######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : فدك في التاريخ ¶ المؤلف : السيد محمد باقر الصدر ¶ المحقق : الدكتور عبد الجبار شرارة ¶ الطبعة : الاولى 1415 ه. 1994 م ¶ [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# cat: كتب الإمامية #META# bkid: 194 #META# الكتاب: فدك في التاريخ #META# bkord: 255 #META# المحقق: الدكتور عبد الجبار شرارة #META# الطبعة: الاولى 1415 ه. 1994 م #META# idx: 1 #META# iso: فدك في التاريخ #META# comp: 1 #META# bk: فدك في التاريخ #META# max: 189 #META# المؤلف: السيد محمد باقر الصدر #META# digitization_comments: [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # --- PageV01P014 [15] # أيها اقارئ الكريم: هذا إنتاج اغتنمت له عطلة من عطل الدراسة في جامعتنا ~~الكريمة - النجف الأشرف - وتوفرت فيها على درس مشكلة من مشاكل التاريخ ~~الأسلامي، وهي (مشكلة فدك)، والخصومة التاريخية التي قامت بين الزهراء ~~(صلوات الله عليها) والخليفة الأول (رضي الله تعالى عنه). وكانت تتبلور في ~~ذهني استنتاجات وفكر، فسجلتها على أوراق متفرقة، حتى إذا انتهيت من مطالعة ~~مستندات القضية ورواياتها، ودرس ظروفها، وجدت في تلك الوريقات ما يصلح ~~خميرة لدراسة كافية للمسألة، فهذبتها ورتبتها على فصول، اجتمع منها كتيب ~~صغير، وكان في نيتي الاحفاظ به كمذكر عند الحاجة، فبقي عندي سنين مذكرا ~~ومؤرخا لحياتي الفكرية في الشهر الذي تمخض عنه، غير أن حضرة الوجيه الفاضل ~~الشيخ محمد كا ظم الكتبي ابن الشيخ صادق الكتبي (أيده الله) طلب مني تقديمه ~~إليه ليتولى طبعه. وقد نزلت على رغبته تقديرا لأياديه البيضاء على المكتبة ~~العربية والأسلامية. والكتاب هو ما تراه بين يديك. المؤلف # --- PageV01P015 [17] ### || AUTO الفصل الأول # على مسرح الثورة * فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم ~~الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون. الزهراء ~~عليها السلام # --- PageV01P017 [19] # تمهيد وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب ~~بصبابة من خوف أو ذعر، ولا يمر على خيالها الذي كان جديا كلم الجد، تردد في ~~تصميمها، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك، وها هي الان في أعلى ~~القمة من استعدادها النبيل، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح، واسلوبها ~~الدفاعي، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل، ودرس عريض، فلا بد لها ~~من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على ~~المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية، ~~وملكة بيانية مؤثرة، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة وفنية ~~في تصوير النقمة، ونقد الأوضاع القائمة تصويرا ونقدا يجعلان في الألفاظ ~~معنى من حياة، وحظا من خلود، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة، وسندها ~~الخالد في تاريخ العقيدة، ولكنه الأيمان والاستبسال ms001 في سبيل الحق الذي يبعث ~~في النفوس الضعيفة نقائضها، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ~~ولا تردد. ولذا كان اختيار الثاثرة لهذا الطريق مما يوافق طبعها، ويلتئم مع ~~شخصيتها المركزة على الانتصار للحق، والاندفاع في سبيله. # --- PageV01P019 [20] # وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم المتناثرة ~~يلتففن بها بغير انتظام، وهن جميعا سواسية في هذا الاندفاع والاتياع، وقائد ~~تهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة، ~~وهي كلما استرسلت في استعراضها ازدادت رباطة جأش، وقوة جنان، وتضاعفت قوة ~~الحق التي تعمل في نفسها، واشتدت صلابة في الحركة، وانبعاثا نحو الدفاع عن ~~الحقوق المسلوبة، ونشاطا في الاندفاع، وبسالة في الموقف الرهيب، كأنها قد ~~استعارت في لحظتها هذه قلب رجلها العظيم، لتواجه به ظروفها ا لقاسية وما ~~حاكت لها يد القدر. أستغفر الله بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة ~~مرؤعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ. وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت ~~فيها بدور الجندي المدافع شبحا قائما ترتسم عليه سحابة حزن مرير، وهي شاحبة ~~اللون، عابسة الوجه، مفجوعة القلب، كاسفة البال، منهدة العمد، ضعيفة ~~الجانب، مائعة الجسم، وفي صميم نفسها، وعميق فكرها، المتأملة إشعاعة بهجة، ~~وإثارة طمأنينة، وليس هذا ولا ذاك استعذابا لأمل باسم، أو سكونا إلى حلم ~~لذيذ، أو استقبالا لنتيجة حسنة مترقبة، بل كانت الأشعاعة إشعاعة رضا ~~بالفكرة، والاستبشار بالثورة، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح، لا هذا الذي ~~نفيناه بل على وجه آخر، وإن في بعض الفشل الاجل إيجابا لنجاج عظيم وكذلك ~~وقع، فقد قامت امة برمتها تقدس هذه الثورة النائرة بل تستمد منها ثباتها ~~واستبسالها في هذا الثبات. ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي ~~القريب يوم كانت # --- PageV01P020 [21] # موجهات السعادة تلعب بحياتها السعيدة، ويوم كان نفس أبيها يصعد، ونسمه ~~يهبط. وكان بيتها قطب الدولة العتيد، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على ~~الزمن الخاشع المطيع. ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو يضمها إلى صدره الرحيب، ويحوطها ms002 بحنانه العبقري، ويطبع ~~على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه، وكانت غذاءها صباحا ومساء. ثم ~~وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن، فيواجهها الواقع العابس وإذا بالزمان غير ~~الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والأشعاعة المتألقة المحلقة ~~بالسماء، مهدد بين الفينة والفينة، وما هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا ~~الأسلام باب علم النبوة (1)، ووزيرها المخلص (2)، وهارونها (3) المرجى، ~~الذي لم يكن لينفصل ببدايته (4) الطاهرة عن بداية # --- # (1) إشارة إلى الحديث المشهور: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) أخرجه أبو ~~نعيم في حلية الأولياء 1: 64 طبعة دار الفكر، وصححه السيوطي في جمع ~~الجوامع، وأخرجه الترمذي في صحيحة بلفظ آخر، وراجع: التاج الجامع للاصول في ~~أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصب 3: 337، ~~قال: رواه الترمذي والطبراني وصححه الحاكم. (2) إشارة إلى قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم - في حديث الدار أو الأنذار - المشهور: (إن هذا - والأشارة ~~إلى علي - أخي ووزيري وخليفتي فيكم...) راجع الرواية الكاملة في تاريخ ~~الطبري 3: 218 - 219 طبعة المطبعة الحسينية بمصر، وراجع تفسير الخازن 3: ~~371 طبعة دار المعرفة. (3) إشارة إلى الحديث المتواتر: (أما ترضى يا علي أن ~~تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) راجع: صحيح البخاري 5: ~~81 باب 39، صحيح مسلم 4: 1873، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3: 333. (4) راجع: نهج ~~البلاغة، خطبة 192 ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 300 - 301 قال الأمام علي ~~عليه السلام: (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد... ولم يجمع ~~بيت واحد يومئذ في الأسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة ~~وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة...). # --- PageV01P021 [22] # النبوة المباركة، فهو ناصرها في البداية، وأملها الكبير في النهاية، يخسر ~~أخيرا خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقوض معنوياته النورية ~~التي شهدت لها السماء والأرض جميعا، وتسقط سوا بقه الفذة عن الاعتبار ببعض ms003 ~~المقاييس التي تم اصطلاحها في تلك الأحايين. وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء ~~الله لها أن تبكي، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير، ويخيم على ~~المظاهر، ت بل كان لوعة الضمير، وارتباع النفس، وانتفاضة الحسرات في أعماق ~~القلب، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها. ثم لم تطل ~~وقفتها، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميان ~~الصراح، فوقفت وقفتها الخالدة، وأثارث حربها التي استعملت فيها ما يمكن ~~مباشرته للمرأة في الأسلام، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن ~~عاكسها شذوذ الظرف، وتناثرت أمامها العقبات. (أجواء الحدث) تلك هي الحوراء ~~الصديقة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ريحانة النبوة، ومثال ~~العصمة، وهالة النور المشعة، وبقية الرسول بين المسلمين - في طريقها إلى ~~المسجد - وقد خسر ت أبوة في أزهى الابوات في تاريخ الأنسان، وأفيضها # --- PageV01P022 [23] # حنانا، وأكثرها إشفاقا، وأوفرها بركة. وهذه كارثة من شأنها أن تذيق ~~المصاب بها مرارة الموت أو أن تظهر له الموت حلو اشهيا، وأملا نيرا. وهكذا ~~كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى، وطارت روحه الفرد إلى جنان ~~ربها راضية مرضية. ثم لم تقف الحوادث المرة عند هذا الحد الرهيب، بل عرضت ~~الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تأثيرا في نفسها الطهور، وإيقادا لحزنها، وإذ ~~كاء لأساها عن الفاجعة الاولى كثيرا وهو خسارة المجد الذي سجلته السماء ~~لبيت النبوة على طول التاريخ، وأعني بهذا المجد العظيم سيادة الامة ~~وزعامتها الكبرى، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم امته وشيعته، لأنهم مشتقاته ومصغراته، وإذا بالتقدير المعاكس ~~يصرف مراكز الزعامة عن أهلها، ومناصب الحكم عن أصحابها، # --- # (1) كان تخطيط السماء أن يتولى علي وأهل البيت الأطهار إمامة الامة ~~وزعامتها، وقد كانت هناك عملية إعداد واسعة النطاق تربويا وفكريا لمثل هذه ~~الخلافة والزعامة، بل كان هناك منهج واضح تتوالى خطواته بهذا الاتجاه وتشهد ~~لذلك نصوص ا لقرآن الكريم والسنة المطهرة، بما لا يدع مجالا للشك. (راجع ms004 ~~بحثا مستفيضا حول هذه النقطة في كتاب نشأة التشيع والشيعة للشهيد الصدر ~~رضوان الله تعالى عليه) بتحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة)، فقد أثبتنا ~~بالأرقام والشواهد والنصوص هذه الحقيقة بالرجوع إلى المصادر المعتمدة ~~والروايات الصحيحة عند إخواننا أهل السنة. وراجع أيضا على سبيل المثال: ~~تاريخ الطبري 3: 218 - 219 الطبعة الاولى / المطبعة الحسينية بمصر، تاريخ ~~الخلفاء / السيوطي: 171، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 127، مختصر تاريخ ابن ~~عساكر / ابن منظور 17: 356 وما بعدها. (*) # --- PageV01P023 [24] # ويرتب لها خلفاء وامراه من عند نفسه. وبهذا وذاك خسرت الزهراء أقدس ~~النبوات والابوات، وأخلد الرئاسات والزعا مات بين عشية وضحاها، فبعثها ~~نفسها المطوقة بآفاق من الحزن والأسف إلى المعركة ومجالاتها، ومباشرة ~~الثورة والأستمرار عليها. والحقيقة التي لا شك فيها أن أحدا ممن يوافقها ~~على مبدئها ونهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها، ويستبسل استبسالها في ~~الجهاد إلا وأن يكون أكلة باردة، وطعمة رخصيصة للسطات الحاكمة التي كانت قد ~~بلغت يومذاك أوج الضغط والشدة. فعلى الأشارة عتاب، وعلى القول حساب، وعلى ~~الفعل عقاب، فلم يكن ليختلف عما نصطلح عليه اليوم بالأحكام العرفية، وهو ~~أمر ضروري للسلطات يومئذ في سبيل تدعين أساسها، وتثبيت بنيانها. أما إذا ~~كان القائم المدافع بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته (2)، وصورته ~~الناضرة، فهي محفوظة لا خوف عليها بلا شك، باعتبار هذه النبوة المقدسة، ~~ولما للمرأة في الأسلام عموما من حرمات وخصائص تمنعها وتحميها من الأذى. # --- # (1) راجع: أخبار السقيفة في تاريخ الطبري 2: 244 طبعة دار الكتب العلمية ~~- بيروت، وما دار فيها، ومن ذلك قول الخليفة الثاني: (اقتلوا سعد بن ~~عبادة...). (2) جاء في الحديث الصحيح: (فاطمة بضعة مني من اذاها فقد ~~اذاني....). راجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم 3: 353 عن البخاري ومسلم وغير هما، صحيح البخاري - باب فضائل ~~الصحابة 5: 83 باب 43 حديث رقم 232 طبعة دار القلم - بيروت، صحيح مسلم 4: ~~1902 حديث رقم 2493 باب فضائل الصحابة - فضائل فاطمة عليها السلام. # --- PageV01P024 [25] # مستمسكات الثورة: ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر إلى آفاق ms005 ~~حياتها الماضية ودنيا أبيها ا لعظيم التي استحالت حين لحق سيد البشر بربه ~~إلى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور، تمد الزهراء في كل حين بألوا ن من ~~الشور والعاطفة والتوجيه، وتشيع في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم، فهي وإن ~~كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن أياما أو شهورا، ولكنها لم تنفصل عنه ~~في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة. وإذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينضب، ~~وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد، وأضواء من نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم ونفس محمد تنير لها الطريق، وتهديها سواء السبيل. وتجردت الزهراء في ~~اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس، واتجهت بمشاعرها إلى ~~تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسأ من نور في موقفها العصيب، ~~وصارت تنادي: إلي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا يصطبر عليه... ~~إلي يا أعز روح علي، وأحبها إلي... حدثيني وأفيضي علي من نورك الألهي، كما ~~كنت تصنعين معي دائما. إلي يا أبي أناجيك إن كانت المناجاة تلذ لك، أبثك ~~همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين، واخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي ~~كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شئ. # --- PageV01P025 [26] # قد كان بعدك أبناء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إلي يا ذكريات ~~الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شئ لاثيرها حربا لا ~~هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم إلى منبر أبي ~~ومقامه، ولم يعرفوا لا ل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقوقهم، ولا لبيتهم ~~حرمة تصونه من الأحراق (2) والتخريب، ذكريني بمشاهد أبي وغز واته ألم يكن ~~يقص علي ألوانا من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد (3)، تفوقة على ~~سائر الأنداد، ووقوفه إلى صف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشد ~~الساعات، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها (4) ~~الشجعان. أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر ms006 النبي وننزل بعلي عما يستحق ~~من مقام ؟ ! # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 312. (2) إشارة إلى التهديد ~~بإحراق بيت الزهراء عليها السلام، راجع: الأمامة والسياسة / ابن قتيبة: 12، ~~والطبري في تاريخه 2: 233 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، شرح نهج البلاغة ~~/ ابن أبي الحديد 6: 47 - 48، رواية تنص على أن عمر بن الخطاب جاء إلى بيت ~~فاطمة عليها السلام في عصابة في رجال من الأنصار ونفر من المهاجرين، فقال: ~~(والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم). (3) راجع ~~تاريخ الطبري 2: 25 و65 و66، عندما قتل علي عليه السلام طلحة بن عثمان صاحب ~~لواء المشركين... وقتل أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جماعة من المشركين، فقال: (احمل عليهم)، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل ~~عمرو الجمحي، ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من ~~المشركين، فقال لعلي: (احمل عليهم)، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل شبية بن ~~مالك. فقال (جبريل) عليه السلام: (يا رسول الله إن هذه للمواساة)، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه مني وأنا منه)، فقال (جبريل): ~~(وأنا منكما...). (4) راجع: رواية سعيد بن أبي وقاص في صحيح مسلم 4: 1873، ~~صحيح الترمذي 5: 596، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 143 فهي تنطق بهذا ~~المعنى. # --- PageV01P026 [27] # خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على ~~تبليغ (1) آية للمشركين ؟ وانتخب للمهمة عليا، فماذا يكون معنى هذا إن لم ~~يكن معناه أن عليا هو الممثل الطبيعي للأسلام الذي يجب أن تستند إليه كل ~~مهمة لا يتيسر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرتها ؟ إني لأتذكر بوضوح ~~ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي عليا على المدينة ~~وخرج إلى الحرب، فوضعوا لهذا الاستخلاف (2) ما شاؤوا من تفاسير، وكان علي ~~ثابتا كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين، وكنت احاول أن يلتحق بأبي ~~ليحدثه بحديث الناس، وأخيرا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم رجع ~~متهلل الوجه ضاحك الأسارير، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها ~~بشرى ms007 لا بمعنى من معاني الدنيا بل بمعنى من معاني السماء. فقص علي كيف ~~استقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به وقال له: (أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (3)، وهارون موسى كان شريكا له في ~~الحكم، وإماما لامته، ومعدا لخلافته، فلابد أن يكون هارون محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وليا للمسلمين وخليفته فيهم من بعده. # --- # (1) إشارة إلى قصة تبليغ سورة براءة، وهي في مسند الأمام أحمد بن حنبل 1: ~~3 طبعة دار صادر - بيروت، وفي الكشاف / الزمخشري 2: 243، قال: (روي أن أبا ~~بكر لما كان ببعض الطريق لتبليغ سورة براءة، هبط جبرائيل عليه السلام فقال: ~~(يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك، فأرسل عليا...). راجع الرواية أيضا ~~في صحيح الترمذي 5: 594. (2) راجع تفصيل الرواية في تاريخ الطبري 2: 182 - ~~183، البداية والنهاية / ابن كثير الدمشقي 7: 340. (3) راجع: التاج الجامع ~~للاصول في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف ~~3: 332، قال: رواه الشيخان والترمذي، صحيح مسلم 4: 1873، خصائص النسائي: 48 ~~- 50. (الشهيد) # --- PageV01P027 [28] # ولما وصلت إلى هذه النقطة من أفكارها المتدفقة صرخت إن هذا هو الأنقلاب ~~الذي أنذر تعالى في كتابه إذ قال: (و10 ما محمد إلا رسول رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) # --- # (1). فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم، واستولى عليهم المنطق الجاهلي ~~الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحد هما: (نحن أهل العزة والمنعة، ~~واولوا العدد والكثرة، وأجابه الاخر: من ينازعنا سلطان محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونحن أولياؤه وعترته) (2) وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم ~~أخذت تقول: يا مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جرت في عروقي منذ ~~ولدت كما يجري الدم في العصب، إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي ~~أقامه النبي مركزا لدعوته قد هجم على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ~~دارهم وأشعل النار فيها أو كاد.. (3). يا روح امي العظيمة إنك ألقيت علي ~~درسا خالدا ms008 في حياة النضل الأسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين صلى ~~الله عليه وآله وسلم وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة (4). # --- # (1) آل عمران / 144. (2) راجع تفصيل ذلك في أخبار السقيفة / تاريخ الطبري ~~2: 234 وما بعدها، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 6 - 9، فقد نقلا ~~هذه المحاورات والمداخلات. (3) في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام، راجع: ~~تارى الطبري 2: 233، أخرج عن ابن حميد بسند قال: أتى عمر بن الخطاب منزل ~~علي وفيه رجال من المهاجرين فقال: (والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى ~~البيعة...). (4) إشارة إلى موقف زوج الرسول الكريم خديجة الكبرى التي خصها ~~الله بالكرامة في موقفها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند محنته ~~مع قريش في تكذيبه. # --- PageV01P028 [29] # لبيك لبيك يا اماه إني أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني إلى مقاومة ~~الحاكمين. فسوف أذهب إلى أبي بكر لأقول له: (لقد جئت شيئا فريا، فدونكها ~~مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد ~~القيامة (1)، ولانبه المسلمين إلى عواقب فعلتهم والمستقبل القاتم الذي بنوه ~~بأيديهم وأقوال: (لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب، ثم احتلبوها طلاع القعب دما ~~عبيطا، وهناك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما أسس الأولون) (2). ثم ~~اندفعت إلى ميدان العمل وفي نفسها مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وروح ~~خديجة، وبطولة علي، وإشفاق عظيم على هذه الامة من مستقبل مظلم. طريق ~~الثورة: لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا، لأن البيت الذي انبعث ~~منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام، بالطبع الذي كان يصطلح ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة (3)، وهو جار المسجد ~~(4) لا يفصل بينهما سوى جدار # --- # (1) و(2) من خطبتها، راجع: شرح نهج البلاغة 16: 212. (3) ينقل الرواة ~~والمؤرخون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمر أكثر من ستة أشهر ~~بعد نزول آية التطهير يقف على باب دار علي وفاطمة عليها السلام، عند ذهابه ~~إلى الصلاة وهو يقول: (السلام عليكم يا نهل البيت)، راجع: مسند الأمام أحمد ms009 ~~بن حنبل 3: 285 طبعة دار صادر، المستدرك على الصحيحين / الحاكم ا لنيسابوري ~~3: 158. (4) في مسند أحمد بن حنبل 4: 369، وفي تاريخ ابن كثير 3: 355، كان ~~لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد، ~~فأمر رسول الله بسد هذه الأبواب إلا باب علي عليه السلام. # --- PageV01P029 [30] # واحد، فلعلها دخلته من الباب المتصل به، والمؤدي إليه من دارها مباشرة، ~~كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام. ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين، وإن ~~كنت ارجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا ~~هذه الحركة الدفاعية يشعر بهذا، فإن دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا ~~في نفس المسجد، ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها، فمن أين للراوي أن يصف ~~مشيها، وينعته بأنه لا يخرم مشية # --- # (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع ؟ ! ولو ~~تصورنا أنها سارت في نفس المسجد، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة، ~~وإنما يبتدي بذلك، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه، وإن سار ~~في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها، وهذا وغيره ~~يكون قرينة على ما استقريناه. النسوة: وتدلنا الرواية على أن على الزهراء ~~كانت تصحب معها نسوة (2) من قومها وحفدتها كما سبق ذكره، ومرد هذه الصحبة ~~وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد، وهو تنبيه الناس، وكسب التفاتهم ~~باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد، ويتهافتوا حيث ~~ينتهي بها السير بقصد التعرف # --- # (1) راجع الرواية، وأن مشيها لا يخرم مشية رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 211. (2) المصدر السابق. (*) # --- PageV01P030 [31] # على ما تريده، وتعزم عليه من قول أو فعل، وبهذا تكون المحاكمة علنية ~~تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب. ظاهرة: سبق أن الرواية ~~التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية أبيها صلى ~~الله عليه وآله وسلم. ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق، فلعله ~~كان ms010 طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص، ولى هذا ~~ببعيد فإنها (صلوات الله عليها) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر ~~أفعالها وأقوالها، ويحتمل أن يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت ~~الحوراء قد عمدت في موقفها يو مذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد ~~فأحكمت التمثيل، وأجادت المحاكاة، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر وإحساس الناس، وعواطف ~~الجمهور بهذا التقليد البا هر الذي يدفع بأفكار هم إلى سفر تصير، وتجول ~~لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس، والأيام الضواحك التي قضوها ~~تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون في إرهاف هذه ~~الأحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها، ويوطئ ~~القلوب لتقبل دعوتها الصارخة، واستجابة استنقاذها الحزين، ونجاح محاولتها ~~اليائسة أو شبه اليائسة. ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية ~~أيضا من حيث يشعر أو لا يشعر، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من ~~تصوير الحركة # --- PageV01P031 [32] # الفاطمية: صرخة باركتها الزهراء، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط ~~الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ~~ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير، ويأس ثابت، واستسلام ~~فرضته حياة الناس الواقعة يو مذاك. ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة ~~لها على ما يطرد في الثورات الاخرى بقدر ما كانت تهدف إلى تثبيت الثورة ~~لذاتها، وتسجيلها فيما يسجله التاريخ في سطوره البارزة، فكانت الثورة على ~~هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملا غير منقوص، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم ~~بنجاحها وإن فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب. # --- PageV01P032 [33] ### || AUTO الفصل الثاني # فدك بمعناها الحقيقي والرمزي # * بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم ~~وسخت عنها نفوس آخرين. (قرين الزهراء) أمير المؤمنين عليه السلام (نهج ~~البلاغة / تنظيم صبحي الصالح: 416) # --- PageV01P033 [35] # (الموقع:) فدك: قرية في ms011 الحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، ~~وهي أرض يهودية في مطع تاريخها المأثور # --- # (1). وكان يسكنها طائفة من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة ~~حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على النصف من فدك وروي أنه صالحهم عليها كلها (2). (فدك في أدوارها ~~الالى:) وابتدأ بذلك تاريخها الأسلامي، فكانت ملكا لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، لأنها مما لم # --- # (1) راجع معجم البلدان / ياقوت الحموي 4: 238 - 239 طبعة دار احياء ~~التراث العربي - بيروت - 1399. (2) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 42 - ~~46، وما كان من أمر فدك ومصالحة أهلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على النصف، وأنها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم يوجف ~~عليها بخيل ولا ركاب. وفي ص 46 قال: (ولما كانت سنة عشر ومائتين أمر أمير ~~المؤمنين المأمون عبد الله بن هار ون الرشيد، فدفعها إلى ولد فاطمة، وكتب ~~بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة...). # --- PageV01P035 [36] # يوجف عليها بخيل ولا ركاب (1)، ثم قدمها لابنته الزهراء (2)، وبقيت عندها ~~حتى توفي أبوها صلى الله عليه وآله وسلم فانتزعها الخليفة الأول رضى عنه ~~الله - على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة (3) - وأصبحت من مصادر المالية ~~العامة وموارد ثروة الدولة يو مذاك، حتى تولى عمر الخلافة فدفع فدكا إلى ~~ورثة (4) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقيت فدك عند آل محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى أن تولى الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن ~~الحكم على ما قيل (5)، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها ~~بشئ. ولكن الشئ الثابت هو أن أمير المؤمنين عليا انتزعها من مروان على ~~تقدير كونها عنده في خلافة عثمان - كسائر ما نهبه بنو امية في أيام ~~خليفتهم. (في عهد أمير المؤمنين:) وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في ~~مسألة فدك أن عليا لم يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر، فلو ~~كان يعلم بصواب الزهراء وصحة ms012 دعواها ما انتهج ذلك المنهج. ولا اريد أن أفتح ~~الجواب بحث التقية على مصراعيه واوجه بها # --- # (1) كما هو مقتضى النص القرآني: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الحشر / 6. (2) فتوح البلدان: 44. (3) راجع: ~~الصواعق المحرقة: 38. (4) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 213. ~~(5) فتوح البلدان: 44، إن بني امية اصطفوا فدك وغيروا سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، شرح نهج البلاغة 16: 216. # --- PageV01P036 [37] # عمل أمير المؤمنين، وإنما أمنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قد سار ~~على طريقة الصديق، فإن التاريخ لم يصرح بشئ من ذلك، بل صرح بأن أمير ~~المؤمنين كان يرى فدك لأهل البيت، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته إلى ~~عثمان بن حنيف (1) كما سيأتي. فمن الممكن أنه كان يخص ورثة الزهراء وهم ~~أولادها وزوجها بحاصلات فدك، وليس في هذا التخصيص ما يوجب إشاعة الخبر، لأن ~~المال كان عنده وأهله الشرعيون هو وأولاده. كما يحتمل أنه كان ينفق غلاتها ~~في مصالح المسلمين برضى منه ومن أولاده عليهم الصلاة والسلام (2)، بل لعلهم ~~أو قفوها وجعلو ها من الصدقات العامة. (في فترة الامويين:) ولما ولي معاوية ~~بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم، ~~فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه ثلثها ~~الاخر، فلم يزالوا يتدا ولونها (3) حتى خلصت كلها لمروان بن الحكيم أيام ~~ملكه، ثم صفت لعمربن عبد العزيز بن مروان، فلما تولى هذا الأمر رد فد ك على ~~ولد فاطمة عليها السلام وكتب إلى واليه على # --- # (1) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 208، رسالة الأمام عليه ~~السلام إلى عثمان بن حنيف - (نعم كانت في أيدينا فدك...). (2) وهذا أقرب ~~الاحتمالات، لأن الأول تنفيه رسالة أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف إذ ~~يقول: (وسخت عنها نفوس آخرين...)، والثالث يبعده قبول الفاطميين لفدك. ~~(الشهيد) (3) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216، فتوح ~~البلدان / البلاذري: 46، قال: (ثم ولي معاوية فأقطعها (فدك) مروان بن ~~الحكم..). # --- PageV01P037 [38] # المدينة أبى بكر بن ms013 عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: (إن فاطمة عليها ~~السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم ؟ فكتب إليه: ~~أما بعد، فإني لو كتبت إليك أمرك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد ~~عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام) ~~(1)، فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: ~~(هجنت فعل الشيخين). وقيل: إنه خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة ~~فلما عاتبوه على فعله قال لهم: (إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، إن أبا ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: (فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني، ويرضيني ما أرضاها) ~~(2) وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان ~~فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا واخوتي عنه فسألتهم أي يبيعوني حصتهم ~~منها فمن بائع وواهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة)، فقالوا ~~له: (فإن أبيت إلا هذا فامسك الأصل واقسم الغلة، ففعل) (3). ثم انتزعها ~~يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت ~~دولتهم (4). # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبى الحديد 16: 278. (2) الحديث أخرجته الصحاح ~~والمسانيد، راجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3: 353، الطبعة الثالثة - مكتبة ياموق - ~~استانبول 1381 ه. وقد مر تخريجه أيضا. (3) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: ~~46، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 278. (4) شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 16: 216. # --- PageV01P038 [39] # (في فترة العباسيين:) فلما قام أبو العباس السفاح بالأمر وتقلد الخلافة ~~ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم قبضها أبو ~~جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن وردها المهدي بن المنصور على الفاط ~~ميين ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم (1). ولم تزل في أيدي العباسيين ~~حتى تولى المأمون ms014 الخلافة فردها على الفاطميين سنة (210 ه) وكتب بذلك إلى ~~قثم بن جعفر عامله على المدينة: (أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين ~~الله وخلافة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقرابة به أولى من استن سنته، ~~ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله ~~توفيق أمير المؤمنين وعصمته وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان ~~رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق ~~بها عليها، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى ~~أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقربا إلى الله تعالى ~~بإقامة حقه وعدله وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذ أمره ~~وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادى ~~في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر كل من ~~كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته، إن فاطمة (رضي الله ~~عنها) لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216 - 217. # --- PageV01P039 [40] # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، وقد كتب أمير المؤمنين إلى ~~المبارك الطبري - مولى أمير المؤمنين - يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها ~~وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين ~~بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ومحمد بن عبد الله بن الحسن ~~بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام ~~بها لأهلها. فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه ~~له من التقرب إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ms015 وسلم وأعلمه من قبلك، ~~وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، ~~وأعنهما على ما في عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله والسلام (1). ~~ولما بويع المتوكل على الله انتزعها من الفاطميين وأقطعها عبد الله بن عمر ~~البا زيار وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بيده الكريمة، فوجه عبد الله بن عمر البازيار رجلا يقال له: بشران بن ~~أبي امية الثقفي إلى المدينة فصرم تلك النخيل ثم عاد إلى البصرة ففلج (2). ~~وينتهي آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافة المتوكل ومنحه إياها عبد الله ابن ~~عمر البازيار (3). هذه إلمامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم ~~على خط ولا يجمع على قاعدة، وإنما حاكت أكثره الأهواء، وصاغته الشهوات على ~~ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتية، وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من # --- # (1) فتوح البلدان / البلاذري: 46 - 47. (2) و(3) شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 16: 217. # --- PageV01P040 [41] # اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة، وظروف متباعدة، حيث توكل فدك إلى ~~أهلها وأصحابها الأولين. ويلاحظ أن مشكلة فدك كانت قد حازت أهمية كبرى بنظر ~~المجتمع الأسلامي وأسياده، ولذا ترى حلها يختلف باختلاف سياسة الدوة، ~~ويرتبط باتجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة، فهو إذا استقام اتجا ~~هه، واعتدل رأيه، رد فدك على الفاطميين، وإذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك ~~في أول القائمة من أعمال ذلك الخليفة. القيمة المعنوية والمادية لفدك: ~~ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنوية في النظر الأسلامى قصيدة ~~دعبل الخزاعي التي أنشأها حينما رد المأمون فدك ومطلعها: أصبح وجه الزمان ~~قد ضحكا * برد مأمون هاشم فدكا (1) وقد بقيت كلمة بسيطة وهي أن فدك لم تكن ~~أرضا صغيرة أو مزرعا متواضعا كما يظن البعض، بل الأمر الذي أطمئن إليه أنها ~~كانت تدر على صاحبها أموالا طائلة تشكل ثروة مهمة وليس علي بعد هذا أن احدد ~~الحاصل السنوي منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جدا. ~~ويدل على مقدار ms016 القيمة المادية لفدك امور: (الأول) ما سيأتي من أن عمر منع ~~(2) أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامة مع احتياجها إلى ~~التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة وثروات العصاة. # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 217. (2) راجع: السيرة الحلبية ~~3: 391، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 234. # --- PageV01P041 [42] # ومن الجلي أن أرضا يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة، وتقوية ~~مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لا بد أنها ذات نتاج ~~عظيم. (الثاني) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها حول فدك: (إن هذا ~~المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من أموال ~~المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله) (1)، فإن تحميل الرجال ~~لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش. (الثالث) ما سبق من تقسيم ~~معاوية فدك أثلاثا (2)، وإعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثا، ~~فإن هذا يدل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنها بلا شك ~~ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على امراه ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال ~~الطائلة. (الرابع) التعبير عنها بقرية كما في معجم البلدان (3)، وتقدير بعض ~~نخليها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري كما في شرح النهج لابن أبي ~~الحديد (4). # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214. (2) المصدر السابق 16: ~~216. (3) معجم البلدان / الحموي 4: 238، فتوح البلدان: 45، قال: حدثنا سريج ~~بن يونس قال: أخبر إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن الزهري في قول الله ~~تعالى: (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) قال: هذه قرى عربية لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فدك وكذا وكذا. (4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي ~~الحديد 16: 236. # --- PageV01P042 [43] ### || AUTO الفصل الثالث # تاريخ الثورة قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب ~~أبدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت وحالت دونك الترب شرح نهج البلاغة 16: ~~212 صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا قد كنت أرتع تحت ضل ~~محمد * لا اختشي ضيما وكان جماليا واليوم أخضع للذليل ms017 وأتقي * ضيمي وأدفع ~~ظالمي بردائيا الزهراء عليها السلام # --- PageV01P043 [45] # (منهج دراسة التاريخ) إذا كان التجرد عن المرتكزات، والأناة في الحكم، ~~والحرية في التفكير شروطا للحياة الفكرية المنتجة، وللبراعة الفنية في كل ~~دراسة عقلية مهما يكن نوعها، ومهما يكن موضوعها، فهي أهم الشروط الأساسية ~~لأقامة بناء تاريخي محكم لقضايا أسلافنا ترتسم فيه خطوط حياتهم التي صارت ~~ملكا للتاريخ، ويصور عناصر شخصياتهم التي عرفوها في أنفسهم أو عرفها الناس ~~يومئذ فيهم، ويتسع لتأملات شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم ~~يتعرف بها على لونه التاريخي والاجتماعي ووزنه في حساب الحياة العامة، أو ~~في حساب الحياة الخاصة التي يعني بها الباحث، وتكون مدارا لبحثه، كالحياة ~~الدينية، والأخلاقية، والسياسية إلى غير ذلك من النواحي التي يأتلف منها ~~المجتمع الأنساني على شرط أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم ~~الناس المنظور لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد ~~والتقليد، ولا من خيال مجنج يرتفع بالتوافه والسفاسف إلى الذروة، ويبني ~~عليها ما شاء من تحقيق ونتائج، ولا من قيود لم يستطع الكاتب أن يتحرر عنها ~~ليتأ مل ويفكر كما تشاء له أساليب البحث العلمي النزيه. # --- PageV01P045 [46] # وأما إذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الأمر خيرا كان أو شرا، ولا لنجس ~~دراستنا في حدود من مناهج البحث العلمي الخالص، ولا لنجمع الاحتمالات ~~والتقديرات التي يجوز افتراضها ليسقط منها على محك البحث ما يسقط ويبقى ما ~~يليق بالتقدير والملاحظة، بل لنستلهم عواطفنا وموروثاتنا ونستمد من وحيها ~~الأخاذ تاريخ أجيالنا السابقة، فليس ذلك تاريخا لاولئك الأشخاص الذين عاشوا ~~على وجه الأرض يوما ما، وكانوا بشرا من البشر تتازعهم ضروب شتى من الشعور ~~والأحساس، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشر، بل ~~هو ترجمة لأشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الافاق العالية من ~~الخيال. فإذا كنت تريد أن تكون حرا في تفكيرك، ومؤرخا لدينا الناس لا ~~روائيا يستوحي من دنيا ذهنه ما يكتب، فضع عواطفك جانبا أو إذا شئت فاملأ ~~بها شعاب نفسك فهي ms018 ملك لا ينازعك فيها أحد، واستثن تفكيرك الذي به تعالج ~~البحث، فإنه لم يعد ملكك بعد أن اضطلعت بمسؤولية التاريخ وأخذت على نفسك أن ~~تكون أمينا ليأتي البحث مستوفيا لشروطه قائما على اسس صحيحة من التفكير ~~والاستنتاج (1). كثيرة جدا هذه الأسباب التي تحول بين نقاد التاريخ وبين ~~حريتهم فيما ينقدون، وقد اعتاد المؤرخون أو أكثر المؤرخين بتعبير أصح، أن # --- # (1) يلاحظ معالم المنهج العلمي الذي يحدده الأمام الشهيد الصدر رضوان ~~الله عليه سو اء في قراءته التاريخ أو في كتابته، والخطوات التي يحددها ~~رضوان الله عليه هنا هي ما تقتضيه اصول البحث التاريخي. راجع: منهج البحث ~~التاريخي / الدكتور حسن عثمان، طبعة دار المعارف بمصر. # --- PageV01P046 [47] # يقتصروا على ضروب معينة من هندسة الحياة التى يؤرخونها، وأن يصوغوا ~~التاريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفني أحيانا حينما يتوسع الباحث في ~~انطباعاته عن الموضوع، ولكنها صورة باهتة في أكثر الأحايين ليس فيها ما في ~~دنيا الناس التي تصورهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من ~~النشاط، والحركة، والعلمل، وسوف تجد فيما يأتي أمثلة بمقدار ما يتسع له ~~موضوعنا من الزمن الدقيق الذي ندرسه في هذه الفصول أعني الظرف الذي تلا ~~وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقررت فيه المسألة الأساسية في تاريخ ~~الأسلام على شكل لا يتغير، وهي نوع السلطة التي ينبغي أن تتولى امور ~~المسلمين. (تقويم تاريخ صدر الأسلام:) كلنا نود أن يكون التاريخ الأسلامي ~~في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر، بريئا مما يخالط الحاية الأنسانية من ~~مضاعفات الشر ومزالق الهوى، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة، إذ قام ~~على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الأنسانية في تاريخ هذا الكوكب على ~~الأطلاق، وارتقت فيه العقيدة الألهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الألهية ~~في دنيا الفلسفة والعلم، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه ~~في روح ذلك العصر، فتأثر بها وطبع بطابعها الألهي العظيم، بل فنى الصفوة من ~~المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم ms019 الذي ~~ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير، كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى ~~الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه. فلم يكن ~~يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت الألهي المنبعث من كل صوب وحدب، وفي كل ~~جهة من جهات الوجود، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى. # --- PageV01P047 [48] # إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الأطلاق، ويستوي فيه الحاكم ~~والمحكوم في نظر القانون (1)، ومجالات تنفيذه، ويجعل مدار القيمة المعنوية، ~~والكرامة المحترمة فيه تقوى الله (2) التي هي تطهير روحي، وصانية للضمير، ~~وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة، ويحرم في عرفه احترام الغني ~~لأنه غني، وإهانة الفقير لأنه فقير، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار ~~الطاقة الانتاجية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (3). ويتسارع فيه إلى ~~لجهاد لصالح النوعى الأنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ~~ا لدنيا، وإخراجها عن حساب الأعمال (4). (أقول) إن العصر الذي تجتمع له كل ~~هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والأعجاب والتقدير، ولكن ماذا ~~أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن اريد أن اطيل فيه ؟ وليس لي أن افرط ~~في جنب الموضوع الذي احاوله بالتوسع في أمر آخر، ولكنها الحماسة لذلك العصر ~~هي التي دفعتني إلى ذلك، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة. ~~أنا أفهم هذا # --- # (1) راجع الحادثة التاريخية المشهورة في موقف الأمام علي عليه السلام في ~~مجالس القضاء، وكذلك ما جرى عليه الأمر في تاريخ القضاء الأسلامي. لاحظ ~~الأشارة إلى ذلك في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 269. (2) إشارة ~~إلى قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات / 13. (3) البقرة / ~~286. (4) إشارة إلى الاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الأسلام ورفع ~~الظلم ونصرة المستضعفين كما في قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره...) التوبة / 24. # --- PageV01P048 [49] # جيدا، واوافق عليه متحمسا # --- # (1)، ولكني لا أفهم أن ms020 يمنع عن التعمق في الدرس العلمي، أو التمحيص ~~التاريخي لموضوع كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن، أو ~~يحظر علينا أن نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس أن أحد الخصمين كان مخطئا ~~في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة ~~السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذ لك سير الحوادث ~~حينذاك، وطبيعة الظروف المحيطة بها. وأكبر الظن أن كثيرا منا ذهب في تعليل ~~مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد أن رجالات الزمن الخالي، وبتعبير ~~أوضح تحديدا أن أبا بكر وعمر وأضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامة ~~يومئذ لا يمكن أن يتعرضوا لنقد أو محاكمة، لأنهم بناة ذلك العصر، والواضعون ~~لحياته خطوطها الذهبية، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر، وتجريدهم عن شئ من ~~مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم. واريد أن ~~أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل، ولمحة من دراسة ~~مهمة قد أعرض لها في فرضة اخرى من فرص التأليف، وأكتفي الان أن أتساءل عن ~~نصيب هذا الرأي من الو اقع. # --- # (1) لاحظ التقويم الدقيق للحالة الأسلامية في صدر الأسلام، وزمن الخلفاء ~~الراشدين، ومدى التقدير العالي 19 لمناقبية ذلك العصر، ومع ذلك فإن الأمام ~~الشهيد رضوان الله عليه لا يريد أن يقع تحت جاذبية الانبهار والأعجاب بذلك ~~العصر ويغمض النظر عما وقع فيه من مفارقات، تدعو إلى الدراسة والبحث ~~والتحليل والتحقيق وصولا إلى الرأي الأقرب إلى الصواب. # --- PageV01P049 [50] # صحيح أن الأسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا، والفتوحات متصلة والحياة ~~متدفقة بمعاني الخير، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل، ~~واللون القرآني المشع، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود ~~الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟ (1) والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ~~ببيانه عن حدود الموضوع، ولكنا نعلم أن المسلمين في أيام الخليفتين كانوا ~~في أوج تحمسهم لدينهم، والاستبسال في سبيل عقيدتهم، حتى إن التاريخ سجل لنا ~~(إن شخصا أجاب ms021 عمر حينما صعد يوما على المنبر وسأل الناس: لو صرفناكم عما ~~تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت فبلناك، ~~فقال عمر: وإن لم ؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله ~~الذي جعل في هذه الامة من إذا اعوججنا أقام أودنا) (2). ونعلم أيضا أن ~~رجالات الحزب المعارض - وأعني به أصحاب علي - كانوا بالمرصاد للخلافة ~~الحاكمة، وكان أي زلل وانحراف مشوة للون الحكم حينذاك كفيلا بأن يقلبوا ~~الدنيا رأسا على عقب، كما قلبوها على عثمان - يوم اشترى قصرا، ويوم ولى ~~أقاربه، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى (3) - مع أن الناس في أيام ~~عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة (4) في الدين # --- # (1) طرح مثل هذا الافتراض يعد منطقيا ومتسقا مع المنهج العلمي في صدد ~~تقديم تفسير دقيق للمرحلة التاريخية. (2) القضية مشهورة في سيرة الخليفة ~~الثاني عمر بن الخطاب. (3) راجع: تاريخ الطبري 2: 651، فقد نقل المحاورة ~~بين الخليفة عثمان والوفود التي قدمت من مصر وغيرها للتفاوض معه، وفيها ~~تصريح بهذه الامور. (4) المجموعة الكاملة لمؤلفات الدكتور طه حسين، المجلد ~~الرابع: 268 - دار الكتاب اللبناني - بيروت. # --- PageV01P050 [51] # واللين والدلة منهم في أيام صاحبيه. ونفهم من هذا أن الحاكمين كانوا في ~~ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسس السياسة ونقاطها الحساسة لو ~~أرادوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم تحت مراقبة النظر الأسلامي العام الذي كان ~~مخلصا كل الأخلاص لمبادئه، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين، ~~ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال ~~يؤمن بأن الحكم الأسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص، وأن الشخص ~~الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ~~ووصيه وولي المؤمنين من بعده # --- # (1). وأما الفتوحات الأسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ~~ولكننا جميعا نعلم أيضا أن ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في أيام الخليفتين ~~بلونها المعروف مجدا في حساب التاريخ ما دام كل شأن من شؤون الحرب ومعداته ~~وأساليبه يتهيأ بعمل أشبه ms022 ما يكون بالعمل الأجماعي من الامة الذي تعبر به ~~عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم ~~يصل إليه من لهيب الحرب شرر، ولم يستقل فيه برأي، ولم يتهيأ له إلا بأمر ~~ليس له فيه أدنى نصيب، فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العر اق ~~ومصر لم يعلن بكلمة الحرب عن 20 قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه ~~الكلمة اهبتها، بل أعلن عن قوة # --- # (1) تاريخ الطبري 3: 218 - 219 حديث الدار - طبعة المطبعة الحسينية بمصر، ~~تفسير الخازن 3: 371 - طبعة دار المعرفة، الخصائص / النسائي: 86 - 87، ~~المستدرك 3: 126. # --- PageV01P051 [52] # الكلمة النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر (1) اهتزت له ~~قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن ~~اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا ~~حين ذكر هذا الحديث النبوي، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة ~~هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته. وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب ~~الفوز، وأنالهم ا لنصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو ~~بعد، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للأسلام في آفاق الدنيا، وأطراف ~~المعمورة، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان أمامهم ~~جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم (2). وفي أمر الفتوحات شئ ~~آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر ~~المسلمين الذين هيئوا بقية الامور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح ~~الأسلامية، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة، وتعميق الشعور ~~الوجداني والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين، ولا أدري هل ~~يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية، أو نشك في ذلك ~~كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة ~~في الحياة الأسلامية. لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين ~~الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما، وفي ms023 بناء الحياة السياسية ~~الخاصة التي اتخذاها. # --- # (1) راجع: تاريخ الطبري 2: 92. (2) راجع: فتوح البلدان: 44، شرح نهج ~~البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 210. # --- PageV01P052 [53] # ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف ~~الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على ~~بناء سياسة، ومنهج لحكم جديد، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف، وضروب ~~النعيم حظ عظيم، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ~~؟... فضرب بنفسه مثلا في الأخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم. وأنا لا أقصد ~~بهذا أن أقول إن الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا إلى سيرة رشيدة في الحكم، ~~واعتدال في السياسة والحياة، ومرغمين على ذلك، وإنما أعني أن الظروف ~~المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه. ~~كما أني لا اريد أن اجردهما عن كل أثر في التاريخ، وكيف يسعني شئ من ذلك، ~~وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الأسلامي كله، وإنما عنيت أنهما ~~كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة، وما ازدهرتت به من حياة ~~مكافحة وحياة فاضلة. (مع العقاد في دراسته) أكتب هذا كله وبين يدي كتاب ~~(فاطمة والفاطميون) للاستاذ عباس محمود العقاد، وقد جئته بشوق بالغ لأرى ما ~~يكتب في موضوع الخصومة بين الخليفة والزهراء، وأنا على يقين من أن أيام ~~التعبد (1) بأعمال السالفين # --- # (1) يعني أن التقليد والمتابعة في الدراسة والتقويم سواء ما يتعلق ~~بالشخصيات أم بالأحداث التاريخية من دون تحقيق وتدقيق علمي، ما عاد لها ~~وزن، ولا اعتبار في نظر العلم، بالأخص ونحن نعيش في عصر اخضع كل شئ فيه إلى ~~المحاكمة العلمية، والتحقيق العلمي. # --- PageV01P053 [54] # وتصويبها على كل تقدير قد انتهت، وأن الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق ~~في شئ من مسائل الفكر الأنساني دينا كانت، أو مذهبا أو تاريخا أو أي شئ آخر ~~قد مضى مع ما مضى من تاريخ الأسلام بعد أن طال قرونا. ولعل الخليفة الأول ~~كان هو أول من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة ms024 الحرية ~~الأنسانية والقدر وهدده وتوعده (1) ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا ~~المذهب الذي يسئ إلى روح الأسلام ؟ وإذن فكان لي أن أتوقع بحثا لذيذا ~~يتحفنا به الاستاذ في موضوع الخصومة من شتى نواحيها، ولكن الواقع كان على ~~عكس ذلك، فإذا بكلمة الكتاب حول الموضوع قصيرة وقصيرة جدا وإلى حد أستبيح ~~لنفسي أن أنقلها وأعرضها عليك دون أن اطيل عليك، فقد قال: (والحديث في ~~مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه، ~~غير أن الصدق فيه: لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق وأن ~~الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم به البينة عليه، ومن أسخف ما قيل ~~أنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه، فقد ولي ~~الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم ~~ولم يرد ذكر شئ من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين، وما نعلم تزكية لذمة ~~الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة فدك، فقد كان يكسب ~~برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه ~~عليه مدع، # --- # (1) سنن الدارمي: 53 - 54 - دار إحياء السنة النبوية. # --- PageV01P054 [55] # وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم ~~الصادقين المصدقين رضوان الله عليهم أجمعين انتهى) (1). ونلاحظ قبل كل شئ ~~أن الاستاذ شاء أن يعتبر البحث في مسألة فدك لونا من ألوان النزاع التي ليس ~~لها قرار، ولا يصل الحديث فيه إلى نتيجة فاصلة ليقدم بذلك عذره عن التوفر ~~على دراستها، واعتقد أن في محاكمات هذا الكتاب التي سترد عليك جوابا عن ~~هذا، ونلاحظ أيضا أنه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى ~~مقطع للقول متفق عليه، رأى أن فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال: ~~(أحدهما) أن الصديقة أرفع من أن تنالها تهمة بكذب. و(الاخرى) أن الصديق ms025 أجل ~~من أن يسلبها حقها الذي تثبته البينة. فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة ~~واتفاقه مع القانون جدال، ففيم الجدال الذي لا قرار له ؟ ! ولم لا تنتهي ~~مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه ؟ ! وأنا أفهم أن للكاتب الحرية في أن ~~يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد أن يرسم ~~للقارئ مدارك (2) ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلها في الحساب ~~ليخرج منها بتقدير معين، ولكني لا أفهم أن يقول أن المسألة موضوع لبحث ~~الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير من الشرح ~~والتويح وإلى كثير من البحث والنظر، فإذا كانت الزهراء أرفع من كل تهمة فما # --- # (1) فاطمة الزهراء والفاطميون / عباس محمود العقاد - سلسلة الهلال. (2) ~~المدارك جمع مدرك، والمدرك في لغة الفقه وفي مصطلح الفقهاء هو: الدليل. ~~راجع: المصباح المنير 1: 192 - نشر دار الهجرة - قم المقدسة. # --- PageV01P055 [56] # حاجتها إلى البينة ؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الأسلام عن أن يحكم ~~العالم استنادا إلى علمه (1) ؟ وإذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا أن يجوز ~~في عرف الدين سلب الشئ من المالك ؟ هذه أسئلة، ومعها أسئلة اخرى أيضا في ~~المسألة تتطلب جوابا علميا، وبحثا في ضوء أساليب الاستناط في الأسلام. ~~واريد أن أكون حرا، وإذن فإني أستميح الاستاذ أن الاحظ أن تزكية موقف ~~الخليفة والصديقة معا أمر غير ممكن، لأن الأمر في منازعتهما لو كان مقتصرا ~~على مطالببة الزهراء بفدك وامتناع الخليفة عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك ~~شرعي يحكم بواسطته لها بما تدعيه، وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد، لو سعنا ~~أن نقول إن الزهراء طلبت حقها في نفس الأمر والواقع، وإن الخليفة لما امتنع ~~عن تسليمه لها لعدم تهيؤ المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها، ~~لأنها عرفت أنها لا تستحق فدك بحسب النظام القضائي وسنن الشرع، ولكننا نعلم ~~أن الخصومة بينهما أخذت أشكالا مختلفة حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من ~~الزهراء وأقسمت على المقاطعة (2). # --- # (1) راجع في جواز ms026 حكم الحاكم أو القاضي بعلمه / سنن البيهقي 10: 142، ~~تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه / السيد محمد رضا الحسيني / الأعرجي ~~- المطبعة العلمية - قم، فهو بحث تفصيلي استدلالي في المسألة. (2) راجع ~~الرواية في صحيح البخاري، عن عروة عائشة 3: 1374، شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 16: 281، وقال ابن أبي الحديد تعقيبا في ص 286: (وأما إخفاء ~~القبر وكتمان الموت - موت الزهراء عليها السلام - وعدم الصلاة وكل ما ذكره ~~المرتضى - أي الشريف - فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي، لأن الروايات به أكثر ~~وأصح من غيرها، وكذلك القول في موجدتها وغضبها...)، أعلام النساء 4: 123 - 124. # --- PageV01P056 [57] # وإذن فنحن بين اثنتين: إحداهما أن نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ~~ليس لها بحق في عرف القضاء الأسلامي والنظام الشرعي وإن كان ملكها في واقع ~~الأمر، والاخرى أن نلقي التبعة على الخليفة ونقول إنه قد منعها حقها الذي ~~كان يجب عليه أن يعطيها إياه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين التعبيرين ~~يتضح في بعض الفصول الاتية، فنتزيه الزهراء عن أن تطلب طلبا لا ترضى به ~~حدود الشرع، والارتفاع بالخليفة عن أن يمنعها حقها الذي تسخو به عليها تلك ~~الحدود لا يجتمعان إلا إذا توافق النقيضان. ولنترك هذا إلى مناقشة اخرى، ~~فقد اعتبر الاستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بينة ودليل على تزكيته ~~وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنه لو أعطى فدك لفاطمة ~~لأرضاها بذ لك وأرضى الصحابة برضاها. ولنفترض معه أن حدود القانون الأسلامي ~~هي التي كانت تفرض عليه أن يحكم بأن فدك صدقة، ولكن ماذا كان يمنعه عن أن ~~ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابة الذين صرح الاستاذ بأنهم يرضون ~~بذلك ؟... أكان هذا محرمات في عرف الدين أيضا ؟ أو أن أمرا ما أوحى إليه ~~بأن لا يفعل ذلك، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته ~~وعدا قاطعا بأن تصرف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامة ؟ وأما ما ~~استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما ms027 إذا كان ~~سخيفا حقا. إذا عرفنا أن مرتكزت الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا ~~ولا جدالا، وأن درس مسائل السالفين ليس كفرا، ولا زندقة، ولا تشكيكا في ~~أعلام النبوة كما كانوا يقولون، فلنا أن نتساءل عما بعث الصديقة إلى البدء # --- PageV01P057 [58] # بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ أن يعرف ~~هيبة للسلطة المهيمنة، أو جلالا للقوة المتصرفة، يعصم الحاكمين من لهيبها ~~المتصاعد، وشررها المتطاير، وبقي الحكم من إ شعاعة نور متألقة تلقي ضوءا ~~عليه، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار، بل كانت بداية المنازعة ~~ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير، ~~ويومها الأخير، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج، ولا تتعرض لضعف ~~أو تردد. وما عساه أن يكون هدف السلطة الحاكمة، أو بالأحرى هدف الخليفة رضى ~~عنه الله نفسه في أن يقف مع الحوراء على طرفي الخط، أولم يكن يخطر بباله أن ~~خطته هذه تفتح له بابا في التاريخ في تعدا د أولياته، ثم يذكر بينها خصومة ~~أهل البيت ؟ ! فهل كان راضيا بأوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل في امتناعه، ~~وموقفه السلبي، بل الأيجابي المعاكس ؟ أو أنه كان منقاد للقانون، وملتزما ~~بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون، فلم يشأ أن يتعد حدود الله تبارك وتعالى ~~في كثير أو قليل، وإن لموقفه الغريب نجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة، ~~وأعني بهذه ا لصلة الاتحاد في الغرض، أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة ~~(1). وبالأحرى أن تقوم على داثرة واحدة متسعة # --- # (1) ينقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 16: 284 قال: (وسألت علي بن ~~الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟ قال: ~~نعم، قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم، ثم قال ~~كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعايته، قال: لو أعطاها اليوم ~~فد ك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا، وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن ~~مقامه، ولم يكن يمكنه ms028 الاعتذار والموافقة بشئ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه ~~أنها صادقة فيما تدعي كاثنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود). قال ~~ابن أبي الحديد: وهذا كلام صحيح. # --- PageV01P058 [59] # اتساع دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها آمال بواسم، وموجات من ~~الأحلام ضحك لها الخليفة كثيرا وسعى في سبيلها كثيرا أيضا. (بواعث الثورة) ~~إننا ندرك بوضوح، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية، أن ~~البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له كل بواعث الثورة على ~~الأوضاع القائمة، والانبعاث نحو وتغييرها وإنشائها إنشاء جديدا، وأن ~~الزهراء قد اجتمعت لها كل إمكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي قرر ~~المعارضو ن أن تكون منازعة سلمية (1) مهما كلف الأمر. وإننا نحس أيضا إذا ~~درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع تلك ~~الثورة، ونتبين بجلاء أن هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على ~~السياسة العليا وألوانها التي بدت للزهراء بعيدة عما تألفه من ضروب الحكم، ~~ولم تكن حقا منازعة في شئ من شؤون السياسة المالية، والمناهج الاقتصادية ~~التي سارت عليها خلافة الشورى، وإن بدت على هذا الشكل في بعض الأحايين # --- # (1) كان هناك إصرار عجيب من الأمام علي عليه السلام على أن تكون المعارضة ~~سلمية لا تتعدى حدود الاحتجاج وقطع الأعذار، ولو كلف ذلك أن يجر ابن أبي ~~طالب ويسحب من بيته سحبا للمبايعة، أو أن يتعرض البيت الطاهر إلى التهديد ~~بالأحراق. ويلاحظ هنا أن الأمام عليا عليه السلام عندما جاء، أبو سفيان، ~~وقال له: لو شئت لأملأنها عليهم خيلا ورجالا، نهره الأمام عليه السلام ورفض ~~مبادرته. راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 47 - 49 وص 11 في ~~احتجاج الأمام علي عليه السلام بالحجة البالغة، وص 17 - 18 في موقف أبي ~~سفيان، تاريخ الطبري 2: 233 و237. # --- PageV01P059 [60] # وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من اصولها، أو ما يصح أن يعتبر ~~من اصولها، فعلينا أن ننظر نظره شاملة عميقة لنتبين حادثتين متقاربتين في ~~تاريخ الأسلام، كان أحدهما صدى للاخر وانعكاسا ms029 طبيعيا له، وكانا معا يمتدان ~~بجذور هما وخيوطهما الاولى إلى حيث قد يلتقي أحد هما بالاخر أو بتعبير أصح ~~إلى النقطة المستعدة في طبيعتها إلى أن تمتد منها خيوط الحادثتين. أحدهما: ~~الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت أن تزعزع كيانه السياسي، ~~وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ. والاخر: موقف ينعكس فيه الأمر فتقف ~~عائشة ام المؤمنين (1) بنت الخليفة الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة ~~على أبيها. وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارق بينهما مرده ~~إلى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها، والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل ~~منهما من الانتصار في حساب الحق الذي لا التواء فيه وهو أن الزهراء فشلت ~~بعد أن جعلت الخليفة يبكي ويقول: أقيلوني (2) بيعتي، والسيدة عائشة فشلت ~~فصارت تتمنى أنها لم تخرج إلى حرب (3) ولم تشق عصا طاعة. # --- # (1) إشارة إلى يوم الجمل المشهور، وكان أبطاله الزبير وطلحة وعائشة ام ~~المؤمنين وذلك سنة 36 ه، وكان موقع المواجهة في البصرة. راجع: تاريخ الطبري ~~3: 476 حوادث سنة 36 ه، مطبعة الاستقامة - القاهرة. (2) راجع: أعلام النساء ~~4: 124، قال أبو بكر بعد المحاورة مع الزهراء: أقيلوني. تاريخ الطبري 3: ~~353، وفيه: قال أبو بكر رضى عنه الله أجل، إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا ~~على ثلاث فعلتهن، وودت أني تركتهن... وذكر منها: فوددت أني لم أكشف بيت ~~فاطمة عن شئ)، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 41 في حبه للأمارة. (3) ~~راجع: تاريخ ابن الأثير 3: 111، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: 80 - 81، ~~إصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران. # --- PageV01P060 [61] # هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والأشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى ~~أسباب متقاربة وبواعث متشابهة. ونحن نعلم جيدا سر الانقلاب الذي طرأ على ~~السيدة عائشة حين إخبارها بأن عليا ولي الخلافة يرجع إلى الأيام الالى في ~~حياة علي وعائشة حينما كانت المنافسة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بين زوجته وبضعته. ومن شأن هذه المنافسة أن تتسع في آثارها فتثبت ~~مشاعر مختلفة من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف ms030 بخيوطها من ~~حولهما من الأنصار والأصدقاء، وقد اتسعت بالفعل في أحد الطرفين فكان ما كان ~~بين السيدة عائشة وعلي، فلا بد أن تتسع في الطرف الاخر فتعم من كانت تعمل ~~ام المؤمنين على حسابه في بيت النبي. نعم إن انقلاب ام المؤمنين إنما هو من ~~وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح فيها علي لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يطلقها في قصة الأفك المعروفة (1). وهذا النصح إن دل على شئ فإنه ~~يدل على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته، وعلى أن الصراع بين زوج الرسول ~~وبضعته كان قد اتسع في معناه وشمل عليا وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك ~~المنافسة وأطوارها. (دوافع الخليفة الأول في موقفه) نعرف من هذا أن الظروف ~~كانت توحي إلى الخليفة الأول بشعور خاص # --- # (1) راجع تفصيل الحادثة في صحيح البخاري 3: 24 طبعة الميمنية - مصر 1312 ~~ه، تاريخ الطبري 2: 113 حوادث سنة 6 ه. # --- PageV01P061 [62] # نحو الزهراء وزوج الزهراء، ولا ننسى أنه هو الذي تقدم لخطبتها فرده رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقدم علي إلى ذلك فأجابه النبي إلى ما ~~أراد (1). وذاك الرد وهذا القبو ل يولدان في الخليفة إذا كان شخصا طبيعيا ~~يشعر بما يشعر به الناس، ويحس كما يحسون شعورا بالخيبة والغبطة لعلي - إذا ~~احتطنا في التعبير - وبأن فاطمة كانت هي السبب في تلك المنافسة بيه وبين ~~علي التي انتهت بفوز منافسه. ولنلاحظ أيضا أن أبا بكر هو الشخص الذي بعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقرأ سورة التوبة على الكافرين، ثم ~~أرسل وراءه وقد بلغ منتصف الطريق ليستد عيه ويعفيه من مهمته (2) لا لشئ إلا ~~لأن الوحي شاء أن يضع أمامه مرة اخرى منافسه في الزهراء الذي فاز بها دونه ~~(3). ولا بد أنه كان يراقب ابنته في مسابقتها مع الزهراء على الأولية لدى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتأثر بعواطفها كما هو شأن الاباء مع ~~الأبناء. وما يدرينا لعله اعتقد في وقت من الأوقات أن فاطمة ms031 هي التي دفعت ~~بأبيها إلى الخروج لصلاة الجماعة في المسجد يوم مهدت له ام المؤمنين التي # --- # (1) الصواعق المحرمة / ابن حجر الهيتمي: 249 - دار الكتب العلمية - بيروت ~~- ط 2 / 1414 ه، قال: وأخرج أبو داود أن أبا بكر خطب فاطمة، فأعرض عنه رسول ~~الله ثم عمر فأعرض عنه. (2) راجع قصة تبليغ سورة براءة، مسند الأمام أحمد ~~1: 3 مطبعة دار صادر، الصواعق المحرقة: 32، الخصائص / النسائي: 90 - 91. ~~(3) جاء في الصواعق / ابن حجر: 143 عن أنس قال: (بينما أنا قاعد عند النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذ غشيه الوحي، فلما سرى عنه، قال: إن ربي أمرني ~~أن ازوج فاطمة من علي...)، أخرجه ابن عسا كر... ثم قال تعليقا على رأي ~~الذهبي: (أخرجه النسائي بسند صحيح وفيه رد على الذهبي... وتبين أن للقصة ~~أصلا أصيلا...). # --- PageV01P062 [63] # كانت تعمل على حسابه فهي بيت النبي أن يؤم الناس ما دام النبي مريضا (1). ~~إن التاريخ لا يمكننا أن نترقب منه شرح كل شئ شرحا واضحا جليا غير أن الأمر ~~الذي تجمع عليه الدلائل أن من المعقول جدا أن يقف شخص مرت به ظروف كالظروف ~~الخاصة التي أحاطت بالخليفة من علي وفاطمة موقفه التاريخي المعروف، وأن ~~امرأة تعاصر ما عاصرته الزهراء في أيام أبيها من منافسات حتى في شباك يصل ~~بينها وبين أبيها حري بها أن لا تسكت إذا أراد المنافسون أن يستولوا على ~~حقها الشرعي الذي لا ريب فيه. (أبعاد قضية فدك السياسية) هذه هي الثورة ~~الفاطمية في لونها العاطفي وهو لون من عدة ألوان أوضحها وأجلاها اللون ~~السياسي الغالب على أساليبها وأطوارها. وأنا حين أقول ذلك لا أعني بالسياسة ~~مفهومها الرائج في أذهان الناس هذا اليوم المركز على الالتواء والافتراء، ~~وإنما أقصد بها مفهومها الحقيقي الذي لا التواء فيه. فالممعن في دراسة ~~خطوات النزا ع وتطوراته والأشكال التي اتخذها لا يفهم منه ما يفهم من قضية ~~مطالبة بأرض، بل يتجلى له منها مفهوم أوسع من ذلك ينطوي على غرض طموح يبعث ~~إلى الثورة ويهدف إلى استرداد عرش ms032 مسلوب وتاج ضائع ومجد عظيم وتعديل أمة ا ~~نقلبت على أعقابها (2). # --- # (1) سيرة ابن هشام - مج 3 / 4: 653، توجد رواية تشير إلى ذلك. (2) إشارة ~~إلى قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين) آل عمران / 144. وراجع الرواية التي تشير إلى ارتداد الناس ~~وانكفائهم عن الأسلام حديث الحوض المشهور، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~(أنا فرطكم على الحوض فيؤتى برجال أعرفهم فيمنعون مني، فأقول أصحابي، ~~فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي...، ~~صحيح البخاري 8: 86 كتاب الفتن، الكشاف / الزمخشري 4: 811، تاريخ الطبري 2: ~~245. (*) # --- PageV01P063 [64] # وعلى هذا كانت فدك معنى رمزيا يرمز إلى المعنى العظيم ولا يعني تلك الأرض ~~الحجازية المسلوبة، وهذه الرمزية التي اكتسبتها فدك في التي ارتفعت ~~بالمنازعة من مخاصمة عادية منكمشة في افقها، محدودة في دائرها إلى ثورة ~~واسعة النطاق رحيبة الافق. ادرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة ~~للمسألة، فهل ترى نزاعا ماديا، أو ترى اختلافا حول فدك بمعناها المحدود ~~وواقعها الضيق، أو ترى تسابقا على غلات أرض مهما صعد بها المبالغون وا ~~رتفعوا ؟ فليست شيئا يحسب له المتنازعون حسابا. كلا ! بل هي الثورة على اسس ~~الحكم، والصرخة التي أرادت فاطمة أن تقتلع بها الحجر الأساسي الذي بني عليه ~~التاريخ بعد يوم السقيفة. ويكفينا لأثبات ذلك أن نلقي نظرة على الخطبة التي ~~خطبتها الزهراء في المسجد أمام الخليفة وبين يدي الجم المحتشد من المهاجرين ~~والأنصار، فإنها دارت أكثر ما دارت حول امتداح علي والثناء على مواقفه ~~الخالدة في الأسلام وتسجيل حق أهل البيت الذين وصفتهم بأنهم الوسيلة إلى ~~الله في خلقه وخاصته ومحل قدصه وحجته في غيبه، وورثة أنبيائه في # --- PageV01P064 [65] # الخلافة والحكم. وإلفات المسلمين إلى حظهم العاثر واختيارهم المرتجل ~~وانقلابهم على أعقابهم، وورودهم غير شربهم، وإسنادهم الأمر إلى غير أهله، ~~والفتنة (1) التي سقطوا فيها، والدواعي التي دعتهم إلى ترك الكتاب ومخالفته ~~فيما يحكم به في ms033 موضوع الخلافة والأمامة. فالمسألة إذن ليست مسألة ميراث ~~ونحلة إلا بالمقدار الذي يتصل بموضوع السياسة العليا، وليست مطالبة بعقار ~~أو دار، بل هي في نظر الزهراء (مسألة إسلام وكفر، ومسألة إيمان ونفاق، ~~ومسألة نص وشورى) (2). وكذلك نرى هذا النفس السياسي الرفيع في حديثها مع ~~نساء المهاجرين والأنصار، إ ذ قالت فيما قالت: (أين زحزحوها عن رواسي ~~الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ~~ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا والله نكير ~~سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، تالله لو تكافؤوا عن ~~زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا عتلقه وسار إليهم ~~سيرا سجحا لا تكلم حشاشه، ولا يتعتع راكبه (3)، ولأوردهم منهلا نميرا ~~فضفاضا تطفح # --- # (1) راجع نصوص السقيفة في تاريخ الطبري 2: 235 وما بعدها، وفيها: (أن ~~بيعة أبي بكر فلتة..). (2) هذا بلحاظ المنظور الفاطمي للقضية برمتها وفي ~~أبعادها، وقد عبرت عن ذلك في خطبتها قائلة: إنما زعمتهم خوف الفتنة ثم تلت ~~قوله تعالى: (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) التوبة / 49، ~~وراجع المناقشة الوافية الشافية لمسألة (النص والشورى) في نشأة التشيع ~~والشيعة / الأمام السيد الشهيد الصدر - بتحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة. ~~(3) تاريخ الطبري 2: 580، قول الخليفة الثاني في قصة الشورى... قالوا: يا ~~أمير المؤمنين لو عهدت عهدا ! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر ~~فاولي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق. وأشار إلى علي...). وراجع ~~أنساب الأشراف / البلاذري 2: 214. # --- PageV01P065 [66] # فضفاضه، ولأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر ~~الناهل وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم ~~الله بما كانوا يسكبون، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب ~~فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأي عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس ~~العشير، ولبئس للظالمين بدلا. استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز ~~بالكاهل فرغما لمعاطس قو م يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا أنهم هم المفسدون ~~ولكن ms034 لا يشعرون، ويحهم (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى فما لكم كيف تحكمون) (1). ولم يؤثر عن نساء النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنهن خاصمن أبا بكر في شئ من ميراثهن، أكن أزهد من الزهراء في متاع ~~الدنيا، وأقرب إلى ذوق أبيها في الحياة ؟ أو أنهن اشتغلن بمصيبة رسول الله ~~ولم تشتغل بها بضعته، أو أن الظروف السياسية هي التي فرقت بينهن فأقامت من ~~الزهراء معارضة شديدة، ومنازعة خطرة دون نسوة النبي اللاتي لم تزعجهن أوضاع ~~الحكم. وأكبر الظن أن الصديقة كانت تجد في شيعة قرينها، وصفوة أصحابه الذين ~~لم يكونوا يشكون في صدقها من يعطف شهادته على شهادة علي وتكتمل بذلك البينة ~~عند الخليفة. أفلا يفيدنا هذا أن الهدف الأعلى لفاطمة الذي كانوا يعرفونه ~~جيدا ليس هو إثبات النحلة أو الميراث، بل القضاء على نتائج السقيفة (2) ؟ ~~وهو لا يحصل بإقامة البينة في موضوع فدك، بل بأن # --- # (1) يونس / 35. (2) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 236، ~~ويظهر أن الخلافة فطنت إلى هذا الأمر، فحالت دونه، ويظهر من المحاورة التي ~~جرت بين الخليفة الثاني وابن عباس جلية الموقف، جاء في تاريخ الطبري 2: ~~578... قال عمر: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم - من بني هاشم - بعد ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال ابن عباس: فكرهت أن اجيبه، فقلت: إن لم ~~أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة ~~والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت. ~~فقلت: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام... فقال: تكلم يا ابن عباس، ~~فقلت: أما قولك: اختارت قريش فأصابت... فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث ~~اختار الله عز وجل لكان لها الصواب بيدها غير مردود... أما قولك: كرهوا أن ~~تجتمع النبوة والخلافة فإن الله وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) سورة محمد / 9. # --- PageV01P066 [67] # تقدم البينة لدى الناس جميعا على أنهم ضلوا سواء السبيل (1). وهذا ما ms035 ~~كانت تريد أن تقدمه الحوراء في خطتها المناضلة. ولنستمع إلى كلام الخليفة ~~بعد أن انتهت الزهراء من خطبتها وخرجت من المسجد، فصعد المنبر وقال: (أيها ~~الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة ! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ~~ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة (هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، ~~يستعينون بالضعفة، ويستنرون بالنساء)، كام طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا ~~إني لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت)، ثم التفت إلى ~~الأنصار وقال: (قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم وأحق من لزم عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إني ~~لست باسطا يد ا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك (منا) (2). وهذا الكلام يكشف ~~لنا عن جانب من شخصية الخليفة، ويلقي ضوءا على منازعة الزهراء له، والذي ~~يهمنا الان ما يوضحه من أمر هذه المنازعة # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 236. (2) المصدر السابق 214 - 215. # --- PageV01P067 [68] # وانطباعات الخليفة عنها، فإنه فهم حق الفهم أن احتجاج الزهراء لم يكن حول ~~الميراث أو النحلة، وإنما كان حربا سياسية كما نسميها اليوم وتظلما لقرينها ~~العظيم الذي شاء الخليفة وأصحابه من يبعدوه عن المقام الطبيعي له في دنيا ~~الأسلام، فلم يتكلم إلا عن علي فوصفه بأنه ثعالة وأنه مرب لكل فتنة، وأنه ~~كام طحال، وأن فاطمة ذنبه التابع له، ولم يذكر عن الميراث قليلا أو كثيرا. ~~ولنلاحظ ما جاءت به الرواية في صحاح السنة من أن عليا والعباس كانا ~~يتنازعان في فدك في أيام عمر بن الخطاب، فكان علي يقول إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم جعلها في حياته لفاطمة، وكان العباس يأبى ذلك ويقول هي ~~ملك رسول الله وأنا وارثه، ويتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما ويقول: ~~(أنتما أعرف بشأنكما أما أنا قد سلمتها إليكما) (1) فقد نفهم من هذا ms036 الحديث ~~إذا كان صحيحا أن حكم الخليفة كان سياسيا موقتا وإن موقفه كان ضرورة من ~~ضرورات الحكم في تلك الساعة الحرجة، وإلا فلم أهمل عمر بن الخطاب رواية ~~الخليفة وطرحها جانبا وسلم فدك إلى العباس وعلي، وموقفه منهما يدل على أنه ~~سلم فدك إليهما على أساس أنها ميراث رسول الله لا على وجه التوكيل، إذ لو ~~كان على هذا # --- # (1) شرح نهج البلاغة 16: 221، لاحظ الروايات التي تؤكد أن علي بن أبي ~~طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووارثه وخليفته والولي من ~~بعده. راجع مثلا: تاريخ دمشق / ابن عساكر الشافعي 3: 5 ح 1021، 1022 قول ~~الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ~~ووارثي) وراجع حديث الدار المشهور في تاريخ الطبري 3: 218، ط 1، الحسينية ~~بمصر، وتفسير الخازن 3: 371 - طبعة دار المعرفة - في تفسير قوله تعالى: ~~(وأنذر عشيرتك الأقربين...)، مسند 29 أحمد بن حنبل 2: 352 ح 1371 - طبعة ~~دار المعارف، بسند صحيح. (*) # --- PageV01P068 [69] # الوجه لما صح لعلي والعباس أن يتنازعا في أن فدك هل هي نحلة من رسول الله ~~لفاطمة أو تركة من تركاته التي يستحقها ورثته ؟ وما أثر هذا النزاع لو فرض ~~أنها في رأي الخليفة مال للمسلمين وقد وكلهما في القيام عليه ؟ ولفض عمر ~~النزاع وعرفهما أنه لا يرى فدك مالا موروثا ولا من أملاك فاطمة، وإنما أوكل ~~أمرها إليهما لينوبا عنه برعايتها وتعاهدها، كما أن عدم حكمه بفدك لعلي ~~وحده معناه أنه لم يكن واثقا بنحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدك ~~لفاطمة فليس من وجه لتسليمها إلى علي والعباس إلا الأرث. وإذن ففي المسألة ~~تقديران: (أحدهما) أن عمر كان يتهم الخليفة بوضع الحديث في نفي الأرث (1). ~~(والاخر) أنه تأوله وفهم منه معنى لا ينفي التوريث ولكن لم يذكر تأويله، ~~ولم ينا قش به أبا بكر حينما حدث به وسواء أصح هذا أو ذاك، فالجانب السياسي ~~في المسألة ظاهر، وإلا فلماذا يتهم عمر الخليفة بوضع الحديث إذا لم يكن في ~~ذلك ما ms037 يتصل بسياسة الحكم يومئذ، ولماذا يخفي تأويله وتفسيره، وهو الذي لم ~~يتحرج عن إبداء مخالفته للنبي أو الخليفة الأول فيما اعترضهما من مسائل. ~~وإذا عرفنا أن الزهراء نازعت في أمر الميراث بعد استيلاء الحزب الحاكم ~~عليه، لأن الناس لم يعتادوا أن يستأذنوا الخليفة في قبض مواريثهم أو في ~~تسليم المواريث إلى أهلها، فلم تكن فاطمة في حاجة إلى مراجعة # --- # (1) إشارة إلى الرواية التي انفرد بها الخليفة الأول، وهي قوله: قال رسول ~~الله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة...)، راجع: الصواعق ~~المحرقة: 34 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 223. (*) # --- PageV01P069 [70] # الخليفة، ولم تكن لتأخذ رأيه وهو الظالم (1) المنتزي على الحكم في رأيها، ~~فالمطالبة بالميراث لابد أنها كانت صدى لما قام به الخليفة من تأميمه ~~للتركة على ما نقول اليوم (2)، والاستيلاء عليها. (أقول): إذا عرفنا هذا ~~وإن الزهراء لم تطالب بحقوها قبل أن تنتزع منها، تجلى لد ينا أن ظرف ~~المطالبة كان مشجعا كل التشجيع للمعارضين على أن يغتنموا مسألة الميراث ~~مادة خصبة لمقاومة الحزب الحاكم على اسلوب سلمي كانت تفرضه المصالح العليا ~~يومئذ، واتهامه بالغصب والتلاعب بقواعد الشريعة والاستخفاف بكرامة القانون. ~~(قضية فدك في ضوء الظروف الموضوعية) وإذا أردنا أن نفهم المنازعة في ~~أشكالها وأسبابها في ضوء الظروف المحيطة بها، وتأثيرها، كان لزاما علينا أن ~~نعرض تلك الظروف عرضا مستعجلا ونسجل صورة واضحة الألوان للعهد الانقلابي ~~بالمقدار الذي يتصل بغرضنا. ولا أعني بالانقلاب حين أصف عهد الخليفة الأول ~~بذلك إلا مفهومه الحقيقي المنطبق على تلون السلطة الحاكمة بشكل جمهوري ~~يتقوم بالثورة ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبة، ونزعها لشكلها الأول ~~الذي يستمد قوته وسلطته من السماء. # --- # (1) راجع المحاورة بين الخليفة الثاني وبين علي بن أبي طالب والعباس بن ~~عبد المطلب، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 222. (2) أصبح مصطلح ~~التأميم شائعا، وهو يعني المصادرة والاستيلاء على الملك الخاص من قبل ~~الدولة. # --- PageV01P070 [71] # فقد كانت تلك اللحظة التي ضرب بها بشيرين سعد # --- # (1) على يد الخليفة نقطة التحول في تاريخ الأسلام التي وضعت حدا لأفضل ms038 ~~العهود وأعلنت عهد آخر نترك تقريضه للتاريخ. (مسألة موت الرسول القائد صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقد كان ذلك في اليوم الذي حانت فيه الساعة الأخيرة ~~في تاريخ النبوات التي قطعت أقدس أداة وصل بين السماء والأرض وأبركها ~~وأفيضها خيرا ونعمة وأجودها صقلا للأنسانية إذ لفظ سيد البشر نفسه الأخير ~~وطارت روحه إلى الرفيق الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فهرع الناس إلى بيت ~~النبوة الذي كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمدي السعيد وتشييع النبوة ~~التي كانت مفتاح مجد الامة، وسر عظمتها، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى ~~الخواطر وترتسم في أفكارهم ذكريات ممن روعة النبوة وجلال النبي العظيم. وقد ~~خيل إليهم أن هذه السنوات العشر التي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء، وأبر ~~الاباء كانت حلما لذيذا تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الأنسانية برهة ~~من حياتها، وهاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ عليه نائم. وبينما كان ~~المسلمون في هذه الغمرة الطاغية، والصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة، ~~وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والشخوع والذكريات، إذ ~~يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الذي لف المجتمعين وهو يعلن ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على ~~الدين كله وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته: (لا أسمع ~~رجلا يقول مات رسول الله # --- # (1) راجع: تاريخ الطبري 2: 243، وفيه إشارة إلى سبق بشير بن سعد إلى ~~مبايعة الخليفة الأول. # --- PageV01P071 [72] # إلا ضربته بسيفي) (1). والتفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل، ~~فوجدوا عمر بن الخطاب قد وقف خطيبا بين الناس وهو يجلجل برنيه في شدة لا ~~تقبل نزاعا وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا في كلام عمر ~~والتف بعضهم حوله. وأكبر الظن أن قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب ~~والتكذيب، وحاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه ولكنه بقي شديدا في قوله ~~ثابتا عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلممون في شأنه ويعجبون لحاله حتى جاء ~~أبو بكر، وكان حين توفي ms039 النبي في منزله بالسنح، والتفت إلى الناس وقال: (من ~~كان يعبد محمدا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت. قال الله ~~تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) (2) وقال: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم) (3)، ولما سمع عمر ذلك أذعن واعترف بموت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقال: (كأني سمعتها - يعني الاية - (الان) (4). ونحن لا نرى في ~~هذه القصة ما يراه كثير من الباحثين من أن الخليفة كان بطل ذلك ا لظرف ~~العجيب، والرجل الذي تهيأت له معدات الخلافة بحكم موقفه من رأي عمر، لأن ~~المسألة ليست والأهمية بهذ ا الحد ولم # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 232 - 233، وفيه: وكان عمر يتوعد الناس بالقتل، ~~الملل والنحل / الشهرستاني 1: 29... قال عمر بن الخطاب: من قال: (إن محمدا ~~قد مات قتلته بسيفي هذا...). (2) الزمر / 30، 31. (3) آل عمران / 144. (4) ~~تاريخ الطبري 2: 232 - 233. (*) # --- PageV01P072 [73] # يحدثنا التاريخ عن شخص واخذ انتصر لعمر في رأيه، فلم يكن إلا رأيا شخصيا ~~لا خطر له ولا شأن للقضاء عليه. وقد يكون من حق البحث أن الاحظ أن شرح ~~الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الذي وجهه إلى الناس كان شرحا باهتا في غير ~~حد لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقة في ذلك اليوم شئ، بل لم يزد في ~~بيان الفاجعة الكبرى على أن قال: (إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات). ~~وقد كان الموقف يتطلب من أبي بكر إذا كان يريد أن يقدم في نفسه زعيما لتلك ~~الساعة تأبينا للفقيد الأعظم يتفق مع العواطف المتدفقة بالذكريات الحسرات ~~يومئذ. ومن الذي كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمدا فإنه قد ~~مات ؟ وهل كان في كلام عمر معنى يدل على أنه كان يعبد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ؟ أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والألحاد في ذلك المجتمع ~~المؤمن الذي كان يعتصر دموعه من ذكرياته، وصبره، وتماسكه من عقيدته حتى ~~يعلن لهم أن الدين ليس محدودا بحياة رسول الله لأنه ليس بالأله المعبود. ~~إذن ms040 فلم يكن لكلام أبي بكر الذي خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي ~~عمر، ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليم وشؤونهم، وقد سبقه به غيره ~~ممن حاول مناقشة الفاروق كما سيأتي. (مسألة السقيفة وموقف الأمام علي عليه ~~السلام) وكان يعاصر هذا الاجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للأنصار عقدوه ~~في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى إعطائه # --- PageV01P073 [74] # الرئاسة والخلافة فأجابوه (1). ثم ترادوا الكلام فقالوا: (فإن أبى ~~المهاجرون وقالوا: نحن أولياؤه وعترته، فقال قوم من الأنصار نقول: منا أمير ~~ومنكم أمير، فقال سعد: فهذا أومل الوهن، وسمع عمر الخبر، فأتى منزل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي، فأرسل ~~إني مشغول، فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره، فخرج ~~فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة، وفتكلم أبو بكر فذكر ~~قرب المهاجرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أولياؤه وعتره، ~~ثم قال: نحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم ~~الامور، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا ~~عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر أحد ~~إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والمنعة واولو العدد والكثرة وذوو البأس ~~والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم اموركم فإن ~~أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع ~~سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع ~~العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن ~~أولياؤه وعشيرته. فقال الحباب بن منذر: يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا ~~تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ~~فاجلوهم من هذه البلاد وأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس ~~بهذا الدين أنا جذيلها ms041 المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد، ~~والله إن شئتم لنعيدها # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 233. # --- PageV01P074 [75] # جذعة، فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: يا ~~معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير، فقام بشير ابن ~~سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش ~~وقومه أولى به وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: ~~هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا، الأمر ~~عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصلاة وهي أفضل الدين، ابسط يدك. فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن ~~سعد فبايعه، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق، أنفست على ابن ~~عمك الأمارة ؟ فقال اسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم ~~تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، وبايعوا أبا بكر وأقبل الناس ~~يبايعونه من كل جانب (1). ونلاحظ في هذه القصة أن عمر هو الذي سمع بقصة ~~السقيفة واجتماع الأنصار فيها وأخبر أبا بكر بذلك، وما دمنا نعلم أن الوحي ~~لم ينزل عليه بذلك النبأ فلا بد أنه ترك البيت النبوي بعد أن جاء أبو بكر ~~وأقنعه بوفاة النبي، فلماذا ترك البيت ؟ ولماذا اختص أبا بكر بنبأ السقيفة ~~؟ إلى كثير من هذه النقاط التي لا نجد لها تفسيرا معقولا أولى من أن يكون ~~في الأمر اتفاق سابق بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع ~~الخلافة، وهذا التقدير التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه. ~~(الأول) تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق، وإصراره على استدعائه ~~بعد اعتذاره بأنه مشغول حتى أشار إلى الغرض ولمح إليه، خرج # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبى الحديد 1: 127 - 128، طبعة دار الكتب ~~العربية الكبرى - مصطفى البابي الحلبي. (الشهيد)، وراجع: تاريخ الطبري 2: 243. # --- PageV01P075 [76] # مسرعا وذهبا على عجل إلى السقيفة (1)، وكان من الممكن أن يطلب غيره من ~~أعلام ms042 المهاجرين بعد اعتذاره عن المجي، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسره ~~بالصداقة التي كانت بينهما، لأن المسألة لم تكن مسألة صداقة، ولم يكن أمر ~~منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقا له بل على أن يستعين بمن يوافقه ~~في أحقية المهاجرين أيا كان. ولا ننسى أن نلاحظ أنه أرسل رسولا إلى أبي ~~بكر، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفا ممن انتشاره في البيت وتسامع ~~الهاشميين أو غيرها الهاشميين به، وقد طلب من الرسول في المرة الثانية أن ~~يخبره بحدوث أمر لابد أن يحضره. ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازما في ذلك ~~الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها ~~سابقا (2). (الثاني) موقف عمر من مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وادعاؤه أنه لم يمت، ولا يستقيم في تفسيره، أن نقول إن عمر ارتبك في ساعة ~~الفاجعة، وفقد صوابه وادعى ما ادعى، لأن حياة عمر كلها تدل على أنه ليس من ~~هذا الطراز، وخصوصا موقفه الذي وقفه في السقيفة بعد تلك القصة مباشرة. # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 242. (2) راجع: تاريخ الطبري 2: 234، وفيه: عن ~~الحميري... قال: (فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ما علمنا أن الايتين نزلتا حتى قرأهما أبوبر يومئذ، إذ جاء رجل يسعى ~~فقال: هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظلة بني ساعدة، يبايعون رجلا منهم، ~~يقولون منا أمير ومن قريش أمير، قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى ~~أتياهم، فأراد عمر أن يتكلم، فنهاه أبو بكر، فقال: عمر لا أعصي خليفة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في يوم مرتين...) يعني في المرة الاولى إعلانه موت ~~النبي، وهذه المرة الثانية، ولاحظ تعبيره (خليفة النبي) قبل حصول البيعة ~~(الفلتة) على ما قاله لاحقا، كما في 2: 235. # --- PageV01P076 [77] # فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ~~ويجادل ويقاوم ويناضل (1). ونحن نعلم أيضا أن عمر لم يكن يرى ذلك الرأي ~~الذي أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيام ms043 أو بساعات حينما اشتد برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المرض وأراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس ~~بعده، فعارضه عمر وقال: إن كتاب الله يكفينا وأن النبي يهجر (2)، أو قد غلب ~~عليه الوجع كما في صحاح السنة. فكان يؤمن بأن رسول الله يموت وأن مرضه قد ~~يؤدي إلى موته وإلا لما اعترض عليه وقد جاء في تاريخ ابن كثير أن عمر بن ~~زائدة قرأ الاية التي قرأها أبو بكر على عمر قبل أن يتلوها أبو بكر فلم ~~يقتنع عمر وإنما قبل كلام أبي بكر خاصة واقتنع به (3) فما يكون تفسير هذا ~~كله إذا لم يكن تفسيره إن عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس ~~لينصرفوا إليها وتتجه الأفكار نحوها تفنيدا أو تأييدا ما دام أبو بكر ~~غائبا، لئلا يتم في أمر الخلافة شئ ويحدث أمر لا بد أن يحضره أبو بكر - على ~~حد تعبيره - وبعد أن أقبل أبو بكر اطمأن باله، وأمن من تمام البيعة للبيت ا ~~لهاشمي ما دام للمعارضة صوت في الميدان، وانصرف إلى تلقط الأخبار حادسا بما ~~سيقع، فظفر بخبر ما كان يتوقعه. # --- # (1) راجع: تاريخ الطبري 2: 235. (2) راجع الرواية في صحيح البخاري 1: 37 ~~كتاب العلم - باب كتابة العلم، و8: 161، كتاب الاعتصام - طبعة دار العامرة ~~- استانبول، دار الفكر - بيروت. (3) البداية والنهاية / ابن كثير 5: 213 - ~~نشر دار الكتب العلمية - بيروت. # --- PageV01P077 [78] # (الثالث) شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة، فقد تولى أبو بكر ~~الخلافة، وأبو عبيدة المال، وعمر القضاء (1). وفي مصطلحنا اليوم أن الأول ~~تولى السياسة العليا، والثاني تولى السياسة الاقتصادية، والثالث تولى ~~السلطات القضائية، وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الأسلامي. وتقسيم ~~المراكز الحيوية في الحكومة الأسلامية يومئذ بهذا الاسلوب على الثلاثة ~~الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي بالصدفة على الأكثر ~~ولا يكون مرتجلا. (الرابع) قول عمر حين حضرته الوفاة: (لو كان أبو عبيدة ~~حيا لوليته) (2). وليست كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمني، ~~لأنه كان يعتقد أهلية علي للخلافة ومع ms044 ذلك لم يشأ أن يتحمل أمر الامة حيا ~~وميتا (3). وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بها - بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يخصه بالأطراء، بل كان في رجالات المسلمين يو مئذ من ظفر بأكثر من ~~ذلك من ألوان الثناء النبوي (4) # --- # (1) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2: 176 الطبعة الاولى - مصر / ~~الأزهرية 1301 / ه. (الشهيد)، لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك ~~المال، وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء... وكان على مكة عتاب بن اسيد. (2) ~~شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 64 طبعة مصطفى البابي - مصر (الشهيد)، ~~وراجع تاريخ الطبري 2: 580، أخرج رواية عن الأودي قال: (إن عمر بن الخطاب ~~لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت، قال: من أستخلف ؟ لو كان ~~أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته...). (3) راجع تاريخ الطبري 2: 580، ~~الأنساب / البلاذري 5: 16 (الشهيد). (4) راجع مثلا: مختصر تاريخ ابن عساكر ~~17: 356 وما بعدها، ففيه مناقب علي عليه السلام والثناء عليه، الخصائص / ~~النسائي: 72 ح 113، مروج الذهب / المسعودي 2: 437، مطبعة السعادة ط 2 - مصر ~~/ 1948 م. # --- PageV01P078 [79] # كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة. (الخامس) اتهام الزهراء للحاكمين ~~بالحزبية السياسية، كما سنرى في الفصل الاتي. (السادس) قول أمير المؤمنين - ~~صلوات الله عليه - للفاروق رضى عنه الله: احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له ~~اليوم أمره ليرد عليك غدا (1). ومن الواضح أنه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين ~~على المعونة المتبادلة واتفاق سابق على خطة معينة، وإلا فلم يكن يوم ~~السقيفة نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطرا من الحلب. ~~(السابع) ما جاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر (رضوان ~~الله عليه) في اتهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي والتنظيم ~~السري لخطوط الحملة على الأمام، إذ قال له فيما قال: فقد كنا وأبوك نعرف ~~فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا، فلما اختار الله لنبيه ~~(عليه ms045 الصلاة والسلام) ما عنده وأتم وعده وأظهر دعوته فابلج حجته وقبضه ~~إليه (صلوات الله عليه) كان أبوك والفاروق أول من ابتزه حقه وخالفه على ~~أمره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ ~~عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم (2). # --- # (1) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 11 - الطبعة المحققه، و2: ~~5، من الط بعة المصرية - مطبعة مصطفى البابي الحلبي (الشهيد). (2) مروج ~~الذهب / السمعودي 3: 199 - تحقيق شارل پلا - بيروت / 1970 كتاب معاوية إلى ~~محمد بن أبي بكر: إن أباك أول من ابتزه حقه. # --- PageV01P079 [80] # ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر رضى عنه الله للبيعة من الأمام ب ~~(ثم) على كلمتي اتفقا واتسقا وهو قد يشعر بأن الحركة انت منظمة بتنظيم ~~سابق، وأن الاتفاق على الظفر بالخلافة كا ن سابقا على الأيجابيات السياسية ~~التي قاما بها في ذلك اليوم. ولا اريد أن أتوسع في دراسة هذه الناحية ~~التاريخية أكثر من هذا، ولكن هل لي أن ألا حظ في ضوء ذلك التقدير التاريخي، ~~أن الخليفة لم يكن زاهدا في الحكم كما صوره كثير من الباحثين، بل قد نجد في ~~نفس المداورة التي قام بها الخليفة في السقيفة دليلا على تطلعه للأمر، فإنه ~~بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ~~ذلك بأن ردد الأمر بين صاحبيه # --- # (1) اللذين لن يتقدما عليه، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الترديد أن ~~يتعين وحده للأمر. فهذا الأسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة ~~التي فدمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدي إلا ~~إليه، كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار، ويقر ها في شخصه في ~~آن واحد، ولذا لم يبد ترددا أو ما يشبه التردد لما عرض الأمر عليه صاحباه. ~~وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنه كان مداورا سياسيا بارعا في يوم السقيفة في ~~حديث طويل له يصفه فيه بأنه أحسد قريش (2). # --- # (1) راجع تاريخ الطبري 2: 233 قال أبو بكر: (إني رضيت ms046 لكم أحد هذين ~~الرجلين: عمر أو أبا عبيدة...). (2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: ~~125 طبعة مصطفى البايي - مصر (الشهيد) # --- PageV01P080 [81] # ونجد فيما يروى عن الخليفتين في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ما يدل على هوى سياسي في نفسيتهما، وأنهما كانا يفكران في شئ على أقل ~~تقدير. فقد ورد في طرق العامة أن ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~(إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: ~~أنا هو يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا ولكن ~~خاصف النعل - يعني عليا) (1). والمقاتلة على التأويل إنما تكون بد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمقاتل لا بد أن يكون أمير الناس، ~~فتلهف كل من أبي بكر وعمر على أن يكون المقاتل على التأويل مع أن القتال ~~على التنزيل كان متيسرا لهما في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدل على ذلك الجانب الذي نحاول أن نستكشفه في ~~شخصيتهما. بل اريد أن أذهب إلى أكثر من هذا فالاحظ أن اناسا متعددين كانوا ~~يعملون في صالح أبي بكر وعمر (2) وفي مقدمتهم عائشة وحفصة اللتان # --- # (1) الصواعق المحرقة / ابن حجر: 123 ط 2 / مكتبة القاهرة / 1965، مسند ~~الأمام أحمد 3: 33، كنز العمال 15: 94، ط 2 حيدر آباد - الدكن - الهند / ~~1968، خصائص أمير المؤمنين / النسائي الشافعي (ت 303 ه): 131، طبعة طهران، ~~راجع: التاج الجامع للاصول 3: 336. (2) قال الشهيد الصدر (معلقا): وقد سئل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما هدد طائفة من قريش برجل من قريش امتحن ~~الله قلبه للأيمان يضرب رقابهم على الدين، إن ذلك الرجل هل هو أبو بكر ؟ ~~فقال: لا، فقيل: عمر ؟ قال: لا... إلخ. مسند الأمام أحمد 3: 33، والرواية ~~تهمل اسم السائل الذي توهم أن الشخص ا لذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو أبو بكر أو عمر، وإذا لم يكن أبو بكر وعمر معروفين بشجاعة وبسا لة ~~في ms047 المشاهد الحربية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا بد أن ~~أمرا آخر دعى السائل إلى أن يسأل ذ ينك السؤالين والبقية أتركها لك. # --- PageV01P081 [82] # أسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~حبيبه في لحظاته الأخيرة (1) التي كانت تجمع دلائل الظروف على أنها الظرف ~~الطبيعي للوصية ولا بد أنهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول إن بعض ~~نساء النبي أرسلن رسولا إلى اسامة لتأخيره عن السفر (2). فإذا علمنا هذا، ~~وعلمنا أن هذا لم يكن بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لما أمره ~~بالأسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك (3)، وأن سفره مع من معه كان يعيق ~~عن تحقق النتائج التي انتجها يوم السقيفة، خرجت لدينا قضية مرتبة الحلقات ~~على اسلوب طبيعي يعزز ما ذهبنا إليه من رأي. ومذهب الشيعة في تفسير ما قام ~~به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تجنيد جيش اسامة معروف، وهو أنه ~~أحس بأن اتفاقا ما بين جملة من أصحابه على أمر معين، وقد يجعل هذا الاتفاق ~~منهم جبهة معارضة لعلي. ونحن إن شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قد جعل أبا بكر وعليا في كفتي الميزان مرارا أمام المسلمين ~~جميعا ليروا بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل. وإ لا فهل ترى ~~إعفاء أبي بكر (4) من قراءة التوبة # --- # (1) راجع الرواية في سنن الكبرى / النسائي 5: 145 باب 54، وأيضا في مختصر ~~تاريخ ابن عساكر 18 / 21. (2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 53 ~~(الشهيد) الطبعة القديمة - المصرية - مصطفى البابي الحلبي. (3) في مسألة ~~بعث اسامة، وطلب الأسراع بتنفيذ الحملة التي أمر فيها النبي اسامة بن زيد ~~على شيوخ المهاجرين والأنصار. راجع الكامل في التاريخ 2: 218، الطبقات ~~الكبرى / ابن سعد 2: 248 - 250. (4) في قصة إعفاء الخليفة الأول أبي بكر عن ~~مهمة تبليغ سورة براءة وإرسال علي بن أبي طالب لتنفيذ المهمة، راجع: مسند ~~الأمام أحمد بن حنبل 1: 3، الكشاف / الزمخشري 2: 243، الصواعق المحرقة / ~~ابن حجر: 32، طبعة ms048 القاهرة. # --- PageV01P082 [83] # على الكافرين بعد أن كلف بذلك أمرا طبيعيا ؟ ولماذا انتظر الوحي وصول ~~الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويأمره باسترجاعه وإرسال علي للقيام بالمهمة ؟ أفكان عبثا أو غفلة أو أمرا ~~ثالثا ؟ وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحس بأن المنافس المتحفز ~~لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر، فشاء وشاء له ربه تعالى أن يرسل أبا بكر ~~ثم يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعا بإرساله ليرسل عليا الذي هو كنفسه # --- # (1) ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الذي لم ~~يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة، فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة ؟ ! ~~إذن فنخرج من هذا العرض الذي فرض علينا الموضوع أن نختصره بنتيجتين: ~~(الأولى) أن الخليفة كان يفكر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف ~~ولهفة. (الثانية) أن الصديق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكلون حزبا سياسيا ~~مهما لا نستط يع أن نضع له صورة واضحة الخطوط، ولكنا نستطيع أن نؤكد وجوده ~~بدلائل متعددة، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من مقامهم، ولا بأس ~~عليهم أن يفكروا في امور الخلافة ويتفقوا فيها على سياسة موحدة إذا لم يكن ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص في الموضوع، ولا يبرؤهم # --- # (1) راجع: الكشاف / الزمخشري 1: 368. وكما هو مقتضى آية المباهلة، ~~الصواعق المحرقة / ابن حجر: 156، أخرج الدار قطني احتجاج الأمام على القوم ~~وإنه كنفس النبي. (*) # --- PageV01P083 [84] # إذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسي وارتجال فكرة الخلافة في ساعة ~~السقيفة (1) من المسؤولية أمام الله وفي حكم الضمير. (تحليل الموقف في قصة ~~السقيفة) لست الان بصدد تحليل الموقف الذي اشتبك فيه الأنصار مع أبي بكر ~~وعمر وأبي عبيدة وشرح ما يدل عليه من نفسية المجتمع الأسلامي ومزاجه ~~السياسي، وتطبيق قصة السقيفة (2) على الاصول العميقة في الطبيعة العربية، ~~فإن ذلك كله خارج عن الحدود القربية للموضوع، وإنما اريد أن الاحظ أن الحزب ~~الثلاثي الذي قدر له أن يلي الامور يومئذ كان ms049 له معارضون على ثلاثة أقسام: ~~الأول: الأنصار الذين نازعوا الخليفة وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة ووقعت ~~بينهم المحاورة السابقة التي انتهت بفوز قريش بسبب تركز فكرة الوراثة ~~الدينية في الذهنية العربية وانشقاق الأنصار (3) على أنفسهم، لتمكن النزعة ~~القبلية من نفوسهم. الثاني: الامويون الذين كانوا يريدون أن يأخذوا من ~~الحكم بنصيب ويسترجعوا شيئا من مجدهم السياسي (4) في الجاهلية وعلى رأسهم ~~أبو سفيان. # --- # (1) إشارة إلى قولة الخليفة عمر بن الخطاب: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ~~غير أن الله وقى شرها..) تاريخ الطبري 2: 235. (2) راجع: السقيفة والخلافة ~~/ عبد الفتاح عبد المقصود: 264. (3) راجع: تاريخ الطبري 2: 243. (4) المصدر ~~السابق 2: 237، قال: (حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي قال: حدثنا أبو ~~قتيبة، قال: حدثنا مالك - يعني ابن مغول - عن ابن الحر قال: قال أبو سفيان ~~لعلي: ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ! والله لو شئت لأملأنها عليه ~~خيلا ورجالا ! قال: فقال علي: يا أبا سفيان، طالما عاديت الأسلام ~~وأهله...). # --- PageV01P084 [85] # الثالث: الهاشميون وأخصاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذر والمقدا رضوان الله ~~عليهم وجماعات من الناس (1) الذين كانوا يرون البيت الهاشمي هو الوارث ~~الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الفطرة ومناهج السياسة ~~التي كانوا يألفونها. واشتبك أبو بكر وصاحباه في النزاع مع القسم الأول في ~~سقيفة بني ساعدة، وركزوا في ذلك الموقف دفاعهم عما زعموا من حقوق على نقطة ~~كانت ذات وجاهة في نظر كثير من الناس، فإن قريشا ما د امت عشيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وخاصته (2) فهي أولى به من سائر المسلمين وأحق ~~بخلافته وسلطانه. وقد انتفع أبو بكر وحزبه باجتماع الأنصار في السقيفة من ~~ناحيتين: (الاولى) أن الأنصار سجلوا على أنفسهم بذلك مذهبا لا يسمح لهم بأن ~~يقفوا بعد ذلك إلى صف علي ويخدموا قضيته بالمعنى الصحيح كما سنوضحه قريبا. ~~(الثانية) أن أبا بكر الذي خدمته الظروف فأقامت منه المدافع الوحيد عن حقوق ~~المهاجرين في مجتمع الأنصار لم يكن ليتهيأ له ظرف أوفق # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 233. (2) المصدر نفسه 2: 243، قولة ms050 الخليفة الأول: ~~(من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مذ دل بباطل ~~أو متجانف لأثم...). # --- PageV01P085 [86] # بمصالحه من ظرف السقيفة، إذ خلا الموقف من أقطاب المهاجرين الذين لم يكن ~~لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها التي سجلتها السقيفة في ذلك اليوم. ~~وخرج أبو بكر من السقيفة خليفة وقد بايعه جمع من المسلمين الذين أخذوا ~~بوجهة نظره في مسألة الخلافة أو عز عليهم أن يتولاها سعد بن عبادة. ولم ~~يعبأ الحاكمون بمعارضة الامويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من كلمات الثو ~~رة بعد رجوعه من سفره الذي بعثه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لجباية الأموال، لعلمهم بطبيعة النفس الاموية وشهواتها السياسية والمادية. ~~فكان من السهل كسب الامويين إلى جانب الحكم القائم كما صنع أبو بكر فأباح ~~لنفسه أو أباح له عمر بتعبير أصح كما تدل الرواية (1)، أن يدفع لأبي سفيان ~~جميع ما في يده من أموا ل المسلمين وزكواتهم (2) ثم جعل للامويين (3) بعد ~~ذلك حظا من العمل الحكومي في عدة من المرافق الهامة. وهكذا نجح الحزب ~~الحاكم في نقطتين، ولكن هذا النجاح جره إلى تناقض سياسي واضح، لأن ظروف ~~السقيفة كانت تدعو الحاكمين إلى أن يجعلوا للقرابة من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم حسابا في مسألة الخلافة ويقروا مذهب # --- # (1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 130 طبعة القاهرة - مصطفى ~~البابي. (ا لشهيد) (2) قد نستطيع أن نجيب في ضوء هذه القصة عما عرض لنا من ~~سؤال في بداية هذا الفصل عن موقف الخليفتين لو قدر لهما أن يقفا موقف علي ~~الذي كان يفرض عليه أن يغري كثيرا من أمثال أبي سفيا ن بالمال والجاه. ~~(الشهيد) (3) راجع تاريخ الطبري 2: 237، أخرج عن ثابت قال: لما استخلف أبو ~~بكر قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل، إنما هي بنو عبدمناف ! قال: فقيل ~~له: إنه قد ولى ابنك، قال - أي أبو سفيان -: وصلته رحم.. # --- PageV01P086 [87] # الوراثة للزعامة الدينية. غير أن الحال تبدلت بعد موقف السقيفة والمعارضة ~~اتخذت لها ms051 لونا جديدا وواضحا كل الوضوح يتلخص في أن قريشا إذا كانت أولى ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر العرب لأنه منها فبنو هاشم أحق ~~بالأمر من بقية قريش. وهذا ما أعلنه علي حين قال: إذا احتج عليهم المهاجرون ~~بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الحجة لنا على لمهاجرين ~~بذلك قائمة، فإن فلجت حجتهم كانت لنا دونهم وإلا فالأنصار على دعوتهم (1)، ~~وأوضحه العباس لأبي بكر في حديث له معه إذ قال له: وأما قولك نحن شجرة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها (2). وقد كان علي ~~الذي تزعم معارضة الهاشميين مصدر رعب شديد في نفوس الحاكمين، لأن ظروفه ~~الخاصة كانت تمده بقوة على لونين من العمل الأيجابي ضد الحكومة القائمة: - ~~أحدهما ضم الأحزاب المادية إلى جانبه كالامويين والمغيرة بن شعبة وأمثالهم ~~ممن كانوا قد بدأوا يعرضون أصواتهم للبيع ويفاوضون الجهات المختلفة في ~~اشترائها بأضخم الأثمان، كما نعرف ذلك من كلمات أبي سفيان التي واجه بها ~~خلافة السقيفة يوم وصواله إلى المدينة، وحديثه مع علي وتحريضه له على ~~الثورة، وميله إلى جانب الخليفة، وسكوته عن المعارضة حينما تنازل له ~~الخليفة عن أموال المسلمين (3) التي كان قد جباها # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 5. (2) المصدر نفسه 6: 5. (3) ~~شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 130، طبعة مصطفى البابي الحلبي - ~~القاهرة. # --- PageV01P087 [88] # في سفره، وموقف عتاب بن اسيد الذي سنشير إلى سره في هذا الفصل. وإذن فقد ~~كان الهوى المادي مستوليا على جماعة من الناس يومئذ. ومن الواضح أن عليا ~~كان يتمكن من إشباع رغبتهم بما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الخمس وغلات أراضيه في المدينة وفدك التي كانت ذات نتاج عظيم كما عرفنا في ~~الفصل السابق. والطور الاخر من المقاومة التي كان علي مزودا بإمكانياتها ما ~~لمح إليه بقوله: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة)، وأعني بذلك أن الفكرة ~~العامة يومئذ التي أجمعت # --- # (1) على تقديس أهل ا لبيت والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من ms052 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت سندا قويت للمعارضة وقد رأى الحزب ~~الحاكم أن موقفه المادي حرج جدا، لأن أطراف المملكة التي تجبى منها الأموال ~~لا تخضع للحكم الجديد إلا إذا استقرت دعائمه في العاصمة، والمدينة بعد لم ~~تخضع له خضوعا إجماعيا. ولئن كان أبو سفيان أو غير أبي سفيان قد باع صوته ~~للحكومة، فمن الممكن أن يفسخ المعاملة إذا عرض عليه شخص آخر اتفاقا أكثر ~~منها ربحا، وهذا ما كان يستطيع علي أن يقوم به في كل حين. فيجب والحالة هذه ~~أن تنتزع من علي الذي لم يكن مستعدا للمقابلة في تلك الساعة الأموال التي ~~صارت مصدرا من مصا در الخطر على مصالح الحزب الحاكم ليضمن بقاء # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 21، روى الزبير بن بكار، قال: ~~روى محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة ~~المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # --- PageV01P088 [89] # الأنصار على نصرتهم، وعدم قدرة المعارضين على إنشاء حزب من أصحاب المطامع ~~والأهواء يومذاك. ولا يجوز أن نستبعد هذا التقدير لسياسة الفئة المسيطرة ما ~~دام منطبقا على طبيعة السياسة التي لا بد من انتهاجا. وما دمنا نعلم أن ~~الصديق اشترى صوت الحزب الاموي بالمال، فتنازل لأبي سفيان عن جميع ما كان ~~عنده من أموال المسلمين، وبالجاه أيضا إذ ولى ابن أبي سفيان، فقد جاء أن ~~أبا بكر لما استخلف قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد ~~مناف، فقيل له أنه قد ولى ابنك قال: وصلته رحم (1). فلا غرابة في أن ينتزع ~~من أهل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، أو أن يخشى من علي عليه ~~السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك على الدعوة إلى نفسه. وكيف نستغرب ذلك ~~من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الأغراء، واكتساب ~~الأصوات حتى اتهمته بذلك معاصرة له من مؤمنات ذلك ms053 الزمان فقد ورد أن الناس ~~لما اجتمعو ا على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والأنصار، فبعث إلى ~~امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت: ما هذا ؟ قال: قسم ~~قسمه أبو بكر للنساء، قالت: أتراشوني عن ديني ؟ والله لا أقبل منه شيئا. ~~فردته عليه (2). وأنا لا أدري من أين جاء إلى الخليفة (رضي الله تعالى عنه) ~~هذا المال # --- # (1) راجع: تاريخ الطبري 2: 237 طبعة المكتبة العلمية. (الشهيد) (2) شرح ~~نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 133. (الشهيد)، الطبقات الكبرى / ابن سعد ~~3: 182. # --- PageV01P089 [90] # ما دامت الزكوات التي جمعها الساعي قد صارت من نصيب بطنه (1) وحد ها، إن ~~لم يكن من بقية الأموال التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أهل ~~البيت يطالبون بها. وسواء أصح هذا التقدير أو لا، فإن المعنى الذي نحاول ~~فهمه من هذه الرواية هو أن بعض معاصري الصديق أحس 40 بما نحس به على ضوء ~~معلوماتنا التاريخية عن تلك الأيام. ولا ننسى أن نلاحظ أن الظروف ~~الاقتصادية العامة كانت تدعوا إلى الارتفاع بمالية الدولة والاهتمام ~~بإكثارها استعدادا للطوارئ المترقبة، فلعل هذا حدى بالحاكمين إلى انتزاع ~~فدك، كما يتبين ذ لك بوضوح من حديث لعمر مع أبي بكر يمنعه (2) فيه عن تسليم ~~فدك إلى الزهراء ويعلل ذلك بأن الدولة في حاجة إلى المال لأنفاقه في توطيد ~~الحكم، وتأديب العصاة، والقضاء على الحركات الانفصالية التي قد يقوم بها ~~المرتدون. ويظهر من هذا رأي للخليفتين في الملكية الفردية، هو أن للخليفة ~~الحق في مصادرة أموال الناس لأنفاقها في امور المملكة وشؤون الدولة العامة ~~بلا تعويض، ولا استئذان. فليس للفرد ملكية مستقرة لأمواله وعقاره في حال ~~احتياج السلطات إلى شئ منها. وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من # --- # (1) يقصد من نصيب الساعي وهو أبو سفيان كما في الرواية التي أوردها ابن ~~أبي الحديد في شرح النهج: 1: 130 طبعة القاهرة - مصطفى البايي الحلبي. (2) ~~شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 274، (وقد روي أن أبا بكر لما شهد ~~أمير المؤمنين عليه ms054 السلام (بفدك) كتب بتسليمها إليها - إلى فاطمة - فاعترض ~~عمر قضيته، وخرق ما كتبه...)، السيرة الحلبية 3: 391. # --- PageV01P090 [91] # الخلفاء الذين انتهى إليهم الأمر بعد أبي بكر وعمر، فامتلأ تاريخهم ~~بالمصادرات (1) التي كانوا يقومون بها، غير أن أبا بكر لم يطبق الرأي إلا ~~في أملاك بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقد تردد الحزب الحاكم ~~في معالجة الاسلوب الثاني من المعارضة بين الثنتين: - (إحداهما) أن لا يقر ~~للقرابة بشأن في الموضوع، ومعنى هذا أنه ينزع عن خلافة أبي بكر ثوبها ~~الشرعي الذي ألبسها إياه. (والاخرى) أن يناقض نفسه فيظل ثابتا على مبادثه ~~التي أعلنها في السقيفة، ولا يرى حقا للهاشميين ولا امتيازا لهم في مقاييس ~~الرجال، أو يراه لهم ولكن في غير ذلك الظرف يكون معنى المعارضة فيه مقابلة ~~حكم قائم ووضع تعاقد عليه الناس. واختارت الفئة المسيطرة أن تثبت على ~~آرائها التي روجتها في مؤتمر الأنصار وتعترض على المعارضين بأن مخالفتهم ~~بعد بيعة الناس للخليفة ليست إلا إحداثا للفتنة (2) المحرمة في عرف ~~الأسلام. # --- # (1) جرى أكثر الخلفاء بالا. خص الامويين والعباسيين على تطبيق نظام ~~المصادرات أو ما يعرف في عصرنا (بالتأميم) أو الاستيلاء على الأموال ~~المنقولة وغير المنقولة بأمر من الحاكم، بعضها لأغراض اقتصادية - التأميم - ~~وبعضها بسبب مخالفة من صودرت أموالهم للمدولة. راجع بحثا مفصلا عن ~~المصادرات في التاريخ / الدكتور محمد سعيد رضا / مجلة كلية الاداب - جامعة ~~البصرة - العدد 15 / 1978. (2) تاريخ الطبري 2: 234 - 235 أحداث قصة ~~السقيفة، وراجعها في الكامل / ابن الأثير. # --- PageV01P091 [92] # وهذا هو الاسلوب الوقتي الذي اتخذه الحاكمون للقضاء على هذا الجانب من ~~المعارضة الهاشمية، وقد ساعدتهم الظروف الأسلامية الخاصة يومئذ على نجاحه ~~كما سنوضحه. غير أننا نحس ونحن ندرس سياسة الحاكمين بأنهم انتهجوا منذ ~~اللحظة الاولى سياسة معينة تجاة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقضاء ~~على الفكرة التي أمدت الهاشميين بقوة على المعارضة كما خنقوا المعارضة ~~نفسها. ونستطيع أن نصف هذه السياسة بأنها تهدف إلى إلغاء امتياز البيت ~~الهاشمي، وإبعاد أنصاره والمخلصين له عن المرافق 41 الهامة في ms055 جهاز الحكومة ~~الأسلامية يومئذ وتجريده عما له من الشأن والمقام الرفيع في الذهنية ~~الأسلامية. وقد يعزز هذا الرأي عدة ظواهر تاريخية: (الاولى) سيرة الخليفة ~~وأصحابه مع علي التي بلغت من الشدة أن عمر هدد بحرق بينه وإن كانت فاطمة ~~فيه (1)، ومعنى هذا إعلان أن فاطمة وغير فاطمة من آلها ليس لهم حرمة تمنعهم ~~عن أن يتخذ معهم نفس الطريقة التي سار عليها مع سعد بن عبادة حين أمر الناس ~~بقتله (2). ومن صور ذلك العنف وصف الخليفة لعلي بأنه مرب لكل فتنة وتشبيهه ~~له بام طحال أحب إلى أهلها إليها البغي (3)، وقد قال عمر لعلي بكل وضوح: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 233، العقد الفريد / ابن عبدربه 4: 242 وما بعدها، ~~شرح ابن أبي الحديد 16: 47 - 48. (2) راجع تاريخ الطبري 2: 244 في قصة ~~السقيفة:... فقال ناس من أصحاب سعد: (اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: ~~اقتلوه قتله الله، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر ~~عضدك...). (3) شرح نهج البلاغة 16: 215. # --- PageV01P092 [93] # منا ومنكم. (الثانية) أن الخليفة الأول لم يشارك شخصا من الهاشميين في ~~شأن من شؤون الحكم ا لمهمة، ولا جعل فيهم واليا على شبر من المملكة ~~الأسلامية الواسعة مع أن نصيب الامويين في ذلك كان عظيما (1). وأنت تفهم ~~بوضوح أن هذا وليد سياسة متعمدة من محاورة وقعت بين عمر وبان عباس أظهر ~~تخوفه من تولية الثاني حمص، لأنه يخشى إذا صارد الهاشميون ولاة على أقطار ~~المملكة الأسلامية أن يموت وهم كذلك فيحدث في أمر الخلافة ما لا يريد (2). ~~ونحن إذا عرفنا من رأي عمر أن ظفر ببيت من البيوت الطامحة إلى السلطان ~~بالولاية في الأقطار الأسلامية يهيؤهم لنيل الخلافة والمركز الأعلى، ولا ~~حظنا أن الامويين ذوي الألوان السياسية الواضحة كان فيم ولاة احتلوا ~~الصدارة ت في ا لمجالات الأدارية أيام أبي بكر وعمر، وأضفنا إلى ذلك أنه ~~كان يعلم على أقل تقدير بأن الشورى التي ابتكرها سوف تجعل من شيخ الامويين ~~عثمان خليفة، خرجنا بنتيجة مهمة ms056 وتقدير تاريخي تدل على صحته عدة من ~~الظواهر، وهو أن الخليفتين كانا يهيئان للسلطان الاموي أسبابه ومعداته، ~~وهما يعلمان حق العلم أن إنشاء كيان سياسي من جديد للامويين خصوم بني هاشم ~~القدامى معناه تقديم المنافس للهاشميين في # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 337، ثم تولية الخليفة الأول معاوية بن أبي سفيان ~~واقرب الولاية من قبل الخليفة الثاني. (2) راجع مروج الذهب على هامش الجزء ~~الخامس من تاريخ ابن الأثير ص 135. (الشهيد). تاريخ الطبري 2: 578، طبعة ~~دار الكتب العلمية. # --- PageV01P093 [94] # زعيم اموي، وتطور المعارضة الفردية للبيت الهاشمي إلى معارضة بيت مستعد ~~للنزاع والمناقشة أكمل استعداد. ومن شأن هذه المعارضة أنها تطول وتتسع ~~لأنها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير، ونستطيع أن نفهم من هذا أن سياسة ~~الصديق وعمر هي التي وضعت الحجر الأساسي لملك بني امية حتى يضمنا بذلك ~~المنافس لعلي وآل 42 علي على طول الخط (1). (الثالثة) عزل الخليفة لخالد بن ~~سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا ~~لشئ إلا لأن عمر نبهه إلى نزعته الهاشمية وميله إلى آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وذكره بموقفه تجاههم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (2). ولو كنا نريد التوسع في دراسة هذه الناحية لعطفنا على هذه ~~الشواهد قصة الشورى العمرية (3) التي نزل فيها عمر (رضي الله تعالى عنه) ~~بعلي عليه السلام إلى صف أشخاص خمسة لا يكافئون عليا في شي من معانيه ~~المحمدية، وقد كان الزبير وهو أحد الخمسة يرى يوم توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن الخلافة حق شرعي لعلي، فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الرأي من ~~عقله وأعده للمنافسة بعد حين، إذ جعله أحد الستة الذين فيهم علي. # --- # (1) وهذا هو السر السياسي الذي غفل عنه الباحثون في قصة الشورى. وقد جاء ~~عن عمر أنه هدد الستة الذين وأوكل إليهم الأمر بمعاوية، وتنبألهم بأنه ~~سيملك الأمر... راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 62، وهذا إن دل ~~على فراسته، فهو على لون ms057 سياسته أدل. (الشهيد) (2) شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 1: 135. (الشهيد) (3) راجع في قصة الستة الشورى - تاريخ الطبري ~~2: 580 - 581. # --- PageV01P094 [95] # وإذن فقد كانت الفئة الحاكمة تحال أن تساوي بين بني هاشم وسائر الناس ~~وترتفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الاختصاص بهم لتنتزع بذلك ~~الفكرة التي كانت تزود الشهاشميين بطاقة على المعارضة. ولئن اطمأن الحاكمون ~~إلى أن عليا لا يثور عليهم في تلك الساعة الحرجة على الأسلام، فهم لا ~~يأمنون من انتفاضه بعد ذلك في كل حين، ومن الطبيعي حينئذ أن يسارعوا إلى ~~الأجهاز على كلتا قوتيه المادية والمعنو ية ما دامت الهدنة قائمة قبل أن ~~يسبقهم إلى حرب أكول. ومن المعقول بعد هذا أن يقف الخليفة موقفه التاريخي ~~المعروف من الزهراء في قضية فدك، فهو موقف تلاقى فيه الغرضان وتركز على ~~الخطين الأساسيين لسياسته، لأن الدواعي التي بعثته إلى انتزاع فدك كانت ~~تدعوه إلى الاستمرار على تلك الخطة ليسلب بذلك من خصمه الثروة التي كانت ~~سلاحا قويا في عرف الحاكمين يو مذاك، ويعزز بها سلطانه، وإلا فما الذي كان ~~يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته الوعد القاطع بأن تصرف منتوجاتها ~~في سبيل لخير ووجوه المصلحة العامة ؟ ! (1) إلا أنه خاف منها أن تفسر وعدها ~~بما يتفق مع صرفها لغلات فدك في المجالات السياسية. وما الذي صده عن إرضاء ~~فاطمة بالتنازل لها عن حصته ونصيب ا لصحابة إذا صح أن فدك ملك للمسلمين سوى ~~أنه أراد أن يقوي بها خلافته ؟ وأيضا فإننا إذا عرفنا أن الزهراء كانت سندا ~~قويا لقرينها في دعوته إلى نفسه، ودليلا يحتج به أنصار الأمام على أحقيته ~~بالأمر، نستوضح أن الخليفة # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 4: 80 (الشهيد) طبعة قديمة. # --- PageV01P095 [96] # كان موفقا كل التوفيق في موقفه تجاه دعوى الزهراء للنحلة، وجاريا على ~~المنهج السياسي الذي كان يفرضه عليه الظرف الدقيق، إذ اغتنم الفرصة ~~المناسبة لأفهام المسلمين بصورة لبقة، وعلى اسلو ب غير مباشر بأن فاطمة ~~امرأة من النساء ولا يصح أن تؤخذ آراؤها ودعاويها ms058 دليلا في مسألة بسيطة ~~كفدك فضلا عن موضوع كالخلافة، وأنها إذا كانت 43 تطلب أرضا ليس لها بحق فمن ~~الممكن أن تطلب (1) لقرينها المملكة الأسلامية كلها وليس له فيها حق. ونخرج ~~من البحث بنتيجة وهي أن تأميم الصديق لفدك يمكن تفسيره: 1 - بأن الظرف ~~الاقتصادي دعى إلى ذلك. 2 - بأن أبا بكر خشي أن يصرف علي ثروة قرينته في ~~سبيل التوصل إلى السلطان. وإن موقفه من دعاوى الزهراء بعد ذلك واستبساله في ~~رفضها قد يكون مرده إلى هذين السببين: 1 - إلى مشاعر عاطفية كانت تنطوي ~~عليها نفس الخليفة رضى عنه الله عرضنا لجملة من أسبابها فيما سبق. 2 - وحدة ~~سياسية عامة بنى عليها الصديق سيرته مع الهاشميين وقد تبيناها من ظواهر ~~الحكم يومئذ. # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 284، الطبعة المحققة / أبو ~~الفضل إبراهيم، وفيه جواب مدرس المدرسة الغربية علي بن الفاوقي بهذا المعنى ~~عندما سأله ابن أبي الحديد... وقد عقب عليه بأنه كلام صحيح. # --- PageV01P096 [97] # (الأمام علي عليه السلام خصائصه وموقفه من الخلافة) لعل أعظم رقم قياسي ~~ضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام للتضحية في سبيل الأسلام والأخلاص ~~للمبدأ إخلاصا جرده عن جميع الاعتبارات الشخصية وأقام منه حقيقة سامية سمو ~~المبدأ ما بقي للمبد أحياة هو الرقم الذي سجله بموقفه (1) من خلافة الشورى ~~وقدم بذلك في نفسه مثلا أعلى للتفاني في المبدأ الذي صار شيئا من طبيعته. ~~إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تمكن من محو ضلال الوثنية، ~~فقد استطاع أن يجعل من علي بما أفاض عليه من حقائق نفسه عينا ساهرة على ~~القضية الألهية، فنامت فيه الحياة الأنسانية بأهوائها ومشاعرها وصار يحيا ~~بحياة المبدأ والعقيدة (2). # --- # (1) لاحظ موقفه من محاولة أبي سفيان، ودعوته إلى مجابهة مسلحة تسيل فيها ~~الدماء، مع الخلافة، التي انبثقت عن ا لشورى، فقد ذكر الطبري في تاريخه 2: ~~237 حدثت عن هشام، قال: حدثني عوانه، قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي ~~بكر، أقبل أبو سفيان، وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا ms059 يطفئها إلا دم ؟ ~~يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من اموركم !... وقال: أبا حسن ابسط يديك ابايعك ~~فأبى علي، فجعل يتمثل بأبيات... قال الراوي: فزجره علي وقال: إنك والله ما ~~أدرت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الأسلام شرا ! (2) قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوص يوم القيامة)، راجع في إخراج هذا الحديث: تاريخ بغداد / ~~الخطيب البغدادي 14: 321، تفسير الفخر الرازي 1: 111، المناقب / الخوارزمي: ~~77، المعجم الصغير / الطبراني 1: 255. (الشهيد) وفي حديث آخر: (رحم الله ~~عليا: اللهم أدر الحق معه حيثما دار). راجع: التاج الجامع للاصول / الشيخ ~~منصور علي ناصف 3: 337 قال: أخرجه الترمذي، مستدرك الحاكم 3: 125 (الشهيد)، ~~كنز العمال 6: 175، جامع الترمذي 2: 213. (الشهيد) # --- PageV01P097 [98] # وإن كان للتضحية الأنسانية الفاضلة كتاب فاعمال علي عنوان ذلك الكتاب ~~المشع بأضواء الخلود (1). وإن كان لمبادئ السماء التي جاء بها محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم تعبير عملي على وجه الأرض فعلي هو تعبيرها الحي على ~~مدى الدهور والأجيال. وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف في ~~امته عليا والقرآن (2) فإنما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيرا لمعاني علي ~~العظيم، ولتكون معاني علي انموذجا لمثل القرآن الكريم. وإن كان الله تعالى ~~قد جعل عليا نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة (3) ~~فلأجل أن يفهم المسلمون أنه امتداد طبيعي لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وشعاع متألق من روحه العظيمة. وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~خرج من مكة مهاجرا خائفا على نفسه وخلف # --- # (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لضربة علي يوم الخندق خير ~~من عبا دة الثقلين، أو قال: لمبارزة علي لعمرو أفضل من أعمال امتي إلى يوم ~~القيامة). راجع: السمتدرك / الحاكم 3: 32. (الشهيد) نشر دار المعرفة - ~~بيروت. (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين ~~أو الخليفتين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي، وإنهما ~~لن ms060 يفترقا حتى يردا علي الحوض). راجع صحيح مسلم 4: 1874، صحيح الترمذي 1: ~~130، سنن الدارمي 2: 432، مسند الأمام أحمد 4: 217، المستدرك 3: 119. (3) ~~آية المباهلة، راجع تفسير الفخر الرازي / سورة آل عمران: 261، الصواعق ~~المحرقة: 143، أسباب النزول / الواحدي: 67 دار الكتب العلمية - بيروت. # --- PageV01P098 [99] # عليا على فراشه (1) ليموت بدلا عنه، فمعنى ذلك أن المبدأ المقدس هو الذي ~~كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما، وإذا كان لا بد للقضية الألهية من شخص ~~تظهر به وآخر يموت في سبيلها، فيلزم أن يبقى رجلها الأول لتحيابه، ويقدم ~~رجلها الثاني نفسه قربانا لتحيابه أيضا. وإن كان علي هو الذي أباحت له ~~السماء خاصة النوم في المسجد والدخول فيه جنبا (2) فمفهوم هذا الاختصاص أن ~~في معانيه معنى المسجد لأن المسجد رمز السماء الصامت في دنيا المادة وعلي ~~هو الرمز الألهي الحي في دنيا الروح والعقيدة. وإن كانت السماء قد امتدحت ~~فتوة علي وأعلنت عن رضاها عليه إذ قال المنادي: لا سيف إلا ذو الفقار ولا ~~فتى إلا علي (3)، فإنها عنت بذلك أن فتوة علي وحدها هي الرجولة الكاملة ~~التي لا يرتفع إلى مداها إنسان ولا ترقى إلى افقها بطولة الأبطال وإخلاص ~~المخلصين. ومن مهزلة الأقدار أن هذه الفتوة التي قدسها الهاتف الألهي كانت ~~عيبا في رأى مشايخ السقيفة (4) ونقصا في علي يؤاخذ عليه وينزل به عن # --- # (1) راجع تفسير الرازي 5: 204، نشر دار الكتب العلمية - طهران، سيرة ابن ~~هشام 2: 95، مطبعة الحجازي / ط 10، تذكرة سبط ابن الجوزي: 34. (2) راجع ~~مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 369، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2: ~~451، وتذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: 41، والصواعق المحرقة / ابن حجر: ~~123، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 172 قال: أخرجه البزار عن سعد. (الشهيد) (3) ~~راجع: تاريخ الطبري 2: 65، دار الكتب العلمية - بيروت (الشهيد). وابن هشام ~~في سيرته، وابن أبي الحديد في شرح النهج. (الشهيد) (4) راجع شرح نهج ~~البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 45، وفيها: محاورة بين الخليفة الثاني عمر ~~وابن عباس، قال الخليفة عمر: (يا ابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا ~~أنهم استصغروه... قا ل ابن عباس: فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره ms061 أن ~~يأخذه سورة براءة من أبي بكر...). وفي ص 12 من شرح النهج: قول أبي عبيدة: ~~(يا آبا الحسن إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك). # --- PageV01P099 [100] # الصديق الذي لم يكن يمتاز عليه إلا بسنين قضاها كافرا مشركا. وأنا لا ~~أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلية والأسلام في حياة شخص واحد مجدا يمتاز ~~به عمن خلصت حياته كلها لله (1). ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوم ~~الطبيعية التي تجعل الاجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معين، فلقد ~~ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثلها ولكنها ليست من حقائق الفيزياء، بل ~~من قوى السماء وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للأسلام حفظت له مقامه ~~الأعلى ما دام الأمام حيا، ومحورا تدور عليه الحياة الأسلامية لتستمد منه ~~روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء أنكان على رأس ا لحكم أو لا. وقد ~~علمت هذه القوة عملها السحري في عمر نفسه، فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مرا ~~را حتى قال: لولا علي لهلك عمر (2)، وظهر تأثيرها الجبار في التفاف ~~المسلمين حوله في اليوم الذي اسندت فيه مقدرات الخلافة إلى عامة المسلمين، ~~ذلك الالتفاف الفذ (3) الذي يقل مثيله في تاريخ الشعوب. ونعرف من هذا أن ~~عليا بما جهزته السماء به من تلك القوة، كان # --- # (1) راجع الصواعق المحرقة: 120. (2) راجع: الطبقات الكبرى / ابن سعد 2: ~~339، الصواعق المحرقة: 127. (3) تاريخ الطبري 2: 696 وما بعدها. # --- PageV01P100 [101] # ضرورة من ضرورات الأسلام (1) التي لا بد منها وشمسا يدور عليها الفلك ~~الأسلامي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب طبيعته التي لا يمكن أن ~~تقاوم حتى التجأ الفاروق إلى مسيرتها كما عرفت. ويتجلي لدينا أيضا أن ~~الانقلاب الفجائي في السياسة الحاكمة لم يكن ممكنا يومئذ لأنه - مع كونه ~~طفرة - يناقض تلك القوة الطبيعية المركزة في شخصية الأمام، فكان من الطبيعي ~~أن تسير السياسة ا لحاكمة في خط منحن حتى تبلغ النقطة التي وصل إليها الحكم ~~الاموي، تفاديا من تأثير تلك القوة الساهرة على الاعتدال والانتظام كما ~~ينحني السائق بسيارته عندما ينحرف بها إلى نقطة ms062 معاكسة تحذرا من القوة ~~الطبيعية التي تفرض الا عتدال في السير. وهذا الفصل الرائع من عظمة الأمام ~~يستحق دراسة وافية مستقلة قد نقوم بها في بعض الفرص لنكشف بها عن شخصية علي ~~المعارض للحكم والساهر على قضية الأسلام والموفق بين حماية القوة الحاكمة ~~من الانحراف وبين معارضتها في نفس الوقت. وإن كانت مواقف الأمام كلها ~~رائعة، فموقفه من الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أكثرها ~~روعة (2). وإن كانت العقيدة الألهية تريد في كل زمان بطلا يفتديها بنفسه، فهي # --- # (1) وعلى ضوء ما بيناه نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: ~~لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. وقوله له عندما تهيأ للخروج إلى غزوة ~~تبوك: لا بد أن اقيم أو تقيم. راجع: سمند الأمام أحمد 1: 331، ذخائر ~~العقبى: 87 46، الخصائص / النسائي: 80 - 81. (الشهيد)، صحيح الترمذي 5: 596 ~~مطبعة دار الفكر. (2) سيأتي بيان هذه النقطة في الفصل الأخير. # --- PageV01P101 [102] # تريد أيضا بطلا يتقبل القران ويعزز به المبدأ، وهذا هوى الذي بعث بعلي ~~إلى فراش الموت (1) وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة النجاة يوم ~~الهجرة الأغر كما أشرنا إليه قريبا، ولم يكن ليتهيأ للأمام في محنته بعد ~~وفاة أخيه أن يقدم لها كلا البطلين، لأنه ضحى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة ~~إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه، وولدا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طفلان لا يتهيأ لهما من الأمر ما يريد. ~~وقف علي عند مفترق طريقين كل منهما حرج وكل منهما شديد عليخ نفسه: - ~~(أحدهما) أن يعلن الثورة المسلحة على خلافة أبي بكر. (والاخر) أن يسكت وفي ~~العين قذى، وفي الحلق شجا، ولكن ماذا كان يترقب للثورة من نتائج ؟ هذا ما ~~نريد أن نتبينه على ضوء الظروف التاريخية لتلك الساعة العصيبة. إن الحاكمين ~~لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدة في ~~أمر الخلافة. ومعنى هذا أنهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد، ومن ~~المعقول ms063 جدا حينئذ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حربا اخرى في سبيل ~~أهوائه السياسية، لأننا نعلم أنه هدد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه ~~البيعة وقال: (لا والله حتى # --- # (1) راجع الرازي في التفسير الكبير / 5: 204 في افتداء الأمام علي عليه ~~السلام النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم هجرته المباركة وانجاء ~~الرسول من الموت، وفيه نزلت الاية المباركة: (ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضاة الله) البقرة / 207. # --- PageV01P102 [103] # أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان رمحي وأضرب بسيفي واقاتلكم بأهل بيتي ~~ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الأنس والجن ما بايعتكم) (1). وأكبر الظن أنه ~~تهيب الأقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أول شاهر للسيف ضد الخلافة ~~القائمة، وإنما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة إعلان الحرب، وأخذ ~~يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف، فكان حريا به أن تثور حماسته ~~ويزول تهيبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتا قويا يجهر بالثورة ~~فيعيدها جذعة ويحاول إجلاء المهاجرين من المدينة بالسيف (2) كما أعلن ذلك ~~المتكلم عن لسانه في مجلس السقيفة. ولا ننسى بعد ذلك الامويين وتكتلهم ~~السياسي في سبيل الجاه والسلطان، وما كان لهم من نفوذ في مكة في سنواتها ~~الجاهلية الأخيرة، فقد كان أبو سفيان زعيمها في مقاومة الأسلام والحكومة ~~النبوية، وكان عتاب ابن اسيد بن أبي العاص بن امية أميرها المطاع في تلك ~~الساعة. وإذا تأملنا ما جاء في تاريخ تلك الأيام (3) من أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما توفي ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن اسيد ~~بن أبي العاص بن امية استخفى عتاب وارتجت المدينة وكاد أهلها يرتدون، فقد ~~لا نقتنع بما يعلل به رجوعهم عن الارتداد من العقيدة والأيمان. كما أني لا ~~اؤمن بأن # --- # (1) راجع تاريخ الطبري 2: 244. 47 (2) تاريخ الطبري 2: 243، قصة السقيفة، ~~قول الحباب بن المنذر: (أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة....). (3) الكامل ~~في التاريخ / ابن الأثير 3: 123 وصل خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم وكان عتاب ms064 بن اسيد ابن أبي العاص بن امية أميرا على مكة. # --- PageV01P103 [104] # مرد ذلك التراجع إلى أنهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل ~~المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين، لأن خلافة أبي بكر كانت في اليوم الذي ~~توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكبر الظن أن خبر الخلافة ~~جاءهم مع خبر الوفاة، بل تعليل القضية في رأيي أن الأمير الاموي عتاب بن ~~اسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الذي اتخذته اسرته في تلك الساعة، فاستخفى ~~وأشاع بذلك الاضطراب حتى إذا عرف ان أبا سفيان قد رضي بعد سخط وانتهى مع ~~الحاكمين إلى نتائج في صالح البيت الاموي (1) ظهر مرة اخرى للناس وأعاد ~~الامور إلى مجاريها. وعليه فالصلة السياسية بين رجالات الامويين كانت قائمة ~~في ذلك الحين. وهذا التقدير يفسر لنا القوة التي تكمن وراء أقوال أبي سفيان ~~حينما كان ساخطا على أبي بكر وأصحابه، إذ قالك إني لأرى عجاجة لا يطفيها ~~إلا الدم، وقال عن علي والعباس: أما والذي نفسي بيده لأرفعن لهما من ~~أعضادهما (2). فالامويون قد كانوا متأهبين للثورة والانقلاب، وقد عرف علي ~~منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعم المعارضة ولكنه عرف أنهم ليسوا ~~من الناس الذين يعتمد على تأييدهم، وإنما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن ~~طريقه، فرفض طلبهم، وكان من المنتظر حينئذ أن يشقوا عصا الطاعة إا رأوا ~~الأحزاب المسلحة تتناحر، ولم يطمئنوا إلى قدرة الحاكمين على ضما ن مصالحهم، ~~ومعنى انشقاقهم حينئذ إظهارهم للخروج عن الدين وفصل مكة عن المدينة. # --- # (1) راجع تاريخ الطبري / 2: 237، هدأت ثائرة أبي سفيان بعد أن ولى ~~الخليفة الأول ابنه معاوية... فقال: وصلته رحم. (2) تاريخ الطبري 2: 237. # --- PageV01P104 [105] # وإذن فقد كانت الثورة العلوية في تلك الظروف إعلانا لمعارضة دموية تتبعها ~~معار ضات دموية ذات أهواء شتى، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ~~ثم المنافقون. ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعلي بأن يرفع صوته وحده في وجه ~~الحكم القائم، بل لتناحرت ثورات شتى، وتقاتلت مذاهب متعددة الأهداف ~~والأغراض، ويضيع بذلك ms065 الكيان الأسلامي في اللحظة الحرجة التي يجب أن يلتف ~~فيها المسلمون حول قيادة موحدة، ويركزوا قواهم لصد ما كان يترقب أن تتمخض ~~عنه الظروف الدقيقة من فتن وثورات. إن عليا الذي كان على أتم استعداد ~~لتقديم نفسه قربانا للمبدأ في جميع أدوار حياته (1) منذ أن ولد في البيت ~~الألهي وإلى أن قتل فيه، قد ضحى بمقامه الطبيعي ومنصبه الألهي فهي سبيل ~~المصالح العليا التي جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيا عليها ~~وحارسا لها. ولفقدت بذلك الرسالة المحمدية الكبرى بعض معناها، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أمره ربه بتبليغ دعوته والأنذار برسالته ~~جمع بني عبد المطلب وأعلن عن نبوته بقوله: (إني والله ما أعلم شابا في ~~العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به). وعن إمامة أخيه بقوله: (إن هذا أخي ~~ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) (2) ومعنى ذلك أن إمامة علي تكملة ~~طبيعية لنبوة # --- # (1) راجع مختصر تاريخ ابن عساكر / ابن منظور 17: 356 وما بعدها، الخصائص ~~/ النسا ئي، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي وغيرهم كثير، ينقلون لك مواقف ~~ابن أبي طالب منذ الأيام الاولى للرسالة إلى أن توفاه الله تعالى شهيدا في ~~المحراب. (2) تاريخ الطبري 3: 218 - 219، المطبعة الحسينية بمصر - الطبعة ~~الاولى / 1903، تفسير الخازن 3: 371، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد - ~~الطبعة القديمة. (الشهيد) # --- PageV01P105 [106] # محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الرسالة السماوية قد أعلنت عن نبوة ~~محمد الكبير صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة محمد الصغير في وقت واحد. إن ~~عليا الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى الأسلاام معه - ~~فكانا ولديه العزيزين - كان يشعر بإخوته لهذا الأسلام. وقد دفعه هذا الشعور ~~إلى افتداء أخيه بكل شئ حتى أنژ اشترك في حروب الردة التي أعلنها المسلمون ~~يو مذاك (1)، ولم يمنعه تزعم غيره لها عن القيام بالواجب المقدس، لأن أبا ~~بكر إن كان قد ابتزه حقه ونهب تراثه، فالاسلام قد رفعه إلى القمة وعرف له ~~أخوته الصادقة وسجلها بأحرف من نور على صفحات ms066 الكتاب الكريم. وصمد الأمام ~~على ترك الثورة ولكن ماذا يفعل ؟ وأي اسلوب يتخذه لموقفه ؟ هل يحتج على ~~الفئة الحاكمة بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلماته التي أعلنت أن ~~عليا هو القطب المعد لأن يدور عليه الفلك الأسلامي والزعيم الذي قدمته ~~السماء إلى أهل الأرض (2) ؟ ؟ تردد هذا السؤال في نفسه كثيرا ثم وضع له ~~الجواب الذي تعينه ظروف محنته وتلزمه به طبيعة الأوضاع القائمة، فسكت عن ~~النص إلى حين. (مسألة عدم الاحتجاج بالنص) ونحن نتبين من الصورة المشوشة ~~التي عرفناها عن تلك الظروف والأوضاع # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 4: 165. (الشهيد) (2) كما هو نص ~~حديث الغدير المتواتر ونصوص اخرى تؤكد أن عليا هو ولي المؤمنين بعد النبي. ~~راجع: التاج الجامع للاصول 3: 335، وأخرجه ابن ماجة في سننه - المقدمة 1: ~~11، مسند الأمام أحد 4: 281، الصواعق المحرمة: 122، مكتبة القاهرة، ط 2 / 1965. # --- PageV01P106 [107] # أن الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها ~~المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب ~~الحاكم إلى الدرجة العالية، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة ~~له، لأن أكثر النصوص # --- # (1) التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخلافة لم ~~يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص ~~إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم إلى سائر ~~الناس في دنيا الاسلام يومئذ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ~~ولو احتج الأمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه وأقام منها دليلا على دإمامته وخلافته كان ~~الصدى الطبيعي لذلك أن يكذب الحزب الحاكم صديق الامة (2) في دعواه وينكر ~~تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين. ~~وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به في قبال ذلك الأنكار، لأن كثيرا من ~~قريش وفي مقدمتهم الامويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك، وهم ~~يرون في تقديم الخليفة على أساس من ms067 النص النبوي تسجيلا لمذهب الأمامة ~~الألهية. ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم # --- # (1) النصوص التي صدرت عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بحق ~~الأمام علي عليه السلام في الخلافة والأمامة والولاية لا تحصى كثرة، راجع ~~على سبيل المثال: كتاب الغدير / العلامة الأ ميني، مختصر تاريخ ابن عساكر ~~17: 356 وما بعدها، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم 3: 333 وما بعدها، الصواعق المحرقة: 122 قال: روى حديث الغدير ~~ثلاثون صحابيا. (2) راجع: الصواعق المحرقة: قال أمير المؤمنين: (أنا الصديق ~~الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب). # --- PageV01P107 [108] # الأسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الأكرمين وخروج ~~غيرهم من المعركة خاسرا. وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن ~~عباس معللا إقصاء علي عن الأمر: (إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة ~~والنبوة) * (1) فقد يدلنا هذا على أن إسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر ~~كان معناه في الذهنية العامة حصر الخلافة في الهاشميين، وليس لذلك تفسير ~~أولي من أن المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل ~~ثابت للخلافة يستمد شرعيته من نصوص السماء لا من انتخاب المنتخبين. فعلي إن ~~وجد نصيرا من علية قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين، فإنه لا يجد منهم عضدا ~~في مسألة النص إذا تقدم إلى الناس يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد سجل الخلافة لأهل بيته حين قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، ~~وعترتي أهل بيتي الخ (2). وأما الأنصار فقد سبقوا جميع المسلمين إلى ~~الاستخفاف بتلك النصوص، والاستهانة بها، إذ حدت بهم الشراهة إلى الحكم إلى ~~عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة ليصفقوا على يد واحد (3) منهم. فلن يجد علي ~~فيهم إذا استدل بالنصوص النبوية جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها، لأنهم ~~إذا شهدوا على ذلك يسجلون على أنفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما ~~يأبونه على أنفسهم بطبيعة الحال. # --- # (1) راجع: تاريخ ابن الأثير 3: 24. (الشهيد)، تاريخ الطبري 2: 577، ~~محاورة الخليفة عمر مع ms068 ابن عباس. (2) راجع الرواية في صحيح مسلم 4: 1874، ~~مسند الأمام أحمد 4: 281 طبعة دار صادر. (3) راجع تاريخ الطبري 2: 242 في ~~اتفاقهم على سعد بن عيادة. # --- PageV01P108 [109] # وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال: لا نبايع إلا عليا (1) ~~مناقضة كتلك المناقضة، لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أن ~~مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم ~~إعلانه من سبيل. وأما اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم ~~يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنما كانوا يتذاكرون ويتشاورون، ولذا نرى ~~الحباب بن المنذر (2) يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه ~~بما جلجل به في ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح أنهم جمعوا لتأييد فكرة لم ~~يكن يؤمن بها إلا بعضهم. وإذن فقد كان الأمام يقدر أنه سوف يدفع الحزب ~~الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الأنكار إذا جاهر بها ولا يقف ~~إلى جانبه حينئذ صف ينتصر له في دعواه، لأن الناس بين من قادهم الهوى ~~السياسي إلى إنكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات، وبين من ~~يرى أن فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها ~~منازع. وإذا سجلت الجماعة الحاكمة وأنصارها إنكارا للنص واكتفى الباقون ~~بالسكوت في الأقل فمعنى هذا أن النص يفقد قيمته الواقعية وتضيع بذلك ~~مستمسكات الأمامة العلوية كلها ويومن ا لعالم الأسلامي الذي كان بعيدا عن ~~مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إنكار المنكرين لأنه منطق القوة ~~الغالب في ذلك الزمان. # --- # (1) تاريخ الطبري 2: 233. (2) المصدر نفسه 2: 243. # --- PageV01P109 [110] # لنلاحظ ناحية اخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه، وتشهد له ~~بالنصوص النبوية المقدسة، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة، كان معنى ذلك أن ~~ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها ~~إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس لكيانه السياسي إلى حد بعيد، ~~فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة. فمجاهرة علي بالنص ms069 كانت ~~تجره إلى المقابلة العملية، وقد عرفنا سابقا أنه لم يكن مستعدة لأعلان ~~الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال. ولم يكن ~~للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة احتياطاتها وأساليبها ~~الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية الأسلامية، لأنها تعرف حينئذ ~~أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة المعارضين في كل ~~حين. وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الامويون بعد أن احتج ~~الأمام بالنصوص في أيام خلافته (1)، واشتهرت بين شيعته، من خطرها لاستطاع ~~أن يقطعها من اصولها، ويقوم بما لم يقدر الامويون عليه من إطفاء نورها. ~~وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن ينتهجه من ~~اسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة # --- # (1) أشهد الأمام علي عليه السلام جماعة المسلمين على نص حديث الغدير في ~~زمن خلافته، راجع: البداية والنهاية / ابن كثير 7: 360، وقد أشهد علي جمعا ~~من الناس فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، الصواعق المحرقة: 122 قال: رواه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثلاثون صحابيا، وأن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن...). # --- PageV01P110 [111] # وسكت عنها على مضض، واستغفل بذلك خصومه، حتى إن عمر (رضي الله تعالى عنه) ~~نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي (1) صلى الله عليه وآله ~~وسلم. ثم ألم يكن من المعقول أن يخشى الأمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس - إذا ~~جاهر بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم ينس موقف الفاروق من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس ~~بعده أبدا، فقال عمر: (إن النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع) (2). وقد ~~اعترف فيما بعد لابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد ~~أن ms070 يعين عليا للخلافة وقد صده عن ذلك خوفا من الفتنة (3). وسواء أكان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يحرر حق علي في الخلافة أو لا، فإن ~~المهم أن نتأمل موقف عمر من طلبه، فهو إذا كان مستعدا لاتهام النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن 51 (4)، وضرورة ~~الأسلام، خوفا من الفتنة، فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما ~~تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة، وإنما استخلف عليا بوحي من عاطفته، بل ~~كان هذا أولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على النص أشد مما ~~كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~خلف نصت تحريريا # --- # (1) ذخائر العقبى: 67، والحديث يدلنا على أن الفاروق كان يميل أحيانا إلى ~~تغيير الطريقة التي سار عليها الحزب في بداية الأمر مع الهاشميين، غير أن ~~الطابع السياسي الأول غلب عليه أخيرا. (الشهيد)، مسند الأمام أحمد بن حنبل ~~4: 281. (2) راجع الرواية في صحيح البخاري 1: 37 باب كتابة العلم. (3) شرح ~~نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 97، طبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر. ~~(4) القرآن يقول: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم / 3 و4. # --- PageV01P111 [112] # بإمامة علي يعلمه الجميع. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر، فإن المفهوم أن ~~يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله. ونتيجة هذا البحث أن ~~سكوت أمير المؤمنين عن النص إلى حين، كان يفرضه عليه: 1 - إنه لم يكن يجد ~~في رجالات تلك الساعة من يطمئن إلى شهادته بذلك. 2 - إن الاعتراض بالنصوص ~~كان من الحري به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادية، فيستعملون شتى ~~الأساليب لخنقها. 3 - إن معنى الاعتراض بها التهيؤ للثورة بأوسع معانيها، ~~وهذا ما لم ms071 يكن يريده الأ مام. 4 - إن اتهام عمر للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في آخر ساعاته عرف عليا بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم، ومدى ~~استعدادهم لتأييدها والمدافعة عنها وجعله يخاف من تكرر شئ من ذلك فيما إذا ~~أعلن عن نصوص إمامته. (المواجهة السلمية) انتهى الأمام إلى قرار حاسم، وهو ~~ترك الثورة وعدم التسلح بالنصوص في وجه الحا كمين جهارا وعلانية إلا إذا ~~اطمأن إلى قدرته على تجنيد الرأي العام ضد أبي بكر وصاحبيه، وهذا ما أخذ ~~يحاوله علي في محنته آنذاك. # --- PageV01P112 [113] # فبدأ يطوف (1) سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة، يعظهم ويذ كرهم ~~ببراهين الحق وآياته، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في جهاده ~~السري، ولم يكن يقصد بذلك التطو اف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به لأننا ~~نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه، وحاول الالتفاف حوله وإنما ~~أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه. وهنا تجئ مسألة فدك لتحتل ~~الصدارة في السياسة العلوية الجديدة، فإن الدور الفاطمي الذي رسم هارون ~~النبوة خطوطه بإتقان، كان متفقا مع ذلك التطواف الليلي في فلسفته وجديرا ~~بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية ~~لا كما يقوض حكم مركز على القوة والعدة. وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن ~~تطالب الصديقة الصديق بما انتزعه منها من أموا ل، وتجعل هذه المطالبة وسيلة ~~للمناقشة في المسألة الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا ~~للحظة التي عدلوا فيها عن علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ ~~(2)، وأنهم بذلك أخطأوا وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم (3). # --- # (1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 13، الطبعة المحققة، أخرج ~~عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار ~~بها ليلا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصر ة، وتسألهم فاطمة الانتصار له). ~~(2) راجع: بلاغات النساء: 25: قالت في هذا المعنى من خطبة لها عليها ~~السلام: (وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، صارخا بكم، ms072 فوجدكم لدعائه مستجيبين، ~~وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافا... فوسمتم غير إبلكم). (3) جاء ~~في شرح البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 12: قال علي عليه السلام في محاورة مع ~~القوم: (يا معشر المهاجرين الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته ~~إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا ~~معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم..). (*) # --- PageV01P113 [114] # ولما اختمرت الفكرة في ذهن فاطمة اندفعت لتصحح أوضاع الساعة وتمسح عن ~~الحكم الأسلامي الذي وضعت قاعدته الاولى في السقيفة الوحل الذي تلطخ به، عن ~~طريق اتهام الخليفة الحاكم بالخيانة السافرة، والعبث بكرامة القانون، ~~واتهام نتائج المعركة الانتخابية التي خرج منها أبو بكر خليفة بمخالفة ا ~~لكتاب والصواب (1). وقد توفرت في المقابلة الفاطمية ناحيتان لا تتهيئان ~~للأمام فيما لو وقف موقف قرينته. (إحداهما) إن الزهراء أقدر منه بظروف ~~فجيعتها الخاصة ومكانتها من أبيها، على استثارة العواطف، وإيصال المسلمين ~~بسلك من كهرباء الروح بأبيها العظيم صلوات الله عليه وأيامه الغراء وتجنيد ~~مشاعرهم لقضايا أهل البيت. (والاخرى) إنها مهما تتخذ لمنازعتها من أشكال ~~فلن تكتسب لون الحرب المسلحة التي تتطلب زعيما يهيمن عليها ما دامت امرأة ~~وما دام هارون النبوة في بيته محتفظا بالهدنة التي أعلنها حتى تجتمع الناس ~~عليه ومراقبا للموقف ليتدخل فيه متى شاء، متزعما للثورة إذا بلغت حدها ~~الأعلى أو مهدثا للفتنة إذا لم يتهيأ له الظرف الذي يريده. فالحوراء # --- # (1) راجع الصواعق المحرقة: 36، طبعة مكتبة القاهرة، قال الخليفة الثاني: ~~(كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه...). # --- PageV01P114 [115] # بمقاومتها إما أن تحقق انتقاضا إجماعيا على الخليفة وإما أن لا تخرج عن ~~دائرة الجدال والنزاع ولا تجر إلى فتنة وانشقاق. وإذن فقد أراد الأمام ~~صلوات الله عليه أن يسمع الناس يومئذ صوته من فم الزهراء ويبقى هو بعيدا عن ~~ميدان المعركة ينتظر اللحظة المناسبة للاستفادة منها، والفرصة التي تجعل ~~منه رجل الموقف. وأراد أيضا أن يقدم لامة القرآن كلها في المقابلة الفاطمية ~~برهانا على بطلان الخلافة ms073 القائمة. وقد تم للأمام ما أر اد حيث عبرت ~~الزهراء صلوات الله عليها عن الحق العلوي تعبيرا واضحا فيه ألوان من الجمال ~~والنضال. وتتلخص المعارضة الفاطمية في عدة مظاهر: - (الأول) إرسالها لرسول # --- # (1) ينازع أبا بكر في مسائل الميراث ويطالب بحقوقها وهذه هي الخطوة ~~الاولى التي انتهجتها الزهراء صلوات الله عليها تمهيدا لمباشرتها للعمل ~~بنفسها. (الثاني) مواجهتها بنفسها له في اجتماع خاص (2) وقد أرادت بتلك ~~المقابلة أن تشتد في طلب حقوقها من الخمس وفدك وغير هما لتعرف مدى استعداد ~~الخليفة للمقاومة. ولا ضرورة في ترتيب خطوات المطالبة على اسلوب تتقدم فيه ~~دعوى النحلة على دعوى الميراث كما ذهب إلى ذلك أصحابنا، بل قد # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 218 - 219 عن أبي الطفيل قال: ~~(أرسلت فا طمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم ~~أهله ؟ قال: بل أهله...). (2) المصدر السابق 16: 230. # --- PageV01P115 [116] # يغلب على ظني تقدم المطالبة بالأرث، لأن الرواية تصرح بأن رسول الزهراء ~~إنما كان يطالب بالميراث، والأقرب في شأن هذه الرسالة أن تكون اولى الخطوات ~~كما يقضي به التدرج الطبيعي للمنازعة، وأ يضا فإن دعوى الأرث أقرب الطريقين ~~إلى استخلاص الحق لثبوت التوارث (1) في التشرى الأسلامي بالضرورة فلا جناح ~~على الزهراء في أن تطلب ابتداء ميراثها من أبيها الذي يشمل في معتقد ~~الخليفة لعدم اطلاعه على النحلة (2) وليس في هذه المطالبة مناقضة لدعوى ~~نحلة فدك إطلاقا، لأن المطالبة بالميراث لم تتجه إلى فدك خاصة وإنما تعلقت ~~بتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة. (الثالث) خطبتها في المسجد بعد ~~عشرة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في شرح النهج (3) ~~لابن أبي الحديد. (الرابع) حديثها مع أبي بكر وعمر حينما زاراها بقصد ~~الاعتذار منها وإعلانها غضبها عليهما وأنهما أغضبا الله ورسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك (4). # --- # (1) ثبوت التوارث في التشريع الأسلامي من ضروريات الأسلام للنصوص الصريحة ~~القطعية، منها (للرجال نصيب مما ترك الولدان والأقربون وللنساء نصيب) ~~النساء / 7 وقال تعالى: ms074 (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين...). النساء / 11. (2) ادعى الخليفة الأول عدم اطلاعه على النحلة ~~- شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 225. (3) شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 16: 211 أخرج عن جماعة قال: (قالوا: لما بلغ فاطمة عليها السلام ~~إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها وأقلبت في لمة من حفدتها ونساء ~~قومها... حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار...). ~~(4) راجع: الأمامة والسياسة / ابن قتيبة: 14. (الشهيد)، شرح نهج البلاغة / ~~ابن أبي الحديد 16: 281، 264. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~(فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) صحيح البخاري 5: 83 باب 43 - فضائل ~~الصحابة، أعلام النساء 4: 123. (الشهيد) # --- PageV01P116 [117] # (الخامس) خطابها الذي ألقته على نساء المهاجرين والأنصار حين اجتماعهن ~~عندها (1). (السادس) وصيتها بأن لا يحضر تجهيزها ودفنها (2) أحد من خصومها ~~وكانت هذه الوصية الأعلان الأخير من الزهراء عن نقمتها على الخلافة ~~القائمة. وقد فشلت الحركة الفاطمية بمعنى ونجحت بمعنى آخر. فشلت لأنها لم ~~تطوح بحكومة الخليفة رضى عنه الله في زحفها الأخير الخطير الذي قا مت به في ~~اليوم العاشر من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا نستطيع أن نتبين ~~الامور التي جعلت الزهراء تخسر المعركة، غير أن الأمر الذي لا ريب فيه أن ~~شخصية الخليفة رضى عنه الله من أهم الأسباب التي أدت إلى فشلها، لأنه من ~~أصحاب الموا هب السياسية، وقد عالج الموقف بلباقة ملحوظة نجد لها مثالا ~~فيما أجاب به الزهراء من كلام وجهه إلى الأنصار من خطاب بعد انتهائها من ~~خطبتها في المسجد. فبينما هو يذوب رقة في جوابه للزهراء وإذا به يطوي نفسه ~~على نار متأججة تندلع بعد خروج فاطمة من المسجد، في أكبر الظن، فيقول: ما ~~هذه الرعة إلى كل قالة إنما هو ثعالة شهيده ذنبه (3) - وقد نقلنا الخطاب ~~كاملا فيما سبق - فإن هذا الانقلاب من اللين والهدوء إلى الغضب الفائر ~~يدلنا على مقدار ما ا وتي من # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 233. (2) المصدر السابق 6: ~~281، حلية الأولياء 2: 42. مستدرك ms075 الحاكم 3: 178 طبعة دار الكتب العلمية. ~~(3) راجع الخطبة في شرح نهج البلاغة 16: 214 - 215. # --- PageV01P117 [118] # سيطرة على مشاعره وقدرته على مسايرة الظرف وتمثيل الدور المناسب في كل ~~حين. ونجحت معارضة الزهراء لأنها جهزت الحق بقوة قاهرة، وأضافت إلى طاقته ~~على الخلود في ميدان النضال المذهبي طاقة جديدة. وقد سجلت هذا النجاح في ~~حركتها كلها وفي محاورتها مع الصد يق والفاروق عند زيارتهما لها بصورة خاصة ~~إذ قالت لهما: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ فقالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من ~~سخطي، فمن أحب فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة ~~فقد أسخطني) (1) قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قالت: (فإني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما عنده) (2). # --- # (1) صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبائر متعدده بهذا المعنى ~~فقد جاء عنه في الصحيح أنه قال لفاطمة (رضي الله عنها): (إن الله يغضب ~~لغضبك، ويرضى لرضاك..) وقال: (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما ~~آذاها).. راجع: صحيح البخاري 5: 83 باب 43 حديث رقم 232، صحيح مسلم 4: 1902 ~~حديث رقم 93 / 2449، مستدرك الحاكم 3: 167 حديث رقم 4730 / 328، دار الكتب ~~العلمية. (الشهيد)، ذخائر العقبى: 39، مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 328، ~~جامع الترمذي 5: 699، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الصواعق المحرقة / ~~ابن حجر: 190 - طبعة القاهرة، كفاية الطالب: 365، دار احياء تراث أهل البيت ~~- طهران. (2) تجد غضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر في صحيح البخاري 5: 5 ~~وصحيح مسلم 2: 72 ومسند الأمام أحمد 6: 1، تاريخ الطبري 2: 236، كفاية ~~الطالب: 266، سنن البيهقي 6: 300. (الشهيد) # --- PageV01P118 [119] # ويصور لنا هذا الحديث مدى اهتمامها بتركيز الاعتراض على خصميها ~~ومجاهرتهما بغضبها ونقمتها لتخرج من المنازعة بنتيجة لا نريد درسها ~~والانتهاء فيها إلى رأي معين لأن ذلك خارج عن دائر ة عنوان ms076 هذا البحث ~~ولأننا نجل الخليفة عن أن ندخل معه في مثل هذه المناشات وإنما نسجلها ~~لتوضيح أفكار الزهراء صلوات الله عليها ووجهة نظرها، فقط، فإنها كانت تعتقد ~~أن النتيجة التي حصلت عليها هي الفوز المؤكد في حساب العقيدة والدين وأعني ~~بها أن الصديق قد استحق غضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإغضابها، ~~وآذاهما بأذاها لأنهما يغضبان لغضبها و55 يسخطان لسخطها بنص الحديث النبوي ~~الصحيح، فلا يجوز أن يكون خليفة لله ورسوله. وقد قال الله تبارك وتعالى: ~~(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما) (1). (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (2). (والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم) (3). (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) (4). ~~(ومن يحل عليه غضبي فقد هوى) (5). # --- # (1) الأحزاب / 53. (2) الأحزاب / 57. (3) التوبة / 61. (4) الممتحنة / ~~13. (5) طه / 81. (*) # --- PageV01P119 [121] # الفصل الرابع قبسات من الكلام الفاطمي يوم جاءت إلى عدي وتيم * ومن الوجد ~~ما أطال بكاها تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها * (الازري) # --- PageV01P121 [123] # نقتبس هنا عدة عبائر من خطبة الزهراء عليها السلام لنعطيها حقها من ~~التحليل والتوضيح، ونفهمها كما هي في عالم الخلود، وكما هي في واقعها ~~الرائع، قالت: (عظمة الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم) (ثم قبضه إليه ~~قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه ~~الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك ~~الجبار). انظر إلى البليغة كيف تركت النعيم المادي كله، وملذو ذات الحس حين ~~أرادت أن تقرض فردوس أبيها، وجنته الخالدة، لأنها رأت في معاني أبيها ~~العظيم ما يرتفع على ذلك كله، وما قيمة اللذة المادية جنينية كانت أو ~~دنيوية في حساب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الروحي الذي لم يرتفع أحد ~~بالروح الأنسانية كما ارتفع بها، ولم يبلغ بها أحد سواه أوجها المحمدي (ولم ~~يغذها مصلح عداه بالعقيدة الألهية الكاملة التي ms077 هي غاية العقول في طيرانها ~~الكفري والشوط الأخير للطواف الأنساني حول الحقيقة المقدسة الذي يستقر عنده ~~الضمير وتطمئن إليه الروح) (1). # --- # (1) نقلنا هذه الجملة عن كتابنا - العقيدة الألهية في الأسلام. (الشهيد) (*) # --- PageV01P123 [124] # فهو إذن: المربي الاكبر للروح، والقائد الفريد الذي سجلت المعنويات ~~الروحية تحت رايته انتصارها الخالد على القوى المادية في معركتهما القائمة ~~منذ بدأ العقل حياته في وسط المادة. وما دام هو بطل المعركة الفاصلة بين ~~الروحية والمادية الذي ختمت برسالته رسالات السماء فلا غرو أن يكون محور ~~ذلك العالم الروحي الجبار، وهذا ما شاءت أن تقوله الزهراء حين قالت تصف ~~الفردوس المحمدي: فمحمد عن تعب هذه الدنيا في راحة، قد حف بالملائكة ~~الأبرار فهو القطب أبدا في الدنيا وا لاخرة، غير أنه في الاولى متعب لأنه ~~القطب الذي يجاهد ليقيم دروة الحياة الأنسانية عليه، على اسلوب خالد، وفي ~~الاخرى مرتاح لأنه المحور الذي يكهرب الحياة الملائكية بنوره، فتحف به ~~الملائكة لتقدم بين يديه آيات الحمد والثناء. وما دام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الطراز الأسمى فلتكن جنته على غراره ملؤها الترف المادي بل هي ~~في أوضح معانيها الترف المعنوي - إن صح التعبير - وأي ترف روحي أسمى من ~~مجاورة الملك الجبار والظفر برضوان الرب الغفار. وهكذا وصفت الزهراء جنة ~~أبيها في جملتين، فإذا به القطب المتصل بمبدأ النور والشمس التي تحيط بها ~~الملائكة في دنيا النور. (عظمة الأمام علي عليه السلام ومؤهلاته الشخصية) ~~وقالت: - (وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة # --- PageV01P124 [125] # العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتفتاتون الورق، أذلة خاسئين ~~تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان ~~العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن ~~للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ ~~صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه مكدو دا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله ms078 ~~قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد أولياء الله مشتمرا ناصحا ~~مجدا كادحا، وأنتم في رفاهية من العيس وادعون فاكهون آمنون) (1). ما أروعها ~~من مقارنة هذه التي عقدتها الزهراء بين أسمى طراز من الكفاءة العسكرية في ~~دنيا الأسلام يومئذ وبين رجولة مفطومة - إن صح التعبير - من ملكات البطل ~~ومقومات العسكري الموهوب. بين بسالة هتفت بآياتها السماء والأرض، وكتبت ~~بمداد الخلود في فهرس المثاليات الأنسانية، وشخصية اكتفت من الجهاد المقدس ~~بالوقوف في الخط الحربي الأخير - العريش - ويا ليتها اقتنعت بذلك عن الفرار ~~المحرم في عرف الأسلام، وفي عرف التضحية، وفي عرف المفاداة بالنفس لتوحيد ~~الحكومة السماوية على وجه الأرض. ولا نعرف في تاريخ الأنسانية موهبة عسكرية ~~بارعة لها من الاثار الخيرة في حياة هذا الكوكب كالموهبة العلوية الفذة في ~~تاريخ الأبطال، فإن مواقف الأمام (2) في سوح الجهاد وميادين النضال كانت ~~بحق هي الركيزة # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 250 - 251. (2) راجع تاريخ ~~الطبري 2: 25، 65 - 66. # --- PageV01P125 [126] # التي قامت عليها دنيا الأسلام، وصنغت له تاريخه الجبار. فعلي هو المسلم ~~الأول في اللحظة الاولى من تاريخ النبوة عندما لعلع الصوت الألهي من فم ~~محمد (1) صلى الله عليه وآله وسلم، ثم هو بعد ذلك الغيور الأول، والمدافع ~~الأول الذي أسندت إليه السماء تصفية الحساب (2) مع الأنسانية الكافرة. إن ~~فوز الأمام في هذه المقارنة يعني أن له حقا في الخلافة من ناحيتين: - ~~(إحداهما) إنه الشخص العسكري الفريد بين مسلمة ذلك اليوم الذي لم يكن قد ~~فصل فيه تماما المركز السياسي الأعلى عن المقامات العسكرية. (والاخرى) إن ~~جهاده الرائع يكشف عن إخلاط أروع لا يعرف الشك إليه سبيلا، وجذوة مضطرمة ~~بحرارة الأيمان لا يجد الخمود إليها طريقا. وهذه الجذوة المتقدة أبدا، وذلك ~~الأخلاص الفياض دائما هما الشرطان الأساسيان للزعيم لذي توكل إليه الامة ~~حراسة معنوياتها الغاية وحماية شرفها في التاريخ. (مقارنة بين مواقف الأمام ~~عليه السلام والاخرين) اقرأ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتاريخ ~~الجهاد النبوي، فسوف ترى أن عليا هو الذي # --- # (1) إشارة ms079 إلى إسلام علي عليه السلام ومؤازرته النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وا ستعداده غير المحدود للتضحية والفداء في سبيل الأسلام، راجع: ~~الصواعق المحرقة: 185، تاريخ الطبري 3: 218 - 219، حديث الدار المشهور ~~ذكرناه سابقا. (2) راجع رواية سعد بن أبي وقاص - صحيح الترمذي 8: 596. # --- PageV01P126 [127] # أدهش الأرض والسماء بمواساته * (1) وأن الصديق رضى عنه الله هو الذي ~~التجأ إلى مركز القيادة العليا الذي كان محاطا بعدة من أبطال الأنصار ~~لحمايته (2) حتى يطمئن بذلك عن غوائل الحرب. وهو الذي فر يوم احد (3) كما ~~فر الفاروق (4) ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت في ~~تلك الساعة الرهيبة التي قل فيها الناصر وتضعضعت راية السماء وبايع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على الشهادة ثمانية، ثلاثة من المهاجرين ~~وخمسة من الأنصار لم يكن هو واحدا منهم، كما صرح # --- # (1) أخرج الطبري في تاريخه 2: 65 - 66 طبعة دار الكتب العلمية - عن ابن ~~رافع: لما قتل علي ابن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ~~ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي، قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ~~ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك، فقال جبرئيل: يا رسول الله ان هذه ~~للمواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه مني وأنا منه، فقال ~~جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا ~~علي. ولنتأمل جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنلاحظ كيف أنه ارتفع ~~بعلي عن مفهوم المواساة الذي يقتضي بتعدد محمد وعلي إلى مفهوم الوحدة ~~والامتزاح فقال: إنه مني وأنا منه ولم يرض بأن يفصل الأمام عن شخصه لأنهما ~~وحدة لا تتجزأ ضربها الله مثلا أعلى تأتم بها الأنسانية ويهتدي على ضوئها ~~الأبطال والمصلحون في معارج السمو والارتقاء، وأنا لا أدري كيف حاول ~~الصحابة أو بعض الصحابة ms080 أن يفككوا عرى هذه الوحدة ويضعوا بين البطلين ~~أشخاصا ثلاثة كان من الجدير أن لا يفصلوا بهم بين محمد وبين من هو من محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. (الشهيد) (2) راجع عيون الأثر / ابن سيد الناس 1: ~~336، مؤسسة عز الدين - بيروت. (الشهيد) (3) كما يحدثنا بذلك التاريخ ~~الشيعي. (الشهيد) (4) وقد اعترف هو بذلك وذكره به رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم - سرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 389 - 390. (الشهيد) (*) # --- PageV01P127 [128] # بذلك أرباب التاريخ (1)، بل لم يرو له رواة المسلمين جميعا قتالا في ذلك ~~الموقف مهما يكن لونه (2). وإذن فلماذا وقف مع الثائبين إن كان لم يفر ؟ ~~ألم يكن القتال واجبا ما دام المدا فعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابلة ~~العدو الذي أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدة إصابات اضطرته إلى ~~الصلاة جالسا ؟ ! ولعلنا نعلم جميعا أن شخصا إذا كان في وسط الصراح ومعترك ~~الحرب فلن ينجو من الموت على يد عدوه إلا بالفرار، أو الدفاع بالاشتراك ~~عمليا في المعركة. والصديق إذا لم يكن قد فعل شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب ~~فمعنى هذا أن عدوا وقف أمام عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه، فهل أشفق ~~المشركون على أبي بكر، ولم يشفقوا على محمد وعلي والزبير وأبي دجانة وسهل ~~بن حنيف ؟ ! وليس لدي من تفسير معقول للموقف إلا أن يكون قد وقف إلى جوار ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسب بذلك موقفا هو في طبيعته أبعد نقاط ~~المعركة عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص في ا لجهاد يومئذ برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وليس هذا ببعيد لأننا عرفنا من ذوق الصديق أنه كان ~~يحب أن يكون إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب لأن مركز ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المركز المصون الذي تتوفر جميع القوى ~~الأسلامية على حراسته والذب عنه. # --- # (1) صرح بذلك الواقدي كما في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 338 ~~والمقريزي في الأمتاع: 132. (الشهيد) (2) اعترف بذلك ابن أبي ms081 الحديد: 3: 389. # --- PageV01P128 [129] # وخذ حياة الأمام علي عليه السلام وحياة الصديق وادرسهما، هفل تجد في حياة ~~الأول خمودا في الأخصلاص أو ضعفا في الاندفاع نحو التضحية أو ركونا إلى ~~الدعة والراحة في ساعة الحرب المقدسة ؟ فارجع البصر هل ترى من فطور (ثم ~~ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) (1) لأنه سوف يجد روعة ~~واستماتة في سبل الله لا تفوقها استماتة، وشخصا لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، فيه استعداد للخلود ما خلد محمد استاذه الأكبر لأنه نفسه ~~صلى الله عليه وآله وسلم (2). ثم حدثني عن حياة الصديق (رضي الله تعالى ~~عنه) أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل تجد فيها إلا تخاذلا ~~وضعفا في الحياة المبدئية، والحاية العسكرية، يظهر تارة في التجائه إلى ا ~~لعريش، واخرى في فراره يوم احد وهزيمته في غزوة حنين (3) وتلكثه عن الواجب ~~حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج تحت راية اسامة ~~للغزو (4)، مرة اخرى في هزيمته يوم خيبر حينما # --- # (1) الملك / 4. (2) استنادا إلى آية المباهلة، وهي قوله تعالى: (فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكفم ثم ~~نبتهل...) آل عمران / 61. راجع الرواية في صحيح مسلم 4: 1873، تفسير الكشاف ~~1: 369، دار الكتب العلمية، الخصائص / النسائي: 89، رواية تصرح أن عليا ~~عليه السلام كنفسه صلى الله عليه وآله وسلم. (3) كما في الحلبية 2: 126، إذ ~~حصر الثابتين بغيره، وأما فرار الفاروق في ذلك اليوم، فقد جاء ما يدل عليه ~~في صحيح البخاري 3: 67، دار المعرفة - بيروت. إذ روى بإسناده عمن شهد يوم ~~حنين أنه قال: وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في ~~الناس، فقلت له: ما شأن الناس ؟ قال: أمر الله. فإن هذا يوضح أن عمر كان من ~~بين المنهزمين. (4) فقد جاء في عدة من المصادر أن عمر وأبا بكر كانا فيمن ~~جنده النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحرب تحت راية اسامة، منها في السيرة ~~الحلبية ج 3، وراجع طبقات ابن سعد 2: 248 - 250. # --- PageV01P129 [130] # بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms082 لاحتلال الوكر اليهودي على رأس ~~جيش فرجع فارا ثم أرسل الفاروق (رضي الله تعالى عنه) وإذا به من طراز صاحبه ~~(1) حيث تبخرت في ذلك الموقف الرهيب حماسة عمر وبطولته الرائعة في أيام ~~السلم التي اعتز بها الأسلام يوم أسلم كما يقولون. ورجع عمر مع أصحابه ~~يجبنهم ويجبنونه (2) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني دافع ~~الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له ~~(3). يشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز ~~صريح بعليه العظيم الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (4). يا خليفتي ~~المسلمين - أو بعض المسلمين - رضي الله تعالى عنكما أهكذا كان نبيكما الذى ~~قمتما مقامه ؟ ألم تتلقيا عنه دروسه الفذة في الجهاد والمعاناة في سبيل ~~الله ؟ ألم يكن في صحبتكما له طوال عقدين حاجز # --- # (1) راجع مسند أحمد 5: 253، المستدرك / الحاكم 3: 27، كنز العمال 6: 394، ~~تاريخ الطبري 2: 136. (الشهيد) (2) هذا تصوير علوي رائع للقائد الفاشل ~~والجنود المتخاذلين وقد اطلع كل منهما على ضعف الاخر فأخذ يهول الموقف ليجد ~~له من ذلك عذرا في الفرار. (الشهيد) راجع تاريخ الطبري 2: 136.. (3) صحيح ~~البخاري 5: 18، مسند الأمام أحمد 5: 353، الترمذي 5: 596، صحيح مسلم 4: ~~1873. (4) وأكبر الظن ان الجيش الذي سار الأمام على رأسه لاحتمال المستعمرة ~~اليهودية هو والجيش الذي فر بالأمس، ونفهم ممن هذا مدى تأثير القائد على ~~جيشه وتكهرب الجيش بمشاعره فإن عليا استطاع أن يجعل من اولئك الجنود الذين ~~كانوا يجبنون الفاروق في الحملة السابقة أبطالا فتحين بما سكب في أرواحهم ~~من روحة العظيمة المتدفقة بالحماس والأخلاص. # --- PageV01P130 [131] # يحجز عن ذلك ؟ ألم تستمعا إلى القرآن الذي اسندت إليكما حراست والتوفر ~~على نشر مثله العليا في المعمورة وهو يقول: - (ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير) (1). وقد توافقني على أن مقام الصديق والفاروق رضى عنه الله في ~~الأسلام يرتفع بهما عن الفرار المحرم، فلا بد أنهما تأولا ووجدا عذرا في ~~فرار هما ونحن نعلم أن مجال الاجتهاد ms083 والتأويل عند الخليفة كان واسعا حتى ~~أنه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما متعمدا بأنه (اجتهد فأخطأ) (2). عذرتكما ~~إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت طالب ~~* فكيف يلذ الموت والموت مطلوب ولنعتذر إذا كان فيما قدمناه سبب للاعتذار ~~وقد اضطرنا إلى ذلك الوقوف عند المقارنة الفاطمية وما تستحقه من شرح ~~وتوضيح. (حزب السلطة الحاكمة) قالت: (تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون ~~الأخبار). # --- # (1) الأنفال / 16. (2) تاريخ الطبري 2: 273، قال الخليفة عمر بن الخطاب ~~لأبي بكر: إن في سيف خالد ر هقا، فإن لم يكن هذا حقا، حق عليه أن تقيده، ~~وأكثر عليه في ذلك... فقال - أبو بكر - هيه يا عمر تأول فأخطأ). وراجع ~~تاريخ ابن شحنة: على هامش الكامل 11: 114. (الشهيد) # --- PageV01P131 [132] # هذا الخطاب موجه إلى الحزنب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته الزهراء ~~إلى مخاط بيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف من ~~الفتنة. وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطا ن واتخاذ التدابير ~~اللازمة لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص الفرصة ~~السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها. وقد رأينا في ~~الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق وأبي عبيدة (1) رضى عنه ~~الله مما تعززه الظواهر التاريخية. ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من ~~كلام الزهراء الذي بينا اشعاره إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف ~~العصيبة. فلا ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه ~~أقرب إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين. ~~ومن حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت - إن لم يكن زوجها هو ~~المعلن الأل - عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة واتهمتها بالتآمر ~~السياسي، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير (2) المؤمنين (صلوات ~~الله عليه) ومعاوية (3) بن أبي سفيان - كما عرفنا سابقا. # --- # (1) نعتذر إلى سيدنا أبي عبيدة عن ذكر اسمه مجردا عن اللقب، وليس هذا ~~ذنبي بل ذنب الأجل الذى عجل بروحه ms084 قبل أن يصير الأمر إليه فيمنحه الناس ~~لقبا من الألقاب، وأما لقب الأمين فالأر جح عندي أنه لم يحصل عليه من طريق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن طريق الناس، وإنما لقب به لمناسباب ~~خاصة ليس من شأنها تقرير الأوسمة الرسمية. (الشهيد) (2) إشارة إلى قول ~~الأمام علي عليه السلام: (احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ~~ليرد لك غدا...). شرح النهج 6: 11. وراجع ص 12، قول أبي عبيدة للأمام. (3) ~~راجع قول معاوية في رسالة جوابية إلى محمد بن أبي بكر - مروج الذهب 3: 199، ~~وقعة صفين / نصر بن مزاحم: 119 - 120. # --- PageV01P132 [133] # وما دام هذا الحزب الذي تجزم بوجوده الزهراء ويشير إليه الأمام ويلمح ~~إليه معاوية هو الذي سيطر على الحكم ومقدرات الامة، وما دامت الاسر الحاكمة ~~بعد ذلك التي وجهت جميع مرافق الحياة العامة لخدمتها قد طبقت اصول تلك ~~السياسة وعناصر ذلك المنهج الحزبي الذي دوخ دنيا الأسلام، فمن الطبيعي جدا ~~لا نرى في التاريخ أو على الأقل التاريخ العام صورة واضحة الألوان لذلك ~~الحزب الذي كان يجتهد أبطاله الأولون في تلوين أعمالهم باللون الشرعي الخاص ~~الذي هو أبعد ما يكون عن الألوان السياسية والاتفاقات السابقة. قالت: - ~~(فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، الجرح ~~لما يندمل، والرسول لما يقبر، أبدرا زعمتهم خوف الفتنة ؟ ألا في الفتنة ~~سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ~~ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا هنا لك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ~~ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا وابشروا بسيف صارم وهرج شامل ~~واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم) # --- # (1). لئن كان الصديق وصاحباه يشكلون حزبا ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر ~~منهم تصريحا بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية # --- # (1) خطبة الزهراء، راجع شرح نهج البلاغة 16: 234. # --- PageV01P133 [134] # لمنهاجهم ويبرروابها موقفهم يوم السقيفة ومع هذا: فلا بد من مبرر... ولا ~~بد من تفسير... فقد ظهر في ذلك الموقف ms085 تسرعهم إلى إتمام البيعة لأحدهم ~~وتلهفهم على المقامات العليا تلهفا لم يكن منتظرا بالطبع من صحابة على ~~نمطهم، لأن المفروض فيهم أنهم اناس من نوع أكمل وعقول لا تفكر إلا في صالح ~~المبدأ، ولا تعبأ إلا بالاحتفاظ له بالسيادة العليا. أما الملك الشخصي واما ~~اقتناص الكراسي فلا ينبغي أن يكون هو الغاية في حساب تلامذة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. أحس الحاكمون بذلك وأدركوا أن موقفهم كان شاذا على أقل ~~تقدير، فأرادوا رضى عنه الله أن يرقعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على ~~الأسلام من هبوب فتنة طاغية تجهز عليه، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها وأن ~~الخيوط المقحمة في الثوب تشي بها. ولذا دوت الزهراء بكلمتها الخالدة: زعمتم ~~خوف الفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (1). نعم انها ~~الفتنة ثم هي ام الفتن بلا ريب. ما أروعك يا بضعة النبي حين تكشفين القناع ~~عن الحقيقة المرة وتتنبئين لامة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في افقه ~~سحب حمراء ! ماذا أقوال ؟.. بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على سلفها # --- # (1) من خطبتها عليها السلام، والاية 49 / التوبة. # --- PageV01P134 [135] # الصالح فعلهم وتقول: ألا أنهم في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين. (الفتنة الكبرى) كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة وكانت ام ~~الفتن (1). كانت فتنة في رأي الزهراء - على الأقل - لأنها خروج على الحكومة ~~الأسلامية الشرععية القائمة في شخص علي هارون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والأولى من المسلمين بأنفسهم (2). ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق ~~عن موقفه، بأنه خاف الفتنة وهو لا يعلم ان انتزاع الأمر ممن أراده له رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتراف عمر (3) هو الفتنة بعينها المستوعبة ~~لكل ما لهذا المفهوم من ألوان. # --- # (1) كما يظهر من قولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: إن بيعة أبي بكر ~~فلتة وقى ا لله المسلمين شرها، تاريخ الطبري 2: 235، وفي الصواعق المحرقة: ~~(... فمن عاد إلى ! مثلها فاقتلوه..) راجع ص 36 من الطبعة المصرية - مكتبة ~~القاهرة بتعليق عبد الوهاب عبد اللطيف - الطبعة ms086 الثانية / 1965. (2) قال ~~الأمام الشهيد الصدر رضى عنه الله: بنص حديث الغدير الذي رواه مائة وأحد ~~عشر من الصحابة، وأربعة وثمانون من التابعين، وثلاثمائة وثلاثة وخمسون مؤلف ~~من اخواننا السنة كما يظهر من كتاب الغدير للعلامة الأميني، واحب أن الاحظ ~~هنا أن كثيرا من القرآن لم يروه من الصحابة - يريد على مبناهم - عدد يبلغ ~~مبلغ الرواة الحديث الغدير منهم، فالتشكيك فيه ينتهي بالمشكك إلى التشكيك ~~في القرآن الكريم. واما دلالة الحديث على خلافة علي وإمامته فهي أيضا ترتفع ~~عن التشكيك لوضوحها وبداهتها، وتعدد القرائن عليها. ولتراجع في ذلك ~~(مراجعات) سيدنا سدن المذهب وحامي التشيع في دنيا الأسلام آية الله السيد ~~عبد الحسين شرف الدين (رضوان الله عليه)، راجع الصواعق المحرقة: 122. (3) ~~راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 114 - 115، الطبعة غير المحققة. # --- PageV01P135 [136] # وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في ~~السلطان إلا بمقدار ما يتصل بصالح الأسلام أن يسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن خليفته أن يطلبوا منه أن يعين لهم المرجع الأعلى للحكومة ~~الأسلامية من بعده، وقد طال المرض به أياما متعددة، وأعلن فيها مرارا عن ~~قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفية غسله وتفصيلات تجهيزه ~~(1)، ولم يقع في أنفسهم مطلقا أن يسألوه عن المسألة الأساسية، بل لم يخطر ~~في بال اولئك الذين أصروا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الامة وألحوا عليه ~~في ذلك خوفا من الفتنة (2) أن يطلبوا نظير هذا من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فهل ترى أنهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من ~~إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفتن كقطع الليل المظلم ؟ ! حتى إ ذا ~~لحق سيد البشر بالرفيق الأعلى توهجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ ~~قلوبهم لخوف من الفتنة والانعكاسات السيئة. أو تعتقد معي أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان قد اختار للسفينة ربانها الأفضل ولذلك لم يسأله السا ~~ئلون ! ! دع عنك هذا واختلق لهم ms087 ما شئت من المعاذير، فإن هؤلاء الغيارى على ~~الأسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب (كتابا لا يضل المسلمون ~~بعده أبدا) (3). والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبدا فهل كانوا # --- # (1) راجع الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2: 122 (الشهيد)، والسيرة ~~النبوية / ابن كثير 4 / 527 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت. (2) ~~تاريخ الطبري 2: 580، العقد الفريد 4: 260. (الشهيد) (3) إشارة إلى قول ~~الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الأخير: ائتو ني بكتاب أكتب ~~لكم كتابا لا تضلوا بعده...)، صحيح البخاري 1: 371 كتاب العلم - باب كتابة ~~العلم، وراجع 8: 161 - كتاب الاعتصام. # --- PageV01P136 [137] # يشكون في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو يرون أنهم أقدر على ~~الاحتياط للأسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبي الأسلام ورجله الأول ! ~~وخليق بنا أن نسأل عما عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتن التي جاء ~~ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اخريات أيمه إذ يقول: ليهنكم ما أصبحتم ~~فيه قد أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم (1). ولعلك تقول: إنها فتن المرتدين، ~~وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يتخوف على موتى البقيع من الارتداد، فأما إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك كما ~~- هو في الواقع - لأنهم على الأكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم الشهداء ~~فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الأيام ؟ ولا يستقيم في منطق صحيح أن يريد ~~بهذه الفتن المشاغبات الاموية التي قام بها عثمان ومعاوية (2) بعد عقود ~~ثلاثة من ذلك التاريخ تقريبا. وإذن فتلك الفتن التي عنها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا بد أن تكون فتنا حادثة بعده مباشرة، ولا بد أيضا أن تكون ~~أكثر اتصالا بموتى البقيع لو قدرت لهم الحياة من فتن الردة والمتنبئين. وهي ~~إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها: ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين. # --- # (1) تاريخ ابن الأثير 2: 318 دار صادر. ms088 (الشهيد) (2) راجع: التاج الجامع ~~للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ علي ناصف 5: 310 ~~الهامش 4، 5: 316 الهامش 5. (*) # --- PageV01P137 [138] # وهل من غضاضة بعد أن يصطلح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالفتنة أن تمنح لقب الفتنة الاولى في دنيا الأسلام. وقد كانت العمليات ~~السياسية يومئذ فتنة من ناحية اخرى، لأنها فرضت خلافة على امة لم يقتنع بها ~~إلا القليل (1) من سوقتها الذين ليس لمثلهم الحق في تقرير مصير الحكم في ~~عرف الأسلام ولا في لغة القوانين الدستورية جميعا. تلك هي خلافة الصديق ~~(رضي الله تعالى عنه) عندما خرج من السقيفة (وعمر يهرول بين يديه وقد نبر ~~حتى أزبد شدقاه) وجماعته تحوطه (وهم متزرون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد ~~إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى) ~~(2). ومعنى هذا أن الحاكمين زفوا إلى المسلمين خلافة لم تباركها السماء ولا ~~رضي بها المسلمون. وأن الصديق لم يستمد سلطانه من نص نبوي - بالضرورة - ولم ~~ينعقد الأجماع عليه ما دام سعد لم يبايع إلى أن مات الخيلفة، وما دام ~~الهاشميون لم يبايعوا إلى ستة أشهر من خلافته - كما في صحيح البخاري (3). ~~قالوا: إن أهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى. ولكن ألا يحتاج هذا المفهوم إلى ~~توضيح وإلى مرجع يرجع إليه في # --- # (1) راجع تاريخ الطبري 2: 233. (2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: ~~74، الطبعة غير المحققة. (الشهيد) (3) صحيح البخاري - فضائل الصحابة باب 35 ~~ص 66، وباب 43 ص 83. (الشهيد) # --- PageV01P138 [139] # ذلك ؟ فمن هو الذي اعتبر مبايعي أبي بكر أهل الحل والعقد، وأعطاهم هذه ~~الصلاحيات الواسعة ؟ ليس هو الامة ولا النبي الأعظم، لأننا نعلم أن أبطال ~~السقيفة لم يأخذوا أنفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر، ولم يستفتوا ~~المسلمين في تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح عليهم في العرف القد يم ~~بأهل الحل والعقد. كما أنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إعطاء هذه الصلاحيات لجماعة مخصوصة، فكيف تمنح لعدد من المسلمين ويستأمنون ~~على مقدرات الامة بغير رضى منها ms089 في ظل نظام دستوري كنظام الحكم في الأسلام ~~كما يزعمون ؟ ! ومن العجيب في العرف السياسي أن تعين الحكومة نفسها أهل ~~الحل والعقد (1)، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا. وأعجب من ذلك إخراج علي ~~والعباس وسائر بني هاشم وسعد بن عبادة والزبير وعمار وسلمان وأبي ذر ~~والمقداد وجميع أهل الحجى والرأي - على حد تعبير ابن عباس لعمر (2) - من ~~أهل الحل والعقد إذا صح أن في # --- # (1) راجع تاريخ الطبري 2: 233، قال أبو بكر: إني قد رضيت لكم أحد هذين ~~الرجلين: عمر وأبا عبيدة،... وأنا أرضى لكم أبا عبيدة، فقام عمر، فقال: ~~أيكم - الخطاب للمجتمعين في السقيفة - تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت ~~الأنصار:... لا نبايع إلا عليا. (2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: ~~115، الطبعة غير المحققة، إذ قال ابن عباس: أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما ~~يزالون يعدونه - أي عليا - كاملا منذ رفع الله منار الأسلام، ولكنهم يعدو ~~نه محروما مجدودا. (الشهيد) # --- PageV01P139 [140] # الأسلام طبقة مستأثره بالحل والعقد. وقد جر وضع هذه الكلمة في قاموس ~~الحياة الأسلامية إلى تهيئة الجو لأرستقراطية هي أبعد ما تكون عن روح ~~الأسلام وواقعة المصفى من الطبقية والعنعنات. وهل كانت تلك الثروات الضخمة ~~التي امتلأت بها أكياس عبد الرحمن بن عوف وطلحة وأضرابهما إلا بسبب هذا ~~اللقب المشؤوم على الأسلام الذي لقبوا به، فرأوا أنهم من الطراز الرفيع ~~الذي يستحق أن يملك الملايين ويتحكم في حقوق الناس كما يريد ؟ ! وقالوا: إن ~~الأكثرية هي مقياس الحكومة الشرعية والمبدأ الذي لا بد أن تقوم على أساسه ~~الخلافة. وقد استهان القرآن الكريم بالأكثرية ولم يجعل منها في حال من ~~الأحوال دليلا وميزانا صحيحا إذ جاء فيه: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله) (1). (وأكثرهم للحق كارهون) (2). (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ~~(3). (ولكن أكثرهم يجهلون) (4). # --- # (1) الأنعام / 116. (2) المؤمنون / 70. (3) يونس / 36. (4) الأنعام / 111. # --- PageV01P140 [141] # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحاح السنة أنه قال: ~~(بينا أنا قائم - يعني يوم القيامة ms090 على الحوض - فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم ~~خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت أين ؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ~~وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم هم القهقرى - إلى أن قال -: ~~فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (1). ولا يمكن أن تكون هذه الأكثرية ~~الجهنمية التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدر السلطة في ~~65 الأسلام، لأنها لا تنشئ بطبيعة الحال إلا خلافة مطبوعة بطابعها. وإذا ~~خرجنا بالأكثرية عن حدود المدنيين الذين عرفنا أنفا مراكزهم الجهنمية على ا ~~لأغلب في الحياة الخالدة، واعتبرنا أكثرية المسلمين عموما هي المقياس ~~الصحيح، فلا بد أن نلاحظ أن المدينة هل كانت وحدها مسكن المسلمين ليكتمل ~~النصاب المفروض بالأكثرية المدنية أو أن أبا بكر لم يكتف بها وإنما بعث إلى ~~المسلمين المنتشرين في أرجاء المملكة بالخبر ليأخذ آراءهم ويستشيرهم ؟ ! ~~كلا لم يحدث شئ من ذلك وإنما فرض حكومته على آفاق المملكة كلها فرضا لا ~~يقبل مراجعة ولا جدالا حتى أصبح التردد في الخضوع لها جريمة لا تغتفر (2). ~~وقالوا: إن الخلافة تحصل ببعة بعض المسلمين، ولا ريب أن ذلك قد حصل لأبي ~~بكر. ولكن هذا مما لا يقره المنطق السياسي السليم، لأن البعض لا يمكن # --- # (1) و(2) صحيح البخاري 8: 86 - كتاب الفتن. # --- PageV01P141 [142] # أن يتحكم في شؤون الامة كلها، ولأن حياة الامة لا يمكن أن تعلق على خيط ~~ضعيف كهذا الخيط، ويرن في حفظ مقدساتها ومقامها إلى حكومة أنشأها جماعة من ~~الصحابة لم يزكهم إجماع شعبي، ولا نص مقدس، بل هم اناس عاديون من الصحابة. ~~ونحن نعلم أن (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون) (1) (ومنهم من عاهد الله ~~لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا ~~به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا ~~الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (2)، ومنهم من خص الله تعالى نفسه ~~بالاطلاع على سرائرهم ونفاقهم فقال لرسوله: (ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن ms091 نعلمهم) (3). فجماعة فيها المنافق، وفيها من يؤذي ~~رسول الله، وفيها الكاذب لا يمكن أن يعتبر رأى بعضهم أيا كان، ملاكا للمنصب ~~الأول في العالم الأسلامي. وتعليقا على هذه المعلومات نقول: إن خلافة ~~الصديق لم تكن خلافة نص، ولا خلفاة أكثرية ولا نتيجة انتخاب مباشر ولا غير ~~مباشر، نعم بذل في سبيلها بعض المسلمين جهودا رائعة، والتفت حولها طائفة من ~~الناس وانتصرت لها جماعات عديدة في المدينة، ولكن هؤلاء جميعا ليسوا إلا ~~بعض المسلمين، والبعض ليس له حكم مطاع في الموضوع، لأن الحكم الذي يستمد ~~معنويته القانونية من الامة يلزم أن يكون صاحبه ممثلا للامة بجميع عناصرها ~~أو أكثر عناصرها، هذا أولا، وأما ثانيا فلأن في المسلمين منافقين لا يعلمهم # --- # (1) التوبة / 61. (2) التوبة / 75 - 77. (3) التوبة / 101. # --- PageV01P142 [143] # إلا الله بنص القرآن الكريم، وتنزيه هذا البعض المتوفر على إنشاء الكيان ~~السياسي للامة حينئذ عن النفاق لا بد أن يكون عن طريق النص أو الامة. وإذن ~~فليسمح لنا الصديق أن نميل إلى رأي الزهراء بعض الميل أو كل الميل، لأننا ~~لا نجد للفتنة واقعا أوضح من تسلط رجل بلا وجه قانوني على امة، وتصرفه في ~~مرافقها الحيوية جميعا كالصديق رضى عنه الله في أيام خلافته، أو في الأشهر ~~الاولى أو في الأسابيع الاولى من حكومته التي خطبت فيها الزهراء - على أقل ~~تقدير. وما أدري هل خطرت للمتسرعين المستبدين نتائج استبدادهم واستقلالهم ~~عن العناصر التي كان من الطبيعي أن يكون لها رأي في الموضوع لو قامت تلك ~~العناصر بالمعارضة، واستعد الهاشميون للمقاومة، وقد كان تقدير هذا المعنى ~~قريبا ومعقولا إلى حد بعيد، فكيف لم يحتاطوا له وانتهوا إلى نتيجتهم المط ~~لوبة في مدة قد لا تزيد على ساعة ؟ ! ولماذا نقدس الموقف أكثر مما قدسه ~~أبطاله ؟ فقد بلغ من تقديس الفاروق أنه أمر بقتل من عاد إلى مثل بيعة أبي ~~بكر (1) وكرر ذلك الموقف. وإذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام ونفهمه على أنه ~~كلام إمام يراعي دستور الأسلام، فمعنى ذلك أنه رأى موقف أبي بكر وأصحابه في ~~السقيفة ms092 فتنة وفسادا، لأن القتل لا يجوز بغير ذلك من الأسباب. وهي بعد ذلك ~~كله ام الفتن لأنها هي التي جعلت الخلافة سلطان الله # --- # (1) الصواعق المحرقة: 56، طبعة دار الكتب العلمية، ط 3 - بيروت / 1414 ه، ~~طبعة المطبعة الميمنية / 1312 ه: 21. # --- PageV01P143 [144] # الذي يأتيه البر والفاجر كما صرحت بذلك السيدة عائشة (رضي الله عنها) ~~التي كانت بلا شك تمثل نظريات الحزب الحاكم # --- # (1). وهي التي فتحت للأهواء والأطماع السياسية ميدانها الو اسع، فتولدت ~~الأحزاب وتناحرت السياسات وتفرق المسلمون وانقسموا شر انقسام (2) ذهب ~~بكيانهم الجبار ومجدهم في التاريخ. وماذا ظنك بهذه الاذمة التي أشأت في ربع ~~قرن المملكة الاولى في أرجاء العالم بسبب ان زعيم المعارضة للحكومة في ذلك ~~الحين - أعني عليا - لم يتخذ للمعارضة أسبابها المزعرعة لكيان الامة ووحد ~~تها ؟ ! (أقول) ماذا تقدر لها من مجد وسلطان وهيمنة على العالم لو لم تبتل ~~بعشاق الملك المتضاربين، والامراء السكارى بنشوة السلطان، ولم تكن مسرحا ~~للمعارك الدامية التي يقل نظيرها في التاريخ، ولم يستغل حكامها الغاشمون ~~إمكانيات الامة كلها للذاتهم وهنائهم ويستهينون بعد ذلك بمقدراتها جميعا ~~(3) ؟ لم ينظر الصديق والفاروق إلا إلى زمانهما الخاص، فتصورا أن في ~~طاقتهما حماية الكيان الأسلامي، ولكنهما لو تعمقا في نظرتهما كما تعمقت ~~الزهراء وتوسعا في مطالعة الموقف لعرفا صدق الأنذار الذي أنذرتهما به ~~الزهراء. # --- # (1) الدر المنثور 6: 19، المطبعة المينية بمصر / 1314 ه. (الشهيد) (2) ~~الملل والنحل / الشهرستاني 1: 30 - 31، مكتبة الانجلو المصرية - القاهرة / ~~ط 2. (3) راجع: مروج الذهب / المسعودي 3: 214 وما بعدها، العقد الفريد / ~~ابن عبد ربه 5: 200 - 202، العدالة الاجتماعية في الأسلام / الشهيدد سيد قطب. # --- PageV01P144 [145] # الفصل الخامس محكمة الكتاب (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان ~~سميعا بصيرا) النساء / 58 # --- PageV01P145 [147] # (تمهيد) إذا أردنا أن نرتفع بمستوى دراستنا إلى مصاف الدراسات الدقيقة، ~~فلا بد أن نأخذ أنفسنا بمناهج البحث العلمي في درس ناحيتين: (موقف الخليفة ~~الأول من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) الناحية الاولى: موقف ~~الخليفة تجاه ms093 ميراث الزهراء الذي كان يستند فيه إلى ما روا ه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الميراث بأساليب متعددة وصور مختلفة ~~لتعددد مواجهات الخصمين، فجاءت الأحاديث التي تنقل روايته وهي لا تتفق # --- # (1) على حد تعبير واحد، ولا تجمع على لفظ معين، لاختلاف المشاهد التي ~~ترويها، واختصاص كل منها بصيغة خاصة للحديث على حسب ما كان يحضر الخليفة من ~~عبائر أو تعدد الروايات التي رواها في المسألة. 1 - وقبل كل شئ نريد أن ~~نلاحظ مقدار تأكد الخليفة من صحة # --- # (1) راجع الرواية التي انفرد بها الصديق مع اختلاف التعابير التي وردت ~~فيها في: سنن البيهقي 6: 297 - 302، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: ~~214، 218، 219، 221، 227. # --- PageV01P147 [148] # الحديث الذي رآه دالا على نفي توريث التركة النبوية واطمئنانه إلى سماع ~~ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثباته عليه. ويمكننا فهم ذلك ~~مما تحدثنا به الروايات (1) من أن الخليفة سلم فدك للحوراء وكاد الأمر أن ~~يتم لولا أن دخل عمر وقال له: (ما هذا ؟ فقال له: كتاب كتبته لفاطمة ~~ميثراثها من أبيها، فقال: ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ~~ثم أخذ الكتاب فشقه) (2). ونحن ننقل هذه الرواية في تحفظ وإن كنا نستقرب ~~صحتها، لأن كل شئ كان يشجع على عدم حكاية هذه القصة لو لم يكن لها نصيب من ~~الواقع، وإذا صحت ففي تدل على أن أمر التسليم وقع بعد الخطبة الفاطمية ~~الخالدة ونقل الخليفة لحديث نفي الأرث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، لأن حروب الردة التي أشار إليها عمر في كلامه ابتدأت بعد يوم السقيفة ~~بعشرة أيام (3)، وخطبة الزهراء قد كانت في اليوم العاشر أيضا كما سبق (4). ~~2 - وقد أظهر الخليفة الندم في ساعة وفاته على عدم تسليم فدك لفاطمة (5)، ~~وقد بلغ به التأثر حينا أن قال للناس وقد اجتمعوا حوله: أقيلوني بيعتي. ~~وندرك من هذا أن الخليفة كان يطوي نفسه على قلق عظيم عظيم مرده إلى الشعور ~~بنقص مادي في حكمه على فاطمة وضعف ms094 في المدرك الذي استند # --- # (1) ذكره سبط ابن الجوزي كما في السيرة الحلبية 3: 363. (الشهيد)، شرح ~~النهج 16: 234. (2) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 234 - 235. ~~(3) مروج الذهب 2: 193. (الشهيد) (4) ولعل هذا يضعف من شأن الرواية، لأن ~~الخليفة لو كان مستعدا للتراجع لأجاب ا لزهراء إلى ما تطلب في المسجد حينما ~~خطبت وأسمعته من التأنيب والتقريع الشئ الكثير. (الشهيد) (5) تاريخ الطبري ~~2: 353، سمو المعنى في سمو الذات / العلايلي: 18. (الشهيد) # --- PageV01P148 [149] # إليه، ويثور به ضميره أحيانا فلا يجد في مستنداته ما يهدئ نفسه المضطربة ~~وقد ضاق بهذه الحالة المريرة، فطفحت نفسه في الساعة الأخيرة بكلام يندم فيه ~~على موقفه من الزهراء، تلك الساعة الحرجة التي يتمثل فيها للأنسان ما مثله ~~على مسرح الحياة من فصل أو شك الستار أن يسدل عليها، وتجتمع في ذاكرته خيوط ~~حيا ته بألوانها المختلفة التي آن لها أن تنقطع، فلا يبقى منها إلا ~~التبعات. 3 - ولا ننسى أن أبا بكر أوصى (1) أن يدفن إلى جوار رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا يصح ذلك إلا إذا كان قد عدل عن اعتبار روايته ~~مدركا قانونيا في الموضوع، واستأذن ابنته في أن يدفن فيما ورثته من أرض ~~الحجرة - إذا كان للزوجة نصيب في الأرض، وكان نصيب عائشة يسع ذلك - ولو كان ~~يرى أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة مشتركة بين المسلمين عامة، ~~للزمه الاستئذان منهم. وهب أن البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ~~ممن كانوا في ذلك الحين ؟ ! 4 - ونحن نعلم أيضا أن الخليفة لم ينتزع من ~~نساء النبي بيوتهن ومساكنهن التي كن يسكن فيها في حياد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فما عساه أن يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من ~~الزهراء وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامة وإبقاء بيوت نساء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك في ماله حتى تستأذن عائشة ~~في الدفن في حجرتها ؟ أكان الحكم بعدم التوريث مختصا ببضعة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ؟ ! أو أن بيوت الزوجات ms095 كانت # --- # (1) تاريخ الطبري 3: 349. # --- PageV01P149 [150] # نحلة لهن ؟ فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم قتم بينة، عليه ~~ولا ادعته واحدة منهن، وليست حيازتهن للبيوت في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم شاهدا على ملكيتهن لها، لأنها ليست حيازة استقلالية، بل من ~~شؤون حيازة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ككل زوجة بالنسبة إلى زوجها ؟ ~~كما أن نسبة البيوت إليهن في الاية الكريمة: (وقرن في بيوتكن) (1)، لا يدل ~~على ذلك، لأن الأضافة يكفي في صحتها أدنى ملابسة، وقد نسبت إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بعد تلك الاية بمقدا ر قليل إذ قال ~~الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم) (2). فإذا كان الترتيب ا لقرآني حجة، لزم الأخذ بما تدل عليه هذه ~~الاية. وورد في صحاح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسناد ~~البيت إليه في قوله: (إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) (3). 5 - ~~ولنتساءل عما إذا كان الحكم بعدم توريث الأنبياء الذي ذهب إليه الخليفة مما ~~اختزنه الوحي الخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، واقتضت المصلحة ~~تأخيره عن وقت الحاجة، وإ جراءة على الصديقة دون سائر ورثة الأنبياء ؟ أو ~~أن الرسل السابقين قد أهملوا تبليغه وتعريف خلفائهم وورثتهم به طمعا ~~بالمادة الزائفة، واستبقاء لها في أولادهم وآلهم ؟ أو أنهم كانوا قد ~~انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التور يث، ومع ذلك لم يؤثر في ~~التواريخ جميعا ؟ أو أن السياسة السائدة يو مذاك هي التي أشأت هذا الحكم ؟ # --- # (1) الأحزاب / 33. (2) الأحزاب / 53. (3) مسند الأمام أحد 2: 236 - طبعة ~~دار الفكر - بهامشه المنتخب من كنز العمال. # --- PageV01P150 [151] # 6 - ومن جهة اخرى هل يمكننا أن نقبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يجر على أحب الناس إليه وأقربهم منه البلايا والشدائد وهي التي يغضب ~~لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها # --- # (1)، ولم يكن ليكلفه دفع هذه لمحن عنها أكثر من إعلامها بحقيقة الأمر ~~لئلا تطلب ما ms096 ليس لها بحق، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذ له ~~أن ترزى ابنته، ثم تتسع هذه الرزية فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين ~~عامة، وهو الذي ارسل رحمة للعالمين، فبقي مصرا على كتمان الخبر عنها مع ~~الأسرار به إلى أبي بكر. (روايات الخليفة الأول ومناقشتها) 1 - لأجل أن ~~نلقي نظرة على الحديث من الناحية المعنوية بعد الملاحظات التي أسلفنا ها، ~~نقسم الصيغة التي جاءت في رواية الموضوع إلى قسمين: - (الأول) ما جاء في ~~بعضها من أن أبا بكر بكى لما كلمته فاطمة ثم قال: يا بنت رسول الله، والله ~~ما ورث أبوك دينارا ولا درهما، وإنه قال: إن الأنبياء لا يورثون (2). وما ~~ورد في الخطبة من قوله: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دار ا ~~لكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة) (3). 69 # --- # (1) صحيح البخاري 5: 83 باب 43 حديث رقم 232، صحيح مسلم 4: 1902 حديث رقم ~~93 / 2449. تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي 17: 203 دار الكتب العلمية - ~~بيروت. مسند الأمام أحمد 1: 6، ط بعة دار صادر. (2) شرح نهج البلاغة / ابن ~~أبي الحديد 16: 316، سنن البيهقي 6: 301. (3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي ~~الحديد 16: 252، 214، سنن البيهقي 6: 300. # --- PageV01P151 [152] # (الثاني) التعبير الذي تنقله عدة أخبار عن الخليفة وهو ما رواه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من (إنا لا نورث ما تركناه صدقة) (1). 2 - ~~والنقطة المهمة في هدا البحث هي معرفة ما إذا كانت هذه الصيغ تدل بوضوح لا ~~يقبل تشكيكا ولا تأويلا - وهو النص (2) في العرف العلمي - على أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا تورث تر كته، أو ما إذا كانت تصلح للتعبير بها عن ~~معنى آخر وإن كانت للتعبير بها عن الحكم بعدم التوريث أصلح - وهو الظاهر في ~~الاصطلاح - وللمسألة تقدير ثالث وهو أن لا يرجح المعنى الذي هو في صالح ~~الخليفة على ما قد يؤدي باللفظ من معان اخر - وهو المجمل (3). 3 - إذا لا ~~حظنا ms097 القسم الأول من صيغ الحديث وجدنا رواياته تقبل أن تكون بيانا لعدم ~~تشريع توريث الأنبياء كما فهمه الخليفة، ويمكن أن تكون كناية عن معنى أن ~~يقع في نقس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيانه، وهو تعظيم مقام ~~النبوة وتجليل الأنبياء، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الألهية # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 224، 218، سنن البيهقي 6: 301. ~~(2) النص: قال الرازي: إذا كان اللفظ موضوعا لمعنى، ولا يكون محتملا لغيره ~~فهذا هو النص. وأما المجمل فيظهر من كلامه أنه ما دل على معنيين على ~~التساوي. راجع التفسير الكبير / الرازي 7: 18. وجاء في معارج الاصول / ~~المحقق الحلي: 105: النص: (هو الكلام الذي يظهر إفادته لمعناه، ولا يتناول ~~أكثر مما هو مقول فيه. أما المجمل: فهو ما أفاد جملة من الأشياء... واللفظ ~~لا يعينه...). وراجع بيان النصوص التشريعة / بدران أبو العينين: 5. (3) ~~المصباح المنير / 2: 654، نشر دار الهجرة - قم المقدسة. # --- PageV01P152 [153] # أجلى دلالة وأكثر مادية من الزهد في الدنيا، ولذائذها الزائفة، ومتعها ~~الفانية. فماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد ~~أن يشير إلى أن الأنبياء اناس ملائكيون وبشر من الطر از الأسمى الذي لا ~~تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية ؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من عناصر ~~السماء - بمعناها الرمزي - المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي، ~~فهم أبدا ودائما منابع الخير، والطالعون بالنور، والمورثون للأيمان ~~والحكمة، والمركزون للسلطان الألهي في الأرض. وليسوا مصادر للثروة بمعناها ~~المصطلح عليه في عرف الناس، ولا بالساعين وراء نفائسها. ولماذا لا يكون ~~قوله: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا ~~دار ا) كناية عن هذا المعنى ؟ لأن توريثهم لهذه الأشياء إنما يكون بحيازتهم ~~لها، وتركهم إياها بعد موتهم وهم منصرفون عنها، لا يحسبون لها حسابا ولا ~~يقيمون لها وزنا ليحصلوا على شئ منها. فما هو تحت اللفظ نفي التوريث لعدم ~~وجود التركة كما إذا قلنا: إن الفقراء لا يورثون، لا أنهم يختصون عن سائر ~~الناس بحكم يقتضي بعدم جريان أحكام الأرث ms098 على تركاتهم. والهدف الأصلي من ~~الكلام بيان جلال الأنبياء. وهذا الاسلوب من البيان مما يتفق مع الأساليب ~~النبوية الرائعة التي تطفح بالمعاني الكبار وتزخر بأسماها في موجاتها ~~اللفظية القصيرة. 4 - ولكي تتفق معي على تفسير معين للحديث، يلزم أن نعرف ~~معنى التوريث لنفهم الجملة النافية له كما يلزم. و70 معنى التوريث جعل شئ ~~ميراثا، فالمورث من يكون سببا لانتقال المال من الميت إلى قريبه (1) وهذا # --- # (1) المصباح المنير 2: 654 نشر دار الهجرة - قم المقدسة. # --- PageV01P153 [154] # الأنتقال يتوقف على أمرين: - (أحدهما) وجود التركة. (والاخر) القانون ~~الذي يجعل للوارث حصة من مال الميت. ويحصل الأول بسبب نفس ا لميت، والثان ~~بسبب المشرع الذي وضع قانون الوراثة سواء أكان فردا أسندت إليه الناس ~~الصلاحيات التشريعية أو هيئة تقوم على ذلك، أو نبيا يشرع بوحي من السماء، ~~فكل من الميت والمشرع له نصيب من إيجاد التوارث، ولكن المورث الحقيقي الذي ~~يستحق التعبير عنه بهذا اللفظ بحق هو الميت الذي أوجد مادة الأرث، لأنه هو ~~الذي هيا للأرث شرطه الأخير بما خلفه من ثروة، وأما المشرع فليس مورثا من ~~ذلك اطراز لأنه لم يجعل بوضعه للقانون، ميراثا معينا بالفعل، بل شرع نظاما ~~يقتضي بأن الميت إذا كان قد ملك شيئا وخلفه بعد موته فهو لأقاربه. وهذا ~~وحده لا يكفي لأيجاد مال موروث في الخارج، بل يتوقف على أن يكون الميت قد ~~أصاب شيئا من المال وخلفه بعده. فالواضع التشريعي نظير من يضيف عنصرا خاصا ~~إلى طبيعة من الطبائع، فيجعلها قابلة لأحراق ما يلاقيها. فإذا ألقيت إليها ~~بورقد فاحترقت كنت أنت الذي أحرقتها لا من أضاف ذلك العنصر المحرق إلى ~~الطبيعة، والقاعدة التي ذلك، أن كل شئ يسند بحسب اصول التعبير إلى المؤثر ~~الأخير فيه. وفي ضوء هذه القاعدة نعر ف أن نسبة التوريث إلى شخص تدل على ~~أنه المؤثر الأخير في الأرث، وهو الموروث (1) الذي # --- # (1) المصدر السابق. # --- PageV01P154 [155] # أوجد التركة. فالمفهوم من جملة: أن الأنبياء يورثون، أنهم يحصلون على ~~الأموال ويجعلونها تركة من بعدهم، وإذا نفي التوريث عنهم، ms099 كان مدلول هذا ~~النفي أنهم لا يهيؤون للأرث شرطه الأخير، ولا يسعون وراء الأموال ليتركوها ~~بعد وفاتهم لورثتهم. وإذن فليس معنى: أن الأنبياء لا يورثون، عدم التوريث ~~التشريعي، ونفي الحكم بالأرث، لأن الحكم بالأرث ليس توريثا حقيقيا، بل ~~التوريث الحقيقي تهيئة نفس التركة وهذا هو المنفي في الحديث. وعلى طراز آخر ~~من البيان أن التوريث الذي نفاه خاتم النبيين عن الأنبياء، إن كا ن هو ~~التوريث التشريعي، كان مفاد النفي إلغاء قانون الأرث من شرائع السماء، لأن ~~توريثهم التشريعي لا يختص بورثتهم حتى يكون المنفي توريثهم خاصة. وإن كان ~~هو التوريث الحقيقي، بمعنى تهيئة الجو المناسب للأرث، سقطت العبارة عما ~~أراد لها الصديق من معنى وكان معناها أن الأنبياء لا تركة لهم لتورث. 