######OpenITI# #META# URI: 1396RaifKhuri.MacaCarab.Hindawi85846859 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 85846859 #META# Title: مع العرب: في التاريخ والأسطورة #META# AuthorID: 64735270 #META# Author: رئيف خوري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # فينيقيون قبل فينيقيا‏ # مأرب وبلقيس‏ # العرب الحميريون والغزو الروماني‏ # كولومبس الشرق‏ # أصحاب الأخدود‏ # عام الفيل‏ # سيف بن ذي يزن على سد مأرب‏ # الأمير سيف عند كسرى‏ # من أجنبي إلى أجنبي‏ # سيف بن ذي يزن وعبد المطلب بن هاشم‏ # جوع كلبك يتبعك‏ # الأزمة الضميرية‏ # مدينة في الصخر‏ # المدينة التي بناها الجن‏ ~~«محضر» مؤرخين: الغساسنة والمناذرة‏ # ناقة الفقراء‏ # الجنة السراب‏ # الريح العقيم‏ # نداء العرض‏ # الثأر‏ # إذا صدق الإيمان!‏ # دفاع عن جساس‏ ~~«اللص الشريف» منذ أربعة عشر قرنا‏ # الفداء من الوأد‏ # عنترة: إنسانية العروبة‏ # المرأة إذا شاءت‏ # ذو قار‏ # الإنسان المنقسم على نفسه‏ # سراب وواحة‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # فينيقيون قبل فينيقيا‏ # مأرب وبلقيس‏ # العرب الحميريون والغزو الروماني‏ # كولومبس الشرق‏ # أصحاب الأخدود‏ # عام الفيل‏ # سيف بن ذي يزن على سد مأرب‏ # الأمير سيف عند كسرى‏ # من أجنبي إلى أجنبي‏ # سيف بن ذي يزن وعبد المطلب بن هاشم‏ # جوع كلبك يتبعك‏ # الأزمة الضميرية‏ # مدينة في الصخر‏ # المدينة التي بناها الجن‏ ~~«محضر» مؤرخين: الغساسنة والمناذرة‏ # ناقة الفقراء‏ # الجنة السراب‏ # الريح العقيم‏ # نداء العرض‏ # الثأر‏ # إذا صدق الإيمان!‏ # دفاع عن جساس‏ ~~«اللص الشريف» منذ أربعة عشر قرنا‏ # الفداء من الوأد‏ # عنترة: إنسانية العروبة‏ # المرأة إذا شاءت‏ # ذو قار‏ # الإنسان المنقسم على نفسه‏ # سراب وواحة‏ # | مع العرب # | مع العرب # | في التاريخ والأسطورة # تأليف # رئيف خوري # | الإهداء # إلى الشعب الذي أحببته، وفي أحيان كرهته، كما يكره الإنسان نفسه، كرها مشتقا من ~~أعمق الحب! # ر. خ. # | مقدمة # كثيرة هي قصص التاريخ، وكثيرة هي الأساطير العربية التي يستطيع كاتب أن يفيد منها اليوم ~~مادة حية لعمل أدبي. # وما أريد أن أزعم أن هذه القصص التي أضعها بين يديك، أيها القارئ، إنما هي من العمل ~~الأدبي ذي الشأن الخطير، ولكني قصدت أن أذكر بها أنفسنا تذكيرا، فلعل منا من يحسن أن يفيد ~~منها خيرا مما أفدت. # ويكفيني، أيها القارئ، أن تقعد إلى هذا الكتاب الصغير في فترات، فلا تستغرق القطعة منه ~~إلا اليسير من وقتك، وتخرج منها وقد ظفرت - كما أرجو ms01 - ببعض المكافأة من لذة فنية، أو عبرة، ~~أو فائدة فكرية. # وأظننا بعد هذا متفقين على أن تاريخ العرب وأساطيره من أمتع ما يسرح فيه الذهن، وأننا ~~بحاجة إلى تعرف هذا التاريخ وهذه الأساطير - ولو على وجه قصصي سريع - لنقابل ذلك كله بما ~~هو حقه من الحب والإعجاب. # رئيف خوري # | فينيقيون قبل فينيقيا # نعود أدراجنا في شعاب التاريخ العربي القديم، وننتهي إلى حيث ننتهي في كل تاريخ قديم، عند ~~منقطع تضيع فيه الطرق وينعقد الضباب، ولكن لا بد للحكاية من بداية. # ها نحن في الجزء الجنوبي من شبه جزيرة العرب، وقفنا نودع القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ~~ونستقبل الثالث عشر. # في ذلك الزمان كان الذي تلده أمه على طريق الهند يستطيع أن يكون مستقلا. # 1 # وهذه هي الدولة المعينية، أولى الدول العربية التي نقرأ لها ذكرا صريحا في التاريخ، ~~نشأت يغذيها شريان من أعظم شرايين التجارة في تلك الدنيا الملتفة بكثائف من القدم. # وإذا قيل العرب، قيل الصحراء، عادة، وأولى عندي أن يقال البحر! # كانت البضائع التجارية تصدر من الهند فتمر خلال شبه الجزيرة العربية إلى أسواقها في ~~الشرق الأدنى والعالم، وكانت اليمن وحضرموت إحدى المحطات التجارية العظمى؛ لأن البحر الأحمر ~~- وهو العصبي المزاج والأمواج - كان عصيا على الملاحة في سفن العصر، فكان التجار يتابعون ~~طريقهم من اليمن شمالا عبر الحجاز. # ولكن سنترك المعينيين يوردون الطيب إلى الدنيا، وتقف عند هذا البحار المعيني الذي ~~طالما زار البنجاب في الهند، ومخر رقعة المياه التي يتنازعها العرب والهنود، في الاسم، ~~فيقال لها تارة البحر الهندي، وطورا البحر العربي. # تقف عند هذا البحار الذي ينشق لنا عنه، في الخيال، ضباب المحيط وضباب الزمن، هو سلف ~~السندباد، وهو سلف أحمد بن مجيد، البحار العظيم الذي لقي فاسكو داغاما الرحالة ~~البرتغالي قبل ذرور القرن السادس عشر الميلادي، وكان فاسكو قد عبر رأس الرجاء الصالح، وسار ~~محاذيا الشاطئ الأفريقي الشرقي، فصادفه أحمد بن مجيد وأعانه على تفهم الملاحة وتعرف ~~الطريق في ثنايا العباب. # وحبذا لو كنا نفهم ms02 لغة هذا البحار المعيني، إذن لسألناه بعض تلك الغرائب التي تمتلئ ~~بها عادة حقائب البحارة الذهنية، فحدثنا عن بنات الماء وتزاوجهن والآدميين، وزواجه ~~بإحداهن، وحدثنا غير ذلك مما نقرؤه في قصص البحر في الآداب العربية، وإنها لقصص من ~~الطرافة والمتعة بحيث يجب جمعها يوما في دفتي كتاب. # ولكنا ما دمنا لا نفهم لغته فلنتركه، ولنقف هذه المرة - ويا للغرابة! - أمام أحد ~~النقوش. # هو أثر سماه العلماء ب «نقش نقب الحجر» نسبة إلى موضع عثر فيه رجل موفق اسمه «جيمس ~~ولستيد» في شبه جزيرة العرب على سطور محفورة في صفيح الصخر، فرسمها وأذاعها على أوروبا، ~~فاهتدى الأثريون إلى قراءتها، وإذا هي كتابة معينية! # أما محتواها فلن يهمنا ما دمنا لا نأمل أن يكون أحد تجار معين كتب لي أو لك، أيها ~~القارئ، صكا بميراث! ولكن شكل الكتابة جدير بأن يحبس انتباهنا، فخطها هو الخط المسند أو ~~الحميري كما يدعوه مؤرخو العرب، وهو يمثل شقة بعيدة انقضت بين الكتابة المصرية الصورية، ~~أي الهيروغليفية، والكتابة الفينيقية بالحروف. # ومن المعجب أن الإنسان بدأ رساما لا خطاطا، ومن هنا ظل العرب مصرين، طوال العصور ~~كلها، على اعتبار الخط فنا من الفنون الجميلة، واشتقوا منه الأنواع وتأنقوا فيها ~~وأبدعوا. # وأقبل إنسان خط خطا بل رسم رسما هو الإنسان المصري، فكان إذا شاء أن يكتب حمامة ~~رسمها بشكلها، ثم جدت الكتابة المقطعية، وهي كتابة أقرب إلى الصورية، إلا أن الصورة فيها ~~لا تكون كلمة، بل مقطعا من كلمة. # أما آخر دور من أدوار التطور في الكتابة فهو استعمال الحروف. # والخط المسند أدنى إلى الكتابة بالحروف منه إلى الكتابة الصورية، والكتابة المقطعية، ~~وأبجديته تسعة وعشرون حرفا. # ولكن هذه ورطة محرجة! فالتاريخ مصر على أن الفينيقيين هم الذين اخترعوا الأبجدية، ~~ومنهم اقترضها اليونان فانتشرت في مشارق الأرض ومغاربها. # وكم في التاريخ من قصص مفككة ضاع الكثير من حلقاتها، وإحداها قصة الأبجدية، وإذا كان ~~الإنسان لا يعرف الكثير عن مبدأ التاريخ وألف بائه، فالتاريخ كذلك لا يعرف إلا اليسير عن ms03 ~~ألف باء الإنسان. # غير أن بعض المؤرخين غامروا مغامرة، فوفقوا فيها إلى ملء الفراغ في هذه القصة ~~الطريفة. # قالوا: إن المعينيين قبسوا الخط المسند عن الهيروغليفية، بعدما وصلت إلى دور كاد يتعدى ~~الكتابة المقطعية إلى الكتابة بالحروف، وأيد هذا الرأي نقوش وجدت في شبه جزيرة سيناء ~~تحمل شبها بالخط المسند، وكانت للمعينيين صلات وثيقة بشبه جزيرة سيناء؛ لأنها كانت على ~~الطريق التجاري بينهم وبين مصر. # والفينيقيون، ما شأنهم في هذا كله؟ هل أخذوا هم أبجديتهم من شبه جزيرة سيناء أيضا، أم ~~أنهم حملوها معهم من البحرين في شبه الجزيرة العربية؟ # لقد أخذت سدول كثيفة تتزحزح عن بعض ظلام التاريخ، فالفينيقيون كانوا على شواطئ الخليج ~~الفارسي قبل أن ينتقلوا إلى شواطئ لبنان، أو أنهم كانوا في شواطئ لبنان قبل أن ينتقلوا إلى ~~شواطئ الخليج الفارسي، ومن الطبيعي أن يكونوا انحدروا جنوبا في شبه الجزيرة العربية، ~~فاتصلوا بالمعينيين وعملوا في سفنهم، واقتبسوا منهم كتابة حملوها إلى شواطئ لبنان وحسنوها # 2 # فكانت الأبجدية! # فإذا صحت الحكاية، وهي معقولة على الأقل، وجب على أصحاب الخصومة الفينيقية العربية أن ~~يبدلوا نظرا، أو يلتمسوا سببا يمتن الخصومة بعد أن زعزعتها الألف باء. # ولكن برغم كل شيء، سيبقى المعينيون فينيقيين قبل الفينيقيين، ازدهروا عصورا على شواطئ ~~المحيط الهندي، واقتضتهم مصالح التجارة أن يبتدعوا خطا يخف على اليد ولا يغبن حقوق ~~الجيب. # غير أن الأنكى - الأنكى لي هذه المرة - أن تكون الألف باء شيئا لم يخترع، أولا، ~~لتدوين شعر امرئ القيس أو شكسبير، بل لكتابة «الفواتير». # | مأرب وبلقيس # «سبحان الله، كأنك الملكة بلقيس نفسها!» # أينا لم يسمع بهذه الكلمات تقولها امرأة من نسائنا لجارة لها إما سخرية وإما ~~تعظيما؟ # فمن هي بلقيس هذه؟ # مهلا ... # يجب أن نبدأ من غير هذا المكان ويجب أن نقنع. لقد كتبت لنا القناعة حتى بالقليل من ~~معلومات التاريخ. # أخذت الدولة المعينية تخلي مسرح الزمان فتقوم مقامها الدولة السبئية. # كانت دولة طويلة العمر نشأت أولا إلى جانب المعينية، وأهلها أنسباء المعينيين، ثم ورثتهم ~~حوالي ms04 السنة 650 قبل الميلاد. # ومن يستطيع أن يستنطق قصر صرواح - هذا الأثر المثقل الصامت من آثارهم - في بلدة الخريبة ~~في اليمن اليوم؟ على أن الحظ لم يقطع بنا كل القطع، فهذه مأرب عاصمة السبئيين التي يقول ~~فيها الشاعر: # ومأرب قد نطقت بالرخام # وفي سقفها الذهب الأحمر # أما الرخام، وأما الذهب الأحمر، فلم يبق لنا منهما إلا الشعر، غير أن صفحة المدينة ~~المجيدة لم تنطمس كلها انطماسا. ويظهر أن السبئيين لم ينصرفوا إلى الاهتمام بالتجارة وحدها ~~فأعزوا الزراعة، ولا زراعة بلا علم. # إن لكل شيء عظيم جنوده المجهولين، وللهندسة أيضا جنودها الذين ليس لدينا ما يفرض وجودهم ~~إلا آثارهم. # فهل لنا أن نعرف المهندسين الذين وقفوا يوما، في اليمن، على هضبتي بلقا وبنوا، فرأوا ~~المضيق العميق بين الهضبتين يمتد نحوا من مائة وخمسين ذراعا في العرض، ورأوا مياه الشتاء ~~تتوافد عليه فتندفع خلاله قوية سخية زاخرة، حتى تضيع وتضمحل في السهول أمامه؟ # وهكذا بدر لهم خاطر غير نظم الشعر، فأنشئوا سدا عظيما حول أرضا عظيمة جنات. # لقد كان هذا السد حقيقة أسطورية، أو أسطورة حقيقية، اتصلت بها أساطير من النوع الآخر الذي ~~يعبث بالعقل ويعبث به العقل. # وأوقع الرواة فتنة حول بنائه، ففريق زعم أن بانيه لقمان بن عاد، وفريق زعم أن الباني ~~بلقيس. وطبيعي أن لا يكون لمثل هذا السد بان واحد، على أن النقوش تجعل منشئه ملكا ~~سبئيا اسمه «يثئي أمارا باين» بدأ المشروع من قبله أبوه. # ولكن فلندع السد الآن يروي الزرع ويملأ الضرع ريثما نعود إليه في فصل آخر. # ولنلتفت إلى بلقيس. # كانت هذه المرأة - فيما يقال - من الملوك الذين تولوا العرش السبئي، وقد تولت العرش بعد ~~ابن عمها الذي سمته الحكاية هدهاد بن شرحبيل. وكان هدهاد سيئ السيرة، فاحشا، يتخير ~~النساء ويتزوجهن، حتى إذا أشبع منهن شهوة ليلة قتلهن، فلما دار الدور إلى بلقيس حبكت له ~~مكيدة بأن أكمنت له رجلين في قصره قتلاه، فأصبحت هي صاحبة العرش. # أما هذا العرش فهو إحدى أعاجيب الدنيا، ولا ms05 نحسب أن الشاعر وقعت عليه عيناه، إلا أنه مع ~~ذلك وصفه لنا وصفا دقيقا: # عرشها رافع ثمانون باعا # كللته بجوهر وفريد # وبدر قد قيدته وياقوت # وبالتبر أيما تقييد # غير أن الشاعر نسي أن يذكر لنا السلم التي كانت تصعد عليها بلقيس إلى هذا العرش ~~الباسق. # قال الرواة: سمعت بلقيس بسليمان ملك الإسرائيليين وبحكمته الكبيرة، فأحبت أن ~~تلقاه. # وكان سليمان - على ذمة قصاص المعجزات - قد سمع من هدهده عن بلقيس وعرشها، فإن هذا الهدهد ~~الذكي، الذي كان يتجسس مخابئ الماء تحت الأرض، غاب غيبة وعاد فوصف لسليمان ملكة سبأ وقصرها ~~وعرشها. # وساقت بلقيس نفائس الهدايا إلى سليمان، وأعدت له الأحاجي تختبر بها صحة ما ذاع عنه من ~~الحكمة. # وقال الرواة: إنها أهدت إليه في جملة الأشياء وصفاء ووصائف، فألبست الغلمان لباس الجواري، ~~وألبست الجواري لباس الغلمان، وطلبت منه أن يميز فريقا من فريق، فأمرهم جميعا بأن ~~يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تحفن الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تنقله إلى اليد ~~الأخرى، ثم تنشره على وجهها، وإذا أرادت غسل ساعدها صبت الماء صبا وجعلته على باطن ~~الساعد، أما الغلام فكان يغرف من الإناء بكلتا يديه، ثم يضرب به وجهه، وإذا أراد غسل ساعده ~~حدر الماء تحديرا وجعله على ظهر الساعد. # ولما أقبلت بلقيس على سليمان شاء هو اختبارها أيضا، فأمر ببناء صرح من زجاج نقي البياض، ~~وأجرى تحته الماء وألقى فيه السمك، ثم أقام عرشه في صدر المكان وجلس عليه، فحين همت بلقيس ~~بدخول الصرح خالت نفسها قادمة على ماء، فترددت لتكمش جلبابها الطويل، فتذكرت شيئا وزاد ~~ترددها، ولكنها لم تجد بدا من التشمير وألقت قدمها تخوض اللجة فناداها الملك، إنه صرح ~~ممرد من قوارير، وطافت على شفتيه ابتسامة عابثة، ذلك أنه شهد من ساقيها ما كان يحب أن يشهد ~~فيمنعه جلبابها الطويل. # ولا شك في أن بلقيس أحست ببعض الحنق وأرادت أن تعجز سليمان بسؤال، فسألته عن ماء لم ينفجر ~~من الأرض ولم ينحدر من السماء، فتحير الملك الحكيم، ثم ms06 أمر بإجراء جياد حتى تفصد جلدها ~~عرقا فملأ منه قارورة وقال لها: دونك ماء لا من الأرض هو ولا من السماء. # فأقرت له بالحكمة! # وهنا كادت تنقطع القصة بين الملكة السبئية والملك الإسرائيلي لولا أن بريطانيا حاربت ~~الأحباش سنة 1768م فهزمت النجاشي تيودورو، وأخذت في جملة الغنائم نسختين من كتاب قديم هو ~~تاريخ الحبشة، ثم ردت إحدى النسختين إلى النجاشي يوحنا الرابع، واحتفظت بالأخرى في المتحف ~~البريطاني. # وإن في هذا الكتاب، خصوصا، وفي غيره من الكتب القديمة، لغرائب عن بلقيس وسليمان. # فقد جاء أن الملك الحكيم أحبها لما رآها، وكان باب قلبه سهل الانفتاح على النساء، ~~فتزوجها، فحملت الجد الذي ينتسب إليه نجاشيو الأحباش. # حكت بلقيس، أو حكي عن لسانها، أن سليمان أظهر لها الرغبة فيها، ولكنها دافعته ومانعته ~~لأنها رأت كثرة نسائه فعز عليها أن تكون محض واحدة منهن. # فعمد سليمان إلى الحيلة، دعا بعشاء ثقيل، فأكل وأكلت بلقيس، وانصرف القصر ومن فيه إلى ~~النوم، وإذا بالعطش يوقظ الملكة السبئية في سكون الليل، فنهضت تتلمس الماء والقصر خال ~~والخدم في عميق رقادهم، فلم تعثر على ما تبل به حلقها اليابس. # نبهت بعض الجواري، على أنهن جميعا قلن لها ليس في القصر ماء إلا في حجرة الملك. # فلم يلبث العطش أن كسر نفسها وثلم كبرياءها، ولكن أي العطشين؟ وأقبلت على باب سليمان ~~تقرعه، وكانت الليلة المباركة التي ولد بعدها بتسعة أشهر جد النجاشيين. # ولسنا ندري هل يوافق الملك سليمان على وقائع هذه القصة بالتفصيل. # فالحق أن بلقيس كانت جذابة، حلوة، سمراء، فلا بأس بأن تجعل نفسها أو يجعلها أصحاب ~~الحكاية مطلوبة لا طالبة. # ولكن ربما احتج الملك سليمان بأنه خدع بها شيئا ما، فقد كانت باعتراف الرواة أنفسهم ~~شعراء، بليت بكثرة الشعر في ساقيها؛ لذلك كانت أبدا تحرص على جلباب طويل؛ ولذلك ترددت ~~في التشمير لما همت بدخول الصرح على سليمان، وظنت أرض المكان مياها جارية، وزاد في سوء ~~حظها أن فاجأتها ريح وقحة في أحد الأيام وهي جالسة إلى ms07 الملك في باحة قصره في أوروشليم، ~~فأزاحت الجلباب، ولما لم يكن على الساقين جوارب، فقد ظهر فيهما كثافة الشعر. # ودت الملكة الأنثى لو تبتلعها الأرض! ولاحظ سليمان خجلها وارتباكها. # فسأل نساءه عن دواء يزيل الشعر، ولما رجعت بلقيس إلى بلادها، كانت ساقاها ملساوين ~~ناعمتين. # وكان جلبابها قصيرا. # وشاع في اليمن أن الملك سليمان قص من أطراف جلبابها الطويل محط أكف أربع، واستبقى ~~القماش تبركا وتيمنا. # | العرب الحميريون والغزو الروماني # كانت أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، وإذا بالأفق في شبه الجزيرة العربية يستقبل نجما ~~جديدا لامع الضوء، ذلك هو نجم الحميريين، أقرباء السبئيين وورثتهم في كل شيء، كما ورث ~~هؤلاء المعينيين من قبلهم. # كان السد المأربي العظيم لا يزال يحبس ماء السحب ويحيي الأرض. # وكانت قوافل التجارة لا تزال تشق طريقها إلى الشمال. # وفجأة ينتقل بنا الجو، وإذا نحن في روما، أمام طليعة القياصرة: أوغوسطوس! # وقد بدأت تتعاظم في الدنيا سلطة تأبى أن تترك من يولدون على طريق الهند وشأنهم. # إن روما لتصدر أمرا، وممثلوها في مصر ينبعثون بحركة على غير مألوف العادة. إنهم يودعون ~~جيشا رومانيا منتظم الصفوف ماضي السلاح يبلغ عشرة آلاف من المقاتلين الذين اهتزت الدنيا ~~بأسرها تحت وطء أقدامهم. # وإيليوس غالوس، أحد القادة الرومان المرموقين، هو الذي عقد له لواء هذا الجيش، فزحف به ~~قويا مطمئنا إلى النصر، في السنة 24 بعد الميلاد. # إلى أين؟ إلى شبه الجزيرة العربية! # كان همهم، وهم روما، القضاء على الدولة الحميرية التي تشرف على واسطة الاتصال بين ~~الهند والشرق الأدنى، ثم ... لا ننس اليمن وخيراتها. # وكان العرب الأنباط في البطراء، وهم أهل مصالح تجارية أيضا، يضيقون صدرا بالدولة ~~الحميرية، فمالئوا عليها الرومان، وأنفذوا وزيرهم دليلا يرشد الحملة إلى أهدافها، ما ~~أخبث التجارة! إنها لجديرة بأن تفسد الماء بين الشقيق والشقيق. # واندفع جيش إيليوس غالوس، يرافقه الجغرافي الشهير «استرابون»، والوزير النبطي الذي سماه ~~استرابون «سنلاتواس». # وأفاد العرب من طبيعة بلادهم في الحرب أحسن فائدة، حالفتهم الصحاري وحالفوها، واستعانوا ~~بخير أسلوب من أساليب ms08 القتال حين تكون القوى غير متكافئة بين المتحاربين، نعني أسلوب ~~العصابات. # وطال توغل الجيش الروماني أشهرا، واستطاع أن يحتل نجران، وأن يتجاوزها إلى الجنوب، ~~مسددا طعنة إلى قلب «ظفار» عاصمة الحميريين آنذاك، على أن صفوفه كانت تقل يوما بعد يوم ~~بما تنهش العصابات منها وبما يفتك بها سيف العطش والتعب، فما أوشكت عيون الرومان أن تنظر ~~إلى أسوار المدينة التي يريدونها فريستهم حتى كان قد صدعهم الانهيار الشامل في جميع ~~معنوياتهم، وعرف إيليوس غالوس أنه أنفق نشاطه، مع أن المعركة الحقيقية توشك أن تقع، فما ~~استطاع إلا أن يتخذ خطة التقهقر تلافيا للفناء المحدق، وكان حكيما. # وأدرك أنه إذا سلك، في إيابه، الطريق التي سلكها في قدومه، فلسوف يقرض المنشار العربي ~~بقية جيشه قرضا، فاختصر الطريق، واتجه إلى موضع من شاطئ البحر الأحمر، حيث استقل الزوارق ~~وآثر أن يكافح الأمواج إلى مصر. # وكان ختام حملته درسا ألقته الجزيرة العربية، فلم ينسه الفاتحون من بعد! # وتفرغ الحميريون لمألوف حياتهم، وما أخلقنا أن نزور هذا الأثر الشامخ من آثارهم، ~~فلربما كان أولى نواطح السحاب في الدنيا. # ولنكن، أيها القارئ، بدويين يمنيين، في القرن الأول بعد الميلاد. # ها هو قصر غمدان في صنعاء! # لقد تم بناؤه حديثا. انظر إلى طبقاته: إنها عشرون عدا، لا يقل علو الطبقة منها عن ~~عشر أقدام، وتأمل واجهاته الأربع تطالعك منها الحجارة المشربة بزاهي الألوان، واسترح ~~بعينيك على هذا الرخام الصقيل، فإنه ناعم لين على النظر، وإذا انبعثت الريح وسمعت زئيرا ~~فلا ترتعد، فعلى كل حجر من أحجار الزوايا، في بناء القصر، أسد صب من نحاس، تمر به ~~الريح، فيجاوبها زئيرا. # وحبذا لو صعدنا إلى السطح، لنرى من خلاله داخل الحجرة المعدة للملك الحميري، فهي ~~أعلى حجر القصر، ولك أن تصدق، أو لا تصدق، أن سطحها صفيح من حجر واحد، وهو صخر شفاف ~~كالبلور. # هيا بنا نصعد، ولكن تبا ... تبا للشيطان! لقد نسينا أننا بدويان! وهؤلاء الحضر يزدروننا ~~ويخافوننا في آن، وما قصرهم هذا غير حصن من حصونهم ms09 التي يعتصمون بها دوننا. # تبا للشيطان! إننا لن نستطيع الصعود إلى السطح، ونحن بدويان! # | كولومبس الشرق # أفاقت بقعة من بقاع القارة الأفريقية، ذات يوم من أيام القرن الأول قبل المسيح، فرأت ~~طائفة من الغرباء قد حطوا فيها رحالهم. # كان الغرباء هؤلاء عربا حميريين غادروا أحد الشواطئ في جنوب شبه الجزيرة العربية، ~~وركبوا زوارقهم وجذفوا بسواعدهم الفتيلة إلى مكان من الشاطئ المقابل في الغرب. # واستقروا في الحبشة. # فكانوا نواة الأمة الحبشية، وأول حجر في بناء دولتها، وأبكر غرس من أغراس مدنيتها، ~~واستمرت لهم علاقات بالدولة الحميرية، وشاركوها الأعمال وقاسموها الأرباح. # ثم أخذوا يتذمرون. # فالحميريون أنسباؤهم يستأثرون لأنفسهم بالحصة الكبرى من الأعمال والأرباح التجارية، ~~وهكذا اتجه نظر الأحباش شطر جيرانهم في الشمال: البطالسة في مصر، وشد ما كان البطالسة ~~يتضايقون من الدولة الحميرية، وإشرافها على الشريان العظيم الذي يربط العالم بالهند، ~~فمدوا إلى الأحباش يدا حارة، وأقبل الكثيرون من المصريين يعملون في الأسطول الحبشي ~~التجاري. # وهنا تومئ كف التاريخ إيماءة سريعة إلى حادثة بسيطة لم ينتبه لها الناس يوم وقعت، ثم ما ~~لبثوا أن نسوها بعد وقوعها، ولكنها حادثة قدر لها أن تكون فاتحة انحطاط الدولة ~~الحميرية. # قيل إن رجلا من سكان مصر، ضائع الأصل بين الإغريقية والرومانية، دخل يوما في خدمة ~~البطالسة، واستهواه البحر، فلحق بإحدى سفن الأحباش وتلقى ثقافة بحرية رائعة. # ثم تفتق عقله عن جرأة وعبقرية استحق لهما لقب كولومبس الشرق. ذلك أنه