######OpenITI# #META# URI: 1400TawfiqSacidRafici.MaWaraBihar.Hindawi61485748 #META# Tags: literature #META# ID: 61485748 #META# Title: ما وراء البحار #META# AuthorID: 35157164 #META# Author: توفيق سعيد الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # أمين الريحاني‏ # جبران خليل جبران‏ # ميخائيل نعيمة‏ # أمين مشرق‏ # إيليا أبو ماضي‏ # رشيد أيوب‏ # وليم كاتسفليس‏ # نسيب عريضة‏ # عبد المسيح حداد‏ # مقدمة‏ # أمين الريحاني‏ # جبران خليل جبران‏ # ميخائيل نعيمة‏ # أمين مشرق‏ # إيليا أبو ماضي‏ # رشيد أيوب‏ # وليم كاتسفليس‏ # نسيب عريضة‏ # عبد المسيح حداد‏ # | ما وراء البحار # | ما وراء البحار # تأليف # أمين الريحاني وآخرين # جمع # توفيق سعيد الرافعي # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ~~وبعد، فقد سبق لنا في خاتمة كتابنا «أمين الريحاني»، أننا وعدنا القراء بإطلاعهم ~~على شيء من أساليب النبوغ العربي، فيما وراء البحار، ووفاء بوعدنا نشرع في تقديم ~~مختاراتنا، من كتابات أساطين الأدب العربي في البلاد الأمريكية، ولا يعزب عن فكر ~~المطالع اللبيب أننا أشرنا هنالك إلى سبب تقديم الأستاذ الريحاني وإفراده بكتاب ~~خاص، وهو حلوله دار الضيافة بالشرق، وسبقه غيره من أدباء السوريين في الاهتمام ~~بزيارة بلاده الشرقية؛ مسقط رأسه ومهد طفولته، الذي منه درج، للوقوف على حالها، ~~واكتناه مسائلها. وما فاتنا الإشارة إلى أننا نعرف من أدباء السوريين في مهجرهم من ~~هم والريحاني رضيعا لبان أو فرسا رهان، إن لم نقل بتفوقهم على الريحاني نفسه، ~~فوفاء للأدب بحقه، وتكريما للعلم وأهله، من الزائدين عن حقيقته، والمانعين لحرمته، ~~والحافظين لمودته؛ وجب علينا أن نبادر فنشفع كتاب «أمين الريحاني» بكتاب النبوغ ~~العربي؛ ليطلع الشرقيون على مبلغ علم أحفاد الفينيقيين في مهجرهم، فيعرف مقدار ~~نهضتهم وكيفية منازعهم، فلا يبخس الناس أشياءهم. # وحسبنا فخرا أن الريحاني، وكل من نختار له شيئا في كتابنا هذا، ممن ترعرع في ~~بلادنا، وتغذى بغذائنا، ونشق ريح لبناننا. ودليلنا أن القراء الكرام قريبو عهد ~~بما كتبناه عن حياة الريحاني، وكيفية نشأته، ومبدأ هجرته، وهو أحد رجال تلك النهضة ~~العلمية، التي تضم بين أحنائها نبغاء السوريين في دار هجرتهم، وفي طليعتهم الأديب ~~النابغة جبران خليل جبران، فهو أحد أعضاء الرابطة القلمية، وابن لبنان الجميل، ~~ورضيع ثدي العلم في الرياض البيروتية. وقد قاسمهما النشأة ms01 والنبوغ زميلهما النحرير ~~مخائيل نعيمة. فبعد أن ارتشف من معين العلم في سوريا، هاجرها إلى البلاد الروسية؛ ~~طلبا لمزيد العلم، وتجويد الاطلاع، ثم أم البلاد الأمريكية، وهناك تجلى نبوغه ~~وأدبه، بعد أن دخل إحدى جامعاتها، فزاع صيته وعلا قدره بين جميع من يتذوق طعم ~~الآداب. ولا يغيبن عن بال القارئ ذاك النابغة، وعضو تيك الجامعة إيليا أبو ماضي، ~~شاعر العرب الأمريكي، وحفيد لبنان الكبير، وربيب الدراسة في البلاد المصرية، ونزيل ~~القارة الأمريكية، وصاحب أحد الدواوين الشعرية. وما أنس من الأمجاد، لا أنس ~~المتأدب الهمام عبد المسيح حداد، صنو هؤلاء الأعضاء الناهضين، وكذلك النوابغ: رشيد ~~أيوب، وأمين مشرق، ووليم كاتسفليس، ونسيب عريضة؛ أركان الأدب القوي، وحصنه ~~الحصين. # وحسبنا من سيرة هؤلاء الأفذاذ النابغين، أنهم أنصار الآداب العربية، في بلاد لا ~~صلة بينها وبين آداب الشرقيين، فقد كتبوا وجودوا، ونظموا فأبدعوا، وترنموا ~~فأطربوا، ونادوا فأسمعوا. بيد أنا ونحن في مقام الاعتراف بالجميل، وحب اطلاع القراء ~~على شيء من مختاراتنا من كلام أولئكم الأدباء، رأينا من الحسن، أو مما لا مندوحة ~~لنا عنه، أن نلفت ذهن قارئنا الفطن إلى نقطة هامة، وبودنا أن نجعلها نصب عينيه، ~~وأمام خاطره، حين مطالعته كتابنا هذا، بل ومطالعة كل ما نختاره من كتابات إخواننا ~~في المهجر، وهي أن هذه الطائفة المتأدبة، قد تضلعت بعد هجرتها بآداب الغربيين، ~~فخالطت تلك الآداب نفوسهم، وانطوت عليها جوانحهم، فربما تغالوا فيها حينما يريدون ~~مزجها بالآداب العربية، فلا يراعون في شعرهم قوانين القريض العربي، ولا يتقيدون ~~بأوزانه وقوافيه، بل يطلقون لملكاتهم الأعنة خلف الأساليب الغربية، فيجيء شعرهم ~~ونثرهم رافلا في حلله الغربية، أكثر منه اتشاحا بالحبرات اليمانية، والبرد ~~النجدية، والأكسية العراقية، والسمات العربية، ولكل وجهة هو موليها. # على أننا لو أرجعنا البصر إلى تاريخ الآداب العربية، لرأينا من رجالات الأدب ~~العربي وفحول القرون الأول، من قد سرى إلى أذهانهم شيء من هذه الأساليب، وقتما ~~استوطنوا الجزيرة الأندلسية، إلا أنهم أدخلوه على الأدب العربي، مع مراعاة مقومات ~~اللغة التي ينتمون إليها، ويحافظون على ms02 مشخصات آدابها. # وقصارى القول، أننا نغبط أنفسنا بنشر هذه الآثار، التي نرى فيها نفعا كبيرا ~~لجمهور أهل الأدب، فثقتنا بالقراء الكرام، وحبهم للاطلاع على نافع الموضوعات، وحسن ~~مؤازرتهم لنا، بإقبالهم على مطبوعاتنا؛ حبب إلينا إجهاد النفس في هذا العام، بطبع ~~عدد غير قليل من الكتب الاجتماعية، والسياسية، والأدبية، والتاريخية. # وإنا نختم مجهودنا، بهذا السفر النافع لمن يطلع عليه، وينظر في صفحاته بإمعان، ~~ثم ندع اليراع في هذا العام، طلبا لراحة الجسم وترويح الفكر؛ فإن لبدنك عليك ~~حقا، والسلام. # توفيق الرافعي # القاهرة في مايو سنة 1922 # | أمين الريحاني # إن حاجتنا إلى التهذيب اليوم، لأشد منها إلى السكك الحديدية والتلفونات. إن حاجتنا إلى ~~العلم الصحيح الذي يهذب الأنفس، ويرقي العقول، ويثقف الأخلاق، لأشد منها إلى العلوم ~~اللغوية، والفقهية، واللاهويتة، والخنفشارية، والتهذيب الصحيح ينبغي أن يعم عناصر الأمة ~~بأسرها على السواء، ليأتي بفائدة تذكر للأمة، وعندي أن أشد الويل والبلاء، إنما هو في ~~بيت يعيش تحت سقفه الجاهل والعالم معا. إن وطننا بهذا البيت أيها الأخوان، وعناصر الأمة ~~فيه كأفراد تنافرت أذواقهم وأخلاقهم، وتعددت صبغاتهم القومية والدينية، وتباينت فيهم ~~درجات المدارك والعلوم، فإذا ارتقى عنصر من عناصر الأمة دون سواه، يلتجئ غالبا إلى ~~المهاجرة، إذا ظلت العناصر المنحطة واقفة في طريق ترقيه، كالسد في وجه المياه، أما ~~الآية: # كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة ~~، فالتاريخ لا يشهد على صحتها إلا مرة في الألف؛ لأن الطبيعة لا ~~تسمح أن تكون المعجزات فيها مبتذلة، والغالب المبتذل هو أن الأكثرية إن كانت في المجالس ~~النيابية أو في الطبيعة تتغلب على الأقلية. # على حكومتنا الدستورية إذن أن تنتبه إلى هذا الأمر الخطير، إن كانت ترجو أن ترتقي الأمة ~~وتحيا. على حكومتنا أن تباشر تأسيس المدارس الوطنية العمومية الإجبارية المجانية، ~~المجردة عن كل صبغة دينية، وإن كانت لا تباشر قريبا، فلا ترج يا أخا الحماسة، كبير خير ~~من هذا الانقلاب، ومن هذا الدستور، ومن هذا المجلس النيابي. # أظنك تعلم أيها القارئ العزيز، أن لا غاية لي من ms03 الكتابة والخطابة والتأليف، سوى نشر ~~المبادئ الحرة، والتعاليم السديدة في الأمة، وأن من تجرد عن المآرب السياسية، وعن ~~الأغراض الشخصية المادية، يرسل كلمته في الناس، دون أن يراعي خاطر أحد من الناس. منذ خمس ~~سنوات عدت إلى وطني، من العالم الجديد، وحتى الآن ما عرفت من الرؤساء المدنيين ~~والدينيين، إلا من أحب أن يعرفني، أو من جمعتني به التقادير، قضيت هذه المدة كلها بعيدا ~~عن الرئاسة والسياسة، فبان لي أن في طاقة الإنسان أن يعيش سعيدا، دون أن يتزلف من ~~السياسيين والأمراء، أو عمال الحكومة والرؤساء، نعم عشت محروما هذا الشرف العظيم، فكانت ~~همومي الأدبية ومتاعبي السياسية أقل من هموم سواي من الأدباء. # عسى أن يعذر القراء مني هذه الكلمة الشخصية، فما قلتها إلا لأبني عليها قاعدة عمومية، ~~هي جديرة باعتبار كل من زاول صناعة الكتابة، وأحب أن ينفع الناس بعلمه وأدبه، إن التقرب ~~من العظام، وبالأخص أصحاب السيادة منهم، يفقد الكاتب مزية الحرية والاستقلال؛ هذه هي ~~القاعدة العمومية، التي قلت من أجلها كلمتي الشخصية، تكلمت عن نفسي، وما كنت لأفعل ذلك ~~في غير هذه الأحوال، لأؤكد لكم أيها الإخوان أن الآراء التي أبديها والمبادئ التي أنادي ~~بها، إنما هي ثمرة علم لا يعرف التفريق والتحزب، ولا يفرق بين الجنسيات والأديان. # أحب أن أردد بعد هذا التمهيد، كلمتي السابقة عن المدارس الوطنية، وأردفها بكلمة ليست ~~بأقل منها أهمية، وهي «صيحة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح تذهب غدا بالأوتاد.» إن ~~الأمة العثمانية لا تصير حقا أمة واحدة متحدة راقية، إلا إذا تأسست في البلاد المدارس ~~الوطنية العثمانية المجانية الإجبارية، وتلقن فيها العلوم أبناء المسلمين، وأبناء ~~الدهريين، وأبناء المسيحيين، وأبناء اليهود معا. بقي علي أن أقول كلمتي الأخرى: إننا لا ~~نصير أمة راقية حرة بكل معنى الكلمتين، إلا متى صار أدباء المسيحيين وأدباء المسلمين ~~يتباحثون في أي موضوع كان، دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا، دون أن يثير ذلك في شعب ~~الملتين غبار الجهل، وسموم التعصب، بل إذا كان لا يحق ms04 للمسلم أن ينتقد المسيحيين في ~~شئونهم العمومية الاجتماعية، ولا للمسيحي أن ينتقد المسلمين، فلسنا والله بأمة واحدة، ~~وليس وطننا بذاك الوطن المجيد الجامع، الذي يعبد في هيكله كل أبنائه، على اختلاف المذاهب ~~والعناصر والجنسيات، بل إذا كنا لا نتجرد عن صبغاتنا الدينية، في شئوننا الوطنية ~~والاجتماعية، فحريتنا أيها الناس كلمة مقولة، وإخاؤنا لفظة غير معقولة، والمساواة عندنا ~~قاعدة باطلة مرذولة. # نعم يا سيدي، إذا كان إخواننا المسلمون، لا يساعدوننا في نشر التعاليم الحرة في الأمة، ~~إذا كانوا لا يؤيدون قولا وفعلا آراء آباء الحرية والدستور، إذا كانوا لا يرددون صدى ~~أحرار المغرب وعلمائه، ومن ينحو اليوم في الشرق نحوهم من الأحرار الأصفياء والعلماء؛ ~~فعبثا يحاول أبطال الدستور والحرية تجديد حياة الأمة، والمسلمون العنصر الأساسي في ~~الأمة. وأما انتصار الجيش، فلا مجد عظيم فيه، إن لم يتبعه انتصار في العلم والتهذيب؛ لأن ~~الجيش وإن دمر معاقل الحكومة الاستبدادية، فنصره لا يزيل الجهل الذي أسست عليه تلك ~~الحكومة، وما زال الجهل سائدا في الأمة، سيان عندي إن كانت الحكومة فردية استبدادية، أو ~~حرة نيابية، إن لم تباشر الحكومة في تدمير حصون الجهل. إذن يعود الجهل فيدمر حصون ~~الحكومة، ولا يتم لها ذلك إلا في تأسيس المدارس العمومية الوطنية، مجردة عن كل صبغة ~~دينية؛ حيث أولاد المسلمين، والمسيحيين، واليهود، والدهريين، يتلقنون كلهم العلوم على ~~أستاذ مدني واحد، وتحت سقف واحد، ومن كتاب واحد، وعلى طريقة وطنية واحدة. وما هذه ببدعة ~~أنادي بها؛ فإن مكتب الصناعة في هذه المدينة، أسس على هذه الطريقة الوطنية، وحبذا لو ~~أحيته اليوم الحكومة، فيكون مثالا للمدارس العثمانية العمومية الإجبارية. وعبثا نحاول ~~توحيد العناصر المتعددة في الأمة، إذا كان التعليم لا يوحد على هذه الطريقة الوطنية ~~الجامعة الحرة. # جلست مرة في قهوة من قهاوي البحر، أتفرج على الناس يسبحون، تأملتهم في تلك الحالة ~~الطبيعية، وقد تجردوا عما يميز البعض منهم عن البعض، وقلت في نفسي: أين المسلم الآن؟ ~~وأين اليهودي؟ وأين الكافر؟ وأين المسيحي؟ رأيتهم يسبحون كلهم في بحر ms05 واحد ، تحت سماء ~~واحدة، وهم لا يستنكفون من أمواج تلعب حول قلوبهم، كأنها قلب واحد، وتغسل أجسامهم كأنها ~~كلها جسم واحد. فقلت في نفسي: متى يا ترى تصير عقولنا مرنة نشيطة قوية كأجسامنا؟ متى ~~تصير أنفسنا كأمواج هذا البحر، فلا تخضع إلا لناموس واحد، هو ناموس الله؟ أو في الأقل، ~~متى تصير متساهلة كأبداننا، فتسبح في بحر الآداب الواحد، وتحت سماء العلوم الواحدة، دون ~~تنافر ودون شقاق؟ # نظرت إلى البحر وأنا جالس في تلك القهوة، فرأيت هناك المدرعات الحربية الأوروبية، ومنها ~~المدرعتان الإفرنسيتان «لاڨريته» و«فكتور هوغو»، فكرهت الإقامة في بلاد لم تزل تحتاج ~~فيها إلى مثل هذه المظاهرات الكاذبة، وهل كنا نشاهد المدرعات الأوروبية بصفة رسمية في ~~بحرنا لو تأسست عندنا المدارس العمومية الوطنية، منذ ثلاثين سنة، هل كانت تلطخ المذابح ~~تاريخنا، فتلحق بنا وبوطننا العار والشنار، لو وحد منذ ثلاثين سنة التعليم، فنمت في ~~قلوب العثمانيين عاطفة وطنية شاملة، وانتشر روح التساهل الديني في الأمة؟ # لا يا إخوتي، أنا لا أحب أن أرى هذه المدرعات على شطوط بلادنا، أنا لا أحب أن يلتجئ أحد ~~عناصر الأمة إلى دولة أوروبية، أنا لا أحب أن أرى «فكتور هوغو» في بحر بيروت، بل أحب أن ~~أشاهد روح فكتور هوغو متجلية في أرواح أبناء بيروت، لا أحب أن أرى «الحقيقة» على شواطئ ~~سوريا، بل أحب أن أراها في قلوب أبناء سوريا، أحب أن تحمينا المبادئ السديدة، لا المدافع ~~والمدرعات، أحب أن يحمينا العلم الخالص من الغش والتعصب المجرد من كل مصلحة جنسية أو ~~دينية، أحب أن يحمينا الإخاء العثماني، والجند العثماني، والعلم العثماني. ~~(1) الكنيسة والجامع # 1 # لم أر بين سائر أماكن العبادة التي أعرفها (وقد حملت نفسي المنسحقة وركبتي ~~التعبتين إلى هياكل عديدة) أفضل من الجامع، وما أدراك ما الجامع! هو المكان الذي ~~يؤثر علي بديموقراطيته أكثر من سواه، لما فيه من شواعرها المتنوعة، فليس في الجامع ~~ما يداهن الأغنياء، أو يكسر قلوب الفقراء، أو يرد ثقيلي الأحمال، أو يغفل الورعين. ~~وليست بشاشة ms06 الجامع بمقاعده المزدوجة، ولا رغبة الناس فيه لصدقاته، والخدمة التي ~~تقام فيه نهار الجمعة مأخوذة من القرآن، ولهذا لا تحرف ولا تبدل، بل هي دائما لحن ~~من البلاغة، تعشقه الأسماع، فيحدث خشوعا في القلوب لدى اتجاه الأفكار نحو ~~العلاء. # الجامع كبير، يسع عادة جماعة الخطباء، حتى والعابدين النوام، ويبقى بعد ذلك فراغ ~~لا يحد، فالمنبر لا يكون أبدا قريبا من الزوايا الساحرة الشكل، التي تظل جماعة ~~المسلمين ونفوسهم، وهم على اختلاف طبقاتهم، يجتمعون للصلاة تحت سقف واحد، فتجد ~~بينهم درويشا متمتعا، وشحاذا أعمى، وحمالا منهوك القوى، وأعرابيا عليه غبار ~~البرية البعيدة، وكلهم يؤمون الجامع، بتمام ورع وخشوع، طلبا للراحة بعد العناء، أو ~~لإغماض عيونهم لغفوة قصيرة، فبعضهم يسجدون أمام المحراب، وآخرون يتمددون على الرخام ~~البارد، تحت الأروقة، حين يكون شيخ جليل، أو أمير عريق في النسب راكعا على سجادة ~~عجمية ثمينة، يخر ساجدا ثم ينهض قائما في صلاته. # هنا درويش يتمتم قائلا: بسم الله الرحمن الرحيم، ويعد خرزات سبحته، إلى أن تصل ~~نفسه درجة الغيبوبة. # وهناك فقير يتثاءب، متبعا تثاؤبه بقوله: يا الله يا كريم، ويخر مكبا على وجهه، ~~وهناك بدوي ممدد تحت الرواق كأنه جثة هامدة، وليس من ملحد أو جاهل يتعدى على أحد ~~المصلين أو يعكر عليهم ... # الجامع ميناء، يرتاح إليه الشحاذ والأمير، وهيكل يضم المؤمنين، وناد يقبل أولاد ~~الله على السواء. هو حيث يعثر المنبزذ على حجر يسند إليه رأسه، فتكتنفه رهبة القبة ~~الواسعة، التي تعلوه، وما يتخلل سكينة ذلك المكان الرهيب إلا كلمات: يا الله، يا ~~كريم، التي تدفعها الصدور وقتا فآخر. # ولو أن الجامع قائم في سوق النحاسين، لندر وصول صوت إليه من الخارج، يؤذي رهبة ~~المكان وسكينته، وإن النفس فيه لتخشع من هذا السكون، فتدعو الجسد، ويسبح العقل في ~~العلويات، فينبه النفس بلا صنوج ولا أجراس، بلا آلة موسيقية، ولا جوق مغنين، بلا ~~رسوم ولا تماثيل، ولكن بأضواء الإيمان الدائمة، التي لا تطفأ تندفع النفس لتجد ~~سبيلا لها من خلال السكون الفائق الوصف، والرهبة ms07 التي لا تحد، إلى العزة الإلهية، ~~إلى الإله الواحد، إلى الله. # دخلت ذات يوم جامعا في إحدى القرى؛ لأستريح، وقد خلعت حذائي عند الباب متأملا ~~بهذا التقليد الحكيم؛ لأن لذلك دواعي روحية وحسية، فإنه إذا كان من الدناسة أن تدخل ~~بيت الله وحذاءك في قدميك، فكم بالحري إذا لطخت سجاد الجامع الثمين بأوحال الطريق ~~وغبارها؟ ناهيك أني خلعت حذائي امتثالا للعادة، ولأنه كان مضيفا على قدمي ~~أوحال، وأخال كثيرين يرتاحون إلى هذا التقليد، ويجدون به فرحا كما شعرت. # ولم يكن يدخل الجامع سوى مصلين، رجل وقور طاعن في السن في إحدى الزوايا، وشحاذ ~~قريب من العراء جامد في الزاوية الأخرى. أما أنا فقد جلست على حصير تحت رواق، ~~مسندا ظهري إلى عامود ممددا ساقي، وكنت إذ ذاك كأني في منزلي. إن الراحة ~~والاسترخاء من أصول التعبد الحقيقي، وهما مما تجد في الجامع في كل ساعة من ساعات ~~النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل، ولقد صليت كما أحببت، وخرجت مع رفيقي في ~~الصلاة وأخوي بتسبيح الله. أما الشحاذ فكان حمالا، وقد ترك حمله عند الباب، وإذ ~~تعذر عليه رفعه أسرع الشيخ المهاب لمعونته، مشمرا كميه الحريرين عن ساعديه، ~~مبتدئا بقوله: «بسم الله.» وانحنى الحمال تحت حمله الثقيل، وقد تشنجت رقبته ~~بالحبل المشدود حول رأسه، ثم خطا متناقلا، ولكن خطوات ثابتة بقوة الله، والتفت ~~الشيخ إلي وقال لي مشتبها: أأنت مسلم؟ فأجبته، وأنا أشد حذائي، ولكني أعبد الله ~~وأكرم النبي، عندئذ دعاني لمناولة الغذاء على مائدته؛ فإن الغرباء الذين يلتقون في ~~الجامع يصبحون إخوانا. # ذكرني هذا بزورتي لمدينة نيويورك، محجة أميركا، حيث ذهبت للصلاة في كنيسة ~~الأغنياء، وهي بناية أنيقة صغيرة خشبية، يدل ظاهرها على أنها هيكل للعبادة ~~المسيحية، وتاريخها يرجع إلى جيل؛ إذ ركبت تركيبا لا بناء، أبعد أن أتى ~~بأخشابها من إنجلترا، وبراغيها الأول أيضا، إلا أن نوافذها ذات الزجاج الملون ~~المشوش الوضع، الخالية مما يستدعي النظر، أو ما ينبه المخيلة جديدة وصحيحة، ولكنها ~~سخيفة مطلية بطلاء يقربها من ms08 شكل العاديات ، أو أسطورات التاريخ القديم، وأخالها ~~مصنوعة في أميركا. أما أثمانها فتكال بالذهب ككل شيء تافه في هذه البلاد العجيبة، ~~وقد لاحت لي نافذة منها تثمن بألف ريال، مهداة إلى الكنيسة من مدام «مثرية»، وأخرى ~~أثمن منها من المستر «غني». أوليس من الغضاضة أن نذكر أسماء حقيقية في ميدان سخاء ~~كهذا؟ إني لأعجب كيف أن أولئك المسئولين عن تشويه حيطان الكنيسة الخشبية، لم ~~يتستروا استحياء. أقول «تشويه» عن قصد وروية، فإني لا أطيق رؤية شبابيك ملونة ~~الزجاجات، على حائط خشبي رقيق، عليه شارة هندسية خارجية، تشوه جماله وتمنع انعكاس ~~نور الشمس عليه. # إلا أن الإحسان لا يعيش في الظل، بل ينفخ ببوقه على السطوح في رائعة النهار فيها: ~~أيها البوق النحاسي، إني لم أسمع صدى رناتك في تلك الجوامع المملوءة هواء نقيا، ~~في ذلك الشرق الهادئ. # ومما يستحق الملاحظة أيضا، تلك المقاعد الكنائسية المربعة الزوايا، التي تستطيع ~~أن تضع مكانها عدة كراسي بين ذات مساند وهرازة، وهي مركبة بطريقة تجعل أربابها ~~يجلسون وجها لوجه، كأنهم جالسون في بهو. أولئك هم أغنياء أميركا الذين يتربعون في ~~أبهائهم الكنائسية، ولماذا يا ترى يجزأ مكان العبادة إلى مقاطعات؟ ولم لا تكون ~~الكنسية كالجامع الفسيح المطلوق للهواء النقي، لا ضرائب عليه، تؤمه وتبقي ما تشاء ~~من الوقت حينما تشاء؟ # إن المقاعد الكنائسية تسبب صلاة طويلة، وضريبة مرسومة، وضغطا على حرية الفرد. ~~ولقد ترغب في أن تذهب إلى الكنيسة لقضاء خمس دقائق لتنبه روحاني، فتقضي خمس ~~ساعات، إذ تحصر في المقعد، وغالبا إما تعكر على الآخرين أو يعكر عليك الآخرون ما ~~يجول في مخيلتك. # ولقد علمت أن مقاعد كنيسة نيويورك لا تباع، ولا تؤجر، ولا تعرض للمصليين، ولكنها ~~تقتنى اقتناء، فكأنها ملك لصاحب، أو عرش لرب، يتحول بالإرث من أب إلى ابنه، فلا ~~يستطيع الغريب أن يدخل بيت الله للصلاة، إلا إذا أراد أن يقف عند الباب بفارغ صبره، ~~وإن حصوله على خلاص لنفسه، لأسهل من حصوله على مقعد ليريح ركبتيه من عناء ~~الوقوف. ms09 # أما أنا فقد جلست على مقعد مضيفي، وأخال مضيفي حصل عليه بالقوة؛ لأن جلدة كتاب ~~الترانيم تحمل اسما غير اسمه، وهم اسم إحدى العائلات العريقة، المتسلسلة من عائلات ~~إنكلترا القديمة، وقد طرأت على هذا المقعد تقلبات عديدة، بتنقله من يد صاحب إلى ~~آخر، حتى لم يبق من فراغ قليل على جلدة كتاب الترانيم لوضع اسم جديد. # يقاسي الأغنياء قليلا من إجحاف يسببه غناهم، فعنهم قال مؤسس الديانة المسيحية ~~نفسه أشياء مؤلمة، وقد حرم عليهم دخول السماء بمثل ضربه، فوا الحالة هذه لا يجب أن ~~يعدموا الحق، بأن يجعلوا لأنفسهم سماوات أخرى على الأرض، في كنيسة صغيرة، حيث ~~يستطيعون أن يناجوا ربهم دون مقاوم أو معكر. ها هنا أولئك الأغنياء المساكين، ~~يحبسون أنفسهم ردحا قصيرا، ولا حق لأحد من سائر سكان الغرباء، أن يتطفل عليهم ~~بدقائقهم المكرسة للعبادة، فهم يستوون جالسين في متكآتهم، برزانة وتأنق، يرنمون ~~النشيد المائة والسادس والسبعين، أو المزمور الواحد والخمسين، خاشعين، يستوعبون ~~الإيمان بكل مسامعهم، وشاعرين بسلام داخلهم، وسلام مع العالم، ومع الله. # وهذه حال الواعظ، الذي لا يلقي عليهم من المنبر شيئا من أمثال الناصري - عن الغني ~~والعازر - أو عن الجمل وثقب الإبرة، إن هذا المحترم يراعي شعوريته وأميالهم. # ليغفر لي الله ما ذكرته هنا؛ فقد أتيت الكنسية لأصلي لا لأغالط. وأما أولئك الذين ~~قد يكونون المسببين لي هذا التغيير العقلي السيئ من قريب وبعيد، وحاضر أو غائب، ~~فأنا أبتهل إلى الله أن يغفر لهم ويرحمهم. # انتهت الصلاة، ولكن القسم الجوهري منها لم ينته، بل سيقام في الزقاق الضيق أمام ~~الكنيسة؛ حيث شرذمة من البوليس، يهتمون بحركة العربات الذاهبة والآتية، حينذاك ~~يتقدم قطار سيارات متعددة الألوان والأشكال، متألقة، يحف بها الحشم، وعلى دفتها ~~سائقون بهيئاتهم المتشامخة، وتظهر العربات المتلألئة تجرها الجياد المطهمات، فيثب ~~منها الغلمان المرتدون أثوابهم الخاصة، ليفتحوا أو يقفلوا أبواب العربات. # غوغاء غرور ... ضجيج ... تصلف، معرض مدهش لإظهار أبهة وفخفخة، فتعال معي يا أخي ~~المسيحي؛ تعال معي إلى الجامع. # | جبران خليل جبران # (1) وعظتني نفسي ms10 # وعظتني نفسي ، فعلمتني حب ما يمقته الناس، ومصافاة من يضاغنونه، وأبانت لي أن الحب ~~ليس بميزة في المحب، بل في المحبوب، وقبل أن تعظني نفسي كان الحب بي خيطا دقيقا ~~مشدودا بين وتدين متقاربين. أما الآن فقد تحول إلى هالة، أولها آخرها، وآخرها ~~أولها، تحيط بكل كائن، وتتوسع ببطء، لتضم كل ما سيكون. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني أن أرى الجمال المحجوب بالشكل واللون والبشرة، وأن أحدق ~~متبصرا بما يعده الناس شناعة، حتى يبدو لي حسنا، وقبل أن تعظني نفسي، كنت أرى ~~الجمال شعلات مرتعشة بين أعمدة من الدخان. أما الآن فقد تبدد الدخان واضمحل، فلم ~~أعد أرى سوى ما يشتعل. # وعظتني نفسي، فعلمتني الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الألسنة، ولا تضج بها ~~الحناجر، وقبل أن تعظني نفسي، كنت كليل المسامع مريضها، لا أعي سوى الجلبة والصياح. ~~أما الآن فقد صرت أتوجس بالسكينة، فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح ~~الفضاء، معلنة أسرار الغيب. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني أن أشرب مما لا يعصر، ولا يسكب بكئوس لا ترفع بالأيدي، ~~ولا تلمس بالشفاه. وقبل أن تعظني نفسي، كان عطشي شرارة ضئيلة في رابية من رماد، ~~أخمدها بغبة من الغدير، أو برشفة من جرن المعصرة. أما الآن فقد صار شوقي كأسي، ~~وغلتي شرابي، ووحدتي نشوتي، وأنا لا ولن أرتوي، ولكن في هذه الحرقة التي لا تطفي ~~مسرة لا تزول. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني لمس ما لم يتجسد ولم يتجمد ولم يتبلور، وأفهمتني أن المحسوس ~~نصف المعقول، وأن ما نقبض عليه بعض ما نرغب فيه، وقبل أن تعظني نفسي، كنت أكتفي ~~بالحار إن كنت باردا، وبالبارد إن كنت حارا، وبأحدهما إن كنت فاترا. أما الآن ~~فقد انتثرت ملامسي المتكمشة، وانقلبت ضبابا دقيقا يخترق كل ما ظهر من الوجود؛ ~~ليمتزج بما خفي منه. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني استنشاق ما لا تبثه الرياحين، ولا تنشره المجامر. وقبل أن ~~تعظني نفسي، كنت إن اشتهيت عطرا طلبته من البساتين، أو من القوارير والمباخر. أما ~~الآن فقد صرت أشم ما لا يحرق ms11 ولا يهرق ، وأملأ صدري من أنفاس زكية، لم تمر بجنة من ~~جنات هذا العالم، ولم تحملها نسمة من نسمات هذا الفضاء. # وعظتني نفسي، فعلمتني أن أقول «لبيك» عندما يناديني المجهول والخطير، وقبل أن ~~تعظني نفسي، كنت لا أنهض إلا لصوت مناد عرفته، ولا أسير إلا على سبل خبرتها ~~فاستهونتها. أما الآن فقد أصبح المعلوم مطية أركبها نحو المجهول، والسبل سلما ~~أتسلق درجاته؛ لأبلغ الخطر. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني أن لا أقيس الزمن بقولي «كان بالأمس وسيكون غدا»، وقبل أن ~~تعظني نفسي، كنت أتوهم الماضي عهدا لا يرد، والآتي عصرا لن أصل إليه. أما الآن ~~فقد عرفت أن في الهنية الحاضرة كل الزمن، بكل ما في الزمن، مما يرجى وينجز ~~ويحقق. # وعظتني نفسي، فعلمتني أن لا أحد المكان بقولي: «هنا وهناك وهنالك»، وقبل أن ~~تعظني نفسي، كنت إذا ما صرت في موضع في الأرض ظننتني بعيدا عن كل موضع آخر. أما ~~الآن فقد علمت أن مكانا أحل فيه هو كل مكان، وأن فسحة أشغلها هي كل ~~المسافات. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني أن أسهر وسكان الحي راقدون، وأن أنام وهم منتبهون. وقبل أن ~~تعظني نفسي، كنت لا أرى أحلامهم في هجعتي، ولا يرصدون أحلامهم في غفلتهم. أما الآن ~~فلا أسبح مرفرفا في منامي إلا وهم يرقبونني، ولا يطيرون في أحلامهم إلا وفرحت ~~بانعتاقهم. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني أن لا أطرب لمديح ولا أجزع لمذمة، وقبل أن تعظني نفسي، كنت ~~أظل مرتابا في قيمة أعمالي وقدرها، حتى تبعث إليها الأيام بمن يقرظها أو يهجوها. ~~أما الآن فقد عرفت أن الأشجار تزهو في الربيع وتثمر في الصيف، ولا مطمع لها ~~بالثناء، وتنثر أوراقها في الخريف وتتعرى في الشتاء، ولا تخشى الملامة. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني وأثبتت لي أنني لست بأرفع من الصعاليك، ولا أدنى من ~~الجبابرة. وقبل أن تعظني نفسي كنت أحسب الناس رجلين؛ رجلا ضعيفا أرق له أو أزدري ~~به، ورجلا قويا أتبعه أو أتمرد عليه. أما الآن فقد علمت أنني كونت فردا مما كون ~~البشر منه ms12 جماعة، فعناصري عناصرهم، وطوبتي طوبتهم، ومنازعي منازعهم، ومحجتي محجتهم، ~~فإن أذنبوا فأنا المذنب، وإن أحسنوا عملا فاخرت بعملهم، وإن نهضوا نهضت وإياهم، ~~وإن تقاعدوا تقاعدت معهم. ~~••• # وعظتني نفسي، فعلمتني وأفهمتني أن السراج الذي أحمله ليس لي، والأغنية التي أنشدها ~~لم تتكون في أحشائي، فأنا وإن سرت بالنور لست بالنور، وأنا وإن كنت عودا مشدود ~~الأوتار فلست بالعواد. ~~••• # وعظتني نفسي يا أخي وعلمتني، ولقد وعظتك نفسك وعلمتك، فأنت وأنا متشابهان ~~متضارعان، وما الفرق بيننا سوى أنني أتكلم عما بي، وفي كلامي شيء من اللجاجة، وأنت ~~تكتم ما بك، وفي تكتمك شيء من الفضيلة. ~~(2) بين ليل وصباح # اسكت يا قلبي، فالفضاء لا يسمعك. # اسكت فالأثير المثقل بالنواح والعويل، لن يحمل أغانيك وأناشيدك. # اسكت فأشباح الليل لا تحفل بهمس أسرارك، ومواكب الظلام لا تقف أمام أحلامك. # اسكت يا قلبي، اسكت حتى الصباح، فمن يترقب الصباح صابرا يلاقي الصباح قويا، من ~~يهوى النور فالنور يهواه. # اسكت يا قلبي، واسمعني متكلما. ~~••• # في الحلم رأيت شحرورا يغرد فوق فوهة بركان ثائر. # ورأيت زنبقة ترفع رأسها فوق الثلوج. # ورأيت حورية عارية ترقص بين القبور. # ورأيت طفلا يلعب بالجماجم وهو يضحك. # رأيت جميع هذه الصور في الحلم، ولما استيقظت ونظرت حولي؛ رأيت البركان هائجا، ~~ولكني لم أسمع الشحرور مغردا، ولا رأيته مرفرفا. # ورأيت الفضاء ينثر الثلوج على الحقول والأودية، ساترا بأكفانه البيضاء أجسام ~~الزنابق الهامدة. # ورأيت القبور صفوفا منتصبة أمام سكينة الدهور، وليس بينها من يتمايل راقصا، ولا ~~من يجثو مصليا. # ورأيت رابية من الجماجم، وليس هناك من ضاحك سوى الريح. # في اليقظة رأيت الحزن والأسى، فأين ذهبت أفراح الحلم ومسراته؟ # أنى توارت بهجة المنام، وكيف اضمحلت رسومه؟ # وكيف تتجلد النفس، حتى يعيد النوم أشباح أمانيها وآمالها؟ # أصغ يا قلبي واسمعني متكلما. ~~••• # كانت نفسي بالأمس شجرة قوية مسنة، تمتد عروقها إلى أعماق الأرض، وتتعالى غصونها ~~نحو اللانهاية. # ولقد أزهرت نفسي في الربيع، وأثمرت في الصيف، ولما جاء الخريف جمعت أثمارها في ~~أطباق من الفضة، ووضعتها على قارعة الطريق، ms13 فكان العابرون يتناولون منها ويأكلون، ~~ثم يسيرون في سبيلهم. # ولما انقضى الخريف وتحولت تهاليله إلى الندب والولولة، نظرت فلم أر في أطباقي سوى ~~ثمرة واحدة، أبقاها الناس لي، فتناولتها وأكلت، فألفيتها مرة كالعلقم، حامضة ~~كالحصرم. فقلت لنفسي: «ويحي لقد وضعت في أفواه الناس لعنة، وفي أجوافهم عداء، فماذا ~~ترى فعلت يا نفسي بالحلاوة التي امتصتها عروقك من أحشاء الأرض، وبالأريج الذي ~~تشربته قضبانك من نور الشمس؟» # بعد ذلك اقتلعت شجرة نفسي القوية المسنة. # اقتلعتها بعروقها من التربة، التي نمت فيها وترعرعت، اقتلعتها من ماضيها ونزعت ~~عنها ذكرى ألف ربيع، وألف خريف. # وعدت فزرعت شجرة نفسي في مكان آخر. # زرعتها في حقل بعيد عن سبل الزمن، وكنت أسهر بجانبها قائلا: إن السهر يدنينا من ~~النجوم. وكنت أسقيها بدمي ودموعي قائلا إن في الدم نكهة، وفي الدموع حلاوة. # ولما عاد الربيع أزهرت نفسي ثانية. # وفي الصيف أثمرت نفسي، ولما جاء الخريف جمعت أثمارها الناضجة بأطباق من الذهب، ~~ووضعتها على ملتقى السبل، فمر الناس أفرادا وجماعات، ولكن لم يمد أحد يده ليتناول ~~منها. # فأخذت إذ ذاك ثمرة وأكلت، فوجدتها حلوة كالشهد، لذيذة كالكوثر، طيبة كالخمر ~~البابلية، كأنفاس الياسمين، فصرخت قائلا: «إن الناس لا يريدون البركة في أفواههم، ~~ولا الحق في أجوافهم؛ لأن البركة ابنة الدموع، والحق ابن الدماء.» # ثم عدت وجلست في ظل نفسي المنفردة، في حقل بعيد عن سبل الزمن. ~~••• # اسكت يا قلبي حتى الصباح. # اسكت، فالفضاء قد أتخمته رائحة الأشلاء، فلن يتشرب أنفاسك. # أصغ يا قلبي واسمعني متكلما. # كانت بالأمس فكرتي سفينة تتقلب بين أمواج البحار، وتنتقل مع الأهواء من شاطئ إلى ~~شاطئ. # ولقد كانت سفينة فكرتي خالية، إلا من سبعة أكواب طافحة مختلفة بألوان مختلفة، ~~تشابه ألوان قوس القزح بنضارتها. # وجاء زمن مللت فيه التنقل على وجه البحار، فقلت سأعود بسفينة فكرتي الفارغة إلى ~~ميناء البلد، الذي ولدت فيه. # ثم أخذت أطلي جوانب سفينتي بألوان صفراء كشمس المغيب، وخضراء كقلب الربيع، وزرقاء ~~ككبد السماء، وحمراء كذوب الشقيق، وأرسم على شراعها ms14 ودفتها رسوما غريبة، تجذب ~~العين وتبهج البصيرة. ولما انتهيت من عملي، وقد ظهرت سفينة فكرتي كرؤيا نبي، تطوف ~~بين اللانهايتين البحر والسماء؛ دخلت ميناء بلدي، فخرج الناس لملاقاتي بالتهليل ~~والتعظيم، وأدخلوني المدينة ضاربين الدفوف، نافخين الزمور. # فعلوا ذلك؛ لأن خارج سفينتي كان مزخرفا بهجا. # ولم يدخل أحد جوف سفينة فكرتي. # ولم يسأل أحد ماذا جلبت فيها من وراء البحار. # ولم يدر أحد أنني عدت بها فارغة إلى الميناء. # عند ذلك قلت في سري: «لقد ضللت الناس، وبسبعة أكواب من الألوان، قد كذبت على ~~باصرتهم وبصائرهم.» ~~••• # وبعد عام ركبت سفينة فكرتي وأبحرت ثانية. # سرت إلى جزر الشرق، فجمعت منها المر واللبان والند والصندل، وأدخلتها إلى ~~سفينتي. # وإلى جزر الجنوب، فجلبت منها التبر والعاج والياقوت والزمرد، وجميع الحجارة ~~الكريمة. # وإلى جزر الشمال، فعدت منها بالخز والوشي والبرفير. # وإلى جزر الجنوب، فحملت منها الدروع المزردة، والسيوف المشرفية، وسائر أنواع ~~الأسلحة. # ملأت سفينة فكرتي بنفائس الأرض وغرائبها، وعدت إلى ميناء بلدي قائلا: «سوف يمجدني ~~قومي، ولكن عن جدارة، وسيدخلوني المدينة منشدين مزمرين، ولكن عن استحقاق.» # ولكن لما بلغت الميناء، لم يخرج أحد لملاقاتي، ودخلت شوارع بلدي فلم يلتفت إلي ~~أحد. # ووقفت في ساحتها معلنا للناس ما جلبت لهم من ثمار الأرض وطرائفها، فكانوا ينظرون ~~إلي والضحك ملء أفواههم، والسخرية على وجوههم، ثم يتحولون عني. # فعدت إلى الميناء كئيبا مستغربا، ولكنني ما لمحت سفينتي حتى فطنت لأمر كنت ~~مشغولا عنه بمنازع أسفاري ورغائبها. فهتفت قائلا: «إن أمواج البحر قد محت الطلاء ~~من جوانب سفينتي، فبانت كهيكل من عظام، وعفت الأرياح والأنواء وحرارة الشمس الرسوم ~~عن شراعها، فظهرت كأثواب رمادية بالية.» # لقد جمعت طرائف الأرض ونفائسها، في تابوت يعوم على وجه الماء، وعدت إلى قومي ~~فنبذوني؛ لأن عيونهم لا ترى سوى المظاهر الخارجية. # في تلك الساعة تركت سفينة فكرتي، وذهبت إلى مدينة الأموات، وجلست بين القبور ~~المكلسة، مفكرا بأسرارها. ~~••• # اسكت يا قلبي حتى الصباح، اسكت فالعاصفة الهوجاء تسخر بهمس أعماقك، وكهوف الوادي ~~لن ترجع بصداها رنات ms15 أوتارك. # اسكت يا قلبي حتى الصباح، فمن يترقب الصباح متجلدا يعانقه الصباح مشتاقا. # ها قد طلع الفجر يا قلبي، فتكلم إن كنت تستطيع الكلام. # هو ذا موكب الصباح يا قلبي، فهل أبقى سكوت الليل في أعماقك أغنية تلاقي بها ~~الصباح. # هو ذا أسراب الحمام والشحارير تتطاير، متنقلة في أطراف الوادي، فهل أبقى هول الليل ~~في جناحيك صلابة لتطير معها؟ # هو ذا الرعيان يسيرون أمام قطعانهم، من الحظائر والمرابض، فهل أبقت لك أشباح الليل ~~عزما لتسير وراءها إلى المروج الخضراء؟ # هو ذا الفتيان والصبايا يمشون الهويناء نحو الكروم، فهلا نهضت ومشيت معهم؟ # قم يا قلبي، قم وسر مع الفجر؛ فالليل قد مضى، ومخاوف الليل قد اضمحلت مع أحلامه ~~السوداء. # قم يا قلبي، وارفع صوتك مترنما، فمن لا يشارك الصبح بأغانيه كان من أبناء ~~الظلام. ~~(3) البنفسجة الطموحة # كانت في حديقة منفردة، بنفسجة جميلة الثنايا، طيبة العرف، تعيش مقتنعة بين ~~أطرابها، وتتمايل فرحة بين قامات الأعشاب. # ففي صباح، وقد تكللت بقطر الندى، رفعت رأسها ونظرت حواليها، فرأت وردة تتطاول نحو ~~العلاء بقامة هيفاء، ورأس يتسامى متشامخا، كأنه شعلة من النار فوق مسرجة من ~~الزمرد. # ففتحت البنفسجة ثغرها الأزرق، وقالت متنهدة: «ما أقل حظي بين الرياحين! وما أوضع ~~مقامي بين الأزهار! فقد ابتدعتني الطبيعة صغيرة، حقيرة، أعيش ملتصقة بأديم الأرض، ~~ولا أستطيع أن أرفع قامتي نحو ازرقاق السماء، أو أحول وجهي نحو الشمس مثل ما تفعل ~~الورود.» # وسمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة، فاهتزت ضاحكة، ثم قالت: «ما أغباك بين ~~الأزهار! فأنت في نعمة تجهلين قيمتها، فقد وهبتك الطبيعة من الطيب والظرف والجمال، ~~ما لم تهبه لكثير من الرياحين، فخل عنك هذه الميول العوجاء، والأماني الشريرة، ~~وكوني قنوعة بما قسم لك، واعلمي أن من خفض جناحه يرفع قدره، وأن من طلب المزيد ~~وقع في النقصان.» # فأجابت البنفسجة قائلة: أنت تعزيني أيتها الوردة، لأنك حاصلة على ما أتمناه، ~~وتغمرين حقارتي بالحكم؛ لأنك عظيمة، وما أمر مواعظ السعداء في قلوب التعساء! وما ~~أقسى القوي إذا وقف ms16 خطيبا بين الضعفاء! # وسمعت الطبيعة ما دار بين الوردة والبنفسجة، فاهتزت مستغربة، ثم رفعت صوتها قائلة: ~~ماذا جرى لك يا ابنتي البنفسجة؛ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك، عذبة بصغرك، شريفة ~~بمسكنتك، فهل استهوتك المطامع القبيحة، أم سلبت عقلك العظمة الفارغة؟ # فأجابت البنفسجة بصوت ملؤه التوسل والاستعطاف: أيتها الأم العظيمة بجبروتها، ~~الهائلة بحنانها، أضرع إليك بكل ما في قلبي من التوسل، وما في روحي من الرجاء، أن ~~تجيبي طلبي وتجعليني وردة، ولو يوما واحدا. # فقالت الطبيعة: «أنت لا تدرين ما تطلبين، ولا تعلمين ما وراء الطعمة الظاهرة من ~~البلايا الخفية، فإذا رفعت قامتك، وأبدلت صورتك، وجعلتك وردة، تندمين حين لا ينفع ~~الندم.» # فقالت البنفسجة: «حولي كياني البنفسجي إلى وردة مديدة القامة، مروعة الرأس، ~~ومهما يحل بي بعد ذلك، يكن صنع رغائبي ومطامعي.» # فقالت الطبيعة: «لقد أجبت طلبك أيتها البنفسجة الجاهلة المتمردة، ولكن إذا داهمتك ~~المصائب والمصاعب، فلتكن شكواك من نفسك.» # ومدت الطبيعة أصابعها الخفية السحرية، ولمست عروق البنفسجة، فتحولت بلحظة إلى وردة ~~زاهية، متعالية فوق الأزهار والرياحين. # ولما جاء عصر ذلك النهار، تلبد الفضاء بغيوم سوداء مبطنة بالإعصار، ثم هاجت سواكن ~~الوجود، فأبرقت وأرعدت، وأخذت تحارب تلك الحدائق الأنصاب، واقتلعت الأزهار ~~المتشامخة، ولم تبق إلا على الرياحين الصغيرة، التي تلتصق بالأرض، أو تختبئ بين ~~الصخور. # أما تلك الحديقة المنفردة، فقد قاست من هياج العناصر، ما لم تقاسه حديقة ~~أخرى. # فلم تمر العاصفة، وتنقشع الغيوم، حتى أصبحت أزهارها هباء منثورا، ولم يسلم منها ~~بعد تلك المعمعة الهوجاء، سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدران الحديقة. # ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها، فرأت ما حل بأزهار الحديقة وأشجارها، فابتسمت ~~فرحا، ثم نادت رفيقاتها قائلة: «ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة ~~تيها وإعجابا.» # وقالت بنفسجة أخرى: «نحن نلتصق بالتراب، ولكننا نسلم من غضب العواصف ~~والأنواء.» # وقالت بنفسجة ثالثة: «نحن حقيرات الأجسام، غير أن الزوابع لا تستطيع التغلب ~~علينا.» # ونظرت إذ ذاك مليكة طائفة البنفسج، فرأت على مقربة منها الوردة التي كانت بالأمس ~~بنفسجة، وقد اقتلعتها العاصفة، وبعثرت ms17 أوراقها الرياح ، وألقتها على الأعشاب ~~المبللة، فبانت كقتيل أرداه العدو بسهم. # فرفعت مليكة البنفسج قامتها، ومدت أوراقها، ونادت رفيقاتها قائلة: «تأملن وانظرن ~~يا بناتي، انظرن إلى البنفسجة التي غرتها المطامع، فتحولت إلى وردة لتشامخ ساعة، ثم ~~هبطت إلى الحضيض، ليكن هذا المشهد أمثولة لكن.» # عندئذ ارتعشت الوردة المحتضرة، واستجمعت قواها الخائرة، وبصوت يتقطع قالت: ألا ~~فاسمعن أيتها الجاهلات المقتنعات، الخائفات من العواصف والإعصار، لقد كنت بالأمس ~~مثلكن، أجلس بين أوراقي الخضراء، مكتفية بما قسم لي، وقد كان الاكتفاء حاجزا ~~منيعا، يفصلني عن زوابع الحياة وأهوائها، ويجعل كياني محدودا بما فيه السلامة، ~~متناهيا بما يساوره من الراحة والطمأنينة. ولقد كان بإمكاني أن أعيش نظيركن، ~~ملتصقة بالتراب، حتى يغمرني الشتاء بثلوجه، وأذهب كمن ذهب قبلي إلى سكينة الموت ~~والعدم، قبل أن أعرف من أسرار الوجود ومخبآته غير ما عرفته طائفة البنفسج، منذ وجد ~~البنفسج على سطح الأرض. لقد كان بإمكاني الانصراف عن المطامع والزهد في الأمور التي ~~تعلو طبيعتها عن طبيعتي، ولكن أصغيت في سكينة الليل، فسمعت العالم الأعلى يقول لهذا ~~العالم: «إنما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود.» فتمردت نفسي على نفسي، ~~وهام وجداني بمقام يعلو عن وجداني، وما زلت أتمرد على ذاتي، وأشوق إلى ما ليس لي، ~~حتى انقلب تمردي إلى قوة فعالة، واستحال شوقي إلى إرادة مبدعة، فطلبت إلى الطبيعة - ~~وما الطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية - أن تحولني إلى وردة، ففعلت، وطالما ~~غيرت الطبيعة صورها ورسومها بأصابع الميل والتشويق. # وسكتت الوردة هنيهة، ثم زادت بلهجة مفعمة بالفخر والتفوق: أي لقد عشت ساعة كوردة، ~~لقد عشت ساعة كملكة، لقد نظرت إلى الكون من وراء عيون الورود، وسمعت همس الأثير ~~بآذان الورود، ولمست ثنايا النور بأوراق الورود، فهل بينكن من تستطيع أن تدعي ~~شرفي؟ # ثم لوت عنقها، وبصوت يكاد أن يكون لهاثا قالت: أنا أموت الآن، أموت وفي نفسي ما ~~لم تكمنه نفس بنفسجة من قبلي، أموت وأنا عالمة بما وراء المحيط المحدود، الذي ولدت ~~فيه، وهذا هو ms18 القصد من الحياة، هذا هو الجوهر الكائن وراء عرضيات الأيام ~~والليالي. # وأطبقت الوردة أوراقها، وارتعشت قليلا، ثم ماتت وعلى وجهها ابتسامة علوية - ابتسامة من حققت الحياة أمانيه - ابتسامة النصر والتغلب - ابتسامة الله. ~~(4) حياة الحب # الربيع # هلمي يا محبوبتي نمش بين الطلول، فقد ذابت الثلوج، وهبت الحياة من مراقدها، ~~وتمايلت في الأودية والمنحدرات. سيري معي لنتتبع آثار أقدام الربيع في الحقل ~~البعيد، تعالي لنصعد إلى أعالي الربى ونتأمل في تموجات اخضرار السهول ~~حولها. # ها قد نشر فجر الربيع ثوبا طواه ليل الشتاء، فاكتست به أشجار الخوخ والتفاح، ~~فظهرت كالعرائس في ليلة القدر، واستيقظت الكروم، وتعانقت قضبانها كمعاشر ~~العشاق، وجرت الجداول راقصة بين الصخور مرددة أغنية الفرح، وانبثقت الأزهار من ~~قلب الطبيعة انبثاق الزبد من البحر. # تعالي لنشرب بقايا دموع المطر من كئوس النرجس، ونملأ نفسينا بأغاني العصافير ~~المسرورة، ونغتنم استنشاق عطر النسيمات. # لنجلس بقرب تلك الصخرة حيث يختبئ البنفسج ونتبادل قبلات المحبة. # الصيف # هيا بنا إلى الحقل يا حبيبتي، فقد جاءت أيام الحصاد، وبلغ الزرع مبلغه، ~~وأنضجته حرارة محبة الشمس للطبيعة. تعالي قبل أن تسبقنا الطيور، فتستغل ~~أتعابنا، وجماعة النمل فتأخذ أرضنا. هلمي نجني ثمار الأرض، مثلما جنت النفس ~~حبوب السعادة من بذور الوفاء، التي زرعتها المحبة في أعماق قلبينا، ونملأ ~~المخازن من نتاج العناصر، كما ملأت الحياة أهواء عواطفنا. # هلمي يا رفيقتي، نفترش الأعشاب، ونلتحف السماء، ونوسد رأسينا بضغث من القش ~~الناعم، فنرتاح من عمل النهار، ونسمع مسامرة غدير الوادي. # الخريف # لنذهب إلى الكرمة يا محبوبتي، ونعصر العنب، ونوعيه في الأجران، مثلما توعي ~~النفس حكمة الأجيال، ونجمع الأثمار اليابسة، ونستقطر الأزهار، ونستعيض عن ~~العين بالأثر. # لنرجع نحو المساكن، فقد اصفرت أوراق الأشجار، ونثرها الهواء، كأنه يرد أن ~~يكفن بها أزهار أقضت لوعة عندما ودعها الصيف. تعالي فقد رحلت الطيور نحو ~~الساحل، وحملت معها أنس الرياض، وخلفت الوحشة للياسمين والسيسبان، فبكى باقي ~~الدموع على أديم التراب. # لنرجع، فالجداول قد وقفت عن مسيرها، والعيون نشفت دموع قرحها، والطلول خلعت ~~باهي أثوابها. تعالي ms19 يا محبوبتي ، فالطبيعة قد راودها النعاس، فأمست تودع ~~اليقظة بأغنية نهاوندية مؤثرة. # الشتاء # اقتربي يا شريكة حياتي، اقتربي مني، ولا تدعي أنفاس الثلوج تفصل جسمينا. ~~اجلسي بجانبي أمام هذا الموقد، فالنار فاكهة الشتاء الشهية. حدثيني بمآتي ~~الأجيال، فآذاني قد تعبت من تأوه الأرياح وندب العناصر، أوصدي الأبواب ~~والنوافذ، فمرأى وجه الجو الغضوب يحزن نفسي والنظر إلى المدينة الجالسة ~~كالثكلى تحت أطباق الثلوج يدمي قلبي ... اسق السراج زيتا، يا رفيقة عمري، فقد ~~أوشك أن ينطفئ، وضعيه بالقرب منك؛ لأرى ما كتبته الليالي على وجهك ... هاتي جرة ~~الخمر لنشرب ونذكر أيام العصر. # اقتربي! اقتربي مني يا حبيبة نفسي، فقد خمدت النار، وكاد الرماد يخفيها ... ~~ضميني فقد انطفأ السراج، وتغلبت عليه الظلمة ... ها قد أثقلت أعيننا خمرة السنين ~~... ارمقيني بعين كحلها النعاس ... عانقيني قبل أن يعانقنا الكرى ... قبليني فالثلج ~~قد تغلب على كل شيء إلا قبلتك ... آه يا حبيبتي، ما أعمق بحر النوم! آه؛ ما أبعد ~~الصباح ... في هذا العالم! ~~(5) في مدينة الأموات # تملصت بالأمس من غوغاء المدينة، وخرجت أمشي في الحقول الساكنة، حتى بلغت أكمة ~~عالية، ألبستها الطبيعة أجمل حلاها. فوقفت، وقد بانت المدينة بكل ما فيها، من ~~البنايات الشاهقة، والقصور الفخمة، تحت غيمة كثيفة من دخان المعامل. # جلست أتأمل عن بعد في أعمال الإنسان، فوجدت أكثرها عناء، فحاولت في قلبي ألا ~~أفتكر بما صنعه ابن آدم، وحولت عيني نحو الحقل كرسي مجد الله، فرأيت في وسطه مقبرة، ~~ظهرت فيها الأجداث الرخامية المحاطة بأشجار السرو. # هناك بين مدينة الأحياء ومدينة الأموات جلست أفكر، أفكر في كيفية العراك المستمر ~~والحركة الدائمة في هذه، وفي السكينة السائدة والهدو المستقر في تلك. من الجهة ~~الواحدة آمال وقنوط، ومحبة وبغضة، وغنى وفقر، واعتقاد وجحود، ومن الأخرى تراب في ~~تراب، تقلب الطبيعة بطنه ظاهرا، وتبدع منه نباتا، ثم حيوانا، وكل ذلك يتم في ~~سكينة الليل. # بينما أنا مستسلم لعوامل هذه التأملات، استلفت ناظري جمع غفير يسير الهويناء، ~~تتقدمه الموسيقى، وتملأ الجو ألحانا محزنة، موكب جمع بين الفخامة ms20 والعظمة، وآلف ~~بين أشكال الناس. جنازة غني قوي، رفات ميت تتبعها الأحياء، وهم يبكون ويولولون، ~~ويبثون بالهواء الصراخ والعويل. # بلغوا الجبانة، فاجتمع الكهان يصلون ويبخرون، وانفرد الموسيقيون ينفخون الأبواق، ~~وبعد قليل انبرى الخطباء فأبنوا الراحل بمنتقيات الكلام ثم الشعراء، فرثوه ~~بمنتخبات المعاني، وكل ذلك كان يتم بتطويل ممل. وبعد قليل انقشع الجمع عن جدث تسابق ~~في صنعه الحفارون والمهندسون، وحوله أكاليل الأزهار المنمقة بأيدي ~~المتفننين. # رجع الموكب نحو المدينة، وأنا أنظر من بعيد وأفتكر، ومالت الشمس نحو الغروب ~~واستطالت خيالات الصخور والأشجار، وأخذت الطبيعة تخلع أثواب النور. # في تلك الدقيقة نظرت، فرأيت رجلين يقلان تابوتا خشبيا، ووراءهما امرأة ترتدي ~~أطمارا بالية، وهي حاملة على منكبيها طفلا رضيعا، وبجانبها كلب ينظر إليها تارة ~~وإلى التابوت أخرى. جنازة فقير حقير وراءهما زوجة تذرف دموع الأسى، وطفل يبكي لبكاء ~~أمه، وكلب أمين يسير، وفي مسيره حزن وكآبة. # وصلوا هؤلاء إلى المقبرة، وأودعوا التابوت حفرة في زاوية بعيدة عن الأجداث ~~الرخامية، ثم رجعوا بسكينة مؤثرة، والكلب يتلفت نحو محط رحال رفيقه، حتى اختفوا عن ~~بصري وراء الأشجار. # فالتفت إذ ذاك نحو مدينة الأحياء وقلت في نفسي: تلك للأغنياء الأقوياء، ثم نحو ~~مدينة الأموات، وقلت: هذه للأغنياء الأقوياء، فأين موطن الفقير الضعيف يا ~~رب؟ # قلت هذا، ونظرت نحو الغيوم المتلبدة، المتلونة أطرافها بذهب من أشعة الشمس ~~الجميلة، وسمعت صوتا من داخلي يقول ... هناك. ~~(6) بنات البحر # في أعماق البحر الذي يحيط بالجزائر القريبة من مطلع الشمس، هنالك في الأعماق، حيث ~~الدر الكثير، جثة فتى هامدة، بقربها بنات البحر ذوات الشعور الذهبية، قد جلسن بين ~~نبات المرجان، ينظرن إليها بعيونهن الزرقاء الجميلة، ويتحدثن بأصوات موسيقية، ~~حديثا سمعته اللجة، فحملته الأمواج إلى الشواطئ، فجاء به النسيم إلى نفسي. # قالت واحدة: «هذا بشري هبط بالأمس إذ كان البحر حانقا.» # فقالت الثانية: «لم يكن البحر حانقا، ولكن الإنسان - وهو الذي يدعي بأنه من سلالة ~~الآلهة - كان في حرب حامية، أهرقت فيها الدماء، حتى صار لون الماء قرمزيا، وهذا ~~البشري، هو ms21 قتيل الحرب .» # فقالت الثالثة: «لا أدري ما هي الحرب، ولكني أعلم أن الإنسان، بعد أن تغلب على ~~اليابسة، طمع بالسيادة على البحر، فابتدع الآلات الغريبة، ومخر العباب، فدرى نبتون ~~إله البحار، وغضب من هذا التعدي، فلم ير الإنسان بدا إذ ذاك من إرضاء مليكنا ~~بالذبائح والهدايا. فالأشلاء التي رأيناها بالأمس هابطة، هي آخر تقدمة من الإنسان ~~إلى نبتون العظيم.» # قالت الرابعة: «ما أعظم نبتون! ولكن، ما أقسى قلبه! لو كنت أنا سلطانة البحار لما ~~رضيت بالذبائح الدموية. تعالين لنرى جثة هذا الشاب، فربما أفادتنا شيئا عن طائفة ~~البشر.» # اقتربت بنات البحر من جثمان الشاب، وبحثن في جيوب أثوابه، فعثرن على رسالة في ~~الثوب الملاصق قلبه، فأخذت الرسالة واحدة منهن وقرأت: # يا حبيبي، ها قد انتصف الليل، وأنا ساهرة، وليس لي مسل غير دموعي، ولا ~~معز سوى أملي برجوعك إلي، من بين مخالب الحرب، ولا أقدر بأن أفتكر إلا ~~بما قلته لي عند الوداع، بأن عند كل إنسان أمانة من الدمع لا بد من ردها ~~يوما ... لا أدري يا حبيبي ماذا أكتب، بل أترك نفسي تسيل على الورق، نفس ~~يعذبها الشقاء، ويعزيها الحب، الذي يجعل الألم لذة، والأحزان مسرة، لما ~~وحد الحب قلبينا، وصرنا نتوقع ضم جسمين تجول فيهما روح واحدة، نادتك ~~الحرب، فاتبعتها مدفوعا بعوامل الواجب والوطنية. ما هذا الواجب الذي ~~يفرق المحبين، ويرمل النساء، وييتم الأطفال؟ ما هذه الوطنية التي من أجل ~~أسباب صغيرة تدعو الحرب لتخريب البلاد؟ ما هذا الواجب المحتوم على القروي ~~المسكين، والذي لا يحفل به القوي، وابن الشرف الموروث؟ إذا كان الواجب ~~ينفي السلم من بين الأمم، والوطنية تزعج سكينة حياة الإنسان، فسلام على ~~الواجب والوطنية ... لا، لا يا حبيبي، لا تحفل بكلامي بل كن شجاعا، ~~ومحبا لوطنك، ولا تسمع كلام ابنة أعماها الحب، وأضاع بصيرتها الفراق، ~~إذا كان الحب لا يرجعك إلي في هذه الحياة، فالحب يضمني إليك في الحياة ~~الآتية. # وضعت بنات البحر تلك الرسالة تحت أثواب الشاب، وسبحن بسكينة محزنة. ولما بعدن ms22 قالت ~~واحدة منهن: «إن قلب الإنسان أقسى من قلب نبتون.» # | ميخائيل نعيمة # (1) الزحافات والعلل: نظرة في الشعر وأوزانه # دع همومك التجارية والسياسية والعائلية يا أخي، وتأبط جراب صبرك واتبعني، تسألني ~~إلى أين؟ ولنفرض إلى جهنم! أوليست جهنم خيرا من عالم يصابحنا بالقال والقيل، ~~ويعاشينا بالقيل والقال؟ وما قيله إلا هبوط أسعار وارتفاع أسعار، وما قاله إلا ~~انتصار سياسة وإخفاق سياسة. فتأبط جراب صبرك واتبعني، ولا تسل إلى أين. قد أسلك بك ~~طريقا وعرا، وقد أدخل بك أجمة ملتفة الأدغال، وقد أريك طرف مرج فسيح، وقد أعود ~~بك من حيث انطلقت، كأنك لا رحت ولا جئت، فتمسك بجراب صبرك، فالصبر خير سلاح ~~للمؤمنين، ولنمش. # هل سمعت في حياتك يا أخي برجل يدعى أبا عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الأزدي ~~الفراهيدي؟ لا، إذن فاعلم، وقاك الله أن أبا عبد الرحمن (تغمده الله برحمته ~~ورضوانه) ولد في سنة مائة للهجرة، وتوفي عن خمس وسبعين عاما، قضاها بالبر والتعبد ~~والتقوى، ووضع علم العروض. # والعروض - رعاك الله - «علم بأصول يعرف بها صحيح أوزان الشعر العربي، وفاسدها، وما ~~يطرأ عليها من الزحافات والعلل.» # و«الزحافات والعلل» أوبئة تنزل بأوزان الشعر العربي، فتحرك ساكنا، أو تسكن ~~متحركا، وتقضم حرفا هنا، ومقطعا هناك. وقد عني بها الخليل عناية خاصة، فأعطى لكل ~~منها اسما، ورتبها في أبواب وفصول، هي أكثر عدا من خطاياي. # هذا هو أبو عبد الرحمن يا صاحبي، فلنقدس ذكره، ولنجل مقامه، فلولاه لكنا بلا ~~زحافات وعلل، وكيف تكتمل لنا السعادة بدون زحافات وعلل؟ ولولاه لما كان لنا علم ~~العروض، الذي «يعرف به صحيح أوزان الشعر العربي وفاسدها.» وأنى لنا أن نميز بين ما ~~هو شعر وما ليس شعرا، ما لم نعرف صحيح الأوزان من فاسدها؟ # لقد مات الخليل يا أخي، ومنذ مات الخليل حتى اليوم، ونحن منغمسون في درس الخبن ~~والخبل، والترفيل والتذييل، والنقص والوقص، والقطف والكسف، والخرم والثلم، والقصر ~~والبتر؛ إلى ما هنالك من علل زاحفة، وزحافات معتلة، إلى أن ملكنا بإذن الله ناصية ~~علم ms23 العروض ، وأصبحنا بمنة الخليل نميز بين «صحيح أوزان الشعر العربي ~~وفاسدها.» # أما أننا في جدنا وراء ناصية العروض، قد أفلتت من يدنا ناصية الشعر. وأننا في ~~جهدنا وراء التمييز بين صحيح أوزان الشعر وفاسدها، قد نسينا الفرق بين ما هو شعر، ~~وما ليس شعرا، فما ذاك بالأمر الخطير! فالمهم المهم أن نعرف إذا ما نظمنا بيتا ~~أننا لم نجز لأنفسنا ما لم يجزه الخليل، وأننا لم نهتك حرمة قاعدة، ولم نخل بحرف ~~من ناموس، ولم نتجاوز حد تقليد شريف، أو طقس مقدس، فاتكلنا على الله ورحنا ننظم ~~القصائد. # ومن حسنات علم العروض يا رفيقي، أنه كثير البحور، ولكل بحر من بحوره قوارب، يتعذر ~~عليك ركوبه إلا بها، ولكل من تلك القوارب مقاذيف لا تدار إلا بها، ولكل من تلك ~~المقاذيف حلقات وحنيات ومماسك لا يعرفها إلا غزير الخبرة، وطويل الأناة. لذاك ~~فالملاحة في هذه البحور تقضي اقتحام الأخطار، والمجازفة بالحياة، ولذاك قد حذرنا ~~العاقلون من الإقدام عليها إذ قالوا: # الشعر صعب وطويل سلمه # إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه # زلت به إلى الحضيض قدمه # يريد أن يعربه فيعجمه # غير أن أبناء الضاد ليسوا ممن يهابون المخاطر، ولا ممن يؤثرون الحياة على الشرف، ~~فكلما تراكمت تلك العقبات في سبيلهم، كلما ازدادت عزائمهم مضاء. وكلما عز الحصول ~~على شرف أثيل، كلما هانت لديهم الأرواح. فما كان منهم إلا أن هجموا على تلك البحور ~~فلجموا أمواجها وامتطوها وراحوا بين شواطئها يهزجون. نعم، هوى بعضهم إلى القاع، ~~فطمست آثاره. ولكن أكثرهم طاف جميع البحور وعاد سالما معافى. # ومن ميزات الذين يخوضون بحور الشعر يا أخي، ويعودون سالمين، أنهم يكتسبون حنوا ~~خارقا على الإنسانية بأسرها، لا سيما علينا نحن أبناء اليابسة، فلا يعودون إلينا ~~فارغي اليد (وإن عادوا فارغي الرأس والقلب) بل يتبارون إلى مشاطرتنا، كل ما اكتشفوه ~~وعرفوه بشأن الملاحة في البحور الشعرية، فيقدمون إلينا ذلك لا نتفا نتفا، بل ~~يجمعونه بين دفتي كتاب يدعونه «ديوانا»، ويرفعونه إلينا؛ ليرفعونا به ~~إليهم. # فلنمجد الملاحين يا ms24 أخي ، أولئك الذين يحسنون الملاحة في بحور الشعر، والذين يرتقون ~~في سلمه فلا تزل بهم قدم؛ إذ لا يعجمون معربة، ولا يعربون معجمة! لنمجد العروض ~~وأبناء العروض. # هل اعتراك يا أخي الملل؟ فعليك بحراب صبرك، إذ إننا في مسلك وعر، وإن شاء ربك ~~سنقطعه سالمين. # تسألني ما إذا كنت أتهكم، أو أعني ما أقول؟ لا، وتربة الخليل، لست متهكما؛ فلعروض ~~الخليل فضل علي كبير. # ولأصحابنا الملاحين فضل أكبر. أقول إن لهم فضلا أكبر؛ لأن الخليل يوم جمع ما كان ~~في زمانه من أوزان الشعر، وبوبها وحدد ما «يطرأ عليها من الزحافات والعلل» لم ~~يقصد سوى الخير، ولم يتوخ إلا خدمة لغة عزيزة عليه. أما الذين جاءوا بعد الخليل ~~قتقيدوا بزحافاته وعلله ألفا ومائتي سنة، فإياهم أسدي جزيل شكري؛ لأنهم بمباراتهم ~~في معرفة «صحيح أوزان الشعر وفاسدها»، قد أتقنوا الأوزان وأهملوا الشعر. وبإهمالهم ~~الشعر نبهوني إليه، وقد ينبهنا عدم وجود الشيء إلى الشيء، أسرع مما ينبهنا إليه ~~وجوده. # لنقف يا أخي بتخشع أمام شبح من قال: # وشبيه صوت النعي إذا قي # س بصوت البشير في كل ناد # ولنبحث أمام ضريح من شرب «على ذكر الحبيب مدامة» فسكر بها «من قبل أن تخلق ~~الكرم.» # ولنجل النار التي كانت تتأجج في صدر من نظر الأعمى إلى أدبه، وأسمعت كلماته من به ~~صمم. # فهؤلاء، وقليل ممن راودت أرواحهم أحلام من عالم أعلى لجبابرة، وإن تقيدوا بقيود ~~الخليل، فهم أكبر منه ومن عروضه. فلنمر من أمامهم صامتين، ولنتابع السير إلى حيث ~~الدواوين الحافلة بصحيح أوزان الشعر، الناطقة بألف لسان بفضل الخليل، المرددة بألف ~~قافية شكر الزحافات والعلل، الناظرة بألف عين، لا إلى جمال الحياة، بل إلى جمال ~~الألفاظ والمقاطع، المصغية بألف أذن، لا إلى نبضات القلوب وخطوات الأفكار، بل إلى ~~يد تصفق استحسانا ولسان يثرثر بالمديح. إن هذه الدواوين يا أخي، لأفصح ما كتب في ~~الشعر وعنه؛ لأنها محشوة بما ليس شعرا؛ لذلك كلما بلاك الله بواحد منها، تتوق نفسك ~~إلى نقيضه؛ أي تتوق إلى ms25 الشعر ؛ ولذاك قلت إنها أفصح ما كتب في الشعر وعنه. # مهلا يا أخي، ولا تكن لجوجا، ولا تسلني أن أحدد لك الشعر؛ فالشعر غير محدود، ولا ~~يحيط به إدراكا إلا أصحاب دواويننا المكرمون، فقد قام بينهم حديثا جهبذ، جمع في ~~مقالة واحدة 177 تعريفا للشعر عن ألسنة كثيرة - من ابن خلدون إلى ميخائيل رستم! ~~ومن أرسطوطاليس إلى جورج ساند - فعليك بديوانه. # أما أنا فلا اطلاعي واسع لهذا الحد، ولا صبري طويل بهذا المقدار، فلنعدل عن تحديد ~~الشعر وتعريفه. وذاك لا يمنعنا من أن نتكلم في الشعر، فتعال نتبادل الخواطر ~~والنظرات. # هل ضحكت يا أخي في حياتك؟ وهل بكيت؟ هل ساورت أفكارك شكوك، أم سرحت في صدرك آمال، ~~أم عصرت قلبك خيبة، أم مزق نفسك ألم؟ هل طرقت أذنك نغمة فطربت بها روحك، أم رأت ~~عينك مشهدا فاهتز له كيانك؟ إذن لا شك تفهمني، لو سكبت أمامك دموعي، وكشفت لك ~~صدري، وحدثتك عن آلامي وآمالي، ووصفت لك نغمة أطربتني، أو مشهدا هزني. وأنا بدوري ~~أفهمك، وكلانا يفهم الغير. # ولو كان لك من سبيل إلى ترجمة عواطفك وأفكارك، بالصينية أو الهندية أو اليابانية ~~أو الألمانية، لفهمك الصيني والهندي والياباني والألماني كذلك. فما هو السر في ذلك؟ ~~ما السر في أن روحك، وهي في دمشق أو القاهرة، تستطيع أن توصل أناتها وتهاليلها ~~إلى روح في أقاصي شمال الأرض وجنوبها، أو شرقها وغربها؟ # السر يا صاحبي في أن نفسك ونفسي ونفس بطرس وأحمد؛ كلها تستقي من مورد واحد، وذاك ~~المورد هو الحياة، وإن شئت فقل النفس الجامعة أو الله. فالحياة وإن تعددت مظاهرها، ~~وتنوعت أزياؤها، هي هي، وجوهرها واحد لا يتغير، غير أن ما نستقيه من هذا المورد، ~~يتنوع بمقدار الظمأ الداخلي فينا، فبعضنا إذا ما شرب من المرارة غب غب الجمال، بينا ~~يمتصها الآخر مص العليل للدواء. وبعضنا إذا ما هزته نغمة رفعته إلى الجو، بينا ~~يسمعها الآخر فينتفض قليلا «كالدوري» ويعود يبحث في الروث عن شعيرة ~~يلتقطها. # إن الحياة يا صاحبي تعرض ms26 مشاهدها علي وعليك، لكنك قد ترى مشهدا لا أراه أنا، وإن ~~أكن مفتح العينين. بل قد أنظر وإياك إلى مشهد واحد، فترى فيه أشياء لا أراها، وتسمع ~~ما لا أسمعه. هكذا قد أمر بدودة تدب على الأرض فأدوسها، أو أحول وجهي عنها، وأمشي ~~في سبيلي. وتمر بها أنت فتقف مراقبا حركاتها، ثم ترفعها بيدك، وتدرسها مليا، ثم ~~تضعها من يدك وتنطلق، وفي رأسك قد تجمهرت أشباح، وأمام عينيك قد مشت رسوم، وفي ~~أذنيك قد دوت أصوات. ولا يعتم أن تنتظم تلك الأشباح، وتندمج تلك الرسوم، وتتألف تلك ~~الأصوات في قصيدة أو مقالة، أطالعها أنا، فأشعر كأن أشباحها تجمهرت في رأسي، ~~ورسومها مشت أمام عيني، وأصواتها رنت في أذني. لقد مررت وإياك في مثل هذه الحالة ~~بمورد من موارد الحياة، فشربت منه قطرة؛ حيث شربت قطرات، وفي من الظمأ ما فيك. ~~غير أني ما كنت أشعر بظمئي إلى أن سمعتك تصف لي ظمأك، وكيف ارتويت. # أنا وأنت غريبان، نحن إلى وطن واحد، وفي ما فيك من الحنين. غير أن حنيني أبكم ~~أصم، وحنينك ناطق ومجنح؛ لذاك إذا سمعت حنينك متكلما تحرك حنيني وتكلم؛ لأنه قد ~~وجد في حنينك لسانا له. # أنا وأنت حائران في أمور كثيرة، وحيرتي قد تغلغلت بين أفكاري وتمددت، حتى لم أعد ~~أعرف في ما أنا حائر. لكن حيرتك نصب عينيك، فإذا ما صورتها لي تصورت أمامي ~~حيرتي. # تسألني: وما القصد من هذه الأمثال كلها؟ إن قصدي يا صاحبي أن أقول: بأن عواطفنا ~~وأفكارنا مشتركة؛ لأن مصدرها واحد، وهو النفس. # وإن في الواحد منا ما في الآخر من العواطف والأفكار، لكنها قد تكون مستيقظة في ~~بعضنا، غافلة في الآخر. وإن هذه العواطف والأفكار، وإن استيقظت في بعضنا، قد تكون ~~خرساء. وإنها في بعضنا مستيقظة وناطقة. وإن العواطف والأفكار إذا ما استيقظت ونطقت ~~بنفسها بعبارة جميلة التركيب موسيقية الرنة، كان ما تنطق به شعرا. وإن من استيقظت ~~عواطفه وأفكاره، وتمكن من أن يلفظها بعبارة جميلة التركيب، موسيقية الرنة، كان ms27 ~~شاعرا. # وإذ إن العواطف والأفكار، هي كل ما نعرفه من مظاهر النفس، فالشعر إذن هو لغة ~~النفس. # والشاعر هو ترجمان النفس. # هذا ما أعرفه يا أخي عن الشعر والشاعر، فلنعد إلى الزحافات والعلل. # لقد وضع الناس الشعر أوزانا، مثلما وضعوا طقوسا للصلاة والعبادة. فكما أنهم ~~يتأنقون في زخرفة معابدهم؛ لتأتي «لائقة» بجبروت معبودهم. هكذا يتأنقون في تركيب ~~لغة النفس؛ لتأتي «لائقة» بالنفس. وكما أن الله لا يحفل بالمعابد وزخرفتها، بل ~~بالصلاة الخارجة من أعماق القلب. هكذا النفس لا تحفل بالأوزان والقوافي، بل بدقة ~~ترجمة عواطفها وأفكارها. # أتذكر يا أخي قول الناصري: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي هناك أكون في ~~وسطهم.» ولم يحدد ابن مريم مكانا معلوما لعبادته؛ فقد يجتمع اثنان باسمه على رأس ~~جبل، أو في جوف واد، أو على ظهر باخرة، أو في قهوة، أو في منجم للفحم، ويكون هو ~~بينهم. والشعر يقول: حينما تفاهمت نفسان أو ثلاث باسمي، هناك أكون في وسطهن. # فلا الأوزان ولا القوافي من ضرورة الشعر، كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة ~~الصلاة والعبادة. فرب عبارة منثورة جميلة التنسيق، موسيقية الرنة، كان فيها من ~~الشعر أكثر مما في قصيدة من مائة بيت بمائة قافية. ورب صلاة خارجة من قلب منكسر، ~~فوق رمال الصحراء، أدركت غايتها، وذهبت كصرخة في واد صلوات خارجة من مئات من ~~الأفواه، بين مئات من القناديل والشموع، تحت سقوف مرصعة وقبب مزركشة. # غير أن القصد الأولى من طقوس العبادة، لم يكن إلا شريفا؛ لاعتقاد الناس أن الله ~~لا يجيب صلاة إلا إذا ارتفعت إليه مع دخان محرقة، ولا يقبل محرقة إلا إذا تقدمت ~~إليه بطريقة معلومة وبعبارات منتخبة. وكذاك القصد من أوزان الشعر؛ فقد رأى الأقدمون ~~أن الشعر، وهو لغة النفس، لا يليق بها ما لم يكن مقيدا بأوزان؛ إذ وجدوا أن ~~الأوزان تساعد على تنسيق الجمل وتوازنها، وفي التوازن سر من أسرار الجمال. # إن طقوس العبادة - على اختلاف أنواعها - جميلة، لمن يفهم سر رموزها، وليس من طقس ~~إلا يرمز ms28 إلى فكر . لكن من طبيعة الجمهور أن ينظر إلى ظواهر الأمور، كما لو كانت هي ~~جواهر الأمور. فالجمهور لا يفكر، بل يقبل الأشياء كما هي؛ لذلك فالرموز تحل عنده ~~محل ما ترمز إليه؛ ولذلك ترى الديانات أصبحت مجموعة طقوس وعوائد، فالذي تمكن من ~~حفظ كل تلك الطقوس والتقاليد، تأهل لأن يكون كاهنا أو شيخا أو قسيسا. # ولو نظرت الآن يا صاحبي إلى أوزان الشعر، وجدت أن حكايتنا معها هي حكايتنا مع طقوس ~~العبادة. إن القصد الأساسي من الوزن هو التناسق والتوازن في التعبير عن العواطف ~~والأفكار، ولا شك أن الأوزان نشأت نشوءا طبيعيا، وكان سبب ظهورها ميل الشاعر إلى ~~تلحين عواطفه وأفكاره. والكلام المتوازن المقاطع، أسهل للتلحين من الكلام الذي لا ~~توازن بين مقاطعه، من حيث الطول والقصر؛ لذاك لحق الوزن بالشعر ونما معه نموا ~~طبيعيا، فكان يتكيف بالشعر ولا يتكيف الشعر به. هكذا نما الشعر العربي ونمت ~~أوزانه. وما زال الوزن لاحقا والشعر سابقا، إلى أن قيض الله لأبي عبد الرحمن أن ~~جمع كل ما توصل إليه من الأوزان، فبوبها وحددها، وجعل لكل منها قواعد، ولكل قاعدة ~~جوازات، وللجوازات جوازات، إلخ. # منذ ذلك الحين يا أخي أخذ الوزن يتغلب رويدا رويدا على الشعر، إلى أن أصبح الشعر ~~لاحقا والوزن سابقا. وأصبح كل من قدر أن يتغلب على عروض الخليل بأوزانها ~~وزحافاتها وعللها أهلا لأن يدعى شاعرا. وذاك راجع إلى ما قلته عن طقوس العادة، ~~بأن الجمهور من طبيعته أن ينظر إلى ظواهر الأمور، كما لو كانت هي جواهر ~~الأمور. # لو نظرت يا أخي إلى ما جمعناه منذ نيف وألف سنة، لوجدته - مع استثناء قليل منه - ~~معرضا للأبحر الشعرية، بين طويلها وبسيطها وكاملها وخفيفها، إلخ، مع ما «يطرأ ~~عليها من الزحافات والعلل.» # لا تضحك، فالموقف موقف بكاء لا ضحك، أمن المضحكات أن تدفن ألف سنة من حياتنا ~~الأدبية بالزحافات والعلل؟ # العروض لم تسئ إلى شعرنا فقط، بل قد أساءت إلى أدبنا بنوع عام، فبتقديمها الوزن ~~على الشعر قد جعلت الشعر ms29 في نظر الجمهور صناعة، إذا أحاط الطالب بكل تفاصيلها أصبح ~~شاعرا! وإذ إن للشاعر منذ بدء التاريخ مقاما رفيعا بين قومه، أصبح كل طالب شهرة ~~يلجأ إلى العروض كإلى أقرب الموارد، وبذاك انصرفت أكثر مواهبنا إلى قرض الشعر، ~~فأفقنا اليوم ولا روايات عندنا، ولا مسارح، ولا علوم ولا اكتشافات، ولا اختراعات. ~~ولا شك أن كثيرين ممن انصرفوا إلى النظم حبا بالشهرة، لو انصرفوا إلى غيره من ~~أبواب الكتابة والدرس لجاءوا معاصريهم وجاءونا بنفع كبير. ناهيك عن أن درس علم ~~العروض يستغرق وقتا طويلا، فقل معي: وا لهف قلباه على عقول أحداث لا تزال تصارع ~~العروض على مقاعد المدرسة. # لقد بلغ منا الولع بالعروض درجة أصبحنا معها لا ننطق إلا شعرا «وأعني نظما»، حتى ~~قواعد نحونا أبينا أن نلقنها لأحداثنا إلا منظومة! هاك ألفية ابن مالك، وهاك «نار ~~القرى»، بل قد نظمنا الحساب والجبر والجغرافية والطب والفلك، ولم لا؟ # وأصبحنا نتراسل نظما، ونتصافح نظما ونشرب الخمر نظما، ونأكل الكبة نظما، ~~ونعمد أولادنا نظما، ونزوجهم نظما، ونستقبل أصدقاءنا نظما، ونودعهم نظما، ~~ونهنئهم بعيد أو بمركز أو بمولود نظما، إلى أن لم يبق في حياتنا ما ليس منظوما ~~سوى عواطفنا وأفكارنا! وعندما دانت لنا العروض، وأتتنا زحافاتها وعللها صاغرة، رحنا ~~نكتشف طرقا جديدة نظهر بها مقدرتنا «النظمية»، فاهتدينا إلى التواريخ الشعرية، ~~فصرنا إذا مات صديقنا «حاتم منصور» لا نكتفي بأن نشق عليه الجيوب، ونستمطر السحاب، ~~ونقرح المآقي، ونشتم الموت، ونعاتب الدهر، ونواري الشمس والقمر في التراب، بل نحفر ~~على حجر فوق رأسه تاريخ موته بأحرف منظومة لا بأرقام بسيطة: # زر قبر حاتم منصور الكريم وقل # كم حسرة لك في طي القلوب ترى # تسقيك أجفاننا أرخ بأدمعها # يا غصن بان لواه البين فانكسرا # فانقلب الشاعر بهلوانا، وأصبح الشعر ضربا من الحلج والجمر، والمشي على الأسلاك، ~~والانتصاب على الرأس، ورفع الأثقال بالأسنان، ولف الرجلين حول العنق، إلى ما هنالك ~~من الحركات التي تجيدها القردة أيما إجادة. من ذلك الألغاز الشعرية، وحل الألغاز، ~~والمنظومات التي بعض ms30 مفرداتها أو كلها منقطة، وبعضها أو كلها مهملة، أو حرف منقط ~~فيها يليه حرف مهمل، والتشطير والتسميط والتخميس، إلخ. # ومن المضحكات المبكيات يا صاحبي، أن مثل هذه الحركات البهلوانية كانت ولا تزال ~~تعرض في سوق آدابنا «كشعر»، وأربابها كانوا ولا يزالون في مقدمة الشعراء عندنا، ~~والشعر براء منها ومنهم، فعلى من اللوم؟ # أي يا أخي؛ إنك لمحق في قولك بأن ليس كل شعرنا من هذا القبيل، بل أبواب الشعر ~~عندنا كثيرة وواسعة، فمنها الغزل والنسيب، ومنها المديح والهجاء، ومنها العتاب ~~والرثاء، والفخر والخمر. لكن هذه الأبواب يا أخي، قد أصبحت كذلك معرضا للعروض ~~والقوافي، لا للشعر. # لقد كان البدوي يتصبب على الأطلال والدمن، وينادي الربوع والركبان، إذا نظر إلى ~~القمر رأى وجه حبيبته فيه، أو إلى الظبي رأى عنقها في عنقه، وفي عينيه عينيها. ونحن ~~لا نزال نتصبب على الأطلال والدمن، ولا أطلال عندنا ولا دمن، وننادي الركب ولا ركب ~~نناديه، وقل ممن يقرض العروض في أيامنا من رأى في حياته ظبيا فالتا ... # وإذا هزتنا الحماسة طعنا بالهندواني واليماني، ونحن لم نطعن في حياتنا ضبا، ولو ~~بسكين صغيرة. # وإذا مدحنا لم نجد بدا من وضع من نمدحه فوق الشمس والقمر: # لقد شام هذا البدر فيك رجاحة # عليه بميزان البها إذ تأملك # هوت كفة الميزان فيك إلى الثرى # وخفت به الأخرى فعلق بالفلك # وإذا رثينا لا نجد سبيلا لرثاء الفقيد إلا بذم الأحياء: # والموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها الجياد # فالموت لم يخترك ولم يخترني بعد يا أخي، فلا أنا ولا أنت من الجياد، ولا هذه ~~الملايين التي تصبح على وجه الأرض وتمسي. بل الجود كل الجود تحت التراب، ولا يمشي ~~فوق التراب سوى كل زنيم خسيس ...! # أي لحق ما تقول، فليس كل ما ينظمه شعراؤنا من هذا النوع، لا سيما شعراء اليوم؛ فقد ~~أخذوا يفتشون عن مصادر جديدة يستقون منها الإلهام. ويحضرني الآن بعض منها: الطيارات ~~الكهربائية، الغازات المسممة، التلفون، الفونغراف، كرة الرجل أو «الفوتبول»، ~~الاستقلال، حدائق الحيوانات، الديمقراطية، ms31 الاشتراكية، إلخ ، إلخ. نعم نعم، هم ~~ينظمون اليوم في مثل هذه المواضيع، وفي ذلك شاهد على أنهم سائرون مع العصر، لا ~~وراءه؛ لذلك يدعونهم «عصريين»، اعتبر ذلك أيضا في دواوينهم، أولا ترى كيف ~~يتفننون اليوم في طبعها؟ # لقد كان واحدهم سابقا، يكتفي بنشر ديوانه مبوبا تبويبا محكما، أو مرتبا حسب ~~أحرف الهجاء. أما اليوم فتأخذ الديوان، وتجد فيه عدا عن القصائد الشائقة العصرية ~~رسوما، لا تترك عندك من شك في عبقرية الناظم. هناك رسمه وهو في العاشرة، ثم رسمه ~~وهو في العشرين، ثم في الثلاثين، ثم رسم زوجته وأولاده، ورسم بيته، ورسوم أصحابه ~~الذين رثاهم، ورسوم أقربائه الذين هناهم إما بمولود أو بمعمود أو بزفاف أو بعودة ~~بعد غيبة. # نعم، نعم، إن هذه كلها «لمواضيع عصرية»، والذين ينظمون فيها لا شك «عصريون» سائرون ~~مع العصر لا وراء، وإنما ينقصهم أمر واحد، وذاك أن يسيروا ولو بعض الطريق وراء ~~الشعر، فقد ساروا أجيالا وراء الزحافات والعلل. # لا بد لنفسي ونفسك يا أخي، وأنفس من ينظمون «عقود» المديح الفارغ والرثاء الشائن ~~والغزل الذي لا غزل فيه، من أن تستفيق يوما من غيبوبتها الطويلة، حتى أنفس من ~~ينظمون التاريخ ليأتيها يوم تنفتح فيه أعينها، فترى الشمس والفضاء، ولا تستفيق ~~أنفسنا إلا إذا شعرت برعشة الحياة في داخلها؛ لأن الحياة فينا لا خارجا عنا، وما ~~التأثيرات التي تحدثها فينا الطبيعة أو الحياة الخارجية، إلا منبه لما كمن في ~~داخلنا من العواطف والأفكار، فلولا عواطفنا ولولا أفكارنا، لكان ما ندعوه «الطبيعة» ~~صحيفة بيضاء. إن الحياة إرث مشترك، ولي فيها ما لك، غير أن ما ينتفع به كلانا من ~~هذا الإرث، يتوقف على ما تنبه فيه من العواطف والأفكار؛ لأنها مفتاح إهراء الحياة ~~العجيب، الذي كلما ولجت منه بابا أدى بك إلى باب سواه. # أي يا أخي، إن عواطفنا وأفكارنا، هي ما استيقظ من الحياة فينا، ومن الغريب أنه ~~كلما تحركت فينا عاطفة أو تململ في داخلنا فكر، تأتيهما ساعة تلفظهما النفس، كما ~~تدفع الحامل الجنين ms32 من أحشائها عند اكتمال دور الحمل، كأن النفس لا تعرف ما في ~~داخلها إلا إذا انتصب أمام عينيها. وكما أن الحامل تجهض وتعود فتحمل، كذلك النفس ~~كثيرا ما تلفظ عواطفها وأفكارها قبل الأوان فتظهر ناقصة مشوهة، لكنها أبدا تعود ~~فتحمل وتعود فتلد. والنفس التي تولد عواطف جميلة، وأفكار حية ناضجة، هي النفس ~~المستيقظة، النفس الشاعرة، وما تولده مثل هذه النفس، هو الفن، والفن إذا اتخذ ~~الكلام ثوبا كان شعرا. # أما النفس التي لا تولد إلا أوزانا صحيحة وقوافي رنانة، فهي النفس المصابة ~~بالعقم، ولا بد لهذه النفس من أن تتلقح يوما بجرثومة الحياة، فتجد في داخلها عواطف ~~وأفكارا، لا أوزانا وقوافي فقط. # لقد نبهتني يا أخي إلى أمر ما كنت غافلا عنه، حين قلت لي إن شعراءنا في هذه ~~الأيام قد تعدوا أبواب الشعر القديمة، وإنهم يفتشون عن مواضيع جديدة تجول فيها ~~قرائحهم. فذكرت لك بعض تلك المواضيع، وضحكت منها، وضحكي كان ممزوجا بالمرارة ~~والأمل؛ أما المرارة فلأن شعراءنا لا يزالون يبحثون عن الشعر في رغوة الحياة ~~وفقاقيعها، وأما الأمل فهو أنهم ببحثهم عن