في معنى الآية الأظهر وهو المأثور عن ابن عباس في صحيح ~~البخاري وغيره وتابعه عليه أساطين المفسرين من التابعين مجاهد وقتادة ~~وعكرمة ومقاتل وطاوس والشعبي والسدي والضحاك، وهو الذي اقتصر عليه البخاري ~~في كتاب التفسير وعياض في الباب الأول من كتاب الشفاء، وعلى ذلك التفسير ~~تكون {في} من قوله تعالى: {في القربى} تعليلية، ومما لا يشك فيه المضطلع ~~بأسرار كلام البلغاء أن التعليل الذي يستفاد ب {في} غير التعليل الذي ~~يستفاد بلام التعليل؛ لأن التعليل ب {في} إنما هو معنى عارض لها متفرع عن ~~معنى الظرفية الأصلي فيها، فإن {في} قد تستعار للظرفية المجازية، ومن صور ~~تلك الظرفية المجازية: أن تنزل علة الشيء وسببه منزلة الظرف الواقع الشيء ~~فيه لما في المجاز من الدقة والبيان؛ وذلك مقتضى العدول عن الحقيقة إلى ~~المجاز، فلله در الشيخ صاحب البحث ms012 من تطرقه إلى بيان موجب العدول عن لام ~~التعليل إلى حرف الظرفية. # أما ما ارتآه من إشعار حرف الظرفية بأضعف مما يشعر به حرف التعليل في ~~التسبب فلا أشايعه عليه ولا أحسبه مرادا من استعمال العرب، ألا ترى قول ~~الحماسي وهو سبرة الفقعسي من شعراء الجاهلية: # نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر # وقد كنت ذكرت في شرحي على الحماسة المسمى «فوائد الأمالي التونسية على ~~فرائد اللآلي الحماسية»، أن {في} للظرفية المجازية، أي: تحصل معاقرة الخمر ~~ومعاطاة الميسر بأثمان تلك الإبل، فربما كان الأكثر للشرب، وربما كان ~~الأكثر للقمار، والكل PageV01P020 # مظروف في أثمانها فجعلها ظرفا ليتطرق بذلك إلى إرادة إتلاف جميع أثمانها ~~في ذلك؛ فالظرفية على معنى باء السببية، والمقصود هذا المسبب وهو ما يرضيهم ~~من الشراب والميسر؛ ولذلك لم يأت ب (من) لئلا يوهم أنهم يشربون ويقامرون ~~ببعض أثمانهم ويستبقون بعضها اكتنازا فهم يتعيرون بذلك، ونظير الظرفية قوله ~~تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5]، أي: ارزقوهم بها، ولم يقل ~~منها؛ للإشارة إلى عدم التقتير عليهم في أموالهم وإنما هي أسباب لرزقهم ~~وكسوتهم، فالمنظور إليه هو المسبب، والسبب، تبع الحال المسبب، ويكون ~~التعريف في قوله تعالى {القربى} تعريف الأجل، أي: لأجل حقيقة القرابة ~~بيننا، وهذا الوجه في معنى الآية هو الأنسب بالسياق؛ لأن الخطاب مؤجه إلى ~~المشركين وكانوا عادوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وتداعوا للتألب عليه، ~~فناسب أن يذكروا بوشائج الأرحام والتذكير بها سنة عربية مألوفة، كما قال ~~القتال الكلابي: # نشدت زيادا والمقامة بيننا ... وذكرته أرحام سعر وهيتم # وليس من مناسب المقام أن يسألهم مودة أهل بيته وأقاربه؛ لأن ذلك لا غناء ~~له في غرض الآية. # وأما الوجه الثاني في تفسيرها فليس بباطل؛ إذ قد قال به جمع من التابعين، ~~مثل: عمرو بن شعيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وذكره صاحب الكشاف ولم ~~يذهب إليه أحد من الصحابة وإني أراه مرجوحا وضعيفا، وقد روى البخاري إنكار ~~ابن عباس على سعيد بن جبير تفسير الآية به، ولم يعرج على ms013 ذكره عياض في فصل ~~وجوب البر بآل محمد - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الشفاء، وعلى هذا الوجه ~~يكون في قوله تعالى: {في القربى} حذف مضاف، أي: في ذوي القربى، وتكون {في} ~~مستعملة في الظرفية المجازية بأن جعل أهل قرابة الرسول كالمكان لاستقرار ~~لمودة كما صرح به في الكشاف، وقد ذكر بعض المفسر ين في تر جيح كون هذا ~~الوجه هو المراد من الآية حديثا عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية، ~~قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ فقال: «فاطمة ~~وولدها» ا. ه. # وهذا الحديث شديد الضعف؛ لأن في سنده حسينا الأشقر وكان مشهورا بالغلو في ~~التشيع، وكان مع ذلك مجهولا غير مقبول الحديث، وأما ما يرمي إليه الكميت في ~~أبياته وشريح بن أوفى العبسي في بيته، فإنما هو تقليد لهذا التأويل في معنى الآية. # ثم لا حاجة بنا إلى التخليط الذي وقع فيه بعض المفسرين في ترجيح هذا ~~التأويل PageV01P021 # بجلب الأدلة على وجوب مودة أهل قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإن إبطال كون ذلك مستفادا من هذه الآية لا يوهم إبطاله في نفسه؛ إذ لم يدع ~~أحد انحصار الدليل في هذه الآية. # وهنالك وجه ثالث في تفسير الآية هو أبعد الوجوه، فقد روي عن ابن عباس ~~والحسن البصري: أن المعنى إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة، فيكون ~~المراد القربى المجازية، أي: الموالاة وتطلب الرضا، ويكون التعريف للعهد ~~بقرينة من مقام الخطاب لا وجود لها في لفظ الآية، وقد ذكر أبو بكر بن ~~العربي الوجوه الثلاثة وقال إثرها: «وليس يبعد أن يكون الكل معنيا من ~~الآية». ا. ه. ويتعين أن يكون أراد من نفي الاستبعاد نفي استبعاد يقتضي ~~البطلان بحيق يكون احتمالا لا يسمح به لفظ الآية، وليس يعني به استواء ~~الوجوه الثلاثة في المتبادر من الآية، وكيف -وهو بصدد شرح الخبر الذي أخرجه ~~الترمذي عن ابن عباس- أنه أنكر على سعيد عن جبير تفسيره الآية بالوجه ~~الثاني وفسرها ابن عباس بالوجه ms014 الأول؟ ! # وأما الاستثناء الواقع في قوله: {إلا المودة} فهو منقطع على جميع الوجوه؛ ~~لأن المودة ليست بأجر، فالاستثناء في المعنى الاستدراك، وقد استعملت أداة ~~الاستثناء في معنى أداة الاستدراك ولذلك جعل العلماء الاستثناء في مثله ~~منقطعا، ثم فسروه بأنه على ادعاء أنه إن كان أجر فهذا هو أجري، ويسمى هذا ~~الاستعمال في اصطلاح الأدباء تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو معدود في ~~المحسنات البديعة بهذا الاسم وبضده وهو تأكيد الذم يشبه المدح، وقال ~~العلامة التفتازاني: الأجدر أن يسمى تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه ا. ه. وأنا ~~سميته في كتاب موجز البلاغة تأكيد الشيء بما يشبه ضده توسعة في التسمية؛ ~~لئلا يختص بالنقيض ثم أرى أنه يتعين في مثل هذا الاستثناء أنه إن وقع في ~~مقام تعتبر في مثله المحسنات فليسم استثناء ادعائيا، كما سمى البلغاء بعض ~~أنواع القصر قصرا ادعائيا، وإن كان عريا عن قصد التحسين سمي استثناء ~~منقطعا، وللأديب تتبع فروقه، وتعين صوبه من شيم بروقه. # * * * PageV01P022 ### || AUTO شرف الكعبة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ~~(96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 96، 97]. # الغرض من هذه الآية: بيان ### || AUTO شرف الكعبة # لوقوع هذه الآية عقب قوله تعالى {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين} [آل عمران: 95]، وقبل قوله: {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97]، فعلمنا أنها مسوقة مساق الدليل لما ~~قبلها؛ لأن شأن الدليل أن يقع عقب المطلوب ومساق المقدمة لما بعدها، ~~وكلاهما مؤذن بالتعليل، والعلة أوضح دلالة من المعلول، فكان ذلك مؤذنا بتقرر ### || AUTO شرف الكعبة # ، وكل من الدليل والمقدمة طريق في صناعة الخطابة لإثبات مقصود الخطيب، ~~والاستدلال يكون بطريق التدليل والتعقيب والمقدمة بطريق التصدير والتقديم، ~~فالجمع في موقع هذه الآية بين الطريقتين من بلاغة القرآن وإعجازه الذي لم ~~أر من نبه عليه، وتصدير الآية بحرف التأكيد من دون تقدم إنكار منكر ولا ~~تردد تأكيد ms015 مقصود منه الاهتمام بالخبر، ومن شأن {إن} إذا جاءت لمجرد ~~الاهتمام أن تغني غناء فاء العطف وتفيد من التعليل والربط شيئا عجيبا، ~~فيكون الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، مقطوعا موصولا معا، كما فصله الشيخ ~~عبد القاهر في دلائل الإعجاز، ومثله بقول بشار بن برد: # بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير # وذكر قصة خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء مع بشار في شأن هذا البيت، ~~وإيقاع (إن) في أول هذه الآية أدخل في الإعجاز بحيث نجد وقوعها متعينا في ~~بلوغ الكلام حد الإعجاز؛ لأنها مفيدة لتعليل ما قبلها؛ إذ هي بمنزلة فاء ~~التفريع كما تقدم، وهي أيضا مفيدة مفاد أداة الاستفتاح لما فيها من معنى ~~الاهتمام الذي يناسب صدر الكلام؛ ولذلك قال الشيخ عبد القاهر: «فترى الكلام ~~معها مستأنفا غير مستأنف مقطوعا موصولا معا» ولو وقعت الفاء في أول الآية ~~لما صلحت إلا لتكون PageV01P023 # تفريغا عما قبلها فتفيد التعليل ولا تفيد الاهتمام ولا تصلح الجملة حينئذ ~~لأن تكون مقدمة لما بعدها، هذا وجه إفادة شرف الكعبة على وجه الإجمال ~~وسنجيئك بتفصيله من بعد بيان معنى الآية. # قوله تعالى: {إن أول بيت} الأول اسم يدل على السابق في حال من الأحوال، ~~فإذا أطلق فهو الأول المطلق؛ وذلك كما في اسمه تعالى (الأول) وإذا أضيف إلى ~~اسم جنس ظاهر أو مقدر فهو الأول في ذلك الجنس؛ كقوله تعالى: {من أول يوم}، ~~وقول الفرزدق: # ومهلهل الشعراء ذاك الأول # أي: أول الشعراء، وقد يطلق الأول ويراد به السابق في الفضل والكمال في ~~أحوال ما أضيف إليه كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن الأولون السابقون ~~يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا»، والأولية عند العرب من شعار ~~التفضيل فيما يتنافس فيه المتنافسون كما قال حسان في رثاء أبي بكر الصديق: # أول الناس حقا صدق الرسلا # ومن ذلك إطلاق العتيق عندهم على الشريف؛ إذ العتيق عندهم في الحقيقة هو ~~القديم، والقديم شيء أول، وقد فسر به قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29]، والبيت ms016 محتجر من الأرض بحجارة أو بنسيج من ثياب الشعر يتخذ ~~للإيواء والسكني، فإن كان من أدم فهو القبة، وقد يطلق البيت على المسجد ~~بتقدير: أنه بيت الله أو بيت الصلاة، قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه} [النور: 36]، وقال حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: ~~{ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37]، ~~وسموا المسجد الأقصى بيت المقدس. # ومعنى {وضع للناس}: أقيم واتخذ، وأصل الوضع في كلام العرب ضد الرفع، ~~يقولون: وضعت لك الشيء في محل كذا، أي: قربته لك وهيأته، ثم استعمل بمعنى ~~مطلق الجهل والإقامة، والناس: اسم جمع لطائفة من البشر لا واحد له من لفظه ~~في كلام العرب، فإذا دخل عليه حرف التعريف دل غالبا على الاستغراق الحقيقي ~~نحو: {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1]، ويكون التعريف فيه للعهد أيضا نحو ~~قول الخطيب: أيها الناس، يعني: سامعيه، وقوله تعالى: {إن الناس قد جمعوا ~~لكم} [آل عمران: 173]، يعني: قريشا. PageV01P024 # وقوله تعالى: {للذي ببكة} [آل عمران: 96]، جاء بالموصولية دون أن يقول ~~الكعبة الذي هو علم البيت الحرام لزيادة الإيضاح؛ إذ قد اتخذت الحبشة ~~الكعبة اليمانية في صنعاء فحجت إليها خثعم وبعض قبائل العرب. # «وبكة» اسم البلد الذي به الكعبة وهو مكة، فهو بالباء وبالميم في أوله، ~~وقد ورد الاستعمالان معا في القرآن، قال تعالى: {بطن مكة} [الفتح: 24]، ~~والعرب يبدلون الباء ميما وعكسه إبدالا غير قياسي ولا سيما مازن يقولون: با ~~اسمك، أي ما اسمك، وقد نبه على هذا الإبدال أبو علي القالي في أماليه ~~كقولهم: لازب ولازم، وقولهم: أربد وأرمد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية ~~أم مالكا رحمه الله تعالى قال: بكة بالباء اسم موضع الكعبة، وبالميم اسم ~~بقية البلاد، وقد اقتضت الآية أن الكعبة أول بيت وضع للناس، وظاهر هذا ~~التركيب أنها أول بيت بني للبشر، وقد تناولت أفهام المفسرين هذه الآية ~~بتفاسير مختلفة ونحن نشير إلى مجمل أقوالهم، ثم نتبعها بما نختاره في ~~تفسيرها. # حمل قتادة ومجاهد والسدي وقليل ms017 من المفسرين الآية على ظاهرها بجعل ~~الأولية حقيقية والناس على عمومه، فأما مجاهد وغيره فقد أحسوا بأن في بني ~~آدم مباني سابقة الكعبة، فقالوا: إن أول من بنى الكعبة آدم، وكانت تسمى ~~الضراح -بضم الضاد المعجمة- وأنه رفع إلى السماء في وقت الطوفان، فصارت ~~الملائكة تطوف به وتسكنه في السماء، ثم بنى إبراهيم الكعبة في موضعه، ولهم ~~في ذلك أحاديث وقصص، قال الشيخ ابن عطية في تفسيره: وقد رويت في ذلك أقاصيص ~~ضعيفة الإسناد تركت ذكرها، وقال الفخر: أنكر ذلك الباقلاني وعلى هذه القصة ~~بنى المعري قوله: # وقد بلغ الضراح وساكنيه ... ثناك وزار من سكن الضريحا # وأما السدي فقال: كانت الكعبة أول بناء في الأرض ولم يلتفت إلى ما كان ~~قبل ذلك من البنيان، وهذا القول غير مستقيم، فقد كانت قبل إبراهيم مبان ~~كثيرة منها صرح بابل بني بعد الطوفان، ومنها بيت الأصنام في بلد الكلدان، ~~وهو البيت الذي دخله إبراهيم وكسر الأصنام التي فيه كما أشار إليه القرآن ~~وورد بيانه في الحديث الصحيح، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه ~~الآية: أكانت الكعبة أول بيت؟ PageV01P025 # قال: لا، قد كان قبله بيوت ولكنه كان {أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} ~~[آل عمران: 96، 97]، فجعل الأولية المقصودة هي المقيدة بالحالين {مباركا ~~وهدى} وأنا أستبعد صحة هذه الرواية عنه؛ إذ هو عربي بليغ، وهذه الأحوال غير ~~صالحة لتقييد الأولية؛ إذ ليست هي أحوالا من المضاف إليه، بل هي أحوال من ~~خبر إن، ولا يجوز جعلها أحوالا من المضاف إليه؛ لأنه يقتضي الفصل بين الحال ~~وصاحبه؛ وذلك يوجب اللبس بجعل {مباركا} حالا من {بيت} تقييدا للعامل وهو: ~~{أول}، وفي رواية عنه: أنه أول بيت وضع لعبادة الله، وهذا أحسن، ومن ~~المفسرين من يجعل {أول} هنا بمعنى الشرف، أي كقوله: {البيت العتيق} ومنهم ~~من حمل {الناس} على خصوص العرب، وعن مجاهد ما يقتضي جعله أول بالنسبة إلى ~~خصوص بيت المقدس. # وهذه ms018 الأقوال راجعة إلى التأويل إما بتأويل لفظ {أول} أو بتأويل معنى ~~البيت، أو بتأويل معنى الوضع، أو بتأويل المراد بالناس، أو بتأويل نظم ~~الآية ولا حاجة بنا إلى استيعابها استدلالا وردا؛ إذ ليس ذلك من غرضنا. # والذي أراه وأجزم به في معنى الآية: أن القرآن كتاب شريعة وهدى، وليس من ~~أغراضه تاريخ المباني ولا تاريخ أطوار مساكن البشر فلا يعبأ بذكر المباني ~~غير الدينية ولا بذكر الهياكل الدينية الضالة، وأن الآية مسوقة كما بيناه ~~آنفا للاستدلال على وجوب اتباع ملة إبراهيم معنيا بها الإسلام ووجوب الحج؛ ~~فتعين أن يكون المراد من الأول: الأول في نوع، وبالبيوت: بيوت العبادة ~~الحقة والهدى إلى الحق؛ وذلك أن الله تعالى بعث الرسل قبل إبراهيم فدعوا ~~إلى عبادة الله وتوحيده، وكانت الأمم في ضلالتهم إذا أشركوا بالله أقاموا ~~لمعبوداتهم ولشركائهم تماثيل وهياكل كما فعل قوم نوح وقوم إبراهيم ~~الكلدانيون، وقامت الرسل تدعو إلى التوحيد بالقول؛ ولكن لم يؤمر أحد منهم ~~بأن يقيم هيكلا ينادي فيه لعبادة الله ولتوحيده، ويناغي بذلك تماثيل ~~المشركين، ويردد ذلك على مسامع الناس، فلما بعث الله إبراهيم أمره بإقامة ~~هيكل لعبادة الرب الحق الواحد ليدافع بذلك تظاهر المشركين، قال تعالى: {وإذ ~~بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج} [الحج: 26، 27]؛ فكان ~~بناء الكعبة رمزا PageV01P026 # للتوحيد؛ ولذلك قال: {أن لا تشرك بي شيئا}، ثم قال: {وأذن في الناس ~~بالحج}، أي: بالحج لله فاتخذ إبراهيم الكعبة ودعا الناس إلى الحج لعبادة ~~الله الصادقة، فكان الحج مجمعا لأهل التوحيد يجددون ذكراهم ويدعون إليه من ~~عداهم، وإقام ولده فيها داعيا بعده وجعل من ذريته سدنة لذلك، وأوصاهم بكلمة ~~التوحيد وبثها، قال تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله ~~اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132]، وقال: {وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 28]، وبهذا المعنى يظهر وجه وصف ~~البيت بأنه {وهدى للعالمين} كما سيأتي، فالكعبة أول بيت توحيد ms019 وضع للناس، ~~أي: البشر؛ لأن واضع معابد الوحدانية هو إبراهيم - عليه السلام - والكعبة ~~أول مسجد وضعه إبراهيم. # ففي صحيح مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟ قال: ~~«المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال «أربعون سنة»، ولا شك أن مراد ~~رسول الله بالمسجد الأقصى المسجد الذي بناه إبراهيم هنالك لا المسجد ~~المعروف الذي بناه سليمان ابن داود، ويكون مسجد سليمان مبنيا على موضع مسجد ~~إبراهيم، وهذا ما تقتضيه الفقرة السادسة من الإصحاح (12) من سفر التكوين: ~~إن إبراهيم لما مر بأرض كنعان بنى مذبحا لله في بلوطة مورة في مكان شكيم ~~ومذبحا غربي بيت إيل، ويؤخذ من تاريخ ابن العربي والقديس أبروسيمرس: أن ذلك ~~في الجبل الذي بنى عليه داود خيمته، وبنى عليه سليمان هيكله فيندفع الإشكال ~~عن الحديث؛ إذ قد ثبت في التوراة أن إبراهيم بنى مذابح، أي مساجد في كثير ~~من البلاد التي مر عليها وحقيق من بينها بذلك البلد الذي أراه الله ووعده ~~أن يعطيه ذريته بلاد العرب سابقا على الوعد بإعطاء بني إسرائيل بلاد الشام ~~فظهر معنى الحديث أتم الظهور. # وهذا الوجه فيه بقاء الأولية على ظاهرها وبقاء لفظ (الناس) على ظاهر ~~عمومه، وإبقاء نظم القرآن على ظاهره دون صرف الأولية إلى أولية مقيدة ~~بالحال أو بالنسبة إلى بيت المقدس، وليس فيه إلا تأويل البيت بأنه بيت ~~العبادة الحق؛ وذلك تأويل قريب لشيوع إطلاق البيت على بيت العبادة؛ ولأن ~~قرينة السياق تقرب هذا التأويل ويكون مناط التشريف والثناء هو الخبر بأن ~~الكعبة أول بيت؛ إذ الخبر هو محط الفائدة ويكون PageV01P027 # الحالان في قوله: {مباركا وهدى للعالمين} زيادة في تمجيده وتشريفه وليس ~~هما غرض المخبر، إذ ليست الحال عمدة الكلام وكذلك ما بعدها من الصفات. # فكانت الكعبة بهذا أفضل المساجد، وإنما كانت أولية السبق مقتضية التفضيل؛ ~~لأن هذا المسجد كان أصلا للبقية، فكل فضل لغيره بعده يكون له منه حظ ms020 فلا ~~يزال فضله يتزايد؛ ولأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة وقوع العبادة فيها؛ ~~إذ هي في ذلك سواء، وإنما تتفاضل بما يحف بها من طول الزمان في عمرانها ~~بالأنوار الملكية وبإخلاص مؤسسيها في تأسيسها، وأي إخلاص أعظم من إخلاص ~~تأسيس أصل معابد التوحيد التي كانت المعابد بعده تقليدا له محاكاة لغرضه؛ ~~وإذ قد تبينت أن مساق الآية مساق الاستدلال على علة الأمر باتباع ملة ~~إبراهيم، فكأنك قد استشرفت إلى بيان وجه هذا الدليل، وكيف تمام التقريب فيه؟ . # ووجهه أن الكعبة لما كانت أول هيكل أقيم لإعلان توحيد الله وهو مبدأ ~~الحنيفية فقد ثبتت لهذا البيت أفضلية على كل مسجد تقام فيه دلائل التوحيد، ~~وهذا الأثر أقامه إبراهيم - عليه السلام - كما دل عليه آخر الآية، وإبراهيم ~~هو رسول الحنيفية الأول، فإذا استقرت فضيلة هذا الأثر على بقية الآثار ~~الدينية الحقة ثبتت الفضيلة لا محالة للملة التي أقيم هذا الأثر دليلا ~~عليها ومناديا بها على ممر الأحقاب لكونه دليلها وفيه ظهرت، فتكون أشرف ~~الملل، وهذا الاستدلال جار على طريق دلالة الالتزام فهو استدلال بطريقة ~~الكفاية بشرف المحل على شرف الحال فيه؛ كقول زياد الأعجم (شاعر أموي): # إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج # وهذه الطريقة في صناعة البلاغة كإثبات الشيء بحجة ولها تأثير على ~~المخاطبين فكانت الحنيفية بذلك أفضل الملل؛ لأنها أقامت للتوحيد أول معبد ~~ومسجد، ولأنها جمعت للدعوة الحق بالقول الدعوة له بالمشاهدة؛ ولأن الملل ~~التي تقدمتها كانت تنسى بوفاة رسلها وانقطاع أقوالهم، والحنفية بقي أثرها ~~ناطقا، فإذا كان أول مسجد بناه إبراهيم للتوحيد هو الكعبة تكون الملة التي ~~نبعت منه وظهرت فيه أفضل الملل بحكم إعطاء شرف القرين لقرينه. # وقوله تعالى: {مباركا} حال من اسم الموصول الصادق على البيت، أي: PageV01P028 # مجعولا ذا بركة، والبركة كثرة الخير ونماؤه من جانب الله تعالى دون سبب ~~عادي، ووصف البيت بذلك باعتبار ذاته؛ إذ كان قد باشر بناءه رسول الله ~~إبراهيم وابنه إسماعيل رسول الله، فلامست أيديهما حجارته وطينه، ثم ms021 أعان ~~فيه محمد - صلى الله عليه وسلم - حين بنته قريش، ثم ان هو الواضع للحجر ~~الأسود منه بيده لما اختلف بطون قريش في الذي يتولى وضعه في موضعه، فقد ~~توالى على بنائه ثلاثة رسل وذلك لم يكن لبناء غيره، وذلك الحجر الأسود الذي ~~وضعته أيدي ثلاثة رسل هو لم يزل قائما ماثلا للناس. # وقوله: {وهدى للعالمين} حال ثانية من الموصول، ويجي الحال مصدرا كالوصف ~~بالمصدر، وكالإخبار بالمصدر لقصد المبالغة، أي: هاديا للعالمين فجعل كأنه ~~نفس الهدى، ووصف البيت بذلك؛ لأن وضعه كان للدلالة على توحيد الله كما ~~علمت، فكل من يراه يسأل عنه وعن سبب وضعه وعن واضعه فيخبر بذلك فينظر ~~فيهتدي إلى التوحيد؛ ولأن سدنته وحفظته وهم ذرية واضعه قد وكلن إليهم ~~الدعوة إلى ذلك الهدى الذي أراده جدهم، وفي هذا تعريض بالمشركين؛ إذ جعلوا ~~مصدر الهدى إشراكا، ولذلك لما أزال النبي - صلى الله عليه وسلم - الأصنام ~~من الكعبة يوم الفتح قرأ: {جاء الحق وزهق الباطل} ولم يأمر بذلك في إزالة ~~الأصنام الأخرى؛ لأن وضع الأصنام في هيكل التوحيد من أعظم الباطل والاعتداء ~~زيادة على كون مجرد اتخاذ الأصنام هو من الباطل. # وقوله تعالى: {فيه آيات بينات} يجوز أن يكون استئناف كلام، ويجوز أن يكون ~~حالا ثالثة، وكيفما كان فهو من تفصيل التفضيل، والآيات: جمع آية وهي ~~العلامة المصدقة للدعوى، فالمراد هنا آيات على كونه مباركا وهدى سواء اشترك ~~في الاهتداء بها سائر الناس أم اختص بها البعض على تفاوتهم في الاختصاص بها ~~بحسب ما يفتح الله لهم من أبواب الإرشاد الإلهي والفتح النوراني. # وقد اقتضى الكلام أن الآيات كائنة في البيت، فإن كانت الظرفية المستفادة ~~من (في) ظرفية حقيقة، فالمراد من الآيات آيات ظاهرة كائنة في المسجد ~~الحرام، وهل عدة، منها: الحجر الأسود، فالمتواتر أنه نزل من السماء رآه ~~إبراهيم حين نزل على جبل أبي قبيس فأخذه وجعله في ركن الكعبة زيادة في ~~تشريفها؛ إذ كان من حجارة جدرانها حجارة نزلت من السماء، ومعنى ذلك: أن ~~يكون الحجر ms022 الأسود من الحجارة التي ترمي بها النجوم فتصادف ظهر الأرض ~~تارات، وتكون هذه خصوصية PageV01P029 # له لثبوت نزوله برؤية الرسول إبراهيم إياه حين نزوله ولتواتر ذلك عن خبره ~~في العرب، والآية الثانية أثر أقدام إبراهيم في الحجر الذي كان يقف عليه ~~وذلك متواتر عند الناس إلى اليوم، ومن المأثور عند العرب قول أبي طالب من ~~قصيدته: # وموطئ إبراهيم في الصخر قائما ... على قدميه حافيا غير ناعل # ومنها: بئر زمزم الذي تواتر عند العرب أن الله فجره لهاجر لما ظمئت وظمئ ~~ولدها إسماعيل، ومنها: أن البيت هو الأثر الوحيد المقطوع بأن إبراهيم أقامه ~~هنالك؛ لأنه لما أقامه أقام له أهله شهداء عليه وتناقلته الأجيال بالتواتر، ~~وهذا لا يوجد في أثر آخر من آثار إبراهيم - عليه السلام - بل كلها قد ~~اندثرت وما تعين موضع بيت المقدس إلا بوحي وخبر. # وإن كانت الظرفية مجازية، فالمعنى أنه يشتمل على دلائل الوحدانية ~~والرسالة بالدلائل المحسوسة التي ذكرناها وبما علمناه مما حدث فيه من ~~المعجزات لإبراهيم وإسماعيل - عليه السلام -، ومعجزات محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - مثل: شق صدره، والإسراء به، ونزول الوحي عليه، وعصمة الله تعالى ~~إياه من أعدائه، كل ذلك كائن فيه وحواليه، وبما لم نعلمه من المعجزات ~~والأسرار الواقعة فيه بين الله ورسله مما لا يعلمه إلا الله؛ ومن أطلعه من ~~خاصة عباده. # ومن آياته ما جعل له من الحرمة في نفوس الخلق من العرب وغيرهم من سائر ~~الملل فقد حجته الجبابرة من الملوك والأكاسرة وكسته التبابعة وقدسته سائر ~~العرب واحترموا قريشا؛ لأنهم سدنته وذرية مؤسسه، وقد قال أبو طالب في ~~خطبته: «وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعلنا الحكام على الناس»، ومنها ما ~~يسر الله لسكانه من الأرزاق بسببه وذلك بمجيء الناس للحج من كل فج عميق، ~~قال الله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97]، وإن من أكبر الآيات فيه للمتهدي أنه ms023 ~~مصدر التوحيد والحنيفية، ثم انشقت منه جداول الشرائع. والهدي اشتقاق ~~الجداول من النهر، ثم اجتمعت وأوت إليه في شريعة الإسلام، فعاد النهر إلى ~~مجراه وفي ذلك رمز إلهي إلى أن الدين عند الله هو الإسلام وأنه ابتدأ على ~~يد إبراهيم في مكة كالحبة المزروعة إلى أن آن أوان جناه، فظهر من حيث بدئ ~~ليدل على أن الزرع قد نضج وأن الغرس قد أثمر. PageV01P030 # وقوله تعالى: {مقام إبراهيم} المقام اسم على وزن المفعل مشتق من القيام ~~مراد به مكان القيام، والقيام يطلق أيضا على الوقوف للدعاء والعبادة ~~كالصلاة، فمقام إبراهيم يصح أن يكون المراد منه مسجد إبراهيم مصلى ومحل ~~وقوفه بين يدي ربه، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: # عذت بما عاذ به إبراهيم ... مستقبل الكعبة وهو قائم # وعليه فمقام إبراهيم هو البيت فيكون قوله: {مقام إبراهيم} مرفوعا على ~~الاستئناف كالنعت المقطوع، أي: هو مسجد إبراهيم، والغرض من الإضافة لهذا ~~الاسم التنويه بالمضاف لزيادة تشريف المضاف، ويصح أن يكون المقام مشتقا من ~~مطلق القيام، أي: محل قيام إبراهيم لبناء الكعبة، كقول أبي طالب المتقدم. # وموطئ إبراهيم في الصخر قائما ... ... (البيت). # فيكون المراد بالمقام الحجر الذي فيه أثر قدمي إبراهيم - عليه السلام - ~~وهو مما أطلق عليه المقام من عهد الجاهلية وفي الإسلام، وقد قيل إنه المراد ~~في قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125]، وقال ~~الفرزدق: ... # ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائما ومقام # فيكون رفعه على أنه بدل من «آيات» بدل مفصل من مجمل غير أن المبدل منه ~~جمع والبدل مفرد فلم يذكر بقية المفصل اكتفاء بالمهم من الآيات، وعلى هذا ~~المعنى فسر الزجاج وتبعه الزمخشري، وزاد فجعل مقام إبراهيم بمنزلة آيات ~~كثيرة لقوة دلالته أو لأنه يشتمل على آيات؛ لأن بقاء أثر القدم في الصخرة ~~الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، ولأنه بعض الصخرة دون بعض آية ا. ه. # وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97]، لفظه لفظ الخبر، ~~والظاهر أن معناه كذلك فيكون من ms024 جملة صفات البيت، ويكون هذا من دلائل عناية ~~الله بما سخر الأمم وألهمهم لاحترامه وتأمين داخله؛ فقد كان العرب مع شدة ~~حقهم على أعدائهم يلقى الرجل في المسجد الحرام قاتل ابنه أو أبيه فلا يتعرض ~~له، ويكون هذا المعنى آية ثانية؛ فيكون البدل من الجمع قد وقع باثنين وسكت ~~عن الثالث، ونظيره في الكشاف بقول جرير: # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها PageV01P031 # ولم يذكر الثلث الثالث، ثم يبقى على هذا الوجه أن بقية الآيات ترك ذكرها ~~اكتفاء بهاتين الآيتين العظيمتين أو بما يتضمنه قوله: {ومن دخله كان آمنا} ~~[آل عمران: 97]، من آيات كثيرة منها تيسير الأرزاق ولذلك جمع إبراهيم في ~~دعوته للبلد الحرام ملاك الخيرات؛ إذ قال فيما حكى الله عنه: {وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126]، ~~ويجوز أن تكون الآية الثالثة هي مضمون قوله: {ولله على الناس حج البيت} [آل ~~عمران: 97]، الخ، لما يقتضيه الحج من الخيرات لأهل مكة. # وقيل: إن معنى هذا الخبر الأمر أي أمنوا من دخله؛ كقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الفتح «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن»، أي فأمنوه وهو لا يفيد ~~المقصود من التشريف؛ ولكنه يدل على تشريف مقرر قديم والحمل على الأول أولى، ~~ولا يرد عليه أنه قد انتهكت حرمة أمنه في بعض الأزمنة مثل ما فعله ~~القرامطة؛ لأن الآية هي أمنة فيما مضى، يسره الله لهم ليكون ملجأ قائما ~~مقام العدل، ثم أتى الله بعد ذلك بالإسلام، ولأن القضايا النادرة لا تقدح ~~في الشرف الأثيل، على أن أمن من دخل البيت لا يقتضي أمن كل من كان بالمسجد ~~الحرام أو ببلد مكة. # واعلم أن مغزى هذه الآية مع سابقتها هو التنويه بملة الإسلام وبيان أنها ~~هي الحنيفية التي فضلها الله تعالى والتي بعث إبراهيم بأصولها، أو أنها ~~دعوة إبراهيم فيما حكى الله عنه من قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} [البقرة: 129]، فكانت ملة ms025 ~~الإسلام هي كمال الحنيفية وتفصيلها، وقد نصب الله على ذلك آية خفية تظهر ~~للمهتدي وهي أن إبراهيم أظهر الحنيفية في مكة وأقام لذلك علما وهو المسجد ~~الحرام، وأقام ابنه إسماعيل داعيا لها هنالك، ثم لم يبعث الله رسولا بعد ~~إبراهيم وابنه في ذلك البلد فتطوحت الشرائع في بلاد الله حتى جاء الدين ~~الذي أراده الله لإظهار الشريعة الجامعة، وفي بقاء هذا الأثر المبارك من ~~آثار إبراهيم واندثار غيره معجزة خفية وإشارة إلهية إلى أن جميع الشرائع ~~التي تفرعت عن ملة إبراهيم من شريعة موسى وغيره شرائع زائلة، وأن الشريعة ~~الخالدة هي الشريعة التي تظهر مرة أخرى من جانب هذا الأثر، فبعث الله من ~~مكة رسولا يلم بدعوته أشتات الأمم، ويزجي بهم إلى الانضواء تحت ذلك العلم، ~~وبذلك حق مراد الله تعالى وتم. PageV01P032 ### || AUTO تكليم الله لموسى - عليه السلام - # قد أعلمنا الدليل العقلي بأن الله تعالى يستحيل عليه السمات المحدثات من ~~الصوت والجهر ونحوه، وقد أعلمنا أنه كلم موسى تكليما، ونحن نعلم أيضا أن ~~موسى - عليه السلام - كان يومئذ في شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة ~~من الشجرة وقد سمع صوتا يقول: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري} إلى قوله: {لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 14 - 44]، فهل يجوز أن ~~يكون هذا الصوت قائما بالله تعالى؟ حاشا لله لم يكن لله أن يقوم به صوت ~~وموسى قد سمع صوتا، سمعه بأذنه الحادثة، فهل يكون ذلك هو الكلام النفسي ~~القديم؟ أم هل يكون موسى قد سمع ذلك بقلبه؟ كلا، لو كان ذلك لم يفضل موسى - ~~عليه السلام - على النحلة التي أوحى الله إليها: أن اتخذي من الجبال بيوتا؛ ~~ولكن نجزم أنه صوت كلامه بلا واسطة، فقل: إن تثبيت كلمته الشجرة، أو كلمه ~~شاطئ الواد، أو كلمه الجو، بل ذلك يفضي إلى كلامه ووحي من الله تعالى بدون ~~واسطة، فمن قال: كلمته شجرة، أراد التمثيل والاحتمال كالتعيين، ولا يصح قول ~~من قال من أصحابنا: إن الكلام الذي كلم الله ms026 به موسى هو كلامه الذي هو صفة ~~ذاته؛ لأنه يفضي إما إلى حدوث الله (جل وعلا) لأنه يستلزم أن تكون ألفاظا ~~صادرة عن شفتي الله (تعالى وتقدس). نعم، عندهم شيء سهل المبدأ صعب الغاية ~~وهو أن يقولوا: إن الله خلق لموسى سمعا قديما في صماخه يسمعه؛ وهاته مضحكة؛ ~~لأنه يلزم عليه تركيب موسى من قديم وحادث فاتضح أن الكلام الذي سمعه موسى ~~على ما تعارفه الناس. # ستقولون فما هاته المنقبة لموسى التي يعدها الله تعالى وهو لم يزد على ~~سماع كلام متعارف، فالجواب أن المنقبة لموسى التي يعدها الله تعالى وهو لم ~~يزد على سماع كلام متعارف، فالجواب أن المنقبة في اللاجئ إليه بلا واسطة، ~~وذلك كما يلقي الله الوحي إلى جبريل، فإنه يكون بكتابة تظهر له أو نطق من ~~بعض الأشياء، مما يدله على أن هذا قول الله، والذي سوغ إطلاق إضافته إلى ~~الله في قوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} ~~[الأعراف: 144]، هو انقطاع الواسطة، ودلالة تلك الألفاظ المخلوقة على كلام ~~الله النفسي ومراده من موسى كما يسمى القرآن كلام الله وكتاب الله بهذا ~~المعنى وهو بناء على الشايع المتعارف من إسناد الأمور التي خفيت أسبابها ~~إلى الله تعالى وإن كان الكل من عند الله، يقول العامة اليوم في السؤال عن PageV01P033 # الميت: قتله أحد أم مات موت ربي؟ وبهذا يتضح لكم أن الاختلاف بيننا وبين ~~المعتزلة في هذا الشأن، وأن من قال غير هذا فقد توقف في فهم معنى الآية ~~وعسر عليه الأمر وإنكم إلى اليوم لم تفهموا هذا إلا بتقليد محض لا يمكنكم ~~الركون إليه ولا التعبير عنه لشدة اضطرابه. # انظر الحديث الذي ذكر صورة إلقاء الوحي إلى جبريل أظنه في تفسير قوله ~~تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23]، من سورة سبأ من صحيح البخاري. # * * * PageV01P034 ### || AUTO تفسير قوله تعالى: # {فأقم وجهك للدين حنيفا} # قال الله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ms027 القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30]. # كلما لمح آيات القرآن قارئها المتبصر وتدبرها حق التدبر وجد فصاحة إعجازه ~~الدالة على أنه ليس من مألوف كلام البشر، سارية في كل ما يحتويه مما له ~~دلالة على مقدار من معاني الكلام البليغ، سواء كان جملا تامة الإفادة، أو ~~تراكيب مكلمة إفادة ما معها، أو روابط تشد بين كلماته وتراكيبه عرى ~~الالتئام، فتكون للكلام كالسلك للعقد النظيم، أو القالب الذي يفرغ فيه ~~الذهب الكريم. # فبهذه المثابة، وعلى هذا النعت، نجد موقع الفاء، التي افتتحت بها هذه ~~الآيات، تلك هي الفاء التي يسميها علماء العربية فاء الفصيحة، ويحق لها هنا ~~أن يقال لها الفاء الفصيحة. # فاء الفصيحة هي التي تقع بعد كلام يفيد غرضا من الأغراض، فتوزن بشيء مقدر ~~كشرط تكون تلك الفاء رابطة لجوابه لقصد الإيجاز، فيقدر هنا إجمالا: إذا ~~علمت ما قيل لك {فأقم وجهك للدين حنيفا}، وقد يكون المقدر غير شرط في كلام ~~آخر؛ ذلك أن الآيات السابقة تحوم حول إثبات أن الله واحد في الألوهية، وأنه ~~لا شريك له، وأن قدرته لا يتعاصى عليها شيء من الممكنات إبطالا لتكذيب ~~المشركين بالبعث، ابتداء من قوله تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم ~~إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20]، وما عطف عليه من الدلائل والأمثال ~~بتقدير الكلام تفصيلا: إذ علمت أنك على الحق وعلمت أن المعرضين عن دعوتك ~~معاندون مبطلون {فأقم وجهك للدين حنيفا}. # فالأمر مستعمل في طلب الدوام على الفعل، لا في ابتداء إيجابه وهو مثل ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136]. # والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا لفؤاده وتأييدا له، وهو ~~شامل للمسلمين؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوتهم؛ ولذلك قال في ~~الآية التي بعدها: {منيبين إليه واتقوه} [الروم: 31]. PageV01P035 # وإقامة الوجه تقويمه، أي: تعديله بتوجيهه قبالة نظرك غير ملتفت يمينا ولا ~~شمالا، فالإقامة في هذه الآية تمثيل لحالة التمحض للشغل بشيء بحالة قصر ~~النظر على صوب المقابلة دون التفات إلى يمنة ولا يسرة، ms028 وهذا كقوله تعالى: ~~{وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} [الأعراف: 29]، وقوله ~~حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79]. # والتعريف في قوله: {للدين} تعريف للعهد وهو الدين المعهود للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو الإسلام وهو المعهود للمسلمين الذين تقلدوه. # ووصف {حنيفا} وصف بوزن فعيل وهو مبالغة في الاتصاف بالحنف، والحنف الميل ~~عن شيء، وغلب إطلاق الحنيف على المايل عن الباطل، أي: العادل عن الباطل إلى ~~الحق، فالحنيف الموحد غير المشرك، قال تعالى: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين}، وقد اشتهر وصف إبراهيم - عليه السلام - بالحنيف كما ~~اشتهرت ملة إبراهيم باسم الحنيفية، والتحف عبادة الله وحده دون إشراك ~~واشتهر دين الإسلام بالحنيف؛ لأنه أشد الأديان في قطع دابر الإشراك، قال ~~تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78]. # ولذلك فوصف {حنيفا} هنا منصوب على الحال يصح أن يكون حالا من الضمير ~~المستتر في فعل {فأقم}، ويصح أن يكون حالا من الدين على تشبيه الدين ~~الإسلامي في خلوه من شوائب الإشراك برجل تجنب الشرك وعدل عنه، فيكون في صفة ~~(حنيف) تمثيل، وفي إجراء تلك الصفة على الدين استعارة مصرحة، وفي الآية ~~محسن الطباق وهو الجمع بين معنيين متضادين ولو في الجملة؛ وذلك في الجمع ~~بين {فأقم} الذي هو من الإقامة والاعتدال وبين {حنيفا} الذي هو في معنى ~~الميل والانحراف. # وأما قوله: {فطرت الله} فهو حال من {الدين} حالا أولى أو ثانية فإن الحال ~~تتعدد بعاطف وبدون عاطف على التحقيق. # والفطرة مصدر بوزن فعلة مثل الخلقة، يقال: فطر الله الإنسان، أي" خلقه، ~~ومعنى كون الدين فطرة أن ما يدعو إليه يناسب ما فطر عليه الإنسان ولا ~~يجافيه PageV01P036 # بحيث لا يلحق الإنسان من أحكام الإسلام حرج ولا مشقة، قال الله تعالى: ~~{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6]، وقال: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، وفي الحديث: «إن هذا الدين يسر». ms029 # ولذلك بين الله كون الدين فطرة، بقوله: {التي فطر الناس}، أي: خلقهم ~~قابلين لأحكام هذا الدين وتعاليمه، صالحين بالعمل بها في نظام أمورهم ~~وحياتهم؛ لأنها تساوي العمل السليم والفكر الصحيح. # بيان ذلك أن الفطرة هي النظام الجبلي الذي أوجده الله في الإنسان جسدا ~~وعقلا، فمشي الإنسان على رجليه فطرة جسدية، فلو حاول أن يتناول الأشياء ~~برجليه كان محاولا خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها ~~والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، فإن حاول الإنسان استنتاج أمر من غير سبب ~~كان محاولا خلاف الفطرة العقلية، وجزمنا بأن ما نبصر من المبصرات هو حقائق ~~ثابتة في عالم الوجود فطرة عقلية، ولكن إنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات ~~في نفس الأمر تحريف للفطرة العقلية. # وقد بين أبو علي بن سينا حقيقة الفطرة، فقال: «ومعنى الفطرة أن يتوهم ~~الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيا ولم يعتقد ~~مذهبا ولم يعاشر أمة، ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها ~~الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه فإن لأمكنه الشك فالفطرة لا ~~تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجيه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة ~~الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلا وأنها فطرة الذهن ~~بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست ~~محسوسة بالذات بل هي مبادئ للمحسوسات. # فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجبت التصديق بها إما ~~شهادة الكل مثل: إن العدل جميل، وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء ~~والأفاضل منهم، وليست الذايعات من جهة ما هي ذايعات مما يقع التصديق بها في ~~الفطرة، فما كان من الذايعات ليس بأولي عقلي ولا وهمي فإنها غير فطرية ~~ولكنها متقررة عند الأنفس؛ لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا، وربما دعا ~~إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق ~~الإنسانية مثل: PageV01P037 # الحياء، والاستئناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط ~~دقيق لأن يكون حقا صرفا، فلا يمكن لذلك ms030 الشرط ويؤخذ على الإطلاق». انتهى ~~كلام الشيخ ابن سينا. # فوصف دين الإسلام بأنه فطرة الله، معناه: أن أصول الاعتقاد جارية على ~~مقتضى الفطرة العقلية، وأن تشريعه جار على وفق ما يدرك العقل فائدته، ويشهد ~~بصلاحه، وأن النواهي والزواجر وقوانين المعاملات جارية على ما تشهد به ~~الفطرة؛ لأن طلب صلاح المجتمع محبوب في الفطرة؛ ولهذا فإن شواهد الفطرة قد ~~تكون واضحة بينة، وقد تكون خفية، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بما ~~ليس فطريا؛ فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء أهل النظر الذين ~~تمرسوا بممارسة الحقائق والتفريق بين متشابهاتها وسبر أحوال البشر، وتعرضت ~~أفهامهم زمانا لتعاريف الشريعة وتوسموا مراميها وغاياتها، وعصموا أنفسهم ~~بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء. # إن المجتمع الإنساني قد مني بأوهام وعوائد وبمألوفات أدخلها عليه أهل ~~التضليل فاختلطت فيه بالعلوم الحقة، وتقاول الناس عليها، وارتاضوا على ~~قبولها فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك التي يخاف منها أن ~~تتلقى بالتسليم على مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما بينها من ~~انحراف عن الحق فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ~~ضربوا في الوصول إلى الحقائق كل سبيل، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا ~~للماشين خير دليل. # وكون الإسلام دين الفطرة وصف اختص به الإسلام من بين سائر الأديان؛ لأن ~~مسايرته الفطرة مطردة في أصوله وفروعه، وأما سائر الأديان فقد بنيت أصول ~~الاعتقاد فيها على مراعاة الفطرة ولم يطرد ذلك في شرائعها الفرعية، وهذا ما ~~أفاده قوله تعالى: {ذلك الدين القيم}؛ لأن الله جعله خاتمة الأديان وجعله ~~باقيا في جميع العصور وصالحا بجميع الأمم فجعله مساوقا للفطرة البشرية ~~ليكون صالحا للناس كافة، وللعصور عامة، وفي قوله {التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30]، بيان لوجه الإضافة في وصفه بفطرة الله وتصريح بأن الله خلق ~~الإنسان سليم العقل مما ينافي الفطرة من العقائد الضالة والعوائد الذميمة ~~بما يدخل عليها من ذلك ما هو PageV01P038 # إلا من جراء التلقي الضال والتعود الذميم، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «يولد الولد على الفطرة ثم ms031 يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه»، روى مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال فيما يرويه عن ربه: «وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم، ~~وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» لهذا كان قوله: {لا تبديل لخلق ~~الله} [الروم: 30]، مقررا لكون هذا الدين فطرة الله، أي: لا تبديل في ~~أحكامه لما خلق الله الناس عليه. # وقد حصل من مجموع هذه الوصاة والصفات التي تضمنتها الآية إيذان بفضل هذا ~~الدين ومزيته على سائر الأديان الحقة الماضية بطريقة الكناية العرضية، فكان ~~من مزيد العناية بتشريفه إفادة هذا التفضيل بصريح المقال، فذيل الكلام ~~بقوله: {ذلك الدين القيم} [الروم: 30]. # فلاسم الإشارة وقعه البليغ من الإشعار بتعظيم المشار إليه؛ إذ جعل بمرتبة ~~البعيد بعد رقعة وعلو على حد {ذلك الدين} [الروم: 30]، والمعنى: هو الدين القيم. # والقيم: وصف على صيغة فيعل وهي أشد مبالغة من صيغة فعل، مثل: هين ولين، ~~فيفيد قوة معنى الوصف فيه وهو القيام، أعني القيام المجازي الذي هو ضد ~~الاعوجاج يقال: عود مستقيم وقيم، فوصف الدين بالقيم هنا استعارة بتشبيه ~~الدين بالعود المستقيم في انتفاء العيب عنه والخطأ تشبيها للمعنى المعقول ~~بالشيء المحسوس. # وموقع الاستدراك ب {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 3]، تبيين أن ~~إعراض أكثر الناس عن هذا الدين ليس لكون الأديان الأخرى أرجح منه في صلاح ~~الناس ولأجل شدة أو إرهاق في تشريعاته؛ بل لأن المعرضين عنه لا علم عندهم، ~~فأزال هذا الاستدراك ما قد يتوهمه من تغره كثرة المنصرفين عنه فيخالهم ~~انصرفوا عنه على بصيرة في أحواله وتدبر في مراميه. # والمراد بأكثر الناس: المشركون وغيرهم ممن يدعون إلى الإسلام فيعرضون عن قبوله. # وفعل {لا يعلمون}، منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول، ولا يطلب دليل ~~على تقدير مفعوله فإذن يكون مفاد نفي العلم عنهم أنهم فاقدون العلم؛ فلذلك ~~لم تبلغ PageV01P039 # مداركهم إلى إدراك الدلائل الواضحة في أحوال هذا ms032 الدين؛ حيثما توجد فلذلك ~~كان ما عندهم من الإدراك والعقل شبيها بالعدم، فنفي العلم عنهم على سبيل ~~المبالغة؛ إذ اعتبار الأوصاف بآثارها. # * * * PageV01P040 # تحقيقات وأنظار # في القرآن والسنة ### | AUTO القسم الثاني # في السنة PageV01P041 ### || AUTO عصمة الأنبياء # العصمة: اسم اصطلح أئمة علم الكلام على وصف الأنبياء بها وبعضهم يعبر ~~عنها بالأمانة، واسم العصمة مأخوذ من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما رواه البخاري في صحيحه عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي ~~سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بعث ~~الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف ~~وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله تعالى». # العصمة: المنع أو الحفظ على الخلاف في أنها منع من المعصية جعله الله في ~~ذات النبي أو هي حفظ من الله للنبي من إتيان المعصية عند إرادتها. # وعرف السيد الجرجاني العصمة فقال: «العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها». # والقائلون بالعصمة منهم من يقول: المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان ~~بالمعاصي، ومنهم من يقول: لا يأتي بها بتوفيق الله تعالى له وتهيئة ما ~~يتوقف عليه الامتناع منها؛ لقوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: ~~110]، مع قوله: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: ~~74]، وأيضا لو كان المعصوم مسلوب الاختيار لما استحق على عصمته مدحا ولبطل ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب. # وعدت أسباب العصمة أربعة: أحدها: العدالة، والثاني: حصول العلم بمثالب ~~المعاصي ومناقب الطاعات، والثالث: تأكد ذلك بالوحي الإلهي، والرابع: خوف ~~المؤاخذة على ترك الأولى والنسيان، فإذا حصلت هذه الأمور صارت النفس ~~معصومة. # وقال أبو منصور الماتريدي: العصمة لا تزيل المحنة، يعني لا تجبر المعصوم ~~على الطاعة ولا تجيره من المعصية، بل هي لطف الله تعالى يحمله على فعل ~~الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء. # والمراد بالعصمة: العصمة من ارتكاب الذنوب، أي: المعاصي والذنوب، وهي PageV01P043 # تنقسم عند الجمهور إلى ms033 كبائر وصغائر، وذهب جمع قليل إلى أن الذنوب ~~والمعاصي ليس منها صغائر ونسب إلى ابن عباس وهو قول القاضي عبد الوهاب ~~المالكي البغدادي من المالكية والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والشيخ تقي ~~الدين السبكي من الشافعية، ونسبه ابن عطية إلى القاضي أبي بكر الباقلاني ~~وإمام الحرمين، والذي في جمع الجوامع أن إمام الحرمين قائل بتقسيم الذنوب ~~إلى صغائر وكبائر، وهو صريح كلامه في كتاب الإرشاد، وأحسن ما حددت به ~~الكبيرة ما قاله إمام الحرمين في الإرشاد: إنها كل جريمة تؤدي بقلة اكتراث ~~مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وعدوا ثمان وثلاثين معصية كبائر. وفي الفقه ~~الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن ~~الكبائر، فأما أصحاب الأشعري فمنعوا الكبائر مطلقا وجوزوا الصغائر سهوا، ~~وذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في الإيجاز أن نبينا محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - معصوم فيما يؤديه عن الله تعالى وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. # قال التفتازاني في المقاصد: «واختلفوا في صدور بعض المعاصي من الأنبياء ~~على التفصيل، والجمهور على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة وهو ~~دلالتها على قول الله تعالى: «صدق عبدي فيما أخبر به عني. لا عمدا ولا ~~سهوا» وجوز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوع ذلك سهوا ولم يرتضه الجمهور ~~والمذهب عند جمهور الأشاعرة منع صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها، وأما ~~الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدا ويجوز صدورها منهم سهوا لكن لا ~~يصرون عليها ولا يقرون، وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي ~~من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدا» ا. ه. كلام المقاصد. # قال إمام الحرمين في الإرشاد: «وأما الذنوب المعدودة من الصغائر فلم يقم ~~عندي قاطع سمعي على نفيها (أي: عدم وقوعها) ولا على إثباتها (أي: جواز ~~وقوعها)؛ إذ القواطع نصوص أو إجماع ولا إجماع؛ إذ العلماء مختلفون في تجويز ~~وقوع الصغائر على سائر الأنبياء، والنصوص التي تثبت حصولها قطعا ولا يقبل ~~فحواها التأويل غير موجودة، فغن قيل: إذا كانت المسألة مظنونة فما الأغلب ~~على الظن عندكم؟ ms034 قلت: الأغلب جواز وقوعها ا. ه كلامه. # واستدل أبو بكر الباقلاني لرأيه بقوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2]؛ إذ لا يقال لمن لا ذنب كالطفل والمجنون: قد ~~غفرت لك؛ PageV01P044 # ولأن الآية وردت في معرض الامتنان فلو لم يكن له ذنب لم يكن له وجه، ~~وبقوله تعال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43]، وبقوله تعالى: ~~{وعصى آدم ربه فغوى} [طه 121]، وبقوله: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23]، وبقوله: {ولقد همت به ~~وهم بها} [يوسف: 24]، وبقوله حكاية عن يونس: {سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~[الأنبياء: 87]، وغيرها من الآيات الواردات في هذا المعنى. # وقال الشهرستاني في كتابه «نهاية الإقدام»: الأصح أنهم معصومون عن ~~الصغائر؛ لأنها إذا توالت صارت بالاتفاق كبائر؛ لكن المجوز عليهم عقلا ~~وشرعا ترك الأولى من الأمرين المتقابلين جوازا وحظرا، ولكن التشديد عليهم ~~في ذلك القدر يوازي الشدة على غيرهم في الكبائر ا. ه. وكلامه لا يدل على ~~وجوب العصمة قبل البعثة، ونقل في الفقه الأكبر ما يقارب كلام الشهرستاني، ~~ووجه آخر وهو أن يتركوا الأفضل كآدم - عليه السلام - حين قاسمه إبليس حتى ~~نسي النهي وظن أنه يحترم اسم الله العظيم وترك الأفضل وهو غاية الأمر؛ ~~ولهذا قال الله تعالى في حقه: {فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115]. # فأما ما قبل النبوة أو ما قبل أن يوحى إليه في فعل بعد النبوة فالذي عليه ~~الأكثر منع إنشاء الذنب والإصرار؛ لئلا تزول العصمة أصلا، وجوزوا وقوع ذلك ~~على سبيل الندرة؛ كقصة يوسف وإخوته، وقد اختلف في كونهم أنبياء، والمرجح أن ~~الأنبياء معصومون بعد النبوة صيانة لمنصب النبوة وحماية لأبهة الرسالة، ألا ~~ترى قوله تعالى حكاية عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -: {فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله} [يونس: 16] الآية، يعني: لبثت بين ظهرانيكم (أربعين سنة) وما ~~رأيتم افتراء ولا خيانة؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان مشهورا فيما ~~بينهم بمحمد الأمين - صلى الله عليه وسلم -. # قول عياض: # قد ms035 اهتم أعني عياض رحمه الله في الشفاء برد واحد وعشرين دليلا تمسك بها ~~الذين جوزوا صدور الصغائر من الأنبياء بعد النبوة، الباقلاني، ومن وافقوه، ~~وقد رد التفتازاني في المقاصد من تلك الأدلة اثني عشر دليلا، ويظهر أنه لم ~~يطلع على كلام عياض في الشفاء، ثم قال عياض بعد أن رد تلك الأدلة أجمع ~~المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات، ومستند الجمهور ~~(أي: من PageV01P045 # العلماء) في ذلك، الإجماع، وهو قول القاضي أبي بكر، ومنعها غيره لكن ~~بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافة واختاره الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني (سيأتي ذكر دليلهم). # وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم وهو مذهب أبي جعفر الطبري ~~وغيره من الفقهاء والمحدثين، والمسلمين، وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف، وذهبت ~~طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من ~~الكبائر قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر (أي: وجودها) وتعيينها من ~~الكبائر؛ لقول ابن عباس وغيره: إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقال ~~القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال: إن معاصي الله صغيرة إلا على أنها ~~تغتفر باجتناب الكبائر، واستدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير ~~إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مال ~~والشافعي وأبي حنفية من غير التزام قرينة (أي: دالة على إرادة امتثال ~~أفعالهم) وحكى ابن خويز منداد، وأبو الفرج عن مالك: التزام ذل وجوبا وهو ~~قول الأبهري وابن القصار، وأكثر أصحابنا وأكثر أهل العراق وبعض الشافعية، ~~وذهب أكثر الشافعية إلى أنه ندب. # قال: ونزيد هذا حجة بأن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم - مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى ~~شيئا وسكت عنه دل على جوازه، فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ثم يجوز وقوعه منه. # قال: فبان بذلك عظيم فضل الله على سائر أنبيائه - عليه السلام - أن جعل ~~أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن رسم المعصية. # ثم قال: فقد ms036 علم من دأب الصحابة الاقتداء بأفعال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كيف توجهت كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتمهم حين نبذ خاتمه، ~~واحتج غير واحد منهم في غير شيء مما نابه من العبادة أو العادة، بقوله: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله، والآثار في هذا أعظم من أن ~~نحيط بها لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها. ا. ه. # ولم ينقل عن سلف لعياض مثل هذا القول إلا ما نسب إلى الأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفراييني (دون استدلال)، وأما ما نقل عن الشهرستاني مما يماثل قول ~~الأستاذ فذلك قد كان في عصر عياض؛ لأنه معاصر للشهرستاني، وعياض أسبق ولادة PageV01P046 # ووفاة بمدة قليلة فيهما، فلعل اتفاقهما من توارد الآراء إن لم يكن ~~الشهرستاني تبع عياضا في قوله: توفي الشهرستاني سنة (548 ه)، وتوفي عياض ~~سنة (542 ه). # قال تاج الدين السبكي في منظومته في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين ~~الأشعري والماتريدي: # قالوا وتمتنع الصغائر من نبي ... للإله وعندنا قولان # والمنع مروي عن الأستاذ مع ... قاضي عياض وهو ذو رجحان # وبه أقول وكان رأي أبي كذا ... صونا لرتبتهم عن النقصان # وقوله: قالوا: أي: قال الماتريدية تمتنع الصغائر ... الخ، وقوله: وعندنا، ~~يعني: نفسه وغيره من الأشعرية. # الخلاصة: # فيستخلص من هذا المبحث أن حال الأنبياء - عليه السلام - قبل النبوة يجب ~~أن تكون حالة عصمة عن النقائض المتعير بها في عرف أهل العقول السليمة، مثل: ~~السرقة، والكذب، والخيانة، وما عدا ذلك مما يعد ذنوبا -كبائر أو صغائر- إن ~~كان ذلك النبي متبعا شريعة سابقة كان معصوما من ارتكاب ما يعد كبيرة في ~~الشريعة التي هو متبعها؛ ولذلك قال إخوة يوسف في مصر: {لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} [يوسف: 73]، وأقر الله كلامهم فلم يعقبه ~~بنقضه، كما عقب كلام يوسف بقوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه ~~في دين الملك إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76]. # وأما ما هو صغائر في تلك الشريعة فلا يمتنع وقوعها قبل النبوة، ms037 وأما ما ~~بعد أن يصير نبيا فهو محل البحث؛ إذ بعد نبوته يكون له شرع إما سابق أمر ~~باتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل؛ ولذلك لم يسكت يوسف لما قال إخوته في شأن ~~أخيهم بنيامين: {فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77]؛ لأنهم اتهموا بما هو ~~معصوم منه، فقال: لهم: {قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون} [يوسف: ~~77]، فإجراء حاله PageV01P047 # على حسب ذلك الشرع، وأما أن يوحى إليه بشرع يخصه مثل لقمان أو يدعو إليه ~~فذلك النبي حينئذ رسول. # وأيا ما كان فليجر البحث في أفعاله على حسب ما أمر باتباعه أو بالدعاء ~~إليه، واختلفوا في صدور بعض المعاصي منهم على التفضيل، والجمهور على وجوب ~~عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة من دلالتها على قول الله تعالى: «صدق عبدي ~~فيما أخبر به عني لا عمدا ولا سهوا»، وجوز القاضي أبو بكر الباقلاني وقوع ~~ذلك سهوا ولم يرتضه الجمهور. # والمذهب عند جمهور الأشاعرة: منع صدور الكبائر بعد البعثة وقبلها. # وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدا، ويجوز صدورها منهم سهوا لكن ~~لا يصرون عليها ولا يقرون. # وذهب إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز ~~صدور الصغائر منهم عمدا، ويظهر أنهم أرادوا بالتجويز عدم الاستحالة ولم ~~يدعوا وقوع ذلك، وقد تقدم أن عياضا أبطل الأدلة التي استدل بها مدعوا وقوع ~~ذلك منهم وكفى بذلك. # * * * PageV01P048 ### || AUTO المهدي المنتظر # طالعت في مجلة هدى الإسلام الغراء في عددها التاسع من سنتها الثالثة ~~اقتراحا من الأستاذ الفاضل السيد حسين إبراهيم موسى يدعو فيه صاحب المجلة ~~أن يلتمس مني إبانة رأيي في مسألتين: حديث: «شفاعتي لأمتي لأهل الكبائر من ~~أمتي»، وأحاديث ظهور المهدي، ورأيت الفاضل السيد صاحب المجلة يعزز ذلك ~~الاقتراح ويمتح من تمادي ما ينتزعه من العذب القراح، فأسأل من الله الذي ~~حسن بي ظنهما الإعانة على تحصيل ما يقنعهما. # فأما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر»، فإني أرجئ الجواب عنه إلى ما بعد، ~~وأما الآثار المروية في مجيء المهدي، فالخوض فيها أولى فنجعل ms038 الآخر ما له ~~تعلق بالآخرة والأول ما له تعلق بالأولى. ### ||| AUTO تمهيد # : # إن واجبات الدين ترجع إلى ثلاثة أنواع: اعتقادات، وأعمال، وآداب، وإن ~~التصديق بظهور المهدي في آخر الزمان لا ينزوي تحت تلك الأنواع؛ إذ ليس هو ~~من الأمور التي يجب اعتقادها في ضمن العقيدة الإسلامية، فسواء على المسلم ~~أن يعتقد ظهور المهدي أو يعتقد عدم ظهوره، وليس العلم بذلك من قبيل العلم ~~الواجب طلبه على الأعيان ولا على وجه الكفاية بحيث إذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين؛ إذ ليس العلم بذلك راجعا إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ~~ولا إلى ما يتبع ذلك مما يترتب عليه تحقيق وصف الإيمان عند طوائف المسلمين ~~أو عند بعضهم. # ولا هو من الأمور العملية؛ إذ ليس بعمل كما هو واضح، ولا يترتب عليه ~~اختلاف أحوال الأعمال الإسلامية، ولا هو من الأمور الراجعة إلى آداب ~~الشريعة التي يجب التحلي بها والتخلي عن أضدادها كأن يحب المسلم لأخيه ما ~~يحب لنفسه، وأن يجتنب الكبر والحسد والغيبة ونحوها. # فإذ قد خلا عن الاندراج تحت واحد من هذه الأنواع الثلاثة من أمور الدين ~~تبين PageV01P049 # أنه ليس مما يتعين على المسلمين العلم به واعتقاده وتمحض لأن يون مسألة ~~علمية من المسائل التي تتعلق بالمعارف الإسلامية التي يؤثر في شأنها خبر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن سلف علماء الأمة، فهي بمنزلة الخوض ~~في حديث موسى والخضر، أو في حديث ذي السويقتين من الحبشة الذي يخرب الكعبة ~~حجرا حجرا، أو في أشراط الساعة، أو نحو ذلك مما يبحث عنه علماء الأثر رواية ~~ودراية بمعنى أن يكون الخوض فيها خوضا علميا لتوسيع المعرفة والتحقيق ~~والتمحيص للعلوم الإسلامية لمن تفرغ لذلك، ولا يكون من متناول عامة ~~المسلمين؛ إذ ليسوا بمظنة السلوك في تلكم المسالك، وإنما اشتبه هذا المبحث ~~على بعض الناس بالمسائل الاعتقادية لسببين: # أحدهما: أنه لما كان متعلق هذا المبحث راجعا إلى التصديق بوقوع شيء أو ~~عدم وقوعه كان محله الاعتقاد والعقل، وكان من الواضح أنه ms039 ليس بعمل ولا أدب ~~فأشبه المسائل الاعتقادية ولكن شتان بين كون الشيء من مطلق المدركات بالعقل ~~وحاصلا اطمئنان القلب بوقوعه أو عدم وقوعه، وبين كونه من خصوص ما يجب ~~اعتقاده شرعا لتعلقه بتقوم حقيقة الإيمان والإسلام أو توقفهما عليه. # وبعد هذا فالواجب التنبيه إلى أن هذا المعلوم لو كان داخلا في العقيدة ~~الإسلامية التي يطالب المؤمنون بإثباتها لما كفى في إثباته أخبار الآحاد؛ ~~لأن الاعتقاد الديني مما يطلب فيه القطع واليقين، والقطع واليقين لا يحصل ~~في مثل الأمور الاعتقادية إلا بأحد أمرين: البرهان العقلي، والخبر الشرعي ~~القطعي، وهو ما كانت نسبته إلى الشرع قطعية وهو الخبر المتواتر مثل القرآن ~~وأخبار الرسول المتواترة بالنسبة لعصر الصحابة، ثم كانت دلالته على المراد ~~منه قطعية أيضا؛ كإيجاب الصلاة، وتحريم السرقة؛ إذ قد يكون الخبر مقطوعا ~~بصدوره من الله أو رسوله، ولكن معناه ليس مقطوعا به إذا لم يكن من قبيل ~~النص، بل كان من قبيل الظاهر الذي يحتمل معنيين: أحدهما راجح، أو من قبيل ~~المجمل الذي يحتمل معنيين على السواء، وهذا كثير تجد أمثلته فيما اختلف ~~علماء الأمة في المراد منه آيات القرآن. # وليس بين أيدينا الآن من المتواتر غير القرآن وما هو معلوم من الدين ~~بالضرورة. # وأما الأحاديث المتواترة فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر لتعذر ~~وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع عصور الرواة بيننا وبين PageV01P050 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أكثر الأحاديث رواة لا يعدو أن ~~يكون من المستفيض كما تقرر في أصول الفقه، من أجل ذلك لا تجد علماء أصول ~~الدين مشتغلين بهذه المسألة إلا أنك تجد في بعض كتبهم ما يشير إليها في ~~أثناء الكلام على مسائل الإمامة التي ألحقوها بمسائل أصول الدين وما هي ~~منها، كما قال إمام الحرمين في الإرشاد؛ لأن مسائل الإمامة قد اختلفت في ~~معظمها فرق المسلمين، وكان خلافهم فيها سببا في تفسيق بعضهم بعضا، وتكفير ~~بعضهم بعضا، فأشبهت الخلاف في أصل الاعتقاد الموجب لا مشاق الحسام، والتهمة ~~بالخروج ms040 عن دائرة الإسلام، كما فعل الحرورية والأزارقة في قولهم: «لا حكم ~~إلا لله». # وإذا تقصينا أقوال المثبتين للمهدي وجدناها ترجع إلى مذهبين: # أحدهما وهو الأشهر، مذهب الأمامية يقول: بأن المهدي الذي يخرج في آخر ~~الزمان هو موجود من قبل وهو مختف، وهذا المذهب قد تصدى أصحابنا إلى رده بما ~~لخصه النسفي في عقيدة أهل السنة؛ إذ قال: «ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهرا ~~لا مختفيا ولا منتظرا»، قال التفتازاني في شرحه: «وأنت خبير بأن اختفاء ~~الإمام يساوي عدمه في عدم حصول الأغراض المطلوبة من وجود الإمام، وأن خوفه ~~من الأعداء لا يوجب الاختفاء بحيث لا يوجد منه إلا الاسم، بل غاية الأمر أن ~~يوجب إخفاء دعوى الإمامة كما كان آباؤه الذين كانوا ظاهرين في الناس ولا ~~يدعون الإمامة» ا. ه. # المذهب الثاني مذهب القائلين بخروج المهدي آخر الزمان من غير دعوى أنه ~~موجود الآن ولا أنه مختف، وهذا قد قال به بعض أهل السنة وبعض الصوفية ~~استنادا للآثار المروية دون تمحيص؛ وذلك مما لصق بهم من أقوال الرافضة ~~والأمامية حين اختلط العلم، وليس اعتقادهم ذلك بشيء عظيم؛ إذ رضوه لأنفسهم ~~فإن اعتقاد مجيئه واعتقاد عدم مجيئه سواء. # فإن قال قائل: يترتب على تحقيق أمره عمل إسلامي وهو وجوب اتباعه عند ظهوره. # قلت: لهذه النزعة اختلف المختلفون وهم في غفلتهم يعمهون؛ فإن سمات الإمام ~~الذي يجب اتباعه لا يتوسمها المتوسمون بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ~~ولا بخفق أعلامه ولا بأفق ظهوره؛ فإن جميع ذلك يمكن تلبيسه وادعاؤه باطلا ~~كما PageV01P051 # وقع غير مرة. # إن الله بين لعلماء الأمة أحكام الملة بالقواعد والشروط فأغنى عن وضع ~~الملامح والرموز، فإمام العدل الذي تجب طاعته والدخول في حزبه وأنصاره، وهو ~~الذي استكمل شروط الإمامة والقدرة على حماية البيضة في وقت الحاجة إلى ذلك، ~~فتجتمع على أهليته الأمة ويأمن الناس أن تصيبهم من خروجه فتنة، فإن هو كان ~~كما شرطت الشريعة البيضاء النقية فهو في غنى عن الأخبار الملفقة والرموز ~~الجبرية، وإلا فخير له أن ms041 يختبئ في جحره كالخنفساء في الشتاء، وأن يستزيد ~~على ما أحضر له من عسل وماء، فلا يزال عاكفا على مزج واحتساء إلى أن يفعل ~~الله به ما يشاء. ### ||| AUTO كيف نشأ القول بالمهدي المنتظر؟ # نبتت قصة المهدي من عصف هشيم قصة الإمام المنتظر عند الشيعة، وأصل ذلك ~~كله أن شيعة الهاشميين لما أخفقوا في دعوتهم بعد تنازل سيدنا الحسن، ثم بعد ~~مقتل سيدنا الحسين? وبعد استتاب الأمر لبني أمية، وعلموا أن قوة العرب ~~أصبحت مع بني أمية لأسباب جمة ليس هذا محل بسطها، وأيسوا من نوال المقصود ~~بالعصبية العربية تفرقوا في البلاد على حنق وغيظ ودبروا لنجاح دعوتهم ~~بالسعي إليها من ناحية التأثير الديني وبالسعي إلى تكوين عصبية عجمية، وقد ~~علموا أن المسلمين كلهم من عرب وعجم لم يزالوا بإيمان صحيح وتعلق بدينهم ~~وشأن أهل الدعوات السياسية أن يتوسلوا لترويج أعمالهم بين العامة بالوسائل ~~الاعتقادية لعلمهم بأن عقول العامة تقصر عن إدراك الأدلة العقلية وعن توسم ~~عواقب الأمور، ويتوسلوا تلقيهم الأشياء المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار ~~من دون تأمل ولا إقامة برهان لثقتهم بأن ما يجيء في الدين هو أمر مقطوع ~~بصدقه سواء اطلعنا على دليله أو لم نطلع، فأصحاب الدعوة يسربون دعوتهم ~~للعموم من مسارب الاعتقاد الديني، وإنما تظهر مقدرة الدعاة في تمويه دعوتهم ~~بطلاء الأمور الدينية حتى لا يشك العموم في أن ما يدعونهم إليه هو من الدين ~~ولا حظ فيه لنفوس طالبيه، ويعززون ذلك بما يختلقونه منسوبا إلى إثارة علم ~~الأولين المنبئة بأن عاقبة الظفر والنجاح والنصر تكون لهم حتى يكونوا في ~~سعيهم على قوة أقل من النجاح فيحصل لهم اليقين بأنهم قد PageV01P052 # نجحوا في العاجلة والآجلة، وقد يجمع الدعاة في الصيغة الواحدة بين ~~الأمرين فينتحلون أخبارا معزوة للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنها مما ~~أخبر عنه الرسول من علم الغيب المقطوع بوقوعه فيحصل بذلك أثران في مؤثر ~~واحد، ومن شأنهم فيما يصنعونه من الأخبار أن يدسوا فيها ذكر أمارات تناسب ~~زمانهم أو حالهم أو أنسابهم ms042 أو مواطنهم أو اسم أحد من أئمتهم ليتبين كونهم ~~المقصود من ذلك الخبر، فإن أعوزهم ذلك لقبوا بعض دعاتهم بألقاب تواطئ ما ~~سبق من الأخبار، ولقد تصفحنا أنواع ما يعدونه لهذا الغرض فإذا هي ثلاثة أنواع: # النوع الأول: آثار مروية يرجعونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # النوع الثاني: أخبار غيبية يكتبونها بأيديهم ويعزونها امن ينسب إليه ~~الكشف أو التنبؤ بالغيب، ثم يبثونها في العامة ويعبرون عنها بالأجفار؛ ~~لأنها تكتب في رق جفر وهو الصغير من أولاد المعز. # النوع الثالث: أخبار اضطهاد فيها مبالغات أو مختلفة من أصلها، من شأنها ~~أن ترقق قلوب سامعيها على الجانب المضطهد علما بأن النفوس تميل إلى الضعيف ~~وإن ابتدأ بالظلم، وأن النفوس تتأثر بالشيء المشاهد، ولا تلتفت إلى ما غاب ~~عنها بتعاهد. # فإن تحققت أمانيهم من هذه الثلاثة فذاك، وإن خابت اختلفوا أخبارا يحيون ~~بها لأنصارهم الأمل ويدفعون بها عنهم الفشل حتى يعود نهوضهم بعد دهشة ~~الانهزام، وحتى لا تنقطع آمالهم في مستقبل الأيام، لما سقط في أيدي شيعة ~~الهاشميين، كما قلنا جعلوا الأمر لمن بقي من أبناء أمير المؤمنين سيدنا على ~~- رضي الله عنه - وهو السيد محمد الملقب بابن الحنفية. # وزعم غلاتهم أنه لم يمت ولا يموت حتى ينصر دين الله؛ ولأنه مختف بغار في ~~جبال رضوى ولقبوه بالمهدي، وقد قال في ذلك شاعر الشيعة إسماعيل الحميري: # ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة العدل الحق أربعة سواء # علي والثلاثة من بنيه ... نعم أسباطه والأوصياء PageV01P053 # فسبط سبط إيمان وحلم ... وسبط غيبته كربلاء # وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء # تغيب لا يرى فينا زمانا ... برضوى عنده عسل وماء # وله في استبطاء خروج المهدي المختفي أبيات منها: # ألا قل للموصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما # وقال جمهور الشيعة الأمامية: إن للسيد الحسن العسكري ولدا اسمه محمد، ~~وأنه اختفى صغيرا، وأنه لا يموت، وأنه المهدي المنتظر، وأنه سيخرج فيملأ ~~الأرض عدلا كما ملئت جورا، وفي اعتقادهم أنه لا يصلح جميع الناس حتى ms043 يخرج ~~المهدي، وأنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا، واتفق جمهور علماء الأنساب على ~~أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. # ومن اللطائف في هذا المقام الجارية مجرى الإفحام: ما وقع لأبي الفتح ~~المقدسي الشافعي مع أحد رؤساء الشيعة الأمامية، فإن الشيعي أخذ يشكو فساد ~~الخلق، وأن الأمر لا يصلح إلا بخروج المهدي المنتظر، فقال له المقدسي: هل ~~لخروجه ميقات معلوم؟ قال الشيعي: نعم، له ميقات معلوم، قال المقدسي: متى ~~يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق كلهم. قال المقدسي: فلماذا تكونون سببا في ~~حرمان الأمة من خروجه، قد فسد جميع الناس إلا إياكم فلو فسدتم واتبعتم ~~مذهبنا لخرج المهدي للناس، فلماذا لا تطلقونه من سجنه؟ فأفحم الشيعي. # تلقف السامعون قصة الإمام المنتظر فرام كل قائم بدولة أن يدخل تحت مظلتها ~~ويجعل أخبارها مطابقة لنزعته فإن هو روج ذلك بين طوائف من الناس قلب تلك ~~المظلة راية مبرزا للناس مؤيدا نحلته ورأيه، وقد قلت آنفا: إن من شأن الذين ~~يصنعون أخبار المهدي أن يدسوا فيها ذكر أمارات تناسب حالهم أو صفاتهم أو ~~أسماءهم أو مواطنهم، وربما ارتقوا إلى التصريح بأسماء بعض دعاتهم فإن ~~أعوزهم PageV01P054 # ذلك جعلوا للداعي لقبا يناسب انطباق ما سبق من مروي الأخبار إن كانت ~~الأخبار سابقة لوقت ظهورهم، فقد صنع أصحاب الدعوة الهاشمية في خراسان حديثا ~~عن ابن مسعود، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذرفت ~~عيناه وتغير لونه، قال فقلت: ما نزال نوى في وجهك شيئا نكرهه، فقال: «إنا ~~أهل البيت اختار الله لنا الآخرة ثم الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء ~~وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير ~~فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون» الخ. # فانظر إلى كلمة (تشريد) المنطبق على المستعصين من بني هاشم بخراسان، وإلى ~~كلمة (من قبل المشرق) فإن بلاد فارس شرق بلاد العرب، وإلى (الرايات السود)، ~~فإنها شعار ms044 أصحاب الدعوة الهاشمية المتمحضة بعد في العباسية، وقريب من هذا ~~جميع الآثار المروية في أن المهدي من أبناء العباس، وأن الحق معه ومع أصحاب ~~الرايات السود ومع الخارجين من المشرق أو من بلاد مصرح بأسمائها من بلدان ~~فارس، فقد كان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بالمدينة يتطلع إلى ~~الخلافة ويزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها في مكة في آخر مدة مروان بن ~~محمد الأموي، وأنه هو الرضي من آل البيت. # ولما حج المنصور بالناس في خلافة أخيه السفاح طلب محمد بن عبد الله ابن ~~الحسن في المدينة فاختفى محمد، ثم في خلافة المنصور لم يزل محمد بن عبد ~~الله بن الحسن المثنى مختفيا في شعاب جبل رضوى من بلاد جهينة، فمن هنا دخل ~~ذكر جبل رضوى في قصة المهدي المنتظر واختلطت القصة من عدة حوادث، وأيضا نرى ~~أبا جعفر المنصور وقد لقب ابنه محمدا بالمهدي وأخذ له العهد بالخلافة ~~وساعده أنه سمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن أباه سمي أبى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان من روايات حديث المهدي الرواية ~~القائلة: لما يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي كما سيأتي، فالمهدي ~~العباسي أول من تلقب بالمهدي وتطلع إلى أن يكون هو المعني من الأخبار ~~المروية في شأن القائم المنتظر، وقد كان لصنيعه ذلك فائدته المطلوبة؛ إذ قد ~~انقطعت عند بيعته مطالع العلويين المزاحمين للعباسيين في الخلافة من أواخر ~~مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ثم انتحل هذا اللقب أناس من ~~الثائرين والناجمين في الممالك والأمم مثل المهدي: الذي قام بالدعوة ~~العبيدية في إفريقية ودبر الثورة على الدولة الأغلبية، ومثل المهدي: ابن ~~تومرت الذي قام بدعوة الدولة PageV01P055 # الموحدية بإفريقية، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبره، ~~وزعم أصحابه أنه اختفى فلا يظهر إلا في زمن مرقوب. ### ||| AUTO الآثار المروية في المهدي # : # لقد كثرت ### ||| AUTO الآثار المروية في المهدي # المتضمنة أنه يجي في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا مبعد ms045 أن ملئت جورا، ~~وربما خلا بعضها عن ذكر وصف المهدي؛ ولكنه يذكر من صفاته ما يوافق الصفة ~~التي ذكرت في الأحاديث المذكور فيها وصف المهدي، وقد أسندها رواتها إلى ~~ثمانية عشر من الصحابة وهم عثمان وعلي وطلحة وعبد الله بن مسعود وعائشة وأم ~~سلمة وأم حبيبة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبو هريرة وعبد الله بن عمر ~~وأبو أيوب وحذيفة وأبو أمامة وعمران بن حصين وثوبان مولى رسول الله وقرة بن ~~إياس وعبد الله بن الحارث بأسانيد مختلفة. # ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان: # قسم اختلف أئمة الحديث ونقد الرجال اختلافا متكافئا في تعديلهم وتجريحهم، ~~وأسانيدهم هي أمثل أسانيد هذه الآثار، وتلك هي التي رواها الترمذي وأبو ~~داود وابن ماجه ومجموعها ثمانية طرق سنذكرها. # وقسم يأبى جمهور أهل النقد قبولهم وهم الذين انفردت بإخراج أحاديثهم في ~~هذا الشأن المصنفات المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، ~~والتساهل في قبول الرواة مثل: معاجم الطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي، ~~وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم. # ونحن نقتصر هنا على أسانيد القسم الأول فإنها أشبه ما روي في هذا الشأن ~~ونترك بقيتها الكثيرة تجنبا للتطويل، ومجموع أسانيد القسم الأول يرجع إلى ~~ثمانية طرق: # الطريق الأول: روى الترمذي وأبو داود من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن ~~حبيش إلى ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من ~~الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم ثم اتفقوا حتى يبعث الله فيه رجلا من ~~أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». # الطريق الثاني: روى أبو داود من طريق فطر بن خليفة بسنده إلى علي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا ~~من أهل بيتي يملؤها PageV01P056 # عدلا كما ملئت جورا». # الطريق الثالث: روى أبو داود من طريق علي بن نفيل بسنده إلى أم سلمة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «المهدي من عترتي ms046 من ولد فاطمة». # الطريق الرابع: روى أبو داود من طريق عمران القطان إلى أبي سعيد الخدري ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى ~~الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين». # الطريق الخامس: روى الترمذي وابن ماجه من طريق زيد العمي إلى أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن في أمتي المهدي يخرج ~~يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا من سنين فيجيء إليه رجل، فيقول: يا مهدي أعطني، ~~قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» وفي بعض رواياته زيادة قليلة. # الطريق السادس: روى ابن ماجه من طريق ياسين العجلي إلى علي أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة». # الطريق السابع: روى ابن ماجه من طريق فيه عبد الرزاق بن همام إلى ثوبان ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ~~ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق ~~فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئا لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه ~~فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». # الطريق الثامن: روى ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة إلى عبد الله ابن ~~الحارث الصحابي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج ناس من ~~المشرق فيوطئون للمهدي». # وهذه الطرق كملها متكلم فيها: فأما الأول ففيه عاصم بن بهدلة المعروف ~~بابن أبي النجود عن زر بن حبيش، وقد ضعفه من جهة ضبطه وحفظه ابن سعد ويعقوب ~~وأبو حاتم وابن علية وابن حراش والعقيلي ويحيي القطان، وضعفه العجلي في ~~روايته عن زر بن حبيش؛ ولذلك لم يخرج له البخاري ومسلم إلا مقرونا بغيره، PageV01P057 # فحديثه قيل حسن لا يبلغ مرتبة الصحة، وقيل: دون الحسن وهو الظاهر الجاري ~~على قاعدة الحديث الحسن وإن كان الترمذي وسمه بالحسن والصحة، قلت: على أنه ~~ليس فيه ذكر ms047 المهدي، ولكن ذكر رجل من آل البيت يلي أمر المسلمين. # وأما الطريق الثاني ففيه فطر بن خليفة، وقد طعن فيه أحمد بن عبد الله بن ~~يونس والدارقطني وابن عياش والجرجاني، على أنه ليس فيه ذكر المهدي. # واما الطريق الثالث ففيه علي بن نفيل، وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي وابن ~~عدي في الكامل بنقل المقدسي في ذخيرة الحفاظ. # وأما الطريق الرابع ففيه عمران القطان، وقد ضعفه ابن معين والنسائي، وطعن ~~فيه يزيد بن زريع بأنه كان حروريا أي: من الخوارج الغلاة. # وأما الطريق الخامس ففيه زيد العمي، وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي وابن عدي ~~وابن معين وأبو زرعة. # وأما الطريق السادس ففيه ياسين العجلي، وقد ضعفه البخاري وابن عدي، وقال: ~~إنه يعرف بهذا الحديث حديث المهدي. # وأما الطريق السابع ففيه عبد الرزاق بن همام، وقد ابتدع في آخر عمره ولا ~~يحتج بغير ما هو في مسنده، وهذا الحديث لم يذكروا أنه في مسند عبد الرزاق ~~بل هو مما روي عنه من غير مسنده. # وأما الطريق الثامن ففيه عبد الله بن لهيعة، وقد ضعفه ابن معين ووكيع ~~ويحيي القطان وابن مهدي. ### |||| AUTO الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث # : # إذا علمت حال أسانيد هذه الأخبار المروية في سنن أبي داود والترمذي وابن ~~ماجه علمت أنها ليست من مرتبة الأحاديث الصحيحة ولا هي من مرتبة الحسن؛ إذ ~~لم تستوف شرط الحسن، وهو أن يكون رجال سنده سالمين من التهمة، معروفين ~~بالضبط، مقبولي الحديث لكنهم لم يصلوا في تمام الضبط إلى مرتبة أهل الصحيح، ~~فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف؛ لأن أسانيدها لم تسلم من ~~الاشتمال على راو ضعيف، وبعض رواة أسانيدها مطعون فيهم، وأن من تكلم فيه ~~منهم وإن كانوا قد قبلهم بعض أهل النقد فقد ردهم بعضهم فتعارض فيهم الجرح ~~والتعديل والرد والقبول، وقد استقر عند علماء الحديث وأصول الفقه أن PageV01P058 # الجرح إذا صدر من أهل المعرفة مقدم على التعديل الصادر منهم فيقدم الجرح، ~~ولدى غير الطائفتين المجرحين والمعدلين، أي: ms048 لدى من يعتمد على أقوال أئمة ~~هذا العلم، وهذه القاعدة مسلمة معمول بها. # ولم يزل أئمة العلماء مثل: مالك وأصحابه والبخاري ومسلم يتحرون في أخذ ~~الحديث أن يكون من أهل العدالة والضبط والبصر بالرجال، وقد ترجم مسلم في ~~مقدمة صحيحه باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ومن يرغب عن حديثهم، وأن ~~الإسناد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو من أسس الدين فلا يقبل فيه ~~إلا الثقات الأثبات، وروي عن ابن سيرين أنه قال: «إن هذا الحديث دين ~~فانظروا عمن تأخذون دينكم»، وروى ابن وهب عن مالك رحمه الله أنه قال: أدركت ~~بالمدينة أقواما لو استسقى بهم القطر لسقوا قد سمعوا الحديث كثيرا ما حدثت ~~عن أحد منهم شيئا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد وهذا الشأن ~~(يعني: الحديث) يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وإتقان وفهم وعلم، فيعلم ما ~~يخرج من رأسه وما يصل إليه غدا. # وروى مسلم عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: لم نر أهل الخير في شيء أكذب ~~منهم في الحديث (يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط وحسن ظن بمن يروي لهم شيئا ~~إلا عن عمد؛ إذ لو كان عن عمد لم يكونوا أهل الخير). # وقد قرر أئمة الحديث أن أسباب الوضع كثيرة، منها: الافتراء والنسيان ~~والغلط، ومنها: التعمد عن حسن نية باعتقاد أن فيما يرويه حمل الناس على فعل ~~الخير كما قال بعض الوضاعين لما قيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، فقال: إنما كذبت له لا ~~عليه، ويكون لتأييد المذاهب والآراء، وأن ستور التمويه والتلبيس في أحوال ~~الرواة وأسمائهم الخلابة أصناف منها الخصيب ومنها الشفاف. # واتفق علماء السنة على عدم قبول الحديث الضعيف فيما عدا فضائل الأعمال، ~~واختلفوا في قبوله في خصوص فضائل الأعمال بناء على أن فضائل الأعمال داخلة ~~تحت كليات شرعية هي الشاهدة لقبولها بوجه كلي فلا يفيدها الحديث الضعيف إلا ~~تعيين وقت أو عدد. ### |||| AUTO الرأي فيها ms049 من جهة النظر # : # لعل فيما مهدته أول هذا المقال مقنعا للفظه لا تفوته معه الدواعي الوافرة ~~التي PageV01P059 # بعثت على ظهور هذه الأخبار بين الناس وتطايرها في الآفاق وكثرة رواتها. # وأزيد هنا ما هو أخص بغرضنا وهو أن أخبار المهدي لو كانت من الشهرة ~~الصحيحة بالحال التي نشاهد عليه أسانيدها من عزوها إلى رواية ثمانية عشر من ~~الصحابة بأسانيد مختلفة، وكانت تلك النسبة حقا وأسانيدها مقبولة لما فات ~~جميعها أو بعضها الإمامين الجليلين البخاري ومسلم في صحيحهما المجعولين ~~لرواية ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع أنحاء العلم حتى ~~كيفية الأكل والاضطجاع؛ إذ لا يجوز أن يفوت مثلهما في إحاطتهما وحفظهما ~~وخبرتهما بالرجال حديث بلغ من الشهرة ذلك المبلغ لو كانت شهرة صادقة. # ومن هنا نتيقن إلى مغمز لطيف وهو أن كثرة أسانيد هذا الحديث ورواياته مما ~~يثير لنا ريبة قوية في حرص مشيعيه على رواجه بين الناس فيكتسب بتلك الطرق ~~المختلفة شهرة وقوة حتى يطمئن له عامة المسلمين، وهل نظن أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الذي سكت عن التعرض للخلافة من بعده مع عظم أمرها ~~وشرف منصبها في الدين ومع ما يتوقع من الفتنة بين المسلمين عقب وفاة الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - لولا أن عصم الله هذه الأمة ببركة نبيها حتى التجأ ~~كبراء الصحابة يوم السقيفة إلى استنباط شروط الخليفة من طريق ترسم إشارات ~~أفعال رسول الله في حياته، مثل: وصايته بالأنصار ولم يوص بالمهاجرين، ومثل ~~تقديمه أبا بكر للصلاة في مرضه، ومن طريق المصلحة العامة مثل قول أبي بكر: ~~«إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش» أيترك رسول الله ذلك كله ويهتم ~~ببيان قائم يقوم في أمته في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا. # هذا حال أمثل الروايات في شأن المهدي، وخلاصة القول فيها من جهة النظر: ~~إنها مستبعدة مسترابة، وإننا لو سلمنا جدلا بارتفاعها على رتبة الضعف؛ فإنا ~~لا نستثمر منها عقيدة لازمة ولا مأمورات مندوبة ms050 بله الجازمة. # أما بقية الآثار المروية في هذا الشأن مما هو نازل في الضعف عن مرتبة هذه ~~الطريق وتلك، ما زادتها كثرتها إلا اضطرابا وتناقضا وندا على قصد صانعيها، ~~هذا ملاك حالها ولا حاجة إلى التطويل بتشخيص ذلك تفصيلا، فمن شاء فليرجع ~~إليها في مظانها، فإذا تأملها تأمل الناقد البصير وجد مخيلة التحزب ~~والعصبية واضحة فيها، ووجد معظمها يرمي إلى اليأس من نجاح أمر الأمة على ~~أيدي خلفاء بني أمية وأنها PageV01P060 # لا نجاح لها إلا بولاة من بني هاشم وأنصارهم، ثم وجد جميعها لا يعدو خدمة ~~ثلاثة أحزاب، فقسم يلمح إلى العلويين وهو معظمها، وقسم يلوح إلى العباسيين، ~~وقسم بقي مطلقا لبني هاشم، ومن هذا القسم ما يظهر أنه قصد منه الانتصار ~~للزبيرية والقصد من ذلك الحط من الأمويين، ومن العجب أنك تجد في بعض ~~رواياتها التجاوز إلى تعيين المقصود الأخص من منحليها، فبعضها يسمي القبائل ~~مثل: تميم وكلب وأهل الشام وأهل العراق، وبعضها يسمي البلاد: مكة والمدينة ~~والشام والعراق والكوفة والزوراء ودمشق وبيت المقدس وطبرية والأردن ومصر ~~والقسطنطينية وكركة وخراسان وإصطخر والمشرق، وبعضها يسمي الأشخاص: السفياني ~~والقحطاني والنفس الزكية والمنصور والسفاح وشعيب بن صالح التميمي، وكثير ~~منها تصرح بأن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله، فإذا رجعت إلى ما قدمته ~~لك في التمهيد لم يعوزك التحكم في شأنها فبصرك اليوم حديد. # وهذا المبحث على تقادم عهده وإخفاق زنده هو من المباحث التي رأى للمسلمين ~~الإعراض عن الاشتغال بها تعضيدا أو تزييفا، وأعجب لتفاقم الجدال في شأنها، ~~وشأنه أن يكون خفيفا؛ إذ هي مسألة لا تفيدهم عملا في دينهم ولا في دنياهم، ~~فما كان لها من الأهمية لدى طوائفهم أن تكون شغل أولاهم وأخراهم، ولكن حين ~~عن فيها الجدال وكثر القيل والقال فحقيق بالعلم عندئذ إظهار سلطانه، ليحق ~~الحق ويدع الباطل راسبا في أشطانه. # * * * PageV01P061 ### || AUTO درس في موطأ الإمام مالك - رضي الله عنه - جامع القضاء وكراهيته # «مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن ms051 هلم إلى ~~الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان ~~عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت ~~متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار، فكان أبو الدرداء إذا قضى بين ~~اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا قصتكما. متطبب، ~~والله». # لم يترك الإمام رحمه الله تعالى في تبوبيه هذا حقا من المناسبة في ~~التبويب إلا قضاه؛ إذ أخر التحذير من القضاء إلى آخر كتاب الأقضية، واستهل ~~كتاب الأقضية بالترغيب في القضاء بالحق، آثر بذلك التقديم وهذا التأخير ~~ترتبا طبيعيا من وجهين: # أولهما: أن الناس لو سلك بهم مسلك الاقتصار على الترهيب من القضاء ثم ~~تمشي ذلك في عقول العلماء العدول، فعافت نفوسهم القضاء وتمالؤوا على التقصي ~~منه لكان من أثر ذلك أن يصبح الناس فوضى ويرجعوا إلى الهمجية الأولى يقتصون ~~لأنفسهم تلك الهمجية التي كان من جهد الشريعة إبعاد الناس عنها، قال ~~الحماسي: # فلسنا كما كنتم تصيبون سلة ... فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا # ولكن حكم السيف فينا مسلط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا # من أجل ذلك جاء بالترغيب في القضاء بالحق، كأنه يأخذ بيد الخائف الوجل من ~~هذا الأمر، ويطل به عليه يبين له أن إكباره خيال كبير، وأن المرء إذا شاء ~~إجراء العدل كان يلي بولايته القضاء أكبر خطة وأصلحها للكون، ثم جاء الإمام ~~في آخر كتاب الأقضية بالترهيب منه؛ إيقاظا لنفوس ربما خامرها الذهول ~~فاستهونت أمره بعد استكباره ولم ترقب حق الله من الاحتياط فيه وأخرج في هذا ~~الأخير هاتيكم الكلمة الفذة كلمة سلمان - رضي الله عنه -. # وثانيهما: يناسب حال المرء الذي يلي القضاء أي أن يكون مكتوبا على هذا PageV01P062 # السطر القويم فتكون رهبته من القضاء بعد ولايته أشد من نفوره عنه من قبل، ~~فإن الولاية ربما خيبت أماني وبدلت أخلاقا، قد تغر بوارق البرق فيظن سحابه ~~ماطرا وما هو إلا جهام لا ينشئ إلا غما للكون وساكنيه، وحرارة يوقدها برقه ~~الخلب ms052 فيه: # خلق أفادته الولاية أنها ... خلق يغير أهله ويبدل # أراد الله تعالى عمران هذا الكون ففطر البشر على الدأب نحو استحصال ~~منافعه، وإجابة طلبات نفسه تلك الفطرة التي هي أصل التسابق لاقتضاء ما ~~يستتب به العمران، ولكن هاته الفطرة كانت بحكم الضرورة ميالة إلى استلاب ~~المنافع من أيدي أصحابها وروم انضمامها إلى المصالح الذاتية إحساسا يجده ~~الحي في نفسه ويسمعه يوحي إليه في باطنه أن لو استطعت أن تملك الدنيا فافعل ~~بما أمكن أن يسعى المرء في نيل ما يحب، ولكنه سيجد المدافع عن أخذ ما بيده ~~فيضطر إلى الفكر في استخراج ما يطلب من غير يد مالكه بأن يسعى إليه من جهة ~~لم يسبق عليها، تلك جهة الإحياء والاختراع التي لا ينطفئ نبراسها من الأمم ~~ولكنه ينوس بمقدار الحاجة الداعية كما قيل: «الحاجة أم الاختراع» ولن ~~النفوس من قبل أميل إلى الدعة والراحة وأعشق إلى الشيء المشاهد الحاصل؛ ~~فلذلك يكون ميلها إلى استلاب المملوكات أسبق من تفكرها في ابتداع ما ~~تشتهيه. # هكذا كان يجري هذا بين الأفراد في خاصتها والقوم في قراها والأمم في ~~وحدتها والذي يظهره لكم في مظهر واضح اختلاف الملوك والفاتحين في توسيع ~~الممالك وطموح كل أمة إلى تعميرها الأرض وفناء ما سواها بالوجه الذي تراه، ~~فكان التدافع بين أفراد النوع لذلك طبيعيا ناشئا عن تحرك القوتين الشاهية ~~والغاضبة عند التزاحم في مزدحم الحياة، وكذلك تكون المصالح غالبا غير سالمة ~~من أضرار تعقبها هي منها بمنزلة ما تشتمل عليه الثمرة الطيبة من البذور ~~والحلفايات، فللتشريع في هذا أن ينظر بعد اقتضاء المصلحة العمرانية إلى ما ~~تخلفه فيكفي الناس مضرته بوجه تسلم به تلك المصلحة من الأضرار، هذا الوجه ~~هو حماية الحقوق، أي: رد يد الظالم عن تناول ما للغير بدون رضى، وهو أمر ~~حسن توافق عليه الفطرة ما دامت غير مستهواة لهوى غالب في جزئية خاصة، ولا ~~تستقل أمة عن الحاجة إليه مهما بلغت من الرقي، فإن الأمم المنحطة لا يمكنها ~~الوصول إلى إيفاء الحقوق أهلها، ms053 فضرورتها إلى القضاء ليست بالأمر الخفي، ~~وأما الراقية فإنها تتألف من جماعات فاضلة ومن أضدادها، فلا غنى بها عن ~~تأسيس قواعد العدل لإصلاح الدهماء، ولإقناع الحكماء والعلماء؛ PageV01P063 # لأن هؤلاء وإن كانوا يعرفون العدل ويجزمون بحسنه إلا أنهم في الأحوال ~~الخاصة مأسورة للشهوة أو الغضب، فكأنهم يحبون أن يكونوا في تلك الحالة ~~الخاصة استثناء من هاته المصلحة الكلية لما يغلب من الهوى على التعقل، ~~وهكذا يبقى ذو الهوى في كل مسألة يحب الاستثناء، فإذا جاءت النوبة غيره أحب ~~أن يكون مستثنى أيضا وأغراه الطمع أن يقاس على سالفه؛ فكان العدل إذن أصل ~~العمران وبه قامت الأرض ودامت الدولات، وكان أهم ما ينشأ عنه صفتين إن هما ~~تحققتا سعدت الأمة ودام بقاؤها ألا وهما: الحرية والأخوة. # فإن الحرية إن لم يكن معها عدل ذبلت حتى تساقط إلى الحضيض؛ إذ حقيقتها أن ~~يأخذ المرء بكل حقوقه، وأن يفي بجميع حقوق غيره، وأن يصدع بآرائه، وهذا كله ~~لا يكون بغير العدل، كيف يجد المرء بغير العدل الأخذ بكل حقوقه وهو يرى ~~الكثير منها مستترا في حصون العظماء، فلا تستطيع يده وصولا إليه ولا فمه أن ~~يبدي حنينا إليه؟ أم كيف يمكنه أن يسلم حقوق غيره وهو إن ترك أخذ حقه وزاد، ~~فسلم للناس حقوقهم رجعت كفه صفرا فلم يجد في حياته ما يتخذه ذخرا؟ وكيف ~~يمكنه التجاهر برأيه وهو يعلم أن كلمة تغضب زيدا وعملا يسوء عمرا فلا يأمن ~~من الأذى بأصنافه؟ وبهذا ينمحي تغيير المنكر والأمر بالمعروف من الناس؛ ذلك ~~الوصف الذي إن فقدوه فسدوا وذلوا، قال عمر بن الخطاب لأبي مريم الحنفي ~~يوما: إني أبغضك لأن قتلت أخي زيدا، قال أبو مريم: يا أمير المؤمنين هل ~~يعدمني بغضك إياي حقا لي في الإسلام؟ قال عمر: اللهم لا، قال أبو مريم: ~~إذن، لا يرغب في الحب إلا النساء. # أما التآخي فضروري أنه لا يحصل ما دامت الأمة متنافرة، هذا يسلب حقا ~~والآخر يسترجعه، وثالث يرى سلب الأول إياه ملكا، فيثأر بحب أخذه من ms054 يد ~~مسترجعه، وكذلك يكون أمرهم تنازعا حتى يفشلوا وتذهب ريحهم، قال تعالى: ~~{إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» فانظر كيف قرن بين الأخوة ونفي الظلم. # لعل في هذا المقدار مقنعا لكم إن أردتم أن تعرفوا مرتبة القضاء بالحق ~~ومكانه من الفضيلة، قال ابن فرحون: «اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا ~~بالغوا في الترهيب من الدخول في ولاية القضاء ... ورغبوا في الإعراض عنها ~~حتى تقرر في ذهن كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه ~~دينه، وهذا غلط فاحش PageV01P064 # يجب الرجوع عنه والتوبة منه. # واعلم أن ما جاء من الآثار التي فيها تخويف ووعيد فإنما هو في حق قضاة ~~الجور العلماء أو الجهال الذين يزجون بأنفسهم في هذا المنصب بغير علم، وأما ~~قولهم: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين»، فهو بمعنى المجاهدة للنفس وهو ~~دليل على فضيلة من قضى بالحق إذ جعله ذبيح الحق»، وقوله: تجب التوبة منه ~~صحيح؛ لأنه يجر إلى تنقص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان القضاء ~~من تصرفاته وتصرفات خلفائه المتأسين به في سنته، وبه يعلم سر ما أخرجه ~~الإمام رحمه الله في هذا الكتاب تحت ترجمة الترغيب في القضاء بالحق حديث: ~~«إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع» لينبه على أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان قاضيا بين الناس، ثم كان القضاء من شأن الخلفاء الراشدين، فلما ~~آلت الخلافة إلى من لم يكن لهم من العلم بالسنة مكانة تخولهم السلامة من ~~الخطأ غالبا آل ذلك إلى إسنادهم هذه الولاية إلى أحد العلماء المسلم لهم ~~العلم والعدل ليأمنوا يوم القيامة حمل حسابهم، أما إن بعدت الأقطار فإن من ~~السنة إرسال القضاة تخفيفا من مشقة المتداعين وسرعة بإنفاذ الحق المبين، ~~استقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا باليمن، وأول من استقضى ~~بالمصر من ms055 الخلفاء علي - رضي الله عنه - استقضى شريحا بالكوفة أيام شغلته ~~الخوارج بحروبها. # «مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هلم إلى ~~الأرض المقدسة». # أبو الدرداء هو عويمر بن عامر الخزرجي أحد الثلاثة الذين نزلوا دمشق من ~~الصحابة مع بلال ومعاوية، توفي سنة (31 ه) ولي قضاء القدس في خلافة عثمان ~~وأمير الشام يومئذ معاوية، وقيل بل ولاه عمر، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «حكيم أمتي أبو الدرداء»، وسلمان هو سلمان الفارسي من ~~رامهرمز. # قال في الاستيعاب: شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة في ~~قوله: «لو كان الدين أو العلم بالثريا لناله سلمان» وفي رواية: «رجل من ~~فارس» والمراد به سلمان، توفي سنة (35 ه)، شهد وقعة الأحزاب وهو الذي أشار ~~أن تحصن المدينة بخندق يحيط PageV01P065 # بها، سلمان وأبو الدرداء آخى بينهما النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~آخى بين المهاجرين والأنصار، وقد ورد دخول سلمان بين أبي الدرداء وأنه وجد ~~أم الدرداء متبذلة وأنه لام أبا الدرداء على ذلك، وهما من الأربعة الذين ~~شهد لهم معاذ، إذ قال: اطلبوا العلم عند أربعة رهط عند: عويمر أبي الدرداء، ~~وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وباعتبار الشهادة ~~النبوية لأبي الدرداء وسلمان يكون الحوار الذي دار بينهما ملحقا بالحديث ~~النبوي؛ إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما. # وهلم: اسم فعل بمعنى أقبل إلي، يلازم حالة واحدة فلا يتغير باختلاف ~~المخاطب به من تعدد أو تأنيث، استوفد أبو الدرداء سلمان لمساكنته رغبة في ~~جوار أهل الفضل من الأخلاء؛ لأنهم رهط الرجل الذين يعتضد بهم وهم أنفع إليه ~~من أقاربه المنافرين لشربه، فالعاقل في مواصلة أهل رأيه أرغب منه في مجاورة ~~أهل نسبه، وكذلك يكون الجوار خلة متى جلبه الود والاصطحاب، سئل الحكيم: أي ~~الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. # قال أبو الوليد الباجي في المنتقى: «قول أبي الدرداء: أن هلم ms056 إلى الأرض ~~المقدسة يريد المطهرة، والمقدس في كلام العرب المطهر، وإنما أراد موضعا من ~~الشام يسمى المقدس، ومنه سمي مسجد إيليا: البيت المقدس، ومعناه: أنه مطهر ~~مما كان فيه غيره من الكفر، وكان ذلك في وقت من الأوقات فلزمه الوصف بذلك، ~~ويحتمل أن يكون معنى تقديسها أنها تطهر من الذنوب والخطايا، فيكون المعنى: ~~المقدس أهله، ويدل على هذا قول سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، فيكون إنما ~~وصف أهل بيت المقدس بذلك في زمان عملوا فيه بالطاعة، وكان كثير منهم أنبياء ~~وسائرهم أتباع لهم» ا. ه. # وأقول: تقديس البقاع مثل تقديس الأوقات هو أمر جعلي من الله تعالى تبعا ~~لما رسم لها من إيقاع الأعمال الصالحة التي أهمها التوحيد، وقد كان المسجد ~~المقدس ثاني بيت وضع للناس لإعلان توحيد الله وتنزيهه وذلك أساس فضائل ~~الأعمال. # (فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس أحدا) لم يشتمل جواب سلمان على تقرير ~~لما يخالف اعتقاده كالذي تشتمل عليه مخاطبات الناس ورسائلهم من الإطراء لما ~~قد يعتقده المرء فاسدا بعلة المداهنة التي علق عليها الناس اسم المداراة، ~~فعدموا بذلك فائدة النصيحة والتواصي بالحق؛ ذلك أن سلمان وأمثاله صدقوا ما ~~عاهدوا الله من بذل النصيحة لكل مسلم، وكذلك يكون الأمر بين أقوياء النفوس ~~وراجحي الأحلام PageV01P066 # أن لا يكتموا شيئا يرون منه صلاحا ونصحا؛ لأن الكذب هو علة انقلاب ~~الحقائق وموجب ارتفاع الاطمئنان؛ وذلك يسبب التخاذل والتفريق فللا يرجى ~~اتحاد ما دام هذا سائدا في أمة. # «قوله: إن الأرض لا تقدس أحدا» هو رد لما تضمنه كلام أبي الدرداء حين ~~دعاه إلى سكني الأرض المقدسة؛ لأن الصفة تؤذن بالتعليل فيتضمن انه يكتسب من ~~السكنى بها تقديسا في نفسه، وقصد سلمان أن يدفع ما وقر في صدور الناس من ~~الشعور بأن المرء قد تغني عنه ملابساته حتى الأرض التي هو فيها، وأبو ~~الدرداء وإن كان منزها في نظر سلمان عن اعتقاد هذا لعلمه وصحبته ولكنه رأى ~~لسانه جرى على ما تجري به ألسنة العموم أو أنه رام ms057 ترغيبه في القرب منه ~~بمرغب ما، وهو فضل الأرض التي يسكنها استكمالا للفضيلة. # «وإنما يقدس الإنسان عمله» جاء بقضية كلية بعد أن نفى التقديس في جزئية؛ ~~لأن تلك الجزئية المنفية ليست أولى الجزئيات بثبوت الحكم بحيث إن نفي عنها ~~اقتنع المتكلم عن نفي ما عداها من الجزئيات، ما الشبهة فيه أشد والخطأ إليه ~~أسرع نحو قرابة من المقدس أو صلة به، فأورد هذا الحصر بإنما تنبيها على ~~تعميم القضية، فقصر بذلك صفة تقديس الإنسان على العمل لا تتجاوزه إلى غيره ~~وهو قصر حقيقي، وليس ورود القصر بعد النفي بجاعله إضافيا؛ لأن النفي إنما ~~يلمح إلى الاعتقاد المردود الباعث على سلوك طريق القصر، على أن النفي هنا ~~متقدم وهو عند التقديم صريح في أنه الداعي إلى الخطاب بالقصر يفيد ووزانه ~~وزان «إنما الولاء لمن أعتق» بعد كلام أشار إلى أن البائع لا يستحقه؛ ولذا ~~اتفق جمهور الفقهاء على أن لا ولاء إلا لمن أعتق. # «وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي» أشار إلى ولاية أبي الدرداء قضاء بلد ~~القدس، ومراد سلمان ظاهر؛ إذ قد علم أبو الدرداء أنه لم يكن طبيبا فهو يعلم ~~أن سلمان أراد تمثيل حاله في القضاء بحال الطبيب أو المتطبب، وسمي القاضي ~~طبيبا على طريقة الاستعارة لمشابهة القاضي الطبيب في إصلاح حال البشر ~~وإزالة أدواء الظلم، فإن كان الطب يصلح مزاج المرضى، فالقضاء بالحق يصلح ~~مزاج العالم أجمع، كما قال الله تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} [المائدة: 32]؛ لأن الناس إن اطرد بينهم القضاء بالحق زالت طماعيتهم ~~في استلاب PageV01P067 # حقوق الغير فاستقاموا من تلقاء أنفسهم متى علموا أن لا غاية يجتنبونها من ~~وراء الظلم، فأما متى كان القضاء مختلا، فغن للظالم أمنية الانزواء تحت ~~التخفيف، هب أن الجوار كان يقضي أن يشدد على البري تارة فغن ذلك لا يرفع ~~المظالم؛ لأن النفوس عند الشهوات تتمسك بالطمع، ولهذا حظرت الشريعة الشفاعة ~~لمن بلغ الإمام في الحدود وغيرها، وجاء بكلمة «تداوي» ترشيحا للاستعارة ~~وإيماء إلى وجه الشبه؛ إذ كانت ms058 الاستعارة من الغرابة بالمكان الذي ربما ~~أبهم أمرهم على السامع. # «فإن كنت تبرئ» طرد الاستعارة، ومن محاسن التشبيه: أن يكون مطردا في جميع ~~أصوله وفروعه، وأراد بكونه يبرئ المقدرة على إصابة الحق، وحمل الناس عليه ~~بتنفيذه فيهم، وتحمل مصاعب القضاء التي أقل ما فيها أنه يقضي على ذويه ~~وأصحابه وهو كاره وهم كارهون. # قال الباجي: «يريد بالإبراء إصابة الحق ورفع الباطل؛ لأن الباطل هو الداء ~~الذي يسأل عنه المفتي لإزالته». # «فنعما لك»: نعم: فعل غير متصرف عند محققي النحاة، وتدخل عليها (ما) التي ~~هي في الأصل معرفة غير موصولة هي بمعنى الشيء، فتدغم ميم (نعم) في ميم ~~(ما)، والغالب أن يقع بعدها ضمير مخصوص بالمدح نحو قوله تعالى: {فنعما هي} ~~[البقرة: 271]، فإن وقع فعل بعد (ما) صارت موصولة نحو: {إن الله نعما يعظكم ~~به} [النساء: 58]، فلا يذكر بعدها مخصوص بالمدح استغناء عنه بما أشعر به من ~~الكلام، وإذا وقع بعد (ما) حرف جر كما هنا صح أن يجعل صلة (ما) أو صفة لها، ~~أي: نعم الشيء لك أو نعم الذي لك، وفي الحديث: «بئس ما لأحدهم أن يقول: ~~نسيت آية كذا وآية كذا» الخ، والمعنى: فنعم الشيء لك القضاء بين الناس لما ~~فيه من إيصال الحق. # «وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا»، أراد بالمتطبب هنا: المتفعل ~~المتكلف من الطب المراد هناك، أي: غير عالم بوجوه القضاء، ورشح هاته ~~الاستعارة بقوله: «أن تقتل إنسانا»، وقد شبه بقتل المتطبب مريضه ما يحدثه ~~قضاء القاصر من ضياع الحقوق المفضي إلى الفساد، فيكون الترشيح مستعارا ~~للازم المشبه من لوازم المشبه به على نحو: {واعتصموا بحبل الله جميعا} [آل ~~عمران: 103]، فيفيد الترشيح بلفظه الاستعارة بمعناه وقرينته، وأراد ~~بالمتطبب الذي ليس على بينة من أمره فهو يقصد PageV01P068 # الحق فيقع في الباطل كشأن كل من لم يكن متحققا من شيء، فسلمان لا يخشى ~~على أبي الدرداء الجور، ولا يحذره منه؛ لأنه آمن عليه منه لعدالته؛ إذ هو ~~من أصحاب رسول الله وهم عدول، وإنما خشي عليه ms059 أن لا يتأمل جيد التأمل من ~~بعض القضايا مبالغة في النصح له؛ وذلك لأن القضاء بغير الحق جهلا يساوي قصد ~~الجور في عدم الوصول إلى الحق. # وفي حديث النسائي عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو ~~في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق ~~فقضى للناس فهو في النار». # وهذا يدل على اشتراط العلم في القاضي، والعلم مهما أطلق في لسان أهل ~~الأصول والمتقدمين فإنما يراد به أصدق معانيه هو الفكر والنظر فلا يصح عند ~~الأئمة ولاية قاض عامي أو مقلد لا يستطيع النظر في مدارك الأحكام أو في ~~مسائل الخلاف، قال عبد الوهاب في التلقين: «ولا يستقضى إلا فقيه من أهل ~~الاجتهاد لا عامي مقلد»، وشرحه المازري فقال: «وقد قال مالك في كتاب ابن ~~حبيب، لا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، ولكن يجب أن يكون عالما ~~عدلا، قال ابن حبيب: فإن لم يكن عالم فعاقل ورع، فإنه بالعقل يقف وبالورع ~~يسأل، فهذا قول ابن حبيب سهل في ولاية القضاء المقلد، ولكنه لم يصرح بجواز ~~هذا مع القدرة على قاض نظار، بل أشار إلى كون الضرورة تدعو إلى ولاية مقلد ~~ولا خلاف أن ولاية النظار أجدر من ولاية المقلد، وإنما الخلاف هل تصح ولاية ~~المقلد وتنفيذ أحكامه أم لا؟ فيمنع من ذلك الشافعي وهو الذي يحكيه أئمة ~~مذهبنا عن المذهب، ويجيز ذلك أبو حنيفة ويأمره بمشاورة النظار، واحتج ~~أصحابنا وأصحاب الشافعي بقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} ~~[النساء: 105] وبقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59]، أما عصرنا هذا ففي إقليم المغرب لا يوجد مفت نظار، فالمنع من ~~ولاية المقلد تعطيل للأحكام ولكن تختلف أحوال المقلدين، ثم إذا كان النظر ~~شرطا فهو يتضمن المنع من اشتراط الإمام على رجل نظار أن لا يحكم إلا بمذهب ~~أحد الأئمة؛ لأن الرجل ms060 إذا أداه اجتهاده إلى الصواب وأمر أن يقضي بخلاف ما ~~عنده فقد صار مأمورا بمخالفة الحق في اعتقاده، فإذا انعقدت الولاية على هذا ~~الوجه فإن هذا عقد لا يجوز وينبغي فسخه ورده، وذهب بعض الناس إلى أن القضاء ~~على هذه الصفة لا يفسخ بل يمضي ويبطل الشرط؛ لأن الفساد في الشرط لا في ~~التولية» ا. ه. PageV01P069 # وقال أبو بكر بن العربي: «الذي يقضي بالحق إن كان عن علم قهو الذي تقدم، ~~وإن كان عن تقليد فلا يجوز أن يتخذ قاضيا إلا عند الضرورة فيقضي بفتوى عالم ~~رآه ورواه بنص النازلة فإن قاس على قوله أو قال: يخرج من هذا كذا أو نحوه ~~فهو تعد» ا. ه. وقال خليل: «مجتهد إن أمكن وإن لا فأمثل مقلد» وشذ ابن رشد ~~وابن زرقون فقالا: ذلك مستحب، صرح بذلك في المقدمات وعليه قال ابن عاصم: ~~«ويستحب العلم فيه» فلما اطلع على هذا اللفظ من لا وقوف له على اصطلاح ~~الناس في العلم ظن أن المستحب العلم المقابل للجهل. # هكذا يتم تشبيه سلمان؛ لأن العالم بالحق يقضي وهو عالم أن ذلك هو الصواب ~~فهو كالطبيب المعتمد فيما يشير به على تجربة النفع، أما المقلد فهو كرجل ~~بلغه أن الدواء نافع ولم يجربه أو اقتضب دواء من تلقاء نفسه يريد أن يجربه ~~في ذلك المريض، فهذا إذا ناول المريض شيئا لم يكن آمنا من سوء المغبة. # وإذا نظرنا إلى الشروط الواجبة في القاضي نجدها ترجع إلى دفع وصف المتطبب ~~عنه، وهي: # 1 - التكليف؛ لأن غير المكلف قاصر النظر قطعا. # 2 - والذكورة؛ لضعف المرأة عن الأخذ بالحقوق ونزوعها إلى الرحمة والشفقة. # 3 - والحرية؛ لأن المملوك لا يرجى لإقامة الحق ما دام يخاف غيره، فربما ~~قضى بهوى سيده، هذا هو الذي تشدون عليه من سر اشتراط الحرية في القاضي ولا ~~تصغوا إلى ما يذكرونه من أن الرق أثر الكفر؛ لأنه لو صح لبطل استقصاء ~~المولى. # 4 - والعدالة وأمرها واضح. # 5 - والسلامة من فقد الحس أو المنطق؛ لأنه لا ms061 يتوصل إلى الحقيقة إلا ~~بالفهم والاستفهام. # وبقي شرط الاتحاد على خلاف فيه، فدليل مشترطة أنه أعون على اتحاد الأحكام ~~والسلامة من التشويش على الخلق. # «فتدخل النار» لقد أبدع كلام سلمان في التفنن؛ إذ تخلص من المشابهة ~~التمثيلية على طريقة الخطابة البلاغية إلى المشابهة الشرعية المسماة ~~بالقياس، فرتب على تمثيل القضاء بالطب تمثيل القضاء بغير الحق بقتل النفس ~~تحذيرا من العقاب PageV01P070 # المشهور لقاتل النفس وهو دخول النار بجامع إضاعة الحق فيهما؛ ولأن القضاء ~~قد يتعلق بالقصاص، فإذا تساهل فيه قتل نفسا خطأ قريبا من العمد لأجل ~~التساهل. وقد بلغ سلمان النصيحة والتذكير بخوف الله تعالى فاستقاموا ~~وأقاموا العدل وسادوا العالم، فلما انقلبت الحال في عقائد الناس إلى ~~المساهلة في أمر الله، والاستخفاف بالوعيد تحت اسم الرجاء وما هو إلا ~~الإرجاء، واتكل الناس على الطمع في المغفرة آل بهم الأمر إلى الإدبار. # قال حجة الإسلام أبو حامد في كتاب الرجاء من إحياء علوم الدين: «المحبوب ~~المتوقع لا بد أن تكون له أسباب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه ~~فهو الرجاء حقيقة، وإن كان مع انخرام أسبابه فهو الغرور، وإن لم تكن ~~الأسباب معلومة الوجود ولا العدم فهو التمني» ا. ه. ومعرفة الأسباب تسهل لم ~~يعرض نفسه على كتاب الله تعالى ولا يصغي إلى ما يغر به الغرور من الاستخفاف ~~وتهوين أمر الله عند عامة عباده. # «فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما، ثم قال: ~~ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما» هذا أصل عظيم في أن المرء لا يأمن من الخطأ ~~مهما بلغ به العلم وأنه يجب تعقب الأحكام لإزالة الخطأ عنها وإن تقرر الخطأ ~~للقاضي إذا لاح له، فاستنكافه عن نقض حكمه شر الجورين، فإن جعل ذلك إليه ~~بالولاية فظاهر وإن لم يجعل إليه نقض أحكامه وجب عليه رفعها لمن إليه النقض ~~والإبرام. # «متطبب والله» قد يقف النظر هنا ريثما يستبين أمر هاته الكلمة فإنه يرى ~~أبا الدرداء بعد أن نصح له سلمان بأن المتطبب لا يأمن ms062 أن يقع فيما يدخله ~~النار وقبل النصيحة منه أخبر عن نفسه بأنه متطبب فيتساءل: لماذا لم يترك ~~هاته الخطة لطبيب فيظن أن هاته كلمة تواضع منه، ولكنه ما يقدم خطوته حتى ~~يرى يمين أبي الدرداء على ذلك الذي يعين كلامه للحقيقة، وقد كان أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - اعتادوا من قدوتهم الأعظم العصمة فصاروا على ~~وجل من اقتحام القضاء بين الناس مع انتفاء العصمة؛ ولذلك قال أبو بكر - رضي ~~الله عنه -: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله شيئا من ~~رأيي؟ ! »، فكذلك أبو الدرداء لما اعتبر بكلام سلمان رأى أن التطبب لا ~~يفارق غير المعصوم، فقال: متطبب والله، فينبغي أن يكون مراده تطببا غير ~~التطبب الذي أراده سلمان، وأحسب أنه أراد به عدم أمن المجتهدين من الخطأ في ~~اجتهادهم، فهم لا يسلم من الوعيد إلا إذا بذل مقدار استطاعته مع PageV01P071 # مظنة المقدرة والتأهل من نفسه؛ لأن الخطأ لا ينافي العلم والنظر، ولا ~~يلام في ذلك إلا حيث يكون الخطأ في محل الوضوح والحياد عن الدليل إلى غيره، ~~أو مع التقصير في تقصي النظر ومعرفة الحجج، فهو بإعادة النازلة يستدرك ما ~~عسى أن يلم به من خطأ على غرة، ولو كان أبو الدرداء شاكا في كفاءته لمنعته ~~عدالته من أن يلي هذا الأمر، وفي كلام أبي الدرداء ما يصدق قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيه: «إنه حكيم»، فقد دل على سعة صدره وترحابه بما ~~يسدي إليه من النصائح؛ وذلك آية الكمال ومحبة الحق؛ لأن النفوس الكبيرة لا ~~يهمها إلا المشي على الصواب أبدا؛ فهي لا تحب أن تخالفه؛ ولذلك تبتهج بكل ~~ما يجنبها الضلال عنه، أما النفوس المستضعفة والعقول السخيفة فإنها تستنكف ~~عن شعور الناس بحالها؛ إذ ليس لها ما تقنع به نفسها إلا المغالطة والتناسي، ~~فهي لا تستطيع كمالا مع شعورها بالعجز عنه؛ فلذلك يكون ذكره لها تعبا ونكدا ~~خلاف الأخرى، فإنها إن لاح لها خطأ في بعض أعمالها تعزت بالصواب في ms063 بقيتها، ~~فأنشد حالها قول أبي الطيب: # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # قال الله تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 142، 125]، وفي ~~ملازمة أبي الدرداء لهاته الكلمة إشعار بتحفظه على النصيحة حتى لقد اتخذ ~~لفظها شعارا له لا يفارقه ذكره في كل قضية، وكذلك حكماء الناس إذا اهتموا ~~بأمر ربما اتخذوا اسمه شعارا لهم حتى لقد كانت تعرف أخلاق الرجل منهم في ~~اختيار نفش خاتمه، وهذه سنة كل قول إنما يعتد به إذا تبعه عمل وبمقدار ذلك ~~يكون النفع والتأثير، فأيما قول أو علم لم يتبعه عمل فهو تبعات على صاحبه؛ ~~لهذا تعوذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علم لا ينفع، أي: لا ينشأ ~~عنه عمل، قد كان من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم انفعني ~~بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما»، والله أعلم. # * * * PageV01P072 ### || AUTO التعريف بكتاب الموطأ للإمام بن أنس رحمه الله ### ||| AUTO نشأة علم الحديث # : # علم الحديث ويسمى علم السنة هو العلم الباحث عن أقوال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأفعاله، ظهرت العناية بتدوينه في أواخر القرن الأول لما اتسعت ~~أقطار الإسلام وكثر الداخلون فيه وتنوعت النوازل، فصار الصحابة يتقصون ما ~~يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمثال تلك النوازل مثل: توريث ~~الجدة، وجزية المجوس، ومعنى الربا، فكان الخلفاء الراشدون وأمراؤهم يعتمدون ~~ما علموه من ذلك ويتلقون ممن له علم من الصحابة ما حفظوه مما لم يكن ~~للخلفاء علم به، ولم يكن الصحابة يكتبون من سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا شيئا قليلا كتب بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل: ~~كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر - رضي الله عنه - إلى أنس بن مالك لما وجهه ~~إلى البحرين عاملا عليها فكتب إليه: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على المسلمين» إلخ (رواه البخاري في كتاب الزكاة»، ms064 ~~ومثل كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرو بن حزم الأنصاري في ~~الصدقة (أخرجه أبو داود والنسائي)، وقد كان عمر بن الخطاب استشار الصحابة ~~في كتابة السنن فأشار جميعهم بالكتابة فلبث عمر شهرا يستخير الله، ثم عزم ~~على عدم فعله، وقال: «إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم ثم ~~تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا؛ فأكبوا ~~عليها وتركوا كتاب الله (يريد: اليهود) وإني والله لا ألبس كتاب الله ~~بشيء»، ثم قد كان الخلفاء من بعد الصحابة يسألون من بقي من الصحابة فيما ~~أشكل من الأحكام، فقد روي أن عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا ~~يكتبان لعبد الله بن عمر بن الخطاب يستشيرانه، وأمر عبد الملك الحجاج بن ~~يوسف وهو أمير للحج أن يقتدي في مناسك الحج بعبد الله بن عمر. # فلما انقرض عصر الصحابة أو كاد رأى أولو الأمر من المسلمين اشتداد الحاجة ~~إلى تدوين ما أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا يفوت ذلك ~~بانقراض حملته فهرعوا إلى PageV01P073 # الذين تلقوا العلم عن الصحابة وهم المعروفون بالتابعين، فكان ابتداء ~~تدوين علم الحديث في خلافة عمر بن العزيز رحمه الله (وكان من أهل العلم ~~وممن سكن المدينة مدة وشاهد علماءها وروى عنهم)، فكتب عمر بن عبد العزيز ~~إلى أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم من فقهاء المدينة أن اكتب إلي ما كان ~~من سنة أو حديث، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وكان ذلك أواخر القرن ~~الأول فكتب إليه أبو بكر الحزمي كتبا، توفي عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث ~~بها إليه، قال مالك: لولا أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة ~~لشككه كثير من الناس، يريد أنه حين كان أمير المدينة وكان أبوه قبله أميرها ~~فقد علم مراتب العلماء فعرف من يستحق أن يؤخذ عنه العلم، ولم تظهر كتب أبي ~~بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم. # وقد ms065 قيل: إن عبد الملك بن جريج ألف كتابا في تفسير آيات، وذكر آثار فقيل: ~~إنه أول كتاب ألف في الإسلام، ومات سنة (149 ه)، وقال ابن حجر: أول من جمع ~~الحديث الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، فكانا يصنفان كل باب على حدة ~~ولم يظهر شيء مما كتباه. # وتبعت أثر ذلك المذاهب والنحل، وحدثت الأحزاب في مسألة الخلافة وغيرها، ~~ودخل في المسلمين كثير من المتظاهرين بالدين يكيدون إليه في السر ويسرون ~~حسوا في ارتغاء، فلم يجدوا سبيلا لترويج مذاهبهم إلا سلكوها، وأكبر ذلك ~~وأهمه عندهم الاحتجاج لمذهبهم بما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فكثر الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - عمدا أو جهلا أو تحريفا أو ~~تقليدا، فلم يتوان أهل العلم بالحديث في الذب عن السنة بالتزام إخراج ما صح ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بنقد الرواة وضبط أحوالهم وعرض ~~مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة. ### ||| AUTO الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # : # أول من ألف كتابا على شرط صحة السند هو الإمام مالك بن أنس رحمه ألف كتاب ~~الموطأ، فالموطأ أول تأليف ظهر في الإسلام، وقد قيل: إن عبد الملك ابن جريج ~~المكي أول من ألف، ولعل كتاب ابن جريج لم يتم أو لم يظهر، وليس البحث عن ~~تحقيق كون كتاب ابن جريج أول كتاب ألف أو كون الموطأ أول كتاب ألف بكبير ~~الجدوى، وقال بعض العلماء: ألف مالك الموطأ بالمدينة، وألف PageV01P074 # ابن جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة ~~بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك ~~بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدري أيهم سبق. # وأيا ما كان ذلك فإن أول كتاب هو الآن موجود ومروي عند أهل العلم هو كتاب ~~الموطأ (وقد اختلفت الأمصار في طريقة تدوين الأثر قوة وضعفا)، وكان أهل ~~المدينة أوثق أهل الأمصار طريقة وأعلمهم بسنة رسول الله ms066 - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنها دار الإسلام ومهبط الوحي، وبها كان أعيان الصحابة الذين لم ~~يشغلهم عن العلم شاغل، فكانت المدينة مرجع علماء الأمصار الإسلامية في تلقي ~~السنة، وكانت سمعة الواحد من أهل الحديث تزيد، وعلمه ينضج بمقدار ما يحصل ~~له من الأخذ عن علماء المدينة، ومرجع شروط الصحة عند أهل الحديث ثلاثة شروط: # الأول: تحقق أمانة الراوي فيما رواه، وتندرج تحت هذا شروط عدالة الراوي ~~وسلامته من الابتداع. # الثاني: تحقق عدم الالتباس والاشتباه عليه، وإلى هذا ترجع شروط قوة تمييز ~~الرواة ليعلم تباعدهم عن التدليس ويقظتهم من الغفلة. # الثالث: تحقق مطابقة ما يروونه للثابت من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وإلى هذا ترجع شروط الترجيح عند التعارض. # والشرطان الأولان يتعلقان بصحة السند، والثالث يتعلق بصحة المعنى، وقد ~~نظروا في الأسباب الحاملة على وضع الحديث فوجدوا أنها افتراء، أو نسيان، أو ~~غلط، أو ترويج، أو تفاخر، فبنوا أصول الضبط على منع هذه الأسباب. # فأما الكذب فهو شر الأسباب وأسخفها؛ لأنه يؤذن بالاستخفاف بالشريعة لا ~~سيما بعد العلم بالحديث الصحيح، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، ودفع هذا السبب بتوخي أحوال ~~الرواة والفحص عن عدم التهم وديانتهم ونقد ظواهرهم وبواطنهم فلا يقبل مجهول ~~العدالة باطنا -وهو المستور على الأصح- ولا يقبل المجهول باطنا وظاهرا ~~بإجماع. # وأما النسيان والغلط فهما يعرضان للراوي وهما متقاربان؛ فالنسيان كأن ~~يشتبه عليه المعلوم فينسى أن يكون روى عن غير ثقة فينسبه إلى ثقة، والغلط ~~أن يغير اللفظ أو نحو ذلك، ويتفاوت الناس فيهما بتفاوت قوة الذهن، ودفعهما ~~بتوخي أهل PageV01P075 # الضبط من الرواة الذين جربوا المرة بعد المرة وأعيدت عليهم الأحاديث ~~وقلبت لهم فثبتوا فيها وأتوا بها على وجوهها مع تجربة حفظهم ويقظتهم. # ومن هذا النوع أن يروي الراوي الحديث بالمعنى فيغير المعنى بتغيير اللفظ. # وهذا القسم أشد الأقسام خطرا؛ لأن الناس عرضة للنسيان والغلط؛ ولأنه إذا ~~وقع من أهل العدالة تلقته الناس عنهم فشاع بينهم، فلذلك كانت ms067 العناية بصرف ~~الهمة إلى تمحيص هذا النوع أوكد وأولى؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه». # وأما الترويج، فهو متابعة ما يرغب فيه الطالبون مما ليس بمفيد كمالا في ~~الرواية. # فالترويج يكون لترويج المذهب والنحلة أو لترويج المقصد، وإنما كان ~~الترويج سببا للوضع؛ لأن المروج قد يقتنع بوقوع الحديث على وفق مطلبه ~~فتصرفه موافقته لمراده عن نقده وتمحيصه، فإذا انضم إلى الترويج شيء من ~~التساهل في الرواية ومن ضعف العدالة كان خطرا. # ومن الترويج ما يسمى بالتدليس مثل تدليس الأسماء بان يعطي شخصا اسم شخص ~~آخر تشبيها؛ كأن يقول: حدثني مالك بن أنس، ويريد البصري الخارجي، وسمع ~~سحنون رجلا يحدث عن ابن نافع، فقال له: أنت أدركت ابن نافع، فقال: أردت ~~الزبيري ولم أرد الصائغ، فوبخه سحنون، وقال: «ماذا يظهر بعدي من العقارب». # ومنه ما قاله الحافظ أبو عمر في التمهيد: أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه ~~وأخذ عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه بالواسطة ممن ترضى حاله أو لا ترضى، ~~فهذا مؤذن بأنه ما حذف الواسطة إلا لنقص تخيله فيه، غير أنه إذا كان من أهل ~~الضبط اغتفر له ذلك، فدفع هذا هو ضبط تاريخ الرواة ومن لقي منهم غيره، ومن ~~لم يلقه ومقابلة ذلك بروايات أقرانه، مع التوخي في ألفاظ التحديث مثل الفرق ~~بين سمعت فلانا وبين عن فلان. # وأما التفاخر فهو اعتناء الراوي بإشهار مروياته حبا للمحمدة، ويكون بأمور ~~منها: الإكثار من الرواية، ومنها: الاعتناء بتخريج الغريب، أي: الذي لا ~~يعرف، ومنها: الولع بمحسنات الحديث وكل ذلك وإن كان لا يقتضي كذبا إلا أنه ~~قد يجر PageV01P076 # إلى التساهل في الرواية لتكميل ما به المفاخرة؛ لأن الولع بذلك يصير هوى ومحبة. # فكان مالك رحمه الله شديد النقد في هذه الأنواع كلها ونافذ البصر بسد ~~مواقع الخلل والتهمة فيها. # فأما نحو السبب الأول ms068 وهو الكذب فقد بالغ في نقد الرجال من ثلاث جهات: ~~جهة العدالة، وجهة أصالة الرأي وتمييز المرويات، وجهة اتباع السنة، قال ~~سفيان ابن عيينة: رحم الله مالكا ما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء، وقال ~~ابن المديني: لا أعلم أحدا يقوم مقام مالك في ذلك، وقال أحمد بن صالح: ما ~~أعلم مالكا روى عن أحد فيه شيء، والمحدثون وغن قبلوا رواية أهل البدع في ~~الاعتقادات؛ إذ كانوا يحرمون الكذب إلا أن مالكا اشترط في ذلك أن لا يكون ~~ذلك الراوي داعية لمذهبه؛ لأن ذلك يوجب له تهمة. # وأما نحو السببين الثاني والثالث وهما النسيان والغلط فقد اشترط مالك ~~رحمه الله في الرواية أن يكون الراوي من أهل العلم والمعرفة، ابن وهب قال: ~~ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء. # وشدد في نقل الحديث بالمعنى، فقال: لا ينبغي للمرء أن ينقل لفظ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فلا بأس بنقله بالمعنى، ~~نعم رخص في زيادة مثل الواو والألف في الحديث والمعنى واحد. # وأما نحو السببين الرابع والخامس وهما الترويج والتفاخر فإن مالكا رحمه ~~الله أخذ الحيطة لذلك بأمرين: بتزييف ما كانوا يصنعون، والحذر مما يودعون، ~~ففي المقام الأول لم يهتم بشيء من التصنع والتحسين في طرق الرواية، فكان ~~يكرر ما يقوله لهم أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: «إذا أخذتم في ~~الساذج تكلمنا معكم، وإذا أخذتم في المنقوش قمنا عنكم»، وقيل له: إن فلانا ~~يحدثنا بالغريب، فقال: مالك من الغريب نفر، وقال له بعضهم: ليس في كتابك ~~غريب، فقال: سررتني. ### ||| AUTO الغرض من تأليف الموطأ # : # عمد مالك إلى تأليف كتابه «الموطأ» ليجمع فيه ما صح عنده عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة والتابعين وما عليه عمل أهل المدينة، ~~ويودع فيه ما أخذه من مروياته من أحكام شرعية، وقد اشتهر بين أكثر العلماء ~~أنه ألفه بطلب من PageV01P077 # الخليفة أبي جعفر المنصور، روى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور الخليفة قال ~~لمالك: «ضم ms069 هذا العلم يا أبا عبد الله ودونه كتبا وتجنب فيها شدائد عبد ~~الله ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ بن مسعود، واقصد أوسط الأمور، وما ~~اجتمع عليه الأئمة والصحابة»، وقال الكيا الهراسي: كان الموطأ سبعة آلاف ~~حديث فلم يزل مالك ينتقيها حتى بقي فيه سبعمائة حديث، وفي المدارك لعياض ~~قال سليمان بن بلال: «لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث فمات وهي ~~ألف حديث ونيف يخلصها عاما عاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في ~~الدين»، وبوبه وصنفه على أبواب الفقه، وجعل فيه كتاب الجامع وهو أول من ~~ترجم بهذه الترجمة، وفسر ما وقع فيه من غريب الألفاظ العربية، وروى فيه من ~~الآثار ما سلم في معيار النقد وجرب من جهات الصحة؛ فلذلك كانت أحاديث ~~الموطأ أصح الأحاديث، وقد اتفقوا على أن أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن ~~عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # من أجل ذلك كله اتفق أئمة الدين والحديث على أن الموطأ ما جمع إلا الحديث ~~الصحيح، وأنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى عبارات ~~مأثورة، قال ابن مهدي: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ، وقال: ~~لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك، وقال الشافعي: ما في ~~الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، وقال أيضا: ما على الأرض ~~كتاب أصح من كتاب مالك، وقال أيضا: ما كتب الناس بعد القرآن شيئا هو أنفع ~~من موطأ مالك، فالموطأ أول كتاب دون في الصحيح عند المحققين من الأئمة، قال ~~القاضي أبو بكر ابن العربي في مقدمة كتابه عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي: ~~اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن الموطأ هو الأول واللباب، وكتاب الجعفي هو ~~الثاني في هذا الباب وعليهما بناء الجميع كالقشيري أي: (مسلم) والترمذي. # وقال السيوطي: قال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثا يؤثر عن مالك ~~لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه روى في صحيحه عن عبد الله بن ms070 محمد ابن ~~أسماء عن عمه جويرية بن أسماء عن مالك (يعني: بواسطتين بينه وبين مالك PageV01P078 # مع ما للمحدثين من الرغبة في السند الأقرب). ### ||| AUTO ما المراد بالحديث الصحيح؟ # اعلم أن الذي اصطلح عليه البخاري ومن جاء بعده أن لقب الحديث الصحيح هو ~~الحديث الذي اتصل سنده، يرويه واحد عن واحد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعدول ضابطين بلا شذوذ، أي: بأن لا يخالف أحد رواته ما يرويه من هو أرجح ~~منه حفظا مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين كما أشار له مسلم في ~~مقدمة صحيحه، ولا يكون فيه علة خفية قادحة مجمع عليها، فشرط البخاري ومسلم ~~أن لا يخرجا إلا الحديث المتفق على ثقة نقلة إلى الصحابي من غير اختلاف بين ~~الثقات الأثبات بسند متصل غير مقطوع، ففي شرط اتصال السند إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خالفا مالكا من أجل أنهما لا يخرجان الحديث المرسل ~~والمقطوع، ولا يعد أنه في قسم الصحيح، ومالك رحمه الله يراه صحيحا وحجة ~~-وهو قول أبي حنيفة أيضا- وقال أبو عيسى الترمذي: فقد قال الترمذي في آخر ~~كتاب الأشربة من جامعه: «الصحيح حديث الزهري مرسلا». # ورأي مالك في ذلك أرجح؛ لأن العبرة بتحقق أو ظن صحة السند إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، والمرسل هو أن يسقط التابعي اسم الصحابي، ويقول: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا التابعي لا يخلو إما أن يكون ~~ثقة ضابطا أو غيره، فإن كان الأول فلا شك أن قبول خبره لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وتصديه للرواية عن رسول الله مع ما علم من شدة إعظامها ~~لهذا الشأن ومع جزمه بذلك يعين. ### ||| AUTO ما يوجد من نسخ للموطأ # : # نسخة لسويد بن سعيد كاملة (بالمكتبة العاشورية بتونس). # وقطعة من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي بها أوراق متفرقة بعضها من ~~الجزء الأول، وبعضها من الثاني، وبعضها من الثالث، وبعضها من الرابع، ~~وبعضها من الخامس بخط شامي ذكر ناسخها أنه نسخها في سنة (757 ه) بمدينة ms071 دمشق. # مشتمل على أبواب من كتاب الصلاة، ومن الصيام ومن الحج، ومن الجهاد. PageV01P079 # وورقة من البيوع هي اليوم بالمكتبة الوطنية. # وقطعة من رواية علي بن زياد فيها كتاب الضحايا، وكتاب الزكاة، ومعظم كتاب ~~الصيد من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان بها أوراق ... ~~وقطعة من رواية عبد الرحمن بن القاسم بها عدة أوراق مائة ونيف وأربعون، وهي ~~من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان. # وقطعة من رواية أبي مصعب الزهري بها ديوان من كتاب الحج بالجامع الأعظم ~~بالقيروان بها (30) ورقة، وأول من أدخل الموطأ إلى المغرب علي بن زياد ~~التونسي، وأول من أدخل الموطأ إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن المعروف ~~بشبطون. ### ||| AUTO اسم كتاب الموطأ # : # وجه تسمية كتاب مالك بالموطأ يؤخذ مما روي عن مالك رحمه الله أنه قال: # «عرضت على سبعين فقيها من فقهاء المدينة كتابي فكلهم واطأني عليه» ~~فتسميته بالموطأ اعتبار بأنه اسم مفعول من واطأه على الأمر إذا وافقه عليه ~~على طريقة الحذف والإيصال، أي: موطأ عليه فقيل الموطأ على غير قياس، ~~والقياس أن يقال: المواطأ، والأظهر أن هذا الاسم اسم مفعول من: وطأ الأمر ~~إذا سهله ودمثه، فأصله الهمز كما في تاج العروس وقد تخفف همزته فيقال: ~~الموطأ، وقد أشار إلى هذا التخفيف صاحب تاج العروس وشاع هذا التخفيف على ~~ألسنة الناس، وليس أصل الكلمة بالألف؛ إذ لا توجد هذه المادة، وورد الوجهات ~~في الكلام، فمن استعماله بالهمز قول أبي الطاهر أحمد الأفهاني أنشده في ~~المدارك: # أعم الكتب نفعا للفقيه ... موطأ مالك لا شك فيه # ومن التخفيف قول سعدون الورجيني من قصيدة: # ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى ... بليل عماه ما درى أين يذهب # وكرر هذا اللفظ في أبيات سبع كرات بالتخفيف. PageV01P080 ### || AUTO مراجعة فيما تضمنه كتاب «فتح الملك العلي» # «عرف القراء مما قد أشرنا إليه في أعداد ماضية بخصوص الكتاب المذكور أن ~~فضيلة الأستاذ الأكبر كان قد راجع مؤلفه وأباه له وجوه الضعف في هذا ~~الكتاب، وقلنا: إننا سوف ننشر تلك المراجعة الآن ms072 وقد وافانا البريد بها ~~فننشرها شاكرين». # طالعت كتابكم «فتح الملك العلي» فرأيت أنكم نحوتم فيه نحو تلقي حديث: ~~«أنا مدينة العلم» بالقبول، ولا بدع في ذلك فقد سبقكم إلى ذلك كثير من ~~المحدثين كما أن كثيرا منهم نبذوه بالعراء، وكثيرا رموه بأنه وضع وافتراء. # وتبين من حاصل أقوالهم فيه أن منكريه لم يقتصروا على الطعن في رجال ~~أسانيده بل تجاوزوا ذلك إلى الحكم على ذات الحديث، فقالوا فيه أقوالا شديدة ~~مثل: «موضوع، منكر، لا أصل له، كذب، كم خلق افتضحوا فيه، لم يروه عن أبي ~~معاوية أحد من الثقات»، ومثل هذا الحكم لا يصدر عن أصحابه من الحفاظ إلا ~~بعد التقصي والاستقرار لجميع أسانيده فإذا لم يجدوا فيها مظنة الصحة ~~استخلصوا من استقرائهم حكما كليا يتعلق بذات الحديث المروي، وليس حكما ~~جزئيا متعلقا بأسانيده، وهذا مقام شديد في الحكم، ونظيره قول الإمام أبي ~~عبد الله البخاري في باب من أهدى له هدية وعنده جلساؤه: «ويذكر عن ابن عباس ~~أن جلساءه شركاؤه ولم يصح»، أي: لم يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلم يعين البخاري سندا؛ بل جزم بعدم صحة المروي ولأجل حكمهم على ذات ~~حديث: «أنا مدينة العلم» بالوضع صار هذا الحديث سبب الطعن في أبي الصلت حتى ~~إنك لتجد في كلام بعضهم الاعتراض على من عدل أبا الصلت بقوله: (أليس قد روى ~~حديث: أنا مدينة العلم) كما ذكره الحاكم في المستدرك عن العباس بن محمد ~~الدوري عن صالح بن حبيب. # ثم إن جماعة تظاهروا على أن أبا الصلت وضع هذا الحديث عن أبي معاوية PageV01P081 # وذكر قليل منهم أن أبا معاوية حدث به، ثم كف عنه وعلى كل حال فكثرة ~~الاختلاف فيه وشدة عناية الأئمة بالفحص عن رواته يؤذن بأنه حديث لم يكن ~~معروفا عند الحفاظ، وأنه طلع على هذه الأمة طلوع الشواظ. ### ||| AUTO المراجعة الإجمالية # : # هذا وإني أرى أن للاختلاف بيننا في قبول هذا الحديث مرجعا نرجع إليه، وهو ~~أصل الاختلاف في أصل عام يجري في هذا ms073 الحديث وأمثاله ألا وهو أصل تغليب ~~جانب التهمة والحذر في قبول الرواة، أو جانب حسن الظن والتسامح، وهما ~~مقامان معلومان من قديم لأئمة الحديثة وبها كان التفاوت في مراتب ضبط ~~المحدثين وتمحيصهم ونقدهم. # فقد كان عمر بن الخطاب يقول: «المسلمون عدول بعضهم على بعض»، ثم لما حدثت ~~شهادة الزور قال عمر: «لا يؤمر أحد في الإسلام بغير العدول». # ونشأ عن ذلك اختلافهم في هل الأصل في الناس هو الجرح أو العدالة؟ ومذهب ~~المحققين، وفي مقدمتهم مالك بن أنس أن الأصل في الناس هو الجرح فلذلك قال: ~~لا يقبل مجهول الباطن وإن كان مستور الظاهر، وعلى هذا القول درج جمهور أهل ~~التحقيق والضبط، ومن الناس من قال: الأصل في الناس العدالة وقبلوا مستور ~~الظاهر وإن جهل باطنه، وإلى هذا ذهب الأقل منهم أبو حنيفة وابن فورك وسليم ~~الرازي من الشافعية، ولكن إذا ظهر موجب الجرح بطل الخلاف، وفي الناس ~~متساهلون يظنون الخير ويتلقون الأخبار عن كل مسلم إلى أن بلغ الحال ببعضهم ~~أن عد تمحيص الرواة من قبيل الغيبة فأنكروه على ابن معين، فقال قائلهم: # ولابن معين في الرجال مقالة ... سيسأل عنها والإله شهيد # فإن كان حقا قوله فهو غيبة ... وإن كان زورا فالعقاب شديد # وطريقة إمامنا مالك ونظرائه أئمة النقد هي الطريقة المثلى وعليها كانت ~~سننه في تهذيب كتاب الموطأ عاما فعاما، وقد قال ابن أبي حاتم: قلت ليحيى بن ~~معين: لماذا مالك قل حديثه؟ فقال: لكثرة تمييزه، وقد كان يأتي في ذلك ~~بتشديد عمر ابن الخطاب في قبول الرواية عن رسول الله - رضي الله عنه - كما ~~وقع في حديث أبي موسى الأشعري معه في كتاب الاستئذان في الموطأ وصحيح ~~البخاري، وأن عمر قال لأبي موسى: (أما إني لا أتهمك؛ ولكني أردت أن لا ~~يتجرأ الناس على الحديث PageV01P082 # عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروينا عن ابن عباس أنه قال: (إنا ~~كنا إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه ~~بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول ms074 لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)، وروى ~~مسلم عن ابن سيرين أنه قال: (إن هذا الحديث أو هذا العلم دين فانظروا عمن ~~تأخذون دينكم)، وروى أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد أن أبا هريرة قال: إن ~~هذا العلم (يعني: الحديث) دين فانظروا عمن تأخذونه، ومثله مروي عن مالك في ~~التمهيد، وفي المدارك لعياض. # وروينا عن عبد الله بن المبارك: (أن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد ~~لقال من شاء ما شاء)، وقال عبد الرحمن بن مهدي: (خصلتان لا يستقيم فيهما ~~حسن الظن: الحكم والحديث). # وعلى هذه الطريقة جرى الأئمة المشهود لهم بتمام الضبط مثل أصحاب مالك؛ ~~كعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومن أصحابهم؛ كالإمامين البخاري ومسلم. # وأنا أرى التحري أولى بالمسلمين فقد طفحت عليهم الروايات، فكانت منها ~~دواه وطامات. # فإذا كنا متفقين في طريقنا من تغليب جانب التحري فالمراجعة سهلة، ولو لاح ~~الخلاف في أول وهلة، وإن كان كل ينحو إلى منهج من ذينك المنهجين، فالاختلاف ~~في الفروع تبع للخلاف في الأصول فلنتمسكه بوثاق الود، ولا نهتم باختلاف ~~الأفهام والعقول. ### ||| AUTO المراجعة التفصيلية # : # ثم إن استقراء كتاب «فتح الملك العلي» بلغ بي إلى حصر مدارك الخلاف بيننا ~~في ستة طرق مما سلكتموه: # الطريق الأول: أن كثرة الرواة عن أبى الصلت ترونه موجبا تعديله وأنا أرى ~~أن كثرة الرواة عن المطعون فيه ليست بالتي تفلته من سهام الطاعنين وأنتم ~~تعلمون أن أهل الصحيح والحسن يتوقفون في الرواية عن أحد بقولهم: «تكلم فيه» ~~فكيف والذين رووا عن أبي الصلت كلهم متكلم فيهم. # الطريق الثاني: جعلتم اشتهار أبي الصلت بالزهد والديانة شاهدا لتعديله، ~~وهذا لا أساعد عليه؛ إذ بين الديانة والعدالة بون، فقد قال مالك - رضي الله ~~عنه -: لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله عند هذه الأساطين وإن ~~أحدهم لو اؤتمن على بيت PageV01P083 # مال لكان أمينا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن»، وروى ابن وهب عنه ~~أنه قال: «أدركت بهذه البلدة أقواما لو استسقى بهم القطر لسقوا ms075 قد سمعوا ~~الحديث كثيرا ما حدثت عن أحد منهم شيئا، لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف ~~الله والزهد» وهذا الشأن (يعني الحديث) يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وإتقان ~~وفهم وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدا، وقال يحيى بن سعيد ~~القطان فيما روى عنه مسلم: «لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث ~~(يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط واختلاط في المسموعات وحسن الظن بالرواة)، ~~وقال عبد الله بن المبارك في شأن عباد بن كثير: «كنت إذا ذكر في مجلس أثنين ~~عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه» فإذا سلمنا أن أبا الصلت كان على جانب ~~من التفوق والزهد فلسنا بالذين نسلم أن ذلك كاف في قبول حديثه. # الطريق الثالث: الاحتجاج بتوثيق من وثق أبا الصلت مثل الحاكم في المستدرك ~~ومثل ما نقل عن يحيى بن معين، وأنا آخذ في هذا بقاعدة تقديم الجرح على ~~التعديل إلا إذا كان المجرح شاذا جدا وكان متحاملا، لا سيما وكثير من الذين ~~جرحوا أبا الصلت طعنوه طعنا عميقا، كما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته، ~~وكما ذكره أئمة الحديث عن أحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي في شأنه. # وقد ثبت أن أبا الصلت كان يروي أحاديث في مثالب ملصقة بمن تثلبهم الشيعة ~~من الصحابة مثل أبي موسى الأشعري ومعاوية? وذلك يدل على خبث تشيعه ورقة ~~ديانته بدخول الفضول بين خيرة الأمة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن الطعن في الصحابة إطلال من كوى الإلحاد في الدين ورفع الثقة ~~بنقلة الدين إلينا، فكيف تطمئن النفس للرواية عن مثله ولا ينفعه مع هذه ~~النزعة زهده وتقاه، وفي الحديث وصف رسول الله قوما، فقال: «تحقرون صلاتكم ~~مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرق أحدهم من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية»، وفي الحديث: «التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات. # وقد جزم أحمد بن حنبل وابن عدي بأن أبا الصلت هو واضع حديث: (أنا مدينة ~~العلم)، وناسبه لأبي معاوية، أما ms076 ما ينقل عن يحيى بن معين في شأن أبي ~~الصلت، فكلامه فيه متناقض كما ذكره الخطيب في التاريخ فلا يعول على شيء من كلامه. # وهاهنا ملاحظة تتعلق بهذا الطريق وهي أنكم ذكرتم في صفحة (8) عن PageV01P084 # الدارقطني عن دعلج أن أبا سعيد الهروي سئل عن أبي الصلت، فقال: نعم، ابن ~~الهيصم ثقة، فقال: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نعم ثقة. ا. ه. # والظاهر أن في النسخة تحريفا فإن الخطيب البغدادي في التاريخ في ترجمة ~~عبد السلام بن صالح ذكر كلام الدارقطني عن دعلج، ونص جواب الهروي هكذا: # «نعيم بن الهيصم (بالصاد المهملة) ثقة قال سائله: إنما سألتك عن عبد ~~السلام، فقال: نعيم ثقة ولم يزد»، فهذا إعراض من أبي سعيد الهروي عن الجواب ~~عن حال عبد السلام بن صالح الملقب بأبي الصلت، وليس في العبارة نعم، حرف ~~الجواب، بل هو نعيم اسم بصيغة التصغير ونعيم هذا هروي توفي سنة (228 ه). # الطريق الرابع: رأيتم أن هذا الحديث روي من غير طريق أبي الصلت؛ إذ رواه ~~محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، وجعفر بن محمد البغدادي الفقيه عن أبي ~~معاوية، وعمر بن إسماعيل بن مجالد، وأحمد بن سلمة الجرجاني، وإبراهيم ابن ~~موسى الرازي، ورجاء بن سلمة، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود ابن خداش، ~~والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. # وقد ذكرت في مقالي ما قيل في جعفر بن محمد، وفي رجاء بن سلمة، وفي أحمد ~~بن سلمة، وفي عمر بن إسماعيل، فيبقى محمد بن جعفر الفيدي، وإبراهيم ابن ~~موسى الرازي، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن ابن علي بن ~~راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. # فأما محمد بن جعفر الفيدي فهو في ذاته ثقة غير أن روايته لم تنقل إلينا ~~بسند معروف حتى ننظر رجاله الراوين عن محمد بن جعفر الفيدي، ثم ننظر صيغة ~~التحديث به عن أبي معاوية إنما رأينا نقلا نقله الخطيب في التاريخ عن ابن ~~معين بغير سند أن الفيدي روى ms077 عن أبي معاوية فالله أعلم بحال سنده. # وأما إبراهيم بن موسى فرواه عنه محمد بن جرير الطبري، وقال: إنه شيخ لا ~~أعرفه ولا سمعت منه غير هذا الحديث، فهو إذن مجهول لراويه، غريب عنده، فلا ~~يعتد به وهو غير إبراهيم بن موسى الرازي الملقب بالقراء وبالصغير فذاك إمام جليل. # وأما موسى بن محمد الأنصاري فقد روى حديث: «أنا دار الحكمة» وقد ذكرت ~~روايته في مقالتي في جملة رواياته وبينت ما فيها، وفي رواته محفوظ ابن بحر ~~الأنطاكي، وقد قال فيه أبو عروبة: إنه كذاب، قاله الذهبي في الميزان. PageV01P085 # وأما محمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد فقد كفيتم القول فيهما؛ إذ ~~قلتم: إن الراويين عنهما متهمان. # وأما أبو عبيد ففي الذين حدثوا عنه الجبريني وهو من الضعفاء، وقد ذكرتم ~~متابعة سعيد بن عقبة، ومتابعة عثمان بن عبد الله الأموي، وصرحتم كما صرحنا ~~بقول ابن عدي فيهما فلا يتكثر بهما. # الطريق الخامس: تعضيد هذا الحديث بالشواهد المعنوية مما يدل على فضائل ~~علي - رضي الله عنه -، وأن فضل علي لا ينكره إلا جاهل ضعيف الإيمان، فهو ~~عند جمهور علماء الإسلام في الرعيل الأول من أفاضل الصحابة، واتفق أهل ~~السنة قاطبة على أنه يتلو في الفضل أبا بكر وعمر واختلفوا في الثالث، فقيل: ~~عثمان وهو قول الجمهور منهم وهو الأصح عن مالك وهو الذي نتقلده، وقيل: ~~الثالث علي، وقيل: هما سواء وهو مروي عن مالك فرضي الله عن جميعهم. # إنما الكلام في فضيلة خاصة وهي أن يكون علي هو الطريق الواضح لعلم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يكون إلا من نحل الرافضة كما بينته في ~~مقالي، ويقوي التهمة المذكورة رواية الإصبغ بن نباتة لهذا الحديث أن رسول ~~الله قال لعلي: «يا علي كذب من زعم أنه يدخلها من غير بابها» فقد صرحت ~~المكيدة بعد أن لوحت بها القرائن العديدة. # الطريق السادس: أن كثرة الروايات والطرق للحديث الضعيف تبلغ به مرتبة ~~الحسن أو الصحة، وهذا إذا سلمناه فإنما يحتمل في ms078 الحديث الخفيف ضعفه، وأما ~~الذي نحن بصدد الخوض فيه فهو موضوع أو شديد الضعيف، فكثرة المتابعات لا ~~تفيد على أن نمنع إطلاق القاعدة كما يدل عليه كلام النووي وابن الصلاح. # والخلاصة: أن حال أسانيد هذا الحديث يمنع من إدخاله في حقيقة الصحيح ~~وحقيقة الحسن لفقدان شروطهما فيه فيدور أمره بين الضعف والوضع. # * * * PageV01P086 ### || AUTO الأسانيد المريضة الرواية حديث طلب العلم فريضة # اشتهر في بعض الكتب وعلى ألسنة الناس حديث رسول الله (ص) أنه قال: «طلب ~~العلم فريضة»، وقد روي من طرق كثيرة بروايات متنوعة، وقد طلب مني بيان ~~حالها ومتابعة مواقعها في حلها وترحالها فأجبت السؤال لأكون ممن أعطى ~~الحكمة. ### ||| AUTO الرواية الأولى # : # «طلب العلم فريضة على كل مسلم» روي مرفوعا عن أنس، وابن عباس، وابن عمر، ~~وابن مسعود، وعلي، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، قال السيوطي في ~~جمع الجوامع وفي الجامع الصغير: أخرجه ابن عدي في كامله الموضوع للضعفاء عن ~~أنس، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس. # وأخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، والطبراني في الكبير عن ابن ~~مسعود، والبيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري، ~~والخطيب البغدادي في التاريخ عن علي بن أبي طالب، وتمام في فوائده عن ابن عمر. ### |||| AUTO أقوال الحفاظ في رجال سنده # : # قال ابن عدي في الكامل ومحمد بن طاهر المقدسي في ذخيرة الحفاظ ما ملخصه: ~~إن روايته عن ابن مسعود هي من رواية عثمان الجمحي وعثمان هذا منكر الحديث. # وروايته عن ابن عمر من رواية موسى بن إبراهيم وموسى مجهول ضعيف، ومن ~~رواية وهب بن وهب، ووهب هذا كذاب، ومن رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري ~~ومحمد هذا متروك الحديث، قال أحمد بن حنبل فيه: إنه كان يضع الحديث، ~~وروايته عن جابر بن عبد الله من رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري المذكور ~~آنفا، وروايته عن أنس بن مالك من رواية حسان بن سنان. # ومن رواية سليمان بن قرم وهو أيضا ضعيف، ومن رواية حفص بن سليمان ms079 ~~الغاضري، PageV01P087 # وحفص متروك الحديث، ومن رواية ظريف بن سليمان أبي عاتكة وهو منكر الحديث، ~~ومن رواية عبد الله بن حراش وعبد الله هذا قال البخاري فيه: إنه منكر ~~الحديث، ومن رواية سليمان بن سلمة، الخياري عن بقية بن الوليد عن الأوزاعي ~~وهو منكر من حديث الأوزاعي ووقع فيه تخليط لبقية بن الوليد، أقول بقية بن ~~الوليد متكلم فيه، قاله ابن العربي في العارضة على سنن الترمذي في شرح حديث ~~العرباض بن سارية من باب الأخذ بالسنة، ومن رواية أحمد بن هارون وأحمد هذا ~~وضعه، ومن رواية زياد بن سحنون، وزياد متروك الحديث، ومن رواية حسام بن ~~نضلة، وحسام ضعيف انتهى حاصل كلام ابن عدي في الكامل. ### |||| AUTO آراء الحفاظ في حالته # : # أخرجه ابن عدي في كتابه المعدود للضعفاء وحكم على جميع طرقه بالضعف، وقال ~~السيوطي في الدرر المنتثرة: في كل طرقه مقال، وقال ابن عبد البر: روي من ~~وجوه كلها معلولة، وقال عن إسحاق بن راهويه: إن في أسانيده مقالا، وقال ~~البزار في مسنده: روي عن أنس بأسانيد واهية ا. ه. # وقال السيوطي في الدرر عن المزي (بكسر الميم، تلميذ النووي ووقع في بعض ~~نسخ الدرر المنتثرة المزني) وهو تحريف لهذا الحديث، روي من طريق تبلغ مرتبة ~~الحسن، وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: أسانيده كلها ضعيفة لكنها تقوى ~~بكثرتها، وقال السيوطي في الدرر: أخرجه ابن ماجه عن كثير بن شنظير، وكثير ~~مختلف فيه فالحديث حسن. # الرأي فيه من جهة سنده أنه حديث ضعيف رأينا فيه من أوهى مراتب الضعف؛ لأن ~~رواته بين متروك وضعيف ووضاع وكذاب ومنكر ومختلف فيه؛ وإذ قد طعن الأئمة في ~~جميع أسانيده فلا يكتسب قوة بالختلافهم في كثير بن شنظير، فقد قال ابن عدي ~~في كامله: كثير بن شنظير ضعيف، وقال في تهذيب الكمال عن النسائي: كثير بن ~~شنظير ليس بالقوي، وإذا تعارض الجرح والتعديل، فالجرح مقدم كما قرره علماء ~~الحديث والفقه والأصول، فإذا كان المجرح أكثر من المعدل أو تساويا فتقديم ~~الجرح متفق عليه، ms080 وإذا كان المجرح أقل من المعدل ففيه خلاف. والصحيح الذي ~~عليه الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين تقديم الجرح، فعلى ما قررنا ~~تسقط رواية كثير بن شنظير فلا يكون الحديث حسنا لأجلها خلافا PageV01P088 # للسيوطي على أن رواية كثير بن شنظير هي بواسطة حفص بن سليمان عنه وحفص ~~ابن سليمان متروك الحديث، قاله البخاري. # وإنما قلت: إنه من أوهى مراتب الضعف لما قرره علماء أصول الحديث أن ~~الشديد الضعف هو الذي لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم، وأما ما نقله ~~السيوطي عن المزي من قوله: إنه روي عن طريق تبلغ مرتبة الحسن، فلم ندر ~~قراره بهذه الطريق، فلعله يعني بها طريق كثير بن شنظير، وقد علمت ما فيها، ~~وعلى تسليم كون الخلاف في كثير بن شنظير لا يسقطه إلى درك الجرح فإن حقيقة ~~الحديث الحسن لا تنطبق على مثله؛ إذ الحديث الحسن يشترط فيه سلامة رجال ~~سنده من الجرح، وإنما ينزل عن مرتبة الصحيح بقلة ضبط رجاله مع عدالتهم. # وبقي لنا قول المناوي: إن كثرة طرق هذا الحديث تقويه، فهذا كلام نحتاج ~~فيه رده إلى تطويل؛ لأن صدور أمثاله كثير من كلام بعض المنتقين للحديث وهو ~~كلام لا يؤخذ على إطلاقه؛ لأن الضعيف أقسام كثيرة تنتهي في الضعف إلى ~~الموضوع فإن الموضوع من الضعيف عند المحققين من المحدثين، فبينا أن تنظر ~~إلى حالة الضعيف فإن كان ضعيفا قريبا من الحسن - أعني قد نقص منه صفة من ~~صفات الحسن أو صفتان ليست إحداهما راجعة إلى اتهام بعض رواته - فهو مقبول ~~في الجملة، فهذا إذا اعتضد بطرق أخرى متماثلة في الضعيف بدون طعن في أحد ~~رواته قد يكتسب قوة ما، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعف وإنما تكسبه قوة ~~في الضعف، فهذا مشتبه على الضعفاء في علم الحديث فيحسبون أن الضعيف من هذا ~~النوع إذا اعتضد بمثله ارتقى إلى رتبة الحسن وهو وهم وتخليط، ألا ترى أن ~~المحدثين ذكروا في حديث: «من حفظ من أمتي أربعين حديثا من أمر دينها ms081 بعثه ~~الله يوم القيامة في زمرة العلماء» أنه روي عن جماعة من الصحابة: علي بن ~~أبي طالب وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر ~~وعبد الله بن عباس وأنس ابن مالك وأبي هريرة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ~~وأنه روي من طرق كثيرة، وذكروا أن الحفاظ اتفقوا على أنه حديث ضعيف وإن ~~كثرت طرقه؛ لأن جميع طرقه ليس فيها طريق من علة قاله النووي، وقاله ابن حجر. # وهاهنا توجيه كنت جعلته دستورا في كيفية الاعتضاد بكثرة طرق الأخبار إذا ~~تعددت طرقها وقررته في دروس الأصوليين؛ وذلك أن الحديث الصحيح يغلب PageV01P089 # الظن بصدق نسبته إلى رسول الله نظرا لحسن الظن برواته، وفيه احتمال مرجوح ~~جدا بأن يكون مكذوبا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والحديث الحسن دونه فيه الظن يصدق نسبته، وفيه احتمال مرجوح بأن يكون ~~مكذوبا، والحديث الضعيف يستوي من ظن احتمال بعدم صدق نسبته إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وظن احتمال صدق نسبته إليه. # فإذا كثرت طرق الحديث وطرق الحسن فقد تأيد ظن الصدق بظنون مثله راجحة، ~~فيصير الصحيح قريبا من المتواتر، ويصير الحسن قريبا من الصحيح، بخلاف ~~الضعيف، فإن تكررت طرقه الضعيفة يؤيد احتماليه معا فيبقى كما هو لا يكتسب ~~قوة بتكرر الطرق. # أما من جهة معناه فهو يؤدي معنى غير منضبط يحتاج إلى التأويل وذلك لا ~~يناسب الفصاحة النبوية؛ لأن التعريف في لفظه «العلم» المضاف إليه «طلب» لا ~~يخلو أن يكون للعهد أو الاستغراق، ولا يجوز أن يكون للعهد إذ ليس في ~~الشريعة علم معهود يتطرق إليه الذهن عند تعريفه بلام العهد، فتعين أن محمل ~~التعريف للاستغراق، وهو إما استغراق حقيقي أو عرفي ولا يجوز أن يكون ~~استغراقا حقيقيا؛ لأنه يقتضي مطالبة كل مسلم بطلب جميع العلوم وهذا من ~~التكليف بما لا يطاق وهو منفي عن دين الإسلام بحكم قوله تعالى: } لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، فبقي أن يكون استغراقا عرفيا أي كل ~~علم من العلوم ms082 الشرعية، وهذا ظاهره باطل إذ لا يجب على كل مسلم أن يطلب ~~جميع العلوم الشرعية بل تحصيلها فرض كفاية يتوزعه طائفة من الأمة كما ~~اقتضته آية: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: ~~122]، وإذا كان ظاهره غير مراد قطعا لزم تأويله ولا دليل على تأويل معين، ~~فيصير من المجمل الباقي على إجماله وذلك لا يليق بمقام التشريع أن يخاطب ~~المسلمون بشيء واجب عليهم غير معين مقداره. # وقد تأوله بعض العلماء بأن المراد به علم ما لا يسع المكلف جهله من صلاته ~~وطهارته وصيامه ونحو ذلك بأن يحصل ما يمكنه تحصيله، ويسأل عما لا يمكنه ~~تحصيله عند نزوله به، ولا يخفى أنه تأويل بعيد؛ إذ تحصيل قواعد الدين ~~والسؤال عن جزئياتها عند نزولها لا يسمى طلب العلم في متعارف اللغة. # يدل لذلك ما وقع في جامع العتبية في سماع القرينين أشهب وابن نافع سؤال. PageV01P090 # مالك عن طلب العلم: أفريضة هو؟ فقال: لا والله ما كل الناس كان عالما وإن ~~من الناس من أمره أن لا يطلبه، ثم قال من الغد قد سئلت: أطلب العلم فريضة؟ ~~فقلت: أما على كل الناس فلا. اه. # قال ابن رشد في البيان والتحصيل قوله: إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، ~~يريد من الناس من هو قليل الفهم لا تتأدى له المعاني على وجوهها، وإذا سمع ~~الشرح تأوله على خلاف معناه، ومن كان بهذه الصفة فالحق أن يترك الاشتغال ~~بطلب العلم ويشتغل بما سواه من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وفي قوله ~~من الغد: أما على كل الناس فلا يدل على انه فريضة على بعضهم فهو عنده فريضة ~~على من كان فيه موضع للأمانة ا. ه كلام ابن رشد. أقول: كلام الإمام من الغد ~~بيان لقوله قبله: «ما كان الناس كان عالما»، وكلامه كله مؤذن بأن المراد ~~بطلب العلم تحصيل المسائل وفهمها وتنزيلها؛ وذلك لا يلاقي تفسير من فسر ~~العلم بمعرفة قواعد الإسلام والسؤال عن جزئياتها. # تنبيه: قال السندي في شرح ms083 سنن ابن ماجه عن السخاوي: ألحق بعض المصنفين ~~آخر هذا الحديث «ومسلمة» وليس لها ذكر في شيء من طرقه ا. ه. ### ||| AUTO الرواية الثانية # : # «طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير ~~الجواهر والؤلؤ والذهب». # رواه ابن ماجه من طريق حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أنس ابن مالك ~~قال المناوي في شرح الجامع الصغير: ضعفه الحافظ المنذري، وقال محمد السندي ~~في شرح سنن ابن ماجه: إنه حديث ضعيف لضعف حفص بن سليمان، وسئل عنه النووي ~~فقال: هو ضعيف سندا. # وقال المزي تلميذ النووي والسيوطي: هو حسن لكثرة طرقه. # أقول: يريد الجزء الأول من الحديث وهو الرواية المتقدمة، أما قوله: ~~«وواضع العلم ... » إلخ، فلا يعرف له طريق غير طريق حفص بن سليمان عن كثير ~~بن شنظير. وقد قدمنا في الكلام على الرواية الأولى قولهم في حفص بن سليمان: ~~إنه متروك الحديث، وفي كثير بن شنظير: إنه مختلف في قبوله. # وأما ضعفه من جهة المعنى فجزؤه الأول تقدم الكلام عليه، وجزؤه الثاني ~~مختل PageV01P091 # المعنى، إذ المقصود منه التحذير من وضع العلم عند غير أهله وتشنيع ذلك ~~الوضع. ولا سبيل إلى معرفة أهلية طالب العلم لوضع العلم عنده حتى يحذر منه، ~~على أنه لا يلاقي صدر الحديث القاضي بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، فكأن ~~صدره يأمر بطلب العلم، وعجزه يأمر بإمساك العلم عمن ليس له بأهل فينفتح باب ~~عظيم لإمساك العلم بانفتاح باب النظر في أهلية الطالب وعدمها. ### ||| AUTO الرواية الثالثة # : # «طلب العلم فريضة على كل مسلم وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء حتى ~~الحيتان في البحر» قال السيوطي في الجامعين: رواه ابن عبد البر في كتاب فضل ~~العلم عن أنس قال المناوي في شرح الجامع: روى بوجوه كثيرة كلها معلولة. # وضعه من جهة المعنى في جزئه الأول تقدم الكلام عليه، وأما قوله: «وإن ~~طالب العلم ليستغفر له كل شيء ... » فلا يشبه أن يكون من كلام النبوة ~~لركاكته فإن أكثر البشر لا ms084 يستغفرون لطالب العلم، وأي معنى لاستغفار ~~الحيوان والحيتان وعهدنا أن الصالحين يستغفر لهم الملائكة قال تعالى: ~~{الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم} [غافر: 7]. الآية، فلا تنزل درجة طالب العلم إلى أن يستغفر له ~~الحيتان. ### ||| AUTO الرواية الرابعة # : # «طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد» رواه الديلمي ~~في مسند الفردوس عن ابن عباس، قال المناوي في شرح الجامع: فإسناده فيه وضاع. # أما ضعف معناه فإن الصلاة والصيام والحج منها واجب هو المراد هنا لقرينة ~~ذكرها مع الحج وطلب العلم تطوع، والواجبات أفضل من التطوع إلا ثلاثة فضائل ~~مستثناة هي من جنس واجباتها وهي التوضؤ قبل دخول الوقت وابتداء السلام ~~وإبراء المعسر مع أن الواجب إنظاره إلى ميسرة. ### ||| AUTO الرواية الخامسة # : # «طلب العلم ساعة من قيام ليلة، وطلب العلم يوما خير من صيام ثلاثة أشهر» ~~رواه الديلمي في مسند الفردوس قال المناوي: بسند ضعيف. PageV01P092 ### ||| AUTO الرواية السادسة # : # «اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه من طريق ~~ابن عدي في الكامل، رواه ظريف بن سليمان أبو عاتكة عن أنس، وقال البخاري: ~~ظريف منكر الحديث، ورواه أحمد الجوباري بسنده إلى أبي هريرة، والجوباري ~~كذاب، وقد سرق هذا الحديث من أبي عاتكة ركب له إسنادا آخر إلى أبي هريرة. # قال السيوطي في الليالي المصنوعة عن ابن حبان: هو باطل لا أصل له، وقال ~~البيهقي في شعب الإيمان: متنه مشهور وإسناده ضعيف. ### ||| AUTO الرواية السابعة # : # «طلب العلم فريضة والله يحب إغاثة اللهفاء» رواه البيهقي في شعب الإيمان ~~وابن عبد البر في كتاب فضل العلم، قال المناوي في شرح الجامع: إسناده ضعيف. ### ||| AUTO الرواية الثامنة # : # «طلب العلم فريضة على كل مسلم فكن أيها العبد عالما أو متمتعا ولا خير ~~فيما بين ذلك» قال في جمع الجوامع: رواه الديلمي عن علي - رضي الله عنه - ~~يعني وهو ضعيف لقول المؤلف ms085 في ديباجة كتابه: إن كل ما عزي إلى الديلمي في ~~مسند الفردوس فهو ضعيف، فيستغنى بعزوه عن بيان ضعفه يعني ما انفرد به فإن ~~انفراده هو موجب العزو إليه. # * * * PageV01P093 ### || AUTO التنبيه على أحاديث ضعيفة # أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس # إن من أكبر ما أضر بالمسلمين في تصورهم معاني الدين هو غرورهم بما أملي ~~عليهم من تهوين أمر العمل بشرائع الإسلام ورضاهم بالاقتصار على فضيلة ~~الإيمان والإسلام مع إهمال كثير من الأعمال، ومن قلب حقائق شرعية في أصول ~~الدين أو في فروعه، وهذه الأحوال إنما جرها إليهم مرويات ضعيفة تكاثرت بين ~~المسلمين بسبب تهاون بعض أهل الحديث بالأحاديث الضعفة في فضائل الأعمال، ~~وقد أدخلت تلك الأحاديث الموضوعة الشائعة بين المسلمين والمجهول وهنها عند ~~عامتهم وكثير من خاصتهم المعرضين عن تمحيص أسانيد الأحاديث أغلاطا كثرة، ~~سرى مفعولها في الناس فلم تخل بعض كتبهم من بعضها، فكان حقا على كل من ~~يتصدى لإصلاح حال المسلمين أن ينبه على تمحيص الآثار لما في التساهل في ~~قبول واهنها من الأخطار التي لا يقدر المرء مقدار ما تفضي إليه، فمن حق ~~المسلم الإعراض عنها والاشتغال بالصحيح والحسن فهو أهون عليه، وها أنا أذكر ~~طائفة منها مرتبة على حروف المعجم وسنقفيها في كل عدد بعدد من نوعها. # أ. «أنا مدينة العلم وعلى بابها» حديث موضوع بجميع أسانيده على ما انفصل ~~عليه المحققون من المحدثين ولا عبرة بمن أخرجه اغترارا بظاهر حال راويه، ~~وقد وضعه أبو الصلت واشتهر به. # ب. «أحبوا العرب لثلاث؛ لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في ~~الجنة عربي» رواه الحاكم وصححه على عادته، وقال الأئمة: هو ضعيف. # ج. «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم» ... إلخ، أخرجه ابن عدي ~~في كتاب الضعفاء، وقال الأئمة: هو حديث ضعيف. # د. «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» رواه أبو يعلى في مسنده، قال العراقي في ~~رسالته في فضل العرب: هو حديث صحيح، قال المناوي: وفيه ما فيه. # ه. «بعثت لأتمم صلاح الأخلاق» رواه الحاكم ms086 والبيهقي وهو ضعيف. PageV01P094 # و. «حب العرب إيمان وبغضهم نفاق» أخرجه الحاكم في المستدرك وهو حديث ضعيف. # ز. «حب العرب إيمان وبغضهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب ~~فقد أبغضني» هو أشد ضعفا من الذي قبله. # ح. «طلب العلم فريضة على كل مسلم» حديث ضعيف. # ط. «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد الطبراني وهو حديث ضعيف. # ي. «من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» ~~رواه الحاكم في المستدرك قال: صحيح، وأنكره الذهبي. # ك. «الصلاة تبئس وتمسكن» لا يعرف أصله. # ل. «قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعالموها أو لا تعلموها ~~لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لخيارها عند الله» أخرجه جماعة بأسانيد كلها ضعيفة. # م. «يا جابر أول خلق الله نور نبيك» حديث طويل، وهو حديث منكر يتردد حالة ~~بين الضعف والوضع. # * * * PageV01P095 ### || AUTO دفع إشكال في حديث نبوي # «سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدو من سوى أنفسهم»: # سألني أحد أبنائي الأفاضل من شيوخ العلم بجامع الزيتونة عن تأويل قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدو من ~~سوى أنفسهم». # هل هو حديث صحيح أو لا؟ وكيف إذا ظهر صحيحا يستقيم معناه، فإنا نرى ونسمع ~~أن المسلمين قد تسلط عليهم غير مرة أعداء من غيرهم مثل ما حل بالمسلمين في ~~بلاد الأندلس؟ وهل يستقيم أن نؤوله بأن العدو ما سلط على الأمة في كل مرة ~~إلا بمعونة خيانة من المسلمين أنفسهم وخذلان بعضهم بعضا فيكون ذلك التسليط ~~في المعنى من أنفس المسلمين. # فأجبته حين السؤال بما حضرني بما يدفع الإشكال؛ وذلك بعض ما يشتمل عليه ~~هذا المقال، ثم بدا لي أن أزيده بيانا وتحقيقا؛ ليكون فهم هذا الحديث فهما وثيقا. # سند هذا الحديث هو حديث صحيح رواه مسلم وغيره واللفظ الصحيح ما في مسلم ~~عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله ms087 زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي ~~سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت -وفي رواية وأعطاني- الكنزين الأحمر ~~والأبيض- يعني الذهب والفضة، وقيل أراد الشام والعراق -وإني سألت ربي لأمتي ~~أن لا يملكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح ~~بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك ~~لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ~~فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم بأقطارها- أو قال: من بين أقطارها -حتى ~~يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» رواه أبو داود والترمذي وأحمد بن ~~حنبل وابن ماجه وابن حبان عن ثوبان بأطول من هذا يزيد بعضهم على بعض، وهذا ~~الحديث مع إشكاله لم يتناوله شراح الحديث: عياض والنووي والأبي من شراح ~~مسلم وابن العربي في شرح الترمذي والخطابي في شرح كتاب أبي داود بما يستحقه ~~من البيان بل تراهم أعرضوا عن بيان المراد منه، وموافقته لما ظهر من ~~الحوادث وقصدنا الاقتصار على محل الإشكال من رواية مسلم. PageV01P096 # معناه الذي أرى: أن هذا الحديث مسوق للبشارة والتحذير معا وأنه جاء على ~~سنن البلاغة النبوية بإيجاز بديع، وأنه على أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - دعا ربه دعوة استجيبت له، فأراد إدخال السرور بها على أمته ليعلموا ~~كرامتهم على الله ويزدادوا معرفة بقدر رسولهم، وقد دل على أن الدعوة ~~مستجابة قوله في آخر الحديث، فيما يرويه عن ربه: «وإني أعطيت لأمتك أن لا ~~أسلط عليهم عدوا ... » إلخ، وفيه تحذير مما يخشى وقوعه بين المسلمين من ~~التقاتل، وله نظائر في التحذير كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، والتسلط في كلام العرب هو ~~الغلب، قال الله تعالى: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} [النساء: ~~90]؛ واشتقاقه من السلاطة وهي الشدة يقال: فلان سليط اللسان، أي خبيث ~~القول، ومنه اشتقت السلطة والسلطان، وقد أريد بالتسليط هنا الشدة وهو تسليط ~~الإهلاك والاستئصال بدليل مجيء ms088 فاء التسبب الجعلي عقبة في قوله: فيستبيح ~~بيضتهم، فيعود الكلام إلى معنى: وأن لا يستبيح عدوهم بيضتهم، والنكتة في ~~ابتداء الدعاء بنفي التسليط ثم تعقيبه بنفي الاستباحة هي التأدب بإسناد ~~الفعل المطلوب إلى الله تعالى، وأن العدو إذا لم يسلطه الله لا يستطيع ~~استباحة بيضة المسلمين، والسين والتاء في الاستباحة للصيرورة مثل قولهم ~~استقام الأمر أي صار قيما، فالمعنى: فتصير بيضة المسلمين مباحة لهذا العدو ~~المسلط، والإباحة في الأصل المكنة، قال الشاعر: # أبحنا حيهم قتلا وأسرا ... خلا الشمطاء والطفل الصغير # وضدها الحرمة وهي المنع، ومنه وصف البلد بالحرام، ومعنى صيرورة البيضة ~~مباحة أن لا يبقى لها من القوة والعزة ما يمنع العدو من تناولها والتمكن ~~منها، والبيضة هنا الجامعة، وأصل البيضة لامة الحرب التي تلبس على الرأس ~~لتقيه ضرب السيوف مثل المغفر، ثم أطلقت على العزة مجازا مرسلا؛ لأنها سبب ~~العزة في الحرب للابسها أن يكون آمنا من إتلاف نفسه، ثم أطلقت على الأمر ~~الذي تجتمع عليه الأمة وبه قوامها وبقاؤها، ومن ذلك قول العلماء: من شرط ~~الخليفة أن يكون قادرا على حماية البيضة. # والجامعة في اعتبار الإسلام هي جامعة الدين، فلا التفات إلى القبائل ~~والأحياء ولا إلى الأوطان والأمم، لكن الجامعة الإسلامية لما كانت حاصلة في ~~جماعة المسلمين، وكانت جماعة المسلمين لا غنى لها عن الاستقرار في مكان، ~~فوطن PageV01P097 # الإسلام وبلاد الإسلام هي الأرض التي يقطنها طوائف من المسلمين، فالتأم ~~من معنى الكلام: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل الله أن لا يسلط ~~العدو على الأمة تسليطا يتمزق به إهاب الجامعة الإسلامية، فليس المراد أن ~~لا يسلط العدو على بعض المسلمين في بعض الأقطار أو في بعض الأيام؛ لأن سنة ~~الله في هذا الكون أن الدنيا دول والحرب سجال، وأن الأمور موكلة إلى ~~أسبابها وعوارضها، فقد هزم المسلمون في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~في بعض الوقائع كما قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا ~~شديدا} [الأحزاب: 11]، وإنما المراد أن لا يسلط عدوا على جميع الأمة ms089 ~~فيستأصلها بقرينة قوله قبله: أن لا يهلكهم بسنة عامة، أي بقحط يعم جميع ~~بلاد الإسلام حتى يستأصلهم فلا يمنع ذلك من حصول قحط في بعض الجهات يهلك ~~طوائف من الناس، فقد كان قحط عام الرمادة في خلافة عمر - رضي الله عنه -، ~~وكان غيره بعده ونظير هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه غير ~~مرة دعوات مرجعها إلى حماية هذه الأمة من أسباب الاستئصال، فقد أمن الله ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من الخسف ومن الهلاك بالريح ونحو ذلك مما ~~أهلكت به الأمم البائدة، وفي حديث البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «سألت ربي أن لا يهلك أمتي بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم ~~فاستجاب لي وسألته: أن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، فلم يستجب لي». # وفي الصحيح أنه لما أنزل قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65]، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أعوذ بسبحات وجهك الكريم أن يلبسكم شيعا ويضيق بعضكم لباس بعض» قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذه أخف»، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~حريص على أن لا يصيب الأمة شيء يستأصلها؛ لأن ذلك يقطع أعظم شيء عند الرسول ~~وهو توحيد الله وعبادته، ألا ترى قوله يوم بدر وهو في العريش: «اللهم إن ~~تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»؛ وذلك أن الأمم الماضية أصابهم ~~الاستئصال بأنواع الهلكات من نحو الغرق لقوم نوح، والريح لعاد والخسف لأهل ~~سدوم والصاعقة لثمود وسيل العرم لسبأ، والصيحة لمدين، فباد جمعهم وهلكوا، ~~والاستئصال بالسيف لبني إسرائيل على أيدي السريان في مدة بختنصر ثم على ~~أيدي الرومان في زمن طيطس حتى استبيحت بيضتهم وزالت جامعتهم إلى اليوم. # والمراد بالعدو: المعادي، أي المخالف الحنق، وهو هنا عدو الدين بقرينة ~~مقابلته بمجموع الأمة الإسلامية، وقوله: من سوى أنفسهم، أي من غير قومهم؛ ~~لأن الأنفس في مثل هذا المقام يراد به الصميم والقوم، والمراد هنا القومية ~~الدينية ms090 لا القبلية PageV01P098 # فيجوز أن يكون هذا الوصف لقوله: «عدوا» وصفا كاشفا؛ إذ العدو لا يكون إلا ~~من غير القوم أي عدوا من غير المسلمين، وحينئذ فليس فيه ما يقتضي أن يسلط ~~على المسلمين عدوا منهم يستأصلهم. # ويجوز أن يكون وصفا مقيدا لقوله عدوا معاديا لهم من أنفسهم، فيكون المعنى ~~على تأويل: عدوا لبقيتهم أي فريقا من المسلمين يكون عدوا لبقيتهم، فيكون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا الله دعوة لاحظ فيها حق الأدب مع ~~الله؛ لأن سنة الله في خلقه أن لا تسلم أمة من عدو يناوئها، فسأل الله أن ~~يسلمها من عدو شديد العداوة يستأصلها ويهينها؛ لأن غلبة العدو التام ~~للعداوة غلبة مشتملة على إهانة بخلاف غلبة العدو الذي له بالمغلوب صلة ~~واقتراب فإنها لا تخلو من رحمة وتجنب للإهانة كما قال البحتري: # وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها # تقتل من وتر أعز نفوسها ... أو عليها بأيد ما تكاد تطيعها # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # وكما قال الحماسي لما أراد القوم من أخيه حين قتل ابنه ثم ألقى السيف من ~~يده وقال: # أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد # كلاهما خلف عن فقد صاحبه ... أو هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # وعليه فليس المراد من تسليط العدو الذي هو من أنفس الأمة تسليط ~~الاستئصال؛ لأن ذلك غير متوهم في العرف أن يصدر من متسلط من أنفس القوم ~~ويدل لذلك قوله في آخر الحديث، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا، ~~والحديث على هذا البيان لا ينافيه شيء مما حدث من أحوال المسلمين في ~~التاريخ، فقد تسلط العدو على طوائف من المسلمين غير مرة بعضها كان تسلطا ~~معتادا كالحروب الصليبية، وبعضها كان فوق المعتاد كتسلط التتار والمغول على ~~المسلمين في المشرق سنين طويلة أهلكت الحرث والنسل إلى أن اعتنقوا الإسلام ~~وصاروا إخوة لمن كانوا أعداءهم، وكتسلط القرامطة على بلاد العرب، وتسلط ~~النصارى على المسلمين في مصر والشام في أواخر القرن ms091 السادس وأوائل السابع، ~~وكتسلط الجلالقة على المسلمين في المغرب ببلاد الأندلس حتى انجلى عنها ~~المسلمون وأصبحت أرض PageV01P099 # كفر، ولكن المسلمين الذين كانوا بها حلو في ديار أخرى وانضموا إلى ~~جامعتهم، فلم يكن ذلك استئصالا لهم بله أن يكون استئصالا لسائر الأمة ~~وتمزيق جامعتها وسلطانها، وقد اقتتلت فرق المسلمين غير مرة قتالا معتادا أو ~~أشد من المعتاد، وحسبك منه قتال الخوارج الذي دام سنين طويلة ولم يفض إلى ~~تفانيهم واستئصال بعضهم بعضا، وعلى هذا فقوله في حكاية جواب الله تعالى: ~~«حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» غاية لانتفاء تسليط بعضهم على ~~بعض ليست من جنس تسليط العدو عليهم، وشرط المعطوف ب (حتى) أن يكون بعضا من ~~المعطوف عليه، فتعين أن يكون في الكلام إيجاز حذف دل على عظم فضل الله ~~تعالى على رسوله؛ إذ استجاب له بأكثر مما سأله؛ فإنه سأله أن لا يسلط عليهم ~~عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم، فاستجاب له بذلك وبأن لا يسلط عليهم من ~~أنفسهم أيضا مسلطا في كون من الأكوان، وحال من الأحوال إلى الغاية التي ~~يكون بعضهم فيها يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا. وهذا الأسلوب يشبه أن يكون ~~من تأكيد الشيء بما يشبه ضده إذ يوهم بظاهره أن تلك الغاية نهاية لقوله: ~~«وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم»، وهي في الحقيقة ليست غاية لذلك، ~~فإن ذلك منتف أبدا إلى غير غاية، وإنما هو غاية لمحذوف وهو ما أشرت إليه آنفا. # ويجوز أن يكون المراد من قوله: حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ... إلخ، غاية ~~لنفي تسليط العدو من غير تقييد كون العدو من غير أنفسهم، أي تسليط