######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الأربعون حديثا ¶ المؤلف : الخميني #META# auth: الخميني #META# cat: كتب الإمامية #META# bkid: 111 #META# الكتاب: الأربعون حديثا #META# bkord: 220 #META# idx: 1 #META# iso: الاربعون حديثا #META# comp: 1 #META# bk: الأربعون حديثا #META# max: 375 #META# المؤلف: الخميني #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO الأربعون حديثا # بسم الله الرحمن الرحيم: ### || AUTO المقدمة # الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله أجمعين ولعنة الله على ~~أعدائهم إلى يوم الدين. # إلهي: أنر مرآة القلب بنور الإخلاص، وآجل عن صفحة القلب صدأ الشرك، وأهد ~~هؤلاء المساكين في بيداء الحيرة والضلالة إلى جادة السعادة والفلاح ~~الواسعة... # ووفقنا للتخلق بالأخلاق الكريمة وأجعل لنا نصيبا مما اختصصت به أولياءك ~~من نفحاتك وألطافك الخاصة... # وأخرج من مملكة قلوبنا جنود الشيطان والجهل، وأحل محلها جنود العلم ~~والحكمة والرحمن... # وأخرجنا من هذا العالم بحبك وحب من خصصتهم بقربك... وعاملنا برحمتك حين ~~الموت وبعده... # وأقرن عاقبة أمرنا بالسعادة بحق محمد وآله الطاهرين. # وبعد... يقول هذا العبد الفقير الضعيف: كنت أحدث نفسي منذ فترة، بأن أجمع ~~أربعين حديثا من أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة، المدونة في الكتب ~~المعتبرة للأصحاب والعلماء رضوان الله عليهم، وأن أشرح كل حديث شرحا يتناسب ~~وفهم العامة. ومن هذا المنطلق كتبتها باللغة الفارسية كي ينتفع منها الذين ~~ينطقون بالفارسية. ولعلي بذلك إن شاء الله أصبح ممن يشمله الحديث الشريف ~~لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: «من حفظ على أمتي أربعين ~~حديثا ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما»(1) إلى أن وفقت ~~للبدء بذلك. من الله تعالى أطلب التوفيق لإتمامه إنه ولي التوفيق. ### | AUTO الحديث الأول: جهاد النفس # عن أبي عبدالله (الإمام جعفر الصادق عليه السلام) أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث سرية، فلما رجعوا، قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي ~~عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد ~~النفس» (2) # أخبرني(3) إجازة مكاتبة ومشافهة عدة من المشايخ العظام، والثقاة الكرام: ~~منهم الشيخ العلامة المتكلم، الفقيه الأصولي الأديب المتبحر الشيخ محمد رضا ~~آل العلامة الوفي الشيخ محمد تقي الأصفهاني أدام الله توفيقه حين تشرفه بقم ~~المشرفة. # والشيخ العالم الجليل المتعبد الثقة الثبت الحاج الشيح عباس القمي دام ~~توفيقه. وكلاهما عن المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الميرزا ~~حسين النوري نور الله ms001 مرقده الشريف عن العلامة اشيخ مرتضى الأنصاري قدس ~~الله سره. # ومنهم السيد السند الفقيه المتكلم الثقة الثبت العلامة السيد محسن الأمين ~~العاملي أدام الله تأييداته، عن الفقيه العلامة صاحب المصنفات العديدة ~~السيد محمد بن هاشم الموسوي الرضوي الهندي المجاور في النجف الأشرف حيا ~~وميتا قدس الله سره، عن العلامة الأنصاري. # ومنهم العالم الثقة الثبت السيد أبو القاسم الدهكردي الأصفهاني، عن السيد ~~السند الأمجد الميرزا محمد هاشم الأصفهاني قدس سره، عن العلامة الأنصاري. ~~ولنا طرق أخرى غير منتهية إلى الشيخ تركناها، عن المولي الأفضل أحمد ~~النراقي، PageV01P001 عن السيد مهدي الملقب «بحر العلوم» صاحب الكرامات رضوان الله عليه عن ~~أستاذ الكل الآقا محمد باقر البهبهاني، عن والده الأكمل محمد أكمل، عن ~~المولى محمد باقر المجلسي، عن والده المحقق المولى محمد تقي المجلسي، عن ~~الشيخ المحقق البهائي، عن والده الشيخ حسين، عن الشيخ زين الدين الشهير ~~بالشهيد الثاني، عن الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي، عن الشيخ شمس الدين ~~محمد ابن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن والده الحائز ~~للمرتبتين الشيخ شمس الدين محمد بن مكي، عن الشيخ أبي طالب محمد فخر ~~المحققين، عن والده آية الله الحسن بن مطهر العلامة الحلي، عن الشيخ أبي ~~القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلي المحقق على الإطلاق، عن السيد أبي علي ~~فخار بن معد الموسوي، عن الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي، عن الشيخ محمد بن ~~أبي القاسم الطبري، عن الشيخ أبي علي الحسن، عن والده شيخ الطائفة أبي جعفر ~~محمد بن الحسن الطوسي، رحمه الله جامع «التهذيب والأستبصار» عن إمام ~~الفقهاء والمتكلمين، الشيخ أبي عبدالله محمد بن النعمان «الشيخ المفيد» عن ~~شيخه رئيس المحدثين الشيخ أبي جعفر بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ~~القمي، صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه» عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن ~~قولويه، عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، صاحب «الكافي»، ~~عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن أبي عبدالله ~~(الإمام ms002 جعفر الصادق عليه السلام) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعث ~~سرية، فلما رجعوا، قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى عليهم الجهاد ~~الأكبر، فقيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد النفس» (1). # الشرح: # إن «السرية» قطعة من الجيش. ويقال خير السرايا أربعمائة رجل. وأما باقي ~~مفردات الحديث فواضحة. # اعلم أن الإنسان كائن عجيب، له نشأتان وعالمان: نشأة ظاهرية ملكية دنيوية ~~هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر، إن لروح الإنسان ~~التي هي من عالم الغيب والملك وت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة إلى سبعة ~~أقسام حينا، وإلى أربعة أقسام حينا ثانيا، وإلى ثلاثة أقسام حينا ثالثا، ~~وإلى قسمين حينا رابعا. ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية ~~تجذب النفس نحو الملكوت الأعلى وتدعوها السعادة. وجنود شيطانية وجهلانية ~~تجذب النفس نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء. وهناك دائما جدال ونزاع بين ~~هذين المعسكرين، والإنسان هو ساحة حربهما، فإذا تغلبت جنود الرحمن كان ~~الإنسان من أهل السعادة والرحمة وانخرط في سلك الملائكة وحشر في زمرة ~~الأنبياء والأولياء والصالحين. # وأما إذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل، كان الإنسان من أهل الشقاء ~~والغضب (غضوب لله سبحانه)، وحشر في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين. # وحيث أن هذه الأوراق ليست محلا للتفصيل والشرح، أشير هنا بصورة إجمالية ~~إلى مقامات النفس وأوجه سعادتها وتعاستها، وأوضح كيفية مجاهدتها إن شاء الله. PageV01P002 ### || AUTO المقام الأول: وفيه عدة فصول ### || AUTO فصل: إشارة إلى المقام الأول للنفس # اعلم أن مقام النفس الأول ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر ~~وعالمهما. وفي هذا المقام تتألق الأشعة والأنوار الغيبية في هذا الجسد ~~المادي والهيكل الظاهري، وتمنحه الحياة العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فتكون ~~ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواها الظاهرية التي ~~وجدت في الأقاليم الملكية السبعة وهي: «الأذن والعين واللسان والبطن والفرج ~~واليد والرجل». وتكون جميع هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة، تحت # تصرف النفس في مقام الوهم، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية ~~للنفس، ms003 فإذا تحكم الوهم على تلك القوى سواء بذاته مسقلا وبتدخل الشيطان، ~~جعلها أي تلك القوى جنودا للشيطان، بذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان ~~الشيطان، وتنه زم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك ~~وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان. وأما إذا خضع ~~الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام العقل والشرع، ~~فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط ~~قد لهم فيها. # إذا، يكون جهاد النفس في هذا المقام، عبارة عن انتصار الإنسان على قواه ~~الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى ~~الشيطان وجنوده. ### || AUTO فصل: في التفكر # اعلم أن أول شرط مجاهدة النفس والسير بإتجاه الحق تعالى، هو «التفكر»، ~~وقد وضعه بعض علماء الأخلاق في بدايات الدرجة الخامسة، وهذا التصنيف صحيح ~~في محله أيضا. # التفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن مولاه الذي ~~خلقه في هذه الدنيا، ووفر له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسما سليما ~~وقويسالمة ذات منافع تحير ألباب الجميع، والذي رعاه وهيأ له كل هذه السعة ~~وأسباب النعمة والرحمة من جهة وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء، وأنزل كل هذه ~~الكتب «الرسالات»، وأرشد ودعا إلى الهدى من جهة أخرى... هذا المولى ماذا ~~يستحق منا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟!. هل أن وجود جميع هذه ~~النعم، هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية وإشباع الشهوات التي نشترك فيها ~~مع الحيوانات أو أن هناك هدفا وغاية أخرى؟. # هل أن للأنبياء الكرام، والأولياء العظام، والحكماء الكبار، وعلماء كل ~~أمة الذين يدعون الناس إلى حكم العقل والشرع ويحذرونهم من الشهوات ~~الحيوانية # ومن هذه الدنيا البالية، عداء ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون ~~طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟!. # إن الإنسان إذا فكر لحظة واحدة، عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، ~~وأن الغاية من هذا الخلق أسمى وأعظم، وأن هذه الحياة الحيوانية ليست هي ~~الغاية ms004 بحد ذاتها، وأن على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه، وأن يترحم على ~~حاله ونفسه المسكينة، ويخاطبها قائلا: أيتها النفس الشقية التي قضيت سني ~~عمرك الطويلة في الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، ابحثي عن ~~الرحمة، وأستحي من مالك الملوك، وسيرى قليلا في طريق الهدف الأساسي المؤدي ~~إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام ~~قليلة فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة. فكري قليلا في ~~أحوال أهل الدنيا، من السابقين واللاحقين وتأملي متاعبهم وآلامهم كم هي ~~أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة ~~لأي شخص. PageV01P003 # أن الذي يكون في صورة الإنسان ولكنه من جنود الشيطان وأعوانه، والذي يدعوك ~~إلي الشهوات، ويقول: يجب ضمان الحياة المادية، تأمل قليلا في حال نفس ذك ~~الإنسان واستنطقه، وأنظر هل هو راض عن ظروفه، أم أنه مبتل ويريد أن يبلي ~~مسكينا آخر؟!. # وعلى أي حال، فادع ربك بعجز وتضرع أن يعينك على أداء واجباتك التي ينبغي ~~أن تكون أساس العلاقة فيما بينك وبينه تعالى، والمأمول أن يهديك هذا ~~التفكير المنبعث عن نية مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة إلى طريق آخر ويوفقك ~~للرقي إلى منزلة أخرى من منازل المجاهدة. ### || AUTO فصل: في العزم # وهناك مقام آخر يواجه الإنسان المجاهد بعد التفكر، وهو مقام العزم (وهذا ~~هو غير الإرادة التي عدها الشيخ الرئيس في الإشارات أولى درجات العارفين). # يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره: «إن العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ~~ميزة الإنسان، وأن اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه». # والعزم الذي يتناسب وهذا المقام، هو أن يوطن الإنسان نفسه على ترك ~~المعاصي وأداء الواجبات، ويتخذ قرارا بذلك، ويتدارك ما فاته في أيام حياته، ~~وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنسانا عاقلا وشرعيا، بحيث يحكم الشرع ~~والعقل حسب الظاهر بأن هذا الشخص إنسان. والإنسان الشرعي هو الذي ينظم ~~سلوكه وفق ما يتطلبه الشرع، يكون ظاهره كظاهر الرسول الأكرم صلى الله عليه ~~وآله وسلم، يقتدي بالنبي ms005 العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ويتأسى به في جميع ~~حركاته وسكناته، وفي جميع ما يفعل وما يترك. وهذا أمر ممكن، لأن جعل الظاهر ~~مثل هذا القائد أمر مقدور لأي فرد من عباد الله. # وأعلم... أن طي أي طريق في المعارف الإلهية، لا يمكن إلا بالبدء بظاهر ~~الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة، لا يحصل له شيء من ~~حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف له ~~العلوم الباطنية وأسرار الشريعة. وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف ~~في قلبه لا بد من الاستمرار في التأدب بالآداب اشرعية الظاهرية أيضا. # ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول: (إن الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك ~~العلم الظاهر)، أو (لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم ~~الباطن). وأن هذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ~~ودرجات الإنسانية. ولعلي أتوفق لبيان بعض هذا الأمر في هذه الأوراق إن شاء ~~الله تعالى. # فصل: في السعي للحصول على العزم # أيها العزيز... أجتهد لتصبح ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت من هذه الدنيا ~~دون أن يتحقق فيك العزم (على ترك المحرمات) فأنت إنسان صوري، بلا لب، ولن ~~تحشر في ذلك العالم (عالم الآخرة) على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل ~~كشف الباطن وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان # تدريجيا، العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف. يقول الأستاذ المعظم دام ~~ظله: «إن أكثر ما يسبب على فقد الإنسان العزم والإ رادة هو الاستماع ~~للغناء». # إذا، تجنب يا أخي المعاصي، وأعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، وأجعل ظاهرك ~~ظاهرا إنسانيا، وأدخل في سلك أرباب الشرائع، وأطلب من الله تعالى في ~~الخلوات العون على بلوغ هذا الهدف وأستشفع برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأهل بيته عليهم السلام حتى يوفقك الله على ذلك، ويعصمك من المزالق ~~التي تعترضك، لأن هناك مزالق كثيرة تعترض الإنسان أيام حياته، ومن الممكن ~~أنه في لحظة واحدة يسقط ms006 في مزلق مهلك، يعجز من السعي لإنقاذ نفسه، بل قد لا ~~يهتم بإنقاذ نفسه، بل ربما لا تشمله حتى شفاعة الشافعين. نعوذ بالله منها. # فصل: في المشارطة والمراقبة والمحاسبة PageV01P004 ومن الأمور الضرورية للمجاهد: «المشارطة والمراقبة والمحاسبة». فالمشارط هو ~~الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر ~~الله، ويتخذ قرارا بذلك ويعزم عليه. وواضح أن ترك ما يالف أوامر الله، ليوم ~~واحد، أمر يسير للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به. فاعزم وشارط ~~وجرب، وأنظر كيف أن الأمر سهل يسير. # ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير. فادرك أن ~~هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنة قلبا وواقعا، وأخرج الأوهام الباطلة ~~من قلبك، وجرب ليوم واحد، فعند ذلك ستصدق هذا الأمر. # وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى «المراقبة»، وكيفيتها هي أن تنتبه ~~طوال مدة المشارطة إلى عملك وفقها، فتعتبر نفسك ملزما بالعمل وفق ما شارطت. ~~وإذا حصل لا سمح الله حديث لنفسك بأن ترتكب عملا مخالفا لأمر الله، فاعلم ~~أن ذلك من عمل الشيطان وجنده، فهم يريدونك أن تتراجع عما اشترطته على نفسك، ~~فالعنهم واستعذ بالله من شرهم، واخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل ~~للشيطان: «إني اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم وهو يوم واحد بأ ~~ي عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطف علي ~~بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى الأبد لما ~~أديت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا»، وآمل ~~إن شاء الله أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر جنود الرحمن. # والمراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر والدراسة، فكن على ~~هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة. # وأما «المحاسبة» فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أديت ما اشترطت على نفسك مع ~~الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟ ms007 إذا كنت قد وفيت حقا ~~فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في أمور ~~دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب على هذا العمل ~~فترة، والمأمول أن يتحول إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة إليك ~~سهلا ويسيرا للغاية، وستحس عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك ~~معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أن هذا العالم ليس هو عالم الجزاء ~~لكن الجزاء الإلهي يؤثر ويجعلك مستمتعا وملتذا بطاعتك لله وابتعادك عن ~~المعصية . # وأعلم أن الله لم يكلفك ما يشق عليك به، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ~~ولا قدرة لك عليه، لكن الشيطان وجنده يصورون لك الأمر وكأنه شاق وصعب. # وإذا حدث لا سمح الله في أثناء المحاسبة تهاونا وفتورا تجاه ما اشترطت ~~على نفسك، فاستغفر الله وأطلب العفو منه، وأعزم على الوفاء بكل شجاعة ~~بالمشارطة غدا، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق ~~والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانية. ### || AUTO فصل: في التذكر # ومن الأمور التي تعين الإنسان وبصورة كاملة في مجاهدته للنفس والشيطان، ~~والتي ينبغي للإنسان السالك المجاهد الانتباه إليها جيدا هو «التذكر». # وبذكره نختم الحديث عن هذا المقام، على الرغم من أنه لا زال هناك الكثير ~~من المواضيع. # والذكرى في هذا المقام، هي عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف ~~بها على الإنسان. PageV01P005 # وأعلم أن احترام المنعم وتعظيمه، هو من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان ~~عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها، وإذا تأمل أي شخص في كتاب ذاته، لوجده ~~مسطورا فيه أنه يجب تعظيم من أنعم نعمة على الإنسان. وواضح أنه كلما كانت ~~النعمة أكبر وكان المنعم أقل غرضا، كان تعظيمه أوجب وأكثر، حسب ما تحكم به ~~الفطرة. فهناك مثلا فرق واضح في الاحترام والتقدير بين شخص يعطيك «حصانا» ~~تلاحقه عيناه ويرمى من ورائه شيئا، وبين الذي يهبك مزرعة كاملة ولا يمن ~~عليك. أو مثلا، إذا أنقذك طبيب من العمى، ms008 فستقدره وتحترمه بصورة فطرية، ~~وإذا أنقذك من الموت كان تقديرك واحترامك له أكثر. # لاحظ الن أن النعم الظاهرة والباطنة التي تفضل بها علينا مالك الملوك جل ~~شأنه لو أجتمع الجن والإنس لكي يعطونا واحدة منها لما استطاعوا. وهذه حقيقة ~~نحن غافلون عنها، فمثلا هذا الهواء الذي ننتفع به ليلا ونهارا، وحياتنا ~~وحياة جميع الموجودات مرهونة به، بحيث لو فقد مدة ربع ساعة لما بقى هناك ~~حيوان على قيد الحياة، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة، يعجز الجن والإنس ~~جميعا عن منحنا مثيلا لها لو أرادوا أن يمنحونا ذلك؟ وعلى هذا فقس وتذكر ~~قليلا كافة النعم الإلهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية من قبيل البصر ~~والسمع والتذوق واللمس، والقوى الباطنية مثل التخيل والواهمة والعقل وغير ~~ذلك حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع خاصة لا حد لها. وجميع هذه ~~النعم وهبنا إياها مالك الملوك دون أن نطلب منه أو يمن علينا ولم يكتف بهذه ~~النعم بل أرسل الأنبياء والرسل والكتب وأوضح لنا طريق ا لسعادة والشفاء ~~والجنة والنار، ووهبنا كل ما نحتاجه في الدنيا والآخرة، دون أن يكون فقيرا ~~ومحتاجا إلى طاعتنا وعبادتنا. فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ~~وطاعتنا وعبادتنا، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له على حد سواء، بل من أجل ~~خيرنا ومنفعتنا نحن يأمر وينهي. وبعد تذكر هذه النعم والكثير الكثير من النعم # الأخرى التي يعجز حقا جميع الشر عن إحصاء الكليات منها، فكيف بعدها واحدا ~~واحدا؟ بعد ذلك يطرح السؤال التالي: ألا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم كهذا ~~وما هو حكم العقل تجاه خيانة ولي نعمة كهذا ؟!. # ومن الأمور الأخرى التي تقرها الفطرة، احترام الشخص الكبير العظيم، ويرجع ~~كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه الناس تجاه أهل الدنيا والجاه والثروة ~~والسلاطين والأعيان، يرجع إلى أنهم يرون أولئك كبارا وعظماء، وأي عظمة تصل ~~إلى مستوى عظمة مالك الملوك الذي خلقهذه الدنيا الحقيرة الوضيعة والتي ~~تعتبر من أصغر العوالم وأضيق النشئات، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل أي ms009 موجود ~~إلى إدراك كنهها وسرها حتى الآن، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في العالم ~~بعد، على أسرار منظومتنا الشمسية هذه، وهي أصغر المنظومات ولا تعد شيئا، ~~قياسا بباقي الشموس. أفلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم الذي خلق هذه ~~العوالم وآلاف الآلاف من العوالم الغيبية بإيمائه؟!. # ويجب أيضا بالفطرة، احترام من يكون حاضرا، ولهذا ترى بأن الإنسان إذا ~~تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء في غيبته، ثم حضر في أثناء الحديث ذلك الشخص، ~~أختار المتحدث حسب فطرته الصمت، وأبدى له الاحترام. ومن المعلوم أن الله ~~تبارك وتعالى حاضر في كل مكان وتحت إشرافه تعالى تدار جميع ممالك الوجود، ~~بل إن كل نفس تكون في حضرة الربوبية، وكل علم يوجد ضمن محضره سبحانه ~~وتعالى. PageV01P006 # فتذكري يا نفسي الخبيثة أي ظلم فظيع، وأي ذنب عظيم تقترفين إذا عصيت مثل ~~هذا العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك؟ ألا ~~ينبغي أن تذوبي من الخجل وتغوري في الأرض لو كان لديك ذرة من الحياة؟. # إذا: فيا أيها العزيز؛ كن ذاكرا لعظمة ربك، وتذكر نعمه وألطافه، وتذكر ~~أنك في حضرته وهو شاهد عليك فدع التمرد عليه، وفي هذه المعركة الكبرى ~~تغلب على جنود الشيطان، وأجعل من مملكتك مملكه رحمانية وحقانية، وأحلل فيها ~~عسكر الحق تعالى محل جنود الشيطان، كي يوفقك الله تبارك وتعالى في مقام ~~مجاهدة أخرى، وفي ميدان معركة أكبر تنتظرنا وهي الجهاد مع النفس في العالم # الباطن، وفي المقام الثاني للنفس، وهذا ما سنشير إليه لاحقا إن شاء الله. ~~وأكرر التذكير بأنه في جميع الأحوال لا تعلق على نفسك الآمال لأنه لا ينهض ~~أحد يعمل غير الله تعالى. فاطلب من الحق تعالى نفسه بتضرع وخشوع، كي يعينك ~~في هذه المجاهة لعلك تنتصر. إنه ولي التوفيق. ### || AUTO المقام الثاني: وفيه عدة فصول أيضا ### || AUTO فصل: صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان الباطنية النفسية # اعلم أن للنفس الإنسانية مملكة ومقاما آخر، وهي مملكتها الباطنية ونشأتها ~~الملكوتية، وفيها تكون جنود النفس أكثر ms010 وأهم مما في مملكة الظاهر، والصراع ~~والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية أعظم والغلبة والانتصار فيها ~~أشد وأهم، بل وأن كل ما في مملكة الظاهر قد تنزل من هناك وتظهر في عالم ~~الملك. وإذا تغلب أي من الجند الرحماني أو الشيطاني في تلك المملكة، يتغلب ~~أيضا في هذه المملكة. وجهاد النفس في هذا المقام مهم للغاية عند المشايخ ~~العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا المقام منبع جميع ~~السعادات والتعاسات، والدرجات والدركات. # ويجب على الإنسان الالتفات كثيرا إلى نفسه في هذا الجهاد. فمن الممكن لا ~~سمح الله أن تسفر هزيمة الج نود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية ~~للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة ~~التي يستحيل معها تلافي الخسارة ولا تشمله شفاعة الشافعين، وينظر إليه أرحم ~~الراحمين أيضا بعين الغضب والسخط نعوذ بالله من ذلك بل ويصبح شفعاؤه ~~خصماءه، وويل لمن كان شفيعه خصمه. # ويعلم الله أي عذاب وظلمات وشدائد وتعاسات تلي هذا الغضب الإلهي. وتعقب ~~معاداة أولياء الله حيث تكون كل نيران جهنم وكل الزقوم والأفاعي والعقارب ~~لا شيء أمام هزيمة جنود الرحمان من قبل جنود الشيطان التي تترتب عليها # عقوبات تفوق جميع نيران جهنم والزقوم والأفاعي. والعياذ بالله من أن يصب ~~على رؤوسنا نحن الضعفاء والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه الحكماء ~~والعرفاء وأهل الرياضة والسلوك، فإن جميع أشكال العذاب التي تتصورونها، ~~يسيرة وسهلة في مقابلة، وجميع النيران التي سمعتمبها، جنة ورحمة في قباله ~~وبالنسبة إلى ذلك العذاب. PageV01P007 # إن وصف النار والجنة الوارد في كتاب الله وأحاديث الأنبياء والأولياء، ~~يتعلق غالبا بنار الأعمال وجنتها اللتين أعدتا للأعمال الصالحة والسيئة. ~~وهناك إشارة خفية أيضا إلى جنة الأخلاق ونارها، وأهميتهما أكبر، وأحيانا ~~يشار أيضا إلى جنة اللقاء ونار الفراق، وهذه أهم من الجميع، ولكنها إشارات ~~محجوبة عنا، ولها أهلها، وأنا وأنت لسنا من أهلها، ولكن من الأجدر بنا أن ~~لا نكون منكرين لها. وليكن لدينا إيمان بكل ما قاله الله تعالى وأولياؤه. ~~إذ يكون ms011 في هذا الإيمان الإجمالي نفع لنا. ومن الممكن أن يكون الإنكار في ~~غير محله، ولما رفض في غير موقعه الصادرين عن غير علم وفهم، أضرار كبيرة ~~جدا علينا. وهذه الدنيا ليست هي بعالم الالتفات لتلك الأضرار. فمثلا عند ~~سماعك الحكيم الفلاني أو العارف الفلاني أو المرتاض الفلاني، يقول شيئا لا ~~يتل اءم وذوقك الخاص، فلا تحكم عليه فورا بالبطلان والوهم، فقد يكون لذلك ~~القول أصل في الكتاب والسنة ولكن عقلك لم يطلع عليه بعد. # فما الفرق بين أن يفتي فقيه بفتوى في باب الديات وأنتم لم تعرفوها، ثم من ~~دون مراجعه دليله تردونه، وبين أن يقول شخص سالك إلى الله أو عارف بالله، ~~قولا بتعلق بالمعارف الإلهية أو بأحوال الجنة والنار، وأنتم ودون مراجعة ~~لدليله لا تردونه فحسب، بل وتهينونه أو تتجرءون عليه؟ فمن الممكن لذلك ~~الشخص وهو من أهل ذلك الوادي وصاحب ذلك الفن أن يكون له دليل من كتاب الله، ~~أو من أحاديث الأئمة ولكنك لم تطلع عليه بعد، ففي هذه الحالة تكون قد رددت ~~على الله ورسوله دون مبرر مقبول. ومعلوم أن الاحتجاج بأسلوب «أن ذلك لا ~~يتلاءم مع ذوقي» أو «لم يصل إليه علمي» أو «سمعت خلاف ذلك من الخطباء»، فإن ~~هذا كله لا يشكل عذرا مقبولا. وعلى أي حال لنرجع إلي صلب الموضوع. # فم قالوه بشأن جنة الأخلاق والملكات، وجهنم الأخلاق والدركات، مصيبة لا ~~يطبق العقل حتى سماعها. # إذا فيا أيها العزيز؛ فكر، وأبحث عن العلاج، وأعثر على سبيل نجاتك ووسيلة ~~خلاصك، وأستعن بالله أرحم الراحمين، واطلب من الذات المقدس، في الليالي ~~المظلمة، بتضرع وخضوع أن يعينك في هذا الجهاد المقدس مع النفس، لكي تتغلب ~~إن شاء الله، وتجعل مملكة وجودك رحمانية، وتطرد منها جنود الشيطان، وتسلم ~~الدار إلى صاحبها حتى يفيض الله عليك السعادة والبهجة والرحمة التي يهون ~~جانبها كل ما سمعت عن وصف الجنة والحور والقصور وتلك هي السلطة الإلهية ~~العامة التي أخبر عنها أولياء الله من هذه الأمة الحنيفة، مما لم يطرق ms012 سمع ~~أحد ولم يخطر على قلب بشر. PageV01P008 ### || AUTO فصل: إشارة إلى بعض القوى الباطنية # اعلم أن الله تبارك وتعالى قد خلق بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن ~~النفس، قوى لها منافع لا تحصى. وأن ما نبحثه هنا هو ما يتعلق بهذه القوى ~~الثلاث، وهي: «الوهمية والغضبية والشهوانية»، ولكل واحدة من هذه القوى ~~منافع كثيرة من أجل حفظ النوع والشخص وإعمار الدنيا والآخرة كما ذكر ذلك ~~العلماء. ولا حاجة لنا في بيان ذلك في هذه اللحظة، وما يجب أن أنبه عليه في ~~هذا المقام هو أن هذه القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة، ~~وأصل جميع الصور الغيبة الملكوتية. وتفصيل هذا الإجمال هو أن الإنسان كما ~~أن له في هذه الدنيا صورة ملكيه دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال ~~الحسن والجمال والتركيب البديع، والتي تتحير أمامها عقول جميع الفلاسفة ~~والعظماء، لم يستطع علم معرفة الأعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرف على ~~حقيقتها بصورة صحيحة، وقد ميزها الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم ~~وجودة جمال المنظر، كذلك فإن له أي للإنسان صورة وهيئة وشكلا ملكوتيا ~~غيبيا، وهذه اصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنية. # وفي عالم ما بعد الموت سواء في البرزخ أو القيامة إذا كانت خلقه ~~الإنسان في الباطن والملكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له ~~صورة إنسانية أيضا. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته في عالم ~~ما بعد الموت تكون غير إنسانية أيضا، وهي تابعة لتلك السريرة والملكة. ~~فمثلا إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن ~~حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي ~~تتلاءم وذلك الخلق. وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان ~~حكم مملكة الباطن والسريرة حكما سبعيا، كانت صورته الغيبة الملكوتية صورة ~~أحد السباع والبهائم. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما الملكة، وأصبحت للباطن ~~والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صور ته ~~الغيبة الملكوتية على صورة أحد الشياطين حسب ما يتناسب وتلك ms013 الصورة. # ومن الممكن أحيانا أن تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين أو عدة ملكات، ~~وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل تتشكل له صورة غريبة، ~~هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة، لن يكون لها مثيل في ~~هذا العالم. # ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس يحشرون يوم القيامة ~~على صورة تكون أسوأ من صورة القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك ~~العالم، لأن العالم لا يضاهي هذا العالم الذي لا يمكن لأي شيء، أن يتقبل ~~أكثر من صورة واحدة له. وهذا الأمر يتطابق مع البرهان ويكون ثابتا في محله أيضا. # واعلم أن المعيار لهذه الصورة المختلفة والتي تعد صورة الإنسان واحدة ~~منها، والباقي صور أشياء أخرى هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور ~~مملكة البرزخ، واستيلاء سلطان الآرة، والذي أوله في البرزخ عند خروج الروح ~~من الجسد، فبأية ملكة يخرج بها الإنسان من الدنيا، تتشكل على ضوئها صورته ~~الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضا عندما يفتح عينه ~~في برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها في ذلك العالم إذا كان لديه # بصر. وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك ~~الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا. يقول سبحانه وتعالى على لسان البعض: ~~{قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا}. فيأتيه من الله الجواب: {قال كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}(1). PageV01P009 # فيا أيها المسكين؛ قد كانت لديك عين ملكية ظاهرة البصر، ولكنك في باطنك ~~وملكوتك كنت أعمى، وقد أدركت ذلك العمى فعلا. نعم إنك كنت أعمى منذ ~~البداية، ولم تكن لديك عين البصير ة الباطنية التي ترى بها آيات الله. # أيها المسكين؛ أنت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب الملكي. ولكن ~~معيار عالم الملكوت والباطن يختلف عن المعايير المادية. عليك أن تحرز ~~الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في يوم القيامة. يجب أن تكون ~~روحك روحا ms014 إنسانية، كي تكون صورتك في عالم البرزخ صورة إنسانية... أنت تظن ~~أن عالم الغيب والباطن وهو عالم كشف السرائر وظهور الملكات مثل عالم ~~الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخطأ والالتباس... إن عينيك وأذنيك ويديك ~~ورجليك وسائر أعضاء جسدك، جميعها، ستشهد عليك بما فعلت بألسنة ملكوتية، بل ~~وبعضها بصور ملكوتية. # أيها العزيز؛ أفتح سمع قلبك، وشد حزام الهمة على وسطك، وأرحم حال مسكنتك، ~~لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنسانا، وأن تخرج من هذا العالم في صورة ~~إنسان، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة وحذاري من أن تتصور أن كل م ~~تقوم هو موعظة وخطابة. فهذا كله هو نتيجة أدلة فلسفية توصل إليها الحكماء ~~العظام. وثمرة كشف، أنكشف لأصحاب الرياضات، وحصيلة أخبار مأثورة إخبار عن ~~الصادقين والمعصومين عليهم السلام. # ولا نتوخى في هذه الأوراق عرض البراهين والأحاديث بصورة مشروحة ومفصلة. ### || AUTO فصل: في بيان لجم الأنبياء لطبيعة الإنسان # اعلم أن الوهم والغضب والشهوة يمكن أن تكون من الجنود الرحمانية، وتؤدي ~~إلى سعادة الإنسان وتوفيقه إذا سلمتها للعقل السليم وللأنبياء العظام. ومن ~~الممكن أن تكون من الجنود الشيطانية إذا تركتها وشأنها، وأطلقت العنان ~~للوهم ليتحكم في القوتين الأخريين: الغضب والشهوة. # وأيضا لك يعد خافيا أن أيا من الأنبياء العظام عليهم السلام لم يكبتوا ~~الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة، ولم يقل حتى الآن أي داع إلى الله. بأن ~~الشهوة يمكن أن تقتل بصورة عامة، وأن يخمد أوار الغضب بصورة كام لة، وأن ~~يترك تدبير الوهم بل قالوا: يجب السيطرة عليها حتى تؤدي واجبها في ظل ميزان ~~العقل والدستور الإلهي لأن كل واحدة من هذه القوى تريد أن تنجز عملها وتنال ~~غايتها ولو استلزم ذلك الفساد والفوضى. فمثلا النفس البهيمية المنغمسة في ~~الشهوة الجامحة التي مزقت عنانها تريد أن تحقق هدفها ومقصودها، ولو كان ذلك ~~يتم بواسطة الزنا بالمحصنات وفي الكعبة (والعياذ بالله). والنفس الغضوب، ~~تريد أن تنجز ما تريد حتى ولو استلزم ذلك قتل الأنبياء والأولياء. والنفس ~~ذات الوهم الشيطاني تريد أن ms015 تؤدي عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في ~~الأرض، وقلب العالم بعضه على بعض. # لقد جاء الأنبياء عليهم السلام، وأتوا بقوانين، وأنزلت عليهم الكتب ~~السماوية، من أجل الحيلولة دون الانفلات والإفراط في الطبائع، ومن أجل ~~إخضاع النفس الإنسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتأديبها حتى لا يخرج ~~تعاملها ن حدود العقل والشرع. # إذا؛ فكل نفس كيفت ملكاتها وفق القوانين الإلهية والمعايير العقلية، تكون ~~سعيدة ومن أهل النجاة، وإلا فليستعذ الإنسان بالله من ذلك الشقاء وسوء ~~التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة التي منها تلك الصور المرعبة ~~والمذهلة المصاحبة للإنسان في البرزخ والقبر والقيامة وجهنم، والتي نتجت عن ~~الملكات والأخلاق الفاسدة التي لازمته في الدنيا. PageV01P010 ### || AUTO فصل: في بيان السيطرة على الخيال # اعلم أن الشرط الأول للمجاهد في هذا المقام (جهاد النفس) والمقامات ~~الأخرى والذي يمكن أن يكون أساس التغلب على الشيطان وجنوده، هو إمساك طائر ~~الخيال، لأن هذا الخيال طائر متحلق يستقر في كل آن على غصن ويجلب الكثير من ~~الشقاء. وأنه من إحدى وسائل الشيطان التي جعل الإنسان بواسطتها مسكينا ~~عاجزا ودفع به نحو الشقاء. # وعلى الإنسان المجاهد الذي نهض لإصلاح نفسه، وأراد أن يص في باطنه ويفرغه ~~من جنود إبليس، عليه أن يمسك بزمام خياله وأن لا يسمح له بأن يطير حيثما ~~شاء، وعليه أن يمنع من التحليق في الخيالات الفاسدة والباطلة، والمعاصي ~~والشيطنة، وأن يوجه خياله دائما نحو الأمور الشريفة. وهذا الأمر ولو أنه قد ~~يبدو في البداية صعبا بعض الشيء، ويصوره الشيطان وجنوده لنا وكأنه أمر ~~عظيم، ولكنه يصبح يسيرا بعد شيء من المراقبة والحذر. # إن من الممكن لك من باب التجربة أن تسيطر على جزء من خيالك، وتنتبه له ~~جيدا. فمتى ما أراد أن يتوجه إلى أمر وضيع، اصرفه نحو أمور أخرى كالمباحات ~~أو الأمور الراجحة الشريفة. فإذا رأيت أنك حصلت على نتيجة فاشكر الله تعالى ~~على هذا التوفيق، وتابع سعيك، لعل ربك يفتح لك برحمته الطريق أمامك للملكوت ~~وتهتدي إلى صراط الإنسانية المستقيم، ويسهل مهمة السلوك ms016 إليه سبحانه ~~وتعالى. # وانتبه إلى أن الخيالات الفاسدة القبيحة واتصورات الباطلة هي من إلقاءات ~~الشيطان، الذي يريد أن يوطن جنوده في مملكة باطنك. فعليك أيها المجاهد ضد ~~الشيطان وجنوده وأنت تريد أن تجعل من صفحة نفسك مملكة إلهية رحمانية، عليك ~~أن تحذر كيد هذا اللعين، وأن تبعد عنك هذه الأوهام المخالفة لرضا الله ~~تعالى، حتى تنتزع إن شاء الله هذا المتراس المهم جدا من يد الشيطان ~~وجنوده في هذه المعركة الداخلية. فهذا المتراس بمنزلة الحد الفاصل، فإذا ~~تغلبت وانتصرت فتأمل خيرا. # أيها العزيز... استعن بالله تبارك وتعالى في كل آن ولحظة، وأستغث بحضرة ~~معبودك، واطلب منه بعجز وإلحاح. قائلا: # اللهم... إن الشيطان عدو عظيم، كان له ولا يزال طمع بأنبيائك وأوليائك ~~العظام. # اللهم... فأعني وأنا عبدك الضعيف المبتلى بالأوهام الباطلة والخيالات ~~والخرافات العاطلة، كي أستطيع أن أجابه هذا العدو القوي. # اللهم... وساعدني في ساحة المعركة مع هذا العد والقوي الذي يهدد سعادتي ~~وإنسانيتي، لكي أستطيع أن أطرد جنوده من المملكة العائدة لك، وأقطع يد هذا ~~الغاضب من البيت المختص بك. # فصل: في الموازنة # ومن الأمور التي تعين الإنسان في هذا السلوك، والتي يجب عليه الانتباه ~~لها هي «الموازنة». فالموازنة هي أن يقارن الإنسان العاقل بين منافع ومضار ~~كل واحدة من الأخلاق الفاسدة والملكات الرذيلة التي تنشأ عن الشهوة والغضب ~~والوهم عندما تكون طليقة وتحت تصرف الشيطان وبين منافع ومضار كل واحدة من ~~الأخلاق الحسنة والفضائل النفسية والملكات الفاضلة والتي هي وليدة تلك ~~القوى الثلاث عندما تكون تحت تصرف العقل والشرع، ليرى على أي واحدة منها ~~يصح الإقدام ويحسن العمل؟!. # فمثلا، إن النفس ذات الشهوة المطلقة العنان المتعمقة فيها وأصبحت ملكة ~~ثابتة لها، وتولدت منها ملكات كثيرة في أزمنة متطاولة، هذه النفس لا تتورع ~~عن أي فجور تصل يدها إليه، ولا عرض عن أي مال يأتيها، ومن أي طريق كان، ~~وترتكب كل ما يوافق رغبتها وهواها مهما كان ولو أستلزم ذلك أي أمر فاسد وحرام. # وآثار الغضب الذي أصبح ملكة للنفس، ms017 وتولدت منه ملكات ورذائل أخرى، هي أنه ~~يظلم بالقهر والغلبة كل ما تصل إليه يده، ويفعل ما يقدر عليه ضد كل PageV01P011 شخص يبدي أدنى مقاومة، ويثير الحرب بأقل معارضة له، ويبعد المضرات وما لا ~~يلائمه، بأية وسيلة مهما كانت، ولو أدى ذلك إلى وقوع الفساد في العالم. ~~فهذا هي العوائد على صاحب الواهمة الشيطانية الذي ترسخت فيه هذه الملكة، ~~فهو ينفذ عمل الغضب والشهوة بأية شيطنة وخدعة كانت، ويسيطر على عباد الله ~~بأية خطة باطلة تتم، سواء بتحطيم عائلة ما، بإبادة مدينة أو بلاد ما. # هذه هي آثار تلك القوى عندما تكون تحت تصرف الشيطان. ولكن عندما تفكرون ~~بصورة صحيحة، وتلاحظون أحوال هؤلاء الأشخاص، تجدون أن أي شخص مهما كان ~~قويا، ومهما حقق من آماله وآمانيه فإنه رغم ذلك لا يحصل حتى على واحد ~~من الألف من آماله، بل إن تحقق الآمال ووصول أي شخص إلى أمانيه، أمر مستحيل ~~في هذا العالم، فإن هذا العالم هو «دار التزاحم» وأن مواده تتمرد على ~~الإدارة. كما أن ميولنا وأمنياتنا أيضا لا يحدها حد. فمثلا إن القوة ~~الشهوية في الإنسان، هي في صورة لو كانت بيده نساء مدينة كاملة بفرض ~~المحال لتوجه إلى نساء مدينة أخرى أيضا، وإذا أصبحت بلاد بأكملها من نصيبه ~~لتوجه إلى بلاد أخرى، وعلى الدوام تجده يطلب ما لا يملك، رغم أن ذلك من فرض ~~المحال وأنه مجرد خيال، ومع هذا يبقى مرجل الشهوة مشتعلا، وأن الإنسان لم ~~يصل بعد إلى أمنيته. وهكذا بالنسبة إلى القوة الغضبية فإنها قد خلقت في ~~الإنسان في صورة يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ما، لذهب إلى مملكة أخرى ~~لم يسيطر عليها بعد، بل إن كل ما يحصل عليه تتزايد فيه هذ القوة. وعلى كل ~~منكر لهذه الحقيقة أن يراجع حاله وحال أهل هذا العالم، كالسلاطين، ~~والمتمولين، وأصحاب القوة والجاه، وحينذاك سيصدق كلامنا هذا. # إذا، فالإنسان هو على الدوام عاشق لما لا يملك ولما ليس في يده. وهذه ~~فطرة أثبتها المشايخ العظام وحكماء ms018 الإسلام الكبار خصوصا أستاذنا وشيخنا في ~~المعارف الإلهية سماحة الكامل «ميرزا محمد علي شاه آبادي» روحي له الفداء، ~~وأثبتوا بها الكثير من المعارف الإلهية وهي لا ترتبط بموضوعنا المبحوث عنه. # وعلى أي حال؛ فلو وصل الإنسان إلى أهدافه، فكم يدوم تمتعه واستفادته # منها؟ وإلى متى تبقى قوى شبابه؟ # عندما ينقضي ربيع العمر، ويحل خريفه، تذهب القوة من الأعضاء، وتتعطل ~~الحاسة الذائقة، وتتعطل العين والأذن وحاسة اللمس وباقي الحواس، وتصبح ~~اللذات عموما ناقصة أو تفني نهائيا. وتهجم الأمراض المختلفة، فلا تستطيع ~~أجهزة الهضم والجذب والدفع والتنفس أن تؤدي عملها بشكل صحيح. ولا يبقى ~~للإنسان، شيء سوى أنات التأوه الباردة والقلب المملوء بالألم والحسرة ~~والندم. # إذا؛ فمدة استفادة الإنسان من تلك القوى الجسمانية لا تتجاوز الثلاثين أو ~~الأربعين عاما بالنسبة إلى أقوياء البنية والأصحاء السالمين وهي فترة ما ~~بعد فهم الإنسان وتمييزه الحسن من القبيح إلى زمن تعطيل القوى أو نقصانها، ~~وهذا يصح إذا لم يصطدم بالأمراض والمشاكل الأخرى التي نراها يوميا ونحن ~~عنها غافلون. PageV01P012 # وأفترض لكم بصورة عاجلة، فرضية خيالية (وهذا أيضا ليس له واقع) أفترض لكم ~~عمرا هو مائة وخمسون عاما، مع توافر جميع أسباب الشهوة والغضب والشيطنه، ~~وأفترض بأنه لا يعترضكم أي شيء غير مرغوب فيه، ولا يحدث أي شيء يخالف هد ~~فكم ومع هذه الفرضية، ماذا ستكون عاقبتكم بعد انقضاء هذه المدة القصيرة ~~والتي تمر مر الرياح؟ فماذا ادخرتم من تلك اللذات لأجلحياتكم الدائميه؟! ~~لأجل يوم عجزكم ويوم فقركم ووحدتكم؟! لأجل برزخكم وقيامتكم، لأجل لقاءكم ~~بملائكة الله وأوليائه وأنبيائه؟! هل ادخرتم سوى الأعمال القبيحة المنكرة، ~~والتي ستقدم لكم صورها في البرزخ والقيامة، وهي الصور التي لا يعلم حقيقتها ~~إلا الله تبارك وتعالى؟ # إن جميع نيران جهنم، وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت، هي جهنم ~~أعمالك التي تراها هناك كما يقول تعالى: {... ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا...}(1).. # لقد أكلت ما اليتيم وتلذذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما هي صورة هذا # العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم، وما ms019 هي نتيجة اللذة التي ~~ستكون نصيبك هناك؟ الله يعلم أي عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك السيء مع ~~الناس وظلمك لهم في ذلك العالم؟ ستفهم أي عذاب قد أعددت لنفسك بنفسك، عندما ~~اغتبت؟ فإن الصورة الملكوتية لهذا العمل قد أعدت لك وسترد عليك وتحشر معها، ~~وستذوق عذابها، وهذه هي جهنم الأعمال وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة ~~للعاصين، وأما الذين زرعوا في نفوسهم الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة ~~الباطلة كالطمع والحرص والجدال والشره وجب المال والجاه والدنيا وباقي ~~الملكات، فلهم جهنم لا يمكن تصورها، لأن تصور تلك لا يمكن أن تخطر قلبي ~~وقلبك، بل تظهر النار من باطن النفس ذاتها، وأهل جهنم أنفسهم يفرون رعبا من ~~عذاب أولئك، وفي بعض الروايات الموثقة أن هناك في جهنم واديا للمتكبرين ~~يقال له «سقر»، وقد شكا الوادي إلى الله تعالى من شدة الحرارة وطلب منه ~~سبحانه أن يأذن له بالتنفس، وبعد أن أذن له تنفس، فأحرق سقر، جهنم(2). # وأحيانا صبح هذه الملكات سببا في أن يخلد الإنسان في جهنم لأنها تسلبه ~~الإيمان كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن أبي عبدالله عليه السلام: ~~قال: «إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» (3). وكحب الدنيا ~~والجاه والمال الذي ورد في الروايات الصحيحة أنها أكثر إهلاكا لدين المؤمن ~~من ذئبين أطلقا على قطيع بلا راع، فوقف أحدهما في أول القطيع والثاني في ~~آخره... عن أبي عبدالله عليه السلام «ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها ~~رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في ~~دين المسلم» (4). # نسأل الله أن لا تؤول عاقب ة المعاصي إلى الملكات والأخلاق الظلمانية ~~القبيحة، والتي تؤول إلى فقدان الإيمان وموت الإنسان كافرا، لأن جهنم ~~الكافر وجهنم العقائد الباطلة أشد بدرجات، وأكثر إحراقا وظلمة من ذينيك ~~الجهنمين اللذين مر ذكرهما (جهنم الأعمال، وجهنم الملكات الفاسدة). PageV01P013 # أيها العزيز... لقد ثبت في العلوم العالية أن درجات الشدة غير محدودة، ~~فمهما تتصور أنت ومهما تتصور العقول بأسرها شدة العذاب، فوجود عذاب أشد، ms020 ~~أمر ممكن أيضا وإذا لم تر برهان الحكماء، ولم تصدق كشف أهل الرياضة النفسية ~~فأنت بحمد الله مؤمن تصدق الأنبياء صلوات الله عليهم، وتقر بصحة الأخبار ~~الواردة في الكتب المعتبرة التي يقبلها جميع علماء الإمامية، وتقر بصحة ~~الأدعية والمناجاة الواردة عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم. فعندما ~~ترى مناجاة مولى المتقين أمير المؤمنين سلام الله عليه، ومناجاة سيد ~~الساجدين عليهالسلام في دعاء أبي حمزة الثمالي... قف عندها قليلا وتأمل في ~~مضمونها، وفكر قليلا في محتواها، وتمعن قليلا في فقراتها، وليس ضروريا أن ~~تقرأ دعاء طويلا دفعة واحدة وبسرعة من دون تفكر في معانيه. ليس لدي ولديك ~~حال سيد الساجدين عليه السلام كي تقرأ تلك الأدعية المفضلة بشوق وإقبال، ~~فاقرأ في كل ليلة ربع ذلك أو ثلثه وفكر في فقراته، لعلك تصبح صاحب شوق ~~وإقبال وتوجه، وفوق ذلك كله فكر قليلا في القرآن، وأنظر أي عذاب به بحيث أن ~~أهل جهنم يطلبون من الملك الموكل بجهنم أن ينتزع منهم أرواحهم، ولكن هيهات ~~إذ لا مجال للموت هناك. أنظر إلى قوله تعالى: {... ياحسرتا على ما فرطت في ~~جنب الله وإن كنت لمن الساخرين}(1). # فأية حسرة هذه التي يذكرها الله تعالى بتلك الشدة وبهذا التعبير؟ تدبر في ~~هذه الآية القرآنية الشريفة ولا تمر عليها دون تأمل. # وتدبر أيضا آية {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل ~~حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(2). # حقا فكر يا عزيزي! القرآن أستغفر الله ليس بكتاب قصة، ولا بممازح لأحد، ~~أنظر ما يقول... أي عذاب هذا الذي يصفه الله تبارك وتعالى وهو العظيم الذي ~~لا حد ولا حصر لعظمته ولا انتهاء لعزته وسلطانه، يصفه بأنه شديد وعظيم... ~~فماذا وكيف سيكون هذا العذاب؟! الله يعلم، لأن عقلي وعقلك وعقول جميع البشر ~~عاجزة عن تصوره. ولو راجعت أخبار أهل بيت العصمة والطهارة وآثارهم، وتأملت ~~فيها، لفهمت أن قضية عذاب ذلك العالم، هي غير أنواع العذاب التي فكرت فيها، ~~وقياس عذاب ذلك ms021 العالم بعذاب هذا العالم، قياس باطل وخاطئ. # وهنا أنقل لك حديثا شريفا عن الشيخ الجليل صدوق الطائفة، لي تعرف ماهية ~~الأمر وعظمة المصيبة، مع أن هذا الحديث يتعلق بجهنم الأعمال وهي أبرد من ~~جميع النيران. وعليك أن تعلم أولا أن الشيخ الصدوق الذي ينقل عنه الحديث، ~~هو الشخص الذي يتصاغر أمامه جميع العلماء الأعلام، إذ يعرفونه بجلالة ~~القدر. وهذا الرجل العظيم هو المولود بدعاء إمام العصر عليه السلام، وهو ~~الذي حظي بألطاف الإمام المهدي عليه السلام وعجل الله تعالى فرجه الشريف ~~وإني أروي الحديث بطرق متعددة عن كبار علماء الإمامية رضوان الله عليهم ~~بإسناد متصلة بالشيخ الصدوق، والمشايخ ما بيننا وبين الصدوق «ره»، جميعهم ~~من كبار الأصحاب وثقاتهم. إذا فعليك الاهتمام بهذا الحديث إن كنت من أهل ~~الإيمان. PageV01P014 # روى الصدوق، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام، قال: بينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قاعدا إذ أتاه جبرائيل وهو كئيب حزين متغ ~~ير اللون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرائيل ما لي أراك ~~كئيبا حزينا؟ فقال: «يا محمد فكيف لا أكون كذلك وإنما وضعت منافيخ جهنم ~~اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وما منافيخ جهنم يا ~~جبرائيل؟ فقال: إن الله تعالى أمر بالنار فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ~~ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام ~~حتى اسودت وهي سوداء مظلمة فلو أن حلقه من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا ~~وضعت على الدنيا، لذابت الدنيا من حرها ولو أن قطرة من الزقوم والضريع قطرت ~~في شراب أهل الدنيا ماتوا من نتنها. قال: فبكى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبكى جبرائيل فبعث الله إليهما ملكا. إن ربكما يقرأكما السلام ~~ويقول: إني أمنتكما من أن تذنبا ذنبا أعذبكما عليه» (1). # أيها العزيز... إن أمثال هذا الحديث الشريف كثيرة، ووجود جهنم والعذاب ~~الأليم من ضروريات جميع الأديان ومن البراهين الواضحة، وقد رأى نماذج ms022 لها ~~في هذا العالم، أصحاب المكاشفة وأرباب القلوب. ففكر وتدبره بدقة في مضمون ~~هذا الحديث القاصم للظهر، فإذا احتملت صحته، ألا ينبغي لك أن تهيم في ~~الصحاري، كمن أصابه المس؟!. ماذا حدث لنا لكي نبقى إلى هذا الحد في نوم ~~الغفلة والجهالة؟! أنزلت علينا مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وجبرائي ل ملائكة أعطتنا الأمان من عذاب الله، في حين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأولياء الله، لم يقر لهم قرار إلى آخر أعمارهم من خوف ~~الله، لم يكن لهم نوم ولا طعام؟ علي بن الحسين وهو إمام معصوم، يقطع القلوب ~~بنحيبه وتضرعه ومناجاته وعجزه وبكائه، فماذا دهانا وصرنا لا نستحي أبدا ~~فنهتك في محضر الربوبية كل هذه المحرمات والنواميس الإلهية؟ فويل لنا من ~~غفلتنا، وويل لنا من شدة سكرات الموت، وويل لحالنا في البرزخ وشدائده، وفي ~~القيامة وظلماتها ويا ويل لحالنا في جهنم وعذابها وعقابها. # فصل: في معالجة المفاسد الأخلاقية # أيها العزيز؛ انهض من نومك، وتنبه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمة، واغتنم ~~الفرصة ما دام هناك مجال، وما دام في العمر بقية، وما دامت قواك تحت تصرفك، ~~وشبابك موجودا، ولم تتغلب عليك بعد الأخلاق الفاسدة، ولم تتأصل فيك ~~الملكات الرذيلة، فابحث عن العلاج، أعثر على الدواء لإزالة تلك الأخلاق ~~الفاسدة: # القبيحة، وتلمس سبيلا لإطفاء نائرة الشهوة والغضب.... # وأفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقية، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل ~~السلوك، وهو أن تأخذ كل واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك، ~~وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى أمد، وتعمل عكس ما ترجوه وتطلبه منك تلك ~~الملكة الرذيلة. # وعلى أي حال؛ أطلب التوفيق من الله تعالى لإعانتك في هذا الجهاد، ولا شك ~~في أن هذا الخلق القبيح، سيزول بعد فترة وجيزة، ويفر الشيطان وجنوده من هذا ~~الخندق، وتحل محلهم الجنود الرحمانية. PageV01P015 # فمثلا من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان، وتوجب ضغطه القبر، وتعذب ~~الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار والجيران أو ms023 الزملاء في ~~العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان الإنسان ~~المجاهد يفكر في السمو والترفع، ع ليه عندما يعترضه أمر غير مرغوب فيه حيث ~~تتوهج فيه نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسيء من القول عليه ~~أن يعمل بخلاف النفس، وأن يتذكر سوء عاقبة هذا الخلق القبيحة، ويبدي ~~بالمقابل مرونة، ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ بالله منه. # إني أتعهد لك بأنك لو قمت بذلك السلوك، وكررته عدة مرات، فإن الخلق السيء ~~سيتغير كليا، وسيحل الخلق الحسن في عالمك الباطن، ولكنك إذا عملت وفق هوى ~~النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه، وأعوذ بالله تعالى من ~~الغضب الذي يهلك الإنسان في آن واحد في كلا الدارين فقد يؤدي ذلك الغضب لا ~~سمح الله إلى قتل النفس. ومن الممكن أن يتجرأ الإنسان في حالة الغضب على ~~النواميس الإلهية. كما رأينا أن بعض الناس قد أصبحوا من جراء الغضب مرتدين. ~~وقد قال الحكماء «إن السفينة التي تتعرض لأمواج البحر العاتية وهي بدون ~~قبطان، لهي أقب إلى النجاة من الإنسان وهو في حالة الغضب». # أو إذا كنت لا سمح الله من أهل الجدل والمراء في المناقشات العلمية كما ~~عليه بعض طلاب العلوم الدينية نحن الطلبة، المبتلين بهذه السريرة القبيحة، ~~فاعمل فترة بخلاف النفس، فإذا دخلت في نقاش مع أحد الأشخاص في مجلس ما، ~~ورأيت أنه يقول الحق فاعترف بخطأك وصدق قول المقابل، والمأمول أن تزول هذه ~~الرذيلة في زمن قصير. # ونعوذ بالله من أن ينطبق علينا قول بعض أهل العلم ومدعي المكاشفة، حيث # يقول: «لقد انكشف في خلال إحدى المكاشفات أن تخاصم أهل النار الذي يخبر ~~عنه الله تعالى في القرآن، هو الجدل الذي يدور بين أهل العلم وبين أهل ~~الحديث». # والإنسان إذا احتمل صحة هذا الأمر فعليه أن يسعى كثيرا من أجل إزالة هذه ~~الخصلة. # روى عن عدة من الأصحاب أنهم قالوا: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوما ونحن نتمارى في شيء ms024 من أمر الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب ~~مثله، ثم قال إنما هلك من كان قبلكم بهذا. ذروا المراء فإن المؤمن لا ~~يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارتة، ذروا المراء فإن المماري لا ~~أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فإني زعيم بثلاث أبيات في الجنة في ~~رياضها وأوسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق ذروا المراء فأن أول ما ~~نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء» (1). # «وعنه أيضا: لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقا» (2). # والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فما أقبح أن يحرم الإنسان شفاعة الرسول ~~الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة مغالبة جزئية ليس فيها أي ثمر ولا ~~أثر! وما أقبح أن تتحول مذاكرة العلم وهي أفضل العبادات والطاعات إذا كانت ~~بنية صحيحة إلى أعظم المعاصي وتلو مرتبة عبادة الأوثان بفعل الجدل ~~والمراء!. PageV01P016 # وعلى أي حال؛ ينبغي للإنسان أن يأخذ بنظر الاعتبار حد كل واحد من الأخلاق ~~القبيحة الفاسدة، ويخرجها من مملكة روحه بمخالفة النفس. وعندنا يخرج ~~الغاصب، يأتي صاحب الدار نفسه، فلا يحتاج حينذاك إلى مشقة أخرى أو إلى ~~طلب العود منه إلى الدار. # وعندنا يكتمل جهاد النفس في هذا المقام، ويتوفق الإنسان إلى إخراج جنود ~~إبليس من هذه المملكة، وتصبح مسكنا لملائكة الله ومعبدا لعبادة الصالحين، ~~فحينذاك يصبح السلوك إلى الله يسيرا، ويتضح طريق الإنسانية المستقيم، وتفتح ~~أمام الإنسان أبواب البركان والجنات، وتغلق أمامه أبواب جهنم # والدركات، وينظر الله تبارك وتعالى إليه بعين اللطف والرحمة، وينخرط في ~~سلك أهل الإيمان، ويصبح من أهل السعادة وأصحاب اليمين، ويفتح له طريقا إلى ~~باب المعارف الإلهية وهي غاية خلق الجن والأنس ويأخذ الله تعالى بيده في ~~هذا الطريق المحفوف المخاطر. # وقد كنا نريد أن نشير إلى المقام الثالث للنفس وكيفية المجاهدة فيه ونذكر ~~أيضا بمكائد الشيطان في هذا المقام، ولكننا لم نر المقام مناسبا لذلك، ~~فصرفنا النظر، وأسأل الله تعالى التوفيق والتأييد لكتابة رسالة خاصة في هذا الباب. ### | AUTO الحديث الثاني: الرياء ms025 # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ~~المغرا، عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «كل رياء شرك، ~~إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله» (1). # الشرح: # اعلم أن الرياء هو عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصالحة أو ~~الصفات الحميدة أو العقائد الحقة الصحيحة، للناس لأجل الحصول على منزلة في ~~قلوبهم والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والأمانة والتدين، من دون أن ~~تكون هناك نية إلهية صحيحة. وهذا الأمر يتحقق في عدة مقامات. # المقام الأول: وله درجتان: # الأولى: وهي أن يظهر العقائد الحقة والمعارف الإلهية، من أجل أن يشتهر ~~بين الناس بالديانة، ومن أجل الحصول على منزلة قي القلوب، كأن يقول: «إني ~~لا أعتبر أن هناك مؤثرا في الوجود إلا الله»، أو أن يقول: «إني لا أتوكل ~~على أحد سوى الله» أو أن يثني على نفسه كناية أو إشارة بامتلاك العقائد ~~الحقة، وهذا الأسلوب هو الأكثر رواجا. فمثلا عندما يجري حديث عن التوكل أو ~~الرضا بقضاء الله، يجعل الشخص المرائي نفسه في سلك أولئك الجمع بواسطة ~~تأوهه أو هز رأسه. # الثانية: وهي أن يبعد عن نفسه العقائد الباطلة وينزه نفسه عنها، لأجل ~~الحصول على الجاه والمنزلة في القلوب، سواء أكان ذلك بصراحة القول أم ~~بالإشارة والكتابة. # المقام الثاني: وفيه أيضا مرتبتان: # إحداهما: أن يظهر الخصال الحميدة والملكات الفاضلة، والأخرى: أن # يتبرأ مما يقابلها، وأن يزكي نفسه للغاية نفسها التي أصبحت معلومة. # المقام الثالث: وهو الرياء المعروف عند الفقهاء الماضين رضوان الله ~~عليهم وله أيضا نفس تلكما الدرجتين، إحداهما: أن يأتي بالأعمال والعبادات ~~الشرعية، أو أن يأتي بالأمور الراجحة عقلا، بهدف مراءاة الناس وجلب القلوب، ~~سواء أن يأتي بالعمل نفسه بقصد الرياء، وبكيفيته، أو شرطه أو جزئه بقصد ~~الرياء على الشكل المذكور في الكتب الفقهية. ثانيهما: أن يترك عملا محرما ~~أو مكروها بنفس الهدف المذكور. # ونحن نشرح في هذه الأوراق، بعضا من مفاسد كل ms026 واحد من هذه المقامات ~~الثلاثة ونشير إلى ما يبدو علاجا لها على نحو الاختصار. # المقام الأول: الرياء PageV01P017 وفيه عدة فصول # فصل: # اعلم أن الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهية أشد من جميع أنواع ~~الرياء عذابا وأسوأها عاقبة، وظلمته أعظم وأشد من ظلمات جميع أنواع الرياء. ~~وصاحب هذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد بالأمر الذي يظهره، فهو من ~~المنافقين، أي أنه مخلد في النار، وأن هلاكه أبدي، وعذابه أشد العذاب. # وأما إذا كان معتقدا بما يظهر، لكنه يظهر من أجل الحصول على المنزلة ~~والرتبة في قلوب الناس، فهذا الشخص وإن لم يكن منافقا إلا أن رياءه ي ؤدي ~~إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر إلى قلبه، فإن هذا ~~الشخص يكون مشركا في الخفاء، لأن المعارف الإلهية والعقائد الحقة، التي يجب ~~أن تكون خالصة لله، ولصاحب تلك الذات المقدسة، قد حولها المرائي إلى ~~الناس، وأشرك فيها غيره، وجعل الشيطان متصرفا فيه، فهذا القلب ليس لله. # ونحن سنذكر في أحد الفصول؛ أن الإيمان من الأعمال القلبية، وليس هو مجرد ~~علم، وقد جاء في الحديث الشريف: «كل رياء شرك». # ولكن هذه الفجيعة الموبقة، وهذه السريرة المظلمة، وهذه الملكة الخبيثة، ~~تؤدي بالإنسان في النهاية، إلى أن تصبح دار قلبه مختصة بغير الله، وتؤدي ~~ظلمة هذه الرذيلة بالإنسان تدريجيا إلى الخروج من هذه الدنيا بدون إيمان. # وهذا الإيمان الذي يمتلكه هو صورة بلا معنى، وجسد بلا روح، وقشر بلا لب، ~~ولا يكون مقبولا عند الله تعالى، كما أشير إليه في حديث مذكور ف كتاب ~~الكافي، عن علي بن سالم، قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: قال ~~الله عز وجل: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما ~~كان لي خالصا» (1). # وبديهي أن الأعمال القلبية في حال عدم خلوصها لا تصبح موردا لتوجه الحق ~~تعالى ولا يتقبلها بل يوكلها إلى الشريك الآخر، الذي كان يعمل له ذلك الشخص ~~مراءاة. إذا فالأعمال القلبية تصبح مختصة بذلك ms027 الشخص، وتخرج من حد الشرك، ~~وتدخل إلى الكفر المحض. بل ويمكن القول إن هذا الشخص هو من جملة المنافقين. ~~وكما أن شركه خفي فنفاقه خفي أيضا، فهذا المسكين يتصور أنه مؤمن ولكنه مشرك ~~منذ البداية، وفي النتيجة هو منافق. وعليه أن يذوق عذاب المنافقين، وويل ~~للذي ينتهي عمله إلى النفاق. ### || AUTO فصل: في بيان أن العلم يغاير الإيمان # اعلم أن الإيمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية ~~الثبوتية والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. ~~وما أكثر من يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن. الشيطان عالم بجميع هذه ~~المراتب بقدر علمنا وعلمكم، ولكنه كافر. بل إن الإيمان عمل قلبي، وما لم ~~يكن ذلك فليس # هناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيء عن طريق الدليل العقلي أو ضروريات ~~الأديان، أن يسلم لذلك قلبه أيضا، ولأن يؤدي العمل القلبي الذي هو نحو من ~~التسليم والخضوع، ونوع من التقبل والاستسلام عليه أن يؤدي ذلك لكي يصبح مؤمنا. # وكمال الإيمان هو الاطمئنان. فإذا قوي نور الإيمان تبعه حصول الاطمئنان ~~في القلب، وجميع هذه الأمور هي غير العلم. فمن الممكن أن يدرك العقل ~~بالدليل شيئا لكن القلب لم يسلم بعد، فيكون العلم بلا فائدة. مثلا أنتم ~~أدركتمبعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضر أحدا، وأن جميع الأموات في العالم ~~ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة، وأن جميع القوى الجسمانية والنفسانية قد ~~فارقته ولكن حيث أن القلب لم يتقبل هذا الأمر ولم يسلم أمره للعقل، فإنكم ~~لا تقدرون على مبيت ليلة مظلمة واحدة مع ميت!! PageV01P018 # وأما إذا سلم القلب أمره للعقل، وتقبل هذا الحكم منه، فلن يكون في هذا ~~العمل أي المبيت مع الميت أي إشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد عدة مرات ~~من الإقدام، يصبح القلب مسلما، فلن يبقى عنده بعدها بأس أو خوف من الميت. # إذا؛ أصبح معلوما أن التسليم وهو من حظ القلب غير العلم الذي هو من حظ العقل. # ومن الممكن أن يبرهن إنسان بالدليل العقلي، على وجود ms028 الخالق تعالى ~~والتوحيد والمعاد وباقي العقائد الحقة ولكن هذه العقائد لا تسمى إيمانا، ~~ولا تجعل الإنسان مؤمنا، وإنما هو من جملة الكفار أو المنافقين أو المشر ~~كين. فاليوم العيون مغشاة، والبصيرة الملكوتية غير موجودة، والعين الملكية ~~لا تدرك، ولكن عند كشف السرائر، وظهور السلطة الإلهية الحقة، وخراب الطبيعة ~~وانجلاء الحقيقة، سيعرف ويلتفت بأن الكثيرين لم يكونوا مؤمنين بالله حقا، ~~وأن حكم العقل لم يكن مرتبطا بالإيمان، فما لم تكتب عبارة «لا إله إلا ~~الله» بقلم العقل على لوح القلب الصافي لن يكون الإنسان مؤمنا بوحدانية الله. # وعندما ترد هذه العبارة النورانية الإلهية على القلب، تصبح سلطة القلب ~~لذات الحق تعالى، فلا يعرف الإنسان بعدها شخصا آخر مؤثرا في مملكة الحق، ~~ولا يتوقع من شخص آخر جاها ولا جلالا، ولا يبحث عن المنزلة والشهرة عند ~~الآخرين. # ولا يصبح القلب مرائيا ولا مخادعا حينئذ. وإذا رأيتم رياء في قلوبكم، ~~فاعلموا أن قلوبكم لم تسلم للعقل، وأن الإيمان لم يقذف نوره فيها، وأنكم ~~تعدون شخصا آخر إلها ومؤثرا في هذا العال، لا الحق تعالى، وأنكم في زمرة ~~المنافقين أو المشركين أو الكفار. # فصل: في وخامة أمر الرياء # تأمل أيها الشخص المرائي... يا من أودعت العقائد الحقة والمعارف الإلهية ~~بيد عدو الله، وهو الشيطان، وأعطيت ما هو مخصوص بالحق تعالى للآخرين، وبدلت ~~تلك الأنوار التي تضيء الروح والقلب وهي رأسمال النجاة والسعادة الأبدية ~~ومنبع اللقاء الإلهي وبذرة القرب من المحبوب أبدلتها بظلمات موحشة وشقاء ~~أبدي وجعلتها رأسمال البعد والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدسة، والابتعاد ~~عن لقاء الله تعالى. # تهيأ، أيها المرائي، للظلمات التي لا نور بعدها، وللشدائد التي لا فرج ~~لها، وللأمراض التي لا يرجى شفاؤها، وللموت الذي لا حياة معه، وللنار تخرج ~~من باطن القلب فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقا لم يخطر على قلبي وقلبك، ~~والتي يخبرنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة {نار الله ~~ال موقدة، التي تطلع على الأفئدة}(1). حيث تحدثت عن نار الله، هذه النار ~~التي ms029 تتسلط على القلوب فتحرقها، وليست هناك نار تحرق سوى النار الإلهية ~~فإذا فقدت فطرة التوحيد وهي فطرة الله وحل محلها الشرك والكفر، حينئذ لن ~~تكون شفاعة الشافعين من نصيب الإنسان بل يخلد الإنسان في العذاب، وما أدراك ~~ما العذاب؟ إنه العذاب الذي ينبعث عن الغضب الإلهي. # إذا أيها العزيز... من أجل خيال باطل ومحبوبية بسيطة في أعين العباد ~~الضعاف، ومن أجل جذب قلوب الناس المساكين، لا تعرض نفسك للغضب الإلهي، ولا ~~تبع ذلك الحب الإلهي وتلك الكرامات غير المحدودة، وتلك الألطاف والعنايات ~~الربانية، لا تبعها بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له أثر، ولا تكسب منه أية ~~ثمرة سوى الندامة والحسرة، عندما تقصر يداك عن هذا العالم وهو عالم الكسب ~~، وعندما ينقطع عملك، وليس للندم حينئ نتيجة ولا للإنابة من فائدة. # فصل: تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء PageV01P019 نذكر هنا أمرا نأمل أن يكون مؤثرا في علاج هذا المرض القلبي سواء في هذا ~~المقام أو المقامات الأخرى، وهذا الأمر مطابق للبرهان الدليل والمكاشفة ~~والعيان وأخبار المعصومين وكتاب الله، وللعقل حيث يصدق عقول الناس. # وهو أنه نتيجة لإحاطة قدرة الله تبارك وتعالى بجميع الموجودات، وبسطة ~~لسلطانه على جميع الكائنات، وإحاطة قيمومته بجميع الممكنات، فإن قلوب ~~العباد جميعا تكون تحت تصرفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه، ولا يتصرف ولن ~~يتصرف أحد في قلوب العباد بدون أذنه القيومي وإجازته التكوينية. وحتى ~~أصحاب القلوب أنفسهم ليست لهم القدرة على التصرف في قلوبهم بدون إذن من ~~الله تعالى. وبهذا المعنى وردت كلمات، إشارة وكناية وصراحة في القرآن وفي ~~أخبار أهل البيت «عليهم السلام». # إذا، فالله تعالى هو مالك القلب وا لمتصرف فيه وأما العبد الضعيف العاجز ~~فلا يستطيع أن يتصرف بقلبه بدون إذنه، بل إن إرادته قاهر لإرادتك ولإرادة ~~جميع الموجودات. إذن فرياؤك وتملقك، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد، ولفت ~~نظرهم، ومن أجل الحصول على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتهار بالصلاح، ~~فإن ذلك خارج كلية عن تصرفك، وهو تصرف الله، فإله القلوب وصاحبها يوجه ~~القلوب نحو ms030 من يشاء بل من الممكن أن تحصل على نتيجة عكسية. وقد رأينا ~~وسمعنا أن أشخاصا متملقين ومنافقين ممن لم تكن لهم قلوب طاهرة، قد افتضحوا ~~وبان زيفهم ففرض عل يهم عكس ما أرادوا الحصول عليه من النتائج في نهاية # الأمر. لقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث الشريف في الكافي: «عن ~~جراح المدائني، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل: {فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(1)..» قال ~~عليه السلام: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب ~~تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه. ثم قال: ~~«ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد ~~أسر شرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له شرا» (2). PageV01P020 # إذا أيها العزيز، أطلب السمعة والذكر الحسن من الله، التمس قلوب الناس من ~~مالك القلوب، أعمل أنت لله وحده فستجد أن الله تعالى فضلا عن الكرامات ~~الأخروية ونعم ذلك العالم سيتفضل عليك في هذا العالم نفسه بكرامات عديدة، ~~فيجعلك محبوبا، ويعظم مكانتك في القلوب، ويجعلك مرف وع الرأس وجيها في ~~كلتا الدارين. ولكن إذا استطعت فخلص قلبك بصورة كاملة بالمجاهدة والمشقة، ~~من هذا الحب أيضا، وطهر باطنك، كي يكون العمل خالصا من هذه الجهة، ويتوجه ~~القلب إلى الله فقط حتى تطهر الروح، وتزول أدران النفس. فأية فائدة تجني من ~~حب الناس الضعاف لك، أو بغضهم، أو من الشهرة والصيت عند العباد وهم لا ~~يملكون شيئا من دون الله تعالى؟ وحتى لو كانت له فائدة على سبيل الفرض ~~فإنما هي فائدة تافهة ولأيام معدودات، ومن الممكن أن يسوق هذا الحب عاقبة ~~عمل الإنسان إلى الرياء، وأن يجعل الإنسان لا سمح الله مشركا ومنافقا ~~وكافرا. وأنه إذا لم يفتضح في هذا العالم، فسيفتضح في ذلك العالم في محضر ~~العدل الرباني، عند عباد الله الصالحين وأنبيائه العظام وملائكته المقربين، ~~ويهان ويصبح ms031 مسكينا. إنها فضيحة ذلك اليوم، وما أدراك ما تلك الفضيحة، ~~والله يعلم أي ظلمات تلي تلك المهانة في ذلك المحضر! إن ذلك اليوم كما ~~يقول الله تعالى في كتابه يتمنى الكافر فيه قائلا: {ياليتني كنت ~~ترابا}(1).، ولكن لا جدوى لهذا التمني. # أيها المسكين، إنك ولأجل محبة بسيطة، جزئية، ومنزلة عديمة الفائدة بين ~~العباد، تجاوزت تلك الكرامات وفقدت رضا الله، وعرضت نفسك لغضب الله. # لقد استبدلت الأعمال التي كان ينبغي أن تهيئ بها دار الكرامة في الآخرة، ~~وتوفر الحياة السعيدة الدائمة وتصل بواسطتها إلى أعلى عليين في الجنان ~~استبدلتها بظلمات الشرك والنفاق وأعددت لنفسك الحسرة والندامة والعذاب ~~الشديد، وجعلت نفسك من أهل «سجين»، بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في ~~الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: «قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إن الملك ليصعد يعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته، يقول الله عز ~~وجل، اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد بها» (2). # إننا هنا وفي هذا الحال، لا نستطيع أن نتصور «سجين» ولا أن نفهم ديوان، ~~عمل «الفجار»، ولا أن نرى صور هذه الأعمال وهي في سجين.. وسنرى حقيقة الأمر ~~في أحد الأيام ولكن عندها تقصر أيدينا عن العمل ولا سبيل حينئذ للنجاة. PageV01P021 # أيها العزيز.. ! استيقظ وأبعد عنك الغفلة والسكرة وزن أعمالك بميزان العقل ~~قبل أن توزن في ذلك العالم، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وآجل مرآة القلب من ~~الشرك والنفاق والتلون، ولا تدع صدأ الشرك والكفر يحيط به بمستوى لا يمكن ~~جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم، لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة الكفر، لا تدع ~~هذه الآية {فطرة الله التي فطر النا عليها..} (1).. أن تضيع لا تخن هذه ~~الأمانة الإلهية بهذا النحو، نظف مرآة قلبك لكي يتجلى فيها نور جمال الحق ~~فيغنيك عن العالم وكل ما فيه. ولكي تتوهج نار الحب العشق الإلهي في قلبك، ~~فتحرق الأنواع الأخرى من الحب، ولا تستبدل حينذاك جميع هذا العالم بلحظة ~~واحدة من الحب الإلهي، ولكن تحصل على لذة في ms032 مناجاة الله وذكره، تعتبر ~~غيرها من جميع اللذات الحيوانية، لعبا ولهوا. وإذا لم تكن من أهل هذه ~~العوالم، وترى هذه المعاني غريبة وعجيبة لديك فإياك أن تضيع تلك النعم ~~الإلهية في العالم الآخر المذكورة في القرآن المجيد وأخبار المعصومين عليهم ~~السلام وتخسرها من أجل جذب قلوب المخلوقين... لا تضيع كل هذا الثواب من أجل ~~شهرة وهمية في أيام معدودات، لا تحرم نفسك من كل هذه الكرامات، لا تبع ~~السعادة الأبدية بالشقاء الدائم. # فصل: في الدعوة إلى الإخلاص # إعلم أن مالك الملوك الحقيقي وولي النعمة الواقعي، الذي تفضل علينا بكل ~~هذه الكرامات، وهيأ لنا كل هذه النعم، قبل المجيء إلى هذا العالم، من ~~الغذاء الطيب ذي المواد النافعة المناسبة لمعدتنا الضعيفة، ومن المربي ~~الخادم بلا منة بل بفعل الحب الفطري الذاتي. وهيأ لنا البيئة والهواء ~~المناسبين وباقي النعم العظيمة الظاهرة والباطنة. كما أعد لنا الكثير في ~~العالم الآخر وفي البرزخ قبل ذهابنا إلى هناك، هذا المتفضل قد طلب منا قائلا: # «أخلص قلبك لي ولأجل كرامتي، كي تحصل أنت على النتيجة، وتحصل أنت على ~~الفائدة» ومع ذلك لا يلقى منا أذنا صاغية بل يرى التمرد والسير على خلاف ~~رضاه، فأي ظلم عظيم نكون قد اجترحناه بذلك؟! وأي مالك الملوك نحارب؟! ~~ونتيجة ذلك كله تكون وبالا علينا نحن، أما الله تعالى فلا يصاب سلطانه بضرر ~~ولا ينقص من ملكه شيء ولا نخرج من سلطنته وسلطت، حتى إذا كنا مشتركين لأننا ~~ألحقنا الضرر بأنفسنا، {... فإن الله غني عن العالمين}(2). فهو غني عن ~~عبادتنا وإخلاصنا وعبوديتنا، ولا يؤثر تمردنا وشركنا وابتعادنا عنه شيئا في ~~مملكته، وحيث أنه أرحم الراحمين فقد اقتضت رحمته الواسعة وحكمته البالغة أن ~~يعرض لنا طريق الهداية وسبيل الخير والشر والحسن والقبح ويدلنا على زلات ~~طريق الإنسانية، ومزالق طريق السعادة، ولله تعالى في هذه الهداية والإرشاد ~~بل في هذه العبادات والإخلاص والعبودية، له سبحانه علينا منن عظيمة وجسيمة ~~بحيث لا يمكن أن نفهمها ما لم تنفتح عين البصيرة والبرزخية التي ترى ~~الواقع، ms033 وما دمنا في هذا العالم الضيق والمظلم، وفي ظلام الطبيعة، وما دمنا ~~مقيدين بسلاسل الزمان، معتقلين في هذا المكان السجن المظلم فإنا لا ندرك ~~منن الله العظيمة علينا، ونتخيل بأن نعم الله علينا تتلخص في هذا الإخلاص ~~وهذه العبادة، وفي ذلك الإرشاد وتلك الهداية فحسب. PageV01P022 # لا تتوهم أبدا أن لنا المنة على الأنبياء العظام والأولياء الكرام على ~~علماء الأمة وهم الأدلاء إلى سعادتنا ونجاتنا، والذين أنقذونا من الجهل ~~والظلمة والشقاء، أخذونا إلى عالم النور والسرور والبهجة والعظمة والذين ~~تحملوا ولا يتحملون كل هذه المشاق والمصاعب من أجل تربيتنا وإنقاذنا من تلك ~~الظلمات التي تلازم الاعتقادات الباطلة، ومن الجهل المركب بكل أشكاله، ومن ~~أنواع الضغوطات والعذاب الذي هو صورة الملكات والأخلاق الرذيلة، ومن تلك ~~الصور الموحشة والمرعبة التي هي ملكوت أعمالنا وأفعالنا القبيحة وكذلك ~~لأجل إيصالنا إلى تلك الأنوار وأنواع البهجة والسرور والراحة والأنس ~~والنعيم والحور والقصور التي لا نقدر أن نتصورها، حيث أن عالم الملك هذا مع ~~كل ما له من عظمة، أضيق من أن يحتوي على واحدة ن حلل الجنة، وأن أعيننا لا ~~تطيق رؤية شعرة واحدة من شعر حور العين، وتكون كل هذه المثوبات صورا ~~ملكوتية لتلك العقائد والأعمال والتي أدركها الأنبياء العظام، خصوصا صاحب ~~الكشف الكلي والكتاب الجامع خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ~~أدركوها بالوحي الإلهي ورأوها وسمعوها ودعونا إليها. ونحن المساكين ~~كالأطفال، المتمردين على حكم العقلاء بل المخطئين لهم، قد واجهناهم دائما ~~بالعناد والمحاربة والانفصال، ولكن تلك النفوس الزكية والأرواح الطيبة ~~الطاهرة الأنبياء بما يكمن فيهم من الرأفة والرحمة بعبادة الله، لم ~~يقصروا أبدا في دعوتهم، على الرغم من جهلنا وعنادنا، بل ساقونا نحو الجنة ~~والسعادة بكل ما يملكون من القوة وأساليب الدعوة أن ينتظروا منا جزاء ولا شكورا. # وحتى عندنا يحدد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أجره ب «المودة ~~في القربى»، فإن صورة هذه المودة في العالم الآخر قد تكون بالنسبة إلينا ~~أعظم الصور نورا وعطاءا. وهذا هو أيضا من أجلنا ms034 نحن ومن أجل وصولنا إلى ~~السعادة # والرحمة. إذا، فأجر الرسالة عائد إلينا أيضا، ونحن الذين ننتفع به، فأية ~~منة لنا نحن المساكين عليهم؟!... وأية فائدة تعود عليهم سلام الله عليهم ~~من إخلاصنا لهم وتعلقنا بهم؟!... أية منة لكم ولنا على علماء الأمة؟ بدءا ~~من ذلك العالم الذي يوضح ويبين لنا الأحكام الشرعية، إلى النبي الأكرم صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإلى ذات الله المقدسة جل جلاله فإن لكل منهم حسب ~~درجته ومقامه من حيث إرشادهم لنا إلى طريق الهداية مننا لا نستطيع مكافأتهم ~~عليها في هذا العالم، فهذا العالم لا يليق بجزائهم... {فلله ولرسوله ~~ولأوليائه المنة} وكما يقول تعالى: {... قل لا تمنوا علي إسلامك بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين، إن الله يعلم غيب السماوات ~~والأرض والله بصير بما تعملون}(1). إذا، فإن كنا صادقين في ادعاء الإيمان، ~~فلله المنة علينا في هذا الإيمان نفسه. فالله بصير وعالم بالغيب، وهو يعلم ~~ماهية صور أعمالنا، وكيفية صورة إيماننا وإسلامنا في عالم الغيب. أما نحن ~~المساكين حيث لا نعرف الحقيقة، فإننا نتعلم العلم من العالم ونمن عليه، ~~ونصلي جماعة مع العالم ونمن عليه، مع أن لهم المنة علينا ونحن لا نعلم. بل ~~وإن هذه المنة التي نمن بها عليهم هي التي تحبط أعمالنا وتجرها إلى «سجين»، ~~وتذروها في الهواء لكي تفني وتذهب. # المقام الثاني: الرياء # وفي فصلان: # الفصل الأول: الرياء في العمل PageV01P023 اعلم أن الرياء في هذا المقام، وإن لم يكن بحجم المقام الأول من الدفع نحو ~~الكفر إلا أنه، بعد الالتفات إلى موضوعه، قد يفضي بعمل المرائي أيضا في ~~هذا المقام (العمل) إلى الكفر فيصبح واحدا في النتيجة مع عمل المرائي في ~~ذلك المقام: مقام الرياء في العقيدة. # لقد أوضحنا في شرح الحديث السابق، أنه يمكن أن تكون للإنسان في عالم ~~الملكوت صورة تغاير الصورة الإنسانية، وأن تلك الصور تتبع ملكوت النفس ~~وملكاتها، فإذا كنتم ذوي ملكات فاضلة إنسانية، فستجعل هذه الملكات صوركم، ~~إنسانية عندنا يحشر الإنسان ومعه ms035 تلك الملكات ما لم تخرج عن طريق الاعتدال، ~~بل إن الملكات إنما تكون فاضلة حين لا تتصرف النفس الأمارة بالسوء فيها، ~~ولا يكون لخطوات النفس دور في تشكيلها. # يقول أستاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله: «إن المعيار في ~~الرياضة الباطلة والرياضة الشرعية الصحيحة هو خطى النفس وخطى الحق، فإذا ~~كان تحرك السالك بخطى النس وكانت رياضته من أجل الحصول على قوى النفس ~~وقدرتها وتسلطها، كانت رياضته باطلة وأدى سلوكه إلى سوء العاقبة. وتظهر ~~الدعاوى الباطلة عادة من مثل هؤلاء الأشخاص». # أما إذا كان تحرك السالك بخطى الحق وكان باحثا عن الله، فإن رياضته هذه ~~حقه وشرعية وسيأخذ الله تعالى بيده ويهديه كما تنص على ذلك الآية الشريفة ~~التي تقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا...}(1). وسيؤول عمله إلى ~~السعادة. فتسقط عنه «الأنا» ويزول عنه الغرور. ومعلوم أن خطوات الشخص الذي ~~يعرض أخلاقه الحسنة وملكاته الفاضلة على الناس ليلفت أنظارهم إليه هي خطوات ~~النفس، وهو متكبر وأناتي ومعجب بنفسه، وعابد لها. # ومع التكبر تكون العبودية لله وهما ساذجا، وأمرا باطلا ومستحيلا، وما ~~دامت مملكة وجودكم مملوءة يجب النفس وحب الجاه والجلال والشهرة والترأس على ~~عباد الله، فلا يمكن اعتبار ملكاتكم ملكات فاضلة، ولا أخلاقكم أخلاقا ~~إلهية. فالفاعل في مملكتكم هو الشيطان، وليس ملكوتكم وباطنكم على صورة ~~إنسان. وعند فتح العيون البرزخية، ترون ملكوتكم على غير صورة الإنسان، ~~وإنما هي صورة أحد الشياطين مثلا. وحصول المعارف الإلهية والتوحيد الكامل ~~أمر مستحيل بالنسبة إلى قلب كهذا ما دام مسكنا للشيطان، وما دام ملكوتكم ~~غير إنساني، وما دامت قلوبكم غير مطهرة من هذه الانحرافات والأنانيات. # ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «لا تسعني أرضي ولا سمائي، بل يسعني ~~قلب عبدي المؤمن» (2) ليس موجود يكون آية جمال المحبوب سوى قلب المؤمن. إن ~~المتصرف في قلب المؤمن هو الله، لا النفس. الفاعل ي وجوده هو المحبوب، فلا ~~يكون قلب المؤمن متمردا ولا تائها. # «قلب المؤمن بين إصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء» (3) # وأنت أيها المسكين العابد ms036 للنفس، والذي تركت الشيطان والجهل يتصرفان في ~~قلبك، ومنعت يد الحق أن تتصرف في قلبك، أي إيمان لديك حتى تكون محلا لتجلي ~~والسلطة المطلقة؟ # فاعلم إذا، أنك ما دمت على هذه الحال، وما دامت رذيلة الغرور موجودة فيك، ~~فأنت كافر بالله، معدود من زمرة المنافقين، رغم زعمك بأنك مسلم ومؤمن بالله. # الفصل الثاني: خلق الله الإنسان لنقسه سبحانه PageV01P024 أيها العزيز! استيقظ وانتبه وافتح أذنيك، وحرم نوم الغفلة على عينيك، واعلم ~~أن الله خلقك لنفسه كما يقول في الحديث القدسي: # «يا بن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي» (1) واتخذ من قلبك منزلا ~~له، فأنت وقلبك من النواميس والحرمات الإلهية، والله تعالى غيور، فلا تهتك ~~حرمته وناموسه إلى هذا الحد، ولا تدع الأيادي تمتد إلى حرمه وناموسه. احذر ~~غيرة الله، وإلا فضحك في هذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحها مهما حاولت. ~~أتهتك في ملكوتك وفي محضر الملائكة والأنبياء العظام ستر الناموس الإلهي؟ ~~وتقدم الأخلاق الفاضلة التي تخلق بها الأولياء إلى الحق، إلى غير الحق؟ ~~وتمنح قلبك لخصم الحق؟ وتشرك في باطن ملكوتك؟ كن على حذر من الحق تعالى ~~فإنه مضافا إلى هتكه سبحانه لناموس مملكتك في الآخرة وفضحه لك أمام ~~الأنبياء العظام والملائكة المقربين، سيفضحك في هذا العالم ويبتليك بفضيحة ~~لا يمكن تلافيها... وبتمزيق عصمة لا يمن ترقيعها. # إن الحق تعالى «ستار» ولكنه غيور أيضا... إنه «أرحم الراحمين» ولكنه «أشد ~~المعاقبين» أيضا يستر ما لم يتجاوز الحد. فقد تؤدي هذه الفضيحة الكبرى لا ~~سمح الله إلى تغليب الغيرة على الستر، كما سمعت في الحديث الشريف. # فارجع إلى نفسك قليلا، وعد إلى الله، فالله رحيم، وهو يبحث عن ذريعة ~~لإفاضة الرحمة عليك. إذا أنبت إليه، فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك ~~الماضية، ولن يطلع عليها أحدا ويجعلك صاحب فضيلة، ويظهر فيك الأخلاق ~~الكريمة، ويجعلك مرآة لصفاته تعالى ويجعل إرادتك فعالة في ذلك العالم كما ~~أن إرادته نافذة في جميع العوالم. كما ورد في حديث منقول: إن أهل الجنة ~~عندما يستقرون في الجنة، تبلغهم رسالة ms037 من الحق تعالى خلاصتها: من الحي ~~الأبدي الذي لا يموت، إلى الحي الأبدي الذي لا يموت إذا أردت شيئا قلت له ~~كن فيكون، جعلتك هذا اليوم في مستوى إذا أردت شيئا قلت كن فيكون. # لا تكن محبا لنفسك، سلم إرادتك للحق تعالى، فإن الذات المقدسة يتفضل عليك ~~بجعلك مظهرا لإرادته، ويجعلك متصرفا في كافة الأمور. ويخضع لقدرتك مملكة ~~الإيجاد. وهذا هو غير التفويض الباطل، كما هو معلوم في محله. # فيا أيها العزيز. أنت أعرف بنفسك فاختر إما هذا وإما ذاك فالله غني عنا ~~وعن كل المخلوقات إنه غني عن إخلاصنا وإخلاص كل الموجودات. ### || AUTO المقام الثالث: الرياء # وفيه فصول ### || AUTO فصل: تلاعب الشيطان مع الناس من خلال المناسك والعبادات # إعلم أن الرياء في هذا المقام، أكثر من المقامات الأخرى وأوسع شيوعا، إذ ~~أننا نحن العامة من الناس، لسنا على العموم أهلا لذينك المقامين. ولهذا لا ~~يدخل الشيطان إلينا من ذلك الطريق، ولكن بما أن معظم الناس المتعبدين، هم ~~من أهل المناسك والعبادات الظاهرية، فإن الشيطان أثر حرية في التلاعب بهم، ~~في هذا المقام ومن خلال العبادات. # كما أن مكائد النفس في هذه المرحلة أكثر. وبتعبير آخر: بما أن عامة ~~الناس؛ يفوزون بالجنة بالأعمال الجسمانية، أنهم يحصلون على الدرجات ~~الأخروية بممارسة الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيئة، فإن الشيطان يدخل ~~عليهم من هذا الطريق نفسه، ويسقى جذور الرياء والتملق في أعمالهم، فتفرع ~~وتورق، ويبدل حسناتهم سيئات، ويدخلهم جهنم ودركاتها عن طريق المناسك ~~والعبادات، ويحول الأمور التي يريدون أن يعمروا بها آخرتهم إلى أدوات ~~لتخريبها الآخرة فيجعل الملائكة ما هو الأعمال من العليين بأمر من الله ~~في سجين. PageV01P025 # فعلى الذين يملكون هذا الجانب فقط، ولا زاد لهم سوى زاد الأعمال، عليهم أن ~~يكونوا حذرين كل الحذر لئلا يفقدوا لا سمح الله الزاد والراحلة كليهما، ~~وصبحوا من أهل جهنم، ولا يبقى لهم طريق نحو السعاد ة، وتغلق في وجوههم ~~أبواب الجنة، وتفتح لهم أبواب النار. ### || AUTO فصل: في دقة أمر الرياء # كثيرا ما يتفق ms038 أن يكون الشخص المرائي نفسه غافلا أيضا عن كون الرياء قد ~~تسرب إلى أعماله، وأن أعماله صارت رياء وهباء إذ أن مكائد الشيطان والنفس ~~من الدقة والخفاء، وصراط الإنسانية من الرهافة والظلمة بدرجة لا ينتبه ~~الإنسان إلى ما # هو فيه إن لم يكن حذرا جدا. إنه يحسب أن أعماله لله ولكنها تكون في ~~الواقع للشيطان ولما كان الإنسان مجبولا على حب النفس، فإن حجاب حب النفس ~~يستر عنه معايب نفسه، وقد يأتي بيان بعض ذلك ضمن شرح بعض الأحاديث إن شاء ~~الله، ونسأل منه سبحانه التوفيق على ذلك. # ففي دراسة علوم الدين مثلا وهي من الطاعات والعبادات المهمة يبتلي ~~الإنسان الكامل بالرياء من حيث لا يدري وذلك بسبب الحجاب الغليظ لحب النفس. # إن الإنسان يرغب أن يتفرد في استيعاب معضة علمية وحلها لدى محضر العلماء ~~والرؤساء والفضلاء، ويبتهج أكثر، كلما كان توضيحه للمسألة العلمية أحسن، ~~ولفت انتباه الحاضرين أكثر. لأنه يحب أن ينتصر على كل من يناظره. إنه يشعر ~~بنوع من الدلال العلمي والتفوق، وإذا اقترن ذلك بتصديق من إحدى الشخصيات، ~~لكان نور على نور. إن هذا المسكين غافل عن أنه أحرز هنا موقعا لدى الفضلاء ~~والعلماء ولكنه سقط من عين ربهم ومالك ملوك العالم، وأن عمله قد ترك بأمر ~~الحق المتعال في سجين. ثم إن عمله هذا من الرياء ممزوج بعده معاص أخرى، مثل ~~فضحه وإذلاله وإيذائه أخا له في الإيمان، وأحيانا التجرؤ على مؤمن وهتكه، ~~وكل واحد من هذه الأعمال هي من الموبقات وكافية وحدها لإدخال الإنسان في ~~جهنم. وإذا ألقت النفس مرة أخرى شباك كيدها، لتقول لك: إن هدفي هو إعلان ~~الحكم الشرعي وإظهار كلمة الحق وهو من أفضل الطاعات، وليس لإظهار العلم ~~والتكبر وحب الظهور، فاسأل نفسك في الباطن أنه لو كان زميلي المساوي لي في ~~الدرجة العلمية هو الذي قال ذلك الحكم الشرعي وهو الذي حل تلك المعضلة وكنت ~~أنت مغلوبة في ذلك المحضر، أكان ذلك على حد سواء عندك؟ إذا كان كذلك فأنت ~~صادق. ms039 وإذا لم تترك كيدها وقالت لك: إن إظهار الحق فضيلة، وله ثواب عند ~~الله تعالى، وأنا أريد أن أنال هذه الفضيلة، وأعمر دار الثواب، فقل لها: ~~لنفرض أن الله تعالى أنعم عليك بتلك الفضيلة نفسها في حالة مغلوبيتك ~~وتصديقك بالحق، فهل تبقين طالبة للغلبة؟ فإذا رجعتم إلى باطنكم ورأيتم أنكم ~~ما زلتم تميلون الغلبة، والاشتهار بين العلماء بالعلم والفضل، وأن بحثكم ~~العلمي كان لأجل الحصول على # المكانة في قلوب أولئك، إذا، فاعلموا أنكم مراءون في هذا البحث العلمي ~~الذي هو من أفضل الطاعات والعبادات وأن عملكم هذا بحسب الرواي الشريفة في ~~كتاب (الكافي) هو في «سجين»، وأنكم مشركون بالله. وإن هذا العمل هو لأجل حب ~~الجاه والشرف وهما بحسب الرواية أشد ضررا على الإيمان من ذئبين أطلقا على ~~قطيع بلا راع. # إذا، فعليكم أنتم أهل العلم المتكفلين بإصلاح الأمة والإرشاد إلى الآخرة ~~الأطباء للأمراض النفسية، أن تصلحوا أنفسكم أولا وتجعلوا مزاجكم النفسي ~~سالما، كي لا تكونوا في زمرة «العالم بلا عمل» وهو صنف معلوم الحال ~~والعاقبة. PageV01P026 # اللهم طهر قلوبنا من كدر الشرك والنفاق، وصف مرآة قلوبنا من صدأ حب الدنيا ~~وهي منشأ جميع هذه الأمور. اللهم رافقنا، وخذ بأيدينا نحن المساكين ~~المبتلين بهوى النفس وحب الجاه والشرف في هذا السفر المملوء بالخطر وفي هذا ~~الطريق المليء بالمنعطفات والصعاب والظلمات إنك على كل شيء قدير. # إن صلاة الجماعة واحدة من العبادات العظيمة في الإسلام، وفضل إمامتها ~~أعظم. ومن هنا فإن الشيطان ينفذ إلى هذه العبادة أكثر، وهو مع الإمام أشد ~~عداوة، ويسعى إلى أن ينتزع منه هذه الفضيلة، ويفرغ عمله من الإخلاص، ويدخله ~~إلى «سجين»، ويجعله مشركا بالله. ولأجل ذلك يدخل الشيطان إلى قلوب بعض أئمة ~~الجماعة بطرق مختلفة مثل: العجب (سيأتي بيانه إن شاء الله لا حقا) ومثل: ~~الرياء وهو إظهار هذه العبادة العظيمة، أمام الناس من أجل الحصول على منزلة ~~في قلوب الناس والاشتهار بالعظمة لديهم. فمثلا يرى إمام الجماعة أن أحد ~~المشهورين بالتقوى والدين قد حضر إلى صلاة ms040 جماعته، ولأجل جذب قلبه، يكثر من ~~خضوعه ويلتجأ إلى أساليب مختلفة، وحيل كثيرة لصيده، ومن أجل تعظيم نفسه عند ~~الغائبين الذين لم يحضروا صلاة جماعته، يتحدث في المجالس عن ذلك المتدين، ~~ويحاول إفهام الناس أن فلانا يأتم به ويشارك في صلاة جماعته. ثم هو أيضا ~~يقابله بالود والح في قلبه، لأجل حضوره في صلاة جماعته ويكن له من الحب ~~والإخلاص ما لم يكن لحظة طوال حياته، لله ولا لأولياء الله، خصوصا إذا كان ~~هذا المتدين من التجار المحترمين. وإذا حدث لا سمح الله أن ضل أحد الأشراف ~~طريقه والتحق بصلاة الجماعة، فإن المصيبة # على إمام الجماعة من وسوسة الشيطان تكون أعظم. إن الشيطان لا يترك حتى ~~إمام جماعة قليلة الأفراد، فيذهب إليه ويوحي له فيوسوس في نفسه: إنني قد ~~أعرضت عن الدنيا، وأقضيها في مسجد صغير، مع الفقراء والمساكين. وهذا أيضا ~~مثل ذاك، أو أسوأ منه، لأنه يثقل قلبه برذيلة الحسد أيضا، فهو فضلا عن كونه ~~لم ينل من الدنيا شيئا يسلبه الشيطان عدته لآخرته، فيخسر الدنيا والآخرة. # وفي الوقت نفسه لم يرفع الشيطان يده عنا: أنا وأنت نقصر في الحضور في ~~صلاة الجماعة ونحمل الهم والأسى لعدم توفر الظروف والمناخ لإقامة صلاة الج ~~ماعة بإمامتنا، فيدفعنا إلى الإساءة إلى جماعة المسلمين والطعن بهم وخلق ~~عيوب للجماعة، ونعد عدم الاشتراك في الجماعة، عزلة، نظهر أنفسنا كأننا ~~زاهدون في الدنيا ومنزهون عن حب الجاه والذات، في حين أننا أسوأ من كلتا ~~الفئتين السالفتين، فلا نحن نلنا الدنيا الكاملة التي نالتها الطائفة ~~الأولى، ولا دنيا الطائفة الثانية الناقصة. ولا نحن فزنا بالآخرة، مع أننا ~~أيضا لو أتيح لنا ما نريد لكنا أشد من كلتا الطائفتين حبا للجاه والمال. # والشيطان لا يكتفي بإمام الجماعة وحده فلا تنطفئ شعلة شهوته بجعله إمام ~~الجماعة من أهل النار، بل يدخل إلى صفوف المصلين المؤمنين، فحيث أن فضيلة ~~الصف الأول أعظم من سائر الصفوف، وأن جانب يمين الإمام أكثر فضلا من جانب ~~يساره، فهو يستهدفه أكثر من ms041 غيره. PageV01P027 # مسكين هذا المتدين يجره الشيطان من بيته البعيد ويجلسه في الجانب اليمن من ~~الصف الأول، ثم يوسوس له كي يتباهى على الناس بهذه الفضيلة، إذ لا يدري هذا ~~المسكين ماذا يفعل؟ فيأخذ بإظهار فضله بتفاخر ودلال، ويبرز شركة الباطن ~~فيكون مصيره إلى «سجين» ثم يذهب الشيطان إلي باقي الصفوف ويدفعهم إلى ن ~~يطعنوا من في الصف الأول بالكتابة والإشارة وأن يجعلوا ذلك المتدين المسكين ~~هدفا لسهام الطعن والشتم، معتبرين أنفسهم منزهين عن مثل أطواره. وأحيانا قد ~~يرى شخص محترم، خصوصا إذا كان من أهل الفضل والعلم، قد أخذ الشيطان بيده ~~وأجلسه في الصف الأخير، وكأنه يريد أن يقول للحاضرين: إني بمقامي هذا لا ~~ينبغي أن أصلي مع شخص كهذا، ولكن لكوني قد أعرضت عن # الدنيا وليس لدي هوى في النفس، فقد جئت بل وجلست في الصف الأخير ولن ~~ألتقي أشخاصا من هذا القبيل في الصف الأول من صلاة الجماعة. # ولا يكتفي الشيطان بالإمام والمأموم، بل يأخذ بزمام بعض ا لمصلين ~~المنفردين عن الجماعة فيقوده من السوق أو المنزل، بدلال وتبختر، إلى زاوية ~~في المسجد، حيث يفرش سجادته منفردا، دون أن يرى أي إمام عادلا، ويصلي في ~~حضور الناس ويطيل السجود والركوع والأذكار الطويلة. هذا الإنسان يضمر في ~~باطنه كلمة للناس هي: «إنني متدين ومحتاط إلى درجة أترك صلاة الجماعة لئلا ~~أبتلي بإمام غير عادل» هذا الإنسان، فضلا عن أنه معجب بنفسه ومراء، فإنه لا ~~يعرف المسائل الشرعية أيضا، وذلك لأن مرجع تقليد هذا الشخص، قد لا يشترط ~~أكثر من مجرد حسن الظاهر في صحة الإقتداء ولكن عمله هذا ليس من هذا الباب، ~~بل من أجل الرياء أمام الناس، ولأجل الحصول على المكانة والمنزلة في ~~القلوب. # وهكذا سائر أعمالنا، فهي تحت تصرف الشيطان الملعون الذي ينزل في كل قلب ~~كدر ملوث، ويحرق الأعمال الظاهرة والباطنة ويجعلنا من أهل النار عن طريق ~~الأعمال الحسنة. ### || AUTO فصل: في الدعوة إلى الإخلاص # إذا أيها العزيز، كن دقيقا في أعمالك وحاسب نفسك في كل ms042 عمل، وأستنطقها عن ~~الدافع في الأعمال الخيرة، والأمور الشريفة، فما الذي يدفعها إلى السؤال عن ~~مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار؟ هل تريد تتفهم أحكام صلاة الليل ~~وتعلمها قربة إلى الله، أو تريد أن توحي إلى الناس بأنها من أهل صلاة الليل؟ # لماذا تريد أن تخبر الناس بأي أسلوب كان، عن الزيارة للمشاهد المشرفة ~~وحتى عن عدد الزيارات؟ # لماذا لا ترضى أن لا يطلع أحد على الصدقات التي تعطيها في الخفاء، وتحاول ~~أن تتحدث عنها ليطلع عليها الناس؟ إذا كان ذلك لله، وتريد أن يتأسى به ~~الناس باعتبار أن «الدال على الخير كفاعله» فإن إظهار حسن، وأشكر الله على ~~هذا الضمير # النقي والقلب الطاهر!. PageV01P028 # ولكن ليكن الإنسان حذر في المناظرة والجدال مع النفس، وأن لا ينخدع بمكرها ~~وإظهارها له العمل المرائي بصورة عمل مقدس. فإن لم يكن لله، فتركه أولى، ~~لأن هذا من طلب السمعة وهو من شجرة الرياء الملعونة. ولن يقبل الله المنان ~~عمله، بل يأمر بإلقائه في سجين. ويجب علينا أن نستعيذ بالله تعالى من شر ~~مكائد النفس، فإن مكائدها خفية جدا، ولكننا نعلم إجمالا أن أعمالنا ليست ~~خالصة لله، وإلا فإذا كنا عبادا لله مخلصين، فلماذا تكون للشيطان علينا هذه ~~السيطرة وبهذا القدر؟ مع أنه أعطى لربه عهدا أن ليس له سلطان على عباد الله ~~المخلصين، وأنه لا يمد يده إلى ساحتهم المقدسة، وعلى حد القول شيخنا(1) ~~الكبير دام ظله: فإن الشيطان كلب أعتاب الحضرة الإلهية، فلا ينبح في وجه من ~~كانت له معرفة بالله ولن يؤذيه وكلب الدار لا يطارد معارف صاحب الدار. ولكن ~~الشيطان لا يسمح بالدخول لمن ليست له معرفة بصاحب الدار، إذا؛ إذا رأيت أن ~~لليطان شأنا معك وسيطرة عليك فاعلم أن أعمالك غير خالصة، وأنها ليست لله تعالى. # وإذا كنت مخلصا فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع أنك ~~تعمل أربعين سنة قربة إلى الله حسب تصورك؟ في حين أنه ورد في الحديث الشريف ~~عن الرضا عن آبائه ms043 عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «ما خلص عبد لله عز وجل أربعين صباحا إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه ~~على لسانه» (2). إذا؛ فاعلم أن أعمالنا غير خالصة لله، ولكننا لا ندري، وها ~~هنا الداء الذي لا دواء له!. # ويل لأهل الطاعة والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون أبصارهم ~~ويقيم سلطان الآخرة قدرته، يرون أنفسهم من أهل كبائر المعاصي، بل وأسوأ من ~~أهل الكفر والشرك، بحيث أن صحفية أعمالهم تكون أشد سوادا من صحائف الكفار ~~والمشركين. # الويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم، الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته # وصلاته أبشع مما يمكن تصوره. أيها المسكين المرائي، أنت مشرك، وأما ~~العاصي فموحد. إن الله يرحم بفضله العاصي إن شاء، لكنه يقول إنه لن يرحم ~~المشرك إذا رحل من الدنيا بدون توبة(3). # لقد سمعت في الأحاديث الشريفة أن المرائي مشرك. إن من يرائي بين الناس ~~برياسته الدينية وإمامته وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله الصالحة لأجل ~~الحصول على المنزلة في قلوبهم، فهو مشرك. وإنه لن يكون مشمولا بمغفرة الله ~~تعالى حسب الآية الشريفة وأخبار أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم . إذا؛ ~~فيا ليتك كنت من أهل الكبائر، ومتجاهرا بالفسق، ومنتهكا للحرمات الظاهرية، ~~وكنت موحدا ولم تشرك بالله. # فيا أيها العزيز؛ فكر لتجد سبيلا لنجاتك، واعلم أن الشهرة ين هؤلاء الناس ~~وهم باطل، إنها ليست بشيء. إن قلوب هؤلاء التي لو أكلها عصفورا لما شبع، إن ~~هي إلا قلوب ضعيفة تافهة، ولا طاقة لها على شيء وإن هذا المخلوق الضعيف لا ~~حول له ولا قوة. القوة هي قوة الله المقدسة، فهو الفاعل المطلق ومسبب ~~الأسباب. ولو اجتمع الناس جميعا وكان بعضهم لبعض ظهيرا، لما استطاعوا أن ~~يخلقوا ذبابة، وإذا سلبت منهم الذبابة شيئا لما استطاعوا استرجاعه منها. ~~كما جاء في الآية الكريمة: # {ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب}(4). ms044 PageV01P029 # القوة لله تعالى وهو المؤثر في جميع الموجودات. اكتب على قلبك بمداد العقل ~~مهما قاسيت في ذلك وعانيت أن: «لا مؤثر في الوجود إلا الله» !. # ادخل في قلبك بأية وسيلة كانت، التوحيد العملي وهو أول درجات التوحيد، ~~وأجعل قلبك مؤمنا ومسلما، وأختم على قلبك بهذه الكلمة المباركة بالختم ~~الشريف «لا إله إلا الله» وأجعل صورة القلب صورة كلمة التوحيد، وأوصله إلى ~~درجة «الاطمئنان»، وافهمه أن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فالله ~~وحده هو النافع والضار. أزل هذا العمى عن عينك، وإلا فستكون ممن يقول: {... ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} (1). وتحشر يوم كشف السرائر، أعمى. وأعلم ~~أن إرادة الله تعالى قاهرة لجميع الإرادات، وإذا اطمأن قلبك بهذه الكلمة ~~المباركة وتسلم لهذه العقيدة، فالأمل أن ينجز عملك، وتستأصل جذور الشرك ~~والرياء والكفر والنفاق من قلبك. # واعلم أن هذه العقيدة الحقة مطابقة للعقل والشرع وليس فيها شبهة الجبر، ~~وهي الشبهة التي من المحتمل أن يعتقد بها بعض من لا إطلاع لهم على مبادئ ~~الموضوع ومقدماته ولم يطرق سمعهم شيء من تلك الأمور، مع أن ذلك يرتبط ~~بالجبر فهو توحيد والجبر شرك، وهذه هداية والجبر ضلالة. وهذا ليس مكانا ~~مناسبا لبيان الجبر والتفويض، ولكن الأمر واضح عند أهله ولا حق لغيرهم ~~بالدخول في هذه المواضيع، بل وقد نهى صاحب الشريعة عن الدخول فيها. # وعلى أي حال؛ أطلب من الله الرحيم في كل حين، وخصوصا في الخلوات، وبتضرع ~~وعجز وتذلل، أن يهديك بنور التوحيد، وأن ينور قلبك ببارقة غيب التوحيد في ~~الإيمان والعبادة، حتى تعلم أن جميع العالم الواهي وكل ما فيه يكون لا شيء، ~~واسأل الذات المقدس بكل تضرع أن يجعل أعمالك خالصة وأن يهديك إلى طريق ~~الخلوص والولاء. وإذا واتتك حالة السمو الروحي، فذكر بالدعاء هذا العبد ~~الضعيف العاطل الخالي من الحقيقة الذي ضيع عمره في ال هوى، وأصبح قلبه بسبب ~~كدر المعاصي والأمراض القلبية بحيث لم تعد تؤثر فيه أية نصيحة ولا رواية ~~ولا برهان ولا دليل ولا ms045 آية، لعله يجد بدعائكم طريق النجاة، فإن الله لا ~~يرد دعاء المؤمن في حضرة، بل يستجيب دعاءه. # بعد التذكير بهذه المطالب التي كنت تعرفها ولم تكن جديدة عليك، راقب قلبك ~~وأنتبه له، وأخضع أعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة، وفتش في خبايا ~~قلبك، وحاسبه حسابا شديدا مثلما يحاسب شخص من أهل الدنيا شريكه، وأترك كل ~~عمل فيه شبهة الرياء والتملق ولو كان عملا شريفا جدا. وإذا رأيت أنك لا ~~تستطيع أداء الواجبات بإخلاص في العلن، فأدها في الخفاء مع أنه يستحب ~~الإتيان بها في العلن. وقليل ما يتفق أن يقع الرياء في أصل الواجب، والأغلب ~~أن يقع في الخصوصيات والمستحبات والإضافات، وعلى أية حال؛ طهر قلبك من دنس ~~الشرك بجد ومجاهدة شديدتين، لئلا تنتل من هذا العالم لا سمح الله وأنت ~~بهذه الحال السيئة من دون أن يكون لك أمل بالنجاة أبدا، ويكون الحق المتعال ~~غاضبا عليك، كما ورد في الحديث الشريف المنقول في (الوسائل) عن (قرب ~~الإسناد) بسند متصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: من تزيت للناس بما يحب الله وبارز لله في السر ~~بما يكره الله لقي الله وهو عليه غضبان وله ماقت» (2). PageV01P030 # وفي هذا الحديث الشريف احتمالان: الأول: هو ذلك الذي يظهر للناس الأعمال ~~الصالحة ويخفى الأعمال القبيحة. والآخر: هو ذلك الذي يظهر للناس هيكل العمل ~~وفي الباطن يقصد الرياء، وكلتا الصورتين يشملهما الرياء، لأن الإتيان ~~بالواجبات والمستحبات، بغير قصد الرياء لا يستوجب الغضب، بل يمكن القول أن ~~المعنى الثاني أفضل لأن التجاهر بالأعمال القبيحة أشد، وعلى كل حال؛ لا سمح ~~الله أن يكون مالك الملوك وأرحم الراحمين غاضبا على الإنسان «أعوذ بالله من ~~غضب الحليم». ### || AUTO فصل: في بيان حديث علوي # نختم هذا المقام بحديث شريف روي في كتاب (الكافي) عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام ونقل الشيخ الصدوق رضوان الله عليه مثل هذا الحديث عن الإمام الصادق ~~عليه السلام وهو من جملة وصايا الرسول صلى الله عليه ms046 وآله وسلم لأمير ~~المؤمنين عليه السلام وهو هذا: # بإسناده؛ عن أبي عبدالله عليه السلام: قال: قال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: «ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا رأى الناس ويكسل إذا كان وحده، ويحب ~~أن يحمد في جميع أموره» (1). # ولما كانت هذه السيئة الرياء الخبيثة شديدة الخفاء، غابت حتى عن ~~الإنسان نفسه بحيث يكون في الباطن من أهل الرياء وهو يتوهم عمله خالصا، ~~ولهذا ذكروا لها علامة، وبواسطة تلك العلامة يطلع الإنسان على سريرته، ~~وينهض لمعالجتها. وهذه العلامة هي أن الإنسان يشاهد في نفسه عزوفا عن ~~الطاعات عندما يكون وحده، وإذا تعبد فمع كلفة أو من منطلق العادة لا تكون ~~ذات إقبال وتوجه، بل يأتي بالعبادة مقطعة الأوصال من غير كمال وتمام، ولكن ~~عندما يحضر في المساجد والمجامع، وفي المحافل العامة يؤدي تلك العبادة في ~~الظاهر بنشاط وسرور وحضور قلب ويميل إلى إطالة الركوع والسجود، ويؤدي ~~المستحبات أداء حسنا مع توفير كافة أجزائها وشروطها. # إن الإنسان إذا كان منتبها بعض الشيء، ليسأل نفسه عن سبب مثل هذا التصرف؟ ~~ولماذا تنصب شباكها باسم التقدس؟ لموهت على الإنسان وقالت: بما أن العبادة ~~في المسجد أعظم ثوابا أو أن في صلاة الجماعة كذا من الثواب، يشتد النشاط. ~~أما إذا صليت منفردا وفي غير المسجد، فيكون الاهتمام من أجل أنه: «يستحب ~~أداء العمل أمام الناس بصورة حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون في الدين». ~~أنها النفس تخدع الإنسان بأية وسيلة كانت، ولهذا لا يفكر في العلاج. وإن ~~المريض الذي يعتقد نفسه سالما، لا يؤمل له الشفاء، إن هذا الشقي يرغب في ~~باطن ذاته ولب سريرته أن يظهر عمله للناس وهو غافل عن أن ذلك بدافع من ~~الشيطان، بل إن نفسه تظهر له المعصية في صورة العبادة، وتظهر التكبر ~~والغرور في شكل ترويج للدين. إن الإتيان بالمستحبات في الخلوات مستحب، ~~فلماذا ترغب النفس دائما في أن تؤديها في العلن؟ إنه يبكي من خوف الله في ~~المحافل العامة بحرقة وألم، ولكنه في الخلوات مهما ضغط على نفسه لا ms047 تندى ~~عينه. ما الذي حدث لكي يذهب عنه خوف الله إلا بين الناس؟ تسمع له في ليالي ~~القدر وفي جموع الناس الحسرات والنحيب والحرقة والبكاء، يصلي مائة ركعة ~~ويقرأ دعاء الجوشن الكبير والصغير وعدة أجزاء من القرآن المجيد في وسط ~~الجموع، دون أن يتلكأ أو يحس بالتعب. PageV01P031 # إذا كانت أعمال الإنسان لأجل رضا الله فقط أو لإستحصال رحمته أو خوفا من ~~النار وشوقا إلى الجنة، فلماذا يرغب في أن يمدحه الناس على كل عمل عمله؟ ~~فنجد أذنه متوجهة إلى ألسن الناس وقلبه عندهم، لكي يسمع من يمدحه، بقوله: ~~ما أشد تدين والتزام هذا الإنسان؟ وما أحرصه على أداء الفرائض في مواعيدها ~~والمستحبات في أوقاتها؟ وإنه إنسان مستقيم وصادق في معاملاته! إذا كان الله ~~هو الهدف في عملك فما هذا الميل المفرط نحو الناس؟! وإذا كانت الجنة والنار ~~هما اللتان تدفعانك إلى العمل فما الذي يحكي لنا هذا الانحراف؟! ان تبه، ~~فإن هذا الحب هو من نفس شجرة الرياء الخبيثة، فاسع ما استطعت لإصلاح نفسك ~~من أمثال هذا الحب إذا كان ذلك ممكنا. # في هذا المقام أنبه إلى نقطة مهمة وهي أن لكل واحد من هذه الصفات ~~النفسانية، الحسنة منها والسيئة، درجات كثيرة جدا، بحيث أن مرتبة من الصفات ~~يعتبر الاتصاف بها من الحسنات والتخلي عنها من السيئات وتكون من مختصات ~~أولياء الله أو العرفاء بالله ولا يشاركهم فيها غيرهم من سائر الناس. ~~والصفة التي تعتبر نقصا لأولياء الله، والعرفاء بالله، لا تعتبر نقصا ~~لغيرهم من الناس حسب المقام الذي يتمتعون به، بل قد يكون بمعنى من المعاني ~~كمالا لهم. وكذلك تكون حسنات فئة سيئات لفئة أخرى. # والرياء من جملة ما يدور كلامنا عليه حاليا. فالإخلاص من جميع مراتب ~~الرياء هو من مختصات أولياء الله والآخرون ليسوا شركاء في هذه المرتبة، ~~واتصاف عامة الناس بدرجة من رجات الإخلاص ليس نقصا بالنسبة إليهم بحسب ~~المقام الذي هم فيه، ولا يضر بإيمانهم وإخلاصهم. فمثلا تميل نفوس عامة ~~الناس بحسب الغريزة والفطرة إلى أن ms048 تظهر خيراتها أمام الناس، وإن لم يقصدوا ~~أن يظهروها، ولكن نفوسهم مفطورة على هذا الميل. وهذا ليس موجبا لبطلان ~~العمل أو الشرك أو النفاق أو الكفر، وإن كان ذلك نقص بالنسبة للأولياء وشرك ~~ونفاق لدى الولي أو العارف بالله. والتنزه عن مطلق الشرك والإخلاص في جميع ~~مراتبه هو أول مقامات الأولياء ولهم مقامات أخرى لا يناسب هذا المجال ذكرها. # ثم إن قول الأئمة «عليهم السلام» أن «عبادتنا عبادة الأحرار» أي حبا لله، ~~لا طمعا بالجنة ولا خوفا من النار، فهو من المقامات الاعتيادية بالنسبة ~~إليهم وهو أولى درجات الولاية، ولهم في العبادات حالات لا يمكن أن ~~تستوعبها عقولنا ولا عقولكم. # وبهذا البيان ال ذي سمعت يمكن الجمع بين الحديث السابق المنقول عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، والحديث الذي ~~ينقله زرارة، عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام وهو: حديث محمد ~~بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يعمل الشيء ~~من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك، قال: ثم لا بأس، ما من أحد إلا وهو يحب أن ~~يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك» (1). # يعد في أحد الحديثين حب المدح علامة الرياء، ويعد في الآخر السرور بظهور ~~الخيرات أمرا لا بأس به. وبكون هذا حسب اختلاف مراتب الأشخاص. وهناك وجه ~~آخر للجمع بين الحديثين، صرفنا النظر نه هنا. # تتمة: # اعلم، أن السمعة وهي عبارة عن إيصال خصال النفس إلى أسماع الناس لاجتذاب ~~قلوبهم ولأجل الاشتهار، من شجرة الرياء الخبيثة. ولهذا السبب. ذكرناها مع ~~الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر كل واحد منهما بصورة منفصلة. ### | AUTO الحديث الثالث: العجب PageV01P032 بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن علي بن ~~أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن عليه السلام ~~قال: «سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يزين ~~للعبد ms049 سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا ومنها أن يؤمن العبد ~~بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن» (1). # الشرح(2): # العجب: هو عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن: «تعظيم العمل ~~الصالح واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار ~~الإنسان نفسه غير مقصر وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع لله تعالى ~~وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه، فإنه ليس بعجب بل هو أمر ممدوح». ~~ينقل المحدث العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه، عن المحقق الخبير ~~والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العامل رضوان الله عليه(3) أنه قال: «لا ~~ريب في أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك ~~يحصل لنفسه ابتهاج. فإن كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعلى ~~عليه، وكان مع ذلك خائفا من نقصها شفيقا من زوالها، طالبا من الله الازدياد ~~منها، لم يكن ذلك الابتهاج عجبا. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ~~ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأي نفسه خارجا عن حد التقصير، وصار ~~كأنه يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العجب». # أقول، وأنا الفقير: إن تفسير العجب بالصورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب ~~اعتبار العمل أعم من العمل الباطني والظاهري، القلبي والشكلي، وكذلك أعم من ~~العمل القبيح والعمل الحسن. وذلك لأن العجب مثلما يدخل على أعمال الجوارح، ~~يدخل أيضا على أعمال الجوانح فيفس دها، وكما أن صاحب الفضيلة الحسنة يعجب ~~بخصالة، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضا، أي أنه يعجب بخصلة، كما صرح بهذا، ~~الحديث الشريف خصهما بالذكر لأنهما خافيان عن نظر أغلب الناس. وسيأتي ~~ذكرهما إن شاء الله. # ويجب أن تعلم أيضا أن السرور الخالي من العجب والذي اعتبروه من الصفات ~~الممدوحة إنما يلاحظ بحسب نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة. # واعلم أن للعجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة ~~الأولى: العجب بالإيمان والمعارف الحقة، ويقابله العجب بالكفر والشرك ~~والعقائد الباطلة. ms050 # الدرجة الثانية: العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب ~~بسيئات الأخلاق وباطل الملكات. # الدرجة الثالثة: العجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العجب ~~بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة. # وهناك درجات أخرى غير ولكنه ليست في هذا المقام. ونحن إن شاء الله سنشير ~~ضمن فصول لاحقة، إلى تلك الدرجات ومنشئها وما يمكن أن يكون علاجا لها. وبه ~~نستعين. # فصل: في مراتب العجب PageV01P033 اعلم(1) أن لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر من العجب مراتب يكون بعض هذه ~~المراتب واضحة وبينة ويمكن للإنسان الإطلاع عليها بأقل تنبه والتفاوت. ~~وبعضها الآخر دقيق وخفي للغاية بحيث لا يمكن للإنسان أن يدركها ما لم يفتش ~~ويدقق بصورة صحيحة. كما أن بعض مراتبها أشد وأصعب وأكثر تدميرا من بعضها الآخر. # المرتبة الأولى: # وهي أشد المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان بسبب شدة العجب حالة يمن ~~معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على ولي نعمته ومالك الملوك، ~~فيتخيل أن الساحة الإلهية قد اتسعت بسبب إيمانه، أو أن دين الله قد أكتسب ~~رونقا بذلك أو أنه بترويجه للشريعة أو بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ~~ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين ~~الله بهاء جديدا، أو أنه بحضوره جماعة المسلمين، أو بإقامة مجالس التعزية ~~لأبي عبدالله عليه السلام قد أضفى على الدين جلالا، لذلك يمن على الله وعلى ~~سيد المظلومين وعلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يظهر ~~لأحد هذا المعنى، إلا أنه يمن في قلبه. ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشأ ~~المنة على عباد الله في الأمور الدينية، كأن يمن على الضعفاء والفقراء ~~بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة ومساعدتهم، وأحيانا تكون هذه المنة ~~خافية حتى على الإنسان نفسه (وقد تقدم في الحديث الثاني شرح عدم إمكان ~~امتنان الإنسان على الله، وإنا يمن الله على الناس جميعا). # المرتبة الثانية: # وهي التي يتدلل فيها الإنسان ويتغنج بواسطة العجب على الله تعالى وهذه ~~غير المنة، ولو أن البعض لم يفرق بينهما. # أن صاحب ms051 هذا المقام يرى نفسه محبوبا لله تعالى، ويرى نفسه في سلك ~~المقربين والسابقين، وإذا جيء باسم ولي من أولياء الله أو جرى حديث عن ~~المحبوبين والمحبين أو السالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنه من أولئك. وقد ~~يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك، أو أنه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه ينفيه # عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات. # وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء، راح يعلن أن «البلاء للولاء». # إن مدعي الإرشاد من العرفاء والمتصوفة وأهل السلوك والرياضة أقرب إلى هذا ~~الخطر من سائر الناس. # المرتبة الثالثة: # أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال، دائنا لله ~~وأنه بذلك يكون مستحقا للث واب، ويرى واجبا على الله أن يجعله عزيزا في هذا ~~العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمنا تقيا وطاهرا، وكلما ~~جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه: «حتى لو عاملني الله بالعدل، فإني ~~أستحق الثواب والأجر» بل يتعدى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرح بهذا ~~الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإنه يعترض على الله في ~~قلبه، ويتعجب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطاهر، ويرزق ~~المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنه يظهر ~~الرضا في الظاهر، ويصب غضبه على ولي نعمته، ويظهر الرضا بالقضاء أمام ~~الخلق. وعندما يسمع أن الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا، يسلي نفسه بذلك ~~في قلبه، ولا يدري بأن المنافقين المبتلين كثيرون أيضا وليس كل مبتل مؤمنا. # المرتبة الرابعة: PageV01P034 # هي أن يرى الإنسان نفسه متميزا عن ائر الناس وأفضل منهم بالإيمان، وعن ~~المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن غير المتصفين بها، وبالعمل ~~بالواجب وترك المحرم عما يقابل ذلك، كما أنه يرى في عمل المستحبات والتزام ~~الجمعة والجماعات والمناسك الأخرى وترك المكروهات يرى نفسه أكمل من عامة ~~الناس، وأن له امتيازا عليهم، فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبدا ~~ناقصين، وينظر إلى سائر الناس بعين الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في ~~عباد الله ويعيبهم، ويبعد كل شخص ms052 بصورة ما عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرحمة ~~خالصة له ولأمثاله. # ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح يراه من الناس، ~~ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنقاش ولا ~~يرى الأعمال الحسنة من الناس شيئا ولكن إذا صدرت هذه الأعمال نفسها عنه ~~يراها عظيمة. إنه يعرف جيدا عيوب الناس وهو غ افل عن عيوبه. # هذه علامات العجب، وإن كان الإنسان نفسه قد يكون غافلا عنها، وللعجب ~~درجات أخرى، لم أذكر بعضها، وأكون غافلا عن بعضها الأخر حتما. # فصل: إن أهل الفساد يعجبون بفسادهم # يصل أهل الكفر والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، ~~والملكات الخبيثة وأهل المعصية والعصيان، أحيانا إلى درجة الإعجاب بغرورهم ~~وزندقتهم تلك، أو بسيئات أخلاقهم وموبقات أعمالهم، ويسرون بها، ويرون بها ~~أنفسهم من ذوي الأرواح الحرة، الخارجة عن التقليد وغير المعقدة بالأوهام ~~والخرافات، ويرون أنفسهم أولي شهامة ورجولة، ويتصورون أن الإيمان بالله من ~~الأوهام، وأن التعبد بالشرائع من ضعف العقل وصغره، ويرون أن الأخلاق الحسنة ~~والملكات الفاضلة، هي من ضعف النفس والمسكنة، ويحسبون أن الأعمال الحسنة ~~والمناسك والعبادات هي من ضعف الإدراك ونقصان الإحساس، ويرون أن أنفسهم ~~ستحق المدح والثناء، بسبب الروح الحرة التي لا تعتقد بالخرافات ولا تبالي ~~بالشرائع. لقد تأصلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيئة وأصبحوا يأنسون بها، ~~وبها امتلأت أعينهم وآذانهم فرأونا حسنة، وتصوروها كمالا مثلما وردت ~~الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث قال: «العجب درجات، منها أن يزين ~~للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا» وهذه إشارة إلى قول ~~الله تعالى {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا...} (1). وكما يقول {ويحسب أنه ~~يحسن صنعا} يشير إلى قول الله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}(2). ~~تلك المجموعة من الناس الذين هم في الواقع جهلة ويحسبون أنفسهم ms053 علماء، ~~أولئك هم أكثر الناس مسكنة وأسوأ الخلائق حظا، أولئك يعجز أطباء النفوس عن ~~علاجهم ولا تؤثر فيهم الدعوة والنصيحة، بل قد تعطي أحيانا نتيجة عكسية. ~~أولئك لا يعون الدليل بل يسدون أسماعهم عن هداية الأنبياء عليهم السلام ~~وبرهان الحكماء ومواعظ العلماء. PageV01P035 # وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شر النفس ومكائدها التي تجر الإنسان من ~~المعصية إلى الكفر ومنه إلى العجب به. إن النفس والشيطان، بتهوينها بعض ~~المعاصي، يلقيان بالإنسان في المعصية، وبعد تأصيلها في قلبه وتحقيرها في ~~عينه يبتلى الإنسان بمعصية أخرى أكبر قليلا من الأولى، ومع التكرار تسقط ~~المعصية الثانية من النظر وتبدو صغيرة وهين في عين الإنسان، فيبتلى بما هو ~~أعظم. وهكذا يسير الإنسان نحو الهاوية خطوة فخطوة، وشيئا فشيئا فتصغر كبائر ~~المعاصي في عينه إلى أن تسقط جميع المعاصي في نظرة، فيستهين بالشريعة ~~والقانون الإلهي، ويؤول عمله إلى الكفر والزندقة والإعجاب بهما. وقد يأتي ~~الحديث عن ذلك فيما يأتي. ### || AUTO فصل: في بيان أن حيل الشيطان دقيقة # وعلى غرار ما يتدرج عمل أولي العجب بالمعاصي من مرتبة إلى أخرى حتى يصل ~~إلى الكفر والزندقة، كذلك يتطور العجب بالطاعات من العجب في الدرجة الناقصة ~~إلى الدرجة الكاملة، فتصبح مكائد النفس والشيطان في القلب على أساس تخطيط ~~ودراسة. إن الشيطان لا يمكن أبدا أن يعهد إليكم، أنتم المتقون الخائفون من ~~الله، مهمة قتل النفس أو الزنا، أو أن يقترح على الشخص الذي يتمتع بالشرف ~~وطهارة النفس، السرقة أو قطع الطريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن ~~من على الله ب هذه الأعمال أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحبين ~~والمقربين من # الحضرة الإلهية. وإنما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى ثم يشق طريقه في ~~قلوبكم، فيدفعكم نحو الحرص الشديد على التزام المستحبات والأذكار والأوراد. ~~وفي غضون ذلك يزين أمامكم بما يناسب حالكم، عملا واحدا من أهل المعصية، ~~ويوحي لكم بأنكم بحكم الشرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأن أعمالكم موجبة ~~لنجاتكم، وأنكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرءون ms054 منها، فيتحصل ~~من هذه الإيحاءات نتيجتين: الأولى: هي سوء الظن بعباد الله، والأخرى: العجب ~~بالنفس. وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد. # قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو ~~أعمال أخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات ~~والأعمال منارا يهديه فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعل الله قد ابتلى هذا ~~لشخص بالمعصية لكي لا يبتلى بالعجب، الذي يعد أسوأ من المعصية. مثلما ورد ~~في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبدالله، قال: «إن الله علم أن ~~الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا» (1) ولعل ~~عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب سوء الظن هذا. وكان شيخنا الجليل ~~العارف الكامل الشاه آبادي «روحي فداه» يقول: # «لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافرا، فلعل نور فطرته ~~يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة إن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر غير التعبير القلبي» بل كان يقول: «لا تلعنوا الكفار ~~الذين لا يعلم بأنهم رحلوا عن هذا العالم وهم حال في حال الكفر، فلعلهم ~~اهتدوا في أثناء الرحيل فتصبح روحانيتهم مانعا لرقيكم». وعلى أي حال، فإن ~~النفس والشيطان، يدخلانكم في المرحلة الأولى من العجب وقليلا قليلا ~~ينقلانكم من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدرجة إلى درجة أكبر إلى ~~أن يصلا بالإنسان في النهاية إلى المقام الذي يمن فيه على ولي نعمته ومالك ~~الملوك، بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدرجات. # فصل: في مفاسد العجب PageV01P036 اعلم أن العجب بنفسه من المهلكات والموبقات ومما يحبط إيمان الإنسان ~~وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام عليه السلام الراوي عندما يسأله في هذا ~~الحديث الشريف عن العجب الذي يفسد العمل فيحدد عليه السلام أن درجة منه هي ~~العجب في الإيمان. وقد سمعت في الحديث السابق أن العجب أشد من الذنب في ~~حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح ~~آمنا من العجب. وكذلك الرسول الأكرم صلى ms055 الله عليه وآله وسلم يعتبر العجب ~~من المهلكات. # وفي أمالي الصوق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «من دخله العجب ~~هلك» (1) وصورة هذا السرو الحاصل من العجب في البرزخ وما بعد الموت، تكون ~~موحشة ومرعبة جدا، ولا نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول ~~الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأمير المؤمنين عليه ~~السلام: «ولا وحدة أوحش من العجب» (2). سأل موسى ين عمران على نبينا وآله ~~وعليه السلام الشيطان: «أخبرني بالذنب الذي إذا ارتكبه ابن آدم إستحوذت ~~عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينه ذنبه» (3). وقال: ~~قال الله تعالى لداود عليه السلام: «يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين» ~~قال: يا رب كيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال: «يا داود بشر المذنبين ~~أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب. وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم، فإنه ~~ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك» (4) أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب ~~التي تهلك الصديقين ومن هو أعظم منهم. # ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسندا إلى الإمام الصادق أن الشيطان يقول: ~~«إذا ظفرت بابن آدم في ثلاث فلا يهمني عمله بعد ذلك لأنه لن يقبل منه: إذا ~~استكثر عمله، ونسي ذنبه، وتسرب إليه العجب» !