######OpenITI# #META# URI: 1400MuhammadRifcat.TakwinMisr.Hindawi61313825 #META# Tags: history #META# ID: 61313825 #META# Title: تكوين مصر #META# AuthorID: 26391794 #META# Author: محمد شفيق غربال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 26391794 :: 62738192 #META# Translator: محمد شفيق غربال :: محمد رفعت #META# Related_books: 1381MuhammadShafiqGhurbal.MakingOfEgypt (TRANSL) #META#Header#End# # مصر هبة المصريين‏ # الاستمرار والتغيير في تاريخ مصر‏ # الحكومة والمجتمع في مصر‏ # الإنسان والمجتمع في مصر‏ # المدينة والريف في تاريخ مصر‏ # مصر والعهد القديم‏ # مصر والهيلينية‏ # مصر والمسيحية‏ # مصر والإسلام‏ # مصر والغرب‏ # مصر هبة المصريين‏ # الاستمرار والتغيير في تاريخ مصر‏ # الحكومة والمجتمع في مصر‏ # الإنسان والمجتمع في مصر‏ # المدينة والريف في تاريخ مصر‏ # مصر والعهد القديم‏ # مصر والهيلينية‏ # مصر والمسيحية‏ # مصر والإسلام‏ # مصر والغرب‏ # | تكوين مصر # | تكوين مصر # تأليف # محمد شفيق غربال # ترجمة # محمد شفيق غربال # محمد رفعت # | مصر هبة المصريين # هذا الحديث بداية سلسلة من الأحاديث ترمي إلى عرض متصل لتاريخ مصر خلال العصور ~~الماضية، وموضوعها تكوين مصر، وسوف نسلك إلى ذلك طريقين: # وسنحاول - أول الأمر - أن نعالج نواحي مختارة، وموضوعات منتخبة، مثال ذلك: التفاعل ~~في تاريخ مصر بين مبدأي الاستمرار والتغير، وعوامل التماسك الاجتماعي، ومكان الفرد في ~~المجتمع، وأوجه التباين بين المدينة والريف. # ثم نعود فنعالج الموضوع بطريقة أخرى؛ أي من ناحية دراسة اتصالات مصر بالمجتمعات ~~الأخرى الكبيرة، وكيف أثرت مصر في عالم العهد القديم، وفي الحضارة الهيلينية ~~والمسيحية، ثم الإسلام فالعالم الغربي، وكيف تأثرت بكل هؤلاء. # وقد اتخذت عنوانا لحديثي الأول: «مصر هبة المصريين»، وليس مرد ذلك إلى معارضة ~~القول المشهور لأبي التاريخ - هيرودوت - حبا في المعارضة؛ ولكن لتوكيد الناحية، أو ~~الزاوية التي سوف نعالج منها الموضوع؛ ذلك أنني أريد أن أؤكد عمليات الخلق والنمو، ~~والمحافظة التي نوجزها في العنوان: «تكوين مصر». كما أريد أن أؤكد أن هذا ~~«التكوين» كان من صنع جماعة من الناس - المصريين - ومن ثم كان العنوان: «مصر هبة ~~المصريين». وأخيرا أريد أن أؤكد ما في هذا النتاج، نتاج هذا الخلق - مصر - من صفات ~~الشخصية والرسوخ والانفراد بالذات، هذا النتاج الذي أثر بدوره في تكوين المصريين، ~~ولن تكون مصر التي نعني بها مصر في عصر معين، بل خلال العصور كلها، وهذا على الرغم ~~من أنني أعرف أنه ليس في مقدور الرجل منا أن يحيط بالأدوات والدراسات كافة، اللازمة ~~لكل قسم من أقسام تاريخ مصر ms01 المعروفة: ألا وهي العصر الفرعوني، ثم اليوناني ~~والروماني فالإسلامي، ثم العصر الحديث، دع عنك الإحاطة بها جميعا، بيد أن ~~الإخصائي، والقارئ غير الإخصائي، كلاهما يجد متعة ذهنية ومغنما في آن واحد لو حاد ~~بين الفينة والفينة عن طريق التخصص؛ الطريق الضيق، واضعا نصب عينيه أن هناك «مصر» ~~دائما، وأنها تسمو فوق هامات الحقب والعصور. # ولكن هل هناك حقا شيء كهذا؟ هل هناك ما يبرر استخدامنا مدلولات: «مصر» و«الصين» وما ~~إليها؟ وهل استخدام تلك المدلولات لكي تمثل شيئا ماديا أمر مشروع؟ أو أن ذلك لا ~~يعدو أن يكون مجرد تسمية، أو يكون من نسج الخيال، أو الوهم؟ # ليس هنالك شيء من ذلك، إن مصر أرض شكلتها الطبيعة، وشكلها الإنسان شيئا له ~~ذاتيته وأهميته، وهي وطن مجتمع من بني الإنسان تربط بعضهم ببعض روابط مادية وأدبية، ~~إنها وطن مجتمع مغاير لمجتمعات بشرية أخرى. # ولنتناول الآن «المصريين» الذين قلت: إن مصر كانت هبتهم. # لن ألقي بالا للمسائل المتعلقة بأصلهم أو جنسهم؛ ذلك لأني أعني بالمصري كل رجل يصف ~~نفسه بهذا الوصف، ولا يحس بشيء ما يربطه بشعب آخر، ولا يعرف وطنا له غير هذا ~~الوطن، مهما كان أسلافه غرباء عن مصر في واقع الأمر. # ومما هو جدير بالذكر أنه مهما تعددت الأصول فقد كان هناك طابع «مصري» تشكل في هذه ~~البيئة المصرية، ولست أعني بالطابع السمات الجسمانية، بل أعني موقفا معينا من ~~الحياة. # فلا يعنيني إذن أن أبحث في بقعة ما من بقاع مصر عمن يسمونهم ذراري قدماء ~~المصريين، وبعض من يعنيهم هذا البحث يظنون أنهم يعثرون عليهم في ريف مصر، على افتراض ~~أن الريف كان أقل نواحي المجتمع المصري تأثرا بالتغير والتبدل، أو لأن الريف كان ~~الأرض المنعزلة التي يلجأ إليها القوم ابتغاء النجاة من الغزاة الأجانب. ولكن الحقيقة ~~هي أن الريف كان على عكس ذلك تماما، فهو البقعة التي استوطن فيها مرتزقة المحاربين ~~من الإغريق، وكذلك رجال القبائل من العرب، وبدو الصحراء، وأن الريف - كما سأشير ~~إليه فيما بعد - كان على ms02 الدوام المفترس للبشرية المصرية، المفترس النهم الذي لا ~~يشبع. # وآخرون - ممن يعنيهم هذا البحث - يظنون أنهم يجدون بغيتهم في طائفة «أقباط» مصر، ~~واحتمال وجودهم في هؤلاء، مثل احتمال وجودهم في غيرهم. # وليكن المصريون الأوائل من يكونون، وليكن تأثر سلالتهم بمن وفد على بلادهم، واختلط ~~بهم كثيرا أو قليلا؛ فالذي يعنينا الآن أن نبين أن «مصر هبة المصريين». # وإني لأدرك تمام الإدراك - وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك؟ - أن النيل منبع ~~حياتنا، وأن مصر ما هي إلا الأراضي الواقعة على ضفتي النهر، وأن ليس لها من حدود ~~إلا المدى الذي تصل إليه مياه النهر. # ومع ذلك فإن المصريين هم الذين خلقوا مصر، تأمل النيل مجتازا آلاف الأميال من خط ~~الاستواء إلى البحر الأبيض، هل تجد على طول مجراه إلا مصرا واحدة؟ إن هبات النيل ~~- كهبات الطبيعة سواء بسواء - طائشة عمياء، إذا ما تركت دون ضبط؛ فإنها تدمر كل شيء، ~~وتخلف مستنقعات الملاريا الوبيلة. # والإنسان وحده هو الذي يستطيع أن يجعل من هذه الهبة نعمة لا نقمة، وقد كان ذلك ما ~~عمله الإنسان في مصر؛ فمصر هبة المصريين. # كيف حدث ذلك؟ إن الأستاذ «أرنولد توينبي» يتحدث عن هذا في معرض كلامه بما سماه ~~«التحدي والاستجابة»، وهذا موجز كلامه: إن هؤلاء المصريين الأوائل - شأنهم في ذلك ~~شأن بعض الشعوب الأخرى - واجهوا بعد نهاية عصر الجليد التحول الطبيعي العميق في مناخ ~~جزء من أفريقية وآسيا نحو الجفاف. # هذا هو التحدي، فماذا كانت الاستجابة؟ من الأقوام الذين واجهوا التحول من لم ينتقل من ~~مكانه، ولم يغير من طرائق معيشته؛ فلقى جزاء إخفاقه في مواجهة تحدي الجفاف؛ الإبادة ~~والزوال، ومنهم من تجنب ترك الموطن، ولكنه استبدل طريقة معيشته بأخرى، وتحولوا من ~~صيادين إلى رعاة رحل، عرفتهم المراعي الأفراسية. ومن هؤلاء من رحل نحو الشمال، وكان ~~لزاما عليهم أن يواجهوا تحدي برد الشمال الموسمي. ومن الأقوام من انتقل صوب الجنوب ~~نحو المنطقة الاستوائية المطيرة، وهنالك أوهن قواهم جو تلك المنطقة المطير الجاري على ~~وتيرة واحدة . وأخيرا ms03 منهم أقوام استجابوا لتحدي الجفاف بتغيير موطنهم، وتغيير طرائق ~~معيشتهم معا. # وكان هذا الفعل المزدوج، الذي قل أن نجد له مثيلا، هو العمل الإرادي الذي خلق مصر ~~كما عرفها التاريخ. # هبط أولئك الرواد الأبطال، بدافع الجرأة أو اليأس، إلى مستنقعات قاع الوادي، وأخضعوا ~~طيش الطبيعة لإرادتهم، وحولوا المستنقعات إلى حقول تجري فيها القنوات والجسور، وهكذا ~~استخلصت أرض مصر من الأجمة التي خلقتها الطبيعة، وبدأ المجتمع المصري قصة مغامراته ~~الخالدة؛ لتستقيم له أمور دنياه وأمور أخراه. # ويظن العلماء أن المستنقعات التي تحكم فيها المصريون الأوائل هذا التحكم الحاسم ~~كانت لا تختلف كثيرا عما هو قائم الآن في منطقة السدود في السودان، بل إن العلماء ~~يظنون أن أسلاف القوم الذين يعيشون الآن في تلك المنطقة كانوا يقطنون - فيما مضى - ~~ما يعرف الآن بصحراء ليبيا، جنبا إلى جنب مع مبدعي الحضارة المصرية، عندما استجاب ~~هؤلاء لداعي الجفاف، واختاروا لأنفسهم أن يتخذوا خطة بالغة نهاية الخطورة. والظاهر ~~أن المصريين - حين فعلوا ذلك - آثر جيران لهم اليسرى، وولوا وجوههم نحو الجنوب، نحو ~~بيئة طبيعية تتفق والبيئة التي ألفوها، والتي أصابها من التحول ما ألزمهم إما ~~بمغادرتها وإما بتغيير أساليب حياتهم، وقد اختاروا مغادرة الموطن إلى موطن جديد، ~~يستطيعون فيه ممارسة شئون معاشهم على الوجه الذي ألفوه، وتم لهم هذا في المنطقة ~~الحارة من السودان في دائرة الأمطار الاستوائية، ولا يزال أحفادهم من الدنكة والشلوك ~~وغيرهم يعيشون فيها حتى يومنا هذا، كما كان يعيش آباؤهم الأولون. # وقد أوضح الأستاذ «تشيلد» ما بين هؤلاء القوم المعاصرين وقدماء المصريين من شبه في ~~القوام والسمت، ونسب أجزاء الرأس، واللغة، والملبس، ويضيف إلى ذلك قوله: ويبدو أن ~~النمو الاجتماعي عند القبائل التي تقطن أعالي النيل وقف عند موضع تمكن المصريون من ~~اجتيازه قبل بدء العصور التاريخية، ولدينا الآن في أعالي النيل «متحف حي» يكمل أناسه ~~آثار ما قبل التاريخ في مجموعاتنا الأثرية فيحييها. # ولكن لا يزال علينا أن نسأل: لم اختلف مسلك المصريين الأوائل عن مسلك إخوانهم أسلاف ~~الدنكة والشلوك؟ ms04 وفي هذا المقام يتحدث الأستاذ «توينبي» عن نصيب «القلة الخالقة» في ~~نشأة المدنية، ويبدو أننا لا بد أن ننتهي إلى أن نعزو ما حدث إلى اقتران ظرفين؛ ~~أحدهما: كون البيئة التي تحدت الإنسان لم تكن هينة لينة، كما لم تكن قاسية مثبطة، بل ~~كانت بين بين، والآخر: اتفاق وجود الرجل، أو الرجال الموهوبين الذين يقودون شعبهم في ~~الساعة الملائمة إلى مغامرة كبرى من مغامرات الخلق والتكوين. # وليكن التفسير ما يكون، فإن مصر؛ مصر التي تشكلت على هذا النحو المفاجئ المثير، قد ~~سيطرت هي أيضا على مصائر أبنائها، واقتضتهم ثمن بقائها على الشكل الذي صنعوه. # هذا هو موضوعنا. # | الاستمرار والتغيير في تاريخ مصر # «إن التفاعل الحادث بين المبدأين المتقابلين - مبدأ الاستمرار ومبدأ التغيير - يكون ~~مادة التاريخ، فما يبدو في التاريخ مستمرا لا يخلو أبدا من تغيير خفي دقيق، وما من ~~انقلاب - مهما كان فجائيا، ومهما كان عنيفا - استطاع أن يقطع تماما صلة ~~الاستمرار بين الماضي والحاضر.» هذه فقرة مقتبسة من بحث للأستاذ «كار» في تقدير صلة ~~الثورة الروسية بالتاريخ الروسي. # وإنا لنجد تأييدا لما ذهب إليه الأستاذ «كار» في بحثه هذا إذا ما ألقينا نظرة فاحصة ~~سريعة على تفاعل هذين المبدأين في تاريخ مصر. # والتغيرات التي سنعرض لها في حديثنا الحالي كانت - في أغلب الأمر - اجتماعية وثقافية، ~~وبما أننا سندرسها في مجتمع معين - هو مصر - فلسنا في حاجة إلى أن ندخل في نطاق ~~البحث ما تصوره بعض فلاسفة العصور القديمة والوسطى والحديثة من أطوار كبرى مرت فيها ~~البشرية، من قبيل تصوير «هسيود» لعصور الذهب والفضة والحديد، أو ذاك النسق الذي رسمه ~~«أوجست كونت» لتقدم الجنس البشري من طور إلى آخر، أو أكوار الكون والفساد المشهورة ~~التي تخيلها المفكرون اليونان، تلك التصورات والتخيلات لها قيمتها من حيث كونها وسائل ~~لترتيب الحقائق والظواهر في شكل منظم، ولكنها لا تعين كثيرا على إيضاح المشكلات ~~المتعلقة بمجتمع معين. # هذا من جهة، ومن جهة أخرى لن أتخذ من الاستمرار والتحول مرادفا لارتقاء المدنية أو ~~السلطان وتدهورهما، ms05 أو كما عبر «شبنجلر» بقوله: «مولد المدنية ثم نموها، فنضوجها، ~~وأخيرا انحلالها فزوالها». وقد سما الأستاذ «توينبي» بدراسته التغير ومظاهره إلى ~~أرفع مراتب المجاهدة الروحية، ولكنه لا يقبل أن يكون ما سماه «دول العصبيات المحلية» ~~مجالات صالحة لعمل المؤرخ، ولكن هل نستطيع حقا أن نغفلها على هذا النحو السهل؟ ~~وبعد، هل يوجد ماض يعتد به شعب من الشعوب سوى ماضيه، ماضي وطنه، ماضي عصبيته المحلية ~~مهما كان شأنه ضئيلا بالنسبة إلى ماضي الإنسانية، ومهما كان أفقه محدودا ~~ضيقا؟ # أما عن منهجي فلا أرى بأسا في ألا أستخدم مفتاحا واحدا ألج به عالم التغير في ~~التاريخ، وإليك بعض ما قالوه في هذا: # من ذلك ما لاحظ الأستاذ «سبروت» حديثا عن اتجاه بعض المفكرين إلى اعتبار ~~التقدم الإنساني ظواهر حتمية لعملية باطنة؛ عملية تتخذ طريقها، وتسير فيه ~~مستقلة عما يريده الناس، ولو أنها تتأثر به. هذا بينما يربط الأستاذ ~~«باريتو» ما بين التغير الاجتماعي والتغير في نوع الصفوة التي تقود ~~الجماعة. أما النظرية الماركسية فتبرز التغير في أساليب الإنتاج وطرائقه، ~~والصراع بين الطبقات، وما إلى ذلك. # ومن الخير أن نعرف ما ذهب إليه أولئك الاجتماعيون وغيرهم، على أن ننهج منهجا آخر ~~لفهم التفاعل بين الاستمرار والتغير في تاريخ مصر، نهجا يصح أن أسميه «ملازمة ~~الوقائع» وهو يقوم على السعي إلى عزل أو فصل النواة الأساسية للثقافة المصرية، ثم ~~ملاحظة تأثر تلك النواة بما طرأ من مؤثرات في الحياة المصرية، ترتبت على وصل مصر ~~طوعا وكرها بالمدنيات والجماعات المتعاقبة غير المصرية، ودرجة هذا التأثر هي مقياس ~~التفاعل بين الاستمرار والتغير. # ومن فوائد منهجي هذا أنه يتيح لنا استقامة النظر في أمر الثقافة المصرية، فقد كان ~~القوم ينزعون إلى النظر إليها، كما لو كانت شيئا انبعث كامل النمو انبعاث «مينرفا» ~~من «رأس زفس»؛ ولهذا النظر ما يبرره، فإن الإغريق عندما اتصلوا أول الأمر بتلك ~~الثقافة كانت قد شاخت، واشتعل رأسها شيبا، وفاض حكمة. فكيف يمكنهم أن يتصوروها أيام ~~شبابها؟ وبدت تلك الثقافة لبني إسرائيل ms06 واثقة بنفسها أكمل وثوق، لا يتطرق إلى نظرتها ~~لنفسها شيء من التشكك أو الحيرة، ولما جاء علماء الآثار أو الحفارون - بمعنى أدق - ~~إلى مصر، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان همهم العثور على الآثار المكتملة ~~الصنع - آثار الخلق الفني - وقد عثروا عليها بالفعل، وأكد لهم ما عثروا عليه الصورة ~~التي خلقتها كتابات الإغريق وبني إسرائيل. # طاف «ماربيت» بالمسيو «رينان» في مناطق اكتشافاته في «سقارة» و«طيبة»، وعبر لنا ~~«المسيو رينان» عما تركته في نفسه آثار الحضارة المصرية بقوله: «إن مصر هي صين أخرى ~~ولدت مكتملة النمو، وكأنما ولدت شيخا هرما، وإنها كانت تتسم بسمات من الشيخوخة ~~والطفولة معا، انعكستا على صفحة تاريخها، وفي آثارها.» # ويضيف إلى ذلك قوله: «إنه لمن الطبيعي، ومن الملائم أيضا، ألا يبقى الإنسان شابا ~~طول عمره، ولكن ليس من الطبيعي ولا من الملائم ألا يمر الإنسان بمرحلة ~~الشباب.» # وبعد، فماذا تدل عليه آثار مصر؟ تدل على أن لا ابتكار ولا شعراء، ولا مؤرخين، ولا ~~ثورات، ولا «سقراط» يتلقى عنه «إكسينوفون»، ويتخذه «أفلاطون» مثلا أعلى، ويسخر منه ~~«أرستوفان». ~~••• # أبديت تلك الملاحظات عندما كانت مصر تعد نفسها للارتباط بعجلة الأداة الأوروبية، ~~وهي - كما نعرف - عجلة سريعة الدوران، وربما كان للتباين الشديد بين سكون الشرق وحركة ~~الغرب ما يزيد الشرق سكونا، والغرب حركة في عين الناظر. # وهكذا يبدو الفلاح المصري في القرن التاسع عشر، وكأنما يعيش كما كان يعيش أجداده في ~~عصر الأهرام، وتبدو كذلك أسس الرخاء، والحكومة الصالحة واحدة في الماضي، وفي الحاضر، ~~وترددت على الأفواه عبارات التوراة، فالوزير الماهر هو «يوسف» آخر، والإمعان في ~~الاستئثار بما في أيدي المصريين لم يفتر منذ أيام «فرعون». # ثم بدأ طور جديد من أطوار البحث العلمي يظهر إلى الوجود عالما تختلف حقائقه كل ~~الاختلاف عما كان مألوفا معروفا، فأظهر لنا الكشف عن عصر ما قبل التاريخ، وعصر ما ~~قبل الأسرة المالكة؛ نشأة الحضارة المصرية وشبابها، كما كشفت لنا النقوش الدينية عن ~~شقاق كامن في جسم المجتمع، وفي نفس الفرد، وكان ms07 هذا عندما نظروا في تلك الكتابات ~~بروح العطف، وبصيرة الإنصاف. وإنا لنعرف الآن كيف طرأت على المجتمع الذي بناه قادة ~~عصر الأهرام عوامل من الضغط، وأن هذه العوامل فعلت ما فعلت مصحوبة بمشاهد من العنف، ~~وكيف قام قادة آخرون ببناء صرح المجتمع المتداعي على أسس جديدة، وبذا نصل إلى مجتمع ~~الدولة المتوسطة، ثم أدى قدوم «الهكسوس» وطردهم - فيما بعد - إلى طور آخر من أطوار ~~التاريخ، هو عصر الإمبراطورية. # وظاهر الأمر أن الإمبراطورية رأبت الصدع الملحوظ في بناء المجتمع، وحاولت أن تخلق ~~جوا من الاطمئنان والثقة، ولكن هيهات؟ فلا يستطيع إنسان شاهد، مثلا، المناظر ~~المنقوشة على جدران «قبر سيتي» أن يعتقد أن نفس الإنسان - في ذاك العصر - قد نعمت ~~حقا بالهدوء والطمأنينة، ولو كان الجو حقا من الثقة واليقين بالدرجة التي أحبوا ~~أن يتوهموها لما كانت ثورة «أخناتون» الدينية، وفيها ما فيها من معاني المجاهدة ~~الروحية والتجديد في كل شيء. # وعندما نصل إلى الأسرات الملكية الأخيرة نبدأ فنلاحظ وجود نواة متحجرة داخل إطار ~~التاريخ، ولعلنا نطلع على سر تحجرها إذا ميزنا بين عاملين أحدثاه: # أحدهما: نظام اجتماعي ثابت يقوم على ضبط النيل. # والآخر: إنسانية نمت في جو مصري خالص. # وفي هذه الأثناء كان العالم خارج النظام المصري يتبدل على أيدي شعوب أخرى. ~~••• # فماذا يكون حال النواة المصرية بإزاء المؤثرات المادية والأدبية الجديدة؟ # وقبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال يجب أن نلاحظ حقيقة طريفة، هي أن ما لدينا ~~من معلومات عن حال مصر وموقف مصر إنما مصدرها جانب واحد، جانب أجنبي، فإن الإغريق ~~واليهود، ومن إليهم من الغرباء، هم الذين رووا عن المصريين ما رووا، وهذا - في رأيي ~~حقيقة - يجدر بنا أن نضعها موضع الاعتبار، وكانت الصورة التي رسموها صورة شعب متجهم ~~عبوس عنيد محافظ، يكره كل ما هو غريب عنه. # ولكن أكان هؤلاء الإغريق وهؤلاء اليهود حقا أقل انطواء على أنفسهم؟ # لقد نظر الأقدمون جميعا إلى كل شيء، بعين العصبية القومية، بل كان لكل قوم ربهم، ~~الذي لا هم له ms08 إلا رعايتهم وتدليلهم، وماذا كان في استطاعة المصريين أن يفعلوه ~~مع شعب الله المصطفى! # ترى كم من الناس مر في خاطره ذلك الحلم الذي داعب خيال «الإسكندر الأكبر» وحدا به ~~إلى رؤيا عالم روحه الوئام، أو الإنسانية المنبثقة من أخوة بني الإنسان، وعلى كل حال ~~فإن المصريين تعلقوا بالإسكندر، وضموه إلى أنفسهم، بيد أن خلفاء «الإسكندر» في مصر ~~لم يثرهم شيء من ذلك الحلم الجميل، ولم يفعلوا شيئا لكي تتفاعل الروح المصرية ~~بالروح الهيلينية، بل الأصح أنهم كرهوا هذا، وعملوا ضده. # فلا نعجب إذن إذا وجدنا عهد البطالمة عهد تهجين، وعهد استغلال نافذ شامل، وعهد ~~كراهية، وحرب بين الأجناس، ونصل - على هذا النحو - إلى حقبة من التاريخ، لا تفيد ~~الحكومة فيها إلا معنى واحدا هو كونها المالك الكبير ... # وخلف الرومان البطالمة، وساروا بمنهج سابقيهم إلى أبعد مدى يستطيعونه، فلا عجب أن ~~صار المصريون أكثر تجهما، وأكثر عنادا وصلابة. # وجاءت المسيحية فخلصت الروح المصرية مما شابها من قتام وعبوس وصلابة، بيد أن اعتناق ~~المصريين المسيحية، ثم الإسلام بعد ذلك، حدث في عالم مصري منشق على نفسه، ولقد تحرر ~~الإنسان حقا بفضل المسيحية والإسلام التحرر الحقيقي من رق الخرافة والعبودية لغير ~~الخالق، وتحرر الشعب من رق المقدونيين والرومان. ومع ذلك فإن الفرد المتحرر لم ينل ~~الحرية التي تتيح له فرص اكتمال شخصيته، فقد بقي التمييز والتفرقة ما بين الحاكم ~~والمحكوم قائما، وحال ذلك دون تمتع الفرد بنصيبه الكامل من الجزاء والمسئولية، ولكن ~~التحرر الذي أتى بفضل الديانتين الجديدتين - المسيحية والإسلام - كان تحررا لا شك ~~فيه ولا ريب. فلنتأمل مثلا مصر المسيحية تخلق فنا جديدا، وتقيم كنيسة قومية، ~~وتصنع لنفسها أداة لغوية جديدة، ولنتأمل عمق حياتها الدينية وتنوعها، ولكنها - مع ذلك ~~- شقيت بالنزاع مع «بيزنطة»، وقد كان هذا النزاع مبعث كثير من العداوة والجدب الفكري، ~~والدمار الذي حل بالعصور البيزنطية المتأخرة. # وبدخول القوم في الإسلام اتسع الأفق المصري، وامتد إلى محيط دار الإسلام. وما ثقافة ~~مصر - في عهد الإسلام - إلا الثقافة الإسلامية معدلة، ms09 لتلائم ظروف مصر، وهنا حدث ~~فعلا تكافؤ بين الاستمرار وبين التغير، ولم نشهد رجحان كفة مبدأ التغير إلا عند ~~استهلال القرن التاسع عشر، وبدء الاتصال بالغرب. # وبعد، فماذا نقول بعد أن لازمنا نواة الحضارة المصرية خلال عصور التطور والتبدل ~~المتعاقبة، نقول: إننا نستطيع أن نقدر مدى تأثر عقل المصري وإرادته. ولكن، ما الحكم ~~على رفيق العقل والإرادة المستقر في أعماق النفس؟ # سؤال ليس له من مجيب. # | الحكومة والمجتمع في مصر # قد عرف المجتمع بأنه: «نسيج من العلاقات الإنسانية المتداخلة أو المتفاعلة بعضها مع ~~بعضها الآخر.» وعرفت الحكومة بأنها: «ممارسة السلطة من جانب صاحب السلطان، ووكلائه أو ~~مندوبيه؛ لتنظيم تلك العلاقات أو التفاعلات في مجتمع ما.» وهناك ارتباط وثيق بين ~~أوضاع الحكم وأغراضه في مجتمع معين، وبين ما يعتنقه أعضاؤه من آراء ومعتقدات عن أصل ~~مجتمعهم، فإذا اعتقد قوم - مثلا - أن مجتمعهم هو من صنع الآلهة، عندئذ يكون ~~للآلهة أو سلالة الآلهة السلطان الأعلى عليهم، ويكون زمام الحكم في أيديهم. # تلك كانت عقيدة قدماء المصريين عن أصل مجتمعهم، وهكذا كان السلطان والحكم في أيدي ~~الملوك الآلهة، وسادت في مصر بعد اعتناق أهلها المسيحية مذاهب أخرى، وتغيرت - تبعا ~~لذلك - مدلولات كلمتي المجتمع والحكومة. # ومنذ سنوات وضع الأستاذ «ديبوار بشار» - من أساتذة كلية الحقوق بالجامعة المصرية - ~~بحثا ممتعا، مثيرا للتأمل، في موضوع: «تطور الحكم وأصوله في مصر، منذ أقدم ~~عصورها»، ونشره له المعهد المصري، وقد فرق الأستاذ «ديبوار بشار» بين أطوار ثلاثة: # أولها: # ظهور حكومة الملوك الآلهة، سواء الفراعنة الأصليون، أو ~~خلفاؤهم البطالمة المقدونيون والقياصرة الرومان. # وثانيها: # طور الحكومة، يسودها قانون مستمد من شريعة سماوية، مسيحية ~~كانت أو إسلامية. # وينتهي هذا الطور في عصر الثورة الفرنسية. # أما الطور الثالث أو الحالي فهو: # طور الحكم على قواعد من وضع العقل البشري. # وهذا التمييز مفيد، وإن كان مما يحتمل الجدل أن مجتمعا ما أو حكما ما يخضع ~~خضوعا خالصا للعقل وحده، ويكون كل تصرف فيه مما يمكن وصفه بأنه تصرف معقول، فلنتبع ~~- بعد هذا التقديم ms10 - أطوار المجتمع والحكومة على وجه الإجمال، ولنحاول أن نحذو حذو ~~«أرسطاطاليس» في منهجه التحليلي التسلسلي، ولعلكم تذكرون كيف بدأ بالمنزل، وانتقل منه ~~إلى القرية، ثم المدينة. # والمدينة تتوج التسلسل، وفيها وحدها يتاح للإنسان آخر مجال لاكتمال طبيعته، فهي ~~«طبيعية» بالنسبة إليه، وهو مدني بالطبع، وبينما المدينة وليدة مقتضيات الحياة، فإن ~~بقاءها مما تقتضيه الحياة الطيبة. هذا، وإذا أوغلنا - في أقدم ما تمليه الحيطة من ~~عصورنا التاريخية - وراء تحديد نقطة البدء في حياتنا المدنية؛ وجدناها في مواطن ~~الجماعات المصرية الأولى التي أصبحت فيما بعد «كور» مصر في الاصطلاح اليوناني، ثم ~~العربي المصري، أو مديرياتها - إلى حد ما - في اصطلاحنا نحن المعاصرين، ويجب علينا ~~أن نتذكر دائما أن كل واحدة منها كانت موطن جماعة من الناس تربطهم بعضهم إلى بعض ~~صلات نسب، ومصالح، وأنها بدأت واستمرت متميزة بعضها عن بعض، عقيدة وموقعا ومصالح، ~~وأن مصر كانت ثمرة اتحادها، فغلبت عليها بعد الاتحاد صفة كونها أقساما إدارية في ~~مملكة. # وليس من اليسير علينا أن نقدر الآن أثر تحدر جماعات الكور الأولين من سلالة بشرية ~~واحدة في التقريب فيما بينها، والثابت: أنها تعرضت من حيث تكوينها الجنسي لمؤثرات ~~مختلفة، فالمواطن التي تتاخم البادية - مثلا - أو التي تقع على خطوط المواصلات ~~الكبرى أو قرب قلب أفريقية زاد اختلاط أهليها - بعناصر بدوية، أو أفريقية، أو ~~أسيوية، أو غير ذلك - عن غيرها، وهكذا. وفضلا عن ذلك كان لأنواع البيئات المصرية ~~أثره في إيجاد فروق كبيرة بين الجماعات، فالدلتا غير الصعيد، وما جاور البحيرات أو ~~البحر أو الصحراء له أثره العميق، بالإضافة إلى اختلاف عناصر المناخ، ومزايا الموقع ~~الجغرافي الحربية والتجارية، وما إلى ذلك. # ومهما كان الأصل أو المنشأ أو الظروف فإن نصيب «الكور» في تكوين