بعض ~~المسلمين على بعض تسليطا يستبيح بيضتهم ويفنى جماعتهم، فيكون ذلك إخبارا عن ~~غاية من الزمان تحصل فيه فتن عظيمة فيرتد فريق من المسلمين عن الإسلام ~~ويكون مساويا للفريق الباقين على الإسلام في العدد وتزول منهم حرمة أحكامه ~~فيقتل بعضهم بعضا قتل استئصال حتى لا يبقى من يقول: الله، الله، كما ورد في ~~الحديث: «لا ms092 تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»؛ وذلك بأن يسلط بعض المسلمين ~~على بعض ويسلب الغالبين رشدهم فيهلكوا البقية نظير ما سلب الله (نيرون) ~~سلطان الرومان من العقل حتى صار يلذ له إزهاق نفوس قومه وإحراق عاصمة ~~سلطانه فيكون هؤلاء قد بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار وهي ~~غاية بعيدة المدى، ما بقيت في المسلمين مسكة من هدى، نسأل الله أن يعيذ ~~الأمة من هذه الحالة ببركة رسولها - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P100 ### || AUTO حديث من سئل عن علم فكتمه # هذا الحديث رواه أبو داود بسند رجاله من رجال الصحيح، عن أبي هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله ~~بلجام من نار يوم القيامة»، ورواه ابن ماجه بسند فيه ضعف عن أنس مرفوعا ~~بمثل ذلك، وعن أبي هريرة أيضا مثله بزيادة: «عن علم يعلمه»، ورواه ابن ماجه ~~بأسانيد عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من رجل ~~يحفظ علما فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجما بلجام من النار»، ورواه ~~أيضا بسند أكثر أهله من رجال الصحيح وفيه صفوان ابن سليم وهو متكلم فيه عن ~~أبي سعيد الخدري، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كتم علما مما ~~ينفع الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار»، ورواه ~~الترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن، وروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن ~~عباس، وعمرو بن العاص مرفوعا بأسانيد ضعيفة متفاوتة الضعف فهذا تحصيل القول ~~في أفضل أسانيده. # معنى هذا الحديث: # ظاهر هذا الحديث أنه عام في كل مسؤول عنه وفي كل سؤال؛ لأن قوله: «سئل» ~~فعل في سياق الشرط فيعم؛ لأن للفعل حكم النكرة فيؤول إلى معنى: كل من سئل ~~بكل سؤال عن كل علم فكتمه ألجمه الله .... إلخ. # ويستتبع ذلك عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة؛ لأن العام في الذوات عام في ~~الأحوال والأوقات والأماكن عند جمهور أهل الأصول خلافا للقرافي، فظاهره ~~يقتضي: أن ms093 كل مسؤول عن كل علم إذا كتم سائله عوقب يوم القيامة بلجام من ~~نار، وترتيب العقوبة على عدم الجواب يقتضي أن الكتمان كبيرة ويقتضي أن ضده ~~وهو جواب السائل عن علم واجب؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، هذا ظاهر ~~الحديث. # وقد اتفق العلماء على أن هذا الظاهر غير مراد، ووجه اتفاقهم على ذلك: أن ~~العقوبة تدل على كون ما ترتبت عليه كبيرة، وقد دلت الأدلة الشرعية من ~~المنقول والمعقول أن جواب العالم عما يسأل عنه ليس بواجب في جميع الأحوال، ~~وأن كون PageV01P101 # الشيء ذنبا يقتضي ترتب مفسدة دينية على فعله، ولا نجد في عدم إجابة ~~العالم من يسأله مفسدة في كثير من الأحوال، فذلك هو الداعي لهم إلى تأويل ~~هذا الحديث، أي: حمله على غير ظاهره جمعا بين الأدلة مما ورد عن الشارع وما ~~استقرئ من قواعد الشريعة. # قال أبو بكر بن العربي في «عاصمة الأحوذي» هو محمول على خمسة أوجه: # الأول: أن يعدم ذلك العلم إن لم يظهره، أي المسؤول، وذلك بأن يكون منفردا ~~بعلمه بين أهل تلك الجهة بحيث يتعذر أن يجيب عنه غيره إلا في أقطار بعيدة. # الثاني: أن يقع السائل في أحموقة إن لم يخبره. # الثالث: أن تفوت به منفعة أي مصلحة دينية. # وهذه الوجوه الثلاثة في معنى الشروط لحرمة الكتمان، وكلها مبنية على أن ~~المراد بالعلم ظاهره معنى وعموما، فإطلاق اسم المحامل عليها في كلام أبي ~~بكر بن العربي تسامح. # الرابع: امتثال وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي سعيد الخدري ~~في قوله: «إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم يتفقهون أو يتعلمون فإذا ~~جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا»، وذلك هو التعليم، يعني: تعليم الذين جاؤوا لقصد ~~التصدي للتعلم والتفقه في الدين؛ لأنهم إنما جاؤوا ممتثلين أمر الله تعالى ~~في قوله: {فلولا نفر من كل فرقة} [التوبة: 122]. # وحيث كان قوله: {طائفة}، يدل على أن طلب العلم في الدين فرض كفاية، فكذلك ~~تعليم طالبه هو فرض كفاية، وهذا الوجه محمل للحديث مخالف للمحمل الأول مبني ms094 ~~على أن المراد بالسؤال بعض معانيه، وهو طلب التعلم، وذلك يقتضي وجوب ~~التعليم دون وجوب جواب السائل، ولهم في أحكام التعليم تفصيل مذكور في تفسير ~~قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة: 159] الآية. # الخامس: أنه الشهادة وهذا محمل مخالف للمحملين السابقين فيكون المراد ~~بالعلم هنا خصوص العلم بما بين الناس من الحقوق، وقد نسب ابن العربي في ~~«الأحكام» والقرطبي في «التفسير» هذا التفسير لسحنون ويجري حينئذ على PageV01P102 # حكم أداء الشهادة المذكورة في تفسير قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283]، وفيه تفصيل. # وحاصل كلام بن العربي راجع إما إلى تقييد في العموم ببعض الشروط، وإما ~~إلى تخصيص عموم في السؤال أو عموم العلم، وقال الخطابي في شرح هذا الحديث ~~من تعليقه على سنن أبي داود: (هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين ~~عليه فرضا؛ كمن رأى كافرا يقول: علموني ما الإسلام، وكمن يرى رجلا حديث عهد ~~بالإسلام لا يحسن الصلاة، وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلي، وكمن جاء ~~مستفتيا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في مثل هذه ~~الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سئلوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثما ~~مستحقا للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة ~~بالناس إلى معرفتها) أ. ه. # ومعناه: أن كتمان العلم المسؤول عنه حرام إذا كان يترتب على السؤال عمل ~~فيما يجب اعتقاده أو ما يجب التعبد به أو في الإقدام على عمل من الأعمال ~~المكلف بها السائل. # وحاصل كلامه تخصيص العموم الواقع في لفظ (علم) بالحالة التي يترتب عليه ~~عدم الإجابة فيها إقدام على حرام بناء على أن التعليم إنما هو وسيلة للعمل، ~~فلا يكون حكمه إلا موافقا لحكم المتوسل إليه؛ لأن الوسيلة تعطي حكم المقصد، ~~هذا دليل تخصيص من جهة النظر، ويدل لهذا التخصيص أيضا من الأثر رواية ابن ~~ماجه من حديث أبي سعيد الخدري: «من كتم علما مما ينفع الناس في ms095 أمر الدين» إلخ. # وقد عرف من هذا كله أمور أخرى، منها: ما قاله فخر الدين الرازي في ~~تفسيره: «إظهار العلم فرض على الكفاية لا على التعيين؛ لأنه إذا أظهره ~~البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوما، وإذا خرج عن ~~حد الكتمان لم يجب على البقية إظهاره مرة أخرى» أ. ه، وقال ابن العربي في ~~الأحكام: إن كان هناك من يبلغ اكتفي به وإن تعين عليه لزمه. # ومنها: أن يكون السائل أهلا لاستفادة ما سأل عنه إذا كان المراد بالسؤال ~~التعلم لقول علي - رضي الله عنه -: «حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن ~~يكذب الله ورسوله»، وقد قيل: إن هذا الكلام يرفعه علي إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث PageV01P103 # قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة أ. ه. فإن للمعلومات ~~مراتب: منها ما تستطيع دركه عقول الجميع، ومنها ما لا يفهمه إلا الخاصة، ~~قال الغزالي في الإحياء: سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب، فقال له السائل: ~~أما سمعت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كتم علما نافعا جاء ~~يوم القيامة ملجما بلجام من نار»، فقال: اترك اللجام واذهب، فإن جاء من ~~يفقهه وكتمته فليلجمني، فقد قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ~~[النساء: 5]، تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى من حفظ المال، ~~وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق، وأنشد: # أأنثر درا بين سارحة النعم ... فأصبح محزونا براعية الغنم # لأنهم أمسوا بجهل لقدره ... فلا أنا أضحي أن أطوقه البهم # فإن لطف الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم # شكرت مفيدا واستفدت مودة ... وإلا فمحزون لدي ومكتتم # فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # انتهى كلام الغزالي. # وهذا يقتضي أن يكون السائل معروفا عند المسؤول؛ ليتبين له حاله من ~~الأهلية لتلقي المسألة ومن التنزه عن قصد الفتنة والتشغيب. # ومنها: أن يكون العمل بالمسؤول عنه متوفقا ms096 على جواب المسؤول، فأما إذا ~~فات العمل أو تعذر التدارك فلا يجب الجواب؛ إذ لم يبق الجواب وسيلة إلى حكم ~~شرعي من وجوب أو تحريم، ومثال ذلك: ما وقع من المعتمد بن عباد ملك قرطبة ~~وإشبيلية فإنه أتاه سفير الأذفنش ملك الجلالقة فأغلظ السفير في كلامه مع ~~المعتمد فضرب المعتمد رأس السفير بمحبرة كانت بين يديه فقتله، ثم أحضر ~~الفقهاء واستفتاهم في حكم قتل ذلك السفير وكان السفير يهوديا، فهذا ~~الاستفتاء في غير محله؛ إذ كان عليه أن يستفتيهم قبل أن يقتله. # ومنها: أن يكون السائل طالبا معرفة عمل يخصه، فأما إذا كان طالبا معرفة ~~عمل غيره فذلك من العلم النافلة الذي أشار إليه الخطابي، ومن الناس من يسأل ~~عما عمله غيره ليتطلب بذلك عثراته أو للتشغيب عليه من التجسس المنهي عنه ~~شرعا. PageV01P104 # ومنها: أن يكون العلم المسؤول عنه معلوما للمسؤول مأثورا عنده، فإن كان ~~المسؤول مجتهدا فطريق علمه بالمسؤول عنه ظهور أدلته لديه، وإن كان مقلدا ~~فطريق علمه به أن يكون له به نقل عن أئمة المذهب الذي قلده وبدون ذلك لا ~~يجب الجواب. # دل على هذا ما ورد في حديث ابن ماجه عن أبي هريرة: «ما من رجل يحفظ علما ~~فيكتمه ... » إلخ. # وقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فأجاب في ست وثلاثين منها: بلا ~~أدري. وقال القرافي -في الفرق 78 - للعالم أحوال: # الأولى: أن يكون مقتصرا على علم بعض مختصرات المذهب، فلا يفتي بما فيها ~~إلا إذا تحقق أنها مستوفية لما في المسألة من قيود ونحوها فيفتي بما فيها ~~من غير زيادة ولا نقص، بأن يكون عين الواقعة المسؤول عنها لا أنها تشبهها ~~فلا يخرج عليها؛ لأنه قد يكون بين النظيرين فروق تمنع من الإلحاق فيجب عليه الوقف. # الحالة الثانية: أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع على تقييد المطلقات ~~وتخصيص العمومات، ولكنه لم يضبط مدارك إمامه ضبطا متقنا، فهذا يجوز له أن ~~يفتي بجميع ما ينقله اتباعا لمشهور المذهب، فإذا نزلت واقعة ليست مما يعرفه ms097 ~~فلا يخرجها على نظائرها من محفوظاته ولا يقول: هذه تشبه المسألة الفلانية؛ ~~لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله. # الحالة الثالثة: أن يستكمل شروط التخريج والإحاطة بمدارك إمامه مع ~~الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه بطريق ~~النقل وطريق التخريج، هذا حاصل كلامه وسلمه له ابن النشاط. # ومنها: أن لا يكون في العلماء من هو أضلع منه بتلك المسألة وأقدر على ~~الجواب وأتقن، وقد قال أبو موسى الأشعري: لا تسألوني مادام هذا الحبر بين ~~أظهركم (يعني: عبد الله بن مسعود). # ومنها: أن يكونن قصد السائل الاستفادة دون إثارة الشغب؛ ولذلك أمر عمر ~~بضرب صبيغ الذي كان يسأل أهل العلم عن متشابهات القرآن، قال القرطبي: وكذلك ~~لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق. # ومنها: أن يكون المسؤول واثقا بمرتبته العلمية واضعا نفسه حيث وضعه الله ~~تعالى PageV01P105 # بحيث يشهد له الناس بالعلم ويظن بنفسه الإصابة فيما يسأل عنه إلا احتمالا ~~مرجوحا، قال مالك رحمه الله: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا ~~لذلك، ويرى هو نفسه أهلا لذلك. # ومنها: أن لا يكون الجواب عن المسألة يثير فتنة لقصور الناس عن إدراك ~~أمثالها، ولم يزل الأئمة يجتنبون الخوض في دقائق العلم بين العامة، ففي ~~صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال له: لو ~~رأيت رجلا أتى عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، فقال: يا أمير المؤمنين هل ~~لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لأبايعن فلانا، فما كانت بيعة أبي بكر إلا ~~فلتة فتمت. فغضب عمر، ثم قال: إني لقائم إن شاء الله العشية في الناس ~~فمحذرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس ~~وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن ~~تقوم فتقول مقالة فيطيروها عنك كل مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على ~~مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة ms098 فإنها دار السنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف ~~الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعوها على مواضعها، ~~فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة أ. ه # وقد حدثت في خلافة المأمون فتنة الخوض في أن القرآن مخلوق، وألقيت ~~الأسئلة على كثير من أهل العلم، فكان منهم من أبي الجواب، ومن هؤلاء الإمام ~~أحمد ابن حنبل، وقد ضرب ليجيب فأبى الجواب، وما كان ذلك جهلا منه بالفصل ~~بين الموصوف بالمخلوق والموصوف بالقديم، ولكنه علم أن المقصود الفتنة ~~ليتخذوا كلامه وسيلة لتأييد البدعة، ولما دخل محمد بن إسماعيل البخاري ~~لنيسابور سألوه عن رأيه في القرآن أهو مخلوق؟ فأبى أن يجيب ثلاثا، وقال: ~~الامتحان بدعة، ثم لما ألحوا عليه أجاب بكلام موجه، فإبايته الجواب ابتداء ~~لا تعد من كتم العلم المنهي عنه؛ لأنه علم أن المقصود الفتنة والتشغيب، وقد ~~جاء رجل يسأل مالك بن أنس رحمه الله عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوى (5)} [طه: 5]، فقال له: السؤال عن هذا بدعة ولا أراك إلا صاحب بدعة، ~~وأمر بإخراجه من مجلسه فأخرجوه معنفا. # وفي البخاري سأل الحجاج أنس بن مالك عن أشد عقوبة عاقبها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فحدث أنس بحديث العرنين الذين ارتدوا وقتلوا راعي إبل ~~النبي ... فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فبلغ ذلك الحسن البصري، فقال ~~الحسن: وددت أنه PageV01P106 # لم يحدث بهذا الحديث. # هذا ما لاح في الإعلام بمعنى هذا الحديث، وبه يتميز السمين من الغث. # * * * PageV01P107 ### || AUTO حديث # «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» ### ||| AUTO سند الحديث واختلاف ألفاظه # : # هذا الأثر تناقلته الألسن من كتاب «الإحياء للغزالي»، فقد ذكره في مبحث ~~النصيحة للمسلمين من كتاب آداب الصحبة بلفظ: «من لم يهتم للمسلمين فليس ~~منهم» وهو مما رواه الحاكم في مستدركه عن حذيفة مرفوعا، ورواه الطبراني ~~كذلك عن أبي ذر مرفوعا. # وقد ذكره الطبراني أيضا والسخاوي في «المقاصد الحسنة» بلفظ: «من لم يهتم ~~بأمر المسلمين فليس منهم»، قال العراقي: (في المغني عن حمل ms099 الأسفار) وكلتا ~~الروايتين سندهما ضعيف. # وذكره السخاوي في كتاب «المقاصد الحسنة عن شعب الإيمان» للبيهقي من رواية ~~وهب بن راشد عن فرقد السبخي عن أنس بلفظ: «من أصبح لا يهتم للمسلمين فليس ~~منهم، ومن أصبح وهمه غير الله فليس من الله». # وذكره السيوطي في «جمع الجوامع» وفي «الجامع الصغير» بلفظ: «من أصبح وهمه ~~غير الله، فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم» قال في ~~«جمع الجوامع»: رواه الحاكم عن ابن مسعود وتعقبه، والبيهقي وابن النجار عن أنس. # هذه خلاصة ما قيل في ألفاظه وأسانيده وهي كلها مخرجة في الكتب المعروفة ~~بالإكثار من تخريج الضعيف، وقد صرح العراقي والمرتضى بأنه حديث ضعيف ولم ~~يبلغ مبلغ الحسن بله الصحيح. # معناه: # معنى هذا الحديث على اختلاف رواياته وألفاظه: أن شأن المسلمين أن يعتني ~~بعضهم بما يهم البعض الآخر، والمقصود من ذلك وارد في صحيح الآثار، ففي صحيح ~~البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا ~~اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وفي صحيح البخاري وسنن ~~الترمذي PageV01P108 # والنسائي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». # لكنا نجد في الحديث المسؤول عنه زيادة توهم معنى خطيرا، وهي زيادة قوله: ~~«فليس منهم»، ومثل هذه الجملة موجود في أحاديث كثيرة بعضها من الصحيح ~~وبعضها دونه، كما في حديث الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن ابن عمر وأبي ~~موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حمل علينا ~~السلاح فليس منا». وفي حديث سنن الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من غش فليس منا»، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يرحم ~~صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا»، وفي صحيح البخاري ms100 عن عبد الله بن مسعود ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من شق الجيوب، ولطم ~~الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية» يعني: عند مصيبة الموت كأن يدعو بالويل ~~والثبور. # فهذه الأحاديث كلها توهم أن الآتي بهذه الأحوال منتف عنه وصف الإسلام ~~فيكون غير مسلم؛ لأن ضمير المتكلم المشارك إذا نطق به الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - تبادر منه أن المراد به الرسول مع جماعته وهم المسلمون، ~~والحديث الذي نتكلم عليه ضميره أظهر؛ لأنه عائد على لفظ المسلمين السابق، ~~ولكن هذا الظاهر الذي أوهم هذا المعنى غير مراد من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قطعا، لما ثبت في أصول الدين من الأدلة الموجبة للقطع بأن ~~الوقوع في بعض المحرمات ليس بموجب خروج الواقع فيها عن الإسلام؛ ولذا كان ~~من أصول اعتقاد أهل السنة أن لا يكفر أحد بذنب ولا بذنوب كائنة تلك الذنوب ~~ما كانت، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بين معنى الإسلام للأمة ~~بما لم يبق معه ريب لأحد من المسلمين في فهمه، وحاصله: أنه النطق ~~بالشهادتين عن اعتقاد معناهما والتصديق به في القلب، وكذلك كان شأن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام في بيان أصول الدين وعماده، فإن ذلك أهم شيء؛ إذ هو ~~مدخل الجامعة الإسلامية فلذلك لم يكن المسلمون في عصر النبوة وما يليه ~~يجهلون أنهم مسلمون، وكانوا يميزون المسلم من غير المسلم، وقد ألم بعض ~~المسلمين ببعض الكبائر في زمن الرسول والخلفاء الراشدين، فلم يعدهم خارجين ~~عن حظيرة الإسلام، ولا أجرى عليهم السلف ما أجروه على المرتدين، فالرسول ~~غني عن التصدي لزيادة التفصيل في بيان من هو مسلم ومن ليس بمسلم، فمتى ~~وجدنا في بعض ما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبهام نفي ~~الإسلام عن المتصف ببعض الأفعال نعلم أن ذلك مراد به غير ظاهره PageV01P109 # ونحمله على معنى يناسب ذلك النفي والغرض منه. # وقد اتفق علماء الأمة على تأويل هذه الأحاديث بقانون يعم جميعها ناظر إلى ~~اعتبار لفظ: «ليس منا» ms101 ونحوه مستعملا في كلام العرب لإخراج المخبر عنه معنى ~~من نوع المجرور ب (من) الواقع في الخبر معنى وقانون تأويله أنه جاء للزجر ~~والتهويل، فنقل عن سفيان بن عيينة أنه يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي ~~أن يمسك عنه ليكون أوقع في النفس وأبلغ في الزجر، يعني في اعتقاد عدم إرادة ~~ظاهره عند العلماء، وتأوله بعض الشراح بأن المراد: «ليس من أهل هدينا ~~وسنتنا»، أي: ليس من خيرة المسلمين، فيكون التأويل في الضمير المجرور بأن ~~يكون صادقا على الرسول وخيرة أصحابه، فيكون الضمير مجازا مرسلا علاقته ~~البعضية، أو يكون في الكلام إيجاز بمجاز الحذف، وهذا تأويل يستقيم في ضمير ~~«منهم» العائد على لفظ المسلمين السابق، فإن معاده عام إذ المقصود: من لم ~~يهتم بأمر جميع المسلمين، والضمير على وزان معاده، وقال ابن المنير: المعنى ~~أنه: «ليس أهلا لصحبتنا والاختلاط بنا» فعلى تأويله تكون (من) التبعيضية ~~مستعارة لمعنى (مع) على طريقة الاستعارة التبعية، وقال بعض الشراح: المراد ~~من عامل بهذه الأفعال حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام (ومعاملة الرسول ~~بذلك مواجهته به كفر لا محالة) فيكون المراد من الضمير في مثله المتكلم ~~وحده، وهذا لا يستقيم في نحو: «فليس منهم»، وقال بعضهم: المراد: من فعله ~~مستحلا له مع علمه بأن الرسول حرمه. # وهذا أبعد التأويلات لاحتياجه إلى كثرة التقادير التي لا يهتدي إليها ~~السامع. # وأنا أرى في تأويل هذه الآثار تأويلين هما أحسن مما تأول به المتقدمون: # التأويل الأول: نسلك فيه طريقهم الذي سلكوه، وهو اعتبار لفظ «ليس منا» ~~مستعملا في كلام العرب للنفي من النوع، وأنه مستعمل في الحديث على ضرب من ~~المجاز، فنقول: إن المتلبس بالفعل الذي يكثر أن يتلبس به غير المسلمين يكون ~~مشابها بسببه لغير المسلم، فنخبر عنه بأنه غير مسلم على طريقة الاستعارة في ~~المفرد بسبب أن المنهيات كلها كانت من شعار الجاهلية أهل الشرك، وصار ~~التعفف عنها من شعار المسلمين، كما يشهد له حديث الصحيحين عن أبي ذر أنه سب ~~رجلا بأمه فقال النبي - صلى الله ms102 عليه وسلم -: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ~~وحديث الموطأ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي بالناس وكان في ~~المسجد محجن الديلي فلم يقم للصلاة؛ لأنه كان صلى في بيته، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ » ألست برجل PageV01P110 # مسلم؟ »، وفي حديث جميلة بنت أبي زوجة ثابت بن قيس أنها شكت لرسول الله ~~ثابتا فقالت: «ولكني أكره الكفر في الإسلام» تريد خشية الزنا، وعلى هذا ~~يكون موقع قوله: «ليس منهم»، «وليس منا» ونحوه كموقع قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». # التأويل الثاني: وهو التحقيق: أن نعدل عما سلكوه من اعتبار لفظ «فليس ~~منا» ونحوه مستعملا في كلام العرب للنفي من النوع، بل إن العرب لا ~~يستعملونه إلا استعمالا شبيها باستعمال المثل يلازم هذه الصيغة، فهو خبر ~~مستعمل في معنى الغضب على المخبر عنه وإيذائه بالسخط والقطيعة، وقد تكرر ~~هذا الاستعمال في كلام العرب، قال النابغة يحذر عيينة بن حصن من الغدر ببني أسد: # إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني # فإنه لو حمل على المعنى الأصلي لكان تحصيل حاصل؛ إذ ليس عيينة بن حصن ~~ببعض من النابغة، وقال بعض العرب: # أيها السائل عنهم وعني ... لست من قيس ولا قيس مني # وقريب من قوله تعالى: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} ~~[هود: 46]، أي: لا تهتم بأمره وأعرض عنه، ويقولون في عكس ذلك: أنت مني وأنا ~~منك، ويؤيد هذا التأويل أن بعض الآثار الواقع فيها لفظ: «ليس منا» قد روي ~~بلفظ: «فليس مني»، وما في صحيح مسلم أن أبا موسى الأشعري أغمى عليه في مرضه ~~مرضه فصاحت امرأة من أهله، فلما أفاق قال: أنا برئ ممن برئ رسول الله منه ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا الصالقة والحالقة ~~والشاقة» ففسر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا» في ذلك ~~الحديث بمعنى البراءة. # * * * PageV01P111 ### || AUTO من يجدد لهذه ms103 الأمة أمر دينها # أراد الله للإسلام أن يكون خاتمة الأديان والشرائع، وأن يكون لذلك دينا ~~عاما لجميع البشر، وباقيا على امتداد الدهر، إرادة دلت عليها نصوص القرآن، ~~وأيدها متواتر أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما لا يترك مجالا للشك ~~في نفس المتأمل، فلا جرم قدر الله للإسلام التأييد والتجديد اللذين لا يكون ~~الدوام في الموجودات إلا بهما، فكما جعل في كل حي وسائل الدفاع عن كيانه، ~~وهو ضرب من التأييد، وجعل له وسائل لإخلاف ما يضمحل من قوته بالتغذية ~~ونحوها، وهو التجديد، كذلك جعل للإسلام حين أراد حياته، فالتأييد بعلمائه ~~يذودون عنه ما يطرقه من التعاليم الغريبة عن مقاصده حتى تبقى مقاصده سالمة ~~واضحة، ومحجته بيضاء للسالكين لائحة، والتجديد بما نفحه من قائمين بدعوته، ~~ناهضين بحجته، صياقل يجلون صفائحه البواتر، وزعماء بسري الأسحار وتأويب ~~البواكر. # إن هذه الشريعة إرشاد صرف، وإن للفضائل والصالحات تضاؤلا وتخلقا بكرور ~~الأزمان، وإن لدأب النفوس في المسير حنفا وانحرافا إذا امتد الميدان. # من أجل ذلك ضمن الله لهذا الدين حفظه فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون (9)} [الحجر: 9]، وإن لحفظه ثلاثة مقامات: # أولها: مقام الرجوع إلى أصل التشريع عند الإشكال، وهو مقام العمل بآية: ~~{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]. # وثانيها: مقام تجديد ما رث من أصول الدعوة، وهو مقام العمل بآية: {ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (104)} [محمد: 7]، وكلا المقامين الأولين لا يفقهه إلا الفقيه في ~~الدين، وهو المجتهد العارف بالطرق الموصلة إلى الغايات المقصودة من التشريع ~~الإسلامي، بحيث تصير معرفة الشريعة وسائلها ومقاصدها ملكة له، أي: علما ~~راسخا في نفسه، لا تشذ عنه مراعاته والإصابة فيه عند جولان فكره في أمور ~~التشريع. PageV01P112 # وبمقدار ما يكون عدد هؤلاء الفقهاء مبثوثا بين المسلمين، تكون حالتهم ~~قريبة من الاستقامة، كما يكون أمرهم صائرا إلى التضاؤل بمقدار قلة وجود هذا ~~الفريق بين أظهرهم، ففي ms104 صحيح البخاري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر ~~الله» قال البخاري: وهم أهل العلم. # وفي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء»، وهو حديث حسن، وفي الحديث: «علماء ~~أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وهو حديث ضعيف السند، لكنه صحيح المعنى، فوجود ~~هؤلاء العلماء في عصور عدم الاضطرار إليهم منة من الله تعالى إلا الأمة ~~لتحسين حالها، ووجودهم في حالة اضطرار الأمة عصمة من الله تعالى للأمة ولطف ~~بها لإنقاذها من التهلكة، وقد يحتاج الدين وأهله إلى الاجتنان بجنة القوة ~~لحماية الحق وإقامة الشريعة، كما أشار إليه قوله تعالى: {وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25]، فذلك هو موقع ~~المقام الثالث لذلك منح الله الأمة مجددا على رأس كل مائة سنة. # روى أبو داود في سننه في أول كتاب الملاحم: حدثنا سليمان بن داود المهري، ~~أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن ~~أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، ~~قال أبو داود عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني: لم يجز به شراحيل. أ. ه. # يعني أن عبد الرحمن بن شريح وقف عند شراحيل ولم يرفعه، فهو في رواية ابن ~~شريح مقطوع، وليس مرفوعا إلا في رواية ابن وهب هذه. # قال ابن عدي في الكامل: لا أعلم من يرويه غير عبد الله (يعني: ابن وهب) ~~عن سعيد (ابن أبي أيوب) ورواه عنه، (أي: عن ابن وهب) عمرو بن سواد، وحرملة ~~بن يحيى وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخيه (أي: ابن أخي عبد الله بن ~~وهب) ولم يروه عنه غير هؤلاء الثلاثة أ. ه. فابن عدي لم يطلع على PageV01P113 # رواية سليمان بن داود، عن ابن وهب التي ثبتت ms105 عند أبي داود وبهذا السند ~~رواه البيهقي في سننه والحاكم في المستدرك. # وذكر ابن السبكي: أن أحمد بن حنبل رواه بزيادة: «رجلا من أهل بيتي يجدد ~~لهم أمر دينهم»، وظاهر أن زيادة كونه من أهل البيت، من موضوعات الشيعة على ~~العادة لتنحرف بالحديث إلى مهيع الأحاديث في المهدي المنتظر. # معنى: «يبعث الله من يجدد» أنه يقيمه وييسره لهذا المهم؛ لأن حقيقة البعث ~~هي الإرسال، قال الله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة} ~~[الكهف: 19]، وقال طريف العنبري: # أو كلما أردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم # ثم يطلق مجازا على الإقامة والتنصيب، قال الله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا} [الإسراء: 79]، ومنه قولهم: بعث فلان بعيره، إذا أقامه في ~~مبركة، وهو المراد هنا؛ لأن الله لا يبعث المجدد بأن يرسله، ولكنه يوفقه ~~ويرشده ويهيئ له، فالبعث هنا بعث تكويني لا بعث تشريع فهو كقوله تعالى: ~~{بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5]. # و«من يجدد» اسم موصول، وهو صادق على من اتصف بصلته، وهو التجديد للدين ~~سواء كان المجدد واحدا أو متعددا، ومعنى التجديد: إرجاع الشيء جديدا، أي ~~إزالة رثاثته وتخلقه، وهو هنا مجاز في إيضاح حقيقة الدين وتجريده عما يلصق ~~به من اعتقاد أو عمل أو سيرة، ليس شيء من ذلك في شيء من الدين، في حال أن ~~الناس يتوهمون شيئا من ذلك دينا. # و«أمر الدين» شأنه وماهيته، ودين هذه الأمة الإسلام لا محالة، وهو اعتقاد ~~وقول وعمل وشريعة وجامعة، فتجديده إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه ~~وقول وعمل وشريعة وجامعة، فتجديده إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه ~~وقوته وجدته، وإزالة ما عسى أن يكون قد أدخل عليه من الوهن. # دعائم الإسلام: # يقوم الإسلام على ثلاث دعائم لا ينتظم أمره بدونها: # الدعامة الأولى: العقيدة؛ لأن العقيدة الحق هي أصل الإسلام، وهو المقصد ~~الأعظم المسمى بالإيمان، والذي هو المدخل إلى التدين بدين الإسلام، ومبنى ~~هذه الدعامة على صحة التلقي لما يجب اعتقاده في الإسلام عن الرسول - صلى ms106 ~~الله عليه وسلم - ومن PageV01P114 # البراهين القاطعة التي يهتدي إليها العقل. # الدعامة الثانية: شرائع الإسلام التي لا يستقيم أمر الأمة الداخلة في ~~الإسلام إلا بمتابعتها؛ إذ فيها صلاح أمرهم في الدنيا بانتظام جماعتهم ~~وسيادتهم وبها صلاح أمرهم في الآخرة بسلامتهم من العذاب من قول باللسان، ~~وعمل بالجوارح، وتدخل فيها ضمائر قلبية؛ كمحبة المؤمنين، وسلامة الطوية؛ ~~إلا أنها لما كانت آثارها أعمالا ألحقت بقسم عمل الجوارح، ومبنى هذه ~~الدعامة على تلقي الشريعة من لفظ القرآن ومن سنة الرسول وأعماله، وإفهام ~~أئمة الدين الذين تلقوه صافيا من شوائب الضلالات، بحيث يكون هذا التلقي ~~سالما من اختلال نقل الرواة، ومن سوء فهم المنتمين لحمل الشريعة، ومن دخائل ~~الملاحدة ورقاق الديانة. # الدعامة الثالثة: جامعة الإسلام المسماة بالبيضة وهي سلطان المسلمين ~~وقوتهم، وانتظام أمرهم انتظاما يقيم فيهم الشريعة، ويدفع عنهم العوادي ~~العادية عليه من المجاهرين بعداوته، والمسيئين معاملته من أتباعه الذين يحق ~~عليهم المثل: «عدوك العاقل خير من حبيبك الأحمق»، ومبنى هذه الدعامة على ~~إقامة الحكومة الإسلامية في عظمة وقوة ومنعة، ونشر الإسلام بالفتوح ~~الصالحة. # وقد رأى الصحابة القتال لإقامة جامعة الشريعة، وذود أهل العقائد الضالة ~~المريدين حمل الناس على عقائدهم؛ كالقتال للدفاع عن بث الإسلام في أول ~~أمره؛ فلذلك امتشقوا السيوف في الثأر لعثمان، وفي الانتصار لعلي على من خرج ~~عنه، وقد قال عبد الله بن رواحة: # اليوم نضربكم على تأويل ... كما ضربناكم على تنزيله ### ||| AUTO معنى التجديد # : # تجديد الشيء هو: إرجاعه إلى حالة الجدة، أي: الحالة الأولى التي كان ~~الشيء عليها في استقامته وقوة أمره، وذلك أن الشيء يوصف بالجديد إذا كان ~~متماسكة أجزاؤه، واضحا رواؤه، مترقرقا ماؤه، ويقابل الجديد الرثيث. # والرثاثة: انحلال أجزاء الشيء وإشرافه على الاضمحلال. # فهذا الدين قد أظهره الله تعالى ونصره فتكامل أمره حين قال تعالى: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3]، فكان في زمن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - دينا واضحا بينا قويا، لا يتطرقه تضليل، ولا يحول ~~دون نفوذه قوي ولا ضئيل، PageV01P115 # وذلك الكمال في ms107 أمور: # أولها: العمل به وتحقيق مقاصده. # الثاني: نصره وإقامته. # الثالث: انتشاره وزيادته وتسهيل بثه. # الرابع: حراسته وحفظه من تدخل الضلالات. # الخامس: دفع نائبة حلت بالإسلام إذا استمرت أفضت إلى طمس معالم الدين أو ~~إفساد الإيمان أو ذهاب سلطانه. # وقد تمتد إليه يد الرثاثة من إحدى نواحي جدته فهو لا يرث من جميع نواحيه؛ ~~لأن الله قد ضمن حفظه، ولكنه قد تتسرب إليه أسباب الرثاثة من إحدى النواحي ~~فيشاهد الضعف فيها فيبعث الله له من يجدده بأن يزيل عنه أسباب الرثاثة ~~ويرده جديدا ناصعا. # فالتجديد الديني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا: إما من جهة ~~التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل ~~الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه. ### ||| AUTO مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة، والاحتياج إلى التجديد # : # ليست حكمة الله بالمضاعة، ولا فعله بالعبث، فقد أنبأنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الله يبعث للأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر ~~دينها، فعلمنا أن لهذا الزمن أثرا في تطرق الرثاثة إلى بعض أمور الدين، ذلك ~~أن مدة مائة سنة تنطوي فيها ثلاثة أجيال ويكثر أن يتسلسل فيها البشر آباء ~~وأبناء وحفدة، فإذا فرضنا كمال أمر الدين حصل في عصر الآباء عن مشاهدتهم ~~أمره، كما نفرضه في عصر النبوة حين شاهد الصحابة الدين في منعة شبابه، جاء ~~الأبناء فتلقوا عن الآباء صور الأمور الدينية عن سماع وعلم دون مشاهدة فكان ~~علمهم به أضعف، ومن شأن الجيل إحداث أمور لم تكن في الجيل السابق، لكنهم ~~يغلب عليهم ما كان في الجيل السابق، فإذا جاء جيل الحفدة تنوسيت الأصول ~~وكثر الدخيل في أمور الدين فأشرف الدين على التغيير، فبعث الله مجددا لأمور ~~الدين تحقيقا لما وعد الله به في حفظ الدين، وهذا التيسير الإلهي بقيام ~~المجدد على رأس كل مائة سنة تجديد مضمون منضبط، وهو لا يمنع من ظهور مجددين ~~في خلال القرن ظهورا غير منضبط، فقد ms108 ظهر في خلال PageV01P116 # القرن الأول علي بن أبي طالب، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز ~~وظهر في خلال القرن الثاني محمد بن إدريس الشافعي، وظهر في خلال القرن ~~الرابع أبو حامد الغزالي. ### ||| AUTO كيف يكون تعيين مبدأ المائة سنة # : # جاء في لفظ الحديث أن ظهور المجدد يكون على رأس كل مائة سنة، والرأس في ~~كلام العرب يطلق على أول الشيء يقال: فلان على رأس أمره، أي: أن أمره أنف ~~كأنه لم يكن قبل له أمر، وفي الحديث أن رسول الله بعثه الله على رأس أربعين ~~سنة من عمره، فيظهر أن المراد في رأس سنة مبدأ سنة فمقتضاه أن يكون ابتداء ~~العد من يوم قال الرسول ذلك إلا أن قرينة قوله: «من يجدد لهذه الأمة أمر ~~دينها» دلت على أن ذلك لا يكون ما دام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين أظهر المسلمين؛ لأن وجود الرسول وقاية للدين من الرثاثة، وسلامة له من ~~التخلق، فلا يحتاج إلى التجديد، فيتعين أن يكون ابتداء العد عقب وفاة ~~الرسول ليحمل لفظ الرأس على ما يناسبه من الأولية بحسب المقام فإن أول كل ~~شيء بحسبه. # ويحتمل أن يراد من رأس مائة سنة مبدأ مائة بعد مائة سنة تمضي بعد اليوم ~~الذي صدر فيه هذا القول من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على حد قول ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح المروي في صحيح البخاري ~~وسنن الترمذي من حديث الزهري، عن سالم بن عبد الله، وأبي بكر بن أبي خيثمة، ~~عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة العشاء في آخر ~~حياته، فلما سلم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة لا يبقى ~~ممن هو على ظهر الأرض أحد» إذ يتعين أن يكون قوله فيه: «فإن رأس مائة سنة»، ~~أي: مبدأ مائة سنة من تلك الليلة بقرينة السياق ولذلك قدر شراح الحديث ~~قوله: «فإن رأس مائة سنة»، أي: من تلك الليلة، أي: بعد مضيها، وقد ms109 قيل بمثل ~~هذا في إطلاق رأس مائة سنة في قولهم في الحديث: «بعثه الله على رأس أربعين ~~سنة»، أي: عند تمام الأربعين من عمره الشريف فيكون ابتداء العد أيضا من يوم ~~قال رسول الله ذلك، ومثال الاحتمالين في عد المرة الأولى من التجديد وعد ~~أول المجددين. # وأيا ما كان فالظاهر أن رسول الله قال ذلك في آخر حياته؛ إذ قد دلت أدلة ~~من السنة على أن رسول الله قد أكثر في آخر حياته من أقوال تؤذن بقرب ~~انتقاله تأنيسا للمسلمين بتلقي وفاته بصبر، وتنبيها لهم ليتهيؤوا إلى سد ما ~~تعقبه وفاته من ثلمة في PageV01P117 # أمور المسلمين وبشارة لهم بما يعرفون به تولي الله تعالى حفظ هذا الدين ~~كما جمعه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «حياتي خير لكم ومماتي خير لكم»، ~~وفي ذلك الغرض جاء قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144]، وقوله تعالى: {إذا ~~جاء نصر الله} [النصر: 1] إلى آخر السورة، وقد صرح عبد الله بن عمر في ~~حديثه الذي ذكرته آنفا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أرأيتكم ~~ليلتكم هذه» إلخ، في آخر حياته وهو نظير هذا الحديث. # فالظاهر أن رسول الله قال هذا القول في شأن المجدد في سنة عشر أو في سنة ~~إحدى عشرة من هجرته، لا سيما وقد كانت سنة عشر التي حج فيها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع سنة استدار فيها الزمان، فقد قال رسول ~~الله في خطبة اليوم التاسع أو العاشر من ذي الحجة آخر تلك السنة: «إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» فمبدأ سنة إحدى عشرة ~~هو مبدأ السنة الإسلامية التي درج عليها أهل الحنيفية وهي الموالية للسنة ~~التي ابتدأ فيها أهل الجاهلية عمل الشهر فهي مبدأ جديد للسنين الإسلامية ~~التي جعلها الله، كما دل على جعلها قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم ms110 خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك ~~الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} إلى قوله: {إنما النسيء زيادة في ~~الكفر} [التوبة: 36، 37]. # فإن كان المراد من «رأس مائة سنة» أول مائة سنة تأتي كما هو الظاهر، ~~فالمجدد الأول هو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وهذا هو الأظهر، وإن كان ~~المراد رأس مائة سنة تمضي فالمجدد الأول هو من ظهر لتجديد الدين في حدود ~~سنة عشر ومائة من الهجرة. # وكل ذلك يوقنك بأن ما سلكه تاج الدين السبكي في تعيين المجددين للدين ~~وضبطه ذلك بموافقة وفاة من نحلهم صفة المجدد مبادئ مرور المئين من السنين ~~ابتداء من يوم الهجرة قد أخطأ فيه من وجهين عظيمين وإن كانا خفيين، أحدهما: ~~إناطته ذلك بوقت وفاة من توسم فيه صفة المجدد مع أن مقتضى الحديث أن يكون ~~عمل المجدد منوطا بوقت ظهوره أو انتشار أمره وقوة عمله في تجديد الدين كما ~~يفصح عنه لفظ: «يبعث الله» الواقع في الحديث الذي هو بمعنى يقيم الله، ~~ولفظ: «يجدد» PageV01P118 # المقتضى أن يكون معظم حياة المجدد في رأس القرن؛ إذ العمل من أثر الحياة ~~لا من مقارنة الممات. # الوجه الثاني: أنه جعل ابتداء عد رأس القرن من يوم الهجرة، وشأن العد أن ~~يكون من يوم الوعد بذلك، فإن اعتبار سنة الهجرة مبدأ للقرون الإسلامية أمر ~~اصطلح عليه المسلمون بعد وفاة رسول الله في خلافة عمر، فكيف يفسر به كلام ~~واقع قبل ذلك بسنين! . ### ||| AUTO رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه # : # قال تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي في كتاب «طبقات الشافعية» في مقدمته ~~المسهبة، وذكر حديث أبي هريرة في المجدد والحديث الذي فيه زيادة: (من أهل ~~بيتي)، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل ~~رسول محمد بن إدريس الشافعي، ثم قال ابن السبكي: «ولأجل ما في هذه الرواية ~~الثانية من الزيادة (أي: زيادة من أهل بيتي) لا أستطيع أن أتكلم في المئين ~~بعد الثانية فإنه لم يذكر فيها ms111 أحد من آل النبي - عليه السلام -، ولكن هنا ~~دقيقة وهي أنا لم نجد بعد المائة الثانية من هو بهذه المثابة ووجدنا جميع ~~من قيل إنه المبعوث في رأس كل مائة سنة ممن تمذهب بمذهب الشافعي فعلمنا أنه ~~(أي: الشافعي) الإمام المبعوث الذي استقر أمر الناس على قوله، وبعث بعده في ~~رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه، ولهذا يتعين عندي تقديم ابن سريج في ~~الثالثة على الأشعري، فإن الأشعري وإن كان أيضا شافعي المذهب إلا أن قيامه ~~كان للذب عن أصول العقائد دون فروعها، فكان ابن سريج أولى بهذه المرتبة ~~لاسيما ووفاة الأشعري تأخرت عن رأس القرن إلى بعد العشرين، وعندي أنه لا ~~يبعد أن يكون كل منهما مبعوثا، هذا في فروع الدين وهذا في أصوله وكلاهما ~~شافعي، وأما المائة الرابعة فقد قيل: إن الشيخ أبا حامد الإسفراييني هو ~~المبعوث فيها، وقيل: بل PageV01P119 # الأستاذ سهل الصعلوكي وكلاهما من أئمة الشافعيين، قلت: والخامس الغزالي، ~~والسادس فخر الدين الرازي، ويحتمل أن يكون الإمام الرافعي؛ لأن وفاته تأخرت ~~إلى بعد العشرين وستمائة، والسابع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فهذا ~~حاصل كلام ابن السبكي بعد تجريده من التطويل، وقد قفى جلال الدين السيوطي ~~على أثر تاج الدين بن السبكي ورجا لنفسه أن يكون هو مجدد المائة التاسعة ~~وكلاهما حجر واسعا من نعمة الله فاحتكراها لعلماء الشافعية ولا أعجب من ~~أسرار السبكي في مطاوي ذلك أن يومئ إلى أن الدين عنده هو مذهب الشافعي؛ إذ ~~يقول: «ووجدنا جميع من قيل إن المبعوث في رأس كل مائة ممن تمذهب بمذهب ~~الشافعي، فعلمنا أنه (أي: الشافعي) الإمام المبعوث الذي استقر أمر الناس ~~على قوله وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه. # وإذ يقول في منظومة له نظم فيها المجددين على حسب اختياره: # هذا على أن المصيب أمامنا ... أجلى دليل واضح للمهتدي # فابن السبكي ظهر في مظهر التعصب المذهبي، وأتى بدليل مصنوع بيده فكان هو ~~واضع الدعوى وواضع الدليل، وقد غفل عن أن هذا ms112 يعطل عليه وجود مجدد في ~~المائة الأولى. # ثم إنا نرى معظم من عدهم السبكي مجددين لا يزيد معظمهم على أن كانوا ~~مدونين مذهب الشافعي، وليس ذلك كافيا في وصف المجدد، وأين معنى التجديد من ~~معنى التدوين. ### ||| AUTO رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين # : # وفي أول نوازل الأقضية والشهادات من كتاب «المعيار المعرب» للشيخ أحمد بن ~~يحيى الونشريسي في «جامع الأصول» لمجد