ركب يوما سفينة، ~~وقذف بها وبنفسه في غمار العباب، وانطوت أشهر حسب فيها الناس أن العباب افترسه، وكف من ~~ينتظره عن انتظاره. # ولكن شراع سفينته لاح يوما في الأفق مقابل ثغر الإسكندرية وكأنه هبط هبوطا من زرقة ~~الجلد. # لقد مخر هذا الملاح الجريء البحر الأحمر، وتحدى رياحه، وكعم أمواجه وبلغ الهند، ~~وانقلب سالما غانما. # على أن عمل هذا الملاح الذي سماه التاريخ هيبالوس لم يكن مغامرة على العمياء، فإنه أتقن ~~دراسة العواصف في البحر الأحمر، فوجدها تهب على مواقيت، وتبين في ثنايا العباب مسالك خفية ~~تأمن ms10 فيها السفن على نفسها. # وكان أن غزا الرومان مصر، وانتزعوها من البطالسة، فبنوا على ما أثبته هيبالوس من قواعد ~~الملاحة في بحر شكس قوي المراس كالبحر الأحمر. # ورأى الحميريون أن طريق الاتصال بالهند - هذا الشريان العظيم الذي كان يمر بأرضهم ~~فيغذيها - قد أخذ في النضوب والتكمش، ولاحت أمائر الشحوب على نجمهم المتألق. # وتوالت عليهم غارات أنسبائهم الأحباش، وظل الاستعمار الروماني يزيد في إضرام الحريق بين ~~الشعبين الشقيقين. # فاستطاع الأحباش، في أواسط القرن الرابع بعد الميلاد، أن يحتلوا اليمن نحوا من ربع قرن، ~~وهو أول احتلال حبشي دام أمدا طويلا، غير أن نداء كان أبدا يهيب بالحميريين إلى ~~الكفاح. # ذلك هو الروح الطبيعي في الأمم، روح الوثوب والانعتاق من النير، فطرد الحميريون ~~الأحباش، وتمكنت الدولة الحميرية الأخيرة - أو دولة التبابعة - من أن تبقي النجم ~~الحميري بازغا في الأفق، يشع بنور شاحب، ولكنه نور على كل حال. # غير أن الأحباش الأكسوميين لم يفروا من اليمن إلا وهم يحلمون بالكرة بعد ~~الفرة. # | أصحاب الأخدود # ضرب طيطش الحصار على أورشليم، وفتحها عنوة في السنة 70 بعد الميلاد. # وصب نار نقمته على المدينة وأهلها، فنجا منهم جماعة هاموا على وجوههم إلى أن بلغوا ~~اليمن، وفيها الحميريون. # وهكذا انتقلت اليهودية إلى اليمن، وثبتت لها قدم فيها. # واشتدت النزاعات المذهبية في سوريا بين المسيحيين من نساطرة ويعاقبة، فكان المضطهدون ~~يفرون بأنفسهم إلى شبه الجزيرة العربية، وبات الذين يرون فساد العالم ويتوقعون نهايته ~~الوشيكة يتخذون من بعض القفار العربية مواضع عزلة ينصبون فيها الخيام صوامع لهم، وينقطعون ~~إلى العبادة. # ولما رأى امرؤ القيس الشاعر لمعان البرق في ظلمة الفضاء المنذر بالمطر، فوق هضبات نجد، ~~تذكر سراج أحد أولئك الرهبان، وهو قعيد خيمته بالصحراء في عتمة الليل ووحشته. # وأقبل يوم أخذت فيه إحدى القوافل التجارية العربية راهبا يعقوبيا اسمه فيميون. # وأقبل يوم آخر من السنة 356 بعد الميلاد، فوصلت إلى اليمن بعثة دينية نسطورية قدمت من ~~القسطنطينية عاصمة البيزنطيين. # وراح الراهب فيلوس، رئيس البعثة، ينشئ عددا من الكنائس بالمال ms11 الذي زوده به الإمبراطور ~~البيزنطي. # وبدأت صفحة من الخلافات الدينية في دولة الحميريين التبابعة، ولم تلبث هذه الخلافات أن ~~اختلطت بالأغراض السياسية وتسخرت للمصالح. # أما المسيحيون فمالوا إلى الدولة الحبشية الأكسومية التي تدين بالدين المسيحي. # والدولة الحبشية هي صديقة الروم البيزنطيين، ولها كما للإمبراطور البيزنطي مصلحة في تقويض ~~الدولة الحميرية. # وأما اليهود فكان ميلهم شديدا إلى حفظ مملكة الحميريين وتهويدها إذا استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا، فاعتنق الملك ذو نواس اليهودية. # أكان دافعه اقتناعا دينيا أم كان يفكر في الخطر الحبشي، ويرى اليهود جماعة لا يتمنون ~~فتحا حبشيا لليمن ولا يؤيدونه؟ # تلك مسألة لم تنفرج عن جواب لها شفتا التاريخ. # إلا أن التاريخ لم يبخل بحكم عام يصدره على ذي نواس وسيرته في الجملة. # لقد كان هذا الملك حميريا عربيا يغار على الدولة الحميرية واستقلالها، غير أنه ~~كان قليل الكفاءة السياسية، فاقترف حماقة وفظاعة أضاعتا الدولة. # السنة 523، الشهر هو تشرين الأول، والناس في اليمن يتناقلون الأحاديث. # فمن قائل: إن بعض اليهود المقربين من الملك هم الذين أوحوا إليه بهذه الفكرة حنقا على ~~النصارى. # ومن قائل: كلا، بل الملك تأكد من تعلق النصارى بالأحباش والبيزنطيين، فهو عازم على أن ~~ينتقم منهم. # ومن قائل: إن لليد الغريبة شأنها، فالبيزنطيون والأحباش يتمنون أن يقدم الملك على مثل هذا ~~الأمر، فيتسنى لهم أن يوقدوا الحماسة ليجردوا عليه حملة عظيمة. # ومن قائل: إن الملك لن يقترف هذه الحماقة والفظاعة. # فيجيبه آخر: بل جاءنا الخبر أن الملك قطع عزما لا نكوص عنه. # وحقا أقبل يوم من أيام تشرين، من السنة 523 بعد الميلاد، فشهدت نجران هولا وهمجية، ~~وشهدت بطولة وإيمانا، كل ذلك في مزيج واحد، في ساعة من تلك الساعات الحاشدة العنيفة ~~العجيبة التي لا يجهلها التاريخ. # قيل: أمر ذو نواس فحفر أخدودا واسعا في الأرض، ثم أمر فأضرمت نار عظيمة في الأخدود، ~~ودفع بنصارى نجران إلى أشداق النار، واحدا واحدا، فكانوا يستقبلونها شجعانا صابرين، ~~يتحدونها ويتحدون المخلوق الذي أمر بهذا التحريق البشري المنكر. # ولم ينج من ms12 الضحايا إلا رجل سمته الرواية ثعلبان. # فمضى ينتفض رعبا، ويغلي حقدا، حتى أتى القسطنطينية، فقابل الإمبراطور يوستين الأول ~~وأخبره النبأ الهائل. # فأنفذ يوستين إلى ملك الحبشة رسالة خطها بيد راعشة، وفي هذه السنة نفسها - 523 بعد ~~الميلاد - تحركت حملة حبشية تضم في صفوفها نحوا من سبعين ألف رجل، وعبرت البحر إلى اليمن ~~بقيادة أرياط. # واندحر الحميريون، ولكنهم تابعوا القتال سنتين، فلم يستسلموا إلا في السنة 525، بعد أن ~~تجددت الحملة بقيادة أبرهة. # أما ذو نواس فإنه حين أحس بانهيار ملكه ركض بجواده إلى البحر، ودخل في الأمواج وفي ~~تاريخ الحمقى المتوجين. # | عام الفيل # حدث يمني وطني قال: # أفلح الأحباش في اكتساح اليمن، ولكن الخلاف نشب فورا بين القائد أرياط وأبرهة. # وتحزب لكل منهما فريق، وانتظرنا وقوع فتنة تذهب بريح الأعداء وتظهرنا عليهم. # ثم لم تلبث الفتنة أن ذر قرناها، إلا أنها انفضت على وجه سريع، فقد تقدم أرياط وأبرهة ~~للبراز، ولم أكن شاهدا، غير أن رجلا من شهود الحال أخبرني أن الجيش الحبشي اصطف فريقين ~~متقابلين، تفصل بينهما ساحة في صنعاء، وخرج أرياط، وخرج أبرهة، وتصاولا ساعة من ~~نهار. # وانتهز أرياط غفلة، فرمى خصمه بحربة شرمت أنفه وجانبا من عينه، وكر عليه يريد قتله، ~~إلا أن أبرهة كان قد أكمن غلاما له وراء عدوه، فعاجل الغلام أرياط بطعنة كانت ~~القاضية. # وانبعث هياج عظيم، وأوشك الفريقان يتناهشان، ولكن حبشيا شيخا انبرى فقال: هذا شيء ~~مرجعه إلى النجاشي، ونحن في بلاد أعداء فاحقنوا الدماء. # وبات أبرهة وهو القائد الأعلى. # ثم أضاء لنا منفذ جديد من أمل، فإن النجاشي تسعر غيظا لما علم بما صنعه أبرهة، وسمعنا ~~بأنه أقسم ليجزن ناصيته، وليريقن دمه، وليطأن الأرض التي يطؤها، فقلنا: إن الحرب لا ~~شك واقعة بين الأعداء. # غير أن هذا الخبيث أبرهة كان داهية قارحا في الدهاء، فما سمع بقسم النجاشي حتى عمد إلى ~~شعر ناصيته فجزه بيده وجعله في حق، وفصد عرقا من عروقه وملأ قارورة صغيرة، وبعث بذلك كله ~~إلى النجاشي وكتب إليه يقول: ms13 أما ناصيتي فهاكها مجزوزة، وأما دمي فأرقه من القارورة ، وأما ~~أرض اليمن ففي الكيس شيء منها فطأها بقدميك الكريمتين، وبعد فأنا عبد من عبيدك. # فطاب خاطر النجاشي، وصفا الأمر لأبرهة، وجعل على رأسه تاجا. # وجاء يوم حان فيه موعد الحج واستعد كثير من الناس للرحلة إلى الحجاز. # فتساءل أبرهة: وأي جاذب هذا الذي يجذب الناس إلى الحجاز، فيتكبدون مشقة السفر، وينفقون ~~الأموال في أرض ليست بأرضهم؟ # فقيل له: في الحجاز مكة، وفي مكة الكعبة، وموسم الحج قيام بفرض، ومجتمع يتلاقى فيه العرب ~~ويقضون مصالح تجارية. # فقال أبرهة: لأبنين للناس في اليمن معبدا عظيما يحجونه في كل عام، وقبح الوثنية، ~~ولكنه كان يحلم بالدنانير التي ترجع عليه إذا هو استطاع أن يصرف الحج عن الحجاز. # وما طال الأمر حتى وقع اختياره على مكان طلق بديع في صنعاء، وزار مدينة مأرب فانتقى من ~~خرائبها مواد البناء النفيسة، الفخمة، وحملها إلى صنعاء. # وكتب إلى النجاشي، وإلى قيصر، يستعين بهما على إنشاء المعبد العظيم، واجتمع لديه من ~~الرخام والفضة والمرمر الشيء الرائع. # وإذا بالكنيسة تعلو جدرانها وتشمخ، وتلبس زينتها التي تدهش العقول. # وأصبحت «القليس» محجا يتوافد إليه الناس، وتحول عن الحجاز رزق عظيم. # فغضب الحجازيون وسخط أكثرهم على «القليس» ونشطوا في مقاومة الحج إليها. # وثارت ثورة الأشرم، فأقسم ليحملن على الحجاز، فيهدم الكعبة. # ولسنا ندري صحة ما سمعناه يوما من أن «القليس» وجدت صباح أحد الأعياد مقذرة، لوثها ~~رجل من بني فقيم نكاية بأبرهة. # فكان ذلك آخر ما استطاع أن يطيق الحبشي، فساق جيشه في العام 571 شطر الحجاز، وجعل في ~~مقدمته الأفيال، ومنها الفيل الذائع الصيت الذي أصبح العام 571 عامه في التاريخ. # قال اليمني مستأنفا حديثه: فدبت في العرب يقظة وحمية للقتال، فخرجنا على أبرهة في ~~طائفة يقودنا إنسان باسل سميناه «ذا نفر» تضليلا للعدو عن حقيقته، غير أن أبرهة هزمنا ~~وأسر قائدنا، وأشهد أن الأفيال كانت شر ما راعنا من الجيش الحبشي، ولكن كلما تقدم أبرهة ~~وجد خارجا عليه يساوره وينوشه، ms14 وآذته مصاعب الطريق ومهالكها، فلما أسر نفيل بن حبيب ~~الخثعمي، وهو أحد الخارجين عليه، أكرهه أن يكون له دليلا، ثم فاز من بني ثقيف في الطائف ~~بخائن يقال له أبو رغال، تطوع لإرشاده. # وأوشك أن يبلغ مكة، ورأى جماعة من جنوده إبلا لعبد المطلب، من بني هاشم، من قريش، ~~فأحاطوا بها واستاقوها. # وكان عبد المطلب شيخ البطحاء التي بمكة، فبعث أبرهة في طلبه، فأقبل ذا شيبة جليلة وطلعة ~~وقور. # فامتلأت به عينا الحبشي واحتفل لقدومه، ثم قال له: إننا لم نأتكم وأنتم بغيتنا، ولكننا نريد أن نهدم هذا البيت الذي يحج إليه الناس، ~~فخلوا بيننا وبين البيت، وأنتم آمنون على أرواحكم وأعراضكم وأموالكم. # فقال عبد المطلب: إنما جئتك طالبا رد إبلي، وقد أحاط بها جنودك واستاقوها من ~~المرعى. # فاشمأز الحبشي وقال: كنت أعظمتك في قلبي لما رأيتك أيها الشيخ، فوجدتك غير ما حسبتك، ~~أفيكون الخطب خطب البيت المقدس عندكم، ثم تأتيني مطالبا بشرذمة من إبل؟ # فأطرق عبد المطلب وهو يقول: للبيت رب يحميه، أما الإبل فأنا صاحبها. # فأمر أبرهة برد إبله، وبات الحبشي وهو عازم على دخول مكة. # قال اليمني: وكانت قلوبنا واجفة، وانصرف أكثر المكيين إلى مخارم الجبال، ولكننا سمعنا ~~أمرا عجيبا: كان فيل من الأفيال في مقدمة الجيش الحبشي يأبى السير إذا وجهوه شطر مكة، ~~فإذا احتثوه خطا خطوات حائرة، متقاعسة، دلت على أنه عمي عن موضع قدمه، فإذا حولوه ~~جهة اليمن نشط للسير وأضاءت عيناه. # ثم قال اليمني: وسمعنا بشيء أعجب من هذا كله، سمعنا بطيور صعدت في الجو وأقبلت من ناحية ~~البحر فحومت فوق الأحباش، وأفلتت حصى صغيرا كانت تحمله بأرجلها ومناقيرها، فكان الحصى لا ~~يصيب موضعا من لحم حبشي إلا هرأه، فمات. # وما لبث أن ذاع الخبر بأن أبرهة رأى أن ينقذ البقية الباقية من جنوده، فنكص على عقبيه إلى ~~اليمن. # وقد سمعت من يقول: إن جيش أبرهة آذاه الخارجون عليه في طول الطريق، وأجهدته مشاق الزحف، ~~فلما بلغ مكة كان منهوكا ضعيفا، وما عتم ms15 أن فشا فيه وباء خبيث، فجلا وتقهقر فلولا ~~محطمة، وهنأ كل وطني يمني نفسه بهذه الضربة التي أصيب بها الأعداء. # انتهى حديث اليمني الوطني. # ونظر مؤرخ عصري في شأن الطيور التي قذفت الأحباش بالحصى من مناقيرها وأرجلها، فقال: يا ~~للإنسان! لقد كان منذ القدم يحلم بالطائرات والقنابل والغارات الجوية! # | سيف بن ذي يزن على سد مأرب # كان في حاشية أبرهة، لما زار مأرب ليحمل منها مادة البناء للقليس، فتى وضيء الطلعة تنطق ~~سيماؤه بالذكاء المتقد، والحمية الزاخرة. # لم يكن يراه إنسان إلا استرعى نظره، فتأمل الصباحة في محياه، وأعجب برجولته العارمة، ~~ولكن ربما حار في تفسير تلك الكآبة التي تحوم عليه. # فسيف أمير في ذروة من النعمة والجاه، ولئن كان أبرهة قد انتزع أم سيف، ريحانة بنت علقمة، ~~من عصمة زوجها، أبي مرة ذي يزن، فالعهد بسيف أنه يجهل ذلك كله، ويجهل أن ذا يزن أبوه، وقد ~~أفاق على نفسه وهو لدى أبرهة في منزله بغمدان، وكل يقينه أن القائد الحبشي والده، وكل يقينه ~~أن «مسروقا» الذي نسلته أمه من أبرهة إنما هو أخوه لأبيه وأمه. # فماذا به حتى أخذت الكآبة منه وطفت على قسمات وجهه في الأعوام الأخيرة؟ # لا شك في أنه استطاع أن يعرف الأمور على حقيقتها، فتبين أن القائد الحبشي اغتصب أمه من ~~والده اغتصابا، وعلم أن أباه إنما هو ذو يزن من أشراف حمير وسادتها. ولم يطلعه غريب ~~على هذه الأسرار كلها، ولكنه اضطر أمه اضطرارا أن تبوح له بما غاب عنه، ففي يوم عالج أخاه ~~مسروقا ونافسه، وكان يعلم أن مسروقا يحسد في قرارة نفسه بشرته الضاربة إلى بياض واستشراق، ~~غير أن سيفا كان يعتقد ذاته محظوظا إذ شاءت الطبيعة أن تجيء بشرته لأمه، لا لأبيه أبرهة، ~~فلما قسا عليه أخوه في الكلام أغضى وتحمل، ثم سمع شيئا أقامه وأقعده، فإن مسروقا شتمه ~~وشتم أباه. # فلمع في ذهنه خاطر كلمع البرق: أيمكن أن يسب مسروق أباه وهو أبرهة؟ كلا! وإذن، ~~فالمرجح أن أباه غير القائد ms16 الحبشي. # وانطلق سيف إلى أمه، ومنذ ذلك اليوم لم يهدأ عنها حتى أفضت إليه بكل شيء، وحدثته حديثا ~~محزنا مثيرا عن أبيه ذي يزن، فانفجرت عيناه بالعبرات، وقام في صدره حقد لاهب، وحركته ~~همة عنيدة إلى الانتقام. # لقد حدثته أن أباه، لما اضطهده أبرهة واستبد به، فر من اليمن فأتى مدينة في العراق ~~يقال لها الحيرة، كان قد نزح إليها قوم من عرب اليمن من بني لخم وغيرهم، فأنشأوا فيها ~~ملكا. # ثم حدثته كيف أن ملك الحيرة انطلق بأبيه إلى ملك الفرس الذي يقال له كسرى، فناشده أن ~~يعينه على أبرهة والأحباش، فوعده ملك الفرس الوعود، ولكنه ماطله حتى مات حزينا ~~مقهورا. ~~... وها هو سيف الآن في حاشية أبرهة يزور مأرب! طالما سمع عن المدينة وأمجادها وسدها ~~العظيم، طالما قال له الوطنيون اليمنيون الذين أصبح على صلة وثيقة بهم: أيغلبنا هؤلاء ~~الأحباش، وما أول أمر الحبشة إلا نفر من أجدادنا هاجروا إليها؟ أنقعد عاجزين ونحن بناة قصر ~~غمدان وسد مأرب؟ # وأبى سيف إلا أن يشاهد السد العظيم، وكان السد لا يزال صامدا يخزن المياه الغامرة، ~~وقد طرأت عليه بضعة فتوق أصلحها أبرهة. # وقف الأمير الشاب يلحظ غمر المياه الصافية، بعد أن اجتمعت وهدأت ورسبت أكدارها في القرار، ~~وراح يتأمل الحجارة الضخمة التي اقتطعتها وبنتها السواعد الجبارة، فكبر قلبه بما أبصر من ~~آثار الجد والعظمة في بلاده، وفي هنيهة تطلقت أسارير وجهه من قبضة الكآبة، وابتسم ~~ابتسامة من أعجبه شيء وسلاه شيء. # فأسر إليه أحد اليمنيين ممن أحاطوا به: ولم يبتسم الأمير؟ # فأجابه الأمير: ذكرني هذا السد بأسطورة الجرذ، فقد سمعت من عجوز أن أميرا من أمرائنا ~~سمي لي مزيقيا، عمرو بن عامر ماء السماء، ركب يوما فأتى هذا المكان، فنظر إلى جرذ ينشب ~~أسنانه في السد، فأدرك أنه سينقبه فيفيض السد وتخرب البلاد ويتشتت العباد، فقفل راجعا إلى ~~بيته ودعا بابنه فأخبره الخبر وقال له: «لا بد من النزوح، ولكن لا بد قبل ذلك من بيع ~~أرضنا، فإذا اجتمع لدي ms17 الوجهاء فأغضبني فإني سأزجرك، فتحمس والطمني، فتجدني قد صحت: ~~وا ذلاه ! وحلفت أن لا أقيم في بلد يلطمني فيه ولدي جهارا نهارا، ثم تجدني قد عرضت ~~أرضنا للبيع بثمن بخس، وأظن أن وجهاءنا سيغتنمون غضبي وسيشترون»، وحقا مثل الأب والابن ~~الرواية، المهزلة، وباعا الأرض ورحلا، ثم لم يلبث السد أن انفجر بفعل الجرذ الذي زحزح حجرا ~~من حجارته ربما احتاج إلى سواعد خمسين من الرجال، فنزح من الناس خلق كثير، وأصبحوا وهم ~~المناذرة في العراق والغساسنة في الشام. # وهنا أذن الأمير سيف لنفسه بأن يضحك وقال لمحدثه: شد ما ظلمنا المناذرة والغساسنة حين جعلنا جرذا يغلبهم على السد فيبعدهم عن ~~أوطانهم، وهم من نعلم، قد استطاعوا أن ينشئوا لأنفسهم دولتين عربيتين منظورتين، كلا! ليس ~~الجرذ الذي دفع بهم إلى النزوح، ولئن كان هذا السد، قد نقب من قبل، فإنهم ما كانوا ليعجزوا ~~عن ترميمه، ولقد نقب في زمننا هذا فاستطاع أبرهة أن يصلحه. # وعادت الكآبة فطفت على وجه سيف وهو يتمتم: إن سفن الرومان ذللت البحر الأحمر وحولت عنا ~~طريق الهند ... ليس بدعا أن يقهرنا الأحباش إذا كنا قبلنا أن يكون الجرذ هو الذي جلانا عن ~~بلادنا. # فأجابه أحد الذين يحيطون به: إنها أسطورة أيها الأمير فلا تزعج بها. # فقال سيف: ولكن الأساطير قطع من العقول، وصور من مدى الهمم، بئس ما كافأنا به أجدادنا، ~~بنوا لنا هذا السد العظيم فقابلناهم بأسطورة الجرذ الذي خربه. # فقال الرجل، وقد أدرك مغزى كلام سيف: لا تزال لنا عقول، ولا تزال لنا همم، أيها الأمير، ~~وإننا لنكافئ بغير أساطير الجرذان. اطلب تجد! # | الأمير سيف عند كسرى # قالت أم سيف لولدها: «إنك لا تزال تطلب أمرا أظن فيه هلاكك كما هلك أبوك من قبل، فارفق ~~بنفسك يا بني، ولقد هممت بالخروج يوم ارتد أبرهة بفلول جيشه عن مكة، ثم رأيت أن لا تفعل، ~~ونعم ما رأيت يا بني آنئذ، فليس يغنيك هؤلاء الفتية اليمنيون المتحمسون الذين يدفعون بك ~~إلى التمرد، وبعد، فما أنت في ms18 ملك الأحباش بمغبون، ولو كان كسرى هذا الذي تتحدث عنه ينوي ~~إمداد اليمنيين بالجند والسلاح لما قال لأبيك: «أكره أن أغامر بجيشي في موامي الأثل ~~والسدر».» # بمثل هذا كانت أم سيف تخاطب ابنها كلما أتاها مستشيرا، وكان سيف لا يستسهل الهدف الذي ~~عكفت نفسه على نشدانه، بل كان يدري أن كلام العجوز ليس خوفا كله وهراء وضعف امرأة. # على أنه كان قد عقد العزم فلا تردد ولا نكوص، وها هي الظروف جميعها مؤاتية، لقد مات ~~أبرهة، ومات خلفه وولده يكسوم، فاعتلى العرش مسروق، ومسروق ليس بالرجل الكفؤ الخطير، ~~والأحباش في زمنه يرون الهدوء مخيما على البلاد، ويحسبون أن ملك اليمن مستتب لهم أبد ~~الدهر. # وكان يوم دعا فيه نوال بن عتيك إلى مجلس سري، ونوال هذا مولى سيف، وصاحبه ورجله القوي، ~~فشهد المجلس نفر من زعماء اليمن الموالين لسيف. # قال أحد هؤلاء: إن كسرى، أيها الأمير، خذل أباك، فلو لجأت أنت إلى قيصر الروم، وعرفته ~~أننا خير له من الأحباش لأعانك عليهم، أو لأمرهم بترك البلاد، فبتنا أحرارا وكفانا ذلك ~~مئونة الثورة. # فضحك سيف ضحكة ساذجة كالكلام الذي سمعه. # ولكن زعيما آخر قال: يجب أن لا يطول بنا الجدال، فلا استعانة لنا إلا بملك الفرس لأنه ~~عدو الروم، وما دام ملك الروم يؤيد الأحباش لأسباب اقتضتها مصالحه، فإن ملك الفرس خليق ~~بتأييدنا للأسباب نفسها، وأظن الأمير يستطيع أن يقنع كسرى بما له من منفعة في صداقتنا، ~~ولئن كان والد الأمير لم ينجح من قبل، فالزمان قد تبدل اليوم، والفرس أشد قوة، وملك ~~الحيرة مقبول الكلام عندهم، فليمض الأمير إلى ملك الحيرة وليسع سعيه المبرور. # وكأنما نطق الزعيم بالقرار الذي انفض عليه المجلس. # وكان صباح خرج في غرته الأمير سيف بن ذي يزن، يركب ناقة نشيطة، وإلى جانبه مولاه نوال، ~~وكلاهما يغذ السير في طريق الحيرة. # وتنبه مسروق إلى خروج سيف من اليمن، فبعث في طلبه ولكنه فاته، وضحك مسروق وهو يقول: إن ~~هذا رجل يأبى إلا أن يموت ميتة أبيه. ms19 # وأطل سيف ومولاه على خضرة الحيرة، وقابل ملكها النعمان بن المنذر ، وشكا إليه ما تلقى ~~اليمن من عسف الاحتلال الحبشي. # فقال النعمان: قضى أبوك، يا ابن العم، حياته مكرما في ملكنا، فإذا شئت أن تمكث لدينا ~~فعلى الرحب والسعة. # فأجابه سيف: لم آتك هاربا بنفسي ألتمس ملجأ، وإنما أتيتك مستنجدا على فاتحين يظلمون ~~قومي وقومك، وأنا أعرف لك مكانة عند كسرى، وأعرف لكسرى منفعة في شد أزرنا على الأحباش، ~~فالأحباش صنائع الروم، والروم أعداء الفرس، وطرد الأحباش ضربة على نفوذ الروم، فمهد لي ~~لقاء كسرى واغنم شكري وشكر اليمن، فإنها أصلكم ومنبتكم. # فقال النعمان: حبا وكرامة يا ابن العم. # ولم يلبث الأمير سيف أن وجد نفسه في المدائن، في قصرها الملكي العظيم، ينتظر الإذن ~~بمقابلة كسرى. # ثم أذن له، فمثل بين يدي الملك. # قال سيف: إنك لتذكر، أيها الملك، رجلا من بني حمير خان الحظ بلاده، فاجتاحها الأحباش، ~~وأذاقوا أهلها مر العذاب، فأتى المدائن مستغيثا وقد غصبه قائد الأحباش امرأته، ولكنه قضى ~~نحبه في غم الانتظار، ذلك، أيها الملك، والدي! ولقد سمعت أنه تلقى وعدا أكيدا بالمعونة، ~~فلنا عليكم الدين الذي هو وعد الحر. وإن إخراج الأحباش من اليمن لصدمة قاسية يمنى بها ~~نفوذ الروم، وهم ألد أعدائكم، وبينكم وبينهم المكايدة الشديدة، وأهل اليمن أهل معروف، ووفاء ~~بالمعروف، وبلادهم خيرة غنية، فلن تضيع لكم في ذمتهم جهود تبذلونها من أجلهم. # فانبسط وجه كسرى لما نقل إليه الترجمان الكلام وتأمل الحزن المكبوت والعزم الصادق في ~~محيا هذا الأمير العربي الجميل، وأحس ما يحسه من ألم ثقيل في قرار نفسه، ورأى حقا أن ~~للدولة الفارسية مصلحة في طرد الأحباش من اليمن وإضعاف نفوذ الروم، ولكن أين المدائن من ~~اليمن، وبينهما المسافات الشاسعة، وجلها فراغ موحش، قفر وفلاة؟ غير أنه أبى أن يواجه سيفا ~~بما يسوءه، فطيب خاطره، وأمر له بصلة، وصرفه إلى حين آخر. # حمل سيف الصلة، فجعل ينثرها، وهو منصرف، على خدم القصر. # فرده إليه كسرى وسأله عن سبب ما يصنع، ms20 فأجابه: ما أتيتك أطلب الذهب، وأرض بلادي ذهب، ولكني جئت أطلب الغوث لقوم مظلومين. # فأعظمه كسرى، وأكبر مروءته، وبرق له بارق خلاب من تلك البلاد التي زعم الأمير العربي أن ~~أرضها ذهب! # وراح العاهل الفارسي يقلب الأمر على وجوهه، وأخيرا جمع مرازبته للنظر. # | من أجنبي إلى أجنبي # جلس كسرى إلى مرازبته، يفاوضهم في شأن الأمير سيف وقضية الحملة على اليمن، وكأن المرازبة ~~كانوا على تفاهم سابق، فتقدم أحدهم بهذا الاقتراح الطريف، قال: في سجونك، أيها الملك، ثمانمئة، بل ألف، من المحاربين، وليس منهم إلا من اقترف ذنبا ~~يستحق له الموت، وجميعهم إلى الفضاء الطليق مشتاق، فأخرجهم وجهز منهم حملة لقتال الأحباش، ~~فإذا نجحوا فذاك، وإذا تلفوا فما ظلموا. # فأصغى كسرى مليا، ثم قال: ومن يقود حملة كهذه؟ # فأجابه المرازبة: سمعنا أن الأسوار وهرز يتطوع لتدريب الحملة وقيادتها، ووهرز عظيم ~~الإعجاب بالأمير العربي. # فأشار كسرى بالموافقة. # وأخرج المحابيس من سجونهم، ودربوا على فنون القتال وأخصها الرماية، وجهزوا بأنواع ~~السلاح. # ثم تحركت الحملة الصغيرة من المدائن، وقد تعاهد وهرز وسيف على أن لا يختلفا، بل على أن ~~يموتا أو يظفرا. # حتى إذا بلغ سير الحملة شط العرب، عند مصب الدجلة والفرات، ركب المقاتلون ثمانية من السفن ~~وأبحروا إلى ساحل حضرموت، فتحطمت سفينتان بعصف الريح، وفقدت الحملة نحوا من مائتي رجل، ونزل ~~الجنود الباقون إلى البر، وقيل: إن وهرز أمرهم بإحراق السفن لئلا يلتفتوا وراءهم. # وطارت الأخبار إلى اليمن بقدوم الأمير سيف، وجعل اليمنيون يمشي بعضهم إلى بعض، ويتناقلون ~~فيما بينهم أن سيفا عاد من بلاد الفرس ومعه حملة عظيمة كفيلة بطرد الأحباش، وطفق الفتيان ~~اليمنيون يجمعون السلاح، فيتسللون خفية ويلحقون بسيف، ونمى الخبر إلى مسروق فأعد جيشا ~~جرارا بلغ عشرات الألوف، وزين رأسه بالتاج، وعلق لؤلؤة ساطعة تتحدر على جبينه، وركب ~~الفيل، وزحف إلى معركة يعتبر أن نتيجتها مقررة. # وكان سيف قد قال لوهرز: أنتم الفرس رماة نشاب، ونحن أمهر مع الرمح والسيف، وأكثر هؤلاء ~~الذين سنلقاهم من جيش مسروق إنما هم ms21 يمنيون ساقهم إلى قتالنا، فإذا باشرتهم أنا بنفسي ~~وباشرهم من معي من العرب دعوناهم فانحازوا إلينا، فكن أنت ورجالك في المؤخرة نكن نحن في ~~المقدمة. # فوافقه وهرز، وكان سيف والعرب في الطليعة. # فما ظهر جيش مسروق حتى لاحت دلائل الاستخفاف على الملك الحبشي، فقال: «أيقابلني المجنون ~~بحفنة من الرجال يلتقمها جيشي لقمة واحدة؟ والله لا أقاتله وأنا على فيل، هاتوا لي فرسا ~~أركبها»، ثم تحول عن رأيه فصاح: «بل هاتوا لي جملا، بل هاتوا حمارا، فإن الحمار خير ما ~~ألقى به هذا المدعي المغرور؟». # على أن مسروقا ما لبث أن رأى عجبا، إذ انقضت تلك الحفنة من الرجال فخالطت طلائع جيشه ~~غير حاسبة للموت حسابا، وجعل يسمع نداء عربيا ويرى سلاحا كان إلى جانبه ينقلب ~~عليه. # ثم انهل مطر من النشاب حوله وحول حماره، فلقد أحكم رماة الفرس نشابهم هذا الإحكام ~~لغرض في النفس، فارتاع مسروق وصاح بالأحباش فالتفوا حوله ليقوه الشر، ففتك بهم النشاب فتكا ~~ذريعا، فتساقط من تساقط، وتبعثر من تبعثر، ولم تطل الوقعة حتى انحلت عرى الجيش الحبشي ~~وتمت هزيمته. # وتابع الجيش الظافر زحفه حتى صنعاء، وكان باب المدينة واطئا، فأبى وهرز أن يمر بالباب ~~وينكس رايته فصاح: اهدموا الباب. # فنظر سيف إلى حسن صنعة البناء، وشحبت وجوه اليمنيين، أيكون ذلك أول جزاء الاستعانة ~~بالأجنبي الفاتح على الأجنبي الفاتح؟ # وما استطاع سيف إلا أن يقر هدم الباب، ودخر وهرز ورايته مرفوعة يداعبها النسيم. # وكان أول ما فعل أن طلب الأموال والهدايا، فسيق له منها الشيء الكثير، فبعث به إلى ~~كسرى. # فكتب إليه كسرى يقول: توج سيفا، وعاهده على الأمانة للفرس، وافرض عليه الجزية كل عام، ~~وأن يتزوج الفرس من قومه، ولا يتزوج قومه من الفرس. # فنفذ وهرز ما أمره به ملكه وقفل راجعا، وانتقلت اليمن من سيطرة أجنبية إلى سيطرة أجنبية، ~~واستوى سيف على عرش أجداده من بني حمير في غمدان، وجاءته الوفود مهنئة. # على أن بعض الأحباش الذين أراد إذلالهم، فجعلهم خولا وجمازين بين يديه، غدروا ms22 به ~~فقتلوه. # وانقلب الفرس إلى حكم البلاد حكما مباشرا حتى نهض الإسلام. # | سيف بن ذي يزن وعبد المطلب بن هاشم # لم يكن نصر الأمير سيف بن ذي يزن على الأحباش نصرا يمنيا وحسب، ولكنه كان نصرا ~~عربيا، اغتبط له العرب وتحدثوا به في شبه جزيرتهم من أقصاها إلى أقصاها. # وأسرعت الوفود إلى قصر غمدان تهنئ الأمير الظافر، وفي مقدمتها وفد الحجاز. # وهل يمكن أن يخلو وفد الحجاز من شيخ الأبطح عبد المطلب بن هاشم؟ # فلما مثل الوفد بين يدي سيف، كان الشيخ عبد المطلب هو الذي افتتح الكلام فقال: نحن وفد ~~التهنئة لا وفد المرزئة، في كلام طويل حلو فصيح. # غير أن سيفا لبث والحزن في وجهه، ولم يستطع هذا الكلام الذي سمعه، على ما فيه من حلاوة ~~وفصاحة وصدق وإخلاص، أن يصرفه عما يخالج نفسه من ألم. # لقد حز في قلبه باب صنعاء الذي أمر وهرز بهدمه كي يستطيع دخول المدينة ورايته ~~مرفوعة. # ورحب سيف بالحجازيين خير ترحيب، وملأ عينيه من عبد المطلب، ثم دعا بمن حول الجميع إلى ~~دار الضيافة. # ومر شهر والوفود تتلاحق، حتى إذا قل القادمون، ووجد سيف منفسحا من الوقت، بعث برجل ~~إلى دار الضيافة، فأتاه بعبد المطلب، فخلا به خلوة طويلة. # قال عبد المطلب: كأني بك، أيها الملك، لست على ما نروم، مع أن الله ساق إليك نصرا على ~~أعدائك، وشفى غلك، وأعز بك العرب. # فاغتصب سيف ابتسامة، وقال: اصغ إلي، أيها الشيخ، إنك لعارف بالأمور، ثم تزعم أن الله ~~أعز بي العرب، وكيف أعزهم بي؟ لقد طردنا الأحباش، ويخيل إلي أننا استبدلنا أسيادا ~~بأسياد، وسيحكمنا الفرس كما حكمنا الأحباش، ومع ذلك فالساعة آتية لا ريب فيها، اصغ إلي، ~~أيها الشيخ، هل تعلم لماذا ملأت منك عيني في أول يوم قابلتني فيه؟ # فأجاب عبد المطلب: لم يفتني أن أفكر في الأمر، وقد ظننت أن شيبتي أعجبتك، أو حسبت أنك ~~تعلم خبري يوم قابلت أبرهة وهو على أبواب مكة. # فقال سيف مبتسما: شيبتك تعجب، أيها ms23 العم، وخبرك يوم قابلت أبرهة وهو على أبواب مكة ~~مشهور، على أنني أدمت النظر لسبب آخر: أن العرب الذين تزعم أن الله أعزهم بي سيعزون، ~~ولكن على يد جديدة، وإيمان جديد، وعقل جديد، هذا ما يوحيه إلي هاجس خفي جلي. # ونظر سيف في وجه عبد المطلب وفاجأه بسؤال غريب: هل ولد في بيتك غلام تحس من أمره ~~عجبا؟ # فارتعش الشيخ وبان التغير في وجهه. # فألح عليه سيف أن لا يكتمه شيئا. # فاندفع عبد المطلب يقول: أجل ولد في بيتي مثل هذا الغلام الذي تسأل عنه، وهو حفيدي، مات ~~أبوه ولم يكن قد خرج إلى الدنيا، وكان عام ولادته العام الذي زحف فيه أبرهة يطلب الكعبة، ~~وذكرت النساء أن أما لم تضع طفلها بأيسر مما وضعته أمه، وأتتنا الأنباء بالأعاجيب من كل ~~صوب، فقيل إن إيوان كسرى أصابته ارتجاجة حتى تصدع، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وقيل إن ~~النار التي يعبدها الفرس ويوقدونها من جيل إلى جيل أصابها الانطفاء لأول مرة منذ ألف سنة، ~~وقيل إن بحيرة ساوة غاضت، وقيل إن موبذان فارس شهد في نومه إبلا صعابا، تقود خيلا ~~عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في البلاد، وقيل إن سطيحا الكاهن أول ذلك لكسرى بانتهاء ~~ملك الفرس، وقيام ملك العرب. # فترقرقت عينا سيف، وصاح بعبد المطلب: إن حفيدك هذا لهو المنتظر الذي ننتظره، فتعهده بخير ما تستطيع يا عبد المطلب، إن له ~~لشأنا عظيما، وإنه سيلقى عنتا شديدا، وما أتمنى إلا أن يمد لي في الأجل فأدرك ظهور ~~أمره، وأجعل يدي يده، ولكن كأني بحبل الحياة سينقطع بي قبل الأوان. # فأطرق عبد المطلب لا يدري حقيقة هذه العواطف التي تساوره، أهي الزهو، أم الغبطة، أم ~~الخشية والقلق، أم كل ذلك مجتمعا في شعور لا يترك مسربا من مسارب النفس إلا تغلغل ~~فيه؟ # ولما قفل عبد المطلب إلى مكة، سمع بعد أمد يسير أن الملك سيفا غدر به الأحباش الذين ~~جعلهم خوله وجمازيه فقتلوه، فقال عبد المطلب: كأن منيته أنبأته بقرب مقدمها! ms24 ومسح بيده ~~على رأس حفيده الصغير، وهو يتمتم: لقد خسرت صديقا يا بني. # | جوع كلبك يتبعك # نحن في الجاهلية ما زلنا، وفي اليمن أيام الحميريين التبابعة. # ومع ذلك، سنتحدث عن مسألة حديثة، ونرى كم هي قديمة، ونتحدث عن مسألة قديمة، ونرى كم هي ~~حديثة! # قال الراوي: كان أحد ملوك حمير - وما يعنينا من اسمه؟ - شديد الوطأة على الرعية، ~~غصابا لما في أيديها، وكان الكهان يفتشون الغيب، فينبئونه بأن الرعية ستقتله إذا هو ~~لم يقلع عن سيرته، واغتبط التاريخ بأن سجل خبرا عن كهان مالوا عن ملك إلى شعب. # إلا أن الملك لم يحفل بما جاءه به كهانه، وظنهم حقا يفتشون الغيب، فقال: ومن أين لهم ~~أن يعلموا الغيب؟ وما درى أنهم إنما رأوا الغد من خلال اليوم. # ولبثت رعيته تتقلب من جوره على الجمر، وعاث فيها الفقر، وازدحم السائلون على بابه يئنون ~~ويشكون، فسمعتهم امرأته، وأطلت يوما فشهدت وجوها فر لونها، وعيونا كاد يطفئ البؤس ~~بصيصها، فقالت له: نحن في العيش الرغد، وهؤلاء يلقون ما يلقون من الجهد، وإني لأخشى أن ~~يصيروا عليك سباعا، وقد كانوا وما زالوا لك أتباعا. # فضحك منها وقال لها: شأن لا علم لك به! أراك أصبحت سجاعة، أما عرفت حكمة الحكماء: ~~جوع كلبك يتبعك، فسكتت، كما تسكت المرأة غير مقتنعة، لتترك لرجلها مجال إعجاب بروعة ~~كلامه. # واتفق أن وقعت هذه الجملة في سمع رجل يدعى عامر بن جذيمة، أو فلانا من الناس، فوعاها، ~~ولم يذكر لنا الراوي شيئا عن وظيفة عامر هذا، ولكنه كان مفكرا على الأرجح. وخرج عامر بين ~~الناس ممتعضا فرأى استسلاما وخضوعا، وكان ينتظر أن يرى فورة، وثورة تقع بعد ساعة، ففوجئ ~~وقال في سره: لقد أصاب الملك، هذا الشعب لا يعدو أن يكون كلبا، وجوع كلبك يتبعك! # وانقضى الوقت الذي ينمي الأشياء وينضجها في صمت، وعامر بن جذيمة مصر على رأي ~~الملك الذي أصبح رأيه هو أيضا. # ثم فوجئ مرة أخرى، وكأن لا وظيفة للمفكر إلا أن يفاجأ لأنه إما متأخر ms25 جدا عن الركب أو ~~متقدم! # انفجر الشعب بالثورة! # ولكن المفاجأة كانت ، بالطبع، أشد وقعا على الملك، ذلك أنها دحرجت رأسه عن كتفيه، بينما ~~هي لم تزد على أن خطأت عامر بن جذيمة في حسابه. # غير أن عامرا لم يقبل، وأقام يقلب الأمر على وجوهه ليعلم كيف بدر من «الكلب» ما بدر منه، ~~ثم وقع على تفسير جعل المفاجأة طبيعية، جد طبيعية، فقال: وأي عجب؟ ربما أخذ الكلب بمخنق ~~سيده الظالم إن لم ينل شبعه. # وإلى اليوم - بعد ثورات التاريخ كلها - لا يزال الشعب كلبا في رأي بعض، على أن هذا الكلب ~~لا يلبث أن يفاجئ هؤلاء، كما فاجأ الملك الحميري وعامر بن جذيمة المفكر، أما الملك ~~الحميري فيتدحرج رأسه، فلا يبقى قادرا على أن يعطي رأيا، وأما عامر بن جذيمة المفكر ~~العميق، فيفاجأ أولا، يفاجأ عند الإبطاء وعند الإسراع، فيكون سابقا أو مسبوقا، ثم لا يرى ~~آخر الأمر عجبا في أن يأخذ الكلب بمخنق ظالمه. # ولكن ما علينا، ما دام الأخذ بمخنق الظالم واقعا، على أي حال! # | الأزمة الضميرية # تبدأ حكايتنا، هذه، بذكر ملك من الملوك الحميريين اسمه حسان، فهل هو حسان تبع ~~الذي غزا جديسا وبلغ نجدا فأقام مملكة كندة، أم هو حسان غيره، أم أن الحكاية رأت أن لا بد ~~من اسم للملك الحميري الذي تتحدث عنه، فدعته باسم حسان؟ # ليكن ظنك ما شئت أيها القارئ. # وتعال نسمع الحكاية نفسها: # نقم الأقيال، أي الأشراف، من بني حمير على ملكهم حسان، وما دامت أسباب نقمة الأقيال، ~~وغير الأقيال، كثيرة على الملوك، فلا موجب لذكر سبب النقمة. # والتمس الأقيال وسيلة ينتقمون بها من عدوهم، فمشوا إلى الأمير عمرو، وهو أخو حسان ~~وولي عهده، فقالوا له: # وما يمنعك أن تكون أنت الملك الآن؟ أفما يليق رأسك بالتاج؟ أفما تليق هيبتك بالعرش؟ فاخلع ~~أخاك أو اقتله، ونحن وأنت يد واحدة. # ونسي عمرو أن حسانا أخوه. # وكأن كلام الأقيال أثار كبيتا كان في نفسه منذ أعوام. # وقد لا يكون غريبا أن يقتل أخ ms26 أخاه من أجل الملك، فذلك شيء عرفه التاريخ وأكثر معرفته، ~~وأقل في الغرابة أن يحرض نفر من الأشراف أميرا على قتل أخيه، ولكن الغريب حقا أن ~~يظهر في مثل هذه القضية وجه لمثل هذا القيل الذي سمته الرواية ذا رعين. # قيل إن ذا رعين لم يكد يسمع بما فعل أصحابه الأقيال حتى أنكر قبح فعلتهم، وأسرع إلى عمرو ~~ينهاه عما هم به. # أما الأقيال فضحكوا منه وقالوا له: طالما عرفناك واعظا حسن الإرشاد، ولكننا الآن في شيء ~~آخر، نحن في السياسة! # وأما الأمير عمرو فقطب في وجهه وقال له: لا بد لي اليوم من العرش والتاج، ولو على جثة ~~أخي، وما يدريني أنني أعيش لأرثه. # فقال ذو رعين: وضميرك؟ ضميرك أيها الأمير. # فكانت تلك لغة لم يفهمها عمرو. # فانكسرت نفس ذي رعين، ووقف منذ مئات السنين ذلك الموقف الذي لا يزال يقفه طيبو القلب، ~~وهم حائرون في هذا الطلاق العجيب، الذي يبدو محتوما، بين ما يسمونه السياسة ~~والضمير. # وأحب ذو رعين أن ينبه حسانا إلى المكيدة التي تدبر له، على أنه عرف أن حسانا ~~في مثل هذه الحال سيعالج أخاه بالقتل، وما الفرق بين أن يقتل حسان عمرا، أو أن يقتل عمرو ~~حسانا؟ # وما لبث صاحبنا أن قضى بأن خير موقف يقفه هو الحياد. # ثم فطن إلى شيء: أليس من واجبه أن يرضي ضميره على الأقل؟ والمستقبل؟ من يدري ما يتكشف ~~عنه المستقبل؟ ومن يصدق أن ذا رعين لم يكن مواطئا للأقيال في قبيح فعلتهم؟ فما ~~العمل؟ # وكانت النتيجة أن قام ذو رعين إلى صحيفة بيضاء وخط فيها سطرين، ثم طواها طيا محكما ~~وحملها إلى الأمير عمرو وقال له: سألتك، أيها الأمير، أن تختم على هذه الصحيفة المطلوبة ~~بخاتمك وتستبقيها وديعة لي عندك. # وانزوى ذو رعين وهو يقول: ما أحسن راحة الضمير! # وجرت الحوادث مجراها، فقتل عمرو أخاه حسانا وأصبح صاحب الأمر من بعده، لبس التاج الذي ~~كان يتمناه، وقعد على العرش الذي كان يتشهاه، وسكر السكرتين، سكرة الملك وسكرة ms27 ~~النصر. # إلا أن السكرتين لم تدوما طويلا، وجعل عمرو كلما اجتمع لديه الأقيال، يذكر أنهم هم الذين ~~حرضوه وأعانوه على قتل أخيه، فكيف يأمنهم على نفسه؟ ولقد كان على يقين من بلوغ الملك بعد ~~وفاة أخيه، فهل أكسبه قتله إلا الغدر؟ # وطفق شبح أخيه يزحف عليه من زوايا القصر كلما هبط الليل. # وثار به الضمير الذي ينام ويستيقظ، وكأن ضميره بات يهمس إليه في هدأة الليل: لقد استيقظت ~~أنا، فلن تنام أنت. # وذهب عمرو كل مذهب يفتش عن الدواء لدائه، وعمد إلى الكهان، فطيبوا نفسه وسهلوا عليه ~~الأمر، واستعملوا فنون كهانتهم، فوجدهم جميعا مشعوذين، إلا كاهنا شجاعا قال له: هذا أيسر ~~ما يجزى به قاتل أخيه أيها الملك. # فعزم أخيرا على أن يدعو الأقيال فيبطش بهم، وأنفذ عزمه فسفك منهم دماء خلق كثير، حتى وصل ~~إلى ذي رعين. # فقال له ذو رعين: أتقتل بريئا أيها الملك؟ لقد نهيتك عن قتل أخيك فلم تنته، فوقفت على ~~حياد. # فقال عمرو: لا أذكر أنك نهيتني، ولكن رأيك كان رأي سائر الأقيال. # فأجاب ذو رعين: لي، أيها الملك، وديعة ختمت عليها بخاتمك وسلمتها إلى خازنك، فمره يأتنا ~~بها. # وتذكر عمرو الصحيفة المطوية، فدعا خازنه أن يخرجها له، فلما تسلمها ذو رعين فضها في ~~حضرة الملك وأقرأه إياها، فإذا فيها بيتان من الشعر: # ألا من يشتري سهرا بنوم؟ # سعيد من يبيت قرير عين! # إذا ما حمير غدرت وخانت # فمعذرة الإله لذي رعين! # فصمت عمرو، وخلى عن ذي رعين. # غير أن بعض الرواة أبى إلا أن يكمل الحكاية، فقال: صمت عمرو صمتة طال أمدها، ثم خاطب ذا ~~رعين بهذه الكلمات: إنك بريء كما تقضي الظواهر، وبريء كما يقضي العرف، فلن أقتلك، ومع ذلك ~~فإنك لست ببريء: لقد علمت بشر يقع ففهت بكلمة وسكت، وكتبت صحيفة تحتج بها فيما بعد ~~ليسلم لك رأسك، وقد يصح ما كتبته مثلا سائرا من الأمثال، ولكنه لا يصح لك تبرئة ~~وتنزيها. # فأجابه ذو رعين: كلا، أيها الملك، لم أفكر إلا بحجة ms28 تكون لي أمام ضميري، وأمام الناس، ~~ووقفت على حياد. # فقال عمرو : إن الحياد في وجه الشر لضرب من ضروب المشاركة في الجريمة يقع فيه الخبثاء ~~والسذج على السواء، وما همهم من القضية كلها إلا أن يستطيعوا، في يوم من الأيام، أن ~~يقولوا لأنفسهم وللناس: لقد كنا على حق، لقد كنا نعرف النهاية، ولقد بقينا والحمد لله ناصعي ~~الجبين! # وكان الملك عمرو ساعتئذ قاضيا ينطق بحكم صوابي عميق، ولكنه كان من القضاة الذين يحسنون ~~الحكم على غيرهم، وحسب! # وانحلت هذه الأزمة، الأزمة الضميرية! وهدأ الملك عمرو بعد الذي سفكه من دم على دم، وبدأ ~~بعض يلقبه بالملك العادل الذي انتقم لأخيه. # وقال ذو رعين لأحد أصدقائه من السياسيين المعجبين «بالملك العادل»: يا صديقي، لقد كان ~~على هذا الملك العادل أن يبدأ في القطع برأس نفسه، فأجابه الصديق السياسي: ولكن ألا ترى أنه ~~لو قطع رأس نفسه لما استطاع أن يقر العدل ويقطع رءوس المذنبين؟ # فسكت ذو رعين؛ لأنه أعجبه هذا المنطق العجيب. # | مدينة في الصخر # كان استرابون الجغرافي، الذي رافق إيليوس في حملته على الحميريين، ينظر إلى الوزير ~~النبطي الذي رافق الحملة، هو الآخر، نظرة ارتياب واتهام. # ولعل الوزير النبطي أبى أن يكون مرشدا صادقا للرومان، ذلك أن الأنباط كانوا عربا ~~كالعرب، وكانوا يخشون نصرا رومانيا ينقلب عليهم فيسحقهم بثقل وطأته. # ظهر الأنباط، أول ما ظهروا على مسرح التاريخ، قبائل هاجمت قوما يقال لهم الإيديوميين، ~~وانتزعت منهم موقع البطراء حوالي القرن السادس قبل الميلاد، وأنشأ الأنباط دولة عاشت في ~~الشمال من شبه الجزيرة العربية على غذاء الأعمال التجارية. # ولكن ليس هذا كل شيء. # إن الواقف أمام خرائب البطراء اليوم يخيل إليه أنه يسمع وقع المطرقة على إزميل العامل، ~~وهو ينقر مدينة بكاملها في الصخر. # أية يد ثابتة بارعة تلك التي أتقنت نحت هذه الأعمدة، وتدويرها وصقلها؟ # وأية نفس عجيبة تلك التي اختارت صخرة عظيمة قاحلة على هضبة ترتفع ثلاثة آلاف قدم؟ # لا ريب في أنها نفس كانت تؤثر المنعة والحصانة على ms29 كل مطمح من المطامح. # ولقد أبدت البطراء منعة في أكثر من موقف: حاول انتيغونوس، الذي خلف الإسكندر المكدوني ~~ملكا على سوريا، أن يفتتحها فارتد عنها كسير الهمة. # وبلغ من قوتها أن استنجد يوليوس قيصر بأحد ملوكها ليمده بالخيالة أثناء حروبه في ~~مصر. ~~... اتسعت دولة البطراء أعظم اتساعها أيام ملكها حارثة الثالث، وهو الذي افتتح دمشق وخلع ~~عنها سيادة السلوقيين، وكان ابنه حارثة الرابع ملكا ما كان أوغسطس قيصر إمبراطورا، لما ~~استقبل مذود البقر الطفل الناصري العظيم. # ولما كان الرسول بولس يتدلى بحبل وقفة إلى خارج سور دمشق، كان الحاكم الذي أمر ~~بمطاردته، نبطيا ممثلا لحارثة الرابع. # وحين حاصر الإمبراطور طيطش مدينة أورشليم حصاره الشهير، كان في قواته خمسة آلاف من ~~المقاتلة، وألف جواد أنجده بها أحد ملوك الأنباط. # صادقت البطراء روما صداقة متينة بعد صداقة البطالسة في مصر، ولكن روما تضايقت باستقلال ~~صديقتها. # وأخذ تيار التجارة يسلك طريقا آخر لا يمر بالبطراء، بل بمدينة أخرى أخذ نجمها بالصعود، ~~هي مدينة تدمر. # وفي نوبة من نوبات الغضب الاستعماري الأثيم، عزم الإمبراطور تراجان على محق عاصمة ~~الأنباط، فالمدينة الصخرية كانت تتشبث بأكثر مما يستطيع أن يسيغ من الروح ~~الاستقلالية. # زحف عليها وحاصرها في السنة 106 بعد الميلاد، وكان القتال داميا رهيبا، ولكن موقع ~~المدينة على حصانته كان شحيح الماء، فنوخها العطش، وكالت لها الفيالق الرومانية ضربات ~~قاتلة، فتمكن من دخولها الإمبراطور تراجان وخربها تشفيا وانتقاما، على أن إزميل العامل ~~الذي نقر الصخرة، يوما في الماضي البعيد، تحداه، وصمدت آثاره الرائعة للدهر. # ولكن ليس هذا كل شيء. # فقد يقال إن الأنباط هم من الرعاة (الهيكسوس) الذين احتلوا مصر قديما بخيولهم الخاطفة ~~التي دهش لها المصريون وتضعضعوا، وكان منهم الفرعون، المسمى الريان، وهو الذي استوزر يوسف ~~بن يعقوب الإسرائيلي. # وأقام الهيكسوس في مصر نحوا من خمسين سنة حتى أخرجهم منها الفرعون أحمس، فعادوا عبر ~~سيناء إلى شبه الجزيرة العربية، واحتلوا البطراء حيث أقاموا مملكتهم وأبدعوا مدينتهم ~~الخالدة. # وإذا صحت بعض النظريات فالأنباط كانوا في ms30 حديثهم اليومي يتكلمون العربية رغم أنهم ~~استعملوا الآرامية في الكتابة. # وأية عربية ؟ هذه اللغة الدارجة التي أتكلمها أنا وأنت اليوم، أو شيء قريب منها، ومما يؤيد ~~هذه النظرية أن الأنباط شعب بقيت له صفاته خلال التاريخ العربي بعد ظهور النبي محمد وفي ~~أيام الأمويين والعباسيين، وكانت إحدى صفاته اقتصار أفراده على العربية العامية، وضعفهم في ~~إتقان الفصحى، بحيث بات الشعراء يعيرونهم ويكثرون مداعبتهم. # ولا ندري هل تذكر عشائر الحويطات، في شرق الأردن اليوم، أنها ترتفع بالنسب إلى الأنباط، ~~وعصرهم المرموق؟ # | المدينة التي بناها الجن # ظل بدو الصحراء السورية عصورا طويلة يعرجون على خرائب تدمر وأنقاضها، فيجدون أعمدة ~~ضخمة صف واحدها إلى الآخر في شبه غابة متسقة الأشجار، ويجدون هياكل منحوتة في الصخر ~~الأصم، ويلمسون قوة جبارة ومهارة فائقة صرفت في البناء والنحت والصقل، فقدروا أن ذلك كله ~~شيء من عمل الجن بإشراف نبي من الأنبياء، وبتسخير من الله! # فقالوا: إن النبي سليمان هو الذي أخضع الجن بمشيئة العزة الإلهية لبناء تدمر. # ووقف النابغة الذبياني بين يدي النعمان، ملك الحيرة، فأنشده: # ولا أرى ملكا في الناس يشبهه، # ولا أحاشي من الأقوام من أحد # إلا سليمان، إذ قال الإله: # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن، أني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # حقا إن الأبطال المجهولين الذين ساهموا في صنع التاريخ لأكثر من الأبطال المعروفين، فمن ~~الذي أنشأ تدمر حيث هي في إحدى واحات الصحراء؟ # الجن؟! لا بأس بهذه التسمية للأبطال المجهولين. # فما الذي جذبهم إلى هذا المكان المستغرب؟ الماء؟ # وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~، ~~والتجارة؟ فلقد كانت تدمر، كجميع المدن العربية التي ازدهرت آنذاك، واقعة على إحدى الطرق ~~التجارية بين الشرق الأبعد والشرق الأدنى، كانت تنام وتصحو على جلبة القوافل ترد عليها، ~~وتصدر منها، كما تتلاحق الأيام والليالي. # شد ما طمحت إليها الأنظار، أنظار الفاتحين، ويرجح أنها هي التي ذكرها الملك الآشوري ~~«تغلاث فلسر» باسم تدمر آمرو، في أحد نقوشه الباقية من السنة 1100 قبل المسيح، فهل ms31 حلم ~~«تغلاث فلسر» بضمها إليه، كما حلم القائد الروماني مرقس أنطونيوس بعده بألف وسبعة وخمسين ~~عاما، إذ هجم عليها بين السنة 42 و41ق.م؟ # قال مرقس أنطونيوس: سأخضع المدينة الصحراوية المعتزة بنفسها. # وقالت تدمر: كلا. # فارتد القائد الروماني خائبا. # ولكن لم يكن من الممكن أن تحتفظ المدينة بتمام استقلالها، وهي بين شقي الرحى، بين أضخم ~~إمبراطوريتين في الدنيا، نعني بهما: الفارسية والرومانية، فخيم عليها ظل النفوذ الروماني ~~منذ أوائل العهد الميلادي، وزارها الإمبراطور هادريان في السنة 130، فألحقها إلحاقا ~~بالإمبراطورية وسماها تدمر هادريان، ومر عليها أمد وهي جزء مندرج في جسم ~~الإمبراطورية. # على أن ذلك كله - ويا للغرابة! - لم يكن إلا مقدمة لنهضتها العظيمة. # استمرت الحرب لا تخمد نارها بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، فكان أن برز في الفرس ~~الإمبراطور سابور الأول، فأوقع بالإمبراطور الروماني فاليريانوس هزيمة شنعاء، وقبض عليه ~~أسيرا، فلم يستطع الثأثر لفاليريانوس غير بطل عربي تدمري هو أذينة بن السميذع، طارد سابور ~~الأول في السنة 265 حتى أسوار المدائن عاصمة الفرس. # فأشرق نجم أذينة، وأشرق نجم تدمر، واعترف الإمبراطور الروماني غلينوس، الذي خلف ~~فاليريانوس، بعظيم ما أسدى أذينة من معروف، فلقبه بالإمبراطور، وأقره قائدا أعلى للفيالق ~~الرومانية في الشرق، وهكذا باتت سلطة أذينة مبسوطة على سوريا وشمال الجزيرة العربية، وربما ~~اتسعت إلى مصر وآسيا الصغرى وأرمينيا أيضا، وباتت تدمر مدينة من أعظم مدن الدنيا في وقتها، ~~تباري روما والإسكندرية ومدائن فارس. # ولكن يدا مغتالة لم تلبث أن امتدت إلى البطل أذينة، ولا يزال مصرعه سرا من الأسرار، ~~فقد جاء حمص في السنة 267، فوجد مقتولا بالسيف، ويقال إن ابنه قتله، ويقال ابن أخيه، ~~ويقال إن زوجته زنوبيا هي التي دبرت مقتله ليخلو لها وجه الملك. وإنها كلها لضروب من ~~الحدس، والطبيعي أن تكون روما هي التي عملت على إزالته من الوجود، خوفا من تعاظم بأسه ~~وسلطانه، والموقف الذي اتخذته الملكة زنوبيا، بعد موته، لا يدل على ممالأة أو اشتراك منها ~~في الجريمة. وكان أولاد أذينة جميعهم قصرا، فليس من المنتظر أن ms32 يقتل ولد قاصر ~~أباه. # وعلى كل حال، مات أذينة وملكت زنوبيا باسم ولدها وهب اللات (اللات صنم)، وكانت هذه ~~الأنثى التي صعدت العرش امرأة حسناء، مثقفة، على أن قلبها قلب لبوءة. رأت لديها جيشا ~~تدمريا لا يقل عن خمسين ألفا من المقاتلين المجهزين بخير أسلحة العصر، وآنست ضعفا ~~من روما، وتحركت فيها شهوة الثأر لزوجها، وتذكرت أن رجلها كان يتطلع إلى مستقبل خاص ~~بتدمر، منفصل عن سيادة الإمبراطورية الرومانية، ولم تكن هي أقل طموحا ولا أصغر ~~بطولة. # فقادت جيوشها وزحفت بها على مصر في السنة 270، فاحتلت الإسكندرية، وهي، وإن كانت عربية، ~~فقد كان فيها عرق أفريقي ينتهي بها إلى كليوباترة والبطالسة وكأنها لما دخلت وادي النيل ~~تذكرت جدتها التي دجنت بجمالها يوليوس قيصر وأنطونيوس، ثم قضى عليها أوكتافيوس الذي ~~أصبح أول إمبراطور على روما، وزحفت، في السنة نفسها أيضا، شطر آسيا الصغرى، وجعلت من ~~أنطاكية عاصمتها الثانية، ودفعت بالفيالق الرومانية إلى وراء، حتى أنقرة، وكانت جد موفقة ~~بقائديها الكبيرين زبده وزباي. # لقد بلغ كوكب تدمر العربية أوجه في الصعود والإشراق. # ثم تولى عرش روما الإمبراطور أوريليانوس، فسار مع الملكة العربية سيرة مهادنة في أول ~~الأمر، ولكنه كان يلبس في إحدى يديه قفازا ناعما من مخمل، ويجمع اليد الأخرى ليكيل ~~الضربة. # وما كادت تقبل السنة 272 حتى تحرك أوريليانوس بجيوشه الجرارة، فهزم القائد زبده في ~~معركة على مقربة من أنطاكية، ثم هزمه في وقعة حمص، وتقدم إلى أسوار تدمر نفسها. # شد ما كان الحصار هائلا! وشد ما صمدت المدينة العنيدة وثبتت ملكتها اللبوءة! فأرسل ~~أوريليانوس إلى زنوبيا يقول: استسلمي، وأنا ضامن لك الحياة. # فأبت! إن الاستسلام هو الموت، الموت المعنوي، أقبح الموتين. # على أن الأفق بات يزداد ظلاما يوما بعد يوم، إن الذخيرة تقل، والمؤن تخف، وأذرع ~~الشجعان تكل. # عزمت الملكة عزما، خرجت تحت ستار حالك، ومعها نفر من جنودها، كانت تقصد الفرس لتستنجدهم ~~على الرومان، أعدائهم وأعدائها. # إلا أن نبأها اتصل بأوريليانوس، فأنفذ فصيلة أدركتها وطوقتها وهي تعبر الفرات. # واستسلمت ms33 تدمر، استسلمت في ربيع تلك السنة، السنة 272. # كانت الواحة التدمرية تكتسي بالخضرة الطالعة، ولكنها خضرة أشبه بشحوب الخريف، وقيدت ~~لبوءة الصحراء بسلاسل، سلاسل من ذهب، يا للسخرية! ما الفرق؟ # وسيقت إلى روما، وعرضت في المهرجان الذي أقيم للإمبراطور الظافر. # وتسامع التدمريون بما لحق بملكتهم من إهانة، ورأوا تغير حالهم من حرية إلى خضوع وطأطأة، ~~فثاروا، فأعاد أوريليانوس الكرة عليهم، ودمر مدينتهم، ونزع منها زينة هيكلها البديع ~~المشيد للشمس، ونقل الزينة إلى روما حيث شيد هيكلا للشمس الشرقية ذكرى انتصاره. # وترك الشمس الشرقية، الحقيقية، ترتفع كل يوم، فوق خرائب تدمر، وترسل حبال أشعتها إلى ~~هيكلها الموحش ... # | «محضر» مؤرخين: الغساسنة والمناذرة # أبصر مزيقيا عمرو بن عامر، ماء السماء، ذلك الجرذ المشئوم يقرض سد مأرب، فباع ما يملكه في ~~أرض اليمن - على ما حكت الحكاية - ونزح بقومه إلى حوران والبلقاء، حوالي أواخر القرن الثالث ~~الميلادي. # ووجد قوما من العرب قد سبقوه وسبقوا قومه في النزوح إلى تلك الديار، فنشبت مناوشات بين ~~الفريقين، انتهت بتغلب عمرو بن عامر وقومه، فلما كان عهد جفنة، وهو من أبناء عمرو بن ~~عامر، برز الملك الجديد، ملك الغساسنة، مستقرا على قواعده، وعد جفنة مؤسسه. # وعاش الغساسنة دهرا على موارد الطريق التجاري بين مأرب ودمشق، وتلاحقت الأيام، وتململ ~~العرب في شبه جزيرتهم يشتد، كان تقدم الملاحة يصرف عنهم التجارة من البر إلى البحر، ~~وكانت أرضهم، التي تغلب عليها الطبيعة الصحراوية، تضيق عليهم سبل الرزق، وكانوا يتسامعون ~~أنهم إذا قطعوا حواشي شبه جزيرتهم، اتصلوا بأرض خصبة خيرة في جهة العراق والشام. # ولذلك ازداد تشوقهم إلى الخروج من أرضهم وأخذوا يسطون على التخوم، يقعون ويرتفعون كأنهم ~~الطيور الطائرة. # ورأى البيزنطيون أن هؤلاء البدو المتوثبين مصدر من مصادر القلق الدائم، فاستمالوا إليهم ~~الغساسنة، وجعلوهم قوة تضمن الأمن على تخوم مملكتهم. # وشعر أكاسرة الفرس بالقلق نفسه في جهة العراق، فاصطنعوا دولة المناذرة في الحيرة، وهي ~~الدولة التي أقامها عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، ولخم قبيلة يمنية هجرت اليمن إلى الشمال ~~كأختها غسان. ms34 # ولما كان البيزنطيون والفرس أعداء لا تهدأ بينهم الحروب، فقد وافق مصلحة كل من الدولتين ~~أن تقيم على حدودها دويلة صغيرة تتلقى أول الصدمة كلما انقض جانب على جانب في هجوم. # وانتقل العداء بين البيزنطيين والفرس، بالعدوى، فأصبح عداء بين الغساسنة ~~والمناذرة. # ولو شئنا لوقفنا هنا عند موسم غني من قصص تاريخية وأسطورية تتصل بالمناذرة والغساسنة، ~~بحربهم ومنشآتهم العمرانية وأياديهم على الشعراء. # لكننا سنفعل شيئا آخر، سندخل مجلسا منعقدا من المؤرخين، فنصغي إلى نقاشهم في شأن ~~الدولتين اللخمية والغسانية، ولعل المؤرخين يتفقون على شيء، هذه المرة! # قال مؤرخ الغساسنة: «لقد قطع بنو غسان شوطا بعيدا في الحضارة، متأثرين بالبيزنطيين، ~~فشادوا القصور والكنائس والمسارح، وشقوا أقنية الماء، على أن يد الدمار عبثت بأعمالهم فلم ~~يبق منها اليوم إلا آثار ضئيلة منثورة في حوران، ولا تكاد قصائد مداحيهم، كحسان بن ثابت ~~والنابغة الذبياني، تفتح لنا مطلات نتلمح منها حضارتهم، حتى تنغلق في وجهنا تلك المطلات ~~الضيقة، وتعصب عيوننا بالظلام». # فقال مؤرخ المناذرة: «ولقد قطع بنو لخم شوطا بعيدا في الحضارة أيضا متأثرين بالفرس، ~~وهم الذين أدخلوا الكتابة إلى شبه جزيرة العرب، كما أجمع الرواة، وليس من قارئ عربي يجهل ~~اسمي الخورنق والسدير، القصرين اللذين بناهما المناذرة». # فرد مؤرخ الغساسنة: «ومع ذلك فيجب الاعتراف بأن المناذرة لم يبلغوا شأو الغساسنة في ~~منطلق الحضارة». # وهنا انبرى مؤرخ بدا أنه كان يمسك نفسه إمساكا، فقال: «على أن هذا كله لا ينفي أن ~~الغساسنة والمناذرة كانوا في خدمة دولتين أجنبيتين، وكان بعضهم يمزق بعضا من أجل هاتين ~~الدولتين. كان المنذر الثالث اللخمي الملقب بابن ماء السماء، والحارث الثاني، الملك الغساني ~~الأعرج، يصطدمان بتحريك وتحريض من البيزنطيين والفرس، فيوفق أحدهما، المنذر، إلى أسر ولد ~~الحارث، فيذبحه ضحية للإلهة العزى في السنة 544، فيتأهب الحارث الثاني، طوال عشر سنوات، ~~لاصطدام آخر يقع عند قنسرين، ويخرج ابنته الحسناء حليمة لتدهن بالطيب وتكفن بالبياض مائة ~~من الفرسان الغساسنة أقسموا وتعاهدوا على الظفر أو الموت، حتى إذا اضطرمت المعركة، ودارت ~~الدائرة على ms35 المنذر، تطلع الحارث إلى عدوه فذبحه، ثم اتجه إلى الإمبراطور البيزنطي ~~يوستينيانوس، فكافأه بلقب من الألقاب الضخمة ...» # وسكت المؤرخ سكتة، ثم استأنف حديثه: «إن قيمة الغساسنة والمناذرة في التاريخ العربي ليست ~~في دولتيهما بذاتهما، بل بالمعنى العميق الذي اقترنت به هاتان الدولتان، لقد دل الغساسنة ~~والمناذرة على أن العرب شعب كفؤ لاقتباس الحضارة وبنائها، وتنظيم الجيوش وكسب المعارك. لقد ~~دل الغساسنة والمناذرة على الحيوية العربية التي كان يستغلها الفرس والبيزنطيون، ولكنها ~~كانت على كل حال حيوية قوية». ~~«ولا شك في أن الشعوب جميعها، حتى في أدوار النحس والشقاء من تاريخها، لا تعدم، بوجه من ~~الوجوه، مظهرا من مظاهر الحيوية، وهذا قياس ليس بأقل انطباقا على العرب منه على غيرهم، ~~ويكفي أن المناذرة والغساسنة أنفسهم عاشوا صنائع الفرس والبيزنطيين، ولكنهم ما لبثوا أن ~~أحسوا بالدافع الاستقلالي ينبض في ضمائرهم، ويحفزهم إلى فرض وجودهم، فرأى الفرس ~~والبيزنطيون أن يعالجوهم بالهدم». ~~«وهكذا قبض الإمبراطور البيزنطي، طيباريوس الثاني، على المنذر بن الحارث، فحمله إلى جزيرة ~~صقلية، وحاول خلفه النعمان الغساني أن يواصل كفاح البيزنطيين فوقع أسيرا وحمل إلى ~~القسطنطينية، وبذلك أصابت المملكة الغسانية ضربة ضعضعتها، وزاد في ضعضتها أن اجتاح الفرس، ~~أيام كسرى أبرويز، قطري سوريا وفلسطين في طلائع القرن السابع الميلادي، فلما استعاد ~~هرقل الأرض المفقودة رمم مملكة الغساسنة ترميما، بحيث تكفي لخدمة مصالحه وحسب، وأقبل ~~الفتح العربي الإسلامي، فوجد على الغساسنة أميرا قليل الخطر يدعى جبلة بن الأيهم». # وتابع مؤرخنا حديثه فقال: «ولم يكن حظ المناذرة من الفرس بأحسن من حظ الغساسنة من ~~البيزنطيين، فقد تذرعت الدولة الكسروية بحجة ما، لتقضي على النعمان الثالث، أبي قابوس، ~~ابن المنذر الرابع، واستعان الفرس بانشقاق العرب، فنصبوا إياس بن قبيصة الطائي واليا على ~~الحيرة، ومعه حاكم فارسي يأمر وينهى، وتلك كانت الحال يوم فتح خالد بن الوليد العراق في ~~السنة 633». # وانقطع المؤرخ انقطاعة قصيرة، ثم أردف: «ولكن العرب لم يسمحوا بالدولة الفارسية أن ~~تتصرف على هواها بالملك العربي النعمان بن المنذر، فردوا لها الضربة بضربة ms36 وفقوا ~~فيها، فكانت أول نصر جعلهم على ثقة من أنفسهم، وساعد في إعدادهم المعنوي للوثبة الكبرى التي ~~أدهشوا بها الدنيا». # وكأن مؤرخنا فطن إلى شيء فقال مستدركا: «على أنا لن نأخذ في حديث ذي قار قبل أن ~~أذكركم بدولة عربية يظهر أنكم نسيتموها أو أهملتموها إهمالا، فإنها في رأيي لعظيمة ~~المغزى في التاريخ العربي، تلك دولة بني كندة!» # وأحب مؤرخنا أن يتبين موقع كلامه من جماعة الجالسين، فدار بنظرات عجلى يتصفح الوجوه، ثم ~~استأنف حديثه: ~~«إني لأرى علامة الاستفهام ترتسم على الوجوه كيف التفت، فقليلون هم الذين يجعلون مملكة ~~الكنديين في هذا الموضع الذي جعلتها فيه، ولكن تعالوا نشهد الواقع.» ~~«نشأت دولة بني كندة بتأييد من التبابعة، فقد أعد حسان تبع حملة، وزحف نحو الشمال في ~~شبه الجزيرة العربية، وكان التبابعة، بحكم انقطاع الموارد البحرية عنهم، قد ازدادوا اتجاها ~~إلى البر وانتهجوا سياسة توسع لو أتيح لها النجاح لكانت انتهت في الواقع إلى توحيد شبه ~~الجزيرة، وكان في حملة حسان تبع، بنو كندة يرأسهم أمير قوي، لقب بآكل المرار، فلما انقلب ~~حسان تبع إلى اليمن، ترك آكل المرار وبني كندة حكاما يحكمون في الشمال، ولست أزعم أن ~~الكنديين بلغوا مبلغا عظيما من الحضارة، ولكن مصدر دولتهم كان عربيا لا أجنبيا، وكان ~~قيامهم محاولة استنباط للنظام من الفوضى، ومحاولة لم لشتات الديار والقبائل في شبه ~~الجزيرة». # وهنا عاد مؤرخنا فأدار نظراته في الجالسين، وقال: ~~«هذا هو المغزى الذي أراه لدولة الكنديين في التاريخ العربي، وجد واضح أن الكنديين ~~فشلوا لأسباب كثيرة، منها سقوط دولة التبابعة، ومنها عداء الفرس والبيزنطيين والمناذرة ~~والغساسنة لهم، ومنها سوء تدبيرهم وثورات القبائل عليهم كما اتفق الحجر، والد امرئ القيس ~~الشاعر، إذ بعث جباته يجمعون له الإتاوة من بني أسد بالعصا، فانتفضوا عليه وقتلوه، ولكن فشل ~~الكنديين أمر لا ينال من مغزى دولتهم في التاريخ العربي». # وسكت مؤرخنا هذه المرة سكوت الختام، وكأنه توقع أن يسمع كلمة من غيره، إلا أن سائر ~~المؤرخين ظلوا صامتين، فهل كان ms37 صمتهم موافقة؟ إن للصمت معاني كثيرة! وبغتة ارتفع صوت من ~~أحد المؤرخين يقول له: «إنك تملأ إناء الماضي مادة من الحاضر.» # فأجابه: «ذلك خير من أن نملأ إناء الحاضر مادة من الماضي، ومع ذلك ففي الحاضر من الماضي ~~مادة لا تنكر، ولولا الشوق إلى فهم الحاضر والمستقبل لما كان لتفهم الماضي معنى، والنظر ~~إلى وراء هو جزء من النظر إلى أمام!» # وانفض مجلس المؤرخين، ونحن لا نعلم هل وافقوا زميلهم على ما قال، ولكن تعزينا بأن ~~اختلاف المؤرخين حكم من أحكام القضاء والقدر. # | ناقة الفقراء # يعرض أقدم ذكر للثموديين في نقش يرجع إلى عهد الملك الآشوري سرغون الثاني. # حدث سرغون، على أسلوب الملوك الآشوريين في التفاخر، أنه حمل حملة شعواء على ثمود، ~~فأخضعها في السنة السابعة من ملكه، أي في السنة 717 قبل الميلاد. # وألم العالم بليني، بذكر الثموديين في كتابه: التاريخ الطبيعي. # ويرجج العلماء أن اللحيانيين، الذين كانت عاصمتهم ديدن، في الشمال من شبه الجزيرة ~~العربية، كانوا يمتون إلى الثموديين بصلة النسب الوثيق. # وكل هذا لنقول: إن الثموديين قوم من العرب البائدة عرفهم التاريخ. # أكانت مساكنهم على طريق التجارة بين الحجاز والشام، وكانت عاصمتهم الحجر، أو مدائن صالح ~~اليوم. # وسموا ثمودا لقلة الماء في ديارهم، وثمود من الثمد، وهو الماء القليل. # وهذا يكاد يكون كل ما نعرفه عنهم، لولا قصتهم التي وردت في القرآن بقصد المثل والعبرة، ~~وقد توسع الرواة في هذه القصة، فكانت إحدى النفائس العربية الرائعة. # قيل: لما أتت الريح العقيم على عاد عمرت الأرض بعدهم ثمود، وازدهرت، وطالت أعمار بنيها ~~حتى كان الرجل منهم يشيد البيت المتين، فيخرب البيت والرجل حي، فجعلوا ينقبون المنازل ~~في صخور الجبال. # وداخلهم العجب بأنفسهم، وذهب بهم البطر كل مذهب، وعاثوا في الأرض مفسدين، ولعل معنى ~~ذلك أنهم راحوا ينقضون على قوافل التجارة، ويحبسون الماء القليل عن المسافرين، ويعدو ~~أغنياؤهم على فقرائهم. # وفي مثل هذه الحال، يظهر المصلحون وترتفع أصواتهم نقية صافية مجلجلة. # وظهر النبي صالح، وارتفع صوته داعيا إلى الخير، ms38 ناهيا عن المنكر. # فلم يتبعه على مألوف العادة إلا قليل مستضعفون كانوا موضع الزراية، ثم أصبحوا موضع ~~الاضطهاد. # ومشى سيد ثمود، جندع بن عمرو بن جواس، إلى صالح، في نفر من الزعماء والوجهاء، وقال ~~جندع: إنك رجل يدعي أن الله يوحي إليه، وليس هذا بالأمر الهين على التصديق، وإنك لتريد ~~حملنا على غير ما ألفنا، وليس باليسير علينا أن نتبعك، فنتحول عن طريق إلى طريق، فجئنا ~~بآية تشهد أنك نبي الله، وما الله بباخل عليك إن كنت نبيه حقا. # فأجاب صالح: وهل تؤمنون إذا جاءتكم الآية؟ # فقالوا: نؤمن. # وأقبل العيد الذي يعيده الثموديون، فحملوا أصنامهم وخرجوا بها، ولحق بهم صالح، ودعا ~~الثموديون أصنامهم أحر الدعاء، والتفت جندع إلى صالح فقال له: لقد دعونا أصنامنا فادع أنت ~~ربك، وانظر إلى هذه الهضبة الصخرية المنحازة عن الجبل، فاجعلها تلد ناقة. # فراح صالح يبتهل إلى ربه، وإذا بالقوم يشهدون عجبا: فقد تحركت الهضبة، وتمخضت صخرتها ~~فانشقت عن ناقة عظيمة ما لبثت أن ولدت سقبا عظيما. # فقال جندع سيد ثمود: أما أنا فقد آمنت! وآمن جملة من القوم، ولكن ثلاثة يقال لهم: ذؤاب ~~والخباب ورياب، أبو أن يصدقوا صالحا، وكانوا هم أصحاب الأصنام الثمودية ينتفعون بها، فصاح ~~صائحهم: أمن أجل ناقة خرجت من هضبة تنكرون آلهتكم؟ بئس القوم أنتم لا يقر لكم ~~دين! # وانجلى الأمر على فريق آمن بالجديد، وفريق أصر على القديم. # وقال صالح: هذه الناقة لا بد لها من ماء كثير، وأنتم في مكان ماؤه نزر يسير، فاجعلوا ~~البئر يوما لها، ويوما لكم، ثم احلبوا من الناقة ما شئتم، فإن درها لغزير. # وتلاحقت الأيام والناقة ترد البئر التي أصبحت تسمى باسمها، فتشرب ماءها يوما حتى لا ~~تبقي فيها قطرة، وتترك الماء لأهل ثمود في اليوم التالي، وأقام الثموديون يحلبون الناقة ~~فيملئون آنيتهم ويغتذون. # وكأنها كانت ناقة الفقراء خاصة، فما لبث بعض الثموديين، من أصحاب المواشي، أن برموا بها، ~~وقديما ضاق الأغنياء برزق الفقراء. # قال أصحاب المواشي: إن هذه الناقة الهائلة لتفرغ بئرنا ms39 يوما من يومين، ولتنزل الوادي في ~~القيظ فتحتل الظل وتذعر مواشينا إلى مسقط الشمس في رأس الجبل ، ثم إنها لترعى العشب والشجر، ~~فلا تكاد تترك لمواشينا ما تقتات به. # وعقدوا النية على قتلها، ودبت الحماسة، أول ما دبت، في النساء. # فتحركت عنيزة، وهي امرأة ذؤاب أحد أصحاب الأصنام الذين أبوا تصديق صالح، وكان لها ~~ولزوجها غنم كثير، وكانت أم بنات حسان فاتنات، وتحركت صدوق، وهي امرأة غنية عهدت ~~بأنعامها إلى زوجها، فآمن زوجها سرا بصالح، وأنفق في سبيله الأموال، فلما علمت بالأمر ~~أكلها الغيظ، وانفصلت عن زوجها، وأبعدت عنه أولاده، فبجهد ما استطاع المسكين ردهم ~~إليه. # واتصلت صدوق بالخباب، وهو أحد أصحاب الأصنام الذين رفضوا صالحا، وقالت له: إني جميلة كما ~~ترى، فاعقر هذه الناقة الخبيثة أقبلك زوجا، فقال لها: لست بفاعل، فاعذريني، ولكني ظهيرك ~~في هذا الأمر الذي تطلبين. # فاتجهت صدوق إلى ابن عم لها يسمى مصدع بن مهرج، ووعدته بنفسها ومالها إن هو أجابها إلى ~~عقر الناقة، فوافقها. # أما عنيزة فدعت رجلا يقال له قدار بن سالف، فأطمعته ببنت من بناتها، وكان قدار هذا ~~أشقر أزرق، قصير القامة، عظيم الزهو بنفسه، قليل الاحتشام، ذكر الرواة أنه ابن زنى! # وكان صالح قد أحس من قبل بأن مكيدة تدبر للناقة، فأنذر الثموديين بأن هلاك الناقة ~~هلاكهم. # فقالوا له: لن يصيب الناقة شر، فقال: انظروا إلى أولادكم، فسيولد منهم في هذا الشهر ~~شقي يشقيكم، فقالوا: لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا أمتناه. # وولد للثموديين أولاد أماتوهم جميعا، إلا واحدا أبى أبوه أن يمسه. # فكان ذلك قدار بن سالف. # وجعل قدار يكبر في سرعة مخيفة، يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة ~~شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، حتى استوى في بضعة أعوام رجلا ~~أشقر أزرق قصير القامة، أما كيف ظل قصير القامة، مع سرعة نموه، فهنا العجيبة ... # وأقبلت المرأتان، صدوق وعنيزة، كل بالرجل الذي تعتمد عليه، وتمت الصلة والموافقة بين ~~مصدع ms40 بن مهرج وقدار بن سالف. # ويظهر أن امرأتين لم تكونا كافيتين، فأضاف بعض الرواة ثلاث نسوة دعوا إحداهن: ملكة، وكانت ~~أشبه بالملكة في ثمود، أما الأخريان فعشيقتا مصدع وقدار. # وقالت ملكة للمرأتين: إذا سكر مصدع وقدار، فطلباكما لما يطلب الرجل المرأة، فقولا لهما: ~~نحن الليلة كئيبتان لحزن ملكة، ولن تمسانا قبل أن تقتلا الناقة. # فكان ذلك مما زاد في وقدة الغضب لدى مصدع وقدار. # وأفاد أعداء صالح من باب افتتحوه للتشنيع عليه، فقد راحوا ينظرون إلى قدار، ويقولون: إن ~~صالحا هول علينا، في شهر من الشهور، وعظم الخطب حتى دفعنا إلى قتل موالينا، ولو أننا ~~أبقينا عليهم لكانوا اليوم كقدار، ووجد هذا التشنيع على صالح آذانا، وسخط الذين قتلوا ~~أولادهم، وتحمسوا لقتل صالح، ومشوا إليه بنية السوء، فانقلب شرهم عليهم فماتوا، فقويت ~~حملة التشنيع، وقال القائلون: إن صالحا حملهم على قتل أولادهم، ثم لم يكفه ذلك حتى قتلهم، ~~وقام فريق يريدون الفتك بصالح، ولكن شرهم انقلب عليهم أيضا، وانتصر لصالح جماعة فكف ~~عنه المغتالون. # على أن المكيدة التي كانت تدبر للناقة ظلت خيوطها تنصب سرا، وظل حبكها ~~مستمرا. # وفي يوم خرج قدار ومصدع ومن مالأهما، وخرجت عنيزة بإحدى بناتها التي وعدت بها قدار، ~~فوقفت قبالته، وكمن قدار في جذع شجرة على طريق الناقة، وهي صادرة عن البئر، وكمن مصدع في ~~جذع شجرة أخرى. # فما مرت الناقة حتى أصابها مصدع بسهم نافذ، وشد عليها قدار بالسيف فعقرها. # أما فصيلها ففر إلى رأس الجبل معتصما. # وتحدث الناس بالحدث العظيم، واعتذروا لصالح، فقال: إنكم لهالكون إن لم تدركوا ~~فصيلها. # غير أن مصدعا لحق بالفصيل، فنظم قلبه بسهم. # وكان مقتل الناقة وفصيلها يوم الأربعاء (أو يوم جبار) كما كانوا يسمونه. # فقال صالح: ليس لكم إلا أن تنتظروا الهلاك بعد ثلاثة أيام، فغدا، في مؤنس (أي: يوم ~~الخميس) تصفر وجوهكم، ثم تحمر يوم العروبة (أو الجمعة) ثم تسود في شبار (أو السبت)، ~~ثم يدرككم الفناء صبيحة الأحد. # وذهب عنهم صالح، وهم به مستخفون، فلما اصفرت ms41 وجوههم نهار الخميس أرادوا اتباعه ~~وقتله، إلا أنه كان في حمى مكين، واشتغل الثموديون بأنفسهم فتكفنوا وتحنطوا وأقاموا ~~ينتظرون الموت. # فما أقبل الأحد حتى دب فيهم الفناء، ووقعت عليهم صيحة من السماء. # ولم تنج إلا جارية مقعدة استفزها الرعب فخلعت عنها شللها، وانطلقت تحمل النبأ الهائل ~~إلى وادي القرى، وهو حد ما بين الحجاز والشام، ووصفت الواقعة بلسانها المتلجلج، ثم ~~استسقت من حولها شربة ماء، فما شربت حتى أسملت الروح. # وكان في حرم الله، في مكة، رجل ثمودي غني، حماه الحرم، فلما خرج منه صعقه الموت، فدفن، ~~وجعل معه غصن من ذهب! # أما صالح فسار إلى الرملة في فلسطين، ويقال إنه عاد فلحق بمكة. # وسأل سائل من التاريخ: أمن أجل ناقة يصنع الله بقوم هذا الصنع؟ # وأجابه مجيب: كلا! ولكنه رزق الفقراء سم على هاضمه، ولقد دفن مع الثمودي الذي مات بمكة ~~غصن من ذهب، سخرية بالذهب، وتحديا للأولى يودون لو كانت دماء البشر ذهبا لهم! # | الجنة السراب # ظهر قوم عاد في الأحقاف بين عمان وحضرموت، وقد سقط تاريخهم من ذاكرة التاريخ، فهم ~~قدماء، وبهم يضرب المثل في القدم، وكفى. # أما منازلهم فظلت الأحقاف بين عمان وحضرموت، وأوتوا من شدة القوة وبسطة القامة ما لم ~~يؤت بشر قط، فبلغ طول الطويل منهم سبعين، بل ثمانين ذراعا، وقيل: مائة، وبلغ قصر القصير ~~منهم ستين ذراعا. # وكبرت رءوسهم حتى كان رأس واحدهم كالقبة، فوق أسطوانة رقبته، على قاعدة كتفيه. # وعظمت عيونهم حتى كانت تصح أعشاشا لسباع الطير، تبيض فيها وتفرخ. # واتسعت مناخرهم ونفخت فيها رياح الغرور. # وبنوا المباني تثقل صدر الأرض، وتصعد فتسد متنفس الفضاء. # وبطشوا بطش جبارين، كما قال عنهم القرآن، وضلوا بأصنامهم. # فأرسل الله إليهم هودا مذكرا منذرا، وكان ملكهم يومذاك شداد بن عاد. # فقال شداد لهود: ومن أقوى منا فيهلكنا كما تزعم؟ وماذا عند ربك إذا نحن آمنا به؟ # فأجاب هود: أما هلاككم فأنتم مهلكو أنفسكم بالبغي، وأما ربي فعنده لأهل الخير جنة بنيت ~~بالذهب واليواقيت واللؤلؤ، لا تعرف ms42 الحياة فيها غير السعادة. فضحك شداد، وقال: ما أراني ~~عاجزا عن بناء جنة كجنة ربك. # قال الراوي : وكانت الدنيا صغيرة يومذاك، وكان شداد ملكها جميعها، فأنفذ إلى المعادن ~~كلها من استخرج له الذهب، وغصب الحلي والنفائس من أيدي الناس، ونبش الكنوز المدفونة، ثم ~~أرسل ألفا من جبابرة الفرسان، مع كل فارس ألف رجل، فضربوا في الأرض حتى وصلوا إلى جبل عدن ~~فوجدوا بقعة زكية التربة، طيبة الهواء، طلقة المشارف، فخطوا مدينة مربعة كل جانب منها ~~عشرة فراسخ، واحتفروا أساسا عميقا رصوه بحجارة الجزع اليماني حتى ظهر على وجه الأرض، ثم ~~شيدوا سورا رفعوه خمسمائة ذراع وغشوه من خارج بصفائح الفضة المموهة بالذهب، فصار إذا ~~ضربته الشمس اشتد وهجه وبريقه، فلم تتبين العين منه إلا كتلة من ضياء تشع في البعد. # ثم أقيمت على السور ألف منارة للحراسة، وبنيت القصور الشامخة في حيز السور، فبلغت مائة ~~ألف قصر للرؤساء والعظماء، وجعلت الأعمدة من الزبرجد والياقوت، واشتقت المجاري للماء في كل ~~وجه من المدينة، وغرست الأشجار المصوغة من نفائس المعادن، ونصبت عليها الطيور من اللؤلؤ ~~والجوهر تفتح مناقيرها وتغرد بتدبير عجيب، وذرذرت في مجاري الماء حجارة كريمة تزيده ~~تألقا وصفاء. # وأمر شداد بنهب الفرش والآنية من الدنيا لمدينته، فلم يبق ستار ولا بساط ولا إناء قيم ~~إلا نهب من منازل الناس. # واكتملت «إرم ذات العماد» أو الجنة التي بناها شداد بن عاد يباهي بها جنة الله! # وركب شداد ذات يوم في موكب مهيب من الرؤساء والعظماء، وسار يريد النقلة إلى جنته. # فما أوشك أن يبلغها حتى خيل إليه أن صوتا يناديه من الآفاق، فيقول: ليست الجنة بجنة ~~إلا مع السعادة، يا شداد، وليست السعادة بمستحيلة على الناس في الأرض، ولكنها طيبة غريبة من ~~الطيبات، كلما كثر ذائقوها زكت وغزرت مادتها، وقد شئت أن تسعد وحدك أنت ورؤساؤك وعظماؤك، ~~فبنيت لك هذه الجنة ونهبت الدنيا ونكلت بها، ولكنك ستموت ولم تذق السعادة، ستكون مدينتك ~~سرابا يتلألأ من بعيد، ويخفى على الوافد، كالسعادة التي ms43 يطلبها نفر لأنفسهم بشقاء الناس، ~~فينغصها عليهم شقاء غيرهم، إن الكأس التي يجرعها المرتوي تنسكب في صدره مرة للحرقة التي ~~يجدها صدر الظمآن، وأن القيد الذي يغل العبد يغل السيد الذي لا بد له من أن يسهر على ~~سلامة قيد عبده، رويدك يا شداد، جنتك هي الدنيا بأسرها، أو هي لن تكون جنة، وسكانها هم ~~الناس كلهم أو هي لن يكون لها سكان، والسعادة لأهل الأرض جميعا، أو لا سعادة لأحد! # أصغى شداد إلى الصوت مليا وأصغى الموكب، وقال شداد: شد ما يذكرني هذا الكلام بهود، وشاء ~~أن يستخف، ولكن الرهبة زحفت إلى نفسه واتصلت بأصحابه في الموكب، وكأن الآفاق تفجرت ~~برعود وصواعق، فخر شداد ومن معه صرعى هالكين. # ولبثت مدينة إرم ذات العماد خبرا عن جنة أرضية، أراد أن يظفر فيها الرؤساء والعظماء ~~بالسعادة على حساب الناس، فخفيت ولم تظهر إلا كما يظهر السراب، ولن تظهر إلا حين تصبح هي ~~الدنيا كلها، ويدخلها الناس كلهم. # قال الراوي: ولكن عبد الله بن قلابة الأنصاري شردت له إبل في اليمن فخرج ينشدها، فعثر على ~~إرم ذات العماد ودخلها، فوجدها خاوية، فما استطاع أن يمكث فيها إلا ريثما يلتقط بعض لؤلؤها ~~المنثور، وحمل اللؤلؤ فأراه للخليفة: عمر بن الخطاب، أو معاوية. # فهذا الإنسان دخل وحده الجنة الأرضية، ولكنه خشي فراغها وصمتها وكآبتها، فالتقط شيئا ~~منها وغادرها على عجل. # قال الراوي: ووجد اللؤلؤ الذي حمله معه قد اصفر وتغير! # | الريح العقيم # وأقام هود في عاد منذرا مذكرا، ولم يتعظ قوم عاد بمصير شداد وموكبه على أبواب إرم ذات ~~العماد. # فحبس الله المطر عنهم ثلاثة أعوام احمرت فيها السماء كصفيحة من النحاس ~~المحمى. # وغاضت البشاشة من وجوههم، ويبست حلوقهم، فما كانوا يستطيعون الكلام إلا همسا ~~مبحوحا. # وقال منهم قائل: في مكة البيت الحرام، والعرب إذا قحطت ديارهم لجأوا إليه فابتهلوا إلى ~~السماء فجادتهم بالمطر، وكأني بكم تؤثرون الموت عطشا على الاستسقاء بمكة، ألا فهيا نرسل ~~وفدا إلى البيت الحرام قبل أن يدركنا الفناء، وبمكة ms44 العماليق وسيدهم معاوية بن بكر، وما أم ~~معاوية إلا ناهدة بنت الجبيري من قوم عاد، فالرجل ابن أختنا كما ترون ونحن أخواله. # فما وقع كلام من قوم عاد موقعا أحسن من هذا الكلام، فاختاروا وفدا بلغ سبعين رجلا ~~بينهم لقمان بن عاد وغيره من أهل الوجاهة فيهم، وانطلق الوفد حتى أتى مكة وحل ضيفا على ~~معاوية بن بكر، فاستقبلهم معاوية خير استقبال، وأولم لهم الولائم، وأخرج قينتين له يقال ~~لهما الجرادتان، فأمتعتاهم بأطيب الغناء. # ولبث الوفد على طعام وسماع وشراب، وذهلوا عما جاءوا لأجله، وقديما نسي الشعبان الجوعان، ~~والريان العطشان. # فقال معاوية بن بكر: هلك أخوالي من عاد، وهؤلاء النفر الذين أوفدوهم لاهون بشهواتهم، وهم ~~ضيوفي وما أستطيع أن أذكرهم بالواجب خوفا من أن يزعموا أن ضيافتهم ثقلت علي. # فقالت له قينتاه: هيئ لنا شعرا نغنهم به فيذكروا ما نسوا. # فخلا معاوية إلى نفسه فنظم هذا الشعر: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يمنحنا غماما # فنسقي أرض عاد، إن عادا # قد أمسوا لا يبينون الكلاما # ولقنهما القينتين، فلما جلس الوفد على مألوف العادة إلى الشراب والطعام، أقبلت القينتان ~~فغنتا البيتين، فما لفظتا اسم قيل حتى انتفض أحد أعضاء الوفد وكأنه كان في سنة من ~~نوم. # واندفع قيل هذا، وهو رئيس الوفد، فقال: بئس ما فعلناه! نسينا قومنا وبلاءهم، فلنخرج إلى ~~البيت الحرام منذ الساعة، ولنستسق الغمام، فلعل السماء تتكرم علينا. # فأجابه عضو من الوفد: ما أرانا بالغين خيرا إن لم نؤمن بنبينا هود. # فصيح به من كل جانب: إنك آمنت بالرجل سرا، ودسست نفسك بيننا، فنهض فاعتزلهم. # ونهضوا إلى البيت الحرام، وتخلف الرجل الذي آمن بهود، وتخلف لقمان بن عاد، ثم تبعا ~~الوفد. # وجعل الذي آمن بهود يدعو دعاء خاصا، وجعل الوفد يدعو بلسان قيل دعاء يختلف عن ~~الدعاءين. # وكأن السماء وقعت في حيرة، فهل السماء أيضا يبلبلها اختلاف الكلمة؟ # ونشأت في الفضاء ثلاث سحب على عدد الأدعية: واحدة بيضاء، وواحدة حمراء، وواحدة ~~سوداء. # فصاح قيل: لقد اخترنا ms45 السوداء، إنها حبلى بالماء! فغره المظهر. # وسارت السحابة السوداء حتى أتت قوم عاد، فطلعت عليهم من واد يسمونه المغيث، كان اسمه ~~من قبل يطابق مسماه. # فتباشروا بالخير. # وإذا بعاصفة تهب، لها زئير الضواري، وقوة تقتلع المنازل والأشجار، وتدفع في الفضاء بكل ~~إنسان وحيوان، وكأن أنفاسها من جهنم، فلا تمس خضرة أو حياة إلا أتت عليها. # فعلم قوم عاد أنها دنياهم قاربت النهاية، وأقبلوا على الموت كما يقبل الناس غير مختارين ~~ولا طائعين، ودفنتهم ودفنت آثارهم طبقات الرمال التي ذرتها العاصفة، وانطوى عليهم صدر من ~~الأرض شديد الكتمان. # أما الوفد الذين كانوا بمكة، فلما جاءهم النبأ بفناء عاد، علم قيل أنه خير فأساء ~~الاختيار، فقال: أموت كما ماتت عاد، وكأن روحه كانت بين شفتيه فنفخها فطارت ووقع ~~ميتا. # واختار الذي آمن بهود أن يؤتى البر والصدق، فقذفا في قلبه، ففحص عن مكان هود فلحق ~~به. # واختار لقمان العمر الطويل، وقال: مات قومنا بالريح العقيم، فلأعيشن ما استطعت الحياة، ~~وخيرته السماء بين عمر يطول ما بقيت سبع بعرات لا يمسها القطر، وبين عمر يمتد ما امتدت ~~آجال سبعة أنسر، فاحتقر البعرات، وطلب عمر الأنسر السبعة. # فكان يأخذ الفرخ الذكر، إذا خرج من بيضته، فيربيه، فإذا مات أخذ غيره حتى بلغ النسر ~~السابع وهو لبد. # وأدرك لقمان أن هذا نسره الأخير، وعرف أن كل يوم ينفرط من مدة هذا النسر إنما ينفرط من ~~مدته، وأحس أن أنفاس هذا الطائر إنما هي أنفاسه تتلاحق، فاشتد حرصه عليه، وكثيرا ما ~~ناجاه قائلا: ويحك إنك آخر عمري، فلا تطر بعيدا فوق الجبل فتعرض نفسك للأذى، ليتني كنت ~~اخترت البعرات السبع، إذن لآويتهن من وقع الشمس والمطر وفعل الريح، فحفظتهن الدهر، ألا ~~إنني كنت أحمق يوم علقت عمري على أجنحة النسور، ولكن تبا للبعرات! من يقبل أن يعيش دهره ~~كالبعرة في كن من شمس الدنيا ومطرها وريحها؟ # وطوى لبد ما طوى من الدهر، وفي يوم أفاق لقمان فوجد نفسه وهنا، ونظر إلى الجبل حيث كان ~~يقع لبد ms46 إذا طار، فلم يره جاثما، فمشى إلى رأس الجبل خائر العزم فأبصر نسره ملقى، فزجره: ~~انهض لبد ، فطار طيرة وهو يضطرب. # فقال لقمان: أتى أبد على لبد، أسفنا على عاد إن أفنتها الريح العقيم في يوم، ألا إن الأبد ~~لريح عقيم، ولكنها بطيئة. # وغزا نفسه هذا اليأس الذي لا معنى له، هذا اليأس الذي يغزو الناس إذا قاربوا الموت فيأبون ~~أن يموتوا قبل أن يقولوا رأيهم في الدنيا كلها، في آخر لحظة. # وسمع لقمان وقع جسد خبط الأرض قريبا منه، فهوى هو الآخر، وحاذى فمه منقار لبد، ومست يده ~~مخلبه. # ولكن كان بين الفم الإنساني والمنقار فرق، وكان بين اليد البشرية والمخلب خلاف. # كان المنقار منطبقا راضيا بالانطباق، وكان المخلب منحلا قانعا بالانحلال، أما الفم ~~الإنساني، فكان برغم الموت لا يزال يقول: لي كلمة أخرى جوهرية، لماذا لا تتركونني أنطقها؟ ~~وأما اليد البشرية، فكانت برغم الموت تدعي أن لها عملا ضروريا لما يكتمل! # | نداء العرض # مرة أخرى نواجه قبيلة من العرب البائدة أبادها ظلم رؤسائها وعسفهم. # تلك هي طسم، ولا ندري هل اشتق الرواة اسمها من الفعل طسم بمعنى اندثر، أم أنهم ~~اشتقوا الفعل طسم من اسمها، فأصبح شعراؤنا يقولون الربع الطاسم، أي المندثر؟ # كانت منازل طسم في أرض اليمامة، وكان عليهم ملك يقال له عمليق، رجل تناهى في السفاهة ~~والسيرة الغاشمة. # وكانت من طسم قبيلة أخرى من العرب البائدة، تدعى جديس، وكانت جديس تذوق مر العذاب ~~على يد عمليق. # قال الرواة: نشب الخلاف بين امرأة جديسية وزوجها، فطلقها وأبى إلا أن يأخذ منها ~~ولدها، فحاكمته إلى عمليق، وقالت للملك: هذا ولدي حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، فما له يريد أن ينزعه مني؟ # فقال زوجها: أيها الملك، لقد أعطيتها المهر كاملا، ولم أصب منها طائلا، إلا وليدا ~~خاملا، فلا رضيت إلا بنزعه منها. # فقال عمليق: سأريحكما من هذا الخصام وأجعل الولد في جملة غلماني، فانطلقا. # فمضى الرجل، وانصرفت المرأة كسيرة القلب، ولم تستطع أن تثأر لنفسها إلا بأبيات من ms47 شعر ~~تقول فيها: # أتينا أخا طسم ليحكم بيننا # فأنفذ حكما في هزيلة ظالما # لعمري لقد حكمت لا متورعا # ولا كنت فيما يبرم الحكم عالما! # و«هزيلة» اسمها. فلما سمع عمليق بالشعر غلى صدره غضبا وصاح: ما أعندكن يا نساء ~~جديس، والله لا زفت منكن عذراء إلا لقيتها قبل بعلها. # وأقام وأقامت جديس على ذلك دهرا، حتى زوجت صبية جديسية كانت عنيدة حقا، فلم يجد ~~الرواة أليق منها باسم الشموس، أي الجامحة النفور، وغاظها أن يزينها النساء أحسن زينة، ~~ثم يسيروا بها في موكب إلى منزل عمليق وهن يتغنين: # أبدي بعمليق وقومي فاركبي # وبادري الصبح لأمر معجب # فسوف تلقين الذي لم تطلبي # وما لبكر عنده من مهرب! # أجل، غاظها أنهن كن يتغنين، وفي أنغامهن العذوبة والغبطة، ولم تجد أقبح من تلك ~~الأصوات الجميلة والغبطة الذليلة، وأثار جنونها أن يبيت معها هذا المفترس عمليق، وأن يرضى ~~قومها بهذا الذل، فقطعت هزيعا من الليل بعد هزيع وهي تغالب عمليقا وتحاول أن تدفع عنها ~~بهيميته، فما استطاعت، ولكنها عزمت، إذا بزغ الصبح، أن تصنع شيئا لم تصنعه جديسية قبلها، ~~فلقد كانت الجديسيات، إذا نحر عمليق عفافهن على مذبح بهيميته، ينطلقن إلى أزواجهن ~~مطأطئات الرءوس مسربلات بالخزي والعار، وكان أزواجهن يتلقونهن مستسلمين إلى واقع الأمر، ~~كأنه ناموس الدنيا من يوم خلقت إلى يوم تضمحل، أما هي فلن توطن نفسها على مثل هذا ~~الخضوع والاستسلام. # وجعلت إذا نظرت إلى وجه عمليق تتحرق؛ لأن يدها فارغة من خنجر تغمده في صدره، ويح ~~السلاح! إنه همجية في الإنسان، ومع ذلك فالإنسان يحس في حين أنه مسلوب الإنسانية إذا كان ~~بلا سلاح! # وأخيرا انبثقت في الآفاق الأنوار الأولى، فخلى عمليق سبيل فريسته، وكان ينتظر منها أن ~~تقف لحظة لتسأله بعض العطاء، وكان يقدر أنها ستلتمس كساء تلتف به بعد أن تمزقت ثيابها ~~في العراك بينها وبينه، غير أنها صعقته بنظرة حاقدة من نار، وغادرت المكان بتلك الثياب ~~الممزقة الملطخة تولول في الطريق: # لا أحد أذل من جديس # أهكذا يفعل بالعروس؟ ms48 # وكأن سخطها وحقدها انفجرا من أعماق ضميرها الجريح، وصعدا إلى شفتيها شعرا، فطفقت تنشد ~~وتلسع قومها بنشيدها لسع السياط: # أيجمل ما يؤتى فتياتكم # وأنتم رجال فيكم عدد الرمل؟ # وتصبح تمشي في الدماء عفيرة # عشية زفت في الرجال إلى بعل # ولو أننا كنا رجالا وكنتم # نساء لكنا لا نقر بذا الفعل! # فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم # ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل # وإلا فخلوا بطنها وتحملوا # إلى بلد قفر وموتوا من الهزل # فللبين خير من مقام على الأذى # وللموت خير من مقام على الذل # وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه # فكونوا نساء لا تعاب من الكحل # ودونكم طيب العروس فإنما # خلقتم لأثواب العروس وللنسل # فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا # ويختال يمشي بيننا مشية الفحل! # فهاج أهل جديس، ومشى بعضهم إلى بعض، لقد سمعوا صوت العرض ينادي! # وقال أخو الشموس: يا قوم، ليست طسم بأعز منا، ووالله ما سامنا عمليق هذا الخسف لولا ~~تفرقنا وتنابذنا وقبولنا ما لا يقبل. # فأجابه مجيب: إن طسما معهم كثرة العدد ووفرة السلاح، فلا طاقة لنا بهم. # فقال أخو الشموس: إن لم يكن أخذنا لهم وجاها، أخذناهم بالحيلة، ولو فوضتم إلي هذا ~~الأمر لرأيتم ما يثلجكم. # فأجمعوا على تفويض الأمر إليه، فقال: لأقيمن وليمة أدعو إليها عمليقا وأشراف قومه، ~~وإنكم لتعلمون غرورهم، فما أحسبهم يأتوننا إلا مطيبين مجلببين بفاخر الحلل، أما نحن ~~فسنحمل معنا سيوفنا مخفاة محجوبة، فإذا دار السكر ثرنا عليهم فقتلناهم، وخرجنا على باقي ~~طسم فأبدناهم. # وعلى ذلك قر الرأي. # فلما كان يوم الوليمة، أقبل عمليق وأشراف طسم تفوح منهم روائح الطيب وتزهر حللهم في ~~ألوانها، واجتمع أهل جديس وقد أعدوا العدة. # وبسط الطعام وملئت الكئوس، وشرب عمليق وطسم شرب المغرور الواثق، وسايرهم رجال ~~جديس. # ثم كانت كلمة جافية من طسمي إلى جديسي أو من جديسي إلى طسمي، وأبواب الخصام كثيرة ~~حين يعزم المرء على فتحها وولوجها، فوقع ما كان مهيئا وقوعه، وفتكت جديس بطسم فتكة ~~المستضعف المظلوم الذي أحس من نفسه اقتدارا وآنس فرصة. # فلم ms49 ينج من الطسميين إلا قليلون، هاموا على أوجههم، حتى بلغوا اليمن وفيها الحميريون ~~التبابعة. # ولكن جديسا ما لبثت، هي الأخرى، أن انحدرت إلى سوء المصير، ذلك أنها بلغت النصر فنامت ~~عليه، والنصر قمة تشرف على هوة، فإذا غفل الصاعد بعد تسنمها كان حريا بأن ينقلب ~~عنها إلى الهوة. # لجأ الطسميون إلى اليمن فسعوا فيها إلى لقاء ملكها حسان تبع، فاستغاثوه واستنفروه ~~وأطمعوه. # وكان التبابعة، بعد أن تيسرت الملاحة في البحر الأحمر وجف عنهم مورد الرزق البحري، ~~ينتهجون سياسة تتجه بهم نحو البر وتلزمهم العناية بكل ما يقع في داخل شبه الجزيرة ~~العربية. # فجرد حسان تبع حملة تأديبية على جديس وقصد منازلهم. # ومن غريب أمر هذه القبيلة جديس أن كفاءاتها جعلت كلها في نسائها. # قال الرواة: وكان بين نساء جديس امرأة يقال لها الزرقاء - زرقاء اليمامة - تستطيع أن ترى ~~الراكب على مسافة ليال ثلاث. # وقد سمع حسان تبع بخبرها من الطسميين الذين لجأوا إليه، فأمر جنده بأن يرفعوا في زحفهم ~~أغصانا خضراء. # وظلوا في مسيرهم حتى أصبحوا على مسافة ثلاث ليال من منازل جديس، فأرسلت الزرقاء بصرها في ~~البعد، فإذا بها ترى شجرا زاحفا، فأنذرت قومها: «إني لأشهد غابة تقبل عليكم، وإني لأشتم ~~رائحة الشر!»، فسخروا منها وقالوا: لقد خرفت الزرقاء. # فما انقضت الليالي الثلاث حتى باغتهم حسان تبع بجنده، فأوقع بهم وسفك دماءهم. # ودخلت جديس، كأختها طسم، في جملة العرب البائدة. # | الثأر # أكان قد ولد قيس بن الخطيم، لما قتل جده عدي؟ أم أنه انتظر مصرع جده حتى أطل على ~~الوجود؟ تلك مشكلة، ولكن ليت المشاكل كلها في بساطتها! # على أننا موقنون أن قيسا لم ينتظر مقتل أبيه الخطيم حتى ولد، إلا أنه كان طفلا لما ~~فتكت يد من الأيدي بوالده، فلم يبق له إلا أمه الأرملة تتعهده، وتنفق عليه من مزرعة نخيل ~~خلفها زوجها في مدينة يثرب. # وقد أحسنت الأم الأرملة تعهده، فكان ينمو يوما بعد يوم ويزداد قوة ونشاطا، ومع القوة ~~والنشاط فهما وذكاء، وقعدت في ذات ساعة ms50 تفكر فيه وفي سرعة نموه، وخطر لها أن ابنها لا بد ~~صائر إلى الشباب، فمستخبر عن أبيه وجده، فإذا عرف أن كليهما مات قتلا، بحث عن القاتلين ~~وطلب منهما الثأر فحمل بذلك نفسه على أشد الأخطار، وربما لحق به الهلاك، فأذاقها مرارة ~~الثكل كما ذاقت، من قبل، مرارة الإرمال، وأحست أن عليها، لساعتها، أن تبتدع حيلة تستر بها ~~حقيقة الأمر عن ابنها الناشئ. # وهكذا نهضت إلى كومة من تراب عند باب المنزل، فأكثرت من الأحجار عليها بحيث لا يشك رائيها ~~أنها قبر، ثم شرعت منذ ذلك الحين تقول لابنها: هذا قبر جدك وأبيك! فلا يتداخله ريب في صدق ~~ما تقول. # واستمر قيس في نموه الناشط مع الأيام، حتى بلغ دور الشباب فقويت بنيته واشتد ساعده، ~~وأصبح يخالط غيره من شباب القبائل وينافسهم في مآتي الشجاعة والقوة، وكثيرا ما كانت تؤدي ~~هذه المنافسة إلى شيء من النزاع الجدي، فاتفق له مرة أن نازع فتى وأظهر عليه التيه ~~والكبرياء بشدة ساعديه، فقال له الفتى: خير لك لو جعلت شدة ساعديك على من قتل أباك وجدك، ~~فصعد الدم في وجه قيس، وقال له: وهل أبي وجدي ماتا قتلا؟ ومن الذي قتلهما؟ فرد عليه ~~الفتى أن اسأل أمك! # فعاد قيس حثيث الخطى إلى أمه، ومذ وضع رجله داخل الدار، رأت في ملامح وجهه تغيرا أنبأها ~~بمحذور، فأثبتت فيه بصرها وجعلت تنتظر ما يبدر منه. # فقال: أماه! أخبريني كيف مات أبي وجدي، فقالت: يا بني! ماتا كما يموت الناس، وهذا قبرهما ~~عند باب المنزل، ولكنها لم تستطع إخفاء ما فاض على وجهها من أمارات الدهشة والارتباك، ورأى ~~قيس دهشتها وارتباكها وعرف أنها تستر عنه حقيقة، فأخذ سيفه وركز مقبضه في الأرض، وجعل ~~رأسه إلى صدره وانحنى عليه، وقال: لماذا، يا أماه، لا تخبرينني بالواقع؟ والله لئن لم ~~تخبريني، لأحملن صدري على رأس هذا السيف حتى يطل من ظهري، وكان في بريق عينيه ونبرة صوته ~~ما دلها أنه لن يحجم عن إنفاذ ما يقول، وخشيت سوء ms51 العاقبة إن هي لم تعجل له بكشف السر، ~~فقالت: صحيح يا بني أن جدك وأباك ماتا قتلا، وقاتل جدك رجل اسمه مالك، وقاتل أبيك رجل أجهل ~~اسمه، ولكنه من بني عبد القيس يسكن هجر من قرى البحرين، وأزيدك أن مالكا قاتل جدك من قوم ~~خداش بن زهير، وأبوك قد أحسن في حياته إلى خداش، ولا بد أن يكون خداش ذاكرا له إحسانه، فإن ~~كنت عازما على طلب الثأر، فانطلق إليه واسأله المعونة، فإنه يعينك، ولا تخاطر وحدك بنفسك، ~~فقال لها: وهل تشكين في أني عازم على طلب الثأر، ولكني عامل بنصيحتك فذاهب إلى خداش بن ~~زهير منذ اليوم! # ثم خرج قيس إلى مزرعة نخيله ونادى بقومه، فاجتمع إليه عدد كثير، فقال: من منكم يأخذ ~~مزرعتي هذه فيأكل غلتها ويقوم على نفقة أمي في غيبتي، لأني ماض لشأن من شئوني، فإن رجعت ~~سالما فملكي عائد إلي، وإن هلكت بقيت المزرعة لمتسلمها يعول منها أمي حتى تموت، فأجابه ~~إلى ذلك رجل منهم، فاطمأن باله على أمه ومزرعته، وامتطى بعيرا له وانطلق في الفلاة. # ولم يطل به السير حتى اهتدى إلى مكان خداش بن زهير واسترشد إلى منزله فقصده، فقيل له أن ~~ليس فيه إلا امرأته، وأن خداشا يعود بعد حين، فعمد إلى شجرة يقعد تحتها ضيوف خداش، واستلقى ~~في ظلها يستريح من عناء السفر، ثم إنه نادى امرأة خداش وسألها شيئا من طعام، فأطلت من ~~خبائها ورمقته بعينها وقالت: يعز علينا أن ليس لدينا طعام يليق إلا بعض التمر، فأجابها: ~~ما أبالي، فهاتي ما لديك، فبعثت إليه بصحفة من التمر، فأخذ واحدة وفلقها فلقتين فأكل فلقة ~~وأعاد الأخرى إلى الصحفة وردها إليها، وقام يبدد الوقت بركوب بعيره، فلما رأت منه ذلك ~~اشتد تعجبها، ولم تمس الصحفة حتى يرجع زوجها. # ورجع خداش بعد لحظة، فأرته الصحفة وفلقة التمر، وأخبرته بما كان من عجيب أمر الضيف، فقال ~~لها: ما أظنه إلا رجلا طالب شأن عظيم، وقد تحرم أكل طعام الغرباء حتى يدرك شأنه، وجلس ms52 ~~معها يلتقمان ما في الصحفة. # وإذا بقيس يطلع على بعد مرمى العين من المنزل راكبا بعيره ، فلمحه خداش وقال لامرأته: ~~لعل هذا هو ضيفك، فمدت بصرها وقالت: أي والله! فشرع خداش يتأمله كلما دنا من منزله، ورأى ~~قدمه مدلاة من ظهر البعير فقال لها: كأني بهذه القدم قدم الخطيم، صديقي اليثربي القديم، ولم ~~يلبث قيس أن وصل إليهما وقرع بسنان رمحه مستأذنا، ودخل فعرف نفسه إلى خداش وأخبره بما ~~قدم من أجله، فبش له ورحب به، وذكر إحسان والده إليه، وأظهر رغبة في مساعفته، ثم قال ~~له: إن مالكا قاتل جدك رجل من قومي، وإنه منا لقريب، فلنبدأ به منذ غد، وسأعينك عليه ما ~~دمت تستوفي منه حقا من حقوقك. # ونهضا باكرا في غرة اليوم الثاني، وخرجا إلى قصدهما، وفي الطريق قال خداش لقيس: يا هذا! ~~إني حين نلتقي الرجل سأجلس إليه فأشغله بالحديث، فتهيأ أنت لعملك، حتى إذا ضربت بيدي على ~~فخذه، فاضرب أنت بسيفك على عنقه! فقال قيس: أفلا يكون ذلك غدرا؟ فأجابه خداش: إن العدو هو ~~العدو، فخذه كيف قدرت. # وظلا على سيرهما حتى التقيا الرجل، فجلس إليه خداش وخاض معه في فنون شتى من الحديث، ~~وبقي قيس واقفا وقد جعل إحدى عينيه على مقبض سيفه، وجعل الأخرى على يد خداش ينتظر منه ~~الإشارة، وبغتة رفع خداش يده في حدة الحديث، فأهوى بها على فخذ جليسه، فرفع قيس سيفه ~~وأهوى به على عنق الرجل، وإذا برأس يتدحرج على الأرض! # وكان على مقربة منهم ناس رأوا المشهد المنكر، فاجتمعوا على قيس يريدون البطش به، فهب ~~خداش واعترضهم قائلا: دعوه، فوالله ما قتل إلا قاتل جده، ولقد استوفى حقا من حقوقه، ~~فخلوا عنه. # وعاد قيس وخداش يفكران بالسفر إلى البحرين، حيث يثأران من العدو الآخر، فلم يلبثا إلا ~~قليلا حتى أكملا عدتهما وسافرا، فلما انتهيا إلى قرية هجر، وفيها مسكن العدو، قال خداش ~~لقيس: انطلق فتشمم خبره، فإذا عرفته فاقصده وازعم له أنك عابر سبيل، وأن لصوصا من قومه ms53 ~~نهبوا لك متاعا، وأنك قصدته دون غيره ليرده لك، فإذا تبعك وحده نلت منه مأربك، وإذا دعا ~~بأصحابه معه فأظهر الضحك والسخرية، فلا بد من أن يسألك عن السبب، فقل له: إن رئيس القوم ~~عندنا لا يخرج إلى اللصوص بأصحابه، حتى ولا بسلاحه، بل بسوطه، فيرد اللصوص ما كانوا قد ~~نهبوه خشية له وتهيبا، فما أرى الرجل عندئذ إلا آمرا أصحابه بالرجوع، فإن لم يفعل فقدهم ~~جميعا إلى هذا المكان فنبتدع لنا حيلة للظفر بهم. # فانطلق قيس، ولم يزل حتى اهتدى إلى منزل عدوه، فبدأه بما لقنه خداش، فأثارت الحمية ~~الرجل، وبادر إلى دعوة أصحابه، فلم يشعر إلا بقيس يقهقه ملء شدقيه، فلما سأله عن السبب زاده ~~شيئا مما لقنه خداش أيضا، فشرق وجه الرجل بدم الغضب وأمر أصحابه بالمكوث، وخرج معه وحده، ~~فقاده قيس إلى موضع خداش، وهناك حقت الواقعة: طعن قيس عدوه بحربة في خاصرة فأنفذها من ~~خاصرة! فلفظ روحه وسقط يتصبب جرحه فينقع الرمل ... # وأرادا أن يقفلا راجعين، ولكنهما خافا أن يفتقد قوم القتيل صاحبهم ويطلبوه فيدركوهما في ~~الطريق، ورأيا الأفضل أن يختبئا حيث هما، حتى إذا جاء القوم لم يطرأ على بالهم أنهما قتلاه ~~وأقاما في الموضع نفسه، فراحوا يطلبونهما في موضع آخر. # وهكذا مالا إلى دارات رمل فاندسا فيها إلى حين، ثم قفلا إلى حيث صدرا وقيس ينشده ~~شعره: # فأبت بنفس قد أصابت شفاءها. # وهنا قال راوية من هذا العصر: طالما عيب على العرب الثأر، والثأر حق يستوفى من الجناة، ~~ولقد ابتدع الناس الحكومة لتثأر من الجاني لضحيته، ولم يكن للعرب في جاهليتهم حكومة تثأر ~~لهم كما أصبح للناس فيما بعد، ولكن ... ولكن الحكومة كثيرا ما تجاوزت حدها فثأرت لنفسها، أو ~~لفئة، من الناس أجمعين، ويقتل العربي البدوي عدوه بخنجر ثأرا لحق مهضوم، فيسمى ذلك وحشية ~~وفوضى، وتقتل حكومة شعبا بأسلحتها لأنه أبى حمل النير، فيجد هذا العمل من يسميه تمدينا ~~وتنظيما، ما أشبه الكلمات بالدمغات التي تلصق بالصرر لتهريبها في الجمارك عبر الحدود! وكم ms54 ~~متجر بالأفيون، إذا نظرت إلى الدمغة على صناديقه، قرأت الكلمة: دواء! وحسبت الرجل ~~طبيبا أو صيدليا ! # | إذا صدق الإيمان! # النعمان بن المنذر، ملك الحيرة وعامل الدولة الساسانية على عرب العراق وتخومه، كان له ~~نديمان: خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود بن كندة، اصطفاهما لساعات أنسه ولهوه، واشتد تعلقه ~~بهما، فكان لا يطيق فراقهما في ليل أو نهار. # ولكنه شرب يوما وطرب حتى أخذ منه السكر كل مأخذ، وخيل له أن نديميه أساءا في حضرته ~~الأدب، فأمر من فوره بقتلهما، فضرب السياف عنقهما. # ثم صحا النعمان في اليوم التالي، فطلب نديميه فقيل له: أوليس قد أمرت بقتلهما؟ إليك ~~الجثتين! # فحزن حزنا شديدا وأمر بدفنهما ورفع بناءين جميلين فوق قبريهما سماهما الغريين، وقال: ~~إن يوما شربت فيه وطربت لهو يوم نعيم، ولأجعلن كل يوم موافق له من كل عام يوم نعيم، فلا ~~يفد علي فيه وافد إلا أكرمته وأجزلت عطاءه، ولكن يوما عرفت فيه بقتل نديمي لهو يوم ~~بؤس، ولأجعلن كل يوم موافق له من كل عام يوم بؤس، فلا يأتيني أحد إلا قتلته وطليت بدمه ~~الغريين. # فكانت تلك سنة النعمان أعواما طوالا، له في كل عام يومان متعاقبان: يوم نعيم يسر ~~به نفسه ويسر الوافدين عليه، ويوم بؤس يغتم فيه ويغضب فلا يزوره أحد إلا قتله. # واتفق يوما أن خرج بحاشيته في نزهة صيد إلى البادية، فعرض له حمار من حمر الوحش، فطارده ~~حتى بعد عن أصحابه وانفرد عنهم، وفاجأته السماء بمطر صبيب، فلجأ إلى خيمة رجل من طي يقال ~~له: حنظلة بن أبي عفراء. # فتلقاه الطائي بأحسن ترحاب وإن لم يعرفه أو يسأله عن اسمه، وتلك عادة العرب في ~~الضيافة. # وقال الطائي لامرأته: قدمي هذه الشاة لأحتلبها ثم أذبحها، ولم تكن له شاة غيرها، ~~فأطاعته، ثم انصرفت إلى دقيق عندها تصنع منه خبزا. # ووجد النعمان طعام الطائي طيبا فأكل منه حتى امتلأ، ولبث ينتظر أن يدركه أصحابه، ولكنهم ~~لم يهتدوا إلى موضعه، وأقبل المساء فبات النعمان ليلته تلك في خيمة ms55 الطائي، ونام نوما ~~مريحا، حتى إذا طلع الصباح قال له: يا أخا طي، ما أحسبك عرفتني ، أنا النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وإني شاكر لك حسن ~~ضيافتك، فائتني في الخورنق أو السدير، # 1 # وسيكون لك عندي ما يرضيك. # فأجاب الطائي: سأفعل أيها الملك، إن شاء الله. # ونسي النعمان أن يحذره من أن يأتيه في يوم بؤسه، وكان أصحابه قد وصلوا إليه فركب ~~وانصرف. # ومكث حنظلة زمانا حتى أصابته نكبة وساءت حاله وجاعت عياله، فقالت له امرأته: لو أتيت النعمان في الحيرة وذكرته بنفسك لعرفك وأنعم عليك، أوليس قد دعاك إلى ~~زيارته ليجزيك على حسن ضيافتك له؟ # فاستصوب حنظلة رأي امرأته وقام من ساعته يطلب الحيرة، فبلغها بعد مشقة. # واستأذن على الملك والناس يعجبون من هذا الأعرابي الغريب يسعى بنفسه إلى هلك محقق، ~~فاليوم كان يوم بؤس النعمان! # فلما مثل بين يديه صفق النعمان كفا بكف وصاح: ما جاء بك اليوم يا أخا طي؟ هلا أتيت في غير هذا النهار الأسود؟ هو يوم بؤسي الذي ~~عرفت فيه بقتل نديمي الحبيبين، وأقسم لو سنح لي في هذه اللحظة ولدي قابوس لقتلته وطليت ~~بدمه الغريين! فأنا قاتلك لا محالة، ولكن سلني حاجتك من الدنيا أقضها لك، فهتف ~~حنظلة: أبيت اللعن أيها الملك، # 2 # لم يكن لي علم بما أنت فيه، أما حاجتي من الدنيا فماذا أصنع بها بعد ~~نفسي؟ # قال النعمان: قضي الأمر، أنت مقتول، ولا سبيل إلى غير ذلك. # قال حنظلة: إذن أجلني، أيها الملك، عاما أعود فيه إلى أهلي أودعهم وأفي ديوني، وأرجع ~~إليك. # قال النعمان: أقم كفيلا! # قال حنظلة: ومن لي بالكفيل، أيها الملك، في مثل هذه الحال؟! # غير أنه ما أتم كلامه حتى وثب فتى في مجلس الملك يدعى قراد بن أجدع الكلبي، فقال ~~للنعمان: أبيت اللعن، علي ضمانه. # قال الملك: يا قراد، لا بد من قتلك إن لم يرجع الطائي. # قال قراد: رضيت أيها الملك. # فاحتجز النعمان قرادا، ووهب لحنظلة خمسمائة ناقة، فأخذها ومضى إلى أهله. # فلما حال ms56 الحول # 3 # ولم يبق من الأجل إلا يوم واحد، قال النعمان لقراد: ما أراك إلا هالكا يا فتى ... فالطائي لو أراد رجوعا لرجع. # قال قراد: رويدك أيها الملك ... # فإن يك صدر هذا اليوم ولى # فإن غدا لناظره قريب! # فذهب قوله مثلا. # ثم لما كان الغد أمر النعمان بقتل قراد، وكان يشتهي أن يقتله ليسلم الطائي، ولكن وزراءه ~~قالوا له: ليس لك أن تنفذ فيه القتل حتى يستوفي يومه. # ومر النهار ثقيلا موحشا، وقراد قائم في إزار على النطع، # 4 # وسياف النعمان إلى جانبه ينتظر الشمس أن تغيب. # واصفرت أشعة الشمس صفرة يخالطها احمرار، وبدا كأن قرادا لم يبق له إلا لحظات ~~يعيشها. # ويئس الجميع من عودة الطائي وقالوا: لن يرجع وقد فر من الموت! وقال بعضهم: هذا جزاء ~~المروءة! وقال آخرون: ما كان ينبغي لقراد أن يكفل أعرابيا لا يعرفه في أمر تتوقف عليه ~~الحياة. # ولكن قبل أن تغيب الشمس لاح فجأة للناظرين شخص من بعيد، يغذ السير كأنما تحمله ~~الجن. # وأراد النعمان أن يصدر أمره الحاسم بقتل قراد، غير أن الحاضرين استمهلوه حتى يتبينوا من ~~يكون هذا الراكب المجد إليهم. # وإذا هو حقا حنظلة بن أبي عفراء الطائي! # فاتسعت عينا النعمان من الدهشة وصاح به: ويحك! ما الذي دعاك إلى الموت بعد ما أفلت منه؟ # فقال له حنظلة: الوفاء أيها الملك. # قال: ولكن ما الذي دعاك إلى الوفاء؟ يا له من مركب صعب ركبته! # قال حنظلة: ديني أيها الملك، إن لي دينا يقضي علي بأن لا أجازي شرا بشر، فكيف ~~أجازي مروءة بخيانة وغدر؟ # قال النعمان: ذلك دين عجيب، فما هو؟ ~~- مسيحيتي، أيها الملك! # فأطرق النعمان لحظة، ثم قال: إن قرادا رجل تناهى في المروءة، وحنظلة رجل تناهى في ~~الوفاء، وأنا ماذا أكون؟ أأرضى لنفسي أن أكون مثال اللؤم! لا لعمري، أطلقوا قرادا، أطلقوا ~~حنظلة، اهدموا الغريين، ولن يكون لي بعد اليوم يوم بؤس، ثم التفت إلى حنظلة وقال ~~له: أما دينك هذا فإنه جدير بأن يتبع، وأنا بعد ms57 اليوم على دينك فعلمني إياه. # | دفاع عن جساس # يروي الرواة أن كليب بن ربيعة التغلبي قاد حلفا من عرب الشمال هزم به ملوك اليمن وعمالهم ~~في معركة خزازى، ويجعلون ذلك في القرن الخامس الميلادي، ويؤكدون أن السبب في هذه الحرب هو ~~ظلم ملوك اليمن وعمالهم لعرب الشمال. # وسواء أصح الخبر أم لم يصح، فالذي يعنينا أن ثورة الإنسان على ظلم غيره له فطرة فيه، ~~أما ثورته على نفسه حين يظلم غيره فتلك مسألة أخرى! # ذلك بأن الرواة الذين حدثونا عن بطولة كليب في مقارعة ملوك اليمن وعمالهم، عادوا ~~يحدثوننا أن كليبا أوقع الرهبة في قلوب العرب بعد انتصاره، واستطال عليهم، وأراد الانفراد ~~بالرئاسة. # ثائر خلع ظالما ليحل في محله: قصة ليست بالغريبة. # قالوا: وكان كليب شجاعا شديد المراس، وطمع في المراعي فاختار أجودها، وجعلها حمى له لا ~~يجوز لأحد أن يدخله، وسيج حماه هذا بأعجب سياج، اتخذ كلبا صغيرا ينبح، فلا يجسر أحد أن ~~يخترق الحد الذي يبلغه نباح الكلب. # وزادوا فقالوا: إن كليبا إنما سمي باسم كلبه الصغير هنا، وضرب المثل بحماه، فقيل: ~~أمنع من حمى كليب. # وذكروا أنه طاف يوما بهذا الحمى، فرأى فيه قبرة على بيض لها، فطارت مذعورة، فتنحى ~~حتى عادت إلى بيضها وأنشأ يخاطبها: # لا تحذري شرا ولا تستنكري، # خلا لك الجو فبيضي واصفري، # ونقري ما شئت أن تنقري. # لقد أعطاها الأمان! # ولكن السيد المهيب الذي رفق هذا الرفق بأحد الطير، كان يضيق صدرا بأن ترعى ناقة عشبة في ~~حماه، أو يبل حيوان أو إنسان ظمأه برشفة من ماء بئره. # فحدث في يوم أن رجلا من جرم، يقال له سعد بن خمر، نزل ببني مرة، وأقام عند عجوز منهم ~~تلقب بالبسوس. # وكانت لسعد هذا ناقة سماها سرابا، فخرجت ترعى حتى دخلت حمى كليب فأكلت عشبا وشربت ~~ماء ووطئت عش القبرة. # فغضب كليب، ولقي جساسا أخا امرأته، وأحد فتيان بني مرة، فصاح به: ما خبر هذه الناقة؟ اسمع إنها لضيف عند خالتك البسوس، فأقسم بأنصاب # 1 ms58 # وائل، # 2 # لئن رأيتها بعد اليوم تطأ الحمى، وضعت سهمي في ضرعها، ما بالكم تجرأتم علي يا ~~بني مرة! # رد جساس: ما أرى الأمور بالغة بك هذا المبلغ، تقتل ناقة لضيف خالتي، وعندك أختى ~~الجليلة، فأنت صهرنا وقريبنا وحميمنا. # أجابه كليب: لن تشفع لكم الجليلة، إني قاتل هذه الناقة إن رأيتها تدخل حماي بعد اليوم، ~~فافهم عني ما أقول. # وافترقا على غيظ وجفوة. # وهاج كليب حين رأى الناقة تعود فتطأ حماه، وسدد سهمه إلى ضرعها، فانطلقت يشخب ضرعها ~~دما ولبنا حتى بركت في فناء البسوس ولها عجيج وخوار شديد. # فخرجت إليها البسوس كاشفة الرأس تولول وتنشد أبياتا سمتها العرب بالموثبات؛ لأنها ~~وثبت قوما على قوم، وكان أوجع الأبيات وأشدها إيقادا لعاطفة الثأر قول البسوس ~~لضيفها: # فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل # فإنك في قوم عن الجار أموات! # فصاح جساس لما سمعها: رويدك يا خالة، تعلمي أننا لسنا عن الجار بأموات. # وأقام بعد ذلك يتربص بكليب ويترقب خروجه إلى الحمى، حتى بلغه يوما أن كليبا ركب إلى ~~حماه، فجد في أثره، فأدركه وقد دخل الحمى، فدق سنانه في صلبه، وسقط كليب يفحص الأرض ~~برجله ونادى: أغثني يا جساس بشربة ماء! # فأجابه: مت بظمئك! ما عقلت استسقاءك الماء قبل الساعة. # وثار الشر في بني وائل، ومشى التغلبيون يقودهم المهلهل أخو كليب إلى بني مرة، ثم إلى ~~بكر جميعا، وتساقى الفريقان الموت بالسيوف والرماح طوال نحو من أربعين سنة. # فكانت العرب إذا أرادت أن تبالغ في نعت شيء بالشؤم: أشأم من البسوس وأشأم من ~~جساس! # وقصت العرب أخبار هذه الحرب في قصة شعبية مشهورة، ظهر فيها جساس مظهر النذل والمثير ~~للفتنة، وظهر فيها كليب مظهر الضحية للغدر، والبطل الذي قتل بناقة. # ولكن راوية في القرن العشرين رد إلى هذه القصة معناها، فقال: وهل أوجد جساسا غير كليب؟ لولا غلو الظالمين لم يكن غلو الثائرين! # | «اللص الشريف» منذ أربعة عشر قرنا # الحكاية قديمة جدا وطويلة، فلا نستطيع هنا أن نرويها على تفاصيلها كلها خشية ms59 أن تشغلنا ~~عن الحكاية الأخرى التي قصدنا روايتها. # ولكننا نستطيع أن نتصور إنسانا ظهر مرة في التاريخ، واستقوى وأشار إلى أشياء، قال : هذه ~~لي، مددت إليها يدي فحزتها، فمن مد إليها يده كسرتها! فأصبح ذلك سابقة درج عليها ~~الناس من بعد، وبات فريق يشير إلى أشياء فيقول: هذه لي! وفريق أكبر لا يستطيع أن يشير إلى ~~مثل تلك الأشياء فيقول: هذه لي! # ووقعت المشكلة العويصة، واعتصم كل فريق بمنطق من الكلام يحاول أن يقنع به الفريق الآخر، ~~ولكنه احتفظ في النهاية بنوع آخر من المنطق هو أشد إقناعا. # وانبرى كثيرون من السعاة بالخير لتسوية المشكلة. # أما في شبه الجزيرة العربية، أيام الجاهلية، فقد برز من هؤلاء السعاة بالخير حاتم الطائي ~~فقال: لا يسوي المشكلة كالكرم، وكان حاتم رجلا موسرا، وكان سخيا بذالا، فإذا ~~وقع القحط أو اشتد البرد ويبست موارد الرزق من زرع وضرع، اجتهد في أن يعين الفقراء بما ~~وسعته قدرته الواسعة. # على أن حاتما، وحده، لم يكن ليستطيع قومة بعبء المعوزين، ولم يكن ليجاريه أحد في بذله ~~وسخائه، فكانت الغاية أن حاتما لم يطق، رغم طاقته، أن ينفع إلا نفرا قليلا من ذوي ~~الحاجات، وكثيرا ما ساءت الحال بينه وبين امرأته، ومات لما مات، والفقراء فقراء والأغنياء ~~أغنياء. # وأراد رجل آخر، في زمن الجاهلية أيضا، أن يحل المشكلة العويصة. ذلك هو عروة بن الورد ~~العبسي. # لقد كره عروة طريقة حاتم في التسوية، وأبى على الصعاليك الذين لا يملكون شيئا أن يعيشوا ~~بكرم الأغنياء، إن كان الأغنياء كرماء. # وبات إذا وقع القحط، وقسا البرد، يقول للصعاليك: تعالوا نجعل رزقنا في أسنة رماحنا. ~~ففريق وافق، وفريق خالف، وقال الذين خالفوا: نطوف بأبواب الأغنياء حتى تنكشف الغمة وتنجلي ~~الأزمة. # فأنشد عروة شعره الذي يقول فيه: # لحا الله صعلوكا إذا جن ليله # مصافي المشاش آلفا كل مجزر # ينام عشاء، ثم يصبح ناعسا # يحت الحصى عن جنبه المتعفر # ولكن صعلوكا صفيحة وجهه # كضوء شهاب القابس المتنور # مطلا على أعدائه يزجرونه # بساحتهم زجر المنيح ms60 المشهر # إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه # تشوف أهل الغائب المنتظر # فذلك إن يلق المنية يلقها # حميدا وإن يستغن يوما فأجدر # ولقد وضع رسام مكسيكي عصري لوحة، فجعل فيها جماهير يواجهون، بعيون تعبة مكدودة وثياب ~~بالية، نفرا يقبضون على عصي مقمعة بالفضة، وسلاسل الذهب تلمع على صدورهم، والجماهير ~~فئتان: فئة تمد أيديها ضارعة مستعطية، وفئة تهز قبضاتها ساخطة مهددة. # وعروة، في شعره، كذلك الرسام في لوحته، قسم الصعاليك إلى طائفتين: فطائفة ترتاد المنازل ~~التي تذبح فيها الذبائح فتكتفي بنهش ما يلقى لها من عظام، وطائفة ذات بأس وإباء تنقض ~~فتغتصب رزقها اغتصابا. # وعاش عروة رئيسا للطائفة الثانية من الصعاليك، عاش زعيم عصابة يضرب بها في الآفاق غازيا، ~~فيتناول أموال الموسرين ويقسمها بين أتباعه، حتى سمي عروة الصعاليك، وأبا ~~الصعاليك. # قال الراوي: وما أخلقنا هنا أن نرجع إلى صاحب الأغاني، فنتكئ على حديثه. روى أبو الفرج أن ~~عروة كان في قوم إذا أجدبوا تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، فكان عروة يجمع أشباه ~~هؤلاء من دون الناس من عشيرته، في الشدة، فيعنى بهم ويقيم لهم نفقا تحت الأرض يأوون ~~إليه، أو يضرب عليهم حظيرة من شجر تقيهم قرص الريح والبرد، فمن قوي منهم، كأن يكون ~~مريضا فيبرأ أو ضعيفا فتثوب قوته، خرج به فأغار وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا، حتى ~~إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة، ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا ~~غنموها، فاتفق أن ضاقت بعروة الحال في بعض السنين فأنشد: # لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي # وشدي حيازيم المطية بالرحل # سيدفعني يوما إلى رب هجمة # يدافع عنها بالعقوق وبالبخل # فزعموا أن الله قيض له، وهو مع قوم من صعاليك عشيرته، في شتاء شديد، ناقتين دهماوين، ~~فنحر لهم إحداهما، وحمل متاعهم على الأخرى، وجعل يتنقل بهم من مكان إلى آخر، فنزل بهم بموضع ~~يقال له ماوان، ثم إن الله قيض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فر بها من حقوق قومه، ~~وذلك أول ما ألبن ms61 الناس، فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل ~~أصحاب الحظيرة ممن خلفهم وراءه، فحلب النياق لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم ~~أقبل يقسمها بينهم، وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزى، لا نرضى حتى تجعل ~~المرأة نصيبا، فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم ~~يذكر أنهم صنيعته، وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان صنع، فأفكر طويلا، ثم أجابهم إلى أن يرد ~~عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه حتى تطوع رجل ~~منهم، فجعل له راحلة كانت من نصيبه. # قال الراوي: فما كان أعظم عروة يطيق هذه الإطاقة من معشر أحسن إليهم هذا الإحسان، ولم ~~يقابلهم بغير شعر نظمه فيهم، فزعم أنهم - أولا وآخرا - ناس كالناس حين يمرعون ~~ويتمولون. # وذهب راويتنا مذهبا في التأمل، فأردف قائلا: وقبل أن يفكر كتاب الروايات، في عصرنا ~~هذا، بذلك الخلق العجيب الذي دعوه «اللص الشريف»، سبقهم عروة بن الورد بأجيال وعصور، ولكن ~~عروة مات كحاتم، والفقراء فقراء والأغنياء أغنياء، فلم يحل المشكلة. # ثم أضاف الراوي بعد سكتة: إن المشكلة لم يكن لها حل يومذاك. # وزاد مبتسما: لو لم يكن وضح حل المشكلة اليوم، لآثرت أن أكون من عصابة كعصابة ~~عروة! # | الفداء من الوأد # كان اسمه أبو حمزة من غير أن يكون له حمزة، وكان يشتهي أن يكون أبا حمزة حقا، فتلد له ~~امرأته طفلا ذكرا ينمو بين يديه، فيملأ خيمته مرحا وابتساما، حتى إذا شب صار له عونا ~~على هذه الأم العجيبة، أم الناس جميعا، الحياة التي تمنح الناس عطاياها وتحرمهم، وتسعفهم، ~~وتخذلهم في آن. # ولكن امرأته أبت إلا أن تخيب رجاءه، وكأنها كانت تسير على خطة مدبرة من عناد، فكلما ~~امتلأ رحمها، توقع بعد التسعة الأشهر أن يلقى بوجهه وجه حمزة، غير أن امرأته دفعت إليه ~~بأنثى يمزق صراخها حجاب سمعه. # وما يصنع بالبنات في هذه الصحراء التي قست فيها الحياة على بنيها قسوة شاذة؟ ms62 وكيف له أن ~~يطعمهن والسن تمشي به؟ وماذا يغنيهن عنه إذا طلب الغزو أو دهمه الغزو؟ وأي عار يلحق به ~~إذا سقطن في أيدي الأعداء؟ # وعزم أبو حمزة أن يطلق امرأته أو يجفوها، فيتخذ له امرأة لا يكون حشوها البنات، وربما ~~حدثته نفسه بأن يئد هذه البنية الجديدة التي يملأ صياحها المنكر جوانب خيمته. # وليس كالمرأة في الدنيا مخلوق عجيب، يتشمم ما يدور في خبايا الضمير، ضمير الزوج على ~~الأخص. # ولم تمض دقائق حتى سمع أبو حمزة صوتا يرتفع في داخل الخيمة، يجتهد أن يغرق في قراره ~~الكآبة التي تأبى إلا أن تطفو وتفيض على كل نغمة من نغماته. # كان ذلك صوت امرأته، وهي تنشد بنيتها: # ما لأبي حمزة لا يأتينا؟ # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان أن لا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا! # وإنما نأخذ ما أعطينا # ننبت ما قد زرعوه فينا! # فتعلقت بنفسه كآبة الصوت، ولبث مطرقا ساهما يغمره الصمت، لقد مس الشعر وحرك اللحن ~~الإنسان النائم في أعماق هذا البدوي، ولكن كيف تتم يقظة الإنسان في الإنسان وهو ~~فقير؟ # قال الراوي: لا ندري هل كان أبو حمزة، هذا، البدوي الذي اتفقت له الحادثة مع صعصعة جد ~~الفرزدق الشاعر؟ ولكن أي بأس في أن يكون هو إياه؟ # وكأن أبا حمزة لم يقدم على طلاق امرأته ولم يستطع صبرا على جفائها، فقال: لأعيدنها ~~تجربة أخرى، فإن ولدت غلاما فذاك، وإن ولدت بنتا وأدتها والله، قبل أن أسمع منها أول ~~صيحة. # وانطوى عام وامتلأ رحم المرأة الخصبة، وتلاحقت الأشهر التسعة، وصاحبنا معلق النفس بين ~~الخيبة والرجاء يعد امرأته الوعود الطيبة إن هي دفعت إليه بصبي، ويقسم لها أنها لن ترى ~~ابنتها ساعة في الخيمة إذا ولدت أنثى. # وأقبلت الليلة التي أقبل معها المخاض، إلا أن المرأة لم تستطع أن تدفع وليدها، وأقبلت ~~ليلة ثانية والولادة لا تزال على عسر، وكانت ليلة ثالثة، والنساء يقلن لأبي حمزة: أبشر! ~~فما تعسرت ولادة على امرأة إلا جاءت بصبي، ولكن ادع ربك ms63 أن يهون الأمر وتسلم لك أم ~~حمزة. # وبات صاحبنا ساهرا، يسمع صياح امرأته ولغط النساء في داخل خيمته، ويطعم النار فيحييها ~~كلما همت بموت، وبغتة طلعت عليه ناقتان بركتا في الساحة، فقال: ليلة خير والله، ونهض ~~إليهما، فإذا هما تعالجان الوضع، فنتجهما وتلقى فصيلين سمينين، وعاد ينتظر على ناره. # وكان في تلك الليلة أن خرج الشيخ صعصعة، جد الفرزدق الشاعر، يطلب ناقتين له أخذهما المخاض ~~فجنتا من وجع، وانطلقتا في مدى الصحراء، فما زال به السير حتى أطل من بعد على نار تبوخ ~~وتضيء، فحث بعيره إلى جهتها، فأقبل على صاحبنا أبي حمزة قاعدا، يعكس وجهه ظل اللهيب ~~المتلاعب، وسمع لغط النساء داخل الخيمة وصوت امرأة تتوجع. # فحياه صعصعة وقال له: حملتني إليك نارك الموقدة وقد خرجت طالبا لي ناقتين على أهبة ~~الوضع. # فرد أبو حمزة: ناقتاك عندنا، وقد وضعتا فصيلين، فمن تكون؟ # فعرفه صعصعة بنفسه، فوثب البدوي ورحب به لعظم مكانته. # وقال صعصعة: إني لأسمع صراخ امرأة ولغط نساء، وقد أقسمت أن أعينك إن كنت في حاجة. # فأجاب أبو حمزة: إنها امرأتي تلد، وهذه ثالثة الليالي التي تعالج فيها الوضع. # وهنا ارتفع صوت امرأة تقول: خرج الوليد! خرج الوليد! فصاح أبو حمزة: إن كانت بنتا فلا ~~سمعت صوتها، ولأحفرن لها حفرة منذ الساعة أواريها فيها. # فتلا كلامه صمت ثقيل، فأدرك أبو حمزة أنها بنت، وتقلص وجهه من الغيظ. # فقال صعصعة: أوتدفن ابنتك حية؟ # فجاءه جواب أبي حمزة: وما أصنع بالبنات، وعندي منهن سرب، وأنا فقير والسن قد قطعت بي ~~شوط الشباب كما ترى؟ ولئن كنت أنت حفيا بهذه الوليدة فاشترها مني. # فقال صعصعة: إن شئت اشتريتها بإحدى ناقتي، فهز أبو حمزة رأسه سلبا، وقال: موتها خير ~~من بيعها بناقة، فرد صعصعة: إذن، فخذ الناقتين. # وبدأت تنقشع الغمامة عن وجه أبي حمزة، فقال: وتعطيني البعير الذي تحتك، إني أراه حسنا، ~~شاب السن. # فوافقه صعصعة، وقال: أعطيكه، شرط أن تأذن لي أن أعود عليه إلى منزلي، فإذا وصلت فخذه مني، ~~ولي ms64 عليك ميثاق لا تحلة منه أن تحسن إلى هذه البنية حتى تبين عنك بموت أو زواج. # قال الراوية: إن الرواة لم يذكروا لنا أن أبا حمزة بكى لما سمع كلام صعصعة، على أنه حقا ~~شهق بالبكاء، وكان شهيقه من عزة مجروحة، وعرفان بالجميل، وأبوة سرت بعد حزن. # وانقلب صعصعة إلى منزله راضيا عن نفسه كما يرضى صانع المكرمة. # وفكر صعصعة في كثرة غناه، وكان موسعا عليه في دنياه، فقال: ليس هذا البدوي بالوحيد ~~الذي يئد بناته من فقر وضنك، فلا علمت ببنت يريد أبوها وأدها إلا اشتريتها، ثم ساءته كلمة ~~اشتريتها، فقال: افتديتها. # وازداد رضى عن نفسه لما تذكر أن هذه مكرمة لم يسبقه إليها أحد من العرب، وقد يقال إن ~~شعوره بالزهو ربما أفسد عليه تلك المكرمة التي كان ينبغي لها أن تكون خالصة، على أن الشعور ~~بالزهو حق طبيعي لمن استحقه. # وجاء، بعد زمان، حفيد صعصعة - وهو الفرزدق الشاعر - فملأ الدنيا فخرا بما صنع جده، ~~ولكنه كان واحدا من أبناء العرب الآخرين الذين كفاهم أن يفخروا بفتوح الجدود، غير عابئين ~~بما قال شاعرهم: # نبني كما كانت أوائلنا # تبني، ونفعل مثلما فعلوا! # | عنترة: إنسانية العروبة # يأبى علينا راويتنا إلا أن نسمع حديثه عن عنترة، وقد نقول له ونعيد القول: إننا نعرف ~~عنترة خير المعرفة، تليت علينا قصته في الجبل ونحن صغار ناعمو الأظفار، تليت علينا من كتاب ~~في حلقة تحت إحدى شجرات السنديان التي تتوسط قرانا، وتليت علينا من أفواه جداتنا حول ~~مواقد الشتاء، ثم سمعناها في مقاهي المدن، إننا نعرف عنترة وليد سبية حبشية، حملت به من ~~أبيه شداد العبسي، فجاء عبدا فاحم البشرة، متقد العينين، غليظ الشفتين، فأنكره أبوه ~~إنكارا، فلما كبر ألحقه بالماشية يرعاها، فوقعت غارة على الماشية وانتشب القتال بين ~~العبسيين والمغيرين، وكادت الدائرة تدور على العبسيين، وعنترة واقف ناحية، فصاح به أبوه: ~~كر يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلاب والصر! # فصاح أبوه: كر وأنت حر! # فخاض المعركة لما سمع ms65 بالحرية، فرجح به جانب العبسيين، وردوا عنهم الغارة، واستنقذوا ~~الماشية، وأصبح عنترة فارسا مشهودا له. # وكانت له ابنة عم تدعى عبلة أحبها وأحبته، ولكن عمه مالكا كره سواده، فلم يزوجه بها، ~~فعاش عنترة يخوض المعارك ويكلل رأسه بغار البطولة في الحرب التي ثار ثائرها بين عبس وذبيان، ~~وكان، خلال حياته الحافلة بالمواقع، ينشد الشعر الذي يفيض رجولة وألما وحنينا، فظل تطفو ~~منه بقايا على شفاه الرواة وأنقاض العصور، كما تطفو بقايا السفن على العباب. # قد نقول لراويتنا هذا القول ونعيده، ولكنه يأبى علينا إلا أن نسمع حديثه، فإن لعنترة قصة ~~غنية بالمعاني، وإن كنا نعرف القصة فلربما فاتتنا المعاني. # سأل راويتنا: هل خطر في بالكم لماذا أحب الشعب العربي، ويحب، عنترة هذا الحب الرائع ~~الثابت على الدهر؟ # ولم ينتظر جوابا فأردف قائلا: ذلك أن بين عنترة والشعب صلات عميقة لم يعبر عنها ~~ولكن وجودها حقيقة لا شك فيها، فعنترة منبوذ والشعب طالما أحس بأنه منبوذ أيضا، ولقد ~~جاهد عنترة جهادا مرا، واستطاع أن يفرض نفسه فرضا بفروسيته وشعره، فكان انتصاره - ~~انتصار هذا المنبوذ - عزاء للشعب بل أملا بأن المنبوذ الآخر يستطيع هو الانتصار ~~أيضا. # وأضاف راويتنا: ثم إن حب العرب لعنترة إعلان عن صفة - كدت أقول طبيعة! - من صفات العروبة ~~لا يصح نسيانها أو إهمالها، فعنترة أسود ابن سبية سوداء، وطالما عيره المعيرون بسواد ~~لونه، ومع ذلك فالشعب العربي قد رفعه في التصور إلى مستوى مجيد في الرجولة، واعترف له ~~بالبطولة، وجعله مثلا من المثل العالية في الفضيلة، وحفظ شعره وتغنى به، وكأن الشعب ~~العربي أراد أن يتحدى مذهب العرقية والمؤمنين بهذا الضلال. # وكان راويتنا عارفا بمنكرات العصر الحديث، فقال: اشتهى فردريك نيتشه أن يرسم مثلا ينهد ~~إليه الناس، فصور «الوحش الأشقر»، وظهر كثيرون يعلنون أنهم تجسيد من لحم ودم لهذا الوحش ~~الأشقر، ولكن الإنسانية - لو سئلت - ما زالت تؤثر عليه الفارس الأسود عنترة. # وأي بأس في أن نتخطى الجاهلية قليلا، فنلقى الأمير العربي الحبيب الذي طفحت عنه السير ~~بأنباء ms66 الفروسية والجود، ذلك هو معن بن زائدة! وأن له لحكاية بديعة يتحفنا بها ويكشف لنا ~~جهة من النفس العربية، قال: كنت منقطعا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة في عهد بني أمية، فانقلب الحكم إلى العباسيين، ~~وكان عهد أبي العباس، ثم عهد أبي جعفر، ~~ونشبت خصومة عقبتها الحرب بين ابن هبيرة والمنصور، فانحزت بنفسي إلى ابن هبيرة، وغلبنا ~~المنصور، فغصت بين سمع الأرض وبصرها خوفا على دمي، وأقمت في الشمس حتى دبغ وجهي، وخففت ~~لحيتي، ولبست جبة من صوف، وامتطيت بعيرا أريد التغلغل في البادية، وخلتني آمنا على نفسي ~~من عيون الحرس. # غير أني لم أشعر إلا بعبد، متقلد سيفا، دنا فأخذ بخطام الجمل حتى أناخه وقبض علي، ~~فقلت له: ما شأنك يا هذا؟ فأجابني: أنت والله بغية أمير المؤمنين! فتفرست فيه وقلت له: ~~دعني يا هذا فمثلي لا يخطر لأمير المؤمنين ببال، فتبسم عن أسنان ناصعة، وقال لي: أنت معن ~~بن زائدة، إن تجاهلت نفسك، فما أنا بالذي يجهلك. فمددت يدي إلى عقد كان معي وهمست في ~~أذنه: هذا جوهر تساوي قيمته أضعاف ما يبذل لك أمير المؤمنين إذا دفعت بي إليه، فخذه ولا ~~تكن سببا في تضييع دمي. فتناوله وتأمله طويلا، فحسبته قد رشي به، إلا أنه نظر إلي ~~فقال: إنك لعلى حق في تقدير قيمة هذا العقد، غير أني سأسألك عن شيء، فإن صدقتني خليت عنك. ~~فأجبته: سل ما بدا لك. فقال: شاعت عنك كثرة الجود يا رجل، فهل وهبت مالك كله؟ فأجبته: لا! ~~فسألني: أنصفه وهبت؟ فأجبته: لا! فأتبع السؤال: أثلثه؟ فكنت أجيبه: لا، لا، وهو يسألني حتى ~~بلغ العشر. فقلت له: أما هذا المقدار فنعم! # فأطرق قليلا، ثم قال: لم تصنع شيئا. إني والله جندي من المشاة، وليس رزقي من الخليفة ~~بأكثر من عشرين درهما، وهذا العقد بألف دينار على ما أقدر، فاستبقه، ودمك عليك محقون، ~~فإني وهبتك لنفسك ولحسن سمعتك في الناس، ولتعلم أن الدنيا لا تخلو ممن هو أجود منك. ورمى ~~إلي بالعقد، ms67 وانطلق يعدو وأنا أهتف به: لهذا أهون علي من قطع الوريدين! # ثم صفا علي المنصور، فطلبت ذلك الزنجي فما عثرت له على أثر، فكأن أرضا بلعته. # قال راويتنا: فإن كل هذا العبد حقيقة، فإنها والله لسجية كريمة أن يتحدث عنه معن بمثل هذا ~~الإكبار، وقد كان يستطيع أن يطوي الحكاية، وإن كان العبد فرضا افترضه معن، فإنها والله ~~لسجية أكرم أن يخص أمير زنجيا من دون الناس بمثل هذه الشهامة، حقا إنها لإنسانية ~~عميقة في الفارس العربي جعلته منذ مئات السنين يضفي مثل هذه الإنسانية على زنجي، بينما يقوم ~~اليوم أقوام يدعون لأنفسهم أوج التمدن وينكرون الإنسانية، لا على السود وحسب، بل على ~~غيرهم من البيض أيضا. # وما رد على هؤلاء بأحسن من قول القائل: من ينكر الإنسانية على سواه من الناس، ينكر ~~الإنسانية على نفسه، علم أو لم يعلم. # | المرأة إذا شاءت # في تلك السنة من القرن السادس الميلادي، أوشك أن لا يكون للناس حديث إلا هذه الحرب، ~~المندلع أوارها منذ أعوام، بين بني عبس وبني ذبيان، على أثر السباق المشئوم، فلقد طال ~~التناحر بين القبيلتين حتى كادت زهرة فتيانهما يحصدها السيف فلا تبقى أم عبسية أو ~~ذبيانية إلا ذاقت مرارة الثكل ولوعته. # ولكن الحارث بن عوف، سيد بني مرة، صرف الحديث عن الحرب إلى أمر آخر استأثر بهمه كل ~~استئثار، فهو يريد أن يتزوج، وهو معتز بماله وجاهه، فيقول لجليسه خارجة بن سنان ~~المري: يا خارجة! أتراني أخطب إلى أحد في العرب ابنته، فيردني؟ # وشد ما كانت دهشته حين أتاه الجواب: نعم، إن أوس بن حارثة بن لام الطائي يردك إذا خطبت إليه إحدى بناته. # فوثب الحارث على فوره، وصاح بغلامه: يا غلام! ارحل بنا إلى أوس بن حارثة الطائي! لا تبطئ لحظة عين. # وركب الحارث، وركب غلامه، وركب سنان بن خارجة، واندفعوا لا يلوون على شيء حتى بلغوا ديار ~~أوس. # فقال أوس حين رأى الحارث: مرحبا بك. # رد الحارث: وبك أيضا، لقد جئتك خاطبا يا أوس، ولن ms68 أنزل حتى تؤنسني بقبول. # أجاب أوس: يا صاحبي: لست والله هناك. # 1 # فارتبك الحارث وانصرف مغموما مقفل الشفتين. # أما أوس فدخل على امرأته ، فتبينت في وجهه غضبا، فسألته: من الرجل الذي وقف عليك، فلم يطل بينكما الكلام؟ # قال لها: يا أخت عبس، # 2 # ذلك الحارث بن عوف المري. # ردت: الحارث بن عوف سيد العرب؟! ما بالك لم تعزم عليه؟ # 3 # أجابها: إن الرجل استحمق! # قالت: وكيف؟ # قال: إنه أتاني خاطبا. # فصاحت به: أوتريد أن تزوج بناتك، أم أنت تريد أن تبقيهن عوانس؟ فإن لم تزوج سيدا ~~كالحارث بن عوف، فمن تزوج إذن؟ أسرع فاستدرك ما كان منك. # رد أوس بعد إطراق: أراك، يا أخت عبس، قد غلوت في الطلب، فكيف أتدارك ما كان مني وقد جبهت ~~الرجل؟ # أجابت: تلحقه الساعة، فتقول له أنك فجأتني بأمر لم يتقدم فيه كلام، فلم يكن عندي من الجواب ~~إلا ما سمعت، وسترى أنه يثني عنان جواده فيتبعك. # فخرج أوس، وركب في أثر الحارث. # وسمع خارجة بن سنان خبب جواد وراءهما، فتلفت فرأى أوسا يسعى نحوهما. # فأقبل على الحارث فقال له: أرى الرجل يسعى في أثرنا! # فرد الحارث: وما شأننا به؟ امض! # فلما رأى أوس أن الحارث ما زال يحث السير، صاح به: يا ابن عوف! اربع علي ساعة. # فوقف الحارث حتى دنا منه أوس وقال له: إنك فجأتني يا رجل، فلا تغضب، وإن لك عندي ما تحب. # فكأن سحابة انقشعت عن وجه الحارث، فأشرقت أساريره، وقال لأوس: إن كان ذلك، فأنا عائد معك الساعة. # ودعا أوس الحارث بن عوف وغلامه وخارجة بن سنان إلى خيمة أعدها للضيوف، ثم دخل على ~~زوجته فقال لها: لقد أصبت، يا أخت عبس، ها هو الرجل ينتظر في خيمة الضيوف، ادعي لي كبرى ~~بناتنا. # فدعتها، فلما صارت بين يدي أبيها قال لها: يا بنية! هذا الحارث بن عوف، من سادات العرب، جاءني خاطبا، وقد أردت أن أزوجك ~~إياه، فما تقولين؟ # فأطرقت لحظة، ثم قالت: لا تفعل يا أبي. # قال، ms69 واتسعت عيناه بالدهشة: ولم؟ # قالت: لأن في وجهي ردة، # 4 # وفي خلقي بعض العهدة، # 5 # ولست بابنة عمه فيرعى ما بيننا من رحم، # 6 # وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني. # ففكر أوس، ثم قال: قومي يا بنية، بارك الله عليك، وادعي لي أختك الوسطى. # فغابت الفتاة وحضرت أختها، فقال لها أبوها: يا بنية! رأيت أن أزوجك الحارث بن عوف من سادات العرب، فإنه أتاني خاطبا، فما ~~رأيك؟ # أجابته: أعفني يا أبي، فأنت تعلم أني خرقاء، وليست بيدي صناعة، ولا آمن أن يجد في ما يكره، ~~فيطلقني، وما هو ابن عمي فيرعى لي حقا، ولا هو جارك في بلدك فيداريك. # قال أبوها: قومي، بارك الله عليك، وادعي لي بهيسة، أختك الصغرى. # فما لبثت الصغرى أن أقبلت عليه، فخاطبها بما خاطب به أختيها من قبلها. # فأجابته: امض، يا أبي، في ما عزمت عليه. # فعجب أوس وقال: ولكني عرضت الأمر على أختيك، فخافتا أن يرى الرجل منهما ما يكره فيطلقهما. # فردت: وعلام أخاف؟ وأنا الجميلة وجها، الصناع # 7 # يدا، الرفيعة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه! # فضحك أوس، ثم خرج إلى خيمة الضيوف، فقال للحارث: إني زوجتك بهيسة، بنتي الصغرى، فهي التي قبلتك من أخياتها جميعا. # فأجاب الحارث: وإني قبلت! وهذا حارثة بن سنان وغلامي يشهدان علي، ولن أبرح حتى أحمل معي ~~عروسي. # فعاد أوس إلى امرأته، فأمرها أن تهيئ بنتها وتصلح من شأنها. # ثم أمر ببيت فضرب للحارث وأنزله فيه، ثم بعث إليه عروسه. # فلم يلبث الحارث عندها هنيهة حتى خرج معجلا. # فسأله خارجة بن سنان: أبنيت بأهلك يا حارث؟ # 8 # فأجابه: لا والله، فإني ما دنوت منها حتى قالت: حياءك يا رجل! أعند أبي وإخوتي؟ هذا ~~والله لا يكون ... فأخجلتني. # فقال له خارجة: إذن، ترحل بها. # وودعت الفتاة قومها، وانطلق بها الحارث يصحبه رفيقاه. # فلما أصبحوا على مسافة من ديار أوس، انتحى الحارث بعروسه ناحية، ولكنه لم يلبث أن ~~عاد. ms70 # فسأله خارجة: أتراك بنيت بأهلك؟ # فكان جوابه: لا والله، قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة، # 9 # والسبية الأخيذة؟ # 10 # لا والله، حتى تنحر الجزور، # 11 # وتذبح الغنم، وتولم الولائم التي تليق بمثلي. # فقال خارجة: يا حارث! إني لأرى في هذه الفتاة همة وعقلا، وأرجو أن تنجب. # 12 # وتابع الحارث رحيله حتى أتى دياره، فأحضر الإبل والغنم، وهيأ الطعام، ودعا الناس، ثم فرغ ~~ليخلو بعروسه. # فجبهته بقولها: أما عندك، يا رجل، مروءة تنهاك، وشرف يردعك؟ # فجمد في مكانه لا يحير، ثم استجمع نفسه فقال لها: قد ترين أني أحضرت من المال ما يرضيك، وملأت قصاع الطعام ودعوت الجموع الحاشدة، فماذا ~~بعد هذا تريدين؟ ولم تعرضين بمروءتي وشرفي وأنا السيد الكريم؟ # أجابت: أي سيد؟! وأي كريم؟! تفرغ للنساء، والعرب يقتل بعضها بعضا؟! هذه عبس أوشكت أن ~~تفني ذبيان، وتلك ذبيان توشك أن تفني عبسا، والأرض تحتج للدم المراق، اخرج إلى القوم فامش ~~بينهم بالصلح، وانههم عن هذا السفه، ويومئذ أنت السيد الكريم! # فخرج الحارث يتفصد جبينه عرقا. # ولقيه خارجة بن سنان فسأله: لعلك بنيت بأهلك يا حارث؟ # فكان جوابه: لا والله. # فدهش خارجة، وقال: ولم يا حارث؟ ~~- ما رأيت كاليوم فتاة عرضت بمروءتي وشرفي لأني أفرغ للنساء، والعرب يقتل بعضهم ~~بعضا. ~~- أما قلت لك إن في هذه الفتاة همة وعقلا؟ فماذا أنت فاعل؟ ~~- وهل بقي، يا خارجة، سبيل إلا أن أمشي إلى عبس، وإلى ذبيان، فأسعى بالصلح ~~بينهما؟! ~~- وإني أعرف لك شريكا في هذه المحمدة هو هرم بن سنان، فلقد أقسم بأن يدفع من ماله ~~ديات القتلى إذا كفت القبيلتان عن الحرب ... # قال الحارث: لعلهم استقلوا الديات، فأنا أدفع من مالي فتضاعف دية كل قتيل ونحقن الدماء. # قال خارجة: إنهم حسبوا الديات، فإذا هي ثلاثة آلاف بعير. ~~- لتكن ثلاثة آلاف بعير! فأنا وهرم بن سنان ندفعها، هيا بنا. ~~••• # وقدر للحارث بن عوف وهرم بن سنان أن يصلحا بين عبس وذبيان، ويدفعا ديات القتلى من ~~القبيلتين ثلاثة آلاف بعير، ويحسما الشر، ويحقنا الدماء. ms71 # وكان ذلك كله بفضل امرأة. # ولما دخل الحارث بن عوف على عروسه بهيسة يبشرها بالنبأ، فتحت له ذراعيها تعانقه، ~~وقالت: أهلا بالسيد في العرب! اليوم قمت بحقي، لا يوم نحرت الجزور والغنم وملأت بطونا في ~~عرس. # وتسامع الناس بما كان من حديث هذه المرأة في دفع البلاء وحقن الدماء، فقال أحدهم: يا للمرأة إذا شاءت! # وقال ثان: على أن تشاء الخير! # فقال ثالث: ولكنها لا تشاء إلا الخير! لن تشاء تدمير الحياة ما دامت أما، تتجدد بها ~~الحياة. # | ذو قار # استطاع عدي بن زيد، بدهائه وبما كان له من نفوذ عند كسرى ملك الفرس، أن يجعل النعمان بن ~~المنذر ملكا على الحيرة دون باقي إخوته، وكان النعمان قد ربي في حجر عدي، فعرف له فضله في ~~تربيته وفي تولي العرش فخصه بإكرام وإعظام. # ولكن رجلا يدعى ابن مرينا كان يود أن يولي العرش ولدا آخر من أبناء المنذر أشرف هو ~~على تربيته بنفسه، فلما لم يوفق سخط سخطا شديدا، وخص عديا بالقسط الأكبر من سخطه، ~~وكان ابن مرينا، هذا، غنيا بلغ الغاية في الغنى، فجعل يتقرب إلى النعمان ويسرف في إهدائه ~~تحف الهدايا، حتى عطف عليه النعمان وأعاره أذنا واعية، فبات ابن مرينا إذا ذكر عدي، ~~يقول: نعم الرجل! على أن فيه مكرا وخديعة. # ونسج ابن مرينا وأعوانه مكيدة من أخبث المكائد، ذلك أنهم زوروا نص كتاب على لسان عدي، ~~وأرسلوه إلى قهرمان لدى كسرى، ثم دسوا من جاءهم بالكتاب فأطلعوا النعمان عليه، فإذا فيه ~~شتم له وتعريض بملكه، فغضب النعمان واستزار عديا وقذف به في السجن، فانطلق أبي، أخو ~~عدي، يستغيث بكسرى، فبعث الملك الفارسي إلى ملك الحيرة يأمره فورا بإطلاق عدي، فدس ~~النعمان إلى سجينه من قتله، ثم أنفذ أمر كسرى فأطلق سراح الجثة! # وكان لعدي ولد سماه زيدا، ففر الولد خوفا على دمه، ثم أدرك النعمان أن عديا كان ~~مكذوبا عليه، فأسف وكفر عن ذنبه بهذا الغسل العجيب الذي يقال له الندم، الذي يستعمله من ~~يذنبون وهم ms72 فوق يد القانون. # واتفق أن خرج النعمان للصيد، فلقي غلاما عرف فيه ملامح عدي، فسأله عن نفسه، فإذا هو زيد ~~بن عدي، فأظهر له الحزن على ما حل بأبيه، وحمله إلى بلاطه وأعطاه العطايا ، ثم قدمه إلى ~~كسرى، فشب زيد في البلاط الفارسي، ولم يلبث أن أصبحت له منزلة أبيه من قبله لدى ~~الملك. # على أن زيدا لم ينس للنعمان فعلته بأبيه، ولم يغتفرها له، وترقب الفرص ليوقع به عند ~~كسرى. # وصادف أن كان في خزانة ملوك الفرس رقعة مكتوب فيها صفة المرأة التي تؤثر على غيرها من ~~النساء، قال الراوي: وكان الفرس يتبركون بالوجه الجميل، وأكثر الناس فرس من هذا القبيل، ~~وعثر كسرى يوما على تلك الرقعة، وود أن تكون له امرأة تطابق صفتها الصفة التي قرأها، ولم ~~يخطر بباله أن يبعث في طلب المرأة من أرض العرب، ولكن زيدا آنس فرصة فقال له: أيها الملك، ~~إن الرقعة التي وجدتها كتبها المنذر الأكبر ملك الحيرة، وقد غنم من الحارث الأكبر الغساني ~~جارية فذة الجمال، فأهداها إلى أنو شروان، فابعث أنت إلى النعمان يبعث إليك جارية وفق المراد. # 1 # أما الصفة المكتوبة في الرقعة فلن أتلوها عليك، أيها القارئ، لأنني أخشى أن تصرف ذهنك عن ~~متابعة ما نحن فيه! # وانقضت أيام، فإذا بزيد ورجل فارسي ينطلقان من المدائن إلى الحيرة، فلقد أنفذهما كسرى ~~ليأتياه من النعمان بامرأة تطابق صفتها الصفة التي عثر عليها فشغلت عقله وحسه. # وبلغ زيد ورفيقه الحيرة، ومثلا أمام النعمان، فلما قرأ كتاب الملك الفارسي، برم وقال: ~~أما في مها السواد وعين فارس ما يكفي به الملك حاجته؟ فسمع الفارسي وسأل زيدا: ما معنى هذا؟ ~~فنقل له زيد الكلام بحرفه، وترجم لفظتي «المها» و«العين» بلفظة «كاوان» الفارسية، ومعناها ~~البقر! # ثم قفل زيد ورفيقه إلى المدائن، وزيد أعلم الناس بأنه قد وفق في عقدة عقدها لن تلبث أن ~~تشتد على مخنق النعمان، وقال الفارسي لكسرى: إن النعمان ملك الحيرة يسألك: أليس في بقر ~~السواد وفارس ما تكفي به ms73 حاجتك؟ فها نحن نعود إليك كما انصرفنا عنك. # فامتلأ صدر كسرى غيظا، وراح زيد يطعم ناره وقودا فتزداد ضراما. # وسمع النعمان بغضب كسرى، وأتاه كتاب كسرى يدعوه إليه، فحمل أهله وسلاحه وما قوي عليه من ~~متاع، فلجأ إلى بني طي، وكان متزوجا فيهم، وسألهم أن يدخلوه بين جبليهما المنيعين، ~~ويحموه من الملك الفارسي إذا وجه الجيش في طلبه، فخاف بنو طي من بطش كسرى. # فارتحل النعمان عنهم وطاف القبائل حتى نزل سرا في بني شيبان، فاجتمع بكبير من كبرائهم ~~هو هانئ بن مسعود، واستجاره فلباه هانئ، ولكنه قال له: ما أظن الخرق قد اتسع على الراقع، ~~وما ينبغي لك أو لي أن نهجم هجوما على أمر قد يكون فيه هلاكك وهلاكي سدى، وما أحبك أن تفهم ~~من هذا أنني أريد تملصا من رعي ذمامك، على أنني رأيتك رجلا مكذوبا عليه، فلو انطلقت إلى ~~كسرى وحملت إليه الهدايا وأخبرته اليقين، لكان لك حظ في النجاة مع السلم، ولعدت إلى عرشك ~~ملكا، ولئن مت فذلك خير لك من أن تعيش مخلوعا ساءت بك الحال وانقلبت من عز إلى ~~ذل. # فأجابه النعمان: رأيك نعم الرأي، فكيف أصنع بحرمي؟ فقال هانئ: يمكثن في حفظي لا يخلص ~~إليهن أحد وفي وفي قومي رمق. # فقبل النعمان، وتوجه إلى كسرى، فلم يكن كسرى أقل هياجا عليه من فيلته التي طرحته تحت ~~أرجلها فوطئته وعجنته بدمه في السنة 602. # واستعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة، وأمره أن يجمع ما خلفه النعمان فينقله ~~إليه، فأرسل إياس إلى هانئ بن مسعود يطلب منه تركة النعمان، فأجاب هانئ: إني أحد رجلين، إما ~~رجل استودع أمانة فما ينبغي له أن يردها إلا إلى صاحبها، وإما رجل قيل عنه ما قيل افتراء ~~وبهتانا، ولا أرى لأحد علي في الحالتين حقا. # فبعث إياس بجواب هانئ إلى كسرى فثارت ثائرته، وطفق العرب من بني بكر يغيرون على السواد، ~~وطفق بنو شيبان، وهم قوم هانئ وبطن من بني بكر، يغيرون في طليعة المغيرين وينخسون خاصرة ms74 ~~الدولة الفارسية، ففكر كسرى في تجريد حملة على البكريين، ليوقع بهم كما أوقع من قبله سلفه ~~كسرى أنو شروان ببني تميم، في يوم الصفقة، إذ اعتدوا على متاع كان قد سيره إلى عامله ~~باليمن ، فطوقهم وذبح منهم خلقا كثيرا في حصن المشقر بالبحرين، ولعل كسرى أبرويز رجع ~~بالذاكرة إلى عهد سابور الثاني حين حمل على العرب حملته المنكرة، فقبض على كثيرين من ~~ساداتهم، وخلع أكتافهم من مواضعها، فسمي سابور ذو الأكتاف؛ وحظر على العرب دخول عاصمته، ~~وبنى مدينة آلوس على جزيرة في وسط الفرات وجعلها قاعدة مسلحة، واحتفر خندقا عظيما أنشأ ~~عليه القلاع، وقرض دويلة الضجاعمة العربية، وافتتح مدينتها الحضر، # 2 # وأمن مملكته من شر غارات العرب. # أجل، ربما قلب كسرى أبرويز الثاني هذه الصفحات من تاريخ الأمس في ذاكرته، وربما ألحت ~~عليه شهوة إلى تجديد ما فعل سابور، ولكنه رأى في الروية خيرا، فأبرويز يحس أن الدولة ~~الفارسية لم تبق قادرة على بذل ما كانت تبذل من قوى؛ وهو يعلم أن بلاده معرضة للفتن ~~الداخلية طمعا في العرش، بل يعلم أنه لولا زواجه بابنة إمبراطور الروم موريقي، ولولا ~~مساعدة الجيوش الرومية له، لما استطاع بالأمس أن يقضي على القائد بهرام الذي عصاه واغتصب ~~منه العرش وطرده، فإذا كانت الحال بينه وبين الروم سلما اليوم، فمن يعرف مباغتات الزمان؟ # 3 # وحدث أن وفد على كسرى قيس بن مسعود بن خالد بن ذي الجدين، وكان سيدا عربيا ~~وجيها، فقال له الملك الفارسي: أجعل لك ولقومك مالا وإقطاعا تستعينون به على جدب أرضكم ~~وقحط زمانكم، أفتكفيني غاراتكم على السواد؟ فرضي قيس، ولكنه لم ينجح في قطع الغارات إلا ~~أمدا يسيرا. # فطفح صدر كسرى، واستشار إياس بن قبيصة الطائي في الحملة على بني بكر، فدعاه إياس إلى ~~الصبر والملاينة، واتباع الحيلة، حتى يجد منهم غفلة وتفرقا، فيرميهم بفرسان من العجم، ~~فلم تعجب كسرى نصيحة إياس وقال له: ما أراك إلا رجلا من العرب، وبنو بكر أخوالك، وإنك ~~لتريد دفع العقاب عنهم. # وكان عند ms75 كسرى رجل تغلبي اسمه النعمان بن زرعة، قد طوى النفس على حزازات من حرب البسوس ~~بين التغلبيين والبكريين، فقال للملك الفارسي: إني بنا معشر العرب لخبير، أشد ما يؤذينا ~~القيظ، فلو أعددت العدة وارتقبت ميعاد القيظ لوجدت بني بكر يتهالكون على ماء يقال له ذو ~~قار تهالك الفراش، فعاجلتهم بالجيش وأمكنتك منهم الفرصة، وإني مقيم عندك إلى أن يأزف ~~الزحف، فأنطلق مع الحملة التي تأذن بتسييرها، فوافقه كسرى. # وجاءت أيام القيظ فقصد البكريون موضع ذي قار، حتى إذا علم الملك الفارسي أنهم باتوا منه ~~على مسيرة ليلة، في المكان الذي يدعى حنو ذي قار، أخذ في تعبئة الحملة، فعقد لإياس بن ~~قبيصة الطائي على الشهباء والدوسر (وهما كتيبتان جعلهما ملوك الفرس قوة عسكرية تابعة ~~للمناذرة: رجال الشهباء من الفرس ورجال الدوسر من العرب التنوخيين على الأخص)، وعقد للنعمان ~~بن زرعة على بني تغلب والنمر، وعقد للهامرز، وهو قائد فارسي كان يلي السواد، على ألف من ~~الأساورة، وعقد لقائد فارسي، يدعى خنابزين، على ألف أيضا، وانتهز المناسبة، فسير معهم ~~اللطيمة، وهي قافلة المتاع الذي كان يرسله إلى عامله باليمن. ومن هنا يبدو أن الملك الفارسي ~~كان يرمي من الحملة إلى غرضين، أولهما: منع العرب من الاعتداء على تخوم مملكته، وثانيهما: ~~تخويفهم من الاعتداء على قوافله، لتصبح الطريق آمنة بينه وبين اليمن البلد المحتل. # وزحف الجيش الكسروي حوالي خمسة آلاف من عرب وفرس، وليس هذا بالعدد القليل إذا نسب إلى ~~الزمن والمحيط، وكان عتاده من أمتن العتاد وأوفره. # فلما شارف الجيش الأرض التي ينزلها بنو بكر، مضى النعمان بن زرعة إليهم فنزل بابن أخت له، ~~ولقي القوم من بني شيبان ومعهم هانئ بن مسعود، فقال لهم: أتاكم ما لا طاقة لكم به من جنود ~~كسرى، والشر بعضه أهون من بعض، فادفعوا إلى الملك رهنا منكم فلعله يعفو ويكف عنكم، ولأن ~~يفتدي قليلكم كثيركم خير من أن تهلكوا جميعا. # فكان جوابهم: ننظر في أمرنا. # وبثوا الخبر في بني بكر، وأقاموا ببطحاء ذي قار ms76 ينتظرون وفود البكريين كلهم ليروا رأيا ~~في ما يفعلون. # وقدم بنو بكر، قوم بعد قوم، حتى ظهر منهم بنو عجل وعليهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار ~~العجلي، فلم يبق من لم يصح: هذا سيدنا، وسألوه الرأي ، وقالوا له: هذا النعمان بن زرعة ~~أنبأنا بما نوى كسرى من البطش، وهانئ بن مسعود أميل إلى ركوبنا الفلاة. # وكان حنظلة أصلع ضخم الهامة، عظيم البطن مشرب الوجه بحمرة، وكان الحر قد فصد عرقه وزاد ~~وجهه احتقانا، فقعد ومر بيده على جبينه يمسح العرق وصرخ بصوت مغضب: إني لأسمع أصواتا ~~تضج حولي، فلا تجرن فارس أرجلها بهذه البطحاء، بطحاء ذي قار، وأنا أسمع لكم نبرة أو ~~نفسا يتردد. إني لا أرى وجها غير وجه القتال، أما ركوبنا الفلاة فهو الموت عطشا، وأما ~~الاستسلام إلى كسرى فهو ذبح رجالنا وسبي نسائنا وذرارينا، ثم التفت حنظلة إلى هانئ فقال له: ~~أخرج ما أودعك النعمان من سلاح وفرقه في المقاتلة، فإن كان الظفر رددناه عليك، وإن كان ~~الموت فلا أرى هذا السلاح إلا أهون مفقود بجانب أرواحنا. # ودار حنظلة فوجد النعمان بن زرعة واقفا فصاح به: إنك شهدت وسمعت يا هذا، ولولا أنك رسول، ~~ولولا أننا نريدك أن ترجع إلى من أرسلك فتخبره، لقتلناك، فامض عنا. # وانطلق النعمان بن زرعة، وجعل هانئ بن مسعود يوزع ما لديه من سلاح، وتفجرت في النفوس ~~ينابيع من قوة، كانت محبوسة في الأغوار، وكان حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي صاحب اليد ~~السحرية التي فكت عن تلك الينابيع أقفالها، فتفجرت زاخرة عامرة، ولولا وجود تلك الينابيع ~~المحبوسة لذهب جهد حنظلة عبثا من العبث، فالبطل الفرد يكون أثره بمقدار ما يجد - أو يوجد - ~~التجاوب بينه وبين من حوله. # وبات الجميع ليلتهم على يقظة وتأهب. # وعلم البكريون، من نزيل كان بينهم، أن الفرس رماة أفتك ما عندهم النشاب، فقرروا أن ~~يتكردسوا للمعركة كراديس، أي: قطعا قطعا من الخيل، فإذا صرف الفرس نشابهم إلى كردوس ~~وهجموا عليه شد كردوس أو كراديس أخرى على الفرس، ms77 حتى لا يعرف العدو أين يضرب، ولا من أين ~~تقع عليه الضربة. # وأقبل اليوم التالي، وهو يوم المعركة، فنهض حنظلة إلى الوضن التي تستعملها النساء في ركوب ~~الأينق، فبدأ بقطع وضين امرأته، ثم قطع الوضن كلها كي يستحيل على النساء الفرار على الأينق ~~إذا فر الرجال، وصاح: ألا فليعلم كل منكم أنه إذا خلى مكانه فقد أسلم حليلته للسبي، ~~فقاتلوا في مدى ما بين الظفر أو الموت، وإنه لمدى ضيق، وبادروا العدو بالشدة فذلك ~~أوقع. # ونهض هانئ بن مسعود وقد قنع بالقتال، فأرسلها كلمات فيها هدوء الحكمة، وليس فيها برود ~~الحكماء، فقال: إن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا ~~الدنية! # وتعالت أصوات النساء في الحض على البأس والبلاء، فصاحت امرأة عجلية: # إن تهزموا نعانق # ونفرش النمارق # أو تهزموا نفارق # فراق غير وامق! # ودنا جيش الفرس يسير على تعبئة وفق النظام، ومعه الأفيال، ووقف الجانبان متقابلين، وخرج ~~أسوار فارسي يتحدى العرب للبراز، فلم يلبث طويلا حتى انبرى له فارس عربي طعنه فدق ~~صلبه، فاغتاظ الهامرز وخرج بنفسه يدعو إلى البراز، فانبرى له فارس عربي هو الحوفزان، فألقاه ~~صريعا. # وكان ذلك مما شجع العرب وفت في أعضاد الفرس، حتى أن بعض العرب الذين كانوا في الجانب ~~الفارسي هزهم الحنين إلى قومهم، فعزموا أن يضموا صفوفهم إلى صفوفهم، وتذكر بنو إياد، ~~وكانوا مع الجيش الكسروي، قول شاعرهم: # على رغم سابور بن سابور أصبحت # قباب إياد حولها الخيل والنعم # والإياديون كثيرا ما أذاقوا المملكة الفارسية بأسهم، وكثيرا ما ذاقوا منها العذاب، قبل ~~أن تجندوا لها جنودا مرتزقة، فبعثوا إلى البكريين يقولون: أي أحب إليكم، أن نلحق بكم ~~الساعة أم أن ننتظر اشتداد المعركة فننتقل إلى جانبكم؟ فأجابهم البكريون: بل أحب إلينا أن ~~تنتقلوا في غمار المعركة، فإنه أشد ضعضعة ودهشة للعدو. # والتحم الفريقان، ولحق بنو إياد ببني بكر في عنفوان المعركة، ولم يستطع الفرس أن يجاروا ~~العرب في سرعة التفرق والتجمع، مع رشاقة الضربة وشدتها، فذاقوا أول هزيمة أنزلها ms78 بهم العرب، ~~وكان ذلك حافزا أيقظ ثقة العرب بأنفسهم وجرأهم وهيأهم لساعة قريبة أعدها لهم التاريخ ~~وأعدهم لها، والتاريخ يزن الإرادات ويعتبرها، ولكن له، بالنتيجة، إرادته الخاصة، والبرهان ~~أن يوم ذي قار كان مفاجأة للفرس، كما كان مفاجأة للعرب، وغير يسير أن نحكم أي المفاجأتين ~~كانت أشد وأعظم! # قال الراوي: وكان العرب عامة، والنصارى خاصة، ناقمين على الكسروية الفارسية لما أنزله بهم ~~سابور الثاني الملقب بذي الأكتاف، وكان مما فعله هذا الملك أن ضاعف الجزية السنوية على ~~النصارى، فلما وقع يوم ذي قار، خرجت الصبايا النصرانيات العربيات في أكمل زينة فرحا ~~بالانتصار الرائع. # ولم يمض وقت حتى كان محمد بن عبد الله يذكر ذا قار ويقول: «هو أول يوم انتصفت فيه العرب ~~من العجم، وبي نصروا». # وكأن فرح الصبايا النصرانيات وكلمة محمد بن عبد الله رمزان باقيان يذكراننا بيوم ~~اجتمعت فيه الكلمة العربية من أجل إثبات الوجود ودفع الحيف. # | الإنسان المنقسم على نفسه # في كتاب المستطرف للأبشيهي هذه الحكاية الغريبة، نقل عن أحدهم أنه قال: دخلت بلدة من بلاد ~~اليمن، فرأيت بها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن واحد، ومن وسطه إلى أعلاه بدنان مفترقان، ~~برأسين ووجهين وأربع أيد، وهما يأكلان ويشربان ويتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان. # قال: ثم غبت عنهما قليلا، ورجعت فقيل لي: أحسن الله عزاءك في أحد الشقين. # فقلت: وكيف صنع به؟ # فقيل: ربط في أسفله حبل وثيق وترك حتى ذبل ثم قطع، ورأيت الجسد الآخر بالسوق ذاهبا ~~وراجعا ... # قال راوية من العصر: قرأت هذه الحكاية الغريبة وأنا لا أزال في مطلع من العمر، وعيناي لم ~~تنفتحا على الحياة إلا بعض انفتاح، وكنت قد سمعت الكثير عن كذب القصاصين العرب، وعن حبهم ~~للمبالغة والغلو والإغراق، فقلت في نفسي: شد ما أساء ناقل الحكاية إلى راويتها، وهل يعقل ~~أن يعتدي إنسان على المعقول مثل هذا الاعتداء؟ ومن يجهل أن هذا المخلوق الذي نعتته الحكاية ~~إنما هو تزوير مفضوح على الطبيعة؟ ثم طفقت أسمع أن الروح العربية سطحية، وأن العقل العربي ms79 ~~غير غواص، وأن القدرة العربية على التعبير الفني عن عميقات الفكر ليست بالقدرة العظيمة، ~~وكدت في يوم من الأيام أن أصدق كل هذا الذي سمعت، إلا أن عيني كانت تزداد انفتاحا على ~~الحياة، وكانت النتيجة أن أصبحت قارئا خيرا مما كنت، وأدركت صحة قول القائل: لا يستطيع ~~الأديب أو المفكر، مهما استغنى، أن يستغني عن القارئ الصالح، وكم فقر أو غنى في أديب، أو ~~مفكر، إن هو في الواقع إلا فقر أو غنى في القارئ، وها أنا أعود اليوم فألتفت إلى الحكاية ~~الغريبة، حكاية المخلوق الذي روي أنه عاش في بلدة من بلاد اليمن. # كنت أريد أن أقول المخلوق الشاذ، على أني أتمثله اليوم إنسانا واحدا من وسطه إلى أسفله، ~~وإنسانين اثنين من وسطه إلى أعلاه، وبدلا من أن أعجب منه أراني أعجب من نفسي كيف كنت ~~أجده تزويرا على الطبيعة، وكل إنسان هو في الحقيقة واحد من وسطه إلى أسفله، ثم هو اثنان من ~~وسطه إلى أعلاه! # أجل! هو اثنان برأسين ووجهين وأربع أيد، هو اثنان برأسين تجول فيهما الأفكار مؤتلفة ~~ومتناقضة، هو اثنان بوجهين صادقين ومنافقين، هو اثنان بأربع أيد: عاملة وكسلى، خادمة للخير ~~وآثمة، بانية وهادمة، هو اثنان إذا أكل أكل اثنان، بل ربما أكل واحد وجاع واحد، وإذا شرب ~~شرب اثنان، بل ربما شرب واحد وظمئ واحد، هو اثنان يتقاتلان فيما بينهما ويتلاطمان ويصطلحان، ~~واحد مقهور وواحد منصور، واحد باك وواحد ضاحك، واحد حاقد وواحد غافر، هو اثنان، هو الشخص ~~المنقسم على نفسه، يهرم واحد منه أو يمرض، فينقلب خطرا على الآخر أو ضررا، فيحتاج الآخر ~~إلى علاج، علاج جراحي مستأصل، فيربط الهرم أو المريض بحبل وثيق في أسفله حتى يذبل ~~فيقطع. # ولو أن الراوية كان شاهد المخلوق اليمني يوم قطع عنه شقه، لرأى كيف ألقاه في الكفن ~~والنعش، وكيف حمله إلى القبر، ثم لرأى أن الإنسان يحتاج من نفسه لنفسه إلى العلاج الجراحي، ~~ويحتاج أن يقيم لنفسه من نفسه الجنازة، وأن يكون منه الدافن والمدفون، ms80 وكل ذلك في سبيل ~~الحياة والتجديد. # ولو أن الراوية انتظر يوم رأى المخلوق اليمني ذاهبا وراجعا في السوق، وقد قطع عنه شقه ~~الآخر، لو أنه انتظر هنيهة لرأى شقا آخر ينبت في موضع الشق المقطوع، ثم لرأى رأسا جديدا ~~ينمو، ووجها جديدا ينمو، ويدين جديدتين تنموان، ولرأى الشخص يعود إلى ازدواجه وانقسامه ~~على نفسه، فقال: سنة الحياة، سخر لها حتى الموت! ولن تجد لسنة الحياة تبديلا. # | سراب وواحة # يتحدث الناس عن سفر من صقع في الأرض إلى صقع، وقل أن يتحدثوا عن سفر من عصر إلى عصر، ~~ومن جيل إلى جيل. # ولكن صاحبنا هذا عربي من الجاهلية تخطى مسافة الوقت إلى القرن العشرين، أو هو عربي من ~~القرن العشرين طوى الزمان القهقرى إلى الجاهلية. # وخاض الصحراء، ووقع عليه ليل كليل امرئ القيس أو الشنفرى، وسمع الذئاب تعوي، وانغمر ~~بإحساس أفاضه عليه ما يحيق به من ظلام وفراغ، وخيل إليه أن الصمت حوله يتحدث بهمس وينادي ~~بجهر، فأقام يتلقى الأصداء من صوب إلى صوب، وأصبح يقص القصص عن الجن والغيلان وشياطين ~~الشعر. # إلا أن نهاره كان أجدى من ليله في صحرائه. # لقد اندفع يمشي، والشمس فوقه كرة من نار مشبوبة، تبسط تحته بساطا من لهيب، وتنشر في ~~الفضاء أمامه بريقا يكد عصب العينين، وتسكب في حلقه الظمأ، فتساوي الدنيا عنده قطرة ماء، ~~ويحلم بالسلسبيل الرقراق، وإذا هو يرى الدنيا تنبع له الماء حقا، على بعد غير بعيد، ويرى ~~الماء يتألق صفاء ويدعوه، ويشهد مع الماء ألوانا كأغرب الألوان وأفتنها، فيستشعر الراحة ~~وكأنه يحس بالنسيم البليل يمسح محياه، وبالعذب البارد يقع على غلته فينقعها. # ويسعى، يسعى شيقا لهفان، فلا يلحق بالماء حتى يهرب منه، ويتمثل له مرة أخرى، على بعد غير ~~بعيد، صافيا، لامع الصفحة، محفوفا بعجائب الألوان، فيتبعه، ويظل يتبعه، حتى يعلم أنه ~~السراب. # ثم ماذا؟ يقول للصحراء من حلق جاف وقلب ناقم: شد ما تعذبين أبناءك وتهزئين بهم يا ~~قاسية، فتبقى الصحراء على صمتها الذي لا أثر فيه للحنان، ويضمحل ms81 السراب كالوهم الذي افتضح ~~أمره. # فيحمل صاحبنا نفسه بعناد كعناد حب الحياة، ويمشي، والصحراء كأنها بساط لا يطوى وراءه حتى ~~ينشر أمامه، وإذا به يجد نفسه قد أطل على خضرة ونضارة، فيتهم عينيه، ويتهم الصحراء، ويقول ~~في أعماقه: سراب آخر! سراب آخر! # ولكنه لا يلبث أن يدرك الخضرة والنضارة، فيلمس النبات يجادله في حقيقة وجوده، ويرى الماء، ~~فيغمس فيه إصبعه مترددا في أن يصدق اليقين. # غير أن النبات والماء لا ينبسان بكلام، فالوجود حقيقة تقنع بذاتها، واليقين لا يتنازل ~~للشك. # فيكب بشفتيه على الماء، ويغرق براحتيه، فيسقي وجهه وينام على بساط العشب، ويسمع صوتا ~~يأتيه من السكون: «أنا الصحراء! قلت لي من قبل: شد ما تعذبين أبناءك وتهزئين بهم يا ~~قاسية. ولقد أخطأت؛ كنت ظمآن والشمس تلفعك بحرها فتمنيت وتشهيت، فلوحت لك بالسراب ~~فصدقت، فوقعت في الخيبة، وما كان لك أن تصدق السراب، إنه تخييل أمنية تمجدت بذاتها، وشهوة ~~تبجحت بنفسها، وعينين زور عليهما العصب المكدود، وإني لا أكافئ النفوس التي تتوهم، ولقد ~~أقبلت على هذه الواحة وفيها الماء والعشب، فأطفأت من صدرك شعلة مشبوبة، واسترحت على الأخضر ~~اللين، ونسيت أن تفكر، نسيت أن هذا الماء لو لم تتعهده يد لغاض، ولما نبت هذا النبات، ~~ولكانت هذه الخضرة والنضارة زوالا من الزوال، إني أكافئ اليد التي تنشئ وتبدع». # فتحرك العربي وقال: «سمعت الصوت، وعرفت أيتها الصحراء، عرفت فيك السراب، وعرفت فيك ~~الواحة، وفهمت الرمز، فهمت أنك كالحياة أو أن الحياة مثلك، وفهمت أنك كالدهور أو أن ~~الدهور مثلك، سراب وواحة. # أما السراب فجمال هنيهة وعزاء شر من المصيبة، وأينما كنت من بقاع الأرض، وأينما كنت ~~من عصور الزمان، فسأدعو هذا الدعاء: «اللهم جنبني من كل شيء سرابه، وأدخلني منه في ~~الواحة»!» ms82