المجتمع المصري أمر ~~بالغ غاية الأهمية، بل إن اتحاد مصر لم يبطل تأثيرها العظيم، وآية ذلك التأثير أن ~~انتقال الحكم من أسرة أو من مجموعة من الأسرات إلى مجموعة أخرى إن هو إلا توكيد ~~متصل؛ لاحتفاظ نواحي المملكة بعصبية محلية قوية تستند ms11 إلى أساس من التقاليد والواقع، ~~وأن هذه العصبية المحلية تعمل - إذا ما واتتها الظروف - على أن يمتد نشاطها إلى ~~المملكة بأسرها. # وقد تم تكوين الوحدة المصرية، أو المجتمع المصري عن طريق الفتح، والمشهور أن الأمر ~~استقر على تكوين مملكتين، وانتهى بإيجاد المملكتين أو الأرضين. # وكلمة «فتح» قد نسيء فهمها؛ فالغالب أن الفتح لم يعد أن يكون حمل جماعة من ~~الجماعات، على أن تقبل ارتباطا ظهرت مزاياه لها ولغيرها، ولا شك في أنه بعد أن ~~اتخذت الأقلية الخالقة «التي أشرت إليها في الحلقة الأولى تلك الخطوة الحاسمة؛ خطوة ~~الاستجابة لتحدي الجفاف بمغادرة المرتفعات الآخذة في الجفاف والجدب، والاستقرار في ~~مستنقعات الأحراش في أسفل الوادي، وتحويل تلك المستنقعات إلى النسق الذي نألفه، من ~~حقول مزروعة تشقها مجاري الري والصرف، لم يكن أمامها مناص من وضع النهر كله تحت إشراف ~~موحد مركز، ويصح جدا أن تكون القوة هي التي استخدمت لبلوغ هذا، ولكن القوة كانت - ~~بالنسبة إلى عملية التوحيد والاتحاد - كلها أقل الوسائل المستخدمة أهمية. # وقد آمن المصريون بأن تكوين مصر على النحو الذي به تكونت، وتوحيدها على النحو الذي به ~~توحدت، لأعظم من أن يكون أثرا من آثار عبقرية فرد أو طائفة، بل هما أجل قدرا من ~~أن يتما إلا على أيدي الآلهة؛ فالآلهة هي التي عملت بالفعل، ولم تكتف - كما يصح ~~أن نتصور - بإلهام البشر أو هدايتهم، وما الملوك البشريون إلا سلالتهم. # ومما ينبغي ألا نغفل عنه، أن وحدة مصر اتخذت مظهر التركيب أو المزاوجة، فالتاج ~~تركيب من تاجين، ومن الآلهة تتركب تراكيب ثنائية أو ثلاثية أو تساعية، وما إلى ذلك، ~~وهذا كله له دلالته، وله أيضا آفته؛ فإن ما تركب يجوز أن يتفرق ويتحلل، فكان لا ~~بد من خلق أدوات تصون المجتمع، ومن أهمها إنشاء الخدمات العامة التي تدعو إلى ~~العجب والإعجاب. # واختراع الكتابة، ومحاولة بلوغ الوحدانية على نحو يجمع - في مهارة وحذق، وفي سذاجة ~~وطيبة أيضا - بين الولاء المحلي، والولاء القومي الدينيين. # وقد قارن «المسيو رينان» بأسلوب لا يخلو ms12 من الفكاهة، حكومة مصر الفرعونية بحكم تمارسه ~~أكاديمية العلوم السياسية والخلقية، والأصح أن نقول: إنها كانت حكومة الفنيين، ~~والفنيون يكونون إذن أول طوائف مجتمعنا المصري. # ولكن يجب أن نلاحظ أن هؤلاء الفنيين لم يقتصروا على ممارسة فنون المادة، بل مارسوا ~~أيضا فنون الروح - إن صح التعبير - وهم جميعا كهنة؛ فلم يكن الكاهن رجل دين فقط ~~بالمعنى الذي نعرفه، بل كان كل ذي شأن كاهنا من نوع ما: من الملك إلى من هو أدنى؛ ~~ولذا فإن لي أن أقسم المجتمع المصري بين قلة من الحكام الكهنة الفنيين، ورعية ~~تعمل في الإنتاج، كما أن لي أن أسمي حكم مصر بحكم الملك الإله، يمارس حكمه بواسطة ~~فنية. # ومما لا شك فيه أنه كان من الطبيعي أن يحاول أولئك الفنيون أن يتألهوا وأن يؤبدوا ~~نفوذهم في ذريتهم، وأن يوصدوا الأبواب دون الدخلاء، إلا أن ثمة عاملين حالا دون ذلك: # أولها: # عامل الاختيار والفناء الطبيعيين، وهو يحول دائما دون إيصاد ~~الأبواب في وجه الدخلاء من الخارج. # والعامل الثاني: # هو أن «فرعون» كان يعمل دائما على أن يبقى هو وحده «منبع ~~التشريعات كلها، ومنبع الهبات كلها»، وعلى هذا الأساس كان جد ~~حريص على أن يرفع حديثي النعمة - كما نقول اليوم - كلما ~~أمكن له ذلك. # ومما هو جدير بالنظر أن هؤلاء الفنيين عملوا على ألا يسمحوا لأنفسهم بحرية ~~استخدام مواهبهم - طبيعية كانت أو مكتسبة - للتجديد أو الابتكار المطلق إلا في فترات ~~الثورات، كما لم يكن لهم أن يخرجوا عن ممارسة الوظائف المخصصة لهم وفقا للقواعد ~~«السائدة». # هذا شأن القلة، أما الرعية من المنتجين، فخير ما نفعل لمعرفة شأنهم، هو أن نتصورهم ~~جماعات منظمة من الفلاحين والصناع يعملون في ضياع التاج، أو المعابد أو ما إلى ~~ذلك. # وقد عنيت الحكومة أدق عناية بحاجاتهم الروحية؛ فنظمت شئون العبادات العامة، ووضعت ~~القوانين الخلقية المستفيضة؛ لكفالة حسن السلوك والسيرة القويم، ولم يترك لهم - في ~~الواقع - إلا متاع الحياة العائلية، وكانوا في فترات اليسر والرخاء راضين قانعين، ~~وأظن أن هذا كان كل ms13 ما هنالك. # ولقد كان في وسع مجتمع مشيد على هذا النحو أن يشهد أيام عظمة ومجد ورخاء، وأن يخلف ~~ميراثا من جليل الأعمال، ولكنه كان في معظم الأحايين، كما لو ذاق الموت. # ولما اعتلى البطالمة والقياصرة الرومان عرش «فرعون» تفككت عرى المجتمع المصري كما ~~وصفناه؛ فالمجتمع في الظاهر هو هو، وفي الباطن شيء آخر، فقد استقر الأغراب من ~~الإغريق واليهود في القرى والمدائن هنا وهناك، ومارسوا شئون تجارة السلع وتجارة ~~الفكر، ومبادلتها مع البلدان الأخرى وفقا لمبادئ غير مصرية، واستنزفت دماء الأهلين ~~إلى آخر قطرة، وهذا كله بالإضافة إلى عوامل أخرى جعل من المحال استمرار النظام ~~القديم، وسلبت السلطة من يد الملك الإله، أو من يد الإله القيصر الغائب عن البلاد، ~~ونشأ عهد إقطاع، وتكونت الضياع الكبيرة، وقويت نقابات أرباب الحرف، وعلا شأنها في ~~المدن، ولم يبق في الأسر التليدة إلا أهل الريف، وهكذا ظل الريف يأكل ويهضم الغذاء ~~الإنساني الذي يقدم إليه، ولا يشبع نهمه. # وجاءت المسيحية بشيرة بالخلاص، بشيرة - على الأقل - برفع نير اليأس، ودان لها ~~الحاكمون البيزنطيون، والمحكومون المصريون على السواء، ولكن الفرج لم يأت بعد؛ ~~فالحكام أجانب، وأجانب لا يستغلون الموارد فحسب، ولكن يعملون أيضا على فرض مذهب ديني ~~معين، ونظام كنسي معين على الرعية، وانتصر المصريون فاحتفظوا بشخصيتهم، وشادوا ~~بأنفسهم - ولأنفسهم فقط - صروح الفن واللغة والآداب والكنيسة، ولكن مجتمعهم انتقل من ~~النظام الموحد - الذي عرفه آباؤهم - إلى مجتمع يقوم على الطوائف والهيئات: سكان ~~القرى، وسكان المدن، والطبقة الوسطى، والقساوسة والرهبان، تربطهم جميعا رابطة من ~~الدين والتقاليد. # وفي سطوع نور الإسلام نصل إلى العصر الثاني من عصري الحكم، الذي يسوده قانون مستمد ~~من شريعة سماوية، وقد ظل المجتمع قائما على تنوع الطوائف والهيئات - كما كان من قبل ~~- إلا أن ما بين تلك الطوائف والهيئات من فوارق وفواصل أوهنه وأضعفه إحساس قوي ~~بالانتماء إلى «الأمة»، الأمة الواحدة، وهو أحساس سرى حقا في كل فرد وفي كل جماعة، ~~أما في دائرة الحكم فقد كانت مصر الإسلامية - شأنها في ms14 ذلك شأن غيرها من البلاد ~~الإسلامية - تعترف بالحقيقة القائمة على التمييز بين الحكومة الشرعية حقا وحكومة ~~الواقع. # وبهذا كانت تخضع عن طواعية إلى انتقال السلطة من أسرة حاكمة إلى أخرى، أو من عصبية ~~إلى أخرى، بيد أن الاعتراف بسيادة «الشريعة» كفل للعدالة وجودا، كما أن الإحساس ~~القوي - الذي أشرنا إليه - بالانتماء للأمة، ويقظة الهيئة الدينية الشرعية أوجدا أداة ~~عملية ناجزة لإحقاق الحق. # وبالإضافة إلى هذا كله كان للمجتمع الإسلامي أن يعتز بأنه هيأ لغير المسلمين مكانا ~~منه، يتبوءونه عن حق ومشاركة جدية في نواحي الحكم والاقتصاد والثقافة. # وأخيرا نصل إلى طور «الحكم وفقا لأحكام العقل»، وسنتناول ذلك في الفصل الأخير الخاص ~~بمصر والغرب، ونكتفي الآن بأن نذكر أن الظروف، التي أوجدت ذلك الطور من أطوار ~~الحكم، أدت إلى الانتقاض على المجتمع الإسلامي كما ورثناه، وإلى محاولة بناء مجتمع ~~مصري جديد عن طريق التجريب، وعن طريق الارتجال، وأحيانا تحت حكم الأهواء، وهذا ما ~~يجب أن يكون، ما دمنا قد نصبنا العقل الإنساني على عرش السلطان. # | الإنسان والمجتمع في مصر # هل خلق الفرد من أجل الجماعة، أو خلقت الجماعة من أجل الفرد؟ وهل الإنسان والنحل ~~والنمل، وسائر الهوام في الحياة الاجتماعية سواء بسواء، أو أن للإنسانية - من حيث ~~هي - معنى أجل خطرا من إنسانية المواطن أو العامل في الإنتاج؟ # إننا لو نظرنا إلى طبيعة الإنسان نظرا يحده أفق الحياة الدنيا وحدها، لتحتم علينا ~~أن نقول: إن كل معاني الوجود الإنساني تحصرها دائرة التاريخ، وفي هذه الحالة لا ~~يكون الفرد من بني الإنسان إلا جزءا من ذلك المجتمع الذي هو أحد أعضائه، وفي هذه ~~الحالة كذلك يكون الشيء الذي يهم هو النمو الاجتماعي للجماعات. # ولكننا لو نظرنا - من جهة أخرى - إلى طبيعة الإنسان ومصيره، نظرا مركزا في حياته ~~الآخرة وحدها، لتعين علينا أن نقول: إن كل معاني الوجود الإنساني تقع خارج دائرة ~~التاريخ، وفي هذه الحالة يكون العالم بلا معنى، وكله شر، وينحصر - في هذه الحالة - ~~كذلك سعي الإنسان في حمل المجتمع كرها، ms15 وفي الابتعاد عنه. وهكذا نجد المجتمع - حسب ~~النظر الأول - يبتلع الفرد - إن صح هذا التعبير - وحسب النظر الثاني نجده عدوه ~~اللدود؛ فالنظر الأول يغفل أن كل نفس إنسانية لها وجودها الذاتي، أما النظر الآخر ~~فيغفل أن الإنسان - بحكم أنه كائن اجتماعي - لا يستطيع أن يبلغ الكمال الروحي الذي ~~يسمو إليه إلا بعدم الانطواء على نفسه فيخالط الساعين سعيه الروحي، على أساس أن ~~معرفة الله هي - في جوهرها - مسعى اجتماعي. # هذا ولم يتأثر المصريون في أدوار تاريخهم كثيرا بالنوع الأول من النظر في طبيعة ~~الإنسان، ولكنهم - على العكس - غلب عليهم النوع الثاني من النظر، وذلك في ظل وثنيتهم ~~ومسيحيتهم وإسلامهم، فلا نعجب إذن إذا أدركنا أن العقيدة الدينية لم ترجح كفة الفرد ~~كما كان ينبغي لها أن تفعل، ولم ترفع عنه عبء ما أوجبه المجتمع عليه بحكم ضرورات ~~لازمت المجتمع المصري ملازمة تكاد تكون دائمة. # وهذه الضرورات - التي سوف أتناولها الآن بالشرح - أدت إلى نوعين من النتائج: الحط من ~~قدر الفرد وإلزامه بألا يخرج عمله عن التكرار من جهة، وحصر السلطان في قلة متسلطة، ~~كانت الجماعات تشقى وتكدح لتوفير وسائل الراحة والمتعة والرفاهية لها من جهة ~~أخرى. # وترجع الضرورات التي أشرنا إليها إلى عوامل طبيعية معينة مستقرة في أسس الحياة ~~المصرية، وهي عوامل تعمل بانتظام، وتواصل عملها عاما بعد عام دون تغير جوهري فيها - ~~أو على الأقل - دون تغير ملحوظ منذ فجر التاريخ على ما نعرفه، ومداه قصير نسبيا، ~~فتوالي الفصول واختلافها والحرارة والرطوبة، واتجاه الرياح وسرعتها، وفيضان النيل ~~وانخفاضه، كل هذه الظواهر الطبيعية تجري في نسق كامل منتظم الحركة، كما أن ما يحدث ~~من التغيرات يخضع أيضا لنظام دوري رتيب. وإن بيئة هذا شأنها لا بد وأن يجري ~~كدح الإنسان وكده فيها على سنن منتظمة رتيبة، إلا أنه لا بد لهذا الكد من أن يكون ~~ثابتا متواصلا، وأن يجري على نهج نظام تصنعه سلطة عليا واحدة؛ إذ إن كل توقف في ~~الكد والجهد، وكل توان في اليقظة والانتباه ، وكل نزوة ms16 من نزوات الفرد، يعقبها ~~الدمار والكوارث. # ويحق لنا إذن أن نقول: إن مصر التي بناها المصريون وشادوها تتقاضى من بناتها ثمن ~~بقائها، وتفرض عليهم نوع الحياة التي يحيونها، وقد بلغ من سيطرة مصر على ساستها وقادة ~~أمرها ورسمها لهم خطط إدارتها واستغلال مواردها، أننا نجد - إذا استعرضنا على سبيل ~~المثال - أعمال أحد سلاطين المماليك أو الولاة الرومان، هي هي أعمال أحد البطالمة ~~نفسها، لم تتغير إلا في الأسماء والأعوام، لقد جعل مؤسسو مصر منها ضيعة، وكان من ~~الضروري من أجل استغلالها أن يخضعوا سكانها لحكم مطلق مركز، فيجنون بذلك ثمرة ~~تنظيمهم لموارد المياه وموارد التربة، فلا تضيع من الماء قطرة، ولا يبقى من الأرض شبر ~~غير منزرع، ويمكن تلخيص مفتاح النظام كله في المبادئ الآتية: # الصلة الوثيقة بين الإدارة العامة وبين الاستغلال الاقتصادي، الأهمية القصوى لعمل ~~الإدارة، الإدارة يجب أن تكون منتظمة يقظة. وما تاريخ مصر إلا مصداق لهذه المبادئ، ~~فلا نعرف بلدا يتأثر أهلوه بالحكم صالحا أو فاسدا كما يتأثر أهل مصر، ولا نعرف ~~بلدا يسرع إليه الخراب إذا ساءت