######OpenITI# #META# URI: 1396SalihJawdat.SirrIctiraf.Hindawi24268395 #META# Tags: novels :: history #META# ID: 24268395 #META# Title: سر الاعتراف #META# AuthorID: 26064860 #META# Author: ألكسندر ديماس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 14130959 #META# Translator: صالح جودت #META# Related_books: 1287AlexandreDumas.Confessions (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # كلمة للمعرب‏ # كلمة ثناء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # كلمة للمعرب‏ # كلمة ثناء‏ # | سر الاعتراف # | سر الاعتراف # تأليف # ألكسندر ديماس # ترجمة # صالح جودت # بسم الله الرحمن الرحيم # والصلاة والسلام على سيد المرسلين # حديث ~~- ما هي الرواية؟ ~~- في العرف قصة وضعية. ~~- وكيف بالوضع تكاد تكتسي الخيالات ثوب الحقائق؟ ~~- إذا حسن الوضع وطابقت الحوادث المعقول، وكان تعاقبها على ما سردت عليه النتيجة ~~الطبيعية لما يحتمل وقوعه في ظروفها؛ التبست بالحقائق وأثرت في نفس القارئ تأثير ~~الأمر الواقع؛ فتنفعل نفسه بعوامل العظة والاعتبار وتهتدي إلى الرشد بمثال ~~محسوس. ~~- إذا كان الغرض كما ذكرت، فلم لم يتوخ المؤلفون أخذ مادة قصصهم من حوادث الأيام ~~فيكفون أنفسهم عناء التخيل والاختراع؟ ~~- ذلك ما فعلوه ولو أنهم لم يشعروا به؛ فكل مؤلف لرواية جمع في الحقيقة خلاصة ما ~~شاهده من مجريات الحوادث في قصة وضعية، فلا تكاد تقرأ حادثة في رواية إلا وتجد لها ~~شبيها في حوادث الحياة الحقيقية؛ ولذلك تختلف درجة المؤلف باتساع معلوماته، ودقة ~~ملاحظاته، وكثرة اختباره للأحوال المعاشية. # أما الرواية التي أقدمها لك الآن - أيها القارئ العزيز - فقد كفت مؤلفها عناء ~~التخيل والاختراع، كما تقول؛ فلم يعان إلا استخراجها من بطون التواريخ، ووضعها في ~~القالب الروائي الذي ستراه؛ ليحلو لك تناولها وتطيب تلاوتها، ولم يتكلف - رحمه الله - إضافة شيء أوحته إليه مخيلته الباهرة، بل اكتفى بسرد الحقائق كما هي، وأنعم بها ~~وكفى في جعل العظة أبلغ، والمثال في النفس أوقع. # والرواية ms01 الحاضرة تمثل لك شهامة الحب في أجلى مظاهرها، وويلات العشاق وإلى أين تصل ~~بهم، ودرجة اليأس وما تجر إليه، وعذاب الضمير وما يتبعه من نغص العيش وبغض الحياة، ~~وفضيحة الأسرار وما يتوعدها من العقاب، وهي بين هذا وذاك تدلك على قدرة المرأة إذا ~~أرادت، وتفانيها إذا أحبت، ويتخلل حوادثها بيان أخلاق وعادات ووقائع تاريخية ~~جديرة بالتفات الأنظار، وفيها عظة واعتبار، فأتمنى أن تحل لديك - أيها القارئ ~~العزيز - محل القبول، فتنال بذلك خير مأمول، والسلام. # المعرب # صالح جودت # | الفصل الأول # الكنوت (وقد أصاب من دعاه القنوط) آلة من آلات التعذيب لدى الروسيين، وهو سوط تجمع فيه عدة ~~سيور غليظة من جلد البقر، تجدل عند أصلها وتترك أطرافها منفصلة عن بعضها، وتجعل في كل طرف ~~أسلاك مفتولة من الحديد، فحيثما وقعت على جسم المجرم سال الدم، فلا تتكرر عليه الضربات حتى ~~يصير جسمه كأنه جرح واحد تنبثق منه الدماء، فتلبسه ثوبا أرجوانيا. # فلا بدع أن رأيت الناس في روسيا وقد اجتمعوا زرافات؛ ليشاهدوا توقيع العقاب بالكنوت على ~~بعض المجرمين، فإنه من المشاهد الأهلية عندهم. # وفي عصاري يوم من أواسط أيام السنة الأولى من القرن التاسع عشر المنصرم، أي في أواخر حكم ~~القيصر بول الأول إمبراطور الروسيا، ما كادت تقرع أجراس الكنائس ببطرسبرج مؤذنة ~~بالساعة الرابعة من المساء حتى اجتمع لفيف من القوم على اختلاف طبقاتهم أمام قصر الجنرال ~~الكونت شرميلوف حكمدار بعض مدن روسيا سابقا، وقد استوقفهم ما رأوه من المعدات لجلد بعض ~~المغضوب عليهم من حاشية الجنرال بالكنوت، ولم يطل انتظار المتفرجين حتى خرج إلى صحن القصر ~~شاب طويل القامة يبلغ الخامسة والعشرين من العمر، مرتد بكسوة ياور، وصدره مزين ~~بالوسامات، فوقف على سلم في صدر المكان يوصل إلى مساكن الجنرال، ثم رفع عينيه إلى نافذة ~~في القصر يرجو أن يرى من خلالها خيال من ينتظر رؤياه، فوجد أستارها مسبلة وأقفالها محكمة، ~~فلما يئس من النظر التفت إلى رجل ذي لحية كثة سوداء واقف على مقربة منه بجوار المكان ~~المعد لسكنى ms02 خدمة القصر، وأشار إليه بيده ففتح بابا قريبا منه، وللحال خرج المجرم ~~المعد للعقاب يتبعه جلاده ويحيط بهما عبيد القصر، ويضطرون العبيد عادة لحضور الجلد ~~إرهابا لهم واعتبارا، أما المجرم فكان حلاق الجنرال والجلاد سائق عربته المدعو إيفان ~~(وهو خير من يقوم بمثل هذه المأمورية)، ولم تكن تلك المهنة التي اختص بها إيفان في القصر ~~لتبغض إخوانه فيه؛ فإنهم كانوا يثقون بطيب قلبه وصفاء نيته، وأنه وإن كان مضطرا ~~لاستعمال ذراعيه لإيذائهم بأمر مولاه، إلا أن قلبه يتألم مما تأتيه يداه، ولكن ماذا يسعه ~~عمله؟ لا سيما أنه وباقي الخدم عبيد رق للجنرال يتصرف فيهم كما تشاء إرادته، وكان رأي ~~الخدم العام مجمعا على أن يد إيفان أحن على أجسامهم في كل حال من كل يد سواها؛ لأنه كان ~~يغالط أحيانا عدد الجلدات المحكوم عليهم بها، وإن رأى من المولى على مباشرة الضرب ~~التفاتا وحرصا اجتهد في أن تصل أطراف الكنوت على اللوح الممدد عليه المجرم لأعلى جسمه ~~فيخف بذلك ألم الضرب نوعا. ولقد نفعت إيفان رأفته برفاقه؛ فلما كان ينقلب به الحظ ويمدد ~~يوما على لوح العذاب كان يجد من القائم مكانه بالضرب مراعاة ورأفة، فكانت هذه المعاملة ~~سياجا للمحبة بين خدمة الجنرال وسائق عربته، ولا تتوطد دعائم هذه المحبة ويتم توثيق ~~عراها بكل أنواع المجاملات إلا في الأوقات التي يكلف فيها إيفان بمباشرة مهنته وتنفيذ ~~مهمته. ولكن لما كانت الجلدات الأولى - على كل حال - أشد الضرب إيلاما يغيب معها الرشد ~~ويضل الفكر، كان المضروب لا يتحاشى نوعا من السباب يهديه إلى جلاده حتى إذا تم التعذيب ~~وانصرف كل إلى شئونه، ثم أقبل الليل ومعه الراحة من الأعمال؛ يتبادل الضارب والمضروب ~~كأسا من الخمر يصرفان في صرفها ضغينة النهار ويتناسيان بها سيئات الأقدار. # وكان المغضوب عليه هذه المرة حلاق الجنرال، وهو رجل من عبيده يبلغ الخامسة والثلاثين من ~~العمر، ذو قامة تميل إلى الطول، ولحية شقراء تدل سحنته على أنه رومي الأصل، وتقرأ في عينيه ~~صفات المكر والخديعة، ولو ms03 غشتهما مؤقتا علامة الخوف والاضطراب، فأتي به إلى مكان العذاب. ~~فلما اقترب منه رفع عينيه إلى النافذة التي وجه إليها الضابط نظره أول مرة فوجدها مقفلة، ~~ثم التفت إلى جمهور المتفرجين المزدحمين لدى باب القصر، ثم ارتد بصره خاسئا إلى لوح العذاب ~~الممدد أمامه وتولته قشعريرة لما أصعد عليه، فلم يخف ما به على إيفان، حيث اقترب منه، وقال ~~له بصوت ضعيف وهو ينزع عنه قميصه: تشجع يا جريجوار وكن رجلا. # فقال له الحلاق بصوت يذوب رجاء والتماسا: لا تنس ما وعدتني به أيها الصديق ~~الحميم. # فأجابه: ليس في الضربات الأولى يا صاح، فإن ياور الجنرال لنا بالمرصاد، ولكن في الضربات ~~الأخيرة سأبذل الجهد في مغالطة العدد فلا تخف ولا تحزن. # فقال له مكتئبا: ولكن انتبه خصوصا لأطراف الكنوت. # فأجابه: سأفعل ما بوسعي يا جريجوار، فكن مطمئنا. # فقال جريجوار: يا للأسف! لو كانت النافذة ... # ولم يكد يتم كلمته حتى صاح الضابط قائلا: هل تم الاستعداد؟ # فأجابه إيفان: نعم يا مولاي، ونحن في انتظار أمر سعادتكم. # فصاح جريجوار مخاطبا الضابط بكل ألقاب التمجيد والتعظيم قائلا: أرجو مولاي الكولونل ~~أن تتكرم مراحم سعادته بالتمهل قليلا، إني أرى نافذة سيدتي فاننكا تفتح. # فرفع الضابط بصره رغما عنه إلى النافذة التي وجهه إليها أولا، فوجدها كما رآها مقفلة ~~محكمة، فالتفت إلى العبد وقال: لقد خدعت نفسك يا مسكين، وبالتالي فماذا تفيدك مولاتك ~~الساعة؟ # فقال المسكين: عفوا يا مولاي فإن حضرتكم ... سعادتكم تعلمون بأن ما أصابني كان بإيعاز من ~~سعادتها، وأن سعادتكم ... بل سعادتها ربما تعفو عن ذنب خادم مسكين مثلي. # فصاح الضابط بصوت كالرعد قائلا: كفى، نفذ ما أمرت به يا إيفان. # فقال إيفان: حالا يا مولاي. # ثم التفت إلى جريجوار وقال: هيا أيها الصديق، فقد أزف الوقت. # فتنهد المسكين ورفع عينيه إلى النافذة، ولما وجدها على حالها اضطر مرغما أن يرقد على ~~اللوح المشئوم، وحينذاك اقترب عبدان كان إيفان قد اتخذهما مساعدين له، فربطا يدي جريجوار من ~~الرسغ إلى وتدين مثبتين على مسافة ms04 من اللوح، ورجليه إلى وتدين مثلهما من خلفه، ثم أدخلا رأسه ~~في طوق من الخشب، ولما رأى الضابط أن لم يبق ثمة موجب للتأخير، وأن النافذة لم تزل مقفلة، ~~أشار إلى رجاله قائلا: هيا. # فسأله إيفان صبرا حتى يفك عقدة طرأت في الكنوت مؤملا أن تنفتح في تلك الأثناء النافذة، ~~ويأتي ملك الرحمة بالعفو والسماح، فانتظر الضابط ولبث إيفان يتظاهر بفك العقدة دقائق ~~معدودات حتى ضجر المتفرجون ونبه ضجيجهم الضابط وكان مشغولا عن نفسه، فتنبه ونظر إلى ~~النافذة ثم إلى إيفان، وصاح به بصوت آمر لا يود لأمره ردا ولا تأخيرا قائلا: أما انتهيت؟ ~~نفذ الأمر بلا إبطاء. # فلم يسع الجلاد إلا أن يصدع بالأمر، فتهيأ للتنفيذ وتقهقر خطوتين إلى الوراء، ثم عاد إلى ~~مكانه، وهب على أخمصيه رافعا الكنوت فوق رأسه - حيث أدارها في الفضاء مرارا - ثم نزل بها على ~~جسم المجرم فجلده جلدة التفت بها الكنوت حول الجسم التفاف الأفعى، غير أن طرفها الحديدي لم ~~يمسه، بل أصاب اللوح الخشبي، ومع ذلك صرخ الحلاق صراخا دوت له الآفاق، وقال إيفان: واحد. # وعند ذلك رفع الضابط رأسه إلى النافذة فوجدها لم تزل مقفلة، فأدار وجهه بسرعة نحو المضروب ~~وكرر قول الجلاد: واحد. # ثم خلص الجلاد الكنوت عن جسم جريجوار؛ فظهر مكان وقعها منه خطوطا زرقاء كالنيلة، ثم هب ~~إيفان على أخمصيه ثانيا، وجلده جلدة كالأولى متحاشيا أن تصل ألسنة الكنوت إلى جسم المضروب، ~~فصرخ جريجوار ثانيا، وقال إيفان: اثنان. # وعند ذلك ظهر الدم وراء جلد المضروب، وفي الجلدة الثالثة ظهرت على البشرة بعض نقط منه، وفي ~~الرابعة سال الدم، وفي الخامسة أطارت الكنوت جزءا من الدم فأصاب وجه الضابط، فاشتغل بمسحه ~~بمنديل واغتنم إيفان فرصة انشغاله؛ فبدلا أن يقول في الجلدة التالية: ستة، قال: سبعة، ولم ~~ينتبه إليه الضابط، وفي الجلدة التاسعة أوقف إيفان الضرب محتجا بوجوب تغيير الكنوت، ~~ومؤملا أن تأتي الرحمة، ولما عاد إلى موقفه وابتدأ في الضرب عد الجلدة الحادية عشرة مكان ~~العاشرة. # وفي ذلك الحين ms05 فتحت نافذة مقابلة للنافذة التي كانت محط الآمال، وظهر منها رجل يختلف سنه ~~بين الخامسة والأربعين والخمسين مرتد بكسوة الجنرالية، وأشار إلى القوم قائلا: كفى، أحسنتم. # ثم قفل النافذة، وعند فتح النافذة كان الضابط قد أدار وجهه نحوها، والتزم الوقفة الحربية ~~رافعا يده إلى رأسه؛ لأداء السلام العسكري، ولما قفلت النافذة؛ كرر قول الجنرال: كفى. فأوقف ~~إيفان يده عن الضرب والتفت إلى جريجوار قائلا - وهو يطوي سيور الكنوت: اشكر يا جريجوار سعادة ~~الجنرال، فإنه عفا عن جلدتين. # ثم مال إلى المضروب؛ ليفك قيوده، وهمس في أذنيه قائلا: ومع الجلدتين اللتين غالطتهم فيهما ~~قد كفاك الله شر أربع جلدات. # ثم التفت إلى مساعديه قائلا: هلما وفكا قيود يده الأخرى ورجليه. # ولم يكن جريجوار في حالة تسمح له بالنطق فكيف بالشكران، فإنه أغمي عليه من ألم الضرب على ~~رأفته، فأتى عبدان وحملاه على أذرعهما، وسارا به إلى بيت الخدم يتبعهما إيفان. # ولما وصلا إليه فتح المضروب عينيه، فلمح الضابط ينظر إليه متألما مما أصابه، فصاح به ~~قائلا: سيدي فيدور، أرجو سعادتكم أن تنوبوا عني في شكر سعادة مولانا الجنرال، أما سيدتي ~~فاننكا (وهنا انخفض صوته) فسأقدم لها شكري بنفسي. # فصاح به الضابط مغضبا، لما رآه كأنه يتهدد اسما عزيزا لديه: ماذا تصر بين ~~أسنانك؟ # فقال جريجوار: لا شيء يا مولاي لا شيء، غير أني أقول: إن جريجوار المسكين يشكر سعادتكم على ~~الشرف الزائد الذي أوليتموه إياه بحضوركم ساعة جلده. # فقال الضابط وهو لا يصدق أن ذلك ما كان يتشدق به الحلاق: حسنا، اذهب واسترح في ~~مكانك. # ثم التفت إلى إيفان قائلا: واسقه يا إيفان كأسا من الخمر، فربما ردت إليه صوابه وعلمته ~~احترام أسياده. # فأشار إيفان بالطاعة، وتبع رفاقه حيث دخلوا، ثم قصد فيدور داخل القصر، وابتدأ الملأ من ~~المتفرجين ينصرفون إلى حال سبيلهم يتذاكرون فيما شهدوه، معجبين بمكر إيفان وكرم ~~الجنرال. # | الفصل الثاني # أما وقد عرفنا القارئ العزيز ببعض أبطال روايتنا في الفصل السابق، فقد وجب علينا أن نزيده ~~علما بهم ms06 وبمن لم يعلم عنهم شيئا للآن. # أما الجنرال الكونت شرميلوف، فقد كان حاكما لبعض مدن روسيا الشهيرة، ولبث في هذه الوظيفة ~~إلى أن استقدمه القيصر بول الأول إليه بمدينة سان بطرسبرج وقربه منه وخصه برعايته، وكان ~~الجنرال أرمل قد تركت له زوجته ابنة تدعى فاننكا، ورثت عن أمها مالها وجمالها وكبرياءها، ~~وكانت تزعم الأم أنها من سلاسة بعض قواد التتر الشهيرين الذين غزوا الروسيا في القرن الثالث ~~عشر تحت قيادة جنكيز خان، وقد خلفت البنت أمها في هذا الاعتقاد، وزادها تكبرا وإعجابا ~~بنفسها وجودها في وسط رفيع، حيث كان أبوها من ذوي الحكم، ولم تجد حولها إلا كل مسرع في ~~خدمتها وتنفيذ أوامرها، ولا يخفى تأثير مثل هذه التربية على نفس الإنسان، خصوصا إذا كانت ~~النفس قد جبلت على الأنفة وحب التعالي، ولعدم تمكن والد فاننكا من مباشرة تهذيب ابنته عهد ~~بتربيتها إلى معلمات إنكليزيات، فبدلا عن أن يدمثن أخلاقها ويلن عريكتها ساعدن طبيعتها ~~الفطرية الميالة إلى العظمة والكبرياء على النمو، بفضل ما جبلن عليه من حب الذات المعروف في ~~قومهن. # وقد كانت فاننكا ميالة بحكم الطبع إلى معرفة ما تمتاز به الأشراف من المعارف، وطرق ~~المعاشرة العالية؛ فلم يغب عنها حفظ أنساب العائلات الشهيرة في قومها والألقاب الرسمية التي ~~يمتاز بها كل شريف وعظيم، وهو علم ليس من السهل الإحاطة به في بلاد استبدادية مثل الروسيا، ~~تكثر فيها المميزات ولا تحصى الألقاب والامتيازات، فلم تهمل فاننكا يوما أن تنادي شخصا ~~بغير اللقب الممنوح له رسميا في الهيئة الاجتماعية الروسية، وكانت تحتقر كل من كانت ~~ألقابه أقل من «السمو» و«السعادة»، أما الخدمة والعبيد فأظن أن القارئ لا يغيب عنه أنها ~~كانت لا تشعر بأنهم من العالم في شيء، فغاية ما كانت تعتبرهم أنهم حيوانات بلحى (أغلب ~~الروسيين لا يحلقون لحاهم)، بل هم أحط عندها من فرسها وكلبها العزيزين لديها. وقد كانت ~~فاننكا - كباقي سيدات بلادها رفيعات المقام - متقنة لفن الموسيقى، وتتكلم أغلب لغات أوروبا ~~الشهيرة كلغة أجدادها. # أما ملامح وجهها ms07 فكانت أبلغ ما يمثل عواطفها؛ فهي جميلة جمالا يخالطه هيبة وكبرياء، ذات ~~عيون واسعة سوداء، وأنف مستقيم، وفم دقيق مرفوع الشفتين يمثل العظمة مجسمة، ولم تكن فاننكا في ~~عين قريناتها والكبيرات عنها مقاما سوى فتاة عادية الجمال لا تختلف عنهن شيئا مذكورا، ~~أما في عيون من دونها؛ فكانت كدمية من دمى آلهة اليونان القدماء، ترتد عنها الأبصار خاشعة، وهي ~~في عظمتها لا تكاد توليهم منها التفاتة. # ولما بلغت فاننكا السابعة عشرة طلبت معلمتها الإنكليزية الاستقالة؛ لتأثير برد روسيا على ~~صحتها، فمنحتها مزودة بالشكر والمنة، وبقيت فاننكا وحيدة ليس لها في العالم إلا حب والدها ~~وحنوه الأعمى؛ إذ يراها خلاصة الكمال البشري خلقا وخلقا. # وفي ذات يوم ورد للجنرال شرميلوف كتاب من صديق له من الصبا يدعى الكونت روميلوف، كتبه إليه ~~وهو على سرير وفاته، وكان ذلك الصديق قد اعتزل خدمة الحكومة إثر خلاف وقع بينه وبين بوتمكين ~~رجل روسيا الشهير، ثم انقطع في منزله بعيدا عن بطرسبرج ومشاغبها بمئات من الفراسخ، حيث ~~قضى بقية أيامه حزينا على حظه، وعلى الأخص لتركه ولده الوحيد فيدور في العالم بلا معين ولا ~~نصير، فكتب وهو في مرضه الأخير إلى صديقه الجنرال شرميلوف يوصيه بابنه فيدور خيرا، ويرجوه ~~باسم الصداقة القديمة العهد أن يسعى لدى القيصر لما له عنده من المكانة في تعيين ابنه ضابطا ~~ببعض الفرق حفظا لمستقبله من الضياع، فأسرع الجنرال شرميلوف بإرسال جوابه إلى صديقه يبلغه ~~فيه أنه مستعد لخدمته جهد طاقته، وأن ابنه سيجد منه أبا ثانيا حريصا على سعادته. # ولم يقدر لروميلوف أن يقرأ الجواب؛ إذ ودع العالم قبل وصوله، فاستلمه ابنه فيدور، ولما علم ~~ما فيه قصد بطرسبرج يحمل نعي أبيه لصديقه، ويلتمس منه إنجاز وعده المبرور، وكان الكونت قبل ~~وصول فيدور إلى المدينة قد سعى لدى القيصر، وتحصل له على رتبة ملازم ثان بفرقة سيمونوسكي، ~~بحيث استلم فيدور مهام وظيفته في اليوم التالي لوصوله. # ولم يلبث فيدور في منزل الجنرال إلا ريثما قضى ليلته، وتأهب لمهمته الجديدة، ms08 ولكنه رأى ~~فاننكا فحل حبها من قلبه محلا وجده خاليا فتمكن منه، وقد ساعد على تمكن هذا الحب من قلب ~~الفتى ما حباه به الجنرال من المنن، ثم ما صادفه من هيبة الفتاة التي استقبلته عندما قدم ~~لها استقبال ملكة لبعض رعاياها، ولم يكن الفتور الذي قابلته به إلا ليزيد في قدرها لديه، ~~فكان أول وآخر تذكار بقي أثره في قلب فيدور من بطرسبرج صورة ملائكية أوحت إليه الحب من ~~سماء الجمال، فصار من المؤمنين برسول الغرام، ومن أخلص الأنصار له والمجاهدين فيه. # أما فاننكا فلم تكد تشعر بوجود فيدور، وبالتالي فماذا يهمها من ملازم ثان في بعض الفرق لا ~~اسم له يمجد كاسم أبيها، ولا مستقبل ينتظر فتنفتح له الآمال ولا ثروة تحل محل هذا وذاك؟ ~~ففاننكا من سماء كبريائها كانت تؤمل إذا ألقت بنظرها إلى العالم أن تصير زوجة لأمير من ~~أمراء المملكة يجعلها سيدة من سيدات روسيا، إن لم يتح لها حظها تحقيق أمل أسمى من ذلك نترك ~~لقصص ألف ليلة وليلة وأمثالها عهدة وصفه وبيانه. # وبعد أن مضت على المقابلة الأولى بضعة أيام رجع فيدور من المعسكر؛ ليودع الجنرال قبل ~~الرحيل إلى الحرب؛ لانضمام فرقته إلى الجيوش المسافرة إلى إيتاليا تحت إمرة سوفاروف القائد ~~العام لجيوش الروسيا. وقد قال فيدور للجنرال ساعة وداعه: إنني راحل يا مولاي، فإما موت في ~~سبيل الشرف، وإما بلوغ لأمل يجعلني جديرا بالعناية والحماية التي أوليتني إياهما. # ولما تمثل فيدور أمام فاننكا هذه المرة ساءلت نفسها عما إذا كان هذا الفتى هو الذي قدم ~~لها من أيام ولم تمنن عليه بالتفاتة، أم هو غيره وقد تجلى أمامها الآن في ملبسه الحربي كأحد ~~أبطال القدماء وقد أثر فيها جمال منظره وفصاحة لسانه، وقد كانت نتيجة إعجابها به هذه المرة ~~أن تنازلت فقدمت له يدها للوداع لما دعاها والدها للسلام عليه، وكان ذلك فوق ما يؤمل فيدور، ~~فجثا على ركبته خاشعا أمامها كخشوعه لملكة ذات ملك وتاج، وأخذ يدها بين يديه المرتجفتين ~~فرفعها ms09 إلى شفتيه، ولم يكد يقبلها إلا لمسا، فأحست الفتاة بحر أنفاسه فاعتراها لقبلته هزة ~~انتفض لها جسمها وخفق قلبها وتوردت وجنتاها، فلما أدركت حرج موقفها سحبت يدها من يدي الفتى ~~فجأة؛ حتى خشي أن يكون وداعه قد جرح إحساسها، فلبث في مكانه صامتا وعيناه مرفوعتان إليها ~~ترجوان العفو والسماح، فطمنت خاطره بابتسامة أحيت ميت آماله؛ فهب واقفا وقد استولى عليه فرح ~~عظيم لا يدري من أين أتى وكيف أتى، إنما أدرك أمرا واحدا؛ وهو أنه سعيد ولو كان على وشك أن ~~يفارق مالكة فؤاده. # وقد سافر فيدور وقلبه مملوء بالآمال، والأمل عماد الحياة، فكان يرى المستقبل على وعورة ~~مسالكه غايته الغبطة والسعادة على أي حال، فإن قدر له أن يموت مات شريفا في ساحة القتال، ~~ويكفيه وهو في آخر أنفاسه أن تفتكر به فاننكا وتترحم عليه، وإن قدر له أن يعيش نال درجات ~~الفوز والنصر، فتتولاه السعادة برعايتها وأنعم بها من ولي كريم. # | الفصل الثالث # في الزمن الذي وقعت فيه حوادث روايتنا كانت فرنسا ضامة لسلطتها ما وراء جبال الألب من ~~البلاد السويسرية والإيتالية التي افتتحها نابليون بونابرت الشهير، وكانت جنودها موزعة على ~~تلك البلاد؛ لحمايتها ورد المطامع عنها، ولما رأت بعض دول أوروبا اتساع سلطان فرنسا أرادت ~~مناوأتها؛ فانضمت الروسيا - وهي حديثة العهد في مضمار السياسة - إلى النمسا، واتحدت الدولتان على ~~مقاومة الجنود الفرنساوية ومناصبتها العداء، فجردت الروسيا جيشا عهدت بقيادته إلى الفلدماريشال سوفاروف الشهير (وكان فيدور من ضباط هذه التجريدة كما سبق التلميح في الفصل السابق) ~~وأرسلته للحاق بجيش النمسا في ميدان الحرب، فسافر الجيش الروسي مخترقا الأراضي الألمانية ~~فأشرف على إيتاليا بعد أن جاز جبال التيرول، ثم دخل مدينة فيرون في 14 أبريل سنة 1799، ~~وحينذاك ضم سوفاروف جيشه إلى جيش الجنرال ميلاس النمساوي وتولى قيادة الجيشين. # وفي الغد اقترح عليه أحد القواد أن يرسل الطلائع لاستكشاف العدو، فنظر إليه سوفاروف ~~متعجبا، وقال: إني لا أدري واسطة لاستكشاف العدو أبسط من أن أسير إليه توا وأهاجمه. # وتلك كانت ms10 خطة سوفاروف الحربية، وبها انتصر على الجيش التركي في واقعتي فولكشاني ~~وإسماعيلوف، وبها افتتح بولونيا بعد تجريدة لبثت ثمانية أيام، وبها استولى على براجا في أقل ~~من أربع ساعات، حتى أعجبت كاترينة قيصرة الروسيا بإقدامه؛ فأرسلت إليه تاجا من أغصان ~~السنديان محلى بالأحجار الكريمة، تبلغ قيمته ستمائة ألف روبل روسية، وأهدته صولجان القيادة من ~~الذهب الخالص مرصعا بالماس، وقلدته رتبة الفلدماريشالية العظمى (وهي رئاسة الجيوش العامة) ~~ومنحته أن يسمي فرقة في الجيش باسمه إلى ما شاء الله، ولما رجع من الحرب أقطعته ضياعا ~~واسعة بها ثمانية آلاف من العبيد لخدمة أرضها، ولم يكن سوفاروف مع كل ذلك ابن قائد أو أمير، ~~بل كان أبوه ضابطا بسيطا في الجيش الروسي، ولم ينل ما نال إلا بجده واجتهاده، فما أجمله ~~مثالا لمن يريد التشبه بأعاظم الرجال في جليل الأعمال! ولقد نظر فيدور لرئيسه الأعظم فوجده ~~القدوة المثلى التي يجب عليه السير على خطتها، ومثال الغاية التي ترمي آماله إليها، فأصبح ~~وأمسى لا يفكر إلا في أنه يبلغ يوما مبلغ ذلك القائد العظيم، وما ذلك على الراغب العامل ~~بعزيز، فيكون من فيدور سوفاروف القرن التاسع عشر، وخير خلف لخير سلف. # وكان سوفاروف قوي العزيمة ثابت الرأي مقداما جسورا، فساعدته هذه الصفات على مطاردة جيوش ~~الجمهورية الفرنساوية، وكانت تحت قيادة الجنرال شرر، وكان شرر هذا متزعزعا في الرأي لا يثبت ~~على فكر، فكان من نصيبه التقهقر دائما أمام عدوه، لا سيما وأن جيشه لا يبلغ الثلاثين ألفا، ~~على أن جيش الروسيا والنمسا كان ينوف عن مائة ألف مقاتل. # وقد بدأ سوفاروف العدو كعادته بضربة كادت تقضي عليه، فإنه حاصر مدينة برشيا في العشرين من ~~أبريل، فحاولت المدينة الدفاع فلم تكن إلا نصف ساعة أمطرت فيها القنابل حتى قضي الأمر ~~وافتتحت أبواب المدينة عنوة، ودخلتها فرقة من الجيش وفي مقدمتها أورطة فيدور، فطاردت ~~حاميتها فلجأت الحامية - وكانوا ألفا ومائتي رجل - إلى قلعتها وامتنعوا فيها، ولكن لما رأى ~~قائد الحامية - وكان فرنساويا يدعى بوكريه - أن العدو ms11 لا يكل عن متابعته وقد تسلق جدران ~~القلعة وراءه؛ طلب الأمان وسلم السلاح فأخذ أسيرا هو ومن معه. # وبعد هذه النصرة عبر سوفاروف بجيشه نهر الأوليو، وقسم جنوده فرقا حاصرت المدائن، وتحصنت في ~~المواقع الحربية المنيعة، فانتشر بذلك الجيش على خط طوله ثمانية عشر فرسخا من الأرض قد ~~شغلها برجله وخيله. # أما شرر فقد عجز عن المقاومة أمام هذه القوى الهائلة، فركن إلى القهقرى، وهدم في طريقه كل ~~الجسور التي كان أقامها على نهر الأدا؛ حتى لا يتحمل أعباء الدفاع عنها، ثم نقل معسكره العام ~~إلى ميلانو، ولبث فيها ينتظر رد جواب أرسله إلى حكومة الديركتوار الفرنساوية يقدم فيه ~~استعفاءه، ويطلب من يخلفه على الجيش، ولما طال عليه الانتظار، ورأى أن جيوش سوفاروف لا تزال ~~تحث وراءه السير؛ خاف عاقبة الأمر، فعهد بقيادة الجيش إلى من توسم فيه الكفاءة من ضباطه، ~~فكانت القيادة من نصيب مورو، ولما بلغ الأمر الجيش هلل له واستبشر، ولما تجلى عليه قائده ~~الجديد هتفت الجنود صائحة: «ليعش مورو، ليعش مخلص جيش إيتاليا»، فأثر هذا الإخلاص وتلك ~~الحمية في نفس مورو حتى ألهياه حينا عن خطر الموقف الذي أصبح فيه الجيش، وكان العدو قد حصره ~~من الجناحين والأمام، ولا بد من مقاومته من جيش يبلغ عدد جيشه؛ لينتشر أمامه صفوفا موازية ~~لصفوفه على مسافة عشرين فرسخا على الأقل، وجيش الفرنساويين دون ذلك بكثير. # فلم يجد مورو طريقة أسلم من مقاومة العدو بمنعه عن عبور نهر الأدا بأي واسطة كانت؛ حتى تصل ~~إليه النجدة التي ينتظر ورودها، فقام يتولى الدفاع عن قنطرة كسانو، وهي المعبر الوحيد للنهر؛ ~~فحصنها وأقام على رأسها الطوبجية، وعززها بالنقط الأمامية المحصنة. # وكان مورو بصيرا فلما رتب أمره كما ذكرنا؛ حفظ لنفسه خط الرجعى، ومهد لجيشه سبيل الوصول ~~إلى جبال الأبنين أو شواطئ جنوة إن لحق به الانكسار. # ولم يكد يفرغ مورو من استعداداته الحربية حتى بلغه خبر دخول سوفاروف مدينة تريفليو وتسليم ~~مدينة برغامة وقصرها، فأقام في مكانه ينتظر العدو حتى لاحت ms12 طلائعه في اليوم الخامس والعشرين ~~من أبريل. # ولما وصل سوفاروف عسكر بجنوده على مرمى المدفع من النقط الأمامية الفرنساوية، وكانت جيوشه ~~ضعف جيوش