الدين المبارك بن الأثير ما نصه: ~~«وقد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى ~~القائم الذي يجدد للناس دينهم وكان كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل ~~الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم فإن قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها ~~دينها»؛ لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا واحدا فإن لفظة ~~(من) تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم PageV01P120 # منه أنه أراد بالمبعوث الفقهاء خاصة كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن ~~انتفاع الأمة بغيرهم كثير مثل أولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ ~~وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينتفعون بفن لا ينتفع به الآخر؛ إذ ~~الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي تحقن به ~~الدماء، ويتمكن من إقامة قوانين الشرع وهذه وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب ~~الحديث ينتفعون بضبط الأحاديث التي من أدلة الشرع، والقراء ينتفعون بحفظ ~~القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينتفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى ~~والزهد في الدنيا، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلا ~~معروفا مشهورا مشارا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث ~~على هذا الوجه كان أولى وأبعد عن التهمة وأشبه بالحكمة، فإذا ذهبنا إلى ~~تخصيص القول على أحد المذاهب وأولنا الحديث عليه بقيت المذاهب الأخرى خارجة ~~عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنا فيها فالأحسن أن يكون ذلك إشارة إلى ~~حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على ms113 رأس كل مائة سنة يجددون للناس دينهم ~~ويحفظون مذاهبهم. # ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الإسلام التي عليها مدار المسلمين في ~~أقطار الأرض وهي مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ومذهب الأمامية، ولم ~~يكن قبل ذلك إلا المائة الأولى وكان على رأسها من أولي الأمر عمر بن عبد ~~العزيز، ويكفي الأمة في هذه المائة وجوده خاصة فإنه فعل في الإسلام ما ليس ~~بخاف، وكان من الفقهاء بالمدينة محمد بن علي الباقر، والقاسم بن محمد ابن ~~أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله ابن عمر، وكان بمكة منهم مجاهد بن جبر، ~~وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وكان باليمن طاووس، وبالشام ~~مكحول، وبالكوفة عامر بن شراحيل الشعبي، وبالبصرة الحسن البصري، ومحمد بن ~~سيرين، وأما القراء على رأس المائة الأولى، فكان القائم بها عبد الله ابن ~~كثير، وأما المحدثون محمد بن شهاب الزهري وجماعة كثيرة مشهورون من التابعين ~~وتابعي التابعين. # وأما من كان على رأس المائة الثانية فمن أولي الأمر المأمون بن الرشيد، ~~ومن الفقهاء الشافعي، والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وأشهب ~~ابن عبد العزيز من أصحاب مالك، وأما أحمد فلم يكن يومئذ مشهورا فإنه مات ~~سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومن الأمامية علي بن موسى الرضي، ومن القراء ~~يعقوب PageV01P121 # الحضرمي، ومن المحدثين يحيى بن معين، ومن الزهاد معروف الكرخي. # وأما من كان على رأس المائة الثالثة فمن أولي الأمر المقتدر، ومن الفقهاء ~~أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة ~~الطحاوي من أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن هارون الخلال من أصحاب أحمد، وأبو ~~جعفر محمد بن يعقوب الرازي من الأمامية، ومن المتكلمين أبو الحسن الأشعري، ~~ومن القراء أبو بكر بن مجاهد، ومن المحدثين النسائي، ومن الزهاد أبو بكر ~~الشبلي. # وأما من كان على رأس المائة الرابعة فمن أولي الأمر القادر بالله، ومن ~~الفقهاء أبو حامد الإسفراييني من أصحاب الشافعي، وأبو بكر محمد بن موسى ~~الخوارزمي من أصحاب أبي حنيفة، وأبو ms114 محمد عبد الوهاب بن نصر من أصحاب مالك، ~~وأبو عبد الله الحسين بن علي بن حامد من أصحاب أحمد، ومن الأمامية المرتضى ~~الموسوي أخو الرضي، ومن المتكلمين القاضي أبو بكر الباقلاني، والأستاذ أبو ~~بكر ابن فورك، ومن المحدثين محمد النيسابوري المعروف بالحاكم ابن البيع، ~~ومن القراء أبو الحسن علي بن أحمد الحمامي، ومن الزهاد أبو بكر محمد بن علي ~~الدينوري. # وأما من كان على رأس المائة الخامسة فمن أولي المستظهر بالله، ومن ~~الفقهاء أبو حامد محمد بن محمد الغزالي من أصحاب الشافعي، والقاضي فخر ~~الدين الأرسابندي المروزي من أصحاب أبي حنيفة، وأبو الحسن علي بن عبد الله ~~الراغوني من أصحاب أحمد، ومن المحدثين رزين بن معاوية العبدري، ومن القراء ~~أبو العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسي، وقد كان قبل كل مائة أيضا من ~~يقوم بأمور الدين، وإنما المراد بالذكر من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور ~~مشار إليه أ. ه. # قيل القرون كلها إذا استقرأتها بالنسبة إلى ملوكها وعلمائها في كل قطر لا ~~يخلو أول كل قرن من بركة في العلماء أو في الملوك ذلك رأس القرن التاسع من ~~الله على أهل إفريقية أبا فارس عبد العزيز ابن الأمراء الراشدين الحفصيين ~~فقطع الله به أهل الزيغ والفساد من أهل البادية والبلاد وقاتل المحاريين ~~كما قاتل الكفار حين نزلوا بالمهدية». انتهى كلام صاحب المعيار. # وها أنا ذا أبدي ما وقر في روعي من الاختيار في صفة هذا المجدد على ~~العموم، ثم أتبعه بتعداد أفراد الأمة الذين انبروا للتجديد في وقت الحاجة، ~~وليس ببدع أن PageV01P122 # يكون ما أراه في هذا الشأن راجحا في كفه البيان، فليس الحق بمحتكر، ولا ~~شرب الصواب بمحتضر، والحكم في الترجيح لمحك النظر. ### ||| AUTO التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده # : # لقد صرح الكلام النبوي أن هذا المجدد يبعثه الله ويلهمه لتجديد أمر الدين ~~للأمة، فوجب أن يكون هذا المجدد قائما بعمل مثمر تجديدا في الدين، وقد أبنت ~~فيما مضى معنى التجديد، فيتعين أن تكون لهذا المجدد الصفات ms115 التي تؤهله لرتق ~~ما فتق من أمر الدين في زمنه، فإذا كان الفتق قد طرأ على ناحية من نواحي ~~علم الدين تعين أن يكون المجدد في تلك الناحية عالما يؤهله علمه لإدراك ~~الحق في الغرض المقصود، وإن كان الفتق قد طرأ على الدين من ناحية وهن نفوذه ~~ووقوف انتشاره تعين أن يكون المحدد في ذلك قادرا على حماية البيضة، ونصر ~~الشريعة، أي: نصر الحق من الدين؛ لئلا يدخل في المجددين من قام بنصر نحلة ~~اعتقادية يعتقد أنها الدين وهو فيها زائغ، مثل أبي يزيد النكاري راكب ~~الحمار، ومثل أبي عبد الله الشيعي داعية المهدي العبيدي أو لإعلان فتنة ~~وانقلاب دولة تحت اسم الدين مثل مهدي الصومال والتعايشي. # وبذلك لا يمنع أن يكون المجدد من بعض القرون من الملوك وليس يلزم التزام ~~كونه من صف العلماء، فإن الشيخ البرزلي في كتاب الأقضية من كتابه المسمى ~~«الحاوي» عد أبا فارس عبد العزيز الحفصي سلطان تونس مجدد القرن التاسع فدل ~~على أنه لا يلتزم كون المجدد من أئمة العلم، وأنا لا أوافقه على عد أبي ~~فارس في صف المجددين ولا على اعتبار القرن التاسع من مبدأ سنة إحدى ~~وثمانمائة، ولكن أردت الاستدلال برأيه على عدم التزام كون المجدد من صف ~~العلماء. # ويجب أن يكون المجدد في هذا المقام عالما بالشريعة، وأن يكون مسترشدا ~~بالعلماء ليصادف الحق الذي يتطلبه الشرع. # وإذا كان الفتق الذي اعترى الدين من ناحيتين فصاعدا تعين أن يكون المجدد ~~كفئا للنهوض بما يتطلبه التجديد في ذلك، مثل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ~~- في موقف ارتداد العرب. # ثم إن الأظهر أن يكون هذا المجدد واحدا؛ لأن اضطلاعه بالتجديد وهو واحد ~~يكون أوقع؛ لذا يكون عمله متحدا، ويكون أنفذ إذ يسلم من تعارق الاختلاف PageV01P123 # باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد، وربما اقتضى حال الزمان أن يكون ~~المجدد متعددا في الأقطار بأن يقوم في أقطار الإسلام مجددون دعوتهم واحدة، ~~أو يكون رجلان فأكثر متظاهرين على عمل التجديد في موضع واحد، ولقد جوز ابن ms116 ~~السبكي أن يكون ابن سريج وأبو الحسن الأشعري مجددين في نهاية المائة ~~الثالثة أولهما في الفروع، وثانيهما في الأصول، ولا مانع من قيام رجلين ~~بمهم واحد، فقد ظهر ذلك في أعظم مهم وهو الرسالة؛ إذ أرسل الله موسى وأخاه ~~هارون إلى بني إسرائيل وفرعون وملئه، وأرسل رسولين لأهل القرية، ثم عززهما ~~بثالث كما جاء في سورة يس. # ويشترط أن يكون المجدد قد سعى لعمل في التجديد من تعليم شائع، أو تأليف ~~مثبوت بين الأمة، أو حمل الناس على سيرة، بحيث يكون سعيه قد أفاد المسلمين ~~يقظة في أمر دينهم، فسار سعيه بين المسلمين، وتلقوه، وانتفعوا به من حين ~~ظهوره إلى وقت إثماره، سواء كان حصول ذلك دفعة واحدة أم تدريجا. # ويشترط أن يظهر المجدد في جهة تتجه إليها أنظار المسلمين، وتكون سمعتها ~~بموضع القدوة للمسلمين، مثل أن يكون من أهل الحرمين، أو من مقر الخلافة، أو ~~من البلاد التي تعنو إليها وجوه المسلمين، مثل مصر في بعض عصور التاريخ؛ ~~ولذلك نجزم بأن مظهر المجددين الذين ظهروا في عصور الإسلام كان هو الشرق؛ ~~إذ يلزم أن يكون عمله نافعا لجميع الأمة لا لصقع خاص. # وليس يكفي للوصف بالمجدد أن يكون رجلا بالغا حدا قاصيا في الزهد أو في ~~الصلاح أو في التقوى، ولا بالغا الغاية في الفقه، ولا كائنا من أهل القضاء ~~بالعدل؛ لأن تلك صفات قاصرة عليه؛ لذلك نرى عد عمر بن عبد العزيز مجدد ~~القرن الثاني غير متجه؛ إذ هو وإن كان بحق خليفة عدل إلا أن الإسلام قبل ~~زمانه لم ترهقه رثاثة، وليت الذين عدوا عمر بن عبد العزيز في المجددين ~~عللوا ذلك بأنه الذي أمر بتدوين السنة. ### ||| AUTO ذكر المجددين # : # التوسم في تعيين المجددين، بحسب أدلة الحق المبين: # لقد قضيت حق البيان في توفيت الزمن الذي نطق فيه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: # «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها»، ~~وأوضحت PageV01P124 # أنه مما قال رسول الله في آخر ms117 سني حياته المباركة، فقضى ذلك أن يكون ~~ابتداء الحاجة إلى التجديد من وقت وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لأن مدة حياة الرسول هي مدة أكمل أحوال نماء الدين. # إن وفاة رسول الله أكبر نائبة أصابت المسلمين، فإن رسول الله هو مظهر ~~الإسلام وكانت جميع أحواله نفعا للإسلام، فوفاته بمنزلة رفع الإسلام من ~~جذوره، وكأن الله أراد أن يظهر بركة رسوله لمحة، فيرى الناس كيف اضطرب ~~أمرهم بموته، حتى لا يكون انتقاله هينا عليهم؛ لأن عواقب المصيبة تزيدها ~~قوة، فكأن الإسلام قد ذهب مشيعا روح الرسول، ثم عاد بعد التشييع. # فما شاع نبأ وفاته - صلى الله عليه وسلم - حتى ارتجت المدينة واضطرب أمر ~~الأمة، وهجست خواطر الشيطان في نفوس الأعراب وحديثي الإسلام، وكاد الخلاف ~~أن يدب بين المسلمين في أمر الخلافة، وأخطر ما فيه توقع دبيب الخلاف بين ~~فريقين لم يختلفا ألبتة، وهما المهاجرون والأنصار، فكان موقف أبي بكر أول ~~يوم عقب وفاة رسول الله موقف من رتق الفتق، ورأب الثأي، وبه استقر أمر ~~الجماعة في وطن الإسلام، ومدينة أهل الحل والعقد من قادة الأمة، فبايعوا ~~أبا بكر خليفة لرسول الله في تدبير شؤون المسلمين، فكان ذلك مبدأ تجديد أمر ~~الدين بعد انفتاق نسيجه، ومبدأ إشادة صرحه بعد أن أشرف على الانهيار. # وما أن استقر الأمر بضعة أيام حتى ارتدت العرب، وتسرب الانحلال إلى ~~الجامعة الإسلامية، وبقيت سلطة الخليفة قاصرة على المدينة وقليل من ~~القبائل، فوجم أبو بكر وتحير المسلمون، فاستشارهم أبو بكر في ذلك، فما ~~أقدموا على ارتياء مقاتلة معظم العرب، ولكن أبا بكر قد سدد الله رأيه وثبت ~~فؤاده، فقال: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم ~~عليه، كيف لا أقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال». # فشرح الله صدر الصحابة إلى تأييد أبي بكر والقتال معه، وامتشق الحسام ~~لنصر الإسلام، فلم يلبث إلا قليلا حتى هزمت جيوشه جميع قبائل الردة، ورد ~~للإسلام قوته، فكان ذلك أول تجديد للإسلام، وكانت القبائل ms118 التي قاتلت معه ~~هم الذين خاطبهم الله على لسان رسوله بقوله: {قل للمخلفين من الأعراب ~~ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16]، وثاب ~~العرب إلى الرشد وعاد لهم PageV01P125 # إسلامهم وطاعة إمامهم، وكان ذلك دخولا جديدا في الإسلام لمعظم قبائل ~~العرب دخولا لم يخرجوا بعده. # ثم رجع السيف إلى قرابه، واستقر أمر الإسلام في نصابه، وصلح حال ~~المسلمين، وعلم الجميع معنى الإسلام ودوامه، فكان أبو بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - مجددا معنى الرسالة ومبينا له، ولم يزل الإسلام يعلو وينتصر ~~ويفيض على الأقطار؛ كالسيل المنهمر ففتحت الأمصار الكثيرة، وذلك إلى أواخر ~~خلافة هشام بن عبد الملك من سنة (105 إلى سنة 125 ه) من كيد أعدائهم، ~~وانتصبوا لنظام أمرهم، وتأييد أمور دينهم وتلقي علوم الكتاب والسنة، وتدوين ~~الآثار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ابتدأ الاضطراب في ~~داخلة الأمة الإسلامية بظهور بوادر الدعوة العباسية في سنة مائة فظهر دعاة ~~الخلافة العباسية وهم اثنا عشر رجلا سموهم النقباء. # ولم يزل أمرهم في نمو إلى سنة (109 ه) تسع ومائة، وسنة (110 ه) عشر ومائة ~~دعا أثير بن عبد الله السلمي الملقب بالكامل أهل سمرقند وما وراء النهر إلى ~~الإسلام فأسلموا وبنوا المساجد وحفظوا القرآن، ثم ارتد الصغد وبخاري، ولم ~~تزل فتوح المسلمين تتوسع بحق بعد هشام بن عبد الملك، وبأمراء جيوشه من مجدد ~~المائة الثانية. # وانقضى عصر الصحابة، وحمل العلم من كل قطر عدوله وأفاضله، وصار الناس ~~متعطشين إلى ما يؤثر عن رسول الله وخلفائه، ومصيخين لكل من يقول قال رسول ~~الله فتهمم بالرواية أقوام كثيرون، وصار التصدي والتلقي غاية أولي الألباب، ~~ولكن تفاوت الأفهام وتباينها في الضبط والتقوى قد حدا بقوم إلى الاستكثار ~~من الرواية عن رسول الله، والاستهتار بحب الإغراب في ذلك، وبالإصغاء لكل من ~~يتظاهر بأن له علما بسنة أو تفسيرا لآية فكثر الدخيل، وعظم القال والقيل، ~~وتفطن علماء الأمة لهذا الخطب الجليل، وابتدأت الشكاية من تساهل الضعفاء ~~وغلاة الرواة تئن بها صدور ms119 أهل العلم والضبط، ففي صحيح مسلم أن عبد الله بن ~~عباس قال: أنا كنا مدة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ابتدرته ~~أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من ~~الناس إلا ما نعرف. # لقد تصدى للرواية عن رسول الله ولتفسير القرآن أصناف من الناس في العلم PageV01P126 # فمنهم أهل الضبط والتحري من أهل الفقه والإفتاء والرواة، ومنهم أهل ~~التساهل من أصحاب السير المتبعين لكل ما جاء فيه أثر، ومنهم الوعاظ الذين ~~تعلقوا بما يناسب دعوتهم من الآثار، وأبهجهم ما أعانهم من أثر يروى يعضد ~~مقصدهم، ومنهم القصاص في المساجد والنوادي، والمتجولون في الحواضر ~~والبوادي، يلقون إلى اللفيف ما تقبله عقولهم وتبلغ إليه أفهامهم، فيتوخون ~~أن يلتقطوا من المرويات كل ما يسهل على العامة قبوله، ويطابق ما في ~~مخيلاتهم وإن كان ضعيف المعنى واللفظ، ومنهم أهل الأهواء والنحل الذين ~~تعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو تساهلوا بحسب جرأتهم ~~على التدليس والترويج، فقد وضع الكرامية عشرة آلاف حديث. # فكان أهل هذه الأصناف الأخيرة غير مكترثين بالبحث عن صحة نسبة الآثار ~~المروية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاكتراثهم بمناسبة الآثار ~~لأغراضهم، وهنالك اختلط الحابل بالنابل والخاثر بالزباد، ولم يزل تفاقمه في ~~ازدياد حتى بلغ السيل الزبى، وكادت أن تذهب السنة أيادي سبا، ولم تزل طائفة ~~من الأمة ظاهرين على الحق باحثين عن مراتب الخلق، متهممين بانتقاد ما صح عن ~~رسول الله من الآثار، لم يخل عن طائفة منهم قطر من الأقطار، إلا أن جمهرة ~~هؤلاء كانت من علماء المدينة، يتلقى الخلف عن السلف رواية الصحيح؛ إذ كانوا ~~عاكفين على معاهد الرسول وآثاره، سالمين مما تطرق من الابتداع في بعض ~~أقطاره، والإيمان يأرز إليهم، وسنة الرسول شائعة بين ظهرانيهم، وانحصر ذلك ~~في فقهاء المدينة، ورواتها؛ وهم عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ~~وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان ~~بن يسار، وخارجة بن زيد، ms120 وأبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، ولحق بهم محمد ~~بن شهاب الزهري، فكانوا قدوة الرواة. # ثم انحصر علمهم في مالك بن أنس عالم المدينة، فأزبد عنده ذلك المخض، ~~وأفصح عن الخالص المحض، فاشتهر في زمنه بحمل السنة الصحيحة وعرض المرويات ~~على محك النقد، وكان اعتماده في النقد من ثلاثة معايير: عمل أهل المدينة، ~~وقواعد الشريعة، وصفات الرواة، وكان ظهور مالك في أوائل القرن الثاني في ~~حدود سنة (112 ه)؛ لأن مالكا قد نبغ وهو شاب، وكانت ولادته سنة (93 ه)، ~~وقيل (96 ه) فيكون في حدود سنة (110 ه) قد بلغ الحلم أو تجاوزه، قال شعبة: ~~دخلت المدينة بعد موت نافع فإذا لمالك حلقة (وموت نافع سنة 117 ه). PageV01P127 # وقد اتفق العلماء من أهل عصره على تأويل ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بروايات متقاربة في سنن الترمذي وكتاب النسائي، ومسند أحمد بن ~~حنبل، ومستدرك الحاكم، ومسند الشافعي من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم ~~المدينة». إنه إشارة إلى مالك بن أنس، قال بذلك سفيان بن عيينة، وعبد ~~الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وابن المديني، وجمع كثير. # ثم إن ما بلغه من توقير خلفاء الدولة العباسية، وبرهم إياه، ووقوفهم عند ~~نصائحه مع ما كان له من الشدة على المتساهلين في الحديث وتلقي السنة، قد ~~أعان على نفاذ أصوله في تحمل الحديث، ومكنه من التقريع والتأديب لكل من ~~يبلغه من المتساهلين والمبتدعين وأهل الأهواء. # وحسبك أن المنصور أبا جعفر قد هم هما قويا على أن يأمر الناس في أقطار ~~الإسلام باتباع ما في الموطأ دون غيره، وقد انثاب الناس على الأخذ عن مالك ~~وقد اختص بأشياء لم تتأت لغيره، وهي التعمير وكثرة الآخذين عنه، وتفرقهم في ~~سائر الأمصار، وإعلانه بطريقته وتزييف الطرائق المخالفة لها، واجتماع إمامة ~~الفقه والحديث فيه، وهذه صفات لم يشاركه فيها غيره ممن كان يدانيه في صحة ~~الرواية مثل: ms121 يحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن ~~ابن مهدي، مع شدته في متابعة أصوله لا ينحرف عنها قيد أنملة. # ولأجل تخليد عمله، وتخطيط طريقه، ألف كتاب الموطأ، وهو أول كتاب ألف في ~~الإسلام، فلذلك كله تعين عندي أن يكون مالك من مجددي أول المائة الثانية. # وأرى أنه لم يشاركه أحد في تجديد أمر الدين من ناحية لحقت الدين منها ~~رثاثة؛ فطريقة مالك رحمه الله هي التي كانت الطريقة المثلى للتمييز بين ~~الصحيح والسقيم من الآثار؛ وقد ذهب بها جفاء ما طرأ على الرواية من الخلل، ~~وقد أصبحت تلك الطريقة مسلوكة إلى يومنا هذا، فهو مجدد طريقة وأصل عام في ~~التحمل. # وما فرغ المسلمون من علم قواعد التحمل، ومعرفة المقبولين والضعفاء ~~والمدلسين حتى طفحت الروايات عليهم من كل مكان، فمن صحيح وعليل، وأصيل ~~ودخيل، فأصبح الناس في حيرة في مقام التمييز؛ لاحتياجه إلى علاج بوسائل PageV01P128 # القواعد وذلك على الناس عزيز، فكانوا بحاجة إلى تدوين كتاب يجمع صحاح ~~الآثار في كل نوع من أنواع التشريع، ويدحض ما عداها، فكان محمد بن إسماعيل ~~البخاري للأمة شمس هداها؛ إذ ألف «الجامع الصحيح» فاطمأنت نفوس المؤمنين، ~~وألغوا كل معروف بالوضع وكل ظنين. # كان ابتداء ظهور عمل محمد بن إسماعيل البخاري في مبتدأ القرن الثالث من ~~يوم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته تلك، أعني في حدود سنة ~~(211 ه) وقد كان هذا التجديد لناحية من الرثاثة في الدين، وهي رثاثة ~~التساهل في الحديث من حيث جزئيات الأحاديث لا من حيث الأصل الكلي، فذلك وجه ~~غير الذي لمالك وإن جرى على أصل مالك؛ لأن البخاري جدد طريقة تمييز أعيان ~~الأحاديث، ومالكتا جدد طريقة تأصيل قواعد الأخذ للسنة، وتخريج الأحاديث ~~التي هي أصول للتفقه في الدين من صحيح الآثار، فبعد البخاري كان مجدد أمر ~~الأمة على رأس المائة الثالثة وكان خليفة المسلمين في سنة (210 ه) المأمون ~~العباسي وكانت حالة المسلمين معه في صلاح واستقامة. # هكذا مضى المسلمون آمنين في طريق نقل ms122 الآثار الشرعية، ومسالك التفقه في ~~الدين والتفريع فيه، فتميز الحق من الباطل، واستبانت السنن من الابتداع، ~~فكان أهل السنة وأهل الحق غالبين من يغالبهم من أهل الأهواء والبدع ~~الذميمة، وكان العلم الغالب على الأمة في تلك القرون هو النقل والآثار، ولم ~~يكونوا بحاجة إلى تجديد في علم الفقه ولا في علم العقائد. # وفيما هم على تلك الحال من الهدى؛ إذ نبعث فيهم فئات يخوضون في أصول ~~الدين خوضا يشوب الأدلة الشرعية بالأصول الفلسفية، ويعلنون أن الحق هو الذي ~~يجب أن يكون رائد المسلم في أصول الاعتقاد، ويردون الأدلة السمعية التي ~~تخالف الأصول التي أصلوها ردا بالتأويل أو الإبطال، وكانوا قد درسوا ما ~~ترجم من علوم الأوائل، وأصبحت مبثوثة بينهم وبين أتباعهم، وصاروا يتطاولون ~~على مخالفيهم بأنهم لا ثقة بعلومهم؛ لعدم ارتياض عقولهم بالعلوم الحقيقية، ~~فدخلت بذلك على الأمة فتن في عقائدها كانت أولاها فتنة القدر، ثم فتنة خلق ~~القرآن، وتبعتها فتنة الاستثناء في الإيمان، وفتنة صحة إيمان المقلد، وفتنة ~~خلق الأفعال وغيرها. # فوجم أهل السنة وجمة عضوا عندها على اعتقادهم بالنواجذ فرث الإسلام من PageV01P129 # ناحية العقيدة رثة استدعت رحمة الله بأهله، وضمانه لحفظه، لأن يقيض من ~~يذب عن السنة ويزيف مذاهب أهل الأهواء بنصب أدلة من نوع ما موهوا به على ~~الناس وذلك هو إمام المسلمين الشيخ أبو الحسن على الأشعري. # كان الشيخ من أتباع مذهب الاعتزال فأنهضه الله للذب عن السنة وبين له سقم ~~كثير من أصول المعتزلة، فانبرى لتأييد العقيدة الإسلامية السنية، وكان ~~انتقاله إلى اتباع السنة منذ سنة (300 ه) وأخذ يدلل العقائد بالأدلة ~~الفلسفية ويعضد بها الأدلة السمعية فتم عمله في حدود سنة (310 ه)، وتوفي ~~سنة (324 ه) وقيل سنة (330 ه) ببغداد، فهو مجدد رأس المائة الرابعة ولا ~~أجدر منه بهذه المزية من علماء ذلك القرن. # لا بأس على المسلمين بعد ذلك في أمور شرعهم واعتقادهم وسلطانهم، ولكن ما ~~طلع القرن الرابع ولاح ظله حتى حدثت في الإسلام دول كثيرة، وادعى كل زعيم ~~في ms123 صقعه السلطان لنفسه، وضعف أمر الخلافة العباسية لظهور الدولة السامانية ~~فيما وراء النهر، والدولة البويهية في العراق، ودولة بني طولون بمصر، ~~والدولة الصفارية بسجستان وخراسان، ودولة بني حمدان بالموصل والجزيرة ~~والشام، وفي أول هذا القرن ابتلي المسلمون بولاية الحاكم الفاطمي ملك مصر، ~~وتفاقم حزب غلاة الشيعة بسائر أقطار الإسلام إدلالا بملوكهم في مصر ~~وأنصارهم في الأقطار بالعراق والشام وجباله وبإفريقية، وآلت الحال بالحاكم ~~إلى أن ادعى الإلهية واستوزر حمزة زعيم الإسماعيلية من الفاطمية، فأصبح ~~المشرق والمغرب في مرج وفتنة من جراء تعدد الدول وظهور ضلال النحل، وأصبحت ~~قوة دول الإسلام مسلطة على أنفسهم بالحروب الطاحنة التي أزهقت النفوس، ~~وكانت قصاراها أخذا وردا في أصقاع الإسلام فضعفت السلطنة الإسلامية وجاء ~~أعداء الإسلام، وانقطعت الفتوح، وبث الدعوة الإسلامية الذي كان من أمر ~~الدين منذ ظهر الدين. # فظهر السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي يمين الدولة، صار إليه الملك ~~بغزنة سنة (388 ه) وكان من أشد الثوار المتغلبين على الدولة العباسية ومس ~~بحروبه كل الممالك التي استبدت على الدولة العباسية. # كان محمود بن سبكتكين بدا له في سنة (392 ه) أن يأتي عملا يكون كفارة عما ~~فرط منه في ابتداء تأسيس سلطانه من قتال المسلمين، فصمم العزم على أن يفتح ~~للإسلام بلاد الهند، فأخذ يستعد لغزو الهند، وهجم على تخومها، وكان يفتح PageV01P130 # البلاد ويحمل أهلها على الإسلام. # وكانت الحرب سجالا، والهدنة تعقب قتالا، وكان ملوك الهند كلما أحسوا ~~بانصراف يمين الدولة عنهم نقضوا طاعته وكفروا إلى سنة (406 ه) غزا الهند ~~غزوته الفاصلة، فجهز جيشا عظيما، فابتدأ بغزو بلاد الأفغان، ثم اخترق بلاد ~~الهند وعبر نهر الكنك، وأوقع ببلاد الهند وقائع عظيمة، فلما رأى ملوك الهند ~~أن لا قبل لهم بمقاومته اجتمعوا على أن يراسلوه في الصلح، وبذلوا الطاعة ~~له، فتم له استصفاء بلاد الهند في سنتي (409، 410 ه) وصارت بلاد إسلام، ~~فالسلطان محمود الغزنوي هو مجدد رأس المائة الخامسة. # واعلم أن يمين الدولة محمودا لم يكن في أعماله خلوا عن إرشاد علماء ~~الشريعة، ms124 فقد كان من أكبر مرشديه الإمام الجليل الأستاذ أبو حامد ~~الإسفراييني، وأحمد ابن أبي طاهر الفقيه الشافعي المتوفى سنة (406 ه) وهو ~~الذي توسط له لدى الخليفة القادر بالله في ولايته كورة خراسان وما إليها ~~وتلقيبه بيمين الدولة، وقد جاء في التقليد الذي صدر له من دار الخلافة هذه ~~الفقرة: «أوليناك كورة خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد ~~الإسفراييني». # وكان من جملة العلماء الذين اتصلوا بيمين الدولة أبو القاسم عبد الله ~~القفال المروزي الفقيه الشافعي المتوفى سنة (415 ه)، وهو الذي صلى بحضرته ~~صلاة لا تصح إلا على مذهب الشافعي (والشافعي موافق فيها للجمهور)، وصلاة ~~تصح على مذهب أبي حنيفة فرأى السلطان ذلك كافيا في ترجيح مذهب الشافعي في ~~نظر السلطان ترجيحا خطابيا يناسب أفكار العامة فكانت سببا في تقلد السلطان ~~مذهب الشافعي. # فالتجديد في صدر هذا القرن تجديد سياسي وليس تجديدا علميا إلا أن فتنة ~~الحاكم بمصر وتفشي أنصاره في الشام وجبالها وبعض بلاد العراق والموصل ~~وتطاولهم على أهل السنة أفضى ذلك خلال السنين إلى حدوث المقاتل الكبرى بين ~~أهل السنة والشيعة، فكانت في سنة (407 ه) فتنة كبيرة بين أهل السنة والشيعة ~~في واسط، وفي القيروان بإفريقية، وكان مثار هذه الضلالات والفتن والمقاتلات ~~الحاكم وأتباعه، فيمكن أن نعد في المجددين الرجلين المجهولين اللذين قتلا ~~الحاكم سنة (411 ه) بسعي القائد ابن دواس أحد قواد الحاكم بمصر وبإغراء ست ~~الملك PageV01P131 # أخت الحاكم. # فإن قال قائل: كيف تعد محمود الزمخشري في مجددي أمر الدين، فإن ظاهر كلام ~~الرسول - عليه السلام - ينبئ بأن هذا التجديد مزية دينية، وأن القائم به ~~ميسر من الله لهذا العمل الصالح فيظهر أنه معدود من صالح المؤمنين، وأنت ~~تعلم أن الزمخشري كان معتزلي العقيدة مخالفا لعقيدة أهل السنة، فهل يتلاقى ~~اعتقاد الاعتزال والقيام بتجديد أمر الدين في ذات واحدة. # قلت: أنا لا أجهل أن الزمخشري كان من المعتزلة العدلية، فإن صح أنه قد ~~رجع عن ذلك إلى عقيدة أهل السنة كما نحاه كثير من علمائنا، ms125 فالجواب عن ~~السؤال ظاهر، غير أني لا أطمئن إلى هذه الأمنية، ولا أحسب الزمخشري قد رجع ~~عن مذهب الاعتزال مع كونه من أساطينه، وحينئذ فأنا أجيب السائل بأن الخلاف ~~بيننا وبين المعتزلة العدلية خلاف في أمور خفيفة هي مجال للاجتهاد ومثارة ~~من الأدلة التي تعلقوا بها فيما خالفونا فيه، وتلك الأدلة وإن كان أكثرها ~~ضعيفا فليس فيها مخالفة للقواطع؛ ولذلك فهم أقرب المخالفين لنا في مسائل ~~الاعتقاد، وجميع ما خالفنا المعتزلة فيه من مسائل العقائد لا يترتب عليه ~~استحلال حرام ولا استباحة دم المخالف ولا ماله ولا تكفيره، فهم يعتقدون ~~عصمة الرسل، وعدالة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعظمون آل ~~رسول الله، ويرون حرمة دم ومال وعرض من قال: لا إله إلا الله، ولا يكفرون ~~أحدا بذنب من أهل القبلة ويثبتون صفات الكمال لله تعالى، ولا يعطلون آيات ~~الوعد والوعيد، ولم يقع بينهم وبين أهل السنة قتال، وغاية أمرهم أنهم ~~يتطاولون في الاستدلال على أهل السنة بعبارات بذيئة، وذلك لا يخلو منه ~~المختلفون في المسائل العلمية بإفراط أو إقلال. # وأيضا فإن جميع المعتزلة العدلية متبعون في الأعمال الفرعية أحد مذاهب ~~السنة فيها لا سيما مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي رحمهما الله؛ لأن ~~الاعتزال لا علاقة له بالأعمال، ولأنهم لا ينقصون أئمة المذاهب فمعتقدهم لا ~~أثر له في الأمور العملية، ولا يفضي إلى ارتكاب ما يخالف شرائع الإسلام. # إذن: فاعتقاد الاعتزال ليس فسقا، وقد صرح علماؤنا بأن حال المخالفين لنا ~~في الاعتقاد مع التزام عقيدة الإسلام إذا لم يصرحوا بالكفر بل قالوا مقالات ~~تجر إلى PageV01P132 # الكفر أو إلى مخالفة ظواهر الأدلة من الكتاب أو مخالفة السنة يرجع النظر ~~في تكفيرهم أو تفسيقهم إلى قاعدة أصلية وهي قاعدة المؤاخذة بلازم المذهب، ~~فمن العلماء من يرون لازم المذهب مذهبا فيرتبون على أقوال الفرق المخالفة ~~لنا في الأصول ما يلزم أقوالهم لزوما بينا، فإن لزم منه إبطال أصل من أصول ~~الإيمان أو إنكار معلوم بالضرورة يعتبرونهم كفارا أو فسقة على تفاوت قوة ms126 ~~اللزوم وضعفه، وهؤلاء أمثال الشيعة الغرابية والباطنية، وعلى اختلاف ~~العلماء في اعتبار اللازم مساويا للملزوم أو اعتباره دون ملزومه فيما يترتب ~~عليه وإن لم يلزم من مذاهبهم كفر، ولكن يلزم منه فسق، مثل الحرورية الذين ~~يكفرون الفرق الإسلامية عدا فرقهم، ومثل الخطابية المجوزين للكذب في ~~الرواية والشهادة، ومثل المرجئة النافين للوعيد، ومثل الذين يقولون بكفر ~~مرتكب الكبيرة، فهؤلاء فساق عندنا وليسوا كفارا؛ لأن مقالاتهم لا تفضي إلى ~~إنكار أصل من أصول الإيمان، ولكنها تنشأ عنها أعمال هي كبائر؛ كاستباحة ~~دماء كثير من المسلمين العصاة. # وإن لم يلزم من مقالاتهم شيء إلا الخطأ في العلم والدين في مسائل النظر، ~~فهم مخطئون وليسوا كفارا ولا فساقا مثل المعتزلة، وكذلك فرق الشيعة ~~الأمامية الذين يفضلون عليا على أبي بكر، والخطأ العلمي لا ينافي الصلاح في ~~الأعمال. # وأما العلماء الذين لا يرون لازم المذهب مذهبا فهم لا يعتبرون إلا حالة ~~لوازم أقوالهم وما يترتب عليها من أعمالهم، فكانوا يعدون غلاة الفرق ~~المخالفة فساقا ولا يعدون من عداهم فساقا، قال شهاب الدين القرافي في ~~«تنقيح الفصول»: «قد قبل البخاري وغيره رواية عمرو بن عبيد وغيره من ~~المعتزلة نظرا إلى أنهم من أهل القبلة» أ. ه، يعني ونظرا إلى أنهم ليس في ~~أقوالهم ما ينشأ عنه ارتكاب أعمال من الكبائر، وفي كتاب الجنائز من تهذيب ~~المدونة، قال مالك: لا يصلى على أحد من أهل الأهواء، قال أبو الحسن في ~~شرحه: اختلف المالكية في تأويل قول مالك، فقال سحنون: إنما أراد به التأديب ~~وكراهة مخالطتهم، ووافقه ابن رشد على ذلك وجماعة، أي: لا يصلي عليهم أهل ~~السنة، وإنما يصلي عليهم أهل نحلتهم، ألا ترى أن مالكا لم يفت بأنهم لا ~~يدفنون في مقابر المسلمين، ولم يصرح بأنهم يتركون بدون صلاة عليهم، ولأنه ~~لو لم يوجد في البلد الذي مات فيه أحد من أهل الأهواء من يصلي عليه من أهل ~~نحلته يترك بدون صلاة عليه، وقال غير سحنون: أراد مالك أن أهل الأهواء كفار ~~وأنهم لا يصلى عليهم ms127 ولا يدفنون في مقابر المسلمين. PageV01P133 # وإن فقهاؤنا اختلفوا في صحة الصلاة خلف المبتدعة، فقال ابن القاسم: يعيد ~~المصلي في الوقت، فلم ير الابتداع مبطلا للصلاة، وقال كبار أصحاب مالك ~~وسحنون: لا إعادة عليه أصلا، وعن الإمام رحمه الله التوقف في الإعادة، وقال ~~ابن عبد الحكيم: يعيد أبدا، وإن ذلك كله في أهل الأهواء، أي: الذين يفسرون ~~متشابه القرآن على حسب هواهم، ألا ترى أن أئمة الحديث قالوا بقبول رواية ~~المسلم العدل الذي يعتقد عقيدة باطلة لا تنافي الإسلام بشرط أن تكون بدعته ~~لا تبيح له الكذب، وزاد مالك رحمه الله على ذلك شرطا وهو أن لا يكون داعية ~~إلى عقيدته. # ولم يزل كثير من عظماء المعتزلة مشهودا لهم بالتقوى والورع، منهم عمرو بن ~~عبيد إمام المعتزلة الذي قال فيه أبو جعفر المنصور: «كلكم قانص صيد، كلكم ~~طالب أيد، غير عمرو بن عبيد»، وقد كتب الإمام الحافظ أبو الطاهر أحمد ~~السلفي الأصفهاني الشافعي المتوفى سنة (576 ه) إلى العلامة محمود الزمخشري ~~يطلب منه الإجازة في جميع سماعاته وإجازاته ورواياته من الحديث والعلوم، ~~وكتب القاضي أبو الفضل عياض المالكي الشهير إلى الزمخشري يستجيزه كذلك، وهل ~~يظن بأمثالهما رواية حديث رسول الله عمن في دينه مغمز، وقد كان العلامة ~~الزمخشري في الورع والتقوى بتلك المثابة حتى لقد بلغت به الخشية مبلغا ~~عظيما كما هو مسطور في ترجمته، ولقد لقبه علماء الإسلام بلقب: جار الله، ~~وقد كتب تفسير الكشاف في المسجد الحرام. # وقد جوز، ابن الأثير في «جامع الأصول» أن يعد في مجددي رأس المائة ~~الرابعة الشريف الرضي علي بن موسى من أئمة الأمامية، وأن يعد في مجددي رأس ~~المائة الثالثة أبو جعفر محمد أو أحمد بن يعقوب الرازي من الأمامية مع أن ~~الأمامية يخالفون أهل السنة في عقائدهم خلافا أشد من خلاف المعتزلة وحسبك ~~منه مسألة التفضيل ومسألة تفسيق كثير من الصحابة. # وحيث قد توفر فيه المقتضي وانتفى المانع، فما أنا في عده من المجددين ~~ببادع، على أننا لو شئنا أن نقول بالتفكيك ms128 بين الصلاح الاعتقادي وبين ~~القيام بتأييد الدين عن حسن نية لم يكن ذلك بعيدا، إذ قد أصلنا أن للدين في ~~كل ناحية تجديدا. PageV01P134 # اشتد ساعد الدولة الإسلامية ونضجت حضارة المسلمين من سائر نواحيها، ~~فأصبحوا أمة مستكملة الجهاز في كل ما تسابقت فيه الأمم الماضية والمجاورة ~~من ميادين الحضارة والرقي تفكيرا وعلما ونظاما ورفاهية وقوة وسيادة على ~~العالم، وتوفر لدى المسلمين في خلال خمسة قرون مضت من وقت ابتداء الجامعة ~~الإسلامية ما لم يجتمع لغيرهم من الأمم الحاضرة والغابرة، فظنوا أن الدهر ~~أصبح طوع أمرهم والحوادث لا تسير إلا على حسب مناهم، وأنساهم توالي النعم ~~ما تأتي به الحوادث من الرزايا، وما دروا أن الدهر الذي يواجههم بقوله: ~~«ملكت يداك» هو ينشد من ورائهم في التفاته «غير لاه عداك». # أصيب المسلمون في آخر القرن السادس وأول القرن السابع بمصائب يتلو بعضها ~~بعضا ولا يخلصون من واحدة إلى غيرها إلا كالمستجير بالنار من الرمضاء، ~~فكانت الفتن متأججة فيما بين أنفسهم وفيما بينهم وبين أعدائهم هنالك مواثبة ~~الإسماعيلية، وتخالف ورثة السلطان صلاح الدين بن أيوب، وحروب خوارزم شاه مع ~~الغورية في بلاد العجم وغيرها، وهنالك وصول الإفرنج والألمان إلى شطوط ~~الشام ومصر، وقد أشرفوا على امتلاك سائر القطرين، فارتبك حال القرن السابع ~~على مريد التمييز، ولم يتعين من انبرى فيه لأمر المسلمين بالتجديد ~~والتعزيز. # فكان حقا علينا أن نصف حال هذا القرن وصفا نترك فيه الحكم للناظر ~~المتبصر؛ ذلك أنه ما استهل القرن السابع حتى كانت الحروب قائمة في بلاد ~~الإسلام من كل مكان، فكان النصارى آخذين بمخانق البلاد الشامية والمصرية ~~التي كانوا ينازلونها من أواخر القرن السادس، وكان قد عرض لهم فتور في ~~أوائل القرن السابع PageV01P135 # فنهض البابا صاحب رومة وندب ملوك النصارى إلى إمداد الجيوش المحتلة ~~بالشام ومصر، فوصلت إليهم أمداد عظيمة فيما بين سنة (612 وسنة 614 ه)، وكان ~~صاحب مصر والشام والجزيرة يومئذ الملك العادل بن أيوب أخا صلاح الدين، فندب ~~الملك العادل ابنه الملك الكامل ليخرج يواجه جيوش ms129 النصارى في دمياط، وما ~~لبث أن مرض الملك العادل واضطرب أمر المسلمين، وتنمر الأعداء للمسلمين في ~~البلاد المصرية والثغور الشامية، وتوفي الملك العادل وخلفه ابنه الكامل في ~~ملك مصر وخاف الناس على مصر والشام أن يمتلكها النصارى، وصاروا يتوقعون ~~سقوط البلاد صباحا ومساء، حتى أراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدو ~~الذي أحاط بهم من كل مكان، ولولا أن الملك الكامل منعهم من الجلاء لتركوا ~~البلاد خاوية على عروشها. # فلما جل الخطب وعظم الكرب تابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه الملك المعظم ~~صاحب دمشق والملك الأشرف صاحب الجزيرة وأرمينية يستنجدهما ويحثهما على ~~الحضور بأنفسهما أو يرسلان العساكر إليه، فسار الملك المعظم إلى أخيه الملك ~~الأشرف لينضم إليه ويسيرا معا، فوجده مشغولا عن الإنجاد بما دهمه من اختلاف ~~الكلمة في مملكته مع بعد مملكته عن أن يمسها ضرر من الفرنج، فرجع الملك ~~المعظم ولم يجد هو ولا أخوه الملك الكامل وسيلة خلاص من تلك الورطة إلا بعث ~~الرسل بين المسلمين وبين الإفرنج في تقرير قاعدة للصلح بين الفريقين، وبذل ~~المسلمون للفرنج بيت المقدس، وعسقلان، وطبرية، وصيدا، وجبلة، واللاذقية ~~وجميع ما فتحه صلاح الدين من البلاد الشامية مما كان استحوذ عليه الفرنج في ~~القرن السادس ماعدا الكرك، بذلوا ذلك للفرنج على أن يسلم الفرنج دمياط ~~للمسلمين، فلم يرض الفرنج بذلك وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب ~~المقدس ليعمروه بها، وأن يكون الكرك أيضا في جملة ما يسلم للفرنج، فلم يتم ~~بينهم وبين المسلمين تراض، وبقيت الحرب ترسل من لهيبها كل شواظ. # وما عتم أن زال الخلاف من مملكة الأشرف وأطاعه الملوك الخارجون عنه، ~~واستقامت الأمور هنالك فعادت المراجعة بينه وبين أخويه الكامل والمعظم، ~~فسار الملك الأشرف إلى دمشق بجند عظيم، ولما رأى قوة الفرنج غير منصبة على ~~البلاد PageV01P136 # الشامية أكمل السير إلى مصر، وواجه مع أخيه الكامل جيش الفرنج في بحر ~~أشمون، ونزل جيش المعظم دمياط، ثم عرج إلى أشمون، فاستبشر المسلمون بذلك ~~وتفاءلوا، وقويت نفوسهم ودبروا المكيدة لجيش ms130 العدو أن يفجروا النيل إلى ~~الجهة التي بها ذلك الجيش فغمرتها المياه، ولم يبق لجيش الفرنج جهة يسلكون ~~منها إلا جهة واحدة ضيقة، وانتصبت جسور المسلمين على النيل عند أشمون وعبرت ~~عليها عساكرهم، فملكوا الطريق الذي يستطيع الفرنج سلوكه إلى دمياط، وقاتلوا ~~سفائن الفرنج المشتملة على الذخائر الحربية والميرة، فلما لم يبق للفرنج ~~مخلص سقط في أيديهم وراسلوا الملكين الكامل والأشرف يطلبون الأمان، وتم ~~الصلح على إرجاع دمياط للمسلمين، وأخذ المسلمون عشرين بين ملك وأمير من ~~الفرنج رهائن على تسليم دمياط، فيكون الملك الكامل صاحب مصر هو المجدد على ~~رأس المائة السابعة بمعونة أخوية الملك الأشرف والملك المعظم. # وفيما الناس يبهجون بخضد شوكة المعتدين من النصارى وإجلائهم عن معظم ~~البلاد بالشرق؛ إذ طلعت سنة (617 ه) سبعة عشرة وستمائة بنار فتنة طار ~~شرارها ولم يلبث أن صار لهيبا، تلك هي فتنة ظهور جنكيز خان ومن معه من ~~التتار، وهم يومئذ كفرة مفسدون في الأرض مناوؤون للمسلمين؛ إذ خرجوا من ~~تخوم الصين في حدود تركستان، وجاسوا خلال بلاد الإسلام، وتكالبوا على ~~المسلمين. # وحسبك وصفا لحالهم كلام ابن الأثير في تاريخه الكامل (وقد شهد وقت ظهورهم ~~وخرج من الدنيا ولم يدر إلى أين مصيرهم)، قال: «من ذا الذي يسهل عليه أن ~~يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن ذا الذي يهون عليه ذكر الحادثة العظمى ~~والمصيبة الكبرى التي عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل إن الناس ~~منذ خلق آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا». # قصد التتار كاشغر من بلاد تركستان، ثم منها إلى سمرقند وبخاري، وعبرت ~~طائفة منهم خراسان، ثم الري وهمذان وبلاد الجبل إلى حدود العراق، ثم قصدوا ~~أذربيجان وأرانية إيران ودربند شروان وابلان واللكز وبلاد قفجاق، ومضت ~~طائفة منهم إلى غزنة وما جاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان، فما مضت سنة ~~حتى احتلوا أكثر بلاد الشرق وأهم معمور البلاد الإسلامية وأحسنه وأكثره ~~عمارة، فأوسعوا أهل تلك الأقطار قتلا ونهبا والبلاد تخريبا وإفسادا، بحيث ~~لم يبق أحد من المسلمين إلا ms131 وهو خائف وجل، ولم ينج منهم إلا قليل من الناس ~~فروا إلى الغياض PageV01P137 # ورؤوس الجبال، ولا يجهل ما أصاب مدينة بغداد وحضارتها من جراء عبثهم على ~~يد سلطانهم (هولاكو) سنة (656 ه)، ومما أعانهم على هذا الانتشار أنهم لا ~~يحتاجون إلى ميرة ولا إلى مدد يأتيهم؛ لأنهم استصحبوا معهم بقرهم وغنمهم ~~وخيلهم يأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها، ولا يعلفون دوابهم؛ لأنهم ~~عودوها أن تبحث في الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبت، وكادوا أن يستأصلوا ~~الإسلام في أهم مواطنه. # والتتر يومئذ يدينون بالمجوسية، يعبدون الشمس يسجدون لها عند طلوعها وليس ~~في دينهم تحريم لشيء من الأعمال. # وأول من قصدوه بالحرب من ملوك الإسلام محمد خوارزم شاه الذي انفرد يومئذ ~~بملك المشرق وقاتل معظم ملوك البلاد، فهزموا خوارزم شاه، فلما هزموه لم يبق ~~في البلاد من يحمي الممالك من هؤلاء المفسدين، دام حالهم على ذلك نحوا من ~~تسعين سنة إلى أن أسلم ملكهم خربند بن أرغو بن أبغا بن هلاكو، وقتل ~~(قطلوشاه) آخر المشاهير من أمرائهم وقواد جيشهم. # وقد ابتدأ تطرق الديانة الإسلامية بين أمراء التتر من منتصف القرن ~~السابع، ولكنه كان تطرقا بالهوينا؛ ذلك أن شمس الدين الباخوري كبير الصوفية ~~في بخارى وأحد أصحاب نجم الدين خاطب أميرهم بركا بن دوشي خان الذي ولي ملك ~~التتر سنة (652 ه) يدعوه إلى الإسلام، فأعمل بركا الرحلة إلى بخارى للقاء ~~شمس الدين وأسلم، وعاهده على ظهور الإسلام بين قومه، وبنى مساجد ومدارس في ~~جميع البلاد: إيران وهمذان وتبريز والمراغة، ووصى الشيخ الباخوري السلطان ~~بركا بأن يكون صديقا للخليفة المستعصم العباسي، غير أن إسلام السلطان لم ~~يتجاوزه إلى عامة التتر فبقوا كفرة، ولم يستطع كفهم عن الهجوم على ممالك ~~الإسلام، سوى أنه صد أخاه منكوفان أحد قواد جيوش التتر عن الهجوم على ممالك ~~الخليفة المستعصم، ولم يجد ذلك أمام عزم (هولاكو) على غزو بغداد سنة (656 ~~ه) ومضت فترة من الزمن إلى أن ولي (تكدار بن هولاكو) سنة (681 ه) فأظهر ~~الإسلام، وكان الذي ms132 دعاه إلى الإسلام الشيخ قطب الدين محمود الشيرازي ~~العلامة الجليل الشهير وهو يومئذ قاضي سيواس، وكتب الملك بذلك إلى ملوك ~~عصره، ولا شك أنه كان يرمي بذلك إلى تحصيل هدوء الممالك الإسلامية في وجهه ~~بعد أن صار معظمها في دائرة مفتوحاته، إلا أن قومه