إدارته كمصر، ولا نعرف بلدا تجري فيه العوامل ~~الاقتصادية نحو نتائجها المقدرة دون تمهل ودون انحراف كما هو الحال في مصر، فتستطيع ~~في مصر أن تقدر ما يترتب على رفع ضريبة من ازدياد الإنتاج وازدياد قوة الشراء، ~~وتستطيع - في مصر - أن تحسب ما يساويه مال ينفق على مشروع من مشروعات الري قطنا ~~كان أو قصب سكر. # فمن الجلي إذن أن بيئة مصر الطبيعية والبشرية تنزع نحو إيجاد عاملين، صالحين في ~~الإنتاج، أكثر مما تنزع نحو إيجاد الثروات الفردية المتباينة، والمصري - في التاريخ - ~~إنسان متعلق بقريته أو حقله أو الشارع أو الحي الذي يسكنه أشد تعلق، قريته أو مدينته ~~هي وطنه، يشقى في عمله، ويشق عليه أن يتركه أو يهجره مهما ساءت حاله، ومهما انتابه ~~من كوارث الطبيعة. ولما كانت السنون - في مسالكها - لا تأتي بجديد، فلا معنى للتطلع ~~إلى جديد، وإذا ما امتد البصر إلى ما وراء القرية فما ms17 الذي يراه: إما أن يرى قرية ~~أخرى، ولا جديد في ذلك، وإما أن يرى الصحراء، وما الصحراء إلا الجدب والموت، ~~وأهلها رجال نهب وقطع طريق، فلا عجب أن يوليها الفلاح دائما ظهره، ولم يؤثر عن ابن ~~المدينة أنه هام بشيء اسمه الطبيعة، والقروي والحضري كلاهما عرف الأيام الحلوة ~~والأيام المرة، ولكنهما لم يتصورا وجود عصر ذهبي كان فيما مضى من الزمان، ولا يريانه ~~قطعا في حاضرهما، وإن كانا يرجوانه من الله في الآخرة جزاء ما صبرا، ليس العصر ~~الذهبي في الغابر، ولا في الحاضر، فالظاهر أن طيبات الدنيا كانت دائما من نصيب ~~القلة، وكما قال الأستاذ توينبي: «خلال الخمسة أو الستة الآلاف من السنين الماضية ~~استأثر قادة المدنيات المختلفة بثمرة كد الجماعات، وحرموا عبيدهم حقهم فيها دون تردد ~~أو وخز ضمير، كما نفعل بالنحل نسطو على خلاياه وعسله.» # والبلاء قديم قدم إنشاء مصر، فها هو ذا فرعون مصر - الملك الإله - يستعرض ما حوله، ~~ويرى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان فيستهويه الخاطر المضلل، فيتوهم أنه هو - وهو ~~وحده - خالق مصر، وفاته أنه لولا تعاون منظم من جانب فلاحيه، ولولا سهولة انقيادهم، ~~لما كان في وسعه أن يخلق شيئا، فمارس السلطان، وتصرف فيما أنتجه المجتمع بأسره - ~~كما لو كان ملكا خاصا له - لا يشاركه فيه أحد، ملكا يخدم أهواءه ومسراته وتمجيده ~~في هذه الدنيا، وخلوده في الآخرة، فلا عجب أن نادى في الملأ # أنا ربكم الأعلى ~~، ولا عجب أن انحط شأن الفلاحين، فلم ~~يكونوا إلا أدوات إنتاج بشرية. وأخذ المجتمع المصري القديم يتسم بالجمود، والمحافظة ~~على القديم والتقاليد، كما يتسم بالعقم؛ مما ناقض أتم مناقضة ما اتصف به المجتمع ~~نفسه عند مولده وفي صباه من صفات الابتكار والإقدام في لحظة من لحظات ~~البطولة. # وفي أدوار التاريخ المتتالية قد يسمو مستوى الإدارة وقد يهبط، ويعم الرخاء أو البؤس، ~~ولكن يبقى ما بين الحاكم والمحكوم على ما هو عليه، كان الذي بينهما على أسوأ أحواله ~~أيام الرومان، عندما كان الزمام الوحيد الذي ms18 يكبح شراهة الحكام وسطوهم على ما في أيدي ~~الناس؛ هو خوفهم من أن البقرة الحلوب قد يجف لبنها تماما. # ثم نصل إلى العصرين المسيحي والإسلامي من تاريخ مصر، وهنا ننظر، ألا يحق لنا أن ~~نتوقع تحولا أساسيا في العلاقات الكائنة بين الإنسان وبين المجتمع؟ ألم تعلن هاتان ~~الديانتان أن الإنسان خلقه الله، وأن لكل مخلوق، ولكل إنسان، ولكل فرد ذاتية ~~يستمدها من الله، ولا يجوز لمجتمع ما، ولا لسلطان ما، أن يدعي أن له أن يمنحها ~~أو أن يستردها، وأن على الإنسان أن يكسب رزقه، وأن يكمل أدبه وأن يعبد ربه، ~~وهذه شئون شخصية قبل أن تكون اجتماعية، ولكن - والحق يقال - لم يتأثر مركز الفرد في ~~المجتمع باعتناقه تلك المبادئ الكبرى للحد الذي يحق لنا أن نتوقعه، ويرجع هذا إلى ~~أسباب: يرجع أولا إلى أن القائمين بأمور الدين كانوا يرون أن نزوع الطبيعة ~~البشرية نحو الشر يقتضي الكبح، وأنه ما دام الشر عنصرا من عناصر الطبيعة البشرية فإن ~~هناك مجالا لسيف قيصر، أو لدرة عمر، ويرجع ثانيا، إلى أن القائمين بأمر الدين ~~كانوا يؤمنون بأن المجتمع لا يمكن أن يقوم إلا على ترتيب الناس مراتب ~~ودرجات. # كانوا يؤمنون مخلصين بالمساواة بين أفراد البشر، ولكن هذا الإيمان لم يقتض - في نظرهم ~~- العمل على إيجاد تكافؤ الفرص بين الأفراد، والشيء الثابت هو تفاوت الأفراد في ~~مواهبهم، ولا يضير المساواة الحقيقية أو ينقصها تفاوتهم في الأرزاق، ويسري في التفكير ~~الإسلامي، قولا وعملا، التمييز الواضح بين العامة والخاصة. على أن ما يحق للتفكير ~~الإسلامي الفخر به قولا وعملا هو أن هذا التمييز لم يقم على أساس الحسب أو ~~السلالة البشرية أو الغنى، ولكنه كان حقيقة واقعة، وكان له أثره، بالإضافة إلى عوامل ~~أخرى في تنظيم المجتمع الإسلامي في مصر على أساس الوظيفة الاجتماعية المخصصة للفرد، ~~والوظيفة الاجتماعية هي التي تعين حقوقه، فللفرد المسلم صفتان: صفته إنسانا مسالما، ~~وصفته فلاحا أو صانعا أو طالب علم أو كاتبا أو جنديا ... إلخ. فالحقوق عامة وخاصة ، ~~والواجبات عامة ms19 وخاصة، وقد تطغى الواجبات على الحقوق فتمحوها عمليا، أو ~~تكاد. # إن النظرية الإسلامية لتقرر أن الحكم ينبغي أن يكون في يد أصلح الناس له، ولكن ~~الواقع يوجب - في الوقت نفسه - أن يكون في يد من يملك وسائل فرض الطاعة على الرعية، ~~ومما يؤسف له أن امتلاك الوسائل أصبح في النهاية المبرر الوحيد لممارسة ~~السلطان. # هذا هو تراث الماضي، وقد أثر ما حدث من التغييرات خلال القرن التاسع عشر في ذلك ~~التراث على أربعة أوجه: ~~(1) # اتخاذ الإنسانية المطلقة أساسا للحقوق. ~~(2) # تغليب صفة المواطن على صفة الفرد، فلاحا أو صانعا، أو ما إلى ~~ذلك. ~~(3) # التطلع إلى الخير عن طريق التغييرات الاجتماعية ~~والاقتصادية. ~~(4) # الإيمان بما تستطيع أن تحدثه الأنظمة المختلفة. # والواضح من هذا السرد أننا نركز النظر في مجتمع جديد، وأن عنايتنا بتكوين فرد جديد ~~لا تعدو أن تكون وسيلة لإيجاد المجتمع الجديد المثالي، وهذا ما نستطيع أن نقوله عن ~~الفرد والمجتمع في عصرنا الحاضر. # | المدينة والريف في تاريخ مصر # ظلت حضارة مصر حضارة مجتمع ريفي خلال آلاف السنين من تاريخها، حقا كان لمصر مراكز ~~حضرية، وكانت لهذه المراكز مكانتها في حياة البلاد القومية، إلا أن الحضارة - مع ~~ذلك - كانت هي حضارة الريف وسكان الريف. # وإنا لنتساءل الآن: كيف كان طراز تلك الوحدات الحضارية في مصر القديمة؟ كان هناك ~~«بنادر» (الأقاليم اليوم)، ولكنها كانت في الحقيقة قرى كبيرة، وإن قامت بما تقوم به ~~المدينة، إذ كانت مراكز الإدارة المحلية، والعبادات المحلية، وفيها كان يعقد السوق ~~والمواسم، كما كانت هناك قواعد المملكة، وكانت النزعة الغالبة جعل قاعدة البلاد أو ~~العاصمة في إقليم منف؛ أي حيث تلتقي الدلتا بالوادي، وفوائد ذلك واضحة جلية، إلا ~~أن مؤسسي الإمبراطورية الجديدة قاوموا إغراء الاتجاه نحو الشمال، واتخذوا طيبة ~~قاعدة ملكهم القومي والإمبراطوري، وكانت هناك أيضا مدينة الجامعة الشهيرة - أو بمعنى ~~أدق - المدينة الكهنوتية «أون أو عين شمس»، كما كانت هناك المدينة التي أسسها أخناتون ~~«مدينة أخيتاتون» لتكون مركز العقيدة التي فرضها، إلا أن هذه لم يقدر لها أن ms20 ~~تعمر طويلا، وما تبقى منها من آثار في «تل العمارنة» يدلنا على وجهة نظر المصريين في ~~فن تخطيط المدن. # وأخيرا أمامنا طراز من المنشآت، يهمنا أمره عند دراسة التطورات الآتية بعد، نعني ~~بذلك مدن المعسكرات المقامة عند الحدود، مثال ذلك «دافني» في شرق الدلتا، و«ماريا» في ~~غربها و«الفانتين» (أو جزيرة الفيلة) جنوبا، و«نوقراطس» الواقعة في الدلتا، وإن ~~كانت على اتصال ملاحي بالبحر الأبيض المتوسط. وقد أتاحت تلك المعسكرات لفراعنة مصر ~~أن يسكتوا العصابات الحربية المتبربرة، كالليبيين مثلا، أو الإغريق، أو اليهود، ممن ~~كانوا يجندون، وكان لزاما عليهم أن يوجدوا مواطن لهم، لا بوصفهم جنودا فحسب، بل ~~بوصفهم جاليات أجنبية تقيم في مصر دون أن تكون من مصر، وكان أهم تلك الجاليات شأنا ~~اليهود والإغريق. # وسنشرح هذا الجانب من تاريخ مصر بعد، بشيء من الإسهاب، إلا أن الثقافة المصرية ~~الكبرى كانت تستقي مادتها دائما من ينبوع الطبيعة الريفية، لا من الحياة الحضارية؛ ~~فأصول الثقافة إنما غذاها التأمل في مظاهر الحياة والموت والنشور، وإن وهن المدينة ~~المصرية المادي ليصور لنا وهنها المعنوي أدق تصوير. # هذا ولما آذن العصر الفرعوني بالزوال بدأت فصول جديدة من التاريخ، كان للمدينة فيها ~~المقام الأول، وكان الإسكندر الأكبر هو أول من أزاح الستار عن ذلك الفصل الجديد من ~~فصول التاريخ، ويوصف ذلك الفصل الجديد إجمالا بأنه حضارة جديدة تكونت من عناصر ~~متباينة، صهرت في بوتقة المدينة المصرية؛ فالمدينة هي حجر الزاوية في الإمبراطورية، ~~كما تصورها الإسكندر الأكبر. # إذ كانت الفرصة في المدينة مواتية لكي تؤثر العناصر الوطنية والعناصر المستوطنة بعضها ~~في بعض، وفيها تستطيع العناصر كافة أن تجد الجو المادي والروحي الذي يمكنها أن تعيش ~~فيه، ومدينة «الإسكندرية» شاهد على ذلك، ويجب علينا أن نذكر أنها عرفت رسميا ~~بأنها «الإسكندرية المتأخمة لمصر» فليست هي مصر أو من مصر. # وقد كان البطالمة حذرين في تنفيذ سياسة نشر الحضارة الإغريقية عن طريق إنشاء المدن، ~~فتعارضت سياستهم في هذا المضمار مع سياسة منافسيهم السلوقيين في سوريا، ويرجع ذلك إلى ~~أن ms21 البطالمة كانوا يدركون أن المدينة الهيلينية - من الوجهتين الروحية والمادية - ~~لا بد لها من أن توهن على الأيام الحياة الاقتصادية التقليدية، وتفكك أواصر ~~المجتمع؛ لذلك لم يؤثر عنهم إلا شيئان هما: إعلاء شأن الإسكندرية وإنماؤها حتى ازدهرت ~~وأصبحت مركزا عظيما من مراكز الحضارة الهيلينية، وتأسيس مدينة «توليماس» في الصعيد، ~~وكان البطالمة يفضلون إسكان جندهم في الريف، وإقامتهم زراعا مستعمرين. # وقد كان ذلك بداية ارتباط وثيق بين الريف والمجندين - وكانوا عادة من الأجانب - ذاك ~~الارتباط الذي دام حتى بداية القرن التاسع عشر، وقد اتخذ ذلك الارتباط مظهرين: ~~أحدهما: مرابطة الجند في الريف مثلا. أما المظهر الآخر فهو تخصيص دخل الدولة من ~~الأراضي الزراعية بالذات للإنفاق على القوات المسلحة، ويجدر بنا في هذه الجولة ~~العاجلة أن نلاحظ أن أولي الأمر في إمبراطورية الرومان، رغبة منهم في قهر مقاومة ~~المصريين على التخلي عن قوميتهم، حولوا عواصم الولايات - تلك المدن التي كان يطلق ~~عليها اسم: «متروبوليس» - إلى بلديات ذات حكم ذاتي، وقد تم ذلك في القرن الثالث ~~الميلادي حينما كانت مصر تجتاز ذاك الطور من ثقافتها التي كانت مزيجا من الحضارات ~~المصرية والهيلينية واليهودية، لتصبح ذلك المزيج الفذ: المسيحية «المصرية». # وهنا نقف لحظة لنلقي نظرة إلى الوراء، إلى ثقافة ما قبل المسيحية، وهي التي تسمى عادة ~~حضارة الإسكندرية، وهي تسمية عملية وإن كانت لا تعطي استمرار التقاليد المصرية ~~الخالصة في الريف حقها من الاعتبار، ولا عجب فإن تلك التقاليد خبا نورها إلى جانب ما ~~كان للإسكندرية من بهاء وسناء. # ويمكن للباحث أن يستعرض ثقافة الإسكندرية من وجهتي نظر، هما: وجهة نظر الجماعات ~~الثلاثة التي أسهمت في تكوينها؛ أي من ناحية ما كان لتلك الثقافة من أثر في ازدهار ~~وتنمية التقاليد الخاصة بكل جماعة منها، كما يصح أن يستعرضها من ناحية انبثاقها ~~وبزوغها ثقافة إنسانية عامة بالمعنى الحقيقي لذلك الوصف. ومما لا شك فيه أن كلا ~~من التراث القومي لليهود والهيلينيين كان بفضل ما تم بينهما من اتصال في مدينة ~~الإسكندرية. # وحسبنا أن نشير إلى ms22 ما بذل من جهود متواصلة في دراسة روائع الأدب الهيليني ~~الكلاسيكي، وإلى ازدهار الأدب اليهودي في الإسكندرية؛ مما يبرهن على أن الحضارات ~~القومية المتصلة اتصالا حيويا بالحضارات الأخرى تكون دائما بمنأى عن خطر ~~الاضمحلال أو الفناء، وبينما كانت التقاليد الثقافية القومية المختلفة تتفاعل على