5 - ~~وفي الرواية الاولى مهد الخليفة للحديث بقوله: (والله ما ورث أبوك دينارا ~~ولا درهما) (1)، وهذا التعبير واضح كل الوضوح في نفي التركة وعدم ترك رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من المال. فإذا صح للخليفة أن يستعمل ~~تلك الجملة في هذا المعنى، فليصح أن تدل صيغة الحديث عليه أيضا ويكون هو ~~المقصود منها. 6 - وإذا لاحظنا الأمثلة التي ذكرت في الرواية الثانية نجد ~~فيها ما يعزز # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216. # --- PageV01P155 [156] # قيمة هذا التفسير، لأن ذكر الذهب والفضة والعقار والدار - مع أنها من ~~مهمات التركة - لا يتفق مع تفسير الحديث بأن لا تورث، لأن اللازم ذكر أتفه ~~الأشياء لبيان عموم الحكم بعدم الأرث لسائر مصاديق التركة. كما إنا إذا ~~أردنا أن نوضح عدم إرث الكافر لشئ من تركة أبيه لم نقل: إن الكافر لا يرث ~~ذهبا ولا فضة ولا دارا وإنما نقول: إنه لا يرث تمرة واحدة من تركة الميت. ~~وبتعبير واضح أن الاهتمام بتوضيح عموم الحكم لكل أقسام التركة يقتضي ~~التصريح ببعض أقسام المال الذي قد يتوهم متوهم عدم اندراجه في التركة التي ~~لا تورث. وقولنا: الأنبياء لا يو رثون أو أن الكفار لا نصيب لهم من تركة ~~آبائهم، يدل أول ما ms100 يدل على عدم انتقال الدار والعقار والذهب والفضة وغيرها ~~من نفيس التركة ومهمها. فذكر هذه الامور في الحديث يرجح أن المقصود بنفي ~~توريث الأنبياء، بيان زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على نفائس الحياة ~~المحدودة التي يتنافس فيها المتنافسون، لأن المناسب لهذا الغرض ذكر الأموال ~~المهمة التي تكون حيازتها وتوريثها منافيا للزهد والمقامات الروحية العليا. ~~وأما الأخبار عن عدم التوريث في الشر يعة فاللائق به ذكر التوافه من التركة ~~دون أقسامها الواضحة المهمة. 7 - وأمر آخر يشهد لما ذركناه من التفسير وهو ~~الجملة الثانية الأيجابية في الحديث أي جملة: (ولكنا نورث الأيمان والحكمة ~~والعلم والسنة) (1)، فإنها لا تدل على تشريع وراثة هذه الامور، بل على ~~توفرها في الأنبياء إلى (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214. # --- PageV01P156 [157] # حد يؤهلهم لنشرها وإشاعتها بين الناس. فقد نفهم حينئذ أن المراد بالجملة ~~الاولى التي نفت التوريث، بيان أن الأنبياء لا يسعون للحصول على الذهب ~~والعقار ونحو هما، ولا يكون لهم من ذلك شئ ليرثه آلهم. 8 - ولا يجوز لنا أن ~~نقيس عبارة الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إن ~~الناس لا يورثون الكافر من أقاربهم (1)، بل يلزمنا أن نفرق بين التعبيرين ~~لأن المشرع إذا تكلم عمن يشرع لهم أحكامهم كان الظاهر من كلامه أنه يلقي ~~بذلك عليهم حكما من الأحكام. فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم ~~توريث الناس للكافر من أقاربهم لا يصح تفسيره بأنه إخبار فقط، بل يدل فوق ~~هذا على أن الكافر لا يرث في شريعته. وتختلف عن ذلك العبارة التي نقلها ~~الخليفة، لأن موضوع الحديث فيها هو الأنبياء لا جماعة ممن تشملهم تشريعات ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكامه، فليس في الأمر ما يدل على حكم وراء ~~الأخبار عن عدم توريثهم. 9 - وليس لك أن تعترض بأن الأنبياء كثيرا ما ~~يحوزون على شئ مما ذكر في الحديث، فيلزم على ما ذكرت من التفسير أن يكون ~~الحديث كاذبا، لأنك قد تتذكر أن الذي نفي عن الأنبياء هو ms101 التور يث خاصة، ~~وهو ينطوي على معنى خاص، وأعني به إسناد الأرث إلى المورث. وهذا الأسناد ~~بتوقف على أن يكون المورث قد سعى في سبيل الحصول على المال الذي تركه ~~ميراثا بعده، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال وسائل التهذيب. # --- # (1) ورد الحديث بألفاظ وعبارات اخرى مفادها ما تقدم، فعن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكفار المسلم، راجع سنن ~~ابن ماجة 2: 164، صحيح سنن المصطفى / أبي داود 2: 19 - باب هل يرث المسلم ~~الكافر. # --- PageV01P157 [158] # فإذا استطاع شخص أن يقرأ أفكار عالم من علماء الأخلاق، ويهذب نفسه على ~~هدى تلك الأفكار، لم يصح تسمية ذلك العالم مهذبا، لأن إيجاد أي شئ سواء ~~أكان تهذيبا أو توريثا أو تعليما أو نحو ذلك لا يستقيم إسناده إلى شخص إلا ~~إذا كان للشخص عمل إيجابي، وتأثير ملحوظ في تحقق ذلك الشئ الموجود. ~~والأنبياء وإن حازوا شيئا من العقارات والدور، ولكن ذلك لم يكن بسعي منهم ~~وراء المال كما هو شأن الناس جميعا. ونقرر علاوة على هذا أن المقصود من ~~الكلام ليس هو بيان أن الأنبياء لا يورثون ولا يتركون مالا، بل ما يدل عليه ~~ذلك من مقامهم واميتازهم. وما دامت الجملة كذلك ولم يكن الهدف الحقيقي منها ~~بيان معناها الحرفي، فلا يمنع حيازة الأنبياء لبعض تلك الأموال عن صواب ~~التفسير الذي قدمناه، كما أن من كنى قديما عن الكريم بأنه كثير الرماد # --- # (1) لم يكن كاذبا سواء أكان في بيت الكريم رماد، أو لا، لأنه لم يرد نعته ~~بهذا الوصف حقا وإنما أشار به إلى كرمه، لان أظهر لوازم الكرم يومذاك كثرة ~~المطابخ الموجبة لكثرة الرماد. وعدم التوريث من أوضح آثار الزهد والورع، ~~فيجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى ورع الأنبياء ~~بقوله: إن الأنبياء لا يورثون. 10 - ولأجل أن نتبيم معنى القسم الثاني من ~~صيغ الحديث يلزمنا أن نميز بين معان ثلاثة -: # --- # (1) الكناية عن الكريم بكثير الرماد، مما شاع على ألسنة البلغاء ~~والشعراء. ms102 راجع: جواهر البلاغة / أحمد الهاشمي: 363. لاحظ بيت الخنساء ~~المشهور في أخيها صخر: رفيع العماد طويل النجاد كثير الرماد... # --- PageV01P158 [159] # (الأول) أن تركة الميت لا تورث، ومعنى هذا إن ما كان يملكه إلى حين ~~وفاته، وتر كه بعده لا ينتقل إلى آله بل يصبح صدقة حين موته. (الثاني) أن ~~ما تصدق به الميت في حياته، أو أقفه على جهات معينة لا يورث بل يبقى صدقة ~~ووقفا، والورثة إنما يورثون غير الصدقات من الأموال التي كان يملكها الميت ~~إلى حين وفاته. (الثالث) أن الشخص ليس لديه أموال مملوكة له لتورث، وكل ما ~~سوف يتكره من أموال إنما هو من الصدقات والأوقاف. ومتى عرفنا الفارق بين ~~هذه المعاني يظهر أن صيغة الحديث ليست واضحة كل الوضوح ولا غنية عن البحث ~~والتمحيص، بل في طاقتها التعبيرية إمكانيات التفسير بالمعاني الانفة الذكر ~~جميعا، فإن النصف الثاني من الحديث وهو - ما تركناه صدقة - يجوز أن يكون ~~مستقلا في كيانه المعنوي، مركبا من مبتدأ وخبر، ويمكن أن يكون تكملة لجملة ~~لا نورث. ففي الحالة الاولى يقبل الحديث التفسير بالمعنى الأول والثالث من ~~المعاني السابقة لأن جملة - ما تركناه صدقة - قد يراد بها أن التركة لا ~~تنقل من ملك الميت إلى آله وإنما تصبح صدقة بعد موته، وقد يقصد بها بيان ~~المعنى الثالث وهو أن جميع التركة صدقة ولم يكن يملك منها الميت شيئا ليورث ~~كما إذا أشار الأ نشان إلى أمواله وقال: إن هذه الأموال ليست ملكا لي وإنما ~~هي صدقات أتولاها. والحديث على تقدير أن تكون له وحدة معنو ية، يدل على ~~المعنى الثاني، أي أن الصدقات التي تصدق بها الميت في حياته لا تورث دون ~~سائر تركته، ويكون الموصول مفعولا لا مبتدأ. ويتضح من الصيغة على هذا ~~التقدير نفس ما يفهم منها إذا انعكس الترتيب فيها وجاءت # --- PageV01P159 [160] # هكذا: - ما تركناه صدقة لا نورثه - فكما يؤتى بهذه الجملة لبيان أن ~~الصدقات لا تور ث، لا أن كل أقسام التركة صدقة، كذلك يصح أن يقصد نفس ذلك ~~المعنى ms103 من صيغة الحديث بترتيبها المأثور. فتكون دليلا على عدم انتقال ~~الصدقات إلى الورثة على على عدم تشريع الأرث إطلاقا. وقد يكون من حق سيبويه ~~علينا أن نشير إلى أن قواعد النحو ترفع كلمة صدقة على تقدير استقلال - ما ~~تركناه صدقة - معنويا وتنصبها على التقدير الاخر. ومن الواضح أن الحركات ~~الاعرابية لا تلحظ في التكلم عادة بالنسبة إلى الحرف الأخير من حروف الجملة ~~للوقوف عليه المجوز لتسكينه. 11 - وإذن فقد وضعنا بين يدي الحديث عدة من ~~المعاني في سبيل البحث عن مدلوله. وليس من الأسراف في القول أن نقرر أن ~~تفسير الحديث بما يدل على أن أموال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون ~~صدقة بعد موته، لا يرجح على المعنيين الاخرين، بل قد نتبين لونا من الرجحان ~~للمعنى الثاني - وهو أن المتروك صدقة لا يورث - دون سائر التركة إذا تأملنا ~~ضمير الجمع في الحديث، وهو النون، وهضمنا دلالته كما يجب لأن استعماله في ~~شصخه الكريم خاصة لا يصح إلا على سبيل المجاز، ثم هو بعد ذلك بعيد كل البعد ~~عن تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله. فالظواهر تجمع ~~على أن النون قد استعملت في جماعة، وإن الحكم الذي تقرره العبارة ثابت لها ~~وليس مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأوفق باصول التعبير أن تكون ~~الجماعة جماعة المسلمين لا الأنبياء، لأن 73 الحديث مجرد عن قرينة تعين ~~هؤلاء، ولم يسبق بعهد يدل عليهم. وليس لك أن تعترض بأن صيغة الحديث يجوز ~~أنها كانت مقترنة حال صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة أو ~~مسبوقة بعهد يدل على أن # --- PageV01P160 [161] # مراده من الضمير جماعة الأنبياء، لأن اللازم أن تعتبر عدم ذكر الخليفة ~~لشئ من ذلك - مع أن الراوي لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما يصلح ~~لتفسيره - دليلا على سقوط هذا الاعتراض. وأضف إلى هذا أن إغفال ذلك لم يكن ~~من صالحه، وإذن فليكن الواقع اللفظي للحديث هو الواقع المأثور عن ms104 الخليفة ~~بحدوده الخاصة بلا زيادة ولا نقيضة. والمفهوم من الضمير حينئذ جماعة ~~المسلمين لحضورهم ذاتا عند صدور العبارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقد جرت عادة المتكلمين على أنهم إذا أوردوا جملة في مجتمع من الناس، وأ ~~درجوا فيها ضمير المتكلم الموضوع للجماعة، أن يريدوا بالضمير الجماعة ~~الحاضرة. فلو أن شخصا من العلماء اجتمع عنده جماعة من أصدقائه، وأخذ يحدثهم ~~وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع للجمع بلا سبق ذكر العلماء، لفهم من الضمير ~~أن المتكلم يعني بالجماعة نفسه مع أصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين ~~يندرج فيهم، ولو أراد جماعة غير اولئك الحاضرين لم يكن مبينا بل ملغزا. ~~وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا الحكم الذي أثبته الحديث ~~للمسلمين - الذين قد عرفنا أن الضمير يدل عليهم - هل يجوز أن يكون عبارة عن ~~عدم توريث المسلم لتركته ؟ أو أن الأموال التي عند كل مسلم ليست ملكا له ~~وإنما هي من الصدقات ؟ كلا ! فإن هذا لا يتفق مع الضروري من تشريع الأسلام، ~~لأن المسلم في عرف القرآن يملك بألوان متعددة من أسباب الملك عند الناس، ~~ويورث ما يتركه من أموال (بعد وصية يوصي بها أو دين) (1). وأنت ترى # --- # (1) إشارة إلى قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف ولاءبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلاءمه االثلث فإن كان له إخوة فلاءمه السدس من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين) النساء / 11. # --- PageV01P161 [162] # معي الان بوضوح أن الحكم ليس إلا أن الصدقة لا تورث، فإن هذا أمر عام لا ~~يختص بصدقة دون صدقة بل يطرد في سائر صدقات المسلمين. ولا غرابة في بيان ~~الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع مع وضوحه الان، لأن قواعد ~~الشريعة وأحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال ~~انفساخ الصدقات والأوقاف بموت المالك ورجوعها ms105 إلى الورثة متسع، ولا يضعضع ~~قيمة هذا التفسير عدم ذكر الز هراء له واعتراضها به على الخليفة. أما أولا: ~~فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهرء في ساعتها الشديدة لم يكن ليتسع لمثل ~~تلك المناقشات الدقيقة، حيث أن السلطة الحاكمة التي كانت تريد تنفيذ ~~قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم لا يقبلان جدالا، ~~ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء على ~~الدعوى الصارمة إذ يقول: (هكذا هو) - كما في طبقات ابن سعد * (1) - فلم يكن ~~مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في ا لثورة بنصيب إلا الرد والفشل. ~~وأما ثانيا: فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي كان ~~يتلخص في القضاء على جهاز الخلافة الجديدة كلها، فمن الطبيعي أن تقتصر على ~~الأساليب التي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض، # --- # (1) طبقات ابن سعد 2: 315، طبعة دار صادر، قول الخليفة الأول في الجواب: ~~هكذا هو. # --- PageV01P162 [163] # فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس وقلوبهم معا، ولكنها لم ~~تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب أن يستنكر اغضاء ~~الخليفة عنها كل أحد، ويجر ذلك الاستنكار إلى معارضة حامية. فقد نفت وجود ~~سند لحكم الخليفة من الكتاب الكريم، ثم ذكرت ما يخالفه من الايات العامة ~~المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين (1)، والايات الخاصة الدالة على توريث ~~بعض الأنبياء كيحيى وداود عليهما السلام، ثم عرضت المسألة على وجه آخر وهو: ~~إن ما حكم به الخليفة لو كان حقا للزم أن يكون أعلم من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ووصيه، لأنهما لم يخبراها بالخبر مع أنهما لو كانا على علم ~~به لأخبر اها به، ومن الواضح أن الصديق لا يمكن أن يكون أعلم بحكم التركة ~~النبوية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو علي الذي ثبتت وصايته (2) ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في قولها: (يا ابن أبي قحافة أفي ~~كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت ms106 شيئا فريا ! أفعلى عمد تركتم ~~كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) (3) وقال ~~فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا: # --- # (1) من الواضحات العلمية أخيرا: أن الخبر الواحد المعتبر يصلح لتخصيص ~~الكتاب، لأنه حاكم أو وارد كما هو الصحيح على أصالة العموم وأصالة الأطلاق. ~~وإنما احتجت الزهراء بالايات العامة، لأنها لم تكن تعترف بوثاقة الصديق ~~وعدالته. (الشهيد) (2) وصاية الأمام علي عليه السلام ثابتة على كل حال: أما ~~عند الأمامية، فعليها الأجماع، وعلى أنها بالمعنى الأعم أي الخلافة أيضا، ~~وأما عند غيرهم فثابتة ولكن بالمعنى الأخص. راجع حديث الدار ا لمشهور تاريخ ~~الطبري 2 وقد تقدم، مسألة الوصية والاستدلال عليها تفصيلا، المراجعات / ~~العلامة عبد الحسين شرف ا لدين: 236. (3) النمل / 16. # --- PageV01P163 [164] # (فهب لي من لدنك وليا * يرئني ويرث من آل يعقوب) (1) وقال: (وأ ولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي ~~؟ أم هل تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان ؟ ! أو لست أنا وأبي من أهل ملة ~~واحدة ؟ أن أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي (3) ؟ !). وكانت ~~أبرز الناحيتين في ثورتها الناحية العاطفية. وليس من العجيب أن تصرف ~~الزهراء أكثر جهودها في كسب معركة القلب، فإنه السلطان الأول على النفس، ~~والمهد الطبيعي الذي تترعرع فيه ر وح الثورة. قد نجحت الحوراء في تلوين ~~صورة فنية رائعة تهز المشاعر، وتكهرب العواطف، وتهيمن على القلوب، كانت هي ~~أفضل سلاح تتسلح به امرأة في ظروف كظروف الزهراء. ولأجل أن نستمتع بالجمال ~~الفني في تلك الصورة الملونة بأروع الألوان، لا بأس بأ ن نستمع إلى الصديقة ~~حين خاطبت الأنصار بقولها: (يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحضنة الأسلام، ~~ما هذه الفترة عن نصرتي ؟ والونية عن معونتي ؟ والغمزة في حقي ؟ والسنة عن ~~ظلامتي ؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المرء يحفظ في ~~ولده) (4) ؟ ! سرعان ما # --- # (1) مريم / 5 و6. (2) الأنفال / 75. (3) نقلنا هذه القطعة على وجه ~~الاختصار (الشهيد)، إن اختصاص الأمام علي عليه السلام بفقه القرآن، ومعرفة ~~عامه وخاصه ms107 ومحكمه ومتشابهه وظاهره وباطنه مما تضافر على نقله الخاص ~~والعام. را جع: الأتقان / السيوطي 4: 233، طبقات ابن سعد 2: 338، الصواعق ~~المحرقة / ابن حجر: 127 وغيرها. 75 (4) وردت روايات بمعناه كثيرة راجع: ~~الصواعق المحرقة: 173. # --- PageV01P164 [165] # أحدثتم، وعجلان ما أتيتم، ألأن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمتم دينه ؟ ! ها إن موته لعمري خطب جليل، استوسع وهنه، واستبهم فتقه، وفقد ~~راتقه، وأظلمت الأرض له، خشعت الجبا ل، وأكدت الامال. اضيع بعده الحريم، ~~وهتكت الحرمة، واذيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته، ~~وأنبأكم بها قيل وفاته، فقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزي الله الشاكرين) (1) إيها بني قيلة ! هتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ~~ومسمع تبلغكم الدعوة، ويشملكم الصوت، وفيكم العدة والعدد، ولكم الدار ~~والجنن، وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار... الخ) (2). وإذن ~~فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات الحاكمة، ~~ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها. وهذا يفسر لنا عدم ~~تعرضها للنحلة في خطابها أيضا. (موقف الخليفة من مسألة الميراث) 1 - يجب ~~الان توضيح موقف الخليفة تجاه الزهراء في مسألة الميراث وتحديد رأيه فيها - ~~بعد أن أوضحنا حظ الصيغ السابقة من وضوح المعنى وخفائه - وهو موقف لا يخلو ~~من تعقيد إذا تعمقنا شيئا ما في درس # --- # (1) آل عمران / 144. (2) خطبة الزهراء / شرح النهج 16: 212 - 213. # --- PageV01P165 [166] # المستندات التاريخية للقضية. ومع أن المستندات كثيرة فإنها مسألة محيرة ~~أن نعرف ماذا عسى أن تكون النقطة التي اختلف فيها التنازعان، ومن الصعوبة ~~توحيد هذه النقطة. والناس يرون أن مثار الخلاف بين أبي بكر والزهراء هو ~~مسألة توريث الأنبياء، فكانت الصديقة تدعي توريثهم، والخليفة ينكر ذلك. ~~وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل السمألة حلا نهائيا ولا يفسر عدة امور: ~~(الأول) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها - وقد طالبته بفدك -: إن هذا ~~المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ms108 وسلم وإنما كان مالا من أموال ~~المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان يليه (1). فإن هذا الكلام يدل بوضوح ~~على أنه كان يناقش في أمر آخر غير توريث الأنبياء. (الثاني) قوله لفاطمة في ~~محاورة اخرى: (أبوك والله خير مني وأنت والله خير من بناتي وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نورث ما تركناه صدقة (2). يعني هذه ~~الأموال القائمة، وهذه الجملة التفسيرية التي ألحقها الخليفة بالحديث تحتاج ~~إلى عناية، فإنها تفيدنا أن الخليفة كان يرى أن الحكم الذي تدل عليه عبارة ~~الحديث مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس ثابتا لتركة سائر ~~الأنبياء ولا لتركة سا ئر المسلمين جميعا، فحدد التركة التي لا تورث ~~بالأموال القائمة، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعنيها ~~هي بالحديث. وعلى هذا # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214. (2) المصدر السابق. # --- PageV01P166 [167] # التحديد نفهم أن المفهوم للخليفة من الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات، ~~لأن هذ ا الحكم عام، ولا اختصاص له بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا ~~يجوز أن يحدد موضوعه بالأموال القائمة بل كان اللازم حينئذ أن يأتي الخليفة ~~بجملة تطبيقية بأن يقول: إن الأموال القائمة مما ينطبق عليها الحديث. كما ~~يتضح لدينا أن الخليفة لم يكن يفسر الحديث بأن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا تورث تركته وأملاكه التي يخلفها، بل تصبح صدقة بعد موته، لأنه لو ~~كان يذهب هذا المذهب في فهم الحديث لجاء التفسير في كلامه على اسلوب آخر، ~~لأن المقصود من موضوع الحديث حينئذ تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~الأطلاق ولا يعني الأموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء خاصة. وأعني ~~بذلك أن هذه الأموال الخاصة لو كانت قد خرجت عن ملك النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قبل وفاته، لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتا لها كما أن غيرها من ~~الأحوال لو حصل ms109 (للنبي) لما ورثها آله أيضا. فعدم توريث التركة النبوية إن ~~ثبت فهو امتياز لكل ما يخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أملال سواء ~~أكانت هذه التي خلفها أو غيرها. ولا يصح أن يقال: إنه عنى بالتركة الأموال ~~القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء. ونظير ذلك قولك لصاحبك: أكرم كل من ~~يزورك الليلة، ثم يزوره شخصان فإنك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصة، وإنما ~~انطبق عليهما الأمر دون غير هما على سبيل الصدفة. وعلى اسلوب أوضح، إن ~~تفسير التركة التي لا تورث بأموال معينة - وهي الأموال القائمة - يقضي بأن ~~الحكم المدلول عليه بالحديث مختص - عند المفسر - بهذه الأموال المحدودة. ~~ولا ريب أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كانت لا تورث لما اختص الحكم # --- PageV01P167 [168] # بالأموال المعينة المتروكة بالفعل، بل لثبت لكل يتركه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإن لم يكن من تلك الأموال. وأيضا فمن حق البحث أن أتساءل ~~عن فائدة الجملة التفسيرية، والغرض المقصود من ورا ئها فيما إذا كان الحكم ~~المفهوم للخليفة من الحديث أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~تورث، فهل كان صدق التركة على الأموال القائمة مشكوكا، فأراد أن يرفع الشك ~~لينطبق عليها الحديث، ويثبت لها الحكم بعدم التور يث ؟ وإذا صح هذا التقدير ~~فالشك المذكور في صالح الخليفة لأن المال إذا لم يتضح أنه من تركة الميت لا ~~ينتقل إلى ا لورثة، فلا يجوز أن يكون الخليفة قد حاول رفع هذا الشك، ولا ~~يمكن أن يكون قد قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشة في انطباق ~~الحديث على ما تطالب به من أموال، لأنها ما دامت قد طالبت بالأموال القائمة ~~على وجه الأرث فهي تعترف بأنها من تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~ولنفترض أن الأموال القائمة قسم من التركة النبوية وليس المقصود منها ~~مخلفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا - ولعلها عبارة عن الأموال ~~والعقارا ت الثابتة نحو فدك - فهل يجوز لنا تقدير ms110 أن غرض الخليفة من الجملة ~~تخصيص الأموال التي لا تورث بها ؟ لا أظن ذلك، لأن أملاك النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا تختلف في التوريث وعدمه. ونخرج من هذه التأملات بنتيجة ~~وهي أن ا لمفهوم من الحديث للخليفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أخبر عن عدم تملكه للأموال القائمة، وأشار إليها بوصف التركة فقال: (ما ~~تركناه صدقة)، فشأنه شأن من يجمع ورثته ثم يقول لهم: إن كل تركتي صدقة، ~~يحاول بذلك أن يخبرهم بأنها ليست ملكا له ليرثوها بعده لأن ذلك هو المعنى ~~الذي يمكن أن يختص بالأموال القائمة ويحدد موضوعه بها. # --- PageV01P168 [169] # (الثالث) جواب الخليفة لرسول أرسلته فاطمة ليطالب بما كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، إذ قال له: (إن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل ~~آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (1). فإننا إذا افترضنا أن معنى الحديث في رأي الخليفة عدم ~~توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأملاكه، كان كلامه متناقضا، لأن ~~استدلاله بالحديث في صدر كلامه يدل حينئذ على أنه يعترف بأن ما تطالب به ~~الزهراء هو من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأملاكه التي مات عنها - ~~ليصح انطباق الحديث عليه - والجملة الأخيرة من كلامه وهي قوله: (وإني والله ~~لا اغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي ~~كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، تعاكس هذا المعنى، ~~لأن ما طلبت الزهراء تغييره عن أيام النبي صلى الله عليه وآ له وسلم - بزعم ~~الخليفة - هو فدك وعقاراته في المدينة، وما بقي من خمس خيبر. فأبوبكر حين ~~يقول: إني والله لا اغير شيئا من صدقات رسول ms111 الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~يعني بها تلك الأموال التي طالبت بها الزهراء، ورأى معنى مطالبتها بها ~~تغييرها عن حالها السابقة، ومعنى تسميته لها بصدقات رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن من رأيه أنها ليست ملكا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بل صدقاته التي كان يتولاها في حياته. ويوضح لنا هذا أن استدلاله بالحديث ~~في صدر كلامه لم يكن لأثبات أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~تورث وإنما أراد بذلك توضيح أن الأموال القائمة ليست من أملاك النبي، لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أنها صدقة. 2 - ونستطيع أن نتبين من بعض ~~روايات الموضوع أن الخليفة ناقش # --- # (1) شرح النهج 16: 218. # --- PageV01P169 [170] # في توريث الأنبياء لأملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحية السابقة، فإن ~~الرواية ا لتي تحدثنا بخطبة الزهراء واستدلال أبي بكر بما رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من حديث: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث... الخ) ~~واعتراض الزهراء عيله بالايات العامة المشرعة للميراث والايات الخاصة ~~الدالة على توريث بعض الأنبياء تكشف عن جانب جديد من المنازعة إذ ينكر أبو ~~بكر توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمواله، ويستند إلى الحديث في ~~ذلك، ويلح في الأنكار كما تلح فاطمة في مناقشته (1) والتشبت بوجهة نظرها في ~~المسأ لة. 3 - وإذن فللخليفة حديثان: (الأول) لا نورث ما تركناه صدقة (2). ~~(والثاني) إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة (3). وقد ادعى أمرين: ~~أحدهما: إن فدك صدقة فلا تورث. والاخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا تورث أملاكه. واستدل بالحديث الأو ل على أن فدك صدقة وبالحديث الثاني ~~على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث. (نتائج المناقشة) 1 - قد لا ~~يكون من العسير تصفية الحساب مع الخليفة بعد أن اتضح # --- # (1) المصدر السابق 16: 211. (2) المصدر نفسه 16: 218، وراجع سنن البيهقي ~~6: 300 - 301. (3) شرح النهج 16: 252. # --- PageV01P170 [171] # موقفه، وتقررت الملاحظات التي لا حظناها في الحديثين اللذين رواهما عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتتلخص المؤاخذة التي آخذناه ms112 بها حتى الان ~~في عدة امور نشير إليها لنجمع نتائج ما سبق: (الأول) أن الخليفة لم يصدق ~~روايته في بعض الأحايين كما المعنا في مستهل هذا الفصل... (الثاني) أن من ~~الأسراف في الاحتمال أن نجوز إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~الخليفة بحكم تركته 78 وإخفاءه عن بضعته وسائر ورثته. وكيف اختص بالخليفة ~~دون غيره بمعرفة الحكم المذكور ؟ (1) مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لم يكن من عادته الاجتماع بأبي بكر وحده إلا بأن يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم اخبره بالخبر في خلوة متعمدة ليبقى الأمر مجهولا لدى ورثته ~~وبضعته ويضيف بذلك إلى آلامها من ورائه محنة جديدة. (الثالث) أن عليا هو ~~وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب، للحديث الدال على ذلك الذي ~~ارتفع به رواته إلى درجة التواتر واليقين حتى شاع في شعر أكابر الصحابة ~~فضلا عن رواياتهم كعبد الله بن عباس وخزيمة بن ثابت الأنصاري وحجر بن عدي ~~وأبي الهيثم بن التيهان وعبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ~~وحسان بن ثابت وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2). وإذن فالوصاية من ~~الأوسمة الأسلامية الرفيعة التي اختص بها # --- # (1) حتى قالت عائشة في كلام لها: واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد ~~في ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~إنا معاشر الأنبياء لا نورث... إلخ. راجع الصواعق المحرقة / ابن حجر: 34. ~~(الشهيد) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 73. (2) راجع شرح النهج 1: 47 - 48 و3: ~~15 من الطبعة المصرية غير المحققة. # --- PageV01P171 [172] # الأمام بلا ريب (1). وقد اختلف شيعة علي وشيعة أبي بكر في معنى هذه ~~الوصاية فذهب السابقون الأولون إلى أنها بمعنى النص عليه بالخلافة، وتأولها ~~الاخرون فقالوا: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه ~~أو شريعته أو مختصاته. ولا نريد الان الاعتراض على هؤلاء أو تأييد اولئك، ~~وإنما نتكلم على الحد يث بمقدار ما يتطلبه اتصاله بموضوع ms113 هذا البحث ونقرر ~~النتيجة التي يقضي بها على كل من تلك التفاسير. فنفترض أولا: إن الوصاية ~~بمعنى الخلافة، ثم نتبين الصديق على هدى الحديث. فإنا سوف نراه شخصا سارقا ~~لأنفس المعنويات الأسلامية، ومتصرفا في مقدرات الامة بلا سلطان شرعي. ولا ~~مجال لهذا الشخص حينئذ أن يحكم بين الناس، ولا يسعنا أن نؤمن له بحديث. ~~ولنترك هذا التفسير ما دام شديد القسوة على صاحبنا ونقول: إن عليا وصي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه وشريعته، فهل يسعنا مع الاعتراف ~~بهذه الوصاية المقدسة أن نؤمن بحديث ينكره الوصي ؟ ! وما دام هو العين ~~الساهرة على شريعة السماء (2)، فلا بد أن يؤخذ رأيه في كل مسألة نصا لا ~~مناقشة فيه، # --- # (1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 46: فلا ريب عندنا أن عليا عليه ~~السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن خالف من ذلك من هو ~~منسوب عندنا إلى العناد. (الشهيد) (2) راجع قول النبي الأكرم صلى الله عليه ~~وآله وسلم: (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض) ~~- المعجم الصغير / الطبراني وإنه صلى الله عليه وآله وسلم اختصه من بين ~~أصحابه وأهل بيته بأن عهد إليه سبعين عهدا لم يعهد لأحد غيره، أنه مع الحق ~~والحق معه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مني وأنا ولا يؤدي عني إلا ~~هو...). راجع في كل ذلك الصواعق المحرقة / ابن حجر: 122 وما بعدها، مختصر ~~تاريخ ابن عساكر 17: 256 وما بعدها. # --- PageV01P172 [173] # لأنه أدرى بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وائتمنه عليه. ~~وخذ إليك بعد ذلك الاسلوب الثالث، فإنه ينتهي إلى النتيجة السابقة عينها ~~لأن عليا إذا كان وصيا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تركته ~~ومختصاته، فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عليها موجود وهو أعرف بحكمها ومصيرها الشرعي. (الرابع) أن ~~تأميم التركة النبوية من أوليات الخليفة في التاريخ، ولم يؤثر في ms114 تواريخ ~~الامم السابقة ذلك، ولو كان قاعدة متبعة قد جرى عليها الخلفاء بالنسبة إلى ~~تركة سائر الأنبياء لاشتهر الأمر، وعرفته امم الأنبياء جميعا. كما أن إنكار ~~الخليفة لملكية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفدك - كما تدل عليه بعض ~~المحاورات السابقة - كان فيه من التسرع شئ كثير، لأن فددك مما لم يوجف ~~عليها بخيل ولا ركاب، بل استسلم أهلها خوفا ورعبا باتفاق أعلام المؤرخين # --- # (1) من السنة والشيعة. وكل أرض يستسلم أهلها على هذا الاسلوب فهي للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم خالصة (2). وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم ~~إلى أن فدك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (وما أفاء الله على رسوله ~~منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (3). ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه ~~لها. (الخامس) إن الحديثين اللذين استدل بهما في الموضوع لا يقوم منهما # --- # (1) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 46، تاريخ ابن الأثير 2: 231 دار ~~صادر، شرح نهج البلاغة 4: 78، سيرة ابن هشام 2: 368، دار إحياء التراث ~~العربي - بيروت / 1985. (الشهيد) (2) راجع تفسير الكشاف / الزمخشري 4: 502. ~~(3) الحشر / 6. # --- PageV01P173 [174] # دليل على ما أراد، وقد خرجنا من دراستهما قريبا بمعنى لكل منهما لا يتصل ~~بمذهب ا لخليفة عن قرب أو بعد. وإن أبيت فلتكن المعاني الانفة الذكر ~~متكافئة، ولتكن العبارة ذات تقادير متساوية، ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها ~~والاستدلال بها عليه. 2 - هذه هي الاعتراضات التي انتهينا إليها أنفا. ~~ونضيف إليها الان اعتراضا سادسا بعد أن نفترض أن جملة (إنا معاشر الأنبياء ~~لو نورث) أقرب إلى نفي الحكم بالميراث منها إلى نفي التركة الموروثة، ونقدر ~~لجملة: (لا نورث ما تركناه صدقة) من المعنى ما ينفع الخليفة، ونلغي تفسيرها ~~بأن الصدقة المتروكة لا تورث، ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقادير. وهذا ~~الاعتراض الجديد هو أن اللازم - في العرف العلمي - متى صحت هذه الفروض ~~تأويل الخبر، ولم يجز الركون إلى أوضح معانيه، لأنه يقرر حينئذ عدم توريث ~~سائر الأنبياء لتركاتهم، لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو إنا ~~معاشر الأنبياء لا ms115 نورث، ولما يدل عليه بالنون في قوله: لا نورث ما تركناه ~~صدقة، من تعليق الحكم على جماعة. وحيث يتضح أن الحكم في الحديث عدم توريث ~~التركة، يتجلى أن المراد بالجماعة جماعة الأ نبياء، إذ لا توجد جماعة اخرى ~~نحتمل عدم انتقال تركاتها إلى الورثة. وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث ~~بعض الأنبياء، إذ قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبرا عن زكريا ~~عليه السلام: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (1). والأرث في الاية ~~بمعنى إرث المال، لأنه هو الذي ينتقل # --- # (1) مريم / 6. # --- PageV01P174 [175] # حقيقة من الموروث إلى الوارث، وأما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالا ~~حقيقيا (1)، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد العاقل والمعقول (2) ~~واضح كل الوضوح. وأما إذا اعترفنا بالمغايرة الوجودية بينهما، فلا ريب في ~~تجرد الصور العلمية (3) وأنها قائمة بالنفس قياما صدوريا (4)، بمعنى # --- # (1) شرح النهج 16: 241. (2) وتقوم الفكرة في هذه النظرية على أن الصور ~~المعقولة - وهي عبارة عن وجود مجرد عن المادة - لا قوام لها إلا 80 بكونها ~~معقولة. فالمعقولية نفس هويتها، وتجريدها عن العاقل تجريد لها عن نحو ~~وجودها الخاص. وهذا آية الوحدة الوجودية. وإذن فتدرج النفس في مراتب العلم ~~هو تدرجها في أطوار الوجود، وكلما صار الوجود النفسي مصداقا فالمفهوم عقلي ~~جديد زاد في تكامله الجوهري وأصبح من طراز أرفع، ولا مانع مطلقاا من اتحاد ~~مفاهيم متعددة في الوجود كما يتحد الجنس والفصل، وليس ذلك كالوحدة الوجودية ~~لوجودين أو الوحدة المفهومية لمفهومين، فإن هاتين الوحدتين مستحيلتان في ~~حساب العقل دون ذاك الاتحاد. والتوسع لا مجال له. (الشهيد) (3) فإن الحق ~~جميع مراتب العلم والصور المدركة، ولكن على تفاوت في مراتب التجريد، فإن ~~المدرك بالذات لا يمكن أن يكون أن يكون نفس الشئ بهويته المادية، فحتى ~~المدرك بحاسة البصر له نحو من التجرد وليس في نورية خروج الشعاع أو ~~الانطباع. وما ثبت حول الرؤية في علم المرايا أو بحوث الفيزياء ما يفسر ~~الأدراك البصري تفسيرا ms116 فلسفيا، فلا بد من الاعتراف بتجرده فضلا عن الخيال ~~والعقل. وقد أوضحنا هذا المذهب في كتابنا العقيدة الألهية في الأسلام. ~~(الشهيد) (4) لا قياما حلوليا بمعنى كونها أعراضا لها، وإنما ذهب هذا ~~المذهب بعض الفلاسفة لحل المشكلة التي اعترضت الباحثين عندما أردوا أن ~~يوفقوا بين أدلة الوجود الذهني وبين ما اشتهر من كون العلم كيفا، وهي أن ~~الصورة المعقولة إذا كانت كيفا فما نتعقله من الأنسان ليس جوهرا لأنه كيف ~~وليس إنسانا إذن لأن كل إنسان جوهر وإنما هو مثال. ولما أفلست جميع الحلول ~~التي وضعت لحل الشبهة من إنكار الوجود الذهني وتقرير مذهب المثالية، ~~واختيار التعدد وكون العلم عرضا والمعلوم جوهرا وتفسير الجوهر بأنه الموجود ~~المستقل خارجا لا ذهنا، والانقلاب: اضطر الباحثون المتأخرون إلى تقرير أن ~~الصورة المعقولة من الجوهر جوهر لا كيف، غير أن الفيلسوف الأسلامي الكبير ~~صدر الدين الشيرازي اختار في الأسفار أنها جوهر بحسب ماهيتها وكيف بالعرض. ~~ويمكن الاعتر اض عليه بأن كل ما بالعرض لا بد أن ينتهى إلى ما بالذات وإذن ~~فلا بد أن نفترض كيفا حقيقيا متحدا مع الصورة لتكو ن كيفا بالعرض. وتنتهي ~~النظرية حينئذ بصاحبها إلى أحد أمرين أما الالتزام بتعدد ما في النفس أو ~~الاصطدام بالمشكلة الاولى نفسها ولذا كان الأفضل تقرير ان الصورة المدركة ~~من الأنسان مثلا جوهر وليست بعرض إطلاقا، وارتباطها با لنفس ارتباط المعلول ~~بالعلة لا العرض بموضوعه. (الشهيد) # --- PageV01P175 [176] # أنها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات - لا بمجرد الاتصال فقط - ~~متقوم بعلته ومرتبط الهوية بها، فيستحيل انتقاله إلى علة اخرى. ولو افترضنا ~~أن الصور المدركة أعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياما حلوليا، فيستحيل ~~انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع كما برهن عليه في ~~الفلسفة سواء أقلنا بتجردها أو بماديتها بأن اعترافنا باشتمال الصور ~~المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها. وإذن فالعلم ~~يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جميعا. ~~وإذا لاحظنا النبوة وجدنا أنها هي الاخرى أيضا مما لا يجوز في ms117 عرف العقل ~~انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا أنها مرتبة من ~~مراتب الكمال النفسي، ودرجة من درجات الوجو د الأنساني الفاضل الذي ترتفع ~~إليه المهية الأنسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال ~~المطلق، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصبا ~~إلهيا مجعولا لا كمنصب الملك والوزير، ويكون ذلك التكامل النفسي شرطا له، ~~فالمفهوم الأول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه # --- PageV01P176 [177] # نفس وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمالاته الذاتية، والنبوة ~~بالمعنى الاخر يستحيل انتقالها أيضا لأنها حينئذ أمر اعتباري متشخص الأطراف ~~ولا يعقل تبدل طرف من أطرافه إلا بتبدل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر. فنبوة ~~زكريا مثلا هي هذه التي اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لأنها لا ~~تكون حينئذ تلك النبوة الثابتة لزكريا بل منصبا جديدا أو مقاما نبويا ~~حادثا. والنظر الأولي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوة من دون ~~حاجة إلى هذا التعمق والتوسع. وإذن فالنتيجة التي يقررها العقل في شوطه ~~الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أن المال وحده الذي ~~ينتقلت دون العلم والنبوة. 