نقموا عليه الانتقال من PageV01P138 # دينهم، فثاروا عليه وقتلوه، ثم مضت فترة أخرى إلى سلطنة خربند بن أرغو بن ~~أبغا ابن هولاكو سنة (702 ه)، فأسلم وتسمى محمدا، وأناب عنه قطلوشاه أحد ~~أمرائهم الكفرة في غزو البلاد فدامت النكاية بالمسلمين، ولم يخلص التتر ~~الإسلام إلا بعد موت قطلوشاه سنة (714 ه) فحينئذ قطعت جرثومة الوثنية في ~~ملوك التتر وجنده، فصاروا إخوة لبقية المسلمين، وسلم المسلمون من مصائب ~~استئصالهم، واعتز بهم الإسلام بعد أن كانوا يعجلون إلى نكايته. # فبحق يعد الملك خربند التتري ومن حف به من العلماء والصوفية هم مجددو رأس ~~المائة الثامنة، وممن يعرف من هؤلاء العلماء نظام الدين محمود الشيباني، ~~وبدر الدين محمد بن جماعة الشافعي، وتقي الدين أحمد بن تيمية الحنبلي، ~~وجلال الدين محمد القزويني الشافعي، رحمهم الله أجمعين. # لم يكن المشرق الإسلامي في هذا القرن منفردا بالمصائب والمحن، فقد شاركه ~~المغرب في ذلك، ففي بلاد الأندلس قد اشتدت شوكة ملوك الجلالقة على ملوك ~~الإسلام بعد وقعة العقاب سنة (600 ه)، ثم تلتها حوادث في مدة السلطان محمد ~~بن محمد بن يوسف بن بني الأحمر ملك غرناطة من سنة (672، إلى سنة 702 ه) ~~تكالب فيها العدو على بلاد الأندلس إلى أن جرى النصر على يد السلطان ~~إسماعيل بن فرج من بني الأحمر سنة (719 ه)، فتنفس الحال عن المسلمين ~~بالأندلس مدة طويلة، فلا يبعد أن يكون السلطان إسماعيل فرج سلطان غرناطة في ~~عداد المجددين للإسلام في رأس المائة الثامنة. # وجد الإسلام في قارة آسيا مقر الحضارة العتيقة فنشأ بالحجاز في وسط حضارة ~~بسيطة، وسرى متدرجا في أقطار الحضارات الكبرى من العراق والشام وفارس، ثم ~~تطرق إلى قارة إفريقيا، فدخل مصر وبرقة والمغربين والصحراء، فمازج ms133 الحضارات ~~العتيقة كلها ومازجته، فلم يكن المسلمون في القرون الأولى من تاريخ الإسلام ~~تقصر حضارتهم عن حضارة أفضل الأمم المتمدينة، بل كانت تفوقها بما عليه ~~المسلمون من التخلق بالفضائل الإسلامية، وكانت أوربا أيامئذ منقسمة قسمين: ~~قسم شرقي وهو المجاور لبلاد الشام وهو المسمى (بيزنطة) وعاصمته ~~القسطنطينية، وحضارته تساوي أو تفوق حضارات أفضل الأمم الأخرى، وقسم غربي ~~وهو المجاور لإفريقيا وأشهر عواصمه رومة، ولم يكن يومئذ يداني حضارة القسم ~~الشرقي على أن معظم بلاده لم يكن ذا حضارة معتبرة، ولقد وطأت أقدام PageV01P139 # المسلمين غرب أوربا بفتح بلاد الأندلس، وتوغلوا فيها زمنا مستقرين أو ~~مناوشين فنشروا هنالك حضارة وقعت من أمم غرب أوربا بمحل الإعجاب، وكانت ~~لفتح عين نهضتهم أكبر الأسباب. # وقد أخذت ممالك غرب أوربا في القرن الرابع عشر من تاريخهم المسيحي تسعى ~~بخطى واسعة إلى تأسيس تمدن منتظم، وحضارة فكرية سامية ومتماثلة تؤذن بما ~~سيكون لممالك هذه القارة من الشأن والاتحاد التمديني في تاريخ التمدن ~~الحديث، وسيادة العالم عن قريب، وكانت أوربا الشرقية حينئذ مندحرة إلى ~~السقوط والانحلال فكان مستقبل سيادة العالم صائرا إلى غرب أوربا. # ويومئذ كان المسلمون متزحزحين عن ممتلكاتهم الوحيدة في أوربا، وهي كور ~~بلاد الأندلس؛ إذ قد استرد ملوك الجلالقة معظم تلك البلاد التي انتزعها ~~منهم المسلمون، فانحصر ملك المسلمين من الأندلس في أواخر القرن الثامن ~~الهجري وأوائل التاسع في رقعة ضيقة من أرض الأندلس هي كورة البيرة، وهي ~~قطعة بين مدينة رندة ومدينة ألبيرة من الغرب إلى الشرق في مسافة عشر مراحل ~~(أي: ثلاثمائة ميل)، وفيما بين البحر الأبيض وبين غرناطة من الجنوب إلى ~~الشمال في مقدار مسافة مرحلة واحدة (أي: ثلاثين ميلا) على أن تلك القطعة لم ~~تلبث أن سلبت منهم فيما بعد، فيعد المسلمون يومئذ في حكم المسلوبين من ~~الملك في أوربا. # فلو بقي المسلمون منزوين في آسيا وإفريقيا لكانوا عاكفين على حضارة قديمة ~~ولما نالهم شيء من سريان تلك الحضارة الجديدة، وما استطاعوا أن ينغمروا ~~فيها ولكان حظهم عند استتباب العظمة لأوربا ms134 هو الخمول والخضوع تحت سلطان ~~أوربا للعجز عن مجاراة أممها الناهضة، ولا ندري مقدار ما كان يحصل من الوهن ~~والضعف في السلطنة الإسلامية، وإلى أين يرمي ذلك الضعف بحكومة الإسلام من ~~مرامي الإهمال تجاه الأمم المعاصرة. # فكان لزاما لاستبقاء حضارة المسلمين وقوتهم وحظهم من السيادة في العالم ~~المتمدن الذي هو بصدد التكون، أن تكون لهم قدم في أوربا مهد تلك الحضارة PageV01P140 # الجديدة، وكان امتلاك عاصمة شرق أوربا أجدى على المسلمين من امتلاك بلاد ~~الأندلس؛ لأن تلك العاصمة هي باب أوربا كلها، وهي الحد الجامع بين آسيا ~~وبين أوربا، وهي برزخ الحضارات المتنوعة الكائنة حولها وراءها، فلا يجهل ما ~~يكون لمالكها من الفائدة في عظمة السلطان وارتقاء المدنية والحضارة، وهي من ~~جهة أخرى مجاورة لأعظم ممالك المسلمين ولمقار قوتهم وعتيد جيشهم، فهم فيها ~~أمكن قدما منهم في بلاد الأندلس، فإن توغل المسلمين في بلاد الأندلس وإن ~~كان مفخرا تاريخيا ومنبعا لحضارة دامت عدة قرون، كان أيضا غلطا سياسيا يشبه ~~غلط المسيحيين في توغلهم في بلاد الشام ومصر في عند الحروب الصليبية، وقد ~~ظهرت نتائج ذلك الغلط عندما ضعف نفوذ الخلافة الإسلامية في الأندلس حين قام ~~عبد الرحمن بن معاوية الأموي باستقلال الأندلس، وزادت نتائج تلك الغلطة ~~اتضاحا عندما انفصلت إفريقية عن الخضوع إلى الخلافة الفاطمية في مدة المعز ~~بن باديس الصنهاجي سلطان إفريقية، فلم يبق بين قوة المسلمين في الشرق وبين ~~مسلمي الأندلس اتصال، وهناك انفتحت أبواب الخطوب على مسلمي الأندلس، وصارت ~~بلادهم تنقص من أطرافها. # وكان نشر سلطان المسلمين في أوربا قد خطر ببال خلفاء الإسلام من عهد ~~معاوية الأول الخليفة الإسلامي الأموي الجليل؛ إذ كانوا جردوا حملات لفتح ~~القسطنطينية في سنة (32 ه) وفي سنة (43 ه) وسنة (50 ه) التي حضر فيها أبو ~~أيوب الأنصاري - صلى الله عليه وسلم -، فلم يخرج عمل المسلمين في فتحها عن ~~حيز المحاولة والمناوشة. # إن ما توالى على المسلمين من الفتن الداخلية والحروب الخارجية في خلال ~~القرنين السابع والثامن الهجريين، قد حال دونهم ms135 ودون التقدم في الحضارة ~~ومجاراة جيرانهم في تناول ما انبلج عصرهم منها؛ إذ كانت همة المسلمين في ~~تلك المدة منصرفة إلى دفع العدو عن كيانهم، وفي ذلك ما يلهيهم عن زيادة ~~تحسن حالهم. # وكان الترك هم أصحاب الزعامة الإسلامية في أواخر القرن الثامن، وقد بلغت ~~فتوحهم تخوم أوربا؛ إذ قد أخ مراد خان الأول مدينة أدرنة وجعلها عاصمة ملكه ~~سنة (762 ه). # ثم صار الملك إلى ابنه بايزيد يلدرم فعظم ملكه، ولقب بلقب سلطان، فأخذ ~~يستعد لفتح القسطنطينية ببناء أسطول بحري، ويستعد لفتح المجر حدود سنة (797 ~~ه) PageV01P141 # ولقد صار صاحب النفوذ على امبراطور البيزنطيين بالقسطنطينية، المحصور في ~~عاصمة ملكه وفي قطعة من الأرض حولها، فكانت العاصمة في سنة (803 ه) على وشك ~~السقوط في قبضة بايزيد لو شاء هو أن يتعجل بذلك. # وفيما هو بذلك الصدد إذ حدث حادث ظهور الطاغية (تيمور لنك) وقصد بلاد ~~السلطنة التركية فحدثت بينه وبين يزيد حروب (من سنة 1803 م إلى سنة 1807 م) ~~انتهت بأسر بايزيد، ثم بموت تيمور، فكفى الله شره وعقبها نزاع بين أبناء ~~بايزيد إلى أن انتصر عليهم ابنه محمد جلبي الملقب بالأول سنة (813 ه)، وخلص ~~له الملك، وأقبل على تعزيز مملكته، فهو الذي أعاد الرجاء إلى ما رسمه والده ~~من الاستعداد لفتح القسطنطينية بحيث أعاد الحالة التي تركها والده العظيم، ~~وبعد ذلك مبدأ فتح تلك العاصمة العظيمة ومهيئ انتقال التاريخ من العصور ~~الوسطى إلى التاريخ الحديث، وفي تلك المدة أخذ الإسلام ينتشر في أوربا بمن ~~احتلها من جيش الترك المسلمين، وبدعوة مشايخ الصوفية إلى الإسلام بين سكان ~~مدن أوربا. # فيحق علينا أن نعد السلطانين بايزيد يلدرم وابنه محمد جلبي مجددي أمر ~~الأمة على رأس المائة التاسعة، وقد كان في هذا الوقت بإفريقية السلطان أبو ~~فارس عبد العزيز الحفصي، وكان من السلاطين المصلحين بإفريقية، وقد خضد شوكة ~~أهل الفساد وأزهر في زمنه العلم وساد الأمن فهو بحق ممن قيضهم الله لتجديد ~~أمر الأمة في بعض بلاد الإسلام، وقد ms136 عده البرزلي في كتابه «الحاوي» مجدد ~~القرن التاسع، وتقدم الكلام على ذلك. # وقد مثلت حالة المسلمين في القرن الثامن للناظر إليها من خلال كلامنا ~~المتقدم حتى كأنها منه رأي العين، وحين بريء أنه يخالجه في استجلائها ~~اشتباه أو مين، وقد رأى كيف انصدع بناء الجامعة الإسلامية مرارا، ثم كيف ~~منح صدعه انجبارا يعقب انجبارا، ولقد وهت من جراء انصداعه المتكرر شرفة ~~كانت حامية جلاله وأبهة جماله، ألا وهي شرفة الخلافة فقد نشأ الإسلام ~~مقارنا لمنصب عظيم هو ولاية امور أتباعه، والتيقظ لتنفيذ مقاصده في سائر ~~أصقاعه، ولي ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته وقام به خلفاؤه من بعده. # فكانت الخلافة الإسلامية أكبر ضمان لوحدة المسلمين يستظلون بلوائها، وإذا ~~انتابها خطب تألموا للأوائها، ثم زالت حرمة الخلافة بثورة دعاة العباسيين ~~وتمزيقهم PageV01P142 # إهاب الخلافة الأموية، فما استتب الأمر للعباسيين بعد لأي حتى تطرق الوهن ~~للخلافة حين انشقت عنها الدولة الأموية بالأندلس والحسنية بالمغرب الأقصى، ~~ولقد تحمل خلفاء العباسيين ذلك على تبرم ولسان الحال ينشدهم: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # وإن ذلك الانشقاق وإن كان صدعا عميقا في محيط الجامعة الإسلامية لم يظهر ~~إضراره أيامئذ؛ إذ كانت حرمة الخلافة الإسلامية في الشرق وهو أشهر العالم ~~يومئذ ما برحت قائمة في النفوس مرموقة بالجلالة في العيون، وظلت المملكة ~~الإسلامية فيما عدا ذينك القطرين مجتمعة الكلمة قائمة الشوكة، ثم انفتقت ~~الفتوق بظهور استقلال الأمراء والقواد في أطراف الخلافة الإسلامية، وضعف ~~الخليفة من الظفر بهم ابتدأ ذلك من عهد المعتصم بالله العباسي أواخر القرن ~~الثالث، ثم استفحل في صدر ولاية المطيع سنة (338 ه) فلم يزل أمر الخلافة ~~يتضاءل والفتق يتواصل حتى اتسع الخرق على الراقع، وأصبحت رباعها وهي بلاقع، ~~يوم أقصى هولاكو خان بقية العباسيين من بغداد، فثووا بمصر، وكان حظهم فيها ~~الإبلاس والحصر، فلم يبق للخلافة إلا الدعاء في الجمع والأعياد، وما حياة ~~من ليس حظه غير الرفع على الأعواد. # لقد زلزلت الخلافة بدخول جند التتر ms137 بغداد سنة (656 ه) وسلطانهم هولاكو ~~خان والخليفة يومئذ المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر فقتلوه، وأعملوا ~~السيف في بني العباس فلم ينج منهم إلا من عصمه الأجل، وقد كان أحمد بن ~~الظاهر العباسي عم المستعصم قد نجا مترددا في أحياء العرب إلى أن وصل مصر ~~سنة (659 ه) وسلطان مصر يومئذ الظاهر بيبرس، فبادر الظاهر إلى مبايعة أحمد ~~بالخلافة وحاول أن يخضد به شوكة التتر فسيره بجيش إلى بغداد، فلما جهزه ~~بجيشه تلقاه جيش هولاكو في موضع يقال له غانة فقتل هنالك، ثم ظهر بعد مدة ~~غير طويلة رجل من عقب المسترشد العباسي وهو أحمد بن علي بن أبي بكر بن أحمد ~~بن المسترشد، وقدم إلى مصر فسر به الملك الظاهر وبايع له بالخلافة ولقبه ~~بالحاكم وفوض إليه أمور العامة والخاصة، كما فوض هو للملك الظاهر عهدة ~~البلاد، فبقي هو وعقبه بمصر يدعى لهم في الخطب، وتكتب أسماؤهم في السكة، ~~ويتبرك بهم وبأسمائهم على أنهم حفظة سياج الدين، وكان ملوك الإسلام يكتبون ~~إلى الخليفة بمصر يستمنحون منه التقليد بالولاية، فكان ذلك مبلغ الخليفة من ~~الخلافة، فكان مقام الخلافة في هذه المدة مقاما صوريا. PageV01P143 # ولما ظهر شباب دولة آل عثمان وفتحوا القسطنطينية أصبحوا أعظم سلاطين ~~الإسلام، وصار سلطان القسطنطينية أجدر ملوك الإسلام بأن يكون ولي أمر عموم ~~المسلمين حقا. # ولما بويع السلطان سليم ابن السلطان بايزيد الثاني سنة (918 ه) ضم إلى ~~مملكته بلاد الأكراد والعراق والشام ومصر والحجاز، وحين دخل مصر كان ~~الخليفة بها يومئذ محمد المتوكل على الله العباسي، فرأى من الخرق استمرار ~~ادعاء الخلافة لنفسه حين ذهبت حقيقتها، ثم ذهبت صورتها فتنازل عنها السلطان ~~سليم قائلا لسان حاله: «بيدي لا بيد عمرو» وأحضر بين يدي السلطان شعار ~~الخلافة وهو البردة والراية والسيف المنسوبة ثلاثتها إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ومفاتيح الحرمين فسلمها إلى السلطان؛ ذلك أول سنة (923 ه). # فلقب السلطان سليم حينئذ بخليفة المسلمين وخادم الحرمين الشريفين، وبذلك ~~أصحبت الخلافة الإسلامية في حقيقتها قولا ms138 وفعلا، وحصلت بها وحدة إسلامية ~~أعادت لنفوس المسلمين الشعور بعزتهم، وبذلك تأتى لدولة آل عثمان أن تضم ~~أقطارا إسلامية جملة إلى مملكتها الواسعة دون كبير عناء وحسبت الأمم ~~المعادية للمسلمين يومئذ لهم حسابهم، وعلموا أن لسان حال السلطان يقرأ: {إن ~~إلينا إيابهم} [الغاشية: 25]، فيحق أن نعد السلطان سليما هو المبعوث لتجديد ~~أمر الأمة في رأس المائة العاشرة من وقت صدور الخبر النبوي الصادق، وهو وإن ~~كان تجديده أمر الخلافة متأخرا عن رأس المائة، فإن ولايته السلطنة قريب من ~~رأس تلك المائة، والعبرة بيوم الظهور وإن تأخر التجديد إلى أن تتهيأ ~~الأمور. # لم يعرف تاريخ الإسلام حادثا انتاب الأمة الإسلامية منذ كيانها، ولا سهما ~~أصابها في قلب إيمانها، مثل الحادث الجلل الذي اعترى المسلمين بالأندلس ~~أوائل القرن الحادي عشر من الهجرة، فوجمت له النفوس وذرفت له العيون، وأوقر ~~ذكره الأسماع في جميع البقاع، ولم يجد المسلمون مدخلا لاستلال دائه، ولا ~~تأثرا يثأر لهم أو مصيحا لندائه، ألا وهو حادث تنصير جميع المسلمين في ~~مملكة غرناطة، تلك الرقعة التي بقيت للإسلام في بلاد الأندلس، والمأوى الذي ~~لجأ إليه المسلمون حين انتزع منهم الجلالقة بقية بلادهم، وهو وإن كان مأوى ~~ضيقا إلا أنه كان مأهولا بخيرة البلاد وبقية الناس لما خلصت بلاد الأندلس ~~بأيدي الجلالقة بسقوط كورة PageV01P144 # ألبيرة وعاصمتها غرناطة في ربيع الأول سنة (697 ه) بعد حصار طويل، وبعد ~~أن شرط الملك فردينادو الجاثليقي (لوكاتوليك) ملك أرغون وشركته في الفتح ~~زوجه إيزابيلا الجاثليقية (لاكاتوليك) ملكة قشتالة، وأبعد سلطان المسلمين ~~أبو عبد الله محمد بن علي آخر بني نصر إلى بلاد المغرب الأقصى، وأصبح ~~المسلمون مسلوبي الملك وانحازوا إلى سكنى ربض البيازين من مدينة غرناطة، ~~وسكنى القرى من بادية غرناطة وحوزها المسماة بالبشرات، وكان في عداد الشروط ~~التي اقتطعها المسلمون على الجلالقة تأمين المسلمين على دينهم وتمكينهم من ~~البقاء في أوطانهم، ثم لم تلبث الجلالقة إلا قليلا من السنين حتى نكثوا ~~العهود، وتظاهروا بالجحود، وتطرقوا إلى فتنة المسلمين في إيمانهم، وإكراههم ~~على اعتناق ms139 دين النصرانية بعد أن وثقوا بأنهم عزل من كل وسيلة للدفاع، ~~وأعيياء من كل حيلة يتخلصون بها من تلك البقاع. # قال في أزهار الرياض: «وفي سنة (904 ه) أربع وتسعمائة انقطعت كلمة ~~التوحيد من بلاد الأندلس أ. ه. وأنا أبين لك إجماله وأن أول ما ابتدأ به ~~الجلالقة أن صدر أمر الملك فردينادو والملكة إيزابيلا بإحصاء العائلات ~~الذين تحقق أن أسلافهم كانوا نصارى وأسلموا في مدة ملك الإسلام بتلك ~~الديار، فأكرهوهم على الرجوع إلى النصرانية، ثم ارتقى القسيسون في هذا ~~الأمر فصاروا يدعون على من شاؤوا أن جدودهم كانوا نصارى فيكرهون من يدعون ~~عليهم بذلك على أن ينتصروا، فلما شعر المسلمون بالخطر على دينهم ثاروا ثورة ~~واحدة وقتلوا حكامهم النصارى، فصدر الأمر بقتل الثائرين إلا الذين ينتصرون ~~منهم فإن تنصرهم يمنعهم من القتل، فتنصر معظم المسلمين من سكان غرناطة ~~وباديتها عدا بعض القرى مثل: بليفق وأندرش وجبل بلنقة، وامتنعوا من الإلقاء ~~بأيديهم، فانتشر القتال بينهم وبين الجلالقة، وكان الغلب للجلالقة لا محالة ~~فاستأصلوا سكان تلك القرى عدا أهل جبل بلنقة؛ فإنهم لمناعة جبلهم أفنوا جيش ~~العدو المحيط بهم، ثم انعقد بينهم صلح على تمكين المسلمين من الخروج ~~بأموالهم وأهليهم إلى المغرب الأقصى، ظنا منهم أن المسلمين لا يهجرون ~~أوطانهم، فلما رأوا منهم العزم على الهجرة منعوهم، ومن خرج إلى المراسي ~~بنية الهجرة أرجعوهم، قال السيد محمد بن عبد الرفيع المرسي الأندلسي أحد ~~مهاجري الأندلس إلى تونس في خاتمه كتابه المسمى «بالأنوار PageV01P145 # النبوية»: «ولما رأى العدو العزم منهم (أي: من المسلمين) للخروج نقض ~~العهد وردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهرا من الخروج» ~~أ. ه. وهذا الذي وضعه السيد محمد بن عبد الرفيع إجمالا كان سببه أن سياسة ~~ملوك الجلالقة كانت تضطرب بين الشدة والملاينة بحسب ما يسنح لهم في أحوال ~~المسلمين، وبحسب ما تكون عليه حالة المملكة السياسية من اتحاد أو اختلاف ~~فيما بينهم، ومن مسالمة أو محاربة بينهم وبين جيرانهم من الإفرنج، وبحسب ما ~~كان للأسبان ms140 من المطامع في امتلاك تونس والجزائر، فكانوا يكرهون أن تشيع ~~عنهم قسوة المعاملة مع من يدخلون تحت حكمهم؛ ولذلك دام حال المسلمين في ~~الأندلس نحو مائة سنة بين الضغط والتنفس إلى أن باح العدو بما أضمره وكشر ~~لهم عن نابه في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري. # فلما ضاقت الأرض بالمسلمين وأصبحوا مستضعفين في أرض الجلالقة لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا، وفشا فيهم الإكراه على التنصر بالقتل والحرق وأنواع ~~العذاب، أظهروا التنصر، ولعدم اطمئنان النصارى لهم حشروهم إلى جهة واحدة ~~يسكنونها وهي جهة ألبيرة، ووضعوا لهم اسما يدل على جماعتهم وهو اسم ~~موريسكوا وأصبحوا كالعبيد؛ ولذلك سماهم إخوانهم من المسلمين الذين خرجوا ~~إلى المغرب باسم المدجنين وأهل الدجن. # وقد كان المسلمون المتنصرون يسرون الإسلام في قلوبهم، ويقيمون الصلوات في ~~خاصتهم، ويتكلمون فيما بينهم بالعربية، ولكن الجلالقة أخذوا يرصدون ~~أحوالهم، فلم يتركوا وسيلة ليحولوا بينهم وبين الاستمرار على ذلك، قال ~~السيد محمد بن عبد الرفيع الجعفري: «ثم بقي العدو يحتال بالكفر عليهم، ~~فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامي والجماعات والحمامات؛ لأنها من عادات ~~المسلمين، فإن الفرنج PageV01P146 # لا يتخذونها والمعاملات الإسلامية مع شدة امتناعهم والقيام على العدو ~~مرارا، وعدو الذين يحرق بالنار من لاحت عليه أمارات الإسلام ويعذبه بأنواع ~~العذاب، فكم أحرقوا وكم عذبوا وكم نفوا من بلادهم» أ. ه. # ووصف السيد محمد بن عبد الرفيع بعض أحوال المسلمين في خاصتهم، فقال: «قد ~~أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والذي رحمة الله عليه، وأنا ابن ~~ستة أعوام أو أقل مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم ~~أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فأخذ والدي لوحا من لوح الجوز ~~كأني أنظر الآن إليه مملسا من غير طفل ولا غيره، فكتب لي فيه حروف الهجاء ~~ويسألني حرفا حرفا عن حروف النصارى تدريبا وتقريبا، فإذا سميت له حرفا ~~أعجميا يكتب لي حرفا عربيا، فيقول لي حينئذ هكذا حروفنا، حتى استوفى لي ~~جميع حروف الهجاء في كرتين، فلما فرغ ms141 من الكرة الأولى أوصاني أن أكتم ذلك ~~حتى عن والدتي وعمي وأخي وجميع قرابتنا وألا أخبر أحدا من الخلق، ثم شدد ~~علي الوصية وصار يرسل والدتي إلي فتسألني، وتقول: ما الذي يعلمك والدك، ~~فأقول لها: لا شيء، فتقول: أخبرني بذلك ولا تخف لأني عندي الخبر بما يعلمك، ~~فأقول لها: أبدا ما يعلمني شيئا، وكذلك كان يفعل عمي وأنا أنكر أشد ~~الإنكار، ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتي الدار فيعلمني، إلى أن مضت مدة، ~~فأرسل إلي من إخوانه في الله الأصدقاء ويسألونني فلم أقر لأحد قط بشيء مع ~~أنه رحمه الله قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيحرق لا ~~محالة، لكن أيدنا الله سبحانه وتعالى بتأييده وأعاننا على ذكره وشكره وحسن ~~عبادته بين أظهر أعداء الدين، وقد كان والدي رحمه الله تعالى يلقنني حينئذ ~~ما كنت أقول عند رويتي للأصنام ... إلخ، فلما تحقق والدي رحمه الله تعالى ~~أني أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلا عن الأجانب أمرني أن أتكلم ~~بإفشائه لوالدتي وعمي وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا ~~فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع، فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح كثيرا غاية ~~وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدا واحدا ~~وسافرت الأسفار لاجتمع بالمسلمين الأخيار من جيان إلى غرناطة وإشبيلية ~~وطليطلة وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام، فتخلص ~~لي من معرفتهم أني ميزت سبعة رجال منهم كانوا كلهم يحدثون بأمور غرناطة وما ~~كان بها في الإسلام حينئذ، فسندي عال لكوني ما ثم إلا واسطة واحدة بيني ~~وبين أيام PageV01P147 # الإسلام بها» أ. ه وما قاله السيد محمد بن عبد الرفيع من التعذيب والقتل ~~والتحريق هو إشارة إلى ما تقوم به محاكم التفتيش الدينية النصرانية التي ~~أسستها الكنيسة الرومية في أهم البلاد المسيحية من أواسط القرن الثالث عشر ~~المذكورة في التاريخ، ففي سنة (946 ه) أصدر الملك فليبو الثاني أمرا بأن ~~الموريسكيين لا يتكلمون باللغة العربية فيما بينهم، ولا يسمون ms142 أولادهم ~~بأسماء المسلمين، وأن يرسلوا أولادهم ممن بلغ ثلاث سنين إلى من عمره خمس ~~عشرة سنة إلى المدارس النصرانية، وفيما قبل هذه المدة كانت حاجة الجلالقة ~~إلى الاستعانة بمعارف المسلمين في العلوم والصنائع قد سمحت للمسلمين ~~بالانتشار في كثير من البلاد الواقعة في حكم الجلالقة، فكان كثير منهم في ~~جيان وبلنسية وإشبيلية ومرسية زيادة على معظم المسلمين الذين كانوا في ~~غرناطة وألبيرة ومالقة وأحوازهن، وقد خرجت جماعات منهم إلى فرنسا لأسباب لم ~~أطلع عليها، فاشترط عليهم هنالك أن لا يفارقوا النصرانية فبقوا هنالك ~~مترددين فيما يصنعون، وكانت فرنسا في تلك المدة قد اصطلحت مع إسبانيا بسبب ~~الاتحاد الكبير بين ممالك أوربا الذي أسسه ملك فرنسا هنري الرابع سنة (1603 م). # ولما لم يبق الجلالقة أملا للتسامح مع الموريسكو في إقامة عوائدهم ~~الإسلامية وأقاموا عليهم العيون في تتبع أعمالهم في خويصتهم ضاق الأمر ~~بالموريسكو فثاروا ثورة كبرى في كورة ألبيرة وجبالها، ودام بينهم وبين ~~الجلالقة قتال مدة أربع سنين إلى أن كانت الهزيمة على الموريسكو سنة (961 ~~ه) فأخلدوا إلى الطاعة، ولولا حروب انتشبت عقب ذلك بين الجلالقة وبين ~~الإنجليز أخذ فيها المسلمون نفسا من العيش، لما استطاعوا الدوام على تلك ~~الحال إلى أوائل القرن الآتي، وقد يسر الله للمسلمين بقاءهم على إيمانهم، ~~وإقامة شعائر دينهم، ودوام التآمر بينهم على ذلك مع انتشارهم وشدة المراقبة ~~عليهم فلم يضمحل الإسلام منهم بحسب الإمكان حتى استطاعوا السعي للخلاص حين ~~سنحت لهم الفرصة. # وتوفي الملك فيليبو الثاني وخلفه ابنه فيليبو الثالث، وكان يميل إلى ~~التسامح مع الموريسكو، فظلوا في سكون وجثوم مدة سنين إلى أن أتيح لنفر منهم ~~أن ارتحلوا عن الأندلس سنة (1013 م) قاصدين بلغراد من مدن السلطنة التركية، ~~وهنالك لقوا الوزير مراد بكلربيك باشا الملقب قيوجي، وكان هو الصدر الأعظم ~~للخليفة السلطان أحمد خان الأول فأخبروه بما حل بالمسلمين من الشدة ~~والتضييق عليهم في PageV01P148 # دينهم في إسبانيا وفرنسا، فبسط الوزير الحال إلى السلطان الذي كان غير ~~عالم بما حاق بالمسلمين، وكان ms143 يحسبهم قد اختاروا التنصر على الإسلام بدون ~~إكراه، فصدر إذن السلطان إلى الوزير بأن يصدر كتابا إلى الملك هنري الرابع ~~ملك فرنسا وحليف سلطان تركيا، وقد حكى السيد محمد بن عبد الرفيع ذلك فقال: ~~«فكتب الوزير المشار إليه إلى صاحب فرنسا ... بإذن من السلطان نصره الله ~~يأمره بأن يخرج من كان من المسلمين بالأندلس محمولين في أغربته ويوجههم إلى ~~بلاد الإسلام فيسفر من عنده بما يحتاجون إليه، فلما قرئ الأمر السلطاني في ~~ديوان الفرنسيس بباريس دار مملكته وسمعه من كان عنده مرسلا من قبل صاحب ~~الجزيرة الخضراء (في إسبانيا) وهو فيليبو الثالث أرسل إلى سيده يخبره بأن ~~السلطان أحمد أرسل أمره إلى ملك فرنسا وأمره أن يخرج من عنده من المسلمين، ~~فلما علم فيليبو الثالث هذا دخله الرعب والخوف الشديد، فأمر حينئذ بجمع ~~أكابر القسيسين والرهبان والبطارقة وطلب منهم الرأي وما يكون عليه العمل في ~~شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة ~~من مملكته»، ثم ذكر الظهير الذي أصدره الملك فيليبو الثالث، ونحن نذكره لما ~~فيه من النكت التاريخية الموضحة لحالة آخر المسلمين بالأندلس. # «لما كانت السياسة الحسنة الجيدة لإخراج من يكدر على كافة الرعية ~~النصرانية في مملكتها التي تعيش عيشا رغدا صالحا والتجربة أظهرت لنا عيانا ~~أن الأندلس الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى بقيامهم ~~علينا مرارا وقتلهم أكابر مملكتنا والقسيسين الذين كانوا بين أظهرهم وقطعهم ~~لحومهم وتعذيبهم بأنواع PageV01P149 # التعذيب مع عدم توبتهم مما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعا صالحا من قلوبهم ~~لدين النصرانية، ولم تنفع فيهم وصايانا ولا وصايا أجدادنا الملوك، ورأينا ~~عيانا أن كثيرا منهم أحرقناهم بالنار لاستمرارهم على دين المسلمين بعيشهم ~~فيه خفية ولاستنجادهم كذلك إعانة السلطان العثماني لينصرهم علينا، وظهر لنا ~~أن بينهم وبين السلطان مراسلات إسلامية ومعاملات دينية تيقنت ذلك من أخبار ~~صادقة وصلت إلي، ومع هذا لم يأت إلينا أحد منهم يخبرنا بما يدبرونه في هذه ~~المدة بينهم وفيما سبق من السنين بل كتموه بينهم، وظهر ms144 لي ولأرباب العقول ~~والمتدينين الصالحين من القسيسين الذين جمعتهم لهذا الأمر أن بقاءهم بيننا ~~ينشأ عنه فساد كبير بسلطتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشئ من ~~إبقائهم بمملكتي، أردت إخراجهم كافة ورميهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم ~~لكونهم لم يزالوا مسلمين» أ. ه. # وقد توفي الملك فيليبو الثالث عقب هذا وولي ابنه فيليبو الرابع، فخرج ~~المسلمون من الأندلس في زمانه سنة (1017 ه) سبع عشرة وألف هجرية قاصدين ~~المغرب الأقصى، والمغرب الأوسط، وتونس، ومصر، وبلاد الدولة العثمانية، وكان ~~عدد الخارجين على أظهر التقادير ألف ألف نسمة، وقيل: سبعمائة ألف، وقيل: ~~ستمائة ألف، وكان الداخلون منهم إلى البلاد التونسية نحو ثلاثمائة ألف. # فأنت ترى أن الله أنقذ أمة من المسلمين من حبائل الكفر، وأرجعهم إلى ~~دينهم القويم فنجوا هم ومن تناسل منهم من ذلك المصاب، وقطع الله بذلك مطامع ~~صرف المسلمين عن دينهم في مستقبل الحوادث التي وقع فيها المسلمون تحت حكم ~~غير المسلمين وحسب للخلافة الإسلامية حسابها وقدرت حق قدرها، فكان ذلك ~~الحادث نجاة في نفسه، ومثالا صالحا للحوادث التي جرت من بعده، وكل ذلك بهمة ~~السلطان الصالح أحمد خان الأول وزيره الناصح مراد باشا قيوجي. # فلا يعترضنا تردد في أن نعد هذين الرجلين الصالحين مجددي أمر الدين على ~~رأس المائة الحادية عشرة (أي: سنة 1013 ه) من يوم إخبار الرسول الصادق ~~المصدوق - صلى الله عليه وسلم -. # ما كانت الأدواء التي انتابت هيكل الجامعة في القرن الحادي عشر الهجري ~~بالتي تتركه سليما من أخطار تنخر عظمه، وتنزف دمه، وتشرف به على الهلاك ~~وبإجالة نظرة واسعة على تاريخ الإسلام في ذلك القرن نرى حالة هي أعصب ~~الأحوال التي عرضت للمسلمين عامة، فلقد تفككت الجامعة الإسلامية في كل مكان ~~بما اعتراها PageV01P150 # في دخيلتها من فتن الثوار، وانقسام الأهواء، واضطراب الحياة الاجتماعية، ~~وفقدان الأمن في سائر البلاد شرقا وغربا. # فقد تضاءل نور العلم، وحل الفساد في الأخلاق، وساد المسلمين الوهن وحب ~~الدعة، وغشت على عقولهم الأوهام والغرور، واحتارت العقول باضطراب الفتن ~~التي أعمى ms145 الأمة عجاجها وغمرهم. # فأما الشرق الإسلامي فقد كان معظمه يومئذ للدولتين العثمانية والفارسية ~~فبلاد الدولة العثمانية (وهي بحق يومئذ سيدة الممالك الإسلامية) قد صارت ~~بؤرة فتن بجنود الإنكشارية، وآلت كمثل الكرة تتلقفها أيدي زعماء الجنود ~~يترامون بها على حسب أهوائهم، ابتدأت ثورة هؤلاء الجنود على السلطان مصطفى ~~خان الأول سنة (1027 ه)، فلا نجد من سلم بعده من سلاطين آل عثمان من ثورة ~~آلت إلى قتل أو خلع فصارت الدولة مهزلة في أيدي شياطين الفتنة ودعاة ~~الضلالة المشتهرين بتطلب الرزق من وجوه الغدر والحرابة. # وكانت المملكة الفارسية في ذلك القرن منتزي أمراء بيت الملك الصفوي ~~والأزابكة رؤوساء الجنود بعد وفاة الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل، واختلاف ~~أولاده الكثيرين في ابتزاز أمر المملكة، حتى انبرى لجمع الكلمة الشاه عباس ~~بن طهماسب، ولكنه لما جمع الكلمة في بلاده حدثت بينه وبين السلطان مراد ~~الرابع العثماني حروب في أثناء عام (1032 ه) تلك الحروب التي يظهر أن سببها ~~إحن ودخائل قلبية كانت قد نبتت في قلوب الفرس أتباع المذهب الشيعي؛ إذ كانت ~~تضيق صدورهم أيام تفوق الدولة العثمانية عليهم من جراء ما كانوا يلقون منها ~~من الغضاضة والاضطهاد في المعاملة بسبب اختلاف النزعتين، فلما تنسموا نسيم ~~القوة نشطت نفوسهم، فأثمرت تلك الإحن طلب الانتصاف لنصر مذهبهم على مذهب ~~سكان البلاد العثمانية من الأشاعرة والماتريدية، فأخذت الفتن تظهر في بغداد ~~التي هي برزخ بين المملكتين، وملتقى أتباع البلدين، حتى ملأت القلوب إحنا، ~~والعصور بعدها فتنا، واستولى الفرس على بغداد استيلاء الجبابرة، فأحرقوا ~~خزائن كتبها، وخربوا ضريح الشيخ الجيلي تشفيا من أهل السنة. # وكانت بلاد العراق تبعا لحال هاتين الدولتين إن قامت الفتن بينهما كان ~~مجالها العراق، وإن آلت إلى ملك الدولة العثمانية كان اختلال حالها تبعا ~~لاختلال حال PageV01P151 # الدولة العثمانية، وكذلك كان حال الممالك الشامية، وكانت الصولة للجند في ~~هذين القطرين العراقي والشامي. # وكانت بلاد الحجاز في فوضى عظيمة من أثناء سنة (1077 ه) حين توفى أمير ~~الحجاز العظيم زيد بن محسن، فاضطرب الحجاز ms146 بنزاع بين الشريف سعد بن زيد ~~المحصل على الإمارة وبين أخيه محمد يحيى، والشريف محمود الداعي لنفسه، ~~فأصبح الحرم الأمين مطار شرار الفتن، وعم النهب والسلب طرق القوافل، ونهب ~~الحجيج والتجار، ودامت الحال في اضطراب إلى منتهى القرن الحادي عشر، ففي ~~سنة (1099 ه) قطع العرب طريق الحاج المصري والمغربي، وكان بالحجاز خوف عظيم. # وأما مصر وهي واسطة البلاد الإسلامية بين الشرق والغرب، فكانت في خلال ~~القرن الحادي عشر بحالة فوضى وإهمال؛ لأن حضارتها قد أخذت في الانتفاض من ~~وقت انقراض خلفاء العباسيين منها حين دخلت تحت الدولة التركية في مدة ~~السلطان سليم، إذ صار حكمها للباشوات في القاهرة، وللكشاف (جمع كاشف)، ~~والسناجق في كور مصر الأربع والعشرين، وكان دأب الجميع الجور والعسف والسلب ~~وإذلال الأمة، حتى ماتت الهمم، وصار السير إلى الوراء بعد الأمم، قال ~~المؤرخ محمود فهمي في البحر الزاخر: «وفي ظرف القرنين اللذين أعقبا التغلب ~~العثماني (العاشر والحادي عشر) كانت مصر محكومة بباشوات وسناجق من طرف ~~الدولة العثمانية، فأخذت هذه المملكة في الاضمحلال في الأنفس والأموال، ~~وصار هؤلاء الباشوات والسناجق في طريق السلب والنهب»، وقال الجبرتي: «إن ~~السلطان سليما لما أخذ مصر وخرج راجعا إلى بلاد سلطنته، أخذ معه الخليفة ~~العباسي، وأخذ معه ما انتقاه من أرباب الصنائع التي لا توجد في بلاده بحيث ~~إنه فقدت من مصر نيف وخمسون صناعة وما ظنك بعاقبة هذه الحالة؟ ». # وما كان المغرب بأهنأ عيشا من المشرق تلك المدة، فإن طرابلس وتونس ~~والجزائر كانت تابعة للدولة العثمانية، فكانت أدواء تلك الدولة تتسلل إلى ~~هذه الإيالات، وتزيد بما تزيد به من الفقر والجهل وقلة النظام، وكان الحكم ~~في هذه الأقاليم بيد الجند وزعمائه. # فطرابلس خيم عليها الجهل، وأرهقها ظلم الولاة الذين من آخرهم خليل باي ~~الذي كان نصيرا لمراد باي أبي بالة والي تونس على تخريب القيروان سنة PageV01P152 # (1111 ه)، وتونس كانت قرارة فتن وأكدار من حروب قائمة بين أهلها وبين أهل ~~الجزائر من سنة (1096 ه)، ومن اشتداد مظالم مراد باي ms147 المرادي الملقب بأبي ~~بالة، والمتوثب على إمارة تونس سنة (1110 ه)، فإنه عاث في البلاد إفسادا ~~وقتلا وتمثيلا، ومجاهرة بالفواحش، وهدم مدينة القيروان وقرى كثيرة من ~~البلاد. # قال الوزير المؤرخ أحمد بن أبي الضياف التونسي في تاريخه ما ملخصه: «ولي ~~مراد باي في رمضان سنة (1110 ه) ولم يلبث أن سل سيف بغيه وفعل ما لم يؤثر ~~عن غيره قديما وحديثا، وانهمك في العبث بالخلق، وكان يؤتي له بالرجل الذي ~~يغضب عليه فيقوم بنفسه ويذبحه ويقطع أعضاءه ويشق بطنه ويدخل يده ويخرج ~~أمعاءه، أتى إليه الفقيه المفتي الشريف محمد العواني القيرواني فقتله ~~بنفسه، وجعل يشوي لحمه ويأكل منه، وكان يعبث بالعلماء ويمتهنهم ويكره بعضهم ~~على الحضور في مجلس خموره، وأخرج شلو سلفه عمه رمضان باي فأحرقه بالنار، ~~وجمع رماده فألقاه في البحر بسوسة، وفعل بأهل باجة ما حملهم على مفارقة ~~بلدهم فخرجوا منها إلى الشعاب والأودية، وقاتل أهل القيروان وأباحها لخليل ~~باي وإلى طرابلس فنهبها وسبى نساءها وذراريها، ثم إن مراد باي أمر بهدم ~~جميع بناء القيروان عدا الجوامع والمساجد والزوايا وجمع خيلا ورجلا لغزو ~~بلاد الجزائر، وعاضده على ذلك خليل باي طرابلس، وحاصر قسنطينة خمسة أشهر، ~~ثم دخلها عنوة وأثخن في أهلها وجيشها قتلا وأسرا، وهدم معظم أبنيتها». # وبلاد الجزائر كانت في فتن مع أهل البلاد التونسية أيام مراد أبي بالة ~~كما قلنا، وكان مراد قد خرب قرى كثيرة بين البلاد التونسية وبين قسنطينة، ~~وكانت أيضا في حروب مع سلاطين المغرب من جهة تلمسان وسجلماسة، فكانت ~~تلتهمها النيران من أطرافها. # وأما المغرب الأقصى، وهو المملكة الوحيدة في المغرب المستقلة عن حكم ~~الدولة العثمانية، فكان في فتن مضطرمة، من ثورات القبائل، واختلاف الدعاة، ~~وعصيان المدن بما حولها من القبائل، فعصت تازا وفاس ومراكش وتارودانت ~~وغيرها في PageV01P153 # أواخر القرن الحادي عشر من سنة (1070 ه)، وكان الإسبنيول قد انقض على ~~مدينة المهدية المغربية المعروفة بالمعمورة من عام (1020 إلى عام 1092 ه) ~~وأخذوا الجديدة والعرائش وآصلا وسبتة. # وأما ما انتاب الجامعة ms148 الإسلامية من الخارج فإن دول أوربا الذين كانوا ~~يحسبون محاربة الدولة العثمانية لهم من وقت ظهورها جهادا دينيا، كانوا قد ~~ملئت قلوبهم رعبا من عواقب تلك الحروب قرونا طويلة، فلما رأوا وهن تلك ~~الدولة من وقت شبوب الحرب بينها وبين دولة الفرس وما عقبه من فوضى الجند، ~~نشطت تلك الدول لاسترداد قواها، فالذين كانوا منها تحت حكم الدولة ~~العثمانية طمحوا إلى الخروج عنها، وجعلوا يظهرون التذمر من مظالم ولاة ~~الترك إياهم ويخيلون تعليل ذلك بأنه الكراهية الناشئة عن التعصب الديني، ~~وزاد الطين بلة، وجسد الإسلام علة أن التكافؤ الفكري والتمدني بين الأمم في ~~الشرق والغرب، قد أخذ يتباعد ويتفاوت بجمود النهضة الفكرية في الشرق ~~وانتشارها في الغرب فكانت الأمم العظيمة في أوربا قد تفوقت في العلم ~~والتفكير على الأمم الإسلامية بنشاط أولئك وخمول هؤلاء، والتحفز إلى طلب ~~الكمال من أولئك وغرور هؤلاء، فكانت دول أوربا قد زالت أدواؤها، وقوي ساعد ~~نفوذها، وانبث سفراؤها وعلماؤها ومفكروها في دواخل البلاد الإسلامية، ~~يسبرون أحوالها، فشعروا شعورا كاملا بانحلال الجامعة الإسلامية، وتحفزوا ~~لاحتلال مكانها من سيادة العالم، ولكنهم لم يلبسوا لها جلد النمر، بل دفنوا ~~تحت الرماد شواظ الجمر، وجعلوا يكيدون كيدا، واستولى أسطولها العتيد على ~~دواخل الدردنيل، وتساجل الفريقان حروبا كانت الانهزامات فيها أكثر حظوظ ~~الجيوش التركية على أنه وإن كانت من بين تلك الدول دول تظهر المودة من غير ~~عداء فهم وإن لم يباكروها الغارة، ما كانوا يؤملون لجيشها على عدوه ~~انتصاره، فقالوا في نفوسهم: نحن أولى بالغنيمة، وحبائب العروس أحق بانتهاب ~~طعام الوليمة: # قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمي # فأما الدولة الفارسية فقد كانت في ذلك القرن بعد وفاة الشاه عباس في حالة ~~سكون، وكانت دول أوربا لاهية عنها بتوجه همتها إلى الدولة المزاحمة ~~لعظمتها، وهي الدولة العثمانية. PageV01P154 # ثم إن قوة أساطيل الدول المحاربة للدولة العثمانية كانت قد رجحت رجحانا ~~عظيما على أساطيل دول الإسلام، فكانت القرصنة تنال من المسلمين ما لا تناله ~~قرصنة هؤلاء من الأوربيين، ms149 فأصبحت أسرى المسلمين في البلاد الأجنبية أوفر ~~بكثير مما بيد المسلمين من الأسرى، وذلك كلف المسلمين إنفاق ذهب كثير لفداء ~~أسرى المسلمين من أيدي البندقيين والجنوبيين والإسبنيول. # وبإجالة نظرة واسعة على حالة المسلمين في القرن الحادي عشر يظهر للناظر ~~أن لم شعث المسلمين قد أصبح أمرا عسيرا، وأن تجديد أمرها بمعناه الكامل ~~أوشك أن يكون متعذرا، وأن حالة التجديد لم يبق مطمع فيها إلا أن تكون ~~بمنزلة التنفيس على الأمة من أضرار حائقة، ونوائب حالقة، كان أمر الدين ~~حينئذ في أشد الحاجة إلى استتباب الأمن برا وبحرا، وإلى تفوق حربي أو صلح ~~سياسي تلم به بلاد الإسلام شعثها، لتسلم من الرزايا، وتستبقي مالها، ويقبل ~~أهلها على العلم والعمل، فهي أحوج شيء إلى ذلك، ففي ظلمات هذه الفتن بزغ ~~نور في مقر الخلافة باعتلاء السلطان مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع ~~عرش السلطنة في جمادى الثانية سنة (1106 ه)، وصادف أن كانت الدولة استراحت ~~من مزاحمة الدولة الفارسية إثر وفاة الشاه عباس، ثم بانعقاد الصلح بين ~~الدولتين في سنة (1049 ه)، وقد دعت السلطان أوصافه الجليلة إلى العمل للم ~~شعث الدولة فقاد الجيوش بنفسه، وانتصر انتصارات على البولونيين والروس، ~~والمجر، أعادت للدولة حسن سمعتها في الحروب ووفق الله هذا السلطان إلى ~~اختيار وزير صالح وهو الوزير حسن باشا كوبرلي، فأسند إليه الصدارة العظمى ~~سنة (1109 ه)، ولما استتب له النصر في معظم وقائعه دبر مع وزيره كوبرلي في ~~استثمار تلك الفرصة لفائدة الأمة، فعقد صلحا مع مملكة النمسا التي لم تزل ~~شديدة الصراع مع جيوش العثمانيين، وتم الصلح في رجب سنة (1110 ه) صلحا ~~اقتضى إرجاع بلاد المجر إلى النمسا، وإرجاع بعض مراسي البحر الأسود إلى ~~الروسيا. # وبذلك الصلح توجهت همة السلطان إلى إصلاح ما انهرش من أحوال المملكة ~~وتوابعها وتجديد ما رث من حالة جيشها، وكان السلطان قد قمع جند الإنكشارية ~~وضرب على أيدي زعمائهم، وأبطل الرشوة، ثم توجهت همته إلى تحسين حال الممالك ~~التابعة له، وفي مقدمتها مصر والحجاز؛ ms150 إذ أصبح أمراء القطرين يحسبون ~~للسلطنة حسابها بعد تحقق صرامة السلطان مع جند الإنكشارية، وضربه على أيدي ~~المرتشين والمفسدين. PageV01P155 # ومن أحسن الصدف: أن كان مراد أبو بالة والي تونس الجائر المفسد لما أفنت ~~حروبه مع المسلمين عساكره، أرسل أحد قواد جيشه آغة صباحية الترك المسمى ~~إبراهيم الشريف إلى بلاد السلطنة العثمانية ليجمع له جندا من المتطوعة، ~~فصادف بعثة هنالك بعثها باشا الجزائر إلى الحضرة السلطانية في التشكي من ~~أحوال مراد أبي بالة، فظهر للسلطان أن جمع بين بعثة الجزائر وبعثة تونس، ~~وأمرهم أن يبلغوا باشا الجزائر وباي تونس وجوب عقد صلح بينهما وذلك في سنة ~~(1113 ه)، فكاتب إبراهيم مراد بذلك، فامتنع وعصى، وقد تحقق السلطان جور ~~مراد أبي بالة، فاستحلف إبراهيم الشريف على المصحف أن لا يكذبه فيما يسأله ~~عنه من أحوال مراد أبي بالة، فحلف أن يصدقه، فسأله عما يتشكى منه أهل ~~الجزائر فأخبره الصدق فعزم السلطان على توجيه جيش للقبض على مراد أبي بالة ~~وكف جوره عن الناس وخلعه من الولاية، ثم إنه وثق من إبراهيم الشريف أن يكون ~~هو الذي يتولى قتل مراد أبي بالة وكف عاديته، فأعطاه منشورا سلطانيا بيده ~~مخاطبا به جند الترك بتونس يأمرهم بطاعة إبراهيم الشريف فرجع إلى تونس سنة ~~(1113 ه) على مراد أبي بالة فقتل، ونشر الأمر السلطاني إلى الجند فبايعوا ~~إبراهيم الشريف، وبذلك استقر الأمر في نصابه بالإيالة التونسية، وكان ~~إبراهيم الشريف معروفا قبل ولايته بالخير والعفة والإنصاف، وقد سار سيرة ~~حسنة بعد ولايته إلا أنه كان يتهم بالشعوبية، ودامت تونس في مدته في حالة ~~حسنة ربما خالطها ما لا تخلو عنه بلاد الإسلام من حدوث ثورات قليلة. # وأما الجزائر والمغرب فقد كان من حسنات السلطان مصطفى وقوع صلح بينهما، ~~وذلك في صدر سنة (1109 ه)، قال في الاستقصاء: «وفي يوم عرفة من سنة (1108 ~~ه) قدم عشرة رجال من إستنبول ومعهم كتاب من السلطان مصطفى بن محمد العثماني ~~صاحب القسطنطينية العظمى إلى السلطان المولى إسماعيل يندبه إلى الصلح ms151 مع ~~أهل الجزائر، فانتدب رحمه الله وامتثل» وقد استرجع السلطان مولاي إسماعيل ~~في أوائل القرن الثاني عشر الهجري عدة مراس من أيدي الإسبنيول والبرتغال ~~وغيرهم بحيث لم تأت سنة (1103 ه) إلا وقد استخلص معظم بلاد المغرب، وطاعت ~~له وأقبل على تحصينها وتحسينها. # فما أطلت سنة (1113 ه) ثلاث عشرة ومائة وألف إلا ومعظم بلاد الإسلام PageV01P156 # في هدوء وأمن وتراجع إلى الحسنى، وتلك السنة هي رأس المائة الثانية عشرة ~~من عام إخبار الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -. # فبحق نعد السلطان مصطفى الثاني مجدد أمر المسلمين في رأس المائة الثانية عشرة. # * * * PageV01P157 ### || AUTO خلق النور المحمدي # أحييكم تحية طيبة وأدعو لكم بالتوفيق والتسديد، # قرأت في مجلة هدى الإسلام رغبتكم مني في بيان حال الحديث الذي رواه عبد ~~الرزاق بسنده إلى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في أولية خلق النور ~~النبوي ولولا سبق الخوض في هذا الحديث لرأيت أجدر بأهل العلم من الأمة ~~الإسلامية الاهتمام بتمحيص ما ينبني عليه عمل نجيح أو اعتقاد صحيح، وأن ~~يوفروا زمانهم فيما هم إليه أحوج فإن الزمان نفيس. # إن ما يشتمل عليه الكتاب والسنة من أخبار عالم الغيب إنما قصد منه لفت ~~العقول والقلوب إلى ما وراء المحسوس حتى يؤمنوا به مجملا، ثم يقبلوا على ~~تعلم علم يرجوه مني دراية وعملا. # ولكن للعلم سلطانا على جميع الحقائق فإذا ثارت المناقشات وتولدت ~~المباحثات، فليس للعلماء ملازمة السكوت