هذا ~~النحو تفاعلا مثمرا فيما بينها، حدث في الوقت نفسه بزوغ اتجاه عام جديد نحو معالجة ~~الشئون الكبرى لحياة البشرية في هذا العالم، كان هذا الاتجاه في بعض الأحايين غير ~~مباشر، ومثاله البحث العلمي الذي مارسه الإسكندريون، وكان هدفهم منه جمع الحقائق ~~وتنسيقها، سواء التي تتعلق بالفلك، أو بالطبيعة، أو بعلوم الأحياء والجغرافيا، أو ~~بغيرها. وكان هذا الاتجاه في أحيان أخرى يهدف إلى معالجة الشئون الكبرى باتخاذ أقصر ~~الطرق، ومثال ذلك إنشاء إله أو معبود واحد (هوسيرابيس) تركيبا من آراء دينية مصرية ~~وإغريقية، وفي أحيان أخرى كانت تلك الشئون تعالج من الناحية التصوفية والفلسفية. ~~وكانت المشكلة التي تشغل بال الإغريق واليهود، ومن بعدهم المسيحيين في الإسكندرية، هي ~~مسألة علاقة الله بالكون، وبخاصة بالإنسان. # ولم يقم المصريون بنصيبهم في صخب الحياة الروحية وغمارها وخضمها إلا بعد انتشار ~~المسيحية، وتفتت الصخرة الصلبة صلابة الجرانيت في قلب المجتمع المصري القديم، وكانت ~~ثمرة روحانيتهم المسيحية نظام الرهبنة، والنظام في صميمه ولبه ثورة الفلاحين ~~المصريين، هي في ظاهرها ثورة على الحياة الدنيوية، ولكنها - في حقيقتها وواقعها - ~~ثورة على المدينة، وكل ما ترمز له المدن وحياة المدن، وقد تردت في وهاد الجدب والعقم ~~والعنف والرذيلة. # هذا، وقد أعاد انتشار الإسلام «للمدينة» مكانتها المسيطرة المهيمنة في المجتمع ~~المصري، فثقافة مصر الإسلامية ثقافة حضارية، وقد شهدت القاهرة - ولمدى أقل بعض المدن ~~في الأقاليم - ازدهار تلك الثقافة ازدهارا كاملا، وتبوأت القاهرة مكانة ممتازة بين ~~مراكز الحضارة الإسلامية، وذلك في ميادين الفنون ونشر العلم ومرفهات الحياة، هذا وقد ~~درج بعض علماء الغرب على أن ينكروا على المدينة الإسلامية الصفة الحقيقية التي تتسم ~~بها المدينة، ومن رأيي أن ما حدا بهم إلى اتخاذ ذلك الرأي يرجع إلى ms23 أن المدينة ~~الإسلامية تفتقر إلى مراسيم إنشاء الأنظمة المدنية، ولكن - مع ذلك - لا مراء في أن ~~مدينة القاهرة الإسلامية قامت بنصيبها الأوفى في بناء مصر السياسي، وكان هذا بفضل ~~هيئاتها المدنية، ومعاهدها الدينية، مضافا إلى ذلك - وهذا ما لا يصح إغفاله - الفتن ~~الشعبية، فنصيب القاهرة في الأحداث لا يمكن تجاهله. # هذا وبفضل نمو الطوائف الصوفية، وتمسك الشعب عامة بالقصص الشعبي، خلقت الصلات التي ~~كانت تربط الريف بالمدينة، تلك الصلات التي بقيت إلى يومنا هذا. # هذا وقد شهد عصرنا الاتجاه نحو إدماج المدينة والريف في فكرة المواطنة المشتركة، ونمو ~~فكرة الدولة، ولكن ما زال أمامنا طريق طويل، علينا أن نسكله قبل أن نصل إلى موازنة ~~صالحة بين الاثنين من وجهة النظر الثقافية. # | مصر والعهد القديم # ما هي طبيعة علاقات مصر «ببني إسرائيل»، أولئك القوم الذين تحدث عنهم العهد القديم، ~~وعن أحداث تاريخهم وجهودهم الروحية بتلك الروعة وذاك السناء؟ هل أسهموا في تكوين مصر ~~إسهام الحضارة الهيلينية والمسيحية والإسلام والغرب فيه؟ # إننا نعرف أنه كان هناك مصريون مندمجون في الإغريقية، وإغريق «متمصرون»، كما كانت ~~هناك مصر المسيحية ومصر الإسلامية، ونعرف أن الغرب قد سيطر على مصر، وأن مصر ~~اتجهت إلى الغرب حينا، كما أشاحت بوجهها عنه أحيانا، وكان ذلك في الحالين عن وعي ~~وإدراك. # ولكن ترى هل كانت مصر على علاقات مماثلة مع بني إسرائيل؟ ولكي أجيب عن هذا السؤال ~~يجدر بي أن أميز بين نوعين رئيسيين من الصلات بين الشعبين: # فأما النوع الأول: # فيرجع إلى فترة ما بين بداية كتب العهد القديم الرسمية ~~ونهايتها؛ أي حتى ذلك الحين الذي كانت فيه مصر وفلسطين ~~مندمجتين في إمبراطورية الفرس وفي إبان الأحداث الخطيرة التي ~~ترتبت على فتوح الإسكندر في القرن الرابع قبل ~~الميلاد. # وأما النوع الثاني: # فيبدأ عندئذ؛ أي عندما أخذ اليهود في الاستيطان في مصر، وقد ~~قدر لليهود أن يكون لهم أثرهم في حياة البلاد الاقتصادية ~~والثقافية، ولكنهم كانوا في هذه الحالة عاملا من عوامل ~~تكوين مصر المسيحية والإسلامية ثم مصر المتصلة ms24 بالغرب، فيجدر ~~بنا إذن أن نترك أمرهم لأحاديثنا في تلك الموضوعات، وأن ~~نخصص الحديث الحالي لعلاقات مصر بيهود العهد القديم. # ومن رأيي أن تفسيري لتلك العلاقات يكون أوضح وأبين لو اخترت وقائع وحوادث معينة ~~ورتبتها ترتيبا زمنيا، ولنبدأ بزيارة إبراهيم، وقد وقعت تحت ضغط المجاعة، وهي تبدو ~~لنا مثلا قديما جدا للعلاقات بين الأقوام من رعاة الصحراء أو ما يشبه الصحراء ~~وبين وادي النيل، ويرى بعض الثقات أن قدوم إبراهيم حدث في عهد الأسرة الثانية عشرة، ~~كما أن بعضهم يوقتها بعد ذلك. ويجب علينا أن نلاحظ أنه كان لسارة - زوجة إبراهيم - ~~جارية مصرية، هي هاجر أم إسماعيل، وقد أسكنها إبراهيم ببلاد العرب كما هو معروف، كما ~~يجب علينا ألا ننسى قدوم يوسف إلى مصر، وما صادفه من تقلبات الحظ بين سعد ونحس، حتى ~~آل به الأمر إلى توليه السلطة كوزير لفرعون مصر، ولقد أثرى هو وشعبه ثراء عجيبا، ~~وابتسم لهم الحظ. # ويقول بعض المؤرخين، ويعارضهم آخرون: إن ذلك حدث في عهد الغزاة الأجانب، الذين ~~كانوا يسمون بالهكسوس، والهكسوس في الواقع فتحوا أبواب البلاد لأخلاط من الناس، وفدوا ~~عليها من الشرق، ويبدو أنه في أيامهم ازداد اليهود، الذين كانوا يعيشون في مصر، عددا ~~وثراء، وامتلأت خزائنهم وحظائر ماشيتهم، كما اكتسبوا مهارة في ميادين الفنون ~~المختلفة المعروفة عند المصريين، كصناعة المعادن، والحفر على الأحجار الكريمة ~~والصباغة والنسيج، وكان يجمعهم نظام يرأسه «شيوخ» من أنفسهم، وعلينا أن نذكر أنهم ~~عندما غادروا مصر كان رحيلهم على شكل حشد ونظام عسكري؛ أي رحيل أولئك الذين لم ~~يؤثروا البقاء بعد انتهاء حكم الهكسوس. # وتنتقل بنا القصة إلى ما قامت به الأسرة الثامنة عشرة من أعمال عسكرية باهرة ~~وانتصارات في آسيا، وإلى إعادة تنظيم الإمبراطورية، وإلى الآثار الكبرى التي شادوها، ~~وإلى ذلك الحدث المفاجئ: ثورة أخناتون الدينية، وهذه العبادة التي فرضها أخناتون - ~~عبادة قرص الشمس تحت اسم أتون - يمكن أن تعتبر - على وجه ضيق - شكلا من الأشكال ~~المتعددة لعبادة الشمس، ولكنها كانت تقوم على الإيمان بإله واحد ms25 قوي حي؛ وبذا نشأ ~~نوع من التقارب بين هذا التطور في عقيدة المصريين وبين توحيد اليهود. # والآن نتساءل: ما أثر العقيدتين إحداهما في الأخرى؟ وليست الإجابة على هذا السؤال ~~بالأمر الهين، فإن العمل الجليل الذي قام به أخناتون، كان يتسم بطابع الابتكار الشخصي ~~في طموحه وتحقيقه، ولكن تشابه الأفكار - ودع التشابه اللفظي جانبا - بين أناشيد ~~أخناتون وبين بعض المزامير يسترعي من النظر والفكر ما يدعو إلى دقة وزنه وتقديره حق ~~قدره. # ولن تدهش إذا كان زوال سلطة عبدة أتون مرتبطا بعض الارتباط باضطهاد بني إسرائيل في ~~عهد الأسرة التاسعة عشرة - كما يرى المؤرخون عامة - وقد يكون هذا الاضطهاد قد بدأ قبل ~~ذلك، وأنه نبت في كراهية المصريين للهكسوس وشيعتهم وأذنابهم، وقد يكون رد الفعل الذي ~~أعقب وفاة أخناتون قد أدى إلى النفور من جميع عباد المعبودات غير المصرية، ثم حدث ~~أن فراعنة الأسرة التاسعة عشرة - وقد كان من بينهم فرعون بني إسرائيل (ولا نعرف من ~~هو) - اهتموا بتشييد العمائر الضخمة - مدنية وعسكرية - ولم يسخروا في تشييدها - كما ~~كان يفاخر رمسيس الثاني - إلا عناصر من غير الأهلين، ونصل بذلك إلى المرحلة ~~التالية، والشخصية البارزة فيها هي شخصية موسى، الذي أخفته أمه في بردي النهر؛ لتنقذه ~~من ذلك الأمر القاسي الذي أصدره فرعون بذبح المواليد الذكور كافة، وتبنته امرأة ~~فرعون، ونما موسى وترعرع في كنف ثقافة مصرية، ولكن قدر له أن يثور عليها، وقد ورد ~~في القرآن الكريم ذلك العتاب المؤثر الذي وجهه فرعون لموسى: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين ~~. # ثم هرب موسى إلى مدين، ثم كان أن اختاره الله، وأمره بالذهاب إلى فرعون؛ ليكف عن ~~تعذيب بني إسرائيل؛ وليسمح لهم بالخروج من مصر، وتمكن موسى - آخر الأمر - من أن يخرج ~~بقومه، وفي رواية العهد القديم وصف البحر الذي عبروه بأنه: «بحر مليء بالحشائش ~~والعشب»، كما لم يرد فيها نص على أن فرعون نفسه كان ممن هلكوا، وقد حمل اليهود معهم ~~أمتعتهم ومقتنياتهم وجثة يوسف، ومما هو جدير ms26 بالذكر أنه لم يرد ذكر شيء من هذا كله في ~~النصوص التاريخية المصرية، وسأعود إلى هذا مرة أخرى. # والآن تنتقل القصة إلى الحوادث المتصلة بالتيه والوصايا العشر، والاستيلاء على أرض ~~كنعان، ثم قصة يوشع وعهد القضاة، ثم قصة صمويل والمملكة حتى حكم سليمان، وما امتاز به ~~من ضخامة وعظمة. # ومن هنا - حتى نهاية العصر الذي حددناه - نتناول شرح ما يجوز تسميته بسياسة توازن ~~القوى. # ننتقل الآن إلى سوريا وفلسطين، مقسمة بين دويلات ومدن متناهية في الصغر، وتحيط بها ~~دول ملكية قوية تمارس بنشاط وهمة سياسة التغلب؛ ولذا فإننا نجدها تحاول أن تملك أو ~~تسود الأراضي الفلسطينية السورية، وكانت بمثابة الجسور والمعابر ما بين مصر وغربي ~~آسيا، ومن ثم اهتمت مصر اهتماما عظيما بشئون جيرانها، ولما لم تكن من القوة ~~والسلطان بحيث تستطيع الاستيلاء على أرضهم أو ضمها إليها إلا فترات قصيرة من الزمن، ~~فإنها وجهت جهودها للحيلولة دون وقوع تلك البلاد في أيدي أعدائها، ولو حدث وسقطت تلك ~~البلاد بالفعل في أيديهم، فإن مصر كانت تعمل على إثارة المتاعب لمحتلها، وقد كان هذا ~~قصارى جهدها في ذاك الحين؛ إذ كانت قوتها قد أخذت في النقصان، بيد أن أثرها في ~~الثقافة اليهودية كان ملحوظا في عصر سليمان، فنشأت صلات تجارية بين البلدين، وكانت ~~مركبات الحرب والخيل أهم صادرات مصر، كما أننا نشاهد نفوذ مصر في ازدياد المظاهر ~~الملكية عند اليهود، وترجع فخامة العمارة وأبهتها في عصر سليمان بعض الشيء إلى ~~محاكاته المصريين دون شك، فشكل المعبد ذاته في جملته بأبهائه ومدخله، والعمودان ~~البارزان القائمان كالمسلتين أمام المدخل، وكذلك الأسدان القائمان على عرش سليمان، كل ~~ذلك يحمل الطابع المصري، وفي الحقيقة كان نظام ملكه منقولا عن الإمبراطورية المصرية ~~الكبرى. # والآن كيف نقارن بين هذين الشعبين؟ لقد كانا على طرفي نقيض في كل شيء، كان أحدهما ~~يمثل مجتمعا مستقرا، متماسك الأطراف، مترابط الصلات، تحت سلطان حكومة دينية ~~دنيوية، أما الآخر فشعب قلق مضطرب يسعى إلى بلوغ اليقين ولا يكاد يبلغه. ولم يكن ~~بينهما ms27 يوما من الأيام ود موصول. قال المؤرخ المصري مانيتون: إن اليهود انحدروا ~~من شطر من الشعب المصري طرد من مصر على أثر إصابته بالبرص والقراع، ولكن كم من الناس ~~يقرأ مانيتون؟ # وعلى أية حال فإن كتبه قد ضاعت، ولم يرد ذكر إسرائيل كثيرا في سجلات تاريخ مصر، ولكن ~~إذا أردت النظر إلى الجانب الآخر، رأيت أن العقيدة اليهودية قد لقحت بالمسيحية، ~~وأن العهد القديم جزء من الكتابات الدينية المسيحية، وأن الصورة التي وردت عن مصر ~~والمصريين فيها قد انطبعت في عقل كل طفل، وكل رجل وامرأة في العالم المسيحي جيلا بعد ~~جيل، بحيث لا يمكن أن تحل محلها أية صورة أخرى تخالفها، زد على ذلك أنها ترد في كتب ~~سماوية، وعلى أساس ما كان لتلك الصورة اليهودية من أثر في عقول الملايين من اليهود ~~والمسيحيين، وفي موقفهم العقلي والعاطفي لا من مصر الفرعونية فحسب، بل من مصر عموما، ~~يمكن القول بأن كتب العهد القديم قد عملت هي أيضا في تكوين مصر، وإن كان ذلك على ~~نحو خاص بها. # | مصر والهيلينية # ما هي الهيلينية؟ يرى بعض المؤرخين أنها ثقافة جديدة، تتركب من عناصر إغريقية وعناصر ~~شرقية، بينما يرى آخرون أنها امتداد الحضارة الإغريقية إلى الشرقيين، وفي نظر فريق ~~ما هي إلا استمرار المدنية الإغريقية الأصلية، وهناك فريق آخر يرى فيها المدنية ~~الأصلية نفسها معدلة بظروف جديدة. # ولندع هذا وذاك، ونقول مع المؤرخ «تارن»: إن «الهيلينية» ما هي إلا وصف موجز ~~لمدنية القرون الثلاثة التي بدأت بفتوحات الإسكندر الأكبر، والتي انتشرت فيها الثقافة ~~الإغريقية بعيدا عن موطنها الأصلي، ولهذا الرأي ميزته، وهي تناول الموضوع موحدا، ~~ولكن ينبغي علينا أن نتذكر دائما أن القرون الثلاثة التي حددها الدكتور «تارن»، ~~كانت اتصالا لحركة توسع واسعة النطاق، لا من جانب إغريق بحر إيجه فحسب، بل من جانب ~~أقوام آخرين اتصفوا بالإقدام والمخاطرة، وبخاصة الفينيقيين والأتروريين، كما يجب ~~علينا أن نستذكر أنه حدث بعد تلك القرون الثلاثة أحداث تكون جزءا لا يتجزأ من قصة ~~الحضارة الهيلينية، ms28 ألا وهي: إنشاء الإمبراطورية الرومانية، ونشر الديانة ~~المسيحية. # أما الشطر الثاني من تعريف الدكتور «تارن»، وهو إشعاع الحضارة الإغريقية من موطنها ~~الأصلي، فهذا أيضا مما يجب إدراكه جليا، وأود أن أشرح في هذا الحديث حقيقة ما ~~كان من أمر هذا الإشعاع واتجاهاته وحدوده. وفي الحق سوف نلاحظ أن إشعاع الحضارة ~~الهيلينية كان أبلغ أثرا وأجدى ثمرة، بعد انقضاء القرون الثلاثة للعصر الهيليني ~~بأمد طويل، وفي أوضاع لم تخطر على بال الأسرات اليونانية المالكة التي ورثت ~~الإسكندر، وكذلك لم تخطر على بال الأباطرة الرومانيين، ولا في مواطن لم تصل إليها ~~جيوشهم: لا في فارس تحت حكم الساسانيين، ولا في العراق تحت حكم الخلفاء العباسيين، ~~ولا في ظل مدارس التفكير الإسلامية والمسيحية، ولا في فنون الساسانيين والشرق الأقصى ~~والفنون القبطية، كما لم ينبعث هذا الإشعاع المثمر من الإسكندرية أو أنطاكية، اللتين ~~ظلتا تحت سلطان الإغريق والرومان قرابة ألف سنة، بل انبعث من مدن غير مطروقة لا تخطر ~~على بال، كجنديسابور في غربي فارس، أو واحة مرو في حوض نهري سيحون وجيحون، أو من ~~حران مدينة الصابئة في الجزيرة. # وأدوار الحضارة الهيلينية الأولى - كما حددتها - تتوافق مع زوال عصر الإمبراطوريات ~~القديمة، إن لم تكن قد ترتبت عليه، أفلت فيه نجوم وبزغت أخرى، ودرست الإمبراطوريات ~~المصرية والأشورية والبابلية الجديدة، ودخلت في خبر كان، وعلا شأن شعوب فتية، هم ~~الإغريق، والفينيقيون، والأتروريون، والميديون، واليهود، والآراميون، والرومان. وقد ~~امتد نشاط هذه الشعوب إلى ميادين أوسع وأرحب من تلك الإمبراطوريات القديمة، وانطلقوا ~~في البحر والبر على السواء، ولم يقفوا عند حد إقامة دولة قوية فحسب، ولم تكن فتوحاتهم ~~عملا حربيا صرفا، بل أضافوا إلى تاريخ الإنسانية فصلا أكثر غنى بحوادثه، وأكثر ~~إثارة للتأمل مما سبقه من الفصول. # إلى جانب هؤلاء أتى قومنا المصريون، وقد تقدمت بهم السنون، وأثقلت كواهلهم أحداث ~~الماضي، ولم يبدءوا حياة جديدة قادرة على الخلق والابتكار، ولم يتلقوا رسالة من الأمل ~~إلا عند مقدم المسيحية وظهور الإسلام. # وكان أول ما تلاقت مصر بالهيلينية عندما ms29 قدم المغامرون الإغريق إلى مصر، تجارا ~~وملاحين، وجنودا مرتزقة، وقد استخدمهم الفرعون «بساماتيك» وحلفاؤه برا وبحرا في ~~قتال الأشوريين والفرس وحلفائهم من بعدهم، وفي قتال الفينيقيين، وفي فتنهم وحروبهم ~~الداخلية، وقد استقر هؤلاء الإغريق في مدن عسكرية، وفي مدينة «نوقراطس»، وفي بعض ~~أحيان المدن المصرية الصميمة، ومنحوا حرية تنظيم مدنهم وأحيائهم وفقا لأسلوب معاشهم ~~الخاص، وفي ظل قوانينهم وأنظمتهم، وكانوا تجارا - أو على الأصح وسطاء - كما كانوا ~~جندا وملاحين، وكانوا يمارسون مختلف الصناعات، ولم يكن بينهم وبين المصريين ود ~~موصول، بل كانت تثور العداوة بينهم أحيانا، ولا عجب، فالإغريق في نظر المصريين لا ~~يكادون يستقرون على حال، أطفال قلقلون، وليسوا - في الغالب - رجالا يمكن الوثوق بهم ~~أو الاعتماد عليهم، والمصريون في نظر الإغريق يرزحون تحت عبء الكهولة والوقار ~~والخزعبلات الموروثة، وكان شعور الإغريق نحو مضيفيهم الذين لم يرحبوا بهم ترحيبا ~~كثيرا، هو شعور التطلع والاستغراب المتفكه الذي لا يخلو من الاحتقار، وقد زار مصر ~~مشاهير الإغريق، كأفلاطون، وسولون، وهيرودوت، ولكن يجدر بنا ألا نغالي فيما أثمره ~~هذا اللقاء، من أثر ثقافي متبادل. # وفي هذه الأثناء كان سلطان فارس يمتد سريعا، وهكذا بينما نشهد انتشار الهيلينية من ~~الغرب نحو مهاد المدنيات القديمة، كان الفرس بنو عمومة الإغريق الأباعد، يبسطون ~~سلطانهم على ما يقع غربي بلادهم. وقد كان هذا التوسع الفارسي نقطة البداية للتبادل ~~الثقافي المثمر مع شتى الشعوب في سوريا، فعاد اليهود إلى أوطانهم من المنفى، واتسع ~~المجال لانتشار الثقافة الآرامية، وزاول الفينيقيون نشاطهم التجاري في إمبراطورية ~~فارس، ثم حدث أن إمبراطورية فارس جاورت المدن الإغريقية في آسيا الصغرى، ولم ترتح ~~لجوارها، فكان أن تشعبت الحروب المشهورة بين الفرس والإغريق. في الوقت نفسه كان ~~حلفاء فارس - وهم الفينيقيون - يشنون حربا شعواء، ويصارعون الإغريق صراع حياة أو ~~موت، وذلك في أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط كافة، وكانوا في ذلك الصراع متحالفين مع ~~الأتروريين. # وقد أدى ذلك كله إلى امتلاك فارس لمصر، ولكنها أخفقت في إخضاع المدن اليونانية ، بينما ~~اضطر الإغريق إلى الانسحاب ms30 من غربي البحر الأبيض، وتركه لسيادة قرطاجنة، وهي ~~المستعمرة الفينيقية الذائعة الصيت. # ولكن الآية لم تلبث أن انعكست تماما، واستطاع الإسكندر الأكبر في خمس سنوات فقط أن ~~يحطم إمبراطورية فارس، وأن يقود جحافله إلى الهند، وكان هذا إيذانا بفتح صفحة جديدة ~~في قصة الحضارة الهيلينية، وفي تاريخ مصر. وآن لمصر أن تعرف الإغريق حكاما عليها، ~~لا جندا مرتزقة أو تجارا صغارا، بيد أن الحضارة الهيلينية التي دخلت مصر تحت حكم ~~البطالمة وخلفائهم الرومان، لم تكن الحضارة الأصيلة التي ترد على خاطرنا كلما ذكرنا ~~تلك الأسماء الخالدة: بركليس وأفلاطون وسوفوكليس. لا، لم يكن شيء من هذا، فالبطالمة ~~لم يسمحوا بإنشاء النظم الحرة بين رعاياهم الإغريق، ولم يتيحوا لرعاياهم المصريين ~~فرصة المواطنة الحقة في دولة ذات قومية حقيقية، بل على العكس من ذلك، بقي الإغريق ~~منعزلين وظلوا طائفة مميزة، وهو أسوأ ما يمكن أن يحيق - آخر الأمر - بأية طبقة من ~~طبقات الشعوب. # وظل المصريون يعملون - كما في التعبير الإنجليزي - «حطابين محتطبين ومالئي الدلاء»، ~~يعاملون معاملة الأجناس المستعبدة، يكدون ويكدحون حتى يسقطوا من الإعياء، حرموا من ~~أن ينهض بينهم زعماء منهم، وتركوا نهبا لقساوستهم المتعصبين، وقد أبقى الملوك ~~البطالمة وقياصرة روما على السخافات والمساخر الدينية، عن سوء قصد ونية، وأصروا على ~~الإمعان فيها، وهم في قرارة أنفسهم يحتقرونها بكل جوارحهم. # وماذا كانت نتيجة هذا كله؟ # كانت نتيجته تكوين مصر، يصفها المؤرخ الروماني «ناسيتوس» فيما يلي بقوله: # هي ولاية من العسير الوصول إليها، تنتج الغلال، مشتتة الفكر والخواطر، ~~وسريعة الاستجابة لدواعي الفتن تحت تأثير الخرافات والفوضى، تجهل ~~القانون، ولا تعرف خطط القضاء والحكم! # وتكلم «بوليبيوس»، مؤرخ روماني آخر، عن شعب الإسكندرية فوصفه بالشعب الهجين. # ووصف «دون كريزوستوم» المتبحر في علوم البيان والجدل والسفسطة، الإسكندرية بأنها ~~مدينة قد جنت بالطرب وسباق الخيل، لا تشتغل بأي شيء جدير بعظمتها ومكانتها. # وإنه لأمر يسترعي النظر أنه مهما كد القارئ في البحث عن تأثير مصر والمصريين في ~~أدباء الإسكندرية اليونانيين لم يجد شيئا يعتد به، لا في منثورهم، ms31 ولا في منظومهم ~~على حد سواء. # هذا وإن كانت قد نشأت في ريف البلاد جاليات مختلطة من المصريين والإغريق، متأثرة ~~فعلا بالحضارة الإغريقية، فإن هذه الجاليات كانت من ضعة القدر والمكانة، بحيث لم ~~تستطع أن تنتج أو تثمر تلقيح الحضارة المصرية بالحضارة الهيلينية. وقد تأثر اليهود - ~~أيضا - بالحضارة الإغريقية تأثرا اقتضى أن تترجم كتبهم الدينية إلى اليونانية؛ لكي ~~يستطيعوا فهمها والانتفاع بها، ولكن اليهود - كعادتهم - شغلتهم أنفسهم عن أي شيء آخر، ~~حقا كان العصر كله عصر استغلال وأثرة وعداوات للشعوب، ولم يبد أي فريق ممن برزوا ~~على مسرح التاريخ خلاله أحسن ما عنده. # وجاءت الثورة من الطبقات الدنيا، فاضطر البطالمة - وهم يرزحون تحت ضغط الإعياء ~~الاقتصادي، ووقف تدفق المهاجرين الإغريق، وفي سبيل مواصلة حروبهم مع الأسرات ~~المقدونية المالكة الأخرى - إلى استخدام رعاياهم المصريين جنودا، ولذا شرعوا في ~~التخفيف من وطأة حكمهم وأنظمتهم، وأضاف مقدم الرومان عمرا جديدا إلى ذلك الطراز ~~البغيض من الحضارة الهيلينية، ولكن الثورة التي بقيت تعمل في الأعماق، تمكنت في ~~النهاية من أن تقضي على ذلك الصرح الشامخ الذي شيده قياصرة روما، وكانت هذه هي مهمة ~~المسيحية، وما حققته من عمل مجيد. # أما عن تحرر مصر من الكابوس الهيليني الروماني، فهذا ما سأتناوله في حديثي المقبل. ~~وسنرى عندئذ أن الحضارة الهيلينية لم تعمل في تكوين مصر عملا نافعا خيرا، إلا ~~عن طريق ذلك العنصر الإغريقي الكامن في المسيحية. # | مصر والمسيحية # يدخل في تكوين مصر عنصر مسيحي هام كل الأهمية، وليس مرد ذلك إلى أن المسيحية عقيدة ~~فريق من أبنائها فحسب؛ بل لأن المسيحية في عالم مسيحي، هي التي كونت النظرة الروحية ~~لأبنائها كافة. # وقد كانت مصر التي حمل إليها يوحنا مرقص المبشر بالإنجيل رسالة المسيحية - كما جاء في ~~الرواية المتواترة - خليطا من طرازين مختلفين من البيئة؛ فمن ناحية كان هناك سكان ~~المدن الذين يتكلمون باليونانية وبخاصة في الإسكندرية، وهم من الإغريق والمصريين ~~المشبهين بالإغريق واليهود، وهؤلاء جميعا تأثروا بالمؤثرات الدينية والثقافية ~~السائدة في المدن الهيلينية في القرن ms32 الأول من العهد المسيحي، وتأثروا من الناحية ~~الأخرى بطراز البيئة المصرية الصميم. # أما في البيئة الحضارية التي كانت تضم ذلك الخليط من الطوائف الذين ذكرناهم، فقد كان ~~القوم في تلك الآونة ينشدون تلك الوحدة التي كانت لأمراء يستمدون وجودهم من وراء ~~مختلف الآلهة وعباداتهم، كما كان القوم يسعون أيضا نحو الحصول على طهارة الأنفس، وقد ~~احتوت الديانة المسيحية - بالإضافة إلى شخصية السيد المسيح - على شيئين حيويين خلت ~~منهما الديانة الهيلينية، ففي تلك الديانة بوجه عام، لم يكن يؤمن بعقيدة الخلود في ~~عالم آخر إلا قلة من الأخيار المحسنين، أو جماعة من المطلعين على أسرار بعض ~~الديانات ذات الطقوس السرية، التي تعلق بها الناس إذ ذاك؛ أي لم تكن عقيدة الإنسانية ~~عامة، ولم يكن حب الإنسانية أساس أية عقيدة هيلينية، كما لم تحمل واحدة منها رسالة ~~إلى البائس، والمسكين، والخاطئ، والمسيء. # وقد كان مذهب الرواقيين أقرب المذاهب إلى ذلك المثل الأعلى الإنساني، ولكننا لا نجده ~~يفسح مكانا للمحبة، ولذا لم يكن للعاملين المرهقين المثقلين إلا أن يضعوا الرجاء ~~في شيء آخر، لم تستطع العقائد الهيلينية أن تقدمه إليهم، ولكن ينبغي علينا أن نذكر ~~في الوقت نفسه إسهام التفكير الإغريقي والتفكير اليهودي بنصيب وافر في ميدان الفلسفة ~~والتصوف، في المحاولة التي قام بها الآباء المسيحيون الأولون في مدينة الإسكندرية ~~وغيرها، لعرض الحقائق المسيحية، إسهاما يقوم على النظر العقلي، ويستسيغه العقل، لا ~~لتعليم المؤمنين المسيحية فحسب، بل لتعليمها الوثنيين الذين أشربوا الفلسفة اليونانية ~~أيضا. # ويكفينا أن نذكر في هذا الصدد مدرسة التعليم الديني الشهيرة بالإسكندرية، والاسمين ~~اللذين طبقت شهرتهما الآفاق: «كليمنت وأوريجين»، ويجدر بنا ألا نغفل أهمية ما أسدته ~~اللغة اليونانية في سبيل نشر المسيحية، فالكلمات الأساسية كافة في العقيدة المسيحية ~~يونانية الأصل: المسيح (كريست)، والتعميد «بابتيزم»، والأفخارستي والدياكون والقس ~~(برست)، والمطران (بيثوب)، والرسول (أبوسل) والإنجيل. # وسأشرح بعد قليل ما كان لليونانية من أثر في تكوين اللغة القبطية والكنيسة ~~القبطية. # أما البيئة الأخرى، بيئة الإيمان المصري الخالص، والرجاء المصري الصميم، فتختلف كل ~~الاختلاف ms33 عن البيئة الحضارية التي وصفتها، فقد كان شغلها الشاغل إقامة الشعائر التي ~~تطلبتها عبادة أوزيريس. وتقوم تلك العقيدة على توجيه الإيمان، وتوجيه