مواضيع جديدة، لا بد من أن يعثروا يوما ~~على الشعر، فيدركوا أنه لا ينحصر في عشرات من البحور، ولا في ألوف من الأبواب. ففي ~~كل عاطفة باب، وفي كل فكر بحر، بل إن في مظهر واحد من مظاهر العاطفة الواحدة ألف ~~باب وباب، وفي ثنية واحدة من ثنيات الفكر الواحد ألف بحر وبحر. ومتى أدركوا أن مصدر ~~الشعر طي النفس، عكفوا على درس نفسهم، وتفقدوا زواياها وخباياها، حتى إذا ما عثروا ~~هناك على عاطفة ترتعش وفكر يتململ، صاغوا لتلك العاطفة ولذاك الفكر لباسا من ~~الكلام يليق بهما. وليس من الكلام ما يليق لباسا للعاطفة الحية، والفكر المستيقظ، ~~إلا ما جمع منه بين تأليف ألوان الرسام، وتناسق أشكال النحات، وتوازن خطوط البناء، ~~وترابط إلحاق الموسيقى. # حينئذ يا أخي تثمر قرائحنا، فيكثر شعرنا، وتقل زحافاتنا وعللنا. # | أمين مشرق # (1) الداء العياء # ظهرت منذ مدة في مجلة «الهلال» قصيدة «لأمير ms33 الشعر» أحمد شوقي بك بعنوان «درة ~~شوقية». ثم رأينا بعد ذلك في أحد أعداد «السائح» مقالا لميخائيل نعيمة ينتقد فيه ~~تلك القصيدة انتقاد شاعر صميم، ونقاد ماهر، لا تلهيه رنات القوافي، ورقصات الأوزان ~~عن الجد في تطلب المعاني الرزينة. فكان أن تلك «الدرة» - بعد أن تفحصها نعيمة ~~بمكرسكوب شاعريته، ونقر عليها بمطرقة قريحته - لم تكن درة، بل كانت صدفة براقة تصلح ~~للعب الأولاد. أما البالغون المدركون، فلا قيمة لها عندهم. # لا شك أن كثيرين من ذوي الذوق السليم، وأنصار الحرية الأدبية في أميركا ومصر ~~وسوريا، لا يترددون في الانتصار لناقد القصيدة على ناظمها. ولا شك أيضا في أن ~~ألوفا من مريدي «أمير الشعر» وتابعيه، يودون لو أعطي لهم، أن يتخذوا الفضاء صفحة ~~يخطون فيها بدلا من الشمس علامة سؤال، وبدلا من القمر علامة تعجب، ويصورون بسائر ~~النجوم والمذنبات هذه العبارة: «من هو هذا النعيمة ليتجرأ على رفع بصره إلى عرش ~~أمير الشعر؟!» # من واجبات الأيام الجواب على هذا السؤال. # أما أنا، أنا الدودة الحقيرة، فلا أتجاسر على المخاطرة بحياتي «ودحش نفسي بين هذين ~~الجبلين» لا، لا، أحب إلي خوض معارك السوم وفردون، من الخوض في هذه المعمعة؛ ~~لذلك عولت على أمر لم يفعله قبلي سوى الحطيئة القائل: # أبت شفتاي اليوم ألا تكلما # بسوء فما أدري لمن أنا قائله # أرى لي وجها قبح الله خلقه # فقبح من وجه وقبح حامله # نعم قد عولت على هجو نفسي كما هجا ذاك وجه الخارجي. لكن بيني وبينه فرقا بعيدا، ~~أرجو القراء أن لا يتجاهلوه؛ لكيلا يضيع عليهم المقصود من هذه الأسطر، وهو أن زميلي ~~الحطيئة المرحوم هجا وجهه لمجرد اللذة في الهجو، كما يعترف، وأنا إنما أفعل ذلك ~~أولا حبا بقول الحق، وثانيا التماسا للنفع العمومي. # كنت في نيويورك يوم وفاة الأسقف رفائيل هواويني، وبما أنني كنت في ذاك الزمان أعد ~~نفسي في طليعة فحول الشعراء، وبما أنه من أولى واجبات الشاعر رثاء من يموت من كبراء ~~قومه؛ دبجت اسمي الكريم في بروغرام حفلة ms34 التأبين، ومضيت إلى غرفتي، فأخذت قلما ~~وورقة، وجلست أعصر دماغي مدة عشر ساعات، إلى أن أتيت على قصيدة في ثمانية وأربعين ~~بيتا، أو قل ثمانية وأربعين سهما مسموما في صدر الشعر الحقيقي، أو ثماني وأربعين ~~دملة في وجه الأدب السامي الجميل. # تأملوا بهذا المطلع: # ماذا أقول وقد أضل جناني # هول المصاب وغل فيه لساني # انظروا! جئت أسأل القوم ماذا أقول، إن كنت لا أدري ما الذي أقوله، فلماذا وقفت على ~~منبر التأبين، وإن كنت أدري فلماذا سألتهم؟ ثم إذا كان هول المصاب قد أضل جناني وغل ~~لساني، فمن عاد فهدى ذاك الجنان وحل عقدة ذاك اللسان، حتى تمكنت من إلقاء ثمانية ~~وأربعين بيتا «على فرد نفس»؟ # طرق النعي مسامعي فكأنما # سهم أصاب حشاشتي فرماني # أقسم بكل عزيز أنه عندما طرق مسمعي خبر الوفاة، سررت لعلمي بأن أمامي فرصة أظهر ~~بها «بلاغتي الشعرية»، أو بالأحرى بلادتي الأدبية. # ما كنت أعرف مرة معنى البكا # حتى بكيت لفرقة المطران # أصحيح أن أمين مشرق بكى لفرقة المطران، وهو لم يكن يعرفه، ولا رأى قط وجهه؟ لا أرى ~~أحدا من سكان الأرض يصدق ذلك. وهب جدلا أنني بكيت، ألم أبك قبلا على أعزاء من ~~أهلي ماتوا، ووارى التراب أجسادهم المحبوبة؟! فإن كانت الدموع التي ذرفتها على ~~أولئك الأعزاء غير كافية لتفهمني معنى البكاء، أفتفعل ذلك دمعة أذرفها على رجل غريب ~~عني ومجهول مني؟ سبحان من علمني هذا المنطق. # وهلا تصدقون أن في الأجساد البشرية براكين كبراكين الأرض، اسمعوا: # طفح الفؤاد وفاض في نيرانه # فكأنما هو فوهة البركان # ألف حمد لله على سلامة الدن # يا من شر ذلك البركان # ومنها: # لو يفتدى حكم الإله رأيتنا # نفديك بالأرواح والأبدان # متقاطرين على الردى متسا # بقين إليه من شيب ومن شبان # لو وقف عزرائيل في تلك الساعة عند رأس الميت، وسأل ذلك الجمع الغفير، متطوعا ~~واحدا يسلمه نفسه عوضا عن نفس الأسقف، فمن يتقدم؟ وهل تمتلئ تلك الكنيسة جثثا، ~~أم تضيق أسواق بروكلن الواسعة بجماهير النساء والرجال، وكل مطلق ms35 ساقيه للريح وفي ~~مقدمتهم هذا الداعي؟ # يكفي يكفي، إنني أشفق على القراء من أن أداهمهم ببقية هذه المقيئات، هذه الأقذار ~~المنتنة، هذه الميكروبات السامة. ومن المضحك المبكي أنه على أثر انتهائي من إلقاء ~~تلك القصيدة، تقدم إلي أحد أصحاب الجرائد في نيويورك، طالبا إياها؛ ليزين بها جيد ~~جريدته، فاعتذرت إليه بلطف «وكبرياء» أن فيها أبياتا لا تزال برسم التصليح، فلا ~~أتمكن من نشرها حالا، وكان قصدي أن أتحف بها صديقي صاحب السائح الذي «دحشها في ~~عبه» بعد ذلك بعشر دقائق. ولكن جريدة السائح - في تلك الأيام - كانت تستاهل قصيدتي؛ ~~فإنها ظهرت بعد يومين وجميع صفحاتها مكرسة لوصف تلك الليلة، تحت موضوع «حفلة ~~تذكارية» (هكذا ظهرت أيضا بقية الجرائد)، وفيها ما فيها من المنظوم والمنثور، وكله ~~ابن عم قصيدتي في البلاغة والرقة. # كاتب هذه السطور، لا يقصد بها اللوم والتقريع، لكنه كأحد المتعلقين بأذيال الأدب، ~~يملك مقدارا من غيرة تثيره، وإخلاص يدفعه من حين إلى آخر لإلقاء كلمة أو إبداء ~~ملاحظة، قد تندفع أحيانا من صدره بعزم القنبلة لطيلة ما يتحملها، وشدة ما يضغط ~~عليها. ذلك لأنه قدر له كما قدر لكثيرين سواه، أن يستفيق من «غيبوبة» سداها ~~الإهمال، ولحمتها النسيان، نلقيها على بصائر وقلوب البشر، أوهام الحداثة وأحلام ~~الصبا، فتضعف فيها نباهة الإحساس، وتشوش عليها دقة الشعور والتمييز. استفاق ونظر ~~إلى حياته الأدبية الماضية، كما ينظر من رأس جبل إلى السهل البعيد، فرآها بكل ما ~~فيها من الأقوال والأفعال والأفكار، وبكل ما حوته من الأشواق والأحلام والآمال، ~~وهما وضلالا، ثم نظر إلى رفاقه من أبناء شعبه، متفحصا مستجليا مقابلا، فإذا ~~بالأكثرية - الأكثرية الهائلة منهم - قد نسجت حياتها الأدبية على نفس المنوال، ~~وسارت في نفس الطريق، وجد نفسه مع الألوف المؤلفة، من حملة الأقلام، بيننا يسيرون ~~في موكب التقليد، ناشرين أعلام الجهل، نافخين أبواق الضلال، ضاربين طبول الوهم ~~والادعاء، ظاهرين سيوف الخيلاء والتعصب باسم الأدب؛ ليذبحوا بها شرذمة قليلة من ~~إخوانهم الأبطال، المدافعين على أسوار برج الأدب، ويدكوا ذاك البرج ويمحوا ms36 آثاره؛ ~~لذلك يقف الآن في وسط الطريق، ويصرخ في رفاقه صرخة مريرة، أملا أن يوقفهم عند حدهم ~~صداها القاسي الشديد. # قد يكون هؤلاء القوم المتهوسون بأجمعهم، غير قابلين صلاحا؛ لأنهم لم يخلقوا ~~ليكونوا من أهل الأدب، وقد يكون بينهم فئة قليلة أو كثيرة ممن وهبتهم الطبيعة شيئا ~~من المقدرة الأدبية، لكنها لا تزال محجوبة، لأنهم لم يستفيقوا بعد من «غيبوبتهم»، ~~ولم يتفحصوا شئونهم بعيون الإخلاص، التي لا يشوبها غرض. فلمثل هذه الفئة لا لغيرها ~~نوجه هذه السطور؛ علها تقع منهم على عاطفة خدرها الوهم فتنبهها، أو فكرة أعماها ~~التقليد فتهديها. ولجميع من يفهم العربية أقول: إن الداء الذي أكل لحم لغتكم ونخر ~~عظمها، هو داء مزدوج، داء المبالغة، وداء الألفاظ. ~~(2) المبالغة # مما يخفف ثقل اللوم عن عواتق حملة الأقلام بيننا، ويكسر من حدة قلم الناقد ~~الملتهبة، أمر حقيقي فينا كالحياة، ثابت كالزمان، وهو قواعد الأدب الموروثة. # لو سمعنا أحد شعراء هذا العصر، يرثي إسكافا من أقربائه مات بين النعال والأحذية ~~قائلا: إن الفضل مات بموته، والعلم هد ركنه، والأدب أمسى يتيما. ويتعجب كيف أن ~~النجوم لم تنظم حدادا، والدهر لم يقف حائرا. أو لو قرأنا شعرا لآخر يمدح فيه ~~أنور باشا وحصانه الأدهم، بقوله: إن صهيله «في قلب أوروبا له ترديد.» أو لو سمعنا ~~عاشقا ينشد: # أمر بالحجر القاسي فألثمه # لأن قلبك قاس يشبه الحجر # وسألنا الشعراء الثلاثة: لماذا كل هذا الغلو؟ لضحكوا منا، ولا شك مشفقين لجهلنا، ~~ثم أخرج أولهم من تحت إبطه كتاب علم المعاني والبيان، وأظهر الثاني ديوان المتنبي ~~أو الفارض، وفتح الثالث كتاب نهج البلاغة. وقدموها إلينا، وقد لاحت ابتسامة ~~الانتصار على ثغورهم، ولسان حالهم يقول: «تعلموا هنا قواعد البلاغة وحدود البيان، ~~وبعدئذ لا تحتاجون إلى سؤال.» # هؤلاء القوم ويا للأسف معذورون بعض العذر. كيف لا، وكل ما تعلموه منذ أصبحوا ~~يتهاجون الكلمات يبتدئ ب «حدثنا سهيل بن عباد قال»، وينتهي بشرح المعلقات السبع؟ ~~أيلام التلميذ على حفظ مسائله؟ أوليس طبيعيا أن تنمو النبتة معوجة إذا ms37 ربطناها ~~إلى حائط معوج؟ وهل الذنب ذنب الأرض أنها لا تعطي قمحا إذا زرعناها قطربا؟ # لكن دعونا الآن من الذنب والمذنب، وتعالوا نبسط أمامنا تلك القواعد والحدود، التي ~~أورثنا إياها صاحب نهج البلاغة، وصاحب البيان وأمثالهما؛ لنجر عليها ونتمسك بها في ~~مزالق الشعر ومهاوي النثر. فهل ذاك صحيح أن: ~~«أعذب الشعر أكذبه»؟ # الشعر والنثر كلام. # ونتيجة الكلام التفاهم. # ونتيجة التفاهم التأثير. # وأبلغ تأثير في الكلام الصادق. # امرأة تحنو على جثة وحيدها ناثرة دموع قلبها بصمت، وأخرى تتباكى معها مولولة، ~~معولة، متفجعة بصراخ يصم الآذان. تجثو مع الأولى، وقد تسرب حزنها الصامت إلى قلوبنا ~~لصدقه. وندير ظهورنا إلى الأخرى متأففين، وقد نم عويلها عن حزنها الكاذب. ينظر يسوع ~~الناصري إلى مسلمه يهوذا الأسخريوطي، ويسأله بسكون ولطف: «يا صاحب لماذا جئت؟» ~~فتفعل هذه العبارة البسيطة المختصرة في نفوسنا أكثر بألف ألف مرة من ألف ألف خطاب، ~~لألف محام شهير، في ألف عصر. شحاذان يقول لنا أولهما: «أنا جائع» ويسكت، فنتحنن ~~عليه ونطعمه. والثاني يتلو علينا موعظة يسوع على الجبل، باكيا بدموع راحيل، ~~متوجعا كتوجع الخنسا؛ فنلوي عنه كارهين مشمئزين. # عرفت رجلا ذا لسان ماهر بتنميق الكلام، وله طرق خصوصية في اللهجة، وإشارات رشيقة، ~~وحركات، وغمزات تغري السامع للإصغاء، وتترك لعبارات المتكلم رنة لطيفة ناعمة، ~~يتهادى صداها إلى حين طويل، وله فصاحة في اللفظ، وإحاطة بالوصف قلما يجاريه بهما ~~ممثل أو خطيب، إذا عرضت في حديثه بصلة، مثلا يصورها للسامعين مفصلا شكلها ولونها ~~ووزنها ورائحتها وطعمها، حتى يكادوا أن يشعروا برائحة البصل في أنوفهم وبطعمه على ~~ألسنتهم، ومع كل ذلك لم يكن أحد يصغي إليه إلا إذا أراد الضحك والتسلية. وبقيت ~~جاهلا السبب، إلى أن اجتمعت به مرة، وجعل يحدثني عن بقرة عجيبة، واصفا إياها ~~وصفا دقيقا جميلا، حتى كدت أراها أمامي. وكل ذلك الوصف لم يكن إلا كمقدمة لخبر ~~عجيب، وهو أنهم كانوا يطعمون تلك البقرة أقة من الأرز صباحا، ويحلبونها في المساء ~~«سطل رز بحليب بسكر ومازهر»، عندئذ عرفت السر الذي ms38 يمنع القوم من الإصغاء لذلك ~~الملسان، وهو على ما هو من الفصاحة وطيب الحديث، عرفت أن جميع حسناته المنطيقية، ~~لم تكن لتعادل سيئة واحدة فيه، وهي المبالغة. # لذلك الكذاب من الإخوان بيننا ألف شاعر وكاتب وخطيب. # ولبقرته العجيبة ألف شبه من بقر القصائد والمقامات والروايات، التي حليبها «رز ~~بحليب بسكر ومازهر.» # ناظم «في قلب أوروبا له ترديد» كذاب كمصنف قصة البقرة، هذا يجرب أن يقنعنا ويقنع ~~علماء التشريح بأن الأرز الذي كانت البقرة تأكله لم يكن ليسقط في معدتها، بل كان ~~يتحول رأسا إلى ضرعها، وهناك يمتزج باللبن فتطبخهما حرارة الدم! وذاك لا يخجل أن ~~يصف لنا حصانا لأنور، إذا صهل في الأستانة، رددت صدى صهيله وادي السين في فرنسا، ~~وغابات هيدبارك في لندن! أما الأول فلا يصغي إليه أحد. وأما الثاني، ويا للعجب ~~العجاب، فيتهافت عليه الصحافيون لينعم عليهم بقصائده، ويلتف حوله ألف رهط ورهط من ~~«شعراء» أمثاله، يهنئونه بفوزه العظيم في معترك الأوزان والقوافي، ويحييه العوام ~~في الأسواق هامسين فيما بينهم: «هو ذا الشاعر المجيد فلان.» # إننا والله لنحار في السبب الذي جعل واضعي قواعد الأدب عندنا أن يحسبوا الكذب من ~~أول شروط البلاغة، وهم أعلام الأدب والعرفان. # فإن الآداب الدينية والمدنية تنهى عن الكذب. # وإن العقل السليم لا يقبله. # وأن لا رقة فيه، والرقة من خصائص الشعر. # وأنه لا منطق يدعمه، والمنطق ركن الشعر والنثر. # وأنه لا قبل له على النقد والتمحيص، وكلاهما من أول أعمال الأدب. # وأن لا فلسفة فيه، والفلسفة روح الآداب على الإطلاق. # وأنه يظهر الأمور بغير حقيقتها، وأقصى غايات الأدب الحقيقة. # الكذب خداع، والأدب صدق. # الكذب عجز، والأدب مقدرة. # الكذب جبن، والأدب بسالة. # لو وقفت ومادح حصان أنور بحضرة مجلس أدبي، ليعطي كل منا حسابا عما قاله، فهل ~~أستطيع أن أدغم بشيء من البرهان قولي في قصيدتي السابقة: «لو يفتدي حكم الإله ~~رايتنا ...» إلخ. ألا يكون عندي في تلك الدقيقة «السكوت من ذهب»؟ وهل يتمكن رفيقي من ~~إقناع سائليه بكل ما له من ms39 الفصاحة والشهرة ، بإمكانية ترديد صهيل ذاك الحصان في قلب ~~أوروبا، أم يطرق صامتا ويؤمن بمرارة أن «حبل الكذب قصير؟» # كلانا كذاب، كلانا قائل ما لم يؤمن به عقله، ولم يشعر به قلبه، وشبيه بنا من ~~قال: # أمر بالحجر القاسي فألثمه # لأن قلبك قاس يشبه الحجرا # يريد الناظر إيهامنا، وإيهام التي يدعي حبها، بأنه يقبل الحجر البارد الأصم ~~إكراما لمشابهته قلبها. هذه هي كذبة فاضحة، لا هي تصدقها، ولا نحن، ولا هو نفسه؛ ~~لأنه لم يشعر قط بعاطفة في قلبه تدفعه لتقبيل الحجر. ولكان كلامه أوقع في النفس، لو ~~اعترف بأنه يأخذ مطرقة، ويكسر بها ذاك الحجر القاسي كقلبها تشفيا وحنقا. # ثم ما هو الجمال في تشبيه قساوة القلب بالحجر. # أفي ذلك رقة شعرية، أم ضخامة حجرية! وهلا كان كلامه أدعى للتصديق وأقرب للشعور ~~الرقيق، لو قال: # أمر بالزهر فواحا فألثمه # لأن قلبك زهر لثمه حظرا # لكن شعراءنا لا تستميلهم الرقة، التي هي مجلى الضعف، ولا يستهويهم إلا ما كان ~~قويا صلبا، هائلا كالجبل والصخر والصحراء والبحر والجوزاء والدهر؛ ذلك لأن ~~حماستهم الفطرية، وفطرتهم العربية، لا تطربان إلا لصليل السيوف، وهتاف الألوف، ~~وصهيل الخيول، وارتجاج الطبول، واكتساح المعالي، واكتساب المكارم، وتشييد المفاخر، ~~ولا ميل لهم ولا وقت ليلتفتوا إلى أشواق وميول وشواعر واهية كالظلال، ضعيفة كتنفس ~~الأطفال، متحركة في أعماق القلب، أو إلى فكرة صغيرة ناقصة مبهمة، تدب في خلايا ~~الرأس دبيب العنكبوت في كهف مظلم مقفر. # والآن إن لم يعجبكم الحجر فهاكم الحديد: # هاتوا المطارق إن قلب حبيبتي # أضحى حديدا فاضربوا ليلين لي # أو فاضرموا نار الصبابة حوله # بالنار ينسبك الحديد وينجلي # سكوت، سكوت، لنصمت قليلا فقد طفح القلب بالتذكارات المؤلمة، وأمسى الكلام مرا ~~في الحلق، وحق الإخلاص، وحرمة الأدب أنني كلما توغلت أفكاري في هذه الأنفاق السوداء ~~الوعرة، ينقبض قلبي، وتضيق أنفاسي كأنني مسجون في بيت يحترق. وكلما حاولت الخروج ~~عرض في وجهي ألف حائط يسد علي طريق الخلاص، وكلما أغلقت ورائي مخرجا انفتح أمامي ~~ألف مدخل، يعيدني إلى ms40 غرف اللهيب والدخان، حديث الشجون لا ينقطع، التذكارات المؤلمة ~~لا نهاية لها، جروح النفس لا تندمل سريعا كجروح اللحم، ولربما ضاقت الفسحة المخصصة ~~لهذه الأسطر في «السائح» عن وسعها؛ لذلك سأدفن القسم الأخير منها في صدري، ولا ~~أخرجه إلا متى ضاق هذا الصدر المسكين مرة أخرى، سأحذف «داء الألفاظ»، وأترك لكم ~~مقالتي مبتورة. لكنني سأقدم لكم عوضا عنها ما هو أفضل منها، وأود أن تقابلوا بينه ~~وبين من يشتهي أن يطرق قلب حبيبته بمطارق حديدية، فاسمعوا هنا ما يقوله في رواية ~~«نوتردام دي باري» كازيمودو المشوه الأحدب، في قصيدة يخاطب بها فتاة يعبدها، لكنها ~~تحب فتى آخر جميل الصورة، قبيح النفس محبة عمياء: # Jeune fille. Le sapm nèst pas ~~beau, # Nèst pas beau comme le ~~peuplier, # Mais il garde son feuillage ~~Thiver, # Helas! a quoi bon dire cela? # Ce qei nèst pas dean a tort ~~bètre: # La beauté n'aime que la beauté, # Avril tourne le doe à janvier. # وإن لم يعجبكم هذا، فهاكم رسالة طالعتها في رواية لفيكتوريا كروس، الكاتبة ~~الإنكليزية من «برنار» إلى زوجته، التي فرت مع رجل آخر يدعى «بلهام» تاركة في بيتها ~~طفلتها الوحيدة التي لا تتجاوز بضعة أشهر من السن. # Dear Lydia, I have ohtained a divorce against you, as ~~I believe this is the best and kindest thing to do for you. Pelham can now marry you if he chooses, and I hope he will. I say ~~nothing of myself. You, who always studied these things, will ~~know how bitterly I must have suffered. But I do not blame you ~~altogether. I know there must have peen faulte on my side too. I ~~blame myself terribly for having lost you. The child has died. ~~There seems little to live for, but I still go ~~on. # Yours, # Bernard # أيها الكويتبون والشويعرون، أيها المتهوسون الناطحو السحاب برءوسهم الفارغة، أيها ~~المقلدون الكذبة، المفاخرون بحقارة أجدادهم، المرتدون أطمار ماضيهم، ms41 المتلاهون ~~بسخافة أمسهم؛ سيروا سيروا على قواعد أدبكم العقيمة الضخمة، طالعوا المعلقات السبع ~~واشرحوها، وتبسطوا، ادفنوا عقولكم المتضخمة في مقامات الحريري والزمخشري والشريشي. ~~استقوا من ينابيع البديع واستزيدوا من «طرقت الباب حتى كل متني»، طرقوا القلوب ~~الحديد بمطارقكم الحديدية. تغزلوا بالضلفع والرعبوبة، تباكوا على الطلول الدوارس، ~~غوصوا على درر مجمع البحرين، واجمعوا منها العقود المسجعة كأمثال: «فكشف عن سراويله ~~وأشار إلى غرموله.» ولكن أستحلفكم بكل عزيز أن تدفنوا تلك الجواهر والدرر في ~~صدوركم، فنحن لسنا بحاجة إليها، لماذا تطرحون درركم قدام الخنازير؟ إذا كتبتم مقالة ~~حشوها درر فلا تنشروها في جريدة، وإن هبط الوحي عليكم بقصيدة رنانة ساحرة، فلا ~~تتكرموا بها على مجلة. أنتم قد شبعتم من العلم والمعرفة، فلا حاجة لكم للاستزادة. ~~لكن هناك فئة من لحمكم ودمكم، قد مزق الجوع أحشاءها وأحرق العطش قلوبها، تحننوا ~~عليها، يتحنن الله عليكم. أفسحوا لها الطريق لتبل أفئدتها ببلغة، اتركوا جبران ~~يحدثنا عن «البنفسجة الطموحة» وعن «يوسف الفخري». اخفضوا تهاليلكم برهة، فنسمعه ~~ينشد في سكون الليل: «يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين.» قفوا قليلا ودعونا نراقب ~~ميخائيل نعيمة جاثيا يبتهل إلى ربه: «واجعل اللهم قلبي واحة تسقي القريب والغريب.» ~~خلوا هذه البلابل الغردة وأمثالها تصدح على أغصانها، اتركوا هذه النفوس الحرة ~~الجبارة، تفكك عن نفوسكم الأسيرة سلاسل العبودية والظلام. دعوا هذه النسمات ~~المنعشة، تهب على وجه آدابكم ولغتكم العلية المشرفة على الموت، قبل أن يفوت الأوان، ~~بقية المروءة نستنجد فيكم، فضلات الشرف نستصرخ، ظل النخوة نسترحم، أتسمعون؟ ~~أترحمون؟ # والآن ها أنا أختم كلامي، ولكنني على أمل الحصول على ما يرضى منكم بهذا الشأن، ~~سأجعل ختامي حاويا من الألفاظ ما يلذ لكم ويطيب، ولا أراكم إلا شاكرين لي هذه ~~الهمة، ومراعين عواطفي في المستقبل، كمراعاتي عواطفكم في الحاضر. # كان أحدهم يذكر شعر صفي الدين الحلي ويقول: إن لا عيب فيه سوى قلة استعمال ~~الألفاظ الغريبة، فأرسل صفي الدين الحلي إليه بهذه الأبيات: # إنما الحيزبون والدردبيس # والطخا والنقاخ والعلطبيس # والحراجيج والشقحطب والعو # قب والعنقفيز والعنتريس ms42 # والغطاريس والعقنفس والعفس # لق والجربضيض والعيطموس # والسبتني والحقص والهيق واله # جسرش والطرقسان والعسطوس # لغة تنفر المسامع منها # حين تروى وتشمئز النفوس # وقبيح أن يذكر النافر الو # حشي منها ويترك المأنوس # لم نجد شادنا يغني «قفا نب # ك على العود إذ تدار الكئوس # لا ولا من شدا «أقيموا بني أمي» # إذا ما أديرت الخندريس # خل للأصمعي جوب الفيافي # في نشاف تخف فيه الرءوس # وسؤال الأعراب عن صيغة اللف # ظ إذا أشكلت عليه الأسوس # درست تلكم اللغات وأمسى # مذهب الناس ما يقول الرئيس # إنما هذه القلوب حديد # ولطيف الألفاظ مغناطيس # | إيليا أبو ماضي # (1) نحن # كم خفضنا الجناح للجاهلين # وعذرناهم فما عذرونا # خبروهم يا أيها العاقلونا # إنما نحن معشر الشعراء # يتجلى سر النبوة فينا # ذكروهم فرب خير كبير # فعلته الهداة بالتذكير # إنما الناس من تراب ونور # فبنوا النور يعبدون النور # وبنو الطين يعبدون الطينا # قيل عنا: قصورنا من هباء # تتلاشى في ضحوة ومساء # أو سطور بالماء فوق الماء # لو سكنتم قصورنا بعض ساعة # لنسيتم شهوركم والسنينا # لو دخلتم هياكل الإلهام # وسبحتم في عالم الأحلام # واجتليتم سر الخيال السامي # وعرفتم كما عرفنا الله # لخررتم أمامنا ساجدين ~~(2) ابنة الفجر # إن أنا أغمض الحمام جفوني # ودوى صوت مصرعي في المدينة # وتمشي في الأرض دارا فدارا # فسمعت دويه ورنينه # لا تصيحي وا حسرتاه لئلا # يدرك السامعون ما تضمرينه # وإذا زرتني وأبصرت وجهي # قد محا الموت شكه ويقينه # ورأيت الصحاب جاثين حولي # يندبون الفتى الذي تعرفينه # وتعالى العويل حولك ممن # مارسوه وأصبحوا يحسنونه # لا تشقي علي ثوبك حزنا # لا ولا تذرفي الدموع السخينة # غالبي اليأس واجلسي عند نعشي # بسكون إني أحب السكينة # إن للصمت في المآتم معنى # تتعزى به النفوس الحزينة # ولقول العذال عنك «بخيل» # هو خير من قولهم «مسكينه» # وإذا خفت أن يثور بك الوجد # فتبدد أسرارنا المكنونه # فارجعي واسكبي دموعك سرا # وامسحي باليدين ما تسكبينه ~~••• # يا ابنة الفجر من أحبك ميت # ولانت بمثل هذا رهينه # زايل النور مقلتيه وغابت # تحت أجفانه المعاني المبينه # فأصيخي هل تسمعين ms43 خفوقا # كنت قبلا في صدره تسمعينه؟ # وانظري ثم فكري كيف أمسى # ليس يدري عدوه وخدينه # ساكتا لا يقول شيئا ولا يسمع # شيئا وليس يبصر دونه # لا يبالي أأودعوه الثريا # أم رموه في حمأة مسنونه # وإذا الحارسان ناما عياء # ورأيت أصحابه يتركونه # فتعالي وقلبي شفتيه # ويديه وشعره وجبينه # قبل أن يسدل الحجاب عليه # ويوارى عنك فلا تبصرينه # واحذري أن تراك عين رقيب # ولئن كان حل ما تحذرينه # فإذا ما أمنت لا تتركيه # قبلما يفتح الصباح جفونه ~~••• # وإذا الساعة الرهيبة حانت # ورأيت حراسه يحملونه # وسمعت الناقوس يقرع حزنا # فيرد الوادي عليه أنينه # زودي الراحل الذي مات وجدا # بالذي زود الغريب السفينه # نظرة تعلم السموات منها # إنه مات عن فتاة أمينه ~~••• # طوت الأرض من طوى الأرض حيا # وعلاه من كان بالأمس دونه # واختفى في التراب وجه صبيح # وفؤاد حر ونفس مصونه # فإذا ما وقفت عند السواقي # وذكرت وقوفه وسكونه # حيث أقسمت أن تدومي على العهد # وآلي بأنه لن يخونه # حيث علمته القريض فأمسى # يتغنى كي تسمعي تلحينه # فاذكريه مع البروق السواري # واندبيه مع الغيوث الهتونه # وإذا ما مشيت في الروض يوما # ووطأت سهوله وحزونه # وذكرت مواقف الوجد فيه # عندما كنت بالهوى تغرينه # حيث علمته الفتون فأضحى # يحسب الأرض كلها مفتونه # حيث وسدته يمينك حتى # كاد ينسى شماله ويمينه # حيث كنت وكان يسقيك طورا # من هواه وتارة تسقينه # حيث حاك الربيع للروض ثوبا # كان أحلى لديه لو ترتدينه # فالثمي كل زهرة فيه أني # كنت أهوى أزهاره وغصونه # ثم قولي للطير مات حبيبي # فلماذا يا طير لا تبكينه؟ ~~••• # وإذا ما جلست وحدك في الليل # وهاجت بك الشجون الدفينه # ورأيت الغيوم تركض نحو الغر # ب ركضا كأنها مجنونه # ولحظت من الكواكب صدا # ونفارا، وفي النسيم خشونه # فغضبت على الليالي البواقي # وحننت إلى الليالي الثمينه # فاهجري المخدع الجميل وزوري # ذلك القبر ثم حيي قطينه # وانثري الورد حوله وعليه # واغرسي عند قلبه ياسمينه ~~(3) فلسفة الحياة # أيها ذا الشاكي وما بك داء # كيف تغدو إذا غدوت عليلا؟ # إن شر ms44 الجناة في الأرض نفس # نتوقى قبل الرحيل الرحيلا # وترى الشوك في الورود وتعمى # أن ترى فوقها الندى إكليلا # هو عبء على الحياة ثقيل # من يظن الحياة عبئا ثقيلا # والذي نفسه بغير جمال # لا يرى في الوجود شيئا جميلا # ليس أشقى ممن يرى العيش مرا # ويظن اللذات فيها فضولا # أحكم الناس في الحياة أناس # عللوها فأحسنوا التعليلا # فتمتع بالصبح ما دمت فيه # لا تخف أن يزول حتى يزولا # وإذا ما أظل رأسك هم # قصر البحث فيه كيلا يطولا # أدركت كنهها طيور الروابي # فمن العار أن تظل جهولا # ما تراها؛ والحقل ملك سواها # اتخذت فيه مسرحا ومقيلا # تتغنى، والصقر قد ملك الجو # عليها والصائدون السبيلا # تتغنى وقد رأت بعضها يؤخذ حي # والبعض يقضى قتيلا # تتغنى، وعمرها بعض عام # أفتبكي وقد تعيش طويلا؟ # فهي فوق الغصون في الفجر تتلو # سور الوجد والهوى ترتيلا # وهي طورا على الثرى واقعات # تلقط الحب أو تجر الذيولا # كلما أمسى الغصون سكون # صفقت للغصون حيث تميلا # فإذا ذهب الأصيل الروابي # وقفت فوقها تناجي الأصيلا # فاطلب اللهو مثلما تطلب الأط # يار عند الهجير ظلا ظليلا # وتعلم حب الطبيعة منها # واترك القال للورى والقيلا # فالذي يتقي العواذل يلقى # كل حين في كل شخص عذولا # كن هزارا في عشه يتغنى # ومع الكبل لا يبالي الكبولا # لا غرابا يطارد الدود في الأ # رض وبوما في الليل يبكي الطلولا ~~••• # كن غديرا يسير في الأرض # رقراقا فيسقي من جانبيه الحقولا # تستحم النجوم فيه ويلقى # كل شخص وكل شيء مثيلا # لا وعاء يقيد الماء حتى # تستحيل المياه فيه وحولا ~~••• # كن مع الفجر نسمة توسع الأ # زهار شما وتارة تقبيلا # لا سموما من السواقي اللواتي # تملأ الأرض في الظلام عويلا # ومع الليل كوكبا يؤنس الغا # بات والنهر والربى والسهولا # لا دجى يكره العوالم والنا # س فيلقي على الجميع سدولا ~~••• # أيها ذا الشاكي وما بك داء # كن جميلا تر الوجود جميلا # | رشيد أيوب # (1) أنفس الشعراء # لما بدا البرق في الظلماء ملتهبا # وراح يطوي فضاء الله واحتجبا # ناديت ms45 ربي وطرفي يرقب الشهبا # رباه يا خالق الأكوان وا عجبا # كم تشبه البرق هذا أنفس الشعرا # يا ليل مهلا ولا تشفق على بصري # فما تعودت فيك النوم من صغري # يا ليل مهما تطل لا بد من سهري # حتى يودع طرفي نجمة السحر # تلك التي عشقتها أنفس الشعرا # دعه يغيض بلج الكاس أدمعه # فقد تذكر نائي الدار أربعه # وهات عودك واضربه لنسمعه # لكن توق رعاك الله أضلعه # تلك الأضالع فيها أنفس الشعرا # يا ساكني سفح صنين وكم سفح # ت للصب عين لبلواكم وما برحت # كأنه نازح عنكم وما نزحت # نفس له لسواكم قط ما جنحت # لا والذي عبدته أنفس الشعرا # سل الكمنجة معنى أنة الوتر # والريح إن هينمت سلها عن الخبر # والطير إن بكرت تشدو على الشجر # سلها وسل كل روض زاهر عطر # تجبك يا صاح هذي أنفس الشعرا # يا هائما بابنة العنقود تطربه # منها الحميا وفعل الراح يحسبه # أستغفر الله مما بت تنسبه # للراح إن الذي في الكاس تشربه # يا صاحبي ... أنفس الشعرا # طوباك يا ساكنا في الغابات تؤنسه # إلاهة الشعر والأشباح تحرسه # يضم كل لطيف الروح مجلسه # ملآنة من صفا الأيام أكؤسه # وحوله تتغنى أنفس الشعرا # لله «ناي» سبتنا روح صاحبه # حتى وقفنا حيارى عند واجبه # فصحت والليل زاه من كواكبه # يا نافخ الناي يحدو في مواكبه # بنغمة الناي هامت أنفس الشعرا # يا نسمة في مروج الحب نافحة # حيث الحمائم لا تنفك نائحة # ناشدتك الله إن باكرت سائحة # عند السواقي بجو الروح سابحة # فهينمي تترنح أنفس الشعرا ~~(2) الربيع # مرحبا ذبنا اشتياقا يا ربيع # يا خفيف الروح أهلا مرحبا # كلما ضاء محياك البديع # هبت الأرض تباهي الكوكبا # ومشى في سفح أضلاعي صريع # مات لولا ذكر أيام الصبا # عجبا تمضي زمانا وتعود # وربيعي قد مضى لم يرجع # من ترى أنباك أسرار الخلود # فتوفيت الردى لم تصرع ~~••• # أم هي الأرض التي تبغي البقا # عرفت كيف البقا بالاقتصاد # فأبت عن حكمة أن تنفقا # واكتست ثوب بهاء مورقا # ما له ما دامت الدنيا نفاد ms46 # يا له ثوبا موشى بالورود # كل عام يرتدي لم ينزع # حبذا لو كان لي منه برود # كنت أرويها إذن من أدمعي ~~••• # ما أحلى وجهك الصافي الجميل! # رصعته بالندى أيدي الدهور # رب نفس سجنت دهرا طويل # مثلما يسجن مصداح الطيور # أصبحت مطلوقة بعد الكبول # تتغذى ريح الموامي والصخور # فهي لم تخلق لترمى بالقيود # لا ولا، قد صنعت للبرقع # عجبا في هذه الدنيا النقود # حجبت إحدى النجوم اللمع # يا ربيع الأرض يا نعم الدوا # لنفوس ما لها إلا الهموم # حيثما تنشر منها ما انطوى # وتذريه إذا مر النسيم # ويح أهل العشق أرباب الهوى # خلقوا في الكون كي يرعوا النجوم # قسمت أرزاقهم قبل المهود # وقفوا في كل دار بلقع # حفظوا للناس في الدنيا العهود # إنما حفظهم لم ينفع ~~••• # عطري يا زهر أذيال الرياح # إن سرت فوق الرياض القشب # أو دعيها كلما لاح الصباح # أرجا يغني به عن كتبي # غربة أمست حياتي وانتزاح # ومناجاة ورعي الشهب # فإذا ما لاح للصبح عمود # بعد ليل كغراب أبقع # قلت في نفسي وللنوم صدود # أو حتى غربة في مضجعي؟! ~~••• # إنا لولا ذكر أيام الصبا # قلت يا نفسي إذا شئت اذهبي # غير أني كلما هبت صبا # أنعشت قلبي بذكر طيب # لا أبالي إن حللت المغربا # طالما شمس المنى لم تغرب # فحياة المرء في هذا الوجود # رغبة النفس وعت أو لم تع # وبكائي للأولى طي اللحود # كعزائي بالأولى باتوا معي ~~(3) الدرويش # دعته الأماني فخلى الربوع # وسار وفي النفس شيء كثير # وفي الصدر بين حنايا الضلوع # لنيل الأماني فؤاد كبير # فحث المطايا وخاض البحار # ومرت ليال وكرت سنون # ولم يرجع # وألقى عصاه وحط الرحال # بأرض الأشاوس والأشبل # تنم عليه فعال الرجال # كما نمت الريح بالمندل # وراح يغني بصفو الزمان # غناء البلابل فوق الغصون # على مسمعي # فمرت سعود، وجاءت نحوس ~~«وقد نصل الدهر صبغ الشباب» # فعلل نفسا رمتها البئوس # ببحر هموم علاه الضباب # أيا نفس، صبرا لحكم القضا! # ويا نفس مهما دهتك الشجون # فلا تجزعي # فما بال نفسي بنت الخلود # تخاف الخلود ms47 وتأبى الذهاب! # وقلبي الخفوق عراه الجمود # أيخشى التراب ابن هذا التراب! # وبات المسافر في حيرة # بمعنى الحياة وسر المنون # ولم يهجع # أيا جيرة الحي، أين الطريق؟ # فإني ضللت عن المنزل # لقد كان لي في حماكم رفيق # من المهد في الزمن الأول # فغضوا العيون وفيها الدموع # فحار فؤادي بتلك العيون # وفي الأدمع # وقالوا: رأينا شريدا يجول # بعيدا عن الناس في معزل # يبيت الليالي يؤم الطلول # ويبكي على عهده الأول # فقلنا: دعوه عراه جنو # ن ومرت ليال وكرت سنون # ولم يرجع # | وليم كاتسفليس # (1) البترون سنة 2520م # شهر أيار، أو نوار، كما يسميه العامة في سوريا، هو أجمل أشهر السنة، وأكثرها ~~رونقا وزهاء، في كل أقطار العالم، وبنوع خاص في سوريا؛ حيث تظهر الطبيعة بأبهى ~~رداء، وأصفى سماء، وأعذب هواء؛ إذ ينتشر عبير الأزهار مالئا الفضاء عطرا، والعين ~~سرورا، والصدر انشراحا. هناك يعانق الشاطئ الأخضر البحر الأزرق، كما يعانق الحبيب ~~الحبيبة، وكأنى به يفاخر سائر الشواطئ والمدائن بجمال حبيبه قائلا: «من له مثل هذا ~~البحر الفتان.» # هناك - بين تلك الهضاب والرياض - بين أريج الياسمين والمنثور وبخار المياه؛ إذ ~~تلطم الصخور فتتصاعد في الفضاء كاللؤلؤ المنثور. هناك عند أقدام الجبال المزنرة ~~بأشجار الشربين والأرز. في شهر أيار من سنة 2520 كنت ترى الجماهير من الناس، قد ~~ملأت الطرقات والفضاء، كلها متجهة نحو بناية هائلة في جوار البترون، من القوم من ~~جاء من مصر وفلسطين ودمشق، ومنهم من العراق وحلب وحماة وحمص وطرابلس، وغيرها من ~~مدائن سوريا، في المناطيد السريعة التي تمر في الجو مر البرق، وفي النقالات ~~العمومية المرتفعة عن الأرض نحو مائتي ذراع، والتي تسير على دولاب واحد فوق شريط من ~~الفولاذ، بسرعة المناطيد تقريبا. ومنهم - وهم الفقراء - من جاءوا من الأماكن ~~القريبة في سيارات عظيمة الحجم، من طراز النقالات القديمة العهد. # قلت إن هذه الجماهير، كانت متجهة نحو بناية عظيمة في جوار البترون ذلك لسماع ~~محاضرة الأستاذ محمد جمال العلم الزهاوي. فالمحاضرات العمومية التي تقام على نفقة ~~حكومة العالم المتحد، تجري في ms48 تلك البناية في شهر أيار، وفي دمشق في شهر آب، وفي ~~القاهرة في كانون الثاني، هذا لأبناء اللغة العربية الخالدة. # أما البناية التي مر ذكرها، فهي كناية عن قاعة مستديرة، مساحة دائرتها لا تنقص عن ~~الميل. مقاعدها مرتفع أحدها عن الآخر، بحيث يرى الجالس في أرفع المقاعد ما يراه في ~~أوطاها. جدرانها من زجاج، وسقفها من الألومنوم، ومنصة الخطابة أو المنبر في صدرها. ~~على أن بناءها محكم هندسيا بنوع أن يسمع الصوت في أقصى المقاعد عن المتكلم بجلاء ~~ووضوح، كما يسمع في أقربها إليه، وهذا فوز كبير للهندسة الحديثة في البناء، وتحسين ~~شروط السماع أو الأكوستيك. # الأستاذ محمد جمال العلم الزهاوي، هو من صنف المرشدين؛ إذ لا يخفى أن جماعة ~~العلماء العمال، ممن نالوا أكثرية الأصوات لاجتهادهم وتفوقهم، يقسمون إلى ثلاثة ~~أصناف أو أقسام: المجربون، وهم الذين يعملون في البحث والتنقيب والاختبار والاكتشاف ~~والاستنباط. # والمصنفون، وهم الذين يؤلفون الكتب وينشئون المقالات، فينشرون بين الورى نتائج ~~الأعمال. # والمرشدون ، وهم الذين يخصصون قسما من أوقاتهم للخطابة والمحاضرات. # وكان الأستاذ محمد من هؤلاء، وقد اشتهر بين المتكلمين بالعربية بالفصاحة، مع توقد ~~الذهن، وملاحة الأسلوب، فضلا عن وافر علمه، وسعة معارفه. # فلما احتشد الناس في القاعة، وامتلأت المقاعد، والقوم بين حديث وضحك، ولعب وهرج ~~ومرج؛ إذ ظهر نور أحمر في وسط القاعة من جهة السقف، وكان هذا النور لوحا كبيرا، ~~ظهرت عليه كتابة بالكهربائية مآلها: «فتحت الجلسة، فعليكم بالسكون ~~والسكوت.» # وما كادت تظهر هذه الكتابة، حتى عم السكون، فكأن القاعة خاوية خالية، لا يسمع ~~فيها سوى نبضات قلوب الألوف المجتمعة من رجال ونساء؛ إذ ذاك انتصبت رئيسة الجامعة ~~القحطانية المرشدة أستير ليفي، وقالت: # سادتي # إن الوقت المخصص لهذا الاجتماع ساعتان كما تعلمون، فالبرنامج هو هذا: ~~موسيقى آلية ثلاث دقائق، ثم نشيد جوق الجامعة للفتيات، ثم محاضرة الأستاذ ~~المرشد محمد جمال العلم، وموضوعها «الجيل العشرون»، يتلو ذلك نشيد جوق ~~الجامعة النابلسية للفتيان، ونختم الجلسة بقرار مستشار المعارف الأديب ~~لمخائيل البناء عن أهم أعمال الحول. أشكركم. ms49 # فلما جلست الرئيسة ظهر على المنصة الآلاتيون، فلعبوا نغما لطيفا قصيرا، كي لا ~~يمل الناس. ثم عدد من الفتيات، فأنشدن نشيدا متقنا مطربا، وهي قصيدة قديمة جدا ~~لشاعر عاش في الجيل العشرين، كان يسكن القارة