3 - وقد يعترض على تفسير الأرث في كلام زكريا ~~بإرث المال بأن يحيى عليه السلام لم يرث مال أبيه لاستشهاده في حياته فيلزم ~~تفسير الكلمة بإرث النبوة، لأن يحيى قد حصل عليها ويكون دعاء النبي حينئذ ~~قد استجيب. ولكن هذا الاعتراض لا يختص بتفسير دون تفسير، لأن يحيى عليه ~~السلام كما أنه لم يرث مال أبيه كذلك لم يخلفه في نبوته. وما ثبت له من ~~النبوة لم يكن وراثيا وليس هو مطلوب زكريا وإنما سأل زكريا ربه وا رثا يرثه ~~بعد موته ولذا قال: (وإني خفت الموالي من ورائي) (1) أي بعد موتي، فإن ~~كلامه يدل بوضوح على أنه أراد وارثا يخلفه ولم يرد نبيا يعاصره، وإلا لكان ~~خوفه من الموالي بعد وفاته باقيا. فلا بد - على كل تقدير - أن نوضح الاية ~~على اسلوب يسلم عن الاعتراض، وهو أن تكون جملة (يرثني ms118 ويرث من آل # --- # (1) مريم / 6، وراجع تفسير الكشاف 3: 4، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت. # --- PageV01P177 [178] # يعقوب)، جوابا للدعاء بمعنى إن رزقتني ولدا يرث، لا صفة ليكون زكريا قد ~~سأل ربه وليا وارثا. فما طلبه النبي من ربه تحقق وهو الولد وتوريثه المال ~~أو النبوة لم يكن داخلا في جملة ما سأل ربه وإنما كان لازما لما رجاه في ~~معتقد زكريا عليه السلام. ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جوابا من ~~النواحي اللفظية في الاعراب، لأن الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع، وإذا كان ~~جوابا يتعين جزمه. وقد ورد في قراءته (1) كلا الوجهين. وإذا لا حظنا قصة ~~زكريا في موضعها القرآني الاخر وجدنا أنه لم يسأل ربه إلا ذرية طيبة، فقد ~~قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هبب لي من ~~لدنك ذرية طيبة) (2). وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزا على ~~القرآن (3) نفسه، وعلى هذا فنفهم من هذه الاية أن زكريا كان مقتصدا في ~~دعائه ولم يطلب من ربه إلا ذرية طيبة، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا في ~~جملة واحدة تارة وجعل لكل من الذرية ووصفها دعوة مستقلة في موضع آخر فكانت ~~جملة هب لي من لدنك وليا طلبا للذرية، وجملة واجعله ربي رضيا دعوة بأن تكون ~~الذرية طيبة. وإذا جمعنا هاتين الجملتين أدت نفس المعنى # --- # (1) راجع: املاء ما من به الرحمن من وجوه الاعتراب والقراءات / أبي ~~البقاء العكبري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1969، تفسير مجمع ~~البيان / الطبرسي 6: 647. الكشاف / الزمخشري 3: 5. (2) آل عمران / 38. (3) ~~راجع الأتقان / السيوطي 4: 200، مقدمة في اصول التفسير / ابن تيمية. # --- PageV01P178 [179] # الذي تفيده عبارة هب لي من لدنك ذرية طيبة وتخرج كلمة (يرثني) بعد عملية ~~المطابقة ابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء، ولا بد حينئذ أن ~~تكون جوابا له. 4 - وعلى ذلك يتضح أن كلمة الأرث في الاية الكريمة قد اعطيت ~~حقها من الاستعمال واريد بها إرث النبوة، لأن الشئ إنما يصح أن يقع جوابا ~~للدعاء فيما إذا كان ملازما للمطلوب ومتحققا عند ms119 وجوده دائما أو في أكثر ~~الأحايين. ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرية إطلاقا، بل قد لا تتفق ~~في مئات الملايين من الأشخاص لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذة وكمال ~~عظيم، فلا يجوز أن توضع النبوة بجلالها الفريد جوابا لسؤال الله تعالى ذرية ~~طيبة، لأن النسبة بين الذرية الأنسانية وبين الجديرين بتحمل أعباء الرسالة ~~السماوية هي النسبة بين الاحاد والملايين. وأما وراثة المال فيمكن أن تكون ~~جوابا لدعاء زكريا عليه السلام لأن الولد يبقى بعد أبيه عليه الأكثر ~~فوراثته للمال مما يترتب على وجوده غالبا، وأضف إلى ذلك أن زكريا نفسه لم ~~يكن يرى النبوة ملازمة لذريته بل ولا ما دونها من المراتب الروحية، ولذا ~~سأل ربه بد ذلك بأن يجعل ولده رضيا. 5 - ولنترك هذا لندرس كلمة الأرث في ~~الاية على ضوء تقدير الفعل صفة لا جوابا للد عاء. وفي رأيي أن هذا التقدير ~~لا يضطرنا إلى الخروج بنتيجة جديدة، بل الأرث في كلمة (يرثني) هو إرث المال ~~في ا لحاالين معا بلا ريب. والذي يعين هذا المعنى للكلمة على التقدير ~~الجديد أمران: (الأول) أن زكريا عليه السلام لو كان قد طلب من ربه ولدا ~~وارثا لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضيا، لأنه دخل في دعوته الاولى ما ~~هو أرفع # --- PageV01P179 [180] # من الرضا. (الثاني) أن إغفال الأرث بالمرة في قصة زكريا الواردة في سورة ~~آل عمران إن لم يد ل على أن الأرث خارج عن حدود الدعاء، فهو في الأقل يوضح ~~أن معنى الأرث في الموضع القرآني الاخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة، لأن ~~زكريا لو كان قد سأل ربه أمرين: أحدهما أن يكون ولده طيبا رضيا، والاخر أن ~~يرث نبوته، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا ~~عليه السلام فإنه ليس شيئا مذكورا بالأضافة إلى النبوة. ولكي تتفق معي على ~~هذا لاحظ نفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما فأعطيته الأمرين معا. ثم ~~أردت أن تنقل القصة وتخص الدرهم بالذكر، لا ms120 أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير ~~التواضع. ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم الما دية هو دون امتياز ~~النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية. وإذن فقصة زكريا التي ~~جاءت في سورة آل عمران، ولم يذكر فيها عن الأرث كثير أو قليل، دليل على أن ~~الأرث المذكور في الصورة الاخرى للقصة بمعنى إرث المال لا إ رث النبوة، ~~وإلا لكان من أبرز عناصر القصة التي لا يمكن إغفالها. (السادس) ولاحظ بعض ~~الباحثين (1) في الاية الكريمة نقطتين تفسران الأرث فيها بإرث النبوة: ~~(الاولى) قول زكريا عاطفا على كلمة (يرثني): - (ويرث من آل يعقوب) - فإن ~~يحيى لا يرث أموال آل يعقوب، وإنما يرث منهم # --- # (1) راجع الملاحظة والأيراد والمناقشة في شرح النهج / ابن أبي الحديد 16: 239. # --- PageV01P180 [181] # النبوة والحكمة. (الثانية) ما قدمه النبي تمهيدا لدعائه من قوله: وإني ~~خفت الموالي من روائي، حيث أن خوفه إنما كان سبب الأشفاق على معالم الدين، ~~والرغبة في بقائها باستمرار النبوة، لأن هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون ~~الحرص على الأموال، والخوف من وصولها إلى بعض الورثة. واعترض أصحابنا على ~~النقطة الاولى، بأن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يرث ولده أموال آل ~~يعقوب جميعا، وإنما أراد أن يرث منها، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم. ~~وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه، لأن الخوف ~~على ا لدين والعلم من أبناء العم لا معنى له، لأن اللطف الألهي لا يترك ~~الناس سدى بلا حجة بالغة. فمعالم الدين، وكلمة السماء محفوظة بالرعاية ~~الألهية، والنبوة مخوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من ~~السطو والنهب. وإذ ن فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا 83 لو لم يمن عليه ~~بيحيى ؟ أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه ؟ أعني بني عمومته مع عدم ~~كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الألهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف ؟ ! أو كان ~~يرى أن الله تعالى يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجة عليه ؟ ليس هذا ولا ذاك ~~مما يجوزه نبي، وإنما خاف زكريا ms121 من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ~~ولدا رضيا يرثها. ولا جناح عليه في ذلك، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف ~~أمواله عن بني عمومته بسبب أنها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها، ~~وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر ~~وإمارات السوء حتى قيل أنهم شرار # --- PageV01P181 [182] # بني إسرائيل. وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصور وجها لخوف زكريا من ~~الموالي على الدين من ناحيتين: - (الاولى) عن طريق اصول الشيعة، فذكر أن ~~دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبي غير مستقيم على مذهب الشيعة لأن ~~المكلفين قد حرموا بغيبة الأمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات ~~كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد، وهم يقولون في ذلك أن اللوم على الملكلفين ~~لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف، فهلا جاز أن يخاف زكريا عليه السلام من تبديل ~~لدين وتغييره وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله التبليغ ~~بالرسول إلى المكلفين، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن ~~يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف (1). ولاسجل ملاحظتي على ~~هذا الكلام ثم نتقل بك إلى الناحية الثانية. فأقول: إن الخوف من انقطاع ~~النبوة إنما يصح على اصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على ~~نحو لا يستحقون معه ذلك، كما هو الحال في زمان غيبة الأمام المنتظر صلوات ~~الله عليه، لا فيما إذا كان سببه الاطلاع على عدم لياقة جماعة خاصة للنبوة ~~مع استحقاق الناس لها. فإن إرسال الرسول، أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه ~~الصورة على الله تعالى لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده. وإذن فقصور ~~أبناء العمومة عن نيل المنصب الألهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا إلى احتمال ~~انقطاع النبوة # --- # (1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 257، الطبعة المحققة. # --- PageV01P182 [183] # وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الألهية. وإذا لم ~~يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء أكان ~~بنو العمومة صالحين أو لا، وسواء من الله ms122 عليه بذرية أو بقى عقيما. والاية ~~الكريمة تدل على أن الباعث إلى الخوف في نفس زكريا إنما هو فساد الموالي لا ~~فسا د الناس. (الثانية) عن طريق تفسير الموالي بالامراء، بمعنى أن زكريا ~~خاف أن يلي بعد موته ا مراء ورؤساء يفسدون شيئا من الدين، فطلب من الله ~~ولدا ينعم عليه بالنبوة والعلم ليبقى الدين محفوظا (1). ولنا أن نتساءل عما ~~إذا كان هؤلاء الرؤساء الذين اشفق على الدين منهم، هم الأنبياء الذين ~~يخلفونه أو أنهم أصحاب السلطان الزمني والحكم المنفصل عن السماء ؟ ولا خوف ~~منهم على التقدير الأول إطلاقا لأنهم أنبياء معصومون. وأما إذا كانوا ملوكا ~~فقد يخشى منهم على الدين. ولكن ينبغي أن نلاحظ أن وجود النبي حينئذ هل ~~يمنعهم عن التلاعب في الشريعة والاستخفاف بالدستور الألهي أو لا ؟ فإن كان ~~كافيا لو قاية الشريعة وصون كرامتها فلماذا خاف زكريا من اولئك الامراء ما ~~دامت الألطاف الألهية قد ضمنت للنبوة الامتداد في تاريخ الأنسانية الواعية ~~وخلود الاتصال بين الأرض والسماء ما بقيت الأرض أهلا للتثقيف السماوي ؟ وإن ~~لم يكن وجود النبي كافيا تللحراسة المطلوبة فلا يرتفع الخوف من الحاكمين ~~بوجود ولد لزكريا يرث عنه النبوة ما دام النبي قاصرا عن مقاومة القو ة ~~الحاكمة، وما دام الامراء من الطراز المغشوش، مع أن الاية تدل على أن زكريا كان # --- # (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 257 - 258. # --- PageV01P183 [184] # يرى أن خوفه يرتفع فيما إذا من الله عليه بولد رضي يرثه. ونتيجة هذا ~~البحث أن الأرث في الاية هو إرث المال بلا ريب. وإذن فبعض الأنبياء يورثون ~~وحديث الخليفة يقضي بأن الجميع لا يورثون. فالاية والرواية متعاكستان وكل ~~ما عارض # --- # (1) الكتاب الكريم فهو ساقط. ولا يجوز أن تستثني زكريا خاصد من سائر ~~الأنبياء، لأن حديث الخليفة لا يقبل هذا ا لاستثناء وهذا التفريق بين زكريا ~~عليه السلام وغيره. والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثو ~~ن. ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا عليه السلام خاصية جعلته يورث دون سائر ~~الأنبياء. وما ms123 هو ذنب زكريا عليه السلام، أو ما هو فضله الذي يسجل له هذا ~~الامتياز ؟ أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الانبياء الواردة في الحديث والخروج ~~بها عما تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث كما أوضحناه سابقا، ~~فهو تفسير على كل حال، فلماذا نفسر الحديث بأن تركة النبي لا تورث لنضطر ~~إلى أن نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعني بالأنبياء غير ~~زكريا عليه السلام ؟ بل لنأخذ بالتفسير الاخر ونفهم من الحديث أن الأ نبياء ~~ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته (2). # --- # (1) جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصح عنه قوله: (ما خالف كتاب ~~الله فاضربوا به عرض الجدار، أو فدعوه...). راجع: اصول الكافي / الكليني 1: ~~55 كتاب فضل العلم - باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، الرد على سير ~~الأوزاعي / أبى يوسف الأنصاري: 25. (2) والجملة خبرية وليست إنشائية، لأن ~~إنشاء حكم على الأنبياء بعد وفاتهم، وانقراض ورثتهم لا معنى له، وحينئذ ~~فالتخصيص يستلزم مجازية الاستعمال، وليس شأن صيغة الحديث شأن الجمل ~~الأنشائية التي يكشف تخصيصها عن عدم إرادة الخاص بالأرادة الجدية. ويقدم ~~لذلك على سائر التأويلات والتجوزات، بل هي خبرية، والجملة الخبرية إذا ~~خالفت الأرادة الاستعمالية فيها الجد والحقيقة كانت كذبا، فتخصيصها يستلزم ~~صرفها إلى المعنى المجازي، وحينئذ فلا يرجع على تجوز آخر إذا دار الأمر ~~بينهما. (الشهيد) # --- PageV01P184 [185] # ونعرف مما سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من ~~المعاني، لنا قضت القرآن الكريم، ومصيرها الاهمال حينئذ. وليس في المسألة ~~سبيل إلى اعتبار الحديث مدركا قانونيا في موضوع التوريث، ولذا لم يتفطن ~~الصديق إلى جواى يدفع به اعتراض خصمه عليه بالاية الانفة الذكر، ولم يوفق ~~اوحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه. وليس ذلك إلا لأنهم أحسوا بوضوح أن ~~الحديث يناقض الاية بمعناه الذي يبرر موقف الحاكمين. ولا يمكن أن نعتذر عن ~~الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصين المتناقين وتنفيذه كما يرتئيه جماعة ~~من علماء الأسلام، ms124 وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث، وذلك لأن المعارض ~~للقرآن باطل بلا ر يب لأنه الحق، وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ ؟ (مسألة ~~النحلة) الناحية الثانية: المناقشة التي قامت بين الخيلفة والصديقة حول ~~نحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك، فقد ادعت الصديقة ~~النحلة وشهد بذلك قرينها وام أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها # --- # (1)، ولم يكتف بشاهديها، وطالبها بينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان. # --- PageV01P185 [186] # 1 - والنقطة الاولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في ~~المسألة مع أن خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير ~~(1). ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس، لأن المناقشة على ~~هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر الأساسي ~~لدنيا السياسة في الأسلام، وهي عملية لها حساب طويل. 2 - والملاحظة الثانية ~~في الموضوع هي أن فدك إذا كانت في حيازة الزهرا عليها السلا م فلا حاة لها ~~إلى البينة وفي هذه الملاحظة أمران: (أولا) من هو الذي كانت فدك في حيازته ~~؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا ؟ قد يمكن أن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين ~~في رسالته الخالدة إلى عثمان بن حنيف: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما ~~أظلته السماء. فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين (2). فإن المفهوم ~~من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت وقد نصت على ذلك روايات ~~الشيعة. وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام بفدك يدل على أنها ~~كانت في حياز ة علي وزوجه خاصة، ويمنع عن تفسير العبارة بأن فدك كانت في يد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن حيازته حيازة أهل البيت، ~~لأننا نعلم # --- # (1) قوله: إلى ذلك الحين، أي بعد عشرة أيام من قيام الخلافة وحينذاك لم ~~يكن بنو هاشم وجماعة من أجلاء الصحابة قد بايعوا أبا بكر، فلم يكتسب ~~الخليفة إذن الشرعية الكاملة. راجع تاريخ الطبري 2: 233. (2) شرح نهج ~~البلاغة / ابن أبي ms125 الحديد 16: 208. # --- PageV01P186 [187] # أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده أشياء اخرى غير فدك من ~~مختصاته وأملاكه. (وثانيا) هل الحيازة دليل على الملكية ؟ والجواب الأيجابي ~~عن هذه المسألة مما أجمع (1) عليه المسلمون، ولو لا اعتبارها كذلك لاختل ~~النظام الاجتماعي للحياة الأنسانية. وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد ~~الزهراء بأنها لم تحتج بذلك، ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة ~~والاستدلال بآيات الميراث، وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا ~~الاعتراض لأنها تنقل احتجاج أهل البيت بذلك على الخليفة، غير أننا لا نريد ~~دراسة المسألة على ضوء شئ منها. ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا ~~مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي ~~تتضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة. فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة ~~يتعهدها وكيلها الذي يقوم بزراعتها، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير ~~الوكيل ؟ ! ونحن نعلم أن فدك لم تكن قريبة من المدينة ليسلع أهلها على ~~شؤونها، ويعرفوا من يتولاها، فقد كانت تبعد عنها بأيام، كما أنها قرية # --- # (1) راجع: القواعد الفقهية / السيد حسن البجنوردي 1: 113، المحلى / ابن ~~حزم 9: 436، المهذب / الشيرازي الشافعي 2: 312، الفروق / القراني المالكي ~~4: 78، تحرير المجلة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 4: 150 قال: إن اليد هي ~~إمارة على الملكية شرعا وعرفا...). # --- PageV01P187 [188] # يهودية (1)، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين ~~جماعة المسلمين. فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف ~~يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على النحلة ما ~~دام - في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشئ ؟ ~~وكان من السهل في ذلك اليوم أن تتبلع الحوتو كيل فاطمة على فدك أو أي شخص ~~له اطلاع على حقيقة الأمر كما 86 ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يرو النحلة. ~~وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين، أو أن تقتله الجن كما قتلت ~~سعد بن عبادة وأراحت الفاروق (2)، أو ms126 أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن تسليم ~~صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له (3). ~~3 - ولنترك هذه المناقشة لنصل إلى المسألة الأساسية وهي: أن الخليفة هل كان ~~يعتقد بعصمة الزهراء ويؤمن بآية التطهير نفت الرجس عن جماعة منهم فاطمة أو ~~لا ؟ ! ونحن لا نريد أن نتوسع في الكلام على العصمة وإثباتها للصديقة بآية # --- # (1) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 42 - 43. (2) وقد جاءت الرواية مصرحة ~~بأن عمر أرسل رسولا إلى سعد ليقتله إن لم يبايع، فلما أبى سعد قتله الرسول. ~~راجع العقد الفريد 4: 247. (3) كما في قصة مالك بن نويرة. راجع تاريخ ~~الطبري 2: 273، وراجع الطبعة المحققة 2: 28، وقد وضح ذلك الخليفة الثاني ~~مطالبا بالقود من خالد بن الوليد لأنه على حد تعبيره: (قتل مسلما ونزا على ~~امرأته). # --- PageV01P188 [189] # التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة. ولا ~~نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث ~~بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها (1)، وقد صرحت بذلك صحاح ~~الشيعة والسنة. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر ~~بعد نزول الاية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وقد استمر على هذا ستة أشهر ~~(2). وإذن فلماذ طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها ؟ وهل تحتاج الدعوى ~~المعلوم صدقها إلى بينة ؟ قال المعترضون على أبي بكر: إن البينة إنما تراد ~~ليغلب في الظن صدق المدعي، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدعي الذي ~~تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم بصدقه. والاحظ أن ~~في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين البينة وعلم الحاكم، ~~بالأضافة إلى صلب الواقع، وإنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم، ~~وكانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البينة لأن اليقين أشد من الظن. وكان ~~من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا ا لأخذ ~~بها في ms127 كل مخاصمة. ولا يفضل علم # --- # (1) صحيح مسلم: 3: 331، المستدرك 3: 159، طبعة دار الكتب العلمية، التاج ~~الجامع للاصول في أحاديث الرسول / منصور علي ناصف 3: 333. (2) مسند الأمام ~~أحمد 3: 295 - طبعة دار صادر، وراجع المستدرك 3: 172 - طبعة دار الكتب ~~العلمية. # --- PageV01P189 [190] # الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن ~~البينة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه. ~~ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضا، وهو أن ما يعلمه الخليفة من ~~صدق (1) الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة، لأن سبب علمه بصدقها ليس من ~~الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا، وإنما هو قرآن كريم دل على عصمة # --- # (1) المدعية. وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء، ~~يمكننا أن نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم ~~على طبقه. فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة ~~المدعي، وصدقة أولى بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية. وعلى اسلوب ~~آخر من البيان نقول: إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك ~~وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ ~~للتردد لمحكمة من محاكم القرآن. ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة ~~النص على النحلة، لأن المعصوم لا يكذب، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا ~~شك. ولا فرق بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا، سوى ~~أن ملكية الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني، والمعنى المفهوم من النص # --- # (1) راجع قوله - أي الخليفة الأل - في تصديق الزهراء، شرح النهج 16: 216. ~~(2) كما في آية التطهير قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~لبيت ويطهركم تطهيرا) الأحزاب / 33. راجع المستدرك 3: 160 - 161، طبعة دار ~~الكتب العلمية، راجع صحيح مسلم 5: 37، فضائل الصحابة، باب فضائل أهل البيت ~~عليهم السلام، ط 1، مؤسسة عز الدين - بيروت / 1407 ه، تحقيق الدكتور موسى ~~لاشى والدكتور أحمد عمر هاشم. # --- PageV01P190 [191] # الأول عن طريق مفهومه ms128 الحرفي. 4 - ونقول من ناحية اخرى: إن أحدا من ~~المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على أبيها، وإنما قام ~~النزاع بين المتنازعين في أن العلم بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على ~~وفقها أو لا ؟ فلندع آية التطهير ونفترض أن الخليفة كان كأحد هؤلاء ~~المسلمين، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذي أشرنا ~~إليه في النقطة السابقة، بل هو علم في مصاف سائر الاعتقادات التي تحصل ~~بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه، ولا يدل حينئذ جعل البينة دليلا على ~~مشاركته لها في تلك الخاصية، لأنه ليس أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا. ~~ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه (1)، كما يجوز له أن ~~يستند في الحكم إلى البينة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك، إذ ~~قال الله تعالى في سورة النساء: (وإذا حكمتم بين االناس أن تحكموا بالعدل) ~~(2)، وقال في سورة الأعراف: (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) (3) ~~أي يحكمون. وللحق والعدل ملاحظتان: - # --- # (1) راجع سنن البيهقي 10: 142، طبعة دار الفكر، وقد نقل عن الشيخ الطوسي ~~أنه ادعى الأجماع في الجواز. راجع: تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه ~~/ محمد رضا الحائري، كما ذكر ابن رشد: إنه قول الجمهور (أي الجواز) راجع ~~بداية المجتهد 2: 465 منشورات الرضي - قم / 1966. (2) النساء / 58. (3) ~~الأعراف / 181. # --- PageV01P191 [192] # (إحداهما) الحق والعدل في نفس الأمر والواقع. (والاخرى) الحق والعدل بحسب ~~الموازين القضائية. فالحكم على وفق البينة. حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة ~~وإن أخطأت، ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق، فإنه ليس حقا ولا عد لا ~~وإن كان الفاسق صادقا في خبره. والمعني بالكلمتين في الايتين الكريمتين إن ~~كان هو المعنى الأول للحق والعدل، كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من ~~دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صح له أن يحكم بذلك ~~لأنه يرى أنه الحق الثابت (1) في الواقع والحقيقة العادلة، فحكمه بملكية ~~ذلك الشخص للمال مصد اق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر ms129 به الله ~~تعالى. وأما إذا فسرنا الكلمتين في الايتين بالمعنى الثا ني أعني ما يكون ~~حقا وعدلا بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصين القرآنيين على ~~شئ في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق ~~النظام، وأي قضاء لا يكون كذلك ؟ ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من ~~الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق، فإنها متى وصف بها ~~شي فهم أن ذلك الشئ أمر ثابت في الواقع، فالحكم بالحق عبارة عن الحكم ~~بالحقيقة الثابتة. ويدل على ذلك الاسلوب الذي صيغت عليه الاية الاولى، ~~فإنها تضمنت أمرا بالحكم بالعدل. وواضح جد ا أن تطبيق التنظيمات الأسلامية ~~في موارد # --- # (1) الحق: هو الأمر الثابت. راجع المصباح المنير 1: 143، نشر دار الهجرة. # --- PageV01P192 [193] # الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي، لأن نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم ~~تطبيقها، فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكرارا أو تنبيها، وليس من ~~حقيقة الأمر في شئ. وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان ~~عليها دليل من بينة وشهادة أو لا، فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنه تقرير ~~جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الأسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور ~~عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة (1). وإذن فالايتان دليل على ~~اعتبار علم الحاكم في قوانين القضاء الأسلامية (2). وأضف إلى ذلك أن الصديق ~~نفسه كان يكتفى كثيرا بالدعوى المجردة عن البينة. فقد جاء عنه في صحيح ~~البخاري (3) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما # --- # (1) وإذا أردنا أن نترجم هذا المعنى إلى اللغة العلمية قلنا: إن الأمر ~~على التقد ير الثاني يكون إرشاديا إذ لا ملاك للأمر المولوي في المقام، حيث ~~أن المأمور اتباعه هو بنفسه كاف للبعث والتحريك، فظهو ر الأمر في المولوية ~~يقضي بصرف لفظة العدل إلى المعنى الأول لجواز الأمر مولويا باتباع الواقع ~~فيما إذا دلت عليه البينة خاصة وإمكان الأمر باتباعه مطلقا. وأنا أعتذر عن ~~عدم استعمال الاصطلاحات العلمية الدائرة في مباحث المنطق والفلسفة والفقه ~~والاصول ms130 - إلا حين اضطر إلى ذلك اضطرارا - لأنني احاول أن تكون بحوث هذا ~~الفصل مفهومة لغير المتخصصين في تلك العلوم. (الشهيد) (2) إن قيل: إن ~~الحديث الوارد عن أهل البيت فيمن قضى بالحق وهو لا يعلم الحكم باستحقاقه ~~للعقاب يدل على عدم كون القضاء من آثار الواقع، فيدور الأمر بين صرف هذه ~~الرواية عن ظهورها في عدم نفوذ الحكم وحمل العقاب فيها على التجري، وبين ~~صرف الكلمتين إلى المعنى الثاني قلت: لا وجه لكلا التأويلين بل الرواية ~~المذكورة مقيدة للايات بصورة العلم، فيكون موضوع القضاء مركبا من الواقع ~~والعلم به، وبتعبير آخر أنه من آثار الواقع الواصل. (الشهيد) (3) صحيح ~~البخاري 2: 953، حديث 2537 كتاب الشهادات - باب 29. (الشهيد) # --- PageV01P193 [194] # مات، جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له ~~على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: وعدني رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات، قال ~~جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. وروي في الطبقات # --- # (1) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين ~~قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فليأت ؟ فيأتيه رجال فيعطيهم. فجاء أبو بشير المازني فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا بشير إذا جاءنا شئ فأتنا، فأعطاه ~~أبو بكر حفنتين أو ثلاثا فوجدوها ألفا وأربعمائة درهم. فإذا كان الصديق لا ~~يطالب أحدا من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة فكيف طب من الزهراء بينة ~~على النحلة ؟ ! وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء وحدها بذلك أو أن ~~الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص ؟ ومن الغريب حقا أن ~~تقبل دعوى صحابي لوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمبلغ من المال وترد ~~دعوى بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تجد بينة على ما ~~تدعيه. وإذا كان ms131 العلم بصدق المدعي مجوزا لأعطائه ما يدعيه فلا ريب أن الذي ~~لا يتهم جابر ا أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن ذلك أيضا. وإذا لم ~~يكن إعطاء الخليفة لمدعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ # --- # (1) الطبقات الكبرى 2: 318، طبعة دار صادر. (الشهيد) # --- PageV01P194 [195] # بدعواه، وإنما دعاه احتمال صدقة إلى إعطائه ذلك، وللأمام أن يعطي أي شخص ~~المبلغ الذي يراه، فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك ؟ ! ~~وهكذا أجز الصديق وعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تقم ~~عليها بينة وأهمل هباته المنجزة التي ادعتها سيدة نساء العالمين. وبقي ~~السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحلة بلا جواب مقبول. 5 - ~~ولنستأنف مناقشتنا على أساس جديد وهو: إن الحاكم لا يجوز له الحكم على طبق ~~الدعوى المصدقة لديه إذا لم يحصل المدعي على بينة تشهد له، ونهمل النتيجة ~~التي انتهينا إليها في النقطة السا بقة ونسأل على هذا التقدير: (أولا) عما ~~منع الصديق من التقدم بالشهادة على النحلة إذا كان عالما بصدق الحوراء سلام ~~الله عليها، إذ يضم بذلك شهادته إلى شهادة علي وتكتمل بهما البينة ويثبت ~~الحق. واعتباره لنفسه حاكما لا يوجب سقوط شهادته لأن شهادة الحاكم معتبرة # --- # (1) وليست خارجة عن الدليل الشرعي الذي أقام البينة مرجعا في موارد ~~الخصومة. (وثانيا) عن التفسير المقبول لأغفال الخليفة للواقع المعلوم لديه ~~بحسب الفرض. ولأجل توضيح هذ النقطة يلزمنا أن نفرق بين أمرين اختلطا على ~~جملة الباحثين في المسألة. # --- # (1) شهادة الحاكم جائزة: راجع سنن البيهقي 10: 131. # --- PageV01P195 [196] # (أحدهما) الحكم للمدعي بما يدعيه. (والاخر) تنفيذ آثار الواقع. وإذا ~~افترضنا أن الأول محدود بالبينة فالاخر واجب على كل تقدير، لأنه ليس حكما ~~ليحدد بحدوده. فإذا علم شخص بأن بيته للاخر فسلمه لمالكه، لم يكن هذا حكما ~~بملكيته له، وإنما هو إجراء للأحكام التي نص عليها القانون. كما أن الحاكم ~~نفسه إذا ادعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته، أو دل الاستصحاب على ~~الملكية المدعاة، فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا ms132 هذا البيت ~~كسائر ممتلكات ذلك ا لمدعي. وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بأن البيت ملك ~~المدعية مستندا إلى قاعدة اليد (1) أو الاستصحاب. وإن المسلمينن أخذوا ~~أنفسهم باتباع هذا الحكم، بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك. وليس ~~الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام ~~الواقع. والفارق بين حاكم الحاكم بملكية شخص لمال، أو فسقه ونحو هما من ~~الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثالر تلك الامور هو: ~~امتياز الحكم بفصل الخصومة، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا أصدر حكما ~~حرم نقضه على جميع المسلمين، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك ~~الحكم. وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه ذلك # --- # (1) قاعدة اليد هنا تعني: إثبات الملكية بواسطة اليد. والمقصود باليد ~~التسلط على المال. راجع: القواعد / السيد محمد كاظم المصطفوي: 329. # --- PageV01P196 [197] # المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الاثار كما يجريها إلا ~~إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم. والنتيجة: إن الخليفة إذا كان يعلم ~~بملكية الزهراء لفدك، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه، ولا ينزعها ~~منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا. ولم يكن في المسألة منكر ~~ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم، لأن الأموال ~~التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين. وقد افترضنا أن ~~أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ ~~حقوقهم وأموالهم، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه، ولم يكن في الناس من ~~ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدك منها. وتحديد الحكم بالبينة خاصة إنما ~~يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه. وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على ~~وفق علمه (1) لا يخفف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحا من الامتحان. ~~محمد باقر الصدر (1) سنن البيهقي 10: 143 - 144 باب عدم جواز حكم القاضي ~~بعلمه. (*) # مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية ms133 PageV01P197