وعليهم أن يمدوا طلبة الحقائق ~~بتحقيق ينعش ويقوت. # وإن قدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدر منيف وهو في غنية عن ~~إمداده بحديث صحيح أو ضعيف، وإن الله خص هذه الأمة بصحة الإسناد، وأغناها ~~بمرعى السعداء مراعي القتاد لذلك حق على علمائها إن عرض من الآثار ما فيه ~~مغمر أن يكشفوا عن حقيقته فإن الكشف عن الحقائق أحمر. ### ||| AUTO متن هذا الحديث # : # قال صاحب المواهب اللدنية: «روى عبد الرزاق بسنده، عن جابر بن عبد الله ~~قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء ms152 خلقه الله تعالى ~~قبل الأشياء، قال: «يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من ~~نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ~~ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ~~ولا إنس، PageV01P158 # فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء ~~الأول القلم، ومن الجزء الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء ~~الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن ~~الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول ~~السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع ~~أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهو ~~المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله» الحديث» أ. ه، كلام المواهب. # قال الزرقاني في شرحه: لم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد ~~الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة أ. ه. # أقول: ذكر سليمان بن سبع السبتي في كتابه «شفاء الصدور» هذا الحديث بدون ~~إسناد بروايتين مختلفتين متقاربتين هما من بين ما في المذاهب مع مخالفة في ~~ترتيب المخلوقات وفي تعيينها ولا حاجة إلى التطويل بذكرهما. # فالظاهر أن الذي في شفاء الصدور هو رواية البيهقي، وفي رواية ابن سبع أن ~~الجزء الرابع أدخره الله تحت ساق العرش فلما خلق آدم جعل ذلك النور فيه. ### ||| AUTO مرتبة هذا الحديث من الصحة # : # لا يعرف هذا الحديث من غير رواية المواهب ورواية ابن سبع وما ذكره ~~الزرقاني منهما عن البيهقي، وقد صرح صاحب المواهب بأنه من رواية عبد الرزاق ~~بسنده ولم يذكر الذين رووه عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق هذا هو عبد الرزاق ~~بن همام الصنعاني المولود سنة (126 ه) والمتوفى سنة (221 ه) كان أحد أئمة ~~الحديث أخذ عن أئمة أهل ms153 السنة عن مالك، ومعمر، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، ~~وسفيان الثوري، وأخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق ابن راهويه، ~~وأخرج له البخاري في الصحيح أحاديث كثيرة بواسطة إسحاق وغيره فهو ثقة، إمام ~~في معظم عمره إلا أنه كان قد عمي في آخر عمره وانتحل التشيع، وحمله تشيعه ~~على أن يروي عن الضعفاء مثل جعفر بن سليمان الضبعي الشيعي؛ فلذلك حذر ~~الأئمة من الرواية عنه بعدما عمي، وأحسب أن عماه نشأ عن عارض في دماغه ~~فأضعف ضبطه، صنف عبد الرزاق كتاب «المسند»، قال يحيى بن معين قال لي عبد ~~الرزاق: اكتب عني حديثا واحدا من غير كتاب، فقلت: ولا حرفا، PageV01P159 # وأكثر الطبراني من الرواية عن عبد الرزاق، وقد روى عنه أحاديث في غير ~~مسنده كثير من الضعفاء مثل أبي جعفر فكتب وهو ملموز بالكذب، وأبي الأزهر ~~النيسابوري، فهذا الحديث المروي عن عبد الرزاق غير معروف عند الحفاظ؛ إذ لم ~~يروه أهل الصحيح ولا أصحاب السير المقبولة مثل ابن إسحاق، والحلبي ولم يروه ~~عياض في الشفاء مع ورود مناسبات كثيرة في الشفاء تناسب ذكر الحديث لو كان ~~مقبولا عنده، منها تكلمه على قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل ~~نوره} [النور: 35]، عندما ذكر قول من جعل الضمير في قوله: {مثل نوره} ~~[النور: 35] عائدا على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم يذكره السيوطي في ~~جمع الجوامع لا في القسم المرتب على حروف المعجم ولا في القسم المرتب على ~~المسانيد، ومنها مسند جابر بن عبد الله الذي روى عنه عبد الرزاق هذا ~~الحديث، ولم يذكره السيوطي في كتاب «الخصائص» مع أنه لو كان مقبولا لكان من ~~أول الخصائص. # فإن كان عبد الرزاق قد رواه حقيقة فيكون قد رواه عن الضعفاء في آخر عمره، ~~فلذا لا يوجد عن مسند عبد الرزاق، وإن كان عبد الرزاق لم يروه فقد كذبه عنه ~~الضعفاء والمتساهلون ممن شملهم المقبول إذ لم ينقله أحد، وكذلك رواية ~~البيهقي فإن البيهقي متساهل في أحاديث دلائل النبوة وفضائل الأعمال. # أما ms154 ما روي في «شفاء الصدور» لابن سبع، فلا حاجة إلى التنبيه على أن ~~كتابه يشتمل على المقبول والمردود. # فهذا الحديث مجهول السند، ومجرد وجود عبد الرزاق في رواته لا يكفي في ~~توثيق سنده؛ إذ لا ندري من رواه عن عبد الرزاق ولا من روى عنه عبد الرزاق ~~بينه وبين جابر؛ فهو لذلك غير صحيح ولا حسن لعدم معرفة رواية مصدره على أن ~~يعرف توفر شرط رجال الصحيح ورجال الحسن فيهم فيتردد بين كونه ضعيفا او ~~موضوعا. ### ||| AUTO نقده من جهة اللفظ # : # إن نظم الكلام في هذا الحديث نظم ضعيف لا يناسب أن يكون لفظ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الذي هو أفصح العرب، يبدو ذلك جليا لمن كان له ذوق في ~~تراتيب منه. # قال ابن الصلاح في أصول علم الحديث: قد وضعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ~~ركاكة ألفاظها ومعانيها، وأقول: قد عد أئمة الأصول من مرجحات بعض الأحاديث ~~على بعض أن يكون أحد الحديثين أحسن نسقا، قالوا: لأن حسن النسق PageV01P160 # أنسب للفظ النبوة، فإن رسول الله أفصح العرب فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده. # الأول: قوله: «فجعل ذلك النور يدور بالقدرة» وهو حشو من الكلام وهل تتحرك ~~الأشياء كلها إلا بالقدرة. # ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا .... ولا ... إلخ، وهو تطويل ثقيل ~~ننزه عنه البلاغة النبوية ويغني عنه أن يقال: ولم يكن في ذلك الوقت شيء ~~مخلوق. وجابر ابن عبد الله لم يكن من الأغبياء حتى يطول له ما به من خاصة ~~أصحاب رسول الله وأهل العلم منهم وممن روى عن رسول الله علما كثيرا وأخذ ~~عنه خلق كثير. ### ||| AUTO نقده من جهة المعنى # : # الوجه الأول: قال علماء أصول الحديث وأصول الفقه: إن كل خبر أوهم معنى ~~باطلا ولم يقبل التأويل فهو مكذوب، وتقدم أن ابن الصلاح قال: «وضعت أحاديث ~~طويلة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها». # وهذا الحديث قد جمع طول اللفظ وطول المعنى مع قلة الجدوى، وعادة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ms155 في ذكر أمور الغيب الاختصار على محل ~~العبرة وما يجب الإيمان به فيما يرجع إلى الاعتقاد مع الإجمال والرمز؛ لأن ~~الأشياء التي لا تدرك بالكنه ولا يبلغ إليها فهم العقول لا فائدة في تفصيل ~~الوصف فيها، وإنما ينبه القرآن أو السنة المؤمنين إلى أصل وجودها. # الوجه الثاني: أنه معارض لما ثبت في الصحيح في سنن الترمذي ومسند أحمد ~~وأبي داود- ليس داود الطيالسي- عن عبادة بن الصامت، وعن أبي بن كعب أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أول ما خلق الله القلم»، فهذا الحديث هو ~~الذي يعول عليه لصحته وهو يعارض حديث عبد الرزاق المتكلم عنه؛ لأن معنى ~~الجمع بين المتعارضين أن يمكن التصديق بمعنى كل منهما؛ فإذا كان التصديق ~~بمعنى أحدهما يلزم منه إبطال معنى الآخر فليس ذلك من الجمع، بل ذلك يعود ~~إلى الترجيح، أي: ترجيح صدق أحدهما وإبطال الآخر. # وهذان الحديثان قد عين كل منهما أول ما خلق الله تعالى من المخلوقات، ~~ولفظ أول لفظ ظاهر الدلالة على معنى السبق الحقيقي، أي: التقدم في الوجود ~~على كل ما سواه، وأحد الحديثين عين لهذا السبق شيئا غير الذي عينه الحديث ~~الآخر فثبت PageV01P161 # التعارض بينهما لا محالة، وذكر صاحب المواهب اللدنية في الجمع بين ~~الحديثين بتأويل أحدهما. # حاصله: أن يكون النور المحمدي هو أول المخلوقات على الحقيقة، ويكون القلم ~~أول المخلوقات بالنسبة لما عدا النور المحمدي وهذا بعيد؛ لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يبين للناس أول المخلوقات ما كان يعوزه ~~أن يذكر النور المحمدي، ثم يردفه بالقلم. # التأويل الثاني: حاصله أن المراد بأول المخلوقات في هذين الحديثين، وفي ~~أحاديث أخرى مروية بأسانيد بعضها صحيح وبعضها ضعيف تقتضي أن أول المخلوقات ~~العرش أو الماء هو أولية كل شيء مما ذكر بالنسبة إلى جنسه، وهذا الوجه فاسد ~~لانعدام فائدة التفضيل فيه؛ ولأن من الأشياء التي أثبتت لها الأولية ما ليس ~~له أفراد؛ كالعرش، والقلم، ومن الأشياء ما هو الجنس كله؛ كالماء. # الوجه الثالث: أن حديث جابر ms156 جعل نور أبصار المؤمنين مخلوقا من الجزء ~~الأول من الربع الرابع مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار ~~على أبصار سائر الناس، وإنما تتفاوت الأبصار بالحدة والضعف بالخلقة ولا أثر ~~في ذلك لإيمان ولا كفر؛ ولذلك لجأ شارح المواهب إلى تفسير الأبصار ~~بالبصائر؛ ولكنه صنع اليد لا يساعد عليه لفظ الحديث، على أن قوله في الحديث ~~بمعنى ومن الثاني نور قلوبهم يتأكد ما حمله عليه شارح المواهب. # الوجه الرابع: أن هذا الحديث يفيد معنى فاسدا؛ وذلك لأن قوله: «أول ما ~~خلق الله نور نبيك» يظهر منه أن الإضافة حقيقية، فالمراد من النور هو ~~الحقيقة المحمدية أعني الذي سيكون فيما بعد روح محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- حين خلق الأرواح والذي سجل في جسده الشريف حين تنفخ فيه الروح في طور ~~تكوينه، وإذا كان كذلك فتقسيمه بعد ذلك أجزاء وخلق مخلوقات في كل جزء من ~~تلك الأجزاء يقتضي إما دخول النقصان على الحقيقة المحمدية بعد خلقها، وإما ~~كون تلك المخلوقات أجزاء لها فتصير الحقيقة المحمدية كلا له أجزاء وهذا ~~معنى مخيف، فإن كانت الإضافة لأدنى ملابسة، أي: النور الذي منه نبيك كان ~~ذلك مقتضيا أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسموات والأرضين معتبرة قبل ~~الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور؛ لأنها كونت من أجزاء قبل تكوين ~~الحقيقة المحمدية من الجزء الأخير الذي وضع في آدم عند خلقه فيكون معنى ~~الحديث على المقصود منه بالإبطال، فإن المقصود منه لقائله التعريف بفضل ~~الحقيقة المحمدية في سبق الخلق. PageV01P162 # الوجه الخامس: أن في هذا الحديث تخليطا في ترتيب الأشياء المخلوقة من هذا ~~النور؛ إذ بعضها من الذوات مثل القلم، وبعضها من الأجناس مثل الملائكة، ~~وبعضها من المعاني مثل المعرفة بالله والتوحيد، وهذه المعاني يتعلق الخلق ~~بها تبعا لخلق محلها، ومحلها هو العقل وليس في هذا الحديث ذكر خلق العقل، ~~هذا ما لاح لي في بيان حال هذا الحديث. # * * * PageV01P163 ### || AUTO تحقيق مسمى الحديث القدسي # هذا مبحث دقيق من علم الحديث لم يتعرض له في ms157 علم مصطلح الحديث دعاني إلى ~~تحريره أنه وقع لدي منذ بضعة أيام كتاب عنوانه «الأحاديث القدسية» مما ~~جمعته لجنة القرآن والحديث من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ~~وهي الأحاديث الموجودة في الموطأ والصحيحين وكتب السنن الأربعة، فحمدت ~~عناية اللجنة وتهممهم بهذا العمل؛ إذ قل من اهتم بإخراج الأحاديث القدسية ~~في كتاب مفرد، قال ابن حجر الهيثمي في شرح الحديث الرابع والعشرين من ~~الأربعين النووية: «الأحاديث القدسية أكثر من مائة وقد جمعها بعضهم في جزء كبير». # وقال علي القاري في شرحه على الأربعين النووية: «الأحاديث القدسية أكثر ~~من مائة»، قلت: هذا الجزء لا نعرفه ولا نعرف من جمعه، وفي هذا الغرض ألف ~~كتاب «الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية» لمحمد المعروف بعبد الرؤوف ~~المناوي ذكره صاحب كشف الظنون، وقال: رتبه على بابين الأول فيما صدر بلفظ: ~~قال الله سبحانه وتعالى، والثاني بما تضمن: قوله تعالى، وكلاهما على ~~الحروف. وهذا الكتاب اطلع عليه الذين دونوا كتاب الأحاديث القدسية، ولعلي ~~القاري كتاب سماه الأحاديث القدسية والكمالات الإنسية جمع فيه أربعين حديثا ~~قدسيا وطبع في سنة (1316 ه) ولم أقف عليه، وفي «كشف الظنون» أن الشيخ محيي ~~الدين بن عربي جمع أربعين حديثا قدسيا، وقد اشتمل كتاب «الأحاديث القدسية» ~~على أربعمائة حديث باعتبار المكرر باختلاف الروايات واختلاف الأسانيد، وعلى ~~نحو مائة وثمانية وستين بطرح المكرر، مع أن ابن حجر الهيثمي وعليا القاري ~~ذكرا في شرحيهما على الأربعين النووية: أن الأحاديث القدسية أكثر من مائة، ~~وحصرها بأكثر من مائة يقتضي أن لا تزيد على المائة بكثير. # ولم أر كلاما تنضبط به حقيقة الحديث القدسي لنضوب عبارات الكاتبين ~~وإجمالها، فإذا أخذوا في بيان ما هو الحديث القدسي هرعوا إلى الخوض في ~~التفرقة PageV01P164 # بين الحديث القدسي وبين القرآن، وأن التفرقة بين القرآن وبين الحديث ~~القدسي وإن كانت لا تخلو من تيسير لضبط ### ||| AUTO تعريف الحديث القدسي # ، فالاشتغال بها قبل ضبط التعريف يعد في صناعة التأليف تطوحا عن الأهم، ~~فحملني هذا وذاك على تحقيق معنى الحديث القدسي وتعريفه بحد جامع ms158 مانع بعد ~~جلب التعاريف التي سبقوا بها. ### ||| AUTO تعريف الحديث القدسي # : # الحديث القدسي ويسمى الحديث الرباني والحديث الإلهي. # قال السيد الجرجاني في كتاب التعريفات: «الحديث القدسي هو من حيث المعنى ~~من عند الله، ومن حيث اللفظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو ما ~~أخبر الله تعالى به نبيه بإلهام أو بالمنام فأخبر عليه الصلاة والسلام عن ~~ذلك المعنى بعبارات نفسه. أ. ه. # وفي الإتقان للسيوطي في النوع السادس عشر «قال الجويني: الحديث القدسي ~~كلام من الله منزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ملتزم تبليغه بلفظ ~~معين، بل المقصود المعنى، فقد تكون العبارة من جبريل» أ. ه. # وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين النووية عند الكلام على الحديث ~~الرابع والعشرين: «الأحاديث القدسية ما نقل إلينا آحادا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مع إسناده لها عن ربه فهي من كلامه فتضاف إليه وهو ~~الأغلب، ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء؛ لأنه المتكلم به أولا، وقد تضاف ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه المخبر بها عن الله». # وقال علي القاري في شرح الأربعين النووية عند الكلام على الحديث الرابع ~~والعشرين: «القدسي إخبار الله نبيه معنى لفظ بإلهام أو بالمنام، فأخبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بعبارته عن معنى ذلك الكلام» أ. ه. وهو ~~قريب من كلام السيد الجرجاني. # وقال أيضا: «قال الطيبي: الحديث القدسي نص إلهي في الدرجة الثانية (أي: ~~دون درجة القرآن) وإن كان من غير واسطة الملك غالبا؛ لأن المنظور فيه ~~المعنى دون اللفظ وفي القرآن اللفظ والمعنى منظوران» أ. ه. # وهذه التعاريف تقتضي أن اللفظ في الحديث القدسي غير معين وإنما هو إلقاء PageV01P165 # المعنى في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تعيين لفظ، أي: بواسطة ~~الملك أو بالإلهام. # وتقتضي أن كل ما حكي في الأحاديث من أقوال منسوبة إلى الله تعالى تعتبر ~~حديثا قدسيا، فيدخل فيه ما يجري من حكاية محاورات ومقالات فيها كلام الله ~~تعالى مع بعض عباده. # وفي شرح جمع ms159 الجوامع للمحلي عند تعريف {المص} [الأعراف: 1] بقوله: ~~«القرآن اللفظ المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز بسورة منه ~~المتعبد بتلاوته». # قال المحلي: «فخرج بالمنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - عن ان يسمى ~~قرآنا الأحاديث غير الربانية، وخرج بالإعجاز الأحاديث الربانية» أ. ه. وهذا ~~يتضمن تعريف الحديث الرباني، أي: القدسي، ويؤخذ منه أنه موحى بلفظه إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لفظه ليس للإعجاز ولا متعبدا بتلاوته، ~~فاقتضى أن لفظ الحديث القدسي موحى به بعينه، وإذا لم يكن لنا طريق إلى ~~معرفة كون الكلام الذي يحكى به قول من الله تعالى في الأحاديث النبوية أهو ~~عين ما أوحي بلفظه، أم هو كلام يرادفه؟ ! تعين علينا أن نتوسمه من صيغة ~~حكاية راويه. # وكلام المحلي والطيبي يزيدان بالتصريح بأن لفظ الحديث القدسي موحى به إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظه؛ ولكنه يجوز أن يروى بلفظ آخر مساو ~~للفظه في أداء المعنى المراد، على نحو ما ذكروا في رواية حديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالمعنى وجوازها في قول الأكثر، فاختلاف عباراتهم في ~~تحديد الحديث القدسي يزيد بعضها على بعض لكن بعضها يكمل بعضا ويتممه، ~~فالتخالف بينها من قبيل التداخل. # والذي أستخلصه من مجموع كلامهم وحمل بعضه على بعض للجمع بينه أن نقول: ~~الحديث القدسي: «هو كلام من الله تعالى صادر منه في الدنيا، غير مخاطب به ~~معين، موحى به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ معينة غير مقصود ~~بها الإعجاز ولا التعبد بتلاوتها، ليبلغها إلى الناس، مع تفويض التصرف في ~~ألفاظها بما يؤدي المقصود». # فقولنا: «كلام من الله» جنس شامل لكل لفظ يتضمن مراد الله، فشمل القرآن ~~وما يحكى من أقوال تصدر من الله زجرا للكفار أو الشياطين. # وخرج بقولنا: «صادر في الدنيا» ما هو إخبار من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أقوال تصدر من الله يوم القيامة أو صدرت منه قبل إهباط آدم إلى ~~الأرض، أو إخبار عن PageV01P166 # أعمال الله دون أقواله. # كقوله في حديث ms160 البخاري عن أبي هريرة: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا ~~يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى ~~مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة»، فهذه الرواية ليس فيها حكاية ~~عن قول الله تعالى فلا تعد حديثا قدسيا، ووقع في رواية النسائي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: «أيما عبد من عبادي ~~خرج مجاهد في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له أن أرجعه بما أصاب من أجر أو ~~غنيمة». الحديث، ففي هذه الرواية يكون حديثا قدسيا. # وخرج بقولنا: «موحى به إلى رسوله» ما يحكى من أقوال تصدر من الله تعالى ~~خطابا لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - كقوله في الحديث: «بينما أيوب ~~يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب، ~~ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب» الحديث. # وقولنا: «موحى به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» يشمل أنواع ~~الوحي سواء كان بواسطة جبريل أو بالمنام أو بالإلهام كما يؤخذ من عبارة ~~الجويني والطيبي، وأما الذي يؤخذ من كلام السيد الجرجاني وعلي القاري وكلام ~~أبي البقاء في الكليات عند الكلام على القرآن، فهو أن الحديث القدسي لا ~~يوحى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبريل، بل بالإلهام أو ~~المنام. # وبقولنا: «غير مقصود بها الإعجاز ولا التعبد بتلاوتها» خرج القرآن. # وقولنا: «ليبلغها إلى الناس» أي أن يقترن الإخبار بذلك الكلام بقرينة تدل ~~على أن المقصود إعلام الناس به، وهذه جهة شبه بين الحديث القدسي وبين ~~القرآن، وخرج بذلك ما يحكى من أقوال الله تعالى للملائكة أو في أثناء القصص ~~ونحوها كما في الموطأ: «يتعاقبون فيهم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» إلى ~~قوله: «فيقول لهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي» الحديث، وكما في حديث ~~ابن عباس في صحيح البخاري في قصة سؤال موسى - عليه السلام - مع الخضر؛ إذ ~~عاتب الله موسى على قوله: ms161 إني لا أعلم أحدا أعلم مني، فقال الله تعالى: بلى ~~عبدنا الخضر بمجمع البحرين، فسأل موسى السبيل إلى لقياه. # وقولنا: «مع تفويض التصرف في ألفاظها» أي: التفويض إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P167 # وإلى جبريل إذا كان هو المبلغ لها مسوق مساق التقسيم؛ لأن الأحاديث ~~القدسية يجوز التفويض في عبارتها لجبريل أو للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ### ||| AUTO صيغة رواية الحديث القدسي # : ### ||| AUTO صيغة رواية الحديث القدسي # حصرها ابن حجر الهيثمي في شرحه للأربعين في صيغتين: # إحداهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه، وهذه ~~صيغة السلف، يعني أو ما يرادفها كما في حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا ~~في سبيل الله» الحديث المتقدم آنفا. # الثانية: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله. # فيعتبر إحدى هاتين الصيغتين أو ما يرادفها من الحديث القدسي، ويدل التتبع ~~والاستقراء على أن الحديث الذي فيه تحاور ومقاولة بين الله وبين بعض عباده ~~الأخيار أو الأشرار، لا يعد حديثا قدسيا، بل الحديث القدسي ما هو حكاية قول ~~الله وحده. # والذي يظهر من كتاب الأحاديث القدسية أن اللجنة التي دونته اعتمدت في ~~حقيقة الحديث القدسي أنه كل ما حكي فيه قول محكي عن الله تعالى مطلقا. ### ||| AUTO الفرق بين الحديث القدسي والقرآن # : # والفرق بينه وبين غيره من الأحاديث النبوية: # أما الفرق بين القرآن والحديث القدسي فظاهر مما ذكرناه، وإنما الخفاء في ~~الفرق بين أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - مما ينسبه إلى الله وبين ~~غيره من كلامه؛ ذلك أن الكلام الصادر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التشريع وأمور الدين محمول عند الجمهور على أنه موحى به إليه. قال ابن حجر ~~الهيثمي في شرح الأربعين النووية: «اختلف في بقية السنة غير الأحاديث ~~القدسية هل هو كله بوحي أولا؟ وآية: {وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي ~~يوحى (4)} [النجم: 3، 4] تؤيد الأول»، وقال السيوطي في الإتقان ms162 في النوع ~~السادس عشر: «إن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن». # وأقول: هذا هو الظاهر كما يدل عليه حديث يعلى بن أمية: أن رجلا أتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة وعليه (أي: على الرجل) جبة وعليه أثر ~~الخلوق، فقال: PageV01P168 # يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ساعة فجاءه الوحي فلما سري عنه قال: «أين السائل عن ~~العمرة؟ » قلت: أنا يا رسول الله، قال: «اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق ~~عنك وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، فهذا الإخبار عن حكم ~~العمرة نزل فيه وحي ولم ينزل فيه قرآن، وظاهر الحال يقتضي أن الوحي للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في تلك الساعة نزل لأجل جواب السائل عن العمل في ~~العمرة، على أنه يحتمل أن يكون سؤال السائل صادف وقت نزول الوحي بقرآن وأن ~~تأخير جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه كان لأجل الاشتغال بتلقي قرآن ~~ينزل لا لترقب نزول وحي لجواب السائل، وهو احتمال بعيد، ومسألة كون جميع ~~الأحاديث موحى بها مسألة مبنية على الخلاف في وقوع الاجتهاد من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الشرعيات. # وبما تقرر تكون الأقوال التي ينطق بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثة أنواع: أعلاها: القرآن وهو معلوم، الثاني: الحديث القدسي وهو الذي ~~بحثنا في شأنه ولابد فيه من نسبة قول إلى الله، الثالث: الحديث النبوي وهو ~~ماعدا القرآن والحديث القدسي. # وقد تتبعت ما في كتاب الأحاديث القدسية للجنة القرآن والحديث، فوجدت ما ~~يحق أن يعد حديثا قدسيا أربعة وخمسين حديثا وفي أكثرها روايات ألغينا ~~إثباتها. فنحو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: «ينزل ربنا ~~عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من ~~يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» يشبه أن يكون ~~قدسيا وليس بالقدسي؛ لأنه قول إلهي متعلق بأحوال قوم مخصوصين. # ونحو قوله في حديث ms163 الموطأ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ~~فيقول الله لهم: كيف تركتم عبادي» الحديث ليس بقدسي؛ لأنه حكاية قول من ~~الله للملائكة وليس قولا يراد تبليغه، وإنما المراد تبليغ القصة كلها بما ~~اشتملت عليه. # ونحو حديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا» الحديث ليس بحديث ~~قدسي؛ لأنه نسبة فعل إلى الله لا نسبة قول، وكذلك حديث: «كلمتان حبيبتان ~~إلى الرحمن، خفيفتان في اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ سبحان الله وبحمده، ~~سبحان الله العظيم». # وهذه أرقام الأحاديث التي يحق أن تعد قدسية وهي الأرقام المرقم بها في ~~كتاب PageV01P169 # الأحاديث القدسية على ترتيبها مع إلغاء أعداد مختلف رواياتها؟ ، وهي ~~أربعة وخمسون حديثا: # 10 - 11 - 13 - 16 - 19 - 22 - 25 - 27 - 30 - 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - ~~42 - 44 - 45 - 52 - 62 - 71 - 72 - 73 - 74 - 81 - 113 - 123 - 134 - 142 ~~- 144 - 146 - 152 - 154 - 155 - 160 - 162 - 171 - 179 - 182 - 198 - 201 ~~- 218 - 219 - 224 - 231 - 234 - 236 - 262 - 264 - 266 - 271 - 286 - 289 ~~- 294 - 301. # * * * PageV01P170 ### || AUTO شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - # جاءني من الأستاذ السيد حسن قاسم مدير مجلة هدى الإسلام كتاب يشعرني فيه ~~بالعزم على إصدار (عدد ممتاز) من المجلة لذكرى مولد الرسول عليه الصلاة ~~والسلام، ورجا مني أن أكتب كلمة في ذلك، ولكن هذا الكتاب بلغني بأخرة من ~~الوقت في حال تراكم أشغال بين يدي، ولولا أني أغتبط بالمشاركة في هذا العمل ~~المبارك للذت بالاعتذار، وقد تذكرت أني كنت وعدت على صفحات مجلة هدى ~~الإسلام أن سأكتب في حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» إجابة لسؤال ~~الأستاذ حسين إبراهيم موسى الذي أرجأته منذ مدة، فقلت: هذا واجب الوفاء، قد ~~أظل زمانه وأقام، ورأيت هذا المبحث جديرا بالتحقيق والتحرير لتعلقه بالسيرة ~~وبأصول الدين. ### ||| AUTO الشفاعة # : ### ||| AUTO الشفاعة # توسط سيد أو حبيب أو ذي نفوذ لدى من يملك عقوبة أو حقا بأن يعدل عن ~~الأخذ به، وقد كانت عند العرب في الغالب من شعار الود، وفي الحديث: «قالوا ~~هذا جدير ms164 بأن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع»، وفي شفاعة الحبيب قال الشاعر: # فلا تحرمني نائلا من شفاعة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # وقد تطلق ### ||| AUTO الشفاعة # مجازا وتسامحا على الوساطة في الخير ورفع الدرجة، ومنه قوله تعالى: {من ~~يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} [النساء: 85]، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ~~ما شاء»، وقول دعبل الخزاعي: # شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق PageV01P171 # ومن الشواهد لذلك نكتة تاريخية قل من يتفطن لها وهو ما وقع في ظهير ~~الخليفة القادر بالله الذي أصدره للسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي بولاية ~~خراسان فقد جاء فيه: وليناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي ~~حامد الإسفراييني. # والمراد بالشفاعة الثابتة لرسول الله شفاعته يوم القيامة للناس عند الله ~~تعالى لدفع ما يلاقونه من العذاب؛ وإذ قد أراد الله تعالى إكمال الفضائل ~~لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - كان من جملة ما أعطاه أن أعطاه فضيلة ~~الشفاعة وسماها بالمقام المحمود فقال تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا (79)} [الإسراء: 79]، تكميلا لفضائله في الآخرة على حسب ما له من ~~السؤود عند الله تعالى، فقد أعطى أهل السيادة الدنيوية الزائلة، خصلة ~~الشفاعة الزائلة، وأعطى صاحب السيادة الحقة الدائمة الشفاعة الصادقة في دار ~~الخلود، وخصه بها كما خصه بفضائل لم يشاركه فيها أحد، فقد روى مالك في ~~الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان ~~النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي صحيحي البخاري ومسلم ~~عن أنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ~~فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ms165 فيهتمون لذلك فيلهمون فيقولون: لو ~~استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا، ثم ذكر أنهم يأتون آدم، ثم نوحا، ~~ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى (فكل يعتذر) وأن عيسى يقول: ائتوا محمدا عبدا ~~قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني فأستأذن على ربي فيأذن ~~لي، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله، ثم يقول: يا محمد ارفع ~~رأسك، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ~~ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ~~ساجدا». # - ووصف مثل مما وصف في المرة الأولى «ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من ~~النار وأدخلهم الجنة- قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة- فأقول ما ~~بقي في PageV01P172 # النار إلا ما حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود»، وزاد مسلم عن حذيفة: ~~«ويقوم محمد فيؤذن له فيضرب الصراط ويمر الناس على الصراط فيمر الأول ~~كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ~~قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل ~~فلا يستطيع السير إلا زحفا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من ~~أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار». # وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ~~يزيد بعضهم على بعض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لكل ~~نبي دعوة مستجابة فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة ~~إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» وفي صحيح البخاري عن أبي ~~هريرة قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا ~~إله إلا الله خالصا من قبله» وفي صحيح مسلم عن أنس قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «انا اول الناس يشفع في الجنة». # وفي صحيح مسلم عن ms166 جابر بن عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة» يريد بشفاعة محمد؛ لأن التعريف للعهد. # وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل بأسانيدهم عن أنس بن ~~مالك وجابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي»، قال الترمذي: هو حديث صحيح غريب. # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن مقام محمد المحمود هو الذي يخرج ~~الله به من يخرج من النار. # فشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة أمر ثابت على ~~الجملة بأدلة القرآن، قال الله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: 255]، وقال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: ~~23]، وثبوتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأدلة من القرآن، قال تعالى: ~~{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79]، وبما ثبت في الصحيح ~~ورويناه آنفا. ### ||| AUTO والشفاعات على ما حققه أئمتنا خمسة أقسام # : # الأول: الشفاعة إلى الله في إراحة الأمم من هول الموقف بأن يعجل حسابهم. PageV01P173 # وتسمى بالشفاعة العظمى؛ لأنها أعم أقسام الشفاعات، وهي من خصائص محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - صريح حديث البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان. # الثاني: الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب، وهذه أيضا من ~~خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. # الثالث: الشفاعة في قوم استوجبوا النار فيعتقهم الله منها. # الرابع: الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار بعد أن يعذبوا على ما اقتضاه ~~حديث أنس وأبي هريرة وحذيفة في الصحيحين. # الخامس: الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة. # وإطلاق اسم الفاعل على القسم الأخير مجاز وتسامح، وإنما هي وساطة ووسيلة ~~لزيادة النفع، في كلام عياض ما يدل على أن هذا القسم ليس من خصائص محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ إذ ورد في صحيح الآثار ما ظاهره أن الأنبياء ~~والملائكة يشفعون هذه الشفاعة وبذلك جزم عياض في إكمال مسلم. # وأما بقية الأقسام ms167 فاختصاص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقسم ~~الأول الذي هو الشفاعة العظمى، وبالقسم الثاني وبالقسم الثالث ثبت بصحيح ~~الآثار التي لا معارض لها من مثلها، وأما القسم الرابع فقد ورد في بعض صحيح ~~الآثار أن الملائكة والأنبياء يشفعون، وبه جزم عياض في الإكمال أيضا. # ولم يجب عياض عما تضمنه حديث الموطأ والصحيحين من اختصاص رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالشفاعة على الإطلاق، ورأى أن يكون الجواب على مجاراة ما ~~جزم به عياض رحمه الله، أن يكون محمل حديث الموطأ والصحيحين: «أعطيت خمسا ~~لم يعطهن أحد قبلي .... » فذكر منها: «وأعطيت الشفاعة»، إما الشفاعة ~~العظمى، فيكون التعريف للعهد أو للكمال، وإما على جنس الشفاعة بقيد تحقق ~~إجابة شفاعته لما ورد في حديث الصحيحين عن جابر وأنس وأبي هريرة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فأردت أن أختبئ ~~دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». # وأما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فهو يقتضي تخصيص الشفاعة ~~بكونها لأهل الكبائر من المسلمين، فيتعين حمل هذا الحديث على أن المراد ~~بالشفاعة فيه القسمان الثالث والرابع، وهما اللذان يتحقق فيهما معنى ~~الشفاعة بمعناه اللغوي الأتم؛ لأنها شفاعة تتحقق بها النجاة من أثر الجناية ~~نجاة مستمرة بخلاف PageV01P174 # القسم الأول فإنها شفاعة لنجاة خاصة من آلام الموقف وبخلاف الخامس؛ إذ ~~إطلاق الشفاعة عليه مجاز كما علمته. # والتحقيق عندي في شأن هذه الشفاعات أن ما ورد من الآثار مما ظاهره إثبات ~~شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة أنها شفاعة مجازية؛ لأنها إما ~~دعاء؛ كقول النبيين على الصراط: اللهم سلم سلم، كما في حديث أبي هريرة وأبي ~~سعيد الخدري في الصحيحين، وإما شهادة وتعريض بالتشفيع؛ كقول المؤمنين ~~الناجين في شأن المؤمنين الذين أدخلوا النار: ربنا كانوا يصومون معنا ~~ويصلون ويحجون، فيقول الله لهم: «أخرجوا من عرفتم»، فهذا إذن من الله لهم ~~بعد شهادتهم كما اقتضاه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم، وإما تلقي إذن ~~من الله تعالى، كما ورد أن الله يأمر الملائكة بإخراج ms168 من لا يشرك بالله ~~شيئا، كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيحين، وعليه فما وقع في بعض ~~روايات حديث أبي سعيد في صحيح مسلم، فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع ~~النبيون» هو من باب المجاز، أي: وسطت الملائكة واستجيب دعاء النبيين ~~بالسلامة وقبلت شهادة المؤمنين لأقوامهم بالإيمان والأعمال الصالحة، وعليه ~~فحمل حديث الموطأ والصحيحين المصرح بأنه أعطي الشفاعة ولم يعطها أحد قبله ~~أن يكون على ظاهره، ويدل لذلك أن حديث الصحيحين المروي عن أنس وأبي هريرة ~~وحذيفة صريح في أن القسم الرابع من الشفاعات من خصائص النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لتفصى أفضل بقية الرسل منها. # وقد أنكر بعض أقسام الشفاعة طوائف من المبتدعة في الدين وأول من أنكر ~~الشفاعة الخوارج في عصر الصحابة، ففي صحيح مسلم عن يزيد الفقير قال: كنت قد ~~شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج ~~على الناس، فممرنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث ~~الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو قد ذكر الجهنميين (أي: ~~أهل المعاصي الذين يخرجون من النار فيسميهم أهل الجنة الجهنميين) كما ورد ~~في حديث عمران ابن حصين وانس بن مالك قال يزيد: فقلت له: يا صاحب رسول ~~الله، ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: {ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته} [آل عمران: 192]، ويقول: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم PageV01P175 # أعيدوا فيها} [السجدة: 20]، فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت ~~بمقام محمد يعني قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79)} ~~[الإسراء: 79]، قلت: نعم، قال: فإن مقام محمد المحمود الذي يخرج به من ~~يخرج، ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، وإن إنكار الشفاعة مبني على أصلهم ~~فإنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة مستوجب الخلود في النار إلا أن يتوب، فإن ~~كان قد تاب فالشفاعة عبث؛ لأنها تحصيل حاصل وإن كان لم يتب فالشفاعة محال؛ ~~لأنها لا تفيد المشفوع فيه شيئا ms169 لوجوب خلوده في النار، وأدلتهم في ذلك ~~ظواهر من القرآن تقتضي خلود مرتكب الكبيرة والإيمان إلى أنه كافر، وتلك ~~الأدلة عندهم أقامت لهم أصلا قاطعا من أصول الاعتقاد في نظرهم واستدلوا على ~~بطلان الشفاعة بالخصوص بقوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} ~~[البقرة: 48]، وقوله {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} ~~[البقرة: 254]؛ فلذلك تأولوا الآيات التي تقضي وجود الشفاعة لمنافاتها ~~للأصل القاطع، وقد كان حديث جابر هذا من أعظم الحجج على بطلان مقالة ~~الخوارج، ولذلك لما حدث به عصابة يزيد الفقير التي عزمت على الخروج على ~~الناس تبعا للخوارج علمت تلك العصابة صدق ذلك الصحابي الشيخ، قال يزيد ~~الفقير: فرجعنا فوالله ما خرج منا غير رجل واحد. # ووافقهم المعتزلة على ذلك مع اختلاف الدليل، وذلك أن المعتزلة يقولون ~~بخلود مرتكب الكبيرة في النار إن لم يتب، ولا يجوزون المغفرة له؛ لأن ~~الإحسان للمسيء والإساءة للمحسن قبيح يستحيل صدوره من الله تعالى، وتأولوا ~~ما ورد في الشفاعة بأنها شفاعة لرفع الدرجات في الجنة. # ومذهبنا معاشر أهل السنة أن الشفاعة ثابتة وسبيلنا في ذلك أنها جائزة ~~عقلا، وأن الصفح عن بعض عقاب المذنب ليس بقبيح وأدلتنا السمعية واضحة من ~~الكتاب والسنة، ومحمل آيات نفي الشفاعة على الكفار بقرينة قوله: {ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع} [غافر: 18]؛ لأن اصطلاح القرآن في الظلم أنه ~~الشرك، قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]، {ومن يقل منهم إني ~~إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29)} [الأنبياء: 29] ~~ونظائر ذلك كثيرة. # واعلم أن الشفاعة التي ينكرها هؤلاء هي الأقسام الثاني والثالث والرابع PageV01P176 # ولم ينكروا الشفاعة للإراحة من هول الموقف ولا الشفاعة لرفع الدرجات كما ~~حققه عياض رحمه الله في الإكمال. # * * * PageV01P177 ### || AUTO جواب لأحد الفضلاء في تحرير مسألة علم الهيئة # الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه # إلى الفاضل ابننا السيد ... حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، # أما بعد، # فقد بلغني كتابكم أشكركم على حسن ms170 أمانيكم نحوي، وأسأل الله أن يجازيكم ~~عنها أحسن جزاء البارين، وأحمد الله لكم على تهممكم بتحقيق المسائل الدينية ~~راجيا لكم مزيد التوفيق والسداد، وقد اطلعت على السؤال الوارد عليكم وما ~~أجبتم به مما هو مسطور في الكتاب المذكور وطلبكم مني الجواب عن ذلك. # وجوابي أن من أصول علم الهيئة أن شروق الشمس وغروبها تابع لحركة الأرض ~~حول الشمس، وهذا أصل لا نزاع فيه لثبوته بالأدلة المفيدة لليقين وليس في ~~عقائد الإسلام ولا في فروعه ما ينافيه، وهذا من سير الأرض فإذا أسند إلي ~~.... كان إسنادا على وجه المجاز إذا قيل: طلعت الشمس أو غربت الشمس أو زالت ~~الشمس عن كبد السماء. # وهنالك أصل آخر، وهو أن للشمس حركة انتقالية خاصة في فلكها وهو انتقالها ~~في دائرة فلكية من مبدأ تلك الدائرة إلى أن تعود فتلوح للناظر في السمت ~~الذي ابتدأ منه تنقلها ويحصل تمام ذلك الانتقال في مدة السنة الشمسية التي ~~تستمر ثلاثمائة وخمسة وستين يوما في دائرة فرضية مقسمة إلى اثني عشر جزءا ~~معلمة للناس بتجمع لنجوم ذات أشكال، لها أسماء تقريبية يعبر عنها بالبروج، ~~وبها ينقسم العام إلى الفصول الأربعة وهي دائرة مضبوطة بابتداء الوقت الذي ~~اصطلح علماء الهيئة على جعله مبدأ ضبط حلول الشمس في برج الحمل، فهذا هو ~~التنقل الحقيقي للشمس في فلكها، وهو المعبر عنه بالجري أو بالسير وإسناده ~~إلى الشمس إسناد حقيقي. # فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى معنى قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} ~~[يس: 38]. # فإنه أثبت للشمس جريا، ولا شك في أن إطلاق الجري على تنقل جرم الشمس من ~~حيز إلى حيز في دائرة فلكها المفروضة إطلاق مجازي؛ لأن حقيقة الجري هو PageV01P178 # نوع من مشي الحيوان ذي الأرجل مشيا سريعا، وإنما تنقل الشمس تنقل دحرجة ~~وتقلقل، وأطلق عليه الجري بعظيم أبعاد المسافات التي تقطعها الشمس. # فللتوفيق بين معاني القرآن وقواعد العلوم يتعين حمل الجري في هذه الآية ~~على تنقل الشمس في فلكها الذي تتم به دورة العام الشمسي؛ لأن إسناده إلى ~~الشمس إسناد ms171 حقيقي والأصل في الإسناد الحقيقة، وهذا هو المناسب لقرنه ~~بمنازل القمر في الجملة المعطوفة لقوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل} [يس: ~~39]، فإن منازل القمر ثمان وعشرون منزلة يتنقل في دائرتها من مبدأ إلى ~~نهاية في مدة شهر قمري، وهو نظير تنقل الشمس في دائرة بروجها في مدة عام شمسي. # وعبر بالفعل المضارع في قوله: {تجري} لإفادة تكرر هذا الجري وتجدده. # واللام في قوله تعالى: {لمستقر} بمعنى (إلى) مثل اللام في قوله تعالى: ~~{كل يجري لأجل مسمى} [الزمر: 5]، ألا ترى أن نظيره في سورة لقمان: {كل يجري ~~إلى أجل مسمى} [لقمان: 29]، بحرف (إلى). # والمستقر مصدر ميمي بمعنى الاستقرار، أي: انتهاء الجري والسير، ~~فالاستقرار ملازمة المكان فإن السائر إذا انتهى سيره يقال: إنه استقر، كما ~~قال راشد السلمي: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # * * * * ms172