######OpenITI# #META# URI: 1400TawfiqSacidRafici.AminRihani.Hindawi15073074 #META# Tags: biographies #META# ID: 15073074 #META# Title: أمين الريحاني: ناشر فلسفة الشرق في بلاد الغرب #META# AuthorID: 35157164 #META# Author: توفيق سعيد الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # ترجمة حياته‏ # حفلات تكريمه‏ # باب المختارات‏ # المختارات الشعرية أو الشعر المنثور‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # ترجمة حياته‏ # حفلات تكريمه‏ # باب المختارات‏ # المختارات الشعرية أو الشعر المنثور‏ # خاتمة‏ # | أمين الريحاني # | أمين الريحاني # | ناشر فلسفة الشرق في بلاد الغرب # تأليف # توفيق سعيد الرافعي # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ~~أجمعين. # وبعد، فإن الباحث في شئون العمران، والمنقب عن أسباب سعادة الإنسان، لا يكاد ~~يمعن بصره في شيء يذكر، أو يجيل فكره في أي عمل من الأعمال الجليلة ~~النافعة، إلا رأى فيه يدا ظاهرة للأدباء والشعراء، وأصحاب الهيمنة على ~~المشاعر والقلوب؛ ذلك بما لهم من السعي المحمود، والقصد المشهود؛ فهم قادة الأفكار، ~~وأمراء الأقلام. # أجل، بل هم رسل التعارف بين الأمم، وألسنة الوداد بين الشعوب، بما ~~يؤلفون به بين القلوب من نفثات أقلامهم، وما يودعون الألباب من حكم منظومهم، ~~ومحكم منثورهم. # ولما كان الإنسان مدنيا بطبعه، محتاجا لأخيه في شد أزره، وتقوية عضده؛ فكر ~~في تنظيم الاجتماع والتعاون، وبث العلوم والمعارف؛ لتقوى الجامعة الإنسانية، ~~وترسخ دعائم حضارات الأمم. فأخذت كل أمة على عاتقها القيام بشيء من هذه المنافع على ~~قدر استعدادها، والعمل على ما يصل إليه جهدها. والمرء إذا رجع إلى تاريخ الاجتماع وجده ~~حافلا بما للأمم الشرقية من الأيادي البيضاء على الإنسانية جمعاء، بما نشرت من ~~معارفها، وأتقنت من صناعتها، وأكملت من مدنيتها، وأوسعت في حضارتها، وأبقت على الدهر من ~~آثار قوتها. # نعم، قد كان أولئك الآباء والأجداد رواد حكمة، وناشري فضيلة، لا يكتفون بنشر ~~العلم فيما بينهم، بل كان الواحد منهم إذا ظهرت له الحكمة، أو واتته المعرفة بشيء ~~يخشى فوات نشره لتعميم فائدته؛ سابق الأجل فرسمه على الصخر والحجر، ليبقى عبرة ~~أو تذكرة لمن شاء أن يتذكر فيفعل، ومثالا يحتذى في إكمال كل عمل. # أولئك الآباء الشرقيون أصحاب الهمم العالية، والمقامات السامية، قد جعلوا الشرق ~~بهمتهم العلياء، وعزتهم القعساء، جنات زاهية، قطوفها دانية، بما أودعوه من بديع ~~المدنيات، وجليل المآثر ms001 والعادات، حتى تمنى كثير من رجالات الغرب وفلاسفته أن يكون ~~مستقبل أممهم كماضي أولئك الأمجاد: # أولئك آبائي فجئني بمثلهم # إذا جمعتنا يا جرير المجامع # يقول لويس جاكوليو: # آه، ما أسعدني إذا صار ماضي الهند مستقبل فرنسا! # ويقول فولتير الفيلسوف الفرنسي: # قد كان للصين إسطرلابات «مراصد للفلك» قبل أن نعرف الكتابة والقراءة. # 1 # وقس على مدنيتي الهند والصين ما يماثلهما أو يفوقهما من المدنية البابلية ~~والفينيقية والمصرية، وما ختم به كل مدنيات الشرق من المدنية العربية، فقد غشي ~~سيلها الأرض الغربية فأحياها بعد موتها، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج. # أجل، قد بعث العرب بمدنيتهم أمم الغرب من أجداثها، وسيئ مراقدها، وطول ~~سباتها. # نعم، أخذت أمم الغرب عن العرب مدنيتها، واسترشدت بإرشادها، واهتدت بهديها؛ فسرعان ما ~~برزت في ميادين الحضارة، وحازت قصب السبق من يد أساتذتها. # 2 # وهذا نتيجة جدها في العمل، وإقبالها على نافع العلم. فالشرقيون الآن على ~~بكرة أبيهم أعق خلف لأكرم سلف؛ لما أضاعوا من تراث الآباء، وما زالوا ~~ينحدرون من مكانتهم، وينزلون عن رفعتهم حتى غلبوا على أمرهم، وأصبحوا نهبا مقسما ~~فيما بينها، فاستبدت بهم، ومنعتهم ثمرة جد آبائهم، وجهد أجدادهم، بما ألقت بينهم من ~~تفريق الكلمة، وإيقاع الفتن والدسائس. # عندئذ أخذ اليأس يتسرب إلى أفئدتهم، والقنوط يحط رحاله بين ربوعهم، ويغشى ~~مجامعهم ودور سمرهم. # لولا أن الله - جلت حكمته - قد تداركهم في حيرتهم، فأراهم بصيصا من نور الأجداد، ~~ووميضا من برق الآمال، فأخذوا يبحثون عن ذاك التراث القديم، وينقبون عن أسباب ~~الوصول إليه، فكان في طليعتهم أدباء الكتاب والشعراء على جاري عادتهم، فرأوا أن خير ~~سبيل موصل إلى الغاية المنشودة إنما هو تعارف الأمم الشرقية بعضها ببعض، ~~وإحكام الصلات بين شعوبها، وإذاعة فضلها بين رجال الغرب؛ فكان لعملهم هذا فائدة ~~تذكر فتشكر، وآثار تعرف فلا تنكر. # وليس بدعا أن كان في مقدمة الأمم الشرقية في هذه الحلبة: الأمتان ~~السورية والمصرية؛ فقد عرفتا حق الجوار وواجب الأخوة في اللسان، فأخذتا تتقاربان، ~~وتضع كلتاهما يدها في يد ms002 الأخرى، حتى نطق شاعرهم بما في مكنون ضمائرهم ~~فقال: # لمصر أم لربوع الشام تنتسب # هنا العلى وهناك المجد والحسب # إلى أن قال: # هذي يدي عن بني مصر تصافحكم # فصافحوها تصافح نفسها العرب # فتعاونتا على البر والتقوى، وتصادقتا على تكريم رجال العلم والحكمة في أشخاص رجال ~~الأدب والهمة. # وأنت إذا أبصرت ما يحصل من أبناء أحد القطرين الشقيقين، والبلدين التوءمين، من ~~التجلة ومآدب الحفاوة والإكرام إذ نزل دار الضيافة أمير من الأمراء في ~~القطرين، أو أديب من الأدباء في البلدين، للسياحة وترويح الخاطر؛ ملكك العجب، ~~وعلمت همة العرب، وأيقنت أن هذا الشبل من ذاك الأسد. # فقد زار نيويورك منذ أمد غير بعيد صاحب السمو، الأمير محمد علي، فقابلته الجالية ~~السورية في مهجرها بما يليق بمكانته السامية من التجلة والإكبار، ومن الإجلال ~~والإعظام، وكذلك فعل المصريون مثل هذا عند زيارة الأمير شكيب أرسلان لمصر، ثم احتفل ~~السوريون بحافظ إبراهيم، والمصريون بخليل مطران. وآخر ما شهدنا من هذا القبيل ما قامت ~~به الجاليات السورية وكرام المصريين يوم قدم هذا القطر الفيلسوف الفذ أمين ~~الريحاني؛ فقد كرموا العلم في شخصه، وقووا رابطة الإخاء بين السوريين والمصريين بما ~~سارعوا إليه من الاعتراف بفضله، وتقديره حق قدره. # ولا عجب في هذا؛ فالشرقيون عامة، والسوريون والمصريون خاصة، أولى بمعرفة ~~الريحاني وفضله، وأحق بإيفائه الشكر على عمله؛ فهو ناشر لواء أدب الشرق في الغرب، ~~ومظهر فضل فلسفة المعري وغيره من فلاسفة الشرق أمام فلاسفة الغرب، وهو من عقد على ~~رأسه الغربيون أكاليل المجد، ورفعوا له لواء الحمد، فقومه بهذا أولى، وعشيرته به ~~أحق وأجدر. # فهو رجل الأدب وإتقان العمل، وفضله على العلم فضله، ومنزلته في خدمته ~~منزلته. # على أنك واجد في هذا الكتاب من سيرته، وكيفية نشأته، وبليغ حكمه، وفصيح خطبه، ~~ورقة أسلوبه، ما يثلج له صدرك، وتقر به عينك، فيقفك على مكانة الرجل بين لداته ~~وأترابه، ويعرفك كيف تنشأ همم الرجال، وتتكون ملكات العلم. # هذا وإننا نرى أن ما حصل في هاتيك الحفلات من أفضل مساعي التعاون ms003 التي تربط الأمم ~~بعضها ببعض، لا سيما أن أمم الشرق في دور تكوينها الحديث، وتعارفها السياسي والأدبي، ~~وتوثيق المعاهدات، وإحكام الصلات. # نسأل الله تعالى أن ينيلها الأمل، وينجح لها العمل. إنه حسبي وعليه ~~المتكل. # توفيق الرافعي # القاهرة في مارس سنة 1922 # | ترجمة حياته # ما ذكر اسم الأمين إلا وتمثل لكل من طالع مؤلفات ذاك الفيلسوف الشرقي الذي نبتت ~~أفكاره في لبنان، ونمت في بلاد الحرية: بلاد الغرب، ونشرت في المجلات والمؤلفات ~~الإنكليزية والعربية. كاتب رشيق العبارة، متين التركيب، يطرب بأسلوبه كما يسكر ~~بآرائه الفلسفية، تعرب أشعاره عن عقلية سامية، وروح رفيعة، ورجحان قوة الاستقراء، ودقة ~~شرح أسرار الحياة وما وراء الحياة، أفرنجي الأسلوب، عصري الأفكار، راقي الخيال والوصف ~~والابتكار، يبتكر بكتاباته وبلاغة تعبيره آراء وفلسفة اجتماعية خالعا ثوب التقليد ~~والجاهلية القديم، ينظم الشعر الخيالي البليغ المؤثر باللغة الإنكليزية ~~والعربية. # ومن اطلع على بنات أفكاره، ونفثات يراعه، وبديع أسلوبه، وجميل مقالاته، وغزارة مادته، ~~وما عنده من بعد التصور وسمو الخيال، وتقرير الحقائق الفلسفية، وإيراد اختبارات روح ~~الاجتماع بأسلوبه الشعري المنثور، ومن سمع رنة صوته الموسيقي أثناء الخطابة وإشاراته التي ~~تأخذ بمجامع القلوب يعجب لهذا الاجتماعي الكبير، ويفتخر به؛ لأنه شرقي راق عاش بين ~~الطبقة الراقية من الأميركيين، ونال شهرة ومكانا رفيعا، وله مكاتبات كثيرة مع ~~كبرائهم وعلمائهم. # وإن كاتبا كبيرا وشاعرا متفننا في البحث عن أمراض الشرق، وتأخره الأدبي ~~الاجتماعي، وفلسفة الحياة وما بأسرار الوجود، وخياليا يسبح في عالم التصورات الراقية، ~~خليق بأن تسطر سيرة حياته ليطلع عليها الناس، وخصوصا الشرقي العربي، ويدرس نبوغه ~~أبناء وطنه في بلاد الغرب. # أذكر شيئا من تاريخ حياته بمناسبة زيارته مصر في هذا الشهر «28 يناير سنة 1922»، ~~واحتفال السوريين والمصريين بهذا النابغة، وتقدير روحه الكبيرة في جسمه النحيف. ~~••• # ولد أمين فارس الريحاني - أو فيلسوف الفريكة - في قرية «الفريكة» من لبنان الجميل في ~~سنة 1876، وتعلم مبادئ اللغة العربية والإفرنسية في مدرسة صغيرة لمواطنه الكاتب الصحافي ~~نعوم مكرزل، صاحب جريدة «الهدى»، وهاجر في العاشرة من عمره مع ms004 عمه إلى نيويورك حيث درس ~~مبادئ اللغة الإنكليزية، ثم اشتغل بالتجارة خمس سنوات كان في أثنائها مثالا للاقتصاد ~~وبساطة المعيشة. # وطالع تآليف كبار شعراء الإنكليز، فشغف بكتب شكسبير ورواياته، وتولد فيه ميل إلى ~~فن التمثيل، فدخل ممثلا في شركة أميركية، وجال معها ثلاثة أشهر، ثم ترك هذا الفن ~~الجميل لأسباب. # ودخل كلية نيويورك الفقهية، ومكث فيها سنة كان مثال الاجتهاد والذكاء، وبدأ منذ ذاك الحين ~~بالكتابة والخطابة ونشر المقالات في الصحف الأميركية، وخطب عدة خطب بالإنكليزية في ~~أندية ومحافل أميركية مشهورة. # واشتد عليه الضعف لإكبابه على الدرس في أثناء تحصيله في المدرسة، فأشار عليه الطبيب ~~بترك الكلية، والرجوع إلى سوريا تغييرا للهواء، فسافر إليها عام 1898، وطالع في أثناء ~~وجوده في بيته في لبنان نسخة من ديوان المعري، فأعجب بأفكار الشاعر الفلسفية وراقته، ~~فمال إلى ترجمة الرباعيات إلى الإنكليزية. # ولما أنهى ترجمتها عرضها على شركة من أهم شركات طبع الكتب في أميركا، فقبلتها حالا، ~~وبعد طبعها بدأت شهرة الريحاني، فأقام نادي الثريا الأميركي حفلة إكرام للسوري ~~النابغة، خطب فيها خطبة نفيسة باللغة الإنكليزية، تقدم إليه بعدها رئيس النادي ووضع ~~على رأسه إكليلا من الزهر، وسأله أن يتلو بعض الرباعيات ويسمع الحاضرين الفلسفة الشرقية ~~والنبوغ السوري. # وكتب الريحاني في أثناء ترجمته الرباعيات مقالات كثيرة نشرها أكثر الجرائد العربية ~~والإنكليزية، ونظم في الإنكليزية ديوانه المؤثر. # وفي عام 1904 عاد إلى سوريا، ومكث في قرية الفريكة مدة طويلة، وكتب في أكثر الجرائد ~~العربية. وكان يكاتب المجلات الإنكليزية في أثناء عزلته التي ولدت في ذهنه فلسفة ~~راقية. وطبع الريحانيات المشهورة في العالم العربي، التي تتجلى فيها الفلسفة الشرقية ~~بالقالب الإفرنجي الشعري. # وطبع روايته الإنكليزية التي مثل فيها أخلاق السوري وعاداته، وشرح حالته في بلاد الغرب، ~~تلك الرواية التي يذكرها الإنكليز بين أشهر رواياتهم: كتاب خالد. # وبعد إقامته في سوريا مدة طويلة رجع إلى نيويورك، وعاش عيشة الفلاسفة المعتزلين جائلا ~~بين بروكلن ونيويورك وغيرهما خطيبا ومؤلفا وكاتبا في أشهر المجلات والجرائد الإنكليزية ~~والعربية. وهو يكتب ويؤلف ms005 للذة يشعر بها، ولدافع طبيعي يحركه ليشرح فلسفة ~~الاجتماع. وخطب عدة خطب في محافل سورية في أثناء الحرب العمومية حرك فيها عاطفة السوري ~~وهمته لمساعدة أخيه في الوطن، وإنقاذه من أنياب الجوع، ومخالب الموت، واليد الظالمة. # أما معيشته فهي أنموذج البساطة واللطف، جمع فيها بين الرجل السوري الراقي والأميركي ~~المتمدن، ونكب عن التبجح، وحب الظهور، واحتقار الغير، والادعاء، وعشق المال. وهو يجتهد ~~في تطبيق أفعاله على أقواله، ولا يود تكليف غيره ما يستطيع هو أن يعمله. لا يقيد ~~نفسه بالانخراط في سلك الجمعيات والخضوع لقوانينها. يعشق الحرية ولا يتذلل لينال ~~غايته. مقر بضعفه، صادق بحديثه، مسامح لمن يسيء إليه، سليم النية، رقيق ~~الكلام، بشوش الوجه. # أما صفاته، فربع القامة مع ميل إلى القصر، رقيق العضل، نحيف البنية، واسع ~~العينين، عريض الجبهة. كان منذ سنوات طويل الشعر، حليق الشاربين. أما الآن فشعر رأسه ~~وشاربيه معتدل. وهو لا يزال في دور الشباب والنشاط. أكثر الله من نوابغنا ونفع بهم ~~الوطن. # | حفلات تكريمه # جزى الله الشدائد كل خير إذا جمعت بين القلوب، وحيت إليها إجلال غاية أدبية سامية، ~~كما حدث في الشهر الماضي؛ إذ زار الأديب العبقري أمين الريحاني هذا القطر، فإنه قوبل ~~فيه بسلسلة من الحفلات الشائقة، وتبارى علماؤها وشعراؤها في مدحه بخطب أنيقة نظما ~~ونثرا، أكرم بها المصريون إخوانهم السوريين، والسوريون إخوانهم المصريين. # ولقد كان الأدباء يقابلون دائما بالحفاوة والإكرام في بلدان المشرق، ولكننا لا نعلم ~~إن أحدا منهم لقي ما لقي الريحاني في زيارته لمصر هذه النوبة، كأن علماءها وأدباءها ~~من مصريين ومتمصرين وجدوا في تكريم فنون الأدب فيه مهربا لنفوسهم من نزعات السياسة ~~وأخاديعها، وسبيلا لشد أواصر الجامعة الشرقية، ومتسعا لإظهار ما تكنه ضمائرهم ~~من الحب والإجلال لكل من رفع راية الشرقيين في البلاد الغربية. # بدأت الحفلات في منزل الدكتور يعقوب صروف، أحد أصحاب جريدة «المقطم» الغراء، ثم توالت في ~~دار سليم أفندي سركيس، فمنزل السيدة بلسم عبد الملك، صاحبة مجلة «المرأة المصرية»، فمنزل ~~إلياس أفندي زيادة، صاحب جريدة ms006 «المحروسة»، فدار الجامعة الأميركية، فسراي الأمراء ميشيل ~~وحبيب وجورج لطف الله، فالكنتنتال بدعوة من طعان بك العماد، فساحة الأهرام بدعوة من الأستاذ ~~أحمد زكي باشا. # ونحن واصفون كل حفلة على حدتها، وذاكرون ما قيل فيها من خطب وقصائد تبارى فيها ~~الخطباء والشعراء، معتمدين في ذلك على أخبار الجرائد السيارة وما وصل إلينا علمه من ~~بعض خطباء هذه الحفلات وشعرائها. # هذا ويجمل بنا قبل أن نذكر شيئا عن هذه الحفلات، أن نسطر - مع الفخر - بأن أول من ~~اقترح تكريم الفيلسوف الريحاني، وإقامة حفلات لذلك، هو الأستاذ محمد لطفي جمعة المحامي؛ فقد ~~نشر في «مقطم» يوم الأربعاء غرة فبراير 1922 الكلمة الآتية: # واجب الترحيب بكاتب # قرأت بمزيد السرور خبر قدوم الشاعر الناثر والمفكر الفيلسوف، أمين ريحاني، ~~إلى هذا القطر منذ أيام. # وأذكر أنه زار مصر في سنة 1905 - أي منذ سبع عشرة سنة - إذ كانت النهضة القومية ~~في مهدها، فلم ير من حياة الشعب الذي يتطلع لاستعادة حريته ما يكفي لتكوين ~~عقيدته في مستقبل هذه البلاد. وكان الأستاذ ريحاني إذ ذاك في ريعان شبابه، ولم ~~ينجز من مؤلفاته الجليلة إلا رباعيات المعري وفصولا من كتاب خالد. # وقد مضى على تلك الزيارة نحو عقدين من السنين، قطع فيهما الشاعر الشرقي والمفكر ~~الغربي مراحل بعيدة المدى في ساحة العلم والأدب، فألف الريحانيات التي دلت على ~~علو كعبه في لغته الأصلية علوا لا يدانيه إلا اقتداره على اللغة ~~الإنجليزية. # وقد خلد في تلك الصحف وادي الفريكة الذي نشأ فيه وترعرع؛ إذ وصفه في كتابه ~~أجمل وصف، وحببه إلى من لم يزوروه ولم يعرفوا جماله. وكفى هذا الوادي فخرا ~~أنه أنجب نابغة مثل ريحاني. # وقد زارنا للمرة الثانية ومصر كالقدر الغالية تحمسا وتطلعا نحو ~~العلى، ونحو مستقبل تتمتع فيه بحقوقها المهضومة. # زار مصر للمرة الثانية، وقد بلغت نهضتنا أشدها، وصار فتى أمس رجل اليوم، ~~والأمنية التي كانت تتردد في نفوسنا أوشكت أن تكون حقيقة واقعة، وسيتاح له أن ~~يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ما لم ير ولم ms007 يسمع في الزيارة السابقة؛ فأمامه شعب ~~ناهض مثله كالنسر العظيم الذي أخذ الكرى بمعاقد أجفانه حينا، ثم بدأ نور الفجر ~~يسطع، فبدأ النسر يفتح عينيه، ويحرك جناحيه، ويهز ريشه؛ ليسقط عنه آخر أثر ~~من آثار الفتور والنوم العميق. ها هو النسر، أيها الكاتب الشرقي القادم من ~~الغرب، ينظر إلى الشمس؛ لأنه يريد أن يتبوأ مكانه منها. # إن هذا النسر، أيها الشاعر، يبدو لك قويا وفتيا، ولكن إذا أنعمت النظر في ~~رأسه وعينيه رأيت أنها تحمل آثار الحياة منذ آلاف السنين، ولكن ريشه لم يتغير ~~لونه ولم يلحقه شيب؛ لأن الشيب علامة الشيخوخة والضعف. وهذا النسر مع عمره الطويل ~~الغارق في بحار السنين الغابرة لا يزال صبيا وقادرا على النهوض لينشر جناحيه ~~العظيمين، ثم يطير إلى حيث تطير النسور، ويحلق في سماء الحرية الصافية ~~الأديم. # إن هذا النسر، أيها الشاعر الجليل، يحييك ويطلب منك أن تنظم له أنشودة ~~جميلة تطربه وتساعده على النهوض. إن مصر العظيمة الجديدة القديمة، الجديدة ~~الخالدة، تطلب من كل شاعر أن يغنيها صوتا يقوي من عزمها، أو ينشد حكمة ~~تفت في عضد خصومها. # مصر ترحب بالشاعر اللبناني الذي غزا الغرب بقلمه، وجدد مجد العرب بشعره، ~~وأحيا موات الأرض بخطبه وكتبه في وطنه، وتطلب إليه ألا يبقى في ضيافتها صامتا، ~~وألا يتكلم بصوت خافت؛ لأن اليوم يوم المناصرة عن عقيدة وإيمان. # فهل يجيب شاعر الشرق هذا النداء؟ # وإنني بهذه المناسبة أقترح على الكتاب والشعراء والأدباء في مصر أن ~~يرحبوا بحضرة الشاعر الناثر الترحيب الذي يليق بمقامه العظيم في الشرق ~~والغرب. # فصادف هذا الاقتراح هوى في نفوس الأدباء والشعراء، وارتياحا لدى ذوي الفضل والعرفان؛ ~~ومن ثم ابتدأت تقام حفلات التكريم للأستاذ الريحاني، فكان أول الحفلات حفلة الدكتور ~~يعقوب صروف. ~~(1) الحفلة الأولى في منزل الدكتور يعقوب صروف # دعا عصر يوم الخميس، الموافق 2 فبراير سنة 1922، حضرة الدكتور العلامة يعقوب صروف ~~- من أصحاب «المقتطف» و«المقطم» - جمهورا من فضلاء مصر ورافعي لواء الأدب العربي ~~فيها إلى حفلة شاي أعدها في منزله، بشارع ms008 عماد الدين؛ للترحيب بحضرة صديقهم الكاتب ~~الشهير أمين أفندي ريحاني، فلبى المدعوون دعوته، وفي مقدمتهم حضرات أصحاب السعادة ~~والعزة: إسماعيل صبري باشا، وأحمد تيمور باشا، وأحمد شوقي بك، وأحمد زكي باشا، وسعيد ~~شقير باشا، والدكتور صيبعة، والآنسة مي، وخليل مطران بك، وعبد الحليم أفندي المصري، ~~ونعوم شقير بك، والأستاذ محمد لطفي جمعة، وأسعد أفندي خليل داغر، والدكتور وديع بك ~~برباري، وأنطون أفندي جميل، والدكتور شخاشيري. # فاستقبلهم رب الدار وعائلته الكريمة بالتكريم، وبعدما شربوا الشاي وتناولوا ~~الحلوى، وقف حضرة الدكتور صروف وألقى كلمة شكر للمدعوين، وترحيب بالمحتفل به، ~~نوه فيها بخدمته للأدب الشرقي في الشرق والغرب، وأطنب في براعته باللغة الإنكليزية ~~التي نافس فيها أبناءها المجيدين، وتلاه حضرة الشاعر المجيد أسعد أفندي خليل داغر، ~~فألقى أبياتا بليغة صفق لها السامعون واستعادوها. # وعقبه حضرة الشاعر البليغ عبد الحليم أفندي المصري، فتلا أبياتا جزلة وقعت أجمل ~~وقع في النفوس، وأطربت سامعيها، فصفقوا لها مرارا، ثم نهض حضرة الأستاذ الفاضل ~~محمد لطفي جمعة، فخطب خطبة نفيسة دلت على علو كعبه في الإنشاء والخطابة، وبلاغة ~~التعبير، فقوطعت بالتصفيق والاستحسان، ووقف حضرة أمين أفندي ريحاني، فشكر الجميع ~~بعبارات رقيقة دلت على شدة حبه للشرق، واعتباره كل بلد من بلدانه وطنا له، ~~وكل شرقي مواطنا، فصفق السامعون كثيرا. # وظل الحاضرون بعد ذلك يتبادلون أطايب الحديث، ثم ودعوا حضرة صاحب الدعوة، وحضرة ~~قرينته الفاضلة، وسائر أهل بيتهما، شاكرين ما لقوا من كرم الضيافة، وما دخل قلوبهم من ~~السرور في هذه الحفلة الأدبية الشرقية. ~~(1-1) قصيدة الشاعر المجيد «أسعد أفندي خليل داغر» # لك يا أمين على اللسان # 1 # وأهلها # فضل يحدث عنه كل لسان # محصت جوهر شعرها وسبكته # في غيرها في قالب الإتقان # وملكت ناصية القريض وصغت في # كلتيهما منه عقود جمان # وأريت أهل الغرب أن الشرق لم # يبرح يذر أشعة العرفان # بلسانهم أحرزت تجلية على # فرسانهم في حومة الميدان # ولقد سمعت الروض عنك محدثا # نفسي بأفصح لهجة وبيان # ويقول: «إن أمين زهري نثره» # فتقول نفسي: «شعره ريحاني» # والله ms009 يحفظ ضيفنا ومضيفنا # في غبطة ومسرة وأمان ~~(1-2) خطبة الأستاذ لطفي جمعة المحامي # منذ عشرين سنة، تقريبا، لقيت أمين الريحاني لأول مرة، وكان إذ ذاك في ~~مقتبل العمر، في الفترة الفنية من حياته «بريوت استيك»، متخلقا بأخلاق ~~الكاتب الإنكليزي الشهير «أسكارويلد»، من حيث تنسيق الشعر وتصفيفه وانسداله على ~~كتفيه، وحلق الشاربين واللحية، وكان يدخن الشبك على الطريقة الأمريكية، فلما ~~رأيته كان يبدو في وجهه التشكك في كل شيء، في حياة الفكر والعقل والدين، ~~وكان مثله كمثل السائح الذي لم يهتد بعد إلى الطريق. # وكان قد كتب الفصول الأولى من «كتاب خالد»، فقرأ لي بعضها، فأعجبت بما جاء على ~~لسانه من وصف أحوال صديقه شكيب، ثم شرح لي مشروعه في تأليف رواية تمثيلية باللغة ~~الإنكليزية يكون بطلها الإمام علي، وكلمني عن تأثير صوت المؤذن في ذهنه، فعجبت ~~من ذلك الذي هجر الشرق وسافر إلى أقصى بلاد الغرب، وأكثرها ازدحاما واهتماما ~~بالشئون الغربية، ومع ذلك فهو لم ينس أدق الإحساسات الشرقية. # إن الذين قرءوا كتب الأستاذ الريحاني في مصر قليلون، ولكن هذا لا يقلل من ~~قدرها؛ فقد كتب في النقش والتصوير مقالات تعد من أجمل وأبلغ ما كتبه ~~الناقدون. ولا غرابة؛ فإن الأستاذ الريحاني اختار لمشاركته في الحياة نفسا ~~امتازت بإدراك أسرار الجمال وتكوينها، ونقلها إلى عالم المادة بفضل الألوان. # عرفت أمينا وهو لا يحسن اللغة العربية ~~تكلما، فضلا عن كتابتها؛ لطول الشقة بينه وبين وطنه الأصلي، وقدمت له ~~نسخة من أول كتاب ألفته، فنظر فيه ثم قال لي: سأضع أنا أيضا كتبا باللغة ~~العربية. ولم يكن أمين ممن يعدون ويخلفون، أو يعزمون فيترددون؛ فإنه ~~بعد بضع سنين قضاها زاهدا منقطعا عن الناس في صومعته بوادي الفريكة أخرج ~~للعالم العربي كتابا من أجل الكتب، ألا وهو الريحانيات - الذي طبع منه ~~جزءان وباق تحت الطبع مثلهما - فأثبت بكتابه هذا أنه قد بر بوعده، وأتقن لغة ~~القرآن إتقانا يسمح له بالتحرير، فيجاري أكبر الكتاب أسلوبا وسلاسة ~~وسلامة منطق. # أما عن الأفعال فحدث ما شئت؛ ms010 فهو مبتكر ومخترع. إن في مصر الآن ~~مئات من أغنياء الأمريكان السائحين نراهم في الطريق، ونمر بهم غير مكترثين - ~~وقد يكون بينهم ملك الحديد أو الفولاذ أو الذهب - ولكنا نكترث ونهتم لرجل قد ~~لا يملك فولاذا ولا حديدا ولا ذهبا؛ لأنه وإن كان لم يمنح قوة المال، فقد منحته ~~الطبيعة قوة امتلاك العقول. # رأيت الريحاني في تلك السنة مع شوقي بك، وكلاهما قصير صغير البدن، ولا ~~غرابة؛ فقد امتاز النوابغ بصغر الأجسام، وكبر العقول. # نعوم بك شقير مقاطعا: نريد أن نعلم هل هذه الصفة قاصرة على الرجال ~~أم تشمل النساء أيضا؟ # الخطيب مستمرا: لقد وضعني نعوم بك شقير في موقف حرج، وها أنا أرى السيدات ~~ينظرون إلي مترقبات ذلك الجواب الذي فيه فصل الخطاب. # حقا، له الحق أن يقاطعني؛ لأنه رجل عظيم وطويل القامة أيضا، فهو يطالب ~~بحقوق طوال النجاد. # فجوابي له: إن هذا الوصف وإن كان قاصرا على الرجال، فإنه لا يشمل النساء؛ ~~لأن النساء عظيمات، طويلات كن أو قصيرات، فليس لنبوغهن شرط ولا قيد. # أعود إلى صديقي المحتفل به وأقول: إنما يكرم لأجل فكره وعقله، لا لأجل ~~سبب آخر. وهذا دليل على أن الشرق - ولا سيما مصر - دائما تتعطش لتقدير ~~النبوغ والاحتفال به؛ فرجل واحد عظيم قدير على إصلاح أمته. ~~(2) الحفلة الثانية في منزل سليم أفندي سركيس # كان بعد ظهر السبت «4 فبراير سنة 1922» موعد حفلة الشاي التي أقامها حضرة الكاتب ~~المعروف سليم سركيس أفندي، في منزله بمصر الجديدة؛ إكراما للكاتب الكبير أمين الريحاني ~~أفندي، نزيل أميركا وضيف مصر الآن. وقد كانت الحفلة - كسائر حفلات سركيس - مجلى الأنس ~~والظرف، ومظهر الذوق السليم، والأدب الصحيح، كما كان صاحبها على مألوف عادته خير صلة ~~للتعارف بين أدباء مصر والشام وأميركا؛ فجمع في منزله حول المحتفل به طائفة ~~كبيرة من أدباء القطرين ووجهائهما، نذكر منهما: الأميرين ميشيل وحبيب لطف الله، ~~وأحمد زكي باشا، ومحمد المويلحي بك، وأمين واصف بك، ونعوم شقير بك، وأحمد حافظ عوض بك، ~~وداود بركات أفندي، والأستاذ لطفي ms011 جمعة، وخليل مطران أفندي، وأيوب كميد أفندي، وأنطون ~~الجميل أفندي، وسقراط بك سبيرو، وأميل زيدان أفندي، وطعان بك العماد، وإسكندر مكاريوس ~~أفندي، وسليم حداد أفندي، وسليم المشعلاني أفندي، وإلياس عيسادي أفندي، وبعض ~~السيدات. # وبعد أن أخذ رسم الحاضرين الفوتوغرافي، انتقل المدعوون لتناول الشاي في قاعة ~~الطعام، وقد أثقلت موائدها بألطف أنواع الحلواء والأثمار والأزهار، وكان للخطباء ~~جولة تشهد لهم بطول الباع في ضروب البلاغة وشئون الاجتماع، فافتتح الحفلة صاحب الدار ~~بكلام شهي طلي رحب فيه بالضيف الكريم، وبالمدعوين الأفاضل، وتلاه الأستاذ لطفي ~~جمعة المحامي، فتكلم عن الريحاني وبداية عهده به يوم كان يتلمس الطريق إلى ~~المثال الأعلى، وقد لقيه اليوم وقد وجد ذلك الطريق، وسار فيه شوطا بعيدا في أشد ~~البلاد تزاحما على الحياة، وأفاض الخطيب في وصف الداء القتال الذي يقضي على ~~مواهب الشرقيين؛ وهو عدم قدر مواهب الرجال قدرها في شرقنا. # 2 # وخطب كذلك الشاعر الكبير خليل مطران، فأظهر ما للريحاني من الفضل بنقله إلى الغرب ~~آداب الشرق، وتعريفه الأنجلوسكسون بفضائل الإسلام - وإن لم يكن مسلما - فحق للشرق ~~أجمع أن يشكره على خدمته الجلى. # ودعي حضرة داود بركات أفندي إلى الكلام، فقال للريحاني: إن التاج الذي عقدته على ~~جبهتك بأعمالك لم يتم؛ فالذي عملت لا يذكر بالنسبة إلى ما بقي عليك عمله، فإن مصر ~~ولبنان والشام وسائر أقطار الشرق عرضة اليوم للمطامع المختلفة، فكن أنت في ~~الغرب محاميا مدافعا عن الشرق حتى تفي بدينك للشرق الذي أنبتك. # وكان لسعادة العالم أحمد زكي باشا كلمة ضافية في الثناء على ضيف مصر الذي أذاع فضل ~~الآداب الشرقية في الغرب، واستطرد إلى ذكر العرب ومفاخر الإسلام مستشهدا بالأدلة ~~التاريخية والحجج العمرانية. # فقام أمين الريحاني أفندي وشكر أصدقاءه وإخوانه على احتفائهم به. # وانصرف الحاضرون وهم يشكرون لسركيس أفندي، ولحضرة قرينته الفاضلة، وكريماته الأديبات ~~ما لقوه في دارهم من الإكرام والحفاوة وحسن الضيافة. ~~(2-1) خطبة سليم أفندي سركيس # الأصدقاء في «بورصة» الحياة هم النقد الحقيقي، وإنما الفقير من لا أصدقاء ~~له، ثم إن ms012 الله جعل الأقارب كالجلد من جسد الإنسان لا سبيل إلى نزعه، أحسن أو ~~أساء. وأما الأصدقاء، فإنهم كالثياب نحرص على الحسن منها، ونخلع الرث ~~البالي. ولحسن حظي، كان أمين الريحاني صديقا لي منذ أكثر من 20 سنة، فتحول ~~الآن إلى قريب؛ لأنني لم أجد في صداقته الطويلة ما يستوجب نزع ذلك الثوب القشيب، بل ~~كان من سلامة تلك الصداقة، وارتقاء هذا الصديق في مراتب النبوغ، أنني صرت أفتخر ~~بأنني - في مصر وسورية وأميركا نفسها - كنت ولا أزال أول صديق للريحاني ~~الشاب، وأول صديق للريحاني الرجل، وأول صديق للفيلسوف الذي نحتفل به الآن، كما ~~احتفلت به أميركا. فعلى الرحب والسعة أيها الصديق. ~~(2-2) خطبة داود أفندي بركات «رئيس تحرير الأهرام» # يطلب مني حضرة الداعي الكريم سليم أفندي سركيس أن أقول كلمة في هذا ~~الاجتماع الأدبي الشائق، الذي نحتفي فيه بأديب من أدبائنا الذين يحكمون الآن ~~روابط الشرق بالغرب، ويخرجون من كنوز المدنية العربية جواهر يحلون بها جيد ~~الآداب والعلوم. # ولو لم يكن علي لسركيس أفندي دين كبير لا مندوحة من وفائه بما يرضيه - ~~وهذا الدين تشريفي بالاجتماع بكم، وبالاستفادة من حكمكم ودرر أقوالكم - ~~لمكثت صامتا أسمع وأتعلم، ولمكثت في مخبئي أتغطى عن العيون والأنظار ~~بظل السكوت؛ فإن لم أستطع أن أؤدي لسركيس أفندي ما يعادل دينه، فتلك ~~جنايته على نفسه وعلي أيضا، ومن الحب ما يؤذي المحبين. # يقول لكم سركيس أفندي: إنكم تحبون بلا شك أن تسمعوا ذلك الذي يخاطبكم كل يوم من ~~على قمة «الأهرام»، ولكن هذا الذي يخاطبكم كل يوم ما جرؤ أن يستخدم كلمة ~~«أنا» لاعتقاده بضآلتها؛ فهو يغرقها ويواريها في ذلك الخضم الواسع الذي نعبر ~~عنه نحن - الصحافيين - بكلمة «نحن»، فترون فيها الباحثين والمحدثين والمرشدين ~~جمة؛ فإن كان القول حقا، فهو راجع إلى ما اقتبس من المجموع، وإلا فإنا ~~نتقي بها مغبة الزلل. # والآن، أوجه الكلام إلى أخينا أمين الريحاني لأقول له: إنك قد سمعت من ~~الخطباء والأدباء كلمات المديح والإطناب بعلمك وعملك، فاسمح لأخ يجل عملك ms013 ~~كثيرا أن يقول لك: إنك إذا كنت قد ضفرت لنفسك تاجا من الأدب، فإن في هذا ~~التاج دررا يقدرها العلماء والأدباء حق قدرها، ولكنك لا تزال في سن ~~الشباب، ولا يزال في ذلك التاج مكان لدرر أخرى قد تكون أغلى وأثمن مما رأينا ~~فأعجبنا. # فاعمل وجد لتتم تاجك وإكليلك، وتذكر أن عليك دينا آخر لا مندوحة لك ~~عن وفائه، ذلك الدين هو وفاؤك لوطنك، وخدمة هذا الوطن الذي أنبتك؛ فقد تذكر ~~الوادي والجبل والسنديانة والنبع والعين، فتذكر - كما نحن نذكر - أن من هناك ~~استمدينا مطلع الحياة، وأن الأرض بما رحبت وبما تجلى فيها من عظمة لا تحول ~~عيوننا ولا قلوبنا عما انفتحت عليه العيون للنظر، والقلوب للشعور ~~والإحساس. # أفلا تسمع أيها الأخ صوت لبنان بكل كلمة نقولها؟ # ألا تلمح من ذكراه هدير النهر، وخرير الماء، وحفيف الشجر، ولمع البرق، وقصف ~~الرعد، وجلالة الطبيعة، وجمال الإخاء والحنو والعطف من كل شيء، ومن كل ~~إنسان؟ # إن وادي الفريكة أنبتتك، فهي وما ناوحها من الآكام والجبال، وجاورها من الأودية، ~~أم رءوم لا يرضيها إلا أن تكون الابن البار. # ذلك وطنك الصغير، ولك ولنا الوطن الكبير، وهو الشرق، وفي غرة هذا الشرق وجبينه ~~مصر التي تقف منه كالمنارة؛ فإن أضاءت أرسلت نورها إلى الشرق كله شرقا وغربا، ~~وشمالا وجنوبا. وهذه المطامع تتجاذبها وتتجاذب الشرق كله؛ فارفع صوتك، ~~ولنقل جميعا عند رفع الصوت بالحق كلمة الطحان الألماني - الذي طمع الملك فردريك ~~بطاحونه ليوسع بها حديقة قصره: لا أعطيك وفي برلين قضاة. # ففي العالم أحرار ومنصفون يسمعون صوتنا إذا كان هذا الصوت هو صوت الحق إلخ ~~إلخ. ~~••• # وقد تخلف عن حضور هذه الحفلة الشائقة من المدعوين: الأستاذ الشيخ عبد المحسن ~~الكاظمي، الشاعر المطبوع؛ فأرسل معتذرا بالأبيات الآتية: # إليك سركيس عذر المدنف العاني # عذر المطرق في سر وإعلان # ليت الضنى تاركي أو ليت لي جلدا # يعينني فأؤدي فرض إخواني # حي الأمين وحي كل محتفل # يرى الأمين وطرفاه قريران # بعثت روحي إليكم حين أقعدني # عن القيام بذاك الفرض ms014 جثماني # قالوا سلا والصحاب الغر في طرب # وكيف أسلو أمينا وهو ريحاني # لبنان جادت علينا بابن بجدتها # وكم للبنان من فضل وإحسان # عسى تعود الليالي والهزار فمي # والروض روضي والأغصان أغصاني # إني لأحسد قوما ينعمون به # إن الضنى أبدا يسعى لحرماني ~~(2-3) خطبة أمين أفندي الريحاني # لا أذكر يوما في حياتي الفكرية، يا سادتي، قدمت فيه الانتساب الديني على ~~الانتساب الوطني. لا أقول ذلك فخرا ولا اعتذارا، إنما هي الحقيقة في مبدئي ~~وسلوكي. وقد أكون مخطئا في تقديمي الوطن على الدين، ولكنني متيقن أن ~~حجة بعد الموت لأكبر حجة، أما حجة الحياة - وهي حجتي - فهي عقلية ~~أدبية تاريخية فلسفية، فإذا كان العقل والأدب، والتاريخ والفلسفة تضلل ~~الناس، فإنا إذن من الضالين في هذه الدنيا، ومن المغضوب عليهم في ~~الآخرة. # ولكني وإياكم في دائرة واحدة، وإن تعددت طبقاتها، وعلي كما عليكم ~~مسئولية واحدة، وإن تعددت أسبابها، فالأدب الحق إنما هو دين هذا الزمان، ~~والأدباء الحقيقيون هم كهنته وأئمته. # وبما أن الأدباء المصريين والسوريين هم الحلقة التي تصل الشرق بالغرب؛ ~~فالمسئولية عليهم أشد منها على سواهم، ولا بد من هذا الاتصال، يا سادتي؛ لأن ~~عوامل التضامن اليوم، اقتصادية كانت أو علمية، أشد منها في كل زمان، ولا ~~تستطيع أمة أن تستغني تماما عن بقية الأمم. # أما الصلة القوية الدائمة، الصلة الذهبية الصافية، فلا ينبغي أن تكون ~~سياسية ولا دينية، بل أدبية علمية فلسفية، واقتصادية أيضا؛ فمن مدنية الغرب تجيئنا ~~مثلا العلوم الكونية الحديثة، وإلى مدنية الغرب نتقدم نحن الشرقيين بالحي ~~السليم الدائم من علومنا الروحية. وإن في مثل هذا التبادل الرقي ~~الحقيقي، بل فيه تصل الأمم إلى أعلى درجات التمدين. # ومن جهة خصوصية، أرى أن على الأدباء السوريين مسئولية كبيرة تجاه الكمالات ~~العقلية والاجتماعية. والحق يقال: إن أدبنا يظل ناقصا إذا كان لا يمزج ~~بشيء من الأدب الإسلامي، والعكس بالعكس؛ فإن الآداب الإسلامية العربية لا ~~تستمر حية نامية، عزيزة راقية، إلا إذا امتزجت بشيء من الآداب الإفرنجية. ~~وفي هذا الامتزاج، يا سادتي، ms015 كنه الحياة الجديدة التي ستكفل للأمم الشرقية ~~استقلالها التام، وترفع شأنها بين الأمم المتمدنة. ~~(3) الحفلة الثالثة في منزل برسوم أفندي روفائيل وحضرة ~~السيدة قرينته صاحبة مجلة المرأة المصرية # أقام بعد ظهر الاثنين «6 فبراير سنة 1922» حضرة الأديب برسوم أفندي روفائيل، وحضرة ~~السيدة قرينته، بلسم عبد الملك، الكاتبة الشهيرة وصاحبة مجلة «المرأة المصرية»، حفلة ~~شاي، في منزلهما بشارع العزيز بشبرا؛ تكريما لحضرة الكاتب الفاضل أمين أفندي الريحاني، ~~فلبى دعوتهما فريق من رجال الفضل والأدب، وحملة الأقلام وأرباب الصحف ~~العربية. # ولما كمل عقد المدعوين دعوا إلى تناول الشاي، فجلسوا إلى مائدة مزينة ~~بالأزهار والرياحين، وعليها ما لذ وطاب، فأكلوا هنيئا، وشربوا مريئا. ونهض حضرة ~~الدكتور منصور فهمي، وخاطب حضرة المحتفل به بكلمات طيبة، ثم وقف رب الدار وألقى ~~كلمة بليغة خاطب المحتفل به، وأبان ما له من الأيادي البيضاء في خدمة العلم والأدب؛ ~~فقوبلت بالتصفيق. # وعقبه حضرة الأستاذ الريحاني أفندي، وبعد أن شكر الداعين والمدعوين تكلم عن ~~المرأة وما لها من التأثير الحسن في تربية أولادها، مما لا يلقن في المدارس ولا ~~يجمع في كتاب، وشرح كيف أن الطفل في الحقيقة هو مربي الأم؛ فقوبلت أقواله ~~بالإعجاب. ثم انتقل المدعوون إلى قاعة الاستقبال وجلسوا يتجاذبون أطراف الأحاديث - ~~والحديث شجون - وانصرفوا وهم يثنون على حضرة برسوم أفندي والسيدة قرينته؛ لما لقوه من ~~الترحيب والتكريم. ~~(3-1) خطبة برسوم أفندي روفائيل # أستاذي الريحاني # إلى روحك الطيبة التي سطعت شمسها فيما وراء البحار في الدنيا الجديدة، وأرسلت ~~أشعتها المحيية إلى وطنها الأول في الشرق، فبعثت روح الرجاء، وحركت العواطف ~~النائمة من مراقد الغفلة، نرفع تحية عاطرة خالصة، ونرحب بك ترحيب الشرقي ~~بأخيه الشرقي، وأنت في وطنك الثاني «مصر» بين إخوان تجمعهم وإياك صلات الأدب ~~وصلات الوطن أيضا. # فقد كانت مصر وسوريا أختين في حياتهما الطويلة، وطالما اجتمعتا وتفرقتا ~~واحتملتا آلام الشقاء، ومازالت توجد بينهما اللغة والعواطف والتذكارات التاريخية ~~التي لا تمحى. # إنك أرسلت «الريحانيات» - وهو حسنات الآداب في هذا الزمان - كتابا أوحى به ~~إليك روح الفلسفة ms016 القديمة، الذي لبث يرفرف فوق وديان لبنان من القرون الغابرة، يبحث ~~عمن يودع في روحه نور الحكمة القديمة ، ويفيض على نفسه روح الخلود، حتى رأى ذات ~~يوم فتى ممتلئا حياة وقوة، ورأى فيه مخايل المجد العلمي والفلسفي للشرق، فهبط ~~إليه، وأسر لقلبه سر الحكمة. # لقد كان الفتى يداعب العصافير المزقزقة «في وادي الفريكة»، «ويهتف لها»: أي ~~طيوري الصغيرة، لو تعلمين ما في قلبي من العاطفة لما فرت أسرابك خيفة مني. ~~إنني لا أحب الأذى، إنني أريد أن ينتشر السلام والإخاء والحب بين الناس، وأريد أن ~~تعيش الطيور أيضا بسلام. # فما أسمى روحك وعواطفك يا أمين! # أتعرفون، أيها السادة، من هو ذلك الفتى؟ إنه فيلسوف وادي الفريكة، هو موضع ~~احتفائنا وتكريمنا اليوم، هو الفيلسوف الكاتب الشرقي المتواضع صاحب التآليف ~~القيمة باللغتين العربية والإنجليزية، وهو خير ممثل للنبوغ الشرقي في ~~العالمين الأميركي والأوروبي: «أمين الريحاني». # سادتي: # ضاق وطن الريحاني بروحه الكبيرة، ولم يجد في وطنه منفسحا لمداها الواسع، فوثب ~~بها وثبة إلى ما وراء البحار، وهناك بين أبناء سوريا الأمجاد أهل النجدة، أخذ يملأ ~~الصحف والمجتمعات والأندية بما أودعه فيه الروح من الحكمة والفلسفة، وحمل لواء لغة ~~الضاد، وأخذ يسير في طليعة مواكبها في تلك البلاد الأعجمية، حتى عشق فيها القلوب، ~~وحبب فيها النفوس. # أيها السادة: # إن أمين الريحاني علم من أعلام الشرق الذين وضعوا بجهادهم الشريف الصامت ~~أساس مدنيتنا وتضامننا الحديث، فحيوا في نفسه الكبيرة الطاهرة هيكل الفلسفة ~~المقدس، حيوا السلام والفضيلة. # وإني لأنتهز هذه الفرصة لأقدم إليه، وإلى مقامكم الكريم، تحيات السيدة ~~عقيلتي، وتحياتي على تنازلكم بقبول دعوتنا، وتشريف دارنا، كما أننا نتمنى ~~لفيلسوفنا العظيم طيب الإقامة تحت سماء النيل الصافية، وعلى شاطئه السندسي. ~~والسلام. ~~(3-2) خطبة أمين أفندي الريحاني # في تطور المرأة الغربية محاسن لا تنكر، أريد أن أشير الآن إلى واحدة منها، ~~بل إلى ما أظنه أهمها؛ وهو علم التربية. # فالتربية الحقة عندهن مبنية على الآية: إن أبناءنا أصدقاءنا؛ أي إن السيادة ~~الأبوية لا تتجاوز حد العقل والحكمة، ms017 وتنحصر كلها في مصلحة البنين. # وهذا النوع من التربية لا يلقن في المدارس، ولا في الكنائس، ولا في ~~الاجتماعات العلمية، وليست أصوله محصورة في بطون الكتب، ولا في صدور الحكماء؛ إنما ~~هو قائم بمراقبة الأولاد، ودرس أخلاقهم وأذواقهم وأمزجتهم وأطوارهم وميولهم، ~~وتكييف التربية عليها، فالأولاد أنفسهم يعلمون الأمهات التربية. # أجل، إن الأمهات العاقلات الحكيمات يتعلمن كثيرا من بنيهن، فينفعنهم فيما ~~يتعلمن عملا، مثال ذلك: إذا سأل الولد سؤالا، وكانت الأم تجهل الجواب، فلا ترد ~~ابنها خائبا، ولا تضحك عليه بجواب كاذب، بل تبحث عن الموضوع، فتستفيد هي أولا ~~وتفيد، وإذا كسر الولد لعبة تعلمه أمه إصلاحها، وإذا أضاع شيئا تحرمه ~~من مثله إلى أن يقتصد من مصروفه اليومي ثمنه. # كذلك تعلمه البناء لا التخريب، تعلمه المسئولية ونتائج الإهمال، تعلمه ~~الشجاعة والصبر وشظف العيش، تعلمه الاعتماد على النفس، تعلمه الإرادة والثبات ~~والإقدام، تعلمه حب الوطن قبل كل شيء، وتعلمه فوق ذلك حرية القول وحرية ~~العمل. # أجل سادتي، إن هنالك حرية أكبر من حرية المرأة وأعز، وهي الحرية التي توجدها ~~المرأة في بنيها، وإن حب العلم نغرسه في قلوب البنات خير من العلوم والفنون ~~نكرسها كرها في عقولهن، فإذا رغبت الفتاة بالعلم علمت نفسها المفيد لها ~~كزوجة وكأم، وانتفعت عملا بعلمها، وإذا كانت لا تحب العلم، فعشرون سنة في ~~المدارس لا تعلمها شيئا. # كانت ولم تزل التربية من واجبات المرأة، ولكن التربية الحديثة من حسنات تطورها، ~~وغرس حب العلم في قلوب البنات - خاصة - من أهم قواعد التربية. # لا أريد بالعلم العلوم العالية أو الفنون السامية، بل المعرفة العقلية بأمور ~~الحياة، بل التعود على البحث والاستقراء والتفكير والمراقبة، وكل هذه تؤدي ~~بنا إلى العلم بالأمور والأشياء علما نستفيد به ولا ننساه، وشيء تخبره ~~بنفسك ويرسخ في ذهنك خير من أشياء تتعلمها في الكتب، فإذا اقتدت المرأة ~~الشرقية بالمرأة الغربية في ذلك فقط، نستغني عن العلوم الفلسفية والرياضية ~~والسياسية كلها. ~~(4) الحفلة الرابعة في منزل إلياس أفندي زيادة صاحب ~~جريدة المحروسة # دعا في مساء اليوم ms018 «الجمعة 10 فبراير سنة 1922» إلياس أفندي زيادة، صاحب جريدة ~~«المحروسة»، جمهورا من الفضلاء والكتاب والشعراء إلى حفلة شاي أقامها في ~~منزله، بشارع المغربي؛ للاجتماع بحضرة الكاتب الشهير أمين أفندي الريحاني، والاشتراك في ~~تكريمه، فأقبل المدعوون في الموعد المعين، وكانوا يقابلون بالترحيب، فكانت حفلة ~~شرقية توافرت فيها أسباب السرور والصفاء. وبعدما استقر بهم المقام، وتبادلوا ~~التحيات، وتجاذبوا أطراف الحديث، أديرت عليهم الحلوى والشاي من «بوفيه» فاخر. # ثم وقفت حضرة الكاتبة الشهيرة، الآنسة «مي»، كريمة صاحب الدعوة، فخطبت خطبة بليغة ~~أجادت فيها ما شاءت الإجادة، فوصفت المحتفل به في شعره ونثره، وخدمته للشرق والأدب ~~الشرقي، وصفا شمل «وادي الفريكة» الذي خلده بشعره ونثره، فأعجب السامعون بحسن ~~بيانها، وثبات جنانها، ومقدرتها على إبراز المعاني السامية في قوالب البلاغة العربية ~~التي تأخذ بمجامع القلوب، فكانوا يصفقون لها استحسانا، ويكررون عليها ~~الثناء. # وألقى حضرة الشاعر البليغ أسعد أفندي خليل داغر أبياتا رقيقة في مدح الريحاني ~~والآنسة مي، جمعت بين رقة العاطفة ومتانة التركيب. وتوالى الخطباء؛ وهم حضرات الأفاضل: ~~أحمد حافظ عوض بك، والدكتور منصور فهمي، وداود أفندي بركات، والدكتور فارس نمر، فتكلموا ~~بموضوع الحفلة، وأفاضوا في نهضة الشرق، وتضامن شعوبه، منوهين بخدمة الريحاني ~~للشرق؛ بنشر لواء آدابهم في عالم الغرب، وتمنوا أن يكثر الله من أمثاله لخير الجميع، ~~فقوبلت أقوالهم بالاستحسان والتصفيق. # وكان مسك الختام كلمة رقيقة للمحتفل به، أشاد فيها بفضل الكاتبة الشهيرة مي ~~على الأدب الشرقي، وشكر الجميع على ما يلقى من الحفاوة والترحيب، وبسط الكلام في نهضة ~~الشرق وما يجدر بأبنائه في دور النهضة الحاضرة، فوقعت أقواله موقع الاستحسان ~~والاعتبار. # وعاد المجتمعون إلى التحدث فيما كان موضوع خطب الخطباء، وأصحاب الدعوة يبالغون ~~في تكريمهم، ثم خرجوا مودعين رب البيت، وحضرة قرينته الفاضلة، وكريمته النابغة، ~~شاكرين ما لقوا من الكرم والإكرام، متمنين أن تكثر مثل هذه الاجتماعات لتوثيق عرى ~~الألفة بين أدباء الشرق، وتنشيط النهضة الشرقية. ~~(4-1) خطبة الآنسة مي # أيها السادة: # من رقيق العادات أن القوم إذا نزل عليهم عزيز جاءوا بأصغرهم ms019 سنا وشأنا ~~يهدي إلى الضيف الأزهار، ويلقي بين يديه كلمات الترحيب، كأنهم بذلك يقولون ~~للزائر: إننا نقدر قدومك تقديرا يعجز دون وصفه الكبير فينا، وإنما ~~نقدم لك الطفل اعترافا بهذا العجز، ودلالة على أن الكبير عندنا والصغير ~~سواء في الشعور بالاغتباط والامتنان. # وعلى هذه العادة جرى أبواي فقدماني - أنا أصغر أعضاء البيت - لأشكر لكم تشريفنا ~~بحضوركم، ولأرحب بكم بالكلمة العربية البسيطة التي لا يزيدها الاستعمال إلا ~~عذوبة وجمالا: أهلا وسهلا. لقد جئتم أهلا، وأرجوكم أن تتناسوا طول السلم؛ ~~ليتسنى لي أن أضيف: ووطئتم سهلا. # ولكن لا بأس بالصعوبة أحيانا، وأكاد أقول: إن قيمة الأعمال تقدر ~~بالتغلب على المصاعب، ولا بأس بشيء من التعب للاحتفاء بمن هو بالاحتفاء ~~حقيق. ليس غرضي هنا التنويه بأمين أفندي، والإشادة بذكره - وهو أمر ما فتئ يقوم به ~~رجالنا الأفاضل من مصريين وسوريين منذ أن حل مترجم المعري بوادي النيل - غير ~~أني ما ذكرت الريحاني إلا ذكرت أنه كان جليسي يوم كنت أتلقن اللغة العربية على ~~نفسي، أتلقنها على حبي لهذه اللغة التي أباهي بأني لم أدرسها على أستاذ. كان جليسي ~~في «الريحانيات»، وقد كانت «الريحانيات» من الكتب الخمسة أو الستة التي عرفتني ~~باتجاه الفكر العربي الحديث في صيغتي الشعر والنثر. # استهل الجزء الأول من «الريحانيات» بمقال وصف فيه مسقط رأسه «وادي ~~الفريكة»، ذلك الوادي الذي أحبه، وتغنى بمحاسنه، راسما منه الصخور والأشجار ~~والمرتفعات والمنحدرات والألوان والأصوات، مصورا ما أحاط به من الجبال ~~المتعانقة عناقا أبديا تحت رعاية الأفق المخيم عليها، مستحضرا منه ~~المياه المتدفقة، والرياح العاصفة، والشمس المشرقة، والكوكب المتلألئ. # يا لجمال روح الريحاني في مقال «وادي الفريكة»! قال «رسكن»: «إن جمال المشاهد ~~الطبيعية كثيرا ما يقوم بما مر عليها أو وقع فيها من حوادث تاريخية أو فردية.» ~~كذلك تشبعت عندي جميع صفحات الكتاب بحياة من «وادي الفريكة»، وصرت كلما ~~قرأت فصلا خلته مكتوبا في ذلك الكهف، أو تحت تلك الشجرة، أو عند ذلك ~~الغدير. # وأرى الريحاني سائرا في معاطف الوادي تحت سيول الأمطار، هائما ms020 بالطبيعة في ~~انفعالها وغضبها، طربا لتساقط الأوراق، متسائلا عمن فتح تلك الطريق ~~الصغيرة بين الأشواك والأدغال، ومطلقا عليه اسم «بطل الوادي »، ثم يقف متفهما ~~معنى السكينة بعد العاصفة، متنشقا بنسمة واحدة خليط أنفاس الوادي. # صرت أحسب «وادي الفريكة» هيكلا يأوي إليه الريحاني ليتأمل ويبحث ويفكر - ~~والفكر صلاة الفيلسوف، على رأيه - حتى إذا ما كشر المجتمع عن أنيابه ليؤلمه ~~وينسيه لحظة الجمال والحقيقة والصلاح، حتى إذا ما أوجعته الصغائر وأمضته ~~الجراح، سأل الوادي تعزية، ودوزن قيثارته مناديا ربة ذلك الهيكل الطبيعي ~~قائلا: داويني ربة الوادي داويني، اغسلي جرحي وضمدي كلومي، أعيدي إلي ما ~~سلبتني الآلام من مجد الحياة الشعرية، وأزيلي عن أجفاني كآبة الأجيال. داويني ~~ربة الوادي داويني، ربة الإنشاد أصلحيني. # كان ذلك في أواخر صيف سنة 1911، وكنا مصطافين في لبنان، فأفضيت إلى أديب هناك ~~بأثر «الريحانيات» في نفسي، وكيف أن ذلك الوادي غدا لي شيئا حيا يتحرك ~~ويندب، ويهلل ويزمجر، ويهينم ويحيي ويودع، فقال الأديب: إذن لماذا لا ~~تزورين الوادي وهو على مقربة من هذا المكان، وأمين ريحاني وصل حديثا من أمريكا، ~~ويقطن منزله المشرف على الوادي وقد دعاه «بالصومعة»؟ وكان ذلك الأديب من أصدقاء ~~شاعرنا، فكتب إليه. # وكان الجواب أن بعد ظهر الغد زارنا أمين الصومعة مع شقيقتيه الفاضلتين وبعض ~~أنسبائه وأصحابه، فرأيت بالجسم للمرة الأولى ريحاني الوادي هذا الذي ~~تبصرون. # ومضيت إلى «الفريكة» بعد يومين أو ثلاثة مع والدي وبعض الأدباء، فرأينا هناك ~~المكتب الذي يكتب عليه، والنافذة المطلة على البحر البعيد، وقد خيمت فوقه ~~روعة الغروب، ورأينا والدته الجليلة. تعلمون أيها السادة أن أمين أفندي واسع ~~حر في مسألة الدين؛ أي إنه يوحد جميع الأديان في أخوة رفيعة ~~سامية. # أما والدته فصائمة مصلية زاهدة متعبدة، تكثر من قرع الصدر، ~~وتكثر التردد على الكنائس، ولعلها تبتهل إلى الله دواما أن يرد ولدها ~~الضال إلى حظيرة التوبة. # وزرت جانبا من الوادي متلمسة خطوط الصخور والأشجار، متلمسة هينمة ~~النسائم وهدير النهر المهرول إلى حضن البحر. زرت جانبا من الوادي وعندئذ ms021 فهمت ~~عظمة التفوق الفردي الذي ينيل الجماد حياة، ويجعل المكان المجهول محجة ~~للزائرين، عندئذ فهمت عظمة التفوق الفردي الذي قد يثير من الكره والتطاول ~~والعداء بقدر ما يثير من الإعجاب والصداقة والإخلاص، ولكنه يهز الأفراد ~~والجماعات هزا، ويحدث فيهم يقظة محتومة، عندئذ فهمت عظمة التفوق الفردي ~~المتجلي وحده فريدا بأسباب سعادته وشقائه، فوق فروق المراتب وروابط الحسب، ~~فتنحني أمامه جباه المكابرين والمسالمين. # ومرت عشرة أعوام والريحاني يشتغل في الغرب بعيدا عن بلاده، وكلما نشر كتابا ~~أو مقالا ذكر أصدقاءه في الشرق، فبعث إليهم بنفثاته، وكنت كلما قرأت منها ~~شيئا عاودتني تلك الذكرى الأولى التي بسطتها الآن أمامكم. # فيا ريحاني الوادي، إن نحن احتفينا بقدومك مرحبين، كل منا بأسلوبه ~~الخاص، فإنما نحتفي بنفسنا الشرقية، وبما يتحرك فيها من وراثة سحيقة، ~~ويهيجها من ذكريات العز الماضي، وآمال القدم المنشود. # بالأمس قطعت فينيقيا البراري، وخاضت البحار مشيدة على الشواطئ القصية المدائن ~~والعواصم. # بالأمس كانت مصر معلمة العالم تلقي عليه دروس الشريعة والإدارة والهندسة ~~والفلسفة الروحانية الخالدة. # بالأمس فتح سيف الإسلام القارات الثلاث ناشرا فيها حضارة أوجدها القرآن. # وكان الشرق إلى ذهب يرفع الجبهة ويناجي الشعوب قائلا: ها أنا ذا، جئتكم بمواهبي ~~أستخدمها بنبل لمصلحة بني جنسي ومصلحة بني الإنسان. # ومما نفاخر به اليوم ويبعث الأمل فينا: أن منا أفرادا يقفون في بلاد ~~المشرق والمغرب عالي الجبهة، لا يكذبون وراثتهم الشرقية، ويتغلبون على أنانية ~~الجماهير الحيوية، قائلين ما قالته بالأمس فينيقيا ومصر والعرب: ها أنا ذا، جئتكم ~~بمواهبي أستخدمها بنبل لمصلحة بني قومي ومصلحة بني الإنسان. ~~(4-2) قصيدة أسعد أفندي خليل داغر # بين مي وأمين شبه # في ذكاء ونبوغ وإجاده # ولكل منهما الحق إذا # ما ادعى فيها على الغير السياده # وعجيب أن كلا منهما # ليست الدعوى - وإن صحت - مراده # منكر ما هو معروف به # وعليه ثبتا ألف شهاده # وإلى الآخر كل مسند # حق تهذيب ونفع وإفاده # فهي قالت عن أمين أنه # خير من شرف في الغرب بلاده # وأمين قال عنها عندما # سألوه: هي مي ms022 وزياده ~~(4-3) خطبة الدكتور منصور أفندي فهمي # أيها السادة: # كنت أود أن يقدر لي قراءة ما كتبه الريحاني من ضروب الكتابة الممتعة؛ ليكون ~~لي من ذلك مادة صالحة للقول الطيب، على أنني أعترف بتقصيري لأني لم أقرأ ولم ~~أمحص كتابات ذلك الفاضل الذي به نحتفل. # ولكن منذ بضعة أيام دعتني السيدة صاحبة مجلة «المرأة المصرية» لحفلة أقامتها ~~للريحاني. لبيت الدعوة، وكان معي الصديق داود بركات وصديق آخر، ركبنا مركبة ~~وقصدنا الدار التي إليها دعينا، وفي أثناء الطريق أخذ يتلو علينا الصديق الأخير ~~قطعة نثرية للأديب المحتفل به من كتاب فيه مختار من أقوال عيون الأدباء. # كثيرا ما عودتني مهنتي في التدريس أن أجد شخصية القيمين من الكتاب ~~والمفكرين كامنة في آخر كتاباتهم القصيرة. ولقد تبينت في القطعة التي سمعتها ~~أسلوب العظمة الكتابية، وصفاء النفس، والروح الثائرة على النظم العتيقة. # شعرت بذلك وقلت في نفسي: لا غرابة إذا تعددت حفلات التكريم لرجل ذلك ~~شأنه؛ لأننا في أمة راغبة في الحياة الراقية، متطلعة إلى الكمال، فطبيعي ~~إذن أن يحتفل صفوتها بفرد من أهل ذلك العالم الكمالي، يتصل بوحي الأدب، ~~ويمت إلى السماء بسبب. # وطبيعي أننا - ونحن من الشرقيين - نكرم كاتبا ظل محتفظا بشرقيته رغم طويل ~~الزمن الذي عاش فيه نائيا عن الشرق، ولكن جعل من آلام الشرق وآمال الشرق إلى ~~قلمه وقلبه رسولا. # يقولون: إن السيدات أقرب البشر إلى تذوق ما يوحى إلى النفوس الراقية من ~~فكر كبير، وأدب سام. ولقد احتفلت سيدة من نحو خمسة أيام بالأديب الريحاني، ~~واليوم أرى واسطة العقد من الاحتفال تلك الأديبة الكبيرة «مي». # الجنس اللطيف الذي هو أدنى إلى تذوق نتاج العواطف الرفيعة يجد عند الريحاني وفي ~~أدبه تلك العواطف الرفيعة، ليمتع الله - إذن - ذلك الأديب الفاضل بالعافية حتى ~~يفيض علينا من فضل ما أفاض الله به عليه من أدب راق؛ ليجعل له بيننا مدة ~~مقامه مقاما محمودا. ~~(4-4) خطبة أمين أفندي الريحاني # ما أنا إلا رمز لفكرة جميلة في النهوض هي فكرتكم، وآمالي في الارتقاء ms023 الشرقي ~~هي آمالكم، وتشوقي إلى الكمالات الأدبية والاجتماعية هو شوقكم، والرمز - سادتي - ~~ينبغي أن يناسب المرموز إليه شكلا وجمالا؛ فانظروا إلى هذا الشكل وهذه ~~السحنة، ثم حولوا نظركم في هذا البيت العامر إلى كوكب في سماء الآداب نوره ~~يسطع في كل مكان، إلى قوة أدبية جمعت بين الحقيقة والجمال، بين المعرفة ~~والخيال، إلى من لا يعرفها في مصر وسوريا وفي المهجر - إلا من لا يحسن القراءة ~~- إلى الآنسة مي. # إن لهذه الأديبة مولدين مثلي: فقد ولدت أولا في الناصرة، وقد قال فيها ~~رينان: «بلاد الجليل أجمل ما في فلسطين.» # ثم ولدت روحيا في أجمل بلاد الله سماء وهواء وأنسا، في مصر، على ضفاف ~~النيل، فجاء أدبها جامعا بين مزايا البلدين المستحبة بين الشموخ والانبساط، بين ~~القوة والجمال، بين الرصانة واللطف، بين المتانة والرقة، بين الفكر ~~والشعر. # أجل، إن للآنسة مي فيما تكتب عقل الرجال وعاطفة النساء. وهذا لعمري أسمى ما ~~نرغب به من الأدب النسائي. # ولا ينبغي أن نذهب مذهب الغربيين في كل شيء، فنجرد حقائق الوجود - مثلا - ~~مما يكتنفها من أثير الشعر والخيال، ومن أسرار الحياة والجمال. إن بلادنا لتوحي ~~إلينا مثل هذا الأدب الممتاز - إذا أحسناه - المستمد من الشمس نورها ~~وحرارتها، ومن السماء صفاءها وألوانها، ومن الجبال شموخها وتحدرها، ومن الأزهار ~~شكلها وأريجها. # وإن الشعر في الحياة وفي الآداب هو هذا النور الذي يشع من الشمس، وتلك ~~الألوان التي تتماوج في الشفق والغروب، وذاك الأريج الذي يفوح من الورد، وكذلك ~~في حقائق الوجود والحياة، فإذا جردت من الشعر تصبح كالأزهار التي لا شذا لها، ~~وكالثمار التي لا نكهة فيها، وكالعصافير التي لا تحسن التغريد. # على أن هناك اليوم نفرا من الأدباء؛ أدباءنا، يحاولون تجريد الشعر من الحقائق ~~فينسجونه خيالا، وينظمونه أوهاما وآمالا، وكأنك في مثل أدبهم في عالم علوي، بل ~~وهمي لا صلة له بالأرض وبحياتنا الدنيا. وهذا الأدب إذا استولى على أمة أمات ~~فيها الإرادة للعمل، والإقدام على العمل، والقوة في العمل. ونحن - الشرقيين - في ~~حاجة شديدة ms024 إلى ما يدفعنا إلى العمل، ولا يبعدنا من الشعر، والمرأة الشرقية ~~بالأخص في حاجة أشد إلى ما يحملها على التفكير على الخروج من وكر الخمول إلى ~~العمل، دون أن يقتل فيها الفضائل النسائية الشريفة. وإني أرى في أدب الآنسة مي ما ~~يحقق من هذا القبيل كبير الآمال. # 3 ~~(5) الحفلة الخامسة في دار الجامعة الأمريكية # كانت حفلة الثلاثاء «14 فبراير سنة 1922» في دار الجامعة الأمريكية من أكبر الحفلات ~~الأدبية التي شهدتها عاصمة الديار المصرية، تبارى فيها فرسان البلاغة في تكريم ~~الشاعر الناثر أمين أفندي ريحاني، بل كانت من أعظم الأدلة على أن جامعة اللغة أشد ~~الجوامع ربطا للنفوس؛ لأن اللغة مستودع تاريخ الناطقين بها - الأخلاقي والأدبي ~~والعلمي والسياسي - وبألفاظها تهتز دقائق الدماغ وأوتار القلوب. # وقد تجلى ذلك بأجلى بيان في هذه الحفلة، فخلنا أنفسنا في سوق عكاظ، وقد أضيفت ~~إليه نار الحماسة التي أوقدها تضارب المصالح بين الشرق والغرب، ومطالب المدنية ~~الحديثة التي نشأت أصولها في هذا القطر، ثم انتقلت إلى الغرب انتقال الشمس. وكان ~~ذلك البهو الواسع يدوي بتصفيق الحضور المتوالي كلما ذكر الشعراء والخطباء معنى ~~مبتكرا، أو أشاروا إلى النهضة الوطنية الحديثة ولو إشارة طفيفة. # وقد لبى الدعوة - التي وزعت بإمضاء حضرة الأستاذ لطفي جمعة - إلى هذه الحفلة ~~جمهور كبير من العلماء والفضلاء، وكبار الموظفين والأعيان، والمحامين والأطباء ~~والمهندسين والأدباء وغيرهم، وبعض السيدات المصريات والسوريات، حتى ازدحم بهم ذلك البهو ~~على سعته. وجلس في صدر المكان على منصة الخطابة حضرة المحتفل به، وإلى يمينه ~~ويساره حضرات أصحاب الفضيلة والسعادة والعزة: السيد عبد الحميد البكري، والشيخ محمد ~~بخيت، والشيخ محمد شاكر، وحمد باشا الباسل، وواصف بك غالي، والأمير ميشيل بك لطف الله، ~~والدكتور صروف. # وافتتح الحفلة حضرة الأستاذ لطفي أفندي جمعة بخطبة بليغة استرعى بها سماع ~~المحتفلين، وخلب ألبابهم بما نثر عليهم من المعاني الحسان، ودلائل الغيرة الوطنية ~~الجامعة لقلوب الناطقين بالضاد، مرحبا بالضيف الكريم ترحيب من طالع كتبه ~~واستشعر روحه، وقال: إننا نحتفل به لفضله وعلمه وجهاده المجيد في ms025 إعلان فضل الشرق في ~~الغرب. # ثم ذكر أسماء الذين كرموا في مصر من أفاضلها وشعرائها، وقال: ليست هذه بالمرة ~~الأولى التي يكرم المصريون فيها النابغين. ووصف المحتفل به بما هو أهله، وقال: ~~إنني قصدته وتعرفت به عند زيارته لهذا القطر منذ عشرين عاما، وكان أجرد أمرد لم ~~ينبت الشعر في عارضيه بعد، بعينين حادتين، وأنف أقنى، وكيان صغير، وهو يتقد ~~ذكاء وفطنة، فخيل لي وقتئذ أنه فرخ النسر، وأنه يتحفز للطيران. وقد كان من ~~أمره بعد ذلك ما كان، فطار وحلق وحلق وحلق. # ثم أفاض في ذكر مؤلفاته وخدماته الجليلة في الشرق بقلمه، ووصف نثره ونظمه ~~وصفا استرعى الأسماع، وتكلم عن مؤلفه الذي نشر فيه فضل المعري في الغرب، ونقل ~~إلى لغة أهله بأفصح بيان حكمته وفلسفته، وكيف وثب وثبة الأسد للدفاع عنه، ~~وتسفيه آراء حساده ومنتقديه، إلى ذلك من درر الألفاظ والمعاني؛ فوقعت أقواله ~~وقعا عظيما في النفوس، وصفق له الحاضرون مرارا وتكرارا. # ثم تلا على الحاضرين تلغرافا من صاحب السعادة شوقي بك، يعتذر فيه عن الحضور باعتلال ~~صحته، ويعد بإرسال تحية إلى المحتفل به. # وتلغرافا آخر بالاعتذار من حضرة صاحب العزة عرفان باشا. # ثم قامت حضرة الفاضلة السيدة لبيبة أحمد، رئيسة جمعية «نهضة السيدات»، فرحبت ~~بالمحتفل به، وقدمت إليه مجموعة من مجلة السيدات، فتقبلها شاكرا، وتلاها ~~الشاعر الكبير عبد الحليم أفندي المصري، فأنشد قصيدة عصماء عامرة الأبيات، فاستعاده ~~الحاضرون أكثر أبياتها بين تصفيق المصفقين وهتاف المستحسنين. # ثم وقف حضرة الفاضل محمد أفندي عبد الرازق وتلا قصيدة لحضرة الشاعر فريد أفندي ~~حداد بالإسكندرية. # وتلا حضرة الفاضل محمود أفندي عماد قصيدة عامرة صفقوا لها. # وتلا حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبد المطلب حكمة لحضرة صاحب العزة واصف بك ~~غالي، العضو بالوفد المصري، فقوبلت بأشد الهتاف والتصفيق المتوالي. # وتلا حضرة الشاعر الفاضل محمد أفندي عبد الرازق قصيدة استعيدت أبياتها ~~مرارا. # وتلا حضرة الفاضل أبادير أفندي بقطر كلمة نفيسة كان لها أحسن وقع في نفوس ~~الحاضرين. # ثم نودي على حضرة الدكتور منصور ms026 أفندي فهمي لإلقاء كلمة، فحضر وتلا حكمة عن معاوية ~~واعتذر. # ثم وقف حضرة الأستاذ الكبير الشيخ علي الزنكلوني وتكلم كلمة بليغة صفق لها ~~الحاضرون مرارا. # ثم تلاه حضرة صاحب العزة نعوم بك شقير، فتلا قصيدة بليغة نالت الاستحسان ~~واستعيدت أبياتها مرارا. # ثم وقف حضرة المحتفل به وشكر الحاضرين على احتفائهم به، ثم تكلم عن زيارته الأولى ~~لمصر ومقابلته فيها للمرحوم قاسم بك أمين لما كان منفردا بالدعوة إلى تحرير ~~المرأة، وفقيد الوطن المرحوم مصطفى كامل باشا، الذي كان وحيدا في الدعوة إلى استقلال ~~بلاده. # قال: أما الآن عند زيارتي مصر للمرة الثانية، فقد ألفيت الأمة المصرية بأسرها ~~من رجال ونساء تطالب باستقلالها، وعلى رأسها أبو الشعب الذي له في كل قلب منبر؛ ألا ~~وهو صاحب المعالي زغلول باشا. # وهنا اهتز المكان بالتصفيق والهتاف المتواصلين، ولما ساد السكون شرع في تلاوة ~~قصيدة منثورة على الحاضرين عن «الشرق»، فقابلها السامعون بالإصغاء التام، ولما فرغ ~~من تلاوتها دوى المكان بالتصفيق والهتاف للمحتفل به ولمعالي سعد باشا. # ثم أعلن انتهاء هذه الحفلة الشائقة - وكانت الساعة السادسة والربع - فخرج الحاضرون ~~- وكانوا مئات - وهم يتحدثون بمحاسن حفلتهم وما سمعوا فيها من غرر اللفظ، ودرر ~~المعنى، متمنين أن تكثر هذه الحفلات المفيدة. # ولا مراء أن هذه الحفلات المتوالية جاءت مؤيدة لما هو مشهور في الشرق ~~والغرب عن الكرم المصري، ولما بات معلوما؛ وهو أن جامعة اللغة أقوى الجامعات ~~كلها. ~~(5-1) قصيدة عبد الحليم أفندي المصري # طار خلف البحار صوت عريني # مطار الزئير من خفان # مثلما جلجلت زمازم للرع # د ولكن وقعه كالأغاني # وادق بالنهى يلث على الرو # ح حياة كالعارض الهتان # معجم معرب إلى شكسبير # ينقل المعجزات عن «سحبان» # عن ذكاء كأنه فجة الشم # س وعزم كنفثة البركان # عن فؤاد كأنه وضح الصب # ح ورأي صاف كصقل اليماني # قانص شارد الخواطر غوا # ص على الدر في بحار المعاني ~~«أهل لبنان» أشركوا مصر في الفخ # ر وإلا اعتدت على لبنان # هو منا وحسبنا وطن الشر # ق فمصر وسوريا ms027 أختان # هو منا وإنما مصر روض # وكذا الروض منبت «الريحان» # فسلام عليك يا لجة «الأر # دن» لا زلت جمة الفيضان # وسلام عليك «يا شجر الأر # ز» ويا أرضه فكم تنجبان! # وسلام عليك يا أرض لبنا # ن ومجنى العلوم والعرفان # يا عرينا «للضاد» فيه لأشبا # لك زأر يصم سمع الزمان # سمع الغرب من بني الشرق صوتا # عربيا موفق التبيان # هاله أن يرى نبوغا جديدا # أسمر اللون في صغير الكيان # ليس وقفا على بياض نبوغ # فالنهى في النفوس لا الأبدان # وبنو السمر قبلهم ملكوا الأر # ض وساسوا الملوك من «ساسان» # وعليهم طال الزمان فملوا ال # مكث بين العروش والتيجان # وقضى الله أن يكونوا رعايا # وجرى حظهم مع الألوان # فعسى أن يدور دورته الده # ر فيهوي البياض في الدوران # ربنا إننا إليك رجعنا # يا سلاح الأعزال في الميدان # ربنا أنت للضعيف وللمظ # لوم والمستجير والحيران # ربنا ما نسيتنا غير أنا # ما لنا بالذي حملنا يدان # ربنا اصرف عنا عذابك واجعل # مخرجا للبلاد مما تعاني # ربنا أنجنا فإنك منجي ~~«سفن نوح» من غمرة الطوفان # ربنا قد سمعت في اليم موسى # وسمعت الخليل في النيران # فاستجب دعوتي فإني من أر # ض عليها أثنيت في «القرآن» ~~••• # أيها الباعث المعري من القب # ر وكيف استطعت رد الفاني # صيحة منك أرجعته كما كا # ن بصير النهى فصيح اللسان # أنت في صيحة بعثت «المعري» # فابعث المجد بين تلك المغاني # وإذا ما هتفت فاهتف بمصر # فهي دار القصاد والضيفان # نكرم النازل الغريب - ولا م # ن - ونطوي الإكرام بالنسيان ~~••• # قم ومهد للشرق في الغرب وافتح # لبني الشرق مغلق البلدان # إن تحت الأقلام فتحا مبينا # فوق فتح السيوف والمران # أنت من أنت في السراة وأهل الم # ال والجالسين في الإيوان # أينال الأديب بالغابة الجو # فاء ما لا ينال بالصولجان # أينال الأديب ما لم ينله # برضى شعبه «أنو شروان» # شعراء الزمان أنتم على الفق # ر بأقلامكم ملوك الزمان # فارفع الشرق في ذرى الغرب وانشر # لغة الشرق في بني الإنسان # وأر الغرب أن فينا ms028 رجالا # رجحوهم في كفة الميزان # كل فحل يكاد يختطف الوح # ي بلا وقفة ولا استئذان # إن أدياننا لشتى فكوني # لغة الشرق وحدة الأديان # إن أوطاننا لشتى فكوني # لغة الشرق وحدة الأوطان # أنت مثل الأثير يا لغة الشر # ق فكوني اتصال قاص بدان # أنت نعم الرسول يا لغة الشر # ق وصوت الطبيعة الرنان # فلئن أنطق الحمام لغنى # عربي اللسان والوجدان # من يشأ أن يرى النوابغ منا ~~«فأمين» يغنيهم عن بياني ~~(5-2) قصيدة فريد أفندي حداد # تصباك ادكار الأولينا # وشاقك عظم مجد الأقدمينا # وراعك ما طوت منه الليالي # فكادت تحجب الصبح المبينا # نظرت إلى العلى فرأيت شمسا # تطل على عصور السالفينا # تشير بنانها بشعاع نور # إلى قوم أناروا العالمينا # تحييهم بمطلعها وتحيي # لهم في الشرق ذكرى الخالدينا # وسمت الغرب يغضي عن سناهم # كأن الغرب مهد النابغينا # فأطلقت اليراع على طروس # تسطر معجزات الناطقينا # نقلت بيان حكمتهم إليهم # وكنت بنقله الحر الأمينا # نثرت عليهم آيات صدق # عن العرب الكرام الظافرينا # بنثر فاق نثرهم وشعر # بليغ فاق نظم الناظمينا # جلوت لهم حقيقة ما أتوه # وما نبغوا به أدبا ودينا # لقد أوحى البيان إليك سرا # وكان على سواك به ضنينا # فيا ضيف الكنانة إن مصرا # تحيي اليوم مقداما أمينا # تحيي فيك آدابا وعلما # وتكرم مصر أوفى المخلصينا # شمائل باهرات لم يشبها # سوى عرفان قدر العاملينا # فجاهد في سبيل الشرق وادفع # برشدك عنه لوم اللايمينا # لعل الدهر ينصفه سريعا # معيدا فيه مجد الأولينا ~~(5-3) قصيدة أحمد أفندي محرم # أعرفتها فشجاك من عرفانها # أن الزمان ابتز حسن بيانها # وقف الكلال بها على أوطانه # والشوق يحفزها إلى أوطانها # نفس طوت في الأربعين مراحها # ومشى المشيب يجر فضل عنانها # النفس ملكك والصبا لك قوة # تحمي المهيب الفخم من سلطانها # تلك الجنود وأنت صاحب دولة # ألقت إليك بسيفها وسنانها # راقب سيوف الله عند ضرابها # وأسنة الأقدار عند طعانها # لا تظلمن ولا تطش بك نزوة # فالنفس تلقى الحتف في نزواتها # واعمل لقومك والشعوب بأسرها # لك إن أمنت السوء من عدوانها # قوم ms029 الفتى في أرضه وزمانه # أمم الحياة بأرضها وزمانها # ساس الممالك معشر جمحت بهم # شهواتهم فأتوا على بنيانها # ساقوا الشعوب إلى الشعوب كتائبا # يذكي الدم المهراق من أضغانها # ما نال ذئب السوء من قطعانه # ما نال سوء الحكم من قطعانها ~~••• # ضيف «الكنانة» أنت حاتم أمة # الدهر والأجيال من ضيفانها # أنت الأديب ونحن أمتك التي # تروي شعوب الأرض عن إحسانها # تهب النفوس حياتها فإذا بها # ملء الفجاج تثور من أكفانها # تطغى الجبابرة العتاة فإن دعا # داعي اليراع قضى على طغيانها # قل يا «أمين» فأنت أبلغ قائل # غوت النفوس وطال عهد حرانها # امنن على الأقطار منك بحكمة # تهدي الشعوب بها إلى ديانها # الشعر والأدب المهذب طيع # والعرب مصغية إلى «حسانها» # تهفو الجموع إلى بيانك وحده # وأرى القلوب تطل من آذانها # أدب يصيب الشرق فيه شبابه # وتصونه الآداب في تيجانها ~~••• # اذكر لخالتك # 4 # الحديث ولا تبح # بهموم خالتنا # 5 # ولا أحزانها # هذي تحس السهم في «أهرامها» # وتحس تلك الجرح في «لبنانها» # لا تحزنن سبية لسبية # دنيا الشعوب تجد في دورانها # الشرق في أبطاله وحماته # والضاد في العالين من أعيانها # كل يسير للتحية موكبا # يعلو المواكب في رفيع مكانها # نظم الزهور لكل جيل غيضة # تمشي الدهور على شذا ريحانها # حق «الأمين» وللنوابغ حقها # وجلال رتبتها ورفعة شأنها ~~••• # انظر إلى دول الزمان ودولة # كبر الزمان فصار من غلمانها # ما قيس في ماضي الملوك جلالها # بجلال «قيصرها» ولا «ساسانها» # نظموا الممالك والممالك كلها # في تاجها العالي وفي إيوانها # إني رأيت الشعر دين هداية # ينهى الغوي النفس عن شيطانها # لا يصدق الإيمان في نفس امرئ # حتى يكون الشعر من إيمانها # قل للأئمة: أين إنجيل الهدى؟ # فالناس عاكفة على أوثانها # ومن المعين على عباب جهالة # غرقت شعوب الشرق في طوفانها؟ # لا تبلغ الأمم المراتب فخمة # حتى يكون العلم من أعوانها # ولقلما يبقى بناء حياتها # حتى ترى الأخلاق من أركانها ~~(5-4) قصيدة محمد أفندي عبد الرازق # لله عرشك من عرش وإيوان # يا ضيف مصر ويا عنوان لبنان # يا زهرة نبتت ms030 في الشرق ثم سرى # للغرب منها شذى عرف وريحان # يا كوكبا في سماء الشام مطلعه # ونوره الهدي للقاصي وللداني # أكلما جحدوا للشرق حكمته # بدا لهم كل يوم ألف برهان # إن فاخروا «بشكسبير » وشيعته # وإن أشدنا «بقس» أو «بسحبان» # فالشام تفخر أن قد أنبتت رجلا # له من الأدبين اليوم سهمان # فتى تغرب طفلا عن ملاعبه # والطفل يبكي لتذكار وتحنان # أنامل كن ينسجن الحرير وقد # غدون ينسجن من در وتيجان # يا صاحب النول طفلا واليراع فتى # وصاحب الذكر في تسيارك الثاني # أي المشاعر هاجت فيك واتقدت؟ # وأي معنى عميق؟ أي وجدان؟ # لما رأيت «نيويوركا» وقد نصبوا # على مداخلها تمثال إنسان # فتاتهم تحمل المصباح ناشرة # للحق أنوار إقناع وإيمان # ماذا رأيت وأمر القوم بينهمو # شورى بلا عنت قاس وعدوان # كل له مذهب يسعى لينشره # فصاحب الملك والصعلوك سيان # لا فرق بين غني يستفز بما # لديه من ذهب أو بائس عاني ~~«رأي الجماعة لا تشقى البلاد به» # والحق زهرة إقناع وبرهان # أكنت فيهم غداة النصر يوم هوى # زعيمهم بين أعوال وأشجان # وغادر العرش يبكي وهو متكئ # مجدا قديما بدمع منه هتان # قلنا نبي إلى الإصلاح يرشدنا # لما أتانا بإنجيل وقرآن # لكنما قوة الأطماع باقية # وما سواها جديد زائل فاني # والنفس تبدو لغايات تؤملها # كأنها ملك في ثوب إحسان ~~••• # يا فخر لبنان، ما ذنب القريض إذا # لم أمتدحكم بتفصيل وتبيان؟ # فما مدحت سوى مولى نعوذ به # من كل منتقم عات وشيطان # له بكل فؤاد حرقة وهوى # كما لكم في فؤادي الموضع الثاني ~~••• # يا فخر لبنان قبل اليوم ما سمعت # أذناي درا بصوت منك رنان # وما رأيتك إلا في مخيلتي # من الملائك في أردان إنسان # بنيتموا مجد لبنان على دعم # من الحقائق لم تخلق لبنيان # هذي جرائدكم في كل حاضرة # وذي مجلاتكم في كل ميدان # وما خلا منبر إلا وقام له # شبل ليعلوه من أهل لبنان # أم اللغات حميتم حوضها فصفا # وراح يشرب منه كل ظمآن # إذا دعونا إلى الجلى فإن لنا # في الشام أكبر أنصار ms031 وأعوان # ما الشرق إلا كتاب كله حكم # أنتم له دون شك خير عنوان # مصر الفتية تهديكم تحيتها # فإنها وبلاد «الأرز» أختان # إن كان في مصر «شوقي» نستعز به # فعترة الشرق في أعمال ريحاني ~~(5-5) قصيدة محمود أفندي عماد # ليس ضيفا فتحييه الديار # كل هذا السكون للشاعر دار # إنه أكبر من أن ينتمي # لشعار وهو للدنيا شعار # كيف لا تعرفه أصقاعها # وبها من فكره الملهب نار؟ # كيف لا تعرفه أجواؤها # وهي مرقى لنهاه ومطار؟ # كيف لا تعرفه ساعاتها # وهو يحصي دقها ليل نهار؟ # إنما الشاعر روح شائع # في شعاب الكون مأمون العثار # إنه الريح سرت طيبة # ليس يثنيها بناء أو جدار # إنه الرحمة عمت واحتوت # كل ما دب على الأرض وسار # هو في الأرض رسول من عل # يتولى رعيها فوق المدار # من سواه نعت الدنيا إلى # ساكنيها ونضا عنها الخمار؟ # من سواه عرف القبح ومن # عرف الحسن فنحى وأثار؟ # أنراهم لو عداهم وحيه # يحسنون السير في هذي القفار؟ # هو للمجموع يحيا لا له # ومن المجموع يأتيه البوار # هل يرى الشاعر إلا باكيا # لخراب أو ضحوكا لعمار؟ # همه تعميم نفع وهدى # وإن اختص بضر وخسار ~~••• # ضيفكم - يا قوم - ضيف للورى # لا تشينوه بدعوى واحتكار # إن شعرا ليس يعدو نفعه # قائليه فلياليه قصار # فخر «مصر» بعد «لبنان» به # فخر «أمريكا» وما خلف البحار # كيف تعتز به منطقة # دون أخرى وهو يأبى أن يخار # قد أنسنا قبل مرآه به # وسمعناه وإن شط المزار ~~(5-6) قصيدة فيليب أفندي مخلوف اللبناني # قد أكرمت مصر بالترحاب مثوانا # هاجت جروحي إذ أيقظت أشجانا # فأضمر الدمع قلبا كان ريانا # صداح مصر بقلبي صدحه وله # في صدر لبنان صوت بات رنانا # تئوي الضلوع صدى شكواه ذاكرة # عهد الأخوة أجيالا وأزمانا # عهد السمو إلى العلياء نصعدها # جنبا لجنب وعين الله ترعانا # ألا تعيد لنا الأقدار ما سلبت # من تالد الفضل أخلاقا وإيمانا # وتنصف القوم أبناء الألى جعلوا # حضارة الشرق للأقوام عنوانا # فأثقلوا البحر برا من سفائنهم # وأغرقوا البر بحرا ماج شجعانا ms032 # وسهلوا النشر بين الناس إذ طبعوا # مقاطع الصوت ألفاظا وألحانا # تكبدوا الأرض فاستقصوا مجاهلها # وعمروا القفر أقطارا وبلدانا # ونظموا البيع في الأسواق إذ عرضوا # تواجر الرزق أصنافا وألوانا # تلك المفاخر للأجداد نذكرها # ذكرى المفاخر فيها النفع أحيانا # أترجع الشمس للشرق الذي سطعت # للناس منه هدى دينا وعرفانا؟ # أمشرق الشمس يضحى مظلما أبدا # ومشرع العلم يبقى الدهر ظمآنا؟ # مصر وقد نهضت فالسعد رائدها # يمضي بها قدما للمجد يقظانا # يمضي وتتبعه الأقوام رافعة # أهلة جاورت في الحق صلبانا # شم الأنوف يدير الموت خمرتهم # يشتفها خاطب العلياء عطشانا # إن كان لا بد من موت نعيش به # فما أحب الردى إن يحيي أوطانا! # إن يبكم الظلم صوت الحق في أمم # فالحق مبلغه أذنا ووجدانا # تجاهلوا الشرع حتى بات منصفهم # يلابس الحق بين الناس بطلانا # تجنبوا كتب التشريع وامتشقوا # من غمده السيف للأحكام ميزانا # فاستسمع الصم صوت البكم في صحف # وأنظر النور في الظلماء عميانا # وحدث الغرب عن نور بمشرقه # إن يحتبسه فقد يلفيه نيرانا # إن النفوس إذا ما أنصفت عطفت # والعطف كان لذي الحاجات معوانا # والعدل أنجع طب تستطب به # نفس إذا كلمت ظلما وعدوانا # والسلم مدعاة خير للأنام وما # بالشر نفع لأقوام وإن هانا # تنفس الشرق عن صبح يضاحكه # فالشمس موقظة للشرق أجفانا # والروح واثبة للمجد طالبة # في أوج عزته نزلا وإيوانا # فالدهر في غير والشمس إن غربت # لا شك عائدة يوما للقيانا # واذكر لمصر جميلا نحن نذكره # قد أكرمت مصر بالترحاب مثوانا # مصر لنا وطن ثان وإن بها # في أهلها للقرى أهلا وإخوانا # فلتحيا مصر ويحيا القوم إنهمو # منارة الشرق منهاجا وتبيانا ~~(5-7) قصيدة محمد توفيق أفندي خاكي # سلاما للذي زان الشبابا # وأهلا بالذي وافا الرحابا # بمن أضحى وحيد العصر علما # وفلسفة وآدابا عذابا # فكان ذخيرة للشرق تبقى # له ذود إذا ما الغرب عابا # وعنوان المفاخر والمعالي # إذا قرءوا لنا فيها كتابا # وكان نبوغه للشرق تاجا # إذا ما الغرب فاخرنا الثيابا # ولما كانت العلياء تشكو # ولم يحسن لها أحد جوابا # أتاح الله ms033 نابغة «أمينا» # فكان بأفقها السامي شهابا # فيا ليث العرين فداك نفسي # فويل الغاب إما الليث غابا! # فكم دافعت عن آداب شرق # فألزمت الذي عاب المتابا! # وقد ترجمت أشعار المعري ~~«بآمركا» وذللت الصعابا # فأدهشت الألي سكروا وقالوا # أدار مدامة مزجت ملابا # بلاد للعجائب ساكنوها # رأوا آدابنا العجب العجابا # فأنستهم طلاوتها اختراعا # وأحنوا عندما تليت رقابا # فيا ريحان منه أريج فضل # وقد بلغت مكانته السحابا # فكان لقطرنا منه انتعاش # وكان بعيننا الليث المهابا # نزلت فكنت فيه أجل ضيف # وكان حنينه لكم ركابا # فدم يا ذا العلا لنهوض شرق # بمثلك يبتغى اليوم الغلابا ~~(5-8) خطبة الدكتور منصور أفندي فهمي # ولما نودي على الدكتور منصور أفندي فهمي، أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، ~~ودعي إلى الخطابة، وقف وقال: «إني على غير استعداد، وقد سئل معاوية - رضي ~~الله عنه - ذات يوم: أي شيء تحبه وتهواه؟ # فقال: محادثة الرجال. # وقد عثرت على رجل يحدثكم.» وأشار إلى الأستاذ الريحاني وجلس. ~~(5-9) خطبة الأستاذ الجليل الشيخ علي الزنكلوني من ~~علماء الأزهر الشريف # أيها السادة: # إني ما حضرت في هذه الحفلة المباركة لأكون خطيبا، ولا نبهت في بطاقة ~~الدعوة لهذا الغرض، وإنما حضرت لأشترك في حفلة تكريم الأستاذ الريحاني مع ~~المكرمين. # إن الأستاذ الريحاني لم تكن لي به صلة قبل هذه الحفلة، ولا سابقة عهد، ولم ~~أقف على تاريخه المجيد إلا من خطبة الأستاذ المحتفل لطفي جمعة. وهذا وإن ~~عد تقصيرا بالنسبة إلي، فلا يعد نقصا في جانب المحتفل به؛ لأن له ~~آثارا جليلة، وأياد فاضلة على الشرق، ولا ضير عليه إذا عاق ضعف الهمم بعض ~~أبناء الشرق عن التطلع لهذه الآثار. على أني رجل ديني يجب علي أن ~~أستكمل دائرتي الدينية، فإذا قصرت فيها، فإنما أقصر في واجب ضروري، وفي ~~حياة جوهرية، فإذا ضعفت بي الهمة عن استطلاع آثار الأستاذ الريحاني في خدمته ~~للشرق والشرقيين؛ فإن القصور لا يتخطى دائرة الكمال. # إن مجمل ما يقوله الخطباء عن الأستاذ الريحاني أنه بين للغرب محاسن ~~الشرق، وهذا المجمل وإن كان صغيرا ms034 في نظر كثير من الناس، إلا أنه - في ~~نظري - كبير جدا، وأنه من الأعمال الجليلة التي يستحق عليها صاحبها أعظم ~~مظاهر الاحترام والتبجيل. # إن الغرب قد استهان بالشرق كثيرا، وبينه وبين الشرق عداء ولده الطمع ~~والتوسع في الاستعمار. وإن العدو القوي إذا لم يدرك من عدوه الضعيف فضيلة من ~~الفضائل لا يستحي أمامه، ويتشجع في إذلاله وضعفه. أما إذا تبين منه مواضع ~~الفضيلة - وإن لم تظهر آثارها - وأدرك أن فيه قوة كامنة قد يظهرها الاحتكاك ~~استحى عند مواجهته، وبرزت منه الحركة العدائية ضعيفة بالنسبة إليها إذا كان ~~معتقدا فقدانه لكل فضيلة. وهنا يعامله مرة بحركة القمع المشلولة، ومرة ~~بالمخاتلة والدهاء. وتلك حالة كثيرا ما تولد القوة في نفس الضعيف؛ ~~فتبعثه على بلوغ أغراضه، وتحقيق آماله. # على هذا النحو كان يسير الأستاذ الريحاني، فيجب علينا ألا نستهين بهذا العمل ~~الجليل الذي يعرف شعوب الغرب فضائل الشرقيين. إنا لا نتخاطب مع ~~الحكومات؛ فالحكومات لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل، وإنها لمن عالم وراء ~~العالم الإنساني، وإنما نتخاطب مع الشعوب. وإن مثل عمل الأستاذ الريحاني ~~مما يصرف الشعوب عن تقليد الحكومات إلى النظر في الواقع، والتفكير في ~~الحقائق. # إن الشرقيين كثيرون، وقل من الشرقيين في هذا الزمن من طهره الله من ~~أمراض الاجتماع، فبرز مجاهدا في سبيل الله، وفي سبيل الوطن، لم تلوثه ~~الطبيعة بأقذار الوظائف والمنافع الشخصية، والمظاهر الكاذبة. وإن أحسن شيء ~~أكرم به الريحاني أنه عضو حي في الشرق بريء من الأمراض؛ فإنه يدافع بنوع ~~من الدفاع عن الشرق والشرقيين، وفي ذلك سعادة لمصر؛ لأن سوريا شقيقة ~~مصر، ولها عليها حق الجوار # وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله ~~. # إن كل إنسان يعمل في إبادة سبيل المذهب الاستعماري من الوجود، وإماتة حكم ~~الفرد، والنهوض بالضعفاء إلى المستوى اللائق بهم، فإنما يعمل على طريق ~~النبيين والمرسلين؛ لأن أنبياء الله جميعا ما بعثوا إلا لتحقيق السعادة العامة، ~~وطمأنينة العالم، إلا أن السعادة التي جاءوا بها هي السعادة الصحيحة التي لا ~~تعلم إلا ms035 من قبل الله تعالى؛ لأنه وحده هو الذي يعلم القدر المشترك الذي يتحقق ~~به رضا الجميع، فهو وحده الخالق للنفوس والأرواح، والعالم بما يسعدها ويشقيها، ~~ومحال أن يضع العقل البشري للعالم سعادة صحيحة. # وإن الفتح والاستعمار هما منار شقوة العالم في الأرض، وما دام المستعمرون ~~فيها أقوياء فالإنسانية شقية معذبة، وإن الله ما بعث رسله للعالم ولا ~~أنزل كتبه إلا لمحاربة الاستبداد والمستعمرين، فكل من يسير في طريق ~~الأنبياء فهو عظيم، ويكفي أن الأستاذ الريحاني بعمله هذا صار من عظماء الرجال، ~~والسلام. ~~(5-10) خطبة أمين أفندي الريحاني # 1 # أنا الشرق! # أنا حجر الزاوية لأول هيكل من هياكل الله، ولأول عرش من عروش ~~الإنسان؛ لذلك تراني محني الظهر، ولكني قويم الرأي، ثابت الجنان. # أنا جسر الشمس! # من أعماق ظلمات الأكوان إلى الأفلاك الدائمة الأنوار تصعد كل يوم ~~على كتفي، وتكافئني مكافأة جميلة. # أجل، إن في جيوبي، وفي يدي، وفي نفسي من ذهب الفجر ما لا نظير له في معادن ~~الأرض كلها. # تزودني الشمس للترحال، وتزود مني البصر أيضا والجنان، وأنا على ثباتي ~~في رحلة دائمة كالكواكب لا تبصر حركاتها. # إن أول القافلة، قافلة نفسي، ليتصل بالجوزاء. # وإن آخرها، لست أدري اليوم أين آخرها! # قد يكون واقفا مستكشفا في أبواب ليفربول، أو نائما تحت عرائش الياسمين في ~~سمرقند، أو جادا على ضفاف النيل، أو ضائعا في الجادة البيضاء في ~~نيويورك. # ولكنني قنوع رضي، مطمئن؛ لأني وإن كنت لا أرى ساقة القافلة فإني ~~مبصر قادتها. # وإني لأسمع طنطنة الأجراس عند المساء، وصوت الرسول يجيئني كل ~~صباح مسلما وفي يده ثوب جديد ألبسه ليومي. # نسج من لا ينسج إلا لصاحب الجلال رب الليل والنهار. # 2 # أنا الشرق! # وقد جئتك يا فتى الغرب رفيقا. # فكن صبورا إذا كنت لا تحسن السكون. # إني مثقل أحمالا لا تراها العين التي ترى الأقطان، وتشتهي الثروة ~~والجاه، ولو رأت عيناك بعض ما أنا حامل لخررت ساجدا، ولرحت ~~شاهدا. # وفي جيوبي أيضا وفي يدي أشياء من حقول النفس ومن جبالها، ms036 وأشياء من أغوار ~~الحياة. # أشياء ترضي الله، وترضي الإنسان، وأشياء لا ترضي لا الإنسان ولا الله، ~~منها ما أود نبذه لو استطعت ذلك دون أن أضر بجاري صاحب الجنود ~~والمدرعات، ومنها ما أود إخفاءه لو أني لا أستحي من نفسي ~~الباصرة. # ومنها ما أود إصلاحه، لو كان لصناع هذا الزمان ضمير يشفع باليد الرجفة، ~~والبصر الكليل. # وهناك أشياء - يا فتى الغرب - لك فيها الحبور والسعادة، عندي ما يسكن نفسك ~~المضطربة وينعشها، عندي ما يشفي ما في قلبك من أمراض التمدين، عندي ما يبعث ~~فيك عدلا يتجاوز استياءك، وحرمة لما يقدسه سواك. # عندي ما يقيدك، رجلا ويدا؛ لتهدأ وتستريح، فترى الكون إذ ذاك والعقل ~~منك مطلق، والقلب مطمئن، وتتأمل كذلك أسرار الوجود. # 3 # أنا الشرق! # لي عروس في الليل القديم البهيم لا تفارقني أبدا، ولي أيضا في كل يوم ~~بكر من الحسان، تجيئني ممتطية جواد الفجر؛ لتخبر البصر مني ~~والجنان. # أراها، فتهتز جوارحي طربا، وأرى صباي أمامي يهتف للفجر؛ لجلال الفجر الذي ~~يجري في النفس مثل سلسبيل فضي في الجبال، فتبدو خلاله الأعشاب الخضراء ~~وهي تعانق الحجارة والصخور، فتبعث فيها روحا يستحيل التجويد عندها نشيد ~~حب وتشويق، بل نشيد وطن يستفيق. # 4 # أنا الشرق! # أنا شبح يا فتى الغرب الباسل. # شبح في موكب الزمان، في موكب الحياة الدنيا، ولكن للشبح صوتا، بل أصواتا ~~تسمع شيئا منها اليوم، وستسمعها مليا غدا. # أصوات متضاربة، متنافرة، إلا أنها من قلب واحد، لها صدى في ~~هياكلي كلها، ولها صدى في كليات بلادك. # صوت يضج في الخلوات، ويتراجع في الأماكن المقدسة، وصوت يحدو في ~~الصحراء، ويملأ جبال تقواي سكونا طيبا. # وصوت يهمس في أذن أدواتك رغبة جديدة مستطلعا قصدها ومغزاها. # وصوت يتماوج سلاما على وجه المياه في الأنهر المقدسة. # وصوت يحن شوقا في ظلال الحرمين، كما أنه يئن ويطن في المنابر ~~الجديدة منابر الوطن. # صوت ينشد «نرفانا» لآلهة من ذهب ذي عيون من زمرد جاحظ، ويتغنى ب ~~«كرما» وبالقضاء والقدر في أكواخ البؤس والإثم والشقاء. # وصوت ms037 يهتف استحسانا في ملاهي بلادك، يا فتى الغرب، وفي مراقصه. # كما أنه يحدث في قهواتك، حول كأس من الخمر، بأحدث رأي علمي في ~~الجاذبية، وبأحدث رأي سياسي في عصبة الأمم. # 5 # أنا الشرق! # أحتمي من العالم بنفسي. # أستعيذ من العالم بالله! ~~«أم، أم !» - الله! الله! # ساعة، ثم سكرة، ثم آية. # إله عينه سوداء، # 6 # وشيطان عينه حمراء، # 7 # وملك عينه زرقاء، # 8 # يلبسون الحياة، ويعيدون إلي قديم الحياة. # يرقصون في ظلال البنيان والنخيل، ويحرقون البخور في هيكل أحلامي. # ويهمسون، وينشدون، ويصيحون، طالبين الإطلاق. # الإطلاق؛ إطلاق النفس والعقل والروح والجسد. # يهمسون: «وآهم، وآهم، واه!» ويرقصون. # يصيحون: «لبيك اللهم لبيك!» ويسجدون، ثم في ساحات المدينة يخطبون، ~~وبالأبواق ينفرون، وعلى الثورة يحرضون. ~~«لبيك اللهم لبيك!» ~~«واذكروا الرجيم الأجنبي وإن كان حاملا إنجيل!» ~~«ولا تخافوه وإن كان حاملا مدفعا رشاشا!» ~~«ولا تعاملوه وإن كانت بضاعته هبة!» ~~«واه، واه، واه!» ~~«لبيك اللهم لبيك!» # ساعة من الابتهاج الروحي حول سرير الوطن، يتلوها استسلام طويل تحت عرش ~~الله ساعة، ثم سكرة، ثم أعجوبة. # أبحث عن ذي العين السوداء، وذي العين الحمراء، وذي العين الزرقاء، فلا أجدهم، ~~بل أسمع ما يشبه أصواتهم في سراب ال «كرما»، وفي فيافي القضاء ~~والقدر. # أنغاما شجية روحية تذيب الشهوات أشواقا، وتحوك للنفس أحجبة ~~من خيوط الشمس، وتفرش لها طريق الفرقدين أزاهر سرمدية، ولكني - وا أسفاه! - ~~أستغرب هذه الأنغام اليوم ولا أستحبها، وبالأخص عندما أطالع - يا فتى ~~الغرب - صحافة بلادك الفضاحة، التي تنبئني بما لطياراتك من الصولة ~~والاقتدار، وكيف يمكنها أن تنسف أساطيلك البحرية وتبيدها. # 6 # أنا الشرق! # عندي فلسفات، وعندي أديان. # فمن يبيعني بها طيارات؟ # أتحسبها سفاهة مني أو تظنها تجديفا؟ # قد يكون ذلك، قد يكون. # أنا نفسي أجهل اليوم صوت نفسي، صوت المجالس، وصوت المنابر، وصوت ~~الصحافة. # أجل، إن لي أيضا صحافة فضاحة، يا فتى الغرب، ولي منابر قد لا ترضى بها ~~آلهة أجدادي. # ولكنها منابر جديدة، حريتها فتاة لا تعرف التمويه، فلا تسمعك بما يسر إن ~~لم تجئها بما تريد. ms038 # وهناك سر أهمسه في أذنك يا فتى الغرب: ليست الأديان والفلسفات ما تظنها، ~~وليست ما تظن أني أظنها. # فلا للحراثة هي، ولا للتجارة، ولا للسياسة، ولا للتقشف. # إنما الأديان والفلسفات كمصاف في الماء. # هي مصافي الحياة تصفيها في الأقل من بعض الحشرات والجراثيم. # 7 # أنا الشرق! # عندي تذوب الألوان كلها وتمتزج؛ فتتماوج نورا بعضها في بعض تحت ريشة ~~الزمان. # ألوان الغروب، وألوان الفجر، وألوان الليل السرية، لها كلها أفق واحد ~~عندي، وبسماء واحدة. # من الأخضر الناضر لذي النبوة التي تزرع الثريا بذورها، إلى الأصفر الفاقع لذي ~~السر الذي يخلع العذر والعذار، إلى الأحمر القاني الذي إرادته لا تذعن لبشر ~~أو جن، إلى الأزهر الباهر لخيال يسحر الساحرين بيانا! # هذا سلم من النفسيات لا تجده عند سواي. # وهناك الأرجوان لسفاهة تجلس على العرش، والزعفران لمجد هوت عروشه، ~~والجلنار يتماوج ظلالا حول عرش الأهواء والشهوات. # والرماد المنتثر لما كان في سماء الفكر كوكبا نيرا، والأسود القائم ~~لدمقراطية شابة تحمل عصا التأديب، والأبيض الناصع لمصرية تحمل ~~غصنا من النخيل. # كلها تمتزج في آفاق نفسي، وتذوب في سماء آمالي، وتستحيل خمرا في ~~كأسي. # أجل! إن خمر الأجيال الغابرة، وخمر الأجيال الحاضرة، التي لم يحسن ~~تصفيتها الزمان لتملأ الكأس التي أشربها كل يوم؛ فتعيد إلي روح النبوة ~~القديم المجيد، وتثير في ألم الذكرى، وتجدد في حب الجهاد. ~~(6) الحفلة السادسة في سراي آل لطف الله الكرام في قصر الجزيرة # لبى دعوة حضرة الأمير ميشيل بك لطف الله، في الساعة الرابعة من مساء اليوم «13 ~~فبراير سنة 1922»، لتناول الشاي في قصر الجزيرة، نحو مائتي أديب ووجيه من ~~المصريين والسوريين، وفي مقدمتهم حضرات أصحاب السعادة والفضيلة والعزة: محمد ~~باشا شكري، وكيل الحقانية السابق، وأمير الشعراء أحمد بك شوقي، والسيد مصطفى الإدريسي، ~~والشيخ محمد شاكر، ومحمود باشا عزمي، وأحمد باشا زكي، وصادق باشا يحيى، وسعيد باشا ~~شقير، وحلمي بك عيسى، وإدوار باشا إلياس، ويوسف باشا مسرة، والشيخ الكاظمي، والسيد رشيد ~~رضا، والدكتور محجوب بك ثابت، وطعان بك العماد، وحبيب ms039 بك دبانة، وميشيل بك أيوب، وبعض ~~أصحاب الصحف العربية والإفرنجية وكتابها، وكثيرون آخرون من رجال العلم والأدب، ~~وأولي الوجاهة والفضل. وكان الأمير ميشيل بك وشقيقاه الأميران حبيب بك وجورج بك ~~يرحبون بالمدعوين، ويبالغون في إكرامهم ومؤانستهم. # ولما تكامل عقد المدعوين أخذ مصور اللطائف المصورة صورتهم الشمسية، ثم ~~دعوا إلى القاعة الكبرى حيث مدت موائد الشاي، وقد حوت كل ما لذ وطاب من ~~أنواع الحلوى والفاكهة والخشاف، فأموها أفواجا. # وبعد ذلك وقف حضرة ميشيل بك لطف الله، صاحب الدعوة، ورحب بالمدعوين جميعا؛ ~~لتلبيتهم دعوته، وتشريفهم منزله، وذكر فضل المهاجرين من الشرقيين الذين يقصدون المهاجر، ~~ويستعملون مواهبهم في طلب الكسب والعلى، ولكنهم لا ينسون وطنهم، بل يعملون على خدمته ~~في غربتهم، ويقفون على ذلك أقلامهم ومجهوداتهم، وينشرون فضل الشرق في الغرب، ~~ويحيون لغتهم فيه، ويطلعونه على ما في لغتنا الشريفة من علم وفلسفة وأدب. ومن ~~هؤلاء المهاجرين المجاهدين اثنان يحضران هذه الحفلة معنا الآن، فأعرفكم بهما؛ وهما: ~~طعان بك العماد وأمين أفندي الريحاني، نزيلا أميركا، ثم ذكر ما لهما من الفضل والجهد ~~في خدمة الوطن، وما بين مصر وسورية من الإخاء، وكرر الشكر للحاضرين. # فوقف حضرة طعان بك العماد وشكر آل لطف الله على كرمهم ولطفهم، وخدماتهم الجليلة ~~لوطنهم، وذكر مصر بالثناء والشكر، وتلاه حضرة أسعد أفندي داغر، فأنشد أبياتا كان لها ~~وقع حسن في النفوس، وخطب حضرة أمين أفندي الريحاني، فذكر أن الغرب والشرق لا ~~يختلفان في الحقيقة والجوهر؛ فالآثار الشرقية والغربية تتشابهان، وكذلك فلسفة الفلاسفة ~~في البلادين وحكمة الشعراء، وكل أثر للعلم فيهما، وتمنى أن يأتي يوم يتصافح فيه ~~الشرق والغرب، وتربط الجميع رابطة الإخاء والحب. # وتلاه حضرة توفيق أفندي دياب، فشكر بلسان المصريين الخطباء على ما أبدوه في خطبهم ~~من عواطف الحب والإخاء لمصر والمصريين. # ثم تكلم بعد ذلك حضرات: فرح أفندي جرجس، والدكتور محجوب ثابت، ونسيم أفندي صيبعة، ~~فأفاضوا في وجوب الاتحاد والتضافر بين الشرقيين عامة، ولا سيما بين الشقيقتين مصر ~~وسورية، وذكروا أن كل ما تطلبه الأمم ms040 الشرقية هو أن تنال مقامها اللائق بها بين ~~الأمم، وتنال حقها الشرعي من الحرية والاستقلال، ثم ارتجل حضرة الشاعر ~~المشهور الشيخ الكاظمي قصيدة حماسية بليغة، وتلاه سعادة أحمد باشا زكي، فشكر لآل لطف ~~الله كرمهم وفضلهم، وقال: إن هذا القصر بعدما كان دارا للملوك تحول إلى فندق ~~يقصده السياح ، وقد عاد الآن - بفضل آل لطف الله الكرام - دارا للفضل، ومجتمعا ~~لملوك الأدب القابضين على ناصية الكلام والأقلام. # وكان الحاضرون يكررون التصفيق للخطباء والشعراء إظهارا لاستحسانهم، ثم ~~ودعوا وانصرفوا وكلهم ألسنة تتحدث بما لقوه من لطف حضرة صاحب الدعوة وأخويه، وكرمهم ~~وإكرامهم، وما رأوه وسمعوه من جمال الحفلة وبلاغة الخطباء. ~~(6-1) خطبة الأمير ميشيل بك لطف الله # ساداتي: # أرحب بحضراتكم كثيرا، وأشكر لكم تلبية دعوتي وتشريف منزلي. ولما كنتم من ~~خيرة فضلاء الشرق، وتقدرون النشاط الشرقي، أغتنم فرصة تشريفكم لأذكر بالخير ~~والثناء إخواننا في المهاجر، الذين ركبوا البحار، واقتحموا الأخطار في الأسفار؛ ~~يريدون متسعا من الحياة، وسبيلا للمعاش، فلم ينسوا وطنهم، ولا أهملوا لغتهم، بل ~~أشادوا بذكرها، وأحيوا آدابها، فأنشئوا في تلك البلدان الأجنبية جرائد راقية، ~~ومجتمعات سامية، وما برحوا يحنون إلى الشرق، ويتغنون بمحاسنه. وبهذه المناسبة ~~أؤدي التحية إليهم في شخص رجلين وجدا الآن معنا في هذه الحفلة، أريد ~~بهما: طعان بك العماد، من إخواننا في الأرجنتين، فإنه ترك عائلته وأعماله الناجحة ~~ولبى داعي القومية، فحضر إلى جنيف واشترك مع إخوانه في المؤتمر السوري الفلسطيني ~~ممثلا قومه أحسن تمثيل، ولا يزال دائبا على الدفاع عن استقلال وطنه، ~~وعن القومية الشرقية. # والكاتب الشهير أمين أفندي الريحاني، الذي رفع في أميركا وإنكلترا راية الإخلاص ~~للأدب العربي والقومية الشرقية، فنقل إلى لغة الإنكليز ما حسن من أدب العرب، ~~ونال مكانة عليا في تقديرهم، ثم كانت زيارته لمصر المثل الأعلى للتضامن ~~الشرقي، بما أظهره فضلاء المصريين من العطف عليه، والاحتفاء به، والتقدير ~~لأدبه، فأظهروا بالدليل الساطع فضيلة التضامن والاتحاد بين الشرقيين من أبناء ~~اللغة؛ مما دل على نهوض الشرق من سباته. والشرق يريد العمل ms041 على خير العالم ~~بأسره، لا أن يقاوم الغرب، بل يريد أن يكون صديقا، وأن يسير مع الغرب يدا ~~بيد. ~~(6-2) قصيدة أسعد أفندي خليل داغر # يسقيك يا قصر الجزيرة عارض # جود يحاكي من أميرك جوده # ويدوم ظل الأنس فوقك وارفا # والحظ مشتاقا إليك سعوده # والعز لا ينفك حولك راتعا # وعليك يرفع رايه وبنوده # والنيل جارك خير جار حافظ # لك حفظ كل ابن لمصر عهوده # وسمي ربك ليس يبرح حارسا # لك مرسلا للذود عنك جنوده # ويظل صفو العيش فيك مخادنا # سكانك المستمتعين رغيده # يردونه عذب الروى في روضك ال # زاهي الأغن ويحمدون وروده # روض يصفق دوحه متمليا # رقص الهزار مرددا تغريده # ويطيع أمر أميره مستقبلا # بأريجه العطر الذكي وفوده # ويهزه طربا قصيدة ناظم # من زهره في ساكنيك عقوده # بنشيده في مدح مصر يشنف ال # آذان والدنيا تعيد نشيده ~~••• # لله قصر زاده طول السنا # حسنا وعرض الجاه وشى جيده # وكساه بذل بني حبيب سؤددا # يبقى ولا يبلي الزمان جديده # يا طالما حدثت عنه وشاقني # أني أشارك بالعيان شهوده # فوجدت أن النصف لم أخبر به # وعددت مفخرة القصور وجوده ~~(6-3) قصيدة الأستاذ الكاظمي # مهما تباعد فهو منك قريب # يوم له بين الضلوع دبيب # فإذا تباعد فالحبيب مبغض # وإذا تقارب فالعدو حبيب # لا فرق بين المشرقين سوى الذي # يصفو به هذا وذاك يشوب # كالشمس ما بين الأنام مشاعة # ولها شروق مرة وغروب # كم قرب القوم اللئام وباعدوا # حتى استوى التبعيد والتقريب # لا يصدقون وكيف يصدق طامع # يصغي إلى داعي النفاق كذوب # ليس الهوى من كل صب واحدا # إن الهوى للعاشقين ضروب # هيهات يصبيني سوى حرية # يصبو الشباب لذكرها والشيب # يكفي جمالك أنت فيه يوسف # وكفى محبك أنه يعقوب # أمنية الشعبين أنت فضيلة # تاقت إليك قبائل وشعوب # حرية الأمصار أنت حبيبة # في حبها يستعذب التعذيب # عظمت على قلب المحب همومه # يكفي دلالك أيها المحبوب # في كل يوم حفلة لك يرتقي # فيها المنابر شاعر وخطيب # لك كل يوم في المحافل سيرة # تتلى وذكر عن سناك ينوب ms042 # يا حبذا يوم الجمال وحبذا # يوم الوصال وأجره المكسوب # يوم يعود به لنا استقلالنا # ويرد فيه حقنا المغصوب # حتام نحتمل المذلة طوعا # ولنا بآفاق البلاد وثوب؟ # نرجو الحياة وليس يجهل عالم # أن الحياة مصائب وخطوب # لا فاتنا عز الحياة ولا عدت # شعبا تذل بها الحياة شعوب # يا حبذا يوم يروح لنا به # هذا له نغم وذاك طروب ~~(6-4) خطبة أمين أفندي الريحاني # يقال في الشرق والغرب: الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يجتمع الاثنان. وهي ~~كلمة لا تصح إلا في مظاهر الاجتماع السطحية التي تزول عند احتكاكها من جهة ~~بالحقائق الأولية الدائمة، ومن جهة أخرى بالحقائق السامية الفنية، فإذا ما ~~تجاوزنا السطحيات إلى ما تحتها مما يربط الأمم بعضها ببعض؛ كالشعور الأدبي، ~~والعواطف البشرية الشريفة، أو إلى ما فوقها من آثار العقل والخيال؛ كالفنون الجميلة ~~والصناعات، لوجدنا في الشرق من الغرب، وفي الغرب من الشرق أشياء كثيرة نفيسة، ~~حيوية، كأنها من بيتها أصلا، وفيه. # ومن البراهين على ذلك برهان واحد قائم حولنا الآن، بل نحن فيه واقفون، برهان ~~هو الفن بعينه، بل هو منتهى الإبداع في الفن. إن هذا القصر الجميل، يا ~~سادتي، بل في هذه القاعة الفخمة ليجتمع الشرق والغرب اجتماعا فنيا جميلا ~~لا تناكر فيه ولا تنافر؛ فهذه صناعة الشرق وقد تناهت دقة وجمالا ~~تظلل صناعة الغرب وفنونه، وقد سمت شكلا وصنعا، وبين الفنين تناسب أنيق ~~جميل، بين الصناعتين صلة لا تكلف فيها ولا اجتهاد، صلة طبيعية يتهادى إليها ~~الجمالان، وتذوب عندها أطراف السحر والبيان. # أما في النقش أو الرسم أو التطعيم أو الهندسة، فالغرب والشرق من هذا القبيل ~~صنوان، وما يصح في الفنون والصناعات - اللهم إذا تناهت إتقانا وجمالا - يصح ~~في العلوم وفي الآداب وفي الاجتماعات، إذا تجاوزنا فيها السطحيات؛ فالحكيم الهندي ~~والحكيم الإنكليزي لا يختلفان، وشكسبير والفردوسي أخوان، والمعري وملتن وفولتير ~~من أمة واحدة، أمة النبوغ وحرية الوجدان. # ولنا الفخر - نحن الشرقيين - أن يكون في زعمائنا اليوم ما في زعمائهم من حب ~~الوطن، ومن البر والكرامة والشمم. ms043 لنا الفخر أن يكون في أغنيائنا من يطلبون ~~المعالي بالفضل والإحسان؛ فيبذلون من أقوالهم في سبيل الوطن والأمة سياسة ~~وأدبا واجتماعا، وليسمح لي أرباب هذا البيت إذا أشرت إلى ما أظنه رمزا ~~لقاعدة سلوكهم الوطني الاجتماعي، فإن طي الفكرة السياسية على ما يظهر لي فكرة ~~اجتماعية قد لا تدرك فورا؛ وهي حرية بالذكر والاعتبار. ولهذه الفكرة في ~~هذا القصر أيضا رمز جميل، بل رمزان نادران عزيزان؛ أولهما: هدية إلى الخديوي ~~إسماعيل من رأس الكنيسة الكاثوليكية من كبير أسياد المسيحية، وثانيهما: هدية إلى ~~الأمراء آل لطف الله، من سيد الحرمين، من كبير أسياد الإسلام، من جلالة الملك ~~حسين. # فالهديتان وقد اجتمعتا في هذا القصر الفخم هما عربون عهد السلام الدائم، ~~إن شاء الله. # بل رمز لما سيتمتع به أجيال المستقبل في شرقنا خصوصا من الإخاء الحق، ~~والاحترام المتبادل المبني على العلم والتساهل، بل على التفاهم والحب، ولا ~~شك عندي أن حصة المصريين والسوريين من ذلك ستكون كبيرة. وأود جدا أن يكون ~~الفضل الأكبر في تحقيقها لأصحاب هذا البيت الكريم، بل لأصحاب الرمزين ~~النادرين الشريفين اللذين سيوحيان إليهم - ولا شك - من الأعمال الوطنية ~~الشريفة، بل الشاملة الإنسانية، ما يخلد ذكرهم، ويجعلهم في الغرب مفخرة الشرق، ~~وفي الشرق أحب الناس وأعزهم عند أبنائه. # 9 ~~(7) الحفلة السابعة في فندق الكنتنتال # لبى جمهور من الفضلاء والأدباء في مساء اليوم دعوة الوجيه الفاضل طعان بك ~~العماد - من آل العماد المشهورين بلبنان ومن كبار الجالية السورية في الأرجنتين - إلى ~~حفلة شاي أقامها عصر اليوم «الخميس 16 فبراير سنة 1922»؛ لتكريم الأستاذ الريحاني في ~~فندق «الكنتنتال»؛ فكان لهذا الاجتماع مظهر بديع من مظاهر جامعة الأدب العربي، الذي ~~يحمل الأستاذ الريحاني راية من راياته فيما وراء البحار، بل نفثة من نفثات الروح ~~القومي العصري الذي استيقظ في الشرق اليوم، فأخذ الشرقيون يستشعرون به أن لهم ~~وجودا، وأن لهم كرامة ليعترف لهم عالم الأحياء بهذا الوجود، وهذه الكرامة. # فبعد أن اجتمع المدعوون في حديقة الفندق، وأخذت صورتهم تذكارا لهذا الاجتماع، ~~جلسوا ms044 حول مائدة الشاي، ثم قام صاحب الدعوة طعان بك العماد، فتكلم عن نفسه، وعن ~~الجالية السورية في الجمهورية الفضية، فرحب بالمحتفل به، وأثنى على أدبه ~~الجم، وجهاده المزدوج في تنوير قرائه من أبناء العربية، وتعريف أوروبا وأميركا ~~بروح الشرق التي بزغت مع شمسه، وما زالت تتجدد بتجددها. وكان يتكلم من ~~قلب امتلأ إخلاصا للغة التي ينتسب إليها، ومحبة للقومية التي هو فرد من ~~أفرادها. # وتلاه نجيب بك الهواويني، فخطب في النبوغ وتكريم النابغين. # وقام على أثره توفيق بك دياب، فأبدع ما شاء في بيان ارتباط الأمم الشرقية، ولا سيما ~~الناطقة بالضاد، وأن ذلك من أظهر دلائل الحياة، وما على مصر من الواجب نحو الأدب ~~العربي والمصلحة الاجتماعية في سبيل توثيق هذه الرابطة. # ثم قام السيد رشيد رضا، فذكر أن من القواعد الطبيعية أن يكون التقارب بين الناس ~~على مقدار ما يوجد من وجوه المشاركة وصنوف المشاكلة بينهم، وأن البلاد ~~التي يتشابه سكانها بلغاتهم وعاداتهم وآمالهم وآلامهم حقيق أن يكون ذلك سبب ~~التقارب بينهم. وقد أدركت مصر والهند هذه الحقائق الفطرية، فوحد المسلمون ~~والأقباط كلمتهم في وادي النيل، وكذلك فعل المسلمون والهندوس في الهند، وقال: إن ~~المسلمين لما كانوا أكثر تمسكا بدينهم لم يمنعهم هذا من أن يكون المسجد مدرسة ~~لتلقي علوم الكون، يشترك في ذلك المسلمون والمسيحيون والإسرائيليون، لا يمنعهم من ذلك ~~مانع، وقد كان جمال الدين الأفغاني - وهو من أول من نادى بالإصلاح في الشرق - لا ~~فرق عنده بين أديب إسحاق والنقاش والشيخ محمد عبده وسعد زغلول، فكلهم كانوا تلاميذه ~~وأنصاره، بل لم يكن يفرق بين بلاد الشرق، فكان يرى أن مصر إذا حملت لواء ~~الإصلاح كان ذلك وسيلة لانتشاره في سائر الأقطار. # وختم خطبته بقوله: إنني بصفتي سوريا أقول - وأنا منكس رأسي خجلا: إننا ~~- معاشر السوريين - كنا أول العاملين لنهضة الشرق في الأمس، وقد صرنا اليوم أول من ~~ضل سبيلها. # وقام على أثره منصور فهمي، الأستاذ بالجامعة المصرية، فقال: إنه وهو يرى اتحاد ~~السوريين على تكريم فكرة سامية، ms045 في شخص الريحاني، لا يصدق أن هذه الأمة لا ~~تستطيع أن تتحد على فكرة أسمى من ذلك؛ وهي فكرة الوحدة الوطنية والقومية؛ ~~فالاتحاد هو الذي رأينا - نحن في مصر - أنه ترياقنا من سموم كثيرة، والضماد الذي ~~نلف به كلوما مؤلمة، وما صح في مصر لا يصح غيره في شقيقتها. # وخطب بعده الدكتور محجوب بك ثابت في موضوع الشرق والغرب، وأن تضامن الأول من ~~دواعي احترام الثاني له، واعترافه بحقوقه، وتخفيفه وطأة سلطانه عن عاتقه؛ فالارتباط ~~بين الأمم الناطقة بالضاد نافع لكل منها، ومسهل لها سبيل الوصول إلى غايتها، ~~وأتى على براهين من التاريخ القديم والحديث احتجاجا لهذه القضية. # وختم الحفلة الأستاذ الريحاني بشكر صاحب الحفلة والخطباء والمحتفلين، وانصرف الجميع ~~لاهجين بما كان لها من التأثير في نفوسهم، وذاكرين أدب الريحاني وفضله. # 10 ~~(8) الحفلة الثامنة أو حفلة الصحراء # أرسل حضرة صاحب السعادة، الأستاذ أحمد زكي باشا، الدعوة الآتية إلى ثمانمائة من أفاضل ~~المصريين والسوريين وخيرة رجال الفضل والأدب: # أحمد زكي باشا يرجو مشاركته في تكريم ثالث الثلاثة بعد الجعدي والذبياني: ~~نابغة العرب الجديد أمين الريحاني، بتناول الشاي على سماط بدوي فوق بساط ~~الرمل، وتحت ظلال الأشجار الحرام التي غرسها الصحابة الكرام في سفح الأهرام، ~~يشرف عليها بلهيث «أبو الهول» الفصيح بإشارته، البليغ في صحته، القائم على ~~الدوام بحراسة كنانة الله في أرضه. # الملتقى عند محطة الهرم الساعة الثالثة ونصف بعد ظهر يوم الاثنين «20 ~~فبراير سنة 1922». # وقد أخذ الناس يتهافتون على طلب تذاكر الدعوة إلى هذه الحفلة النادرة ~~الغريبة. # فلما كان الموعد المضروب أقبل القوم زرافات ووحدانا تلبية لدعوة الأستاذ ~~المحتفل، وليشهدوا هذه الحفلة الصحراوية التي أقيمت لتكريم النابغة أمين أفندي ~~الريحاني. # شهد هذه الحفلة الشائقة جمهور كبير من كرام المصريين والسوريين، وخيرة رجال ~~الفضل والعرفان، وقد تجلى فيها مجد الآباء والأجداد، ونهضة الأبناء. ينظر الواقف ~~في ذلك المكان إلى عظائم أعمال الأولين الممثلة بأبي الهول والأهرام وغيرهما من ~~الآثار الخالدة، فيراها تنطق بما كان عليه الشرقي من العز والجاه والسؤدد، ms046 ثم ~~يجيل نظره في نوابغ المجتمعين في هذه الحفلة من أولي الحزم والرأي، وما أوتوه من ~~حماسة وذكاء وفضل، فيرى أمما تسير إلى الأمام، وشبابا مفكرا ناهضا ~~يتحفز ليسترد للأبناء ما ضاع من مجد الآباء. # كانت تلك الصحراء مزينة أبهج زينة بالأعلام المصرية، وقد ضربت فيها المضارب ~~تتخللها الجمال والأبقار ممثلة مساكن البدو في حلهم، وبرز الفرسان منهم ~~على صهوات الخيل يلعبون بسيوفهم، ويرقصون جيادهم على نغمات الطبل والمزمار، ونصب ~~في صدر المكان سرادق كبير لاستقبال المدعوين، ومدت فيه مائدة الشاي حاوية ~~لأطباق الفطير والتمر والحلوى، فأموه أفواجا رجالا ونساء، يتقدمهم حضرات أصحاب ~~المعالي والسعادة والفضيلة: أحمد مظلوم باشا، ويوسف سليمان باشا، والدكتور محمود صدقي ~~باشا، ومرقص باشا سميكة، وأحمد بك شوقي، وحسن بك مظلوم، مدير الجيزة، والشيخ أبو الفضل، ~~شيخ الجامع الأزهر، والشيخ بخيت، والسيد عبد الحميد ~~البكري، والشيخ عبد الرحمن قراعة، ومحمد شكري باشا، وأحمد تيمور باشا، وسعيد شقير باشا، ~~ونجيب منصور شكور باشا، والأمراء ميشيل بك، وحبيب بك، وجورج بك لطف الله، وجمهور غفير ~~من المستشارين والقضاة والمهندسين والأعيان وغيرهم. وكان سعادة زكي باشا، صاحب ~~الحفلة، وبعض المستقبلين من الأدباء يرحبون بهم، ويبالغون في ملاطفتهم. # وفتحت الحفلة بتلاوة آي القرآن الكريم، ثم وقف سعادة زكي باشا فخطب في الجمهور ~~مرحبا بالحاضرين، ومطريا المحتفل به، وقال: إننا فتحنا حفلتنا بتلاوة آي ~~القرآن تبركا بكلام الله، ولما لهذا الكتاب الشريف من الفضل في نشر اللغة العربية ~~في مشارق الأرض ومغاربها. # واستطرد إلى ذكر المكان الذي أقيم فيه هذا الاحتفال، فقال: إنه ورد في القرآن، فهو ~~المعني في قوله تعالى: # إرم ذات العماد ~~، فأرم هذه ~~لم تكن الشام ولا غيرها من البلاد، بل هي الأهرام. وكان في مكان هذا الاحتفال هيكلان ~~كبيران قائمان على أعمدة عديدة، فسميت من أجل هذا بذات العماد. # وتناول كلامه «بلهيث»، فقال: هو الاسم الأصلي لأبي الهول، ولكنه صحف فصار أبو ~~الهول كما صحفت أرم. # 11 # وعقبه حضرة الدكتور محجوب بك ثابت، وتلا قصيدة من نظم ms047 سعادة أحمد بك شوقي، فقوبلت ~~بالتصفيق الشديد، وكان الجمهور يستعيده أبياتها. # وحيا محمود أبو بكر البطران العربي - وهو غلام بدوي في نحو العاشرة من العمر - ~~مصر بأبيات جزلة. # وخطب حضرة أنطون أفندي جميل خطبة بليغة وصف فيها الصحراء الجرداء والواحة ~~الخضراء. # ولحن حضرة محمود أفندي عارف منظومة من قلمه تلحينا بديعا حرك أوتار القلوب، ~~وأثار الحماسة في النفوس ، وأنشد حضرة أحمد رامي أفندي قصيدة عصماء قوبلت بالاستحسان ~~الشديد. # وخطبت حضرة الآنسة مي خطبة جميلة ذكرت فيها فضل سعادة صاحب الحفلة وعلمه ~~وتسامحه، وحيت المحتفل به، وأثنت على مصر وأهلها أطيب الثناء، وأعلنت فضلها على ~~سائر الأمصار، وكل ذلك بكلمات عذبة جزلة امتزجت بأرواح السامعين، وقوبلت بالتصفيق ~~والاستحسان الشديدين. # ولما انتهت من خطبتها قدم إليها سعادة زكي باشا صحفة فيها ثلاث صبيرات، وقال: إن ~~هذه الصحراء التي لا تنبت إلا الشوك أنبتت بوجودكم ثمرا شهيا. # ثم ألقى حضرة محمود أفندي صادق قصيدة عامرة الأبيات استرعت الأسماع، واستعاد ~~السامعون أبياتها طربين بها، ووقف بعد ذلك حضرة أمين أفندي الريحاني المحتفل به، ~~فشكر مصر والمصريين شكرا جزيلا على ما لقيه من كرمهم ولطفهم وحفاوتهم، وتلا مقالة من ~~النظم المنثور وضعها خصيصا ليتلوها في هذه الحفلة في وصف مصر بين هتاف الهاتفين، ~~وتصفيق المصفقين. # ثم انصرفوا وهم يتحدثون بجمال هذه الحفلة، ويثنون على سعادة القائم بها الثناء ~~المستطاب. ~~(8-1) قصيدة أمير الشعراء «أحمد شوقي بك» # قف ناج أهرام الجلال وناد # هل من بناتك مجلس أو ناد # نشكو ونفزع فيه بين عيونهم # إن الأبوة مفزع الأولاد # ونبثهم عبث الهوى بتراثهم # من كل ملق للهوى بقياد # ونبين كيف تفرق الإخوان في # وقت البلاء تفرق الأضداد # إن المغالط في الحقيقة نفسه # باغ على النفس الضعيفة عاد ~~••• # قل للأعاجيب الثلاث مقالة # من هاتف بمكانهن وشاد # لله أنت فما رأيت على الصفا # هذا الجلال ولا على الأوتاد # لك كالمعابد روعة قدسية # وعليك روحانية العباد # أسست من أحلامهم بقواعد # ورفعت من أخلاقهم بعماد # تلك الرمال بجانبيك بقية # من نعمة وسماحة ms048 ورماد # إن نحن أكرمنا النزيل حيالها # فالضيف عندك موضع الإرفاد # هذا الأمين بحائطيك مطوفا # متقدم الحجاج والوفاد # إن يعده منك الخلود فشعره # باق وليس بيانه لنفاد # إيه «أمين» لمست كل محجب # في الحسن من أثر العقول وباد # قم قبل الأحجار والأيدي التي # أخذت لها عهدا من الآباد # وخذ النبوغ عن الكنانة إنها # مهد الشموس ومسقط الآراد # أم القرى إن لم تكن أم القرى # ومثابة الأعيان والأفراد # ما زال يغشى الشمس من لمحاتها # في كل مظلمة شعاع هاد # كم من جلائل أنعم لمحمد # بل كم لإسماعيل بيض أياد # لولا اهتمامهما لظل الشرق في # واد وأبناء الزمان بواد ~~••• # رفعوا لك الريحان كاسمك طيبا # إن العمار تحية الأمجاد # وتخيروا للمهرجان مكانه # وجعلت موضع الاحتفاء فؤادي # سلف الزمان على المودة بيننا # سنوات صحو بل سنات رقاد # وإذا جمعت الطيبات رددتها # لعتيق خمر أو قديم وداد # يا نجم سوريا ولست بأول # ماذا نمت من نير وقاد؟ # اطلع على يمن بيمنك في غد # وتجل بعد غد على بغداد # وأجل خيالك في طلول ممالك # مما تجوب وفي رسوم بلاد # وسل القبور ولا أقول سل القرى # هل من ربيعة حاضر أو باد؟ # سترى الديار من اختلاف أمورها # نطق البعير بها وعي الحادي ~~••• # قضيت أيام الشباب بعالم # لبس السنين قشيبة الأبراد # ولد البدائع والروائع كلها # وعدته أن يلد البيان عواد # لم يخترع شيطان حسان ولم # تخرج مصانعه لسان زياد # الله كرم بالبيان عصابة # في العالمين عزيزة الميلاد ~~«هومير» أحدث من قرون بعده # شعرا وإن لم تخل من آحاد # والشعر في حيث النفوس تلذه # لا في الجديد ولا القديم العادي # حق العشيرة في نبوغك أول # فانظر لعلك بالعشيرة باد # لم يكفهم شطر النبوغ فزدهمو # إن كنت بالشطرين غير جواد # أو دع لسانك واللغات فربما # غنى الأصيل بمنطق الأجداد # إن الذي ملأ اللغات محاسنا # جعل الجمال وسره في الضاد ~~(8-2) خطبة الشيخ أنطون الجميل # ما أجمل الواحة في الصحراء! # ما أبهى البقعة الخضراء تبدو بين تلال الرمال الصفراء! # ما أشهى الجزيرة ms049 الخضلة تبرز في الأرض المقفرة الجرداء! # الواحة ابتسامة حلوة على محيا الطبيعة المقطب العابس. # هي دمعة ندية تبرد القلب المكتئب اليائس. # هي نجمة لامعة في جبهة الظلام الدامس. # الواحة يوم فرح في حياة نسجت أيامها من غوالب الهموم. # هي قوس قزح مسبع الألوان دقت أوتاده على مكفهر الغيوم. # هي ترياق سائغ يشفي من مختلف السموم. # الواحة هي معترك الغايات والأهواء ، راية المحبة والسلام. # هي اللفظة المليحة العذبة بين حوشي الكلام. # هي آية الحق والعدل فوق صحب الشرور والآثام. # ما أجمل الواحة في الصحراء تبرز في الأرض المقفرة الجرداء! ~~••• # هبت رياح الصحراء فاستعرت الرمضاء. # السماء تمطر نارا، والأرض تنفث شرارا. # تجد القافلة في السير إلى الواحة البعيدة. # القافلة تجد في السير، وقد برح بها الجوع، وألهب العطش منها ~~الضلوع. # إلى الواحة البعيدة تتطال أعناق المطايا، تحدوها في سيرها أشباح المنايا. # صرع من القافلة واحد واثنان وثلاثة ... فكانت الرمال كفنهم، والرمال قبرهم: ~~الرمال الناشفة، الرمال الملتظية. # القافلة تجد في السير: الصحراء تدفعها، والواحة تجذبها. # فهناك في الواحة البعيدة ستجد الماء السلسبيل يروي الغليل. # هناك ستلقى الظل الوارف تحت أغصان النخيل. # الواحة ستجير القافلة من رياح الصحراء واستعار الرمضاء. # تلك الواحة التي وصفتها بالحقيقة وصورتها بالخيال. # هي أنتم يا خلاصة مدنية المصريين والفينيقيين ممدني العالم في غابر ~~الأجيال. # مدنية الفراعنة ومدنية فينيقية كلتاهما تحدرت إليكم من ثنايا الليالي والأيام، ~~بعد أن هذبتها آداب النصرانية، وعدلتها شرائع الإسلام. # قطرات رشحت من خلال العصور والدهور، فتكون منها الغدير. # حول الغدير نبتت أزهار العلم، وبسقت أشجار العرفان. # حول الغدير قامت معالم الحياة تكتنفها مفاوز الجهل # فكانت الواحة في الصحراء. # إلى واحتكم المخضلة يسير الشرق سير القافلة وقد أعياه المسير. # مشى الشرق طويلا في أرض التيه قاصدا أرض الميعاد. # أنهكته وعثاء السفر، فتقرست رجلاه، واحدودب ظهره، وخارت قواه. # تجرع في طريقه كئوس الخيبة ألوانا حتى بات باليأس سكرانا. # ذر الزمان على مفرقه غبار الفناء، فترك في سيره الشاق الطويل كثيرا من ~~الضحايا والأشلاء. # كان اليأس كفنهم، وكان ms050 اليأس قبرهم. # اليأس القاتل كرمال الصحراء. # ولكن الشرق يرهف غرار عزمه، ويسير إلى الواحة سير القافلة. # إلى واحتكم المخضلة يسير الشرق فرارا من رمال الصحراء. ~~••• # أرهف أذني فأسمع من الصحراء دبيبا في الرمال. # إن في حبات الرمل لنجيا تشعر به الضمائر، وتتلمسه الحواس، إن ~~رمال الصحراء لتصطخب اليوم ولا اصطخاب الأمواج في البحار. # كان «أورفه» - مطرب الإغريق - يرقص الحجارة بنشيده ، فيشيد منها ~~جدرانا. # فأين في الشرق من يضم حبات الرمل يصوغها حجارا؟ ويقيم منها ~~بنيانا؟ # يسير الشرق إلى الواحة وأمامه نور ضئيل يبدو حينا ويخبو حينا. # ليس هذا النور بالمبيض الحواشي فيصبح فجرا ... ولا بالمسود الجوانب فيمسي ~~ليلا. # أهو الشفق مقدمة الإمساء والظلام؟ أم الغلس طليعة الأضواء والأنوار؟ # ليس الجواب في صدر أبي الهول، فصدر أبي الهول خزانة أسرار. # إن الجواب لفي صدوركم أنتم يا معشر الأدباء والأحرار. ~~••• # إلى الواحة البعيدة تسير القافلة في الصحراء، ولكن بين الواحة والصحراء قد ~~يبدو السراب. # إن السراب لشر ويلات القافلة في الصحراء؛ فهو يضلها الطريق، ويوردها ~~موارد الهلاك. # وكذا بين السعي والنجاح قد يلمع برق أمل خلب، فيضل الساعي سبيل ~~النجاح. # فاتقوا البرق الخلب، واحذروا السراب. # قال المعري - ومن أجدر بالاستشهاد بقوله من المعري في يوم تكريم مترجم ~~المعري: # وقلت: الشمس في البيداء تبر # ومثلك من تخيل ثم خالا # وفي ذوب اللجين طمعت لما # رأيت سرابها يغشى الرمالا # يا صاحب «الخزانة الزكية»، يا مقيم معالم هذه «الحفلة الصحراوية»، والداعي إلى ~~«الرابطة الشرقية». # قد جعلت شعار تلك «الرابطة» قولا صار مأثورا: «الأرواح جنود مجندة، ما ~~تعارف منها ائتلف، وما تناكر اختلف.» # عمل جسام ندبت نفسك للقيام به، وأنت الندب الهمام. إن الأربعين قرنا التي ~~نظرت إلى جند بونابرت من أعلى الأهرام تنظر إلى عملك وعمل زملائك الكرام. # فعسى تلك القرون الخوالي تبرز من قبر الزمان، فتصفق لكم يا جند الاتحاد ~~والوئام. # ادعوا الشرق إلى الوئام والإخاء تكونوا من أدلاء القافلة السائرة في ~~الصحراء. ~~••• # وأنت يا صاحب «الريحانيات»، قمت بالأمس باسم الشرق كله مناديا: «أنا ms051 ~~الشرق عندي أديان، وعندي فلسفات، فمن يبيعني بها طيارات؟» كأني بك دلالا نزل ~~إلى سوق الاجتماع يقصد البيع والشراء، فما شرى ولا باع. # كأني بك باسم الشرق تنادي: # ولي كبد مقروحة من يبيعني # بها كبدا ليست بذات قروح # وبطبيعة الحال: # أباها عليك الناس لا يشترونها # ومن يشتري ذا علة بصحيح؟ # ولكن بفضل العلم تنشر رايته، وبفضل الإخاء تعم آيته، سيقف الغرب مناديا: ~~«عندي طيارات، وعندي مدرعات، فمن يبيعني حكمة راقية وفلسفة سامية تنهض بأبنائي من ~~حضيض الماديات؛ فإن المادة كادت تقتل فيهم الروح؟» فكن يا ابن لبنان داعيا ~~إلى الإخاء، وكن دليلا من أدلاء القافلة السائرة إلى الواحة في ~~الصحراء. ~~(8-3) أنشودة محمود أفندي عارف # يا ساكن الأهرام كلنا نحييك # ساعين عالأقدام قصدنا نرضيك # يابو الهول حكموك ظلم وشوهوك # واليوم نسترضاك ونصالحك تاني # جبنا لك م الشام من روضة لبنان # صحبة من بستان زانها الريحاني # عهد صلاح الدين أحييته يا أمين # والسعد علمه حيرفرف تاني # الشرق يحييك وسوريا تناديك # ومصر تهنيك وطنك الثاني # فرحانة تقول لك يا ابني تعا أضمك # شرفت وطنك خففت آلامي # مجدنا اللي راح يا أهل الإصلاح # بالعلم يحيى ويرجع ثاني # اشهد يا أهرام يا مفني الأيام # عهد وإيمان ما ارجع في كلامي # بعد الأربعين أبدا مش راجعين # حتى نعيش حرين ودي كل أماني ~~(8-4) قصيدة أحمد أفندي رامي «إلى طائر الشام» # إني لأخشى أن تموت عواطفي # ويجف ذاك النبع من أشعاري # وتقر نفسي بعد ثورتها فلا # يهتاجها شيء سوى التذكار # وترى مجال الكون عيني خاليا # من بهجة الآصال والأسحار # وأخاف أن يقضي على قلبي الأسى # فيصيبه يأس من الأوطار # إني ليحزنني بقائي صامتا # ولدي هذا الكنز من أفكاري # وأكاد أندب خاطري ومشاعري # وهما إلي نفائس الأذخار # في الشعر تأسائي وفيه رفاهتي # وإليه أشكو صولة الأقدار # فإذا سكت فقد حرمت شكايتي # ولرب شكوى نفست أكداري ~~••• # لمن الغناء أقوله فأصوغه # من أدمعي ودمي وطيب سراري؟ # ومن الذي يوحي إلي من الهوى # قبس الخيال وصدحة الأوتار؟ # ما أطلق الطير ms052 الصدوح بشدوه # مثل انبثاق الزهر والنوار # أو نضر الزرع البهيج زهوره # كالشمس والماء النمير الجاري # أو هدأ البحر الخضم عبابه # كالبدر يشرق باهر الأنوار # الحب نبع الشعر منه تفجرت # عين المعاني والخيال الساري # الحب لحن النفس وقعه على # وتر القريض بنان موسيقار # الحب يفسح في الحياة مراحها # ويحفها ببدائع الآثار # فلرب ساعة خلوة هفافة # طالت عن الأجيال والأعمار # ولرب وجه أبدعت قسماته # أبهى من الجنات والأنهار # ولربما فاقت مناجاة الهوى # معنى ومغزى ممتع الأسفار # ولرب ثغر باسم أحيا المنى # وأطارها في النفس كل مطار # هذا هو الحب الذي أشتاقه # فيهيج ساكن روحي الزخار # ويمدني بالشعر معنى ساميا # ويبث فيه جلائل الأسرار ~~••• # ما لي أريغ هوى يعز وجوده # وهواي حب التسعة الأبكار # هذي بنات الشعر توحي صبها # سامي الخيال وثاقب الأفكار # فأصوغه في مدح عاشق حسنها # هذا الأمين لها وللأحرار # إيه بنات الشعر هاتي نغمة # فأصوغ إكليلا من الأزهار # هو غرسه وأحب ما يهدى له # ما بث من زهر ومن أثمار # يا طائر الشام الرخيم غناؤه # أسمعت صوتك نائي الأقطار # ووصفت مجد الشرق في أيامه # ونشرت ما درجت يد المقدار # وكشفت عن سر الحياة فأصبحت # مجلوة للنفس والأبصار # هذا أبو الهول الجليل محدث # بسكوته في هيبة ووقار # هو رمز مصر وحارس الوطن الذي # أخنى عليه تتابع الأدهار # لو كان ينطق رتلت ألفاظه # شكرا كشكر الروض للأمطار # فاقبل تحيته؛ فكم من نظرة # جلت معانيها عن الأشعار! ~~(8-5) خطبة الآنسة مي # أيها السادة والسيدات: # زكي باشا ظالم، ولكننا نسامحه؛ لأنه حجة العرب، بل هو متيم الشرق بأسره؛ ~~ما ذكر هذا الشرق إلا اتقد عاطفة وحماسة، وتدفق معرفة وفصاحة؛ كأنه صخرة ~~الكليم بعد الأعجوبة، أو كأنه تلك الجزيرة المتوارية وراء البحر الأحمر، ما كادت ~~تشتعل فيها شرارة الإسلام حتى انطلق أبناؤها يجددون العالم بالحياة وبالعلم ~~وبالجد. # وزكي باشا فوق ذلك مثال جميل للتوفيق بين التعصب والتساهل، من ذا أمتن إسلامية ~~من زكي باشا؟ ومن ذا أمنع شرقية منه؟ ولكن رغم هيامه بقوميته، واعتزازه بمدنيته، ms053 ~~فهو يفتح صدره لجميع الأديان، ويقدر القيم من جميع المدنيات، ويكبر الذكاء ~~عند جميع الأجناس؛ فلا عجب إذا ما تفنن حتى في أساليب الضيافة ~~والحفاوة. # لقد أكرمت، أيها الريحاني، في المنازل والفنادق والجامعات. أما أستاذنا ~~اللوذعي، فأراد إكرامك في هذه المملكة السنية الفيحاء. تلك اجتماعات كانت قاصرة على ~~جمهور الشرقيين. أما هنا فتحاذى الشرقي والغربي كما هو خليق بفكرك الذي لم يقف ~~عند حدود البلدان، وكما يليق بمن كان واسطة التعارف بين باحثي الشرق والغرب كصاحب ~~هذه الدعوة الكريم، فضرب هذه الخيمة العربية، وأقام هذا المهرجان الجامع بين بساطة ~~البدو وجزالة العباسيين. وفي هذه الربوع التي لا تجرؤ الأصداء على اقتحامها، بل ~~ترتد على حدودها خاشعة، ارتفعت الأصوات للثناء عليك، وفي هذه الربوع حيث دحر ~~التاريخ جيوشا، وجندل قوادا، حللت أنت عزيزا عزة من كانت قوته ~~الوحيدة معرفة، وسيفه الوحيد قلما. # لقد رأيت من مصر حسن الضيافة، وعرفت كيف تشجيها عطور الرياحين، ولكنك ~~شاعر بلا ريب بما وراء اللطف من تحفز وشجاعة. لقد عرفنا نحن مصر عذبة ~~كريمة أعواما طوالا، ثم اهتزت فجأة فبدت ذات هيئة جديدة وجمال رائع. وها ~~هي تتخرج منذ ثلاثة أعوام في مدرسة النخوة والبطولة، وإذا خفت صوت الرجل ~~فيها لحظة، أشارت المرأة - ولو من وراء الحجاب - إلى شرفات العز، ورفيع ~~المصاعد. # ولقد دفع استبسال مصر في جسم الشرق استبسالا، فجئت وهو يتوهج حمية، ~~ويتفجر وطنية، وبينما هو يحييك لأجل ما أنت، ولأجل ما فعلت، إذا به يشير ~~بوجوب إتمام العمل المنتظر، فلا يكفي أنك ترجمت المعري، بل انهض - ولينهض كل ~~ذي صوت مسموع - وقل للغرب: إن الأمة التي أنجبت المعري وأمثاله لا تخبو فيها ~~شعلة الذكاء. انهض أنت وكل ذي صوت مسموع وقولوا للغرب وللشرق جميعا: إننا لا ~~نكتفي بالآثار والأخربة والحضارة البائدة، بل نريد مع العز العظامي والشرف ~~التالد عزا عصاميا وشرفا طريفا. # وإذا ذكرت هذه الساعة؛ فاعلم أن زكي باشا لم يفعل في يوم سوى ما اعتاد المصريون ~~فعله مع نزلاء الشعوب أجمعين، ms054 وإذا ذكرت أبا الهول شعار مصر الخالد؛ فاذكر أنه ~~مهما هبت عليه لفحات السموم، وتراكمت حوله رمال الصحراء، فهو يظل باسما ~~يرقب في الشرق فجر الصباح الآتي، وإذا ذكرت هذه الأهرام المنتصبة كالمردة ~~الصامتة في وجه اللانهاية؛ فاذكر أنك سمعت في ظلها أهزوجة الحياة ونشيد ~~الأمل. # وليس هذا نشيد مصر الفتاة وحدها، بل هو صوت من جوق تؤلفه الأقطار الشرقية ~~الهاتفة بنبرة واحدة ، وقلب واحد: «أنا الشرق، ولي صوت يحدو في الجبال والقفار، ~~فيملأ الجبال والأودية ضجيجا وحنينا ... أنا الشرق، وخمر الأجيال تعيد إلي روح ~~النبوة القديمة ... وتثير عندي ألم الذكرى، وتجدد في حب العزم والجهاد. أنا ~~الشرق، أول صوت صارخ بوحدة الحياة وإخاء الإنسان؛ فلنتقاسم بها الغرب حظنا من ~~الحرية والنور؛ لأني اتخذتك يا فتى الغرب رفيقا.» # وكلما ذكرت الشرق، وذكرت إكراما أدته إليك مصر، فوحد هنيهة حب الشرق ~~في حب مصر؛ لتهتف بما يهتف به الآن وعلى الدوام: لتحي مصر مصرية. ~~(8-6) قصيدة محمود محمد أفندي صادق # من من الشرق ليس يهدي السلاما # لفتى الشرق حين هب وقاما # شاكي العزم راح يخترق اليأ # س بقلب تعشق الإقداما # ليس يثنيه أن يرى الشرق أمسى # خافت الصوت لا يطيق الكلاما # أو يرى الناس لا تزال نياما # وخطوب الزمان ليست نياما # فمشى مشية الكمي ونادى # يا بني الشرق - يا بنيه - إلى ما؟ # غربة الدار لا المقام على الضيم # وإلا خذوا الخدور مقاما # نحن لا نعرف الحياة جمودا # لا ولا ذلة ولا استسلاما # إنما نحن للجهاد خلقنا # نبذل النفس أو ننال المراما ~~••• # ومضى يقطع الفيافي والبح # ر إلى عالم هناك ترامى # حاملا بين جانبيه غراما # أشعلته النوى فشب ضراما # ذاكر العهد تلك شيمة شهم # هزه المجد والعلا فاستهاما # ورأى الغرب ليس يعلم ما للش # رق وإلا فمبصر يتعامى # كيف لا يبصرون والشرق شرق # فسلوهم متى يكون ظلاما؟! # مطلع الفجر والوجود دياجي # ر ومحصي الدهور عاما فعاما # مهبط الوحي والشرائع لما # بعث الله الوحي والإلهاما # ظلموا الشرق ليتهم أنصفوه # لرأوا رحمة وألفوا سلاما ms055 ~~••• # يا ابن لبنان قل للبنان يعلو # فوق عليائه وأن يتسامى # أنت أفصحت عن شعور بني الش # رق وأنطقت في القبور عظاما # ليس ميتا أبو العلاء وإن كا # ن بحكم القضاء أمسى رماما # ليس بالميت إنما هو روح # أيقظ الشرق بعده ثم ناما # فمن الناس من تراه «أمينا» # وقليل في الناس يرعى الذماما # فخر لبنان، هل ترى ثم روحا # فوق هذا المكان رف وحاما؟ # أتراه يكاد يلهج بالحمد # وقد كاد يستدر الغماما؟ # ويكاد السرور يملأ عيني # ه ضياء وثغره تبساما # ذلك الشيخ لا يزال كريما # وكذاك الكرام تهوى الكراما # يا فتى الشرق كيف أشرق وجه الش # رق لما رفعت عنه اللثاما؟ # أترى الغرب لا يزال كما كا # ن جهولا بحقنا لواما؟ # أم ترى أدرك الصواب من الغ # ي فعاف الظنون والأوهاما؟ ~~••• # يا أبا الهول يا رهيب تحرك # قد تخذناك للجهاد إماما # فانفض الأرض عن يديك وردد # صيحة الشرق وارفع الأعلاما # وقد الجحفل الرهيب إلى المج # د كما كنت واذكر الأياما # وادع من كان قد أعدك للجل # ى قديما ومن بنى الأهراما # أنت لم تنس يا أبا الهول يوما # أن حب البلاد صار غراما # ظامئ أنت من قديم إلى المج # د فهيا بنا لنشفي الأواما # قد سئمنا المنام نحن بني الي # وم فلا بدع إن سئمت المناما # يا بني الأولين لم يبق شيء # من تراث الجدود حتى نناما # خلفوا المجد فوق هام الثريا # فانظروا هل ترون إلا رغاما # وحقوقا عدا الزمان عليها # فغدت نهبة وراحت حراما # لهف نفسي وأي نفس سواها # ليس تشكو لربها الآلاما # يا بني الشرق ليس ينتشل الش # رق سوى وحدة تكون لزاما # نجمع الشرق لا يكون شتاتا # ونضم الشعوب والأقواما # هكذا تفعل الشعوب إذا شا # ءت ثباتا لحقها ودواما # فاعملوا إنما الحياة مجال # يسع الفعل وحده لا الكلاما # واطلبوا الحق في الحياة كراما # لا عبيدا لهم ولا أنعاما # وإذا ما الحسام جرده العزم # فهيهات أن يردوا الحساما ~~(8-7) خطبة الدكتور شخاشيري «وافدتان» # سيداتي وسادتي: # أرى أن في البلد ms056 وافدتين متفشيتين تفشيا هائلا؛ فالأولى: مخيفة مروعة، ~~وقد مضى على انتشارها زمن بعيد، ومصلحة الصحة تقاومها بالوسائل المعروفة لديها ~~من غير طائل، فإصابتها تزداد، وأعلامها تخفق كل يوم في كل منزل من منازل ~~القطر. # والثانية: منعشة مفرحة هبطت مصر في 27 يناير المنصرم، وما كادت تطأ أرض ~~الكنانة حتى أثارت في نفوس أهلها - الفضلاء العلماء الأدباء الكرماء - ثائرة ~~الأدب الكامن في الصدور، فذهبت بما يشغل تلك النفوس الأبية من روع المرض، ~~ويقلق بالها من جور السياسة المبرقشة، وأحدثت في القلوب هزة طرب تجاوبت ~~أصداؤها في الأقطار، ورن دويها في أعماق الشرق المتألم؛ فنهض على قدميه نهضة ~~الجبار. # الفرق بين الوافدتين واضح جلي: رأيت في الأولى طبيبا مداويا، وطبيبا ~~مواسيا، وطبيبا مقاوما، ورأيت المرضى يصيحون: الشفاء الشفاء! هذا كل ما نريده ~~منكم، أيها الأطباء، ورأيت السليم ينفر من المريض، ولا يقترب منه خوفا من ~~أن تنتقل العدوى إليه، ورأيت الناس هجرت الملاهي، واعتصمت بالمنازل احتياطا من ~~التعرض لأسباب الداء المتوافر وجودها عادة في مثل تلك الأماكن. # ورأيت في الثانية، وما أجمل ما رأيت! # رأيت من الشعور الوطني المتدفق حياة ما يحيي موات النفس، وينهض بها إلى أسمى ~~الذرى. رأيت الأدب كله يسيل من قلب مصر الخافق، فينعش القلوب الصلدة، ~~فتدب فيها جميعها حياة الأدب، رأيت أدب مصر في كأس قاطرة تطوف الحواري والمدن ~~والعواصم والبلاد والأمم والشعوب، فتسقيها جميعها قطرة قطرة ولا ترتوي. # رأيت، وما أعظم ما رأيت! # رأيت العلم والفضل والكرم، صفات مصر الأزلية تذيع مجد أبي الهول الصامت، ~~وتنشر حكمته للعالمين. # رأيت، وما أعجب ما رأيت! # رأيت الشاعر يغرد بقيثارته في سماء خياله، يطاول النسر بعزيمته ووثباته، ~~فيحلق من مصر إلى أرز لبنان إلى أميركا. # ورأيت الأديب ينثر علينا من الدرر الغوالي ما يبهج النفس، ويشرح ~~الصدر. # ورأيت الخطيب يصف لنا الماضي كأنه حاضر، ويحضر أمامنا ببلاغته وسحر ~~بيانه صور العصور الخالية فنتعظ بها. # ورأيت الريحاني كالنحلة ينتقل من زهرة إلى زهرة، ومن غصن إلى غصن، ومن ~~دوحة إلى ms057 دوحة، ومن حفلة إلى أخرى. # ورأيته شاكيا ألما بمعدته، وسمعته يقول: معدتي تلفت، معدتي تلفت، ارحموا ~~معدتي، ارحموها ترحموني. فلم ألتفت إلى شكواه، ولم أعرها شأنا مع عظم اهتمامي ~~بسلامة جسمه النحيل، ووجود شروط الوقاية من دائي التلبك وسوء الهضم في ذهني، بل ~~على طرف لساني قامرت بمعدته وراحة جسمه على حساب المنفعة. # رأيت في هذه الوافدة «وافدة الأدب» غير ما رأيته في تلك. # رأيت الناس يتهافتون سراعا على حدائقها النضرة الزاهية للتمتع بطيب ~~شذاها، والاستزادة منها وقد أسكرهم رحيقها. # رأيت مصر اليوم في عرس ترحب بعودة ابنها الشرقي ترحيب الأم الرءوم ~~بعودة ابنها الضال، فصرخت من أعماق نفسي: عساك يا مصر غدا أن ترحبي وتفرحي ~~بعودة أبنائك البررة المبعدين المنتزعين عودة الفائزين، فيفرح الشرق وقتئذ ~~معك، وتهتز جوانحه، ويشتد ساعده بطربك ونصرك المبين. ورأيت الشرق بين ~~ذلك كله يستجمع قواه المتفرقة، ويلم شعثه استعدادا للوقوف بين الأمم رافع ~~الرأس، وكان أرفعها عزيز النفس، وكان أعزها مكرم الجانب، وكان أكرمها. # في هذه الحفلة البكر - وهي خاتمة الحفلات ومسك ختامها - أحذركم، سادتي، ~~إدخال طعام على طعام، وأسألكم الاقتصار على لون واحد من الطعام في حفلاتكم ~~المقبلة، وإراحة جسمكم وفكركم بعد كل طعام. # أحيي مصر العزيزة فيكم، أيها السادة، تحية يستخرجها القلب من أعماق ~~الزمان. # أحيي أبناءها الكرام، طبيبها ومحاميها وعالمها وأديبها وجميع أبنائها الكرام ~~البعيدين منهم والقريبين، تحية شاعر بفضلها، معجب بنهضتها، مؤيد لمطالبها ~~الحقة، مفتخر ببطولة زعيمها الأكبر، محب لها محبة ثابتة كالدهر لا ~~تتغير. ~~(8-8) خطبة أمين أفندي الريحاني «مصر» # 1 # مصر هي أكبر الشرقيات الباسمات للدهر، وهي أحدث الشرقيات الناهضات. # هي أول من هزت الشمس سريرهن، وأول من قبلهن الليل على ضفاف ~~النيل. # هي أول من لعب في ذرى الصناعة والفنون، وأول من رقص والقمر تحت ~~النخيل. # هي أول من بنى كنا للعلم وبيتا للحضارة، وأول من شيد للحياة هيكلا ~~وللموت قصورا. # هي أول من نطق في قلب العالم كلمة العبادة والابتهال. # هي أول من أضرم في ليل ms058 الحياة نار الإيمان. # هي أول من نحت تمثالا جميلا، ورسم ذكرا وأملا للإنسان. # هي أول من كون من شتات الغيب عالما حقائقه أغرب من خرافاته. # هي أول من نصب للحق الأنصاب، وأحرق البخور للخرافات. # هي أول من شيد للخيال معالم تباهي معالم الحق جلالا وخلودا. # هي أول من حمل ميزان القسط، وأول من استرق العباد. # لها الصولجان المرصع ماسا، ولها الصوت الملطخ دما. # هي أول من قال للموت : لا، وأول من قال للحياة: نعم. # لها في الموت حياة، ولها في الحياة المآثر الخالدات. # هي مصر! # آية الزمان، ابنة فرعون. # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 2 # هي في هيكل الحب آلهة تسجد لها آلهة الأمم. # هي في هيكل الجمال ربة لا تخضع لآلهة الزمان. # ورد خديها من وادي الصفاء، وزنبق جبينها من جبال البر، وذهب شعرها من معدن ~~الفجر، وقرمز فمها من بساتين الخلود. # هي في السراديب مشكاة فيها مصباح يضيء، وهي في الفضاء نار على ~~علم. # 3 # هي ابنة رموز أسرارها في فم العاصفة وفي قلب النسيم. # لها صوت يهيج حتى النخيل إلى الخيال، ويبعث حتى في الرمال ~~شوقا إلى النيل. # هي ربة العشق، وربة الموت، وربة الخلود. # هي مصر! # آية الزمان، ابنة فرعون. # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 4 # هي في قلب العالم سيد الإيوان الجديد، إيوان البر والحق، إيوان الحرية ~~والحجى، لسانها عربي، وقلبها شرقي، وعقلها غربي. # لها في ظل الهرم أثر خالد، ولها في ظل تمثال الحرية زاوية للحكمة ~~والعدل. # هي التي شاركت إيزيس هيكلها، ورعمسيس عرشه. # وهي التي تتغنى اليوم بأنغام النور الذي كلل هذا الصباح رأس أبي ~~الهول. # لها صوت سمعته قبل الهرم الصحراء، ونسمعه اليوم نحن الواقفون في ظلال ~~الأجيال التي شاهدها هذا الهرم. # من ضفاف النيل، إلى ضفاف بردى، إلى شاطئ الفرات، إلى وادي الكنج، صوت مصر ~~يتماوج كالنسيم، ويزمجر كالرعد، ويخترق ظلمات الجمود كالنور. # إن كلمة مصر لكلمة العرب، وإن كلمة العرب اليوم لغيرها بالأمس، ولغيرها ~~غدا، ولكنها أبدا كلمة مصر، مصر الخالدة، مصر ms059 الفراعنة، ومصر المماليك، ومصر ~~«الزغاليل». # كلمة علم تنطق بها مصر تنير مصابيح الهدى في الأمم العربية الدانية ~~والقاصية. # كلمة عطف تفوه بها مصر تنعش قلوبا خدرها ريب الزمان. # كلمة حق في وادي النيل يردد صداها في الشام وفي بغداد، بل يتراجع ~~صوتها بين طنجة وسمرقند، في كل بلد عربي القلب واللسان. # آية الزمان، ابنة فرعون. # معجزة الدهر، فتاة النيل. # 5 # حيتني بغصن من النخيل، وبزهرة من السوسن. # أسمعتني نشيدا سمعه قبلي كاهن إيزيس، وأديب الرومان، وشاعر العرب، همست كلمة ~~في أذني ملأت فؤادي من فيضها القدسي، فيض الذوق والشوق والهيام. فتحت لي باب ~~خدرها؛ فبهرت نورا، فسكرت حبورا. # ذكرت يوما كان فيه ابن مصر عبد الملوك، وهو اليوم سيد تنصت له ~~السلاطين. # ضحكت مصر في ليالي الغم، وبكت في فجر الابتهاج. # وضحكت لضحكها، وذرفت لدمعها الدموع. # ضحكنا سخرية، وبكينا سرورا. # جالستني مصر، يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل كان فيمن شيدوا الأهرام ~~رجل واحد حر؟ # بسمت لي مصر، يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل في مصر اليوم رجل واحد ~~يطيق العبودية؟ تبارك أبناؤك يا مصر، وتباركت بناتك الناهضات. # إن فيك ينور سر التجديد والخلود. # إن سحرك يا مصر ليبعث الحياة في سكان أهرامك. # إن فضلك يا مصر لينطق حتى أبا الهول. # إن روحك يا مصر لكالندى في الأكمام، بل كأشعة الشمس تكلل ~~الندى. # إن جمالك يا مصر لكالخمر في كأس من النور، بل كالنور يسير على وجه ~~النيل. # آية الزمان، ابنة فرعون. # معجزة الدهر، فتاة النيل. ~~••• # وهناك حفلات خصوصية كثيرة لم يطلع عليها الجمهور، ولم يسعدنا الحظ ~~بمشاهدتها وسماع ما دار فيها، والرأي الراجح أنها كانت قاصرة على التعارف ~~والتعريف، وكان حظ الطعام فيها أكثر من حظ الكلام - كما يقولون. على ~~أنها كانت في بيوت السراة ووجهاء القوم، نخص بالذكر منها حفلة السيد عبد ~~الحميد البكري، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق، ~~وأميل أفندي زيدان، ونجيب بك صروف، والدكتور شخاشيري، والحفلة الراقصة في نادي ~~الاتحاد السوري. # هذا ms060 وقد اهتم جمهور الأدباء والوجهاء من السوريين والمصريين في طنطا ~~والمنصورة والإسكندرية في أداء واجب الضيافة للأستاذ الريحاني، وإقامة حفلات ~~التكريم، فاعتذر عن تلبية طلبهم بضيق وقته، وصحة عزمه على إتمام رحلته ~~العلمية في بلاد الحجاز واليمن، وباقي بلاد العرب؛ لدرس أحوال تلك البلاد ~~وعاداتها؛ فيدون نتائج رحلته هذه وخلاصة أبحاثه في كتاب خاص ينشره ~~باللغة الإنجليزية، ليطلع الأجانب على حالة بلاد العرب النفسية، وعاداتها ~~القومية، فشخص في صبيحة يوم الاثنين 20 فبراير سنة 1922 من القاهرة، ~~ميمما السويس، حيث يبحر منها إلى جدة، فكان في وداعه على إفريز محطة ~~القاهرة عدد كبير من الوجهاء والأدباء وعلية القوم من السوريين ~~والمصريين. # وبعد أن وصل مدينة السويس أرسل كلمته هذه يودع بها مصر، ويذكر ما لقي ~~فيها من الحفاوة وأنواع الإكرام. # في فجر السفر # وكنت كمن لم يزل في حلم جميل، وكان هواء الليل لم يزل باردا، وقد خالطه ~~شيء من فيض الأزبكية العطري، وكان الفجر مستوحدا في البلد، فلا حركة ولا صوت ~~لبشر أو جن، إلا أن السكون المتشح من الليل أرق الجلاليب وأجملها، حمل ~~إلي صوتا واحدا خلته بادئ بدء من أصوات الفضل والمكارم، التي اعتدتها ~~في مصر في عشرين يوما مضت، وجمال ذكرها لن يمر. # سمعت الصوت أولا، ثم رأيت أمامي فجأة شيخا جليلا في جبة سوداء ~~وعمة بيضاء، يتوكأ على عصاه، ويسلم سلاما لا تكلف فيه ولا ~~غرابة، ثم قال: «إني عالم بما في نفسك، ومدرك ما يضيق منك دونه. أنت ~~الآن ثمل ولا يرجى من الثمل البيان شكرا ومنة ولا ينتظر، ولكن ~~فضلك الأكبر - ولا نبخسك في الإخلاص حقك - أنك هاجرت بلادك ولم تهجر ~~قومك، وكنت في بيئة لا ذكر فيها لغير الحاضر تذكر أبدا ماضيا مجيدا، ~~ماضي الأمم العربية؛ فتقتبس منه نورا تضيء به شيئا من ظلمات الشرق ~~الحاضرة. # سمعنا صوتك يا ريحاني، وشممنا في مشاعلك رائحة زيت طيبة، ولكننا سمعنا أيضا ~~صوت الأمة المصرية اليوم، وتضوع في أرجائنا من مكارمها نفحات زكيات طيبات. ~~حياك ms061 المصريون ورحبوا بك وأثنوا عليك، بل صاغوا لك من معدن القلوب شعرا ~~جميلا، وأنت ما عندك مما يصاغ شكرا ومنة. # كشفنا الحجاب وبحثنا في زوايا النفس، فوجدنا فيها آثار شعور بليغة تكاد من ~~شدة الفرح، وعجز الإفصاح والبيان تتحول كلوما، وتسيل دما، والعجز في ~~واحات الحبور أشد المآسي. # رثينا لك يا ريحاني، وشفقنا عليك، وقلنا: إن بعض ما أنت فيه إنما هو منا، ~~بل نحن المسئولون، وعلينا حق النجدة. # إن المصريين يا ريحاني لأكثر الناس فضلا، وأكبر الناس خلقا، ~~وأجزل الناس كرما، وألطف الناس ذوقا، وأرحب الناس صدرا، وأصفى ~~الناس حبا وودادا. هذا كله تعرفه أنت ويعرفه الناس، ولكنك لا تعلم أن ~~في مصر اليوم ثلاثة جاءوا يحيون المصريين، بل جاءوا يقرئون مصر سلام من ~~لا تهزهم من الفضائل كلها اليوم إلا واحدة؛ الوحدة القومية. وقد شاهدناها في ~~أجمل المظاهر في مصر، شاهدناها في مظهر نود مثيله في كل بلاد ~~عربية. # لذلك جئنا نحيي عنك مصر، نحن الثلاثة أصحابك وأصحابها، فنحن وإن ~~تنوعت المسافات والهيوليات بيننا مقيمون في نور الوحدة والتوحيد، ذلك النور ~~القدسي الذي يشع حقا وعلما، وشعرا وحرية، وفنا وسلاما. ونحن اليوم ~~مقيمون في مصر، نحن الثلاثة، وأنا أصغرهم وأحقرهم، أغتفر لك جهلك، أنا ~~المعري أبو العلاء، ورفيقاي اللذان لا تراهما: أمريكا ربة الحرية، ولبنان رب ~~العبقرية؛ فسر في سبيلك طالبا العلم، ناشدا مجد الأجداد، راغبا بتجديد ~~حياة العرب والعربية، وكن هادئ البال، مطمئن الفؤاد؛ فقد أولتك مصر ~~فضلا جزيلا جميلا، ونحن نسديها عنك شكرا جزيلا جميلا، وإن وجودنا ~~فيها ليشفع بعجز فيك.» # الآن وقد أنهينا الكلام على حفلات التكريم، وحضر معنا القارئ من أول حفلة ~~أقيمت إلى آخر حفلة ختمت بها مجالس الحفاوة والإكرام. # وقد شهد قارئنا مشاهد الأدب، وسمع نغمات الأشعار، وما زال يصحبنا حتى جمعتنا ~~محطة القاهرة في وداع فيلسوفنا العظيم، وهكذا أخذ مطالعنا الكريم يتنسم ريح ~~أخبار الشاخص العزيز حتى وافتنا كلمة شكره لمصر والمصريين. # وكأننا بالقارئ وقد تاقت نفسه لرؤية المناظر المختلفة، والمشاهد ms062 الجميلة، ~~وإنا آخذون بيده حتى نصل به إلى طلبته، فنمر به برحلتنا على «مدينة ~~بيروت» آخذين معه بالتجوال بين ربوعها، والتمتع بحسن مناظرها، وبديع ~~روائها، ثم نعرج بقارئنا اللبيب على «وادي الفريكة» مسقط رأس فيلسوفنا ~~الكبير. # وهناك نشاهد معا ما أودعت يد الطبيعة من أودية غناء، وأشجار لفاء، ~~وجبال تناطح السماء، ولا نزال على قدم التجوال والحل والترحال، حتى ~~يتم تطوافنا لربوع لبنان، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى يجذبنا تيار ~~السياحة، فتقذف بنا أمواجه إلى ساحل مدينة «نيويورك»، فنجتمع بنبغاء ~~السوريين وعلماء العالم الجديد - الذين علا صيت فيلسوفنا بينهم، ورفع ~~علم شهرته على نواديهم - فنجول هناك جولة هائم ببديع المناظر، ونصعد نحن ~~وإياه إلى أعلى بناء هناك، فنشرف على الأسواق والسكنات، ونتأمل هناك بحر ~~العمران الزاخر والعالم المتكاثر، ثم نسرع إلى «جسر بروكلن»، فنشاهد ما ~~صنعت يد العلم الحديث، وما أوجدت قرائح الرجال، ولا يدور بخلدنا أن نغادر ~~هذه المدينة إلا بعد أن نشاهد محاكمة الثعلب على خروجه من دينه، وإنكاره كتاب ~~شريعته، ورميه إياه بالتحريف والتبديل أمام المجلس الأعلى في عاصمة ~~«المملكة الحيوانية»، ونشهد والقارئ تنفيذ الإعدام في هذا المقدام. # هذا وقد أخذنا حظنا من هذه المدينة وطال الاغتراب، فحسبنا أن نرجع بزميلنا ~~تلقاء ديارنا، على شريطة أن تكون أوبتنا على طريق من آثارنا؛ فنمر «بسهل ~~الأندلس» الفيحاء، فنسمعه هناك شعر النابغين من العرب العرباء، ونذرف دمعة ~~أمام مجد الآباء الضائع، وتراث الأجداد الفقيد. ولعل أحسن تأسية لنا ~~ولزميلنا أن نتعظ بذلك الدرس الحكيم، الذي هو «كبذور الزارعين»، ونعرف ~~أن من زرع وردا جنى منه وليد بذره، ومن بذر حنظلا لا يجني منه آسا ~~وياسمين. # ومن هنا يحسن بنا أن نعود بزميلنا إلى مدينة الإسكندرية «نيويورك البلاد ~~المصرية» بعزم ثابت، ملاحظين أن المسافر هدف المشقة، وانتياب الجوع، ولكن ~~الرجل لا يضيره جوع ساعات أو تحمل المشقات في سبيل أوبته إلى وطنه، فعساه ~~بعد ذلك يعرف قدر نعمة السعة فيحن للبائس المسكين، ويرحم الجائع والفقير، ~~ولعل زميلنا بوصوله ms063 ثغر الإسكندرية، واستنشاق هواء بلاده قد نسي مشقة ~~التعب، وارتاح من وعثاء السفر وألم الجوع، غير أننا لا ندعه حتى نقص عليه ~~قصص «هباسيا» المصرية، ابنة الفيلسوف ليون، فيعلم أن ما رأى من حضارة، وما ~~شاهد من عمران في رحلته هذه، زاهد يسير بنسبته إلى ماضي مدنيته المصرية، ثم ~~ننشده بعد ذلك - ونحن في طريق أوبتنا إلى القاهرة - شيئا من الشعر ~~المنثور، أو الشعر الحر. وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند ~~الأميركيين . # فمن شاء من القراء مشاطرة زميلنا ما رأى وما سمع في رحلته هذه؛ فليطرق ~~باب المختارات. # | باب المختارات # المختارات النثرية ~~(1) وصف بيروت # أيها البيروتيون: # أقمت في هذه البلاد - بلادنا - ست سنوات، ولم أستطع قبل الآن أن أقول في بيروت ~~كلمة حق يرضاها قلب شغف بحب بلاده، ولا ينكرها عقل شغف بحب الحقيقة. نظرت ~~إلى هذه المدينة بعين رأت مدن أوروبا وأميركا، فاستصغرتها وندبت حظها، ثم نظرت ~~إليها بعين شاهدت غيرها من مدن سوريا، فأحببتها وأكبرت شأنها. وأنا الآن ناظر إليها ~~بالعينين فأصفها وأنصفها. # بيروت أم البلاد السورية وأمة البلاد السورية، أميرة المدن الآسيوية، وأجيرة المدن ~~الآسيوية، بيروت حسنة من حسنات التمدن، وآفة من آفاته. # بيروت لؤلؤة شرقية في صيغة من النحاس غربية. هي خلخال في رجل سلطانة المشرق عند ~~الصباح، وأسوار في معصم ربة المغرب عند الغروب. هي ذرة في أوحال تئن فوقها ~~الكهرباء، هي مرجانة على ساحل اختلط تبره برماله، ولجينه بأوحاله. # ساحل النغولة مهد أم المدن السورية وعرشها. # فم الأتون بيروت، وأفق النور بيروت، ومطلع الظلمة بيروت، عروس الحرية هي وعجوز ~~الحرية. يوما تتهادى تحت علم الوطن عفة وكبرا، ويوما تتوكأ على عصاها ~~كيدا ومكرا، يوما تلبس الرعاة العتاة إكليلا من الأزهار، تصعر يوما خدها ~~للظالم، وأمام سدته تعفر يوما وجهها. # بيروت منبر الدستور ومشنقته، بيروت حسناء النظام، وبيروت صخابة الفوضى. # مدينة المدن السورية بيروت، منبت الياسمين والقلام، مغرس الورد والشوكران، القراص ~~فيها يرفع رأسه عزة تحت أزاهر الليمون، والعليق يسرح ويمرح في ظلال ms064 النخيل. مدينة ~~الدماء، مدينة المدن، مدينة الخلسة والرجاسة، أخت أورشليم، روحها تئن في الأزقة، ~~نفسها تحشرج في المجاري، قلبها يغرد في البساتين، عينها تدمع في دوائر الحكومة، ~~جسمها يذوب في الموبقات، وعقلها يدق على سندان التفريق في المدارس. # بيروت إحدى وصيفات باريس، هي قمر ينعكس فيه نور المغرب فيضيء المشرق، وتنعكس فيه ~~أيضا ظلمة الغرب، فتزيد الشرق ظلاما. بيروت منبت العلوم، ومغرس الخرافات، هي حقل ~~خصب التربة تزرع فيه أوروبا قمحها وزوانها ووردها وقلامها ، ومع ذلك نراها سائرة إلى ~~الأمام ساهرة صابرة. إذا أقبلت سوريا بيروت أمامها، وإن أدبرت بيروت وراءها. إذا كانت ~~اليوم كآذار من السنة تتراوح في رعدها وبرقها بين الظلمة والنور، غدا تصير كآيار، بل ~~كتموز، كآيار بأزهارها، كتموز بثمارها. إذا كانت اليوم أسيرة شياطين التفريق، غدا ~~تصبح ربة الألفة والإخاء، إذا كانت اليوم عرش التعصب الديني؛ فهي غدا قبره. # مدينة المدن السورية بيروت، وإثمها مثل مجدها؛ كلاهما عظيم، إذا بكت هاج بكاؤها بكاء ~~الأمة، إذا غردت رددت أنغامها بلابل حلب، وشحارير الشام، وحساسين لبنان، وحمام ~~الجليل. # إذا وردت بحيرة الإصلاح «ورد الفرات زئيرها والنيلا»، وإذا أفسدت أفسدت بناتها في ~~السواحل، وعلى شواطئ العاصي والأولى والأردن وبردى. # كلمة باطل تنطق بها بيروت تمسي حجة في دمشق، كلمة حق تصدع بها بيروت تروي ~~غليل القرى الظمآنة، وتبعث في مدن السواحل والسهول روح الجهاد. # أم المدن السورية هي، وعجوز المدن السورية، تعلم بناتها الفضيلة ~~يوما، ويوما تعلمهن الرذيلة، تحمل إليهن نورا، وتحمل إليهن سما، ~~إثمها مثل مجدها؛ كلاهما عظيم، وأعظم من الاثنين واجب فرضه الله على الأمهات: ~~أحسني القدوة يا بيروت يحسن بناتك الاقتداء ... في المروج والجبال، وفي السواحل ~~والسهول، بناتك يستقين من ينابيع علمك وأدبك، من مدارسك، من صحافتك، من منابرك، ~~من مطابعك، فصفي مياها تسقينها بناتك، اخفري السبل، صوني المناهل، تعهدي ~~المسارب، اقطعي يد كل أثيم يشتغل اليوم في تعكيرها أو تخريبها أو تسميمها، اقطعي ~~الأيادي التي تحمل إليها سرا فضول الأديان، وأوحال التعصب، وأوساخ سخافات الأدب ms065 ~~والسياسة، طهري ينابيعك، ارحمي بنيك وبناتك. # أشهد ألا نور ولا دخان ولا وحول في سوريا اليوم غير ما كان مصدره بيروت، وأشهد ~~أن بيروت وجه سوريا، وأن «الهوتنتوتي» في هذا الزمان يغسل وجهه ... بيروت قلب سوريا، ~~والعلم يقضي بأن يكون النقل كالقلب والجسم نظيفا نقيا، ولكن المدينة التي تدعى ~~درة في تاج آل عثمان هي درة في أوحال وغبار، تئن فوقها وتحتها الكهرباء، وتبص ~~حولها حباحب الأدباء. # أوحال وأقذار وغبار في أسواق المدينة، وفي آدابها، وفي سياستها، وفي أديانها، ~~ودرة العلم، ودرة الدين، ودرة تاج آل عثمان في هذه الأوحال والأقذار ~~غائصات ضائعات، وماذا يزيل الأوحال والأقذار والغبار؟ لا الصحافة، ولا قرض البلدية، ولا ~~قصائد الشعراء، ولا كلماتي تزيلها. هذه الأقذار من فضول الأعصر والأجيال، ولا يزيلها ~~أبدا سرمدا غير التربية الحقة، والتهذيب الصحيح. تربية أساسها الشجاعة والحمية ~~والصدق والنظافة، وتهذيب أساسه النزاهة والأمانة والإقدام، وحب العدل والوطن، متى ~~تأصلت هذه الفضائل في الرعاة، وفي الرعية، وفي السائدين والمسودين، تصطلح جادات ~~المدينة، وتستقيم جادات الأدب والدين والسياسة، أصلحوا الحياة تصلحوا الحكومة، ~~أصلحوا الحياة تصلحوا المدينة. ~~(2) وادي الفريكة أو العود إلى الطبيعة # وادي الفريكة مهيب أكثر منه جميل، هو عميق ملتو ينحدر من قرية صغيرة ليغسل ~~رجليه في نهر الكلب، هو صغير ولكنه كثير الزوايا والأسرار، يجمع بين الدلب الذي لا ~~يعيش إلا بالقرب من الماء، والصنوبر الذي يكتفي بمشاهدة البحر من أعالي الجبال، وفي ~~الشتاء تنثر الطبيعة تحت قدميه أزاهر الدفلى، وتكلل رأسه في الربيع وفي الصيف ~~بأزاهير اللزان، ومع هذا الجلال والدلال تراه حاملا على منكبيه كثيرا من الأطواد التي ~~تخضع صاغرة تحت قدمي صنين. # نعم، إن ملتقى الجبال على منكبي وادي الفريكة، هنالك تعانق جبال القاطع جبال ~~كسروان، ومن أعطافها تتدفق في الشتاء المياه التي تجري في نهر الكلب، هنالك ~~تمتد الأعناق، وتنحني الرءوس، وتضغط الخدود بعضها على بعض، وفي الصباح قبل أن يغيب ~~القمر وتشرق الشمس، تتلألأ فوقها آلهة الحب لتباركها إلى الأبد، تشرق الزهرة ~~من وراء ms066 جبل صنين، وترسل أشعتها الباهرة فوق الجبال التي يعانق بعضها بعضا ~~عناقا أبديا على منكبي وادي الفريكة. # في هذه الوادي من القصور الشامخة، والمنحدرات المخوفة، والوهاد العميقة، والكهوف ~~المظلمة، ما لا يرغب الناس في الانحدار إليه، فهو يقول للفلاح: تعال وفأسك ~~ومنجلك، ويقول لمحب الطبيعة: تعال بأفكارك وتصوراتك، كما تقول الرياض لمحب السرور: ~~تعال بالعود والدن. # في صباح يوم من الأيام التي تقف حائرة بين الخريف والشتاء لبيت دعوة الوادي، ~~خرجت من بيتي بمعطف مشمع، وأخذت أقفز عن الربى، وأدب من تحت الصخور حتى وصلت ~~إلى قلب الغاب. نزلت لأتفقد الوادي بعد أن اغتسل بسحابة الخريف الأولى، هبطت على ~~عادتي لا ترويحا للنفس - كما يقال - بل طالبا الإلهام، ناشدا الفائدة. # نعم، أنا أقصد الوادي كما يقصده الفلاح، ولكن فأسي ومنجلي يختلفان نوعا عن فأسه ~~ومنجله، وأحمالنا ونحن عائدان تختلف كثيرا بعضها عن بعض، على أن حطب الغاب يفيد ~~في هذه الأيام أكثر من حطب الخيال، والفلاح هو الفيلسوف الحقيقي، ولكن ذلك قلما ~~يهمني. # قد انحدرت إلى الوادي ووقفت على صخر يشرف على النهر، وتأملت فعل العواصف ~~والأنواء الليلة البارحة، تلك الليلة التي دخل إله الشتاء بعروسه الطبيعة، كيف لا ~~ومياه النهر والسواقي حمراء كالدم، وقفت هنالك مبتهجا، فأحسست بأن روحي انفصلت ~~عن جسمي وطارت فوق الأشجار البليلة، وفوق الصخور الشهباء في الصيف السوداء بعد ~~الأمطار، طارت وطار معها ما تراكم على رأسي وقلبي من الأفكار والخيالات والأماني، طارت ~~مسرعة صامتة كما يطير السنونو والحسون في هذا الفصل. # شعرت بأن روح الوادي تجسدت في، وروحي تجسدت في الوادي؛ فأنا إذن والوادي ~~سواء، في نفسي ما فيه من الظلال والخيالات والكهوف، في نفسي ما فيه من الصخور ~~الشامخة، والمنحدرات الهائلة، والسواقي الفائضة، والأنهر الجارية، في نفسي ما فيه من ~~العصافير والجنادب والنسور، ومن الهوام والذئاب أيضا، أيها القارئ البعيد ~~القريب. # صعدت قليلا وجلست تحت خرنوبة غضة، وتنفست متنشقا هواء الإحراج المنعش، ~~فكاد يكون لنفسي صدى في حفيف الأوراق، في ظل هذه السكينة ms067 يكاد المرء يسمع ~~خفقان قلبه، وعند توغلي في الصخر سمعت صوت رفرفة العصافير، فالتفت إلى جهة ~~الصوت، وإذا بسرب كبير من السنونو فر من أمامي، ففكرت في نفسي قائلا: لو كان ~~للطير أن يقرأ الأفكار لما كان هذا السرب يفر الآن من وجهي، بل كان يجيئني ~~مغردا، فأقبله ويقبلني، ويسير بعدئذ كل منا في سبيله، ولكن إخواني ~~البشر لم يعودوا الطير مثل هذا، والسنونو لم يقرأ شيئا حتى اليوم مما أكتبه. ~~إلى الآن لا يعرفني، وهل يلام على ذلك والإنسان نفسه لم يزل يعجز عن فهم ما انطوى ~~عليه الإنسان؟! # السكينة بعد العواصف. أتأملتها في زمانك؟ هي عندي نوع من الراحة الأبدية، ~~السكينة في الوادي تكاد تكون في هذا الفصل غير عالمية، فما أنعشها للنفس! وما أجمل ~~وقعها على الأذن والقلب! ولو جاز أن تقول إن للسكينة ألحانا وأنغاما، لقلت ~~إنها أشجى في مسمعي، وأبدع من ألحان أمهر الموسيقيين، وما معنى الألحان التي لا ~~تسبقها وتتلوها السكينة؟ إنها عندي كلا شيء، بل هي ضجيج مزعج ممل. وأما ~~العبير المنتشر في الغابات بعد الأمطار - وخصوصا بعد السحابة الأولى من فصل الشتاء - ~~فيحير الكيماوي والنباتي والعطار، فما أشذاه وأطيبه! وما أبعده وأغربه! أيفاخرني ~~الخليع بروائح الحشيش والأفيون وحبوب المسك والعنبر وغيرها من «نسخات» المصريين؟ ~~فوالله إن روائح الغاب والوادي بعد الأمطار لأطيب منها شذى، وأبعد منها غرابة، وأشد ~~منها فعلا في النفس. # مر علي ساعة من الزمن وأنا أتنشق هذه الروائح، وأفكر في الحشاشين ~~والروحيين والبوذيين، في أولئك الذين يسكرهم الإيمان أو الأفيون، فيرتفعون بأحلامهم ~~إلى ما وراء الطبيعة، أو ينحدرون إلى ما تحتها، فنهضت وقد تخدرت أعصابي من أرج ~~الأشجار الندية، وأفيون الأرض الندية، ونظرت بعين البصيرة إلى الأفق من خلال ~~الأغصان، فتنسمت من الغيوم المتراكمة فيه خيرا، وقلت في نفسي: إلى البيت يا ولد، ~~إلى البيت. فها قد اختبأت في أعشاشها الطيور، وعادت إلى أوكارها الحشرات ~~والهوام، وعدت نحو حظائرها الماشية. ها قد انهزمت السكينة أمام الرياح، وهبت ~~الأوراق الصفراء ms068 البالية من الأدواح لتختبئ في الغياض والأدغال. وأنت، فما الذي يبقيك ~~هنا؟ عد إلى عشك قبل أن تحاصرك الرياح، عد إلى عشك قبل أن تسل عليك ~~صوارمها الغيوم وتطلق مدافعها، قبل أن ترسل عليك السحب شآبيبها. فقبلت نصيحة نفسي، ~~ونظرت حولي باحثا، فرأيت بالقرب من شجرة صنوبر كبيرة صخرا قد نقرت فيه الديم ~~والأعاصير مغارة صغيرة، فتقدمت نحوها ودججت تحت الصخر إليها دجا، وتأملت بعد ذلك ~~حكمة الطبيعة، ورحمة العواصف والرياح. لا أيها القارئ ، إن الطبيعة لا تظلم بنيها ~~مهما اشتد غضبها، ومهما تعامت في مناحيها الهائلة المخوفة، وأما أولئك الذين ~~يخافون الأمطار ويخشون الأعاصير فيتفرجون عليها من وراء الزجاج، فذرهم في ~~نعيمهم يمرحون، أولئك فقراء الروح لا يدركون الغرض الجوهري من الحياة الدنيوية، ~~ولا يعرفون ما غرب وخفي فيها من اللذات الروحية والجسدية. كم من مرة سمعت صوت النفس ~~يناجيني قائلا: امش تحت المطر الهاطل، وعرض خديك لسهام الغيوم، بل لقبلاتها، فهي ~~تسيل شوقا إليك، وإذا وجدت نفسك في الغاب أو في الوادي في مثل هذه الآونة، فلا تخف ~~على جلدك من الذوبان، ولا تهرول إلى البيت كالجبان، بل قل لنفسك: مكانك تحمدي أو ~~تستريحي. افرح بكل مظهر من مظاهر الطبيعة، واستفد إن كان عندك ذروة من العلم، عليك ~~بشجرة وارفة الظلال، فاشغل فكرك أو قلبك بشيء تراه حولك ولا تكن من الخاسرين. ~~هذه الفرص ثمينة يا صاح، وهي أندر من الغراب الأعصم، ولعلك لا توفق أيضا ~~للاقتراب من الطبيعة في شدة غضبها في ساعة تهيجها واضطرابها، فاقترب منها الآن، ~~تعلم منها الثبات والإخلاص، واستمد منها القوة والجلال. # إذا كنت في سفينة تتقاذفها الرياح من كل جانب، وأوشكت تبتلعها الأمواج، ~~أتضيع وقتك بالعويل والنحيب صارفا النظر عما يتمثل حواليك من جمال الطبيعة ~~وهولها وجلالها؟ لا أقول لك: لا تصل إلى الله لينجيك من الغرق في مثل تلك ~~الساعة، ولكنني أقول: اشكره تعالى أولا وآخرا على أنه جعلك ممن شاهدوا هذا ~~المشهد العظيم، ووقفوا هذا الموقف الرهيب. ألا تظن مشاهدة ms069 البحر ساعة هيجانه تساوي ~~شيئا، وخصوصا إذا كنت في مركب واقع في شبك أمواجه الزابدة؟ هل لنا أن نختبر ~~مثل هذه الاختبارات النادرة كل يوم؟ ولنفرض أني مت في الوادي تحت الغيث الهاطل، ~~أو سكنت قعر البحر تحت الموج المتراكم، أينقص من نفسي الأزلية شيء؟ فعلام الخوف والجبن؟ ~~أيخشى الإنسان ربه؟ أيحاذر ابن الطبيعة أمه؟ أتوجس النفس الأزلية خيفة من شيء ~~زائل؟ # قد شذبت نصائح القوم، ووضعت ما بقي منها في جيبي، وسرت مع نفسي سيرا بطيئا ~~بعيدا عن طرق الوادي الضيقة، بعيدا عن تلك الخطوط الصفراء التي يراها ~~التائه عن بعد، فيقصدها ويلازمها مطمئنا، سرت بين شرايين الوادي وعروقه ~~طالبا في القلب مركزا جميلا تزينه ثلاث من أدواح الصنوبر الشامخة، وقد تساوت كلها ~~حجما وقدا وجمالا، رأيتها واقفة هنالك شبه عرائس خرجن من خدورهن ليدعونني إليهن. ~~وهل تظنني خاطرت بنفسي إذ لبيت الدعوة؟ لا وحياتك أيها القارئ، فقد خاطرت بشيء ~~من اللحم والدم والعظام التي تقيد النفس، أوليس من المحمدة أن يطلق المرء ~~للنفس زمامها مهما كلفه ذلك؟ أوجه هذا السؤال إلى الشعراء لا إلى ~~اللاهوتيين. أنا لا أذكر سوى اللذات الروحية حينما أكون بالقرب من الطبيعة، ومتى عدت ~~إلى المدينة، فهنالك لذات جسدية تنتظرني، هنالك سرور ينسيني النفس كما ينسيني ~~سروري الآن سرور الجسد. # وأما الكوارث والحوادث التي يخافها الناس، ويبالغون في التهويل بها، فمتى جاءت تراني ~~متأهبا، تراني دائما مستعدا إلى السفر. # الطريق التي اتخذتها إلى الصنوبر في الوادي هي الطريق إلى الحقيقة في العالم، وعلى ~~من يحب الاقتراب من الصنوبر، وتتوق نفسه إلى فيء أشجاره وأرضه المفروشة بإبره ~~اليابسة، أن يخاطر بكثير من الرفاهية التي ألفها، عليه أن يخاطر في الأحايين ~~بحياته، أي بلحمه ودمه، عليه أن يمشي بين العوسج والأدغال، وعلى الشوك والبلان والشيح، ~~بين الحجارة والرتم والقيصوم، وفوق الصخور المغطاة بالطحلب النامي في ثقوبها ~~الغار والخنشار، عليه أن يدج دجيجا من تحتها تارة، ويقبل شوك القرقفان الذي ~~يعترضه، ويشم رائحة الطيون الذي تلتصق أوراقه ms070 بثيابه، وقد يقع تارة من صخر أملس، ~~ويزلق طورا على الأرض المفروشة بورق الأشجار البالي، وبينما هو سائر يسمع الحقيقة ~~تخاطبه قائلة: أنا الصنوبر أيها الشاب الطلق المحيا، الرائع الوجه، الرقيق ~~العواطف، الراسخ في علم السلوك، المواظب على سنن الأدب والمسامرة، فإن كنت تريد ~~الاقتراب مني، إن كنت تريد الجلوس تحت جوانحي الخضراء المبللة بندى الحب؛ فعليك أن ~~تترك وراءك نعومة المجالس، وجمال الترف، ورفاهة العيش وبذخه، عليك أن تدوس شوك الخرافة، ~~وتمشي بين عوسج التقليد، وتقطع أودية الأوهام، وتعبر سواقي الحب الكاذب، وتتوغل ~~في الصخور الشامخة، وتسقط تارة في عليق الرؤساء، وطورا في أدغال الحكام وأحافير ~~الشرائع. # وإذا سلمت بعد كل فصعد في الصخور المعتزة بذاتها، المتفردة بعظمتها، ~~القائمة على شفر الهاوية، من غير أن تشعر بشيء من الخوف والرهبة، أو أن يخامرك ~~بشيء من الريب بنفسك. ومتى وصلت إلي تقيم في ظلي سعيدا، قريبا من الحياة ~~بعيدا عنها في آن واحد، وتصبح مثل قمة جبل الشيخ لا ملك فيك لأحد من الناس، ~~ولا لإحدى الطوائف والأحزاب، تصبح إذ ذاك ملكا مشاعا للجميع. تبارك من عاش في ~~ظل الحقيقة، تبارك من ملك نفسه. # حاصرني المطر في كهفي الصغير ساعة من الزمن، فأخذت أتأمل أثناء ذلك ما كان داخله ~~من آثار المخلوقات التي سكنته قبلي، فرأيت أن الحية كانت تدخله لتغير فيه ~~ثوبها، والثعلب ليأكل فرخته، والضبع ليفترش فيه مائدته. كيف لا وهذا ثوب الحية ~~البالي، وهنا بعض ريش الدجاجة المسكينة، وهناك عظم من عظام الثعلب، وفي السقف ~~والزوايا أنسجة العنكبوت، وفيها عشيرة من البعوض؟ وإني أؤكد أن هذه البعوضة ~~الراقدة الآن في هذه الخيام النحيفة آمن على نفسها من قيصر الروس في قصره! ولقد ~~يستطيع حزاز الصخور أن يفيدني شيئا من هذا الباب لو شاء ربك، لقد يستطيع الخنشار ~~النامي على باب المغارة الباسط جناحه المزركش فوق هذه الأوراق البالية أن يقص علي ~~قصة غريبة عجيبة، فكم من حادث حدث في جوف هذا الكهف لو كان لجدرانه أن تنطق ms071 ~~وتتكلم. # آها على رفيق يشاطرني الآن هذا المأوى الصغير المعتم البارد، الجميل في ذاته - لا ~~أنكر أن العزلة جميلة - ولكن رفيقا واحدا؛ لأقول له من وقت إلى آخر: إن ~~العزلة جميلة؛ فقد تاقت نفسي وأنا بالقرب من الطبيعة إلى نفس بشرية أخرى تريني بما ~~فيها من القوة والضعف ما خفي من قوتي وضعفي. تأملت وأنا في هذه المغارة ما في ~~الطبيعة من القوى الكامنة، ومن الهول الراقد تحت ستار السكينة والجمال، فجرني ~~الفكر إلى الهيئة الاجتماعية الحاضرة الواقفة على شفر هاوية فتن لم يسبق لها مثيل في ~~التاريخ. جرني الفكر إلى ستار الكذب والتصنع والاحتيال الذي يسدله ذوو الغايات ~~النفسية على الحقيقة، إلى القوى الكامنة في الشعوب المظلومة، إلى الهول الراقد تحت ~~ملاءة من الخوف والخمول، إلى الخير الكامن في الأفراد الغيورين على الحقيقة، ~~الجريئين في الذب عنها، ومهما اشتدت الاضطهادات على ذوي الأفكار فهم لا يحرمون ~~كوخا يلتجئون إليه؛ تضربنا الطبيعة باليسرى وتعيننا باليمنى؛ تعد لنا المغاور ~~لنلتجئ إليها حينما يشتد غضبها الأعمى، وإذا حملقت فينا الهيئة الاجتماعية، وكشرت ~~عن نابها؛ ففي زوايا الأرض وأطرافها نفوس حرة سامية تنعشنا بطيب شذاها، ~~وتجدد فينا حرارة محبتها الحماسة والنشاط. # وبعد أن وضعت حرب الرقيع أوزارها أشرقت السماء قليلا، فظهر شيء من نور الشمس من ~~خلال الغيوم والأغصان، وحول نقط الماء المتجمعة على الأوراق إلى نثرات من ~~الفضة، وحبات من اللؤلؤ الثمين، وأخذت إذ ذاك العصافير تطير من غصن إلى غصن، ~~ومن صخر إلى آخر ساكتة خائفة، وهكذا تفعل بعد الأمطار والعواصف، فهل هي تشعر مع ~~الشاعر بلذة التأمل الذي توجبه السكينة؟ أتمثل الآن دور الفيلسوف بعد أن مثلت ~~دور المنشد المطرب؟ # في مثل الساعة - ساعة السكينة والهدوء - لا تتوق النفس المبتهجة إلى الشمس ونورها، ~~ولا تشتاق إلى بهائها وحرارتها، في مثل هذا الوقت من السنة تلذ لي الغاب، ويبعدني ~~الوادي عن الأوراق والكتب، تلذ لي الغاب وما فيها من السلوى والإلهام والراحة، ~~تلذ لي ظلمتها وظلالها، سكينتها وصخورها، وأشجارها وأدغالها، أشواكها ms072 وأزهارها. ~~نعم، إن صوت الغيث الهاطل على الأشجار جميل؛ فهو يضرب على أغصانها وأوراقها فيخرج ~~منها أنغاما وألحانا مطربة مدهشة، ولكن السكينة التي تتلو العواصف أجمل في ~~أذن النفس وأطرب. # صوت الأوراق الصفراء التي تقع متناثرة إلى الأرض من ثقل ما عليها من الماء، أو صوت ~~نقطة ماء تقع من ورقة خضراء حية على ورقة يابسة ميتة، أو صوت فأس الحطاب بين ~~أشجار العفص والسنديان، أو أصوات الأولاد الذين يؤمون الوادي والغابات طالبين الحلازين . ~~هذا كل ما تسمعه في الغاب بعد العواصف والرياح، وهو جميل؛ لأنه قليل في كثير: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # صحيح ما يقال من أن الرياح والأعاصير تضر بمصالح الناس، ولكن أمن أجل الإنسان ~~ومصالحه الزمنية المادية خلق الله كل شيء؟ # هكذا يقال في التعاليم الدينية، ولكن الطبيعة تقول غير هذا القول، ويظهر لي أن ~~الأعاصير تعوض أضعافا على الإنسان؛ فالذي تأخذه من ملكه الخاص تعيده إلى ملك ~~الطبيعة، والخسارة لا تكون إلا نسبية. وهذا ظاهر لكل الذين وصلوا بترقيهم الروحي ~~العقلي إلى درجة يتم فيها امتزاج الروح البشرية بروح الطبيعة الشاملة. وهؤلاء القلائل ~~لا يفقدون شيئا أزليا، ولا يكسبون شيئا زائلا؛ لأن الطبيعة بما فيها هي أبدا ~~لهم، وهم أيضا لها على غابر الدهر. # السير في شوارع المدن الكبرى يذكر الإنسان بالإنسان، وأما السير في الوادي أو ~~الغاب فيذكر السائر بالخالق العظيم. الأول يدعو إلى العمل، والثاني إلى التفكر ~~والتأمل. في الأول بعض اللذة التي يتبعها الإعياء والقنوط، وفي الثاني نوع من اللذة ~~الذي يتبعه النشاط والعزم وحسن الآمال. # يمشي المتنزه في شارع من شوارع باريز أو نيويورك فيدهشه ازدحام الناس، وتنقبض ~~نفسه من الضجيج، ويتبلبل فكره مما يراه وراء زجاج النوافذ الكبيرة من مصنوعات ~~الإنسان، ومن التحف والعاديات، ويمشي ابن الطبيعة في الغاب بين الأدغال وتحت الأشجار ~~والأدواح فتنعشه روائح الصنوبر، ويسكره أرج الأرض الذكي الممتزج بروائح القويسة ~~والبطم والغار، فيخرج من بيت أمه وقد ملئ نشاطا وعزما وسرورا، ms073 وبالأخص إذا كان ~~معها في ساعة تهيجها. يخرج إذ ذاك وهو شاعر بأنه يستحق أن تعامله الطبيعة معاملة ~~مثيل لها، بل معاملة أحد أعضائها المتساوين أمام الناموس الشامل الدائم الذي لا ~~يبطل من أجل الأغنياء، ولا يلغى من أجل الملوك والأمراء. # وهكذا خرجت من الوادي بعد أن قضيت فيه بضع ساعات، خرجت بعد أن تصفحت فصلا ~~طويلا من كتاب أميرة المنشئين وربة الكتاب. ~~(3) فوق سطوح نيويورك # دخلت ذات يوم مصعد إحدى بنايات نيويورك الشاهقة ، فرفعني الخادم في أقل من دقيقة ~~إلى الطابق الأخير منها - الطابق الخامس والعشرين - ومن هناك أخذت أدور صاعدا ~~درجا من الحديد لولبيا حتى وصلت إلى قبة البناية العظيمة؛ قبة تكاد تختفي بين ~~الغيوم في النهار، وتضيع بين النجوم في الليل، قبة ترتفع بين أبنية نيويورك العالية ~~ارتفاع هذه فوق بيوت الفقراء الحقيرة. ومن هناك يشرف المتفرج على مدينة نيويورك ~~العظمى، وينظر إليها نظرة الطائر، ولكن يجب عليه قبل أن يرى أسواقها المزدحمة أن يطل ~~من حالق على سطوحها المشتبكة بأسلاك البرق والتلفون، المغشاة بالدخان المتصاعد من ~~المداخن ومن آلات سكك الحديد الجارية فوق الأسواق. # وبعد أن وقفت في القبة بعيدا عن ضجة الأشغال، وحركة التجارة، وصياح باعة ~~الجرائد، وضوضاء الأرتال والمركبات، تنشقت الهواء النقي الذي يندر في البيوت ~~والأسواق، تنشقت منه مقدارا وافرا، وسرحت نظري فيما تحتي من السطوح، وما فوقها ~~من المداخن التي يتصاعد منها الدخان على الدوام في النهار وفي الليل؛ فخيل لي أن ~~هذه المداخن أفواه براكين هائلة تنذر بقدوم انفجار عظيم، فكأنها أيادي أولئك ~~المعدنين السوداء مرتفعة نحو السماء ليصرف الله عنهم البلاء، وكأن الدخان ~~المتصاعد من أناملها هو الفائض من دخان الظلمات التي يسكنها المعدنون، ويحفرون ~~فيها ساكتين صابرين. ألوف من المداخن تنفث في وجه السماء روحها الغازي، رافعة إلى ~~الخالق احتجاجها على القائلين بحركة العمل المستمرة، بالحركة الدائمة التي لا ~~يتخللها راحة ولا هدوء. # تأملت هذا الدخان مليا، ونظرت في تكوينه وأشكاله، في اجتماعه وتبدده، في ~~صعوده وسقوطه، في انسلاله ms074 وهجومه؛ فرأيت هنالك أشباحا وحشية ترتفع تارة وتنخفض ~~أخرى، وتهجم على الهواء هجوم الزابع في الفضاء، فكأنها تريد إفساده بنفسها الغازي ~~القتال. هي أمواج بخارية تتلاطم وتنتفخ وتتبدد في الجو: هذه تشبه حية تنساب وتختفي، ~~وتلك تشبه جاموسا يشول برأسه وينطح بقرنيه السماء، فيعود منهزما مسحوقا متبددا في ~~الفضاء. # أغمض الطرف قليلا وعد معي إلى عالم التجارة والعمل، ألا ترى لتلك الأشباح ~~والهيئات المرعبة أمثالا في الهيئة الاجتماعية؟ # ألا ترى كيف هذا الجاموس في البورص ينطح تلك النعاج الصغار فيقتلها، ومن ثم ينطح ~~خالقه فيقتل نفسه؟ # ألا ترى تلك الحية في الهيئة الاجتماعية تنفث سمها في الإخوان، ولا تلبث أن ~~تنفد قوتها المميتة، فتتلاشى كما تتلاشى أمواج الدخان؟ # أترى هذه المداخن فوق هذه السطوح؟ لينفذ بصرك في الضباب المتصاعد منها، فترى ما ~~وراءها من الشقاء والبلاء، من الويل واللأواء. إن وراء هذه المداخن - وإن شئت ~~فقل تحتها - ألوفا من الأرواح البشرية التي تضرب بالمعاول تحت الأرض اثنتي عشرة ~~ساعة كل يوم، فالدخان هو روح الفحم الذي يحترق في الألوف من الأكوار والمواقد ~~والأتن، ومع الفحم أيضا تحترق أرواح أولئك الرجال والأولاد الذين يعدنون في ظلمة ~~قتالة لا يدخلها الهواء ولا النور ولا الماء إلا بالطرائق الصناعية؛ فهم ~~يستخرجون الفحم وهم يحملونه إلى الأرتال التي تنقله إلى المدن والقرى. هو عملهم ~~المقدس الذي يحترق الآن أمامك ويذهب أدراج الرياح. نعم، إن نتيجة عملهم للعالم ~~عظيمة، ولكنها لأنفسهم عقيمة، هي كالدخان الذي يتبدد الآن تحت عينيك. # لا بد لنا من الفحم في الوقت الحاضر، ولكن أيبطل في المستقبل استعماله؟ إن ~~كثيرا من البيوت الآن تستعيض عنه بالغاز للطبخ وللدفاء، وبعض شركات السكك الحديدية ~~تستخدم عوضه الكهرباء. نعم، قد تنفد المعادن يوما من الأيام، فيحرر المعدنون من ~~العبودية التي لا مثيل لها حتى في العبوديات القديمة، العبوديات التي أبطلت بحد ~~السيف، وسفكت من أجلها دماء الأحرار. # لا يمضي شهر إلا ويحدث في معادن الفحم في هذه البلاد وفي غيرها كوارث تقضي على ~~مئات ms075 وألوف من المعدنين بالموت السريع؛ فكم مرة انهالت الأرض على أولئك ~~المستعبدين، وهم على أشغالهم مكبون قانعون، فأيمت ألوفا من النساء، ويتمت ~~ألوفا من البنين! فضلا عن استخراج الفحم، فإنه تمثال الموت التدريجي البطيء، فكل ~~معدن يموت بحكم الطبع منتحرا؛ إذ ليس الانتحار محصورا بتجرع السم، ~~وباستنشاق الغاز، وبإطلاق المسدس. لا، الرجل الذي يضطر أن يشتغل مع بنيه الصغار ~~تحت الأرض، فيحرم الهواء النقي والنور وجمال الفضاء لا يموت أبدا موتا طبيعيا، ~~والهيئة الاجتماعية التي لا تقوم إلا بشقاء فئة من بنيها هي هيئة مظلمة مختلة، هي ~~هيئة فاسدة تفتقر إلى كثير من الإصلاح والتعديل والتحسين. قد تقدمنا - على ما يزعم ~~- بعضهم في الحضارة والتمدن، وقد حررنا - على ما نعلم - العبيد، وأطلقنا الحرية ~~في بلاد الغرب لكل امرئ، فقيرا كان أو غنيا، ولكن العبودية الجديدة تظهر في ~~مظاهر مختلفة وأثواب غريبة، فماذا ينفع السجين قولك له: أنت حر؟ ماذا ينفعه تغيير ~~ثوبه المخطط بثوب الرجال الأحرار إذا ظل راسفا في سلاسل الحديد مسجونا في ~~غرفته المظلمة؟ # قد تغيرت القيود وتنوعت السلاسل، واستبدل النخاسون بغيرهم. تعددت الأسباب ~~والموت واحد! # إن في الولايات المتحدة من العبوديات أنواعا وأشكالا، فهناك العبودية في المعادن، ~~والعبودية في آبار الغاز، والعبودية في معامل الأنسجة وفي عالم العمل على الإطلاق، فمتى ~~يا ترى يتحرر الإنسان حقا، وتشمل السعادة والراحة كل أسرة بشرية؟ # كفانا تأملا في المعادن والمداخن والدخان، لنعد إلى عالم التجارة لنسقط إلى ~~ساحة الجلبة والحركة والضوضاء. ها قد صرت في الشارع أسمع باعة الجرائد ينادون على ~~جرائدهم: أخبار أخيرة، أخبار مهمة، فابتعت نسخة من جريدة المساء وعدت إلى البيت تحت ~~ضباب الفكر، وبين دخان النفس ولهيبها، فجلست إلى الكانون، وقرأت الخبر الآتي: # اضطراب هائل في البورص، وسقوط عظيم في الأسهم. قد بلغت الخسارة في ساعة ~~واحدة خمسين مليون دولار بسبب سقوط الأسعار الفجائي. # خمسون مليون دولار تخسر وتكسب في هنيهة من الزمن، وألوف من المعدنين يضربون ~~بالمعاول عشر ساعات في النهار، ويخاطرون بأرواحهم وأرواح بنيهم ms076 في الظلمات ~~الكالحة تحت الأرض من أجل دولار أو دولارين! ما أجمل هذا العالم يا صاح! وما ألطف هذا ~~التمدن الحديث الذي يأتينا في كل شارقة وبارقة بمثل هذه الغرائب الخارقة! ~~(4) من على جسر بروكلن # أحبك يا نيويورك على ما فيك من حركة وضجيج وازدحام، أحبك على ما فيك ~~من غريب الخزعبلات والأوهام، أحبك وإن كنت لا تحفلين بما يحلمه شعراؤك من جميل ~~الأحلام، أحبك لا من أجل ملاهيك الحافلة، وحدائقك الزاهرة، وصروحك الشامخة ، ~~ومتنزهاتك الفسيحة الباهرة، ولا من أجل بناتك النشيطات الجميلات، أو نساءك ~~المترجلات، بل أحبك من أجل جسرك العظيم فقط! ذلك الجسر الذي يراه المرء في ~~الليل عن بعد وقد أضيء بالأنوار المتنوعة الألوان فيظنه القسطان. ومحبتي لهذا ~~البناء الحديدي العظيم محبة الصانع لشيء جميل يصنعه. أحبه كأنه ملكي الخاص، ~~أحبه كأنه صنعة يدي، وكلما داهمتني جيوش الهموم واليأس سرت إلى الجسر وحصنت ~~هناك نفسي. هناك أنصب خيامي، وبين أبنية المدينتين أرفع علمي، وأجيش من النور ~~والهواء جيشا جرارا، فتبدد أمامه غيوم الغم، ويذوب ثلج الأكدار؛ فأقف إذ ذاك ~~منتصرا والهواء البارد النقي يورد خدي. أقف في منتصف الجسر فوق المراكب والبوارج ~~الجارية تحتي، وبين العربات والأرتال المارة عن يميني وشمالي، وأتهلل بفوزي ~~المبين - بفوز النفس على الهموم المحدقة بها - على الرزايا التي تغشيها. لا جرم ~~أن من يقطع الجسر ماشيا كل يوم يستغني في حياته كلها عن الطبيب والكاهن ~~والمحامي؛ يستغني عن الطبيب لأن الهواء النقي والمشي هما الطبيبان الحقيقيان، ~~يستغني عن الكاهن لأن المشي يساعد على التأمل، والتأمل يسمو بصاحبه إلى ما فوق ~~السفليات، ويعقد بين خالقه وبينه ذاك الاتحاد الذي تتوق إليه كل نفس بشرية سامية، ~~ويستغني عن المحامي لأن النفس إذا استحمت كل يوم في نور الشمس، وانتعشت من نسيم ~~الصباح، وناجت في الفجر خالقها؛ يتولد فيها للخصام كره شديد. # ألوف من الناس يقطعون الجسر كل يوم، ولكن كم هو عدد من يمشون ولا يخاطرون بأنفسهم ~~في الأرتال المزدحمة؟ عددهم أقل من عدد ms077 الحكماء في العالم. على الجسر طريق رحبة خاصة ~~بالمشي، وطريقان ضيقتان لسكة الحديد والمركبات الكهربائية. وإذا اعتاد جمهور الناس أن ~~يعبر الطرق الضيقة في الحياة، ترى الأرتال أبدا مزدحمة، وطريق السير الواسعة أبدا ~~مهجورة. # قطعت الجسر ماشيا على عادتي ذات يوم من أيام الشتاء الشديدة الرياح، الكثيرة ~~الأمطار، فكم من شخص تظنني صادفت في طريقي؟ # رجلا واحدا وبوليسين، أما البوليسان فلا فضل لهما في قيامهما هناك، ولكن الشخص ~~الآخر جدد في الرجاء. # ما أجمل المطر على الجسر وعلى النهر تحته! وما أقبح قعقعة المركبات والأرتال وقد ~~شحن فيها الناس كالمواشي! ما أشقى هؤلاء الناس! ما أثمن أوقاتهم وما أرخص حياتهم! ما ~~أعظم أشغالهم وما أصغر أعمالهم! هم يخافون على جلودهم من الأمطار، ولكنهم لا يخافون على ~~رئاتهم من جراثيم الملاريا والسل. يهربون من الهواء النقي ومن تحت سماء الله ~~الواسعة؛ لأن ذلك تستوجبه التجارة. يكرهون المشي لأنه مضر بأشغالهم؛ فبئس الأرباح، ~~ونعم الخسارة! # يرى السائر على الجسر أن الطريق الجميلة الرحبة قد خصصت به وبقليل من مثله، ~~فإذا مشى هناك يقدر أن يرفع يديه إلى العلا ليمجد خالقه دون أن يسيء إلى أحد، ~~ويقدر أن يتنشق الهواء مليا غير ممزوج بهدروجين البشر. # ولكن لننظر في المسألة من وجه آخر، لو كان كل من يقطعون الجسر حكماء تهمهم ~~صحتهم أكثر من تجارتهم لازدحمت طريق المشي الرحبة، وأصبح هواؤها كهواء الأرتال. ~~سبحان من دبر الأمور! فالطرق الفسيحة جميلة؛ لأن عابريها قليلون. لتزدحم الناس مع ~~جراثيم الملاريا والسل إذن، وأنا أمشي مع إخواني - وإن قل عددهم - على طريق ~~الجسر المتنكب عنها، وتحت سماء الله. # وفي مثل هذا اليوم وقفت على الجسر بعد الغروب بنصف ساعة، وسرحت نظري في مرفأ ~~نيويورك الواسع المستدير الجميل، المرفأ الذي لا يخلو دقيقة واحدة في النهار أو الليل ~~من البواخر والقوارب والمراكب واليخوت؛ بواخر قافلة، وسفن حافلة، وقوارب راسية، وزوارق ~~تشق العباب ذاهبة جائية، وهناك في جنوب المرفأ ترفع الحرية رأسها قائمة على أركانها ~~لتضيء العالم الجديد بضوء ms078 نبراسها. رأيتها تلك الساعة تشعل مصباحها في الوقت الذي ~~ظهر فيه البدر من وراء مدخنة في مدينة بروكلن، فخيل لي أن تمثال الحرية محطة للقمر ~~على الأرض يصل إليها نوره، فتعكس الأشعة بعد أن تجتمع على وجهها الجميل، وتذكر ~~العالم الجديد بثبات هذا الكوكب القديم، فقلت في نفسي: متى يا ترى تصير الحرية مثل هذا ~~القمر، فتوقد مصباحها لا في الغرب فقط، بل في الشرق وفي الجنوب وفي الشمال، في العالم ~~بأسره؟ # متى تحولين وجهك نحو الشرق، أيتها الحرية؟ متى يمتزج نورك بنور هذا البدر ~~الباهر، فيدور معه حول الأرض، ويضيء ظلمات كل شعب مظلوم؟ أيتأتى أن يرى المستقبل ~~تمثالا للحرية بجانب الأهرام؟ أيمكن أن نرى لك في بحر الروم مثيلا؟ أممكن أن يولد ~~لك أخوات في الدردنيل، وفي بحر الهند، وفي خليج الصين؟ أيتها الحرية، متى تدورين مع ~~البدر حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة؟ # وأنت أيتها البواخر المقلة إلى أوروبا ومصر وعدن والهند منسوجات «نوانكلند» وقطن ~~«فرجنيا» وحديد «بنسلفانيا» وقمح «تكساس» وخشب «فرمنت»، خذي معك إلى بحر الروم وبحر ~~الهند والبحر الأحمر والبحر المتوسط بعض موجات من هذه الأمواج التي تغسل أبدا قدمي ~~تمثال الحرية، خذي معك ولو زجاجة صغيرة من هذا الماء المقدس، ورشي منها سواحل مصر ~~وسوريا وفلسطين وأرمينيا والأناضول، وإلى كل جزيرة تمرين بها، وكل بلاد ~~تقصدينها، وكل شعب تحيي سواريك قباب كنائسه، ومآذن جوامعه. احملي سلام هذه الآلهة ~~التي تنير الآن طريقك في الخروج من العالم الجديد، وتوكل بك ما لها في السماء من ~~شقيقات باهرات، احملي إلى الشرق شيئا من نشاط الغرب، وعودي إلى الغرب بشيء من تقاعد ~~الشرق، احملي إلى الهند بالة من حكمة الأميركان العملية، وعودي إلى نيويورك ببضعة ~~أكياس من بذور الفلسفة الهندية، اقذفي على مصر وسوريا بفيض من ثمار العلوم الهندسية، ~~واقفلي إلى هذه البلاد بفيض من المكارم العربية. أيتها البواخر الآيبة، حيي عن جسر ~~بروكلن خرائب تدمر وقلعة بعلبك، وأقرئي أهرام مصر سلام هذه المعالم الشاهقة ms079 ~~المشعشعة بالكهرباء، سيري أيتها السفن بسلام، وارجعي بسلام. ~~••• # وقد شاهدت الآن ثلاثة مناظر عظيمة لا أقدر أن أنساها حياتي. لا أتناساها لأنها عندي ~~أشبه برموز جميلة لدعائم الحياة الروحية الثلاث، هي مراحل في رحلتي الفكرية التي ~~باشرتها منذ خمس سنين أو من حين ولدت. نعم، إني طفل في العالم الروحي، إني ~~سائح في مروج النفس وأوديتها، أمامي مسافة طويلة يجب أن أجتازها، وتحتي هوة هائلة ~~يجب أن أسبر غورها، وفوقي فضاء غير متناه ينبغي لي أن أتمتع بجماله، وحولي من المروج ~~والجبال والأنهر والبحار ما يشغل معظم وقتي لو عشت ألف عام. # أما المناظر الثلاثة التي تمتع بها طرفي حتى الآن فتركت أثرا عظيما في نفسي، ~~فهي: لبنان وسواحله من ذروة جبل صنين، وباريز من على برج إيفل، ونيويورك في الليل من ~~منتصف جسر بروكلن، فالأول إنما هو رمز الطبيعة، والثاني رمز الفنون الجميلة، والثالث ~~رمز الكد والاجتهاد. وهذي هي دعائم الحياة الروحية الثلاث؛ فالمنظر الأول صنعة الله، ~~والمنظران الآخران صنعة الإنسان. # المنظر الأول أو الطبيعة هو منبع النفحات الإلهية والإلهامات الروحية. # والمنظر الثاني أو باريز هو منبع التفنن في الصناعة على الإطلاق. # والمنظر الثالث المنبسط أمامي الآن إنما هو عنوان الجهاد والجلد والثبات والنجاح، ~~فإذا كنت، أيها القارئ، شاعرا أو مصورا أو كاتبا، بل لو كنت صباغا أو دباغا ~~أو إسكافا، وجه نظرك إلى الطبيعة أولا تستمد منها الإلهام الإلهي، وعنها تقتبس ~~الألوان البديعة، والمناظر الجميلة، والأشكال الأنيقة، والنغمات السماوية، وعرج على ~~باريز ثانيا تتعلم منها دقة الصناعة، ولطافة الأسلوب، وجمال الفنون، وغرابة ~~الإبداع، وسر الابتكار، وانزل على نيويورك ثالثا تأخذ منها الاجتهاد والجلادة، ~~وتتعلم من أهلها الاستقلال في العمل، والثبات بعد الفشل. # الطبيعة، التفنن، الاجتهاد، هذي هي أس الأعمال الفكرية، هذي هي دعائم الحياة ~~الروحية. # لبنان، باريز، نيويورك: في الأولى روحي، وفي الثانية قلبي، وفي الثالثة الآن ~~جسدي. ~~(5) فلتكمل مشيئة الله # 1 # في اليوم الثالث اجتمع الحصان والبغل والحمار في ديوان التفتيش، وأمروا بإحضار الثعلب ~~المتهم بالكفر والإلحاد ms080 إلى المجلس؛ كي يسمع الحكم الذي أصدره القضاة الثلاثة، وكانت ~~قضيته قد اشتهرت، فسمع بها القاصي والداني من جميع الحيوانات، فحضر منهم عدد غفير ~~إلى المجلس ليروا الثعلب المتهم، ويسمعوا تلاوة الحكم المخيف. # ولما دخل الثعلب المجلس مكبلا بالحديد، ومحاطا باثنين من الخفر، أخذت الحيوانات ~~في اللبيط والصفير والنهيق، ولم يكن المتفرج ليسمع إلا كلمات يفهم منها الصلب والشنق ~~والحريق: فليمت الثعلب، فلتسقط الكهربائية، فليحي المجلس. # الحصان: يأمركم المجلس بالنظام، وينهاكم عن المظاهرات والصفير والنهيق ، اسمعوا ~~قراءة الحكم الذي أبرزه المجلس بصوت حي. # فاستتب عند ذلك السكوت، وبدأ الكاتب بقراءة ما يلي: # قد ظهر للمجلس وتحقق للمستنطقين: أولا: أن للثعلب اعتقادات خصوصية شريرة تخالف ~~تعاليم جمعيتنا المقدسة، وتناقض شريعة الله التي أقامنا عليها أمناء، وأوصانا بها، ~~وهذا ما ندعوه كفرا وإلحادا، وقد تبين ثانيا: أن المتهم لم يبرهن عن اعتقاداته ~~الفاسدة إلا بأسلوب التهكم والازدراء والاستخفاف؛ إذ كان يتكلم عن القضايا المقدسة ~~بالهزء والسخرية. وهذا ما نسميه تجديفا. وثالثا: أنه لم يجاوب على سؤالات القضاة ~~إلا بعد أن سيم العذاب الاعتيادي وغير الاعتيادي. وهذا ما نعتبره تمردا وتكبرا. ~~ورابعا: أنكر على القضاة السلطة، واحتقرهم وأهانهم بإلقائه عليهم سؤالات ليس من شأنه ~~إلقاؤها. وهذا ما نعده وقاحة وفضولا. ولذلك قد التأم المجلس في جلسة سرية، ~~وتفاوض الأعضاء في أمر المتهم، وأبرموا الحكم الآتي: بقوة السلطة الروحية المعطاة لنا ~~- نحن أعضاء مجلس التفتيش - نحكم على الثعلب أولا: بالفضول والوقاحة، وثانيا: ~~بالتمرد والعصيان، وثالثا: بالتجديف، ورابعا: بالكفر والهرطقة والإلحاد. وعقابه على ~~كل واحدة من هذه الجرائم هو كما يلي: قصاص الذنب الأول: هو أن تغصب من الملحد كل ~~أملاكه وتضاف إلى أملاك الجمعية المقدسة، وعقاب الذنب الثاني: أن يبقى تحت الحرم سنة ~~كاملة، والثالث: أن يلقى في السجن خمس سنوات، وأما عقاب الذنب الرابع فهو: الإعدام ~~بالنار. وقد حركت أعضاء المجلس عاطفة الشفقة والرحمة، فعزموا على نقض الحكم بالإعدام ~~إذا أنكر المتهم اعتقاداته الخبيثة الشيطانية المضرة، واعترف بشرائعنا، واعتذر أمام ~~المجلس عن كل ms081 كلمة وقحة فاه بها أثناء المحاكمة. أما الذنوب الثلاثة الأخرى فعقاب ~~المتهم عليها ثابت - كما ذكرنا - تأديبا للكافرين المارقين، والمتمردين المجدفين. ~~ويسأل المجلس الثعلب أمام الجمع عما إذا كان يريد أن يرجع عن غيه، ويكفر عن ~~ذنوبه بإنكاره كل اعتقاداته الخبيثة، ويعترف بتعاليمنا كي يعفى عنه من الموت. ولما ~~انتهى الكاتب من قراءة الحكم، عاد الحصان إلى السؤال قائلا: هل تريد أن تفعل ذلك؟ ~~فأجاب الثعلب بدون تردد: هل تريدون أن أشتري حياتي بضميري؟ إني لا أرى نسبة بين ~~الثمن والمشترى، اطلبوا مني غير هذا. # الحصان ~~: # تذكر أنك رب عائلة؛ فلك زوجة وأولاد يشق - لا شك - عليك فراقهم، ألا ~~تعرف بأنك تجلب إلى عائلتك التعاسة والشقاء إذا أنت لم تنكر اعتقاداتك ~~الخبيثة؟ ألا تعرف بأنك مديون لأولئك الصغار أولادك، فلا تكن لهم مثلا ~~رديئا وقدوة قبيحة؟ تأمل قليلا، أعد نظرك على هذه المسائل الخطيرة، لا ~~تكن أحمق متمردا؛ إذ إن هذه الصفات السافلة لا تكسبك شيئا، وشكاسة طباعك ~~تفضي بك إلى النار، فنسألك الآن ثانية: هل تريد أن تنكر اعتقاداتك، ~~وتعتذر عن وقاحتك وتجديفك، وترتد إلى اعتقادك الأصلي الذي نشأت عليه وورثته عن ~~أجدادك؟ # الثعلب ~~: # أنتم أيها القضاة المحترمون الأفاضل أحوج في رأيي إلى الإنكار والاهتداء ~~مني، فأنتم في عيني كما أنا في أعينكم، فإذا طلبتم مني إنكار اعتقادي تجعلون ~~لي حقا بأن أطلب منكم إنكار اعتقادكم، وإذا تركتموني وشأني أترككم وشأنكم، ~~فلم تحكمون علي بالإعدام وأنا لم أرتكب قط ذنبا؟ لماذا أعطاني إلهي ~~عقلا، ووهبني قوتي الحكم والتمييز؟ ألكي أقتلهما وأعيش من أجل بطني فقط؟ ~~أيعطي الله العصفور جناحين ثم يهلكه إذا طار بهما؟ أيعطيني عقلا ثم يهلكني ~~إذا استخدمته للافتكار والتأمل؟ لا شك في أن اعتقادي هو أرسخ في قلبي من ~~اعتقادكم في قلوبكم، ومتى أنكرت وجود الخالق أنكر إذ ذاك اعتقادي، وأقر ~~لكم بتعاليمكم الخرافية، فأنتم أكرهتموني فاعترفت بما لا أعترف به إلا بعد ~~العذاب الأليم؛ اضطررتموني إلى إنكار وجود الله وأنا لا أنكر إلا إلهكم، ~~أجبرتموني ms082 على إنكار الكتاب بكامله، وأنا لا أستهجن إلا ما جاء فيه من الخرافات ~~والخزعبلات، تقولون: إني أنكر العجائب، وأنا لم أنكر ولم أثبت، ولكن لكم ~~الأمر وعلي الطاعة. أما ما تطلبونه الآن، فهو أكثر مما أطلبه من نفسي. لا، يا ~~أسيادي، إن الحياة التي تريدون قتلها بخسة جدا بالنسبة إلى الضمير الذي ~~يحيا سعيدا شريفا طاهرا. إن هذا الجسد لا يساوي ما تطلبونه مني أنتم؛ ~~تطلبون قتل ضميري ليبقى جسدي حيا، وما نفع الجسد بلا ضمير؟ فأنا أفضل أن ~~أرى نفسي في النار المستعرة على أن أرى ضميري مكبلا بسلاسل العبودية. خذوا ~~جسدي واتركوا لي ضميري. # الحمار ~~: # أيها الثعلب المسكين، اسمع صراخ زوجتك، ترأف على أولادك، أشفق على نفسك! ~~إن الحياة عزيزة، والهلاك الأبدي فظيع مرعب؛ فاحفظ الأولى، واتق الثاني، ~~احفظ حياتك بكلمة واحدة، أنكر اعتقاداتك وعش مع زوجتك وأولادك ~~سعيدا. # الثعلب ~~: # لا تزدني من هذه الإرشادات؛ فقد عزمت على أن أموت من أجل اعتقادي كما مات ~~الأسد على الصليب من أجل دعوته، خذوني إلى النار وألقوني فيها؛ فأستريح من ~~هذه الحياة وأفرح بالآخرة. # الحصان ~~: # إذن أنت تأبى الإنكار وترفض الاهتداء، فلا حول ولا ... فالمجلس إذن يبعث بك تحت ~~الحفظ إلى أصحاب السلطة المدنية لينفذوا فيك حكمه المبرم. # وتبوأ عندئذ الحصان كرسيه، وأمر الكاتب بأن يأخذ قرطاسا وقلما ويكتب ما يلي: # إلى الثور قاضي قضاة الحكومة المدنية # إن مفتاح السماء يستنجد سيف الدولة؛ فالثعلب الواصل إليكم قد حوكم في ~~مجلسنا على اعتقاداته الشخصية الخبيثة المضرة بتعاليمنا، ووجد بعد ~~المخابرة والاستنطاق أنه ارتكب الذنوب الآتية: أولا: الوقاحة والاستهزاء، ~~ثانيا: التمرد والمكابرة، ثالثا: التجديف، ورابعا: الكفر والهرطقة ~~والإلحاد. وقد رفض أن يهتدي وينكر اعتقاداته الشيطانية مكفرا بذلك عن ~~ذنوبه القبيحة، وفضل أن ينفذ فيه حكم المجلس، الذي هو - كما تعلمون - ~~الإعدام في النار. فأملنا أن تستخدموا القوة المعطاة لكم لتنفيذ حكم المجلس، ~~وفي كل الأحوال: إن مفتاح السماء يستنجد سيف الدولة. # الداعون لحضرتكم # الحصان، الحمار، البغل # أعضاء مجلس التفتيش # ولما فرغ الكاتب ms083 من كتابة الرسالة قدمها إلى المجلس، فوقع عليها كل منهم ~~بإمضائه، وسلمها الحصان مختومة إلى الخفر قائلا: خذ الثعلب تحت الحفظ إلى السجن، ~~وسلم هذه الرسالة إلى صاحبها؛ فنحن - والحمد لله - قد تممنا وظيفتنا، ونقدر أن نقول ~~براحة وسرور وضمير مستقيم: إننا أبرياء من دم هذا الصديق؛ فلتكمل مشيئة ~~الله. # الحمار ~~: # وسيرى الثعالب أي منقلب ينقلبون. # البغل ~~: # فلتكمل مشيئة الله. # وارفض المجلس عندئذ، وخرج جميع الحيوانات متهللين فرحين وهم ينتظرون أن ~~يشاهدوا عن قريب إحراق الكافر المسكين. # أما الثور فإنه عندما وصله الكتاب فضه وقرأه، ثم صادق عليه وناوله للجلاد ليعمل ~~بموجبه، وأعطى الثعلب فرصة عشرة أيام ليتفكر في أمره؛ لعله يرتد عن غيه وينكر ~~اعتقاده. # وكان الثور يذهب كل يوم إلى الثعلب في سجنه ويحاول إقناعه، ولكنه لم يظفر بأرب؛ إذ ~~إن المحكوم عليه بقي مصرا على عناده، متشبثا بآرائه، ومحافظا على ما كانت ~~تدعوه إليه استقامة ضميره التي أفضت به إلى الموت احتراقا. وبعد أن مضت المدة ~~المعينة وجاء صبح اليوم الحادي عشر، ذهب الجلاد مع أعوانه إلى الساحة العمومية في ~~المدينة، وأضرموا هنالك نارا متأججة، وجاءوا بالمحكوم عليه راسفا بسلاسل الحديد، ~~محاطا بالخفر، وأوقفوه على دكة عالية تشرف على النار المضطرمة بالقرب منها، ~~وكانت الحيوانات قد ازدحمت في الساحة العمومية، ومن جملتهم الحصان والحمار والبغل، ~~الذين أتوا ليروا هذا المشهد المرعب، ويتلذذوا بثمرة أعمالهم الصالحة. # ولم يكن بين كل هذه الخلائق المحتشدة ثعلب واحد؛ لأن الحكومة كانت قد اتخذت كل ~~الاحتياطات لمنع المظاهرات الثعلبية، وأعلنت أنها تستخدم القوة في هذا اليوم لقمع كل ~~عنيد مكابر يحاول أن يثير الخواطر، ويدس الدسائس؛ فبقيت الثعالب في بيوتها، ~~واحتملت المصيبة بقلب مملوء من الخوف والحنق. # وكان السرور والابتهاج يشملان كل الجماهير المحتشدة؛ إذ إن أكثر الحيوانات كانوا ~~يكرهون الثعالب الكافرة، ويعتقدون بأن وجودهم مضر بالصالح العمومي، فشكروا المجلس ~~الذي أصدر الحكم، والقاضي الذي صادق عليه، وجاءوا الآن ليسدوا شكرهم الجزيل إلى ~~الجلاد الذي ينفذه. # فوقف إذ ذاك الجلاد بالقرب من ms084 الثعلب على الشرفة، وحلق له شعره، وعصب عينيه بمنديل ~~وخاطبه قائلا: أسألك لآخر مرة إن كنت تريد أن تنكر اعتقادك وترتد عن غيك مهتديا إلى ~~الصواب. # فرفع الثعلب يده إلى السماء وقال: اسأله عز وجل ولا تسألني. # الجلاد ~~: # لا تريد أن تنكر اعتقادك إذن! # الثعلب ~~: # إني أموت لأن الحيوانات نيام، أما أنتم فستموتون لأنهم سيكونون ~~أيقاظا. # إذن بالسلطة المعطاة لي من الثور، قاضي القضاة، وبموجب الأمر الذي بيدي، أرمي هذا ~~الثعلب الكافر في النار لتطهر جامعتنا، وتنقى آدابنا من سفاهات الزندقة التي ~~تشوهها، وعند ذلك رجع الجلاد إلى الوراء، وأخذ الحبل الموصول باللوح وشد به، ~~فانسحب اللوح من تحت أقدام الثعلب، ووقع في النار المستعرة تحته، فصرخ إذ ذاك الجلاد ~~قائلا: فلتكمل مشيئة الله. # فكان لصرخته صدى تصاعد من بين الجمع الذي هتف مرددا: فلتكمل مشيئة الله، فليمت كل ~~كافر، فليحي البغل والحمار والحصان. # أما الثعلب فلما انسحب من تحت أقدامه اللوح، ووقع في جوف النار المستعرة صرخ ~~صرخة مرعبة هائلة، وكان لم يزل مالكا على عقله عندما هتف الجمع المحتشد: فلتكمل ~~مشيئة الله. فحركته عواطفه الفطرية لتذكر خالقه، فهتف معهم بصوت يخنق اللهيب: فلتكمل ~~مشيئة الله. # وبعد مضي برهة من الزمن أصبح الثعلب رمادا، فسرت الحيوانات، وصعد بعدئذ الحمار ~~والبغل والحصان إلى الشرفة ليشكروا الله، ويتوسلوا إلى العزة الإلهية كي ~~تساعدهم دائما على استئصال شأفة كل كافر ملحد. # ولم يكد الحصان يلفظ اسم الخالق حتى حدث في الجو اضطراب عظيم؛ فاكفهرت السماء، وهطلت ~~الأمطار، وتساقط البرد كالحجارة، وجالت ريح عاصفة في أرجاء الفضاء تجر وراءها البرق ~~والصواعق، وبقي هذا الحال مدة نصف ساعة، فوقف الجميع مرتعشين خائفين، ثم انقشعت ~~الغيوم وظهر من ورائها الأسد راكبا أوتومبيلا كبيرا، فوقف فيه وخاطب الحصان والحمار ~~والبغل قائلا: «أطلب رحمة وليس ضحية، قلت لكم: حبوا أعداءكم، قلت لكم: لا تدينوا لئلا ~~تدانوا، قلت لكم: مثلما تريدون أن يفعل الغير بكم افعلوا أنتم بهم أيضا، قلت لكم: لا ~~تقتلوا. بأي جسارة ترتكبون هذه الجرائم ms085 الفظيعة، ومن ثم تقولون إنها من أجلي؟ أي متى ~~قلت اذبحوا واحرقوا إخوانكم من أجلي؟ بأي كتاب قلت عذبوهم واطردوهم واحرقوهم ~~واسجنوهم من أجلي؟ أما والحق أقول لكم: إنكم دنستم اسمي، وافتريتم علي، وأفسدتم ~~تعاليمي. ويل لكم من العقاب الشديد الصارم! ويل لكم حين تقفون يوم الدين لتجاوبوا ~~عن كل جريمة ترتكبونها باسمي من أجل مطامعكم وغاياتكم الذاتية!» # فتشجع عند ذلك الحمار ونفض عن جسمه غبار الرعشة، وخاطب الأسد بصوت خافت قائلا: ألم ~~تقل لنا : «أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم ها هنا واذبحوهم ~~قدامي.» # فصرخ الأسد إذ ذاك صرخة مرعبة قائلا: هذا كذب باسمي وافتراء علي، فأنتم أفسدتم ~~تعاليمي ونقحتموها على ما يوافق أذواقكم، ويساعدكم على نيل مطامعكم، بأي جسارة ~~تضيفون عليها هذه الآيات الشيطانية؟ فكيف أقول لكم: حبوا أعداءكم، ثم أناقض نفسي ~~بنفسي وآمركم بذبح أعدائي؟ الحق أقول لكم: إن جرائمكم عديدة، وويل لكم في ~~الآخرة! فاذهبوا من أمامي، ولا تتجاسروا على تكرير هذه الأعمال الفظيعة.» # وتلبدت إذ ذاك السماء بالغيوم، وغاب الأسد في أوتومبيله عن الأبصار. # أما الحصان والبغل والحمار، فذهبوا إلى إصطبلهم منكسين وجوههم خاسئين، وبينما هم ~~سائرون ذات يوم على طريق السكة الحديدية إذ صفر قطار العلم القائد عربات البخار ~~الكهربائية والاختراعات، ومر عليهم جميعا فسحقهم سحقا، وتطايرت رءوسهم وبقايا ~~أجسادهم في الجو، وتشتتت أعضاؤهم المتقطعة على طريق التمدن الحديث. ~~(6) بذور للزارعين # إن حسنة واحدة تأتيها لخير من ليال بالصلاة تحييها. إن الأمين وإن كان كنودا ~~لخير من المدغل وإن كان هجودا. # إن التعبد لفي الصالحات، لا في تمتمة الصلوات. # ورب صغار يلعبون أصدق إيمانا من شيوخ يتورعون. # ورب محسنة في موبقات الوجود أصح دينا من راهبات السجود. # ورب كافر عمال للخير أحب إلى الله من راهب في الدير. # السالكون عملا وفكرا خير من السالكين ذكرا. # أنت السالك يا من تطابق بين أقوالك وأعمالك. # الندامة حبا بالغفران كالإحسان حبا بالشكران. # وقد قال بلزاك: «الندامة الشهرية إنما هي خباثة أبدية.» # المواساة خير ms086 العبادات، وممرضة تضمد جرح الشرير خير ممن يصلون من ~~أجله. # إن روائح الأدوية عند من أحبت أن تخدم الله لأذكى من رائحة البخور، والنور الضئيل ~~المنبعث من عين المريض الذابلة لأجمل من نور الشموع في الهيكل. # بالأعمال لنخدم الله، ولنسبحه بالأعمال. ~~••• # إذا تخاصم من أصدقائك اثنان لا تسبق في الإصلاح بينهما الزمان، فهو للعداء خير ~~دواء، وإن عاقبة الإسراع في وصل حبل الوداد هي غالبا كعاقبة الجرح المندمل على ~~فساد. ~~••• # شر الأصدقاء صديق لا يعتبرك من أكفائه؛ فإن ظن نفسه أكبر منك يهينك في حبه ~~وتقلبه، وإن كان أصغر منك يغيظك في تودده وتحببه. # من نهج لحاجاته المادية وغاياته الدنيوية منهج التدين والورع الكاذب والرياء ~~والتنطع، كان بعيدا عن الدين، وعن الله، بعد هذه الأرض عن أبعد السيارات من ~~الشمس. # الدين الحقيقي ما أنار القلب من الإنسان والضمير، فيهديه في الحياة الدنيا خير ~~طريق إلى خير الأبواب في الآخرة، ومتى كان ضمير جاري كنور الشمس حيا نقيا، وقلبه ~~كوردة تفتح في الفجر لتستقبل ندى السماء، لا فرق إذ ذاك عندي إن ذكر مع الدراويش، ~~أو سجد مع اليسوعيين، أو اغتسل في نهر القنج مع البوذيين؛ فهو المؤمن الحقيقي، هو ~~الصادق في دينه، هو رجل الله الأمين. ~~••• # من أجل ما قرأته في الكتب المقدسة فاتحة القرآن؛ فهي صلاة جديرة بأن ~~يرددها بقلب حي كل إنسان كل يوم في السنة: # إياك ~~نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط ~~المستقيم ~~. أي والله! فإن الإنسان وإن كان من أرقى البريطانيين، أو من ~~أرقى العثمانيين، إن كان من باريز، أو كان من نيويورك، أو من أطنة، أو من داهومي، هو ~~في أشد حاجة إلى الهداية اليوم مما كان في أيام النبي داود، أو في عهد عاد ~~وثمود. ~~••• # قل تبارك السر الذي في ولا تحفل بضجيج الناس وضوضى الأمم. عش قنوعا هادئا ~~ساكتا معتزلا، وواظب على نظافة العقل والقلب كما تواظب على نظافة الجسد، فلا تكن ~~من الخاسرين، تلاه في العمل والنمو عن عقبات الحياة وهمومها، وبكلمة وجيزة: ms087 كن ~~مثمرا ولو بين القتاد، فلا تحزن يوم يجيئك ملك الحصاد. ~~••• # خير الكتب وأنفسها كتاب لا يتركني بعد أن أطالعه في الحال التي ألفتها، كتاب ~~يحرك في عاطفة شريفة جديدة، أو قصدا كبيرا جديدا، أو فكرا ساميا جديدا، ~~كتاب يزحزحني من مكاني، أو يدفعني لأزحزح من هم حولي، كتاب يفيقني من سباتي ~~العميق، أو ينهض بي من حمأة الخمول، أو يهديني إلى طريقة أحل بها عقدة من عقد ~~الحياة، ولكن مثل هذا الكتاب على كثرة ما تصدره المطابع الحرة اليوم من القصص ~~والروايات أصبح كالامرأة الفاضلة التي ينشدها سيدنا سليمان. ~~••• # كليمبروتوس اليوناني رمى بنفسه في البحر بعد أن انتهى من قراءة كتاب أفلاطون في خلود ~~النفس، وفي فعلته هذه الخارقة ثناء عظيم على المؤلف وعلى القارئ معا؛ إذ لو لم يقنع ~~كليمبروتوس بحجة أفلاطون لما كان فادى بحياته ليبرهن عن إيمانه، ولو لم يعتقد أفلاطون ~~بما كتبه لما استطاع أن يفحم كليمبروتوس. # فمثل كتابه هذا يزحزح حقا، ولكنه يزحزح جدا، يزحزح القارئ دفعة واحدة عن هذا ~~العالم، فهو إذن لا ينفع كثيرا. ومن حظنا أنه لم يترجم إلى اللغة العربية، على ~~أنني وإن كنت أشك في صحة عقل كليمبروتوس لا أشك قط في شجاعته، التي حملته ~~على أن يعمل بما اعتقده صحيحا. فما قولك بالمسيحيين والمسلمين واليهود الذين يعتقدون - ~~أو في الأقل يقولون - بالخلود، ويبكون أمواتهم كما لو كانت أنفسهم أيضا للدود؟ فإن ~~كنا في اعتقادنا صادقين، إن كنا واثقين - كأفلاطون وكليمبروتوس - أن النفس لا ~~تموت، ينبغي أن نفرح في الأقل ساعة تطلق من أسر الجسد، على أنني لا أسألكم أن ~~تفرحوا، ولا أسألكم أن ترموا بأنفسكم في البحر لتبرهنوا عن إيمانكم العجيب، ولكن لا ~~تصمون الأحياء ساعة الموت بالعويل والنحيب. ~~••• # الحكيم لا يخشى الموت؛ لعلمه بأن الموت بعيد عن الإنسان ما زال حيا، ومتى مات ~~الإنسان يصبح بعيدا عن الموت. # خير الإحسان وأجمله ما جاد به القلب والعقل معا، وما بقي ففيه الكذب والادعاء، جد ~~علي بشيء من القوت ms088 فآكله، وبعد قليل أصبح كما كنت قبل إحسانك، ففتاتك لا تغير ~~في نفسي شيئا، ولكن هات منك فكرا ساميا جميلا، فيتحلل في القلب والدماغ، ويخالط ~~النفس مني؛ فترثه عني الأجيال. في كل قوة أدبية - أي عقلية روحية - شيء من ~~الخير الخالص النقي، وإذا كان فيك يا أخي شيء من هذه القوة الأدبية؛ فهذا الخير ~~يصدر عنك إن شئت أو لم تشأ، وينفعني أنا وإن شئت أو لم أشأ. ~~••• # من الناس من يعجب ببعض أبطال التاريخ ليحذوا حذوهم في السيئات لا في ~~الحسنات، فينتحل لحماقته من شذوذهم الأعذار، ويتخذ من عيوبهم مثالا لعيوبه. ~~(7) الجوع # إذا نضبت في البلاد الأنهار، واستحالت السماء نحاسا حاميا ترسل أشعة شمسها نقمة ~~وانتقاما، فتحرق الأشجار، وتأكل النبات، وتجفف الأرض، وتجعل الحقول كالصحراء، يحدث ~~في الناس مجاعة لا يد جانية فيها للإنسان. # وإذا غزا الجراد زرع أمة ومروجها، يلتهم الأخضر واليابس كشمس النفود في ~~الصيف، فلا يترك وراءه شيئا يصلح للغذاء، يحدث في البلاد مجاعة لا يد أثيمة فيها ~~للإنسان. # وإذا ألقى الوباء في أمة عصاه، وشرع يفتك فيها فتكا ذريعا، أوجب عليها النطاق ~~الصحي فأبعدها من خيرات الأرض خارج تخومها، فقد تجهز عليها مجاعة لا يد جانية فيها ~~للإنسان. # وإذا كانت أمة في حرب، فحاصرها العدو وحبس عنها الزاد، فأبت التسليم صاغرة، فقد ~~تهلك جوعا ولا ذنب في ذلك على العدو أو عليها. # أما إذا وطأ الجيش المحاصر أرضها، وأبت البقية الباقية الرضوخ والاستكانة ملجة في ~~العصيان، فقد يتخذ الفاتح التجويع طريقة للاستيلاء التام، وقد يكون الذنب في ذلك ~~عليها. # ولكن أمة طائعة أولياء أمرها، أمة مخلدة إلى السكينة، أمة بريئة طاهرة ~~الذيل، تربأ على الضيم صبورة، سكوتة، جلودة، تربتها في الأقل لم تزل جيدة، أنهارها لم ~~تزل جارية، سماؤها لم تزل مقيمة على عهودها ترسل غيثها خيرا شتاء ربيعا، في مثل ~~هذه الأمة لا تحدث مجاعة إلا لأحد أمرين: لجهل فيها، أو لجور في أولياء ~~أمرها. # والمجاعة التي لا يد فيها للطبيعة أو للقضاء أو ms089 لله، إنما هي جناية الإنسان الكبرى ~~على أخيه الإنسان. # إن خيرات الأرض لتكفي أبناء الأرض، وإن التكافل والتعاون لمن أوليات الوجود ~~الإنساني الحضري منه والمدني، فإذا أغفلنا الآن البحث في أسباب المجاعة، ونظرنا في ~~نتائجها فقط، تحتم علينا النظر أيضا في الطرائق الفعالة لإزالتها، ولإزالتها ~~سريعا. # أمة صغيرة في بقعة قصية من الأرض تتضور اليوم جوعا، وأمة كبيرة عزيزة ~~الشأن، عظيمة الصولة، يفيض عنها من خيراتها، أليس من العدل إذن - بل من الواجب ~~المقدس - أن نأخذ مما فاض عن هذه لنطعم تلك الجائعة؟ نعم، وما يصح في الأمم ~~يصح في الأفراد. وهذا التعديل في خيرات الأرض عدل لا فضل فيه لمن أعطى، ولا شكر ~~عليه ممن قبل العطاء. # الأمة المنكوبة أمتنا أيها الناس، الجياع فيها إخواننا، وإن الفائض عنا اليوم ~~لا حق لنا به البتة، لا والله، ليس ما فاض من خيرنا اليوم لنا، بل هو للجياع في ~~بلادنا، ولو كنت من أولي السيادة والسلطان لأخذت اليوم من شبعان لأطعم الجائع، ~~لفرضت على كل سوري مقدارا من المال يدفعه راضيا أو مكرها. # وماذا يضر السوري لو دفع اليوم دولارا واحدا لإغاثة إخوانه في الوطن؟ دولارا ~~واحدا على كل سوري، الفقير والغني سواء. # إني من أصحاب الرأي لا أصحاب السيادة؛ لذلك لا أستطيع أن أضرب ضريبة - هي حق والله ~~- على كل سوري، ولكني عملت بطريقتي وبحقي، فدعوت إخواني في المهجر في مقال سبق إلى ~~الصوم يوما واحدا؛ يدفعون ما يوفرون في هذا اليوم إعانة للمنكوبين، وقلت: إننا ~~إذا خبرنا الجوع نرثى لحال الجائع، فنسرع لإغاثته. # وكي لا يقال: إني أبشر بما لا أفعل بدأت بنفسي عاملا برأيي، فإني محاسب ~~لقلبي إذا مال، وللساني إذا قال؛ لذلك صمت عن الأكل والشرب والتدخين يومين وصالا، ~~ودفعت نفقة اليومين إلى اللجنة، وجئت في هذا المقال أطلع القارئ على ما خبرته من ~~نتائج الصوم ومفعول الجوع. # فإذا كانت كلمتي في الصوم ذهبت أدراج الرياح، عسى أن يؤثر عملي، فيحمل إخواني في ~~المهجر على الاقتداء بي. ms090 # من الساعة السابعة مساء حين بدأت أصوم حتى الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم الثاني لم ~~أشعر قط بالجوع، ولكنني أحسست بطنين في أذني، وبتجفف في لساني، وبشيء من المرة ~~في فمي، على أني في الساعة السابعة، أي بعد مرور أربع وعشرين ساعة، بدأت أشعر نوعا ~~بالجوع وبالعطش وبشيء من الدوار. # كنت أصيل هذا النهار أتمشى وصديق لي في أحد شوارع المدينة، فمررنا بمطعم صفت ~~في شباكه أنواع الخبز والكعك والحلويات، فوقفت أمام الزجاج الحائل دوني وتلك الجنة ~~ناسيا ذاتي، أمثل في نفسي ولدا فقيرا جائعا لا فلس في يده يفثأ به ثورة ~~جوعه. اخترقت الزجاج عيناي وما فيهما من نهمة إلى الأكل، فتحلب اللعاب في فمي، ~~فغصصت بمر مذاقه، وترغرغت عيناي بالدموع. هذا وأنا لا أشعر حقا بمضض الألم في ~~معدة فارغة، وقلب يقتر شواء؛ لأني أجوع مختارا، والمسكين الذي صورته أمامي، بل أمام ~~تلك المآكل المصفوفة وراء الزجاج، يجوع مكرها. إن جوعي ينتهي ساعة أريد، وأما ~~جوعه فلا يزول إلا ساعة يتصدق عليه أحد المحسنين. # فقلت في نفسي: إن حالة اجتماعية توجد مثل هذا المسكين الجائع لحالة ذميمة، ~~منكرة، فاسدة، جهنمية، وإذا كانت كذلك فكيف بها والمسئولون عنها يجوعون عمدا ~~أمة بأسرها؟ # لقد شاركتك جوعك يا أخي، فتعال أقاسمك كسرتي؛ عله - تعالى - يبعدني من ذل ~~الحاجة والاستجداء، الذي هو أشد ويلا من مضض الألم الذي يولده الجوع. ألا فليردد ~~كل سوري هذا الكلام، هذا الابتهال، وليمثل حول مائدته الفاخرة صبيا فقيرا عضه ~~الجوع، أنهكه، أقعده، أضناه، أورثه الهزال والخبل، فيسارع إلى إغاثته. # ومن غريب أمر الصوم أن صاحبه لا يشعر بالجوع إلا في الساعات التي اعتاد أن ~~يأكل فيها؛ فإني بعد أن أتت الساعة العاشرة استفقت نصف الليل ولا أثر في نفسي ~~للصوم كأني قضيت البارحة وقد أكلت على عادتي ثلاث مرات. # ولكنني نهضت صباح اليوم الثاني وفي - ساعة الفطور - نهمة إلى الأكل، وهذا لا شك من ~~قبيل العادة. # على أن مظاهر الجوع ازدادت نوعا وشدة؛ فتحت فمي فإذا ms091 به كالقطن جفافا، بلعت ~~ما تحلب من رضابي إذ مررت بركوة القهوة، فإذا به أمر من الحنظل، نظرت إلى ~~لساني، فإذا به أبيض كالحليب، لمسته بإصبعي، فإذا به كعباءة الراهب خشونة، أما أذناي ~~فازدادتا طنينا، وأحسست أن رأسي جسم غريب ركب مؤقتا بين كتفي، نزلت الدرج ~~وعدت إلى غرفتي، فألمت بي نوبة من الارتعاش شديدة أقعدتني بضع دقائق وأنا أرتجف حتى ~~أطرافي، وكنت أثناء ذلك أحس بموجات حارة تتماوج في داخلي، وبالأخص في جوار ~~المعدة . # فقلت في نفسي: قد عضك الجوع يا رجل، قد دنوت من إخوانك في الوطن. # نعم، بدأت في اليوم الثاني أشعر بالجوع وأتألم من شعوري؛ فهذا الضعف في رجلي - ~~وبالأخص في مفاصلي وركبتي - إن هو إلا احتجاج المعدة على صاحبها، بل على باريها، بل ~~على من في أيديهم خزائن الأرض المسئولين عن توزيع خيرات الدنيا على عباد الله. # مررت بركوة القهوة ثانية، فوقفت أمامها راغبا مترددا، ثم امتنعت لأني آليت ~~على نفسي أن أصوم يومين كاملين، وفي البيت المقيم فيه أناس في الدور الأسفل يطبخون ~~طعامهم، فتتصاعد أحيانا روائح المطبوخات فتسطع في منزلي وتزعجني جدا، ولكن اليوم يوم ~~الصوم والجوع، فإن امرأ يقتر شواء يتصاعد صوت نشيشه من فوق النار إلى منزلي لأحب ~~عندي من مطرب أو مطربة، وإن روائح الشواء والأبازير في أنفي لألذ من روائح ~~المسك والبخور. # ولت ساعة الفطور وولى معها مضض الجوع ولا غرو؛ فإن للعادة حتى في الأكل - ~~كما قلت - تأثيرا شديدا فينا؛ إذ ما السبب يا ترى في رغبتي بالطعام في ساعات اعتدنا ~~أن نتناوله فيها، وفي نسيانه، بل الرغبة عنه، في الفترات بينها؟ # أما الفكر مني ففي اليوم الأول من صومي كأن لم يزل رائقا صافيا، ولكنه في اليوم ~~الثاني أصبح خاسئا حسيرا. # ومن غريب أمر الصوم أيضا أن الذي يصوم يومين يستطيع أن يصوم خمسة، بل عشرة أيام ~~وصالا؛ فأنا في مساء اليوم الثاني لم أشعر بشهوة إلى الأكل شديدة كمساء اليوم الأول، ~~وقد قرأت أخبار أناس صاموا ms092 أسبوعين وثلاثة دون أن يتعطل فيهم عضو من أعضائهم ~~الحيوية كالكبد أو الكليتين أو الرئة أو القلب. # ومعلوم أن الأقدمين كانوا يكثرون من الصوم والتنحس، وقد قال ابن خلدون: «وقد ~~شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا.» # على أنه لا ينكر أن الصوم أياما وصالا يفقد المرء قواه الجسدية والعقلية؛ ~~فإن العضلات والأعصاب لتتقلص وتذوب من الاقتيات مما كونت منه، وإن العقل ليخسأ ~~ويمرض من تشرب دم لا غذاء فيه؛ أي إن الصائم طويلا ، الطاوي أياما، ~~يعيش على لحمه ودمه، يأكل بالحقيقة نفسه. نعم إخواني، إن الجائع يعيش على لحمه ~~ودمه، والجائع كرها يقاسي من مضض الذل - ذل الحاجة وذل الطلب - ما هو أشد من ~~مضض الجوع. # كتبت مرة نبذة أنتقد فيها بعض التعابير العربية التي نرددها نحن الكتاب ~~وقلما نتحقق تمام معناها، من جملتها قولنا: «الجوع المدقع»، فاستغربت إذ عدت إلى ~~القاموس النعت، وقلت أن لا أحد يجوع جوعا يلصقه بالدقعاء - أي التراب - فمهما اشتدت ~~سورة الجوع لا تبلغ درجة يصح أن ننعتها بالدقوع. # ولكني تحققت اليوم خطئي؛ فإن الجوع يوهن، يهزل، ينهك، يقعد، ~~يهلك، وإذا كان الجائع هائما في البرية يطلب الأعشاب يقتات بها، فليس من الغريب ~~أن يسقط في الطريق من شدة الجوع. نعم، رأيت كلاب السوق في الشرق في جوع ألصق بطونهم ~~ووجوههم بالتراب، وكنت أجل البشر عن ذلة الكلاب وجوعهم. # فوا أسفاه! إننا لنتحقق اليوم من حال بلادنا صحة التعبير العربي، بل تحققنا ~~التقصير فيه لا الغلو: مئات بل ألوف من إخواننا مطروحون اليوم في الطرق والأسواق ~~تتلاشى أجسامهم عضوا عضوا، عيونهم شاخصة إلى الشمس نهارا، إلى السماء والنجوم ليلا، ~~يسألون باري الأكوان كسرة من الخبز. قلوب واجفة، أبصار خاشعة، نفوس حزينة حتى الموت، ~~معد تلتصق بالأضلع منهم كما تلتصق أجسامهم بالدقعاء - بالتراب - في فمهم ~~المرة الصفراء - مر الحياة - يبتلعونها ثم يبتلعونها، في أعصابهم المتقلصة غصص ~~الرعشة، في أجسامهم المرض والوهاء. # شيوخ وأطفال، نساء ورجال، يسارعون إلى المدينة من الجبال علهم يلتقطون في أسواقها ms093 ~~ومن فضلات ذوي اليسار فيها كسرة من الخبز، فيتساقطون في الطرق كورق الخريف وقد استحوذ ~~عليهم الجوع المدقع، أفلا تشاركهم جوعهم يوما واحدا أيها السوري؟! أفلا تمدهم بنفقة ~~يوم من أيام يسرك؟! # ووالله لو مر بهؤلاء المناكيد الجياع وحش ضار، أو عقاب كاسر، لمال بوجهه ~~عليهم، لرثى لحالهم. وإننا نعلم أن في الحيوان غريزة هي أشرف من غريزة الإنسان ~~التي أفسدتها المدنية والتكالب فيها، فمن الطيور من تطعم صغارها من قلبها إذ لم ~~تجد لهم رزقا. # فيا أيها السوري النائي عن إخوانك المنكوبين، جئت أخبرك - خاشعا لا مفاخرا ~~- أني صمت يومين فأنهكني، أقعدني يوم واحد من الجوع، فكيف بمن يصومون أياما بل ~~أسابيع؟ اليوم، اليوم، من كان غنيا فليستعفف، من كان مترددا في التبرع ~~فليتقدم، من كان متقاعدا فلينهض، من كان في سبات فليستفق. وما الفائدة من القول ~~غدا غدا؟! فإن مثل هؤلاء المستحجرة قلوبهم يلوحون بثريدتهم للجائع لأقرب إلى ~~الضاري من الحيوان منهم إلى الإنسان. # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # الصوم، التقشف يوما واحدا؛ تملكون تلك النفس منكم الشارهة إلى اللذات، فإن مثل ~~هذه السيادة على أنفسكم لأشرف من وجاهة يجرها لكم المال. صوموا يوما واحدا، ~~وتصدقوا علينا بدولارين مما رزقتم. # الأمة - أمتنا - جاثية على قارعة الطريق تئن من ألم الجوع، الجوع المدقع، الجوع ~~المهلك، فهلا تسارعنا بل تسابقنا إلى إغاثتها؟ أليس بلسان في جلعاد؟ ~~(8) هباسيا ~~(8-1) مهد العلم الحديث # ألقي الرواية جانبا سيدتي، فأقص عليك قصة حقيقية محورها المرأة والعلم، ~~وقطرها الظلم والتعصب، تعالي معي أحدثك ماشيا فتفهمي كلامي ماشية. إنا ~~الآن لفي حي الأعيان من المدينة، وها قصر الملك أمامنا، وبالقرب منه المتحف ~~الشهير الذي بناه أحد الملوك الفاتحين، وفي هذا المتحف دار العلوم التي يؤمها ~~الطلبة من كل حدب وصوب، من كل الشرق يأتون ومن الغرب، من الجنوب ومن الشمال؛ ~~ليتلقوا العلم والفلسفة من امرأة عالمة حكيمة. # أقف بك، سيدتي، أمام هذه الكلية العظيمة، كلية لا شرقية هي ولا غربية، ms094 أقف بك ~~أمام هذا المعهد القديم - وهو مهد العلوم الحديثة - الذي شيده الأمراء، وخلد ~~ذكره المؤرخون والشعراء. ما أبهى هذه الرواقات وقد غصت بالطلبة من كل أجناس ~~الناس والطبقات! وما أعظم هذه المكتبة وفيها ما يربو على الأربعمائة ألف مجلد! ~~ولكنها - وا أسفاه - ستوزع على الحمامات بعد حين، ولا يعصى العلم على ابن ~~العاص، ولا الأربعمائة ألف مجلد تقوى على كتاب واحد. إن لله في خلقه وفي كتبه ~~شئونا. # نعم، سيدتي، نحن في سراديب التاريخ، فلا يهولنك ما وراءنا وما أمامنا من ~~الظلمات، على أني أقف بك موقف النور لنذرف دمعة على العلم وعلى إحدى نسائه ~~العاملات. # ليست المكتبة أعظم ما في المتحف، بل هناك دوائر أخرى سترينها: هذا المرصد الفلكي ~~الذي يبعد الإنسان من الخرافات ويقربه من الله، وهذا المعمل الكيماوي حيث ~~الملك نفسه كان يشتغل بضع ساعات في النهار باحثا عن إكسير الحياة، وهذه دار ~~التشريح، ولا أظنك تحبين أن تدخليها، وقد تتعوذين إذا أخبرتك أن الأطباء ~~فيها يشرحون الأحياء أيضا ممن حكم عليهم بالإعدام؛ ابتغاء التوصل إلى ~~الحقائق الطبية الراهنة. لا تتكرهي سيدتي؛ فقتل المجرمين خير من قتل ~~الأبرياء. # تعالي فأريك جنينة الحيوانات وبستان النباتات؛ حيث الطلبة يتعلمون من الأمثال ~~الحية علمي النبات والحيوان، ولا تظني أن التعليم في هذا المعهد العظيم ~~ينحصر في العلوم الطبيعية فقط، بل يتناول أيضا العلوم العقلية والروحية؛ فإن ~~هذا المعهد - لكمثل معاهد العلم كلها - إنما هو مهد الحقائق والأضاليل معا. ورب ~~حقيقة تشعل الأوهام نورها، ورب أوهام - كبعض الأطيار - تبيض بيوضها في عش ~~الحقائق؛ فقد نبغ في هذا المعهد العلمي المتشرعون واللاهوتيون والأطباء والفلاسفة ~~والعلماء. # لا، يا سيدتي، ليست كلية أكسفرد هذه ولا معهد الصربن، لسنا الآن في لندرا أو في ~~باريس، إنما نحن في المدينة التي ولد فيها العلم الطبيعي واللاهوت المسيحي تحت ~~سقف واحد، فتخاصما وتنازعا طويلا، وكان من شأنهما في قديم الزمان ما كان، إنما ~~نحن في قاعدة البلاد المصرية، في باريس الزمان القديم، في الإسكندرية على عهد ms095 ~~الرومان، والمتحف الذي وصفت فروعه العلمية هو الذي شيده بطليموس سوتر، وابنه ~~فيلادلفس، وكان المليكان يدرسان ويعملان فيه كبقية الطلبة والعلماء. # المؤرخون متفقون في أن كلية الإسكندرية هذه كانت في زمانها أعظم معهد للعلم في ~~العالم. كيف لا ومن مرصدها رصدت النجوم والكواكب التي استنار بها فيما بعد علماء ~~أوروبا الفلكيون؟! كيف لا وفيها وضعت فلسفة أرسطاطليس الاستقرائية موضع العمل، ~~وكان من ثمارها أن معهد بطليموس هذا أضحى مهد العلوم الحديثة؟! ومن من ~~علماء اليوم ينكر فضل أرخيميدس في الرياضيات؟ # ومن لا يذكر بطليموس وآبولونيوس وهباركوس في علم الفلك؟ # ومن لا يعرف إقليدس ومبادئه في الهندسة التي يتعلمها الطلبة في المدارس حتى ~~اليوم؟ وقد لا تعلمين سيدتي أن أراتوستينس - وهو من علماء هذا المعهد أيضا - قاس ~~الأرض قبل علماء الخليفة المأمون، واكتشف شكلها الكروي قبل كبرنكوس وغاليلو، وأن ~~هيرو اخترع آلة بخارية قبل جان وطس الإنكليزي، وأن تيزيبوس أول من اخترع ساعة ~~مائية، وأن يوليوس القيصر بعث يطلب من هذا المعهد الإسكندري سوسيجينوس الفلكي ~~ليصلح له الروزنامة الرومانية على الحساب الشمسي؛ فالمعهد الذي ينبغ فيه مثل ~~هؤلاء العلماء العاملين - لا شك - عظيم، وأعظم منه من كانوا يلقون فيه الدروس ~~العالية. ~~(8-2) الفيلسوفة العذراء # ومن هؤلاء سيدتي: الفيلسوف ثيون الذي درس الرياضيات في القرن الرابع «ب.م»، ~~وراقب كسوفا سنة 365، وألف في الفلك والطبعيات تآليف درست كلها، ولكن أعظم ~~تآليف ثيون وأعماله: ابنته البارعة هباسيا. # ولدت هذه الفتاة في الإسكندرية، وقرأت العلوم على أبيها، وكان لها ميل خاص ~~في الرياضيات والميكانيكيات، وقبل أن وقفت حياتها على العلم والتعليم سافرت إلى ~~أثينا، وتلقت هناك الشريعة والفلسفة، ورافعت في المحاكم، ونشأت نشأة عجيبة دلت ~~على مقدرة عقلية فيها تضاهي مقدرة أعظم الرجال. ولما توفي أبوها كانت قد ~~تمكنت من العلوم، وبرهنت في مواقف عديدة على تضلعها ورسوخها في الرياضيات ~~والفلسفة؛ فرقيت في العشرين من عمرها - وهي عذراء - إلى منصبه، وظلت تعلم ~~في المتحف الإسكندري أربعين سنة، فهاج أخيرا عليها هائج الجهل والتعصب فقتلها ~~شر ms096 قتلة، كما ستعلمين. # هباسيا زينة نساء الإسكندرية في تلك الأيام، ورئيسة الفلسفة الأفلاطونية، وصديقة ~~الأمراء المحبين للعلم والعلماء، ومرشدة الحكام، وعدوة التعصب والخرافة. ~~كلنا نسمع بالملكة كليوباترا الداهية الفاسقة، ولكن من منا يسمع بهباسيا ~~العالمة العفيفة العذراء؟ في المتحف الذي وصفته كانت تلقي دروسها على الألوف ~~من الطلبة وفيهم الأعيان والأغنياء واللاهوتيون. في ذاك المتحف كانت تعلم - ~~بأفصح لسان وأجلى بيان - فلسفة أفلاطون الجديدة التي تدعى في تاريخ الفلسفة ~~«نيو بلاطونيزم»، في ذاك المتحف الذي شيده بطليموس رفيق الإسكندر، أنارت هباسيا ~~أنوارا أطفأها الجهل والتعصب، فظلت بعدئذ أوروبا تعمه في الظلمات أحد ~~عشر قرنا. # وقد كانت هذه الوثنية الفاضلة رائعة الجمال، فصيحة اللسان، شديدة العارضة، سديدة ~~الرأي، سريعة الخاطر، شريفة الشمائل والخصال - وإن آباء الكنيسة أنفسهم ليعترفون ~~لها بذلك - على أنها كانت تتعب فكرها عبثا في مسائل قد تشغل الفلاسفة بعد ألفي ~~سنة من اليوم كما أشغلتهم منذ ألفين مضت: من أين الحياة؟ وإلى أين؟ فإن هباسيا، ~~سيدتي - أمد الله بحياتك وأنارها - كانت تحاول حل هذا اللغز القديم العظيم: ~~ما هو العقل؟ وما هو العلم؟ وما هو الله؟ # في مثل هذه المواضيع الخطيرة كانت الفيلسوفة العذراء تلقي دروسها وخطبها، ~~والحقيقة أن فلسفة الإسكندرية في أيام هباسيا وقبلها إنما هي مزيج من فلسفات ~~اليونان كلها؛ كفلسفة المشائين والرواقيين والكلبيين وغيرهم. # ومن تلاميذ هباسيا الذين حازوا شهرة في زمانهم: سينيسيوس أسقف عكا، وقد بعث ~~هذا الأب الفاضل برسائل عديدة إلى ابنة ثيون البارعة، فيها ثناء جميل عليها، ~~واعتراف بفضلها وجميلها عليه - ولم تزل هذه الرسائل محفوظة - وفي إحداها يستشير ~~المراسل أستاذته في عمل الإسطرلاب، دليل أنها كانت تميل إلى علمي الفلك ~~والميكانيكيات أكثر من سواهما. وقد ألفت كتابا وشرحت كتب آبولونيوس في هذه ~~المواضيع. # ولكن عمرو بن العاص الذي جاء الإسكندرية بعدئذ لم ير فيها وفي الألوف مثلها ~~كبير فائدة، فوزعها على الحمامات لتسخن على نارها المياه - برد الله ~~مثواه! # قد شهد المؤرخون لهباسيا الوثنية بالعفة والنزاهة، كما شهدوا لها بالفضل ~~والعلم ms097 والحكمة، وهم متفقون في أنها عاشت وماتت عذراء. وأما ما قاله سويدس ~~في أنها اقترنت بالفيلسوف أزيدوروس فلا صحة له، وقد قيل: إنه محض اختلاق ~~وافتراء. والنمامون منذ البدء كثيرون؛ فالأسقف سينيسيوس أول من اعترف بفضلها ~~وعلمها، وعندما تعرف بها، وأخذ يحضر محاضراتها كانت أضحت في الأربعين من عمرها، ~~وكانت قد قضت في المتحف عشرين سنة تخطب وتعلم، وظلت الصداقة بين الفيلسوفة ~~الوثنية والأسقف المسيحي نقية الأسباب، وثيقة العرى، فلا هباسيا اعتنقت الدين ~~المسيحي، ولا سينيسيوس خلع ثوبه الكهنوتي. # على أني قرأت في أثر لأحد آباء الكنيسة أن أسقف عكا لم يقتبل قواعد الدين ~~المسيحي، ولم يعترف بعقائده كلها، فهل في ذلك دليل على أرجحية الفلسفة في كفة ~~ميزانه؟ الله أعلم! # أما في سلوكها ولبسها ومعيشتها، فقد كانت آية البساطة والجمال. # وإني لأتخيلها واقفة أمام تلاميذها بثيابها البيضاء المهلهلة، وقد عقصت ~~بشريطة من الحرير شعرها، وسدلت على كتفها ذيل ردائها، وفي رجلها العارية نعل ~~يوناني بسيط، فلا قبعة تثقل رأسها، ولا مشد يضعف رئتيها وقلبها، ولا ~~كعب عاليا يضر بعمودها الشوكي وبمجموع أعصابها؛ آية في البساطة والبراعة ~~والجمال. # وحبذا لو عادت نساء اليوم، سيدتي، إلى الزي اليوناني القديم البسيط، خمس ~~أذرع من القماش الكتان الرقيق خير من عشرين ذراعا من الحرير الثقيل المخيط على ~~آخر «مودة»؛ فلا تثقلي وتشددي جسمك سيدتي كما لو كان جسم عدوتك، ناهيك بأمر ~~الاقتصاد والتوفير، على أننا لسنا الآن في موضوع الأزياء والاقتصاد. # لنعد إذن إلى هباسيا؛ فقد وصلنا إلى ما يثير الأحزان من أمرها، فإن هذه ~~العالمة الحكيمة، التي كان يكرمها الإسكندريون الراقون، ويستفتيها العلماء ~~العاملون، ويستشيرها في أمور السياسة الحكام، لم تنج من كره المتعصبين من ~~المسيحيين؛ فبعد أن خدمت العلم والفلسفة أربعين سنة خدمات جليلة، ماتت موت الشهداء ~~على أفظع طريقة وأنكرها، كما ستعلمين. ~~(8-3) البطريق كيرللوس # لم تكن الإسكندرية في ذاك الزمن مهد العلوم المادية فقط، بل كانت عش الكلام ~~أيضا والسفسطة؛ وبينا كان نستوروس وكيرللوس يتنازعان في عقيدة عبادة العذراء، ms098 ~~وأثاناثيوس وآريوس يتناقشان في عقيدة المشيئة الواحدة والمشيئتين، كان علماء ~~الإسكندرية يشتغلون هادئين باكتشافاتهم واختراعاتهم. ومن آباء الكنيسة الذين ~~اشتهروا بالفصاحة والعلم، والتعصب والدهاء، والمعاندة والمكابرة: كيرللوس، الذي ~~كان بطريق الإسكندرية على زمن هباسيا، فبينا هي كانت تلقي دروسها في العلوم ~~والفلسفة على الألوف من الطلبة، كان كيرللوس يثير من على منبره خواطر النصارى ~~على اليهود، ولما ارتقى إلى المنصة البطريقية في الإسكندرية كانت هباسيا في أوج ~~شهرتها، وقد تجاوزت الخمسين من عمرها، ومنذ ذاك الحين إلى أن قتلت لم يطب ~~للبطريق عيش، ولم يسغ له شراب. وإن أمره في التعصب والحقد والاستبداد ~~مشهور لدى المؤرخين؛ فحينما ذهب إلى أفسس ليناقش نستوروس في عقيدة العذراء استصحب ~~زمرة من رعاع الإسكندرية، حتى إذا ضاقت به أبواب الجدل هاجهم على عدوه، وعندما ~~تبوأ كرسي السيادة طرد اليهود من الإسكندرية، وبعث بعسكر على معابدهم وبيوتهم ~~فنهبوها ودمروها، وارتكبوا من الفظائع فيها ما تقشعر لهوله الأبدان. # ولا يخفى عليك، سيدتي، أن البطريق في تلك الأيام كانت له قوة الحاكم المدني، ~~فإن فرقة من الجنود كانت دائما موقوفة لخدمته لتنفيذ أوامره، على أن محافظ ~~البلد أورستيس لم يستطع صبرا وسكوتا على هذه الفظائع التي ارتكبها كيرللوس باسم ~~الدين، فناهضه برهة - وكانت هباسيا في هذا الخصام نصيرة المحافظ، بل نصيرة الحق - ~~واستمر هذا النزاع إلى أن حدث الحادث الهائل الذي أودى بحياة ابنة ثيون العالمة ~~الجميلة. ولا تظني، سيدتي، أن هذا هو السبب الوحيد الذي أثار خاطر كيرللوس على ~~هباسيا، فإن رأس الخلاف بينهما لأبعد من هذا. أجل، إنما هو نزاع بين العلم ~~والخرافة، بين التعصب والفلسفة، بين الحرية والاستبداد، بل هو نزاع بين عذراء وثنية ~~أقامت على فضائل الدين المسيحي دون أن تعتنقه، وبين بطريرك استخدم الدين واسطة ~~لإشفاء غليله ونيل مآربه، وفاز بذلك فوزا مبينا، حتى إن المحافظ أورستيس أشفق ~~على منصبه وحياته من تعصب البطريرك وتغيظه، ولكن ذنب المحافظ ذنب سياسي فقط، ~~وذنب هباسيا سياسي علمي ديني؛ لذلك اختارها كيرللوس هدفا لحقده وغضبه. ms099 وسأنقل ~~إليك حادثة قتلها كما رواها واتفق في روايتها المؤرخون. # عندما كانت هباسيا عائدة في عربتها من المتحف الملكي قاصدة بيتها، تصدى لها ~~جمهور من رعاع المسيحيين وفيهم الرهبان، وفي مقدمتهم بطرس الشماس الذي كانت ~~له في الجريمة المنكرة اليد الطولى، فأسقطوها من العربة، وجروها إلى السيزاريوم ~~- وقد كانت في ذاك الزمان كنيسة للنصارى - ونزعوا عنها كل ثيابها، ومزقوا جسدها ~~تمزيقا بصدف المحار - وقيل بشقف من القرميد والفخار - ثم قطعوها إربا ~~إربا، وذهبوا بها إلى خارج المدينة وحرقوها هناك. وكان ذلك في آذار سنة 415، في ~~عهد الملك تيودوسيوس الثاني. فقدس كيرللوس في صباح اليوم التالي على عادته، وأكل ~~جسد الرب، ولكنه لم يستطع أن يقول ما قاله بيلاطوس قبله بأربعة قرون: «أنا بريء ~~من دم هذا الصديق.» # لا، فإن البطريرك مسئول عن قتل هباسيا على هذه الطريقة الفظيعة الشنعاء، وقد ~~يتطرف المؤرخون ويعتدلون - بحسب نزعاتهم السياسية وصبغاتهم الدينية - ولكن ما من ~~واحد منهم يرتاب في أن البطريرك كيرللوس هو العامل الخفي على قتل ~~هباسيا. # وقد قال ثيودزوت - وهو من آباء الكنيسة المشهورين: إن لكيرللوس يدا خفية في ~~هذه الجريمة. # وقال أحد المؤرخين المعتدلين: إن لم تقتل هباسيا بأمر صريح واضح من البطريرك، ~~فقد قتلت بعلمه وإرادته. # وقد أدهشني عنوان طويل لكتاب، طبع في إنكلترا سنة 1720، في هذا الموضوع، قال ~~المؤلف: إن هذا «تاريخ امرأة عظيمة في علمها وفضلها وفصاحتها وأخلاقها وجمالها، ~~قتلها إكليروس الإسكندرية ومزقوها إربا إربا إكراما لخاطر بطريركهم الذي ~~يدعى بلا استحقاق القديس كيرللوس». # وفي قتلها أقفل باب المتحف العظيم الذي شيده رفيق الإسكندر، في قتلها كانت ~~نهاية العلم والفلسفة في المغرب، في قتلها تم للتعصب النصر على الحرية ~~والتهذيب، فأقفل باب النور الذي فتحه بطليموس في الإسكندرية - كما أقفله ~~بوستنيانوس في أثينا، فكان سميليسيوس آخر الفلاسفة في بلاد اليونان - وكانت هباسيا ~~خاتمة الفلاسفة في بلاد مصر. ومنذ هاتين الحادثتين المنكرتين تبتدئ ما يدعى في ~~التاريخ «العصور المظلمة»، وتستمر في أوروبا أحد عشر قرنا. # هذي هي سيرة هباسيا ms100 «العظيمة في علمها وفضلها وجمالها»، بل هذه قصة النزاع بين ~~الدين والفلسفة في ذلك الزمان. ومهما قيل في البطريرك كيرللوس، فمن المقرر، ~~سيدتي، أن الرجل الذي يعمل ما عمله في اليهود، الرجل الذي يهيج رعاعه على ~~نستوروس في مجمع أفسس، الرجل الذي يستخدم القوة العسكرية لإثبات عقيدة لاهوتية ~~وتعزيزها، لا يتردد في أمر امرأة عملت على هدم صروح الخرافة والأوهام، فقولي ~~إذن: رحم الله أمثال كيرللوس من البطاركة، وجعل أمثال هباسيا من المقربين ~~المكرمين. # | المختارات الشعرية أو الشعر المنثور # يدعى هذا النوع من الشعر الجديد # Vers libres # بالإفرنسية، وبالإنكليزية # Free verse ~~؛ أي الشعر الحر، أو - ~~بالحري - المطلق، وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج، وبالأخص عند ~~الأميركيين والإنكليز، ف «ملتن» و«شكسبير» أطلقا الشعر الإنكليزي من قيود القافية، ~~و«ولت وتمن» # Walt Witman # الأمريكي أطلقه من قيود ~~العروض؛ كالأوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية، على أن لهذا الشعر المطلق وزنا جديدا ~~مخصوصا، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة. # و«ولت وتمن» هو مخترع هذه الطريقة وحامل لوائها، وقد انضم تحت اللواء بعد موته كثير من ~~شعراء أوروبا العصريين. # وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات «وتمنية» ينضم إليها فريق كبير من الأدباء المغالين ~~بمحاسن شعره الجلية، المتخلقين بأخلاقه الديمقراطية، المتشيعين لفلسفته الأميركية؛ إذ ~~إن شعره لا تنحصر مزاياه بقالبه الغريب فقط، بل فيه من الفلسفة والتصور ما هو أغرب ~~وأجد. ~~(1) الثورة # ويومها القطوب العصيب، وليلها المنير العجيب # ونجمها الآفل يحدج بعينه الرقيب # وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير وعندلة ونعيب # وطغاة الزمان تصير رمادا، وأخياره يحملون الصليب # ويل يومئذ للظالمين! للمستكبرين والمفسدين! # هو يوم من السنين، بل ساعة من يوم الدين # ويل يومئذ للظالمين! ~~••• # هي الثورة ويومها العبوس الرهيب # ألوية كالشقيق تموج، تثير البعيد، تثير القريب # وطبول تردد صدى نشيد عجيب # وأبواق تنادي كل سميع مجيب # وشرر عيون القوم يرمي باللهيب # ونار تسأل: هل من مزيد؟ وسيف يجيب، وهول يشيب # ويل يومئذ للظالمين؟ ويل لهم من كل مريد مهين! # طلاب للحق ms101 عنيد مدين، ويل للمستعزين والمستأمنين! # هي ساعة للظالمين # هي الثورة وأبناؤها الحفاة، وصبيانها المسترجلون العتاة # ورجالها الأشداء الأباة، ونساؤها المتنمرات # وخطباؤها وخطيباتها الفصيحات، وزعماؤها وزعيماتها المتمردات # ويل يومئذ للظالمين! # أنذرهم بأغلال وسعير، بقنابل تفجر ويوم عسير # يوم لا ينهون ولا يأمرون، ولا يطلقون فيهربون # ويل يومئذ للظالمين! ~~••• # ألم يأتهم حديث الرومان؟ # يوم شغف قيصر # 1 # بالأرجوان، ومد يده إلى الصولجان # فإذا هو صريع خناجر أحرار ذاك الزمان، قتيل مهان كثير الطعان # ويل يومئذ للظالمين. ~~••• # ألم نقص عليهم قصص باريس؟ # يوم دك البستيل وزفت المحابيس، يوم قطع رأس الملك لويس. # 2 # وجزت رقاب كبار الفرنسيس، وفر الطاغون والمسيطرون من وجه هول ~~باريس. # ويل يومئذ للظالمين. ~~••• # ونبأ الإنكليز! # يوم بايع القوم بياع الجعة # 3 # وقالوا هذا ولي عزيز # يوم نادى الخمار بالناس والملك في حرز حريز # فإذا بالمستضعفين أشداء، وشارل المليك ذليل نبيذ، بل على المشنقة ~~يستعيذ # ويل يومئذ للظالمين من كل متنمر متمرد مدين # ويل يومئذ للمفسدين من نصر البنود الحمر المبين. ~~••• # ونبأ العالم الجديد! # ألم يروا لهيب الأتون في العالم الجديد؟ حيث يطرح كل جائر مريد # حيث يحرق الأرجوان وتذوب تيجان الحديد # حيث تحرر العبيد، ويموت ألوف البشر من أجل هؤلاء السود المناكيد # حيث قام الأذل على الأعز، والوضيع على الجبار العنيد # ويل يومئذ للظالمين، يوم يمتع الله المستعبدين # ويطلق في الشعوب سلطان روح كمين، بل يضرم من ناره البراكين # بل يثير في الجموع روح الأمين، روح كل زعيم صادق أمين # يوم يهب المظلوم سيف الظالم الأثيم # ويذيق المفسدين حر عذاب أليم، في هذه الأرض لا في الجحيم # ويل يومئذ للظالمين من كل متنمر متمرد مدين # ويل يومئذ للمفسدين من نصر البنود الحمر المبين. ~~(2) ريح سموم # وبربك القيوم، ما الذي تظنه يدوم؟ # صوت سمعته في الكروم، وقد مرت عليها ريح سموم، فجفت الأرض # وعادت جزرة كثيرة الكلوم # سقطت الجفان عن فسائلها، وفزعت أوراقها إلى الغيوم # صوت صارخ من وراء النجوم: ما الذي تظنه يدوم؟ ~~••• # من صروح زاهية فخيمة، من رياض ms102 زاهرة كريمة # من بروج شاهقة عظيمة، من معامل حديثة أو قديمة # ما الذي تظنه يدوم؟ # من أسراب منورة تحت الأنهار، من أرتال فيها يدفعها الكهرباء، أو يجرها ~~البخار، من بوارج ماخرات في البحار، من أساطيل تنذر بالدمار # من معالم ومعاهد في الأمصار، ما الذي تظنه يدوم؟ # من أنفاق تحت الأديم ملؤها عجاجه، تنفثها وتثيرها القطر الولاجة # من قباب بين السحاب وهاجة، ما الذي تظنه يدوم؟ # من جسور فوق المياه جسيمة، من جزائر على المياه عظيمة # من جبال تحت المياه قديمة، ما الذي تظنه يدوم؟ # من سدود محكمة منيعة، من خلج كونتها الطبيعة # من ترع تؤلف بين البحار، وتجمع بين بعيد الأقطار والأمصار # من خطوط حديدية تطوق الأرض، من أسلاك برقية تطوي المسافات في ~~الطول والعرض، ما الذي تظنه يدوم؟ # من أبنية ذات الطبقات العشرين، من أحياء في المدن الكبرى يأوي إليها جموع ~~البائسين، من معابد وبيع لا أثر فيها للدين # من أصقاع لا صوت فيها للأحرار الصالحين، ما الذي تظنه يدوم؟ # من قصور مكتنفة برياض خضراء، من صروح الملوك والأمراء # من دور الرؤساء والأغنياء # من أكواخ البؤساء والفقراء، ما الذي تظنه يدوم؟ # من شرائع ودساتير # من تقاليد وعادات وخرافات # من أديان وعقائد وخزعبلات # من دول وممالك وحكومات # من أحزاب وطوائف وجماعات، ما الذي تظنه يدوم؟ # صوت صارخ من وراء الغيوم، صوت ريح سموم، أي شيء يدوم؟ # مهلا مهلا، إن هذه كلها لصالحة في ذاتها، إن هذه كلها لحسنة في ~~وقتها # لكل شيء من العز والمجد أركان، لكل شيء من أبناء البطر والأشر ~~أعوان، لكل شيء برهة من دهره الوسنان # ساعة أو عام أو قرن من الزمان، الطويل من الدهر في عين الأزل والقصير ~~سيان # فلا تظنها إلى الأبد تدوم، لا وربك القيوم مبدع الشمس والنجوم. ~~••• # إلى حين يا أخي إلى حين، كل ما في العالمين، إي ورب العالمين إلى حين! وبعد ~~فقل لي: هل أنت من الممترين، هل أنت من القائلين السائلين؟ # وبعد ذلك وبعد حين # أما في زمانك تأملت ms103 المغاور في الصخور؟ فاذكر أن الأمطار والرياح ~~تكونها، والأمطار والرياح تهدمها # إن كل ما هو محترم معبود، من أضاليل الزمان والجدود، يظل في حرز ~~إلى أن يظهر في الناس رجل عظيم عزيز # بطل تجود به الأيام، فيصرخ في وجه الأئمة والحكام. # صرخة ترددها البحار والآكام، وهو قائم على المظالم البشرية، مناضل عن الحقيقة ~~والحرية، باذل مهجته في سبيل الإنسانية # أجل، إن كل شيء لحريز في موضعه حصين، إلى أن يزلزله رجل حصيف رشيد، ~~أو امرأة عظيمة ذات رأي سديد # ومهما كانت حصونكم متينة منيعة، فساعة الزلزال والدمار شديدة سريعة # ساعتئذ يتحدث الركبان في صنيع لأحد العظام جميل، أو عمل لإحدى العظيمات ~~جليل # أجل، إن كل شيء لحريز في موضعه حصين، إلى أن يقف أمام القوم رجل صالح ~~ذو رأي سديد، حر فصيح عنيد، أو امرأة صالحة ذات رأي سديد، حرة فصيحة ~~لسانها من حديد # يومئذ يعلو صوت المطالب بحقوق المستضعفين المستذلين المستعبدين # صوت الأمناء والأمينات من زعماء وزعيمات على كل ظالم جبار مهين. ~~••• # وبعد أن تلاشت ريح السموم فوق الجبال تلاها نسيم لطيف الاعتلال # فدخلت في أثره غابة من الصنوبر كثيفة الظلال، وسمعت من خلال الأغصان صوت ~~المحبة والمعروف والحنان، سمعت صوتا يقول: ورب الأكوان، لا يدوم إلا الإحسان ~~والعرفان! لا يدوم إلا السجايا الروحية الفريدة، سجايا النفس البشرية ~~الخالدة # لا تدوم إلا آثار النهضة الجليلة، ومآثر الأنفس السامية النبيلة # وما أسخف الجدل والمنطق والبرهان أمام مشروع جليل! وما أوهن التعاليم ~~الوضيعة تجاه خطب جسيم! وما أوهى الأقوال والآراء إذا قوبلت بنظرة من ~~رجل عظيم أو صادفت نفحة من نفحات حكيم! # عندما يرفع مثل هذا البشر رأسه وصوته، ولا فرق عندي رجلا كان أو امرأة، يقف ~~دولاب الأعمال، ولا يبقى شيء على حال # عندئذ يبطل الجدال، وتنكسر شوكة المال، وتحشر الرجال، وتكبر ~~الآمال # يومئذ تنقلب المجتمعات، وترتعد فرائص الطغاة الحفاة # يومئذ تنقلب العادات والعبادات، وتهب على الأرض الذاريات السافيات # فيسأل السائل من وراء النجوم: أين مالكم ونفوذكم وشوكتكم؟ أين تقاليدكم ms104 ~~وطرائقكم ولاهوتكم؟ أين شرائعكم ودساتيركم وحكوماتكم؟ أين حصونكم وصروحكم ~~وسجونكم وجنودكم؟ أين مصانعكم ومعاهدكم؟ أين زخرفكم وسفاسفكم؟! # فقل: إن هي إلا برهة من الدهر الوسنان، ساعة أو عام أو عصر من الزمان # قل ورب الأكوان: لا بقاء لما سوى الجد والعرفان، والمعروف والحب ~~والإحسان # فهي هي الجبال الراسيات، وهي هي الحصون الواقيات، وهي هي الباقيات ~~الصالحات # بلى ورب السماء والنجوم! لا يفلح المستكبر الظلوم، ولن تدوم إلا آثار ~~النفوس الذكية السامية ووجه ربك الحي القيوم. ~~(3) تحت الرماد وفوق النجوم ~~«تحت الرماد وفوق النجوم ما لا تراه مما يدوم» # رأيت فضيلة اليوم تجر أذيال الفخر والتبجح في شوارع الرياء، وفي أزقة ~~الورع والقداسة، فكرهتها نفسي # ورأيت ما يسميه الناس رذيلة تقضي حياتها في ظلمات السكون والكتمان وراء ~~ستار الخمول والنسيان، فحن إليها فؤادي # لم إذن نبغض الأشرار، ولم إذن نعبد الأبرار؟ # لماذا نميل وجهنا عن الفقراء الأذلاء، ونعفره أمام الأغنياء ~~والأمراء؟ # إن علية القوم أوطاهم أيها الإخوان! فاحذروا من تكرهون ومن ~~تحبون! # من تحتقرون ومن تجلون! # وغدا ينير الله قلوبكم فتعرفون الحق وتعبدون. # لا والله! وأنا لا أشمخ بأنفي على أصغر صعلوك، ولا أعفر وجهي أمام أكبر ~~الملوك! ~~«إن تحت الرماد وفوق النجوم ما لا تراه مما يدوم» # اعلموا أن الكل في عيني سواء من الوجهة التي أنظر منها إلى الناس # كيف لا وتحت الرماد نفس هذا الشرير جذوة خير حية، وفي بستان ذاك الصديق ~~كثير من الجذور السامة، والنباتات الكريهة الرائحة؟ # كيف لا وفي الصعلوك نفس تكبر إذا انطلقت من القيود والأغلال، وفي الملك ~~نفس تصغر إذا جردت من ترهات الأبهة وأباطيل الإجلال؟ # لم إذن يحسد الإنسان هؤلاء الأغنياء والأقوياء، وأولئك الملوك والأمراء؟ ~~إن أفقر البشر حالا، وأوضعهم شأنا، وأقلهم مالا، لهو من أعاظم الناس إن ~~كان لا يحسد أحدا من الناس! ~~«إن تحت الرماد وفوق النجوم ما لا تراه مما يدوم» # أنا لا أغبط من أبناء آدم إلا الرجل الحر حقا، الحر بكل معنى الكلمة، ~~ولكن أين أجد مثل ms105 هذا الرجل لأعبده لا لأغبطه؟! # أما الأغنياء والأقوياء، والملوك والأمراء - تباركت أسماؤهم - فعظمتهم ~~إما مكتسبة اصطناعية، وإما خلقية طبيعية، وجل ما في القوة المكتسبة ~~مسروق منهوب، ومعظم العظمة الاصطناعية مختلس مسلوب، العظمة العرضية ~~الاصطناعية هي كالسوس في عظام القوة الحقيقية. # ومن يحسد السوس في العظام، أو الذباب فوق الطعام، أو الجراد على ~~الآكام؟ # وأما العظمة الخلقية الطبيعية فهي جير من روح الله # وأنا أطأطئ رأسي أمام كل قوة بشرية فيها شيء من جوهر الذات ~~الإلهية، وإن أسمى ما في قلب الإنسان من العواطف الشريفة هي تلك التي تتجلى ~~في اتضاعه وخشوعه أمام العظمة البشرية الخلقية التي هي حقيقة الله في ~~الناس. ~~«إن تحت الرماد وفوق النجوم ما لا تراه مما يدوم.» ~~(4) داويني ربة الوادي # داويني ربة الوادي داويني! # ربة الغاب اذكريني، ربة المروج اشفيني! # ربة الإنشاد انصريني! ~~••• # ألا تذكرين يوم رددت وحيك بين قوم لا يشركون مع البعل إلها، ويوم ~~قدمت ذبيحة للزهرة من يد من لا يعرف من الآلهة سواها؟ # ويوم ناديت باسمك في هيكل إيزيس، فطردني من الهيكل الكهان # ويوم تصاعد دخان بخورك على الأولمب، فاكفهر منه جبين رب الأوثان # أنا من وضع بخورك في مجامر خدام هياكل الرومان # أنا من عقد أوتارك في قيثارة راقصات بابل وقين اليونان # أونسيت ما زرعته يدي حول هيكل تموز من الأشجار # وما حاكته يدي لربة الفينيقيين من أكاليل الغار والأزهار # وما خطته يدي في كتاب عبدة الشمس والنار ... # وما حطمته يدي من تماثيل الطغاة ودمى كبار الأبرار؟ # داويني ربة الوادي، داويني! # ربة المروج اشفيني! ربة الإنشاد انصريني! # أنشديني على قيثارك من الألحان التي تردد صداها اليوم طيور الغاب، وشحارير ~~البستان # أنشديني من الأنغام التي يطرف بها الرعاة الأنعام # صوت نايك في الدجى، وصوت أرغنك في الضحى أسمعيني # إلى صوت عبادك على ضفاف الأنهار، وصوت أولادك في القفار اهديني! # انشري الآن حول سريري ما كمن في الحقول من عبيري # اسكبي الآن فوق رأسي ما تركته الأحقاب في كأسي # ألحفيني بحبك، ضمخيني بطيبك، ms106 أنعشيني بهمس شفتيك، وبلمس أناملك # رددي على مسامعي الآن ما نسيته مما علمتني من الألحان # أسمعيني الآن ما رددته عنك في مجالس قين بابل واليونان # داويني ربة الوادي، داويني! # ربة الإنشاد أصلحيني! # أنا ناي الرعاة من عبادك # أنا عود العشاق من عبادك # أنا أرغن المتشرد من عبيدك # أنا كنارة الراقصات ليلة عيدك # أنا النفس التي يتجلى فيها جمالك، وينبعث منها نورك، وتنطبع عليها أسفار ~~حكمتك، وترف فوقها بلابل سحرك # أنا صوتك جسدته الدهور، أنا روحك أنزلت في الفيدا وفي الزبور # أنا رسولك إلى صفوة العباد، إلى خير من زين الأحلام في المعاد، بل إلى كل ~~من هام في كل واد # أنا وحيك في نشيد الإنشاد، أنا نورك في نفس من سربل التوبة بالإنشاد # أنا في قيثارك نغمة جسها الجهل ضمن جدران الأهرام # بل أنا أغنية رددتها الليالي على الأعوام # أنا في قيثارك روح الفقنس تحت رماد المنون، بل روح أرفيوس فوق أمواج ~~الفنون # أجل! أنا قيثارك، وأنا صوتك، وأنا نشيدك # ولكن يدا أثيمة خنقت البلابل في القيثار، وقطعت منه الأوتار # فجاءت اليوم بنات الهديل تداوي بسجعها سجعي العليل # داويني ربة الوادي، داويني! # ربة المروج اشفيني! ربة الإنشاد انصريني! # المسيني بأناملك تعيدي إلي بهاء ملكي # عوديني في الأسحار تشتد من نسماتك الأوتار # اغسلي جراحي بموجات من فيوضاتك الإلهية # ضمدي أوتاري برقية من رقياتك الموسيقية # أعيدي إلي ما سلبتني الآلام من مجد الحياة الشعرية # ضميني إلى صدرك بنت الأزل والخلود، فتزول عن جفني كآبة الأجيال، ويثمر ~~في عقم الجدود. # من يوم هجرت وإياك الجفان في قديم الزمان، ما رأيت أجمل من الحب فيك إلا ~~الحنان! # فحتام اليوم هذا الصد والجفاء، وهذا الهجر والنسيان؟ # اذكريني ولو مرة في ظلامي # عوديني ولو مرة في منامي # انصريني قبل أن تذبل أيامي. ~~(5) غصن من الورد # ركبت في الأمصار البعيدة هواي وأرحته من عنانه # غرست في بساتين الغرباء حبي فنور قبل أوانه # غرسته في أرض سمراء جديدة، فناحت عليه زهور زمانه # طرحت بذور حبي جزافا ذات اليمين ms107 وذات الشمال # طرحتها في سهول الحرية، فأحرقها قيظ الفوضى، وداستها أرجل همجية # طرحتها في أنجاد العلم، فأيبس ما نبت منها الصر، وحملت رياح النزاع البقية إلى حيث لا ~~أدري # طرحتها على شواطئ نهر الفلسفة الراكد، فذوت في ظلاله الظليلة، ماتت؛ لأنها لم تر ~~نور الشمس # غرست حبي في غياض الحضارة الغيضاء، فأدمته الأشواك، خنقه العليق، قتلته الجذور ~~السامة # غرسته في أرض الأحباء والخلان، فمات بالاستسقاء من مستنقعات الكذب ~~والرياء # غرسته في حقول التجارة تجاه طواحين التمدن، بين بيت الصراف، وبيت الكاهن، فتواطأ ~~الاثنان عليه، ومدا في قلبه البلاط رصيفا للصوص # لأولئك اللصوص الذين يؤاكلون ويشاربون القضاة # ذهبت بحبي إلى الفقراء والبؤساء، فغرسته في أرضهم الجدباء فلم ينبت، غرسته قدام ~~بيت أم الحي فاقتلعته ورمته بوجهي وهي تقول: اذهب في طريقك، جاءنا قبلك مغرون فقتلوا، ~~صلبوا، حرقوا، نطلب إنصافا وعدلا لا تعزية ورحمة # جزت حي البؤساء إلى مغاور اللصوص والأشقياء، إلى المنبوذين والممقوتين # ذهبت فغرست بينهم غصنا نضيرا من حبي، فعاش قليلا نحيلا، ومات قبل أن يبلغ ~~أشده # في ظلمات قنوط المنبوذين قضى نحبه، دخان تجديف الجاحدين أعماه، خنقته روائح بذاءة ~~اللصوص والقتلة، فكفنه الفاجر بلعنته، وجلقت الفاجرة فاها فوق جثته # هجرت المدن، وهذه المدنية، وركبت البحار # نثرت على المياه حبي كما تنثر شمس تموز ألماسها ولآليها، نثرته صباحا فتلونت ~~الأمواج من شهواته، نثرته مساء فتوهجت من نيرانه الآفاق # كلم حبي السحاب فأجابه، دعا البحر فلباه # لمس حبي الآفاق بأنامله، فارتعدت وتموجت مبتهجة متوهجة. ~~••• # في صبح يوم من أيام الربيع بعثت حبي رائدا في صحراء جديدة، فمضى ولم يعد ~~إلي # ناديته من قمم لبنان فلم يجبني # فتشت عليه في الآفاق وورائها في مشرق الشمس ومغربها فلم أجده # تركت حبي يهيم ثانية على وجهه # فركب هواه مرة أخرى وتركني أتحسر وأتأسف عليه، آه علي، أواه عليه # في وطني، في أرض أجدادي، في التربة التي ذاقت قديما حلاوة ضربة معول رجل قوي، غرست ~~غصن ورد طري # غرسته والآمال تدفعني والعزم يعقد شفتي # غرسته ms108 في مكان عزيز، جعلته في حرز حريز بعيد عن الحضارة والناس، لا فرق عندي الآن إن ~~صمت مسامعهم وإن فتحت # لا يهمني إن استحجرت قلوبهم، أو استحالت طينا، أو ذابت ماء معينا. أنت أيتها ~~الأرض أمي، وسأفرح يوم تضميني إلى قلبك كما تضمين الغصن الذي أنا الآن غارسه # أنت أيتها الأرض حية أبدا، أبدا تحبلين وأبدا تلدين # مهما كان ظاهرك فالشعور فيك لا يموت، النار في قلبك لا تخبو # الخريف يزيل الوقر من أذنك، والشتاء يلين قلبك، والربيع يحرك لسانك، ~~والصيف يريك ثمرة أحشائك # ومن أفصح منك في الربيع، وأكرم منك في الصيف؟ # من أعظم تهيجا وعطوفا منك في الشتاء؟ من أشد سمعا في الخريف؟ من أرحم منك ~~أيتها الأرض؟ من ألطف وأشفق وأحلم؟ # تقبلين منا الأقذار وتعطينا عوضها الأزهار # تستنشقين نتانة أمراضنا وروائحها، وتعيديها إلينا شذاء طيبا # تسكب لك السماء كأسا من الماء الزلال، فيعكره الإنسان، فتفيضين عليه مكافأة خيراتك ~~ومراحمك # أرض أجدادي، افتحي الآن لي قلبك # لا تجهميني، لا تعبثي برجائي وعملي، لا تحبسي حبي عني دهرا # أيتها الأرض التي نقبها أبي، وصلت تحت أشجارها أمي، لا تودعي آمالي الصخور، لا ~~تحمليها إلى قمم الجبال فتموت هناك من الثلوج وشدة الرياح. ~~••• # على كتف هذا الوادي الذي ردد صدى صراخي وغنائي صغيرا في هذه الأرض التي هجرتها قبل ~~أن هجرتني الصبوة، غرست غصن ورد طري # كلمت الأرض بيدي لا بلساني، حصبتها ونقبتها بمعولي الصغير # طعمتها من ذاك الأسود الذي تفرزه المواشي، ومن ذاك الأصفر الذي يكاد يشتعل في الصحراء ~~من قبلة الشمس، ويكاد يذوب على السواحل من قبلة الأمواج # سقيت غصني من ماء الفؤاد، وحجبت عنه النور في أيامه الأولى # رفعت فوقه سرادق ودي وهيامي، ونثرت حوله في الشتاء أوراق الخريف البالية # ولبثت إذ ذاك أنتظر جواب الأرض وحكمها # كم مرة زرت غصني وهززته مستخبرا، فلم تبد عليه لا إشارة الموت ولا علامة ~~الحياة! # كم مرة افتقدته وقلبت فيه الطرف مستقصيا أخباره! # كم مرة وقفت أمامه والفؤاد يتموج بين ms109 اليأس والرجاء! # تباركت أرض أجدادي؛ فقد حسن في عينها اجتهادي # تباركت أرض أمي، فستريني الورد على غصن تعبي وهمي # نعم، الأرض كلمتني، أجابت الأرض سؤلي، رددت الأرض صدى حبي # ها إن غصن الورد ينطق كالطفل # بدت عليه على شفتيه لفظة الحياة، وأثمرت في قلبه الكلمة الحية التي تساقطت عرقا من ~~أناملي ومن جبيني # في فمه لؤلؤة صغيرة ملفوفة بلفافة ذهبية، وفي صباح الغد تستحيل لفافة لازوردية، وتبدو ~~اللؤلؤة زمردة نحيفة ندية # وبعد غد أو بعده ينشأ من الزمردة صدفة خضراء في قلبها بحور من الورد لا ترى، ~~وأجيال من الحياة لا تعد # في قلبها أوراق خضلة صغيرة ملتفة حول عرق نحيف طري لا يعرف بعد اسم الشوك ولا ~~معناه # في قلبها أغصان، وفي قلب الأغصان ورد، وفي قلب الورد بذور، وفي البذور الأبدية ~~والخلود. ~~••• # كلمتني أرض أجدادي، أحيت في الرجاء، ضمت إلى صدرها طفل حبي وأنعشته بعد أن كاد ~~يموت # نفخت فيه من روحها الأزلي فتحرك لسانه # هو ينطق بما تلقيه إليه من آيات الحب والجمال والحكمة والرجاء، أين فصاحتي من ~~فصاحتها؟ # الأرض لا تنطق إلا لتحيي، لا تتكلم إلا لتزهر وتثمر # ما قالت «لا» بزمانها قط! فإن كان جوابها إيجابا «فنعم»، وإن سلبا، فسكوتا ~~أبديا # كل آياتها جميلة، كل أقوالها منعشة محيية # وليتها تعلم بنيها القول المثمر، المنعش، الجميل # أو ليتها تعلم بنيها السكوت. ~~••• # كأني بالأرض تقول: ليكن عندك ذرة من الإيمان في، واعطني ساعة من العمل، فأعطيك ~~عوضها مائة، بل ألف ضعف من الحب والرجاء، من السرور واللذة، من العزم والنشاط، من ~~الحياة البسيطة النقية التي لا سعادة للإنسان إلا بها. ~~••• # كل جرثومة على غصن الورد الذي غرسته هي لفظة من ألفاظ الأرض العذبة، هي رسالة حب من ~~الأم لبنيها # كل برعم من هذه البراعم هو عقدة من عقد الكون، هو سر من أسرار الحياة # في أي عصر ولدت أيتها الوردة؟ أي أرض شاهدت أول زهرة من أزهارك، واستنشقت أول ~~نفحة من أريجك؟ # من زرع بذرتك الأولى؟ من ms110 غرس أول فرع من فروعك؟ # أول غصن من أغصانك الأصلية الأولى: من نقله من الحقل إلى البستان؟ من الوادي إلى ~~حديقة الإنسان؟ # أيتها الوردة البرية، بل الوردة السرية: من أي دغل نشأت؟ وفي أي سلم من النباتات ~~الشوكية رقيت؟ # لا تتكلم الأرض إلا ألغازا، الأرض لا تأتمن بنيها على أسرارها # احترز من شرك العلة الأولى، لا تبحث في أصول الأشياء # متع نظرك ونفسك فيما تراه وتسمعه، وإن شئت الدخول إلى هيكل سر الأسرار فتجرد عن ~~الجسد قبل أن تطأ أسكفة الباب. ~~••• # إني لأجد لذة شهية غريبة في مشاهدة هذه البراعيم الجديدة، وفي مراقبة نشوئها ~~ونموها # عددتهم والله مرارا كما تعد الأم أسنان طفلها # افتقدتهم مرارا كما تفتقد الطيور عشوشها # تلهفت وأي تلهف على برعم واحد نثرته الرياح منها # ولكن زمن السرور قصير تكاد زبدة الأشياء تذوب قبل أن تجمد. ~~••• # أواه! صرت أخشى الاقتراب من وردتي فقد أثت فروعها، والتفت أغصانها، وقست ~~أشواكها # أواه! صرت أنظر إليها بغير العين التي شاهدت نشوء براعيمها ونمو فروعها # لهفي على وردة الحياة، تريني ألف شوكة قبل أن تفيح بنفحة واحدة من شذاها # تجرحني مائة مرة قبل أن تعطيني زرا واحدا من أزرارها. ~~(6) معبدي في الوادي # إيه أم الطبيعة بل أمي! جئت أجدد معك آمال الحياة وسرورها، جئت أجدد عهدي ~~وإيماني مع كلاء الحقول وزهورها # جئت أردد تحت هذه الأفنان الخضراء ابتهال أبنائك الأتقياء # وقفت على ضريح الشتاء ليلا، فشاهدت هناك مشهدا جليلا # شاهدت ربة الربيع تقبل جبين أبيها، فينور الأقحوان تحت شفتيها # رأيتها تكتب بدموعها سفر الخلود، فيردده العصفور في الجلمود # ورأيت الأولاد في الحقول حفاة يقطفون الزهور لخير من تألم في الحياة، فقلت في ~~نفسي: ونعم الإيمان في قلوب الصبيان! # إن في قلبي اليوم شيئا مما في قلب جاري، وفي قلب الغاب أثرا من آثاري. # ألا إن قلبي في عقل هذا القروي، وعقله في قلبي الخفي، والذي يراه تحت الكلاء أراه ~~أنا في السماء، والذي يراه في الأرض المنبثق منها نور العالمين أراه ms111 في أكمام الورد، ~~وفي براعم الياسمين # فإذا كنت أرى ذلك في الحقل، فلماذا أبرح الحقل؟ # ألأسمع في الكنيسة وعيد من لا يعرف من أسرار الحياة سوى ما قرأه في كتب اللاهوت ~~والصلاة؟ # إن في ورقة من أوراق التوت سرا لا يكشفه اللاهوت # إلى الوادي إذن، هناك بين أشجار البطم والزمزريق، وتحت أدواح الصنوبر والسنديان ~~أشيد هيكل الإيمان # أراني هنا في بيتي، بل في بيت الطبيعة، بل في بيت الله # ورفقائي هم حقا أحبائي، هم إخواني، حبا بحبي وإيماني # إن هيكلي لقريب من سلسبيل فضي ذهبي يجمع بين الدم الجاري في العروق، والصبيب ~~المتصاعد في الأشجار، واللبن الذي يجدد في النبات حياتها، وفي الأزهار أريجها ~~وألوانها، ومنبر مرشدي هو مرسح الإنشاد والتغريد، لا منصة التحذير والوعيد. # أسمع همس الأفنان وهي تسبح في قلبها الرحمن، وقد أحياها النسيم العليل الذي جاء ~~هذا اليوم من بلاد الجليل. ~~••• # سماع قد بدأ الدوري بتلحينه والسنونو بإنشاده # سماع إن من حلق الحسون الذهبي تتدفق الأنغام الفضية # إن الأطيار تدعوك إلى تجديد إيمانك وآمالك في الحياة # هي تفتح لك أبواب السماء مغردة، ولا تبعدك عنها متهددة # هي تدعوك إلى العمل، وتنفخ فيك روح الجد والأمل # أي ربة الغاب، إن رؤساء هيكلك يرددون صدى نشيد الربيع، لا صدى منطق «الغوري» ~~والمعضلات # وشتان بين «الغوري» والدوري، وبين الحسون والخوري # في ظل القويسة والغار، وبين الصعتر والوزال والخنشار، وبالقرب من ضحضاح يشف عن ~~نباتات حية تحت الماء، وفوق النهر الجاري تحت قدمي هذا الوادي الرهيب، أبني لك ~~أيتها النفس هيكلا من الإيمان يؤمه في المستقبل البعيد من إخواني والقريب # بل أقيم فيه تمثالا للوداد والإخاء، وأدعو إليه كل بشر تحت السماء، فيه أحيي ~~اليوم أنفس المستقبل ومستقبل الأنفس العظيمة. # وحياتي لا تزري بحياة الخنافس والدبابات؛ لأن الناموس الذي يحركها تحت ~~الكلاء يحرك النجوم في حبكها، والسيارات في بروجها. ~~••• # إن الأريج المنتشر من هذه الأدغال هو البخور الذي يحرقه الربيع على مذبح الحياة ~~والإيمان # هو أريج الزعرور والقندول المختبئة أشواكهما الآن ms112 تحت نقاب جميل من الأزاهر الصفراء ~~والبيضاء # بين هذه الأدغال الشذية، وتحت شعاع ابتسامة الأشواك، يلذ لي التأمل فيمن مات ~~ليحيي الحب والوداعة في الناس # بين هذه الأشواك تحملني تصوراتي إلى حيث وضع الإكليل على رأس الشهداء # على أن الزمان لم يبق منه سوى الأزهار تنور كل عام في قلوب الأتقياء ~~مثلما ينور القندول والزعرور في الغابات # باسمك، أيتها النفس الإلهية، أصنع لإيماني إكليلا من أزاهر الزعرور لا من ~~أشواكه # باسمك، أشيد لحبي هيكلا من خشب السنديان، وأزينه بالصنوبر والنيلوفر وبأقمار ~~البيلسان # وإلى أتباع الذي صلب وبني الذين صلبوا أقول: تعالوا نسبحه أجمعين في وادي ~~المسرة لا في وادي الدموع، تعالوا نتصافح تحت السماء حيث لا حاجز يحول دون الحب، ~~ولا ما يحول دون الإخاء. ~~(7) إنا غريبان ها هنا أو جمعة الآلام # كلمة همسها النسيم في أذن رعاة الجليل، فسمعتها الدهور ورددتها ~~الأجيال # كلمة من أغصان الزيتون في أورشليم زلزلت العروش، وأسمعت ملوك الأرض صوت ذي ~~الجلال # كلمة زرعتها دموع المرأة تحت الصليب، فنورت في السماء، وكان فيها مسك ختام ~~النحيب # هي كلمة الربيع في كل عام، بل نشيد الأطيار على الدوام، بل أغنية الأزاهر في ~~الحقول والآكام # وإن أنفس الناس النبيلة لتتجسد في مظاهر الربيع الجليلة # إن في كل نفحة من نفحات الربيع روح بشر عظيم وديع # إن العام في هذه الأيام يحتفل بفوز أمراء الحب وملوك السلام # وإن أكاليل الشوك لأعظم من تيجان القياصرة، وكأس المر لأطيب من خمرة ~~الأكاسرة، وقد يدرك هذا الإنسان فيظل من عبيد الزمان، بل من أسراء الغرور ~~والبهتان. ~~••• # جئت الكنيسة لأردد اليوم مع الناس ذكر أمير الناس، بل ذكر الحقيقة التي يعز ~~نصرها بالعذاب، وتحلو بمر الشراب # دخلت الكنيسة وفي نفسي من أحد النخل والزيتون ما لا ينسيني إياه يوم الجمعة ~~الأليم # بل في نفسي من السرور والابتهاج ما لا يضاهيه فرح الناس في العيد العظيم. إن ~~في هذا اليوم يجتمع القمر والشمس، فيشرق الغد على المستقبل، ويشرق على الحاضر ~~الأمس # في مثل ms113 هذا اليوم ولد على الصليب الكريم روح بشر صميم. # إنه ليوم حبور أيها الأتقياء، لا يوم حزن وبكاء، بل لبس ورياء # وإنما نحن في جنازة المسيح، وهذا وربي تجديف قبيح # إن وراء ذاك الستار الأسود الصليب، وأمامه الآباء ووجه كل قطوب كئيب # هم يجنزون من لا يعرفون، بل يدمدمون وينعبون والناس إليهم شاخصون # ويلاه! أنا الوحيد الذي لا يرى ما يراه الآباء، ولا يشعر بما يشعر به هؤلاء ~~الأتقياء! # ها قد مشى في الجنازة المدمدمون وهم في الكنيسة يطوفون # وهذا الصليب وقد تصاعد وراءه النحيب، وأمامه البخور والطيب # وصل الموكب إلي فما جثوت على ركبتي # سرحت في الناس نظري، فرأيتهم كلهم ساجدين، ورأيت بمقرب مني رجلا آخر من ~~الواقفين # فقرأت في وجه هذا الغريب ما خالج قلبي الكئيب، وصرخت ساكتا: إلهنا، إنا غريبان ~~ها هنا. # ثم كلمت الغريب فقلت: ولم الجناز ومن صلب قد فاز؟ # ولم هذه الصلوات المبكية، وقد أشرقت على الأرض ابتسامة إلهية؟! # فمال بالنظر إلي، ولم يجبني بشيء. ~~••• # ها قد دفنوا الصليب تحت الزهور وانجلت غيوم البخور # وطفئت الشموع وكفكف المدمدمون الدموع # خرجنا من الكنيسة أنا والغريب، ونفسي تناجي ذاك الحبيب # فسرنا معا إلى بستان من الزيتون خارج المدينة # وجلست تحت شجرة هناك، فجلس الغريب إلى جانبي # نظرت إليه ونظر إلي وقد استولى علينا السكوت والعي # فكأننا حبيبان فرق بينهما العرفان، فجمعهما الحب والحنان # وفي مثل هذه الساعة تفصح اللحاظ عما تعجز دونه الألفاظ، على أنني حرت في أمره ~~العجيب وقلت في نفسي: من يا ترى الغريب؟ # وما كاد يخطر ذلك في البال حتى وقف أمامي كالخيال # فعرفت الطيف في الحال، وقد أنكرته في شكل الرجال، وناديته مدهوشا: أخي، رفيقي، ~~سيدي، هذا فؤادي، ها يدي، نفحة من جنانك، كلمة لإخوانك # أسمعت خدامك ينعبون؟ # ألتمثالك الناس يسجدون وهم عنك بعيدون؟ # سيدي، دعني ألقي على كتفك رأسي، فيذوب ثلج فتوري ويأسي، قربني من فؤادك لأتزود من ~~الحب الذي لا يعرفه أحد من عبادك، سيدي، اسقني من الحرية والحق والإخاء ms114 ما لا يشوبه ~~الخوف والرياء. ~~••• # وبين أنا أكلمه في البستان طل البدر من شرفة لبنان # فتركني ذو الجلال مكانه كالخيال، وذاب في القمر فوق الجبال. # | خاتمة # إلى هنا قد انتهى ما أردناه من المختارات، وبه ختمنا الكتاب، وقد أوردنا فيه أكثر ما ~~اتصل بنا مما قيل في الفيلسوف الريحاني، فعسى أن يكون عملنا محمودا لدى ذوي الفضل ~~والأدب، ومشكورا عند محبي الاطلاع على الآراء الجديدة. # فقد أصبح بهذا بين يدي القارئ الكريم مجموعة علمية أدبية فلسفية اجتماعية دينية تحتوي على ~~ملخص كتب الرجل ، ومحصل أقواله ومذاهبه، وتخيلاته وشعره، وتاريخ حياته، وكيفية ~~نشأته، وما قيل في حفلات تكريمه من نثر ونظم. # والله يعلم قدر ما بذلنا من الجهد إلى أن تمكنا من إنجاز هذا الكتاب على ما ~~يراه. # وحسبنا مكافأة على صنعنا أن يكون ذا حظوة لدى الأدباء، وأن يبقى مادة في تاريخ ~~النبوغ، فقد قمنا به، ونحن نعلم قدر الشقة وبعد المسافة، ولكن حب خدمة العلم فوق كل ~~شيء، وأحسن جائزة على أكمل عمل. # ولعلنا بهذا نكون قد نقلنا صورة صحيحة من رأي أدبائنا وشعرائنا في الريحاني، أحد ~~نبغاء السوريين في المهجر، ذلك النابغة الذي هو أوثق صلة بين الأدبين العربي والغربي، ~~على أنه أحد السوريين المهاجرين الأعلام الذين أحسنوا السفارة بين الأدبين. # وبهذه المناسبة، ومقابلة الإحسان بمثله، وإيفاء المحسن من جنس عمله، أخذنا على عهدتنا ~~أن نجعل كتاب «أمين الريحاني» أول حلقة من سلسلة كتبنا التي نريد نشرها عن أساطين ~~الفلسفة، وأركان الأدب من السوريين في العالم الجديد. ms115