الطقوس؛ للحصول ~~على البعث بعد الموت بفضل أوزيريس، الذي بعث حيا بعد أن أرداه الشر قتيلا؛ ولذا ~~كان هم المؤمن المصري أن يؤدي الطقوس السحرية التي بها تغلب أوزيريس على الموت، ولو ~~أن الوازع الخلقي لم يغب عن المؤمنين المصريين، فقد آمنوا أيضا بالحساب والميزان ~~يسبقان نعيم الأخرى، فلم يكن عجبا إذن أن تلقى المسيحية، وقد نادت بالمخلص الذي قهر ~~الموت أذنا صاغية ولقاء حسنا، وكان من عظمة المسيحية أنها لم تجتذب إليها الطبقة ~~الوسطى الدنيا، والطبقة الوسطى العليا فحسب، بل إنها كانت العقيدة التي اعتنقها عامة ~~الشعب في الحضر والريف بحرارة وإيمان. # ومن دلائل سرعة انتشار الرسالة المسيحية بين المصريين، الحاجة الماسة إلى ترجمة كتب ~~العهد الجديد إلى اللهجات القبطية السائدة في البلاد، ويبدو أن اللهجة المسماة ~~«بالبحيرية» هي التي أصبحت اللهجة الرسمية للكنيسة القبطية. # ولكن إلى جانب الكتب المقدسة الرسمية، نبتت وفرة كثيرة من الكتابات الدينية غير ~~الرسمية، كان يقصد بها أولا وقبل كل شيء إيجاد مادة قراءة الشعب، كسير العذراء ~~ومناقبها، وروايات تتعلق برسالة المسيح وعذابه. هذا، وإنا لنستطيع الإسهاب في موضوع ~~استمرار الروح المصرية - وخاصة روح الفلاح - وطموحها وأمانيها الروحية، ولكن يكفينا ~~في هذا أن نقتبس تلك الجملة من كتابات هارناسك مؤرخ العقيدة: # إن المسيحية قد لاءمت في مصر بين خصائصها وبين خصائص الدين القديم ~~الأساسية لمدى أوسع مما شهدناه في أي بلد آخر، اللهم إلا إذا استثنينا ~~بلاد اليونان، فإن كان أكثر المصريين قد أصبحوا عند منتصف القرن الرابع ~~مسيحيين، فمرد ذلك إلى أنهم خلقوا لأنفسهم دينا قوميا من المسيحية، ~~وذلك بأن لقحوا هذه الديانة ببقايا معتقداتهم القديمة وآمالها. # هذا وبالإضافة إلى تكوين اللغة القبطية بمعونة من اليونانية، يجب ألا نغفل نمو ~~الفن القبطي، أو بمعنى أدق الفن المصري المسيحي، الذي وصلت بعض طرائقه وأساليبه من ~~إيران عن طريق سوريا، والذي يمتد انتشاره ms34 جغرافيا إلى مدى فسيح يسترعي النظر، فقد ~~ذكر «دالتون» في الدليل الذي وضعه عن أقدم الآثار المسيحية والبيزنطية في المتحف ~~البريطاني، أنه عثر على آنية برونزية من طراز قبطي في مقابر إنجليزية سكسونية. هذا ~~ولا يقل إشعاع الفن القبطي زمنيا عن انتشاره في أقطار الأرض، إذ إن طرائق الفن ~~القبطي وأساليبه كانت عاملا من العوامل المؤثرة في فنون مصر الإسلامية وصناعاتها، ~~وهذا دليل آخر على أهمية العنصر المسيحي في تكوين مصر. # هذا وإذا كان الفن القبطي تعبيرا عن الخصائص الدينية لمصر المسيحية، فإن نشأة حياة ~~الرهبنة ونموها لهي وجه آخر من أوجه التعبير، يعتبره العلماء أكثر ما ساهم به الشعب ~~المصري بروزا وجلاء في تراث المسيحية. # وإنا لنكتفي بالقول دون الدخول في التفاصيل أن الرهبنة بدأت بفرار الأفراد إلى ~~البرية هربا من شرور العالم ورذائله، ثم أخذت شهرة بعض الصالحين النساك تجذب الناس ~~إلى العيش بجوارهم، يلتمسون منهم الهداية، وكان ذلك حال «أنطونيوس» الشهير. ولكن يرجع ~~الفضل في تنظيم الرهبنة إلى عبقرية «باخوميوس»؛ فقد كان للقواعد التي وضعها تأثير ~~بالغ في نمو أنظمة الرهبنة في المسيحية الغربية وغيرها، ولكن الرهبنة في مصر لم تكن ~~أمرا روحانيا صرفا، بل كانت عاملا في التطور الاجتماعي، والتطور الديني، فأثرت ~~تبعا لذلك، في مصائر البلاد بأجمعها. # وقد انتظمت المسيحية في كنائس شكلت على طراز الأنظمة الرومانية الإمبراطورية، وتركزت ~~الكنائس الرئيسية في مدن اشتهرت في التاريخ، كالإسكندرية، وأنطاكية، والقسطنطينية، ~~وروما. وكان من شأن اختلاف الأمزجة القومية والمنافسات بين الأمم والأشخاص، أن نشأت ~~اختلافات مذهبية، فنبت ذلك النقاش، وذاك الجدل الذي شاع وذاع بين أريوس وأثناسيوس في ~~القرن الرابع، وانتهت تلك الجولة بأن قرر مجمع نيقية إدانة أريوس بالإلحاد (الهرطقة)، ~~كما نشب خلاف آخر حول الأقاليم، كان من أثره انحياز الكنيسة المصرية - ومعها في ذلك ~~كنائس شرقية أخرى - إلى رأي في طبيعة السيد المسيح يعرف بالمذهب المنوفيسي - أي ~~الطبيعة الواحدة - وانحازت الكنيسة الإمبراطورية إلى قول آخر، وعمل هذا النزاع ~~المذهبي وما صحبه من اضهطادات وإحن واضطرابات، ms35 وتدهور اقتصادي، على إضعاف الصلة التي ~~كانت تربط البلاد بالإمبراطورية الرومانية، عند حدوث الفتح الإسلامي في القرن ~~السابع. # وقد فسر المذهبان «المنوفيسي» و«النسطوري» على أنهما يمثلان احتجاج الشعوب الشرقية ~~على السيطرة الهيلينية السياسية والاقتصادية والثقافية، وقد أشار هارناسك، الحجة الذي ~~سبق لنا الاقتباس منه، إلى أن بطارقة الإسكندرية لم يقتصر طموحهم على السيطرة على ~~الكنائس الرئيسية الأخرى، بل تعدى ذلك إلى التطلع إلى أن يجعلوا من مصر دولة دينية ~~مستقلة. ويؤيد هذا ما ذهبت إليه الآنسة رويار المؤرخة الثقة للإدارة البيزنطية، من ~~أن العرب الغزاة لم يروا في مصر إحدى ممتلكات بيزنطة، بل بدت لهم مملكة تكاد تكون ~~مستقلة. هذا وبينما كان رهبان أديرة مصر من أبناء الفلاحين، يؤيدون الكنيسة القبطية ~~في صراعها ضد أولي الأمر الحاكمين الأجانب، موظفين مدنيين وكنسيين، فإنه لا يمكن ~~القول بأن تلك الأديرة كانت عنصرا من عناصر النظام أو الاستقرار في حياة الكنيسة ~~الوطنية ذاتها. # وبالاختصار هذا هو مجمل القول في هذا الموضوع الكبير، وسأحاول في حديثي التالي وصف ما ~~خلفه تراث مصر المسيحية لمصر الإسلامية. # وآمل أن أبين حينئذ أن خير طريق يسلكه اليوم مسلمو مصر ومسيحيوها على السواء لكي ~~يفهموا أنفسهم، هو أن يعملوا على فهم الإسلام والمسيحية على حد سواء. # | مصر والإسلام # غزت جيوش الخلافة مصر سنة 640 بعد الميلاد، وقطعت العلاقة التي كانت تربطها ~~بالإمبراطورية الرومانية الشرقية، وبذا أصبحت مصر جزءا من دار الإسلام، إلا أن ~~العملية التي أصبح بها المصريون مسلمين يتكلمون العربية نمت بالتدريج؛ إذ جاء انتشار ~~الإسلام عن طريق اعتناق سكان البلاد المسيحيين الإسلام تدريجيا، كما جاء نتيجة ~~لاستيطان الوافدين من بلاد العرب، وقد تمشى انتشار اللغة العربية مع انتشار الإسلام ~~جنبا إلى جنب، إلا أن انتشار اللغة كان أشمل وأتم من انتشار الديانة، فهي لغة ~~الأهلين كافة - المسلمين منهم والمسيحيين - على السواء. # ونستطيع أن نقسم تاريخ مصر الإسلامي على وجه العموم إلى فترتين مختلفتين كل الاختلاف ~~في الطول، فالأولى تستغرق من منتصف القرن السابع حتى نهاية القرن ms36 الثامن عشر، بينما ~~تشمل الثانية السنوات المائة والخمسين الأخيرة. وقد شهدت الفترة الأولى تكون ثقافة ~~إسلامية، بلغت قدرا كبيرا من الاستقرار والتماسك، سواء في أيام ازدهارها أو في عصر ~~انحطاطها، وسواء نظرنا إليها من وجهة بنائها الداخلي، أو من وجهة علاقاتها الخارجية. ~~أما الفترة الثانية فقد شهدت إخضاع تلك الثقافة لدوافع وحركات من الشد والجذب، كانت ~~ذات تأثير بليغ في كيانها، ولما كانت اتصالاتها بالحضارة الغربية هي المسئولة عن حدوث ~~عوامل التغير؛ فإني سأتناول الفترة الثانية من تاريخ مصر الإسلامية في حديثي التالي - ~~عن مصر والغرب - خاتمة هذه الأحاديث. # أما هذا الحديث فيتناول نشأة الثقافة الإسلامية، وبلوغها كمال نموها، وعلى أن أبدأ ~~ببناة تلك الثقافة، فإن وفود العرب على البلاد كان إيذانا ببزوغ فجر عملية جديدة من ~~عمليات بناء الأمة المصرية، فاجتذب الريف المصري رجال الصحراء إليه، وما زال حتى الآن ~~يجتذبهم، وارتباط مصر بدار الإسلام فتح أبوابها - وبخاصة أبواب مدنها - للمستوطنين من ~~البلدان الإسلامية الأخرى، وبخاصة من بلاد المغرب ومن فلسطين وسوريا، وقيام دول من ~~المماليك، واعتماد تلك الدول على جيوش مؤلفة من أبناء الرق، أديا إلى قدوم جموع من ~~الجواري والعبيد من مختلف العناصر والأجناس، من أتراك وشراكسة وصقالبة ومن إليهم، أضف ~~إليهم مستوطنين من شتى السلالات الأفريقية، والآن نتساءل إلى أي مدى تمثلت الأمة تلك ~~العناصر؟ إذا اتجه النظر إلى أهل الريف فإننا نجدهم - قديمهم وجديدهم - يستوون في ~~الانتماء إلى طائفة من الفلاحين، بيد أن بين الفلاحين فروقا لا تخفى، ففلاحو ~~الدلتا مختلفون عن فلاحي الصعيد، بل الاختلاف ظاهر من مديرية إلى أخرى. # أما في المدن فكان القادمون الجدد أميل إلى الارتباط ممن سبقهم من أبناء بلادهم، ~~يزاولون ما يزاول هؤلاء من حرف أو أعمال، ومن وفد منهم إلى مصر للتعلم، فإنه يلحق ~~بمعاهد الأزهر «أروقته» المخصصة لبني قومه أو لأهل مذهبه، ومن جاء للتجارة، فإنه ~~يستقر في السوق المخصصة لسلعه ومتجره، أو سوق «الأمة» التي ينتمي إليها، ومع ذلك فلم ~~تكن هناك حواجز تحول دون الاختلاط، ms37 فاختلط المسلمون الوافدون بالمسلمين من أهل ~~البلاد، كما اختلط المسيحيون الذين جاءوا من الشام بالأقباط وغيرهم. # أما الطائفة التي بقيت بمعزل عن الأهلين، فقد كانت طائفة التجار الوافدين من أوروبا، ~~وقد ظلت طائفة قليلة العدد نسبيا حتى نهاية القرن الثامن عشر، وكان مجال نشاطها ~~قاصرا على تجارة الجملة، ولذا لم تتصل إلا بقليل من أهل البلاد، أغلبهم من ~~الرعايا اليهود والمسيحيين، ولم يكن للأوروبيين حتى نهاية القرن الثامن عشر أية رسالة ~~ثقافية، كما أنهم لم يتلقوا شيئا ما عن الأهلين، إلى جانب ذلك نشطت التجارة مع بقية ~~العالم الإسلامي، ومع تلك البلدان فيما وراء البحار، في قارتي أفريقية وآسية التي وصل ~~إليها نشاط التجار العرب وسفنهم، وهذا الاتصال المستمر المستديم بالعالم الخارجي، هو ~~الذي يميز تاريخ مصر الإسلامية عن تاريخ مصر المسيحية، ومما يفسر هذا الفرق بين ~~التاريخين أن مسيحيي مصر - فيما عدا فئة قليلة من العلماء - لم تجمعهم بالعالم ~~المسيحي في الشرق والغرب لغة مشتركة كاللاتينية والسريانية، وكانت لغتهم القبطية ~~وقفا عليهم وحدهم، بينما كان لدى مسلمي مصر ولسانهم - العربية - وسيلة المشاركة في ~~حركة الثقافة الإسلامية. # ولكن هل تعني تلك المشاركة أن ليس لثقافة مصر الإسلامية ذاتية خاصة بها مميزة لها، ~~وللإجابة على هذا السؤال نقول: إنه كان لمصر - شأنها في ذلك شأن الأقاليم الكبرى لدار ~~الإسلام - ذاتيتها. ولكن، يجب أن نتذكر دائما أن احتفاظ مصر بذاتيتها، لم يكن من ~~شأنه النزوع نحو العزلة أو الانطواء على النفس، بل كان يتجه نحو الملاءمة بين العناصر ~~الثقافية المستوردة وبين بيئة خاصة، وهنا نقرر ما كان للعناصر المسيحية المصرية في ~~البلاد من الأثر الكبير في إجراء تلك الملاءمة، سواء منهم في ذلك من احتفظ بمسيحيته ~~أو تحول إلى الإسلام، فقد علموا الوافدين على البلاد كيف يعيشون تلك العيشة التي ~~تلائم خير الملاءمة ظروف مصر، من حيث أساليب الزراعة وطرائقها، ونظام حيازة الأراضي ~~ومسحها وريها، وما يستتبع هذا كله من نظم إدارية، وكذلك الصناعات القائمة على استخدام ~~المواد الأولية التي بين أيديهم ms38 على أحسن ما يتفق وأحوال البلاد الطبيعية، هذا إلى ~~جانب وضع الأنماط والرسوم التي ترضي أذواق الأهلين المتوارثة. # أما عن مساهمة الأقباط في الجانب العقلي من الثقافة الإسلامية، فأمر ليس من اليسير ~~الكلام فيه، وإني لأرى أن من الأسلم لنا أن ندمج العنصر المسيحي المصري الخاص في ~~مجموع ما ساهم به الفكر الهيليني، والفكر السرياني المسيحي في بناء صرح الثقافة ~~الإسلامية عامة، ولا أستثني من هذا القول إلا شيئين؛ أولهما: أن ثمة ظروفا مصرية ~~محلية أثرت في اتجاهات معينة للفقه الإسلامي، وثانيهما: هو أثر مساهمة الأدب الشعبي ~~المصري القديم في الأدب الشعبي العربي. # ونتناول بعد ذلك باختصار موضوع «الذاتية» المصرية في حركة التاريخ الإسلامي، ونظرا ~~إلى أن هذا الوجه من أوجه الثقافة هو أكثر استجابة لأثر البيئة الجغرافية؛ فإننا ~~نلاحظ أن تطور مصر الإسلامية يجري على نسق خاص بها، بيد أن هذا الاتجاه كان في ~~الوقت نفسه سريع التأثر بمبادئ الإسلام الأساسية، وبالحركات الإسلامية عامة، كما حدث ~~أحيانا أن مصر لم تعد أن تكون مجرد أساس اتخذه من اتخذه للعمل على تحقيق غايات ~~تخص مصر وغير مصر. # هذا وبينما أقرر صحة هذه التحفظات، فإنه من الواضح الجلي أن تاريخ مصر سار وتطور ~~وفقا لخطوط تختلف اختلافا بينا عما سار عليه تاريخ العراق، أو تاريخ المغرب، ولم ~~يكن شأن مصر ولاية ممتازة من ولايات الخلافة الإسلامية، أو الدولة العثمانية، شأن ~~الولايات الأخرى، وكذلك لم يكن شأن مصر مقرا لخلافة شيعية، أو دولة من دول المماليك ~~شأن الممالك الإسلامية الأخرى. # والآن يجدر بنا أن نتساءل: ترى كيف يمكن أن تقارن الثقافة الإسلامية التي نمت ~~وترعرعت في بلادنا، بثقافة البلدان الإسلامية الأخرى؟ إن الرد على ذلك يمكن أن ~~يلخص في العبارات الآتية: # إن ثقافتنا الإسلامية بلغت مستوى وسطا، فلم ترق إلى ما سمت إليه في ديار أخرى، ~~كما لم تهبط إلى ما هبطت إليه في ديار أخرى. وإن أصالة ثقافتنا الإسلامية لترجع ~~إلى تماسكها الشامل، وارتباطها المحكم أكثر من رجوعها إلى أي وجه ms39 خاص من أوجه الحياة ~~الثقافية، فهي - مثلا - لم تنتج من الشعر الرفيع ما أنتج العراق، كما أن التفكير ~~الفلسفي لم يزدهر عندنا بقدر ما ازدهر في الأقطار الشرقية من العالم الإسلامي. حقا ~~إننا أسهمنا بقدر ذي شأن في نمو علوم اللغة والدين، ولكننا لم نخرج إلى الوجود ذلك ~~النوع من الآراء الذي تقوم عليه المدارس والمذاهب، وقد ينطبق هذا القول على فن ~~العمارة، فإنتاجنا جيد إلا أن الأسس تصلنا من الخارج. أما الوجه الثاني المميز ~~لثقافتنا الإسلامية، فهو بقاؤها على الزمن، واستدامتها أطول مما دامت في البلدان ~~الإسلامية الأخرى، أضف إلى ذلك أنها لم تتلق ضربات قاصمة، أو تصب بنكبات كالتي حلت ~~بإخوان لنا في الدين، فمن ذلك أن مصر لم يصبها شيء يمكن أن يقارن بما حل بالمغرب ~~على أيدي القبائل البدوية، أو بما لقيه الإسلام في إسبانيا من إبادة وإفناء، أو بما ~~حل بالشام والعراق وما يجاوره من تدمير وخراب على أيدي المغول. # ولم يبدأ صرح حياتنا الثقافية في الاهتزاز والتخلخل إلا عندما دق الغرب على بابنا ~~في نهاية القرن الثامن عشر، بحملة جيش من الغزاة الفرنسيين، وسوف أتناول شرح ذلك في ~~حديثي التالي عن «مصر والغرب». # | مصر والغرب # هذا آخر حديث في سلسلة أحاديثي، وهو يتناول تطور المجتمع المصري في السنوات المائة ~~والخمسين الأخيرة، وهي فترة توثقت صلات البلاد خلالها بالغرب، وقبل أن أبين لكم ~~الحقائق الكبرى لهذا الاتصال - كما أراها - أود أن ألفت أنظاركم إلى بعض الاتجاهات ~~التي تسترعي النظر، ولا سبيل إلى إغفالها عند بحث هذا الموضوع. وأولى تلك الاتجاهات ~~هي أن المؤلفين في هذا الموضوع يكتبون، كما لو أن الشعب المصري يتعين عليه أن ~~يختار موقفا حاسما يلتزمه دون رجعة، وعلى أساس هذا الافتراض يشرع من نصبوا أنفسهم ~~ناصحين لنا في الإفضاء إلينا بما يجب علينا اتباعه، فمنهم من يشير بأن نسير على نهج ~~الحضارة الغربية في صميمها، أو في بهرجها، ومنهم من يعاوده الحنين إلى عصر رمسيس ~~الثاني ، أو إلى عصر هارون الرشيد، ms40 أو إلى تقشف صدر الإسلام، أو إلى الجمع والخلط بين ~~محاسن ما يمكن أن نلتقطه كافة من هنا أو من هناك. # ولا حاجة بي إلى أن أبين فساد هذا الافتراض، حقيقة إنه قد تحدث ظروف في تاريخ ~~الجماعات يتعين فيها اتخاذ قرارات حاسمة، ولكن لم يحدث أبدا أن طرأ موقف كان لزاما ~~فيه الانحياز إلى رأي نهائي، أو موقف محدد المعالم لا رجعة فيه، فالجماعات في تطور ~~دائم، وكل ما في الأمر أن سرعة التطور تزيد في بعض الأحايين عنها في بعضها ~~الآخر. # والاتجاه الثاني الذي يميل إليه بعض المؤلفين، هو الاعتقاد في أن ما يعتري مجتمعنا ~~من أزمات ظاهرة خاصة بنا، والصواب أن الشعوب الأخرى تشترك معنا في هذه الحال، ومنهم ~~الغربيون أنفسهم. اختر أية مشكلة، أو أية مسألة يختلف عليها الناس: مشكلة السكان، أو ~~الأسرة، أو الطبقات، أو مدى تدخل الدولة، أو مسائل التصنيع، أو الاقتصاد الزراعي، أو ~~المسائل المتعلقة بالديموقراطية بنوعيها الشعبي والبرلماني، أو تجريد الدولة من ~~الصبغة الدينية، أو السيادة القومية المطلقة والنظام الدولي. ليس في هذه المسائل ما ~~هو خاص بمصر أو بالغرب أو الشرق، فكلها مسائل نابتة من صميم العصر الذي نعيش فيه، وكل ~~ما هنالك أن هذه المسائل ومثيلاتها تتخذ أوضاعا مختلفة في مختلف المجتمعات، كما ~~أن من هذه المشكلات ما قد يكون أكثر ضغطا وأشد إلحاحا في بعض المجتمعات عنه في ~~بعضها الآخر. # وفي المقام الثالث ميل الكتاب إلى أن يضعوا مصر مواجهة لمجتمع غربي ثابت. ~~والواقع أنه قد طرأ على الغرب من التحول خلال المائة والخمسين سنة الماضية، ما هو ~~أبعد مدى مما انتاب مصر خلال تلك الفترة، ومن رأيي أن توهمهم وجود غرب ثابت لا ~~يتحول أو يتحرك، أو على الأقل فيما يختص بعلاقته بنا، يرجع إلى سببين: # أولهما: # أن السياسة التي تسير عليها الدول الأوروبية نحونا بالفعل، ~~لم تكن عادة مما يتجاوب تجاوبا ناجزا وما كان يحدث في ~~أوروبا من تطور اجتماعي. لا، بل بلغ الأمر أن كانت تلك ms41 ~~السياسة تتعارض في بعض الأحايين تعارضا بينا ومبادئ ~~العلاقات الاجتماعية السائدة في أوروبا. # وثاني السببين: # هو أن الأثر الذي تتركه فترة من فترات الاتصال بأوروبا في ~~أذهان قومنا، قد يبقى طويلا بعد أن تطوى حوادث تلك الفترة ~~في سجل النسيان، وأتخيل، على سبيل المثال، أن مرور ~~الفرنسيين من جند ومدنيين - خلال احتلالهم لبلادنا عند ~~نهاية القرن الثامن عشر - في مدننا وريفنا أثر في آراء ~~المصريين كافة، لجيل أو لجيلين، عن الفرنسيين، لا بل عن ~~الفرنجة أو الأوروبيين كافة. # وقد كان هؤلاء الفرنسيون أول الغربيين الذين اتصلنا بهم في العصور الحديثة، وقصة ~~غزوهم مصر - إذا نظرنا إليها من الناحية الضيقة المحدودة - لا تعدو أن تكون فصلا من ~~فصول المنازعات والمنافسات التي شبت في عصر الثورة، وبخاصة المنافسة بين إنجلترا ~~وفرنسا، ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من ناحية أكثر عمقا وأبعد مدى، رأينا أن الحملة ~~الفرنسية كانت نتيجة لثلاث ثورات أوروبية: الثورة العلمية، والثورة الصناعية، والثورة ~~الفرنسية. فالثورة العلمية بعثت نظرا جديدا في عالم الطبيعة والمجتمع الإنساني، ~~والثورة الاقتصادية بعثت دوافع جديدة لوضع موارد الأرض كلها تحت تصرف الرجل الأوروبي، ~~والثورة الفرنسية بعثت إدراكا جديدا لمبادئ التنظيم القومي. كانت هذه الأشياء ~~العوامل التي فتحت عهدا جديدا في تاريخ التوسع الغربي، فكان لا بد للأوروبيين من ~~أن يملكوا أوطان الجماعات الإسلامية والآسيوية، أو أن يسيطروا عليها، أو أن ~~يوجهوها؛ ليبعثوها من جديد فتولي وجهها نحو الغرب وتسير في فلكه، وتصبح بذلك شيئا ~~نافعا للغرب. # ومعنى نفعها للغرب عند الغرب، أنها عندئذ تنفع نفسها أيضا، وتنفع العالم بأسره. بيد ~~أن اندماج تلك الشعوب في الغرب اندماجا كاملا لم يكن مستحبا لسببين؛ إذ إنه ~~يمكن أن يعتبر مناقضا للمواثيق التي تعهد بها القوم أن يحترموا عقائد المصريين ~~الدينية وعاداتهم، وثانيا: أنه لم يكن هناك سبيل إلى تحقيقه، وحتى لو كان ذلك ميسرا ~~لما كان في جانب مصلحة الحكام الأوروبيين أو المحكومين. # وكان الاحتلال الفرنسي قصير الأمد، بيد أن نتائجه وعواقبه كانت بعيدة الأثر في ~~التاريخ؛ ms42 إذ كان هذا الاحتلال حافزا لولاة مصر في البدء على عملية عمارة وإنشاء ~~بوسائلهم وطرائقهم الخاصة. # وقد تشكلت تلك الطرائق وفقا لآراء الحكام الشخصية في السياسة والاجتماع ومثلهم ~~العليا، ووفقا لطبيعة الظروف المحلية - مادية كانت أو أدبية - فضلا عن تأثير ~~القيود المفروضة على سلطتهم الفعلية. وهذه القيود فرضتها السيادة العثمانية ومصالح ~~الأوروبيين، وما كان يجري بينهم من منافسات؛ ولذا كان الإنشاء واسع النطاق ومحدودا ~~في آن واحد، كان يتسم بالفخامة والضعة معا، وكان أن أورثنا ذلك العهد من تاريخنا ~~مبادئ استقرت أساسا لكياننا القومي، أوردها فيما يأتي: # أن مصر هي القلب النابض لمجال حيوي يمتد إلى ما وراء حدودها، أن التجديد شعار ~~المجتمع، أن الموارد تعبأ، وأن المجتمع يخضع لسلطان موحد. # ولكن كان ينبغي لكي تؤتي هذه المبادئ ثمرتها أن يعامل الفرد المعاملة الخليقة ~~بالمواطن، فإن إخضاع الشعب لسلطة عليا لا تخضع لسلطان القانون، كان معناه إخضاعه لقوة ~~غشوم مدمرة توجهها الأهواء، كما أن تعبئة موارد البلاد دون وازع من الإنصاف أو ~~التقدير للاعتبارات الإنسانية، لم يؤد إلى ثراء الأمة ورخائها، بل أدى إلى تقوية شهوة ~~القلة الوطنية والأجنبية المستغلة، وإشباع نهم طائفة لا قلب لها ولا ضمير، كما أن ~~سطحية نظام التعليم واتجاهه نحو أهداف نفعية ضيقة لم ينشئ فريقا من «الصفوة ~~الفاضلة»، بل خلق أدوات إدارية فاسدة لا تحسن أداء ما عهد إليها به. # ويجب أن أضيف إلى ذلك القصور وتلك العيوب، مشكلات الأزمات الدبلوماسية والمنافسات ~~الدولية، وما يصحبها من قلق واضطراب، ومشكلات رأس المال الأجنبي والمستوطنين من ~~الأجانب، الساعين إلى شق طريق الرزق في البلاد. # لقد انهار النظام الخديوي في العقود الأخيرة من القرن الغابر؛ ومن ثم سارت سفينة ~~الدولة على غير هدى وفي مهاب الريح حتى ارتطمت بالصخور، ونجحت دولة أوروبية في فرض ~~سيطرتها وجمع أزمة الأمور في يديها؛ هي إنجلترا. # ولو كان لسياسة الاحتلال البريطاني في مصر أن تتخذ لها شعارا، لقدمت لها جملة طالما ~~تكررت في كتابات كرومر، ألا وهي: «بقدر معلوم»، فيجب أن ms43 يكون لنا نصيب من كل شيء ~~بقدر معلوم، نصيب من الاستقلال، ومن الولاية العثمانية، ومن الصلة بيريطانية، ونصيب ~~في السودان، ونصيب من الحكم الشخصي، ومن أنظمة الحكم الذاتي، ونصيب من الرقي الثقافي ~~والاقتصادي وهلم جرا. # ولم يكن الهدف الرئيسي الذي وضعه كرومر نصب عينيه أن يجعل مصر للمصريين، وقال إنه لم ~~يكن واثقا مما يعني ذلك، بل مصر لسكانها كافة، ومن الجلي أن مصرا من هذا النوع لا ~~بد لها من وجود قوة تقوم بدور الوساطة في النزاع المحتوم بين الأجناس والمصالح؛ أي ~~تقوم في الواقع بدور الرجل القوي الفيصل الذي شهدته مدن القرون الوسطى المضطربة، ~~وبالطبع لا بد أن تكون تلك القوة هي إنجلترا. # بيد أنه غاب عن بال كرومر تماما، أن التسوية النهائية لأمر مصر ستكون مع شعب مصر، ~~وهذا هو المعنى الذي انطوت عليه ثورة عام 1919، بيد أن الآمال التي ولدتها ثورة ~~1919 في بعث قومي جديد لم تتحقق، فلم تكن لدينا شجاعة الإيمان بما كنا ننادي به ~~ونجهر، فمنحنا الشعب كاملا، وكنا أنانيين، وكانت المعاذير التي كنا نتذرع بها ~~لإخفاقنا أقل مما كان يلتمسه آباؤنا عام 1882؛ لأننا شيدنا على ما تركوه وراءهم، وكان ~~في وسعنا أن نتعلم من أخطائهم، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نغفل عما واجهنا من صعاب، ~~فقد كنا نسعى جهدنا في آن واحد، وقد حاولنا القيام بذلك، بينما كنا نخشى أن تمتد ~~إلى شعبنا الدعوات الأوروبية الجديدة القائمة في الروسيا وإيطاليا وألمانيا، فترددنا ~~في تعبئة مواردنا الحية والمعنوية، وترتب على ذلك أن حذونا حذو كرومر؛ أي إننا ~~حاولنا الحصول على شيء من كل شيء بقدر معلوم، شيء من المحافظة على التقاليد مع ~~مسايرة روح العصر، وقدر من الرأسمالية، وقدر من الاشتراكية على السواء، وقدر من الزهو ~~والتظاهر، مع مقدار من عدم الاعتداد بالنفس. # وقد شهدنا كما شهد آباؤنا «انهيار الحكم» مع هذا الفارق، وهو أن انهيار 1882 أعقبه ~~الاحتلال البريطاني، بينما الانهيار الذي حدث في زماننا خلف لنا مولد الجمهورية ~~المصرية، وإن ms44 مجرد الاسم في ذاته ليحمل في طياته برنامجا كاملا للإنشاء على أساس ~~المبدأ القائل بأن أكبر مقدار من السعادة يجب أن يحقق لأكبر عدد من الأهلين. وإن ~~خير تعريف تتخذه الجمهورية المصرية لنفسها في العصر الذي نعيش فيه، لهو ما قاله ~~الفيلسوف «برك»: # لا يجب اعتبار الدولة شيئا أفضل من كونها اتفاقا على المشاركة في ~~المنافع، بل هي مشاركة في العلوم كافة، ومشاركة في الفنون كافة، ومشاركة ~~في الفضائل كافة، وفي الكمال كله. ms45