######OpenITI# #META# URI: 1396RaifKhuri.FikrCarabiHafith.Hindawi83096496 #META# Tags: history #META# ID: 83096496 #META# Title: الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي #META# AuthorID: 64735270 #META# Author: رئيف خوري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إعلان حقوق الإنسان1‏ # فاتحة‏ # القسم الأول: الثورة الفرنسية الكبرى‏ # الفكر وعامله في الثورة‏ # مجاري الثورة إلى الشرق‏ # الأدباء والمفكرون العرب أمام الثورة‏ # تياران يتفاعلان‏ # القسم الثاني: نصوص مختارة‏ # الأمير حيدر الشهابي (1761-1835)‏ # أحمد فارس الشدياق (1801-1887)‏ # رفاعة رافع الطهطاوي (1216-1290ه)‏ # نوفل نعمة الله الطرابلسي (1812-1887)‏ # فرنسيس فتح الله المراش (1836-1873)‏ # جمال الدين الأفغاني (1839-1897)‏ # الدكتور شاكر الخوري (1847-1911)‏ # عبد الله النديم (1261-1314ه)‏ # عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902)‏ # شبلي الشميل (1853-1917)‏ # أديب إسحاق (1856-1885)‏ # حسين باشا‏ # روحي الخالدي (1864-؟)1‏ # المطران يوسف الدبس (1833-1907)‏ # ولي الدين يكن (1873-1931)‏ # فرح أنطون (1874-1922)‏ # مصطفى كامل باشا (1874-1908)‏ # أمين البستاني (1854-1937)‏ # أمين الريحاني (1876-1940)‏ # الشيخ رشيد رضا (1865-1935)‏ # مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924)‏ # جبران خليل جبران (1883-1931)‏ # كتاب محاكمة مدحت باشا‏ # محمد كرد علي‏ # يوسف جرجس زخم‏ # الدكتور أيوب تابت‏ # عبد الرحمن عزام1‏ # محمد جميل بيهم‏ # الشيخ مصطفى الغلاييني1‏ # القسم الثالث: ملحق شعري‏ # إلياس صالح (1870-1895)‏ # أحمد شوقي (1868-1932)‏ # خليل مطران‏ # جميل صدقي الزهاوي (؟-1936)‏ # معروف الرصافي‏ # بشارة الخوري‏ # إلياس أبو شبكة‏ # خاتمة‏ # أهم مراجع الكتاب‏ # إعلان حقوق الإنسان1‏ # فاتحة‏ # القسم الأول: الثورة الفرنسية الكبرى‏ # الفكر وعامله في الثورة‏ # مجاري الثورة إلى الشرق‏ # الأدباء والمفكرون العرب أمام الثورة‏ # تياران يتفاعلان‏ # القسم الثاني: نصوص مختارة‏ # الأمير حيدر الشهابي (1761-1835)‏ # أحمد فارس الشدياق (1801-1887)‏ # رفاعة رافع الطهطاوي (1216-1290ه)‏ # نوفل نعمة الله الطرابلسي (1812-1887)‏ # فرنسيس فتح الله المراش (1836-1873)‏ # جمال الدين الأفغاني (1839-1897)‏ # الدكتور شاكر الخوري (1847-1911)‏ # عبد الله النديم (1261-1314ه)‏ # عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902)‏ # شبلي الشميل (1853-1917)‏ # أديب إسحاق (1856-1885)‏ # حسين باشا‏ # روحي الخالدي (1864-؟)1‏ # المطران يوسف الدبس (1833-1907)‏ # ولي الدين يكن (1873-1931)‏ # فرح أنطون (1874-1922)‏ # مصطفى كامل باشا (1874-1908)‏ # أمين البستاني (1854-1937)‏ # أمين الريحاني (1876-1940)‏ # الشيخ رشيد رضا (1865-1935)‏ # مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924)‏ # جبران خليل جبران (1883-1931)‏ # كتاب محاكمة مدحت باشا‏ # محمد كرد علي‏ # يوسف جرجس زخم‏ # الدكتور أيوب تابت‏ # عبد الرحمن عزام1‏ # محمد جميل بيهم‏ # الشيخ مصطفى الغلاييني1‏ # القسم الثالث: ملحق شعري‏ # إلياس صالح (1870-1895)‏ # أحمد شوقي (1868-1932)‏ ms001 # خليل مطران‏ # جميل صدقي الزهاوي (؟-1936)‏ # معروف الرصافي‏ # بشارة الخوري‏ # إلياس أبو شبكة‏ # خاتمة‏ # أهم مراجع الكتاب‏ # | الفكر العربي الحديث # | الفكر العربي الحديث # | أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي # تأليف # رئيف خوري # | مقدمة # بقلم عمر فاخوري ~~«يا عدو التاريخ!» بهذه الصيحة تلقيت، ذات مساء، صديقنا رئيف خوري، لست أذكر لأي ~~مناسبة، لكن أكبر الظن أني رأيته يومذاك يشن إحدى غاراته العنيفة، الموفقة، على جزء ~~من التاريخ، أو على بعض أنواعه؛ فرد علي بابتسامته الطلقة الصريحة التي لا يعوزها من ~~القهقهة غير الصوت ... إن ابتسامة رئيف خوري هي «عنوان» الصحة التي يتمتع بها في جسمه وروحه ~~على السواء، تلك العافية السابغة التي لا تفتأ تنعكس متضاعفة متزايدة، من أحدهما على ~~الآخر، حتى ليس يعلم أيهما الأوفر ربحا أو الأكثر غنيمة. على أني لم أعرف فتى أعظم من ~~رئيف خوري إنفاقا مما رزقه الله ... # ومن قبيل العافية أيضا ما راض عليه رئيف خوري نفسه من ألا يقبل شيئا «على علاته». ~~أعني أنه «يصحح» كل ما يسمع ويشهد من أقوال ووقائع؛ فهو يترجمها رأسا، دون تقاعس أو ~~التواء، في لغة الحقيقة التي يجيدها قراءة وكتابة، فكرا وعملا. وليس لهذه الحقيقة عنده ~~إلا خصمان لا ثالث لهما (لكن لله، ما أضخم جيشيهما!): سوء النية وسوء الفهم. الحقيقة ~~الأخيرة، لا النهاية «الخيرة»؛ بمعنى المحصل الحسابي لوجوه المسألة المتعددة، ولظروفها ~~الملازمة لها، ولأطوارها المتعاقبة التي لا تتغاير تماما، كما أنها لا تتشابه تماما، ~~أما «النهائي» فليس له، مع الحياة والصيرورة، وجود. ~~«يا عدو التاريخ!» لقد صحت بها حقا، لكن لو أتاني الآن من يزعم أني إذ قلتها أسمعت ~~أيضا كرجع الصدى: «يا عدو نفسه!» لم أتهم أذنه ولا ذهنه. إن أكبر شطري التاريخ ~~أسماء تود لو تنسى، وأحداث تريد أن تضيع، بقدر ما يحتمل «الكون» ضياعا أو يصبر على ~~خسارة؛ فلا جرم أن رئيف خوري يخال نفسه موكلا بصديقه التاريخ، يساعده على طرح بعض ~~أعبائه، لإنقاذ السفينة من الغرق. إن صداقة رئيف خوري والتاريخ لمن ذلك ms002 النوع الجيد ~~الذي أرسلت في مدحه الأمثال: «صديقك من صدقك، لا من صدقك.» # لقد أولع رئيف خوري زمنا بنظم السلسلة الذهبية التي تجمع بين طرفيها «تقليدنا الثوري ~~التحرري» منذ المحاولات الأولى، فطفق يبحث جادا في كتب التاريخ والأدب العربية عن ~~الحلقات الضائعة من ذلك «التراث الإنساني النفيس»، وكان كل مرة يرجع مثقلا ، كالنحلة، ~~مما اختاره من كلام مأثور وصنيع مشكور. وفي النادر ما كان يقف من التاريخ على إطلالة ~~حيث تطن النحلة كما يطن الذباب، إنما لا يجني ما يجنيه النحل. # ولعل أطول وقفة لرئيف خوري على أطلال التاريخ هذه الفصول التي عقدها حول «الفكر العربي ~~الحديث»، وكيف تم لقاحه بمبادئ «الثورة الفرنسية». سوى أننا نظلم المؤلف إذا نحن لم ~~نسلم، عن طيب خاطر، بأن أكثر تمهله وتأمله هو في الأمكنة الطيبة بين رسوم دوارس: ~~زهرة هنا لا تزال متألقة تضوع، وبقية أرج هناك من جنينة مفقودة. وكأي من أسماء ~~منسية يذكرها، وصحائف مطوية ينشرها؛ تلك هي خطته في «الإنقاذ التاريخي» التي لم يحد ~~عنها، لكنه اليوم يجري عليها عكسا لا طردا؛ إذ يعمل على أن يستنقذ «من» السفينة بعض ~~حمولتها الثمينة، ثم يترك المركب لمصيره. # ونضرب لك مثلا لتنظر كيف «يعامل» رئيف خوري طائفة من الأخبار التي يكفي أن تتواتر حتى ~~تصير «تاريخا»؛ يقص المؤلف فيما يقصه علينا نبأ المفاوضة بين العرب والفرس قبل ~~القادسية الحاسمة؛ ففي رواية أن المفاوض العربي كان المغيرة بن شعبة؛ من معارف التاريخ، وفي ~~رواية أخرى أن المفاوض كان إنسانا يدعى زهرة؛ من نكراته. ليس بمستبعد أن يكون ثمة ~~مفاوضان، أو مفاوض وترجمانه، لكن هذا يهم التحقيق التاريخي (أو الاصطلاحي) وحده، أما ~~«الحقيقة الإنسانية» فهي في كلتا الروايتين على السواء: في أولاهما يسمع رستم، قائد ~~الفرس، كلاما من زهرة: «إن الدين الجديد (أي الإسلام) يخرج العباد من عبادة العباد ~~إلى عبادة الله.» وهي عبارة تحمل على الظن بأنها مترجمة عن الفارسية، فيحتج رستم بأن ~~«أهل فارس، منذ ولي أردشير، لم يدعوا أحدا يخرج من ms003 عمله من السفلة، وكانوا يقولون: ~~إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم.» أما في الرواية الأخرى فيسمع أشراف ~~الفرس كلاما من المغيرة بن شعبة: «إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضا ... كان أحسن من ~~الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض ... اليوم علمت أنكم مغلوبون؛ إن ملكا لا يقوم ~~على هذه السيرة ولا هذه العقول.» فيتهامس الأشراف قائلين: «والله لقد رمى بكلام لا يزال ~~عبيدنا ينزعون - أي يميلون - إليه.» ويقول رئيف خوري: «إن معنى هذا في لغة علم الاجتماع ~~الحديث أن النظام الاجتماعي الفارسي كان نظاما يقسم السفلة (أي جماهير الشعب) إلى ~~طوائف، يلتزم كل فرد طائفته التي ولد فيها ووضعه الاجتماعي؛ لا حق له أن يتزحزح عنه؛ ~~فهو فلاح قن مثلا، يكون ابنه فلاحا قنا أيضا، وهو محترف عمل الأحذية مثلا، ~~يكون ابنه محترفا عمل الأحذية أيضا ... إن هذا الدين الجديد لن يقبل بنظام اجتماعي ~~إقطاعي متحجر كالنظام الفارسي، ولن يقر الأوتوقراطية الفارسية ويلقي الحبل على ~~الغارب للأشراف والدهاقين.» وهكذا نرى رئيف خوري، الذي يسمي «الأخبار» عن المفاوضة بين ~~العرب والفرس «محاضر»، توكيدا لصحتها رغم كل الظواهر، يرسل على الناحية «الثورية ~~التقدمية» في الإسلام نورا كاشفا. إن المفاوض العربي - كيفما تسمى - كان، في الحقيقة ~~التي تهم التاريخ الإنساني، واحدا، كما أن المفاوض الفارسي كان واحدا في تلك الحقيقة ~~أيضا؛ لأن الحوار الذي استؤنف عهد ذاك بينهما إنما هو الحوار المستمر بين عالمين: قديم ~~وجديد؛ حوار واحد لم يتعدد. # وذلك وأمثاله، في رأي رئيف خوري، ما كان يقرؤه أعلام نهضتنا الحديثة في أثناء التراث ~~العربي القديم، ويتدبرونه «فيخلق فيهم استعدادا نفسيا كبيرا للإعجاب بالثورة ~~الفرنسية.» فالحادث التاريخي الذي أراد المؤلف إثباته و«تحقيقه» ليس «خبر» المفاوضة بين ~~العرب والفرس، بل «خبر» الاستعداد النفسي عند مفكري العرب الإصلاحيين في القرن الماضي ~~لتقبل المبادئ الجديدة، الأجنبية في صيغها أو أشكالها، الأصيلة في جوهرها أو فحواها، ~~«تبعا لتقارب الأشواق الإنسانية واتجاهها في الحياة الاجتماعية نحو الخير والتجديد والعدل ~~والرفق والحرية وسائر المثل ms004 والقيم العليا ... على أن الإسلام وثبة تقدمية جبارة، ~~والوثبات التقدمية الجبارة، في كل العصور، لا يخلو بعضها من مضمون بعض.» وإذا كان غوته ~~قد هتف مساء اليوم الذي نشبت فيه معركة فالمي: «من هذا المكان، منذ اليوم، تبدأ مرحلة جديدة ~~في تاريخ الدنيا»، فإن نقولا الترك لم يبعد عنه كثيرا، إذ ذكر «الثورة الكبرى وقيام ~~المشيخة الفرنساوية» في جملة «الحادثات الكونية، والحركات الكلية». على أن في الكتاب نماذج ~~شتى وطريفة من هذا «التقارب الإنساني» الذي يعد المؤلف بين خيرة ممثليه في الجيل ~~الحاضر. # إن رئيف خوري، الأديب في سويدائه، والشاعر الذي يحرص على صياغة قصائده وصقلها كما كانوا ~~يحرصون على تجويد السيوف والألطاف، يعرف أيضا كيف يترسل في نثره الكتابي والخطابي ~~ترسلا لا أثر للصنعة فيه، بل لا ضابط له غير المنطق الخفي حينا، الظاهر أحيانا. وهو في ~~مواقفه، الغنية السخية، هذه لا يخشى تهمة ابتذال يقذفه بها متأنق أو متظرف من أولئك ~~الذين يرتمون في أحضان تفكيرهم «الذاتي» كمن يتمتع بجسد خيالي ... حرية، مساواة، إخاء! ما ~~ذنبنا إن تكن «الألفاظ» غزيرة الإصدار في السوق، كالنقد المتضخم الذي لا يني ينحط قيمة ~~وثمنا؟ وما ذنبنا إن تكن «المبادئ» أبعد شيء عن الابتذال لأنها ما زالت أبعد شيء عن ~~التحقيق العملي؟ يقول رئيف خوري في معرض كلامه على روسو: «... إن غيره ظل يفكر في نطاق مكتبة ~~صغيرة أو حلقة ضيقة من النخبة المختارة، بينما استطاع روسو أن يحرك أعماق الشعب ويجعل من ~~مذهبه دستورا للعمل. إنه من الكتاب القلائل الذين ترن كلماتهم برنة الصدق، ويشعر ~~القارئ لدى مطالعتهم أنهم، إذ يدعونه إلى التفكير، يدعونه إلى العمل أيضا» كأن الكلمة ~~مقولة في رئيف خوري نفسه! # وبالجملة، إن رئيف خوري، حتى في كتابته التاريخ، لا يقف على أطلال الماضي مقدار ما يقف ~~على تصاميم المستقبل. ولقد ولد كتابه هذا تحت طالع مزدوج من «العقل الذي يبدد سحب ~~الجهالة»، ومن العاطفة التي تمنح القلوب حرارتها. فبورك في ذلك القران السعيد! # | إعلان حقوق الإنسان1 # (1) # الناس ms005 يولدون ويظلون أحرارا ومتساوين في الحقوق. ~~(2) # هذه الحقوق هي: الحرية والتملك والأمن ومقاومة الجور. ~~(3) # مبدأ كل سلطة مستقر في الأمة؛ لا يمكن لأي مجموع أو لأي فرد كان ~~أن يستخدم سلطة غير آتية عنها صراحة. ~~(4) # قوام الحرية أن يطاع عمل كل ما لا يضر بالغير. ~~(5) # لا يحق للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرة بالهيئة العامة. ~~(6) # الشريعة هي مظهر الإرادة العامة، ولكل الوطنيين، ذاتيا أو بواسطة ~~نوابهم، حق الاشتراك في سنها. ويجب أن تكون واحدة للكل، سواء كان في صون ~~الحقوق أم في العقوبات. ولما كان كل الوطنيين متساوين إزاءها، فهم كذلك ~~يقبلون في كل المراتب والمناصب والوظائف العامة بحسب اقتدارهم وفضائلهم ~~ومواهبهم العقلية. ~~(7) # لا يمكن الشكوى على أي إنسان كان أو القبض عليه أو توقيفه إلا في الأحوال ~~المعينة في القانون وبحسب الكيفية المرسومة فيه. ~~(8) # لا يسوغ القانون أن يضع غير العقوبات الضرورية ضرورة أكيدة وصريحة، ولا ~~يمكن معاقبة أي كان إلا بموجب قانون وضع ونشر وأصبح نافذا قبل وقوع ~~الجرم وعمل به على النظام. ~~(9) # لما كان كل إنسان يعتبر بريئا إلى أن يعلن مجرما، فإذا ارتئي ~~وجوب توقيعه واستعمل بحقه عنف لم يكن ضروريا للتأمين من شخصه، فعلى القانون ~~أن يعاقب على ذلك بكل شدة. ~~(10) # لا يجوز تنكيد أي كان بسبب آرائه، حتى الدينية منها، ما دام إبداؤها لا ~~يخل بالنظام العام حسبما قرره القانون. ~~(11) # حرية نشر الأفكار والآراء حق من أثمن حقوق الإنسان؛ فلكل وطني إذن أن ~~يتكلم ويكتب ويطبع بملء الحرية، إلا أنه مسئول عن خرق هذه الحرية في الأحوال ~~المعينة في القانون. ~~(12) # ضمان حقوق الإنسان والوطنيين يستلزم قوة عامة. ~~(13) # يتحتم، للقيام بهذه القوة العامة ونفقات الإدارة، وضع رسوم عامة يجب ~~توزيعها على جميع الوطنيين بالسواء، كل على قدر طاقته. ~~(14) # يحق لكل الوطنيين أن يتحققوا، بالذات أو بواسطة نوابهم، لزوم الرسوم ~~العامة، وأن يقبلوا بها عن رضى، وأن يحددوا مقدارها ومدتها وكيفية تقسيمها ~~وتحصيلها، وأن يتتبعوا كيفية صرفها. ~~(15) # يحق للهيئة العامة أن تسأل كل موظف عام عن ms006 إدارته. ~~(16) # كل هيئة عامة لا يكون فيها ضمان الحقوق مكفولا وتفريق السلطة محدودا، فهي ~~ليست على شيء من القانون الأساسي. ~~(17) # لما كان التملك حقا مقدسا لا يمس، فلا يمكن نزعه عن أي إنسان ~~كان إلا إذا استلزمت ذلك المصلحة العامة استلزاما بينا ثابتا شرعا، وبشرط ~~دفع تعويض عادل مقدما. # | فاتحة # إن الثورة الفرنسية، وفرنسا الثائرة، وما أشبه مما رأيته في عنوان الكتاب وتراه ~~مرددا في تضاعيف سطوره، كلام له - أيها القارئ - معنى يجب ألا يخلط بينه وبين غيره ~~من المعاني. # هذه كلمتي الأولى أقولها لك، وأتركك وهذه الفصول الطوية والنصوص المختارة من كبار ~~أدبائنا ومفكرينا. وقد كنت أحب أن أقول شيئا في هذه الفاتحة آثرت أن أتركه للخاتمة، ~~وما دامت مقدمات الكتب توضع آخر شيء بعد الفراغ من التأليف، فإنني أرى أن تكون مقدمتي ~~آخر صفحات الكتاب لا أوله. # أما إرنست رينان، وما عيرنا به من أننا عدمنا ولو ثائرا واحدا، فأرجو ألا يعطيه ~~هذا الكتاب إلا نصف الحق على الأكثر. # رئيف خوري # بيروت، 8 أيلول 1943 # تنبيه # في هذا الكتاب قسم مستقل أشرنا إليه بعنوان «نصوص مختارة»، وقد جعلنا النصوص التي ~~اخترناها لكل أديب في فصل على حدة توجناه باسمه. # للحياة وجهان: أحدهما الاغتذاء والهضم، والآخر الإنتاج والخصب. وبالقدر الذي تأخذه ~~الحياة ينبغي لها أن تعطي؛ هذا قانونها. الحياة كاللهب، ليس يمكن حفظها إلا إذا هي أعطت ~~من مادتها. يصح هذا على العقل كما يصح على البدن، ومن ~~المستحيل على العقل (الذكاء) أن ينحصر في ذاته. إنه ~~كاللهب الذي لا بد له من إعطاء النور بطبيعة خلقه. وهذه القوة نفسها - قوة التمدد - ~~قائمة في أحاسيسنا، فعلينا أن نقاسم «غيرنا» أفراحنا وأحزاننا. إن من طبيعتنا أن نكون ~~اجتماعيين. نحن لا نكفي ذاتنا بذاتنا؛ فلدينا من الدموع أكثر مما نحتاج إليه في ~~أحزاننا، ولدينا من احتياطي السرور أكثر مما تستطيع سعادتنا أن تبرر. يجب أن نمضي ~~إلى الآخرين، ونكثر أنفسنا بالاتصال عن طريق الفكر والشعور. الحياة هي الخصب، ~~وبالعكس، الخصب هو ms007 الحياة؛ «الحياة» الأشد امتلاء. إنه الوجود الصحيح. هناك سخاء وكرم ~~لا ينسلخان عن الوجود، وبدونهما نموت ونجف من الصميم، فيجب أن نزهر. والأخلاق الطيبة ~~والنزاهة تلك هي زهرة الحياة الإنسانية. والمثل الأعلى ليس على نقيض العالم، ولكنه ~~سابق له. إن المثل الأعلى، في أصله، شبيه بفكرنا الذي ينشق عن «الطبيعة»، ويمشي ~~قدامها مستطلعا، مهيئا الرقي المطرد. الواقع والمثل الأعلى متفاهمان في الحياة؛ ~~لأن الحياة، على وجه العموم، كائنة وفي حالة الصيرورة في آن واحد. من يقل الحياة ~~يقل التطور. # ج. م. غيو # Guillot ~~، صفحات ~~مختارة # ماذا أغنت عنا جميع تدابيرنا؟ إن الإيمان والفكر قد حطما قيود الشعب؛ إن الإيمان ~~والفكر قد حررا الأرض. أردنا أن نفرق الناس بعضهم عن بعض، لكن جورنا ألف ~~بينهم وألبهم علينا. هرقنا دماءهم فوقعت على رءوسنا. بذرنا الفساد فتشبثت جذوره ~~بتربتنا وتأكلت عظامنا. ولقد حسبنا أننا خنقنا الحرية، لكن أنفاسها لفحت جذور ~~سلطتها وأيبستها. # لامنيه # Lammenais ~~، أقوال مؤمن # ما معنى أن يحب الإنسان وطنه؟ ما معنى أن يكون الإنسان وطنيا؟ إذا كان الشاعر ~~منصرفا مدى حياته إلى محاربة التعصب وإزالة النظرات الضيقة وإنارة ذهن قومه وتصفية ~~ذوقهم وترقية آرائهم وأفكارهم، فقولوا كيف يمكنه أن يكون وطنيا على وجه خير من هذا ~~الوجه؟ # غوته # Goethe ~~، أحاديث مع إكرمن # أما بعد، فقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت ~~فقوموني. # أبو بكر الصديق ~~... فئة لا يزالون يؤلمون أسماعنا بما يكررون من سفساف القول، من مثل: إنا ~~تعودنا احتمال الظلم والحيف والعناء والخدمة والرق، فلن يستقل لنا رأي ولن ~~نهتدي سبيل الحرية. كأنما هم لا يعلمون أن أهل الغرب أجمعين تعودوا مثل ذلك الحيف ~~أعصارا، أو كانوا في قديم الأيام على ضروب من الرق وانخفاض الجناح، وأن العالم ~~بأسره كان فريقين: أحرارا يظلمون، وعبيدا يطيعون! # أديب إسحاق # دم الثوار تعرفه فرنسا # وتعلم أنه نور وحق # جرى في أرضها فيه حياة # كمنهل السماء، وفيه رزق # بلاد مات فتيتها لتحيا # وزالوا دون قومهم ليبقوا # وحررت الشعوب على قناها ms008 # فكيف على قناها تسترق؟ # أحمد شوقي # إذا كانت آلامنا من السياسة الفرنسية شديدة ... فإننا لا نريد أن ندخل اليأس على ~~قلوبنا من حياة الأمة الفرنسية ويقظتها ومستقبلها العظيم. # مصطفى كامل باشا # لا تقولوا لي: كم هي شاحبة فرنسا هذه! فقد أهرقت دمها من أجلكم ... ولما فرغت يدها ~~أعطت روحها التي منها تحيون. # ميشله # Michelet ~~، الشعب يخاطب ~~الأمم # القسم الأول # | الثورة الفرنسية الكبرى # أهم الثورات العظمى المتأخرة هي الثورة الفرنسية المشهورة التي حدثت سنة 1789، ~~وهي المراد في التواريخ عند الإطلاق، فإذا قيل زمن الثورة الفرنسية كانت هي ~~المقصودة. ~~(دائرة المعارف للبستاني، مادة ثورة، جزء 6) ~~... الانقلاب الكبير الذي حدث فيها (فرنسا) فغير معالمها، وثل منها عرش ~~الاستبداد، وحرر العقول، وبدل الظلام بالنور، ووضع العدل في موضع الظلم، ~~وجرى بسبب ذلك من الفظائع الدموية ما تقشعر من سماع حديثه الجلود. ~~(روحي الخالدي، تاريخ علم الأدب عند ~~الإفرنج والعرب وفيكتور هوغو) # وقد اتفق المؤرخون بأن هذه الثائرة الفرنساوية تكون نهاية للقسم الثاني من ~~القرن الأخير. ~~(نوفل نعمة الله نوفل الطرابلسي، ~~زبدة الصحائف في سياحة المعارف) # ثورة الفرنسيين سنة 1789 ... كانت أم الثورات، ومطلع فجر الحرية للعالم كله. # 1 ~~(أمين البستاني، مقالته: الديمقراطية) # لما كان مدار بحثنا على الثورة الفرنسية ومفكريها وأعلامها وحوادثها الجسيمة ~~ومبادئها، وتأثير ذلك كله في الأعلام من أدبائنا ومفكرينا، فقد وجب أن نلم، ولو ~~إلماما يسيرا، بما هو ضروري لنا من تاريخها. # يجري الكتاب عن الثورة الفرنسية على تقسيم بحوثهم فيها إلى الأقسام ~~التالية: # تمهيد يدرسون فيه وضع فرنسا قبل الثورة، وهو ~~الوضع الذي أصبح يعرف باسم «النظام ~~القديم» # L’Ancien Régime ~~، فيذكرون الملكية المطلقة وارتكازها إلى حق الملوك الإلهي، # 2 # وانقسام البلاد إلى أربع طبقات وفق المنبت ~~الاجتماعي: طبقة الأشراف، أسياد الإكليروس، الطبقة ~~الثالثة، ثم الطبقة الرابعة في أدنى درجات السلم الاجتماعي. ثم يذكر المؤرخون بذخ ~~البلاط في فرساي، ووقوع الخزينة في العجز بسبب الحروب وكثرة النفقات، ويذكرون ثقل ~~الضرائب والحاجة المتكررة إلى عقد القروض، ويفصلون امتيازات الأشراف والإكليروس ~~في قضية ms009 الضرائب وفي تسخير المزارعين، ويذكرون القيود على حرية الرأي وسجن الباستيل ~~والتحارير المختومة # Lettres de cachets # وكيف كان ~~من الميسور استصدارها بالرشوة وحبس الأبرياء؛ ويذكرون الحدود الإقطاعية التي كانت تفصل ~~جزءا من فرنسا عن جزء وتعرقل حرية التجارة بما يفرضه الأسياد الإقطاعيون من ~~مكوس. # ثم يلتفتون إلى ذكر الفئات النامية في حضن المجتمع الفرنسي، أو إلى القوى الجديدة ~~التي نبضت في حياة فرنسا الاقتصادية والعقلية، فكانت قاعدة الثورة ومركز تموينها ~~ماديا ومعنويا؛ وهنا يذكر المؤرخون أعلام الفكر الذين سبقوا الثورة ممن عرفوا ب ~~«الفلاسفة» و«الإنسكلوبيديين» و«الاقتصاديين» أو «الفيزيوكرات» و«البلوتوقراط»، ~~وسنفرد لهم فصلا خاصا؛ ويذكرون أيضا نهضة الطبقة ~~الثالثة # Tiers Etat ~~، وهي الطبقة الملاكة الناشطة: طبقة الفلاحين أصحاب ~~العقارات الصغيرة، وسكان المدن # 3 # التجار والمصنعين، مع من يلحق بهم من المثقفين لا سيما ~~المحامين. # والطبقة الثالثة هذه هي الطبقة الوسطى؛ لأنها كانت في مركز وسط بين طبقتي الأشراف والإكليروس. # 4 # والطبقة الرابعة المتشكلة من أفقر فقراء الريف والمدينة الذين يعيشون من ~~العمل في أرض لا تخصهم أو في محترف لا يملكونه. ولعل أحدا لم ينطق بلسان الطبقة ~~الثالثة فيمثل وضعها وطموحها كما فعل الأب «سييه» إذ قال في أحد كراريسه: «ما هي ~~الطبقة الثالثة؟ هي كل شيء! ماذا كانت حتى الآن؟ لا شيء! ماذا تريد أن تكون؟ ~~شيئا!» # ولا يغفل مؤرخو الثورة أن يذكروا أيضا، في تمهيدهم، أثر العوامل الخارجية التي ~~مثلت دورها في التشجيع على هذا الانقلاب الكبير، كالثورة الإنكليزية # 5 # والثورة الاستقلالية الأميركية. # 6 # ومن هذا التمهيد ينتقل المؤرخون إلى الحوادث التي ~~كانت مقدمة للثورة، فيذكرون الانهيار المالي الذي بات يهدد الخزينة ويضغط على الملك ~~حتى لم يبق له مناص من التماس المخرج العاجل؛ ويذكرون كيف استشاط الرأي العام غب ~~انتشار تقرير الوزير «نكر»، وهو التقرير الذي فضح فيه سنة 1781 تضعضع المالية وإسراف ~~البلاط. ويذكرون الخيبة التي اصطدم بها الوزير «كالون» في حمله الأعيان # Les Notables # على القبول ببرنامج إصلاحه لتعديل ~~الإساءات # Les Abus # في الأوضاع القائمة. # ثم ms010 يذكر المؤرخون كيف رضي الملك بانعقاد مجلس باريس - أهم المجالس الفرنسية - ~~للموافقة على عقد قرض، لكن المجلس أبى أن يتحمل التبعة وحده، وجعل إنشاء القروض ~~والضرائب من خصائص البلاد الممثلة في مجالسها؛ ويذكرون كيف فكرت المجالس بالانعقاد، ~~وطلب دورة عامة تلتئم فيها جميعا فتبحث في طرق الإصلاح ووسائله؛ ويذكرون كيف أقدم ~~مجلس إقليم «الدوفينه» على الانعقاد بنفسه في تموز سنة 1788، فوجد الملك أن لا مناص له ~~مما تطلب البلاد فوافق في شهر آب على دورة عامة تعقدها المجالس جميعها في فرساي في ~~الخامس من شهر أيار سنة 1789. # وهنا يذكر المؤرخون كيف انصرفت طبقات الأمة: الأشراف والإكليروس والطبقة الثالثة، ~~كل إلى اختيار نوابها الذين سيمثلونها في فرساي. ويذكرون كيف ألغيت المراقبة ~~وأطلقت الحريات لمناسبة الانتخابات، وكيف أقبلت «الطبقة الثالثة» بموسم من الكراريس # Cahiers # تعين وجهة نظرها في الإصلاحات المنشودة. ~~وكانت هذه الطبقة، بالاستناد إلى كثرة أفرادها (97 في المائة من الأمة)، صريحة في طلب ~~عدد من الممثلين لها يساوي مجموع ممثلي الطبقتين الأخريين: الأشراف والإكليروس. ~~وكانت كذلك صريحة في طلب اجتماع النواب كلهم هيئة واحدة، وفي طلب التصويت بالأفراد لا ~~بالطبقة، ثم في طلب دستور وطني يقيد «السلطة المطلقة التي هي منبع الشرور النازلة ~~بالدولة»، على تعبير أحد الكراريس. # ومن هنا يتقدم المؤرخون إلى ذكرى انعقاد المجالس في دورة عامة، في الموعد المضروب؛ ~~أي في 5 أيار سنة 1789. ولم تكن هذه المجالس قد انعقدت في دورة عامة منذ سنة 1614 ~~أيام الملك القاصر لويس الثالث عشر وأمه الوصية على العرش ماري المديتشية. وكان ممثلو ~~الطبقة الثالثة لم ينسوا كيف زل أحدهم، يومذاك، فقال: «نحن أبناء أسرة واحدة؛ ~~الأشراف هم الإخوة الكبار ونحن الإخوة الصغار.» فغلى دم نبيل من النبلاء و«رقص» ~~عليه عصاه جزاء وفاقا لهذه الإهانة. ولم يكونوا قد نسوا أيضا كلمات روبير ميرون إذ ~~قال: «الملك هو السيد، ولكن شرط أن يحكم الحكم الصالح؛ فالشعب لا يلبث أن يدرك أن ~~الجندي ليس إلا فلاحا يحمل السلاح!» فلم يطل الوقت حتى ms011 وفد النواب مرة إلى قاعة ~~الاجتماع فوجدوها مقفلة، وقال لهم قائل: «لقد احتاج إليها البلاط الملكي لحفلة رقص ~~تقام قريبا!» فعادوا أدراجهم، وانطوت القضية. # أجل، يذكر مؤرخو الثورة الفرنسية كيف أن نواب الطبقة الثالثة كانوا في سنة 1789 ~~عازمين على ألا تنطوي القضية كما انطوت سنة 1614. # وبدأت المشادة العنيفة الحادة. وأصر ممثلو الطبقة الثالثة على أن تكون ~~الجلسات مشتركة بين النواب جميعهم حتى لا يجتمع ممثلو كل طبقة على حدة، وأصروا ~~على طلب التصويت فردا فردا لا طبقة طبقة. وكان قد سبق لهم أن نجحوا في إرسال عدد ~~من النواب يساوي نواب الطبقتين الأخريين. # 7 # وهكذا بات في إمكانهم إحراز الأكثرية في الجلسات؛ لأنهم كانوا يتوقعون ~~أن تنحاز إليهم فئة الأشراف الصغار والإكليروس الفقراء كما حصل فعلا فيما بعد. # ولم تطل المشادة حتى أعلن ممثلو الطبقة الثالثة تأليف «الجمعية الوطنية» في ~~17 حزيران سنة 1789، فكانت تلك خطوة جريئة أسفرت عن هيئة من النواب الوطنيين ~~تمثل أكثرية الأمة، وتتكلم باسم الوطن، وتستند إلى إرادة الأمة التي تعتبر من ~~حقها إثبات وجودها؛ فالجمعية الوطنية هي أول برلمان فرنسي بالمعنى الحديث. # ونوى الملك أن يكرر ما وقع سنة 1614، إلا أن الجمعية الوطنية ردت عليه بالقسم ~~المشهور الذي أقسمته في بهو «جي دي ~~بوم» # Jeu de Paume # وفيه تعهد النواب «بالاجتماع مهما تكن الأحوال والظروف إلى أن ~~يصكوا دستورا للبلاد!» # وفي 23 حزيران سنة 1789 عقدت دورة عامة حضرها الملك وممثلو الطبقات، أسفرت عن ~~غضب الملك وانسحابه من الجلسة تتبعه غالبية الأشراف، على أن قسما كبيرا من الإكليروس ~~وفئة من الأشراف أنفسهم لبثوا مع ممثلي الطبقة الثالثة. وفي هذه الجلسة صرخ ميرابو ~~كلمته التاريخية: «نحن هنا بإرادة الشعب ولا نخرج إلا بقوة الحراب!» وكانت كلمته تلك ~~موجهة إلى رسول الملك الذي أقبل يأمر النواب بالانفضاض. # فاتضح عندئذ أن أي لجوء من الملك إلى استعمال القوة ضد النواب سيعني لجوء النواب ~~والشعب إلى المقاومة. وطرحت على بساط التاريخ الفرنسي مسألة لطالما طرحت في حياة ~~الشعوب: ms012 أهي السلطة المطلقة التي تحكم أم إرادة الجماعة؟ # كان إذ ذاك في متناول الملك عدد من الجنود الحراس، ولكن هؤلاء كانوا من أبناء ~~الشعب الباريسي، فهل يطيعونه إذا أمرهم بطرد النواب؟ وكان في متناوله أيضا عدد من ~~الخيالة الأشراف، لكن الأحرار (الليبرال) من الأشراف؛ أمثال لافاييت، أفهموا أبناء ~~طبقتهم أنهم إذا أشرعوا سلاحهم على المجلس قابلوهم بالسلاح، فوقف الملك موقف الحذر من ~~اتخاذ تدبير غير مأمون العواقب. وفي 27 حزيران سنة 1789 أقر جميع مطالب الأكثرية ~~من النواب. # وأعلنت الجمعية الوطنية نفسها جمعية دستورية في 9 تموز. # وهنا يذكر مؤرخو الثورة كيف أن الملك ومعظم البلاطيين لم يكونوا ليرضوا عن ~~تطور الحوادث، بل لم يكن في نيتهم الرضوخ لها، إلا أنهم تراجعوا ريثما يهيئون القوة ~~التي بها يردون الضربة بجيش يصح الاعتماد عليه. # واتجهت الجمعية الوطنية إلى حشد التأييد الشعبي. وصرف الملك وزيره «نكر» من الخدمة ~~في 11 تموز؛ لأنه حمله قسطا من المسئولية عن تطور الحوادث المزعجة، فبات الشعب ~~الباريسي يتحدث عن عزل «الوزير الوطني». # وطفقت جماهير الشعب تظهر على مسرح الحوادث في شوارع باريس، عنيفة غاضبة، وبعض ~~المؤرخين ينعتونها بالعمى # Multitude Aveugle ~~. # 8 # فإذا صح هذا كان غريبا أن ترى هذه الجماهير «العمياء» طريقها إلى ~~الباستيل، في 14 تموز سنة 1789، فتهدمه، ويصبح هذا التاريخ حدا فاصلا انتهى عنده ~~«النظام القديم»، وعيدا وطنيا تعيده الأمة الفرنسية. ومهما يكن من شيء، فإن ~~الجماهير «العمياء» أدركت فورا معنى طوائف الجنود الأجنبية التي يحشدها الملك بين ~~فرساي وباريس، وفهمت مغزى جواب الملك للجمعية الوطنية لما طلب منه النواب صرف الجنود، ~~فأجابهم: «انطلقوا إلى نوايون أو سواسن فاعقدوا اجتماعاتكم.» فما كان من الجماهير إلا ~~أن انطلقت إلى # Hôtel de Ville # فشكلت فيه مجلسا ~~بلديا # Commune # 9 # يحكم باريس، وإلى # Hôtel des Invalides # فاستولت على الأسلحة، وألفت الحرس الوطني بقيادة لافاييت، واتخذت شارة الألوان ~~الثلاثة، وشعار: الحرية والإخاء والمساواة، وفتحت الباستيل. # ومؤرخو الثورة الفرنسية مجمعون على أن سقوط هذه القلعة كان حادثا «رمزيا» من ms013 أعظم ~~حوادث الثورة. ولويس السادس عشر لم يدرك تمام الإدراك أنه أمام ثورة إلا لما بلغه أحد ~~الدوقات نبأ سقوط القلعة هاتفا: «إنه لعصيان!» فأجابه لويس: «بل إنها لثورة!» وأيقن أن ~~الجمعية الوطنية قد اكتسحت الموقف، فرأى أن يتحاشى وقتيا صدم إرادته ~~بإرادتها. # وكان تشكيل المجلس البلدي الباريسي في # Hôtel de Ville # والاستيلاء على الأسلحة وتأليف الحرس الوطني والهجوم على الباستيل صيغا وقوالب للعمل ~~سبقت إليها مدينة باريس؛ فلم تلبث أن حذت حذوها فرنسا كلها. ولعل العالم لا يعرف ~~بلادا كفرنسا يكاد يكون تاريخها، الحديث على الأخص، تاريخ عاصمتها: «إن باريس تجر ~~فرنسا وراءها.» # وهنا يذكر المؤرخون كيف لم يلبث الهيجان أن سرى إلى الأقاليم، فكانت فترة ~~الهلع الكبير # La Grande Peur ~~، وطفق المزارعون ~~وطوائف الفقراء المتشردين يهاجمون قصور الأشراف وأملاك الكنيسة الواسعة، ويحرقون ~~صكوك الامتيازات الإقطاعية، ويقومون بأعمال العنف، فحاول الحرس الوطني وجنود الملك أن ~~يقمعوهم، ولكن بلا جدوى. # وكان معنى هذا أن طبقة من المجتمع ظهرت في ميدان العمل الثوري ظهورا جديا، ~~نقصد بها الطبقة الرابعة # Quatrième Etat ~~. ورأت الجمعية ~~الوطنية أن سقوط الباستيل، وإن يكن قد صفى حساب النظام القديم من الجهة السياسية، فما ~~زالت ثمة مشكلة اجتماعية تتعلق بالنظام القديم لا بد من تصفيتها، فالتأم النواب ~~في الليلة التاريخية المشهورة بليلة 4 آب سنة 1789 فألغوا الامتيازات والحقوق ~~الإقطاعية. وكثيرون من الأشراف والإكليروس أعلنوا تنازلهم عن حقوقهم وامتيازاتهم، ~~إما بجارف الحماسة ودافع الاقتناع وإما بعامل الخوف. # ومن ثم انصرف نواب الجمعية الوطنية، في شهر آب، إلى إخراج بيان مبدئي يبررون ~~فيه الانقلاب الذي أحدثوه في الحياة الفرنسية. وهكذا أخرجوا للناس نشرة «حقوق الإنسان» ~~الشهيرة (وقد أثبتناها في صدر من هذا الكتاب). ومن يقرأها يشعر بما كان للثورة ~~الإنكليزية والأميركية، ولمفكري القرن الثامن عشر، من أثر قوي فيها. ويمكن تلخيصها ~~بالنقاط التالية: السيادة للأمة، تساوي الناس في الحقوق والواجبات العامة، حق الناس في ~~الحرية الفردية والطباعية والكلامية، حق الناس في الأمن على أملاكهم، حق الناس في ~~اختيار ms014 العقيدة الدينية واتباعها ... # وبدا كأن الحركة الانقلابية قد بلغت ذروتها. لكن بقاء الملك في فرساي، وغلاء ~~الغذاء، واجتماع أجناد جديدة إلى قصر الملك، كل ذلك جعل الشعب غير مطمئن إلى سلامة ~~الإصلاحات والانتصارات التي أحرزها، فزحفت، في 5 تشرين الأول، جمهرة غفيرة من النساء ~~المسلحات يتبعها لافاييت والحرس الوطني إلى فرساي، فانتقل الملك بعائلته إلى قصر ~~التويلري في باريس؛ حيث باتت الجمعية الوطنية تعقد اجتماعاتها أيضا. # أعقبت ذلك فترة من هدوء، وعيدت فرنسا عيد 14 تموز لأول مرة، وهو اليوم الذي هدم ~~فيه الباستيل؛ فحضر العيد ممثلون عن الحرس الوطني أقبلوا من جميع أقاليم فرنسا، وأقيم ~~هيكل للوطن، وأقسم لافاييت قائد الحرس الوطني يمين الولاء للدستور والقانون والملك، ثم ~~أقسم الملك - الذي حضر العيد أيضا - يمين الولاء للدستور، وعرف هذا العيد بعيد الاتحاد # Féte de la Fédération ~~، وأصبح الفرنسي بعده ~~لا يتحدث إلا عن «أمة فرنسية»، وكان من قبل يقال مثلا: الأمة البريتونية أو ~~البروفنسية، تبعا لاسم الإقليم. # وهنا يذكر مؤرخو الثورة كيف أن الملك لويس السادس عشر لم يستطع أن يوطن نفسه على ~~مسايرة الوضع الجديد، فأخذ ينسج نسجا ويحبك حبكا في الخفاء، وأمل أن يوقع خلافا ~~في صفوف الجمعية الوطنية من ناحية، # 10 # وأن يستعين، من ناحية أخرى، بتدخل الملوك، لا سيما نسيبه ملك النمسا. ~~ومن المؤرخين من يحبون أن يزيلوا عنه هذه التهم ليحملوها امرأته ماري أنطوانيت. ~~ومهما يكن من أمر، فالواقع أن الملك هرب متنكرا إلى فارين، في حزيران سنة 1791، وهو ~~ينوي أن يقود جيش المركيز دي بوييه # de Bouillé # إلى ~~باريس لقمع فورانها. على أن العيون كشفته فأعيد مخفورا إلى العاصمة، وأوقفته ~~الجمعية الوطنية عن ممارسة سلطاته وقتيا، وتشدد الحزب الجمهوري، إلا أن أكثرية ~~النواب كانوا لا يزالون ملكيين، فلما انتشبت مظاهرة في شان دي مارس # Champs de Mars # تنادي بالجمهورية فرقتها ~~الجمعية الوطنية بالقوة. # عند هذا الحد يقف مؤرخو الثورة وقفة ليلخصوا أعمال الجمعية الوطنية الدستورية. ~~لقد أعطت هذه الجمعية فرنسا دستورا هو المعروف ms015 بدستور سنة 1791 (صيغ بالتدريج فلم ~~يكتمل إلا في هذا العام، مع أن البدء به كان سنة 1789). ومؤدى هذا الدستور أنه يجعل ~~نظام الحكم في فرنسا ملكية مقيدة، ويمنح الملك سلطات واسعة كحق وقف التنفيذ لأجل # Veto Suspensif ~~، # 11 # واختيار وزرائه وقادته. إلا أن على الملك الخضوع للقانون، وهو ليس ملك ~~فرنسا، بل ملك الفرنسيين، # 12 # والفرنسيون ليسوا رعية # Sujets ~~، ولكنهم ~~مواطنون # Citoyens ~~؛ فوضع الملك في الدولة أشبه ~~بوضع موظف أول وراثي، والقوانين تسنها هيئة نيابية هي الجمعية التشريعية، ~~والسلطات ثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. أما التنفيذية فمعظمها بيد الملك. ~~وأما التشريعية فللجمعية المسماة بهذا الاسم (أو البرلمان المنتخب)، ويجري الانتخاب ~~على درجتين، ولا يصوت إلا من يدفع ثلاثة فرنكات ضرائب # 13 # على الأقل (حوالي 30 أو 40 فرنكا اليوم). وهؤلاء هم المواطنون العاملون # Citoyens Actifs # تمييزا لهم عن المواطنين ~~غير العاملين؛ أي الذين لا يملكون ما يدفعون عليه ~~ضرائب. وقد احتج روبسبيير وماراه، عضوا نادي اليعاقبة، على هذا التدبير الذي يخالف ~~إعلان حقوق الإنسان ويجرد نحوا من ثلاثة ملايين ناخب من حق الانتخاب، مسيئا بذلك ~~إلى السيادة الوطنية المنبثقة من الأمة. وأما السلطة القضائية فجعلت لمحاكم نظمت ~~تنظيما جديدا يرأسها قضاة كلهم منتخبون. # وقسمت الجمعية الوطنية فرنسا تقسيما جديدا إلى مناطق فما دونها، فسهلت ~~إدارتها، وجعلت هيئات الإدارة انتخابية. وسنت للإكليروس دستورا مدنيا خاصا؛ ~~فمنهم من لم يرض به فسميت فئته الإكليروس المخالف # Réfractaire ~~، ومنهم من قبل به فسميت فئته الإكليروس الدستوري. وكان ~~جل هؤلاء من الفقراء والهابطين في سلم الرتب الكهنوتية، فاستولوا على الأبرشيات ~~والكنائس. # وانتهى دور الجمعية الوطنية، فأفسحت المجال للجمعية التشريعية، عملا بالدستور، في 30 ~~أيلول سنة 1791. # لكن فرنسا كانت، إذ ذاك، في خطر من الحرب والمداخلة الأجنبية؛ إذ إن ملوك أوروبا - ~~وعلى رأسهم إمبراطور النمسا - شاءوا أن يفرضوا إرادتهم على البلاد «الخارجة»، فأعلنوا ~~«تصريح بلنتز» الشهير، وأيدهم في ذلك نفر من كبار البلاط والإكليروس ممن لم تعجبهم ~~الإصلاحات فغادروا فرنسا ليستعينوا بالأجانب على إحداث ردة، واحتشدت ms016 منهم فرق ~~في «كوبلنز» ليكونوا طليعة جيوش التدخل الأجنبية. # ويقبل المؤرخون على عهد الجمعية التشريعية، فيذكرون إعلان الحرب على النمسا في 20 ~~نيسان سنة 1792. وكان إعلان الحرب حقا من حقوق الملك بموجب الدستور. ويقول بعض ~~المؤرخين أنه لم يتريث في إعلانها لاعتقاده أن المقاومة الفرنسية سريعا ما تنهار، ~~فيقضى على النظام الجديد. ثم يذكر المؤرخون كيف أصيبت الجيوش الفرنسية، المنظمة ~~حديثا، بهزائم كبيرة. ويذكرون كيف أكثر الملك من استعمال حقه في ال # Veto ~~، وكيف تظاهر الباريسيون لدى قصر التويلري حيث ~~يقيم الملك. لكن لويس السادس عشر، بعد الهزائم العسكرية التي منيت بها الجيوش ~~الفرنسية، قويت آماله بإمكان إحداث الردة، فتحصن في قصره واستعان بالحرس السويسري ~~للدفاع عن نفسه ضد الشعب الهائج، وحث المتدخلين على اجتياح فرنسا والإسراع لنجدته، ~~فأعلنت الجمعية التشريعية أن الوطن في خطر، فهرع المتطوعون إلى الصفوف، وأذاع «دوق ~~برونشفيك»، قائد الجيش البروسي الذي حالف النمسويين، أنه سيدمر باريس إذا هاجم ~~الشعب قصر التويلري، فاستفز ذلك الباريسيين بدلا من ترويعهم، فأقاموا عامية ~~للعصيان الثوري في «أوتيل دي فيل»، واندفعوا إلى محاصرة قصر الملك بغية افتتاحه، ~~وأنجدتهم كتائب من الجماهير زاحفة من مرسيليا وهي تنشد «المارسيلياز» الذي أصبح ~~نشيد الثورة ونشيد فرنسا الوطني، # 14 # وتغلب الثائرون على الحرس واستولوا على القصر في 10 آب سنة 1792، فلجأ ~~الملك وعائلته إلى الجمعية، فأودع قصر «التامبل» وهو سجين. وهكذا ألغيت الملكية ~~عمليا، وإن لم تلغ نظريا. وأقامت الجمعية حكومة موقتة من أعضائها دانتون، وأمرت ~~بإجراء انتخابات جديدة لتقوم جمعية جديدة على أساس الاقتراع العام # Suffrage Universel # 15 # لتقوم جمعية جديدة تعدل الدستور إذا رأت ذلك مناسبا. # 16 # وكان أيلول، والجيش البروسي المتدخل يزحف على باريس بعد أن استولى على فردان، فأحس ~~الشعب بدنو معركة حاسمة، فاشتد استعداده، ومثل ماراه دورا عظيما في استنهاض الهمم. ~~وأكثر المؤرخين يستفظعون هذه المذابح، مذابح أيلول. ويحتمل أنها جرفت عددا كبيرا ~~من الأبرياء. ولكن قصد الشعب منها تطهير مؤخرته من العناصر التي قد تكون عونا للعدو ~~المهاجم ms017 بطعنة تطعنها في الظهر. على أن العدو لم يستطع الوصول إلى باريس؛ لأن الجيش ~~الفرنسي الجديد بقيادة ديمورييه وكلرمان (لا سيما كلرمان) هزمهم في فالمي في 20 أيلول ~~سنة 1792. ويقال إن فالمي لم تكن معركة هائلة بحوادثها العسكرية، إلا أنها كانت ~~عظيمة بمدى تأثيرها التاريخي. والصيحة التي ملأت أفواه الفرنسيين: «لتحيا الأمة!» ~~ذهبت بعيدا في أوروبا والعالم. وهتف «غوته» ليلة المعركة: «من هذا المكان، ومن هذا ~~اليوم، تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدنيا.» # وانتهى أجل الجمعية التشريعية في النهار الذي وقعت فيه معركة فلمي، وحل محلها ~~المؤتمر الوطني # La Convention ~~. وكان أول ما ~~صنع أن أعلن الجمهورية الفرنسية الأولى في 22 أيلول ~~سنة 1792، وجعل هذا الحادث تاريخا يؤرخ منه، وغير أسماء الشهور، واصطنع تقويما ~~جديدا. # وهنا يذكر المؤرخون التشكيل الحزبي الذي تألف منه المؤتمر الوطني؛ ففي اليمين كان ~~حزب الجيرونديين (نسبة إلى الجيروند) # 17 # وزعيمهم بريسو، ومنهم: فرنيو وكوندورسيه ومدام رولان التي جعلت من بيتها ~~ناديا لهم. وكان الجيرونديون يتوجسون من أعمال الشعب ويخشون نفوذ عامية باريس، ~~وكان من رأيهم أن تتخذ الجمهورية الفرنسية المنوي إعلانها صيغة اتحادية # Fédérative # كالولايات المتحدة الأميركية. # وإلى شمال المؤتمر كان «حزب الجبل» يجلس نوابه على مرتقى في القاعة، وهم من ~~اليعاقبة والكرادلة (نسبة إلى النادي اليعقوبي ونادي الكرادلة # Cordeliers ~~)، ومن أعلامهم: روبسبيير ودانتون وماراه وهيبرت وكاميل ~~ديمولان، وكان أهم الأعضاء في أحد الناديين أعضاء في الآخر. إلا أن الكرادلة كانت ~~تغلب عليهم خطة تطرف مقررة سلفا، وكانوا أحيانا ينهجون نهج «المزاد العلني» في ~~طلب التدابير والإصلاحات، وينادون بما يسمونه «الثورة إلى النهاية». لكن نادي الكرادلة ~~لم يشتهر كاشتهار نادي اليعاقبة الذي تألف أولا من نواب مقاطعة بريتانيا فسمي ~~النادي البريتاني، ثم لما استقر النواب في باريس استأجر دير اليعاقبة مكانا ~~لاجتماعاته فنسب إليه، ونشأت له فروع في جهات فرنسا بلغت الأربعمائة، وكان يعتمد على ~~هذه الفروع في تقوية نفوذه، ويستند إلى تأييد عامية باريس والتدخل الشعبي. أما ~~الصيغة الاتحادية للجمهورية فكان يقاومها ويقول: «إن ms018 الجمهورية وحدة لا ~~تتجزأ.» # وفي وسط المؤتمر كان «حزب السهل»، وهو الذي يقوم بدور الترجيح في التصويت، وكان أكثر ~~ما يصوت للجيرونديين قبل سقوطهم. # أعلن المؤتمر الوطني الجمهورية، ولم يلبث أن أخرج الملك السجين من محبسه فحاكمه وقضى ~~عليه بالإعدام، فقدم إلى المقصلة في 20 كانون الثاني سنة 1793. أما التهم الموجهة ~~إليه فكانت المؤامرة على الحرية العامة، والاتصال بالأجانب، وتعريض الوطن للغزو ~~الأجنبي، وسفك دم الفرنسيين. وكان آخر ما وجهه إليه رئيس المحكمة في استنطاقه هذا ~~الكلام: «لقد أحدثت سفك دم فرنسي في 10 آب، # 18 # فبم تجيب؟» وبين مؤرخي الثورة والكتاب عنها جدل طويل حول قضية إعدام الملك. # 19 # أما في ساحات القتال فقد أحرزت الجيوش الفرنسية، في طليعة عهد المؤتمر، انتصارا ~~أكمل حلقة فالمي، فقهرت النمسويين في جاماب (5 تشرين الثاني سنة 1792)، وطردتهم من ~~البلجيك، وضمت كونتية نيس، ودخلت إقليم السافوا الذي قرر الالتحاق بالجمهورية ~~الفرنسية بعد القضاء على النظام القديم فيه. # لكن فرنسا لم تلبث أن وجدت نفسها مطوقة؛ فقد هبت عليها أوروبا من النمسا، إلى ~~روسيا، إلى إنكلترا، إلى إسبانيا. ومن هذه الدول من كانت تخشى اتساع النفوذ الفرنسي، ~~ومنها من كانت تخشى عدوى المبادئ، لا سيما بعد إعدام الملك. # 20 # وانضم إلى هذا التحالف العام ضد فرنسا: هولندا وأمراء إيطاليا. # شجع هذا التحالف الخارجي انتقاضا داخليا ملكيا في إقليم فانديه # Vendée ~~، فلم يستطع المؤتمر أن يقمع تلك الثورة إلا بعد ~~عراك شديد دام حتى تشرين الأول سنة 1793. وأصابت الجيوش الفرنسية هزائم في البلجيك ~~فاضطرت إلى الجلاء عنها، وباتت أرض فرنسا عرضة للغزو والاجتياح من جهات ~~عديدة. # ويذكر المؤرخون في هذه المرحلة كيف قامت عامية باريس بأكبر دور مثلته حتى ~~الآن في الثورة؛ إذ حاصرت المؤتمر بقيادة هنريو، وحملته على اعتقال أعضائه من ~~«الجيروند» متهمة إياهم بالتساهل في مصلحة الوطن، وبالمواطأة مع القائد ديمورييه الذي ~~خان وانضم إلى النمسويين. ومنذ 2 حزيران سنة 1793 انحصرت السلطة في حزب الجبل ~~واليعاقبة، فثار أتباع الجيروند، وبدا وكأن الجمهورية ms019 الفرنسية الأولى لن يتيسر ~~إنقاذها بسبب التمزق الداخلي والضغط الخارجي. لكن المؤتمر أقام لجنة الإنقاذ العامة # Comité de Salut Publique # مؤلفة من ~~اثني عشر عضوا، وهي اللجنة التي وضع روبسبيير يده على دفتها فسيرها في أعصب ~~الأوقات. وبعض مؤرخي الثورة يتفل على اليد الروبسبييرية، وبعضهم ينصرف إلى المفاضلة ~~بينه وبين دانتون. والواضح أن مصير الثورة، بل مصير فرنسا، كان إذ ذاك معلقا بشعرة، ~~وكان الوضع يقتضي أولا: كفاحا لا هوادة فيه ضد «ميمنة» الجيروند التي دفع بها إخراجها ~~من السلطة إلى أحضان الرجعية الناقمة وإلى استعمال الاغتيال، كما ظهر من قتل الفتاة ~~الجيروندية، شارلوت كورداي، لماراه، أحد أعلام الثورة الشعبيين؛ وكان الوضع يقتضي ~~ثانيا: كفاحا لا هوادة فيه ضد «ميسرة» لا تعرف حدا تقف عنده، يسكرها النجاح ~~وتصر على استفزازات تقصي التأييد عن الثورة، كما تبين من تطرف شوميت إلى ~~«إلغاء الدين» و«عبادة العقل» في شخص امرأة حسناء تنصب إلها! # 21 # تجاه هذا الوضع كان لا بد من إرادة فولاذية بصيرة تقبض على دفة السلطة فتعين ~~هدف البلاد الرئيس؛ أي إنقاذ الوطن، وإنقاذ الثورة بحشد قوة الشعب، وتهييء الوسائل من ~~أسلحة وغيرها لسحق الأعداء في الداخل وضربهم في الخارج. ولقد وجد الشعب الفرنسي يومذاك ~~هذه الإرادة الفولاذية في روبسبيير ولقبه ب «المعصوم من الفساد» # L’incorruptible ~~. # باشر روبسبيير وأعوانه تنظيم الجيوش الجديدة، وأشرفوا على تنشيط إنتاج العتاد ~~والذخيرة، وهيئوا الأموال بتصريف الأملاك المصادرة، وأقاموا المحكمة الثورية # Tribunal Révolutionnaire # فأرسلوا الكثيرين ~~إلى المقصلة. والمؤرخون يعترفون بأن هذا العهد أنقذ فرنسا والثورة من سحق تام، وكشف ~~الستار عن حيوية في الشعب أدهشت العالم. # من السهل جدا على مؤرخ أن يفرد حادثة إعدام واحدة مثلا فيقول ويقول إلى أن ~~ينتهي بالحكم القاضي على روبسبيير «الدموي» وعلى عهد «الإرهاب الصغير والكبير»، لكن ~~التاريخ لا يحكم على رجل كروبسبيير وعهده بهذا الأسلوب. # 22 # في هذه المرحلة برز قادة فرنسيون مبدعون كالقائد كارنو «منظم النصر» ومنظم غضب ~~الشعب عسكريا، # 23 # والقائد هوش ومارسو وجوردان ... إلخ، فحرروا الأرض ms020 الفرنسية من سطو الجيوش ~~الأجنبية التي كانت تدق أبواب الوطن، وهي أوفر عددا وأحسن عدة. وقمعوا كذلك ~~الحركات الداخلية وأهمها الفانديه الملكية. ثم ما لبثوا أن دفعوا القوات الفرنسية ~~إلى خارج بلادهم، فسحق جوردان النمسويين في معركة فلوريس سنة 1794، واحتل البلجيك، ~~واستولى الفرنسيون على هولندا وأسطولها، وتقدموا إلى الشاطئ الأيسر من نهر ~~الران. # وفي الوقت الذي أصبحت فيه أرض فرنسا في مأمن من الغزو تبين لفريق كبير أن ~~لجنة الإنقاذ العامة وسيطرة روبسبيير لم يبق لهما ضرورة، فسقط روبسبيير في 9 ترميدور ~~من السنة الثانية لتأسيس الجمهورية (27 تموز سنة 1794) وسيق إلى المقصلة مع سان جوست ~~وكوتون، ولم تستطع عامية باريس أن تحشد من القوة ما ينقذ الرجل؛ ذلك أن الحاجة إليه ~~وإلى عهده انقضت في رأي فئات كثيرة من الناس. وتبين أيضا، بعد المعاهدات التي ~~عقدتها فرنسا المنتصرة مع دول أوروبا سنة 1795، أن المؤتمر الوطني نفسه لم تبق إليه ~~حاجة، فانفض في 26 تشرين الأول سنة 1795. # ولم يقتصر عمل المؤتمر على الكفاح العنيف في الداخل والخارج، بل صك دستور سنة 1795 ~~(دستور السنة الثالثة بحسب التقويم الجمهوري)، وهو القانون الأساسي الذي استهدف تنظيم ~~الجمهورية الفرنسية الأولى، فأودع السلطة التنفيذية أيدي خمسة مديرين، وأقام ~~لجانا محل الوزارات، وجعل المجلس النيابي قسمين: القدماء (أو الشيوخ) # Les Anciens # ومجلس الخمسمائة، وقضى على آخر بقية ~~باقية من الحقوق الإقطاعية، وأمر بنص مجموعة قوانين # Code # واحدة للبلاد كلها، وبدأ يحول جهده نحو تسوية المشاكل ~~المالية وأولها الدين العام الناشئ عن نفقات الحرب. # واهتم المؤتمر بالثقافة العالية والعامة اهتماما جديا مثمرا، فقرر التعليم ~~الابتدائي العلماني إجباريا، وأنشأ المدارس المركزية ~~للتهذيب الثانوي، إلا أنه لم يوفق إلى استكمال ~~الهدف المنشود، وأسس مدرسة بوليتكنيك Polytechnique # ودار المعلمين ومدرسة «مارس» للضباط، وأقام المجمع الوطني للعلماء # Institut National # ومتحف التاريخ الطبيعي، ~~وجدد كلية فرنسية و«دار الوثائق الوطنية» للمستندات التاريخية # Archives Nationales ~~، وأدخل القاعدة المترية في المقاييس والمكاييل ~~وهي أوفق مصطلح من نوعه. # وهنالك ناحية من أعمال المؤتمر الوطني يحب ms021 السكوت عنها كثير من المؤرخين، ويسير ~~منهم من يذكركها، ألا وهي ناحية العلاقة بين الدولة المركزية ومستعمرات فرنسا ~~القليلة إذ ذاك. # كان معظم سكان هذه المستعمرات من العبيد الأرقاء، فلما وصلتهم طلائع أنباء الثورة ~~أملوا خيرا وتهيئوا لاستقبال عهد جديد تقوم فيه العلاقة بينهم وبين الدولة ~~المركزية على أساس جديد. ولم يلبث أعلام الثورة أن وجدوا أنفسهم في موقف حرج؛ فهم ~~أمام تعاليم الفلاسفة الذين يستوحونهم ومبادئ حقوق الإنسان لا يستطيعون أن ينكروا على ~~العبيد وأهل المستعمرات حقوقهم، إلا أنهم (الكثيرين منهم) إنما قصدوا بهذه المبادئ ~~الإنسانية المطلقة أن تكون سلاحا ضد ذوي الامتيازات في الداخل، أما أن يستعمل العبيد ~~وأهل المستعمرات تلك المبادئ سلاحا حقوقيا يتقوون به فهذه مسألة أخرى. وانشق ~~أعلام الثورة إلى أقسام: قسم يرفض مطالب المستعمرات والعبيد، وقسم يتردد، وقسم يرى ~~من الضروري الاعتراف بهذه المطالب وفقا لشعارات الثورة، فلما كان عهد المؤتمر الوطني، ~~عمل روبسبيير على إلغاء الرق بغير تحفظ، # 24 # وهو لا يبالي بما اتهم به من تضييع الحقوق المسماة «حقوق فرنسا»؛ أي ~~حقوق تجار الرقيق وكبار أهل الجاليات. وكانت النتيجة عجيبة؛ إذ إن عبيد المستعمرات ~~وأبناء الشعب من الجاليات الفرنسية انتظموا في صفوف واحدة، ودافعوا بمؤازرة من رسل ~~«الكونفانسيون» عن أرض المستعمرات دفاعا رائعا طرد جيوش التدخل الأجنبية وأعوانهم ~~من تجار الرقيق وكبار أهل الجاليات، وأبقوا هذه الأرض تابعة لفرنسا التي أصبحت لهم ~~وطنا أما حقيقيا بعد تطبيق قوانينها الثورية عليهم وعلى الفرنسيين سواء بسواء. ~~وفي هذا العهد برز الزعيم الأسود الكبير توسان لوفرتور، فأنشأ في سان دومنغ كلها ~~حكومة حرة في نطاق الكيان الفرنسي (بعد أن طرد الإسبان من قسمهم في الجزيرة)، وأبدى ~~هو وأعوانه العبيد من الكفاءة ما نقض الزعم القائل بأن العبيد لا قدرة لهم على مماشاة ~~التمدن وخلقه، وبالتالي نقض كل زعم يقول بضرورة سيطرة عرق بشري على عرق ~~آخر. وكذلك أيدت تدابير المؤتمر الوطني الرأي القائل بأن اعتراف الشعوب بعضها بحقوق ~~بعض يقرب بينها ولا يباعد. # ولا جدال ms022 في أن المؤتمر الوطني الفرنسي يحتل أجرأ صفحة، وأبكر صفحة، في تاريخ إلغاء ~~الرق وتحرير العبيد. ومعظم الاهتمام بقضية الرق والعبيد كان من قبل مصروفا إلى إرشاد ~~الأسياد وترقيق قلوبهم، أو إلى منع الاتجار بالسود «المساكين». # 25 # على أنها صفحة مجيدة للمؤتمر الوطني لم يطل أمدها؛ فإن الرجعة النابليونية طوتها، ~~ونابليون هو صاحب الكلمة «الرق شر ضروري.» ويمكن القول إن خطوة المؤتمر الوطني ~~تلك لم تقع بعدها حتى اليوم خطوة تاريخية تعادلها جرأة في الدول التي تتعلق بها ~~قضية عبيد أرقاء. # 26 # وهناك ناحية أخرى يحب أكثر مؤرخي الثورة السكوت عنها إذ يتحدثون عن المؤتمر ~~الوطني، وهي: ناحية التموين وتوفير الإعاشة في وقت من أوقات الحرب كان عصيبا جدا ~~على فرنسا. ولم يقف روبسبيير عند حد في كبح جماح الذين لا يرون في الأحوال العصيبة ~~إلا فرصة للانتفاع الخاص، وكثير من الحملة على العهد الروبسبييري يرجع إلى ذكريات ~~مزعجة تركها هذا العهد لمجوعي الشعب فخافوا أن تصبح خطته سنة تتبع. # وبعد عهد المؤتمر الوطني يقبل المؤرخون على عهد الإدارة # Le ~~Directoire ~~، وهي حكومة جمهورية الصيغة قامت على قواعد دستور ~~سنة 1795. ولا يغفل المؤرخون أن يذكروا أن هذه الحكومة سبقها عهد الردة ~~الترميدورية على أثر إعدام روبسبيير ؛ فعادت إلى ميدان العمل عناصر ملكية (وجيروندية ~~أيضا) همها الانتقام للأمس وإحداث المصاعب والمتاعب أملا بالرجعة. ومن المؤرخين من ~~يذهب إلى أن 9 ترميدور وإزالة روبسبيير جاءا قبل الأوان، فتركا من الأثر والنفوذ ~~للعناصر المعادية للثورة أو المترددة فيها ما جعل حياة فرنسا السياسية عرضة لدفع ~~وجذب داخليين قويين. والذي لا شك فيه أن حكومة الإدارة ظهرت قاصرة عن معالجة ~~المشاكل التي جابهتها؛ فقد وجدت أمامها الديون المالية الناشئة عن نفقات الحرب، ورأت ~~تأزم التفاوت الاقتصادي بين طبقات الشعب، وكان في أعضائها فاسدون مرتشون # 27 # بعيدون عن النظافة الخلقية التي تجسمت في اليعقوبي الكبير روبسبيير، ~~وكثرت خروق الحكومة للدستور، # 28 # واشتد حنق الشعب واستنكاره لحالة بؤسه، بينما انصرفت الهيئات الميسورة من ~~المجتمع إلى حياة ms023 متعة وإسراف أوغلت فيها بعد عهد التقنين الروبسبيري والصوفية ~~الثورية، وتكتل فقراء الشعب في باريس حول غراكوس بابوف وطالبوا بالمساواة الاقتصادية ~~مع المساواة الحقوقية، فقمعتهم الحكومة، واصطدمت بالملكيين، واتضح أنها في ~~الداخل بين ضغطين شديدين من اليسار واليمين. # وهكذا طرحت على بساط الضرورة مسألة حكم عسكري يضمن للطبقة التي قادت الثورة في ~~الأصل (أي الطبقة الوسطى # Tiers Etat ~~) هدوءا داخليا، ~~ويدفع بفرنسا في طريق التوسع الاستعماري؛ فكان نابليون قنصلا رئيسا، أول الأمر، بعد ~~رجوعه من الحملة على مصر؛ وتلك هي «الفلتة» المعروفة ب 18 بريمير (سنة 1799)، ثم أصبح ~~نابليون إمبراطورا متوجا موروثا سنة 1804، فانتهى عهد الجمهورية الأولى ~~رسميا. # والمؤرخون يرون عادة في العهد النابليوني رجعة كلية عن مبادئ الثورة. ولا شك ~~أن نابليون كان النتيجة المنتظرة للرجعة التي بدأت بالتاسع من ترميدور وإعدام ~~روبسبيير، لكنها رجعة نسبية؛ فنابليون ظل يحمل مبادئ تقدمية حتى آخر عهده، وإن ~~اختلفت أدوار حياته من هذا القبيل. # إن بونابرت، وهو ابن الثورة الذي خرج من رحمها وترعرع في حضنها، قد حمل شيئا عميقا ~~من طابعها. ولا شك أن سيرته، بعد إعلان نفسه إمبراطورا على الخصوص، قد عملت على ~~تعطيل كثير من ثمرات الثورة؛ وهذا ناتج عن صعوبة التوفيق بين الأمانة لروح الثورة ~~وبين اتباع سياسة توسعية باتت تريدها الهيئة التي يمثل نابليون مصالحها بعد أن ~~ضمنت لنفسها السيطرة في الداخل. لكن الرجل، في القانون المدني الشهير، بنى على ~~التشكيل الجديد الذي تشكل به المجتمع الفرنسي نتيجة الثورة، وحمل في فتوحاته كثيرا ~~من بذور المبادئ الثورية، بقصد منه أو بحتمية تاريخية؛ فلقد دفع بأوروبا في طريق ~~اليقظة الوطنية والإصلاح، سواء أراد ذلك أم لم يرد. وصحيح أن الإمبراطور نابليون لم ~~يأمر بالإصلاحات التي أدخلها فون شتاين مثلا على نظام بروسيا فاستقلت هذه الدولة ~~ونهضت ودرجت في مدارج الشوكة والقوة، لكن فون شتاين وجماعته لم يكن ليفوتهم أن نهضة ~~فرنسا التي استند إليها نابليون نشأت من الثورة وإصلاحاتها؛ ولذلك اتجهوا نحو الثورة ~~الفرنسية لاستيحائها ورفع مستوى شعوبهم. ms024 # 29 # والدليل على أن الرجعة النابليونية لم تكن هي الرجعة الكبيرة، أن مؤتمر فيينا الذي ~~أشرف على تنظيم أوروبا كان من أعظم همه محو المبادئ الجديدة؛ أي المبادئ الثورية التي ~~ساعد نابليون على نشرها؛ فالرجعة الحقيقية هي رجعة مؤتمر فيينا سنة 1814 بعد سقوط ~~نابليون النهائي. وكان مترنيخ الوزير النمسوي الموغل في كره الثورة ومبادئها يصفها ب ~~«الوحش الفاغر فكيه لابتلاع النظام الاجتماعي»، وإذا ذكرت إيطاليا التي سار بها ~~نابليون شوطا بعيدا نحو إنشاء «وطن» وتأليف «أمة» يقول: «إيطاليا اصطلاح جغرافي!» ~~وهو يقصد بذلك إلغاء حقها في إنشاء وطن وتأليف أمة. # ولكن من قوانين التاريخ أن الرجعة العامة يستحيل أن يثبت أمرها، ولقد أصبحت أمور ~~مستحيلة في العالم بعد الثورة الفرنسية. ومن هنا لم يلبث مترنيخ أن وجد نفسه مضطرا ~~إلى الهرب من إحدى نوافذ قصره في فيينا خوفا من الجماهير الصاخبة في الشارع. إن ~~مبادئ الثورة لاحقته في عاصمة بلاده وطردته منها؛ ومن هنا لم يستطع مؤتمر فيينا أن ~~يحل المشكلة التي أثارتها الثورة الفرنسية؛ فكان تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر ~~(ويمكن أن نقول: تاريخ العالم كله تقريبا) نزاعا بين الروح السارية المنبثقة من ثورة ~~فرنسا وروح مؤتمر فيينا. ولا يزال التاريخ اليوم، إلى حد كبير، مظهرا من مظاهر ~~هذا النزاع. # بالطبع إن مؤرخ الثورة الفرنسية الكبرى لا يستطيع أن يقف عند انتهاء العهد ~~النابليوني، ولو اقتصر على التاريخ الفرنسي وحده؛ فإن هذه الثورة التي أوجدت الوطن ~~الفرنسي والوطنية الفرنسية بالمعنى العصري، وأعطت فرنسا تقاليدها في العمل السياسي ~~ونظام الحكم، ظلت موضوع تآمر من قبل الرجعية. وقد أعقبتها في التاريخ الفرنسي ~~ثورات كانت لها أشبه بملاحق قصيرة، كثورة الثلاثة أيام المجيدة # Les Trois Glorieuses # سنة 1830 على شارل العاشر ووزيره بولينياك، ~~وثورة 1848 على الملك لويس فيليب وهي الثورة التي افتتحت عهد «الجمهورية الثانية». ~~ولما استقرت الجمهورية الأخيرة، وهي الثالثة، كانت مرتكزة إلى قواعد من ثورة 1789 وتواليها. # 30 # وهنا يخرج بنا الحديث إلى ذكر المجاري التي تسربت ms025 خلالها مبادئ الثورة وأفكار ~~أعلامها ووصف وقائعها إلى الشرق والبلاد العربية والأدب العربي. # | الفكر وعامله في الثورة # الثورات الهائلة التي أجرت الدماء كالسواقي، وجعلت الحرية تعبد كالآلهة، كانت ~~فكرا خياليا مرتعشا بين تلافيف دماغ رجل فرد عائش بين ألوف الرجال. # 1 # جبران خليل جبران في الأجنحة المتكسرة # إن الفرد إنما هو صوت واحد ينطق باسم ملايين من الناس الصامتين؛ فالرجل ~~العظيم إنما هو عظيم بشعبه لا بنفسه. هو يستمد معظم قوته مما يحيط به من ~~الأشياء والظروف والرجال. ~~(أمين الريحاني في مقالة ينتقد فيها ~~تاريخ كارليل عن الثورة الفرنسية) # أما أن الفكر كانت له يد في إيقاد الثورة ~~الفرنسية، فذلك ما لا يضعه مؤرخ موضع الشك والجدال. وقد كان للفكر، ولا يزال، أثره ~~الكبير في أحداث الانقلابات، من عنيفة سريعة أو سلمية بطيئة. # وغني عن البيان أن موضوع هذا الكتاب يستدعي فصلا عن أعلام المفكرين الفرنسيين ~~الذين سبقوا الثورة فكانت آراؤهم ومذاهبهم عاملا من عوامل التمهيد لها، ثم كانت أشبه ~~بمصابيح درج على ضوئها كبار الثورة وقادتها. على أن المؤرخ حين يعرض لتأريخ الأفكار ~~يجد نفسه فورا أمام عقدة محيرة: من أين يبدأ؟ فحقل الأفكار، الذي يجده زاهرا في ~~دور من الأدوار، يجد منه بذورا في عصور سبقته حتى بمدى طويل أحيانا. # 2 # وقد كان لنا معلم يستخف بنا كلما عالجنا موضوعا فبدأنا ببدء العالم وقلنا في ~~فاتحة الإنشاء: خلق الله الدنيا ... على أن عملنا، والحق يقال، لم يكن خلوا من ~~الحقيقة؛ لأن كل موضوع يكاد يبدأ تقريبا ببدء العالم. # غير أن مؤرخي الثورة يركزون اهتمامهم على دور الانقلاب العقلي الذي سبق الثورة في ~~القرن الثامن عشر. كان هذا القرن دور نضج للأفكار التي بزغت وتطورت وغلبت ~~على أذهان أعلام الثقافة، نتيجة لحرية الكشوف الجغرافية العلمية التي بدأت ~~في القرن الخامس عشر، # 3 # ونتيجة لنهضة الإحياء # La Renaissance # التي ظهرت في القرن السادس عشر. # 4 # فحركة الكشوف الجغرافية، وإن اقترنت بمطامع في الكسب التجاري والنهب وكانت مقدمة ~~للاستعمار الحديث، فقد ms026 صرفت نظر الإنسان الأوروبي إلى الأرض ودفعته نحو التفكير ~~والبحث العلمي والاختراع. وحركة الإحياء، بما بعثت من كنوز القديم اليوناني ~~والروماني، وبما أحيت من المثل الكلاسيكية، وبما استقت من مناهل الحضارة العربية في ~~الأندلس خاصة، أيقظت الإنسان الأوروبي على تذوق الجمال الدنيوي، وتلمس المعرفة ~~العلمية، وحب الاستقلال في البحث، فكان في أوروبا موسم عظيم من اللوحات الفنية ~~والرسامين، ونتاج خصب من التأليف الفلسفي والأدبي في أصول الفكر والخلق والتعامل ~~الإنساني. يضاف إلى ذلك فتوحات في الدراسات الفلكية والطبية والطبيعية على وجه عام. ~~ولمعت في الأفق الأوروبي أسماء كليوناردو دافنشي وغاليله ورابليه ومونتين وسيرفنتس ~~وأراسم وكوبرنيك وفيزال الطبيب وجيوردانو برونو؛ أسماء تلتفت إلى القديم البعيد أو ~~القريب، وتقترن بأرسطو وأبوقراط وابن رشد وابن سينا، وتفتتح تلك القافلة المجيدة؛ قافلة ~~باكون وكبلر وديكارت وسبينوزا وليبنتز ونيوتن وبسكال ورهط كبير من الأدباء، وتستمر ~~متسلسلة في قافلة القرن الثامن عشر؛ قافلة مونتسكيو وروسو وكوندياك وهيوم ولوك ولامتري ~~وآدم سمث وكسناي وفولتير وهلفيثيوس وديدرو وكوندورسه ودولباخ وغيرهم وغيرهم ... # وحسبنا، وفاء للغرض من هذا الكتاب، أن نعيد القول إن حركة الإحياء، مع ما ساوقها ~~أو تبعها من النهضة الصناعية في أوروبا، ومن حركة الانفصال البروتستنتي، قد شجعت ~~روح البحث المستقل، ووطدت الثقة بالعقل، ووافقت نهضة علمية كبيرة، وأسفرت عن ~~تغير عميق في نظر الإنسان إلى نفسه. # ومن المستغرب أن يكون علم منعزل كعلم الفلك ~~في طليعة المعارف التي ساقت إلى مثل هذا التغير، بل الثورة. لقد بين علم الفلك أن ~~كرة الأرض ليست بمركز الكون الثابت، ولا هي أعظم ~~وأهم ما في النظام الكوني، بل هي جرم متحرك في جملة أجرام تدور حول الشمس، فكانت ~~النتيجة أن طرأ على الإنسان شك في أنه هو الغاية من الوجود والوليد المدلل الذي ~~صنع كل شيء لأجله بتدبير في أصل الخلق. وفكر الإنسان أنه إذا كان حقا غاية، ~~فهو الذي جعل نفسه غاية، وأنه، في الواقع، ربما لا يزيد على كائن، بل حيوان صغير، على ~~كرة صغيرة، في كون ms027 هائل عظيم، له قوانينه الخاصة المستقلة عن مراعاة الخواطر ~~البشرية. وربما استشعر الإنسان في هذا ما يحمله على اليأس والقنوط وفقدان الثقة بالنفس، ~~كما وقع ل «غوته» لما اطلع على كتاب نظام الطبيعة للبارون «دولباخ». # 5 # إلا أن الإنسان سرعان ما عرف أن لديه من العلم وسائل تشد عضده وتقويه ~~على الطبيعة المحيطة به. وهكذا استعاد أهميته في نظر نفسه، لا بانفراده في تدبير ~~عناية سخرت له مبدئيا كل شيء، بل بشعوره الذاتي بمدى تأثيره وتأثير الوسائل التي ~~يستطيع استنباطها واستعمالها. ومن هنا حول وجهه شطر العلم، ومن هنا أيضا طفق يزداد ~~اهتمامه بالإنسان في مطلع العصور الحديثة في التاريخ الأوروبي. واهتمام الإنسان ~~بالإنسان أدى حتما إلى الاهتمام بمسألة الاجتماع. ومن ذلك العهد بتنا نرى المفكرين ~~في أوروبا منصرفين إلى درس المجتمع، تحثهم فكرة أساسية هي: أن الإنسان يقوي ~~الإنسان، أو أن الإنسان - بعبارة أخرى - وسيلة للإنسان. ودرس المجتمع قادهم إلى درس ~~الدولة والسياسة، ولكن ثمة مسألة ما لبثت أن عرضت، وهي: أن الإنسان يجب ألا ~~ينسى أن الإنسان غاية أيضا، لا وسيلة وحسب! والمجتمع الصالح (والدولة الصالحة والسياسة ~~الصالحة) إنما هو الذي يكون فيه بعض الناس وسائل وغايات للبعض الآخر، باعتبار كل ~~إنسان له حقوق محترمة. # أفاق المفكرون والأدباء الفرنسيون (وهم موضوع الحديث في هذا الفصل) على المجتمع ~~الفرنسي، قبل الثورة في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فوجدوا أن معظم الفرنسيين، ~~من حيث وضعهم في المجتمع والدولة ومسالك السياسة، إنما هم وسائل لبعض الفرنسيين، ~~وليسوا غاية أيضا كما يحق لهم أن يكونوا. # وعمد المفكرون والأدباء الفرنسيون إلى الاحتجاج على الحالة الراهنة، وتلمس ~~أسباب الفساد، ووضع الخطط، ورسم هيئة المجتمع الجديد. # وكان من اليقظة العظمى التي ثارت ثورتها مع حركة الإحياء، والنهضة الصناعية، وحركة ~~الإصلاح البروتستنتي، وفورة البحث والاستنباط العلمي، مرجع يستمدون منه، ودليل ~~يسترشدون به. # وقد ذكرنا كيف أن هذه الحركات نشطت العلم ~~وصرفت إليه الجهود. والعلم صرح يرتكز على دعائم العقل؛ فلا علم بلا عقل يختبر ~~بالاستناد إلى ms028 الحواس والأدوات الفنية المساعدة لها، ولا علم بلا عقل يرجع إلى قوانين ~~المحاكمات العقلية لا إلى موجبات النقل والتقليد، ثم لا علم بلا مباشرة الطبيعة؛ ~~فالطبيعة، بما فيها المخلوق الإنساني، هي ميدان العلم ومجاله الذي فيه يخوض؛ فلولا ~~الطبيعة لبقي العلم بلا موضوع، أو لما كان علم. # وهكذا اتجه المفكرون والأدباء الفرنسيون إلى العقل يصقلونه ويتسلحون به، وإلى ~~الطبيعة يدرسونها ويتعلمون منها، واستعملوا ذلك كله في بحث الاجتماع والدولة والسياسة، ~~وفتحوا الأنظار على النقص الهائل، واشتقوا طرقا إلى الإصلاح. # ولا ريب في أنهم وجدوا لهم معينا في المفكرين البريطانيين وغيرهم، وفي الثورات ~~التي سبقت عهدهم، كثورة «البلدان المنخفضة» على فيليب الثاني الإسباني، وثورة ~~الإنكليز، ثم الثورة الأميركية القريبة العهد. # 6 # وبالطبع إن قسط كل من هؤلاء المفكرين والأدباء في التهيؤ النفسي للثورة يختلف ~~باختلاف نزعاتهم ودرجاتهم. وكثيرا ما كانت أدوار بعضهم، في هذا الصدد، لا تتعدى هتفة ~~عاطفية يهتفون بها، أو لغزا كاللغم يخفي مظهره ~~المموه قوته الناسفة. وقد يقرأ قارئ خرافات لافونتين في القرن السابع عشر فلا ~~يتنبه إلى ما فيها من المغازي الاجتماعية والسياسية، ثم يقرأ كتاب هيبوليت «تين» عن ~~لافونتين فينشق له حجاب عالم الحيوان، الذي يسبح فيه الشاعر، عن عالم الإنسان، بل عن ~~المجتمع الفرنسي في زمانه. ويمشي القارئ في بهو مليء بالصور سماه تين معرض لافونتين ~~أو متحفه # Galerie de La Fontaine ~~، فيرى لوحات من ~~المجتمع الفرنسي وسياسته معروضة في أشكال من عالم الحيوان، ووقائع رمزية بين طيور ~~وبهائم. وحكاية المؤتمر العجيب الذي اجتمعت فيه الحيوانات في وقت من أوقات الوباء ~~لتبحث في سبب النكبة، ليست إلا نقدا ثوريا لاذعا سدده الشاعر إلى الحالة الراهنة ~~في فرنسا. وقد أسفر «المؤتمر» عن أن جميع الذنوب والآثام التي اقترفتها المخلوقات ~~الصاعدة في سلم العجماوات، كالأسد وجماعته (أي الملك وحاشيته والهيئات البلاطية)، لم ~~تكن السبب الذي جر النكبة، ولكن قضم الحمار لبعض الحشيش من ساحة الكنائس هو الذي جلب ~~الويل والثبور وعظائم الأمور! وواضح أن ما عناه الشاعر ms029 بالحمار الكادح الساذج هو هيئات ~~الشعب التي عليها الغرم ولغيرها الغنم. # 7 # لكننا، إذا رحنا نتأمل التيار الثوري الفكري في القرن السابع عشر في فرنسا، لم نجد ~~لافونتين منغمسا فيه انغماسا صريحا، وكان حتما علينا أن ندير النظر شطر طائفة من ~~الأدباء والمفكرين يمثلها لبرويير وفنيلون. # كان لابرويير في ملاحظاته وأحكامه الخلقية يرى الناس فريقين: الشعب والعظماء ~~(بمعنى النفوذ والوجاهة في المجتمع). «أما الشعب فلهم باطن طيب (جوهر صالح) وليس ~~لهم مظهر البتة، وأما العظماء فليس لهم إلا الخارج، إلا المظهر وقشرة بسيطة. أيجب ~~الاختيار؟ إني لا أتردد، أريد أن أكون شعبا» (أي من الشعب). # وكان الأديب الراهب فنيلون مثلا رائعا من أمثال الجرأة الفكرية. وفي المؤلفات ~~التي أنشأها تهذيبا للدوق دو بورغون، ولا سيما ~~محاورات الأموات # Dialogues des Morts ~~، تبدر على ~~سن قلمه بدرات عجيبة لم تلبث أن أيدتها الوقائع في حياة فرنسا السياسية والاجتماعية؛ ~~ففي فصل الحوار بين سولون وبيزيسترات (وكلاهما رجلا دولة إغريقيان) يقرر فنيلون أن ~~الاستبداد غالبا ما يكون أشد وبالا على الملوك منه على الشعوب. وفي كتابه ألواح شولن # Tables de Chaulnes # يطالب - في إحدى مواد البند ~~الثاني - مطالبة صريحة بتأسيس المجالس ~~العامة # Etats Généraux ~~، هذه المجالس التي كان اجتماعها في باريس سنة 1789 فاتحة ~~المرحلة الثورية العظيمة. وله رسالة وجهها إلى لويس الرابع عشر بلغت غاية في ~~الجرأة والصراحة، وشجب سلوك هذا العاهل الذي صاح: «أنا الدولة!» وأنفق ما أنفق في ~~المغامرات الحربية، وشيد بلاط فرساي الرائع وكأنه جعله واجهة براقة لدولة تتأزم ~~مشاكلها ولشعب يتململ ويتبرم. قال فنيليون في رسالته: # إن الشعب نفسه (ينبغي أن أصرح لك بكل ~~شيء)، هذا الشعب الذي أحبك كثيرا، ووثق بك كثيرا، أخذ الآن يفقد حبه وثقته ~~واحترامه، حتى احترامه لك ... إنه ممتلئ مرارة ويأسا، والشقاق يشب شيئا ~~فشيئا من كل ناحية. إن الشعب يعتقد أنك لا تحب غير سلطتك ومجدك؛ فهم يقولون: ~~لو كان للملك قلب الأب على شعبه أما كان يؤثر أن يبذل مجده في إعطائهم ms030 خبزا ~~وتنفيس كربتهم بعد هذا الأذى الكثير؟ ... فما جواب ذلك، أيها السيد؟ ثم يذكر ~~فنيلون أعمال العصيان التي طفق الشعب يقوم بها، إلى أن يقول له: «فأنت الآن قد ~~انحططت إلى هذه النهاية المعيبة المحزنة؛ فإما أن تدع العصيان وشأنه لا ~~تعاقب عليه، وإما أن تزيده وتقويه بتغاضيك عنه، وإما أن تجزر بقسوة ~~شعبا طرحتهم مطرح اليأس إذ نزعت منهم، بالضرائب لهذه الحرب، خبزا يسعون ~~إلى إحرازه بعرق جباههم!» # وفي فنيلون نجد مبدأ اعتبار العقل والرجوع إليه في الأحكام صريحا واضحا. يقول ~~الراهب المفكر: «أنا في هذا العالم لا أدري من أين جئت ولا كيف وقعت هنا، ولا أدري ~~إلى أين أمضي، وبعضهم يحدثني عن أمور كثيرة ويعرضها علي باعتبارها غير قابلة ~~النقاش، ولكني مصمم على الشك فيها، بل على رفضها، ما لم أجد أنها تستحق إيماني بها. ~~ومنفعة العقل الصحيحة - العقل الذي وهب إلي - هي ألا أومن بشيء ما لم أعرف سبب ~~إيماني به.» # لكن بيير بايل Pierre Bayle # يخطو بنا خطوة أخرى إلى ~~الأمام في طريق الانعتاق الفكري، ووسيلته إلى ذلك كثرة الشك والتساؤل وتقليب القضايا ~~على محتملات وجوهها. # 8 # وإذا لزمنا أن نجعل المذهب العقلي ونهضته في أوروبا الحديثة مدينين لبضعة ~~مفكرين كديكارت وأمثاله، فبيير بايل أحدهم. وفيه يقول برونتيير الناقد الفرنسي ~~الشهير: في فرنسا وإنكلترا وألمانيا، وفي أوروبا كلها ... حيثما بدأ الناس يشكون، ~~تخرج من مدرسة بايل جيلان أو ثلاثة من الكتاب. وكأن كلا من مونتسكيو وفولتير ~~وديدور وروسو وهلفثيوس - عدا آخرين أقل شأنا منهم - قد تلقن في كتاباته أن يقرأ ~~ويحاكم ويفكر. # وأهم ما أنتجه هذا الأستاذ الواسع العميق من أساتذة الفكر: قاموس تاريخي وانتقادي. ~~ويمكن القول إن كل نشاطه الفكري ينتهي إلى تقرير حق العقل وحق الضمير في البحث الحر ~~والرأي المستقل. وقد لخص هذا المبدأ في قوله: «لنا حق لا يهضم ولا يثلم، هو: حق ~~إعلان المذاهب التي نعتقدها موافقة للحقيقة المجردة»، وفي قوله أيضا: «أعظم ~~المحاكم التي هي المرجع الأخير - لا استئناف ms031 منها إلى غيرها! - محكمة العقل الذي يقول ~~مهتديا بالبديهيات الصادرة عن نور الطبيعة.» # ويلاحظ القارئ أن بايل بدأ يتحدث عن «حقنا ~~الذي لا يهضم ولا يثلم» # Droit Inaliénable ~~، وعن «البديهيات الصادرة عن نور الطبيعة»، ~~وهي تعابير وأفكار نلتقيها لدى مفكري الثورة، بل في نصوص الثورة نفسها. # ويكفينا هذا القدر من القرن السابع عشر وأدبائه ومفكريه. فلننتقل إلى القرن الثامن ~~عشر، وهو الموسوم ب «عصر الأنوار» و«الاستنارة»، # 9 # والعصر الذي وقعت الثورة في أوائل ربعه الأخير، وملأت منه هذا الربع كله ~~تقريبا، وجعلته في نظر الفكر العالمي، وفي تقدير التاريخ، عصرا فرنسيا على الأعم ~~والأغلب. # وتطالعنا في خلال هذا القرن ستة وجوه رئيسة: مونتسكيو، وديدرو، وفولتير، وروس، ~~وهلفثيوس، ودولباخ. # أما مونتسكيو، صاحب «روح القوانين والرسائل الفارسية»، فهو الذي حاول أن يكتشف في ~~التاريخ عوامل أساسية تجعل من حوادثه ظاهرات مفهومة، لا صدفا واتفاقات؛ فهو من هذا ~~القبيل شبيه بابن خلدون في مقدمته. ويتصف مونتسكيو بكثرة الرجوع إلى أثر العامل ~~الجغرافي في التاريخ. على أن توسيع البحث في هذا المضمار يخرج بنا عن القصد، وحسبنا أن ~~هذا المفكر الفرنسي نظر إلى التاريخ نظرة عقلية، ورده إلى عوامل من البشر ومحيطهم، ~~لا إلى أسباب خارجة، وإلى العقل الإنساني رد الشرائع والقوانين باعتبارها مظهرا من ~~مظاهر التاريخ، قال: «القانون، بوجه عام، هو العقل البشري، ما دام العقل هو الذي يحكم ~~شعوب الأرض جميعا. والقوانين السياسية والمدنية - فيما يتعلق بكل أمة - يجب ألا ~~تكون إلا الحالات الخاصة التي يقع فيها تطبيق العقل البشري .» # ثم يقسم مونتسكيو القوانين نوعين: ~~(1) # تلك التي ترتب نظام الدولة، كعلاقة المواطنين بالسلطات، وعلاقة ~~السلطات المختلفة بعضها ببعض (وهو ما نسميه الدستور أو القانون ~~الأساسي). ~~(2) # القوانين المدنية التي تشرف على علاقة المواطنين بعضهم ببعض (وهي ما ~~نسميه الحقوق المدنية والجنائية). # أما السلطات المختلفة في الدولة فهي ثلاث: # أولا: # السلطة التشريعية. # ثانيا: # السلطة التنفيذية التي تجري الأمور المتعلقة بحق الناس. # ثالثا: # السلطة التنفيذية التي تجري الأمور المتعلقة بالحق المدني. # وواضح ما كان لهذا ms032 التقسيم من أثر في التصميم الذي اختطه رجال الثورة الكبرى في ~~الدولة الفرنسية، بل واضح ما في هذا التقسيم من أثر بارز إلى اليوم في بناء الدول، ~~ولكن السلطة التنفيذية (رقم 3) أصبحت في تعبيرنا تسمى السلطة القضائية. # ويقول مونتسكيو إن هذه السلطات الثلاث يجب أن تستقل كل منها عن الأخريين إذا كان ~~المراد توطيد الحرية. # 10 # ويشيد مونتسكيو بالمساواة، ولكنه لا يقصد بها انتفاء الحكم؛ «فالمساواة الصحيحة لا ~~تستهدف أن يخلو الإنسان من آمر، بل تستهدف أن يكون آمره مساويا له»، و«الناس في ~~الحكومة الجمهورية متساوون، وكذلك هم في الحكومة المستبدة؛ ففي الأولى هم متساوون لأنهم ~~كل شيء، وفي الثانية هم متساوون لأنهم ليسوا شيئا.» ومع هذا لم يكن مونتسكيو ~~جمهوريا، بل كان أميل إلى حكم الملكية المقيدة (أي الدستورية). # ويلقي مونتسكيو على عاتق الدولة واجب النظر في تأمين راحة رعاياها الاقتصادية، ~~فيقول: ~~«إن بعض الصدقات التي نتكرم بها على رجل عار في الشارع لا تغني عن واجبات الدولة ~~التي يلزمها أن تجعل لكل المواطنين حياة مضمونة؛ غذاء وكساء صالحا، ونوعا من ~~معيشة لا ينافي الصحة.» غير أن مونتسكيو كان في هذا سابقا لعصره ولهدف الثورة ~~الفرنسية. # وله في تعريف الحكومة الاستبدادية كلمة رائعة حيث يقول: ~~«عندما يريد متوحشو لويزيانا قطف الثمار يقطعون الشجرة من أصلها ويتناولون منها ما ~~يريدون. تلك هي الحكومة الاستبدادية.» # 11 # ومقصده هو أن الحكومة الاستبدادية لا تنتج، ولا تعين على الإنتاج، بل تأخذ ~~ما تريده لساعتها، ولو كان ذلك بطريقة فيها إتلاف المنتج وقطع مصدر الإنتاج. وفي هذا ~~رائحة تنديد بالسياسة الفجة التي كان ينتهجها البلاط الفرنسي لسد نفقاته وحفظ ~~الموازنة، سياسة شعارها: كلما احتجتم افرضوا على الشعب الضرائب، وإذا اضطررتم فسموها ~~قرضا شعبيا. # وقد يكون من المفكرين من ينكر على مونتسكيو ثورته وتأثيره الثوري. وصحيح أن الرجل ~~كان كما أسلفنا أميل إلى الملكية المقيدة؛ فهو من هذا القبيل معتدل، ثم هو لا ينظر ~~في السياسة إلى ناحية المبادئ وحسب، بل ينظر أيضا إلى الذين ms033 تطبق عليهم المبادئ، ~~ويحسب الحسابات لجملة اعتبارات أخرى منها الإقليم والمناخ. ثم هو يعرف الحرية بأنها ~~الخضوع للقانون الكامل. وليس في هذا كله ما يلغي ثوريته وتأثيره الثوري؛ فالاعتقاد ~~بالملكية الدستورية كان مذهبا انقلابيا خطرا في فرنسا يوم ذاك، وأوجه أعلام ~~الثورة الفرنسية في مفتتح شأنها كميرابو وباراناف وسيياس، كانوا ملكيين دستوريين، ~~بل إن الثورة نفسها في أول عهدها لم تكن تستهدف إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية. وتقسيم ~~النظر بين المبادئ والذين تطبق عليهم يزيد في قيمة مونتسكيو العلمية ولا يعارض ~~ثوريته. أما رأيه في الحرية أنها الخضوع للقانون الكامل فمغزاه يتوقف على المقصود ~~بالقانون الكامل. ومهما يكن من شيء فإن مونتسكيو لم يعن به القانون الاستبدادي. أما ~~القانون، أصلا، والرضوخ له، فأمر لا يشك عاقل في أنه شرط من شروط الحرية ~~ووقايتها. # ومع ذلك يجوز لنا القول إن مونتسكيو لما عرف الحرية بأنها الخضوع للقانون الكامل، ~~نسي عنصرا لا بد منه للحرية هو: ضرورة اشتراك الذين يطيعون القوانين في وضعها. # 12 # ومن مونتسكيو ينتقل بنا الحديث إلى فولتير، ملك القرن الثامن عشر غير المتوج كما ~~لقب، والعاهل الذي ليس له صولجان ولكن له يراع كما قال هو عن نفسه لفردريك الكبير ~~البروسي. # قد يكون فولتير غير عميق، وقد يكون قليل الثقة بجماهير الشعب، على أن سعة الآفاق التي ~~تناولها، وسخره اللاذع وشكه، واحتكامه إلى العقل، وحماسته للعلم، وعناده في ~~المقارعة، وتوجيهاته الجديدة في بعض المواضيع، # 13 # ودفاعه عن حرية الرأي، ذلك كله مضافا إلى قلم من أصفى الأقلام وأخصبها، ~~وأسلوب من أقرب الأساليب إلى الشعب، جعله في طليعة الأعلام الذين أيقظوا النفوس ~~والأذهان وبعثوا فيها الحرارة لاستقبال عاطفة الثورة ولفحها الحار. # أضحك فولتير فرنسا وأوروبا على الدعوى والسخافة والتعصب والتذرع بحماية المناصب ~~والمقامات، وأغضب فولتير فرنسا وأوروبا على جميع هذه العاهات والآفات. # كان إذا باع وكيل الخرج في بلاط لويس الرابع عشر نصف الخيول من إسطبلات الملك يصيح: ~~كم كان أقرب إلى المعقول لو صرف نصف الحمير الذين يعج بهم ms034 البلاط الملكي! فكان ~~الفرنسيون يقهقهون بالطبع، ثم لا يلبثون أن يتأملوا بذخ البلاط ويستنكروه ويسخطوا ~~عليه. # ولا ريب أن هذا الساخر (الفج أحيانا) كان شديد الخبث والنعومة أيضا؛ فكان يستغلق ~~على سامعه تمييز عبثه من جده، وقدحه من مدحه. وقد نفث خبثه على كثيرين، منهم ~~«المسكين» # Fréron # الذي حكى عنه فولتير أن الحية لدغته ~~فماتت فلم يعرف أماتت الحية لقداسة الملدوغ أم لأن سمه أسرى من سمها وأفتك؟ # 14 # ولعل أول سؤال ينبغي لقارئ فولتير أن يسأله: هل الرجل جاد في كلامه أم عابث؟ ~~وسيرى أنه كثيرا ما يكون صاحب جد عظيم فينظر إلى الشعب «يسبح الله ويرقص حول ~~الجزار»، ويستمع إلى الإنسان يصرخ بجاره: «فكر كما أفكر يا قليل التقوى وإلا ~~قتلتك»، فيحاول الفيلسوف تعليل ذلك ويقول: # السبب أننا خنقنا صوت الطبيعة. # السبب أننا أضفنا إلى شريعتها المقدسة شرائع. # السبب أن الإنسان - وهو محب لعبوديته البلهاء - قد جعل الله على صورته ومثاله من ~~شدة تعصبه! # وفولتير هو صاحب ذلك الابتهال البليغ الذي زفه إلى الله في مطلع رسالته في ~~التسامح، ومنه: «إنك لم تعطنا قلبا لنتباغض، ولم تمنحنا الأيدي ليخنق بعضنا ~~بعضا.» # أما الوطن «ففي ظل ملك صالح يكون للإنسان وطن، ولكنه في ظل ملك شرير لا وطن ~~له.» هكذا يقول فولتير. # والدين يجب أن يستند إلى العقل، وهذه هي العقيدة الربانية # Déisme ~~، عقيدة الكائن ~~الأعظم # L’Etre Suprême # التي نجدها لدى أشهر أعلام الثورة: مكسيميليان ~~روبسبيير. # وفولتير في الأنظمة كمونتسكيو أميل إلى الملكية الدستورية. # يؤدي بنا الحديث إلى دنيس ديدرو، فإذا نحن أمام الروح المحرك لذلك العمل العظيم ~~الذي وسم بميسم متلألئ جبين القرن الثامن عشر؛ نقصد الإنسيكلوبيديا التي ساهم فيها عدد ~~من أعلام العصر، ولكن لم يبلغ فيها نشاط أحد منهم ما بلغه نشاط ديدرو وعناده. وكان في ~~فرنسا قانون مطبوعات أعلن سنة 1757، يهدد ~~بالإعدام كل كاتب أو طابع ينشر كتابا تقضي السلطات أن من شأنه «الإخلال» ~~و«التحريض». على أن هذا الخطر وجميع الصعوبات الأخرى لم توهن عزيمة ms035 الرجل. ومن يقرأ له ~~صرخته الممزقة احتجاجا على تشويه المراقبة لعمله في الإنسيكلوبيديا لا يملك إلا أن ~~يرتعش إعجابا بتلك النفس الكبيرة المعذبة. # بنى ديدرو على العقل، ولكنه رأى أن التأملات العقلية المنقطعة عن الاختبارات ~~العملية لا تغني؛ ولذلك قال: «لدينا ثلاث وسائل رئيسة: ملاحظة الطبيعة، والتأمل، ~~والتجربة (التطبيق). أما الملاحظة فتقمش # 15 # الحقائق والمظاهر، والتأمل يوفق بينها، والتجربة تصدر حكما على ~~النتيجة؛ فللتجربة (التطبيق) الكلمة الفصل في العلم». # وكان ديدرو عميق الشعور بطبيعة عصره الانقلابية، لا سيما فيما يتعلق بالعلوم. «نحن ~~على عتبة ثورة عظيمة في العلوم.» ولعل أحدا في فرنسا لم يمثل، كما مثل ديدرو، ~~روح الثورة الصناعية الممتدة من الجزر البريطانية إلى فرنسا عبر القناة. وكم كان ~~اهتمامه عظيما بالآلات! كان كفرنسيس باكون الإنكليزي يحس بما سيكون لهذه المستنبطات ~~من أثر يغير طابع الحياة؛ فكان كثيرا ما يشاهد في حوانيت النجارين، وفي مختلف ~~أماكن العمل، يرسم الآلات بقلمه ويسجل أوصافها وخصائصها ليدخلها في ~~الإنسيكلوبيديا. # حقا إن ديدرو كان في ميدان الفكر طليعة صريحة للطبقة الصناعية النامية في المجتمع ~~الفرنسي إذ ذاك، وهي الطبقة التي سنرى أنها بدلت فرنسا تبديلا بثورة سنة ~~1789. # وكانت ثوريته حادة في جميع الآفاق التي تناولها بتفكيره. وبينما نجد أحيانا في ~~قراءة فولتير مجرد دعوة إلى الضحك على آفات الأوضاع القائمة، نحس أبدا في ديدرو ~~دعوة إلى العمل. # ربما لا يختلف مضمون آرائه السياسية والدينية واتجاهاته الاجتماعية عن فولتير مثلا؛ ~~فهو في النتيجة يشجب الملكية المطلقة ويطالب بتقييدها، ويفضل العقيدة الربانية # Déisme # إن كان يفضل، ولا يسمي مواطنا إلا الذي ~~يملك ملكا في الوطن. # 16 # غير أن ديدرو أحد سكينا من ~~فولتير، وأشد توغلا في التشريح والتشهير. وربما وضع فولتير سكينه على الضحية ~~فشعرت بمس الحديد البارد واقشعرت قليلا ولكن الأمر ينتهي بخدش بسيط. على أن ~~ديدرو لا يضع سكينه إلا ليدمي. # وبعد ديدرو: هلفثيوس صاحب كتاب «في ~~الروح» # De l’Esprit ~~. # وإن القارئ ليصادف عنده أفكارا وتعابير يصادفها هي ذاتها في الثورة الكبرى. # يثق ms036 هلفثيوس ثقة قوية بفضيلة الشعب والإنسان، ويعتقد أن شرور الشعب ترجع جذورها إلى ~~القوانين؛ فهناك ينبغي أن يحفر كي يكشف عن شرور الشعب ... والشارع الصالح هو الذي ينشئ ~~المواطن الصالح، وبالقوانين الفاضلة وحسب يمكن إنشاء رجال أفاضل. # وهكذا يعلق هلفثيوس أهمية كبرى على صلاحية القوانين، ولكن نظرته الشاملة مبنية ~~أصلا على قاعدة من التربية الصالحة. يقول: «إذا استطعت أن أدل على أن الإنسان ليس ~~في الواقع إلا نتيجة التربية فأكون بلا شك قد أعلنت حقيقة عظيمة للأمم.» ويتساءل: «من ~~يستطيع أن يشك شكا جازما بأن فروق التربية ليست هي التي تنتج الفروق التي نجدها في ~~العقول؟ من يستطيع أن يتأكد من أن الناس ليسوا كالأشجار التي هي من فصيلة واحدة، ~~بذرتها البذرة نفسها، ولكنها لما كانت لا تزرع في التربة نفسها، ولا تعرض للرياح ~~نفسها، ولا للشمس نفسها، ولا للمطر نفسه، فقد لزمها في النشأة والنمو أن تتشكل بعدد ~~لا نهاية له من الأشكال.» # ولا ريب أن هذا رأي فيه كثير من المغالاة، ولو فرضنا من الممكن أن يصبح الناس ~~بالتربية نسخا بعضها طبق بعض كما قد يشير كلام هلفثيوس لكان ذلك شيئا مستكرها. ~~على أن هلفثيوس أعلن عقيدة ثورية بعيدة المرمى إذ قال: «إن استنتاجي العام هو أن ~~العبقرية عامة»، فنسف بذلك رأيا يقول إن العبقرية وقف على عرق من الناس أو فئات ~~خاصة من المجتمع، وقوى الثقة بكفاءات الشعب والإنسان. وجاءت حوادث الثورة مؤيدة له ~~ومحيرة أفهام الكثيرين ممن كانوا يزعمون أن الجيش الفرنسي الثوري لا يجدي فتيلا ~~ما دام أفضل ضباطه وقواده قد هاجروا أو طردوا أو أعدموا؛ فلم يلبث هذا الجيش أن ~~أتى بأعمال عسكرية أدهشت أوروبا بقيادة قادة برزوا من أعماق الشعب كهوش ونابليون ~~نفسه! # ويقودنا هلفثيوس إلى هولباخ # Baron d’Holbach # البارون ~~المجري الذي اكتسب الجنسية الفرنسية وأصبحت له ندوة منزلية # 17 # تفتقت فيها الجدالات والعقول عن مبادئ كان لها أثرها في تمهيد ~~السبيل إلى الثورة. وأشهر مخلفات هولباخ كتابه «نظام الطبيعة» # Système de la ms037 Nature # الذي قطع فيه بضرورة ~~انصراف الإنسان عما وراء الكون إلى الكون نفسه. «إن الإنسان موجود في الطبيعة وهو ~~مطوع لقوانينها لا يستطيع أن يعتق منها ذاته. وعبثا يصر عقله على الوثوب إلى ما ~~وراء العالم المشهود. إن ضرورة قاهرة أبدا تشده إلى الرجوع.» # وفي ميدان السياسة والاجتماع يطالب هولباخ بالحرية، ويحددها «بأنها قدرة الإنسان ~~على اتخاذ التدابير التي تضمن له وجودا حسنا.» ولا ضمانة للحرية في رأيه إلا ~~بالقوانين التي «تحمي الجميع حماية متساوية؛ الأغنياء والفقراء، العظماء والصغار، ~~الملوك والرعايا.» وهكذا يضع هولباخ سلطة القوانين فوق سلطة الجميع، حتى الملوك. وإذا ~~ذكرنا أن لويس السادس عشر مثلا كان يقول معبرا عن رأي الملوك الأوتوقراطيين: «لي ~~وحدي سلطة التشريع دون اعتماد على غيري أو معاونة»؛ ومعنى هذا أنه فوق القوانين لأنه ~~يغيرها ساعة يشاء ما دامت سلطة التشريع منحصرة فيه. أجل، إذا ذكرنا هذا عرفنا أن ~~مبدأ هولباخ في جعل القوانين فوق الجميع حتى الملوك كان مبدأ ثوريا. وكذلك قوله: ~~«الحرية ألا يطيع الإنسان إلا القوانين» كان رأيا ثوريا؛ لأنه يعرض فيه بأصحاب ~~العروش الذين يرون الطاعة واجبة لمطلق أشخاصهم. # 18 # أما صيغة هذه القوانين فتشتق من طبيعة السياسة العامة. والسياسة العامة في نظره ~~يجب أن تكون فن تنظيم ميول الإنسان وتوجيهها إلى إنعاش المجتمع، وإلى تيار عام من ~~السعادة. إنها يجب أن تنظم عواطف الإنسان لتجعلها تنسلك انسلاكا لطيفا من أجل نفع ~~الجميع منفعة عامة. # فينتج من هذا أن القوانين ينبغي لها أن تكون في مصلحة المجموع، لا في مصلحة ذوي ~~المقامات وحدهم. # وهنا يذهب بنا الكلام إلى جان جاك روسو، وهو أشد المفكرين صلة بالانقلاب الفرنسي ~~الكبير، وقد يلقب كتابه «العقد الاجتماعي» بإنجيل الثورة. وكان روبسبيير من تلاميذه ~~المتمسكين به، وكان ماراه الزعيم الشعبي يقرأ منه صفحات للجماهير في شوارع ~~باريس. # وربما لم يكن روسو مبتكرا في كل ما جاء به؛ فإن هوبز المفكر الإنكليزي في القرن ~~السابع عشر وصاحب كتاب «الليفياثان» # Leciathan # يعتبر ~~سابقا له في البناء ms038 على نظريتي العقد الاجتماعي والحالة الطبيعية. لكن هوبز - عدا ~~فروق ثانوية أخرى - سخر النظريتين لخدمة الملكية المطلقة، بينما سخرهما روسو ~~لخدمة الحكم الدستوري بحق الثورة؛ ولذلك يعتبر المفكر الإنكليزي الآخر جون لوك بين ~~سابقي روسو في القرن الثامن عشر. والاتفاق الفكري السياسي بين روسو ولوك عظيم، إلا أن ~~لوك استهدف الملكية الدستورية، بينما استهدف روسو الجمهورية. ولعل أبرز ما امتاز به جان ~~جاك روسو قدرته على حمل آرائه ومبادئه إلى صفوف الجماهير، وكأن غيره ظل يفكر في نطاق ~~مكتبة صغيرة أو حلقة ضيقة من النخبة المختارة، بينما استطاع روسو أن يحرك أعماق ~~الشعب ويجعل من مذهبه دستورا للعمل. إنه من الكتاب القلائل الذين ترن كلماتهم ~~رنة الصدق، ويشعر القارئ لدى مطالعتهم أنهم إذ يدعونه إلى التفكير يدعونه إلى العمل ~~أيضا. # يرجع روسو في فلسفته السياسية إلى العهد الذي يسميه الحالة الطبيعية، وهو يرى أن ~~الإنسان في هذا العهد - الإنسان الفطري - كان صالحا، وكان خلوا من شوائب العاهات ~~التي لحقت به فيما بعد؛ فروسو يعتقد أن الفطرة الإنسانية فطرة خير، وأن الناس في ~~الحالة الطبيعية كانوا على مستوى يقارب المثل الأعلى، وكان لكل منهم حقوق مضمونة ~~مقدسة تعرف بالحقوق الطبيعية # Droits Naturels ~~. # 19 # فكيف تقهقر الإنسان إلى الحالة التي شاهده عليها روسو في المجتمع؟ وكيف يمكننا أن ~~نتلافى الشر ونصعد بالمخلوق الآدمي إلى حيث هيأته كفاءاته الأصيلة؟ # يقول روسو إن الإنسان لما حاد عن طريق «الحالة الطبيعية» أصيب بالانحطاط. وهذا ~~طبعا لا يعني أن الفيلسوف الفرنسي قصد فعلا أن يعود الإنسان إلى حالته في فجر ~~التاريخ. وفولتير لما كتب إلى روسو رسالته الشهيرة ينبئه فيها أنه شوقه إلى ~~«الدبيب على أربع» شأن الحيوانات إنما انساق بدافع نكتة موفقة. وخلاصة ما ذهب إليه ~~روسو هو أن الإنسان بذرة صالحة في الطبيعة، فإذا وافقتها عناية صالحة وجو صالح نمت ~~نموا أقرب إلى شروط الكمال والفضيلة؛ ولذلك اهتم روسو اهتمامه العظيم بالتربية من ~~جهة، وبنظام الحكم من جهة أخرى، فألف كتابيه الخالدين «إميل» و«العقد ms039 ~~الاجتماعي». # في العقد الاجتماعي، وهو الكتاب الذي يمس صميم موضوعنا، يقول روسو: إن الناس، إذ ~~يخرجون، أو يضطرون إلى الخروج، من الحالة الطبيعية بفعل تقدم التاريخ، يتعاقدون ~~على أن يتنازل كل منهم عن امتيازات الحياة التي يتمتع بها في تلك الحالة. لكنهم لا ~~يتنازلون هذا التنازل إلا لأن هذا التعاقد يضمن لهم في حالة الحياة الجديدة حقوقا لا ~~غنى لهم عنها ولا قيمة للاجتماع إلا بها، وفي طليعة هذه الحقوق: الحرية. والحرية في نظر ~~روسو ليست الانسياق لنزوات العاطفة؛ فتلك هي العبودية، بل ليست الحرية الطاعة للقانون ~~كما يعتقد مونتسكيو، ولكنها الطاعة للقانون الذي تسنه الأكثرية. # فنظرية «العقد الاجتماعي» تتلخص بأنها التقيد بإرادة الأكثرية التي يسفر عنها ~~الاقتراع الديمقراطي الطليق. ويفرق روسو تفريقا هاما بين إرادتين: إرادة الجميع # Volonté de tous ~~، وهي بعبارة ثانية إرادة ~~الأكثرية التي يكشف عنها الاقتراع الديمقراطي، ثم الإرادة العامة # Volonté générale ~~، وهي التي تعبر عن مصلحة المجتمع وتعمل في سبيل ~~هذه المصلحة. ولا ينفي روسو أن إرادة الجميع؛ أي إرادة الأكثرية، ربما لا تطابق ~~الإرادة العامة؛ أي مصلحة المجتمع. على أنه وطيد الثقة بأن الأكثرية إذا صلحت ~~تربيتهم عرفوا مصلحة المجتمع فاقترعوا له. ومن هنا كان روسو وجميع الديمقراطيين ~~الكبار يعلقون أهمية عظمى على ضرورة تربية المواطنين؛ فيقول ماراه، وهو أحد ~~المنطبعين بطابع روسو إلى حد بعيد: «لا بد للشعب كي يتمتع بحقوقه من أن يعرفها؛ ~~وهكذا نشأت ضرورة تثقيفه. ولا بد له كي لا يقع في الشراك التي تنصب له من أن ~~يراها؛ وهكذا نشأت ضرورة تنويره.» # 20 # أما موئل السيادة في نظر روسو فهو الإرادة العامة. وبمقدار ما تمثل الحكومة التي ~~تنبثق من إرادة الجميع (أي إرادة الأكثرية) مشيئة الإرادة العامة، تكون الحكومة شرعية ~~موفقة. وللإرادة العامة الحق في استرداد الثقة من كل حكومة لا تمثلها كما يجب، ~~وهذا الاسترداد للثقة يجوز عند الضرورة أن يتخذ صيغة الثورة. ~~«إن الموكلين بالقوة التنفيذية ليسوا أسياد الشعب، ولكنهم خدامه. ويستطيع الشعب ~~الذي ينصبهم أن يسقطهم ms040 كلما شاء.» «لا ملك بعد اليوم؛ الشعب وحده هو السيد!» وفي ~~هذا القدر ما يكفينا من روسو. # 21 # ولا بد لنا قبل اختتام الفصل من أن نلتفت إلى مدرسة فكرية كان لها أثرها العميق في ~~هذا القرن، وهي المدرسة ~~الاقتصادية # L’École des Économistes ~~، وقد انصرف أعلامها إلى البحث في ثروة الأمة؛ وهكذا ~~نهضت بذور العلم الذي نسميه اليوم الاقتصاد السياسي. واحتدم الجدال حول مصدر الثروة، ~~فقال كسناي (1694-1773): «إن ثروة الأمة بزراعتها، والنتاج الزراعي هو وحده النتاج ~~الحقيقي.» وطلب عناية الدولة بالزراعة فوق كل شيء. ويعرف كسناي بزعيم فرقة ~~الطبيعيين Physiocrates # من الاقتصاديين. ~~وخالفه غورناي فذهب إلى أن الزراعة، على أهميتها، ليست مصدر ثروة الأمة الأساسي، بل ~~الصناعة هي المصدر الأهم. وطلب كف يد الدولة عن التدخل في الشئون الاقتصادية، وكان ~~شعاره المفضل: «ألقوا الحبل على ~~الغارب، أفسحوا في السبيل # Laissez passer laissez faire ~~.» # 22 # ومعنى هذا أنه كان يطالب بإلغاء الحواجز والمكوس بين مقاطعة ومقاطعة في فرنسا كي يتسع ~~المجال للتجارة؛ ومعناه أيضا أنه كان يطالب بفض الكوربوراسيون # 23 # ليصبح العمال أحرارا في التماس العمل الذي يريدونه؛ ومعناه كذلك أنه كان ~~يطالب بإطلاق المدى للإنتاج وقذف البضائع في الأسواق لأن «قانون العرض والطلب» كفيل ~~بضبط الأمور وتسييرها كما يجب. وواضح أن غورناي كان لسان حال الصناعيين الذين ظهروا ~~على أثر الثورة الصناعية في أوروبا # Révolution ~~Industrielle ~~، وكانت مبادئه أسبق النظريات الاقتصادية في التعبير ~~عن إرادة الفئات المتقدمة إذ ذاك. ويعرف غورناي بزعيم فرقة البلوتوقراطيين Ploutocrates # 24 # من الاقتصاديين. وقد نفذت الثورة الفرنسية ما اقترحه من إصلاحات، ~~فألغت الحواجز والمكوس بين مقاطعات فرنسا، وفضت الكوربوراسيون، وهيأت الأساس ~~لازدهار نظام الاقتصاد الرأسمالي الحديث. # ويلحق بغورناي وكسناي الوزير الشهير ترغو الذي حاول التوفيق بين هذين المفكرين ~~الاقتصاديين، وأخرج للملك برنامج إصلاح قبل الثورة لم يوفق إلى تنفيذه. # ومن المفكرين الفرنسيين الذين لا بد لنا من ذكرهم في هذا القرن: موريلي، ~~مؤلف كتاب «قانون الطبيعة». وكان بابوف، الثائر الفرنسي الذي اشتق نغمة اشتراكية ms041 ~~جديدة في الثورة أيام حكومة «الإدارة»، يكثر الرجوع إليه ويستقي من آرائه. # ولعلنا، وقد بلغنا هذا المبلغ من بحث الفكر الفرنسي، بتنا نلمس صحة ما قلناه من ~~أن المفكرين والأدباء الفرنسيين أفاقوا على المجتمع، قبل الثورة، في القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر، فوجدوا أن معظم الفرنسيين، من حيث وضعهم في الهيئة والدولة ~~ومسالك السياسة، إنما هم وسائل لبعض الفرنسيين، وليسوا غاية كما يحق لهم أن ~~يكونوا، فعمد هؤلاء الأدباء والمفكرون إلى الاحتجاج على الحالة الراهنة، وتلمس ~~أسباب الفساد، ووضع الخطط، ورسم هيئة المجتمع الجديد. وكان لهم من «العقل» مصباح، ومن ~~«الطبيعة» دعامة يرتكزون عليها. وكان لنشاطهم وتوجيههم أثر بليغ في الثورة ونهضتها. ~~ولقد أدى الثوار سنة 1789 واجبهم في الاعتراف بفضلهم؛ إذ نقشوا بيان حقوق الإنسان ~~الخالد وجعلوا في أعلاه عينا مطلة مضيئة هي «عين العقل الرفيعة التي طلعت ~~تبدد سحب الجهالة!» # | مجاري الثورة إلى الشرق # كيف اتصلت الثورة الفرنسية بالشرق العربي؟ وأية هي المجاري التي سلكتها؟ # يعرض لنا هذا السؤال، وفيه ما فيه من أسباب الصعوبة؛ لأنه لا يزال موضوعا غير ~~مطروق، ولأن تعيين الانتقالات الفكرية في التاريخ أمر بطبيعته يتعذر البت فيه. وقد ~~تتيسر للانتقالات الفكرية مسالك خفية لا يدركها المؤرخون على رغم أهميتها، أو هم ~~يدركونها ولكن إدراكا عاما غامضا يعوزه التدقيق وينقصه التفصيل. # مع ذلك فليس البحث في مجاري الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي خلوا من كل أساس، ~~ولا شك أن ما سنكتبه في هذا الفصل محاولة جد بدائية تقبل التحسين والتوسيع. # إن أول مجاري الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي - ولعله أعظمها - كان الفتح ~~النابليوني لمصر سنة 1798 أيام حكومة الإدارة. وكانت الرجعة النابليونية إذ ذاك في ~~أوائلها، على أنها كانت بارزة الأثر. وقد أذاع نابليون منشوره الأول على المصريين ~~فتكلم باسم التجار الفرنسيين، غير أنه صدر أيضا في كلامه عن بعض مبادئ الثورة ~~فتحدث إلى المصريين عن تسلط المماليك واستئثارهم بأجود الأراضي. # وهذا بعض نص المنشور: # بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله ولا ms042 ولدا له ولا شريك ~~بملكه # من طرف الجمهور الفرنساوي المبني على أساس الحرية، والساري عسكر الكبير ~~بونابرت أمير الجيوش الفرنساوية، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمن مديد السناجق ~~الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة ~~الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع البلص ~~والتعدي، فحضرت الآن ساعة عقوبتهم، وحسرة من مدت عصور طويلة هذه الزمرة ~~المماليك المجلوبين من جبال الأبازا والكرجستان يفسدوا في الأقاليم الأحسن ما ~~يوجد في كرة الأرض كلها. فأما رب العالمين القادر على كل شيء قد حتم في ~~انقضاء دولتهم. يا أيها المصريون! قد يقولوا لكم أنني ما نزلت في هذا الطرف إلا ~~بقصد إزالة دينكم. فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه. وقولوا للمفتريين إنني ما ~~قدمت إليكم إلا لكيما أخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك ~~أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه محمد والقرآن العظيم. وقولوا لهم أيضا ~~«إن جميع الناس متساويين عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم بعض فهو ~~العقل والفضايل والعلوم فقط. وبين المماليك ما العقل والفضل والمعرفة التي ~~تميزهم عن الآخرين وتستوجب أنهم أن يتملكون وحدهم كلما يحلو به حياة الدنيا؟ ~~حيثما يوجد أرض مخصبة فهي مختصة للمماليك، والجواري الجمال والحلل الحسان ~~والمساكن الأشهى فهذه كلها لهم خاصة. فإن كان الأرض المصرية التزام للماليك ~~فليوردون الحجة التي كتبها لهم الله. ولكن رب العالمين هو رأوفا وعادل على ~~البشر. بعونه تعالى من اليوم وصاعدا لا يستثنى أحد من أهالي مصر عن الدخول في ~~المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية». فالعقلاء والفضلاء والعلماء ~~بينهم سيدبروا الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها. سابقا في الديار المصرية ~~كانت المدن العظيمة، والخلجان الواسعة، والمتجر المتكاثر، وما زال ذلك إلا لطمع ~~وظلم المماليك # 1 ~~... # وواضح ما في هذا الكلام من صلة متينة بمبادئ الثورة وبيان حقوق الإنسان. # 2 # ويقول الأمير حيدر الشهابي إن أعيان مصر استغربوا هذا «الخطاب المهول ~~والأمر المجهول»؛ فقد كان جديدا على الأسماع والأفهام. # ولم تستقر قدم نابليون في وادي النيل ms043 حتى هيأ ديوانا استشاريا من كبار العلماء ~~والتجار، فكان في عمله بذرة، وإن تكن طفيفة، من تمرين الأمة على الإدارة الذاتية. # هز الفتح النابليوني جو الجمود الذي كان مخيما على مصر، فنهضت أيام محمد علي ~~الكبير نهضة سياسية، عسكرية، صناعية، ثقافية. وأخذت من عهد نابليون تتجه الميول ~~الثقافية المصرية إلى الارتشاف من ينابيع فرنسية، حتى كان زمن محمد علي، فقوي الترابط ~~الثقافي بين البلدين، وعززه التفاهم السياسي. وأنفذ محمد علي باشا البعوث ~~العلمية، فكانت من أسباب الاطلاع على فرنسا الثائرة والمبادئ التحريرية التي حركت ~~شعبها إلى انتفاضات جبارة، ثم كانت في مصر تلك القافلة من الأدباء والمفكرين من ~~رفاعة رافع الطهطاوي إلى طه حسين اليوم. # ومن حسن الحظ أن أحد أعضاء هذه البعوث، وهو الطهطاوي، قد ترك لنا كتابا نفيسا عن ~~رحلته إلى باريس وما تلقاه فيها من ثقافة، وما شاهده وتأثر به في فرنسا، ولا سيما ~~عاصمتها العظيمة. واسم الكتاب هو: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، أو الديوان النفيس ~~بإيوان باريس. ولا نغالي إذا قلنا إن الطهطاوي مؤلف الكتاب عقل من أعمق العقول ~~الشرقية العربية التي ماست الغرب كما يتجلى في فرنسا، وفهمته فهما واعيا لفضائله ~~وحسناته من وجوه عديدة. وصادف عهد الطهطاوي في باريس عهد الملك شارل العاشر ووزيره ~~بولينياك. وكانت ملكية شارل العاشر - نظريا - ملكية دستورية مقيدة بالصك ~~«الشارت» # La Charte # التي تولى العرش على أساسها ~~لويس الثامن عشر. لكن شارل العاشر كان نزاعا إلى الملكية المطلقة، ومن أقواله: «إنه ~~يؤثر أن ينشر الخشب على أن يكون ملكا من الطراز الإنكليزي (أي دستوريا).» وكان ~~وزيره بولينياك يستهدف إلغاء كل أثر من آثار الثورة الفرنسية الكبرى، ويقول: ~~«غرضنا أن نعيد تنظيم المجتمع؛ أن نرجع إلى الكليروس نفوذه في الدولة، ونخلق ~~أرستقراطية قوية نسيجها بالامتيازات.» ولم يتورع شارل العاشر عن فض المجلس ~~النيابي، فأعاد الشعب انتخاب أكثر أعضائه ، ولا سيما الأعضاء الذين عرفوا بمقاومة ~~الملك، فأصدر شارل قوانينه المشهورة # Les Ordonnances # بإلغاء حرية الصحافة، وفض المجلس مرة ثانية. فاندلعت ms044 الثورة في باريس سنة 1830 ~~وطالت ثلاثة أيام من شهر تموز (26 إلى 29 منه) وهي الأيام المعروفة ب «الثلاثة ~~المجيدة»، فسقط شارل العاشر، وأقيم مكانه الملك لويس فيليب على أساس صك ~~جديد. # وقد شهد الطهطاوي ثورة الأيام الثلاثة المجيدة، وهي تعتبر صفحة تالية للثورة ~~الكبرى، ووصفها وصفا طريفا دقيقا أثبتناه في النصوص في هذا الكتاب. وعني عناية ~~خاصة بالدستور الفرنسي وسماه تسميته الفرنسية فدعاه الشرطة # La Charte ~~، ونقله إلى العربية قبل التعديل زمن شارل العاشر وبعد ~~التعديل زمن لويس فيليب. # 3 # وتحدث عن مجلس النواب الفرنسي، أو المجلسين على الأصح: ديوان «رسل ~~العمالات» الذين «هم وكلاء الرعية المنتخبون # Les Députés ~~»، وديوان البير؛ أي أهل المشورة الأولى. # ولم ينس أن يلم بشئون أخرى تتصل بنظام فرنسا السياسي. وفيما يلي نص الخلاصة ~~التي وضعها الطهطاوي للشرطة، مع تعليقه عليها، في أول ملك لويس فيليب: # الفرنساوية مستوون في الأحكام على اختلافهم في العظم والمنصب والشرف ~~والغنا، فإن هذه المزايا لا نفع لها إلا في الاجتماع الإنساني والتحضر فقط، ~~لا في الشريعة؛ # 4 # فلذلك كان جميعهم يقبل في المناصب العسكرية والبلدية، كما أنه ~~يعين الدولة من ماله على قدر حاله. وقد ضمنت الشريعة لكل إنسان ~~التمتع بحريته الشخصية حتى لا يمكن القبض على إنسان إلا في الصور المذكورة ~~في كتب الأحكام، ومن قبض على إنسان في صورة غير منصوصة في الأحكام يعاقب ~~عقوبة شديدة. ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن كل ~~إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة، ويعاقب من تعرض ~~لعابد في عبادته، ولا يجوز وقف شيء على الكنائس وإهداء شيء لها إلا بإذن ~~صريح من الدولة. وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة ~~الأديان بشرط ألا يخل بالانتظام المذكور في كتب الأحكام. كل الأملاك على ~~الإطلاق حرم لا تهتك؛ فلا يكره إنسان أبدا على إعطاء ملكه إلا لمصلحة ~~عامة، بشرط أخذه ، قبل التخلية، قيمته، والمحكمة هي التي تحكم بذلك. كل ~~إنسان ms045 عليه أن يعين في حفظ المملكة العسكرية بشخصه، بمعنى أنه كل سنة ~~يجمع أولاد إحدى وعشرين سنة لتضرب القرعة لأخذ العساكر السنوية منهم، ومدة ~~خدمة العسكرية ثمان سنوات. وكل فرنساوي عمره ثمانية عشر سنة - وله حقوقه ~~البلدية - يمكنه أن يتطوع ويدخل العسكرية. ويعافى من العسكرية عدة أناس؛ الأول: ~~من طوله دون متر وخمسة وسبعين سنتمترا، يعني أربعة أقدام وعشرة برامق، ~~الثاني: أصحاب العلل، الثالث: الابن أكبر الإخوان الأيتام من أبيهم وأمهم، ~~الرابع: الابن البكري أو المنفرد، وابن الابن الأكبر أو المنفرد عند فقده، إذا ~~كانت الأم أو الجدة لا زوج لها، أو كان أبوه أعمى، أو سنه سبعون سنة، الخامس: ~~البكري أحد الأخوين الذين وقعا في قرعة لمة واحدة، السادس: الأخ الذي أخوه ~~فاضل تحت البيرق أو مات في الخدمة أو جرح في الحرب. ولو أراد إنسان أن ينوب ~~عنه غيره فإن المنوب عنه يضمن النائب سنة من خوف الهرب، إلا إذا كان الهارب ~~قبض عليه في السنة أو مات تحت بيرق الفرنساوية. وفي واحد وعشرين في شهر ديسمبر ~~من كل سنة، كل العساكر التي تمت خدمتهم يؤذن لهم بالعودة إلى محالهم. ~~ولما كان لا يمكن لكل إنسان أن يدخل بنفسه في عمل الدولة وكلت الرعية ~~بتمامها عنها في ذلك أربعماية وثلاثين وكيلا تبعثها إلى باريس في المشورة، ~~وهؤلاء الوكلاء تختارهم الرعية وتوكلهم بأن يمانعوا عن حقها ويصنعوا ما ~~فيه مصلحة لها؛ وذلك أن كل فرنساوي مستكمل للشروط، التي منها أن يكون عمره ~~خمسا وعشرين سنة، له أن يكون ممن له مدخل في انتخاب رسل عمالاته. وكل ~~فرنساوي له أن يكون رسولا إذا كان عمره ثلاثين سنة، ويكون موصوفا بالشروط ~~المذكورة في كتاب الأحكام. وفي كل مأمورية مجمع اختيار وانتخاب، ومجامع ~~انتخاب للأقاليم الصغيرة، ومجامع المأموريات الكبيرة مؤلفة من المنتخبين ~~الكبار، وتعين 172 رسولا. ومجامع انتخاب الأقاليم الصغيرة تعين 258 ~~رسولا. ودفاتر أرباب الانتخاب تطبع وتكتب في الطرق شهرا قبل فتح مجامع ~~الانتخاب، حتى إنه يمكن لكل إنسان أن يكتب ms046 إعلاما به. وكل منتخب (بكسر ~~الخاء) يكتب رأيه سرا في ورقة يعطيها للرئيس مطوية، والرئيس يضعها في إناء ~~القرعة. وديوان رسل العمالات يتجدد أهله بالكلية كل خمس سنوات. ولا ~~يمكن أخذ الفرد # 5 # إلا بخلاصة من مشورة الديوانين مقررة من طرف الملك. يمكن لأهل ~~البلدان أن يرسلوا أهل الديوانين بطرق العرضحال ليشتكوا من شيء أو يعرضوا ~~شيئا نافعا. القضاة لا ينعزلون؛ فلا يحكم على إنسان إلا بقضاة محل ~~استيطانه. والدعاوى تقام جهرا، وذنوب الجنايات لا يحكم فيها إلا بحضرة ~~جماعة يسمون الجوريين # Les Jurés ~~. ~~والعقوبة بالقبض على الأموال بطلت. للملك أن يعفو عن المعاقب بالموت وأن ~~يخفف العقاب الشديد. على الملك وورثته أن يحلفوا عند ارتقاء الكرسي بأن ~~يعملوا بما في كتاب قوانين المملكة. ثم إنه يطول علينا ذكر الأحكام الشرعية ~~والقانونية المنصوبة عند الفرنساوية، فلنقل إن أحكامهم القانونية ليست ~~مستنبطة من الكتب السماوية، إنما هي مأخوذة من قوانين أخرى غالبها سياسية، ~~وهي مختلفة بالكلية عن الشرائع، وليست قارة الفروع. ويقال لها «الحقوق ~~الفرنساوية»؛ أي حقوق الفرنساوية بعضهم على بعض؛ وذلك لأن الحقوق عند الإفرنج ~~مختلفة. ثم إن بباريس عدة محاكم، وفي كل محكمة قاض كبير كأنه قاضي ~~القضاة، وحوله رؤساء وأرباب مشورة ووكلاء الخصوم ومحامون للخصوم ونواب عن ~~المحامين وموقع الوقائع. # وطبيعي أن يتنبه الطهطاوي إلى هذا كله وهو الشرقي العربي الذي يلتمس لوطنه ~~أسلوبا في الحكم يسير عليه ويساير الأمم الناهضة في نظام يشترك فيه المواطنون ~~جميعهم في حقوق وواجبات مفصلة مصونة متساوية، مبدئيا على الأقل. # وقد أشرنا إلى أن الطهطاوي عرب «الشرطة» الأصلية التي ملك لويس الثامن عشر وفاقا ~~لها، غب سقوط نابليون النهائي وانعقاد مؤتمر فيينا. وكتب الطهطاوي في مقدمة تعريبه ~~لتلك الشرطة: # فيها أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل. ومعنى الشرطة في اللغة ~~اللاتينية: ورقة، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام ~~المقيدة، فلنذكره لك، وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في ~~سنة رسوله ( # صلى ms047 الله عليه وسلم ~~)، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من ~~أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى ~~عمرت بلادهم وكثرت معارفهم وتراكم بناهم وارتاحت قلوبهم؛ فلا تسمع فيها ~~من يشكو ظلما أبدا، والعدل أساس العمران. ولنذكر هنا نبذة مما قاله فيه ~~العلماء والحكماء أو في ضده. من كلام بعضهم: ظلم اليتامى والأيامى مفتاح الفقر، ~~والحلم حجاب الآفات، وقلوب الرعية خزائن ملكها فما أودعه إياها وجده فيها. ~~وقال آخر: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا ~~عمارة إلا بعدل. وقيل فيما يقرب من هذا المعنى: سلطان الملوك على أجسام ~~الرعايا لا على قلوبهم. وقال بعضهم: أبلغ الأشياء في تدبير المملكة تسديدها ~~بالعدل وحفظها من الخلل. وقيل: إذا أردت أن تطاع فاطلب ما يستطاع. إن ~~المولى إذا كلف عبده ما لا يطيقه فقد أقام عذره في مخالفته. # وفي هذا ما يجب أن يستوقفنا؛ لأننا نرى الطهطاوي، وهو من أعلام مفكرينا الأوائل، ~~ينظر إلى مبادئ الشرطة؛ أي المبادئ التي استوحيت من الثورة الفرنسية الكبرى، نظرة ~~إعجاب وتقدير، ولكنه يرى أن أكثرها مما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله. # 6 # ومع ذلك فهو يضرب في تأييدها الحكم العربية، وما قصده إلا أن يبين أن هذه ~~المبادئ ليست غريبة عنا؛ فيكون الطهطاوي قد حاول شيئا من التوفيق بين تقاليدنا ~~والمبادئ التي انبثقت من الثورة الكبرى. وسنجد أن المفكرين قد خطوا خطوات أبعد ~~من التوفيق، فبينوا أن روح هذه المبادئ تساوي روح كتاب الله وسنة رسوله. # وبعد أن يفرغ الطهطاوي من تعريب الشرطة يكتب معلقا عليها: # فإذا تأملت رأيت أغلب ما في هذه الشرطة نفيسا، وعلى كل حال فأمره ~~نافذ عند الفرنساوية. ولنذكر هنا بعض ملاحظات فنقول: # قوله في المادة الأولى: سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة؛ معناه سائر من ~~يوجد في بلاد فرانسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في ~~القانون، حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ ms048 عليه الحكم كغيره. ~~فانظر إلى هذه المادة الأولى فإن لها تسلطا عظيما على إقامة العدل ~~وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرا إلى إجراء الأحكام. ~~ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة ~~الواضحة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية وتقدمهم في الآداب الحضرية. ~~وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف؛ ~~وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا ~~يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة؛ فهذه البلاد ~~حرية بقول الشاعر: # وقد ملأ العدل أقطارها # وفيها توالى الصفا والوفا # وبالجملة إذا وجد العدل في قطر من الأقطار فهو نسبي إضافي، لا عدل ~~كلي حقيقي؛ فإنه لا وجود له الآن في بلدة من البلدان؛ فإنه كالإيمان الكامل ~~والحلال الصرف. # وأما المادة الثانية # 7 # فإنها محض سياسية. ويمكن أن يقال إن الفرد ونحوها لو كانت ~~مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت النفس، خصوصا إذا كانت ~~الزكوات والفيء والغنيمة لا تفي بحاجة بيت المال أو كانت ممنوعة بالكلية، ~~وربما كان لها أصل في الشريعة على بعض أقوال مذهب الإمام الأعظم. # 8 # ومن الحكم المقررة عند قدماء الحكماء: الخراج عمود الملك. ومدة ~~إقامتي بباريس لم أسمع أحدا يشكو من المكوس والفرد والجبايات أبدا ولا ~~يتأثرون بحيث إنها تؤخذ بكيفية لا تضر المعطي وتنفع بيت مالهم خصوصا، وأصحاب ~~الأموال في أمان من الظلم والرشوة. وأما المادة الثالثة # 9 # فلا ضرر فيها أبدا، بل من مزاياها أنها تحمل كل إنسان على ~~تعهد تعلمه حتى يقرب من منصب أعلى من منصبه، وبهذا كثرت معارفهم ولم يقف ~~تمدنهم على حالة واحدة مثل أهل الصين والهند ممن يعتبر توارث الصنائع ~~والحرف ويبقي للشخص دائما حرفة أبيه. وقد ذكر بعض المؤرخين أن مصر في ~~سالف الزمان كانت على هذا المنوال؛ فإن شريعة قدماء القبطة كانت تعين لكل ~~إنسان صنعته ثم يجعلونها متوارثة عنه لأولاده . قيل: ms049 سبب ذلك أن جميع الصنائع ~~والحرف كانت عندهم شريفة، فكانت هذه العادة من مقتضيات الأحوال لأنها تعين ~~كثيرا على بلوغ درجة الكمال في الصنائع؛ لأن الابن يحسن عادة ما رأى أباه ~~يفعله عدة مرات بحضرته ولا يكون له طمع في غيره؛ فهذه العادة كانت تقطع عرق ~~الطمع وتجعل كل إنسان راضيا بصنعته لا يتمنى أعلى منها، بل لا يبحث إلا ~~عن اختراع أمور جديدة نافعة لحرفته توصل إلى كمالها (انتهى). ويرد عليه ~~أنه ليس في كل إنسان قابلية لتعلم صنعة أبيه، فقصره عليها ربما جعل ~~الصغير خائبا في هذه الصنعة، والحال أنه لو اشتغل بغيرها لنجح حاله وبلغ ~~آماله. وأما المادة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة # 10 # فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء؛ فلذلك كثر أهل هذه البلاد ~~وعمرت بكثير من الغرباء. # وأما المادة الثامنة # 11 # فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر ~~بباله مما لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه، خصوصا الورقات ~~اليومية المسماة بالجرنالات والكازيطات: الأولى جمع جرنال، والثانية جمع ~~كازيطة # Gazette ~~؛ فإن الإنسان يعرف منها ~~سائر الأخبار المتجددة سواء كانت داخلية وخارجية؛ أي داخل المملكة أو ~~خارجها، وإن كان قد يوجد فيها من الكذب ما لا يحصى، إلا أنها قد تتضمن أخبارا ~~تتشوق نفس الإنسان إلى العلم بها. على أنها ربما تضمنت مسائل عملية ~~جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو نصائح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل ~~أو الحقير؛ لأنه قد يخطر ببال الحقير ما لا يخطر ببال العظيم، كما قال ~~بعضهم: لا تحتقر الرأي الجليل يأتيك به الرجل الحقير؛ فإن الدرة لا تستهان ~~لهوان غواصها ... # ومن فوائدها أن الإنسان إذا فعل فعلا عظيما أو رديئا، وكان من الأمور ~~المهمة، كتبه أهل الجرنال ليكون معلوما للخاص والعام؛ لترغيب صاحب العمل ~~الطيب، ويرتدع صاحب الفعلة الخبيثة. وكذلك إذا كان الإنسان مظلوما من إنسان ~~كتب مظلمته في هذه الورقات فيطلع عليها الخاص والعام فيعرف قصة المظلوم ~~والظالم، من غير عدول عما وقع ms050 فيها ولا تبديل، وتصل إلى محل الحكم، ويحكم ~~فيها بحسب القوانين المقررة، فيكون مثل هذا الأمر عبرة لمن يعتبر. وأما ~~المادة التاسعة # 12 # فإنها عين العدل والإنصاف، وهي واجبة لضبط جور الأقوياء على ~~الضعفاء، وتعقيبها بما في العاشرة # 13 # من باب اللياقة الظاهرة ... إلخ. # وليس في هذا كله إلا ما يدل على أن الطهطاوي تأثر أعمق التأثر بما رآه في ~~نظام فرنسا من نتائج ثورتها الكبرى. وله في كتابه «تخليص الإبريز» ملاحظات موزعة ~~على تقديره التفكير الفرنسي المبني على أحكام العقل، وهو التفكير الذي أزهر زهره ~~وأثمر ثمره في القرن الثامن عشر في أعلام المفكرين قبل الثورة. وإلى القارئ شيئا ~~من ملاحظاته: # إن الباريزيين يختصون من بين كثير من النصارى بذكاء العقل ودقة الفهم ~~وغوص ذهنهم في العويصات. وليسوا أسراء التقليد أصلا، بل يحبون دائما ~~معرفة أصل الشيء، والاستدلال عليه، حتى إن عامتهم يعرفون أيضا القراءة ~~والكتابة ويدخلون مع غيرهم في الأمور العميقة، كل إنسان على قدر حاله؛ ~~فليست العوام في هذه البلاد من قبيل الأنعام كعوام أكثر البلاد ~~المتبربرة. والفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين. ~~وأقول هنا: إنهم يذكرون خوارق العادات ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور ~~الطبيعية أصلا. إن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ~~ضده، وإن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد ~~الأديان، وإن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية. # 14 # غير أن الطهطاوي إذ يبلغ به الحديث إلى مسألة القضاء والقدر، يخالف التفكير الفرنسي ~~المبني على أحكام العقل؛ فهو يترك للقضاء والقدر مجاله «وإن كان لا ينبغي للإنسان أن ~~يحيل الأشياء على المقادير إذ يحتج بها قبل الوقوع.» # وللطهطاوي فصل خاص في الكتب التي طالعها في باريس، وأكثرها يرقى إلى القرن الثامن ~~عشر، وتأخذ بأسباب التفكير المبني على أحكام العقل. وفيما يلي نص كلام الطهطاوي عن ~~مطالعاته: # قرأت كثيرا من كتب الأدب؛ فمنها ... عدة مواضيع من ديوان ولتير ... وديوان ~~روسو، خصوصا مراسلاته الفارسية التي يعرف ms051 بها الفرق بين آداب الإفرنج والعجم، ~~وهي أشبه بميزان بين الآداب المغربية والمشرقية # 15 ~~... وقرأت في الحقوق الطبيعية، مع معلمها، كتاب برلماكي وترجمته ~~وفهمته فهما جيدا. وهذا الفن عبارة عن التحسين والتقبيح العقليين يجعله ~~الإفرنج أساسا لأحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية. وقرأت أيضا مع ~~مسيو شواليه جزأين من كتاب يسمى روح الشرائع، مؤلفه شهير بين ~~الفرنساوية يقال له مونتسكيو، وهو أشبه بميزان بين المذاهب الشرعية والسياسية ~~ومبني على التحسين والتقبيح العقليين. ويلقب عندهم مونتسكيو ب «ابن ~~خلدون الإفرنجي». كما أن ابن خلدون يقال له عندهم أيضا مونتسكيو الشرق؛ أي ~~مونتسكيو الإسلام. وقرأت أيضا في هذا المعنى كتابا يسمى عقد التأنس ~~والاجتماع الإنساني، مؤلفه يقال له روسو، وهو عظيم في معناه ... وقرأت عدة ~~محال نفيسة في معجم الفلسفة للخواجة ولتير وعدة محال في كتب فلسفة ~~قندلياق # Condillac ~~. # ومن الأمور التي يبدي الطهطاوي إعجابه بها ثقافة المرأة الفرنسية؛ فيقول: «إن للنساء ~~تآليف عظيمة، ومنهن مترجمات للكتب من لغة إلى أخرى، مع حسن العبارات وجودتها. ~~ومنهن من يتمثل بإنشائها ومراسلاتها المستغربة. ومن هنا يظهر لك أن قول بعض أرباب ~~الأمثال: جمال المرء عقله وجمال المرأة لسانها، لا يليق بتلك البلاد.» # وهكذا نستطيع أن نقول إن رافع الطهطاوي مع رجال البعوث الذين أنفذهم محمد علي باشا ~~الكبير إلى فرنسا، كانوا من أعظم المجاري التي تسربت خلالها إلى الشرق العربي آثار ~~من مبادئ الثورة الفرنسية وكبار مفكريها. # ولكن هناك مجرى آخر، إذا شئنا أن نرجع إلى أصله في التاريخ وجب علينا أيضا الرجوع ~~إلى الحملة النابليونية؛ فإن هذه الدفعة العسكرية القوية تجاوزت مصر وبلغت أسوار عكا ~~حيث حاصرت أحمد باشا الجزار في قاعدته، وطارت أخبارها إلى لبنان زمن الأمير بشير ~~الشهابي. # بين أيدينا هذا الكتاب الغني الذي تركه المطران يوسف الدبس عن تاريخ سوريا، فلنكتف ~~منه بالنسخة الموجزة، ولنراع وقائع التاريخ اللبناني خلال الأيام التي كانت تهب ~~فيها رياح الثورة الفرنسية على الدنيا. # 16 # سنرى أن هذا الوطن البديع النشيط، القائم على ساحل الأبيض المتوسط، ms052 كان هو أيضا في ~~غليان دائم. والقصة واحدة : أمير حاكم على لبنان، يحتاج إلى المال، أو يطلب منه أسياده ~~الذين ولوه الإمارة مبلغا من المبالغ، أو هو يتبرع بتقديم المبلغ ليزاحم أميرا ~~آخر رشح نفسه لحكم لبنان، ويأتي موعد الدفع، فيضرب الضريبة على السكان وعلى مواسمهم، ~~ويبث جباته، فيمتنع الناس، وتندلع نيران الثورة، إلى أن يسقط الأمير، أو يغلب ~~الأهالي على أمرهم فيؤدوا المال، إلا أن روحهم تبقى على حدتها وتوفزها غير ~~مثلومة ولا منكسرة. # وإذن، فقد كان في اللبنانيين استعداد عقلي وقابلية روحية لما لفحهم أول ~~أنباء الثورة في البلاد المقابلة لبلادهم عبر البحر الذي يطلون على أمواجه. أما ~~كيف وصلتهم هذه الأنباء، فقد سبق أن الحملة النابليونية على مصر هي التي حملت إليهم ~~تباشيرها. # كانت تنمو في لبنان إذ ذاك بواكير الزهرات الأدبية التي بشرت بمطلع النهضة ~~الحديثة وموسمها المقبل. ونخص بالذكر من تلك البواكير الكاتب الشاعر نقولا ~~الترك. # ونستطيع أن نتصور الناس في لبنان وقد بلغتهم أنباء الحملة الفرنسية على مصر ~~وامتدادها إلى أسوار عكا؛ فإن أميرهم، الأمير بشير، كان مواليا للجزار، فما يكون ~~موقفه الآن والجزار محصور في قاعدته؟ وهذا القائد الفرنسي بونابرت يشد عليه الخناق، ~~ومحتمل كل الاحتمال أن يفتح عكا ويتقدم بجيوشه إلى لبنان. ولكن من بونابرت ~~هذا؟ # ولا شك أن حديث الناس عن الفاتح الجديد، الذي حط رحاله في وادي النيل ومشى يريد ~~إكمال الفتح، صرف الناس إلى الحديث عن فرنسا وما طرأ عليها قبل أن يبرز ~~بونابرت. # وهكذا وقعت الأنظار على الثورة الفرنسية الكبرى والانقلاب العميق الذي أحدثته في ~~فرنسا. ولسنا نعرف بالضبط كيف اطلع اللبنانيون على حوادث الثورة؛ فربما حملها إليهم ~~التجار الذي كانت لهم صلات قديمة بين هذا الشاطئ من المتوسط والشاطئ المقابل، وربما ~~جاءتهم أخبارها على ألسنة مسافرين كانوا في مصر وعرفوا جنود نابليون ~~وخاطبوهم. # على أننا نعلم علم اليقين، استنتاجا من تاريخ الأمير حيدر الشهابي، أن اللبنانيين ~~سمعوا ببعض حوادث الثورة في عهد باكر، كهجوم الشعب سنة 1792 ms053 # 17 # على القصر الملكي في باريس (التويلري)، وعرفوا أن الشعب طلب مجلسا ~~نيابيا «ديوانا عظيما ومحفلا جسيما يكون فيه للملك الصوت الأول»، وعرفوا كذلك أن ~~الملك حاول أن يهرب فقبض عليه وسجن في حبس «الطامبل» # Temple # ثم أعدم وانفردت «المشيخة» بالتدبير. لكن اللبنانيين ~~- إذا استندنا إلى تاريخ الأمير حيدر - لم تخل معلوماتهم عن الثورة من اضطراب ظاهر، ~~وقد يكون هذا طبيعيا ومنتظرا في مثل تلك الأحوال والأيام. # أما رأيهم في الثورة وحوادثها، فكلام الأمير حيدر يدل حينا على عطف وحينا على ~~تشجيب. ونقدر أن موقف كثير من الأوساط الدينية تجاه الثورة والحكم على الملك ~~بالإعدام ساعد الدعايات المعارضة للثورة وغشى حقيقتها بغشاء كثيف. ولا تزال ~~الدعايات تستغل هذه الأمور وأمثالها للتشنيع على الثورة إلى اليوم. وطريف حقا أن ~~نقرأ الوصية التي أثبتها الأمير حيدر على لسان لويس السادس عشر قبل إعدامه؛ فإن في ~~أسلوبها ما يذكر ببعض الأدباء المعاصرين الذين يكتبون عن الثورة فيكتفون بالحديث عن ~~«الغوغاء» و«الحزن الملكي» وما أشبه. ومفهوم أن للثورات بوادر من بطش وعنف. ويمكن ~~القول إن كثيرين من اللبنانيين، لما التفتوا إلى الثورة الفرنسية على بعد ~~المسافة، غلبت على أبصارهم مشاهد العنف والبطش. وجاءت الدعايات المعارضة تضخم ~~تلك المشاهد في أبصارهم، وتجرد الثورة من فضائلها؛ فهي «الفتنة» أو «الفتنة ~~العمياء» وكفى. وستكون لنا إلمامة أخرى بهذا الموضوع. # لكن اللبنانيين، منذ الساعات الأولى، ساورهم شعور أدى بهم إلى المقايسة بين ~~شيئين: فظاعة الثورة والتخريب الذي أحدثته من جهة، ونهضة فرنسا وظهور رجل كنابليون ~~على مسرح الحوادث العالمية من جهة أخرى. وبين الثورة ونابليون صلة وصل متينة؛ فكيف ~~تكون الثورة فظاعة وخرابا وتنتهي بهذه القوة الباهرة؟ # ومن يقرأ مقدمة الكتاب الذي ألفه الشاعر الكاتب نقولا الترك في الثورة الفرنسية ~~والحروب النابليونية يشعر بالشعور الغامض الحائر الذي خالج النفوس بإزاء الثورة ~~والحكم لها أو عليها. يقول نقولا الترك: # جرت عادة الأوايل، بتأليف الكتب والرسايل، وذكر ما يمر عليهم من الحادثات ~~الكونية والحركات الكلية، من قيام دولة على دولة، ms054 وانتشار الحروب المهولة، ~~وما يتعلق بها من المواقع المريبة والأمور الفظيعة، فحق لنا أن نؤرخ في هذا ~~الكتاب؛ لانتفاع الطلاب، ما حدث من التغيير والانقلاب، مما أجرته يد ~~الأقدار في هذه الأمصار، ومما آذنت العزة الإلهية بظهور المشيخة الفرنساوية، ~~وما تكون بسببها من الفتن في البلاد الإفرنجية وديار الرومية، وقتل ~~سلطانهم وخراب بلدانهم وانتشار شأنهم وربحهم من بعد (خسرانهم)، وذلك بظهور ~~فرد أفرادهم وقايد أجنادهم، الليث الشديد والبطل الصنديد، أمير الجيوش؛ ~~الأمير بونابرت، وذكر الحروب التي ثارت بتلك الممالك، وحدوث الشرور والمهالك، ~~وقهر البلاد التي اتصلوا إليها، والانتصارات العظيمة التي حصلوا عليها، ~~بانتقالهم الغريب من الغرب إلى الشرق، ومرورهم العجيب أسرع من البرق، ونزولهم ~~على جزيرة مالطة، كالصواعق الهابطة، وفتوحهم ثغر الإسكندرية، واستيلائهم على ~~الأقطار المصرية، وذكر ما تم لهم من التمليك، في حروبهم مع الغز ~~والمماليك، وسيرهم على الأقطار الشامية، ومحاصرتهم لمدينة عكا القوية، مسكن ~~ذلك الوزير الجبار، المعروف أحمد باشا الجزار، ورجوعهم إلى أرض مصر، وما تم ~~لهم في ذلك العصر، وكفاحهم مع الدولتين العظيمتين: الدولة العثمانية والدولة ~~الإنكليزية، ومصادمتهم للعساكر البرية والبحرية ... إلخ. # فإذا تأملنا هذا الكلام وجدنا ذكر الثورة الفرنسية مقرونا بالفتن وقتل السلطان ~~(أي الملك لويس) وخراب البلدان، ولكن سرعان ما وجدنا المطاف يفضي بنا إلى: انتشار شأن ~~الفرنسيين، وربحهم بعد خسرانهم، وانتصاراتهم العظيمة، وانتقالهم الغريب من الغرب إلى ~~الشرق، وهلم. وكم كان نقولا الترك موفقا حين أتى على ذكر الثورة وقيام المشيخة ~~الفرنساوية في جملة «الحادثات الكونية والحركات الكلية»؛ فالثورة الفرنسية حقا حادث ~~كوني وحركة كلية، وهذا من أوجز ما يقال فيها وأبدعه. # وكأن اللبنانيين ما لبثوا أن تقدموا تقدما سريعا في فهم الثورة وحقيقة ~~معناها. وإننا لنصادف في التاريخ اللبناني حوالي هذا العهد بعض حركات وانتفاضات ~~يعمل فيها وعي الشعب عمله الملموس، كعاميتي إنطلياس ولحفد سنة 1820-1821، وكالثورة ~~على إبراهيم باشا والاحتلال المصري سنة 1840، وكغضبة طانيوس شاهين على التحكم ~~الإقطاعي سنة 1859. # ويهمنا أن نلاحظ في هذا الصدد أن كلمة «العامية» إنما هي تعريب ms055 حرفي لكلمة # Commune # الفرنسية. وكان اللبنانيون يؤلفون ~~العاميات، في مناسبات خاصة، للامتناع عن دفع الضرائب، كما وقع في عاميتي إنطلياس ~~ولحفد إذ طلب عبد الله باشا الوالي العثماني في عكا مبلغا ماليا من الأمير بشير ~~ففرضه الأمير على اللبنانيين وبث الجباة لجمعه، فكانت عاميتا إنطلياس ولحفد. ~~ولسنا نعلم هل كان اللبنانيون متأثرين في عامياتهم بشيء من الثورة ~~الفرنسية. # ولكنا نعلم علما لا يشوبه الظن أن اللبنانيين، في المنشور الذي أذاعوه سنة 1840 ~~يدعون فيه إلى الثورة على إبراهيم باشا، ضربوا للشعب مثلا من البأس والثبات الفرنسي في ~~القتال. يقول المنشور: # فليرقد بسلام رفات إخواننا (يقصد الحورانيين، وكانوا قد ثاروا على ~~الحكومة المصرية) الذين ماتوا في سبيل الحرية؛ فإنهم ضاهوا بشجاعتهم ~~الفرنسيين الذين عندما هددوا بالاستئصال إذا لم يستسلموا فضلوا الموت ~~فخاضوا غمرات الوغى وقتلوا 150 ألف رجل؛ فهذا أيها الإخوان حادث تاريخي يجب ~~ألا يذهلكم؛ فإن مواطنينا الذين قاتلوا في حوران كانوا قليلي العدد، ومع ~~ضعف وسائلهم - كما تعلمون - قد فاقوا الفرنسيين. # 18 # ولسنا نعرف بالضبط الحادثة التي يشير إليها المنشور في التاريخ الفرنسي، على أننا ~~نرجح أنها تلك الوثبة الجبارة التي وثبها الباريسيون أيام الثورة الكبرى حين بعث ~~الدوق دي برونشفيك البروسي يتهددهم بسحقهم ومحق عاصمتهم إذا مسوا الملك وقصره، ~~فردوا عليه بمحاصرة قصر التويلري وافتتاحه في 10 آب 1792 واعتقلوا الملك وصادموا ~~جيش التدخل الأجنبي وظفروا به في معركة فالمي الشهيرة. # أما حركة طانيوس شاهين فليس في أخبارها إشارة صريحة إلى تقاليد فرنسا الثورية. ~~على أن في مخطوطة أنطوان ضاهر العقيقي، # 19 # التي تحدث فيها عن هذه الحركة، ذكرا لشكل السلطة التي كان يستند إليها ~~طانيوس شاهين؛ إذ كان يقول: «بقوة الحكومة الجمهورية»، ويدعو صاحب المخطوطة طانيوس ~~شاهين وجماعته «الجمهور». ويغلب على الظن أن كلمة «الجمهورية» و«الجمهور»، بالمعنى ~~السياسي، عرفها اللبنانيون بتأثير من الثورة الفرنسية الكبرى. وقد رأينا أن أول ~~منشور أذاعه نابليون على المصريين يحمل في فاتحته هذه العبارة: «من طرف الجمهور ~~الفرنساوي المبني على الحرية». # بهذا ms056 ينتهي بنا الحديث عن مجاري الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي من طريق مصر ~~وفلسطين ولبنان؛ فينبغي لنا أن نحول النظر منذ الآن شطر الشمال، شطر البلقان ~~وتركيا، وكانت هي والشرق العربي داخلة جميعها في نطاق الإمبراطورية العثمانية ~~الضخمة. # ومعلوم أن ريحا من الثورة الفرنسية ما لبثت أن هبت من غرب أوروبا على البلقان في ~~شرقها، فساعدت على إيقاد لهيب من الثورات الوطنية الاستقلالية على الحكم العثماني. ~~وكانت أبعد هذه الثورات صدى في الشرق العربي ثورة اليونان التي حررتهم بعد نضال ~~طويل دام من سنة 1827 إلى سنة 1829. ونفذت لفحات من ريح الثورة الفرنسية إلى صميم ~~الإمبراطورية العثمانية وقاعدة السلطنة. # وغني عن البيان أن الإمبراطورية العثمانية كانت إذ ذاك تحرك رجلا للهبوط في ~~سلم التاريخ. وقد بدأت طلائع فيها من أهل العقول النيرة تشعر بوجوب الإصلاح. ~~والسلطان سليم الثالث الذي ولي الحكم سنة 1789 - وهي أول سني عهد الثورة - ما لبث ~~أن أحس بضرورة شيء من التعديل والتبديل، ولكنه قصر جهده على الجيش، وكان كثير من ~~إصلاحاته مظهريا. ومع ذلك فقد شق عليه جيش الإنكشارية عصا الطاعة، وخلعوه، ثم ~~قتلوه، وألغوا ما سماه «النظام الجديد». وبالطبع إن الثورة الفرنسية وحوادثها قد ~~حملت الأوساط الرسمية العثمانية فورا على اشمئزاز وامتعاض شديدين. وعاطف باشا ~~الذي صادف أن كان رئيس الكتاب (وزير الخارجية) أيام السلطان سليم الثالث علق على ~~الثورة الفرنسية بما يلي: # إن جان جاك روسو وغيره من مشاهير الزنادقة والدهريين قد قاموا بتأليف ~~الكتب الإلحادية المفسدة في سب الأنبياء وإبطال الأديان وذم الملوك ~~والأشراف، ونراهم في هذه الكتب يميلون إلى التهكم، ويستخدمون ألفاظ العوام ~~وأساليبهم حتى يفهم منهم الناس ويتذوقوا طعم المساواة والجمهورية ... وهم ~~الذين دعوا إلى إلغاء أصول الالتزام (أي نظام الإقطاع) الذي يعتبر أساس ~~كل دولة (!) ومدار ارتباطها ونظامها. ثم حرضوا على الإلحاد ونبذ الدين ~~والشرع والمذاهب، وبذلك مهدوا لانقلاب سكان فرنسا إلى هيئة البهائم. وليت ~~الأمر وقف بهم عند هذا الحد، بل إنهم تجاوزوه؛ فقد وجدوا في كل مكان ms057 أشياعا ~~مماثلين لهم ترجموا بيانهم المفعم بالطغيان والمسمى ب «حقوق الإنسان» إلى ~~جميع اللغات ونشروه بين عامة الأمم والملل التي كانوا يحرضونها فيه على حكامها. # 20 # غير أن الطلائع الذين ألمعنا إلى ذكرهم من أهل العقول النيرة في الإمبراطورية ~~العثمانية، لم يكونوا ليوافقوا عاطف باشا ونظراءه على مثل هذه الأحكام والآراء التي ~~تجري مجرى التهم الباطلة. ولم يتحاشوا أن يسددوا سهام نقدهم إلى الحكم السلطاني ~~المطلق ويطالبوا بالدستور. وما زال عددهم يتزايد وتأثيرهم ينمو حتى كانت حركة مدحت ~~باشا ودستوره، ثم الرجعة الحميدية (نسبة إلى عبد الحميد)، ثم حركة تركيا الفتاة، ~~والانقلاب العثماني سنة 1908. # ولا يحتاج إلى قول أن الحركة الدستورية العثمانية، من مدحت باشا # 21 # إلى شباب تركيا الفتاة، # 22 # بل إلى الانقلاب الكمالي، تأثرت بالثورة الفرنسية ومبادئ مفكريها ~~تأثرا واضحا. ولقد عرف الشرق العثماني والعربي أيام عبد الحميد قافلة كبيرة من ~~أحرار الفكر استلهموا فرنسا الثائرة وأعلام أدبائها الثائرين، وهاجروا إلى الأرض ~~الفرنسية، ونقلوا آثارا فرنسية # 23 # من نتاج العقول الحرة، وكانت هجرتهم وما نقلوه من المجاري البارزة التي ~~سلكتها الثورة إلى الشرق. # ولكن هذا كله يدخل بنا في فصل جديد، كثير الشعاب، طويل الشقة. # | الأدباء والمفكرون العرب أمام الثورة # (1) عرض عام ~~... والحقيقة هذه هي: إن الإنسان لا يفلح ولا يسعد ولا يرتقي إلا بممارسة حقوقه ~~الطبيعية، وإن الأمم لا تنشأ إلا بنشوء أفرادها، وإن الحكومات الحرة لا تقوم إلا ~~بشرائع عادلة تسنها المجالس النيابية، لا بأوامر تصدرها الملوك والسلاطين. ~~وأول حقوق الإنسان: الحرية؛ حرية الفكر وحرية القول وحرية العمل. وأول أسباب ~~الرقي في الأمم: الحرية الاجتماعية والحرية السياسية والحرية الدينية. وأول دلائل ~~الحياة الحرة الراقية أن يتمتع أفراد الأمة على السواء بهذه الحقوق الطبيعية، ~~فيسعون دائما في تعزيزها، وينهضون للدفاع عنها عندما تقيد أو تمتهن. ومن أكبر ~~دعائم الحكومات الحرة المستقلة قانون يكفل لشعبها هذه الحقوق الأولية، ويوجب ~~عليهم الدفاع عنها يوم ينهض عليها الظالمون ويحاولون قتلها. # أمين الريحاني في الريحانيات # ها نحن في زمن السلطان عبد ms058 الحميد الثاني! # وواضح أن السلالة العثمانية كانت تأخذ بأسباب «الحكم المطلق» وتستند إلى حق ~~الملوك الإلهي شأن غيرها من السلالات المالكة القديمة. # 1 # وكان عبد الحميد الذي قبل بالدستور، أول الأمر، شديد النزعة إلى الحكم ~~المطلق، يريد حصر السلطة بيده، وقد فعل؛ فباتت تكال له ألقاب التفخيم والتمجيد، ~~فهو «ظله (ظل الله) الأكرم وخليفته الأعظم»، # 2 # وهو «وارث الأنبياء بلا امتنان وخلاصة بني عثمان». # ولعلنا نحسن صنعا إذا وقفنا قليلا لنجس نبض الفكر السياسي الذي كان يبيحه ~~عبد الحميد؛ فإن هذا ليزيدنا فهما لتيار الفكر السياسي الذي انطلق بدافع من ~~الثورة الفرنسية، ويعيننا على فهم الاصطدام القوي الذي لم يلبث أن وقع بين ~~التيارين. # ولعلنا لا نجد أحدا يمثل الفكر السياسي ~~الحميدي «مفلسفا» كما يمثله لبناني من أدباء ذلك العهد هو الدكتور الظريف ~~شاكر الخوري. والأرجح أن الدكتور شاكر كان لا يشعر بأنه يبث «فلسفة» السياسة ~~الحميدية، بل الأرجح أنه كان لا يريد أن يبثها، إلا أنه مع ذلك كان يكره جلب الأذى ~~لنفسه، و«المسكين» - في نظره - «من تقدمت أفكاره عصرها؛ فهو الذي يكون الضحية ~~الأولى.» وما أغناه عن أن «يفحص كلف الشمس بالعين العارية ويعرض نفسه للعمى ~~بلا فائدة.» وباختصار «أكرم رئيسك ولو كان حمارا.» # 3 # مع أن الدكتور في خاتمة كتابه «مجمع المسرات» يعلن أن مؤلفه «حبل به في ~~الظلم وولد في الحرية»؛ لأن صدوره مطبوعا سنة 1908 وافق سقوط عبد الحميد وإعلان ~~الدستور العثماني، وبهذه الكلمة نفس عن صدر متضايق كان ينفس عنه قبلا بلذع ~~التوريات والنكات. # وفي الكتاب فصل عن «ضرورة السياسة للهيئة الاجتماعية» كتب في العهد الحميدي، ~~وهو الفصل الذي يساير فيه الدكتور شاكر تيار الفكر السياسي الحميدي «مفلسفا» ~~مجلببا بجلباب من «المنطق» و«القياس»؛ فيثبت الدكتور أولا ضرورة «القوانين التي ~~تعطي كل ذي حق حقه»، ثم يثبت ضرورة «أناس مخصوصين يديرون حركة القوانين ~~ويسيرون بموجبها، وهؤلاء هم الساسة.» أما القوانين فقسمان: قسم يتعلق «بحقوق ~~الأفراد بين بعضهم»، وقسم يتعلق «بحقوق الهيئة عموما مع ~~هيئة أخرى.» ms059 ولا بد للفئة المخصوصة التي تتولى ~~إدارة القوانين من أن «يرأسها شخص تعطى له السلطة»، ويكون له مساعدون وقوة ~~تنفيذ هي الجيش؛ ولئلا تخرب الجمعية «حصر الباري السلطة بيد واحد». # ومن ثم يقابل الدكتور بين الحكومة والجسم مقابلة طريفة لا نلبث إذا دققنا ~~فيها النظر أن نجد أن الحكومة هي الدولة العثمانية الحميدية، شبهها الكاتب ~~بالجسم الإنساني ليثبت موافقتها للخلق الطبيعي. # ف «الرأس هو الملك»، والرأس عليه «مدار الحياة»، وهو «مركز العقل يميز النافع ~~من الضار»؛ ولذلك «نرى هذا التحفظ الكلي للرأس» إذ «تحيطه الحصون من كل ~~ناحية.» ثم «الرئة» التي هي «الصدر الأعظم»، ووجه الشبه أن الرئة تدخل الهواء ~~الجديد وتنقي الدم، والصدر الأعظم وظيفته أن يدخل كل شيء نافع لبلاده. ثم ~~«القلب» وهو «وزير المالية»، القلب يوزع الدم في الجسم ووزير المالية يسهر على ~~الإمداد بالنفقة؛ فالدم هو المال. # أما «المعدة» فهي «الخزينة». # وأما «الأعصاب» فهم «الولاة»، صلة الوصل بين الملك الذي هو الرأس وبين البلاد. ~~ثم تأتي «الأطراف»، وهؤلاء هم «العسكرية»، و«الأطراف العليا تشبه الخيالة، ~~والسفلى المشاة»، و«كلها تتحرك بأمر الملك.» و«كما أن الأطراف تقنع بالغذاء القليل، ~~كذلك العسكرية التي عليها مدار شرف المملكة وحمايتها فتكتفي بغذائها فقط؛ لأن ~~ليس لها سلطة الإدارة؛ فالقساوة على الأطراف كالقساوة على العساكر؛ لأن الأطراف ~~لتعودها مس الأرض فيقسو جلدها ويصير قليل الإحساس، كالعسكر الذين يعتادون الشغل ~~والتعب والحر والبرد ولا يجوز لهم الترفه لأنه يضرهم!» # ثم تأتي «الحواس» التي هي «السفراء». # أما الإفرازات التي يلفظها الجسم فكالأشخاص المفسدين والمقلقين في المملكة، ~~وإخراج هذه الإفرازات وظيفة من وظائف «العسكرية». ويخلص الدكتور إلى النتائج ~~الآتية: ~~«الوظائف مختلفة في الأهمية، ولكل عضو وظيفته، ويكون مؤلفا بهيئة تجعله ~~قادرا على إتمام هذه الوظيفة. وكلما كثرت أهمية العضو كان أكثر كمالا ~~وتركيبا. وهذا التفضيل سنة من الخالق، وليس من العضو ذاته. وليس من الحكمة أن ~~يتساوى الرأس والقدم؛ لأنهما لو تساويا لاختل النظام وخربت الحياة؛ إذ لا يمكن ~~للقدم أن تقوم بواجبات الرأس، ولا لهذا ms060 أن يخلف ذاك. ولكل منهما ~~وظيفة خصوصية يتكافأ أو يتجازى حسب ضرورتها ~~وحاجة الحياة إليها. وهذا التمييز هو عين العدل؛ مثلا: يجب للرأس بتغذيته خمسين ~~غراما من الدم، وللقدم يلزم عشرة غرامات؛ فيلزم أن يعطى الخمسون غراما من الدم ~~أولا للرأس إذ بدونه لا تقوم قائمة للقدم؛ ولذا ترى أن الدم أول ما يتوزع ~~للرأس!» # وبعد ذلك يرش الدكتور على هذا «المعجون الحميدي» شيئا من الكلام العسلي: ~~«أساس السياسة الحق، وأساس الاجتماع المحافظة على الحقوق.» # ولسنا بحاجة إلى أن نشرح للقارئ كيف أن الدكتور يبث الفكر السياسي الحميدي ~~«مفلسفا» ومجلببا بجلباب من المنطق والقياس؛ فهو يقرر ضرورة حصر السلطة في ~~فرد، ويدعو كل عضو إلى الاهتمام بوظيفته، وإلى الرضا بقسطه من الدم (أي من ~~المكافأة على عمله)؛ فيكون محصل كلامه توطيد الأوضاع الحميدية. ومما يسترعي ~~انتباهنا بوجه خاص رأيه في وظيفة الجنود. وإذا ذكرنا أن الأوتوقراطية الحميدية ~~تلقت ضربتها من الجيش، ظهر لنا معنى دروس الدكتور شاكر الخاصة بالعسكرية. # وغني عن البيان أن مقابلة الدكتور بين الحكومة والجسم لا تصمد للنظر. والمثل ~~الألماني يقول: كل تشبيه أعرج. وتشبيهه هذا كسيح، لا أعرج وحسب! ولمحة ~~تعرفنا أن الملك، للهيئة أو الجمعية، ليس كالرأس للجسم؛ فالرأس إذا قطع هلك ~~الجسم، وقد قطعت رءوس ملوك فلم تهلك الهيئة، بل زكت عافيتها وربت ~~صحتها. # وكان طبيعيا أن يتصدى لهذه «الفلسفة» ~~السياسية الحميدية من يخالفها، بل إن هذه «الفلسفة»، وهي مجلى من مجالي التعبير ~~عن شرعية الحكم المطلق، أخذت بها الأوتوقراطية العثمانية قديما. ووجدت ~~طليعة من المعارضين أيام السلطان عبد المجيد، بل قبله أيضا. وكان عبد المجيد ~~نفسه على جانب من الاستنارة، فعمد إلى شيء من الإصلاح في نظام الحكم، فأدخل ~~وزيره رشيد باشا «القانون المسمى بالتنظيمات الخيرية، للمساواة بين رعايا الدولة ~~المنسوبين إلى غير العنصر الحاكم.» ولم يلبث عبد المجيد أن أيد التنظيمات ~~الخيرية بخط يعرف بخط الكولخانة. وسارت الدولة العثمانية خطى نحو الملكية ~~المقيدة. # فلما ولي العرش السلطان عبد العزيز «ساقته عظمة الملك ms061 إلى حب الأثرة ~~والاستبداد، ورأى اللذة في الانفراد بالأحكام، فلم يجسر أحد على التلفظ بكلمة ~~واحدة في أمر الإصلاح؛ فقامت مقام التنظيمات وخط الكولخانة والقوانين الجديدة ~~إدارة استبدادية.» و«ظن عبد العزيز الحكومة غير الأمة، وبذر أموال الدولة في ~~غير طائل، كشراء الأسلحة وإعداد الجنود لمقابلة الشعب بقوة مكونة من أبنائه»، # 4 # وحارب الوزيرين المستنيرين عالي باشا وفؤاد باشا. # 5 # وفي هذا العهد أشرق نجم مدحت باشا، وهو أحد الأعلام الساطعين في الكفاح من أجل ~~حكم الشورى في الشرق؛ وكان يتجه إلى الغرب بنظره الإصلاحي؛ وكانت الثقافة الفرنسية ~~صلة الوصل بينه وبين الغرب؛ وكان عميق التأثر بمبادئ الثورة الفرنسية، إلا أنه، ~~في الأغلب، كان يرمي إلى ملكية مقيدة بدستور ديمقراطي عصري لا إلى جمهورية، وإن ~~يكن ظهر من خصومه من «يتهمه» بالجمهورية وتفكيك الدولة العثمانية وحب الاستقلال ~~ببعض أجزائها. # ووفق مدحت باشا وأعوانه إلى خلع السلطان عبد العزيز وتولية السلطان مراد ~~ليحكم بحسب دستور تقره الأمة. لكن عبد العزيز انتحر بمقراض لشدة غيظه. ولم يطل ~~حكم مراد، فعهد بالسلطنة إلى عبد الحميد، والنية لا تزال معقودة على إعلان ~~الدستور. وأعلن الدستور، إلا أن عبد الحميد ما لبث أن اتهم مدحت وأعوانه بقتل ~~السلطان عبد العزيز، ودبر لهم محاكمة انتهت بإعدام مدحت. وهكذا استطاع السلطان ~~عبد الحميد أن يتابع سيرة الأوتوقراطية العثمانية، واستبد بالأمور وبالغ في ~~استبداده. # وقد سبق لنا أن رأينا تيار الفكر السياسي الحميدي كما مثله الدكتور شاكر الخوري ~~«مفلسفا» ومجلببا بجلباب من «المنطق» و«القياس»، فما هو التيار الفكري المعارض ~~الذي كان يمثله مدحت باشا وأعوانه ومفكرونا وأدباؤنا الذين نزعوا نزعته ~~متأثرين بالثورة الفرنسية ومبادئها؟ # من أقدم آثار هذا العهد كتاب بعنوان «محاكمة مدحت باشا»، عربه يوسف كمال ~~حتاتة، وصدر تعريبه في مصر. وفيه نقرأ ما يوجهنا إلى فهم مذهب الأحرار ~~المعارضين لعبد الحميد، ونلمس مدى تأثرهم بالثورة الفرنسية ومفكريها. ~~يقول الكتاب: # الحرية تحدد للإنسان حدوده، وتعرفه موقفه في الهيئة الاجتماعية، ~~وهي التي تفرق بين الإنسان وبين الحيوان؛ وهي التي ms062 أوصلت الحكومات ~~المتمدنة إلى درجة الرقي ... # خلق الله الإنسان وخلق أعضاءه، فهو مختار في استعمالها، حر في ~~تصرفاته وحركاته وسكناته، له حق العمل كما يريد والتوجه إلى أي مكان ~~يرى فيه مصلحة نفسه؛ وهذه هي الحرية الشخصية. ومع هذا فالإنسان يميز ~~بواسطة العقل النافع والضار والحسن والقبيح. والعقل يختلف بين الناس، ~~ولا يقدر الإنسان على الوقوف عند حده وعدم التجاوز على حقوق الغير؛ ~~ولذلك فقد وجدت القوانين لوضع حدود للبشر وتعيين حقوق أفراد الشعب ... ~~إلخ. # ولقد أثبتنا في باب النصوص من كتابنا هذا مقطوعة طويلة نقلناها عن كتاب «محاكمة ~~مدحت باشا»، فإذا راجعها القارئ - ولا بد له من مراجعتها - وجدها أشبه بمنهج كامل ~~كان أساسا فكريا بنى عليه أعلام مفكرينا وأدبائنا العرب؛ فكما كثر الالتفات ~~في هذه المقطوعة (التركية) إلى «العدل، والمساواة، والحرية، والشعب، والحقوق، ~~ومونتسكيو» - وفي ذلك ما فيه من أثر بين للثورة الفرنسية ومبادئها - كثر كذلك ~~التفات أعلام مفكرينا وأدبائنا إلى هذه القيم والمذاهب في الحكم وإلى ~~مونتسكيو وروسو والثورة الفرنسية ومبادئها. # ولسنا نظن أنفسنا بحاجة إلى المعارضة بين التيار الفكري السياسي الذي تمثله ~~تلك المقطوعة والتيار الفكري السياسي الحميدي كما عرفناه في مقال الدكتور شاكر ~~الخوري؛ فإن نقاط الخلاف والتناقض بين التيارين ظاهرة للقارئ. # ويلاحظ من المقطوعة أيضا أن الأعلام من مفكرينا وأدبائنا لم يكتفوا بالنظر ~~إلى الثورة الفرنسية، بل نظروا معها إلى الإسلام ومبادئه، فوجدوه يؤيد مطامحهم في ~~الإصلاح والشورى والدستور (وهذه شعبة من الموضوع سنعالجها معالجة خاصة). # واندفعت هجمة فكرية عنيفة على الاستبداد الحميدي في سبيل الحرية والدستور ~~والإصلاح، فكان الانقلاب العثماني سنة 1908، ولكن بقوة الجيش. واستمرت اليقظة ~~العربية الفكرية، وقد كانت - وما برحت - للثورة الفرنسية يد قوية فيها. # وسبيلنا في هذا الفصل أن نعرض لقافلة من كتابنا ومفكرينا الذين تأثروا ~~بالثورة الفرنسية ومبادئ أعلامها. وسنرى أن القافلة عظيمة حقا تكاد لا تخلو من ~~اسم كاتب أو مفكر عربي شهير، وغني عن البيان أننا سنقتصر على أسماء الذين كان ~~تأثرهم واضح السمة، عميق الطابع. # وليكن ms063 ابتداؤنا بالسيد جمال الدين الأفغاني ~~(1254-1314ه/1839-1897م). وهو وإن لم يكن عربيا، فقد اتصلت حياته اتصالا وثيقا ~~بالشرق العربي، وأتقن اللغة العربية وله فيها آثار أدبية (كلمات وخطب مقطعة ~~ورسائل) تنزله منزلة الأديب العربي. # ولسنا نعلم كيف بدأ اطلاع الأفغاني على الثورة الفرنسية ومبادئها، لكننا نعلم ~~أنه انضم إلى الحركة الماسونية في مصر أيام الخديوي توفيق، والتحق بالمحفل ~~الاسكتلندي؛ ظنا منه أن الماسونية حركة تحريرية. ولا يزال هناك اعتقاد إلى ~~اليوم بأن الماسونية لها يد قوية في جميع الثورات ومنها الثورة الفرنسية، على أن ~~التحقيق التاريخي - كما يقول زيدان # 6 ~~- دل على أن هذا الظن لا يستند إلى أساس. وبالفعل اصطدم الأفغاني ~~بخيبة مرة لما رأى أن المحفل الاسكتلندي الذي التحق به جعل من شعاراته: ~~«الماسونية لا دخل لها في السياسة!» فألقى كلمات نرويها كما حفظها لنا السيد محمد ~~باشا المخزومي مؤلف كتاب «خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني»، وهو أوسع كتاب في ~~موضوعه. قال الأفغاني: # إذا لم تدخل الماسونية في سياسة الكون، وفيها كل بناء حر، وإذا آلات ~~البناء التي بيدها لم تستعمل لهدم القديم ولتشييد معالم حرية صحيحة ~~وإخاء ومساواة، وتدك صروح الظلم والعتو والجور، فلا حملت يد ~~الأحرار مطرقة حجارة، ولا قامت لبنايتهم زاوية قائمة ... # أول ما شوقني للعمل في بناية ~~الأحرار عنوان كبير خطير: حرية، مساواة، إخاء - غرض منفعة الإنسان، سعي ~~وراء دك صروح الظلم، تشييد معالم العدل المطلق - فحصل لي من كل هذا ~~وصف للماسونية، وهو همة للعمل وعزة نفس وشمم واحتقار الحياة في سبيل ~~مقاومة الظلم. # وظاهر ما في هذا الكلام من تأثر بشعارات الثورة الفرنسية. ولما لم ير السيد ~~الأفغاني أن اشتراكه في المحفل الاسكتلندي يهيئ له ما يريد من النشاط والتوجيه ~~السياسي، أنشأ محفلا وطنيا تابعا للشرق الفرنسي، وركز جهوده على المطالبة ~~بدستور ومجلس شورى، مستندا إلى ما تأثر به من شعارات الثورة الفرنسية ومبادئها، ~~مستمدا من روح الشورى في الإسلام، مقتنعا بأن الإصلاح الداخلي في طريقة الحكم ~~يقوي الشرق في ثباته للغرب الزاحف ms064 عليه. وترتبط سيرة جمال الدين الأفغاني بثلاث ~~حركات شورية في الشرق، هي: الحركة التركية الدستورية، والحركة المصرية النيابية في ~~عهد الخديوي توفيق وبعده، والحركة الإيرانية النيابية أيام ناصر الدين شاه. # ويلاحظ أن باريس، وما وراءها من تقاليد ثورية، # 7 # كانت جوا استأنس به جمال الدين الأفغاني، فأصدر من مدينة ثورة 1789 ~~مجلته «العروة الوثقى» بمساهمة صديقه الشيخ محمد عبده. ومع أن هذه المجلة لم ينتشر ~~منها إلا ثمانية عشر عددا، بين 13 آذار و16 تشرين الأول سنة 1884، فإن صدى صوتها ~~كان عظيما في تنبيه الأفكار في الشرق العربي عامة. # ويجد القارئ في باب النصوص من هذا الكتاب طائفة مختارة من أقوال الأفغاني تشف ~~جميعها عن تأثر واضح بثورة فرنسا ومبادئ مفكريها الأحرار. # وينتقل بنا القول إلى مفكر آخر من طلائع مفكرينا: فرنسيس فتح الله مراش ~~الحلبي، وقع في يدنا منه كتابان: غابة الحق (طبع في بيروت سنة 1881)، ومشهد ~~الأحوال (طبع في بيروت سنة 1883). كان فرنسيس مراش ~~عميق التأثر بما بلغته فرنسا من التقدم في صحة ~~أساليب الحكم وروعة المظاهر العمرانية، وكان شديد التفاؤل بتيار الإصلاح الذي دب ~~دبيبه أيام السلطان عبد العزيز. فهو، في كتابه غابة الحق، قوي الإيمان بفوز العدل ~~والحرية والعلم والعقل؛ قوي الدعوة إلى تأمل الطبيعة وأحكامها وعبرها، كثير ~~التحدث عن «نزاهة الطبع الإنساني» و«حرية الفطرة». # 8 # على أنه، في كتابه مشهد الأحوال الذي أنشأه، أو أنشأ معظمه، في غربته في باريس، ~~ميال إلى التشاؤم، وإن يكن أكثر تشاؤمه معلقا بسوء حظه الشخصي. والأرجح أنه ~~لم يفقد يوما إيمانه بفوز العدل والحرية والعقل، إلا أنه ما لبث أن أدرك أن موجة ~~الإصلاح التي لمسها أيام عبد العزيز ضعيفة سطحية؛ فلا بد من أمد طويل قبل ~~اندفاع موجة إصلاحية قوية عميقة النبع كما يريدها. # ولئن يكن فرنسيس فتح الله مراش لم يذكر الثورة الفرنسية ومبادئها ذكرا ~~صريحا، فإن وشائج الارتباط بينه وبينها وبين أعلامها المفكرين صريحة ملموسة، ~~ولا سيما في كتابه غابة الحق. # وإنه لكتاب فريد في نوعه، ms065 قص فيه المؤلف قصة حلم تراءى له، وأودعه آماله ~~وأمانيه في مصير بلاده والدنيا. يدور هذا الحلم الرمزي العجيب على حرب نشبت بين ~~«مملكة الحرية» و«العبودية»، فظفرت فيها مملكة الحرية، ووقع ملك العبودية في ~~الأسر، وأقيمت محكمة اجتمع فيها ملك الحرية وامرأته «ملكة الحكمة» ورئيس جنده ~~«قائد جيش التمدن» ووزيره وزير «محبة السلام»، وسيق إليها ملك العبودية وأعوانه ~~ليحاكموا، وكان «الفيلسوف» يمثل دوره الأساسي في توجيه المحاكمة وتوضيح طرق ~~التسوية والإصلاح. # ولما كان اجتزاء الأقوال القصيرة من كتاب غابة الحق لا يفي بغرضنا، فقد آثرنا ~~أن يرجع القارئ إلى باب النصوص من مؤلفنا هذا؛ ففيه فصول اخترناها لإظهار أثر ~~الثورة الفرنسية ومبادئها في كاتب يعد باكورة زكية من موسم نهضتنا الفكرية ~~والأدبية. # ومن فرنسيس مراش ينتقل بنا الحديث إلى أديب إسحاق، تلميذ الأفغاني وصديقه ~~ورفيقه. وقل بين كتاب العرب، في مطلع النهضة الحديثة، من تصرف بقلم وبيان ~~كقلم أديب إسحاق وبيانه. وإن القارئ ليحس بحرارة ~~الشباب تتنفس في كلماته. ولعل الشيخ إسكندر ~~العازار وفق إلى تصوير الرجل وإنصافه خير توفيق حين قال يؤبنه: «عاش حر ~~الضمير فكرا وقولا وفعلا، ومات حر الضمير فكرا وقولا وفعلا. يبكيه ضمير ~~الأحرار، وتندبه الحرية. نشأ وطنيا خالصا صحيحا، وعاش جنديا لأشرف الأصول ~~وأسمى الغايات ... إي، والإنسانية! كان للإنسانية نصيرا، ولأعدائها نذيرا، ~~وبالإنسانية بشيرا، فلتبكه الإنسانية!» # وأديب إسحاق من أعمق كتابنا صلة بالثورة الفرنسية وبمبادئ مفكريها، وله ~~لفتات إلى الثورة تملأ كل ما سطره قلمه، وله لفتات رائعة في وصف هذه الثورة ~~واستنباط العبرة منها وضرب المثل بها. وفي كتاب «الدرر» (منتخبات من آثاره، ~~طبع في بيروت سنة 1909) رسائل بليغة بعنوان: «نفثة مصدور»، خطها كما يقول في ~~فرنسا «تحت سماء الإنصاف، على أرض الراحة، بين أهل الحرية، يسمع ألحانا في مجالس ~~العدل، فيذكر أنين قومه في مجالس الظلمة وتحت سياط الجلادين، فينوح نوح ~~الثاكلات، ويرى علائم النعمة في معاهد المساواة فيذكر شقاء سربه في ربوع الظلمة ~~فيذرف الدمع ممتزجا بسواد القلب ويكتب به إليهم ...» # وقد ms066 أثبتنا في باب النصوص من هذا الكتاب رسائله الأربع التي تتعلق بالثورة ~~الفرنسية. وأثبتنا كذلك جزءا من مقالته «حركة الأفكار» وهي تدور في أساسها على ~~الثورة الفرنسية وسريان روحها من الغرب إلى الشرق، كتبها لمناسبة خلع السلطان ~~عبد العزيز، وظهور حركات معارضة للشاه في بلاد فارس. وكثيرة هي النصوص الملائمة ~~التي يمكن اختيارها من أديب إسحاق، # 9 # إلا أننا أثبتنا النصوص الرئيسة التي سبق ذكرها وعززناها بمقتطفات ~~قصيرة من أقواله، واضطررنا إلى الاكتفاء بذلك نظرا لضيق المجال. # ونغادر أديب إسحاق إلى كاتب آخر من طلائع كتاب العرب ومفكريهم الذين ~~ناضلوا الظلم في سبيل «قيم» ومبادئ يظهر عليها طابع من الثورة الفرنسية وآراء ~~مفكريها؛ ذلك الكاتب هو عبد الله النديم الذي اضطر إلى الاختفاء من ملاحقة ~~السلطات عقدا كاملا من حياته على أثر الثورة العرابية في مصر. وقد دون تيمور ~~باشا في كتابه «أعيان القرن الثالث عشر» قصة عبد الله النديم ~~واختفائه، فإذا هي حقائق عجيبة كاختلاقات ~~الخيال. ولم يترك الشيخ نديم كثيرا من الآثار، ولا ريب أن يد الاضطهاد مسئولة ~~عن ضياع بعض روائع قلمه، إلا أننا وقعنا على إحدى مقالاته التي تبين ما نحن ~~بصدده، فأثبتناها مع النصوص. وسيرى القارئ أن عبد الله النديم يدعو ملوك الشرق إلى ~~الشورى، ويؤيد دعوته بشاهد من الغرب، ويعد بأنه سيؤيدها بشواهد من القرآن ~~الكريم في مقالة ثانية. # وإلى جانب عبد الله النديم يرتفع أمامنا شخص بقامة معنوية فكرية شاهقة؛ أعني ~~عبد الرحمن الكواكبي مؤلف كتابي «طبائع الاستبداد» و«أم القرى». وغني عن البيان ~~أن الكواكبي، كغيره من الأعلام الذين نسوق الحديث عنهم، لم يكن نتيجة لتيار ~~واحد، وإنما اشتركت في تكوينه تيارات منها الثورة الفرنسية ومبادئها. وقد عرض ~~الكواكبي في «طبائع الاستبداد» لذكر السبيلين الرئيسين من سبل الإصلاح في ~~نظره، فكان أولهما: «سبيل النبيين»، وثانيهما: «سبيل الفئة التي اتبعت ~~أثرهم»، يعني «فئة الحكماء الذين لم يأتوا بدين جديد ولا تمسكوا بمعاداة ~~كل دين، بل رتقوا فتوق الدهر في دينهم بما نقحوا وهذبوا وسهلوا ms067 ~~وقربوا.» وضرب مثلا لهذه الفئة فذكر «مؤسسي جمهورية الفرنسيس.» وكان الكواكبي ~~معجبا بيقظة الشعب الفرنسي وتوثبه الثوري، ويرى «أن الحكومة، من أي نوع كانت، ~~لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح ~~فيها، كما جرى في صدر الإسلام فيما نقم على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) يوم ~~خص بحكمه ذوي قرباه دون المسلمين، وكما جرى في عهد هذه الجمهورية الحاضرة في ~~فرنسا في مسائل النياشين وبناما ودريفوس». # ويستطيع القارئ أن يرجع إلى النصوص التي ~~اخترناها للكواكبي من طبائع الاستبداد وأثبتناها في هذا الكتاب؛ فإنها أوضح دليل ~~على عمق تأثره بثورة فرنسا وأحرار مفكريها. # وينتقل بنا الكلام من الكواكبي إلى الدكتور شبلي الشميل، وهو فلتة زمانه في ~~قبول النظريات الجديدة في العلم والسياسة واعتناقها اعتناقا مدركا واعيا. ترك ~~الرجل مجلدين غنيين يحويان جل آثاره الأدبية، نشرتهما مجلة «المقتطف» باسم ~~«مجموعة الشميل»، وليس يهمنا منهما في هذا الكتاب إلا الجزء الثاني. وطبيعي ~~أن يكون الدكتور شبلي شميل قد تأثر بالثورة الفرنسية ومبادئها، على أنه لم يقف ~~عند حدها، بل اعتبرها حادثة عالمية هي مرحلة من مراحل التطور البشري الذي كان ~~يعتقد أنه سائر نحو الاشتراكية. ويكفينا هنا أن نثبت له هذه الكلمة في الثورة ~~الفرنسية: «لولا تلك الثورة لما ارتقى الإنسان واصطلح نوع الأحكام إلى ما هما ~~عليه الآن، ليس في فرنسا وحدها، بل في أوروبا كلها، بل في العالم قاطبة.» # ومع الدكتور الشميل يعرض ذكر فرح أنطون صاحب مجلة «الجامعة». وفرح هو معرب ~~رواية «ديماس الكبير» عن الثورة الفرنسية، طبعت ثلاثة أجزاء في مجلدين: «نهضة ~~الأسد» و«وثبة الأسد». وكان فرح، أول الأمر، شديد الإيمان بمبادئ الثورة يعتقد أنها ~~الدواء لكل داء، ثم ضعف إيمانه. إلا أنه - كما قال عن نفسه - تغذى بهذه ~~المبادئ حتى أصبح يحرم على نفسه رشقها ولو بوردة، حتى في المبادئ التي بطل ~~اعتقاده بها. والواقع أن ارتياب فرح أنطون في قيمة الثورة ناتج عن أنه لم يرها - ~~كما رآها ms068 الشميل - مرحلة من مراحل التطور البشري، واعتبرها - وهي التي حدثت ~~في أواخر القرن الثامن عشر - دواء لكل داء في نظام الهيئة الإنسانية، ولو بعد ~~مضي قرن خطا فيه التقدم خطى جبارة وجدت مشاكل تستدعي إصلاحات جديدة. ولنا ~~رجعة إلى هذا الموضوع. # وقد كتب فرح أنطون كلمة تمهيد للطبعة الثانية من تعريب رواية «ديماس»، أثبتنا ~~قسما منها في باب النصوص؛ لأنها تدل على مدى تأثره بالثورة الفرنسية، وصلة ~~الانقلاب العثماني بها، وضغط العصر الحميدي على الفكر وحريته. # وما كان لنا أن ننسى في هذا العرض مصطفى كامل الزعيم المصري الوطني، وهو الذي نشر ~~كثيرا من مبادئ ثورة فرنسا وآراء أحرارها. ولقد أمضى مصطفى كامل ردحا من حياته ~~في باريس، ويكاد لا يخلو كتاب في سيرته من الصورة التي عرضها في شوارع باريس ~~تمثل مصر فتاة مكبلة مسلوبة الإرادة تستنجد بفرنسا لرد حريتها. ويفهم من ~~نص العريضة التي وجهها مصطفى كامل إلى فرنسا في سبيل إسعاف مصر أنه إنما علق ~~أمله على روح الثورة الكبرى وما رافقها من مبادئ. وفي العريضة يشيد الزعيم الوطني ~~المصري بفرنسا «التي أعلنت حقوق الإنسان.» ومفهوم أن استنجاد مصطفى كامل كان عملا ~~سياسيا فيه كثير من السذاجة، إلا أنه يدل على عمق أثر الثورة الفرنسية في ~~الشرق العربي وجمال الهالة التي أحاطت بها الثورة وجه فرنسا. # ولمصطفى كامل خطب كثيرة تشف عن صلة قوية بمبادئ فرنسا الثائرة وتسرب ~~عدواها إليه. وكان أول هدف يتوخاه «الحزب الوطني» الذي يقوده مصطفى كامل: ~~«إعلان مبادئ الحرية الدينية والسياسية، وتشكيل مجلس نواب مصري، وتحديد كل ~~سلطة.» وقد أوردنا في باب النصوص مقتطفات من خطبه يستطيع القارئ مراجعتها. # وبين طلائع كتابنا ومفكرينا أديب ناضل الظلم، وقاسى النفي والاضطهاد، واتصل ~~اتصالا روحيا عميقا بالثورة الفرنسية وأعلام المفكرين الذين أوقدوا شعلتها في ~~الضمائر قبل أن يندلع لهب نارها في مدن فرنسا وقراها ويرسل ضوءا كبيرا قشع ظلمة ~~عن العالم. أردنا ولي الدين يكن، صاحب «القلم الذي أصبح غازيا في حرب الاستبداد» ~~كما قال عنه ms069 في كتابه «المعلوم والمجهول». وما أشد ما يذكرنا ولي الدين ~~بفولتير حين قال لعبد الحميد: «لأهزن بقلمي أركان قصرك هزا!» وكان متأثرا بما ~~قاله ساخر فرنسا الساحر لملك بروسيا فردريك الكبير: «ليس لي صولجان، ولكن لي ~~يراع!» ولقد سالت من ولي الدين على سن قلمه كلمات قصيرة تذهب مذهب المثل، ~~وكلها تشف عن تأثر بالثورة الفرنسية، كقوله: «الحرية عدوة الملوك وحبيبة ~~الشعوب!» وكأن مشهد ثورة كالثورة الفرنسية تشب في وجه عبد الحميد لم يفارق ~~باصرة ولي الدين؛ فهو ينظر إلى الأمة أيام عبد الحميد ويراها «أجملت الصبر حتى ~~تنفست عن البارود.» ويرى قصر عبد الحميد وكراسي ملكه، ثم «ما هي إلا صيحة ~~أخذتهما فتساقطت تلك اللبنات الذهبية، وقعقعت هاتيك العروش، وقضي ~~الأمر!» # ولولي الدين رقة على باريس وحنين إليها، وما مقالته فيها، يوم طغى عليها نهر ~~السين سنة 1900 فنكبها نكبة مؤلمة، إلا قصيدة ناعمة والهة. ومن أبرز ما يشاهده ~~أديبنا بعين الخيال من المدينة العظيمة «برج إيفل كأنه خطيب الحرية!» ويجد القارئ ~~بين النصوص المختارة في هذا الكتاب قطعة لولي الدين عن «البلبل»، اجتزأناها من ~~روايته «دكران ورائف»، وهي الرواية التي أراد بها تصوير جواسيس عبد الحميد وسعي ~~الشباب الأحرار في سبيل الانعتاق من نير السلطة المطلقة المستبدة. وولي الدين ~~متأثر في قطعته هذه التي اخترناها بفكرة استلهام الحرية من الطبيعة، ومعلوم ~~أنها فكرة روسوية. ويلاحظ أن بلبل ولي الدين «يترفع عن تمليق الملوك»، وهو «على ~~ضعفه وصغره بطل الحرية، ما أودع قفصا إلا ومات فيه غما أو انتحر ~~يأسا». # ولن ننسى من كبار أدبائنا ومفكرينا الذين تأثروا بالثورة الفرنسية: أمين ~~الريحاني. وقد توجنا هذا الفصل بكلمة له تنادي مناداة على صلته الواضحة الوثيقة ~~بالثورة الفرنسية ومبادئها، وتكاد لا تخلو صفحة من «ريحانياته» في أجزائها الأربعة ~~من أثر من آثار ثورة فرنسا وأعلام مفكريها. ولأمين الريحاني فصل ناقش فيه كتاب ~~كارليل عن الثورة الفرنسية، ودار في نقاشه على مسألة تاريخ ~~الثورة وقضية العنف، فأثبتناه في باب النصوص من ~~هذا ms070 الكتاب لقيمته. والذي يقرأ القصيدة المنثورة التي كتبها الريحاني في الثورة، ~~إطلاقا، ترتسم في ذهنه صورة راسخة من حياة هذا المفكر الجريء، وهو لا يفتأ ~~يذكر الظالمين ويردد قوله: «ألم نقص عليهم قصص باريس؟» # ويقودنا الريحاني إلى جبران خليل جبران. وقد تأثر هو الآخر بفرنسا الثائرة # 10 # وأحرار مفكريها تأثرا عميقا، إلا أنه غير ظاهر فيه ظهوره في ~~الريحاني؛ والأرجح أن ذلك راجع إلى أن جبران قليلا ما تعاطى السياسة، وطرأت ~~عليه طوارئ أفكار في القسم الأخير من حياته فلان العصب النضالي في أدبه كما لم ~~يلن في الريحاني وذهب مذهب الاكتفاء بتأملات نفسية حلوة مخدرة. على أنه في ~~مطلع سيرته الأدبية أعرب عن ثورية غاضبة، متسمة بسمات بارزة من الثورة الفرنسية ~~ومبادئها. ويحب بعض أن ينسوا تلك البواكير القوية التي أنتجتها يراعة جبران في ~~أول أمره ك «الأجنحة المتكسرة» و«الأرواح المتمردة» و«عرائس المروج»، ولكن لها ~~من القوة، والحيوية الثورية، ما يكفل بقاءها. وإن الهيئات التي سدد إليها جبران ~~ثورته تجعلنا، في هذه الأحوال، نؤثر الاقتصار على رسالة له بعث بها إلى إحدى ~~الأوروبيات المهتمات بشئون الشرق، فراجعها في باب النصوص، أما هنا فنكتفي منه ~~بهذه النفثات النارية المنيرة. قال في مقالته «يوم مولدي»: # قد أحببت الحرية فكانت محبتي تنمو بنمو معرفتي عبودية الناس للجور ~~والهوان، وتتسع باتساع إدراكي خضوعهم للأصنام المخيفة التي نحتتها ~~الأجيال المظلمة، ونصبتها الجهالة المستمرة، ونعمت جوانبها ملامس شفاه ~~العبيد. لكني كنت أحب هؤلاء العبيد بمحبتي الحرية! # وقال في مقالته التي كتبها يصف بؤس لبنان وجوعه أيام الحرب العظمى الماضية، ~~وعنوانها «مات أهلي!»: # لو ثار قومي على حكامهم الطغاة وماتوا جميعا متمردين لقلت إن الموت ~~في سبيل الحرية لأشرف من الموت في ظل الاستسلام. # عند هذا الحد نقف في عرض الأعلام من مفكرينا وأدبائنا الذين انطبعوا ~~بطابع ذهني ونفسي عميق من ثورة فرنسا وأحرار أدبائها ومفكريها. وكان يمكننا أن ~~نطيل السلسلة فنذكر كثيرين ممن لم نذكرهم، ونقف عندهم، كروحي الخالدي، # 11 # وجرجي زيدان، # 12 # والدكتور طه ms071 حسين، # 13 # والدكتور حسين هيكل، # 14 # والأستاذ عبد الرحمن الرافعي، # 15 # والأستاذ محمد كرد علي، وغيرهم وغيرهم. # 16 # ولكننا اكتفينا بمن سبقوا، وأوردنا لأحد هؤلاء (الأستاذ محمد كرد ~~علي) في باب النصوص من هذا الكتاب قطعته الشهيرة عن باريس. وكذلك أثبتنا مقالا ~~لأحد كتابنا المهاجرين عن الإصلاح والصحافة، وفيه يبرز جليا كيف كان يفكر ~~مهاجرونا متأثرين بعوامل عديدة منها الثورة الفرنسية. # 17 # ولما كان الأدباء اللبنانيون والسوريون في طليعة من تصدى لتصرفات الحكم ~~العثماني وفي مقدمة من بث المبادئ المنبثقة من الثورة الفرنسية في الشرق العربي، ~~ولا سيما مصر، فقد أثبتنا مقالا للكاتب الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي يؤدي فيه ~~واجب القدر والإعجاب لأولئك الأعلام الأحرار. # والآن ننتقل إلى ناحية أخرى من هذا الفصل، فنذكر الدروس الفكرية التي تلقاها ~~أدباؤنا ومفكرونا من فرنسا الثائرة وأعلام ثورتها. ~~(2) دروس في الفكر والإصلاح # إن بين الاستبداد والعلم حربا وطرادا مستمرا، يسعى العلماء في نشر ~~العلم ويجتهد المستبد في إطفاء نوره. والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم ~~العوام؟ هم الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا. وهم الذين متى ~~علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا ... # عبد الرحمن الكواكبي # ولكن ما هي الدروس الأساسية التي قبسها أدباؤنا ومفكرونا من فرنسا الثائرة ~~وأعلام مفكريها الثوريين؟ يبدو أن هذا هو المحور الذي يدور عليه كتابنا. وليس ~~من ريب أن أدباءنا ومفكرينا لما اتجهوا بقلوبهم وعقولهم شطر فرنسا الثورية ~~كانوا يرمون إلى دروس ومبادئ يتعلمونها، لا إلى تأييد دولة في غرض من أغراضها ~~الخاصة. # أما أول هذه الدروس التي تعلموها فهو فكرة الثورة نفسها. لقد رأوا أن ~~حياة الأمم ربما اعترتها المفاسد والظلامات في شئون الحكومة والسياسة والاجتماع ~~والاقتصاد، ورأوا أن الإصلاح ربما أصبح غير ممكن عن طريق الإقناع والتسوية ~~السلمية، فآمنوا بوجوب الثورة في بعض الأحوال، ورأوا بناء على الانقلاب الفرنسي ~~العظيم أن الثورة إذا أجيدت وكانت في موضعها أتت بخير كثير، بل خلقت الأمة ~~والبلاد خلقا جديدا. # وإننا لنجد هذا الخط من التفكير الشديد الوضوح والجلاء عند أمين الريحاني، ms072 ولكنه ~~ملموس عند مفكرينا وأدبائنا الأحرار جميعهم. يقول الريحاني في رسالة وجهها ~~إلى نفسه على لسان صديق: «من الحقائق الرائعة أن الثورة للأمة كالحمام للإنسان، ~~تنبه فيه الدم وتوقظ النشاط، ناهيك بالنظافة؛ فالخمود الملازم لحكومات الشرق ~~كلها، والفساد الذي اعتراها، والأقذار التي تراكمت عليها، لا يزيلها غير ~~الحمام، حمام الثورة الغالي.» ويقول ملتفتا إلى الثورة الفرنسية: «في الأمة ~~الفرنسية من نتائج الثورة العظيمة ما تبقى آثاره بادية حية نامية في ترقي الأمم ~~والناس.» # وقد ذهب أدباؤنا ومفكرونا في تبرير الثورة إلى شبيه بما ذهب إليه الأدباء ~~والمفكرون الفرنسيون؛ فأعلنوا أن السلطة والسيادة هما للأمة والشعب، وأن الهيئة ~~الحاكمة ليست إلا لخدمة الأمة والشعب، وهي مسئولة أمامهما، فإذا هي أساءت التصرف ~~حقت محاسبتها، فإذا هي أصرت وعاندت جازت إزالتها بقوة السلاح. ولنذهب إلى أمين ~~الريحاني مرة أخرى فنقرأ: «الحكومة للرعية، لا الرعية للحكومة»، «وأول دلائل ~~الحياة الحرة الراقية أن يتمتع أفراد الأمة على السواء بالحقوق الطبيعية، ~~فيسعون دائما في تعزيزها، وينهضون للدفاع عنها ~~عندما تقيد أو تمتهن. ومن أكبر دعائم الحكومات الحرة المستقلة قانون يكفل ~~لشعبها هذه الحقوق الأولية ويوجب عليهم الدفاع عنها يوم ينهض عليها الظالمون ~~يحاولون قتلها.» # 18 # ولما كان الريحاني يحاول أن يقيم لنفسه تفكيرا متسلسلا في موضوع الثورة، من ~~الوجهة النظرية، فقد انتقل من ميدان السياسة والاجتماع إلى ميدان الحياة كلها ~~والطبيعة كلها، شأن المفكرين الفرنسيين، فرأى هنا وهناك شواهد على روح ~~الثورة وفعل الثورة، وانتهى عند هذه القاعدة: «ازرع العاصفة تحصد القاصفة»، «إن ~~روح الثورة حية عاملة في دوائر الحياة كلها.» # 19 # وما لبث أن عرض لأدبائنا ومفكرينا السؤال التالي: إن الثورة لا بد لها من عنف ~~وتدمير وسفك دم، أفيجوز ذلك؟ أتوازي الفوائد المرجوة من الثورة ما يرافقها من ~~أعمال القوة والتقتيل والتخريب؟ # غني عن البيان أن الثورة لم تكن في نظر مفكرينا لهوا ولعبا يصح أن تقدم ~~عليه الأمة أو هيئة من الشعب إقداما أعمى أو أرعن، بل من المقرر أن مفكرينا، ~~جميعهم، كانوا ms073 يتمنون تلافي الثورة بإصلاح عن طريق الإقناع والتسوية السلمية؛ ~~ولذلك رأيناهم، في برهة النشوة والاغتباط بالانقلاب العثماني سنة 1908، يجعلون من ~~مميزاته سرعته وحقنه للدماء وإمساكه للأرواح. ويلاحظ أن كلمة ثورة بمعناها الحديث ~~مستجدة في اللغة العربية، أما التسمية القديمة فهي الفتنة، وقد تركها مفكرونا ~~الحديثون لتسمية النزاعات الداخلية المسلحة التي يصطدم فيها فريق بفريق سفها ~~وتعصبا وهوسا عن غير مبدأ ولا فكرة ولا طلب إصلاح أو حق. ومفهوم أن أصحاب ~~الأغراض يخلطون بين الثورة والفتنة، وقل أن قامت ثورة لم يقم من شنع عليها ~~بأنها فتنة وفوضى. ودائرة المعارف البستانية في الفصل الذي عقدته على روسو تدعو ~~الثورة الفرنسية «الفتنة العظمى المشهورة»، كما أن نوفل الطرابلسي في كتابه «سياحة ~~المعارف» يدعوها «الفتنة» أيضا. ونعتقد أن للمناخ العقلي الحميدي يدا في ذلك، ~~مباشرة أو غير مباشرة. # نريد بهذا أن نمهد للقول: إن مفكرينا الأحرار كانوا يفرقون بين الثورة ~~والفتنة من جهة، وكانوا من جهة أخرى لا يجيزون الثورة إلا إذا لم يكن سبيل غير ~~سبيلها. وقد تقرر لديهم بناء على شواهد في مقدمتها الثورة الفرنسية أن ~~الانقلابات الضرورية التي تستدعي تخليا عن امتيازات بطل وجه الحق فيها، ~~وتستهدف تبديل نظام راهن، وترمي إلى إحداث تحويل جديد في مجاري الحياة، لا تقع، ~~أو قل أن تقع، سلمية بقوة الإقناع والاقتناع وحدها. ولنقرأ ما يقوله جمال الدين ~~الأفغاني في هذا الصدد: «والتاريخ لم ينقل لنا أن ملكا أو أميرا أو دخيلا بقوته ~~على شعب يرضى عن طيب خاطر أن يبقى مالكا اسما وأمته هي المالكة فعلا ~~لإدارة شئونها وزمام أمورها على مطلق المعنى»، «إذا صح أن من الأشياء ما ليس ~~يوهب، فأهم هذه الأشياء الحرية والاستقلال.» # 20 # وهنا نفضي إلى القول: إن مفكرينا الأحرار الذين فرقوا بين الثورة والفتنة، ~~ورأوا أحوالا يصبح فيها التبديل والتحويل ضروريا، وأدركوا أن أصحاب ~~الامتيازات وأنصار النظام الراهن لهم منطق يبتعد بهم عن فهم منطق طلاب الانقلاب ~~ومريدي الإصلاح (بحيث يتعذر الحل السلمي الناجع)، رأوا عند ذاك أن ms074 الثورة ضرورة ~~واجبة. ولما كانت واجبة كان لا بد من قبول كل ما يرافق طبيعتها، اعتقادا ~~بأن ذلك مغرم لا مفر منه لمغنم مرغوب فيه. وهكذا أجاب أدباؤنا ومفكرونا عن ~~السؤال الذي عرض لهم فيما يتعلق بعنف الثورات وقسوتها بما يلي: «إن التنديد برجال ~~الثورة والاستياء من النهضة بجملتها والنفور من هولها والفرار من نارها المحرقة ~~المنيرة ... ذنوب لا تغتفر للمؤرخ إذا اقترفها؛ فالطفل يولد في الألم والعذاب، ~~والجمهوريات تنشأ في الثورات والحروب، والأم تتألم ساعة الولادة وكذلك الأمة.» # 21 # والذي يستفاد من إحدى كلمات أديب إسحاق أنه لا يحمل الثوار تبعة أعمال العنف ~~التي ترافق الثورات، بل هو يرى أن ما يأتيه الثائرون ليس سوى رد على فعل سبق، ~~ويخاطب الجماهير الهائجة بقوله: «ما أنتم بأصحاب الثورة، وإنما أصحابها الذين ~~يوجبونها بما يظلمون!» # 22 # ولكن مسألة أخرى عرضت لأدبائنا ومفكرينا فيما يتعلق بقضية الثورة، وكان ~~أهم ما أحدث هذه المسألة وقوع الانقلاب العثماني وإعلان الدستور وانطلاق موجة ~~من الحماسة والفرح أسفرت بعد قليل عن فتور وانقباض. لقد سدد الانقلاب العثماني ~~ضربة إلى سلطة مطلقة هي سلطة عبد الحميد، وصك دستورا ديمقراطيا يعترف «بحقوق ~~الإنسان» ويؤكد حمايتها، وأقر مجلسا نيابيا منتخبا من الشعب، وجعل الأمة ~~موئل السيادة؛ وأقر مبدأ الحكم الشوري الحديث، فكان في ذلك كله شبيها ~~بالثورة الفرنسية. على أنه مع ذلك لم يثمر الثمرة المنتظرة، # 23 # لم يتناول الدولة وحياة البلاد بتغيير عميق ثابت كما تناولت ثورة ~~السنة 1789 دولة فرنسا وحياتها. # فما السبب؟ ما السر؟ هكذا تساءل أدباؤنا ومفكرونا. # وكان جواب الدكتور شبلي الشميل نافذا مقنعا؛ فقد رد السبب والسر في تقصير ~~الثورة العثمانية إلى «عدم اشتراك الأمة فيها اشتراكا محسوسا بسوى الإكثار من ~~التغني في أول الأمر، وهي اليوم تكثر من العويل ولا تتعداه إلى عمل حازم، ~~وتخرسها أقل كمامة؛ فثورتنا حتى الآن عسكرية اقتصر فيها التغيير على صورة ~~الهيئة الحاكمة؛ فلم تغير شيئا من أخلاقنا ولم تتصل إلى علومنا وصناعتنا ~~وتجارتنا.» # وضرب شاهدا للثورة التي ms075 تشترك فيها الأمة اشتراكا محسوسا، وتأتي بنتائج ~~عميقة باقية، فكان شاهده الثورة الفرنسية. # ويحسن بنا هنا أن نسوق كلام الدكتور الشميل بنصه، قال: «إن الاجتماع لا بد له ~~في بعض الأحوال من ثورة تخلصه من خطر الهلاك. ويلزم أن تكون الثورة صادرة عن ~~استعداد باطن كأنها اتفاق خفي بين أعضائه، موافقة لأمياله؛ أي أن تكون عبارة عن ~~صوت الشعب لكي تكون قانونية، وإلا انقلبت شرا عليه. والثورة التي تكون كذلك ~~هي ثورة لا تغلب ولا تقاوم؛ لأنها ليست من أفعال الآحاد، بل هي عبارة عن ~~تخلص الجسم كله مما ثقلت وطأته عليه تخلصا طبيعيا قانونيا.» ويلتفت ~~الدكتور ليلتمس قياسا يقيس عليه، فيقول فورا: «كالثورة الفرنسية، فإنه لم ~~يصدها شيء، ولم يقو عليها شيء، مع أنه اعترضتها موانع داخلية وخارجية قوية ~~جدا؛ وما ذلك إلا لأنها كانت موافقة لميل الشعب وناشئة عن استعداده.» # وذهب الشيخ مصطفى الغلاييني إلى شبه ما ذهب إليه الدكتور الشميل فقال: «إن ~~الحرية الصحيحة هي التي ينالها بقوته دون مساعدة خارجة عنه، كالجيش مثلا، أو كأن ~~تمنح الحكومة الحرية للشعب من قبل نفسها دون مجبر.» # 24 # والواقع أن الجيش هو الذي زحف من سلانيك وأسقط عبد الحميد وقام وحده بالانقلاب ~~العثماني. ومع أن رؤساء الانقلاب قالوا في ندائهم الذي أذاعوه على الشعب: «إن الجيش ~~هو الشعب، والشعب هو الجيش.» # 25 # فقد ظل الواقع أن الفرق بعيد جدا بين انقلاب تحدثه القوات ~~المسلحة وحدها وانقلاب تفرضه الجماهير المتحفزة. # وكان طبيعيا أن يعمد أدباؤنا ومفكرونا، إثر تجربة الانقلاب العثماني على ~~الخصوص، إلى النظر في قضية الانقلابات الناجعة وخصائصها ومميزاتها، وفي مقدمة هذه ~~الانقلابات الناجعة الثورة الفرنسية الكبرى. تساءل أدباؤنا ومفكرونا: من يهيئ ~~للثورة ويقوم بها؟ ما هي مقاصد الثورة وأهدافها؟ # فأما السؤال الأول، فنرى في الجواب عنه مذهبين: مذهبا يقول إن المفكرين هم ~~مهيئو الثورة وموقدو شرارتها؛ فالثورة الفرنسية أنشأتها # 26 # أفكار جان جاك روسو وفولتير مثلا. وكتاب «الاتفاق الجمهوري» الذي وضعه ~~جان جاك مؤذنا «بوجوب المساواة هو الذي ms076 أدى إلى الفتنة العظمى المشهورة.» # 27 # ونرى مذهبا آخر يقول: «إن الفرد إنما هو صوت واحد ينطق باسم ملايين ~~الناس الصامتين؛ فالرجل العظيم إنما هو عظيم بشعبه لا بنفسه؛ هو يستمد معظم قوته ~~مما يحيط به من الأشياء والظروف والرجال.» # 28 # وقد سبق لنا في تعليق طويل في الفصل الذي عقدناه على مفكري الثورة الفرنسية في ~~هذا الكتاب، أن أوضحنا رأينا في قيمة الفكر ودوره في الانقلابات، وقلنا ما خلاصته: ~~«إن الفكر الثوري، السياسي الاجتماعي، إذا هو قاطع الدعائم المادية الجديدة التي ~~تهيئها النشأة التاريخية المحدثة أو عدمها، لم يكن له وزنه في الثورات والنهضات؛ ~~فجان جاك روسو اشترك في تهييء الثورة الفرنسية ولا ريب، ولكن اشتراكه في تهييئها ~~كان ممكنا لأن فكره وافق مطامح الأمة الفرنسية، إذ ذاك، وصح أن يكون مرشدا ~~وسلاحا نظريا لها في ثورتها. ومطامح الأمة الفرنسية، إذ ذاك، لم يوجدها روسو، ~~ولكن التطور التاريخي الذي قوى الطبقة ~~الثالثة # Tiers Etat # ودفعها إلى طليعة المجتمع نفوذا وأهمية هو الذي أوجد ~~هذه المطامح، فعقلها جان جاك روسو وأحسها وعبر عنها، ونبه إليها، بل إن روسو ~~نفسه لم يكن إلا ثمرة من ثمرات هذا التطور التاريخي، ومظهرا من مظاهر تلك ~~المطامح التي تحركت بها أعماق الأمة الفرنسية إذ ذاك؛ فروسو لم يكن ممكنا في ~~فرنسا في القرن السادس عشر مثلا.» # ولنقل: إن هذا الانقسام النظري لا يزال ظاهرا في تفكيرنا الحديث بين فريقين: ~~فريق يؤمن «بعبقري» أو «نخبة مختارة» يفرضون أنفسهم وبرامجهم الإصلاحية على الأمة، ~~وفريق يؤمن بأمة تناضل بجماهيرها نضالا يشاركها فيه أفذاذ الرجال، وتنجب في ~~أثنائه الرجال الأفذاذ، وتعلمهم ويعلمونها، وتقودهم ويقودونها. # ولنقل أيضا: إن فريقا من أدبائنا ومفكرينا السابقين في مطلع النهضة أدركوا أنهم ~~مهما سمت آراؤهم وطابت مقالاتهم لا يستطيعون وحدهم، كما لا يستطيع زعيم ولا تستطيع ~~هيئة كالجيش مثلا، أن يحققوا انقلابا عميقا وإصلاحا راسخا في أمة لم ~~تتيقظ صفوفها، وفي بلاد لم تقم فيها دعائم مادية لبناء الإصلاح. # هذا أديب إسحاق في ms077 فصله عن الثورة يتصور جماهير غربية (الأرجح أنها فرنسية) تثور ~~وتنطلق في تيار الثورة، وينتهي الصخب والعنف باستقرار الحرية، وتثبيت الجامعة ~~الوطنية، واستتباب وحدة الحقوق، وانتشار العمران والرخاء. ثم يتصور جماهير شرقية ~~تأتي ما يأتيه الغربيون في ثوراتهم من صخب وعنف، ولكنها (أي الجماهير الشرقية) لا ~~تنال بعض ما نال أولئك؛ والسبب هو أن الشرقيين - كما عرفهم - «لا يقاتلون عن ~~أنفسهم، ولا نحسبهم على بينة مما يقصدون ... فهم في الثورة دعاة زعيم وعصاة زعيم ~~...» وظاهر من كلمات أديب إسحاق أن الثورة لا تنجع إلا إذا انبعثت من جماهير، ~~جماهير «يقاتلون عن أنفسهم»، أي يطالبون بحقوقهم ويدافعون عن مصالحهم، وهم «على ~~بينة مما يقصدون»، أي إنهم مدركون واعون، وليست حركتهم «دعوة لزعيم أو عصيانا ~~لزعيم»؛ أي إنها غير قضية شخصية. # وهذا أمين الريحاني يبحث في «الثورة الحقيقية» فيقول: «الثورة الحقيقية، ونحن من ~~أنصارها، من رسلها، إنما هي التي يزرع الزمان بذورها في قلوب الناس وفي عقولهم ... هي ~~الثورة التي يتقدمها ري العراق مثلا، وسكة الحجاز، وحرية الطباعة والتجارة ~~والتعليم ... الثورة الحقيقية، أو بالحري الانقلاب العظيم، هو الذي يساعد في ارتقاء ~~الأشياء والحياة إلى ما ينبغي أن تكون.» وواضح أن أمين الريحاني لا يصدق الثورة ~~المرتجلة التي لم «يزرع الزمان بذورها في قلوب الناس وفي عقولهم.» فإذا قام مفكر أو ~~مفكرون مثلا تضم أفكارهم بذور ثورة، فإن ذلك لا يكفي، إذ لا بد من «الزمان» الذي ~~يزرع البذور، ولا بد من «التربة» التي هي القلوب والعقول، قلوب الناس وعقولهم. ~~والناس هم الكثرة، لا عشرون ولا مائة. ثم لا بد أيضا من أن تكون البذور صالحة ~~والتربة قابلة؛ أي لا بد من أن تكون الأفكار الثورية تجاوب مطالب قلوب الناس ~~وعقولهم في العهد الذي تلقى فيه إليهم. ناهيك عن أن الثورة ~~ليست أفكارا في أفكار، ولكنها أيضا تقوم على ~~دعائم مادية عمرانية، كسكة الحجاز مثلا وري العراق، وتظهر في مظاهر قانونية ~~نظامية تفسح في المجال للنشاط الحر في ميادين ثقافية واقتصادية، كالطباعة ~~والتعليم ms078 والتجارة، و«تساعد» بالنتيجة «في ارتقاء الأشياء والحياة إلى ما ينبغي ~~أن تكون!» # وفي قول الريحاني: «يتقدمها ري العراق، مثلا، وسكة الحجاز، وحرية الطباعة ~~والتجارة والتعليم ...» أمر يجب أن يستوقفنا. فما الذي أراده كاتبنا بكلمة «يتقدم»؟ ~~فالمعروف أن الثورات تقوم لكسب حرية، كحرية الطباعة والتجارة والتعليم، والمشهور أن ~~الثورات تهب لخلق أحوال يتيسر فيها إنشاء المشاريع العمرانية؛ فهل قصد الريحاني ~~وهو يتحدث عن الثورة الحقيقية أن يصفها باعتبار ما يكون من نتائجها، فذكر في ~~مقدمتها بعض نتائجها زيادة في التأكيد، لكيلا يخال أن حادث الثورة غاية في ذاته ~~لا وسيلة إلى غاية؟ أم إنها فلتة من فلتات القلم؟ # نرجح أن الريحاني أراد ضمنا أن يفرق بين نوعين أو مرحلتين من الثورة؛ فهو ~~في خطبة عنوانها «روح الثورة» ألقاها في «جمعية تهذيب الشبيبة» سنة 1913، يبحث في ~~الإصلاح، ثم يقول: «ولكن هذا الإصلاح لا يتم بلا انقلاب في الأحكام، ولا يتم ~~انقلاب بلا ثورة سياسية.» والذي يقصده بالثورة السياسية استيلاء العناصر الجديدة ~~على السلطة توفيرا لأحوال يصبح فيها الإصلاح ممكنا، بل واجبا؛ إذ إن الثورة إذا ~~اكتفت بالاستيلاء على السلطة لم تكن في الحقيقة ثورة، بل كانت كما قال الدكتور ~~الشميل عن الانقلاب العثماني: «تغييرا يقتصر على ثورة الهيئة الحاكمة.» # وهذا يخرج بنا إلى معالجة السؤال الذي طرحناه سابقا: ما هي مقاصد الثورة ~~وأهدافها؟ (مع العلم طبعا أننا نسوق الحديث عن أدبائنا ومفكرينا، والدروس التي ~~تلقوها من الثورة الفرنسية.) # يؤخذ من مغزى كلمات الريحاني السابقة ومن أقوال لغيره، أن الثورة تتدرج من ~~مقصد إلى مقصد، ومن هدف إلى آخر. ويكون أحد المقاصد والأهداف في وقت ما هو ~~الغاية، ولكنه إذا تحقق بات وسيلة إلى مقصد وهدف آخر يصبح هو الغاية عندئذ، ~~وهكذا حتى تتحقق الغاية النهائية. # فأما المقصد الأول، والهدف الأول، فهو أن تعمل العناصر الجديدة، الثورية، في ~~سبيل «انقلاب في الأحكام» أو «ثورة سياسية» أو «استيلاء على السلطة». ولما كان ~~أدباؤنا ومفكرونا يواجهون سلطة مطلقة في نظام الحكم العثماني، ولا سيما أيام ms079 ~~عبد الحميد، فقد غلب عليهم رأي الاستيلاء بالقوة على زمام الأحكام. # 29 # وكان «شاهد» الثورة الفرنسية قدوة لهم؛ وكان الاستيلاء على السلطة ~~بالقوة معناه في نظرهم خلع السلطان ونصب سلطان يوافقهم ويسلم بمطالب ~~الانقلاب. وقليلون جدا منهم من كانوا يريدون الجمهورية؛ # 30 # فالرأي الأعم الأغلب كان طلب الملكية أو السلطنة المقيدة ~~بالدستور. # فإذا تم الخلع، ونصب السلطان الجديد، أعلن الدستور، وأطلقت الحريات ~~الديمقراطية المعروفة، دعيت الرعية إلى انتخاب مجلس نيابي يمثلها ويشارك ~~السلطان في الحكم. # ولكن هذا كله ليس إلا مرحلة من المراحل، بل هو بدء الطريق؛ هكذا قالت طليعة ~~من أدبائنا ومفكرينا رأت أن الانقلاب العثماني وقف عند هذه الغاية؛ فلقد نسخ ~~الانقلاب العثماني الصفحة الأولى من الثورة الفرنسية واكتفى، ولم تكن له جماهير ~~تؤيده في الشوارع كما كانت الحال في الثورة الفرنسية. # وكان الدكتور شبلي الشميل وأمين الريحاني وغيرهما في مقدمة الطليعة من أدبائنا ~~ومفكرينا الذين لمسوا التقصير في الانقلاب العثماني وأحسوا طبيعته السطحية، ~~وأدركوا أن الانقلاب يجب أن تكون له أهداف ومقاصد تعليمية ثقافية وصناعية زراعية ~~تجارية. # إن إعلان الدستور وإحداث المجلس النيابي إنما هو إصلاح - إذا وقع كما وقع ~~الانقلاب العثماني بقوة الجيش واشتراك فئة قليلة فيه - لا تتم فائدته إلا إذا سيق ~~إلى أذهان الشعب بالتثقيف المتواصل المخلص، وإلا إذا طهر جهاز الدولة ~~القديم، فإن موظفا قبل الدستور يعمل بروح ما قبل الدستور لا ينقلب بسرعة ما ~~تصله القوانين الجديدة والتعليمات الجديدة. # كان هذا رأيا في نقد الانقلاب العثماني أخذت به الطليعة من أدبائنا ~~ومفكرينا فدلت على أنها فهمت طبيعة ذلك الانقلاب السطحية، وأكدت - كما ~~أكد مفكرو القرن الثامن عشر في فرنسا - ضرورة تعليم الأمة، وتنقية جهاز الدولة، ~~وتربية القائمين بأعمال الحكومة تربية جديدة. # أما من حيث الصناعة والزراعة والتجارة، فلعل الرأي الاقتصادي السائد كان يعتبر ~~نشاط الدولة في إنشاء الصناعات أمرا غير مرغوب فيه، بل محظورا. # 31 # وهو رأي مستعار من مفكري النهضة الصناعية الأوروبية الحديثة في ~~مفتتح شأنها، ومستعار أيضا من الثورة الفرنسية ms080 واعتمادها بالنتيجة على قاعدة ما ~~نسميه «الاقتصاد الطليق». غير أن دولة كالإمبراطورية العثمانية، تأخرت في ~~إحداث انقلابها الدستوري إلى أول القرن العشرين، وهي جد متأخرة في بنائها ~~الاقتصادي نصف الإقطاعي، وعرضة لمآرب الدول الاستعمارية، ما كان لها أن تكتفي ~~بالنشاط الفردي في ميدان الصناعة (ولا سيما الصناعة!) والزراعة والتجارة اعتقادا ~~منها بأن مجرد إعلان الدستور وإحداث المجلس النيابي كفيل بسير كل شيء على ما ~~يرام؛ فالنشاط الفردي الاقتصادي، وإطلاق الحرية لهذا النشاط الفردي، كله واجب ~~ومثمر أيضا، إلا أنه وحده لا يكفي للوثب بدولة أفاقت متأخرة على السباق ~~الاقتصادي العالمي. # على أننا قد نكون، هنا، جاوزنا بعض الشيء ما قاله أدباؤنا ومفكرونا في نقد ~~الانقلاب العثماني. والواقع أن ثقافة أدبائنا ومفكرينا من الوجه الاقتصادي كانت ~~ولا تزال ضعيفة في الغالب. ولكن يجب القول: إن أدباءنا ومفكرينا إذا كانوا قد ~~مالوا إلى مذهب الاقتصاد الطليق، وآثروا أن ترفع الدولة - ولو كانت منبثقة من الأمة ~~- يدها عن البناء الاقتصادي، فقد أدركوا كل الإدراك هذه الحقيقة الأساسية، وهي: ~~أن وجود حكومة شورية (أو دستورية أو ديمقراطية) تطلق الحريات وتحميها، حاجة ~~أولية لا بد منها لتقدم الشعب ونهضة البلاد. # وهكذا دعوا إلى العناية بمسألة السلطة وأيدوا الاهتمام الكلي بها؛ لأنها مفتاح ~~كل شيء. وكأنما جعلوا شعارهم أن «المرء الذي لا يكترث لأمور حكومته يعد خاملا.» # 32 # ووجهوا الفكر والأدب إلى السياسة والاجتماع، شأن الأعلام الفرنسيين ~~في القرن الثامن عشر، ورائدهم الحرية السياسية التي هي «العافية المفقودة» كما ~~سماها عبد الرحمن الكواكبي في «طبائع الاستبداد». # ويتصور أديب إسحاق فريقا يقول له: «دع السياسة لأهل الرئاسة فهم فيها أحق، وبها ~~أعلم، وعليها أقدر.» وقد أراد أديب إسحاق أن يعرض بنوع من ذهنية تعتقد أن ~~السياسة وقف خاص أو احتكار، وراح ينقض هذا الرأي فقال: «ألف الكاتب الفرنسوي ~~روسو كتاب الميثاق الاجتماعي في السياسة، وشعر من أهل زمانه بمثل ذلك الاعتراض، ~~فأجاب: «يقولون: أأنت أمير أم أنت حاكم لتكتب في السياسة؟ وأقول: لا، ولكنني من أجل ~~هذا ms081 كتبت؛ فإني لو كنت أميرا أو حاكما لما أضعت الزمان في كتابة ما ينبغي أن ~~أفعل، بل كنت أفعله أو ألتزم السكوت».» ويستأنف أديب إسحاق كلامه فيقول: «من حقوق ~~الإنسان الطبيعية، بل من واجباته، أن ينظر فيما يمسه وما يحيط به من الأمور ~~الدنيوية والأحوال الاجتماعية. ولقد جاز للمرء أن يبحث عن أسرار الوجود ويستكشف ~~نواميس الطبيعة في حالة كونه لا يستطيع تغيير شيء من نظامها ولا يقوى على مخالفة ~~حرف من أحكامها، فكيف يحظر عليه النظر في النظام الذي هو جزء منه والأحكام التي ~~هي من وضع الإنسان؟» # وينظر كاتبنا إلى الفلسفة فلا يعترف بأنها «مخصوصة بطائفة من الناس دون ~~الآخرين.» ثم يقول: «إن الأمم خرجت من خطة الغنيمة ... وانتقلت من دور الطفولية، ~~وسئمت أنفسها الغذاء من لبن الخرافات والرموز، فلا بد لها من دور العلم ~~بالحقائق السامية كما تعلم المعارف الدانية؛ فقد أزف الوقت الذي يخرج فيه عن صفة ~~الإنسانية من لم يكن عارفا بكل ما اكتشفه عقل الإنسان.» ويذهب كاتبنا إلى ~~التصريح بأن الفلسفة أداة، أو يجب أن تكون أداة، من أدوات الكفاح الثوري في شئون ~~الاجتماع وقضايا السلطة، ف «تأثير (علمها) غير منحصر في المعلومات الإنسانية، ~~ولكنه يتجاوزها إلى هيئة الاجتماع فتظهر فيه آثار تغيره (أي الاجتماع) بمظاهر ~~من ثورات الخواطر وتجليات الألباب. ولا بد من ذلك؛ فهو (أي علم الفلسفة) علم ~~الإنسان؛ فلو قدر أن يكون من نتائجه الحكم بكون الناس نوعين اثنين: أحدهما ~~للأمر والسلطة والآخر للطاعة والانقياد، للزم من ذلك أن يكون في الأرض ظلام ~~لا يرحمون وعبيد لا يأبقون. ولو فرض أن تلك النتيجة قد هذبت فيه ولطفت فلم ~~تقض إلا بأن يكون في كل جمعية مدنية فريق يتدبرون الأمور عن الكافة، وأن تكون ~~الكافة وقفا على خدمة ذلك الفريق، لحصل من ذلك مبدأ الامتياز الأرستقراطي القبيح ~~لزوما.» # ويلتفت أديب إسحاق إلى الكتاب فيجرهم إلى المعمعة، ويريدهم مكافحين ~~مناضلين، ويجعل من واجباتهم «السعي إلى جنة الحرية مع ثقل سلاسل العادات وقيود ~~القوانين ms082 ...» # ووجد أدباؤنا ومفكرونا أنفسهم أمام قيم ومثل ومعقولات جديدة شاعت على ~~الألسنة والأقلام إبان الثورة الفرنسية وتناقلتها الأفواه والقراطيس في الشرق ~~العربي؛ فقد طفق الناس يتحدثون عن «الوطن» و«الوطنية» و«الأمة» و«القومية» ~~و«الحرية» و«المساواة» و«الحقوق الطبيعية» وشئون أخرى، فكان النظر فيها واجبا على ~~أدبائنا ومفكرينا . # أما الوطن، فلا نعلم أن أحدا من طلائع أدبائنا ومفكرينا حاول البحث فيه كما ~~حاول أديب إسحاق. وقد أثبتنا له في باب النصوص من هذا الكتاب قطعتين تدوران على ~~الموضوع. ويلاحظ أن أديب إسحاق بنى على المفكرين الفرنسيين قبل الثورة، ~~وأيد نفسه بقول من «لابرويير»: «لا وطن في حالة الاستبداد.» وخلاصة رأي كاتبنا ~~في موضوع الوطن أنه «خير وحدة» يرجع إليها المواطنون و«يجتمعون عليها اجتماع ~~دقائق الرمل حجرا صلدا»، ولا بد للوطن - حتى يكون وطنا بصحيح المعنى - من حرية ~~وحقوق وواجبات تسري على الجميع، ف «إن امتياز بعض الناس عن بعض في وطن واحد يلحق ~~بذلك الوطن الضرر العظيم حسا ومعنى.» # 33 # والوطنية هي الوطن والمواطنين، مع ما يستدعي ذلك من الخدمة والتضحية، والفداء ~~في بعض الأحيان. وقد تطرق أديب إسحاق إلى بحث الوطنية فأثبتنا بحثه في باب ~~النصوص. ولأحمد فارس الشدياق فصل ممتع في نقد الوطنيين الزائفين، أثبتناه ~~أيضا، وهو يشف عن روح الرجل الفكهة اللاذعة وقرابتها من رابليه وفولتير. # 34 # وبديهي أن أدباءنا ومفكرينا انصرفوا إلى تعزيز الشعور الوطني وتقويته، ~~واعتبروا الوطنية خير جامعة يجمعون بها صفوف الأمة لحمايتها وإنهاضها. وما كاد ~~الشيخ عبد الله النديم يطرح هذا السؤال الذي جعله عنوان إحدى مقالاته: «هذه يدي في ~~يد من أضعها؟» حتى أجاب في أول سطر من المقالة: «ضعها في يد وطنيك!» # أما «الأمة» فيبدو لنا أن أدباءنا ومفكرينا لم يطيلوا الوقفة عندها؛ وسبب ذلك ~~- على ما نرجح - أن معظم أدبائنا ومفكرينا الأوائل كانوا يأخذون بالجامعة العثمانية. # 35 # ومفهوم أن إمبراطورية السلطان العثماني لم تكن تتألف من أمة واحدة. ~~فإذا استعمل أدباؤنا ومفكرونا لفظ «الأمة» تجوزوا فيه وتوسعوا. والواقع أن ~~تعريف الأمة في الفكر العالمي ms083 لا يزال إلى اليوم موضوع جدل كثير. وفي باب النصوص ~~من هذا الكتاب بحث قصير لأديب إسحاق حاول فيه تحديد الأمة فجعلها «الجماعة من ~~الناس» «تتجنس جنسا واحدا»، و«تخضع لقانون واحد»، و«تتعارف باسم تنتسب ~~إليه وتدافع عنه.» أما «وحدة اللغة» فاستحسنها. # 36 # ولم يذكر الرابطة الدينية مطلقا. # 37 # وعنى بقوله: «تتجنس جنسا واحدا» ~~أن ليس من الضروري أن تكون الأمة من أصل واحد في النسب؛ لأن التقلبات ~~التاريخية أدت بمعظم البشرية إلى الاختلاط والتمازج. ولا ريب أن أديب إسحاق ~~وفق إلى الصواب في النقاط التي ذكرها، وكان موفقا أيضا في سكوته عن الرابطة ~~الدينية. والذي يمكن استنتاجه من فحوى كلامه: أن الأمة هيئة تتكون تاريخيا ~~(يكونها التاريخ) ولا توجد في أصل الخلق. وإنها لحقيقة من الأهمية بمكان ~~عظيم. على أن أديب إسحاق غفل في تحديد الأمة عن بعض نقاط أساسية. # 38 # أما كلمة «القومية» فكان استعمالها قليلا جدا إبان انتشار فكرة «الجامعة ~~العثمانية»، ولم تشع إلا بعد نهضة فكرة العروبة. # 39 # والقومية اسم لشعور وفهم بنيا على النسبة إلى القوم. وقد ذهب أديب ~~إسحاق إلى أن «الأمة من الرجل هي قومه.» ومعنى ذلك أن كاتبنا جعل القوم الأمة، ~~والأمة القوم، فتكون «القومية» من «الأمة» بمثابة «الوطنية» من «الوطن». وهذا هو ~~المعنى الأغلب الذي قصده ويقصده أكثر كتابنا وأدبائنا بالقومية، مع العلم أن ~~بعض الفوضى لا يزال منتشرا في استعمال هذه الكلمات التي لم تعين مدلولاتها ~~الحديثة تعيينا واضحا في لغتنا وأذهاننا. # ويعالج أدباؤنا ومفكرونا موضوع «الحرية» وكلهم مجمعون على أنها الضالة ~~الحبيبة المنشودة. # 40 # ومن الخير أنهم لم يقفوا في أمرها عند حد المدح والثناء، بل أعملوا ~~الفكر المحلل. وكانت القاعدة التي بنوا عليها ما ورد في «بيان حقوق الإنسان»: ~~«حد الحرية أنه يباح للمرء عمل كل ما يريد ~~شرط ألا يؤذي غيره.» واتفقوا على أن لا بد للحرية من قوانين نافذة؛ فهم بذلك قد ~~ماشوا مونتسكيو، ولكنهم، بلسان أديب إسحاق، أخذوا على مونتسكيو «ذهوله عن ماهية ~~القوانين»؛ ففي واشنطن ms084 قانون، وفي طهران قانون، وكذلك الأمر في لندرا وبكين، ولكن ~~التقيد بالقانون في طهران وبكين لا يعني الحرية كالتقيد بالقانون في واشنطن ~~ولندرا. والسبب راجع إلى ماهية القوانين؛ ففي واشنطن ولندرا دستور وشورى ~~وديمقراطية، بينما في بكين كانت تنفذ إرادة الإمبراطور المطلق، وفي طهران كانت ~~تنفذ إرادة الشاه المطلق . وإذن، فالحرية هي: التقيد بقوانين يشترك الشعب في ~~وضعها على يد ممثليه. وفي هذا عرق من روسو نجده في أدبائنا ~~ومفكرينا. # وكما سعت الثورة الفرنسية وسعى أعلامها الفكريون إلى حرية الرأي والعقيدة الدينية ~~والطباعة والخطابة والانتخاب، وحرية التصرف بالأملاك وتنظيم الجمعيات، وحرية ~~الشخص الإنساني بحيث لا يقبض عليه ولا يسجن ولا يحاكم ظلما، كذلك سعى أدباؤنا ~~ومفكرونا إلى هذه الحريات أجمع في مدى قانون يحميها ويضع لها حدا تقف عنده ~~هو: الإضرار بالآخرين وبالمصلحة العامة. # وكما رجع أعلام الفكر الفرنسي الثائر إلى الطبيعة يؤيدون بها مذهبهم، كذلك رجع ~~أدباؤنا إلى الطبيعة أيضا. # وجميل أن نعير التفاتة خاصة مفكرا عربيا خرج عن نطاق الحرية المدنية ~~والسياسية (وكل ما ذكرناه سابقا يدخل في هذا النطاق) فمس موضوع الحرية فلسفيا؛ ~~ذلك المفكر هو فرنسيس فتح الله مراش الحلبي؛ فقد رأى أن بناء الحرية على الطبيعة ~~مذهب سطحي؛ فالطبيعة كلها قواعد ونواميس تضبطها في حركاتها وتطوراتها ضبطا ~~حديديا، فأين هي الحرية في الطبيعة إذن؟ ولكن المراش لم يخلص من هذا إلى إلغاء ~~الحرية، بل كان مؤدى فكرته أن كل شيء في الوجود الطبيعي لا يمكنه أن يكون ~~حرا إلا إذا خضع لقواعد ونواميس هي ضرورة كافلة لوجوده. ومعنى هذا أن لا حرية ~~إلا مع القيام بالضرورات، لا حرية إلا مع إتمام الحاجات التي لا بد منها؛ فالحرية ~~ليست فقط حقوقا نرغب فيها وتضمن لنا بمجرد قانون نضعه، ولكنها أيضا واجبات لا ~~بد من الوفاء بها حتى تحق الحقوق؛ ولذلك لم ينظر المراش في الوجود الاجتماعي ~~والمدني إلى مجرد الرغبة في الحرية، وإلى مجرد قانون يزال أو قانون يوضع، بل نظر ~~أيضا إلى الضرورة، وقرر أن ms085 إطلاق الحرية بإلغاء كل قيد لا حاجة إليه هو ~~قانون صوابي. ولرب معترض يقول: ولكن من يثبت أن هذا القيد أو ذاك بات قديما ~~ولا حاجة إليه فيجب إلغاؤه؟ وليس من شك أن المراش فطن إلى مثل هذا الاعتراض، ~~وعرف أن القيد إذا أصبح عائقا للتقدم لا ضابطا يخدم نظاما صالحا فللثورة ~~عند ذلك محلها اللائق، فأيد المراش الحرب الأهلية الأميركية التي وقعت في ~~زمانه لتحرير العبيد مع أنه علم أن كثيرين كانوا في أميركا لا يزالون يجادلون في ~~وجوب استعباد الرقيق ويدافعون بالسلاح عن هذا الحق. ومن أقوال المراش: إن الكون ~~لا يزال مملوءا برائحة البارود في سبيل الحرية. # ومن معاني الحرية التي نظر إليها بعض كتابنا وأدبائنا: الحرية النفسية. # 41 # والمقاصد بهذا النوع من الحرية كثيرة؛ فمنها ما يتصل بالأخلاق ويرجع ~~إلى التربية. وأديب إسحاق، بناء على روسو وكتاب «إميل»، قد أدرك شدة الحاجة إلى ~~الحرية في التربية، وعرض بالذين «يربون الأولاد كما تضرب الدراهم»، درهم ~~منسوخ عن درهم، ولكن من الحرية النفسية ما قد يعني اكتفاء الإنسان بمحض الاعتقاد ~~أنه حر، وتلك حرية الوهم. ومن الحرية النفسية ما قد يعني استغناء الإنسان بنفسه ~~وانسلاخه عن محيطه تحررا من الواقع وتوصلا إلى شهود الغيب، وتلك حرية لا تدخل ~~في بحثنا. # 42 # وعالج أدباؤنا ومفكرونا قضية المساواة، وفهموها كما فهمتها الثورة الفرنسية ~~وأقرتها؛ أي مساواة أمام قانون واحد، يسري على جميع المواطنين، يمثلون كلهم ~~أمامه، لا فرق بين غني وفقير، وضعيف وقوي، وأبناء مذهب ومذهب. # 43 # ومن يراجع آثار الطلائع من أدبائنا يجدهم جميعا كثيري الالتفات إلى ~~قضية المساواة؛ ذلك أن الإمبراطورية العثمانية كانت مبنية الأحكام على الدين ~~والتفريق في القضاء بين أبناء المذهب والمذهب، فضلا عن نقائص صارخة كهضم حقوق ~~الطبقات الهابطة في السلم الاجتماعي، ومحاباة الطبقات الرفيعة، ومراعاة ~~«المحسوبيات»، وشيوع الرشوة وما أشبه. وقد اتخذ التدخل الأجنبي حجة من هذا ~~كله، ففرض محاكم خاصة تنظر في قضايا الأجانب، ونجح في استغلال الاستياء المشروع ~~الذي كانت تبديه عناصر ms086 مختلفة في البلاد، فكان من الطبيعي أن يشتد طلب أدبائنا ~~ومفكرينا للمساواة، حرصا على مماشاة الرقي، وإنصافا لجميع المواطنين، وقطعا ~~للحجج الاستعمارية. # وتفرعت من قضية المساواة لدى أدبائنا ومفكرينا مسألة الرجل والمرأة وهل ~~يتساويان؟ وقد ألقى الدكتور شبلي الشميل محاضرة جنح فيها إلى ترجيح جانب الرجل، ~~فكانت موجة قوية من الأخذ والرد . وسبق لأديب إسحاق أن نظر في الموضوع، فشخص إلى ~~هيكل وحيه، إلى الثورة الفرنسية، فرأى - على تعبيره - أن روبسبيير، رسول المساواة ~~الكبير ... نسي نصف النوع الإنساني. وبالفعل، إن الثورة الفرنسية لم تعترف للمرأة بحق ~~مساواة الرجل، وكان أعلام مفكري الثورة ولا سيما روسو متحاملين على المرأة. ~~إلا أن أديب إسحاق قرر أن «المرأة غير الرجل»، وبذلك ترك الباب مفتوحا؛ فلم ينف ~~مساواتهما كما أنه لم يثبتها. وإذا خرجنا عن موضوع المساواة وجدنا أدباءنا ~~ومفكرينا جميعا يعترفون بسمو مكانة المرأة وبوجوب احترامها وتعليمها وإنهاضها. ~~ومن هنا شاع على ألسنتهم القول: الأمة نسيج الأمهات! # أما النظر إلى الطبيعة والتعلم منها، شأن أعلام فرنسا في القرن الثامن عشر، ~~فهو سمة بارزة من سمات أدبائنا ومفكرينا. وقد مر معنا كيف أن فرنسيس ~~المراش رأى أن بناء الحجة في وجوب الحرية على شاهد الطبيعة، ~~مذهب لا يخلو من السطحية، وكان فرنسيس المراش ~~في ذلك أعمق من غيره. إلا أن أدباءنا ومفكرينا - على وجه عام - اتجهوا إلى ~~الطبيعة أسوة بالمفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، واستخلصوا كما ~~استخلص أولئك أن الحرية والمساواة وسائر المطامح الإنسانية إنما هي حقوق أثبتتها ~~الطبيعة للإنسان. وإذن، فقد كان مبدأ الرجوع إلى الطبيعة له مغزى سياسي اجتماعي. ~~وتلك هي أهمية هذا المبدأ بقطع النظر عن خطئه أو صوابه؛ فأديب إسحاق، مثلا، حين ~~يقرر الحرية الطبيعية لا يقف عند حد التقرير، ولكنه يرسل الصيحة إلى النضال، ~~فيقول: «كل ما يذهب بالحرية الطبيعية تقييدا أو إضعافا أو محوا كليا فهو ~~اختلاس أو جهل بماهية الوجود؛ لأن العبودية إما أن تكون إجبارية، فهي من جانب ~~المستعبد سرقة وإتلاف لأقدس حقوق الوجود، وإما ms087 أن تكون اختيارية، فهي من جانب ~~العبد جهل وعمى قلب يخرج بهما عن أن يكون إنسانا.» # يضاف إلى ذلك أن التوجه إلى الطبيعة كان له أثر مبارك في حقن أدبنا وأدبائنا ~~بدم جديد؛ فإنهم لما خرجوا إلى جو الطبيعة الطلق بدءوا يخرجون عن الكتب ~~والتقيد بالقواعد المرسومة في الأساليب والأفكار؛ هذا المنفلوطي يهتف بالشاعر ~~داعيا إياه إلى التفلت والانطلاق: # أنت كالطائر السجين في قفصه، فمزق عن نفسك هذا السجن الذي يحيط بك، ~~وطر بجناحيك في أجواء هذا العالم المنبسط الفسيح، وتنقل ما شئت في ~~جنباته وأكنافه، واهتف بأغاريدك الجميلة فوق قمم جباله ورءوس أشجاره ~~وضفاف أنهاره؛ فأنت لم تخلق للسجن والقيد، بل للهتاف والتغريد! # وهذا جبران خليل جبران يحاول دفع الناس إلى الإحساس بالبون الشاسع بين حالتهم ~~والحالة الطبيعية ويدعوهم إلى الحرية ونور الشمس: # أمام عرش الحرية تفوح الأشجار بمداعبة النسيم، وأمام هيبتها تبتهج ~~بشعاع الشمس والقمر. على مسامع الحرية تتناجى العصافير، وحول أذيالها ~~ترفرف بقرب السواقي. في فضاء الحرية تسكب الزهور عطر أنفاسها، وأمام ~~عينيها تبتسم لمجيء الصباح. أما البشر فمحرومون هذه النعمة؛ لأنهم وضعوا ~~لأرواحهم الإلهية شريعة عالمية محدودة، ~~وسنوا لأجسادهم ونفوسهم قانونا واحدا قاسيا، وأقاموا لأميالهم ~~وعواطفهم سجنا ضيقا مخيفا، وحفروا لقلوبهم وعقولهم قبرا عميقا ~~مظلما، فإذا ما قام واحد من بينهم وانفرد عن جامعتهم وشرائعهم قالوا: هذا ~~متمرد شرير خليق بالنفي، وساقط دنس يستحق الموت. لكن هل يظل الإنسان ~~عبدا لشرائعه الفاسدة إلى انقضاء الدهر، أم تحرره الأيام ليحيا بالروح ~~وللروح؟ أيبقى الإنسان محدقا بالتراب، أم يحول عينيه نحو الشمس ~~ليحيا بنورها ويحترق بنارها؟ # والخلاصة أن مبدأ الرجوع إلى الطبيعة يعني في الحقيقة أن الإنسان ينظر إلى ~~الطبيعة فيفيض عليها حياة من حياته، ويقيمها مقام المشارك له في عواطفه وأفكاره ~~وأمانيه؛ وهذا هو جوهر الرومانتية. إلا أن من الرومانتيين من يتصور الحالة ~~الطبيعية هي الحالة المثلى، ويرى أن لا أمل في العودة إليها، فيعتبر نفسه، ~~والإنسان جملة، أشبه بملاك طرد طردا نهائيا من الفردوس؛ فهو حزين ms088 كئيب ~~والطبيعة حزينة كئيبة. # 44 # ومن الرومانتيين من يشهد الفرق بين الحالة الطبيعية - الحالة المثلى ~~- والحالة الراهنة، فيرسل الصيحة إلى النضال. ولئن تكن هذه الصيحة مبعثها في ~~الغالب شعور يحس الهدف، ولا يرسم طريق الوصول، فإنها مع ذلك خير من رومانتية ~~الندب والعويل. # بقي معنى لا بد لنا من ذكره، يقصده أدباؤنا ومفكرونا حين يقولون: «الطبيعي»؛ ~~فلقد نظروا في أشياء الطبيعة وتصرفاتها، فإذا بهذه الأشياء والتصرفات لها ~~خصائص ونواميس تسري عليها؛ فالحجر إذا أفلت من فوق وقع إلى تحت، وهذا طبيعي. ~~والفحم إذا تمت فحميته اسود، وهذا طبيعي أيضا. ونظر أدباؤنا ومفكرونا في ~~السياسة والاجتماع، فإذا للأمور والتطورات السياسية والاجتماعية خصائص ونواميس ~~تسري عليها؛ فالاستبداد، مثلا؛ أي «حكم الحاكم بأمره» كما عرفه الكواكبي، له ~~صفاته ومسالكه طبائع ملازمة له؛ ومن هنا كان عنوان كتاب الكواكبي «طبائع ~~الاستبداد». ولا يجوز القول بأن أدباءنا ومفكرينا قبسوا هذا الاستعمال من أعلام ~~الفكر الفرنسي وحدهم؛ فقد سبق إليه ابن خلدون إذ يقول مثلا: «من طبيعة الملك ~~الانفراد بالمجد.» # 45 # ولم ننبه إلى هذا المعنى من معاني «الطبيعة» و«الطبيعي» لنبين محض طريقة ~~من طرق استعمال الكلمة، ولكن لنظهر ما وراء ذلك من صحة وعمق فكر؛ فإن معرفة ~~أدبائنا أن الأمور والتطورات السياسية والاجتماعية - كالأنظمة وأشكال الحكم ~~والانقلابات - لها طبائع مخصوصة، إنما هي معرفة ثمينة تمكننا من انتظار ما ~~يجوز انتظاره، أو يجب انتظاره، في شأن هذا الضرب من ضروب السياسة أو هذا النوع من ~~الاجتماع، فإذا كنا أمام «حاكم بأمره» توقعنا الاستبداد والجور؛ لأن ذلك طبيعي، ~~ولم يحق لنا أن نتوقع زوال الاستبداد والجور إلا بتغيير النظام الذي يحكم فيه ~~حاكم بأمره؛ لأن طبيعة الشيء لا تتغير إلا بتبدل الشيء نفسه؛ فالفحم لا يخرج عن ~~الفحمية إذا دهن بالطبشور، ولكنه ينقلب إذا صار ماسا. # وهناك درس آخر أفاده أدباؤنا ومفكرونا من الثورة الفرنسية وأعلامها الفكريين؛ ~~ذلك هو فصل الدين عن الدولة. وقد شاءت بعض الجهات في الثورة الفرنسية أن تدخل في ~~أمر الدين فترسم للناس ms089 عبادة جديدة هي عبادة العقل ممثلا في امرأة، لكن الرأي ~~الأخير قر على أن يفصل الدين عن الدولة، ويحال بين السلطات الروحية والتدخل ~~في الشئون الزمنية. وصحيح أن عددا من أدبائنا ومفكرينا، كالشدياق في «الفارياق» ~~ونوفل الطرابلسي في سياحة «المعارف»، وقفوا موقف المستنكر من الثورة الفرنسية ~~لمسها شأن الدين، وصحيح أيضا أن بعض مفكرينا، كالدكتور شاكر الخوري في «مجمع ~~المسرات»، وقفوا موقف النقد من روسو وفولتير لأنهم خالوهما يريدان نقض # 46 # الدين، ولكن ليس من شك أن رجال الأدب والفكر عندنا أجمعوا على تأييد ~~مطلب فصل الدين عن الدولة، وحصر نفوذ السلطات الروحية في نطاق خاص بها لا ~~تتعداه، ومفهوم أن أوضاع الإمبراطورية العثمانية كان فيها ما يدفعهم دفعا إلى ~~تأييد هذا المطلب، فشاع على الألسنة والأقلام الشعار التالي: «الدين لله والوطن ~~للجميع». # وبهذا ننهي جانبا آخر من بحث أدبائنا أمام الثورة الفرنسية ومفكريها. وواضح ~~أننا كنا إلى هذا الحد نعرض الذين رأوا في الثورة دروسا ونتائج إيجابية، ~~فلنلتفت الآن إلى الذين حاولوا أن ينقدوا الثورة نقدا يصح اعتباره. ~~(3) نقد ورد # هل جاءت الديمقراطية بكل ما ينتظر منها؟ # مي زيادة # هذه التربية الجشعة المحضة التي يحاولون تسخير العلم لتأييدها، فيقوم ~~نياتش ونوردو، فيلسوفا الألمان، مدفوعين برغائب حكومتهما العسكرية، ~~يشدان أزر القوي في القضاء على الضعيف، وتحطيم أسنان الغير، واحتكار ~~الحياة والقوت والارتزاق؛ هي تربية فاسدة تماما تجر الإنسانية إلى ~~الوحشية، وتجعل العالم غار وحش ضار كله بقايا عظام رجسة؛ ولذا وجب ~~دك معالمها، وتقويض أساسها الراسخ، واقتلاع جذورها وإحراقها وتذريتها ~~في الآفاق. # قاسم أمين # قد تغيرت القيود وتنوعت السلاسل واستبدل النخاسون بغيرهم. # أمين الريحاني «فوق سطوح نيويورك» # نعم، لا يقتضي أن يتساوى العالم الذي صرف حياته في تحصيل العلم النافع ~~أو الصنعة المفيدة بذلك الجاهل النائم في ظل الحائط، ولا المجتهد المخاطر ~~بالكسول الخامل ... ~~(ولكن) الإنسان لا يكون إنسانا ما لم تكن له صنعة مفيدة تكفي معاشه ~~باقتصاد، لا تنقصه فتذله، ولا تزيد عليه فتطغيه ... # وقد أصبح للثروة العمومية أهمية ms090 عظمى لأجل حفظ الاستقلال ... # كلمات للكواكبي # جعلنا سبيلنا في هذا الفصل أن نعرض لأدبائنا ومفكرينا الذين حاولوا أن ينقدوا ~~الثورة الفرنسية الكبرى نقدا يصح اعتباره. ونحن نعني بالطبع أننا لن نعرض الذين لم ~~يستطيعوا أن يروا في الثورة إلا بعض مظاهر وقفوا عندها فأساءوا حتى فهم تلك ~~المظاهر، وكتبوا وهمهم التشنيع على الثورة أو الإغراب الأدبي في سرد القصص ~~والحوادث. وقد كان للروايات التي نقلتها إلى العربية «مجلة روايات الجيب» عن ~~رافائيل سباتيني والبارونة أوركزي أثر سيئ في تصوير الثورة الفرنسية؛ فنحا هذا ~~النحو بعض أدبائنا المحدثين كالأستاذ حسن الشريف في كتابه «تاريخ ما أهمله ~~التاريخ»؛ إذ راح يشبع قراءه حديثا عن مواضيع كالملكة ماري أنطوانيت و«حزنها ~~الملكي»، فكان الحزن أيضا طبقات كطبقات المجتمع! ومن هذه الطائفة أيضا الأستاذ ~~عبد الله عنان الذي كتب سفرا في المؤامرات السياسية في التاريخ، فذكر غراكوس ~~بابوف وحركته، وأظهر ما سطره عجزا ذريعا عن فهم الثائر الفرنسي وحقيقة مكانته. # 47 # مر بنا أن الأدباء والمفكرين العرب على وجه الجملة وقفوا موقف المعجب ~~المتعلم من الثورة الفرنسية وأفذاذ مفكريها. ولكن تقصير الانقلاب العثماني عن ~~تحقيق الإصلاح المرتجى أضعف الحماسة - بعض الشيء - للمبادئ التي رفع الانقلاب ~~لواءها، وهي مبادئ الثورة الفرنسية. كما أن «حقوق الإنسان» وشعارات «الحرية والإخاء ~~والمساواة» لم تصد دولا تدين بها أو بما يماثلها عن الزحف نحو الشرق بغية ~~التسلط عليه. ناهيك عن أن «حقوق الإنسان» وشعارات «الحرية والإخاء والمساواة»، ~~رغم قيامها في المجتمعات الأوروبية، لم تلغ كفاحا داخليا مستمرا في تلك ~~المجتمعات، ومنها فرنسا نفسها؛ فقد ظل أدباؤنا ومفكرونا يسمعون مثلا بعمال ~~يضربون، وبمفكرين يطالبون بالحرية والمساواة والإصلاح، فخالط بعضهم شك في ~~أن الثورة الفرنسية غيرت شيئا، بل بات بعضهم يعتقد بأن مبادئ الثورة الفرنسية ~~تخالف طبيعة الأمور ولا يتهيأ تحقيقها. وبلغت أذهان أدباء العرب أصداء من ~~فردريك نيتشه الذي حمل حملة شعواء على الثورة ومبادئها، وكذلك لم تلبث أن بلغتهم ~~أصداء من غوستاف لوبون وموقفه العدائي من الثورة، وقامت الحركات النازية ms091 ~~والفاشستية فكانت مبادئ الثورة الفرنسية من أهم الأهداف التي صبت عليها ~~نيرانها. # تلك عوامل أضعفت الإعجاب لدى بعض مفكرينا وأدبائنا بالثورة الفرنسية ~~وضاءلت الثقة بقيمة مبادئها. # وكان فرح أنطون في طليعة أدبائنا الذين أخذوا يديرون ظهورهم لمبادئ الثورة بعد ~~أن كانوا شديدي الحماسة لها. على أن فرح أنطون، وقد انتهى إلى الاعتقاد ~~بالاشتراكية، ظن أن اعتقاده الجديد يضائل من قيمة الثورة الفرنسية ومبادئها ~~ومنزلتها في التقدم التاريخي. وكأن الدكتور شبلي الشميل قصد الرد على فرح ~~أنطون حين كتب القطعة التالية، وفيها يبين أن الثورة الفرنسية كانت مرحلة عظيمة ~~في سير التقدم، ولكنها ليست بالمرحلة الأخيرة، ولا هي تفي بمطالب الإصلاح ~~جميعها على ممر الأيام. قال الشميل: ~~... الغريب أن هؤلاء الذين كان أمثالهم يجورون في الحكم على فرنسا في ~~الثورة الأولى، يعترفون جهارة اليوم بأنه لولا تلك الثورة لما ارتقى ~~الإنسان واصطلح نوع الأحكام إلى ما هما عليه الآن ليس في فرنسا وحدها، بل ~~في أوروبا كلها، بل في العالم قاطبة. وهؤلاء الذين يعترفون بذلك اليوم ~~يؤاخذون شعب فرنسا على عدم رضاه من نظام أحكام كانت تصلح له من ~~مائة عام ولم تبق تصلح له اليوم؛ لأن الهيئة الاجتماعية المتمدنة ارتقت ~~كثيرا عما كانت عليه من مائة سنة مع بقاء نظام الأحكام على حاله ... ~~فاضطراب فرنسا وعدم رضاها من نظام جمهوريتها لا يفيدان - كما يتوهمه قصار ~~النظر - أنها تميل للرجوع إلى الملكية، أو أنه إذا قام فيها ملك حازم ~~يستطيع أن يقبض عليها بيد من حديد ويسير بها كيف شاء؛ فهذا حلم يجوز على ~~عقول الأطفال، ولكن لا يجوز على الذين يدركون بعض الشيء من أسرار ~~العمران؛ ففرنسا لن تعود إلى الملكية، ولكن الجمهورية التي تطلبها فرنسا ~~عن حاجة في النفس مندفعة إليها بالطبع، لا عن إجهاد في قوى العقل، والتي ~~تتوقعها أوروبا، هي الجمهورية الحقيقية الديمقراطية التي تصبح فيها الأمة ~~الكل والحكومة لا شيء، بخلاف حكومات أوروبا وجمهورية فرنسا اليوم، ~~فإنها كلها متقاربة في نظاماتها، متساوية في نقصها، ولو اختلفت ms092 في ~~أسمائها، وكلها مقصرة عما تتطلبه الهيئة الاجتماعية اليوم وفي ~~المستقبل القريب ... ~~... ولا سيما أن الأسباب الداعية اليوم إلى النفور من نظامات الهيئة ~~الاجتماعية وأحكامها هي أثقل جدا على عاتق الأمم مما في عصر الثورة ~~الأولى؛ فالثورة الأولى أسبابها الاستئثار بالأعناق والأرزاق لشرف المولد، ~~وقد كان الناس قليلهم يدرك حق المساواة، وأما اليوم فالثورة هي ... ~~بين قوى العقل المستنبط واليد العاملة، وبين فساد نظام الأحكام، حتى أصبحت ~~مستنبطات العقول وأعمال الأيدي خادمة ل «نفر» يستفيدون منها. # وقد كان على التاريخ أن يقطع شوطا كبيرا، فتقع الحرب العظمى الأولى، وتقع ~~الثورة الروسية السنة 1917، ثم تقع هذه الحرب بين قوى التقدم من جهة وقوى ~~الرجعية التي تتزعمها ألمانيا النازية؛ كان على ذلك كله أن يقع، وأن تعثر فرنسا، ~~ثم تأخذ في النهوض من جديد، ويهتف الجنرال ديغول: «من يقل فرنسا يقل ثورة»، ويتحدث ~~عن «فرنسا الغد التي لن تكون كفرنسا الأمس»، وعن الجمهورية الرابعة، وتثار في ~~بريطانيا وكل مكان مشكلة الضمان الاجتماعي، وتمتلئ الدنيا حديثا عن ~~الديمقراطية الصحيحة والعهد العالمي الجديد - كان على ذلك كله أن يقع حتى يظهر كلام ~~الدكتور الشميل في مدى عمقه وصحته. # قبل فرح أنطون أرسل أديب إسحاق هذه الكلمات التي تجذبنا إلى النظر والتأمل ~~فيها، قال: # ليس في الوجود الطبيعي ولا المدني من واجب إلا بحق يماثله، وليس فيه ~~من حق إلا بواجب يقابله؛ فإذا وجب على الوالد للهيئة المدنية تعليم ~~ولده، فقد حق له إمكان ذلك التعليم على قدر الكفاءة. وإذا حق للهيئة ~~الحاكمة إجباره عليه، فلقد لزمها توفير أسبابه وتمهيد سبيله على قدر ~~الإمكان؛ فإن كان الوالد من الذين أصابهم النظام المدني باختلاله ... فهو ~~فقير معدم ... لا يقوى على تعليم ولده ... فالهيئة الحاكمة مأمورة بأن ~~تيسر له ما لا يستطيع. # وهي كلمات أيدها الكاتب بقول الاقتصادي الفرنسي الشهير ساي: «إن مركز ~~المحترف العامل يدني مقدار دخله إلى حد أنه لا يكاد يفي بحاجته إلا بشق ~~النفس، فإذا استطاع تربية الولد وتعليمه حرفة فهو لا شك ms093 عاجز عن أن ينيله من ~~العلم القدر الذي يقتضيه حسن الحال في الهيئة المدنية، فإن رامت هذه الهيئة ~~التمتع بنفائع هذا القدر من العلم في الفئة المحترفة العاملة وجب عليها أن ~~تبثه فيهم على نفقتها بإنشاء المدارس المجانية» («الاقتصاد»، الكتاب 3، الفصل ~~6). # فأديب إسحاق يثير بما قاله وما قبسه من ساي مشكلة عظمى هي مشكلة الذين يصيبهم ~~النظام المدني باختلاله - على حد تعبيره - وهو يعني أولئك الذين يقعون ضحية العجز ~~الاقتصادي فلا يستطيعون أن يعلموا أولادهم. وإلى جانب ذلك يثير أديب إسحاق ~~مبدأ عاما يتناول بمداه شئونا كثيرة غير التعليم الإلزامي، فما هو هذا المبدأ ~~العام؟ # يقول كاتبنا: «إذا وجب على الوالد للهيئة المدنية تعليم ولده، فقد حق له ~~إمكان ذلك التعليم على قدر الكفاءة، وإذا حق للهيئة الحاكمة إجباره عليه، فقد ~~لزمها توفير أسبابه وتمهيد سبيله على قدر الإمكان.» # وإذن، فليس يكفي فرض الواجبات على الناس والمجتمع، بل يتحتم على الهيئة الحاكمة ~~أن تيسر لهم وسائل القيام بالواجبات المفروضة. وبطريق القياس، ليس يكفي أيضا ~~منح الحقوق للناس في المجتمع، بل يتحتم على الهيئة الحاكمة أن تيسر لهم الوسائل ~~الضرورية لممارسة الحقوق الممنوحة. # وبكلمة مختصرة، إن القوانين والقرارات، مهما تكن عادلة، نزيهة، إنسانية، تنحو ~~منحى المثل الأعلى، فهي لا تفي بالغرض المقصود منها، بل قد تظل حبرا على ورق، بل ~~قد تنقلب ظالمة جائرة، إن لم تكن قائمة على أساس يمكن من مراعاتها وتنفيذها، ~~ويغلق باب العذر والحجة على من يخالفها. # ولقد عرض كاتبنا نجيب الحداد لشيء من هذا، تنبه إليه بتأثير من فيكتور ~~هيغو وكتاب «البؤساء»، قال: # وضع فيكتور هيغو كتابه المشهور بعنوان «البؤساء» في ستة مجلدات كبيرة ~~بناها على حكاية رجل حسن الأخلاق طيب القلب لم يخلق للشر والعدوان، ~~قضت عليه الضرورة القصوى، وهي ضرورة الجوع أو ضرورة البقاء التي فطر ~~عليها الإنسان، أن يسرق رغيفا من الخبز لأهل منزله وفيهم صغار أطفال ~~يتضورون من الجوع، فقبضت عليه الحكومة بهذا الذنب الكبير، وحكم عليه ~~القضاة، بموجب قانونهم، بالأشغال الشاقة ms094 إلى أمد بعيد. وقد أفرغ هوغو في ~~هذا الكتاب كل ما حواه عقله الكبير من فلسفة الشقاء، وكل ما شعر به ~~فؤاده الكريم من واجب الرحمة والحنان، وكل ما سمح به برهانه القاطع ~~وحجته الدامغة من الطعن على القضاء في مثل هذا الظلم الشديد على فقير ~~يائس يسرق رغيفا لسد الرمق وقوام الحياة، دفعته إليه ضرورة العيش وحب ~~البقاء، فأقدم عليه مضطرا غير باغ ولا عاد، وليس من طبعه السرقة وحب ~~الأذى، فحكم القانون القاسي بمثل ما يحكم به على سارق المال الكثير ~~تدفعه إليه يد الطمع وفساد الطبع وحب الأذى والميل إلى السرقة ~~والاختلاس. # وقال الكاتب نفسه يعالج مشكلة صغار الموظفين: # لا يخفى أن حياة الإنسان وحفظ وجوده هو الدافع الأكبر له في كل أمر، ~~بل هو الطبع الغريزي الذي ينقاد إليه بالفطرة الحيوانية حتى يفضله بحكم ~~الطبيعة على كل شيء سواه ... فإذا ضاقت يد العامل (يقصد عامل الحكومة؛ أي ~~موظفها) وكثر عياله وقل مورد رزقه من ضيق راتبه ووجد نفسه مدفوعا إلى ~~حفظ وجوده بعامل الخلقة والفطرة، هانت عليه الذنوب وسهلت لديه أسباب ~~المخالفة والخروج عن الواجب الخفي في سبيل صيانة الحياة الظاهرية، وعن ~~الغرض الوهمي في الحصول على الوجود الحسي الذي هو حقيقة الإنسان وإنسان ~~الحقيقة. ولما كانت أعمال الحكومة التي تمس جانب الشعور مباشرة من ~~طريق الحس قائمة على أيدي صغار العمال كالجندي والجابي والكاتب والناظر ~~ونحوهم، وكان هؤلاء الصغار في ضيق من العيش وقلة في الرزق وحاجة إلى ~~الإنفاق، لم يكن يؤمن على الرعية من اهتضام حقوقها تلك اليد التي ~~تسلمها الحكومة رعاية الشعب من جانب، وتدفعها الفاقة والحاجة إلى ظلمه ~~والتضييق عليه من جانب آخر، لا عن رغبة في الظلم أو حب في السلب ~~والاهتضام، ولكن عن حاجة في النفس وضيق في اليد، وكم قاد شر إلى ~~شر! # وبكلمة أخرى، يريد أديب إسحاق ونجيب الحداد أن يوجها النظر إلى ما للضمان ~~الاقتصادي من شأن عظيم في ضمان القوانين وحسن سير الحكومة، بل حسن سير ms095 ~~المجتمع على وجه عام، وكون الحقوق والواجبات فيه ذوات معنى للجميع. # ولكن، ما علاقة هذا كله بالثورة الفرنسية وبانتقادها؟ # إن الثورة الفرنسية قد أعطت الإنسان والمواطن حقوقا أساسية جدا. على أن ~~ديدرو، مثلا، كان يقول: إن الملكية (أي ما يملك الإنسان) هي التي تجعله مواطنا. # 48 # وبالفعل، إننا نجد في الثورة الفرنسية تيارا قويا يأبى اعتبار الذين ~~لا يملكون شيئا مواطنين، ويريد تجريدهم من حقوق المواطن كحق الانتخاب مثلا. وهو ~~تيار قاومه الثائر ماراه مقاومة عنيفة كان من تأثيرها بالنتيجة أن تراجع هذا ~~التيار واندحر. ومع ذلك، فلا شك أن حقوق الإنسان والمواطن، وإن شملت جميع ~~المواطنين نظريا، فإن كثيرين من المواطنين لا تتهيأ لهم ممارستها كما ينبغي؛ ~~إذ ليس يكفي أن تعلن للمواطن حريته الفكرية، مثلا، وحقه في الدعوة إلى رأيه، مع ~~كون هذا المواطن لا يستطيع القراءة والكتابة ولا يتمتع بالطاقة الاقتصادية التي ~~تمكنه من بث فكرته بالتأليف والطباعة؛ وبكلمة أخرى، إن الحرية السياسية ~~والمدنية لا تتوطد ويعز شأنها ما لم توفر باليسر الاقتصادي الشامل؛ وهذا هو وجه ~~النقص الذي حاول أن يتلمسه كاتبانا أديب إسحاق ونجيب الحداد. إلا أنهما لم ~~يهتديا إليه صراحة، بل لمساه لمسا عابرا من طرف ربما خفي عليهما. وقد ذهب نجيب ~~الحداد مع هوغو إلى أن الرحمة المفقودة من قلوب القضاة هي النقص الذي إذا عوض ~~فض المشكلة أو كاد. وربما مرت هنيهات بالكاتبين كليهما طغت خلالها في ~~نظرهما الألوان القاتمة على نظام أوروبا عامة لا فرنسا خاصة، فقررا أن الحرية ~~فيها «اسم بلا مسمى عند القوم، وأن تكرار ذكرها في محافلهم، ورسمها في ~~مجامعهم، هو من قبيل اللغو الساقط والتمويه والتطرئة»، # 49 # وأن الهمجية السوداء عند الزنوج تقابلها «الهمجية البيضاء» # 50 # في أوروبا؛ فكأن الثورة الفرنسية وهبات الإصلاح جميعها لم تكن، أو لم ~~تجد فتيلا. وقد يكون مصدر هذا الإجحاف ذهابا مع عاطفة وطنية مستفزة، إلا أنه ~~عند التأمل والتحليل يرجع إلى أن الكاتبين لم يستطيعا أن يفهما حق الفهم وجه ~~النقص ms096 الذي ذكرناه في الحرية التي أسفرت عنها الثورة الفرنسية. # وكأنه كان على أديب إسحاق ونجيب الحداد، كما كان على فرح أنطون، أن يدعا مثل ~~هذا المجال للدكتور شميل يخوض فيه. وقد رأينا كيف تصدى له الدكتور الشميل من ~~غير أن يمس بمنزلة أوروبا وقيمة الثورة الفرنسية وما حققته من نهوض ~~ورقي. # على أننا يجب ألا ننسى أن فرح أنطون وأديب إسحاق ونجيب الحداد في هذا الموقف ~~الذي وقفوه من الثورة الفرنسية، كانوا يطمحون إلى مزيد من الإصلاح، لا إلى نقصان، ~~وكانوا يريدون مضيا في التقدم لا رجعة، فإذا نقدوا الثورة فلأنها قصرت عما ~~ينشدون. # أما غوستاف لوبون فقد نقد الثورة لأنها كانت في رأيه حادثا عبثا، ولو أنها لم ~~تحدث قط لما ضاع شيء على فرنسا من نتائجها. وغوستاف لوبون كاتب مدح الحضارة ~~العربية، فكان ذلك ممهدا لاشتهاره في البلاد العربية، فنقل أكثر كتبه إلى لغة ~~الضاد، ومنها كتاب اسمه «روح الثورات والثورة الفرنساوية» عربه محمد عادل زعيتر. ~~ولعله الكتاب الوحيد الذي يستطيع أن يتناوله القارئ باللغة العربية ويطلع فيه على ~~محاولة طويلة في قدر الثورة الفرنسية؛ ذلك أن الكتب الخاصة بالثورة معدومة ~~تقريبا في لغة الضاد. وقد تناولنا نحن سفرا يجمع بين الثورة الفرنسية ونابليون ~~ألفه محمد صبري وجعله من باب تقرير الوقائع. # وهكذا كاد يخلو الجو لغوستاف لوبون. وتتمثل خلاصة رأيه في الثورة في هذه السطور ~~التي حوتها مقدمة كتابه «روح الثورات ...»: «ولا ريب في نيلنا # 51 # منذ زمن طويل ما بلغنا إليه وما بلغت إليه أمم كثيرة قبل الثورة ~~الفرنساوية من المساواة والحرية، سواء اشتعلت هذه الثورة أم لم تشتعل.» # وأقل ما يقال في هذا الكلام أنه فاقد البرهان. وكيف نستطيع أن نجزم أن فرنسا ~~كانت تنال نتائج الثورة بدون الثورة؟ وقول غوستاف لوبون: «إن أمما كثيرة بلغت ~~قبل الثورة ما بلغته فرنسا من المساواة والحرية.» فيه موضع للنظر؛ فإن هذه الأمم ~~الكثيرة ليست في الحقيقة إلا اثنتين: الأمة الإنكليزية والأمة الأميركية، وكلتاهما ~~نالت الحرية والمساواة بثورة ms097 كبيرة شبيهة بثورة فرنسا! # وقد رد إميل أوليفيه على غوستاف لوبون، فقال: «هل يأسف لوقوع الثورة الفرنساوية ~~من لا يريد أن يكون مسخرا لصيد الضفادع في الغدران كي لا تقلق الأمير ~~الإقطاعي في نومه، وهل ينوح لحدوثها من يريد ألا يرى كلاب شاب عات تخرب ~~حقله، وهل يحزن لنشوبها من يريد ألا يسجن في الباستيل لولوع رجل من بطانة ~~الملكة بزوجته أو لتفوهه بكلمة ضد رجل نافذ أو لغير ذلك، وهل يغتم لاشتعالها ~~من يريد ألا يبغي عليه وزير أو موظف أو وكيل، وألا يكون تحت رحمة أحد من الناس، ~~وألا يؤخذ منه أكثر مما يفرض عليه، وألا يهينه ويشتمه من يدعي أنه فاتح؟ ولذلك ~~فإني بصفتي من الطبقة المتوسطة أشكر أولئك الذين أنقذوني، بعد عناد شديد، من ~~الأنيار التي لولاهم لبقيت رازحا تحت أثقالها، وأبارك لهم رغم زلاتهم.» # فكان أن رد عليه غوستاف في مقدمة «روح الثورات ...» بما يلي: «مصدر هذا الوهم ~~الشائع - حتى بين كثير من أقطاب السياسة - هو المبدأ القائل بأن طرق الحياة عند ~~الأمة تكون بحسب نظاماتها. والواقع أن الطرق المذكورة تابعة للمبتكرات العلمية ~~والاقتصادية، فتأثير القاطرة في التسوية بين الناس خلاف تأثير المقصلة.» # وصحيح، إلى حد كبير، أن طرق الحياة عند الأمة لا تكون بحسب نظامها، كما يقول ~~لوبون. ولكن لماذا حدثت الثورة الفرنسية؟ إنها حدثت لأن الحياة الفرنسية جرت شوطا ~~في التغير عقليا وماديا، بينما بقيت النظامات على ما هي، فوقع التناقض بين ~~الحياة الفرنسية الجديدة الآخذة في الظهور والنمو وبين النظامات القديمة. ولما ~~كان من المستحيل أن يقتنع جميع ممثلي النظامات القديمة بأن دورهم قد انتهى، وقع ~~الاصطدام بينهم وبين ممثلي الحياة الجديدة. وإذن، فالثورة الفرنسية نشبت لتقيم ~~نظامات جديدة ترضي بها مطالب الحياة الجديدة! على أن طرق الحياة عند الأمة تتأثر ~~أيضا بنظاماتها. وقول لوبون: «إن الطرق المذكورة (طرق الحياة) تابعة للمبتكرات ~~العلمية والاقتصادية.» يشف عن اختطاف لتعابير ماركسية لم ينزلها حق ~~منزلتها. وكأنه شعر بالخطأ فقال: «إن تأثير القاطرة في التسوية ms098 بين الناس خلاف ~~تأثير المقصلة.» مع أن سياق فكرته كان يجب أن يدعوه إلى إثبات كل التأثير للقاطرة ~~ونفي التأثير عن المقصلة! أما أن تأثير القاطرة في التسوية بين الناس خلاف تأثير ~~المقصلة، فهذا مما لا يجادل فيه أحد، إلا أن القاطرة، بمجرد وجودها، لا تكفل ~~التسوية بين الناس، بل لا بد لها من نظام يضمن هذه التسوية مع القاطرة، ولا بد ~~لهذا النظام، في ولادته وحمايته، من تأييد حتى بالمقصلة أحيانا! # غير أن غوستاف لوبون كان أقل شرا على سمعة الثورة الفرنسية من رجل آخر هو ~~فردريك نيتشه، بلغت آراؤه وأفكاره البلاد العربية عن طريق النقل. وكان فرح أنطون ~~في طليعة من اهتموا من أدبائنا بنيتشه، وإن يكن فرح لم يقف منه موقف المسلم ~~المحبذ. وإلى القارئ ما نقله فرح أنطون عن الكاتب الألماني بشأن الثورة الفرنسية، ~~قال: # ومن أقواله (أي نيتشه) أن الأديان والثورة الفرنسية هي التي أفسدت ~~مبادئ البشر في الدنيا، وخربت طريق الإنسانية، وصرفتها إلى طريق أخرى ~~أدت إلى الاضطراب والفوضى الحاضرة؛ فإن «المساواة والإخاء والحرية» التي ~~وضعت تلك المبادئ أساسها قد أدت إلى تسويد الصغار على الكبار، وترجيح ~~الخاملين القاصرين على أهل الكفاءات، وجعلت الفضل في الدنيا لكثرة العدد ~~لا للاستعداد الطبيعي، وأقامت «سلطنة الشعب» التي هي «سلطنة قطيع ~~المواشي». وقال في فصول عديدة في كتابه «بدء الظلام» وكتابه «ما بين الخير ~~والشر» وكتابه «زاراتوستا»: «إن الأديان ومبادئ الثورة الفرنسية المتولدة ~~منها والناشئة عنها هي أشد وباء أصاب الإنسانية وهدم الكفاءات فيها، ~~ويكاد يفني قواها كما يفني داء التدرن قوى المسلولين. وإن نتيجة هذا ~~الداء ستكون انحطاط الإنسانية إلى ما هو أدنى من انحطاطها الحالي إذا لم ~~يحتط البشر له ويحدث لديهم رد فعل في شأنه.» # 52 # واهتم أديب آخر، هو فيلكس فارس، بنيتشه فعرب كتابه: «هكذا تكلم زرادشت». ~~وفيلكس من أدبائنا الذين ابتهجوا بالدستور العثماني وأكثروا عنه الخطب فعرفوا ~~ب «خطباء الدستور». ولا شك أن فيلكس، إذ ذاك، كان يحب الثورة الفرنسية ويستلهمها، ~~بل ms099 هو ثابر على هذا الحب؛ فنحن نقرأ له في إحدى خطبه «رسالة المنبر» ما يلي: «هدم ~~الرجل الباستيل لأنه أصبح معقلا لمن اختلسوا حق الحرية والحياة، وجاءت المرأة ~~بدورها تهدم جدران بيته (أي بيت الرجل) لأنه كأسياد الباستيل أساء استعمال سلطته.» ~~وهذا كلام يشف عن تأييد للثورة الفرنسية. # إلا أن فيلكس مع ذلك وقف من الثورة موقف المؤاخذة، فقال (الكلام من رسالة ~~المنبر): # خرجت أوروبا إلى عهدها الجديد، ولكن عيسى لم يكن مهديها، ولا محمد ~~ماشيا في طليعتها. كان إنجيلها «حقوق الإنسان» التي كتبها الثائرون بالدم ~~المتمرد، وكان قرآنها القوانين التي سنها نابليون لإقامة الموازنة بين ~~الحقوق، ولكن هذا الإنجيل الحديث الذي استمد من إنجيل عيسى المساواة ~~والإنصاف، لم يتناول سواهما من مبادئ الإحسان والعطف والمغفرة والرحمة. ~~وهذا القرآن الجديد، قوانين نابليون المستمدة من مذاهب الأيمة في ~~الشرع الإسلامي، وقف عند حد التنظيم المادي المحض لحقوق الناس، فقصر عن ~~الأخذ بما في قرآن النبي الهادي من الدعوة إلى المعروف والبر بالأدنين ~~والأبعدين من بني الإنسان. # وهكذا نجد كاتبنا يود لو كانت الثورة لم تهمل القيم الدينية المعنوية كالعطف ~~والمغفرة والدعوة إلى المعروف. # 53 # فهو من هذا القبيل مخالف لنيتشه الذي ينزل الثورة الفرنسية والأديان ~~منزلة واحدة، كما عرفنا مما ذكره فرح أنطون. # ولقد كاد يعلق شيء من «النيتشية» بأديبة كبيرة من أديباتنا، هي الآنسة مي ~~زيادة، مؤلفة كتاب «المساواة». تقول مي في مقدمة هذا الكتاب: # لأجلها (أي لأجل المساواة) شبت الثورة الفرنساوية وانبرت تعلن للإنسان ~~حقوقه المدنية المرتكزة على الحقوق الطبيعية، فأثبتت في مطلع بيانها ~~بندا أول يشاركها فيه العالم المتمدن، وهو أن الناس «يولدون ويظلون ~~متساوين أحرارا إزاء القانون.» فحذفت بهذا البند نظام الإقطاع القائم ~~على تفاوت الحقوق والواجبات. # ثم تقول: # إنها (أي المساواة) مع الحرية والإخاء لتهز نفسي، وقد لمستها منذ أن ~~كان لي نفس تتحرك. غير أني وصلت إلى نقطة أود عندها تحليل كل شعور ~~وكل تأثير. ما هي المساواة، وأين هي، وهل هي ممكنة؟ هذا ما ms100 أرغب في ~~استجلائه في الفصول الآتية ... # وليس في هذا الكلام كله ما يدل على صلة بين مي ونيتشه. والحق أن مي لم ~~تسلم يوما بكل ما ذهب إليه الكاتب الألماني، على أنها وقفت مثله موقفا ~~منكرا من المساواة، مؤمنا بعدم إمكانها، بل بضررها. وهذا ما توضحه فصول ~~كتابها. # والخطأ الأساسي عند مي هو أنها لا تتمهل لتقيد كلمة المساواة بمعانيها التي ~~لابستها في التاريخ والحركات التاريخية، كما أنها لا تتمهل أيضا لتقيد كلمات ~~كثيرة بمعانيها في مختلف العصور والأجيال. وهذا جدير بأن يؤدي إلى شطط في ~~التقديرات والأحكام. # إن الآنسة مي لم تجب عن السؤال الذي سمعناه تطرحه على نفسها: «ما هي المساواة؟» ~~بل راحت تتساءل مثلا: «أي قوة أقامت دولة المماليك في مصر إن لم يكن التطلع إلى ~~المساواة؟» وهنا لا يتمالك القارئ من أن يسائلها: أي مساواة تعنين؟ ولكنها تستمر ~~فتقول: «لأجلها (أي لأجل المساواة) شبت الثورة الفرنساوية ...» وبديهي أن جعل ~~المساواة هدف المماليك في حركتهم في مصر، وهدف الفرنسيين في ثورتهم السنة 1789، ~~إنما هو حكم يعبث به تخليط تاريخي عجيب؛ فالمماليك آنسوا قوة وفرصة فاستولوا ~~على الإمارة في بلاد حكموها حكما استبداديا مطلقا، بينما ثار الفرنسيون فأقاموا ~~نظام حكم مصدره سلطة الأمة والناس فيه أمام القانون سواء. ولعل مي قصدت أن ~~المماليك أرادوا أن تكون لهم إمارة يحكمون فيها ويستبدون كغيرهم، فكانوا بذلك ~~متطلعين إلى «المساواة». غير أن هذا عنت وإخلال باستعمال الكلمات، وإلا لجاز أن ~~نقول مثلا: إن خروج «فلان» ليصبح لصا ك «فلان»، فيه أيضا «تطلع إلى ~~المساواة!» # يقرأ القارئ كتاب مي فيجدها تبدأ بمسألة «الطبقات الاجتماعية»، وتذكر شيئا ~~تسميه «التنوع بين الطبقات»، تريد بذلك أن تهرب «تمايز الطبقات» في تعبير لا ~~ينفر. وتذكر أيضا «التنوع بين الأفراد»، وتعرض لروسو الذي «طال تأمله في ~~حالة البداوة الأولى، وقام هو وأتباعه ينادون بالعودة إليها لتحصل الإنسانية على ~~الهناء المفقود وترتع في بحبوحة السلام والحرية. وقد نسوا أن الهمجي مستعبد ~~بجهله الفادح، وأن له من الخرافات سجنا ms101 لعقله، ومن الأوهام حجابا لروحه؛ فهو ~~أسير أحط أنواع العبودية وأخطرها، وإن يكن حرا حرية نسبية من حيث علاقته ~~بأمثاله، وبقناعته التي لا يمكن أن تدوم أكثر من زمان ما. وهيهات الرجوع إلى ~~الماضي!» # على أن الثورة الفرنسية لم تقصد بشعار المساواة إلغاء التنوع أو التمايز بين ~~الطبقات إلا فيما يتعلق بسريان القانون على الجميع، كما أن أحدا من أعلام الثورة ~~لم يفكر بإلغاء التنوع بين الأفراد. وقد قفزت مي في تعرضها لروسو من موضوع ~~إلى موضوع؛ فالحرية غير المساواة وإن تكن بينهما قرابة. وروسو لم يطالب بإلغاء ~~الطبقات أو التمايز بين الأفراد، بل إن الثورة الفرنسية لم تنشب، وروسو لم يكتب، ~~إلا في سبيل تغيير نظام يحصر الامتيازات حصرا صريحا في طبقة معينة. أما ~~حالة البداوة الأولى - أو الحالة الطبيعية على الأصح كما يسميها روسو نفسه - فقد ~~أصابت مي زيادة في نقدها. على أننا لا نظن أن روسو أراد الرجوع إليها فعلا، بل هو ~~تصورها تصورا واتخذها مهبط وحي يستلهمه. # ثم تتقدم مي إلى مسألة الأرستقراطية، فإذا مر القارئ بفصلها هذا وتسامح ~~بكثير مما فيه، وجدها تقرر ما يلي: «ستظل الأرستقراطية، أرستقراطية الجماعة ~~وأرستقراطية الفرد، ما دامت الطبيعة، ولو تحولت منها الأنواع وتغيرت المظاهر ~~وتعددت الأسماء!» ولكن السر - كل السر - هو في تحول هذه الأنواع، وأنواع ~~الأرستقراطية، إذا شئنا الإصرار على الاسم؛ فإن الثورة الفرنسية مثلا أزالت سيطرة ~~أرستقراطية الإقطاع وشرف المولد، وفسحت في السبيل لأرستقراطية الصناعة والتجارة ~~والمال. هذا صحيح، على أن الأرستقراطية الجديدة وثبت بفرنسا وثبة عظيمة إلى ~~أمام؛ فلا يصح إطلاق الحكم الواحد على الأرستقراطيين. وتستأنف مي كلامها فتقول: ~~«سيظل التفوق موجودا ما بقي بين البشر جماعات وأفراد يسيرون بخطوات الجبابرة ~~نحو قمم الوجود فيتجلون على طور القدرة والمجد فوق صياح الصائحين وتجديف ~~المجدفين.» وفي هذا رائحة نيتشه، بل ألفاظه ظاهرة، ولكن مي هنا تنتقل، بكل ~~يسر وسهولة، من الأرستقراطية إلى التفوق، والمعنيان، بحسب المتعارف، متباعدان ~~جدا؛ فالمفهوم بالأرستقراطية أنها تشمل طبقة من المجتمع تنسب إلى ms102 نفسها شرف الدم ~~والمولد، وتتغطى بألقاب خاصة، وتكون ثروتها عقارية في الأغلب، كأمراء الإقطاع في ~~القرون الوسطى مثلا، فإذا كانت ثروتها نقدية أجيز تسميتها بأرستقراطية المال، إلا ~~أن هذه في الغالب لا تنسب إلى شرف المولد ولا تسبغ عليها الألقاب الخاصة. ولسنا ~~ندري ما علاقة هذا بالتفوق، والسير بخطوات الجبابرة نحو قمم الوجود، والتجلي ~~على طور القدرة والمجد فوق صياح الصائحين وتجديف المجدفين؟ لعل مي تقصد ~~الفاتحين العسكريين، لعلها تقصد العباقرة المفكرين والمخترعين وأصحاب المواهب ~~والكفاءات، لسنا ندري بالضبط. إلا أن مي تتابع طريقها فتقول لنا: «سيوجد أبدا ~~هؤلاء، ومنهم من ينعكس خيال أرستقراطيتهم في الأجيال الآتية ويمتد حتى أطراف الدهور ~~القصية مهما تتقلب الثورات والنظم والعمرانات. هذا إذا كانت الأرستقراطية من الطراز ~~«الأصلح»، وهو الطراز الذي قررت له الطبيعة الفوز أولا وآخرا.» # فما هي هذه الأرستقراطية التي هي من الطراز «الأصلح»؟ وما هو هذا الطراز الذي ~~قررت له الطبيعة الفوز أولا وآخرا؟ إن مي لا تجيب بكلمة. وبمثل هذه الغوامض كان ~~يتحدث نيتشه، ولا يزال الباحثون إلى اليوم مختلفين في معنى الأرستقراطية التي ~~قصدها ومعنى «السوبرمان». # غير أن هذا كله لا يمس حقيقة موضوع المساواة؛ فالمساواة التي سارت تحت لوائها ~~الثورة الفرنسية حاربت الأرستقراطية التي تتربع على ظهر المجتمع وتسيج نفسها ~~بالامتيازات تجاه القانون، وفي احتلال الوظائف وأداء الضرائب وغير ذلك. ولا شك أن ~~الثورة الفرنسية لما أزاحت تلك الأرستقراطية وأعلنت المساواة، وسعت المجال ~~لكفاءات ومواهب كثيرة جديدة، فلم تعن المساواة التي أعلنتها كبحا لطفرة ~~العبقريات والحيويات الدفينة في أعماق الأمة، بل هي التي شجعتها وأطلقتها من ~~مكامنها وعقالاتها. # وما مقصدنا هنا أن نرافق مي في كتابها كله؛ فهي أحيانا ترجع، في نقد الثورة ~~الفرنسية والمساواة التي أعلنتها، إلى ما ذكرناه سابقا من أن هذه الثورة لم ~~تعزز الحقوق السياسية والاجتماعية بكفالة الحقوق والوسائل الاقتصادية. وقد كان ~~هدفنا أن ندل على شيء من النيتشية علق بتفكير أديبتنا أو كاد. # ومن نيتشه وموقفه من الثورة الفرنسية، يخرج الباحث إلى النازية ms103 والفاشستية ~~وموقفهما من هذه الثورة؛ فنيتشه هو الكاتب الذي اتخذه النازي والفاشست أبا ~~روحيا. وفي غير مكان من هذا الكتاب يجد القارئ كيف أن موسوليني وغوبلز يشددان ~~الهجوم على الثورة الفرنسية ومبادئها وأعلام مفكريها. «إن التعاليم الفاشستية هي ~~التعاليم المعاكسة لجميع نظريات سنة 1789 الخالدة» (يستعمل هذا النعت متهكما). ~~«إن الفاشستية رد فعل لحركة مجانين القرن الثامن عشر ومعتوهي الإنسيكلوبيديا.» # 54 ~~«إن العام 1789 سيلغى من التاريخ.» # 55 # وليست هذه الأقوال كلمات عابرة؛ ففي كثير من الكتب النازية الهامة يرد ذكر ~~الثورة الفرنسية مشفوعا بالهجوم عليها؛ فكتاب «مباحث عن بعث ألمانيا» يزعم - طبعا ~~- أن الجرماني خالق المدنية الحديثة، ثم يندد بكارثة مشئومة «هي الثورة ~~الفرنسية الكبرى التي قضت على زعماء الشعب الفرنسي الجرمانيين»؛ لأن «طبقة ~~الأشراف - كلها أو معظمها، بما فيها سلالة البوربون - كانت جرمانية الأصل. وهذا ما ~~حدا بالجماهير غداة الثورة الفرنسية أن تصب جام حقدها على طبقة الأشراف خاصة ...» ~~والحق أن هذا مضحك؛ لأن الشعب الثائر إن لم يوجه سخطه إلى طبقة الأشراف في جملة ~~أصحاب الامتيازات، فإلى من يوجهه؟ وإذا كان الشعب يرى أن طبقة الأشراف هي أشد ~~أصحاب الامتيازات تشبثا وتمسكا؛ إذا كان الشعب يرى قليلين من هذه الطبقة ينحازون ~~إلى جانبه بينما ينحاز أكثره إلى الإكليروس؛ إذا كان الشعب يرى أكابر هذه الطبقة ~~يهجرون البلاد ليعودوا غازين مقاتلين تحت لواء أجنبي، فعلى من يصب جام حقده إن ~~لم يصبه عليهم بصورة خاصة؛ لا لأنهم جرمان، بل لأنهم أعداؤه؟ # وكتاب «أسطورة القرن العشرين» لألفرد روزنبرغ «يتنازل» إلى حد الاعتراف بالفكر ~~والعقل لأعلام فرنسا من أدباء وفلاسفة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ~~ولكنه يجعلهم جميعا «محرومين كل سمو حقيقي في الشعور!» ويستنتج من ذلك أن ~~«يوم 14 تموز أصبح رمز ضعف في الأخلاق!» ويذهب إلى أن الثورة الفرنسية مثلث فيها ~~مسألة اللون دورا خطيرا؛ «فالجماهير اليعقوبية ذات اللون القاتم (!) كانت تجر ~~إلى المقصلة كل من كان ممشوق القامة أشقر الشعر!» (أي آريا!) وأخيرا يقرر ~~روزنبرغ «أن ms104 الإنسان الجديد، وليد اختلاط إنسان جبال الألب بإنسان البحر الأبيض ~~المتوسط، احتل المكان الأول منذ هذا اليوم» (يوم انتصار الثورة الفرنسية)! # وهكذا يرى النازيون في ثورة فرنسا سنة 1789 ~~ضربة مسددة إلى «طبقة الأشراف الجرمانية الأصل»، وإلى كل «ممشوق القامة أشقر ~~الشعر». وعلى تعبير «إيوالد ماغولد» في كتابه «فرنسا وفكرة الجنس»، يرى النازيون في ~~الثورة الفرنسية «شق عصا الطاعة من الجماهير القاطنة ما بين البحر الأبيض المتوسط ~~وجبال الألب على سيطرة طبقة الفوهرر!» ويكاد لا يحتاج إلى ذكر أنهم يرون فيها ~~أيضا أثرا من آثار «الإجرام اليهودي»؛ إذ لا بد من الإصبع اليهودي في كل شيء لا ~~يعجب النازيين؛ فيقرر جيرهارد أوتيتيكال في كتابه «الجريمة اليهودية التقليدية» ~~أن اليهود هم الذين قاموا بالثورة ولكن عن طريق الماسون! # في كلمات نيتشه التي نقلناها عن فرح أنطون، يقول الكاتب الألماني: «إن الأديان ~~ومبادئ الثورة الفرنسية المتولدة منها والناشئة عنها هي أشد وباء أصاب ~~الإنسانية وهدم الكفاءات فيها، ويكاد يفني قواها كما يفني داء التدرن قوى ~~المسلولين. وإن نتيجة هذا الداء ستكون انحطاط الإنسانية إلى ما هو أدنى من ~~انحطاطها الحالي إذا لم يحتط البشر له ويحدث لديهم رد فعل في شأنه.» # والنازيون الذين يتخذون من نيتشه أبا روحيا يزعمون أنهم، وحركتهم، هم رد الفعل ~~الذي ينتشل الإنسانية من وهدة انحطاطها التي قذفتها فيها مبادئ الأديان والثورة ~~الفرنسية وشقيقاتها. وفي بعض الآراء التي نقلناها عن كتاب النازيين يبدو من ~~تهوسهم بالجرمانية وعمق عقولهم وتنورهم في البحث، أنهم، حقا، أكفاء للقيام ~~بهذا الواجب الإنساني العظيم! # ولكن لندع المزاح. إن التاريخ يصدر حكمه الآن في ميادين النضال والقتال. إنه ~~يلفظ قرارا رهيبا في أي الجانبين يجب أن يعيش ويكمل سير تطوره وتقدمه: ~~جانب القيم الدينية ومبادئ الثورة الفرنسية وشقيقاتها، أو جانب مبادئ رد الفعل ~~النازي. # ومن قبل أصدر أحد أدبائنا ومفكرينا حكمه في هذا الموضوع؛ ففي خاتمة رواية ~~الريحاني «خارج الحريم»، بعد أن تنتحر بطلة الرواية جهان، يطالع القارئ هذه الأسطر: # أما المدية وكتاب نيتشه ms105 «هكذا تكلم زرادشت» فقد كانا على الأرض إلى ~~جانب الديوان (المقعد) مغموسين بالدم، كأنهما يشهدان شهادة حق على ما ~~ينبغي أن يموت في الشرق والغرب قبل أن تولد روح العالم الجديدة! # غير أننا نتحدث عن هذه الروح الجديدة وكأنها لم تولد بعد، وهي في الواقع ~~مولودة، سائرة في طريق الشباب. # ولربما غشيت المفكر ساعات من الحدة العصبية تجلت له فيها الإنسانية ~~شاسعة الفرق بين ما هي عليه وما ينبغي لها أن تكون، فصرخ صراخات جبران خليل جبران # 56 # في مقالته «العبودية»، وتراءى له «الشبح الهزيل» الذي تراءى لجبران ~~فسأله: «من أنت؟» وإذا به الحرية! فسأله: «من أولادك؟» فإذا بهم ثلاثة: «واحد مات ~~مصلوبا، وواحد مات مجنونا، وواحد لم يولد بعد!» ثم توارى الشبح خلف الضباب ~~... # الحق أن الحرية منذ عصور لم تبق شبحا هزيلا، ولها أبناء كثيرون لم يموتوا ~~مصلوبين أو مجانين. # والحق أنها لبثت عصرا فعصرا تغالب الضباب الذي ينعقد ليواري شمسها، وإذا ~~بأشعتها تتكاثر وتزداد قوة، وتبدد الظلام، وتنير بقاعا أعظم فأعظم من ~~الكون. ~~... الخنجر وزراتوسترا نيتشه شاهدا شهادة الحق على ما يجب أن يموت في الشرق والغرب، ~~كما قال الريحاني. # | تياران يتفاعلان # متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! # عمر بن الخطاب # يولد الناس ويلبثون أحرارا متساوين في الحقوق. # من البند الأول من إعلان حقوق الإنسان ~~«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!» # شد ما تذكر هذه الكلمة التاريخية التي فاه بها عمر بن الخطاب بفاتحة إعلان حقوق ~~الإنسان والمواطن، وشد ما تذكر أيضا بكلمة روسو: «يولد الإنسان حرا، ولكنه في ~~كل مكان مقيد بالحديد!» وهي الكلمة التي افتتح بها كتابه «الميثاق ~~الاجتماعي». # فهنا قرابة فكرية نفسية بادية للعيان. وقد سبق لنا أن ذكرنا كيف أن الأعلام من ~~مفكرينا وأدبائنا، لما انفتح لهم سبيل الاطلاع على الثورة الفرنسية ومبادئها ~~ومفكريها، رأوا محيطهم وظروفه، فلم يلبث ذلك أن ردهم أيضا إلى عصر النبوة ~~والراشدين ومبادئ الإسلام في طلعته البكر، فسموا الحكم الديمقراطي الذي كانوا ~~يستهدفونه بالحكم الشوري، ونقشوا ms106 على الراية الديمقراطية التي رفعوها الآية ~~الكريمة: # وأمرهم شورى بينهم ~~. وإذا طالبوا ~~بحرية الفكر مثلا نادوا بالآية: # لكم دينكم ولي ~~دين ~~. # وقد عزز الكواكبي حق المفكرين في الحماية من الاضطهاد والاستبداد بالآية: # ولا يضار كاتب ولا شهيد ~~. # وبالطبع إن الفرق بعيد بين العصر الذي تلقى فيه الناس آيات القرآن للمرة الأولى، ~~والعصر الذي وقعت فيه الثورة الفرنسية أو العصر الذي طلع فيه الأفذاذ المفكرون من ~~أعلام نهضتنا الحديثة. ولكن فهم المفكرين للكتب الدينية يكون، عادة، من خلال ~~مطالب عصرهم، ولا سيما المفكرون المصلحون والثوريون. ومن أسرار البقاء في الكتب ~~الدينية أنها تتسع في كل عصر لمضمون فكري يطاوع مطالب العصر الإصلاحية. والإسلام ~~بدأ وثبة تقدمية جبارة، والوثبات التقدمية الجبارة في جميع العصور لا يخلو بعضها ~~من مضمون بعض، وكثيرا ما تتقارب تعابيرها اللغوية عن أهدافها العامة، تبعا لتقارب ~~الأشواق الإنسانية واتجاهها في الحياة الاجتماعية نحو الخير والتجديد والعدل والرفق ~~والحرية وسائر المثل والقيم العليا. # ولا شك أن مثل هذا التراث العظيم، الذي وجد مفكرونا المصلحون أنفسهم متكئين عليه، ~~خلق فيهم استعدادا نفسيا كبيرا للإعجاب بالثورة الفرنسية وتقبل مبادئها. # كانوا يرجعون إلى القرآن، فيصادفون الآيات النارية التي تتوقد غضبا على العتاة ~~والجبارين وترن بالنداء إلى الثورة: # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ~~شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ~~ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون ~~. ~~... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ~~. # وكانوا يرجعون إلى سيرة النبي وأقواله، فيجدونه في ساعة عصيبة من العهد الذي ذاق فيه ~~ألوان الاضطهاد يقسم أن لو وضع خصومه كلا من القمر والشمس بيديه لما رجع عن ~~رسالته، وهو مثال يتبع في الثبات على العقيدة، وفي الإيمان بحق الإعلان عن الرأي. ~~وكانوا أيضا يرددون من مأثور حديثه: إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ~~ظالم، فقد تودع منها. # وفي زمن الراشدين، ms107 كانوا يرون كره الخلفاء للملكية الوراثية المطلقة وما ~~يصحبها من أبهة وبذخ في طريقة الحياة وما تستدعيه من حراس ~~وحجاب وابتعاد عن الشعب. كانوا يسمعون قول القرآن ~~في الملوك: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~، ويسمعون رأي أبي بكر في ~~الجالسين على العروش، وتصريح عمر بن الخطاب: «ما أنا بملك فأستعبدكم.» وكانوا ~~يقرءون ما تسجله التواريخ عن ابن الخطاب من مباشرته أمور الناس بنفسه، ومراقبته ~~العمال (الولاة)، وحرصه على بيت المال، وألا تثري الأسر ذوات النفوذ على حساب الرعية. ~~كانوا يسمعون قوله للناس: «كلكم راع وكلكم مسئول.» ويرددون جوابه الشهير للبدوي: ~~«الحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم اعوجاج عمر.» فيستنتجون أن للأمة حقا في محاسبة ~~حكامها. وكانوا يتمثلونه نائما كأحد الناس، يوقظه الفارسي متعجبا من رئيس ~~دولة يرقد ولا حارس له، فيجيبه الفاروق: عدلت، فأمنت، فنمت! # وكانوا، إذا راحوا يقرءون أخبار الفتوحات الأولى، يرون كيف التقت جيوش العرب تحت ~~لواء المبادئ الشورية الجديدة في أصول الحكم، بجيوش الفرس وهي تحت لواء الأوتوقراطية ~~الكسروية. # كانوا يقرءون كيف وقف رستم قائد الفرس على قنطرة القادسية قبل المعركة الشهيرة، ~~فواجه مفاوضا عربيا هو فيما سماه التاريخ زهرة، فحدثه المفاوض العربي عن الدين ~~الجديد الذي تألق نوره في سماء الجزيرة العربية ودعاه ودعا الفرس إليه، فقال رستم: ~~أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون أمركم، أترجعون؟ قال المفاوض العربي: إي ~~والله! ففكر رستم، لقد كان سمع من المفاوض العربي أن هذا الدين الجديد «يخرج العباد ~~من عبادة العباد إلى عبادة الله»، وفي ذلك - معنويا وعمليا - ما فيه من المس ~~بأوتوقراطية التاج الفارسي، ومصالح الأشراف والدهاقين، والنظام الاجتماعي الفارسي ~~جملة، فقال للمفاوض العربي: «إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من ~~عمله من السفلة، وكانوا يقولون: إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا ~~أشرافهم.» ومعنى هذا في لغة علم الاجتماع الحديث أن النظام الاجتماعي الفارسي كان ~~نظاما يقسم السفلة (أي جماهير الشعب) إلى طوائف يلتزم ms108 كل فرد طائفته التي ~~ولد فيها ووضعه الاجتماعي لا حق له أن يتزحزح عنه، فهو فلاح قن مثلا يكون ابنه ~~فلاحا قنا أيضا، وهو محترف عمل الأحذية مثلا يكون ابنه محترفا عمل الأحذية ~~أيضا، وهكذا ... # فأجاب المفاوض العربي بقوله لرستم: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما ~~تقولون، بل نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا. # ولم يكن رستم غبيا، فأحس أن هذا الدين الجديد لن يقبل بنظام اجتماعي إقطاعي ~~متحجر كالنظام الفارسي، ولن يقر الأوتوقراطية الفارسية ويلقي الحبل على الغارب ~~للأشراف والدهاقين. # وكانوا يقرءون محضرا آخر من محاضر المفاوضة بين العرب والفرس قبل القادسية، إذ طلب ~~رستم مفاوضا من العرب يأتيه في الخيمة، فأرسل إليه سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة، ~~فأقبل المغيرة فوجد القوم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، قد فرشت بسطهم ~~على مسافة غلوة فلا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها. وكان رستم قد تأخر عن الحضور ~~مبالغة في الأبهة والعظمة، فما زال المغيرة منطلقا على البسط حتى انتهى إلى مقعد ~~فخم، فارغ، كان مقعد رستم، فجلس عليه. فوثبت رجال الحاشية وأنزلوه ومعكوه، فصاح بهم: ~~قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم! إنا معشر العرب لا يستعبد ~~بعضنا بعضا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى. كان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني ~~أن بعضكم أرباب بعض. اليوم علمت أنكم مغلوبون. إن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا ~~هذه العقول! # وكانوا يقرءون كيف أن أشراف الفرس لما سمعوا كلام المغيرة قالوا: والله لقد رمى ~~بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه (أي يميلون إليه). # 1 # ثم كانوا يقرءون خبر النقمة على عثمان لما خص أقرباءه، وكيف قيل له: اعتدل أو ~~اعتزل. ثم يقرءون خبر الثورة عليه، فيستنتجون أن ولي الأمر يمكن دعوته إلى التنحي ~~عن منصبه وخلعه. # وفي عصر بني أمية كانوا يجدون الخلافة تتحول على يد معاوية إلى ملكية. بدأ هذا ~~التحول باستحداث تغييرات في نمط حياة الخليفة؛ ms109 إذ ابتنى قصرا وجعل له حجابا ~~وحراسا، وفصل بين شخصه وسائر المصلين في المسجد، وأخذ البيعة لابنه يزيد، فأقر ~~بذلك قاعدة الملكية الوراثية، وأصبحت البيعة من بعده مظهرا شكليا لا نوعا من ~~الانتخاب كما كانت قبلا. # قال الجاحظ: فعندها استوى معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة ~~المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة، وما كان عام ~~جماعة، بل كان عام تفرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ~~ملكا كسرويا والخلافة غصبا قيصريا. # 2 # كانوا يجدون هذا التحول ويسمعون أصوات الاحتجاج وفي مقدمتها صوت عبد الرحمن بن ~~أبي بكر: لا تحدثوا علينا سنة الروم كلما مات هرقل قام مكانه هرقل. وكانوا كذلك ~~يقرءون ما يذكر المؤرخون وعلماء السياسة بهذا الصدد إذ يقررون أن الخلافة انقلبت ~~إلى «ملك عضوض». # أجل، بات الأعلام من أدبائنا ومفكرينا في النهضة الحديثة يرجعون إلى التراث ~~القديم، ويرافقون عصور التاريخ العربي فيستلهمون من عبره ما يوجههم شطر الحرية ~~ومقاومة الاستبداد، ويفتح نوافذ قلوبهم وأذهانهم على الثورة الفرنسية ومبادئها وقواعد ~~الحكم الديمقراطي الحديث. # ونستطيع نحن أن نستأنف السير طوال عصور التاريخ العربي أيام الأمويين وبعدهم، ~~فنرى كم هي كثيرة الوقائع والأفكار الخليقة بأن تذكر بالثورة الفرنسية ومبادئها؛ ~~نستطيع، مثلا، أن نتلو هذه الرواية عن جارية بن قدامة ومعاوية، قالوا: ~~«دخل جارية بن قدامة على معاوية، فقال له الخليفة الأموي الأول: ما كان أهونك على ~~قومك إذ سموك جارية! فأجابه: ما كان أهونك على قومك إذ سموك معاوية (وهي الأنثى ~~من الكلاب)! قال الخليفة: اسكت لا أم لك! فأجابه: بلى، أم لي ولدتني. أما والله إن ~~القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي ~~قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنك لم تهلكنا قسوة ولم ~~تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهدا وميثاقا، وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا ~~وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنا تركنا وراءنا رجالا شدادا وأسنة حدادا. ~~فقال معاوية: لا أكثر الله في الناس مثلك يا جارية! فأجابه: قل ms110 معروفا فإن شر ~~الدعاء محيط بأهله.» # أوليس من المعجب أن يستعمل المفكر الفرنسي روسو كلمتي جارية بن قدامة «عهدا ~~وميثاقا» في جبين كتابه الذي كان إنجيل الثورة الفرنسية كما لقبوه؟ أوليس من المعجب ~~أن يقول جارية للخليفة: «أعطيتنا عهدا وميثاقا، وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا ~~وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنا تركنا وراءنا رجالا شدادا وأسنة حدادا»؟ ~~وفي هذه الكلمات المعدودات زبدة الفكر الثوري الذي ارتكزت عليه الثورة الفرنسية، ~~وخلاصته أن أزمة السلطة الحكومية أمانة في أيدي الحكام سلمتها إليهم الرعية، ~~فإذا أساءوا التصرف بها غدوا غير أهل للأمانة، وحق تجريدها منهم. # 3 # وكذلك نستطيع أن نقف وقفة عند فرقة الخوارج التي كانت ترى أن الخلافة بالانتخاب ~~وليست مقصورة على أسرة أو قبيلة، والقرآن كلام الله ينزل عندهم سياسيا منزلة الدستور ~~في اللغة السياسية الحديثة، وعلى الخليفة أن يتقيد ~~به، فإذا لم يفعل وجب الخروج على طاعته إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.» وقد ~~اتخذ الخوارج هذه القاعدة شعارا. # 4 # ومن شعاراتهم أيضا ما جاء على لسان أبي حمزة الخارجي: الناس منا ونحن منهم ~~إلا ثلاثة: حاكما جاء بغير ما أنزل الله، أو متبعا له، أو راضيا بعمله. # وفي وجوب الخروج على السلطان الجائر ومجاهدته بالسلاح، يلتقي الخوارج بالمبدأ الثوري ~~الذي أعلنه المؤتمر الوطني # La Convention ~~، وفيه يثبت ~~حق الثورة على الحكومة الظالمة. # ولنراجع هنا خبر حادثة وقعت بين الخليفة عبد الملك بن مروان وأحد الخوارج؛ فإنها ~~لتتعلق بالموضوع الذي نحن بصدده. # روى الشيباني عن الهيثم عن ابن عباس، قال: كنا عند عبد الملك بن مروان، إذ أتاه ~~كتاب الحجاج يعظم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السموات والأرض إلا بها، وأن ~~الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين؛ وذلك أن الله خلق ~~آدم بيده، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل ~~الملائكة رسلا إليه. فأعجب عبد الملك بذلك وقال: لوددت أن عندي بعض الخوارج ~~فأخاصمه بهذا الكتاب. ms111 فانصرف رجال من جلساء عبد الملك إلى منزله، فجلس مع ضيفانه ~~وحدثهم الحديث، فقال له حوار بن زيد الضبي وكان هاربا من الحجاج: توثق لي منه ~~ثم أعلمني به. فذكر الرجل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال الخليفة: هو آمن على كل ما ~~يخاف. فانصرف الرجل إلى حوار فأخبره بذلك، فقال: بالغداة إن شاء الله. فلما أصبح حوار ~~اغتسل ولبس ثوبين ثم تحنط وحضر باب عبد الملك، فقال الخليفة: أدخله يا غلام. فدخل ~~رجل عليه ثياب بيض يوجد عليه ريح الحنوط، ثم قال: السلام عليكم! ثم جلس، فقال عبد ~~الملك: ائت بكتاب أبي محمد يا غلام. فأتاه به، فقال: اقرأ. فقرأ حتى أتى على آخره. ~~فقال حوار: أراه قد جعلك في موضع ملكا (ملاكا)، وفي موضع نبيا، وفي موضع ~~خليفة، فإن كنت ملكا فمن أنزلك؟ وإن كنت نبيا فمن أرسلك؟ وإن كنت خليفة فمن ~~استخلفك؟ عن مشورة من المسلمين أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟ فقال عبد الملك: ~~قد أمناك ولا سبيل إليك، والله لا تجاورني في بلد أبدا، فارحل حيث شئت. قال: فإني ~~قد اخترت مصر. فلم يزل بها حتى مات عبد الملك (العقد الفريد، جزء 3). # وأهم ما يعنينا من هذا الحديث الطويل سؤال حوار الضبي لعبد الملك: إن كنت خليفة فمن ~~استخلفك؟ عن مشورة من المسلمين أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟ فكأن حوارا قال ~~لعبد الملك: الخليفة الشرعي (أو الدستوري) ليس الذي يبتز الناس أمورهم بالسيف، بل هو ~~الذي يتولى منصبه عن مشورة منهم؛ الخليفة الشرعي هو الذي تصدر خلافته عن ~~الشورى. # وإننا لنستطيع كذلك أن نعرض لذكر مشهد المنافرة الذي ألم به الكواكبي بين الوليد ~~بن عبد الملك وقيس، إذ خرج قيس مغضبا يقول للخليفة: «أتريد أن تكون جبارا؟ والله إن ~~نعال الصعاليك لأطول من سيفك!» # ثم نستطيع أن نردد هذا البيت لأبي العلاء المعري في الحكام: # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وفيه يقرر أبو العلاء أن الحكام ليسوا فوق الرعية ولكنهم مأجورون لها، فوجبت ms112 ~~عليهم خدمة مصالحها لا ظلمها وكيدها. ~~... كان أعلام مفكرينا وأدبائنا يتجهون إلى هذا كله في ثنايا التراث القديم، كما ~~يتجهون إلى الثورة الفرنسية ومفكريها والقواعد التي انبثقت منها في أصول ~~الحكم. # فإذا قال الكواكبي: «إن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن ~~تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح فيها.» نظر أولا إلى التاريخ العربي ~~فقال: «كما جرى في صدر الإسلام فيما نقم على عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وكما جرى ~~في عهد هذه الجمهورية الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين وبناما ودريفوس.» # وإذا كتب الدكتور شبلي الشميل في الاجتماع البشري أو العمران - وقد عرفنا قدره ~~الثورة الفرنسية وأثرها في ارتقاء الإنسان وإصلاح الأحكام - نظر أيضا في ثنايا ~~التراث القديم، فذكر كلمة منسوبة إلى أنوشروان يقول فيها الملك الفارسي: «ورأس الكل ~~افتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.» ثم عارض ~~الشميل هذا الرأي برأي سواه خلاصته أن انفراد الملك بالسلطة دونما محاسبة ~~يؤدي به إلى إساءة استعمالها، فيفسد هو وتفسد بطانته ويسري الفساد في الرعية ~~جملة. ثم يعمد الشميل إلى تلاوة أثر من التراث القديم ساقه أبو الفداء في ~~تاريخه، وهو أمر يبين كيف يفسد الحاكم إذا أعفي ~~من المحاسبة وكيف تفسد الرعية، ويبين أيضا أن التراث القديم لم يخل من ذكر شجعان ~~تعرضوا - ولو فرديا - لمحاسبة الحكام المطلقين. ونكتفي هنا بإثبات بعض هذا ~~الأثر: # بينما الخليفة المنصور يطوف بالكعبة ليلا إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني ~~أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. ~~فخرج المنصور إلى ناحية من المسجد ودعا القائل وسأله عن قوله، فقال له: ~~يا أمير المؤمنين، إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها، ~~فأمنه، فقال: إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير ~~المؤمنين! فقال المنصور: ويحك! وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ~~والحلو والحامض عندي؟ فقال الرجل: لأن الله استرعاك ms113 المسلمين وأموالهم فجعلت ~~بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحجابا معهم ~~الأسلحة وأمرتهم ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم ~~والملهوف ولا الجائع والعاري ولا الضعيف والفقير، وما أحد إلا وله في هذا ~~الأمر حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك ~~تجبي الأموال فلا تعطيها وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله تعالى ~~فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا نفسه، فاتفقوا على ألا يصل إليك من أخبار الناس ~~إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه ونفوه حتى تسقط ~~منزلته ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم، فكان ~~أول من صانعهم عمالك بالهدايا ليتقووا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ~~ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله ~~بالطمع ظلما وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء ~~متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك، فإن أراد رفع قصة إليك وجدك قد منعت ~~من ذلك وجعلت رجلا ينظر في المظالم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه وهو يدافعه ~~خوفا من بطانتك، فإذا صرح بين يديه ضرب ضربا شديدا ليكون نكالا ~~لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ # هذا، ولما كان الحاكم يفسد بتحرره من المحاسبة، وكان فساده فساد الرعية ~~أيضا، كان نوع الحكم في المجتمع مفتاح التقدم أو التأخر، ~~السعادة أو الشقاء، وكان الاهتمام بالسياسة أمرا لا ~~بد منه لكل إنسان، ولا سيما رجال الأدب والفكر والفلسفة. وفي أدوار التاريخ وأعمار ~~الأمم عهود خاصة هي عهود الرجات والانقلابات تطرح فيها مسائل الحكم على بساط ~~البحث طرحا لا مناص منه لأحد. # وكان أعلام أدبائنا ومفكرينا يستندون أيضا إلى التراث القديم في تقرير أهمية ~~الدور الذي تمثله السياسة في حياة الإنسان. كانوا يقرءون قول الطرطوشي في كتابه «سراج ~~الملوك»: «إن الإنسان أعز جواهر الدنيا وأغلاها قدرا وأشرفها منزلة، وبالسلطان ~~صلاح الإنسان.» ويقرءون أيضا: «ليس ms114 فوق رتبة السلطان العادل رتبة، كذلك ليس دون رتبة ~~السلطان الشرير الجائر رتبة.» وكانوا يقرءون أيضا: «أربعة أشياء ينبغي أن تفسر ~~للفهيم كما تفسر للبليد ولا يتكل فيها على ذكاء أحد: تأويل الدين، وإخلاط ~~الأدوية، وصفة الطريق المخوف، والرأي في السلطان.» فيعزز ذلك مذهبهم في ضرورة ~~الاهتمام بالسياسة وبحث قضايا الحكم. # وإننا لنستطيع أن نمضي في هذا الكتاب إلى غاية يمتد معها أجل الكلام في إثبات ~~التوفيق الذي ذهب إليه أعلامنا ومفكرونا بين الثورة الفرنسية ومبادئها والتراث ~~القديم وصفوة مثله وقيمه، على أننا نكتفي بهذا الشاهد الشعري الأخير من أحد كبار ~~الشعراء في الحقبة الأخيرة. دعي حافظ إبراهيم إلى إنشاء قصيدة في حفلة أقيمت بمصر ~~السنة 1899 ابتهاجا بعيد الدستور العثماني، فقال: # فمن يطلب الدستور بالشر بعدما # حمته يد الفاروق فالله طالبه # إذا شوكت الفاروق قام مناديا # إلى الحق لباه نيازي وصاحبه # ثلاثة آساد يجانبها الردى # وإن هي لاقاها الردى لا تجانبه # روت قول بشار فثارت وأقسمت # وقامت إلى عبد الحميد تحاسبه # إذا الملك الجبار صعر خده # مشينا إليه بالسيوف نعاتبه # فهذه التفاتة من الشاعر إلى التراث القديم، إلى بشار، وكان ينزع منزع الشورى في ~~الحكم. وقد صحبها على الأثر التفاتة إلى الثورة الفرنسية وعيد 14 تموز: # لك الله يا تموز إنك بلسم # لجرحى الأسى والدهر تعدو نوائبه # فكم رعت جبارا وأرهقت ظالما # وأنصفت مظلوما توالت مصائبه # ففي الغرب عيد ينظم الغرب حسنه # فتهتز من وقع السرور جوانبه # وفي الشرق عيد لم ير الشرق مثله # تدفق في دار السلام مواكبه # ومفهوم أن العيد الذي في الغرب - كما يقول شارح «ديوان حافظ» - هو عيد الحرية في ~~فرنسا، وهو في شهر تموز. # وليس بالغريب مطلقا أن تتلاقى عند أعلام أدبائنا ومفكرينا صفوة من التراث القديم ~~بصفوة الثورة الفرنسية ومبادئها؛ ليس من الغريب أن يقول الكواكبي مثلا: # لما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس من أهم الأمور، أطلقت الأمم ~~الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، مستثنية القذف فقط. ورأت أن تحمل ~~مضرة الفوضى ms115 في ذلك خير من التحديد؛ لأنه لا ضامن للحكام أن يجعلوا الشعرة من ~~التقييد سلسلة من حديد يخنقون بها عدوتهم الطبيعية؛ أي الحرية. وقد حمى القرآن ~~قاعدة الإطلاق بوضعه قاعدة: # ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد ~~. # وهذه الأمم الموفقة خصصت منها جماعات باسم مجالس نواب وظيفتها ~~السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية السياسية، وذلك منطبق تماما على ما ~~أمر به القرآن الكريم في آية: # ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ~~. وفي كمالة هذه الآية، وهي: # وأولئك هم المفلحون ~~، من التبجيل ما يحمل نفوس ~~الأبرار على تحمل مضض القيام بهذه الوظيفة الشريفة في ذاتها، الممقوتة طبعا ~~عند المستبد وأعوانه. # ليس من الغريب أن يقول الكواكبي هذا القول وهو يعلم أن النتائج التي تستقر عندها ~~أفكار المتكلمين «في مسائل السياسة وطبائع الاستبداد خاصة» إنما هي نتائج متحدة ~~المدلول مختلفة التعبير بحسب اختلاف المشارب والأنظار في الباحثين: # فيقول المادي: الداء القوة، والدواء المقاومة. ويقول السياسي: الداء استعباد ~~البرية، والدواء استرداد الحرية. ويقول الحكيم: الداء القدرة على الاعتساف، ~~والدواء الاقتدار على الاستنصاف. ويقول الحقوقي: الداء تغلب السلطة على ~~الشريعة، والدواء تغلب الشريعة على السلطة. ويقول الرباني: الداء مشاركة ~~الله في الجبروت، والدواء توحيد الله حقا. # هذه أقوال أهل النظر. وأما أهل العزائم، فيقول الأبي: الداء مد الرقاب ~~للسلاسل، والدواء الشموخ عن الذل. ويقول الشهم: الداء التعالي على الناس ~~باطلا، والدواء تذليل المتكبرين. ويقول المتين: الداء وجود الرؤساء بلا ~~زمام، والدواء ربطهم بالقيود الثقال. ويقول المفادي: الداء حب الحياة، ~~والدواء حب الموت. # فإذا تلاقت عند أدبائنا ومفكرينا صفوة من التراث القديم بصفوة من الثورة الفرنسية ~~ومبادئها، فذلك طبيعي ما دام التراث القديم قد استهدف عدل الحكومات وحرية الناس ~~ورقيهم، وما دامت الثورة الفرنسية وأدباؤنا ومفكرونا قد استهدفوا أيضا عدل ~~الحكومات وحرية الناس ورقيهم. # 5 ~~«أنا الشرق قد جئتك يا فتى الغرب رفيقا!» هي كلمة لأمين الريحاني في مناسبة ما. ~~وبالطبع إنها رفقة على صعيد المساواة؛ رفقة في سبيل عدل الحكومات وحرية الناس ms116 ورقيهم. ~~وهكذا يلتقي الشرق والغرب ويبقى شعر الشاعر كبلنغ سطرا في كتاب. # 6 # القسم الثاني # | نصوص مختارة # | الأمير حيدر الشهابي (1761-1835) # (1) الثورة الفرنسية # إنه في سنة 1792 مسيحية، الموافقة 1207 هجرية، حدث في مدينة باريس بلبلة عظيمة ~~إذ هاج شعب هذه المملكة هياجا عظيما، وتظاهر ظهورا جسيما، ضد السلطان والأمراء ~~والأشراف، في يوم كان شديد الارتجاف. وأبرزوا الكمين منذ أعوام وسنين. وطلبوا ~~نظامات جديدة وترتيبات حديثة. وادعوا أن وجود السلطان بصوت منفرد أحدث خرابا ~~عظيما في المملكة، وأن أشرافها يتنعمون في خيراتها، وباقي شعوبها يكابدون ~~أتعابها ومشقاتها؛ فلأجل ذلك نهضوا جميعهم سوية، تلك الشعوب الفرنساوية، ودخلوا ~~على سراية الملك، فخاف منهم خوفا عظيما مع أرباب دولته. وسألهم عن مرامهم والسبب ~~الداعي إلى قيامهم، فأعلموه أنه من الآن وساعد (وصاعدا) لا يبرز الملك أمرا أو ~~يبت رأيا من تلقاء ذاته، بل يكون بت الأحكام والترتيب والنظام بموجب ديوان ~~عظيم ومحفل جسيم. ويكون الملك له الصوت الأول، ثم من بعده مشايخ الشعب الذي عليهم ~~المعول. فبذلك يهون الصعب ويرتفع الظلم عن الشعب. # فلما فهم الملك لويس قيام هذا الشعب المذكور، وما أبدوه من تلك الأمور، أجابهم ~~أنني وأيضا أنا أود عمار هذه المملكة وخيرها، وطيع لما ترونه مناسبا لرفع ~~ضرها وضيرها. # فقالوا له: إن كنت كما زعمت اختم لنا الشروط التي تلايم إصلاح هذه المملكة ~~وقيام المشيخة، فقبل ذلك خوفا من الشعب، وختم لهم الشروط التي قدموها له، ثم ~~بعد أيام جهز الملك نفسه للهرب وخرج ليلا من مدينة باريز وصحبته أخوه وبعض ~~أصحابه قاصدا الإمبراطور ملك النمسا لأنه كان نسيبه شقيق زوجته. # وعندما بلغ مشايخ الشعب خروج هذا الملك جدوا في طلبه فوجدوه في إحدى ~~اللوسطاريات التي في الطريق، فقبضوا عليه ورجعوا به إلى المدينة ووضعوه في السجن مع ~~امرأته وولده. وأما أخوه فإنه نجا منهم وسار إلى بلاد النمسا. وبدا جميع الشعب ~~يصيح صارخا: فليقتل الملك بموجب الشريعة لأنه نكث في عهده مع شعبه، وقد هرب لكي ~~يلتجي إلى «ملك» ms117 النمسا الذي هو أخو زوجته الذي قد تسبب لنا هذا الخراب ~~بسببها. # ثم إنه بعدما سجنوا الملك أربعة أشهر حكموا عليه في الموت، وأحضروه أمام الشعب في ~~اليوم الاثنين الحادي والعشرين من كانون الثاني وقد أبرزوا عليه الموت. # وقد طلب الملك لويس أن يخاطب عيلته، والمتوكلون عليه أحضروا امرأته وبنيه وشقيقته ~~واستمروا معهم في المكان الذي كان يأكل به نحو ساعتين ونصف. وخاطب ابنته مريم ~~أنطونيتا قايلا لها: تعلمي من مصايب والدك ولا تجزعي من موته. وطلبوا منه ~~عيلته أن ينظروه عند الصباح، فلم يجيبوهم إلى ذلك. وفي الصباح أعلموه المتوكلون أن ~~الجمهور قد حكم عليه بالموت، فطلب الملك لويس دقيقة لكي يتكلم مع معلم اعترافه ~~فأذنوا له بذلك. # ثم عرض مغلفا على أحد المتوكلين وتوسل إليه أن يرسله إلى مجمع الجمهور، ~~فأجابه: إنني لا أستطيع هذا الأمر لكوني متفوضا أن أرافقك إلى منقع ~~الدم. # ثم أعطى ذلك المغلف إلى شخص آخر وأوعده أن يوصله للجمعية، وكان بذلك ~~المغلف وصيته. ~~(2) إعدام الملك لويس وظهور نابليون # وفي الساعتين ونصف بعد نصف الليل صعد القايد العام نحو الملك لويس وعرفه بأنه ~~مزمع أن يذهب إلى الموت، فأجابه الملك: إنني مستعد لذلك. وإذ خرج من مكانه وصعد ~~الكروسي حيث كان معلم اعترافه. وقد اصطفت العساكر في التبعية حيث كان مكان ~~الموت، وقد كان صمت كلي. وأما الملك لويس، بعدما قرأ صلاة المنازعين، تعرى ~~من ثيابه بشجاعة فريدة وقلب غير مرتجف، وصرخ بصوت عال: أيها الفرنساويون، إنني ~~أموت بريا وأغفر إلى كل أعداي، وأرغب أن موتي يكون مفيدا إلى الشعب. ثم أمر ~~القايد العام إلى الجلاد أن يتمم وظيفته وفي الحال قطع رأسه. وكان حزنا عظيما ~~عند الذين كانوا من حزب الملك. وأما الشعب فكان عنده سرورا عظيما، وصنعوا في ~~مثل ذاك اليوم عيدا في كل سنة تذكارا لقتل الملك وانتصار الشعب. # 1 # وكان ذلك في مبادي شهر كانون في الرومية، وجعلوه بعد سنتهم، ولقبوه ~~تاريخا للمشيخة، وغيروا الأشهر النصرانية ورتبوها أشهرا جديدة وسموها ms118 أسامي ~~مختلفة. وأما الأشهر بقيتها فثلاثين يوما كعادتها الأولى. وفي ذلك الوقت رفضوا ~~الديانة ... وكان خراب عظيم في تلك المملكة، وأهوال متلفة مهلكة. وحدث عدة مواقع ~~وحروب بينهم وبين حزب السلطان، ولا زالت تزداد وتتنامى وتنمو الأحقاد وتتجند ~~الأجناد وتهلك العباد، حتى ضعف حزب السلطان وقويت شوكة المشيخة قوة عظيمة. ~~وبعد أن اعتدل ميزانها وتوطدت أركانها وأهلكوا أخصامها، فأنفذوا كتابات لساير ~~الملوك يعرفونهم عن تآييد مشيختهم، وهذه ما تضمنه كتاباتهم: إن كل من يقر ~~بمشيختنا فهو حبيب لنا، ومن لم يقر بمشيختنا فهو عدو لنا ويستعد إلى محاربتنا ~~لأننا قد استعددنا أن نحارب المسكونة بأسرها! ثم كتبوا بمثل ذلك إلى الدولة ~~العثمانية، وقد كانت هذه الدولة المذكورة منذ قيامها متحدة مع الدولة الفرنساوية ~~دايما، فقبلت كتابتهم وقرت بمشيختهم. وأما الملوك الفرنجية حين وصلتهم كتابة ~~الفرنساوية فنهضوا الجميع باتفاق، على قدم وساق، وعزموا على محاربة ذلك الشعب ~~الخارج عن الأسلوب، لئلا تتشبه به بقية الشعوب؛ فأول من أشهر عليهم بالحروب ملك ~~النمسا الإمبراطور؛ لأنهم قد قتلوا شقيقته وزوجها ملكهم. ثم نهضت ضدهم دولة ~~الإنكليز، ثم سلطان إسبانيا، ثم سلطان إيطاليا، ثم البابا سلطان مدينة رومية ~~العظيمة وجميع الممالك؛ ولكون أن شعب هذه المملكة هو أوفر عددا من ساير الشعوب ~~فاعتصبوا جميعهم عصبة واحدة واستعدوا لحرب جميع مضادديهم. وخرجوا من مدينة ~~باريز إلى قتال أعدايهم الواردين عليهم من كل ناحية. وابتدوا يحاصرون مدينة بعد ~~مدينة، ومملكة بعد مملكة، وهم في عساكر كالبحار الزاخرة، بآلات الحرب الوافرة، ~~والقوات القادرة. إلى أن اشتهر بأسهم واقتدارهم، وانتشر تملكهم وانتصارهم، ~~وتملكوا حصونا وقلعا وبلدانا وضيعا، واستولوا على ممالك بلاد إيطاليا وكانت ~~حكم أحد عشر سلطانا، وامتلكوا عدة قلع من بلاد النمسا. وكان ذلك الانتصار ~~والتملك عن يد ذلك الليث الظاهر، والأسد الكاسر، الفرد الفريد، والبطل الصنديد، ~~أمير الجيوش بونابرت. وكان هذا من بعض كبار المشيخة الفرنساوية. وكان قصير القامة ~~رقيق الجسم أصفر اللون، باعه اليمين أطول من اليسار، مملوا من الحكمة، مشمولا ~~بالسعد والنعمة، يبلغ من ms119 العمر ثمانية وعشرين سنة. وهو طلياني الأصل من جزيرة ~~كورسيكا، وتربيته في مدينة باريز كرسي دولة فرنسا. ~~(3) أول منشور لبونابرت أذاعه في مصر # بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله ولا ولدا له ولا شريك بملكه # من طرف الجمهور الفرنساوي المبني على أساس الحرية، والساري عسكر الكبير بونابرت ~~أمير الجيوش الفرنساوية. ونعرف أهالي مصر جميعهم، أن من زمان مديد السناجق ~~الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ~~ويظلمون تجارها بأنواع البلص والتعدي، فحضرت الآن ساعة عقوبتهم. وحسرة من مدة ~~عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من جبال الأبازا والكرجستان يفسدون في ~~الأقاليم الأحسن ما يوجد في كرة الأرض كلها. فأما رب العالمين القادر على كل ~~شيء فقد حتم في انقضا دولتهم. يا أيها المصريون، قد يقولون لكم إنني ما نزلت في ~~هذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه. وقولوا للمفترين إنني ~~ما قدمت إليكم إلا لكيما أخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك ~~أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه محمد والقرآن العظيم. وقولوا لهم أيضا إن ~~جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم بعضا فهو العقل ~~والفضايل والعلوم فقط، وبين المماليك ما العقل والفضل والمعرفة التي تميزهم عن ~~الآخرين وتستوجب أنهم أن يتملكون وحدهم كل ما يحلو به حياة الدنيا؟ حيثما يوجد أرض ~~مخصبة للمماليك، والجواري الجمال والحلل الحسان والمساكن الأشهى فهذه كلها لهم ~~خاصة. فإن كان الأرض المصرية التزاما للمماليك فليوردوا الحجة التي كتبها لهم ~~الله. فلكن رب العالمين هو رءوف وعادل على البشر. بعونه تعالى من اليوم وصاعدا لا ~~يستثنى أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب ~~العالية. فالعقلا والفضلا والعلما بينهم سيدبرون الأمور، وبذلك يصلح حال ~~«الأمة» كلها. سابقا في الديار المصرية كانت المدن العظيمة، والخلجان الواسعة، ~~والمتجر المتكاتر، وما زال ذلك إلا لطمع وظلم المماليك. # طوبى ثم الطوبى إلى أهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا ms120 تأخير، وينصلح حالهم وتعلا ~~مراتبهم. طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مبالين من الفريقين المحاربين، ~~فإذا يعرفوننا بالأكثر يسرعون إلينا بكل قلب. لكن الويل ثم الويل للذين يتحدون مع ~~المماليك ويساعدونهم في الحرب علينا، فما يجدون طريق الخلاص ولا يبقى منهم ~~آثار. # المادة الأولى: # جميع القرى القريبة ثلاث ساعات عن المواضع الذي يمر بها العسكر ~~الفرنساوي ترسل للساري عسكر بعض وكلا لكيما يعرفوا المشار إليه ~~أنهم أطاعوا ونصبوا السنجق الفرنساوي الذي هو أبيض وكحلي ~~وأحمر. # المادة الثانية: # كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار. # المادة الثالثة: # كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي الواجب عليهم نصب السنجق ~~الفرنساوي. وأيضا نصب سنجق السلطان العثماني محبنا دام ~~بقاه. # المادة الرابعة: # المشايخ في كل بلد يختمون حالا جميع الأرزاق والبيوت والأملاك ~~متاع المماليك، وعليهم الاجتهاد الزايد لكيلا يضيع أدنى شيء ~~منها. # المادة الخامسة: # الواجب على المشايخ والقضاة والأيمة أن يلازموا وضايفهم، وعلى ~~كل من أهل البلد أن يبقى في مسكنه مطمئنا. وكذلك تكون الصلاة ~~قايمة في الجوامع على العادة، والمصريون بأجمعهم يشكرون فضل الله ~~سبحانه وتعالى لانقراض دولة المماليك قايلين بصوت عال: أدام الله ~~تعالى إجلال السلطان العثماني! أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي! ~~لعن الله المماليك! وأصلح الله حال «الأمة» المصرية! # تحريرا في عسكر إسكندرية، في ثلاثة عشر من شهر سيدور # 2 # سنة ست من إضافة الجمهور الفرنساوي، أعني أواخر شهر محرم سنة 1213 ~~هجرية. ~~(من «تاريخ الأمير حيدر الشهابي»، الجزء الثاني) # | أحمد فارس الشدياق (1801-1887) # الوطني الزائف # من الناس من يبالغ في مدح وطنه ويحن إليه ~~حنينه إلى سكنه، فيصف مروجه ورياضه، وبروجه وحياضه، ووهاده وجباله، وتلاعه وتلاله، ~~وربوعه ودياره، ونباته وأشجاره، وبقوله وثماره، ودوحه وأطياره، وطيب هوائه ولذة مائه، ~~ويزعم أن فصوله كلها كالربيع حسنا، وأن جميع أقطاره تتدفق بركة ويمنا، وأن شهرا ~~فيه خير من ألف عام في غيره، وأن كل بلد مستمد من خيره ومحتاج إلى ميره، ثم ~~يزفر زفير الهائم الحيران، ويصرخ صراخ الولهان: ألا إن حب الوطن ms121 من الإيمان، لقد جبت ~~السهولة والحزون، وركبت الذلول والأمون، وطوفت في الأمصار، وجولت في الأقطار، ~~وضربت في مناكب الأرض مستقصيا، واختبرت أحوال من عليها مستفتيا، وسبرت أطوارهم ~~وأوطارهم، وعلمت قوافيهم وأسرارهم، فلم أجد عيشا هنيئا إلا في بلادي، ولم يرقني ~~شيء غير ما رأيته فيها من طارئ وعادي؛ فنعمت البلاد مثوى، وطابت مقاما ومأوى، ~~وإنها الجديرة بأن تكون مقاما للملوك، وما غيابهم عنها إلا من النوك؛ فمن أين يجدون ~~لها مثيلا، ومن ذا الذي يبغي عنها حئولا؟ هي البلاد التي تغزلت بها الشعراء، فقال ~~فيها فلان أبياتا وقال فيها فلان قصيدة غراء، وأسمع ما قيل في جداولها ونواعيرها، ~~وبلابلها وعصافيرها، وخمائلها وأزاهيرها، وصروحها وقصورها، ومصانعها ودورها، وظبائها ~~ومراتعها، وزكائها ومواقعها، وفي أريج آفاقها وبهيج أشفاقها، ونضرة حدائقها وبهجة ~~شقائقها، بل قد ذكرت أيضا في بعض الكتب المنزلة في عدة مواضيع مفصلة؛ فقيل ~~إنها معدن الخير والكرم، ومثوى الصالحين من الأمم، ومنها كان مبدأ الصنائع والعلوم في ~~كل معمول ومعلوم، فإذا قلت له: كيف جارك الأدنى، لعله كان لك عونا وخدنا؟ قال: ويلي ~~إنه شر جار، وهو على البلاد عار وشنار. فكيف جاره الذي يليه، عسى أنه ممن توالفه ~~وتصافيه؟ قال: ويلي إنه شر من أخيه. فكيف أهل الحارة طرا؟ قال: ويلي إنهم كانوا ~~كلهم علي شرا، ولم أجد منهم إلا ضرا. فكيف أهل البلد أجمعين؟ قال: ويلي ما منهم ~~أمين ولا معين. فما كأنهم خلقوا من ماء وطين؟ قال: ويلي إني قد اختبرتهم جميعا فلم ~~أجد لأحد منهم من خلاق، وإن هم إلا جهال أغبياء، ينقادون لمن يأمرهم من الأغنياء؛ ~~فإنهم عبيد الدرهم والدينار، ولا يبالون إلا بملء بطونهم ولو من الخشار. فكيف أهل ~~المدن والأمصار؟ قال: ويلي إنهم أولو غبن وغش وتغرير وإخفار، ما تعامل منهم من ~~أحد إلا ويمنيك بالكمد والنكد والخسار؛ لأنهم لما كانوا متقلبين في أمور المعاش، ~~ومنهمكين في اتخاذ الأثاث والرياش، ظنوا أن سائر الناس همج، فما عليهم في غبنهم من ~~حرج. فكيف أهل الجبال، ms122 عسى أنهم ممن صفت طويتهم وطاب منهم البال؛ فتلك خلة قد ~~اختصوا بها في جميع الأزمان، وشان قد عرفوا به في كل قطر ونعم الشأن؟ قال: ~~ويلك ومن أين لهم الصفاء وقد فطروا على الشراسة والجفاء فابتعدوا عن الآداب فكادوا أن ~~يحصوا مع الذئاب؛ فإن أحدهم ليقتل أخاه على خبزة يسد بها جوعه، ويسلب صديقه في ~~أكلة ويحرمه هجوعه؛ هذه حالة سكان البلاد، الحاضر منهم والباد، فلا تكثرن من ~~السؤال، ولا يخطرن ببالك غير هذه الحال. فإن قلت له: ولكن كيف اشتملت بلادكم على تلك ~~المحاسن وأهلها على هذه المساوئ الشوائن؟ قال: إن أهلها الأولين، كانوا من الخيرين، ~~فحرثوها وزرعوها وعمروها، ثم فسد الزمان، فجاءت خلفاؤهم فاسدة، لكن بقيت تلك ~~المحاسن فيها فائدة. ولكن ما معنى فسد الزمان، وهو لم يكن صالحا قط منذ خلق الإنسان، ~~والتواريخ على ذلك شاهدة، ونصوصها عليه متساندة متعاضدة؟ ثم كيف فسدت الناس وأنت بقيت ~~من بينهم صالحا ترى كل من سواك طالحا؟ ولو كنت من الصالحين لما رأيت في غيرك ~~خلقا يشين؛ فإنما ينظر في عيون الناس من كان أسوأ منهم حالا: # ومن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # كذا قال الشاعر الحكيم؛ فما أنت في طعنك على جنسك إلا مليم، وإن ~~امرأ يحسب جميع أهل بلاده دونه لجدير بأن يشيعوا مفتونه ويذيعوا جنونه ويتجنبوا ~~محضره ويتنكبوا منظره؛ فيا للعجب ممن يمدح وطنه ليرجع المدح إلى نفسه مع ذم قومه ~~وجنسه، وممن لا يعجبه شيء مما يقال إلا إذا كان ذاته وصفاته محورا للمقال، ومع ذلك ~~فإنه يقول حب الوطن من الإيمان، وهو لأهله شنآن، وبذكر عيوبهم سكران، وعن عيوب نفسه ~~وسنان! هكذا حالة أكثر الناس في هذا الزمان، وهذه محبتهم للأوطان، وهي محبة كاذبة، ~~ودعوى عائبة. ومنهم من يغار على وطنه، ويجتهد في نفع سكنه، وإذا ذكر من قصور أهل ~~بلاده شيئا فإنما لتنبيههم لا لتشويههم، ولحثهم على الوصول إلى الكمال لا للتنديد بهم ~~لدى الأجيال، ولكي يحملهم على ms123 عظائم المساعي لا لأن يقوم بالنعي على أفعالهم مقام ~~الناعب الناعي؛ فتراه كلما سنحت فرصة لنفعهم انتهزها، أو لبانة لخيرهم تنجزها؛ ~~فمثله كمثل المربي الشفيق والمتعهد الرفيق الذي يحزن لحزن من يتعهده ويفرح لفرحه، ~~ولا يطيب له عيش إلا إذا رآه مثله في غبطته وسرحه. لا جرم أن العيش لا يطيب إلا إذا كان ~~لكل واحد من رغده حظ ونصيب، فأما إذا اختص الإنسان بنعمة ورأى غيره في كرب ~~وغمة فلن يهنئه ورود مشربها والتمتع بها. وقولنا الإنسان المراد به من كملت ~~إنسانيته وصفت سريرته ونيته؛ فهو يرى سعادة جاره داعية لبلوغ أوطاره وتشييد داره، لا ~~من كان ذا عينين ولسان يطعن بلسانه طعن السنان وينظر بعينيه معايب الأقران؛ فشتان ما ~~بينهما ثم شتان! فقد عرفت أن بعض الناس يمدح ولا غيرة له، وبعضهم يغار ولا يمدح وأن ~~هذا لهو الأصلح. ألا قل لمن يطرئ نفسه ويزكيها: إن أنت بهذه التزكية إلا ~~مذكيها، وإن ما خفي عليك من شينها أكثر مما ظهر لك من زينها، وإنك كما تدين ~~تدان، وكما تهين تهان، فإن كان قد استحوذ عليك الغفول لعلمك رفع الفاعل ~~ونصب المفعول، واستهواك الغرور لمعرفتك «بون جور»، فاعلم أنك ما علمت شيئا إلا ~~ما علمت، ولا فهمت معنى إلا ما فهمت، فبم تفتخر؟ ومن الذي تحتقر؟ ولم لا ~~تعتبر فتنزجر وفيك يدخل الطاهر فيستحيل نجسا؟ ولست ترى إلا مفراحا أشرا أو جزعا ~~مبتئسا، فاقن الحياء، وليكن عرفانك بقدرك أول ما تعرفه من الأشياء، إن الله ~~عليك رقيب، ولا يخفى عليه مغيب. ~~(من مقالته «جمل أدبية» نقلا عن «مجالي ~~الغرر لكتاب القرن التاسع عشر»، القسم ~~الأول) # | رفاعة رافع الطهطاوي (1216-1290ه) # (1) حق الفرنساوية المنصوب لهم # 1 # المادة الأولى: سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة. المادة الثانية: يعطون ~~من أموالهم، بغير امتياز، شيئا معينا لبيت المال؛ كل إنسان على حسب ثروته. ~~المادة الثالثة: كل واحد منهم متأهل لأخذ أي منصب كان وأية رتبة كانت. المادة ~~الرابعة: ذات # 2 # كل واحد منهم يستقل بها ms124 ويضمن له حريتها فلا يتعرض له إنسان إلا ~~ببعض حقوق مذكورة في الشريعة وبالصورة المعينة التي يطبق بها الحاكم. المادة ~~الخامسة: كل إنسان موجود في بلاد الفرنسيس يتبع دينه كما يحب، لا يشاركه أحد في ~~ذلك بل يعان على ذلك ويمنع من يتعرض له في عبادته. المادة السادسة: يشترط أن ~~تكون الدولة على الملة الكاثوليكية الحوارية الرومانية. المادة السابعة: تعمير ~~كنائس الكاثوليكية وغيرهم من النصرانية يدفع لها شيء من مال النصرانية ولا يخرج ~~منه شيء لتعمير معابد غير هذا الدين. المادة الثامنة: لا يمنع إنسان في فرنسا ~~أن يظهر رأيه وأن يكتبه ويطبعه بشرط ألا يضر ما في القانون، فإذا أضر أزيل. ~~المادة التاسعة: سائر الأملاك والأراضي حرم فلا يتعدى أحد على ملك آخر. المادة ~~العاشرة: للدولة دون غيرها أن تكره إنسانا على ~~شراء عقاره لسبب عام النفع بشرط أن تدفع ثمن المثل قبل الاستيلاء. المادة ~~الحادية عشرة: جميع ما مضى قبل هذا القانون من الآراء والفتن يجب نسيانه، وكذلك ما ~~وقع من المحكمة وأهل البلاد. المادة الثانية عشرة: أخذ العساكر قد يرتب وينقص ~~عما كان عليه، وقد يعين بقانون معلوم وضع عساكر في البر والبحر. ~~(2) حقوق الناس التي يضمنها الديوان (البرلمان) # قوله في المادة الأولى: سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة، معناه سائر من ~~يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في ~~القانون، حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره. ~~فانظر إلى هذه المادة الأولى فإنها لها تسلط عظيم على إقامة العدل وإسعاف ~~المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم؛ نظرا إلى إجراء الأحكام. ولقد كادت هذه ~~القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة الواضحة على وصول ~~العدل عندهم إلى درجة عالية وتقدمهم في الآداب الحضرية، وما يسمونه الحرية ~~ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف؛ وذلك لأن معنى الحكم ~~بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل ms125 ~~القوانين هي المحكمة والمعتبرة؛ فهذه البلاد حرية بقول الشاعر: # وقد ملأ العدل أقطارها # وفيها توالى الصفا والوفا # وبالجملة إذا وجد العدل في قطر من الأقطار فهو نسبي إضافي، لا عدل كلي ~~حقيقي؛ فإنه لا وجود له الآن في بلدة من البلدان؛ فإنه كالإيمان الكامل والحلال ~~الصرف وأمثال ذلك ونظائره؛ فلا معنى لحصر المستحيل في الغول والعنقاء والخل ~~الوفي كما هو مذكور في قوله: # لما رأيت بني الزمان وما بهم # خل وفي للشدائد أصطفي # أيقنت أن المستحيل ثلاثة # الغول والعنقاء والخل الوفي # مع أن ذلك ممنوع في العنقاء فإنها نوع من الطيور موجود الأفراد، يذكره أرباب علم ~~الحشايش، وذكر الثعلبي في قصص الأنبياء قضية ~~العنقاء مع سيدنا سليمان في تكذيبها بالقدر. نعم، لا وجود للعنقاء بالمعنى المشهور ~~عند العامة من العرب والإفرنج من أنها من أعلاها عقاب ومن أسفلها أسد، وعلى كل ~~حال فلها في الجملة وجود. وأما المادة الثانية فإنها محض سياسية، ويمكن أن ~~يقال إن الفرد # 3 # ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت ~~النفس، خصوصا إذا كانت الزكوات والفيء والغنيمة لا تفي بحاجة بيت المال أو كانت ~~ممنوعة بالكلية، وربما كان لها أصل في الشريعة على بعض أقوال مذهب الإمام الأعظم. # 4 # ومن الحكم المقررة عند قدامى الحكماء: الخراج عمود الملك. ومدة ~~إقامتي بباريس لم أسمع أحدا يشكو من المكوس والفرد والجبايات أبدا ولا يتأثرون ~~بحيث إنها تؤخذ بكيفية لا تضر المعطي وتنفع بيت مالهم، خصوصا وأصحاب الأموال في ~~أمان من الظلم والرشوة. وأما المادة الثالثة فلا ضرر فيها أبدا، بل من مزاياها ~~أنها تحمل كل إنسان على تعهد تعلمه حتى يقرب من منصب أعلى من منصبه، وبهذا ~~كثرت معارفهم ولم يقف تمدنهم على حالة واحدة مثل أهل الصين والهند ممن يعتبر ~~توارث الصنائع والحرف ويبقى للشخص دائما حرفة أبيه. وقد ذكر بعض المؤرخين أن ~~مصر في سالف الزمان كانت على هذا المنوال؛ فإن شريعة قدماء القبطة كانت تعين ~~لكل إنسان صنعته ms126 ثم يجعلونها متوارثة عنه لأولاده. قيل: سبب ذلك أن جميع الصنائع ~~والحرف كانت عندهم شريفة، فكانت هذه العادة من مقتضيات الأحوال لأنها تعين كثيرا ~~على بلوغ درجة الكمال في الصنائع؛ لأن الابن يحسن عادة ما رأى أباه يفعله عدة ~~مرات بحضرته ولا يكون له طمع في غيره؛ فهذه العادة كانت تقطع عرق الطمع وتجعل كل ~~إنسان راضيا صنعته لا يتمنى أعلى منها، بل لا يبحث إلا عن اختراع أمور جديدة ~~نافعة لحرفته توصل إلى كمالها (انتهى). ويرد عليه أنه ليس في كل إنسان ~~قابلية لتعلم صنعة أبيه، فقصره عليها ربما جعل الصغير خائبا في هذه الصنعة، ~~والحال أنه لو اشتغل بغيرها لنجح حاله وبلغ آماله. وأما المادة الرابعة والخامسة ~~والسادسة والسابعة فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء؛ فلذلك كثر أهل هذه البلاد ~~وعمرت بكثير من الغرباء. وأما المادة ~~الثامنة فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله ~~مما لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه، خصوصا الورقات اليومية ~~المسماة بالجرنالات والكازيطات، الأولى جمع جرنال والثانية جمع كازيطة؛ فإن ~~الإنسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة سواء كانت داخلية وخارجية؛ أي داخل ~~المملكة أو خارجها، وإن كان قد يوجد فيها من الكذب ما لا يحصى إلا أنها قد تتضمن ~~أخبارا تتشوف نفس الإنسان إلى العلم بها. على أنها ربما تضمنت مسائل علمية ~~جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو نصايح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل أو ~~الحقير؛ لأنه قد يخطر ببال الحقير ما لا يخطر ببال العظيم، كما قال بعضهم: لا تحتقر ~~الرأي الجليل يأتيك به الرجل الحقير؛ فإن الدرة لا تستهان لهوان ~~غواصها. # وقال الشاعر: # لما سمعت به سمعت بواحد # ورأيته فإذا هو الثقلان # فوجدت كل الصيد في جوف الفرا # ولقيت كل الناس في إنسان # ومن فوائدها أن الإنسان إذا فعل فعلا عظيما أو رديئا، وكان من الأمور المهمة، ~~كتبه أهل الجرنال ليكون معلوما للخاص والعام، لترغيب صاحب العمل الطيب، ويرتدع ~~صاحب الفعلة الخبيثة. ms127 وكذلك إذا كان الإنسان مظلوما من إنسان كتب مظلمته في هذه ~~الورقات فيطلع عليها الخاص والعام فيعرف قصة المظلوم والظالم من غير عدول عما ~~وقع فيها ولا تبديل، وتصل إلى محل الحكم ويحكم فيها بحسب القوانين المقررة، ~~فيكون مثل هذا الأمر عبرة لمن يعتبر. وأما المادة التاسعة فإنها عين العدل ~~والإنصاف، وهي واجبة لضبط جور الأقوياء على الضعفاء، وتعقيبها بما في العاشرة من ~~باب اللياقة الظاهرة. وفي المادة الخامسة عشرة نكتة لطيفة وهي أن تدبير أمر ~~المعاملات لثلاثة مراتب: المرتبة الأولى الملك مع وزرائه، والثانية مرتبة ~~البيريه المحابية للملك ، والثالثة مرتبة رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية ~~والمحابون عنهم حتى لا تظلم من أحد، وحيثما كانت رسل العمالات قائمة مقام الرعية ~~ومتكلمة على لسانها كانت الرعية كأنها حاكمة نفسها، وعلى كل حال فهي مانعة ~~للظلم عن نفسها وهي آمنة منه بالكلية. ولا يخفى عليك حكمة باقي المواد. ~~(3) ثورة السنة 1830 في ذكر التغييرات التي حصلت ما ~~ترتب عليها من الفتنة # وقد سبق لنا من القوانين السالفة في الكلام على حقوق الفرنساوية في المادة ~~الثامنة، أنه لا يمنع إنسان في فرنسا من أن يظهر رأيه ويطبعه، بشرط ألا يضر ما ~~في القوانين، فإن أضر به أزيل؛ فما كانت سنة 1830 وإذا بالملك قد أظهر عدة أوامر ~~منها النهي عن أن يظهر الإنسان رأيه وأن يكتبه أو يطبعه بشروط معينة خصوصا ~~الكازيطات اليومية؛ فإنه لا بد في طبعها من أن يطلع عليها أحد من طرف الدولة فلا ~~يظهر منها إلا ما يريد إظهاره، مع أن ذلك ليس حق الملك وحده فكان لا يمكنه عمله ~~إلا بقانون، والقانون لا يصنع إلا باجتماع آراء ثلاثة: رأي الملك ورأي أهل ~~ديواني المشورة، يعني: ديوان البيريه وديوان رسل العمالات؛ فصنع وحده ما لا ~~ينفذ إلا إذا كان صنعه مع غيره. وغير أيضا في هذه الأوامر شيئا في مجمع ~~اختيار رسل العمالات يعني في الذين يختارون رسل العمالات ليبعثوها في باريس، وفتح ~~ديوان العمالات قبل أن يجتمع ms128 مع أنه كان حقه ألا يفتحه إلا بعد اجتماعهم كما فعله ~~في المرة السابقة، وهذا كله على خلاف القوانين. ثم إن الملك لما أظهر هذه ~~الأوامر كأنه أحس في نفسه بحصول مخالفة فأعطى المناصب العسكرية لعدة رؤساء ~~مشهورين بأنهم أعداء للحرية التي هي مقصد رعية الفرنساوية. وقد ظهرت هذه الأوامر ~~بغتة حتى ظهر أن الفرنساوية كانوا غير مستعدين لها. وبمجرد حصول هذه الأوامر ~~قال غالب العارفين بالسياسات إنه يحصل في المدينة محنة عظيمة يترتب عليها ما ~~يترتب كما قال الشاعر: # أرى بين الرماد وميض جمر # ويوشك أن يكون له اضطرام # فإن النار بالعيدان تذكو # وإن الحرب أولها الكلام # ففي مساء اليوم الذي ظهرت فيه هذه الأوامر في الكازيطات، أخذ الناس في الحركة ~~بقرب المحل المسمى باليروايال، يعني السراية السلطانية التي سكنها عيلة أقارب الملك ~~المسماة عيلة أرليان التي الملك الآن منها، وهذا الوقت ظهر الغم على وجوه الناس. ~~وكان هذا اليوم السادس والعشرين في شهر يوليو، وفي اليوم السابع والعشرين لم يظهر ~~غالب كازيطات الحرية لعدم رضائها بالشروط؛ فلذلك بلغت ~~الأوامر جميع الناس وحصلت حركة عظيمة بعدم ~~ظهور الكازيطات التي من عادتها أنها لا تفتر عن الظهور إلا لمهم عظيم. فأغلقت ~~الورشات والمعامل والفبريقات والمدارس، فظهر بعض كازيطات الحرية آمرة بعصيان الملك ~~والخروج من طاعته ومعددة لمساويه، وفرقت على الناس من غير مقابل. وبهذه ~~الديار، بل وفي غيرها قد يبلغ الكلام حيث تقصر السهام، خصوصا مادة الخطابات فإنها ~~قوية، وخصوصا بلاغة الإنشاء فلها مدخلة عظيمة كما قيل: إن ينزل الوحي على قوم بعد ~~الأنبياء نزل على بلغاء الكتاب، خصوصا إذا كان ما يذكر في تلك اليوميات ~~مقبولا عند العامة ومقصودا عند الخاصة، فإن هذا هو عين البلاغة الصحيحة؛ فإنها ~~(أي البلاغة) ما فهمته العامة ورضيت به الخاصة، فلما سمع بذلك ولاة الحسبة # 5 # حضروا في المحال العامة ومنعوا الناس من قراءة هذه الكازيطات وحاصروا ~~مطابعها، وهموا بكسر آلات الطباعة، وكسروا بعضها، وحبسوا من اتهموه من ~~الطباعين، وبهدلوا كثيرا، مما أظهر ms129 شيئا مخالفا لترتيب الملك من الرعية. وهذا ~~أيضا مما قوى غضب الفرنساوية فكتب أرباب هذه الكازيطات - يعني رؤساء الفرنساوية ~~الذين هم يكتبون فيها آراءهم - ورقة إنكار وأشهروها وعددوا نسخها ولصقوها ~~بجدران المدينة وأمروا فيها الرعية بالحرب وعينوا محله. وكان الميعاد في درب ~~سراية باليروايال، فازدحم فيه كثير من الأمم وفيما حوله من الحارات، فكانت العساكر ~~السلطانية تحاول تفريق هذه الزحمات، فعظم دوي الرعية وكثرت أصواتهم وظهر غضبهم ~~في سائر الدروب والحارات، فهجم العسكر على الرعية والتحم القتال بين الفريقين؛ ~~فكانت الرعية تقاتل أولا بالأحجار والعساكر بالسيوف وآلات الحرب، فكثر القتال ~~وعظمت المطاردة من الجانبين. ثم بحث الرعية عن آلات الحرب، وظهر صوت البارود من ~~الجانبين في مدينة باريس، فكأنما لسان حال الفرنساوية الذي هو أصدق من لسان مقالهم ~~جعل يقول: إن بني عمك فيهم رماح. فعظم القتال وكان أكثر المقتول من الرعية، ~~فاشتد غضبهم وعرضوا القتلى في المحال العامة لتحريض الناس على القتال ~~وإظهار عيوب العساكر. وقامت أنفس الناس على ملكهم لاعتقادهم أنه أمر بالقتال؛ ~~فما مررت بهذا الوقت بحارة إلا وسمعت فيها: السلاح! السلاح! أدام الله الشرطة، ~~وأهلك شدة الملك! فمن هذا الوقت كثر سفك الدماء، وأخذت الرعية الأسلحة من السيوفية ~~بشراء أو غصب، وأغلب العملة والصنائعية خصوصا الطباعين هجموا على القرقولات ~~وخانات العساكر وأخذوا منها السلاح والبارود وقتلوا من فيها من العساكر. وخلع ~~الناس صورة علامة الملك من الحوانيت والمحال العامة - وعلامة ملك الفرنسيس هي ~~صورة زهر الزنبق، كما أن علامة ملك الإسلام صورة هلال، وملك الموسقوبية صورة عقاب ~~- وكسروا قناديل الحارات، وقلعوا بلاط المدينة وجمعوه في السكك المطروقة حتى يتعذر ~~مشي الفرسان عليه، ونهبوا جبخانات البارود السلطانية، فلما اشتد الأمر وعلم الملك ~~بذلك، وهو خارج، أمر بجعل المدينة محاصرة حكما وجعل قائد العسكر أميرا من أعداء ~~الفرنساوية مشهورا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة والسياسة ~~والرياسة؛ فقد دلهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر ~~أمارات العفو والسماح فإن ms130 عفو الملك أبقى للملك، ولما ولى على عساكره إلا جماعة ~~عقلاء أحبابا له وللرعية غير مبغوضين ولا أعداء، ولكن أراد هلاك رعاياه حيث ~~أنزلهم بمنزلة أعدائه، مع أن استصلاح العدو أحزم من استهلاكه، ويحسن قول ~~بعضهم: # عليك بالحلم وبالحباء # والرفق بالمذنب والإغضاء # إن لم تقل عثرة من يقال # يوشك أن تصيبك الجهال # فعاد عليه ما فعله بنقيض مراده، وبنظير ما نواه لأضداده؛ فلو أنعم في إعطاء ~~الحرية لفرقة بهذه الصفة حرية، لما وقع في مثل هذه الحيرة ونزل عن كرسيه في هذه ~~المحنة الأخيرة، سيما وقد عهد الفرنساوية بصفة الحرية وألفوها واعتادوا عليها ~~وصارت عندهم من الصفات النفسية، وما أحسن قول الشاعر: # وللناس عادات وقد ألفوا بها # لها سنن يرعونها وفروض # فمن لم يعاشرهم على العرف بينهم # فذاك ثقيل عندهم وبغيض # وفي اليوم الثامن والعشرين أخذت الرعية من يد العساكر محلا يسمى دار المدينة ~~الذي هو محل شيخ مدينة باريس؛ فعند ذلك ظهر الخفر الجنسي، # 6 # يعني ورديان الرعية وهم عساكر كانت سابقا تخفر الأهالي، كما كان ~~للملك عساكر ورديان تخفره وقد كان عزلهم الملك شارل العاشر، فلما وقعت الفتنة ظهروا ~~ليمانعوا عن الرعية فأشهروا أسلحتهم للقتال وطردوا سائر العساكر من محلهم ~~وحرقوا كثيرا منها. وفي هذه الأوقات ارتفعت المحاكم وصار الحاكم هو الرعية ولم ~~يكن للدولة عمل شيء؛ فقد بذلت ما عندها من القوة لإخماد ذلك وتسكينه فلم تقدر ~~عليه فكانت جميع القواصة متحركة والطبجية معينة لاثني عشر ألفا من الورديان ~~السلطاني وستة آلاف من عساكر الصف؛ فكانت جملة العساكر السلطانية ثمانية عشر ألف ~~نفس غير الطبجية والقواصة. وكان من يحمل السلاح من الرعية أقل من هذا العدد، ~~ولكن من لا يحمل السلاح يحارب بالأحجار ويعين المتسلح. وبعد أخذ دار المدينة ~~وسلب مدفع من العساكر الحربية ظهر انهزام سائر العساكر السلطانية بالبلدة، ثم ~~ذهبوا إلى محل يقال له لوفر، وإلى قصر التولري وهو سراية الملك، ووقع الحرب فيما ~~بين العساكر وأهل البلد. وبينما هم في الحرابة بهذا المحل إذ ms131 انتشر البيرق المثلث ~~الألوان الذي هو علامة الحرية على الكنائس والهياكل العامة، ودقت النواقيس ~~الكبيرة لإعلام سائر الناس داخل وخارج باريس من أهل المدينة أو غيرها بطلب حمل ~~السلاح منهم للاستعانة على العساكر، فلما رأت العساكر أن النصرة للرعية وأن ضرب ~~السلاح على أهل بلادهم وأقاربهم عليهم امتنع أغلبهم وعزل كثير من رؤسائهم نفسه من ~~منصبه. وفي اليوم التاسع والعشرين في الصباح ملكت أهل البلدة ثلاثة أرباع ~~المدينة، ووقع أيضا في أيديهم قصر التولري واللوفر فملكوهما ونشروا عليهما بيرق ~~الحرية، فلما سمع بذلك صاري عسكر المأمور بإدخال أهل باريس في طاعة السلطان رجع ، ~~فكان هذا تمام نصرة أهل البلد، حتى إن العساكر دخلت تحت بيرق الرعية. ومن هذا الوقت ~~نصب حكم وقتي وديوان موقت لنظم البلاد حتى ينحط الرأي على تولية حاكم ~~دائم. وكان رئيس هذا الحكم الموقت صاري العسكر المسمى لفييته وهو الذي قاتل في ~~الفتنة الأولى للحرية أيضا. وهذا الرجل شهير بأنه يحب الحرية ويحابي عنها، ~~ويعظم مثل الملوك بسبب اتصافه بهذا الوصف وكونه على حالة واحدة ومذهب واحد في ~~البوليتيكية، وليس صاحب قريحة مستخرجا للعلوم من حيز العدم كغالب رجال الفرنساوية ~~ومشاهيرهم خصوصا في العلوم العسكرية، ولكن أعظم الناس مقاما لا قريحة وفهما، ~~وليس المراد القدح في معرفته، بل في انتهاء الرياسة إليه. ومما يشاهد في سائر ~~بلاد الدنيا أن التصدر ليس دائما على قدر المعرفة وإن كانت المعرفة موجبة له ~~بالشرع والطبع، ومن الغريب أن مثل هذا الأمر يقع ~~أيضا في البلاد الحسنة التمدن. وأظن أن هذا كله مصداق الحديث الشريف الذي هو: ~~ذكاء المرء محسوب عليه من رزقه. وكما قال الشاعر: # إذا أبصرت ذا فضل فقيرا # فلا تعجب لفقر في يديه # فقد قال النبي مقال صدق # ذكاء المرء محسوب عليه # وأما أحسن قول الشاعر: # ولو أن السحاب همى بعقل # لما أروى مع النخل القتادا # ولو أعطى على قدر المعالي # سقى الهضبات واجتنب الوهادا ~~(من كتاب «تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز») # | نوفل نعمة الله الطرابلسي (1812-1887) ms132 # من أعلام فرنسا في القرن الثامن عشر # خمسة أشخاص حازتهم فرنسا من مشاهير الكتبة بذلوا جهدهم في إيضاح طرق الفلسفة ~~وتشييد مبانيها، وهم: فونتيل الذي انسجمت مكاتيبه فيها، وبوفون الذي كان مشتغلا ~~بتأليف تواريخه الطبيعية في عصر الملك لويس الخامس عشر الذي مر ذكره ويوصف بأنه كان ~~مشفع أفلاطون، وبلين الذي كسا علم الفلسفة رقة التعبير في كتابه الذي خلد ذكره ~~وأعرب عن رقة طبعه ودماثة أخلاقه. ومونتسكيو الذي صرف همته في كتب السياسة وأبانت ~~تصانيفه عن غاية براعته فيها، قال بعضهم: وكفى شاهدا على ذلك ما كتبه في سبب ~~ارتفاع وانحطاط الدولة الرومانية ، وهو كتاب عجيب يحتوي على تعليقات صادقة وعبارات ~~راشقة، وكتابه الآخر المسمى «روح الشرائع» الذي بين فيه الحقوق الإنسانية وقسمها ~~إلى ثلاثة أقسام: # أولها: # الحقوق المعتبرة بين الأمم في خلطتها السياسية والمتجرية. # وثانيها: # حقوق الدولة على رعاياها وبالعكس. # وثالثها: # حقوق الأهالي فيما بينهم. # ثم قسم حال الدولة إلى ثلاثة أقسام أيضا: # الأول: # الدول الوراثية خلفا عن سلف، المطلقة التصرف بلا قيد. # الثاني: # الدول الوراثية المقيدة بالقوانين. # الثالث: # الدول الجمهورية المقيدة بالقوانين أيضا (والجمهورية هي كناية عن ~~انتخاب الأمة رئيسا للدولة يتصرف في إدارتها بمقتضى القوانين مدة ~~حياته أو لمدة معلومة، ثم ينتخب غيره). وبين ما ينشأ عن هذه ~~الأحوال الثلاثة من الخير والشر، وهو معدود عند أهل أوروبا قانونا ~~صحيحا في الأحكام. ومن تمثيلاته البديعة تشبيه المستبد في أحكامه بمن ~~يتوصل إلى اجتناء الثمرة بقطع الشجرة من أصلها. وله غير ذلك عدة ~~تآليف تلقاها الناس بالقبول، من جملتها «المراسلات الفارسية» وهي ~~أشبه بميزان يشنع فيه على عوائد الشرقيين والغربيين ليظهر ~~مذام كل منهم ومحامده. وكان ساح في بلاد أوروبا ليلاحظ في سياحته ~~ما يلايم كل مملكة من الممالك، فقال: إن بلاد ألمانيا تليق للسياحة، ~~وبلاد إيطاليا للإقامة، وبلاد فرانسا للمسرة وطيب العيش. ثم إن رابع ~~هؤلاء الخمسة أشخاص الذين نحن بصدد الكلام عليهم هو دلمبير صاحب ~~«التأليف المحلي بقلائد القواعد»، الحاوي بأوضح بيان ما كاد يأتي ms133 على ~~سائر الفوائد. وخامسهم كندليك الذي بسط أشعة التحقيق على تأليف لوك ~~الإنكليزي في علم الفلسفة. ويلي هؤلاء الخمسة جان باتيست روسو صاحب ~~الأشعار ذات المعاني الرائقة، والمعلم ساج صاحب التأليف البارع المعروف ~~ب «جيل بلاس» المحتوي على «المقالة الفلسفية» وهو أحسن مما ألف في ~~بابه. # ومن مشاهير هذا القرن أيضا وولتير. قال بعض المؤلفين: إن هذا الرجل هو ممن أخذ راية ~~الكتابة باليمين وبالشمال واشتهر في فنونها شهرة بالغة، ولو لم يحمله انحلال العقيدة ~~على عدم احترام الشرائع والديانات لكانت شهرته أتم والنفع به أعم. وقال آخرون: إن ~~الشيء إذا تجاوز الحد رجع إلى الضد، وكما أن الجهل مضر فكذلك مقابله إذا صاحبته ~~إساءة الغير؛ وذلك أن هذا العالم أفضت به غزارة علمه إلى القدح في الأديان وفي كثير ~~من ملوك عصره، فعوقب بالطرد عن وطنه وعن كل موضع أراد النزول به. مات في سنة 1778، ~~وله مؤلفات عديدة ترجم منها مؤلفان إلى العربية وطبعا في مصر: الأول يسمى ~~«مطالع شموس السير في وقائع كرلوس الثاني عشر»، ~~وهذا الملك هو ملك أسوج المشهور بالمحاربات الشديدة بينه وبين بطرس الأكبر إمبراطور ~~روسيا. والثاني يسمى «الروض الأزهر في تاريخ بطرس الأكبر»، وهو الإمبراطور المشار ~~إليه، ولكن قل من يثق بتآليف هذا الرجل، غير أن لسوء الحظ نجد كثيرين من الذين ~~تعلموا اللغات الأجنبية في بلادنا يرون بأن ما من فائدة مما تعلموه إلا أن ~~يطالعوا كتبه وأمثالها بلذة ويقتفوا خطواته برغبة لينالوا حق التصدر بين صفوف ~~المتمدنين. # ومنهم جان جاك روسو، وهو نظير وولتير المذكور في الشهرة، وله من حسن التعبير ما لا ~~تستقر معه الأوهام. وهذا الرجل مع وولتير المذكور قبله هما اللذان أنشآ الثورة التي أتت ~~بالمصائب الآتي ذكرها إلى فرانسا وهيآ أسبابها واستعجلا وقوعها. ~~(«زبدة الصحائف في سياحة ~~المعارف»، بيروت، 1879) # | فرنسيس فتح الله المراش (1836-1873) # (1) بحث في الحرية # بينما كان الفيلسوف مواصلا خطابه، كان الملك والملكة شاخصين فيه بأعين ~~يخامرها الذكاء والإصغاء، مستوعبين معانيه بكل اتضاع ودعة. وغب نهاية ms134 ~~مقالته جعلت الملكة تقول له هكذا: إننا قد عرفنا عدم إمكان وجود حرية للإنسان ~~بل ولا لسائر الأنواع، وأن جميع الأشياء لكونها مرتبطة بخدمة بعضها البعض فهي ~~مقيدة أيضا بعبودية بعضها البعض، ولكن عندما تكون هذه العبودية غريبة عن ~~الفائدة أو مضرة لصالح الأمور فالاجتهاد بإبطالها ضرب من اللزوم وقانون صوابي؛ ~~وبناء على ذلك عندما نظرنا دولة الاستعباد تتداخل ما بين شعوبنا تحت طرق مختلفة ~~حيثما لا ينجم عن هذا التداخل سوى الإضرار بهم وفساد طبائعهم السليمة، نهضنا حالا ~~ضدها وسطونا عليها سطوة إسكندر على داريوس وسجناهم كما علمت. # أما حصول الشخص على لذة الحياة معتوقة من كل حاكم وصافية من كل مكدر، ~~فهو أمر لا يمكنه البتة ولو تطبع على تتبع تلك النواميس التي ذكرتها والتي ~~تصعب في الإجراء بمقدار سهولتها في التصور حسب كل الأعمال الفلسفية؛ لأن ~~التطبع لا ينقلب طبعا، وما كان هكذا فهو غير لذيذ عند الطبيعة وبعيد عن ~~السهولة. وإذا أمكن الإنسان السلوك كما أشرت فلا يكون ذلك إلا لمن وسمته ~~العناية بسمة الانفراد، وهذا شاذ وليس حكم الشاذ إلا الحفظ وعدم القياس ~~عليه. # وعلى كل حال إن الإنسان إذا كان متعبدا لأحكام دولة التمدن والصلاح، يكون ~~داخلا في حقيقة الحرية التي تطلبها الواجبات الإنسانية. على أنه إذا كان ذلك ~~التعبد لازما، فتلك الحرية ملزومة؛ لأن اعتناق الإنسان واجباته لا يدعى عبودية، ~~ولكن إذا كان الشخص معتوقا من رق تلك الدولة فهو يكون بالضرورة داخلا في ~~عبودية ضدها تبعا لمقتضى الحال. # ولكون الدخول في أحكام دولة الخشونة والبربرية يفسد أحوال البشر وينثر عظام ~~جمعيتهم نازعا عنهم كل الصفات الحميدة والسلوك السليم، وذلك هو الأمر الذي لا ~~يوجد أضر منه لمملكة التمدن والصلاح، وجب علينا دفعا لوقوع البلبال والوبال ~~فيما بين رعايانا أن نثور على تلك الدولة الآبقة التي إذا لم نمح آثارها لم تقم ~~حرية الإنسان المطلوبة أصلا، وهي الحرية التي لا يمكنك إنكارها مهما رددت ~~الهواجس والأوهام الفلسفية التي لا وجود لها إلا في ms135 العقل الذي قد يخطر فيه ما لا ~~حقيقة له في الظاهر. # فأردف الفيلسوف كلامه قائلا: أنا لم أمنع إمكان الحرية الأدبية بل الطبيعية. ~~ولا شك أنا إذا أطلقنا أنظارنا إلى عالم الآداب وتبصرنا بشرائع الحكمة نعاين ~~أقواما أحرارا وآخرين عبيدا حسبما تقتضي أحوالهم وكيفياتهم. وعلى كل حال إن ~~الاجتهاد في عتق العبيد وهدم مباني العبودية هو أمر ضروري وواجب. # فطرح الملك أنظاره على الفيلسوف وقال: إذن مشروعنا في محاربة مملكة العبودية ~~واستنقاذ شعوبنا من قيودها لا يستحق الملام. ~~- كلا، بل هو حسن وواجب يا أيها الملك المعظم؛ لأن الاستعباد مكروه عقلا ~~وطبعا، وقد نهض العالم بأسره ضد هذه العادة المستهجنة وما سواها فحاربوا من ~~ظلم واعتدى وأعدوا له سلاسل وأغلالا. ~~(2) حالة الصلح العام # إن أهم دواعي السياسة وأعظم بواعثها هو النظر الدائم إلى الصالح العام ~~وتواصل السهر عليه؛ بحيث مهما أتقنت السياسة نظامها وأحكمته ولم تلتفت إلى ~~هذا الصلح أو تغافلت عنه فلا تعتبر إلا كمساعد على نثر عقد الهيئة الاجتماعية ~~الذي لا يمكن دوامه منظوما ما لم تكن الملاحظة السياسية عاصمة له؛ إذ إن إهمال ~~ما يسبب العمار هو تسبيب لوقوع الخراب، وهذه الملاحظة تنحصر جميعها في توقيع ~~ما يئول نفعه إلى العامة إجمالا وأفرادا ودفع ما يفضي إلى الضرر. # وذلك يستريح على خمسة أركان، وهي: تمهيد سبل العلوم، وتسهيل طرائق التجارة، ~~وتقوية وسائط الصنائع والأشغال، ومساعدة الزراعة والفلاحة، وقطع أسباب ~~التعدي. # أما الركن الأول: # الذي يناط بتمهيد سبل العلوم فهو يتضمن المساعدة على تشييد ~~المدارس وتسهيل الدخول فيها لأجل كل من يرغب، وترقية الناجحين ~~بالدراسة على قدر الاستحقاق. # وأما الركن الثاني: # الذي يلاحظ تسهيل طرائق التجارة فهو يتوقف أولا: على تقريب ~~أبعاد الأسفار بواسطة إصلاح الطرقات. ثانيا: على إزالة مخاوف ~~ومعاثر الطريق وإيقاع الأمان والسهولة. ثالثا: على وضع حدود ~~ونظامات تجري على كل أرباب هذه الحرفة بحيث لا يمكن أحدا ~~تجاوزها. رابعا، وهو الأخير: على منع كل الصعوبات التي يمكنها ~~صدم تقدم التجارة وإبطال كل عائق لسيرها. # والركن ms136 الثالث: # الذي يخص تقوية وسائط الصنائع والأشغال فهو يتأسس أولا: على ~~إثارة همم ذوي الاختراعات بتعظيم جوائزهم ورفع شأنهم وتثبيت ~~ما به يمكنهم اقتطاف ثمرات أتعابهم. ثانيا: على توسيع دوائر ~~الأدوات الصناعية وتضييق مساحة التلف والمصاريف. ثالثا: على ~~رفع كل ما يوقف الخطوات عن الهجوم إلى معاناة الأشغال. ~~أخيرا: على المساعدة في تكثير المعامل وتسهيل مجراها. # وأما الركن الرابع: # الذي يتعلق بمساعدة الزراعة والفلاحة فهو يقوم برفع الجور عن ~~الفلاحة وفتح الطريق للزارع، وتعجيل خطوات الحصاد ومنع حشر ~~العشار واحتشاد الخزان، وبملاشاة كل موانع البذار وتسديد جميع ~~مطاليب الأرض. # وأما الركن الخامس: # الذي يشمل رفع أسباب التعدي، فهو يستوي على ثلاث قضايا فقط وهي: ~~حماية المتاع، وصيانة الإعمار، ووقاية الأرواح. ~~(3) حالة الاستواء # إن أعظم المقومات لصحة السياسة وإقامة الحق هو مجرى شرائعها متساوية على كل ~~أبنائها بدون أدنى امتياز بين الأشخاص أو تفريق بين الأحوال؛ فلا يجب الأخذ بيد ~~الكبير ودفع الصغير، ولا الالتفات إلى الغني والإعراض عن الفقير، ولا مؤازرة القوي ~~ومواراة الضعيف، بل يجب معاملة الجميع على حد سواء كيلا يقع خلل في نظام الحق؛ ~~لأن كل فئة من الناس لها منزلة في طريق السياسة تستدعي النظر إليها؛ فكما أن ~~العظماء والأغنياء هم القوة الواصلة، كذلك الصغار والفقراء هم الآلة الموصلة؛ فلولا ~~يد الصغير لم يطل ساعد الكبير، ولولا تعب ذوي الفاقة لم تسهل متاجر أرباب الغنى ~~ولم تحرس أموالهم ولم تقم قصورهم العالية وسرادقهم المشيدة. لعل ذلك الغني عندما ~~يأتي من محل ملاهيه ومراسحه إلى مسكنه الوسيع، ويضجع على فراشه المصنوع من ريش ~~النعام، وينظر إلى رقوش حجرته ونقوشها، لا يفكر في ذاك المسكين، الذي بعد أن ~~يكد ويكدح طول النهار مقاسيا حر صيفه ومتكبدا برد شتائه لأجل تشييد ذاك ~~المسكن وتنميق تلك الحجرة، يذهب إلى كوخه الحقير ويأكل خبزته اليابسة مع أولاده ~~العراة الجائعين ثم يضجع على طراحته المتخرقة تحت لحاف الإعياء والوصب؛ فهل ~~كل هذا التباين لا يكفيه حتى يرغب إيقاعه أيضا في موقف الحق ms137 الذي يستوي عنده ~~الجميع؟ وهل يسوغ لأرباب السياسة أن يقبلوا وقوع هذا التباين ويجحفوا بذلك ~~المسكين الذي بدونه لا تصل قوتهم إلى مواقعها فلا يخافوا من وثوب التسعة والتسعين ~~وفرط عقد الجمعية؟ ولماذا يوجد حق لأصوات الأغنياء فترن في قاعات السياسة، ~~ولا يوجد هذا الحق لأصوات بقية الشعب الذين هم الجانب الأكبر والأهم والذين ~~بواسطتهم تقوم سطوة الممالك وقوات الملوك وعليهم يتوقف مدار السياسات؟ فلا شك أن ~~لسان السياسة نفسه ينادي بوجوب حالة الاستواء ويصرخ ضد الضد. ~~(4) تثقيف العقل # إنه إذا فحص الجوهر الإنساني من حيث فطرته الأولى وأصله الطبيعي إنما يشاهد ~~لامعا بكل الصفات الساذجة والخصال البسيطة حسبما يتبين ذلك من كل إنسان يتربى ~~منفردا عن ازدحامات عالم المخالطة. ولما كان عظم لطافة هذا الجوهر وشدة ~~احتياجه إلى وقاية نفسه سببا فعالا لقبوله التأثر بكل صورة تلوح له، ~~والتخلق بكل سمة يحافظ بها على ذاته، كان انضمامه في سلك الجمعية إذ ذاك ~~موجبا لانطباع صور الحوادث الاجتماعية والوقائع الأدبية على ستائر قلبه وتطبعه ~~بأخلاق وطباع بها يمكنه أن يعارك ويزاحم أمواج العالم البشري ويعيش تحت لواء ~~حوادثه. # غير أن كثرة تقلبات الأحوال والأجيال تأدت به إلى أن يفقد كل أطوار تلك ~~الفطرة الأولى ويصير من أشر المخلوقات وأوحشها؛ ومن ثم لم يعد الإنسان ~~قادرا على الدخول في دائرة التمدن الذي يطلب سذاجة الصفات وسلامة الطباع إلا ~~إذا كان متزينا بتثقيف العقل الذي يعتبر كآلة عظيمة بها يمكن لكل من البشر أن ~~يسترجع إلى طبيعته ما أفقدها التوحش. # ولا يتم هذا التثقيف إلا بالتروض في العلوم والفنون ودراسة المعارف الطبيعية ~~والأدبية. ومن المعلوم أن العلم يخلق في الإنسان قلبا نقيا وروحا مستقيمة ~~ويجعله ظافرا بكل الصفات الصافية ونافرا عن كل ما يشين الجوهر الإنساني، ولا ~~يترك له سبيلا إلى التفكر في الأمور الدنية والأميال المنحرفة، وهو الأمر الذي ~~تشتق منه كل أفعال الشر وعليه تبنى كل دعائم التوحش؛ فكيف يفكر الإنسان ~~مثلا في دناءة السلوك عندما يكون الفلك طائرا به ms138 إلى أعالي الأجرام السماوية ~~حيثما يرى ألوف ألوف وربوات ربوات من النجوم التي هي شموس هائلة الحجم وكل ~~منها جالس على عرش الفضاء ثابت في مركزه وتدور حوله كواكب سيارة مختلفة ~~الأبعاد والأشكال، وجميع ذلك له من السمو والعظمة ما يخبر بعظم أعمال الله؟ وكيف ~~يأخذ بذهنه الهتك بالقريب بينما تكون الطبيعة هاتكة له أسرارها ومبدية لديه ~~غوامضها، فإذا نظر إلى الأرض يراها تدعوه إلى تمييز تراكيب طبقاتها وتعديد ~~مفردات عناصرها ومعرفة نسبة كل من موادها إلى غيره، وإذا تأمل في الحيوان ~~يراه باسطا أنواعه لدى حكمه وطالبا منه فصل كل عن الآخر، وإذا لحظ النباتات ~~يراها كأنها تدعوه إلى معاينة عجائب نموها وماهية جوهرها وكيفية تغذيتها ~~وعملية إنتاجها وتأثير خاصياتها وكأنها تكلفه إحصاء كل من أنواعها وتحديده ~~تكليفا فوق وسعه؟ # وكيف يرتضي بعمل المنكرات حينما تكون الكيمياء مقدمة له مشكلاتها وطارحة ~~عليه مسائل غوامضها؛ فما ينتهي من معرفة صفات عنصر منها وإدراك نسبة اتحاده بغيره ~~وكيفية قوامه إلا ويبرز لديه عنصر آخر ويدعوه إلى تفنيده، فيذهب خابطا في عباب ~~المشكلات حيثما يقابله مولد الحوامض بإيقاده وإنارته، ويطارحه مولد الماء ~~برشاقته ولهيبه، ويناقشه حامل الأنوار بلمعانه وإضاءته، ويدهشه الذهب بثباته ~~وثقله، وتذهله الفضة بوضاءتها ونقاوتها، ويلطمه الحديد بكثافته وصدئه، ويحيره ~~الزئبق بفراره ونفاره؟ # وكيف يسمح لأمياله أن تسرح في عالم الشرور والمعاصي حينما تكون الجغرافية سارحة ~~به على ظهر هذه الكرة الأرضية المملوءة من عجائب الخليقة وغرائب الحوادث؛ فتارة ~~تطير به إلى قمم الجبال العالية فيرى ما بها من الأودية العميقة والسلاسل المستطيلة ~~والينابيع الجارية فيفكر فيما سبب المرتفعات وما أحدث المنخفضات وما جمع ~~المياه، وأحيانا تمر به على السهول الواسعة والبحر الشاسعة والأنهار المتدفقة ~~فيقف متفكرا فيما جمد اليابسة وجمع السوائل إلى مكان واحد، وأوقاتا تسبح به ~~في الأقاليم والأقطار فيستوقفه اختلاف العرض والطول في ميدان التأمل لتباين ~~المناخات والأهوية، وطورا تترحل به إلى بلاد لا عدد لها وأماكن لا تحصى ~~وجميعها تختلف باختلاف المواقع والوقائع، فيقف متحيرا بما ms139 تحويه الأرض من الأمم ~~والقبائل المختلفة بالمذاهب والمشارب والهيئات، ومندهشا لما يراه من أحوال ~~البلدان والسياسات والشرائع، وممعنا فيما يعانيه من الصنائع المتنوعة والأشكال ~~والتجارات المتشكلة الأحوال؟ وهكذا يطوف به هذا العلم إلى أقاصي العالم بدون أن ~~يترك له سبيلا للجولان في عالم المآثم وهو جالس على وسادته غير مبارح صديقا ولا ~~مفارق حبيبا. # وكيف لا يبدل الأعمال الرديئة بالصالحة عندما يكشف له التاريخ حجب الأجيال ~~الغابرة ويطلعه على كثيرين من البشر الذين كانت أعمالهم سببا لأحوالهم إن ~~رديئة فرديئة أو صالحة فصالحة؟ ويظهر له كثير من الناس الذين بواسطة سمو ~~أفعالهم قد بلغوا أسمى المراتب وأعلى المنازل، وكم وكم من الناس الذين بواسطة ~~دناءة أفعالهم قد هبطوا إلى الحضيض، لا بل يظهر له أن كثيرا من الممالك العظيمة ~~القوة والراسخة الأركان قد أفضت بها قبائح السلوك إلى الاضمحلال والملاشاة، ~~وكثيرا من الولايات الصغيرة قد آلت بها قوة الأطوار الحميدة إلى الاتساع والامتداد ~~ورفعتها إلى سماء المجد والكرامة. وخاصة يظهر له أن أفعال الخشونة والتوحش ليس ~~كانت تبدد الممالك وتستأصل الملوك فقط، بل كانت أيضا تشتت العباد وتهدم ~~البلاد مهما كانت حصينة وغنية. أفلا يشعر بحركة غامضة في أعماق قلبه تدعوه إلى ~~احتقار العظمات الإنسانية والفخفخات الكاذبة الخالية وتجذبه إلى الاتصاف بالصفات ~~السليمة والتخلق بالأخلاق الحميدة وذلك حينما تمتطي تأملاته السرية خيول ~~التاريخ وتجري في برية سوريا مثلا حيثما يشاهد أن عظمة ذلك الإقليم القديم العهد ~~والكريم التربة والأصل قد استحالت بفعل الأجيال الخشنة إلى دمار مهول حيث لا يرى ~~سوى خرابات تلقي الكآبة على الأبصار وعدد قليل من الشعوب المفتقرة، بدل تلك ~~العظمات السابقة والمجد الزاهر والغنى الوافر. أفلا يطرق تأسفا إذ يرى صور مدينة ~~الفينيقيين التي كانت مركز تجارة العالم ومحط رحال الآمال وقد صارت نسيا منسيا ~~ولم يبق فيها سوى شباك الصيادين؟ أفلا يرتعد لدى سطوة الحدثان حينما يرى أورشليم، ~~مدينة داود ومحل عظمة سليمان، قد أصبحت قرية لا يذكر منها سوى المحلات التي لم ~~تحفظها سوى ms140 يد القداسة؟ أفلا يضطرب مخافة من بوائق الزمان عندما يرى أنطاكية مدينة ~~الله العظمى ذات الأسوار العالية والحصون المنيعة قد أضحت رمة مضجعة في قبر ~~الوبال؟ أفلا يرتجف لدى هيبة الأيام إذ يرى مدينة تدمر التي هي مبنية ~~بالصفاح والعمد قد صارت أطلالا دارسة ورسوما بالية حتى لا يشاهد فيها سوى ~~عواميد هابطة وعضايد ساقطة وهياكل مهدومة؟ أفلا يهجس كربا إذ يعاين أن منبج ذات ~~الصيت الرنان قد غدت كالسمك الذي لا صوت له؟ أفلا يقف متحيرا عندما يصعد على ~~رأس سمعان ويرى أن جميع ما كان يحويه من المدن العظيمة والقرى الخصبة والمزارع ~~الناضرة والأديرة العامرة والكنائس الرحبة قد صارت خرابا تاما ودمارا لا مزيد ~~عليه بحيث لم يبق سوى بعض رسوم وأشكال؟ وبعد هذا أفلا تسحقه صواعق الاشمئزاز ~~عندما يتأكد أن جميع هذا الخراب هو نتيجة الجهل والتوحش؟ فبالإجمال نقول: إن ~~العلم هو الفاعل الأعظم لتثقيف العقل، والمروض الأكبر لجماح الطبائع، والسبب ~~الأهم لتشييد التمدن والعمار؛ إذ هو يرفع أفكار الإنسان إلى الحقائق السامية ~~فلا تعود دائرة على مستحقرات الأشياء، ويرسم في مرآة ذهنه صور الكائنات الدقيقة ~~فلا يعود هاذيا بخزعبلات الأمور فتنطفي من قلبه توقدات الحسد بنظره إلى زوال ~~المحسودات، ويطرد من صدره ضواغط الطمع بإدراكه حقيقة المطموعات، وتتلاشى من روحه ~~بقية الأطوار المنتنة الرجسة الخراب كالقساوة التي غرقت مراكب مصر، والالتطاخ ~~الذي هدم قصور آثور، والتغفل الذي كسف شمس فارس، والطمع الذي كسر صولجان مكدونية، ~~والضغينة التي مزقت أحشاء فلسطين، والكبرياء التي ثلت عرش الروم، والخيانة التي ~~قلبت ممالك الرومانيين، والبغض الذي شتت شمل لبنان وزعزع أركان دمشق، ثم تنمو ~~به الصفات الداعية إلى جلالة العمار كالشجاعة والنباهة والمحبة والاتضاع والدعة ~~والإحسان والوفاء والأمنية؛ إذ يعود خبيرا بغوائل تلك الأطوار الصالحة، وعليما ~~بنتائج هذه الصفات الصالحة. # فبدون تثقيف العقل إذن لا يعد الإنسان إلا مع البهائم التي لا عقل لها، ~~ولا يمكن أن يدعى متمدنا قط. ~~(5) أطلقوا الأموال من عقالها # لا يوجد ما يستحق نهوض العالم ms141 ضد نظيره البخل؛ لأنه يجتهد على الدوام أن يحتشد ~~أرزاق البشر ويحشر قوت العباد احتشادا وحشرا يوجبان خلل النظام العام واستعباد ~~الأنام. # وهاك قائد البخل منتصبا لدينا تجاه الكرم وهو قابض بيديه على ساعد دولاب ~~المعاملات ومساعد قيام الحياة، فلنوجه خطابنا إليه قائلين: # ها قد نهضت المسكونة عليك يا أيها الروح الخبيث قائد البخل والشح، وها جميع الناس ~~يقذفونك باللعنات والمسبات؛ فأنت مستوجب أن يحكم عليك بالخذل والرذل بدون ~~تردد لأنك تود أن ينغلق كل باب لتقدم الخلائق وتنفتح كل سبل التقهقر، ~~فتخزن الأموال ولا تدع لها منفذا. أما تعلم أن العطاء ينهج طرق الخير ويسند أخاك ~~الجائع؟ وتكنز الدنانير والدراهم في أعماق الصناديق حذرا من أن يلامسها الهواء ~~ويمسها الضياء، أما تدري أن الدراهم قد صارت الآن محورا لمدار عالم المعاطاة، وأن ~~حجزها يضيق دائرة العلاقات البشرية ويعيق تبادل المعاملات؟ وتطرد كل سائل ~~ومحتاج ولو على فلس، وتميل عن كل عمل كريم أو سمة تقتضي بذل الورق، أما ~~تعرف أن العضد الأعظم لترتيب حياتك يؤخذ من مثل السائلين والمحتاجين؟ فهم يبنون ~~دارك وحانوتك، وهم ينسجون ثوبك ورداءك، وهم يجهزون كل أدوات طعامك وشرابك، وهم ~~يتسارعون إليك من كل الجهات ليحرسوك من وثبات المختلس وهجمات العدو، وهم يمدون ~~أيديهم ليرفعوك لئلا تعثر رجلك بحجر، وإذا انتشبت حريقة في منزلك ألقوا أرواحهم ~~لينقذوك وأولادك ويحموا أمتعتك، فلماذا تدوس في أعناقهم إذا انطرحوا تحت قدميك ~~يطلبون إسعافا؟ ولماذا تعرض عنهم وتشتمهم إذا مدوا أيديهم إليك ليطلبوا سداد ~~رمقهم، حتى إذا أمكن للإلحاح أن يقتلع من فولاذ يدك بارة واحدة استشعرت بألم ~~اقتلاع الضرس، ولماذا تعصي الأمر بإشباع الجائع وستر العريان؟ أما تخشى وقوعك في ~~ثورتي الدنيا والآخرة؟ وكم تهجس على مضجعك في أمر التوفير وتتصل به إلى حسابات ~~وكميات تفوق طور الإدراك مرتقيا في سلسلة التضعيف والضرب حيث تقول في ضميرك: إنني ~~من الغد سأشرع في تنقيص كمية اللحم والبقول والزيوت وفي إجهاد الأولاد في تتميم ~~الأعمال الخدمية استغناء بهم عن الخدم، ms142 ولم أزل أنقص مقدار الطعام وأعود ~~الأولاد على الخدمة حتى نصير أخيرا قابلين أن نعيش على النزر من الخبز والقليل ~~من الجبن والزعتر وقادرين على قضاء كل الأعمال الشاقة، وبهذا العمل يمكنني أن أجمع ~~كل مال العالم لأن درهما ودرهما درهمان، ودرهمان ودرهمان أربعة دراهم، وأربعة ~~دراهم في أربعة دراهم ستة عشر درهما، و16 × 16 = 256، و256 × 256 = 65536. وهكذا ~~ترتقي من المضروب إلى المضروب فيه إلى أن تبلغ الحاصل الأعلى حيثما لا يوجد رقم ~~ولا يجري قلم؛ وحينئذ تأخذ نفسا وتقول: ها أنا مزمع أن أملك العالم بأسره ~~وأوقف كل دواليب الأشغال وأجعل الناس عبيدا لي. ثم ستفعل هكذا يا هذا البخيل ~~ولكن بعد ألوف من السنين إذا لم تمت بداء التكميل، فليعش رأسك الكريم ولينجح ~~مقصدك العظيم. ولا عتب عليك إذا فكرت في نفسك هكذا لأنك ترافق القمر في مشروعه؛ ~~فكما أن هذا الجرم يخال أنه سيوقف دوران الأرض بعد عدد من ألوف من السنين لا ~~يحصى، وذلك بتأخير جاذبيته لحركتها ست ثوان في كل جيل، هكذا تخال أنت أيضا ~~أنك ستوقف حركة الأشغال بجذبك كل الأموال من أيدي الناس وتعود منفردا بالسطوة ~~والغنى بعد العمر الطويل. # فلا عتب على العالم إذ أثار عليك الفتن يا قائد البخل، وارتفعت أصواته ضدك، ~~وتبادرت قواته إلى الفتك بك؛ لأنك أنت العدو المبين له ولكل صوالحه، وأنت ~~المصر على هتك ستار هيئته واستعباد قلوب أبنائه بحشرك أهم أدوات مداره. ومع ~~كل هذا فلا بأس من ترك ظفر لك في جسد التمدن لتكون مانعا لهجوم التبذير ~~الكثير النصر، ولكن يجب أن تكون ملحوقا بأوامر الكرم لكي تحصل الرتبة المطلوبة ما ~~بين التبذير والبخل. ~~(عن كتاب «غاية الحق») # | جمال الدين الأفغاني (1839-1897) # (1) جمال الدين الأفغاني وتوفيق باشا خديوي مصر # قال الخديوي توفيق باشا لجمال الدين ما معناه: إنني أحب كل خير للمصريين، ~~ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقي والفلاح، ولكن مع الأسف إن ~~أكثر الشعب خامل جاهل لا يصلح أن يلقى عليه ms143 ما تلقونه من الدروس والأقوال ~~المهيجة فيلقون أنفسهم والبلاد في تهلكة. # قال جمال الدين مجاوبا: ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحرية وإخلاص إن ~~الشعب المصري كسائر الشعوب لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، ولكنه غير ~~محروم من وجود العالم والعاقل؛ فبالنظر الذين تنظرون به إلى الشعب المصري وأفراده، ~~ينظرون به لسموكم. وإن قبلتم نصح هذا المخلص وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم ~~البلاد على طريق الشورى، فتأمرون بإجراء انتخاب نواب عن الأمة تسن القوانين ~~وتنفذ باسمكم وبإرادتكم، يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم. # هذا أهم ما جرى في هذه المقابلة التي كان فيها سمو الخديوي غير راض وأسر في ~~نفسه البطش بجمال الدين ولكن لم يظهر له شيئا من ذلك. ~~(2) جمال الدين وفكرة مجلس نيابي تشكله الحكومة # إن القوة النيابية لأي أمة كانت لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت ~~من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية محركة لهما ~~فاعلموا أن حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثها. # فعزة الملك تنغصها نهضة الشعب المملوك، خصوصا إذا هو صادم إرادة مالكه أو ~~أميره. والتاريخ لم ينقل لنا أن ملكا أو أميرا أو دخيلا بقوته على شعب يرضى ~~عن طيب خاطر أن يبقى مالكا اسما وأمته هي المالكة فعلا لإدارة شئونها وزمام ~~أمورها على مطلق المعنى. وأعظم أماني الشعوب المملوكة التخلص من ربقة الأجنبي ~~وتحكمه. # سترون عما قريب إذا تشكل المجلس النيابي المصري (أنه) سيكون ولا شك بهيكله ~~الظاهري مشابها للمجالس النيابية الأوروبية، بمعنى أن أقل ما سيوجد فيه من ~~الأحزاب حزب للشمال وحزب لليمين. ولسوف ترون إذا تشكل مجلسكم أن حزب الشمال لا ~~أثر له في ذلك المجلس لأن أقل مبادئه أن يكون معارضا للحكومة وحزب اليمين أن يكون ~~من أعوانها. # تستغربون قولي هذا اليوم لأن ما نبحث فيه هو أمر تصوري لم يخرج لحيز العمل ~~بعد. ولكن متى رأيتم المجلس النيابي الموهوم تشكل، ورأيتم ms144 كل عضو يفر من أن ~~يكون في حزب الشمال (الناهض والمعارض للحكومة) فراره من الأسد إلى حزب اليمين؛ إذ ~~ذاك تقولون صدق جمال الدين. # نعم، أكون صدقت، ولكن ليس لي في هذه الفراسة وفي صدق التصور التصديقي أدنى ~~فضيلة إذا رجعتم وعلمتم أن المقدمات الصحيحة هي التي تنتج النتائج ~~الصادقة. # فمقدمات مجلس نيابي قوته المحدثة له خارجة عن محيط الأمة، والمحدث له ~~قوة خارجة عن الأمة ومجلسها، يعارضها منافع متضادة وهدفان مختلفان؛ فمثل هذا ~~المجلس لا قيمة له، وكما أنه لا يعيش طويلا كذلك لا يغني عن الأمة فتيلا. # سترون أن الذي سيكون نائبا عن شعب لا أعدد مصائبه ولا أنواع رزاياه، لفقدان ~~حريته بكل معناها، هو الذي كان آلة صماء بيد تلك القوة التي عملت على وصول ~~وطنه ومواطنيه إلى ما وصلوا إليه. # تعرفونه إذا شئتم أن تتفكروا قليلا، وإن شئتم وصفه فأنا أقول لكم: نائبكم سيكون ~~على مقتضى ما مر من مهيئات مصركم في زمانكم هو ذلك الوجيه الذي امتص مال ~~الفلاح بكل مساعيه، ذلك الجبان البعيد عن مناهضة الحكام الذين هم أسقط منه ~~همة؛ ذلك الرجل الذي لا يعرف لإيراد الحجة تجاه الحاكم الظالم معنى ولو كانت من ~~الحجج الساطعة؛ ذاك الرجل الذي يرى في إرادة القوة الجائرة كل «خير وحكمة»، ويرى ~~في كل دفاع عن وطنه ومناقشة للحساب «قلة أدب» و«سوء تدبير»! و«عدم حنكة»! ~~و«تهور»! وبالتالي يرى أن كل صفات العزة النفسية والمقومات الأهلية القومية ~~مآلها الويل والثبور. # وكل ما يدعو إلى الذل، واحتقار القومية، وسحق ما تنمو به حرية الأمة، هو من ~~مجالي حكمته العصرية! # هذا مع الأسف الذي أراه سيتكون منه مجلسكم النيابي الموهوم - إذا صحت الأحلام ~~- والذي سيخالف قاعدة كلية لقواعد فلسفية أقرت أن الوجود خير من العدم؛ ~~فعدم مثل هذا المجلس خير من وجوده. ~~(3) جمال الدين وقيصر روسيا # سأل القيصر جمال الدين عن سبب اختلافه مع الشاه، فذكر له رأيه في الحكومة الشورية ~~وضرورة اتباعها، وأن الشاه ينفر من ذلك ولا يحب ms145 أن يقر به. # قال قيصر: إني أرى الحق في جانب الشاه؛ إذ كيف يرضى ملك من الملوك أن يحكم به ~~فلاحو مملكته؟ # فأجاب جمال الدين بجرأة وفصاحة: «أعتقد يا جلالة القيصر أن عرش الملك إذا كانت ~~الملايين من الرعية أصدقاء له، خير من أن تكون أعداء يترقبون الفرص ويكمنون ~~في الصدور سموم الحقد ونيران الانتقام.» فعلت عند ذلك وجه القيصر علامة الغضب، ~~فقطب حاجبيه ولم يطل الحديث بعد ذلك مع جمال الدين، بل قام من مجلسه وودع جمال ~~الدين بغير الشكل الذي استقبله به إذ كان وداعا باردا، ثم أوعز القيصر إلى أكبر ~~رجال بلاطه أن يسرعوا متلطفين بإخراجه من روسيا. ~~(4) جمال الدين وشاه إيران # صادف وجود جمال الدين متجولا في أوروبا فتح معرض باريز سنة 1889م فشخص إليها، ~~والتقى الشاه في «منيخ» عاصمة «باواريا» عائدا من باريز، فاستزاره، واعتذر له عما ~~فرط، وعتب عليه بعدم عودته إلى طهران. وأخيرا دعاه إلى مرافقته، فأجاب جمال الدين ~~الدعوة وسار مع الشاه إلى بلاد فارس، فلم يصل إلى طهران حتى عاد الناس - وفي ~~مقدمتهم الأمراء والعلماء - إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه، والشاه لا يرتاب من ~~أمره. وأول ما كلفه به أن يسن ما يراه موافقا لروح العصر من ~~القوانين (ربما كان ذلك من الشاه بتأثير سياحته ~~في أوروبا). فعمل جمال الدين بهمته المعهودة فسن القانون الأساسي لمملكة فارس ~~لتكون حكومة ملكية شورية، فما أتم قواعد الدستور الكلية ومواده وأطلع عليه ~~الشاه ناصر الدين إلا وأعظم الأمر؛ إذ رأى أن حكمه سيكون مقيدا وأن أهل فارس ~~سيكونون أوسع سلطة من الشاه بمجلسهم النيابي. # فقال لجمال الدين: أيصح أن أكون يا حضرة السيد، وأنا ملك ملوك الفرس «شهنشاه»، ~~كأحد أفراد الفلاحين؟ ~~- اعلم يا حضرة الشاه أن تاجك وعظمة سلطانك وقوائم عرشك سيكونون بالحكم ~~الدستوري أعظم وأنفذ وأثبت مما هم الآن. ~~«والفلاح، والعامل، والصانع في المملكة يا حضرة الشاه أنفع من عظمتك ومن ~~أمرائك، واسمح لإخلاصي أن أؤديه صريحا قبل فوات وقته. # لا شك يا ms146 عظمة الشاه أنك رأيت وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون ~~على رأسها ملك، ولكن هل رأيت ملكا عاش بدون أمة ورعية؟» # هذا الحديث الصريح من جمال الدين للشاه ناصر الدين جاء مصدقا لما وشى به ~~الصدر الأعظم وخوف الشاه منه بقوله: «إن ما يسنه جمال الدين من القوانين لا يفيد ~~البلاد شيئا، ولكنه ينزع سلطان الشاه منه ويعطيه إلى السوقة.» ونفر نفورا ~~بينا من جمال الدين وأعرض عنه، فأحس بهذا التغيير والنفور فاستأذن بالذهاب إلى ~~بلدة شاه عبد العظيم على بعد عشرين كيلومترا من طهران، فأذن له، فسار إليها ~~وتبعه جمع غفير من العظماء والعلماء والوجهاء الذين كان يخطب فيهم ويستحثهم على ~~إصلاح حكومتهم، وما منهم إلا وقد انفعل بخطب جمال الدين الحماسية، وقبلت نفوسهم ~~نزعة الاستقلال، وسرت تلك الروح في البلاد طولا وعرضا وذاع فيها عزم جمال الدين ~~على إصلاح إيران، فخاف ناصر الدين الشاه عاقبة ذلك، فأنفذ إلى بلدة شاه عبد العظيم ~~خمسماية فارس قبضوا على جمال الدين، وكان مريضا فحملوه من فراشه على برذون بصورة ~~فظيعة وعليه دور من الحمى درجة حرارتها أربعون، ولم يسمحوا له باستراحة دقائق ~~حتى أوصلوه إلى حدود المملكة العثمانية في ولاية البصرة. ~~(5) جمال الدين والسلطان عبد الحميد # خرج جمال الدين، على عادته، من حضرة السلطان إلى حجرة رئيس القرناء، فقال له ~~بلطف: يا حضرة السيد، إن إجلال السلطان لحضرتك لم يسبق له مثيل، واليوم رأيناك ~~تخاطبه بلهجة غريبة، وأنت تلعب بالسبحة في حضرته. # فقال جمال الدين: «سبحان الله، إن جلالة السلطان يلعب بمقدرات الملايين من ~~الأمة على هواه وليس من يعترضه منهم، أفلا يكون لجمال الدين حق أن يلعب في سبحته ~~كيف يشاء؟!» أما رئيس القرناء فترك حجرته مهرولا خائفا يترقب من هذا الكلام ~~بهذه اللهجة أن يوشى به إلى السلطان. # رأس بلا تاج أو تاج بلا رأس # لا يسلم - على الغالب - الشكل الدستوري الصحيح مع ملك ذاق لذة التفرد ~~بالسلطان، ويعظم عليه الأمر كلما صادمه مجلس الأمة بإرادته ms147 أو غلبه على ~~هواه. # لذلك قلت: إذا أتاح الله رجلا قويا عادلا لمصر وللشرق يحكمه بأهله، ذلك ~~الرجل إما أن يكون موجودا أو تأتي به الأمة فتملكه على شرط الأمانة والخضوع ~~لقانونها الأساسي وتتوجه على هذا القسم، وتعلنه أنه يبقى التاج على رأسه ~~ما بقي هو محافظا أمينا على صون الدستور، وأنه إذا حنث بقسمه وخان دستور ~~الأمة إما أن يبقى رأسه بلا تاج أو تاجه بلا رأس. # هذا ما يحسن بالأمة فعله إذا هي خشيت من أمرائها وملوكها عدم الإخلاص ~~لقانونها، أو عدم قابليتهم لقبول الشكل الدستوري قلبا وقالبا. # الإيمان بقدرة الإنسان # نعم، إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون، ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي ~~من أسرار الطبيعة، وسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته، ~~فيرى ما كان من التصورات مستحيلا قد صار ممكنا، وما صوره جموده وتوقف ~~عقله عنده بأنه خيال قد أصبح حقيقة. # شكل الحكم مسألة أساسية # وانظروا إذ ذاك إلى نهضة الشرق، خصوصا متى تغير شكل الحكم في أهله، ~~فتروا الشرق قد عاد مشرقا بالعلماء، زاهرا بحقائق العلوم، مثبتا مقررا ~~لكل ما هو نافع ويصلح أن يبقي أثرا. # الاستعمار ككل شيء له عمر ينتهي عنده # ولما كان لحياة الأمم والدول أدوار وآجال، ولحدوثها وتكونها، وتعاليها، ~~ثم توقفها، وانحطاطها، أسباب وعوامل، هكذا وجب أن يكون الاستعمار خاضعا ~~لتلك النواميس الكونية، بمعنى أنه يصل إلى حد محدود وأجل معلوم. وانقضاء ~~أجل الاستعمار إنما يتم بزوال الأسباب التي مكنت أهله من التسلط وأكرهت ~~الشعوب على الخضوع لهم. ~~(عن كتاب «خاطرات جمال الدين ~~الأفغاني»، للمخزومي) # | الدكتور شاكر الخوري (1847-1911) # الانقلابات بقدر استعداد الجمهور # الحرية السياسية التي نلناها هي: خلاصنا من الجاسوسية والمراقبة؛ فالأولى تخربنا ~~وتجعلنا محتالين غشاشين قاتلين، وتجعل حياتنا بيد مفسد دنيء يبيعنا حسب شهواته. ~~والثانية تجعلنا في جهل وتأخر بحيث نرى أنفسنا أدنى من الحيوانات؛ فالمراقبة هي ~~التي جعلت صاحب مطبعة كتابي أن يقول: طبع في مصر، مع أنه طبعه في بيروت. والذي ~~علمه الكذب ms148 هو المراقبة؛ فلا ظلم أمر من الجاسوسية، ولا ضعف أذل من المراقبة ~~التي تفتكر أن مجرد كتاب، أو حرف أو كلمة، أو كلمة في جملة تخرب المملكة وتغير ~~أفكار الرعايا، فأي كتاب لحد الآن عمل هذا العمل؟ # والسبب لانتشار مبدأ هو جعل الناس مستعدة لقبوله؛ فالظلم السابق يجعل الإنسان يتغير ~~بسهولة وينتقل إلى مبدأ ضده؛ فهذه هي الأسباب التي تغير الأفكار؛ فالدستور الذي هو ~~الكتاب السياسي المقدس للمملكة العثمانية لا يمكن حفظه ما لم تحفظه الجندية وتحام ~~عنه؛ فيلزم عند دخول الجندي في العسكرية أن يحلف يمينا بالمحافظة عليه، وكذلك كل ~~مستخدم. والأمل من «المبعوثان» تعديله، ولا يكون اجتماعهم كبرج بابل تتبلبل فيه ~~اللغات لكثرتها، ويقلدون الخطباء الأقدمين ~~بخطاباتهم ويخرجون عن موضوع الإصلاح الحالي، وأن يسن لكل ولاية بعض قوانين ~~مخصوصة حسب عوائدها ومناخها وعلمها وجهلها، ليكون الاتحاد أعظم ... لأن مملكتنا مكونة من ~~ولايات فيها أعظم تمدن، ومن أخرى متوحشة جدا، فلا يمكن تكلم الاثنين بلغة ~~واحدة، فحكمة «المبعوثان» ترتب ذلك. # | عبد الله النديم (1261-1314ه) # فضل الشورى # نحن معاشر الشرقيين في حاجة إلى نقد الأفكار وتفتيش الآراء حتى فيما يصدر منا ~~في الشئون الأهلية لنبذ الضار والأخذ بالنافع؛ فقد يصدر الرأي من إنسان عن الإخلاص ~~ويكون قد تلوت عليه المطالب، فيخرج الرأي فطيرا يضرنا الأخذ به، وإن كان صاحبه لم ~~يقدر الضرر. ولا ينبغي الاعتماد على ذوي المظاهر العلمية والإدارية قبل أن نعرض ~~أفكارهم على المبادئ والخواتيم؛ فإن الحائز لثقة الناس به كثيرا ما تدعوه العجلة ~~للسقوط في وهدة الارتباط فيقول من غير ترو ويعمل بغير تدبير لعلمه بأنه لا يعارض ~~قوله ولا يقبح عمله. وقد درست الأمم الغربية هذه المقدمات وعلمت ما وراء ~~الاقتداء بالنزلاء وأهل الشهرة من الانحطاط، فاعتمدت على مجالس شوراها لتستخلص من ~~تضارب الأفكار واختلاف الأحزاب قواعد لا تنقضها الحوادث وقوانين تلائم التابع ~~والمتبوع وتبقى بها دعائم الدولة قائمة على أساس متين. ولم تتوصل لهذا المقصد الحسن ~~إلا باعتمادها على من يخوض لجج المنايا في حفظ ms149 وطنه من طامع في امتلاكه أو عاد على ~~أهله. وبهذا التمحيص نجحت أعمالهم وقويت شوكتهم ونفذت سلطتهم وتخطت سطوتهم ~~أوطانهم إلى غيرها فتحا واستعمارا. # وقد توالت الأعوام والجرائد تنقل لنا، معاشر الشرقيين، أخبار أولئك الفائزين وتشرح ~~لنا من أعمالهم التي حيرت الأفكار وأدهشت العقول ما ساعدهم عليه تمحيص الرأس وتوحيد ~~الكلمة وتمحيص المتشاورين، ونحن قعود على قارعة الكسل والتهاون نكتفي بالتفرج على ~~الأمم العاملة ونفرح بما نراه من فوزها ونغضب إذا تأخر فريق منها. وقد انصرفنا عن ~~مصالح أوطاننا وعمينا عن طريق تقدمنا وحيل بيننا وبين مجاراة هؤلاء العقلاء بسور ~~الأنفة من استشارة الفقراء ومفاوضة الضعفاء وإن كانوا قد امتلئوا علما وكسبوا نباهة، ~~فإذا عولنا على التشاور يوما جمعنا أرباب الأموال وأهل الوجاهة من غير تخير ~~العقلاء منهم ولا تمييز الأغبياء من الأذكياء، وحشرنا هذا الشتيت في قاعة حبس لا ~~يراهم فاضل ولا يسمعهم خبير، فيحيصون حيصة تنجلي عن نكبات تجلب في صور مضار ~~تدفع أو منافع تصنع، وليس وراء هذا التقصير غير التدمير. ولئن قيل إن التجارب ~~دلتنا على أن الشورى لا تنجح في الشرق، أو أن الشرقيين غير عقلاء كما يزعم محبو ~~الأثرة والانفراد بالتسلط، قلنا: إن اتحاد الشرقي مع الغربي في الخلق يرد هذه ~~الدعوى الباطلة، وإنما ثابر الغربيون على العمل بالشورى وأخذوا يصححون الأغاليط ~~ويراجعون الخطأ ويتبادلون الجدل عن عزائم صادقة حتى تربت الملكات وتصورت ~~المطالب أمامهم بصور الواقعيات، وما أوصلهم لهذه الغاية إلا اعتمادهم على الفضلاء ~~والأذكياء منهم، حتى اضطر الأغنياء والوجهاء لدراسة العلوم والفنون السياسية التي بها ~~ترشحوا للدخول في أندية الشورى. وما زالوا يزاولون ويبحثون في الأمم والدول حتى ~~قبضوا على أزمة الملك بعصبية قوية ووقفوا أمام ملوكهم حصونا تقيهم الفتن الداخلية ~~والغوائل الخارجية، فماذا على الشرقيين لو جاروهم في هذه الطريق وهي سهلة لا حزن ~~فيها ولا وعورة، ولا يلزم للدخول فيها أكثر من انتخاب العقلاء والفضلاء وانسلاخ أهل ~~الذاتيات لنخرج من مضيق هذه المصيبة التي أصيب بها بعض نبهاء الشرق من ms150 خدمة الأجنبي ~~ناقص حملة كاملة من جهة وتغافل الملوك عنهم من جهة أخرى. # وهم (الملوك) قادرون على تربية أبناء بلادهم على حب الوطن والملة والدولة وتدريبهم ~~على الأعمال الإدارية والحربية والصناعية وترقيتهم بقدر استحقاقهم، وسد باب الأجنبي ~~أمامهم بإعطائهم الحقوق الوطنية والملكية وتسليمهم الأعمال العالية التي ترشحوا لها ~~واستعدوا للقيام بأعبائها؛ فإنهم إن فعلوا ذلك ملئوا صدور الأمم محبة لهم ~~واستمالوهم إليهم فكانوا أسهل انقيادا إليهم من رجال انقيادا إليهم من ~~رجال الاستعباد؛ فإن المستعبد يقاد اضطرارا، وهذا ~~يخدم اختيارا، وشتان بين الحالتين. وسنعود لهذا الموضوع إن شاء الله تعالى ~~معتمدين على الشواهد القرآنية والأعمال النبوية مؤيدين ذلك بما كان أيام الخلفاء ~~الراشدين، ليتحقق الشرقي أن السلامة والنجاح في الشورى وأخذ آراء المحنكين ~~العارفين بالأمم وأحوالها. ~~(من مقال له) # | عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902) # (1) تعريف الاستبداد # الاستبداد لغة هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما تنبغي الاستشارة فيه، وبعبارة ~~أخرى الاستبداد أن يحكم الحاكم بأمره حسب هواه وأمياله. # يراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها هي أقوى العوامل التي ~~جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة ولو أنصفت لجعلته أسعد الخلائق. وأما تحكم ~~رؤساء بعض الأديان وبعض العائلات وبعض الأصناف فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع ~~الإضافة لأن ضرره يقتصر على البعض دون الكل. # والاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف أفراد أو جمع في حقوق قوم بلا ~~خوف تبعة أو احترام شريعة إلهية أو قانون بشري. # وقد تطرق مزيدات على هذا المعنى فيستعملون في مقام كلمة «استبداد» كلمات: استعباد ~~واعتساف وتسلط وتحكم. في مقابلتها كلمات: شرع مصون، وحقوق محترمة، وحس مشترك، ~~وحياة طيبة. # ويستعملون في مقام صفة «مستبد» كلمات: حاكم بأمره، وحاكم مطلق، وظالم، وجبار. ~~يقابلها: حاكم بالشورى، وحاكم مقيد بقوانين، وعادل، ووديع. وفي مقابلة حكومات ~~مستبدة كلمات: عادلة، ومسئولة، ومقيدة، ودستورية. # ويستعملون في مقام صفة «مستبد عليهم» كلمات: أسرى، وأذلاء، ومستصغرين، ~~ومستنبتين. وفي مقابلتها: محتسبون، وأباة، وأحرار، وأحياء. # هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات. وأما تعريفه بالوصف فهو ~~أن الاستبداد صفة ms151 للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا ~~خشية حساب ولا عقاب محققين. # ومنشأ الاستبداد إما هو من كون الحكومة غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة ~~أو على أمثلة أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة التي تخلصت من ~~قيود القوانين بجهل رعاياها، وإما من كونها مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك ~~بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمي نفسها ~~بالمقيدة. والصحيح أن الإنسان لم يتوفق حتى الآن لإيجاد حكومة دستورية تحكم ~~بمشورة الأمة بمعنى الشورى الحقيقي. # وأشكال الحكومة المستبدة كثيرة ليس هذا البحث محل تفصيلها. ويكفي هنا ~~الإشارة إلى أن صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى ~~الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد الوارث أو المنتخب ~~متى كان غير محاسب، وكذلك تشمل حكومة الجمع ولو منتخبا لأن الاشتراك في الرأي لا ~~يدفع الاستبداد وإنما قد يعدله نوعا وقد يكون أحكم وأضر من استبداد الفرد. ~~ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها قوة التشريع عن قوة التنفيذ لأن ذلك ~~أيضا لا يرفع الاستبداد ولا يخففه ما لم يكن المنفذون مسئولين لدى المشرعين ~~وهؤلاء مسئولون لدى الأمة التي تعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب، وهذه أفضل ~~الحكومات لو وجدت. # 1 # وخلاصة ما تقدم أن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم ~~تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح فيها كما جرى في صدر الإسلام ~~فيما نقم على عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم خص بحكمه ذوي قرباه دون ~~المسلمين، وكما جرى في عهد هذه الجمهورية الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين ~~وبناما ودريفوس. # ومن الأمور المقررة أنه ما من حكومة عادلة ~~تأمن المسئولية والمؤاخذة بسبب من أسباب غفلة الأمة أو إغفالها لها، إلا وتسارع ~~إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها شيء من ~~القوتين الهائلتين المهولتين: جهالة الأمة والجنود المنظمة. ~~(2) الاستبداد والعلم # ما أشبه المستبد ms152 في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء ~~يتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ما داموا قاصرين؛ فكما أنه ليس من صالح الوصي ~~أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية ~~بالعلم. # لا يخفى على المستبد أن لا استعباد ولا اعتساف ما لم تكن الرعية حمقاء تخبط في ~~ظلام جهل وتيه عماء؛ فلو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام ~~العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشا لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواضر في ~~غشاء الليل. # العلم قبسة من نور الله، وقد خلق الله النور كشافا مبصرا ولادا للحرارة ~~والقوة، وجعل العلم مثله وضاحا للخير فضاحا للشر يولد في النفوس حرارة وفي ~~الرءوس شهامة. # المستبد لا يخشى علوم اللغة المقومة للسان إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماسة ~~تعقد الألوية أو سحر بيان يحل الجيوش؛ لأنه يعرف أن الزمان ضنين بأن تلد ~~الأمهات كثيرا من أمثال الكميت وحسان أو مونتسكيو وشيلار. # وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد؛ لاعتقاده أنها لا ~~ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم، فإذا نبغ فيهم ~~البعض ونالوا شهرة بين العوام لا يعدم وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره بنحو ~~سد أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد. # ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية ~~وحقوق الأمم وسياسة المدنية والتاريخ المفضل والخطابة الأدبية وغيرها من العلوم ~~الممزقة للغيوم المنبثقة الشموس المحرقة الرءوس. # ويقال بالإجمال: إن المستبد لا يخاف من العلوم كلها، بل من التي توسع العقول ~~وتعرف الإنسان ما هو الإنسان وما هي حقوقه وهل هو مغبون، وكيف الطلب وكيف النوال ~~وكيف الحفظ. المستبد عاشق للخيانة، والعلماء عواذله. المستبد سارق ومخادع، ~~والعلماء منبهون محذرون. وللمستبد أعمال وصوالح لا يفسدها عليه إلا ~~العلماء. # المستبد كما يبغض العلم لنتائجه يبغضه لذاته؛ لأن للعلم سلطانا أقوى من كل ~~سلطان، فلا بد للمستبد من أن يحتقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه ~~علما؛ ms153 ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم ذكي، فإذا اضطر لمثل الطبيب ~~والمهندس يختار المتصاغر المتملق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: «فاز ~~المتملقون»، بل هذه طبيعة في كل المتكبرين وعليها مبنى ثنائهم على كل من ~~يكون مسكينا خاملا لا يرجى لخير ولا لشر. # وينتج مما تقدم أن بين الاستبداد والعلم حربا دائمة وطرادا مستمرا؛ يسعى ~~العلماء في نشر العلم ويجتهد المستبد في إطفاء نوره. والطرفان يتجاذبان العوام. ومن ~~هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا وإذا خافوا استسلموا، وهم الذين متى ~~علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا. # العوام هم قوت المستبد وقوته، بهم عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول ، يأسرهم ~~فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على ~~رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه ~~كريم، وإذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيما، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر ~~التأديب، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة. # والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، فإذا ~~ارتفع الجهل زال الخوف وانقلب الوضع؛ أي انقلب المستبد رغم طبعه إلى وكيل أمين ~~يهاب الحساب، ورئيس عادل يخشى الانتقام، وأب حليم يتلذذ بالتحابب. # وحينئذ تنال الأمة حياة رضية هنية؛ حياة رخاء ونماء؛ حياة عز وسعادة. ويكون ~~حظ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد لأنه كان ~~على الدوام محاطا بالأعداد ملحوظا بالبغضاء غير أمين على حياته طرفة ~~عين. # ولا شك أن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن علم ~~وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه من انتقام بحق وخوفهم عن توهم التخاذل، وخوفه على ~~فقد حياته وسلطانه وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن لا يألفون غيره في ~~أيام. # وكلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته ومن حاشيته وحتى من هواجسه ~~وخيالاته. وكثيرا ما تختم حياة المستبدين الضعيفي القلوب منهم بالجنون. # ومن قواعد المؤرخين ms154 المدققين أن أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدين كنيرون ~~وتيمور مثلا يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذر والتحفظ، وإذا أراد ~~المفاضلة بين عادلين كأنوشروان وصلاح الدين يوازن مرتبتي أمنهما في ~~قومهما. # لما كانت أكثر الديانات القديمة مؤسسة على مبدأي الخير والشر، كالنور ~~والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أن أضر شيء على ~~الإنسان هو الجهل وأضر آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلا مخصصا للخوف يعبد ~~اتقاء لشره. # قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل ~~الخوف عينه؛ فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح ~~المقدس، والأقلام هي السكاكين ، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى ~~الذين يقدمون القرابين. # ويقول أهل النظر في أحوال البشر: إن خير ما يستدل به على صفة السياسة في الأمم ~~شنآن الملوك وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسم التشريف. # يقولون إنه كذلك يستدل على عراقة الأمة في الاستبداد أو الحرية باستنطاق لغتها ~~هل هي كثيرة ألفاظ التعظيم غنية في عبارات الخضوع كالفارسية مثلا، أم فقيرة في ~~هذا الباب كالعربية. # والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في ~~إطفاء نور العلم وحصر الرعية في حالك الجهل، وكذلك بعض العلماء الذين ينبتون في ~~مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس. والغالب أن رجال ~~الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة ~~دياره. وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام، عليهم الصلاة والسلام، وأكثر العلماء ~~الأعلام والأدباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء. # قال المدققون: إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس ~~حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزها والشرف وعظمته ~~والحقوق وكيف تحفظ والظلم وكيف يرفع والإنسانية وما هي وظائفها والرحمة وما ~~هي لذاتها. # أما المستبدون الشرقيون وخوفهم من العلم فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم ~~وكأن أجسامهم من بارود والعلم نار؛ نعم، يخافون من العلم حتى من علم ms155 الناس معنى ~~كلمة «لا إله إلا الله» ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بني عليها الإسلام؟ بني ~~الإسلام بل وكافة الأديان على: لا إله إلا الله، ومعنى ذلك أنه لا يعبد حقا ~~سواه؛ أي سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة التذلل والخضوع، فيكون معنى لا إله ~~إلا الله: لا يستحق التذلل والخضوع شيء غير الله، فهل والحالة هذه يناسب ~~المستبدين أن يعلم عبيدهم ذلك ويعملوا بمقتضاه؟ كلا، ثم كلا. # حتى إن هذا العلم لا يناسب صغار المستبدين كخدمة الأديان الأقوياء أو ~~الأغبياء والآباء الجهلاء والأزواج الحمقى ورؤساء كل الجمعيات الضعيفة؛ ولهذا ما ~~انتشر نور التوحيد في أمة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر، ولكن قتل الإنسان ~~ما أكفره بنعم مولاه وما أظلمه لنفسه وجنسه! ~~(3) الاستبداد والأخلاق # تفعل العدالة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر؛ فالأقوام كالآجام ~~إن تركت مهملة تزاحمت أشجارها وسقم أكثرها وتغلب قويها على ضعيفها فأهلكه، ~~وهذا مثل القبائل المتوحشة. وإن صادفت بستانيا يهمه بقاؤها وزهوها فدبرها ~~حسبما تطلبه طباعها قويت وأينعت وحسنت ثمارها، وهذا مثل الحكومة العادلة. وإذا ~~بليت بحطاب لا يعنيه إلا عاجل الاكتساب أفسدها وخربها، وهذا مثل الحكومة ~~المستبدة. ومتى كان البستاني أو الحطاب غريبا لم يخلق من تراب تلك الديار ~~وليس له فيها فخار ولا يلحقه منها عار، إنما همه الحصول على الفائدة العاجلة ولو ~~باقتلاع الأصول، فهناك الطامة وهناك البوار؛ فبناء على هذا المثال يكون مقام ~~الاستبداد بإزاء الأخلاق مقام ذلك الحطاب الذي لا يرجى منه غير الإفساد. # لا تكون الأخلاق أخلاقا ما لم تكن مطردة على قانون، وهذا ما يسمى عند الناس ~~بالناموس. ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس وهو كالحيوان المملوك ~~العنان يقاد حيث يراد ويعيش كالريش يهب حيث تهب الريح، لا نظام ولا إرادة. ~~وما هي الإرادة؟ هي أم ناموس الأخلاق؛ هي ما قيل فيها تعظيما لشأنها: لو جازت ~~عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة؛ هي تلك الصفة ~~التي تفصل الحيوان عن النبات في تعريفه بأنه ms156 ~~متحرك بالإرادة؛ فأسير الاستبداد الفاقد الإرادة هو مسلوب حق الحيوانية فضلا ~~عن الإنسانية لأنه يعمل بأمر غيره لا بإرادته؛ ولهذا قال الفقهاء: لا نية للرقيق في ~~كثير من أحواله إنما هو تابع لنية مولاه. # أسير الاستبداد لا نظام في حياته؛ قد يصبح غنيا فيضحي شجاعا كريما، ويمسي ~~فقيرا فيبيت جبانا خسيسا، وهكذا كل شئونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها فهو ~~يتبعها بلا وجهة؛ فالأسير لا يبغي على الأسير فيزجر أو لا يزجر، ويبغى عليه ~~فينصر أو لا ينصر، ويجوع يوما فيضوى، ويخصب يوما فيتخم، يريد أشياء فيمنع، ~~ويأبى شيئا فيرغم. ومن كانت هذه حاله كيف يكون له خلاق، وإن وجد ابتداء فكيف ~~لا يفسد؟ # أقل ما يؤثر الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم الأخيار منهم على ألفة ~~الرياء والنفاق، وبئس السيئتان، ويعين الأشرار على إجراء غي نفوسهم آمنين حتى ~~من الانتقاد والفضيحة لأن أكثر أعمالهم تبقى مستورة يلقي عليها الاستبداد رداء ~~خوف الناس من تبعة الشهادة وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. # أقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ، وهو في عهد الاستبداد ~~غير مقدور عليه لغير ذوي المنعة مع الغيرة، وقليل ما هم، وقليلا ما يفيد ~~نهيهم لأنه لا يمكنهم توجيهه لغير المستضعفين الذين لا يملكون ضرا ولا نفعا، ~~بل ولا يملكون من أنفسهم شيئا، وينحصر موضوع نهيهم وانتقادهم في الرذائل النفسية ~~الشخصية فقط مما لا يخفى على أحد. أما المتصدرون في عهد الاستبداد للوعظ ~~والإرشاد فيكونون مطلقا، ولا أقول غالبا، من المتملقين المرائين. وما أبعد ~~هؤلاء عن التأثير؛ لأن النصح الذي لا إخلاص فيه هو بذر ميت. أما النهي عن ~~المنكرات في الإدارة الحرة فيمكن كل غيور أن يقوم به بأمان وإخلاص ويوجهه إلى ~~الضعفاء والأقوياء سواء، ويفوق سهام قوارصه على ذوي الشوكة والزعماء، ويخوض في ~~مواضيع تخفيف الظلم وتسديد النظام، وهذا هو النصح الذي يغذي ويجدي. # ولما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس من أهم الأمور، أطلقت الأمم ~~الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنية القذف فقط، ms157 ورأت أن تحمل مضرة ~~الفوضى في ذلك خير من التحديد؛ لأنه لا ضامن للحكام أن يجعلوا الشعرة من التقييد ~~سلسلة من حديد يخنقون بها عدوتهم الطبيعية؛ أي الحرية. وقد حمى القرآن قاعدة ~~الإطلاق بوضعه قاعدة: # ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد ~~. # وهذه الأمم الموفقة خصصت منها جماعات باسم مجالس نواب وظيفتها السيطرة ~~والاحتساب على الإدارة العمومية السياسية. وذلك منطبق تماما على ما أمر به القرآن ~~الكريم في آية: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ~~، وفي كمالة هذه الآية وهي: # وأولئك ~~هم المفلحون # من التبجيل ما يحمل نفوس الأبرار على تحمل مضض ~~القيام بهذه الوظيفة الشريفة في ذاتها، الممقوتة طبعا عند المستبد ~~وأعوانه. ~~(نقلا عن كتاب «طبائع الاستبداد») # | شبلي الشميل (1853-1917) # (1) دفاع عن حرية القلم # إن الآلات التي يخترعها الإنسان (ومنها القلم) ليست سوى أعضاء إضافية متممة ~~لأعضائه الطبيعية، فلا يجوز أن تعامل معاملة استثنائية تخالف معاملة الأعضاء ~~الطبيعية نفسها؛ فكما أنه لا يشترط على الإنسان لاستعمال رجليه خوفا من أن يسعى ~~بهما إلى الشر، أو يديه خوفا من أن يجني بهما، لا يجوز أن يشترط عليه كذلك ~~لاستعمال أعضائه الإضافية، فإذا جنى بها فالقانون الذي يتكفل بمعاقبة جنايات ~~الأعضاء الطبيعية، وهو القانون العام، يجب أن يتكفل بمعاقبة جنايات الأعضاء ~~الإضافية أيضا. ~~(2) المستقبل لسيادة الأمم # ومن يوم خطت أوروبا خطاها في سبيل العلم الحقيقي، وأخذ ظل الأوهام يتقلص من ~~العقول، صار الأمل كبيرا بسرعة هذا الارتقاء (ارتقاء نواميس الاجتماع). ولا نريد ~~بهذا القول إنها (أي أوروبا) على وشك بلوغ الغاية القصوى فيه، وإنما هي اليوم على ~~فجر النهضة الحقيقية. ولا ريب في أنها ستكون الأولى في الاستفادة، سيكون شأنها شأن ~~المنارة التي يستضيء العمران بها في العالم أجمع، لسهولة ارتباط بعضه ببعض وسيطرة ~~بعضه على بعض اليوم بفضل مكتشفات العلم ومخترعات الصناعة. وأول خطاها في هذا ~~السبيل ستكون تأييد سيادة الأمم سيادة حقيقية وسقوط سيادة الملوك. ~~(3) نظام الحكم وعامله الأساسي في رقي الأمم وانحطاطها # إن حكومات الشرق ms158 هي التي ساعدت على فساد الأخلاق إلى هذا الحد؛ فقد تقدم أن ~~الفرق من عهد أبقراط إلى اليوم بين حكومات المغرب وحكومات المشرق أن تلك تحكمها ~~شرائعها وهذه تحكمها ملوك، وإن تعدلت الأحكام في بعض ممالك الشرق اليوم فما ~~تعديلها إلا صورة لا معنى؛ فإن ملوك الشرق ما زالوا فوق شرائعهم، فأماتت حكوماتهم ~~من الأمة عواطف الشهامة والإقدام بما ثقلت على كواهلهم من الإذلال وسائر ما ~~يجر إليه الاستبداد، وقوت فيه كل الصفات الدنيئة الهادمة لصروح الاجتماع بما ~~أخمدت من قوى العقل بإطفائها نور العلم. ~~(4) الحكومة والأمة # الحكومات مظهر من مظاهر الأمة، وهي تختلف باختلاف الأمم؛ فكلما ارتقت أمة في ~~العمارة ارتقت حكومتها كذلك، وهو معنى قوله: «وكما تكونون يولى عليكم.» فلا ~~ينتظر أن تكون الحكومة أصلح من الأمة التي نشأت فيها، بل لا تلزم الحكومة إذا ~~داست بأخمصها رقاب الرعية، وهل تداس رقاب تأبى أن تداس؟ وإن من ينتظر الإصلاح ~~عفوا من أية حكومة كانت يجهل ولا شك تاريخ نشوء الأمم والعمران. وها إن ~~التاريخ أمامنا يعلمنا أن الحكومات في كل زمان ومكان هي آخر من يذعن للإصلاح ~~إذا لم تقم العقبات في سبيله. وهل بلغت أمم أوروبا مبلغها من التمدن اليوم ~~بفضل حكوماتها؟ لا لعمري. إنما بلغته ولا تزال مجدة فيه بفضل تألبها واتحاد ~~كلمتها ورفع الرءوس المطأطأة وتقويم الظهور المقوسة، والمشي على الأقدام، ~~والزحف على الركب، وربط حكوماتها كما تربط القرناء وإتلالها كما تتل السائمة ~~وجرها وراءها قوة واقتدارا. والأمم التي لم تستطع ذلك لعدم توفر أسباب ~~القوة فيها عفاها الدهر واستغرقها التنازع ولم يبق لها إلا آثارا، أو لم ~~يبق لها أثرا وتركها خبرا مسطورا. ~~(سنة 1898) # | أديب إسحاق (1856-1885) # (1) أديب إسحاق يربط الانتفاضات الشرقية بثورة فرنسا # أرى خلل الرماد وميض نار # ويوشك أن يكون لها ضرام # بل هي شعلة إصلاح كانت في كمون الدهر في عالم الضياء والنور، ~~فساقتها يد الحكمة بمعدات الحركة إلى عالم الظهور، وسرت في أوروبا من جانب الغرب ~~الأقصى، وكمنت فيما وراء ms159 المانش أياما وأعواما متنقلة من صورة إلى صورة، ومن ~~كيفية إلى كيفية، حتى أعدت لها طريق البروز، فظهر ضرامها بعد الخفاء، وانبعثت ~~منها جراثيم الضياء، فغيرت هيئة الأرض وحالة الناس، وطهرت ذلك الجانب من ~~الأرجاس؛ تلك ثورة الفرنسيس! برزت إلى عالم الفعل عام 1789، وصدمت قوة الاستبداد ~~فزلزلتها، ودفعت سطوة التقليد فضعضعتها، ورفعت عن العيون نقابها وعن النفوس ~~حجابها، فآنست من جانبها الحرية وخلعت جلابيب الرق والعبودية، واجتمعت على ولائها ~~وتألبت تحت لوائها لتدفع عنها من رام إطفاء نورها وإفساد أمورها، فتصدى لها ~~أعوان الرق وأنصار العبودية، وما آلوا في قتالها جهدا، فلقيتهم وهي ترى الموت ~~في الحرية حياة والحياة في الرق موتا، فلم يبلغوا منها قصدا، ورسخت في عالم ~~الوجود قدمها، وكثر الملأ من حولها، وأدهشت الدنيا بشدة حولها. ثم مرت عليها ~~الشهور والأحوال، وتقلبت الأمور والأحوال، ورأى العدو منها غفلة فدهم، واغتنم من ~~الزمان فرصة فهجم، وغلب أمره وتأيد، واستقام ملكه وتوطد، إلى أن ساقته يد ~~القدرة إلى التهور فيما جر إليه وإليها البلاء الأليم، # 1 # فتسنى لها أن تدفع عنها شره، ورب شر يجيء بالخير العظيم. ثم ~~عادت إلى سابق عزها، والعود أحمد، فانفتحت في بلادها، نعني فرنسا، كنوز ~~الثروة، وتوفرت أسباب القوة والسطوة، وصفت موارد السعادة والهناء، وانتفت أسباب ~~المتاعب والشقاء، وهي الآن على ما نرى من العز والمناعة والتقدم في الزراعة ~~والتجارة والصناعة. # ثم ذكرت تلك الشعلة وطنها القديم فحنت إليه، ولا غرو أن يحن الغريب إلى ~~وطنه، نعني الشرق، مقر جراثيم الحركات الدينية والسياسية التي غيرت هيئة الأرض ~~وأحوال الإنسان، فسرت إليه تنبه غافله وتفقه جاهله، وظهرت في بلاد «أخورا ~~مازدا» بين أبناء «زرادشت»، تحت سماء التقاليد، نريد بلاد الفرس؛ فإن مذهب ~~البابيين، نسبة إلى السيد علي محمد الملقب «باب المهدي»، قد ظهر في تلك البلاد ~~منذ نحو من ثلاثين سنة، وعلق بقلوب الناس فتمذهب به جمع كثير منهم وأثاروا ~~الفتنة على الحكومة وأبرزوا من الجسارة والإقدام ما لم يسمع بمثله، وبعد مقتل ~~إمامهم رمى ms160 بعضهم الشاه بالرصاص ولم يصب. وقد كان من أعمالهم الأخيرة أن جماعة ~~منهم تشبهوا بالجند وقصدوا الشاه وهو سائر إلى مدفن شاه زاده عبد العظيم ~~للزيارة، ثالث أفريل (نيسان) سنة 78، وقالوا له: إنا من جندك وقد طال علينا زمن ~~الخدمة ونروم الانصراف إلى منازلنا. فوعدهم أن ينظر في أمرهم بعد الرجوع إلى القصر. ~~ثم إنهم هجموا على عربته ورموه بالحجارة الكبيرة وجرحوا جماعة من رجال حرسه. ~~وكان على مقربة من مكان الحادثة طائفة من الجند فطير الشاه إليهم الخبر فجاءوا ~~مسرعين وقبضوا على جماعة من أهل الفتنة وعلم الشاه أنهم من البابيين. # وما أفضنا في الكلام على آثار تلك الحركات الفكرية التي سرت في أوروبا من جانب ~~غربها الأقصى إلا لأننا نحسب الحركة التي ظهرت أخيرا في الآستانة حلقة من ~~سلسلتها، وهي الحركة التي ظهر أثرها الأول في عزل محمود نديم باشا أثر فتنة ~~البلغار، وخلع السلطان عبد العزيز وتنصيب السلطان مراد، # 2 # وقد كثر عدد الداعين إليها في الآستانة واجتهدت الدولة في خفض منارها ~~وإهماد نارها بإبعاد زعمائها ونفي رؤسائها مع كثرة الشواغل وتواتر النوازل. وقد ~~جاءنا بالتلغراف واردا من الآستانة بتاريخ 21 مايو سنة 1978 أن جماعة من العامة ~~قد هجموا على سراي جراغان # 3 # مقر حضرة السلطان السابق، فحاول رجال الحرس صدهم وأعياهم ذلك، ~~فأطلقوا عليهم الرصاص وقتلوا منهم نفرا وجرحوا طائفة، فأوجسنا من ذلك الخبر ~~شرا وخفنا أن يكون نتيجة ما سبق من المقدمات في عهد ساكن الجنة عبد العزيز. ثم ~~جاءنا في غد ذلك اليوم بيان أزال ذلك الخوف وأبعد الإيجاس، وهو أن الذين هجموا على ~~السراي كانوا من المهاجرين، فترددنا بين تصديق الأول والثاني، ورجحنا جانب ~~الثاني بدليل ما جاء بعده من أن جماعة من أولئك المهاجرين قد ساروا إلى الباب ~~العالي يطلبون الإعانة، وحملنا فتنتهم على الحاجة والفاقة. ثم ما لبثنا أن جاءنا ~~بالتلغراف ما أفسد الظن وأعاد الإيجاس من أن علي سعاوي أفندي أحد زعماء تركيا ~~الجديدة كان في مقدمة الهاجمين على ms161 السراي، وأن رجال الحرس قد قتلوه، فأيقنا أن ~~هذه الفتنة هي من آثار تلك الحركة المتعلقة بسلسلة الحركات الفكرية التي ستغير لا ~~محال عاجلا أو آجلا هيئة الكرة الأرضية ونظام الجمعية الإنسانية. ~~(2) الأمة # الأمة والجيل من كل حي ومن الرجل قومه، وفي عرف أهل السياسة الجماعة المتجنسة ~~جنسا واحدا الخاضعة لقانون واحد. وليس المراد بوحدة الجنس التوفيق بين الأنساب ~~لتعذر ذلك فيها، ولما طرأ على أنساب الناس ولا سيما الحضر من المفاسد الكثيرة ~~الناشئة عن تخالط أقوام مختلفة أنسابهم، وتوالي الحروب والغارات، وتوطن بعض ~~الفاتحين فتوحهم وتزوجهم في أهلها، إلى غير ذلك مما جهلت به الأنساب وخفيت ~~به الأحساب إلا ما حفظ بمناسبة أهله عن أن يدانيهم فاتح غريب ، وهو قليل لا ~~يقاس عليه. وإنما المراد بوحدة الجنس اتفاق الجماعة على الاعتزاء إلى جنس واحد ~~يتوالدون فيه ويتسمون به، كالجنس الأميركاني لسكان الولايات المتحدة الأميركية ~~سواء كانوا إنكليزا أو فرنسويين أو إسبانيين أو أميركانيين أصلا، والعثماني ~~لسكان البلاد العثمانية في أوروبا وآسيا سواء كانوا تركا أو عربا أو تترا ~~أصلا، والأوستري لسكان سلطنة أوستريا سواء كانوا ألمانا أو صقالبة أو إيطاليين ~~أصلا، وهلم جرا. # وقد زعم بعض الناس أن من لوازم وحدة الأمة وحدة لغتها، وهو وهم؛ لأنه إما أن ~~يراد بذلك الاستدلال باللغة على الجنس أو لا، فإن كان الأول فهو فاسد لأنه قد ~~يولد الإنسان بين قوم وينبت فيهم فيتكلم بلغتهم وهو بعيد عنهم نسبا، ولأن ما ~~ذكرنا من تخالط الأقوام واغتراب الفاتحين قد أحدث في لغات كثيرة من جماعات ~~الناس فسادا بحيث صارت مزيجا يعجز أبرع الكيماويين عن تحليله كما في لغة أهل ~~مالطة مثلا، فامتنع بذلك الاستدلال باللغة على الجنس. وإن كان الثاني فهو من قبيل ~~إيجاب ما ليس بواجب، ولو اقتصر أهل هذا الرأي على استحسان وحدة اللغة في الأمة لأحسنوا. # 4 # فقد ثبت بما ذكر أن الأمة هي الجماعة من الناس تتجنس جنسا واحدا؛ أي تتسم ~~بسمة واحدة على اختلاف أصولها ولغاتها، وتتعارف باسم ms162 تنتسب إليه وتدافع ~~عنه. ~~(3) حد الوطن # أما الوطن فهو المسكن يقيم به الإنسان، وفي عرفهم البلاد يتوطنها سواد الأمة ~~الأعظم ويتوالدون فيها، ولا يشترط فيه مساحة بدرجات معينة وإقليم واحد بتخوم ~~معروفة، وإنما تعريفه ما ذكر من توطد معظم الأمة به. وقد يضاف إلى الوطن بلاد ~~لم تكن منه، وهي إما أن تكون فتوحا ضمت إليه عنوة، وإما أن تنضم إليه برضى ~~أهلها. فإن كان الأول فإما أن يكون ضمها قديم العهد، وتكون معاملة حكومة الوطن ~~لها معاملتها لسائر أهله فتثبت الملكية، وإما ألا تكون هذا ولا ذاك فلا تثبت، وإن ~~كان فلا مشاحة في صحة الانضمام. ~~... لا بد لذوي الحياة السياسية من وحدة يرجعون إليها ويجتمعون عليها اجتماع دقائق ~~الرمل حجرا صلدا، وإن الوطن إنما هو خير وجوه الوحدة لامتناع الخلاف والنزاع فيه ~~... # الوطن في اللغة محل الإنسان مطلقا؛ فهو السكن بمعنى أن تقول: استوطن القوم هذه ~~الأرض وتوطنوها؛ أي: اتخذوها سكنا. وهو عند أهل السياسة: مكانك الذي تنسب إليه ~~ويحفظ حقك فيه ويعلم حقه عليك، وتأمن فيه على نفسك وآلك ومالك. ومن أقوالهم ~~فيه: لا وطن إلا مع الحرية. وقال لابرويير الحكيم الفرنسوي: «لا وطن في حالة ~~الاستبداد.» وكان حد الوطن عند قدماء الرومانيين: المكان الذي فيه للمرء حقوق ~~وواجبات سياسية. # وهذا الحد الروماني الأخير لا ينقض قولهم: لا وطن إلا مع الحرية، بل هما سيان؛ ~~فإن الحرية إنما هي حق القيام بالواجب المعلوم، فإن لم توجد فلا وطن لعدم الحقوق ~~والواجبات السياسية، وإن وجدت فلا بد معها من الواجب والحق، وهما شعار الأوطان ~~التي تفتدى بالأموال والأبدان، وتقدم على الأهل والخلان، ويبلغ حبها في النفوس ~~الزكية مقام الوجد والهيمان. # أما السكن الذي لا حق فيه للساكن ولا هو آمن على المال والروح فغاية القول في ~~تعريفه أنه مأوى العاجز ومستقر من لا يجد إلى غيره سبيلا. ~~(4) الوطنية # وقد اختلف في سبب حب الوطن، فقيل: إن السبب فيه الألفة؛ فإن الإنسان إذا ألف ~~شيئا أحبه. وأجيب بأنه يخرج ms163 الإنسان من وطنه صغيرا فينبت في آخر ولا ينسى مع ذلك ~~حب وطنه. وقيل: إن حب السكان يورث حب المكان، كما قيل: # وما حب الديار يهيج وجدي # ولكن حب من سكن الديارا # وأجيب بأنه قد ينتقل الإنسان عن وطنه بمعظم أهله وأصدقائه ولا ينفك مؤثرا وطنه ~~بالحب. وعندنا أن «ياء» الإضافة في قولي «وطني» هي السبب في حبي لوطني، كما أن ~~«ياء» النسبة في قولنا «فرنسوي» هي السبب في حب الفرنسوي لأمته، فتأمله؛ فلله من ~~ياءين: «ياء» نسبة و«ياء» إضافة، تدعوان إلى فضيلتين: حب الأمة وحب ~~الوطن. # ولقائل: إنك قد جعلت مصدر حب الوطن والأمة الأنانية (حب الذات) وهي نقيصة، فكيف ~~صح في قياسك صدور الفضيلة عن نقيضها؟ وجوابه ~~أن الفضيلة هي الدرجة الرفيعة في الفضل، والفضل ضد النقص. أما الأنانية فهي نسبة ~~لضمير المتكلم على غير قياس، وهي في عرفهم إيثار الإنسان نفسه بما يراه خيرا سواء ~~جنى بذلك على غيره خيرا أم شرا، وليس في حب الوطن أو الأمة شيء من ذلك كما ~~ترى. # أما وجه كونهما فضيلة؛ أي درجة رفيعة في الفضل، فهو لأنهما يقضيان على صاحبهما ~~بخدمة الأرض التي يغتذي بخيراتها، والإنسانية التي جعلته في جماعة من نوعه يعينونه ~~على استحصال حاجاته ويدفعون عنه أذى سائر الأنواع. ولعلك لا ترضى بهذا تعليلا ~~فتقول: إن خدمة الإنسانية والأرض لا ينبغي أن تنحصر في جماعة من الإنسان أو في جهة ~~من الأرض، وإنما يجب أن تكون عامة فيهما. والجواب أنه لما رأى الإنسان من نفسه ~~عجزا عن القيام بجميع حاجاته الطبيعية ودفع أذى سائر الحيوان، تألف جماعة ~~تفرقت فيها تلك الحاجات، فصار هذا زارعا، وهذا حاصدا، وذاك طاحنا، وذاك ~~عاجنا، والآخر خابزا، وكل منهم في شأنه ساع، فلما كبرت هذه الجماعة عن أن ~~يسعها قسم واحد من الأرض تفرقت فيها فصارت جماعات منفصل بعضها عن بعض حسبا، ~~مع تواصلها بالنوعية. وأقبلت كل جماعة منها على العمل في الأرض التي اختارتها ~~مقاما استحصالا لحاجاتها، وأخذ كل من أهلها يعمل ms164 فيما ارتضاه لنفسه من الصناعات ~~ليعين بمصنوعه رفيقه مستعينا بما يصنعه ذلك الرفيق. ولو حاول الإنسان الاهتمام في ~~جميع الأرضين بجميع المهن والمشاغل لفني عمره ولم يأت بفائدة تامة، بخلاف ما ~~إذا اقتصر على العمل بمهنته في جماعته إذ تتيسر له أسباب الإعانة والاستعانة فتحصل ~~الفائدة التامة في الجماعة وينتهي ذلك إلى حصولها في النوع لما بين الجماعات من ~~علاقات الإنسانية. وهذا وجه الفضيلة في حب الأمة وحب الوطن، فليرسمن اسمهما على ~~صفحات كل قلب، وليلهجن بذكرهما لسان كل إنسان، فإنما المرء بأصغريه: القلب ~~واللسان. ~~... إن النسبة للوطن تصل بينه وبين الساكن صلة منوطة بأهداب الشرف الذاتي؛ فهو ~~يغار عليه ويذود عنه كما يذود عن والده الذي ينتمي إليه ، وإن كان سيئ الخلق شديدا ~~عليه؛ ولذلك قيل في هذا المقام: إن «ياء» النسبة في قولنا «مصري» و«إنكليزي» ~~و«فرنسوي» هي من موجبات غيرة المصري على مصر والفرنسوي على فرنسا والإنكليزي على ~~إنكلترا، فأنكر ذلك بعض الناس، وكان الأمر لا شك سوء فهم أو سوء إفهام. # وجملة القول أن في الوطن من موجبات الحب والحرص والغيرة ثلاثة تشبه أن تكون ~~حدودا: الأول أنه السكن الذي فيه الغذاء والوقاء والأهل والولد. والثاني أنه مكان ~~الحقوق والواجبات التي هي مدار الحياة السياسية، وهما حسيان ظاهريان. والثالث ~~أنه موضع النسبة التي يعلو بها الإنسان ويعز أو يسفل ويذل، وهو معنوي ~~محضا. ~~(عن كتاب «الدرر») ~~(5) الثورة # قد رأيتم شهداء طاعة عمياء ينحرهم خبثاء النفوس على مذابح الجور، تزلفا ~~لطواغيت الفجور، فوقفت بربع العدل مناديا بأهل الإنسانية: يا لثارات ~~الضعفاء! # فأجابني هاتف العصور من أغوار القبور: لقد انتجعت بورا، واتبعت غرورا؛ ~~فإنا ملأنا من قبلك الأرض نداء وزفيرا، فلم نجد من الناس نصيرا، فعلمنا أنهم ~~لا يسخون بالنجدة لمن ضن بنفسه وتوكل على بني جنسه، فاقتحمنا الأوجال في طلب ~~الآمال، فلم تكن إلا جولة ولت الحرب أولادها، وصولة سلبت السيوف أغمادها، حتى ~~سقينا غروس الأماني بالدم المهراق، فنمت باسقة الفروع، مخضرة العود، يانعة ~~الثمار، فقلنا في ظلالها ms165 آمنين تحسبنا أمواتا وتخالنا رفاتا، ونحن في نعيم ~~جنتها خالدون، فاقتدوا بنا إن رمتم النجاح، وانشطوا للسعي بالغدو ~~والرواح. # فإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل؟ # فعدت إلى بقايا الضحايا أحرك في عروقهم دم الغيرة، وأبث في صدورهم روح ~~العزم، وأنشر من همتهم ما طوت الأيام في قبور الوهام، بما أذكر من أخبار الأمم ~~وما أظهر من آثار ذوي الهمم، لعلهم يستنجزون موعد الحق بمراغمة أعدائه الذين ~~تمردوا وسعوا في الأرض مفسدين، ولعلهم يفلحون. # ولقد جعلت خبر الثورة؛ ثورة الفرنسيس، تمهيدا للخطاب وتعيينا للقدوة، فأظهرت ~~كيف تسنى لهؤلاء القوم أن يخرجوا من مضائق الظلم ومآزق العبودية؛ إذ انفصل ~~نوابهم عن المعتسفين من النبلاء وأهل الكهنوت، وجهروا بما كان يخفيه السكوت، ~~حتى انقطع الجور بحبله المبتوت، وكيف توافقوا على الاتحاد ~~في خدمة الحق ليفوزوا فيشكروا أو يبيدوا ~~فيذكروا، وأقسموا: إنا لا نفترق وفينا رمق حتى نؤيد في بلادنا أمر الحرية. ~~فأغلق الملك باب مجلسهم، فاجتمعوا في ملعب القرية متوازرين، متألفة قلوبهم، ~~يرومون القسم بالسوية والعدل في الرعية، ويدعون إلى الحق وإلى طريق مستقيم. # 5 # فكبر ذلك على عبيد الطمع وحلفاء الجزع، # 6 # فأغروا الأمير بفض مجلس النواب، فأصدر الأمر بذلك في الثالث ~~والعشرين من شهر حزيران سنة تسع وثمانين، فتلقاه النبلاء ورؤساء الكهنوت بالطاعة ~~والقبول. أما وكلاء الأمة فقالوا: لا نطيع الأمراء بما نعصي به الحق والعدل، ~~وإنما: # نطيعهم ما أصبح العدل فيهم # ولا طاعة للمرء والمرء ظالم # فأتاهم وزير الملك يذكرهم أمره ويدعوهم لطاعته ويحذرهم عاقبة الفتنة، ~~فأجابه خطيبهم ميرابو: عد إلى مولاك وقل إنا مجتمعون في هذا المقام بأمر الأمة، ~~فلا نتفرق إلا بقوة النصال! # فعاد الوزير بالخيبة والفشل يغالب عامل الغيظ ويقاوم فاعل الوجل، فعظم هذا الأمر ~~على رجال القصر وصنائع النبلاء وأنصار الامتياز، فحملوا الأمير على مقاومة النواب ~~وأخذهم بالعنف، فعزل من كان مستوزرا من وسط الناس؛ أي من غير الشرفاء، وبث ~~الجند في أرجاء العاصمة فاهتز لذلك أهلها اضطرابا، وخرجوا على الدولة ms166 ثائرين ~~يرومون وقاية النواب، ويلتمسون الحرية والمساواة، واندفعوا كالسيل على قلعة المدينة ~~فاقتلعوها من أيدي الجند منشدين: # ألا هيا بني الأوطان هيا # فوقت فخاركم لكم تهيا # أقيموا الراية العليا سويا # وشنوا غارة الهيجا مليا # عليكم بالصوارم يا أهالي # ونظم صفوفكم مثل اللآلي # فإما مات كهل في النزال # فإن الأرض تنبته صبيا # منيتم بالمقيم من العناء # فكان وجودكم عين الفناء # فموتوا إن طمعتم في البقاء # فمن أودى شهيدا عاد حيا # 7 # فانخلع بذلك قلب الأمير جزعا ورام الفرار والتماس النجاة فقبض عليه في فارين ~~وأعيد إلى العاصمة أسيرا، ثم كان من أمر محاكمته وإهدار دمه ما يخرج بيانه عن حد ~~مطلبنا؛ فإنا لم نجعله تاريخا لثورة الفرنسيس وإنما أتينا بذكرها مثلا وعبرة ~~لقوم يذكرون. وليعلم الصابرون على العنف، الطامعون في النجاة من الخسف، كيف ~~أدرك الناس من قبلهم هذه الغاية فانتقلوا من الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العز، ~~ومن الرق إلى الحرية، فارتفعت رءوسهم، وانبسطت نفوسهم، وصارت أوطانهم بغية المرتجي ~~وعقوة الملتجي، لا يخاف نزيلها ضيما ولا يخشى دركا؛ إذ الشرقيون عموما ~~والمصريون خصوصا بين أنياب الطامعين ومخالب الظالمين. # وإني لا أطمع الآن للمصريين في مثل هذه الحال، وإن خاضوا لها غمار الأخطار ~~واقتحموا إليها الأهوال، فإن الطفرة محال، ولا أحثهم على الفتنة وإن كانوا كما ~~تصور المتنبي حيث قال: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # وإنما أبين لهم أن النعمة لا تملك من غير تعب، وأن الغاية لا تدرك من غير ~~طلب، وأن النجاة وقف على سبيل الهمة، وأن النجاح بإرادة الأمة لتظهر عليهم علائم ~~القصد فتكون طليعة لجيوش العزم، فيعلم المستخفون بهم أنهم لا يزالون أحياء، وإن ~~كانوا من ظلمهم في ظلمات القبور، فيقبضون عنهم أيدي الظلم، ولا يطمعون في بيع ~~أولادهم من الأجنبي عبيدا يحفرون المعدن ويفلحون الأرض ويطوون الشراع، ولا ~~يطعمون كراعا ولا يطمعون في باع. # أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يرفع من شأن أوطاننا ما وضع السفهاء، وأن ms167 يحفظ من ~~حقوق أهلها ما ضيع الخائنون. ~~(عن كتاب «الدرر»، وهي خاتمة رسائله ~~الأربع التي وجهها من باريس إلى ~~الشرق بعنوان «نفثة مصدور») # | حسين باشا # مسألة الرقيق وإلغائه # 1 # إلى مسيو آموس بيري قنصل جنرال العصبة الأميركانية بحاضرة تونس: # أما بعد، فإنه شرفني مكتوبكم الذي مضمونه ~~أنكم حيث كنتم بأرض كانت الحرية والعبودية بها متجاورتين وناميتين منذ مدة مديدة ~~وصارتا الآن مشتبكتين في حرب شديدة لغاية قهر إحداهما الأخرى، ووجدتم في تاريخ ~~تونس حوادث مهمة متعلقة بهذين المبدأين المتضادين، أردتم أن تعرفوا تأثير ~~العبودية في بلادنا وهل أعقبت تأسفا من الأهلين على فقدها أو انشراحا بذلك، فطلبتم ~~منا شرح ذلك وبيان ما أثبتت التجربة أصلحيته هل هو الخدمة الجبرية؛ أي خدمة العبيد بدون ~~أجر، أم الخدمة الاختيارية بأجر معلوم، وأيهما أوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية؟ ~~أما الجواب عما وجدتم في تاريخ بلادنا من تحرير العبيد ومنعنا لملك الآدمي في ~~المستقبل بعد أن كان مباحا فسبب ذلك هو أن دولتنا، كسائر الدول الإسلامية كما ~~تسمونها، دولة تيوكراتيك في المعنى؛ أي أحكامها جامعة بين الديانة والسياسة. ~~والشريعة الإسلامية وإن أقرت الملكية (وقلنا أقرت لأن ملك الآدمي متقدم على ~~الشرائع الثلاث؛ فقد كان حكم السارق في شرع يعقوب إسرائيل الله أن يسترق سنة بدل ~~القطع في الشريعة المحمدية) إنما أباحتها بعد حصول سبب الملك بشروط وواجبات يعسر ~~القيام بها؛ فإن منها عدم الإضرار بالمملوك حتى جعل الشارع الإضرار موجبا للعتق كما ~~قال: أي مملوك مثل به فهو حر. ومع ذلك فلم تزل الشريعة تؤكد الوصايا بالعبيد حتى كان ~~آخر كلام نبينا ( # صلى الله عليه وسلم ~~): «الصلاة وما ملكت أيمانكم.» وكان يقول: «إخوانكم ~~خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما ~~يلبس، ولا يكلفه فوق طاقته.» وكان عمر بن الخطاب الخليفة الثاني يذهب كل يوم إلى ~~الموالي فكل عبد وجده في عمل لا يطيقه وضع عنه منه، وكذلك كان يخرج كل يوم سبت ~~يفتقد الدواب فإذا ms168 وجد دابة في عمل شاق خفف عنها. ثم إن من القواعد الشرعية ~~تشوف الشارع إلى الحرية حتى إن من أعتق جزء عبد لزمه عتق باقيه. وكان من مصارف ~~الزكاة المحصورة في الأصناف الثمانية بنص القرآن فك الرقاب؛ قالوا بأن يشترى من ~~مال الزكاة عبيد فيعتقون، كما أن من لزمه كفارة يمين أو قتل أو فطر أو إظهار فله ~~التكفير بعتق رقبة؛ فلولا أن تحرير العبيد من المصالح المهمة لما ضيقت الشريعة به ~~على الفقراء والمساكين. ومن آثار التشوف المذكورة كثرة ترغيب الشارع في العتق كقوله: ~~«أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه في النار.» ~~وتلك الشروط والواجبات حيث كان القيام بها عسيرا في زمن عنفوان شباب الدين فما ظنك به ~~في زمن هرمه، لا سيما مع صنف السودان المباينين للبيض في الطبيعة الغريزية؛ فكثيرا ما ~~يقع بين العبيد ومواليهم المشاجرة التي لا منشأ لها إلا التنافر الطبيعي، وذلك مما ~~يفضي إلى مزيد من الإضرار بالعبيد وتجاوز الحدود الشرعية في حقهم. ولم يزل ذلك الأمر ~~يتزايد حتى اقتضى نظر الدولة تحجير الاسترقاق من أصله لأنه لما تعذر الرفق بهم ~~والإحسان إليهم على الوجه المطلوب شرعا لم يبق إلا الأمر ببيعها أو بعتقها، والأول ~~لا يحصل به الغرض المقصود لما فيه من التسلسل وعود الضرر مع المشتري، فتعين الوجه ~~الثاني. ومن ذلك الوقت بطلت ملكية العبيد عندنا دفعة وذلك في شهر المحرم سنة ~~1262 في مدة المرحوم المشير أحمد باشا باي. وأول ما خاطب به المجلس الشرعي في هذا الشأن ~~قوله: أما بعد، فقد ثبت عندنا ثبوتا لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا ~~يحسن ملكية هؤلاء المماليك السودان؛ ولذلك اقتضى نظرنا والحالة هذه، رفقا بأولئك ~~المساكين، أن نمنع الناس من هذا المباح، وعندنا في ذلك مصالح سياسية، إلخ ... والمصالح ~~المشار لها هنا يمكن شرحها بأمور كثيرة منها ما يقوله أهل الاقتصاد السياسي في ~~أيامنا أن البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم ms169 الملكية أعمر من غيرها بالاستقراء. وقد ~~رأيت خطبة لبعض الأفاضل من أهل القلم بمملكتنا كتبها في ذلك الوقت يحث بها أهل ~~المملكة على إجابة رئيس الدولة بالقلب والقالب يقول فيها: «فيا للنفوس الزكية، والقلوب ~~التي بالشفقة حرية، شرعكم متشوف للحرية، ورق الآدمي بلية، والرب يقدر على عكس ~~القضية.» # وأما الجواب عن تأثير العبودية وما أعقب ~~فقدها في الأهلين فهو أن ملك الآدمي لما لم يكن من الأمور الضرورية ولا الحاجية في ~~المعيشة لم يصعب العدول عنه ولم تجزع لفقده نفوس أهل مملكتنا. وكيف يتأسف المعتني ~~بشئون الترف والكمال في الأحوال والعوائد على تحرير عبده وهو قادر على استرقاق الأحرار ~~بالدرهم والدينار مع اعتقادهم الديني أنهم ينالون بعتق عبيدهم ثوابا من الله في الدار ~~الآخرة؟ على أن ذلك وإن صعب في أول الأمر على بعض من الناس لرؤيتهم استخدام العبيد ~~بدون أجر أيسر لهم وأربح من استخدام غيرهم بأجر أو لشح نفوسهم بالعتق إيثارا ~~للعاجل على الآجل، إلا أن هؤلاء تسلوا من قريب لما أثبتت لهم التجربة أصلحية الخدمة ~~الاختيارية دون الجبرية، كما أثبتها العقل أيضا، ورأى من عجز عن استخدام الحر بالأجر ~~ممن كانوا يستخدمون العبيد رجوعه إلى الأمر الطبيعي والسيرة المستحسنة وهو أن يباشر ~~الإنسان قضاء أوطاره اللازمة بنفسه ويقلل احتياجه إلى أبناء جنسه؛ فإن النفس إذا ~~تعودت استخدام الغير قد يفضي بها ذلك إلى العجز عن أدنى الضروريات. والإنسان ابن ~~عوائده ومألوفاته لا ابن طبيعته ومزاجه، وبذلك التعود تكثر شروط استمرار حياته، وما ~~كثرت شروطه عز وجوده. وبالجملة فالناس في باب الخدمة على أربعة أصناف: إنسان يخدم ~~نفسه بنفسه، ولا شك أن هذا يعمل ما يستطيعه في يومه ويجهد نفسه. والثاني يؤاجر نفسه ~~لغيره طوعا، وهذا دون الأول في نتيجة العمل حيث لا يجهد نفسه. والثالث يعمل لغيره بلا ~~أجر وهو مجبور، فذلك هو العبد المملوك، ولا غرو أن تكون نتيجة عمله دون الثاني بمراحل. ~~والرابع الذي لا يعمل لنفسه ولا لغيره، وهو العبد البطال الذي يبغضه الله ms170 تعالى، ومن ~~هذا الصنف الأخير الناس الذين يترفعون عن خدمة أنفسهم وقضاء أوطارهم استنكافا عن ~~مزاحمة العبيد في أشغالهم. وقد ينفع في هذا القسم العلاج إذا رأوا من كان أرفع منهم ~~يتعاطى تلك الأشغال التي أنكروا مباشرتها، وأيضا ربما نفع هذا التعاضد الكسالى إذا ~~رأوا مع ذلك التفاتا وترغيبا وترهيبا من رعاتهم إذ لا يجدون محيصا عن المسير ~~اقتداء بمن سار. والإنسان أقرب إلى خلال الخير منه إلى خلال الشر بأصل فطرته وقوته ~~الناطقة العاقلة؛ لأن الشر إنما جاءه من قبل القوة الحيوانية المركبة فيه، وأما ~~من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب، فإذا وجد طبيبا ماهرا وداوى ما طرأ عليه ~~من المرض فإنه يرجعه إلى أحسن تقويم وتجتمع الأيدي ويكثر التعاون وتتوفر بذلك أسباب ~~العمران. ومن هذا يتبين لكم السر في كون البلدان التي فيها عموم الحرية وعدم الملكية ~~أعمر من غيرها كما أشرنا إلى ذلك آنفا؛ ولا سبب لذلك إلا كون نتيجة فعل الإنسان ~~المختار أربح وأبرك من نتيجة فعل العبد المجبور. وعندي أن عموم الحرية وانتفاء الملكية ~~كما يؤثر في نمو العدوان يؤثر أيضا في تهذيب خلق الإنسان. أما تأثيره في نمو ~~العمران فظاهر؛ إذ لا عمران إلا بعدل، والحرية نتيجة العدل، فإذا انعدمت جاء الظلم ~~المؤذن بخراب العمران ونقصه بنقصها. وأما تأثيره في تهذيب الإنسان فإن تعميم الحرية ~~يبعده عن الأخلاق الردية من الشراسة والتكبر والتجبر ونحوها التي لا تنفك في ~~الغالب عمن يملك العبيد لما تعودوا به من الإمرة والترفع، وربما رأيتهم ينظرون ~~الناس بالعين التي ينظرون بها عبيدهم لا سيما إذا رأوا إنسانا أسود فلا يرونه إلا ~~كسائر الحيوانات العجم. وكنت حضرت مرة في أيام الكرنفال سنة 1856 بالأوبره الكبيرة ~~بباريس ومعي غلام أسود فما راعني إلا أن رأيت رجلا أميركانيا وثب وثوب القطة على ~~الفأرة وأراد أن يأخذ بثيابه قائلا ولسانه يتلجلج من سطوة النشوتين: ما يفعل هذا ~~العبد السوداني بصالون؟ أي بيت نحن فيه، ومتى مكن العبيد من مجالسة السادات؟ ms171 ~~فأخذت الفتى السوداني البهتة إذ لم يكن يدري ما يقول ولا علم لماذا يجول ذلك الرجل ~~ويصول، فدنوت منهما وقلت للرجل: يا حبيبي هون على نفسك؛ فإنما نحن بباريس ولسنا ~~بريشموند. وبينا هما كذلك إذ وافاهما أحد حفظة المحل وعرفه بأن لا فرق في حكمهم بين ~~الجلود إلا بالجودة وإتقان الدبغ؛ فالحاصل أن ذلك الأسود المسكين لم تخلصه من أظفار ~~ذلك الرجل محرمته البيضاء ولا فوانتواته الصفراء (أشار بالمحرمة والفوانتوات إلى ما ~~اعتادته الإفرنج من التزين بذلك عند الذهاب إلى المحافل)، وإنما خلصه بياض الحق ~~وعدل الحرية. وبالجملة فالأوفق بنظام الجماعة عند الدولة التونسية هو عدم الملكية، ولا ~~التفات لما عسى أن يستند إليه المخالف من أن بعض العبيد ندموا على خروجهم من بيوت ~~سادتهم وطلبوا الرجوع إليها على شروط العبودية، إذ: # قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد # وينكر الفم طعم الماء من سقم # على أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين خرجوا جافلين كما تخرج الدواب إذا انفلتت من ~~مرابطها قبل الاستعداد إلى لوازم المعيشة والحرية. أما الآن بعد الاستعداد فهل ترى ~~لهم أدنى ميل إلى العبودية؟ ندع هذا الاعتراض الساقط ونرجع إلى ما هو أهم منه فنقول: ~~أنتم أيتها الأمة الأمريكانية إخوان الأمة التي قال فيها عمرو بن العاص صاحب نبينا ~~( # صلى الله عليه وسلم ~~): إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة ~~بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. ~~ولعمري لأنتم كما قال أمنع الناس من ظلم الملوك؛ حيث أنعم الله عليكم بتمام الحرية في ~~أنفسكم وجعل سائر أموركم السياسية والمدنية بأيديكم، والبعض من غيركم يقنع بالحقوق ~~المدنية لحماية النفس والعرض والمال فلا يجدها، فما ضركم لو تفضلتم على عبيدكم بما ~~لا يؤثر وهنا في شوكتكم شكرا لربكم على ما خولكم من تلك النعم الجليلة؟ ثم ~~أنتم من التمدن والحضارة بمراحل عن أن تقتدوا بمن يدورون وعيونهم مكنبلة على دائرة # إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~. واعلموا ms172 أن ~~الشفقة والحنانة البشرية تدعوكم لأن تنبذوا من حريتكم الزيادات التي تسوءها ~~وتكدرها وتلقوا بها البشر على شفاه أولئك العبيد المساكين. والله يحب من عباده ~~الرحماء، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. هذا، وأرجوكم أيها القنصل الجنرال ~~أن تعتقدوا غاية تكدرنا من حروبكم هذه الواقعة بينكم توجعا على النوع الإنساني، ~~وغاية شفقتنا على أولئك العبيد المساكين، كما أرجوكم أن تعتقدوا خلوص مودتي ~~لكم. # كتبه بيده الفانية الفقير إلى ربه تعالى حسين رئيس المجلس البلدي، تحريرا في أواخر ~~جمادى الأولى سنة 1281 هجرية، الموافق لأواخر أكتوبر سنة 1863 مسيحية ... ~~(عن «كنز الرغائب في منتخبات ~~الجوائب»، الجزء السادس) # | روحي الخالدي (1864-؟)1 # فيكتور هوغو # نبغ فيكتور هوغو في عصر الانقلاب والتجدد وطال عمره وكثر عمله. وكان لقومه الحظ ~~الأوفر من التقلبات السياسية والتبدلات الاجتماعية، واستوقفوا نحوهم أنظار العالم ~~المتمدن بأسره، فكان هذا الشاعر لسان حال الأمة وترجمانها في كل انقلاب حدث فيها ~~وتبدل طرأ عليها وغير حكومتها من ملكية مطلقة إلى جمهورية مفرطة، إلى ~~إمبراطورية ديمقراطية، إلى ملكية مقيدة بقليل أو بكثير من القيود، إلى جمهورية ~~ثانية، إلى إمبراطورية ثانية، ثم إلى جمهورية ثالثة؛ فهذه التقلبات هيجت الأفكار ~~العمومية وكثرت الأحزاب السياسية ودعت إلى استماع قول الشاعر الحكيم والتمثل ~~بأشعاره في نوادي السمر الأدبية والسياسية على اختلاف الآراء وتبدل المشارب. ومتى ~~تحدث أهل العاصمة بأمر سارت الركبان بحديثهم إلى الولايات وأطراف المملكة، ثم فشا في ~~الممالك المجاورة، وجسمه البعد في المخيلات فأصبح صداه في الخارج أشد من صوته في ~~الداخل. وبعد أن استبد نابليون الثالث بالحكم مال لأبهة الملك وعظمة السلطنة ~~وتفاخر بالصيت والشهرة، واشتد حرصه على السمعة في البلاد الأجنبية. وانتشرت اللغة ~~الفرنساوية على عهده في أكثر الممالك المتمدنة وصارت اللسان الرسمي المتداول بين ~~الدول في المناسبات الدبلوماتية وفي الاجتماعات السياسية والأدبية وفي قصور الملوك ~~والأمراء وفي حفلاتهم وسهراتهم ومراقصهم وعلى موائد ضيافتهم وفي تحرير المراسلات ~~والمعاهدات، كما أصبحت اللسان الرسمي في نظارة الخارجية العثمانية وفي كثير من دوائر ~~الدولة ms173 العلية ومعاملاتها ولم تزل إلى يومنا هذا. # فلما اقترن اسم فيكتور هوغو باسم نابليون بسبب مدحه نابليون الأول وهجره نابليون ~~الثالث، زاد شوق الناس للاطلاع على أشعاره وقصصه في داخل فرنسا وخارجها، وراجت بضاعته ~~في الأدب فلم يدع بابا من أبواب الشعر إلا طرقه ولا مسألة إلا بحث فيها. ثم ساعدته ~~الظروف بالانتصار على نابليون الثالث بعد حرب السبعين الألمانية وتشكل الجمهورية ~~الثالثة فزاد ذلك في أهمية الشاعر وفي انتشار شعره، وبالغ رجال الجمهورية في الاحتفاء ~~به والاحتفال له كاحتفال الإمبراطورية بشخص الإمبراطور. # أما السبب الثاني لشهرته فهو سهولة أشعاره ووضوحها وتصويرها المسائل العظيمة ~~والأفكار الدقيقة؛ فأظهر بشعره فرحه وسروره بنعمة الحياة وابتهاجه بالمخلوقات، ورأى في ~~أمنا الدنيا بقرة حلوبا تدر على أبنائها بلبن سائغ للشاربين ، وتكلم على ~~أفراح العائلة وزينة البيوت بالأولاد ولذة اجتماع الأهل على المائدة ومحبة الوالدين ~~وحنوهما، وحض على الإحسان للفقراء والمساكين والشفقة عليهم. وبين اعتقاده بالله ~~الغفور الرحيم، ورجاءه بتقدم نوع الإنسان في الحضارة وبتحسن الحياة البشرية ~~والمعيشة الإنسانية بسبب انتشار الأفكار الجديدة وتغلب الحق رويدا رويدا على القوة ~~والنور على الظلمة حتى تتساوى الناس في الحقوق ويرتفع عنهم الضغط والاستبداد ويزول من ~~بينهم الظلم والاستعباد وينتشر العدل ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ... فجميع ذلك ~~مما يرغب الجمهور في تلاوة أشعاره وتعليمها للأولاد ونشرها في البيوت بين النساء ~~والبنات. بخلاف أشعار المعري التي لا يذكر فيها إلا بخل أم دفر على بنيها ~~بالحقوق ومبادرتهم لها بالعقوق، ولا يرى بقرة فيكتور هوغو تجود إلا بسم قطيب؛ أي ~~ممزوج بحلاوة. ومع غنى المعري وثروته لم يلتذ بالمال والبنين ولا بشيء من زينة ~~الحياة الدنيا، وزهد في أكل اللحوم وشرب المكيفات، وعمي بصره عن مشاهدة المناظر ~~الطبيعية والرياض النضرة. وحيث كان لفيكتور هوغو اعتقاد ثابت في الله ورجاء كبير في ~~حسن المستقبل وارتقاء الإنسان إلى دار السعادة، عرف وظيفة الشاعر وبين ما يترتب عليه ~~وعلى كل عاقل مفكر في الأمر من نشر الحقائق بين قومه وأبناء لسانه، ms174 وزعم أن الشاعر ~~ينبغي أن يكون رسولا للأمة ونورا يسعى بين يديها ليهديها الصراط المستقيم. # وفيكتور هوغو موحد اعترف في كثير من أشعاره باعتقاده بالله وحسن رجائه باليوم ~~الآخر. واهتدى للتوحيد بنظره في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار كما اهتدى ~~إبراهيم جد الأنبياء عليه وعليهم السلام: # وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين * وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر ~~بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى ~~الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ~~يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ~~. # وهكذا قال فيكتور هوغو لقومه: «إني بريء مما تعبدون.» فلم يكن مشركا بالله ولا كان ~~منكرا جاحدا إنكار الشاعر فولتير وجحوده، # 2 # بل ربما كان حنيفا. والحنيف هو الذي يؤمن بالله ولا يتخذ شكلا مخصوصا ~~للعبادة، وكان منهم أناس في جزيرة العرب قبل الإسلام مثل ورقة بن نوفل وغيره؛ فإذا ~~أمعنا النظر في كلام فيكتور هوغو نراه من الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ونراه أيضا كثير البغض في الجبابرة المستبدين ~~ويدعو الناس إلى عدم اتخاذ أرباب من دون الله. # قال الحكيم الفيلسوف إرنيست رينان عن فيكتور هوغو وعن فولتير: إنهما سارا من قطبين ~~متخالفين ولم يتلاقيا إلا على محبة العدل والإنسانية. # والباعث الثالث على شهرة فيكتور هوغو هو كثرة عمله وغزارة معارفه، عدا معرفته بدقائق ~~اللغة الفرنساوية، وبعلم القوافي والعروض والموسيقى، وما يلزم للشعر. وكان حكيما ~~فيلسوفا يضع كل شيء في موضعه وكل معنى في قالبه. ولم يغب عن علمه شيء من التاريخ ~~والجغرافيا وأسماء البلدان. وله اطلاع على العلوم الرياضية وجميع المسائل الاجتماعية ~~وكليات القوانين البشرية والسياسية. وله اقتدار ms175 عجيب في التخيلات والتصورات ~~والاختلافات. وإذا نظر في شيء تمكن من رؤيته بعين لم يتيسر لغيره من الشعراء ~~الرؤية بها؛ فوقف على كنه الأشياء وحقيقتها وعلى جميع ما يعرض لها من الصور والأشكال ~~والألوان وبقية الخواص الظاهرة والباطنة. وإذا ذكر إسبانيا مثلا لم يترك فيها مدينة ~~إلا وصفها بالوصف اللائق بها سواء كان وصفا جغرافيا أو طبيعيا أو تاريخيا بالنظر ~~لمن اشتهر فيها أو لما ينبت في أرضها أو لمرآها الطبيعي ومنظرها الخارجي، وذكر كذلك ~~كثيرا من مدن فرنسا وإيطاليا. ~~... وكان له ولع بالأمور العظيمة والمقامات العالية والمناظر الواسعة والمعاني ~~الدقيقة، فعرف لج البحر الذي لا يرى ساحله وبعد الفضاء الذي لا تدرك نهايته. ~~وقلد أصوات الأشياء ووصف الجمادات وصفا يخال منه للقارئ أنها حية تنطق؛ ولذا قالوا: ~~إن فيكتور هوغو أنطق الجماد ونفخ فيه بأساليبه الشعرية روح الحياة. وله ابتكارات بديعة ~~وتشابيه ظريفة وتعبيرات لطيفة. ونجد لما ورد في كلامه من التشبيه والتخيل والبديع ~~أمثالا كثيرة في الشعر العربي والأندلسي تكلم عليها الباقلاني في «إعجاز القرآن»، ~~والجرجاني في «أسرار البلاغة» المطبوع في جريدة «المنار»، ومن سلك مسلكهما من علماء ~~اللغة والبلاغة، ولكن فيكتور هوغو يفوق بسعة الاطلاع والإحاطة بالمسائل. وأكثر شعراء ~~العرب انحصرت أقوالهم في الدائرة التي هم فيها فلم يخرجوا منها ولا تعدوا الأساليب ~~التي وضعها شعراء الجاهلية. والذين خرجوا عن تلك الأساليب واتسعت مداركهم قليلون مثل ~~المتنبي، والمعري الذي تكلم على كثير من المسائل الاجتماعية والسياسية، ونادى ~~بالحرية والمساواة بين أفراد البشر، وبين ماهية الحق والعدل، وشرح كثيرا من المسائل ~~الفلسفية، وأظهر شعوره وإحساسه بالوسط الذي ألقينا فيه فكان سجنا لنا لا خلاص منه إلا ~~بالموت؛ فهو متحير في هذه العقدة التي أضلت الأدباء في حلها. # ثم إن أهل النقد الأدبي من بلغاء الإفرنج يقولون: نعم إن فيكتور هوغو أنطق الجماد ~~وتوصل بأساليبه الشعرية إلى وصف المناظر الطبيعية وتصوير العصور الخالية والهيئة ~~الاجتماعية بأحسن تصوير وأبدع وصف؛ فهذا لا ينكر، ولكنه لم يتوصل إلى معرفة باطن ~~القلب ms176 الإنساني ولا لإيجاد أوصاف تامة ولا حياة طبيعية للأشخاص الذين اختلقهم على ~~مرسح التمثيل؛ ولذا لم يكن أوحد الأدباء في تأليف روايات الدرام؛ فهو وإن أنطق الجماد ~~لكنه أخرس البليغ. # نعم، إن شارلكين في رواية إرناني # Hernani # هو بيت ~~القصيد وهو من ملوك الكلام ولا ننكر فصاحته وبلاغته، وإنما عيبه عندنا هو عدم وجود ~~الروح فيه؛ فهذه النفس الناطقة التي أرانا إياها الشاعر على مرسح اللعب والتشخيص هي نفس ~~المؤلف أي نفس فيكتور هوغو وليست نفس المشبه به وهو شارلكين؛ فالحماسة التي أظهرها ~~المؤلف في شعره ليست بطبيعية ولا هي حقيقية، بل هي عندية؛ أي من عند الشاعر، ولم ~~تبن على الحجج والبراهين الأدبية التي اشترطها أصحاب الطريقة الحقيقية وسماها إميل ~~زولا «دوكيمان»، # 3 # فأصحاب هذه الطريقة الجديدة يلومون فيكتور هوغو على تعظيمه الأمور ~~ويشبهون قريحته بمرآة مكبرة تكبر الشيء المعكوس فيها وتجسمه تجسيما خارجا ~~عن الحقيقة وعن العرف والعادة. ومن عادة فيكتور هوغو إرخاؤه العنان للقوة الواهمة ~~والخيالية؛ ولذا نجد في مؤلفاته مثل «كازيمودو» ومثل «الرجل الضاحك» من الأشخاص ~~الموهومة التي لا توجد إلا في كتاب «ألف ليلة وليلة» وما كان على نسقه. # ومما انتقد فيه على فيكتور هوغو من جهة الأخلاق تبدل رأيه السياسي وتقلبه فيه ~~ذات اليمين إلى ذات الشمال ومن حزب الملكية إلى حزب الجمهورية. ورأينا جوابه على هذا ~~الاعتراض بقوله: إن مدحنا الرجل بالثبات على رأي واحد في السياسة مدة طويلة ليس ~~بمدح مستحسن، وإنما هو كمدحنا الماء الراكد وتفضيلنا إياه على الماء الجاري. والجواب ~~الصحيح على هذا الاعتراض أن فيكتور هوغو مع ظهور معجزاته في المعاني ما هو إلا بشر غير ~~معصوم تميل نفسه إلى شهواتها التي منها التقرب من الملوك وأولي الأمر، ولكنا نجده ~~محافظا على الاعتدال في أمر الشهوات النفسية صبورا متجلدا عند الحاجة. وبينما نرى ~~أمثاله وأقرانه من أدباء باريس لا يقنع أحدهم بعشر نسوة نجده اقتصر هو على ~~اثنتين: أم أولاده، والممثلة البارعة جوليت. ومن غريب أمر هذا الشاعر أنه ms177 خالف ~~القاعدة المطردة في عظماء الرجال، فكان في شبابه من حزب الملكيين المحافظين على بقاء ~~الحال على ما كانت عليه، فانقلب من ذلك رويدا رويدا حتى صار في شيخوخته من حزب ~~المفرطين في محبة الحرية المائلين للانقلاب والارتقاء الشديد العداوة للاستبداد ~~والمستبدين. وهذا خلاف المطرد في أخلاق الرجال فإنهم كلما تقدموا في السن عدلوا ~~عن حب التجدد والانقلاب والحرية ومالوا للبقاء على حالتهم الراهنة. ~~(عن كتاب «تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب») # | المطران يوسف الدبس (1833-1907) # (1) من حوادث سوريا أيام السلطان عبد الحميد الأول # إن السلطان مصطفى الثالث توفي سنة 1774 وخلفه أخوه السلطان عبد الحميد الأول. ~~ومما كان في أيامه بسوريا أنه لما كان الجزار قد نصب واليا على صيدا سنة ~~1776، خاف الأمير يوسف حاكم لبنان لما كان بينهما من العداوة، وأسر بالأمر لحسن ~~باشا المكلف بإصلاح شئون سوريا فأجابه: «كن آمنا فإذا رجعت إلى الآستانة ~~عزلته.» وطلب منه أن يدفع له ماية ألف قرش كانت باقية عليه من المال الأميري، ~~فوضع الأمير يوسف يده على ريع عقارات تخص الحكومة كانت بيد أقربائه، فثار ~~الأمراء عليه ونهضوا إلى البقاع، فحشد الأمير رجالا سار بهم ففروا من وجهه، ~~واسترضاه الأمير إسماعيل حاكم حاصبيا عنهم، وبقي أخواه الأميران: سيد أحمد وأفندي، # 1 # يحزبان عليه، فاضطر الأمير أن يرد عليهما إقطاعهما. # وسافر حسن باشا إلى الآستانة، ونهض الجزار بعسكر من صيدا إلى بيروت فاستحوذ ~~عليها وضبط أملاك الشهابيين بها، وشدد على الأمير يوسف بطلب الأموال عن ثلاث ~~سنين ماضية، فكتب الأمير إلى حسن باشا وكان قد بلغ إلى قبرص فعاد وأخرج الجزار ~~من بيروت وطيب قلب الأمير. وبينما كان فرسان ~~الجزار راجعين إلى صيدا أكمن لهم المشايخ النكدية في السعديات بقرب الدامور، ~~فاندفع الفرسان عليهم وقتلوا منهم كثيرين وأسروا شيخين منهم. وكتب الأمير يوسف ~~إلى الجزار معتذرا بأن ذلك لم يكن بعلمه، والتمس إطلاق الشيخين، وجعل له فدية ~~عن ذلك ماية ألف قرش، فأجابه الجزار إلى ذلك. ووزع الأمير المبلغ على البلاد ms178 ~~فأبى الأمراء اللمعيون دفع ما نابهم منه، فالتمس الأمير من الجزار إرغامهم على ~~الدفع فأرسل عسكرا على المتن فأحرق المكلس والدكواني والجديدة وقتل جماعة، ثم ~~دهم الشويفات فصده رجالها، فقفل إلى بيروت، ثم سار إلى صيدا وخرج منها بعسكر إلى ~~البقاع وضبط كل ما بها للبنانيين من الغلات، فاتفق حينئذ الأمير يوسف مع ~~الأمراء اللمعيين وجمع منهم عسكرا زحف بهم إلى المغيثة وكان بين الفريقين ~~وقعات كان النصر فيها لعساكر الجزار ... # وفي سنة 1782 أحدث الأمير يوسف # 2 # ضريبة على التوت سموها البزرية، فأثار أخواه # 3 # الجنبلاطية عليه وجمعوا حشدا وساروا به إلى قرب دير القمر قاصدين ~~طرده وقتل مدبره سعد الخوري، فوعد الأمير بإبطال الضريبة، فانفض الحشد، ~~واستمر الأميران والجنبلاطية على عزمهم. وفي سنة 1783 اجتمعوا في دار الأمير أفندي ~~ليلا ليمضوا إلى كنيسة التلة ليقسموا على اتفاقهم على طرد الأمير وقتل ~~مدبره. وعرف الأمير ذلك فأكمن لهم المغاربة في طريقهم فقبضوا على الأمير أفندي ~~وفر الأمير سيد أحمد. ولما رأى الأمير يوسف أخاه (أفندي) حملته سورة غضب ~~فقتل أخاه بيده. # وأما الأمير سيد أحمد فاتفق مع الشيخ حسن جنبلاط والشيخ عبد السلام العماد على ~~خلع الأمير يوسف، فخاف الأمير يوسف وأسرع إلى الجزار ووعده بثلاثماية ألف قرش ~~فولاه وأرسل معه عسكرا قام به إلى إقليم الخروب، وحشد الأمير سيد أحمد عسكرا ~~وأرسله مع ابن أخيه الأمير قعدان. والتقى الجيشان بعانوت فانكسر عسكر الأمير قعدان ~~وهو نجا منهزما. وارتاع الأمير سيد أحمد ففر ومعه الشيخ قاسم جنبلاط إلى صليما ~~عند الأمير إسماعيل اللمعي، فضبط الأمير يوسف أملاكهم وهدم مساكنهم. والتجأ الأمير ~~سيد أحمد إلى محمد باشا العظم والي دمشق فولاه ~~على وادي التيم والبقاع وأصحبه بعسكر، وأتى معه الجنبلاطية إلى قب الياس. ~~والتقاهم الأمير فكانت الحرب بينهم ثلاثة أيام، فانهزم الأمير سيد أحمد والجنبلاطية ~~إلى الزبداني، وعاد الأمير يوسف إلى دير القمر وأخذ يصادر محاربي أخيه، ثم تدخل ~~الأمير إسماعيل خال الأمير يوسف بالصلح بينهم وبين ابن أخيه، فرضي ms179 الأمير يوسف عنهم ~~بشرط أن يدفعوا ماية وخمسين ألف قرش فدفعوها. وعادوا إلى وطنهم، وأمر الأمير يوسف ~~الأمير سيد أحمد أن يسكن بالشويفات فأطاعه. ~~(2) الثورة على الأمير بشير والجزار سنة 1790-1791 # توفي السلطان عبد الحميد الأول سنة 1789 وخلفه السلطان سليم الثالث. # ومما كان في أيامه بسوريا أن الأمير يوسف كتب إلى الجزار يستأذنه بالحضور إلى ~~عكا، فأذنه، فدخل عليه وفي عنقه منديل الخضوع فأمنه وأكرمه وأقام عنده خمسة ~~أشهر. وفي سنة 1790 خلع عليه خلع الولاية على لبنان بعد أن تعهد له بدفع ستماية ~~ألف قرش، ورهن عنده على ذلك ابنه الأمير حسينا ومدبره الشيخ غندور الخوري، # 4 # واتخذ فارس الشدياق مدبرا عوضا عن غندور، فقام الأمير بشير # 5 # إلى نيحا ثم إلى عكا وتعهد للجزار بدفع زيادة على ما دفع الأمير ~~يوسف فأنعم عليه بخلعة الولاية على لبنان، وأمر أن يلقى الأمير يوسف بالسجن ومعه ~~عشرة من خدمه من بيت الدحداح وسمعان والبيطار وفارس الشدياق. وأمر الأمير بشير أن ~~يسرع إلى دير القمر ويأخذ معه الأمير حسينا ابن الأمير يوسف. ولما وصل إلى ~~دير القمر قبض على كل من وجده من محازبي الأمير يوسف وأودعهم السجن، ووجه ~~جباة يجمعون المال، فاجتمع الأمراء اللمعيون ووجوه المتن في مأتم الأمير محمد ~~اللمعي وائتمروا على الأمير بشير واختاروا مكانه الأميرين حيدر ملحم وابن أخيه ~~قعدان، وبثوا إلى وجوه البلاد ما عزموا عليه، وطردوا جباة المال، فجمع الأمير ~~بشير رجاله وسار إلى عين داره. واجتمع المتنية ~~في حمانا، وسار الأمير حيدر ملحم إلى عبيه واتفق مع ابن أخيه الأمير قعدان وضوى ~~إليها بعض المشايخ النكدية والعمادية. وخاف الأمير بشير أن يسبقاه إلى دير القمر ~~فأسرع إليها، وأرسل الجزار ألفا من الأرناءوط إلى حرش بيروت، فخاف الأمير حيدر ~~ملحم وقام إلى العبادية واتفق المتنية. وأرسل الأمير بشير رجالا لمساعدة عسكر ~~الجزار، فكانت بينهم وبين المتنيين وقعات انهزم بها المتنيون وقتل منهم خلق ~~كثير، وكتب الأمير بشير إلى الجزار يخبره وينسب هذه الثورة إلى ms180 الأمير يوسف. وكان ~~الجزار في طريق الحج فغضب وكتب إلى نائبه في عكا أن يشنق الأمير يوسف ومدبره ~~غندور الخوري، ثم خمد غضبه وكتب إلى نائبه أن يتوقف عن شنقهما. وبلغ الأمر الثاني ~~قبل الأول فأخفاه النائب بإشارة من ابن السكروج لأنه كان عدوا للشيخ غندور ~~وأخذهما إلى المشنقة، فشنق الأمير يوسف، وأما الشيخ غندور فمات خوفا، وقيل ~~شنقا. # إن قتل الأمير يوسف والشيخ غندور لم يخمد الثورة التي ابتدأت في المتن على ~~الأمير بشير. وعند رجوع الجزار من الحج أسف على قتل الأمير يوسف وأمر بقتل ~~ابن السكروج. والتمس الأمير بشير منه إطلاق المسجونين من أتباع الأمير يوسف ~~وكفلهم، فأطلقوا. وكتب الجزار إلى والي دمشق أن يرسل عسكرا لمساعدة الأمير ~~بشير، وأرسل هو عسكرا إلى البقاع، وأمر الأرناءوط الذين كانوا في حرش بيروت أن ~~يحضروا إلى صيدا. ولما شعر النكدية بمرورهم التقوهم بالسعديات وقتلوا منهم نحو ~~مايتي رجل، فكتب الجزار إلى قائدي عسكريه في صيدا والبقاع أن ينهضا بالعساكر ~~إلى المتن. وسار الأمير بشير بعسكر من صيدا، وأظهر حينئذ العصيان أهل الغرب ~~والشحار والجرد وأهل دير القمر أيضا وتجمعوا وأكمنوا للأمير عند صحراء ~~الشويفات، لكنهم اندحروا وقتل منهم نحو عشرون رجلا. # وكانت بعد ذلك؛ أي سنة 1790 وسنة 1791، سلسلة حروب متصلة في ساحل بيروت والبقاع ~~وحاصبيا وإقليم الخروب والشوف، وكانت النهاية أن الجزار لما رأى أن عساكره لا ~~تستطيع أن تكره اللبنانيين على طاعته كتب للأمير بشير أن يرجع بالعساكر إلى ~~عكا فرجعوا، وأمر الأمير أن يقيم بصيدا وجعل له نفقة كافية. وكان الأميران حيدر ~~ملحم وقعدان أقاما في دير القمر حاكمين فصرفا أهل البلاد كلا إلى محله لكنهم ~~بطروا وتمردوا وسطا بعضهم على أهل الساحل وبيروت فأقفل المسلمون أبواب المدينة ~~على من كان فيها من الجبل وقتلوا ستين رجلا، فرفع ~~أعيان البلاد عريضة للجزار التمسوا فيها ~~الصفح وأن يولي عليهم الأميرين حيدر وقعدان وتعهدوا بدفع الأموال مع زيادة ~~أربعة آلاف كيس عليها، وبعد التوثق على ذلك أرسل إليهما ms181 الخلع وأمر بحجز ~~الأمير بشير بصيدا وأخاه الأمير حسنا ببيروت. ~~(3) الثورة على أولاد الأمير يوسف سنة 1800 # كان ابنا الأمير يوسف قد عجزا عن جمع المال المطلوب للجزار فأنفذ ألف فارس ~~لجباية المال من البقاع وألح بطلب المال كاملا مع مطالب أخرى، فأرسل الأميران ~~محصلين لجمعها، فهاج أهل البلاد وطرد المتنيون المحصلين، وأرسل الجزار ~~الأرناءوط إليهم، فاستعدوا لقتالهم وأجمعوا على إعادة الأمير بشير إلى الولاية، ~~ووافقهم أكثر أعيان البلاد فأرسلوا ثلاثماية رجل إلى الحصن يستدعون الأمير بشير ~~فعاد معهم إلى لبنان، فاضطرب الأميران وأسرع جرجس باز إلى الجزار فجهز ألفي ~~مقاتل من الأرناءوط ووعده بإرسال عسكر من الفرسان. وقام الأمير بشير إلى حمانا ~~فالتقاه الجميع بالسرور واتحد معه أكثر الأمراء اللمعيين، فنهض إلى الباروك ثم ~~كفرنبرخ، ووصل جرجس باز بالأرناءوط إلى دير القمر، وقل أصحاب أولاد الأمير يوسف ~~فأقنع بعضهم جرجس باز بعقد الصلح على أن يتولى الأميران بلاد جبيل ويتولى الأمير ~~بشير باقي البلاد، فرضي بذلك وقام الأمير حسين بعسكر الجزار إلى ساحل بيروت ودخل ~~الأمير بشير دير القمر. # على أن جرجس باز عدل عن الصلح وجرت وقعات كان النصر في آخرها للأمير، فأذعن جرجس ~~باز وعقد الصلح بشروطه المار ذكرها. ولما علم الجزار بما كان تمزق غيظا، ~~وكان ذلك سنة 1800. ~~(4) عامية أنطلياس السنة 1820 # وفي سنة 1820 طلب الوزير # 6 # مبلغا لم يتيسر للأمير دفعه للحال، ووجه المعلم بطرس كرامة يعتذر ~~له. فحنق الوزير وأمر بتوجيه عسكر إلى حدود ولاية الأمير، وأمر متسلمي صيدا ~~وبيروت أن يقبضا على من يجدانه من اللبنانيين، فقبض متسلم بيروت على ~~مائة وثلاثين لبنانيا، ومتسلم صيدا على أربعين منهم، فأرسل الأمير يعتذر للباشا ~~ويستعطفه، فأمر بأن يتعهد الأمير بألفي كيس يدفعها بعد مضي شهرين، فتعهد بذلك، ~~وأمر الوزير بإطلاق اللبنانيين وأرسل إلى الأمير خلع الولاية. # وأرسل الأمير جباة لجمع المال فهاج أهل المتن وأبوا دفع المطلوب وكاتبوا أهل ~~كسروان أن يحذوا حذوهم فأجابوهم إلى ذلك. واجتمع الفريقان بأنطلياس وأقسموا ألا ~~يدفعوا إلا بحسب ms182 العادة، وأتاهم الشيخ فضل الخازن فجعلوه شيخا للعامية المعروفة ~~بعامية أنطلياس. وكتبوا إلى عبد الله باشا أن ظلم الأمير بشير إنما هو الذي أوجد ~~الهياج في البلاد، فأجابهم ألا يدفعوا إلا بحسب عادتهم. وأرسل الأمير يحذرهم ~~وينذرهم فلم يرعووا، فكتب إلى الوزير: إني عجزت عن الولاية وتركت بلادي ~~منتظرا أن يصفو خاطركم علي. فوجه الوزير بعض مشايخ الدروز وأصحبهم بسبعمائة ~~مقاتل وأرسل معهم خلعة الولاية إلى الأمير حسن علي والأمير سلمان سيد أحمد ~~الشهابيين. # فنهض الأمير بشير بأولاده وخدمه إلى حمانا فأقسم له الأمراء اللمعيون أنهم لا ~~يقبلون واليا غيره، ثم نهض إلى قب الياس ثم إلى وادي التيم. وسار الأمير سلمان ~~بالعسكر إلى وادي التيم مصحوبا بأمر من عبد الله باشا إلى أمراء حاصبيا وراشيا ~~ألا يقبلوا الأمير بشير، فنهض الأمير إلى حوران. وضبط الأمير سليمان أملاك الأمير ~~بشير وأصحابه، فكتب الأمير بشير إلى عبد الله يستعطفه فأجابه: لو لم تترك الولاية ~~لما وليت غيرك، فأسرع الآن إلى عكا. فأجابه الأمير: أرجو أن تأذن لي ~~بالإقامة ببلاد جبيل، وكنت أود أن أتشرف الآن برحابك ولكن لم أتمكن من ترك ~~أتباعي ولا من إحضارهم معي. فأذن له بالإقامة ببلاد جبيل وطلبه أن يحضر إلى عكا ~~بنفسه. وكان الأميران حسن وسلمان قد تعهدا لعبد الله باشا بدفع ألفين ومايتي ~~كيس. # ولما وصل الأمير بشير إلى شفا عمرو استأذن الوزير أن يحضر لديه، فأجابه أن ~~حضوره إلى عكا وقتئذ يؤخر دفع ما تعهد به الأميران وخيره بمكان إقامته، ~~فاختار جزين وحضر إليها، فالتقاه الناس بالتجلة. وأرسل الأميران يجبيان المال ~~الذي تعهدا به فطرد الجباة من المتن وكسروان وبلاد جبيل، وتقاطر مشايخ البلاد ~~وأعيانها إلى الأمير بشير، فطلب الأميران من مشايخ العقل أن يتوسطوا للصلح بينهم ~~وبين الأمير بشير، فتم الاتفاق أن الأميرين يتنازلان عن الولاية وأن الأمير بشير ~~يأخذها، فعهد الوزير إليه بها مدة حياته فتليت الأوامر بها بكل ~~احتفاء. ~~(5) عامية لحفد السنة 1821 # إن الأميرين حسن وسلمان رفعا عريضة إلى عبد ms183 الله باشا يبديان خوفهما من ~~الأمير، فأمر بشنق رسولهما، ثم سار الأمير بشير إلى بلاد جبيل وطلب الأمير سلمان أن ~~يكون بخدمته، فأبى. # فكتب الأمير حسن إلى الأمير سلمان واستغواه أن يمالئ الجبيليين الثائرين على ~~الأمير بشير، فانقاد لرأيه، وقام الأمير إلى غرفين إحدى قرى جبيل، وكان أهل تلك ~~الجهة مجتمعين بشامات، فبقي الأمير سائرا إلى لحفد. # فاجتمع في حاقل أهل بلاد جبيل والبترون وبعض من كسروان، وأتى رجال جبة بشري إلى ~~إهمج وجمهور المتاولة في رام مشمش، وأرسلوا يقولون للأمير إنهم لا يدفعون إلا مالا ~~واحدا وجزية واحدة. وكان الأميران حسن وسلمان يجسرانهم، فأرسل يقول لهم: أرتضي ~~بمال واحد. وهم يجمعون المال ويوردونه له. وقبل عودة الرسول ظهر نحو ألفي رجل من ~~جهة ميفوق وظهر أمامهم من الجنوب جماعة من المتاولة وأخذوا يطلقون الرصاص، ~~والأمير لا يسمح بالقتال إلى أن أصيب أحد رجاله، فثار بعض العسكر واقتحموا أولئك ~~الرجال وتبعهم الفرسان وأطبقوا عليهم وأعملوا فيهم السلاح وقتلوا منهم نحو ثمانين ~~رجلا فانهزموا ... وألقى بعضهم أنفسهم من شاهق إلى أسفل، وأسر منهم كثيرون، فعفا ~~الأمير عنهم، وقتل من عسكر الأمير تسعة رجال. # وقام هو في اليوم التالي إلى عمشيت فتعرضوا له في غرفين فأرسل إليهم عشرين ~~فارسا يناوشونهم القتال وانكسروا أمامهم ليلحقوهم، فلم يجسروا أن يلحقوهم، فسار ~~الأمير إلى عمشيت ثم جبيل ... ~~(عن كتاب «موجز تاريخ سوريا»، الجزء الثاني) # | ولي الدين يكن (1873-1931) # البلبل «بطل الحرية» # وفيما دكران يفكر، إذا صوت تسامى إليه في سكون الليل متنقلا على أثناء ~~الظلم، أحسن إيقاع بأشجى ترجيع، فكان البلبل. # البلبل والربيع كالمغني والمهرجان، وإنما يشتد تلازمهما في مآلف لا يتعديانها ~~إلى غيرها، وأحب تلك المآلف إليهما هي فروق. # إذا تراءت الربى في مجاسد الخصب وبدت أنماطها وحواشيها مطرزة ومعلمة، ~~منمقة بمحاسن الزهر في اختلاف أشكاله وألوانه، وارتفعت التلاع في منخفض الوهاد ~~كالمضارب، وصفت قبالتها طوائف السرح والسرو كالحواشي والجنود أقبلت لتحتشد عند ملك ~~عظيم، وانسلت الأنهار في الأودية كالزئبق، وسرت النسائم بين الصدور ms184 والأرجاء بزفير أو ~~أريج، انطلق البلبل من عشه، وملأ الفضاء تطريبا. # بالعشيات أو بالبكور، في الروضة الغناء أو الوادي الممرع، على الأثلاث أو تحت ~~الشبائك، عند اعتلاق الأنداء بالفضاء بين السماء والثرى. # جناحاه في خفوق وسكون، وريشه في تجعد واستواء. يتنقل بين الأوراق الخضر ~~والأغصان الهيف راقصا معربدا. كلما طرب لنغمة جاوبها مجاراة، وكلما استنكر صوتا ~~صمت عنه مداراة. وهو مع كل حالاته شاعر الطبيعة، بديهاته طوعه وخواطره معه، لا ~~يتصنع ولا يتكلف، يقيم الأوزان ويسدد القوافي بغير كد وبغير تعنت. يترفع ~~عن تمليق الملوك والزلفة عند الكرام. ينسب ويتشبب، ويبكي ويستبكي، غناؤه أنين، ~~وشعره روح. # ربيب الجمال وتبيعه، يروى بماء المزن ويثمل بشذا ما تنشر الخمائل، شجي معنى، ~~تهيجه الذكريات، وتميته الحسرات، حليف الوجد وهو أبعد المخلوقات عن حمله. يريك ~~لسانا كريشة الكاتب، يقطر لوعة، ويتحرك حزنا، وعينين مروعتين بحوادث الليالي ~~تلمعان على أحسن رأس ركب على أحسن عنق إلى جثمان كالقلب بل هو أصغر وأوهن. # ليت شعري ما تضمنت تلك الضلوع الضعاف، وما يهيج تلك الروح المروعة. # أكلف بالحرية؟ أجل، كلف بالحرية. هو مجنونها ومعذبها ومدللها، بل هو على ~~ضعفه وصغره بطلها. ما أودع قفصا إلا ومات فيه غما أو انتحر يأسا. يرنو إلى ملك ~~الله في سعته ويتملى من محاسنه، بعيدا عنها، محجوزا دون الجولان بينها، فيفنيه ذلك ~~أسى ولا يستشفي عنه بصبر ولا جلد. آه من البلبل وآه على البلبل! # | فرح أنطون (1874-1922) # من مذكرات مفكر حر أيام عبد الحميد # علمت في زمن الصبا وأنا في سوريا بأن إسكندر ديماس الأكبر كتب رواية في الثورة ~~الفرنسوية، فاهتديت إليها. وما شرعت في مطالعتها حتى سباني موضوعها وأسلوبها لا لأمر ~~ما سوى شيء من المشاركة بين بعض حوادثها وحوادث السياسة في البلاد العثمانية في ذلك ~~الزمن. وكانت سكينة كسكينة المقابر تخيم يومئذ على البلاد والعباد، والجرائد ~~السورية لا تنشر شيئا «يخدش الأذهان» لأن المراقبة كانت لها بالمرصاد، والصحافة ~~المصرية على قلتها يومئذ قليلة الانتشار في سوريا، فقلما كان ms185 للمطلع مصادر يستقي ~~منها غير المصادر التي يختارها ويسعى إليها؛ ففي وسط هدوء كذلك الهدوء، وخمول كذلك ~~الخمول، أحسست بأن عبارات ديماس في روايته هذه كانت كبروق تسطع وتشق جو الفكر، أو ~~أسواط تقرع الآذان وتنبه العزائم والأذهان. وقد يكون اليوم لعبارات كتلك ~~العبارات تأثير كذلك التأثير في نفوس الرجال الذين اشتدت سواعدهم وقويت ألواحهم حتى ~~بعد زوال الضغط القديم ومشاهدتهم حوادث يومية كحوادث تلك الرواية، فكيف بتأثيرها في ~~فتى صغير السن قليل الخبرة والاطلاع. # ولذلك أولعت بهذه الرواية ولعا شديدا دون سائر روايات ديماس. ولا أتذكر أنني ~~قرأت رواية له غيرها قراءة جدية. وكم من مرة قضيت في مطالعتها الليل حتى الساعة ~~الثالثة أو الرابعة صباحا، ثم انحدرت بها من فراشي ~~إلى حفرة في الحديقة كنت أدفن فيها صندوقا صغيرا يحتوي الكتب والأوراق التي أخشى ~~عليها من عمال الحكومة خوفا من التفتيش الفجائي الذي كان شائعا؛ فكنت أضعها في ~~الصندوق بين تلك الكتب والأوراق وأعيد التراب على الصندوق ثم أنام مطمئنا. # وقد تكون هذه التفاصيل تافهة في ذاتها، ولكني لم أذكرها إلا لسبب سترد الإشارة ~~إليه. على أن ولوع المرء بكتاب أو رواية سبب كاف في حمله على اشتراك قرائه فيما ~~أحبه منها، حينما يتخذ الكتابة صناعة له، وهذا ما جعلني أفكر في تعريب هذه ~~الرواية وإلحاقها ب «الجامعة» # 1 # حين رأيت إلحاقها برواية. وهناك أيضا سببان آخران: الأول: تلذذي يومئذ ~~ب «مضايقة» مراقبي الجرائد والمجلات في البلاد العثمانية جزاء لهم على ما عانيته ~~بسببهم من الحذر والاتقاء والاحتراس في أثناء مطالعاتي الأولى. والثاني، وهو السبب ~~الوجيه: رغبتي في إيقاد تصورات أبناء الشرق بهذه الرواية كما اتقدت تصوراتي بها ~~في صباي. وقد خيل إلي أنني بتعريبها في أثناء ذلك السكون التام والخمول الشامل ~~أفتح في ذلك البناء القديم نوافذ مطلة على سماء الحرية ليرد منها النور والهواء، ~~وأنصب أمام قرائها مثالا يحتذونه، قمته تحيط بها زرقة السماء وقاعدته مغموسة في ~~الدماء. وقد يكون هنالك سبب أوجه من جميع تلك ms186 الأسباب التي تقدمت، وهو الداء الذي ~~يقع فيه كثيرون من الصحافيين والكتاب، وأعني به: الرغبة في اجتذاب القراء ~~بالمواضيع الجذابة. ولكن ليس من مصلحة الكاتب أن يعترف مثل هذا الاعتراف ويسجل هذا ~~الكلام على نفسه لأن صناعة الكاتب كصناعة الكهنوت فيها كثير من الأسرار. # وقد شرفت الحكومة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد هذه الرواية حين الشروع في ~~نشرها في «الجامعة» ببضع تلغرافات كانت تبعث بها إلى الولايات السورية كلما صدر جزء ~~من «الجامعة» وفيه جزء من الرواية. ولما كانت أجزاء «الجامعة» يبعث بها (مضمونة) في ~~البريد الفرنسوي فقد كان البريد الفرنسوي يعيد إلى إدارة «الجامعة» الأجزاء المرسلة إلى ~~داخلية البلاد العثمانية والتي تسبقها إلى الثغور السورية تلغرافات الآستانة، بينما ~~كانت الأجزاء التي تسبق تلك التلغرافات إلى الثغور تمر وتصل إلى أصحابها في الداخلية ~~دون ممانع. ولما تحققت أن كل الضرر وارد من ~~اطلاع قلم المطبوعات بالآستانة على «الجامعة» قطعت «الجامعة» عن قلم المطبوعات في ~~الآستانة والنظارات قطعا مطلقا، حتى عن مشتركيها في الآستانة، فبطل إرسال التلغرافات ~~مدة من الزمن. وقد ظننت أنني بقطعي «الجامعة» عن الآستانة قد وجدت دواء الداء، وما ~~كنت أدري أن داء الآستانة يومئذ داء لم يكن له دواء قبل قيام شوكت باشا وجيشه؛ فإن ~~حكومة الآستانة لم تلبث أن أمرت بمنع دخول مجلة «الجامعة» إلى البلاد العثمانية ~~بسبب نشرها هذه الرواية على الأخص. # وقد انقضى الآن عشر سنوات على نشري هذه الرواية قضيت منها 4 سنوات في جهات أوروبا ~~والولايات المتحدة وكندا. وعند وصولي إلى باريز، لأول مرة في حياتي، كان أول ما ~~عملته أنني زرت أشهر الأماكن التي وقعت فيها وقائع هذه الرواية كالتويلري والمجلس ~~البلدي وفرسايل، وساحة الباستيل التي ليس فيها اليوم من آثار الباستيل شيء سوى تذكار ~~نصب في وسط ذلك المكان يذكر الناس بهجوم الشعب على الباستيل وإظهاره لأول مرة ~~قوته على قوة الملكية. والمكان اليوم ساحة متسعة تحيط بها القهاوي، وكأن أرضه في ~~ظلام الليل ونور النهار لهدوئها وقلة الزحام ms187 فيها كائن تعب لحمله ثقلا هائلا عدة ~~قرون جلس يستريح ويتنفس الصعداء لخلاصه من ذلك الثقل الهائل الذي كان فوقه كصخرة ~~هائلة ملقاة على قلبه، أو «كوحش هائل رابض على قارعة الطريق يفترس الناس» كما قال ~~ديماس. وقد وقفت غير مرة في ذلك المكان وأخذت أقول وأنا أجول في أنحاء تلك الساحة ~~الهادئة: هنا كان سجن الفكر والقلم والعقل، هنا كان مدفن الكتاب والفلاسفة والساسة ~~من معارضي الحكومة، دفنوا فيه أحياء ولكنهم ما لبثوا أن تمطوا وهم في مدفنهم ~~فرفعوا عنهم بقوة الفكر الذي لا يسجن حجارة القبر ونبذوا الأكفان وفتحوا جميع قبور ~~الاستعباد لجميع المدفونين وأخرجوهم إلى نور السماء! هنا كان أول ما سطع نور الله على ~~الأرض وأنار طريق الشعوب وفتح السبل في وجهها بعد أن كانت مسدودة! هنا كانت أول واقعة ~~فاصلة بين حق الشعب وحق الملك فصرع الأول الثاني! هنا كان مولد الديمقراطية مدفن ~~الأوتوقراطية والأرستقراطية! هنا كان مهبط رسالة جديدة للبشر كرسالة أحمد يصونها سيف ~~ماض كسيفه! هنا كان مزود بيت لحم الثاني الذي ولد فيه المسيح الثاني ولكنه ~~«عمد» بالسيف والنار والدماء لا بماء الأردن! هنا ظهر الله يوما ظهورا أجلى من ~~ظهوره على جبل سينا أو عليقة موسى! هذه هي الأفكار الشائعة بين الجمهور في شأن ~~الثورة الفرنسوية ومبادئها. وقد تغذى في صباي لحمي ~~ودمي من هذه المبادئ، وقرأت «تاريخ تييرس وميشله» وشيئا من «تاريخ كارليل» في شأنها ~~حتى أصبحت أحرم على نفسي رشقي لها ولو بوردة حتى في المبادئ التي بطل اعتقادي بها ~~... ~~(مقطع من مقدمة فرح أنطون لرواية ~~«ديماس» التي عربها عن الثورة) # | مصطفى كامل باشا (1874-1908) # (1) اشتراك الشعب في حكم نفسه سبب الرقي # من الشعوب من يسلم زمام أموره إلى حكومته ويجري طوع إرادتها، ومنها من يجعل ~~للحكومة حدا في السلطة والنفوذ ويراقبها مراقبة شديدة إن أحسنت كافأها وإن ~~أساءت قضى عليها؛ فشعوب الشرق من النوع الأول، وشعوب الغرب من النوع الثاني؛ ولذلك ~~كان الشرق في تأخر وانحطاط، وكان الغرب ms188 في تقدم وارتقاء؛ لأن الشعب هو في ~~الحقيقة صاحب البلاد وسيدها وحارس الوطن من كل الأخطار، وما الحكومة إلا وكيل ~~عنه تختار من نخبة أبنائه ومن أشدهم حرصا على مصالحهم. ~~(2) إن الشعب هو القوة الوحيدة الحقيقية # على أننا لو تأملنا قليلا إلى ما أقيم في هذه البلاد من عظائم الأعمال، ~~لوجدنا أن الشعب هو المنشئ له والموجد لكيانه؛ فهؤلاء الأفراد الصغار الذي لا ~~يعبأ بهم الكبراء والعظماء هم في الحقيقة قوام مصر ومصدر نعمتها ولولاهم ما عرفنا ~~العيش أبدا. من المؤلف للجيش؟ أفراد الشعب. ومن المكون للشرطة وحفظ النظام؟ ~~أفراد الشعب. ومن الموجد لمحصولات مصر وخيراتها؟ أفراد الشعب. ومن يعيش ~~العظماء والكبراء والأمراء؟ أفراد الشعب؛ فهم دون غيرهم قوام الوطن ومصدر خيره ~~ومجده وسعادته، فكيف يجحف بحقوقهم؟ وكيف يهانون؟ ألا ترى أن العظماء إنما هم ~~كذلك لأن أفراد الشعب يحملونهم فوق رءوسهم ويطيعون أوامرهم؟ وإلا فلو تحول ~~الشعب ضدهم فماذا يفعلون؟ وهل يستطيعون مقاومته أو يقدرون على الوقوف أمامه؟ كلا ثم ~~كلا! إن الشعب هو القوة الوحيدة الحقيقية، وهو السلطان الذي يخضع لإرادته أكبر ~~العظماء وأعظم الأقوياء ... ~~(3) المساواة أمام الوطن # إن الناس سواء أمام الوطن في الحقوق والواجبات. ~~(4) المواطنون متكافلون متضامنون # إذا ظلمت الحكومة أحدنا ولم نعمل لرد هذه المظلمة، كان ظلم الحكومة واقعا لا ~~محالة على الجميع ... ~~(مقاطع من خطاب الزعيم الوطني المصري ~~ومقالاته نقلا عن كتاب «مصطفى كامل ~~باشا في 34 ربيعا») # | أمين البستاني (1854-1937) # الديمقراطية # الديمقراطية لفظة يونانية تركبت من كلمتين: «داموس» ومعناها الأمة أو الشعب، ~~و«كراتوس» ومعناها السلطة؛ أي «سلطة الشعب». ويقابلها الأوتوقراطية، واللفظة يونانية ~~أيضا ومعناها سلطة الفرد أو الملك المطلق لا الدستوري المقيد. هذه إنكلترا ~~«ديمقراطية» على رأسها ملك، إلا أنه دستوري مقيد يسوس الأمة ولكن على يد الأمة؛ فهو ~~ملك جمهوري. # قلت: ولم تزل الحرب مستعرة بين الديمقراطية والأوتوقراطية منذ تبلج فجر المدنية، ~~دلنا على هذا تاريخ أثينا ورومية في القدم وتاريخ فرنسا وإنكلترا وغيرهما في الطارئ ~~الحديث؛ فمن أوتوقراطية إلى ديمقراطية ومن ms189 ديمقراطية إلى أوتوقراطية حتى ظفرت ~~الديمقراطية، إلا الولايات المتحدة الأميركانية فإنها استمرت من الأصل على الديمقراطية ~~لا تنصرف عنها أبد الأيام؛ وذلك لتمكن المذهب الديمقراطي منها وإشرابه نفوس قومها. ~~ولا غرو أن تسود الديمقراطية آخر الأمر؛ لأنها حكومة الأمة، والحكومة للأمة لا للملك ~~الذي هو رجل منها اختارته أن يكون رأس دولتها أو اغتصب هو هذا الملك اغتصابا وغلابا ~~في حرب وقعت أو فتنة فرقت بين الأمة أدرك بها طالب العرش مناه. # لما قبض الملوك على صوالجة عروشهم انتحلوا حق السماء وقالوا إن ملكهم من الله ~~لا من عباد الله. ومن هذا قيل لإمبراطور الصين «ابن السماء» ولسلطان العثمانيين «ظل ~~الله على الأرض». ثم ظلت الأمم تلقي على ملوكها مثل هذه النعوت الضخمة حتى هووا من ~~تلك العروش، إلا الملوك الذين دانوا لسنة الديمقراطية فاستقروا على عروشهم وهم ~~أشباه رؤساء الجمهوريات لا أبناء السماء ولا ظلال الله على الأرض. على أن تبدل طريقة ~~الحكم من سنن أوتوقراطي؛ أي من سنن التحكم والاستبداد، إلى سنن الحرية والدستورية ~~فجأة وبمرة واحدة أفضى إلى فتن سالت فيها الدماء وتناولت رءوس الملوك أنفسهم فلم ~~تسلم من سيوف الفتنة أن تجزها وتجزمها. والشواهد كثيرة في التاريخ القديم والجديد؛ إذ ~~لا بد للملوك من أحزاب تنصرهم وتنفر معهم للذود عن عروشهم فتقتتل الرعية ولم تزل ~~بالاقتتال حتى يظفر فريق بآخر. وغلب أن يظفر فريق الحرية إن لم يكن عاجلا فبعد حين؛ ~~لأنه متى عصفت فتنة الحرية بأمة وأذاقتها شيئا من حلاوة الديمقراطية فلا تنكص عنها ~~حتى تبلغ أمانيها. إلا أن حكماء الأمم أجمعوا على أن التدرج والتدرب على طريقة ~~الديمقراطية هما أسلم عاقبة وأثبت أثرا من الطفور؛ فقد جاز أن تلتوي أماني الأحرار ~~بمثل هذا التسرع وتقوم الفتنة ويفسد القصد على طالبيه. # لقد غلبت الديمقراطية وعمت بسيط هذه الأرض؛ فمن غالبها من ذوي التيجان فقد غلب ~~على أمره وهوى من عل. وإن تسأل: من له اليد البيضاء في إعزاز هذه الديمقراطية ~~المباركة؟ أجبتك: جمهورية قدماء اليونان ms190 وقنصلية الرومان اللتان وإن باتتا في ذمة ~~التاريخ إلا أنهما لم تبرحا مثالين صادقين وأستاذين كريمين لأمم أوروبا؛ فهبت ~~ثورة الإنكليز أولا في طلب الديمقراطية، وعقبتها ثورة الفرنسيس عام 1789 وكانت أم ~~الثورات ومطلع فجر الحرية للعالم كله. ثم إن سنة الإنصاف لتدعونا أيضا أن نذكر ~~للولايات المتحدة الأميركانية يدا جميلة على الديمقراطية في هذا العصر، وحق لفرنسا ~~نصيب من هذا الشكر لأنها نصرت الأميركان في حرب الاستقلال وبعثت إليهم قوادها ~~الذين قادوها مع واشنطن للنصر والاستقلال. ~~(نقلا عن كتاب «مختارات أمين البستاني»، مصر) # | أمين الريحاني (1876-1940) # الثورة الإفرنسية # لو قصد المؤرخ أن يطالع كل ما كتب عن الثورة الإفرنسية في اللغتين الإفرنسية ~~والإنكليزية فقط لصرف زمانه كله في المطالعة، بل إنه يموت دون أن يتمم هذا العمل ~~الخطير غير المفيد. وقد انقسم مؤرخو الثورة إلى قسمين: فمنهم من تحرى سرد الحوادث ~~دون تحزب وتحيز، ومنهم من ألحق بكل حادثة نتفا من فلسفته السياسية الخصوصية ~~فندد بحزب ونصر آخر وكان إما ملكيا أو جمهوريا. # أما كارليل الكاتب الإنكليزي الشهير فقد حاد عن الخطتين في كتابه المسمى تاريخ ~~الثورة الإفرنسية؛ فهو لا يطري الجمهوريين كهوغو، ولا يندد بهم كتيارس، ولا ~~يتحامل على الملكية بانتقاده أكثر مما لو كانت حكومة جمهورية، بل أراد في تاريخه ~~هذا أن يكون خالي الغرض، غير متحيز لحزب من الأحزاب. ولكن نيته هذه الحميدة أوقعته ~~في الفتور الذي لا يسلم فيه صاحبه من عدم الاكتراث والشك. ومن كلف نفسه قراءة شيء من ~~تآليف كارليل العديدة يبين له بعد قليل من التفكر أن الرجل عصبي المزاج أسير ~~السويداء والتخمة، وقد كان مصابا بداء آخر أهم من الاثنين لا فائدة من ذكره في ~~هذا الصدد، وإن نتيجة هذه العوارض الخبيثة تتجلى دائما في كتاباته في شكل من التهكم ~~فظيع، والكتاب الذي نحن بصدده الآن مفعم بمثل هذا الازدراء والسخرية. ومعلوم عند ~~الناقدين أن هذا الأسلوب لا يليق في سرد التاريخ؛ فهو كثيرا ما يشوش المعنى ~~الحقيقي ويجعل القصة البسيطة ms191 متشعبة متلوثة غامضة لا يستطيع القارئ فهمها دون أن ~~يجردها من ثوبها المزخرف الكثير الألوان. # ليس من العدل إذن أن يدعى هذا التأليف تاريخا؛ فهو خال من الاعتقاد والرأي في ~~الحوادث التي يسبرها، ومفعم بوساوس الفيلسوف العديدة التي تروقنا في بقية مؤلفاته ~~وتزعجنا في كتاب دعاه تاريخا. # كتاب يفتقر إلى روح جدية لترفعه من طبقة الخلقيات إلى طبقة العقليات. ولا نقدر ~~أن ندعو الكتاب رواية لأن فصوله غير متصلة بعضها ببعض؛ إذ نقرأ كل فصل بذاته، ولا ~~تتولد فينا رغبة معرفة السابق واللاحق؛ فالكتاب إذن مجموع مقالات متفرقة في حوادث ~~الثورة الإفرنسية ورجالها مسطرة على قرطاس الفتور والشك ببراعة التهكم والازدراء. ~~ولا رأي خصوصي له في تلك الحوادث وأولئك الزعماء سوى أنه ينصر تارة الكل وطورا يقاوم ~~الكل، وهذه هي المزية التي خدعت الناقدين في زمن كارليل فأنزلوا كتابه هذا منزلة ~~التاريخ في الوقت الذي يجب أن يعد في كتب الخلقيات والوصف. كيف لا ومزاج المؤلف ~~العصبي ظاهر في كل صفحة من الكتاب؛ فهو يقيس كل حادثة ويحكم على كل فرد له علاقة ~~في هذه الفتنة الهائلة بمقتضى هذا المزاج المركب من السويداء والتخمة ~~والتهكم. # ولسنا من الذين ينكرون على الكاتب حق التهكم في بعض الأحايين إذ إننا نعتقد ~~بصلاحية هذا الأسلوب ونعده من الظرائف الجدلية الفعالة التي يقاوم بها الكاتب ~~كل سخيف سقيم. أما تهكم كارليل فحاد إذا خف، وفظ إذا اشتد. وبينما نحن ~~نطالع هذا الكتاب لم نتمالك أن أعدنا الفكرة إلى ما كنا نطالعه من نفثات فولتير؛ ~~فإننا نرى بين مؤلفين نابغتين الواحد منهما لاتيني والآخر سكسوني شبها عظيما من ~~حيث أسلوب الكتابة السخري الذي استخدماه في مقاتلة الفساد والظلم والخرافة، ولكن أين ~~تهكم الإنكليزي الكالح الجاف من تهكم الإفرنسي الوضاح المنير؟ فهذا شبيه ~~ببركان وذاك بمرض عضال مزمن، هذا يهلك ما يلقاه عاجلا وذاك يدخل جسم الفساد ~~والخرافة فيضعفه ويلاشيه تدريجيا. فضلا عن أن تهكم كارليل خال من الذكاء الذي ~~يزين تهكم فولتير. كان كارليل يرعد ms192 إذا غضب ويمطر، وأما فولتير فكان يبتسم ~~ابتسامته المشهورة ويسير بهدوء إلى غايته المطلوبة. # لنعد الآن إلى الكتاب الذي نحن بصدده. أراد المؤلف ألا يتحيز في تاريخه وأن ~~يكون مع الحق أينما وجد سواء كان في جانب زعماء الثورة أو حول عرش الحكومة القديمة، ~~ولكن رغبته هذه أدت به إلى الفتور وعدم الاكتراث. والحق يقال إن من لا يكترث لحادثة ~~ما لا يستطيع أن يكتب عنها بدقة وإصابة وإخلاص. وكارليل يبحث عن أكبر حادثة في العالم ~~كما تبحث صحف الأخبار عن جريمة بيتية أو حادثة خصوصية يزول أثرها بعد أن يقرأ خبرها؛ ~~فهو أبدا يفتش عن الحوادث الطفيفة التي كان الأحرى بها أن تدون في الروايات ~~الغرامية ويستنتج منها نتائج عمومية فاسدة ويصور من هذا صورا خيالية فظيعة يسأم ~~هو منها في النهاية ويرفع يديه إلى السماء صارخا: «أممكن أن تخلق ربي مثل هذا ~~الشعب؟» # وهل دعوة الإفرنسيس يا ترى خالية من الحقيقة، وهل الثورة بذاتها نهضة فاسدة ~~مضللة؟ وكيف يتملص الكاتب الفاتر المشكك من لوم الناس الذين حاربوا الثورة أو ~~نصروها وبعض بنيهم وأحفادهم لم يزالوا حتى يومنا هذا يقاومون نتائجها وبعضهم ينصرونها؟ ~~فلو كانت فاسدة على الإطلاق لامحت آثارها بعد مائة سنة من الزمان. نحن من الذين قالوا ~~بعدم الاكتراث في بعض المسائل الدينية التي لا تولد إلا النزاع والشقاق، ولكن الوقت ~~لم يحن لنبذ الحماسة السياسية والغيرة القومية؛ فالمرء الذي لا يكترث لأمور حكومته ~~يعد خاملا، والكاتب الذي لا يجد خيرا في أي نوع من الحكومات يعد ~~فوضويا. # إن الحقيقة التي نفصلها عن أخواتها - عن أسبابها ونتائجها - وندونها معتزلة ~~مستقلة، كثيرا ما تغش المؤلف وتضر بالغاية الأصلية التي ينبغي أن تظل نصب ~~عينيه. أما الثورة في رأي كارليل فلا سابق ولا لاحق لها. هي فلتة اجتماعية لا سبب ~~لها ولا نتيجة؛ هي ضربة من ضربات الله؛ هي مصيبة من مصائب الزمان؛ هي بنت الاتفاق الذي ~~نشأت عنه وماتت فيه؛ هي حادثة معتزلة عن حياة البشر السابقة وعن ms193 مستقبلهم. إن عددا من ~~الناس ينتسبون إلى بلاد تدعى فرنسا قاموا في وقت من الزمن فهاجوا وماجوا وحدث بينهم ~~شغب عظيم وقتال من أجل قوانين ونظامات سياسية جمعوها فلقبوها بالقانون الأساسي؛ ~~ومن ثم أهلك بعضهم بعضا وختموا القانون بدمائهم وعادت الأشياء إلى عالم النسيان؛ ~~إلى ظلمات الزوال؛ هذا كل ما يراه كارليل في الثورة الإفرنسية؛ فهو لا يكلف نفسه ~~النظر في البواعث التي من أجلها سفكت دماء الألوف من الناس. ومع ذلك هو يحاول إظهار ~~الفاسد من الصحيح فيها. وكيف يستطيع الكاتب أن يحكم على أحوال أمة في عصر لم يكن منه ~~بعد أن أهمل التنقيب في تاريخ الأمة الماضي وفي أخلاق الشعب وأحواله السياسية والزراعية ~~والتجارية؟ # قد أوجب الأقدمون على المؤرخين إبداء الحكم في كل قضية يدونونها وأقاموهم مقام ~~القضاة. وبعد أن يدون المؤرخ الحوادث بدقة وإخلاص يمحص الصحيح من الفاسد فيها ~~ويستنتج من ذلك نتيجة تسوغ له وضع قاعدة أدبية فيها نور وهدى للأجيال المقبلة. ~~وقد قام كارليل ببعض هذا الواجب في تدوين الحوادث، غير أنه أغفل أمرا جوهريا: هو ~~ذكر السبب الرئيسي الذي نشأت عنه الثورة؛ فهو لا يرى فيها عملا واحدا يستحق الشكر ~~إذا ذكر، ولكن حادثة واحدة فظيعة لا تقدح في نهضة عمومية خطيرة، وإن تعددت هذه ~~الحوادث المرعبة فالنظر إليها وإلى أسبابها الأولية معا لأمر واجب على ~~المؤرخ. # إن صلب المسيح بالنظر إلى مصلحة الشعب الإسرائيلي عادل في الظاهر، وبالنسبة إلى ~~البشرية هو جائر فظيع، أما الحادث هذا وحده فلا معنى له ولا أهمية. # وإن من يقرأ سجلات الحكومة الإفرنسية ومعلومات السياسيين والكتاب الذين شاهدوا ~~الحوادث وكانت لهم يد فيها يبالغ لا شك في التعنيف والتنديد بما يدعى «دور الهول» ~~إذا أغفل الغاية الرئيسية التي بسببها ومن أجلها تأسس. # ومن كان نظير كارليل سريع التأثر، صعب المراس، حاد المزاج، يحكم على الحوادث هذه ~~بالنسبة إلى انفعالات نفسه لا بالنسبة إلى الظروف التي نشأت عنها؛ ولذلك لا نرى في ~~كتابه إلا مجموعة قصائد مدح وفخر ms194 وهجو ورثاء. قلت مجموعة قصائد لأن في أسلوب نثره ~~جمال الشعر وزخرفه؛ فهو يسير منشدا وراء عربة المنتصرين وباكيا في موكب ~~المنهزمين. يرفع اليوم قوس نصر للقوة المادية، ويبني في الغد مذبحا للشفقة ~~والحنان. وبين هذه المتناقضات يصبح القارئ حائرا تائها. كيف لا وهو يتوقع من ~~المؤرخ أكثر مما يتوقعه من الشاعر. نريد أن نعرف كيف نخفض آلام البشر وشقاءهم، ~~لا كيف نندب هذا الشقاء ونرثيه. # إن في حياة الأجيال الماضية أمثولة للأجيال الحاضرة والمقبلة. والمؤرخ الذي لا يظهر ~~هذه الأمثولة فيلهو عنها في وصف البؤس والشقاء لا يخفض شقاءنا ولا يعلمنا شيئا. ~~إن في أعمالنا اليوم أمثولة ثمينة لأبناء الغد هي الكنز الوحيد الدائم الذي يرثه عنا ~~الخلف بواسطة التاريخ، ومن واجبات المؤرخ المحافظة على هذا الكنز الثمين بعد الوقوف ~~عليه، وإذا كان ضائعا بين أنقاض الثورات والحروب أو مختفيا في بحار الأهواء والتعصب ~~فعليه أن يفتش عنه بصبر وعناء وينيره في الناس مصباح هدى وسلام. # إن الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل هي حلقة الترقي الدائم مما كان إلى ما سيكون، ~~والحوادث التي تتخللها هي حلقات بعضها يشتبك ببعض وليست متفرقة متشتتة كما يزعم ~~كارليل. والمؤرخ الذي يكمل سلسلة الترقي، أو بالحري يزيد في توثيقها، يخدم الناس ~~خدمة حقيقية، ولكن كارليل لا يعتقد بحياة جامعة شاملة؛ حياة روحية دائمة يتصل آخرها بأولها، # 1 # بل هو شديد الاعتقاد بالتفرد والأفراد، وقد قال مرارا: إن تاريخ العالم ~~هو تاريخ عظماء الناس. على أن الفرد إنما هو صوت واحد ينطق باسم ملايين من الناس ~~الصامتين؛ فالرجل العظيم إنما هو عظيم بشعبه لا بنفسه؛ هو يستمد معظم قوته مما يحيط ~~به من الأشياء والظروف والرجال؛ هو خاضع كأصغر الناس لناموس الترقي الدائم الأزلي، ~~بل هو صنيعة هذا الناموس وخادمه المخلص، علم ذلك أو جهله. فلو ولد نابليون في بلاد ~~الصين مثلا وعاش فيها لما كنا نعرفه الآن. ورب قائل: لو ولد نابليون هناك هل ~~كانت حصلت فرنسا على المجد الذي أكسبها إياه؟ أجيب ms195 بالإيجاب؛ إذ لو لم يولد نابليون ~~فيها لنشأ غيره، وهذا ما يجعلني شديد التمسك بما يدعى ناموس الترقي الدائم الذي ~~يقضي بوجود رجل عظيم كل فترة من الزمن لتأييد هذا الناموس وتعزيزه. # إن القنوط والشك واليأس والفتور كلها طبائع تظهر في كل صفحة من هذا التاريخ وفي ~~أسلوب إنشائه الجميل الفخيم. وقد قلت إن كارليل هو أشبه بالشاعر مما هو بالمؤرخ، ~~والشاعر لا يكون أستاذا في الاقتصاد السياسي ولا فيلسوفا في العمران؛ فهو إذا قرأ ~~سجلات الحكومة الإفرنسية ومعلومات من شاهدوا الثورة يثور ثائره الشعري فيحصل فيه ~~انفجار أشبه بالبركان ويدهمنا بحمم تحرق ولا تنير، فتسود منها آفاق البصيرة ~~وتظهر أشباح أبطال الثورة التي يصفها وهي تتهادى في الظلمة غير المتناهية. ولكن ما هي ~~غاية هذه الأشباح وما هو غرضها ولماذا أشغلت فكر كارليل فألف فيها مجلدين ضخمين؟ ~~ألأنها كانت تندب وتنوح عبثا وتقاتل وتحارب باطلا وتصيح وتنادي دون غاية ودون مرمى؟ ~~ماذا فعلت هذه الأشباح ؟ أكلها الزمان فتلاشت من ذاكرة الإنسان؛ بلعتها الظلمات ~~فامحت من لوح الحياة؛ هذا جواب كارليل وزبدة فلسفته المختبئة في أكمام الفصاحة ~~وأشواك البيان. وبناء على ذلك لا يحق لتأليفه أن يدعى تاريخا، وإنما هو ملحق ~~تصويري لتاريخ الثورة الإفرنسية، وإن فصوله لأشبه بصور رسمتها يد ماهرة؛ صور ~~تساعدنا على الدخول إلى تاريخ الثورة الجدي ولكن لا تنبئنا به كثيرا؛ فهي من هذا ~~القبيل أشبه بالصور التي تزين بها الروايات التاريخية تحملنا إلى بعض ما يقصده ~~الكاتب ولا تكشف لنا الستار عن القصة بكاملها. # ومن جهة فلسفية يمكننا أن نقول إن المؤرخين اثنان: الأول يعتقد بالنشوء والارتقاء ~~الاجتماعي، بالترقي الدائم، بالصعود المستمر. والثاني لا يعتقد بشيء من هذا. فلسفة ~~ذاك في العمران شبيهة بخط مستقيم عمودي، وفلسفة هذا بالدائرة صعود. البشر في رأي ~~الأول دائم مستمر، وفي رأي الثاني محدود تصل الشعوب فيه إلى نقطة لا يستطيعون أن ~~يتجاوزوها يهبطون عائدين إلى الهوة التي خرجوا منها وهم في هذا يشبهون الحية التي ~~تأكل ذنبها. ومثل ms196 هذا المؤرخ الذي لا يكترث بالأشياء، ولا يحترم روح التاريخ، ولا ~~ينظر إلى ما وراء الحوادث، يجرد على الفساد والظلم سلاح التهكم والازدراء، ولا ~~يفوز بغير الهدم والتدمير. ومثال ذلك أن كارليل يشغل فكرته وقريحته غالبا بطفيف ~~الحوادث وتافهها شأن القصصي أو الكاتب الأخلاقي # 2 # فضلا عن أنه لا يعتقد في تاريخه هذا بغير الزوال الدائم: # كل بيت للهدم ما تبتني الور # قاء والسيد الرفيع العماد # واللبيب اللبيب من ليس يغت # ر بكون مصيره للفساد # والمؤرخ الدهري يختلف عن الفيلسوف الدهري في أن هذا يعتقد على الأقل بأزلية المادة ~~وخلودها، وذاك لا يعتقد بخلود شيء. إنما حياة الأشياء والمخلوقات إلى أجل مسمى، بل ~~هي خيال زائل يظن ذاته حقيقة ثابتة دائمة. في مثل هذه الأقاويل يبرهن كارليل على ~~أن الثورة الإفرنسية لا تؤثر أبدا في تاريخ الشعوب والعمران ولن تؤثر حتى في ~~أحوال أوروبا السياسية والاجتماعية. # وفي الفصل الثاني من الكتاب الأول يرفع الستار حتى النهاية عن فلسفته الاجتماعية ~~الدهرية. ومن يقرؤه مفكرا تنجلي له النتائج التي استخلصناها منه، وهي أن تعظيم الصغائر ~~يلذ متى كان النافخ في فقاقيعها كاتب عظيم ككارليل، ولكن الحفول في الصغائر ~~يبعدنا عن الجوهر الحقيقي، وأن الفكر الروحي الداخلي زائل؛ لا أزلي هو ولا خالد، بل ~~هو يتغير ويتحول ويتلاشى كالمادة صحيحا كان أو فاسدا، وأن النهضات الاجتماعية ~~السياسية تظهر فجأة واتفاقا لا بعد أن تنضج في خفايا الزمان، وأن الفلاسفة مخطئون على ~~الإطلاق في مبادئهم الاقتصادية وفلسفتهم الاجتماعية. وفي بقية الفصول دليل واضح على ~~كل هذا. وفيما كتبه عن ميرابو بالأخص وعن ليلة رابع آب دليل أنصع وأوضح. ومعلوم أن ~~مجلس النواب ألغى في تلك الليلة الشهيرة في مدة ساعتين من الزمن نصف شرائع الحكومة ~~القديمة وقوانينها. وإذا أراد القارئ أن يطلع على مثال جلي من تهكمه الفظ ~~وانتقاده العنيف الشديد فليقرأ الفصول التي يصف فيها فرار الملك والمحالفة الوطنية في ~~شأن ديمار # 3 # والمشاغب التي نجمت عن قلة الحنطة واحتكارها. وكم مرة ردد ms197 في كتابه ~~عن مجلس الأمة الذي نشل فرنسا من الهوة التي كادت تبتلعها قوله أن «قد اجتمع أعضاء ~~المجلس ليصلحوا قواعد الأفعال الشاذة.» # قد لا يحترم كارليل إلا القوة المادية وكثيرا ما يكبر نزوات الإنسان وأهواءه ~~ويمجدها؛ فهو لا يرى في نهضة الإفرنسيس على أرباب الظلم والظلام سوى معدة فارغة ~~وخمسة وعشرين مليونا من الألسنة الملتهبة حماسا الملتوية جنونا في عالم من الفساد ~~مضطرب مدلهم؛ فالخبز في مذهب كارليل هو سبب الثورة ونتيجتها؛ هو الأول وهو الأخير. ~~وأما المؤرخ الذي يعتقد بالصعود المتواصل وبالترقي الدائم فهو لا شك يرى أن ليس ~~بالخبز فقط يحيا الإنسان. # إن بين الكمالات النظرية والاختلال الحقيقي في حياتنا الاجتماعية علاقة خفية تكاد لا ~~تنظر بالعين المجردة ولا تتجلى دقائق الحكمة فيها إلا لمن خصتهم الطبيعة بشيء من ~~البصيرة والذكاء وبنفس صافية شفافة صحيحة تنعكس فيها الأشياء انعكاسا تاما ~~جليا صحيحا. ولا شك أن بين ما هو كائن في تصوراتنا وما هو حادث في حياتنا فرقا ~~ظاهرا، ومع ذلك فما هذا إلا انعكاس ضعيف مختل لذاك. كأن العقل البشري اليوم أشبه ~~بمرآة مكسرة لا تنعكس فيها الأشياء كما ينبغي. وإلا جاز لنا مع ذلك أن ننفخ في ~~الحوادث روح الكمالات النفسية فتبقى مدفونة فيها إلى أن ينشرها الزمان فتظهر ولو بعد ~~ألوف من السنين بمظهر من الحياة سام نقي جميل. «ألا نستطيع أن نمزج القليل مما ~~هو كائن في تصوراتنا بما هو كائن حادث في حياتنا؟ ألا نستطيع بكلمة أوضح أن نزرع ~~فيما نقص وفسد من الأعمال بذور ما تعالى من الآمال لتنبت وتنور ولو في جيل بعيد ~~بل آت من الأجيال؟» # هذه سؤالات يضحك منها كارليل الساخر بآمال الناس المستخف بتشوقات الروح الكمالية؛ ~~فهو لا يمنحنا شيئا ولا يدعونا إلى شيء ولا يؤملنا بشيء. القوة الحيوية المادية ~~التي تظهر في عظام الرجال وأبطال التاريخ إنما هذه في مذهبه كل شيء. # أنا آكلك، وآخر يأكلني. برافو! والأخير من البشر فريسة من يكون؟ # ولا نظن أن المؤلف ms198 حاول أن يضع تعليما جديدا في الثورة الإفرنسية؛ فالمؤرخون كما ~~سبق القول ينصرون الثورة أو يقاومونها، أما كارليل فشاء أن ينصرها ويقاومها معا. ~~ولكن هي التخمة وعرض بل مرض آخر ولدا فيه السويداء فأصيب بالفتور والشك وأصبح لا ~~معها ولا عليها. ولا نظنه ولو شاء يستطيع أن يؤسس حزبا ثالثا غير متحيز؛ لأنه في كل ~~ما كتبه عن الثورة لم يبد قط رأيا وضعيا ثابتا يتخذه الحزب دستورا لأعماله، ~~بل كان كريشة في مهب الريح طوع تأثراته وأسير وساوسه. # هل الملكية لازمة نافعة للناس؟ كلا، إنها مبنية على أساس فاسد. هل الجمهورية أصلح ~~منها؟ كلا؛ فهي قد نشأت من الظلمة وشيدت على جثث الملايين من العباد. علينا إذن ~~بالفوضى؛ هذي هي نتيجة فلسفة غير المتحيزين من المؤرخين. # وقد علمنا التاريخ حقيقة نود لو لم تكن، وهي أن من أراد تأسيس حزب أو وضع ~~تعليم أو إنشاء ديانة ينبغي له أن ينظر إلى وجه واحد من المسألة فقط إذا شاء أن ~~يكون صريحا في رأيه حازما في قوله ثابتا في عقيدته، وبكلمة أخرى إذا شاء أن يكون ~~مؤسسا لحزب أو تعليم أو دين ما فعليه أن يكون متحزبا متعصبا مأخوذا بدعوته ~~مهما كانت. عليه أن يكون أعمى أصم فيما سوى ذلك؛ فالنفي والشك والتردد وعدم ~~الاكتراث والفتور هذه لا تؤسس ممالك وأحزابا وديانات، وهذه كلها من مزايا كارليل ~~المشهورة؛ فقد أحب ألا يكون متعصبا لا مع الثورة ولا لها فجاءنا بتعصب جديد خصوصي ~~لا يضر بالحقيقة الجوهرية ولا ينفعها وقد يلذ لمن تتوق نفسه إلى الجديد من الأشياء ~~والآراء. وبما أنه توسع في الصغائر والتوافه التي تتعلق في الثورة ~~ولذ له سردها بل نظمها في نثره الفخيم، فهو أشبه ~~بنور تضعضعت أشعته المرسلة في كل الجهات ولم تتعدها إلى ما وراءها من ~~الجوهريات. وإنه لو صوب نور مصباحه إلى غرض واحد في جهة واحدة لأرانا في الزوايا ~~شيئا من الحقيقة الثابتة الدائمة. لو فعل ذلك لفاز بوضع تعليم جديد أو تأسيس ms199 حزب ~~ثالث ينظر في شئون الثورة نظر الغريب عن هذه الأرض ويقيس منافعها وأضرارها بغير مقاييس ~~هذا العالم. # أما التنديد برجال الثورة والاستياء من النهضة بجملتها والنفور من هولها والفرار ~~من نارها المحرقة المنيرة فهذه ذنوب لا تغتفر للمؤرخ إذا اقترفها؛ فالطفل يولد في ~~الألم والعذاب، والجمهوريات تنشأ في الثورات والحروب. الأم تتألم ساعة الولادة، وكذلك ~~الأمة. يموت الإنسان والعذاب ملازمه، ويولد الطفل والألم حليفه. وكذلك الحكومات ~~بأنواعها والأمم؛ فلا تموت حكومة بسلام ولا تنشأ حكومة بسلام. # ولا بأس في الختام من قصة صغيرة أوردها فقد ذكرتني بها مطالعة هذا الكتاب الذي ~~أود أن يطالعه كل من يحسن اللغة الإنكليزية من قرائي. ورب قائل: ولم ~~تدعونا إلى مطالعته بعد أن تحققت فساده وبان ذلك الضرر الذي ينم عن اقتباس الأفكار ~~التي جاءت فيه؟ أريد أن يقرأه كل من كلف نفسه قراءة هذا البحث ليستطيع أن يقابل ~~بين الاثنين. لا أريد أن يرتئي أحد رأيي دون أن يشغل قليلا فكره. لنعد الآن إلى ~~القصة. # أراد أحد الملوك الأقدمين المولعين بالعلم أن يطلع على تاريخ الأمم فطلب أحد ~~وزرائه وأمره بتأليف أو جمع تاريخ عام، فذهب الوزير وغاب سنين ثم عاد إلى الملك ومعه ~~عدد من الجمال محملة كتبا، فوقف أمام ملكه وقال: «ها هو التاريخ الذي تطلبه.» ~~ولكن الملك وقد هالته أحمال الجمال أمر الوزير أن يختصر التاريخ، فغاب هذا ثانية ~~وعاد بعد سنين ومعه جمل واحد فقط يحمل التاريخ المختصر. أما الملك فكان قد ضعف ~~بصره ووهنت قواه فأمر الوزير أن يختصر أيضا، فغاب الوزير للمرة الثالثة وعاد فرأى ~~مليكه يتقلب على فراش الموت، فلما رآه الملك قال: «آه ثم أواه! سأموت قبل أن أطلع ~~على تاريخ الأمم.» فأجابه الوزير معزيا: «لا تقل ذلك يا مولاي، فقد أحضرت لك مجموعة ~~صغيرة تنبئك عن كل أعمالهم باختصار غريب، وها هي.» ثم أخرج الوزير من جيبه ورقة ~~صغيرة وقرأ بصوت مرتفع: «هاك يا ملك الزمان تاريخ شعوب الأرض مختصرا: فإنهم تنفسوا ~~فتنافسوا ms200 فعرقوا فماتوا.» # وتاريخ كارليل المقسوم إلى عشرين كتابا وكل كتاب مقسوم إلى فصول لم يفدنا عن ~~الثورة الفرنسية أكثر مما أفاد مليكه عن تاريخ شعوب الأرض؛ فالكلمات الأربع التي تؤلف ~~تاريخ الوزير تكفي لتأليف مثل هذا التاريخ دون أن يفوتنا منه شيء كثير. لو شاء كارليل ~~أن يختصر لقال مع الوزير عن الإفرنسيس: قد تنفسوا فتنافسوا فعرقوا فماتوا. ولكن في ~~الأمة الإفرنسية ما لا يموت، في الأمة الإفرنسية من نتائج الثورة العظيمة ما تبقى آثاره ~~بادية حية نامية في ترقي الأمم والناس. ~~(مقالة في انتقاد «تاريخ الثورة ~~الفرنسية»، تأليف توماس كارليل، «الريحانيات»، جزء ~~1) # | الشيخ رشيد رضا (1865-1935) # جمع بين القديم والجديد في الفكر والعمل السياسي # إن التطورات الاجتماعية كانت تقضي بوقوع ما وقع من التصرف في شكل الحكومة ~~الإسلامية، ولم يمكن في تلك الأزمنة أن يوضع لها نظام يكفل أن تجري على سنة ~~الراشدين، ولا طريقة أوائل الأمويين والعباسيين، في الجميع بين عظمة الدنيا ومصالح ~~الدين. ولما صار هذا ممكنا كان أمر الدين قد ضعف، وتلاه في جميع الشعوب الإسلامية ~~ضعف حكوماتها، وضعف حضارتها؛ فلم تهتد إلى مثل ما اهتدى إليه الإفرنج من القضاء على ~~استبداد ملوكهم شعبا بعد شعب؛ فمنهم من قضى على الحكومة الملكية قضاء مبرما، ومنهم ~~من قيد سلطة الملوك فلم يدع لهم من الملك إلا بعض المظاهر الفخمة التي يستفاد ~~منها في بعض الأحوال دون أن يكون لهم من الأمر والنهي في الحكومة أدنى استبداد. # ذلك أن كل من يعطى تصرفا في أمر يجب أن يكون مسئولا عن سيرته فيه، والتقاليد ~~المتبعة في الملك أن الملك فوق الرعية فلا يتطاولون إلى مقامه الأعلى ليسألوه عما ~~فعل، وهذا شيء أبطله الإسلام بجعله إمام المسلمين كواحد منهم في جميع أحكام ~~الشريعة، ونص على أنه مسئول عما يفعل بقوله ( # صلى الله عليه وسلم ~~): «كلكم راع وكلكم مسئول عن ~~رعيته؛ فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، ~~والمرأة راعية في بيت زوجها وهي ms201 مسئولة عن رعيتها» إلخ ... (متفق عليه من حديث ابن ~~عمر). وكان المسلمون يراجعون الخلفاء الراشدين ويردون عليهم أقوالهم وآراءهم فيرجعون ~~إلى الصواب إذا ظهر لهم أنهم كانوا مخطئين، حتى إن عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ~~خطأته امرأة في مسألة فقال على المنبر: «امرأة أصابت وأخطأ عمر»، أو: ورجل ~~أخطأ. # غفل المسلمون عن هذا فتركوا الخلافة لأهل العصبية يتصرفون فيها تصرف الملوك ~~الوارثين الذين كانوا يزعمون أن الله فضلهم على سائر البشر لذواتهم ولبيوتهم وأوجب ~~طاعتهم والخضوع لهم في كل شيء؛ فلم يوجد في أهل الحل والعقد من الرؤساء من اهتدى ~~إلى وضع نظام شرعي للخلافة بالمعنى الذي يسمى في هذا العصر بالقانون الأساسي ~~يقيدون به سلطة الخليفة بنصوص الشرع، ومشاورتهم في الأمر، كما وضعوا الكتب الطوال ~~للأحكام التي يجب العمل بها في السياسة والإدارة والجباية والقضاء والحرب. ولو وضعوا ~~كتابا في ذلك معززا بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الراشدين، ومنعوا فيه ولاية ~~العهد للوارثين، وقيدوا اختيار الخليفة بالشورى، وبينوا أن السلطة للأمة يقوم بها ~~أهل الحل والعقد منها، وجعلوا ذلك أصولا متبعة، لما وقعنا فيما وقعنا فيه. # فأما الراشدون رضي الله عنهم فقد كانوا واثقين بتحريهم للحق والعدل ويصرحون ~~بسلطة الأمة عليهم وهم واقفون في موقف الرسول ( # صلى الله عليه وسلم ~~) من منبره كما قال أبو بكر: ~~«وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني.» وكما قال ~~عمر: «من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه.» وكما قال عثمان: «أمري لأمركم تبع.» ~~وأقوال علي وأعماله بالشورى معروفة على اضطراب الأمر وظهور الفتن في زمنه، وموت ~~كثير من كبراء أهل العلم وتفرق بعضهم، ثم إنهم لم يكونوا قد دخلوا في عهد التصنيف ~~ووضع النظم والقوانين، ولا شعروا بشدة الحاجة إلى ذلك؛ لكثرة الصلاح وخضوع الأمة ~~لوازع الدين. # وما جاء عصر التأليف والتدوين إلا وكانت الخلافة قد انقلبت إلى طبيعة الملك ~~بالبدعتين الكبريين اللتين ابتدعهما معاوية، وهما: جعل الأمر تابعا لقوة العصبية، ~~وجعل الخلافة تراثا ينتقل من المالك إلى ولده أو غيره ms202 من عصبته. وشغل الناس عن ~~سوء هاتين البدعتين سكون الفتنة التي أثارها السبئيون والمجوس وافترصها الأمويون، ~~وما تلاه من اجتماع الكلمة وحقن الدماء في الداخل، والعودة إلى الفتوح ونشر هداية ~~الإسلام وسيادته في الخارج؛ وذلك أن تأثير الفساد الذي يطرأ على الصلاح العظيم لا يظهر ~~إلا بتدرج بطيء. # هذا، وإن ما فات المسلمين في القرون الوسطى لا ينبغي أن يفوتهم في هذا العصر الذي ~~عرف البشر فيه من سنن الله تعالى في الاجتماع البشري ومن فوائد النظام وأحكامه ما لم ~~يكونوا يعرفون. # وكان أجدر المسلمين بالسبق إلى هذا رجال الدولة العثمانية، ولا سيما الذين يقيمون في ~~الآستانة والروملي من بلاد أوروبا، يشاهدون تطور شعوبها وترقيهم في العلوم ~~والفنون والنظام، ولكن دولتهم لم تكن دولة علوم وفنون؛ لأنه لم يكن لهم لغة علمية ~~مدونة قابلة لذلك إلا في أثناء القرن الماضي. ولم يكن يتعلم علوم الإسلام منهم إلا ~~قليل من المقلدين؛ ولهذا جعلوا سلطة سلاطينهم شخصية مطلقة حتى بعد تحليتهم بلقب ~~الخلافة، فلما صاروا يدرسون تاريخ أوروبا وقوانينها، وثوراتها على حكوماتها لإزالة ~~استبدادها، ظنوا أن لا سبيل لتقييد استبدادهم ومنع ظلمهم إلا بتقليد أوروبا في شكل ~~حكوماتها: الملكية المقيدة، ثم رجحوا في هذا الزمن الجمهورية؛ لأنهم رأوا أن ~~جعل السلطان مقدسا غير مسئول كما قرروه في قانونهم الأساسي لم يف بالغرض. ولو ~~درسوا الشريعة دراسة استقلالية كما يدرسون القوانين لوجدوا فيها مخرجا أوسع وأفضل ~~من القانون الأساسي السابق ومن الخلافة الروحية وحكومة الجمعية الوطنية الحاضرة ~~... ~~(من كتاب «الخلافة أو الإمامة العظمى») # | مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) # أهناء أم عزاء؟ # فارق مصر على أثر إعلان الدستور العثماني كثير من فضلاء السوريين بعدما ~~عمروا هذه البلاد بفضائلهم وآثارهم وصيروها جنة زاخرة بالعلوم والآداب ولقنوا ~~المصريين تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة، وبعدما كانوا فينا سفراء ~~خير بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية يأخذون من كمال الأولى ليتمموا ما نقص ~~من الأخرى، وبعدما علموا المصري كيف ينشط للعمل، وكيف يجد ويجتهد في سبيل العيش، ~~وكيف ms203 يثبت ويتجلد في معركة الحياة. # قضوا بيننا تلك البرهة من الزمان يحسنون إلينا فنسيء إليهم، ويعطفون علينا ~~فنسميهم تارة دخلاء وأخرى ثقلاء، كأنما كنا نحسب أنهم قوم من شذاذ الآفاق ~~أو نفايات الأمم جاءوا إلينا يصادروننا في أرزاقنا ويتطفلون على موائدنا. ولو ~~أنصفناهم لعرفناهم، وعرفنا أن أكثرهم من بيوتات المجد والشرف، وإنما ضاقت بهم حكومة ~~الاستبداد ذرعا، وكذلك شأن كل حكومة مستبدة مع أحرار النفوس وأباة الضيم، ~~فأحرجت صدرهم، وضيقت عليهم مذاهبهم، ففروا من الظلم تاركين وراءهم شرفا ينعاهم ~~ومجدا يبكي عليهم، ونزلوا بيننا ضيوفا كراما وأساتذة كبارا، فما أحسنا ضيافتهم ~~وشكرنا لهم نعمتهم. # وبعد، فقد مضى ذلك الزمن بخيره وشره، وأصبحنا اليوم كلما ذكرناهم خفقت أفئدتنا ~~مخافة أن يلحق باقيهم بماضيهم، فلا نعلم أنشكر للدستور أن فرج عنهم كربتهم وأمنهم ~~على نفسهم وردهم إلى أوطانهم، أم ننقم منه أنه كان سببا في حرماننا منهم بعد ~~أنسنا بهم واغتباطنا بحسن عشرتهم وجميل مودتهم، ولا ندري هل نحن بين يدي هذا النظام ~~العثماني الجديد في هناء أم في عزاء؟ # فيا أيها القوم المودعون، والكرام الكاتبون: # اذكرونا مثل ذكرانا لكم # رب ذكرى قربت من نزحا # واذكروا صبا إذا غنى بكم # شرب الدمع وعاف القدحا # | جبران خليل جبران (1883-1931) # (1) طلائع البعث الجديد # كتبت الفيكونتس «سيسيليا أف لوتنبرغ» رسالة إلى جبران خليل جبران سنة 1910، ~~وهي من النساء الشهيرات في عالم الأدب الأوروبي ومن المستشرقين الذين يحبون ~~سوريا والسوريين، ولها كتابات جميلة عن الأراضي المقدسة وبلاد فارس ومصر وشبه ~~جزيرة العرب، فأجابها جبران بالرسالة التالية: # سيدتي الفيكونتس # جاء في كتابك الذي تكرمت بإرساله إلي: # أنا أحب سوريا لأنها جميلة ولجمالها خاصة معنوية تنبه في نفسي عواطف ~~غريبة سحرية وتذكارات بعيدة لطيفة. وأحب السوريين لأنهم أذكياء وتعساء. ~~لكنني أكره هذه الطبقة لأنها تركت محاسن التمدن الشرقي القديم ومالت إلى ~~المكروه من المدنية الغربية الحديثة، فهي الآن بغير لون تتميز به عن طبقات ~~البشر. # هذه حقيقة جارحة يا سيدتي يسمعها المحافظون من الشرقيين فيحنون رقابهم ~~متأسفين، ويعيها ms204 العصريون بينهم فيبتسمون. وبين أوجاع ذلك الأسف وسخرية ~~هذا الابتسام تقف سوريا الآن موقف حائر ضائع في ملتقى السبل. أما أنا ~~فلا أتأسف جزعا عندما أرى رقعة جديدة قذرة في ثوب سوريا القديم، ولا ~~أبتسم فرحا عندما أجد جسدا جديدا لروح عتيقة. أنا أنظر إلى سوريا نظرة ~~الابن الشفوق إلى أمه المريضة بعلتين هائلتين: علة التقليد وعلة ~~التقاليد. التقاليد يا سيدتي تجعل المرء كالأعمى السائر في نور النهار، ~~والتقليد يجعله كالبصير السائر في ظلمة الليل. وما الفرق بين الرجلين سوى ~~أن نفس الأول «تحيط» بالظلام، ونفس الثاني «محاطة» بالظلام. # إن المحافظين في سوريا هم رؤساء الأديان ووجهاء القبائل وشيوخ الأسر ~~القديمة؛ فرؤساء الأديان يحافظون على التقاليد لا حبا بجمالها وبساطتها ~~بل لأنهم يجدون بالمحافظة عليها بقاء سلطتهم. أما وجهاء القبائل وشيوخ ~~الأسر القديمة فهم كرصفائهم في كل بلاد يميلون بالطبع إلى تأييد نفوذهم ~~بمصارعتهم كل روح جديدة تجيء سوريا من المغرب. ولا لوم عليهم؛ لأن الأرواح ~~الجديدة التي يرونها مرفرفة في فضاء بلادهم تستبيح حرمة الآداب الشرقية ~~بمغالبتها الخرافات وتمزق نقاب «المجد» عن وجه سوريا بتمزيقها أثواب ~~الغباوة عن جسدها. # أما العصريون الذين تخرجوا في مدارس الإفرنج أو الذين هاجروا إلى ~~العالم الجديد فأكثرهم كالثمار في حديقة العالم الأدنى ذات منظر بهيج لكنها ~~ملوثة بالدخان. غير أنهم أقل ضررا من المحافظين؛ لأن تأثرهم أوهى، وظلهم ~~أقصر، ومطامعهم أقل. لكن سيدتي تعلم أن في سوريا طبقة ثالثة أوسع فكرا من ~~المحافظين وأكثر حكمة من العصريين المقلدين. وهؤلاء هم الذين نبذوا سلطة ~~رؤساء الأديان حبا بجمال الدين نفسه، ونفروا من الانقياد إلى أبناء الشرف ~~الموروث احتراما لشرف النفس، وابتعدوا عن تقليد عوائد الإفرنج القبيحة ~~توصلا إلى معارفهم وآدابهم المستحبة. ولا أدعو هذه الطبقة بالمعتدلة؛ ~~لأنها لا تريد أن توفق بين فضائل عبيد التقاليد ومحاسن أبناء التقليد ~~لعلمها بأن الورد لا يجنى من القطرب والخمر لا يعصر من الأشواك. ولا ~~أدعوها بالمتساهلة؛ لأنها لا ترفق بالمستسلمين إلى خرافات الشرق ولا تشفق ~~على المنغمسين ms205 برذائل الغرب لإدراكها جهالة هؤلاء وانحطاط أولئك، بل هي ~~طبقة مستقلة بأخلاقها ومداركها ومزاياها، شرقية بأميالها وأهوائها. تتكلم ~~العربية في مجتمعاتها لأنها تحسن اللغة العربية، وتتعمق في درس اللغتين ~~الإفرنسية والإنكليزية لا حبا بالروايات السافلة والقصص القذرة التي ~~تقذفها جوانب باريس ولندن بل شغفا بآداب فرنسا العالية وعلوم إنكلترا ~~النبيلة؛ فهي لا تعرف شيئا عن مؤلفي نوادر العشاق وحكايات المتهتكين ~~في أوروبا، لكنها تعرف كل شيء عن شكسبير وغوت ودانتي وبلزاك، وهي لا تلتفت ~~إلى ما تذيعه الصحف عن غرائب التمدن الحديث التي أوجدها داروين وكنت ~~ونيتشه ورينان. # هذه هي الطبقة التي تمتاز بها سوريا عن البلاد الشرقية، وهؤلاء هم الرجال ~~الذين أحدثوا النهضة الأدبية في مصر والشام. هؤلاء هم الذين أوجدوا في نفوس ~~الشرقيين استعدادا لقبول الحكم النيابي. # إن الأمم كالشجر تنبت وتنمو وتتعالى ثم تبلغ مبلغها فتعطي ثمارا جيدة ~~ورديئة، ثم تمر عليها السنون فتشيخ وتجف جذوعها وفروعها، ثم تمر بها ~~العواصف فتنيخها إلى الحضيض وتكفنها بأوراق الخريف وثلوج الشتاء. وسوريا ~~كرمة، قد نمت قدما أمام وجه الشمس وأعطت عنبا لذيذا تمجدت بطعمه ~~الآلهة، وخمرا سحريا شربت منه الإنسانية فسكرت ولم تصح بعد من نشوتها. ~~واليوم بعد أن داست أقدام ابن السبيل جذوع تلك الكرمة وأتلف اللصوص سياجها، ~~يمر عابر الطريق فيجدها قد أورقت ثانية واهتزت قضبانها مرتعشة بمرور ~~نسيمات الفجر ... تلك معجزة لم يأت التاريخ بمثلها، ولا يستعظمها سوى من ~~عرف مآتي الأجيال التي مرت بين أيام نبوخذنصر وعهد عبد الحميد! ~~(2) وجوب الثورة # من يصبر على الضيم ولا يتمرد على الظلم يكون حليف البطل على الحق وشريك ~~السفاحين بقتل الأبرياء. # | كتاب محاكمة مدحت باشا # الحرية مفتاح كل شيء # وقد يتعجب بعض الناس من احتياج رعايا الدولة العثمانية إلى جلب كل شيء من الخارج، ~~مع وجود الأراضي المنبتة الواسعة في حوزة الدولة في قطعتي آسيا وأوروبا. وطالما ~~تذاكر العقلاء أكثر من مرة في هذه المسألة وقرروا أن السبب في ذلك هو سوء إدارة ~~الحكومة؛ فإن الأمن مسلوب في ms206 طول البلاد وعرضها، والأراضي خالية من السكان، وقد ألقى ~~الظلم جرانه في كل بقعة من البلاد، وإذا أراد أحد الزراع استثمار قطعة من الأرض ~~أثقلت الحكومة ظهره بالضرائب. وقد يقول بعض الناس: إن خراب المزارع ناتج عن جهل ~~الأمة، فنجيبه بأن أبناء البلاد يهجرونها طلبا للحرية، ويقصدون الأقطار النائية ~~ويعملون أعمالا تدل على اجتهادهم ونشاطهم. وسيقول بعضهم: إن السلطان قد أمر بإعمار ~~البلاد فهو بريء من كل ما يعزوه إليه أعداؤه، وإن الذنب كل الذنب على الوزراء. وهناك ~~قسم ثالث يقول: إن الحكومة يجب عليها نشر الصنائع وتأسيس المعامل لإفادة الشعب، فنجيب ~~هذا القسم بأن الحكومات في أوروبا لا تنشئ المعامل ولكن الشعب يؤسس الشركات وينشئ ~~المصانع إذا تمتع بأنواع الحرية ووضع مجلس نوابه قوانين تخوله استعمال حقوقه ~~الطبيعية واستخراج ثروة بلاده، وهذا لا يتم إلا إذا تأسست في البلاد حكومة عادلة ~~يكون معها الإنسان آمنا على ماله وتجارته وعمله. # ولم لا يشتغل سكان البلاد العثمانية بتأسيس المعامل وتأسيس الشركات مع وجود أرباب ~~رءوس الأموال من رعايا الحكومة المحلية؟ ولأي سبب يتأخر رعايا الدولة العلية عن ~~صناعة الأقمشة مع وجود القطن بكثرة في بلادنا وانخفاض أجرة العمال في البلاد عن أجرة ~~مثلهم في أوروبا؟ ولم لا يشتغلون بأعمال المصنوعات الجلدية والكاغد # 1 # مع وجود ما يلزم لإحضارهما في بلادنا؟ إنهم لا يتأخرون عن صنع ذلك وحده فهم ~~لا يعملون أيضا اللبن والآجر والكبريت في هذه البلاد، ولا يصنعون الطرابيش التي فوق ~~رءوسنا، فلم نحتاج إلى أوروبا في جلب هذه البضائع؟ لا يشكن أحد أن كل هذه ~~الأسباب ناتجة عن عدم وجود الحرية والقوانين في بلادنا. # إن عندنا قوانين ومحاكم ومجالس وليست عندنا قوة لإجبار المجالس والمحاكم على اتباع ~~القوانين الموضوعة؛ فالمحاكم تظلم الناس نهارا جهارا. وقد ثبت أن الشركات التي ~~تتشكل في بلادنا لا يحميها أحد فتذهب أرباحها ورءوس أموالها. والسبب الثاني هو أن ~~البلاد محرومة من المعارف، وليس الأهالي بأحرار ليتعلموا ما تضطرهم إليه مرافق ~~الحياة. والسبب الثالث هو ms207 أن الدراهم لا توجد في بلادنا إلا بفوائد فاحشة فليست ~~عندنا بنوك تسهل للإنسان الإقدام على أعمال نافعة فيستفيد ويفيد، وليست في البلاد ~~قوانين تجبر البنوك والصيارف على الاعتدال في معاملاتهم؛ فمع كل هذه الموانع لا ~~يتسنى لأي فرد تشويق الأهالي وحثهم على الأعمال النافعة، ومن أقدم على ذلك كان ~~كمن يحاول تسيير سفينة بلا ريح ولا بخار. # وقول بعضهم: إن الحكومة لا تعمل الأعمال التي تعود على الأهالي بالفوائد مردود؛ لأن ~~الحكومات تنشئ الطرق الحديدية والمرافئ وتجمع الأموال من الأهالي وتنشئ المعامل ~~وتديرها على حساب الشعب، وهي أعمال غير نافعة للأمم كما أثبتت ذلك التجارب؛ وعليه ~~فتكليف الحكومة بإحداث المعامل وتسليمها للأهالي مردود من كل الوجوه ولا سبيل إلى ~~عزو ذلك إلى تقصير الوزراء وإهمال الحكومة. # والذي يجب على الحكومات إزاء الشعوب هو منحها الحرية التامة. ~~(عن كتاب «محاكمة مدحت باشا»، تعريب يوسف ~~كمال حتاتة) # | محمد كرد علي # تحية باريز # سلام عليك مرضعة الحكمة، وربيبة الرخاء والنعمة، وروح الانقلابات الاجتماعية ~~والسياسية ، ومحيية المدنية الأصلية في الأقطار الغربية والشرقية، ومعلمة العالم ~~كيف يكون الخلاص من الظالمين، والضرب على أيدي الرؤساء والنبلاء والمالكين. أنت ~~هذبت طبائع البشر حتى غدوا يشعرون باللطف والذوق وفائدة العلم والعمل. أنت كنت في ~~مقدمة العواصم التي انبعث منها تمجيد العقل بل تأليهه، فقضيت بالتقدم له على كل شيء ~~في الوجود، وبالغت في إكرام رجال العقول من أبنائك ... # سلام عليك يا واضعة حقوق الإنسان، وملحقة الأذهان بالتناغي بحب الأوطان، والداعية ~~إلى ثل عروش الجبارين والمخربين. أنت لم ترهبك تقاليد أبطال القرون الوسطى، ~~ولا بطش الباطشين من المحافظين عليها، ولم تعلقي مسائلك على القضاء والقدر، بل ~~أخذت بالأسباب والمسببات، فقتلت من أراد قتلك، ووضعت من لم يهمه رفعك، وكنت ~~للناهضين من الناس خير مثال ... # سلام عليك يا ملقنة الخلق معنى الإخاء والحرية والمساواة، ليتعاشروا بالمعروف ~~ويقوم نظام اجتماعهم على تبادل المنافع حتى لا يبقى تمييز في الحقوق والواجبات بين ~~المختلفين في الموالد والديانات، وقطعت التفاضل إلا بالأعمال الصالحة ms208 والأحلام ~~الراجحة ... # السلام على هذه العاصمة التي أحسنت إلى الشرق فيما مضى فعلمته حتى استمد منها ~~النور. فإن قلنا معاشر الشرقيين، ولا سيما سكان الشرق الأقرب: إننا نأخذ عن المدنية ~~الغربية، فإنما نعني المدنية الفرنسوية، وبعبارة أصح المدنية التي تنبعث أشعتها من ~~باريز ومن طريقها وبلغتها وأسلوبها تيسر لنا أن نستطلع سائر مدنيات الأرض ... # سلام عليك أنت العاصمة التي تركت القصور الفخيمة التي عمرت بدماء الأمة مباحة ~~للناس يدخلونها وكانت بؤرة المظالم والمغارم، ومنبعث الشهوات والأهواء، ولطالما جأرت ~~جوانبها بالدعاء إلى السماء من حيف الكبرياء، أيام كان يوقع أحد ملوكها وهو على سرير ~~نومه توقيعا واحدا يترك من الغد مائة ألف أسرة في هذه البلاد تبيت جائعة عريانة ~~ليعمر بما يجمع قصرا له أو يدفعه لمحبوبته صبرة واحدة. فلما أضناك الظلم ~~والعنت قمت تجعلين من تلك القصور الناشئة متاحف عامة، ومن دور الظلم والظلمات مجالس ~~عدل وعلم ونور ... # سلام عليك يا بلد كونت وروسو وفولتير وديدرو وسيمون ومونتسكيو وهوغو وباسكال ورينان ~~ومئات أضرابهم ممن بذلوا حياتهم في حسن خدمتك، فلم تنس عوارفهم عليك بعد مماتهم ~~... # أنت إن خجلت من ذكرى الحروب الصليبية، وديوان التفتيش الديني، ومذبحة القديس ~~برتلماوس ... وغير ذلك من الأعمال البربرية في عصور الظلمة، فإن سكانك يفاخرون وحق لهم ~~الفخر بأنهم أحفاد ثورة سنة 1789 قاموا من الأعمال المشكورة في عصور النور بما ينسي ~~الماضي إلا أقله، # إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ~~! ~~(عن كتاب «غرائب الغرب») # | يوسف جرجس زخم # كل شيء يتوقف على الشعب # الإصلاح جاء ويجيء وسيجيء من طريقين: إما من طريق الحكومة، وإما من طريق الشعب. ~~ومثال الأول حكومة اليابان، ومثال الثاني الجمهورية الإفرنسية والجمهورية الأميركية. ~~والانقلاب العثماني لم يأت من طريق الحكومة ولا من طريق الشعب من حيث مجموعه، بل من ~~طريق الجيش. أما والحكومة العثمانية منصرفة قواها جملة إلى حل مسائلها ومشاكلها ~~وقد بدا حتى الآن أنها لا تكترث أو لا تريد أن تكترث بالعربية حييت أم ماتت، فقد ~~تحتم على أبنائها أن يعلوا منارها ms209 ويحموا ذمارها ويحملوا لواءها، وهذا لا يكون فقط ~~بالاحتفاظ ببقايا تلك الكتب العتيقة الباحثة في مذاهب سيبويه ونفطويه وأضرابهما مثلا، ~~بل يكون في نشر الصحافة الحرة بكثرة في المدائن وفي القصبات وفي المديريات وفي الضواحي ~~والنواحي؛ فالصحافة الحرة الصادقة بلا مدافع أكبر كلية للدولة وأكبر مدرسة للأمة ~~وأكبر جامعة للثورات الأدبية المحطمة قيود الجهل والظلم وللنهضات الجالبة رفعة ~~القدر ووفرة الفخر. ويقاس رقي الأمم برقي صحافتها؛ فكل أمة لها صحافة راقية ~~لها منزلة راقية في السياسة والاجتماع والآداب والعمران والعرفان. # لم تكن الصحافة موجودة بعرفي في دور نيرون القرن العشرين؛ فتلك التي كان العبيد ~~المستعبدون يدعونها صحافة لم يكن أكثرها إلا وريقات أو نشرات لنشر آيات التقديس ~~والتدليس والتدنيس، بل لإذاعة المين كل المين والتمويه كل التمويه والتجهيل كل ~~التجهيل والتضليل كل التضليل، وكان الاستذلال والاستعباد يقضيان بدفن الحقائق واستحياء ~~المخارق. أما وقد عادت إلى الشعب بعض حقوقه المعطاة له من الله فمن الغضاضة على ~~الصحافة أن تستر العيوب والعورات، وكل صحافة لا تدل الدولة والأمة على حسناتها ~~وسيئاتها بكل ما في كلمة الحرية من معنى الحرية لا تدعى صحافة ولا يرجى لأمتها ~~وحكومتها صلاح وإصلاح. # نعم إن مضمار الانتقاد أوسع في أميركا منه في الدولة العليا بداعي تقييد الصحافة ~~العثمانية وإطلاق حرية أميركا، غير أن الذنب على الشعب؛ فشعب أميركا مطالب وناهض ~~وقائم، والشعب العثماني قاعد وجامد ونائم. النواب هم الذين قيدوا حرية الصحافة ~~وهم ضيقوا الخناق عليها، والشعب هو الذي انتخب أولئك النواب وأرسلهم إلى عاصمته وهو ~~الذي يدفع مرتباتهم ونفقاتهم؛ فالشعب هو سيد النواب والنواب خدامه، ولم أسمع ولم ~~يسمع غيري أن 250 خادما يستطيعون أن يستبدوا بثلاثين مليون «سيد»، فيا أيها الشعب، ~~مر نوابك بتعديل قانون صحافتك واحملهم على تلبية أمرك، فإن لبوه كان ما تريد، وإلا ~~فاقلب لهم ظهر المجن في الانتخاب المقبل وانتخب الأصلح فالأصلح حتى تبلغ ضالتك ~~وتعمل عمل البلاد الشعبية، فهل من سامع أو مجيب لهذا الصوت الضعيف؟ ~~(عن مجلة «المقتبس»، سنتها ms210 الخامسة) # | الدكتور أيوب تابت # الثورة: أسبابها، استنارة الشعب شرط لنجاحها # إذا كان الملك مطلقا لا قيد يقيده ولا نظام فوق إرادته فالغالب أنه يستأثر في ~~الرأي وهو أكثر ما يكون فاسدا، ويستبد بالقوة وهي قلما تصرف في سبيل الحق والعدل. ~~ويحوم حواليه جماعة من المتملقين والمتزلفين فيزوقون له أنه ظل الله على الأرض، ~~وأن الناس وأعراضهم وأموالهم ملك له يتصرف بهم كيف شاء، فيزداد بذلك عتوا ~~واستبدادا. ولما كانت الرعية تخشى بطشه وتخاف بأسه لا تجرؤ على انتقاد أعماله ~~وتقويم اعوجاجه، فقد ساءت أحكامه وزادت مظالمه. وإذا هي تململت من ثقل الوطأة، اتهمها ~~بالتمرد وشق عصا الطاعة وأمسى قلق الأفكار مضطرب البال إذا هب نسيم السحر ~~خاله عاصفة، أو مال خيال ظنه يدا قاتلة. ويقويه على هذه الهواجس والشكوك ~~المقربون إليه لما يبيحه لهم استحكام التباغض والتنافر بينه وبين الرعية من ~~استنزاف الأموال واستدرار المغانم فيشدد في الضغط على الأمة ويزيد في التنكيل ~~بأحرارها؛ فطالما هي هائمة في ظلمات الجهل فهو في أمن من نهوضها وفكاك قيودها. إنما ~~لا تعتم إلا ريثما تستنير ويشملها العلم فتشعر بثقل الوطأة وسوء الحالة فتهب ~~مستهلكة إلى المطالبة بحقوقها المهضومة. # فإذا كان الملك حكيما يرى ضعف جانبه بإزاء الشعب الثائر فيسترسل إلى إرادته وينيله ~~مبتغاه. غير أن ذلك نادر قليل الحدوث؛ فإن التنازل عن السلطة المطلقة بل عن أية سلطة ~~مهما كان نوعها ليس هو بالأمر السهل. والغالب أن الملك يأبى الاستسلام لمطالب الأمة ~~ويأنف من تقييد سلطته المطلقة، أو ربما أظهر الرضى وأكمن الغدر # 1 # حتى إذا ما أمكنته الفرص من دعاة الإصلاح أوقع بهم وبدد شملهم وأعاد ~~ملكه إلى ما كان عليه من سوء الحال، بل ربما شدد في الضغط على الأمة وزادها عسفا ~~وظلما بغية استبقائها في ظلمات الجهل وديجور الفقر وهما منه بأن ذلك يمنعها من ~~النهوض والعودة إلى المطالبة بحقوقها. وإنما الويل لمثل هذا الملك؛ فأيامه مظلمة، ~~وأحلامه مزعجة، وبلاده تنتابها القلاقل والفتن. وما كان ضغطه على الأمة إلا ms211 ليزيدها ~~ميلا إلى فك القيود وشوقا إلى الانتقام. وهناك البكاء وهرق الدماء يوم يتفجر بركان ~~الثورة الخامد ويندفع الشعب الناقم فلا وعود تحيله ولا وعيد يهوله. ولك في شارل الأول ~~ملك إنكلترا ولويس السادس عشر ملك فرنسا عبرة وذكرى. # وما عليك إلا أن تعود إلى تواريخ الأمم فترى أن ما أشرنا إليه من دواعي الثورة هو ~~ما أدى إليها في عهد هذين الملكين وغيرهما من الملوك السالفين، بل هذه ثورتنا ~~وثورتا جارتينا إيران وروسيا فإذا بحثت في أسبابها تبينت أنها هي على ما ~~قدمناه. # ومما يجمل ذكره وإن خرج عن مدار بحثنا هذا هو أن أكثر الثورات يتبع بعضها بعضا ~~وتتفاوت أزمان وقوعها بتفاوت الأمم النازعة إليها في الاستنارة والعلم. ومثال ذلك حدوث ~~الثورة الإفرنسية على أثر الثورة الأميركية والأمتان يومئذ في منزلة واحدة من ~~الرقي، ثم حدوث ثورات سائر الشعوب الأوروبية المتقاربة في العرفان من مثل بروسيا ~~والنمسا وبلجيكا على أثر الثورة الإفرنسية الثانية، ثم ثورات الروس والفرس ~~والعثمانيين وهم على درجات متشابهة في العرفان وقد جاءت كل واحدة تلو ~~الأخرى. # ولقد أدرك الملوك المطلقون ذلك فكانوا يتألبون على إخماد جذوة الثورة أين شبت ~~خوف تطاير شرارها إلى ممالكهم من تألب إنكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا على إخماد ~~الثورة الإفرنسية الأولى أم الثورات ونور الحرية. ولا أخالنا نحن العثمانيين قد ~~نسينا نظر الروسية إلينا شزرا يوم نلنا الدستور للمرة الأولى ولم يكن قد تشكل فيها ~~بعد مجلس الدوما. # قد لا يدرك الشعب الذي طال عليه عهد الاستعباد أن الإنسان يولد حرا وأن استعباده ~~إنما هو أمر اغتصابي حتى لقد يتوهم أن حالة العبودية هي حالة طبيعية له لا يستغربها ~~ولا يستنكف منها، بل لو قام من طالب له بحقوقه المغتصبة رأيناه واقفا إلى جانب ~~السلطة حائلا بينها وبين حقوقه. ولا يلبث من يشك بصحة هذا القول إلا ريثما يرجع إلى ~~تاريخ ثورات الأمم فتبين له مكانة هذه الدعوى من الحقيقة. حتى إنه لا وجوب لمراجعة ~~التاريخ؛ فهذه الثورة الروسية وعهدها ms212 غير بعيد بل لا يزال شرارها متطايرا هي شاهد ~~ناطق بذلك. ولا عبرة بالقول إن الجيش وليس الشعب هو الحائل بين الأمة والحكم الدستوري، ~~فإنما الجيش من الشعب فلو كان الشعب متنورا عالما بحقوقه لكان الجيش المستمد منه ~~قد عرفها أيضا. # ومما يدلك على مكانة وقوف الشعب على حقوقه الطبيعية من الخطورة في الثورات ~~السياسية أن فلاسفة الإفرنسيس وأكابر كتابهم من مثل فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو ~~توخوا تعليم الأمة ذلك قبل إعلان الثورة الإفرنسية بمدة بعيدة فما ثارت إلا وهي ~~عالمة بما تطالب به السلطة وملمة بالطرق الموصلة إليه. وكان من بادئ أعمال دعاة ~~الثورة لأول التئام الجمعية الوطنية أنهم نشروا على رءوس الأشهاد منشورا عنوانه ~~«إعلان حقوق الإنسان». # وإنك لترى في رجوعك إلى تاريخ الثورة الأميركية أنه قد كان إعلانها على أثر منشور ~~هو بنفس العنوان المذكور وبما يقارب مضمونه معنى. بل لو بحث باحث بحثا دقيقا في ~~نظامات الحكومات الشوروية وقوانينها الأساسية لاتضح له أنها مبنية على حقوق الإنسان ~~الطبيعية. # ولم يتعمد رجال الثورة من كلتا الأمتين في إعلان حقوق الإنسان مجرد تحريض ~~الشعب ودفعه إلى الهياج والفتنة، بل رموا إلى أمر مهم هو تعليم الفرد من الناس ما ~~له من الحقوق على الأمة # 2 # وما للأمة من الحقوق على السلطة ومنزلة السلطة من الأمة، حتى إذا عرف ذلك ~~نهض مع دعاة الثورة وكاتفهم في كبح جماح السلطة وإكراهها على ردها إليه حقوقه ~~المغتصبة وحصرها ضمن دائرة لا تتعداها. # إذا ظل السواد الأعظم من الشعب جاهلا لحقوقه الطبيعية ولمنزلة السلطة من الأمة ~~وانحصر العلم في ذلك بفئة معدودة فقامت تطالب الملك المطلق بحقوق الشعب، فالأرجح ~~أنه لا يتيسر لها ذلك وكان مصيرها الويل والفشل. حتى إنها لو تمكنت من بغيتها ~~وقيدت الملك بالشورى فليس ثمة ما يضمن للأمة بقاء الحالة الناشئة، بل الأقرب أن ~~الملك سيعيد الحالة الماضية إما بإغراء زعماء الثورة وهم قليلون، وإما باستمالة ~~الشعب الجاهل لحقوقه والذي يخيل له كما أسلفنا أن العبودية حالة ms213 طبيعية وأن السلطة ~~هابطة على الملك من قوة وراء الطبيعة لا يسوغ للبشر مساسها. # ولك في تواريخ الأمم الحاضرة ما ينطبق على مثل ما نحن في صدده، بل لا أسألك العودة ~~إلى التاريخ لترى ذلك؛ فإن لك في جارتنا الأمة الفارسية، بل الأمة العثمانية نفسها لأول ~~عهد جلالة السلطان الحالي، مثالا قريبا؛ فكل من الملكين، قياما بطلب فئة معدودة ~~من الشعب، أنال أمته الدستور، إنما ما عتم أن تمكن من ملكه فاسترد ما أناله وأعاد ~~الحكم الاستبدادي المطلق، فكان من وراء ذلك أن الأمة العثمانية بقيت نحوا من ثلاث ~~وثلاثين سنة في حالة من العبودية لم يسطر التاريخ الحديث لها مثيلا. ~~(عن كراس «عبرة وذكرى»، وفيه ~~مجموعة مقالات للدكتور تابت كتبها لمناسبة إعلان ~~الدستور العثماني السنة 1909) # | عبد الرحمن عزام1 # النبي محمد أول وصوله إلى المدينة يضع أسس دولة ~~ديمقراطية # شرع في الحال في بناء المسجد، وما هذا المسجد؟ وفيه كانت الآساس التي وضعها لصلاح ~~الدين والدنيا، وأصبح معبدا و«برلمانا» ومقرا «للسلطة التنفيذية» ومركزا للقيادة ~~العليا، منه تصدر الدعوة إلى الله، والشرائع لخلقه، وجميع الخطط والتدابير الإدارية ~~والسياسية والعسكرية، وفيه تستقبل الوفود، ويلقن العلم. # كان المسجد، على سذاجة بنائه وأساسه، وعلى قلة الأوضاع فيه، يتناسب كل التناسب مع ~~تياسر محمد وأصحابه وانصرافهم الجوهري من الأمر. ويذكر الناس في كل حين بهذه ~~الحقيقة، وهي أن الانقلابات العظيمة، وأن النجاح فيها، أثر لهذه السهولة التي تعنى ~~بالروح والخلق، لا بالافتنان في الأوضاع والإسراف في المظاهر. # ومن هذا المسجد نمت تدريجيا الإدارة الإسلامية إلى أن شملت الجزيرة كلها، ودانت ~~الروم والفرس لها. وفي هذا المسجد اتخذت تدابير ~~قد تكون مما استلزمته أسباب مؤقتة، وأحوال طارئة، ولكنها بما انطوت عليه من الحكمة ~~السامية، وما صدرت عنه من الإدراك، كانت بذورا لأوسع الإدارات الإمبراطورية، وقواعد ~~لأكبر إصلاح بشري. من هذه التدابير ظهرت يثرب وطنا لأهلها لا مسكنا لأقوام ~~المتنازعين فيها، وطنا آمنا للمسلمين والمشركين واليهود، وللنازحين إليها من أية ~~قبيلة كانوا، ولأي عنصر انتسبوا، عربا أو ms214 عجما. # فظهر لأول مرة معنى الوطن، يتساوى الناس فيه تحت نظام يعطي حقوقا ويلزم تكاليف، من ~~غير نظر إلى الأحساب والأنساب والعصبيات والعقائد. # انظروا إليه # صلى الله عليه وسلم # يضع «دستور الوطن الجديد» في صحيفة بين أهل الأديان والأجناس ~~تجعلهم جميعا وطنيين مكلفين الدفاع عن الوطن أمام أي اعتداء عليه، متكافلين في ~~الحرب والسلم، لا ينصرون غيرهم ولا يمالئونه على أهل الوطن، ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم، «وتكفل حرية العقيدة لأهل الوطن، وحرمة أموالهم ودمائهم وأعراضهم». # تبتدئ الصحيفة ببسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي # صلى الله عليه وسلم # بين ~~المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة ~~من دون الناس. # ثم نقرر أن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر ~~عليهم، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، للمسلمين دينهم ومواليهم ~~وأنفسهم، ثم نقرر لبقية اليهود المعاهدين ما ليهود بني عوف. ثم تذكر الصحيفة أن ~~على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه ~~الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، إلى أن تقول: وإن يثرب حرام جوفها ~~لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا ~~بإذن أهلها، وإن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده ~~إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # بهذه الصحيفة انقادت إلى النبي سلطة يثرب الزمنية دون قصد، فقد اقتضت العهود أن ~~تنص على حكم في حالة الخلاف، ولم يكن إلا هو ليحكم، ومنذ تلك الساعة وضع الحجر ~~الأساسي لدولة الإسلام. # فقضى رسول الله على الفوضى، والإباحة للقوة، وجعل لأول مرة في البلاد العربية حق ~~الأمة فوق حق القبيلة، وجعل مرجع إقامة الحدود إلى الله أي إلى شريعته، وإلى رسوله ~~منفذ هذه الشريعة، وكانت إلى ذلك الحين تتولاها ~~القوة الغاشمة وحدها، قوة العصبية لا ms215 تفرق بين المذنب والبريء. وبذلك غرس لاجئ إلى ~~يثرب بذرة الحضارة في أشد الأقوام نزوعا إلى الاختلال والهمجية، ووضع نواة ~~الإمبراطورية التي أزهرت قرونا طويلة، ولا تزال فخر المشرق، وحديث المغرب ... ~~(عن مجلة «الراوي الجديد»، آب 1943) # | محمد جميل بيهم # الثورة الفرنسية والمرأة # بينما كان الفريق الأكبر من نساء أشراف فرنسا مسترسلا في أواخر القرن الثامن عشر، ~~كان فريق آخر من نسوة الشعب يتداول بما صارت إليه حالة المرأة، ويتحد على المطالبة ~~بمساواة الجنسين. بيد أن الروح العامة كانت غير ملائمة لهذا الطلب؛ لأن معظم الأمة وفي ~~مقدمتها العلماء الذين يسمون بالجماعين # Encyclopédistes # كانت تنكر عليهن المساواة. ولا جرم ~~فقد كانت أفكار جان جاك روسو (1712-1778) هي السائدة على الرأي العام، ومعلوم كم كانت ~~تعتبر المرأة قاصرة ومخلوقة لأجل لذة الرجل وانشراح قلبه. # وكانت الآمال في تحرير المرأة معقودة على الثورة الإفرنسية (1789) ولا سيما لما ~~بذله الجنس اللطيف على مذبحها من التضحيات، من مثل مدام رولاند ولوسيل سمولن. ولكن ~~حكومة تلك الثورة أنكرت الجميل وأيدت استعباد النساء. غير أنها مع ذلك أفادت القضية ~~النسائية بطريق العرض بما ألفتت إليها الأنظار حينما أعلنت المساواة العامة، ~~فانتصر للنساء بعضهم مثل سياس # 1 # وكندرست # Condorcet ~~، وكتب ~~كثيرون - رجالا ~~ونساء - مؤيدين حقوق المرأة، واشتهرت من بينهم في أثناء ذلك الآنسة أولامب دي كوج ~~(1748-1793) وهي تعتبر في فرنسة بمثابة ماري ولستنكرفت في بريطانيا العظمى، أو حاملة ~~لواء القضية النسائية. # أما حكومة الثورة فهي في الواقع لم ترد أن تقف محايدة إزاء القضية النسائية، ~~وإنما أنكرت على أربابها اجتماعاتهم وضجتهم، واستكبرت تطرف بعض النساء، فأصدرت ~~أمرا في سنة 1795 تحظر فيه على النساء الاشتغال بالسياسة والاشتراك بالاجتماعات، ~~وشرعت تطاردهن حتى لم يعد يسمع لقضيتهن همس. ولما تبوأ العرش نابليون ~~الأول قضى على كل أمل نسائي، وبنفوذه على متشرعي فرنسة جعل الأسرة في القانون ~~بمثابة الفرقة العسكرية، قائدها الأب، وعلى المرأة والأولاد الطاعة العمياء، طاعة ~~الأجناد. # ولما استعاد آل البوربون العرش (1814-1830) شرع بعض المفكرين يحركون من ms216 جديد ~~بكتاباتهم أسلاك القضية النسائية فتهتز معها أفئدة جمهور من النساء على وجه خاص. وقد ~~أنشأ بعضهن صحيفتين لهذه الغاية، وهما: جريدة «المرأة الحرة» و«الشرارة»، ولكنهما لم ~~تكونا من ذوات الأعمار الطويلة؛ لأن الرأي العام كان لا يزال غير مستعد لقبول ~~فكرتهما. # وقد عقد النسائيون الآمال على الجمهورية الثانية التي أعلنت سنة 1848، واستبشروا ~~حينما استقبلت ممثلاتهم في قصر الحكومة، ووعدتهن خيرا، ولكن أجل هذه الجمهورية كان ~~قصيرا، فعادت الملكية سنة 1852، وعادت معها الصرامة ضد المرأة، وأصدرت أمرا بنفي ~~مدبرات الحركة النسائية. # وفي أثناء ذلك صار لبعض نساء فرنسا ضلع بالعلوم والمعارف، فشرعن يطالبن بحقوق ~~المرأة بالحجة العلمية والبرهان، فألف فريق منهن الكتب، مثل مدام آدم # 2 # وجني داريكورت، وكتب فريق آخر منهن بالصحف مثل مدام أندره له يو وغيرها. ~~وأنشأت حنة درون جريدة سمتها «رأي النساء». وفضلا عن ذلك استملن كثيرا من الرجال ~~وأشهرهم ليون ريشر فنهضوا بقوة للانتصار لهن. # واستمر أنصار المرأة، ولا سيما في أثناء شدة وطأة الملكية عليهم، يذكرون مواعيد ~~الجمهورية فيحنون إلى عهدها، فعقدت بينهم وبين الحزب الجمهوري رابطة المصلحة وشرعوا ~~بمظاهرة هذا الحزب. ولما أعلنت الجمهورية الثالثة (1870) الحاكمة الآن اعترفت لهم ~~بخدماتهم، وهي وإن لم تحقق لهم أمانيهم إلا أنها أطلقت لهم حرية العمل، فدخلت ~~القضية النسائية منذ ذلك في دور جديد. ~~(عن كتاب «المرأة في التمدن الحديث») # | الشيخ مصطفى الغلاييني1 # (1) الحرية الصحيحة هي التي ينالها الشعب بقوته # نالت الأمة العثمانية حريتها وأكثر البلاد غير مستعد لذلك، فإن لم نبذل الجهد ~~لترقية الأقوام الذين لم يفهموا - إلى الآن - معنى الحرية والاستقلال الشخصي فلا ~~تلبث الحكومة أن تتسفل وتتدنى إلى أخلاق هذه الأقوام، ثم لا يمضي زمن حتى ~~ترجع الحالة إلى أشر مما كانت عليه؛ ذلك لأن الحرية الصحيحة هي التي ينالها الشعب ~~بقوته دون مساعدة خارجة عنه، كالجيش مثلا أو كأن تمنح الحكومة الحرية للشعب من ~~قبل نفسها دون مجبر. # أما الحرية التي تنال بواسطة الجيش فإنها تنتزع بواسطته، كما كاد يحصل في ~~ثورة آستانة ms217 الأخيرة الشهيرة بفتنة 31 من مارس و13 من نيسان، أو تنتزع متى سكنت ~~ثائرة ذلك الجيش وذهب رجاله إلى أهليهم. # وكذا الحرية التي تمنحها الحكومة دون ثورة من الشعب، فإنها تنتزع متى مات أو ~~سقط السلطان المانح الحرية، كما حصل في الحرية التي منحها سلطان العجم لشعبه فإن ~~خلفه انتزعها قسرا وأهرق دماء كثيرة في سبيل ذلك؛ فلو كانت الأمة هي التي ~~طالبت بحقوقها وأصرت على نيل حريتها فلا يمكن أن تنتزع منها حريتها ما دام ~~فيها رمق من الحياة. # فالثورة الحقيقية ليست ثورة الجيش لطلب الحرية، ولا ثورة خارجة لطلب حرية أمة، ~~وإنما هي ثورة الأمة. وأفضل معاني الثورة هي الثورة الأدبية أو الأخلاقية؛ لأنها هي ~~كل شيء، وكل معنى من معاني الثورة هو تابع لها على الدوام ... ~~(2) القوانين يجب أن توافق البيئة والحالة الاجتماعية، # 2 # حق اللغة # وإن من الخطأ البين أن تقاس الأمة العثمانية الحديثة العهد بالحرية والدستور ~~بأمة الفرنسيس أو السكسون فتحكم بقانون إحداهما؛ لأن الفرق الشاسع بيننا وبينهم ~~يوجب علينا أن نسن لأنفسنا قوانين توافق بيئتنا وحالتنا الاجتماعية. # يجب أن يكون القانون الذي تحكم به آستانة وسلانيك وبيروت ودمشق وغيرها، غير ~~القانون الذي تحكم به اليمن والأناضول وقسم عظيم من بلاد الأرناءوط؛ فإن البلاد ~~الأولى وما هي على شاكلتها تحتاج إلى حكم أرقى من الحكم الذي تحتاج إليه البلاد ~~الأخرى، وهذا مشاهد حتى يكاد يلمس باليد، وقد وضح وضوح الشمس بعد إعلان ~~القانون الأساسي؛ فقد كان بون شاسع بين هاتين البلادين من حيث تأثير روح الحرية ~~والدستور في نفوس أهليهما وعدم تأثيرها ... ~~... وأما ما يختص بالمعارف فالنظر فيه لا يقل عن النظر فيما سبق؛ فإن المعارف ~~روح البلاد، وهي السبب الوحيد لإيقاظها وإنهاضها، فيجب الاهتمام بنظامها اهتماما ~~عظيما بحيث يكون عاما شاملا لحاجات كل قطر من الأقطار العثمانية على اختلاف ~~لغاتها ومذاهبها، فإن كانت الأنظمة المتعلقة بالحقوق والجزاء والمعاملات تصلح ~~مثلا لبعض البلاد العربية والتركية معا، فإن النظام المتعلق بالمعارف لا يصلح منه ~~ما يصح ms218 العمل به في آستانة وسلانيك لبيروت وحلب وبغداد وغيرها من الولايات العربية ~~لاختلاف اللغة. وهذا من جملة شكاوى أبناء العرب التي ملأت الخافقين؛ فإن اللغة ~~التركية كادت تمحو أثر اللغة العربية؛ فإنها - فضلا عن كونها لسان الدولة الرسمي ~~- لسان العلم في مدارس الحكومة عامة في البلاد التركية والعربية على السواء، وكان ~~الأولى بالحكومة أن تجعل لسان التدريس في كل بلاد بلغة أهلها ... فإنها إن فعلت ذلك ~~تكون قد سعت لترقية البلاد ترقية محسوسة؛ لأن التلاميذ لا يدركون معنى العلم إن ~~درسوه بغير لغتهم إلا بعد إتقان اللغة التي يدرسونه بها، ولا يتأتى لهم إتقانها ~~إلا بعد مدة ليست بالقصيرة، وفي أثناء تلقي العلم يكون التلميذ مشغولا بتفهم ~~العلم وتفهم الألفاظ التي تحوي ذلك العلم، فيكون علمه بسبب ذلك ناقصا مقتضبا؛ ~~فلو درس التلميذ العلم بلغة أبيه وأمه فلا يشغل إلا بشيء واحد وهو تفهم معنى ~~العلم الذي يتلقاه، وهذا سر عظيم يجب أن تتنبه إليه نظارة المعارف، وإن كان ~~يسيء أكثر الشبان الأتراك المغرورين الذين يسعون جهدهم لتتريك عناصر الدولة ~~... ~~(3) الثورة وخواطر في الانقلابات # الثورة نهوض يقصد منه تغيير في السياسة أو الاجتماع أو الأخلاق من قبيح إلى ~~حسن أو حسن إلى قبيح، وقد يعبر عن الغاية الأولى بالانقلاب وعن الثانية بالهيجان. # 3 # وقد يخص القيام لطلب الحق بالانقلاب، والنهوض لمناصرة الباطل بالثورة، ~~والثورة للحق من مطالب الأمم الراقية. غير أن النهوض لتغيير نظام السياسة لا يفلح ~~أنصاره ولا تثبت دعائم مطالبهم إن لم يسعوا قبل ذلك لتغيير نظام الاجتماع والأخلاق ~~حتى يكون للأمة استعداد لتلقي ما يراد إيجاده، وحتى لا تثور ضد ما يخالف الأنظمة ~~القديمة والعادات السائرة فينتج حب التغيير عكس المقصود. ولو فرضنا أنها لم تثر ~~ولم تعارض في جديد النظام وحديث التغيير، فإنها لا يمكن أن تستفيد من الإصلاح ~~شيئا بل ربما يكون الإصلاح شرا عليها من عاداتها القديمة ولو كانت ضارة، وهذا ~~قول ربما لا يسلم به كثير من الناس. # وإنه بقدر استعداد الأمة للحكم ms219 الدستوري والإصلاح تنتفع من ذلك؛ فإن نالت الدستور ~~وأبيح لها الإصلاح غير أنها لم تستنتج شيئا فاعلم أنها أمة غير صالحة لهذه ~~النعمة؛ لأنها لم تقدرها قدرها ولم تهيئ لها الأسباب اللازمة الكافلة ببقائها ~~والمستخرجة لفوائدها. وليس الذنب على القوانين ولا على القائمين بتنفيذها، ~~وإنما الذنب على الأمة التي تحكم بتلك القوانين؛ لأنها تدع منفذيها يفسرون ~~موادها حسب مشتهياتهم دون معارضة ولا مصادمة. ~~... إن الأمة التي هي على هذه الشاكلة إن ثار في متنوريها وعظماء رجالها ثائرة ~~الإصلاح السياسي قبل أن يتقدمه الإصلاح الأخلاقي وثورة الفلاسفة وأهل التربية، يكون ~~ويلا عليها كما أسلفنا، فإن تم نوال الإصلاح السياسي قبل الأخلاقي وانتشرت في ~~الأمة القوانين الراقية وحمل الحكام على القضاء بها، فترى تلك الأمة آسفة كل ~~الأسف على ماضيها وعلى الحالة التي كانت فيها وتتمنى لو ترجع في حافرتها، مع أنه لا ~~يشك عاقل في أن حالتها الحاضرة هي خير من حالتها الماضية، وأي ذي لب يشك ~~في أن العدل والمساواة خير من الجور والحكم بمقتضى الهوى ورغبات النفوس الظالمة ~~الفاسدة؟ ... ~~... لا جدال في أن شكوى هؤلاء إنما هي من الحكام لا من القوانين والانقلاب ~~الدستوري. # من هؤلاء الحكام؟ أليسوا من الأمة؟ فلو كانوا راقية أفكارهم صحيحة أخلاقهم ~~فهل كانوا كما هم اليوم؟ لا ريب أنهم لو تربوا تربية صحيحة وعودوا الحكم ~~بالحق دون مراعاة ولا ميل لمنفعة، لرأينا منهم في هذا الدور السعيد رجالا ~~ينهضون بالأمة ويقومون من اعوجاج أعمالها، فلنسخط إذن على الحكام لا على ~~الدستور والحرية! # فإن قيل: إن الدور الماضي والدور الحاضر سواء لأن أكثر الحكام اليوم هم الحكام ~~بالأمس. نقول: ذلك حق، ولكنهم بعد أن كانوا مطلقين صاروا مقيدين بإرادة ~~الأمة، غير أنه لما لم يكن للأمة إرادة بل سلمت إرادتها إليهم أخذوا يرجعون إلى ~~ما اعتادوه من ذي قبل شيئا فشيئا، فهل للأمة أن تقف في وجوههم وتجبرهم على عدم ~~الخروج عن مواد القوانين الدستورية؟ فإن فعلت ذلك نجحت وجنت فوائد الأنظمة ~~الجديدة، وإن بقيت ms220 كما هي اليوم خاملة مستكينة فالعاقبة غير حميدة! ~~(عن مجموعة «أريج الزهر»، بيروت، 1911) # القسم الثالث # | ملحق شعري # | إلياس صالح (1870-1895) # الحرية # لا تلمني يا عاذلي بهواها # فأنا قيس هذه العامرية # وعلام الملام، والقلب قلبي # ومعي فيه حجة شرعية؟ # فإذا كنت تدعيه فقدم # عرض حال للأعين # 1 # التركية ~~... وخبطنا العشواء لو كنت تدري # في ليالي تلك الشعور الدجية # واتخذنا سلاسل الشعر قيدا # فنسينا المسكينة الحرية! # أنت حر، يا أيها المرء، فاعلم # ولك العلم فيه والأسبقية # أنت حر، فاعلم بهذا، وعلم # أنت حر وهذه أولية! # يتمنى الإنسان لو كان عبدا # ويقيم الأدلة العلمية # ولكم قد رأيت من حيوان # يقضم الحبل بغية الحرية! # يا بني أمنا ذوي الفضل بل يا # معشر الناطقين بالعربية # لست عبدا أنا ولا أنت مولى # أيها اللابس الحلى الذهبية! # | أحمد شوقي (1868-1932) # جيل بالجبابر لا يدين # لو كان من سفر إيا # 1 # بك أمس أو فتح مبين # أو كان بعثك من دبي # ب الروح أو نبض الوتين # وطلعت من وادي الملو # ك عليك غار الفاتحين # الخيل حولك في الجلا # ل العسجدية ينثنين # وعلى نجادك هالتا # ن من القنا والدارعين # والجند يدفع في ركا # بك بالملوك مصفدين # لرأيت جيلا غير جي # لك بالجبابر لا يدين # ورأيت محكومين قد # نصبوا وردوا الحاكمين # روح الزمان ونظمه # وسبيله في الآخرين # إن الزمان وأهله # فرغا من الفرد اللعين # فإذا رأيت مشايخا # أو فتية لك ساجدين # لاق الزمان تجدهم # عن ركبه متخلفين # هم في الأواخر مولدا # وعقولهم في الأولين! # النفوس لها ثورة # إن ملكت القلوب فابغ رضاها # فلها ثورة وفيها مضاء # يسكن الوحش للوثوب من الأس # ر، فكيف الخلائق العقلاء؟ # | خليل مطران # من قصيدة «نيرون» # ذلك الشعب الذي آتاه نصرا # هو بالسبة من نيرون أحرى # أي شيء كان نيرون الذي # عبدوه؟ كان فظ الطبع غرا! # قزمة هم نصبوه عاليا # وجثوا بين يديه فاشمخرا # ضخموه وأطالوا فيئه # فترامى يملأ الآفاق فجرا # منحوه من قواهم ما به # صار طاغوتا عليهم، أو أضرا # إنما يبطش ذو الأمر إذا ms221 # لم يخف بطش الألى ولوه أمرا # لست محزونا على القوم، وهل # كبد تلفى على الأنذال حرى # من علينا من غريم غارم # إن أزرى الخلق شعب مات صبرا # ليس بالكفء لعيش طيب # كل من شق عليه العيش حرا! # إن روما جعلت نيرونها # وهو شر القوم مما كان شرا # بلغته الملك عفوا، فبغى، # كل ملك جاء عفوا راح هدرا # ليس في تشنيعه من بدعة # إن للخامل عند الذكر ثأرا! # لا ولا في ظلمه من عجب # إن للظالم عند العدل وترا! # من يلم نيرون، إني لائم # أمة لو كهرته ارتد كهرا # 1 # أمة لو ناهضته ساعة # لانتهى عنها وشيكا واثبجرا # 2 # فاز بالأولى عليها، وله # دونها معذرة التاريخ أخرى # كل قوم خالقو نيرونهم # قيصر قيل له أم قيل كسرى! # | جميل صدقي الزهاوي (؟-1936) # ملك عن فعله ليس يسأل # لقد عبثت بالشعب أطماع ظالم # يحمله من جوره ما يحمل # فيا ويح قوم فوضوا أمر نفسهم # إلى ملك عن فعله ليس يسأل! # إرادة شخص واحد # نحن في غفلة نيام وعنا # نائبات الزمان غير نيام # نحن في دولة تداركها الله # نبيح المحظور للحكام # وعدها بالإصلاح جم ولكن # لا يجوز الإصلاح حد الكلام # نحن قوم قضت إرادة شخص # واحد أن نعيش كالأنعام # | معروف الرصافي # يا ملوك الأنام هلا اعتبرتم # إنما نحن أمة تدرأ الضي # م ولا تستكين قط لوال # أمة سادت الأنام وطابت # عنصرا من أواخر وأوال # فإذا ما علا الغشوم نهضنا # فقذفناه سافلا من عال # نحن من شعلة الجحيم خلقنا # لذوي الجور لا من الصلصال # يا ملوك الأنام هلا اعتبرتم # بملوك تجور في الأفعال # فاتركوا الناس مطلقين وإلا # عشتم موثقين بالأوحال # | بشارة الخوري # الأخطل الصغير # بين لويس وعبد الحميد # عاهل الغول لفتة ثم رحب # بطريد من الملوك شريد # قل له: يا لويس، ماذا جنى الم # لك وماذا جناه خفر العهود # قل له: كيف ثل عرشك، والعر # ش عليه يرف مجد الجدود # قل له: كيف قادك الجند بين الش # عب للقتل راسفا بالقيود # الدساتير والثورات # إن الدساتير لا ms222 تعطي أعنتها # إلا الأعاصير من جن ومن بشر # من هابط كقضاء الله مكتسح # أو صاعد كفم البركان منفجر # دماء الشباب في سبيل الحرية # يا دماء الشباب ما أنت إلا # ذائب الطيب، يا دماء الشباب # ادفقي رحمة ونورا، وكوني # جدول السفح أو هزار الغاب # لا تضني على الحراب وإن آ # ذتك، بل عطري رءوس الحراب # املئيها شذا، كما يملأ الور # د يد الجارحيه، بالأطياب # قطرة منك بسمة في فم الرف # ق، وسوط على يد القرضاب # كم سياج من الحديد تعفى # وسياج باق من الآداب! # ما خلا الغيل من دمشق إلى الشه # باء من حافز ومن وثاب # بسلاح من الحقوق المدما # ة نسيج القلوب والألباب # شهرت مثله فرنسا على الظل # م فردته من دم بخضاب! # يا فرنسا # لقني الطغيان درسا # ليس ينسى # وصلي باليوم أمسا # يا فرنسا ... # يظمأ المجد فلا يش # رب إلا من يديك # ويضام الحق حتى # يرفع الصوت إليك # كل فجر من جمال # بسمة في شفتيك # يا فرنسا # يعرف النصر على بعد لواك # ويغني السيف في الهيجا علاك # يا فرنسا # لا يسيل العطر إلا # من دماك # يا فرنسا # انشري الأضواء في الأفق البعيد # وابعثي فينا صداقات «الرشيد» # أنت والأرز شعار للخلود # يا فرنسا # سيفك المسلول في الشر # ق سيوف الدهر دونه # باركته القدس الثك # لى وحيته «المدينة» # صافح اليمن يمينه # قبل الشرق جبينه # يا فرنسا # لقني الطغيان درسا # ليس ينسى # وصلي باليوم أمسا # يا فرنسا ... # | إلياس أبو شبكة # من قصيدة «الشاعر الحر يخاطب السلطان الظالم» # فأغمد الحر في عينيه # 1 # فوهته # من ناظريه، كبركان ببركان # وقال: ملكك ليس الشعب يا ملكي # فلست تملك إلا بعض عميان # كن من تشاء، كن الدنيا بكاملها # فلست تعدل صديقا بميزاني # جمال قلبي عريان على شفتي # ونور نفسي معقود بأجفاني # وكيف أكذب، والدنيا تصارحني # حتى قشوري، حتى جسمي الفاني؟ # انظر إلى النهر في صفو وفي كدر # فهل تخفى على الصفصاف والبان؟ # للنور في كل مجرى منه مصقلة، # وكل منعطف للحب ثديان # وانظر إلى حرمون الشيخ ms223 كيف بدا # فهل لهيبته الشماء وجهان؟ # فذلك الجبل الجبار أطعمني # قوت النسور وهذا النهر رواني # خفف عتوك واغسل قلبك الجاني # للظلم يوم وللمظلوم يومان # عرش العتي على بركان منكره # شتيمة رخمت في قلب سكران # ما كان سلطان هذا الشعب سيده، # إن السيادة ما احتاجت لتيجان # | خاتمة # ... وهنا أيها القارئ نشرف على هنيهة الوداع بعد صحبة طويلة، وما أحبك أن تطوي الكتاب ~~إلا وقد حملت معك هذه الخلاصة ذات السطور القليلة. # لقد شهدت موكبا حافلا من أدباء ومصلحين وقادة ثائرين وحوادث جسام في بلاد من ~~العالم، وشهدت موكبا حافلا من أدبائنا ومصلحينا؛ شهدت الأفغاني والكواكبي والمراش ~~والنديم وإسحاق والشميل والريحاني وجبران وغيرهم وغيرهم ... فعرفت أولا أن تاريخنا الفكري ~~في مطلع نهضتنا الحديثة يباهي بصفحات خيرة نيرة من رجال جريئين متعمقين. وعرفت ~~ثانيا أن هؤلاء الأفذاذ من أدبائنا ومفكرينا لم يبتروا ما بينهم وبين ماضينا، ثم لم ~~يقطعوا ما بينهم وبين الدنيا، ثم لم يقفلوا على أنفسهم في «صوامع وأبراج»، ولكنهم شخصوا ~~إلى قديمنا وتعلموا، وأطلوا على العالم وتفقهوا، ونظروا في أحوالنا وشئوننا، وطلعوا ~~من ذلك كله بلواء نقشوا عليه مطامحنا ورسموا أمانينا. أما هذا اللواء فهو الوطنية، ~~وأما هذه المطامح والأماني فهي الحرية والرقي والهناء للأمة بخاصتها وعامتها. # لقد عرفت أيها القارئ أن وطنيتنا الحديثة ولدت في حضن الشورى والديمقراطية، واتجهت إلى ~~الشعب، واستندت إلى قوته وكفاءته ومصلحته. طالبت وطنيتنا، أول شيء، بدستور ديمقراطي ~~تصان حرمته، طالبت بمجلس نواب تنتخبه الأمة انتخابا حرا ليعبر عن إرادتها، ~~طالبت بإطلاق الحريات للقول والاجتماع والكتابة والتنظيم، طالبت بإلغاء الامتياز وإعلان ~~المساواة أمام القانون، طالبت بنشر الثقافة، وإدخال مجانية التعليم وإلزامية التعليم، ~~طالبت بإنهاض مستوى المرأة؛ لأن «الأمة نسيج الأمهات.» طالبت بتربية قومية جامعة تشعر ~~الفرد بالمسئولية أمام المجموع، وتؤاخي بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف المنابت ~~والمذاهب؛ لأن «الدين لله والوطن للجميع.» طالبت بتشجيع المشاريع العمرانية لتحسين الزراعة ~~وحالة الزراع، وطالبت بتنشيط أرباب الصناعة الوطنية وترقية حالة الصناع ... # لقد عرفت أيها القارئ كل هذا. ms224 وإنه لتراث مجيد، أثمره العقل النير وجاد به الشعور ~~الخير، هذا التراث الذي خلفه لنا أدباؤنا ومفكرونا، وإن مسألة حفظه وحمايته وتكميله، في ~~الدور الجديد الذي نقبل عليه ويقبل العالم خارجا من أشد المعامع هولا، لهي مسألة تتعلق ~~بشرفنا ومصيرنا، نحن ورثة أولئك الميامين، السابقين في محاربة الاستبداد من أجل الشورى، ~~ومكافحة الاستعباد من أجل الحرية! # | أهم مراجع الكتاب # (1) المراجع الفرنسية ~~(1) # Michelet, Histoire de la Révolution Française ~~(1847-1853). ~~(2) # Encyclopédie Française, vol. X, chap. IV (Les Libertés ~~Individuelles, et autres chapitres ...) ~~(3) # E. Lavisse (en collaboration avec P. Conard), # Histoire de France ~~, Armand Colin, Paris, ~~1937. ~~(4) # Rogie et Despiques, # Histoire de la ~~France et de Sets Institutions ~~, Reider, Paris. ~~(5) # L’Abbé Courval, # Histoire ~~Moderne ~~, tome II (1896). ~~(6) # E. Herriot, Précis de l’Histoire ~~des Lettres Françaises ~~, Rieder, Paris. ~~(7) # J. R. Block, # Naissance d’une ~~Culture ~~, Rieder, Paris. ~~(8) # R. Rolland, # Les Pages Immortelles ~~de J.-J. Rousseau ~~, Editions Correa, Paris. ~~(9) # Diderot, # Extraits ~~(édités par Les Lettres Françaises en Proche ~~Orient). ~~(10) # Montesquieu, # Extraits ~~(édités par Les Lettres Françaises en Proche ~~Orient). ~~(11) # بيير فيلار: الثورة الفرنسية والمستعمرات (فصل نشرته مجلة «الطليعة»، عدد خاص ~~بالثورة الفرنسية، دمشق، تموز 1939). ~~(12) # سنيوبوس: تاريخ التمدن الحديث، تعريب «الكاتب المحجوب»، نشر دار الهلال، ~~1909. ~~(13) # ديماس الكبير: روايته عن الثورة الفرنسية، نهضة الأسد ... إلخ، في أربعة أجزاء ~~ومجلدين، تعريب فرح أنطون، مطبعة المعارف، مصر. ~~(14) # غوستاف لوبون: روح الثورات والثورة الفرنساوية، ترجمة محمد عادل زعيتر، طبع ~~عبيد إخوان، دمشق. ~~(2) المراجع الإنكليزية والأميركية ~~(1) # Carlyle, # History of the French ~~Revolution ~~, Modern Library ~~Edition. ~~(2) # H. W. Nevinson, # The Growth of ~~Freedom ~~, People’s Books, ~~London. ~~(3) # Randall, # The Making of the ~~Modern Mind ~~, Allen and Unwin. ~~(4) # Encyclopedia of Social ~~Sciences ~~, Art Revolution. ~~(3) المراجع الألمانية ~~(1) # جورج كونيو: بعض الأسس التعليمية للثورة الفرنسية (مجلة «الطليعة»، دمشق، ~~تموز 1939)، وفي المقال نصوص عن الثورة منقولة من كتب ألمانية عصرية ~~شهيرة ك «خرافة القرن العشرين» لألفرد روزنبرغ ... إلخ. ~~(2) # هكذا تكلم زرادشت: تعريب فيلكس فارس، مصر. ~~(4) المراجع التركية ~~(1) # محاكمة مدحت باشا: ms225 تعريب يوسف كمال حتاتة، مصر. ~~(2) # عاطف باشا: مذكرات (نقل منها نصوصا الدكتور كامل عياد في مقالته: الثورة ~~الفرنسية والشرق، مجلة «الطليعة»، دمشق، تموز 1939). ~~(5) المراجع العربية ~~(1) # مجموعة المحررات السياسية، المفاوضات الدولية، عن سوريا ولبنان، من 1840 إلى ~~1910، تعريب فيليب وفريد قعدان الخازن. ~~(2) # محمد صبري: الثورة الفرنسية، دار الكتب المصرية، 1937. ~~(3) # محمد فؤاد شكري: الحملة الفرنسية وظهور محمد علي، مطبعة المعارف، مصر. ~~(4) # كامل عياد: الثورة الفرنسية والشرق (مقال في مجلة «الطليعة»، دمشق، تموز ~~1939). ~~(5) # الأمير حيدر أحمد الشهابي: الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان، الجزءان 2 ~~و3، القسم الثاني في الحملة الفرنسوية على مصر وأوائل حكم الأمير بشير الثاني ~~(نشر مديرية المعارف اللبنانية، 1933، بعنوان: لبنان في عهد الأمراء ~~الشهابيين). ~~(6) # نقولا الترك: تاريخ نابليون (أخذنا شيئا من مقدمته المثبتة في حاشية تاريخ ~~الأمير حيدر السابق الذكر). ~~(7) # أنطون ضاهر العقيقي: مخطوطة له عن تاريخ لبنان من 1841-1873 (نشرها وعلق ~~حواشيها يوسف إبراهيم يزبك، صدرت في منشورات مجلة «الطليعة»، 1836، بعنوان ثورة ~~وفتنة في لبنان). ~~(8) # رفاعة رافع الطهطاوي: تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز، بولاق، الطبعة ~~الحجرية. ~~(9) # المطران الدبس: الموجز في تاريخ سورية، جزء 2، بيروت، 1907. ~~(10) # روحي الخالدي: علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوغو، دار الهلال، ~~1912. ~~(11) # أحمد فارس الشدياق: # الساق على الساق في ما هو الفارياق (طبع يوسف توما البستاني، ~~مصر). # جمل أدبية (مدرجة في القسم الأول من مجالي الغرر لكتاب ~~القرن التاسع عشر، جمع يوسف صفير، بيروت، 1898). # كنز الرغائب في منتخبات الجوائب، الجزء السادس، طبع ~~الآستانة. ~~(12) # نوفل نعمة الله نوفل الطرابلسي: زبدة الصحائف في سياحة المعارف، بيروت، ~~1879. ~~(13) # بطرس البستاني: دائرة المعارف (بيروت، 1882) مواد شتى في أجزاء مختلفة، ~~كمادة: روسو، ثورة ... إلخ. ~~(14) # فرنسيس فتح الله المراش: غابة الحق، بيروت، 1881. ~~(15) # جمال الدين الأفغاني: خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني، تأليف محمد باشا ~~المخزومي، بيروت، 1931. ~~(16) # عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد، مصر، 1905. ~~(17) # عبد الله النديم: مجموعة مقالات، المطبعة الجديدة، مصر. ~~(18) # شبلي الشميل: مجموعة مقالته، الجزء الثاني، مطبعة المعارف، مصر. ~~(19) # أديب إسحاق: الدرر، المطبعة الأدبية، بيروت. ~~(20) # علي فهمي: مصطفى كامل باشا في 34 ربيعا، ms226 9 مجلدات، القاهرة، ~~1908-1911. ~~(21) # ولي الدين يكن: # المعلوم والمجهول، جزءان، مطبعة المعارف، مصر، جزء 1، 1909، جزء ~~2، 1912. # دكران ورائف : رواية، نشرتها مجلة «ألف ليلة وليلة»، بيروت، عدد ~~364. ~~(22) # فرح أنطون: مقدمة الطبعة الثانية من تعريبه لرواية ديماس الكبير عن الثورة ~~الفرنساوية. ~~(23) # شاكر الخوري: مجمع المسرات، بيروت، 1908. ~~(24) # نجيب الحداد: منتخبات، مصر. ~~(25) # قاسم أمين: مجموعة مقالات، مصر. ~~(26) # جرجي زيدان: # تراجم مشاهير الشرق (جزءان). # الانقلاب العثماني (رواية)، طبعة دار الهلال، مصر. # الماسونية. # رحلة زيدان إلى أوروبا. ~~(27) # جبران خليل جبران: # العواصف. # دمعة وابتسامة. # الأجنحة المتكسرة، طبعة يوسف توما البستاني، مصر. # الأرواح المتمردة. # عرائس المروج. # البدائع والطرائف. ~~(28) # أمين البستاني: مجموعة مقالات، دار الهلال، 1919. ~~(29) # أمين الريحاني: الريحانيات، 4 أجزاء، بيروت، صادر. ~~(30) # محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي: المراجعات الريحانية، الجزء الأول، وهي ~~رسائل بينه وبين أمين الريحاني، المطبعة الأهلية، بيروت. ~~(31) # ثورة العرب: بقلم أحد أعضاء الجمعيات العربية، نشر جريدة «المقطم»، مصر، ~~1916. ~~(32) # رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى، طبع مجلة «المنار»، مصر. ~~(33) # فيلكس فارس: رسالة المنبر، مصر. ~~(34) # الآنسة مي: المساواة، المطبعة الرحمانية، مصر. ~~(35) # محمد كرد علي: # غرائب الغرب، جزءان، الأهلية، مصر. # مجلة «المقتبس»، السنة السادسة. ~~(36) # أيوب ثابت: عبرة وذكرى (مجموعة مقالات كتبت لمناسبة الانقلاب العثماني، ~~بيروت، 1909). ~~(37) # الشيخ مصطفى الغلاييني: أريج الزهر، المكتبة الأهلية، بيروت، 1911. ~~(38) # محمد جميل بيهم: المرأة في التمدن الحديث، بيروت، 1927. ~~(39) # أنيس الخوري المقدسي: العوامل الفعالة في الأدب العربي الحديث، الحلقة ~~الأولى: في العوامل السياسية، بيروت، الجامعة الأميركية. ~~(40) # الأب لويس شيخو: أدباء القرن التاسع عشر، بيروت، 1908. ~~(41) # عباس محمود العقاد: الثورة الفرنسية (مقال في مجلة «الطليعة»، دمشق، تموز ~~1939). ~~(42) # محمد حسين هيكل: جان جاك روسو، مصر. ~~(43) # طه حسين: آراء حرة، مجموعة محاضرات عن نخبة من أعلام حرية الفكر، بينهم ~~فولتير، روسو ... ~~(44) # سلامة موسى: حرية الفكر، مصر. ~~(45) # رئيف خوري: حقوق الإنسان، دمشق، 1937. ~~(46) # عبد الرحمن الرافعي: الجمعيات الوطنية، مصر. ~~(47) # سليمان غزالة: الحرية البشرية، 6 أجزاء، بغداد، 1926. ~~(48) # محمد عبد الباري: الحرية والدولة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر، ~~1926. ~~(49) # إلياس أبو شبكة: روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة، دار المكشوف، بيروت، ~~1943. ms227