الفرنساويين. # وفي المساء أرسل فيدور خطابا إلى الجنرال شرميلوف يقول فيه: «صرنا أمام الفرنساويين ~~وجها لوجه، وستكون غدا واقعة هائلة أتعشم ألا تغرب شمسها إلا وأنا ملازم أول أو صريع ~~بين القتلى.» # وفي الغد سمع دوي المدافع من جناح الجيشين، حيث اشتبك بينهما القتال، ولكن دحر جناح ~~الفرنساويين الأيمن، وصدت غارة الروسيين عن جناحه الأيسر، وأقبل الليل بظلامه؛ فاغتنم فرصته ~~الروسيون فأصلحوا القنطرة التي كان هدمها الفرنساويون، وأقاموا أخرى على فرسخين منها، وقد ~~تم إنشاء القنطرتين دون أن تشعر به النقط الفرنساوية. # وفي الساعة الرابعة من الصباح عبر النهر قسم عظيم من جيش سوفاروف، فباغت النقط الفرنساوية ~~التي صادفها في طريقه، والسريات التي أتت لتعزز قلب الجيش الفرنساوي، واشتبك بين الفريقين ~~قتال عنيف، أظهر فيه رجال بونابرت ما يشهد بشجاعتهم وشهامتهم، إلا أنهم اضطروا إلى التقهقر ~~لكثرة عدد العدو، وبينما هم في حال من الضيق شديد إذ سمعوا أصواتا آتية من خلفهم، وكانت ~~تلك نجدة أرسلها مورو لتدرك الفرق التي هاجمها الروسيون، فأتت والقوم في أشد الحاجة ~~إليها. # ولما اعتزت جنود الفرنساويين بهذه النجدة هاجمت الأعداء واضطرتهم إلى التقهقر، ودام ~~الفريقان في أخذ ورد، حتى وافت نجدة من النمساويين؛ فاضطر الفرنساويون إلى الانسحاب لقرية ~~بوتزو، ولبثوا هناك ينتظرون قدوم العدو؛ فوافاهم بعد قليل، وانحصر القتال في بوتزو؛ فأخذت ~~القرية واستردت ثلاث مرات متوالية، وفي الرابعة كل الفرنساويون لتكاثر العدو عليهم؛ فاضطروا ~~أن يخلوها. وكان بين الفرنساويين قائد يدعى الجنرال بيكر لم تسمح له نفسه بالقهقرى؛ فلبث مع ~~بعض رجاله يقاتل الأعداء؛ حتى خلت من حوله أعوانه صرعى، فاضطر أن يسلم نفسه أسيرا لبعض ضباط ~~الروسيين. أما الفرنساويون المنهزمون من الفرق المباغتة، فقد فرقت بينهم فرسان النمساويين؛ ~~فقصدت كل فرقة قرية تحصنت فيها. # وفي تلك الأثناء انحصر القتال أمام قنطرة كسانو؛ فهاجم ميلاس ومعه 20 ألف رجل الاستحكامات ms13 ~~الأمامية للقنطرة، وما زال يهاجمها برجاله ويرد عنها ثلاث مرات فقد منه فيها ألف وخمسمائة ~~مقاتل، وهو كل مرة تنجده فرقة من أتباعه؛ حتى اضطر الفرنساويون في المرة الرابعة أن ينحازوا ~~إلى الاستحكامات الداخلية المقامة على رأس القنطرة نفسها، وكان مورو قائد الدفاع بذاته، ~~فانتشب هناك قتال تشيب له الأطفال، فكانت القنابل تطيح الرءوس والموت يحصد النفوس، ولا زالت ~~النجدات تتوالى على النمساويين، وقد اتخذوا من جثث رفاقهم سلما ارتقوا عليه ذروة ~~الاستحكامات، حتى رأى مورو أن الدفاع لا يجديه نفعا، فأمر بالقهقرى، ولبث بنفسه فوق القنطرة؛ ~~ليحفظ لجيشه سبيل المرور، وكانت معه فرقة من الفرسان لم يبق منها حوله بعد نصف ساعة سوى 120 ~~نفرا، وكان فيمن قتل حوله ثلاثة من أركان حربه العظام، ولما تمكن الجيش من العبور بلا طارئ؛ ~~تبعه مورو، وما كاد أن يصل الضفة الثانية من النهر حتى ظهر النمساويون في طرف القنطرة من ~~الضفة الأولى وأسرعوا في لحاقه، ولكن لم تكن إلا طرفة عين حتى سمع الفريقان صوتا غلب دوي ~~المدافع وشاهدا القنطرة قد انقضت بمن عليها من فرق النمساويين. # وفي ذلك الحين رأى مورو الفرق التي كانت بعيدة عنه قد آبت منكسرة تتبعها الأعداء، فضمها ~~إليه وأدار وجهه للعدو يكافحه، وتمكن ميلاس في تلك الفترة من إعادة بناء القنطرة؛ فعبر عليها ~~بجموعه؛ فانحصر مورو من جناحيه وأمامه بجيوش تعادل عدا ثلاثة أمثال جيوشه، ولما رأى ضباطه ~~ذلك التمسوا منه أن يأمر بالقهقرى؛ لأن حفظ إيتاليا متعلق بسلامته، فقاوم أفكارهم مورو حينا ~~من الزمن، وكان مدركا جسامة الخطر الذي وقع فيه وعظم الخسارة التي تنجم عن انهزامه، فرأى ~~أن الموت خير له من البقاء بعد الهزيمة، وما زال يكافح ليحفظ لباقي جيشه خط الرجعى، حتى ~~تساقطت من حوله رجاله صرعى في ميدان الوغى، ولبث القتال ثلاث ساعات أتت فيها مؤخرة الجيش ~~الفرنساوي بالمدهشات، ولما رأى ميلاس أن معظم جيش العدو قد أفلت من يده، وأن رجاله قد ملت ~~القتال أمر بالكف عن الحرب، وكانت ms14 الجيوش الفرنساوية قد تمت هزيمتها بعد أن فقد 2500 رجل ~~و120 مدفعا. # وفي المساء دعا سوفاروف الجنرال بيكر الأسير إلى تناول الطعام معه وسأله عمن أسره، فأجاب ~~أنه ضابط حديث السن من الفرقة الأولى التي دخلت بوتزو، فتحرى القائد العام عن ذلك الضابط ~~فعلم أنه فيدور روميلوف، حيث كان قادما ليقدم لرئيسه سيف الجنرال المأسور، فدعاه سوفاروف ~~إلى الطعام معه وأسيره، وفي الغد كتب فيدور إلى الجنرال شرميلوف يقول: «لقد قمت بوعدي، وصرت ~~ملازما أول، وقد التمس لي الفلدماريشال سوفاروف من جلالة القيصر رتبة سان ~~فلاديمير.» # وفي اليوم الثامن والعشرين من أبريل دخل سوفاروف مدينة ميلانو بعد أن انسحب منها مورو إلى ~~ما وراء نهر التيزان، ثم لصق سوفاروف على جدران المدينة الخطبة الآتية ترجمة نصها: # قد أقبل جيش الإمبراطور الرسولي والقدسي إلى هنا، وما غرضه من الحرب إلا تأييد ~~سلطة الدين ورؤسائه في إيتاليا، ورد حكومتها القديمة إليها. # فاتحدوا معنا - أيها الشعوب - باسم الرب والدين؛ لأننا حضرنا بجيش من ميلانو وجيش من ~~بليزنسه لخلاصكم. # وقد وقعت بعد ذلك جملة وقائع كان سوفاروف فيها المنتصر، ولكنها أضعفت جيوشه وأنهكت قواها، ~~وبينما القائد الروسي مستعد لمتابعة السير حسب الأوامر التي لديه إذ وافاه خطاب من المجلس ~~الأعلى بفينا يقول: إن الدول المتحالفة قررت الإغارة على أرض فرنسا، ورسمت لكل قائد خطة سيره، ~~وهي تأمر سوفاروف أن يقصد فرنسا عن طريق سويسرا. وكان مع سوفاروف 30 ألف مقاتل روسي؛ فانضم ~~إليه 30 ألفا أخرى من الجيش الاحتياطي تحت قيادة كوساكوف، ونحو 30 ألفا من النمساويين تحت ~~قيادة الجنرال هوتز، ونحو 6 آلاف من مهاجري الفرنساويين الثائرين على حكومتهم تحت قيادة ~~البرنس ده كوندي، فبلغ جيش سوفاروف بذلك نحو خمسة وتسعين ألف مقاتل. # وقد أصيب فيدور بجرح في إحدى الوقائع، فأنعم عليه جزاء شجاعته بوسام آخر، ورقي إلى رتبة ~~يوزباشي، فعجل السرور شفاءه حتى تمكن من اللحاق بالجيش في 13 سبتمبر لما تحرك قاصدا جبال ~~سويسرا. # | الفصل الرابع # كان جيش الروسيين ومحالفيهم بخير ms15 ما دام في سهول إيتاليا الجميلة تحت ظل سمائها الصافية ~~الزمردية، فلما تركت الجنود تلك السهول الخصيبة والبلاد الرحيبة، وأمت الجبال والمضايق فتجلت ~~أمامها القمم الشامخة متوجة بالثلوج الأبدية، خمدت حميتها وضعفت عزيمتها واستولى على ~~أفئدتها الخوف من مستقبل مملوء بالمخاطر والوحشة، فتآمرت الجنود فيما بينها على العصيان، ولم ~~تمض برهة حتى أجمعت الصفوف على القهقرى، ووقفت طليعة الجيش مصرحة بأنها لا تقوى على المسير، ~~ولا تتقدم خطوة إلى الأمام، وكان فيدور قائد سرية في الطليعة؛ فبذل جهده في نصحها والتماس ~~ردها إلى الطاعة، وسار في مقدمتها؛ ليشجعها على المسير، فألقى جنوده أسلحتهم على الأرض ورقدوا ~~بجانبها. وفي تلك الساعة طرقت المسامع غوغاء مقبلة من مؤخر الجيش، وإذا هي أصوات الجنود ~~موجهة بالتضجر والتأفف إلى الجنرال سوفاروف، وقد تقدم بنفسه ليرى أسباب الخلاف، فلما وصل إلى ~~الطليعة ارتفع ضجيج الجنود، وانقلب تأففهم صخبا وسبابا، فقام فيهم سوفاروف خطيبا، وحاول ~~استمالتهم إليه بقوة بيانه التي طالما أتت بالمدهشات إبان المعارك، فتغلبت أصوات الجنود ~~على صوته وارتفع من جميع أركان الجيش صوت يقول: «القهقرى، القهقرى.» فأحضر سوفاروف لديه من ~~رآهم أشد تمردا في الجنود، وأمر بضربهم على مشهد من الجيش، فلم تكبح تلك الوسيلة جماح ~~الثائرين وارتفع الضجيج، فرأى سوفاروف أنه إن لم يلجأ إلى واسطة قوية المفعول تنصره على ~~جنوده؛ ذهبت آماله أدراج الرياح وآب بالخسران بعد أن كاد يطرق باب النجاح، فتقدم نحو فيدور ~~وأمره بصوت رهيب قائلا: أيها اليوزباشي، دع هؤلاء الجبناء جانبا، وخذ ثمانية من صف الضباط ~~واصنع هنا حفرة في الأرض. # فنظر فيدور إلى الجنرال مندهشا كأنه يسأله سبب هذا الأمر الغريب، فقال له سوفاروف: افعل ~~ما أمرتك به. # فلم يسع فيدور إلا الطاعة، وابتدأ صف الضباط الثمانية في العمل، فلم تمض عشر دقائق حتى تم ~~إعداد الحفرة، وقد بلغ العجب من الجيش أقصاه، واجتمعت الجنود نصف دائرة حول القائد العام ~~منتشرة على سفوح الجبال ومنحدراتها؛ لترى خاتمة هذا الفصل العجيب، وعندئذ ترجل سوفاروف عن ~~جواده وأمسك ms16 بحسامه فقصمه وألقاه في الحفرة، ثم مزق الرمانات عن أكتافه فألقاها مع حسامه، ثم ~~انتزع وساماته عن صدره فأردفها بها، ولما تجرد كذلك عن شاراته وملابسه نزل إلى الحفرة فتمدد ~~فيها، وصاح بأعلى صوته قائلا: أهيلوا علي التراب ... واتركوا هنا قائدكم، فلستم بأبنائي ولست ~~بأبيكم، ولخير لي أن أموت. # فدوت هذه الكلمات في الفضاء، ورددها الصدى بين الجبال، ولم تبق أذن في الجيش لم تسمعها، ~~فاندفعت فرسان الروسيين نحو الحفرة والدموع ملء محاجرهم، فرفعوا قائدهم على أذرعهم يلتمسون ~~عفوه ورضاه، ويطلبون منه أن يقودهم إلى العدو أيا كان وأنى كان، فصاح بهم سوفاروف قائلا: ~~الحمد لله، الآن عرفت أبنائي، فهيا بنا نحو العدو، هيا بنا نحو العدو. # فقابلت الجنود كلماته هذه المرة بالتهليل والهتاف، وبينما هو يضع ثيابه إذ اقترب منه ~~المتمردون الذين أمر بضربهم أقبلوا يزحفون على الأرض ليقبلوا قدميه، ويسألوه العفو والسماح ~~فصفح عنهم. # ولما أتم سوفاروف وضع ملابسه وتقلد ثانيا وساماته وشاراته اعتلى صهوة جواده. وسار يتبعه ~~الجيش وقد آلت الجنود على نفسها أن تكافح حتى تموت دون أن تترك أباها المحبوب. # | الفصل الخامس # تقدم سوفاروف وجيوشه غازيا مدينة إيرولو، وكأن السعد الذي كان ملازما له في سهول ~~إيتاليا رأى الطريق شاقة عليه ففارقه على جبال سويسرا؛ إذ لبث 3 آلاف من فرسان الروسيين ~~يقاومون 600 من الفرنساويين تحت أسوار المدينة المذكورة، فلم يتمكنوا من الظهور عليهم ~~وهاجمهم الليل على غير طائل، ولما أشرق الصباح سير سوفاروف جموعه كلها لاستخلاص المدينة من ~~قبضة هؤلاء الأبطال، ولكن قاومته عناصر الطبيعة فاسود وجه السماء وأرسلت إليه الرياح مطرا ~~من البرد رفيعا كالحصى يدمي الوجوه، فاغتنم الفرنساويون الفرصة فأخلوا المدينة أمام هذه ~~القوى العديدة، وذهبوا ليلجئوا إلى مكان حصين، فاحتلوا أعالي هضبات الفركة وجرسمال، وتم بذلك ~~الانسحاب استيلاء الروسيين على جبل سان جوتار. # وقد علم سوفاروف أن المكان ليس بأمين؛ فلا يكاد يبرحه حتى يحتله أعداؤه، ولكنه رجل تعود ~~الإقدام، والإقدام يستلزم التقدم، فترك - غير مبال - جبل سان جوتار وسار ms17 فافتتح أندرمات، واخترق ~~مضيق الأوري، حتى إذا وصل إلى مضايق «كبري الشيطان» وجد عندها ألفا وخمسمائة من الفرنساويين ~~تحت قيادة لكورب تعترض المجاز، فاشتبك القتال بين الفريقين، ولحصانة مركز الفرنساويين ~~تمكنوا وهم ألف وخمسمائة من صد الروسيين وهم ثلاثون ألفا ثلاثة أيام متواليات، فزمجر ~~سوفاروف وأرعد، وسخط على الأيام ورماها بنقض الزمام، وفي اليوم الرابع من هذا الموقف الحرج ~~أتاه نبأ زاد الطين بلة؛ إذ علم أن أحد قواده - وهو الجنرال كورساكوف، وكان أرسله أمامه ليلحقه ~~بعد قليل - قد هزمته جيوش موليتور الفرنساوي، فاضطر سوفاروف أن يغير خطته ويسرع لنجدة كورساكوف، فأرسل إليه كتابا يقول فيه: # أنا طائر لإصلاح غلطاتك، فاثبت مكانك وقاوم مقاومة الجبال التي لا تتزعزع، وإن ~~رأسك رهين كل خطوة ترجعها إلى الوراء. # ثم أرسل إلى باقي قواده المتفرقين يأمرهم بأن يوافوه في وادي جلاريس، حيث عزم على حصر ~~موليتور فيه بين نارين. # وكان سوفاروف مطمئنا لتلك الخطة واضعا فيها كل آماله وعلى يقين من نجاحها، فلما وصل ~~إلى هضبات كلون تال المشرفة على وادي جلاريس أنفذ رسولا إلى موليتور يدعوه للتسليم، قائلا ~~له أن لا سبيل إلى الدفاع، وقد أحدقت به الجيوش من كل جانب، فأرسل إليه موليتور يخبره أن ~~قواده أخلفوا الميعاد، ولن يوافوه في الملتقى المعهود؛ لأنه حطم جيوشهم الأول بعد الآخر، ~~ويزيده علما بأن رفيقه مسينا الفرنساوي آت عما قريب عن طريق موتو فيصبح (أي سوفاروف) في ~~الموقف الذي ظن أن يجده فيه بين نارين كما يقول، فهو ينصحه الآن بوجوب التسليم. # ولما بلغ سوفاروف هذا الجواب اعترته الدهشة، وأدرك خطارة الموقف الذي أصبح فيه محصورا في ~~تلك المضائق والهضبات، فاندفع على موليتور مهاجما، فقابله هذا بثبات عجيب، ولبث طول يومه ~~حافظا مركزه بألف ومائتين من الفرنساويين ضد 15 أو 18 ألفا من الروسيين. ولما أقبل الليل ~~ترك موليتور هضبات الكلون تال، وذهب ليحمي قنطرتي نوفلس وموليس، فتبعه