الأميركية، وينظم في العربية، ومن ~~الغريب أن شعره راق، رقيق، خال من الحشو المبتذل، بالرغم من وجوده في ذلك الجيل ~~المظلم المتوحش. ثم انتصب الأستاذ محمد، وإليكم خطابه، قال: # سادتي! # كنت أطالع من عهد قريب، مجموعة خطب ومحاضرات، لأناس مختلفين في الجيل ~~العشرين، وقد استلفت نظري في أكثرها أن الخطباء في ذلك الجيل، كانوا ~~يخصصون ثلث كلامهم لإطراء الحضور بالمبالغة السخيفة، وإطراء أنفسهم بذكر ~~عجزهم وقصورهم، وهو أسلوب مبتذل لإلفات الأنظار إلى مقدرتهم، والثلث ~~الثاني لحشو الكلام الرنان المصفوف صفا، والمركب تركيبا: مبنى دون ~~معنى، ما يثبت أنهم كانوا يرتاحون إلى هذا النوع من الثرثرة، التي لا ~~فائدة منها، والتي لا تدل إلا على شيء واحد، وهو عناية الكاتب أو الخطيب ~~بالتفتيش عن الكلمات والجمل، التي تروق له وجمعها مترادفة، سواء كانت ~~لازمة، أو لم تكن، والثلث الآخر لموضوع المحاضرة أو الخطاب. # لا أخالني يا سادة راجعا بكم إلى تلك العصور المتأخرة. أما إطراؤكم فلا ~~حاجة لي إليه؛ لأنكم أدرى بأنفسكم مني، وقد تكونون إلى الانتقاد أحوج ~~منكم إلى المديح. وأما الإقرار بعجزي، فأخشى أن يحمل محمل الكذب؛ إذ ~~لولا أهليتي لما كنت حيث أنا بالتصويت الشعبي والانتخاب. # وهنا تبدو لي ملاحظة أخرى، غير مختصة بخطبائهم؛ فهي تشمل أيضا كتابهم ~~وشعراءهم، إلا النذر القليل من السابقين المولدين، وهو التشابه العظيم في ~~أقوالهم؛ حتى إن أكثرهم كان يردد عبارات وجملا واحدة، وينهج الأسلوب ~~عينه، الذي ينهجه سواه. وهذا يدل على أمرين: إما أن المواصلات لم تكن ~~موجودة البتة، فلم يدر أحدهم بما كتب الآخر، وهذا مردود تاريخيا ~~ومنطقيا؛ إذا لا يعقل تكرار توارد الخواطر حتى في اللفظ. وأما أنهم ~~كانوا راسفين في قيود التقليد العقيم، والسرقة الأدبية، وهذا الأصح. وقد ~~قال الأستاذ المجرب حسين النافعي في ms50 كتابه الجليل: «تأثير الأديان في ~~العصور المظلمة»، ما معناه: # أما كون أبناء اللغة العربية أكثر استسلاما للتقليد من معاصريهم، ~~فلأسباب كثيرة: أهمها تأثير الأديان عليهم، فالأديان كما كانوا يفهمونها ~~في تلك الأيام المحزنة، كانت شديدة التحفظ بحرفية تعاليمها، لا ترتاح إلى ~~البحث وتحرم الجدال، عدوة الاستقلال وحرية العقول، وقد رسخت تعاليمها ~~المشوهة بالتفسير والتأويل في قلوب الشرقيين ونفوسهم، رسوخ المرض العضال ~~في الجسم النحيل. إنما الفرق بينهم وبين المريض، هو أن المريض يكره علته، ~~ويسعى للتخلص منها. أما هم فكانوا شديدي التمسك بعلتهم، يتعصبون لها، ~~ويناضلون من رام مداواتهم وإبراءهم منها. ولذلك، ولما كانت أديانهم مقلدة ~~ومحافظة، نشئوا على التقليد والخوف من كل جديد وإن كان فيه التقدم ~~والإصلاح. # ومن الأسباب أيضا ذلهم، وعدم معرفتهم الحياة الحرة المنطلقة من القيود، ~~كما يعرفها العالم اليوم، فبينما كانت الأمم من حولهم نائلة بعض ~~الاستقلال يومئذ، كانوا هم مستعبدين لسواهم، وقد ألفوا تلك الحالة، فقتلت ~~فيهم العبودية قوة التوليد والاستنباط . أضف إلى ذلك الجهل؛ فقد كانوا، ~~إلا الأفراد، قليلي البضاعة العلمية، يجهلون لغات المعاصرين وآدابهم، مما ~~ضيق عليهم المسالك. اه. # هذه جملة من هذا الكتاب النفيس، وإني أنصح لكم أن تقرءوه، إذا سمح لكم الوقت؛ لأنه ~~كبير الفائدة، ثمين البحث في عوامل النفس، وثوران العواطف، إذا هي ضلت السبيل، ~~وتمردت على إرشاد العقل. # من الغريب أن الناس في تلك العصور كانوا يتوهمون أنهم بلغوا شأوا كبيرا من ~~التمدن والرقي، مع أن آثارهم تدل على انحطاط وتأخر. أجل إنهم وضعوا أساسات ~~الاختراعات والاكتشافات التي حسنها من جاء بعدهم، وصلت إلى الدرجة التي تتمتعون ~~اليوم بثمارها، وأن بعضهم كانوا قد بدءوا يذكرون الحقائق الكبرى، ولكن هؤلاء هم ~~الأفراد القلائل، أما الأكثرية فكانت تهزأ بتعاليمهم، وكثيرا ما كانت ~~تضطهدهم. # من ذلك أن المذاهب الفلسفية، التي تعرف اليوم بأسمائها القديمة، كانت تدعى عندهم ~~أديانا؛ أي إنهم كانوا يعتبرونها شرائع منزلة من السماء، يجب عليهم اتباعها ~~بالحرف والمناضلة عنها، ومحاولة إقناع الآخرين بصحتها، وإكراههم على اعتناقها إذا ~~تسنى ms51 لهم ذلك. فكان أتباع المسيح، وهم الأكثرية ولهم الصولة والحول، كثيرا ما ~~يضطهدون المتمذهبين بمذهب موسى أو اليهود، وفي بلادنا الشرقية كان المسلمون يحتقرون ~~النصارى وينبذونهم، وأحيانا يفتكون بهم، وهم أبناء جنس واحد، وبلاد واحدة، ولغة ~~واحدة، لغير سبب إلا الاختلاف في المذهب الفلسفي. ولم تك «الوطنية» تلك الآفة التي ~~سفكت باسمها دماء كثيرة، أقوى من العاطفة الدينية، إلا في بعض الدول التي كانت ~~تدعي التفوق، وتفاخر بكونها جعلت الوطنية فوق الدين. # أواه يا سادتي، كم كانت الإنسانية تشقى في تلك الأيام السوداء، وما أسعدنا لوجودنا ~~في عصر، أصبحت فيه تلك العقائد البربرية آثارا تاريخية، بدلا من أن تكون آفات ~~حقيقية، تحرمنا السعادة، وتورثنا الشقاء والبلاء! # قلت إن بعض الدول التي كانت تدعي التفوق، وضعت الوطنية فوق الدين؛ أي إنها هربت من ~~الدلف إلى تحت المزاب؛ فبدلا من أن تنحر باسم الدين، صارت تنحر باسم الوطنية، ~~بطريقة أعم. وليس هذا فقط، بل تبرر عملها وتقدسه باسم الوطن . كلمة كان معناها ~~ملتبسا على الناس، يؤولونها كما تشاء أغراضهم أو ميولهم البربرية، فكأن ضمير ~~الإنسانية كان مائتا، أو متخدرا، أو كأن شيطان العالم لما فرغت يداه من سلاح ~~الدين، اخترع سلاح الوطنية؛ لتظل الإنسانية راسفة في قيوده تحت قدميه. # في الجيل العشرين ظهر في البلاد الروسية مذهب البلشفة، الذي هو أقرب إلى الإخاء ~~العمومي، الذي يتمتع العالم به الآن من كل مذهب تقدمه، ولكنه لم يلبث طويلا حتى ~~مات؛ ذلك لأنه أخطأ استعمال الوسائل، فامتطى سيف الظلم لإبادة الظلم. وفي قبضة ~~السيف عدوى تسربت إلى جسمه، فنخرت عظمه، وأخطأ أيضا بالتسرع؛ إذا حاول أن يهدم في ~~عام ما بناه العالم في مليون عام، فكان نصيبه مثل نصيب أسلافه الكوميونسم والسان ~~سيمونسم ... إلخ. على أنه لم يندثر تماما؛ إذ ترك آثارا في عقول المفكرين، الذين ~~فحصوه وعرفوا مواضع الضعف فيه، فنبذوها واقتبسوا منه ما كان مفيدا ومطابقا لحاجات ~~الإنسانية، فصارت العقول تتمخض به جيلا بعد جيل حتى ولدته كاملا. # أتدرون يا سادتي أن ms52 الشعوب القاصرة في أيامنا هذه، التي هي تحت وصاية إخوانها ممن ~~هم أدرى منها، هي بالحقيقة أرقى مما كانت أمم الجيل العشرين جميعها؟ قد تستغربون ~~هذا القول، ولكنه حقيقة راهنة؛ فشعوب أواسط أفريقيا مثلا لم تصل إلى ما وصلنا إليه ~~من المعارف والتسلط على العناصر، ولكنها راغبة في الاستفادة، ساعية للتعلم، راضية ~~بوصايتنا، مخلدة إلى السكون والمحافظة على الشرائع العمومية. بينما في الجيل ~~العشرين، وفي بلادنا هذه عينها ثارت ثائرات القوم، وهدرت الدماء لانتداب فرنسا ~~الوصاية عليهم، مع أن فرنسا كانت أرقى أمم تلك العصور، وما ذلك إلا لأن أغلب سكان ~~سوريا كانوا من المحمديين، فرغبوا عن فرنسا، لا لذنب ارتكبته، أو لقصور أظهرته؛ بل ~~لأنها على غير مذهبهم الفلسفي، الذي كانوا يسمونه دينا، كما ذكرت لكم ~~سابقا. # تلك كانت حالتهم في أديانهم؛ جهل مطبق يقوده علم فاسد. فعامة الناس كانت جاهلة كنه ~~الدين، وزعماء الدين من كهان وشيوخ، كانوا يضرمون فيهم عاطفة التعصب لمذاهبهم، ~~والبغضاء لمن كان خارجا عنها؛ ليظلوا في زعامتهم راتعين، وفي رقاب العامة مالكين. ~~فلو تركوهم وشأنهم لاهتدوا إلى السبيل، وأدركوا سريعا كما أدرك من خلفهم على ~~الأرض، أن الدين هو الأخلاق والأعمال، فإن تساوت في الناس بالرقي كانوا من دين ~~واحد، ومذهب واحد، وما دون ذلك باطل، والباطل عدو الخالق وآفة المخلوق. # قلت إن ذلك الجيل، الذي نسميه مظلما، لم يخل من بعض المحاسن؛ فقد شهد تقدم ~~الكهرباء تقدما يذكر، وإن كانوا لم يتوصلوا إلى الانتفاع منها، كما هي الحالة ~~الآن. وشهد أيضا مولد المنطاد، واختراع المواد الانفجارية التي كانوا لبربرتهم ~~يستعملونها في الحروب، للقتل والتدمير، فأصبحنا - وقد حسناها - نستعملها كقوة ~~محركة أوجدت العجائب. وفي ذلك العصر بدأ العلماء والجراحون يدركون فوائد التطعيم ~~البشري، ونقل الدم والغدد، ولكنه ظل في المهد حتى جاء الجيل الذي بعده، فتقدم، ولم ~~يبلغ تمام نفعه إلا في الجيل الثاني والعشرين. وحسنوا قليلا في الأشعة الخارقة، ~~التي كانوا يسمونها أشعة رنتجن نسبة إلى مكتشفها، واخترعوا الغواصات، ولكنهم لم ~~يتوصلوا إلى ms53 استخراج الراديوم من الهواء، وحصر قوته الهائلة، فكل هذه الاختراعات ~~والاكتشافات كانت لا تزال في المهد، لم يجنوا كل فوائدها. فكانت الأمراض منتشرة ~~انتشارا كبيرا، والناس يموتون بالأوجاع والآلام، بدلا من أن ينطفئوا بهدوء وبلا ~~ألم، كما هي الحالة الآن، بفضل الأشعة الخارقة، التي صرنا بواسطتها نستطيع أن نرى ~~ما في داخل الجسم، كما نرى ما في خارجه، والأشعة البنفسجية، والأشعة الزرقاء، ~~واستخدام الراديوم للتطعيم بالغدد الحية التي تصلح ما فسد من دم الإنسان، وتجدد فيه ~~مادة الحياة، وغير ذلك من الأمور التي يطول شرحها. # وهنالك سبب آخر لكثرة أوجاعهم، وقلتها بيننا، وهو أنهم كانوا يفرطون في الأكل ~~والشرب، فيحملون دماءهم سموما من المأكولات، لم تقو معدهم على هضمها كلها، ومن ~~المشروبات الروحية السامة. بينما نحن الآن نكتفي بالأشياء المغذية، السريعة الهضم، ~~كالخضر والفواكه والألبان، ونشرب علاوة على الماء؛ الأكسير، الذي هو عصير الفواكه، ~~لا تزيد فيه كمية الكحول عن الاثنين في المائة. ولا نأكل اللحوم كما كانوا يفعلون، ~~ففي بعض الخضر، كالعدس والفاصوليا، وفي اللبن والجبن، ما يغني عن المادة الغذائية ~~في اللحوم، وعن سمومها أيضا. فبينما كان معدل التعمير في عصرهم من الخمسين إلى ~~السبعين، وكان عدد الذين يموتون قبل الأربعين يعادل الثلث، نرى اليوم أن معدل ~~التعمير أصبح فوق المائة، وأن الذين يموتون قبل السبعين لا يعدلون واحدا من مائة، ~~وأكثرهم يموتون من حوادث طارئة غير منتظرة. # انظروا إلى البعد الشاسع بيننا وبينهم. انظروا إلى البناء الفخم الذي شيدناه على ~~الأساس الضعيف الذي تركوه لنا. انظروا كيف أننا نستخدم العناصر كما نشاء، فنحول ~~مجاري الأهوية، ونلجم العواصف، ونستنزل الأمطار، ونقطع المسافات الشاسعة ببضع ~~ساعات، مما لم يحلموا به. إن ضغط الهواء، تلك القوة الهائلة، كانت عندهم بابا ~~مغلقا، إلا في بعض الصغائر، فجعلنا منها قوة تهز الأرض هزا، وأوجدنا الشروط ~~الجوية والطقسية الملائمة ضمن جدران نقالاتنا، فسخرنا بالسرعة وصرنا نجتاز من ~~الخمسمائة إلى الألف ميل في الساعة، دون خطر أو انزعاج. # كل هذا يا سادتي، كل هذه ms54 التحسينات المفيدة وغيرها مما لا يساعدني الوقت لذكرها. ~~ثم بفضل الإخاء العمومي، وتوحيد الشرائع في الأرض، مع توحيد العملة، وتحديد ~~مفعولها، ومنع الاحتكار، وقتل عاطفة الطمع في نفوس البشر، مما أبطل الشحناء ~~والحروب، ولولا ذلك لكنا اليوم متأخرين متوحشين هائمين في همجيتنا، كما كان الناس ~~في الجيل العشرين. ولا ريب عندي أن أولادنا سيزيدون على أفعالنا، حتى يبلغ العالم ~~من الكمال الدرجة التي نواها له الإله، الذي هو الكل، والكل هو الإله. أشكركم ~~لإصغائكم. ~~(2) اجعلوا الحلم جميلا # هي حلم ينقضي بين ليلة وضحاها، زهرة تتفتح مع الفجر أوراقها، وتذبل مع المغيب، ~~معشوقة لا تكاد تمنح قبلة اللقاء حتى تذرف دمعة الوداع. هي الحياة بخمرها وخلها، ~~بأفراحها وأوزارها، في فضاء الكون كنور سريع ضئيل. ~~«فاجعلوا الحلم جميلا.» # روحوا النفس فالسبيل ضيق وقصير، إذا نثرنا فوقه الأزهار ربما هان المسير، ومن ~~الجنون أن نؤثر العسير على اليسير، ومن الجحود أن نهمل كنوز النفس، وهي عطايا ~~الإله، فالعيش حلم، والحلم كما نريده يكون. ~~«فاجعلوا الحلم جميلا.» # زهرة الحقل تنبت فلا تسائل لماذا، ولا تحسد نضارة الوردة وجمالها، متألمة لأنها ~~ليست مثلها محبوبة، ولا نكيد لها المكايد لإتلافها، زهرة الحقل قانعة بنصيبها ~~وحالها، فاقتدوا بها. ~~«واجعلوا الحلم جميلا.» # مادة وروح، قذارة والرهية، فالجسم هيكل من طين، الآلهة هي النفس، وليس بالجسد، بل ~~بالنفس السعادة، تناسوا الجسد وحدوده، تناسوا السجن الذي يقيد لا نهاية ~~النفس. ~~«واجعلوا الحلم جميلا.» # جسمك لا يطير؛ إذ ليس له جناح، أما عقلك فطائر لا تجاريه الرياح. فاتركوا الضعف، ~~وتمسكوا بالقوة، التي هي من السماء، واعلوا بنفوسكم فوق سجونها؛ لتذوقوا الهناء. ~~حياة المرء حلم، والأفكار مولدة. ~~«فاجعلوا الحلم جميلا.» # ما عمر الأكوان إلا المحبة، والقلب إن لم يسع الدنيا فهو وعاء صغير، وإن لم ~~يفهم أنغام الكائنات فهو أوتار ميتة لا تحركها أغاني الأرواح المتآخية، فليحدث كل ~~جرح في قلوبكم جرحا. ~~«واجعلوا الحلم جميلا.» # وعندما ينضب زيت السراج، فيعود نوره من حيث أتى، ويعود طينه إلى ترابه، وتفلت ~~النفس من قيود ms55 الأديم، تنشد وهي سابحة في سماء النعيم: ~~«لقد جعلت الحلم جميلا.» # | نسيب عريضة # (1) على الطريق # لماذا وقفت بخوف وحيرة # أيا نفس، عند الطريق العسيرة؟ # ألا أمشي، فإن الحياة قصيرة # ألا امشي؟! # مقر الإله بعيد، فسيري # لكي تدركي الله قبل النشور # فجدي ولا تسألي عن مصيري # بعيشي. # علام التفاتك نحو الطلول؟ # أشافك تذكار ماض يحول؟ # فملت إلى العود قبل الوصول # ألا أمشي؟! # كفاك من الماضيات الشباب # رياض أمان سقاها السراب # فقولي: «وداعا» لماذا العتاب؟ # لنمش؟! # لماذا العتاب على ما انقضى # أنرجع بالعتب عمرا مضى؟ # شقينا ولكن شفانا الرضى # ألا أمشي؟! # شقينا بحمل صليب الزمان # ولكن غلبنا الشقا بالأماني # ومن ذي وذاك نظمنا الأغاني # ألا أمشي؟! # أنفسي، بربك خلي السآمة # وهبي لنسبق تلك الغمامة # وصلي بدمع وبعض ابتسامة # فنمشي. # ألا أمشي! وبعد الجهاد الحقيقي # سنسبق آمالنا في الطريق # ونجني الأشعة قبل الشروق # ألا أمشي؟! ~~(2) مناجاة # لاحت قصور الخيال # تعلو متون الغمام # يا أخت روحي، تعالي # أطلت فيها المقام ~~••• # يا أخت روحي اسمعيني # من أوج تلك السماء # قد كاد يقضي يقيني # هلا أجبت النداء! # أراك لا تعرفيني # أزال عني البهاء! # أجل تغير كنهي # منذ جئت أرض الشقاء # بدلت فيها جلالي # بحلة من عظام # يا أخت روحي تعالي # أقد أضجرتني الأنام ~~••• # أرنو بليل كئيب # وطرف جسمي كليل # أصغي، ترى من مجيب # أو من خيال جميل # يلوح رجع سناه # في طي غيم ثقيل # وكيف، والجو قفر # يحار فيه الدليل؟ # يا ويح هاذي الليالي # أضحت لطرفي لثام # يا أخت روحي تعالي # فالناس صرعى نيام # الناس، من هم؟ جسوم # ضاعت بهن النفوس # إن يرقدوا فنعيم # رقادهم في البئوس # وا حسرتا! أنا منهم # ما دام جسمي اللبوس # ناموا ونفسي يقظى # تهذي بذكر الشموس # ترجو انتهاء اعتقالي # لكي تقض الخيام # يا أخت روحي، تعالي # تلقى إليك الزمام ~~••• # كانت لها الشهب عرشا # وكنتما في اقتراب # فأهبطت فهي تخشى # وتنزوي في الحجاب # تظل غرثى وعطشى # لقوتها والشراب # تقتات بالصوم حينا # وترتوي بالسراب # تعاف ثدي المحال # ينز منه الأوءام # يا أخت روحي، ms56 تعالي # قد حان عهد الفطام ~~••• # يا أخت روحي الحزينة # إلى متى ذا الصدود؟ # أو أنت مثلي سجينة # قد أثقلتك القيود؟ # مرضت في الأرض يأسا # ولا صديق يعود؟ # يا أخت روحي، صبرا! # فالملتقى في الخلود ~~••• # لاحت قصور الخيال # كومضة في الظلام # أكلهن خوالي؟ # ما من يرد السلام؟ ~~(3) يا أخي يا أخي # يا أخي، يا أخي، المصاعب شتى # وبعيد مرادنا والموارد # وأمام العيون درب عسير # لم تسر قبلنا عليها الأوابد # مظلم، موحش، كثير الأفاعي # والسعالي المستهويات الطرائد # غير أن المسير لا بد منه # إن أردنا إدراك بعض المواعد # فلنسر في الظلام، في القفر، في الوحشة # في الويل، في طريق المجاهد # فلنسر أعزلين إلا من الحق # سلاحا، والفكر حاد وقائد # وإذا اشتدت الذئاب عواء # فلنقابل عواءها بالنشائد # وإذا حلولك الظلام أضاءنا # مشعل القلب مثل نار المواقد # يا أخي، يا رفيق عزمي وضعفي # سر نكابد، إن الشجاع المكابد! # فإذا ما عييت تسند ضعفي # وأنا بعد ذا لضعفك ساند # سر، تقدم لكي نخط طريقا # لأباة الهوان عند الشدائد # يا أخي، يا أخي، المصاعب شتى # غير أنا في سيرنا غير واحد # فلنسر، فلنسر، وإما هلكنا # قبل إدراكنا المنى والمواعد # فكفانا إنا ابتدأنا وإنا # إن عجزنا فقد بدأنا نشاهد # | عبد المسيح حداد # (1) الله يسعده ويبعده # لم يكن من يستطيع من يفهم أصل الخلاف بين إبراهيم الصالح وأخيه فريد، وقد بدأ ~~الخلاف بينهما في أول أسبوع وصل فيه الصغير إلى هذه البلاد. وبعد أن كان إبراهيم ~~يستعد لاستئجار منزل خصوصي، يشتري له أثاثا جميلا، ليعيش مع أخيه فريد كعائلة ~~صغيرة، لبث في غرفته المفروشة وطرد أخاه من عنده، فاضطر المسكين، وهو دون السابعة ~~عشرة إلى أن يستأجر غرفة له زرية جدا، وأن يعمل كأجير في محل تجاري ليعيش ~~مستقلا. # حكى لي فريد الصغير عن خلافه مع أخيه، فقال إنه لا يعلم لماذا كرهه أخوه، ولم يأثم ~~أمامه، ولا أخل باعتباره كأخيه الأكبر، وولي نعمته، ولكنه لسبب بسيط جدا، ارتأى ~~إبراهيم أن يفترقا، وأن يعيش كل منهما لنفسه. ومذ ms57 منعت اجتماعاتهما معا، إلا إذا ~~كانا وحدهما، وإذ ذاك يستعمل إبراهيم سلطته على أخيه، فيأمره أمرا، وينفض طرف ~~سترته بأصابعه علامة أنه هكذا يريده أن يعمل، وإذا أبى فلا يكون مسئولا. # إن خلاف الأخوين على هذه الصورة أمر غريب جدا، فليس بينهما من خطأ ارتكبه أحدهما ~~ضد الآخر، ولا بينهما ما لا يمحى. على أن الاثنين ناجحان بأشغالهما. وإبراهيم رجل ~~يبلغ الخامسة والثلاثين، وقد صار له نحو عشرين سنة يعمل في أميركا، ولما أنهى فريد ~~المدرسة الابتدائية، استقدمه إليه، على أمل أن يفتحا محلا تجاريا، يكون فيه ~~رئيسا، وأخوه مديرا، إلا أن الأمور انتهت بالجفاء بين الاثنين في أول أسبوع لوصول ~~فريد إلى أميركا. # أما فريد فشاب ذكي، له إلمام بالعلوم، وولع بالمطالعة. قليل الكلام، ولكنه رصين ~~لا يتكلم إلا اللازم الذي يفيد. عكس أخيه الأكبر؛ فإنه كثير الكلام، كثير الدعوى، ~~يتدخل في كل موضوع، ويحشر نفسه في كل مشكل. وقد ولع أيضا بالمطالعة الصحفية ~~والكتبية، وإنما ولعا سطحيا، فكان يحفظ أسماء أعاظم الرجال من سياسيين وعلماء ~~وفلاسفة وشعراء، فإذا تكلم في اجتماع يكثر من ذكره تلك الأسماء، فينظر الناس إليه ~~كرجل عليم، في صدره كنوز علم وعرفان. فإذا كان الحديث عن السياسة أسرع، فذكر بسمارك ~~وغلادستون، وقال: فلان قال كذا وكذا، ومن اطلع على كتبه أو ما قاله بسمارك أو ~~غلادستون ليكذبه؟ وإذا كان الحديث عن الشعر، ذكر في الحال المتنبي وأبا العلاء، مع ~~بعض أبيات لكليهما يقولها باللفظ المكسر. ثم يعمق بتاريخ الشعر، فيذكر هوميروس ~~ويتدرج بالأسماء إلى هيكو وموسيه وووو ... حتى يسكت الحاضرون، ويعطوه موقف الكلام. ~~ولا يعدم أن يرى منهم إعجابا بسعة معارفه، ووفرة علومه، حتى صار عندهم مرجعا لكل ~~أمر، ومضرب المثل في العلم، بكل باب من أبوابه. # ودام هذا معه حتى وصل فريد إلى نيويورك، فصار يحضر مع أخيه بعض الاجتماعات، ويراه ~~راكبا مركب الشطط بأكثر أحاديثه، فكان يسكت أولا حياء منه، ولكنه بعد أن أستأنس ~~صار يعترض على غلط أخيه ويصلحه. فكان إبراهيم ms58 يحرق الأرم غيظا، ويلعن الساعة التي ~~وصل فيها أخوه؛ لينزع عنه مقامه كعالم بين الناس. # ومرة كان الأخوان في سهرة حافلة، وكان الفونوغراف يشنف أسماع الحاضرين، والكئوس ~~دائرة عليهم، وآخر أسطوانة سمعوها فذهبوا بسحرها، كانت أسطوانة للصلبان ينشد فيها ~~«يا ليل لصب ...» فكان بعضهم يعيدها ويعيدها، ويساعده غناء بها، واستشهادا بمعاني ~~أبياتها الجميلة، حتى وقف عند: «رقد السمار وأرقه»، فقال في القوم: «من هذا ~~السمار؟» # فأجاب أحدهم، وقال: «أظن أن السمار هو الذي يدق المسامير.» # فضحك الكل من جوابه. # وقال ثان: «أظن السمار هو الهر؛ أي السنور، لا بل السنمار.» # وقال ثالث: «لا، بل هو السمرمر الذي يطارد الجراد.» # واختلف القوم على معنى الكلمة، وإبراهيم الصالح يتنحنح، وقد غاب عن الحضور بفكره، ~~ليأتي لهم بمعنى الكلمة لهم، فكان كلامه فصل الخطاب. وأما أخوه الصغير فريد، فكان ~~الحال عنده كالتياترو، فما كان يهدأ من الضحك بكل ما استطاع شدقاه، وبكل ما في ~~رئتيه من القوة. # وأخيرا صاح صائح ، وقال: «عند إبراهيم الصالح، ونتجاسر على تفسير الكلمة، فلنسمعه ~~الآن يحل لنا المشكل.» # وسكت الحاضرون، ووقف الفونغراف، وصاروا كلهم آذانا مستعدة للسماع، وعيونهم مصوبة ~~على نقطة واحدة هي؛ وجه إبراهيم الصالح. # عندئذ لم يعد لإبراهيم من مهرب، فعار عليه أن لا يحل مشكلة صغيرة كهذه، وهو لم ~~يعودهم ذلك، ففتح فمه أولا ببطء كلي، وعيناه محملقتان، ووجهه يتطاول، وكان بطرف ~~نظره يحدج أخاه فريدا، لهذا تلعثم قليلا، ولما تحنن الله على صبر القوم، خرجت من ~~فيه كلمة «أظن» خمس مرات، وبين كل مرة وأخرى فرصة دقيقتين، حتى أخيرا فاض بحل ~~المشكل طارحا عنه التردد المصنع، وقال: «إن السمار هو السامري، عزول اليهودي، ~~ويظهر أن قائل تلك الأبيات يهودي، فيكون المعنى: أن العدو نام، وهو لم ينم، بل ~~أرقه الألم.» # ويظهر أن فريدا في تلك الساعة، نسي أن أخاه الأكبر كان المتكلم، ولهذا استعان بكل ~~ما في قدرته على الضحك، حين كان الكل صامتين، وعلى وجوههم سيماء الرصانة، يتوقعون ~~القول الفصل من رب العرفان ms59 عندهم، وهذا ما دعا إبراهيم أن يستشيط غيظا من أخيه، ~~فشتمه، ولولا حرمة الناس لكان ضربه، فانتبه فريد لأمره، وعقب ضحكاته الطويلة عبوسة ~~فجائية، فاستصفح أخاه وأقر بأنه مخطئ، وأنه نسي نفسه لتفاسير القوم كلمة «سمار» ~~البعيدة الصواب. # عندئذ قال له أخوه: «أنت» يا فريد مثل كل ولد يأتي من سوريا مملوء دعوى، ولا تحترم ~~معارف الآخرين، بل تظن أن ما تلقنته في المدرسة هو كل العلم، مع أنه ينقصك تهذيب ~~كثير. والآن «يا عيب الشوم»، دعوتنا نخجل أمام الناس، فقم بنا قم.» # وقد ألح الحاضرون على إبراهيم أن يعدل عن فكره بالرحيل، وأن يهدئ روعه قليلا، وأن ~~أخاه سيتعلم فيما بعد، فيحسن سلوكه، ويعرف كيف يجالس الناس. # وكان أحد الحاضرين الذين فسروا الكلمة شديد الاستياء من جواب فريد لأخيه؛ بأن ~~تفاسير القوم أضحكته، فخاطبه بملء الاشمئزاز، قائلا: «وهل عندك تفسير أحسن. أي ~~نعم، نحن لم نتعلم في المدارس مثلك، ولكن لا أظن أن كلامنا يوجب ضحك الناس، إلا إذا ~~كان ضحكك بلا سبب، والضحك بلا سبب من قلة الأدب.» # هنا تبدلت هيأة فريد الصغير، فقال بصوت لطيف، والحيرة آخذة منه مأخذا: «اعذروني ~~يا إخوان على ما بدر مني؛ فأنا لم أقصد بضحكي الحط من كرامة الذين فسروا كلمة ~~«سمار»؛ بل إن تفاسيرهم جعلتني أضحك؛ لأننا في مجلس سرور، ويجوز فيه لأي كان أن ~~يضحك.» # أما إبراهيم فظل واقفا يشد بذراع أخيه، ليخرج من تلك الجلسة، لئلا يحدث ما يكدره ~~أكثر. ولكن رجلا متقدما في السن أعجبه منطق فريد، فنهض باسما، وتقدم إلى إبراهيم ~~سائلا إياه أن يعود إلى مكانه؛ لمحو أثر الخلاف، خوفا على خاطر الصغير القادم من ~~البلاد؛ فقد شعر بنفسه أن فريدا انكسر خاطره، فاضطر إبراهيم إلى الجلوس، وعاد ~~الرجل المتقدم في السن فقال لفريد: «يا فريد لا تزعل يا ابني، لا بأس عليك، مسألة ~~صغيرة، لا تستحي فكل الحاضرين إخوان. أي يا ابني، اقعد، وقل لنا الآن كيف تفسر ~~سمار، لنضحك نحن عليك، كما أنت ضحكت ms60 علينا.» # فضحك القوم سلفا على فريد، ما عدا إبراهيم، الذي كان السم يغلي في قلبه، ولكنه لم ~~يجسر أن يعترض، ولما رأى فريد أن الحاضرين سري عنهم، تبسم وقال: «إن كلمة سمار جمع سمير، والسمير هو الذي يسهر الليل، فيكون معنى الشاعر أن ~~الساهرين ناموا، إلا هو، فقد حرمه النوم ألم يعذبه.» # فضحك ذلك المتقدم في السن ضحكة كبيرة، وقال: «أي والله الآن أخذنا ثأرنا منك.» ~~وضحك لضحكته الحاضرون إلا إبراهيم، الذي نهض في الحال يريد الذهاب مع أخيه، بداعي ~~أن السهرة طالت. # تلك السهرة لم ينم فريد مع أخيه، ومنذ تلك السهرة، لم يعد يضم الأخوين اجتماع، ~~وعندما يسأل إبراهيم عن سلوك أخيه، يهز رأسه ويتنهد قائلا: «ما أحد اشترى البلوى ~~لنفسه مثلي؛ فقد كنت بلا هم فجئت بأخي ليزيد سروري، فكان أنه حرمني الراحة، ولكن ~~أميركا واسعة، فالله يسعده ويبعده.» ~~(2) في بيت الميت # عندما مات طانيوس المر، ظل بيت الفقيد مقصد المعزين أسبوعا كاملا، ليل نهار، وقد ~~خيف أن يكون بلاء أهل الفقيد من كثرة المعزين أكثر من فقدهم المرحوم، ولكن هي ~~العادة السورية في هذه الأحوال تأخذ مأخذها، وهو التقليد يجري مجراه، ولو تقطعت ~~القلوب وتفتت الأكباد وتحطم إناء الصبر، أهل الميت يسمعون تعازي من أفواه المعزين، ~~كأنها أمثولات تعلمها قائلوها من جملة الصلوات التي تقال كل يوم. وإني أنا كاتب هذه ~~الحكاية أشعر بكل ما في من العواطف مع الفاقدين، ليس على من يفقد، بل على جلادتهم ~~في استماع فلسفة التعازي. # إلا أنه من نعم المولى؛ أن الاصطلاح في التعزية أن يكون وقتها قصيرا جدا، ~~فالمعزي يبقي قبعته بيده، وإذا كان في الشتاء يظل لابسا سترته العليا. وما الداعي ~~إلى هذا الاختصار ميل من القوم إلى التخفيف عن أهل الميت، بل كثرة القادمين، حتى ~~يضيق عنهم المكان، وإذ ذاك يخرج فوج ليعطي مكانا للفوج القادم جديدا. # أما أهل الميت، فجلوس بلا حراك، وآذان بلا ألسنة، وعيون تنظر أحضانها، وشفاه تتمتم ~~كلمتين لكل قادم وكل مودع، وهما: ms61 «ورأسك سالم» جوابا على التحية في التعزية لدى ~~الدخول والخروج، وهي: «عوضنا الله بسلامة رءوسكم.» والمرحوم طانيوس المر كنت أعرفه ~~معرفة خارجية، فلم أزره في بيته بحياته، ولكن صديقي بطرس كرواني جذبني جذبا؛ لنأخذ ~~خاطر أهل الفقيد، قائلا لي إن التعزية واجبة على كل عارف، ولا فرق، نسيبا كان أم ~~صديقا أم من المعارف. # وهكذا كان، ذهبنا وكان حضرة صديقي أبرع مني في الكلام، فقد دخلت إلى بيت الميت، ~~وأنا كالجنين في عالم التقاليد، فقد هممت بإلقاء التحية التي أقولها في كل الأوقات، ~~إلا أن صديقي بطرس رفع كفه ووضعه على فمي، فجعلني أبلع «نهاركم سعيد»، ثم همس بأذني ~~أن أقول: «الله يعوضنا بسلامتكم»، فقلت، وجلست، كأني من أهل الميت، على ما وصفت ~~وأزيدهم بعدم التمتمة؛ لأن المسألة لا تعنيني، وبنظر الأشباح من كل جهة؛ لأن حضني ~~كان مملوءا بسترتي المطوية، وفوقها قبعتي، وقد احمر وجهي خجلا؛ لأني كنت الوحيد ~~النازع عنه سترته. # بعد سكوت خمس دقائق ، فتح بطرس فاه بالكلام، فقال: «قبل أن مات إسكندر الكبير عرف ~~أن آخرته قد اقتربت، وأن أمه ستحزن عليه حزنا عميقا، فدعاها إليه قبل موته وقال ~~لها: وصيتي إليك يا أماه أن تأدبي مأدبة بعد موتي، وتدعي إليها كل الناس، وعندما ~~يجلسون إلى المائدة قولي لهم: إن من لم يذق حزنا على حبيب له، فليمد يده ويأكل. ~~وهكذا كان. فبعد وفاته أدبت مأدبة، ودعت إليها جميع الناس، ولما جلسوا إلى المائدة ~~قالت لهم ما أوصاها ابنها إسكندر أن تقوله، فلم يمد أحد يده للطعام؛ فعرفت إذ ذاك ~~أن كأس الموت دائرة على الجميع، ولهذا تعزت في مصابها الجلل.» # سمعت هذه الموعظة، فكبر قائلها بعيني، وقلت في نفسي: يا ضيعان ما تعلمته في ~~المدارس، والله إن بطرس فاقني بأسلوبه المعزي، وقال أحسن موعظة تقال في محلها، ~~وكأني نسيت نفسي أني موجود في هيكل الصمت، فقلت لرفيقي: «أحسنت والله بهذه التعزية، ~~إنها لحكمة منزلة.» # أما الحاضرون، ولم يكونوا كثارا؛ لأن زيارتنا لأهل الميت كانت بعد ms62 أسبوع، وقد ~~بدأت حركة التعزية تقل، فقد سمعوا الموعظة الجميلة، كأنهم لم يسمعوا شيئا البتة، ~~وقد عجبت لأمرهم، فقلت في نفسي: لعلهم طمطمانيون، لم يفهموا معنى الذي قيل ~~أمامهم. # ولم يكد ينهي بطرس كلماته الدرية، حتى وافى البيت فوج مؤلف من ثلاثة رجال. ولأن ~~المكان واسع والزوار قليلون، بقينا في أماكننا، بل بقي بطرس جالسا، واضطررت أن لا ~~أتحرك؛ لأنه هو الزنبرك لهذه الزيارة. # ولما جلس القادمون جديدا، فتح أحدهم فاه بالكلام، وفيما هو يهم ليتكلم حزنت على ~~نفسي، وقلت: يا الله؛ ما أجهلني! فإني لا أفهم شيئا من العادات والتقاليد، ولم ~~أمرن نفسي على الكلام اللازم في كل حين. أما المتكلم فبدأ بقوله: «هذا حال الدنيا، ~~الموت محتم على كل الناس، لا مهرب منه، كان إسكندر الكبير قد فتح الدنيا بأسرها، ~~وهو في الثلاثين من عمره ...» # وفيما هو يخبرنا عن الإسكندر، قلت في نفسي موعظة ثانية تأتينا، وقد حتمت علي أن ~~أقصد المكتبة العمومية بعد هذه الزيارة؛ لأطالع حياة ذلك الرجل العظيم، الذي كل ~~تاريخه مواعظ لازمة للبشر في حالات المصائب، وقد تحولت إلى إصغاء تام؛ لأسمع ~~المتكلم، فلا تفوتني الموعظة الثانية، ولكن شد ما كان فشلي عندما سمعت منه نفس ~~الموعظة التي أخبرها بطرس، ولهذا استأت في داخلي أيما استياء. # عندئذ هم رفيقي بالنهوض؛ لأنه رأى فوجا آخر مؤلفا من قادمين اقتربا من الباب، ~~فكبست على ركبته وهمست في أذنه إني أريد أن أبقى، حتى نخرج كلنا معا، فسايرني بطرس ~~مضطرا، ودخل القادمان فتليا أفشين التعزية وجلسا. وما هي إلا لحظة حتى فتح ~~كبيرهما فاه بالكلام، فسمعته يقول: ما هان علينا موت المرحوم، ولكن أمر الله لا مرد ~~له، هكذا قدر وكان، فسبحان الدائم. يحكى أن إسكندر ذا القرنين شعر بدنو أجله ~~... # هنا تنحنحت قليلا، فلاحت مني لفتة إلى صديقي بطرس، فرأيته يخط وجهه ابتسامة، ولكن ~~في الحال أدرت وجهي عنه إلى ناحية المتكلم؛ لأسمع حكاية إسكندر ذي القرنين، وبعد ~~سماعي جملتين من حديثه بدأ وجهي يخط ابتسامة ms63 عريضة، وللحال خوفا من أن تنتهي ~~الابتسامة بضحكة، ونحن في هيكل الحزن والخشوع، نهضت ونهض معي رفيقي، فقلت: بالإذن ~~بلا قطع حديث حضرة المتكلم، ونهاركم سعيد جميعا. # وخرجت وتبعني بطرس، ولما صرنا خارج البيت أمسكني صديقا مستوقفا، وقال والسم يقطر ~~من وجهه: ما نفعك ونفع علمك، إذا كنت لا تفهم أن في بيوت أهل الموتى لا يقولون عبارة: ~~«نهاركم سعيد»، وقد أفهمتك عندما دخلنا أن لا تلفظها فبلعتها، فلماذا نسيت هذا ~~الأمر عندما خرجت؟ # فقلت له: دعني من عتبك يا بطرس، وأخبرني أين قرأت القصة التي قلتها في بيت الميت؟ ~~فقال إنه سمع جده يرويها في مأتم شيخ القرية. فقلت: وأين قرأها جدك؟ فقال: لا بد ~~أنه سمعها من جده. فقلت له: إذن في مرة ثانية اضبط التاريخ وقل هكذا: «حدثني جدي عن ~~جده عن جده، حتى تصل إلى معاصر لإسكندر الكبير.» # فضحك بطرس وصفح عني، وقال وهو يصافحني، ليأخذ سبيلا غير سبيلي: اضحك بسرك، فإننا ~~لم نكمل الساعة في بيت المرحوم، وإلا لكنا سمعنا حكاية إسكندر الكبير، لا أقل من ~~عشرين مرة. # فأجبته ولعلني قلت الصواب: «لو كنت موضع أهل الميت لقلت للناس، المرحوم استراح من ~~هذه الدنيا ومن مواعظكم.» # وودعت بطرس وسرت في طريقي، فالتقيت بجماعة عرفت منهم واحدا. ولما رآني دنا مني ~~مسلما، وأخبرني أنه ذاهب ليأخذ بخاطر آل المر، فأخبرته أني آت من تعزيتهم، الله ~~يساعدهم، فأعاد: «الله يساعدهم»، وزاد: «ويعينهم»، وقد أخبرته كيف أني دخلت بيت ~~الميت ولم أقل عبارة تعزية أعزي بها المساكين؛ لأني لا أفهم الاصطلاحات، فضحك مني ~~وقال: «أهي مسألة فلسفة، احك قصة فيها مغزى، وعز بها الجماعة.» فقلت: وما عساك ~~أن تحكي أنت؟ # فبدأ يخبرني قصة إسكندر ذي القرنين، ولكني قاطعته قائلا: إني أعرفها، وأشرت له أن ~~يلحق بأصحابه؛ ليعزوا الجماعة وليساعدهم الله - ويعينهم - ويرحمهم. ~~(3) رأس الحكمة # الطفل إذا خاف يفزع إلى أمه، كذلك كل ضعيف إذا شعر بخطر محدق به يفزع إلى ~~قويه. # وللنفس كما للجسد مفزعة، وإنما ما لا ms64 ترى كالنفس. وكل شيء صفته من جنسه، فكما أن ~~النفس لا ترى، كذلك مفزعتها لا ترى. # عندما تحدق بالمرء المخاطر، تفزع نفسه إلى أمها الخفية، كما يفزع الطفل إلى أمه ~~إذا خاف على مرأى منا. # أما فزع النفس إلى أمها، فيظهر للناس بالخشوع، إذا اشتمل عليهم الخوف من قوة، لا ~~قبل لهم على مقاومتها جسديا. لم أكن منذ سنين لأثق بالخشوع والمتخشعين، وكثيرا ~~ما أضحكني إبصاري أناسا جامدين، أمام غير مرئي تخشعوا له بعيون مغربة، وأياد ~~مكتفة، وشفاه متمتمة، إلا أني لم أعد أضحك منهم بعد حادثة عرضت لي، فاكتشفت سر غير ~~المرئي، الذي يقف الناس أمامه مصلين. # كان ذلك في البرية، حيث انفردت بنفسي آمنا من الوحش والإنسان، بل من الإنس ~~والجان. وما أن اكتنفتني وحشة الخلوة، حتى تلبدت السماء بالغيوم، فاكفهر النهار، ~~وانقلب ظلاما، وأخذت الرعود تقرقع بملايين ملايين طبولها، وانبثق من الفضاء العالي ~~سهم من نار، وصل أوله لأرض لولبيا من بعيد، ولم يخرج ثمت نصفه من الشفق، فشعرت بخوف ~~لم أكن لأشعر به لو أني وجدت بين نابي جيش معاد، وأنا في ساحة الحرب أعزل. ثم أحسست ~~بأن نفسي كذلك قد خافت، ففزعت إلى أمها في السموات، ولم أدر إلا وأنا متخشع أمام ~~ما لا أرى منه إلا الجبروت على ما ندعوه كونا. فلما ذهب عني الخوف، إذ هدأت الحال، ~~وجدتني في تلك البرية واقفا أمام غير المرئي، كواحد من الذين ضحكت من وقوفهم ~~جامدين مكتفين متمتمين متخشعين. # إن المرء يدرك عن طريق نفسه سرا في المخاطر غريبا في كيانه؛ إذ تفزع نفسه إلى ~~أصلها العظيم الذي لا يرى كذاتها، كما تفزع صغار الأفراخ إلى أمهاتها بدافع ~~غريزي، هو في الحيوان كما هو في الإنسان، حينئذ يخشع الصغير الضعيف، أمام العظيم ~~القوي المنبثق منه، والنفس شيء من «ما لا حد له»، فإذا ما نبهتها المخاطر، ودت ~~الالتحاق بأصلها العظيم فازعة، ودليلنا على ذلك خشوعا إبان الخطر. # والنفس لا تكلمنا لنفهم منها أصلها وفصلها، ولكنا نعلم أنها ms65 إذ تحتك بأسلاكها ~~المرتبطة بها مع الألوهية، نرتجف لقوة ما لا ندركه مما لا يرى، فنخشع مضطرين بقصد ~~أم بغير قصد، خشوع الصغير أمام الكبير. # صعدت يوما إلى جسر بروكلن؛ لاجتيازه مشيا على قدمي، فأرى وألمس عظمة وصل إليها ~~العقل البشري المخترع، ولما صرت في منتصفه مددت بصري إلى نصفه أمامي، ثم التفت ~~فمددت بصري إلى نصفه ورائي، فأدهشني بناء عجيب فوق الماء، ينقل شطر المدينة العظمى ~~إلى شطرها الثاني، ولكني ما لبثت حتى شخصت إلى العلاء، فرأيت من النجوم في الفضاء ~~ما لا عد له، فحملتني نفسي على جسر هيولي إلى فوق، حيث ديار أهلها، ولما بان لي ذلك ~~الجسر الهائل قلت في داخلي: «عظيم جسر بروكلن يشيده العقل البشري، ولكن ما هي نسبته ~~لذلك الجسر الهائل، الذي يحمل ملايين ملايين ملايين الأجرام بين سيارات، وثوابت، ~~ويربطها ببعضها بقوة لا ندرك كنهها.» # فسمعت إذ ذاك نفسي تهتف قائلة: تخشع أيها الإنسان أمام ما لا تدركه العقول . # فقلت وقد جمدت، وكتفت ساعدي، وتخشعت: الخشوع أيها النفس، خوف، فهل خلق الإنسان ليخاف؟ # فأجابت نفسي وقالت: بلى الخشوع من الخوف، والخوف من الفكر، والفكر من النفس، ~~والنفس من اللانهاية، التي كل ما تراه أمامك، وفوقك، ووراءك، وتحتك، وما لا تراه ~~بعض بعضها، فإذا احتكت النفس بأسلاك توصلها بأصولها، نبهت الفكر، فتنفس الفكر ~~بالخوف، والخوف بعث الخشوع، والخشوع أمام القوة غير المحدودة، همس الإنسان الصغير ~~في أذن الفضاء العظيم، عن أن المرء قد عرف ما هو في هذا العالم، ومن هو من هذا ~~العالم، ولهذا فهو يفزع إلى ربه كما يفزع الطفل إلى أمه، والضعيف إلى قويه. # إذ ذاك أدركت الحكمة، بقول ذلك الحكيم القائل: «رأس الحكمة مخافة الله.» ms66