سوفاروف، حتى إذا بلغت ~~جيوشه سهول جلاريس علم ما لحق بقواده من الدمار، وتأكد صدق ms18 نبوة موليتور، وأيقن أنه سيصبح ~~عما قريب في الموقف الذي كان يؤمل أن يسوق موليتور إليه، فلم يبق لسوفاروف أمل إلا في ~~الخلاص؛ فأسرع بجنوده يجتاز المفاوز والمضايق تاركا جرحاه وجزءا من بطارياته. فلما رآه الفرنساويون يلتمس سبيل النجاة أسرعوا في اللحاق به؛ فاشتبكت بين الفريقين عدة ~~وقائع طورا في الأخوار والمضايق، وطورا على الهضبات وفوق القمم الشامخات، فكان منظرا ~~رهيبا، ويوما عصيبا، ثلاثة جيوش مختلفة الأجناس - من فرنساويين وروسيين ونمساويين - تجتاز طرقا ~~لم تسلكها الغزلان لوعورتها، ولم تطأها قدم إنسان لوحشتها، تؤم مجاوز السحاب ومساكن النسور، ~~كأنها تستشهد السماء على ما يأتيه ابن آدم من فظائع الأمور، حتى أزعجت الطيور في مكامنها ~~وأقلعت الوحوش في مساكنها، وبدلت برد الثلوج نارا، وصبغت مياه السيول احمرارا، وأرسلت من ~~قمم هذه الجبال الشامخة جثث القتلى إلى جوف الأخوار والوديان، وحصد الموت النفوس، واستولى ~~سلطانه في تلك الأصقاع القفرة التي لم تألفها الحياة، حتى شبعت النسور والعقبان من لحم ~~الإنسان، ولم تزل سكان البلاد المجاورة تروي فيما ترويه من خرافاتها أن الطيور، لكثرة ~~الغنيمة ووفرة الفريسة، كانت تعاف الجثث فلا تحمل إلى صغارها إلا عيون القتلى غذاء ~~وقوتا. # ولما اجتاز سوفاروف هذه الجبال، وجمع حوله جنوده وقواده على مقربة من لندو، أحصى ما بقي من ~~جيشه فإذا به ثلاثون ألفا من المائة ألف التي سلمه القيصر قيادتها، فكأن به قد خسر من جنوده ~~ضعف جيوش الفرنساويين الذين كادوا له هذا الكيد وأبلوا فيه هذا البلاء، فعظم عليه الأمر ~~ونسب ما أصابه من الفشل إلى النمساويين الذين تحت إمرته، وصمم على ألا يأتي عملا حتى ~~تأتيه أوامر القيصر، فكتب إليه يبلغه حال الجيش، ويعلمه بخيانة الجيوش المتحدة، فأتاه جواب ~~القيصر يأمره أن يسلك بجنوده طريق الروسيا، وأن يسبقها هو إلى سان بطرسبرج، حيث أعد لاستقباله ~~احتفال فخيم، وهيئ قصر قيصري لنزوله به، ويبلغه أن سيرفع له تمثال في أحد ميادين سان ~~بطرسبرج العمومية تذكارا لأعماله الجليلة. # وشاع خبر الإياب إلى الأوطان بين الجنود الروسية، ms19 فأبرقت أسرتها بشرا ورقصت قلوبها ~~فرحا، وكان أجزلها بلا شك قلب فيدور، كيف لا وقد آن له أن يلتقي بمالكة فؤاده فاننكا التي ~~لأجلها خاض معامع الحروب، واستقبل كرات المدافع دافعا نفسه أيان وجد خطرا؛ طمعا في الشهرة ~~وإحرازا للمجد، فكم شهدت له سهول إيتاليا من آيات في الشجاعة بينات، وحفظت له جبال سويسرا ~~دلائل في الإقدام مدهشات، حتى اكتسب محبة سوفاروف واحترامه، وهو رجل لا تخطب مودته بالمهر ~~القليل، وأصبح جديرا مع هذه المكانة برعاية الجنرال شرميلوف، وبمحبة ابنته أيضا إن أسعده ~~الدهر. # لنرجع إلى سوفاروف، فإنه ما كاد يصل إلى ريجا من أعمال روسيا حتى أتاه كتاب من مشير ~~القيصر الخصوصي يبلغه فيه عن لسان القيصر أنه علم أن الجنود مالت إلى الثورة في بحر هذه ~~التجريدة، وأنه (أي سوفاروف) بدلا عن أن يؤدبها على العصيان صفح عنها وتجاوز عن زلاتها، ~~وفي ذلك مخالفة لأقدس القوانين العسكرية، فالقيصر يمنعه ما وعده به من المنح والامتيازات ~~ويحرم عليه أن يتمثل لديه. # وكان القيصر بول الأول هوائيا لا يستقر على رأي، فلم يدر سوفاروف ما الموجب لهذه النقمة ~~بعد هذه النعمة، وزادت جراحه وتضاعفت آلامه وتكدر عليه صفو أيامه بعد أن كادت تنقشع غياهب ~~أكداره، فجمع ضباط جيشه وقواده حوله في ساحة مدينة ريجا، وقام يودعهم باكيا كأب يودع أولاده ~~وقد قدر عليه أن يفارقهم إلى الأبد، فودعته الجنود باكية، فعانق سوفاروف القواد العظام، ~~وصافح باقي الضباط، وودع الجيش وداعه الأخير، ثم صعد في عربته قاصدا العاصمة واصلا سير ~~الليل بالنهار لسرعة الوصول إليها، فدخلها متخفيا بعد أن كان من نصيبه أن يدخلها ظافرا ~~منصورا، وقصد أحد أخطاطها القصية، حيث أم منزلا لإحدى بنات أخيه، فانزوى فيه، ولم يمض على ~~وصوله خمسة عشر يوما حتى أسلم الروح منصدع الفؤاد، وكانت تلك خاتمة هذا الرجل العظيم، وهي ~~أشبه بخاتمة كل من عمل على خدمة بلاده، سنة الدهر في عظمائه، فيا لعبر الدهر وعظات ~~الزمان. # | الفصل السادس # آب فيدور إلى بطرسبرج كما ms20 آب إليها سوفاروف لم تسبقه بشائر القدوم، ولا استعد لاستقباله ~~صديق، آب ولا أب ينتظر ساعة قدومه، ولا أم حنون تفتح له أحضانها، لكنه امتاز عن سوفاروف إذ ~~آب والأمل ملء قلبه، والحياة باسمة له، والشباب يشجعه، والهوى يدفعه، فلما دخل المدينة ركب ~~عربة، وقصد توا قصر الجنرال شرميلوف، وما كاد يصل إليه حتى قذف بنفسه من العربة، فاجتاز ~~صحن الدار، ورقي درج السلم مثنى وثلاث ورباع، ولما أبصر به حاشية الجنرال ذهلوا لهذه ~~المفاجأة، أما هو فسألهم: أين الجنرال؟ فأشاروا إلى غرفة الطعام حيث الجنرال يتناول الغذاء ~~مع ابنته. # وحينذاك وقف فيدور باهتا فاقد الحركة والإرادة، وأحس كأن ركبتيه قد خانتاه؛ فاستند إلى ~~الحائط؛ كي لا يسقط من الانفعال، ولعمري فالموقف رهيب والساعة هائلة، إذ آن لفيدور أن يرى ~~فاننكا، فتلك التي لم تبرح صورتها لحظة من ذهنه، إذ كانت تتمثل له في معترك الحروب باسمة ~~الثغر؛ فيظن لمعان الأسنة من ضياء تبسمها، فيخوض المعامع بجأش ثابت وجنان قوي تلك التي ~~انحصرت آماله فيها، وشيدت دعائم سعادته على التقرب منها، فظل لا يفكر إلا فيها، ويترقب ~~الساعة التي تجمعه بها، تلك الحبيبة العزيزة صارت على بعض خطى منك يا فيدور، وما هو إلا ~~اجتياز الباب حتى تمتع طرفك في محاسنها، وتروي صدى قلبك المشتاق من رؤيتها، فما بالك أصبحت ~~موثقا لا تقوى على حركة، أفتقدم على المدافع وهي مسددة أفواهها نحو صدرك، وتستقبل كراتها ~~وقنابلها بقلب لا يهاب الموت، وتعجز الآن عن مقابلة فتاة لم تكد تنفتح أمامها أبواب الشباب، ~~ويبتسم لها ربيع الحياة، ويك، أي سلطان قهر إرادتك؟ وأي طلسم أبطل فعل عزيمتك؟ # لسلطانك - أيها الحب - تنحني رءوس الجبابرة، وتنصدع قلوب الأبطال، وتلك هي قدرتك، فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر. # لبث فيدور باهتا، وأنظاره متجهة نحو باب الغرفة التي فيها فاتنة فؤاده، وبينما هو كذلك إذ ~~فتح باب الغرفة فجأة وظهرت منه فاننكا، كأنها خرجت تستخبر عما سمعته من الغوغاء، فلما أبصرت ~~بالفتى صاحت، والتفتت نحو والدها ms21 قائلة: أبي هذا فيدور! # ومن سمع لهجتها الممزوجة بالفرح عندما ألقت هذه الكلمات ؛ لا يرتاب برهة في العاطفة التي ~~بعثت إليها، وما كادت كلماتها تطرق آذان الجنرال حتى اندفع خارج الغرفة صائحا: فيدور، ~~فيدور. # ومد يديه نحو الشاب، وكان فيدور على وشك أن يركع لدى فاننكا، فلما رأى الجنرال مادا إليه ~~يديه، قدم واجب الشكر والاحترام على واجب الحب والغرام، فارتمى في أحضان الجنرال، حيث ضمه ~~هذا إلى صدره بشوق وحنان، ثم التفت فيدور نحو فاننكا وجثا على إحدى ركبتيه أمامها كما جثا ~~ساعة أن ودعها، لكن الفتاة عملت على إخفاء عواطفها حفظا لكرامة كبريائها، فاختفى الاحمرار ~~الذي ورد وجنتيها حينا، ورجعت إلى ما كانت عليه من الثبات والسكينة كأنها صنم يمثل الكبر ~~أفرغته يد الطبيعة، وأتمت إتقانه التربية، ثم مدت يدها إلى فيدور فقبلها، ولكنه شعر بها ~~باردة كالجليد ترتعش بين يديه، فخفق قلبه بقوة وكاد يغمى عليه. # أما الجنرال فالتفت إلى ابنته قائلا: أي فاننكا، ما هذا الفتور الذي تقابلين به صديقا ~~مخلصا، سبب لنا بعده من الآلام قدر ما جلب لنا قربه من السرور؟! هيا يا ولدي فيدور وقبل ~~ابنتي. # فهب فيدور واقفا وعيناه ناظرتان إلى فاننكا ترجوان تحقيق أمنية حبيبها بإطاعة أمر أبيها، ~~ولكنه لبث ساكتا هائبا منتظرا منها إشارة تشجعه على أن يصدع بالأمر. # فنظرت إليه فاننكا باسمة، وقالت وهي تجتهد في كتم الاضطراب الذي تولاها: ألم تسمع ما قال ~~أبي؟ # فأدنى فيدور شفتيه من خد فاننكا، وكانت يدها لم تزل في يده، فشعر كأن تلك اليد قد ضغطت على ~~يده ضغطا خارجا عن إرادتها، دفعها إليه عامل نفساني خفي، فكاد أن يصيح فيدور من الفرح، ~~لولا أن اندهش لما رأى وجه فاننكا باهتا، وشفتيها قد ابيضتا من الانفعال. # ولم تكن المائدة قد رفعت، فأجلس الجنرال فيدور معه عليها وجلست فاننكا مكانها، ولما كان ~~مجلسها بعكس الضوء لم يتمكن الجنرال من رؤية آثار الانفعال البادية على وجهها، وبالتالي فلم ~~يكن مرتابا فيها على الإطلاق؛ لجمودها ms22 وكتم عواطفها كما شاهدنا. # وانقضت فترة الغذاء في ذكر التجريدة العجيبة التي ابتدأت تحت شمس إيتاليا المحرقة، وانتهت ~~فوق ثلوج سويسرا الدائمة، ولما كانت الجرائد في بطرسبرج لا تنشر إلا ما تسمح إرادة القيصر ~~بنشره، فقد علم القوم ما أوتيه سوفاروف من النجاح، ولم يعلموا ما أصابه من الفشل، فروى فيدور ~~للجنرال أخبار التجريدة بحرية ضمير وصدق رواية معددا مآثر الجيش فيها، ومبينا مواقع الخطأ ~~منها. # وقد أصغى الجنرال لقصة فيدور حتى أتمها، ولم يذكر الفتى عن نفسه مأثرة تواضعا منه، على أن ~~الوسامات المزينة لصدره كانت شاهدة بجليل أعماله. # وفي الغد زار الجنرال شرميلوف الفلدماريشال سوفاروف في منزله، فعلم منه ما أتاه فيدور من ~~الأعمال والمآثر، فلما اجتمع به في المنزل وقد انعقد سمط العائلة، أخذ الجنرال يعدد مناقبه ~~ويشكر همته وشجاعته، ووعده - مكافأة على حسن خدمته في الجيش - أن يسعى لدى القيصر حتى يصرح له ~~باتخاذه ضمن أركان حربه، فلما سمع فيدور هذا الوعد كاد يطير من الفرح، ولكي يبرهن له ~~الجنرال أنه واثق من نجاح مسعاه لدى القيصر أمر بأن يخصص لفيدور في الحال مكان في القصر ~~لإقامته، وفي الغد أجيب الجنرال إلى طلبه، وصار فيدور ضمن أركان حربه، فلا تسل عما شمل ~~الفتى من السرور، وقد تحققت جل أمانيه، حيث أسعده الدهر بأن يظله وفاننكا منزل واحد، فيراها ~~كل حين، ويتمكن من الجلوس معها مرتين في اليوم على مائدة الطعام، فظن الفتى حينذاك أنه أسعد ~~البشر، وأن هذه السعادة تكفيه، وفيها تنحصر كل آماله. # أما فاننكا فإنها من حين أن شاهدت فيدور وقد تمثل أمامها يودعها قبل السفر أحست بميل إليه، ~~لا سيما وقد تأكدت صدق حبه لها، وما زال ذلك الميل يزيد بابتعاده عنها، حتى رجع فيدور حائزا ~~لدرجات الرقي وعلامات الشرف، فسرت ليس فقط بقدومه؛ إنما على الأخص برقيه إذ اجتاز جزءا من ~~الطريق الذي يوصله إليها، ويجعله جديرا باتخاذها زوجة له، فخفضت من كبريائها، ورأت أن لفيدور ~~مكانا في قلبها كاد يشغله كله، ms23 ولكن تغلبت طبيعتها على عواطفها، فكتمت حبها في صدرها، وكان ~~بودها أن تفتح له يوما ما أسرار فؤادها وتبوح له بهواها، إنما صممت على أن تكتم ما بها فلا ~~يلحظ فيدور منها أقل إشارة تدل على حبها له حتى يأتي اليوم الذي ترى فيه الساعة قد حانت ~~للاعتراف له بالهوى. # | الفصل السابع # ودام الحال على ما وصفنا أشهرا معدودات كان يظنها في البدء فيدور منتهى السعادة، فما لبث ~~أن رآها منتهى العذاب، ولطالما تمنى قبلها أن يجمعه الدهر بمالكة فؤاده، فلما تحققت أمانيه ~~وأصبح قريبا منها يراها كل آن، وتلتقي عيناه بعينيها ويستنشق عبير طيبها، يلازمها إن خرجت ~~ويرافقها أنى سارت، رأى نفسه مضطرا أن يكتم عواطفه ويخفي هواه، فلا تظهر منه إشارة ما ~~تفضح أسرار غرامه، ولعمري إنه لعذاب تعجز عن احتماله طبيعة البشر، وأي نفس تقوى على هذا ~~الجهاد؟ وقد لاحظت فاننكا أن فيدور لا يستطيع كتم هواه طويلا، وخشيت أن يفيض به الوجد ~~يوما فينفضح سره على غير ما تهوى، أو يقتله الكتمان كما يمزق بخار الماء - إذا اشتدت به ~~الحرارة - جدران الإناء الذي يحتويه، ولو كانت من حديد أو فولاذ، فعزمت على مفاتحته في ~~الأمر. # وذات يوم رأت فاننكا نفسها منفردة مع فيدور، فشاهدت محاولة الفتى عبثا كتمان ما به، ~~ومجاهدته نفسه على غير طائل، فتمثلت أمامه ونظرت إليه مثبتة عينيها في عينيه قائلة: أتحبني ~~يا فيدور؟ # فاختلج على الفتى، وتلعثم لسانه؛ فضم يديه إلى صدره وتمتم قائلا: العفو ... العفو ... يا ~~مولاتي. # فقالت له: علام تطلب العفو يا فيدور؟ أليس حبك طاهرا؟ # فأجابها: آه يا مولاتي، إن حبي طاهر، وعلى قدر طهارته يأسي عظيم. # فقالت له: ومم اليأس يا صاحبي؟ أليس أبي يحبك كولده؟ # فصاح فيدور قائلا: ماذا تقولين يا مولاتي؟ وهل إذا رضي والدك تتنازلين ...؟ # فقاطعته قائلة: ألست شريفا أصلا ونفسا يا فيدور؟ فماذا أروم فوق ذلك؟ أتظن أن فقرك ~~يحول بيننا؟ كلا؛ فإن ثروتي تكفينا نحن الاثنين. # فقال لها فيدور: إذن، إذن، فمولاتي تتكرم ms24 بإعارتي جانب اهتمامها. # فأجابته: على الأقل أفضلك على كل من رأيت. # فمد الفتى يده شاكرا، وقال: فاننكا. # كأنه يرجوها أن تسمح له بتقبيل يديها، فابتعدت الفتاة بحركة كبرياء ألزمت الفتى مكانه، ~~فتمتم معتذرا: عفوك يا مولاتي، إني رهين إشارتك فأمري بما تشائين، فلا إرادة لي أمام ~~إرادتك، وإنني أخشى أن تمس عواطفي شريف إحساساتك، فأرشديني أأتمر بما ترشدين. # فأجابته: إن ما أنصحك به يا فيدور هو أن تبدأ بالتوجه إلى أبي وتخطبني منه. # قال: إذن، فتسمحين لي أن أسعى ذلك المسعى؟ # أجابته: نعم، ولكن على شرط. # قال: ما هو؟ # قالت: ألا يعلم والدي مهما كانت إجابته أنك توجهت لخطبتي منه بناء على رغبتي، وألا ~~يعلم أحد أنك تتبع ما ألقيه إليك من التعليمات، أو يبلغن أحد ما دار بيننا الآن، ثم ألا ~~تطلب مني مهما كان الحال أن أمدك بغير صلواتي وابتهالي إلى الله أن ييسر لنا الأمور. # فأجابها فيدور: لك ما تشائين، وإني حريص على ما تأمرين؛ فإنك منحتني فوق ما كنت آمله، ~~ولكن إن رفض والدك طلبي، أفلست تشاركينني في أحزاني وتشاطرينني في مصابي؟ # فقالت فاننكا: بكل جوارحي، ولكن أتعشم ألا يتم إلا كل خير، فاجعل الأمل رائدك والشجاعة ~~دليلك، وإذا عزمت فتوكل على الله. # وخرجت فاننكا؛ لتخفي ما ألم بها بعد أن تركت فيدور منفعلا من أثر هذه المحادثة أكثر من ~~انفعالها، يكاد لا يملك نفسه من الاضطراب. # | الفصل الثامن # التمس فيدور في نفس اليوم الذي مرت بنا حوادثه مقابلة الجنرال، فلما تمثل لديه استقبله ~~الجنرال كعادته بثغر باسم ووجه بشوش، فعظم الأمل في قلب الفتى وتشجع على بسط آماله، فما كاد ~~يصل إلى المقصود من حديثه حتى تقطب وجه الجنرال، فلم يكترث فيدور بذلك التغير، واستمر في سرد ~~قصته، فانفرجت أسرة الجنرال لما تلا عليه فيدور حديث غرامه، وأيد له صدق محبته لابنته، وأخبره ~~بأن ما أتاه من جليل الأعمال التي استوجب عليها ثناءه وإكرامه كان مدفوعا عليها بحب ~~الفتاة، وقد أتاها طمعا في التوصل إليها ms25 والتقرب منها، وعند ذلك مد الجنرال يده مصافحا ~~لفيدور، وقال له وقد بلغ التأثر منه أقصاه: ولدي، أشكر عواطفك، وآسف لعدم إمكاني إنالتك ~~متمناك، فإن ابنتي قد خطبها جلالة القيصر مدة سفرك بالحرب لابن مشيره الخاص، فلم يسعني إلا ~~إجابة طلب جلالته، ولم أكن عالما حينئذ بذلك الحب الذي وعيته في صدرك وذهبت كاتما سره ~~معك، ولم أشاهد له أثرا لدى ابنتي طول مدة غيابك، ولقد طلبت من جلالة القيصر أن يتكرم ~~بإبقاء ابنتي معي حتى تبلغ الثامنة عشرة من عمرها؛ لصعوبة فراقها على قلبي، فسمح لي جلالته ~~بهذه المنة، ولم يبق لفاننكا إلا خمسة أشهر تمضيها في القصر، ثم تزف إلى خطيبها، ولم ~~أفاتحها للآن بشأن هذه الخطبة منتظرا حلول فرصة مناسبة أكلمها فيها. # فلما سمع فيدور هذه الكلمات التي رشقت فؤاده بسهام اليأس، أظلمت الدنيا في عينيه، والتزم ~~الصمت، وبم عساه يجيب وقد صارت الكلمة الآن للقيصر؟ وكلمة القيصر في الروسيا أمر، وأمر ~~القيصر لا ينقض ولا يرد، بل لا يخطر على قلب بشر في تلك البلاد تصور معارضته، فلازم فيدور ~~السكوت، ولكن ارتسمت على وجهه صورة اليأس والقنوط والكآبة بأجلى مظهر؛ حتى أشفق الجنرال نفسه ~~على حالته ورق لبلواه، فمد له ذراعيه، فما كان من الفتى إلا أنه ألقى بنفسه في أحضان ~~الجنرال، واستخرط في البكاء والشهيق، وعندئذ سأله الجنرال عن ابنته، وهل هي تشاطره الحب وتعلم ~~بما يسعى إليه؟ فأجابه الفتى - حافظا لعهده مع فاننكا - بأنها لا تعلم شيئا من هواه، ولا مما ~~يسعى وراءه، وأنه أتى من نفسه يخطبها من أبيها، فارتاح ضمير الجنرال نوعا وهدأ باله؛ لأنه ~~كان يخشى أن يكون بابنته من الهوى ما بفيدور؛ فتكون البلوى بلوتين ويعظم الخطب بشقاء ~~الاثنين. # ولما حانت ساعة العشاء نزلت فاننكا لغرفة المائدة، فوجدت أباها منفردا إذ إن فيدور لم ~~يستطع أن يحضر الطعام أو يقابل الجنرال وابنته مع ما هو فيه من اليأس، فقصد ضواحي المدينة؛ ~~ليفرج عن صدره، ولبثت فاننكا وأبوها طول المائدة ساكتين ms26 صامتين، أما فاننكا فكانت كاتمة ~~اضطرابها مالكة عواطفها، فلم يظهر على وجهها ما يوجب الارتياب، أما الجنرال فكان حزينا ~~مكتئبا كثير التأمل والتفكر. # ووافت ساعة تناول شاي المساء، فاستعدت فاننكا للذهاب إلى المكان المعد لذلك، وإذا بخادم قد ~~أقبل يحمل إليها الشاي في غرفتها قائلا إن مولاه الجنرال يشعر بتعب خفيف يمنعه من تناول ~~الشاي كالعادة، فاضطر أن يلازم غرفته، فسألت فاننكا عما به، ولما علمت أنه عارض بسيط اطمأنت ~~وكلفت الخادم أن يبلغ تحيتها لوالدها، ويسأله عما إذا كان في حاجة إلى خدمة تقوم بأدائها، ~~فأرسل الجنرال يشكرها قائلا إنه لا يحتاج إلا إلى راحة وانفراد؛ وعلى ذلك دخلت فاننكا ~~غرفتها وانسحب الخادم، ولم تكد تخلو بنفسها حتى استدعت إليها وصيفتها أنوشكا، وكانت أختها في ~~الرضاع ومستودع ثقتها، فكلفتها أن تراقب رجوع فيدور، وتخبرها بمجيئه حال دخوله القصر. # وفي الساعة الحادية عشرة مساء أقبل فيدور في عربة إلى القصر، فصعد إلى غرفته مثقلا ~~بالهموم، وانطرح على مقعد خائرا واستسلم لتيار الأفكار، ولما انتصف الليل سمع قرعا خفيفا ~~على باب غرفته؛ فقام منذهلا وفتح الباب وإذا به يرى أنوشكا، فدعته هذه أن يتبعها في الحال ~~إلى غرفة سيدتها، فتعجب فيدور لهذه الرسالة التي لم يكن في انتظارها، لكنه أطاع وتبع ~~الوصيفة. # ولما وصل إلى غرفة فاننكا وجد الفتاة جالسة في ثوب ناصع البياض، وهي باهتة اللون غارقة في ~~بحار التأمل، فوقف فيدور على الباب منذهلا لمرآها على تلك الحال، وقد تصورت له كدمية من ~~الرخام معدة لبعض القبور، أما فاننكا فرفعت رأسها إليه، وقالت له بصوت جلي خال عن كل اضطراب: ~~تقدم. # فاقترب منها وقد جذبه صوتها كما يجذب الحديد المغناطيس، فأغلقت أنوشكا الأبواب، ثم سألته ~~فاننكا قائلة: ماذا كان جواب أبي؟ # فقص عليها فيدور ما دار بينه وبين أبيها، وهي صاغية تسمع وبصرها ثابت لنقطة في الفضاء لا ~~يتحول عنها، ولا يقرأ في عينيها أو وجهها ما يدل على ما يتنازعها من العوامل، عدا أن شفتيها ~~القرمزيتين صارتا في ms27 لون الثوب الذي توشحت به، أما فيدور فكان بعكسها لا يكاد يستقر من ~~الانفعال وقد تولته حمى كادت تفقده صوابه، ولما أتم قصته سألته فاننكا بكل سكون وثبات ~~قائلة: والآن، علام عزمت؟ # فأجابها: تسألينني علام عزمت يا فاننكا؟ فماذا تريدين أن أفعل؟ لقد لقيت من الجنرال مدة ~~إقامتي عنده كل إكرام وحفاوة، فهل يسعني أن أخونه بمقاومة إرادته؟ كلا، لم يبق لي إلا أن ~~أرحل عن بطرسبرج؛ فأقصد أول ساحة للحرب تقابلني فأقاتل فيها حتى أقتل والسلام. # فقالت له فاننكا: إنك لمجنون. # وقد قالت له هاتين الكلمتين وقد ارتسم على شفتيها ابتسام يدل على استحقارها ذلك اليأس ~~منه، وتيقنت أنها انتصرت عليه بقوة سلطانها وثباتها. # فأجابها الفتى قائلا: إذن فأرشديني يا مولاتي وأمري بما تشائين، ألست عبدك المخلص ~~المطيع؟ # فقالت له فاننكا: يجب عليك ألا تبرح القصر. # قال: كيف أبقى؟ # قالت: نعم، يجب أن تبقى، فإن اليأس والانكسار شيمة النساء والصبية الصغار، أما الرجل فإن ~~أراد أن يكون جديرا بهذا الاسم وجب عليه الثبات والمقاومة. # قال فيدور: المقاومة؟ أقاوم من؟ أقاوم والدك؟ كلا ... # فقاطعت عليه الفتاة قائلة: من يقول لك قاوم والدي؟ إنما يجب عليك مقاومة الحوادث؛ فإن ~~عامة الناس يستسلمون لتيارها، أما الرجل الكامل فلا يندفع في ذلك التيار، بل يوجهه كيفما ~~تقتضي أهواؤه، فعليك أن تتظاهر أمام والدي بمقاومة نفسك ومجاهدة هواك، حتى يتيقن أنك تغلبت ~~عليهما، أما أنا فيظنني والدي جاهلة ما حصل فهو لا يرتاب بي ولا يشك في على الإطلاق، وسأسأله ~~تأجيل الزواج سنتين، وأنا واثقة أنه يجيبني إلى طلبي، فمن يدري ما تعده الأقدار في هاتين ~~السنتين، فربما مات القيصر أو مات من خطبوني له، أو - لا سمح الله - مات والدي؛ إذ كل حي عرضة ~~للموت ... # فقال لها فيدور: ولكن إن ألحوا عليك ...؟ # فقاطعت عليه فاننكا، وقد احمرت وجنتاها حينا، ثم اختفى الاحمرار بغتة، فقالت: إن ألحوا ~~علي! ومن يلح علي، أوالدي؟ كلا، فإنه يحبني ولا يرفض لي طلبا، أما القيصر فله من مشاغله ms28 ~~العائلية ما يلهيه عن أن يكدر صفو العائلات، وعلى أي حال فقد أعددت وسيلة نهائية إن أخفقت كل ~~الوسائل، فنهر النيفا على بعد خطى من القصر، ومياهه لا يدرك لها قرار ... # وقد كان في لهجة فاننكا ما يدل على ثبات العزيمة وقوة التصميم، حتى ذعر الفتى من كلماتها، ~~فلم يسعه إلا أن يصرخ منكرا عليها ما تنويه، إلا أن ثباتها وقوة جنانها أعلماه صعوبة ما ~~يحاوله من إمكان ردها إلى رشدها؛ إذ رآها صلبة المراس كالقضبان تكسر ولا تعصر، لكنه من وجهة ~~أخرى شعر بفرح داخلي أنعش فؤاده الذابل من الأسى كما ينعش قطر الندى أزهار الصباح؛ لأنه ~~تيقن من كلمات الفتاة أنها تحبه محبة صادقة مخلصة تحاول إخفاءها عنه وعن الناس حفظا لكرامة ~~نفس نشأت على العظمة وربيت في مهد الكبرياء. # | الفصل التاسع # مضى على ما تقدم من الحوادث بضعة أيام كان بعدها ما شهدناه في الفصل الأول من توقيع ~~العقاب بالكنوت على جريجوار خادم وحلاق الجنرال لذنب أتاه أسخط عليه مولاته فاننكا، فاضطرت ~~أن تشتكيه إلى أبيها، حيث كلف فيدور بمباشرة التأديب كما ذكر في الفصل المذكور. # وقد باشر فيدور مهمته، وسمع ما فاه به الخادم من كلمات الوعيد، إلا أنه لم يهتم بها، ولما ~~حمل الخادم إلى غرفته قام إيفان بتضميد الجراح التي صنعتها يداه، فصار طبيبا بعد أن كان ~~جلادا، ولزم جريجوار الفراش ثلاثة أيام نقه بعدها من الجراح وباشر أعماله، وقد تناسى القوم ~~الحادثة، أما جريجوار فإنه أسرها في نفسه، ولو كان روسيا لطوى عنها كشحا لتعود أبناء ~~الموسكوف على مثل ما أصابه، أما هو فقد عرفناه رومي الجنس، أي من قوم عرفوا بالبطش والإقدام ~~والخديعة وحب الانتقام. # وكان جريجوار عبدا للجنرال قد عهد إليه بوظيفة الحلاقة، فقربته من مولاه وخصته بما امتاز ~~به عن باقي الخدم من مقابلته الجنرال ومحادثته بلا حجاب ولا تكلف. # وذات يوم أراد الجنرال أن يستعد للذهاب إلى استعراض حربي، فاستدعى إليه الحلاق لتزيينه، ~~وأثناء ذلك دار بينهما الحديث على ms29 فيدور، فغالى جريجوار في مدحه ووصف خلاله حتى تعجب الجنرال ~~لتذكره أن فيدور كان المكلف بمباشرة عقاب الخادم، فأراد أن يسبر غور أفكاره فسأله قائلا: ~~أراك جعلت فيدور مثالا للكمالات، فهلا تجد فيه عيبا أو نقيصة بجانب كل هذه ~~الفضائل؟ # قال الخادم: مولاي، لولا أن قليلا من الكبرياء يشمخ بأنف سيدي فيدور لكان أكمل الناس بلا ~~مراء. # فصاح الجنرال متعجبا قائلا: الكبرياء! لعمري إن أبعد الصفات عن فيدور تلك الصفة. # فأجابه جيريجوار: عفوا يا مولاي، إنما أردت أن أقول الطمع. # فقال الجنرال: الطمع! ما عهدت فيدور إلا قنوعا متواضعا؛ فقد ارتضى بإقامته في قصري، وتحت ~~إمرتي على أن لديه من شواهد أعماله الجليلة التي أتاها في التجريدة الأخيرة ما يؤهله إلى ~~مركز سام في البلاط القيصري. # فأجاب الخادم باسما: الطمع يا مولاي على أنواع؛ فمن الناس من يطمح إلى مركز سام، ومنهم من ~~يطمح إلى مصاهرة الأسرات الكبيرة، فالأولون يعتمدون على أنفسهم للوصول إلى الغاية التي ~~يرمون إليها، أما الآخرون فيضعون آمالهم في الزوجة التي يسعون في خطبتها؛ ليتخذوها سلما ~~لبلوغ الشرف والثروة، وهؤلاء يرفعون عيونهم عادة إلى أرفع مما يجب أن ترفع. # فلحظ الجنرال أن وراء هذه الكلمات غرضا يرمي إليه الخادم، فسأله قائلا: وما تعني بقولك ~~هذا؟ # قال الخادم: إنني أروم تنبيه مولاي إلى أن النعمة قد تدفع المنعم عليه إلى نسيان درجته ~~لفرط طيبة المنعم، فيمنيه الطمع بنوال غاية أسمى مما نال، على أنه قد يكون في درجة أسمى مما ~~يستحق. # فصاح الجنرال قائلا: التفت يا جريجوار إلى ما تقول، واعلم أنك قد اندفعت في طريق كثير ~~العقبات، فأنا لا أعتبر ما تقول إلا تهمة ترمي بها أخص أتباعي يجب عليك إثباتها بالبراهين ~~البينات. # فأجابه الخادم غير متردد قائلا: طريق الحق يا مولاي لا تعترضه عقبات، وما علمت شخصا جعل ~~الصدق رائده آب بندامة أو أخفق مسعاه، ومع ذلك فما قلت قولا إلا وفي وسعي إثباته ~~بالبينات. # فصاح به الجنرال قائلا: إذن فما زلت تقول: إن فيدور ms30 يحب ابنتي فاننكا؟ # فأجابه جريجوار بتلك المراوغة التي امتازت بها أبناء جلدته قائلا : عفوا يا مولاي، فإنني ~~لم أقل ذلك، إنما مولاي يقول، على أنني لم أذكر اسم مولاتي فاننكا على الإطلاق. # قال الجنرال: لكن هذا نفس ما تقصده من قولك، أليس كذلك؟ تكلم بحرية كعادتك، ولا تخف شيئا ~~مما وسعه علمك. # أجاب الخادم: لقد صدق مولاي، وأفصح بالإيضاح عما أشرت إليه بالتلميح. # قال الجنرال مستفهما: إذن فابنتي تشاطر فيدور الحب؟ # أجابه جريجوار: لا أعلم يا مولاي، إنما أخشى عليها غائلة الأمر، كما أخشى وقعه على ~~سعادتك. # فسأله الجنرال: وما يحدو بك إلى الخوف؟ # قال: أولا، إن سيدي فيدور لا يعدم فرصة يتقرب فيها من مولاتي فاننكا ويحادثها. # قال الجنرال: ذلك أنهما في منزل واحد، فهل تريد أن يتجنبها كلما رآها؟ # أجاب الخادم: وأيضا إذا آبت مولاتي إلى القصر في ساعة متأخرة من الليل راجعة من وليمة أو ~~مأدبة، كان فيدور دائما مسرعا لملاقاتها، فيمد إليها يده يعاونها على النزول من ~~العربة. # فقال الجنرال، وقد ظن أن تلك البراهين الواهية آخر ما في جعبة، الخادم: إن كان فيدور ساهرا ~~ساعة مجيئها، فذلك لا يمنع أن يكون في انتظاري كما تقضي عليه الواجبات؛ لأنه ربما تكون لدي ~~أوامر خطيرة يجب عليه تنفيذها، فهو مضطر إلى انتظاري حتى أعود في أية ساعة من ساعات الليل أو ~~النهار. # قال الخادم: وكذلك لا يمضي يوم لا يدخل فيه فيدور إلى غرفة مولاتي فاننكا مع أنه لم تجر ~~العادة أن يمنح فتى في سنه مثل هذا الامتياز، خصوصا في منزل مثل منزل سعادتك؟ # قال الجنرال: وما في ذلك من بأس؛ لأني أنا الذي أرسله إليها في أغلب الأوقات. # أجاب الخادم: نعم بالنهار ولكن ... بالليل! # فصرخ الجنرال منكرا: بالليل؟! # وهب واقفا وقد بهت لونه واضطرب دمه، حتى اضطره الانفعال إلى أن يستند إلى مائدة على مقربة ~~منه. # فأجاب الخادم بهدوء وسكون قائلا: نعم بالليل يا مولاي، وحيث إن سعادتك قلت في البدء: إني ~~اندفعت في طريق ms31 كثير العقبات، فلسوف أجتهد في الخلاص منه ولو كان جزائي الجلد بمثل ما ~~ألزمني الفراش أياما في الأسبوع الماضي، إذ يصعب على نفسي أن أرى سيدا مثل سعادتك طيب ~~السريرة يخدعه قوم لا خلاق لهم، هم غرس فضله وكرمه. # فقال له الجنرال: انتبه لما تقول أيها العبد؛ لأني أدري بك وبالقوم الألى أنت منهم، وحاذر ~~أن يكون باعث اتهامك حب انتقامك مما أصابك من العقاب، فلعمري إن لم تؤيد أقوالك بالبراهين ~~الدامغة؛ ليكونن جزاؤك جزاء من سعى بالفتنة والنميمة يقصد إلقاء الاضطراب في المنازل ومس ~~كرامة العائلات. # فأجاب الخادم: أنا راض بما يقضي به مولاي. # فسأله الجنرال: تقول إنك رأيت فيدور دخل عند فاننكا ليلا؟ # أجاب الخادم: كلا يا مولاي، لم أره داخلا، إنما رأيته خارجا من عندها. # قال الجنرال: ومتى ذلك؟ # أجاب الخادم: منذ ربع ساعة، عندما كنت آتيا نحو سعادتك. # فقال الجنرال: كذبت أيها الخائن. # وهم أن يلطمه، فابتعد العبد إلى الخلف قائلا: صبرا يا مولاي، فإني لا أفتري فيما أقول، ~~ومع ذلك فلسعادتك الحق في عقابي بما تشاء إن كذبت براهيني. # قال الجنرال: وما هي براهينك؟ # أجابه: لقد قدمتها لسعادتك. # فقال الجنرال: وهل تظن أني أصدق ما تقول؟ # أجاب الخادم: كلا، ولكن أتعشم أن مولاي يتحقق بعينه صدق كلامي. # قال الجنرال: وكيف ذلك؟ # أجابه الخادم: عندما يدخل سيدي فيدور عند مولاتي فاننكا بعد منتصف الليل أحضر لأخطر ~~مولاي، فيتبين صدق قولي من مينه، إنما ليعلم مولاي أني على الحالين مغبون. # فقال الجنرال: وكيف ذلك؟ # أجاب الخادم: نعم، لأني إن خابت براهيني يكون جزائي العذاب الأليم، ولكن إن صحت فما يكون ~~جزائي؟ # فقال الجنرال بلا تردد: ألف روبل ذهبية وإعتاقك من الرق. # قال جريجوار بهدو، وهو يضع الأمواس في مائدة التزيين: وأنا راض بهذا الاتفاق، وأتعشم أن ~~يقدر مولاي صدق إخلاصي قبل مضي ثمانية أيام من الساعة التي نحن فيها. # وعلى ذلك خرج جريجوار تاركا الجنرال مختبطا حائرا خاشيا شر خطر بدأ يتمثل له ويتهدد ~~ركن سعادته. # ومن ms32 ذلك الحين أخذ الجنرال شرميلوف يراقب حركات فيدور وفاننكا بدقة واستيقاظ، فلم يجد من ~~أحد الطرفين ما يؤيد صحة مخاوفه، بل رأى فاننكا على الأخص أكثر فتورا وجمودا من ذي قبل لا ~~تنم ظواهرها على ما يوجب أقل ريبة فيها. # | الفصل العاشر # مضت الأيام الثمانية التي ضربها جريجوار للجنرال، وفي ليلة اليوم التاسع نحو الساعة ~~الثانية بعد نصف الليل سمع الجنرال قرعا على باب غرفته، فقام ليرى الطارق، وإذا به جريجوار ~~فسأله عما به، فقال: لو كلف مولاي نفسه التوجه إلى غرفة ابنته؛ لوجد عندها سيدي فيدور. # فبهت الجنرال، ولكنه تشجع وارتدى ملابسه، وتبع الخادم دون أن ينبس ببنت شفة، ولما وصل إلى ~~غرفة فاننكا أشار للخادم بالانسحاب؛ فانزوى هذا في أحد أركان الدهليز المظلمة، ثم قرع ~~الجنرال الباب أول مرة وأنصت فوجد الغرفة ساكنة ساكتة، فقال في نفسه: السكوت لا يدل على ~~شيء؛ إذ ربما تكون فاننكا راقدة. # ثم قرع الباب ثانية، فسمع صوت ابنته تقول بهدو وسكون تامين: من الطارق؟ # فأجابها الجنرال بصوت خافت يكاد يخنقه التأثير: أنا أبوك يا فاننكا. # فقالت الفتاة مخاطبة أختها في الرضاع الراقدة في الغرفة المجاورة لها: أنوشكا، افتحي الباب ~~لأبي. # ثم قالت مخاطبة أباها: عفوا يا أبي، فأنوشكا تضع ملابسها، وستكون بعد لحظة تحت ~~أمرك. # فانتظر الجنرال صابرا، وقد كادت تتبدد وساوسه؛ لأنه لم يلاحظ في صوت ابنته ما يدعو إلى ~~الريب فتمنى لو كذبت أقوال جريجوار. # وبعد برهة فتح الباب ودخل الجنرال، فأجال نظره فيما حوله فلم يجد غريبا بالغرفة، بل وجد ~~فاننكا راقدة على سريرها باهتة نوعا ولكنها هادئة، فاستقبلته باسمة الثغر وقالت له بصوت ~~يكاد يسيل رقة وعذوبة: أي فرصة سعيدة شرفتني بمجيئك يا والدي في هذه الساعة المتقدمة من ~~الليل؟ # قال الجنرال: لقد لاح لي أن أكلمك في شأن خطير، وكان قد استولى علي الأرق، فافتكرت أنك لا ~~تؤاخذينني على إقلاق راحتك لو أتيت إليك في مثل هذه الساعة. # قالت الفتاة: مرحبا بك يا والدي في أية ساعة ms33 أتيت من ساعات الليل أو النهار، فقل ما ترى، ~~إني مصغية لما تقول . # فسرح الجنرال نظره ثانية حوله، فلم يجد ما يبعث إلى الظن بوجود شخص مختف بالغرفة التي هو ~~فيها، فعزم على تفتيش غرفة الوصيفة، ثم التفت إلى ابنته قائلا: نعم يجب أن تصغي لما أقول، ~~إنما أظن أننا لسنا وحدنا، ومن الواجب ألا يسمع غريب ما يدور بيننا. # قالت فاننكا: لكن أنوشكا أختي في الرضاع، وليست غريبة منا. # قال الجنرال: لا يعنيني. # ثم تناول شمعة، وقصد غرفة الوصيفة فقال: اخرجي يا أنوشكا، وقفي بالدهليز وراقبي ألا ينصت ~~أحد لما نقول. # فخرجت الوصيفة، وسرح الجنرال نظره في غرفتها، فوجدها خالية إلا منه وابنته، فخرج ثانيا ~~بعد أن التفت مرة أخرى وراءه، ولما صار في غرفة فاننكا جلس بجانب سريرها، ثم مد يده إليها ~~فمدت يدها إليه بلا تردد، فقال لها: إني أريد محادثتك في أمر خطير. # قالت: وما هو يا أبتي؟ # قال: لقد كدت أن تبلغي الثامنة عشرة، وهو السن الذي تتزوج فيه عادة بنات الأشراف من ~~الروسيين. # ثم سكت الجنرال برهة؛ ليرى تأثير كلامه في نفس ابنته، فوجدها ساكنة مطمئنة لم يظهر عليها ~~أقل تأثير، فاستمر في حديثه قائلا: ولذا فقد خطبت مني منذ عام لمن وافقت على قرانك ~~به. # فسألته الفتاة بفتور قائلة: وهل يتكرم والدي بإعلامي لمن خطبت؟ # قال: نعم، لابن المشير الحالي لجلالة القيصر، فما رأيك؟ # قالت فاننكا: إنه شاب شريف مهذب كما أسمع، ولا يمكنني أن أحكم إلا بما سمعت، أليس هو ذاك ~~الذي تعين منذ ثلاثة أشهر بحامية موسكو؟ # أجابها الجنرال: نعم هو، ولكنه سيحضر قبل مضي ثلاثة أشهر. # فسكتت فاننكا، فسألها الجنرال قائلا: وهل لديك ملحوظات تريدين إبداءها؟ # أجابته: كلا يا والدي، إنما أطلب منك منة واحدة. # قال: وما هي؟ # قالت: أن تتكرم بتأجيل زواجي حتى أبلغ العشرين. # سألها: ولم؟ # أجابته: ذلك نذر نذرته. # قال لها: ولكن إذا كانت الظروف تقتضي عدم الوفاء بذلك النذر، وتضطرنا إلى التعجيل بالزفاف ~~فما العمل؟ # فسألته ms34 قائلة: وما هي تلك الظروف؟ # أجابها مثبتا نظره فيها: أن فيدور يحبك. # قالت الفتاة بفتور تام: أعلم ذلك. # فصاح الجنرال مندهشا: تعلمين ذلك! # أجابت: نعم، فقد اعترف لي به. # سألها: ومتى؟ # قالت: الليلة. # قال: الليلة! وبماذا أجبته؟ # قالت: نصحته بالنزوح عن القصر. # سألها: وهل رضي؟ # أجابته: نعم يا والدي. # فقال لها: ومتى يسافر؟ # قالت: لقد سافر. # قال الجنرال: ولكنه تركني الساعة العاشرة. # قالت: وتركني في منتصف الليل. # فتنفس الجنرال ملء رئتيه كمن انزاح عنه هم ثقيل، والتفت إلى ابنته قائلا: بورك فيك من ولد ~~مطيع، وإني منحتك يا فاننكا ما تطلبين وسيؤجل زفافك إلى تمام العشرين، لكن تذكري يا ابنتي ~~أن الأمر أمر القيصر فلا قبل لنا بمخالفته. # فأجابته الفتاة: أشكرك يا والدي على جميع مكارمك، وستجدني طوع أمرك إن شاء الله. # قال الجنرال: حسنا يا ابنتي، حسنا. # وسكت قليلا مطرقا برأسه، ثم رفعها إلى ابنته قائلا: إذن ففيدور المسكين قص عليك الأمر ~~كله. # أجابته: نعم يا والدي. # قال: وأعلمك أيضا أنه قصدني أولا لخطبتك مني. # أجابته: نعم يا والدي. # قال: وهل رضي مع ذلك أن ينزح عن القصر؟ يا له من فتى شريف النفس كريم السجايا! فلأمدنه ~~برعايتي أيا كان، وأواليه البر ما عشت، ولولا أن سبق الوعد مني لارتضيته زوجا لك، وما ~~أظنك كنت رافضة بعلا مثله. # فسألته الفتاة قائلة: وهلا يمكنك التخلص من هذا الوعد؟ # أجابها: استحال الأمر يا ابنتي، فقد صدر مني لجلالة القيصر نفسه. # قالت: فاننكا: فلتتم إذن مشيئة الله. # فضمها الجنرال إلى صدره قائلا: هكذا تكون ابنتي بارك الله فيها، فأستودعك الله الآن يا ~~فاننكا، وإني لم أسألك إن كنت تشاطرين فيدور الحب أم لا؛ لأن كلا منكما قام بالواجب عليه، ~~وما كان لي أن أرجو أكثر مما فعلتما. # وعلى ذلك قام الجنرال قاصدا الخروج فوجد أنوشكا بالدهليز، فأشار إليها بالدخول إلى ~~مكانها، واستمر في طريقه حتى وصل باب غرفته، فوجد لديه جريجوار بالانتظار فبادره الخادم ~~مستفهما: ماذا تبين لسعادتك؟ # فأجابه الجنرال: إنك مخطئ ms35 ومصيب، ففيدور يحب ابنتي، ولكن يظهر أن ابنتي لا تهواه، وحقيقة ~~دخل فيدور غرفتها قبل منتصف الليل، ولكنه خرج منها على ألا يعود، ومع ذلك فلست بمخلف وعدي ~~معك، فاحضر إلي في الصباح لأنقدك الألف روبل وأمنحك الحرية. # فنكس جريجوار رأسه، وانصرف مطرقا مفكرا بين مصدق ومكذب، لا يدري كيف يؤول غياب فيدور في ~~تلك الساعة، وقد رآه بعيني رأسه قاصدا غرفة الفتاة ولم يخرج منها، لكنه تسلى بما ينتظره في ~~الصباح، فأشرقت جبهته وأبرقت أسرته، فقصد فراشه يحلم بالروبل الذهبية وإطلاق الحرية. # | الفصل الحادي عشر # ما كاد الجنرال يبرح غرفة ابنته حتى أسرعت أنوشكا، فأغلقت الباب غلقا محكما، ووقفت وراءه ~~فاننكا مصغية لوقع أقدام أبيها حتى ابتعدت في ظلمات الدهليز، وعند ذلك اندفعت إلى الغرفة ~~المجاورة لغرفتها وتبعتها وصيفتها وأخذت الفتاتان تزيحان صررا من الملابس كانت ملقاة فوق ~~صندوق ذي لولب؛ ليخفيه عن الأنظار، ثم ضغطت أنوشكا على زر الصندوق فرفعت فاننكا غطاءه، وما ~~كاد ينفتح الصندوق حتى صرخت الفتاتان معا منزعجتين لما رأتا: إذ صار الصندوق قبرا، وأصبح ~~فيدور فيه جثة بلا روح. # ولقد ظنت الفتاتان طويلا أن ما به إغماء، فحاولتا إنعاشه برش الماء على وجهه وإعطائه ~~المنبهات، ولكن ذهبت أتعابهما أدراج الرياح؛ فإن المسكين كان اختنق لقلة الهواء، حيث طالت ~~محادثة الجنرال مع ابنته أكثر من نصف ساعة، حاول فيدور فيها التخلص من سجنه، فلم يستطع لتعسر ~~فتح الصندوق من الداخل. # أصبح الموقف حرجا: فتاتان وجثة لا تدريان معها ما تفعلان، فكانت أنوشكا تتصور طريق ~~سيبريا ممدودا أمامها للمنفى الأبدي، أما فاننكا - والحق يقال - فكانت لا ترى ولا تفكر إلا في ~~فيدور، وقد بلغ اليأس من الفتاتين المدى. # وبعد برهة من السكوت التفتت أنوشكا لسيدتها قائلة: مولاتي، لا يجدينا الحزن واليأس شيئا، ~~فلا بد من التدبر في طريقة تخلصنا مما نحن فيه. # فأجابتها فاننكا: تخلصنا ربما، ولكن هذا المسكين؟! # قالت الوصيفة: لا شك يا مولاتي أن حزنك عليه عظيم، ولكن تدبري الأمر، فمرهون عليه شرفك ~~وشرف ms36 أبيك وأسرتك. # فأجابتها فاننكا: لا يهمني الشرف بعد موت الحبيب، فلأبكينه ما حييت ولا يتعزى قلبي لفقده ~~أبدا. # قالت أنوشكا: مولاتي، ليست الساعة لبكاء ما فات، وإنما لتدبر ما هو آت. # قالت فاننكا: إذن فما نعمل؟ # أجابتها الوصيفة: أظن أن مولاتي تعرف أخي إيفان السائق. # قالت: نعم أعرفه. # قالت أنوشكا: يجب أن نستدعيه إلينا، ونقص عليه الخبر، فهو يدبر لنا طريق الخلاص. # فصاحت فاننكا قائلة: ويك! أنأتمن على سرنا عبدا لا يلبث أن يفشيه في ساعة من ساعات ~~سكره، كلا ثم كلا. # قالت أنوشكا: حقيقة إن أخي يشرب الخمر مثل باقي رفاقه، ولكن لا أظن أن يبلغ به الأمر إلى ~~أن يفشي مثل هذا السر، ومع ذلك فإذا وقع الإنسان بين خطرين اختار أخفهما ضررا، وبقاء هذه ~~الجثة هنا يجر علينا ويلات غير منتظرة، وينتهك شرف مولاتي. # أجابتها فاننكا: صدقت، فاذهبي واستدعي أخاك. # فقالت أنوشكا وقد أزاحت بيدها أستار النافذة: قد أوشك الصبح أن يلوح، ولا تساعدنا الفرصة ~~على إتمام ما نريد، فلنؤجل الأمر إلى الليل، وبينما تكون مولاتي بالمرقص الذي سيقام الليلة ~~الآتية في بلاط القيصر أتمم أنا وإيفان اللازم. # فأطرقت فاننكا برأسها ثم قالت: نعم، يجب علي أن أذهب الليلة إلى المرقص، أواه، ما أقسى ~~واجبات الحياة! ومع ذلك فأنا مضطرة إلى الذهاب خشية أن تتنبه لغيابي الظنون. # وعند ذلك اتجهت أنوشكا نحو الجثة، وقالت لمولاتها: ساعديني يا مولاتي على حمله، فلست أقوى ~~وحدي. # فبهتت فاننكا وعلاها الاصفرار، ولكنها تشجعت، فأعانت وصيفتها على حمل جثة حبيبها، ووضعها في ~~الصندوق، ثم أغلقت أنوشكا الصندوق، ووضعت مفتاحه في نطاقها وألقت الفتاتان صرر الملابس فوقه ~~كما كانت إخفاء له عن الأنظار. # | الفصل الثاني عشر # أشرق الصباح، واستيقظت الطبيعة وهي في جلالها وعظمتها لاهية عما يدور في هذا الكون من ~~الحوادث والوقائع، وكذلك الأيام تدور بالناس فتتقلب الدول ويتغير وجه الأرض، ولا يختلف سير ~~الليل والنهار ... # ولما رقت الشمس قبة الأفق نزلت فاننكا؛ لتناول طعام الإفطار، وقد مضى الليل دون أن يطرق ms37 ~~جفنها المنام، وكان لونها باهتا ووجهها شاحبا كأنها صنم من الرخام، فظن والدها أن ما بها ~~تأثير إقلاقها في الليلة الماضية فلم يسألها عن تغيرها، وقد أحسنت فاننكا بقولها لأبيها إن ~~فيدور سافر؛ فلذا لم يسأل الجنرال عنه، بل بلغ حاشيته أنه أرسله في مأمورية. # ولازمت فاننكا غرفتها طول النهار، ولما أمسى المساء استعدت للذهاب إلى المرقص، وقامت ~~لتتزين بحليها وحللها، وما أصعبها زينة وما أقسى! واضطرت فاننكا إلى الذهاب للمرقص لأمرين؛ ~~الأول: خوفها من أن ينزعج والدها إذا تظاهرت بالمرض رجاء البقاء في القصر؛ فيبقى الجنرال معها ~~ويستحيل مع بقائه نقل جثة فيدور. والثاني: خشيتها مقابلة إيفان في غرفتها وهو مطلع على دخيلة ~~أمرها، ففضلت الذهاب إلى المرقص مرغمة وتزينت أجمل زينة. # ولما أتمت زينتها أمرت أنوشكا فأغلقت الأبواب، ثم اتجهت فاننكا قاصدة غرفة الوصيفة عازمة ~~أن تودع حبيبها الوداع الأخير، فدخلت الغرفة وهي مزينة كعروس أعدت للزفاف، ولكنها سارت بخطى ~~مضطربة ووجه شاحب وهي في ثوبها الأبيض كأنها شبح خارج من بعض القبور، ولما بلغت الصندوق ~~رفعت غطاءه أنوشكا فركعت بجواره فاننكا، ومدت يدها دون أن تسقط من عينيها دمعة أو يصدر من ~~صدرها تنهد لفرط الحزن واليأس، فانتزعت من إصبع الفتى خاتما وضعته في إصبعها بين خاتمين ~~ثمينين، ثم انحنت على الصندوق فقبلت فيدور في جبينه القبلة الأولى والأخيرة، ثم قالت: الوداع ~~يا خطيبي! # وفي تلك الساعة سمع وقع أقدام متجهة نحو الغرفة، فأقفلت أنوشكا الصندوق، وقصدت فاننكا ~~الباب بنفسها ففتحته فوجدت خادما من أبيها يسألها: هل أتمت زينتها؟ فسارت فاننكا وراء ~~الخادم وهو ينير أمامها الطريق قاصدة أباها تاركة لأختها في الرضاع إتمام المهمة التي عهدت ~~بها إليها. # ونظرت أنوشكا العربة المقلة لسيدتها وأبيها خارجة من القصر، فانتظرت برهة ثم قصدت أخاها ~~إيفان السائق الذي مر بنا حديثه في بدء الرواية، فوجدته يتعاطى الراح مع جريجوار، وجريجوار ~~فرحان جذل بما ناله من الجنرال، وكان الخادمان في بدء الشرب ولم تلعب الخمرة منهما بالرءوس ~~بعد، فدعت أنوشكا ms38 أخاها وقصدت به غرفة مولاتها، وهناك قصت عليه الأمر وأعلمته ما تنتظره منه ~~من المساعدة، وأبلغته ما وعدته به سيدتها فاننكا من الخير والبر الكثير جزاء خدمته ~~وكتمانه. فأقسم إيفان بالأيمان المغلظات ليخلصن لسيدته الخدمة، ويكتمن السر ما عاش، فدخلت به ~~أنوشكا عندئذ إلى غرفتها، ورفعت غطاء الصندوق، فلما رأى العبد جثة فيدور بهت ووقف منذهلا ~~حائرا، ولكن خطر بباله ما وعدته به فاننكا عن لسان أخته فتشجع وتحمس، ثم سأل أخته أن ~~تنتظره قليلا، وبدلا عن أن يعود إلى جريجوار ومجلسه ذهب فجهز مركبة من مركبات النقل، ووضع ~~بها فأسا وحملها تبنا، وقصد بها بابا صغيرا في أحد جوانب القصر، ثم صعد إلى أنوشكا بعد ~~أن تأكد خلو المكان من الرقيب، فحمل جثة فيدور إلى المركبة ودفنها في التبن، وسار في ظلام ~~الليل مخترقا شوارع سان بطرسبرج المقفرة حتى وصل إلى نهر النيفا، وهناك وقف بعربته في ظل ~~كنيسة القديسة مجدلينة وستره الظلام، فتناول الفأس وقصد النهر وكان الوقت شتاء، وقد غشي ~~الماء طبقة من الجليد، ففتح إيفان فرجة في الجليد، ثم رجع إلى العربة فأخذ ما على فيدور من ~~دراهم، وقصد بجثته الفرجة فألقاها حيث حملتها مياه النيفا نحو خليج فينلندة سائرة بها في ~~طريقه الأبدية ... # وبعد برهة رجع إيفان إلى القصر، وأخذت الفرجة تضيق بفعل البرودة؛ حتى التحم الجليد وعاد ~~ظهره مستويا كما كان، يكاد سناؤه يضيء ظلمة الدجى. # | الفصل الثالث عشر # عادت فاننكا مع أبيها في منتصف الليل، فوجدت أنوشكا تنتظرها بردهة القصر؛ لتنزع عنها ~~رداءها، فسألتها فاننكا بنظرة عما تم، فمالت إليها الوصيفة وقالت لها همسا: انتهى كل شيء ~~يا مولاتي. # فتنفست فاننكا كمن أزيح عن صدره حمل ثقيل، ولقد عرفنا الفتاة قوية العزيمة قهارة ~~لعواطفها، لكن لعمري قد جعل لشجاعة الإنسان وصبره حد لا يتعدياه مهما بلغ الإنسان من القوة ~~والعزم؛ فلذا لم تتمالك فاننكا أن تحضر العشاء مع والدها، فاعتذرت له محتجة بإتعاب المرقص، ~~وقصدت غرفتها فانتزعت الزهور عن رأسها والحلي عن صدرها، ms39 فرمت بها بعيدة عنها وقطعت المشد عن ~~خصرها وقد كاد يخنقها، ثم استلقت على فراشها حيث استخرطت في البكاء والشهيق بحرقة وولوع، ~~فحمدت أنوشكا ربها إذ فرج عن صدر مولاتها بالبكاء؛ لأنها كانت تخشى عليها غائلة ~~الجمود. # ولما أخذت فاننكا حظها من البكاء قامت تصلي، ولبثت ساعة من الزمن جاثية أمام مصلاها حتى ~~اضطرتها خادمتها الأمينة إلى أن تلتمس لنفسها الراحة، فقامت ورقدت في سريرها، وجلست وصيفتها ~~بجانب السرير، ومضى الليل كله دون أن يزور جفن الفتاتين الكرى، ولما أشرق الصباح سري عن ~~فاننكا بعض انقباضها لفرط ما بكت، ثم عهدت إلى أنوشكا أن تبلغ إيفان شكرها، وتقول له إنها ~~تخشى إن هي أعطته مكافأة على خدمته مبلغا عظيما من المال مرة واحدة أن تحرك عليه الظنون، ~~وتبلغه أنها مستعدة لإعطائه كل ما يريده من الدراهم وقت حاجته إليه. # أما جريجوار فلما نال من سيده الجنرال ما وعده به، اعتزل الخدمة واتخذ خارج المدينة حانة ~~دعاها «الحانة الحمراء»، ولكثرة معارفه بين خدمة وعبيد البيوت الشهيرة ببطرسبرج قصد حانته ~~جمهور عظيم منهم، فأقبلت عليه الدنيا وصار لحانته شهرة بين الناس. # واتخذ الجنرال شرميلوف حلاقا آخر، وعادت الأحوال في قصر الجنرال إلى ما كانت عليه لولا ~~غياب فيدور. # | الفصل الرابع عشر # مضى شهران على ما مر بنا من الحوادث، وسرها مكتوم عمن في القصر أجمع، وذات يوم استدعى ~~الجنرال شرميلوف ابنته إليه، فأوجست خيفة لهذه الدعوة، وكانت منذ الليلة المشئومة تترقب ~~شرا من أبسط الأمور، إلا أنها جمعت قواها واتجهت نحو مكتب أبيها فوجدته منفردا ووجهه ~~متهلل بالبشر والسرور، فاطمأنت واقتربت منه فقبلها في جبينها قبلته الأبوية المعتادة، وأشار ~~لها بالجلوس فجلست، ثم مد إليها يده بخطاب مفتوح، فأخذته متعجبة، وأجالت نظرها في صفحاته ~~وإذا به يتضمن موت خطيبها ابن المشير، حيث قتل في براز مع بعض أعدائه. # وأخذ الجنرال يتتبع تأثير هذا الخبر على نفس ابنته، ولم تكن فاننكا مع شجاعتها وقوة ~~عزيمتها لتتمكن من إخفاء عواطفها في مثل هذه الحالة، ms40 وأي قلم يتمكن من وصف ما خالجها إذ ذاك ~~من عوامل الأسف والندامة وعذاب الضمير، لا سيما وقد أصبحت خالصة من وعود أبيها ولها حرية ~~الاقتران بمن تشاء. # وقد عزى الجنرال ما لمحه من اضطراب ابنته إلى حبها لفيدور، ذلك الحب الذي تجتهد أن تخفيه ~~عن الناس، ولا تكاد تنم به ظواهرها، فتبسم وقال لها مطمئنا: هيا يا ابنتي، وقري عينا فقد ~~تمهدت الأمور. # فأجابته فاننكا: وكيف ذلك يا أبتي؟ # قال: ألم يبتعد عنا فيدور بسبب حبه لك؟ # أجابته: نعم. # قال الجنرال: إذن فمتيسر له العود الآن. # فصمتت فاننكا وارتجفت شفتاها، وبعد برهة من السكوت قالت: العود ... # أجابها الجنرال مبتسما: نعم العود؛ لأن بعده عنا يؤلمنا، فاجتهدي يا فاننكا في معرفة ~~مقره وعلي إتمام الباقي. # قالت الفتاة بصوت يكاد يقطعه اليأس: ما من أحد يعلم مقر فيدور، نعم، ما من أحد إلا ~~الله. # فصاح بها الجنرال قائلا: ماذا تقولين؟ ألم يراسلك إذن أو يحطك علما على الأقل بمكانه ~~منذ سفره؟ # فهزت الفتاة رأسها علامة السلب، وقد حال حزنها وضيق صدرها دون الكلام، فانقبض الجنرال لذلك ~~وسألها قائلا: وهل تخشين أن يكون أصابه حادث؟ # أجابته فاننكا وقد بلغ منها الحزن مبلغا عظيما: إنني أخشى ألا يعود لي صفو ولا راحة ~~في هذه الحياة الدنيا. # وسكتت برهة، ثم قالت: اسمح لي يا أبتي بالانسحاب، فإنني خجلة مما تفوهت به. # فقبل الجنرال ابنته، وقد ظن أنها تأثرت من اعترافها بحب فيدور، وسمح لها بالذهاب ولم يفقد ~~الأمل من لقاء فيدور رغما عن انقلاب هيئة فاننكا. # وفي اليوم نفسه توجه الجنرال، فقابل القيصر وبلغه قصة فيدور وابنته واستأذنه في الجمع ~~بينهما لوفاة الخطيب الأول، فأذن به ثم أعلمه الجنرال خبر اختفاء فيدور، والتمس منه أن يأمر ~~بالبحث عنه، وكان لشرميلوف معزة لدى القيصر؛ فاستحضر القيصر في الحال مدير الضابطة، وكلفه ~~بالبحث الدقيق في جميع أرجاء المملكة عن الفتى الغائب. # وانقضت ستة أسابيع أفرغ فيها الجنرال والشرطة جهدهما ولم يقفا لفيدور على أثر. # أما فاننكا ms41 فزاد عليها الحزن واليأس من يوم تلاوة الخطاب، فاعتزلت في غرفتها مستسلمة ~~لهمومها ، وكلما حاول الجنرال تطمين خاطرها ازدادت كآبة وانسحبت من مجلسه؛ حتى ظن أن ذكر ~~فيدور يهيج أشجانها، فلم يكلمها بخصوصه بعد، وكان فيدور محبوبا من حاشية القصر أجمع عدا ~~جريجوار الخائن، فلما علم الخدم أنه لم يرسل في مأمورية - كما قال سيدهم - بل اختفى بغتة، ولم ~~يوقف له على أثر، اغتموا لهذا الخبر، وصار ذكر فيدور وغيابه موضوع حديثهم في مجالسهم ~~يتساءلون كل يوم عن نتيجة الأبحاث عنه، ويسألون الله أن يرده لهم سالما؛ لكرم أخلاقه وحسن ~~معاملته. # | الفصل الخامس عشر # بلغ جريجوار في «حانته الحمراء» خبر اختفاء فيدور، فاندهش وزاد به العجب، لا سيما وقد ترك ~~الفتى في غرفة مولاته ولم يغب إلا ريثما أخطر الجنرال، ثم استلفت نظره بعد ذلك أمور خال أن ~~لها علاقة بذلك السر الغريب، منها توسع إيفان في الصرف والبذخ بما لا يعهد في عبد مثله، ~~وسكوت إيفان التام كلما جرى ذكر فيدور حتى إذا سئل عما يعلمه أو يظنه في المسألة هز رأسه ~~وقال: «لنتكلم في موضوع آخر»، فتضاربت ظنون جريجوار. وفي هذه الأثناء أقبل عيد الملوك وهو ~~يوم مشهود ببطرسبرج تقام فيه الاحتفالات، وتبارك مياه النهر، فاغتنم إيفان فرصة العيد فقصد ~~«الحانة الحمراء» وكان لدى جريجوار جمع غفير، فاستقبل إيفان بالترحيب لا سيما وقد علم القوم ~~أنه لا يأتي عادة إلا ممتلئ الجيوب. # ودام القوم في شرب ولهو يتنقلون من حديث إلى حديث، حتى وقع الكلام على الاسترقاق، فأخذوا ~~يغبطون جريجوار على ما ناله من الحرية والخلاص من العبودية، ويتمنى كل منهم أن يصير إلى ما ~~صار إليه صاحب الحان، فالتفت إليهم إيفان قائلا: كم من عبد تغبطه أسياده على ما هو فيه من ~~راحة البال، حتى ليكاد يفضل الأسر على الحرية. # فقال جريجوار، وقد لمح من وراء هذه العبارة ما أعاد إليه الظنون: وما دليلك على ما ~~تقول؟ # ثم سكب للسائق قدحا مفعما من الخمر وقدمه إليه، فقال ms42 إيفان، وقد رقصت برأسه بنت الحان: ~~نعم، لا يكاد السيد منهم يولد حتى تأسره المدرسة، ثم إن هو شب اضطر للبحث عن وظيفة، فإن ~~كانت في العسكرية صار مستعبدا لرئيسه، عديم التصرف في أقل حركاته، ولو بلغ مهما بلغ من ~~الرقي، وإن كانت الملكية أصبح منغصا بمتاعب الحياة؛ فاليوم زوجة تناوئه ودهر يحاربه، وغدا ~~أولاد لا يدري كيف يربيهم، فإن كان فقيرا قضى حياته في تعب وجهاد، وإن كان غنيا خشي شر ~~اللصوص الذين لمثله بالمرصاد، فهل تلك حياة أيها الإخوان؟! أما العبد فلا يهتم لمعاش؛ يطعمه ~~أسياده ويسقونه، فلو عري يكسونه، أو مرض يداوونه، وحينما يشب يزوجونه طمعا في نسله من ~~الأولاد، وهو مع راحة باله من هموم حياته، حري بأن يكون أسعد من أسياده. # قال جريجوار: ولكنك مع ذلك لست حرا. # أجابه إيفان: وماذا تعني بالحرية؟ # قال: أن تتوجه أنى تشاء متى تشاء. # أجابه السائق: إني إذن حر؛ لأني مطلق التصرف أفعل ما أريد. # قال جريجوار: لو فرضنا أنك حر في التصرف، فإنك تبقى طول دهرك فقيرا محروما. # أجابه السائق، وهو بين كل جملة وأخرى يرفع لشفتيه قدحا من الخمر: كذبت، فلن تنقصني ~~الدراهم ما دامت سيدتي فاننكا الكريمة في الحياة. # قال جريجوار: لقد عرفتها كريمة بالجلدات لا بالدراهم. # فقال خادمان من قصر شرميلوف كانا جالسين مع المتحاورين: حقيقة إن لإيفان مقاما مخصوصا بين ~~خدمة القصر، حتى إن مولاتنا لا تعامله إلا معاملة الأسياد. # فقهقه جريجوار، ورفع قدحه ساخرا قائلا: في محبة السيد إيفان. # فتأثر إيفان من ذلك التهكم، وقال: نعم، إن لي مقام الأسياد، وذلك لأن أسيادي تخشاني وتطيعني ~~إذا ما أمرت. # فتنبه جريجوار لمعنى هذه الجملة، وصار يسكب لإيفان الخمر كأسا بعد كأس، ثم قال له: إن كان ~~لكلامك صحة، فأقم عليه إن شئت البرهان. # قال إيفان: لك ذلك، فاصرف من في الحان. # فقام جريجوار ونبه الحاضرين إلى قرب انتصاف الليل، ودعاهم للانسحاب طبقا لأوامر الشرطة، ~~ولما خلا بإيفان ولم يبق في الحانة إلا الخادمان الآخران ms43 قال له: هات برهانك. # قال إيفان: ما قولك إذا دعوت مولاتي فاننكا إلى الحضور لهنا، ولبت دعوتي وشربت كأسا في ~~نخبنا؟ # فصاح جريجوار: إنك لمجنون. # قال إيفان: والجنون فنون، فهل تراهن على ما أقول؟ # قال جريجوار: لك ما تريد. ثم أضاف هازئا: وإن تيسر لك الأمر فلا تنس أن تأمر مولاتك يا ~~سيدي إيفان بإحضار زجاجة من الخمر معها؛ فخمور القصر أجود من خمور الحان. # أجابه إيفان: ولكن لنتراهن أولا، فإن تم لي الأمر أشرب وأسكر عاما في حانك بلا مقابل، ~~وإن لم يتم أعطك مائتي روبل. # قال صاحب الحان: لك ذلك. # واتفق الصاحبان، ثم افترقا مستشهدين الخادمين على ما اتفقا. # | الفصل السادس عشر # غاب إيفان نصف ساعة ثم عاد، فسأله جريجوار: ما وراءك يا إيفان؟ # قال: مولاتي تتبعني. # وللحال سمع صوت فاننكا تقول لوصيفتها: ادخلي يا أنوشكا، واسألي جريجوار هل لديه أحد من ~~خدامنا؟ # فبهت الحاضرون لما تبينوا الصوت، ونظروا إلى بعضهم مندهشين بين مصدقين ومكذبين، أما إيفان ~~فاضطجع على مقعد معجبا بنصرته، مداعبا بيده شعر لحيته. # وفتحت أنوشكا باب الحان، فرأى الجالسون الجو ملبدا بالغيوم، والجليد يتساقط كالقطن ~~المنفوش، ثم التفتت الوصيفة لسيدتها قائلة: ليس هنا يا مولاتي إلا أخي وصاحب الحان، وإسكندر ~~ودانيال والخادمان. # فدخلت فاننكا وبيدها زجاجة من الخمر، والتفتت إلى الحضور قائلة: بلغني - أيها الخلان - أنكم ~~تشربون نخبي؛ فأحببت أن آتي بنفسي لأشرب نخبكم أيضا، فدونكم هذه قنينة من نبيذ فرنسا ~~العتيق، فمدوا إلي الكئوس؛ لأسقيكم من هذا الرحيق. # فمد الحاضرون كئوسهم متعجبين هائبين، ومد من بينهم إيفان كأسه بكبر ووقاحة، فصبت فاننكا ~~الخمر حتى أفعمت الكئوس، ولما رأت تردد الخدم في شربها هيبة وحياء شجعتهم قائلة: في صحتي ~~أيها الأحباب. # فرفع الخدام الكئوس بحماس، وقد اطمأنوا لرقة صوتها وملاطفتها فصاحوا: في صحة مولاتنا ~~الكريمة. # وشربوا الأقداح، فملأتها لهم فاننكا ثانية، ثم وضعت أمامهم الزجاجة قائلة: دونكم - أيها ~~الإخوان - فاشربوا ما في هذه القنينة، ودعوني ووصيفتي نتدفأ بجانب الموقد. # فأراد جريجوار أن يقدم للفتاتين المقاعد، ms44 فلم يستطع بل سقط؛ إما لتأثر الخمر أو لتأثير ما ~~مزج بالخمر، فتمتم معتذرا، فأجابته فاننكا: لا بأس عليك، ابق مكانك، واشربوا أيها الإخوان ~~ولا تهتموا بنا. # واغتنم الحضور الأمر فأفرغوا الكئوس، وهم كلما تقدموا في الشرب ثقلت منهم الرءوس، فيسقطون ~~لا يعون على شيء، فهبت فاننكا وقد صاروا جميعا طريحي الأرض، فقالت لوصيفتها: لقد أثر فيهم ~~الأفيون. # فقالت الوصيفة: ولكن ما غرض مولاتي من ذلك؟ # قالت فاننكا: سترين عما قليل. # ثم قامت فجمعت ما في الحان من حطب وأخشاب، فجعلته أكواما في أركان المكان، وأخذت قطعة ~~مشتعلة من الموقد؛ فاضطرمت النار في الأحطاب، ثم جذبت وصيفتها إلى الخارج، فصاحت بها الوصيفة ~~قائلة: ويلاه! ماذا تصنعين يا مولاتي؟ # قالت: أدفن السر تحت الرماد. # قالت الوصيفة: ولكن أخي ... # فقاطعتها سيدتها قائلة: أخوك خائن أفشى السر، فخير له أن يموت قبل أن نذهب ضحية ~~خيانته. # فأخذت أنوشكا في البكاء والنحيب، فقالت لها فاننكا باسمة: إن عز عليك أخوك فما عليك إلا ~~اللحاق به. # قالت الوصيفة منزعجة، وقد لعبت النار بجدران الحان: مولاتي، النار، النار. # قالت: دعيها تلتهم الفجرة الأشرار. # ثم جذبتها إليها الفتاة بعيدا عن الحان، فجلستا على الجليد، وأعين فاننكا تتأمل منظر النار ~~وقد علا لهيبها في ظلام الليل؛ لتطمئن من تدمير الحان بمن فيها، أما أنوشكا فاندفعت تصلي ~~طالبة لأخيها الغفران، قبل أن يتمثل أمام الملك الديان. # ولم يطل أمد الحريق؛ لأن الحانة كانت من خشب وطيب كأغلب مساكن القرويين من الروسيين، ولما ~~انقض سقف الحانة على من فيها، وأمنت فاننكا شر نجاتهم، اطمأنت فتركت مكانها عائدة إلى قصر ~~أبيها تتبعها وصيفتها، حيث دخلتا القصر دون أن يشعر بخروجهما ودخولهما إنسان. # | الفصل السابع عشر # أصبح القوم في بطرسبرج ولا حديث لهم إلا حريق «الحانة الحمراء»، وقد استخرج من تحت الرماد ~~أربع جثث عرفت من بينها جثة صاحب الحان، أما الجثث الثلاث الأخرى فعلم فيما بعد أنها جثث ~~ثلاثة من خدام قصر شرميلوف؛ لأنهم خرجوا قاصدين الحانة ولم يعودوا منها، وبقي ms45 سر الحريق ~~مكتوما، وقد تضاربت فيه الظنون، خصوصا وأن موقع الحانة كان منفصلا عن المدينة، وكانت ~~الطريق قفرة في ليلة الحريق والزوابع عاصفة، وهكذا أمنت فاننكا شر ما فعلت لموت سرها بموت ~~من أذاعوه، ولكن أخلف الخوف عذاب الضمير وكانت الفتاة نقية، فثقلت عليها جريمتها التي ~~ساقتها إليها الظروف القاسية، فلم يطب لها عيش، ولم تهنأ لها حياة وصارت تتصور أمامها ~~الحوادث التي مرت بها فتكدر عليها أيامها. # ومن مبادئ النصرانية أن الخطية تخف بالاعتراف بها للرئيس الديني المكلف بقبول الاعتراف، ~~وأن كل خطية لم يعترف بها لا تقبل عنها التوبة إلى الأبد، وحكمة الاعتراف الإقرار بالذنب مع ~~الندامة إذلالا للنفس وردعا لها. # ورأت فاننكا أن تعترف بخطاياها، فقصدت أحد البوبات الأتقياء (والبوب: الرئيس الديني عند ~~الروسيين)، فقصت عليه أمرها والتمست منه المغفرة، فأطرق الكاهن برهة مندهشا لفظاعة ما أتته ~~الفتاة، ثم رفع رأسه إليها رافضا ما طلبته من المغفرة، فكادت تصعق فاننكا لهذا الرفض؛ لأنه ~~يحرمها من تناول القربان في الكنيسة ويقصيها عن المائدة المقدسة (وهي المائدة التي يجهز ~~عليها القربان)، ولا يقصى عنها إلا كل من أتى خطية لم يسمع بمثلها أو جناية بقي خبرها ~~مكتوما، فارتمت الفتاة على أقدام الكاهن تطلب منه الرحمة بها والشفقة عليها؛ لئلا يستجلب ~~هذا الرفض تحويل الأنظار إليها وهتك سترها، فأطرق الكاهن برهة، ثم سمح لها بحضور الكنيسة مثل ~~رفيقاتها والاقتراب من المائدة المقدسة، لكن دون أن تتناول شيئا من القربان. # وعلى ذلك ترك البوب كرسي الاعتراف، وسار قاصدا منزله مضطرب الفكر والحواس، وبقيت فاننكا ~~في الكنيسة وقد دخل الليل فأثر عليها خلو المكان وهيبته وظلام الليل، مع ما هي فيه من الحزن ~~واليأس، فازدادت كآبتها وقامت قاصدة القصر مثقلة بالهموم. # ودخل البوب منزله، فوجد زوجته إليصابات في انتظاره، وقد أرقدت ابنتهما أرينا في الغرفة ~~المجاورة لغرفتهما، ولما شاهدت إليصابات انقلاب سحنة زوجها انزعجت، وسألته عما به فطيب ~~خاطرها، وكانت المرأة ثرثارة فألحت عليه؛ لتعلم سبب اضطرابه، لا سيما وأنها علمت بالأمس ms46 أن ~~أمها مريضة، فخشيت أن يكون بلغه عنها خبر يسوء وقعه، فأجهشت للبكاء ، وقالت: لقد ماتت ~~أمي. # فحاول الكاهن عبثا أن يطمنها، وأقسم لها أن منشأ اضطرابه غير ما تظن، لكنها لم تقتنع ~~واندفعت في البكاء، فاضطر أن يقول لها إن سبب ذلك الاضطراب سماعه اعترافا في الكنيسة بجريمة ~~لم يسبق لها نظير، فصاحت به المرأة قائلة: مين وخداع، إنما أنت تحاول إخفاء الحقيقة. # وللحال تولتها نوبة عصبية شديدة، فلم يجد الكاهن بدا من أن يقص عليها ما سمعه في ~~الكنيسة مفصلا؛ ليذهب عنها روعها، فاستحلفها كتمان الأمر، وهكذا خان «سر الاعتراف» وفرط في ~~أول وأقدس الواجبات الدينية التي فرضتها عليه وظيفته. # وكانت ابنتهما الصغيرة أرينا قد استيقظت على صوت المحاورة والبكاء، فهبت من فراشها، وبعثها ~~حب الاطلاع إلى الإصغاء على باب الغرفة، فسمعت كل ما دار بين أمها وأبيها. # وأقبل يوم تناول القربان، فامتلأت الكنيسة بجماهير المصلين، وكانت فاننكا في مقدمة الصفوف ~~جاثية أمام الهيكل ومعها أبوها وأركان حربه، ووراء الجميع خدمة القصر، وكانت أرينا وأمها من ~~الحاضرين، فاشتاقت البنت أن تتبين وجه تلك التي سمعت والدها يقص عنها أفظع الأعمال، فتركت ~~أمها تصلي واقتربت من الهيكل؛ لتشاهد فاننكا، ولكنها صادفت خدمة الجنرال فمنعوها من التقدم، ~~لكنها قاومتهم راغبة المرور بين صفوفهم، فدفعها بعضهم بقوة؛ فسقطت وأصابت رأسها سلم الهيكل ~~فانجرحت، وقامت الابنة تولول وتصيح ودمها يسير، وأخذت في سب الخادم الذي دفعها قائلة: إنك ~~أحقر من أن تتجرأ على مثلي، أفمعجب أنت بلحيتك؟ أم مفتخر بتبعيتك لتلك السيدة التي أحرقت ~~الحانة الحمراء؟ # وكان السكوت شاملا والقوم في انتظار الصلاة، فوقعت هذه الكلمات كالرعد، وسمعها كل من في ~~الكنيسة، وفي الحال تبعها صوت مزعج صادر من جهة الهيكل، وكانت تلك فاننكا قد أغمي ~~عليها. # | الفصل الثامن عشر # وفي الغد تمثل الجنرال شرميلوف بين أيدي القيصر بول الأول، فأبلغه قصة فاننكا كما روتها ~~له الفتاة؛ لأنها لم تستطع أن تكتم ما بها طويلا؛ فأعلمت أباها في الليلة التي تلت حادثة ms47 ~~الكنيسة بأمرها جميعه، ولم تخف عنه شيئا. # ولبث القيصر برهة مفكرا فيما ألقي على مسامعه من الحوادث، ثم هب عن مقعده وقصد مكتبة ~~فتناول قرطاسا كتب فيه القرار الآتي: # لقد هتك البوب حرمة ما كانت لتهتك، حيث خان سر الاعتراف، فينفى إلى سيبريا وتلحقه ~~امرأته؛ لأنها شاركته في الجريمة، حيث لم تحترم سرا من أسرار وظيفته فاضطرته إلى ~~إفشائه، وتلحق بهما ابنتهما الصغيرة. # وتنفى أنوشكا الوصيفة إلى سيبريا أيضا، حيث لم تخطر سيدها بسيرة ابنته. # وإني حافظ كل اعتباري للجنرال، بل أتأسف وأشاطره الحزن على ما أصابه. # أما فاننكا فلا أدري عقوبة أقضي بها عليها، ولا أراها إلا ابنة قائد شهم كرس ~~حياته في خدمة وطنه، هذا وإن الظروف الغريبة التي اكتشفت فيها الجناية تجعل المتهمة ~~بعيدة عن طائلة غضبي، فأكل إليها عقاب نفسها بنفسها، فإن أصاب ظني فيما توسمته في ~~طباعها وبقي لديها من الإحساس ما تدرك به خطارة حالها؛ فسيدلها قلبها وضميرها على ~~الطريق الواجب عليها اتباعه. # ولما أتم القيصر كتابة القرار، قدم القرطاس مفتوحا للجنرال شرميلوف، وكلفه أن يحمله إلى ~~الكونت بهلن حاكم المدينة. # وفي الغد نفذت أوامر القيصر، أما فاننكا فقصدت ديرا انزوت فيها، ولم يمض العام حتى قضت ~~حزنا وأسفا. # وحصلت بعد ذلك واقعة أوسترلتز الشهيرة فقضى الجنرال شرميلوف في ساحة القتال، سبحان من لا ~~يزول، وإليه المرجع والمآل. ~~(تمت) # | كلمة للمعرب # علم القراء الكرام من مقدمة هذه الرواية أن وقائعها حقيقية، وأزيد الآن بأن القرار الذي ~~أصدره القيصر قد أوردت هنا ترجمته الحرفية بلا تصرف، مأخوذة عن أوثق المصادر التاريخية، وكفى ~~به شاهدا بصحة الحوادث التي تقدمته. # وأغتنم هذه الفرصة لأقدم لحضرات الأدباء الأفاضل قراء مسامرات الشعب واجب الشكر على حسن ~~قبولهم لروايتي الأولى «ملك الظرفاء»، وعلى ما أتحفوني به من عبارات التشجيع والثناء، وآمل ~~أن يلاقوا في روايتي الثانية ما يقوي عزمي على خدمتهم وخدمة الآداب. # المعرب # صالح جودت # | كلمة ثناء # إن كان التعاضد على خدمة الآداب فرضا واجبا؛ فشكر القائمين به فرض ms48 أوجب، ولقد لاقيت من ~~حضرات القراء الأفاضل تشجيعا وإقبالا على «مسامرات الشعب» جعلا لي الأمل الفسيح في حسن ~~مستقبلها، فأرى من واجباتي المقدسة أن أشكرهم على حسن استقبالهم لهذه المجموعة، كما أني ~~أغتنم الفرصة لتقديم واجب الشكر أيضا لحضرات أرباب الصحافة المصرية، الذين تكرموا بتقريظ ~~هذه الروايات، وأفسحوا مجالا في صحفهم لنقدها، فالله أسأل - بفضل هذه الهمة والغيرة - أن يوفقنا ~~جميعا إلى بلوغ الغاية المتمناة من خدمة الوطن والأمة، آمين. # خليل صادق # صاحب مسامرات الشعب ms49