(5). # يضاف على ما سمعت من مفاسد العجب، نه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من ~~الكبائر والموبقات. فعندما يتأصل العجب في القلب، يجر عمل الإنسان إلى ~~الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك. # ومن مفاسده استصغار المعاصي. بل إن ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه ويظن أن ~~نفسه زكية طاهرة، فلا يخطر على باله أبدا أن يطهرها من المعاصي، لأن ستار ~~الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه. وهذه ~~مصيبة، إذ أنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، ~~وتؤدي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه... # ومن مفاسده الأخرى أنها تجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله، وهذا ما ~~يصبح سببا في أن يحسب ms056 الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحق تعالى، ~~ولا يرى عليه فضل الحق تعالى، ويرى بحسب عقله الصغير أن الحق تعالى ملزم ~~بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهم أنه حتى لو عومل بالعدل أيض ا لاستحق ~~الثواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن شاء الله. PageV01P037 # ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب ~~أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله، فتكو ن هذه النظرة وسيلة ~~لهلاك الإنسان أيضا، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته. # ومن مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأن الإنسان بصورة عامة ~~إذا استصغر أعماله وجدها لا شيء ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا يستحق ~~الذكر، وعندما لا يكون معجبا بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل وجد نفسه ~~وجميع ما يصدر عنها سيئا وقبيحا، لا يطرحها ولا يتظاهر بها، فإن البضاعة ~~الفاسدة تكون سيئة وغير صالحة للعرض. ولكنه إذا رأى نفسه كاملا وأعماله ~~جيدة، فإنه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على الناس. # يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العجب أيضا. # وهناك مفسدة أخرى هي أن ذه الرذيلة تؤدي إلى رذيلة الكبر المهلكة، وتبعث ~~على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبر وسيأتي إن شاء الله ذكر الحديث عنها ~~فيما بعد . # تنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضا بصورة مباشرة وغير مباشرة وشرح ذلك ~~يوجب التفصيل. فليعلم المعجب أن هذه الرذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ ~~لأمور بشكل كل واحد منها سببا للهلاك الأيدي والخلود في العذاب. فإذا عرف ~~هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة ~~بشأنها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت ذلك القائد ~~صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المحتم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزما بالنهوض ~~لإصلاح النفس، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، ~~لئلا ينتقل لا سمح الله إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة، وإنه حينما يغمض ~~عينيه المادية الملكوتية، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة، يرى أن ms057 حال ~~أهل كبائر المعاصي أفضل من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم ~~أو بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأما هذا المسكين الذي رأى ~~نفسه مستقلا، وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله، فيرى بأن الله تعالى ~~حاسبه لذلك حسابا عسيرا، وأخضعه لميزان العدل كما أراد، وأفهمه بأنه لم يقم ~~بأية عبادة لله تعالى، وأن جميع عباداته أبعدته عن الساحة المقدسة، وأن كل ~~أعماله وإيمانه باطل وتافه. بل وأن تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب ~~الهلاك وبذرة العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجحيم. الويل لمن يعامله ~~الباري تعالى بعدله، فإذا ما عومل الناس مثل هذا التعامل ما نجا أحد من ~~الأولين والآخرين. إن مناجاة صفوة الله من الأنبياء والأئمة المعصومين ~~صلوات الله عليهم مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية. ~~وعندما يعلن رسول الله محمد صلى الله عليه PageV01P038 وآله وسلم أفضل الكائنات وأقربها إلى الله قائلا: «ما عرفناك حق معرفتك وما ~~عبدناك حق عبادتك» فماذا سيكون حال سائر الناس؟.. نعم إنهم العارفون بعظمة ~~الله تعالى، العالمون بحقيقة نسبة «الممكن» إلى «الواجب» إنهم يعلمون، أنهم ~~لو قضوا جميع أعمارهم في الدنيا بالعبادة والطاعة والتحميد والتسبيح، لما ~~أدوا شكر نعم الله، فكيف يمكن أداء حق الثناء على ذاته وصفاته المقدسة؟، ~~إنهم يعلمون أن ليس لموجود شيء. فالحياة والقدرة والعلم والقوة وسائر ~~الكمالات الأخرى هي ملك لكماله تعالى، و«الممكن» فقير، بل فقر محض يستطل ~~بظله تعالى، وليس بمستقل بذاته. أي كمال يملكه «الممكن» بنفسه لكي يتظاهر ~~بالكمال؟، وأية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله ~~وجلاله شاهدوا شهود عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال «الواجب» تعالى، وإنما ~~نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا ~~وقوالبنا وغشى أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث أخذنا ~~نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أن لنا استقلالا وشيئية ~~بذواتنا. # أيها «الممكن» المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!، أيها «الممكن» ~~السيئ الحظ الغافل عن ms058 واجباتك إزاء مالك الملوك! إن هذا الجهل هو سبب جميع ~~ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظلمات والمكدرات. ~~أن الفساد قد ينشأ من الأساس، وأن تلوث الماء قد يكون من المعين. إن عيون ~~معارفنا عمياء، وقلوبنا ميته، وهذا سبب جميع المصائب ولكننا مع كل ذلك لسنا ~~حتى بصدد إصلاح أنفسنا!. # اللهم تفضل علينا بتوفيق التوبة، وعرفنا أنت بواجباتنا، وتفضل علينا ~~بنصيب من أنوار معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا ~~إحاطة قدرتك وسلطتك، وعرفنا بنواقصنا. فهمنا نحن الماكين الغافلين الذين ~~ننسب جميع المحامد إلى الخلق فهمنا معنى «الحمد لله رب العالمين» عرف ~~قلوبنا بأن ليست هناك محمدة من مخلوق. أظهر لنا حقيقة {ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك...}(1). أدخل كلمة التوحيد إلى قلوبنا ~~القاسية الكدرة، نحن أهل الحجاب والظلمة، وأهل الشرك والنفاق، نحن ~~الأنانيون، عباد النفس، المعجبون بها، أخرج من قلوبنا حب النفس وحب الدنيا، ~~واجعلنا عشاقا لله وعبادا لك {إنك على كل شيء قدير}. ### || AUTO فصل: في بيان أن حب النفس أساس العجب # اعلم أن رذيلة العجب تنشأ من حب النفس، لأن الإنسان مفطور على حب الذات، ~~فيكون أساس جميع الأخطاء والمعاصي الإنسانية والرذائل الأخلاقية، حب النفس. ~~ولهذا فإن الإنسان يرى أعماله الصغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ~~ومن خاصة الله ويرى نفسه مستحقا للثناء ومستوجبا للمدح على تلك الأعمال ~~الحقيرة التافهة. بل ويحدث أحيانا أن تلوح لنظرة قبائح أعماله حسنة وإذا ما ~~رأى من غيره أعمالا أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهمية، ويصف أعمال ~~الناس الصالحة بالقبح، وأعماله السيئة القبيحة بالحسنة. يسيء الظن بخلق ~~الله ولكنه يحسن الظن بنفسه، وبسبب حبه لنفسه يرى بعمله الصغير الممزوج ~~بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أن الله مدين له وأنه يستوجب منه الرحمة. PageV01P039 # فلنفكر الآن قليلا في أعمالنا الصالحة ولنحكم العقل قليلا في الأفعال ~~العبادية الصادرة عنا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أننا نستحق بها ~~المدح والثناء ms059 والثواب والرحمة، أو أننا جديرون باللوم والعتاب والغضب ~~والنقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار ~~القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلا؟... # إني أحكمكم في هذا السؤال الذي أطرحه، أريد منكم الجواب عليه بإنصاف بعد ~~إعمال الفكر والتأمل . والسؤال هو أنه إذا أخبركم الرسول الأكرم صلوات الله ~~عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدق، إنكم إذا عبدتم الله طوال عمركم وأطعتم ~~أوامره وتركتم شهوات النفس ورغباتها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف ~~توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى أساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم، إذا ~~أخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنكم سيان في كلتا # الحالتين لن تختلف درجاتكم في الآخرة إنكم على كل حال الناجون وستذهبون ~~إلى الجنة وتأمنون من العذاب، فلا فرق حسب الفرض بين أن تصلوا أو تزنوا، ~~ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه وحمده، والابتعاد ~~عن الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم، مع عدم الإثابة على الطاعة. ~~فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟ هل كنتم تتركون الشهوات ~~وتحرمون على أنفسكم اللذات النفسانية من أجل رضا الله تعالى والرغبة فيه، ~~أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسلين إليه تعالى بالمستحبات والجمعة ~~والجماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون اللهو واللعب والملاهي وغير ~~ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنني أعلن عن نفسي وعمن هو على ~~شاكلتي بأنا كنا نصبح من أهل المعصية ونترك الطاعات ونعمل بالشهوات ~~النفسانية. # وبعد ما تقدم نستنتج أن جميع أعمالنا هي من أجل اللذات النفسانية ومن أجل ~~الاهتمام بالبطن والفرج. إننا عباد للبطن وعباد للشهوة، ونترك لذة صغيرة، ~~للذة أعظم وإن وجهة أنظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشهوة. إن الصلاة ~~التي هي معراج القرب إلى الله نؤديها قربة لنساء الجنة ولا علاقة لها ~~بالقرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي بعيدة آلاف الفراسخ عن ~~رضا الله. # أيها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، يا من لا تهم سوى إرادة شهوتك ms060 ~~وغضبك، أنت المتوسل بالأذكار والأوراد والمستحبات والواجبات، والتارك ~~للمكروهات والمحرمات والمتخلق بالأخلاق الحسنة، والمتجنب لسيئات الأخلاق، ~~ضع أعمالك أمام عين الإنصاف، أتقوم بها لأجل الوصول إلى الشهوات النفسانية ~~والجلوس على سرر مطعمة بالزبرجد، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنة، ~~ارتداء الحرير والإستبرق، والسكنى في القصور الفارهة الجميلة، والوصول إلى ~~الأماني النفسية؟ أفينبغي أن تمن بهذه الأعمال على الله وهي جميعا لأجل ~~النفس ومن أجل عبادتها، وتعدها عبادة لله؟ هل يختلف حالكم عن ذلك الأجير ~~الذي ينجز عملا من أجل الأجر، ثم يقول: إنني أنجزت ذلك العمل لأجل صاحب ~~العمل فحسب؟ أفلا تكذبوه؟ # ألستم كاذبين حينما تقولون: إننا نصلي تقربا إلى الله تعالى؟ ألأجل التقرب # إلى الله هذه الصلاة أو لأجل التقرب لنساء الجنة وإشباع الشهوة؟ أقولها ~~صراحة، إن جميع عباداتنا هذه لهي من كبائر الذنوب عند العرفاء بالله ~~وأولياء الله. PageV01P040 # أيها المسكين! أنت في حضرة الله جل جلاله، وفي محضر الملائكة المقربين، ~~تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤديها ~~لأجل النفس الأمارة بالسوء ولأجل الشيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في ~~العبادة عدة أكاذيب في حضرة الرب والملائكة المقربين وتفتري عدة افتراءات، ~~وتمن وتعجب وتتدلل أيضا، ولا تخجل بعد كل ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه ~~وعبادتك عن معصية أهل العصيان، وأشدها الرياء؟ فالرياء شرك وقبحه ناشئ من ~~أنك لم تؤد العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص ~~والإخلاص، بل حتى أن رضا الله لا يشترك في الدافع إلى إنجاز هذه العبادة ~~فهي لأجل الشهوات وإعمار البطن والفرج فحسب. # أيها العزيز، إن الصلاة التي تكون لأجل المرأة، سواء أكانت في الدنيا أم ~~في الجة، لا تكون لله، الصلاة التي تكون من أجل الحصول على أمال الدنيا أو ~~آمال الآخرة، لا علاقة لها بالله فلماذا إذا تتدلل إلى هذا الحد، وتنظر إلى ~~عباد الله بعين الاحتقار، وتحسب نفسك من خواص الله تعالى؟ أيها المسكين! ~~أنت بهذه الصلاة مستحق للعذاب ومستوجب لسلسلة طولها سبعون ms061 ذراعا. فلماذا ~~إذا تحسب نفسك دائنا لله، وتهيأ لنفسك بهذا التدلل والعجب عذابا آخر؟ أعمل ~~الأعمال التي أمرت بها، واعلم أنها ليست لأجل الله، واعلم أن الله يدخلك ~~الجنة بتفضله وترحمه، وأن الله تعالى خفف عن عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع ~~من الشرك وأسدل عليه بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذر أن يتمزق هذا الحجاب ~~وليبق حجاب غفران الله على هذه السيئات التي أسميناها عبادة. فإذا حدث لا ~~سمح الله أن انطوت صفحتك هذه ورحلت من هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فإن ~~عفونة عبادتنا عندئذ لن تقل عن عفونة المعاصي وال موبقات التي يرتكبها أهل ~~المعصية. وقد أشرنا فيما مضى إلى حديث ينقله ثقة الإسلام الكليني في كتاب ~~(الكافي) بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهنا ننقل قسما من هذا ~~الحديث بنصه تبركا وتيمنا: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عز وجل لداود عليه السلام: {يا داود بشر ~~المذنبين وأنذر الصديقين. قال: كيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال يا ~~داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب وأنذر الصديقين أن لا ~~يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك}(1). لأنه مستحق للعذاب ~~وفق العدالة فإن ثواب عبادات العبد لا تعادل شكر واحد من نعمائه. # فإذا علمت الصديقين، على الرغم من أنهم مطهرون من الذنب والمعصية، جميعا ~~هالكون في الحساب، فماذا نقول أنا وأنتم؟... هذا كله عندما تكون أعمالي ~~وأعمالكم خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرمات وقلما يحصل لنا ~~خلوص عمل من الرياء والنفاق. PageV01P041 # وعليه إذا استدعى العمل العجب والتدلل والتغنج، فافعل. وإذا أستدعى الخجل ~~والتذلل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد كل عبادة أن تنوب من تلك ~~الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، ومما نسبته إلى نفسك دون دليل. ~~ألا ترى أن عليك أن تنوب من قولك وأنت تقف أمام الله قبل الدخول في الصلاة: ~~{إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}(1)، ms062 ~~{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(2). فهل وجوهكم متوجهة ~~إلى فاط ر السماوات والأرض؟ هل أنتم مسلمون وخالصون من الشرك؟ هل صلاتكم ~~وعبادتكم وحياتكم ومماتكم لله؟ ألا يبعث على الخجل بعد هذا أن تقولوا في ~~الصلاة [الحمد لله رب العالمين]؟ فهل حقا تقرون بأن المحامد كلها لله؟، في ~~حين أنك تقرون بالحمد لعبادة، بل ولأعدائه؟، أليس قولكم [رب العالمين] يكون ~~كذبا لأنكم تقرون في الوقت نفسه بالربوبية لغيره تعالى في هذا العالم، أفلا ~~يحتاج ذلك إلى التوبة والخجل؟. وحينما تقول {إياك نعبد وإياك نستعين} فهل ~~تراك تعبد الله أم تعبد بطنك وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل ~~تطلب العون من الله فقط؟ إن الشيء الذي لا يأخذ بعين الاعتبار في الأعمال ~~هو الله، وأنت إذا ذهبت إلى زيارة بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، ~~وأن مطلبك ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر: # وما حب الديار شغفن قلبي *** ولن حب من سكن الديارا # أباحث أنت عن الله؟ أتطلب آثار جمال الله وجلاله؟ ألأجل سيد المظلومين ~~تقيم العزاء؟ ألأجله عليه السلام تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى ~~آمالك وأمانيك؟ أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي ~~التي تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك ~~والعبادة؟. # فيا أيها الأخ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان، وأعلم أنه لن يدعك ~~أيها المسكين بأن تؤدي عملا واحدا بإخلاص، وحتى هذه الأعمال غير الخالصة ~~التي تقبلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك الشيطان أن تصل بها إلى الهدف ~~فيعمل عملا تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا العجب ~~والتدلل في غير موقعه. وبغض النظر عن بعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنك لن ~~تصل إلى الجنة ولا إلى الحور العين، بل تخلد في العذاب وتعذب بنار الغضب كذلك. # أنت تظن أنك ب هذه الأعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء ~~وطلب السمعة وألف مصيبة أخرى ms063 التي تحول دون قبول العبادات كلها، تظن إنك ~~بها تستحق الأجر من الحق تعالى أو أنك أصبحت بها من المحبين والمحبوبين. ~~أيها المسكين الجاهل بأحوال! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب المحبين، ~~وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ~~ونور أعمالهم! أو تظن أن أعمالهم أيضا مثل أعمالي وأعمالك؟ أو تتوهم أن ~~ميزة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنه عليه السلام كان يمد ~~«الضالين» أكثر أو أن قراءته أصح أو أن سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟ ~~أو أن ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلي عدة مئات من الركعات ليليا؟ ~~أو تظن أن مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟ ~~وإنه كان # يتحرق ويتضرع بتلك الصورة من أجل الحور العين والكمثرىوالرمان من نعم ~~الجنة؟. PageV01P042 # أقسم به صلوات الله وسلامة عليه {وإنه لقسم عظيم} لو أن المحبين كان بعضهم ~~ظهيرا للبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوهوا بكلمة (لا إله إلا الله) مرة واحدة ~~بمثل ما كان يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون ~~تعيسا وشقيا أن لا أكون على خطى علي عليه السلام وأنا من العار فين لمقام ~~ولاية علي عليه السلام؟. # أقسم بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام، لو أن الملائكة المقربين ~~والأنبياء المرسلين عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره أرادوا ~~أن يكبروا مرة واحدة، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي عليه السلام، لما ~~استطاعوا. وأما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئا إلا حملة تلك القلوب ~~وأصحابها!. # فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا تبالغ في حبك له، أيها ~~العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها المرت اض، أيها ~~الفقيه، أيها المؤمن، أيها المقدس، أيها المساكين المبتلون يا سيئي الحظ ~~المغلوبين بمكائد النفس وهواها، أيها المساكين المبتلون بالآمال والأماني ~~وحب النفس، كلكم مساكين، كلكم بعيدون فراسخ عن الإخلاص وعبادة الله، لا ~~تحسنوا الظن بأنفسكم إلى هذا الحد، لا ms064 تتغنجوا ولا تتدللوا. اسألوا قلوبكم: ~~هل تبحث عن الله، أم تريد ذاتها؟ هل هي موحدة وتطلب الواحد أم مشركة وتعبد ~~أثنين؟ فماذا يعني إذا كل هذا العجب؟ ماذا يعني إذا التعالي بالعمل إلى ~~الحد؟ وهو إذا صحت جميع أجزائه وشروطه وخلا من الرياء والشرك والعجب وباقي ~~المفسدات، فهدفه الوصول إلى إشباع شهوات البطن والفرج، فما قيمته كي تنقله ~~الملائكة؟ هذه الأعمال من القبائح والفجائع، وينبغي للإنسان أن يخجل منها ~~ويسترها... # إلهي... بك نعوذ نحن المساكين من شر الشياطين والنفس الأمارة بالسوء، ~~اللهم فاحفظنا من مكائدهم بحق محمد وآله. ### | AUTO الحديث الرابع: الكبر # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن ~~يونس، عن أبان، عن حكيم، قال: «سألت أبا عبدالله عليه السلام عن أدنى ~~الإلحاد، فقال: الكبر أدناه» (1). # الشرح: # الكبر عبارة عن حالة نفسية تجعل الإنسان يترفع ويتعالى على الآخرين. ومن ~~إماراته تلك الأعمال التي تصدر عن الإنسان، والآثار التي تبدو منه بحيث ~~يقال عنه أنه متكبر. وهذه الصفة هي غير العجب، بل هي كما سبق قوله، صفة ~~رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب، لأن العجب هو الإعجاب بالذات، والكبر هو ~~التعالي والتعاظم على الناس. فعندما يتوهم الإنسان أي فيه صفة من صفات ~~الكمال، تنتابه حالة، هي مزيج من السرور والتدلل والتغنج وغيرها. هذه هي ~~صفة «العجب» ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصفة التي يتوهمها في نفسه، ~~ينتابه شعور آخر هو تصور التفوق والتقدم، وهذا يؤدي إلى التعاظم والترفع، ~~وهذه هي صفة «الكبر». # إن كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظاهر، ~~في الملامح وفي الأفعال وفي الأقوال. وبهذا يصبح الإنسان مغرورا وإذا ازداد ~~أصبح معجبا بنفسه، وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفع ويتكبر. # واعلم أن الصفات النفسانية، سواء أكانت من صفات النقص والرذيلة أم من ~~صفات الكمال والفضيلة، فإنها دقيقه ومبهمة جدا. ولهذا فإن التمييز بينها ~~والتعرف عليها يكون في غاية الصعوبة، ولربما يقع الكثير من الاختلاف بين ~~العلماء ms065 الأعلام عند تحديدها، أو أنه يصعب وضع تعريف لهذه الصفة الوحدانية ~~من دون أن تصيبها منقصة. لذلك فمن الخير ترك هذه الأمور للوجدان نفسه، ~~ونحرر أنفسنا من PageV01P043 اصطناع لمفاهيم حتى لا نتخلف عن الهدف المقصود والمنشود. # فلا بد أن نعرف أن للكبر درجات تشبه الدرجات التي ذكرناها في العجب. ~~ويضاف عليها درجات أخرى ذات صلة بالعجب أعرضنا عن ذكرها هناك لعدم أهميتها، ~~ولكننا نتعرض إليها هنا لكونها مهمة فنقول: # أما الدرجات التي ورد شبيهها في العجب فهي أيضا ست: # 1 الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقة. ويقابله الكبر بسبب الكفر ~~والعقائد الباطلة. # 2 الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصفات الحميدة. ويقابله الكبر بسبب ~~الأخلاق الرذيلة والملكات القبيحة. # 3 الكبر بسبب العبادات والصالحات من الأعمال. ويقابله الكبر بسبب ~~المعاصي والسيئات من الأعمال. # وكل درجة من هذه يمكن أن تكون وليدة مثيلتها من الدرجات العجب. وقد تكون ~~وليدة سبب آخر سوف تأتي الإشارة إليه فيما بعد. أما الذي نحن بصدده هنا على ~~وجه الخصوص فهو الكبر بسبب أمور خارجية، مثل الحسب والنسب والمال وا لجاه ~~والرئاسة وغيرها. ولسوف نشير إن شاء الله خلال الفصول اللاحقة إلى بعض ~~مفاسد هذه الرذيلة وعلاجها قدر الإمكان، سائلين الله تعالى التوفيق لحصول ~~تأثير ذلك فينا وفي الآخرين. ### || AUTO فصل: في بيان درجات الكبر # اعلم أن للكبر، من منظور آخر، درجات: # الأولى: التكبر على الله تعالى. # الثانية: التكبر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم. # الثالثة: التكبر على أوامر الله تعالى، وهذا يرجع إلى التكبر على الله. # الرابعة: التكبر على عباد الله تعالى، وهذا أيضا يراه أهل المعرفة راجعا ~~إلى التكبر على الله. # أما التكبر على الله فهو أقبحها وأشدها هلكة ويأتي على رأس درجات الكبر، ~~وتراه في أهل الكفر والجحود ومدعي الألوهية، وقد تراه أحيانا في بعض أهل ~~الدين ولا يناسب ذكره هنا. وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة «الممكن» حدود ~~نفسه وعدم معرفة مقام «واجب الوجود». # وأما التكبر على الأنبيء والأولياء، فكثيرا ما كان يحصل في زمان ms066 الأنبياء ~~قال تعالى على لسانهم: # {... أنؤمن لبشرين مثلنا...}(1). # وقال تعالى على لسان آخرين منهم: # {... لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}(2). # وفي صدر الإسلام وقع الكثير من التكبر على أولياء الله، وفي هذا الزمان ~~أيضا نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الإسلام. # وأما التكبر على أوامر الله فيظهر في بعض العاصين، كأن يمتنع أحدهم عن ~~الحج بحجة أنه لا يستسيغ مناسكه من إحرام وغيره. أو يترك الصلاة لأن السجود ~~لا يليق بمقامه، بل قد يظهر ذلك أحيانا عند أهل النسك والعبادة وأهل العلم ~~والتدين، كأن يترك الآذان تكبرا، أو لا يتقبل مقولة الحق إذا جاءت ممن هو ~~قريب له أو دونه منزلة. PageV01P044 # فقد يسمع الإنسان قولا من زميل له فيرده بشدة ويطعن في قائله، ولكنه إذا ~~سمع ذلك الق ول نفسه، من كبير في الدين أو الدنيا، قبله(1). بل قد يكون ~~جادا في رد الأول وجادا أيضا في قبول الثاني. إن شخصا هذا شأنه لا يكون من ~~طلاب الحق، بل يكون تكبره قد أخفى عنه الحق، وأعماه تملقه لذاك الكبير ~~وأصمه. ومثل هذا التكبر يتصف به أيضا من يترك تدريس علم أو كتاب باعتباره ~~لا يليق به، أو يرفض تدريس أشخاص لا مركزية لهم، أو لأن عددهم قليل، أو ~~يترك صلاة الجماعة في مسجد صغير ولا يقتنع بعدد من المأمومين حتى وإن علم ~~أن في مثل تلك الجماعة رضا الحق تعالى. وقد تصبح هذه الحال من الدقة بحيث ~~أن صاحبها لا يدرك أن عمله هذا يرجع إلى الكبر، إلا إذا تدارك الأمر بإصلاح ~~نفسه وتخلص من مكائد هذه الحال. # أما التكبر على عباد الله فأقبحه التكبر على العماء بالله، ومفاسده أكثر ~~من كل شيء وأهم. ومن هذا التكبر رفض مجالسة الفقراء، والتقدم في المجالس ~~والمحافل، وفي المشي، وفي السلوك. وهذا النوع من التكبر رائج وشائع بين ~~مختلف الطبقات، ابتداء من الأشراف والأعيان والعلماء والمحدثين والأغنياء ~~حتى الفقراء والمعوزين، إلا من حفظة الله من ذلك. # إن التمييز بين ms067 التواضع والتملق، والتكبر والإباء يصبح أحيانا على درجة ~~كبيرة من الصعوبة، فلابد للإنسان أن يتعوذ بالله ليهديه إلى طريق الهداية، ~~وإذا تصدى الإنسان لإصلاح نفسه وتحرك نحو المقصود، فإن الله تعالى سوف ~~يشمله برحمته الواسعة وييسر له سبيل الهداية. # فصل: في الأسباب الأساسية للتكبر # للكبر أسباب عديدة ترجع كلها إلى توهم الإنسان الكمال في نفسه، مما يبعث ~~على العجب الممزوج بحب الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه ويترفع ~~عليهم قلبيا أو ظاهريا. فمثلا، قد يحصل ب ين علماء العرفان أن يتصور أحدهم ~~نفسه من أهل العرفان والشهود ومن أصحاب القلوب والسوابق الحسنى، فيترفع على ~~الآخرين ويتعاظم عليهم. ويرى أن الحكماء والفلاسفة سطحيون، وأن الفقهاء ~~والمحدثين لا يتجاوزون الظاهر في نظراتهم، وأن سائر الناس كالبهائم. وينظر ~~إلى عباد الله بعين التحقير والازدراء. ويذهب هذا المسكين ينمق الحديث # عن الفناء في الله والبقاء بالله، ويدق طبل التحقق. مع أن المعارف ~~الإلهية تقضي حسن الظن بالكائنات، فلو أنه كان قد تذوق حلاوة المعرفة بالله ~~لما تكبر على مظاهر جمال الله وجلاله بحيث أنه في مقام العلم والبيان يصرح ~~خلاف حاله، ولكن الحقيقة هي أن هذه المعارف لم تدخل قلبه، بل إن هذا ~~المسكين لم يبلغ حتى مقام الإنسان ولكنه يتشدق بالعرفان، ومن دون أن يكون ~~له حظ من العرفان يتحدث عن مقام التحقق. # إن من بين الحكماء أيضا أناسا، يرون أنهم بما يملكون ن براهين ومن علم ~~بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى ~~سائر الناس يعين التحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين، علوما، ويرون عباد ~~الله جميعا ناقصي علم وإيمان، فيتكبرون عليهم في الباطن، ويعاملونهم في ~~الظاهر بكبرياء وغرور، مع أن العلم بمقام الربوبية، وفقر الممكن (المخلوق)، ~~يقضيان بخلاف ذلك. والحكيم من تحلى بملكة التواضع بوساطة العلم بالمبدأ ~~والمعاد. # لقد وهب الله لقمان الحكمة بنص من القرآن الكريم ومن جملة وصايا ذلك ~~العظيم لإبنه، كما ورد في القرآن الكريم: # {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ms068 إن الله لا يحب كل مختال فخور}. PageV01P045 # ونجد في الذين يدعون الإرشاد والتصوف وتهذيب الباطن، أشخاصا يعاملون الناس ~~بالتكبر ويسيؤون الظن بالعلماء والفقهاء وأتباعهم، ويطعنون بالعلماء والح ~~كماء، ويرون الناس، عدا أنفسهم ومن يلوذ بهم، من أهل الهلاك. وبما أنهم صفر ~~اليدين من العلوم، يصفون العلوم بأنها أشواك الطريق، ويرون أصحابها شياطين ~~طريق السالك، مع أن كل ما يزعمونه لأنفسهم من مقام يقتضي خلاف ذلك كله. إن ~~من يدعي أنه هادي الخلائق ومرشد الضالين يجب أن يكون هو بنفسه منزها عن ~~المهلكات والموبقات، زاهدا في الدنيا، غارقا في جمال الله، لا يتكبر على ~~حلقه ولا يسيء الظن بهم. # كذلك نجد أحيانا بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلابهما من ينظر إلى ~~سائر الناس بعين الإحتقار ويتكبر عليهم، ويرى نفسه جديرا بكل إكرام وإعظام، ~~ويعتقد إن من المفروض على الناس أن يطيعوا أمره إطاعة عمياء، وأنه {لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون}، وما من أحد يستحق الجنة، في رأيه، إلا هو مع أفراد ~~معدودون مثله وكلما جاء ذكر طائفة مقترنا بأيعلم من العلوم طعن فيهم، من ~~دون أن يعترف بأي علم سوى علمه القليل الذي يتمتع به ويرى أن تلك العلوم ~~تافهة وغير نافعة ومدعاة للهلاك، فيرفض العلماء وسائر العلوم جهلا وسفها، ~~ويظهر كأن تدينه هو الذي يحتم عليه أن يحتقرهم ويستهين بهم مع أن العلم ~~والدين منزهان عن أمثال هذه الأطوار والأخلاق. إن الشريعة المطهرة تحرم ~~التصريح بقول من دون علم. وتوجب الحفاظ على كرامة المسلم. أما هذا المسكين ~~الذي لا معرفة له بالدين ولا بالعلم، فيعمل على خلاف قول الله ورسوله، ثم ~~يقول إن ذلك من صلب الدين، مع أن سيرة السلف والخلف من العلماء العظام تكون ~~مغايرة لهذا. إن كل علم من العلوم الشرعية يقضي بأن يتصف العلماء بالتواضع، ~~وأن يقتلعوا جذور التكبر من قلوبهم. ولا يوجد علم يدعو إلى التكبر ويرفض ~~التواضع. وعليه، سوف نبين العلة في كون علم هؤلاء الأشخاص يخالف عملهم. # إن الكبر منتشر بين علم ms069 اء سائر العلوم الأخرى أيضا، في الطب والرياضيات ~~والطبيعة، وكذلك أصحاب الصناعات الهامة، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما. ~~إنهم أيضا لا يقيمون وزنا للعلوم الأخرى مهما تكن، ويحتقرون أصحابها، وكل ~~منهم يحسب أن ما عنده وجده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبر على ~~الناس في باطنه وظاهره، مع أن ما عنده من علم لا يستدعي مثل هذا التكبر. ~~وهناك من غير أهل العلم، مثل أهل النسك والعبادة، من يتكبر أيضا على الناس ~~ويتعالى عليهم، ولا يعتبر الناس حتى العلماء من أهل النجاة، كلها جرى حديث ~~عن العلم قال: ما فائدة علم بلا عمل؟ العمل هو الأصل. إنهم يهتمون بما ~~يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع الطبقات، مع أن ~~المرء إذا كان من أهل الإخلاص والعبادة ينبغي لعمله أن يصلحه. فالصلاة تنهى # عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن، ولكن هذا الذي أمضى خمسين سنةفي ~~الصلاة وأداء الواجبات والمستحبات مصاب برذيلة الكبر التي هي من الإلحاد، ~~وبالعجب الذي هو أكبر من الفحشاء، وبالتقرب من الشيطان وخلقه. # إن الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء ولا تحافظ على القلب، بل لكثرتها تبعث ~~على ضياع القلب، إن مثل هذه الطاعة ليست بصلاة. إن صلاتك التي تحافظ عليها ~~كثيرا وتحرص على إقامتها، إذا كانت تقربك من الشيطان وخصيصته من الكبر، فهي ~~ليست بصلاة، لأن الصلاة لا تستدعي ذلك. PageV01P046 # كل هذه الأمور تحصل من العلم والعمل. أما الذي يحصل من غير ذلك فيرجع أيضا ~~إلى تصور المرء بأنه يمتلك إحدى الكمالات وأن غيره يفتقر إليها. فهذا الذي ~~يملك الحسب والنسب يتكبر على من لا يملكهما. وقد يتكبر صاحب الجمال على ~~فاقده، وطالبه، أو إذا كان كثير الأتباع والأنصار أو ذا قبيلة كبيرة أو له ~~تلامذة كثيرون، وأمثال ذلك، فإنه يتعالى ويكتبر على الذي ليس له مثل ذلك. # وبناء على ذلك، فإن سبب الكبر إنما هو تصور وجود كمال موهوم، والابتهاج ~~بذلك والعجب به، ورؤية الآخرين خلوا منه. وقد يحدث أحيانا أن صاحب الأخلاق ms070 ~~الفاسدة والأعمال القبيحة يتكبر على غيره، ظانا أن ما فيه، ضرب من الكمال. ~~وعلى الرغم من أن المتكبر قد يمتنع أحيانا لسبب ما من إظهار التكبر علانية، ~~ولا يفصح عن أي أثر لذلك، إلا أن هذه الشجرة الخبيثة تمد جذورها في قلبه ~~ولا بد أن يتبين أثر ذلك منه إذا خرج عن طوره الطبيعي، كأن يستولي عليه ~~الغضب فيفلت منه الزمام، وإذا به تظهر عليه إمارات الكبرياء والتعاظم، ~~ويباهي الآخرين بما عنده من علم أو عمل أو أي شيء آخر ويفاخرهم به. # وفي أحيان أخرى قد لا يهتم بإخفاء تكبره على من حوله، كما لو كان العنان ~~قد أفلت من يده فتظهر آثار الكبر في أعماله وحركاته وسكناته، كأن يتقدم في ~~المجالس ويسبق الآخرين في الدخول والخروج، ولا يسمح للفقراء بحضر مجالسه، ~~ولا يحضر مجالسهم، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة، ويظهر التعالي في مشيته وفي ~~نظرته وفي حديثه مع الناس. # يقول أحد المحققين، والذي أخذنا منه الكثير من أصول هذا البحث # وترجمناه: «إن أدنى درجة الكبر في العالم هي أن يدير وجهه عن الناس كأنه ~~يعرض عنهم، وفي العابد هي أن يعبس في وجوه الناس ويقطب جبينه، وكأنه ~~يتجنبهم أو أنه غاضب عليهم، غافلا من أن الورع ليس في تقطيب الجبين، ولا في ~~عبوس ملامح الوجه، ولا في البعد عن الناس والإعراض عنهم، ولا في لي الجيد، ~~وطأطأة الرأس، ولملمة الأذيال، بل الورع يكون في القلب» لقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «هاهنا التقوى» وأشار إلى صدره. # وقد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة والمباهاة وتزكية الذات. فهذا ~~العابد، وهو في مقام التفاخر، يقول: إنني قمت بكذا عمل. فينتقص بهذا من ~~الآخرين عن طريق إضفاء الأهمية على أعماله. وأحيانا لا يصرح بذلك، ولكنه قد ~~يتفوه بما يوحي بأنه يزكي ذاته. والعالم يقول للآخرين: ما أدراك أنت؟ إنني ~~طالعت الكتاب الفلاني مرات عديدة، وأمضيت سنوات لدى المجامع العلمية، ورأيت ~~عددا من أساطين العلم وأساتذته، لقد أجهدت نفسي كثيرا، ms071 صنفت وألفت الكتب ~~الكثيرة، وما إلى ذلك. وعلى كل حال. ينبغي أن نتعوذ بالله من شر النفس ~~ومكائدها. # فصل: في مفاسد الكبر # اعلم أن لهذه الصفة القبيحة بحد ذاتها مفاسد كثيرة، وهذه المفاسد تتمخض ~~عنها مفاسد أخرى كثيرة. إن هذه الرذيلة تحول دون وصول الإنسان إلى الكمالات ~~الظاهرية والباطنية والاستمتاع من الحظوظ الدنيوية والأخروية. إنها تبعث في ~~النفوس الحقد والعداوة، وتحط من قدر الإنسان في أعين الخلق وتجعله تافها، ~~وتحمل الناس على أن يعاملوه بالمثل تحقيرا له واستهانة به. # جاء في «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: PageV01P047 # (من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها، فإذا تكبر قال له: اتضع وضعك الله، ~~فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس. وإذا تواضع رفعه ~~الله عز وجل. ثم قال: انتعش الله، فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع الناس ~~في أعين الناس) (1). أيها فيا أيها العزيز ما يحتوي عليه رأسك من الدماغ، ~~تحتويه رؤوس الآخرين أيضا، إذا كنت متواضعا، احترمك الناس قهرا واعتبروك ~~كبيرا، وإذا تكبرت على الناس لم تنل منهم شيئا من الاحترام. بل إذا ~~استطاعوا أن يذلوك لأذلوك ولم يكترثوا بك. وإن لم يستطيعوا إذلالك، لكنت ~~وضيعا في قلوبهم، وذليلا في أعينهم، ولا مقام لك عندهم. افتح قلوب الناس ~~بالتواضع فإذا أقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك وإن أدبرت تكون آثارها ~~على خلاف رغباتك. # فإذا فرضنا أنك كنت من المبتغين للاحترام والمقام الرفيع، لكان اللازم ~~عليك أن تسلك الطريق الذي يفضي بك إلى الاحترام والسمو، وهو مجاراة الناس ~~والتواضع لهم. إن التكبر ينتج ما هو على خلاف طلبك وقصدك. إنك لا تكسب من ~~وراء التكبر، نتيجة دنيوية مجديه، بل ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة. ويضاف ~~إلى ذلك أن مثل هذا الخلق يوجب الذل في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم. ~~فكما إنك احتقرت الناس في هذا العالم، وترفعت على عباد الله وتظاهرت أمامهم ~~بالعظمة والجلال والعزة والاحتشام، كذلك تكون صورة هذا التكبر في الآخرة، ~~الهوان ms072 كما ورد في الحديث الشريف من كتاب أصول الكافي: # بإسناده، عن داود بن فرقد، عن أخيه، قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام ~~يقول: إن المتكبرين يجعلن في صور الذر يتوطاهم الناس حتى يفرغ الله من ~~الحساب» (2). # وجاء في وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه: # «إياكم والعظمة والكبر، فإن الكبر رداء الله عز وجل فمن نازع الله رداءه ~~قصمه الله وأذله يوم القيامة»(3). # ولا أعرف بأن الله تعالى إذا أذل شخصا ماذا يصنع به؟ وبماذا يبتليه؟ لأن ~~أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيرا، فإن الذل في الدنيا يغاير الذل في ~~الآخرة، كما أن نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم، إن نعمها ~~تفوق تصورنا، وإن عذابها لا يخطر على بالنا. إن كرامتها أسمى من تصورنا، ~~والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقبة المتكبر النار ~~ففي الحديث «الكبر مطايا النار» (4) فلا يرى الجنة من كان في قلبه كبرا. ~~كما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم «لن يدخل الجنة من كان ~~في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» (5). وقد حدث الإمام الباقر والإمام ~~الصادق عليهما السلام أيضا بهذا المضمون. وفي حديث الكافي الشريف أن ~~الإمام الباقر عليه السلام قال: # «العز رداء الله، والكبر إزاره، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم» (6). PageV01P048 # وما أدراك ما جهنم التي أعدها الله للمتكبرين. فهي غير جهنم التي أعدت ~~لسائر الناس. يكفي ن نورد هنا الحديث الذي سبق أن ذكرناه: # عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن أبن ~~بكير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال ~~له» سقر «شكى إلى الله عز وجل شدة حره وسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس ~~فأحرق جهنم» (1). والحديث في غاية الاعتبار (من حيث السند) بل هو كالصحيح. # أعوذ بالله من مكان رغم كونه دار عذاب، تشكو حرارته، فتتنفس فتحترق جهنم ~~من جراء تنفسها. إننا لا نستطيع أن ندرك ms073 شدة حرارة نار الآخرة في هذا ~~العالم، إذ أن أسباب شدة العذاب وضعفه تختلف مع أسباب شدة العذاب الدنيوي ~~وخفتها من جهات عديدة: # فمن جهة، تتبع قوة الإدراك وضعفه؛ إذ كلما كان المدرك أقوى والإدراك أتم ~~وأنقى كان إدارك الألم والعذاب أكثر. # ومن جهة أخرى، تعتمد على اختلاف المواد التي يقوم بها الحس في تقبل ~~الحرارة، لأن المواد تختلف من حيث تقبل الحرارة. فالذهب والحديد، مثلا، ~~يتقبلان الحرارة أكثر من الرصاص والقصدير. وهذان يتقبلانها أكثر من الخشب ~~والفحم، وهذان أكثر من الجلد واللحم. # كما أن لمستوى ارتباط قوة الإدراك بالموضع المقابل للحرارة أثرا في شدة ~~وضعف العذاب. فمثلا المخ الذي يكون تقبله للحرارة. أقل من العظام، يكون ~~تأثره أشد، لأن قوة الإدراك فيه أكبر. وأن للحرارة نفسها من حيث كمالها ~~ونقصانها، دورا في الشدة والضعف فالحرارة التي تصل إلى مائة درجة تؤلم أكثر ~~من الحرارة التي تصل إلى درجة خمسين. # كما أن لمدى ارتباط المادة الحرارية الفاعلة بالمادة المتقبلة لها سببا ~~في تخفيف أو تشديد العذاب. فمثلا، إذا كانت النار قريبة من اليد كان ~~الاحتراق أخف مما إذا لتصقت النار باليد. # جميع هذه الأسباب الخمسة المذكورة تكون في هذه الدنيا في منتهى النقص وفي ~~الآخرة في منتهى كمال القوة والتمامية. إن جميع إدراكاتنا في هذا العالم ~~ناقصة وضعيفة ومحجوبة بحجب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولا تناسبه. إن ~~أعيننا لا ترى اليوم الملائكة ولا جهنم، وآذاننا لا تسمع الأصوات العجيبة ~~والغريبة التي تصدر من البرزخ وأصحابه ومن القيامة وأهلها، وحواسنا لا تحس ~~بالحرارة هناك، كل ذلك لأنها ناقصة جميعا. إن الآيات والأخبار الواردة عن ~~أهل البيت صلوات الله عليهم مشحونة بذكر هذا الأمر، تلويحا وتصريحا. إن جسم ~~الإنسان في هذا العالم لا يتحمل الحرارة، إذ لو بقى ساعة واحدة في النار ~~الباردة من الدنيا لاستحال إلى رماد. ولكن الله القادر يجعل هذا الجسم يوم ~~القيامة قابلا للبقاء في نار جهنم التي شهد جبرائيل بأنه لو جيء بحلقة ~~واحدة من سلاسل ms074 جهنم التي طول الواحد منها سبعون ذراعا إلى هذه الدنيا ~~لأذابت جميع الجبال من شدة حرارتها من دون أن يذوب. فقابلية جسم الإنسان ~~للحرارة يوم القيامة لا تقاس بقابليته لها في دار الدنيا. # أما ارتباط النفس بالجسد في هذت الدنيا فضعيف وناقص، ففي هذا العالم ~~يستعصي على النفس أن تظهر فيه بكامل قواها، أما الآخرة فهي عالم ظهور # النفس. إن نسبة النفس إلى الجسد نسبة الفاعلية والخلاقية، كما هو ثابت في ~~محله، وهي أتم مراتب النسبة والارتباط. PageV01P049 # ونار هذه الدنيا نار باردة ذاوية وعرضية ومشوبة بمواد خارجية غير خالصة. ~~أما نار جهنم، فنار خالصة لا تشوبها شائبة، وجوهر حي قائم بذاته ذو إرادة ~~يحرق أهله بإدراك وإرادة، ويشدد الضغط عليهم بقدر الإمكان. ولقد سمعت ~~الصادق المصدق الأمين جبرائيل، وهو يصفها. والقرآن والأخبار مليئة بوصفها. ~~أما ارتباط نار جهنم والتصاقها بالجسم فلا شبيه له في هذا العال، ولو تجمعت ~~جميع نيران العالم وأحاطت بإنسان لما أحاطت بغير سطح جسمه. أما نار جهنم، ~~فتحيط بالظاهر والباطن وبالحواس المدركة وما يتعلق بها. إنها نار تحرق ~~القلب والروح والقوى، وتتحد بها بنحو لا نظير له في هذا العالم. # فيتبين مما ذكر أن هذا العالم لا تتوافر في وسائل العذاب بأي شكل من ~~الأشكال، فلا مواده العالم جديرة بالتقبل، ولا مصادره الحرارية تامة ~~الفاعلية، ولا الإدراك تام. إن النار التي تستطيع أن تحرق جهنم بنفس منها، ~~لا يمكن أن نتصورها ولا أن ندركها، إلا إذا كنا لا سمح الله من ~~المتكبرين، انتقلنا من هذا العالم إلى الآخرة قبل أن نطهر أنفسنا من هذا ~~الخلق القبيح، حيث نراها رأي العين {فبئس مثوى المتكبرين}(1). ### || AUTO فصل: في بيان بعض عوامل التكبر # اعلم إن من عوامل التكبر، فضلا عما سبق ذكره من الأسباب، هو صغر العقل، ~~وضعف القابلية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أفقه ما أن يجد في نفسه ~~خصلة مميزه حتى يتصور لها مقاما ومركزا خاصا. ولكنه لو نظر بعين العدل ~~والإنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل ms075 خصلة يتميز بها، لأدرك أن ما تصوره كمالا ~~يفتخر به ويتكبر بسببه، إما أنه ليس كمالا أصلا، وإما أنه إذا كان كمالا ~~فإنه لا يكاد يساوي شيئا إزاء كمالات الآخرين، وأنه كمن صفع وجهه ليحسب ~~الناس احمرار وجهه نتيجة النشاط والحيوية. كما قيل: «استسمن ذا ورم» (2). ~~فعلى سبيل المثال أن العارف الذي ينظر من خلال عرفانه إلى الناس جميعا بعين ~~الازدراء متكبرا، أو يقول عنهم أنهم قشريون وسطحيون. ترى أنه لا يملك شيئا ~~من المعارف الإلهية، سوى حفنة من المفاهيم التي لا تعدو جميعا من أن تكون ~~حجبا تغطي الحقائق، أو مطبات في الطريق، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق ~~الخادع مما لا علاقة لها بالمعارف الإلهية، وبعيدة كل البعد عن معرفة الله ~~وعن العلم بأسمائه وصفاته؟ إن المعرفة صفة القلب. وكاتب هذه السطور يعتقد ~~أن جميع هذه العلوم هي علوم عملية، لا مجرد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات. ~~لقد رأينا خلال هذا العمر القصير والمعرفة القليلة ضمن من يسمون بالعرفاء ~~والعلماء في سائر العلوم، أشخاصا أقسم بالعرفان والعلم إنهم لم يتأثروا ~~قلبيا بهذه الاصطلاحات، بل كان لها تأثير معكوس عليهم. # أيها العزيز! إن العرفان بالله، كما تعلم، يحيل القلب إلى محل تتجلى فيه ~~أسماء الله وصفاته وينزل فيه السلطان الحقيقي الذي يمحو آثار التلوث ويطرد ~~التعين: # {... إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون}(3). إنه يجعل القلب أحديا أحمديا، فلماذا صار قلبك والها بجمالك، ~~وزاد في تلونك، وضاعف في تعيناتك وإضافاتك وأبعدك عن الحق تعالى وتجليات ~~أسمائه، وجعل قلبك موطنا للشيطان فتنظر عباد الله، وأصحاب أبواب الحق، ~~ومظاهر جمال المحبوب، نظرة تحقير وازدراء؟ إنك تتكبر على الله، وتتفرعن في ~~حضرة ذات الله وأسمائه وصفاته. PageV01P050 # يا طالب المفاهيم، ويا مضيع الحقائق! تمهل، أنظر إلى ما لديك من المعارف ~~فما الأثر الذي تراه من الحق وصفاته في نفسك؟ ولعل علم الموسيقى والإيقاع ~~أدق من علمك، واصطلاحات العلوم الأخرى كالفلك والميكانيك وسائر العلوم ~~الطبيعية والرياضية، تساوي اصطلاحات علمك ودقته تماما، ms076 فكما أن تلك العلوم ~~ليس لها عرفان بالله، فكذلك علمك الذي حجبته الاصطلاحات وسجف المفاهيم ~~والاعتبارات، لا يرجى منه تغير في نفس ولا حال، (1) بل إن تلك العلوم لدى ~~منطق العلوم الطبيعية والرياضية أفضل مما هو لديك من العلم، لأن تلك العلوم ~~تنتج شيئا، وليس لعلمك ناتج، أو أن ناتجة معكوس. فالمهندس ينال نتيجة ~~هندسته والصائغ نتيجة صنعته، أما أنت فقد قصرت يدك عن النتائج الدنيوية، ~~ولم تصل إلى نتائج عرفانك. فحجابك أثقل وأسمك، وما أن يدور الكلام عن ~~الأحدية حتى يغشاك ظلام غير متناه، وما أن تسمع عن حضرة أسماء الله وصفاته ~~حتى تتصور كثرة غير متناهية. إذا لم تعثر على الطريق إلى الحقائق والمعارف ~~من هذه الاصطلاحات، بل صارت مدعاة للتفاخر والتكبر على العلماء الحقيقيين. ~~إن المعارف التي تزيد من كدر القلب ليست بمعارف، والويل لمعارف تجعل عاقبة ~~صاحبها وارثا للشيطان! # إن الكبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبر على أبيك آدم، فطرد من حضرة ~~الله، وأنت أيضا مطرود لأنك تتكبر على كل الآدميين من أبناء آدم. ومن هنا ~~أيضا يجب أن تفهم حال سائر العلوم الأخرى. إن الحكيم إذا كان حكيما وعرف ~~نسبته إلى الخلق وإلى الحق، خرج الكبرياء من قلبه واستقام أمره. ولكن هذا ~~المسكين الذي يركض وراء المصطلحات والمفاهيم يظن أنها هي الحكمة، وأنها هي ~~التي تصنع العالم والحكيم، فمرة يرى نفسه متصفة بالصفات الواجبة، فيقول: ~~«الحكمة هي التشبه بالإله(2)» ومرة يحسب نفسه في زمرة الأنبياء والمرسلين، ~~فيقرأ: {ويعلمهم الكتاب والحكمة}(3)، وأحيانا يقرأ: «الحكمة ضالة المؤمن» ~~(4). {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}(5)، ولكن ما أجهله بالحكمة وما ~~أبعده عنها وعن خيراتها؟! # يقول الحكيم المتأله وفيلسوف الإسلام الكبير، المحقق الداماد(6)، رضوان ~~الله عليه: «الحكيم من كان جسده كالرداء له، متى ما شاء خلعه». فانظر إلى ~~ما يقوله هو وما نقوله نحن! وما أدركه هو من الحكمة وما أدركنا نحن منها! ~~إذا، فأنت الذي تتباهى ببضعة اصطلاحات ومفاهيم وتتكبر على الناس، إنما ذلك ~~دليل ضيق نفسك ms077 وقلة صبرك وعدم أهليتك!. PageV01P051 # إن من يرى نفسه مرشد الخلائق وهاديهم، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه، ~~يكون أسوأ حالا من المسعف والمتصوف، وأكثر دلالا منهما. إنه سرق المصطلحات ~~منهما وأسبغ بعض المظاهر على بضاعته في السوق، وصرف قلوب الناس عن الله ~~ووجهها نحو نفسه ودفع بذلك الإنسان الطيب النقي السريرة، على إساءة الظن ~~بالعلماء وعامة الناس. ولكن يعطي أسواقهم شيئا من الرواج، يطعمون الناس، عن ~~وعي أو بدون وعي، بعضا من مصطلحاتهم الجذابة، ظانين أن ألفاظا مثل «مجذوب ~~علي» أو «محبوب علي» سوف تمنحهم حقا حالا من الانجذاب والحب!. # نتيجة هذه الأسماء التي يستعملها الدراوشة والمدعون للعرفان. أنت يا طالب ~~الدنيا وسارق المفاهيم، إن عملك هذا كما تظنه لا يدعو إلى الفخر والتكبر! ~~إن المسكين لقلة صبره وصغر عقله ينخدع حتى بنفسه، فيرى لنفسه مقاما، وقد ~~امتزج فيه حب النفس وحب الدنيا مع المفاهيم المسروقة والإضافات ~~والاعتبارات، فأصبح مولودا مشوها، إذ نشأ عن تجمعها مزيج عجيب وخليط غريب. ~~وعلى الرغم من كل هذه العيوب يحسب نفسه مرشد الخلائق وهادي الأمة إلى ~~النجاة، ومالك سر الشريعة! بل قد تتجاوز وقاحته الحدود، فيرى نفسه في مقام ~~الولاية الكلية. وهذا ناشئ أيضا من صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلة ~~الاستعداد والأهلية. # وأنت أيضا يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية، لا تملك من ~~علمك أكثر من حفنة من الاصطلاحات الخاصة بالأصول والحديث، فإذا لم يضف إليك ~~علمك هذا الذي كله عمل، شيئا ولم يستطع إصلاحك، بل أنتج المفاسد الأخلاقية ~~والعملية، فإن عملك أحط من عمل علماء العلوم الأخرى وأتفه بل أقل عمل كل ~~العوام. إن هذه المفاهيم العرضية والمعاني الحرفية والدخول في منازعات لا ~~طائل وراءها ولا علاقة لمعظمها بدن الله بالعلوم حتى تسميها بالثمرة ~~العلمية، أن هذه المفاهيم لا تستوجب كل هذا الابتهاج والتكبر. والله يشهد ~~وكفى بالله شهيدا أنه لو كانت هذه هي نتيجة العلم، دون أن تستطيع هدايتك، ~~ودون أن تبعد عنك المفاسد الأخلاقية والسلوكية، فإن أحط الأعمال خير ms078 من ~~عملك لأن تلك نتائجها عاجلة ومفاسدها الدنيوية والأخروية اقل. وأنت أيها ~~المسكين لا تنال سوى الوزر والوبال، ولا تحصد غير المفاسد الأخلاقية ~~والأعمال القبيحة. وعليه، فإن عملك من حيث الاعتبار العلمي ليس فيه ما يدعو ~~إلى التكبر، بل كل ما في الأمر إنك أفقك العلمي، ما أن تضع اصطلاحا فوق ~~اصطلاح حتى تحسب نفسك عالما وسائر الناس جهلاء وتفترش أجنحة الملائكة تحت ~~أقدامك وكأنها تطير بك، وتضيق على الناس في المجالس وفي الطرقات. وتقدح ~~بالعلم وعلمائه وتحتقر نظرائك في النوع. # ولكن الأحط من هذا والأحقر مكانة هو ذلك الذي يتكبر ويتباهى بالأمور ~~الخارجية، مثل المال، والجاه، والخدم، والحشم والقبيلة. فهذا المسكين بعيد ~~عن الخلق البشري والأدب الإنساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف. ولكن ~~بما أن ملابسه من أجود الأصواف، وأباه فلان ابن فلان، فهو يتكبر على الناس. ~~فما أضيق عقله وأشد ظلام قلبه! إنه يقتنع من كل الكمالات باللباس الجميل، ~~ومن كل جمال بالقبعة والرداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانية ويقبل بحظها، ~~ويقتنع من جميع المقامات السامية الإنسانية بالصورة الخالية من كل شكل ~~ومضمون، والفارغة من الحقيقة، ظانا نفسه بهذا أنه ذو مقام. وفي الواقع إنه ~~على درجة من الضعة ومن عدم اللياقة، بحيث أنه إذا شاهد أحدا أعلى منه مرتبة ~~واحدة دنيوية تخضع له كما يتخضع العبد لسيده. لا شك أن من لا هم له سوى ~~الدنيا، لا يكون إلا عبدا للدنيا ولأهلها. وأن يغدو ذليلا لدى من يتزلف ~~ويستذل لديهم. PageV01P052 # وعلى كل حال، يعتبر ضيق أفق الفكر وانحطاط القابلية من هم عوامل الكبر، ~~لذلك فمن يتصف بهذا يتأثر بالأمور التي ليست من الكمال، أو ليست من الكمال ~~اللائق، تأثرا شديدا يدفع به إلى العجب والكبر. وكلما كثر حبه للنفس ~~وللدنيا، ازداد تأثرا بهذه الأمور. ### || AUTO فصل: في بيان معالجة الكبر # بعد ما عرفت مفاسد الكبر، حاول أن تعالج نفسك مشمرا عن ساعد الجد للبحث ~~عن العلاج، واشحذ همتك لتطهير القلب من هذا الدرن، وأزل الغبار والأتربة عن ms079 ~~مرآته. فإذا كنت ممن قويت نفوسهم، واتسعت صدورهم، ولم يتجذر حب الدنيا في ~~قلبك، ولم يبهرك زبرجها وزخرفها، وكانت عين إنصافك مفتوحة، فإن الفصل ~~السابق خير علاج علمي لك. وإذا لم تكن قد دخلت هذه المرحلة، ففكر قليلا في ~~حالك، فلعل قلبك يصحو. # فيا أيها الإنسان الذي لم تكن شيئا في أول أمرك، وكنت كامنا دهور العدم ~~والآباد غير المتناهية، ما هو الأقل من العدم واللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم ~~لما شاءت مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود فمن جراء قلة قابليتك ~~الناقصة وتفاهتك وضعتك وعدم أهليتك لتقبل الفيض، أخرجك من هيولى العالم ~~المادة الأولى التي لا تكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة ~~الجسمية والعنصرية، التي هي أخس الموجودات وأحط الكائنات، ومن هناك أخرجك ~~نطفة لو مستها يدك لاستقذرتها وتطهرت منها، ووضعك في منزل ضيق رجس هو خصيتي ~~الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في رحم الأم من ~~مكان تنفر من ذكر أسمه. وحولك هناك إلى علقة ومضغة، وغذاك بغذاء يزعجك سماع ~~أسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليتهم، زال الخجل ~~«والبلية إذا عمت طابت». # في كل هذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلها وأحطها، عاريا عن إدراك ~~ظاهري وباطني، بريئا من كل الكمالات. ثم شملتك رحمته وجعلك قابلا للحياة، ~~فظهرت فيك الحياة رغم كونك في أشد حالات النقص، بحيث أنك كنت أحط من الدودة ~~في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجيا قابليتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن ~~أصبحت جديرا بالظهور في محيط الدنيا، أظهرك في هذه الدنيا من خلال أشد ~~المجاري ضعة، وفي أوطأ الحالات، وأنت أضعف في الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى ~~من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن منحك بقدرته قواك الظاهرية ~~والباطنية، ما زلت ضعيفا وتافها بحيث أن أيا من قواك ليست تحت تصرفك، فلست ~~بقادر على المحافظة على صحتك، ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على ~~الاحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة ms080 أو انتابك مرض فلست بقادر على ~~دفعهما عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرفك شيء من ذلك. لو جعت يوما لتنازلت ~~حتى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أي ماء آسن. وهكذا أنت ~~في شؤونك الأخرى عبد ذليل مسكين لا قدرة لك على شيء. ول وقارنت حظك من ~~الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات، لوجدت أن ك وكل الكرة الأرضية، ~~بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسماني الذي هو ~~أدني العوالم وأصغرها. PageV01P053 # أيها العزيز! إنك لم تر سوى نفسك، والذي رأيته لم تضعه موضع الاعتبار ~~والمقارنة. حاول أن تنظر إلى نفسك وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا ~~وقارنها بمدينتك. وقارن مدينتك بوطنك، ووطنك بسائر الدول في الدنيا التي لم ~~تسمع بأكثر من واحدة بالمائة منها، وقارن كل الدول بالكرة الأرضية، والأرض ~~بالمنظومة الشمسية، وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات أشعة الشمس ~~المنيرة، وقارن كل المنظومة الشمسية الخارجة عن محيط فكري وفكرك، ~~بالمنظومات الشمسية الأخرى التي تعد شمسنا وجميع سياراتها، واحدة من سيارات ~~إحدى تلك المنظومات التي لا يمكن أن تقارن شمسنا معها، والتي يقال أن ما ~~اكتشف منها حتى الآن يبلغ عدة ملايين من المجرات، وأن في هذه المجرة ~~القريبة الصغيرة عدة ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر أصغر شمسها على ~~شمسنا ملايين المرات وتسطع نور أكثر. هذه كلها من العوالم الجسمانية التي ~~لا يعرفها إلا خالقها، وإن ما اكتشفت منها لا يبلغ الجزء الضئيل منها. وكل ~~عوالم الأجسام هذه لا تكون شيئا بالقياس إلى عالم ما وراء الطبيعة، فهناك ~~عوالم لا يمكن للعقل البشري أن يتخيلها. # هذه شؤون حياتك وحياتي وهذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود. وعندما تشاء ~~إرادة الله أن تتوفاك وتنقلك من هذه الدنيا، فإنه يأمر جميع قواك بالاتجاه ~~نحو الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل، فتختل أجهزة وجودك، ويذهب سمعك ~~وبصرك وتضمحل قواك وقدراتك، فتصبر قطعة جماد تزكم بعد أيام رائحتك العفنة، ~~أنوف الناس وتؤذي مشامهم، ويهربون من صورتك ms081 وهيئتك، وما أن تمضي عليك أيام ~~أخر حتى تهترأ أعضاؤك وتتفسخ. هذه هي أحوال جسمك، أما أحوال أموالك وثروتك ~~فأمرها معروف. # أما عالم برزخك: فإنك إن انتقلت من هذه الدنيا لا سمح الله قبل أن ~~تصلحه فالله يعلم كيف تكون صورتك، وكيف تكون أحوالك، إذ أن قوى الإدراك في ~~هذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى أو تشم شيئا من ذلك العالم. إن ما ~~تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه إنما تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ~~ووحشة وضيق، مع أن هذا القياس وهذه المقارنة باطلة. نسأل الله أن ينجينا ~~مما أعددنا لأنفسنا بأنفسنا!. # إن عذاب القبر أنموذج من عذاب الآخرة والمستفاد من بعض الأحاديث أن ~~أيدينا تقصر عن الوصول إلى شفاعة الشفعاء في القبر(1)، فيا له من عذاب! إن ~~نشأة الآخرة أشد وأفظع من جميع الحالات السابقة. إنه يوم تبرز فيه الحقائق، ~~وتنكشف فيه السرائر، وتتجسد فيه الأعمال والأخلاق. يوم تصفيه الحساب، يوم ~~الذلة في المواقف. تلك هي أحوال يوم القيامة!. # أما حال جهنم التي تكون بعد يوم القيامة فأمرها معلوم أيضا. إنك تسمع ~~أخبارا عن جهنم! إن النار ليست وحدها عذاب جهنم. فلو أن بابا منها انفتحت ~~على عينيك وعلى هذا العالم لهلك أهلها خوفا. وكذلك لو انفتحت باب أخرى على ~~أذنيك، وأخرى على خياشيمك، لو أن أيا منها فتح على أهل هذا العالم لهلكوا ~~جميعا من شدة العذاب. PageV01P054 # يقول أحد علماء الآخرة: مثلما أن حرارة جهنم أشد ما تكون، كذلك برودتها أشد ~~ما تكون. والله تعالى قادر على أن يجمع الحرارة والبرودة(1). هكذا هي نهاية حالك. # إذا، فالذي أوله عدم غير متناه، وهو منذ أن يضع قدمه في الوجود تكون جميع ~~تطوراته قبيحة وغير جميلة، وكل حالاته مخجلة، وكل من دنياه وبرزخه وآخرته ~~أفجع من الأخرى، بم يتكبر؟ بأي جمال أو كمال يتباهى؟ إن من كان جهله أكبر ~~وعقله أصغر كان تكبره أكثر ومن كان علمه أكثر وروحه أكبر وصدره أوسع، كان ~~تواضعه أكثر. ms082 # النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الإلهي، ~~وكانت روحه من العظمة بحيث أنها بمفردها غلبت نفسيات كل البشر، إن هذا ~~النبي قد وضع جميع العادات الجاهلية والأديان تحت قدميه، ونسخ جميع الكتب، ~~واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم، وكان هو سلطان الدنيا والآخرة والمتصرف ~~في جميع العوالم بإذن الله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله أكثر من أي ~~شخص آخر. كان يكره أن يقوم له أصحابه احتراما، وإذا دخل مجلسا لم يتصدر ~~ويتناول الطعام جالسا على الأرض قائلا: إنني عبد، أكل مثل العبيد وأجلس ~~مجلس العبيد(2). # لقد نقل عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يحب أن يركب الحمار من دون سرج، وأن يتناول الطعام مع العبيد على ~~الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه. كان ذلك الإنسان العظيم يركب الحمار ~~مع غلامه أو غيره، ويجلس على الأرض مع العبي، وفي سيرته أن ه كان يشترك في ~~أعمال المنزل، ويحتلب الأغنام، ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده، ويطحن مع ~~خادمه ويعجن، يحمل متاعه بنفسه، ويجالس الفقراء والمساكين ويأكل معهم(3). ~~هذه وأمثالها، نماذج من سيرة ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنه فضلا عن ~~مقامه المعنوي كان في أكمل حالات الرئاسة الظاهرية. # وهكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ كانت ~~سيرته من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم(4). PageV01P055 # فيا أيها العزيز! إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم ~~صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام أرفع شأنا، وإذا كان ~~بالرئاسة والسلطان، فقد كانت لهما الرئاسة الحقة. ومع ذلك، كانا أشد الناس ~~تواضعا. فاعلم، أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام ~~المعرفة، فامسح عن نفسك عار الجهل والانحطاط، وأتصف بصفات الأنبياء، واترك ~~صفات الشيطان، ولا تنازع الله في ردائه الكبرياء فمن ينازع الحق في ردائه ~~فهو مغلوب ومقهور بغضبه، ويكب على وجهه في النار. # وإذا عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه ms083 العملي، أمر يسير مع شيء من المثابرة، ~~وإنه طريق لو اتصفت بهمة الرجال وحرية الفكر وعلو النظر، فلن تصادفك أية ~~مخاطر. فإن الأسلوب الوحيد على النفس الأمارة، وقهر الشيطان، ولإتباع طريق ~~النجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما. إنه لا يوجد سبيل أفضل لقمع النفس من ~~الاتصاف بصفة التواضع ومن السير وفق مسيرة المتواضعين فحيثما تكن درجة ~~التكبر عندك، ومهما تكن طريقتك في العلم والعمل، أعمل قليل بخلاف هوى نفسك، ~~فإن مع الإلتفات إلى الملاحظات العلمية تجاه التكبر، والانتباه إلى النتائج ~~المطلوبة. إذا رغبت بأن تتصدر المجلس متقدما على أقرانك، فخالفها وأعمل عكس ~~ما ترغب فيه. وإذا كانت نفسك تأنف من مجالسة الفقراء والمساكين، فمرغ أنفها ~~في التراب وجالسهم، وآكلهم، ورافقهم في السفر، ومازحهم وقد تجادلك نفسك ~~فتقول لك: إن لك مقاما ومنزلة، وإن عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج ~~الشريعة والعمل في سبيلها، فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب، وإن ~~المزاح مع من هو دونك، يقلل من عظمتك، وجلوسك في ذيل المجلس يحط من هيبتك، ~~فلا تقدر أن تؤدي واجبك الشرعي على خير وجه!! اعلم، أن هذه كلها من مكائد ~~الشيطان والنفس الأمارة. لقد كان مقام رسول الله صلى عليه وآله وسلم في ~~الدنيا من حيث الرئاسة والمركز أرفع منك، ومع ذلك كانت سيرته هي التي قرأت ~~عنها وسمعت بها. # لقد عاصرت شخصيا من العلماء من كانت لهم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة ~~في دولة واحدة، بل ولكل الشيعة في العالم وكانت سيرتهم تلي سيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # منهم، الأستاذ المعظم والفقيه المكرم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري ~~اليزدي(1) حيث كانت له رئاسة الشيعة ومرجعيتهم من 1340ه(2) حتى 1355ه(3). ~~كان سيرته عجيبة، كان يرافق الخدم في السفر، ويؤاكلهم، ويفترش الأرض، ~~ويمازح صغار الطلبة. وخلال أيام مرضه في أواخر حياته، كان يخرج بعد المغرب ~~يتمشى في الشارع وقد لف رأسه بقطعة قماش بسيطة متنعلا حذاءا بسيطا من دون ~~أي اهتمام بالمظهر، وكان هذا يزيد من وقعة في ms084 القلوب، من دون أن تصاب هيبته ~~بأي اهتزاز أو وهن. PageV01P056 # وكان هناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا أبدا إلى هذه التقيدات التي ~~يحيكها لك الشيطان. كانوا يشترون حاجياتهم من السوق بأنفسهم، ويحملون الماء ~~من مخازن المياه إلى بيوتهم، ويشتغلون في منازلهم. # وكان صدر المجلس وذيله سواء عندهم. وكانوا على درجة من التواضع بحيث تبعث ~~على التعجب ومع ذلك كله كان مقامهم محفوظا بل كانت منزلتهم تسمو في قلوب ~~اناس أكثر فأكثر. # وعلى أي حال، إن صفة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وصفة علي بن ~~أبي طالب عليه السلام لا تقلل من قدر الإنسان إذا اتصف بها. ولكن لا بد من ~~ينتبه الإنسان إلى مكائد النفس في هذه الحالات، لأنها كثيرا ما تكون قد ~~أعدت لك فخا آخر لتوقعك فيه. فقد يجلس أحدهم من يريد التخلص من الكبير في ~~ذيل المجلس بهيئة من يريد أن يقول أن مقامه أرفع من مقامات الحاضرين، ولكنه ~~لتواضعه جلس حيث. وإذا التبس على الناس الأمر وقدموا عليه من يشك في ~~أفضليته عليه، فإنه من يهرب من صفة التكبر يقدم على نفسه من لا يشك في ~~تأخره عنه لكي يزيل ذلك الالتباس بالإيحاء بأن تأخيره في الدخول على ~~المجالس وتقديم الآخرين على نفسه يكون من باب التواضع. هذه ومئات الأمثلة ~~الأخرى من هذا القبيل هي من مكائد النفس التي تريد للإنسان التكبر والرياء. # فلا بد من المجاهدة الخالصة الصادقة وبها يمكن إصلاح النفس. إن جميع ~~الصفات النفسانية قابلة للإصلاح، إلا أن الأمر في البداية يتطلب بعض ~~العناء، ولكن ما أن يضع قدمه على طريق الإصلاح حتى يسهل عليه الأمر. إنما ~~المهم هو أن يشرع في التفكير في تطهير نفسه وإصلاحها، والاستيقاظ من النوم. # إن المرحلة الأولى من مراحل الإنسانية هي «اليقظة» وهي الاستيقاظ من نوم ~~الغفلة، والصحوة من سكر الطبيعة، والإدراك بأن الإنسان مسافر، وأنه لا بد ~~للمسافر من زاد وراحلة. وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في هذه المرحلة ~~الخطيرة المخيفة، وفي هذه ms085 الطريق الضيقة، على الصراط الذي هو أحد من السيف ~~وأدق من الشعرة(1)، هي همة الرجال وعزمهم. والنور الذي ينير ظلام هذا ~~الطريق، هو نور الإيمان والخصال الحميدة. فإذا تقاعس الإنسان ووهنت همته ~~أخفق في العبور، وانكب على وجهه في النار، وساوى تراب الذل، وانقلب في ~~هاوية الهلاك. فمن لم يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم ~~القيامة أيضا. # فيا أيها العزيز، أشدد عزيمتك، ومزق عن نفسك سجف الجهل، وانج بنفسك من ~~هذه الورطة المهلكة! كان إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد ~~بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران: «تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم ~~بالرحيل»(2)! وما زاد ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب، والأعمال ~~الصالحة، وصفاء الباطن، وخلوص النية من كل عيب وغش. PageV01P057 # فإذا كنت من أهل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطهر نفسك من هذا الغش ~~حتى تنضم إلى زمرة السعداء والصالحين. والغش يزول بنار التوبة والندم، ~~وبإدخال النفس في أتون العذاب واللوم، وصهرها في حرارة الندامة والعودة إلى ~~الله. عليك أن تعمل في هذا العالم، وإلا فإن {نار الله الموقدة، التي تطلع ~~على الأفئدة}(1). سوف تذيب قلبك. والله أعلم كم قرن من قرون الآخرة يستغرق ~~إصلاحك هذا!! إن التطهر في هذه الدنيا سهل يسير، فالتغيرات والتصورات سريعة ~~الوقوع فيها، أما في العالم الآخر فالتغيير يكون بشكل آخر، فزوال صفة من ~~صفات النفس قد يستغرق قرونا عديدة. # إذا، أيها الأخ، ما دمت في مقتبل عمرك، وزهرة شبابك، وأوج قوتك، وحرية ~~إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا تلق بالا لهذا الجاه والمقام، وطأ على هذه ~~الاعتبارات بقدميك إنك إنسان، فأبعد نفسك عن صفات الشيطان، فلعل الشيطان ~~يهتم بهذه الصفة اهتماما كبيرا لكونها صفة من صفاته. وهي التي أدت إلى طرده ~~من حضرة الله، ولذلك فهو يريد أن يوقع الإنسان، عارفا أو عاميا عالما أو ~~جاهلا، في مثل هذه الرذيلة، حتى إذا ما لقيك يوم القيامة شمت بك قائلا: ~~«ويا أبن آدم، ألم يخبرك الأنبياء بأن أتكبر على أبيك قد ms086 طردني من حضرة ~~الحق. لقد نزلت علي لعنة الله لأني احتقرت مقام آدم واستعظمت مقامي، فلماذا ~~أوقعتك نفسك في هذه الرذيلة» ؟. # وعندئذ تصبح، أيها المسكين!موضع شماتة أرذل مخلوقات الله وأحطها، فضلا عن ~~عذابك وابتلاءاتك وندامتك وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه. إن الشيطان لم ~~يكن قد تكبر على الله، بل على أدم وهو من مخلوقات الحق، فقال: {خلقتني من ~~نار وخلقته من طين}(2). فاستعظم نفسه واستحقر آدم. وأنت تستصغر بني آدم ~~وتستكبر بنفسك عليهم، فأنت أيضا تعصي أوامر الله. لقد قال لك تعالى: كن ~~متواضعا مع عباد الله، ولكنك تتكبر وتتعالى عليهم. فلماذا، تلعن الشيطان ~~وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن أيضا، مثلما أنت شريكه في هذه ~~الرذيلة. إنك من مظاهر الشيطان، بل إنك تجسد الشيطان. ولربما كانت صورتك في ~~البرزخ وفي يوم القيامة صورة شيطانية. فإن المقياس في صورة الإنسان في ~~الآخرة الملكات الحاصلة للنفس. فليس هناك ما يمنع من أن تكون على صورة ~~شيطان، أو على صورة نملة صغيرة، إن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا. # فصل: قد يكون الحسد سببا للتكبر # اعلم أن من الممكن أحيانا أن يتكبر فاقد الكمال على واجد الكمال، كأن ~~يتكبر الفقير على الغني والجاهل على العالم. ولا بد أن نعرف أنه مثلما كان ~~العجب أحيانا مدخلا للتكبر، فإن الحسد قد يصبح أيضا مدخلا إليه. فالإنسان ~~الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم يصير سببا لكي ~~يتكبر عليه ويسعى جهده لإذلاله وإهانته. # روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال «الكبر قد يكون في شرار الناس ~~من كل جنس... » ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر في بعض ~~طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقالت: إن الطريق لمعرض. فهم بها بعض القوم أن ~~يتناولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دعوها فإنها جبارة» (3). PageV01P058 # وقد تظهر هذه الصفة في بعض أهل ms087 العلم، مبررا أن التواضع أمام الأغنياء غير ~~محمود، وتقول له نفسه الأمارة بالسوء إن التواضع للأغنياء منقصة للإيمان. ~~إن المسكين لا يميز بين التواضع لغني من أجل غناه والتواضع لغير ذلك. فمرة ~~يتواضع الإنسان مدفوعا برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه والمقام. ~~فليس هذا من خلق التواضع في شيء، بل إنه المداهنة والملق وأنه من الرذائل ~~النفسانية، وصاحبها لا ي تواضع للفقراء، إلا إذا طمع فيهم بشيء أو أراد ~~منهم شيئا. # ومرة أخرى يكون طبع التواضع في الإنسان داعية له إلى احترام الناس ~~والتواضع لهم. فقراء كانوا أم أغنياء، مرموقين كانوا أم مغمورين. فهذا ~~تواضعه خالص من غير شائبة، وروحه طاهرة مطهرة، لم يجتذب قلبه الجاه ~~والمقام. إنه تواضع محمود للفقراء ومحمود للأغنياء، فلا بد من احترام كل ~~إنسان بما هو خليق به. أما تحقيرك لأهل الجاه والغنى والتكبر عليهم فلا ~~يعني أنك لست متملقا، بل يعني أنك حسود، وتكون في الوقت نفسه على خطأ. ~~ولهذا إذا رأيتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقع، تتواضع لهم وتخفض لهم جناحك. # وعلى كل حال، إن مكائد النفس وأحابيلها من الدقة المتناهية بحيث أن المرء ~~لا يسعه إلا أن يستعيذ بالله منها. # والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الخامس: الحسد # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن ~~يونس، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # قال الله عز وجل لموسى بن عمران: # « يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما اتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ~~ذلك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ~~ومن يك ذلك فلست منه وليس مني »(1). # الشرح: # إن الحسد، حالة نفسية يتمنى صاحبها سلب الكمال والنعمة التي يتصورهما عند ~~الآخرين، سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم يردها. وهذا ~~يختلف عن الغبطة، لأن صاحب الغبطة يريد النعمة التي توجد ms088 لدى الغير، أن ~~تكون لنفسه، من دون أن يتمنى زوالها عن الغير. وأما قولنا: « النعمة التي ~~يتصورها عند الآخرين » فنعني به أن تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة ~~حقيقية. فطالما تبين أن الأمور التي تكون بحد ذاتها من النقائص والرذائل، ~~يتصورها الحسود من النعم والكمالات، فيتمنى زوالها عن الآخرين. أو أن خصلة ~~تعد من النقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة ~~الحيوانية فيراها كمالا، ويتمنى زوالها. فهناك بين الناس، مثلا أشخاص ~~يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة، فإذا شاهدوا من هو كذلك ~~حسدوه. أو قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات، فيحسدون صاحبها. ~~إذا، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النفسية هو توهم الكمال وتصور وجود ~~النعمة، لا النعمة نفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كان، أو موهومة ~~ويتمنى زوالها، يعد حسودا. # اعلم أن للحسد أنواعا ودرجات حسب حال المحسود، وحسب حال الحاسد، وحسب حال ~~الحسد ذاته. أما من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصا لما له من كمالات ~~عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من الأعمال الصالحة والعبادية، أو ~~لأمور خارجية أخرى، مثل امتلاكه المال والجاه والعظمة والاحتشام وما إلى ~~ذلك، أو أن يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم ~~الموجود في المحسود. PageV01P059 # أما من حيث حال الحاسد، فقد ينشأ الحسد أحيانا من العداوة، أو التكبر، أو ~~الخوف، وغير ذلك من الأسباب والعوامل التي سيرد ذكرها فيما بعد. # وأما من حيث حال الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنها الدرجات ~~والتقسيمات الحقيقية، للحسد دون ما سبق ذكره، فلشدته وخفته مراتب كثيرة، ~~تختلف باختلاف الأسباب، كما تختلف باختلاف الآثار. وسوف نشير، إن شاء الله، ~~في عدة فصول إلى مفاسد الحسد وعلاجه. قدر استطاعتنا، ومن الله التوفيق. # فصل: في ذكر بعض أسباب الحسد # للحسد أسباب كثيرة، يرجع أكثرها إلى رؤية الذلة في النفس، تماما كما أن ~~الكبر، نوعا يتم على عكس ذلك. فكما أن المرء عندما يجد في نفس ms089 كمالا لا ~~يجده في غيره، تنشأ عنده حالة من الترفع والتعزز والتعالي في نفسه، فيتكبر. ~~وإذا لاحظ الكمال في غيره، انتابته حالة من الذل والانكسار. ولولا وجود ~~عوامل خارجية ولياقات نفسانية، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصور ذله في ~~تساوي غيره معه، مثل أن يحسد صاحب الكمال والنعمة مثيله أو الذي يليه. ~~ويمكن القول أن الحسد هو ذلك الانقباض والذل النفسي اللذان تكون نتيجتهما ~~الرغبة في زوال النعمة والكمال عن الآخرين. وقد حصر بعضهم كالعلامة ~~المجلسي قدس سره (1) أسباب الحسد في سبعة أمور: # الأول: العداوة. # الثاني: التعزز: أن يكون من حيث يعلم أن يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق ~~احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه. # الثالث: الكبر: أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه ~~بنعمته وهو المراد بالتكبر. # الرابع: التعجب: أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله ~~بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: {قالوا ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا}(2). و{أنؤمن لبشرين مثلنا}(3). وأمثال ذلك كثيرة ~~فتعجبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنهم بشر مثلهم ~~فحسدوهم وهو المراد بالتعجب. # الخامس: الخوف: أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصل بها إلى ~~مزاحمته في أغراضه. # السادس: حب الرئاسة: أن يكون يحب الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة ~~لا يساوى فيها. # السابع: خبث الطينة: «أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس ~~وشحها بالخير لعباد الله»(4). # ولكنني أعتقد كما أشرت إليه سابقا، أن معظم هذه الأسباب بل كلها تعود إلى ~~رؤية ذل النفس، وإن السبب المباشر لحسد حسب التعريف المشهور له ما ذكرناه ~~انبعاث الحسد من رؤية ذل النفس فلا مجال لذكر هذه الأقسام . وأما بناءا على ~~ما ذكرناه في معنى الحسد من أن نفس هذه الحال تكون حسدا فلا اعتراض على صحة ~~ذكر هذه الأقسام. وعل ى أي حال يكون البحث حول هذه المعاني بعيدا عن ~~مقصودنا وعن طبيعة موضوعنا. # فصل: في ms090 بعض مفاسد الحسد # اعلم أن الحسد نفسه أحد الأمراض القلبية المهلكة، ويتولد منه أيضا أمراض ~~قلبية كثيرة، كالكبر وفساد الأعمال وتعد كل واحدة منها من الموبقات. وتشكل ~~سببا مستقلا لهلاك الإنسان. ولسوف نباشر بذكر المفاسد الواضحة منها. ولا شك ~~في أن هناك مفاسد خفية عن نظر الكاتب. # وأما مفاسد الحسد فسنكتفي بما نقل عن الصادق المصدق: # ففي صحيحة معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « آفة الدين ~~الحسد والعجب والفخر »(5). PageV01P060 # وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: « إن الرجل ليأتى بأي ~~بادرة فيكفر، وإن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب »(1). # ومعلوم أن الإيمان نور إلهي يجعل القلب موضع تجليات الحق جل جلاله، كما ~~جاء في الأحاديث القدسية: « لا يسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي ~~المؤمن »(2). # فهذا النور المعنوي، وهذه البارقة الإلهية التي تجعل القلب أوسع من كل ~~الموجودات، تتعارض مع هذا الضيق والظلام اللذين تسببهما هذه الرذيلة، رذيلة ~~الحسد. إن هذه الصفة القبيحة تضغط على القلب وتضيقه فتبدو آثارها في كل ~~كيان الإنسان، باطنه وظاهره. إنها تصيب القلب بالحزن والكدر، والصدر ~~بالاختناق والضيق، والوجه بالعبوس والغضب. وهذه الحال تطفئ نور الإيمان، ~~وتميت قلب الإنسان، وكلما اشتدت ازداد ضعف الإيمان. # إن جميع الصفات المعنوية والظاهرية للمؤمن، تتنافى والآثار التي يوجدها ~~الحسد في ظاهر الإنسان وباطنه. إن المؤمن يحسن الظن بالله تعالى، وهو راض ~~بقسمه الذي يقسمه بين عباده. أما الحسود فساخط على الله تعالى، يشيح بوجهه ~~عن تقديراته. لقد جاء في الحديث الشريف: إن المؤمن لا يتمنى السوء ~~للمؤمنين، بل هم أعزاء عنده، والحسود بعكس ذلك. المؤمن لا يغلبه حب الدنيا، ~~والحسود بل إنما ومبتلى بشدة حبه للدنيا. والمؤمن لا يداخله خوف ولا حزن ~~إلا من بارئ الخلق تعالى، أما الحسود فخوفه وحزنه يدوران حول المحسود. # والمؤمن طلق المحيا، وبشراه في وجهه، والحسود مقطب الجبين عبوس الوجه. # والمؤمن متواضع، والحسود متكبر في معظم الحالات. فالحسد، آفة الإيمان ~~التي تأكله، كما تأكل النار ms091 الحطب. # ويكفي في شناعة هذه الرذيلة هو أن الحسد يقضي على الإيمان الذي يعد وسيلة ~~النجاة في الآخرة، وباعثا لحياة القلوب، ويجعل الإنسان مفلسا ومسكينا. # وإن من المفاسد الكبيرة التي لا تنفك عن الحسد، سخط الحسود على الخالق ~~وولي نعمته وإعراضه عن تقديراته تعالى. # في هذا اليوم أن حجب الطبيعة الدكناء والحجب الحاصلة من انشغالنا بهذه ~~الطبيعة قد حجبت جميع مشاعرنا، فأعمت أعيننا وأصمت آذاننا، فلا ندري إننا ~~غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه ولا نعلم ما هي صورة هذا الغض ب ~~والإعراض في الملكوت حيث مساكننا الأصلية الدائمية؟ وإنما يصل إلى أسماعنا ~~قول الإمام الصادق عليه السلام: « ومن يك كذلك فلست منه وليس مني » ولا ~~نفهم ماذا يحمل لنا تبرؤ الحق تعالى منا وإعراضه عنا من مصائب؟ إن من يخرج ~~عن ولاية الله ويطرد من ظل راية أرحم الراحمين لن يكون له أمل في النجاة، ~~ولن يشفع له أحد: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة/255). من ذا ~~الذي يتقدم ليشفع لمن يسخط عليه الله ويكون خارجا عن حرز ولايته، وقد انقطع ~~حبل المودة بينه وبين مالك الرقاب؟ واسوأتاه! واحسرتاه على ما نفعله ~~بأنفسنا! لم يفتأ الأنبياء والأولياء يصرخون في آذاننا ويريدون إيقاظنا من ~~النوم، ولكننا نزداد غفلة وشقاء يوما بعد يوم. ومن مفاسد هذا الخلق الذميم، ~~كما يقول العلماء، ضيق القبر وظلمته. إذ أنهم يقولون إن صورة هذا الخلق ~~الفاسد الرديء، التي فيها ضيق نفساني وكدر قلبي، تشبه ضيق القبر وظلمته، إذ ~~أن ضيق القبر أو اتساعه منوط بضيق الصدر أو انشراحه. PageV01P061 # روي عن الإمام الصادق عليه السلام إلى أن قال ، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خرج في جنازة « سعد » وقد شيعه سبعون ألف ملك. فرفع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه إلى السماء ثم قال: مثل « سعد » يضم؟ ~~قال: قلت جعلت فداك أنا نحدث إنه كان يستخف بالبول فقال معاذ الله، إنما ~~كان من زعارة في خلقه على أهله (فروع الكافي، ms092 المجلد الثالث، باب المسألة ~~في القبر، ح 6، ص 236). # إن الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلما يوجد ~~في خلق فاسد آخر. ولى أي حال إن صاحب هذا الخلق يعيش في الدنيا معذبا ~~مبتلى، ويكون له في القبر ضيق وظلمه، ويحشر في الآخرة مسكينا متألما. # هذه هي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقية الأخرى، أو الأعمال الفاسدة ~~الباطلة، التي يمكن أن تتولد عن الحسد، وقلما يتفق أن لا تتولد عن الحسد ~~مفاسد أخرى بل إن عددا من السيئات الأخلاقية والأعمال الباطلة الأخرى تكون ~~وليدة الحسد، كالكبر في بعض الحالات، كما سبق، والغيبة، والنميمة، والشتم، ~~والإيذاء، وغير ذلك مما هو من الموبقات والمهلكات. # فعلى الإنسان العاقل أن يشمر عن ساعد الجد لينقذ نفسه من هذا العار ~~وإيمانه من هذه النار المحرقة والآفة الصعبة، وأن ينجو بنفسه من ضغط الفكر ~~وضيق الصدر في هذه الدنيا وهما نوعان من العذاب المرافقان للعمر كله ~~وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ، ومن غضب الله تعالى. على ~~الإنسان أن يفكر قليلا ليدرك أن أمرا له هذا القدر من المفسد يجب أن يعالج، ~~مع العلم أن حسدك لن يضر المحسود. فلا تزول نعمته بمجرد حسدك له، بل يكون ~~له نفع دنيوي وأخروي، وذلك لأن شقائك وحزنك وأنت عدوه وحاسده يعد نفعا له. ~~فهو يرى أنه متنعم وأنت معذب بتنعمه، وهذه نعمة له. فإذا انتبهت لهذه ~~النعمة الثانية التي تتوفر للمحسود جلبت لنفسك عذاب وضغط فكري آخرين ويعتبر ~~عذابك هذا نعمة له وهكذا. وعليه، فإنك تكون دائما في عذاب وشقاء وتعاسة ~~وغم، وهو في نعمة وسرور وانبساط. وفي الآخرة أيضا يكون حسدك له نفعا له، ~~وخصوصا إذا كان الحسد قد دفع بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل، مما ~~يستوجب أخذ حسناتك وإعطائها له، فتعود أنت مفلسا، ويزداد هو نعمة وعظمة. # لو أنك أمعنت الفكر في هذه الأمور لأقدمت على تطهير نفسك من هذه الرذيلة ~~وأنقذت نفسك من هذه المهلكة. ولا تظنن أن الرذائل ms093 النفسانية والخلق الروحية ~~غير ممكنة الزوال، إن ظنونا باطلة توحيها إليك النفس الأمارة والشيطان لكي ~~تنحرف عن سلوك الآخرة وإصلاح النفس. فما دام الإنسان في دار الزوال وعالم ~~التبدل هذا، فمن المم كن أن يتغير في جميع صفاته وأخلاقه، ومهما تكن صفاته ~~متمكنة، فإنها قابلة للزوال ما دام حيا في هذه الدنيا، وإنما تختلف صعوبة ~~التصفية وسهولتها نتيجة شدة هذه الصفات وخفتها. # ومن المعلوم أن إزالة صفة حديثة الظهور في النفس إنما يتحقق بقليل من ~~الجهد والترويض، كالنبتة في أيامها الأولى التي لم ترسل جذورها إلى الأعماق ~~بعد ولم تتمكن من التربة. ولكن إذا تمكنت تلك الصفة من النفس وأصبحت من ~~الملكات المستقرة فيها، فإنه يصعب إزالتها، ورغم أن إزالتها ممكنة، كاقتلاع ~~شجرة ضخمة معمرة ضربت بجذورها في أعماق التربة، فكلما تقاعست وأبطأت في ~~مساعيك لاقتلاع جذور المفاسد من قلبك وروحك، ازداد تعبك وعنائك في ~~اجتثاثها. PageV01P062 # فيا عزيزي! إن الوقوف منذ البداية دون تسرب المفاسد الأخلاقية أو العملية ~~إلى مملكة ظاهرك وباطنك، أيسر بكثير من إخراجها بعد توغلها، لأن ذلك يتطلب ~~الكثير من العناء والجهد. وإذا تسربت، فإنك كلما أخرت التصدي لإخراجها، ~~ازداد الجهد المطلوب منك وضعفت قواك الداخلية. # يقول شيخنا الجليل والعارف الكبير الشاه آبادي (روحي فداه) : إن الإنسان ~~في عز شبابه وقوة فتوته يكون أقدر على الوقوف بوجه المفاسد الأخلاقية، ~~وأفضل في أداء واجبه الإنساني. فلا تتركوا هذه القوى تضيع من أيديكم، ~~ويستولي عليكم ضعف الشيخوخة، وعندئذ يصعب عليكم التوفيق في مساعيكم، وحتى ~~لو أنكم وفقتم، فإن ذلك الإصلاح سوف يتطلب منكم الكثير من المشقة والتعب. # وعليه، إذا فكر الإنسان العاقل في المفاسد ووجد أنه غير داخل فيها، فإنه ~~يستطيع أن يمنع نفسه من التلوث بها، وإذا وجد نفسه لا سمح الله مبتلاة ~~بها، فخي ر له أن يسرع في إصلاح نفسه قبل أن تتجذر تلك المفاسد فيه، وإذا ~~كانت لا سمح الله قد تجذرت فيه فعليه أن يبذل كل جهد مستطاع في سب يل ~~اقتلاع تلك الجذور ms094 لئلا يصل إلى مرحلة اللاعودة في البرزخ والآخرة، لأنها ~~إذا أعطت ثمرها، وخرج صاحبها بخلقه الفاسد من هذه الدنيا المتبدلة في ~~هيولاها والمتغيرة في جوهرها، خرج أمر اقتلاعها من يديه، وهيهات أن يتبدل ~~خلق من الأخلاق النفسانية في الآخرة أو في البرزخ. # جاء في مضمون حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن الخلود في ~~الجنة أو في النار منوط بنية الإنسان(1). فالنوايا الفاسدة، التي هي وليدة ~~الأخلاق والرذيلة، لا يمكن أن تزول إلا بزوال منشئها. # إن الملكات في ذلك العالم تكون على درجة من شدة الظهور وقوته بحيث أن ~~زوالها إما لا يكون ممكنا، فيكون صاحبها مخلدا في النار. وإما إذا أمكن ~~بالضغوطات والمشاق والنيران إزالتها، فإن ذلك قد يحدث ولكن بعد قرون ~~ربوبية. # فيا أيها الإنسان العاقل! إن ما يمكن أن تصلحه في شهر أو في سنة من التعب ~~الق ليل الدنيوي وبمحض اختيارك واضعا حدا لشقائك في الدنيا والآخرة، لا ~~تهمله لكيلا يوردك موارد الهلاك. ### || AUTO فصل: في بيان جذور المفاسد الخلقية # سبق القول(2) بأن الإيمان، الذي هو حظ القلب، غير العلم الذي هو حظ ~~العقل. ثم إن جميع المفاسد الأخلاقية والعملية تنشأ عن كون القلب غافلا عن ~~الإيمان، وأن ما يدركه العقل عن طريق البرهان العقلي أو عن طريق أخبار ~~الأنبياء لم يوصله إلى القلب، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه شيئا. PageV01P063 # إن من بين المعارف التي يصدقها الحكماء والمتكلمون وعامة الناس من أهل ~~الشرائع، ولا يشكون فيها أبدا، هو أن ما جرى به قلم الحكيم المطلق جلت ~~قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النعمة وتقسيم الآجال والأرزاق، جاء على ~~خير تقدير وأجمل نظام، وهو يتطابق كل التطابق مع المصالح التامة والنظام ~~الكلي لأتم نظام متصور. ولكن يعبر كل واحد من الحكماء والمتكلمين بلسانه ~~الخاص واصطلاحه الذي يختص بفنه الذي اتخذه وسيلة لتبيان هذه النعمة الإلهية ~~والحكمة الكاملة. # يقول العارف: ظل الجميل جميل على الإطلاق. ويقول الحكيم: النظام العيني ~~المطابق للنظام العلمي خال من النقص ms095 والشرور، والشرور المتوهمة الجزئية هي ~~من أجل إيصال الكائنات إلى كمالاتها التي تليق بها(1). ويقول المتكلم وأهل ~~الشرائع: أفعال الحكيم تكون على أساس من الحكمة والصلاح، وأن أيدي العقول ~~البشرية الجزئية المحدودة قاصرة عن إدراك المصالح العالية في التقديرات ~~الإلهية(2). هذا الموضوع يدور على ألسنة الجميع، وكل ما يستدل على ذلك ~~بأدلة تتناسب مع مدى سعة علمه وعقله. ولكن بما أنه لم يتعد حدود الأقوال ~~إلى حيث القلوب والأحوال، فإن ألسنة الاعتراض مطلقة، وأن من لم يكن له حظ ~~من الإيمان يقوم بتفنيد برهانه وتكذيب قوله. وعلى هذا الأساس تكون المفاسد ~~الأخلاقية. # وليعلم من يحسد الناس ويتمنى زوال النعمة عن الآخرين، ويحقد في قلبه على ~~أصحاب النعم، أنه لا إيمان له بأن الله عز وجل من باب معرفة الصالح أسبغ ~~نعمه على أولئك، وأن إدراكنا لذلك قاصر. وليعلم أيضا أنه لا يؤمن بعدل الله ~~تعالى ولا يرى التقسيم عادلا. إنك في أصول العقائد تقول إن الله عادل، وما ~~هذا إلا مجرد لفظة على لسانك. إن الإيمان بالعدل يناقض الحسد. إنك إذا كنت ~~ترى الله عادلا، لرأيت تقسيمه عادلا أيضا. وقد جاء في الحديث الشريف: يقول ~~الله عز وجل: «إن الحسود يشيح بوجهه عما قسمته بين العباد، وهو ساخط على نعمي». # إن القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة، وينفر بالفطرة كذلك من العسف ~~والجور. إن الفطرة الإلهية الكامنة في أعماق البشر حب العدل والرضى به، ~~وكراهة الظلم وعدم ا لانقياد له. فإذا رأى خلاف ذلك فليعلم أن في المقدمات ~~نقصا. فإذا سخط على النعمة وأعرض عن القسمة، فذلك لأنه لا يرى ذلك عدلا، بل ~~يراه والعياذ بالله جورا. وليس معناه أنه يرى القسمة عادلة ثم يعرض عنها، ~~أو أنه يرى الخطة المرسومة مطابقة للنظام الأتم والمصلحة التامة، ثم يسخط ~~عليها بل يرى أن هذا جور ومغاير للعدل. أسفا علينا! إن إيماننا ناقص، ولم ~~تخرج أدلتنا العقلية من نطاق العقل لتصل إلى حدود القلب. ليس الإيمان ~~بالقول والسماع والمطالعة والمباحثة والنقاش فحسب وإنما ms096 يتطلب أيضا خلوص ~~النية. إن الباحث عن الله يجده لا محالة، والذي يطلب المعارف يبحث عنها، ~~{ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} (الإسراء72). {ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور} (النور40). PageV01P064 ### || AUTO فصل: في بيان المعالجة العملية للحسد # يوجد فضلا عن العلاج العلمي الذي ذكرنا بعضه، العلاج العملي لهذه ~~الرذيلة، وذلك بأن تتكلف إظهار المحبة للمحسود وترتب الأمور بحيث يكون هدفك ~~هو معالجة مرضك الباطني. إن نفسك تدعوك لإيذائه واعتباره عدوا، وتكشف لك عن ~~مساوئه ومفاسده. ولكن عليك أن تعمل خلافا لما تريده النفس، وأن تترحم عليه ~~وتحترمه وتجله. وأحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، وأعرض أعماله الصالحة على ~~نفسك وعلى الآخرين، وتذكر صفاته الجميلة. صحيح أن هذا سوف يكون متكلفا في ~~بادئ الأمر ومن باب المجاز دون الحقيقة ولكن لما أن الهدف هو إصلاح النفس ~~وإزالة هذه المنقصة والرذيلة، فإن نفسك سوف تقترب في النهاية من الحقيقة، ~~ويخف تكلفك شيئا فشيئا، وترجع نفسك إلى حالها الطبيعي وتصبح ذات واقعية. # قل لنفسك، على الأقل: إن هذا الإنسان عبد من عباد الله، ولعل الله نظر ~~إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما أنعم، خصه دون غيره بها، خصوصا إذا كان ~~المحسود من رجال العلم والدين، وأنه محسود على ذلك، فإن مثل هذا الحسد يكون ~~أقبح، ومعاداة أمثال هؤلاء أسوأ عاقبة. ولا بد من تفهيم النفس بأن هؤلاء هم ~~من عباد الله المخلصين الذين شملهم توفيق منه، ووهبهم هذه النعم العظيمة. ~~وهي نعم يجب أن تبعث في القلوب المحبة لهم واحترامهم والخضوع لهم. فإذا رأى ~~أن هذه الأمور التي يجب أن تكون دافعا على المحبة والاحترام توجب نقيض ذلك ~~فعليه أن يعلم أن الشقاء قد اكتنفه من كل جانب، وأن الظلام قد أحاط بباطنه، ~~فلا بد أن يبادر إلى إصلاح نفسه بالطرق العلمية والعملية. وليعلم أنه إذا ~~اتخذ طريق المحبة فإنه سرعان ما يكون موفقا، لأن نور المحبة قاهر للظلمة ~~ومزيل للكدر، ولقد وعد الله ms097 تعالى المجاهدين أن يهديهم وأن يعينهم بلطفه ~~الخفي ويوفقهم. إنه ولي التوفيق والهداية. ### || AUTO فصل: في ذكر حديث الرفع # اعلم أنه ورد في بعض الأحاديث الشريفة ما مضمونه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إن الله رفع عن أمتي تسع... ومنها الحسد إذا لم يظهر ~~من خلال يده أو لسانه. ومن المعلوم أنه يجب أن لا تحول أمثال هذا الحديث ~~الشريف دون المساعي الجادة لقلع هذه الشجرة الخبيثة من النفس، ولا تمنع ~~المحاولات المبذولة في سبيل تطهير الروح من هذه النار التي تحرق الإيمان، ~~ومن هذه الآفة التي تقضي عليه، لأنه يندر أن تدخل هذه الرذيلة المفسدة إلى ~~نفس إنسان ولا تتوالد فيها المفاسد المختلفة، ثم لا يظهر أثرها أبدا، ~~ويحافظ على إيمان الإنسان. # مع أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أن هذه الصفة تأكل الإيمان، وإنها آفة ~~الإيمان، وأن الله تعالى بريء من صاحبها، وإنه مطرود من حضرته، فيجب أن لا ~~يغفل الإنسان عن مثل هذا الأمر الخطير والفساد الكبير الذي يهدد كل وجوده ~~وطاقاته، متمسكا بالتفسير الظاهري لهذا الحديث الشريف. # عليك إذا، أن تقوم جاهدا، بتقليم فروع الحسد، والسعي لإصلاح النفس، ولا ~~تدع شيئا منه يترشح إلى الخارج، وعندئذ تضعف جذوره، ويقف نموه. وإذا وافتك ~~المنية وأنت ماض في سبيل الإصلاح والترويض للنفس، فإن رحمة الله سوف تشملك، ~~ولسوف ينالك العفو برحمة الله الواسعة وببركة الرسول الأكرم صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وإذا بقيت منه باقية فإن بوارق الرحمة الإلهية سوف تحرقها وتطهر ~~النفس وتزكيها. PageV01P065 # أما ما جاء في رواية حمزة بن حمران(1)، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ~~قال: «ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد ~~إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده» فإنه إما يكون من باب المبالغة الدالة على ~~كثرة الابتلاء بها، وإما أن يكون التعبير كناية عن كثرة الابتلاء دون أن ~~يكون القصد هو مضمون الكلام بذاته، وإما أنه اعتبر الحسد أعم من الغبطة، من ms098 ~~باب المجاز، وإما أنه يقصد بالحسد تمني زوال بعض النعم المستعملة لدى ~~الكفار في ترويج مذهبهم الباطل. وإلا فإن الأنبياء والأولياء مطهرون من ~~الحسد بمعناه الحقيقي. إن القلب الملوث بالمساوئ الأخلاقية والقذارات ~~الباطنية لا يمكن أن يهبط عليه الوحي والإلهام، ولا يكون موطن التجليات ~~الذاتية والصفاتية. إذا، لا بد أن يفسر هذا الحديث بحسب ما ذكر، أو بشكل ~~آخر، أو يرد علمه إلى قائلة صلوات الله عليه. # والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث السادس: من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخرة أكبر همه # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ~~ابن محبوب، عن عبدالله بن س نان وعبدالعزيز العبدي، عن عبدالله بن أبي ~~يعفور، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «من أصبح وأمسى والدنا أكبر همه، ~~جعل الله الفقر بين عينيه وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له ومن ~~أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره» (2). # الشرح: # اعلم أن للدنيا والآخرة اطلاقات حسب آراء أرباب العلوم ولدى مقاييس ~~معارفهم وعلومهم ولا يكون البحث عن حقيقتها على ضوء المصطلحات العلمية ~~بمهمة لدينا، فإن بذل الجهد في فهم الاصطلاحات والرد والقبول والجرح ~~والتعديل يحول دون بلوغ القصد. # وإنما المهم في هذا الباب هم فهم الدنياالمذمومة التي على طالب الآخرة أن ~~يتحرز منها. وما يعين الإنسان على النجاة، وسوف نبين ذلك إنشاء الله في ~~بضعة فصول، ونسأل اله تعالى التوفيق في سلوك هذا الطريق. # فصل: في بيان كلام مولانا المجلسي رحمة الله عليه في حقيقة الدنيا ~~المذمومة # يقول المحقق الخبير والمحدث المنقطع النظير مولانا المجلسي رحمة الله عليه: # (فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفهمه أن الدنيا ~~المذمومة مركبة من مجموع أمور تمنع الإنسان من طاعة اله وحبه وتحصيل ~~الآخرة، فالدنيا والآخرة، ضرتان متقابلتان فكلما يوجب رضى الله سبحانه ~~وقربه فهو من الآخرة، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات ~~والصناعات والزراعات ms099 التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره ~~تعالى به وصرفها # في وجوه البر، وإعانة المحتاجين، والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ~~ذلك، فإن هذه كل ها من أعمال الآخرة وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا. # والرياضات المبتدعة والأعمال الريائية، وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة ~~فإنها من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه كأعمال الكفار ~~والمخالفين) انتهى كلامه(3). # ونقل المجلسي رحمه الله عن أحد المحققين: PageV01P066 # «دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمى ~~الدنيا وهي كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد ~~الموت. فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذ ة في عاجل قبل الوفاة، فهي ~~الدنيا في حقك...» (1). # يقول الفقير إلى الله: إن الدنيا مرة تطلق على نشأة الوجود النازلة والتي ~~هي دار تصرم وتغير ومجاز، والآخرة تطلق على الرجوع من هذه النشأة إلى ملكوت ~~الإنسان وباطنه والتي ه دار بقاء وخلود وقرار. وهاتان النشأتان متحققتان ~~لكل نفس من النفوس وشخص من الأشخاص. وعلى العموم، لكل كائن مقام ظهور وملك ~~وشهود. وتلك هي مرتبته النازلة الدنيوية. ومقام باطني، وملكوت غيبي، وهي ~~النشأة الصاعدة الأخروية. وهذه النشأة النازلة الدنيوية وإن كانت ناقصة ~~بذاتها وإنها آخر مراتب الوجود، ولكن لما كانت مهد تربية النفوس القدسية، ~~ودار تحصيل المقامات العالية، ومزرعة الآخرة، فإنها من أحسن مشاهد الوجود ~~وأعز النشآت، وهي المغنم الأفضل عند الأولياء وأهل سلوك الآخرة. ولولا هذه ~~الأمور الملكية والتغييرات والحركات الجوهرية، الطبيعية والإرادية، ولولا ~~أن يسلط اله تعالى على هذه النشأة التبدلات والتصرمات، لما وصل أحد من ذوي ~~النفوس الناقصة إلى حد كماله الموعود ودار قراره وثباته، ولحصل النقص الكلي ~~في الملك والملكوت. # إن ما ورد في القرآن والأحاديث عن ذم هذه الد نيا، لا يكون عائدا في ~~الحقيقة إلى الدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجه نحوها ~~وانشداد القلب بها ومحبتها. # وعليه، يتبين من ذلك أن أمام الإنسان دنياءان: دنيا ms100 ممدوحة ودنيا مذمومة. ~~فالممدوح هو الحصول في هذه النشأة وهي دار التربية ودار التحصيل ومحل ~~التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية سعيدة، مما ~~لا يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى هذه الدنيا، كما جاء في خطبة لمولى ~~الموحدين أمير المؤمنين علي عليه السلام ردا على من ذم الدنيا: # «. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن ~~تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ~~ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فها الحمة، وربحوا فيها ~~الجنة...» (2). PageV01P067 # وقال تعالى: (... ولنعم دار المتقين) (1). وهي دار الدنيا حسب ما ورد في ~~تفسير العياشي عن الإمام الباقر عليه السلام. وعليه، فإن عالم الملك، وهو ~~مظهر الجمال والجلال وحضرة الشهادة المطلقة، ليس مذموما بهذا المعنى، بل ~~المذموم هو دنيا الإنسان نفسه، أي التوجه إليها والتعلق بها وحبها، وهذا هو ~~منشأ كل المفاسد والخطايا القلبية والظاهرية. كما جاء في كتاب الكافي ~~الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: قال عليه السلام: «رأس كل خطيئة حب ~~الدنيا» (2). وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «ما ذئان ضاريان في غنم ~~ليس لها راع هذا في أولها وهذا في آخر ها بأسرع فيها من حب الال والشرف في ~~دين المؤمن» (3). فتعلق القلب بالدنيا وحبها، هو الدنيا المذمومة. وكلما ~~كان التعلق بها أشد كان الحجاب بين الإنسان ودار الكرامة، والحاجز بين ~~القلب والحق سبحانه، أسمك وأغلظ. وإن ما جاء في الأحاديث الشريفة من أن لله ~~سبعين ألف حجاب من النور والظلمة، يمكن أن يكون المقصود من حجب الظلمة هذه ~~الميول والتعلقات القلبية نحو الدنيا. فكلما كان التعلق بالدنيا أقوى، كان ~~عدد الحجب أكثر، وكلما كان الحب لها أشد، كان الحجب أغلظ واختراقها أصعب. ### || AUTO فصل: في بيان سبب ازدياد حب الدنيا # اعلم أنه ولما كان الإنسان وليد هذه الدنيا الطبيعية، وهي أمه، وهو ابن ~~هذا الماء والتراب، فإن حب الدنيا يكون مغروسا في قلبه منذ مطلع نشوئه ~~ونموه، ms101 وكلما كبر في العمر، كبر هذا الحب في قبه ونما. وبما وهبه اله من ~~القوى الشهوانية ووسائل التلذذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية، يزداد حبه ~~ويقوى تعلقه، ويظن أن الدنيا إنما هي دار اللذات وإشباع الرغبات، ويرى في ~~الموت قاطعا لتلك ا للذات، وحتى لو كان يعرف من أدلة الحكماء أو أخبار ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أن هناك عالما أخرويا فإن قلبه يبقى غافلا عن ~~كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته ولا يتقبله، فضلا عن بلوغه مقام ~~الاطمئنان. ولهذا يزداد حبه وتعلقه بهذه الدنيا. # وبما أن حب البقاء فطري في الإنسان، فهو يكره الزوال والفناء، ويظن أن ~~الموت، فناء. ولو أنه آمن بعقله بأن هذه الدنيا دار فناء ودار ممر، وأن ~~العالم الآخر عالم بقاء سرمدي، فما دام إيمانه العقلي هذا يكون موجودا، ولم ~~يدخل الإيمان قلب، بل ولم يحصل الاطمئنان الذي هو المرتبة الكاملة للإيمان ~~القلبي. فهو لا يزال يميل فطرة، إلى الدنيا والبقا ء فيها كما طلب إبراهيم ~~خليل الرحمن من الحق المتعال هذا الاطمئنان، فأنعم به عليه. إذا، إما أن ~~القلوب لا تؤمن بالآخرة، مثل قلوبنا، وإن كنا نصدق بها تصديقا عقليا، وإما ~~أنها لا اطمئنان فيها، فيكون حب البقاء في هذا العالم، وكراهة الموت ~~والخروج من هذا العالم في القلب موجودا. ولو أدركت القلوب أن هذه الدنيا هي ~~أدنى العوالم، وأنها دار الفناء والزوال والتصرم والتغير، وأنها دار الهلاك ~~ودار النقص، وأن العوالم الأخرى التي تكون بعد الموت عوالم باقية وأبدية، ~~وأنها دار كمال وثبات وحياة وبهجة وسرور، لحصل فيها بالفطرة حب تلك ~~العوالم، ولنفرت من هذه الدنيا. ولو ارتفع الإنسان عن هذا PageV01P068 العالم ووصل إلى مقام الشهادة والوجدان ورأى الصورة الباطنية لهذا العالم ~~وللتعلق به، والصورة الباطنية لذلك العالم عالم الآخرة والتعلق به، لأصبح ~~هذا العالم ثقيلا عليه، وغصة في حلقه ولنفر منه، واشتاق للتخلص من هذا ~~السجن المظلم ومن سلسلة قيود الزمان والتغير. كما جاء في كثير من كلام ~~الأولياء. # يقول الإمام علي عليه السلام: ms102 «والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل ~~بثي أمه» (1). # ذلك لأنه رأى بعين الولاية حقيقة هذه الدنيا، فلا يؤثر على مجاورة رحمة ~~الحق المتعال شيء أبدا. ولولا المصالح لما ثبتت نفوسهم الطاهرة، لحظة واحدة ~~في سجن الطبيعة المظلمة. إن الوقوع في الكثرة، ونشأة الظهور والاشتغال ~~بالتدبرات الملكية بل التأييدات الملكوتية، يعد كل ذلك للمحبين والمنجذبين، ~~ألم وعذاب ليس بقدورنا أن نتصورهما. # إن أكثر أنين الأولياء إنما هو ألم فراق المحبوب والبعد عن كرامته، كما ~~أشاروا إلى ذلك بأنفسهم في مناجاتهم، على الرغم من أنهم لا يحجبهم حجاب ~~ملكي أو ملكوتي، وقد اجتازوا ج حيم الطبيعة الذي كان خامدا غير مستعر، وقد ~~خلوا من التعلق بالدنيا وتطهرت قلوبهم من الخطيئة الطبيعية. إلا أن الوقوع ~~في عالم الطبيعة هو بذاته تلذذ طبيعي وقسري، مما كان يحصل لهم، ولو بأقل ~~مقدار، فكان ذلك من باب الحجاب. وفي ذلك ي قول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # «ليران على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة» (2). ولعل خطيئة ~~آدم أبي البشر نجمت عن هذا التوجه القسري نحو تدبير الملك والحاجة ~~الاضطرارية إلى القمح وسائر الأمور الطبيعية، وهذه خطيئة بالنسبة إلى ~~أولياء اله والمنجذبين إليه. ولو بقى آدم عليه السلام في ذلك الانجذاب ~~الإلهي، ولم ي دخل في قضية الملك، لما حدث كل هذا الشقاء والعناء في الدنيا ~~والآخرة. ### || AUTO فصل: في بيان تأثير الحظوظ الدنيوية في القلب ومفاسده # اعلم أن ما تناله النفس من حظ في هذه الدنيا، يترك أثرا في القلب، وهو من ~~تأثير الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلقه بالدنيا. وكلما ازداد التلذذ ~~بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بها وحبه لها، إلى أن يتجه القلب كليا نحو ~~الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد. إن جميع خطايا الإنسان ~~وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحب للدنيا والتعلق بها كما ورد في ~~الحديث الذي أوردناه من كتاب أصول الكافي قبل قليل. # وإن من المفاسد الكبيرة لحب الدنيا كما كان ms103 يقول شيخنا العارف (روحي ~~فداه) هو أنه إذا انطبع حب الدنيا على صفحة قلب الإنسان، واشتد الأنس بها، ~~انكشف له عند الموت أن الحق المتعال يفصل بينه وبين محبوبه، ويفرق بينه ~~وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطا مغتاظا على ولي نعمته. إن هذا القول ~~القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيما إي قاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ ~~بالله من إنسان يسخط على ولي نعمته، مالك الملوك الحق، إذ ليس أحد يعرف ~~صورة هذا السخط والعداء، غير الله تعالى. # ويقول أيضا شيخنا المعظم دام ظله نقلا عن أبيه المعظم، إنه كان في ~~أواخر عمره خائفا بسبب المحبة التي كان يكنها لأحد أولاده، ولكنه بعد ~~الانهماك بالرياضات النفسية تخلص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور ~~مسرورا، رضوان اله عليه. PageV01P069 # جاء في «الكافي» بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ~~«مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتل» (1). # إن حب الدنيا ينتهي بالإنسان إلى الهلاك الأبدي، وهو أصل البلايا ~~والسيئات الباطنية والظاهرية وقد نقل عن رسول اله صلى اله عليه وآله وسلم ~~قول: «إن الدرهم والدينار أهلا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم». # وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب معاصي أخرى على الرغم من أن هذا الفرض ~~بعيد، أو من المستحيل عادة فإن التعلق بالدنيا نفسه معصية، بل أن مقياس ~~طول بقاء الإنسان في عالم القبر والبرزخ هو أمثال هذه التعلقات. فكلما كان ~~التعلق بالدنيا أقل كان البرزخ وقبر الإنسان أكثر نورا وأوسع، ومكثه فيه ~~أقصر. لذلك فقد ورد في بعض الروايات: إن عالم القبر لأولياء الله لا يزيد ~~عن ثلاثة أيام، وإنما كان هذا لأجل التعلق الطبيعي والعلاقة الجبلية ~~لأولياء اله تجاه العالم. # وإن من مفاسد حب الدنيا والتعلق بها هو أنه يجعل الإنسان يخاف الموت. ~~وهذا الخوف الناشئ من حب الدنيا، والتع لق القلبي بها المذموم جدا. غير ~~الخوف من المرجع مآل الإنسان بعد الموت المعدود من صفات المؤمنين. إن أهم ~~صعوبة في ms104 الموت هي ضغوطات لرفع هذه العلائق، والخوف من الموت. يقول المحقق ~~المدقق الإسلامي البارع، السيد العظيم الشأن، الداماد، كرم الله وجهه، في ~~كتابه «القبسات» الذي يعد من الكتب النادرة: «لا يخيفنك الموت، فإن مرارته ~~في خوفه» (2). # ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا أنه يمنع الإنسان من الرياضات الشرعية ~~والعبادات والمناسك، ويقوي جانب الطبيعة في الإنسان بحيث يجعلها تعصي الروح ~~وتتمرد عليها ويوهن عزم الإنسان وإرادته، مع أن من أكبر أسرار العبادات ~~والرياضات الشرعية هو أن تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة للروح ~~بحيث يكون للإرادة دورا مؤثرا في الجسم ويخضع الجسم لأوامر الإرادة فيعمل ~~ما تشاء، ويمتنع عما تشاء، ويصبح ملك الجسم وقواه الظاهرة مقهورا ومسخرا ~~للملكوت بحيث أنه يقوم بما يريد من دون مشقة ولا عناء. # إن من الفضائل والأسرارالشاقة والصعبة للعبادات تحقق هذا الهدف تسخير ~~ملك الجسم للملكوت أكثر حيث يصير الإنسان بذلك ذا عزم، ويتغلب إلى الطبيعة ~~والملك. فإذا اكتملت الإرادة وقوي العزم واشتد، أصبح كمثل الجسم وقواه ~~الظاهرة والباطنة مثل ملائكة الله الذين لا يعصون الله وإنما يطيعونه في كل ~~ما يأمرهم به وينهاهم عنه، من دون أن يعانوا في ذلك عنتا ولا مشقة. # كذلك إذا أصبحت قوى الإنسان مسخرة للروح، زال كل تكلف وتعب وتحول إلى ~~الراحة واليسر، واستسلمت أقاليم الملك السبعة للملكوت وأصبحت جميع القوى ~~عمالا له. # فاعلم، يا عزيزي، أن العزم والإرادة القوية لذلك العالم ضروريان وذات ~~فعالية. إن البلوغ لأحد مراتب الجنة والذي يعد من أفضلها هو العزم ~~والإرادة. فالإنسان الذي ليست له إرادة نافذة ولا عزم قوي لا ينال تلك ~~الجنة ولا ذلك المقام الرفيع. # جاء في الحديث، أن أهل الجنة عندما يستقر ون فيها، تنزل عليهم رسالة من ~~ساحة القدس الإلهي جلت عظمته بهذا المضمون: «هذه رسالة من الحي الثابت ~~الخالد إلى الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد. أنا الذي أقول ~~للشيء: كن، فيكون. وقد جعلتك اليوم أيضا في مستوى إذا أمرت الشي: وقلت له ~~كن، فيكون». PageV01P070 # فلاحظ أي مقام ms105 وسلطان هذا؟ وأية قدرة إلهية هذه التي تجعل إرادة الإنسان ~~مظهرا لإرادة الله! فيلبس العدم لباس الوجود؟ هذه القدرة وهذا النفوذ هما ~~أفضل وأرفع من كل النعم الجسمانية. وبديهي، أن تلك الرسالة لم تكتب عبثا ~~وجزافا. إن من كانت إرادته تابعة للشهوات الحيوانية، وعزيمته ميته خامدة، ~~لا يصل إلى هذا المقام. إن أعمال الله منزهة عن العبث. فكما أن هذا العالم ~~قائم على النظام والترتيب، على الأسباب والمسببات، كذلك هي الحال في العالم ~~الآخر، بل إن العالم الآخر أليق بالنظام والأسباب والمسببات، وإن جميع نظا ~~عالم الآخرة ينبعث من المناسبات والأسباب، وإن نفوذ الإرادة يجب أن يتهيأ ~~من هذا العالم، فإن الدنيا مزرعة الآخرة وإن هذا العالم مادة لكل نعم الجنة ~~ونقم النار. # إذا، كل عبادة من العبادات وكل منسك من المناسك الشرعية، فضلا عن إن لها ~~صورة أخروية وملكوتية، وبها يتم عمارة الجنة الجسمانية وقصورها، وتهيئة ~~الغلمان والحور طبقا للبراهين والأحاديث فإن لكل عبادة من العبادات أيضا ~~أثرا يحصل في النفس، مما يقوي الإرادة شيئا فشيئا ويصل بقدرتها إلى حد ~~الكمال. # لذلك كلما كانت العبادات أشق كانت أرغب: «أفضل الأعمال أحمزها» (1). ~~فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد، والانصراف إلى عبادة الحق ~~المتعال، يزيد من قوة الروح وتغلبها على قوى الجسم، ويقوي الإرادة. وإذا ك ~~ان هذا في أول الأمر على شيء من المشقة والعناء، فإن ذلك يخف تدريجا كلما ~~واصل العبادة، وازدادت طاعة الجسم للنفس. إذ أننا نلاحظ أن أهل العبادة ~~يقومون بالأعمال دون مشقة وتكلف. أما نحن فشعورنا بالكسل وبالمشقة ناشئ من ~~أننا لا نبدأ بالعمل. فلو إننا بدأنا العمل وكررناه عدة مرات، لتبدلت مشقته ~~إلى راحة، بل إن أهلها يلتذون بها أكثر مما نلتذ نحن بمشتهيات الدنيا. إذا، ~~الأمر يصبح عاديا بالتكرار. والخير عادة. # ولهذه العبادة ثمرات، منها: أن صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال ~~في ذلك العالم لا يكون له نظير في هذا العالم، ونكون عاجزين عن تصور مثلها. # ومنها: أن النفس ms106 تصبح ذات عزم واقتدار، فتكون لها نتائج كثيرة، وقد سمعت ~~واحدة منها. # ومنها: أيضا أنها تجعل الإنسان يأنس بالذكر والفكر والعبادة، فإن المجاز ~~قد يقرب الإنسان إلى الحقيقة، فيتوجه القلب إلى مالك الملوك، وتحل المحبة ~~لجمال المحبوب الحقيقي، ويخف تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة. إذ لو حصلت ~~الجاذبية الربوبية والحال الخاصة، لأمكن إدراك حقيقة العبادة والسر الحقيقي ~~للتذكر والتفكر، ولسقط كلا العالمين الدنيا والآخرة من نظره، ولأذهب تجلي ~~الحبيب غبار الرؤية الإثنينية من القلب ولا يعر ف أحد سوى اله الكرامة ~~المعطاة لمثل هذا العبد؟ وكما يقوى عزم الإنسان بالرياضات الشرعية ~~والعبادات والمناسك وترك الرغبات ويصبح الإنسان ذا عزم وإرادة، فكذلك في ~~المعاصي تتغلب الطبيعة لدى الإنسان وتضعف إرادته وعزمه. كما سبق ذكر شيء منه. # فصل: الإنسان بفطرته يحب الكمال التام المطلق # لا يخفى على كل ذي وجدان أن الإنسان، بحسب فطرته الأصيلة وجبلته الذاتية، ~~يعشق الكمال التام المطلق، ويتوجه قل به شطر الجميل على الإطلاق والكامل من ~~جميع الوجوه. وهذا من فطرة الله التي فطر الناس علي ها وبهذا الحب للكمال، ~~تتوفر إرادة الملك والملكوت، وتتحقق أسباب وصول عشاق الجمال المطلق إلى ~~معشوقهم. PageV01P071 # غير أن كل امرئ يرى الكمال في شيء ما، حسب حاله ومقامه، فيتوجه قلبه إليه. ~~فأهل الآخرة يرون الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها، فقلوبهم متوجهة إليها. ~~وأهل الله يرون الكمال في جمال الحق، والجمال في كماله سبحانه يقولون (إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) (1). ويقولون: «لي مع الله حال» (2) ~~وفيهم حب وصاله وعشق جماله. وأهل الدنيا عندما رأوا أن الكمال في لذائذها، ~~وتبين لأعينهم جمالها، اتجهوا فطريا نحوها. ولكن على الرغم من كل ذلك، فإنه ~~لما كان التوجه الفطري والعشق لذاتي قد تعلقا بالكمال المطلق، كان ما عدا ~~ذلك من التعلقات عرضيا ومن باب الخطأ في التطبيق. إن الإنسان مهما كثر ملكه ~~وملكوته، ومهما نال من الكمالات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه ~~والسلطان، ازداد اشتياقه شده، ونار عشقه التهابا. فصاحب الشهوة، كلما ~~ازدادت أمامه ms107 المشتهيات، ازداد تعلق قلبه بمشتهيات أخرى ليست في متناول ~~يده، واشتدت نار شوقه إليها. وكذلك النفس التي تطلب الرئاسة، فهي عندما ~~تبسط لواء قدرتها على قطر من الأقطار، تتوجه بنظرة طامعة إلى آخر، بل لو ~~أنها سيطرت على الكرة الأرضية برمتها، لرغبت في التحليق نحو الكرات الأخرى ~~للاستيلاء عليها. إلا أن هذه النفس المسكينة لا تدري بأن الفطرة إنما تتطلع ~~إلى شيء آخر. إن العشق الفطري الجبلي يتجه إلى المحبوب المطلق، إن جميع ~~الحركات الجوهرية والطبيعية والإرادية، وجميع التوجهات القلبية والميول ~~النفسية تتوجه نحو جمال الجميل الأعلى على الإطلاق، ولكنهم لا يعلمون، ~~فينحرفون بهذا الحب والعشق والاشتياق التي هي براق المعراج وأجنحة الوصول ~~إلى وجهة هي خلاف وجهتها، فيحرروها ويقيدوها بلا فائدة. # لقد بعدنا عن القصد، وهو أنه لما كان الإنسان متوجها قلبيا إلى الكمال ~~المطلق، فإنه مهما جمع من زخرف الحياة فإن قلبه يزداد تعلقا بها. فإذا ~~اعتقد أن الدنيا وزخارفها هي الكمال ازداد ولعه بها، واشتدت حاجته إليها، ~~وتجلى أمام بصره فقره إليها. بعكس أهل الآخرة الذين أشاحوا بوجوههم عن ~~الدنيا، فكلما ازداد توجههم نحو الآخرة، قل التفاتهم واهتمامهم بهذه ~~الدنيا، وتلاشت حاجتهم إليها، وظهر في قلوبهم الغنى، وزهدوا في الدنيا ~~وزخارفها. كما أن أهل الله مستغنون عن كلا العالمين (الدنيا والآخرة)، ~~متحررون من كلتا النشأتين وكل حاجتهم نحو الغنى المطلق، متجليا الغنى ~~بالذات في قوبهم، فهنيئا لهم. # إذا، مضمون الحديث الشريف يمكن أن يكون إشارة لما مر شرحه من قوله: «من ~~أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عييه، وشتت أمره، ولم ينل ~~من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغنى ~~في قلبه وجمع له أمره». # ومن المعلوم، أن من يتجه قلبه إلى الآخرة، تغدو أمور الدنيا وصعابها في ~~نظره حقيرة سهلة، ويجد هذه الدنيا متصرمة، ومتغيرة، ويراها معبرا ومتجرا ~~ودارا للابتلاء والتربية، ولا يهتم بما فيها من ألم وسرور، فتخف حاجاته ~~ويقل افتقاره إلى أمور الدنيا وإلى ms108 الناس، بل يصل إلى حيث لا تبقى له حاجة، ~~فيجتمع له أمره، وتنتظم أعماله، ويفوز بالغنى الذاتي والقلبي. PageV01P072 # إذا، كلما نظرت إلى هذه الدن يا بعين المحبة والتعظيم، وتعلق قلبك بها، ~~ازدادت حاجتك بحسب درجات حبك لها، وبان الفقر في باطنك وعلى ظاهرك، وتشتت ~~أمورك واضطربت، وتزلزل قلبك، واستولى عليه الخوف والهم، ولا تجري أمورك كما ~~تشتهي، وتكثر تمنياتك ويزداد جشعك، ويغلبك الغم والتحسر، ويتمكن اليأس من ~~قلبك والحيرة، كما وردت الإشارة إلى بعض ذلك في الحديث # الشريف. فقد روي في «الكافي» بإسناده عن حفص بن قرط، عن أبي عبدالله ~~الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: # «من كثر اشباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها» (1). # وعن أبي يعفور قال، سمعت أبا عبدالله (الصادق) عليه السلام يقول: # «من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصا ل هم لا يفنى وأمل لا يدرك ~~ورجاء لا ينال» (2). # أما أهل الآخرة، فإنهم كل ما ازدادوا قربا من دار كرم الله، ازدادت ~~قلوبهم سرورا واطمئنانا، وازداد انصرافهم عن الدنيا وما فيها. ولولا أن ~~الله قد عين لهم آجالهم لما مكثوا في هذه الدنيا لحظة واحدة. فهم، كما يقول ~~أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السلام: «نزلت أنفسه في البلاء، كالتي ~~نزلت في الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم، لم تستقر أرواحهم في أجس ~~ادهم طرفة عين شوق إلى الثواب» (3). جعلنا الله وإياكم منهم، إن شاء الله. # إذا، يا عزيزي، بعد أن عرفت مفاسد هذا التعلق والحب، وأدركت أن ذلك يفضي ~~بالإنسان إلى الهلاك، ويجرده من الإيمان، ويجعل دنياه وآخرته متشابكتين ~~مضطربتين، فشم ر عن ساعد الجد، وقل حسب طاقتك، التعلق بهذه الدنيا، واقتلع ~~جذور حبها من نفسك، واحتقر الأيام القليلة التي تقضيها في الحياة، وأزهد في ~~خيراتها المشوبة بالألم والعذاب والنقمة، واطلب من الله أن يعينك على ~~الخلاص من هذا العذاب وهذه المحنة، ويجعل قلبك يأنس بدار كرمه تعالى: «وما ~~عند الله خير وأبقى». ### | AUTO الحديث السابع: الغضب # بالسند المصل إلى محمد بن ms109 يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن ~~يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «الغضب مفتاح ك ~~شر» (4). # الشرح: # قال المحقق الكبير أحمد بن محمد، المعروف بابن مسكويه، في كتاب تهذيب ~~الأخلاق وتطهير الأعراق القيم الذي يقل نظيره في حسن التنظيم والبيان ~~منصه(5): PageV01P073 # «والغضب بالحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام. ~~فإذا كانت هذه الحركة عنيفة، أججت نار الغضب وأضرمتها، فاحت غليان دم القلب ~~وامتلأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف ~~فعله، ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف مليء حريقا ~~وأضرم نارا فاختنق فيها اللهيب والدخان وعلا منه الأجيج والصوت المسمى وحي ~~النار، فيصعب علاجه ويتعذر إطفاؤه، ويصير كل ما تدنيه منه للإطفاء سببا ~~لزيادته ومادة لقوته. فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصم عن الموعظة، بل ~~تصير المواعظ في تلك الحال سببا للزيادة في الغضب ومادة للهيب والتأجج وليس ~~يرجى له في تلك الحال حيلة». # ثم يقول(1) «وأما سقراطيس(2) قال أني للسفينة إذا عصفت بها الرياح ~~وتلاطمت عليها الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي فيها الجبال، أرجى مني ~~للغضبان الملتهب، وذلك أن السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ~~ويخلصونها بضروب الحيل فأما النفس إذا استشاطت غصبا فليس يرجى لها حيلة ~~البتة وذلكن كل ما رقي به الغضب من التضرع والموعظة والخضوع يصير له بمنزلة ~~الجزل من الحطب يوهجه ويزيده استعارا» انتهى. ### || AUTO فصل: في بيان فوائد القوة الغضبية # اعلم أن غريزة الغضب من النعم الإلهية التي يمكن بها عمارة الدنيا ~~والآخرة، وبها يتم الحفاظ على بقاء الفرد والجنس البشري والنظام العائلي، ~~ولها تأثير كبير في إيجاد المدينة الفاضلة ونظام المجتمع. فلولا وجود هذه ~~الغريزة الشريفة في الحيوان لما قام بالدفاع عن نفسه ضد هجمات الطبيعة، ~~ولآل أمره إلى الفناء والاضمحلال. ولولا وجودها في الإنسان، لما استطاع، أن ~~يصل إلى كثير من مراتب تطوره وكمالاته زائدا على تحقق ما تقدم. ms110 بل إن ~~التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالب الأخلاق المذمومة ومن نقائص ~~الملكات التي يترتب عليها الكثير من المفاسد والمعايب، كالخوف، والضعف، ~~والتراخي، والتكاسل، والطمع، وقلة الصبر، وعدم الثبات في المواقف التي ~~تتطلب الثبات، والخمود، والخنوع، وتحمل الظلم، وقبول الرذائل والاستسلام ~~لما يصيبه أو يصيب عائلته، وانعدام الغيرة، وخور العزيمة... # إن الله سبحانه يصف المؤمنين بقوله: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) (3). PageV01P074 # إن القيام بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود والتعزيرات ~~وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية، لا يكون إلا في ظل القوة الغضب ~~ية الشريفة. وعلى ذلك، فإن الذين يظنون أن قتل غريزة الغضب بالكامل وإخماد ~~أنفاسها يعد من الكمالات والمعارج النفسية إنما يرتكبون خطيئة عظيمة، ~~ويغفلون عن حد الكمال ومقام الاعتدال. هؤلاء المساكين لا يعلمون أن الله ~~تبارك وتعالى لم يخلق هذه الغريزة الشريفة في جميع أصناف الحيوانات عبث، ~~وأنه جعل هذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة الملكية والملكوتية، ومفتاح ~~الخيرات والبركات. إن الجهاد ضد أعداء الدين، وحفظ النظام العائلي للإنسان، ~~والدفاع عن النفس والمال والعرض، وعن سائر القوانين الإلهية، والجهاد مع ~~النفس وهي ألد أعداء الإنسان، لا يكون كل ذلك إلا بهذه الغريزة الشريفة. إن ~~منع الاعتداءات والذب عن الحدود والثغور، ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد ~~والمجتمع، ويجري تحت لواء هذه الغريزة. لذلك سعى الحكماء إلى معالجة خمود ~~هذه الغريزة وركودها. وهناك معالجات علمية وعملية لإيقاضها وتحريكها: مثل ~~الإقدام على الأمور العظيمة المخيفة، والذهاب إلى ميادين الحرب، والجهاد ضد ~~أعداء الله. فقد نقل عن بعض المتفلسفين أنه كان يرتاد الأماكن المخوفة ~~ويلبث فيها قليلا ويلقى بنفسه في المخاطر العظيمة، ويركب البحر في أوج ~~تلاطم أمواجه، وذلك لكي يخلص نفسه من الشعور بالخوف ويتحرر من الضعف ~~والكسل. # وعلى أي حال، فإن غريزة الغضب موجودة لدى كل إنسان ومودعة في باطنه، ~~ولكنها في بعضهم خامدة منكمشة، كالنار تحت الرماد. فالواجب على من يلحظ في ~~نفسه حال الخمول والضعف وانعدام الغيرة أن يعالج الحالة بضدها، ويخرج نفسه ~~مما ms111 هي فيه إلى حال من الاعتدال. وهذه الحال المحاولة من الشجاعة التي تعد ~~من الملكات الفاضلة والصفات الحسنة، مما سوف ترد الإشارة إليه. ### || AUTO فصل: في بيان ذم الإفراط في الغضب # إذا كانت حال التفريط ونقص الاعتدال من الصفات المذمومة التي تؤدي إل ى ~~كثير من المفاسد التي ذكرنا بعضها، كذلك هي حال الإفراط وتجاوز حد ~~الاعتدال، فهي أيضا تعد من الصفات المذمومة التي تقود إلى مفاسد كثيرة. ~~ويكفي لتبيان مفاسد هذه الحال ذكر هذا الحديث الشريف الوارد في الكافي. عن ~~أبي عبدالله عليه السلام أنه قال، قال رسول الله صلى الله عل يه وآله وسلم ~~«الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل» (1). # فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الارتداد عن دين الله، وإطفاء نور ~~الإيمان، بحيث أن ظلام الغضب وناره تحرق الحقائق الحقة. بل قد يصل الأمر ~~إلى الكفر الجحودي الذي نتيجته الهلاك الأبدي، ثم ينتبه على نفسه بعد فوات ~~الأوان وحين لا ينفع الندم ويمكن أن تكون نار الغضب، جمرة الشيطان، التي ~~وردت في كلام الإمام الباقر عليه السلام «إن ها الغضب جمرة من الشيطان ~~توقد في قلب ابن آدم» (2) صورتها في ذلك العالم، صورة نار الغضب الإلهي. # كما ورد عنه عيه السلام في حديث شريف رواه صاحب «الكافي» : # «مكتوب في الوراة فيما ناجى الله عز وجل موسى: يا موسى أمسك غضبك عمن ~~ملكتك عليه أكف عنك غضبي» (3). PageV01P075 # ولا شك في أنه ليست هناك نار أشد من نار غضب الله عذابا. وقد جاء في كتب ~~الحديث، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قال الحواريون لعيسى عليه ~~السلام: أي الأشياء أشد؟ قال أشد الأشياء غضب الله عز وجل، قالوا بم نتقي ~~غضب الله؟ قال بأن لا تغضبوا» (1). # وهكذا يتضح أن غضب الله من أصعب الأمور وأشدها، وأن نار غضبه أشد إحراق، ~~وصورة الغضب للإنسان في هذه الدنيا هي صورة نار غضب الله في العالم الآخر. ~~وكما أن الغضب يظهر من القلب، فلعل نار الغضب الإلهي الذي يكون مبدأه الغضب ms112 ~~وسائر الرذائل القلبية الأخرى، تنبعث من باطن القلب، وتسري إلى الظاهر، ~~وتخرج ألسنة نيرانها المؤلمة من الأعضاء الظاهرية مثل العين والإذن واللسان ~~وغيرها بل إن هذه الأعضاء تكون أبوابا تنفتح على جهنم، فتحيط نار جهنم ~~بالأعمال والآثار الجسمية التي في ظاهر جسد الإنسان، لتتجه إلى باطنه، فيقع ~~الإنسان في العذاب والشدة بين جهنمين: أحدهما يبرز من باطن القلب ويدخل ~~ألسنة لهيبها بواسطة أم الدماغ إلى عالم الجسم. وثانيهما صورة قبائح ~~الأعمال وتجسم الأفعال، حيث تتصاعد نيرانها من الظاهر إلى الباطن، والله ~~سبحانه وتعالى يعلم مدى هذا الضغط؟ وهذا العذاب؟ إنه غير الاحتراق وغير ~~الانصهار. أتظن أن إحاطة جهنم تشبه هذه الإحاطات التي تتصوره؟ إن الإحاطة ~~هنا إنما تكون بظاهر السطح فقط. أما الإحاطة هناك فتكون بالظاهر وبالباطن، ~~بالسطوح وبالأعماق. وإذا أصبحت صورة الغضب عند الإنسان صفة راسخة لا سمح ~~الله وصورة الغضب آخر مراحل الرسوخ كانت المصيبة أعظم، وأصبح للإنسان في ~~البرزخ ويوم القيامة صورة السباع، السباع التي لا شبيه لها في الدنيا. وذلك ~~لأن سبعية الإنسان، وهو في حالة الغضب، لا يمكن مقارنتها بسبعية أي حيوان ~~آخر من الحيوانات. وكما أن الإنسان في حالة كماله أعجوبة الدهر ولن تجد له ~~نظيرا، كذلك في حال نقصه واتصافه بالرذائل وبالصفات الخسيسة لن تجد بين ~~الكائنات من يقف معه في ميزان المقارنة، لقد وصفهم الله بقوله: (إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (2). ووصف قلوبهم فقال: (فهي كالحجارة أأشد ~~قسوة) (3). # هذا الذي مر بك كان جانبا من مفاسد نار الغضب الحارقة، إذا لم يستتبع ~~الغضب معاص أخرى، بل بقى نارا داخلية مظلمة تتعقد في الباطن وتنجس وتختنق ~~فتطفئ نور الإيمان، كالنار المشتعلة التي يخالطها الدخان الأسود الذي يغشى ~~النور فيطفئه. ولكن ذلك أمر بعيد، بل قد يكون من الأمور المستحيلة أن يكون ~~الإنسان في حال غضب شديد مستعرة ناره، ثم يمتنع عن إرتكاب معاص وموبقات ~~مهلكة أخرى. فكثيرا ما يؤدي الغضب المستعر، وهذه الجمرة الشيطانية ~~الملعونة، في مدة دقيقة واحدة إلى ms113 إلقاء الإنسان في هاوية الهلاك والعدم، ~~كأن يسب الأنبياء والمقدسات والعياذ بالله أو يقتل نفسا بريئة مظلومة، أو ~~يهتك الحرمات، فيخسر الدنيا والآخرة، كما جاء في الكافي عن أبي عبدالله ~~عليه السلام في حديث له: كان أبي يقول: «أي شيء أشد من الغب؟ إن الج ليب ~~فيل الن التي حرم الله ويقف المحنة» (4). PageV01P076 # لقد وقعت أفظع الفتن وارتكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره ~~الحارقة. وعلى الإنسان، وهو سليم النفس، أن يكون على حذر كثير من حال غضبه. ~~وإذا كان يعرف من نفسه حدوث حالات الغضب، عليه، في أثناء هدوئه النفسي، أن ~~يعالجها وأن يفكر في مبادئها وفي مفاسدها عند اشتدادها وآثارها ونتائجها في ~~النهاية، لعله يصل إلى معرفة طريق لإنقاذ نفسه. فليفكر في أن هذه الغريزة ~~التي وهبها الله تعالى إياه لحفظ نظام الظاهر والباطن وعالم الغيب ~~والشهادة، إذا استخدمها لغير تلك الأهداف وبخلاف ما يريد الله سبحانه وضد ~~المقاصد الإلهية، فما مدى خيانته؟ وما هي العقوبات التي يستحقها؟ وكم هو ~~ظلوم جهول؟ لأنه لم يصن أمانة الحق تعالى، بل استعملها في العداوات ~~والمخاصمات. إن إمرء هذا شأنه لا يمكن أن يأمن الغضب الإلهي. # ثم إن عليه إن يفكر في المفاسد العملية والأخلاقية التي تتولد من الغضب ~~وسوء الخلق. إذ كل مفسدة من هذه المفاسد يمكن أن تكون سببا في ابتلاء ~~الإنسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا، وبالعذاب والعقاب في الآخرة. # أما المفاسد الأخلاقية التي تتولد من هذا الخلق فهي الحقد على عباد الله، ~~وقد ينتهي به الأمر إلى الحقد على الأنبياء والأولياء، بل وحتى على ذات ~~الله المقدسة الواجبة الوجود وولي النعم، وشدة هذا القبح وهذه المفسدة واضح ~~للجميع، نعوذ بالله تعالى من شر نفس عنيدة إذا ما انفصم وثاقها للحظة ~~واحدة، جرت الإنسان إلى تراب الذل وقادته إلى أرض الهلاك الأبدي. وكذلك ~~الحسد الذي مرت بك بعض مفاسده وشروره في شرح الحديث الخامس. وغير ذلك من ~~المفاسد الأخرى التي تتولد من الغضب. # وأما مفاسد الغضب المؤثرة ms114 في الأعمال فإنها ليست بمحصورة، فلعله يتفوه ~~بما فيه الارتداد أو سب الأنبياء والأولياء والعياذ بالله وهتك الحرمات ~~الإلهية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على ~~العوائل المحترمة بما يصمها بالعار والذل ويقضي على النظام العائلي بكشف ~~الأسرار وهتك الأستار. وغير ذلك من المفاسد التي لا تحصى والتي يبتلي بها ~~الإنسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وهدم البيوت. # لذلك يمكن أن توصف هذه السجية بأنها أم الأمراض النفسية ومفتاح كل شر. ~~ويقابلها كظم الغيض وإخماد سعير الغضب فإنه من جوامع الكلم ودائرة تمركز ~~الحسنات ومجمع الكرامات. كما جاء في حديث (الكافي) عن أبي عبدالله عليه ~~السلام أنه قال سمعت أبي يقول: # «أتى رسول الله رجل بدوي، فقال: إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام ~~فقال: آمرك أن لا تغضب. فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع ~~الرجل إلى نفسه. فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا. ما أمرني رسول الله إلا ~~بالخير. قال: وكان أبي يقول: أي شيء أشد من الغضب؟ إن الرجل ليغضب فيقتل ~~النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة» (1). PageV01P077 # بعد أن يدرك الإنسان، في حال تعلقه وسكون نفسه وخمود غضبه، المفاسد الناجمة ~~عن الغضب، والمصالح الناجمة عن كظم الغيظ، يلزم أن يحتم على نفسه أن يطفئ ~~هذا اللهيب الحارق وهذه النار المشتعلة في قلبه، مهما لاقى من عنت ونصب في ~~سبيل ذلك، ليغسل قلبه من الظلام والكدر، ويعيد إليه صفاءه ونقاءه. وهذا أمر ~~ممكن تماما بشيء من مخالفة النفس والعمل ضد هواها، وبقليل م ن النصح ~~والإرشاد والتدبر في عواقب الأمور. وهذه وسيلة يمكن بها إزالة جميع الأخلاق ~~الفاسدة والعادات القبيحة من ساحة النفس، وإبدالها بجميع الصفات الحسنة ~~والأخلاق المحمودة التي يجب أن يتحلى بها القلب. ### || AUTO فصل: في بيان علاج الغضب إن للغضب المشتعل # إن للغضب المشتعل علاجا علميا وعمليا أيضا. # أما علاجه العملي فهو أن يتفكر الإنسان في تلك الأمور التي ذكرت، ويعد ~~هذا من العلاج العملي أيضا. # أما العلاج العملي فأهمه صرف ms115 النفس عن الغضب عند أول ظهوره. وذلك لأن ~~الغضب أشبه بالنار، فهو يزداد شيئا فشيئا ويشتد، حتى يتعالى لهيبه، وترتفع ~~حرارته ويفلت العنان من يد الإنسان، ويخمد نور العقل والإيمان، ويطفئ سراج ~~الهداية، فيصبح الإنسان ذليلا مسكينا. فعلى الإنسان أن يأخذ حذره قبل أن ~~يزداد اشتعاله ويرتفع سعيره، فيشغل نفسه بأمور أخرى، أو أن يغادر المكان ~~الذي ثار فيه غضبه، أو أن يغير من وضعه. فإذا كان جالسا فلينهض واقفا، وإذا ~~كان واقفا فليجلس، أو أن يشغل نفسه بذكر الله تعالى. بل هناك من يرى وجوب ~~ذكر الله في حال الغضب، أو أن يشغل نفسه بأي أمر آخر. # على كل حال، يسهل كبح جماح الغضب في بداية ظهوره. ولهذا العمل في هذه ~~المرحلة نتيجتان: # الأولى: هي أن يهدئ النفس ويقلل من اشتعال الغضب. والثانية: هي أن يؤدي ~~إلى المعالجة الجذرية للنفس. فإذا راقب الإنسان حاله وعامل نفسه بهذه ~~المعاملة تغيرت حاله تغيرا كليا واتجهت نحو الاعتدال. وقد وردت الإشارة إلى ~~بعض ذلك كتاب (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: # «إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وإن أحدكم إذا غضب ~~احمرت عيناه وانتخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفه ~~فليلزم الأرض فإن ر جز الشيطان يذهب عنه عند ذلك» (1). # وبإسناده، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال: ~~«إن الرج ليغب فما يرضى أبدا حى يدخل النار فأيما رجل غض على قوم وهو قائ ~~فيجس من فوره ذل فإن سيذهب عنه رجز الشيطان وأيما رجل غضب على ذي رحم فلدن ~~منه فلمسه، فإن الرحم، إذا مست، سكت» (2). # يستفاد من هذا الحديث الشريف علاجان عمليان حال ظهور الغضب. الأول عام، ~~وهو الجلوس من القيام، أي تغيير وضعية الإنسان، ففي حديث آخر أنه إذا كان ~~جالسا عند الغضب فليقم واقفا. # وقد نقل عن الطرق ا لعامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما ~~كان يغضب، يجلس، ms116 إذا كان واقف، ويستلقي على قفاه إذا كان جالسا، وبذلك يسكن غضبه. # والعلاج العملي الآخر علاج خاص بالأرحام، وهو أن يمسه فيسكن غضبه. PageV01P078 # هذه معالجات يقوم بها الغاضب لنفسه. أما إذا أراد الآخرون معالجة الغاضب ~~فعند ظهور بوادر الغضب، عليهم أن يعالجوه بإحدى الطرق العلمية والعملية ~~المذكورة. ولكن إذا اشتدت حاله واشتعل غضبه، فإن النصائح تنتج عكس المطلوب. ~~ولذلك يكون علاجه وهو في هذه الحال صعبا، إلا بتخويفه من قبل شخص يهابه ~~ويخشاه، وذلك لأن الغاضب إنما يغضب عندما يرى نفسه أقوى ممن يغضب عليه، أو ~~يرى أنه، على الأقل، يتساوى معه في القوة. أما مع الذين يرى أنهم أقوى منه، ~~فلا يظهر الغضب أمامهم، بل تكون الفورة والاشتعال في باطنه ويبقى محبوسا في ~~داخله ويولد الحزن في قلبه. وعليه فإن العلاج في حالات الانفعال الشديدة من ~~الغضب والفورة يكون على جانب كبير من الصعوبة. نعوذ بالله منه. ### || AUTO فصل: في بيان أن معالجة الغضب باقتلاع جذوره # من أهم سبل معالجة الغضب هي اقتلاع جذوره بإزالة الأسباب المثيرة له. وهي ~~أمور عديدة، وسوف نتناول بعضا منها مما يتناسب وهذا الكتاب. # من تلك الأسباب حب الذات، ويتفرع عنه حب المال والجاه والشرف والنفوذ ~~والتسلط. وهذه كلها تتسبب في إشعال نار الغضب، إذ أن من كانت فيه هذه ~~الأنواع من الحب، يهتم بهذه الأمور كثيرا، ويكون لها في قلبه مكان رفيع. ~~فإذا اتفق أن واجه بعض الصعوبات في واحدة منها، أو أحس بأن هناك من ينافسه ~~فيها، تنتابه حال من الغضب والهيجان دون سبب ظاهر، فلا يعود يملك نفسه، ~~ويستولي عليه الطمع وسائر الرذائل الناجمة عن حب الذات والجاه وتمسك ~~بزمامه، وتحيد بأعماله عن جادة العقل والشرع. ولكن إذا لم يكن شديد التعلق ~~والاهتمام بهذه الأمور، فإن هدوء النفس والطمأنينة الحاصلة من ترك حب الجاه ~~والمقام # وسائر تفرعاته، تمنع النفس من أن تخطو خطوات تخالف العدالة والروية. إن ~~الإنسان البسيط غير المتكلف يتحمل المنغصات ولا تتقطع حبال صبره، فلا ~~يستولي عليه الغضب ms117 المفرط في غير وقته. أما إذا اقتلع جذور حب الدنيا من ~~قلبه اقتلاعا، فإن جميع المفاسد تهجر قلبه وتحل محلها الفضائل الأخلاقية ~~السامية. # ومن الأسباب الأخرى لإثارة الغضب هو أن الإنسان قد يظن الغضب، وما يصدر ~~عنه من سائر الأعمال القبيحة والرذائل السافلة، كمالا، وذلك لجهله وقلة ~~معرفته. فيحسب الغضب من الفضائل ويراه بعض الجهال فتوة وشجاعة وجرأة، ~~فيتباهى ويطري على نفسه في أنه فعل كذا وكذا، فيحسب هذه الصفة الرذيلة ~~المهلكة شجاعة، هذه الشجاعة التي تكون من أعظم صفات المؤمنين، والصفات ~~الحسنة. فلا بد وأن نعرف بأن الشجاعة غير الغضب، وأن أسبابها ومباد ئها ~~وآثارها وخواصها تختلف عن أسباب الغضب ومبادئه وآثاره وخواصه. مبدأ الشجاعة ~~هو قوة النفس والطمأنينة والاعتدال والإيمان وقلة المبالاة بزخارف الدنيا ~~وتقلباتها. أما الغضب فناشئ عن ضعف النفس وتزلزلها، وقلة الإيمان، وعدم ~~الاعتدال في المزاج وفي الروح، وحب الدنيا والاهتمام بها، والتخوف من فقدان ~~اللذائذ البشرية. لذلك تجد هذه الرذيلة مستحكمة في المرضى أكثر مما هي في ~~الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما هي في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما هي في ~~الشبان. فالشجاعة عكس الغضب تماما. ومن كانت فيه رذائل أخلاقية كان أسرع ~~إلى الغضب ممن فيهم فضائل أخلاقية، إذ يكون البخيل أسرع في الغضب من غيره ~~إذا تعرض ماله وثروته للخطر. PageV01P079 # هذا من حيث مبادئ الشجاعة والغضب وما يوجبهما، وهما من حيث الآثار والنتائج ~~مختلفان أيضا. فالغاضب، وهو في حال ثورة غضبه، يكون أشبه بالمجنون الذي فقد ~~عنان عقله، ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تهمه عواقب الأمور، فيهجم ~~دون ترو أو احتكام إلى العقل، فيسلك سلوكا قبيحا، يفقد سيطرته على لسانه ~~ويده وسائر أعضائه، وتلتوي شفتاه في هيئة قبيحة بحيث أنه لو أعطى مرآة، ~~لخجل من صورته التي يراها فيها. # إن بعض أصحاب هذه الرذيلة يغضبون لأتفه الأمور، بل يغضبون حتى على # الحيوانات والجمادات، ويلعنون حتى الريح والأرض والبرد والمطر وسائر ~~الظواهر الطبيعية إذا كانت خلاف رغباتهم. ويغضبون أحيانا على القلم والكتاب ~~والأواني ms118 فيمزقونها أو يحطمونها. أما الشجاع فهو بخلاف ذلك تماما. فأعماله ~~لا تكون إلا عن روية ووفق ميزان العقل وطمأنينة النفس. يغضب في محله، ويحلم ~~في محله، لا تهزه التوافه ولا تغضبه. وإذا غضب غضب بمقدار، وينتقم بعقل، ~~ويعرف كيف ينتقم ومتى وممن؟ وكيف يعفو ومتى وممن؟ وفي حال غضبه لا يفقد ~~زمام نفسه، ولا يبادر بالكلام البذيء ول ا بالأعمال القبيحة، ويزن كل ~~أعماله بميزان العقل والشرع والعدل والإنصاف، ويخطو خطوات لا يندم عليها ~~بعد ذلك. # فعلى الإنسان الواعي أن لا يخلط بين هذا الخلق الذي يتصف به الأنبياء ~~والأولياء والمؤمنون، يعد من الكمالات النفسية. والخلق الآخر الذي هو من ~~النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخناس. إلا أن حجاب الجهل وعدم ~~المعرفة وحب الدنيا وحب الذات، يعمي عين الإنسان ويصم أذنه ويلقيه في ~~المسكنة والعذاب. # وهناك أسباب أخرى ذكروها للغضب، مثل العجب والزهو والكبرياء والمراء ~~والعناد والمزاح وغيرها مما يطيل البحث الدخول في تفاصيلها، ولعل أكثرها ~~ينطوي تحت هذين الموضوعين المذكورين بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والحمد لله. ### | AUTO الحديث الثامن: العصبية # بسندي المتصل إلى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، ~~عن السكوني، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة ~~مع أعراب الجاهلية» (1). # الشرح: # الخردل، نبات معروف له خواص كثيرة، ويصنع منه الشمع، والعصبي: هو الذي ~~يعين قومه على الظلم ويغضب لعصبته ويحامي عنهم. وعصبة المرء أقرباؤه من جهة ~~الأب، لأنهم يحيطون به فيقوى بهم، والتعصب بمعنى الحماية والدفاع. # يقول الفقير إلى الله: العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية. ومن ~~آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك ~~الارتباط الديني أو المذهبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه، ~~وغير ذلك من ارتباط المرء بمعلمه، أو بأستاذه، أو بتلم ذته وما إلى ذلك. ~~والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سببا في ms119 إيجاد ~~مفاسد في الأخلاق وفي العمل. وهي بذاتها مذمومة حتى وان كانت في سبيل الحق، ~~أو من أجل أمر ديني، من غير أن يكون مستهدفا لإظهار الحقيقة، بل يكون من ~~أجل تفوقه أو تفوق مسلكه ومسلك عصبته، أما إظهار الحق والحقيقة وإثبات ~~الأمور الصحيحة والترويج لها وحمايتها والدفاع عنها، فإما أنه ليس من ~~التعصب، وإما أنه ليس تعصبا مذموما. PageV01P080 # إن المقياس في الاختلاف يتمثل في الأغراض والأهداف وخطوات النفس والشيطان ~~أو خطوات الحق والرحمن. وبعبارة أخرى، إن المرء إذا تعصب لأقربائه أو أحبته ~~ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحق ودحض الباطل، فهو تعصب محمود ودفاع عن ~~الحق والحقيقة. ويعد من أفضل الكمالات الإنسانية، ومن خلق الأنبياء ~~والأولياء. وعلامته المميزة هو أن يميل الإنسان إلى حيث يميل الحق فيدافع # عنه، حتى وان لم يكن هذا الحق إلى جانب من يحب، بل حتى لو كان الحق إلى ~~جانب أعدائه. إن شخصا هذا شأنه يكون من جملة حماة الحقيقة، ومن زمرة ~~المدافعين عن الفضيلة وعن المدينة الفاضلة، ومن الأعضاء الصالحين في ~~المجتمع، ومن المصلحين لمفاسده. # أما إذا تحرك بدافع قوميته وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبته في ~~باطلهم وسايرهم فيه ودافع عنهم، فهذا شخص تجلت فيه السجية الخبيثة، سجية ~~العصبية الجاهلية. وأصبح عضوا فاسدا في المجتمع، وأفسد أخلاق المجتمع ~~الصالح، وصار في زمرة أعراب الجاهلية، وهم فئة من أعراب البوادي قبل ~~الإسلام ممن كانوا يعيشون في ظلام الجهل، وقد قويت فيهم هذه النزعة ~~القبيحة، والسجية البشعة بل إن هذه الصفة توجد في معظم أهل البوادي عدى من ~~اهتدى بنور الهداية كما ورد في الحديث الشريف عن الأمام أمير المؤمنين عليه ~~السلام: أن الله سبحانه يعذب طوائف ستة بأمور ستة: # أهل البوادي بالعصبية وأهل القرى بالكبر والأمراء بالظلم، والفقهاء ~~بالحسد، والتجار بالخيانة وأهل الرساتيق بالجهل. ### || AUTO فصل: في بيان مفاسد العصبية # يستفاد من الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة والطهارة أن العصبية من ~~المهلكات والباعثة على سوء العاقبة والخروج من عصمة الإيمان، ms120 وأنها من ~~ذمائم أخلاق الشيطان. # جاء في الكافي بسنده الصحيح، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: «من ~~تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه» (1). أي أن المتعصب بتعصبه ~~يكون قد خرج من إيمانه، وأما المتعصب له، فبما أنه قد رضي بعمل المتعصب، ~~يصبح شريكا له في العقاب. كما جاء في الحديث الشريف: «ومن رضي بعمل قوم حشر ~~معهم. أما إذا لم يرض به واستنكره فلن يكون منهم». # وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: «من تعصب عصبه الله بعصابة من ~~النار» (2). # وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: «لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن ~~عبدالمطلب وذلك حين أسلم غضبا للنبي» (3). # وقد وردت قصة إسلام حمزة بن عبدالمطلب بعبارات مختلفة، وهي خارجة عن نطاق ~~بحثنا هذا. وعلى كل حال، فمن المعلوم أن الإيمان، وهو الفوز الإلهي ومن ~~الخلع الغيبية لله جل جلاله، الذي يفيض بها على المخلصين من عباده، والخاصة ~~في محفل انسه، يتنافى مع مثل هذه السجية الممقوتة التي تدوس الحق والحقيقة، ~~وتطأ بأقدام الجهل على الصدق والاستقامة. PageV01P081 # ولا شك في أن ا لقلب إذا غطاه صدأ حب الذات والأرحام والتعصب القومي ~~الجاهلي، فلن يكون فيه مكان لنور الإيمان، ولا موضع للاختلاء مع الله ذي ~~الجلال تعالى. إن ذلك الإنسان الذي تظهر في قلبه تجليات نور الإيمان ~~والمعرفة، ويطوق رقبته الحبل المتين والعروة الوثقى للإيمان، ويكون رهن ~~الحقيقة والمعرفة، هو ذلك الإنسان الذي يلتزم بالقواعد الدينية وتكون ذمته ~~مرهونة لدى القوانين العقلية، ويتحرك بأمر من العقل والشرع، دون أن يهز ~~موقفه أي من عاداته وأخلاقه وما يأنس به من مألوفاته. فلا تحيد به عن ~~الطريق المستقيم. إن الإنسان الذي يدعي الإسلام والإيمان هو ذلك الذي ~~يستسلم للحقائق ويخضع لها، ويرى أهدافه، مهما عظمت، فانية في أهداف ولي ~~نعمته، ويضحي بنفسه وبإرادته في سبيل إرادة مولاه الحقيقي. ومن الواضح أن ~~مثل هذا الشخص لا يعرف العصبية الجاهلية، وانه بريء منها، ولا يتجه قلبه ~~إلا إلى حيث ms121 الحقائق ولا تغشي عينيه أستار العصبية الجاهلية السميكة وأنه ~~يطأ بقدميه في سبيل إعلاء كلمة الحق والإعلان عن الحقيقة على كل العلاقات ~~والارتباطات، ويفدى بجميع الأقرباء والأحبة والعادات على أعتاب ولي النعم ~~المطلق. وإذا تعارضت العصبية الإسلامية عنده مع العصبية الجاهلية، قدم ~~الإسلام وحب الحقيقة. # إن الإنسان العارف بالحقائق يعلم أن جميع العصبيات والارتباطات والعلاقات ~~ليست سوى أمور عرضية زائلة، إلا تلك العلاقة بين الخالق والمخلوق، وتلك هي ~~العصبية الحقيقية التي هي أمر ذاتي غير قابل للزوال، وهو أوثق من كل ~~ارتباط، وأقوى من كل حسب وأسمى من كل نسب. # في حديث شريف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كل حسب ونسب ~~منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي» (1). وذلك لأن حسب رسول الله ص لى الله ~~عليه وآله وسلم روحاني وباق، وبعيد عن جميع العصبيات الجاهلية، وهذا الحسب ~~والنسب الروحانيين في ذلك العالم، يكون ظهوره أكثر وكماله أوضح فإن نسبه ~~علاقة إلهية لا تظهر على كمال حقيقتها إلا في ذلك العالم. إن هذه العلائق ~~الجسمانية الملكية القائمة على العادات البشرية إنما تتقطع بأتفه الأسباب، ~~وليس لأي منها في ذلك العالم نفع ولا قيمة، إلا تلك العلائق التي تتوثق في ~~نظام ملكوتي الهي وتحت ظل ميزان القواعد الشرعية والعقلية التي لا انفصام لها. ### || AUTO فصل: في بيان الصورة الملكوتية للعصبية # سبق في شرح بعض الأحاديث القول بأن المعيار في الصور الملكوتية والبرزخية ~~وفي يوم القيامة هو الملكات وقوتها، وإن ذلك العالم هو محل ظهور سلطان ~~النفس الذي لا يعصي له الجسم أمرا. فقد يحشر الإنسان في ذلك العالم على ~~صورة حيوان أو شيطان. وقد مر بنا في الحديث في بداية المقال: «من كان في ~~قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية». ~~ولعله إشارة إلى ذلك الموضع الذي ذكرناه. PageV01P082 # إن الإنسان الذي فيه هذه الرذيلة، لعله عندما ينتقل إلى العالم الآخر يرى ~~نفسه من أعراب الجاهلية من غير إيمان بالله تعالى ولا بالنبوة ms122 والرسالة، ~~ويرى أنه في الصورة التي يحشر بها أولئك الأعراب، ولا يعلم بأنه كان في ~~الدنيا يعتنق العقيدة الحقة من الإيمان بالله وبرسوله وأنه من أمة الرسول ~~الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. كما جاء في الحديث عن أهل جهنم ينسون اسم ~~رسول الله، ولا يستطيعون أن يعرفوا أنفسهم، إلا بعد أن يشاء الحق سبحانه أن ~~ينجيهم. وبما أن هذه السجية من سجايا الشيطان، كما ورد في بعض الأحاديث، ~~فلعل أعراب الجاهلية وأصحاب العصبية يحشرون يوم القيامة على هيئة الشياطين. # في الكافي في الصحيح، عن أبي عبدال له الصادق عليه السلام قال: «إن ~~الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم ~~فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب. فقال خلقتني من نار وخلقته من طين» (1). # فاعلم أيها العزيز أن هذه الخصلة الخبيثة، من الشيطان، وإنها من مغالطات ~~ذلك الملعون ومعاييره الباطلة. انه يغالط عن طريق هذا الحجاب السميك الذي ~~يخفي عن النظر كل الحقائق، بل يظهر رذائل النفس كلها محاسن، وجميع محاسن ~~الآخرين رذائل، من الواضع أنه كيف يكون مصير الإنسان الذي يرى جميع الأشياء ~~على غير حقيقتها وواقعيتها. # وفضلا عن كون هذه الرذيلة هي نفسها تكون سبب هلاك الإنسان، فإنها كذلك ~~منشأ الكثير من المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة التي لا يتسع المجال ~~لذكرها. # وعليه، إذا عرف الإنسان العاقل أن هذه المفاسد ناشئة من تلك السجية ~~الفاسدة، وأذعن للشهادة الصادقة المصدقة من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأهل بيته عليهم السلام بأن هذه الرذيلة تجر الإنسان إلى الهلاك ~~وتدخله النار، فما عليه إلا أن يتصدى لعلاج نفسه من هذه السجية، وأن يطهر ~~قلبه حتى من حبة خردل منها، حتى يكون طاهرا عند الانتقال من هذه الدنيا إلى ~~العالم الآخر عند اقتراب أجله، فينتقل بنفس صافية. إن على الإنسان أن يدرك ~~أن الفرصة محدودة والوقت قصير جدا، لأنه لا يعلم متى يحين موعد رحيله. # أيتها النفس الخبيثة لكاتب هذه السطور، لعل الأجل المقدر قد حان ms123 وأنت ~~منهمكة في الكتابة، فينقلك بكل رذائلك إلى العالم الذي لا عودة منه. # ويا أيها العزيز يا من تقرأ هذه الوريقات، خذ العبرة من حال هذا الكاتب ~~الذي يرزح الآن أو مستقبلا تحت الثرى، وهو في العالم الآخر مبتلى بأعما له ~~وأخلاقه البشعة. لقد ضيع الفرصة الثمينة التي كانت عنده بالبطالة والأهواء، ~~فأتلف ذلك الرأسمال الإلهي وأباده. فانتبه إلى نفسك لأنك ستكون يوما مثلي ~~دون أن تعلم متى يكون ذلك. فلعلك الآن وأنت مشغول بالقراءة، إذا تباطأت ~~ذهبت الفرصة من يدك. يا أخي، لا تؤجل هذه الأمور لأنها لا تحتمل التأجيل، ~~فكم من إنسان سليم وقوي فاجأه الموت في لحظة وأخرجه من هذه الدنيا إلى ~~العالم الآخر ولا نعلم عن مصيره شيئا. إذا، لا تضيع الفرصة، بل اغتنم ~~اللحظة الواحدة، لأن القضية عظيمة الأهمية، والرحلة شديدة الخطورة. فإذا ~~قصر الإنسان في هذه الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، يكون السيف قد سبق العذل، ~~ولن تستطيع إصلاح فساد النفس، ولا يكون نصيبك سوى الحسرة والندم والذل. PageV01P083 # إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبدا، وكانوا دائمي الخوف من هذه ~~الرحلة المحفوفة بالمخاطر. إن حالات علي بن الحسين عليه ال سلام، الإمام ~~المعصوم، تثير الحيرة. وأنين أمير المؤمنين علي عليه السلام، الولي المطلق، ~~تبعث على الدهشة. ما الذي جرى لنكون على هذا القدر من الغفلة؟ من الذي ~~جعلنا نطمئن؟ انه لا يغرينا أحد بتأجيل عمل اليوم إلى الغد إلا الشيطان. ~~انه يريد أن يزيد من أعداد أنصاره وأعوانه، وأن يجعلنا نتخلق بأخلاقه حتى ~~نحشر مع أتباعه. إن ذلك الملعون هو الذي يسعى دائما إلى تهوين أمور الآخرة ~~في أعيننا، وبتذكيرنا لرحمة الله ولشفاعة الشافعين يريد أن ينسينا ذكر الله ~~وطاعته. ولكن يا للأسف! فهذه كلها أمنيات باطلة، وهي من أحابيل مكر ذلك ~~الملعون وحيله. إن رحمة الله تحيط بك الآن، رحمته في صحتك وسلامتك وحياتك ~~وأمنك وهدايتك وعقلك وفرصتك وإرشادك إلى إصلاح نفسك وأن آلاف الرحمة ~~الإلهية المختلفة تحيط بك من جميع الجهات، ms124 ولكنك لا تنتفع بها، بل تطيع ~~أوامر الشيطان. فإذا لم تستطع أن تستفيد من رحمات هذ الدنيا، فاعلم أنه لن ~~تنالك في العالم الآخر رحمات الله اللامتناهية بل تحرم من شفاعة الشافعين. ~~إن مظهر شفاعة الشافعين في هذه الدنيا هو الاهتداء بهداهم، وفي ذلك العالم ~~هو الشفاعة لأنها باطن الهداية. فإذا حرمت الهداية هنا، حرمت الشفاعة هناك. ~~وعلى قدر اهتدائك تكون # لك الشفاعة. إن شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مثل رحمة الله ~~المطلقة تنال من هو جدير بها. # فإذا انتزع الشيطان لا سمح الله وسائل الإيمان من يدك، فلن تكون جديرا ~~بالرحمة والشفاعة. نعم، رحمة الله واسعة في الدارين. فإذا كنت تطلب الرحمة، ~~فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في هذه الدنيا، وهي بذور ~~الرحمات الأخرى؟ إن هذا العدد الكبير من الأنبياء والأولياء دعوك إلى مائدة ~~ضيافة الله ونعمه، ولكنك رفضتها وهجرتها بوسوسة من الخناس، وبإيحاء من ~~الشيطان، وضحيت بمحكمات كتاب الله، والمتوا ترات من أحاديث الأنبياء ~~والأولياء، وببديهات عقول العقلاء، وببراهين الحكماء الدامغة، على مذبح ~~نزعات الشيطان والأهواء النفسية. الويل لي ولك من هذه الغفلة والعمى والصمم ~~والجهل!. ### || AUTO فصل: في عصبيات أهل العلم # من جملة عصبيات الجاهلية هو العناد في القضايا العلمية، والدفاع عن كلمة ~~سبق أن صدرت منه أو من معلمه أو شيخه، دون النظر إلى إحقاق الحق وإبطال ~~الباطل. ولا شك أن مثل هذا التعصب أقبح من كثير من العصبيات الأخرى وأجدر ~~بالذم من جوانب عديدة. فمن جانب المتعصب نفسه نرى أن أهل العلم ينبغي أن ~~يكونوا هم المربين لأبناء البشر، باعتبارهم فروع شجرة النبوة والولاية، ~~وعارفين بوخامة الأمور وعواقب فساد الأخلاق. فإذا اتصف العالم لا قدر الله ~~بالعصبية الجاهلية أو بالصفات الرذيلة الشيطانية، كانت الحجة عليه أتم ~~وعقابه أشد. إن من يعرف نفسه على أنه، وشمع محفل العرفان، والهادي إلى السع ~~ادة ومعرف طرق الآخرة، ثم لا يعمل لا سمح الله بما يقول، ويختلف باطنه عن ~~ظاهره، يكون في زمرة أهل ms125 الرياء والنفاق، ويحسب من علماء السوء، ويكون ~~عالما بلا عمل. وهذا عقابه أكبر وعذابه أشد. وقد أشار الله سبحانه إلى ~~أمثال هذا في القرآن بقوله: (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين) (1). PageV01P084 # إذا، من أهم التزامات أهل العلم هو أن يحافظوا على هذه الأمور وهذه ~~المقامات، وأن يطهروا أنفسهم كل التطهير من هذه المفاسد، لكي يصلحوا بهذا ~~أنفسهم والمجتمع، وتكون مواعظهم مؤثرة، وتقع نصائحهم موقعها من القلوب. إن ~~فساد العالم يؤدي إلى فساد الأمة. ومن البديهي أن الفساد الذي يتسبب في ~~مفاسد أخرى والخطيئة التي تزيد خطايا أخرى وتعظمها تكون أعظم عند ولي النعم ~~من الفساد الجزئي الذي لا يتعدى إلى غيره. # ومن ناحية أخ رى في قباحة هذه السجية لدى أهل العلم هو جانب العلم نفسه، ~~إذا أن هذه العصبية خيانة للعلم وتجاهل لحقه إذ أن من يتحمل عبء هذه ~~الأمانة ويلبس لبوسها، فعليه أن يرعى حرمتها واحترامها، وأن يعيدها إلى ~~صاحبها صحيحة سليمة. فإذا ما تعصب، تعصب الجاهلية يكون قد خان الأمانة ~~وأرتكب الظلم والعدوان، وهذه بذاتها خطيئة كبرى. # والناحية الثانية من جراء هذه السجية القبيحة إهانة أهل العلم فيما إذا ~~كان التعصب في المباحث العلمية مع العلم بأن أهل العلم من الودائع الإلهية ~~الواجب احترامهم. بينما يكون هتكهم هتكا لحرمات الله ومن الموبقات الكبيرة. ~~وقد تؤدي العصبية التي لا تكون في محلها، إلى هتك حرمة أهل العلم. أعوذ ~~بالله من هذه الخطيئة الكبيرة!. # وهناك جانب آخر هو جانب المتعصب له، أي الأستاذ وشيخ الإنسان. وهذا يوجب ~~العقوق، وذلك لأن المشايخ العظام والأساطين الكرام نضر الله وجوههم ~~يميلون إلى جانب الحق، ويهربون من الباطل، ويسخطون على من يتذرع بالتعصب ~~لقتل الحق وترويج الباطل. ولا شك في أن العقوق الروحي أشد من العقوق ~~الجسمي، وحق الأبوة الروحية أسمى من حق الأبوة الجسمية. # إذا، يتحتم على أهل العلم زادهم الله شرفا وعظمة أن يتبرءوا من المفاسد ~~الأخلاقية والعلمية، وأن يزينوا أنفسهم بحلية الأعمال الحسنة والأخلاق ms126 ~~الكريمة، وأن لا ينزلوا عن المركز الشريف الذي أنعم الله تعالى به عليهم، ~~إذ أن مدى الخسران في ذلك لا يعلمه إلا الله. والسلام. ### | AUTO الحديث التاسع: النفاق # بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، ~~عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عون بن القلانسي، عن ابن أبي ~~يعفور، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام، قال: «من لقي المسلمين بوجهين ~~ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار» (1). # الشرح: # لقاء المسلمين بوجهين هو: أن يبدي المرء ظاهر حاله وصورته الخارجية لهم ~~على خلاف ما تكون في باطنه وسريرته. كأن يبدي أنه من أهل المودة والمحبة ~~لهم، وأنه مخلص حميم، بينما يكون في الباطن على خلاف ذلك فيعامل بالصدق ~~والمحبة في حضورهم، ولا يكون كذلك لدى غيابهم. # أما ذو اللسانين فهو أن يثني على كل من يلقاه منهم ويمتدحه ويتملق له ~~ويظهر المحبة له، ولكنه في غيابه يعمد إلى تكذيبه وإلى استغابته. فبناء على ~~هذا التفسير، تكون الحالة الأولى هي: «النفاق العملي» والحالة الثانية هي: ~~«النفاق القولي». ولعل الحديث الشريف يشير إلى صفة النفاق القبيحة. ~~وباعتبار أن هاتين الحالتين هي من أظهر صفات المنافقين وألصقها بهم، اقتصر ~~الحديث الشريف على ذكرها خاصة. # والنفاق من الرذائل النفسانية والملكات الخبيثة التي تنجم عنها آثار ~~كثيرة منها هذين الأثرين المذكورين. وللنفاق درجات ومراتب. وسوف نحاول. إن ~~شاء الله، أن نذكر تلك الدرجات والمراتب ومفاسدها ومعالجتها بقدر الإمكان، ~~خلال بضعة فصول. PageV01P085 ### || AUTO فصل: في بيان مراتب النفاق # اعلم أن للنفاق، مثل سائر الأوصاف والملكات الخبيثة أو الشريفة، درجات # ومراتب من حيث القوة والضعف. وإن كل رذيلة لم يتصد لها المرء بالعلاج ~~الناجع، بل خضع لها وتبعها، مالت إلى الاشتداد، وإن درجات اشتداد الرذائل، ~~مثل درجات اشتداد الفضائل، غير متناهية ولا تقف عند حد. # فالمرء إذا ترك النفس الأمارة على حاله، فبسبب ميلها الذاتي وعدم ~~ارتياحها ومساعدة الشيطان لها والوسواس الخناس اندفعت لأجل كل ذلك نحو ms127 ~~الفساد. فيتفاقم حالها، وتزداد قو ة وشدة يوما بعد يوم، حتى يصل الأمر بتلك ~~الرذيلة التي تابعها أن تتخذ الصورة الجوهرية للنفس وفصلها الأخير، وتصبح ~~مملكة الإنسان، ظاهرها وباطنها تحت سيطرة تلك الرذيلة. فإذا كانت رذيلة ~~شيطانية، كالنفاق والاتصاف بذي الوجهين، مما هو من صفات ذلك الشيطان ~~الملعون كما جاء في القرآن الكريم: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) (1)، ~~بينما كان الأمر خلاف ذلك استسلمت مملكة الإنسان للشيطان، وأصبحت الصورة ~~الأخيرة للنفس وباطنها وذاتها وجوهرها، صورة للشيطان، وقد تصبح صورته ~~الظاهرة في الدنيا أيضا كصورة الشيطان، وإن كانت ملامحه هنا بشرية. # فإذا لم يقف الإنسان بوجه هذه الصفة ولم يردعها، وترك نفسه وشأنها، فلن ~~يمضي وقت طويل حتى يفلت الزمام منه، ويصبح كل همه واهتمامه منصبا على تلك ~~الرذيلة، حتى أنه لا يلتقي شخصا إلا وعامله معاملة ذي الوجهين وذي ا ~~للسانين، ولا يعاشر أحدا إلا وخالطت معاشرته تلك الصفة من التلون والنفاق، ~~دون أن يخطر له شيء سوى منافعه الخاصة وأنانيته وعبادته لذاته، واضعا تحت ~~قدميه الصداقة والحمية والهمة والرجولة. ومت سما في كل حركاته وسكناته ~~بالتلون، ولا يمتنع عن أي فساد وقبح ووقاحة. إن شخصا هذا شأنه يكون بعيدا ~~عن البشرية والإنسانية، ومحشورا مع الشياطين. # كل هذا الذي استعرضناه يمثل القوة والضعف في جوهر النفاق نفسه، ولكنه ~~يختلف باختلاف متعلقة. فقد يكون النفاق في دين الله وقد يكون في السجايا ~~الحسنة والفضائل الأخلاقية، وقد يكون في الأعمال الصالحة والمناسك الإلهية، ~~وقد يكون في الأمور العادية والمتعارف عليها. وهكذا قد ينافق المرء مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو مع أئمة الهدى عليهم السلام، أو مع ~~الأولياء والعلماء والمؤمنين، وقد يتسع النفاق فيكون مع المسلمين وسائر خلق ~~الله من الملل الأخرى. # بديهي أن تكون هناك اختلافات في مدى قبح هذه الحالات التي عددناها ~~ووقاحتها، على الرغم من أنها جميعا تشترك من حيث الأصل في الخبث والقبح، ~~لأنها فروع وأغصان لشجرة خبيثة واحدة. ### || AUTO فصل: النفاق مصدر كثير من ms128 المفاسد # إن النفاق والاتصاف بذي الوجهين وإن كانا في أنفسهما من الصفات القبيحة ~~التي لا يتصف بها الإنسان الشريف، ويعتبر المتصف بها خارجا عن المجتمع ~~الإنساني، بل لا يكون شبيها بأي حيوان ويبعثان على الفضيحة والذل في هذه ~~الدنيا أمام الأصحاب والأقران، كما أنهما يوجبان الذل والعذاب الأليم في ~~الآخرة فقد جاء وصفه في الحديث الشريف وصف المنافق بأن صورته في ذلك العالم ~~«أنه يحشر بلسانين من نار» ويسببان طأطأة الرأس والفضيحة أمام خلق الله وفي ~~حضرة الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين. كما يتضح من هذا الحديث شدة ~~عذاب المنافق وذي الوجهين، لأنه إذا أصبح جوهر الجسم جوهر النار، كان ~~الإحساس أقوى والألم أشد أعوذ بالله من شدته . PageV01P086 # عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء يوم ~~القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه وآخر من قدامه يلتهبان نارا حتى ~~يلهبا جسده. ثم يقال هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين يعرف بذلك ~~يوم القيامة(1). ويكون مشمولا بالآية الشريفة: # (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم ~~سوء الدار) (2). # إن النفاق وذا الوجهين مضافا إلى ما تقدم يكونان مصدر ك ثير من المفاسد ~~والمهالك التي يمكن لأية واحدة منها أن تحكم بالفناء على دنيا الإنسان ~~وآخرته، مثل «الفتنة» التي ينص القرآن الكريم على إنها «أشد من القتل» (3). ~~ومثل «النميمة» التي يقول عنها الإمام الباقر عليه السلام: # «محرمة الجنة على القتاتين المشائين بالنميمة» (4). # ومثل «الغيبة» التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنها ~~أشد من الزنا» (5). ومثل إيذاء المؤمن وسبه وكشف الستر عنه وإفشاء سره، ~~وغيرها مما يعد كل واحد منها سببا مستقلا لهلاك الإنسان. # واعلم أنه تندرج في النفاق وذي الوجهين جملة أمور هي: الغمز واللمز ~~والكنايات التي يطلقها البعض على البعض الآخر، على الرغم من إظهار المحبة ~~والصداقة الحميمة. فعلى الإنسان أن يكون على حذر شديد، وأن يراقب سلوكه ~~وأعماله. فإن مكائد النفس والأساليب ms129 الشيطانية الماكرة خفية جدا، قل من ~~استطاع الإفلات منها. فقد يصبح الإنسان بإشارة من إشاراته التي تصدر في غير ~~محلها، أو بغمز وتعريض يصدر منه في غير موضعه، من ذوي الوجهين، وقد يكون ~~الإنسان مبتلى بهذه الرذيلة حتى نهاية عمره، بينما هو يتصور نفسه سليمة ~~وطاهرة. إذا، على الإنسان أن يكون كمثل الطبيب العطوف الحاذق، والممرض ~~الشفيق المطلع على حالات النفس، يراقب أعماله وتطوراته دائما ولا يغفل عن ~~ذلك أبدا، وأن يعلم أنه ما من مرض أخفى، وفي الوقت نفسه أفتك، من الأمراض ~~القلبية، وأنه ما من ممرض يكون أشفق وأعطف على الإنسان، من نفسه. ### || AUTO فصل: في معالجة النفاق # اعلم أن لعلاج هذه الخطيئة الكبيرة طريقان: # أحدهما: هو التفكير في المفاسد التي تنتج عنها. ذلك أن الإنسان في هذه ~~الدنيا إذا عرف بهذه الصفة بين الناس سقط من أنظارهم، وافتضح بين الخاصة ~~والعامة، وفقد كرامته بين أصحابه، فيطردونه من مجالسهم، ويتخلف عن محافل ~~أنسهم، ويقتصر عن اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد. فعلى الإنسان ذي الشرف ~~والضمير أن يطهر نفسه من هذا العار الملطخ للشرف، لكيلا يبتلى بأمثال هذه ~~الحالات من الذل والضعة. كذلك الأمر في عالم الآخرة، عالم كشف الأسرار. إذ ~~كل ما هو مستور قي هذه الدنيا عن أنظار الناس لا يمكن ستره في عالم الآخرة. ~~فهناك يحشر وهو مشوه الخلقة بلسانين من نار، ويعذب من المنافقين والشياطين. PageV01P087 # إذا، فالإنسان العاقل إذا ما رأى هذه المفاسد، ولم يجد لذلك الخلق نتيجة ~~غير القبح والرذيلة، وجب عليه أن يتجنب الاتصاف بهذه الصفة والسلوك ~~للمعالجة وهو: # الطريق الآخر: وهو الأسلوب العملي لعلاج النفس وهو أن يراقب الإنسان ~~حركاته وسكناته بكل دقة وتمحيص لفترة من الوقت، وأن يعمد إلى العمل بما ~~يخالف رغبات النفس وتمنياتها، وأن يجاهد في جعل أعماله وأقواله في الظاهر ~~والباطن واحدة وأن يبتعد عن التظاهر والتدليس في حياته العملية، وأن يطلب ~~من الله تعالى، خلال ذلك، التوفيق والنجاح في التغلب على النفس الأمارة ~~وأهوائها، ويعينه في محا ولاته ms130 العلاجية. إذ أن فضل الله تعالى على الناس ~~ورحمته بهم لا نهاية لها. وهو يشمل بعونه كل من خطا نحو إصلاح نفسه، ويمد ~~يد الرحمة لانتشاله. فإذا ثابر على ذلك بعض الوقت، كان له أن يرجو لنفسه ~~الصفاء والانعتاق من النفاق ذي الوجهينية، وأن يصل إلى حيث يتطهر قلبه من ~~هذه الرذيلة ليصبح موضع ألطاف الله ورحمة ولي نعمته الحقيقي. وذلك لأن ~~التجربة والبراهين تدل على أنه ما دامت النفس في هذه الدنيا، كانت منفعلة ~~بما يصدر عنها من أفعال وأقوال، الصالحة منها والطالحة، ويكون لكل ذلك أثر ~~فيها. فإذا كان العمل صالحا، كن أثره نورانيا كماليا، وإذا كان خلاف ذلك، ~~كان أثره مظلما انتقاصيا، حتى يصبح القلب كله نيرا أو مظلما، منخرطا في سلك ~~السعداء أو الأشقياء. إذا، فما دمنا في دار العمل وفي هذه المزرعة، فإننا ~~نستطيع بإرادتنا أن ندفع بقلوبنا إما إلى السعا ة وإما إلى الشقاء، لأن ~~المرء رهين بعمله وفعله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره) (1). ### || AUTO فصل: في بيان بعض أقسام النفاق # اعلم أيها العزيز أن من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين، النفاق مع ~~الله تعالى والتوجه إلى مالك الملوك وولي النعم بوجهين، حيث نكون المبتلين ~~به في هذا العالم ونحن غافلون عنه. لأن أستار الجهل الكثيفة وحجب الأنانية ~~المظلمة وحب الدنيا وحب الذات مسدولة عليه ومختفية عنا ومن الصعب جدا أن ~~ننتبه له قبل انكشاف السر ائر، ورفع الحجب، والظعن عن دنيا الطبيعة، وشد ~~الرحال عن دار الغرور ودار الجهل والغفلة. # إننا الآن غارقون في نوم الغفلة، محكومون لسكر الطبيعة، والميول والرغبات ~~التي تزين لنا كل قبائح الأخلاق وفساد الأعمال، وإذا ما استيقظنا وصحونا من ~~هذه السكرة العميقة يكون قد فات الأوان. إذ نجد أنفسنا قد صرنا في زمرة ~~المنافقين وذي الوجهين واللسانين وحشرنا بلسانين من نار، أو بوجهين مشوهين ~~بشعين! وعندئذ لن تنفعنا نداءاتنا (رب ارجعون) (2). إننا نجاب ب «كلا». إن ~~صفة التلون هذه تكون بحيث ms131 أننا أنا وأنت نقضي كل عمرنا ونحن نظهر التمسك ~~بكلمة التوحيد، وندعي الإسلام والإيمان، بل المحبة والمحبوبية، وغير ذلك من ~~الادعاءات على قدر ما نشتهي ونحب. فإذا كنا من عامة الناس وعوامهم ادعينا ~~الإسلام والإيمان والزهد والخلوص. وإذا كنا من أهل العلم والفقه، ادعينا ~~كمال الإخلاص والولاية وخلافة الرسول، متشبثين بما نقل عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اللهم ارحم خلفائي» (3)، وبقول الإمام صاحب ~~الزمان روحي له الفداء: «إنهم حجتي» (4). وغير ذلك من الأقوال المنقولة عن ~~أئمة الهدى سلام الله عليهم في شأن العلماء والفقهاء. PageV01P088 # وإذا كنا من أهل العلوم العقلية، ادعينا الإيمان الحقيقي المبرهن، وزعمنا ~~أننا نملك علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، معتقدين أن سائر خلق الله ~~ناقصو علم وإيمان، ونستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة الواردة بحقنا. # وإذا كنا من أهل العرفان والتصوف، ادعينا المعارف الإلهية والانجذاب ~~الروحي والفناء في الله، والبقاء بالله، وولاية الأمر، وما إلى ذلك من ~~الأقو ال مما يخطر بالبال من الألفاظ الجذابة. # وهكذا فإن كل طائفة منا تدعي بلسانها وظاهر حالها أن لها مرتبتها وإظهار ~~حقيقة من الحقائق الشائعة. فإذا كان هذا الظاهر مطابقا للباطن، واتفق العلن ~~مع السر، وكان صادقا مصدقا، فهنيئا لأرباب النعيم نعيمهم. أما إذا كان، مثل ~~كاتب هذه السطور، الأسود الوجه، القبيح، المشوه الخلقة، فليعلم أنه من ~~المنافقين وذوي الوجهين واللسانين، وعليه أن يبادر إلى علاج نفسه، وأن ~~يغتنم الفرصة قبل فواتها للخروج من التعاسة والذل والظلام. # أيها العزيز المدعي للإسلام: قد ورد في «الكافي» حديث شريف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» ~~(1) فلماذا نقوم أنا وأنت وعلى قدر ما نستطيع ونتمكن، على إيصال الأذى إلى ~~من هم أقل منا ولا نمتنع عن ظلمهم والإجحاف بحقهم؟ وإذا لم تصل أيدينا ~~إليهم فلن نتوقف عن تجريحهم بحد اللسان في حضورهم، أو حتى في غيابهم، فنعمد ~~إلى هتك أسرارهم، والكشف عن مكنوناتهم، واغتيابهم، وإلصاق التهم بهم. ms132 # إذا فادعاؤنا نحن الذين لا يسلم المسلمون من أيدينا وألسنتنا، للإسلام ~~مخالف للحقيقة، وباطننا يخالف ظاهرنا، وأننا من زمرة المنافقين ومن ذوي ~~الوجهين. # يا من تدعي الإيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن ~~بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية ~~تستحق إلا لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما تدعي، فلماذا ~~نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنك ~~ترى لهم تأثيرا في هذا العالم، وترى أن إرادتهم هي النافذة، وترى أن المال ~~والقوة هما الطاقة المؤثرة والفاعلة؟ وأ ن ما لا تراه فاعلا في هذا العالم ~~هو إرادة الحق تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهرية، وتغفل عن المؤثر ~~الحقيقي وعن مسبب جميع الأسباب، ومع كل ذلك تدعي الإيمان بكلمة التوحيد. ~~إذا، فأنت أيضا خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع ~~أصحاب اللسانين. # وأنت يا من تدعي الزهد والإخلاص، إذا كنت مخلصا حقا، وأنك لأجل الله ~~ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح ~~الناس لك والثناء عليك بقولهم أنك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ السرور ~~قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، ~~وتفر من الفقراء والمساكين؟ # فاعلم أن زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل أن زهدك في الدنيا هو من أجل ~~الدنيا، وأن قلبك ليس خالصا لوجه الله، وأنك كاذب في دعواك، وأنك من ~~المتلونين المنافقين. PageV01P089 # وأنت يا من تدعي الولاية من جانب ولي الله، والخلافة من جانب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فإن كان واقعك مطابقا للحديث المروي في كتاب ~~«الاحتجاج» : «صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه» ~~(1). وإذا كنت ورقة على غصن الولاية والرسالة، ولا تميل إلى الدنيا، ولا ~~تحب التقرب إلى السلاطين والأشراف، ولا تنفر من مجالسة الفقراء، فإن اسمك ~~يطابق مسماه، وأنك من الحجج الإلهية بين الناس، وإلا فإنك من علماء ms133 السوء، ~~وفي زمرة المنافقين، وحالك أسوأ من الطوائف التي ذكرناها، وعملك أقبح، ~~ويومك أشد سوادا، لأن الحجة على العلماء أتم. # وأنت يا من تدعي امتلاك الحكمة الإلهية، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، ~~إذا كنت عالما بالحقائق في الأسباب والمسببات، وإذا كنت حقا عالما بالصور ~~البرزخية وأحوال الجنة والنار، فلا بد أن لا يقر لك قرار، وعليك أن تصرف كل ~~وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم ~~بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق. إذا، لماذا لا تتقدم ولو خطوة ~~واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثر في قلبك البراهين ~~الفلسفية قدر جناح ذبابة؟ إذا، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور ~~في زمرة المنافقين، وويل للذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، ~~دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه. # وأنت يا من تدعي المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبة والفناء، إذا كنت حقا ~~من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئا لك. ولكن كل ~~هذه الشطحات وهذا التلون وتلك الادعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن حب الذات ~~ووسوسة الشيطان، تتعارض مع المحبة والانجذاب «إن أوليائي تحت قبابي لا ~~يعرفهم غيري» (2). فأنت إذا كنت من أولياء الله المنجذبين إليه ومحبيه، فإن ~~الله يعلم بذلك، فلا تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسع ~~لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب ~~بيت الله. وأعلم أن عباد الله أعزاء وقلوبهم ثمينة ويجب إن تشتغل في محبة ~~الله، فلا تتلاعب إلى هذا الحد ببيت الله ولا تتعرض لحرماته «فإن للبيت ~~ربا» فإذا لم تكن صادقا في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن ذوي ~~الوجهين. # لنكتف بهذا القدر هنا، إذ ليس الإسهاب في هذا الموضوع مما يجدر بي وأنا ~~ذو الوجه المظلم!. # يا أيتها النفس اللئيمة التي تتظاهرين بالتفكير للخروج من الأيام المظلمة ~~والنجاة من هذه التعاسة. إذا كنت صادقة، وقلبك يواكب ms134 لسانك، وسرك يطابق ~~علنك، فلماذا أنت غافلة إلى هذا الحد؟ ولماذا يسيطر عليك القلب المظلم ~~والشهوات النفسانية وتتغلب عليك، دون أن تفكري في رحلة الموت المليئة ~~بالمخاطر؟ # لقد تصرم عمرك دون أن تبتعد عن أهوائك ورغباتك. لقد أمضيت عمرا منغمسا في ~~الشهوة والغفلة والشقاء وسيحل الأجل قريبا، وأنت ما زلت تمارس أعمالك ~~وأخلاقك القبيحة. فأنت نفسك واعظ وغير متعظ، ومن زمرة المنافقين وذوي ~~الوجهين. ولئن بقيت على هذا الحال فستحشر بوجهين ولسانين من نار... # اللهم أيقضنا من هذه الرقدة المديدة، وصحنا من السكر والغفلة! وأنر ~~قلوبنا بنور الإيمان! وأرحم حالنا! إننا لسنا من رجال هذا الميدان. فمد ~~إلينا يدك وأعنا على النجاة من مخالب الشيطان وأهواء النفس، بحق أوليائك ~~محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. PageV01P090 ### | AUTO الحديث العاشر: إتباع الهوى وطول الأمل # بالإسناد المتصلة إلى رئيس المحدثين م حمد بن يعقوب رضوان الله عليه عن ~~الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي ~~حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام : «إنما أخاف ~~عليكم اثنتين: اتباع الهوى وطول الأمل، أما إتباع الهوى فإنه يصد عن الحق ~~وأما طول الأمل فإنه ينسي الآخرة» (1). # الشرح: # «الهوى» في اللغة «حب الشيء» و«اشتهاؤه» من دون فرق في أن يكون المتعلقة ~~أمرا حسنا ممدوحا، أو قبيحا مذموما. أو أن النفس بمقتضى الطبيعة تميل إلى ~~الشهوات الباطلة والأهواء النفسية، لولا العقل والشرع اللذان يكبحانها(2). ~~أما احتمال الحقيقة الشرعية كما يقول بعض المحققين فمستبعد. # أما «الصد» عن الشيء فمعناه المنع والإعراض والانصراف عنه. وهي معان ~~تناسب الكلمة، إلا أن المعنى المقصود هنا هو المنع والانصراف عن الشيء، إذ ~~أن الصد بمعنى الإعراض يكون لازما لا متعديا. # وسوف نحاول، إن شاء الله، من خلال مقامين اثنين أن نوضح فساد هاتين ~~الصفتين، وكيف تقوم الأولى بالمنع عن الحق. وتقوم الثانية بنسيان الآخرة. ~~طالبين من الله التوفيق. ### || AUTO المقام الأول: ذم إتباع هوى النفس # وفيه فصول: ### || AUTO فصل: في ms135 بيان أن الإنسان عند ولادته يكون حيوانا بالفعل # اعلم أن النفس الإنسانية، على الرغم من كونها في معنى من المعاني ~~الخارجة عن نطاق بحثنا مفطورة على التوحيد، بل هي مفطورة على جميع العقائد ~~الحقة. ولكنها منذ ولادتها وخروجها إلى هذا العالم تنمو معها الميول ~~النفسية والشهوات الحيوانية، إلا من أيده الله وكان له حافظ قدسي. ولما كان ~~هذا ال استثناء من النوادر فإنه لا يدخل في حسابنا، لأننا نتناول نوع ~~الإنسان عموما. # لقد ثبت في محله بالبراهين أن الإنسان منذ أول ظهوره، وبعد مروره بمراحل ~~عدة، لا يعدو أن يكون حيوانا ضعيفا لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلا ~~بقابلياته الإنسانية. وأن تلك القابليات ليست بمقياس إنسانيته الفعلية. # فالإنسان حيوان بالفعل عند دخوله هذا العالم، ولا معيار له سوى شريعة ~~الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب. ولكن لما كان أعجوبة الدهر هذا ~~الإنسان ذات جامعة، أو قابلة على الجمع، فإنه لكي يدبر هاتين القوتين، ~~تجده يلتجأ إلى استعمال الصفات الشيطانية، مثل الكذب والخديعة والنفاق ~~والنميمة وسائر الصفات الشيطانية الأخرى. وهو بهذه القوى الثلاث الشهوة، ~~الغضب، هوى النفس التي هي أصل كل المفاسد المهلكة، يخطو نحو التقدم، فتنمو ~~فيه كذلك هذه القوى وتتقدم وتتعاظم. وإذا لم تقع تحت تأثير مرب أو معلم، ~~فإنه يصبح عند الرشد والبلوغ حيوانا عجيبا يفوز بقصب السبق في تلك الأمور ~~المذكورة على سائر الحيوانات والشياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام ~~الحيوانية والصفات الشيطانية من الجميع. وإذا ما استمرت حاله على هذا ~~المنوال، ولم يتبع في هذه الشئون الثلاثة سوى أهوائه النفسية، فلن يبرز فيه ~~شيء من المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، بل تنطفئ فيه ~~جميع الأنوار الفطرية. PageV01P091 # فتقع جميع مراتب الحق التي لا تعدو هذه المقامات الثلاثة التي ذكرناها أي ~~المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة تحت أقدام الأهواء ~~النفسية. وعندئذ يصبح إتباع الأهواء النفسية والرغبات الحيوانية حائلا دون ~~أن يتجلى فيه الحق من خلال أية واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النفس ~~وأهوائها كل أنوار العقل ms136 والإيمان، ولن تتاح له ولادة ثانية، أي الولادة ~~الإنسانية، بل يمكث على تلك الح ال ويكون ممنوعا ومصدودا عن الحق والحقيقة ~~إلى أن يرحل عن هذا العالم. أن مثل هذا الشخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك ~~الحالة، فلن يرى نفسه في ذلك العالم، عالم كشف السرائر، إلا حيوانا أو ~~شيطانا. لا تشم # منه رائحة الإنسان والإنسانية أبدا، فيبقى في تلك الحال من الظلام ~~والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. إذن هذه هي ~~حال التبعية الكاملة لأهواء النفس والتي تبعد الإنسان نهائيا عن الحق. # ومن هنا يمكن أن نعرف أن ميزان البعد عن الحق هو إتباع هوى النفس. ومسافة ~~هذا البعد تقدر أيضا بمقدار التبعية. فمثلا، لو أن هذا الإنسان، استطاع أن ~~يجعل مملكة إنسانية هذا الإنسان الذي اقترن منذ ولادته بالقوى الثلاثة ~~وترعرعت وتكاملت تلك القوى أيضا مع نمو الإنسان وتكامله، لو استطاع أن يجعل ~~هذه المملكة متأثرة بتربية تعاليم الأنبياء والعلماء والمرشدين لاستسلم ~~شيئا فشي ئا لسلطة تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فقد لا يمضي ~~عليه وقت طويل حتى تصبح القوة الكاملة الإنسانية، التي أودعت فيه على أساس ~~القابلية فعلية تظهر للعيان، وترجع جميع شؤون مملكته وقواها إلى شأن ~~الإنسانية بحيث يجعل شيطان نفسه يؤمن على يديه كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: «إن شيطاني آمن بيدي» (1) فتستسلم حيوانيته لإنسانيته، حتى ~~تصبح مطيه مروضه على طريق عالم الكمال والرقي، وبراقا يرتاد السماء نحو ~~الآخرة، ويمتنع عن كل معاندة وتمرد. وبعد أن تستسلم الشهوة والغضب إلى مقام ~~العدل والشرع تنتشر العدالة في المملكة، وتتشكل حكومة عادلة حقه يكون فيها ~~العمل والسيادة للحق وللقوانين الحقة، بحيث لا تتخذ فيها خطوة واحدة ضد ~~الحق، وتكون خالية من كل باطل وجور. وعليه، فكما أن ميزان منع الحق والصد ~~عنها إتباع الهوى، فكذلك ميزان اجتذاب الحق وسيادته هو متابعة الشرع ~~والعقل. وبين هذين المقياسين وهما التبعية التامة لهوى النفس والتبعية ~~التامة المطلقة للعقل منازل غير ms137 متناهية، بحيث أن كل خطوة يخطوها في إتباع ~~هوى النفس، يكون بالمقدار نفسه قد منع الحق، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار ~~الكمال الإنساني وأسرار وجوده. وبعكس ذلك، كلما خطا خطوة مخالفة لهوى النفس ~~ورغبتها، يكون بالمقدار نفسه قد أزاح الحجاب وتجلى نور الحق في المملكة. ### || AUTO فصل: في ذم إتباع الهوى # يقول الله تعالى في ذم اتباع النفس وأهوائها: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله) ... (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) . PageV01P092 # وجاء في الكافي الشريف، بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «قال رسول ~~الله ص لى الله عليه وآله وسلم: يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي ~~وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت ~~عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أوته منها إلا ما قدرت له ~~وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه ~~إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السموات والأرضين رزقة وكنت له من وراء تجارة ~~كل تاجر وأتته الدنيا وهي راغمة» (1). # وهذا الحديث الشريف من محكمات الأحاديث التي يدل مضمونها على أنه ينبع من ~~علم الله تعالى الرائق حتى وإن كان مطعونا فيه بضعف السند، فنحن لسنا بصدد ~~شرحه. وهناك حديث آخر منقول عن الإمام علي عليه السلام قال فيه: # «إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان إتباع الهوى، وطول الأمل» (2). وجاء في ~~الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «احذروا أهوائكم كما تحذرون ~~أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من إتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم» (3). # اعلم أيها العزيز، أن رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حد أو ~~غاية. فإذا اتبعها الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطر إلى أن يتبع تلك ~~الخطوة خطوات، وإذا رضي بهوى واحد من أهوائها، اجبر على الرضى بالكثير ~~منها. ولئن فتحت بابا واحدا لهوى نفسك، فإن عليك أن تف تح أبوابا عديدة له. # إنك بمتابعتك هوى واحدا من أهواء النفس توقعها في عدد من المفاسد، ms138 ومن ثم ~~سوف تبتلى بآلاف المهالك، حتى تنغلق لا سمح الله جميع طرق الحق بوجهك في ~~آخر لحظات حياتك، كما أخبر الله بذلك في نص كتابه الكريم، وكان هذا هو أخشى ~~ما يخشاه أمير المؤمنين وولي الأمر، والمولى، والمرشد والكفيل للهداية ~~والموجه للعائلة البشرية عليه السلام. # بل إن روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرواح الأئمة عليهم السلام ~~تكون جميعا في قلق واضطراب لئلا تسقط أوراق شجرة النبوة والولاية وتذوي. # قال صلى الله عليه وآله وسلم: # «تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم ولو بالسقط» (4). # لا شك في أنه لو سار الإنسان في مثل هذه الطريق المحفوفة المحفوفة ~~بالمخاطر مما قد يلقي به إلى هوة الفناء ويجعله موضع عقوق أبيه الحقيقي، أي ~~النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ويبحث عن نمط العظيم الذي هو رحمة ~~للعالمين. فما أشد تعاسته، وما أكثر المصائب والبلايا التي يخبئها له ~~الغيب!. # فإذا كنت على صلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كنت تحب أمير ~~المؤمنين عليه السلام وإذا كنت من محبي أولادهما الطاهرين، فاسع لكي تزيل ~~عن قلوبهم المباركة القلق والاضطراب. # لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود: PageV01P093 # (... فاستقم كما أمرت ومن تاب معك... ) (1). وجاء في الحديث الشريف أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «شيبتني سورة هود لمكان هذه الآية» (2). # يقول الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه «هذا، على الرغم من أن ~~هذه الآية قد جاءت في سورة الشورى أيضا، ولكن من دون (ومن تاب معك) إلا أن ~~النبي خص سورة هود بالذكر، والسبب أن الله تعالى طلب منه استقامة الأمة ~~أيضا، فكان يخشى أن لا يتحقق ذلك الطلب، وإلا فإنه بذاته كان أشد ما يكون ~~استقامة، بل لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم مثال العدل والاستقامة». # إذا، يا أخي، إذا كنت تعرف أنك من أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وتريد أن تحقق هدفه، فاعمل على أن لا تخجله بقبيح عملك وسوء فعلك. ألا ms139 ترى ~~أنه إذا كان أحد من أولادك والمقربين إليك يعمل القبيح وغير المناسب من ~~الأعمال التي تتعارض وشأنك، فكم سيكون ذلك مدعاة لخجلك من الناس وسببا في ~~طأطأة رأسك أمامهم؟ ولا بد أن تعلم أن رسول الله صلى الل ه عليه وآله وسلم، ~~وعلي عليه السلام، هما أبوا هذه الأمة بنص ما قاله النبي الكريم: «أنا وعلي ~~أبوا هذه الأمة» (3). فلو أحضرنا في حضرة رب العالمين يوم الحساب وأمام ~~نبينا وأئمتنا، ولم يكن في كتاب أعمالنا سوى القبيح من الأعمال، فإن ذلك ~~سوف يصعب عليهم ولسوف يشعرون بالخجل في حضرة الله والملائكة والأنبياء. ~~وهذا هو الظلم العظيم الذي نكون قد ارتكبناه بحقهم، وإنها لمصيبة عظمى ~~نبتلى بها، ولا نعلم ما الذي سيفعله الله بنا؟ فيا أيها الإنسان الظلوم ~~الجهول، يا من تظلم نفسك! كيف تكافئ أوليائك الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم ~~في سبيل هدايتك، وتحملوا أشد المصائب، وأفظع القتل، وأقسى السبي لنسائهم ~~وأطفالهم من أجل إرشادك ونجاتك؟ فبدلا من أن تشكرهم على ما فعلوا وتحفظ لهم ~~أياديهم البيض نحوك، تقوم بظلمهم ظنا منك أنك إنما تظلم نفسك وحدها! استيقظ ~~من نوم الغفلة، واخجل من نفسك، واتركهم يعانون من الظلم الذي تحملوه من ~~أعداء الدين من دون أن تضيف على ظلامتهم ظلامة أخرى، لأن الظلم من المحب ~~أشد ألما وأكثر قبحا!. PageV01P094 ### || AUTO فصل: في تعدد هوى النفس # لا بد أن نعرف أن أهواء النفس متعددة ومتنوعة من حيث المراتب والمتعلقات، ~~وقد تكون أحيانا من الدقة بحيث أن الإنسان نفسه يغفل عن ملاحظة أنها من ~~مكائد الشيطان ومن أهواء النفس، ما لم ينبه على ذلك، ويوقظ من غفلته. إلا ~~أنها جميعها تشترك في كونها تمنع الحق وتصد عن طريقه، رغم اختلاف مراتبها ~~ودرجاتها، فإن أصحاب الأهواء الباطلة من الذين يتخذون الآلهة من الذهب ~~وغيرهم كما يخبر الله سبحانه عنهم في قوله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) (1) ~~وغيرها من الآيات الشريفة ينقطعون عن الله، بصورة معينة، وإن أتباع ~~الأهواء النفسية وال أباطيل الشيطانية في ms140 عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة ~~يحتجبون عنه سبحانه بصورة أخرى، وإن أصحاب المعاصي الكبيرة والصغيرة ~~والموبقات والمهلكات كل حسب درجة المعصية ومرتبتها يبتعدون عن سبيل الحق ~~بصورة ثالثة. وإن أهل الأهواء في الرغبات النفسية المباحة مع الانشغال ~~والانهماك فيها يتخلفون عن سبيل الحق بصورة رابعة. وإن أهل المناسك ~~والطاعات الظاهرية الذين يعبدون من أجل عمران الآخرة وتلبية الشهوات ~~النفسية ومن أجل البلوغ إلى الدرجات العلى أو الخشية من العذاب الأليم ~~والنجاة من الدركات السفلى يحتجبون عن الحق وسبيله بصورة خامسة، وإن أصحاب ~~تهذيب النفس وترويضها، لإظهار قدرتها والوصول إلى جنة الصفات، فيفصلون عن ~~الحق ولقائه بشكل آخر، وإن أهل العرفان والسلوك والانجذاب ومقامات العارفين ~~الذين لا يهمهم سوى لقاء الحق والوصول إلى مقام القرب، يحتجبون عن الحق ~~وتجلياته الخاصة بنوع سابعلأن التلون وآثار وجوده الخاص لا يزال عندهم ~~موجودا. # ثم توجد بعد هذه المراتب درجات أخرى لا يناسب ذكرها في هذا المقام. # فإن على أصحاب هذه المراتب أن يراقبوا بدقة حالهم، وأن يطهروا أنفسهم من ~~الأهواء لئلا يتخلفوا عن طريق الله ولا يظلوا عن مسالك الحقيقة، حتى تظل ~~أبواب الرحمة مفتوحة عليهم، مهما تكن مقاماتهم ومنازلهم. والله ولي ~~الهداية. # المقام الثاني: في ذم طول الأمل # وفيه فصلان: # فصل: في بيان أن طول الأمل ينسي الآخرة # اعلم أن المنزل الأول من منازل الإنسانية هو منزل اليقظة كما يقوله كبار ~~أهل السلوك في بيانهم لمنازل السالكين، ولهذا المنزل كما يقول الشيخ العظيم ~~الشأن الشاه آبادي دام ظله بيوت عشرة، لسنا الآن بصدد تعدادها. ولكن ما ~~يجب قوله هو أن الإنسان ما لم ينتبه إلى أنه مسافر، ولا بد من السير، وأن ~~له هدف وتجب الحركة نحوه، وأن البلوغ إلى ال مقصد ممكن، لما حصل له العزم ~~والإرادة للتحرك. ولكل واحد من هذه الأمور، شرح وبيان لو ذكرناه لطال بنا ~~المقام. # ويجب أن نعرف أن من أهم أسباب عدم التيقظ الذي يؤدي إلى نسيان المقصد ~~ونسيان لزوم المسير، وإلى إماتة العزم والإرادة، هو أن ms141 يظن الإنسان أن في ~~الوقت متسعا للبدء بالسير، وأنه إذا لم يبدأ بالتحرك نحو المقصد اليوم، ~~فسوف يبدأه غدا، وإذا لم يكن في هذا الشهر، فسيكون في الشهر المقبل. PageV01P095 # فإن طول الأمل هذا وامتداد الرجاء، وظن طول البقاء، والأمل في الحياة ~~والرجاء سعة الوقت، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساسي الذي هو ~~الآخرة. ومن لزوم السير نحوه ومن لزوم اتخاذ الصديق وتهيأة الزاد للطريق، ~~ويبعث الإنسان على نسيان الآخرة ومحو المقصد من فكره ولا قدر الله إذا ~~أصيب الإنسان بنسيان للهدف المنشود في رحلة بعيدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر ~~مع ضيق الوقت، وعدم توفر العدة والعدد رغم ضرورتهما في السفر، فإنه من ~~الواضح لا يفكر في الزاد والراحلة، ولوازم السفر وعندما يحين وقت السفر ~~يشعر بالتعاسة، ويتعثر ويسقط في أثناء الطريق، ويهلك دون أن يهتدي إلى سبيل. # فصل: موعظة حول طول الأمل # اعلم إذا، أيها العزيز، أن أمامك رحلة خطرة لا مناص لك منها، وأن ما ~~يلزمها من عدة وعدد وزاد وراحلة هو العلم والعمل الصالح. وهي رحلة ليس لها ~~موعد معين، فقد يكون الوقت ضيقا جدا، فتفوتك الفرصة. إن الإنسان لا يعلم ~~متى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فورا. إن طول الأمل المعشعش عندي وعندك ~~الناجم من حب النفس ومكائد الشيطان الملعون ومغرياته، تمنعنا من الاهتمام ~~بعالم الآخرة ومن القيام بما يجب علينا. وإذا كانت هناك مخاطر وعوائق في ~~الطريق، فلا نسعى لإزالتها بالتوبة والإنابة والرجوع إلى طريق الله، ولا ~~نعمل عل تهيئة زاد وراحلة، حتى إذا ما أزف الوعد الم وعود اضطررنا إلى ~~الرحيل دون زاد ولا راحلة. ومن دون العمل الصالح، والعلم النافع، اللذان ~~تدور عليهما مئونة ذلك العالم، ولم نهيأ لأنفسنا شيئا منهما. حتى لو كنا قد ~~عملنا عملا صالحا، فإنه لم يكن خالصا بل مشوبا بالغش، ومع آلاف من موانع ~~القبول. وإذا كنا قد نلنا بعض العلم، فقد كان علما بلا نتيجة وهذا العلم ~~إما أن يكون لغوا وباطلا، وإما أنه من الموانع الكبيرة في طريق ms142 الآخرة. ولو ~~كان ذلك العلم والعمل صالحين، لكان لهما تأثير حتمي وواضح فينا نحن الذين ~~صرفنا عليهما سنوات طوالا، ولغيرا من أخلاقنا وحالاتنا. فما الذي حصل حتى ~~كان لعملنا وعلمنا مدة أربعين أو خمسين سنة تأثير معكوس بحيث أصبحت قلوبنا ~~أصلب من الصخر القاسي؟ ما الذي جنيناه من الصلاة التي هي معراج المؤمنين؟ ~~أين ذلك الخوف وتلك الخشية الملازمة للعلم؟ لو أننا أجبرنا على الرحيل ونحن ~~على هذه الحال لا سمح اله لكان علينا أن نتحمل الكثير من الحسرات ~~والخسائر العظيمة في الطريق، مما لا يمكن إزالته!. # إذا، فنسيان الآخرة من الأمور التي يخافها علينا ولي الله الأعظم، الإمام ~~أمير المؤمنين عليه السلام، ويخاف علينا من الباعث لهذا النسيان وهو طول ~~الأمل، لأنه يعرف مدى خطورة هذه الرحلة، ويعلم ماذا يجري على الإنسان الذي ~~يجب أن لا يهدأ لحظة واحدة عن التهيؤ وإعداد الزاد والراحلة، عندما ينسى ~~العالم الآخر، ويستهويه النوم والغفلة من دون أن يعلم أن هناك عالما آخر، ~~وأن عليه أن يسير إليه # حثيثا. وماذا سيحصل له وما هي المشاكل التي يواجهها؟ # يحسن بنا أن نفكر قليلا في سيرة أمير المؤمنين والنبي الكريم صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وهما من أشرف خلق الله ومن المعصومين عن الخطأ والنسيان ~~والزلل والطغيان، لكي نقارن بين حالنا وحالهم. إن معرفتهم بطول السفر ~~ومخاطره قد سلبت الراحة منهم، وأن جهلنا أوجد النسيان والغفلة فينا. # إن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد روض نفسه كثيرا في عبادة الله، وقام ~~على قدميه في طاعة الله حتى ورمت رجلاه، فنزلت الآية الكريمة تقول له: (طه، ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (1). وعبادات علي عليه السلام وتهجده وخوفه ~~من الحق المتعال معروف للجميع. PageV01P096 # إذا، اعلم أن الرحلة كثيرة المخاطر، وإنما هذا النسيان الموجود فينا ليس ~~إلا من مكائد النفس والشيطان، وما هذه الآمال الطوال ألا من أحابيل إبليس ~~ومكائده. فتيقظ أيها النائم من هذا السبات وتنبه، واعلم أنك مسافر ولك ~~مقصد، وهو عالم آخر، وأنك راحل ms143 عن هذه الدنيا، شئت أم أبيت. فإذا تهيأت ~~للرحيل بالزاد والراحلة لم يصبك شيء من عناء السفر، ولا تصاب بالتعاسة في ~~طريقه، وإلا أصبحت فقيرا مسكينا سائرا نحو شقاء لا سعادة فيه، وذله لا عزة ~~فيها وفقر لا غناء معه وعذاب لا راحة منه. إنها النار التي لا تنطفئ والضغط ~~الذي لا يخفف، والحزن الذي لا يتبعه سرور، والندامة التي لا تنتهي أبدا. # أنظر أيها الأخ إلى ما يقوله الإمام في دعاء كميل وهو يناجي الحق عز وجل: # «وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها» إلى أن يقول : «وهذا ~~ما لا تقوم له السموات والأرض». ترى ما هذا العذاب الذي لا تطيقه السماوات ~~والأرض، الذي قد أعد لك؟ أفلا تستيقظ وتنتبه، بل تزداد كل يوم استغراقا في ~~النوم والغفلة؟ # فيا أيها القلب الغافل! انهض من نومك وأعد عدتك للسفر، «فقد نودي فيكم ~~بالرحيل» (1)، وعمال عزرائيل منهمكون في العمل ويمكن في كل لحظة أن يسوقوك ~~سوقا إلى العالم الآخر. ولا تزال غارقا في الجهل والغفلة؟ # «اللهم إني أسألك التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور ~~والاستعداد للموت قبل حلول الفوت» (2). ### | AUTO الحديث الحادي عشر: الفطرة # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ~~ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: # سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: # {فطرت الله التي فطر الناس عليها}. # قال: «فطرهم جميعا على التوحيد»(3). # الشرح: # يقول أهل اللغة والتفسير: إن «الفطرة» تعني «الخلق». وفي الصحاح: ~~«الفطرة» بالكسر «الخلقة». ويمكن أن تكو ن الكلمة مأخوذة من «فطر» أي «شق ~~ومزق» كأن الخلق أشبه بشق حجب العدم والغيب. وبهذا المعنى يكون «إفطار» ~~الصائم، فكأنه يمزق استمرارية الإمساك المتصل. # على كل حال، البحث اللغوي خارج عن نطاق بحثنا. إنما هذا الحديث الشريف ~~إشارة إلى الآية المباركة في سورة الروم: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ms144 الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون}(4). # فصل في معنى الفطرة # اعلم أن المقصود من «فطرة الله» التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية ~~التي خلق الناس وهم متصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم. ولذلك «تخمرت» ~~طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهية كما سيتبين فيما بعد من ~~الألطاف التي خص الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ إن ~~الموجودات الأخرى غير الإنسان إما أنها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة ~~وإما أن لها حظا ضئيلا منها. PageV01P097 # وهنا لا بد من معرفة أن «الفطرة»، وإن فسرت في هذا الحديث الشريف وغيره من ~~الأحاديث(1) «بالتوحيد» إلا أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير ~~بأشراف أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم ~~السلام، وفي كل مرة تفسر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن ~~هناك تعارضا. والدليل على أن المقام كذلك هو أن الآية الشريفة تعتبر ~~«الدين» هو «فطرة الله» مع أن الدين يشمل التوحيد والمبادئ الأخرى. # وفي «صحيحة» عبد الله بن سنان(2) فسرت الفطرة على أنها تعني «الإسلام». ~~وفي «حسنة» زرارة(3) فسرت «بالمعرفة»، وفي الحديث المعروف: «كل مولود يولد ~~على الفطرة» جاءت في قبال «التهود» و«التنصر» و«التمجس»(4) كما أن الإمام ~~الباقر عليه السلام في حسنة زرارة المذكورة فسرها «بالمعرفة». وعليه، ~~«فالفطرة» ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المبادئ الحقة هي من الأمور ~~التي فطر الله تعالى الإنسان عليها. ### || AUTO فصل: في تحديد أحكام الفطرة # لا بد أن تعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، من ~~ناحية أنها من لوازم الوجود وقد تخمرت في أصل الطبيعة والخلقة. فالجميع، من ~~الجاهل والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي، مجمعون على ذلك. وليس ثمة منفذ ~~للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلل إليها والإخلال بها. إن اختلاف ~~البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات، التي توجب وتسبب الخلاف ~~والإختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها مثل هذا التأثير ~~أبدا في الأمور الفطرية. ms145 كما أن اختلاف الإدراك والإفهام قوة وضعفا لا تؤثر ~~فيها. وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من أحكام الفطرة ويجب إخراجه من ~~فصيلة الأمور الفطرية. ولذلك تقول الآية: {فطر الناس عليها} أي أنها لا ~~تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس. ويقول تعالى أيضا: {لا تبديل لخلق ~~الله} أي لا يغيره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير ~~العادات وغيرها. # ولكن مما يثير الدهشة والعجب أنه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن ~~الأمور الفطرية، من أول العالم إلى آخره، فإن الناس يكادون أن يكونوا ~~غافلين عن أنهم متفقون، ويظنون أنهم مختلفون، ما لم ينبههم أحد على ذلك، ~~وعند ذلك يدركون أنهم كانوا متفقين رغم اختلافهم في الظاهر كما سيتضح ذلك ~~فيما يأتي من البحث إن شاء الله . # وهذا ما تشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون}. PageV01P098 # فيتضح مما سبق ذكره أن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي. إذ لا ~~يوجد في جميع الأحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف ~~فيه الناس ولن يختلفوا. وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات ~~وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضا يجب أن تكون من أوضح الضروريات. فإذا ~~كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها، وجب أن يكون ~~من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. ### || AUTO فصل: إشارة إجمالية في أحكام الفطرة # إعلم أن المفسرين، من العامة والخاصة، فسروا كل على طريقته، كيفية كون ~~الدين أو التوحيد من الفطرة. ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وإنما ~~نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الشاه آبادي) الذي هو ~~نسيج وحده في هذا الميدان(1) ولو أن بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في ~~بعض كتب المحققين من أهل المعارف، وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر. # إذا، لابد أن نعرف أن من أنواع الفطرة الإلهية ما يكون على «أصل وجود ~~المبدأ» ms146 تعالى وتقدس ومنها الفطرة على «التوحيد» وأخرى على «استجماع ذات ~~الله المقدسة لجميع الكمالات» وأخرى على «المعاد ويوم القيامة» وأخرى على ~~«النبوة» و«وجود الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية». ~~وهذه الأمور بعضها من الفطرة، وبعضها من لوازم الفطرة. فالإيمان بالله ~~تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة، هو الدين القيم المحكم ~~والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية. ولسوف نشير إلى بعض ~~منها مما يتناسب والحديث الشريف، طالبين التوفيق من الحق تعالى. # المقام الأول: في بيان أن أصل وجود المبدأ المتعالي جل وعلا من الأمور ~~الفطرية # وهذا يتضح بعد التنبيه إلى مقدمة واحدة هي: أن من الأمور الفطرية التي ~~جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها، بحيث أنك لن تجد فردا واحدا ف ي كل ~~المجموعة البشرية يخالفها، ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك ~~وغيرها لا يمكن أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللا، إنها «الفطرة التي تعشق ~~الكمال». فأنت إن تجولت في جميع الأدوار التي مر بها الإنسان، واستنطقت كل ~~فرد من الأفراد، وكل طائفة من الطوائف، وكل ملة من الملل، يجد هذا العشق ~~والحب قد جبل في طينته، فتجد قلبه متوجها نحو الكمال. بل إن ما يحدد ~~الإنسان ويدفعه في سكناته وتحركاته، وكل العناء والجهود المضنية التي ~~يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه، إنما هو نابع من حب الكمال، على الرغم ~~من وجود منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال؟ وأين يوجد الحبيب ~~ويشاهد المعشوق؟. # فكل يجد معشوقه في شيء، ظانا أن ذلك هو الكمال وكعبة الآمال، فيتخيله في ~~أمر معين، فيتوجه إليه، فيتفانى في سبيله تفاني العاشق. إن أهل الدنيا ~~وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدون معشوقهم فيها، فيبذلون من كل ~~وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها فكل شخص، مهما يكن نوع عمله، ~~ومهما يكن موضع حبه وتعشقه، فإنه لاعتقاده بأن ذلك هم الكمال يتوجه نحوه. ~~وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كل يرى الكمال في شيء ويعتقد أنه معشوقه، ~~بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر ms147 غير ذلك... PageV01P099 # وعليه، فجميعهم يسعون نحو الكمال. فإذا ما تصوره في شيء موجود أو موهوم ~~تعلقوا به وعشقوه. ولكن لا بد أن نعرف أنه على الرغم من هذا الذي قيل، فإن ~~حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وإن ما ~~توهموه وتخيلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع ~~إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء ما فإنه يتحول عن ~~هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول، ثم إذا عثر على أكمل ~~من الثاني، ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه، بل أن نيران عشقه ~~لتزداد اشتعالا حتى لا يعود قلبه يلقى برحاله في أية درجة من الدرجات ولا ~~يرضى بأي حد من الحدود. # مثلا، إذا كنت تحب جمال القدود ونضارة الوجوه، عثرت على ذلك عند من تراها ~~كذلك، توجه قلبك نحوها. فإذا لاح لك جمال أجمل، لا شك في أنك سوف تتوجه إلى ~~الجميل الأجمل، أو أنك على الأقل تطلب الاثنين معا، ومع ذلك لا تخمد نار ~~الاشتياق عندك، ولسان حال فطرتك يقول: كيف السبيل إليهما معا؟ ولكن الواقع ~~هو أنك تطلب كل جميل تراه أجمل، بل قد تزداد اشتياقا بالتخيل، فقد تتخيل أن ~~هناك جميلا أجمل من كل ما تراه بعينك، في مكان ما، فيحلق قلبك طائرا إلى ~~بلد الحبيب، ولسان حالك يقول: أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر. وقد تعشق ~~ما تتمنى. فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة حتى وإن ~~لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله قالت فطرتك: ليت هذه الجنة موجودة وليتهن ~~كن من نصيبي!. # وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك، يتجه حبهم ~~واشتياقهم إلى ذلك. فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة، توجهت أنظارهم ~~إلى دولة أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضا تحت سيطرتهم، تطلعت أعينهم إلى ~~أكثر من ذلك. فهم كلما استولوا على قطر، اتجه حبهم إلى الاستيلاء ms148 على أقطار ~~أخرى، بل تزداد نار تطلعاتهم لهيبا، وإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلها، ~~وتخيلوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى، تمنت قلوبهم لو كان بالإمكان ~~أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم. # وقس على ذلك أصحاب الصناعات ورجال العلم، وغيرهم، وكل أفراد الجنس ~~البشري، مهما تكن مهنتهم وحرفهم، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة متقدمة، ~~ورغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها، ولهذا يشتد شوقهم وتطلعهم. # إذا، فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أبناء البشر، من ~~أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في ~~العالم، ابتداء بالطبيعيين والماديين وانتهاء بأهل الملل والنحل، تتوجه ~~قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه، فيعشقون الكمال الذي لا عيب ~~فيه ولا كمال بعده، والعلم الذي لا جهل فيه، والقدرة التي لا تعجز عن شيء، ~~والحياة التي لا موت فيها، أي أن «الكمال المطلق» هو معشوق الجميع. إن جميع ~~الكائنات والعائلة البشرية، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق ~~الكمال المطلق، إننا نحب الجمال والجلال المطلق، إننا نطلب القدرة المطلقة، ~~والعلم المطلق. فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات، أو في عالم التصور ~~والخيال، وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية، كائن مطلق الكمال ومطلق ~~الجمال، سوى الله تقدست أسماؤه، مبدأ العالم جلت عظمته؟ وهل الجميل على ~~الإطلاق الذي لا نقص فيه إلا ذلك المحبوب المطلق؟. PageV01P100 # فيا أيها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات. بل أيتها ~~الفراشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق، ويا عشاق الحبيب الخالي من ~~العيوب والدائم الأزلي، عودوا قليلا إلى كتاب الفطرة وتصفحوا كتاب ذاتكم ~~لتروا أن قلم قدرة الفطرة الإلهية قد كتب فيه: {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض} (الأنعام/79). فهل أن «فطر الله التي فطر الناس عليها» هي ~~فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق؟ وهل أن الفطرة التي لا تتبدل «لا تبديل ~~لخلق الله» هي فطرة المعرفة؟ فإلى متى توجه هذه الفطرة التي وهبك الله ~~إياها نحو الخيالات الباطلة، نحو ms149 هذا وذاك من المخلوقات لله؟ إذا كان ~~محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة، فلماذا عندما تصل إليها ~~يبقى اشتياقك ملتهبا لا يخمد، بل يزداد ويشتد؟. # تيقظ من نوم الغفلة واستبشر فرحا بأن لك محبوبا لا يزول، ومعشوقا لا نقص ~~فيه، ومطلوبا من دون عيب، وأن لك مقصودا يكون نور طلعته هو النور {الله نور ~~السموات والأرض}(1)، وأن محبوبك ذو إحاطة واسعة «لو دليتم بحبل إلى الأرضين ~~السفلى لهبطتم على الله»(2) (راجع كتاب معجم الأحاديث النبوية. مادة (د ل ~~و)). إذن يستوجب عشقك الحقيقي معشوقا حقيقيا، ولا يمكن أن يكون شيئا متوهما ~~متخيلا، إذ أن كل موهوم ناقص، والفطرة إنما تتوجه إلى الكمال. فالعاشق ~~الحقيقي والعشق الحقيقي لا يكون من دون معشوق، ولا يكون غير الله الكامل، ~~معشوقا تتجه إليه الفطرة. فلازم تعشق الكمال المطلق وجود الكمال المطلق. ~~وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيات {أفي ~~الله شك فاطر السماوات والأرض} (إبراهيم/ 10). # المقام الثاني: في بيان أن توحيد الحق المتعالي وصفاته الأخرى فطرية # في بيان أن توحيد الحق تعالى شأنه واستجماع ذاته لكل الكمالات من ~~الأمور الفطرية، وبالانتباه إلى ما جاء في المقام الأول يتضح ذلك أيضا إلا ~~أننا سنبرهن على ذلك ببيان آخر هنا أيضا. PageV01P101 # اعلم أن من الأمور الفطرية التي «فطر الناس عليها» هو النفور من النقص، ~~ولذلك فإن الإنسان ينفر من كل ناقص، قد وجد فيه نقصا وعيبا. إذا، فالفطرة ~~تنفر من النقص والعيب كما أنها تنجذب إلى الكمال. فالفطرة لا بد وأن تتوجه ~~إلى الواحد الأحد، لأن كل كثير ومركب ناقص، ولا تكون الكثرة دون محدودية مع ~~أن المحدودية نقص. وكل ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه. ~~إذا، أمكن من هاتين الفطرتين: «فطرة حب الكمال» و«فطرة النفور من النقص» ~~إثبات التوحيد. بل إن استجماع الله لجميع الكمالات، وخلو ذاته المقدسة من ~~كل نقص، قد ثبت بالفطرة أيضا. وسورة التوحيد المباركة التي تبين نسب الحق ~~المتعالي، وبحسب رأي شيخنا ms150 (الشيخ محمد علي الشاه آبادي) (روحي فداه)(1) إن ~~الهوية المطلقة، التي تتوجه إليها الفطرة، والتي أشير إليها في صدر سورة ~~التوحيد المباركة بكلمة «هو» المباركة، تعد برهانا على الصفات الست ~~المذكورة بعد ذلك. إذ لما كانت ذات الله المقدسة هوية مطلقة، والهوية ~~المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة، وإلا لكانت محدودة، ولم تكن مطلقة، فهو ~~مستجمع لجميع الكمالات، فهو «الله». وفي الوقت الذي يكون مستجمعا لجميع ~~الكمالات يكون بسيطا، وإلا فالهوية لا تكون مطلقة، إذا فهو «أحد» ولازم ~~الأحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية المطلقة المستجمعة لجميع الكمالات ~~منزهة عن جميع النقائص، التي تعود بأجمعها إلى الماهية، إذا فتلك الذات ~~المقدسة هي «الصمد» وليست جوفاء. ولما كانت الهوية مطلقة، فلن يتولد منها ~~شيء ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن يء [لم يلد ولم يولد] وإنما هو ~~مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات، بدون الانفصال الذي يوجب النقصان. ~~والهوية المطلقة أيضا ليس لها كفو. إذ لا يمكن تصور التكرار في الكمال ~~الصرف. إذا فالسورة المباركة (الإخلاص) من أحكام الفطرة ولبيان نسب الحق ~~المتعال. # المقام الثالث في بيان أن المعاد فطريإن # إن «المعاد» أو يوم القيامة من الأمور الفطرية المجبولة عليها طينة ~~البشر. وهذا أيضا، مثل المقامين السابقين، يمكن البرهنة عليه بطرق كثيرة ~~وأمور فطرية عديدة، ونحن هنا نشير إلى بعض منها. # اعلم إن من الفطريات الإلهية التي فطرت عليها العائلة البشرية كافة هي ~~فطرة حب الراحة. فلو أنك في كل أدوار التمدن والتوحش. والتدين والعناد رجعت ~~إلى هذا الإنسان، الجاهل والعالم، والوضيع والشريف، والمدني والبدوي، ~~وسألته: «لم كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من تحمل ك ل ~~هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة؟» فإنهم جميعا وبكلمة واحدة ~~وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين: بأن كل ما يتوخونه إنما هو لراحتهم، ~~والغاية النهائية والمرام الأخير وأقصى ما يتمنونه هو الراحة المطلقة ~~الخالية من العناء. فلما كانت هذه الراحة التي لا تمازجها مشقة والتي لا ~~يشوبها ألم ونقمة هي معشوقة ms151 الجميع، وكانت هذه المعشوقة المفقودة لدى كل ~~إنسان مقصورة في شيء، لذلك فهو عندما يحب شيئا يتصور محبوبه فيه، مع أن مثل ~~هذه الراحة المطلقة لا وجود لها في كل أرجاء العالم وزواياه. إذ ليس من ~~الممكن أن تعثر على راحة غير مشوبة بالألم. إن جميع نعم هذا العالم يصاحبها ~~العناء والعذاب المضني، وما من لذة إلا وفيها ألم. إن العذاب والتعب والألم ~~والحزن والهم والغم تملأ أرجاء الأرض. PageV01P102 # وعلى امتداد حياة الإنسان لن تجد فردا واحدا يتساوى عذابه وراحته، ونعمته ~~توازي تعبه ونقمته ونصبه، ناهيك عن الراحة الخالصة المطلقة. وبناء على ذلك ~~فإن معشوق الإنسان لا يوجد في هذا العالم الدنيوي. إن العشق الفطري الذي ~~جبل عليه أبناء البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلا. # إذا، لا بد من أن يكون هناك في دار التحقق وعالم الوجود عالم لا تشوب ~~راحته شائبة من ألم وعذاب وتعب، راحة مطلقة لا يخالطها شيء من العناء ~~والشقاق، سرور دائم خالص لا يعتوره حزن ولا هم. ذلك العالم هو «دار نعيم ~~الله» عالم كرم ذات الله المقدسة. # وهو عالم يمكن إثباته بفطرة الحرية ونفوذ الإرادة الموجودة في فطرة كل ~~إنسان. ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما يستعصي على ~~حرية الإنسان وإرادته، فلا بد إذا، أن يكون هناك عالم آخر تكون للإرادة فيه ~~كلمة نافذة، ولا تستعصي مواده على إرادة الإنسان، ويكون الإنسان في ذلك ~~العالم فعالا لما يشاء والحاكم بما يريد، حسبما تقتضيه الفطرة. # إذا، يعتبر العشق للراحة والعشق للحرية هما الجانبان المودعان لدى ~~الإنسان، بموجب فطرة الله التي لا تتبدل، فيحلق بهما في عالم الملكوت ~~الأعلى متقربا إلى الله. # وفي المقام مواضيع أخرى لا تسعها هذه الأوراق؛ وفيها فطرات أخرى لإثبات ~~المعارف الحقه، مثل إثبات النبوة، وبعثة الرسل، وإنزال الكتب السماوية. بل ~~بفطرة واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن إثبات جميع المعارف. ولكننا نكتفي ~~بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يناسب مع ms152 الحديث ~~الشريف. # إلى هنا عرفنا أن العالم بالمبدأ، والكمالات، ووحدتها، والمعاد، وعالم ~~الآخرة كلها من الأمور الفطرية. # والحمد لله. ### | AUTO الحديث الثاني عشر: التفكر # بسندي المتصل إلى محمد بن يعقوب رضوان الله عليه عن علي بن إبراهيم، عن ~~أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # «كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: # نبه بالتفكر قلبك وجاف عن الليل جنبك واتق الله ربك»(1). # الشرح: # «كان يقول» يختلف عن «قال» أو «يقول» من حيث الدلالة، لأنه يفيد ~~الاستمرار والدوام. وهذا يعني أن الإمام عليه السلام كان يكرر هذا الكلام. ~~«والتنبيه» هو الإخراج من الغفلة والإيقاظ من النوم. وكلا المعنيين مناسب ~~هنا. فالقلوب قبل التفكر غافلة، وقبل الإيقاظ نائمة، والتنبيه يخرجها من ~~الغفلة، ويوقظها من النوم. والنوم واليقظة، والغفلة والفطنة، لكل من ملك ~~الجسد وملكوت النفس، مختلفان. فقد تكون العين الظاهرة يقظة وجانب الملك ~~واعيا، ولكن عين الباطن والبصيرة تغط في نوم والبصيرة تغط في نوم ثقيل، ~~وجانب ملكوت النفس في غفلة ومن دون وعي. # و«التفكر» إعمال الف كر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج ~~المجهولة. فهو أعم من التفكر الذي يعد من مقامات السالكين. لأن الخواجه ~~الأنصاري(2) يعرفه بقوله: «إعلم أن التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية» ~~(«منازل السائرين» ج 1، ص 57). ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا ~~فإن المراد بالتفكر في هذا الحديث الشريف هو المعنى الخاص الذي يعود إلى ~~القلوب وحياتها. PageV01P103 # وللقلب تعريفات واصطلاحات كثيرة: فإذا عرف عند الأطباء وعامة الناس، كان ~~المراد منه تلك القطعة من اللحم الصنوبرية الشكل التي بانقباضها وانبساطها ~~يجري الدم في الشرايين، ومن ذلك تتولد الروح الحيوانية التي هي بخار لطيف. # وعند الحكماء يطلق على بعض مقامات النفس. وله عند أصحاب العرفان مقامات ~~ومراتب، يكون التعمق في بيان هذه المصطلحات خارجا عن قصدنا. # وفي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يطلق (القلب) في المواضيع المختلفة ~~على كل واحد من المعاني المتداول بين العامة والخاصة، مثل {وبلغت القلوب ~~الحناجر} (الأحزاب/ 10). وهو بمعناه المتداول بين ms153 الأطباء، {... لهم قلوب ~~لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها} (الأعراف/ 179) وهو المعنى ~~المتداول على ألسنة الحكماء. {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد} (ق37). وهو الاصطلاح الجاري عند العرفاء. وما جاء في ~~الحديث الشريف بشأن التفكر هو المتداول عند الحكماء. أما القلب في اصطلاح ~~العرفاء، فلا علاقة له بالتفكر، وخصوصا في بعض مراتبه، كما يعرف ذلك أهل ~~الإصلاح. # وقول الإمام عليه السلام: «جاف عن الليل جنبك»، الجفاء بمعنى «البعد» ~~و«جافاه عنه، فتجافى جنبه عن الفراش» أي «نبا» كما في الصحاح. ونسبة ~~المجافاة إلى الليل من الإسناد إلى المجاز، أو من جعل الليل فراشا ادعاء، ~~أو أن الكلمة استعملت في معناها الحقيقي وأن الإسناد يكون حقيقيا ولكن ~~الفرق في الإرادة الجدية والاستعمالية، كما احتملوه في مطلق المجازات، ~~وحسبما أسهب في شرحه الشيخ الفقيه والأصولي والأديب المتبحر (الشيخ رضا ~~الأصفهاني) في «جلية الحال»(1). ومهما يكن، فتلك كناية عن النهوض عن فراش ~~النوم في الليل من أجل العبادة. وبعد ذلك سوف يتم بيان التقوى ومراتبها، إن ~~شاء الله... ولكننا سوف نبين ضمن فصول عديدة مناسبات الحديث الشريف فيما يلي: ### || AUTO فصل: في بيان فضيلة التفكر # اعلم أن للتفكر فضائل كثيرة. فالتفكر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن ~~الكمالات والعلوم، وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني، وله في القرآن ~~الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل، كما أن تاركه معير ~~ومذموم. وقد جاء في (الكافي) الشريف عن الإمام الصادق عليهالسلام: «أفضل ~~العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته»(2). ويرد ذكر لهذا الحديث فيما ~~بعد. وفي حديث آخر: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة». # وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم: «إن تفكر ساعة خير من ~~عبادة سنة». وفي حديث غيره: «إن تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة»، وفي ~~رواية: «سبعين سنة»(3)، وعن بعض علماء الفقه والحديث: «ألف سنة» وعلى كل ~~حال، إن للتفكر درجات ومراتب، ولكل مرتبة نتيجة أو نتائج، وسوف نتناول بعضها. ms154 PageV01P104 # الأول: هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته. ونتيجة ذلك هو ~~العلم بوجوده وبأنواع تجلياته، التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر ~~الخارجية. وهذا أفضل مراتب التفكر، وأع لى مراتب العلوم، وأتقن مراتب ~~البرهان. إذ أن الانتباه إلى ذات العلة، والتفكر في السبب المطلق، يدفع ~~بالإنسان إلى العلم به وبالمسببات والمعلومات. وهذا هو رسم تجليات قلوب ~~الصديقين، ولذلك سمي باسم: «برهان الصديقين». فالصديقون بمشاهدة الذات ~~يشهدون الأسماء والصفات، وفي مرآة الأسماء، يشهدون الأعيان والمظاهر. وما ~~تسمية هذا القسم من البرهان باسم «برهان الصديقين» إلا لأن الصديق إذا أراد ~~أن يظهر مشاهداته في صورة برهان، وأن يضع ما وجده ذوقا وشهودا في قالب ~~الألفاظ، لكان هكذا. ولا يعني هذا الاسم أن كل من استدل بهذا البرهان على ~~ذات الله وتجلياته كان من الصديقين، ولا أن معارف الصديقين هي من نسخ ~~البراهين، فإن لهم براهين خاصة وهيهات أن تكون علومهم من جنس التفكر، أو أن ~~تكون ثمة مشابهة بين مشاهداتهم وبين البرهان ومقدماته. فما دام القلب في ~~حجاب البرهان، وخطوته هي خطوة لتفكر، لا يكون قد وصل إلى أول مراتب ~~الصديقين. وإذا ما خرج من حجاب العلم والبرهان السميك، فلا علاقة له ~~بالتفكر، بل يفوز في آخر الأمر ومنتهى السلوك بمشاهدة جمال الجميل المطلق، ~~من دون واسطة البرهان، وحتى من دون واسطة أي كائن، ويذوق اللذة الدائمة ~~السرمدية، ويتحرر من الدنيا وما فيها، ويبقى في الفناء التام تحت قباب ~~الكبرياء، ولا يبقى منه اسم ولا رسم ويصبح مجهولا مطلقا، إلا إذا شملته ~~العناية الإلهية وأرجعته إلى مملكته وممالك الوجود على قدر سعة وجود عينه ~~الثابتة، ويتم له في هذا الرجوع كشف سبحات الجمال والجلال، ويشهد في مرآة ~~الذات الأسماء والصفات، ومنها يفوز بمشاهدة عينه الثابتة وكل ما هو تحت ظل ~~حمايته، وتتكشف كيفية سلوك المظاهر والرجوع إلى الظاهر، على قلبه، ثم يتشرف ~~برداء النبوة. إذ في هذا المقام يظهر اختلاف مقامات الأنبياء والرسل، ~~وتنكشف لهم في هذا المق ام سعة دائرة الرسالة أو ms155 ضيقها والمبعوث منه ~~والمبعوث إليه. إن الإسهاب في المقال بهذا الشأن لا يتناسب مع هذه الأوراق، ~~حتى أننا تغاضينا عن برهان الصديقين أيضا لأن له مقدمات يطول شرحها هنا. ### || AUTO تتميم في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق # لابد أن نعرف أن قولنا: «التفكر في الذات والأسماء والصفات» قد يحمل ~~الجاهل على الظن بأن التفكر في ذات الله ممنوع بحسب الروايات، دون أن يعلم ~~أن التفكر الممنوع هو التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها، حسب ما يستفاد من ~~الأحاديث الشريفة («تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن ~~تقدروا قدره» «المحجة البيضاء» ج 8 ص 193). وقد يمنع غير المؤهل، من النظر ~~في بعض المعارف ذات المقدمات الدقيقة. وهذان المقامان يتفق بشأنهما الحكماء ~~أيضا. إلا أن استحالة اكتناه الذات الإلهية مبرهنة في كتبهم، ومنع التفكر ~~فيها مسلم به عند الجميع. PageV01P105 # أما شرائط الدخول في هذه العلوم، ومنع تعليم غير المؤهل، فمذكورة في كتبهم، ~~ووصاياهم في خصوص شرائط الدخول ومسطورة في أوائل كتبهم أو أواخرها، كما فعل ~~إماما الفن وفيلسوفا الإسلام العظيمان، «الشيخ ابن سينا»(1) في آخر ~~«الإشارات» (الإشارات والتنبيهات ج 3، ص 419 ط. الحيدري طهران. ) و«صدر ~~المتألهين»(2) في آول «الأسفار» (الأسفار الأربعة ج 1، ص 10 (دار المعارف ~~الإسلامية)) حيث أوردا وصاياهما [225] البليغة في ذلك (فراجع) (الكتابين ~~المذكورين). أما النظر في ذات الله لغرض إثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه ~~وتقديسه، فهو الغاية من إرسال الأنبياء والمقصد لآمال العرفاء. والقرآن ~~الكريم والأحاديث الشريفة مشحونة بالأخبار حول العلم بذات الله وكمالاته ~~وأسمائه. وكتب الأخبار المعتبرة، مثل «الكافي» و«توحيد» الشيخ الصدوق، ~~تتعمق في إثبات ذات الله وأسمائه وصفاته. والفرق بين المأثورات عن الأنبياء ~~وكتب ا لحكماء إنما هو في الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل فقط، مثلما أن ~~الفرق بين الفقه والأخبار الخاصة بالفقه هو الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل ~~أيضا، لا في المعنى. # لكن المصيبة في أن هناك بعض الجهلاء في لباس أهل العلم الغير عارفين ~~بالكتاب والسنة والجاهلين بهما، ظهروا في القرون الأخيرة، من دون أية رؤية ms156 ~~صحيحة أو اعتماد على معيار صحيح أو معرفة بالكتاب والسنة، وجعلوا جهلهم ~~وحده دليلا على بطلان العلم بالمبدأ والمعاد، ولكي يروجوا بضاعتهم حرموا ~~النظر في المعارف التي هي غاية ما يقصده الأنبياء والأولياء سلام الله ~~عليهم، والتي امتلأ بها كتاب الله وأخبار أهل البيت عليهم السلام وراحوا ~~يرمون أهل المعرفة بكل شتيمة واتهام، وسببوا انحراف قلوب عباد الله عن ~~العلم بالمبدأ والمعاد، وكانوا سببا في تفريق الكلمة وتشتيت شمل المسلمين. ~~ولو سأل سائل: لم كل هذا التكفير والتفسيق؟ لتشبث ال مجيب بالحديث القائل: ~~«لا تتفكروا في ذات الله»(3). إن هذا الجاهل المسكين مخطئ وجاهل من جهتين: # الأولى: أنه ظن أن الحكماء يقومون بالتفكر في ذات الله، مع أنهم يرون أن ~~التفكر في ذات الله واكتناهها ممتنع، وهذا من المسائل المبرهن عليها في هذا العلم. PageV01P106 # والثانية: إنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أنه لا يجوز التفوه بأي شيء عن ذات ~~الله المقدسة مطلقا. إننا سنذكر بعض الأحاديث ونجمع بينها وبين ما في نظرنا ~~القاصر، ونجعل الإنصاف هو الحكم، على الرغم من أن هذا يخرج قليلا [226] عن ~~موضوعنا، ولكن لعل فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وإبطال الباطل. # الكافي بإسناده عن أبي بصير: قال أبو جعفر عليه السلام: «تكلموا في خلق ~~الله ولا تتكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا ~~تحيرا»(1). # يدل هذا الحديث بذاته على أن المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله ~~وكيفيته ومحاولة تعليله. وإلا فإن الكلام في إثبات ذاته تعالى وسائر ~~كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحير. ولعل النهي موجه إلى الذين يكون ~~التكلم حتى في هذه الأمور موجبا لحيرتهم. وقد احتمل المرحوم المحدث المجلسي ~~رحمه الله هذين الاحتمالين، اللذين قربناهما، من دون تعليق، ولكن قوى ~~الاحتمال الأول. # وفي رواية أخرى عن حريز: «تكلموا في كل شيء ولا تتكلموا في ذات الله»(2) ~~وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه، مما لا نجد ضرورة لذكرها. # وفي «الكافي» عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام قال: ms157 «إياكم والتفكر ~~في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته، فانظروا إلى عظيم خلقه»(3). # الظاهر أن هذا الحديث أيضا يشير إلى التفكر في كنه ذات الله، لأنه يقول ~~في نهايته: «إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه». أي ~~استدلوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عز وجل. ويكون هذا على سبيل ~~المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمر طريق معرفتهم من خلال المخلوق. # هذه الأحاديث وأمثالها التي تنهى عن التكلم في ذات الله والتفكر فيه هي ~~نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الذي يوضح هذا الأمر هو الحديث الشريف في ~~«الكافي» في باب التفكر. # عن أبي عبد الله (جعفر) الصادق عليه السلام قال: «أفضل العبادة إدمان ~~التفكر في الله وفي قدرته»(4). وفي حديث آخر في «الكافي»: # سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد، فقال: «إن الله عز وجل ~~علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى {قل هو الله ~~أحد]، والآيات من سورة الحديد إلى قوله: {وهو عليم بذات الصدور} فمن رام ~~وراء ذلك فقد هلك»(5). # إذا، يتضح أن هذه الآيات التي تشير إلى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ~~ورجوع الكائنات [ إلى الله ] نزلت للمتعمقين وأهل التفكير العميق. PageV01P107 # فهل مع كل هذا يمكن القول إن التفكر في ذات الله حرام؟ أي حكيم أو عارف جاء ~~بمعارف أكثر مما جاء في أول (سورة الحديد) ؟ إن منتهى معرفتهم هو الوصول ~~إلى قوله تعالى: {سبح لله ما في السماوات والأرض}. هل هناك أفضل بيانا في ~~وصف الله تعالى وتجلى ذاته المقدسة من الآية الشريفة: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (الحديد3). # أقسم بحياة الحبيب أنه لو لم تكن لبيان حقية كتاب الله الكريم غير هذه ~~الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. ارجعوا قليلا إلى كتاب الله، وإلى خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله عليهم، ~~وقارنوا لتروا من من الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح مما جاء بها ~~أولئك ms158 في كل موضوع من مواضيع المعارف؟ إن أقوالهم مشحونة بوصف الحق ~~والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدسة، بحيث أن كل طائفة تحظى على قدر ~~سعتها وإدراكها. # إذا، يتضح من مجموع هذه الأخبار أن التفكر في ذات الله ممنوع إذا كان ذلك ~~في مرتبة التفكر في كنه ذات الله وكيفيته. كما جاء في حديث «الكافي»: «من ~~نظر في الله كيف هو، هلك» (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب ~~النسبة، ح 3)، أو أن الجمع بين الأخبار الناهية والآمرة يستدعي منع فريق من ~~الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع إلى البرهان وليس لهم [228] الاستعداد ~~للدخول في مثل هذه البحوث. والدليل على هذا الجمع موجود في الأخبار نفسها. # أما الذين لهم الاستعداد والأهلية، فيكون من الراجح لهم التفكر، بل هو ~~أفضل من جميع العبادات. # على كل حال، لقد خرجنا كليا عن المقصد. ولكن لم يكن لنا مناص من أن نتعرض ~~لهذا الرأي الفاسد والتهمة التي لا ترضي الحق، والمتداولة في هذا الزمان ~~على الألسنة، لعل ذلك يحدث بعض التأثير في قلوب بعضهم. ولو تم تأثير هذا ~~القول في قلب شخص واحد لكفاني. والحمد لله وإليه المشتكي. ### || AUTO فصل: في التفكر في المصنوع # ومن مراتب التفكر، التفكر في روائع الصنع واتقانه ودقائق الخلق، بما ~~يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة للتفكر. ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدأ ~~الكامل والصانع الحكيم، وهذا على العكس من «برهان الصديقين». إذ أن مبدأ ~~البرهان في ذاك المقام هو الحق تعالى عز اسمه، ومنه يحصل العلم بالتجليات ~~والمظاهر والآيات. وأما في هذا المقام فمبدأ البرهان هو «المخلوقات التي عن ~~طريقها يتم العلم بالمبدأ والصانع». وهذا البرهان يكون للعامة من الناس ~~الذين لاحظ لهم من برهان الصديقين. ولهذا، قد ينكر الكثيرون أن يصبح التفكر ~~في الحق مبدأ العلم به، وأن يؤدي العلم بالمبدأ إلى العلم بالمخلوق. PageV01P108 # وملخص الكلام، أن التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي اتقان نظام الخليقة، ~~من العلوم النافعة، ومن أفضل الأعمال القلبية، وخير من جميع العبادات، لأن ~~نتيجته ms159 أشرف نتيجة. وعلى الرغم من أن النتيجة الأصلية لجميع العبادات والسر ~~الحقيقي لها هو الحصول على المعرفة. فإن كشف هذا السر والحصول على تلك ~~النتيجة ليسا متيسرين للجميع، بل إن ل ذلك أهلا تكون لهم في كل عبادة بذرة ~~لمشاهدة أو لمشاهدات. وعلى أي حال أن الإطلاع على لطائف الصنعة وأسرار ~~الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسر للبشر، حتى الآن. إن أساس الخليقة ~~ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال والكمال في مستوى لو أن ~~الإنسان أمعن النظر في أي كائن مهما كان حقيرا، مستخدما كل علومه التي ~~اكتسبها خلال قرون، لما استطاع أن يطلع على نسبة واحد بالألف، من ذلك، فكيف ~~له أن يتمكن من إدراك النظام الكلي الجميل، ساعيا عن طريق الأفكار البشرية ~~الجزئية الناقصة، لفهم بدائعه ودقائقه. إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق ~~الخلق مما هو قريب بعض الشيء من الإفهام ويعد من المحسوسات، (اقرأ الحديث ~~المفصل عن هذا المجمل). # أيها العزيز، انظر وتأمل في العلاقة التي بين هذه الشمس والأرض. وفي ~~المسافة المعينة بين الأرض والشمس، وحركة الأرض حول نفسها وحول الشم س. تلك ~~الحركة التي تكون على مدار محدد فيحصل منها الليل والنهار والفصول. فما ~~أتقنه من صنع وما أكملها من حكمة؟ ولولا هذا التنظيم، أي لو كانت الشمس ~~أقرب أو أبعد، لما تكون في الأرض في الحالة الأولى من الحر، وفي الحالة ~~الثانية من البرد معدن، ونبات، وحيوان. وكذلك لو توقفت الأرض عن الحركة، ~~على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان الليل أو النهار، ولا كانت ~~الفصول، ولما تكونت الأرض نهائيا أو القسم الأكبر منها. # ولا يقتصر على هذا أيضا، فإن الأوج، أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس، يقع في ~~جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر. وكذلك الحضيض، أو ~~أقرب نقطة بين الشمس والأرض، يقع في جهة الجنوب، لكيلا يصاب أهل الأرض ~~بضرر. ولا يكتفي بهذا أيضا، فالقمر المؤثر في تربية موجودات الأرض، يعاكس ~~الأرض في سيرها، بحيث عندما ms160 تكون الشمس في شمال الأرض، يكون القمر في جن ~~وبها، والعكس بالعكس، إذا كان هذا في الشمال، كانت تلك في الجنوب، وذلك ~~لانتفاع سكان الأرض منهما. هذه كلها من الأمور الضرورية المحسوسة. غير أن ~~الإحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلا للخالق الذي يحيط علمه بكل شيء. # ولكن لم ابتعدنا كل هذا البعد؟ فليفكر المرء في خلقه هو، على قدر طاقته ~~وسعة علمه: أولا في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات والمحسوسات، إذ ~~أن لكل مجموعة من المدركات، التي توجد في هذا العالم، قوة مدركة بأدق ما ~~تكون من الدقة والترتيب المحيرين للعقول. PageV01P109 # والأمور المعنوية، التي لا تدرك بالحواس الظاهرة، تدرك على ضوء الحواس ~~الباطنية. دع عنك علم الروح والقوى الروحية للنفس، مما تقصر مدارك الإنسان ~~عن فهمها، واتجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها وبنائها الطبيعي، وخصائص ~~كل عضو من الأعضاء الظاهرية والباطنية. انظر ما أغرب هذا النظام وما أعجب ~~هذا ا لترتيب؟! على الرغم من أن علم البشر لم يبلغ حتى الآن، ولن يبلغ حتى ~~بعد مائة قرن، إلى معرفة واحد بالألف منه، حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان ~~من جميع العلماء بعجزهم، مع أن جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض ~~الأخرى، لا يزيد على مجرد ذرة تافهة، وأن الأرض وجميع كائناتها، لا تعدل ~~شيئا إزاء المنظومة الشمسية، وأن كل منظومتنا الشمسية لا وزن لها إزاء ~~المنظومات الشمسية الأخرى، وأن كل هذه المنظومات، الكبيرة منها والصغيرة، ~~مبنية وفق ترتيب منظم، ونظام مرتب، بحيث أن أي نقد لا يمكن أن يوجه إلى ~~أتفه ذرة فيها، وأن عقول البشر كافة عاجزة عن فهم دقيقة من دقائقها. فهل ~~بعد هذا التفكر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليذعن بأن كائنا عالما، حكيما، لا ~~يشبه الكائنات الأخرى، هو الذي أوجد هذه الكائنات بكل حكمة ونظام وترتيب ~~واتقان؟ {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} (إبراهيم/ 10). إن كل هذا ~~الخلق المتقن الذي يعجز عقل الإنسان عن فهمه، لم يظهر عبثا وتلقائيا! فلتعم ~~عين القلب التي لا ترى ms161 الله، ولا تشاهد جمال جميله في هذه المخلوقات! ~~وليمحق الذي يبقى في الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار؟ ولكن ما الذي ~~يستطيع هذا الإنسان المسكين عمله بالأوهام؟. لو أنك عرضت مسبحتك وزعمت أن ~~حباتها قد انتظمت تلقائيا من دون أن ينظمها منظم، لاستهزأت بك البشرية. ~~والأدهى من ذلك أنك لو أخرجت ساعتك من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضا بالنسبة ~~إليها، إلا يخرجونك من زمرة العقلاء؟ وإلا يرميك كل عقلاء العالم بالجنون؟ ~~فإذا وصف الذي يخرج نظام هذه الساعة من قاعدة العلة والمعلول، بأنه مجنون ~~ويجب أن يحرم من حقوق العقلاء فما الوصف المناسب الذي يجب أن يوصف به من ~~يزعم أن نظام هذا العالم، لا بل هذا الإنسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر ~~تلقائيا؟ هل يجب إ بقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أي بله أشد من هذا؟. {قتل ~~الإنسان ما أكفره} (عبس17). # فصل: في التفكر في أحوال النفس # من درجات التفكر أيضا التفكر في أحوال النفس يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف ~~عديدة. وإننا سنلقي نظرة على نتيجتين اثنتين: الأولى: العلم بيوم المعاد. ~~والثانية: العلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، أي النبوة العامة، والشرائع الحقة. # إن من حالات النفس هو تجردها، وهي حالة لم يول الحكماء العظام أهمية لأية ~~مسألة حكمية فلسفية أخرى مثلما أولوا هذه المسألة وأثبتوها بالأدلة ~~والبراهين. ولكننا لسنا الآن في صدد إثبات تجرد النفس بصورة مفصلة، وإنما ~~نكتفي ببعض الأدلة التي لا تستعصي مبادئها على الفهم، للوصول إلى المقصود. PageV01P110 # فنقول: يجمع الأطباء وعلماء الأبدان، وفي ظل التجارب، على أن جميع أعضاء ~~الجسم، من أم الدماغ التي هي مركز الإدراكات ومحل ظهور قوى النفس، وحتى آخر ~~أجزائه الصلبة، تبدأ، من سن الخامسة والثلاثين، أو الثلاثين فما فوق، ~~بالانحدار نحو الانحطاط والنقصان، والاقتراب من الضعف والانحلال. ولقد ~~جربنا بأنفسنا أيضا كيف يبدو الضعف في القوى كلها. ولكن في هذه الفترة ~~نفسها، أي من سن الثلاثين أو الأربعين فما فوق، تزداد القوى الروحية ~~والإدراكات العقلية كمالا ورقيا وسدادا. ويتضح من ms162 هذا أن القوى العقلية ~~ليست جسمانية، إذ لو كانت جسمانية لانحدرت، مثل سائر قوى الجسم، نحو الضعف ~~والوهن. كما لا يمكن القول بأن القوى العقلية تزداد قوة بكثرة أعمال القوة ~~الفكرية وحصول التجربة، إذ أن القوى الجسمانية ينتابها التعب والانحلال، لا ~~القوة والكمال، نتيجة لكثرة العمل وبذل الجهد. وهذا بذاته دليل على أن ~~القوى العقلية ليست جسمية ولا من آثار الجسم. والاعتراض على هذا الكلام ~~بضعف القوى الفكرية أيام الكهولة، كالضعف الجسماني، لا محل له، وذلك لأنه: # أولا: ليست هناك قوة جسمانية تنمو وتشتد حتى سن الكهولة بحيث يمكن أن ~~نقول بأن الموضع الفلاني من الجسم هو موضع الإدراكات العقلية وأنه كان يشتد ~~ويزداد قوة حتى سن الكهولة، والآن بعد أن ضعف هذا الموضع ضعفت بضعفه القوة ~~الفكرية أيضا. # ثانيا: هل إن هذا الضعف في الكهولة يعود إلى الفكر كقوة حالة في الجسم، ~~أم أن الفكر يحتاج إلى قوة جسمانية فعند وهن الجسم محل الفكر لا يؤدي دور ~~الفكر؟ هذا كله بالنسبة إلى القوة الفكرية. وأما الإدراكات المحضة والملكات ~~الفاضلة في فترة الكهولة تكون أقوى أيضا مما كانت عليه من قبل، حتى وإن قل ~~ظهورها أو إظهارها. وعلى كل حال، يكفي لإثبات دعوانا تجرد النفس ما قلناه ~~من قوة الإدراك في سن الأربعين أو الخمسين مع أن الجسم ينحدر نحو الوهن ~~والضعف. # وأما الإجابة على الاعتراض والنقض فهو أن النفس لما تستجمع قواها من ملك ~~الب دن، وتعود القوى إلى باطن ذاتها، كلما كانت القوى أقرب إلى عالم الجسم ~~والجسماني، كلما كان أسرع إلى الضعف والكلال، وكلما كانت أبعد كانت أبطأ في ~~الإصابة بالضعف. أما القوى التي تنتمي إلى عالم التجرد والملكوت فتقوى ~~وتزداد شدة عندما يزداد عمر الإنسان. وهذا دليل على أن النفس ليست جسما ولا ~~هي قوة جسمانية. # وأيضا أن خصائص النفس وآثارها وأفعالها على النقيض من خصائص الأجسام ~~وآثارها وأفعالها بصورة مطلقة. وهذا دليل على أن النفس ليست جسما. فمثلا، ~~نحن نعلم أن الجسم لا يتقبل بالضرورة ms163 سوى صورة واحدة، وإذا # أريد إعطاؤه صورة أخرى كان لا بد للصورة الأولى أن تفارقه لكي يمكنه تقبل ~~الصورة الثانية. فإذا رسمت مثلا، صورة على صفحة الورق، لا يمكن رسم صورة ~~أخرى مكانها إلا إذا أزيلت الصورة الأولى تماما. وهذا الحكم يجري في جميع ~~الأجسام بالضرورة العقلية. # أما النفس فتختلف تم اما، ففي الوقت الذي تكون هناك صورة مرسومة فيها، ~~يمكن رسم صورة أخرى مضادة لها من دون زوال الصورة الأولى. # وأيضا إن الجسم ترتسم فيه الصور المتناهية. أما في النفس فترتسم الصور ~~غير المتناهية. ولهذا فهي تحكم على الأمور غير المتناهية. # وأيضا أن الجسم الذي تزول منه الصورة، لا تعود إليه من دون استئناف ~~السبب، ولكن النفس إذا غابت عنها بعض الصور عادت إليها من دون سبب خارجي. PageV01P111 # إذا، يتبين أن النفس تضاد جميع الأجسام في خصائصها وآثارها وأفعالها. أي أن ~~النفس مجردة وليست من سنخ الأجسام والجسمانيات، والمجردات لا تفسد، كما هو ~~مبرهن عليه في محله. وذلك لأن الفساد لا يكون من دون مادة قابلة للفساد، ~~والمجردات منزهة عن مادة قابلة للفساد. إذ أن ذلك من لوازم الأجسام. إذا، ~~لا تفسد النفس. ومن هنا يستنتج أن النفس لا تفسد بفساد البدن وبمفارقتها ~~له، بل تبقى في عالم آخر، ولا تفنى. وهذا هو المعاد الروحي للنفوس والأرواح ~~قبل يوم القيامة إلى أن يشاء الله لها أن تعود إلى الأبدان. إننا الآن في ~~صدد إثبات المعاد المطلق في قبال المنكر المطلق وقد اتضحت الفكرة من خلال ~~هذه المقدمات. # ولا بد أن نعرف أن النفوس صحة ومرضا، وصلاحا وفسادا، وسعادة وشقاء، وأن ~~إدراك طرقها ودقائق مصالحها ومفاسدها لا يتسنى لأحد سوى ذات الله المقدسة. ~~لذلك ففي النظام الأتم الذي هو أحسن نظام، وقد تبين من قبل أن منظمة حكيم ~~على الإطلاق ومحيط بكل شيء لا يمكن أن يهمل بيان طرق السعادة والشقاء، ~~والطرق الهادية إلى الصلاح والفساد، وطرق علاج النفوس، إذ أن مثل هذا ~~الإهمال يقتضي النقص في العلم أو النقص ms164 في القدرة، أو الظلم والبخل من دون سبب. # ولقد تبين أن ذات الله المقدسة منزهة عن كل ذلك، فهو الكامل على الإطلاق ~~والمفيض على الإطلاق، وأن إهمال بيان الطرق الموصلة إلى السعاد ة والشقاء ~~يعد خللا كبيرا في الحكمة، ويبعث على الفساد والاختلال في النظام والحكم. ~~إذا، أصبح من اللازم بيان طرق السعادة والهداية في النظام الأتم. # وقد حصلت من هذا نتيجتان واضحتان: # الأولى: هي أن الشريعة وهي الوصفة الخاصة بإصلاح الأمراض النفسية لا ~~توجد إلا عند ذات الحق المقدس. # والثانية: هي أن الله تعالى يعلنها الشريعة حتما. ومعلوم أن مثل هذا ~~الهدف العظيم، وهذا العلم الكامل الدقيق الذي يعجز عن إدراكه أعقل العقلاء، ~~الذي يربط بين الملك والملكوت وتأثير الصور الملكية في باطن النفس، لا يقع ~~لأحد إلا عن طريق الوحي والإلهام. أي يجب أن يكون تعليمه من جانب الحق ~~تعالى. وبديهي، أن جميع أفراد البشر ليسوا خليقين بمثل هذه الهبة، وليست ~~لهم القابلية والقدرة على القيام بمثل هذه المهمة. ولكن يظهر خلال بضعة ~~قرون من يكون جديرا بالاضطلاع بمثل هذا الواجب وتحقيق مثل هذا الهدف ~~العظيم، فيبعثه الحق تعالى ليبين للناس الطريق إلى السعادة والطريق إلى ~~الشقاء، ليعلم الناس كيف يصلحون أنفسهم. وهذه هي النبوة العامة. # ولما انتهى بنا الحديث إلى هنا، خطر لي أن أشير استطرادا إلى موضوع أراه ~~من البديهيات. # وهو أننا وبعد أن علمنا ضرورة وجود شريعة إلهية لبني البشر، ولزوم رجوعنا ~~إلى الشرائع السائدة بين الناس، وهي على الأغلب الشرائع الإلهية الثلاث: ~~اليهودية والمسيحية والإسلام، نرى بأن الشريعة الإسلامية هي أكمل من ~~الشرائع الأخرى في أبعادها الثلاثة، التي هي أساس الشرائع ومدار التشريع، ~~أحدها ما يعود إلى العقائد الحقة، والمعارف الإلهية وتوصيف الحق وتنزيهه. ~~وكيفية ذلك. والعلم بالملائكة وتوصيف الأنبياء (عليهم السلام) وتنزيههم، ~~مما هو أصل الشريعة PageV01P112 وأساسها. وثانيها ما يعود إلى الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة وإصلاح ~~النفس. وثالثها هو جانب الأعمال الفردية والاجتماعية والسياسية والمدنية ~~وغير ذلك بل إن كل ناظر منصف وغير ms165 مغرض في هدفه يدرك أن الإسلام أرقى من ~~أن يقارن بدين آخر، وأن الحياة البشرية لم تشهد قانونا ولا شريعة بهذا ~~الإتقان بحيث تكون تامة وكاملة في جميع مراحل الحياتين الدنيوية والأخروية. ~~وهذا بذاته خير دليل على أحقية الإسلام وصدقه. # وعليه، وبعد إثبات النبوة العامة، وأن الله قد شرع لبني البشر شريعة، ~~وبين لهم طريق الهداية، ووضعهم ضمن إطار نظم ونظام، لم يعد إثبات أحقية ~~الدين الإسلامي بحاجة إلى مقدمات أبدا، سوى التمعن فيه ومقارنته بسائر ~~الأديان والشرائع في جميع المراحل التي يمكن تصورها، ابتداء من حاجة ~~الإنسان إلى الملكات الحقة والمعارف النفسانية، وحتى بلوغ الواجبات النوعية ~~الفردية والاجتماعية. وهذا معنى من معاني الحديث الشريف: «الإسلام يعلو ولا ~~يعلى عليه» (1) إذ كلما ازداد العقل البشري تقدما وتطورا في مدركاته وتمعنا ~~في حجج الإسلام وبراهينه، ازداد خضوعا لنور هدايته، وقوة أمام الحجج فلا ~~تظهر حجة ودليل في العالم ضد الإسلام إلا وينتصر عليه. # والمستخلص من أدلتنا على إثبات نبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو أنه لما كان اتقان خلق الكائنات وحسن تربيتها وتنظيمها دليلا ~~يهدينا إلى الاعتراف بوجود الخالق والمنظم الذي يحيط علمه بكل الدقائق ~~واللطائف والجلائل، كذلك يهدينا إتقان أحكام شريعة وحسن نظامها وتربيتها ~~الكامل وكونها تتكفل بكل الحاجات المعنوية والمادية، الدنيوية والأخروية، ~~الفدية والاجتماعية، إلى أن مشرعها ومنظمها عالم محيط بجميع حاجات العائلة ~~البشرية. وكما أن العقل يهدينا إلى أن عقل ذلك الإنسان، الذي كتب تاريخه ~~جميع المؤرخين من مختلف الأمم قائلين إن ه كان أميا وعاش في محيط خال من ~~الكمالات والمعارف، لا يمكن أن يكون قادرا على وضع مثل هذا الترتيب الكامل ~~والنظام التام بنفسه. كذلك ندرك بالضرورة أن هذه الشريعة قد شرعت في الغيب ~~وفيما وراء الطبيعة، ونزلت عن طريق الوحي والإلهام على ذلك الإنسان العظيم. ~~والحمد لله على وضوح الحجة. # كنت ناويا الإشارة إلى نوع آخر من أنواع التفكر، وهو التفكر في عالم ~~الملك الذي تكون نتيجته الزهد. ولكن عنان القلم في ms166 المقالات السابقة قد ~~أفلت من يدي، فشرحت ذلك بصورة مطولة، أدت إلى الخروج عن الموضوع ولهذا غضضت ~~الطرف عنه. # فصل: في فضيلة صلاة الليل # بقي علينا شرح جملتين أخريتين من الحديث الشريف حيث يقول صلوات الله عليه ~~«جاف عن الليل جنبك واتق الله ربك». # في هذا الكلام المبارك يقرن الإمام عليه السلام الأعمال القلبية والتفكر ~~المنبه، وتقوى الله تعالى، بإحياء اللي ل ومجافاة الفراش من أجل العبادات. ~~وهذا دليل على كمال صلاة الليل وفضيلتها وأهميتها. كما أن الأحاديث الشريفة ~~تمجد هذا العمل الشريف كثيرا. ويستدل من سيرة أئمة الهدى عليهم السلام ~~والمشايخ العظام والعلماء الأعلام أنهم كانوا مثابرين على أدائها. بل كانوا ~~يحرصون على اليقظة في الهزيع الأخير من الليل، بصرف النظر عن التعبد فيه. PageV01P113 # لقد جاء في كتاب «وسائل الشيعة» الذي يعتبر من أعظم كتب الإمامية، ومدار ~~المذهب ومرجع العلماء والفقهاء واحد وأربعون حديثا في فضلها، والعديد من ~~الأحاديث في كراهية تركها. وفضلا عن ذلك يشير إلى السابقات واللاحقات من ~~الأحاديث في شأنها. وهناك، بالطبع، أحاديث كثيرة جدا في كتب الأدعية ~~وغيرها، ولكننا، من أجل التيمن والتبرك نورد بعضا منها: # «عن الكافي بإسناده عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه ~~السلام يق ول: كان في وصية النبي صلى اله عليه وآله وسلم لعلي قوله: يا ~~علي! أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها، ثم قال: اللهم أعنه... إلى أن قال: ~~وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل» (1). # يتبين من صدر هذا الحديث وذيله ما لصلاة الليل من أهمية. # «وعن الخصال بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لجبرئيل: عظني، فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، ~~وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، واعلم أن شرف المؤمن ~~قيامه بالليل وعزه كفه عن أعراض الناس» (2). # إن تخصيص الموعظة المقدسة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر ~~ليدل أيضا على أهميته البالغة. ولو كان ms167 جبرائيل الأمين يرى أهمية أكبر لأجر ~~آخر لكان قدمه في هذا المقام: # وفي المجالس بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في حديث: «فمن رزق صلاة الليل من عبد أو أمة قام لله مخلصا فتوضأ ~~وضوءا سابغا وصلى لله عز وجل بنية صادقة وقلب سليم [ وبدن خاشع ] وعين ~~دامعة جعل الله تعالى خلفه سبعة صفوف من الملائكة في كل صف ما لا يحصى ~~عددهم إلا الله أحد طرفي كل صف بالمشرق والآخر بالمغرب، فإذا فرغ، كتب الله ~~عز وجل له بعددهم درجات» (3). # وعن العلل بإسناده إلى أنس قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: الركعتان في جوف الليل أحب إلي من الدنيا وما فيها» (4). # وثمة أحاديث كثيرة أشير فيها إلى صلاة الليل هي شرف المؤمن، وزينة ~~الآخرة، مثلما أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا. وعن العلل بإسناده إلى ~~جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ما اتخذ الله إبراهيم خليلا إلا لإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس ~~نيام» (5). PageV01P114 # ولو لم تكن لصلاة الليل سوى تلك الفضيلة لأهلها لكفتها، ولكنهم ليسوا ~~بأمثالي. إننا لا نعلم شيئا عن عظمة رداء الخلة وما يعني مقام اتخاذ الله ~~تعالى العبد حبيبا وخليلا. فكل العقول تعجز عن تصور ذلك. فلو أنهم أكرموا ~~الخليل بكل ما في الجنة من نعم، فإنه لا يلتفت إليها (ما دام مع خليله). ~~وأنت أيضا إذا كان لك محبوب عزيز، أو كان لك صديق حميم ودخل عليك، فإنك ~~تترك كل نعمة ورفاه، وتستغني عن ذلك بجمال المحبوب ولقاء الصديق، بالرغم من ~~أن هذا المثل بعيد عن المقام بعد المشرقين. # وعن علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «ما من عمل ~~حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله لم يبين ~~ثوابها لعظيم خطرها عنده» فقال: «تتجافى جنوبه م عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ومما رزقناهم ms168 ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون» (1). # ترى ما قرة العين هذه التي يدخرها الله ويخفيها حتى لا يعلم أحد عنها ~~شيئا، وما يمكن أن تكون؟ فلو كانت من قبيل «أنهار جارية» و«قصور عالية» ومن ~~نعم الجنة المختلفة، لذكرها الله، مثلما بين ما للأعمال الأخرى وأطلع ~~الملائكة عليها. # ولكن يبدو أنها ليست من ذلك السنخ، وأنها أعظم من أن ينوه بها لأحد، ~~وخصوصا لأحد من أهل هذه الدنيا. إنه لا تقارن نعم ذلك العالم بالنعم هنا، ~~ولا تظنن أن الفردوس والجنان تشبه بساتين الدنيا، أو ربما أوسع وأبهى. هناك ~~دار كرامة الله ودار ضيافته. فكل هذه الدنيا لا شيء إزاء شعرة وا حدة من ~~الحور العين في الجنة. بل ليست شيئا إزاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية التي ~~أعدت لأهل الجنة. ومع كل هذا الوصف، لم يجعلها الله ثواب من يؤدي صلاة ~~الليل، وإنما ذكرها من باب التعظيم له. ولكن هيهات! نحن الضعفاء في الإيمان ~~لسنا من أصحاب اليقين، وإلا لما كنا نستمر في غفلتنا، ونعانق النوم حتى ~~الصباح. لو أن يقظة الليل تكشف للإنسان حقيقة الصلاة وسرها، لأنس بذكر الله ~~والتفكر في الله، ولجعل الليالي مركوبه للعروج إلى قربه تعالى، ولما كان ~~ثمة ثواب له إلا جمال الحق الجميل وحده. # الويل لنا نحن الغافلين الذين لا نستيقظ من النوم حتى آخر العمر. نبقى في ~~سكر الطبيعة غارقين، بل نزداد كل يوم سكرا وغفلة، ولا نفهم شيئا سوى الحالة ~~الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح، ومهما فعلنا، وإن كان من سنخ العبادات، ~~فإنما نفعله في سبيل البطن والفرج. أتحسب أن صلاة خليل الرحمن كانت مثل ~~صلاتنا؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرئيل، ونحن نطلب حاجاتنا من الشيطان ~~نفسه ظنا منا بأنه يقضي الحاجات! ولكن علينا أن لا نيأس. فلعلك بعد مدة من ~~سهر الليالي والاستئناس بذلك والاعتياد عليه، يلبسك الله بلطفه الخفي خلعة ~~الرحمة. كما أن عليك ألا تغفل عن سر العبادة بصورة ms169 عامة، ولا تقصر همك على ~~التجويد في القراءة وتصحيح الظاهر فقط. ولئن لم تقدر أن تكون خالصا لله ~~تعالى، فاسع، على الأقل، من أجل قرة العين التي يخفيها الله عز وجل، وتذكر ~~الفقير، العاصي، الحيواني السيرة الذي اكتفى من كل المراتب، بالحيوانية. ~~وإذا وجدت في نفسك الرغبة، فقل بخلوص نية: PageV01P115 # «اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإستعداد ~~للموت قبل خلول الفوت» (1). # فصل: في بيان التقوى # اعلم أن التق وى من «الوقاية» بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح ~~الأخبار والأحاديث تعني: «وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما ~~يمنع رضاه» وكثيرا ما عرفت بأنها «حفظ النفس حفظا تاما عن الوقوع في ~~المحظورات بترك الشبهات» فقد قيل: «ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك ~~من حيث لا يعلم» (2) «فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه» (3). # لا بد أن نعرف أن التقوى، وإن لم تكن من مدراج الكمال والمقامات، ولكنه ~~لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن النفس ما دامت ملوثة بالمحرمات، لا ~~تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما دامت تميل إلى المشتهيات ~~واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني، ~~وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام ~~المتوسطين والزاهدين، وما دام حب الذات باقيا في دخيلة ذاته. لن ينال مقام ~~المخلصين والمحبين، وما دامت الكثرة الملكية والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن ~~ينال مقام المنجذبين، وما دامت كثرة الأسماء متجلية في باطنه، لن يصل إلى ~~الفناء الكلي، وما دام القلب يلتفت إلى المقامات، لن يبلغ مقام كمال ~~الفناء، وما دام هناك تلوين، لن يصل إلى مقام التمكين ولن تتجلى في سره ~~الذات في مقام الاسم الذاتي تجليا أزليا وأبديا. فتقوى العامة إذا تكون من ~~المحرمات، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا، ~~والمخلصين من حب الذات، والمنجذبين من كثرة ظهور الأفعال، والفانين من كثرة ~~الأسماء، والواصلين من التوجه إلى الفناء، ms170 والمتمكنن من التلوينات (فاستقم ~~كما أمرت) (4). # ولكل من هذه المراتب شرح وتفصيل لا يحصل لأمثالنا منه سوى الحيرة والضياع ~~في المصطلحات، والتلفع في حجب المفاهيم، إذ لكل معركة رجال. # والآن نعود إلى بيان نبذة من التقوى المذكورة في بدأ الأمر، لأهميتها ~~للناس بصورة عامة: # فصل: في بيان تقوى العامة # اعلم أيها العزيز أنه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن ~~للنفس الإنسانية أيضا صحة ومرضا، وسقما وسلامة، وعلاجا ومعالجا. إن صحة ~~النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج ~~والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن الأمراض النفسية أشد فتكا آلاف المرات من ~~الأمراض الجسمية. وذلك لأن هذه الأمراض إنما تصل إلى غايتها بحلول الموت. ~~فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسيمة ~~والاختلافات المادية، ولا يبقى أثر للآلام أو الأسقام في الجسد. ولكنه إذا ~~كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية لا سمح الله فإنه ما أن تفارق الروح ~~البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر آلامها وأسقامها. PageV01P116 # إن مثل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان ~~شعوره بنفسه. فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن، يرجع إليها الشعور ~~بذاتها، ومن ثم الإحساس بالآلام والأسقام التي كانت في باطنها، فتظهر ~~مهاجمة لها بعد أن كانت مختفية كالنار تحت الرماد. وتلك الآلام والأسقام ~~إما أن تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها أبدا، وإما أن تكون قابلة ~~للزوال. وفي هذه الحال يقتضيها أن تبقى آلاف السنين تحت الضغط والعناء ~~والنار والاحتراق قبل أن تزول، إذ أن آخر الدواء الكي. قال رسول الله ~~تعالى: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) (1). # إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين، الذين جاءوا بكل لطف ومحبة ~~لمعالجة المرضى، بأنواع العلاج المناسب لحالهم، وقاموا بهدايتهم إلى طريق ~~الرشاد. «إننا أطباء وتلاميذ الحق» وإن الأعمال الروحية القلبية والظاهرية ~~والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراتبها، ~~بمثابة الوقاية من الأمور ms171 المضرة للأمراض. ومن دون الحمية لا يمكن أن ينفع ~~العلاج، ولا أن يتبدل المرض إلى صحة. # قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسيمة حتى مع عدم الحمية ~~جزئيا. وذلك لأن الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها. ولكن الأمر في ~~الأمراض النفسية صعب، وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية، ~~فتوجهت هذه نحو الفساد والانتكاس (إن النفس لأمارة بالسوء) (2)، وعليه، فإن من # يتهاون في الحمية، تصرعه الأمراض، وتجد مناطق للنفوذ إليه، حتى تقضي على ~~صحته قضاء مبرما. # إذا، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله، إذا تنبه أن وسيلة ~~الخلاص من العذاب تنحصر في أمرين: الأول: الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها ~~سليمة. والآخر، هو الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها. # ومن المعلوم أن ضرر المحرمات أكثر تأثيرا في النفس من أي شيء آخر، ولهذا ~~كانت محرمة، كما أن الواجبات لها أكبر الأثر في مصلحة الأمور، ولهذا كانت ~~واجبة وأفضل من أي شيء، ومقدمة على كل هدف، وممهدة للتطور إلى ما هو أحسن. # إن الطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية يمر عبر هاتين ~~المرحلتين، بحيث أن من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء، وأهمهما هي ~~التقوى من المحرمات، وأن أهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة ~~الأولى، إذ يتضح من الرجوع إلى الأخبار والروايات وخطب «نهج البلاغة» أن ~~المعصومين عليهم السلام كانوا يعتنون كثيرا بهذه المرحلة. # إذا، أيها العزيز! بعد أن عرفت بأن المرحلة مهمة جدا. ثابر عليها بدقة، ~~فإذا أنت خطوت الخطوة الأولى وكانت صحيحة، وبنيت هذا الأساس قويا، كان هناك ~~أمل بوصولك إلى مقامات أخرى، وإلا امتنع الوصول، وصعبت النجاة. PageV01P117 # كان شيخنا العارف الجليل يقول: إن المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر ~~المباركة، من الآية الشريفة: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما ~~قدمت لغد) (1). إلى آخر السورة المباركة، مع تدبر معانيها، في تعقيبات ~~الصلوات، وخصوصا في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، مؤثرة جدا في ~~إصلاح النفس، وفي الوقاية من ms172 شر النفس والشيطان. وكان يوصي بدوام حال ~~الوضوء، قائلا: إن الوضوء مثل «بزة جندي». وعلى كل حال، عليك أن تطلب من ~~القادر ذي الجلال، من الله المتعال جل جلالة، مع التضرع والبكاء والالتماس ~~كي يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على خصلة التقوى. # واعلم، أن بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار ~~والمثابرة تتحول المشقة إلى راحة، والعسر إلى يسر، بل تتبدل إلى لذة روحية، ~~خصوصا، وأن أصحاب هذه اللذة لا يستبدلونها بجميع اللذائذ. ويمكن، إن شاء ~~الله، وبعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة، أن تنتقل من هذا المقام إلى ~~مقام تقوى الخاصة. وهي التقوى التي تتلذذ الروح بها. إذ أنك بعد أن تذوق ~~طعم اللذة الروحية تترك شيئا فشيئا اللذائذ الجسدية وتتجنبها. وعندئذ يسهل ~~عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزنا للذات الجسدية الزائلة، بل تنفر منها، ~~وتقبح زخارف الدنيا في عينيك، وتنظر في باطنك فتجد أن كل لذة من لذات هذا ~~العالم قد أوجدت في النفس أثرا وأبقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على شدة ~~الإنس بهذه الدنيا والتعلق بها. وهذه هي نفسها تكون سبب الإخلاد إلى الأرض. ~~وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة. والواقع أن صعوبة سكرات ~~الموت وحالة النزع الأخير القاسية ناجمة عن هذه اللذات وحب الدنيا، كما ~~سبقت الإشارة إلى ذلك. فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى سقطت لذات العالم من ~~عينه كليا، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف. وهذا هو التقدم ~~الثاني إلى المقام الثالث من التقوى. # وبذلك يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلا ميسورا، وطريق الإنسانية نيرا ~~واسعا، وتصبح خطوته شيئا فشيئا خطوة الحق، ورياضته رياضة الحق، ويتهرب من ~~النفس وآثارها وأطوارها. إذ يجد في ذاته عشق للحق، فلا يعود يقنع بوعود ~~الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبة ومقصوده أمرا آخر، وينفر من ~~الأنانية حب الذات. # فيتقي حب النفس ويتقي ذاته وأنانيته. وهذا مقام على قدر كبير من الشموخ ~~والرفعة، وهو أول مراتب هبوب نسيم الولاية، فيدرجه ms173 الحق المتعال في كنف لط ~~فه ويعينه ويجعله موضع ألطافه الخاصة. # أما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم. والحمد لله أولا وآخرا ~~وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. PageV01P118 ### | AUTO الحديث الثالث عشر: التوكل # بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب عن عدة من ~~أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن غير واحد، عن علي بن أسباط، عن أحمد ~~بن عمر الحلال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: سألته ~~عن قول الله عز وجل (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) فقال «التوكل على الله ~~درجات منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه ر اضيا ~~تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا وتعلم أن الحكم في ذلك له فتوكل على الله ~~بتفويض ذلك إليه وثق به فيها وفي غيرها» (1). # الشرح: # «الحلال» بتشديد اللام: بائع الحل، وهو دهن السمسم. وأبو الحسن الأول هو ~~الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام. ويكنى أيضا بأبي الحسن المطلق. ~~وأبو الحسن الثاني هو الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وأبو الحسن ~~الثالث هو الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام. # و«التوكل» كما في اللغة، هو إظهار العجز والاعتماد على طرف آخر: واتكلت ~~على فلان في أمر اعتمدته. وأصله: اوتكلت. و«حسبه» أي محسبه وكافيه. ~~و«يألوك» : من ألا، يألو، ألوا. ويعني التقصير. وقد قال بعضهم: إذا عدى هذا ~~الفعل إ لى مفعولين تضمن معنى المنع، وهذا حسن، لأن المعنى يكون أسلس، وإن ~~لم تكن ثمة حاجة إلى ذلك، فمعنى التقصير وحده يكفي، كما يستفاد خلاف ذلك من ~~«الصحاح» الذي جاء فيه: «ألا، يألو: أي قصر. وفلان لا يألوك نصحا». فيتبين ~~من ذلك أن المعنى واحد حتى مع المفعولين. # و«التوكل» غير «التفويض»، وكلاهما غير «الرضا» وغير «الوثوق» كما سيأتي ~~بيانه. وسوف نشرح في ما يلي ما يحتاج من الحديث الشريف إلى شرح. ### || AUTO فصل: في بيان معنى التوكل ودرجاته # اعلم ms174 إن للتوكل معاني متقاربة، ولكن بتعبيرات مختلفة، بحسب المسالك ~~المختلفة، كما يقول صاحب «منازل السائرين» : (التوكل كله الأمر كله إلى ~~مالكه والتعويل على وكالته) (2). ويقول بعض أصحاب العرفان: «التوكل طرح ~~البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية». وقال آخرون: «ا لتوكل على الله ~~انقطاع العبد في جميع ما يأمله من المخلوقين». # وهكذا تجد هذه المعاني متقاربة، ولا حاجة للبحث في المفهوم. وكل ما يتطلب ~~القول هو أن للتوكل درجات مختلفة بحسب اختلاف مقامات العباد. ولما كانت ~~معرفة درجات التوكل مبنية على العلم بدرجة معرفة العباد بربوبية الحق جل ~~جلاله، كان لا بد من الإشارة إلى ذلك. # فاعلم، أن أحد أصول معارف السالكين ومقاماتهم، التي لا تكون إلا به، هو ~~العلم بربوبية الحق تعالى، ومالكيته وكيفية تصرف الذات المقدسة في الأمور. ~~إننا لا ندخل هذا البحث من الناحية العلمية، لأن ذلك يتطلب التحقيق في ~~«الجبر والتفويض» وذلك ما لا يتناسب مع هذه السطور. وإنما نقتصر على ذكر ~~درجات الناس في معرفة ذلك. PageV01P119 # وعليه، نقول أن الناس في معرفة الربوبية مختلفون متباينون إلى حد كبير: ~~فالموحدون عموما يعرفون أن الحق تعالى هو خالق م بادئ الأمور، وكليات ~~الجواهر، وعناصر الأشياء، ويرون بأن تصرفه محدود، ولا يقولون بإحاطته ~~بالربوبية. فهؤلاء تراهم تارة يقولون: مقدر الأمور حق؟ وهو المتصرف في كل ~~شيء، فما في كائن يكون إلا بإرادته المقدسة. ولكنهم ليسوا أصحاب هذا ~~المقام، لا علما، ولا إيمانا، ولا شهودا، ولا وجدانا. # إن هذا الفريق من الناس والظاهر أننا منهم ليس لهم علم كامل بربوبية ~~الله بل يكون توحيدهم ناقصا، حيث حجبت عنهم ربوبية الحق وسلطنته لعلل ~~وأسباب ظاهرة، وليس لهم مقام التوكل وهو ما يدور كلامنا عليه إلا لفظا ~~وادعاء. لهذا، فإنهم في الأمور الدنيوية، لا يعتمدون على الحق سبحانه، بأي ~~شكل من الأشكال، ولا يتشبثون إلا بالأسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية. ~~وإذا ما اتفق أحيانا أن توجهوا إلى الحق تعالى وطلبوا منه حاجة، أو رجوا ~~منه رجاء، فذلك من باب التقليد، أو من باب ms175 الاحتياط، ل أنه لا يرون في ذلك ~~ضررا عليهم، بل ربما يحتملون فيه الفائدة. وفي هذه الحال توجد رائحة ~~التوكل. ولكنهم إذا رأوا الأسباب الظاهرة ملائمة ومطابقة لأهوائهم، غفلوا ~~كليا عن الله تعالى وعن تصريفه للأمور. إن المقولة القائلة بأن التوكل لا ~~يتنافى مع العمل والتكسب، صحيحة، بل هي مطابقة للبرهان وللنقل، ولكن ~~الاحتجاب عن ربوبية الحق وتصريفه للأمور واعتبار الأسباب مستقلة، يتنافى ~~والتوكل. # إن هؤلاء الذين لا يتمسكون حتى بأدنى درجات التوكل في أعمالهم الدنيوية، ~~يتحدثون فيما يتعلق بالأمور الأخروية عن التوكل بزهو ومباهاة، وإذا ما ظهر ~~منهم أي تهاون وضعف وكسل في العلم أو في تهذيب النفس والعبادات والطاعات، ~~وبادروا إلى إظهار اعتمادهم وتوكلهم على الحق تعالى وفضله. وكأنهم يريدون ~~بمجرد تلفظهم بأن «الله عظيم» و«إننا متوكلون على فضل الله» أن ينالوا ~~الدرجات الأخروية! فإنهم يقولون في الشؤون ال دنيوية: إن السعي والعمل لا ~~يتنافيان مع التوكل على الله، وفي الأمور الأخروية يرون السعي والعمل ~~ينافيان الاعتماد والتوكل عليه. وما هذا إلا من مكائد النفس والشيطان. ~~فهؤلاء ليسوا متوكلين على الله، لا في الأمور الدنيوية ولا في الأمور ~~الأخروية، ول هم يعتمدون عليه في أي أمر من الأمور. ولكنهم، لاهتمامهم ~~بالأمور الدنيوية، تشبثون بالأسباب، دون الاعتماد على الحق تعالى وتصريفه ~~للشؤون في العالم. وعلى العكس من ذلك، فهم، لعدم اهتمامهم بأمور الآخرة، ~~وعدم إيمانهم إيمانا صادقا بيوم المعاد وتفاصيله، ويصطنعون لذلك الأعذار. ~~فمرة يقولون: «الله عظيم» ومرة يظهرون الاعتماد على الله وعلى شفاعة ~~الشفعاء، مع أن هذا كله ليس سوى لقلقة لسان لا أساس لها من الحقيقة في شيء. # وثمة فريق آخر من الناس اقتنعوا، إما بالبرهان وإما بالنقل، وصدقوا بأن ~~الحق تعالى هو مقدر الأمور، ومسبب الأسباب، وا لمؤثر في الوجود، ولا حدود ~~لقدرته وتصرفه. هؤلاء يتوكلون على الله سبحانه عن طريق العقل، أي أن أركان ~~التوكل تامة عندهم، بحسب الأدلة العقلية والنقلية ولهذا فهم يرون أنفسهم من ~~المتوكلين، ويقيمون الدليل أيضا على لزوم التوكل، لأنهم أثبتوا ms176 أركان ~~التوكل، والتي هي أمور: # أن الحق تعالى عالم بحاجات العباد. # أنه قادر على تلبية تلك الحاجات. # أنه ليس في ذاته المقدسة بخل. # أنه رحيم بالعباد ورءوف بهم. PageV01P120 # وإذا، يجب التوكل على عالم قدير كريم رحيم بالعباد، قائم بمصالحهم، لا يفوت ~~عليهم شيئا فيها، حتى وإن لم يميزوا هم بين ما ينفعهم وما يضرهم. هؤلاء وإن ~~كانوا من المتوكلين عمليا، إلا أنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان. فهم لهذا ~~مضطربون في اتخاذ أمر من أمورهم، وعقولهم مغلوبة في الصراع مع قلوبهم، ~~لأنها بالأسباب متعلقة، وعن تصرف الحق سبحانه في الأشياء محجوبة. # أما الطائفة الثالثة، ف هم الذين توصلوا بقلوبهم إلى معرفة تصرف الحق ~~تعالى في الكائنات، فآمنت تلك القلوب بأن مقدر الأمور، والسلطان ومالك ~~الأشياء، هو الحق تعالى، وكتبوا بقلم العقل على ألواح القلوب أركان التوكل. ~~هؤلاء هم أصحاب مقام التوكل. غير أن هؤلاء أيضا يختلفون من حيث مراتب ~~الإيمان ودرجاته اختلافا كبيرا، قبل أن يصلوا إلى درجة الاطمئنان الكامل. ~~وعند ذاك تظهر في قلوبهم درجة التوكل الكاملة، ولا تتعلق بالأسباب، بل ~~تتشبث بمقام الربوبية، فتطمئن إليه وتعتمد عليه، كما وصف العارف المتقدم، ~~التوكل قائلا إنه: «طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية». وكل ما ~~قلناه يعود إلى ما إذا كان القلب في مقام الكثرة الأفعالية، وإلا فإنه ~~يتجاوز مقام التوكل ويخرج عن المقصود. # إذا، فقد اتضح أن للتوكل درجات. ولعل الدرجة التي تعرض لها الحديث الشريف ~~هي توكل الطائفة الثانية. إذ أنه جعل العلم من م بادئه، وربما أشار أيضا ~~إلى درجات أخرى ذات اعتبارات مختلفة. إذ أن للتوكل درجات أخرى في تقسيمات ~~مختلفة، مثلما هي الحال في درجات سلوك أصحاب العرفان والرياضات، حيث يصلون ~~من مقام الكثرة إلى مقام الوحدة تدريجا، فلا يحصل فناء أفعالي مطلق، دفعة ~~واحدة، بل يشاهد أولا في مقامه، ومن ثم في سائر الكائنات. فكذلك يحصل ~~التوكل والرضا والتسليم وسائر المقامات بالتدرج أيضا. # وربما يبدأ أول الأمر بالتوكل على الأسباب الغائبة والخفية، ومن ثم يصل ms177 ~~إلى مقام المطلق تدريجا، سواء أكانت له أسباب ظاهرة جلية، أم أسباب باطنة ~~خفية، وسواء أكان ذلك في أعماله هو أم في أعمال أقربائه ومقربيه. ولذلك جاء ~~في الحديث: «إن من درجات التوكل أن تتوكل على الله تعالى في كل أمورك». ### || AUTO فصل: في بيان الفرق بين «التوكل» و«الرضا» # اعلم أن مقام «الرضا» غير مقام «التوكل»، وهو أسمى منه وأرفع. وذلك لأن ~~المتوكل يطلب الخير والصلاح لنفسه، فيوكل الحق تعالى، بصفته فاعل الخير، ~~للحصول على الخير والصلاح. أما الشخص «الراضي» فيكون قد أفنى إرادته في ~~إرادة الله، فلا يختار لنفسه شيئا. ولقد سئل أهل السلوك: # «ما تريد؟». فقال: «أريد أن لا أريد». # فمطلوبه هو مقام الرضا. أما ما جاء في الحديث الشريف: «فما فعل بك كنت ~~عنه راضيا» فإنه لا يعني مقام الرضا، ولذلك جاء بعد ذلك قوله: «تعلم أنه لا ~~يألوك خيرا وفضلا»، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يوجد في السامع ~~مقام التوكل، وذلك بوضع المقدمات، فقال أولا: «تعلم أنه لا يألوك خيرا ~~وفضلا» ثم قال: «تعلم أن الحكم في ذلك له» طبيعي أن من يعلم أن الله تعالى ~~قادر على كل شيء، وأنه لا يفوت على نفسه خيره وفضله، فإن مقام التوكل يحصل ~~له، وذلك لأن ركني التوكل الأساسيين قد ذكرهما، بينما الركنين أو الثلاثة ~~الأخرى لوضوحهما. إذا، تكون نتيجة المقدمات المذكورة المطوية والمعلومة هي ~~أن ما يفعله الحق تعالى يبعث على الرضا والسرور. إذ أن فيه الخير والصلاح، ~~وبذلك يحصل مقام التوكل. ولذلك فرع عليه السلام في الحديث الشريف قوله: ~~«فتوكل على الله». PageV01P121 ### || AUTO فصل: في بيان الفرق بين «التفويض» و«التوكل» و«الثقة» # ثم اعلم أن «التفويض» أيضا غير التوكل، وأن «الثقة» غيرهما. ولذلك فقد ~~أشير إليهما في مقامات السالكين بصورة منفصلة. # يقول الخواجة عبد الله الأنصاري: «التفويض ألطف إشارة وأوسع معنى من ~~التوكل ثم قال: التوكل شعبة منه». وذلك لأن التفويض هو أن لا يرى العبد في ~~نفسه حولا ولا قوة، ولا يجد أن ms178 له التصرف في شيء، ويرى الحق تعالى هو ~~المتصرف في كل الأمور. أما في التوكل فليس الأمر كذلك، لأن المتوكل يجعل ~~الحق سبحانه قائما مقامه في التصرف واجتلاب الخير والصلاح. وأما أن التفويض ~~أوسع، لأن التوكل فرع منه، لأن التوكل يكون في المصالح والتفويض يكون في ~~الأمور كافة. # ولأن التوكل لا يكون إلا بعد وقوع سبب يستوجبه، أي عند وجود أمر يتوكل ~~فيه العبد على الله، مثل توكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على ~~الله في أن يحفظهم من المشركين، حينما قيل لهم: (إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (1). وأما التفويض ~~فيكون قبل وقوع السبب، كما جاء في الدعاء المروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري ~~إليك» (2) وقد يكون بعد وقوع السبب، مثل تمثيل مؤمن آل فرعون. # إن ما ذكرناه يكون حاصل ترجمة شرح العارف المعروف «عبد الرزاق الكاشاني» ~~للتوكل والتفويض مأخوذا من كلام العارف الكامل «الخواجة عبد الله» مع شيء ~~من الاختصار وفي كلام الخواجة ما يدل على ذلك. ولكن في اعتبار التوكل شعبة ~~من التفويض يستدعي النظر. # كما أن في جعل التفويض من التوكل مسامحة واضحة. وكذلك ليس ثمة دليل على ~~أن التوكل يقع بعد وقوع السبب. إذ في كلتا الحالتين قبل وبعد وقوع السبب ~~يصح معنى التوكل. أما الحديث الشريف الذي يقول: «فتوكل على الله بتفويض ذلك ~~إليه» فيمكن القول بأنه لا توكل إلا مع رؤية تصرفه بنفسه، ولهذا يتخذ لنفسه ~~وكيلا في أمر من أمور الخاصة به. إلا أن الرسول الأكرم أراد أن يرفع ذلك من ~~مقام التوكل إلى مقام التفويض، وليفهمه أن الحق تعالى لا يقوم مقامك في ~~التصرف، بل هو المتصرف في ملكه ومملكته. وقد نبه على ذلك الخواجة نفسه في ~~«منازل السائلين» بشأن الدرجة الثالثة من درجات التوكل. # وأما «الثقة» فهي غير «التوكل» و«التفويض»، كما يقول الخواجة: «الثقة ~~سواد عين التوكل، ونقطة ms179 دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم». # أي أن المقامات الثلاثة لا تحصل من دون «ثقة»، بل إن روح تلك المقامات هي ~~الثقة بالله تعالى. فما لم يثق العبد بالحق تعالى، لا يمكن أن ينالها. # فتبين السر في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعد التوكل ~~والتفويض، «ثق به فيها وفي غيرها». PageV01P122 ### | AUTO الحديث الرابع عشر: الخوف والرجاء # بسندي المتصل إلى محمد بن يعقوب، ثقة الإسلام وعماد المسلمين عن عدة من ~~أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عن الحارث بن ~~المغيرة أو أبيه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: ما كان في وصية ~~لقمان؟ قال: «كان فيها الأعاجيب وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف ~~الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب ~~الثقلين لرحمك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام كان أبي يقول: إنه ليس ~~من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على ~~هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا» (1). # الشرح: # يقول «الجوهري» في الصحاح: «أعاجيب» كأنهم أرادوا جمع «أعجوبة» مثل ~~أحدوثة وأحاديث. وقال: إن «الأعجوبة» هي ما يكون حسنة أو قبحه مثيرا ~~للتعجب. ويكون المقصود في هذا الحديث هو المعنى الأول وكأن اللفظ في الأصل ~~مختص بما يثير حسنه العجب، وإن استعملت تطفلا في الأعم. # «والبر» خلاف «العقوق» و«فلان يبر خالقه» يعني أنه يطيعه، كما يقوله ~~الجوهري. و«الثقلان» هما الجن والإنس. ويدل هذا (الحديث الشريف) على أن كلا ~~من الخوف والرجاء يجب أن يصل إلى مرتبة الكمال، ولا يجوز اليأس من رحمة ~~الله تعالى أبدا، ولا الأمان من مكره مطلقا. فهناك الكثير من الأحاديث التي ~~تؤكد ذلك، كما ينص القرآن الكريم على ذلك أيضا. ثم يجب ألا يرجح أحدهما على ~~الآخر. وسوف نقوم، بشرح ذلك وبيان المواضيع الأخرى من الحديث إن شاء الله ~~ضمن فصول عديدة. ### || AUTO فصل: في ms180 بيان الإنسان العارف # اعلم، أن للإنسان العارف بالحقائق والمطلع على النسبة بين الممكن والواجب ~~جل وعلا نظرتين: الأولى: نظرته إلى نقصه الذاتي وإلى نقص جميع الممكنات ~~وانحطاط الكائنات فهو يدرك في هذه النظرة، عينا أو علما، أن الممكن غارق ~~بكليته في الذل والنقص وفي بحر ظلام الإمكان والفقر والاحتياج أزلا وأبدا، # وأنه لا يملك بذاته شيئا إطلاقا، وهو محض لا شيء، ومجرد ضعة، ونقص مطلق، ~~بل إن هذه التعبيرات نفسها لا تصدق عليه حقيقة وإنما هي من ضيق أفق التعبير ~~والكلام، وإلا فإن النقص والحاجة من سمات الشيئية، وليس لجميع الممكنات ~~والخلائق كافة، شيئية بذواتها. وهو في هذه النظرة، لو تقدم إلى أعتاب ~~الربوبية بكل العبادات والطاعات والعلوم والمعارف، فلن يكون أمامه سوى أن ~~يطأطأ رأسه خجلا وذلا وخوفا، فما هذه العبادة والطاعة؟ ممن؟ ولمن؟ إن كل ~~المحامد تعود إليه تعالى، وليس للممكن أي تصرف فيه، بل إن تصرف الممكن يبعث ~~على نقص في إظهار محامد الله والثناء عليه. وهذا ما سألوي عنه عنان القلم، ~~ففي هذا المقام يقول عز وجل: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك... ) (2). كما يقول في المقام الأول (قل كل من عند الله) (3). # يقول الشاعر في هذا المقام: # قال مرشدنا: أن قلم الصانع لم يخطأ........... (فإن الأخطاء منا). # بوركت نظرته السديدة الساترة للعيوب...... وهي: (قل كل من عند الله). PageV01P123 # إن قول المرشد (الشطر الأول) راجع إلى المقام الثاني (ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك). وأما (الشطر الثاني من الشعر) فيعود إلى ~~المقام الأول (قل كل من عند الله) وفي هذا المقام يستولي على الإنسان الخوف ~~والحزن والخجل والخزي. # والنظرة الأخرى نظرته إلى الكمال الواجب، وبسط رحمته، وسعة لطفه تعالى ~~وعنايته. فهو يرى أنه سبحانه قد بسط هذه النعم والرحمات المتنوعة، التي لا ~~يمكن الإحاطة بها ولا حصرها وتحديدها، من دون استعداد وتهيأ مسبق لها. وإنه ~~قد فتح أبواب لطفه وعفوه على العباد دون استحقاق. ms181 فنعمه مبتدءة لا يسبقها سؤال. # كما أشار إلى ذلك حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين كثيرا في أدعية ~~الصحيفة وغيرها، فيقوى رجاؤه برحمة الحق تعالى ويزداد أمله، بالكريم الذي ~~لا يسبغ كرمه إلا من باب الرحمة واللطف، وبمالك الملوك الذي يفيض علينا ~~بنعمه من دون سؤال أو استعداد. تلك النعم التي تعجز العقول عن إدراك بعضها ~~وتقصر. والمالك الذي لا تنقص من ملكه الواسع معصية العاصين، ولا تزيده طاعة ~~المطيعين، بل إن هداية ذاته المقدسة لنا إلى طرق الطاعات، ومنعه إيانا عن ~~العصيان، إنما هو من عناياته الكريمة ونعمه وآلائه، لأجل وصولنا إلى مقامات ~~الكمال ومدارجه الرفيعة، وللتنزه عن النقص والقبح والتشوه. # فإذا جثونا عند أعتاب رحمته وعنايته، لوجب أن نقول: اللهم إنك إذ ألبستنا ~~لباس الوجود، ووهبتنا كل أسباب الحياة والرفاه بما يفوق إدراك المدركين، ~~وأريتنا طرق الهداية، وأسبغت علينا من نعمك، إنما كان ذلك لمصلحتنا لننعم ~~بأفضالك ونعمك. وها نحن وفدنا إلى دار كرامتك، وعلى أعتاب سلطنتك، مثقلين ~~بذنوب الثقلين، مع أن ذنوب المذنبين لم تنقص من خزائن رحمتك، ولم تخل ~~خطاياهم بمملكتك. فماذا أنت صانع بقبضة تراب لا تساوي شيئا عند أعتاب عظمتك ~~سوى أن تشملها برحمتك وعنايتك؟ أيمكن أن نأمل غير الرحمة من لطفك؟ # فعلى الإنسان، إذا، أن يتردد بين هاتين النظرتين. فلا هو يغمض عينيه عما ~~فيه من نقص وقصور في القيام بالعبودية، ولا هو ينسى سعة رحمة الحق جل جلاله ~~وعنايته وشموليتهما. ### || AUTO فصل: في قصور الممكن عن القيام بواجب العبودية للحق تعالى # اعلم أيها العزيز، أن للخوف والرجاء مراتب ودرجات حسب حالات العباد ~~ومراتب معرفتهم. فخوف العامة يكون من العذاب وخوف الخاصة يكون من العتاب، ~~وخوف أخص الخاصة يكون من الاحتجاب. ولكننا لسنا الآن بصدد شرح ذلك، وإنما ~~سنشير إلى الموضوع السابق ببيان آخر. # فاعلم أن ليس أحد من المخلوقات بقادر على عبادة الحق تعالى حق عبادته. ~~لأن العبادة هي الثناء على مقام ذات الله المقدسة، وثناء كل شخص فرغ # معرفته بمن يثني ms182 عليه. ولما كانت يد أرجاء العباد، في الحقيقة قصيرة، عن ~~عز جلال معرفة ذاته المتعال، فهم إذا ليسوا قادرين بالثناء على جماله ~~وجلاله. وقد اعترف بذلك أشرف الخلائق وأعرف الكائنات بمقام الربوبية: # «ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك» (1) حيث الجملة الثانية هي ~~بمثابة التعليل للجملة الأولى، إذ قال: # «أنت كما أثنيت على نفسك» (2). PageV01P124 # إذا، فالقصور الذاتي من حق الممكن، والعلو الذاتي خاص بذات كبرياء الله جل ~~جلاله. ولما كان العباد قاصرين عن الثناء على الله تعالى وعن عبادة ذاته ~~المقدسة. ومن دون معرفة الحق سبحانه وعبوديته لا يمكن لأحد من عباده أن ~~يبلغ المقامات الكمالية والمدارج الأخروية، كما هو ثابت ومبرهن عليه عند ~~علماء الآخرة في محله، ولكن العامة غافلون عن ذلك، ويحسبون المدارج ~~الأخروية جزافا أو شبيهة بالجزاف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لما كان ~~كذلك فقد فتح الله تعالى بلطفه الشامل ورحمته الواسعة بابا من الرحمة ~~والرعاية بالعباد عن طريق تعليمات الوحي الغيبية والإلهام، وبوساطة ~~الملائكة والأنبياء. ذلكم هو باب العبادة والمعرفة. فعلم العباد طرق ~~عبادته، وفتح لهم سبيلا إلى المعارف لكي يخففوا من نقائصهم قدر الإمكان، ~~ويسعوا لنيل الكمالات الممكنة، ويهتدوا بأشعة نور العبودية للوصول إلى عالم ~~كرامة الحق، وإلى الروح والريحان وجنات النعيم، بل إلى رضوان الله الأكبر. # إذا، ففتح باب العبادة والعبودية من النعم الكبرى التي تدين لها الكائنات ~~كافة، دون أن تستطيع الوفاء بحق الشكر، بل إن كل شكر هو فتح باب كرامة لا ~~تقدر على شكره أيضا. فإذا علم الإنسان مشربه هذا، واطلع قلبه عليه، اعترف ~~بتقصيره. وحتى لو أنه تقدم إلى أعتاب الله جل جلاله بعبادة الجن والإنس ~~والملائكة المقربين، لكان مع ذلك خائفا ومقصرا. وكذلك إن عباد الله ~~العارفين وأولياءه المختصين به الذين فتح لهم بابا من سر القدر، واستنارت ~~قلوبهم بنور المعرفة، لارتجفت قلوبهم من الخوف، ونفوسهم من الخشية، بحيث لو ~~اتجهت إليهم الكمالات كلها، وأعطوا مفاتيح المعارف كلها، وأترعت قلوبهم ~~بالتجليات، لما قل من خوفهم قدر ms183 ذرة، ولا من خشيتهم قدر شعرة، كما يقول ~~أحدهم: الناس تخاف النهاية وأنا أخاف البداية. سبحان الله ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله، أعوذ بالله تعالى. يعلم الله يجب أن يتقطع قلب الإنسان من هذا ~~الكلام، ويذوب خوفا، ويهيم على وجهه في البراري فإلى أي حد يكون الإنسان غافلا؟ # ثم أنه سبق منا في شرح أحد الأحاديث السابقة وقلنا بأننا في كل عبادتنا ~~وطاعتنا إنما نريد مصالحنا الخاصة، ودافعنا إليها هو حب النفس. وما الزهد ~~في الدنيا في الحقيقة إلا من أجل الآخرة. وهو أشبه بالزهد في الدنيا من أجل ~~الدنيا عند الأحرار. فلو ذهبنا بعبادة الثقلين إلى محضر قدسه الربوبي، لما ~~كان استحقاقنا سوى البعد عن ساحته المقدسة. لقد دعانا الحق تبارك وتعالى ~~إلى مقام قربه وأنسه. قال: «وخلقتك لأجلي» وجعل غاية الخلق معرفته، وهدانا ~~إلى طرق المعارف والعبودية، ولكننا مع هذا لم نشغل أنفسنا إلا بتعمير البطن ~~والفرج، ولا هم لنا سوى الأنانية وحب الذات. # فيا أيها الإنسان المسكين، الذي لم تجن من عبادتك ومناسكك إلا البعد عن ~~ساحة الله المقدسة، والاستحقاق للعتاب والعقاب، علام اعتمادك؟ ولماذا لا ~~يقلقك ولا يزعجك الخوف من شدة بأس الحق؟ أعندك متكأ تتكئ عليه؟ أتثق بعملك ~~وتطمئن إليه؟ إذا كان الأمر كذلك فالويل لك من معرفتك بحالك وحال مالك ~~الملوك! وإذا كان اعتمادك على فضل الحق وسعة رحمته وشمول عناية ذاته ~~المقدس، لكان ذلك في محله جدا. لقد اعتمدت على أمر وثيق، ولجأت إلى أوثق ملجأ. PageV01P125 # إلهي، وربي! إن أيدينا عن كل شيء قاصرة، ونحن عارفون بأننا ناقصون وتافهون، ~~ولا نملك ما يليق بأعتاب قدسك. كلنا نقص وعيب. ظاهرنا وباطننا ملوث ~~بالمهالك والموبقات. فمن نحن حتى نرجو القدرة على الثناء عليك، فيما يعترف ~~الولي من أوليائك قائلا: «أفبلساني الكال هذا أشكرك!» مقرا بعجزه وقصوره، ~~فكيف بنا نحن أهل المعصية المحجوبين عن ساحة كبريائك؟ ما عسانا نقول سوى # أن نحرك ألسنتنا قائلين: إن رجائنا موكول إلى رحمتك، وأن أملنا وثقتنا ~~بفضلك ومغفرتك وجودك ms184 وكرمك، كما على ألسنة أوليائك. # في الكافي، بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تبارك وتعالى: (لا يتكل العاملون لي على ~~أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم ~~في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي ~~من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي ~~فليثقوا، وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فإن رحمتي عند ذلك ~~تدركهم، ومني يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي، فإني أنا الله الرحمن ~~الرحيم، وبذلك تسميت) (1). # ومن أسباب الخوف أيضا التفكر في شدة بأس الله تعالى، وفي دقة سلوك طريق ~~الآخرة، والأخطار التي تحيط بالإنسان في حياته وعند موته، وشاق البرزخ، ~~ويوم القيامة، ومناقشات الحساب والميزان، مع ملاحظة الآيات والأخبار التي ~~تنبئ عما وعد الله تعالى عباده، مما يحيى كامل الأمل والرجاء. # لقد جاء في الأحاديث، أن الحق تعالى يبسط يوم القيامة بساط رحمته بصورة ~~يطمع حتى الشيطان بالمغفرة منه. وأن الحق سبحانه لم ينظر إلى هذا العالم ~~منذ تكوينه وخلقه، نظرة لطف كما ورد في الرواية وأنه سبحانه وتعالى لم يبعث ~~إلى هذا العالم رحمته إلا بمقدار ذرة بالنسبة إلى العوالم الأخرى، هذه ~~الذرة قد بعثت على إحاطة النعم الإلهية، وألطافه ورحمته وغفرانه، بالجميع ~~من جميع جوانبهم، وأن الظاهر من النعم والباطن منها تعتبر مائدة نعم الله ~~تبارك وتعالى وعطاياه التي لا يقدر العالم برمته على الإحاطة بجزء منها، ~~فكيف إذا بنعمه سبحانه في عالم هو عالم كرامته، ودار ضيافته، وموضع رحمته، ~~حيث يبسط رحيميته ورحمانيته؟ فيحق للشيطان أن يطمع في نيل رحمة الله، ويرجو ~~عطيته! إذا، فأكمل حسن ظنك بالله وثق بفضله (إن الله يغفر الذنوب جميعا) ~~(2). فالله يغرق الجميع في بحر جوده وكرمه، والله لا يخلف وعده، وإن كان ~~الخلف في الوعيد مكن، كثيرا ما يقع فعلا. فليستبشر قلبك برحمته التامة. ~~ولولا شمولك برحمته الواسعة لما كنت قد خلقت، فكل ms185 مخلوق مرحوم: (وسعت رحمته ~~كل شيء) (3). PageV01P126 ### || AUTO فصل: في الفرق بين الرجاء والغرور # ولكن أيها العزيز كن على حذر، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور. فقد تكون ~~مغترا وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إن من السهل التمييز بين الحالين في ~~مباديهما. أنظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنك من أهل ~~الرجاء. فهي إما أن تكون ناشئة من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل ~~منها، وإما أن تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة. ~~وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضا، أمكنك التمييز من خلال الآثار. فإذا ~~كان الإحساس بعظمة الله في القلب، وكان قلب المؤمن محاطا برحمة ذاته ~~المقدسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة. لأن تعظيم العظيم ~~المنعم وعبادته من الأمور الفطرية التي لا خلاف فيها. # وإذا لم تكن في أداء واجبات العبودية، وفي بذل الجهد والجد في الطاعة ~~والعبادة، معتمدا على أعمالك، ولم تحسب لها حسابا، وكنت آملا رحمة الله ~~وفضله وعطائه، ووجدت نفسك مستحقا للوم والذم والسخط والغضب بسبب أعمالك، ~~ولم تعتمد إلا على رحمة الجواد المطلق، فأنت من أهل الرجاء. فاشكر الله ~~تبارك وتعالى، واطلب من ذاته المقدسة أن يثبت ذلك في قلبك، ويمنحك أعلى منه مقاما. # أما إذا كنت لا سمح الله متهاونا في أوامر الحق تعالى ومستحقرا ~~ومستهينا لتعاليمه، فاعلم أنه الغرور الحاصل في قلبك وأنه من مكائد ~~الشيطان، ومن نفسك الأمارة بالسوء. فلو آمنت بسعة الله ورحمته وعظمته. لظهر ~~أثر ذلك فيك. إن المدعي الذي يخالف عمله دعواه يكذب نفسه بنفسه. والشواهد ~~على هذا في الأحاديث المعتبرة كثيرة. # ففي الكافي بإسناده عن ابن أبي نجران، عمن ذكره، عن أبي عبدالله عليه ~~السلام قال: «قلت له: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك ~~حتى يأتيهم الموت. فقال: هؤلاء قوم يترجحون في الأماني. كذبوا ليسوا ~~براجين، إن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شيء هرب منه» (1). # وبهذا المضمون رواية أخرى في كتاب الكافي الشريف: # وبإسناده عن الحسين بن ms186 أبي سارة قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام ~~يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ولا يكون خائفا راجيا حتى ~~يكون عاملا لما يخاف ويرجو» (2). # قال بعضهم: إن مثل من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو رضوانه مثل من يرجو ~~المسبب دون أن يعد الأسباب، ومثل الفلاح الذي ينتظر الزرع من دون أن يبذر ~~الأرض أو يهتم بها وبإروائها أو يقضي على موانع الزرع. إن مثل هذا الانتظار ~~لا يسمى بالرجاء، بل هو بله وحماقة. وإن مثل من لم يصلح أخلاقه أو لم يبتعد ~~عن المعاضي فينهض بأعمال راجيا تزكية نفسه، مثل من يودع البذر في أراضي ~~سبخة، ومن الواضح أن هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخاة. # فالرجاء المستحسن والمحبوب هو تهيأة كافة الأسباب التي يمتلكها الإنسان ~~كما أمر الله بها واستغلالها حسب القدرة التي زوده بها الحق المتعال ~~بعنايته الكاملة، وحسب هدايته عز وجل إياه إلى طرق الصلاح والفساد، ثم ~~ينتظر ويرجو الحق المتعال أن يتم عنايته السابقة تجاه الأسباب التي وفرها ~~من قبل، ويحقق الأسباب التي لا تدخل تحت إرادته واختياره من بعد، ويزيل ~~الموانع والمفاسد. PageV01P127 # فإذا نظف العبد قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات وسباختها، ~~وبذر فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، ~~وخلصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالها التي تعد بمثابة ~~الأعشاب الضارة العائقة لنمو الزرع، ثم انتظر ربه المتعالي ورجاه أن يثبته ~~على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير، كان هذا الرجاء مستحسنا. كما يقول ~~الحق المتعالي: # (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله) (1). # فصل: في سبب تعادل الخوف والرجاء # ورد في نهاية هذا الحديث الشريف الحديث الرابع عشر أنه لا بد من تعادل ~~الخوف والرجاء وعدم تفوق أحدهما على الآخر، كما ورد هذا المضمون في مرسلة ~~ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام أيضا. # إن الإنسان عندما يدرك منتهى قصوره في النهوض بالعبودية، ويرى صعوبة وضيق ~~طريق الآخرة، يتولد ms187 فيه الخوف بأعلى درجة، وعندما يجد ذنوبه ويفكر في أناس ~~كانت عاقبة أمرهم الموت من دون إيمان وعمل صالح، رغم حسن أحوالهم في بدء ~~الأمر ولكنهم انتهوا إلى سوء العاقبة، يشتد فيه الخوف. ففي الحديث الشريف ~~في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: # قال: «المؤمن بين مخافتين ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه وعمر قد ~~بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا ~~الخوف» (2). # ونقل الكافي في حديث آخر عن الإمام عليه السلام خطبة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بهذا المضمون. # وعلى أي حال يرى الإنسان نفسه في منتهى النقص والتقصير، ويرى الحق في ~~منتهى العظمة والجلال، وسعة الرحمة والعطاء، ويعيش العبد بين هاتين ~~النظرتين دائما في حال متوازية بين الخوف والرجاء. وحيث أن الأسماء ~~الجلالية والجمالية تتجليان في قلب السالك متعادلة لا يترجح كل من الخوف ~~والرجاء على الآخر. # وقال(3) بعض أن الخوف في بعض الأحيان أنفع للإنسان مثل أيام الصحة ~~والعافية، حتى يجهد الإنسان نفسه في كسب الكمال والعمل الصالح. وفي بعض ~~الأحيان الرجاء أفضل مثل أيام ظهور علامات الموت، حتى يلاقي الإنسان الحق ~~المتعالي مع حال مفضلة أكثر عنده سبحانه . # ولكن هذا الكلام لا يتطابق مع الكلمات السابقة والأحاديث المذكورة، لأن ~~الرجاء المحبوب يدفع الإنسان أيضا نحو العمل واكتساب الآخرة، والخوف من ~~الحق سبحانه محبوب لديه عز وجل ولا يتنافى مع الرجاء المؤكد. # وقال بعضهم(4) أن الخوف لا يعتبر من الفضائل النفسية والكمالات العقلية ~~في عالم الآخرة وإنما يعد من الأمور النافعة في دار الدنيا التي هي دار ~~العمل، حيث يحرص الإنسان على فعل العبادات وترك المعاصي وينتهي دوره بعد ~~الخروج من هذه الدنيا. في حين أن الرجاء لا ينقطع ويستمر حتى في عالم ~~الآخرة. لأن العبد كلما نال رحمة الله أكثر، ازداد طعمه نحو فضل الحق ~~المتعالي أكثر، لأن خزائن رحمة الحق الجليل لا تتناهى. فالخوف ينقطع بالموت ~~ويبقى الرجاء حتى إلى ms188 ما بعد الموت. PageV01P128 # يقول(1) المحدث المحقق المجلسي رحمه الله تعالى «والحق أن العبد ما دام ~~في دار التكليف لا بد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة أمور الآخرة يغلب ~~عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها». # يقول الكاتب: إن ما قيل من غلبة الخوف والرجاء في عالم الآخرة، لا يتلاءم ~~مع ما ذكر من معنى الرجاء. وعلى فرض صحة الكلام المذكور فهو صحيح بالنسبة ~~إلى المتوسطين حيث يكون خوفهم ورجاؤهم عائدين إلى الثواب والعقاب. # وأما حال الخواص والأولياء فيختلف المر عما ذكروا، لأن الخوف والرجاء ~~الناجمان عن مشاهدة عظمة وجلال وتجلي أسماء اللطف والجمال، والحاصلان في ~~القلب لا يزولان بمشاهدة أمور الآخرة. ولا يترجح أحدهما على الآخر، بل إن ~~آثار الجلال والعظمة وتجليات الجمال واللطف في عالم الآخرة أكثر، فيصبح ~~الخوف الحاصل من عظمة الحق من اللذائذ الروحانية، ولا يتنافى هذا مع الآية ~~الكريمة (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (2). كما يتبين ~~ذلك بالتمعن في الآية المباركة. وما نقل قبل أسطر من أن الخوف ليس بفضيلة ~~نفسية، ليس هو الخوف من الجلال والعظمة، لأن مثل هذا الخوف يكون كمالا ومن ~~صفات الكاملين والمكملين. كما أن خوف غيرهم يكون أكثر. والحمد لله على ~~جماله وجلاله والصلاة على محمد وآله. ### | AUTO الحديث الخامس عشر: البلاء # بسندنا المتصل إلى سلطان المحدثين محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله ~~عليه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سماعة، عن أبي عبد ~~الله عليه السلام قال: إن في كتاب علي عليه السلام: «إن أشد الناس بلاء ~~النبيون ثم الوصيون ثم الأمثل فالأمثل وإنما يبتلى المؤمن على قدر أعماله ~~الحسنة، فمن صح دينه وحسن عمله، اشتد بلاؤه وذلك أن الله تعالى لم يجعل ~~الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر ومن سخف دينه وضعف عقله، قل بلاؤه وإن ~~البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض»(3). # الشرح: PageV01P129 # قال بعض بأن المقصود من الناس في أمثال هذا الحديث ms189 الشريف، الكاملون من ~~قبيل الأنبياء والأولياء والأوصياء، فإنهم الناس حقا. وأما عامة الناس فهم ~~النسناس كما ورد في الأحاديث(1). ولكن لا مرجح لهذا الكلام، بل المناسب في ~~المقام إرادة عموم البشر وهو واضح تماما. ويكون هذا المعنى مستفادا من ~~الأحاديث الموجودة في هذا الباب من كتاب الكافي. وإذا عثرنا في حديث على ~~كلمة «الناس» وكان المقصود منها الكاملين، فليس ذلك مبررا لإرادة هذا ~~المعنى من هذه اللفظة حيثما وردت. إن «البلاء» هو الاختبار والامتحان، في ~~الحسن والقبح. كما صرح بذلك أهل اللغة. يقول الجوهري في الصحاح (والبلاء ~~الاختبار يكون بالخير والشر، يقال أبلاه الله بلاءا حسنا وابتلاه معروفا) ~~ويقول الحق المتعال {بلاء حسنا} (الأنفال/ 17) وعلى أي حال إن كل ما يمتحن ~~به الحق جل جلاله عباده يدعى بلاء أو ابتلاء سواء كان بالأمراض والأسقام ~~والفقر والذل وإدبار الدنيا أو بما يقابل هذه الأمور، كأن يختبر بكثرة ~~الجاه والاقتدار والمال والمنال وبالزعامة والعزة والعظمة. # ولكن متى ما ذكر البلاء أو البلية أو الابتلاء بصورة مطلقة انصرف وانسبق ~~إلى الذهن من اللفظ، البلاء من القسم الأول. و«أمثل» بمعنى أفضل وأشرف ~~يقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير. وأماثل الناس، خيارهم. ~~فمعنى «ثم الأمثل فالأمثل» هو أن من كان أفضل وأحسن بعد الأئمة الأوصياء ~~عليهم السلام فبلاؤه أشد من الآخرين. ومن كان من غير الفئة المذكورة ~~أفضل فبلاؤه أكثر من غيره من الناس. # فمراتب الابتلاء على قدر درجات الفضل عند الله سبحانه . ولا يوجد مثل ~~هذا التعبير الأمثل فالأمثل في الأدب الفارسي حتى أذكره. وال «سخف» هو ~~ضعف العقل وخفته، كما ورد في الصحاح وغيره من الكتب اللغوية. وال «قرار» هو ~~المستقر والمكان، كما يستفاد من معاجم اللغة. وفي كتاب قاموس اللغة: ~~«القرار والقرارة ما قر فيه والمطمئن من الأرض» ووجه الشبه بين المؤمن ~~التقي وقرار الأرض هو أن الأرض محل الأمطار ومستقرها، حيث تهطل قطرات ~~السماء عليها وتستقر، وكذلك المؤمن حيث تهجم عليه البلايا، وتستقر عنده ولا ~~تفارقه. ونحن ms190 إن شاء الله سنشرح ما يحتاج إليه الحديث الشريف في غضون فصول عدة. # فصل: في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية نسبته إلى الحق المقدس ~~المتعالي PageV01P130 اعلم أن النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلقها بالأجساد، وهبوطها إلى عالم ~~الملك عالم المادة تكون على نحو القوة الأهلية والقابلية تجاه جميع ~~العلوم والمعارف والملكات الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان الحسنة ~~والسيئة، بل تجاه جميع الإدراكات والفعليات الحاضرة التي هي ذات آثار ثم ~~تتدرج بعناية الحق جل جلاله نحو الفعلية شيئا فشيئا، فتبدو أولا ~~الإدراكات الضعيفة الجزئية مثل حاسة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى الأخس ~~فالأخس ثم تظهر ثانيا الإدراكات الباطنية متدرجة أيضا. ولكن الملكات لا ~~تزال موجودة بالقوة، فإن لم تتأثر بعوامل تفجر فيها الطاقات الخيرة وتركت ~~لوحدها لانتصرت الخبائث وتحققت الملكات الفاسدة وانعطفت نحو القبائح ~~والمساوئ، لأن الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرها يسوقان ~~الإنسان إلى الفجور والتعدي والظلم وبعد انقياده لهما يتحول في فترة قصيرة ~~إلى حيوان عجيب وشيطان غريب. ولما كانت عناية الحق تعالى ورحمته قد وسعت ~~بني الإنسان في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربي ~~والمهذب، بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء ~~إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة ويحرر نفسه من ضغط ضيق ~~عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتي الأعلى. وهما: المربي الباطني ~~المتجسد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبح. والمربي الخارجي ~~المتمثل في الأنبياء والأدلاء لطرق السعادة والشقاء. وكل منهما لا يؤدي ~~دوره بدون الآخر، إذ أن العقل البشري عاجز عن معرفة طرق السعادة والشقاء ~~واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب، ونشأة الآخرة، كما أن هداية الأنبياء، ~~وإرشادهم لا تكون مؤثرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز. فالحق ~~تبارك وتعالى منحنا هذين النوعين من الموجه لكي نجعل الطاقات المكتنزة ~~والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرك من القوة إلى الفعلية والظهور. وقد ~~وهبنا الحق المتعالي هاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحانا واختبارا، لأن ~~الإنسان يتميز أفراده بعضهم عن بعض، ويتم الفصل بين السعيد ms191 والشقي والمطيع ~~والعاصي والكامل والناقص كما قال ولي المؤمنين عليه السلام: «والذي بعثه ~~بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة»(1) وفي كتاب الكافي الشريف في باب ~~التمحيص والامتحان عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا بد ~~للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير»(2) ~~وبإسناده عن منصور قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «يا منصور إن هذا ~~{الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس ولا والله حتى تميزوا ولا والله حتى تمحصوا ~~ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد»(3). PageV01P131 # وفي حديث آخر عن أبي الحسن عليه السلام قال: «يخلصون كما يخلص الذهب»(1) ~~وفي كتاب الكافي الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادق ~~عليه السلام قال: «ما من قبض ولا بسط إلا ولله مشيئة وقضاء وابتلاء»(2) وفي ~~حديث آخر عنه عليه السلام قال: «إنه ليس شيء فيه قبض أو بسط مما أمر الله ~~أو نهى عنه إلا وفيه لله عز وجل ابتلاء وقضاء»(3) و«القبض» في اللغة ~~الإمساك والمنع والأخذ، و«البسط» بمعنى النشر والعطاء: فكل عطاء وتوسعة ~~ومنع امتحان للإنسان، كما أن كل أمر ونهي وتكليف يكون للامتحان أيضا. فإن ~~بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس، ولفصل الأشقياء عن السعداء، ~~والمطيعين من العاصيين. ومعنى امتحان الحق المتعالي للناس واختبارهم هو ~~الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج للناس بعضهم عن بعض، لا العلم ~~بالفصل، لأن علم الحق جل جلاله أزلي ومتعلق ومحيط بكل شيء قبل إيجاده. ~~والحكماء قد أسهبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان، ولا يتناسب نقله في ~~هذا الكتاب. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة ورغم أن الأمرين المذكورين من ~~أهم نتائجه هو فصل السعيد عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي. وتتم في هذا ~~الامتحان والتمحيص حجة الله على خلقه أيضا، وتكون تعاسة وسعادة وهلاك وحياة ~~كل شخص عن حجة وبينة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض، فمن سعى في طريق ~~السعادة والحياة الأبدية، كان سعيه توفيقا من الله وهداية له، لأنه سبحانه ~~قد وفر ms192 جميع أسباب هذا السبيل. ومن جد في طريق الشقاء ووجه وجهه نحو الهلاك ~~ومتابعة الهوى والشيطان مع توفر كل طرق الهداية وأسباب السعادة، فقد اختار ~~بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجة البالغة للحق تبارك وتعالى على خلاف ~~ما أرتآه {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (البقرة/ 286). # فصل: في بيان فلسفة شدة ابتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين PageV01P132 اعلم وقد سبق منا الحديث بأن كل عمل يصدر من الإنسان، بل كل ما يقع منه في ~~عالم ملك الجسم، وكان مدركا للنفس، يترك أثرا لدى النفس، من دون فرق بين ~~الأعمال الحسنة أو السيئة، ومن دون فرق بين أن يكون العمل من نوع الأفراح ~~أو نوع الأتراح. وقد عبر عن هذا الأثر في الأخبار(1) بنقطة بيضاء ونقطة ~~سوداء فمثلا: إن كل لذة مما يلتذ الإنسان به من المطعومات أو المشروبات أو ~~المنكوحات أو غيرها، يترك أثرا في النفس، ويحصل تعلقا ومحبة في عمق الروح ~~تجاهه الشيء الذي تمتع فيه ويزداد توجه النفس إليه. وكلما توغل في ~~اللذائذ والمشتهيات أكثر، ازداد تعلق النفس وحبها لهذا العالم أكثر. وغدا ~~ركونه واعتماده على هذا العالم أكبر، فتتربى النفس وترتاض على التعلق ~~بالدنيا. وكلما كانت المتع في ذائقته أحلى، كانت جذور محبة الدنيا في قلبه ~~أكثر. وكلما توفرت وسائل العيش والعشرة والراحة بشكل أوفى، أصبحت دوحة ~~التعلق بالدنيا أقوى وكلما أقبلت النفس على الدنيا أكثر، كلما كانت غفلته ~~عن الحق وعالم الآخرة أكثر. فإن نفس الإنسان إذا ركنت إلى الدنيا كليا وصار ~~توجهها ماديا ودنيويا، انصرف عن الحق المتعال ودار الكرامة نهائيا و{أخلد ~~إلى الأرض واتبع هواه} (الأعراف/176). فالانهماك في بحر اللذائذ والمشتهيات ~~يصرف الإنسان إلى حب الدنيا من دون اختيار، وحب الدنيا يوجب النفور عن ~~غيرها، والإقبال على الملك الماديات يسبب الغفلة عن الملكوت عالم الغيب ~~. وكذلك العكس فلو أن الإنسان استاء من شيء وشعر ببشاعته، استدعت صورة ذلك ~~الشيء الكراهية والنفور، وكلما كانت تلك الصورة في النفس أقوى كان النفور ~~والانزجار منها أكثر. فمثلا: إذا دخل ms193 شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه ~~وعانا من ورائه مشاكل داخلية وخارجية لكرهه وتنفر منه وكلما كانت معاناته ~~أكثر كان هروبه ونفوره منه أكثر وإذا وجد مدينة أفضل منه لأقبل عليها وإن ~~لم يستطع التحرك نحوها، لاشتاق إليها وتوجه قلبه نحوها. فالإنسان إذا عاش ~~هموم الدنيا وآلامها وأسقامها ومشاكلها وعنائها وشعر بأن أمواج الفتن ~~والمحن تزحف نحوه، خف تعلقه بها أي الدنيا وقل ركونه إليها ونفر قلبه ~~منها. وإذا اعتقد بوجود عالم آخر، وفضاء رحب فارغ من جميع أنواع الشقاء ~~والتعاسة، ارتحل إليه. وإذا لم يتمكن من السفر بجسمه لذهب بروحه وبعث بقلبه ~~إلى ذلك العالم. وواضح جدا أن المفاسد الروحية والخلقية والسلوكية بأسرها ~~تنجم عن حب الدنيا والغفلة عن الله سبحانه وعالم الآخرة، وإن حب الدنيا رأس ~~كل خطيئة(2). PageV01P133 # في حين أن الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث من التوجه نحو الحق، ودار ~~الكرامة عالم الآخرة ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الانبهار بزخارفها. ~~إذا، علمنا من هذا التمهيد بأن لطف الحق تبارك وتعالى وعنايته كلما شملت ~~لشخص أكثر، ووسعته رحمة الذات المقدسة بصورة أوفى، كلما أبعد سبحانه عن هذا ~~العالم وزخرفه أكثر، ودفع عنه أمواج المحن والفتن أكثر، حتى تنقلع رغبته في ~~الدنيا وزركشتها، ووجه وجهه حسب مستوى إيمانه إلى عالم الآخرة وارتبطت روحه ~~بذلك العالم. وإن لم تكن جدوى من احتمال شدائد المحن إلا هذه الجهة ~~الانزجار والإعراض عن الدنيا والإقبال نحو الآخرة لوحدها، لكفى. وفي ~~الأحاديث الشريفة إشارة إلى هذا المعنى: محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر ~~عليه السلام قال: «إن الله تعالى ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل ~~أهله بالهدية من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض»(1) ونقل هذا ~~المعنى في حديث آخر. ولا يحسبن أحد إن محبة الحق وشدة عناية ذاته الأقدس، ~~لبعض عباده جزاف ومن دون جهة والعياذ بالله بل كل خطوة يخطوها مؤمن وعبد ~~من عباده، غمرته رحمة الحق المتعالي وأقبل على عبده قدر ذراع(2). إن مثل ~~الإيمان وتوفير بواعث التوفيق، مثل ms194 إنسان قد حمل مصباحا وسلك طريقا مظلما ~~فكلما تقدم خطوة، أضاء أمامه واهتدى للخطوة اللاحقة. فكلما رفع الإنسان ~~قدما نحو عالم الآخرة، اتضح السبيل أكثر، وغمرته عنايات الحق بصورة أكبر، ~~وتوفرت عوامل التوجه إلى عالم القرب الآخرة والانزعاج عن عالم البعد ~~الدنيا . والعنايات الأزلية للحق المتعالي إنما تسع الأنبياء والأولياء ~~لعلمه سبحانه الأزلي بطاعتهم أيام التكليف. كما أنكم لو علمتم أيام طفولة ~~ولديكم بأن أحدهما سيطيعكم ويسعى في تأمين رضاكم وثانيهما يبعث على سخطكم ~~وامتعاضكم، فمن المعلوم أن ألطافكم ستشمل المطيع أكثر من الثاني منذ الأيام ~~الأولى. ومن فوائد شدة ابتلاء الخواص من العباد، أن هؤلاء من خلال المحن ~~والمعاناة يذكرون الحق ويناجونه. PageV01P134 # ويتضرعون على أعتابه المقدسة في ساحة ذاته الأقدس ويعيشون مع ذكره وفكره. ~~ومن الطبيعي أن نوع بني الإنسان يتشبث حين الشدة بكل ما يرجو فيه النجاة، ~~وعند الرخاء والراحة يغفل عنه. ولما كان الخواص من العباد، لا يعرفون ملجأ ~~إلا الحق، توجهوا نحوه، وانقطعوا إلى مقامه المقدس، وإن الحق المتعال يوفر ~~لهم سبب الانقطاع إليه من خلال عنايته الخاصة بهم. ولا تستساغ هذه الفائدة ~~من الابتلاء وحتى الفائدة السابقة، لدى الأنبياء والأولياء الكملين، لتنزه ~~مقامهم الشامخ عن ذلك، وعدم انعطاف قلوبهم تجاه الدنيا، ولا تتبدل في ~~الانقطاع إلى الحق من جراء تغير الأحوال. ويمكن أن يكون إيثار الأنبياء ~~والأولياء للفقر على الغنى، والابتلاء على الراحة، والمعاناة على غيرها ~~نتيجة أنهم وقفوا من خلال النور الباطني والمكاشفات الروحانية على أن الحق ~~المتعالي لا ينظر بعين اللطف إلى هذا العالم ولا إلى زخارفه، ولا يكون ~~للدنيا وما فيها موقع أمام ساحته المقدسة إلا الذل والهوان. والأحاديث ~~الشريفة شاهدة على ذلك(1). ففي الحديث أن جبرائيل قد نزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وأله وسلم ومعه مفاتيح خزائن الأرض وقال لو اخترتها لما هبط من ~~درجاتك الأخروية، شيء أبدا. ولكن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قد ~~امتنع عن القبول تواضعا للحق سبحانه، فاختار الفقر(2). وفي الكافي الشريف ~~في ms195 حديث بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن الكافر ليهون على الله لو ~~سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك»(3) وذلك من جراء هوان الدنيا في عين الحق ~~الكبير المتعالي. وفي حديث أن الحق جل وعلا منذ أن خلق العالم المادي لم ~~ينظر إليه نظرة لطف وعناية. ومن فوائد شدة ابتلاء المؤمنين حسب ما أشير ~~إليها في الأخبار، أن لهم درجات لا ينالونها إلا من وراء المصائب والأسقام ~~والآلام. ويحتمل أن تكون هذه الفوائد صورة غيبية للإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على الحق المتعالي. ويمكن أن تكون صورة ملكوتية لهذه المحن حيث لا ~~تبلغ إلا بعد حصولها البليات في عالم الملك وابتلاء الإنسان بها، كما ورد ~~في الحديث الشريف المأثور في الكافي بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام ~~قال: «إنه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلا بإحدى الخصلتين إما ~~بذهاب مال أو ببلية في جسده»(4). وفي رواية شهادة الإمام أبي عبد الله ~~الحسين عليه السلام أنه رأى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المنام وأخبره ب {أن لك درجة في الجنة لا تنالها إلا بالشهادة}(5) ومن ~~المعلوم أن الصورة الملكوتية للشهادة في سبيل الله لم تحصل إلا بعد وقوع ~~الشهادة في عالم الملك عالمنا الحاضر كما برهن على ذلك في العلوم ~~العالية. وورد في الأخبار المذكورة أن لكل عمل في هذا العالم صورة في عالم آخر(6) PageV01P135 . وفي الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن عظيم الأجر لمع عظيم ~~البلاء وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم»(1). ### || AUTO فصل: الأنبياء مبرؤون من العيوب الجسدية # يقول المحدث الكبير المجلسي عليه الرحمة (في هذه الأحاديث أحاديث ~~ابتلاء الأنبياء الواردة من طرق الخاصة والعامة، دلالة واضحة على أن ~~الأنبياء والأوصياء عليهم السلام في الأمراض الحسية والبلايا الجسمية ~~كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيما لأجرهم الذي يوجب التفاضل في ~~الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم بشر إذ لو لم ~~يصبهم ما أصاب سائر البشر مع ms196 ما يظهر في أيديهم من خرق العادة لقيل فيهم ما ~~قالت النصارى في نبيهم) انتهى(2). وقال المحقق المدقق الطوسي والحكيم ~~العظيم القدوسي(3) عطر الله مرقده في كتاب التجريد في بحث ما يجب كونه في ~~كل نبي (... وكلما ينفر عنه الخلق... )(4). # وقال علامة علماء الإسلام رضوان الله عليه في شرح هذه الجملة: (وأن ~~يكون منزها عن الأمراض المنفرة نحو الأنبة وسلس الريح والجذام والبرص لأن ~~ذلك كله مما ينفر عنه فيكون منافيا للغرض من البعثة)(5). يقول الكاتب: إن ~~درجة النبوة وإن كانت تابعة للكمالات النفسية والدرجات الروحانية، ولا ~~علاقة لها بالجسم. وأن النقائص الجسمانية وأمراضها لا تسيء إلى [280] ~~المقام الروحاني للأنبياء. وأن الأمراض المنفرة لا تقلل شيئا من علو شأنهم ~~وعظمة رتبتهم، إن لم تؤكد كمالاتهم وتدعم درجاتهم، كما أشير إليها. ولكن ما ~~ألمح إليه المحققان لا يخلو عن وجه، لأن عوام الناس لا يفرقون بين المقامات ~~الجسمية والروحية ويحسبون أن النقص الجسماني نتيجة النقص الروحاني أو ~~ملازم له، ويعتبرون أن من عناية الحق سبحانه أن لا يصيب الأنبياء أصحاب ~~الشريعة والمبعوثين بالرسالة، بأمراض تسبب نفرة الطباع واستيحاش الناس. # فعدم ابتلائهم لا يكون نتيجة أن هذه المصائب والبلايا تحط من مقام ~~النبوة، بل لأجل فائدة هي إكمال التبليغ والإرشاد. وعليه لا مانع من ابتلاء ~~بعض الأنبياء الذين لم يحظوا بالشريعة، وابتلاء الأولياء الكبار والمؤمنين ~~بمثل هذه المحن. كما أن النبي أيوب والمؤمن حبيب النجار مبتليين. وقد وردت ~~أحاديث كثيرة في ابتلاء النبي أيوب عليه السلام: PageV01P136 # فمن ذلك ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ~~عليه السلام في حديث طويل قال: «فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ ~~فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد ~~الله ويشكره حتى وقع في بدنه الدود وكانت تخرج من بدنه فيردها ويقول لها ~~ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه ونتن حتى أخرجه أهل القرية من القرية ~~وألقوه في المزبلة ms197 خارج القرية» (بحر الأنوار، ح12، ص 342). وفي الكافي ~~بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له: فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون». فقال: «يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا ~~يسلط على دينه، قد سلط على أيوب فشوه خلقه ولم يسلط على دينه وقد يسلط من ~~المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على دينهم» (روضة الكافي ص 288 ح 433) ~~وبإسناده عن ناجية قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن ~~المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا، فقال: إن كان ~~لغافلا عن صاحب ياسين إنه كان مكنعا ثم رد أصابعه فقال: كأني أنظر إلى ~~تكنيعه، أتاهم فأنذرهم ثم عاد إليهم من الغد، فقتلوه. ثم قال: إن المؤمن ~~يبتلى بكل بلية ويموت بكل بلية إلا أنه لا يقتل نفسه»(1) إن «صاحب ياسين» ~~هو حبيب النجار و«التكنيع» مع النون كما هو في أكثر النسخ بمعنى التشنج ~~والمثلة كما في البحار. # قال المجلسي «كأنه كان الجذام سببا لتكنيع أصابعه»(2) وفي هذا الكلام ~~تأمل. ويستفاد من هذه الأحاديث والروايات الأخرى أن الأنبياء والمؤمنين قد ~~يصابون بأمراض منفرة لأجل بعض المصالح. وتقابل هذه الأخبار، أحاديث أخرى ~~تنفي تشويه جسم النبي أيوب عليه السلام بسبب الأمراض، وانبعاث الرائحة ~~الكريهة من جسده المبارك(3). ولا جدوى في الجمع بين هذه الروايات وإطالة ~~البحث فيها. وملخص الحديث أن مثل هذه الأمراض لا تسيء إلى المؤمنين ولا تعد ~~نقصا لهم ولا للأنبياء عليهم السلام بل تبعث على رفعة درجتهم وعلو شأنهم ~~والله تعالى أعلم بالصواب. PageV01P137 ### || AUTO فصل: في بيان أن الدنيا ليست محلا لثواب الحق المتعالي وعقابه # اعلم أن هذا العالم الدنيوي لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار ~~كرامة ولا محلا لثواب الحق سبحانه ولا محلا لعذابه وعقابه، لأن دار كرامة ~~الحق عز وجل عالم تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته غير ms198 مخلوطة ~~بالشقاء والتعب، ومثل هذه النعم غير متوفرة في هذا العالم، لأنه دار ~~التزاحم والصراع. وإن كل نعمة من نعم هذا العالم محفوفة بأنواع من العذاب ~~والآلام والمحن. بل قال الحكماء أن لذات هذا العالم هي دفع للآلام ونستطيع ~~أن نقول إن لذاته تبعث على الآلام لأن إثر كل لذة، شقاء ونصب وألم، بل إن ~~مادة هذا العالم تتمرد على قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة ~~بالمكاره. وهكذا العذاب والشقاء والألم والتعب في هذا العالم لا يكون ~~خالصا، بل يكون كل ألم وتعب محفوفا بنعمة أو نعم، وكل واحد من الآلام ~~والأسقام والشقاء والمحن في هذا العالم لا يكون محضا وغير مشوب بنعمة ~~ورحمة: فإن مادة هذا العالم تتمرد على قبول العذاب الخالص المطلق. إن دار ~~عذاب الحق سبحانه ودار عقابه، دار فيها العذاب المحض والعقاب الخالص، وأن ~~آلامها وأسقامها لا تضاهى بآلام وأسقام هذا العالم كأن يمس العذاب عضوا دون ~~عضو، أو يكون عضو سالما وفي راحة والآخر في تعب وشقاء. وقد أشير إلى بعض ما ~~ذكرنا في الحديث الشريف الذي شرحناه عندما يقول: «وذلك السبب في ابتلاء ~~المؤمن بالبليات أن الله لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن ولا عقوبة لكافر» هنا ~~عالم الدنيا دار تكليف، ومزرعة الآخرة، وعالم الكسب. وهناك عالم الآخرة ~~دار جزاء ومكافأة وثواب وعقاب. إن الذين يتوقعون من الحق سبحانه أن ينتقم ~~في هذا العالم من كل مرتكب معصية أو فاحشة أو جور أو اعتداء، بأن يضع عز ~~وجل حدا له، فيقطع يده ويقلع العاصي من الوجود إنهم غافلون بأن مثل هذا ~~العقاب خلاف النظم والسنة الإلهية التي أقرها الله سبحانه. إن هذه الدار، ~~دار امتحان وتفريق بين الشقي والسعيد والمطيع والعاصي، وعالم ظهور ~~الفعاليات وليس بدار تبين نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحق ~~المتعالي من ظالم نادرا، لأمكننا القول بأن عناية الحق عز وجل شملته. وإذا ~~ترك أهل الموبقات والظلم في ضلالهم وغيهم، كان ذلك استدراجا. كما يقول الله ~~سبحانه: {سنستدرجهم من حيث لا ms199 يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين} (القلم/ ~~4445). ويقول: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} (آل عمران/178). وفي مجمع البيان عن ~~الصادق عليه السلام أنه قال: «إذا أحدث العبد ذنبا جدد له نعمة فيدع ~~الاستغفار فهو الاستدراج» (مجمع البيان، المجلد الخامس، ص 340). PageV01P138 ### || AUTO فصل: أن شدة المعاناة الروحية توازي شدة الإدراك # يظهر من نهاية الحديث الشريف المذكور في بداية الموضوع «ومن سخف دينه ~~وضعف عقله، قل بلاؤه» إن البلية تعم الجسمانية والروحانية، فإن الأشخاص ~~الضعاف في عقولهم وإدراكهم في أمان من المعاناة الروحية والانزعاجات ~~العقلية، على خلاف من يتمتع بالعقل الكامل والإدراك الحذق، حيث تزداد ~~معاناته ومصائبه. ومن المحتمل أن يعود إلى هذا المعنى كلام الرسول صلى الله ~~عليه وأله وسلم القائل: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت» (الجامع الصغير، المجلد ~~الثاني، ص 144) لأن كل من يدرك جلال الرب وعظمته أكثر، ويقف على المقام ~~المقدس للحق جل وعلا بشكل أعمق، يتألم ويتعذب من جراء عصيان العباد وهتكهم ~~للحرمة أكثر. وأيضا كل من كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله أكثر، ~~تأذى من اعوجاج العباد وشقائهم أكثر. وقطعا كان خاتم النبيين صلى الله عليه ~~وأله وسلم في كل هذه المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيين ~~والأولياء وبني الإنسان فتكون محنه وآلامه أعمق. وأيضا هناك توجيه آخر ~~لكلام الرسول صلى الله عليه وأله وسلم لا يتناسب مع هذا المقام. والله ~~العالم وله الحمد. ### | AUTO الحديث السادس عشر: الصبر # بأسانيدنا المتصلة إلى ثقة الإسلام والمسلمين، فخر الطائفة الحقة ومقدمهم ~~محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد ~~بن خالد، عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير ~~قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الحر حر على جميع أحواله، إن ~~نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر، ~~واستبدل باليسر عسرا، كما ms200 كان يوسف الصديق الأمين لم يضرر حريته أن استعبد ~~وقهر، وأسر ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله أن من الله عليه فجعل ~~الجبار العاتي له عبدا بعد إذ كان [ له ] مالكا، فأرسله ورحم به أمة وكذلك ~~الصبر يعقب خيرا فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا»(1). # الشرح: # إن ال «نائبة» مفرد وجمعها نوائب وهي الحوادث والكوارث النازلة. وفي ~~الصحاح أنها المصيبة. و«دك» بمعنى دق. وفي الصحاح: (وقد دككت الشيء أدكه ~~دكا إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض. انتهى). وتداكت عليه أي تداقت ~~واستعملت أيضا بمعنى الاجتماع والازدحام. كما نقل عن كتاب «النهاية» حديثا ~~عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام «ثم تداككتم علي تداكك الإبل الهيم ~~على حياضها»(2) أي ازدحمتم. ونقل عن النهاية أيضا أن أصل دك بمعنى الكسر ~~وأن استعماله في هذا الحديث بالمعنى الأول الاجتماع أنسب لمكان «لم ~~تكسره» وان كان المعنى الثاني الكسر أيضا مناسبا. PageV01P139 # وكلمة (إن) في «وإن أسر» وصلية وقوله «وقهر واستبدل» معطوفان على «أسر». ~~وقال المجلسي(1) رحمه الله أن في بعض النسخ «واستبدل بالعسر يسرا» بتقديم ~~العسر على اليسر وعليه تكون جملة (واستبدل) معطوفة على «لم تكسره» فيتبين ~~بذلك منتهى الصبر. # وجملة «أن استعبد» مبني على المفعول وفاعل لقوله «لم يضرر». وفي نسخة ~~مرآة العقول «استبعد» بتقديم الباء على العين المهملة(2). وفي كتاب وسائل ~~الشيعة «استعبد» بتقديم العين على الباء(3)، ولكن المظنون أن نسخة مرآة ~~العقول من سهو الكاتب وان كان معناه استبعد لا يخلو عن الصحة. ولكن ~~المناسب مع المقام ومع الحديث الشريف هو ما ورد في نسخة وسائل الشيعة. ~~وقوله «وما ناله» معطوف على ظلمة الجب أي لم يضرره ما ناله من إخوته ومن ~~ظلمة الجب والوحشة والبليات. وقوله «أن من الله» الأظهر أنه بتقدير إلى ~~حرف الجر ومتعلق ب «لم تضرر» (فالظرف متعلق بلم يضرر في الموضعين ما ناله ~~وأن استعبد على سبيل التنازع)(4). وأورد المرحوم المجلسي احتمالات كثيرة ~~في ذلك أن من الله ولم تضرر لا يخلو ذكرها عن التطويل(5). والمقصود ms201 من ~~قوله «عبدا بعد إذ كان مالكا» أنه أطاعه. PageV01P140 ### || AUTO فصل: في بيان أن أسر الشهوة مصدر لكل أسر # اعلم أن الإنسان إذا أصبح مقهورا لهيمنة الشهوة والميول النفسية، كان رقه ~~وعبوديته وذلته بقدر مقهوريته لتلك السلطات الحاكمة عليه، ومعنى العبودية ~~لشخص هو الخضوع التام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشهوات المقهور للنفس ~~الأمارة يكون عبدا منقادا لها. وكلما توحي هذه السلطات بشيء أطاعها الإنسان ~~في منتهى الخضوع، ويغدو عبدا خاضعا ومطيعا أمام تلك القوى الحاكمة، ويبلغ ~~الأمر إلى مستوى يفضل طاعتها على طاعة خالق السماوات والأرض، وعبوديتها على ~~عبودية مالك الملوك الحقيقي، وفي هذا الحال تزول عن نفسه العزة والكرامة ~~والحرية ويحل محلها الذل والهوان والعبودية، ويخضع لأهل الدنيا، وينحني ~~قلبه أمامهما وأمام ذوي الجاه والحشمة، ويتحمل لأجل البلوغ إلى شهواته ~~النفسية الذل والمنة، ويستسيغ لأجل الترفيه عن البطن والفرج الهوان، ولا ~~يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف الشرف والفتوة والحرية عندما يكون أسيرا لهوى ~~النفس والشهوة. وينقلب إلى أداة طيعة أمام كل صالح وطالح، ويقبل امتنان كل ~~وضيع عنده لمجرد احتمال نيل ما يبتغيه حتى إذا كان ذلك الشخص أحط وأتفه ~~إنسان، وذلك الاحتمال موهوما، حيث يزعمون أن الوهم في دائرة الأطماع حجة. ~~إن عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتية، والذين رسن عبودية الميول النفسية ~~في رقابهم، يعبدون كل من يعلمون أن لديه الدنيا أو يحتملون أنه من ذوي ~~الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدثوا عن التعفف وكبر النفس كان حديثهم تدليسا ~~محضا، وأن أعمالهم أقوالهم تكذب حديثهم عن عفة النفس ومناعتها. وهذا الأسر ~~والرق من الأمور التي تجعل الإنسان دائما في المذلة والعذاب والنصب. ويجب ~~على الإنسان ذي النبل والكرامة أن يلتجأ إلى كل وسيلة لتطهير نفسه منها. ~~ويتم التطهير من هذه القذارات، والتحرير من كل خفة وهوان، بمعالجة النفس، ~~وهي لا تكون إلا بواسطة العلم والعمل الناجع. أما العمل فيكون بالرياضة ~~الشرعية وبمخالفة النفس فترة يتم فيها الوازع للنفس تجاه حبها المفرط ~~للدنيا والشهوات والأهواء حتى تتعود النفس على ms202 الخيرات والكمالات. وأما ~~العلم فيتم بتلقين النفس وإبلاغ القلب: بأن الناس الآخرين يضاهونه في الفقر ~~والضعف والحاجة والعجز، وأنهم يشبهونه أيضا في الاحتياج إلى الغني المطلق ~~القادر على جميع الأمور الجزئية والكلية، وأنهم غير قادرين على إنجاز حاجة ~~أحد أبدا، وأنهم أتفه من أن تنعطف النفس إليهم، ويخشع القلب أمامهم، وان ~~القادر الذي منحهم العزة والشرف والمال والوجاهة، قادر على المنح لكل أحد. ~~ومن العار حقيقة على الإنسان أن يتذلل وينحط في سبيل بطنه وشهوته، ويتحمل ~~الامتنان من مخلوق فقير ذليل لا حول له ولا علم ولا وعي. إذا أردت أيها ~~الإنسان أن تقبل المنة فلتكن من الغني المطلق وخالق السماوات والأرض، فإنك ~~إذا وجهت وجهك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره قلبك تحررت من العالمين ~~ما سوى الله وخلعت من رقبتك طوق العبودية. «العبودية جوهرة كنهها ~~الربوبية» (مصباح الشريعة، الباب المائة، في حقيقة العبودية). ونتيجة ~~لعبودية الحق والانتباه إلى نقطة واحدة مركزية، وإفناء كل القوى والسلطات ~~النفس وأهوائها في السلطة الإلهية المطلقة، تنجم حالة في القلب تقهر ~~العوالم الأخرى ويستولي عليها، وتظهر للروح حالة من الشموخ والعظمة تأبى ~~الطاعة إلا أمام الرب سبحانه وأمام من تكون طاعتهم طاعة ذات الحق المقدس، ~~وإذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوما لأحد، لما تزلزل قلبه منه ولحافظ ~~على حرية نفسه واستقلالها، كما كان الشأن في النبي يوسف ولقمان حيث لم ~~تنعكس سلبا عبوديتهما الظاهرية على حرية وانطلاقة PageV01P141 نفسيهما. كم من أصحاب القدرة والسلطة الظاهرية لم يستنشقوا نسمة حرية النفس ~~الشخصية والاعتداد بها ويكونون أذلاء وعبيدا للنفس وأهوائها، ويتزلفون نحو ~~المخلوق التافه؟. نقل عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنه قال في حديث ~~«إني لآنف أن أطلب الدنيا من خالقها فكيف من مخلوق مثلي» ؟.(1) # أيها العزيز إن لم تشعر بالنقص في طلب الدنيا، فعلى الأقل لا تطلبها من ~~إنسان ضعيف مثلك. وافهم بأنه لا حول للمخلوق في أعمال دنياك. فلو فرضنا ~~بأنك استطعت مع الذل والامتنان المتكرر أن تكسب رأي الإنسان الذي ms203 تطلب منه ~~إعمار دنياك فان رأيه وإرادته لا تكون فاعلة في ملك الحق سبحانه. إذ لا ~~يوجد أحد يتصرف في مملكة مالك الملوك. فلا تتملق لتأمين حياتك الدنيوية ~~المعدودة، وشهواتك المحدودة، تجاه مخلوق معدم. ولا تغفل عن إلهك، وحافظ على ~~حريتك، وارفع أغلال العبودية والأسر عن رقبتك، وكن حرا في جميع حالاتك كما ~~ورد في الحديث الشريف «إن الحر حر على جميع أحواله». واعلم أن الغنى غنى ~~النفس وأن عدم الحاجة من حالات الروح، وغير مرتبطة بأمور خارجة عن ~~الإنسان. # وإنني رأيت أناسا من أهل الثراء والمال والجاه يتفوهون بكلمات يندي لها ~~الجبين ولا يقولها المستجدي المتهتك. انه المسكين الذي ضربت على روحه الذلة ~~والمسكنة. PageV01P142 # إن شعب اليهود بالنسبة إلى عددهم يعدون من أغنى الشعوب القاطنين على ظهر ~~الأرض كافة ولكنهم يعيشون طيلة حياتهم في الشقاء والتعاسة والشدة والهوان، ~~وتبدو على ملامحهم الحاجة والفقر والذل المسكنة، ولا يكون ذلك الأمن وراء ~~الفقر النفسي والذل الروحي. ورأينا في أصحاب الزهد وذوي الحياة البسيطة ~~الدراوشة أشخاصا قلوبهم مفعمة بالغنى والكفاف، ويلقون نظرة اللامبالاة على ~~الدنيا وكل ما فيها، ولا يجدون أحدا أهلا الاستنجاد به إلا الحق المقدس ~~المتعالي. وأنت أيضا تمعن وابحث في أحوال أهل الدنيا وذوي الرغبة في ~~الرئاسة، كي ترى ذلهم وتزلفهم وخضوعهم أمام الناس أكثر من الآخرين. إن ~~أدعياء الإرشاد والتوجيه، يتحملون الذل بعد الذل ويبدون الخضوع اثر الخضوع ~~في سبيل ترفيه بطونهم وفروجهم. إن خضوع الحالة القلبية للمراد المربي ~~الطالب للدنيا، تجاه المريد المربى أكثر من خضوع قلب المريد تجاه المراد، ~~رغم البون الشاسع بين نوعية الإرادتين. فإن إرادة المريد روحانية وآلهية ~~حتى إذا كان على خطأ واشتباه من جهة متعلق الإرادة في حين أن إرادة ~~المراد دنيوية وشيطانية. إن ما ذكرناه بأسره، هو الذل الدنيوي والمفاسد ~~الدنيوية. فإذا ارتفعت الحجب تتجلى الصورة الملكوتية للأسر في أغلال ~~الشهوات، وسلاسل الرغبات النفسانية وأنها كيف تكون؟. ولعل هذه السلسلة التي ~~طولها سبعون ذراعا والتي أخبر عنها الله تعالى والتي تكون ms204 أصفادا وأغلالا ~~لنا في يوم الآخرة هي الصورة الملكوتية لهذا الأسر والرق في ظل أوامر القوة ~~الشهوية والغضبية. يقول الله تعالى {ووجدوا ما عملوا حاضرا} (الكهف/ 49). ~~ويقول {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (البقرة/ 286). فما يصل إلينا في ذلك ~~العالم هو صور أعمالنا. فلذلك مزق سلاسل الشهوة والأهواء المتعرجة بعضها ~~على بعض، وحطم أصفاد القلب، وأخرج من قيود الأسر، وكن حرا في هذا العالم، ~~حتى تكون حرا في ذلك العالم. ولولا ذلك لوجدت الصورة الملكوتية لهذا الأسر ~~حاضرة في ذلك العالم، واعلم بأنها مؤلمة جدا. إن أولياء الله رغم تحررهم ~~التام من الأسر والرق، وبلوغهم الحرية المطلقة فإن قلوبهم كانت مضطربة ~~وكانوا يجزعون وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول. # فصل: أسر الشهوة أساس البلاء # إن أبحاث هذه الأوراق وان كانت من الأمور الرائجة الشائعة ومن المكررات، ~~ولكن لا بأس في ذلك فإن تذكير النفس وتكرار قول الحق، أمر مطلوب. ولهذا ~~يستحب تكرار الأذكار والأوراد والعبادات والمناسك. والسبب الرئيسي هو تعويد ~~النفس وترويضها. فلا تضجر عزيزي من التكرار. واعلم أنه ما دام الإنسان يرزح ~~في قيود النفس والشهوات، وما دامت سلاسل الشهوة والغضب الطويلة على رقبته ~~لا يستطيع أن يبلغ المقامات المعنوية والروحانية، ولا تظهر فيه السلطة ~~الباطنية للنفس وإرادتها الثاقبة، ولا يحصل له مقام استقلال النفس وعزتها، ~~الذي هو أرقى مقام لكمال الروح، بل إن هذا الأسر والرق يقيده ولا يسمح له ~~بالتمرد على النفس في جميع الأحوال. ولما قويت هيمنة النفس الأمارة ~~والشيطان في الباطن، وانقادت القوى جميعها لهما في العبودية والطاعة وأبدت ~~لهما الخضوع والتسليم التامين، لما اقتصرتا على المعاصي بل دفعتا بالإنسان ~~من المعاصي الصغيرة رويدا رويدا إلى المعاصي الكبيرة، ومنها إلى ضعف في ~~العقائد ثم إلى الأفكار المظلمة ثم إلى الطريق المغلق للجحود ثم إلى بغض ~~وعداوة الأنبياء والأولياء. PageV01P143 # وحيث إن النفس مضطهدة وتعيش حالة الرق، لا تستطيع أن تخرج على رغباتها. ~~وعليه تكون عاقبة أمر الطاعة والتقيد للنفس الأمارة وخيمة جدا، وستدفع ~~بالإنسان إلى أماكن خطيرة ms205 ومخيفة. إن الإنسان العاقل الروؤف بنفسه لا بد له ~~من السعي واللجوء إلى كل سبيل لإنقاذ نفسه من الأسر، والنهوض أمام النفس ~~الأمارة والشيطان الباطني، ما دامت الفرصة سانحة، وقواه الجسدية سالمة وما ~~دام أنه على قيد الحياة وفي صحة موفورة وفتوة موجودة، وأن قواه لم تتسخر ~~كليا، ثم يراقب حياته فترة من الوقت، ويتأمل في أحوال نفسه وأحوال الماضين، ~~ويتمعن في سوء عاقبة بعضهم. ويفهم نفسه أن هذه الأيام القليلة، تبلى، ويوقظ ~~قلبه ويفهمه الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه ~~وسلم حيث خاطبنا قائلا: «الدنيا مزرعة الآخرة»(1) فلو إننا لم نزرع في هذه ~~الأيام المعدودة، ولم نعمل عملا صالحا، لفاتتنا الفرصة، وإذا غشينا الموت، ~~وحل العالم الأخر، لانقطعت أعمالنا جميعا وذهبت آمالنا نهائيا. وإذا جاء ~~ملك الموت ونحن لا نزال عبيد الشهوات وأسارى قيود أهواء النفس المتشعبة ~~والعياذ بالله لكان من الممكن للشيطان أن يسرق إيماننا الذي هو غايته ~~القصوى وأن يحتال ويتراءى أمام قلبنا بصورة نخرج من الدنيا ونحن أعداء الحق ~~المتعالي والأنبياء والأولياء. والله سبحانه يعرف ماذا وراء هذا الحجاب من ~~الشقاوات والظلمات والوحشة؟. فيا أيتها النفس الدنيئة ويا أيها القلب ~~الساهي استيقظا وأنهضا أمام هذا العدو الذي ألجمكما منذ سنين وربطكما ~~بأغلال الأسر وقادكما إلى كل جهة حيث يريد، ودفع بكما إلى كل عمل قبيح ~~وسلوك بشع وأجبركما عليه. وحطما هذه القيود، وكسرا هذه السلاسل، وكن أيها ~~الإنسان حرا، وادفع عن نفسك الذل والهوان، وضع في رقبتك طوق العبودية للحق ~~جل وجلاله حتى تتحرر من كل عبودية وترقى إلى السلطة الإلهية في العالمين. ~~أيها العزيز على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافأة وليس ~~بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن(2)، فلو تحررت من أسر ~~النفس، وأصبحت عبدا للحق المتعالي، وجعلت القلب موحدا، وأجليت مرآة روحك من ~~غبار النفاق والأثنينية، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق، ~~لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم، ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلا ms206 لظهور ~~السلطنة التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم «لا يسعني ~~أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (غوالي اللئاليء، المجلد ~~الرابع، ص7) ولشعرت غنى واضحا في النفس، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية ~~والمادية، ولأصبحت إرادتك قوية، حيث لم تفكر في عالمي الملك والملكوت، ولم ~~تجد لهما اللياقة لاحتضانك. بيت شعر: هل رأيت تحليق الطير؟. انسلخ من أغلال ~~الشهوة حتى ترى تحليق الإنسان!(3). # فصل: معنى الصبر PageV01P144 وأنه نتيجة التحرر من قيود النفس من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة لتحرر ~~الإنسان من عبودية النفس، الصبر في البلايا والنوائب. وعلينا أن نشرح معنى ~~الصبر بصورة مختصرة مع ذكر أقسامه ونتائجه، وارتباطه بالتحرر من أسر النفس. ~~قال محقق الطائفة الحقة ومدقق الفرقة المحقة، الكامل في العلم والعمل نصير ~~الدين الطوسي(1) قدس الله نفسه القدوسية في تعريف الصبر: إنه كف النفس عن ~~الجزع عند حلول مكروه(2). وقال العارف المحقق المشهور في كتاب «منازل ~~السائرين» انه: امتناع النفس عن الشكوى على الجزع المستور(3) (انتهى). # واعلم إن الصبر يعتبر من مقامات المتوسطين، لأن النفس ما دامت تكره ~~المصائب والبليات، وتجزع منها، يكون مقام معرفته ناقصا، كما أن مقام الرضا ~~بالقضاء، والابتهاج من إقبال المصائب عليه، مقام أرقى من مقام الصبر، رغم ~~كون مقام الرضا من مقامات المتوسطين أيضا. وهكذا يكون الصبر على المعصية ~~والطاعة، من جراء نقص المعرفة بأسرار العبادة وصور المعاصي والطاعات. فان ~~الإنسان إذا أدرك حقيقة العبادة وآمن بصورها البهية البرزخية، وكذلك آمن ~~بالصور البرزخية الموحشة للمعاصي لما كان للصبر على الطاعة أو المعصية وقع. ~~بل الأمر يغدو معكوسا. فإنه إذا واجه ابتهاجا وراحة أو أفضى به الأمر إلى ~~ترك عبادة أو فعل معصية، لأصبحت هذه الأمور مكروهة عنده وكان جزعه الباطني ~~النفسي أكثر من جزع ذوي الصبر في البليات والمصائب. نقل عن العبد الصالح، ~~العارف بوظائف العبودية وصاحب المقامات والكرامات علي بن طاووس قدس الله ~~نفسه أنه كان يحتفل في كل عام يوم ذكرى بلوغه للتكليف الشرعي، ويتخذه عيدا ~~وينثر ms207 الهدايا على الأصدقاء والأهل، وذلك لما شرفه الله سبحانه وتعالى في ~~اليوم بالإذن في فعل العبادات والطاعات(4). # هل إن فعل الطاعات يعد لهذا الروحاني من الصبر على المكروهات الكامنة في ~~أعماق الإنسان؟ أين نحن وأين هؤلاء العباد المنقادون للحق تبارك وتعالى؟ ~~نحن نحسب بأن الحق تبارك وتعالى قد كلفنا وشدد علينا، ونعتبر الأحكام ~~الشرعية كلفة وازعاجا. # وإذا بذل أحدنا الجهد في أول الوقت لأداء الفريضة، لقال أنه المفروض علي، ~~ويجب في أقرب وقت أن أرتاح منه! كل هذه التعاسة من جهلنا وقلة علمنا ونقص ~~أو فقدان إيماننا. وعلى أي حال فالحقيقة أن الصبر هو الامتناع عن الشكوى ~~على الجزع الكامن. PageV01P145 # وما ورد في أئمة الهدى أو الأنبياء العظام من نعتهم بالصبر، فمن المحتمل ~~أنه من الصبر على الآلام الجسدية التي تسبب الانفعال والتأثر حسب طبيعة ~~الإنسان أو من الصبر على فراق الأحبة وهو حينئذ من المقامات الكبيرة ~~للمحبين فيصح الحديث عنه في تراجم حياتهم. وأما الصبر على الطاعات أو ~~المعاصي أو النوائب عدا ما ذكرنا الآلام الجسمية فلا معنى لها في حقهم ~~ولا في حق شيعتهم. يقول العارف المعروف كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني في ~~كتابه شرخ المنازل: إن هدف خواجة الأنصاري من قوله إن الصبر كف النفس عن ~~الشكوى. هو الشكوى إلى المخلوق وأما الشكوى عند الحق المتعالي واظهار الجزع ~~والفزع أمام قدسيته فلا تتنافى مع الصبر. كما اشتكى النبي أيوب عند الحق ~~سبحانه قائلا: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} (ص41). رغم أن الله تعالى ~~أثنى عليه بقوله: {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} (ص44). وقال النبي ~~يعقوب {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف/ 86) مع أنه كان من الصابرين. ~~بل إن ترك الشكوى إلى الحق المتعالي إظهار للجلادة وللدعوى (انتهى). # ويبدو من تراجم حياة الأنبياء العظام والأئمة المعصومين صلوات الله ~~عليهم أجمعين رغم أن مقاماتهم كانت أرفع من مقام الصبر ومقام الرضا ~~والتسليم. إنهم لم يمتنعوا من الدعاء والتضرع والعجز أمام المعبود، وكانوا ~~يسألون حاجاتهم من الحق ms208 سبحانه. وهذا لا يكون مغايرا للمقامات الروحية، بل ~~إن تذكر الحق جل وعلا والخلوة والمناجاة مع المحبوب وإظهار العبودية والذل ~~أمام عظمة الكامل المطلق، غاية آمال العارفين وثمرة سلوك السالكين. # فصل: في نتائج الصبر # اعلم أن للصبر نتائج كثيرة التي منها ترويض النفس وتربيتها: إذا صبر ~~الإنسان حينا من الوقت على المفاجئات المزعجة ونوائب الدهر، وعلى مشاق ~~العبادات والمناسك وعلى مرارة ترك الملذات النفسية امتثالا لأوامر ولي ~~النعم، وتحمل الصعاب مهما كانت شديدة ومؤلمة، تروضت النفس شيئا فشيئا، ~~واعتادت وتخلت عن طغيانها، وتذللت صعوبة تحمل المشاق، عليها، وحصلت للنفس ~~ملكة راسخة نورية، بها يتجاوز الإنسان مقام الصبر ليبلغ المقامات الأخرى ~~الشامخة. بل إن الصبر على المعصية يبعث على تقوي النفس، والصبر على الطاعة ~~يسبب الاستيناس بالحق عز وجل، والصبر على البلايا يوجب الرضا بالقضاء ~~الإلهي، وكل ذلك من المقامات الشامخة لأهل الإيمان، بل لأهل العرفان. وقد ~~ورد في الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة ثناء بليغ على الصبر. كما جاء ~~في الكافي الشريف عن الأمام الصادق عليه السلام: قال: «الصبر من الإيمان ~~بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس، ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الصبر، ~~ذهب الإيمان»(1). وفي حديث آخر عن الأمام السجاد علي بن الحسين عليهما ~~السلام: قال: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا ~~صبر له»(2). PageV01P146 # والأحاديث كثيرة في هذا الباب. ونحن سنأتي على ذكر بعضها عند توفر ~~المناسبة. إن الصبر مفتاح أبواب السعادات، وباعث للنجاة من المهالك بل ~~الصبر يهون المصائب، ويخفف الصعاب، ويقوي العزم والإرادة، ويبعث على ~~استقلالية مملكة الروح. وأما الفزع والجزع فمضافا على أنه عيب، وكاشف عن ~~الضعف في النفس، يجعل الإنسان مضطربا، والإرادة ضعيفة والعقل موهونا. يقول ~~المحقق الخبير الخواجة بصير الدين الطوسي: «وهو أي الصبر يمنع الباطن عن ~~الاضطراب، واللسان عن الشكاية، والأعضاء عن الحركات الغير المعتادة». وعلى ~~العكس فإن الإنسان غير الصابر، قلبه مضطرب، وباطنه موحش ونفسه قلقة ~~ومهزوزة. وهذا بنفسه بلية فوق جميع البلايا، ومصيبة من ms209 أعظم المصائب التي ~~تحل بالإنسان، وتسلب منه الراحة والقرار. وأما بالصبر فتخف الرزية، ويتغلب ~~القلب على النوائب والبلايا، وتنتصر إرادة الإنسان على المصائب. ولذا نجد ~~الإنسان الغير صابر، يشكو عند من هو أهل للشكاية، ومن هو ليس أهل للشكاية، ~~وهذا الأمر زائدا على أنه يؤدي إلى الفضيحة لدى الناس. والاشتهار بالضعف ~~بينهم وعدم الجلادة، فإنه يسقطه من أعين الناس ويحط من كرامته لدى ملائكة ~~الله، وأمام جلال القدس الربوبي. إن العبد الذي لا يتحمل مصيبة واحدة نازلة ~~عليه من الحق المتعالي والحبيب المطلق والذي إذا واجه بلية واحدة رفع صوته ~~بالشكوى من ولي نعمه أمام المخلوق، رغم نزول البركات عليه وتلقيه آلاف آلاف ~~النعم، مثل هذا العبد أي إيمان له؟ وأي تسليم له أمام المقام المقدسي للحق؟ ~~فيصح أن يقال: من لا صبر له لا إيمان له. لو كنت مؤمنا بالحضرة الربوبية، ~~ورأيت مجاري الأمور بيد قدرته الكاملة، ولا يكون لأحد يد في الحوادث ~~والأمور، لما اشتكيت من حوادث الأيام والبليات أمام غير الحق تعالى، بل ~~لاستقبلتها بكل حفاوة وتكريم وشكرت نعم الحق سبحانه. فكل الاضطرابات ~~النفسية والشكاوى اللسانية والحركات الغير اللائقة والغير المعتادة ~~للأعضاء، تشهد بأننا لسنا من ذوي الإيمان، فما دامت النعمة موفورة، شكرنا ~~ربنا شكرا ظاهريا لا لب له، بل يكون لأجل طمع الزيادة، وحينما تواجهنا ~~مصيبة واحدة أو يحل بنا ألم ومرض، اشتكينا من الحق المتعالي لدى الناس ~~وغمزنا فيه، واعترضنا عليه، وأبدينا الشكوى أمام كل من هو أهل ومن هو ليس ~~بأهل وتتحول الشكاوى والجزع والفزع في النفس إلى بذور البغض تجاه الحق ~~والقضاء الإلهي، ثم ينمو شيئا فشيئا ويشتد حتى يتحول إلى ملكة، بل لا سمح ~~الله تتحول الصورة الداخلية للذات صورة البغض لقضاء الحق، والعداء للذات ~~المقدس. وحين ذلك يفلت الزمام من اليد، ويزول الاختيار عن الإنسان، ولا ~~يستطيع أن يفعل شيئا لتحسين الوضع وضبط الأوهام، ويتلون الظاهر والباطن ~~بلون العداء للحق سبحانه تعالى، وينتقل من هذا العالم وهو قطعة من البغض ~~والعداء ms210 لمالك النعم، فيبتلي بالشقاء الأبدي والظلام الدائم. PageV01P147 # وأعوذ بالله من سوء العاقبة والإيمان المستعار المستودع. فيكون كلام ~~المعصوم عليه السلام صحيحا حيث يقول: عندما يذهب الصبر يذهب الإيمان. فيا ~~أيها العزيز أن الموضوع خطير، والطريق محفوف بالمخاطر، فابذل من كل وجودك ~~الجهد واجعل الصبر والثبات من طبيعتك، أمام حوادث الأيام وانهض أمام ~~النكبات والرزايا، ولقن النفس بأن الجزع والفزع مضافا إلى أنهما عيبان ~~فادحان، لا جدوى من ورائهما للقضاء على المصائب والبليات، ولا فائدة من ~~الشكوى على القضاء الإلهي وعلى إرادة الحق عز وجل أمام المخلوق الضعيف الذي ~~لا حول له ولا قوة. كما أشير إلى ذلك في الحديث الشريف المنقول في الكافي: ~~«محمد بن يعقوب بإسناده عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن عليه السلام ~~قال: قال لي: ما حبسك عن الحج؟ قال: قلت: جعلت فداك، وقع علي دين كثير وذهب ~~مالي، وديني الذي قد لزمني هو أعظم من ذهاب مالي، فلولا أن رجلا من أصحابنا ~~أخرجني ما قدرت أن أخرج، فقال لي: إن تصبر تغتبط وإلا تصبر ينفذ الله ~~مقاديره راضيا كنت أم كارها»(1). فاعلم بأن الجزع والفزع لا يجديان، بل ~~لهما أضرار مخيفة ومهالك تنسف الإيمان. وأم الصبر والجلادة فلهما الثواب ~~الجزيل والأجر الجميل والصورة البهية البرزخية الشريفة كما ورد في ذيل ~~الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه حيث يقول: «وكذلك الصبر يعقب خيرا ~~فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا». فعاقبة الصبر إلى الخير في هذه ~~الدنيا كما يستفاد من التمثيل بالنبي يوسف عليه السلام في الحديث المذكور ~~يبعث على الأجر والثواب في يوم الآخرة. وفي الحديث الشريف المنقول في ~~الكافي بسنده إلى أبي حمزة الثمالي رحمه الله قال: «من ابتلي من المؤمنين ~~ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد».(2) ووردت أحاديث كثيرة في هذا ~~المضمار. ونحن سنذكر بعضها في الفصل القادم. وأما أن للصبر صورة بهية ~~برزخية، فمضافا إلى أنها تتطابق مع بعض الأدلة نجد الأحاديث الشريفة أيضا ~~تتحدث عنها. كما في الكافي الشريف ms211 عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إذا ~~دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر مطل عليه ~~ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر ~~للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم فإن عجزتم منه فأنا دونه»(3). # فصل: في درجات الصبر PageV01P148 اعلم أن للصبر درجات حسب ما يفهم من الأحاديث الشريفة. ويختلف الأجر ~~والثواب عليه على ضوء مراتبه. كما في الكافي الشريف مستندا إلى مولى ~~المتقين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. «قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن ~~المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها، كتب الله له ستمائة ~~درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة ~~كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى ~~العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى ~~الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش»(1). ويفهم من هذا الحديث بأن ~~الصبر على المعصية أفضل من كل مراتب الصبر حيث تكون درجات أكثر، والفواصل ~~بين درجاته كبيرة جدا. ويفهم أيضا بأن مساحة الجنة أوسع مما في أوهامنا نحن ~~المحجوبين والمقيدين. ولعل ما ورد في تحديد الجنة من قوله تعالى: {عرضها ~~السماوات والأرض}(2). عائد إلى جنة الأعمال، وما ورد في هذا الحديث الشريف، ~~جنة الأخلاق، والمقياس في جنة الأخلاق، قوة الإرادة وكمالها، وهي غير ~~محدودة بحد. وقال بعض بأن المقصود في الحديث الشريف تحديد الجنة من جهة ~~العلو والارتفاع، وفي الآية المباركة من جهة العرض، ولا تنافس بينهما إذ ~~أنه من الممكن أن يتحدا من ناحية العرض ويختلفان من ناحية الارتفاع. وهذا ~~بعيد، لأن الظاهر من «العرض» المساحة لا ما يقابل الطول. كما أنه ليس ~~للسماوات والأرض عرضا بالمعنى المقابل للطول حسب المتفاهم العرفي واللغوي، ~~وان كان لهما عرض بمعنى البعد الثاني في مصطلح الطبيعيين، والقرآن الكريم ms212 ~~لا يتكلم على أساس المصطلحات العلمية. # وفي الكافي الشريف مستندا إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وأله وسلم : سيأتي على الناس زمان لا ينال فيه الملك ~~إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغضب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج ~~الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على ~~الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على ~~العز أتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي»(3). ونقل حديث آخر أيضا عن ~~الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بهذا المضمون وعلى أي حال فإن الأحاديث ~~في هذا الموضوع كثيرة. ونحن نكتفي بهذا القدر من الأحاديث الشريفة. # فصل: في بيان درجات صبر أهل المعرفة PageV01P149 اعلم أن ما ذكرناه إلى هنا، يعود إلى عامة الناس والمتوسطين كما ذكرت في ~~أول فصل من هذه الفصول المذكورة من أن الصبر قد عد من مقامات المتوسطين ~~من الناس. ولكن للصبر درجات أخرى ترجع إلى أهل السلوك والعرفاء والكملين ~~والأولياء. حيث أن منها: (الصبر في الله) وهو الثبات في المجاهدة وترك ما ~~هو متعارف عليه لدى الناس ومألوف عندهم. بل ترك نفسه في سبيل الحبيب. وهذا ~~المقام عائد لأهل السلوك. والمرتبة الأخرى (الصبر مع الله) وهو لأهل الحضور ~~ومشاهدي الجمال حين الخروج من جلباب الإنسانية، والتجرد عن ملابس الأفعال ~~والصفات ولدى تجلي القلب بتجليات الأسماء والصفات، وتوارد واردات الأنس ~~والهيبة، وحفظ النفس من التلونات، والغياب عن مقام الأنس والشهود. # والمرتبة الثالثة (الصبر عن الله) وهو من درجات العشاق والمشتاقين من أهل ~~الشهود والعيان عندما يعودون إلى عالمهم ويرجعون إلى عالم الكثرات والصحو. # وهذا من أصعب مراتب الصبر وأقسى المقامات. وقد أشار إلى هذه المرتبة مولى ~~السالكين وإمام الكملين أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الشريف ~~الموسوم بدعاء كميل: «فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي صبرت على عذابك فكيف أصبر ~~على فراقك». # وروي أن شابا من المحبين سأل الشبلي عن الصبر فقال: أي الصبر أشد؟ فقال: ms213 ~~الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر بالله. فقال: لا. فقال: الصبر على الله. ~~فقال: لا. فقال: الصبر في الله. فقال: لا. فقال: الصبر مع الله. فقال: لا. ~~فقال: ويحك فأي؟ فقال: الصبر عن الله فشهق الشبلي وخر مغشيا عليه «(شرح ~~منازل السائرين، باب الصبر، ص 88). والمرتبة الرابعة (الصبر بالله) وهو ~~لأهل التمكين والاستقامة حيث يحصل بعد الصحو والبقاء بالله وبعد التخلق ~~بأخلاق الله، ولا نصيب فيه إلا للكملين. وحيث أنه لا حظ لنا في هذه المراتب ~~ولا نصيب، لم نتطرق في هذه الأوراق للبحث المفصل عن ذلك. # والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. ### | AUTO الحديث السابع عشر: التوبة # بالسند المتصل إلى الإمام الأقدم حجة الفرقة ورئيس الأمة، محمد بن يعقوب ~~الكليني رضي الله عنه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ~~الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام ~~يقول:» إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة. ~~فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: ينسى ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ثم يوحى ~~إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي عليه ما كان ~~يعمل عليك من الذنوب. فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من ~~الذنوب) (1). # الشرح: # اعلم أن التوبة من المنازل المهمة الصعبة. وهي عبارة عن الرجوع من عالم ~~المادة إلى روحانية النفس، بعد أن حجبت هذه الروحانية ونور الفطرة، بغشاوات ~~ظلمانية من جراء الذنوب والمعاصي. PageV01P150 # وتفصيل هذا الإجمال بإيجاز هو: أن النفس في بدء فطرتها خالية من كل أنواع ~~الكمال والجمال والنور والبهجة، كما أنها تكون خالية أيضا من أضداد هذه ~~الصفات المذكورة الأربعة فكأن النفس صفحة نقية من كل رسم ونقش، لا توجد ~~فيها الكمالات الروحية ولا تتصف بالنعوت المضادة لها. ولكن قد أودع فيها ~~نور الاستعداد والأهلية لنيل أي مقام رفيع أو وضيع، وأنشأت فطرتها على ~~الاستقامة، وعجنت طينتها بالأنوار الذاتية. وعندما تجترح سيئة، ms214 تحصل في ~~القلب ظلمة وسواد. وكلما ازدادت المعاصي تضاعفت الظلمة والسواد، إلى أن ~~يغشى الظلام والسواد القلب كله، وينطفئ نور الفطرة ويبلغ مرتبة الشقاء ~~الأبدي. فإذا انتبه الإنسان قبل أن يستوعب الظلام القلب كله، ثم اجتاز منزل ~~اليقظة ودخل على منزل التوبة واستوفى حظوظ هذا المنزل حسب الشرائط التي ~~سنأتي على ذكرها إجمالا في هذه الصفحات، زالت الحالات الظلمانية والكدورات ~~الطبيعية وعاد إلى الحالة الفطرية النورية الأصيلة والروحانية الذاتية ~~وكأنها تنقلب النفس إلى صفحة خالية من جميع الكمالات وأضدادها. كما ورد ~~في الحديث الشريف المشهور «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1). # فتبين أن حقيقة التوبة هي الرجوع من عالم الطبيعة وآثارها ومضاعفاتها إلى ~~عالم الروحانية والفطرة. كما أن حقيقة الإنابة رجوع من الفطرة والروحانية ~~إلى الله والسفر والهجرة من بيت النفس نحو بيت القصيد. فمنزل التوبة سابق ~~ومقدم على منزل الإنابة، ولا يناسب تفصيل ذلك في هذا المقال. ### || AUTO فصل: نقطة هامة # على سالك طريق الهداية والنجاة، الانتباه إلى نقطة هامة: هي أن التوفيق ~~إلى التوبة الصحيحة الكاملة مع توفير شرائطها التي سنذكرها من الأمور ~~الصعبة، وقليلا ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذا المقصد. بل إن اقتراف ~~الذنوب وخاصة المعاصي الكبيرة يجعلان الإنسان غافلا عن ذكر التوبة نهائيا. ~~وإذا ما أثمرت وقويت شجرة المعاصي في مزرعة قلب الإنسان وتحكمت جذورها، ~~ستكون لها نتائج وخيمة: منها حث الإنسان على الانصراف كليا عن التفكير في ~~التوبة، وإذا تذكرها أحيانا تكاسل في إجرائها وأجلها وقال: «اليوم أو غدا ~~وهذا الشهر أو الشهر المقبل، ويخاطب نفسه قائلا إنني أتوب آخر العمر وأيام ~~الشيخوخة توبة صحيحة». وإنه يغفل عن أن هذا مكر مع الله (والله خير ~~الماكرين) (2). فلا يتوقع الإنسان أنه بعد أن تقوى جذور الذنوب في نفسه، ~~يستطيع أن يتوب أو يقوم بتوفير شروط التوبة. إن أفضل أيام التوبة وربيعها ~~هي فترة أيام الشباب. لأن الذنوب أقل وشوائب القلب وظلمات الباطل أخف، ~~وشروط التوبة أسهل وأيسر. وقد يكثر في سن الشيخوخة حرص ms215 الإنسان وطمعه وحبه ~~للمال ويزداد طول أمله وقد أثبتت التجربة ذلك. # والحديث النبوي الشريف أفضل شاهد على هذه المقولة. وإذا افترضنا أن ~~الإنسان يستطيع القيام بهذا العمل (التوبة) في سن الشيخوخة. فما هو الضمان ~~للوصول إلى سن الشيخوخة وعدم إدراكه الأجل المحتوم أيام الشباب على حين ~~غرة، وهو مشغول بارتكاب الذنوب والعصيان؟ إن انخفاض عدد المسنين، دليل على ~~أن الموت أقرب إلى الشباب منه إلى الشيخ. إننا في المدينة التي يبلغ ~~تعدادها على خمسين ألف نسمة لم نجد خمسين شيخا يناهز عمر كل منهم ثمانين عاما!. # فيا أيها العزيز كن على حذر من مكائد الشيطان ولا تمكر على الله ولا ~~تحتال عليه بأن تقول أعيش خمسين عاما أو أكثر مع الأهواء، ثم استغفر ربي ~~لدى الموت وأستدرك الماضي، لأن هذه أفكار واهية. PageV01P151 # إذا سمعت أو علمت من الحديث الشريف أن الله سبحانه وتعالى قد تفضل على هذه ~~الأمة بتقبل توبتهم قبل مشاهدة آثار الموت أو عند الموت فذلك صحيح، ولكن ~~هيهات أن تتحقق التوبة من الإنسان في ذلك الوقت. # هل تظن أن التوبة مجرد كلام يقال؟ إن القيام بالتوبة لعمل شاق. إن الرجوع ~~إلى الله والعزم على عدم العودة إلى الذنب يحتاج رياضة علمية وعملية، إذ ~~نادرا ما يحدث للإنسان أن يفكر لوحده بالتوبة أو يتوفق إليها أو يتوفق إلى ~~توفير شرائط صحة التوبة وقبولها أو إلى توفير شرائط كمالها. إذ من الممكن ~~أن يدركه الموت قبل التفكير في التوبة أو إنجازها وينقله من هذه النشأة مع ~~المعاصي التي تنوء بالإنسان ومع ظلمات الذنوب اللامتناهية وفي ذلك الوقت ~~يعلم الله وحده المصائب والمحن التي سوف يواجهها!. # ليس من السهل أن يتدارك الإنسان في العالم الآخر معاصيه، فإذا كان من أهل ~~النجاة وممن عاقبة أمره سعيدة: إذ لابد من متاعب وضغوطات ونيرانا حتى يصبح ~~الإنسان أهلا لرحمة أرحم الراحمين. # إذا أيها العزيز! عجل في شد حيازيمك، وأحكام عزيمتك وقوتك الحاسمة وأنت ~~في أيام الشباب أو على قيد الحياة في هذه الدنيا ms216 وتب إلى الله، ولا تسمح ~~لهذه الفرصة التي أنعم الله بها عليك أن تخرج من يدك، ولا تعبأ بتسويف ~~الشيطان ومكائد النفس الأمارة. # نقطة هامة # ويجب الانتباه إلى نقطة هامة أخرى: هي أن الشخص التائب بعد توبته لا ~~يستعيد الصفاء الداخلي الروحاني والنور الخالص الفكري السابق كما أنك لو ~~سودت صفحة بيضاء ثم حاولت أن تعالج السواد وتزيله عنها لم تعد الصفحة إلى ~~حالتها الأولى من البياض الناصع. وكذلك الإناء المكسور إذا أصلحناه فمن ~~الصعب أن يعود إلى حالته السابقة. إنه لبون شاسع بين خليل يكون مخلصا مع ~~الإنسان طوال العمر، وصديق يخونك ثم يعتذر عن تقصيره. # فضلا عن أن قليلا ما ترى شخصا يستطيع القيام بوظائف التوبة بشكل صحيح. # إذا، يجب على الإنسان أن يتجنب ما أمكن ارتكاب المعاصي والذنوب، لأن ~~إصلاح النفس بعد إفسادها من الأعمال الشاقة. وإذا تورط لا سمح الله في ~~مصيبة وجب عليه بشكل عاجل أن يفكر في العلاج لأن إصلاح الفساد القليل يتم ~~أسرع وبكيفية أحسن. # أيها العزيز! لا تمر على هذا المقام من دون مبالاة ولا اهتمام. فكر في ~~حالك وعاقبة أمرك، وراجع كتاب الله وأحاديث خاتم الأنبياء وأئمة الهدى ~~سلام الله عليهم أجمعين وكلمات علماء الأمة وأحكام العقل الوجدانية. افتح ~~على نفسك هذا الباب الذي يعد مفتاح الأبواب الأخرى، وادخل في هذا المقام ~~الذي يعتبر من أهم المنازل الإنسانية، بالنسبة إلينا وكن مهتما فيه وواظب ~~عليه وأطلب من الله عز وجل التوفيق في الوصول إلى المطلوب، واستعن بروحانية ~~الرسول الأكرم وأئمة الهدى سلام الله عليهم والتجئ إلى ولي الأمر وناموس ~~الدهر إمام العصر عجل الله فرجه وبالطبع إنه ينجي الضعفاء والعجزة ويعين ~~المحتاجين. ### || AUTO فصل: في أركان التوبة # اعلم أن للتوبة الكاملة أركانا وشروطا. ولولا تحققها لما تحققت التوبة ~~الصحيحة. ونحن نذكر الأركان وشرائطها الهامة: # إن من أهم الشروط الذي يعتبر ركنا ركينا للتوبة هو الندامة على الذنوب ~~والتقصير في أداء التكاليف الشرعية. ومنها: العزم على عدم العودة إلى الذنوب PageV01P152 نهائيا. وفي ms217 الحقيقة أن هذين الأمرين يحققان حقيقة التوبة ويعتبران من ~~مقوماتها الذاتية. والعمدة في هذا الباب تحصيل هذا المقام وإنجاز هذه ~~الحقيقة على نحو يتذكر الإنسان تأثير معاصيه في روحه وعواقبها في عالم ~~البرزخ ويوم القيامة كما هو مقرر في المعقول والمنقول ومبرهن عليه لدى أهل ~~العلم والمعرفة، ومأثور في أخبار أهل بيت العصمة عليهم السلام من أن ~~للمعاصي في عالم البرزخ والقيامة صورا تتناسب معها وهذه الصور في ذلك ~~العالم تكون ذات حياة وإرادة حيث تعذب الإنسان المذنب وتسئ إليه عن شعور ~~وإرادة. وإن نار جهنم أيضا تحرق الإنسان عن إرادة ووعي لأن تلك النشأة نشأة ~~الحياة. # ففي ذلك العالم صورا تحشر معنا من جراء أعمالنا الحسنة أو القبيحة. وقد ~~ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة صراحة وتلويحا ذكر لهذا الموضوع. # ويتطابق مع مسلك الحكماء الإشراقيين، وذوق أهل السلوك ومشاهدات أصحاب ~~العرفان. وكذلك تترك كل معصية في الروح أثرا عبر عنه في الأحاديث الشريفة ~~بالنقطة السوداء وهي ظلام ظهر في القلب والروح ثم تتوسع هذه النقطة حتى ~~تسوق الإنسان إلى الكفر والزندقة والشقاوة الأبدية. وقد فصلنا ذلك في ~~الفصول السابقة. فالإنسان العاقل لو انتبه لهذه المعاني واعتنى بكلام ~~الأنبياء والأولياء عليهم السلام والعرفاء والحكماء والعلماء رضوان الله ~~عليهم بقدر اعتنائه بقول طبيب معالج، لابتعد لا محالة عن المعاصي ولم ~~يقترب منها أبدا. وإذا ابتلي بالمعصية لا سمح الله أبدى بسرعة تبرمه ~~وانزعاجه منها وندم عليها وظهرت صورة ندمه في قلبه وتكون نتيجة هذه الندامة ~~عظيمة جدا، وآثارها حسنة وكثيرة ثم يحصل من جراء ندمه العزم على ترك ~~المعصية وترك مخالفة رب العالمين. وعندما يتوفر هذان الركنان الندم على ~~اقتراف المعصية والعزم على عدم العودة إليها يتيسر أمر سالك طريق الآخرة، ~~وتغمره التوفيقات الإلهية ليصبح حسب النص القرآني (إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين) (1). وهذه (2) الرواية الشريفة، محبوبا لله تعالى إذا كان ~~مخلصا في توبته. إنه يجب على الإنسان بالرياضة العلمية والعملية وبالتفكر ~~والتدبر اللائق أن يسعى في سبيل تحقيق التوبة ms218 ويجب عليه أن يفهم بأن ~~المحبوبية عند الله لا تقدر في حساب. والله يعلم بأن صورة حب الحق في تلك ~~العوالم من أي نوع من الأنوار المعنوية والتجليات الكاملة تكون؟ وإن الله ~~سبحانه كيف يتعامل مع محبوبه؟ أيها الإنسان كم أنت ظلوم وجهول؟! ولا تقدر ~~نعم ولي النعم. إنك تعصي وتعادي سنين وسنين ولي نعمك الذي وفر لك كل وسائل ~~الرفاه والراحة من دون أن تعود منها عليه والعياذ بالله بجدوى وفائدة، ~~وطيلة هذه الفترة قد هتكت حرمته وطغيت عليه ولم تخجل منه أبدا ولكنك إذا ~~ندمت على ما فعلت ورجعت إليه، أحبك الله وجعلك محبوبا له (إن الله يحب ~~التوابين) فما هذه الرحمة الواسعة والنعم الوافرة؟. # إلهي! نحن عاجزون عن شكر آلائك، وألسنة البشر وجميع الأحياء في هذا الكون ~~مصابة باللكنة تجاه الحمد والثناء عليك ولا يسعنا إلا أن ننكس رؤوسنا ~~ونعتذر لك لعدم حيائنا منك. من نحن حتى نستحق رحمتك؟ ولكن سعة رحمتك وشمول ~~نعمتك أوسع من تقديرنا لها «أنت كما أثنيت على نفسك» (3). PageV01P153 # وأيضا، يجب على الإنسان أن يقوي في قلبه صورة الندامة كي يحترق القلب إن ~~شاء الله تعالى. وذلك بأن يفكر في الآثار الموحشة للمعاصي وعواقبها. ويعمل ~~على تقوية الندامة في قلبه ويضرم النار في قلبه على غرار (نار الله ~~الموقدة) ويحرق قلبه في نار الندامة حتى تحترق مع نار الندامة جميع المعاصي ~~وتزول الكدورة عن القلب وصدئه. وليعلم أنه إذا لم يضرم بنفسه هذه النار ~~الندامة ولم يفتح في وجهه باب جهنم هذه التي تكون بذاتها الباب الرئيسي ~~لأبواب الجنة، فعندما ينتقل من هذا العالم تهيأت له لا محالة في ذلك العالم ~~نار عاتية، وتفتح في وجهه أبواب جهنم وتوصد في وجهه أبواب الجنة والرحمة. # إلهي ألهمنا صدرا محترقا واقذف في قلوبنا جذوة من نار الندامة واحرقه مع ~~هذه النار «الندامة» الدنيوية، وأزل عن قلوبنا الكدر والغبرة، واخرجنا من ~~هذا العالم من دون مضاعفات المعاصي إنك ولي النعم وعلى كل شيء قدير. ### || AUTO فصل: ms219 في شروط التوبة # ذكرنا في الفصل السابق أركان التوبة. وسوف نذكر شروط قبولها وشروط كمالها ~~مرتبا. ثم أن عمدة شروط القبول أمران كما أن عمدة شروط الكمال أمران أيضا. # ونحن نذكر في هذا الفصل الكلام الشريف لمولى الموالي الذي هو في الواقع ~~من جوامع الكلام، ومن كلام الملوك وملوك الكلام. # روي في نهج البلاغة أن قائلا قال بحضرته عليه السلام: أستغفر الله، فقال ~~له: «ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم ~~واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى. الثاني العزم على ترك العود ~~إليه أبدا. والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقي الله سبحانه ~~أملس ليس عليك تبعة. الرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها. ~~والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتديبه بالأحزان حتى تلصق ~~الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما ~~أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله» (1). PageV01P154 # يشتمل هذا الحديث الشريف على ركنين من أركان التوبة هما: الندامة والعزم ~~على العودة وعلى شرطين مهمين للقبول: هما إرجاع حقوق المخلوق لأهلها ورد ~~حقوق الخالق لله سبحانه. ولا تقبل التوبة من الإنسان بقوله أستغفر الله. إن ~~على الإنسان التائب أن يرد كل ما أخذه من الناس من دون حق إلى أصحابه وإذا ~~وجد حقوقا أخرى للناس في ذمته واستطاع أن يؤديها إلى أصحابها أو يطلب ~~السماح منهم، يجب أن لا يتوان في ذلك. وأن يقضي كل الفرائض الإلهية أو ~~يؤديها. وإذا تعذر عليه إنجاز ذلك أدى المقدار الميسور منه. وليعلم أن لكل ~~هذه الحقوق أصحاب سيطالبونه بها في النشأة الأخرى بأشق الأحوال وليس له في ~~ذلك العالم وسيلة لأداء هذه الحقوق، إلا أن يتحمل ذنوب الآخرين، ويدفع ~~إليهم أعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزا وشقيا ولا يملك طريقا للخلاص وملجأ ~~للاستخلاص. أيها العزيز إياك أن تسمح للشيطان والنفس الأمارة بالبهيمة عليك ~~والوسوسة في قلبك فيصوران لك العملية جسيمة وشاقة ويصرفانك عن ms220 التوبة. اعلم ~~بأن إنجاز الشيء القليل من هذه الأمور يكون أفضل. ولا تيأس من رحمة الله ~~ولطفه، حتى وإن كانت عليك صلاة كثيرة وصيام غير قليل، وكفارات عديدة، وحقوق ~~إلهية كثيرة، وذنوب متراكمة، وحقوق الناس لا تعد، والخطايا لا تحصى. # لأن الحق المتعالي يسهل عليك الطريق عندما تقوم بخطوات حسب قدرتك في ~~اتجاهه، ويهديك سبيل النجاة. واعلم بأن اليأس من رحمة الحق من أعظم الذنوب، ~~ولا أظن أن هناك ذنبا أسوأ وأشد تأثيرا في النفس من القنوط من رحمة الله. ~~فإن الظلام الدامس إذا غشي قلب الإنسان اليائس من الرحمة الإلهية، لما أمكن ~~إصلاحه، ولتحول إلى طاغية، لا يوجد سبيل للهيمنة عليه. فإياك أن تغفل من ~~رحمة الحق عز وجل، وإياك أن تستعظم الذنوب وتبعاتها. إن رحمة الحق سبحانه ~~أعظم وأوسع من كل شيء. نصف بيت شعر: # «إن عطاء الحق غير مشروط بقابلية المعطى إليه» # ماذا كانت في بدء الأمر؟ كنت في غياهب العدم ولا توجد فيك القابلية ~~والأهلية، ولكن الحق جل وعلا، قد وهبك نعمة الوجود وكمالاته وبسط مائدة ~~النعم اللامحدودة، والرحمة اللامتناهية، وسخر لك كافة الموجودات، من دون ~~استحقاق واستعداد ومن دون سؤال ودعاء مسبق. # ثم إنك في هذا اليوم لا يكون وضعك أسوأ، من اليوم الذي كنت فيه عدما ~~صرفا، ولا شيئا بحتا. إن الله قد وعد بالرحمة والمغفرة. تقدم إلى الأمام ~~خطوة واحدة، باتجاه عتبة قدسه. فإنه سيأخذ بيدك مهما كلف الأمر. إنك إن لم ~~تستطع أن تؤدي حقوقه، فهو سيتنازل عنها. وإن لم تستطع أن تدفع حقوق الناس، ~~فإنه سيجبرها. # هل سمعت قصة الشاب الذي كان ينبش القبور في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وأله وسلم؟ # أيها العزيز إن طريق الحق سهل بسيط، ولكنه يحتاج إلى انتباه يسير، فيجب ~~العمل، لأن التباطئ والتسويف، ومضاعفة المعاصي في كل يوم، تبعث على صعوبة ~~الأمر، وأما الإقبال على العمل، والعزم على إصلاح السلوك والنفس، فيقرب ~~الطريق ويسهل العمل. # جربه، واعمل في الاتجاه المذكور، فإذا حصلت على النتيجة تبين ms221 لك صحة ~~الموضوع. وان لم تصل إلى النتيجة المتوخاة فإن طريق الفساد مفتوح ويد ~~المذنب طويلة. وأما الأمران الآخران الخامس والسادس المذكوران في الرواية ~~المنقولة عن نهج البلاغة المتقدمة اللذان ذكرهما الإمام أمير المؤمنين ~~عليه السلام، فهما من شروط كمال التوبة، والتوبة الكاملة، لأن التوبة لا ~~تتحقق ولا تقبل من دونهما ليست بكاملة. PageV01P155 # اعلم أن لكل منزل من منازل السالكين مراتب ودرجات تختلف حسب اختلاف حالات ~~قلوبهم. وإن التائب إذا أراد البلوغ إلى مرتبة الكمال، فلا بد من تدارك ما ~~تركه، وتدارك الحظوظ أيضا، يعني لا بد من تدارك اللذائذ النفسانية التي ~~لحقت به أيام الآثام والمعاصي وذلك بالسعي لمحو كل الآثار الجسمية والروحية ~~التي حصلت في مملكة جسمه ونفسه من جراء الذنوب حتى تعود النفس مصقولة كما ~~كانت في بدء الأمر، وتعود الفطرة إلى روحانيتها الأصلية. وتحصل له الطهارة ~~الكاملة. # لقد علمت بأن لكل معصية ومتعة انعكاس وأثر في الروح، كما قد يحصل أثر من ~~بعض الذنوب واللذائذ في الجسم، فلا بد للتائب أن ينتفض ويستأصل تلك الآثار ~~ويقوم بالرياضة البدنية والروحية حتى تزول منهما كل تبعات ومضاعفات الخطايا ~~والآثام، كما أمرنا الإمام علي عليه الصلاة والسلام. # فعن طريق ممارسة الرياضة الجسمية من الإمساك عن أكل المقويات والمنشطات ~~والصيام المستحب أو الواجب إذا كان في ذمته صيام واجب، يذيب اللحوم التي ~~نشأت على جسمه من الحرام والمعصية أو أيام الخطايا والآثام. # وعن طريق الرياضة الروحية من العبادات والمناسك يتدارك اللذائذ الطبيعية، ~~لأن صورة المتع الطبيعية لا تزال ماثلة في ذائقة النفس، وما دامت عالقة بها ~~فإن النفس ترغب إليها، ويعشقها القلب ويخشى من لحظة طغيان النفس وتمردها ~~على صاحبها والعياذ بالله . فلا بد على السالك لسبيل الآخرة والتائب عن ~~المعاصي أن يذيق الروح ألم الرياضة الروحية ومشقة العبادة. فإذا سهر ليلة ~~في المعصية تداركها بليلة من العبادة. وإذا عاش يوما واحدا مع اللذائذ ~~الطبيعية تداركه بالصوم والمستحبات المناسبة حتى تطهر النفس من كل آثار ~~المعاصي وتبعاته التي هي عبارة ms222 عن تعلق حب الدنيا بالنفس ورسوخه فيها، ~~وتتطهر من كل ذلك. # نعم تكون التوبة في الصورة أكمل، ويعود النور إلى فطرة النفس، ولا بد في ~~غضون اشتغاله بهذه الأمور التفكر والتدبر في نتائج المعاصي وشدة بأس الحق ~~المتعالي ودقة ميزان الأعمال وشدة عذاب عالم البرزخ والقيامة. وليعلم ~~وليلقن النفس والقلب، بأن كل ذلك نتاج وصور هذه الأعمال القبيحة والمخالفة ~~مع مالك الملوك. ونأمل بعد هذا العلم والتمعن أن تنفر النفس عن المعاصي، ~~وترتدع بشكل كامل ونهائي، وينتهي بالتوبة إلى النتيجة المطلوبة، وتتم توبته وتكمل. # فهذان المقامان من المتممات والمكملات لمنزل التوبة. والإنسان في بدء ~~الأمر عندما يريد أن يدخل مقام التوبة ويتوب إلى الله لا يظن بأن المطلوب ~~منه المرتبة الأخيرة من التوبة حتى يجد الطريق صعبا وعملية التوبة شاقة ~~فينصرف عنها ويتركها. # إن كل مقدار يساعد عليه حال السالك، في سلوكه لطريق الآخرة، يكون مطلوبا ~~ومرغوبا فيه، وعندما تطأ قدماه الطريق ييسر الله تعالى له الطريق. فلابد أن ~~لا تمنع صعوبة الطريق، الإنسان عن الهدف الأصيل، لأنه مهم جدا وعظيم جدا. ~~وإذا انتبهنا إلى جلال الهدف وعظمته، تذللت جميع الصعاب من أجله. وأي شيء ~~أعظم من النجاة الأبدية والروح والريحان الدائميان؟ وأي بلاء أعظم من ~~الهلاك الدائمي والشقاء السرمدي؟ ومع ترك التوبة والتسويف والتأجيل قد يبلغ ~~الإنسان إلى الشقاء الأبدي والعذاب الخالد والهلاك الدائم. وعند الورود على ~~مقام التوبة قد يتحول الإنسان إلى سعيد مطلق، ومحبوب للحق سبحانه. فإذا كان ~~الهدف جليلا على هذا المستوى، فلا بأس من المعاناة والآلام لأيام يسيرة. PageV01P156 # واعلم أن الدخول في مقام التوبة بالمقدار الممكن والميسور مهما كان قليلا ~~فهو مجد وناجع. قارن أمور الآخرة بالأمور الدنيوية فإن العقلاء إذا لم ~~يستطيعوا أن يحققوا مبتغاهم الأعلى والأرفع، لم يتركوا الهدف الأقل، وإذا ~~لم يستطيعوا من تحصيل الهدف الكامل المنشود فإنهم لم يغضوا الطرف عن ~~المطلوب الناقص. # وأنت أيضا إذا لم تستطع أن تحقق التوبة الكاملة، فلا تعدل عن التوبة ولا ~~تعرض عنها وحاول أن ms223 تحققها بالمستوى المستطاع والممكن. ### || AUTO فصل: في نتيجة الاستغفار # من الأمور الهامة التي لا بد للتائب أن يقدم عليها، اللجوء إلى مقام ~~غفارية الله تعالى وتحصيل حالة الاستغفار، والطلب من الحق جل جلاله ومن ~~مقام غفارية ذاته المقدس بلسان مقاله وحاله وفي السر والعلن وفي الخلوات. ~~الطلب منه بكل مذلة ومسكنه وتضرع وبكاء بأن يستر عليه ذنوبه وانعكاساته. ~~نعم إن مقام الغفارية والستارية للذات المقدس يستدعي ستر العيوب وغفران ~~تبعات الذنوب، لأن الصور الملكوتية للأعمال بمثابة وليد الإنسان، بل ألصق ~~من ذلك. وإن حقيقة التوبة وكلمات الاستغفار بمثابة اللعان ونفي الولد. # إن الحق تبارك وتعالى بسبب غفاريته وستاريته يقطع الصلة بين وليد الإنسان ~~الصور الملكوتية للأعمال المحرمة والإنسان، بواسطة لعان المستغفر. ويحجب ~~عن تلك المعصية كل الكائنات التي اطلعت على أحوال الإنسان من الملائكة، ~~وكتاب صحائف الجرائم، والزمان والمكان وأعضاء نفس الإنسان وجوارحه، وينسيهم ~~جميعا تلك المعصية. كما أشير إليه في الحديث الشريف حيث يقول «ينسي ملكيه ~~ما كتبا عليه من الذنوب» ومن المحتمل أن يكون المقصود وحيه تعالى للأعضاء ~~والجوارح وبقاع الأرض، بكتمان المعاصي الوارد في الحديث الشريف هو إنساء ~~المعاصي. كما يحتمل أن يكون المقصود من وحيه، الأمر بعدم الإدلاء بالشهادة. ~~ويمكن أن يكون المقصود رفع الآثار التي تركتها المعاصي على الأعضاء والتي ~~بها تتم الشهادة التكوينية. # كما أنه لو لم يتب لأمكن أن يشهد كل عضو بلسان مقاله أو حاله على أفعاله ~~الأثيمة. # وعلى أي حال كما أن مقام الغفارية والستارية اقتضى الآن ونحن في هذا ~~العالم أن لا تشهد أعضائنا وجوارحنا ضدنا وأن يستر الزمان والمكان أفعالنا ~~المشينة، كذلك يقتضي ستر أعمالنا في العوالم الأخرى، عندما نتوب توبة صحيحة ~~ونستغفر استغفارا خالصا ونرحل من هذا العالم، أو أن الناس يحجبون عن ~~أعمالنا. ولعل مقتضى كرامة الحق جل جلاله هو الثاني حتى لا يكون الإنسان ~~التائب مطأطأ رأسه ومفضوحا أمام الآخرين والله العالم. ### || AUTO فصل: في تفسير التوبة النصوح # أعلم أن هناك تفسيرات مختلفة في بيان المقصود ms224 من التوبة النصوح. ومن ~~المناسب أن نذكرها هنا بصورة مجملة. ونحن نكتفي بنقل كلام المحقق الجليل ~~الشيخ البهائي قدس الله نفسه. # نقل المحدث الخبير المجلسي رحمة الله (1) عن الشيخ البهائي أنه قال: # ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال: # منها: أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور ~~آثارها الجميلة في صاحبها أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبدا. # ومنها أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح إذا ~~كان خالصا من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى الله ~~تعالى لا لخوف النار مثلا. PageV01P157 # وحكم المحقق الطوسي في التجريد «بأن الندم من الذنوب للخوف من النار، ليس ~~بتوبة» ومنها أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما ~~مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع الخياطة ~~بين قطع الثوب. # ومنها أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي ~~أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه ~~حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب النفوس ~~بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة. # تكميل: في بيان أن جميع الموجودات ذات علم وحياة # اعلم أن للتوبة حقائق ولطائف وأسرار، ولكل واحد من أهل السلوك إلى الله ~~توبة خاصة تتناسب مع مقامه. وحيث أن لا حظ ولا نصيب لنا في تلم المقامات، ~~فلا يناسب شرحها والإسهاب فيها في هذا الكتاب. والأفضل أن ننهي الحديث بذكر ~~فائدة دقيقة تستكشف من الحديث الشريف المذكور في أول فصل التوبة وتتفق مع ~~ظاهر الكتاب الكريم والأحاديث الكثيرة المأثورة في الأبواب المتفرقة. # وتلك الفائدة هي أن لكل واحد من الموجودات علم وحياة ومعرفة، بل أن جميع ~~الموجودات تحظى بالمعرفة لمقام الحق المقدس جل وعلا. فإن الوحي إلى الأعضاء ~~والجوارح وبقاع الأرض، بالكتمان، وإطاعتها للأمر الإلهي، وتسبيح الموجودات ~~بأسرها الذي نص ms225 عليه القرآن الكريم(1). وأوردته الأحاديث الشريفة كثيرا، كل ~~ذلك دليل على علم وشعور وحياة الموجودات، بل دليل على الارتباط الخاص بين ~~الخالق والمخلوق، لا يطلع عليه أحد إلا ذاته المقدس جل وعلا ومن ارتضى من عباده. # وهذه الفائدة الدقيقة إحدى المعارف التي لمح إليها القرآن الكريم وأحاديث ~~الأئمة المعصومين، وتتطابق مع برهان الفلاسفة الإشراقيين وذوق أهل العرفان ~~ومشاهدات أصحاب السلوك والرياضة الروحانية. # وقد ثبت في أبحاث ما وراء الطبيعة من الفلسفة أن حقيقة الوجود عين ~~الكمالات والأسماء والصفات، وعندما يظهر في كل مرتبة من مراتب الوجود ~~الوجود، ويتجلى في مرآة للأعين، يكون ظهوره مع جميع الشؤون والكمالات لأن ~~الوجود عين هذه الكمالات السبعة من الحياة والعلم وبقية الأمهات السبعة(2) ~~ولكل من مراحل تجلي حقيقة الوجود ومراتب تنزلات نور الجمال الكامل للمعبود ~~تعالى شأنه، ارتباط خاص مع مقام الأحدية، ومعرفة كامنة خفية مع مقام ~~الربوبية. كما تقول الآية الكريمة (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) (3). ~~وقالوا إن (هو) إشارة إلى مقام غيب الهوية. و(آخذ بالناصية) هو الربط ~~الأصيل الغيبي السري الوجودي الذي لا مجال لأحد في معرفته. PageV01P158 ### | AUTO الحديث الثامن عشر: الذكر # بالسند المتصل إلى فخر الطائفة وذخرها محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله ~~عليه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد ~~الله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «مكتوب ~~في التوراة التي لم تغير أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال: يا رب أقريب ~~أنت مني فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى أنا ~~جليس من ذكرني. فقال موسى: فمن في سترك يوم لا ستر إلا سترك. فقال: الذين ~~يذكرونني فأذكرهم ويتحابون في فأحبهم فاؤلئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل ~~الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم» (1). # الشرح: # يفهم من هذا الحديث الشريف بأن التوراة الرائجة بين اليهود محرفة ومزورة. ~~وإن محتوى التوراة الصحيحة يتواجد عند أهل البيت عليهم السلام . ويعرف ms226 ~~أيضا من منطويات التوراة والإنجيل المتداولين لتدني مستواهما على جميع ~~الأصعدة إنهما ليسا بحديث إنسان عادي، بل إنه حديث ينسجم مع أوهام بعض أهل ~~الشهوات وذوي الأهواء النفسية. # يقول المحدث المحقق المرحوم المجلسي: «كان الغرض من السؤال عن آداب ~~الدعاء مع علمه بأنه أقرب إلينا من حبل الوريد بالعلم والقدرة والعلية أي ~~تحب أن أناجيك كما يناجى القريب أو أناديك كما ينادى البعيد؟ وبعبارة أخرى ~~إذا نظرت إليك فأنت أقرب من كل قريب، وإذا نظرت إلى نفسي أجدني في غاية ~~البعد عنك فلا أدري في دعائي أنظر إلى حالي أو إلى حالك؟. ويحتمل أن يكون ~~السؤال للغير أو من قبلهم كسؤال الرواية» (2) انتهى كلامه. # في الإحاطة القيومية لله تعالى # من المحتمل أن النبي موسى عليه السلام في الحديث المذكور يعرض عجزه عن ~~كيفية دعائه لله تعالى فيقول: إلهي أنت منزه من الاتصاف بالقرب والبعد حتى ~~أدعوك دعاء من يكون دانيا أو قاصيا، فأنا متردد في أمري ولا أجد دعاءا يليق ~~بعظمتك وجلالك. فاسمح لي أن أناديك، وعلمني كيفية ندائك واهدني إلى ما ~~يتناسب ومقام قدسك في هذا المجال. # فأتي الجواب من مصدر الجلال والعزة: بأنني حاضر حضور القيومية في جميع ~~النشآت وأن هذه العوالم بأسرها حاضرة لدي. أنا جليس من يذكرني ونديم من ~~يتحدث معي. # وبالطبع أن ذاته المقدس لا يتصف بالقرب والبعد وأن له إحاطة قيومية، وسعة ~~وجودية تعم جميع دائرة الوجود وكافة سلسلة الموجودات. # وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الإلهي الكريم من توصيف الحق ~~المتعالي بالقرب مثل قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) (3)وقوله ~~عز من قائل (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (4). وغيرها من الآيات فمن باب ~~المجاز والاستعارة. لأن ساحته المقدسة تتنزه عن القرب والبعد الحسيان ~~والمعنويان. إذ يستلزم ذاك القرب والبعد الحسيان والمعنويان نوع من ~~التحديد والتشبيه، والحق المتعالي منزه عن ذلك، بل إن حضور قاطبة الموجودات ~~أمام وجوده المقدس، حضور تعلقي، وإحاطة ذاته المتعالية لكل دقائق الكائنات ~~وسلسلة الموجودات، إحاطة ms227 قيومية وهذا الحضور وهذه الإحاطة يختلفان عن ~~الحضور الحسي والمعنوي وعن الإحاطة الظاهرية والباطنية. PageV01P159 # ويستفاد من هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى رجحان الذكر ذكر الله الخفي، ~~واستحباب الذكر السري والقلبي، كما يقول الله سبحانه أيضا في الآية ~~المباركة (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) (1). # وجاء في الحديث الشريف أنه لا يعلم أحد ثواب ذكر الله سبحانه، إلا الله ~~تعالى لعظمته وكبره. وقد يكون الإجهار في الذكر وإظهاره راجحا في بعض ~~الحالات والمقامات ولدي طرو بعض العناوين، مثل الذكر لدي أهل الغفلة لكي ~~ينتبهوا. # ففي الحديث الشريف من الكافي قال أبو عبد الله عليه السلام الذاكر لله عز ~~وجل في الغافلين، كالمقاتل في المحاربين(2). # ونقل عن عدة الداعي للشيخ ابن فهد: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه كتب الله له ألف ~~حسنة وغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر» (3). # وكذلك يستحب الإجهار بالذكر في أذان الأعلام والخطبة وغيرها. ### || AUTO فصل: خصائص ذكر الله تعالى # يستفاد من هذا الحديث الشريف، أن لذكر الله والتحاب بين الأشخاص في سبيل ~~الله، خصائص: إحداها وهي الأهم أن ذكر العبد لله، يبعث على ذكر الله ~~لعبده، كما نطقت بهذا المضمون أحاديث أخرى أيضا. ويقابل هذا الذكر النسيان، ~~قد قال سبحانه وتعالى عن الناسي في القرآن (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى) (4). # فكما أن نسيان الآيات والعمى الباطني عن رؤية مظاهر جمال الحق وجلاله ~~يسبب عمى في العالم الآخر، يكون التذكر للآيات والأسماء والصفات وتذكر الحق ~~سبحانه وجماله وجلاله باعثا على حدة في البصيرة، وإزاحة للحجب، بقدر قوة ~~التذكر ونورانيته. # هذا وأن تذكر آيات الحق سبحانه، وصيرورته هذا التذكر ملكة راسخة في ~~الإنسان يجعل لبصيرته قوة، فيرى من خلال الآيات، جمال الحق. # وأن تذكر الأسماء والصفات يبعث على مشاهدة الحق في تجليات أسمائه وصفاته. ~~وأن تذكر الذات عز شأنه من دون حجاب الآيات والأسماء والصفات، يوجب رفع ~~الحجب بأسرها ومشاهدة ms228 الحبيب من دون غشاء وحجاب. # ويعتبر هذا التفسير واحدا من التوجيهات والتفسيرات للفتوحات الثلاثة ~~التي هي قرة عين العرفاء والأولياء وهي: # الفتح القريب. الفتح المبين. الفتح المطلق. الذي هو فتح الفتوح. # وكما أن التذكرات الثلاثة المذكورة تزيل الحجب الثلاثة، وكذلك التحابب ~~بين الناس في الله سبب لمحبة الله، وتكون نتيجته رفع الحجب حسب ما يقوله ~~العرفاء الشامخون. # ومن الواضح أن للتحابب بين الناس مراتب ودرجات، كما أن للحب في الله من ~~جهة الخلوص والخلو من الشوائب مراتب كثيرة ودرجات عديدة أيضا، والحب الخالص ~~التام هو الحب المحض الفارغ من شوب كثرات الأسماء والصفات، وهو الموجب ~~لحصول الحب التام. والمحبوب المطلق في الشريعة العشاق، لا يكون محجوبا عن ~~الوصال، ولا يبقى بينه وبين محبوبه حجابا. PageV01P160 # وبهذا البيان نستطيع أن نوفق بين سؤالي النبي موسى عليه السلام، لأنه عليه ~~السلام عندما سمع من حضرته تعالى بأنه عز وجل جليس من ذكره، وسمع من ~~محبوبه، أمنيته من الوعد بالوصال والوصول إلى الجمال، أراد أن يستقصي أهل ~~الوصال حتى ينهض بالمسئولية مع كافة الشؤون المتوجبة عليه، فقال: «فمن في ~~سترك يوم لا ستر إلا سترك لي؟ ومن يكون في سترك، بعد إن تخلص من التعلق ~~بغيرك، وحطم قيود الحجب، ووصل إلى جمالك الجميل؟» فقال هم طائفتان: الذين ~~يذكرونني ابتداءا، والذين يتحابون لأجلي حيث يكون تذكرا في مظهر جمالي ~~التام، الذي هو الإنسان. إنهما طائفتان في مأمني وجلسائي وأنا جليسهم. # فتبين أن لهذين الطائفتين خصلة واحدة عظيمة، ولها نتاج عظيم آخر، إذ أنهم ~~يذكرون الله فينقلبوا بذكرهم له محبوبين للحق المتعالي ونتيجته أنهم ~~يستقرون # في ستره سبحانه وملجأه يوم لا ستر فيه، ويختلي بهم الحق عز وجل في المحل ~~الأرفع. # ومن خصال هاتين الطائفتين أن الله سبحانه يرفع لكرامتهم، العذاب عن عباده ~~بمعنى أنه ما دامت الطائفتان تعيشان بين العباد، لا ينزل الله سبحانه ~~العذاب على الناس. ### || AUTO فصل: في الفرق بين مقام التفكر والتذكر # اعلم أن التذكر من نتائج التفكر، ولهذا يعتبرون مقام التفكر ms229 مقدما على ~~مقام التذكر. يقول العارف عبد الله الأنصاري «التذكر فوق التفكر، فإن ~~التفكر طلب والتذكر وجود» إذ أن التفكر طلب للمحبوب والتذكر حصول للمطلوب. ~~فما دام الإنسان يطلب ويبحث يكون محجوبا عن مطلوبه وعندما يصل إلى محبوبة ~~يتحرر من عناء البحث والتفتيش. # إن قوة التذكر وكماله، يرتبطان بقوة التفكر وكماله. والتفكر الذي يفضي ~~إلى التذكر التام للمعبود، لا يساوي الأعمال الأخرى ولا يقاس في الفضيلة ~~بها. ففي الأحاديث الشريفة أن تفكر ساعة أفضل من عبادة سنة واحدة أو ستين ~~عاما أو سبعين عاما. ومن الواضح أن الغاية من العبادات وثمرتها المهمة، ~~حصول المعرفة والتذكر للمعبود الحق. وستحصل على هذه الخاصية من التفكر ~~الصحيح، أحسن من الحصول عليها عن طريق العبادة. # إذ لعل تفكر ساعة واحدة، يفتح أبوابا من المعارف على السالك، لا تفتحها ~~عبادة سبعين سنة، أو إن في تفكر ساعة واحدة تذكر للإنسان بحبيبه سبحانه، ما ~~لا يحصل من المشاق والمساعي المجهدة فترة سنين عديدة مثل هذا التذكر. # واعلم أيها العزيز أن تذكر الحبيب، والتفكر فيه دائما، يثمر نتائج كثيرة ~~لكافة الطبقات. # أما الكملون والأولياء والعرفاء فإن تذكر الحبيب في نفسه، غاية آمالهم ~~وفي ظله يبلغون جمال حبيبهم. هنيئا لهم. # وأما عموم الناس والمتوسطين منهم، فهو أفضل مصلح للأخلاق والسلوك وللظاهر ~~والباطن. # إذا عاش الإنسان مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وكافة المستجدات، ~~وشاهد نفسه أمام الذات المقدس عز شأنه، لأحجم عن الأمور التي تسخط الله، ~~وردع نفسه عن الطغيان. إن المشاكل والمصائب المنبثقة من النفس الأمارة ~~والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه. إن الغفلة ~~عن الحق تضاعف كدورة القلب، وتمكن النفس والشيطان من التحكم في الإنسان ~~وتسبب زيادة المفاسد على مر الأيام. # وأن التذكر للحق جل شأنه يبعث على صفاء النفس وصقلها، ويجعلها مظهرا ~~للمحبوب ويوجب صفاء الروح ونقائها، ويحرر الإنسان من أغلال الأسر، ويخرج حب ~~الدنيا الذي هو رأس الخطايا ومصدر السيئات من القلب، ويجعل الهموم هما ~~واحدا، والقلب نظيفا ms230 وطاهرا لورود صاحبه الحق جل وعلا . PageV01P161 # فيا أيها العزيز مهما تتحمل من الصعاب في سبيل الذكر والتذكر للحبيب الحق ~~سبحانه كان ذلك قليلا. روض قلبك على التذكر للمحبوب، لعل الله يجعل صورة ~~القلب، صورة لذكر الحق، وكلمة لا إله إلا الله الطيبة، الصورة النهائية ~~والكمال الأقصى للنفس، فإنه لا زاد أفضل منه للسلوك إلى الله، ولا مصلح ~~أحسن منه لعيوب النفس، ولا رفيق أجدى منه في المعارف الإلهية. # فإذا كنت طالبا للكمالات الصورية والمعنوية، وسالكا لطريق الآخرة ومهاجرا ~~ومسافرا إلى الله، اجعل قلبك معتادا على تذكر المحبوب، واعجن قلبك مع ذكر ~~الحق تبارك وتعالى. ### || AUTO فصل: في بيان أن الذكر التام هو الذكر البالغ إلى كل أطراف ~~المملكة (جسم الإنسان) # إن ذكر الحق والتذكر لذاته المقدس من صفات القلب، وإن القلب إذا تذكر ~~ترتبت عليه القلب جميع الفوائد المذكورة للذكر، ولكن الأفضل أن يعقب ~~الذكر القلبي، الذكر اللساني. وإن أفضل وأكمل مراتب الذكر كافة هو الذكر ~~الساري في نشآت مراتب الإنسانية، والجاري على ظاهر الإنسان وباطنه، سره وعلنه. # فيكون الحق سبحانه مشهودا في سر الوجود، وتكون الصورة الباطنية للقلب ~~والروح، صورة تذكر المحبوب. ويطغى على الأعمال القلبية والقالبية الظاهرية ~~التذكر لله سبحانه. وتنفتح الأقاليم السبع الظاهرية، والممالك الباطنية، ~~على ذكر الحق، وتتسخر لتذكر الجميل المطلق. بل لو أن حقيقة الذكر تحولت إلى ~~صورة باطنية للقلب، وانفتحت مملكة القلب على يديه الذكر لجرى حكمه في كل ~~الممالك والأقاليم القوى الجسمية الظاهرية والباطنية ولكانت حركة وسكون ~~العين واللسان واليد والرجل، وأفعال كل القوى والجوارح مع ذكر الحق. ولم ~~تقم القوى الظاهرية والباطنية في جسم الإنسان بإنجاز ما يخالف الوظائف ~~الشرعية المقررة. فتكون حركاتها وسكناتها مبدوة ومختومة بذكر الحق، وتنفذ ~~(باسم الله مجراها ومرساها) (1)في جميع أطراف المملكة جسم الإنسان بما فيه ~~القوى الظاهرية والباطنية . # وفي النتيجة يتحول الإنسان إلى حقيقة الأسماء والصفات، بل إلى صورة اسم ~~الله الأعظم، ومظهره. وهذه هي الغاية القصوى لكمال الإنسان ومنتهى رجاء أهل ~~الله. وكلما حصل انخفاض ms231 عن هذا المستوى الرفيع، وقل نفوذ الذكر في الإنسان ~~انتقص وبنفس النسبة من كمال الإنسان، وأثر نقصان كل من الظاهر والباطن، في ~~الآخر، لأن نشآت وجود الإنسان مترابطة ومتأثرة بعضها ببعض. # ومن هنا يعلم أن ذكر الحق بالنطق واللسان الذي يعد من أقل مراتب الذكر، ~~يكون مجديا ونافعا أيضا لأنه: # أولا: قام اللسان بوظيفته بواسطة ذكره وإن كان هذا الذكر قالبا لا روح له. # وثانيا: يمكن أن يصير هذا الذكر باللسان سببا لتفتح لسان القلب أيضا بعد ~~فترة من المواظبة على ذكر اللسان والاستمرار عليه بشروطه. # قال شيخنا الكامل العارف الشاه آبادي روحي فداه يجب أن يكون الإنسان ~~الذاكر مثل المعلم الذي يريد أن يعلم الطفل الصغير الذي لم ينطق بعد ~~الكلمات، حيث يكرر الكلمة، حتى ينفتح لسان الطفل وينطق الكلمة، ثم نرى ~~المعلم يداعب الطفل ويردد الكلمة بمثل ما سمعها من الطفل فيزول تعب المعلم ~~وكأن مددا يبلغه من الطفل. كذلك الذاكر يجب أن يعلم قلبه الذكر إذا لم ~~ينفتح لسانه القلب على الذكر. وسبب تكرار الذكر هو انفتاح لسان القلب على ~~الذكر. وآية انفتاحه لسان القلب أن لسان الفم يتبع القلب، فيزول نصب ~~تكرار الذكر وعنائه. في البدء كان اللسان ذاكرا والقلب استمد الذكر منه، ~~وبعد انفتاح لسان القلب بالذكر، يتبعه لسان الفم، ويستمد اللسان منه القلب ~~الذكر، أو من الغيب. PageV01P162 # ولا بد من معرفة أن الأعمال الظاهرية الصورية لا تليق بمقام الغيب، ولا ~~تحشر في عالم الملكوت، إلا إذا بلغها من باطن الروحانية ولباب القلب مددا، ~~ووهبها حياة ملكوتية، ولا يكون ذلك إلا بالنفحة الروحية التي هي بمثابة ~~الروح والباطن، لصورة خلوص النية، والنية الخالصة، وبموجبها يحشر الجسم في ~~عالم الملكوت ويعتبر لائقا للقبول في مقام الغيب القدسي. ولهذا أورد في ~~الروايات الشريفة أن قبول الأعمال على قدر توجه القلب. ومع كل ذلك أيضا ~~يكون الذكر باللسان محبوبا ومستحبا، ويقود الإنسان في نهاية المطاف إلى ~~الحقيقة. ومن هذا المنطلق ورد في الأحاديث الشريفة مدح عظيم للذكر اللساني. ms232 ~~وقليلا ما تجد موضوعا يشتمل على أحاديث كثيرة مثل موضوع الذكر. وقد أثنت ~~أيضا الآيات الكريمة كثيرا على ذكر الله باللسان. وإن كانت هذه الآيات ~~غالبا ما تتحدث عن الذكر القلبي أو الذكر مع الروح، ولكن تذكر الحق في كل ~~مرتبة محبوب ومطلوب. ونحن نختم الكلام في هذا المقام بعرض بعض الأحاديث ~~الشريفة للتيمن والتبرك. ### || AUTO فصل: في ذكر بعض الأحاديث في فضل ذكر الله # في الكافي بسند صحيح عن الفضيل بن يسار قال : قال أبوعبدالله عليه ~~السلام: «ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار فيقومون على غير ذكر الله عز ~~وجل إلا كان حسرة عليهم يوم القيامة» (1). # من الواضح أن الإنسان عندما تنكشف عليه يوم القيامة، النتائج العظيمة ~~لذكر الله، ويرى نفسه بعيدا عنها، ويعلم بأنه قد حرم من نعم كثيرة، ولا ~~يستطيع تداركها، تستولي عليه الحسرة والندامة. فيجب على الإنسان أن يغتنم ~~الفرصة ولا يخلي مجالسه ومحافله من ذكر الله. # الكافي بسند موثق عن أبي جعفر عليه السلام: من أراد أن يكتال بالمكيال ~~فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه. {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام ~~على المرسلين * والحمد لله رب العالمين}(2). # ونقل عن الإمام الصادق عليه السلام بأن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ~~من أراد أن يكون يوم القيامة كيله تاما من الثواب فليتلوا هذه الآيات ~~المباركة سبحان ربك إلى آخره في دبر كل صلاة(3). # وعن الصادق عليه السلام مرسلا، كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين(4). # الكافي بإسناده عن ابن فضال رفعه قال: «قال الله عز وجل لعيسى عليه ~~السلام: يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملإك أذكرك في ~~ملأ خير من ملأ الآدميين. يا عيسى ألن لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم ~~أن سروري أن تبصبص إلي وكن في ذلك حيا ولا تكن ميتا» (5). PageV01P163 # «التبصبص» هو حركة ذنب الكلب نتيجة الخوف أو الطمع. وهذا كناية عن ms233 شدة ~~الالتماس والمسكنة. و(كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا) بمعنى انتباه القلب ~~وحضوره. الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام: قال «إن الله عز وجل ~~يقول: من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي من سألني»(1). # عن أحمد بن فهد في عدة الداعي عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال: ~~«... واعلموا أن خير أعمالكم [ عند مليككم ] وأزكاها وأرفعها في درجاتكم ~~وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى فإنه أخبر عن نفسه فقال: ~~أنا جليس من ذكرني» (2). # إن الأحاديث المأثورة في فضل ذكر الله وكيفيته وآدابه وشرائطه تفوق ~~استيعاب هذه الصفحات. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. ### | AUTO الحديث التاسع عشر: الغيبة # بسندي المتصل إلى ثقة الإسلام والمسلمين محمد بن يعقوب الكليني رضوان ~~الله تعالى عليه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني عن ~~أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه». # قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الجلوس في المسجد إنتظار ~~الصلاة عبادة ما لم يحدث. قيل يا رسول الله وما يحدث قال: الاغتياب» (3). # الشرح: # الغيبة كما في اللغة مصدر «غاب»، واسم مصدر ل «اغتياب». قال الجوهري: ~~«اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم الغيبة وهو أن يتكلم خلف إنسان مستور ~~بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة، وإن كان كذبا سمي بهتانا. انتهى» (4). # قال المحقق المحدث المجلسي عليه الرحمة: هذا بحسب اللغة(5). انتهى. ولكن ~~يبدو بأن صاحب الصحاح الجوهري ذكر المعنى الاصطلاحي لا اللغوي. لأن ~~المعنى اللغوي ل غاب واغتاب وجميع مشتقاته ليس بذلك. وإنما هو معنى أعم من ~~ذلك، وقد يكتب اللغويون المعنى الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة في كتبهم. وينقل ~~عن صاحب القاموس إن غاب بمعنى عاب. وعن المصباح المنير: «اغتابه إذا ذكره ~~بما يكرهه من العيوب وهو حق». # وحسب اعتقاد الكاتب أن هذه المعاني المذكورة لا تمت ms234 إلى المعنى اللغوي ~~بشيء، بل في كل منها قيود تداخلت مع المعنى المصطلح. وعلى أي حال لا جدوى ~~في البحث عن المعنى اللغوي، فإن المهم هو الوصول إلى الموضوع الشرعي الذي ~~أصبح متعلقا للتكليف الشرعي الحرمة . وحسب الظاهر يكون لهذا الموضوع ~~الغيبة قيود شرعية لا يرقى إليها الفهم العرفي والمعنى اللغوي. ونتطرق ~~للبحث في ذلك بعد قليل. # والأكلة كفرحة، داء في العضو يأتكل منه كما في القاموس وغيره وقد يقرأ ~~بمد الهمزة على وزن فاعلة أي العلة التي تأكل اللحم والأول أوفق باللغة كذا ~~قال المجلسي(6). PageV01P164 # وعلى أي حال فالمقصود هو أن مرض الأكلة عندما يحل في العضو وخاصة الأعضاء ~~اللطيفة من الجسم مثل الباطن منه يأكله بسرعة ويقضي عليه، كذلك الغيبة تأكل ~~دين الإنسان أسرع من ذلك وتفسده وتقضي عليه. # «ما لم يحدث» من باب الأفعال، والضمير المستتر فيه يعود إلى «الجالس» ~~المستفاد من «الجلوس» المذكور في الرواية. # «والاغتياب» منصوب ومفعول لفعل مقدر يحدث مفهوم من كلام السائل. وفي ~~بعض النسخ «ما الحدث» في مكان «ما يحدث» وعليه يكون «الاغتياب» مرفوع على ~~الخبرية. ### || AUTO فصل: في تعريف الغيبة # اعلم أن الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين ذكروا تعاريف كثيرة للغيبة، ~~لا يتناسب عرضها ومناقشة كل واحد منها من ناحية الجامعية الشمول لكل أفراد ~~الغيبة والمانعية عدم الاستيعاب لما ليس من الغيبة مع حجم هذا الكتاب، ~~إلا إذا اقتصرنا على ذكر التعاريف إجمالا. # يقول الشيخ المحقق السعيد الشهيد في (كشف الريبة) وأما في الاصطلاح فلها ~~تعريفان : أحدهما مشهور: «هو ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه ~~مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم». # وثانيهما: «التنبيه على ما يكره نسبته إليه وهو أعم من الأول» (1) وحاصل ~~معنى الأول: أن الغيبة عبارة عن ذكر إنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه، ~~مما يعد نقصا وذما لدى الناس، وكون هذا الذكر بقصد الانتقاص والطعن. وحاصل ~~المعنى الثاني هو التنبيه إلى ما هو كذلك. ثم إن التعريف الثاني يكون أعم ~~من الأول فيما ms235 إذا كان الذكر في الأول بمعنى القول كما هو المتفاهم ~~العرفي، فيكون التنبيه في الثاني أعم أن من القول والكتابة والحكاية ~~وغيرها من سائر طرق التفهيم. وإذا كان الذكر أهم من القول كما هو الموافق ~~للغة، كان مرجع التعريفين واحدا. والمستفاد من الأخبار أيضا يدل على هذين ~~التعريفين. # مثل ما في مجالس الشيخ في حديث أبي بصير في وصية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأبي ذر رضوان الله عليه وفيه «قلت: يا رسول الله ما الغيبة؟ ~~قال: ذكرك أخاك بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته» (2). # وورد في الحديث النبوي الشريف: «هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره... الخ» (3). PageV01P165 # ويرجع هذا المعنى الأول حسب المتفاهم العرفي إلى معنى الذكر، أو إلى المعنى ~~الثاني بناء على أن الذكر أشمل من القول. ولم يذكر الحديث غياب الأخ، لأنه ~~مفهوم من معنى الغيبة فلا حاجة لذكره. ومن الواضح أيضا أن المقصود من الأخ ~~هو الأخ في الإيمان لا في النسب. و(ما يكره) تعبير عن كل ما فيه نقص عرفا. ~~وإرادة الانتقاص والطعن وإن لم تذكر في الحديثين الشريفين: لأبي ذر، ~~والنبوي المشهور، ولكنها مستفادة من فحوى الكلام. بل أن صدر رواية أبي ذر ~~يدل إلى ذلك، فكان مستغنيا عن ذكره. لأن في صدر الرواية «الغيبة أشد من ~~الزنا. قلت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله ~~فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها ثم قال:... وأكل لحمه ~~من معاصي الله» (1). ويفهم من هاتين الجملتين أن الذكر مع قصد الانتقاص، ~~يكون غيبة وإن كان ذكر الغير بقصد الشفقة عليه لما كانت غيبة حتى يحتاج إلى ~~طلب المغفرة. ولما كانت من أكل لحمه. ويستفاد من رواية عائشة أن الغيبة أعم ~~من الذكر القولي: «قالت: دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة ~~فقال صلى الله علية وآله وسلم : اغتبتها»(2). بل العرف لا يفهم من أخبار ms236 ~~الغيبة، خصوصية للفظ، وإنما تعرض له من جهة أنه أسلوب من أساليب التفهيم، ~~بمعنى إن الغيبة غالبا ما تكون باللفظ، لا من جهة أن للفظ خصوصية مميزة. # يبقي مطلب واحد وهو أن المستفاد من أخبار الغيبة أن كشف ستر المؤمنين ~~حرام بمعنى أنه يحرم إظهار عيوب المؤمنين المستورة، من دون فرق بين أن تكون ~~هذه العيوب خلقية أو خلقية أو سلوكية، سواء كان الشخص المتصف بالعيب راضيا ~~بكشف عيبه أو لا. وسواء كان هناك قصد انتقاص أم لا. ولكن يستفاد من مراجعة ~~عدة روايات في المقام أن لقصد الانتقاص والطعن دور في حرمة الغيبة، إلا إذا ~~كان العمل بنفسه من الأمور التي يحرم شرعا ذكره وإشاعته. بأن يكون معصية ~~وتعديا على حقوقه سبحانه حيث لا يجوز لصاحب المعصية إظهارها للآخرين، وإنها ~~من إشاعة الفاحشة. وهذا لا يكون مرتبطا بحرمة الغيبة. ولا يبعد أن يكون ~~إظهار المستور من عيوب المؤمنين عند عدم رضاهم بذلك محرما، حتى وإن لم يكن ~~هناك قصد للانتقاص منهم. وعلى أي حال إن التفصيل في هذا الموضوع، أكثر مما ~~ذكرنا، يكون خارجا عن المطلوب. PageV01P166 ### || AUTO فصل: في الغيبة ومساوئها # اعلم أن حرمة الغيبة محل اتفاق إجمالا، بل تعد من ضروريات الفقه ومن ~~المعاصي الكبيرة والموبقات المهلكة. ويكون البحث في ذلك والموارد التي ~~ستثنى منها، خارجة عن نطاق هذا الكتاب. واللازم في هذا المقام التنبيه على ~~فساد هذه السيئة الموبقة وعلى مضاعفاتها، حتى نبتعد عنها ولا نبتلي بها ~~إنشاء الله أو إذا ابتلينا لا سمح الله لتراجعنا وتبنا، واستئصلنا مادة ~~الفساد، ولا نفسح المجال للرحيل من هذا العالم مع هذا الدنس والابتلاء بهذه ~~المعصية الكبيرة الماحقة للإيمان. لأن لهذه الخطيئة الكبيرة في عالم الغيب، ~~وراء حجاب الملكوت، صورة مشوهة بشعة، تبعث مضافا إلى قبح منظرها على ~~الفضيحة في الملأ الأعلى ولدى محضر الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين. ~~والصورة الملكوتية لها، هي التي أشار إليها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، ~~وشرحتها الأحاديث الشريفة صراحة وتلويحا أيضا. قال الله تعالى: (ولا ms237 يغتب ~~بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) (1). # نحن غافلون عن أن أعمالنا بأنفسها في صور تناسب معها، تعود إلينا، في ~~عالم آخر. وغافلون عن أن لهذا العمل، صورة أكل الميتة. إن صاحب هذا العمل ~~المغتاب يضاهي الكلاب الجارحة، في افتراسه لأعراض الناس ولحومهم، وسترجع ~~إليه الصورة الملكوتية لهذا العمل كلب ينهش لحم الميت في نار جهنم. # وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رجم الرجل في الزنا ~~قال رجل لصاحبه: «هذا أقعص(2) كما يقعص الكلب فمر النبي معهما بجيفة فقال: ~~إنهشا منها، فقالا: يا رسول الله ننهش جيفة؟ فقال: ما أصبتما من أخيكما ~~أنتن من هذه» (3). # نعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شاهد نتيجة قوة نور بصيرته ~~وحدة مشاهدته النبوية الغيبية عملهم المغتابين وعرف بأن جيفة الغيبة ~~أشد من جيفة الميتة وصورة عمل الغيبة أشد قبحا وفظاعة من صورة الميتة ~~المتفسخة. # وفي رواية أخرى أن المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة. وفي وسائل الشيعة ~~عن كتاب «المجالس» لصدوق الطائفة رضوان الله عليه عن نوف البكالي قال أتى ~~أمير المؤمنين عليه السلام (إلى أن قال) قلت زدني قال: «أجتنب الغيبة فإنها ~~أدام كلاب النار ثم قال: يا نوف كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم ~~الناس بالغيبة» (4) # ولا تهافت بين هذه الأحاديث الشريفة. إذ يمكن أن يتحقق كل ذلك: يأكل ~~المغتاب لحم الميتة ويأكل لحم جسده أيضا. يكون على صورة الكلب فيأكل ~~الجيفة، ويكون على صورة الميتة تأكله كلاب جهنم أيضا. هناك في عالم الآخرة ~~إن الصورة تابعة للحيثيات التي توجد في الفاعل فيمكن أن تكون لموجود واحد ~~صور مختلفة. كما هو مقرر في محله العلوم الفلسفية والعرفانية . # وعن عقاب الأعمال بإسناده... عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حديث: «.. ومن مشى في غيبة أخيه وكشف عورته كانت أول خطوة خطاها وضعها في ~~جهنم وكشف الله عورته على رؤوس الخلائق» (5). # هذا وضعه يوم القيامة ms238 وفي جهنم حيث يفضحه الله تعالى بين الناس وأمام ~~الملكوتيين. PageV01P167 # وفي وسائل الشيعة عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في ~~حديث المناهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... ونهى عن الغيبة ~~وقال: «من اغتاب امرء مسلما بطل صومه ونقض وضوءه وجاء يوم القيامة يفوح من ~~فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف وإن مات قبل أن يتوب مات ~~مستحلا لما حرم الله عز وجل» (1). # وهذا حاله قبل وروده على نار جهنم حيث يكون أمره مفضوحا على رؤوس الأشهاد ~~ويعتبر من الكفار، لأن المستحل لما حرمه الله يكون كافرا، وتكون نهاية ~~المغتاب يوم القيامة حسب هذه الرواية تضاهي نهاية الكافر لأنهما يستحلان ~~ما حرمه الله. # وروي أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيان حال المغتاب في ~~البرزخ الرواية التالية: # «عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مررت ليلة أسري بي ~~على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرائيل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ~~الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم»(2). # فتبين أن المغتاب مفضوح في عالم البرزخ وعلى استحياء أمام أهل المحشر يوم ~~الوقوف بين يدي رب العالمين، وفي حال من الذل والمسكنة عندما يزج به في نار ~~جهنم، بل إن بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبها على الفضيحة في هذا العالم أيضا. # ففي أصول الكافي عن إسحاق بن عمار قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا معشر من أسلم بلسانه ولم ~~يخلص الإيمان إلى قلبه لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع ~~عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته» (3). # إن الله سبحانه وتعالى غيور، ويكون هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم هتكا ~~لناموس إلهي وكرامته. ولو أن إنسانا تجاوز في الاستهتار الحدود، وهتك حرمات ~~الله، كشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين بلطفه وستاريته، وهتك ~~أسراره وفضح أمره في هذا العالم ms239 أمام الناس وفي عالم الآخرة أمام الملائكة ~~والأنبياء والأولياء عليهم السلام . # وفي الحديث الشريف في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: لما أسري ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يارب ما حال المؤمن عندك: قال: يا ~~محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع [ شيء ] إلى نصرة ~~أوليائي» (4). # والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة. # وعن الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «ومن اغتابه بما ~~فيه فهو خارج من ولاية الله تعالى داخل في ولاية الشيطان» (5). # ومن الواضح أن من يخرج عن ولاية الله تعالى ويدخل في ولاية الشيطان، لا ~~يكون من أهل النجاة والإيمان. كما ورد في حديث إسحاق بن عمار المتقدم(6). # أيضا من أن إسلام المغتاب بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه. PageV01P168 # ومعلوم أم من يؤمن بالله ويصدق بيوم الجزاء ويعتقد إعتناقه يوم القيامة ~~لصور أعماله وحقائق سيئاته، لا يقترف موبقة كبيرة، تفضحه في عوالم الغيب ~~والشهادة وفي عالم الدنيا والبرزخ والآخرة، وتقوده إلى شر المصائب، التي هي ~~نار جهنم، وتخرجه عن ولاية الحق المتعالي وتدخله تحت ولاية الشيطان. # لو أننا اجترحنا مثل هذه المعصية العظيمة لوجب أن نعرف بأن الأساس غير ~~سليم، وأن حقيقة الإيمان لم يدخل في قلبنا. ولو أن الإيمان تغلغل في القلب، ~~لصلحت الأمور، لأن آثاره الإيمان تتسرب إلى الظاهر والباطن والسر والعلن. # فلابد من معالجة الباطن وأمراض القلب. ويستفاد من الأحاديث أن ضعف ~~الإيمان وعدم خلوصه كما يسبب فسادا في الأخلاق وانحرافا في الأعمال، كذلك ~~توجب الفاسد الأخلاقية نقصا في الإيمان بل زواله. وهذا الكلام يتطابق مع ~~بعض البراهين. كما تقرر في محله. # واعلم أن هذه المعصية من جهة أخرى أشد من كافة المعاصي، وأن آثارها أخطر ~~من آثار الذنوب الأخرى، لأن الغيبة مضافا إلى أنها تمس حقوق الله، تمس حقوق ~~الناس أيضا. ولا يغفر الله للمغتاب حتى يرضى صاحب الغيبة. كما ورد هذا ~~المضمون في الحديث الشريف المأثور بطرق مختلفة. # عن محمد بن الحسن في المجالس والإخبار ms240 بإسناده عن أبي ذر، عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في وصية له قال: «يا أبا ذر إياك والغيبة، فإن الغيبة ~~أشد من الزنا. قلت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوب إلى ~~الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها» (1). # وفي كتاب علل الشرائع والخصال ومجمع البيان وأخوان الصفا أحاديث بهذا ~~المعنى أو قريب من هذا المعنى. # ولو أن الإنسان والعياذ بالله مات وعليه حقوق الناس، كان أمره صعبا جدا. ~~إذ أن علاقة الإنسان في حقوق الله تكون مع الكريم الرحيم الذي لا يتطرق إلى ~~ساحته القدسية شيء من البغض والضغينة والعداوة والتشفي ولكنه في حقوق ~~العباد قد يرتبط بإنسان فيه تلك الصفات الفاسدة ولا يتجاوز عنه بسرعة أو لا ~~يرضى عنه نهائيا. # فلا بد للإنسان من المواظبة على نفسه كثيرا، والانتباه إلى الملاحظات ~~التي ذكرناها فإن الأمر خطير جدا وصعب للغاية. والأحاديث في خطورة الغيبة ~~أكثر من مجال هذه الصفحات. ونحن نقتصر على ذكر بعضها. # مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب يوما فذكر الربا ~~وعظم شأنه فقال: «إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية ~~وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» (2). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما النار في اليبس بأسرع من ~~الغيبة في حسنات العبد»(3). PageV01P169 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي ~~الرب عز وجل ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته فيه فيقول إلهي ليس هذا كتابي ~~[ فإني ] لا أرى فيه حسناتي. فيقال له إن ربك لا يضل ولا ينسى ذهب عملك ~~باغتياب الناس. ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة فيقول: ~~إلهي ما هذا كتابي فإني ما عملت هذه الطاعات، فيقال له: إن فلانا اغتابك ~~فدفع حسناته إليك» (1). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أدنى الكفر أن يسمع الرجل من أخيه ~~كلمة، يحفظها عليه يريد أن ms241 يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم» (2). # هذه الأخبار المأثورة في خصوص الغيبة. في حين أن عناوين أخرى من المعاصي ~~المذكورة في الروايات تنطبق أيضا على الغيبة وتعمها تلك الآثام مع ~~مضاعفاتها الفاسدة مثل: إهانة المؤمن سبب مستقل لهلاك الإنسان , والأحاديث ~~في تشنيع كل واحد منها قاصمة للظهر. # ونحن أعرضنا عن نقلها للمحافظة على الاختصار. ### || AUTO فصل: المفاسد الاجتماعية للغيبة # كما أن هذه المعصية الكبيرة وهذه الجريرة العظيمة، من المفسدات للإيمان ~~والأخلاق والظاهر والباطن، ومما تدفع بصاحبها إلى الفضيحة في الدنيا ~~والآخرة. حيث ذكرنا سلفا في الفصل السابق نبذة يسيرة منها، كذلك تشتمل هذه ~~الرذيلة على مفاسد إجتماعية ونوعية أيضا، ولهذا يكون فسادها وقبحها أعظم من ~~كثير من المعاصي. # إن من الأهداف الكبيرة للشرائع الإلهية والأنبياء العظام سلام الله ~~عليهم مضافا إلى كونه الهدف الذي نذكره هدفا مستقلا وليس بمجرد أداة ~~وواسطة وإنما هي الوسيلة التي تبعث على إنجاز الأهداف الأساسية الكبيرة، ~~وشرط ضروري لتحقيق المدينة الفاضلة. مضافا على ذلك، هو توحيد الكلمة وتوحيد ~~العقيدة والاتفاق في الأمور الهامة، والحد من ظلم الجائرين الباعث على فساد ~~بني الإنسان ودمار المدينة الفاضلة، ولا يتحقق هذا الهدف الكبير المصلح ~~للمجتمع والفرد إلا في ظل وحدة النفوس وإتحاد الهمم والتآلف والتآخي، ~~والصداقة القلبية والصفاء الباطني والظاهري، وتربية أفراد المجتمع على نمط ~~يساهم كلهم في بناء شخص واحد، يحول المجتمع إلى فرد، ويجعل الأفراد بمنزلة ~~الأعضاء والأجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجهود والمساعي حول الهدف الإلهي ~~الكبير، والأمر الهام العقلي العظيم الوحدة والاخوة الذي فيه مصلحة الفرد ~~والمجتمع. ولو أن مثل هذه الوحدة والاخوة ظهرت في طائفة أو نوع، لتغلبوا ~~على جميع الطوائف والأمم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة كما يتضح ذلك من ~~مراجعة التاريخ وخاصة دراسة الحروب الإسلامية والفتوحات العظيمة، حيث تمتع ~~المسلمون لدى بزوغ القانون الإلهي الإسلام بشيء من الوحدة والاتحاد، ~~واقترنت مساعيهم بشيء من الخلوص في النية، فحققوا في فترة قصيرة إنجازات ~~عظيمة، وهزموا القوى الجبارة # آنذاك المتمثلة في إيران والروم وانتصروا ms242 رغم قلة عددهم وعدتهم على ~~الجيوش المدججة بالسلاح وعلى المجتمعات الكبيرة. # إن نبي الإسلام قد أجرى عقد الأخوة في الأيام الأولى بين المسلمين، فسادت ~~الأخوة حسب الآية الكريمة (إنما المؤمنون إخوة) (3). بين جميع المؤمنين. PageV01P170 # وفي الكافي الشريف: عن العرقوفي قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول ~~لأصحابه: «إتقوا الله وكونوا إخوة بررة في الله متواصلين متراحمين. تزاوروا ~~وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه» (1). # وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: يحق على المسلمين الإجتهاد في التواصل ~~والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى ~~تكونوا كما أمركم الله عز وجل: «رحماء بينهم...»(2). # وعنه عليه السلام: «تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة بررة كما أمركم ~~الله عز وجل» (3). # ومن المعلوم أنه كلما يبعث على ازدياد هذه الصفات، يكون محبوبا ومرغوبا ~~فيه وكلما ينقض هذه الاخوة ويفرط عقد التواصل ويدفع نحو التمزق، يعتبر ~~مبغوضا عند صاحب الشريعة ومناقضا لأهدافه الكبيرة. ومن الواضح لدى الجميع ~~بأن هذه المعصية الكبيرة الخطيرة الغيبة إذا أشيعت في المجتمع، أصبحت ~~سببا للضغينة والحسد والعداوة والبغض وترسيخ جذور الفساد في المجتمع، وغرس ~~شجرة النفاق فيه، وضعضعة وحدة المجتمع وتضامنه، ووهن أساس الديانة، وفي ~~النهاية تزداد في المجتمع القبائح والفساد. # فيجب على كل مسلم غيور ملتزم، لصيانة نفسه من الفساد، أهل دينه من النفاق ~~وللمحافظة على المجتمع الإسلامي ووحدته ولتحكيم عقد الأخوة أن يبتعد عن هذه ~~الرذيلة، ويمنع المغتابين من هذه الموبقة القبيحة، ويتوب إلى الله من هذا ~~العمل الكريه، إذا كان مبتليا به، ويسترضي من اغتابه إذا أمكن، من دون أن ~~يفضي إلى مشكلة، ويستحله فإذا جعله في حل، وإلا استغفر له. وتخلى عن هذه ~~الخطيئة، وأنعش من جديد في قلبه جذور الصداقة والاتحاد، حتى يصبح من ~~الأعضاء الصالحين في المجتمع وينقلب إلى جزء هام في عجلة الإسلام والله ~~الهادي إلى سبيل الرشاد. ### || AUTO فصل: في علاج هذه الموبقة # اعلم أن معالجة هذه الخطيئة العظيمة وغيرها من الخطايا تكمن في العلم ~~النافع والعمل. # أما العلم النافع فهو أن يفكر ms243 الإنسان في الآثار الناجعة التي تترتب على ~~معالجة هذه الموبقة، ويقارنها مع المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة التي ~~تترتب على الغيبة، ثم يعرض كلا الأمرين على العقل ويستهديه لما فيه الحسن ~~والخير والصلاح. # إن الإنسان لا يعادي نفسه البتة من اقترافه للمعصية، وإنما يجترح السيئات ~~من جراء الجهل والغفلة عن بواعثها ونتائجها. ومن جراء الفائدة الموهومة ~~المترتبة على تلك المعصية، من إرضاء رغباته النفسية في ذكر مساوئ الناس ~~وكشف عوراتهم دقائق محدودة، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة ~~والأحاديث الشنيعة المنسجمة مع الطبيعة الحيوانية أو الشيطانية ولهوه في ~~جلسته مع أصدقائه وإشفاء غيظه ممن يحسدهم. # ولكن آثار الغيبة القبيحة قد عرفت قسما منها في الفصول السابقة وعليك أن ~~تقف على قسم أخر وتتعظ منه، وتأخذه بعين الاعتبار لدى المقارنة بين حسنات ~~الكف عن الغيبة بالمعالجة وسيئات الانهماك فيها. وتنجم عن هذا التفكر ~~والمقارنة، آثار طيبة. # أما آثارها الشنيعة في هذا العالم فهو سقوط الإنسان من أعين الناس وسحب ~~ثقتهم به. إن طبائع الناس مجبولة على حب الكمال والجمال والحسن، PageV01P171 والنفور من كل نقص وقبح وانحطاط. وملخص الحديث أن الناس يفرقون بين من ~~يتجنب، هتك أستار الناس وكشف أعراضهم وأسرارهم، وبين غيره، حتى إن الذي ~~يتولى الغيبة يرى في نفسه فطرة وعقلا، الإنسان الذي يكون على حذر من هذه ~~الأمور هتك الأستار وكشف الأعراض والأسرار مفضلا على نفسه. وإذا تمادى ~~الإنسان وتجاوز الحدود، وهتك أسرار وأعراض الناس، فضحه الله في هذه الدنيا. ~~كما صرح بذلك في حديث إسحاق بن عمار المتقدم. ويجب أن يكون على حذر من ~~فضيحة يريدها الله للإنسان حيث لا يمكن تداركها. # أعوذ بالله من غضب الحليم. إن من المحتمل أن يفضي هتك حرمات المؤمنين ~~وكشف عوراتهم بالإنسان، إلى سوء العاقبة. لأن هذا العمل الشنيع إذا أصبح ~~ملكة راسخة لدى الإنسان، ترك آثارا في النفس: منها الضغينة والعداوة تجاه ~~المستغاب التي تزداد شيئا فشيئا فعندما يدنو منه الأجل، وتنكشف عنه حجب ~~الملكوت، ويرى المقامات الشامخة للذين اغتابهم وتعظيم ms244 الحق لهم، قد تحصل ~~عنده الكراهية للحق سبحانه، لأن الإنسان يعادي، المحب لعدوه، ويبغض المحب ~~لمبغوضه، فيخرج من الدنيا وهو كاره للحق والملائكة ويمنى بالخذلان الأبدي ~~والشقاء الدائم. # عزيزي تصادق مع عباد الله الذين تشملهم رحمة الله ونعمه، ويتزينون ~~بالإسلام والإيمان وأحببهم في قلبك. وإياك أن تعادي محبوب الحق المتعالي، ~~لأنه سبحانه يعادي أعداء أحبائه وسوف يبعدك عن ساحة رحمته. إن عباد الله ~~المخلصين مجهولون بين سائر عباده، ومن الممكن أن يعود عداءك لمؤمن وهتكك ~~حرمته وكشفك عورته، إلى هتك حرمة الله تعالى ومعاداته!. # إن المؤمنين أولياء الحق، والتحاب معهم، تحاب مع الحق، والتخاصم معهم ~~تخاصم مع الحق. إياك وإثارة غضب الحق سبحانه، ومعاداة شفعاء يوم القيامة ~~«ويل لمن شفعاؤه خصماؤه». فكر قليلا في النتائج الدنيوية والأخروية لهذه ~~المعصية، وتأمل يسيرا في تلك الصور صور تجسد الأعمال الموحشة المدهشة ~~التي يبتلى بها الإنسان في القبر والبرزخ ويوم القيامة. وراجع الكتب ~~المعتبرة لعلمائنا العظام رضوان الله عليهم والأحاديث المأثورة عن الأئمة ~~الأطهار عليهم سلام الله التي تقصم الظهر، من شدة العقاب المتوعد عليه. ~~ثم قارن بين ربع ساعة من اللغو في الحديث والثرثرة في ظل تحقيق رغبة وهمية، ~~وبين آلاف السنين من المعاناة، إذا كنت من أهل النجاة وارتحلت عن هذه ~~الدنيا مع الإيمان. وإلا تكن من أهل الإيمان والنجاة فقارن تلك الدقائق ~~اليسيرة مع الخلود في نار جهنم والعذاب الأليم المؤبد نعوذ بالله منه . # يضاف إلى ذلك أنك إذا خاصمت الشخص الذي تستغيبه، فمقتضى إيمانك بالأحاديث ~~الشريفة أن تكف عن استغابته. لأنه ورد في الخبر أن حسنات المستغيب تنتقل ~~إلى صحيفة عمل المستغاب، وسيئات المستغاب تنتقل إلى سجل عمل المستغيب. فإنك ~~أردت أن تعاديه، ولكنك في الحقيقة قد عاديت نفسك. # إذن اعلم أنك لا تستطيع أن تحارب الله. إن الله قادر على أن يجعل المغتاب ~~نتيجة غيبتك إياه عزيزا ومقدرا بين الناس، ويجعلك حقيرا وذليلا. ويقوم ~~سبحانه أمام الكروبيين المقربين بنفس العملية، فيملأ صحيفة عملك من ~~السيئات ويفضحك، ويملأ صحيفة ms245 عمله من الحسنات معززا مكرما. # فافهم أنك تحارب بغيبتك أي قادر جبار، وكن على حيطة وحذر من معاداته. PageV01P172 # وأما من الناحية العملية فلا بد من كف النفس عن هذه المعصية لبعض الوقت ~~مهما كان صعبا، ولجم اللسان، والمراقبة الكاملة للنفس، ومعاهدة النفس بعدم ~~اقتراف هذه الخطيئة، ومراقبتها والحفاظ عليها ومحاسبتها. حيث يمكن أن يتم ~~إصلاح النفس بعد مضي فترة قصيرة بمشيئته تعالى. واستئصال مادة هذا الفساد، ~~ويسهل عليك الأمر قليلا قليلا. وبعد فترة تحس بأنك تتنفر منها بحسب طبيعتك ~~وتنزجر عنها. ثم تكون راحة النفس ومتعتها في ترك هذه المعصية. # فصل: الأولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة # إعلم بأن العلماء والفقهاء رضوان الله عليهم استثنوا مواردا من حرمة ~~الغيبة تبلغ في كلمات بعضهم العشرة ولسنا بصدد عرضها وتعدادها، حتى لا تكون # هذه الصفحات ساحة لبيان الأبحاث الفقهية. والذي يجب أن نذكره هنا هو أن ~~على الإنسان أن لا يعيش حالة الاطمئنان أبدا من مكائد النفس، بل يجب أن ~~يتحرك في منتهى الحذر والاحتياط، ولا يكون في صدد التبرير لغيبته ~~بالأعذار بأن يقول أن هذا المورد هو من الموارد المستثناة فيسمح لنفسه ~~بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتها في المجتمع. # إن مكائد النفس بالغة الدقة، فيمكن أن تخدع الإنسان عن طريق الشرع، وتزجه ~~في مهلكة. فمثلا إن غيبة المتجاهر بالفسق جائزة، وإذا توقف ردعه بعض ~~الأحيان على استغابته وجبت غيبته من باب النهي عن المنكر، ولكن يجب أن ~~يتأمل الإنسان بأن الدافع النفسي لغيبته هو الداعي الشرعي الإلهي النهي عن ~~المنكر أو أن الباعث، أهواء شيطانية، ورغبة نفسانية العداوة والتشفي و... ~~فإن كان الهدف الدافع الإلهي النهي عن المنكر كان عمله من العبادات، بل ~~كانت غيبته هذه بنية إصلاح المتجاهر بالفسق والإساءة إليه، من أوضح مصاديق ~~الإحسان والإنعام إليه وإن لم يشعر المغتاب بذلك. ولكن إذا كان قصده مشوبا ~~بالفساد والميول النفسانية، فلا بد من تخليص النية من غير الدافع الإلهي ~~والصفح عن أعراض الناس وحرماتهم عند عدم وجود هدف صحيح. # بل ms246 إن تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضر بحالها أيضا. لأن ~~النفس تميل نحو الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجر رويدا رويدا من ~~الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وهي الموارد المحرمة , كما أن الدخول في ~~الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنها حمى المحرمات ومن الممكن أن الاقتحام ~~في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرمات. يجب على الإنسان مهما أمكن أن يبعد ~~النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز عن الأمور التي يحتمل أن يكون ~~فيها طغيان للنفس. # نعم في الأحوال التي تجب الغيبة فيها، مثل غيبة المتجاهر بالفسق بهدف ~~منعه إذا كان لا يرتدع إلا بها، والموارد الأخرى التي ذكرها العلماء، فلا ~~بد من الإقدام عليها، مع السعي الحثيث لتخليص النية عن هوى النفس ومتابعة ~~الشيطان. ولكن ترك الغيبة في الموارد الجائزة، أولى وأحسن ومن الأجدر أن لا ~~نفعل كل # عمل جائز وخاصة الأمور التي يكون فيها لمكائد النفس والشيطان دور بارز. ~~في الحديث: مر عيسى بن مريم عليه السلام ومعه الحواريون على جيفة كلب، فقال ~~الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب فقال عيسى عليه السلام: «ما أشد بياض ~~أسنانه» (1). # إن المربي والموجه للإنسان لا بد وأن يكون ذا نفس طاهرة نقية. إن عيسى لم ~~يسمح أن يذكر مخلوق الله بالسوء. إنهم شاهدوا عيبه وهو قد لوح بكماله. # سمعت رواية منقولة عن السيد المسيح عليه السلام أنه قال لا تكونوا مثل ~~البعوض الذي يفتش عن الأوساخ والقاذورات فلا تركزوا على عيوب الناس. PageV01P173 # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «طوبى لمن شغله عيبه ~~عن عيوب الناس» (1). # من الجدير بالإنسان أن يبحث عن عيوبه قليلا بمثل ما يتحرى عن عيوب الناس. ~~وكم هو قبيح على الإنسان الذي فيه آلاف العيوب، أن يغفل عن عيوبه، ويتنبه ~~لعيوب الآخرين وبذلك يضيف عيبا آخر على عيوبه. إذا تأمل الإنسان قليلا في ~~أحواله وأخلاقه وأعمله وانصرف إلى إصلاحها، لصلحت أعماله. وإذا اعتقد بأنه ~~خال عن العيوب، كانت عقيدته هذه نتيجة ms247 جهله المطبق. ولا يوجد عيب أعظم من ~~عيب عدم التفات الإنسان إلى عيبه، ويكون غافلا عنه ومن أن الإنسان مجموعة ~~عيوب ونقائص، فيترك عيوبه وينعطف على عيوب الآخرين. ### || AUTO فصل: في بيان أن الاستماع إلى الغيبة، محرم # إن الاستماع إلى الغيبة محرم، كما أن الاستغابة تكون محرمة بل يظهر في ~~بعض الروايات أن المستمع مثل المغتاب في كل الأمور حتى وجوب التسامح منه، ~~وإنه من الكبائر. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «المستمع أحد ~~المغتابين» (2). # وعن علي عليه السلام: «السامع أحد المغتابين» (3). # بل يظهر من الروايات الكثيرة وجوب رد الغيبة. # عن الصدوق بإسناده عن الصادق عليه السلام في حديث مناهي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الغيبة ~~والإستماع إليها إلى أن قال: ألا ومن تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في ~~مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة فإن هو [ لم ~~يردها وهو ] قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة». (4). # وعن الصدوق بإسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن آبائه في وصية ~~النبي لعلي عليهما السلام: «يا علي! من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع ~~نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والآخرة» (5). # وعن عقاب الأعمال بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «من رد عن ~~أخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة ~~فإن لم يرد عنه وأعجبه كان عليه كوزر من اغتاب» (6). # يقول علامة علماء المتأخرين المحقق الجليل الجامع لفضيلتي العلم والعمل ~~الشيخ الأنصاري رضوان الله تعالى عليه : # «والظاهر أن الرد غير النهي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما ~~يناسب تلك الغيبة فإن كان عيبا دنيويا انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب ~~الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبأ الله به وإن كان ~~عيبا دينيا وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن ms248 لم يقبل التوجيه انتصر له بأن ~~المؤمن قد يبتلى بالمعصية فينبغي أن تستغفر له وتهتم له لا أن تعيره، وأن ~~تعييرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته» (7) انتهى كلامه رفع مقامه. PageV01P174 # ويلاحظ أحيانا أن المستمع فضلا عن أنه لم يمنع الغيبة، يعمد إلى تحريض ~~الشخص المستغيب، أو يشجعه عليها من خلال مشاركته معه في الاستغابة، أو ~~تحسينه إياه على غيبته وإذا كان المستمع من أهل الصلاح، رغب المستغيب في ~~الاستغابة نتيجة موقفه ذات الطابع الديني لدى استماع الغيبة، من الاشتغال ~~بذكر الله أو الاستغفارأو الأمور الأخرى التي تعد من الوسائل الشيطانية ~~لأنه بموقفه هذا يدفع المستغيب إلى الاستغابة. # ومن الممكن أن يكون الحديث الشريف الذي يضاعف وزر المستمع للغيبة سبعين ~~مرة بالنسبة إلى وزر المستغيب، إشارة لهؤلاء الأشخاص يستمعون الغيبة ~~ويشجعون المستغيب من خلال مواقفهم الدينية الظاهرية على المضي فيها نعوذ ~~بالله منه. # تتميم: كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) # للشيخ الجليل والمحقق العظيم الشهيد السعيد الثاني رضوان الله عليه ~~كلام نختم به هذا المقام حيث قال: ومن أضر أنواع الغيبة، غيبة المتسمين ~~بالفهم والعلم المرائين فإنهم يفهمون المقصود إلى صفة أهل الصلاح والتقوى ~~ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم ~~جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول ~~الحمد لله الذي لم يبتلينا بحب الرياسة أو حب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية ~~الفلانية، أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل ~~الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدث عنه ~~بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت أهل الصلاح. وإنما قصده ~~أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء، ودعوى الخلاص من ~~الرذائل، وهو عنوان الوقوع فيها، بل في أفحشها ومن ذلك أنه قد يقدم مدح من ~~يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات، ولكن قد ~~اعتراه فتور وابتلى بما ms249 يبتلي به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم، ~~ومقصودة أن يذم غيره، وأن يمدح نفس بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون ~~مغتابا مرائيا، مزكيا نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش، وهو يظن بجهله أنه من ~~الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا ~~بالعلم والعمل من غير أن يتقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك ~~عليهم ويسخر منهم. # ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحانه ~~الله ما أعجب هذا حتى يصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله، فيذكر الله ~~سبحانه، ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وباطلة وهو يمن على الله بذكره ~~جهلا وغرورا ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلى بكذا، بل يقول جرى ~~لصاحبنا أو صديقنا كذا، تاب الله عليه وعلينا، يظهر الدعاء له والتألم ~~والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره، وهو بجهله لا ~~يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة. # ومن أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر ~~التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة، فيزيد فيها، فكأنه يستخرج منه الغيبة ~~بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت أعرف ~~من فلان ذلك، يريد بذلك تصديق المغتاب، واستدعاء الزيادة منه باللطف ~~والتصديق لها غيبة، بل الإصغاء إليها، بل السكوت عند سماعها. انتهى كلامه ~~رفع مقامه(1). PageV01P175 # وأحيانا تضاف عناوين أخرى على عنوان الغيبة أيضا فيبعث على ازدياد الفساد ~~والقبح والعقاب. مثل أن يثني المستغيب على المستغاب أمامه ويعرب له عن حبه ~~له. ويكون هذا من مراتب النفاق ويعد من ذوي اللسانين والوجهين. والروايات ~~تذم مثل هذا الإنسان. # ففي الكافي الشريف بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «من لقي ~~المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار» (1). # هذه هي صورة هذا العمل القبيح ونتيجة هذا النفاق في عالم الآخرة. أعوذ ~~بالله من شر لساني ونفسي الأمارة. ms250 والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث العشرون: النية # بالسند المتصل إلى الشيخ الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني قدس سره ~~عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن ~~عيينة، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله تعالى: «ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا». قال: ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا. وإنما الإصابة خشية ~~الله والنية الصادقة والخشية. ثم قال: الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من ~~العمل والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله تعالى أفضل ~~من العمل. ألا وإن النية هي العمل ثم تلا قوله عز وجل: قل كل يعمل على ~~شاكلته «يعني على نيته» (2). # الشرح: # البلاء بمعنى الاختبار والتمحيص. كما في الصحاح: «بلوته بلوى: جربته ~~واختبرته، وبلاه الله بلاء وأبلاه إبلاء حسنا وابتلاه أي اختبره». # و«أيكم» مفعول ثاني «ليبلوكم» بعد تضمين يبلو معنى العلم حسب كلام ~~المجلسي، وهو ليس بصحيح. لأن أي الاستفهامية تعلق الفعل عن العمل فلا تعمل ~~يبلو ولا تتعدى إلى مفعولين . والصواب أن «أيكم أحسن عملا» جملة مبتدأ ~~وخبر، وفي المعنى مفعول لفعل «يبلوكم» المعلق عن العمل . ولو جعلنا «أي» ~~موصولة لكان لكلام المرحوم المجلسي وجها، ولكنها في الاستفهامية أظهر. # و«الصواب» نقيض الخطأ كما يقول الجوهري. و«الخشية» الثانية غير موجودة في ~~بعض النسخ كما يقول المجلسي. ولو كانت موجودة لأمكن فيها احتمالات، أظهرها ~~أن ال «و» بمعنى «مع». ونقل عن (أسرار الصلاة) للشهيد الثاني رحمه الله ~~«النية الصادقة الحسنة» بدلا عن «النية الصادقة والخشية». و«الإبقاء على ~~العمل» مراعاته والمحافظة عليه كما قال الجوهري: «ابقيت على فلان إذا ارعيت ~~عليه وحميته». «والشاكلة» بمعنى الطريقة والشكل والناحية. كما في القاموس ~~والصحاح فعن القاموس «الشاكلة: الشكل والناحية والنية والطريقة». # ونحن سنوضح ما يحتاج إلى الشرح من الحديث الشريف ضمن فصول عديدة إن شاء الله. ### || AUTO فصل: في الإشارة إلى توجيه نسبة الابتلاء إلى الحق تعالى # إن «ليبلوكم» في الحديث الشريف إشارة إلى قوله تعالى (تبارك الذي بيده ms251 ~~الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~وهو العزيز الغفور) (3). PageV01P176 # قال المحقق المجلسي قدس الله سره تدل هذه الآية الشريفة على أن الموت أمر ~~وجودي. والمراد منه إما الموت الطارئ على الحياة، أو العدم الأصلي. انتهى. # إن دلالة الآية الشريفة على أن الموت أمر وجودي تتوقف على تعلق الخلق ~~والتكوين بالموت، بالذات، وأما إذا كان التعلق بالعرض فلا تصح تلك الدلالة، ~~كما يصرح بذلك المحققون. وعلى فرض دلالتها، فلا وجه لجعل الموت في الآية ~~الشريفة عدما أصليا لأن اعتبار العدمي الأصلي، وجوديا من الجمع بين ~~النقيضين. مع أنه في نفسه لا يصح تفسير الموت بالعدم الأصلي. # وملخص القول: إن مقتضى التحقيق هو أن الموت عبارة عن الانتقال عن النشأة ~~الظاهرية الملكية الدنيا إلى النشأة الباطنية الملكوتية. أو أن الموت ~~عبارة عن الحياة الثانية الملكوتية بعد الحياة الأولى الملكية الدنيوية. ~~وعلى كل تقدير يكون الموت أمرا وجوديا بل هو أتم من الوجود الملكي، لأن ~~الحياة الملكية الدنيوية مشوبة بالمواد الطبيعية الميتة التي تكون حياتها ~~عرضية وزائلة. في حين أن الحياة الذاتية الملكوتية التي تحصل هناك تبعث على ~~استقلالية للنفوس، وتكون تلك الدار، دار حياة ومن لوازم الحياة. وأن ~~الأبدان المثالية البرزخية قائمة بالنفوس قياما صدوريا مثل قيام المعلول ~~بالعلة كما هو مقرر في محله المناسب. # وبالجملة إن الحياة الملكوتية التي يعبر عنها بالموت حتى لا يكون ثقيلا ~~على السمع متعلق للجعل والتكوين وتحت قدرة الذات المقدس. # وقد تقدم منا معنى الاختبار والامتحان وكيفية نسبته إلى الحق المتعال جل ~~جلاله عند شرح بعض الأحاديث، على نحو لا يستلزم الجهل على الذات المقدس، ~~ومن دون حاجة إلى تكلف وتأويل. ولا بد من الإشارة إليه بصورة مجملة، هي: # إن نفس الإنسان في بدء فطرتها وخلقتها تتمتع بالاستعداد المحض والقابلية ~~الصرفة، وهي خالية عن كل فعلية من ناحية السعادة والشقاء، وبعد حصول ~~الحركات الطبيعية الجوهرية، والأفعال الاختيارية تتحول الاستعدادات إلى ~~الفعلية وتنجم التشخصات والتميزات. # فانفراد السعيد الشقي والغث ms252 عن السمين، يحصل في هذه الحياة الملكية. ~~والهدف من تكون الحياة الملكية هو تمحيص النفوس والتفرقة بين السعيد منها ~~والشقي. وعليه تتضح الغاية المنشودة من وراء اختبار الناس. # وأما خلق الموت فهو أيضا دخيل في هذا الفرز والتفريق بين السعيد والشقي، ~~بل هو الجزء الأخير من العلة، لإن المقياس في الفعليات هي الصور الملكوتية ~~الأخيرة التي ينتقل بها الإنسان من هذا العالم. # وخلاصة الكلام أن المقياس في التفرقة هو الصور الأخروية الملكوتية، وهي ~~لا تحصل إلا بواسطة الحركات الجوهرية والأفعال الاختيارية الدنيوية ~~الملكية. فاتضحت الغاية المنشودة من الامتحان والاختبار المترتب على خلق ~~الموت والحياة من دون بقاء جهل في ذلك. # نعم تفصيل ذلك لأجل دحض كل الملاحظات، يرتبط ببيان العلم الذاتي لله قبل ~~الإيجاد، وعلمه الفعلي لدى الإيجاد، وهو أكبر من نطاق هذا الكتاب. وقوله ~~سبحانه (أيكم أحسن عملا) الذي ربط نتيجة الامتحان بأحسن الأعمال، يعود أيضا ~~إلى هذا المعنى المذكور. وعليه يفسر الحديث الشريف، لأنه فسر الأحسن ~~بالأصوب، والأصوب بخشية الله والنية الصادقة، وهي الصور الباطنية للنفس، ~~والباعثة على التفرق الحقيقي للأرواح، أو أنها من المظاهر للاختلافات ~~الجوهرية الغيبية للنفس. بل بناءا على تأثر القلب والباطن من الأعمال ~~الظاهرية كما ذكرناه سابقا، يحصل التفرق عبر الأعمال أيضا، فامتحان ~~الأعمال، اختبار للذاتيات أيضا. PageV01P177 # وإذا فسرنا الآية المباركة حسب ظاهرها، وقطعنا النظر عن تفسير الإمام عليه ~~السلام، كان الاختبار أيضا بهذا المعنى المذكور، لأن نفس الحضور في هذه ~~النشأة الدنيوية وخلق الموت والحياة، باعثان على فرز الأعمال الحسنة عن ~~العمال السيئة. أما سببية خلق الحياة في ذلك فمعلوم، لأنها سبب النهوض ~~والحركة والعمل. أما خلق الموت، فمع العلم بعدم استقرار الحياة الدنيوية، ~~وتيقن حصول الارتحال من هذه النشأة الفانية، تختلف الأعمال من إنسان لآخر، ~~ويتم الفرز بين صالحها وطالحها. ### || AUTO فصل: في بيان الخشية والنية الصادقة تبعثان على صواب الأعمال # اعلم أن هذا الحديث الشريف أناط صواب وحسن العمل بأمرين شريفين وجعل ~~المقياس في كمال وتمامية: لأعمال، هذين الأصلين: أحدهما الخوف ms253 والخشية من ~~الحق المتعالي. وثانيهما النية الصادقة والإرادة الخالصة. وعلينا أن نشرح ~~الصلة القائمة بين هذين الأمرين مع كمال العمل وصوابه. # فنقول: الأمر الأول أن الخوف والفزع من الحق المتعالي يوجب خشية النفس ~~وتقواها، وهي بدورها تبعث على قبول آثار الأعمال أكثر. # وتفصيل هذا الإجمال هو أننا ذكرنا سابقا لدي شرح بعض الأحاديث المتقدمة ~~أن لكل الأعمال الحسنة أو السيئة تأثيرا في النفس. فإذا كانت تلك الأعمال ~~من سنخ العبادات والمناسك كان التأثير هو خضوع القوى الطبيعية للقوى ~~العقلية، وقاهرية ملكوتية النفس على الملك، وانقياد الناحية الطبيعية ~~للإنسان لناحيته الروحانية حتى يبلغ الأمر إلى الجذبة الروحية والوصول إلى ~~المقصود الأصلي. وكل عمل يبعث على مثل هذا التأثير أكثر، وينجز هذه الخدمة ~~أحسن، لكان أصوب، ولترتب عليه المقصود الأصلي بشكل أفضل. وكل شيء له دور في ~~هذا التأثير، فهو متكفل لصواب العمل. وغالبا ما يكون هذا هو المقياس ~~لأفضلية الأعمال. ويمكن أن يكون الحديث المعروف «أفضل الأعمال أحمزها» (1) ~~مندرجا تحت هذا المقياس أيضا. # وبعد تبين هذه المقدمة، لا بد أن نعرف بأن التقوى تزكي النفس وتطهرها من ~~الدنس والقذارات. وطبعا إذا كانت صفحة النفس ناصعة، وطاهرة من حجب المعاصي ~~وكدرها، كانت الأعمال الحسنة مؤثرة أكثر، وإصابتها للهدف المبتغى أدق، ~~وتحقق السر الكبير للعبادات الذي هو ترويض الجانب المادي للإنسان، وقهر ~~ملكوته على ملكه ونفوذ الإرادة الفاعلة للنفس بصورة أفضل. # فالخشية من الحق سبحانه، التي لها التأثير التام في تقوى النفوس هي من ~~العوامل الكبيرة لإصلاح النفوس، وذات دور في إصابة العمال وحسنها وكمالها. ~~لأن التقوى مضافا إلى أنها من العوامل الكبيرة في إصلاح النفس، تكون ذات ~~قدرة فعالة في تأثير الأعمال القلبية والقالبية الظاهرية للإنسان، وتكون ~~سببا لقبولها أيضا. كما يقول الله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين) (2). PageV01P178 # والعامل الثاني المهم في إصابة الأعمال لأهدافها وكمالها، والذي يكون ~~بمثابة القوة الفاعلة (كما أن الخشية، والتقوى الحاصلة منها بمثابة شرط ~~التأثير، وفي الواقع فهما يبعثان على تطهير للقابل، ورفع للمانع) هي النية ms254 ~~الصادقة والإرادة الخالصة حيث يكون كمال العبادات ونقصها وصحتها وفسادها ~~كليا تابعا لها. وكلما كانت العبادات أصفى من الشرك وشوب النية، كلما كانت ~~أكمل. وليس في العبادات شيء ذو أهمية مثل النية وخلوصها، لأن نسبة النيات ~~إلى الأعمال كنسبة الأرواح إلى الأبدان والنفوس إلى الأجساد. كما أن أجسام ~~صور العبادات، توجد من خلال مقام الملك للنفس وجسدها، وتحصل النية وروح ~~العبادة من باطن النفس أعماقها ومقام القلب. ولا تقبل عبادة البتة عند ~~الحق المتعالي من دون نية خالصة. إلا أنها إذا لم تكن خالصة من الرياء ~~والشرك الظاهري الملكي وهو الرياء المذكور لدي الفقهاء رضوان الله تعالى ~~عليهم كانت باطلة وغير مجزية ظاهرا في منطق الفقه . وإن لم تكن خالصة من ~~الشرك الباطني، فهي وإن كانت صحيحة ومجزية حسب ظاهر الشرع والحكم # الفقهي، ولكنها ليست بصحيحة حسب باطن الشرع والواقع وفلسفة العبادة، وغير ~~مقبولة لدي الذات المقدس. فلا ملازمة بين صحة العبادة وقبولها، كما أشير ~~إلى ذلك كثيرا في الأخبار المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام. والتعريف ~~الجامع للشرك في العبادة، الشامل لكل مراتبه هو: إدخال رضى غير الحق في ~~العبادة. سواء كان رضا غير الحق رضى نفسه أو غيره. إلا أنه إذا كان ~~إدخالا لرضا غير نفسه من الناس في العبادة، لكان شركا ظاهريا ورياءا فقهيا. ~~وإن كان رضا نفسه كان شركا خفيا وباطنيا، والعبادة باطلة، ولا تعد بشيء لدى ~~أهل المعرفة، ولا تكون مقبولة لدى الحق سبحانه. # مثلا من يؤدي لسعة رزقه صلاة الليل، أو أن يتصدق لدفع البلية، أو يقدم ~~الزكاة لتنمية أمواله ويأتي بهذه العبادات من أجل الحق تعالى، ولكنه يسأل ~~ربه أن يهب له تلك الأمور ببركة تلك العبادات، هذه العبادات وإن كانت صحيحة ~~ومجزية، وتترتب عليها تلك الآثار أيضا إذا اشتملت هذه العبادات على أجزائها ~~وشرائطها. ولكنها لا تكون عبادة للحق المتعالي وغير محتوية للنية الصادقة ~~والإرادة الخالصة. بل أنها عبادة لتعمير الدنيا ولنيل الرغبات النفسية ~~الدنيوية، فلا يكون عمله مصابا. كما أن العبادات ms255 إذا كانت نتيجة الخوف من ~~نار جهنم، والشوق إلى الجنة، لما كانت خالصة للحق سبحانه، ولما ضمنت النية ~~الصادقة، بل نستطيع أن نقول إن مثل هذه العبادات خالصة للشيطان والنفس، لأن ~~الإنسان الذي يقوم بمثل هذه العبادات لأهداف دنيوية أو الفزع من جهنم لم ~~يدخل رضى الحق سبحانه في عبادته البتة، حتى يتحقق الشرك، وإنما عبد الصنم ~~الكبير فقط (إن أم الأصنام هي صنم النفس). # إن الله سبحانه يقبل أمثال هذه العبادات نتيجة عجزها ونتيجة رحمته ~~الواسعة، بدرجة واحدة، بمعنى أن هناك آثار تترتب على هذه العبادات، ومكافآت ~~في مقابلها، فلو أن الإنسان عمل بتلك الشرائط الظاهرية، ومع توجه القلب ~~وحضوره ومع شرائط قبول الأعمال، ترتبت الآثار كافة عليها وأنجزت تلك ~~المكافآت الموعودة. # هذا هو حال عبادة العبيد والأجراء. وأما عبادة الأحرار الذين يعبدون الله ~~لحبهم الحق المتعالي ولبحثهم عن الذات المقدسة، ولا يعبدونه من أجل PageV01P179 الخوف من نار جهنم أو الشوق إلى الجنة، فهذه العبادة في أول مقام الأولياء ~~والأحرار. ولهم مقامات ومعارج أخرى لا يمكن ذكرها. فما دامت النفس تلتفت ~~إلى العبادة والعابد والمعبود، لم يتحقق الخلوص. يجب أن يخلو القلب من ~~الغير ولا ينفذ فيه أحد غير الحق حتى يكون خالصا. كما ورد في الحديث الشريف ~~المنقول عن الكافي بسنده إلى سفيان بن عيينة (راوي الحديث العشرين) قال: # سألته عن قول الله عز وجل: «إلا من أتى الله بقلب سليم». قال: القلب ~~السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه قال: «وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ~~ساقط وإنما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة» (1). # ومن المعلوم أن القلوب التي استقبلت غير الحق وتعرضت لهزات الشك والشرك ~~سواء كان الشرك جليا أم خفيا فهي ساقطة في محضر القدس الربوبي. وإن من ~~الشرك الخفي الاعتماد على الأسباب والركون إلى غير الحق. # وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أن الشرك أخفى من دبيب النمل وقال: ~~منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا(2). ودخول غير الحق ms256 المتعالي إلى ~~القلب يعد من الشرك الخفي. وإخلاص النية هو إخراج غير الحق سبحانه من مقام ~~الذات المقدس القلب . # وكما أن للشرك مراتب، ويكون للشك مراتب أيضا، وأن منها الشك الجلي، ومنها ~~الشك الخفي. وتحصل هذه المراتب نتيجة ضعف اليقين ونقصان في الإيمان. إن ~~مطلق الاعتماد على غير الحق سبحانه والالتفات إلى المخلوق يكون من جراء ضعف ~~اليقين والإيمان، كما أن التزلزل في الأمور نتيجة لذلك أيضا. ومرتبة إخفاء ~~الشك، حالة من التلون في القلب وعدم التمكين في التوحيد. فالتوحيد الحقيقي، ~~هو إسقاط الإضافات والتعينات والكثرات، حتى كثرات الأسماء والصفات، ~~والتمكين فيه يكون بالخلاص من الشك. وإن القلب السليم، هو القلب الفارغ من ~~مطلق الشرك والشك. وفي هذا الحديث الشريف القائل «وإنما أراد بالزهد...» ~~إشارة إلى أن الغاية من الزهد في الدنيا هو انصراف القلب شيئا فشيئا عن ~~الدنيا وتنفره عنها، وتوجهه إلى المقصود الأصلي والمطلوب الواقعي الحق ~~المتعالي . # ويبدو من صدر الحديث المروي عن سفيان بن عيينة أن المقصود من الآخرة ~~النهاية القصوى لدائرة الوجود، ونهاية الرجوع. وهي الآخرة بالقول المطلق. ~~فعليه تكون الدنيا كل دائرة الظهور، والزهد فيها يستلزم خلوص القلب من غير ~~الحق تعالى. فكل من في قلبه غير الحق عز وجل، ينتبه إلى غيره سبحانه من ~~دون فرق بين أن يكون هذا الغير من الأمور الملكية المادية أو الأمور ~~المعنوية ومن دون فرق بين أن تكون الصورة أخروية أو من الكمالات أو المدارج ~~الشامخة، وملخص القول التوجه إلى غير الحق المتعالي يعد من عمل أهل الدنيا ~~ولا يكون زاهدا فيها ويكون محروما من الآخرة الحقيقية، وجنة اللقاء التي هي ~~أعلى مراتب الجنة، وإن كانت لهم مراتب أخرى من الكمالات المعنوية والجنان ~~الرفيعة. كما أن أهل الدنيا ذو مقامات مختلفة بالنسبة إلى الأحوال ~~الدنيوية، ولكن تلك المقامات بعيدة كثيرا عن أهل الله. # فصل: في تعريف الإخلاص PageV01P180 إعلم أنهم ذكروا تعاريف مختلفة للإخلاص ونحن نذكر بعضها وهو المتداول لدى ~~أهل السلوك والعرفان، بصورة مختصرة. # قال العارف الحكيم السالك ms257 خواجه عبدالله الأنصاري قدس سره: «الإخلاص ~~تصفية العمل من كل شوب» وهذا أعم من أن يشوب العمل برضى نفسه، أو رضى غيره ~~من المخلوقات الأخرى. # ونقل عن الشيخ البهائي أن أرباب القلوب العرفاء ذكروا تعاريف عديدة ~~للإخلاص: # «قيل: هو تنزيه العمل أن يكون لغير الله فيه نصيب» وهذا أيضا قريب إلى ~~التعريف المذكور. # «وقيل: هو أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين». ونقل عن صاحب غرائب ~~البيان: أن المخلصين هم الذين يعبدون الله، ولا يرون أنفسهم ولا العالم ولا ~~أهله في العبودية، ولا يتجاوزون حدود العبودية في مشاهدة الربوبية. وعندما ~~تتساقط من العبد حظوظه بدءا من التراب وانتهاءا بالعرش فقد سلك الدين، وهو ~~طريق العبودية الخالصة من رؤية الحوادث غير الله نتيجة شهود الروح لجمال ~~الرب المتعالي. وهذا هو الدين الذي إصطفاه الحق المتعالي لنفسه، وأخلصه من ~~غير الحق قائلا (ألا لله الدين الخالص) (1) والدين الخالص هو نور القدم، ~~بعد اضمحلال الحدوث في فياض نور عظمته ووحدانيته. فكأن الله قد دعا عباده ~~على سبيل التنبيه والإشارة نحو تخليص سره في الغير لدى توجههم إليه. ونقل ~~عن الشيخ المحقق محي الدين العربي أنه قال: # «ألا لله الدين الخالص عن شوب الغيرية والأنانية، لإنك لفنائك فيه ~~بالكلية فلا ذات لك ولا صفة ولا فعل ولا دين وإلا لما خلص الدين بالحقيقة ~~فلا يكون لله». فما دامت العبودية والغيرية والأنانية باقية والعابد ~~والمعبود والعبادة والإخلاص والدين حاضرا، يكون العمل مشوبا بالغيرية ~~والأنانية وهذا شرك لدى أرباب القلوب. إن عبادة أرباب الإخلاص هي رسم ~~تجليات المحبوب، ولا يوجد في قلوبهم سوى الحق المتعالي الواحد. ومع أن أفق ~~الإمكان قد اتصل بالوجوب، وإن التدلي الذاتي، والدنو المطلق الحقيقي قد حصل ~~لهم، وإن رسم الغيرية قد ارتفع بالكلية عنهم، فهم يقومون بكافة وظائف ~~العبودية. ولا تكون عبادتهم بالروية والتفكر، بل تكون عبادتهم بالتجلي. كما ~~أشير إلى هذا المعنى في صلاة ليلة معراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل: في بيان الإخلاص بعد العمل ms258 # اعلم أن ما ورد في الحديث الشريف «الإبقاء على العمل حتى يخلص، أشد من ~~العمل» حث على لزوم المحافظة والمواظبة على الأعمال، التي تصدر من الإنسان، ~~حين إنجازها وبعد تحققها، إذ قد يأتي الإنسان بالعمل من دون عيب ونقص وخال ~~من الرياء والعجب وغيره، ولكنه بعد العمل وبواسطة ذكره للآخرين يعاب ~~بالرياء. كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي: # «عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل. قال: ~~وما الإبقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك ~~له فكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتكتب له رياء» (2). PageV01P181 # إن الإنسان حتى نهاية حياته لا يأمن أبدا من شر الشيطان والنفس، وعليه أن ~~لا يظن بأنه عندما أتى بعمل لوجه الله، من دون ملاحظة رضى المخلوق، أصبح في ~~مأمن من شر النفس الخبيثة. وإنه إذا لم يراقب العلم ولم يواظب عليه، فمن ~~الممكن أن تجبره نفسه إلى إظهاره أمام الآخرين. وقد يتم الإظهار بالإيماء ~~والتلويح، فمثلا إذا أراد أن يكشف عن صلاة الليل التي أتى بها للناس، التجأ ~~إلى أساليب اللف والدوران، فيتحدث عن حسن جو السحر أو ردائته وعن مناجاة ~~الناس أواذانهم في السحر، وضيع عمله من جراء المكائد الخفية للنفس، وألغاه ~~من الاعتبار. # يجب أن يكون الإنسان مثل الطبيب الرحيم، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه، ولا ~~يسمح لفلتان زمامها من يده، لأنها في لحظة من الغفلة تنفلت من يده وتقوده ~~إلى الذل والهلاك. وعلى أي حال نستعيذ بالله من شر الشيطان والنفس الإمارة. ~~{إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم}(1). # ولا بد من معرفة أن تخليص النية من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرها ~~ومراقبتها والمحافظة عليها من الأمور الصعبة والمهمة جدا، بل إن بعض ~~مراتبها لا يتيسر إلا للخلص من أولياء الله تعالى. لأن النية عبارة عن ~~الإرادة الباعثة نحو العمل، وهي تتبع الغايات الأخيرة الدافعة نحو العمل، ~~كما أن ms259 هذه الغايات تتبع الملكات النفسانية التي تشكل باطن ذات الإنسان ~~وشاكلته. فمن له حب الجاه والرياسة، وغدا هذا الحب ملكة نفسانية وشاكلة ~~روحه، كان منتهى أمله البلوغ إلى سدة الزعامة، وكانت أفعاله الصادرة منه ~~تابعة لتلك الغاية، وكان دافعه ومحركه هو مبتغاه النفسي المذكور، وصدرت عنه ~~أعماله للوصول إلى ذلك المطلوب. فما دام هذا الحب في قلبه، لا يمكن أن يصير ~~عمله خالصا. ومن صار حب النفس والأنانية ملكة له، وشاكلة نفسه، كانت غاية ~~مقصده ونهاية مطلوبه الوصول إلى ما يلائم نفسه وكان الدافع والمحرك له في ~~هذه الأعمال، نفس هذه الغاية، سواء كانت الأعمال للوصول إلى مطلوب دنيوى أو ~~أخروي من قبيل الحور والقصور والجنات ونعم ذلك العالم. بل ما دامت ~~الأنانية، والذاتية موجودة، كان إقدامه أو سلوكه لتحصيل المعارف الربوبية ~~والكمالات الروحية، لنفسه ونفسانياته من حب للنفس لا من حب لله. ومن ~~المعلوم أنهما لا يجتمعان، بل إذا أحب الله كان، من أجل نفسه وليس من أجل ~~الله وكانت غاية المقصود ونهاية المطلوب نفسه ونفسانياته. # فاتضح أن تخليص النية من مطلق الشرك، عمل صعب جدا، ولا يقدر عليه كل أحد. ~~وإن كمال الأعمال ونقصها تابع لكمال النية ونقصها، لأن النية هي الصورة ~~الفعلية، والناحية الملكوتية للعمل. كما أشرنا إليه سابقا. # وفي الحديث الشريف تلميح إلى هذا الموضوع، عندما يقول «والنية أفضل من ~~العمل ألا وإن النية هي العمل» واحتمل بعض أن هذا المعنى مبالغة، ولكنه ليس ~~بشيء من المبالغة، بل مبني على الحقيقة، لأن النية هي الصورة الكاملة ~~للعمل، والفصل المحصل له، وصحة العمل وفساده وكماله ونقصه، مرتبطة بالنية. # كما أن عمل شخص واحد لإختلاف نيته قد يكون تعظيما للغير، وقد يكون توهينا ~~له، وقد يصير تاما بها، وقد يصير ناقصا لفقدانها، وقد يكون من سنخ الملكوت ~~الأعلى وله صورة بهية جميلة، وقد يكون من سنخ الملكوت السفلى وله صورة ~~موحشة مخيفة. PageV01P182 # إن ظاهر صلاة علي بن أبي طالب عليه السلام، وظاهر صلاة المنافق متضاهيان في ~~الأجزاء والشرائط ms260 والشكل الظاهري، ولكن هذا يعرج بعمله إلى الله، ولصلاته ~~صورة ملكوتية أعلى، وذاك يغور في أعماق جهنم، ولصلاته صورة ملكوتية سفلية. # وعند تقديم أهل بيت العصمة عليهم السلام، للفقير أقراصا من خبز الشعير ~~لوجه الله، تنزل من عند الله سبحانه آيات كريمة في الثناء عليهم، ويحسب ~~الإنسان الجاهل أن تحمل الجوع ليومين أو ثلاثة أيام ودفع الطعام إلى الفقير ~~أمرا مهما، رغم أن مثل هذه الأعمال يمكن أن تصدر من كل شخص، من دون صعوبة. ~~في حين أن أهمية هذا العمل تكمن في القصد الخالص والنية الصادقة. إن روح ~~العمل، القوية واللطيفة والتي تبعث من القلب السليم الصافي، هي مصدر هذه ~~الأهمية القصوى. # إنه لا فرق بين المظهر الخارجي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكافة ~~الناس، ولهذا عندما كان يدخل عليه صلى الله عليه وآله وسلم شخص من خارج ~~المدينة، وكان عليه الصلاة والسلام جالسا مع مجموعة من المسلمين، يسأل ~~الوافد أيكم النبي؟ إن الذي يفضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على غيره، ~~هو روحه الكبيرة، القوية، اللطيفة لا جسمه المبارك وبدنه الشريف. وقد قالوا ~~في العلوم العقلية أن شيئية الشيء بصورته لا بمادته. بل إن الحد التام هو ~~التعريف بالفصل فقط، أما التعريف بالجنس والفصل فهو من الحد الناقص، لأن ~~الإختلاط بالغرائب والأجانب، والتعريف بالمنافي، يسيء إلى حقيقة الشيء ~~وتعريفه وتماميته. والمادة والجنس تعتبران من الغرائب والأجانب بالنسبة إلى ~~حقيقة الشيء التي هي عبارة عن الصورة والفعلية والفصل. فإذن تمام حقيقة ~~الأعمال هي صور الأعمال وناحيتها الملكوتية التي هي النية. # ويستفاد من هذا البيان أن الإمام الصادق عليه السلام قد بين في هذا ~~الحديث الشريف الحديث العشرون : # أولا: صور الأعمال وموادها، وقال إن الجزء الصوري أفضل من الجزء المادي، ~~وأن النية أفضل من العمل، كما نقول إن الروح أفضل من الجسم وليس لازم ذلك ~~مقتضى أفعل التفضيل إن العمل من دون نية يكون صحيحا، وإن الجسم من دون ~~الروح يكون جسما، بل المعنى أن بعد تعلق النية ms261 بالعمل، والروح بالجسم يتحقق ~~عمل واحد، وجسم واحد، وأن كل واحد من الجزء الصوري الملكوتي في هذين ~~المزيجين الخليطين: أحدهما من النية والعمل، والآخر من الروح والجسم، # يكون أفضل من الجزء المادي الملكي. وهذا هو معنى الحديث المشهور «نية ~~المؤمن خير من عمله» (1). # وثانيا: إن العمل يكون فانيا في النية، والملك في الملكوت، والمظهر في ~~الظاهر وقال عليه السلام «ألا وإن النية هي العمل» ولا يوجد شيء آخر عدا ~~النية، وأن جميع الأعمال فانية في النية، ولا استقلالية لها. ثم استشهد ~~بقوله تعالى (قل كل يعمل على شاكلته) وإن الأعمال تابعة لشاكلة النفس، ~~وشاكلة النفس وإن كانت الهيئة الباطنية للروح، والملكات المخمرة فيها، لكن ~~النية هي الشاكلة الظاهرية للنفس. # ونستطيع أن نقول بأن الملكات هي الشاكلة الأولية للنفس، والنيات هي ~~الشاكلة الثانوية لها، والأعمال تتبعها، كما قال الصادق عليه السلام. # ومن هنا يتبين بأن طريق تخليص الأعمال من جميع مراتب الشرك والرياء ~~وغيرها ينحصر في إصلاح النفس وملكاتها، ويكون ذلك معينا لكل الإصلاحات، ~~ومصدرا لجميع المعارج والكمالات. PageV01P183 # فإذا أخرج الإنسان حب الدنيا عبر الترويض العلمي أو العملي من قلبه، كانت ~~غايته المنشودة شيئا آخر غير الدنيا، وخلصت أعماله من الشرك الأعظم الذي هو ~~جلب أنظار أهل الدنيا وكسب موقع لديهم، وطهرت نيته، وتساوى عنده العمل في ~~الجلوة أو الخلوة في السر أو العلن. # وإذا أخرج الإنسان من قلبه حب النفس بالرياضة النفسية، فبالمقدارالذي ~~يفرغ القلب من حب النفس، يمتلأ حبا لله، وتخلص أعماله من الشرك الخفي أيضا. ~~وما دام حب النفس في القلب، وما دام الإنسان يعيش في البيت المظلم للنفس، ~~لا يكون مسافرا إلى الله تعالى، بل يعد من المخلدين في الأرض. فإن الخطوة ~~الأولى نحو الله، تتمثل في ترك حب النفس، والوطأ بقدمه على الأنانية ~~والذاتية. وهذا هو المقياس في السفر إلى الله.. قال بعض أن هذا هو أحد ~~معاني الآية الكريمة (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت فقد وقع أجره على الله) ms262 (1) أي من يخرج من بيت نفسه ويهاجر إلى الحق ~~في الرحلة المعنوية ثم يدركه الفناء التام كان أجره على الله تعالى. # ومن المعلوم أن مثل هذا المسافر لا يستحق أجرا ومكافأة إلا مشاهدة الذات ~~المقدس، والوصول إلى الفناء في حضرته، كما يقال على ألسنتهم بيت شعر: # لا يتطرق إلى قلوبنا أحد أبدا إلا الحبيب. # فقدم العالم إلى العدو فإننا إقتصرنا على الحبيب. ### | AUTO الحديث الحادي والعشرون: الشكر # بالسند المتصل إلى حجة الفرقة وإمامهم محمد بن يعقوب الكليني كرم الله ~~وجهه عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي ~~بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عند عائشة ليلتها فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة ألا أكون عبدا شكورا؟ قال: وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله ~~سبحانه وتعالى: (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (2). # الشرح: # قد غفر الله لك إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (3). # اعلم أن العلماء رضوان الله تعالى عليهم ذكروا في تفسير هذه الآية ~~المباركة وجوها لمنع تنافي الآية مع عصمة النبي المكرم، ونحن نستعرض بعض ~~الوجوه التي نقلها المرحوم العلامة المجلسي رحمة الله تعالى ثم نبين بصورة ~~مجملة ما ذكره أهل المعرفة كل حسب ذوقه ومسلكه. # قال المرحوم المجلسي(4): لأصحابنا فيه وجهان: # (أحدهما أن المراد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنب أمتك، وما تأخر بشفاعتك، ~~ونسبة معاصي الأمة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لشدة الاتصال بين ~~الرسول والأمة. ويؤيده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام قال: ~~سأله رجل عن هذه الآية فقال: والله ما كان له ذنب ولكن الله ضمن له أن يغفر ~~ذنوب شيعة علي عليه ms263 السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر. PageV01P184 # وروى عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: ~~(ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قال: «ما كان له ذنب ولا هم بذنب ولكن ~~حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له» (1) يقول الكاتب: لهذا التوجيه على مسلك ~~العرفاء وجه وجيه، ولا تخلو الإشارة إليه من فائدة. وهي إنه لا بد وأن نعلم ~~كما تقرر في محله أن العين الثابت للإنسان الكامل، مظهر اسم الله الأعظم ~~الذي يكون إمام أئمة الأسماء وأما أعيان كافة الموجودات فهي في ظل عين ~~الإنسان الكامل في العلم وعالم الأعيان، متقررة، وفي عالم العين والتحقق ~~تكون موجودة. # إذن تكون أعيان جميع دائرة الوجود مظهر عين الإنسان الكامل في عالم ~~الأعيان، وتكون جميع الموجودات مظاهر جماله وجلاله في عالم الظهور. ولهذا ~~كل نقص يقع في عالم التحقق، وكل ذنب يبرز من المظاهر، سواء كان من الذنوب ~~التكوينية أو التشريعية، ينسب إلى الظاهر حقيقة لا مجازا لمكان الظاهر ~~والمظهر. فإن صدق قوله تعالى: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (2). صدق أيضا ~~قوله تعالى (قل كل من عند الله) (3). والأخبار الكثيرة تشير إلى هذا ~~الموضوع. حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: (نحن السابقون الآخرون) (4) ~~ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (آدم ومن دونه تحت لوائي يوم ~~القيامة) (5) ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أول ما خلق الله ~~روحي أو نوري) (6) ويقول عليه الصلاة والسلام: (سبحنا فسبحت الملائكة، ~~قدسنا فقدست الملائكة) (7) ويقول الإمام الصادق عليه السلام (لولانا ما عرف ~~الله) (8) ويقول عليه السلام: (لولاك لما خلقت الأفلاك) (9) ويقول عليه ~~السلام: (نحن وجه الله) (10). # وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول «أنا شجرة وفاطمة ~~فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها ومحبوهم من أمتي ورقها» (11). ~~فزينة شجرة الولاية الطيبة بمظهرها، وما يرد من النقص على مظهرها ينعكس على ~~الشجرة الطيبة. # إذن ذنوب كافة الموجودات، ذنوب الولي المطلق، والحق المتعالي ms264 برحمته ~~التامة ومغفرته الواسعة، قد رحم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ~~قائلا (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وبشفاعته تصل كل دائرة ~~الوجود إلى سعادته الكاملة، وآخر من يشفع أرحم الراحمين. PageV01P185 # وعلى أساس هذا التوجيه، تندرج هذه الآية المباركة في عداد تلك الآية التي ~~تقول (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (1). والتي قالوا أنها (أرجى آية في القرآن) ~~(2). ويمكن أن يكون المقصود من قوله (ما تقدم من ذنبك) بناءا على هذا ~~التفسير ذنوب الأمم السابقة، لأن جميع الأمم، أمة هذا الوجود المقدس، وأن ~~دعوة الأنبياء بأسرهم دعوة إلى الشريعة الخاتمة، ومظاهر للولي المطلق وآدم ~~ومن دونه من أوراق شجرة الولاية. # ثانيهما ما ذكره السيد المرتضى قدس الله روحه أن الذنب مصدر والمصدر يجوز ~~إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، فيكون هنا مضافا إلى المفعول. والمراد ما ~~تقدم من ذنبهم إليك في منعهم إياك عن مكة وصدهم لك عن المسجد الحرام(3). # ومعنى المغفرة على هذا التأويل الإزالة والنسخ لأحكام أعداء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين أي يزيل الله سبحانه وتعالى ذلك عند ~~فتح مكة ويستر عليك ذلك العار بفتح مكة وأنك ستدخل مكة في القريب العاجل ~~ولهذا جعل المغفرة غرضا من الفتح ووجها له(4). # قال السيد رحمه الله فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله (إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) معنى معقولا، لأن المغفرة ~~للذنوب لا تعلق لها بالفتح وليس غرضا فيه. فأما قوله (ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر) فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك وبقومك(5). # الثالث أن معناه: (لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك). والقضية ~~الشرطية لا تستلزم صدق طرفيها وتحققها. # الرابع أنه سمى ترك الندب ذنبا وحسن ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم ممن ~~لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمى ~~بالذنب منه فإذا وقع من غيره لم ms265 يسم ذنبا(6). # الخامس أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما تقول غفر الله لك. # قال المجلسي: وقد روى الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم ~~قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام فقال له المأمون: يا ابن ~~رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول ~~الله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال الرضا عليه السلام: لم ~~يكن أحد عند مشركي مكة أعظم ذنبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما، فلما جاءهم صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: {أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا ~~على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق}(7). PageV01P186 # فلما فتح الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا محمد ~~(إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند ~~مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر؛ لأن مشركي مكة ~~أسلم بعضهم، وخرج بعضهم عن مكة؛ ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد ~~عليه إذا دعا الناس إليه. فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهوره عليهم. ~~فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن (1). # يقول الكاتب. إن هناك توجيها سادسا للحديث تجاه تفسير الآية المباركة ~~وحاصله أن المقصود من قوله سبحانه من (ذنبك) ذنوبه صلوات الله عليه في رأي ~~المشركين وحسب زعمهم الفاسد. # فصل: في توجيه عرفاني للآية الشريفة # اعلم أن للآية الشريفة تفسيرا يتبين على أساس ذوق أهل العرفان ومسلك ذوي ~~القلوب، وعليه لا بد من ذكر الفتوحات الثلاثة الشائعة عندهم. فنقول إن ~~الفتح في مشربهم عبارة عن فتح أبواب المعارف والعوارف والعلوم والمكاشفات ~~على الإنسان من قبل الحق سبحانه بعد أن كانت موصدة ms266 في وجهه ومغلقة عليه. ~~فما دام الإنسان في البيت المظلم للنفس، وأنه مشدود بالتعلقات والرغبات ~~النفسية، تكون أبواب المعارف والمكاشفات عليه مسدودة، وعندما يغادر هذا ~~البيت المظلم ببركة ترويض النفس، وأنوار الهداية، واجتياز منازل النفس، ~~تنفتح أبواب قلبه عليها العلوم والمكاشفات وتلقى المعارف في قلبه، ويصبح ~~من ذوي مقام القلب. ويدعى هذا الفتح «بالفتح القريب»، لأنه أول الفتوحات ~~وأقربها. ويقال بأن الآية المباركة (نصر من الله وفتح قريب) تشير إلى هذا ~~الفتح. ومن الواضح أن هذا الفتح وكافة الفتوحات تتم بعون الله وامداده ونور ~~الهداية وجاذيبة الذات المقدس سبحانه عز وجل. # وما دام السالك يكون في عالم القلب، وتكون النقوش والتعينات مستحوذة ~~عليه، كانت أبواب الأسماء والصفات مغلقة ومسدودة عليه فإذا تلاشت تلك ~~الرسوم من عالم القلب، بواسطة تجليات الأسماء والصفات، وأفنت تلك التجليات، ~~صفات القلب وتعيناته وكمالاته، تحقق «الفتح المبين» وانفتحت عليه باب ~~الأسماء والصفات، وارتفعت النقوش المتقدمة النفسية، والمتأخرة القلبية، ~~وغفرت ذنوبه في ظل غفارية الأسماء وستاريتها. ويقال بإن قوله تعالى (إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) تلويح إلى ~~هذا الفتح ومعناه إنا فتحنا عليك عالم الأسماء والصفات فتحا مبينا، حتى ~~نغفر لك في ظل غفارية الأسماء الإلهية، الذنوب المتقدمة النفسية، والقلبية ~~المتأخرة. ويكون هذا فتحا لباب الولاية. # وما دام السالك في حجاب كثرات الأسماء، وتعينات الصفات، تكون أبواب ~~التجليات الذاتية مغلقة في وجهه. وحينما تتم التجليات الذاتية الأحدية ~~عليه، وتباد النقوش الخلقية والأمرية بأسرها من قلبه، ويغرق العبد في عين ~~الجمع يكون «الفتح المطلق» وغفران الذنب المطلق واستتر بواسطة التجلي ~~الأحدي على الذنب الذاتي الذي يكون مصدرا لكل الذنوب «وجودك ذنب لا يقاس به ~~ذنب» ويقال بأن قوله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح). إشارة إلى هذا الفتح. PageV01P187 # فمع الفتح القريب تنفتح أبواب المعارف القلبية، وتغفر الذنوب النفسية. ومع ~~«الفتح المبين» تنفتح أبواب الولاية، والتجليات الإلهية. وتغفر البقايا من ~~الذنوب المتقدمة النفسية، والذنوب المتأخرة القلبية. ومع «الفتح المطلق» ~~تتكشف ms267 التجليات الذاتية الأحدية، ويغفر الذنب الذاتي المطلق. # ولا بد من معرفة أن «الفتح القريب» و«الفتح المبين» يتيسران للأنبياء ~~والأولياء والعرفاء. وأما «الفتح المطلق» فهو من المقامات الخاصة بالمرتبة ~~الختمية خاتم النبيين وإذا حصل ذلك لشخص، فإنما هو بالتبع وبسبب شفاعة ~~النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. # وعلم من البيان السابق أن للذنب مراتب يعد بعضها من حسنات الأبرار وبعضها ~~من سيئات المخلصين. كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ليران ~~أو ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة) (1) وهذا ~~الرين الغبرة هو الالتفاف إلى عالم الكثرة ولكنه سرعان ما يزول. وفي ~~الحديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوم من مجلس وإن خف حتى ~~يستغفر الله خمساوعشرين مرة) (2). # فيظهر من هذه الأحاديث بأن الاستغفار لا يختص فقط بالذنوب التي تتنافى مع ~~العصمة، وأن المغفرة والذنب في الآية لا تكونا من المغفرة والذنب المصطلح ~~عليهما عرفا لدى عامة من الناس. ولا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات ~~المعنوية من العصمة بل تؤكدها. لأن من لوازم السلوك الروحاني واجتياز ~~المدارج والوصول إلى أوج الكمال الإنساني، هو غفران الذنوب. لأن كل موجود ~~في هذا العالم نتاج هذه النشأة الملكية والمادة الجسمية، وله كافة الشؤونات ~~الملكية الحيوانية والبشرية والإنسانية المتوفرة بعضها بالفعل وبعضها ~~بالقوة. # فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر، ومنه إلى مقام القرب ~~المطلق، لا بد من اجتياز هذه المدارج، والعبور من المنازل الواقعة في ~~الطريق، وعندما يصل إلى مرتبة، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى ~~تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية، ويستتر الذنب الوجودي ~~الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي. وهذه هي غاية عروج كمال ~~الموجود. ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام. ولهذا عندما نزلت الآية ~~الشريفة (إذا جاء نصر الله والفتح) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إن هذه السورة تنبأ بموتي(3). والله العالم. # فصل: في حقيقة ms268 الشكر # اعلم أن الشكر عبارة عن تقدير نعمة المنعم. وتظهر آثار هذا التقدير في ~~القلب في صورة، وعلى اللسان في صورة أخرى، وفي الأفعال والأعمال بصورة ثالثة. # أما آثاره القلبية فهي من قبيل الخضوع والخشوع والمحبة والخشية وأمثالها. ~~وأما آثاره على اللسان، فالثناء والمدح والحمد، وأما آثاره في الأعضاء ~~فالطاعة واستعمال الجوارح في رضا المنعم وأمثاله. # ونقل(4) عن الراغب (الشكر تصور النعمة وإظهارها. قيل وهو مقلوب عن الشكر ~~أي الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهر بسمنه ~~إسداد صاحبه إليه. وقيل أصله من عين شكري: أي ممتلئة، فالشكر على هذا هو ~~الامتلاء من ذكر المنعم عليه. والشكر ثلاث أضرب: شكر بالقلب وهو تصور ~~النعمة. وشكر باللسان وهو اللسان وهو الثناء على المنعم. وشكر بسائر ~~الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها) انتهى. PageV01P188 # وقال العارف المحقق الخواجة الأنصاري (الشكر اسم المعرفة والنعمة، لأنها ~~طريق لمعرفة المنعم). # وقال الشارح المحقق (إن تصور النعمة من المنعم، ومعرفة أن هذه النعمة ~~منه، هو الشكر بعينه كما روي عن النبي داوود عليه السلام أنه قال: يا رب ~~كيف أشكرك مع أن لاشكر نعمة أخرى، وتستدعي شكرا آخر؟ فأوحى الله تعالى ~~عليه: يا داوود عندما عرفت بأن كل نعمة نازلة عليك تكون مني، فقد شكرتني). # يقول الكاتب: إن ما ذكره المحققون في الشكر مبني على المجاز والمسامحة، ~~لأن الشكر لا يكون نفس المعرفة بالقلب، والاظهار باللسان، والعمل بالأعضاء ~~والجوارح، بل هو حالة نفسية ناجمة عن معرفة المنعم والنعمة وأن هذه النعمة ~~من المنعم، وتنتج من هذه الحال الأعمال القلبية القالبية العمل بالجوارح . ~~كما ذكر للشكر بعض المحققين معنى يقترب من هذا المعنى، رغم أن كلامهم أيضا ~~لا يخلو من المسامحة. # وقال المحقق(1) الطوسي قدس سره الشكر أشرف الأعمال وأفضلها واعلم أن ~~الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية وله أركان ثلاثة: # الأول معرفة المنعم وصفاته اللائقة به، ومعرفة النعمة من حيث إنها نعمة ~~لا تتم تلك المعرفة إلا بأن يعرف أن النعم كلها جليها وخفيها ms269 من الله ~~سبحانه وتعالى وأنه المنعم الحقيقي وأن الخلق كلهم منقادون لحكمه مسخرون لأمره. # الثاني الحال التي هي ثمرة تلك المعرفة، وهي الخضوع والتواضع والسرور ~~بالنعم، من حيث إنها هدية دالة على عناية المنعم بك، وعلامة ذلك أن لا تفرح ~~من الدنيا إلا بما يوجب القرب منه. # الثالث العمل الذي هو ثمرة تلك الحال فإن تلك الحال إذا حصلت في القلب ~~حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان ~~والجوارح. # أما عمل القلب فالقصد إلى تعظيمه وتحميده وتمجيده، والتفكر في صنائعه ~~وأفعاله وآثار لطفه، والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى كافة خلقه، وأما ~~عمل اللسان فإظهار ذلك المقصود بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتهليل، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك. وأما عمل الجوارح فاستعمال ~~نعمة الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته، والتوقي من الاستعانة بها في ~~معصيته ومخالفته كاستعمال العين في قراءة مصنوعاته، وتلاوة كتابه، وتذكر ~~العلوم المأثورة عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وكذا سائر الجوارح. ~~انتهى كلامه. # فصل: في كيفية الشكر # اعلم أن الشكر نعم الحق المتعالي سبحانه الظاهرية والباطنية، من ~~المسئوليات اللازمة للعبودية، حيث يجب على كل شخص حسب قدرته المتيسرة أن ~~يشكر ربه، رغم أن أحدا من المخلوقين لا يستطيع أن يؤدي حق شكره تعالى. ~~ويكون منتهى الشكر في معرفة الإنسان عجزه عن النهوض بحق شكره سبحانه. كما ~~أن غاية العبودية تكون في معرفة الإنسان عجزه عن القيام بحق العبودية له ~~تعالى. ومن هذا المنطلق اعترف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالعجز، مع أن شخصا لم يشكر ربه ولم يعبده، بمثل شكر ذلك الوجود المقدس ~~وعبوديته، لأن كمال الشكر ونقصه يتبعان التعرف الكامل على المنعم وإحسانه، ~~والتعرف الناقص على المنعم وجميلة. ولهذا لم يستطع أحد من النهوض بحق شكره. ~~لأن أحدا لم يعرفه حق معرفته. # إنما العبد يكون شكورا، إذا علم ارتباط الخلق بالحق، وعلم انبساط رحمة ~~الحق من أول ظهوره إلى ختامه، وعلم ارتباط النعم بعضها مع بعض وعلم بداية ~~الوجود ms270 ونهايته على ما هو عليه. ومثل هذه المعرفة لا تحصل إلا للخلص من ~~أولياء الله الذين كان أشرفهم وأفضلهم، الذات المقدس خاتم الأنبياء صلى ~~الله عليه آله PageV01P189 وسلم، وأن كافة الناس محجوبون عن بعض مراتب هذه المعرفة بل عن أكثر مراتبها ~~وأعظمها. بل ما دامت حقيقة سريان ألوهية الحق لم تنتقش في قلب العبد بعد ~~ولم يؤمن بأنه (لا مؤثر في الوجود إلا الله) ولا تزال غبرة الشرك والشك ~~عالقة في قلبه، لا يستطيع أن يؤدي شكر الحق المتعالي كما يجب أن يكون. إن ~~الذي يلتفت إلى الأسباب، ويرى تأثير الموجودات بصورة مستقلة، ولا يرجع ~~النعم إلى ولي النعم ومصدرها، يكون كافرا بنعم الحق المتعالي. إنه قد نحت ~~أصناما وجعل لكل واحد منها دورا مؤثرا. إنه قد ينسب الأعمال إلى نفسه، بل ~~يجعل شخصه متصرفا في الأمور. وقد يتحدث عن فعالية طبائع عالم الكون. وقد ~~يرى الناس بأن النعم من الأرباب الظاهريين الصوريين، ويجردون الحق من ~~التصرف، ويقولون بأن يد الله مغلولة (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) (1). في ~~حين أن يد الحق مبسوطة وأن كل دائرة الوجود منه في الواقع والحقيقة، ولا ~~مجال للآخرين فيها. بل إن العالم بأسره مظهر قدرته ونعمته، وأن رحمته وسعت ~~كل شيء وأن جميع النعم منه، وليست لأحد نعمة حتى يعد منعما. بل إن وجود ~~العالم منه، وغيره لا وجود له حتى يصدر عنه شيء، ولكن العيون عمياء، ~~والآذان صماء والقلوب محجوبة. نصف بيت شعر: # «أبحث عن عين تثقب الأسباب الظاهرية كي ترى السبب الحقيقي». # إلى متى وإلى أي مستوى تكفر قلوبنا الميتة بنعم الحق سبحانه، وتتعلق بهذا ~~العالم وظروفه وأشخاصه؟ إن هذه التعلقات والتوجهات، كفران لنعم ذاته المقدس ~~وإسدال ستار على رحمته. # ومن هنا يعلم أن النهوض بحق شكره لا يكون في مستطاع أي شخص، كما يقول ~~الحق المتعالي جل جلاله (وقليل من عبادي الشكور) (2). فإن القليل من العباد ~~يعرفون كما ينبغي نعم الحق. ولهذا فإن القليل من العباد يؤدون الشكر للحق ~~جل جلاله ms271 كما يستحق. # ولا بد من معرفة أنه كما تختلف مستويات معرفة العباد، كذلك تختلف مراتب ~~شكرهم. وأيضا أن مراتب الشكر مختلفة، لأن الشكر هو الثناء على النعم التي ~~وهبها المنعم. فإذا كانت النعم من قبيل النعم الظاهرية كانت له مرتبة من ~~الشكر، وإذا كانت من نوع العلوم والمعارف كان شكرها من نوع آخر، وإن كانت ~~من تجليات الأسماء، كان لها شكر وإن كانت من قبيل التجليات الذاتية الأحدية ~~كان هناك شكر آخر. وحيث أن جميع مراتب النعم متوفرة لقليل من العباد، كان ~~النهوض بأداء الشكر على جميع المستويات لقليل من العباد، وهم الخلص من ~~الأولياء الجامعين لجميع الحضرات، والذين هم برزخ البرازخ، والحافظين لكل ~~المراتب الظاهرة والباطنة، ولهذا يكون شكرهم مع جميع الألسنة الظاهرة ~~والباطنة والسرية. # والشكر وإن قالوا إنه من المقامات العامة لأنه مقرون بدعوى مكافأة ~~المنعم على أنعامه. فيعد هذا من إساءة الأدب للمنعم ولكن هذه المقارنة ~~تكون لغير الأولياء خصوصا الكامل منهم، الجامع للحضرات، والحافظ لمقامي ~~الكثرة والوحدة. ولهذا قال الشيخ العارف الخواجة الأنصاري، رغم قوله بأن ~~الشكر من المقامات العامة: «والدرجة الثالثة أن لا يشهد العبد إلا المنعم ~~فإذا شهد المنعم عبودية استعظم منه النعمة، وإذا شهده حبا استحلى منه ~~الشدة، وإذا شهده تفريدا لم يشهد منه نعمة ولا شدة». # توضيحه: إن الدرجة الثالثة من الشكر هو مشاهدة العبد لجمال المنعم ~~والتأمل فيه وله مقامات ثلاثة: PageV01P190 # الأول: ن يشاهد جمال المنعم مشاهدة العبد الذليل لمولاه، ويغفل عن نفسه ~~ويستغرق في آداب الحضور، ولا يرى لنفسه اعتبارا. فإذا أنعم عليه في اللحظات ~~التي فيها يحتقر نفسه، بنعمة استعظمها، ويجد نفسه غير مؤهل لتلك النعمة. # الثاني: أن يشاهده مشاهدة الصديق لصديقه، وفي هذه الحال يستغرق في جمال ~~محبوبه، وكل ما يرى منه يكون محبوبا لديه ومستمتعا منه، حتى إذا كان شاقا ~~ومجهدا. # الثالث: يشاهده مشاهدة التفريد ومن دون تعينات الأسماء، بل يشاهد نفس ~~الذات، فيغفل عن نفسه وعن غيره، ولا يكون مشهودا له إلا ذات الحق من دون ms272 أن ~~يرى نعمة أو يشاهد شدة. # فعلم أن أوائل المقامات في كل من مقامات الساكين هي من السبل العامة، وفي ~~نهاية المقامات يتخصص الأمر للخلص بل للكملين. # تكملة: في فضيلة الشكر على ضوء الأخبار المأثورة # ونختم هذا المقام بذكر بعض أحاديث الشكر. # في الكافي: بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: الطاعم الشاكر له من الأجر كأجر الصائم المحتسب. ~~والمعافى الشاكر له من الأجر كأجر المبتلي الصابر. والمعطى الشاكر له من ~~الأجر كأجر المحروم القانع (1). # وبإسناده عن عبيدالله بن الوليد قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ~~«ثلاث لا يضر معهن شيء: الدعاء عند الكرب، والاستغفار على الذنوب، والشكر ~~عند النعمة» (2). # وبإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «إن الرجل منكم ~~ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله له بها الجنة. ثم قال: إنه ليأخذ الإناء ~~فيضعه على فيه فيسمى ثم يشرب فينحيه وهو يشتهيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ~~ثم ينحيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله فيوجب الله عز وجل ~~بها له الجنة»(3). # وحمد الله يساوي الشكر. كما ورد في الروايات الكثيرة أن من قال (الحمد ~~لله) فقد شكر الله. كما في كتاب الكافي الشريف بسنده إلى عمر بن يزيد: # قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: شكر كل نعمة وإن عظمت أن تحمد ~~الله عز وجل عليها» (4). # وبإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «شكر النعمة اجتناب المحارم، ~~وتمام الشكر قول الرجل: الحمد لله رب العالمين» (5). PageV01P191 # وبإسناده عن حماد بن عثمان قال: «خرج أبو عبدالله عليه السلام من المسجد ~~وقد ضاعت دابته فقال: لئن ردها الله على لأشكرن الله حق شكره. قال: فما لبث ~~أن أتي بها، فقال: الحمد لله. فقال له قائل: جعلت فداك أليس قلت: لأشكرن ~~الله حق شكره؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام: ألم تسمعني قلت: الحمد لله» (1). # ويفهم من هذا الحديث، أن حمد الله سبحانه وتعالى من أفضل مصاديق الشكر ms273 ~~باللسان. # إن من آثار الشكر، زيادة النعمة ووفورها، كما صرح بذلك الكتاب الكريم ~~(لئن شكرتم لأزيدنكم). وفي كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه ~~السلام: # قال: «من أعطي الشكر أعطي الزيادة، يقول الله عز وجل: (لئن شكرتم ~~لأزيدنكم)» (2). # تتميم: # إعلم أن عائشة قد حسبت بأن سر العبادات، ينحصر في الخوف من العذاب أو في ~~محو السيئات، وتصورت بأن عبادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، مثل ~~عبادة كافة الناس، ولهذا بادرت إلى الاعتراض عليه قائلة: لماذا تجهد نفسك؟ ~~وقد نشأ هذا الظن من جراء جهلها لمقام العبادة والعبودية ولمقام النبوة ~~والرسالة، حيث لم تعرف بأن عبادة العبيد والأجراء بعيدة عن ساحة قدسه، وان ~~عظمة الرب، وشكر نعمه اللامتناهية قد سلبت الراحة والقرار من حضرته صلوات ~~الله عليه ، بل إن عبادة الأولياء الخلص، انتقاش للتجليات اللامتناهية ~~للمحبوب، كما أشير إليه في الصلاة المعراجية. # إن الأولياء عليهم السلام رغم أنهم ينصهرون في الجمال والجلال، ويفنون في ~~الصفات والذات، لا يغفلون عن كل مرحلة من مراحل العبودية. وإن حركات ~~أبدانهم تتبع حركاتهم العشقية الروحانية، وهي تتبع كيفية عليه ظهور جمال ~~المحبوب، ولكن لا يمكن التحدث مع عائشة بجواب مفحم، بل عليه الصلاة والسلام ~~على جواب مقنع، حيث بين مرتبة من المراتب النازلة للعبادة حتى تعرف هذا ~~المقدار بأن عبادات حضرته ليست لهذه الأمور الدنية الحقيرة. والحمد لله. # فصل: في تفسير كلمة «طه» وبيان كيفية دعوة رسول الله الناس ألى الله # روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام وأبي ~~عبدالله عليه السلام قالا: «كان رسول الله إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى ~~تورمت»(3)، فأنزل الله تبارك وتعالى: «طه» بلغة طي: يا محمد ما أنزلنا ~~الآية (4). # وعن الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن سفيان الثوري عن الصادق عليه ~~السلام في حديث طويل قال فيه: «وأما «طه» فاسم من أسماء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومعناه: يا طالب الحق الهادي إليه». PageV01P192 # روي عن ابن عباس وآخرين أن (طه) ms274 بمعنى أيها الرجل. ونقل عن بعض العامة أن ~~(ط) إشارة إلى طهارة قلب الرسول الأكرم من غير الله و(الهاء) تلويح إلى أن ~~قلبه اهتدى إلى الله. وقيل إن (ط) طرب أهل الجنة و(الهاء) هوان أهل جهنم. ~~وقال الطبرسي رحمة الله (روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء وسكون الهاء. # فإن صح ذلك فأصله طأ، فأبدل من الهمزة هاء ومعناه طإ الأرض بقدميك جميعا. ~~انتهى). # ومجمل الكلام أنه يوجد اختلاف شديد في الحروف المقطعة الواقعة في أوائل ~~بعض السور. وما يوافق الاعتبار أكثر من غيره هو أنها إشارات ورموز تستعمل ~~بين المحب والحبيب ولا يستطيع أحد أن يعرف شيئا عنها. وما ذكره بعض ~~المفسرين حول تلك الحروف حسب تخريصهم وحدسهم فهو حدس موهون لا مستند له ~~غالبا. وفي حديث أبي سفيان الثوري أيضا إشارة إلى أنها رموز. ولا يستبعد أن ~~تكون أمورا فوق القدرة الاستيعابية للإنسان، وقد خص الله سبحانه فهمها ~~بالمخاطبين المخصوصين من أوليائه. # والشقاء والشقاوة ضد السعادة، ومعناها النصب والتعاسة. قال الجوهري ~~(الشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة). # روى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم ~~السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ولقد قام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، ~~يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك، فقال الله عز وجل: (طه * ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى) بل لتسعد به» (1). # وروى عن الإمام الصادق عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يرفع إحدى رجليه في العبادة، كي يزيد تعبه وجهده، فأنزل الله عليه ~~هذه الآية المباركة). وقال بعض المفسرين هو جواب للمشركين حين قالوا إنه ~~شقي فقال سبحانه يا رجل (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). # وقال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عندما دعا الناس إلى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين ~~الله حسب المستوى المرغوب فيه، أبدى احتمالا ms275 في نفسه وهو النقص في دعوته ~~الداعي فانصرف إلى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه، فنزلت هذه ~~الآية المباركة مخاطبة إياه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إنك طاهر وهاد، ~~ولا يوجد عيب ونقص فيك، بل النقيصة في الناس (إنك لا تهدي من أحببت) (2). # وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان في ترويض وتعب وجهد. ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا ~~المعنى أيضا، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب. # ويجب أن تكون هذه الآية المباركة، قدوة للناس جميعا وخاصة للعلماء الذين ~~يريدون القيام بالدعوة إلى الله تعالى، حيث أن رسول الله مع طهارة قلبه ~~وكماله التجأ إلى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق ~~المتعالي ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب، لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا ~~وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من جهنم والأمان من العذاب. وهذا لا يكون ~~إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آذاننا فلا نسمع كلمات الأولياء والأنبياء. PageV01P193 ### | AUTO الحديث الثاني والعشرون: الإنسان وكراهته للموت # بالسند المتصل إلى ركن الإسلام وثقته محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن ~~يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن ~~واصل، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «جاء رجل إلى ~~أبي ذر فقال: يا أبا ذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم الدنيا ~~وأخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب، فقال له: فكيف ترى ~~قدومنا على الله؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله، وأما ~~المسيء منكم فكالآبق يرد على مولاه. قال: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: ~~إعرضوا أعمالكم على الكتاب، إن الله يقول: (إن الأبرار لفي نعيم. وإن ~~الفجار لفي جحيم). قال: فقال الرجل: فأين رحمة الله؟ قال: رحمة الله قريب ~~من المحسنين». قال أبو عبدالله عليه السلام: «وكتب رجل إلى أبي ذر رضي ~~الله عنه : يا أبا ذر: ms276 أطرفني بشيء من العلم. فكتب إليه: إن العلم كثير ~~ولكن إن قدرت أن لا تسيء إلى من تحبه فافعل. فقال له الرجل: وهل رأيت أحدا ~~يسيء إلى من يحبه؟ فقال له: نعم، نفسك أحب الأنفس إليك فإذا أنت عصيت الله ~~فقد أسأت إليها» (1). # الشرح: # إن الناس يختلفون كثيرا في كراهية الموت والخوف منه، كما أنهم يختلفون في ~~مناشئ هذه الكراهية. وما ذكره أبو ذر رضوان الله تعالى عليه في الرواية ~~المذكورة فهو مرتبط بالمتوسطين من الناس. ونحن نذكر إجمالا موقف الناقصين ~~والكاملين من الناس، تجاه الموت. # فلا بد أن نعرف بأن كراهتنا للموت، وخوفنا منه نحن الناقصين، لأجل أمر ~~أشرنا إليه لدى شرح بعض الأحاديث المتقدمة، وهو أن الإنسان حسب فطرته التي ~~فطرها الله سبحانه، وجبلته الأصيلة، يحب البقاء والحياة، ويتنفر من الفناء ~~والممات، وهذا يرتبط بالبقاء المطلق والحياة الدائمية السرمدية، أي البقاء ~~الذي لا فناء فيه والحياة التي لا زوال فيها. إن بعض الكبار قد أثبتوا ~~المعاد يوم القيامة مع هذه الفطرة التي تحب الحياة والبقاء، حسب بيان يوجب ~~ذكره هنا الخروج عن المقصود. وحيث أن في فطرة الإنسان هذا الحب وذاك ~~التنفر، فإنه يحب ويعشق ما يرى فيه البقاء، ويحب ويعشق العالم الذي يرى فيه ~~الحياة الخالدة، ويهرب من العالم الذي يقابله. وحيث إننا لا نؤمن بعالم ~~الآخرة، ولا تطمئن قلوبنا نحو الحياة الأزلية، والبقاء السرمدي لذلك ~~العالم، نحب هذا العالم، ونهرب من الموت حسب تلك الفطرة والجبلة. PageV01P194 # وقد ذكرنا سابقا أن الإدراك والإذعان العقلي يختلف عن الإيمان والاطمئنان ~~القلبي. نحن ندرك عقلا أو نصدق أحاديث الأنبياء تعبدا بأن الموت الذي هو ~~انتقال من النشأة النازلة المظلمة الملكية إلى عالم آخر، عالم حياة دائمية ~~نورانية، ونشأة باقية عالية ملكوتية حق، ولكن قلوبنا لا تحظى بشيء من هذه ~~المعرفة، ولا علم لها عن ذلك. بل إن قلوبنا قد أخلدت إلى أرض الطبيعة، ~~والنشأة الملكية ونعتبر الحياة هي هذه الحياة النازلة الحيوانية الملكية، ~~ولا نرى بقاء وحياة للعالم الثاني، عالم ms277 الآخرة، وعالم الحيوان. ولهذا نركن ~~ونعتمد على هذا العالم المادي ونخاف ونهرب ونتنفر من ذلك العالم عالم ~~الآخرة . إن كل شقائنا هذا من وراء النقص في الإيمان بيوم القيامة ومن عدم ~~الاطمئنان بعالم الآخرة. لو أننا آمنا بعالم الآخرة والحياة الأبدية، عشر ~~اطمئناننا بالحياة الدنيوية وعيشها، وعشر إيماننا بحياة هذا العالم وبقائه، ~~لتعلقت قلوبنا بذلك العالم أكثر ولعشقناه، ولسعينا قليلا في إصلاح الطريق ~~وترميمه. ولكن المؤسف أن إيماننا بالآخرة قد نضب في القلب، وأن يقيننا ~~متزلزل، فنضطر إلى أن نخاف من الموت والفناء والزوال. وعليه ينحصر العلاج ~~الحاسم في إدخال الإيمان إلى القلب عبر التفكير والذكر النافع والعلم ~~والعمل الصالح. # وأما خوف وكراهة المتوسطين، للموت، أي الذين لا يؤمنون بعالم الآخرة، ~~فلأن قلوبهم انشدت إلى تعمير الدنيا، وغفلت عن تعمير الآخرة، ولهذا لا ~~يرغبون في الانتقال من مكان فيه العمران والازدهار إلى مكان فيه الدمار ~~والخراب. كما ذكر ذلك أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه. وهذا أيضا ناتج ~~من نقص في الإيمان والاطمئنان. وأما إذا كان الإيمان كاملا، فلا يسمح ~~الإنسان لنفسه أن يشتغل بأموره الدنيوية المنحطة ويغفل عن بناء الآخرة. # وملخص الكلام أن كل هذه الوحشة والكراهية والخوف، تكون نتيجة بطلان ~~أعمالنا واعوجاج سلوكنا ومخالفتنا لمولانا، في حين أنه إذا كان نهجنا صحيحا ~~وكنا نقوم بمحاسبة أنفسنا لما استوحشنا من الحساب يوم القيامة، لأن الحساب ~~هناك عادل، والمحاسب يكون عادلا، فخوفنا من الحساب لأجل سوء أعمالنا ~~وتزويرنا واحتيالنا، وليس من الحساب نفسه. # ففي الكافي الشريف نسبة إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: «ليس ~~منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنا استزاد الله وإن عمل سيئا ~~استغفر الله منه وتاب إليه» (1). # فلو تحملنا محاسبة أنفسنا، لما واجهنا صعوبة في موقفنا يوم الحساب، ولما ~~دخل علينا الخوف والفزع. وهكذا كل المهالك والمواقف في ذلك العالم نتيجة ~~أعمالنا في هذا العالم. PageV01P195 # مثلا: إذا انتهجت في هذا العالم صراط النبوة، والطريق المستقيم للولاية، ~~ولم تنحرف عن ms278 محجة ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، ولم تنزلق أقدامك، ~~لما كان عليك بأس حين اجتيازك إلى الصراط يوم القيامة. لأن حقيقة الصراط هي ~~الصورة الباطنية للولاية. كما ورد في الأحاديث الشريفة أن أمير المؤمنين ~~عليه السلام هو الصراط. وفي حديث آخر: نحن الصراط المستقيم(1) وفي الزيارة ~~المباركة الجامعة الكبيرة «أنتم السبيل الأعظم والصراط الأقوم» (2). فمن ~~كان على هذا الصراط مستقيما في حركته في الحياة الدنيا، ولم يضطرب قلبه لما ~~اضطربت أيضا أقدامه على الصراط في الحياة الآخرة، وإنما يجتازه كالبرق ~~الخاطف. وهكذا إذا كانت أخلاقه طيبة، وملكاته مستقيمة ونورانية، لكان في ~~مأمن من ظلمة القبر ووحشته، وعالم البرزخ ومخاوفه، وعالم القيامة وأهوالها، ~~ولم يكن عليه خوف من تلك النشآت. فعليه يكون الداء منا والدواء أيضا منا. ~~كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الأبيات المنسوبة إليه: # دواؤك فيك وما تشعر *** وداؤك منك وما تبصر # وفي الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لرجل: ~~«إنك قد جعلت طبيب نفسك، وبين لك الداء، وعرفت آية الصحة، ودللت على ~~الدواء، فانظر كيف قيامك على نفسك» (3). # أيها الإنسان فيك أعمال وأخلاق وعقائد فاسدة، وتكون رسالات الأنبياء ~~وأنوار الفطرة والعقل، وأدوية ناجعة، ويتم إصلاح النفوس بالسعي في تزكيتها ~~وتصفيتها. # هذا تمام الكلام في حال المتوسطين. وأما الكملون، والمؤمنون المطمئنون، ~~فإنهم لا يكرهون الموت ولكنهم يستوحشونه ويخافونه، لأنهم يخشون عظمة الحق ~~المتعالي، وجلال ذاته المقدس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«فأين هول المطلع؟» وكما كان أمير المؤمنين عليه السلام ليلة التاسع عشر من ~~شهر رمضان مندهشا دهشة عظيمة وفزعا، رغم أنه كان يقول: «والله لابن أبي ~~طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه» (4). # وملخص الحديث أن خوف هؤلاء يكون من أمور أخرى، ولا يكون من نوع خوفنا نحن ~~المصفدين بالآمال والأماني، والمحبين للدنيا الفانية. وإن قلوب أولياء الله ~~من جراء الخوف في منتهى الاختلاف فيما بينها حتى لا يمكن عد المراتب ~~المختلفة وإحصائها. ونحن نشير إلى بعضها ms279 بصورة مجملة فنقول: # إن قلوب الأولياء تختلف فيما بينها في قبول تجليات الأسماء: فبعضها قلوب ~~عشقية وشوقية وأن الحق المتعالي يتجلى في تلك القلوب من خلال أسمائه ~~الجمالية، وذاك التجلي، يبعث على الشوق والخوف، فإن الخوف يكون من مضاعفات ~~تجلي عظمته سبحانه. وإن قلب الواله العاشق يكون مضطربا حين اللقاء مع ~~حبيبه، وفي نفس الوقت يكون مستوحشا وخائفا ولكن هذا الخوف والاستيحاش ~~يختلفان عن المخاوف العادية. PageV01P196 # وبعضها قلوب خوفية وحزينة، وأن الحق المتعالي يتجلى في تلك القلوب بواسطة ~~الأسماء الجلالية والعظمة، فيحصل الوجد والحب الشديد المشوب بالخوف، ~~والحيرة المشوبة بالحزن. وفي الحديث أن النبي يحيى عليه السلام رأى يوما ~~النبي عيسى عليه السلام يضحك، فعاتبه قائلا: أتأمن مكر الله وعذابه، فأجاب ~~عيسى عليه السلام: أأنت آيس من رحمة الله وفضله؟ فأوحى الله سبحانه إليهما ~~من كان منكما يحسن الظن بي أكثر فهو محبوب عندي أكثر. # فلما تجلى الحق المتعالي في قلب يحيى عليه السلام من خلال الأسماء ~~الجلالية كان يحيى خائفا، ومؤنبا للنبي عيسى عليه السلام بتلك الشدة. ولكن ~~الحق قد تجلى بأسمائه الجمالية في قلب عيسى عليه السلام فأجاب عيسى يحيى ~~حسب تجليات الرحمة. # فصل: الجنة والنار عالمان مستقلان، تساق إليهما أعمال الإنسان # إعلم أن الظاهر من هذا الحديث الثاني والعشرين عندما يقول: «عمرتم ~~الدنيا وأخربتم الآخرة» أن دار الآخرة والجنة مشيدة وقائمة، وتتهدم ~~بأعمالنا. ومن الواضح أن المقصود من قوله عمرتم الدنيا وأخربتم الآخرة هو ~~التشابه في التعبير، فإنه لما عبر عن الدنيا بالتعمير عبر عن دار الآخرة ~~بالتخريب. وإن عالم الجنة والنار وإن كانا مخلوقين، ولكن تعمير دار الجنة ~~ومواد بناء جهنم تابعة لأعمال أهل كل منهما. وفي الحديث «يا محمد اقرأ أمتك ~~عني السلام وأخبرهم أن الجنة ماؤها عذب وتربتها طيبة، فيها قيعان بيض غرسها ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله فمر أمتك فليكثروا من غرسها» (1). وهذا يتطابق مع البرهان وكشف أهل ~~المكاشفة. كما يقول بعض ms280 العرفاء المحققين: (إعلم عصمنا الله وإياك أن ~~جهنم من أعظم المخلوقات، وهي سجن الله في الآخرة. وإنما سميت بجهنم لبعد ~~قعرها حيث يقال لبئر بعيد الغور والعمق بئر جهنام. وهي تحتوي على حرارة ~~وزمهرير البرودة وتكون برودتها في أقصى درجات البرودة، وحرارتها في أقصى ~~درجات الحرارة، وتعتبر المسافة بين أعلاها وأسفلها مسيرة سبعمائة وخمسين ~~عاما. والناس اختلفوا في أن جهنم مخلوقة أم غير مخلوقة وكان الخلاف في ذلك ~~مشهورا. كما أنهم اختلفوا في أن الجنة مخلوقة أم غير مخلوقة. أما عندنا ~~وعند أصحابنا من أهل المكاشفة والمعرفة فإن الجنة وجهنم مخلوقتان وغير ~~مخلوقتين أما إنهما مخلوقتان فإن مثلهما، مثل رجل بني بيتا وأقام الجدار ~~الخارجي حيث يقال له بيت، ولكننا عندما ندخل لا نجد شيئا إلا سوره وحائطه ~~الذي يصون البيت من الخارج، ولكن بعد ذلك يشيد البيت حسب طلب الساكنين من ~~بناء الغرف والمرافق والملاجئ وحسب هدف صاحب البيت وما ينبغي أن يكون فيه. ~~انتهى). # وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما أسري بي إلى ~~السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قيعان ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ~~ولبنة من فضة وربما أمسكوا فقلت لهم: ما بالكم قد أمسكتم. فقالوا: تجيئنا ~~النفقة. فقلت: وما نفقتكم؟ قالوا قول المؤمن سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر فإذا قال بنينا إذا سكت أمسكنا) (2). PageV01P197 # وخلاصة الحديث أن صورة الجنة وجهنم الجسمانيتين الماديتين هي صور الأعمال ~~والأفعال الحسنة والسيئة لبني آدم حيث تعود إليهم يوم الآخرة كما أن الآيات ~~الشريفة قد أشارت إلى ذلك مثل قوله تعالى: (ووجدوا ما عملوا حاضرا) (1).. ~~وقوله: (إنما هي أعمالكم ترد إليكم) (2). ومن الممكن أن يكون عالم الجنة ~~وعالم جهنم نشأتين ودارين مستقلين يتحرك إليهما بالحركة الجوهرية، والدوافع ~~الملكوتية والحركات الإرادية العملية والخلقية. وإن كانت حظوظ كل الناس من ~~صور أعمال أنفسهم. # وعلى أي حال فإن عالم الملكوت الأعلى عالم الجنة الذي هو عالم مستقل تساق ~~النفوس السعيدة إليه. وعالم جهنم ms281 هو الملكوت السفلي الذي تساق إليه النفوس ~~الشقية. وما يعود إلى الإنسان من كل من النشأتين من الصور البهية الحسنة أو ~~الصور المؤلمة المدهشة فهي أعمال نفس الإنسان. # وبهذا البيان نجمع بين ظواهر الكتاب والأخبار المختلفين بحسب الظاهر. كما ~~أن هذا البيان يوافق البرهان ومسلك ذوي العرفان أيضا. # فصل: الشيطان والنفس تغرران بالإنسان إلى الهلاك بكل الوسائل # لا يخفى أن حديث أبي ذر رضوان الله تعالى عليه في هذا المقام، حديث جامع، ~~وكلام متين، لا بد من المحافظة عليه، فإنه لما قال: اعرضوا أعمالكم على ~~الكتاب الكريم حيث يقول: (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم). تمسك ~~الرجل بالرحمة قائلا: فأين رحمة الله؟ قال أبو ذر لا تكون رحمة الحق من دون ~~قيد ولا شرط بل هي قريبة من المحسنين. # إعلم أن الشيطان الملعون، والنفس الأمارة بالسوء الخبيثة، يغرران الإنسان ~~عبر طرق كثيرة، ويقودانه إلى الهلاك الأبدي الدائمي، وآخر وسيلة يلتجآن ~~إليها، هي تغرير الإنسان في بدء الأمر برحمة الحق سبحانه، ومنعه بذلك عن ~~المضي في العمل الصالح، وهذا الاتكال على الرحمة من مكائد الشيطان وأساليب ~~تضليله. والدليل على ذلك أننا في قضايانا الدنيوية، لا نعتمد على رحمة الحق ~~سبحانه بل نرى العوامل الطبيعية والظاهرية، مستقلة ومؤثرة بدرجة كأنه لا ~~أثر في الوجود إلا للأسباب الظاهرية. ولكننا في الأمور الأخروية نتكل غالبا ~~حسب زعمنا على رحمة الحق سبحانه، ونغفل عن توجيهه لنا وتوجيه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فكأن الله لم يزودنا بالقدرة على العمل، ولم يعلمنا ~~سبيل الصواب، والاعوجاج. # وخلاصة الكلام نكون في شؤوننا الدنيوية من المفوضة، وفي شؤوننا الأخروية ~~من الجبريين، غافلين عن أن هذين المسلكين باطلان وفاسدان ومخالفان لإرشاد ~~الأنبياء صلى الله عليهم، ومنهج أئمة الهدى، والأولياء المقربين. مع أنهم ~~كانوا جميعا يؤمنون برحمة الحق وكان إيمانهم أكثر من الآخرين. رغم ذلك كله، ~~لم يغفلوا لحظة واحدة عن أداء واجبهم، ولم يتوقفوا عن السعي وبذل الجهد ~~دقيقة واحدة. # أخي ادرس صحائف أعمالهم: أدعية ومناجاة سيد ms282 الساجدين وزين العابدين عليه ~~السلام وتدبر أنه ماذا كان يفعل في مقام العبودية؟ وكيف كان ينهض بدور ~~العبودية؟ ومع ذلك عندما يلقي الإمام السجاد نظرة على صحيفة مولى ~~المتقين، أمير المؤمنين عليه السلام، يبدى أسفه، ويظهر عجزة ! # فنحن إما أن نكذبهم نعوذ بالله ونقول بأنهم لم يطمئنوا ولم يؤمنوا ~~برحمة الحق سبحانه، مثلما أننا لم نؤمن ولم نطمئن برحمته عز وجل. أو نكذب ~~أنفسنا، ونفهم بأن هذه الأقوال التي نتفوه بها من مكائد الشيطان وإغراءات ~~النفس، حيث # يريدان تضليلنا عن الصراط المستقيم. نعوذ بالله من شرهما. PageV01P198 # فيا أيها العزيز، كما قال أبو ذر للرجل: إن العلم كثير، ولكن العلم النافع ~~لأمثالنا أن لا نسئ إلى أنفسنا ونعرف بأن أوامر الأنبياء والأولياء عليهم ~~السلام تكشف عن حقائق نحن محجوبون عنها. إنهم يعلمون بأن للأخلاق الذميمة ~~والأعمال السيئة، صورا بشعة وثمارا فاسدة، وأن للأعمال الحسنة والأخلاق ~~الكريمة صورا جميلة ملكوتية. إنهم حدثونا عن كل شيء عن الدواء والعلاج وعن ~~الداء والسقم. فإذا كنت عطوفا على نفسك، فلا بد وأن لا تتجاوز هذه ~~الإرشادات لتداوي ألمك، وتعالج مرضك. الله يعلم أنه إذا انتقلنا مع ما نحن ~~عليه الآن إلى ذلك العالم، فبأي مصائب وآلام ومعاناة سوف نبتلي؟ والحمد لله ~~أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الثالث والعشرون: المراء والجدل # بالسند المتصل إلى حجة الفرقة وثقتها محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه ~~عن علي بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: «طلبة العلم ~~ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه ~~للإستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل. فصاحب الجهل والمراء موذ ممار ~~متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع ~~وتخلى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه وصاحب الإستطالة ~~والختل ذو خب وملق، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه، ~~فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار ~~العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة ms283 وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه ~~وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا ~~بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم ~~القيامة أمانه». قال الكليني رحمه الله وحدثني به محمد أبو عبدالله ~~القزويني عن عدة من أصحابنا، منهم جعفر بن محمد الصيقل بقزوين، عن أحمد بن ~~عيسى العلوي، عن عباد بن صهيب البصري، عن أبي عبدالله عليه السلام(1). # الشرح: # «بأعيانهم» تأكيد لضمير (عرفهم)، فالمعنى أعرفهم بأنفسهم حتى يتحددوا ~~ويتشخصوا ولا يلتبسوا عليك، مثل أن تقول رأيته بعينه. وقوله «كل شيء فيه ~~حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه». إن المحقق المحدث المجلسي ~~رحمه الله قد أبدى احتمالات عديدة، وقال في هذا المقام إن الاحتمال المتعين ~~والواضح لا يكون شيئا من ذلك، وإن تلك الاحتمالات أيضا في منتهى البعد مثل ~~القول: بأعيانهم أي بخواصهم وأفعالهم المخصوصة بهم أو بالشاهد والحاضر من ~~أفعالهم، والقول: وقيل بأعيانهم أي أقسامهم ومفهومات أصنافهم، وقيل: المراد ~~بأعيانهم مناظرهم من هيئتهم وأوضاعهم كالتسربل بالخشوع. وغير ذلك من ~~الاحتمالات البعيدة. PageV01P199 # قوله: «وصفاتهم» إن المقصود من الأوصاف، الحالات التي تتبع الملكات ~~والأغراض لهذه الصفات الثلاثة مثل مؤذ، مراء، متعرض... فبهذه الأوصاف يتم ~~تعريف أحوالهم ويتشخصون بأعيانهم. # والجهل: خلاف العلم، ولعل المقصود منه هنا، إخفاء الحق أو تجاهله ورفض ~~قبول الحق. ونحن سنشرح هذا الموضوع أكثر مما ذكرناه هنا وقال المجلسي: ~~الجهل: السفاهة وترك الحلم، وقيل: ضد العقل. # والمراء: الجدال في الرأي والحديث، ومنه مادة جدل التي هي من الصناعات ~~الخمس المذكورة في المنطق. يقال: ماريت الرجل أماريه مراء؛ إذا # جادلته. كما ورد في صحاح الجوهري. وهذا الكلام وإن كان مطلقا يعم الجدل ~~المنطقي وغيره ولكن الظاهر هو ما ذكرناه. وفي المقام احتمال آخر سنأتي على ~~ذكره في أحد الفصول القادمة. # و«الاستطالة» : طلب الرفعة. والختل بفتح الخاء المعجمة وسكون التاء بمعنى ~~الخدعة والمكر. قال الجوهري: ختله وخاتله أي خدعه والتخاتل: التخادع. # قوله: ممار: سنتحدث عن سبب تعريف ms284 صاحب المراء بالمماري، وصاحب الاستطالة ~~والختل، بالاستطالة على الأنداد وبصاحب الخب أي الخدعة(1). # قوله متعرض للمقال: أي إظهار المقال: يقال: عرضت له الشيء؛ إذا أظهرته له ~~وعرض له أمر كذا ويعرض: أي ظهر. # والأندية: جمع «النادي» وهو محل اجتماع القوم، ومجلس التداول لقضاياهم، ~~فإذا تفرقوا لا يقال للمحل «النادي» ومنه «دار الندوة» التي كانت في مكة ~~والتي شيدت للاجتماع والتشاور. «وندي» على وزن فعيل وتستعمل «ندوة» ~~و«منتدى» و«متندى» بهذا المعنى كما يقول الجوهري. # بتذاكر العلم: الظرف إما متعلق بالمقال أو بدل عن المقال. وصفة الحلم: ~~معطوفة على تذاكر العلم. والمقصود هو أنهم يتذاكرون العلم حتى يجعلوا ~~أنفسهم من المنتمين إليه ويصفون الحلم ويستحسنوه حتى يعدوا من زمرة ~~الحكماء، رغم أنهم لا يكونون من أهل العلم ولا من أصحاب الحلم. إن علمهم ~~جهل في صورة العلم وحلمهم خارج عن الحدود الكاملة المعتدلة. ونحن سنتحدث ~~قليلا عن هذا الموضوع. # قوله تسربل: من باب تفعلل ومعناه لبس السربال يقال: سربلته فتسربل: أي ~~ألبسته السربال. وتسربل بالخشوع: أي ارتدى لباس الخشوع، وأظهر ملازمته بمثل ~~ما أن الثوب يلصق بالجسم ويلازمه. في حين أنه خال عنه، كالثوب الذي يكون ~~استعارة على الجسم. # والورع: بفتح الراء. معناه الابتعاد وتجنب المحرمات والمشتبهات. # قوله: فدق الله... الخ: يحتمل أن تكون هذه الجملة ومثيلاتها من الجملتين ~~اللاحقتين للدعاء، ويحتمل أن تكون أخبارا لأحوالهم في الدنيا والآخرة أو ~~فيهما. و«دق» بمعنى قرع أو إنه اسم صوت. # قوله: من هذا: أي من أجل كل واحد من هذه الخصال. # والخيشوم: هو أعلى الأنف. والمقصود من دق الخيشوم، الكناية عن الذل ~~والهوان، أي أن الله سبحانه وتعالى لأجل تلك الخصال يذلهم. وإننا سنلمح ~~لهذا المعنى بعد حين. # والحيزوم: بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة. ومعناه: ما يضم عليه ~~الحزام المحزم. وبمعنى وسط الصدر والعظم الذي يحيط مثل الطوق على الحلقوم. ~~والمعنى الأول هو المناسب، لنسبة القطع إليه. PageV01P200 # والخب: بكسر الخاء معناه الخدعة والخبث والغش يقال رجل خب بكسر أو فتح ~~بمعنى الخداع كما ms285 يقول الجوهري. # وملق: بمعنى التملق والتزلف، وهذا المعنى يلازم ما قاله الجوهري في صحاحه ~~من قول: قال: «رجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه. انتهى» وهذا تفسير ~~باللازم الأعم بل المعنى إظهار التلطف والتودد المشوب بالتخضع رغم أن قلبه ~~لا يكون كذلك. # قوله لحلوائهم: يقول المجلسي وفي بعض النسخ مع النون. وعليه تكون الكلمة ~~بضم الحاء المهملة وسكون اللام ومعناها أجرة السمسار والكاهن، وما يدفع من ~~قبيل الرشوة والمقصود ما يدفع له الأغنياء مكافأة لأعماله التي أنجزها لهم، ~~ولتنازله عن مواقفه الدينية. # والحطم: هو الكسر. ويقول المجلسي، إن حطم بمعنى الكسر، الباعث على ~~الفساد. # قوله خبره: يحتمل أن تكون بضم الخاء المعجمة وسكون الباء بمعنى الخبرة ~~والبصيرة. ويحتمل أن يكون بفتح الخاء والباء. وحيث أن الفعل منسوب إليه كان # المعنى الأول أنسب وان كان المعنى الثاني لا يخلو عن وجه. # والكآبة: بالتحريك والمد والتسكين، سوء الحال والذبول من شدة الهم ~~والحزن. # قوله: تحنك في برنسه: يعنى جعل تحت الحنك الطرف من العمامة على الرأس ~~في برنسه. والبرنس قلنسوة طويلة كان أهل العبادة في صدر الإسلام يضعونها ~~على رؤوسهم. كما ورد في (صحاح اللغة) للجوهري. وقال المحقق المجلسي (تشير ~~هذه الجملة إلى استحباب التحنك في الصلاة). وفي هذا الاستظهار نظر، لأن ~~التحنك ثياب يرتديها أهل العبادة، يدل على استحبابه بصورة مطلقة ولا يدل ~~على الاستحباب في خصوص وقت الصلاة، نعم لو كان البرنس ثوبا يخص الصلاة فقط، ~~لكان الاستظهار صحيحا. # والحندس: مع الحاء المهملة المكسورة، ومع النون الساكنة، والدال المهملة ~~المكسورة هو الليل الشديد الظلام، كما يقول الجوهري. وإضافته إلى الضمير ~~إضافة بيانية: وجملة (في حندسه) بدل «ليل» ويحتمل بقوة أن يكون الحندس في ~~هذا المقام ظلمة الليل بناءا على تجريده من الألف واللام . # قوله: فشد الله أركانه: إن «شد» بمعنى القوة والمتانة، يقال شد عضده أي ~~قواه. وإن «الركن» هو الذي يعتمد ويقام عليه. قال الجوهري: «ركن الشيء: ~~جانبه الأقوى». # ونحن نذكر في شرح هذا الحديث ما يناسب بيانه ms286 وشرحه، ضمن فصول عديدة. وعلى ~~الله التكلان. # فصل: كيفية حصول العلم الصحيح # اعلم أنه قد تقرر في محله بأن مقدمات القياس بالنسبة إلى نتائجه، والأدلة ~~والبراهين في كل علم بالنسبة إلى مدلولاتها والمبرهن عليه، تكون بمثابة ~~المعدات، فليست مستقلة بصورة تامة، تتولد عنها الدلالات وتكون منتجة من ~~دون ارتباطها بشيء آخر ولا غريبة عنها نهائيا ومن دون ارتباط بأن تكون عقيمة # وغير منتجة . وقد اختلفت في المقام. الطائفتان المجبرة والمفوضة، وحادت ~~كلتهما عن طريق الاعتدال، واختارت كل منهما جانبا يتناسب مع وجهة نظرها ~~ومذهبها. فقالت إحديها: إن المقدمات مستقلة، وإنه لو أغلقت أبواب عالم ~~الغيب، وانقطع الفيض من عالم الملكوت، لاستطاع الإنسان أن ينتهي من ~~المقدمات ذاتها إلى النتائج. وقالت الأخرى منهما أن المقدمات لا علاقة لها ~~كليا مع النتائج ولكن العادة جرت على إلقاء النتائج في ذهن الإنسان بعد ~~ترتيب المقدمات، وأن المقدمات ترتبط بالنتائج شكليا من دون أن يكون بينهما ~~ارتباط حقيقة. # وكل واحد من هذين الرأيين مع منطلقاته من المذهبين المجبرة والمفوضة ~~باطل لدى أهل المعارف الحقة والعلوم الحقيقية. PageV01P201 # والحق وفاقا لأهله هو: أن المقدمات ذات دور إعدادي للنفس، لتلقي العلوم ~~المفاضة عليها من المبادئ العالية الغيبية. # ونحن لسنا هنا بصدد شرح هذا المذهب وإبطال المسلكين المذكورين، لأنه يوجب ~~الخروج عن الهدف المبتغى، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا لشرح موضوع آخر هو: # إننا بعدما ذكرنا أن إلقاء العلوم والمعارف من العوالم الغيبية، ومن ~~نتائج ارتباط النفس بها وتقبلها للعلوم كما ورد في الحديث الشريف: «ليس ~~العلم بكثرة التعليم بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء» (1) فكل نفس ذات ~~ارتباط مع الملكوت الأعلى وعالم الملائكة المقربين، تكون الإلقاءات إليها ~~من نوع الفيوضات الملكية، والعلوم التي تفاض عليها هي من العلوم الحقيقية ~~ومن عالم الملائكة. وكل نفس منشدة إلى عالم الملكوت السفلي، وعالم الجن ~~والشيطان والنفوس الخبيثة، كانت الإلقاءات إليها شيطانية ومن قبيل الجهل ~~المركب، والحجب المظلمة. ومن هذا المنطلق يرى أرباب المعارف العرفاء ~~وأصحاب العلوم الحقيقية يأتي ms287 تفسير العلم الحقيقي أن تطهير النفوس، ~~وإخلاص النية، وتصحيح الغايات والأهداف في تحصيل العلم وخاصة في دراسة ~~المعارف الحقة والعلوم الشرعية، هو الشرط الأول في ذلك، ويؤكدونه على ~~المتعلمين، لأنه مع تصفية النفس، وتجليتها، يشتد ارتباطها بالمبادئ ~~العالية. وعندما يقول الرب جل جلاله في الآية الكريمة (اتقوا الله ويعلمكم ~~الله) (2) فلأجل أن التقوى تزكي النفس وتربطها بعالم الغيب المقدس ثم يكون ~~التعليم الإلهي والإلقاء الرحماني، لأن البخل في المبادئ العالية، محال، ~~وأن فيضها يكون واجبا، إذ أن واجب الوجود بالذات، واجب من جميع الجهات ~~والحيثيات. # وإذا كان الإنسان لأجل تعمير نفسه ومأكله ومشربه وأنانيته النفسانية، ~~منصرفا إلى تحصيل العلوم، غدا الهدف غير إلهي، وأصبحت الإلقاءات شيطانية. # ومن المقاييس التي لا تفرق، بين الإلقاءات الرحمانية، والإلقاءات ~~الشيطانية، والتي لم يذكرها أهل المعارف حسب ما أظن، هو ما ذكرناه، والذي ~~يدركه الإنسان بنفسه في كثير من الأحيان. فإن ما يلقى إلى النفس المعتمة، ~~اللانقية، يكون من الجهل المركب الذي هو مرض نفسي لا دواء له، وشوك في طريق ~~وصولهم إلى الحقيقة. لأن المقياس في العلم، ليس هو تجميع المفاهيم الكلية، ~~والاصطلاحات العلمية، بل المقصود منه، رفع الحجب عن عين البصيرة للنفس، ~~وفتح باب معرفة الله، حيث يكون العلم الحقيقي هو مصباح هداية الملكوت، ~~والصراط المستقيم، للتقرب إلى الحق، ودار كرامتة. وكل ما عدا ذلك، وإن كان ~~في عالم الملك وقبل إزاحة حجب الطبيعة الدنيا فهو في شكل العلم وصورته، ~~وإن أصحابه لدى أهل الحوار والجدال، يعدون من العلماء والعرفاء والفقهاء. ~~ولكنه بعد تساقط الحجب عن وجه القلب، وكشف ستار الملكوت، والاستفاقة من ~~السبات العميق في عالم الملك والطبيعة الدنيا يتبين بأن سمك هذا الحجاب ~~وغلظته أكثر من كل الحجب، وإن هذه العلوم المقررة بأسرها، من الحجب الغليظة ~~الملكوتية التي تكون بين حجاب وآخر مسافة أميال وفراسخ وقد كنا من الغافلين ~~عنه «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (3) ويتبين بأننا جميعا كيف سنكون؟ # وهنا العار والفضيحة، إذ نتعلم خمسين عاما أو أكثر أو أقل، ms288 ونزعم بأن ~~أبحاثنا لله سبحانه، ولكننا نكون من المخطئين أيضا ومن الغافلين عن كيد ~~الشيطان ومكر النفس، لأن حب النفس حجاب سميك جدا، يستر علينا عيوبنا. PageV01P202 # ولهذا ذكر الأولياء الأطهار، والأئمة الكبار عليهم سلام الله، معالم وآثارا ~~لتفهيمنا سبل التفريق بين الإلقاءات الرحمانية والإلقاءات الشيطانية، حتى ~~نعرف بها أنفسنا، ونختبرها، ولا نحسن الظن بها عبثا ولغوا. # وبعد هذا نشير إلى العلامات التي أتت على ذكرها الرواية الشريفة: # فعلم بأن طلاب العلم ينقسمون بصورة كلية أولية إلى طائفتين: # إحديهما: إن هدفهم من وراء طلب العلم يكون إلهيا. # ثانيهما: إن مقصودهم من وراء الدراسة، أمور نفسية. ونستطيع أن نقول أن ~~غاية مطلوبهم الجهل، لأن العلوم الصورية التي تحصل لديهم، تكون في الحقيقة ~~من الجهل المركب والحجب الملكوتية. # وهذان الصنفان اللذان ذكرهما الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث ~~الشريف الذي شرحناه يلتقيان في هذا الأمر الذي ذكرناه الجهل لأن أصحاب ~~المراء والجدال وكذلك ذوي الاستطالة والختل، من أرباب الجهل والضلال. ولهذا ~~يمكننا أن نقول بأن «الجهل» الذي جعله الإمام عليه السلام من علامات الصنف ~~الأول، غير «الجهل» الذي له معنى متعارفا، بل المقصود إما التباس الأمور، ~~وإلقاء الناس في الجهالة، أو المقصود من الجهل، التجاهل وعدم الإذعان للحق. ~~كما أن هذين الأمرين من خصائص أصحاب المراء والجدال. فإنهم يجحدون الأمور ~~الحقة والحقائق الشائعة، ويتجاهلون، حتى يثبتوا كلامهم، وينعشوا الأباطيل، ~~وينشروا أمتعتهم الفاسدة. # وأما أن الإمام الصادق عليه السلام جعل الناس على ثلاثة أصناف مع أنهم ~~حسب التقسيم الأولى الكلى صنفان يدوران بين النفي والإثبات، وحسب اعتبار ~~آخر يكون أكثر من ثلاثة أصناف فيمكن أن نقول إنما هو لأجل أنه صلوات الله ~~وسلامه عليه أراد أن ينبه إلى هذين الصنفين العظيمين، وهذين النوعين ~~الكبيرين اللذين يعود إليهما معظم أصحاب الجهل والضلال. ولهذا نجد في رواية ~~أخرى الإمام الصادق عليه السلام، يصنف طلاب العلوم إلى صنفين: # الكافي: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من أراد الحديث ~~لمنفعة الدنيا لم يكن له في ms289 الآخرة نصيب. ومن أراد به خير الآخرة أعطاه ~~الله خير الدنيا والآخرة» (1). # فصل: مفاسد المراء والجدل # قد سبق منا الكلام في ذكر مفاسد المراء والجدال ضمن حديث من الأحاديث ~~الشريفة. ولما رأينا أن من المناسب هنا ذكر بعض الأحاديث التي تبين مفاسد ~~المراء والجدال عرضناها وبينا نبذة منها وهي: # في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام: قال: قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام : «إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على ~~الإخوان وينبت عليهما النفاق» (2). # وفي الكافي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إياكم والخصومة فإنها ~~تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن» (3). PageV01P203 # وفيه أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال جبرائيل للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إياك وملاحاة الرجال» (1). أما بيان أن المراء والخصومة في ~~المقام، يمرضان القلب، ويسيئان نظرة الإنسان إلى أصدقائه ويبعثان النفاق في ~~القلب، فقد سبق منا الكلام بأن الأعمال الظاهرية تترك أثارا في الباطن ~~والقلب، متناسبة مع تلك الأعمال، ونقول هنا بأن تأثير الأعمال السيئة في ~~القلب أسرع وأكثر، لأن الإنسان نتاج عالم الطبيعة المادة وأن القوى ~~الشهوية والغضبية والشيطانية ترافقه وتتصرف فيه، كما ورد في الحديث: «إن ~~الشيطان يجري مجرى الدم من بني آدم» (2)، ولهذا يتجه القلب نحو المفاسد، ~~والأمور المنسجمة مع الطبيعة، ولدى وصول أقل عون أو مدد من الخارج مثل ~~أعضاء الإنسان أو الصديق المنحرف السيء، يتحقق الأثر الشديد في القلب. كما ~~ورد النهي في الروايات الشريفة عن الصداقة والمؤاخاة مع المنحرفين. # الكافي: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه ~~السلام : «لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر فإنه يزين له فعله ويحب ~~أن يكون مثله ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده، ومدخله إليه ومخرجه ~~من عنده شين عليه» (3). # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي ~~الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب» (4). # والنكتة المهمة في النهي عن مخالطة أهل المعصية، أو الحضور في مجلس يعصى ~~الله فيه ms290 أو التواد والتحاب مع أعداء الله، هي من تأثير أخلاق العصاة ~~والمنحرفين وسلوكهم في الإنسان. # والأهم من كل ذلك هو تأثير روح الإنسان من أعمال نفسه، فإن في ممارسه ~~قليلة للأعمال السيئة، تأثير كبير على الروح، بحيث لا يتيسر ولا يمكن ~~التنزه من تلك الآثار وتطهير الروح منها عبر سنين طويلة. # فعلم أن الإنسان لو انصرف إلى المراء والخصومة، لحصلت بعد فترة، ظلمة ~~موحشة في القلب، وأفضت الخصومة اللسانية الظاهرية، إلى الخصومة القلبية ~~الباطنية. وهذا هو السبب الكبير للنفاق والتلون. فلا بد من معرفة أن مفاسد ~~النفاق تعود إلى مفاسد المراء والجدال أيضا. وقد تقدم منا لدى شرح رواية ~~الحديث عن مساوئ النفاق والتلون، ولا حاجة إلى إعادته هنا. # وذكر الإمام الصادق عليه السلام آثار وعلائم لصاحب الجهل والمراء: # منها: إيذاء الناس، وسوء مجلسه، وهذه من الصفات الذميمة والمفاسد التي ~~تكون سببا مستقلا لهلاك الإنسان. وفي الحديث الشريف المنقول من الكافي «من ~~آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» (5) والأحاديث في هذا المضمار كثيرة لا ~~يتسع لها هذا البحث المختصر. # ومنها: المراء والتصدي للحديث والبحث العلمي لأجل التغلب على الآخرين، ~~وإظهار علمه. وأما جعله صلوات الله وسلامه عليه، المراء علامة على المراء، ~~فيمكن أن يكون المقصود من المراء الأول في كلامه عليه السلام الصفة ~~القلبية وملكته الخبيثة، ومن المراء الذي هو آية وعلامة المراء الثاني ~~الأثر الظاهر من المراء. PageV01P204 # ومنها: أن يظهر الاتصاف بالحلم رغم أنه غير ملتزم به، وهذا هو النفاق وذو ~~الوجهين والرياء والشرك، كما أن إظهار الخشوع مع الخلو من الورع، من أوضح ~~مصاديق الشرك والرياء والنفاق والتلون. # فلما علمنا أن لهذه الصفة المراء مساوئ عظيمة، وأن كل واحدة منها توجب ~~الموبقات والمهلكات، وجب إنقاذ أنفسنا بالترويض والجهد، من هذه الخصلة ~~المشينة، والرذيلة المفسدة للقلب، المدمرة للإيمان، وتطهير النفس من هذه ~~الظلمة والغبرة، وتزيين القلب وجلائه بخلوص النية، وصدق الباطن. # وهنا نكتة لو وقف عندها الإنسان وتأمل فيها، لا نقصم ظهره، وهي أن الإمام ~~الصادق عليه السلام يقول ms291 بعد ذكره لهذه العلامة: «فدق الله من هذا خيشومه ~~وقطع منه حيزومه» وهذه الجملة إما إخبار أو دعاء؟ وعلى أي حال فإنها ~~ستتحقق، لأنها إذا كانت إخبارا، فإنها إخبار صادق مصدق، وإن كان دعاءا فهو ~~دعاء معصوم وولي الله، ويكون مستجابا وهذا كناية عن الذل والهوان والفضيحة. ~~ولعل الإنسان يفتضح في الدنيا والآخرة ويكون مهانا فيهما. إنه يذل في هذا ~~العالم أمام أناس أراد أن يكون وجيها عندهم عبر تظاهره بالعلم فعلى العكس ~~من ذلك ينحط من قدره، ويذهب ماء وجهه، ويصبح مهانا وذليلا أمام من كان يسعى ~~للتفوق عليهم. وإنه يذل ويهان في عالم الآخرة أمام الملائكة المقربين ~~والأنبياء المرسلين وأوليائه المعصومين وعباده الصالحين، ولا يكون له شأن عندهم. # إذا: الويل لنا نحن أصحاب المراء والجدال وذوي الأهواء النفسية ~~والخصومات، حيث ابتلينا بهذه النفس الخبيثة التي لا تعرف الرحمة والحنان، ~~والتي لا تتركنا، إلى أن تهلكنا في جميع النشآت والعوالم، ولم نبادر ~~لإصلاحها إطلاقا، لقد صممنا آذاننا ولم نستيقظ من سباتنا العميق الباعث على ~~التوغل في عالم المادة. # إلهي أنت مصلح العباد، وبيدك القلوب، وطوع قدرتك وجود الكائنات، وتحت ~~هيمنتك، قلوب العباد، وإننا لا نملك نفعا ولا ضرا ولا حياة، ولا موتا، أنر ~~يا إلهي بنور فيضك قلوبنا المعتمة، ونفوسنا المظلمة، وأصلح بفضلك ولطفك ~~مفاسدنا، وأنقذ هؤلاء الضعفاء العجز. # فصل: في المراتب الظاهرية والباطنية للمراء وآثارها # كما ذكرنا في الجملة الأولى من هذا الحديث الشريف، أن للمراء مرتبة ~~باطنية وملكة نفسانية، ومرتبة ظاهرية تكون نتاجا لتلك المرتبة الباطنية، ~~وآية وعلامة عليها. فكذلك الجملة الثانية من كلام الإمام عليه الصلاة ~~السلام حيث يكون لصاحب الاستطالة والترفع والختل والخديعة، مرتبة باطنية ~~وسرية هي ملكتها، ومرتبة ظاهرية هي وليدة تلك الملكة. كما أن للقلب أيضا في ~~كثير من الأعمال والأفعال نصيب، حيث قد يصل إلى مرحلة الرسوخ والملكة وقد ~~يبلغ مرتبة الحال السطح دون الارتكاز والرسوخ، وتكون الأعمال الظاهرية من ~~آثارها ومضاعفاتها. فمن كانت له ملكة الاستطالة والترفع وحب الرئاسة، ~~والتزوير وخداع ms292 الناس كانت لها علامات وآثار ظاهرية أيضا، حيث ذكر بعضها ~~الإمام الصادق عليه السلام وهي: الخدعة والاحتيال على الناس، فإنه يجعل ~~نفسه من أهل الصلاح # في حين أنه في الحقيقة لم يكن منهم. وهؤلاء الناس ذئاب في زي الحمل ~~الوديع، وشياطين في هيكل الإنسان. وإنهم أسوأ خلق الله، وإسائتهم إلى دين ~~الناس، أكثر من إساءة جيوش المخالفين الأعداء. PageV01P205 # ومنها: أي من الآثار الظاهرية للجهل والمراء. إنهم يتزلفون ويتواضعون تجاه ~~من يطمعون فيه، وينصبون له شرك التدليس والتملق والتواضع، حتى يصيدوا ~~البسيط من الناس، ويستفيدوا من حبهم الدافئ الجميل، وقربهم واحترامهم ~~الدنيوي، فهم يدفعون بدينهم وإيمانهم، كي يستفيدوا من دنياهم، وهؤلاء من ~~الناس الذين ورد فيهم الحديث قائلا (... يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من ~~أهل النار فيقولون ما أدخلكم النار وإنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ~~وتأديبكم فيقولون إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله) (1). # ومنها: أنهم يتكبرون على أبناء نوعهم وأشباههم وأمثالهم الذين لا يطمعون ~~فيهم دنيويا ولكنهم يعتبرونهم عثرات في طريق تقدمهم، ويترفعون عليهم ~~ويحقرونهم مهما أمكن في سلوكهم وأقوالهم، لأنهم يخشون أن ينافسوهم يوما من ~~الأيام، ويقللون من اعتباراتهم. # ولا بد من معرفة أن من أصعب الأمور، وأقسى الأشياء، محافظة العلماء ~~والزهاد والمتقين على دينهم والمراقبة لقلوبهم في حياتهم. # ولهذا لو أن شخصا من هذه الطبقة ينهض بوظائفه، وبكل إخلاص في النية ويسلك ~~طريق العلم، والزهد والتقى، وينقذ نفسه من هذه المحن، ويسعى في سبيل إصلاح ~~الآخرين، بعد أن أصلح نفسه، ويرعى أيتام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~كان مثل هذا الإنسان من المقربين والسابقين. كما قال الإمام الصادق عليه ~~السلام ذلك في خصوص أربعة رجال كانوا من حواري الإمام الباقر عليه السلام ~~ففي الوسائل عن رجال الكشي بسنده إلى أبي عبيدة الحذاء قال: «سمعت أبا عبد ~~الله عليه السلام يقول: زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد من الذين قال ~~الله تعالى: والسابقون السابقون * أولئك المقربون» (2). # والأحاديث في هذا المضمار كثيرة وفضل أهل العلم أوسع ms293 من قدرة الإنسان على ~~بيانه. ويكفي في ذلك الحديث المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء ~~درجة واحدة في الجنة» (3) وسنأتي بعد ذلك على ذكر فضل أهل العلم إن شاء الله. # وإذا انحرف العالم لا سمح الله عن طريق الإخلاص، وسلك طريق الباطل، ~~اعتبر من علماء السوء الذين هم أسوء خلق الله وقد وردت فيهم أحاديث شديدة، ~~وتعبيرات قاسية. # ويجب على طلاب العلوم الدينية، والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر، ~~أن يكون أول ما يضعونه بعين الاعتبار، إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة ويفضلوه ~~مهما أمكن على كل شيء، لأنه أوجب كل الواجبات العقلية والفرائض الشرعية ~~وأصعبها. # فيا طلاب العلوم الإسلامية، والكمالات والمعارف، استيقظوا من نومكم، ~~واعلموا أن الله قد أتم الحجة عليكم أكثر، وسيحاسبكم أشد، ويكون ميزان ~~أعمالكم وعلومكم مغايرا كليا لميزان كافة العباد، وصراطكم أرق وأدق، ~~ومحاسبة الله لكم أعظم. PageV01P206 # والويل لطالب علم، عندما يبعث علمه في قلبه، الظلمة والكدرة. كما نشعر نحن ~~بأننا إذا حصلنا على بعض المفاهيم الناقصة والمصطلحات التي لا طائل منها، ~~توقفنا عن متابعة طريق الحق، وتحكم فينا الشيطان والنفس، وأنثنينا عن طريق ~~الإنسانية والهداية، وغدت هذه المفاهيم الحقيرة حجابنا الغليظ، ولا منجى ~~لنا إلا اللجوء إلى الذات المقدس تعالى. # إلهي: نحن نعترف بالتقصير، ونقر بالإثم، ونعلم بأننا لم نخط خطوة واحدة ~~في سبيل رضاك، ولم نأت بعبادة على وجه الإخلاص لك. ولكن نرجو أن تعاملنا ~~بلطفك العميم ورحمتك الواسعة. وأن تستر عيوبنا في الآخرة كما سترت عيوبنا ~~في الدنيا فإننا هناك أحوج إلى الستر والمغفرة. # ويجب في هذا المقام أيضا أن أبين نكتة مذكورة في ذيل الجملة الأولى من ~~الحديث الشريف وهو أن الإمام يقول «فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار ~~العلماء أثره» وهذه الجملة أيضا ستحصل سواء كانت إخبارا أو دعاءا. ويجب أن ~~يكون الإنسان حذرا جدا من العمى في البصيرة والباطن الذي يكون مصدر كافة ~~أنواع الشقاء ms294 والظلمات ومبعثا لكل أصناف التعاسة. # وهكذا فإن «قطع الأثر من آثار العلماء»، والحرمان من كراماتهم وعطاياهم، ~~مضافا على أنه حرمان في نفسه، يكون شناره وعاره وفضيحته أمام الخواص في ~~ساحة الحق المتعالي يوم القيامة أكثر مما يتصور. # فصل: علامات أهل الفقه والفلسفة # لأصحاب الفقه والعقل الذين يقصدون التفقه في الدين وإدراك الحقائق أيضا ~~علامات وآثار، عمدتها ما ذكره الإمام عليه السلام: # منها: أنه ينجم عن هذا العلم في قلبه الحزن والهم والانكسار، ومن الواضح ~~أن هذا الانكسار والفزع لا يكون لأجل الأمور الدنيوية الدنية الزائلة، بل ~~إنه ناجم عن الخوف من المعاد، والتقصير في وظائف العبودية. وإن الانكسار ~~والحزن مضافا إلى أنهما ينيران القلب ويجليانه، يكونان مبدءا لإصلاح النفس، ~~ومنشأ للنهوض بوظائف العبودية. وإن هذا النور نور القلب يسلب السكون ~~والقرار من النفس، ويعرف قلبه على الحق سبحانه وعلى دار كرامته. ويجعله ~~مستمتعا في مناجاته مع الحق المتعالى فيحيي لياليه ويقوم بوظائف العبودية. ~~كما قال عليه السلام: «قد تحنك في برنسه، وقام الليل في حندسه» فإن الجملة ~~الأولى كناية عن ملازمة العبادة. # ومن علامات هذا العالم الرباني أنه رغم قيامه الكامل بوظائف العبودية ~~يعيش حالة الفزع، لأن نور العلم يهديه إلى أنه كلما أدى وظائفه، يشعر بأنه ~~قاصر أو مقصر، وأنه لا يستطيع أن يخرج من مسؤولية شكر نعمه وحقيقة عبادته. ~~فيكون قلبه مملوءا من الخوف والخشية. وقد قال الحق جل جلاله فيهم: {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء}(1). # إن نور العلم يبعث على الخشية والحزن، وصاحبه رغم إقباله على إصلاح نفسه ~~لا يقر له قرار من جراء خوفه من يوم القيامة، ويدفعه نحو الطلب من الله في ~~أن يصلحه، ويحذره من الانشغال بغير الحق، ويبعده عن أهل زمانه، ويجعل هاجسه ~~الخوف من أن أهل الدنيا قد يمنعونه من السير إلى الله، والسفر إلى عالم ~~الآخرة، ويزينون الدنيا ولذائذها في عينه. والحق سبحانه يؤيد مثل هذا ~~الإنسان، ويقوي وجوده وينعم عليه بالأمان يوم القيامة. فيا ليتنا كنا معهم ~~فنفوز فوزا ms295 عظيما. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله ~~الطاهرين. PageV01P207 ### | AUTO الحديث الرابع والعشرون: العلم # بالسند المتصل إلى أفضل المحدثين والحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، ~~عن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست الو اسطي، عن ~~إبراهيم بن عبد الحميدأقدمهم محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله عليه عن ~~محمد بن، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علامة، ~~فقال: وما العلامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام ~~الجاهلية والأشعار العربية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك ~~علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، وما خلاهن ~~فهو فضل» (1). # الشرح: # ورد في بعض النسخ مكان (ما هذا)، (من هذا). واستعمل صلوات الله عليه (ما ~~هذا) لأجل التحقير. # و(العلامة) صيغة المبالغة، والتاء أيضا للمبالغة والمعنى كثير العلم جدا. # إعلم أنه ذكر في المنطق بأن (من) للسؤال عن الشخص وكلمة (ما) للسؤال عن ~~الحقيقة أو عن شرح الاسم ومفهومه. وعندما قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن هذا الرجل علامة، استفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن تصورهم لحقيقة العلامة، ومغزى علمه، ولهذا سأل بكلمة (ما). فإنه قد تجعل ~~الأوصاف العنوانية العلامة وسيلة للسؤال عن الذات. مثل ما إذا كان ~~الإنسان عارفا لحقيقة الوصف ولكنه يجهل الموصوف فيسأل حينئذ بكلمة من ويقول ~~من العلامة؟ وأما إذا كان الشخص معروفا والوصف مجهولا أو أن الغرض قد تعلق ~~بمعرفة الوصف فقط فيسأل حينئذ بكلمة (ما) ويتوجه السؤال نحو الوصف فقط لا ~~الموصوف مع الوصف ولا الموصوف فقط. وفي هذا الحديث الشريف لما قالوا إن هذا ~~الرجل علامة، تعلق غرض خاتم النبيين نحو معرفة حقيقة الوصف حسب زعمهم فقال ~~(وما ms296 العلامة؟) ولم يقل (من العلامة؟) أو (لماذا يقال له العلامة؟) أو (ما ~~السبب في كونه علامة؟). # وما ذكرناه أوضح مما حققه محقق الفلاسفة وفيلسوف المحققين صدر # المتألهين قدس الله نفسه في شرح هذا الحديث الشريف الذي يوجب ذكره ~~الإطالة والخروج عن المقصد. # فصل: أقسام العلوم النافعة # اعلم قد تقدم سابقا بأن للإنسان إجمالا وبصورة كلية نشآت ومقامات ~~وعوالم ثلاث: # الأولى نشأة الآخرة، وعالم الغيب، ومقام الروحانية والعقل. # الثانية نشأة البرزخ وعالم متوسط بين العالمين، ومقام الخيال. # الثالثة نشأة الدنيا ومقام الملك وعالم الشهادة. ولكل منها كمال خاص ~~وتربية خاصة وعمل يتناسب مع نشأته ومقامه، وأن الأنبياء عليهم السلام ~~يتولون بيان تلك الأعمال. # فجميع العلوم النافعة تنقسم إلى هذه العلوم الثلاثة: # علم راجع إلى الكمالات العقلية والوظائف الروحية. وعلم راجع إلى الأعمال ~~القلبية ووظائفها. وعلم راجع إلى الأعمال القالبية الخارجية، ووظائف النشأة ~~الظاهرة للنفس. PageV01P208 # أما العلوم التي تقوي العالم الروحاني، والعقل المجرد وتربيتهما فهي: العلم ~~بالذات المقدس الحق جل وعلا، ومعرفة أوصافه الجمالية والجلالية، والعلم ~~بالعوالم الغيبة المجردة مثل الملائكة وأصنافهم من أعلى مراتب الجبروت ~~الأعلى والملكوت الأعلى إلى نهاية الملكوت السفلي والملائكة الأرضية وجنود ~~الحق سبحانه. والعلم بالأنبياء والأولياء ومقاماتهم ومدارجهم، والعلم ~~بالكتب المنزلية، وكيفية نزول الوحي، وتنزل الملائكة والروح. والعلم بنشأة ~~الآخرة وكيفية عودة الموجودات إلى عالم الغيب، وحقيقة عالم البرزخ ~~والقيامة، وتفاصيل ذلك. # وملخص الكلام أن العلم الذي يرتبط بالعالم الروحاني والعقل المجرد، هو ~~العلم بمبدأ الوجود وحقيقته ومراتبه وبسطه وقبضه وظهوره ورجوعه. ويتكفل بيان # هذا العلم بعد الأنبياء والأولياء، الفلاسفة والعظام من الحكماء وأصحاب ~~المعرفة والعرفان. # أما العلوم التي ترتبط بتربية القلب وترويضه والأعمال القلبية فهي: العلم ~~بالمنجيات الخلقية والمهلكات الخلقية، أي العلم بمحاسن الأخلاق مثل الصبر، ~~والشكر، والحياء والتواضع، والرضا والشجاعة والسخاء والزهد والورع والتقوى ~~وغير ذلك من محاسن الأخلاق، والعلم بكيفية تحصيلها وأسباب حصولها ومبادئها ~~وشرائطها. والعلم بقبائح الأخلاق مثل الحسد والكبر والرياء والحقد والغش ~~وحب الرئاسة والجاه وحب الدنيا والنفس وغير ذلك، والعلم بمبادئها ms297 التي ~~تمنحها الوجود، والعلم بكيفية التنزه عنها. والذي يتولى بيان هذه الأمور ~~أيضا الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام ثم علماء الأخلاق وأصحاب ~~الرياضة الروحية وذوي المعارف. # والعلوم التي تناط بها تربية الظاهر وترويضه، علم الفقه ومبادئه، وعلم ~~آداب المعاشرة وتدبير المنزل، وسياسة المدن ويتكفل بشرحها الأنبياء ثم ~~الأولياء عليهم السلام ثم علماء الظاهر من الفقهاء والمحدثين. ولابد من ~~معرفة كل واحد من هذه المراتب الثلاث الإنسانية المذكورة مترابطة بدرجة، ~~تنعكس آثار كل مرتبة على المرتبة الأخرى من دون فرق في ذلك بين الأمور ~~الكمالية، أو الأمور القبيحة المعيبة. # مثلا لو أن شخصا قام بالوظائف العبودية والمناسك الظاهرية حسب ما هو ~~لازم ومطابق لتوجيهات الأنبياء لانعكست من جراء أدائه لمسئولياته العبودية ~~آثار على قلبه وروحه، حيث يحسن خلقه، وتتكامل عقائده. وهكذا فان من يواظب ~~على تهذيب خلقه وتحسين باطنه، يترك آثارا على النشأتين الأخرويتين البرزخ ~~والقيامة. كما أن كمال الإيمان ومتانة العقائد يؤثران في النشأتين ~~التاليتين. ويكون كل ذلك نتيجة شدة الارتباط بين المقامات الثلاثة، بل ~~التعبير بالارتباط بين العوالم الثلاثة من جهة ضيق الخناق لعدم وجود كلمة ~~أخرى تعبر عن مدى تداخل كل منها في الآخر. إذ لابد وأن نقول إنها العوالم ~~الثلاثة حقيقة واحدة، ذات مظاهر ثلاثة. وهكذا كمالات المقامات الثلاثة ~~مرتبطة بكمالات كل واحد منها. من دون # أن يظن أحد أنه يستطيع أن يكون ذا إيمان كامل أو خلق مهذب من دون الأعمال ~~الظاهرية، والعبادات الصورية. أو يستطيع أن يجعل إيمانه كاملا وأعماله ~~تامة، رغم نقصان في خلقة وعدم تهذيبه، أو يمكن أن يتم أعماله الظاهرية ~~ويكمل محاسن أخلاقه من دون الإيمان القلبي. وهكذا عندما تكون الإعمال ~~الصورية الصلاة، الصوم، والحج و.. ناقصة وغير واقعة على ضوء أوامر ~~الأنبياء، لحصل حجاب في القلب وكدرة في الروح، وهما يمنعان من نور الإيمان ~~واليقين. وأيضا إذا كان الخلق الذميم معشعشا في القلب، لمنع من نفوذ ~~الإيمان إليه. PageV01P209 # فيلزم على طالب السفر إلى عالم الآخرة. والسالك على الصراط المستقيم ~~للإنسانية أن ms298 يتمعن في كل واحد من المراتب الثلاث، ويشدد في المراقبة ~~عليها، ويصلحها، ويروضها ولا يلوي بوجهه عن كل واحد من الكمالات العلمية ~~والعملية. # لا يحسب بأن تهذيب الخلق أو ترسيخ العقائد أو موافقة ظاهر الشريعة، ~~يكفيه، كما اكتفى بعض أصحاب العلوم الثلاثة بكل واحد من الأمور الثلاثة. ~~فمثلا يقوم شيخ الإشراق في أول كتابه (حكمة الإشراق) بتقسيمات، تعود إلى: ~~كامل في العلم والعمل، وكامل في العمل وكامل في العلم، ويستفاد من ذلك أن ~~كلا من العلم الكامل مع النقصان في العمل، أو العمل الكامل مع النقصان في ~~العلم، يمكن أن يتحقق، واعتبر ذوي العلم الكامل، من أهل السعادة، ~~والمرتبطين بعالم الغيب والتجرد، ورأى أن مآلهم الانخراط في سلك العليين ~~والروحانيين. # ويرى بعض علماء الأخلاق، وتهذيب الباطن، أن منشأ جميع الكمالات تحسين ~~الأخلاق وتهذيب القلب وأعماله، ولا يرون دورا للحقائق العقلية والأحكام ~~الظاهرية، بل يعتبرونها معوقات في سبيل السالكين. # ويزعم بعض علماء الظاهر الفقهاء ، أن العلوم العقلية والباطنية والمعارف ~~الإلهية من الكفر والزندقة، ويعاندون طلابها وعلمائها. # إن هؤلاء الطوائف الثلاث الذين يعتنقون هذه الآراء الثلاثة الباطلة، ~~لمحجوبون عن المقامات الروحانية والنشآت الإنسانية، ولم يتدبروا بصورة ~~صحيحة في علوم الأنبياء والأولياء. ولهذا كان بينهم العداء سائدا دائما، ~~والافتراء # متبادلا، وكان أحدهم يرمي الآخر بالباطل، مع أنهم جميعا على الباطل ~~ولكنهم يختلفون في تحديد مراتب الباطل بمعنى أن أصحاب الطوائف الثلاث ~~صادقون في تكذيب كل منهم للآخر، لا من جهة أن علمهم أو عملهم باطل بصورة ~~مطلقة، بل من جهة أن تحديدهم للمراتب الإنسانية بهذا المستوى أن أصحاب ~~الكمال العلمي هم العليون وأن أصحاب التهذيب للباطل هم ذوو الكمالات، وأن ~~أصحاب العلوم الظاهرية هم المقربون عند الله وجعلهم العلوم والكمالات ~~مقتصرة على المجال الذي يرتأونه، يكون على خلاف الواقع. # إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قسم في هذا الحديث الشريف ~~العلوم إلى ثلاثة أقسام. ولاشك أن هذه العلوم الثلاثة، مرتبطة بهذه المراتب ~~الثلاث كما تشهد بذلك العلوم السائدة في الكتب ms299 الإلهية وسنن الأنبياء ~~وأحاديث المعصومين عليهم الصلاة والسلام، حيث تكون العلوم لديهم مقسمة إلى ~~هذه الأقسام الثلاثة: # أحدهما: العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم الآخر، فإن الكتب ~~السماوية وخاصة الكتاب الإلهي الجامع والقرآن الربوبي الكريم مشحونة، من ~~ذلك، بل نستطيع أن نقول إن الشيء الوحيد الذي تصدى كتاب الله لذكره أكثر من ~~غيره، هو هذا العلم، مع الدعوة إلى المبدء والمعاد على أساس براهين صحيحة ~~ووضوح كامل ذكرها المحققون. # وأما القسم الثاني والثالث فلا ذكر لهما بمقدار القسم الأول. # وإن أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام في هذا المجال القسم الأول من ~~العلوم الثلاثة تفوق حد الإحصاء. ويتضح ذلك عند مراجعتنا للكتب المعتبرة ~~لدى جميع العلماء رضوان الله عليهم مثل كتاب (الكافي) الشريف و(توحيد ~~الصدوق) وغيرهما. # وهكذا وردت بالنسبة إلى تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وتعديلها، آيات في ~~الكتاب الإلهي، وأحاديث مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، فوق المستوى ~~المتصور، ولكن تلك الآيات وهذه الروايات أصبحت لدينا نحن المساكين ~~والمبتلين بالآمال والأماني، مهجورة وغير معتبرة ولا نبالي بها. وسيأتي يوم ~~يؤاخذنا PageV01P210 الله سبحانه عليها، ويحتج علينا، ويتبرأ منا نعوذ بالله الأئمة الأطهار ~~عليهم السلام، لبراءتنا من أحاديثهم وعلومهم. نعوذ بالله من سوء العاقبة ~~وشر الختام. # وإن الأحاديث العائدة إلى الفقه والمناسك الظاهرية، مشحونة بها في كل ~~كتبنا ولا نحتاج إلى عرضها وذكرها. # إذا إتضح أن علوم الشريعة منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة، حسب حاجات ~~الإنسان، والمقامات الإنسانية الثلاثة. ولا يحق لأحد من العلماء في هذه ~~العلوم الثلاثة أن يطعن في الآخر، ولا يجب على الإنسان إذا جهل علما أن ~~يكذبه ويتطاول على صاحبه. وكما أن العقل السليم يعتبر التصديق من دون تصور ~~من الأغلاط والقبائح الأخلاقية، فكذلك التكذيب لشيء من دون تصور بل حاله ~~أسوء وقبحه أعظم. فإذا سألنا الله سبحانه يوم القيامة، وقال مثلا أنتم لم ~~تكونوا تعرفون معنى وحدة الوجود حسب مسلك الحكماء، ولم تتعلموه من الإنسان ~~المتخصص في ذلك العلم وصاحب ذلك الفن، ولم تحصلوا على علم الفلسفة ~~ومقدماتها ms300 فلماذا أهنتم القائل بها وكفرتموه من دون معرفة؟ # فماذا نملك من جواب أمام ساحة قدسه حتى نجيب عليه، عدا أن نطأطأ الرأس ~~حياءا وخجلا؟ ولا يقبل الاعتذار بأنني هكذا زعمت في نفسي. إن لكل علم مبادئ ~~ومقدمات ولا يتسير فهم ذلك العلم الا بعد استيعاب تلك المقدمات، وخاصة مثل ~~هذه المسألة الدقيقة التي استنزفت جهود أجيال تلو أجيال، ومع ذلك يصعب فهم ~~أصل الحقيقة ومغزاها بصورة دقيقة. # إن الشيء الذي بحثه الحكماء والفلاسفة آلاف السنين ودققوا فيه، هل تريد ~~أن تدرك بعقلك الناقص، الموضوع بواسطة دراسة كتاب واحد أو قصيدة واحدة من ~~قصائد المثنوي؟ وقطعا لا تستطيع أن تدرك شيئا من ذلك. «رحم الله امرءا عرف ~~قدره ولم يتعد طوره» (1). # وهكذا إذا سأل الله سبحانه حكيما متفلسفا أو عارفا متصنعا، لماذا جعلت ~~العالم الفقيه قشريا وظاهريا وطعنت فيه؟ بل ما هو المبرر الشرعي في قدحك في # سلسلة من العلوم الشرعية، التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام من قبل رب ~~الأرباب لتكميل النفوس البشرية وفي تكذيبك إياها وإهانتها؟ وما هو المسوغ ~~الشرعي أو العقلي للتطاول على مجموعة من العلماء والفقهاء؟ فما هو جوابه ~~أمام الحق المتعالي؟ انه لا يملك جوابا إلا أن يطأطأ حياءا مبديا الإنفعال. ~~وعلى أي حال نترك هذه المرحلة من البحث التي تبعث على السأم والضجر. # فصل: تفسير كل من الآية المحكمة، الفريضة العادلة، السنة القائمة # بعد أن تبين أن العلوم الثلاثة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هي هذه الفروع الثلاثة التي ذكرناها، نقول على أي علم من العلوم ~~الثلاثة تنطبق هذه العناوين الثلاثة؟ وهذا الموضوع وان لم يكن مهما، فإن ~~المهم هنا هو فهم تلك العلوم ثم السعي في سبيل طلبها وتحصيلها، ولكن من أجل ~~شرح الحديث الشريف، لابد من الإشارة إلى تلك العلوم الثلاثة: فنقول: # إن أعاظم علمائنا رضوان الله عليهم الذين تصدوا لشرح هذا الحديث الشريف، ~~قد اختلفوا فيما بينهم في شرحه، ولكن ذكر تلك الأقوال والشروح يسبب إطالة ~~الحديث. ونحن ms301 سنذكر ما يخطر ببالنا القاصر في هذا الموضوع مع ذكر شواهد لم ~~تبين بعد. ثم نأتي على ذكر نكتة مهمة قد بينها العارف الكامل الشاه آبادي ~~دام ظله : PageV01P211 # اعلم أن (الآية المحكمة) هي العلوم العقلية والعقائد الحقة والمعارف ~~الإلهية. وان (الفريضة العادلة) عبارة عن علم الأخلاق وتطهير القلوب. ~~و(السنة القائمة) عبارة عن العلم الظاهر وعلوم الآداب القابلية الصورية . ~~وذلك أن كلمة (آية) التي تكون بمعنى العلامة، تتناسب مع العلوم العقلية ~~الإعتقادية، لأن هذه العلوم هي علامات الذات والأسماء والمعارف الأخرى. ولم ~~نعهد من قبل، أن استعلمت الآية أو العلامة في علوم أخرى. فمثلا نجد في ~~موارد كثيرة من الكتاب الإلهي، بعد استعراض البرهان على وجود الصانع المقدس ~~أو على الأسماء والصفات لذاته المقدس أو على وجود القيامة وكيفيتها وعالم ~~الغيب والبرزخ قوله # (إن في ذلك لآية(1) أو الآيات لقوم يتفكرون(2) أو لآيات لقوم يتفكرون) ~~(3). وهذا تعبير شائع بالنسبة إلى هذه العلوم والمعارف. في حين أن كلمة ~~(آية) لو ذكرت اثر مسألة فقهية شرعية أو أصل من الأصول الأخلاقية لكان ~~مستهجنا. كما هو الظاهر. فعلم أن (الآية) والعلامة من مختصات ومما يتناسب ~~مع علوم المعارف الإلهية. كما أن التوصيف ب (الحكمة) مما ينسجم مع هذه ~~العلوم، لأن هذه العلوم تخضع للموازين العقلية والبراهين المحكمة. وأما ~~بقية العلوم فلا يوجد لها غالبا دليل قاطع ومتين. # وأما الدليل على أن (الفريضة العادلة) تعود إلى علم الأخلاق هو وصف ~~الفريضة بالعادلة، لأن الخلق الحسن كما تقرر في ذلك العلم علم الأخلاق هو ~~الخروج عن حد الإفراط والتفريط فان كلا منهما مذموم ومشين، وأما العدالة ~~التي هي الحد المتوسط والمعتدل بينهما فمستحسن. مثلا: # إن الشجاعة التي هي من أصول وأركان الخلق الحسن والملكة الفاضلة، هي ~~الحالة المتوسطة والمعتدلة بين الإفراط، الذي يعبر عنه بالتهور (وهو عدم ~~الخوف من مورد ينبغي الخوف فيه) والتفريط الذي يعبر عنه بالجبن (وهو عبارة ~~عن الخوف في موارد لا ينبغي الخوف فيها). # والحكمة التي تكون من الأركان أيضا تتوسط بين ms302 رذيلة (السفه) وهو استعمال ~~الفكر في غير مورده أو في موارد التي لا ينبغي استعماله فيها. وبين رذيلة ~~(البله) وهو عبارة عن تعطيل القوة الفكرية في الموارد التي ينبغي استعمالها فيها. # وهكذا العفة فإنها تتوسط بين رذيلة الشره والخمود. والسخاء يتوسط بين ~~الإسراف والبخل. # فالفريضة العادلة تدل على انطباقها على علم الأخلاق. كما أن كلمة ~~(الفريضة) أيضا تشعر بذلك. لأن الفريضة المقابلة للسنة الراجعة إلى القسم ~~الثالث، يجد العقل إلى استيعابها سبيلا، كما هو شأن علم الأخلاق، على خلاف ~~السنة التي تكون تعبدا صرفا ويكون العقل عاجزا عن إدراكه. # ولهذا نقول إن (السنة القائمة) تعود إلى العلوم التعبدية، والآداب ~~الشرعية التي يعبر عنها بالسنة فعل المعصوم وقوله وتقريره والتي تعجز ~~العقول غالبا عن إدراكها. وينحصر طريق إثباتها وفهمها بالسنة. كما أن توصيف ~~السنة بالقائمة يتناسب مع الواجبات الشرعية، لأن كلمة إقامة الواجبات من ~~الصلوات والزكوات وغيرهما من التعابير الشائعة الصحيحة. في حين أن هذه ~~الكلمة لم تستعمل في العلمين الآخرين ولم يكن التعبير فيهما بالسنة صحيحا. # هذا منتهى ما يمكن تطبيقه في هذا الحديث الشريف حسب المناسبات القائمة ~~بين كلماته. والعلم عند الله. # فصل: علامات العلوم النافعة PageV01P212 الآن نفسح المجال لذكر النكتة التي وعدناكم بذكرها، وهي أن الحديث الشريف ~~قد عبر عن علم العقائد والمعارف بالآية وهي بمعنى العلامة، والسر في ~~التعبير هذا هو أن العلوم العقلية، والحقائق الاعتقادية إذا تم تحصيلها ~~لأجل نفس هذه العلوم والحقائق ولأجل تجميع المفاهيم والمصطلحات وزخرفة ~~العبارات وتزيين تركيب الكلمات بعضها مع بعض ومن ثم نقلها إلى العقول ~~الضعيفة، للحصول على المقامات الدنيوية، لا تكون مثل هذه العلوم من الآيات ~~المحكمة، وإنما هي حجب غليظة وأوهام واهية، لأن الإنسان إذا لم يبتغ من ~~وراء طلب العلم، الوصول إلى الحق، والتحقق بأسماء الله وصفاته، والتخلق ~~بأخلاق الله، سيتحول كل واحد من إدراكاته إلى دركات، وحجب مظلمة، تسود قلبه ~~وتعمي بصيرته، ويصبح من مصاديق الآية المباركة التي تقول: (ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ms303 ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) (1). # فإن المقياس في البصر في عالم الآخرة، هو بصيرة القلب، وأن الجسم والقوى ~~تكون في الآخرة تابعة للقلب واللب، وأن ظلية ذلك العالم، لهذا العالم ~~تبدو بنحو أتم، وأن ظل الأعمى والأصم والأبكم تجاه آيات الله تعالى، هو ~~العمى والصمم والبكم في يوم القيامة. # لا يظن علماء المفاهيم والمصطلحات والعبارات، وحافظو الكتب في الصدور، ~~بأنهم من أهل العلم بالله والملائكة واليوم الآخر، فلو كانت علومهم علامة ~~وآية على معرفة الله فلماذا لم تتنور قلوبهم من الآثار النورانية؟ نعم قد ~~أضيفت على ظلمات قلوبهم ومفاسد أخلاقهم وأعمالهم الظلمات والفساد. والقرآن ~~الكريم قد ذكر المقياس لمعرفة العلماء حيث يقول: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) فمن لا يخشى ولا يخاف من الحق المتعالي فلا يعد من العلماء. # هل في قلوبنا شيء من آثار الخشية؟ وإذا كانت فلماذا لم يبد أثر منها على ~~ظاهرنا؟ ففي الحديث الشريف عن الكافي بسنده إلى أبي بصير قال: (سمعت أبا ~~عبد الله عليه السلام (أبا جعفر خ ل) يقول كان أمير المؤمنين عليه السلام ~~يقول: «يا طالب العلم إن للعلم فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة ~~من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله ~~معرفة الأشياء والأمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، ~~وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين ~~الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة العلماء، وماله الأدب، ~~وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف، وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ~~ورفيقه محبة الأخيار» (2). PageV01P213 # إن ما استعرضه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يكون من علامات العلماء، ~~وآثار العلوم، فمن حصل على العلوم السائدة وكان خاليا من هذه الآيات، ~~فليعلم بأنه لاحظ له من العلم، بل هو من أصحاب الجهل والضلال، وتوجب له في ~~عالم الآخرة هذه المفاهيم والجهل المركب والكلمات المتبادلة بينه وبين ~~العلماء الآخرين لدى التحقيق والبحث، الحجب الظلمانية، وتكون ms304 حسرته يوم ~~القيامة أعظم الحسرات. فالمقياس في العلم أن يكون آية وعلامة، ولا تكون له ~~إنية ولا أنانية، بل تضمحل لدى حصول العلم الإنية، وتتلاشى الأنانية ولا ~~يغدو العلم باعثا على النخوة والأنانية والتظاهر والترفع. # ثم عبر الإمام عليه السلام عن العلم ب (المحكمة) لأجل أن العلم الصحيح ~~لنورانيته وضيائه في القلب، يوجب الاطمئنان، ويدحض الريب والشك، ومن الممكن ~~أن الإنسان طيلة حياته يخوض في البراهين ومقدماتها، ويستدل لكل واحد من ~~المعارف الإلهية براهين عديدة وأدلة كثيرة، ويتفوق على أقرانه في مقام ~~البحث والمنافسة، ولكن تلك العلوم لم تؤثر في قلبه شيئا، ولم تبعث لديه ~~الاطمئنان، بل تزيده شكا وتحيرا والتباسا، فجميع المفاهيم والإكثار من ~~المصطلحات، لا تجدي نفعا، وإنما تشغل القلب بغير الحق سبحانه، وتثنيه عن ~~الذات المقدس، فيغفله. # أيها العزيز إن العلاج كل العلاج فيما إذا أراد الإنسان أن يكون علمه ~~إلهيا فعليه عندما يدرس أي علم شاء، أن يبادر إلى مجاهدة النفس، ويسعى ~~بواسطة الرياضة الروحانية، في سبيل تخليص نيته. فإن المنقذ الأساسي، ومصدر ~~الفيض، تخليص النية، والنية الخالصة «من أخلص لله أربعين صباحا جرت ينابيع ~~الحكمة من قلبه على لسانه» فهذه فوائد وآثار الإخلاص في أربعين يوم. فأنت ~~عندما بذلت الجهد أربعين عاما أو أكثر في سبيل تجمع المصطلحات والمفاهيم ~~العلمية، واعتبرت نفسك علامة ومن جنود الله، ولكن لم تجد أثرا للحكمة في ~~قلبك، ولا طعما لها على لسانك فاعلم بأن دراستك وتعبك لم يقترنا بالإخلاص ~~بل إنما اجتهدت للشيطان والرغبات النفسية. فعندما رأيت بأن هذه العلوم لم ~~تثمر ولم تنجع فانصرف ولو لأجل الاختبار، نحو إخلاص النية وتصفية القلب من ~~الرذائل والكدر، فإذا لمست أثرا حاول أن تستمر في ذلك أكثر. وإن كانت ~~التصفية لأجل الاختبار كانت هذه النية متنافية مع الإخلاص، ولكن من المحتمل ~~أن بصيصا من نورها يهديك. # وعلى أي حال أيها العزيز أنت محتاج في جميع العوالم: عالم البرزخ وعالم ~~القبر وعالم القيامة ودرجاتها إلى المعارف الإلهية الحقة، والعلوم الحقيقية ~~والخلق الحسن ms305 والأعمال الصالحة. فاجتهد أينما كنت من هذه الدرجات والمراتب، ~~وأكثر من إخلاصك وأزل عن قلبك أوهام النفس ووساوس الشيطان حتى تظهر لك # النتائج، وتجد سبيلا إلى الحقيقة، وينفتح لك طريق الهداية، ويكون الله ~~سبحانه في عونك. # يعلم الله سبحانه بأننا إذا انتقلنا مع هذه العلوم التافهة الباطلة وهذه ~~الأوهام الفاسدة والقلب الكدر والخلق الذميم إلى عالم الآخرة، كيف تكون ~~مصائبنا ومحنتنا، وكيف يكون مصيرنا، وأن أي ظلم ووحشة وعذاب توفر لنا هذه ~~العلوم وهذه الأخلاق؟ # فصل: أقسام العلوم الدنيوية والأخروية PageV01P214 نقل محقق الفلاسفة صدر الحكماء والمتألهين قدس الله سره وأجزل أجره في (شرح ~~أصول الكافي) عن الشيخ الغزالي كلاما طويلا خلاصته: أن العلوم تنقسم إلى ~~علوم دنيوية وأخروية، وجعل علم الفقه من العلوم الدنيوية. وقسم العلوم ~~الأخروية إلى علم المكاشفة والمعاملة واعتبر علم المعاملة، هو العلم بأحوال ~~القلوب، وعلم المكاشفة نور يحصل في القلب بعد تطهيره من الصفات المذمومة، ~~وبه تنكشف الحقائق، وتحصل المعرفة الحقيقية بالذات والأسماء والصفات ~~والأفعال وأسرارها وكافة المعارف الإلهية(1). # ولما كان هذا التقسيم مرضيا لدى المحقق المذكور قال في شرح هذا الحديث ~~الذي نحن بصدد شرحه: (الظاهر أن هذا التقسيم الحاصر الذي بينه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يعود إلى علوم المعاملات، لأن معظم الناس ينتفعون ~~من هذه العلوم، وأما علوم المكاشفة، فتحصل لدى قليل من الناس وتكون أعز من ~~الكبريت الأحمر، كما تدل عليه أحاديث كتاب الإيمان والكفر التي سنذكرها). # يقول الكاتب إن في كلام الشيخ الغزالي إشكال. وعلى فرض صحة كلامه وعدم ~~توجه الإشكال عليه، يرد إشكال آخر على ما ذكره صدر المتألهين رحمه الله ~~تعالى. أما الاعتراض على كلام صدر المتألهين حسب فرض صحة كلام الغزالي، فهو ~~أن الغزالي اعتبر علم المعاملات الذي هو العلم بأحوال القلب من المنجيات ~~حينا مثل الصبر والشكر والخوف والرجاء وغير ذلك، ومن المهلكات حينا آخر مثل ~~الحقد والحسد والغل والغش وغيرها، وعليه لا تكون العلوم الثلاثة التي ذكرها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms306 من علوم المعاملة إلا قسم واحد منها وهو ~~الفريضة العادلة، وقد تقدم شرح ذلك. في حين أن صدر المتألهين جعل العلوم ~~الثلاثة من علوم المعاملة. # وأما الملاحظة الواردة على كلام الشيخ الغزالي فتتجسد في أمرين: # أحدهما: إنه اعتبر علم الفقه من العلوم الدنيوية والفقهاء من علماء ~~الدنيا، مع أن هذا العلم من أعز علوم الآخرة. وهذا التوجه، نشأ من حب ~~للنفس، وحب ما يتصور أنه من أهله وهو علم الأخلاق بالمعنى المتعارف ~~المتداول بين الناس، ولهذا طعن في كل العلوم، حتى العلوم العقلية. # ثانيهما: إنه جعل المكاشفات جزءا من العلوم وأوردها في تقسيمات العلوم في ~~حين أن الحق يستدعي أن نقول بأن العلم هو الذي يشتمل على التدبر والتمعن ~~والبرهان والاستدلال، بينما قد تكون المكاشفات والمشاهدات نتيجة العلوم ~~الحقيقية، وقد تكون من جراء الأعمال القلبية. وعلى أي حال إن المشاهدات ~~والمكاشفات، والتحقق بحقائق الأسماء والصفات، يجب أن لا تندرج في تقسيمات ~~العلوم، لأن العلوم في واد والمكاشفات في واد آخر. والأمر سهل. # فصل: أقسام العلوم حسب ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) # إعلم أن كثيرا من العلوم تندرج على تقدير في قسم من الأقسام الثلاثة التي ~~ذكرها رسول الله، وعلى تقدير آخر في قسم آخر. مثلا: إن علم الطب والتشريح ~~والنجوم والأفلاك وما يضاهيها، إذ جعلناها آية وعلامة، وكذلك علم التاريخ ~~وأمثاله، إذا ألقينا عليه نظرة اعتبار واتعاظ، اندرج جميعها في (الآية ~~المحكمة)، # لأنه يحصل بواسطتها العلم بالله أو بالمعاد، أو يتأكد العلم بالله ~~وبالمعاد وقد يندرج تحصيلها في (الفريضة العادلة) وقد يندرج تحت (السنة ~~القائمة). PageV01P215 # وأما إذا كانت دراسة هذه العلوم، لأجل ذاتها أو لأجل أهداف أخرى، فلو ~~شغلتنا عن علوم الآخرة، لأصبحت مذمومة بالعرض، لأنها صرفت الناس عن الآخرة، ~~وإن لم تشغلنا عن علوم الآخرة فليس فيها ضرر أو نفع، كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. فالعلوم بصورة كلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # الأول ما كان نافعا للإنسان حسب أحواله في النشآت ms307 الأخرى التي يعتبر ~~الوصول إليها غاية التكوين والكائنات. وهذا القسم هو الذي جعله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم علما، وقسمه إلى الأقسام الثلاثة التي وردت في ~~الحديث الشريف. # الثاني ما يضر بالإنسان ويصرفه عن وظائفه اللازمة. ويكون هذا القسم من ~~العلوم المذمومة التي يجب على الإنسان أن لا يقترب منها مثل علم السحر، ~~والشعوذة وأمثالهما... # الثالث ما لا يوجد فيها ضرر ولا نفع، فيهدر الإنسان وقته عليها للتسلي ~~والتلهي، مثل علم الموسيقى وعلم الأنساب والحساب والهندسة والأفلاك وأمثال ~~ذلك. ولو استطاع الإنسان أن يدخل هذا النوع من العلم تحت واحد من العلوم ~~الثلاثة لكان أفضل. وإن لم يتمكن من ذلك، فعدم الاشتغال يكون حسنا. لأن ~~الإنسان العاقل عندما عرف بأنه مع هذا العمر القصير، والوقت القليل، ~~والحوادث الكثيرة، لا يستطيع أن يكون جامعا لكل العلوم وحائزا على جميع ~~الفضائل، فلابد له من التفكير والتأمل في العلوم، واختيار ما يكون له أنفع، ~~والانصراف إليه، وتكميله. # ومن العلوم أن ما هو أنفع من كل العلوم وأهمها بالنسبة إلى حياته الأبدية ~~الخالدة هو العلم الذي أمر به الأنبياء عليهم السلام والأولياء، وحثوا ~~الناس على تعلمه، وهو هذه العلوم الثلاثة التي ذكرناها. والحمد لله تعالى. ### | AUTO الحديث الخامس والعشرون: الشك والوسوسة # بسندي المتصل إلى شيخ المحدثين وأفضلهم محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله ~~تعالى عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبن محبوب، عن عبدالله بن ~~سنان قال: «ذكرت لأبي عبدالله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة ~~وقلت: هو رجل عاقل. فقال أبو عبدالله عليه السلام: وأي عقل له وهو يطيع ~~الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شيء ~~هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان» (1). # الشرح: # إعلم أن الوسوسة والشك والتزلزل والشرك وأشباهها من الخطرات الشيطانية ~~والإلقاءات الإبليسية التي تقذف في قلوب الناس. كما أن الطمأنينة واليقين ~~والثبات والإخلاص وأمثالها من الإفاضات الرحمانية والإلقاءات الملكية. ~~وتفصيل هذا الإجمال بصورة مختصرة هو: أن قلب ms308 الإنسان شيء لطيف متوسط بين ~~نشأة الملك ونشأة الملكوت، بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، عين منه نحو عالم ~~الدنيا والملك، وبها يعمر هذا العالم، وعين أخرى منه نحو عالم الآخرة ~~والملكوت والغيب، وبها يعمر عالم الآخرة والملكوت. PageV01P216 # فالقلب بمثابة مرآة لها وجهان، وجه منها نحو عالم الغيب، وتنعكس فيه الصور ~~الغيبية، ووجه آخر نحو عالم الشهادة وتنعكس فيه الصور الملكية الدنيوية. ~~ويتم انعكاس الصور الدنيوية من خلال القوى الحسية الظاهرية وبعض القوى ~~الباطنية مثل الخيال والوهم. وتنتقش الصور الأخروية فيها من باطن العقل وسر ~~القلب. فإذا قويت الوجهة الدنيوية، والتفتت كليا إلى تعمير الدنيا، وانحصرت ~~همته في هذا العالم واستغرق في ملاذ البطن والفرج، وكافة المشتهيات والمتع ~~الدنيوية، انعطف باطن الخيال نحو الملكوت السفلي، الذي يكون بمثابة الظل ~~المظلم لعالم الملك والطبيعة، وعالم الجن والشياطين والنفوس الخبيثة، وتكون ~~الالقاءات شيطانية، وباعثة على تخيلات باطلة وأوهام خبيثة. وحيث أن النفس ~~تنتبه إلى الدنيا، إشتاقت إلى تلك التخيلات الباطلة، وتبعها أيضا العزم ~~والإرادة، وتتحول كل الأعمال القلبية والقالبية إلى سنخ الأعمال الشيطانية ~~من قبيل الوسوسة # والشك والترديد والأوهام والخيالات الباطلة. وتصبح الإرادة على ضوء ذلك ~~في ملك الجسم فعالة، وتتجسد الأعمال البدنية أيضا حسب الصور الباطنية ~~للقلب، لأن الأعمال صورة وتمثال للإرادات، التي هي صور ومثال للأوهام التي ~~بدورها إنعكاس لاتجاه القلب. وحيث أن وجهة القلب كانت نحو عالم الشيطان، ~~كانت الإلقاءات في القلب من سنخ الجهل المركب الشيطاني، وفي النهاية تستشري ~~من باطن الذات، الوسوسة والشك والشرك والشبهات الباطلة وتسري في كل أنحاء الجسم. # وعلى هذا القياس المذكور، إذا كانت وجهة القلب نحو تعمير الآخرة، ~~والمعارف الحقة، وعالم الغيب، لحصل له وئام مع الملكوت الأعلى، الذي هو ~~عالم الملائكة وعالم النفوس الطيبة السعيدة، والذي يكون هذا العالم بمثابة ~~الظل النوراني لعالم الطبيعة، واعتبر العلوم التي تفاض عليه من العلوم ~~الرحمانية الملكية والعقائد الحقة وغدت الخواطر من الإلقاءات والخواطر ~~الإلهية، ويتطهر من الشك والشرك ويتنزه منهما، وحصلت الإستقامة والطمأنينة ~~في النفس، وصارت ms309 أشواقها أيضا على ضوء تلك العلوم، وإرادتها على ضوء تلك ~~الأشواق. ومجمل الكلام أن الأعمال القلبية والقالبية والظاهرية والباطنية، ~~تتحقق على أساس العقل والحكمة. # ولهذه الإلقاءات الشيطانية والملكية والرحمانية مراتب ومقامات، لا تسمح ~~هذه الصفحات فعلا في التطرق إلى تفصيل ذلك. # وتدل على ذلك بعض الأخبار الشريفة، مثل ما ورد في مجمع البيان عن ~~العياشي: # روى العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره ~~أذنان: أذن ينفث فيها الملك وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس، يؤيد الله ~~المؤمن بالملك وهو قوله سبحانه: وأيدهم بروح منه» (1). # وفي مجمع البحرين: في حديث آخر: إنه قال: «الشيطان واضع خطمه على قلب ابن ~~آدم، له خرطوم مثل خرطوم الخنزير، يوسوس لابن آدم أن أقبل على الدنيا وما ~~لا يحل الله. فإذا ذكر الله خنس» (2) إلى غير ذلك من الروايات. # فصل: الوسوسة من الأعمال الشيطانية PageV01P217 بعد أن علمنا عن طريق أهل المعرفة أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية، كما ~~ورد في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه والأحاديث الأخرى نضطر إلى ~~بيان هذا الموضوع بطريق آخر يكون أقرب إلى أذهان العامة وأكثر ملائمة لها، ~~رغم أن البيان السابق عند أهله موافق للقواعد العقلية والضوابط البرهانية ~~ومطابق لذوق أهل المعرفة ومشاهدات أصحاب القلوب، ولكن حيث انه يرتكز على ~~قواعد وأسس خارجة عن مستوى هذا الكتاب، ننصرف عن بيانها ونقتصر على ذكر أصل ~~الموضوع فنقول: # إن الشاهد على أن هذه الوساوس والأعمال من ألعاب الشيطان وإلقاءات ذلك ~~الملعون، وأنه لا يوجد لها دافع ديني وباعث إيماني، رغم زعم صاحبها أن ~~دافعه أمر ديني، هو أن هذه الوساوس تخالف أحكام الشريعة وأخبار أهل بيت ~~العصمة والطهارة. # مثلا: وردت في أحاديث متواترة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام، ~~كيفية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنها كانت غسلة واحدة. ~~ومن ضروريات الفقه اجزاء غرفة واحدة للوجه، ms310 وغرفة لغسل اليد اليمنى وغرفة ~~لغسل اليد اليسرى وأما الإجزاء مع غرفتين أو غسلتين لكل من الوجه واليد ~~اليمنى واليسرى، فهو محل خلاف حتى أنه يستفاد من وسائل الشيعة الفتوى بعدم ~~الجواز أو التأمل في عدم الجواز. ونقل عن آخرين خلاف ذلك. مع أن جواز ~~الغسلتين لا يكون محل تأمل أيضا. والشهرة العظيمة مع الأخبار الكثيرة دالة ~~على استحبابه، لكن لا يبعد أفضلية الغسلة الواحدة شريطة أن يصل الماء إلى ~~جميع أطراف العضو الذي نريد أن نغسله. مع العلم بأن الغسل ثلاث مرات بأن ~~نصب الماء في كل مرة على أن يستوعب الماء العضو المغسول هو بدعة وحرام من ~~دون أي محذور، ووضوئه يكون باطلا إذا مسح مع رطوبة الغسلة الثالثة. وفي ~~أخبار أهل البيت عليهم السلام أن الغسلة الثالثة بدعة، وكل بدعة في النار. # وعليه فإن الإنسان الجاهل المبتلى بالوسوسة، يغسل أعضاء الوضوء أكثر من ~~عشر مرات وفي كل مرة يوصل الماء إلى كل أطراف العضو الذي يريد أن يغسله ~~بدقة متناهية، بل يغسل العضو حتى يجري ماء الوضوء ويتحقق الغسل الشرعي ثم ~~يكرر الغسل مرات عديدة، فمع أي مقياس نستطيع أن نطبق عمله هذا؟ ومع أي حديث ~~أو فتوى فقيه يتطابق عمله؟ لقد صلى المسكين عشرين عاما أو أكثر مع مثل هذا ~~الوضوء الباطل، وتظاهر أمام الناس أنه في منتهى القدسية والطهارة. إن ~~الشيطان قد داعبه والنفس الأمارة بالسوء، قد غررته، ومع هذا كله يخطيء ~~الآخرين ويرى نفسه مصيبا. PageV01P218 # إن الذي يخالف النص المتواتر وإجماع العلماء، هل يجب أن نعده من عمل ~~الشيطان أو من طهارة النفس وتقواها؟ فإذا كانت هذه الوسوسة من جراء منتهى ~~التقوى والاحتياط في الدين فلماذا نجد الكثير من ذوي الوسوسة التي لا مبرر ~~لها والجهلة المتنسكين، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيها أو يستحب؟ ~~هل سمعت أحدا يعيش حالة الوسوسة في الشبهات المالية؟ من من الوسواسين دفع ~~الزكاة والخمس مرات عديدة ؟ وذهب إلى الحج لأداء الواجب مرات متكررة؟ وأعرض ~~عن الطعام المشتبه؟ ms311 لماذا كانت أصالة الحلية في الأطعمة المشتبه جارية ~~وأصالة الطهارة في مشكوك النجاسة غير جارية؟ مع أنه في باب مشكوك الحلية من ~~الراجح الاجتناب. وتدل على ذلك الأحاديث الشريفة مثل حديث التثليث(1). عن ~~أبي عبدالله عليه السلام في حديث قال وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده ~~فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله وفي ~~باب الطهارة عكس ذلك كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس. # كان أحد الأئمة المعصومين سلام الله عليه وعليهم السلام إذا ذهب لقضاء ~~حاجته رش الماء على فخذيه، حتى إذا ترشحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات ~~من الماء لم يحس بذلك فهو لم يحتط ولم يتوسوس . وهذا المسكين الذي يري ~~نفسه محتذيا حذو الإمام المعصوم عليه السلام وآخذا دينه منه، لا يتقي لدى ~~التصرف في الأموال، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتكل على قاعدة أصالة الطهارة ~~ويأكل، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه. إنه حين الأكل يتمسك بأصالة الطهارة وبعد ~~أن يشبع يقول كل شيء نجس، وإذا كان من أهل العلم برر عمله هذا بأنني أريد ~~أن أصلي مع الطهارة الواقعية، مع أننا لم نعرف ميزة للصلاة مع الطهارة ~~الواقعية. ولم ينقل عن أحد من الفقهاء رضوان الله عليهم اعتبار الطهارة ~~الواقعية في الصلاة. وعليه إذا كنت من أهل الطهارة الواقعية فلماذا لم تكن ~~من أهل الحلية الواقعية ؟ وإذا فرضنا أنك أردت الطهارة الواقعية فما معنى ~~الغسل في الماء الكر أو الجاري عشر مرات؟ مع أنه يكفي الغسل مرة واحدة من ~~غير البول أو بعض النجاسات الأخرى في الماء الجاري أو في الماء الكر. وأما ~~في البول فتكفي مرة واحدة على المشهور وتكفي مرتان إجماعا فلا يكون الغسل ~~لمرات عديدة إلا من تدليس الشيطان وتسويل النفس. وحيث أن ذلك لا يتطلب جهدا ~~منا نجعله رأس المال للتظاهر يالقدسية. # وأسوأ من كل ذلك وأكثر فضيحة، وسوسة البعض لدى نية الصلاة وتكبيرة ~~الإحرام، لأنه يرتكب عدة محرمات، ويعتبر نفسه من المقدسين، ويرى ms312 بهذا العمل ~~ميزة لنفسه. هذه النية التي تتوقف عليها الأعمال الاختيارية بأسرها، وتعد ~~من الأمور اللازمة للأعمال الاختيارية، ولا يستطيع الإنسان أن يأتي بعمل من ~~الأعمال العبادية أو غير العبادية من دونها، فمع هذا الوصف ومع مختلف ~~أساليب الشيطنة وهيمنة الشيطان عليه قد يبتلى ساعة أو ساعات لإنجاز هذا ~~الأمر الضروري الوجود وفي النهاية قد لا يحصل. فهل إن هذا الأمر من الخواطر ~~الشيطانية وأعمال إبليس لعنه الله الذي وضع الطوق واللجام على هذا المسكين، ~~وأخفى عليه هذا الأمر الضروري وابتلاه بالمحرمات الكثيرة من قبيل قطع ~~الصلاة، وتركها وتجاوز وقتها، أو أنه من طهارة الباطن والقدس والتقوى ؟ # ومن شؤون الوسوسة عدم الإقتداء بأشخاص حكم عليهم بالعدالة نصا PageV01P219 وفتوى، فإن ظاهرهم من أهل الصلاح ومن المحافظين على الأعمال الشرعية ~~وباطنهم معلوم عند الله، ولا يجب علينا البحث والتفتيش الدقيق عنهم، بل لا ~~يجوز البحث والتحري عنهم ومع ذلك نرى الشيطان يلجمه ويقوده إلى زاوية من ~~زوايا المسجد معتزلا عن جماعة المسلمين فيصلي فرادى ويعلل عدم التحاقه ~~بالجماعة بأنني أحتاط ولا أجد توجها قلبيا نحو الجماعة ولكنه لا يتضايق من ~~إمامته للجماعة مع أن الإمامة أصعب، ومحل التباسها أكثر ولكن لما كانت ~~الإمامة موافقة للرغبات النفسية لا يحتاط في ذلك. # ومن شؤون الوسوسة التي يكثر الابتلاء بها الوسوسة في قراءة الفاتحة في ~~الصلاة حيث قد تخرج نتيجة التكرار للحروف أو الكلمات وتفخيمها من القواعد ~~التجويدية وقد تتغير صورة الكلمة كليا. مثلا ينطق حرف الضاد من كلمة ~~(الضالين) بصورة تقترب من حرف القاف. ويتفوه بالحاء في (الرحمن الرحيم) ~~وكأنه ينطق كلمة غريبة ويفصل بين حرف وحرف في كلمة واحدة مما يسبب تغييرا ~~في هيئة الكلمة ومادتها وتنسلخ الكلمة عن وضعها الطبيعي. ومجمل القول إن ~~الصلاة التي تعد معراجا للمؤمن، وقربانا للمتقين، وعمودا للدين تفرغ من ~~كافة شؤوناتها المعنوية وأسرارها الإلهية وتتحول إلى كلمات يراد لها ~~التجويد وكيفية الإلقاء، ومن ثم ينجر تجويد الكلمات، إلى فسادها وعدم ~~إجزائها وكفايتها بحسب ظاهر الشرع. فهل إن ms313 هؤلاء وفي هذه الحالات، يعيشون ~~وساوس الشيطان أو تغمرهم فيوضات الرحمن؟ # لقد وردت روايات كثيرة في حضور القلب لدى الصلاة، والتوجه القلبي في ~~العبادات ولكن هذا المسكين عرف من حضور القلب علما وعملا، الوسوسة في النية ~~ومد كلمة (ولا الضالين) أكثر من القدر اللازم، وتغيير تقاسيم الوجه والفم ~~حين تلفظ الكلمات. # أليست هذه بمصيبة حيث أن الإنسان يغفل سنينا طويلة عن حضور القلب ومعالجة ~~قلقه النفسي ولم يتصد لإصلاحه، ولا يعتبر لحضور القلب شأنا من شؤون ~~العبادة، ولم يتعلم كيفية تحصيله من علماء القلوب العرفاء ولم يلتزم به، ~~ويشتغل بهذه الأباطيل التي تكون من الخناس اللعين حسب نص الكتاب الكريم. ~~وأنها من عمل الشيطان حسب تصريح الصادقين عليهم السلام بذلك. وإن العمل بها ~~يوجب البطلان، كما ذكرتها فتاوى الفقهاء لكنه يعتبر كل ذلك من شؤون الطهارة ~~والقدسية؟ # وقد تحدث الوسوسة أو تشتد من جراء أن جهلة مثل هذا الإنسان الوسواسي ~~يطرون عليه ويعتبرون وسوسته من الفضائل، ويثنون على ديانته وقدسيته وتقواه، ~~قائلين إنه نتيجة شدة دينه وتقواه أصبح وسواسيا، مع أن الوسوسة لا ترتبط ~~بالديانة أبدا، بل هي مخالفة للدين ومن ثمار الجهل وعدم العلم. ولكنهم لما ~~لم يبينوا له حقيقة الأمر، ولم يبتعدوا عنه ولم يؤنبوه بل على العكس مدحوه ~~وأثنوا عليه استمر في عمله الشنيع، حتى بلغ نهايته وجعل نفسه لعبة بيد ~~الشيطان وجنوده، فأقصاه الشيطان من ساحة قدس المقربين. PageV01P220 # فيا أيها العزيز، بعد أن علم نقلا وفعلا بأن هذه الوساوس من الشيطان وهذه ~~الخواطر من عمل إبليس، الذي يفسد عملنا، ويصرف قلوبنا عن الحق المتعالي. ~~ومن المحتمل أنه لا يكتفي بهذه الوسوسة في العمل، بل يبدي البراعة ليدخل ~~الوسوسة في العقيدة والدين، ويبعد دينك عن دين الله ويجعلك شاكا في المبدء ~~والمعاد ويدفعك إلى الشقاء الأبدي. وإذا لم يستطع أن يضلل أشخاصا عبر الفسق ~~والفجور، فهو يسلك سبيل العبادات والمناسك فيبطل نهائيا الأعمال والأفعال ~~التي يجب أن يتقرب بها إلى الله، ونعرج من خلالها إلى الحق المتعالي، ms314 ~~ويجعلها دوافعا للابتعاد عن ساحة القدس الربوبي جل شأنه والتقرب من إبليس ~~وجنوده. وعلى أي حال يخشى من أن يعبث في عقائدك. بعد علمنا ذلك لا بد من ~~السعي في سبيل معالجة هذه الحالة بأي شكل كان وبواسطة أي ترويض روحاني ممكن. # فصل: معالجة الوسوسة عن طريق العلم والعمل # إعلم أن معالجة هذه الآفة القلبية التي يخشى منها أن تؤدي بالإنسان إلى ~~الهلاك الأبدي والشقاء الدائم، كبقية الأمراض القلبية، يمكن أن تتم بواسطة ~~العلم النافع والعمل بكل سهولة ويسر. فيجب أولا أن يشعر الإنسان بأنه سقيم، ~~حتى يسعى في سبيل المعالجة. ولكن النقص يكمن في أن الشيطان قد يزين له ~~الأمور على مستوى لا يرى فيه هذا المسكين نفسه مريضا، وإنما الآخرون يرونه ~~منحرفا عن السبيل وغير مكترث بالدين. # أما المعالجة لهذه الآفة القلبية بواسطة العلم فيكون بالتفكر في هذه ~~الأمور المذكورة، حيث يجدر بالإنسان أن تكون أعماله وأفعاله نتيجة التفكر ~~والتأمل. بأن يفكر في أن هذا العمل الذي يريد أن ينجزه ويريد أن يجعله ~~مرضيا لله تعالى من أي مصدر يكون وممن يؤخذ حتى تكون كيفيته بذلك الشكل ~~المخصوص؟ ومن الواضح أن العوام من الناس يأخذون من الفقهاء كيفية العمل ~~ومراجع التقليد يستنبطونها من الكتاب والسنة والقواعد الفقهية. وعندما نرجع ~~إلى الفقهاء نسمع منهم القدح في عمل الوسواسي، ويرون بعض أعماله باطلة، ~~وعندما نرجع إلى الأحاديث الشريفة، والكتاب الإلهي نجد بأن عمله يعتبر من ~~الشيطان ويجعل صاحبه مجنونا. إذن إن الإنسان العاقل إذا فكر وتدبر قليلا ~~قبل أن يهيمن الشيطان على عقله لأوجب على نفسه الإقلاع عن هذا العمل ~~الفاسد، ولسعى في سبيل تصحيح عمله حتى يكون مرضيا عند الحق المتعال. # ويجب على كل من يشك في حصول الوسوسة عنده، أن يكون مثل الناس العوام، في ~~عرض عمله على العلماء والفقهاء، والاستفهام منهم بأنه هل ابتلي عمله بمرض ~~الوسوسة أم لا؟ لأنه كثيرا ما يكون الإنسان الوسواسي غافلا عن حاله ومعتقدا ~~بأنه معتدل وأن الآخرين غير مكترثين بالدين. ولكنه ms315 إذا فكر قليلا، لوجد أن ~~مصدر هذا الاعتقاد هو الشيطان وإلقاءاته الخبيثة، لأنه يرى بأن العلماء ~~والفقهاء الكبار ومن الذين يؤمن بعلمهم وعملهم، بل ويكونون مراجع المسلمين ~~في أخذ مسائل الحلال والحرام منهم، يعملون بما يغاير عمله. ولا يستطيع ~~القول بأن الملتزمين غالبا والعلماء والفقهاء لا يحفلون بدين الله وأن ~~الإنسان الوسواسي وحده يتقيد بالدين. # وعندما أدرك ضرورة إصلاح العمل، دخل مرحلة العمل، والعمدة في هذه PageV01P221 المرحلة عدم الاهتمام بالوساوس الشيطانية والأوهام التي تلقى عليه. فمثلا ~~إذا كان مجتهدا ومبتليا بالوسوسة في الوضوء، فليتوصأ مع غرفة واحدة رغم ~~وسوسة الشيطان. إن الشيطان يوسوس ويقول بأن هذا العمل ليس بصحيح ولكن ~~يواجهه بأن عملي لو لم يكن صحيحا لوجب أن لا يكون عمل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام والفقهاء جميعا صحيحا. لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين قد توضأوا في فترة ~~طويلة تقرب من ثلاثمائة سنة، وكانت كيفية وضوء جميعهم واحدة. فإذا كان ~~عملهم باطلا، فليكن عملي باطلا أيضا. وإذا كنت مقلدا لمجتهد، فأجب الشيطان ~~بأنني أعمل على ضوء فتوى المجتهد، فإذا كان وضوئي باطلا، فلا يؤاخذني ربي ~~عليه، ولا تكون علي حجته. وإذا أوقعك الشيطان الملعون في الشك قائلا بأن ~~المجتهد لم يقل هكذا فافتح رسالته العلمية وتأكد من صحة العمل، فإذا لم ~~يعبأ بإلقاءاته عدة مرات وعملت على خلاف رأيه غدا آيسا منك. ونرجو أن تكون ~~المعالجة النهائية لمرضك. كما ورد هذا المعنى في الأحاديث الشريفة: # فعن الكافي بإسناده عن زرارة وأبي بصير قالا: «قلنا له: الرجل يشك كثيرا ~~في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه؟ قال: يعيد. قلنا له: فإنه ~~يكثر عليه ذلك، كلما أعاد شك. قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث ~~من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عود، فليمض ~~أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه ~~الشك. قال ms316 زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى ~~أحدكم.» (1). # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا كثر عليك السهو فامض في ~~صلاتك فإنه يوشك أن يدعك إنما هو من الشيطان» (2). # ومن الوضوح بمكان أنك إذا خالفت الشيطان فترة من الزمان، ولم تلق بالا ~~لوساوسه، لا نقطع طمعه عنك، وعادت الطمأنينة والسكون إلى نفسك. ولكن في ~~غضون أيام تصديك للشيطان، تضرع إلى ساحة الحق المتعالي والتجئ إلى ذاته ~~المقدس من شر ذاك الملعون وشر النفس، واستعذ بالله منه وهو يعينك عليه كما ~~ورد في الكافي الأمر بالاستعاذة من الشيطان. # بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: يا رسول الله أشكو إليك ما ألقى من الوسوسة في صلاتي حتى ~~لا أدري ما صليت من زيادة أو نقصان، فقال إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك ~~الأيسر بأصبعك اليمنى المسبحة ثم قل: بسم الله وبالله، توكلت على الله، ~~أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فإنك تنحره وتطرده» (3). # والحمد لله أولا وأخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على محمد وآله ~~الطاهرين. ### | AUTO الحديث السادس والعشرون: طالب العلم PageV01P222 بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن الحسن ~~وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعا عن ~~جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، وعلي بن إبراهيم، عن ~~أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله ~~به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه ~~يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر. وفضل ~~العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر وإن العلماء ورثة ~~الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ms317 ورثوا العلم، فمن ~~أخذ منه أخذ بحظ وافر» (1). # الشرح: # إعلم أن ألفاظ هذه الرواية لا تحتاج إلى الشرح، ولكننا نشرح هذه الصفات ~~التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل طالب العلم والعلماء، ~~ضمن فصول. وعلى الله التكلان: # فصل: في بيان أن من سلك طريق العلم جعله الحق المتعالي # من السالكين لطريق الجنة لابد من معرفة أن العلوم بصورة كلية تنقسم إلى قسمين: # أحدهما: العلوم الدنيوية التي هدفها الوصول إلى المآرب الدنيوية. على ~~أساس أن النية قد تكون الأنانية وقد تكون إلهية. # والآخر: العلوم الأخروية التي يقصد منها البلوغ إلى المقامات والدرجات ~~الملكوتية والوصول إلى المراتب الأخروية. وقد تقدمت منا الإشارة إلى أن ~~الفرق بين القسمين يكون على أساس النية والقصد غالبا، وإن كانت هذه العلوم ~~في نفسها تنقسم إلى نوعين. ويكون المقصود من هذا العلم في هذا الحديث حسب ~~الآثار المذكورة لطلب العلم وللعلماء في هذه الرواية، هو النوع الثاني علم ~~الآخرة. وهذا واضح. # وتقدم منا أيضا الحديث بأن جميع العلوم الأخروية لا تخرج عن إطار الحالات ~~الثلاثة وهي أنها: أما من قبيل العلم بالله والمعارف الإلهية، أو من قبيل ~~علم تهذيب النفس والسلوك إلى الله، أو من قبيل علم الآداب وسنن العبودية. ~~ونقول هنا بأن تعمير نشأة الآخرة يرتبط بهذه الأمور الثلاثة. وعليه تكون ~~الجنة أيضا منقسمة إلى جنات ثلاثة: # أحدها جنة الذات وهي التي تكون غاية العلم بالله والمعارف الإلهية. ~~وثانيها جنة الصفات وهي نتيجة تهذيب النفس وترويض الروح. وثالثها جنة ~~الأعمال وهي صورة أداء العبودية وآثارها، وهذه الجنات لا تكون معمورة ~~ومشيدة. # وكما أن أرض جنة الأعمال قاع مسطحة ومستوية فكذلك أراضي النفس في بدء ~~الأمر مستوية ولا شيء فيها. ويكون عمرانها تابع لعمران النفس. # وإذا لم يعمر مقام الغيب للنفس بالمعارف الإلهية، والجذبات الغيبية ~~الذاتية، لم تحصل للإنسان جنة الذات واللقاء. وإن لم يهذب الباطن، ولم يتحل ~~الداخل، ولم تقو الإرادة والعزم ولم يكن القلب محل تجل للأسماء والصفات، لم ~~تكن جنة ms318 الأسماء والصفات التي هي الجنة المتوسطة، للإنسان. وإن لم ينهض ~~الإنسان بالعبودية، ولم تتطابق أعماله وأفعاله وحركاته وسكناته مع أحكام ~~الشريعة، لم يحصل على جنة الأعمال التي (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين) (2). PageV01P223 # وبناءا على هذه المقدمة الموافقة للبراهين الفلسفية، وذوق أهل العرفان، ~~وأخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام، والمستفادة من القرآن الإلهي ~~الكريم، يتبين أن العلوم في أي مستوى كانت: سواء كان علم المعارف أو غيره ~~فهي السبيل للوصول إلى الجنة التي تتناسب مع ذلك العلم، وسالك سبيل كل علم، ~~سالك لطريق من طرق الجنة. # وقد ذكرنا سابقا بأن العلوم بصورة عامة، طريق إلى العمل، حتى علوم ~~المعارف إلا أن الأعمال التي تنجم من علم المعارف، هي أعمال قلبية، وجذبات ~~باطنية، وتكون نتيجة تلك الأعمال والجذبات وصورها الباطنية، صورة جنة الذات ~~واللقاء. إذن: سلوك طريق العلم، سلوك طريق الجنة العلم طريق إلى الجنة ، ~~وطريق الطريق، طريق أيضا. # والسر في قوله عليه السلام:سلك الله به إلى الجنة حيث نسب إلى العبد، ~~السلوك العلمي من سلك طريقا يطلب فيه علما والى ذاته المقدس الحق، السلوك ~~إلى الجنة سلك الله به إلى الجنة لأجل أنه في مقام الكثرة رجح طلب العبد ~~العلم، وفي مقام الرجوع إلى الوحدة، رجح طرف الحق. ولولا هذا التوجيه، ~~لاستطعنا من جهة أن نقول: ينتسب أيضا إلى العبد السلوك إلى الجنة (ووجدوا ~~ما عملوا حاضرا) (1). (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره) (2). كما نستطيع من جهة أخرى أن ننسب السلوك إلى العلم أيضا، إلى ~~الذات المقدس وأنه من تأييده وتوفيقاته. (قل كل من عند الله) (3). # ولمحقق الفلاسفة، وفخر الطائفة الحقة صدر المتألهين رضوان الله تعالى ~~عليه في هذا المقام شرح يبتنى على ذلك، وهو أن نفس إدراك الملائم ~~والمنافر، جنة ونار، وأن العلوم مما يلائم النفس، والجهل مما تنفر منه. # وهذا الرأي مخالف لنظريته، المذكورة في الكتب الحكيمة عند رده على الشيخ ~~الغزالي، حيث يذهب الشيخ الغزالي إلى أن الجنة والنار، عبارة عن اللذات ms319 ~~والآلام الحاصلة في النفس، ويجحد وجودهما الجنة والنار الخارجيين، حسب ما ~~ينقل عنه. وهذا المذهب، مضافا إلى أنه مخالف لبرهان الحكماء، مغاير لأخبار ~~الأنبياء، والكتب السماوية، وضرورة الأديان بأسرها. فنهض صدر المتألهين ~~الفيلسوف العظيم الشأن، للإجابة عليه، وإبطال تصوره، ولكنه صدر المتألهين ~~قد ذكر في المقام ما يضاهي المنقول عن الشيخ الغزالي، رغم رفضه وإنكاره ~~لمسلك الغزالي. وعلى أي حال هذا الكلام مذهب صدر المتألهين ليس بصحيح ~~عندي ولكن لا يتناسب مع حجم الكتاب عرض أكثر من هذا المقدار من البحث. # فصل: في بيان أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتى يطأ عليها # إعلم أن ملائكة الله على أصناف وأنواع كثيرة كلهم جنود الحق المتعالي، ~~ولا يعلمهم أحد إلا الذات المقدس علام الغيوب (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (4). # صنف منهم ملائكة مهيمون عاشقون مجذوبون، لا يلتفتون نهائيا إلى عالم ~~الوجود، ولا يعرفون بأن الله قد خلق عالما أم لا، وإنما هم مستغرقون في ~~جمال الحق وجلاله، ومنصهرون في كبرياء ذاته المقدس. ويقال بأن كلمة (ن) ~~المباركة في الآية الشريفة (ن والقلم وما يسطرون) (5). إشارة إلى هذا الصنف ~~من الملائكة. # وصنف آخر منهم، ملائكة مقربون ومن سكان الجبروت الأعلى، وهم أنواع كثيرون ~~ولكل منهم شأن وتدبير في العالم لا يكون لغيرهم من الملائكة. PageV01P224 # وطائفة ثالثة ملائكة عالم الملكوت الأعلى والجنات العليا، على مختلف ~~أصنافهم وتشتت أنواعهم. # وطائفة رابعة ملائكة عالم البرزخ والمثال. # وطائفة خامسة الملائكة الموكلون على عالم الملك والطبيعة، حيث يتولى كل ~~منهم أمرا ويدبر شأنا، وهذا القسم من الملائكة المدبرين في عالم الملك، غير ~~الملائكة الموجودين في عالم المثال والبرزخ. كما هو مقرر في محله، ومستفادا ~~من الأخبار أيضا. # ولابد من معرفة أنه لا توجد أجنحة وريش وأعضاء أخرى للملائكة بجميع ~~أصنافها، فإن الملائكة المهيمنين حتى سكان الملكوت الأعلى منزهون ومبرأون ~~من هذه الأعضاء والأجزاء المقدارية، ومجردون من المادة ولوازمها ومقدارها ~~وعوارضها. وأما ملائكة عالم المثال والموجودات الملكوتية البرزخية، فمن ~~المحتمل أن تكون في هذه الطائفة من الملائكة، ms320 جوارح وأعضاء وأجنحة ورياش ~~وغيرها، ولما كانوا من عالم المثال والبرزخ، وكان لهذا العالم كمية وكيفية، ~~كان لهذه الطائفة قدر خاص، وجوارح مخصوصة وإن قوله تعالى: (والصافات صفا) ~~(1). (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) (2). يرتبط بهذه الطائفة من الملائكة. ~~ولكن للملائكة المقربين والقاطنين في الجبروت الأعلى، الإحاطة الوجودية ~~القيومية، فهم يستطيعون، أن يتمثلوا في كل واحد من العوالم بهيئة وصورة ~~تتناسب مع ذلك العالم. كما أن جبرائيل الأمين، الذي هو من المقربين للساحة ~~المقدسة، وحامل الوحي الإلهي، ومن أعلى مراتب موجودات سكان الجبروت، كما ~~يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في المثال المقيد دائما، وفي ~~المثال المطلق، مرتين، وفي عالم الملك حينا، وفي عالم الملك في صورة دحية ~~الكلبي رضيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان أجمل الناس. # ولابد من معرفة التمثل الملكي للملائكة، لا يكون مثيل الموجودات الملكية، ~~كي يراها كل سليم الحس والبصر، بل الجانب الملكوتي للملائكة يغلب الجانب ~~الملكي. ولهذا لا يراهم الناس مع أبصارهم الملكية، بل رأى بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرائيل وهو في صورة دحية الكلبي، بعد تأييد ~~من الحق المتعالي، وأشار من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم. # ومن هذا المنطلق أن طلبة العلم والمعارف، والمتوجهين إلى الحق والحقيقة، ~~والسالكين لسبيل رضا الله من الأبناء الروحانيين لآدم صفي الله عليه السلام ~~الذين يكونون مسجودا للملائكة ومطاعا لتمام دائرة الوجود، هؤلاء يكونون محل ~~عناية ملائكة الله، ورعايتهم وتأييدهم وإن مثل هذا الملكي الذي تحول إلى ~~وجودي ملكوتي، وهذا الأرضي الذي أصبح سماويا قد وطأت أقدامهم، أجنحة ~~الملائكة، فإذا انفتحت عين بصيرته الملكوتية والمثالية لرأى بأنه مستقر على ~~أجنحة الملائكة، وإنه يطوي المسافات بفضل تأييداتهم. # هذا بالنسبة إلى الذين الأبناء الروحانيون لآدم عليه السلام هاجروا من ~~الملك إلى الملكوت، وإن كانوا لا يزالوا في الطريق. # وأما الذين، لا يزالون يعيشون في عالم الملك، ولم يطرقوا عالم الملكوت، ~~فمن الممكن أن يكونوا محل تأييد ولطف الملكوتيين، حيث ms321 يفترشون أجنحتهم ~~تواضعا لهم وابتهاجا بهم وبأعمالهم. كما أشير إلى ذلك في هذا الحديث الشريف ~~وفي حديث (غوالي اللئالئ). عن المقدار رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ~~حتى يطأ عليها رضا به» (3) PageV01P225 فعلم أن الخطوة الأولى إلى الله وإلى مرضاته، وضع الأقدام على أكتاف ~~الملائكة، والجلوس على أجنحتهم، ويكون هذا الفرش وهذا الافتراش موجودين حتى ~~نهاية مراتب الدراسة، وحصول العلم والمعارف، ولكن الدرجات تختلف، والملائكة ~~المؤيدين لهذا السالك في سبيل العلم يتبدلون، حسب تبدل المراتب، ويصل مستوى ~~السالك إلى مرحلة، يرفع قدمه من على رأس الملائكة المقربين، ويجتاز عوالما، ~~ويطوي مراتبا، لا يستطيع أن يدنو منها الملائكة المقربون، بل يبدي جبرائيل ~~أمين الوحي عجزه عن الوصول إلى تلك الدرجات حيث يقول (لو دنوت أنملة ~~لاحترقت) (1). # فلما لم يكن هذا الكلام معارضا للبرهان، بل يوافقه، فلا داعي إلى تأويله ~~إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، كما صنع الفيلسوف العظيم، صدر ~~المتألهين، مع أنه اعترف وأثبت ملائكة عالم المثال، والتمثلات الملكية ~~والملكوتية للملائكة، في كتبه الفلسفية والعملية، مع بيان أنيق يختص به # فصل: في بيان أنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض # إعلم أنه قد تقرر في محله أن حقيقة الوجود، عين جميع الكمالات والأسماء ~~والصفات، كما أن الوجود الخالص المحض عين الكمال المحض الخالص. ولهذا حيث ~~أن الحق المتعالي جل شأنه يكون وجودا صرفا، فهو كمال صرف، وأنه سبحانه عين ~~جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية. وفي الحديث: «علم كله، قدرة كله». # وقد ثبت بالبرهان أن حقيقة الوجود، في المرايا العالم عين جميع ~~الكمالات، وإنه لا يمكن البتة تجريد الكمالات من الوجود، لكن ظهور ~~الكمالات، يكون بقدر سعة وضيق الوجود، وصفاء وكدورة المرآة. ولهذا تكون ~~كافة الكائنات الوجودية، آيات ذاته تعالى ومرآة أسمائه وصفاته. وهذا ~~الموضوع رغم أنه مبرهن عليه، بل قلما تجد مسألة فلسفية تبلغ مستوى الموضوع ~~المبحوث عنه هنا في الإحكام والقوة، وإتقان ms322 الدليل. فهو مطابق لمشاهدات ~~أصحاب الشهود، ومذاق أرباب المعرفة، وموافق مع الآيات الكريمة، وأخبار أهل ~~بيت العصمة والطهارة عليهم السلام. كما أشار كتاب الله سبحانه في عدة ~~مواضع، إلى تسبيح الموجودات بأسرها: (يسبح لله ما في السماوات وما في ~~الأرض) (2)، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (3). # ومن الواضح جدا أن التسبيح والتقديس والثناء، يتطلب العلم والمعرفة لمقام ~~الذات المقدس للحق جل شأنه ، ومن دون العلم والمعرفة لا يمكن التسبيح ~~والتقديس والتحميد. # وقد تولت الأحاديث بيان هذا الموضوع الشريف بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي ~~توجيه وتأويل. ولكن ذوي الحجاب والمحجوبين من المعارف الإلهية، من أهل ~~الفلسفة التقليدية وذوي الجدل، قد أولوا كلام الله، تأويلا باهتا، فمضافا ~~إلى أنه مخالف لظاهر الآيات الكريمة ونصوص القرآن الكريم، يكون حديثهم بعض ~~الموارد، مثل قصة تكلم النمل في سورة النمل المباركة، مخالفا للنصوص ~~الكثيرة الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام ومخالفا لبراهين الحكمة ~~القومية أيضا. ولا يتناسب ذكر البراهين مع مقدماتها وحجم هذا الكتاب ~~المختصر. PageV01P226 # فتسبيح الموجودات للحق المتعالي يكون عن وعي وشعور. وفي الحديث عن الباقر ~~عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني كنت أنظر إلى ~~الإبل والغنم وأنا أرعاها وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم فكنت أنظر إليها ~~[قبل النبوة] وهي متمكنة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتى تذعر فتطير، ~~فأقول: ما هذا؟ وأعجب حتى جاءني جبرئيل فقال: إن الكافر يضرب ضربة ما خلق ~~الله شيئا إلا سمعها ويذعر لها إلا الثقلين»(1). # ويقول أهل المعرفة أن الإنسان أكثر الموجودات بعدا وحجابا عن الملكوت ما ~~دام هو منهمك بعالم الملك وشؤونه، لأن اشتغاله أكثر من الكل وأقوى، فيكون ~~احتجابه أكثر من الجميع، وحرمانه عن الوصول إلى عالم الملكوت أعظم. # وأيضا لأن كافة الموجودات ذات وجهة ملكوتية يكتسبون بها الحياة والعلم ~~والشؤون الحياتية (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) (2). وهذا ~~دليل آخر لتحقق العلم والحياة في الموجودات بأسرها. # وبعد أن علم أن لجميع الموجودات ms323 علما ومعرفة، وأنها ذات وجهة ملكوتية، ~~ولكن الإنسان بما أنه من جهة ليس في مرتبتها، بل أرفعها وأسماها وبما أنه ~~محجوب من جهة أخرى عن عالم الملكوت، لا يحصل له العلم بحياة الموجودات ~~وشؤونها، بعد هذا الكلام لا مانع من القول باستغفار كل ما في السماء والأرض ~~للإنسان السالك لطريق العلم، المتوجه إلى الحق المتعالي، الذي هو زبدة عالم ~~الوجود، وولي النعمة لعالم لعالم التحقق، وطلب الكائنات من مقام غفارية ~~الذات المقدس الحق جل وعلا، مع ألسنتهم المقالية، ولهجتهم الصريحة ~~الملكوتية، التي تسمعها الآذان الملكوتية الصاغية، أن يغرق في بحار غفرانه ~~هذا النتاج الكامل الملكي، الذي هو مفخرة الطبيعة، وأن يستر عيوبه جميعا. # كما أنه لا مانع من احتمال آخر وهو أن الكائنات الأخرى تعلم، بأن الوصول ~~إلى مقام فناء ذات الإنسان المقدس، والغرق في بحر الكمال، لا يتيسر إلا ~~بتبع ذات الإنسان المقدس الكامل العالم بالله، العارف للمعارف الإلهية، ~~الجامع للعلم والعمل كما هو مقرر في محله فمن هذه الجهة يسألون الحق ~~سبحانه، الكمال الإنساني، الذي يحصل بالغرق في بحر غفارية الحق، حتى ينالوا ~~بواسطته كمالاتهم اللائقة بهم والله العالم. # فصل: في بيان أن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر # وهي ليالي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر PageV01P227 إعلم أن حقيقة العلم والإيمان الذي يتقوم بالعلم، عبارة عن النور، وهذا ~~الموضوع مضافا إلى أنه مطابق مع البرهان والعرفان، موافق لنصوص وأخبار أهل ~~العصمة والطهارة عليهم السلام أيضا. لأن حقيقة النور التي هي عبارة عن ~~الظاهر والمكشوف بالذات، المظهر والكاشف للغير، ثابتة للعلم وصادقة عليه، ~~بل صدق هذه الحقيقة على العلم يكون حقيقيا، وعلى الأنوار الحسية، مجازيا، ~~لأن النور الحسي، لا ظهور ذاتي له في الحقيقة وإنه من تعينات مصاديق تلك ~~الحقيقة، وتكون لها الماهية، وأما حقيقة العلم، فهي عين الوجود ذاتا، وغيره ~~مفهوما، فهو في حاق الحقيقة، وعالم الخارج موافق للوجود ومتحد معه، وتكون ~~حقيقة الوجود عين النور، وعين العلم (الله نور السماوات والأرض) ms324 (1). ~~فالعلم عين النور. وقد عبر في الآيات الشريفة عن الإيمان والعلم بالنور ~~(ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (2). # وقد فسر (النور) حسب تفسير أهل بيت العصمة عليهم السلام في آية النور ~~المباركة بالعلم، فعن الصادق عليه السلام : «الله نور السموات والأرض» قال: # كذلك الله عز وجل مثل نوره قال: محمد صلى الله عليه وآله وسلم كمشكوة ~~قال: صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها مصباح قال فيه نور العلم يعني ~~النبوة المصباح في زجاجة قال: علم رسول الله صدر إلى قلب علي الحديث (3) # وعن الباقر عليه السلام أنه يقول: «أنا هادي السماوات والأرض، مثل العلم ~~الذي أعطيته وهو النور الذي يهتدى به مثل المشكوة فيها المصباح، فالمشكوة ~~قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمصباح نوره الذي فيه العلم» (4). # وفي رواية قال: «فالمؤمن ينقلب في خمسة من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، ~~وعلمه نور، وكلامه نور، ومصيره إلى الجنة يوم القيامة نور» (5). # وورد في الحديث المعروف: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء». (6). # ولهذا النور مراتب، حسب مراتب إيمان وعلم ذوي النور. # ولابد من معرفة أن هذا النور الحقيقي الموجود في قلوب أهل الإيمان ~~والعلم، لما كان من أنوار عالم الآخرة، ينير في عالم الآخرة حسب فعالية ~~النفس بالنور الحسي. وحيث أن هذا النور هو الذي ينير الصراط، يكون نور ~~طائفة مثل نور الشمس وأخرى مثل نور القمر حتى ينتهي الأمر إلى نور يضيء ~~أمام قدميه فقط. # وعندما علمنا بأن العلم نور وظهور، حقيقة من دون شائبة مجاز، لابد وأن ~~نعرف بأننا نحن المساكين الذين ما دمنا نعيش في حجب ظلمات الطبيعة، وفي ~~الليل المظلم من عالم الملك، نكون محجوبين عن العلم: الشمس الحقيقية، ~~والنور المتزايد للعلم والوعي، ونتصور بأن هذه الكلمات مبتنية على المثال ~~والمجاز والاستعارة والتخمين والتعبير. # نعم، لما كنا في سبات في هذه الحياة المستعارة، وكان سكر الطبيعة يداعب ~~رأسنا ولم نفرق بين الحقيقة والمجاز، يترائى أمام رؤيتنا المجازية النور ~~المجازي ms325 لأنه في الحقيقة تترائى في عالم المجاز، الحقيقة، مجازا. «الناس ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا». PageV01P228 # وعندما نفتح أعيننا، نرى العالم نيرا بمثل ما نرى الشمس والقمر نيرين، ~~فبنوره في هذا العالم، تضاء القلوب المظلمة، وتحيي أموات الجهل، وفي ذلك ~~العالم أيضا نوره يحيط ويشفع، من خلال إحاطته النورية، المقتبسين من مشكاة ~~علمه والمرتبطين بساحة قدسه. # ولابد وأن نعرف بأن العبادة لا تتحقق من دون علم أيضا، ومن هنا يكون ~~للعابد نور مخصوص به، بل إن نفس الإيمان وعبادة الحق المتعالي من سنخ النور ~~ولكن نور العابد، يضيء لنفسه، وينير تحت أقدامه، ولا ينير للآخرين ولهذا ~~يكون مثلهم مثل النجوم ليلة البدر، حيث تختفي أنوارها أمام نور القمر ليلة ~~البدر، وإنما تضيء لنفسها من دون أن تنفع الآخرين وتسطع لهم. فمثل العابد ~~أمام العالم، لا يكون مثل النجمة في الليل المظلم حتى ينير قدرا من المساحة ~~المحيطة بالنجمة وإنما يضيء بمثل إضاءة النجمة ليلة البدر حيث تكون ظاهرة ~~وغير مظهرة لشيء آخر. # قال صدر المتألهين قدس سره (أن المقصود من العالم في هذا الحديث الشريف ~~غير العالم الرباني ممن يكون علمه لدنيا وحاصلا بواسطة الموهبة الإلهية كما ~~هو شأن علم الأنبياء والأولياء عليهم السلام، ويدل على ما ندعيه تمثيله ~~بالقمر إذ لو كان المقصود من العلم، اللدني منه، لكان من الجدير به أن يمثل ~~بالشمس لأن نورها بإفاضة من الحق المتعال من دون واسطة شيء آخر من نوعه أو ~~جنسه) انتهى كلامه رفع مقامه. # فصل: في بيان أن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام # هذه الوراثة روحانية، وولادة العلماء من الأنبياء ولادة ملكوتية، ~~والإنسان كما يكون حسب نشأته الملكية والجسمية، وليد الملك والطبيعة فبعد ~~تربية الأنبياء # للإنسان، وحصول مقام القلب له، تكون له ولادة ملكوتية. وكما أن منشأ تلك ~~الولادة المادية، الأب الجسماني، يكون منشأ هذه الولادة الأنبياء عليهم ~~السلام، فيكونوا الآباء الروحانيين، وتكون الوراثة، وراثة روحانية باطنية، ~~والولادة ولادة ثانوية ملكوتية. وتكون التربية والتعليم بعد الأنبياء من ~~شؤون العلماء، الورثة الحقيقيين للأنبياء. ms326 إن الأنبياء عليهم السلام حسب ~~هذا المقام الروحاني لا يملكون درهما ولا دينارا ولا يلتفتون إلى عالم ~~الملك والشؤون الملكية فتركتهم حسب هذا المقام الروحاني، لا يكون شيئا آخر ~~عدا العلم والمعارف وإن كان حسب ولادتهم الأنبياء الملكية والشؤون ~~الدنيوية يحتوون على كل الحيثيات البشرية (قل إنما أنا بشر مثلكم) (1). ~~وورثتهم حسب هذا المقام الحيثيات البشرية لا يكونون العلماء، بل أولادهم ~~الجسمانيون الذين يرثون حسب هذا المقام الدرهم والدينار. # وهذه الرواية الشريفة ظاهرة بل صريحة على الوراثة الروحانية كما ذكرناها. ~~ويكون مقصود الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث المنسوب إليه ~~(نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (2). على فرض صحة صدوره عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ما يرتبط بشأن النبوة والوراثة الروحانية حيث لا يورثون مالا ~~ولا منالا، بل يورثون العلم. كما هو واضح. والسلام. PageV01P229 ### | AUTO الحديث السابع والعشرون: حضور القلب # بالسند المتصل إلى الشيخ الأجل والثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني ~~رضوان الله عليه عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ~~عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله قال: «في التوراة مكتوب يا بن آدم تفرغ ~~لعبادتي أملأ قلبك غنى، ولا أكلك إلى طلبك، وعلي أن أسد فاقتك وأملأ قلبك ~~خوفا مني. وإن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لا أسد فاقتك ~~وأكلك إلى طلبك» (1). # الشرح: # (تفرغ لكذا) على وزن تفعل بمعنى أنفق وقته جميعا ولم يبق شيء حتى ينشغل ~~بشيء آخر. وتفرغ القلب للعباده، معناه إخلاؤه من الانتباه لأي شيء آخر حتى ~~ينشغل بالعبادة خاصة. # وملأ الإناء ماء ومن الماء وبالماء: وضع فيه بقدر ما يأخذه. وأكل صيغة ~~متكلم من يكل وكل إليه الأمر أي سلمه وفوضه وتركه إليه واكتفى به. أسد صيغة ~~متكلم أيضا من سد يسد سدا ومن باب نصر نقيض الفتح. الفاقة أي الحاجة ~~والفقر. واملأ قلبك خوفا مني، الظاهر أنه أملأ صيغة متكلم لوحده. ويستبعد ~~أن تكون صيغة أمر معطوفة على أول الكلام. ونحن سنذكر ms327 ما يتناسب من الشرح ~~والبيان حول هذا الحديث الشريف من فصول ان شاء الله. # فصل: كيفية حصول التفرغ للعبادة # اعلم أن التفرغ للعبادة يحصل من تكريس الوقت والقلب بها. وهذا من الأمور ~~المهمة في باب العبادات. فإن حضور القلب من دون تفريغه وتكريس الوقت له غير ~~ميسور، والعبادة من دون حضور القلب، غير مجدية. وما يبعث على حضور القلب، ~~أمران: أحدهما: تفريغ القلب والوقت للعبادة. ثانيهما: إفهام القلب أهمية ~~العبادة. والمقصود من تفريغ الوقت هو أن الإنسان يخصص في كل # يوم وليلة وقتا للعبادة ويوطن نفسه على العبادة في ذلك الوقت، رافضا ~~الانشغال في ذلك الوقت بأي عمل آخر. # إن الإنسان إذا اقتنع بأن العبادة من الأمور الهامة، وأنها أكثر أهميه ~~بالنسبة إلى الأمور الأخرى، بل لا مجال للمقارنة بين العبادة والأمور ~~الثانية الأخرى، لحافظ على أوقات العبادة وخصص لها وقتا. # ونحن بعد هذه اللمحة الخاطفة من أهمية العبادة، نشرح نبذة من أهميتها. ~~وعلى أي حال لابد للإنسان المتعبد، أن يوظف وقتا للعبادة. وان يحافظ على ~~أوقات الصلاة التي هم أهم العبادات وأن يؤديها في وقت الفضيلة، ولا يختار ~~لنفسه في تلك الأوقات عملا آخر. وكما أنه يخصص وقتا لكسب المال والجاه ~~والدراسة والبحث، كذلك لابد أيضا من تخصيص وقت للعبادات، حتى يكون خاليا من ~~أي عمل آخر، ويتيسر له حضور القلب الذي هو بمثابة اللب والجوهر. ولكن إذا ~~فرضنا بأن شخصا مثلي تكلف من أداء صلاته، ورأى بأن العبادة من الأمور ~~الزائدة، لأجل صلاته إلى آخر الوقت، ولآتى بها بكل فتور ونقص، لما يرى حين ~~التهيؤ لأداء الصلاة، أن هناك أمورا أخرى في نظره أهم منها، وأنها تتزاحم ~~مع هذه الأمور الهامة، فيفضل غير الصلاة عليها. ومن المعلوم أن مثل هذه ~~العبادة لا نورانية لها، بل تكون مثار سخط الهي، وأنه مستخف بالصلاة ~~ومتهاون في أمرها. أعوذ بالله من الإستخفاف بالصلاة وعدم الاكتراث بها. # وإن هذا الكتاب، لا يسع عرض الأخبار المأثورة في المستخفين بالصلاة. ~~ولكننا سنذكر بعضها للاتعاظ ms328 والاعتبار: PageV01P230 # عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا تتهاون بصلاتك ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته، ~~ليس مني من شرب مسكرا، لا يرد علي الحوض لا والله» (1). # وبإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو الحسن الأول عليه السلام: «لما حضرت ~~أبي الوفاة قال لي: يا بني لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة» (2). # والأخبار كثيرة في المقام، ويكفي هذان الحديثان لمن يريد أن يعتبر ويتعظ. ~~ويعلم الله وحده حجم المصيبة العظمى الناشئة من الانقطاع عن الرسول الأكرم ~~صلى الله عليه وآله وسلم، والخروج من تحت ظل حمايته كما ورد في الحديثين ~~الشريفين ! كما أن الله يعلم مستوى الخذلان، عندما يمنى الإنسان بالحرمان ~~من شفاعة رسول الله وأهل بيته العظام ! # لا تظن بأن أحدا يرى رحمة الحق سبحانه، ووجه الجنة، من دون شفاعة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته ورعايته ! والآن أنتبه إلى أن تقديم ~~أي عمل بسيط، بل المصلحة الموهومة على الصلاة التي هي قرة عين الرسول صلى ~~الله عليه وآلة وسلم، والوسيلة الرفيعة لنزول رحمة الحق، وأن إهمالها ~~وتأخيرها إلى نهاية وقتها من دون مسوغ، وعدم المحافظة على حدودها، أليست ~~هذه الأمور من التهاون والاستخفاف بالصلاة؟ فإن كان هذا من التهاون في ~~الصلاة، فاعلم، حسب شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهادة الأئمة ~~الأطهار عليهم السلام، أنك قد خرجت عن ولايتهم، ولا تنالك شفاعتهم. # إنتبه، إذا أردت شفاعتهم، ورغبت في أن تكون من أمة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، اهتم بهذه الوديعة الإلهية، وعظم من أمرها، وإلا فأنت ~~تواجه العقاب والعاقبة السيئة. إن الله تعالى وأولياءه في غنى عن أعمالي ~~وأعمالك، فيخشى أنك إذا لم تهتم بها، أدى إلى تركها وينتهي الأمر إلى ~~جحودها فتصير من الأشقياء المؤبدين والهالكين الدائمين. # والأهم من تفريغ الوقت، تفريغ القلب، بل إن تفريغ الوقت، مقدمة لتفريغ ~~القلب أيضا، وذلك أن الإنسان لدى اشتغاله بالعبادة، ms329 يجرد نفسه من هموم ~~الدنيا وأعمالها، وينقذ قلبه من الأوهام المتشتتة، والأمور المختلفة، ويفرغ ~~فؤاده نهائيا، ويخلصه مرة واحدة للتوجه إلى العبادة والمناجاة مع الحق ~~المتعالي. ولو لم يفرغ القلب من هذه الأمور، لما حصل لقلبه ولعبادته ~~التفرغ. ولكن شقائنا في أننا نترك كل أفكارنا المتشتتة، وأوهامنا المختلفة ~~إلى وقت العبادة، وعندما نكبر تكبيرة إحرام الصلاة، فكأننا فتحنا باب ~~المتجر، أو دفتر الحساب، أو كتاب الدرس، ونرسل قلبنا للانصراف إلى أمور ~~أخرى، ونغفل كليا عن العمل العبادي، وعندما # ننتبه للعبادة نجد أنفسنا في نهاية الصلاة !. # وفي الحقيقة إنه لمن الفضيحة أمر هذه العبادة، ومما يبعث على الخجل أمر ~~هذه المناجاة. # عزيزي: اجعل مناجاتك مع الحق سبحانه بمثابة التحدث مع إنسان بسيط من ~~هؤلاء الناس؛ فكيف انك إذا تكلمت مع صديق، بل مع شخص غريب انصرف قلبك عن ~~غيره، وتوجهت بكل وجودك نحوه، أثناء التكلم معه، فلماذا إذا تكلمت وناجيت ~~ولي النعم، ورب العالمين، غفلت عنه وانصرفت إلى غيره؟ هل إن العباد يقدرون ~~أكثر من الذات المقدس للحق؟ أو أن التكلم مع العباد أغلى من المناجاة مع ~~قاضي الحاجات؟ PageV01P231 # نعم أنا وأنت، لا نعرف ما هي المناجاة مع الحق سبحانه؟ إننا نرى التكاليف ~~الإلهية كلفة، وفرضا علينا، ومن الواضح أنه متى ما أصبح شيء ما حملا ثقيلا ~~على الإنسان وعلى شؤون حياته، لما أعتبر عنده ذلك الشيء ذا بال وأهميه. إنه ~~لا بد من إصلاح الينبوع، والعثور على الإيمان بالله، وبكلمات أنبيائه حتى ~~يتم إصلاح الأمور. ان كل تعاستنا من ضعف الإيمان ووهن اليقين. إن إيمان ~~السيد ابن طاووس رضي الله عنه، يدفعه للاحتفال بيوم بلوغه، لأن الحق ~~المتعال قد رخص له بالمناجاة، وزينه بزينة التكليف والخطاب. فلاحظ بكل دقه ~~أي قلب هذا الذي يحمل هذا القدر الكبير من النور والصفاء. إذا لم يكن عمل ~~هذا السيد الجليل حجة لك، فعمل سيد الموحدين وأولاده المعصومين حجة عليك، ~~فتأمل في حياتهم وكيفية عباداتهم ومناجاتهم، حيث كان لون وجه بعضهم يتغير ~~لدى حلول ms330 وقت الصلاة، وتضطرب فرائصه خشية أن يخطأ في الواجب الإلهي، رغم ~~أنهم كانوا معصومين. # اشتهر عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن سهما قد أصاب قدمه ~~المبارك، فلم يستطع أن يتحمل ألم انتزاعه من رجله، فقام وصلى وفي أثناء ~~اشتغاله بالصلاة، انتزع السهم ولم ينتبه أصلا. # عزيزي: إن هذا الموضوع عدم إدراك الألم حين التوجه إلى شيء ليس من ~~الأمور الممتنعة، فإن له أمثلة كثيرة في الأمور العادية من حياة الناس. إن # الإنسان عند هيجان الغضب أو المحبة، يغفل عن كل شيء. قال أحد أصدقائنا ~~الموثوقين (عندما اصطدمت مع جمع من الأوباش في مدينة أصفهان، تصورت في ~~أثناء المعركة وضربهم لي بأنهم يضربونني بأيديهم ولم أفهم أكثر من ذلك، ~~وبعد أن وضعت المعركة أوزارها، علمت بأنهم قد طعنوني بالسكين طعنات، ~~وطرحوني في فراش المرض لأيام) ووجه ذلك معلوم أيضا، فإن النفس عندما تلتفت ~~بصورة تامة إلى شيء تغفل عن ملك البدن، وتتوقف القوى الحسيه عن العمل ~~وتتحول الهموم إلى هم واحد. إننا نشعر بأنفسنا حين السجال في الكلام ~~والجدال في البحث نعوذ بالله بالغفلة عما يحدث في المجلس. ومع الأسف إننا ~~نتوجه نحو كل شيء توجها تاما، الا نحو عبادة الله، ولهذا نستبعد مثل هذا ~~التوجه الكامل في العبادة نحو الله سبحانه. # وعلى أي حال إن تفريغ القلب من غير الحق يعد من الأمور المهمة، التي يجب ~~على الإنسان أن يحققها مهما كلف الثمن، والسبيل إلى تحصيله ميسور وسهل ، ~~فمع قدر قليل من الانتباه والمراقبة نستطيع أن ننجزه ونحققه. # يجب على الإنسان الذي يريد السلوك إلى الله من إمساك الخيال فترة من ~~الزمان، وإلجامه عندما يريد أن يتحول من غصن إلى غصن آخر ويتشتت وبعد مضي ~~فترة من المراقبة، يدجن الخيال ويهدأ وتزول عنه حالة التشتت ويصير الخير من ~~عادته والخير عادة فينصرف فارغ البال إلى التوجه نحو الحق والعبادة. # والأهم من كل ذلك والذي يجب أن نجعل الأمور الأخرى مقدمة له، هو حضور ~~القلب الذي هو روح ms331 العبادة، والذي ترتبط به حقيقة العبادة، ومن دونه لا ~~يكون له أهمية، ولا تقع مقبولة في ساحة المتعالي، كما ورد في الروايات ~~الشريفة: # في الكافي: بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: ~~«إنما لك من صلاتك ما أقبلت عليه منها، فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها ~~لفت فضرب بها وجه صاحبها» (1). PageV01P232 # وروى الشيخ الأقدم محمد بن الحسن رضوان الله عليه في التهذيب باسناده عن ~~الثمالي قال: «رأيت علي بن الحسين عليهما السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه ~~فلم يسوه حتى فرغ من صلاته. قال: فسألته عن ذلك، فقال: ويحك أتدري بين يدي ~~من كنت؟ إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل عليه منها. فقلت: جعلت فداك ~~هلكنا. قال: كلا، إن الله متمم ذلك للمؤمنين بالنوافل» (1). # وعن الخصال: بإسناده عن علي عليه السلام في حديث الأربعمائة قال: «لا ~~يقومن أحدكم في الصلاة متكاسلا ولا ناعسا، ولا يفكرن في نفسه فإنه بين يدي ~~ربه عز وجل، وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه» (2). # والأخبار في هذا المضمار كثيرة. وهكذا بالنسبة إلى فضيلة توجه القلب. ~~ونحن نذكر بعضها في المقام ونكتفي به، فإنه كاف لمن أراد أن يعتبر ويتعظ. # عن محمد بن علي بن الحسين صدوق الطائفة بإسناده عن عبدالله بن أبي يعفور ~~قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «يا عبد الله إذا صليت فصل صلاة مودع ~~يخاف أن لا يعود إليها أبدا، ثم اصرف ببصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم من عن ~~يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك، واعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه» (3). # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال: «لأحب للرجل ~~المؤمن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى الله ولا يشغل قلبه ~~بأمر الدنيا، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى الله تعالى إلا أقبل ~~الله إليه بوجهه وأقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبة بعد حب الله إياه» (4). # انتبه ما أعظم هذا ms332 الخبر الباعث على الفرح والسرور، الذي يخبر به الصادق ~~من آل محمد عليهم السلام المؤمنين، ومع الأسف إننا نحن المساكين المحجوبين ~~عن المعرفة، المحرومين من التوجه إلى الحق المتعالي، لا نعرف شيئا عن صداقة ~~ذاته المقدس لنا وإقباله علينا ونقيس الصداقة مع الحق على الصداقة مع ~~العباد. إن أهل المعرفة يقولون بأن الحق المتعالي يرفع الحجب لمحبوبه، ~~ويعلم الله ما في هذا الرفع للحجب من الكرامات ! إنه غاية آمال الأولياء، ~~وأقصى أمنياتهم هو رفع هذه الحجب. # إن أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين يسألون الله سبحانه في ~~المناجاة الشعبانية قائلين: # «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، ~~حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا ~~معلقة بعز قدسك» (5). # إلهي أية بصيرة هذه البصيرة القلبية النورانية التي سألها أولياؤك، ورجوك ~~أن يصلوا إليك بها؟ PageV01P233 # إلهي ما هذه الحجب النورانية التي يتداول ذكرها على ألسنة أئمتنا المعصومين ~~عليهم السلام؟. إلهي ما هو معدن العظمة والجلال وعز القدس والكمال، الذي ~~يكون منتهى طلب هؤلاء الكبار، ونحن منه محرومون حتى عن استيعابه العلمي ~~فكيف بتذوقه وشهوده؟ إلهي نحن عبادك المسودة وجوههم والمظلمة أيامهم، لا ~~نعرف شيئا عدا طعامنا وشرابنا وراحتنا وبغضنا وشهوتنا، ولا نفكر يوما في ~~معرفة هذه الأمور، فانظر إلينا بلطفك، وأيقظنا من سباتنا وأزل عنا هذا ~~السكر الذي قد غشينا. # وعلى أية حال يكفي لأهل المعرفة هذا الحديث الواحد، حتى ينفقوا جل عمرهم، ~~لتحصيل الحب الإلهي، ويتمتعوا بالإقبال على الله. ولكن أمثال الذين لا ~~يكونون جياد هذه الساحة وفرسان هذا الميدان نتشبث بأحاديث أخرى: # عن ثواب الأعمال: بإسناده عمن سمع أبا عبدالله عليه السلام يقول: «من صلى ~~ركعتين يعلم ما يقول فيهما، انصرف وليس بينه وبين الله ذنب إلا غفر له» ~~(1). وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ركعتان خفيفتان في تفكر ~~خير من قيام ليلة» (2). # فصل: مراتب حضور القلب # بعد أن علمت أن حضور القلب في العبادات، جوهر العبادة وروحها، ms333 وأن ~~نورانية العبادة مع مراتب كمالها، مرتبطتان بحضور القلب ومراتبه، لابد من ~~معرفة مراتب حضور القلب وهي أن بعضها تختص بأولياء الحق سبحانه، وتكون أيدي ~~الآخرين قاصرة عن الوصول إلى قمتها. وبعضها متيسره الحصول والتحقق لكافة ~~الناس أيضا. # ولابد من معرفة أن حضور القلب، ينقسم بصورة عامة إلى قسمين مهمين: # أحدهما: حضور القلب في العبادة. والآخر حضور القلب في المعبود وقبل شرح ~~هذا الموضوع، لابد من ذكر مقدمة هي: # يقول أهل المعرفة العرفاء إن العبادات بأسرها، ثناء للمعبود ولكن كل ~~منها ثناء للحق سبحانه، بواسطة نعت من النعوت أو اسم من الأسماء إلا الصلاة ~~فإنها ثناء للحق مع جميع الأسماء والصفات. وقد تقدم منا الكلام لدى شرح بعض ~~الأحاديث وقلنا بأن ثناء المعبود من الفطرة التي جبل عليها جميع الناس، ~~والتي تقضي بلزوم الثناء على المعبود، والخضوع للكامل المطلق والجميل ~~المطلق والمنعم المطلق والعظيم المطلق. وحيث أن أحدا لا يستطيع أن يكتشف ~~كيفية ثناء الذات الأحدى المقدس، لأنه قائم على معرفة الذات والصفات، ~~وكيفية ارتباط عالم الغيب بعالم الشهادة، وعالم الشهادة بعالم الغيب، وأن ~~هذه المعرفة غير متيسرة لكل أحد إلا عن طريق الوحي والهام الإلهي ولهذا كان ~~العبادات بشكل عام توقيفيه، وبيد الحق سبحانه، ولا يحق لأحد أن يشرع من ~~عنده، ويبدع عبادة كما لا اعتبار لأساليب التواضع والاحترام المعهودة عند ~~الناس أمام الكبار والسلاطين، أمام عظمة ساحة قدس رب العالمين. فلا بد ~~للإنسان أن يفتح سمعه وعينه ويتلقى كيفية العبادة والعبودية من الوحي ~~والرسالة، من دون أن يتصرف هو بنفسه. # فبعد أن علمنا بأن العبادة هي الثناء على المعبود، إعلم بأن حضور القلب ~~كما أشير إليه ينقسم إلى قسمين مهمين: # أحدهما حضور القلب في العبادة، والآخر حضور القلب في المعبود. # أما حضور القلب في العبادة، فله أيضا مراتب، وعمدتها مرتبتان: PageV01P234 # إحداهما: حضور القلب في العبادة إجمالا: وهو أن الإنسان لدى إنجازه لعبادة ~~مهما كانت هذه العبادة من الطهارة مثل الوضوء والغسل أو من قبيل الصلاة ~~والصيام والحج وغيرها ms334 من الأمور العبادية يعرف إجمالا بأنه يثني على ~~المعبود، رغم عدم معرفته أي ثناء يثني أو أي اسم من أسماء الحق يدعو. # لقد كان شيخنا العارف الكامل الشاه أبادي روحي فداه يضرب مثالا على حضور ~~القلب في العبادة على سبيل الأجمال، بأن شخصا ينظم قصيدة في مدح أحد ثم ~~يعطيها لطفل لا يستوعب معناها أبدا، لكي يلقيها أمام ذلك الممدوح، ثم يفهم ~~الطفل بأن هذه القصيدة قد نظمت في مدح ذلك. فعندما يقرأ الطفل هذه القصيدة، ~~يعلم إجمالا بأنه يثني على الممدوح رغم جهله لكيفية ثنائه عليه. ونحن الذين ~~أيضا بمثابة الأطفال نمدح الحق، من دون أن نعرف ما هي أسرار هذه العبادات؟ ~~وما هي الأسماء التي ترتبط بها هذه العبادات؟ وكيف تكون هذه العبادات ثناءا ~~للحق جل وعلا؟ ولكن لابد وأن نعرف إجمالا بأن كل واحد من هذه العبادات، ~~ثناء على الكامل المطلق والمعبود المطلق والممدوح المطلق، على الشكل الذي ~~أثنى هو بنفسه على نفسه، وأمرنا أن نثني أمام ساحته المقدسة بنفس هذه ~~الكيفية. # والآخر من مراتب حضور القلب، هو حضور القلب في العبادة بصوره تفصيلية. ~~ولا تتيسر لأحد المرتبة الكاملة منها إلا للخلص من أوليائه، ولأهل المعرفة، ~~ولكن بعض المراتب الدانية منها متيسرة الحصول للآخرين، حيث تكون المرتبة ~~الأولى منها هي الإلتفات إلى معاني الألفاظ في مثل الصلاة والدعاء. وقد ~~أشير إلى هذه المرتبة في رواية مأثورة عن (ثواب الأعمال) سابقا. (في صفحة ~~392 من هذا الكتاب). # والمرتبة الأخرى أن يعرف حسب الإمكان أسرار العبادة، ويعلم كيفية ثناء ~~المعبود في كل من الأوضاع والأحوال. # إن أهل المعرفة قد بينوا شيئا قليلا من أسرار الصلاة والعبادات الأخرى، ~~واستفادوا حسب الإمكان من أخبار المعصومين عليهم السلام، وإن كان فهم ~~الحقيقة بأسرها غير متيسر إلا للقليل من الناس، وما تيسر فهمه، فهو غنيمة لأهله. # وأما حضور القلب في المعبود: فله مراتب أيضا وعمدتها مراتب ثلاثة: # إحداها حضور القلب في تجليات الأفعال. ثانيها حضور القلب في تجليات ~~الأسماء والصفات وثالثها حضور القلب ms335 في تجليات الذات. ولكل واحدة من هذه ~~المراتب الثلاث بصورة كلية أربع مراتب: # المرتبة العلمية، المرتبة الإيمانه، المرتبه الشهوديه، المرتبة الفنائية. ~~والمقصود من حضور القلب في تجليات الأفعال العلمية، هو أن الشخص العابد ~~السالك يدرك عن يقين وبرهان بأن مراتب الوجود كافة، ومشاهد الغيب والشهود ~~بأسرها، قبس من فيوضات تجلي الذات الأقدس، وأن من أدنى مرتبة في عالم ~~الطبيعة إلى مبدأ الملكوت الأعلى والجبروت الأعظم، حاضر عند ساحة قدسه، ~~بحضور واحد، وأن الجميع شعاع مظهر مشيئته كما ورد في الحدث الشريف المنقول ~~عن الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام: «خلق الله المشية بنفسها ثم خلق ~~الأشياء بالمشية» (1). فالمشية تكون بنفسها مظهرا للذات، وسائر المجودات ~~مخلوقه بها. ونحن لسنا بصدد الاستدلال على هذا المعنى الشريف. فإذا علم ~~العابد هذا المعنى عن علم ودليل، فهم بأنه هو وعبادته وعلمه وإرادته وقلبه ~~وحركات قلبه وظاهره وباطنه والجميع حاضرون في ساحة قدسه بل الكل عين ~~الحضور. PageV01P235 # وإذا سجل مع قلم العقل هذا المعنى الثاني بالدليل، على لوح القلب، واعتقد ~~عبر الترويض العلمي والعملي، بهذه القضية اليقينية الإيمانية، لبلغ حضور ~~القلب مرتبة تجلي الإيمان. وبعد حصول الكمال لهذا الإيمان والمجاهدة ~~والترويض والتقوى الكاملة للقلب، تشمله الهداية الإلهية، ويحصل في قلبه ~~قدرا من تجليات الأفعال بالعيان والشهود، ثم يتكامل حتى يصبح القلب كليا ~~مرآة للتجليات، ويحصل للسالك الصعق والفناء. وهذه هي المرتبة الأخيرة ~~للحضور، التي تنتهي إلي فناء الحاضر في تجليات الأفعال. وكثير من أهل ~~السلوك يبقون في هذا الصعق إلى الأبد ولا يصحون. # وإذا كان قلب السالك مؤهلا لأكثر من ذلك من جراء إشعاع الفيض الأقدس في ~~عالم الأزل، يصحو السالك من الصعقة، ويحصل له الإنس ويعود إلى عالمه ويكون ~~موردا لتجليات الأسماء، ويطوي تلك المراتب الأربعة، ويصل إلى مرحلة الفناء ~~في الصفات، وبمناسبة عينه الثابتة يفنى في اسم من الأسماء الإلهية. وإن ~~كثيرا من أهل السلوك يبقون في هذا الفناء الأسمائي ولا يصحون. ولعل الكلمة ~~القائلة «إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري» ms336 (1). إشارة إلى هؤلاء ~~الأولياء. # وإذا كان هناك استعداد أكثر من جراء تجلي الفيض الأقدس في عالم الأزل، ~~يحصل للسالك بعد الصعقة والفناء، الأنس أيضا ويصحو، ويصير محلا للتجليات ~~الذاتية ويطوي المراحل الأربعة حتى مرتبة الفناء الذاتي، والصعق الكلي ~~فينتهي السير إلى الله ويحصل الفناء التام. # قال بعض أن الآية الكريمة (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) (2). تشير إلى هذه الطائفة من أولياء ~~الله والسالكين إليه وأجرهم لا يكون الا على الذات المقدس تبارك وتعالى. # وقد يتفق أن يفيق السالك من فناءه فينهض حسب استعداده، وقدر إحاطة عينه ~~الثابتة، لهداية الناس (ياأيها المدثر، قم فأنذر) (3). وإن كانت عينه ~~الثابتة تابعة للاسم الأعظم، لاختتمت به دائرة النبوة كما اختتمت بالنبي ~~المعظم الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يوجد شخص أخر من الأولين ~~والآخرين ومن الأنبياء والمرسلين، كانت عينه الثابتة، تابعة للاسم الأعظم ~~وكان ظهور ذاته بجميع الشؤون ولهذا حصل له صلى الله عليه وآله وسلم ظهور ~~بجميع الشؤون وحصلت الغاية من الظهور في الهداية، وتم الكشف الكلي، واختتمت ~~النبوة بوجوده المقدس. # وإذا فرضا أن شخصا من أولياء الله تبعا لذات النبي المقدس وهدايته ~~سبحانه، بلغ نفس المقام المقدس، لكان كشفه عين النبي، إذ لا يجوز التكرار ~~في التشريع. فإذن انتهت دائرة النبوة في وجوده المقدس. صلى الله عليه وآله ~~وسلم ووضع اللبنة الأخيره في دائرة النبوة، كما ورد في الحديث. # ولابد من معرفة أن العبادات والكيفيات المعنوية لها، تختلف كثيرا من شخص ~~لآخر من أصحاب المقامات المذكورة وتتفاوت، حيث يكون لكل منهم حظ ونصيب من ~~المناجات مع الحق المتعالي، مالا يكون لغيره الذي لم يبلغ ذلك المقام. ومن ~~الواضح أن ما حصل للأمام الصادق عليه السلام لدى العبادة لا يمكن أن يحصل ~~للآخرين. PageV01P236 # لقد نقل عن كتاب (فلاح السائل) للسيد ابن طاووس قدس الله سره أنه قال: ~~«فقد روي أن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام كان يتلو القرآن في ms337 ~~صلاته فغشي عليه، فلما أفاق سئل: ما الذي أوجب ما انتهت حالك إليه؟ فقال ما ~~معناه: ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ممن ~~أنزلها على المكاشفة والعيان، فلم تقم القوة البشرية بمكاشفة الجلالة ~~الإلهية» (1). # والحالة التي كانت تحصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم تحصل ~~لأحد من الكائنات كما ورد في الحديث المشهور (لي مع الله حال لا يسعه ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل) (2). وعليه أترك هذا الموضوع الذي لا حظ لي فيه إلا ~~الألفاظ، وأشير إلى أن المهم لأمثالنا المحرومين من مقامات الأولياء، أن لا ~~نجحد هذه المقامات بل نسلم بها فإن في التسليم لأمر الأولياء فوائد كثيرة ~~وفي الإنكار والعياذ بالله مفاسد. اللهم إني مسلم لأمرهم صلوات الله عليهم ~~أجمعين . # فصل: بيان بعض أسرار العبادة وتجسيم الأعمال # إعلم أنه لا يتم حضور القلب في العبادات، إلا بعد تفهيم القلب لأهمية ~~العبادات، وهو لا يتيسر إلا عند استيعاب أسرارها وحقائقها. ومن الواضح أن ~~ذلك لا يحصل لنا، ولكنني أذكر منها بالمقدار الذي يتناسب مع فهم أمثالي ~~مستفيدا من أخبار أهل بيت العصمة عليهم السلام، ومن كلمات أهل المعرفة، ~~بالمقدار الذي ينسجم مع حجم هذا الكتاب. # إعلم كما أشرنا مرات أن لكل من الأعمال الحسنة والأفعال العبادية صورة ~~باطنية ملكوتية، وأثر في قلب العابد، أما الصورة الباطنية فهي التي تعمر ~~العوالم البرزخية والجنة الجسمانية، لأن أرض الجنة قاع خالية من كل شيء كما ~~ورد في الحديث، وأن الأذكار والأعمال مواد إنشاء وبناء لها. كما ورد في ~~الحديث أيضا. وإن الآيات الكثيرة من الكتاب الشريف الإلهي، تدل على تجسم ~~الأعمال مثل قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره) (3). ومثل قوله تعالى: (ووجدوا ما عملوا حاضرا) (4). # والأخبار الدالة على تجسم الأعمال والصور الغيبية الملكوتية مذكورة في ~~أبواب مختلفة. ونحن نكتفي بذكر بعضها: # روى الصدوق قدس سره بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من صلى ~~الصلوات ms338 المفروضات في أول وقتها وأقام حدودها، رفعها الملك إلى السماء ~~بيضاء نقيه تقول: حفظك الله كما حفظتني، استودعني ملك كريم. ومن صلاها بعد ~~وقتها من غير علة ولم يقم حدودها، رفعها الملك سوداء مظلمة وهي تهتف به ~~ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني ولا رعاك الله كما لم ترعني» (5). PageV01P237 # ويستفاد من هذا الحديث الشريف مضافا إلى تحقق الصورة الملكوتية للعمل، حياة ~~الصورة الملكوتية وشؤونها الحياتية أيضا، وهذا ضرب من البرهان على تجسم ~~الأعمال. والأخبار تدل على أن لجميع الموجودات حياة ملكوتية، وأن عالم ~~الملكوت كله حياة وعلم. (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) (1). # وفي الكافي بإسناده عن أبى عبد الله في حديث طويل: «إذا بعث الله المؤمن ~~من قبره خرج معه مثال يقدم أمامه، كلما يرى المؤمن هولا من أهوال يوم ~~القيامة قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله ~~عز وجل، حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيحاسبه حسابا يسيرا ويأمر به إلى ~~الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: يرحمك الله نعم الخارج، خرجت معي من ~~قبري وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله حتى رأيت ذلك، فيقول: من ~~أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني ~~الله عز وجل منه لأبشرك» (2). # وفي هذا الحديث الشريف أيضا دلالة واضحة على تجسم الأعمال في نشأة ~~الآخرة. كما ذكر الشيخ الأجل بهاء الدين قدس سره أيضا إثر ذكره لهذا ~~الحديث: (وقد ورد في بعض الأخبار تجسم الاعتقادات أيضا فالأعمال الصالحة ~~والاعتقادات الصحيحة تظهر صورا نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور ~~والابتهاج، والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صورا ظلمانية مستقبحة ~~توجب غاية الحزن والتألم كما قاله جماعة من المفسرين في قوله تعالى: (يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا) ويرشد إليه قوله تعالى: (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). ms339 ومن ~~جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير يره إلى العمل فقد بعد عن ~~الحق) (3). انتهى كلامه رفع مقامه الشريف. # وفي هذا المقام كلام غريب صدر من بعض المحدثين الأجلاء والأولى عدم ذكره، ~~وهو ينبع من توهم المنافاة بين القول بتجسم الأعمال، والقول بالمعاد ~~الجسماني مع أن هذا الكلام تجسم الأعمال يؤكد المعاد الجسماني وكلمة تمثل ~~في هذا الحديث الشريف تعطي نفس المعنى التمثل المذكور في قوله تعالى: # (فتمثل لها بشرا سويا) (4). والذي هو التمثل بالصورة الجسمانية حقيقة، ~~وليس بمعنى الوهم والخيال والرؤيا في المنام. وليس من المستحسن صرف أمثال ~~هذه الآيات والروايات عن ظاهرها لأجل عدم انسجام مضمونها مع عقولنا، رغم ~~مطابقتها للبرهان القاطع المذكور في محله، وموافقته لمذهب الحكماء ~~والفلاسفة. فإن من أفضل الأمور التسليم أمام ساحة قدس الحق المتعالي ~~والأولياء المعصومين والإذعان إلى الآيات الشريفة والروايات المباركة. PageV01P238 # فعلم أن كل عمل مقبول لدى ساحة قدس الحق المتعالي صورة بهية حسنه تتناسب ~~معه من الحور أو القصور أو الجنان العالية أو الأنهار الجاريه. ولا يوجد ~~كائن على صفحة الوجوب جزافا، بل هناك ارتباطات عقليه بينها لا يدركها إلا ~~الكملين من الأولياء. وعلى أي حال إن هذا الموضوع يتطابق مع مقاييس العقل ~~والبراهين الفلسفية. ثم بعد أن علم بأن الحياة في عالم الآخرة ولذاتها ~~ترتبط بأعمال تنتقل صورها الكمالية إلى ذلك العالم، وإن تلك الأعمال عبادات ~~قد اكتشفها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر أمته بها، وأن ~~كمال العبادة وحسنها منوط بالنية وتوجه القلب والمحافظة على شرائطها، وأنه ~~إذا فقدت العبادة هذه الأمور أو بعضها، سقطت عن الاعتبار، بل كانت لها صورة ~~بشعة مشوهة يلقاها الإنسان في عالم الآخرة، كما يستفاد من الأخبار ~~والأحاديث. # بعد أن علمت هذه الأمور، على كل إنسان مؤمن بعالم الغيب وبأحاديث ~~الأنبياء والأولياء وأهل المعرفة، وذوي الرغبة في الحياة الأبدية، أن يصلح ~~أعماله مهما كلفت من مشقة وجهد وترويض للنفس حيث يجب عليه بعد موافقة ظواهر ~~أعماله للقواعد الاجتهادية ms340 أو فتوى الفقهاء رضوان الله عليهم السعي في سبيل ~~إصلاح سيرته وباطنه، وبذل الجهد حتى يأتي بالفرائض على الأقل مع توجه ~~القلب، ويجبر عيوبها بالنوافل. كما ورد في الأحاديث الشريفة، أن النوافل ~~تجبر الفرائض وتبعث على قبولها. # في العلل: بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما جعلت النافلة ليتم ~~بها ما يفسد من الفريضة(1). # وروى الشيخ قدس سره بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه ~~السلام: «يرفع للرجل من الصلاة ربعها أو ثمنها أو نصفها أو أكثر بقدر ما ~~سها(2)، ولكن الله تعالى يتم ذلك بالنوافل»(3). # ومن هذا القبيل روايات كثيرة. ومن المعلوم أننا لا نخلو من السهو ~~والنسيان وتشويش في الحواس والأمور الأخرى التي تتنافى مع الصلاة أو مع ~~كمالها، وقد شرع الله بلطفه الكامل النوافل حتى تجبر نقيصتها، ومن اللازم ~~وبقدر الإمكان إن لا نغفل عن هذا الأمر ولا نترك النوافل. # وعلى أي حال أيها العزيز، أفق قليلا من الغفلة، وتأمل في أمرك، وانظر في ~~صحيفة أعمالك، واخش من أعمال تظن أنها صالحه مثل الصلاة والصوم والحج ~~وغيرها، في حين أنها تكون سبب عنائك وذلك في ذلك العالم. فحاسب نفسك ما ~~دامت الفرصة مؤاتية، وزن عملك بيدك، وزنه في ميزان شريعة أهل البيت ~~وولايتهم، وتبين من صحته وفساده وكماله ونقصه، وأجبره ما دامت الفرصة ~~سانحة، والمهلة باقيه. وإن لم تحاسب نفسك هنا ولم تصحح أعمالك فستحاسب ~~هناك، ويوضع ميزان الأعمال أمامك، فتواجه مصائب عظمى. إتق الله في ميزان ~~عدله، ولا تغتر بشيء، ولا تترك الجد والاجتهاد، وراجع صحيفة أعمال أهل ~~البيت عليهم السلام المعصومين من الخطأ وتأمل فيها، حتى تعرف بأن الأمر صعب ~~والطريق ضيق ومظلم. # أنظر إلى هذا الحديث الشريف وانتبه إلى تفاصيل من خلال هذا الإجمال. PageV01P239 # عن فخر الطايفة وسنادها وذخرها وعمادها محمد بن النعمان المفيد رضوان الله ~~عليه في الإرشاد: عن سعيد بن كلثوم، عن الصادق بن جعفر بن محمد عليه ~~السلام قال: والله ما أكل علي بن أبى طالب عليه ms341 السلام من الدنيا حراما قط ~~حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما عليه في ~~بدنه (دينه خ ل) وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة قط ~~إلا دعاه ثقة به، وما أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل وجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ~~ثواب هذه ويخاف عقاب هذه. # ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كد ~~بيديه ورشح منه جبينه. وإنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان ~~لباسه إلا كرابيس إذا فضل شيء عن يده دعا بالجلم فقصه. # وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي ~~بن الحسين عليهما السلام، ولقد دخل أبو جعفر عليه السلام ابنه عليه فإذا هو ~~قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه من السهر وومضت ~~عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من ~~القيام في الصلاة. # وقال أبو جعفر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال إلا البكاء ~~فبكيت رحمة له فإذا هو يفكر، فالتفت إلى بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بني ~~أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيته ~~فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال: من يقوى[على] عبادة علي ~~بن أبي طالب عليه السلام(1). # وعن أبي جعفر عليه السلام: كانعلي بن الحسين عليهما السلام يصلي في اليوم ~~والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله مثل السنبلة(2). # عزيزي: فكر قليلا في هذه الأحاديث الشريفة، وانظر إلى الإمام الباقر عليه ~~السلام المعصوم الذي بكى من شدة وكيفية عبادة أبيه. والى الإمام السجاد ~~عليه السلام رغم شدة محافظته على العبادة وكمالها والتي بعثت على بكاء ابنه ~~الإمام الباقر عليه السلام، أنه صلوات الله عليه قرأ شيئا يسيرا ms342 من صحيفة ~~عمل جده علي بن أبي طالب عليه السلام، وأظهر عجزه. ومن المعلوم أن الجميع ~~عاجزون عن عبادة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأن الناس عاجزون عن ~~عبادة المعصومين عليهم السلام، ولكن لا يجوز للإنسان العاجز عن نيل المقام ~~العالي أن يترك العبادات نهائيا. PageV01P240 # لا بد من معرفة أن هذه العبادات والعياذ بالله لا يكون عبثا، بل ان إبداء ~~أهل المعرفة الحقيقيين العجز والذل وإلحاحهم في الدعاء والمسألة، من أجل أن ~~الطريق ضيق ومحفوف بالمخاطر، وأن مضاعفات الموت، صعبة للغاية. إن حالة ~~اللامبالاة هذه التي نعيشها تكون نتيجة ضعف إيماننا ووهن عقيدتنا وجهلنا. # إلهي أنت واقف على حقيقتنا، وعالم بقصورنا وتقصيرنا، وضعفنا وعجزنا. أنت ~~غمرتنا برحمتك قبل أن نسألها. وابتدأتنا بنعمك، وتفضلت علينا من دون طلب ~~والتماس. نحن نعترف بتقصيرنا وكفرنا لآلائك اللامتناهية، ونجد أنفسنا من ~~المستحقين لعذابك الأليم، ودخول الجحيم ولا نملك شيئا يسعفنا ووسيلة ~~تعيننا، إلا ما عرفتنا به على لسان أنبيائك من التفضل والترحم وسعة جودك ~~ورحمتك، فقد عرفناك بهذه الصفات حسب فهمنا واستيعابنا. فماذا تصنع مع حفنة ~~تراب إن لم ترحمه وتتفضل عليه؟ # أين رحمتك الواسعة؟ أين أياديك الشاملة؟ أين فضلك العميم؟ أين كرمك يا كريم؟ # فصل: في بيان أن التفرغ في العبادة يوجب الغنى في القلب # لا بد من معرفة أن الغنى من الأوصاف الكمالية للنفس، بل يكون من الصفات ~~الكمالية للموجود بما أنه موجود، ولهذا، يكون الغنى من الصفات الذاتية ~~للذات الحق المقدس جل وعلا، وإن الثروة والأموال لا توجب الغنى في النفس، ~~بل نستطيع أن نقول إن من لا يملك غنى في النفس، يكون حرصه تجاه المال ~~والثراء والمنال أكثر، وحاجته أشد. ولما لم يكن أحد غنيا حقيقيا أمام ساحة ~~الحق جل جلاله المقدسة الغنى بالذات، وكانت الموجودات كلها من أدنيها وهو التراب # إلى ذروة الأفلاك، ومن والهيولى الأولى إلى الجبروت الأعلى، فقيرة ~~ومحتاجة، لهذا كلما كان تعلق القلب إلى غير الحق، وتوجه الباطن نحو تعمير ~~الملك والدنيا أشد، كان الفقر والحاجة ms343 أكثر، أما الحاجة القلبية، والفقر ~~الروحي، فواضح جدا، لأن نفس التعلق والتوجه فقر. وأما الحاجة الخارجية التي ~~تؤكد بدورها الفقر القلبي، فهي أيضا أكثر، لأن أحدا لا يستطيع النهوض ~~بأعماله بنفسه، فيحتاج في ذلك إلى غيره. والأثرياء وإن ظهروا في مظهر الغنى ~~ولكنهم بالتمعن يتبين أن حاجتهم تتضاعف على قدر تزايد ثرواتهم. فالأثرياء ~~فقراء في مظهر الأغنياء، ومحتاجون في زي من لا يحتاج. # وكلما اتجه القلب نحو تدبير الأمور وتعمير الدنيا أكثر، وكان تعلقه أشد، ~~كان غبار الذل والمسكنة عليه أوفر، وظلام الهوان والحاجة أوسع، وعلى العكس ~~كلما ركل بقدمه التعلق بالدنيا، حول بوجه قلبه إلى الغنى المطلق، وآمن ~~بالفقر الذاتي للموجودات، وعرف بأن أحدا من الكائنات لا يملك لنفسه شيئا، ~~وأن جميع الأقوياء والأعزاء والسلاطين قد سمعوا بقلوبهم أمام ساحة الحق ~~المقدسة من الهاتف الملكوتي، واللسان الغيبي، الآية الكريمة (ياأيها الناس ~~أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) (1). كلما استغنى الإنسان عن ~~العالمين أكثر، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا يرى لملك سليمان قيمة، ولا ~~يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها. كما ورد في الحديث أن ~~جبرائيل قد هبط من قبل الله تعالى بمفاتيح خزائن الأرض لخاتم النبيين صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فتواضع صلوات الله وسلامه عليه ورفض قبولها وافتخر بفقره. PageV01P241 # ويقول علي بن ابي طالب عليه السلام لابن عباس وإن دنياكم عندي لأهون من ~~ورقة في فم جرادة تقضمها(1) ويقول الأمام علي بن الحسين عليه السلام ~~«أستنكف أن أطلب الدنيا من خالقها فكيف بطلبها من مخلوق مثلي». # وورد في كتاب (سلسلة الرعية الكبرى) لنجم الدين، بعد الأيمان المغلظة: لو ~~خيروني بين ثروة الدنيا وجاهها مع الجنة وحورها وقصورها، وأرادوا مني ~~مجالسة الأغنياء من جهة، وبين البؤس في الدنيا والشقاء في الآخرة وأرادوا ~~مني مجالسة الفقراء من جهة أخرى، لاخترت الفقراء وابتعدت عن عار مجالسة ~~الأغنياء والنار خير من العار. نعم إن أهل الحق يعرفون أن التوجه نحو خزائن ~~الدنيا والمال والجاه والمجالسة مع أهلها يسبب ms344 أي نوع من الكدورة والظلام ~~في القلب؟ وكيف يبعث على الوهن والفتور في العزيمة، ويوجب الفقر والحاجة ~~لدى القلب وفقره، ويصرفه عن الانتباه إلى النقطة المركزية الكاملة بصورة ~~مطلقة؟ ولكن عندما أعطيت أيها العزيز القلب إلى أهله والبيت إلى صاحبه ~~وأعرضت عن غيره ولم تدفع البيت إلى الغاصب، تجلى فيه صاحبه. ومن المعلوم ~~تجلي الغني المطلق، يدفع إلى الغني المطلق، ويغرق القلب في بحر العزة ~~والغنى، فيمتلأ من الغنى وعدم الاحتياج {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}(2) ~~وينهض صاحب البيت بإدارة أموره، ولم يترك الإنسان إلى نفسه، وإنما يتدخل ~~ويتصرف في جميع شؤون عبده، بل يصبح هو سمعه وبصره ويده ورجله، وتتحقق ثمرة ~~التقرب بالنوافل، كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي بإسناده عن أبي جعفر ~~عليه السلام في حديث: «وإنه ليتقرب إلى بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش ~~بها الحديث»(3). فتوصد باب فقر العبد وفاقته نهائيا ويستغني عن العالمين. # ومن المؤكد أنه يرتفع من وراء هذا التجلي الخوف من جميع الكائنات، ويحل ~~الخوف من الحق المتعالي محله، وتملأ القلب عظمة الحق وهيبته، ولا يرى لغير ~~الحق عظمة واحتشاما وتصرفا، ويدرك حقيقة (لا مؤثر في الوجود إلا الله) بكل ~~قلبه. وقد أشير في هذا الحديث الشريف إلى بعض هذه المطالب التي ذكرناها ~~(تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى الخ) وهذا التفرغ القلبي لأجل العبادة يسمو ~~بالإنسان رويدا رويدا إلى أعلى مراتب حضور القلب للعبادة. # هذه نبذة من الآثار التي تترتب على العبادة كما ذكرناها. # فلو أن القلب غفل عن الاشتغال بالحق وأهمل التفرغ في التوجه نحوه لغدت ~~هذه الغفلة أساس كل الشقاء، وينبوع جميع النقائص ومبعث كافة الأمراض ~~النفسية، وبسبب هذه الغفلة يحول بين القلب والحق المتعالي ظلام داكن وكدورة ~~شديدة وحجب غليظة تمنع من تغلغل نور الهداية فيه، وتحرمه من التوفيقات ~~الإلهية، وينعطف القلب مرة واحدة إلى الدنيا وملذاتها من تعمير البطن ~~والفرج. ويغشاه حجاب الأنانية والإنية، ms345 وتطغى النفس، ويكون تحرك صاحب هذه ~~النفسية من خلال الترفع والأنانية، ويبدو ذله الذاتي وفقره الحقيقي ويبتعد ~~في كل حركاته وسكناته عن ساحة الحق المتعالي، ويكون نصيبه الخذلان. كما ~~تولى الحديث الشريف بيانه: (وأن لا تفرغ لعبادتي أملأ قلبك شغلا بالدنيا ثم ~~لا أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك). PageV01P242 # تنبيه: # لابد من معرفة أن المقصود من إيكال الأمر إلى العبد أكلك إلى طلبك ، ليس ~~بمعنى تفويض الأمر إليه، لأن هذا المسلك لدى العرفاء والفلاسفة ومذهب الحق ~~باطل وممتنع. إذ لا يوجد كائن خارج عن نطاق تصرف الحق سبحانه، وحيطة قدرة ~~ذاته المقدس، ولا يوكل إليه شيء من تدبير أموره. لكن العبد لما ينصرف عن ~~الحق ويتوجه إلى الدنيا وتتحكم فيه الطبيعة وتتغلب عليه الأنانية ويبرز فيه ~~العجب والذاتية والمحورية، يعبر عن ذلك بإيكال الأمر إلى العبد. وأما ~~الإنسان الذي يولي وجهه نحو الحق والملكوت الأعلى، ويغمر جوانب قلبه نور ~~الحق، فلا محالة تكون تصرفاته حقا، بل يتحول في بعض المراحل وجوده إلى وجود ~~الحق. كما أشير إلى بعض هذه المقامات في الحديث الشريف المذكور في الكافي ~~عند عرضه لبعض آثار التقرب إلى الله بالنوافل. والله العالم. ### | AUTO الحديث الثامن والعشرون: لقاء الله # بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن ~~محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد؛ والحسين بن سعيد جميعا، ~~عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير، عن بعض أصحابه، عنى أبي عبد الله ~~عليه السلام قال: «قلت: أصلحك الله من أحب لقاء الله لقاءه ومن أبغض لقاء ~~الله أبغض الله لقاءه؟ قال: نعم قلت: فوالله إنا لنكره الموت: فقال: ليس ~~ذلك حيث تذهب، إنما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب فليس شيء أحب إليه من ~~أن يقدم على الله، والله تعالى يحب لقاءه وهو يحب لقاء الله حينئذ، وإذا ~~رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء الله والله يبغض لقاءه»(1). # الشرح: # أصلحك الله دعاء في الخير، ms346 ولا يلزم في الدعاء أن يكون المدعو له فاقدا ~~لمضمون الدعاء، بل الدعاء مستحب حتى وإن كان مضمونه حاصلا في المدعو له. ~~فيكون الدعاء للإمام الصادق عليه السلام بالصلاح والسداد ضمن الحدود ~~المتعارفة. # كما أن جملة غفر الله لك ووعفا الله عنك من الأدعية التي يصلح أن ندعو ~~بها لتلك الذوات المقدسة. وقد حمل بعض الآية الكريمة (ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر) (2). على هذا المعنى المذكور، وقالوا إن هذه الآية ~~المباركة بمثابة أن يقال غفرالله لك ولا يجب أن يكون الطلب من أجل تحقق ~~مضمونه. ولكن هذا التفسير في الآية المباركة بعيد. ونحن قد بينا ذلك في شرح ~~حديث من الأحاديث السابقة (3) وعلى كل حال فإن الصحيح هو عدم توقع حصول ~~المضمون من هذه الإنشاءات والأدعية من المدعو غالبا. # اللقاء بفتح اللام وكسره، مصدر لقي على وزن رضي، كما أن لقاءه ولقاية ~~ولقيا ولقيانا ولقيانة بكسر اللام في جميع ذلك ولقيا ولقى ولقيانا ولقية ~~ولقيانة بضم اللام في جميع ذلك، مصدر لقي أيضا، ومعناه لرؤية واللقاء. ~~ويأتي بيان معنى لقاء الله حسب ما يتناسب وحجم هذا الكتاب. PageV01P243 # وأبغض من باب الأفعال، وبغض مثل كرم، ونصر وفرح بغاضة فهو بغيض، بمعنى ضد ~~الحب. وبغضة وبغضاء شدة البغض. وعلى أي حال فإن الحب والبغض من الصفات ~~النفسية المتقابلة، ومعناهما واضح لدى الوجدان، مثل وضوح كافة المعاني ~~الوجدانية والصفات النفسية التي تكون حقيقتها أوضح من الإدلاء بمعانيها. ~~وسيأتي معنى نسبة الحب والبغض إلى الذات الحق المقدس، وإنها بأي اعتبار ~~تكون، إنشاء الله تعالى. # قوله إنا لنكره الموت ولما تصور الراوي الموت ملازما مع لقاء الله أو كان ~~مقصوده من لقاء الله نفس الموت. اعتبر كره الموت كرها للقاء الله تعالى، ~~فسأل هذا السؤال، فأجاب الإمام عليه السلام بأنه ليس المقياس كراهية الموت ~~بصورة مطلقة بل الميزان كراهية الموت لدى نزع الروح عندما يرى آثار الملكوت ~~والعوالم الأخرى. # وقوله عليه السلام «ليس ذلك حيث تذهب». يستعمل كثيرا في اللغة العربية ms347 ~~مثل هذا التعبير، ويقصدون منه ذهاب الوهم، بل التعبير المتداول فبي الذهاب ~~ومشتقاته هو ذهاب الوهم والعقيدة وأمثالها. كما أن المذهب يكون بهذا ~~المعنى. وهذا يبتنى على الاستعارة لأنه مأخوذ من الذهاب الخارجي. # قوله عليه السلام عند المعاينة، المعاينة مصدر من باب المفاعلة وعاينت ~~الشيء عيانا إذا رأيته بعينك. ويسمى حين النزع والاحتضار بالمعاينة، لأن ~~الميت يشاهد آثارعالم الآخرة بعينه، حيث تنفتح عيونه الغيبية الملكوتية، ~~وتنكشف له نبذة من أحوال الملكوت، ويعاين بعض آثار وأعمال وأحوال نفسه. # ونحن نذكر ما يحتاج من الحديث الشريف إلى الشرح والبيان في خلال فصول. ~~وعلى الله التكلان. # فصل: في لقاء الله وكيفيته # إعلم أن الآيات والأخبار الواردة في لقاء الله صراحة أو كناية وإشارة، ~~كثيرة لا يسع هذا المختصر الخوض في ذلك مفصلا. ولكننا نشير إلى بعضها بصورة # مختصرة. ومن أراد التفصيل في ذلك أكثر فعلية مراجعة كتاب (لقاء الله) ~~للمرحوم العارف بالله، الحاج ميرزا جواد التبريزي قدس سره، حيث جمع إلى حد ~~كبير الأخبار المأثورة في هذا الموضوع. # إعلم بأنه قد ذهب بعض العلماء والمفسرين إلى سد باب السبيل إلى (لقاء ~~الله) نهائيا، والجحود للمشاهدات العينية والتجليات الذاتية والأسمائية، ~~زاعمين بذلك أنهم ينزهون الذات المقدس، ومفسرين جميع آيات لقاء الله ~~وأحاديثها، بلقاء يوم الآخرة، ولقاء الجزاء والثواب والعقاب. # وهذا التوجيه ليس ببعيد كثيرا، بالنسبة إلى مطلق اللقاء واتجاه بعض ~~الآيات والروايات، ولكنه بالنسبة إلى بعض الأدعية المعتبرة والأحاديث ~~المأثورة في الكتب المعتبرة، والأحاديث المشهورة التي ارتكز عليها علماؤنا ~~العظام، موهون وبعيد جدا. PageV01P244 # ولا بد أن تعرف بأنه ليس مقصود من أجاز فتح الطريق على لقاء الله ومشاهدة ~~جمال الحق وجلاله، جواز اكتناه التعرف على الحقيقة والذات ذاته المقدس، ~~أو إمكان الإحاطة في العلم الحضوري والمشاهدة العينية الروحانية، على ذاته، ~~المحيط بكل شيء على الإطلاق، فإن امتناع الاكتناه لذاته المقدس بالفكر في ~~العلم الكلي الفلسفة وامتناع الإحاطة بالبصيرة في العرفان، من الأمور ~~البرهانية، ومتفق عليه لدى جميع العقلاء، وأرباب القلوب والمعارف. بل ~~المقصود لدى ms348 من يدعي مقام لقاء الله هو: أنه بعد حصول التقوى التامة ~~والكاملة، وانصراف القلب نهائيا عن جميع العوالم، ورفض التوجه نحو النشأتين ~~الملك والملكوت ووطأ الأنانية والإنية، والإقبال الكلي نحو الحق المتعالي ~~وأسماء ذاته المقدس وصفاته، والانصهار في عشق ذاته المقدس وحبه، وتحمل جهد ~~وترويض القلب، يحصل صفاء في القلب لدى السالك يبعث على تجلي أسماءه وصفاته، ~~وتمزق الحجب الغليظة التي أسدلت بين العبد من جهة والأسماء والصفات. من جهة ~~أخرى، والفناء في الأسماء والصفات، والتعلق بعز قدسه وجلاله والتدلي التام ~~بذاته. وفي هذا الحال لا يوجد حاجز بين روح السالك المقدسة والحق المتعالي ~~سوى حجاب الأسماء والصفات. # ويمكن أن يرفع الستار النوري للأسماء والصفات لبعض أرباب السلوك أيضا، ~~وينال التجليات الذاتية الغيبية، ويرى نفسه متدليا ومتعلقا بالذات المقدس، ~~ويشهد الإحاطة القيومية للحق والفناء الذاتي لنفسه، ويرى بالعيان أن وجوده ~~ووجود كافة الكائنات، ظلا للحق المتعالي. # وكما قامت البراهين على أنه لا حجاب بين الحق سبحانه وتعالى والمخلوق ~~الأول المجرد عن جميع المواد والتعلقات، بل البرهان قائم على عدم وجود حجاب ~~بين الحق وكافة المجردات بشكل عام، فكذلك لا يوجد حجاب بين هذا القلب الذي ~~يبلغ في سعته وإحاطته الموجودات المجردة بل اجتيازها ووطئ بأقدامه على ~~رؤوسها، وبين الحق المتعالي. كما في الحديث الشريف المنقول عن (الكافي) ~~و(التوحيد) : # «إن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها» (1) وفي ~~المناجاة الشعبانية المقبولة لدى العلماء، والتي يدل مضمونها على أن هذه ~~المناجاة من الأئمة المعصومين عليهم السلام: «إلهي هب لي كمال الانقطاع ~~إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور ~~فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك. إلهي واجعلني ممن ~~ناديته فأجابك ولاحظته فصعق لجلالك فناجيته سرا وعمل لك جهرا» (2). وفي ~~الكتاب الإلهي الشريف، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ~~وسلم (ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى) (3). ولا تتنافى هذه المشاهدة ~~الحضورية الفنائية، مع البرهان على عدم ms349 الاكتناه والإحاطة للذات المقدسة، ~~ومع الأخبار والآيات التي تدل على تنزيه الحق جلا وعلا من كل عيب ونقص وحد. ~~بل يكون مؤكدا ومؤيدا لها. فانظر الآن ما جدوى هذه التوجيهات والتأويلات ~~البعيدة؟ هل نستطيع أن نوجه كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي ~~يقول «فهبني صبرت على عذابك PageV01P245 فكيف أصبر على فراقك» (1) هل أن تحرق وتألم أولياء الله، من فراق حور العين ~~وقصور الجنه؟ وهل يمكن تفسير هذه الجملة (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا ~~في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك عبادة الأحرار) على أن هذا الأنين هل ~~هو من جراء الفراق عن الجنه وأطعمتها؟ هيهات أن يكون ذالك، إنه لكلام غير ~~موزون، وتوجيه غير مقبول. # هل يمكن القول أن تجلي جمال الحق سبحانه ليلة المعراج، والمجلس الذي أقيم ~~في تلك الليلة من دون أن يحضرها أحد من الكائنات أو لم يطلع على أسراره ~~أحد، حتى أمين الوحي جبرائيل، بأنه مشاهدة للجنة وقصورها المشيدة، وأن ~~أنوار العظمة والجلال هي رؤية لنعم الحق؟ # هل أن التجليات التي حصلت للأنبياء عليهم السلام، التي ورد ذكرها في ~~الأدعية المعتبرة هي من قبيل النعم والمأكول والمشروب أو البساتين والقصور؟ # ومن المؤسف أننا نحن المساكين، المسجونين في الحجب المظلمة، والمصفدون ~~بسلاسل الآمال والأمنيات، لا نفهم إلا المطعومات والمشروبات والمنكوحات ~~وأمثالها، وإذا أراد فيلسوف أو عارف أن يرفع هذه الحجب، اعتبرنا سعيه هذا ~~غلطا وخطأ، وما دمنا مسجونين في البئر المظلم، عالم الملك لم نستوعب شيئا ~~من أصحاب المعارف والمشاهدات. # ولكن عزيزي: لا تقارن نفسك مع الأولياء، ولا تظن بأن قلبك يضاهي قلوب ~~الأنبياء وأهل المعارف. إن قلوبنا المشحونة بغبار التعلق بالدنيا، وملذاتها ~~وإن انغماسنا في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآة لتجلي الحق سبحانه، ~~ومحلا لظهور المحبوب. ومن المعلوم أننا لا نعي شيئا من تجليات الحق وجماله ~~وجلاله عندما نشعر بالأنانية والذاتية والمحورية بل يجب أن نكذب في هذا ~~الحال أحاديث الأولياء وأهل المعرفة، فإن لم نكذبها بألسنتنا في الظاهر، ~~لكذبناها في ms350 قلوبنا. وإن لم نجد سبيلا للتكذيب، بأن كانت أحاديث النبي صلى ~~اله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين عليهم السلام، لفتحنا باب التأويل ~~والتفسير، وفي النهاية نسد باب معرفة الله. PageV01P246 # فنفسر قوله (ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه وقبله وفيه) على رؤية الآثار. ~~وقوله لم أعبد ربا لم أره بالعلم بالمفاهيم الكلية التي تضارع علومنا، ~~وقوله في آياته الكريمة التي تتحدث عن لقاء الله، بلقاء يوم الجزاء. وقوله ~~لي مع الله حالة بحالة الرقة في القلب. وقوله وارزقني النظر إلى وجهك ~~الكريم وتأوه الأولياء وتحرقهم في معاناة الفراق، بالبعد عن حور العين، ~~وطيور الجنة وهذه التفاسير لا تكون إلا نتيجة أننا لا نكون رجال تلك ~~الساحات، ولا نفهم إلا المتع الحيوانية والجسمانية دون غيرها، ولهذا ننكر ~~جميع المعارف. والأنكى من كل ذلك، هذا الإنكار الذي يفضي إلى غلق باب كل ~~المعارف، ويحجزنا عن السعي والطلب، ويجعلنا نقتنع بمستوى الحيوانية ~~والبهيمية، ويحرمنا من عوالم الغيب والأنوار الإلهية. لقد أصبحنا نحن ~~المساكين المحرومين نهائيا من المشاهدات والتجليات في منأى حتى عن الإيمان ~~بهذه المعاني التي هي درجة من الكمال النفسي والتي يمكن أن تسوقنا إلى ~~مرحلة متقدمة. إننا نهرب من العلم الذي قد يكون منطلقا وبذرة للمشاهدات، ~~ونغلق عيوننا وأسماعنا نهائيا ونضع القطن في آذاننا حتى لا يتطرق كلام الحق ~~إليها. وإذا سمعنا حقيقة من لسان عارف هائم أو سالك حزين أو فيلسوف متأله، ~~نتصدى فورا نتيجة عدم طاقة آذاننا على استماع تلك الحقيقة، ونتيجة أن حب ~~النفس يمنعنا من جعل هذه الحقائق أسمى من قدرة استيعابنا لها، ونتصدى فورا ~~للطعن فيه ولعنه وتكفيره وتفسيقه، ولا نأبى من أي غيبة أو تهمة. # إننا نوقف الكتاب ونشترط على كل من يستفيد منه أن يلعن المرحوم الملا ~~محسن فيض الكاشاني صاحب كتب الأخبار والأخلاق والكلام والتفسير يوميا ~~مائة مرة. ونرمي صدر المتألهين الذي هو قمة التوحيد بالزندقة ولا نبخل عن ~~إهانته أبدا، ونقول عنه بأنه صوفي رغم عدم ظهور أي رغبة منه في ms351 كل كتبه نحو ~~مذهب التصوف ورغم تأليفه لكتاب (كسر أصنام الجاهلية في الرد على الصوفية). # إننا نترك الذين يستحقون اللعن، ويكونون ملعونين على لسان الله ورسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ونلعن من يصرخ بالإيمان بالله ورسوله والأئمة ~~الهادين عليهم السلام. وإنني أعلم بأن هذا اللعن والتوهين لا يسيء إلى ~~مقامهم، بل قد # يضاعف حسناتهم ويرفع من درجاتهم، ولكنه يسيئ إلينا وقد يبعث على الخذلان ~~وسلب التوفيق منا. # يقول شيخنا العارف الشاه آبادي روحي فداه (لا تلعنوا الأشخاص حتى ~~الكافر الذي مات ولم تعرفوا أنه على أي دين مات، إلا إذا أخبر ولي معصوم عن ~~حاله بعد الموت، إذ من الممكن أنه أصبح مؤمنا لدى سكرات الموت، وإنما ~~العنوا بصورة عامة وكلية). # فكم الفرق بين شخص يملك مثل هذه النفس القدسية التي لا ترضى أن يلعن من ~~مات على الكفر ظاهرا، لإمكان أنه غدا مؤمنا في اللحظات الأخيرة من حياته، ~~وشخص آخر من أمثالنا وإلى الله المشتكى يرقى المنبر مع أنه من أهل العلم ~~والفضيلة ويقول أمام العلماء والفضلاء مستغربا (أن فلان رغم انه فيلسوف، ~~يتلو القرآن). وهذا الكلام يشبه ما إذا قلنا (أن فلان رغم كونه نبيا، يعتقد ~~بالمبدأ والمعاد). PageV01P247 # إنني أيضا لا أعتقد كثيرا بالعلم فقط، إن العلم الذي لا يفضي إلى الإيمان ~~أراه الحجاب الأكبر، ولكن لو لم نرد الحجاب ولم نتعلم لما تمكنا من خرقه. ~~إن العلوم بذور المشاهدات. وإنه لمن الممكن أن يبلغ الإنسان إلى مقامات ~~شامخة من دون تعلم حجاب المصطلحات والعلوم، ولكن هذا خلاف العادة، وخلاف ~~طبيعة السنن، وإنه نادرا ما يحصل. فالطريق الطبيعي لمعرفة الله وطلبه هو أن ~~الإنسان يبتدئ أولا بإنفاق وقت في التفكر بالحق سبحانه، ويحصل على العلم ~~بالله وأسماء ذاته المقدس وصفاته حسب الأساليب المتبعة من التلمذة على يد ~~رجال ذلك العلم، ثم يتزود من العارف بواسطة الرياضة العلمية والعملية ~~وينتهي بذلك حتما إلى النتيجة المنشودة. # وإن لم يكن الإنسان من أهل المصطلحات العلم يستطيع أن يصل إلى النتيجة ms352 ~~من خلال تذكر المحبوب، وانشغال القلب بالذات المقدس. ومن المعلوم إن مثل ~~هذا الانشغال القلبي والتوجه الباطني سيكون سببا لهدايته وأن الله سبحانه ~~وتعالى سيعينه في ذلك، وأن حجابا من الحجب سيرفع له، وأنه سيتنازل قليلا عن موقفه # المنكر تجاه العرفاء والفلاسفة ولعل الله سبحانه وتعالى يفتح عليه ~~ببركة عناياته الخاصة، بابا من المعارف إنه ولي النعم. # فصل: في بيان انكشاف بعض الأحوال الغيبية على الإنسان لدى موته # يفهم من هذا الحديث الشريف، أن حين المعاينة وعند الموت، تنكشف على ~~الإنسان الذي أوشك على الرحيل بعض مقاماته وأحواله. ويطابق هذا ضربا من ~~البراهين ويوافق مكاشفات أصحاب الكشف والعيان. ويجاري الأحاديث والآثار ~~الأخرى أيضا. # إن الإنسان ما دام يشتغل بتعمير هذا العالم، ويكون قلبه متجها نحو هذه ~~النشأة، وما دام سكر الطبيعة عالم المادة قد أغماه وأفقده وعيه، والشهوة ~~والغضب المخدرتان قد خدرتاه وسلبتا لبه، يكون محجوبا نهائيا عن صور أعماله ~~وأخلاقه، وتكون آثار أعماله وأخلاقه مهجورة في ملكوت قلبه. ولكن عندما ~~تغشاه سكرات الموت وتواجهه صعابها وضغوطها، ويبتعد قليلا عن هذه النشأة، ~~فإذا كان من أهل الإيمان واليقين، وكان قلبه متعلقا بهذه العوالم المادية، ~~اتجه قلبه في نهاية المطاف من حياته إلى ذلك العالم، والسائقون المعنويون، ~~وملائكة الله الموكلون عليه، يسوقونه جميعا إلى ذلك العالم وبعد هذا السوق، ~~وذاك الانصراف ينكشف له نموذج من عالم البرزخ، وتنفتح عليه من عالم الغيب ~~كوة ويتكشف له حاله ومقامه قليلا كما نقل عن الإمام أمير المؤمنين عليه ~~السلام إنه قال: «حرام على كل نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم أنها من أهل ~~الجنة هي أم من أهل النار» (1). PageV01P248 # وهنا حديث شريف نذكره بتمامه لأن فيه بشارة لأهل الولاء، بولاية مولى ~~الموالي، والمتمسكين بذيل عناية أهل بيت العصمة عليهم السلام. وهو الحديث ~~نقله الفيض الكاشاني في كتابه علم اليقين. قال: وفي كتاب الحسين بن سعيد ~~الأهوازي، عن عباد بن مروان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «منكم ~~والله يقبل، ولكم والله يغفر، ms353 إنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور ~~وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه ههنا وأومى بيده إلى حلقة ثم قال عليه السلام ~~إنه إذا كان ذلك واحتضر، حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ~~والأئمة وجبرئيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام، فيدنو منه جبرئيل عليه ~~السلام فيقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا كان يحبكم أهل ~~البيت فأحبه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل إن هذا ~~كان يحب الله ورسوله وأهل بيته فأحبه، فيقول جبرئيل: يا ملك الموت إن هذا ~~كان يحب الله ورسوله وآل رسوله فأحبه وارفق به». # فيدنو منه ملك الموت عليه السلام فيقول: يا عبدالله أخذت فكاك رقبتك؟ ~~أخذت أمان براءتك؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ فيوفقه الله ~~فيقول: نعم، فيقول له: وما ذاك؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام، ~~فيقول: صدقت، أما الذي كنت تحذر فقد آمنك الله، وأما الذي كنت ترجو فقد ~~أدركت، أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ~~والأئمة من ولده عليهم السلام. # ثم يسل نفسه سلا رفيقا ثم ينزل بكفنه من الجنة وحنوطه حنوط كالمسك الأذفر ~~فيكفن بذلك الكفن ويحنط بذلك الحنوط، ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة. فإذا ~~وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها ثم ~~يقال له: نم نومة العروس على فراشها، أبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب غير غضبان. # قال: وإذا حضرت الكافر الوفاة حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعلي والأئمة وجبريل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام، فيدنو منه جبرئيل ~~فيقول: يا رسول الله إن هذا كان مبغضا لكم أهل البيت فأبغضه، فيقول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ؤسلم: يا جبرئيل إن هذا يبغض الله ورسوله وأهل بيت ~~رسوله فأبغضه: فيقول جبرئيل: يا ملك الموت إن هذا يبغض الله ورسوله وأهل ~~بيت رسوله عليهم السلام فأبغضه واعنف عليه. ms354 # فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبدالله أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت براءة أما PageV01P249 تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا؟ فيقول: لا، فيقول له: أبشر يا عدو ~~الله بسخط عذابه والنار، وأما الذي كنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تحذر ~~فقد نزل بك. ثم يسل نفسه سلا عنيفا، ثم يوكل بروحه ثلاثمائه شيطان يبزقون ~~في وجهه ويتأذى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار يدخل ~~عليه من فيح ريحها ولهبها(1). # ولا بد أن تعرف أن عالم برزخ كل شخص، أنموذج من نشأته يوم القيامة، ~~والبرزخ عالم يتوسط بين هذا العالم وعالم القيامة، وتنفتح على هذا العالم ~~كوة من الجنة أو النار. كما أشير إليه في نهاية هذا الحديث الشريف، وفي ~~الحديث النبوي المعروف «القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران» (2). # فتبين أن الإنسان لدى سكرات الموت والاحتضار يشاهد صور أعماله وآثارها، ~~ويسمع من ملك الموت بشارة الجنة أو الوعيد بالنار. وكما أن هذه الأمور ~~تنكشف عليه قليلا، كذلك تنكشف عليه الآثار التي تركتها أعماله وأفعاله في ~~قلبه، من النورانية وشرح الصدر ورحابته أو أضدادها أيضا من الظلام والكدورة ~~والضغط وضيق في الصدر، فإن كان من أهل الإيمان والسعادة، يستعد قلبه عند ~~معاينه البرزخ لمشاهده النفحات اللطيفة اللطفية والجمال، وتظهر فيه آثار ~~تجليات اللطف والجمال، فيأخذ القلب في الحب للقاء الله، وتشتعل في قلبه، ~~جذوة الاشتياق إلى جمال المحبوب، إن كان من أهل الحسنى وحب الله والجاذبة ~~الربوبية، ولا يعرف أحد إلا الله، مقدار اللذات والكرامات الموجودة في ~~هذاالتجلي والاشتياق ! # وإن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح، أغدقت عليه من كرامات الحق ~~المتعالى بقدر إيمانه وأعماله، ويراها لدى الاحتضار، فيتوق إلى الموت ولقاء ~~كرامات الحق ويرتحل من هذا العالم مع البهجة والسرور والروح والريحان، ولا ~~تطيق الأعين الملكية والذائقة المادية، لرؤية هذه الكرامات ومشاهدة هذه ~~البهجة والفرح. # وإن كان من أهل الشقاء والجحود والكفر والنفاق والأعمال القبيحة والأفعال ~~السيئة، انكشف عليه بقدر نصيبه ms355 من دار الدنيا وما وفره واكتسبه لنفسه منها، ~~من آثار السخط الإلهي والقهر، ونموذجا من دار الأشقياء، فيدخل الذعر والهلع ~~في نفسه بدرجة لا يكون عنده شيء أبغض من التجليات الجلالية والقاهرة للحق ~~المتعالى ويستولي عليه من جراء هذا البغض والعداوة الشديدين، الضغوظ ~~والظلام والصعاب والعذاب. لا يعرف حجمها أحد إلا الذات الحق المقدس، وهذه ~~المحن تكون لمن كان من الجاحدين والمنافقين ومن أعداء الله وأعداء أوليائه ~~في هذه الدنيا. وينكشف على أهل المعاصي والكبائر، بقدر أجتراحهم للسيئات، ~~نوذجا من جهنمهم، فلا يكون شيء عندهم أبغض من الرحيل من هذا العالم، ~~فيرحلون بكل عنف وقسوة وعذاب، وفي نفوسهم حسرات لم تتحقق في هذه الأحوال. # ويستفاد من هذا البيان أن الإنسان لدى الاحتضار والمعاينة، يشاهد ما كان ~~فيه وهو غير واقف عليه، رغم أنه بذر بنفسه هذه المعاينة والمشاهدة في عالم وجوده. # إن الحياة الدنيوية، كانت ستارا ملقى على عيوبنا، وحجابا على وجه أهل ~~المعارف، وعندما يزاح هذا الستار، ويخترق هذا الحجاب، ويرى الإنسان ~~أنموذجا، مما أعده لنفسه، ومما كان فيه. PageV01P250 # إن الإنسان لا يرى في العوالم الأخرى من العذاب والعقاب، إلا ما وفره وهيأه ~~في هذه الدنيا، ولا يشاهد في العالم الآخر إلا صورة ما أنجزه في هذا العالم ~~من الأعمال الصالحة والخلق الحسن، والعقائد الصحيحة، مع رؤيته لما يتفضل ~~عليه الحق المتعالى بلطفه من الكرامات الأخرى. # يروي صاحب كتاب تفسير (الصافي) عن (مجمع البيان) في ذيل الآية المباركة ~~(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) (1). الخ حديثا عن الإمام أمير المؤمنين ~~عليه السلام وفيه هي هذه الآية أحكم آية في القرآن وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يسميها الجامعة(2). # فلا بد وأن نعلم بأننا إذا تعلقنا بالحق المتعالى وأوليائه، ووضعنا في ~~رقابنا حبل طاعة الذات المقدس، وجعلنا اتجاه القلب إلهيا وربانيا، لظهرت ~~أمامنا حين النزع، الحقائق بعينها في صور بهية. وعلى العكس إذا كانت قلوبنا ~~ذات صبغة دنيوية، وانصراف عن الحق، فمن الممكن أن تبذر فيها شيئا فشيئا ms356 ~~بذور عداوة الحق والأولياء، وتشتد هذه العداوة، حين المعاينة، فتظهر آثارها ~~الغريبة الموحشة كما قد سمعت. # إذن من الأمور الهامة السعي في سبيل تطوير حالة القلب، وجعلها إلهية، ~~وتوجيهها نحو الحق المتعالى وأوليائه ودار كرامته، ويتم هذا قطعا بواسطة ~~التفكر في آلاء الذات المقدس، ونعمائه والمحافظة على طاعته وعبادته. ولكن ~~يجب أن لا يعتمد الإنسان على نفسه ومساعيه، بل يستعين بالله على ذلك في ~~جميع الأحوال، وخاصة في حالات الخلوة مع الله بكل تذلل وتضرع وبكاء، ويطلب ~~منه أن يلقي حبه في قلبه ويضيئه بنور محبته ومعرفته، ويخرج حب الدنيا وما ~~عدى الله من قلبه، ومن الواضح أن هذا الدعاء يكون في بدء الأمر من دون لب، ~~ويكون صرف لقلقة لسان، لأن مطالبة زوال حب الدنيا من القلب مع كونه مفرطا ~~في التعلق بها، مشكل جدا، ولكن نرجو بعد التمعن في ذلك فترة من الزمن، ~~والمراقبة، وافهام القلب النتائج الحسنة لمحبة الله، والنتائج السيئة لحب ~~الدنيا، أن يتحقق ذلك إنشاء الله تعالى. # فصل: في بيان معنى حب الحق المتعالى وبغضه # إعلم أن نسبة الحب والبغض وأمثالها للحق المتعالى، الواردة في القرآن ~~الكريم والأحاديث الشريفة، لا تكون بمعناها المتفاهم العرفي، لأن لازمها ~~الانفعال النفسي الذي يتنزه الحق سبحانه منه. ولا مجال في هذا المختصر، ~~للإسهاب في ذلك، فنقتصر على الإجمال والإشارة. PageV01P251 # لا بد من معرفة أن كثيرا من الأوصاف والأحوال، بعد تنزلها من العوالم ~~الغيبية التجردية، وحصولها للنشأة الملكية المادية التي هي عالم الفرق بل ~~عالم فرق الفرق، تتجلى في صورة تختلف عن الصور الغيبية المتجردة من الآثار ~~واللوازم. كما أن الأفلاطونيين الذين يعتقدون بأن كافة الموجودات الملكية، ~~مظاهر للأرواح الغيبية، وتنزلات للحقائق الملكوتية، وأمثلة للمثل ~~الأفلاطونية، هؤلاء يرون أن العوارض والكيفيات التي تقوم في هذا العالم ~~بغيرها لا بنفسها كما هو شأن الجواهر يرون أنها تتجلى في ذلك العالم ~~صورها الذاتية بوجوداتها من دون حاجة إلى الارتكاز على الغير، وعليه نقول ~~إن أمثال هذه الأوصاف والأحوال التي تلازم في عالم ms357 الملك، التجدد ~~والانفعال، تكون موجودة في العوالم الغيبية، والنشآت التجردية وخاصة في ~~عالم الأسماء ومقام الواحدية، في صورة منزهة وبعيدة عن جميع النقائص، ويكون ~~التعبير عن تلك الصور، حسب النشأة التجردية والصقع الربوبي مغايرا عن ~~التعبير عنها في هذا العالم. # فمثلا أن التجليات الرحمانية والرحيمية والتي نقول عنها أيضا التجليات ~~الجمالية واللطفية والحبية والأنسية، إذا ظهرت في هذا العالم، كانت في صورة ~~الحب والرحمة واللطف، الملازمة للانفعال والتأثر، وذلك نتيجة ضيق هذا ~~العالم. ففي الحديث أن للرحمة مائة جزء، وإن جزءا واحدا منها قد هبط إلى ~~هذا العالم، وتحققت به الرحمة كل الرحمة في هذا العالم، مثل الرحمة الحاصلة ~~بين الأولاد والأبوين وأمثال ذلك. كما أن التجليات القاهرية والمالكية التي ~~هي من تجليات الجلال، تظهر في هذا العالم في صورة البغض والغضب المتلازمين ~~للانفعال والتأثر أيضا. # وعلى أي حال إن باطن الحب والبغض والغضب، الرحمانية والقهارية وتجليات ~~الجمال والجلال، تكون تلك التجليات، موجودة بعين الذات، ولا تتطرق إليها ~~الكثرة والتجدد والانفعال. كما أن مظهر الرحمانية والقهارية، الحب والبغض ~~المتوافران في هذا العالم، وحيث إن المظهر الحب والبغض يكون فانيا في ~~الظاهر الرحمانية والقهارية والظاهر يتجلى في المظهر، يصح في بعض ~~المقامات التعبير عن أحدهما بالآخر. وعليه يكون سخط الحق المتعالى لعبده، ~~ظهورا بالقهارية والانتقام، وظهور حبه له، بالرحمة والكرامة. والله العالم. PageV01P252 ### | AUTO الحديث التاسع والعشرون: وصية النبي لعلي بخصال # بالسند المتصل إلى أفضل المحدثين وأقدمهم محمد بن يعقوب الكليني رضي الله ~~عنه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن ~~معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان في وصية ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام أن قال: يا علي أوصيك في ~~نفسك بخصال فاحفظها عني، ثم قال: اللهم أعنه. أما الأولى فالصدق ولا يخرجن ~~من فيك كذبة أبدا. والثانية الورع ولا تجترئ على خيانة أبدا. والثالثة ~~الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه. والرابعة كثرة ms358 البكاء من خشية الله تعالى ~~يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة. والخامسة بذلك مالك ودمك دون دينك. ~~والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي، أما الصلاة فالخمسون ركعة، ~~وأما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أوله والأربعاء في وسطه ~~والخميس في آخره، وأما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف. # وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة ~~الزوال، وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال وعليك بتلاوة القرآن على كل ~~حال، وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما، وعليك بالسواك عند كل وضوء، ~~وعليك بمحاسن الأخلاق فاركبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها، فإن لم تفعل فلا ~~تلومن إلا نفسك (1). # الشرح: # (الخصال) جمع خصلة ومعناها الفضيلة النابعة من السجية، كما في (الصحاح) ~~وعليه يكون استعمالها في مطلق الأفعال والخلق، كما في هذا الحديث الشريف ~~وغيره، من باب المجاز. ومن الممكن أن تكون الخصلة، أعم من الفضيلة الراسخة ~~في طبيعة الإنسان، فيكون استعمالها في مثل الموارد من باب الحقيقة. # قوله عليه السلام (الورع) بفتح الراء و(الرعة) مصدران لورع يرع بكسر ~~الراء فيهما. ومعناه التقوى أو شدة التقوى ومنتهى الحذر. ومن المحتمل أن ~~يكون المعنى مأخوذا من ورعته توريعا، أي كففته، لأن الورع في الحقيقة، كف ~~النفس، ومنعها من تخطى حدود الشرع والعقل. أو من ورع بمعنى الرد، يقال ورعت ~~الإبل عن الماء إذا رددتها، لأن المؤمن يرد نفسه عن الشهوات والولوج فيها. # قوله عليه السلام: (لا تجترئ) يكون من باب الافتعال، بمعنى الجسارة ~~والشجاعة، وكثرة الإقدام في الأمور. في الصحاح عن أبي زيد (الجرأة مثال ~~الجرعة: الشجاعة) و(في الصحاح) أيضا (الجريء المقدام). # قوله عليه السلام: (فجهدك) الجهد بضم الجيم وفتحها: الطاقة والمشقة، ~~يقال: جهد دابته وأجهدها، إذا استعملها أكثر من طاقتها. ويكون الجهد أيضا ~~بمعنى الجدية والإصرار. وهذه المعاني تتناسب مع هذه الرواية. # قوله عليه السلام: عليك بصلاة الليل إن كلمة عليك اسم فعل، PageV01P253 وتستعمل بمعنى الفعل المتعدي أو في محل الفعل المتعدي عليكم أنفسكم أي ~~ألزموا، وعليه ms359 تكون الباء للتأكيد والتأييد لا للتعدية. وقال في مجمع ~~البحرين إذا تعدت عليك، بالباء كان معناها استمسك مع إفادة المبالغة. # ونحن نذكر إنشاء الله معاني الحديث، ضمن مقدمات وفصول. # مقدمة # يتضح من نواحي عديدة من هذا الحديث الشريف، أن هذه الوصايا التي أوصى بها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كانت ~~عنده صلوات الله وسلام عليه مهمة جدا، هذه النواحي هي: # إحداها: توجيه الوصية نحو أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه سلام الله ~~عليه، أسمى من أن يتساهل في الأحكام الشرعية، والأوامر الإلهية، ولكن هذه ~~الأمور لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت هامة جدا، فلم يحجم عن ~~الوصية بها. ومن المتعارف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يوصي ~~بشيء إلا وكان يعتني به، ويراه مهما، فلأجل إظهار أهميته، يوصي به، حتى لمن ~~يعرف أنه لا يتهاون به. # أما احتمال أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى لأمير المؤمنين عليه ~~السلام حتى يفهم الآخرين، من قبيل (إياك أعنى وأسمعي يا جارة) فهو بعيد. ~~لأن سياق الحديث بأن الخطاب متوجه نحو الإمام علي عليه السلام، وأنه ~~المقصود مباشرة، كما يستفاد من كلمة (في نفسك) و(احفظها) و(اللهم أعنه). ثم ~~أن مثل هذه الوصايا كانت متداولة بين الكبار من الناس، وبين الأئمة الأطهار ~~عليهم السلام من وصية بعضهم البعض الآخر، وكان الظاهر من سياق كل واحد من ~~مثل هذه العبارات التي وردت من إمام لإمام آخر عليهم السلام، هو الإمام ~~المخاطب بنفسه. كما ورد في إحدى وصايا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ~~إلى ولديه الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام: (أوصيكما وأهل بيتي ~~ومن بلغه كتابي) ومن المعلوم أن الحسنين عليهما السلام كانا داخلين في هذه ~~الوصية، وتكشف هذه الوصايا عن شدة اهتمام وتعلق المعصومين عليهم السلام ~~بعضهم ببعض. # وعلى أي حال إن كون الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مخاطبا بالوصية ~~يكشف عن عظمة الوصية وأهميتها. # ثانيتها: إن رسول ms360 الله صلى الله عليه وآله وسلم أكد على هذه الوصية بهذا ~~المستوى من التأكيد للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام رغم أنه لن يتجاوز ~~وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيد أنملة ولم يبد تجاهها وهنا ولا فتورا. # ثالثتهما: نبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا بعد أن قال: (يا ~~علي أوصيك) على أهمية الوصية قائلا: (فاحفظها عني). ولما تمنى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام أن يأتي بهذه الوصايا المهمة ~~دعا له قائلا: (اللهم أعنه) وهكذا بقية التأكيدات التي وردت في كل واحدة من ~~هذه الجمل بصورة مستقلة مثل نون التأكيد، وتكرار الوصية وغير ذلك مما لا ~~نحتاج إلى تعداده. # إذن يعلم أن هذه الوصايا من الأمور الهامة. ومن الواضح أنه لا يعود في ~~جميع هذه الوصايا بالفائدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما ~~تعود المنفعة إلى المخاطب. والإمام عليه السلام وإن كان في الأصل هو ~~المخاطب، ولكن التكاليف عامة ومشتركة بين الجميع، حيث لا تعطل برحيل ~~المخاطب، بل إنها متواصلة مع الأجيال. # ولا بد من معرفة أن شدة تعلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالإمام ~~علي عليه السلام تبعث على الفائدة الكبيرة لهذه الوصايا التي بينت بهذا ~~الأسلوب وعلى أهميتها الكثيرة. والله أعلم. # فصل: في مفاسد الكذب PageV01P254 من وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ملازمة الصدق والابتعاد عن ~~الكذب فالصدق ولا يخرجن من فيك كذبة أبدا ويستفاد من تقديم رسول الله # صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الوصية على الوصايا الأخرى، أن هذه الوصية ~~أهم من كافة الوصايا المذكورة. ونحن نقدم مفاسد الكذب على مصالح الصدق. # واعلم أن هذه الرذيلة من الأمور التي اتفق العقل والنقل على قبحها ~~وفسادها وأنها في نفسها من الفواحش والمعاصي الكبيرة، كما تدل على ذلك ~~الأخبار. وقد تترتب عليها مفاسد أخرى لا تقل عن هذه الموبقة، بل قد يسقط ~~الإنسان من أعين الناس في الوسط الاجتماعي ms361 على إثر كذبة واحدة عندما تكتشف، ~~ولا يستطيع إلى نهاية العمر أن يجبرها. فإذا اشتهر إنسان لا قدر الله ~~بالكذب، فلعله لا يوجد شيء آخر يسيء إلى شخصية الإنسان أكثر من الكذب. ~~ومضافا إلى ذلك فإن مفاسده الدينية وعقوباته الآخروية كثيرة أيضا. ونحن ~~نقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة في هذا الموضوع. وحيث أن شناعة الكذب ~~من الأمور الواضحة المعروفة، نبتعد عن الإسهاب في الحديث عنه. # روى في الوسائل عن محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: ~~«إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب ~~أشر من الشراب» (1). # والآن تدبر في هذا الحديث الشريف المروي عن عالم آل محمد عليهم السلام، ~~والمذكور في كتاب يعد مرجعا لجميع علماء الأمة، ويتلقى بالقبول لدى كافة ~~العلماء رضوان الله عليهم، وأنظر هل يبقى سبيل للاعتذار؟ أليس هذا التهاون ~~في الكذب إلا من جراء الضعف في الإيمان تجاه أخبار أهل بيت العصمة عليهم ~~السلام؟ # نحن لا نعرف الصور الغيبية لأعمالنا، ولا ندرك الارتباطات الغيبية بين ~~الملك والملكوت، ولهذا نبتعد عن مثل هذه الأخبار، ونحن من أمثالها على ~~المبالغة. ولكن هذا المنهج باطل وناتج من الجهل والضعف في الإيمان. فلو ~~فرضنا بأننا حملنا هذا الحديث الشريف على المبالغة، أليست المبالغة ذات ~~شروط ووضع خاص؟ هل نستطيع أن نقول عن كل شيء أنه أسوأ من الخمر، أولا بد ~~وأن يكون الشيء ذا شر عظيم حتى نتمكن من المبالغة ونقول إنه أعظم من الشر؟ # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «الكذب هو خراب الإيمان» (2). # في الحقيقة أن مثل هذه الأخبار، تهز أعماق الإنسان، وتقصم ظهره فإننا ~~نتصور بأن الكذب من الأعمال الفاسدة، التي فقد الإحساس بقبحها نهائيا من ~~جراء شيوعها بين الناس، ولكن سيأتي وقت ننتبه ونشعر بأن الإيمان الذي هو ~~رأس مال حياة عالم الآخرة، قد زال من أيدينا من جراء الاستهانة بالكذب ولم ~~نشعر بذلك أبدا. # وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سئل رسول الله ms362 صلى الله عليه وآله ~~وسلم يكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، قيل ويكون بخيلا؟ قال: نعم، قيل: ويكون ~~كذابا؟ قال: لا(3). # ونقل عن صدوق الطائفة محمد بن علي بن الحسين إنه قال: من كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أربى الربا الكذب(4). مع أن التشديد في حرمة ~~الربا وبشاعته مما يذهل الإنسان. PageV01P255 # ومن الأمور التي لابد للإنسان أن يلتفت إليها، هو أن الأخبار قد استنكرت ~~الكذب حتى هزله ومزحه، وشددت في ذلك. وأفتى العلماء بحرمته أيضا. كما ذكر ~~صاحب الوسائل في عنوان الباب الذي هو تعبير عن فتاواه: باب تحريم الكذب في ~~الصغير والكبير والجد والهزل عدا ما استثنى(1). # وعن الكافي الشريف عن أبي جعفر عليه السلام قال كان علي بن الحسين صلوات ~~الله عليهما يقول لولده اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير في كل جد وهزل فإن ~~الرجل إذا كذب في الصغير اجترئ في الكبير أما علمتم أن الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد ~~يكذب حتى يكتبه الله كذابا(2). # وفي الكافي عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا ~~يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده» (3). # وفي وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يا أبا ذر، ويل ~~للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له(4). # وبعد عرض هذه الأخبار الشديدة والمنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، لا بد من الجرأة الكبيرة والشقاء ~~المضاعف، حتى يقدم الإنسان على هذا الأمر الخطير، والمعصية الكبيرة. وكما ~~أن الكذب قد عد من المفاسد الخطيرة جدا، اعتبر صدق اللهجة والاستقامة في ~~الحديث، مهما جدا، وأثنى عليه في أخبار أهل البيت ثناءا بليغا. ونحن نكتفي ~~بذكر بعضها: # محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كونوا دعاة ~~للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع(5). # وقال الصدوق رحمة الله بسنده إلى ms363 رسول الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إن أقربكم مني غدا وأوجبكم علي شفاعة، أصدقكم لسانا، ~~وأداكم للأمانة وأحسنكم خلقا وأقربكم من الناس(6). # فصل: في حقيقة الورع ومراتبه PageV01P256 يتحدث هذا الفصل عن الورع، وأنه قد عد من منازل السالكين والسائرين إلى ~~الله سبحانه، وعرف حسب ما نقل العارف المعروف خواجة عبدالله الأنصاري «هو ~~توق مستقصى على حذر أو تحرج على تعظيم». وهذا التعريف يشمل كافة مراتبه، ~~لأن للورع مراتب كثيرة: فورع العوام، الاجتناب عن الكبائر، وورع الخواص ~~الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحرمات كما أشير إليه في حديث ~~التثليث الشريف(1). وورع أهل الزهد الاجتناب عن المباحات للابتعاد عن ~~وزرها. وورع أهل السلوك ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات. ~~وورع المجذوبين، ترك المقامات لأجل الوصول إلى باب الله، ومشاهدة جمال ~~الله. وورع الأولياء، الاجتناب عن التوجه إلى الغايات. # ولكل واحدة من هذه المراتب شرح لا يجدينا الإسهاب فيه. وما يجب أن نعرفه ~~هنا هو: # أن الورع عن المحرمات الإلهية يكون على أساس جميع الكمالات المعنوية، ~~والمقامات الأخروية. ولا يحصل لأحد مقام إلا عند الورع عن محرمات الله. وإن ~~القلب الذي لا يتحلى بالورع، ليصدأ، وليبلغ به الأمر إلى مستوى لا يرجى له ~~النجاة. إن الورع يوجب صفاء النفوس وجلائها، وأنه يكون من أهم المنازل لدى ~~العوام، ويعتبر من أفضل زاد المسافر نحو الآخرة. وقد ورد في فضله حسب ~~أحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام أكثر مما يسعه هذا الكتاب. ونحن نكتفي ~~بذكر بعض هذه الأحاديث. يرجع الباحث لأكثر من ذلك، إلى كتب الأخبار. # الكافي: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوصيك بتقوى الله ~~والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه(2). # وبهذا المضمون رواية أخرى أيضا. وهذا شاهد على أن العبادات تتساقط عن ~~الاعتبار، إذا كانت خالية من الورع. ومن المعلوم أن الغاية المنشودة من ~~العبادات التي هي ترويض النفس، ولجمها، وقهر الملكوت للملك والطبيعة، لا ~~تحصل إلا بواسطة الورع ms364 الشديد، والتقوى الكاملة. # ثم إن النفوس المدنسة بالمعصية، لا تقبل صورة ولا رسما إلا بعد تنظيفها ~~من الكدر وتطهيرها من القذارة، حتى يتمكن الرسام من الرسم فيها. فالعبادات ~~التي هي الصور الكمالية للنفس، لا تنفع من دون صقلها من غبار المعصية، ~~وإنما تكون صورة من دون لب وظاهرا من دون روح. # وبإسناده عن يزيد بن خليفة قال: وعظنا أبو عبد الله عليه السلام فأمر ~~وزهد ثم قال: «عليكم بالورع فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع» (3). # فبموجب هذا الحديث الشريف، أن الإنسان الذي لا ورع له، يكون محروما من ~~الكرامات التي وعدها الله لعباده. وهذا الحرمان من أعظم الخذلان والشقاء. ~~وفي الوسائل مسندا إلى الإمام الباقر عليه السلام في حديث: «لا تنال ~~ولايتنا إلا بالعمل والورع» (4). PageV01P257 # وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق ثم (... قال يا عيسى بن عبد الله ليس منا ~~ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد ~~أورع منه) (1). # ولا بد من معرفة أن المقياس في كمال الورع على ضوء الروايات الشريفة، هو ~~الاجتناب عن محرمات الله، وأن كل من يبتعد عن المحرمات الإلهية أكثر، يعد ~~من أروع الناس طرا. فينبغي أن لا يستغل الشيطان هذا الموضوع ليس منا وفي ~~مصر مائة ألف يوجد أحد أروع منه ويعظمه، ويلقي اليأس في القلب، لأن من ~~طبيعة هذا الملعون دفع الإنسان إلى الشقاء الأبدي من خلال اليأس، بأن يقول ~~له في المقام مثلا: كيف يمكن أن يكون أروع إنسان في بلد يحتضن مائة ألف أو ~~يزيدون من الناس؟ فإن هذا من أساليب كيد هذا اللعين، ووساوس النفس الأمارة. ~~ولكن جوابه هو أن من ابتعد عن المحرمات الإلهية يندرج في هذا الروايات، حسب ~~ما يستفاد من الأحاديث المباركة، ويعتبر من أورع الناس. # ثم إن الابتعاد عن المحرمات الإلهية، لا يستدعي جهدا جبارا، بل الإنسان ~~مع قليل من الترويض النفسي والعمل، يستطيع أن يترك جميع المحرمات، شريطة ~~إرادته على أن يكون من أهل ms365 السعادة والنجاة، ومن أهل الولاية للأئمة ~~الأطهار وكرامة الحق المتعالى. وإذا لم يكن له صبر على المعصية، بهذا ~~المقدار، لما تحقق له البعد عن المعصية. أنه يجب أن يتمتع بقدر من الجلادة ~~والإصرار والترويض النفسي. # تتميم: في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة # توجد في المقام نكتة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد أن أوصى بالورع فرع عليه قائلا (ولا تجترىء على خيانة ~~أبدا) مع أن الورع يكون عن كل المحرمات، أو يكون أعم من الخيانة، وعليه لا ~~بد من تفسير الخيانة بمعنى أعم من التفاهم العرفي لها، حتى تتطابق مع ~~الورع، بأن نقول إن مطلق المعصية أو اقتراف مطلق ما يمنع السير إلى الله ~~خيانة، لأن التكاليف الإلهية أمانات للحق سبحانه كما ورد في الآية الكريمة ~~(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) (2). الخ. حيث فسر بعض المفسرين ~~الأمانة بالتكاليف الإلهية، بل إن جميع الأعضاء، والجوارح والقوى، أمانات ~~للحق المتعالى واستعمالها على خلاف رضا الحق سبحانه، خيانة، كما أن توجيه ~~القلب إلى غير الحق يعد من الخيانة. بيت شعر: هذه الروح التي أعارها لي ~~الصديق الحميم سأرجعها إليه في اليوم الذي أرى وجهه. أو أن المقصود من ~~الخيانة نفس المعنى المتعارف، ويكون وجه التخصيص بذكرها لأجل شدة الاهتمام ~~بالخيانة، فكأن الورع كل الورع هو الابتعاد عن خيانة الأمانة. # ومن يرجع إلى أخبار المعصومين عليهم السلام المأثورة في رد الأمانة ~~والابتعاد عن الخيانة، لأدرك حجم اهتمام الشارع المقدس بهذا الموضوع. ويضاف ~~إلى ذلك هو أن قبحها الذاتي لا يخفى على أحد. وأنه يجب إخراج الإنسان ~~الخائن من المجتمع البشري، وإلحاقه بأرذل الشياطين. ومن المعلوم أن الإنسان ~~الذي يشتهر بين الناس بالخيانة، تضيق عليه الحياة وتصعب، حتى في هذا العالم أيضا. PageV01P258 # إن البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضهم البعض في ظل التعاون والتعاضد حياة ~~سعيدة، ولا يمكن لأحد، الحياة بصورة منفردة، إلا إذا غادر المجتمع البشري ~~والتحق بالحيوانات الوحشية. ثم إن العجلة الكبيرة التي ms366 تدور لتحريك الحياة ~~الاجتماعية، هي اعتماد الناس بعضهم على بعض، فإذا زال الاعتماد وتلاشت ~~الثقة، لما تمكن الإنسان أن يعيش هنيئا رغيدا. إن الركيزة الأساسية ~~للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك الخيانة، فلا يحظى ~~الخائن، بالاطمئنان لدى الناس ويعد مارقا على المدينة وخارجا عن العضوية ~~للمجتمع البشري وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة. ومن الواضح ~~أن مثل هذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي صعوبة بالغة. # ونحن لأجل تتميم الفائدة، نذكر في هذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن ~~أهل بيت العصمة عليهم السلام، إذ تكتفي بها القلوب الواعية، والأعين ~~الباصرة. # محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لا تنظروا إلى ~~طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك، ولكن ~~انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته(1). # وبإسناده عن أبي كهمس قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: عبدالله بن أبي ~~يعفور يقرئك السلام. قال: «عليك وعليه السلام، إذا أتيت عبدالله فأقرئه ~~السلام وقل له: إن جعفر بن محمد يقول لك، انظر ما بلغ به علي عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فالزمه، فإن عليا عليه السلام إنما بلغ به عند ~~رسول الله بصدق الحديث وأداء الأمانة» (2). # فيا عزيزي: تدبر في هذا الحديث الشريف، وانظر إلى أن مقام صدق الحديث ~~وأداء الأمانة دفعا بعلي بن أبي طالب عليه السلام إلى بلوغ ذلك المقام ~~الرفيع. # ويفهم من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب هاتين ~~الخصلتين أكثر من غيرهما، لأن هاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا ~~علي بن أبي طالب عليه السلام قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع، وإن الإمام ~~الصادق عليه السلام قد أبدى اهتماما بهاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال ~~والأوصاف، وذكر عليه السلام ابن أبي يعفور الذي هو من المخلصين والمقربين ~~له عليه السلام بهما خاصة. # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أبو ذر رضي الله عنه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه ms367 وآله وسلم يقول: حافتا الصراط يوم القيامة الرحم ~~والأمانة، فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة، وإذا مر ~~الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل وتكفأ به الصراط في ~~النار(3). # فعلم بأن صورتي الرحم والأمانة في ذلك العالم تقفان على طرفي الطريق، ~~وتعينان من يصل رحمه ويؤدي أمانته، ومع تركهما لا يفيدنا أي عمل آخر وإنما ~~بتركها يهوي الإنسان في النار. # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: «أدوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء. PageV01P259 # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في وصيته له: اعلم أن ضارب علي عليه ~~السلام بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه ~~لأديت إليه الأمانة(1). # ومحمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت سيد ~~العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السلام يقول لشيعته: عليكم بأداء ~~الأمانة فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق نبيا لو أن قاتل ~~أبي الحسين بن علي عليهما السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته ~~إليه» (2). # وبإسناده عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حديث المناهى أنه نهى عن الخيانة وقال: «من خان أمانة في ~~الدنيا ولم يردها إلى أهلها ثم أدركه الموت مات على غير ملتي ويلقى الله ~~وهو عليه غضبان ومن اشترى خيانة وهو يعلم فهو كالذي خانها» (3). # وتوجد بهذا المضمون أحاديث أخرى مذكورة في كتب الأخبار. ويعرف الجميع ~~مضاعفات سخط الذات المقدس الحق وغضبه على البعد. كما أنه من المعلوم أن ~~الشفعاء، لا يشفعون لمن هو مغضوب عليه لدى الحق سبحانه. وخاصة أن الخائن ~~يكون خارجا أيضا عن أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ففي حديث آخر ~~(ليس منا من خان مؤمنا) (4) وفي حديث ثالث عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من خان أمانة في الدنيا ولم يردها على أهلها مات على غير دين ms368 الإسلام ~~ولقي الله وهو عليه غضبان فيؤمر به إلى النار فيهوى به في شفير جهنم أبد ~~الآبدين (5) أعوذ بالله من هذه الخطيئة. # ومن المعلوم أن خيانة المؤمنين تعم الخيانة المالية والخيانات الأخرى ~~التي هي أكبر من الخيانة المالية. فيجب على الإنسان في هذه الدنيا أن يراقب ~~النفس الأمارة كثيرا، إذ ربما تقوم بعملية التعتيم للحقائق على الإنسان ~~وتذليل الصعوبات وتسهيلها، مع أنها توجب الشقاء الدائم والخذلان الأبدي. # هذه هي حالة الخيانة لعباد الله، ويتبين من هنا أيضا وضع الخائن لأمانة ~~الحق المتعالي. # في الإشارة إلى بعض أمانات الحق PageV01P260 ولا بد من معرفة أن الحق تبارك وتعالى، قد وهبنا كافة القوى والأعضاء ~~الظاهرية والباطنية، وبسط لنا بساط الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاهرية ~~والباطنية، ووضعها كلها تحت قدرتنا لتسخيرها، وائتمننا عليها بلطفه ورحمته، ~~وهي هذه العطايا طاهرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية وكذلك ما ~~أنزل علينا من عالم الغيب كان بعيدا عن الشوائب والعناصر الغريبة، فإذا ~~أرجعنا هذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس، من دون أن تصير ممزوجة مع ~~عالم المادة، وقذارات الملك والدنيا، كنا أمناء على الأمانة التي أودعت ~~عندنا، وإن لم نحافظ على طهارة هذه الأمانات، غدونا من الخائنين والخارجين ~~عن الإسلام الحقيقي، وملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وفي الحديث المشهور إن (قلب المؤمن عرش الرحمن) وفي الحديث القدسي ~~المعروف «لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (1). فإن ~~قلب المؤمن عرش الحق المتعالي، وسرير سلطنته وسكنى ذاته المقدس، وإنه ~~سبحانه صاحب هذا البيت، فالالتفات إلى غير الحق خيانة للحق، والحب لغير ~~ذاته الأقدس ولغير أوليائه الذين يعتبر حبهم حبه سبحانه، خيانة لدى ~~العرفاء. # وإن ولاية أهل بيت العصمة والطهارة، ومودتهم، ومعرفة مرتبتهم المقدسة، ~~أمانة من الحق سبحانه. كما ورد في الأحاديث الشريفة في تفسير الأمانة في ~~الآية (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) (2) بولاية أمير المؤمنين ~~عليه السلام. كما أن غصب خلافته وولايته، خيانة لتلك الأمانة وأن رفض ~~المتابعة للإمام علي عليه السلام ms369 مرتبة من مراتب الخيانة. وفي الأحاديث ~~الشريفة. # إن الشيعي هو الذي يتبع أمير المؤمنين عليه السلام اتباعا كاملا وإلا فإن ~~مجرد دعوى التشيع من دون الاتباع لا يكون تشيعا. # إن كثيرا من الأوهام، تعتبر من قبيل الشهوة الكاذبة يشتهي الإنسان الطعام ~~وهو شبعان، فإذا لمسنا في قلوبنا مودة علي عليه السلام وأولاده الطاهرين ~~اغتررنا بها، وحسبنا أن هذه المودة لوحدها ستبقى وتستمر من دون حاجة إلى ~~تبعية كاملة لهم. ولكن ما هو الضمان على بقاء هذه المودة إن لم نحافظ عليها ~~بل إن تخلينا عن آثار الصداقة والمودة التي هي المشايعة والتبعية؟ إذ من ~~الممكن أن الإنسان ينسى علي بن أبي طالب عليه السلام من جراء الذهول ~~والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين. ففي ~~الحديث (إن طائفة من أهل المعصية يتعذبون في جهنم وهم ناسون اسم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد انتهاء فترة العذاب وحصول الطهارة والنظافة ~~من قذارات المعاصي يتذكرون اسم النبي المبارك أو يلقى الاسم في قلوبهم، ~~فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه صلى الله عليه وآله وسلم فتشملهم بعد ~~ذلك الرحمة). PageV01P261 # إننا نظن أن حادثة الموت وسكراته، تضاهي حوادث هذا العالم. عزيزي إنك عندما ~~تعاني من مرض بسيط، تنسى كل علومك وثقافاتك، فكيف بك عندما تواجه الصعاب ~~والضغوط والمصائب والأهوال التي ترافق الموت وسكراته؟ إذا تصادق الإنسان مع ~~الحق سبحانه، وعمل حسب متطلبات الصداقة، وتذكر الحبيب وتبعه، كانت تلك ~~الصداقة مع الولي المطلق، والحبيب المطلق الذي هو الحق المتعالي محبوبة ~~لديه سبحانه، وملحوظة عنده تعالى. ولكنه إذا ادعى المودة ولم يعمل حسب ~~مقتضاها بل خالفه، فمن الممكن أن الإنسان يتخلى عن تلك الصداقة مع الولي ~~المطلق قبل رحيله من هذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدلات والأحداث ~~المتقلبة في هذا في هذا العالم. بل والعياذ بالله قد يصير عدوا له سبحانه ~~وتعالى. كما أننا شاهدنا أشخاصا كانوا يدعون المودة والصداقة وبعد العشرة ~~اللامسؤولة، والأعمال البشعة تحولوا إلى أعداء وخصماء لله ورسوله صلى الله ~~عليه ms370 وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام. وإذا فرضنا أن هؤلاء رحلوا من هذا ~~العالم على حب محمد وآله، فهم على حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة ~~من أهل النجاة يوم القيامة ومصيرهم السعادة، ولكنهم يكونون في معاناة لدى البرزخ # وأهوال الموت وعند لحشر ففي الحديث (إننا شفعاؤكم يوم القيامة ولكن ~~تزودوا لبرزخكم) (1). # أعوذ بالله من عذاب القبر وضغطه وشدة البرزخ وعذابه، حيث لا يشابهه شيء ~~في هذا العالم. إن الكوة التي تفتح من جهنم على القبر، لو انفتحت على هذا ~~العالم لهلكت كافة الموجودات. نعوذ بالله منه. # فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي # إعلم أن الخوف من الحق جل وعلا من المنازل التي قلما نستطيع أن نجد ~~للعوام من الناس منزلة وفضيلة في مستوى منزلة الخوف من الحق سبحانه. وهذا ~~الخوف مضافا إلى أنه يكون من الكمالات المعنوية، يعتبر منشأ لكثير من ~~الفضائل النفسية، وعاملا هاما لإصلاح النفس، بل مصدر جميع الإصلاحات للنفس، ~~ومبدأ لعلاج جميع الأمراض الروحية. ويجب على الإنسان المؤمن بالله، السالك ~~والمهاجر إلى الله، أن يهتم كثيرا بهذه المنزلة، وأن يقبل بوجهه أكثر فأكثر ~~على ما يبعث الخشية من الله في القلب، ويعمق جذوره فيه، مثل التفكر في ~~العذاب والعقاب وشدة أهوال الموت وبعد الموت من عالم البرزخ والقيامة، ~~والصراط والميزان والحساب وألوان عذاب جهنم، ومثل التذكر لعظمة الحق ~~المتعالي وجلاله وقهره وسلطانه ومكره وسوء العاقبة وأمثال ذلك. # وحيث أننا عرضنا شرحا مختصرا لكل هذه المراحل في هذا الكتاب، اقتصرنا هنا ~~على ذكر بعض الأحاديث في فضيلة الخوف من الله تعالى. # محمد بن يعقوب بإسناده عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه ~~السلام: «يا إسحاق، خف الله كأنك تراه، وإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن كنت ~~ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد ~~جعلته من أهون الناظرين عليك» (2). PageV01P262 # واعلم أنه إذا عرف شخص كيفية تجلي الحق في الملك والملكوت، وظهور الذات ~~المقدس في السموات ms371 والأرضين، بواسطة المشاهدة الحضورية، أو المكاشفة ~~القلبية، أو الإيمان الحقيقي وإذا أدرك كيفية ارتباط الحق بالخلق، والخلق ~~بالحق على ما هي عليها، وكيفية ظهور المشيئة الإلهية في الكائنات الموجودة، ~~وفناء هذه الموجودات في تلك الإرادة على ما هي عليها، لعرف بأن الحق ~~المتعالي حاضر في كل مكان وحيز ولشاهده بالعلم الحضوري في جميع الموجودات، ~~كما يقول الإمام الصادق المصدق عليه السلام «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله ~~معه أو فيه وتنكشف عليه حقيقة كنت سمعه وبصره ويده المتوخاة من التقريب ~~بالنوافل». فيرى الحق حاضرا في جميع مراتب الوجود، حسب مرتبته ومقامه إما ~~علما أو إيمانا أو عينا وشهودا. ومن المعلوم، أن السالك في أي مقام كان، ~~يراعي حضور الحق، ويمتنع عن مخالفة ذاته المقدس، لأن مراعاة الحضور والمحضر ~~من الأمور الفطرية التي جبل عليها الإنسان، فإنه مهما كان مستهترا ومن دون ~~حياء، فرق بين حضور الطرف الآخر وغيابه، خاصة إذا كان حضورا للمنعم العظيم ~~الكامل، لأن فطرة الإنسان تراعي حضور كل شيء بصورة مستقلة. # في بيان اختلاف الناس في مراعاة حضور الحق # ولا بد من معرفة أن كل واحد من أهل الإيمان والسلوك والعرفان والولاية، ~~يراعون حضور الحق سبحانه وحضرته حسب مرتبتهم التي تخصهم، فإن المؤمنين ~~والمتقين يراعون حضوره جل وعلا بامتثال الأوامر وترك النواهي. والمجذوبين ~~بعدم الالتفات إلى الغير، والانقطاع التام الكامل عن غيره. والأولياء ~~الكملين بنفي الغير وإزهاق الأنانية. وملخص الكلام أن من المقامات الشامخة ~~لأهل المعرفة وأصحاب القلوب، مشاهدة حضور الحق المتعالي ومراعاة حضرته. كما ~~أنه لدى مشاهدتهم كيفية العلم الفعلي للحق سبحانه، وفناء الأشياء فيه ~~تعالى، وحضور الموجودات لدى ساحة قدسه، ومعرفتهم بأن هذا العالم في محضر ~~الرب المتعالي، يراعون محضره، كل حسب مقامه الذي يحظي فيه. وهذا أيضا من ~~الأمور الفطرية. # وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المقام الأول مشاهدة حضور ~~الحق سبحانه في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام، هذه الوصية التي نحن ~~بصدد شرحها. كما أشير إليه في الحديث الشريف لأسحاق ms372 بن عمار بقوله عليه ~~السلام والثالثة: الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه. وأشار الإمام الصادق ~~عليه السلام إلى المقام الثاني مشاهدة كيفية العلم الفعلي سبحانه وتعالى ~~بقوله وإن كنت لا تراه فإنه يراك. وإلى فطرية رعاية محضره سبحانه، بقوله ~~وإن كنت تعلم أنه يراك. # إن للخوف مراتب حسب اختلاف مراتب أهل الإيمان والسلوك وذوي الترويض للنفس ~~وأرباب العرفان، ويعتبر من المراتب العظيمة للخوف، الخشية من عظمة الحق ~~وتجلياته القهرية والجلالية. ومن الممكن أن لا نجعل هذا المقام من مراتب ~~الخوف، كما يقول العارف المعروف في كتاب (منازل السائرين) وليس في مقام أهل ~~الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الإجلال. # في فضل البكاء # إن للبكاء من خشية الله سبحانه فضلا كبيرا، كما ورد في هذا الحديث (يبنى ~~لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة). PageV01P263 # روى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه بسنده المتصل إلى ~~الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حديث المناهي قال: ومن ذرفت عيناه من خشية الله، كان له بكل قطرة من دموعه ~~قصر في الجنة مكلل بالدر والجوهر، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر(1). # وعن ثواب الأعمال بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ليس شيء إلا وله شيء يعدله إلا الله فإنه لا ~~يعدله شيء، ولا إله إلا الله لا يعدله شيء، ودمعة من خوف الله فإنه ليس لها ~~مثقال، فإن سالت على وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلة بعدها أبدا(2). # وفي عيون الأخبار عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: ~~«قال الصادق عليه السلام أن الرجل ليكون بينه وبين الجنة أكثر مما بين ~~الثرى والعرش لكثرة ذنوبه فما هو إلا أن يبكي من خشية الله عز وجل ندما ~~عليها حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته» (3). # وفي الكافي وعن أبي عبد الله عليه السلام ms373 قال: (ما من شيء إلا وله كيل ~~ووزن إلا الدموع فإن القطرة تطفي بحارا من نار ولو أن باكيا بكى في أمة ~~لرحموا) (4). # وهناك أحاديث كثيرة بهذا المضمون مأثورة عن المعصومين عليهم السلام. # في بيان وتوجيه المكافأة العظيمة على الأعمال البسيطة # يجب أن نشير إلى أن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، غير المطمئنة تعترض على ما ~~ورد في الأحاديث الشريفة من المكافأة العظيمة يوم القيامة على أمور جزئية ~~بسيطة، في حين أننا غافلون عن أن شيئا إذا كان عندنا تافها وبسيطا لما كان ~~دليلا على أن صورته الغيبية الملكوتية أيضا بسيطة وتافهة؛ إذ من الممكن أن ~~يكون شيئا متواضعا ولكن باطنه وملكوته في منتهى الجلال والعظمة. فإن الهيكل ~~المقدس لرسول صلى الله عليه وآله وسلم والشكل الخارجي لجسم الرسول الأكرم ~~المعظم صلى الله عليه وآله وسلم، من الكائنات الصغيرة في هذا العالم، ولكن ~~روحه المقدسة كانت تحيط بالملك والملكوت، وكان صلى الله عليه وآله وسلم ~~واسطة لإيجاد السماوات والأرضين، فالحكم على صغر الصورة الباطينة الملكوتية ~~لشيء، يتفرع على العلم بعالم الملكوت، وبواطن الأشياء، ولا يحق لأمثالنا ~~إصدار مثل هذا الحكم. ولا بد لنا من الانتباه لكلمات علماء عالم الآخرة أي ~~الأنبياء والأولياء عليهم السلام والإذعان لما يقولون. # ثم إن ذلك العالم قائم على التفضل وبسط رحمة الحق اللامتناهية، ومن ~~المعلوم أنه لا حدود لتفضل الحق المتعالي أنه لمن منتهى الجهل استبعاد تفضل ~~ذي الجود المطلق، وذي الرحمة اللامحدودة. PageV01P264 # إن النعم التي منحها سبحانه لعباده والتي تبعث على عجز العقول عن إحصاء ~~مفرداتها بل علي العجز عن إحصاء كلياتها، هذه النعم كانت من دون طلب ~~واستحقاق، فما هو المانع، أن يتلطف الحق سبحانه على عباده، انطلاقا من ~~تفضله البحت ومن دون أي سبب، أضعافا مضاعفة من الأجر والمثوبة؟ وهل نستطيع ~~أن نستبعد المكافأة العالية والكثيرة في عالم قد قيل فيه (وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين) (1). موضوع تحت تصرف إرادة الإنسان رغم عدم وجود حد ~~محدود لمشتهيات الإنسان؟ إن الله سبحانه قد ms374 خلق عالم الآخرة وخلق إرادة ~~الإنسان بصورة لو أراد الإنسان شيئا لتحقق ذلك الشيء بنفس إرادته. فلا ~~استبعاد لمكافأة كثيرة وكبيرة في ذلك العالم على أعمال بسيطة وجزئية. # عزيزي إن الأخبار والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن مثل هذه المثوبات ~~الكثيرة لا تتحدد بالواحد والاثنين والعشرة حتى نستطيع أن نناقش فيها، ~~وإنما هي فوق حد التواتر فإن جميع الكتب المعتبرة المعتمدة مشحونة بأمثال ~~هذه الأحاديث، وتكون هذه الأخبار الكثيرة بمثابة ما إذا كنا قد سمعنا ~~الحديث بآذاننا من المعصومين عليهم السلام، ومن دون حاجة إلى التأويل ~~والتفسير. إذن إنكار موضوع المكافأة الكثيرة على العمل البسيط الموافقة ~~للنصوص المتواترة، والتي لا تصطدم أيضا مع البراهين بل تتطابق مع سلسلة من ~~الأدلة، إنكار ذلك يكون من جراء ضعف في الإيمان ومنتهى الجهالة. # يجب على الإنسان أن يكون مستسلما لأقوال الأنبياء والأولياء عليهم السلام ~~ولا يوجد شيء في سبيل تكامل الإنسان، أفضل من التسليم والطاعة أمام أولياء ~~الحق. وخاصة في الأمور التي لا مجال للعقل في التطرق إليها ولا يوجد سبيل ~~لإدراكها واستيعابها إلا بواسطة الوحي والرسالة. ولو أراد الإنسان أن يتطرق ~~بعقله الصغير وأوهامه وظنونه، إلى الأمور الغيبية الأخروية، والتعبدية ~~الشرعية، لانتهى أمره إلى إنكار الضروريات والمسلمات، لأنه ينجر من القليل ~~إلى الكثير رويدا رويدا، ومن البسيط إلى الأعلى حتى يفضي به الأمر إلى جحود ~~الأوليات البديهية من الدين. # لو فرضنا أن الإنسان ناقش في الأخبار وسندها رغم أنه لا مجال لمثل هذه ~~المناقشة لما استطاع أن يناقش في الكتاب الكريم والقرآن السماوي المجيد ~~حيث نجد فيه أيضا ذكرا لأمثال هذه المثوبات، مثل قوله تعالى: (ليلة القدر ~~خير من ألف شهر) (2). وقوله تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) (3). # بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل هذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة ~~على العمل الصغير، العجب واستعظام العمل: مثلا إذا صام شخص يوما واحدا، أو ~~أحيا ليلة واحدة بالعبادة، ms375 فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع بأن جزاءه ~~ثواب عظيم، ولكنه إذا عرف بأن هذا الثواب ثمن عمله استبعد عظمة الأجر ~~والثواب، وبعد أن استعظم عمله ويعجب به، يتلاشى الاستبعاد ويصدق الثواب ~~العظيم ويؤمن به. PageV01P265 # عزيزي إذا فرضنا بأننا كنا طيلة حياتنا التي نعيشها خمسين أو ستين عاما، من ~~الملتزمين لكل الوظائف الشرعية، ثم ارتحلنا من هذه الدنيا مع إيمان صحيح ~~وعمل صالح وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لهذا القدر من الإيمان ~~والعمل؟ مع أن هذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع ~~الأمم، تشمله رحمة الحق سبحانه، وتدخله الجنة الموعودة، هذه الجنة التي ~~يخلد الإنسان في نعمها ورفاهها، ويعيش إلى الأبد في الرحمة والروح ~~والريحان، ولا مجال لإنكار ذلك أبدا، مع أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء ~~بالعمل على فرض أن يكون لعملنا مكافأة لما استحق هذا القدر من الجزاء ~~الذي يعجز العقل عن تصور كميته وكيفيته. # فيظهر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل، بل تكون منوطة بشيء ~~آخر الرحمة الواسعة الإلهية وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد هذه المكافأة ~~العظيمة على عمل صغير ورفضها. # فصل: في بيان عدد النوافل # إن مقصود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله (أما الصلاة ~~فالخمسون ركعة) الموافق لسنته (الآخذ بسنتي في صلاتي)، هو الصلوات من ~~فرائضها ونوافلها عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدان ركعة ~~واحدة، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع هاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ~~ركعة. ولعل تجاهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذكر هذه الركعة لأجل ~~أن خمسين ركعة هذه، مستحب مؤكد. كما تدل على ذلك رواية ابن أبي عمير قال: ~~سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل ما جرت به السنة من الصلاة قال: ~~«تمام الخمسين» (1). # ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على أداء الخمسين ركعة هذه. مع أن هناك روايات أخرى تدل على أن رسول ~~الله صلى ms376 الله عليه وآله وسلم قد كان يأتي بالعتمة الركعتان من جلوس بعد ~~صلاة العشاء ولعل عدم ذكرها ضمن النوافل، وجعل السنة خمسين ركعة، لأجل أن ~~العتمة بديل عن صلاة الوتر من دون أن تكون لها استقلالية، كما تدل على ذلك ~~رواية فضيل بن يسار، وتسمى في الرواية الشريفة بالوتر. وفي بعض الروايات ~~أنه من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلاة الوتر. ففي ~~الحقيقة أن صلاة العتمة هي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديها فبل وقتها خشية ~~موتنا تلك الليلة، فعندما يحل وقتها لا تكون تلك العتمة مجزية عنها. وفي ~~بعض الروايات أن العتمة لم تكن من نوافل الصلوات اليومية، وإنما أضيفت حتى ~~تكون النوافل ضعف الفرائض. # وملخص الحديث أنه لا تهاتف بين هذه الروايات، فإنه من الممكن أن تكون ~~خمسون ركعة من أفضل السنن، وهاتان الركعتان من جلوس العتمة مستحبتان غير ~~مؤكدتين، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف، وللاحتياط في الإتيان بالعتمة قبل ~~مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر. PageV01P266 # وعلى أي حال هناك فضل كبير للنوافل اليومية، بل اعتبر في بعض الروايات أن ~~من المعاصي ترك النافلة وفي بعض آخر أن الله سبحانه سيعذب الإنسان على ترك ~~السنة. وفي بعضها تصريح بوجوب النوافل. ويكون هذا التعبير لأجل التأكيد على ~~الإتيان بها والردع عن تركها. وينبغي على الإنسان مهما أمكن أن لا يتركها، ~~لأن الهدف المنشود من ورائها حسب الروايات المذكورة إتمام الفرائض وقبولها. ~~ففي بعض الأحاديث قال الصادق عليه السلام (شيعتنا أصحاب الإحدى وخمسين ~~ركعة) (1)ويظهر من هذا الحديث أن الشيعة هم الذين يأتون بالإحدى وخمسين ~~ركعة، ولم يتقصروا على الاعتقاد بها فحسب من دون أن ينجزوها. ويقابلهم أهل ~~السنة. ويظهر ذلك من حديث علامات المؤمن عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري ~~عليه السلام قال: علامات المؤمن خمس، وعد منها صلاة الإحدى وخمسين(2). # في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر # وأما السنة الثانية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فهي ms377 الصيام ~~ثلاثة أيام في الشهر. وقد ورد في فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية. وحصل ~~خلاف لدى العلماء الإعلام حول كيفية ذلك. والذي يشتهر بينهم ويتطابق مع ~~الأحاديث الكثيرة، وعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نهاية عمره ~~الشريف، وعمل أئمة الهدى، هو صوم ثلاثة أيام في الشهر الواحد هي: أول خميس ~~من الشهر، وهو يوم عرض الأعمال. والأربعاء الأول من العشرة الثانية وهو يوم ~~نحس مستمر، ويوم نزول العذاب. والخميس الأخير من الشهر الذي هو يوم عرض ~~الأعمال أيضا. وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام... لأن من قبلنا من ~~الأمم كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب، نزل في هذه الأيام فصام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأيام لأنها الأيام المخوفة) (3). وفي صدر ~~هذا الحديث (وقال ليعدلن صيام ثلاثة أيام في الشهر صوم الدهر). وعلل في ~~بعض الروايات بالآية الكريمة (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (4). # وأما الروايات التي تخالف الأحاديث المذكورة من جهة تعيين أيام الصيام ~~الثلاثة، فهي محمولة على مراتب الفضل. وإذا افترضنا التهافت والتعارض بين ~~هاتين المجموعتين من الأخبار، كان الترجيح من جهات شتى للروايات التي منها ~~الحديث الشريف. بل نستطيع أن نقول بأنه من التعارض بين النص والظاهر أو بين ~~الأظهر والظاهر، والمجموعة التي فيها الحديث المذكور نص وأظهر فتتقدم على ~~المجموعة التي تقابلها وتعارضها. PageV01P267 # وأما مرسلة الصدوق التي تقول (وروي عن العالم أنه سئل عن خميسين يتفقان في ~~آخر العشر، فقال صم الأول لا تلحق الثاني) (1). فلا تتنافى مع هذه الأخبار، ~~لأن ظاهرها البلوغ إلى الثواب العاجل، إذ من المحتمل أن لا يتوفق الإنسان ~~إلى الصيام في الخميس الثاني بسبب مفاجأته الموت. كما ورد نفس هذا المضمون ~~في تعليل صلاة العتمة. فهذه الرواية مرسلة الصدوق بنفسها تدل على ~~المقصود، من أفضلية الصوم في الخميس الأخير من الشهر، ولا تمت إلى الأخبار ~~المعارضة بصلة. والظاهر أن الإنسان إذا صام الخميس الأول من الشهر، وبقي ~~على قيد الحياة حتى حلول ms378 الخميس الأخير من الشهر، فالأفضل صومه أيضا، لنيل ~~ثوابه، إذ أن الصوم في الخميس الأول لا يغني عنه. وما ذكره المحقق الجليل ~~فيض الكاشاني والمحدث العالي الشأن صاحب الحدائق عليهما الرحمة للجمع بين ~~هاتين المجموعتين من الأحاديث فبعيد، وخاصة كلام صاحب الحدائق رضوان الله ~~تعالى عليه. # في بيان أفضلية الصدقة # وأما السنة الثالثة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي عبارة عن: ~~(أما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف) وهي من المستحبات، التي قل ~~أن يبلغ مثوبتها في الأجر والثواب، عمل آخر. والأخبار في التصدق حتى على من ~~لا يوافقنا في الدين، وعلى الحيوانات البرية والبحرية، أكثر مما يتناسب مع ~~حجم هذا الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعضها: # محمد بن يعقوب بإسناده عن عبد الله بن سنان في حديث قال: قال أبو عبد ~~الله عليه السلام: ليس شيء أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن، وهي تقع ~~في يد الرب تبارك وتعالى قبل أن تقع في يد العبد. # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إن الله لم يخلق شيئا ~~إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة فإن الرب يليها بنفسه؛ وكان أبي إذا تصدق ~~بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد السائل(2). # وهناك أحاديث أخرى قريبة من مضمون هذا الحديث، دالة على عظمة شأن الصدقة ~~وجلالة قدرها، حيث إن الله سبحانه لم يخول أمرها إلى شخص آخر، وإنما تولى ~~هو بنفسه مع يد قدرته وإحاطته القيومية، المحافظة على صورة الصدقة الغيبية ~~الكاملة. # ثم إن التدبر في هذا الحديث الشريف وأمثاله المذكورة في الأبواب المختلفة ~~من كتب الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، يبعث على استكشاف التوحيد الفعلي ~~للحق سبحانه، والتجلي القيومي لدى أهل المعرفة وأصحاب القلوب العرفاء ~~ويشير إلى نكتة مهمة، يجب على من يؤدي هذا الأمر المهم التصدق الالتفات ~~إليها، وهي: # إن الإنسان عندما يتصدق بيده إذا من على الفقير أو أساء إليه والعياذ ~~بالله، كانت منته وإساءته ms379 أولا إلى الله تعالى وثانيا إلى الفقير. كما أنه ~~إذا خشع وتواضع وأبدى منتهى الذل والمسكنة لدى تقديم الصدقة إلى السائل ~~المؤمن، كان خضوعه وذله وخشوعه لله أولا ثم للفقير المؤمن ثانيا. كما رأينا ~~بأن عالم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعاشق جمال الحق المتعالي، ~~الإمام باقر العلوم عليه السلام (إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده ~~منه فقبله وشمه ثم رده في يد السائل). PageV01P268 # والله سبحانه وتعالى يعلم بأن مثل هذه المغازلة مع المعشوق جل وعلا إلى أي ~~حد كانت تبعث على قرار نفس العاشق المجذوب، وراحة أعماق الإمام المقدسة ~~وكانت تسبب إخماد ذلك اللهب والضرام المتأجج في صدره صلوات الله وسلامه عليه. # ومن المؤسف جدا آلاف المرات أني قدمت إلى هذا العالم وأنا مستغرق في بحار ~~هوى النفس، وملتصق بالأرض المادية، ومقيد بالشهوات وأسير للبطن والفرج، ~~وغافل عن عالم ملك الوجود، وسكران بسكر الأنانية والذاتية، من المؤسف إني ~~سأفارق هذا العالم، ولم أدرك شيئا من محبة الأولياء، ولم أفهم شيئا أبدا من ~~جذباتهم وجذواتهم ومنازلهم ومغازلتهم، بل كان حضوري في هذا العالم حضورا ~~حيوانيا، وحركاتي حركات حيوانية وشيطانية. وعليه فسيكون موتي أيضا حيوانيا ~~وشيطانيا. اللهم إليك المشتكى وعليك المعول. # إلهي: أنقذنا بنور هدايتك، وأيقظنا من هذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى ~~عالم الغيب والنور ودار البهجة والسرور، ومحفل الإنس، والخلوة الخاصة بك. # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظله» (1) وفي ~~الرواية عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى «أنا خالق كل ~~شيء، وكلت بالأشياء غيري إلا الصدقة فإني أقبضها بيدي، حتى أن الرجل يتصدق ~~بشقة التمرة فأربيها له كما يربي الرجل منكم فصيلة وفلوه حتى أتركه يوم ~~القيامة أعظم من أحد»(2). وروايات كثيرة من هذا القبيل. PageV01P269 # وورد في أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الصدقة تدفع ~~ميتة السوء) ms380 (1)وعن أبي الحسن عليه السلام (قال: إستنزلوا الرزق بالصدقة) ~~(2) وعن أبي عبدالله عليه السلام (قال: حسن الصدقة يقضي الدين) (3)وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال البر والصدقة ينفيان الفقر، ~~ويزيدان في العمر، ويدفعان سبعين ميتة سوء) (4)وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «إن الصدقة وصلة الرحم تعمران الديار وتزيدان في الأعمار» (5) ~~وعن أبي جعفر عليه السلام (إنه قال الصدقة على خمسة أجزاء، جزء الصدقة فيه ~~بعشرة وهي الصدقة على العامة. وقال تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~وجزء الصدقة فيه بسبعين وهي الصدقة على ذوي العاهات، وجزء الصدقة فيه ~~بسبعمائة وهي الصدقة على ذوي الأرحام، وجزء الصدقة بسبعة آلاف وهي الصدقة ~~على العلماء وجزء الصدقة بسبعين ألفا وهي الصدقة على الموتى) (6) وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن الصدقة لا تزيد المال إلا كثرة) (7). عن ~~أبي عبد الله عليه السلام أنه قال (إرغبوا في الصدقة وبكروا بها، فما من ~~مؤمن يتصدق بصدقة حين يصبح يريد بها ما عند الله، إلا دفع الله بها عنه شر ~~ما ينزل من السماء في ذلك اليوم أو قال وقاه الله شر ما ينزل من السماء في ~~ذلك اليوم) (8) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ومن أحب أن يذهب ~~الله عنه نحس ليلته فليفتتح ليلته بصدقة، يدفع الله عنه نحس ليلته) (9) وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة ~~الداء و... ) (10) وعن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: لأن أحج حجة ~~أحب إلي من أن أعتق رقبة ورقبة حتى انتهى إلى عشر ومثلها ومثلها حتى انتهى ~~إلى سبعين ولأن أعدل أهل بيت من المسلمين أشبع جوعتهم وأكسو عورتهم وأكف ~~وجوههم عن الناس أحب إلي من أن أحج حجة وحجة حتى انتهى إلى عشر وعشر ومثلها ~~ومثلها حتى انتهى إلى سبعين. (11). PageV01P270 # مع أنه قد ورد في عتق الرقاب عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: قال ms381 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعتق مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من ~~النار(1). وعن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام أعتق ~~ألف مملوك من كديده(2) وغير ذلك من الروايات التي يبعث عرضها على إطالة لا ~~موجب لها. # في بيان أمر دقيق آخر # ونحن ننهي هذا الموضوع بذكر أمر دقيق لا بد من معرفته وهو أنه قد ورد في ~~الآية الشريفة قوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (3). # وفي الحديث عن الحسين بن علي والصادق صلوات الله عليهما أنهما كانا ~~يتصدقان بالسكر ويقولان إنه أحب الأشياء إلينا وقد قال الله تعالى (لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (4). # وفي الحديث عن أبي الطفيل قال: اشترى علي عليه السلام ثوبا فأعجبه فتصدق ~~به وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من آثر على نفسه ~~آثره الله يوم القيامة بالجنة ومن أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم ~~القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف وأنا أكافيك اليوم ~~بالجنة) (5). # وروى أن أبا طلحة وهو من الأصحاب قسم حائطا بستانا له في أقاربه عند ~~نزول هذه الآية وكان أحب أمواله إليه فقال له رسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (بخ بخ ذلك مال رابح لك) (6). # عبدالله عليه السلام (إلى أن قال) فقال إن الحسن بن علي عليه السلام قاسم ~~ربه ثلاث مرات حتى نعلا وعلا وثوبا ودينارا ودينارا) (7). # وفي حديث آخر عن ابن أبي نصر، قال قرأت في كتاب الحسن عليه السلام إلى ~~أبي جعفر يا أبا جعفر بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير ~~وإنما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحدا خيرا، وأسألك بحقي عليك لا يكن ~~مدخلك ومخرجك إلا من الباب الكبير فإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا ~~يسألك أحد شيئا إلا أعطيته ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه اقل من ~~خمسين دينارا والكثير إليك إني إنما أريد بذلك ms382 أن يرفعك الله فأنفق ولا ~~تخشى من ذي العرش إقتارا(8). PageV01P271 # ولا تتهافت هذه الروايات المذكورة مع الأحاديث التالية التي تقول (سأل رجل ~~أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عز وجل (وأتوا حقه يوم حصاده ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فقال كان فلان بن فلان الأنصاري سماه وكان له ~~حرث فكان إذا حل يتصدق به فيبقى هو وعياله بغير شيء فجعل الله عز وجل ذلك ~~سرفا) (1). # وعن أبي عبدالله عليه السلام إلى أن يقول فيكون من الثلاثة الذين يرد ~~دعاؤهم قلت من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في وجهه ثم قال يا رب ~~أرزقني فيقال له ألم أجعل لك سبيلا إلى طلب الرزق) (2). # وعن أبي عبدالله عليه السلام (قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أفضل الصدقة صدقة تكون عن فضل الكف) (3). ووجه عدم التهافت هو أن الإكثار ~~في التصق قد لا يبلغ مرحلة التضييق على الأهل والعيال. إذ ربما اشاص ~~يتصدقون بنصف أموالهم أو أكثر مع المحافظة على كفا أهلهم، وعدم دفعهم نحو ~~الضيق والعسر. # في بيان سر من أسرار الصدقة # لا بد وأن نعرف بأن الإنسان قد نشأ وتربى على حب المال والجاه والزخارف ~~الدنيوية وقد انعكس هذا التعلق على قلبه، وتعمق فيه وأضحى مصدرا لكثير من ~~المفاسد الخلقية والسلوكية، بل للانحرافات الدينية. كما ورد في أحاديث ~~كثيرة وأشرنا إلى ذلك في غضون شرحنا لبعض الأحاديث. وعليه إذا استطاع ~~الإنسان بواسطة الصدقات أو الإيثار على النفس أن يستأصل من قلبه هذا التعلق ~~أو يخفف منه، لتمكن من اجتثاث مادة الفساد ومصدر الأعمال المشينة فترة ~~حياته وفتح أبواب المعارف الإلهية، وعالم الغيب والملكوت، والملكات ~~الفاضلة، على نفسه. وهذا من الأمور الهامة في الإنفاق المالي الواجب ~~والمستحب وخاصة في الإنفاق المستحب حيث لا بد من الإقلاع عن التعلق بالدنيا ~~حتى يتم البذل. وهو واضح. # إذن يتبين من كافة الأخبار والأحاديث في هذا الموضوع أن الصدقة تشتمل على ~~الفضائل الدنيوية والأخروية حيث ترافق الإنسان من ms383 اللحظة الأولى من التصدق ~~فتدفع الشر والبلاء عن الإنسان حتى يوم القيامة ومواقفها إلى أن تدخل ~~الإنسان إلى الجنة وتسكنه جوار الحق سبحانه. # تتمة # لا بد وأن نعرف بأن صدقة السر أفضل من الصدقة في العلانية، كما ورد في ~~الكافي الشريف بسنده إلى عمار الساباطي عن الإمام الصادق عليه السلام قال ~~يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله ~~العبادة في السر أفضل منها في العلانية. # وقد ورد في أحاديث كثيرة عن أبي جعفر عليه السلام قال:قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: صدقة السر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى. (4). PageV01P272 # وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ~~ظل إلا ظله إلى أن قال ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما ~~تنفق شماله) (1). # ولعل نكتة أفضلية صدقة السر تكمن أولا في أن عبادة السر أبعد من الرياء، ~~وأقرب إلى الإخلاص، وثانيا أن صدقة السر تحافظ على كرامة الفقراء. # وأيضا أن الصدقة على الأرحام والأقرباء أفضل من التصدق على غيرهم، لأن ~~عنوان صلة الرحم الذي هو من أفضل العبادات ينطبق على مثل هذه الصدقة. ففي ~~الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أي الصدقة أفضل؟ قال على ذي الرحم الكاشح(2). وعن أبي عبدالله عليه ~~السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..... وصلة الإخوان ~~بعشرين وصلة الرحم بأربعة وعشرين) (3). وفي بعض الروايات عن محمد بن علي بن ~~الحسين قال: قال عليه السلام: لا صدقة وذو رحم محتاج(4). # ختام: # إعلم أنه يظهر من وقله (عليه السلام) في هذا الحدث الشريف: «وأما الصدقة ~~فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف» أن المطلوب في الصدقة الإكثار فيها وأنه ~~لا يتحقق الإسراف مهما أكثر الإنسان من التصدق. وفي الحديث: قال سألت أبا ~~عبد الله «عليه السلام» (إلى أن قال:) فقال: إن الحسن بن علي «عليه السلام ~~قاسم ربه ثلاث مرات ms384 حتى نعلا ونعلا وثوبا وثوبا ودينارا ودينارا» (5). # وفي حديث آخر عن إبن أبي نصر، قال: «قرأت في كتاب أبي الحسن عليه السلام ~~إلى أبي جعفر يا أبا جعفر بلغني أن المتوالي إذا ركبت أخرجوك من الباب ~~الصغير وإنما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحد خيرا، وأسألك بحقي عليك لا ~~يكن مدخلك ومخرجك إلا من الباب الكبير فإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا ~~يسألك أحد شيئا إلا أعطيته ومن سألك من عمومتك أن تبره فلاتعطه أقل من ~~خمسين دينارا والكثير إليك ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة وعشرين ~~دينارا والكثير إليك إني إنما أريد بذلك أني رفعك الله فأنفق ولا تخشى من ~~ذي العرش إقتارا» (6). # ولا تتهافت هذه الروايات المذكورة من الأحاديث التالية التي تقول: «سأل ~~رجل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل {وآتوا حقه يوم حصاده ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري سماه وكان له ~~حرث فكان إذا حل يتصدق به فيبقى هو وعياله بغير شيء فجعل الله عز وجل ذلك ~~سرفا» (7). # وعن أبي عبد الله «عليه السلام» (على أن يقول) : «فيكون من الثلاثة الذين ~~يرد دعاؤهم قلت من هم قلت من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في وجهه ~~ثم قال يا رب أرزقني فيقال له ألم أجعل لك سبيلا إلى طلب الرزق». PageV01P273 # وعن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وآله ~~وسلم»: أفضل الصدقة صدقة تكون عن فضل الكف(1). ووجه عدم التهافت هو أن ~~الإكثار في التصدق قد لا يبلغ مرحلة التضييق على الأهل والعيال. إذ ربما ~~أشخاص يتصدقون بنصف أموالهم أو أكثر مع المحافظة على كفاف أهلهم، وعدم ~~دفعهم نحو الضيق والعسر. # فصل: في فضيلة صلاة الليل # أبدى هذا الحديث الشريف، إهتماما بالغا تجاه صلاة الليل وصلاة الظهر ~~«وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة ~~الزوال وعليك بصلاة الزوال ms385 وعليك بصلاة الزوال» أما بالنسبة على صلاة الليل ~~فقد تولينا الحديث عنها لدى شرحنا لبعض الأحاديث المتقدمة(2). وهنا نكتفي ~~في ذكر الروايات الشريفة المأثورة في فضيلة صلاة الليل. # في الوسائل عن كتاب الكافي بسنده إلى أبي عبد الله الإمام الصادق «عليه ~~السلام» قال: «شرف المؤمن صلاته باليل، وعز المؤمن كفه عن أعراض الناس» (3). # وعن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: «قال النبي» صلى الله عليه وآله ~~«لجبرائيل: عظني فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك ~~مفارقه وأعمل ما شئت فإنك ملاقيه وأعلم أن شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه ~~كفه عن أعراض الناس» (4). وعن جعفر بن محمد قال: «المال والبنون زينة ~~الحياة الدنيا، وثمان ركعات من آخر الليل، والوتر زينة الآخرة وقد يجمعها ~~الله لأقوام» (5). # وعن محمد بن محمد المفيد قال: «قال رسول الله» صلى الله عليه وآله: «إذا ~~قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عنيه ليرضي ربه بصلاة ليله باهى الله ~~به الملائكة وقال أما ترون عبدي هذا قد قام من لذيذ مضجعه لصلاة لم أفرضها ~~عليه إشهدوا أني قد غفرت له» (6). # والأحاديث المأثور في فضل صلاة الليل كثيرة فلا مجال لعرضها في هذا ~~المختصر. # في بيان الصلاة الوسطى # وأما المقصود من صلاة الزوال المذكورة في وصيته صلوات الله وسلامه عليه ~~(وعليك بصلاة الزوال) فهو نوافل صلاة الظهر، كما صرحت بها الأحاديث. وهذا ~~اقدر من الاهتمام إما لأجل أن في هذه النوافل خصوصية معينة، وإما لأجل أنها ~~من توابع الصلاة الوسطى، ومتمماتها ومن بواعث قبولها. # ويمكن أن يكون المقصود من صلاة الزوال صلاة الظهر نفسها التي تدعي أيضا ~~بالصلاة الوسطى، من جهة وقوعها في وسط الصلوات اليومية، وقد أمر الحق ~~المتعالي المحافظة على إقامتها قائلا: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين) (7). # ويؤيد هذا الاحتمال أولا: أنه المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم ~~وثانيا أه الأظهر من الروايات حيث تحظى بخصائص زائدة على الصلوات الأخرى. ~~وثالثا أنها الصلاة الأولى التي أنزلها الحق سبحانه ms386 بواسطة جبرائيل على آدم ~~أبي البشر على نبينا وله وعليه الصلاة والسلام. PageV01P274 # والظاهر أن اهتمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها حيث يوصي قائلا: ~~(عليك بصلاة الزوال) لأجل المحافظة على شروطها وحدودها ونوافلها وأوقاتها، ~~وليس لأجل التأكيد على صلاة الظهر. ويستفاد ذلك من الأمر بالمحافظة على ~~الصلوات وخاصة صلاة الظهر أيضا. وقد وردت أحاديث كثيرة مأثورة عن أهل بيت ~~العصمة عليهم السلام، تأمرا بالمحفاظة على أوقات الصلوات، والإتيان بها في ~~وقت فضيلتها، بل قد يسبب تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة من دون مبرر، التهاون ~~في الصلاة. وخاصة إذا استمر على مثل هذا التهاون، وتكرر على مدى الأيام ~~اللاحقة. # ومن الواضح جداص أن من يعتني بشيء، أنجزه في أسرع وقت وفي أفضل صورة. ~~وعلى العكس ما إذا لم يحفل به ورآه أمرا هينا، لتهاون فيه وتماهل، ونعوذ ~~بالله من أن ينتهي أمر الإنسان إلى الاستخفاف بالصلاة، والتهاون بها. # عن أبي جعفر عليه السلام قال بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال عليه ~~السلام نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني (1) ~~بل قد يفضي الأمر بالإنسان من جراء الاستخفاف بالصلاة، إلى تركها. ومن ~~الطبيعي أن الإنسان إذ لم يبد اهتماما بشيء، لسقط من عينه ولانتهي إلى ~~النسيان. # إننا قلما يعترينا النسيان تجاه أمر دنيوي سيما في الأمور المهمة منها، ~~وذلك لاستعظام النفس لها، وتعلقها بها، وتذكرها الدائم، ومن الطبيعي أن لا ~~ينسى مثل هذا الأمر. فإذا قال لك شخص صادق في وعوده، إنني لدى الظهر من يوم ~~كذا، أدفع لك مبلغا يعد كبيرا ومهما عندك، فإنك لا تنسى ذلك اليوم والموعد ~~بل تحصي الساعات والدقائق حتى يقترب الوقت لكي تستقبل الموعد بكل توجه ~~وحضور قلب، كل ذلك نتيجة أن حب النفس لذلك الشيء وإكبارها له، قد شغلك به، ~~فلا تتهاون فيه أبدا. وهكذا يتم الاهتمام من جانب الإنسان في كل ms387 الأمور ~~الدنيوية حسب وضعه وشؤونه، وأما إذا كان الشيء تافها لدى الإنسان، لتوجهت ~~النفس لحظة واحدة ثم غفلت عنه. # إذن: هل تعرف المسوغ لفتورنا هذا في الأمور الدينية؟ إنه لأجل عدم ~~إيماننا بالغيب وأن مرتكزات عقائدنا واهية، وإيماننا بالوعود الإلهية ~~والأنبياء مهتزا ومتزلزلا، وتكون النتيجة أن جميع الأمور الدينية والشرائع ~~الإلهية عندنا تافهة وموهونة، ويفضي هذا الوهن شيئا فشيئا إلى الغفلة فإما ~~أن هذه الغفلة تهيمن علينا، وتخرجنا كليا من هذا الدين الشكلي الصور ي الذي ~~نعتنقه، أو تبعث على الغفلة لدى أهوال نزع الروح وشدائد اللحظات الأخيرة من ~~حياة الإنسان. PageV01P275 # إن من الأمور المهمة التي تتوفر في هذه الصلوات الخمسة التي تعتبر عمود ~~الدين، والقاعدة الصلبة للإيمان والتي لا يرقى إلى مستواها شيء في الأهمية ~~بعد الإيمان، وبعد التوجهات النورية الباطنية، والصور الغيبية الملكوتية، ~~حيث لا يعلم أحد عظمتها إلا الحق سبحانه والخواص في حالات من الأدب الخاص ~~الروحاني الإلهي، الذي يدفع بالإنسان إلى توثيق الأواصر بينه من جهة والحق ~~المتعالي والعوالم الغيبية من جهة أخرى. ويبعث على ملكه الخضوع لله سبحانه ~~في الفؤاد، ويقوي الشجرة الطيبة التي هي التوحيد والتفريد، ويجذرها في ~~النفس على نحو لا يمكن اقتلاعها. كما أنه يفلح في الاختبار العظيم الذي ~~يحصل له من قبل الحق المتعالي لدى سكرات الموت وأهوال المطلع ومشاهدة شيء ~~من عالم الغيب، ويوجب استقرار دينه وثباته، من دون أن يكون مستودعا وقابلا ~~للزوال حتى يصاب بالنسيان، لدى أقل ضغط. # فيا أيها العزيز: إياك ثم إياك والله معينك في أوليك وأخراك إن تتهاون في ~~أمورك الدينية وخاصة الصلوات الخمسة، وتبدي الفتور والإهمال تجاهها. ويعلم ~~الله بأن الأنبياء والأولياء وأئمة الهدى عليهم السلام قد دفعوا بالناس نحو ~~الصلوات وحذروهم من التخلف عنها، نتيجة العطف والحنان منهم على العباد، إذ ~~أنهم لا ينتفعون من إيماننا ولا تجديهم أعمالنا شيئا. # فصل: في فضل تلاوة القرآن # إن من وصايا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بتلاوة القرآن ~~(وعليك بتلاوة القرآن على كل ms388 حال) وإن عقلنا القاصر لا يستوعب فضيلة تلاوة ~~القرآن وحملة وتعلمه والتمسك به وملازمته والتدبر في معانيه وأسراره. وما ~~نقل عن أهل بيت العصمة عليهم السلام في ذلك أكثر من طاقة هذا الكتاب على ~~استيعابه. ونحن نقتصر على ذكر بعضها: # الكافي: بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «القرآن عهد الله إلى ~~خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين ~~آية» (1). # وبإسناده عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: آيات ~~القرآن خزائن فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر فيها) (2). # والمستفاد من هذين الحديثين أنه حري بقراء القرآن التدبر في آياته ~~والتفكر في معانيه، وأن التمعن والتأمل في الآيات الكريمة الإلهية، ~~واستيعاب المعارف والحكم والتوحيد من القرآن العظيم، لا يكون من التفسير ~~بالرأي المنهي عنه الذي يلتجأ إليه أصحاب الرأي والأهواء الفاسدة، الذين لا ~~يتمسكون برأي أهل بيت الوحي، المخاطبين بالكلام الإلهي، كما ثبت ذلك في ~~محله، ولا داعي للولوج في هذا الموضوع والإسهاب فيه. ويكفينا قوله تعالى: ~~(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (3). # ووردت أحاديث كثيرة تأمرنا بالرجوع إلى القرآن والتعمق في آياته. فقد نقل ~~عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (ألا لا خير في قراءة ليس ~~فيها تدبر) (4). PageV01P276 # وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية ~~كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب ~~من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية ~~كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من بر، القنطار خمسة عشر ~~ألف مثقال من ذهب، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد ~~وأكبرها ما بين السماء والأرض» (1). # وجاء في الأحاديث الكثيرة أن قراءة القرآن تتمثل في صورة بهية جميلة تشفع ~~لأهله وقرائه. وقد أعرضها ms389 عن ذكرها. # وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن ~~اختلط القرآن بلحمه ودمه وجعله الله عز وجل مع السفرة الكرام البررة وكان ~~القرآن حجيزا عنه يوم القيامة يقول يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غير ~~عاملي فبلغ به أكرم عطاياك قال فيكسوه الله العزيز الجبار حلتين من حلل ~~الجنة ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له هل أرضيناك فيه؟ فيقول ~~القرآن يا رب قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا فيعطي الأمن بيمينه ~~والخلد بيساره ثم يدخل الجنة فيقال له إقرأ واصعد درجة ثم يقال له هل بلغنا ~~به وأرضيناك فيقول نعم(2). وفي نفس الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام ~~(ومن قرأه كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عز وجل أجر هذا ~~مرتين) (3). # وتبين من هذا الحديث الشريف أن المطلوب من تلاوة القرآن الكريم هو تأثيره ~~في أعماق قلب الإنسان، وصيرورة باطنه صورة كلام الله المجيد، وتحويل ما هو ~~ملكة القلب من القرآن الكريم إلى التحقق والفعلية وذلك حسب ما ورد في ~~الحديث المذكور (من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه) حيث ~~يكون كناية عن استقرار صورة القرآن في فؤاده، بدرجة يتحول باطن الإنسان حسب ~~استعداده وأهليته، إلى كلام الله المجيد والقرآن الكريم. # وفي حملة القرآن من تحول تمام باطنه إلى حقيقة الكلام الجامع الإلهي، ~~والقرآن الجامع والفرقان القاطع، وذلك مثل الإمام علي بن أبي طالب ~~والمعصومين من أولاده الطاهرين عليهم السلام، حيث يكون وجودهم آيات طيبات ~~وآيات الله العظمى، والقرآن التام والتمام. بل إن هذا هو المطلوب من جميع ~~العبادات كما أنه من الأسرار الهامة للعبادات، وأن تكرار الصلاة من أجل ~~تحقيق هذه الحقائق العبادية، وتحويل ذات الإنسان وقلبه إلى صورة العبادة. PageV01P277 # وفي الحديث (أن عليا عليه السلام صلاة المؤمنين وصيامهم) (1). # في بيان أن العبادة تؤثر في الشباب # ويتم بالقرآن الكريم التأثر القلبي والتحول الباطني بصورة أفضل فترة ~~الشباب، لأن ms390 قلب الفتى لطيف وبسيط وذو نقاء وصفاء أكثر. وأن وارداته قليلة، ~~وتضارب الأفكار وتهافتها فيه قليل. فيكون شديد الانفعال والتأثر وسريع ~~التقبل. # إذن يجب على الشباب حتى إذا كانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، أن ينتبهوا إلى ~~كيفية تفاعلهم وعشرتهم مع الآخرين، ويتورعوا عن الاختلاط مع السيئين. بل أن ~~الصداقة والاختلاط مع العصاة وذوي الخلق الفاسد والسلوك المنحرف مسيء لجميع ~~الناس من أي طبقة كانوا، ويجب أن لا يكون أحد مطمئنا بنفسه ومغرورا بإيمانه ~~أو أخلاقه وأعماله. كما ورد في الأحاديث الشريفة الأمر بالابتعاد عن معاشرة ~~أهل المعصية. # في آداب تلاوة القرآن # وملخص القول أن المبتغى من خلال تلاوة القرآن هو ارتسام صورة القرآن في ~~القلب، وتأثير الأوامر والنواهي فيه، وتثبيت الأحكام والتعاليم الإلهية. ~~ولا يتحقق هذا إلا في ظل مراعاة آداب القراءة. وليس الهدف من الآداب ما هو ~~المعروف لدى بعض القراء من الاهتمام البالغ بمخارج الألفاظ، وأداء الحروف، ~~هذا الاهتمام الباعث مضافا إلى الغفلة عن المعاني والتدبر فيها، إبطال ~~التجويد بعض الأحيان، فإن كثيرا من الكلمات القرآنية نتيجة مثل هذا ~~التجويد، تفقد صورتها الخلابة الأصيلة، وتتحول إلى صورة أخرى، ذات صورة ~~ومادة تختلف عما أرادها الله تعالى. إن هذا يعتبر من مكائد الشيطان حيث ~~يلتهي الإنسان المؤمن إلى آخر عمره بألفاظ القرآن، وينسى نهائيا استيعاب سر ~~نزول القرآن، وحقيقة الأوامر والنواهي، والدعوة إلى المعارف الحقة، والخلق ~~الفاضل الحسن، بل ينكشف لديه بعد مضي خمسين عاما أنه من جراء تغليظ بعض ~~الحروف، والتشديد فيها، قد أخرج صورة بعض الكلمات كليا عن حالتها الطبيعية ~~وأصبحت ذات صورة غريبة. # بل الهدف المنشود من وراء آداب قراءة القرآن، تلك الآداب التي وردت في ~~الشريعة المقدسة والتي يعد من أفضلها وأعظمها التفكر والتدبر في آيات ~~القرآن كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. # في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: «إن هذا ~~القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، ~~فإن التفكر حياة قلب البصير كما يمشى المستنير في الظلمات ms391 بالنور» (2). PageV01P278 # وفي المجالس بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام طويل في وصف ~~المتقين: وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وأبصارهم ~~فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم فظنوا أن صهيل جهنم وزفيرها وشهيقها في ~~أصول آذانهم، وإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت أنفسهم ~~إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم(1). ومن الواضح أن من يتمعن ويتدبر في ~~معاني القرآن الكريم، يتأثر قلبه، ويبلغ مقام المتقين شيئا فشيئا. وإن حظي ~~بتوفيق وسداد من الله، لتجاوز هذا المقام أيضا ولتحول كل عضو وجارحة وقوة ~~منه إلى آية من الآيات الإلهية، ولعل جذوات خطاب الله وجذباته، ترفعه وتبلغ ~~به إلى مستوى إدراك حقيقة اقرأ واصعد (2) في هذا العالم وانتهى إلى مرحلة ~~سماع الكلام من المتكلم من دون واسطة، وتحول إلى موجود لا يسع الإنسان فهمه ~~واستيعابه. # الإخلاص في القراءة # ومن الآداب اللازمة في قراءة القرآن، والتي لها دور أساسي في التأثير في ~~القلب والتي لا يكون من دونها لأي عمل أهمية وشأن، بل يعتبر ضائعا وباطلا ~~وباعثا على السخط الإلهي. وهو الإخلاص، فإنه ركن أصيل للانطلاق إلى ~~المقامات الأخروية، ورأس مال في التجارة الأخروية. # وقد ورد في هذا الباب أيضا أخبار كثيرة من أهل بيت العصمة عليهم السلام: ~~منها ما حدثنا الشيخ الكليني رضوان الله تعالى عليه: # بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ ~~القرآن فاتخذه بضاعة واستدر به الملوك واستطال به على الناس. ورجل قرأ ~~القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده وأقامه إقامة القدح، فلا كثر الله هؤلاء من ~~حملة القرآن. ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله ~~وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع الله ~~العزيز الجبار البلاء، وبأولئك يديل الله من الأعداء، وبألئك ينزل الله ~~الغيث من السماء، فوالله لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر»(3). # وعن عقاب الأعمال بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن ms392 ~~آبائه عليهم السلام قال: «من قرأ القرآن يأكل به الناس جاء يوم القيامة ~~ووجهه عظم لا لحم فيه»(4). PageV01P279 # وبإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قال: من تعلم ~~القرآن فلم يعمل به وآثر عليه حب الدنيا وزينتها استوجب سخط الله وكان في ~~الدرجة مع اليهود والنصارى الذين ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم. ومن قرأ ~~القرآن يريد به سمعه والتماس الدنيا لقي الله يوم القيامة ووجهه عظم ليس ~~عليه لحم وزج القرآن في قفاه حتى يدخله النار ويهوى فيها مع من هوى. ومن ~~قرأ القرآن ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى فيقول: يا رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا، قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~«فيؤمر به إلى النار. ومن قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وتفقها في الدين كان ~~له من الثواب مثل جميع ما أعطى الملائكة والأنبياء والمرسلون. ومن تعلم ~~القرآن يريد به رياء وسمعة ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء ويطلب به ~~الدنيا بدد الله عظامه يوم القيامة ولم يكن في النار أشد عذابا منه، وليس ~~نوع من أنواع العذاب إلا سيعذب به من شدة غضب الله عليه وسخطه. ومن تعلم ~~القرآن وتواضع في العلم وعلم عباد الله وهو يريد ما عند الله لم يكن في ~~الجنة أعظم ثوابا منه ولا أعظم منزلة منه ولم يكن في الجنة منزل ولا درجة ~~رفيعة ولا نفيسة إلا وكان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل»(1). # في معنى الترتيل # ومن آداب قراءة القرآن الكريم الذي يبعث على التأثير في النفس، ويجدر ~~بالقارئ أن يراعيه، هو الترتيل في التلاوة، وهو كما في الحديث عبارة عن ~~الحد الوسط بين السرعة والعجلة من جهة، والتأني والفتور المفرطين الموجبين ~~لتفرق الكلمات وانتشارها من جهة أخرى. # عن محمد بن يعقوب بإسناده عن عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن قول الله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) قال: قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: تبينه تبيانا (تبيينا ms393 خ ل) ولا تهده هد الشعر ولا ~~تنثره نثر الرمل ولكن أفرغوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة ~~(2) (أي لا يكن هدفكم ختم القرآن في أيام معدودة أو الإسراع في قراءة ~~السورة والبلوغ إلى آخرها). PageV01P280 # فالإنسان الذي يريد أن يتلو كلام الله، ويداوي قلبه القاسي، ويشفي أمراضه ~~القلبية من خلال قراءته للكلام الجامع الإلهي، ولكي يطوي مع نور هداية ~~المصباح الغيبي المنير، وهذا النور على النور السماوي، طريق الوصول إلى ~~المقامات الأخروية والمد ارج الكمالية، لا بد له من توفير الأسباب الظاهرية ~~والباطنية والآداب الصورية والمعنوية. أما أمثالنا عندما نقرأ القرآن بعض ~~الأحيان، فمضافا إلى أننا نغفل نهائيا عن معاني الآيات الكريمة، وأهدافها ~~السامية وأوامرها ونواهيها ووعظها وزجرها، وكأن آيات الجنة ونعيمها، وآيات ~~جهنم والعذاب الأليم، لا تعنينا، بل نعوذ بالله يكون انتباهنا وتوجه ~~قلوبنا عند قراءة الكتب القصصية أكثر من توجهنا حين تلاوتنا للآيات ~~المجيدة، مضافا إلى ذلك فإننا في غفلة حتى عن الآداب الظاهرية لقراءة ~~القرآن الكريم. # وقد ورد في الأحاديث الشريفة، الأمر بقراءة القرآن بصوت حزين وجميل (وعن ~~أبي الحسن عليه السلام قال ذكرت الصوت عنده فقال إن علي بن الحسين عليهما ~~السلام كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، وأن الإمام لو أظهر ~~من ذلك شيئا لما إحتمله الناس من حسنة) (1)ونحن عندما نريد أن نري للناس ~~صوتنا الحسن وأنغامه الجميلة، نلتجأ إلى قراءة القرآن أو الآذان، من دون أن ~~نستهدف تلاوة القرآن والعمل بهذا الاستحباب. وعلى كل حال إن مكائد الشيطان ~~وأضاليل النفس الأمارة كثيرة، وغالبا يلتبس الحق بالباطل، والحسن بالقبيح، ~~فيجب أن نلوذ إلى الله سبحانه ونعوذ به من هذه الأشراك والأفخاخ. # فصل: في بيان رفع اليدين في الصلاة وتقليبهما # إن ما ورد في هذا الحديث الشريف من قوله (وعليك برفع يديك في صلاتك ~~وتقليبهما) ظاهر في رفع اليدين لدى التكبيرات أثناء الصلاة. وأن المقصود من ~~تقليب اليدين يحتمل أن يكون جعل باطن الكفين نحو القبلة، فإن من المستحبات ms394 ~~هو رفع اليدين لدى التكبير، ويحتمل أن يكون المقصود منه رفع اليدين لدى ~~القنوت، فيجعل باطن الكفين نحو السماء، كما أفتى باستحباب ذلك الفقهاء ~~رضوان الله تعالى عليهم، وناقشوا في دليل ذلك، رغم أنه لا حاجة إلى دليل ~~آخر بعد السيرة القطعية المتشرعة على القنوت المتعارف من رفع اليدين نحو ~~السماء وعدم فهمهم منه إلا هذه الطريقة الشائعة لدى المصلين في القنوت، ~~وعدم اكتفائهم برفع اليدين بصورة مطلقة. وعلى أي حال فإن الأظهر من هذه ~~الرواية الشريفة، هو الاحتمال الأول. # واعلم أن المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم استحباب رفع اليدين عند ~~التكبير في الصلاة. وذهب بعض إلى الوجوب مستندا إلى بعض الأوامر والأخبار ~~التي وردت في تفسير الآية الشريفة (فصل لربك وانحر) (2)بأن المقصود من ~~النحر هو رفع اليدين عند التكبير(3). PageV01P281 # ولكن هناك شواهد كثيرة في الأحاديث تدل على استحباب رفع اليدين دون وجوبه، ~~مثل التعليل الوارد في الأخبار، وخاصة حديث فضل بن شاذان المروي عن الإمام ~~الرضا عليه السلام (1) مضافا إلى أن صحيحة علي بن جعفر، صريحة في عدم وجوب ~~رفع اليدين(2). # ولذا فإن هذه الأخبار بعض الأخبار الواردة في تفسير فصل لربك وانحر مع ~~قطع النظر عن القرائن الصارفة، ظاهرة في وجوب رفع اليدين لدى التكبير في ~~الصلاة. ومقتضى الجمع بين الروايات الصريحة في الاستحباب، هو حمل الروايات ~~على الاستحباب تحكيما للنص على الظاهر. # ويحتمل أن تكون رواية علي بن جعفر دالة على وجوب رفع اليد على خصوص ~~الإمام دون المأموم. ويحتمل أن تكون بصدد بيان حال الإمام والمأموم في صلاة ~~الجماعة وإيثار الصمت تجاه من يصلي فرادى. ولا منافاة في وجوب رفع اليدين ~~على الجميع: الإمام والمأموم ومن يصلي فرادى، ولكن رفع يد الإمام يجزي عن ~~رفع يد المأمومين كما أن قراءة الإمام تجزيء عن قراءة المأمومين. # وبناءا على هذا الاحتمال وهو أظهر الاحتمالات في الرواية، لا ترد مناقشة ~~بعض المحققين المتأخرين، حتى يستلزم حمل المطلق على المقيد، فتكون النتيجة ~~أن رفع اليدين لدى التكبير واجب ms395 على الإمام خاصة دون غيره. ولكن مع ذلك فإن ~~عدم القول بالفصل بين الإمام فيجب عليه رفع اليدين حين التكبير، دون غيره، ~~ومذهب المشهور من العلماء قديما وحديثا، وجميع القرائن الخارجية والداخلية، ~~كل ذلك يدل على استحباب رفع اليدين، ولا مجال للبحث في ذلك. # وهذا القدر من البحث قد فاض عن حجم هذا الكتاب. # ورغم أن رفع اليدين حين التكبير يكون مستحبا، فلا ينبغي ترك هذا المستحب ~~مهما أمكن، وخاصة أن هناك من العلماء من يقول بوجوبه. ويكون مقتضى الاحتياط ~~هو عدم ترك هذا المستحب. # في بيان سر رفع اليدين PageV01P282 وعلى أي حال فإن رفع اليدين لدى التكبير في الصلاة، يعد من زينة الصلاة، ~~كما أن صلاة جبرائيل عليه السلام، وملائكة السماوات السبع، تكون على هذا ~~الغرار، كما ورد عن الأصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال ~~لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فصل لربك وانحر) قال يا ~~جبرائيل ما هذه النحيرة التي أمر بها ربي؟ قال يا محمد إنها ليست بنحيرة، ~~ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت ~~رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع ~~وأن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة(1). # ونقل عن الإمام الرضا عليه السلام كما في كتابي (علل الشرائع) و(عيون ~~الأخبار) قال: (إنما ترفع اليدان بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الإبتهال ~~والتبتل والتضرع فأحب الله عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا ~~متضرعا ولأن في رفع اليدين إحضار النية وإقبال القلب) (2). وهذا الكلام ~~يتطابق مع ما يقول بعض أهل المعرفة في فلسفة رفع اليدين لدى التكبير من ~~إلقاء غير الله وراء ظهره، واقتلاع أشواك طريق الوصول إلى الحبيب، وجعل ~~نفسه منقطعة عن الغير وخالصة مخلصة له من دون أدنى توجه إلى الغير ~~والغيرية الذي يعد في مذهب العشاق والمحبين شركا لله سبحانه ثم يبدأ ~~معراجه الحقيقي الروحاني، ms396 والسفر إلى الله. وهذا السفر والمعراج لا يمكن أن ~~يتحقق من دون رفض الغير والغيرية وترك الذات والأنانية. كما أن مع ~~التكبيرات السبعة الافتتاحية نخرق الحجب السبعة الملكية والملكوتية نهائيا. ~~ففي كل تكبيرة من التكبيرات السبعة من صلاة الأولياء خرق لحجاب، ورفض ~~لعوالم ذلك الحجاب وللقاطنين فيها. ثم ينكشف عليهم حجاب آخر، ويتجلى لهم ~~على قلوبهم، تجليا تقييديا، فبالتكبير اللاحق يجتث الأشواك من الطريق، ولا ~~يلتهي بعالم ما وراء الحجاب وساكنيه، وكأن باطن قلوبهم يهتف: الله أكبر من ~~أن يتجلى تجليا تقييديا، كما هتف بذلك شيخ الأولياء والمخلصين، خليل الرحمن ~~في ذاك السفر العرفاني الشهودي، والتجليات التقييدية. فالسالك إلى الله، ~~والمسافر إلى ساحة الحبيب، والمجذوب لطريق الوصول إلى المعشوق، يخرق الحجب ~~واحدا بعد آخر، حتى ينتهي إلى التكبير الأخير، فيخرق به الحجاب السابع، ~~ويرفض الغير والغيرية ويقول: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين) (3). كما قاله النبي إبراهيم خليل الرحمن. ثم تنفتح ~~عليه الأبواب، وتنكشف له سبحات الجلال، فيستعيذ من الشيطان الرجيم، ويبدأ ~~ببسم الله الرحمن الرحيم. PageV01P283 # لقد أشار إلى ذلك محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه بإسناده عن أبي ~~الحسن عليه السلام أنه روى لذلك علة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما أسرى به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فأوصله ~~الله عز وجل بذلك إلى منتهى الكرامة(1). # وفي حديث آخر قريب إلى هذا المضون عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال قلت ~~له لأي علة صار التكبير في الإفتتاح سبع تكبيرات أفضل (إلى أن قال) قال يا ~~هشام إن الله خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا والحجب سبعا، فلما أسرى ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى رفع له ~~حجاب من حجبه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل يقول الكلمات ~~التي تقال في الإفتتاح، فلما رفع له الثاني كبر فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع ~~حجب ms397 فكبر سبع تكبيرات، فلتلك العلة يكبر للإفتتاح في الصلاة سبع ~~تكبيرات(2). # وهذا الحديث ينسجم مع الذوق والمشرب العرفاني أكثر من الحديث السابق، لأن ~~مع رفع كل يد لدى خرق الحجاب، وإزاحة لستار، وظهور نور من أنوار الكرامة، ~~وحيث أن هذا النور قيد من الحجب النورانية، فمع رفع اليدين يحطم هذا القيد ~~ويزيح الحجاب وينحى وهكذا حتى يتجلى الذات ويتم الوصو13ل إلى منتهى ~~الكرامة، الذي هو غاية آمال الأولياء. ونستطيع أن نفسر الرواية السابقة على ~~ضوء هذه الرواية. # وعلى أي حال إننا محرومون من استيعاب هذه المعاني، فكيف بمشاهدتها أو ~~الوصول إليها. ومشكلتنا أننا نجحد كل هذه المقامات والدرجات، ونعتقد بأن ~~صلاة الأولياء ومعراجهم مثل صلاتنا ومعراجنا، ونجعل كمال عملهم مضاهيا ~~لكمال عملنا، غاية الأمر أننا نتصور بأن صلاتهم تتفوق على صلواتنا من جهة ~~حسن القراءة وإنجاز الآداب والشرائط، وأنها خالية من الشرك والرياء والعجب، ~~أو أن عبادة الأولياء لا تكون خشية من النار أو طمعا في الجنة ولا نتصور ~~شيئا وراء ذلك، في حين أن لصلاتهم ومعراجهم الروحاني مقامات سامية أخرى، لا ~~ترقى إليها أوهامنا. # في التنبيه إلى مكيدة من مكائد الشيطان # وملخص الكلام في هذا المقام الذي انتهينا إليه من دون قصد أنه يجب أن ~~ننتبه إلى أن أسوأ الأشواك في طريق الكمال والوصول إلى المقامات الروحانية، ~~والذي يعد من إبداع الشيطان القطاع للطريق، هو إنكار المقامات والمدارج ~~الغيبية الروحية، ويعتبر هذا الجحود رأس مال كل الأضاليل والجهالات، وسبب ~~للوقوف والخمود عن الحركة والتقدم، وإماتة لروح الشوق التي هي مركب إلي كل ~~الكمالات، وإطفاء لهب العشق الذي يكون واسطة المعراج الروحاني الباعث على ~~كمال الإنسان، فيمنى بالتقاعس والإحجام عن الطلب. # على العكس إن الإنسان إذا آمن بالمقامات الروحانية والمعارج العرفانية ~~فمن الممكن أن هذا الإيمان يلهب جذوة العشق الفطري الهامد تحت رماد الرغبات ~~النفسية، ويشعل نور الشوق في القلب، فيندفع شيئا فشيئا نحو الطلب # والنهوض بالجهاد، فيصبح مشمولا لهداية الحق، ونجدة الذات المقدس المتعالي ~~له والحمد لله. # فصل: في ms398 فضل السواك PageV01P284 إعلم أن من الآداب المستحبة الشرعية بشكل مطلق السواك الذي أوصى به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف (وعليك بالسواك عند كل ~~وضوء) ويتأكد في بعض الحالات الخاصة مثل قبل الوضوء وقبل الصلاة وعند قراءة ~~القرآن وحين السحر ولدى القيام من النوم. وقد أكدت الأخبار الشريفة على ~~ذلك، وذكرت له آثار كثيرة. ونحن نقتصر على ذكر بعضها في هذا الكتاب. # الكافي: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «في السواك اثنتا عشرة ~~خصلة: هو من السنة ومطهرة للفم ومجلاة للبصر ويرضي الرب ويذهب بالبلغم ~~ويزيد في الحفظ ويبيض الأسنان ويضاعف الحسنات ويذهب بالحفر ويشد اللثة ~~ويشهي الطعام ويفرح به الملائكة»(1). # وهناك حديث آخر بهذا المضمون، وهذا الحفر الوارد في الحديث الشريف هو ~~الالتهابات التي قد تحصل في أصول الأسنان من اللثة التي تدعى لدى الأطباء ب ~~(Pyrrhei' مرض استسقاء اللثة) والتي توجب التقيح والتعفن، حيث يختلط القيح ~~الذي ينز منه، مع الطعام الممضوغ ويسبب أمراضا خطيرة مثل سوء الهضم وغيره، ~~وفي بعض الأحيان يضطر الطبيب إلى قلع الأسنان حتى يتمكن من القضاء على ~~الأمراض. # فمن الحري بالأسنان أن يواظب على السواك الذي يفيد صحته وينظف أسنانه، مع ~~قطع النظر عن الأمور الغيبية الباطنية التي أعظمها رضا الله سبحانه، وأن ~~يستمر على هذه السنة التي تعد من سنن المرسلين. # وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أوصاني جبرائيل بالسواك حتى خفت على أسناني(2). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~وضوء كل صلاة) (3). # وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام (قال إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان إذا صلى العشاء الآخر أمر بوضوئه وسواكه يوضع عند رأسه مخمرا ~~فيرقد ما شاء الله ثم يقوم فيستاك ويتوضأ ويصلي أربع ركعات ثم يرقد ثم يقوم ~~فيستاك ويتوضأ ويصلي ثم قال لقد كان لكم في ms399 رسول الله أسوة حسنة) (4). # وفي الحديث عن أبي عبدالله عليه السلام قال ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ~~ركعة بغير سواك(5). # وفي الحديث عن المعلى بن خنيس قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن ~~السواك بعد الوضوء فقال الإستياك قبل أن يتوضأ قلت أرأيت إن نسي حتى يتوضأ ~~قال يستاك ثم يتمضمض ثلاث مرات. # والأخبار كثيرة في المقام. ومن أرادها فليراجع كتب الأصحاب(6). PageV01P285 ### || AUTO فصل: في بيان مبادئ محاسن الأخلاق ومساوئها المذكورة # في نهاية وصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إننا وإن شرحنا في ~~هذا الكتاب في مناسبات عديدة، كثيرا من خلق النفس، بصورة مفصلة، وذكرنا ~~بقدر ما يتناسب والميسور والمناسبة كيفية الاتصاف بالمحامد الخلقية ~~والابتعاد عن مساوئها ومفاسدها، ولكننا في هذا المقام نستعرض بيانا جامعا ~~في هذا الموضوع. # اعلم أن الخلق عبارة عن حالة نفسية، تدفع الإنسان نحو العمل من دون تروي ~~وتفكر. فمثلا إن الذي يتمتع بالسخاء، يدفعه خلقه هذا إلى الجود والإنفاق من ~~دون حاجة إلى تنظيم مقدمات، وترتيب مرجحات. وكأن هذا الخلق غدا من الأمور ~~الطبيعية للإنسان مثل النظر والسمع. وهكذا النفس العفيفة التي أصبحت العفة ~~خلقا لها جزءا طبيعيا لها، وما دامت النفس لم تبلغ هذا المستوى من التجذر ~~الخلقي بواسطة التفكر والتدبر والترويض، لم يكن لها أخلاق وكمال، ويخشى ~~عليها من زوال الخلق الكريم الذي يعد من الكمالات النفسية، وتغلب عليها ~~العادات والخلق السيئ. وأما إذا بلغ الخلق مستوى الأفعال الطبيعية في ~~الإنسان، وغدا من قبيل القوى والآلات، وظهرت سلطنة الحق وقهره، لكان زواله ~~مشكلا ونادرا. # وقال علماء الأخلاق أن هذه الحال والخلق النفسية قد تكون في الإنسان ~~طبيعية وفطرية، ومرتبطة بمزاج الإنسان من دون فرق بين ما هو خير وسعادة أو ~~شر وشقاء. كما هو المشهور من أن بعض الناس منذ نعومة أظافرهم يرغبون في ~~الخير، وبعضهم ينزع نحو الشر وأن البعض يثار بأدنى شيء، ويستوحش من عمل ~~بسيط، ويفزع من أقل سبب، وبعض يكون على خلاف ذلك. وقد تحصل بعض هذه ms400 الخلق ~~النفسانية من خلال العادات والعشرة والتدبر والتفكر، وقد تحصل نتيجة التفكر ~~والتروي حتى يبلغ مستوى الملكة. # وهناك اختلافات كثيرة بين علماء الأخلاق، لا مجال لذكرها والبحث عنها في ~~هذا الكتاب حيث تمنعنا عن التعمق في الهدف الأساسي. فنحن نستعرض ما يناسب ~~المقام ويجديه فنقول: # لا بد من معرفة أنه ليس المقصود من قولنا إن الخلق النفسية، طبيعية ~~وفطرية. إنها ذاتية وغير خاضعة للتغيير، بل إن جميع الملكات والخلق ~~النفسانية، قابلة للتبدل والتحول، ما دامت النفس تعيش في هذا العالم، عالم ~~الحركة والتغيير، وتخضع للزمان والتجدد، وتملك الهيولى والقوة، ويستطيع ~~الإنسان أن يغير خلقه النفسي ويحوله إلى أضداده. وإضافة إلى البراهين ~~والتجربة، تدل على ذلك أيضا، دعوة الأنبياء والشرائع الحقة، الناس، للتخلق ~~بالصفات الحميدة، والابتعاد عما يقابلها من الخلق السيء. PageV01P286 # ولا بد من معرفة أن علماء الأخلاق أرجعوا كافة الفضائل النفسية، إلى أمور ~~أربعة هي: الحكمة، العفة، الشجاعة، العدالة، واعتبروا الحكمة فضيلة للنفس ~~الناطقة التي تميز وتفرق الإنسان عن غيره. والشجاعة من فضائل النفس ~~الغضبية. والعفة من فضائل النفس الشهوية والعدالة؛ ترعى الفضائل الثلاثة. ~~كما وأن علماء الأخلاق أرجعوا جميع الفضائل والكمالات النفسية إلى هذه ~~الفضائل الأربعة. ولا يتناسب التفصيل في كل واحدة من هذه الفضائل الأربعة ~~مع هذا الكتاب، ولا مجال لأمثالنا الإسهاب في ذلك. وما يجب فهمه هو أن ~~المستفاد من الحديث الشريف المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1). إن سبب بعث الأنبياء، والدافع لدعوة خاتم ~~الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، هو إكمال مكارم الأخلاق. وإن الأخبار ~~الشريفة قد أبدت الاهتمام الكبير، إجمالا وتفصيلا بمكارم الأخلاق أكثر من ~~أي شيء آخر بعد الاهتمام بالمعارف الإلهية. ونحن سنذكر بعض تلك الأخبار ~~بعون الله، كما وأن أهمية الفضائل الخلقية أكبر من قدرتنا على شرحها وبسط ~~الحديث فيها، ولكن لابد وأن نقول بأن أساس الحياة الأبدية الأخروية، ورأس ~~مال العيش في تلك النشأة، الخلق الفاضل، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وأن ~~الجنة الممنوحة للإنسان من ms401 جراء خلقه الكريم المسماة بجنة الصفات، أفضل ~~بكثير من جنة الأعمال الجسمانية والتي فيها ما طاب ولذ، بصورة أفضل وأحسن ~~من النعم المادية الجسمانية، كما أن فيها ظلمات وأهوال نتيجة الأعمال ~~السيئة للإنسان، أسوء من أي عذاب أليم. # ويستطيع الإنسان ما دام حيا، أن ينقذ نفسه من هذه الظلمات، ويبلغ بها ~~عالم الأنوار. نعم يستطيع البلوغ إلى ذلك، ولكن لا مع هذه البرودة والخمود ~~والفتور والإهمال الذي أصابنا، حيث نرى جميعا بأننا منذ أيام الطفولة ننمو ~~على الخلق الذميم والسلوك المنحرف، الذي أقترفناه من جراء هذه الحالات ~~السيئة من العشرة اللامسؤولة، والاختلاط غير اللائق، ونحافظ عليها، بل نضيف ~~في كل يوم على تلك الصفات البشعة، جريرة أخرى، وكأننا لا نعتقد بوجود عالم ~~آخر ونشأة باقية أخرى. نصف بيت شعر: # الويل لي إذا كان عقيب هذه الحياة الدنيوية حياة أخرى! # كأن دعوة الأنبياء والأولياء عليهم السلام لا تعنينا، وعليه لا نعلم إلى ~~أين نصل مع هذه الأخلاق التي نتصف بها، ومع هذه الأعمال التي نقترفها؟ وفي ~~أي صورة نحشر يوم القيامة؟ وعندما نصحو ونستيقظ، نعرف بأن الفرصة قد ~~فاتتنا، وأن الحسرة والندامة ستكون من نصيبنا، ولا نلومن حينئذ إلا أنفسنا. # إن الأنبياء عليهم السلام، قد وضعوا بين أيدينا طريق السعادة، ثم قام ~~العلماء والحكماء بتفسير أحاديثهم لنا، وشرح أساليب معالجة الأمراض ~~الباطنية، وبذلوا أقصى الجهد لتفهيمنا إياها، ولكننا امتنعنا عن الاستيعاب، ~~وأعطينا ظهورنا لهذه الإرشادات والكلمات. فلا بد من عود التأنيب إلينا كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف الذي نشرحه ~~(فإن لم تفعل فلا تلومن إلا نفسك). # وقد وردت روايات كثيرة لا تحصى تؤكد على مكارم الأخلاق، وتحذر من الصفات ~~التي تقابلها، ونحن ساهون ولاهون عن مراجعة تلك الأحاديث. PageV01P287 # فيا أيها العزيز: إن كنت راغبا في دراسة الأخبار والأحاديث، فراجع الكتب ~~الشريفة للأخبار وخاصة كتاب (أصول الكافي) حتى تعرف مدى اهتمام المعصومين ~~عليهم السلام بالخلق الكريم والمبادئ الفاضلة. وإن كنت من التائقين للبيان ~~العلمي ms402 وكلمات العلماء فراجع الكتب الأخلاقية، مثل كتاب (طهارة الأعراق) ~~لابن مسكويه وكتب المرحوم فيض الكاشاني وكتب المجلسي وكتب النراقيين(1). ~~حتى تستوعب آثار ونتائج مكارم الأخلاق. وإن وجدت نفسك في غنى عن اقتناء ~~الفضيلة، أو لا تلمس ضرورة في الابتعاد عن الخلق السيئ، فحاول أن تعالج ~~جهلك الذي هو رأس الأمراض. # ونحن ننهي الموضوع بعد أن نتبرك بذكر بعض الأخبار الشريفة في هذا ~~المضمار: # في كتاب من لا يحضره الفقيه: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ~~«إن الله خص رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمكارم الأخلاق فامتحنوا ~~أنفسكم، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله وارغبوا إليه في الزيادة منها؛ فذكرها ~~عشرة: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة ~~والشجاعة والمروة» (2). # ونقل هذا الحديث بعدة طرق. إلا أنه ذكر في كتاب (معاني الأخبار) «الرضا» ~~بدلا عن الحلم. # وروى الفيض الكاشاني في كتاب «الوافي» هذا الحديث عن كتاب «الكافي» مع ~~اختلاف يسير. # وعن المجالس بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: «عليكم ~~بمكارم الأخلاق فإن الله عز وجل يحبها وإياكم ومذام الأفعال فإن الله ~~يبغضها إلى أن قال: وعليكم بحسن الخلق فإنه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ~~الحديث» (3). # الكافي: بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن أكمل المؤمنين إيمانا ~~أحسنهم خلقا» (4). وبإسناده عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من ~~حسن خلق» (5). # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق(6). # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان ~~في الأعمار(7). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال إن الله تبارك وتعالى ~~ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدوا ~~عليه ويروح(8). PageV01P288 # إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة في هذا الموضوع. # وكما ms403 أن حسن الخلق يوجب كمال الإيمان، وثقل الميزان، والدخول في الجنان، ~~فإن سوء الخلق يكون على العكس من ذلك حيث أنه يفسد الإيمان، ويلقي بصاحبه ~~في العذاب الأليم. كما أشير ذلك في الأحاديث الشريفة: # الكافي: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن سوء الخلق ليفسد ~~الإيمان كما يفسد الخل العسل»(1). # وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن سوء الخلق ليفسد ~~العمل كما يفسد الخل العسل»(2). # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أبى الله عز وجل لصاحب الخلق السيئ بالتوبة قيل وكيف ذلك يا رسول الله؟ ~~قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه (3) : # وعن أبي عبد الله عليه السلام قال من ساء خلقه عذب نفسه(4). # ومن المعلوم أن الخلق السيئ يعذب الإنسان دائما، ويبعث أيضا على العذاب ~~والظلمات. كما ذكرنا لدى شرحنا لبعض الأحاديث. والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الثلاثون: أقسام القلوب # بسندي المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله عليه ~~من عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، ~~عن المفضل، عن سعد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن القلوب أربعة: قلب ~~فيه نفاق وإيمان وقلب منكوس، وقلب مطبوع، وقلب أزهر أجرد. فقلت ما الأزهر؟ ~~قال: فيه كهيئة السراج، فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الأزهر فقلب ~~المؤمن، إن أعطاه شكر وإن ابتلاه صبر، وأما المطبوع فقلب المشرك، ثم قرأ ~~هذه الآية:[أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم] ~~فأما القلب الذي فيه إيمان ونفاق فهم كانوا بالطائف فإن أدرك أحدهم أجله ~~على نفاقه هلك، وإن أدركه على إيمانه نجا» (5) # الشرح: # «المنكوس» أي المقلوب يقال: نكست الشيء أنكسه نكسا: قلبته على رأسه، وفي ~~الصحاح الولد المنكوس: الذي يخرج رجلاه قبل رأسه، وقريب إلى هذا المعنى ما ~~في الآية الشريفة «مكبا على وجهه» وقد استشهد عليه الصلاة والسلام ms404 بهذه ~~الآية، لأن الإكباب هو السقوط على الوجه، وهو كناية عن أن قلوب أهل الشرك، ~~مقلوبة، وإن حركتهم وسيرهم تكون على غير الصراط المستقيم، كما يأتي تفصيل ~~ذلك إن شاء الله تعالى. PageV01P289 # و«المطبوع» أي المختوم، والطبع بالسكون: الختم، وبالتحريك الدنس والوسخ. ~~فإذا كان بمعنى المختوم كان كناية عن عدم تغلغل كلمة الحق والحقائق الإلهية ~~في قلوبهم، ورفضها لتقبل تلك الحقائق، ولا يكون بمعنى أن الحق سبحانه يحجب ~~ألطافه الخاصة عن تلك القلوب، وإن كان هذا التفسير أيضا صحيحا. ولكن المعنى ~~الأول هو الأنسب. # و«الأزهر» : الأبيض المستنير كما عن «النهاية». وفي «الصحاح» : (الأزهر: ~~النير ويسمى القمر الأزهر، قال ابن السكيت: الأزهران: الشمس والقمر، ورجل ~~أزهر أي أبيض مشرق الوجه والمرأة: الزهراء). # و«الأجرد» : الذي ليس في بدنه شعر. وفي «الصحاح» : الجرد: فضاء لا نبات ~~فيه. وهذه كناية من عدم تعلق قلبه بالدنيا أو من خلوه من الغل والغش. # ونحن سنذكر ما يتناسب والمقام عند شرحنا للحديث الشريف، ضمن مقدمة وفصول عديدة. # مقدمة: في الترغيب من إصلاح النفس # إعلم أن للقلب في شريعة الإسلام ولدى الحكماء والعرفاء، معان مختلفة، وأن ~~بيان حقيقة القلب والمصطلحات المختلفة فيه، ومراتب القلوب ودرجاتها، خارج ~~عن وظيفة هذا الكتاب، وغير ناجع لنا كثيرا أيضا. فالأحسن أن نقتصر أيضا على ~~ذلك الغموض الموجود في الروايات الشريفة، المشتملة على ذكر القلب ونتجاوزه، ~~كما فعلته تلك الروايات. ونذكر ما هو لنا هام وضروري. # لابد من معرفة أن السعي في سبيل إصلاح القلب الذي يكون في صلاحه أو فساده ~~أساس السعادة والشقاء، أهم من البحث عن حقيقة القلب وعن المصطلحات الرائجة ~~فيه (1)، بل قد يسبب الانشداد إلى المصطلحات الواردة في القلب، والأبحاث ~~المذكورة من حوله، والغور فيها، الغفلة عن القلب نهائيا والتأخر في إصلاحه، ~~وإنه قد يصير أستاذا في شرح حقيقة القلب وماهيته والمصطلحات المذكورة من ~~قبل الحكماء والعرفاء في القلب، ولكن قلبه والعياذ بالله سيكون مقلوبا ~~ومنكوسا. مثل الإنسان الذي يعرف خصائص الأدوية وآثارها الضارة أو النافعة، ~~ويشرح كل واحد من ms405 ذلك بصورة جيدة، ولكنه لا يكون على حذر من الأدوية ~~الضارة، ولا ينتفع من الأدوية المجدية، فمن المسلم أن مصير إنسان كهذا رغم ~~إلمامه الواسع بالأدوية، الهلاك، ولن ينقذه علمه أبدا. # إننا ذكرنا سابقا بأن العلوم بأسرها تكون للعمل، حتى علوم المعارف ~~الإلهية حيث لها انعكاسات عملية أيضا. ونقول هنا بأن علم أحوال القلوب ~~وكيفية صحتها ومرضها وصلاحها وفسادها، من العلوم التي تعد مقدمة للعمل، ~~وأداة لعلاج القلب وإصلاحه. وأما الإحاطة بهذه الأمور واستيعابها لا يعتبر ~~من الكمالات الإنسانية. # إذن لابد للإنسان أن يركز انتباهه على إصلاح القلب، ويجعل مبتغاه، إكماله ~~حتى ينال منتهى السعادة الروحانية، والمراتب العالية الغيبية. وإذا ما كان ~~هو أيضا من أصحاب العلوم والدقائق والحقائق، لكان همه الوحيد في غضون سيره ~~في الآفاق والأنفس تحسين حالاته النفسية، فلو كانت الحالة النفسية من ~~المهلكات لأصلحها، ولو كانت من المنجيات لبذل الجهد في سبيل تكميلها. # فصل: في بيان مصدر أقسام القلوب ومراتبها PageV01P290 إعلم أن التقسيم المذكور في الحديث الشريف للقلوب، تقسيم كلي ومجمل، وأن ~~لكل قسم من القلوب الأربعة مراتب ودرجات، سواء كان من ناحية الشرك والنفاق ~~أو من ناحية الإيمان والكمال. ومن الظاهر أن هذا التقسيم للقلوب يكون على ~~أساس تبلورها وتحركها حسب التحرك المعنوي دون التحرك من منطلق الفطرة ~~والسجية، حتى لا يحصل التهافت والتضارب بين هذه الرواية التي تقسم القلوب، ~~وبين أخبار الفطرة التي تقول بأن كل قلب ومولود يولد على فطرة التوحيد، وإن ~~الشرك والنفاق طارئان وعرضيان، رغم صحة القول بأن الشرك والنفاق أيضا من ~~الفطرة على ضوء بعض البيانات حيث يكونا نتاج ظروف تربوية واجتماعية ترتبط ~~بالفطرة، من دون أن يؤدي مثل هذا الكلام إلى الجبر المستحيل كما لا يبقى ~~مجال حينئذ للتضارب بين روايات الفطرة وهذه الرواية التي نحن بصدد شرحها. # ولكن الاحتمال الأول مصدر أقسام القلوب التحرك المعنوي هو الأقرب إلى ~~البرهان والأصوب إلى الاعتبار. وقد سبق منا القول بأن الإنسان مادام موجودا ~~في هذا العالم عالم الهيولى والتغير والتبدل الجوهري ms406 والصوري والعرضي ~~يستطيع أن ينقذ نفسه من كل مرتبة من مراتب النقص والشقاء والشرك والنفاق، ~~ويبلغ بها مراتب الكمالات والسعادات الروحية والروحانية. # ولا يتضارب هذا المعنى المذكور، مع الحديث المعروف «الشقي شقي في بطن ~~أمه» (1) لأن الحديث الشريف لا يدل على أن السعادة والشقاء ذاتيان للإنسان ~~غير قابلين للجعل بالجعل المركب بل يدل على معنى ينسجم مع الدليل ~~والبرهان، حيث ثبت في محله أن الشقاء عائد إلى النقص والعدم، والسعادة إلى ~~الكمال والوجود، وإن ما يمت إلى الشجرة الطيبة الوجود فهو من الذات الحق ~~المقدس، إما على أساس طريقة أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمين، نصير الملة ~~والدين خواجة نصير الدين الطوسي قدس الله نفسه، من تسلسل الأسباب ~~والمسببات. وإما على أساس طريقة أعظم الفلاسفة بصورة مطلقة الشيخ صدر ~~المتألهين من الظاهر والمظهر والوحدة والكثرة. وإن ما يعود إلى النقص ~~والعدم فهو من شؤون الشجرة الخبيثة الماهية التي هي دون مستوى الجعل. # ونستطيع أن نقول بأن المقصود من «بطن الأم» الذي تستند السعادة والشقاء ~~إليه، حسب ما ورد في الحديث الشريف، هو عالم الطبيعة المادية، حيث يكون أما ~~لكل شيء مادي ومشيمة لتربية ما هو من الطبيعة، ولا نستطيع أن نفسر بطن الأم ~~حسب المتفاهم لدى الناس من رحم الأم لأن الظاهر من الرواية هو السعادة ~~الفعلية في بطن الأم، مع العلم بأن السعادة التي تعد من الكمالات ~~والفعاليات، لا تتوفر للنفوس الهيولائية على نحو الفعلية فعلا، وإنما تكون ~~على أساس الاستعداد والأهلية والقوة، وعليه يكون الظاهر من الحديث هو أن ~~السعيد، يكون في بطن أمه سعيدا بالفعل، في حين أن الدليل الفلسفي يقودنا ~~إلى السعادة على نحو بالقوة. فلا بد من مخالفة ظاهر الحديث الشريف. # ولما كان شرحنا للحديث متطابقا مع البراهين، كان من المتعين تفسير الحديث ~~الشريف على ضوء ما بيناه أو ما يؤول إليه. # وعلى أي حال إن الإسهاب في هذا الموضوع وعرض الأدلة الوافية، خارج عن ~~وظيفة هذا الكتاب. ولكن القلم قد يطغى، ويجري على خلاف المقصود. # في ms407 بيان وجه حصر أقسام القلوب في الأربعة المذكورة في الرواية PageV01P291 قال بعض: إن سبب انحصار أقسام القلوب في الأربعة هو: أن القلوب إما أن ~~تتحلى بالإيمان أولا. وعلى الأول إما أن تتصف القلوب بالإيمان بكل ما أتى ~~به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو تتصف ببعض ما يعتبر في الإيمان ~~دون بعض؟ فالأول هو قلب المؤمن والثاني هو القلب المكتنف بالإيمان والنفاق ~~وهو إما يعلن الإيمان ويظهره أو لا؟ فعلى الأول يكون القلب منافقا وعلى ~~الثاني يكون مشركا. # وهذا التحليل لا ينسجم مع الحديث الشريف الظاهر في أن القلب الواحد فد ~~يؤمن في الحقيقة بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ينافق. # وإذا أراد أحد أن يبرر الأقسام الأربعة، فالأفضل أن يقول: إن القلب إما ~~أن يؤمن بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولا؟ وعلى الثاني ~~إما يظهر إيمانه أم لا؟ وعلى الأول إما أن يستقر فيه الإيمان من دون تزلزل، ~~أو يؤمن حينا، ويتراجع حينا آخر رغم إفصاحه عن الإيمان أيضا. # ويستفاد من ذيل هذا الحديث أن توبة من يتحول من الإيمان إلى الكفر ~~والنفاق تكون مقبولة، مهما نقض التوبة، وكرر مثل هذا التراجع والتحول. # وفي حديث آخر في كتاب أصول الكافي بسنده إلى الإمام جعفر عليه السلام ~~قال: «القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر، وقلب ~~فيه نكتة سوداء فالخير والشر فيه يعتلجان فأيهما كانت منه غلب عليه، وقلب ~~مفتوح فيه مصابيح تزهر ولا يطفأ نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن». (1) # ولا تتنافى هذه الرواية مع الحديث الشريف السابق، لأن القسم الأول من هذه ~~الرواية يعم قسمين من ذلك الحديث هما: قلب المشرك والمنافق، لأن قلوب هؤلاء ~~الطوائف الثلاثة: المشرك، المنافق، الكافر، منكوسة، وهذا لا يتنافى مع كون ~~«النكس» من الصفات الظاهرة لقلب المشرك والكافر وكون «المطبوع» من الصفات ~~الظاهرة لقلب المنافق. ولهذا خص الحديث السابق كلا من المنكوس والمطبوع ~~بقسم من ms408 القلوب الأربعة. # فصل: في بيان حالات القلوب # ونحن نقدم الحديث عن قلب المؤمن حتى يتبين وضع القلوب الأخرى عند ~~مقارنتها مع قلب المؤمن. # لا بد من معرفة أنه قد ثبت بكل وضوح في العلوم الفلسفية العالية والمعارف ~~الإلهية الحقة أن حقيقة الوجود، هي حقيقة النور، وإنهما عنوانان يحكيان عن ~~حقيقة بسيطة واحدة، من دون أن يكون هناك تكثر وتعدد. وثبت أيضا أن كل ما ~~يعد كمالا وتماما فهو عائد إلى الوجود بعينه. وهذا من المبادئ الأساسية ~~المباركة التي من تشرف بها واستوعبها، تنفتح عليه أبواب المعارف. وأما ~~نفوسنا الضعيفة فهي قاصرة وعاجزة حقا عن إدراك تلك الحقيقة اللهم إلا إذا ~~توفرت له نجدة غيبية، وتوفيق أزلي إلهي. # ومن الواضح أيضا أن الإيمان بالله من نوع العلم ومن الكمالات المطلقة، ~~وحيث أنه من الكمالات فهو أصل الوجود، وأصل حقيقة النور والظهور، وما لا ~~يكون من الإيمان وتوابعه، فهو خارج عن نطاق الكمالات النفسية الإنسانية، ~~وملحق بظلمات الأعدام والماهيات. # في بيان أن قلب المؤمن أزهر PageV01P292 إذن: تبين أن قلب المؤمن أزهر. وفي «الكافي» الشريف بسنده إلى أبي عبدالله ~~الصادق عليه السلام قال: قال لنا ذات يوم تجد الرجل لا يخطىء بلام ولا واو ~~خطيبا مصقعا ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم، وتجد الرجل لا يستطيع أن ~~يعبر عما في قلبه بلسانه وقلبه يزهر كما يزهر المصباح(1). # وإنه أيضا يسلك الصراط المستقيم، وينتهج في سيره الروحاني الجادة السوية ~~الإنسانية. وذلك: # أولا: لم يخرج قلب المؤمن من الفطرة التي فطرها الله والتي عجنها الحق ~~المتعالي وخمرها، بيديه الجمالية والجلالية فترة أربعين صباحا، وعليه ينتهج ~~قلب المؤمن على ضوء فطرة التوحيد التي هي التوجه والانشداد إلى الكمال ~~المطلق والجمال التام، ولا محالة يكون هذا السير الروحاني لقلب المؤمن من ~~مرتبة الفطرة المخمرة حتى منتهى الكمال المطلق من دون أدنى اعوجاج وانحراف. ~~وهذا هو الطريق الروحاني المستقيم، والجادة المستوية الغيبية. وأما القلوب ~~الأخرى فهي خارجة عن فطرتها ومجانبة للسبيل المستقيم. وقد نقل عن رسول الله ~~صلى ms409 الله عليه وآله وسلم أنه رسم على الأرض خطا مستقيما ثم رسم خطوطا ~~متقاطعة للخط المستقيم ثم قال أن الخط المستقيم هو صراطي ومنهجي. # في بيان أن المؤمن على الصراط المستقيم # وثانيا: إن المؤمن يتبع الإنسان الكامل. ولما كان الإنسان الكامل مظهرا ~~لجميع الأسماء والصفات، ومربوبا للحق المتعالي بالإسم الجامع، لم تكن لإسم ~~غلبة على آخر في التصرف في الإنسان الكامل، وكان الإنسان الكامل مثل ربه ~~المتعالي وجودا جامعا من دون تفوق مظهرية اسم على آخر. وإحتوى على مقام ~~الوسطية والبرزخية الكبرى، وتم سيره على الصراط المستقيم الطريق الوسط الذي ~~هو الاسم الجامع. وأما الكائنات الأخرى فيكون كل واحد منها مظهرا لإسم من ~~الأسماء المحيطة أو غير المحيطة، ومتصرفا فيه، ويكون مبدئه ومعاده نفس ذلك ~~الإسم. وأما الإسم المقابل له ففي الغيب والباطن، ولا يتصرف في ذلك الكائن ~~إلا من خلال أحديه جميع الأسماء، ولا يسمح لنا المقام شرح ذلك. فإذن الحق ~~المتعالي في مقام الإسم الجامع ورب الإنسان، على الصراط المستقيم كما ورد ~~في القرآن الكريم (إن ربي على صراط مستقيم) (2). بمعنى مقام الوسطية ~~والجامعية من دون غلبة صفة على أخرى، وظهور أسم دون آخر. # ويكون مربوب الذات المقدس الموجود في مقام الوسطية والجامعية على الصراط ~~المستقيم أيضا، من دون ترجح مقام على مقام، وشأن على شأن. كما يطلب هذا ~~المر بوب، في معراجه الصعودي الحقيقي، ولدى منتهى وصوله إلى مقام القرب، ~~بعد عرضه العبودية على الذات المقدس، وإرجاع كل عبادة وعبودية من كل عابد ~~إلى الذات المتعالي، وحصر الإعانة في جميع مقامات القبض والبسط في ذاته جل ~~جلاله بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين) يطلب هذا المربوب قائلا (اهدنا ~~الصراط المستقيم). وهذا الصراط هو الصراط الذي يهيمن عليه رب الإنسان ~~الكامل، على وجه الربوبية والظاهرية الإظهار والخلق ويكون دور الإنسان ~~الكامل، المربوبية والمظهرية المخلوق . # وأما الموجودات الأخرى، والسائرون إلى الله، فلا تنتهج الصراط المستقيم، ~~بل تنزع إما نحو جانب اللطف والجمال، أو نحو جانب القهر والجلال. PageV01P293 # وأما المؤمنون فلما ms410 كانوا تابعين في مسيرتهم للإنسان الكامل وواضعين خطاهم ~~في موضع أقدامه وسائرين على ضوء نور هدايته ومعرفته، ومستسلمين للذات ~~المقدس للإنسان الكامل، غير معتمدين على أنفسهم خطوة واحدة في سيرهم ~~الروحاني إلى الله، فلما كان المؤمنون كذلك يسلكون أيضا الصراط المستقيم، ~~ويكون حشرهم مع الإنسان الكامل، ووصولهم تبعا لوصول الإنسان الكامل، شرط ~~محافظتهم على صفاء قلوبهم من تصرف الشياطين والإنية والأنانية، بل ~~ويستسلمون في المسير كليا للإنسان الكامل ومقام الخاتمية. # في بيان مكائد الشيطان # ومن التصرفات الخبيثة للشيطان، إضلال القلب وإزاغته عن الصراط المستقيم ~~وتوجيهه نحو فاتنة أو شيخ مرشد. ومن إبداع الشيطان الموسوس في صدور الناس، ~~الفريد من نوعه، هو أن مع بيان عذب ومليح، وأعمال مغرية، قد يعلق بعض ~~المشائخ بشحمة أذن فاتنة جميلة ويبرر هذه المعصية الكبيرة بل هذا الشرك لدى ~~العرفاء، بأن القلب إذا كان متعلقا بشيء واحد، استطاع أن يقطع علاقاته مع ~~الآخرين بصورة أسرع، فيركز كل توجهه أولا على الفتاة الجميلة بحجة أن القلب ~~ينصرف عن غيرها وأنه منتبه إلى شيء واحد ثم يقطع هذا الارتباط الوحيد ويركز ~~قلبه على الحق المتعالي. وقد يدفع الشيطان بإنسان أبله نحو إنسان أبله، نحو ~~محيا مرشد مكار وحش، بل شيطان قاطع للطريق ويلتجئ في تبرير هذا # الشرك الجلي إلى أن هذا المرشد هو الإنسان الكامل، وإنه لا سبيل للإنسان ~~في الوصول إلى مقام الغيب المطلق إلا بواسطة الإنسان الكامل المتجسد في ~~المرآة الأحدية للمرشد، ويلتحق كل منهما حتى نهاية عمرهما بعالم الجن ~~والشياطين: حيث يفكر المرشد في جمال معشوقه ومفاتنه، وهذا الإنسان البسيط ~~بتركيز الانتباه على محيا مرشده البائس المنكوس حتى آخر حياته. فلا تنسلخ ~~العقلة الحيوانية عن هذا المرشد، ولا يبلغ الإنسان الأبله الأعمى إلى ~~منشوده ومبتغاه. # ولا بد من معرفة أن المؤمن لما كان سيره في هذا العالم معتدلا، وقلبه ~~سويا، وتوجهه نحو الله وصراطه مستقيما، كان في ذلك العالم أيضا صراطه ~~مستقيما وواضحا، وجسمه معتدلا وصورته وسيرته وظاهره وباطنه في صورة الإنسان ~~وهيئته. وعند ms411 مقارنة قلب المشرك مع قلب المؤمن، نستطيع أن نفهم موقع قلب ~~المشرك ومصيره، فحيث أن قلبه قد خرج عن الفطرة الإلهية، وانحرف عن النقطة ~~المركزية للكمال، وعن بحبوحة النور والجمال، وابتعد عن التبعية للهادي ~~المطلق والولي الكامل، وانشغل بأنيته وأنانيته بالدنيا وزخارفها، لم يحشر ~~المشرك في العوالم الأخرى في سيرة الإنسان وصورته المعتدلة، وإنما يحشر في ~~صورة حيوان منكوس الرأس، لأنه الهيئة والصورة في ذلك العالم تتبع القلوب، ~~وأن الظاهر هناك ظل لباطن الإنسان هنا، وأن القشر انعكاس للب وأن مواد ذلك ~~العالم لا تأبى الأشكال الملكوتية الغيبية، كما هو شأن المواد في هذا ~~العالم التي لا تقبل الأشكال المختلفة. وقد ثبت كل ذلك في محله بالدليل ~~والبرهان. PageV01P294 # فالقلوب التي أعرضت عن الحق والحقيقة، وخرجت عن فطرتها المستقيمة وأقبلت ~~على الدنيا، ألقت بظلالها على ذلك العالم حيث يخرج أصحابها هناك من ~~الاعتدال ويكونون منكوسين، ومتجهين نحو عالم الطبيعة والدنيا التي تعتبر ~~أسفل السافلين. فمن المحتمل أن يمشي بعض مكبا على وجهه وتكون ساقه نحو ~~الأعلى ويمشي بعض على بطنه، وبعض على يديه ورجليه، كما كان اتجاهه في هذا ~~العالم (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم) (1). ~~فمن الممكن أن هذا الاستعمال المجازي في هذا العالم المجازي، يتحول إلى ~~واقعية وحقيقة في عالم الحقائق والظهور للروحانيات والغيبيات. # لقد فسرت الأحاديث الشريفة: «الصراط المستقيم» المذكور في نهاية هذه ~~الآية المباركة بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين عليهم ~~السلام: # عن الكافي بإسناده عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: قلت: أفمن يمشي ~~مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم؟ قال: «إن الله ضرب ~~مثلا، من حاد عن ولاية علي عليه السلام كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره، ~~وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، والصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه ~~السلام» (2). # وعن الفضيل قال: دخلت مع أبي جعفر عليه السلام المسجد الحرام وهو متكىء ~~علي فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة ms412 فقال يا فضيل هكذا كانوا يطوفون ~~في الجاهلية لا يعرفون حقا ولا يدينون دينا يا فضيل أنظر إليهم مكبين على ~~وجوههم لعنهم الله من خلق مسخهم ربهم مكبين على وجوههم ثم تلا هذه الآية ~~«أفمن يمشي الخ» مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم يعني ~~عليا عليه السلام والأوصياء عليهم السلام. (3) # ونحن قد ذكرنا بأن الإنسان الكامل يمشي في سيره الباطني الغيبي على ~~الصراط المستقيم، وأما بيان أن الإنسان الكامل بنفسه يكون صراطا مستقيما، ~~فهو خارج عن مقصدنا وهدفنا فعلا. # تتيمم: في بيان قلب المنافق، واختلافه مع قلب المؤمن # تبين من الفصل السابق وضع قلب المؤمن والمشرك بل الكافر أيضا. وتبين حال ~~قلب المنافق لدى المقارنة مع قلب المؤمن أيضا. فإن قلب المؤمن لم يخرج من ~~فطرته النقية الناصعة الطاهرة، وكلما يلقى عليه من الحقائق الإيمانية ~~والمعارف الحقة يتلقاها بالقبول، ويبقى الإنسجام بين الطعام والمتغذي، بين ~~المدرك بفتح الراء والمدرك بكسر الراء من المعارف والحقائق من جهة ~~ومقام الفطرة للقلب من جهة أخرى. ولهذا عبر عن قلب المؤمن في حديث آخر ~~منقول في كتاب «الكافي» الشريف ب «المفتوح» (4) وهذا الفتح وإن أمكن أن ~~يكون إشارة إلى إحدى الفتوحات الثلاثة، ولكنه أيضا يتناسب مع هذا المعنى ~~الذي ذكرناه. PageV01P295 # وأما قلب المنافق، فبما أنه قد علقت فيه الأقذار والظلمات التي تتنافى مع ~~فطرة الإنسان مثل التعصب الجاهلي، والخلق الذميم، وحب النفس والجاه وغير ~~ذلك مما لا تتناسب مع الفطرة، غدا مختوما ومغلقا ومطبوعا ورافضا لتقبل كلام ~~الحق نهائيا، ومضاهيا لصفحة سوداء لا تجدي النقوش معها والرسوم عليها، مع ~~العلم بأن تمسكه بالديانة والتظاهر بها، وسيلة شيطانية لتسيير أموره وتطوير دنياه. # ولابد من معرفة أن قلب المشرك والمنافق منكوس ومطبوع، كما هو واضح، ولكن ~~اختصاص كل من القلبين بأحدهما من أجل أن المشرك لدى عبادته يخشع قلبه لغير ~~المعبود الحقيقي ولغير الكمال المطلق، فيكون لقلبه خاصيتان وخصوصيتان ~~أحدهما الخضوع الصادق المتمثل في العبادة ثانيتها أنه لما كان هذا الخضوع ms413 ~~للناقص والمخلوق، كان سببا للنقص والكدر في القلب، فيكون قلبه منكوسا، وهذه ~~صفة بارزة للمشرك. وأما المنافق فهو في الحقيقة قد يكون مشركا فيساوي ~~المشركين في انتكاس قلبه، ويمتاز عليهم أيضا بخصوصية أخرى تذكر بعد قليل . ~~وقد يكون المنافق كافرا وجاحدا في الواقع، لجميع الشرائع، فهو أيضا منكوس ~~القلب، ولكن تتوفر فيه خصوصية أخرى بارزة أكثر هي أنه يصغي إلى الحق بحسب ~~الظاهر ويعيش مع أهل الحق، وتطرق سمعه أحاديث الحق كما تطرق سمع المؤمنين ~~كلمات الحق ولكن المؤمنين لصفاء باطنهم تكون قلوبهم مفتوحة فيلتقونها ~~بالقبول التام، وأما المنافقون فلأجل الكدر والظلمات المحيطة بقلوبهم تكون ~~قلوبهم مطبوعة ومختومة فترفض تلك الكلمات وتجحدها. # ثم إن تعرض الحديث لخصوص صفتين من صفات المؤمن (إن أعطاه شكر وإن ابتلاه ~~صبر) من أجل أن لهاتين الصفتين من صفات المؤمنين خصائص ومزايا لا تتواجد في ~~غيرها من الصفات، فإنهما من أمهات الصفات الجميلة، وتتفرع منهما صفات جميلة ~~أخرى. ونحن قد ذكرنا شيئا قليلا منهما عند شرحنا لبعض الأحاديث المتقدمة. # ومن أجل أن هاتين الصفتين أيضا من صفات الجلال والجمال، القهر واللطف، ~~المتجليتان بالعطاء والابتلاء. فإن الابتلاء وإن كان من صفات اللطف ~~والجمال، ولكنه حيث يكون ظاهرا بالقهر، جعل منه. كما ذكرنا في بحث أسماء ~~الحق وصفاته. والمؤمن ينهض دائما بالعبودية بين هذين التجليين. # ختام: في بيان أن الغفلة عن الحق المتعالي تبعث على إنتكاسة القلب PageV01P296 تبين من العرض المتقدم أن النفوس المنكبة على الدنيا، والملتهية بتعميرها ~~والمنصرفة عن الحق، تكون منكوسة، رغم أنها تعتنق الإيمان بالمبدأ والمعاد، ~~لأن المقياس في انتكاس القلوب، هو الغفلة عن الحق والانشغال بالدنيا ~~وتعميرها. وهذا الإيمان بالمبدأ والمعاد إما لا يعد إيمانا وعقيدة كما ذكر ~~في شرح بعض الأحاديث السابقة، أو أن الإيمان يكون ناقصا وبسيطا جدا، وعليه ~~لا يتنافى مع انتكاس القلب، بل أن من يظهر الإيمان بالغيب والحشر والنشر، ~~ولا يخشى من ذلك، وأن إيمانه لا يدفع به إلى عمل الجوارح والأركان، يكون ~~مثل هذا الإنسان منافقا ولا ms414 يكون مؤمنا. ويمكن أن يكون مثل هؤلاء المؤمنين ~~الشكليين، مثل قوم كانوا بالطائف كما ورد في الحديث إن أدرك أحدهم أجله ~~على نفاقه هلك وإن أدركه على إيمانه نجا ونعوذ بالله من زوال هذا الإيمان ~~الذي ليس له لب وجوهر ولا هيمنة له في ملك الجسم، ومن انتقال الإنسان من ~~هذه الدنيا على النفاق، وحشره مع المنافقين. وهذا من الأمور الهامة التي لا ~~بد أن تذعن لها نفوسنا الضعيفة، ونهتم بها ونكون حريصين على تعميق الإيمان ~~في الظاهر والباطن والسر والعلن، وكما ندعي الإيمان في قلوبنا نجهد أنفسنا ~~على هيمنة الإيمان على الظاهر أيضا، حتى يتجذر الإيمان في القلب ولا يزول ~~أمام عائق ومانع أو أي تغيير وتبديل، إلى أن يتم تسليم هذه الأمانة ~~الإلهية، والقلب الطاهر الملكوتي الذي تخمر بالفطرة الإلهية إلى الذات ~~المقدس من دون أن تمتد إليه يد الشيطان والخيانة والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الحادي والثلاثون: إن الله عز وجل لا يوصف # بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل أفضل المحدثين محمد بن يعقوب الكليني، عن ~~علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه ~~السلام قال: سمعته يقول: «إن الله عز وجل لا يوصف، وكيف يوصف» وقال في ~~كتابه: «وما قدروا الله حق قدره» فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك. وإن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يوصف، وكيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل ~~بسبع وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء فقال: «وما أتيكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا» ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وفوض ~~إليه. وإنا لا نوصف، وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك. والمؤمن ~~لا يوصف وإن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه فلا يزال الله ينظر إليهما والذنوب ~~تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر(1). # الشرح: # قوله عليه السلام: و«ما قدروا الله» يقول الجوهري: (القدر كون الشيء ~~مساويا لغيره بلا زيادة ولا نقصان وإن «قدر» ms415 بفتح الدال وسكونها مصدر ~~ومعناها واحد. يقول الله سبحانه {وما قدروا الله حق قدره} (2). أي ما عظموا ~~الله حق تعظيمه). انتهى. # يقول الكاتب الظاهر أن القدر بمعنى كون الشيء مساويا لغيره، وهو كناية عن ~~عدم القدرة على توصيف الله وتعظيمه كما يجدر به سبحانه، و(قدره) وإن كان ~~وصفا ولكنه موصوف في صياغة الوصف، وسنشير إلى أن هذا التعبير من غير الحق ~~المتعالي فبالنسبة إلى ذاته المقدس غير ميسور ولا جائز. PageV01P297 # قوله عليه السلام: «فلا يوصف بقدر» قال المرحوم المجلسي رحمه الله كان خص ~~القدرة بالذكر لأنها التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه أو هو ~~على المثال ويمكن أن يقرأ بالفتح أي بقدر كما ورد في حديث آخر وهو أصوب(1) ~~وفي كتاب «الوافي» بقدرة ولعله يكون بقدره مع الهاء، كما ورد في بعض النسخ. ~~وأما «بقدرة» مع التاء فمن المظنون بل المقطوع به أنه من الأغلاط المطبعية، ~~وذلك لعدم صيرورة المعنى سلسا، ولعدم صحتها القدرة حسب ألفاظ الحديث حيث ~~يعود إلينا الضمير المذكور، وتأويل ذلك على خلاف القاعدة. # وإنما التجأ المرحوم المجلسي إلى ما نقلنا عنه، لكونه من باب ضيق الخناق، ~~مع أنه لا وجه للتفرقة بين إمكان تعقل قدرة الحق إجمالا حيث قال: «لأنها ~~التي يمكن أن تعقل في الجملة من صفاته سبحانه» (2) وعدم إمكان تعقل بقية ~~صفاته سبحانه. ولهذا نرى بأن مثل هذا التبرير للتفرقة لم يكن موجها حتى ~~عنده أيضا. قال «وقد مر هذا الجزء من الخبر من كتاب التوحيد وفيه بقدر وهو ~~أصوب» (3). # قوله عليه السلام «تتحات» قال الجوهري في الصحاح: «الحت: حك الورق من ~~الغصن» وقال «تحات الشيء: تناثر». # ونحن نشرح ما يتناسب مع هذا الحديث الشريف في فصول عدة. # فصل: في بيان المقصود من عدم توصيف الحق المتعالي # إعلم أن ما ورد في هذا الحديث الشريف: «إن الله عز وجل لا يوصف» إشارة ~~إلى أوصاف وصف بها، بعض أهل الجهل والجدل من المتكلمين، الحق المتعال. ~~واستدعت هذه الأوصاف التحديد والتشبيه، بل التعطيل ms416 كما أشير إلى ذلك في ~~الحديث بقوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره). # وفي باب النهي عن الصفقة بغير ما وصف به نفسه تعالى من كتاب «الكافي» ~~المبارك روايات تدل على ذلك: # بإسناده عن عبد الرحيم بن عتيك القصير قال: «كتبت على يدي عبد الملك بن ~~أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام: إن قوما بالعراق يصفون الله بالصورة ~~وبالتخطيط (بالتخاطيط خ ل) فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إلي بالمذهب ~~الصحيح في التوحيد. فكتب إلي: سألت إلي رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه ~~من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعالى عما ~~وصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله». PageV01P298 # فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات ~~الله تعالى، فانف عن الله البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه، هو الله ~~الثابت الموجود، تعالى عما يصفه الواصفون، ولا تعدوا القرآن فتضلوا بعد ~~البيان (التبيان خ ل)(1) وبعد التدبر في صدر هذا الحديث الشريف وذيله، ~~يفهم بأنه ليس المقصود من نفي توصيف الحق سبحانه عدم التفكر في صفات الحق ~~المتعالي، وعدم توصيفه بصورة مطلقة، كما قال به بعض المحدثين الأجلاء، إذ ~~ورد في هذا الحديث وفي غيره من الروايات الأخرى الأمر بنفي التعطيل ~~والتشبيه عنه سبحانه، وهذا النفي لا يكون إلا بعد الوقوف على الصفات ~~واستيعابها. بل المقصود لدى أبي عبد الله عليه السلام، هو عدم توصيفه بما ~~لا يليق بذاته المقدس الحق المتعالى، مثل إثبات الصورة والتخطيط وغيرها من ~~صفات المخلوقين، التي تلازم الإمكان والنقص. تعالى الله عنه. # وأما توصيف الحق، المتعالي، بما يليق ويجدر بذاته المقدس، والذي أقيمت ~~عليه البراهين الصحيحة في العلوم العالية الفلسفية، فهو أمر مطلوب، فإن ~~كتاب الله سبحانه وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأحاديث أهل البيت ~~عليهم السلام مشحونة من ذلك. كما أن الإمام الصادق عليه السلام لمح في هذا ~~الحديث الشريف إلى أن المقياسفي إثبات الأوصاف للحق سبحانه هو ms417 البرهان ~~الصحيح ويكون البحث في ذلك بعيد عن مقصدنا. # وما أمر به الإمام الصادق عليه السلام في توصيف الحق سبحانه، من لزوم عدم ~~الخروج عما في القرآن الكريم بقوله «إن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به ~~القرآن من صفات الله»، توجيه لمن لا يستوعبون المقياس من صفات الله سبحانه، ~~وليس بمنع توصيف الله سبحانه بصفات لم تذكر في كتاب الله، ولهذا نرى بأن ~~الإمام صلوات الله عليه الذي أمر عبد الله بن علي بعدم توصيفه بوصف غير ~~مذكور في كتاب الله، هذا الإمام بنفسه ينعت الحق بصفتين لم يعهد بهما في ~~القرآن الكريم وهما الثابت والموجود. # نعم إذا أراد شخص أن يصف الحق المتعالي بوصف من وحي عقله القاصر المشوب ~~بالأوهام، من دون أن يستنير بنور المعرفة والسداد الغيبي، فيسقط إما في ~~ضلال التعطيل والبطلان، وإما في هلاك التشبيه. فعلى أمثالنا الذين أسدلت ~~على قلوبهم ستائر وحجب غليظة من الجهل والأنانية والعادات البشعة والخلق ~~الغليظ الفظ، أن لا نتطرق إلى عالم الغيب، ولا ننعت إلها على ضوء إدراكنا، ~~لأن ما يخطر ببالنا لا يكون إلا مخلوقا لنا. PageV01P299 # ولا يخفى بأن المقصود من منع أمثالنا التطرق إلى عالم الغيب، ليس هو ~~الإبقاء في عالم الجهل والأنانية أو والعياذ بالله دعوة الناس إلى الإلحاد ~~بأسماء الله (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) (1). أو المنع من الوقوف على ~~المعارف الإلهية التي هي عين الأولياء ومصباحهم وأساس الديانات وقاعدتها. ~~بل إن نفس هذا الكلام الكف عن التطرق لعالم الغيب دعوة لإزالة هذه الحجب ~~الغليظة، والانتباه إلى أن الإنسان ما دام ساقطا في شباك حب الجاه والمال ~~والدنيا والنفس، ويكون مثله، مثل الكاتب الواقع خلف حجب الجهل والضلال ~~والعجب والأنانية التي هي أغلظ الحجب، يكون بعيدا عن المعارف الحقة، ~~ومحروما من الوصول إلى هدفه ومبتغاه. وإذا لم تصله والعياذ بالله نجدة ~~غيبية من الحق المتعالي أو أوليائه الكاملين، لا يعرف أحد المصير والنهاية ~~لهذا المسير والحركة. اللهم إليك الشكوى وأنت المستعان. # إلهنا: نحن التائهين في ms418 عالم الجهل، والمتحيرين في وادي الضلال، ~~والمثقلين بالعجب والأنانية، نحن الذين قدمنا على الملك والمادة، عالم ~~الظلام، من دو أن نفتح أعين بصيرتنا، ونشهد جمالك المنير في مرائي الصغار ~~والكبار، ونرى بصيصا من نور الظاهر في أقطار السماوات والأرضين، ثم عشنا ~~أيام حياتنا بعيون عمي، وقلوب مهجورة، وأمضينا عمرنا في جهل وغفلة. # إلهنا إن لم تسعفنا وتسعنا رحمتك الواسعة، وعنايتك اللامتناهية، وإن لم ~~تلق في قلوبنا حرارة الحب وفي صدورنا العشق وفي أعماقنا الجذبات الروحية، ~~لبقينا إلى الأبد في هذه الحيرة، ولم نستطع أن نشق طريقنا ولكن «ما هكذا ~~الظن بك» إنك قد ابتدأت بالنعم وإن رحمتك قديمة لا مثيل لها. # إلهنا: تفضل علينا وكن في عوننا، وأهدنا إلى أنوار جمالك وجلالك، وأنر ~~قلوبنا بضياء أسمائك وصفاتك. # في بيان أن العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور # لا يخفى على أحد بأن استيعاب حقيقة أوصاف الحق، والإحاطة بها وبكيفياتها، ~~من المسائل التي تكون يد البرهان قاصرة عن الوصول إلى قممها، وآمال ~~العارفين مقطوعة عن البلوغ إلى مغزاها. وما ذكر من البراهين والآراء ~~الدقيقة على يد علماء الحكمة والفلسفة أو في أبحاث الأسماء والصفات لأرباب ~~المصطلحات العرفانية، يكون صحيحا حسب مسلكهم ومبادئهم، التي ينطلقون منها، ~~ولكن نفس العلم حجاب غليظ، فإذا لم يخرق هذا الحجاب بتوفيق من الله سبحانه ~~في ظل التقوى الكاملة والترويض المجهد للنفس، والانقطاع التام لله ~~والمناجاة الصادقة معه، لم تشرق في قلب السالك أنوار الجمال والجلال، ولم ~~يشهد قلب المهاجر إلى الله، المشاهدات الغيبية، ولم يتمتع بالحضور العيني ~~لتجليات الأسماء والصفات، فضلا عن الحظوة بالتجليات الذاتية. وهذا المعنى ~~يجب أن لا يحجم الإنسان عن البحث والطلب الذي هو تذكر للحق سبحانه. إذ أن ~~من النادر جدا، غرس الشجرة الطيبة للمعرفة في القلب أو إنعاشها ونضارتها من ~~دون بذر علوم حقة مع كافة شرائطها المعهودة، فالإنسان لا بد وأن يواظب في ~~بدء الأمر على الرياضة العلمية مع النهوض بجميع شرائطها ومتمماتها، ولا ~~يسحب يده منها حيث قالوا: «العلوم بذر ms419 المشاهدات». وأن لم تنتج العلوم في ~~هذا العالم لأجل العوائق، نتيجة مجدية وتامة، لأثمرت في عوالم أخرى ثمرات ~~طيبة، ولكن المهم هو النهوض بشرائطهما ومقدماتها. # وقد تحدثنا عن بعض الشرائط والمقدمات لدى شرحنا بعضا من الأحاديث ~~المتقدمة. # فصل: في بيان أن العلم بحقيقة روحانية الأنبياء والأولياء PageV01P300 لا يمكن أن يتم بالفكر والبرهان إعلم أنه لا يمكن معرفة روحانية ومقام خاتم ~~الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، والأنبياء العظام والأولياء ~~المعصومين عليهم السلام عامة مع التفكر والتدبر وسير الآفاق والأنفس لأن ~~هؤلاء الأجلاء، من الأنوار الغيبية الإلهية، والمظاهر التامة، للجلال ~~والجمال، وآياتهما الباهرة. وقد بلغوا في سيرهم المعنوي، وسفرهم إلى الله ~~الغاية القصوى، والفناء في الذات، ومنتهى العروج: (قاب قوسين أو أدنى)، رغم ~~أن صاحب المقام بالأصالة هو النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ~~الأنبياء الآخرين السالكين لطريق العروج يتبعون الذات المقدس للنبي الخاتم ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # ونحن لسنا بصدد بيان كيفية سير خاتم الأنبياء، وبيان الفارق بين معراجه ~~الروحاني ومعراج جميع الأنبياء والأولياء عليهم السلام. وإنما نكتفي بذكر ~~رواية واحدة تتحدث عن نورانيتهم، لأن إدراك نورانيتهم، يفتقر أيضا إلى ~~نورانية باطنية وجذبة إلهية. # الكافي: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن علم ~~العالم، فقال لي: يا جابر، إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس ~~وروح الإيمان وروح الحيوة وروح القوة وروح الشهوة. فبروح القدس يا جابر ~~عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى. ثم قال: يا جابر، إن هذه الأربعة ~~أرواح يصيبها الحدثان إلا روح القدس فإنها لا تلهو ولا تلعب». (1) # وبإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله ~~تبارك وتعالى «وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان»، قال: «خلق من خلق الله تبارك وتعالى أعظم من جبرئيل وميكائيل، ~~كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من ~~بعده صلوات الله عليهم». ms420 (2) # يفهم من الحديث الأول، أن للإنبياء والأوصياء عليهم السلام مقاما شامخا ~~من الروحانية يدعى ب (روح القدس) ومن خلاله يتمتعون بالإحاطة العلمية ~~القيومية لجميع الكائنات حتى ذراتها الصغيرة جدا، ولا توجد فيها الغفلة ~~والنوم والسهر والنسيان وكافة الحوادث والتغيرات والنقائض الملكية، بل تكون ~~من عالم الغيب المجرد، والجبروت الأعظم. كما يستفاد من الحديث الثاني، أن ~~تلك الروح المجردة الكاملة، أعظم من جبرائيل وميكائيل عليهما السلام رغم ~~أنهما أعظم القاطنين في مقام قرب الجبروت. # نعم إن الأولياء، الذين تخمرت طينتهم على يدي قدرة الجمال والجلال للحق ~~المتعالي، وتجلى سبحانه في مرآتهم الكاملة، لدى التجلي الذاتي الأول بجميع ~~الأسماء والصفات ومقام أحدية الجمع، وتعلموا حقائق الأسماء والصفات في مقام ~~غيب الهوية. إن مقام هؤلاء الأولياء أسمى وأرفع من أن تنال آمال أهل ~~المعرفة أطراف كبرياء جلالهم وجمالهم، وأن تبلغ خطوات معرفة أهل القلوب ~~ذروة كمالهم. وفي الحديث النبوي الشريف «علي ممسوس في ذات الله تعالى» (3) ~~والكاتب قد وضع كتابا متواضعا في الأيام السابقة باسم (مصباح الهداية). وصف ~~فيه نبذة من مقام النبوة والولاية. مثل وصف الخفاش الشمس المضيئة للعالم. PageV01P301 # فصل: في بيان معنى قوله عليه السلام كيف يوصف عبد احتجب الله عز وجل بسبع # هناك احتمالات في هذه الجملة المذكورة في الحديث الشريف «كيف يوصف عبد ~~احتجب الله عز وجل بسبع» نذكر بعضها: # الاحتمال الأول: ما ذكره بعض العارفين المحدث العارف الكامل المرحوم ~~فيض الكاشاني رحمه الله تعالى أنه: (قد ورد في الحديث أن لله سبعين ألف ~~حجاب من نور ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. وعلى هذا ~~فيحتمل أن يكون معنى قوله عليه السلام «احتجب الله بسبع» أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد ارتفعت الحجب بينه وبين الله تعالى حتى بقي من السبعين ألف ~~سبع) (1). # وبناء على هذا الاحتمال يكون التقدير هكذا «احتجب الله عنه بسبع» فيكون ~~اسم الجلالة فاعلا لفعل (إحتجب). وهذا الاحتمال وإن كان أفضل الاحتمالات ~~ولكنه لا يخلو من المناقشة. أما بحسب اللفظ ms421 فالمناسب في مقام التوصيف ~~والتعريف هو التعبير عن مقصوده هذا بقوله «ما احتجب عن الله إلا بسبع» أو ~~«ما احتجب الله عنه إلا بسبع» وبعبارة أخرى بناء على مقصوده ذاك أن كمال ~~النبي وعدم جواز توصيفه (وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يوصف) يكون ~~بعدم وجود الحجب الأخرى وليس بوجود الحجب السبعة، فكان من المناسب أن ينفي ~~الحجب مع أنه لم يفعل ذلك. # وأما بحسب المعنى فالظاهر أن هذه الحجب التي (احتجب الله عز وجل بسبع) من ~~حجب النور والظلمة أي من الحجب الخلقية أقرب من نور الرسول الأكرم صلى الله ~~عليه وآله وسلم الطاهر، مع أنه قد يثبت أن ذاته صلى الله عليه وآله وسلم هو ~~الحجاب الأقرب والمخلوق الأول وإنه لا يوجد له حجب الأسماء والصفات، كما ~~تقرر ذلك في محله. وأما مقامات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولطائفة ~~السبعة لا تكون أيضا حجبا له. # الاحتمال الثاني: ما نقله المحدث الخبير المرحوم المجلسي أعلى الله في ~~القدس مقامه عن بعض الأعلام ورآه وجيها (من أن هذه الجملة تمهيد لما بعدها ~~أي احتجب الله عن الخلق بسبع سماوات وجعله خليفة في عباده، وأناط طاعته ~~بطاعته، وفوض إليه أمور خلقه بمنزلة ملك جعل بينه وبين رعيته سبعة حجب ~~وأبواب لم يمكنهم الوصول إليه بوجه، وبعث إليهم وزيرا ونصب عليهم حاكما ~~وكتب إليهم كتابا تضمن وجوب طاعته وإن كل من له حاجة فليرجع إليه فإن قوله ~~قولي، وأمره أمري وحكمه حكمي، فاحتجابه بالسبع كناية عن عدم ظهور وحيه ~~وأمره ونهيه وتقديراته إلا من فوق سبع سماوات وإنما يظهر لنا جميع ذلك ~~ببيانه صلى الله عليه وآله وسلم. # وهذا وجه وجيه خطر ببال القاصر سالفا وإن وافقني على بعضه البعض. (2) # ولا ترد على هذا الاحتمال المناقشة المتقدمة على معنى الرواية، كما ~~يستبعد أيضا ورود المناقشة على ألفاظ الرواية، بل تكون أبعد من ورود ~~المناقشة اللفظية على الاحتمال الأول. # وهناك احتمال ثالث يتمتع بالصحة والقبول لدى النفس ويتناسب مع ms422 الموضوع ~~أيضا، ولكن صحته تتوقف على أحد أمرين: PageV01P302 # إما أن نعتبر أن «احتجب» استعمل بمعنى «حجب»، ويكون متعديا. وأما أن نجوز ~~تعدية «إحتجب» بالباء الجارة ويكون المفعول على كلا الاحتمالين مقدرا ~~محذوفا. ويكون هذا الاحتمال الثالث مع فرض صحة أحد الأمرين هو: كيف يوصف ~~عبد، احتجبه الحق المتعالي بحجب سبعة، وجعل سبحانه لإبراز جمال عبده محمد ~~بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم وروحانيته، حجبا سبعة ابتداء من ~~الطبيعة وانتهاء بالمشية المطلقة، أو ابتداءا من عالم ملكه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وطبيعته، حتى مقام غيب هويته، وذلك منسمجا مع عالم المشية. # ولكننا لم نجد في اللغة العربية وفي مجالات استعمال كلمة «احتجب» أنها ~~استعملت متعدية رغم تصريح بعض علماء الأدب بجواز تعدية «احتجب» بالباء. ~~والعلم عند الله «ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا». # فصل: في بيان معنى تفويض الأمر إلى رسول الله (ص) # كما ورد في هذا الحديث الشريف والأحاديث الكثيرة الأخرى إعلم أن للتفويض ~~معنى مذكورا في أبحاث الجبر والتفويض وهو أن الحق سبحانه قد عزل نفسه ~~والعياذ بالله عن التصرف القيومي في كل أمر من الأمور من أقصى عالم من ~~عوالم الغيب المجردة حتى منتهى النهايات من عالم الخلق والتكوين، وفوض أمر ~~ذلك إلى موجود سواء كان كاملا وتاما وروحانيا وصاحب اختيار وإرادة، أو كان ~~طبيعيا مسلوب الشعور والإرادة، يتصرف هذا الموجود بصورة تامة ومستقلة. ~~ومثل هذا التفويض لا يمكن أن يكون لأحد، لا في عالم التكوين ولا في عالم ~~التشريع وسياسة العباد وتأديبهم، وذلك من أجل أن هذا التفويض يستلزم النقض ~~والإمكان في الوجود الواجب، ونفى الإمكان والحاجة في الممكن. # ويقابل التفويض هذا، الجبر الذي يكون عبارة عن نفي الآثار الخاصة عن ~~مراتب الوجود ونفى الأسباب والمسببات نهائيا، وإلقاء الوسائط بصورة كلية. ~~وهذا أيضا باطل ومرفوض ومخالف للبراهين المحكمة. وهذا المعنى من الجبر ~~المرفوض لا يختص أيضا بأفعال المكلفين، بل يعم عالم التكوين والتشريع كما ~~هو المشهور. فإن رفض الجبر والتفويض بهذا المعنى الذي ذكرناه هو ms423 سنة الله ~~الجارية في كافة مراتب الوجود، ومظاهر عالم الغيب والشهود. والتحقيق في ذلك ~~خارج عن نطاق هذا الكتاب. والروايات التي تنفي الجبر والتفويض إنما تنفيهما ~~حسب المعنى المذكور. وأما الأخبار التي تقر التفويض في بعض الأحكام ~~التشريعية مثل ما نقل عن الكافي بإسناده إلى أبي جعفر عليه السلام قال وضع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل ~~مسكر، فقال له رجل وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يكون ~~جاء فيه شيء؟ قال: نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه. (1). # ومثله روايات أخرى بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضاف بعض ~~الركعات على الصلوات، وجعل الصيام في شهر شعبان مستحبا وصيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر مستحبا أو فوض إليه صلوات الله وسلامه عليه أمر الخليقة مثل ما نقله ~~الكافي: PageV01P303 # بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وأبا عبد الله عليه ~~السلام يقولان: إن الله عز وجل فوض إلى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم ~~تلا هذه الآية: {ما اتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا} (1). # وروايات أخرى مأثورة بهذا المعنى أيضا. وأما هذه الأخبار فقد فسرت على ~~وجه آخر غير المعنى المرفوض. وذكر لها علماؤنا الأعلام وجوها: منها ما نقله ~~المحدث الخبير المجلسي رحمه الله عن ثقة الإسلام الكليني وأكثر المحدثين ~~وهو: (أنه تعالى لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئا إلا ما ~~يوافق الحق والصواب ولا يحل بباله ما يخالف مشيته سبحانه في كل باب، فوض ~~إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في ركعات الفرائض وتعيين النوافل من الصلاة ~~والصيام وطعمة الجد وغير ذلك مما سيأتي بعضها في هذا الكتاب مرآة العقول ~~إظهارا لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي لا الاختيار ~~إلا بالإلهام ثم كان يؤكد ما اختاره صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي) (2). # وقد ذكر المرحوم المجلسي وجوها أخرى مثل تفويض أمور الخلق إليهم ~~الأنبياء ms424 من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم. ومثل التفويض بيان ~~العلوم والأحكام إليهم بما أرادوا أو رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم ~~وأفهامهم أو بسبب التقية(3). # ولكن لم يتحدث هؤلاء الإجلاء في الوجوه المحتملة التي استعرضوها عن كيفية ~~تفويض الأمور إليهم على أساس قاعدة محددة لم تتناف مع الأسس الصحيحة التي ~~ينطلقون منها. كما أنهم لم يشرحوا الفرق بين التفويض الممكن عندهم والتفويض ~~المستحيل. بل يظهر من كلام العلماء وخاصة المرحوم المجلسي رضون الله تعالى ~~عليه أن الإيمان (بالتفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والأحياء إلى ~~غير الحق سبحانه، كفر صريح ولا يستريب عاقل في كفر من قال به) (4) وجعلوا ~~الكرامات والمعجزات من قبيل استجابة الدعاء وأن الحق سبحانه هو الفاعل لكل ~~هذه الأمور. ولكنهم أجازوا التفويض إليهم في تعليم الناس وتربيتهم وفي منع ~~الناس من الأنفال والخمس أو الدفع إليهم وفي تشريع بعض الأحكام. # وهذا البحث من الدراسات التي يقل التوغل فيها من قبل الباحثين، حتى يكون ~~له إطار عام دقيق، وإن تنالوا غالبا طرفا من البحث وتحدثوا عنه. # وأنا الكاتب ، أيضا مع قصور الباع، ونقص في العلم والاستعداد، والقلم ~~المتعثر، والقرطاس الممزق، لا أستطيع أن أتوغل في هذه الفلاة المترامية ~~الأطراف بصورة مفصلة. ولكنني مضطر لكي أشير إجمالا إلى هذا الموضوع على شكل ~~نتيجة البرهان، ولا مهرب من عدم إظهار الحق. # في إشارة إجمالية إلى معنى «التفويض» PageV01P304 لابد من معرفة أنه لا فرق أبدا في التفويض المستحيل المستلزم لمغلولية يد ~~الله وفاعلية قدرة العبد وإرادته بصورة مستقلة بين الأمور العظيمة أو ~~الحقيرة. كما أن أمر الإحياء والإماتة، والإيجاد والإعدام، وتحويل عنصر إلى ~~آخر لا يمكن أن يفوض لموجود، حتى أن تحريك قشة أيضا، لم يمكن أن يفوض لا ~~إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا إلى كائن ابتداءا من العقول المجردة القاطنة ~~في الجبروت الأعلى إلى المادة: الهيولى الأولى. وإن ذرات الكائنات بأسرها ~~مسخرة تحت إرادة الحق سبحانه الكاملة، ولا استقلالية لها في أي عمل أبدا، ~~وأن جميع الكائنات في ms425 وجودها وكمالها وحركاتها وسكناتها وإرادتها وقدرتها ~~وكافة شؤونها محتاجة وفقيرة، بل هي فقر خالص وخالص فقر. كما أنه لا فرق ~~أبدا في قيومية الحق، وعدم استقلال العباد، وظهور إرادة الله ونفوذها ~~وتغلغلها في كل شيء بين الأمور الكبيرة والصغيرة. وكما إننا العباد الضعاف ~~قادرون على الأعمال البسيطة مثل الحركة والسكون وأفعال أخرى صغيرة، فإن ~~العباد المخلصين لله سبحانه والملائكة المجردين، قادرون على أعمال عظيمة من ~~الإحياء والإماتة والرزق والإيجاد والإعدام. وكما أن ملك الموت يقوم ~~بالإماتة، وعمله هذا لا يكون من قبيل استجابة الدعاء، وإن إسرافيل موكل ~~بالإحياء، وإحيائه لا يكون من قبيل استجابة الدعاء أو التفويض الباطل فكذلك ~~الولي الكامل، والنفوس الزكية القوية، مثل نفوس الأنبياء والأولياء، قادرة ~~على الإعدام والإيجاد والإماتة والإحياء، بقدرة الحق المتعال، وليس هذا من ~~التفويض المحال، ويجب أن لا نعتبره باطلا. ولا مانع من تفويض أمر العباد، ~~إلى روحانية كاملة، تكون مشيئته فانية في مشيئة الحق، وإرادته ظلال لإرادة ~~الحق، ولا يروم إلا ما يريده الحق، ولا يتحرك إلا إذا كان موافقا للنظام ~~الأصلح، سواء كان في الخلق والتكوين أو التشريع والتربية، كما وردت الإشارة ~~إلى ذلك في حديث ابن سنان المذكور في الفصل القادم بعد أسطر. # وملخص الكلام أن التفويض بالمعنى الأول لا يكون جائزا في أي مجال من ~~المجالات وأنه مخالف للبراهين القاطعة. وأما التفويض بالمعنى الثاني فجائز ~~في كافة الأمور بل إن النظام العام للعالم، لا يقوم إلا على أساس الأسباب ~~والمسببات «أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها» (1). # واعلم بأن كل ما بيناه على سبيل الاختصار فهو من ثمار الأدلة والبراهين ~~ومتطابق مع المقاييس الصحيحة الفلسفية، والمسلك العرفاني، والأخبار الشريفة ~~والله الهادي. # فصل: في الإشارة إلى مقام الأئمة عليهم السلام # إعلم أن لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام مقاما روحانيا شامخا، في ~~السير المعنوي إلى الله، يفوق قدرة استيعاب الإنسان حتى من الناحية ~~العلمية، وأسمى من عقول ذوي العقول وأعظم من شهود أصحاب العرفان. كما ~~يستفاد من الأحاديث الشريفة، أنهم ms426 صلوات الله عليهم يشاركون الرسول الأكرم ~~صلى الله عليه وآله وسلم في مقام الروحانية وأن أنوارهم المطهرة كانت تسبح ~~وتقدس للذات المتعال قبل خلق العالم. PageV01P305 # الكافي: بإسناده عن محمد بن سنان قال: «كنت عند أبي جعفر الثاني عليه ~~السلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى لم يزل ~~متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع ~~الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما ~~يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تعالى. # ثم قال: يا محمد، هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ~~ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد». (1) # وبإسناده عن المفضل قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: «كيف كنتم حيث ~~كنتم في الأظلة؟ فقال: يا مفضل، كنا عند ربنا، ليس عنده أحد غيرنا في ظلة ~~خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده، وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتى ~~بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى ~~علم ذلك إلينا» (2). # إن الأحاديث المأثورة في طينة أبدانهم، وخلق أرواحهم ونفوسهم، وفيما ~~منحوا من الاسم الأعظم، والعلوم الغيبية الإلهية من علوم الأنبياء ~~والملائكة، ومما هو أعظم مما لا يخطر على بال أحد، وهكذا الأخبار المنقولة ~~في فضائلهم في مختلف الأبواب من الكتب المعتبرة وخاصة كتاب أصول الكافي، إن ~~مثل هذه الأخبار كثيرة بقدر تبعث على تحير العقول، ولم يقف أحد على حقائقهم ~~وأسرارهم عليهم الصلوات إلا أنفسهم. وهذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا ~~يحتوي على إيمانه لفضيلة واحدة من فضائلهم، وهذه الفضيلة هي آية التطهير ~~التي نزلت حسب الأخبار المتواترة المنقولة عن طرق العامة والخاصة في أهل ~~بيت العصمة عليهم السلام، والمقصود من أهل البيت في آية (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) المباركة على ضوء اتفاق الشيعة والأخبار ~~المستفيضة أو المتواترة المأثورة في تفسيرها، هم آل بيت العصمة والطهارة ~~الذين هم يكونون ms427 من قبيل توضيح الواضحات. # في بيان حقيقة العصمة: # لقد فسر «الرجس» في هذا الحديث الشريف وأحاديث أخرى، بالشك، وفي بعض ~~الأحاديث بالعيوب بأسرها فهم مطهرون عنها. وتبين من الشرح لبعض الأحاديث ~~السابقة، إن نفي الشك يستلزم، نفي العيوب القلبية والقالبية، بل يستلزم ~~العصمة، لأنها العصمة أمر على خلاف الإرادة والاختيار، وإنها لا تكون من ~~الأمور الطبيعية والجبلية، بل هي حالة نفسية، وأنوار باطنية تتفجر من نور ~~اليقين الكامل والاطمئنان التام. PageV01P306 # إن مصدر جميع الخطايا والمعاصي التي تصدر من الإنسان، هو النقص في اليقين ~~والإيمان، وإن مراتب اليقين والإيمان مختلفة على مستوى لا يمكن عدها ~~وبيانها. وإن اليقين الكامل للأنبياء والاطمئنان التام الذي يحظون به، ~~الحاصلان من المشاهدة الحضورية هو الذي يعصمهم من الآثام. إن يقين الإمام ~~علي بن أبي طالب عليه السلام قد أبلغه إلى مستوى يقول (والله لو أعطيت ~~الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها جلب ~~شعيرة ما فعلته) (1). # وملخص الحديث أن زوال الشرك والشك والتطهير من أرجاس عالم الطبيعة ~~وخبائثها ومن ظلمات التعلق بغير الحق تعالى شأنه، وكدر الإنية، وإزاحة ~~الحجب الغليظة من القلب والحاصلة من الأنانيه والتوجه إلى غير الحق سبحانه. ~~إن هذا الابتعاد والتطهير، يجعل صاحبه حسب الإرادة الأزلية، من الأنوار ~~القدسية الإلهية، والآيات التامة الربوبية، والخالصين المخلصين لله سبحانه، ~~كما أنه مثل هذا الإنسان يحقق مقاما رفيعا لا يمكن إخضاعه للوصف والبيان، ~~ولا تنال أيادي الآمال قمة جلاله مثله مثل عنقاء مغرب (2) غيب الهوية. نصف ~~بيت شعر: أيها الصياد، إسحب الفخ فإن أحدا لا يستطيع أن يصطاد العنقاء. # فصل: في بيان أن الإيمان لا يوصف # اعلم أن الإيمان أيضا من الكمالات الروحية، التي قلما يدرك أحد حقيقتها ~~النورية، حتى أن المؤمنين لم يعرفوا شيئا عن نورانية إيمانهم، والكرامات ~~التي تنتظرهم لدى ساحة قدسه المتعالي، ما داموا في عالم الدنيا، وظلام ~~الطبيعة. # إن الإنسان نتيجة عيشه في هذا العالم، واندماجه مع الظروف السائدة، وأنسه ~~بالعادات الجارية يقارن جميع نعم وكرامات ms428 ذلك العالم أو عذابه وخذلانه مع ~~آلاء وآلام هذا العالم الملكي، فيقيس الكرامات التي وعد الحق المتعال ~~المؤمنين، والعطايا التي ذخرها لهم، حسب ما حدث عنها الأنبياء عليهم ~~السلام، بهدايا السلاطين والأجلاء، إلى الناس أو يعتبرها، أحسن وأفضل ~~بقليل، ويفترض تلك النعم الأخروية مثل نعم هذا العالم أو ألطف وأمتع بقدر ~~يسير. مع أن هذه المقارنة من القياس الباطل. # إننا لا نستطيع أن نتصور نعم ذلك العالم وروحه وريحانه، ولم يخطر على ~~قلوبنا مثيلها. إننا لا نتمكن أن ندرك بأن جرعة من ماء الجنة تحتوي على كل ~~اللذات المنظورة الممكنة، وأن كل لذة تفترق عن لذة أخرى، كما أن كيفية كل ~~لذة لا تضاهي اللذات الموجودة هنا. # وفي هذا الحديث الشريف، ذكر لكرامة من كرامات المؤمنين التي لا تقاس لدى ~~أصحاب المعرفة وأرباب القلوب، بأي شيء آخر، ولا تدخل في أي ميزان ومقياس، ~~وهي: «وإن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه، فلا يزال الله ينظر إليهما». # وفي الروايات الكثيرة إشارة أيضا إلى هذا المضمون ففي الكافي بإسناده عن ~~أبي جعفر عليه السلام قال: «إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا، أقبل الله ~~تعالى عليهما بوجهه وتساقطت عنهما الذنوب كما يتساقط الورق من الشجر» (3). PageV01P307 # إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما ينجم من توجه الحق المتعالي وإقباله سبحانه ~~بوجهه الكريم على المؤمن عند مصافحته لأخيه المؤمن من النور والكرامة، ومن ~~ارتفاع الحجب التي بين العبد المؤمن ونور جمال ذاته المقدس، ومن العنايات ~~الربانية التي تنزل على المؤمن وتنجده. كن لابد من معرفة السر الواقعي ~~والنكتة الحقيقية التي تبعث على هذه الكرامات وعدم الغفلة عنها كي ينتبه ~~القلب إليها ويصير عمله كاملا ونورانيا بها، وتنفخ في العمل الروح والنفخة ~~الإلهية. وتلك، النكتة الحقيقية والسر الواقعي هو: تحكم الود والمحبة في ~~الله، وتجديد عهد الأخوة في الله. كما أبدت أحاديث مباركة اهتماما كبيرا ~~بهذا السر. وقد أشير إلى هذا الموضوع في الأحاديث الواردة في المصافحة ~~أيضا. ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن المؤمنين إذا ms429 ~~التقيا وتصافحا، أدخل الله يده بين أيديهما فصافح أشدهما حبا لصاحبه» (1). # وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمار قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام ~~إلى أن قال أو ما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عز وجل ~~الرحمة عليهما فكانت تسعة وتسعين لأشدهما حبا لصاحبه فإذا توافقا غمرتهما ~~الرحمة(2) والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الثاني والثلاثون: الرزق # بالسند المتصل إلى محمد بن يعقوب الكليني، عن الحسين بن محمد، عن المعلى ~~بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال: «من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله، ~~ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده ~~كراهية كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما ~~يدركه الموت. ثم قال: إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين ~~والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»(3). # الشرح: # قال الجوهري أن السخط على وزن الفرس، والسخط على وزن قفل معناه خلاف ~~الرضا. وقد سخط أي غضب فهو ساخط. القسط: بكسر القاف بمعنى العدل ويكون عطفه ~~على العدل في قوله (إن الله بعدله وقسطه) من العطف التفسيري. الروح ~~والراحة: هما بمعنى واحد وهو الاستراحة، كما يقول الجوهري فيكون عطف الراحة ~~على الروح عطفا تفسيريا. أو أن «الروح» بمعنى راحة القلب و«الراحة» بمعنى ~~استراحة البدن. كما يقول المجلسي. والهم والحزن: قال الجوهري أنهما بمعنى ~~واحد فيكون عطف الثاني على الأول عطفا تفسيريا. قال المجلسي «الهم اضطراب ~~النفس عند تحصيله. والحزن جزعها واغتمامها بعد فواته»(4). # فصل: شرح قوله عليه السلام ولا يلومهم على ما لو يؤته الله PageV01P308 قوله عليه السلام: «ولا يلومهم على ما لم يؤته الله» في هذه العبارة ~~احتمالان: «أحدهما: لا يذمهم الناس ولا يشكرهم على ترك صلتهم إياه بالمال ~~وغيره فإنه يعلم صاحب اليقين أن ذلك شيء لم يقدره الله له ولا يرزقه ms430 إياه ~~لعدم كون صلاحه فيه مطلقا أو في كونه بيد هذا الرجل وبتوسطه، بل يوصله إليه ~~من حيث لا يحتسب فلا يلوم أحد بذلك»(1). لقد أبدى المحقق الفيض الكاشاني ~~رحمه الله هذا الاحتمال. وأيده أيضا المحدث الخبير المجلسي. ثانيهما: ما ~~أحتمله أيضا الفيض رحمه الله وهو: «أنه لا يلومهم الناس على ما لم يؤته ~~الله إياهم فإن الله خلق كل واحد على ما هو عليه وكل ميسر لما خلق له فيكون ~~كقوله عليه السلام لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد ~~أحدا»(2). قال المحدث المجلسي رحمه الله «ولا يخفى بعده لاسيما بالنظر إلى ~~التعليل بقوله فإن الرزق لا يسوقه»(3). يقول الكاتب أن الاحتمال الثاني ~~أفضل بكثير من الاحتمال الأول، خاصة بالنسبة إلى التعليل المذكور فإن ~~الرزق لا يسوقه لأنه يصح تأنيب الناس على فقرهم وعسر معيشتهم فيما إذا ~~تمكنوا باختيارهم تحصيل الرزق، وتمكنوا من خلال السعي وبذل الجهد، الترفيه ~~على النفس والتوسعة عليها، فيصح حينئذ أن يخاطب المرء صاحبه قائلا: إنني ~~سعيت وجاهدت، ولكنك لم تتحرك ولم تجهد فأصبت بالضائقة المعيشية: ولكن أهل ~~اليقين يعلمون بأن الحرص والاكتساب لا يجلبان الرزق، فلا يلومونهم على لم ~~يؤته الله. ولابد من معرفة أن أمثال هذه الأحاديث الشريفة الظاهرة في أن ~~الرزق مقسوم ومقدر، كما هو المستفاد من الآيات القرآنية المباركة، هذه ~~الأحاديث لا تتنافى مع الأخبار التي تحث على طلب الرزق وتؤكد على الكسب ~~والتجارة، والتي ترى كراهة شرعية في ترك العمل والإحجام عن تحصيل الرزق، ~~وتلوم على التخلي عن الكسب، وجاعلة التارك للاشتغال بالعمل التجاري ممن لا ~~يستجاب دعاءه، ولا يبعث الله رزقه. والأحاديث بهذا الصدد كثيرة. ونحن نقتصر ~~على حديث واحد منها: عن محمد بن الحسن شيخ الطائفة قدس سره بإسناده عن ~~علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «ما فعل عمر بن ~~مسلم؟ قلت: جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة. فقال: ويحه، أما علم ~~أن تارك الطلب لا يستجاب له ms431 دعوة؟ إن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما نزلت [ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب] أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ ~~فقالوا: يا رسول الله تكفل الله بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: من ~~فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب»(4). ووجه عدم المنافاة بين الأخبار هو ~~أن طلب الرزق، من الإنسان وأما بعده من الأرزاق والأمور الأخرى التي تحف ~~بالرزق ففي يد قدرة الحق المتعالي ولا يكفي طلبنا لوحده مستقلا في جلب ~~الرزق، فإن طلب الرزق من وظيفة العباد، وأما تنظيم الأمور وترتيب PageV01P309 الأسباب الظاهرية وغير الظاهرية التي تخرج عن اختيار العباد غالبا فيكون ~~بتقدير من الباري تعالى. فالإنسان الذي يتمتع بيقين صحيح، والذي يكون واقفا ~~على مجاري الأمور، يجب عليه في اللحظة التي لا يفتر فيها عن طلب الرزق، بل ~~ينهض بوظائفه العقلية والشرعية في الاكتساب، ولا يوصد أبواب الطلب على ~~نفسه، يعرف إن كل شيء من الذات المقدس الحق المتعالي، وأنه لا يؤثر موجود ~~آخر في الوجود ولا في كمالات الوجود، إن الطالب والطلب والمطلوب، منه ~~سبحانه. وأما ما ورد في هذا الحديث الشريف «ولا يلومهم على ما لم يؤته ~~الله» فمعناه إذا كان هناك طلب بالقدر المتعارف فلا يلومهم على ما لم يؤته ~~الله، وهذا لا يتنافى مع رجحان توبيخ طائفة وملامتهم إذا تقاعسوا عن الطلب ~~حتى يدفعهم نحو الرزق، كما ورد مثيله في الأخبار المباركة. وملخص الكلام أن ~~هذا الموضوع من فروع بحث الجبر والتفويض، فمن تضلع في ذلك البحث، يستطيع أن ~~يقف ويطلع على المغزى والجوهر من هذا الموضوع. وتفصيله أوسع من مسؤوليتنا ~~ووظيفتنا هنا. # فصل: في علامات حجة اليقين PageV01P310 جعل الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث الشريف، علامتين على صحة ~~اليقين وسلامته هي: أحدهما: لا يرضي الناس بسخط الله. الآخر: لا يلوم الناس ~~على ما ms432 لم يؤته الله. وهاتان العلامتان من نتائج كمال اليقين. كما أن ما ~~يقابلهما يكون من آثار ضعف اليقين وسقم الإيمان ومرضه. ونحن قد أتينا في ~~هذا الكتاب، لدى المناسبات المختلفة، على شرح الإيمان، واليقين، وثمارهما، ~~حسب القدر المستطاع. كما وأننا نأتي الآن أيضا بصورة مختصرة على ذكر هاتين ~~العلامتين على صحة اليقين وسلامته وما يقابلهما الدالان على سقم اليقين ~~وضعفه. لابد وأن نعلم بأن الراغب في تحصيل رضا الناس، والباذل جهده للهيمنة ~~على قلوبهم وعقولهم، إنما يقوم بهذه المحاولات لأجل أنه مقتنع بأن لهؤلاء ~~دورا إيجابيا ومؤثرا في مطعمه ومطمحه، فالذين يحبون المال ويعبدون الدينار ~~يخضعون أمام أصحاب الثروات ويتذللون بين أيديهم ويتزلفون لهم. والذين ~~يطلبون الرئاسة والاحترامات الظاهرية، يتملقون أمام الرؤساء، ويتواضعون لهم ~~تحسبا منهم بأن هذه الأساليب تستمليهم وتبعث على كسب قلوبهم، وهكذا تدور ~~هذه العجلة، فالمستضعفون يستذلون ويتملقون بين يدي أرباب الرئاسة، وطالبوا ~~الزعامة والوجاهة يخضعون ويتزلفون أمام الطبقة المستضعفة، ويخرج من هذه ~~الدائرة التي تدور بين الرؤساء والمرؤوسين، خصوص الذين هذبوا نفوسهم من ~~خلال ترويض النفس في كل من الجانبين وبذلوا ما في وسعهم لأجل تحصيل رضا ~~الحق سبحانه، ولم يتزلزلوا أمام الدنيا وزخارفها بل كانوا يفتشون في فترة ~~رئاستهم عن رضا الحق جل وعز، ويبحثون عن الحق والحقيقة أيام مرؤوسيتهم ~~المستضعفة. وعلى أي حال فإن الناس ينقسمون في هذه الدنيا إلى هاتين ~~الطبقتين: إما يقودهم يقينهم إلى الاعتقاد بأن الأسباب الظاهرية، والمؤثرات ~~الشكلية مسخرة تحت الإرادة الألية الكاملة الوجوبية، فلا يجدون دورا لغير ~~الحق، ولا يلتمسون من غيره شيئا. فهم آمنوا بأنه المالك والمؤثر في الدنيا ~~والآخرة، واعتنقوا بكل إيمان ويقين غير مشوب بالنقص والترديد، آية من ~~الآيات المباركة القرآنية وهي: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء} (آل عمران/26). حيث يرون بأن الله سبحانه هو مالك ~~ملك الوجود، وأن جميع العطايا من ذاته المقدس، وأن القبض والبسط في الوجود ~~وكمالاته منه سبحانه حسب ترتيب النظام والمصالح الكامنة. ومن البديهي ms433 أن ~~أبواب المعارف تنفتح على هؤلاء الأشخاص، وتتحول قلوبهم إلى قلوب إلهية، لا ~~يعبأون برضا الناس ولا بسخطهم، ولا يرمون إلا رضا الحق المتعالي، ولا ~~يطمعون إلا فيه ولا يطلبون إلا منه، ولا تترنم قلوبهم إلا بهذا الكلام: ~~إلهي إن أعطيتني فمن ذا الذي يمنعني؟ وإن منعتني فمن ذا الذي يعطيني. إنهم ~~يغمضون أعينهم عن الناس وعطاياهم ودنياهم، ويحدقون في الحق جل جلاله بكل ~~حاجة وفقر، وهؤلاء الأشخاص لا يبيعون رضا العالم بأسره، بسخط الحق ~~المتعالي. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام. وفي نفس الوقت الذي لا ~~يعبأون بأحد غير الحق المتعالي، ويرون أن الكائنات بأسرها فقيرة إلى الله، ~~ينظرون إلى كل شيء بعين ملؤها العظمة والرحمة والحنان، ولا يلومون أحدا على ~~شيء إلا من أجل إصلاح وضعه وتربيته. كما أن الأنبياء عليهم السلام كانوا ~~كذلك، لأنهم يعتبرون الناس من المرتبطين بالحق ومن مظاهر جماله وجلاله، ولا ~~يسمحون لأنفسهم إلا بالنظر إلى عباد الله بكل لطف ومحبة. ولا يؤنبون في ~~قلوبهم أحدا على نقصه أو فتوره، وإذا لاموا أحدا بألسنتهم فلأجل المحافظة ~~على المصالح العامة PageV01P311 وإصلاح أحوال العائلة البشرية. وهذا من نتائج وثمرات الشجرة الطيبة لليقين ~~والإيمان، والمعرفة بالحدود والشريعة الإلهية. وأما الطائفة الثانية فهم لا ~~يعرفون عن الحق شيئا، وإذا علموا شيئا لكانت معرفتهم ناقصة وإيمانهم غير ~~تام، وحيث أن انتباههم إلى الكثرات والأسباب الظاهرية قد أغفلهم عن مسبب ~~الأسباب، فظلوا يسعون لكسب رضا المخلوق، وقد ينتهي بهم الأمر إلى شراء رضا ~~المخلوق الضعيف جدا، بسخط وغضب الله سبحانه: بأن يعلنوا موافقتهم لمعصية ~~العصاة، أو يتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوقت المناسب للأمر ~~بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو يفتوا بالباطل، أو يدعموا من ليس بأهل ~~للتأييد أو يكذبوا من ليس من شأنه الدجل والكذب. أو يغتابوا المؤمنين ~~ويفتروا عليهم لأجل كسب مودة أهل الدنيا، ورعاية أصحاب المناصب الظاهرية. ~~بل كل ذلك ينشأ من ضعف الإيمان، بل إنه مرتبة من مراتب الشرك. وتفضى مثل ~~هذه المواقف بالإنسان ms434 إلى المهالك الكثيرة التي منها ما ورد في هذا الحديث ~~الشريف من إساءة نظر مثل هذا الإنسان إلى عباد الله ومعاداتهم وتأنيبهم ~~وملامتهم على أعمالهم إلى غير ذلك. # فصل: في نقل كلام المعتزلة والأشاعرة وإشارة إلى مذهب الحق سبحانه PageV01P312 إعلم: لقد عقد المحدث المجلسي رحمه الله في كتابه (مرآة العقول) عند هذا ~~الحديث فصلا للبحث عن أن الرزق المقسوم، من قبل الحق المتعالي هل يعم ~~الحلال والحرام أو أنه يختص بالحلال؟ ونقل رضوان الله تعالى عليه عن كتاب ~~(تفسير الفخر الرازي) اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في ذلك، مع نقله للأحاديث ~~والأخبار التي تمسك بها كل واحد من الطرفين على وجهة نظره، وجعل موقف ~~الإمامية متطابقا مع المعتزلة في عدم الكون الرزق المقسوم من الحرام بل ~~يختص بالحلال. ونقل أدلة المعتزلة على موقفهم ذلك من ظواهر الآيات ~~والأخبار، وظاهر كلمة الرزق حيث تكون هذه الأمور مصدر الاحتجاج للطرفين. ~~واختار رحمه الله موقف المعتزلة، لأنه موافق مع المذهب المشهور للإمامية، ~~وارتضى براهينهم على ذلك، ولكن لابد من معرفة أن هذه المسألة من فروع بحث ~~الجبر والتفويض الذي لا يتوافق مذهب الإمامية فيه مع كل واحد من المعتزلة ~~والأشاعرة، بل أن كلام المعتزلة أوهى وأوهن من كلام الأشاعرة. وإذا نزع بعض ~~المتكلمين من الإمامية رضوان الله تعالى عليهم نحو رأي المعتزلة، فإنه ~~نتيجة الغفلة عن حقيقة الحال والمآل. وقد قلنا قبل قليل بأن مسألة الجبر ~~والتفويض المطروح على بساط أبحاث معظم العلماء لا يزال غامضا لدى الفريقين ~~ولم يتطرق إليه حسب مقاييس علمية صحيحة. ولهذا لا يجد العلماء غالبا ~~ارتباطا بين هذه المسألة وبحث الجبر والتفويض، مع أنه من النقاط الدقيقة ~~جدا. ومجمل القول أنه إذا ارتأى الأشاعرة بأن الحلال والحرام من الرزق ~~المقسوم انطلاقا من التزامهم بالجبر، أو المعتزلة بأن الحرام ليس من الرزق ~~المقسوم لإيمانهم بالتفويض، لكان كلا المذهبين باطلا، وقد ثبت فساده في ~~محله. ونحن على ضوء المبادئ الثابتة لدينا بالدليل والبرهان نؤمن بأن ~~الحلال والحرام من الرزق المقسوم من قبل ms435 الحق المتعالي، كما نرى الآثام ~~بتقدير من الله وقضائه من دون أن يستلزم ذلك الجبر والفساد. وقد آلينا ~~(وحيث أن الله سبحانه هو الذي يدبر الأمور، قمنا بدراسة مختصرة لهذه ~~المسألة في شرح حديث التاسع والثلاثين عرفت الله بفسخ الغرائم ونقض الهمم ~~(منه عفى عنه). ) على أنفسنا أن لا نغور في الأبحاث العلمية التي لا نعرف ~~شيئا عن مغزاها الحقيقي. مضافا على أن هذا الكتاب لا يكون في مستوى عرض ~~الأدلة والبراهين على المواقف المختارة. ولهذا نقتنع بهذه الإشارة. والله ~~الهادي. كما أن المرحوم المحدث المجلسي أورد أيضا في نهاية شرحه لهذا ~~الحديث في كتابه مرآة العقول بحثا آخر هو أنه يجب على الله أن يرزق عباده ~~بصورة مطلقة، أو عندما يسعى العبد في سبيل تحصيله وكسبه؟ إن هذا بحث يتناسب ~~مع المبادئ التي يؤمن بها علماء الكلام، ولابد من اتخاذ طريقة أخرى في كافة ~~هذه الأبحاث عندما تعالج على أساس البراهين والمقاييس الفلسفية. والأولى ~~ترك الكلام في أمثال هذه الأبحاث التي لا تجدي نفعا تاما. وقد أسفلنا ~~الإشارة إلى أن تقسيم الأرزاق على ضوء القضاء الإلهي، لا تتنافى مع السعي ~~والجهد في طلب الرزق. # فصل: الراحة في اليقين والقلق في الشك PageV01P313 في بيان أن الحق المتعالي قد جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، والهم ~~والحزن في الشك والسخط، وذلك على أساس القسط والعدل. ولا بد أن نعرف أن ~~الروح والراحة في هذا الحديث الشريف، وكذلك الهم والحزن تعود إلى الأمور ~~الدنيوية وكسب العيش، وطلب الرزق، نتيجة وقوعها إثر تقدير الأرزاق ~~وتقسيمها. وإن كان إراجعهما إلى الأمور الأخروية على أساس بيان آخر، أيضا ~~صحيحا. ونحن نكون فعلا بصدد بيان هذا الحديث الشريف. وعليه إعلم أن الإنسان ~~الذي يعتقد بالحق وتقديره اعتقادا يقينيا، ويعتمد على الركن الركين الذي ~~يتمتع بالقدرة المطلقة، والذي يقرر الأمور بأسرها على ضوء المصالح الغيبية، ~~والذي له الرحمة الكاملة المطلقة والجود المطلق، من المعلوم أن مثل هذا ~~اليقين. تتذلل الصعاب عنده وتهون أمامه المصائب، ويختلف كثيرا في ms436 طلبه ~~للمعيشته عن أهل الدنيا وأهل الشك والشرك. إن الذين يعتمدون على الأسباب ~~الظاهرية، يعيشون دائما عند طلب الرزق في حالة من القلق والاضطراب، ولو ~~اصطدموا بمشكلة، لعظمت عندهم وضاقت الحياة في أعينهم لأنهم لا يجدونها ~~محفوفة بالمصالح الغيبية التي يعلمها الله ويجهلها الإنسان. وخلاصة الكلام ~~إن من يرى سعادته، في تحصيل هذه الدنيا، يواجه في طلبه هذا الآلام والعناء، ~~وتسلب عنه الراحة والبهجة، وتستنزف قواه وطاقاته في هذا الطلب. كما نرى أن ~~أهل الدنيا دائما في تعب ونصب، وأنهم لم يتمتعوا باطمئنان في الروح ~~واستقرار في الجسم، وإذا حلت بهم مصيبة، خارت قواهم وحيويتهم وزال جلدهم ~~وصبرهم أمام الحوادث التي تداهمهم. وهذا لا يكون إلا نتيجة شكهم وعدم ~~إيمانهم بالقضاء الإلهي وعدله، فتكون هذه الأمور من الحزن والهم والتعب. ~~نتيجة لهذا التزلزل. وقد سبق منا شرح مسهب في هذا الموضوع، ولهذا لا ينبغي ~~تكراره. وأما بيان ترتب الروح والراحة على اليقين والرضا، وترتب الهم ~~والحزن على الشك والسخط، من الجعل الإلهي، وإن هذا الجعل يكون عادلا، فهو ~~متوقف على بيان تطرق فاعلية الحق المتعالي في جميع مراتب الوجود من دون أن ~~يستلزم جبرا باطلا ومستحيلا، وعلى بيان البرهان اللمي الاستدلال من ~~المعلول على العلة من أن نظام الوجود أتم وأكمل نظام متصور. وهذان الأمران ~~خارجان عن وظيفة ودور هذا الكتاب والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الثالث والثلاثون: ولاية أهل البيت عليهم السلام # بالسند المتصل إلى الشيخ الأقدم محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله عليه ~~عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عمن ذكره، عن عبيد بن زرارة، عن محمد ~~بن مارد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: «حديث روي لنا أنك قلت: إذا ~~عرفت فاعمل ما شئت، فقال: قد قلت ذلك، قال: قلت: وإن زنوا وإن سرقوا وإن ~~شربوا الخمر؟ فقال لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نكون ~~أخذنا بالعمل ووضع عنهم! إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير ms437 ~~وكثيره فإنه يقبل منك»(1). # الشرح: PageV01P314 # «حديث» مبتدأ ومسند إليه «روي» خبره ومسند و«أنك» بفتح الهمزة، خبر لمبتدأ ~~محذوف أي هو أنك. قوله «إذا عرفت» أن المقصود من المعرفة في هذا الحديث هو ~~معرفة الإمام عليه الصلاة والسلام. «قال: قلت» يحتمل أن تكون التاء مضمونة ~~فتكون للمتكلم لوحده. ويحتمل أن تكون مفتوحة فتكون الكلمة للخطاب. «وإن ~~زنوا» إن كلمة إن وصلية أي إذا عرفوا فليعملوا ما شاؤوا وإن كان من ~~الكبائر. قوله عليه السلام «إنا لله» إن هذه الكلمة تسمى بكلمة الاسترجاع، ~~وتقال لدى شدة المصيبة وعظم الخطب. وحيث أن هذا الافتراء أو سوء الفهم، يعد ~~من المصائب الكبيرة، استرجع الإمام حتى يثبت منتهى بعده عنها. قوله عليه ~~السلام: أن نكون أي في أن نكون بمعنى أنهم لم ينصفونا في أن نكون مكلفين ~~ومأخوذين على التكاليف، وهم لأجل عقيدتهم فينا لم يكلفوا ولم يؤخذوا على ~~أعمالهم. ثم ذكر عليه السلام مغزى كلامه من أن الولاية شرط في قبول ~~الأفعال. كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى. # فصل: في الجمع بين الأخبار التي تحث على العبادة وترك المعصية PageV01P315 وبعض الأخبار التي تخالف الأحاديث الأولى ظاهرا إعلم أن من يراجع الأخبار ~~المأثورة في ترجمة حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى ~~عليهم السلام، وكيفية عبادتهم وبذلهم الجهد فيها، وفي تضرعهم وبكائهم وذلهم ~~ومسكنتهم وخشيتهم وحزنهم أمام ساحة قدس رب العزة، وفي كيفية مناجاتهم بين ~~يدي قاضي الحاجات لوجدها أوسع من التواتر وأكثر من المئات. وهكذا إذا راجع ~~وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ~~ووصايا الأئمة بعضهم لبعض، ووصاياهم للخواص من شيعتهم، والخلص من مواليهم، ~~ووصاياهم البليغة جدا التي كانوا يوصون بها محبيهم، ويحذرونهم من معصية ~~الله تعالى والتأكيد عليهم في الإبتعاد عن مخالفة الله سبحانه في أصول ~~الأحكام وفروعها، المدونة في كتب الأخبار، إذا راجع تلك الأحاديث وهذه ~~الوصايا، لحصل له علم قطعي بأن بعض الروايات التي يتنافى ظاهرها مع تلك ~~الأحاديث لم ms438 يكن هذا الظاهر مقصودا، فإن أمكن تأويل هذه الأخبار بصورة لا ~~تتضارب مع تلك الأحاديث الصريحة القطعية التي تعتبر من ضروريات الدين، ~~لأخذنا بالتأويل. وإذا أمكن الجمع بين هاتين الطائفتين على أساس الجمع ~~العرفي بين الروايات، لقمنا بهذا الجمع، وإن لم يمكن التأويل ولا الجمع ~~العرفي، أرجعنا علمها إلى قائلها. ونحن لا نستطيع في هذا الكتاب أن نستعرض ~~جميع تلك الأخبار أو عشرا من أعشارها ونبين كيفية التوفيق والجمع بينها، ~~ولكننا نضطر لذكر بعض الروايات من الطائفتين حتى تتضح حقيقة الحال. الكافي: ~~بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «شيعتنا [هم] الشاحبون الذابلون ~~الناحلون الذين إذا جنهم الليل استقبلوه بحزن»(1) والروايات الني تتحدث ~~بهذا المضمون والتي تستعرض علامات الشيعة كثيرة. وعنه، عن المفضل قال: قال ~~أبو عبد الله عليه السلام: «إياك والسفلة فإنما شيعة علي عليه السلام من عف ~~بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت ~~أولئك فأولئك شيعة جعفر»(2). وعن الأمالي للحسن بن محمد الطوسي شيخ الطائفة ~~رحمة الله بإسناده عن الرضا عليه السلام عن أبيه، عن جده، عن أبي جعفر ~~عليه السلام، أنه قال لخيثمة: «أبلغ شيعتنا، أنا لا نغني من الله شيئا، ~~وأبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم ~~الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم ~~إذا قاموا بما أمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة»(3) الكافي: بإسناده عن ~~أبي جعفر عليه السلام قال: «لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلا من ~~أطاع الله»(4) وبإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: «يا ~~جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا ~~إلا من اتقى الله وأطاعه إلى أن قال: فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ~~ليس بين الله ولا بين أحد قرابة، أحب PageV01P316 العباد إلى الله تعالى وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر والله ~~ما نتقرب إلى الله ms439 تعالى إلا بالطاعة، ما معنا براءة من النار ولا على الله ~~لأحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا ~~عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع»(1). وفي الكافي عن أبي جعفر عليه ~~السلام قال: «يا معشر الشيعة شيعة آل محمد كونوا النمرقة الوسطى يرجع ~~إليكم الغالي ويلحق بكم التالي فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد جعلت ~~فداك ما الغالي؟ قال قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا فليس أولئك منا ~~ولسنا منهم. قال فما التالي؟ قال المرتاد يريد الخير يبلغه الخير عليه ثم ~~أقبل علينا فقال والله ما معنا من الله براءة ولا بيننا وبين الله قرابة ~~ولا لنا على الله حجة ولا نتقرب إلى الله إلا بالطاعة فمن كان منكم مطيعا ~~لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصيا لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا ~~تغتروا ويحكم لا تغتروا»(2) عن أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ~~«قام رسول الله على الصفا فقال يا بني هاشم يا بني عبد المطلب إني رسول ~~الله إليكم وإني شفيق عليكم وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله لا تقولوا إن ~~محمدا منا وسندخل مدخله فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد ~~المطلب إلا المتقون إلا فلا أعرفكم يوم القيامة، تأتون تحملون الدنيا على ~~ظهوركم، ويأتون الناس يحملون الآخرة»(3) وفي حديث جابر عن أبي جعفر عليه ~~السلام.. فقال يا جابر لا تذهب بك المذاهب حسب الرجل أن يقول أحب عليا ~~وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا؟ فلو قال إني أحب رسول الله، فرسول الله ~~صلى الله عليه وآله خير من علي عليه السلام ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل ~~بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا(4) قال طاووس الفقيه: رأيته الإمام زين ~~العبدين عليه السلام يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحدا ~~رمق السماء بطرفه، وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، ~~وأبوابك مفتحات ms440 للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم في عرصات القيامة، ثم بكي وقال: وعزتك وجلالك ما أردت ~~بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا ~~لعقوبتك متعرض، ولكن سولت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به علي، ~~فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فوا سوأتاه ~~غدا من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا، أمع ~~المخفين أجوز؟ أم مع المثقلين أحط؟ PageV01P317 # ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحي من ربي؟! ثم ~~بكى وأنشأ يقول: أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثم أين محبتي ~~أتيت بأعمال قباح زرية وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثم بكى وقال: سبحانك ~~تعصي كأنك لا ترى وتحلم كأنك لم تعص تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك ~~الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغني عنهم ثم خر إلى الأرض ساجدا؟ قال: فدنوت ~~منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده، فاستوى ~~جالسا وقال: من الذي شغلني عن ذكر ربي؟ فقلت: أنا طاوس يا ابن رسول الله ما ~~هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك ~~الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء، وجدك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم؟! قال: فالتفت إلى وقال: هيهات هيهات يا طاوس دع عني حديث أبي وأمي ~~وجدي خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن ~~عصاه ولو كان ولدا قرشيا أما سمعت قوله تعالى [فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون] والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل ~~صالح(1) هذه بعض الأحاديث الشريفة الصريحة في أن هذه الرغبات الكاذبة ~~الموجودة فينا نحن أهل الدنيا وأهل المعصية، تجاه هذه الحياة، فاسدة ~~وباطلة، وتعتبر من الأهواء الشيطانية، ومخالفة للعقل والنقل. وتنضم إلى تلك ~~الأحاديث، الآيات ms441 الكريمة القرآنية مثل قوله تعالى {كل نفس بما كسبت رهينة} ~~(المدثر38). وقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره.، ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره} (الزلزلة8). وقوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~(البقرة/286). وغيرها من الآيات الشريفة الموجودة في كل صفحة من الكتاب ~~المجيد التي تدل على أن الورع والعمل الصالح هما الركيزتان لنجاة الإنسان ~~ولا مجال لتأويل هذه الأخبار والتصرف فيها لأن ذلك على خلاف الضرورة. ~~وتقابل هذه الروايات، أحاديث أخرى مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ~~ومذكورة في الكتب المعتبرة أيضا كما تأتي بعد قليل ولكن نستطيع أن نجمع ~~بين معظم هذه الروايات وتلك الأخبار بالجمع الصحيح العرفي. وإذا لم يكن ~~الجمع مقبولا أيضا ولم يمكن التأويل، فلا تستطيع هذه الروايات من مقاومة ~~تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة المؤيدة بظاهر القرآن ونصوص ~~الفرقان، والعقل السليم، والضرورة البديهية لدى المسلمين على أن الأساس هو ~~العمل الصالح والورع. فمن تلك الأحاديث التي تقبل تلك الروايات ما رواه ~~ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن يوسف بن ثابت بن أبي سعدة، عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال: «الإيمان لا يضر معه عمل وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل»(2) ~~وهناك روايات أخرى بهذا المضمون. وقد فسر المحدث الجليل المجلسي عليه ~~الرحمة، الضرر المنفي في هذه المجموعة من الأخبار: (ما يصير سببا لدخول ~~النار أو الخلود فيها)(3). انتهى. وإذا كان المقصود من الضرر المنفي دخول ~~النار، فلا منافاة بين عدم دخول في النار حسب هذه الروايات، وتحقق أنواع ~~أخرى من العذاب في عالم البرزخ والمواقف المختلفة في يوم القيامة. ويظن ~~الكاتب بأنه يمكن تفسير هذه الأخبار، بأن الإيمان ينور القلب قليلا وفي ~~درجة محدودة لو اقترف الإنسان خطيئة أو ذنبا عولج PageV01P318 ببركة ذلك النور وملكة الإيمان، الإثم وتلك الجريرة، بالتوبة والرجوع إلى ~~الله، فإن صاحب الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يسمح لنفسه أن يترك أعماله ~~إلى يوم القيامة. فهذه الأخبار في الحقيقة تحفز الإنسان على التمسك ~~بالإيمان، والمحافظة عليه. كما ورد في ms442 كتاب «الكافي» عن الصادق عليه السلام ~~قال: قال موسى للخضر عليه السلام قد تحرمت بصحبتك فأوصني قال له الزم ما لا ~~يضرك معه شيء كما لا ينفعك مع غيره شيء(1). ومن ذلك ما رواه بإسناده عن ~~محمد بن ريان بن الصلت، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان أمير ~~المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول في خطبته: يا أيها الناس دينكم دينكم، ~~فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، والسيئة فيه تغفر والحسنة في غيره ~~لا تقبل»(2) ويدل هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأخبار التي ترغب على ~~ملازمة الديانة الحقة، على أن خطايا المؤمنين وذي الدين الحق، تؤول إلى ~~المغفرة كما قال سبحانه وتعالى {إن الله يغفر الذنوب جميعا} (الزمر53). ~~ولهذا نستطيع أن نقول بأن سيئات المؤمنين أفضل من حسنات الآخرين التي لا ~~تقبل أبدا، بل لعل الحسنات التي لا تحتوي على شرائط القبول مثل الإيمان ~~والولاية، تنطوي على ظلمات أكثر من الظلمات الموجودة في سيئات المؤمنين ~~الذين يعيشون في حال الخوف والرجاء نتيجة نور الإيمان المشع في قلوبهم. ~~وعلى أي حال لا يدل هذا الحديث على أن أهل الإيمان لا يحاسبون على سيئاتهم ~~كما هو الظاهر. ومن الأحاديث المشهورة التي يقال أنها مشهورة بين الفريقين ~~الحديث القائل: «حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها ~~حسنة»(3) وهذا الحديث الشريف من قبيل الأحاديث من قبيل الأحاديث المذكورة ~~التي وردت في الإيمان ومعناه أما ما ذكره المرحوم المجلسي في تلك الأخبار ~~من أن المقصود من الضرر المنفي هو الخلود في النار أو الدخول فيها، فيكون ~~المعنى أن حب علي عليه السلام الذي هو أساس الإيمان وإكماله وإتمامه يوجب ~~بواسطة شفاعة الشافعين، التخلص من النار. وعليه كما قلنا لا يتنافى هذا ~~الاحتمال مع ألوان العذاب في عالم البرزخ. وقد ورد في ذلك عن الصادق عليه ~~السلام (والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن ~~أولى بكم). أو ما ذكرناه من أن ms443 حب الإمام علي عليه السلام يبعث على نور ~~وإيمان يجنبان صاحبهما عن الآثام، ويدفعانه إلى التوبة والإنابة إذا إبتلى ~~بالمعصية من دون أن يفسح المجال أمامه للتمادي في الغي والعصيان. ومن تلك ~~الأحاديث، الأخبار الواردة في تفسير الآيات الشريفة المذكورة في سورة ~~الفرقان. قال الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا.، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} (الفرقان PageV01P319 68، 69، 70).. ونحن نقتصر على ذكر واحدة من تلك الأخبار، لأنها جميعا ~~متقاربة في المضمون والمعنى: عن الشيخ في أماليه بإسناده عن محمد بن مسلم ~~الثقفي قال: «سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله عز وجل: ~~«فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما» فقال عليه السلام: ~~يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يقام بموقف الحساب، فيكون الله تعالى ~~هو الذي يتولى حسابه لا يطلع على حسابه لا يطلع على حسابه أحدا من للناس، ~~فيعرفه ذنوبه حتى إذا أقر بسيئاته قال الله عز وجل للكتبة: بدلوها حسنات ~~وأظهروها للناس، فيقول الناس حينئذ: ما كان لهذا العبد سيئة واحدة! ثم يأمر ~~الله به إلى الجنة، فهذا تأويل الآية، وهي في المذنبين من شيعتنا خاصة(1) ~~«والباعث على ذكر الآيات الكريمة بأسرها وإطالة الكلام هنا، هو أن البحث ~~مهم، وأن كثيرا من الخطباء قد شوهوا معنى هذه الأخبار للناس، وأن ربط الخبر ~~بالآية لا يكون مفهوما إلا إذا ذكرنا الآية نفسها فلهذا اعتذر من إطالة ~~المملة. ومن يقرأ الآيات المذكورة الثلاثة من أولها إلى آخرها، يفهم بأن ~~الناس جميعا مطوقون بأعمالهم ويحاسبون على قبائحها، إلا الذين آمنوا، ~~وتابوا من جرائرهم، وعملوا عملا صالحا فكل من توفرت فيه هذه الأمور ~~الثلاثة، فاز وشملته ألطاف الله سبحانه وأصبح مكرما أمام ساحة قدسه، فتتحول ~~سيئاته وآثامه إلى حسنات. وقد فسر ms444 الإمام الباقر عليه السلام الآية ~~المباركة بهذا التفسير أيضا، وجعل كيفية حساب هؤلاء الأشخاص وموقفهم يوم ~~القيامة على الشكل الذي ذكرناه. ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل ~~البيت، ويحرم عنه الناس الآخرون. لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي ~~وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ~~ورسوله من دون الولاية، كما نذكر ذلك في الفصل التالي. إذن لا بد من اعتبار ~~هذه الآية المباركة والأخبار التي وردت في تفسيرها، من الطائفة الأولى من ~~الروايات، لأنها تدل على أن الشخص إذا كان مؤمنا ولم يحاول القضاء على ~~سيئاته بالتوبة والعمل الصالح لما شملته الآية الكريمة. فيا أيها العزيز لا ~~يغرنك الشيطان، ولا تخدعنك الأهواء النفسية، ومن المعلوم أن الإنسان الخامل ~~المبتلي بالشهوات وحب الدنيا والجاه والمال مثل الكاتب يبحث عن مبرر على ~~خموله، ويقبل على كل ما يوافق شهواته، ويدعم رغباته النفسية وأوهامه ~~الشيطانية، وينفتح بكل وجوده على مثل هذه الأخبار، من دون أن يفحص عن ~~مغزاها، أو يتأمل في الأخبار الأخر التي تعارضها وتقابلها. إن هذا المسكين ~~يظن أن مجرد إدعاء التشيع وحب التشيع وحب أهل بيت الطهارة والعصمة، يسوغ له ~~والعياذ بالله اقتراف كل محرم من المحظورات الشرعية، ويرفع عنه قلم ~~التكليف. إن هذا السيء الحظ لم ينتبه بأن الشيطان قد ألبس الأمر عليه، ~~ويخشى عليه في نهاية عمره إن تسلب منه هذه المحبة الجوفاء التي لا تجدي ولا ~~تنفع، ويحشر يوم القيامة صفر اليدين وفي صفوف نواصب أهل البيت عليهم ~~السلام. إن إدعاء المحبة من دون دليل وبينة، لا يكون مقبولا. إنه لا يمكن ~~أن أكون صديقك وأضمر لك الحب والإخلاص، وأقوم بكل ما هو مناقض لرغباتك ~~وأهدافك. إن شجرة المحبة تنتج وتثمر في الإنسان المحب، العمل حسب درجة المحبة PageV01P320 ومستواها، وإن لم تحمل تلك الشجرة هذه الثمرة فلا بد من معرفة أنها لم تكن ~~محبة حقيقية وإنما هي محبة وهمية. إن النبي الأكرم وأهل بيته العظام صلوات ~~الله عليهم، قد ms445 بذلوا حياتهم في نشر الأحكام الشرعية والعقائد والأخلاق، ~~وأرادوا في ذلك البلوغ إلى منشودهم الوحيد وهو إبلاغ أحكام الله وإصلاح ~~الإنسان وتهذيبه، واستساغوا في هذا السبيل الشريف أنواع السلب والقتل ~~والإذلال والإهانة، ولم يتوانوا في ذلك. فمحب أهل البيت، وشيعتهم، هو الذي ~~يشاركهم في أهدافهم، ويعمل على ضوء أخبارهم وآثارهم. إن ما ذكر في الأخبار ~~الشريفة من أن الإقرار باللسان والعمل بالأركان من دعائهم الإيمان، فهو ~~بيان لسر طبيعي، ولسنة الله الجارية، لأن حقيقة الإيمان، تلازم العمل ~~والتنفيذ. إن العاشق في جوهر طبيعته، يظهر العشق تجاه المعشوق ويتغزل به، ~~وإن المؤمن إذا لم يعمل بمتطلبات الإيمان وما تستدعيه محبة الله وأوليائه، ~~لما كان مؤمنا ومحبا. وإن هذا الإيمان الشكلي والمحبة الجوفاء، من دون جوهر ~~ومضمون، ينتفي ويزول أمام حوادث بسيطة وضغوط يسيرة، وينتقل هذا المحب إلى ~~دار جزاء الأعمال، صفر اليدين. # فصل: في بيان أن ولاية أهل البيت شرط لقبول الأعمال PageV01P321 إن ما مر في ذيل الحديث الشريف من أن ولاية أهل البيت ومعرفتهم شرط في قبول ~~الأعمال، يعتبر من الأمور المسلمة، بل تكون من ضروريات مذهب التشيع، ~~المقدس. وتكون الأخبار في هذا الموضوع أكبر من طاقة مثل هذه الكتب المختصرة ~~على استيعابها، وأكثر من حجم التواتر. ويتبرك هذا الكتاب بذكر بعض تلك ~~الأخبار. عن الكافي: بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام: قال «ذروة الأمر ~~وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته... أما ~~لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ~~ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على ~~الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان»(1) وبإسناده عن أبي عبد الله ~~عليه السلام قال: «من لم يأت الله عز وجل يوم القيامة بما أنتم عليه، لم ~~يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له سيئة»(2) وبإسناده عن أبي عبد الله عليه ~~السلام في حديث قال: «والله لو أن إبليس لعنه الله سجد لله بعد المعصية ms446 ~~والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك ولا قبله الله ما لم يسجد لآدم كما أمره ~~الله عز وجل أن يسجد له، وكذلك هذه الأمة العاصية المفتونة بعد تركهم ~~الإمام الذي نصبه نبيهم لهم، فلن يقبل الله لهم عملا ولن يرفع لهم حسنة حتى ~~يأتوا الله من حيث أمرهم ويتولوا الإمام الذي أمرهم الله بولايته ويدخلوا ~~من الباب الذي فتحه الله ورسوله لهم الحديث»(3) والأخبار في هذا الموضوع ~~وبهذا المضمون كثيرة، ويستفاد مجموعها أن ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط ~~في قبول الأعمال عند الله سبحانه، بل هو شرط في قبول الإيمان بالله والنبي ~~الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يستفاد كونها شرطا في صحة الأعمال كما ~~يقول بذلك بعض الأعلام، بل الظاهر أنها ليست بشرط في صحة الأعمال. كما ~~يستفاد ذلك من الروايات الكثيرة مثل الرواية المذكورة في باب عدم وجوب قضاء ~~المخالف عبادته إذا استبصر عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: (كل ~~عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته، ثم من الله عليه وعرفه الولاية فإنه ~~يؤخر عليه إلا الزكاة فإنه يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها، لأنها لأهل ~~الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء)(4) وفي رواية أخرى عن ~~محمد بن حكيم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه كوفيان ~~كانا زيديين فقالا إنا كنا نقول بقول وإن الله من علينا بولايتك فهل يقبل ~~شيء من أعمالنا فقال أما الصلاة والصوم والصدقة فإن الله يتبعكما ذلك ويلحق ~~بكما وأما الزكاة فلا لأنكما أبعدتما حق امرء مسلم PageV01P322 وأعطيتماه غيره(1) وفي بعض الروايات (تعرض أعمال الناس في كل يوم خميس على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، فيؤجل النظر فيها حتى يوم عرفة، وفي ذلك ~~اليوم يلقي صلوات الله وسلامه عليه نظره عليه ويجعل أعماله هباءا منثورا. ~~قيل أعمال أي شخص تتحول كذلك؟ قال صلوات الله عليه أعمال مبغضينا ومبغضي ~~شيئا). وهذه الرواية تدل على أن الولاية شرط في صحة الأعمال ms447 كما هو واضح. ~~وعلى أي حال يكون هذا البحث خرجا عن مسؤوليتنا والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الرابع والثلاثون: المؤمن # بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس سره عن عدة من ~~أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد ~~القماط، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لما أسري بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رب ما حال المؤمن عندك؟ قال: يا محمد، من ~~أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته. ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك. ~~وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وإنه يتقرب إلي ~~بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت إذا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني ~~أعطيته» (2). # الشرح: # «أسري» : فعل مجهول ومعناه، السير في الليل. قال الجوهري: «سريت سرى ~~ومسرى وأسريت بمعنى إذا سرت ليلا، وبالألف لغة أهل الحجاز انتهى» فبناء على ~~أن الإسراء هو السير في الليل، يكون تقييده بالليل في الآية الشريفة (سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا) (3)لأجل إفهام الناس بأن فترة الإسراء كانت قصيرة مع ~~أن المسافة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى تستغرق أربعين يوما مشيا على ~~الأقدام كما قاله الشيخ البهائي. وذلك إما بواسطة تنكير «ليلا». وإما من ~~جهة تجريد (الليل) من الألف واللام. # و«أسري بالنبي» لقد حذفت بقية الأمور المرتبطة بالإسراء، لمعروفيتها ~~ومعهوديتها فالمعنى: أسري به إلى مقام القرب، مثلا. # قوله: «ما حال المؤمن؟» معناه ما هو شأن المؤمن وما هي منزلته؟ # قوله: «من أهان لي وليا» إن أهانه: بمعنى استخف به، واستهان ms448 به وتهاون ~~فيه: أي استحقره. يقال: رجل فيه مهانة أي ذل وضعف. والظاهر إن حرف الجار في ~~كلمة لي يمكن أن يكون متعلقا بفعل «أهان»، وعليه تكون إهانة المؤمن ~~لإيمانه بالله، ولأجل الحق المتعالي. ويمكن أن يتعلق بال «ولي» وعليه يكون ~~المقصود هو إهانة المؤمن بأي هدف كان. وال (ولي) معناه المحب. PageV01P323 # قوله: «بارزني» برز الرجل يبرز بروزا: أي خرج. والمقصود هنا من المبارزة ~~بالمحاربة هو الخروج للحرب أو إظهاره. # قوله: «مساءته» مصدر ميمي من ساءه أي أكرهه. قوله: «إن من عبادي من لا ~~يصلحه إلا الغنى» قال الشيخ المحقق البهائي رحمه الله: (الصناعة النحوية ~~تقتضي أن يكون الموصول اسم إن والجار والمجرور خبرها، لكن لا يخفى أنه ليس ~~الغرض الإخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد، بل الغرض العكس. ~~فالأولى أن يجعل الظرف اسم إن والموصول خبرها، وهذا وإن كان خلاف ما هو ~~المتعارف بين القوم لكن جوز بعضهم مثله في قوله تعالى: (ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر) (1). انتهى كلامه. (2). # ولعل المبتدأ يكون محذوفا في أمثال هذه الموارد، ويكون دالا على حذف ~~الجار، ولا يكون مثل هذا الحذف مخالفا للقواعد النحوية. ونقل عن صاحب ~~الكشاف (أن الجار والمجرور مبتدأ على معنى وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف ~~بما ذكر فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا إستبعاد في وقوع الظرف بتأويل ~~معناه مبتدءا) (3)ولكن لا نحتاج إلى التأويل بناءا على ما ذكرنا. واعلم أن ~~ذكر هذه الجملة (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني) في هذا المقام، لأجل ~~إزالة الالتباس، والإجابة على السؤال الذي يمكن أن يطرح من قبل الناس الذين ~~لا يعرفون النظام الأتم، والقضاء الإلهي المكنون، وهو أن المؤمن إذا كان ~~مقربا إلى ساحة الحق تعالى بدرجة تكون إهانته، محاربة لله سبحانه فلماذا ~~يبتلي بالفقر والحاجة؟ وإذا لم تكن الدنيا ذات قدر وشأن فلماذا يصبح بعض ~~منهم فيها أغنياء وأثرياء؟ فأجاب الحق سبحانه بأن الحالات النفسية لعبادي ~~مختلفة، وقلوبهم متغايرة، ms449 فبعضهم لا يصير صالحا إلا في ظروف البؤس والفقر، ~~فأفقره حتى تصلح أحواله. وبعضهم يحتاج إلى الغنى والثروة حتى يتحول إلى ~~مؤمن صالح، فأغنيهم، وهاتان الحالتان من كرامة المؤمن وعزة جاهه في ساحة ~~قدس الحق تبارك وتعالى. # قوله «وما يتقرب إلي عبد من عبادي الخ» إن ذكر هذه الجملة والجملة ~~التالية لها بيان لمقام قرب المؤمنين الكملين. فأن الله بين للرسول الأكرم ~~صلى الله عليه وآله وسلم، أحوال المؤمنين، مبتدئ ومختتما على هذا النحو بأن ~~ذكر إجمالا حال المؤمنين بصورة مطلقة قائلا (من أهانهم فقد بارزني ~~بالمحاربة) ثم يقسم المؤمنين إلى طائفتين بل إلى ثلاث طوائف عند أهل ~~المعرفة. PageV01P324 # إحداهما المؤمنون بشكل عام حيث يتكلم الحديث عنهم في جملة «ما ترددت في ~~أمر» حتى قوله «ما يتقرب إلي». والدليل على أن هذا الشطر من الحديث يكون ~~فيهم، هو أنهم يكرهون الموت وأن الغنى والفقر يعبثان بقلوبهم، وهاتان ~~الخاصيتان لا تعودان إلى الكملين من المؤمنين، وإنما ترجعان إلى المتعارف ~~من أهل الإيمان. وعليه لا يرد اعتراض(1) على ظاهر هذا الحديث القائل بأن ~~المؤمن يكره الموت، المتضارب مع الأحاديث الشريفة الأخرى الظاهرة في أن ~~المؤمن الخالص لا يكره الموت، حتى نحتاج إلى الجواب الذي نقله الشيخ المحقق ~~البهائي عن الشيخ الشهيد رضوان الله تعالى عليهما. فمن يرغب في معرفة ~~الجواب فليراجع كتاب «الأربعون حديثا» للشيخ البهائي(2). # ثانيتهما: المؤمنون الكملون وقد تحدث عنهم الحديث المذكور من قوله «ما ~~يتقرب إلي عبد...» إلى آخر الحديث. وقد قسم أهل المعرفة هذا الشطر من ~~الحديث إلى طائفتين: أحداهما المؤمنون الذين يتقربون إلى الله بالفرائض. ~~والأخرى: المؤمنون الذين يتقربون إلى الله بالنوافل (3) وقد أشار ذيل ~~الحديث إلى مقام المؤمنين، ونتائج قربهم. ونحن بعون الله سنأتي على ذكر ~~مقام كلتا الطائفتين بصورة مختصرة. # قوله: «يبطش» يقول الجوهري: البطشة: السطوة والأخذ بالعنف، وقد بطش به ~~يبطش ويبطش بطشا. وقد أريد من هذه الكلمة هنا مطلق الأخذ بل الاستعمال ~~المتعارف لهذه الكلمة حسب الظاهر، الأعم من الأخذ بالعنف أو اللين. ms450 PageV01P325 # تنبيه: # قال الشيخ المحقق البهائي برد الله مضجعه هذا الحديث صحيح السند وهو من ~~الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة. وقد رووه في صحاحهم بأدنى تغيير(1). ~~وذكر رحمه الله في هامش كتاب الأربعين أن علي بن ابراهيم من «المجموعة» ~~الواقعة في السند، وعليه تكون الرواية صحيحة. وقد روى العامة هذا الحديث ~~بطريق صحيح. ويعتبر هذا الحديث من الأحاديث المشهورة المتفق عليها لدى أهل ~~الإسلام. انتهى. ### || AUTO فصل: في بيان التوجيهات المذكورة في نسبة التردد والتحير إلى ~~الحق المتعالي # إننا قد بينا لدى شرح بعض الأحاديث السابقة، موضوع إهانة المؤمنين، فلا ~~ضرورة في تكراره هنا. فننتقل إلى شرح بعض الجمل الأخرى. # إعلم أن العلماء قد وقفوا أمام نسبة التردد إلى الحق المتعالي الواردة في ~~هذا الحديث الشريف وكذلك أمام ما ورد في أحاديث صحيحة بل في الكتاب الحكيم ~~الإلهي من نسبة أمور أخرى إليه سبحانه مثل البداء والامتحان، إن العلماء قد ~~وقفوا أمام هذه النسب إلى الحق سبحانه وبدءوا بالتوجيه والتأويل، كل على ~~ضوء مسلكه. وقد أبدى الشيخ الأجل البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب ~~«الأربعين» احتمالات ثلاثة، نشير إليها على نحو الإيجاز والاختصار: # الأول: إن في الكلام إضمارا والتقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شيء ~~كترددي في وفاة المؤمن. # الثاني: أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره ~~كالصديق الوفي، والخل الصفي وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا ~~حرمة كالعدو والحية والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد ~~ولا تأمل، صح أن يعبر بالتردد والتأمل في مساءة الشيء عن توقيره واحترامه ~~وبعدمها عن إذلاله واحتقاره فقوله سبحانه ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي ~~في وفاة المؤمن المراد به والله أعلم: ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة ~~كقدر عبدي المؤمن وحرمته فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية. # الثالث: أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر ~~للعبد المؤمن عند الاحتضار من ms451 اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه ~~كراهة الموت، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به ويصير ~~راضيا بنزوله، راغبا في حصوله، فأشبهت هذه الحالة معاملة من يريد أن يؤلم ~~حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على ~~وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية ~~والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى ~~إدراك المأمول) (2) انتهى. # توجيه عرفاني # وأما مسلك الحكماء والعرفاء في هذا الموضوع وأمثاله، فيختلف عن المذاهب ~~الأخرى. ونحن لأجل صعوبة فهم مسلك الحكماء والعرفاء، لا نسترسل في هذا ~~الحديث عن ذلك ولا نذكر مقاماته، وإنما نعرض ما هو قريب على الاستيعاب ~~والادراك وموافق للذوق. فنقول: PageV01P326 # لا بد من معرفة أن جميع مراتب الوجود، من منتهى قمة عالم الملكوت وذروة ~~عالم الجبروت إلى أسفل السافلين من عالم الظلمات والهيولى تكون مظاهر جمال ~~الحق سبحانه وجلاله، ومراتب تجليات الرب عز وجل، وإن جميع الكائنات غير ~~مستقلة في ذاتها، وإنما هي تعلق صرف، وربط محض، وعين الفقر والتدلي بالذات ~~المقدس الحق، وإن الموجودات كافة مسخرات بأمر الحق، ومطيعات للأوامر ~~الإلهية. كما أن الآيات القرآنية التي أشارت إلى ذلك كثيرة. قال تعالى: ~~(وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (1). إن هذا الإثبات والنفي وما رميت إذ ~~رميت إشارة إلى مقام الأمر بين الأمرين، بمعنى أنك رميت، وفي نفس الوقت ~~أنك لم ترم بقدرتك المستقلة، بل إنما حصل الرمي بواسطة ظهور قدرة الحق في ~~مرآتك، ونفوذ قدرته في عالم ملكك وملكوتك. فإذن أنت تكون راميا، وفي نفس ~~اللحظة يكون الحق جل وعلا راميا. # وتضاهي تلك الآية المجيدة، الآيات الشريفة المذكورة في سورة الكهف ~~المباركة عند بيان قصة الخضر وموسى عليهما السلام: (أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا، وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، ~~فأردنا أن يبدلهما ms452 ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ~~ما لم تستطع عليه صبرا) (2). فإن النبي الخضر عليه السلام كشف أسرار عمله ~~لموسى ونسب مورد العمل الناقص والمعيب إلى نفسه قائلا «فأردت أن أعيبها» ~~وفي مورد آخر، مورد الكمال نسب العمل إلى الحق سبحانه «فأراد ربك أن يبلغا» ~~وفي مورد ثالث نسب العمل إلى الطرفين قائلا «فأردنا أن يبدلهما ربهما» وكل ~~ذلك يكون صحيحا. ومن أمثال الآيات المباركات قول الله تعالى حيث يقول : ~~(الله يتوفى الأنفس حين موتها) (3). مع أن ملك الموت هو المسئول عن توفي ~~النفوس. # وقوله تعالى: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (4). فالله تعالى هو الهادي ~~والمضل. مع أن جبرائيل يكون هاديا، والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ~~يكون هاديا (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (5). وإن الشيطان يكون مضلا. ~~وهكذا النفحة الإلهية من صور إسرافيل إلى نفس النفخة الإسرافيلية حيث توجد ~~التعددية نفحة آلهية ونفحة إسرافيلية من جهة والاشتراك والوحدة من جهة ~~أخرى حيث أن الجميع منه وإليه. # فمن منظار لا يكون كل من إسرافيل وعزرائيل وجبرائيل ومحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكافة الأنبياء وكل من هو في دار التحقق، شيئا وهذا هو منظار ~~الوحدة فلا ينسب إليهم أمرا، في مقابل ملك الملك بشكل مطلق، ومقابل إرادة ~~الحق النافذة، إن جميع الأشياء مظاهر قدرة الحق وإرادته (وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم) (6). PageV01P327 # ومن منظار آخر وهو منظار الكثرة والانتباه إلى الأسباب والمسببات، تكون ~~جميع الأسباب صحيحة وذات دور فاعل، ويكون النظام الكوني الأتم قائما على ~~أساس نظم وتنسيق بين الأسباب والمسببات، بحيث لو تعطل سبب وواسطة في تسلسل ~~الأسباب والوسائط في هذا الكون لتوقفت عجلة الوجود، وإذا لم يرتبط الحادث ~~بالقديم، عبر الوسائط والأسباب المقررة، في مظانها خاصة كتب العرفاء ~~الشامخين وكتب ms453 صدر الحكماء والفلاسفة وأفضل الحكماء الإسلاميين من كتب ~~الفلاسفة أدرك هذا المشرب الإيماني العذب، وأدخله في مقام قلبه، لانفتحت ~~عليه هذه الأبواب، ولعرف بأن هذه النسب صحيحة وحقيقة ولا يخامره التسامح ~~والمجاز نهائيا لدى دراساته الدقيقة العرفانية. # وعندما يرى بعض الملائكة الموكلين بنفوس المؤمنين وبقبض أرواحهم المقدسة، ~~مقام المؤمنين لدى محضر الحق المقدس المتعالي، ويرون من جانب آخر أن ~~المؤمنين يكرهون الموت، انتابتهم حالة من التزلزل والتردد. وقد نسب سبحانه ~~هذه الحال إلى نفسه (وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن). ~~كما نسب إلى نفسه التوفي، والهداية والإضلال. وكما أن تلك النسب إلى الحق ~~المتعالي صحيحة على مسلك العرفاء، تكون نسبة التردد إليه عز وجل أيضا صحيحة. # ولكن استيعاب هذا المشرب يحتاج إلى قريحة حسنة ولطيفة، وذوق سليم والله ~~العالم الهادي. # ولا يخفى هذا الأمر الهام وهو: أنه لما كانت حقيقة الوجود عين حقيقة ~~الكمال وعين التمام، وإن النقائص والعيوب لا تنسب إلى الحق المتعالي، ولا ~~تكون مجعولة له كما تقرر بالبرهان في محله فكلما كان الفيض أقرب إلى أفق ~~الكمال وأبعد من الفتور والضعف، كان ارتباطه بالحق أتم، ونسبته إلى الذات ~~المقدس أولى. وعلى العكس كلما كانت ظلمات التعين والأعدام أكثر، والقيود ~~والحدود أوفر، كان الارتباط بالله أوهى، والانتساب إليه سبحانه أبعد. # ومن هنا نرى بأن الشرع المجيد القرآن والسنة كثيرا ما ينسب الفعل ~~الإبداعي الغيبي المجرد إلى الحق، في حين أن نسبة الأفعال المتجددة ~~الملكية المادية الطبيعية إلى الحق المتعالي فيه قليلة. # فإذا فرقت عيون ثاقبة، وقلوب يقظة، بين الكامل والناقص والحسن والقبيح، ~~والجميل والبشع، استطاعت أن تفهم حينذاك، رغم أن كل ما في عالم التحقق، تجل ~~فعلي للحق سبحانه، ومرتبط به، بأن كافة أعماله جميلة وكاملة ولا علاقة ~~للنقائص والعيوب بذاته المقدس. وأما ما هو الشائع على ألسنة الحكماء رضوان ~~الله تعالى عليهم من إسناد النقص إلى الله فهو انتساب بالعرض، حيث تروج ~~مثل هذه النسبة المجازية العرضية في بداية التعليم وفي الفلسفة الشائعة ms454 بين ~~المتعلمين. # وفي هذا المستوى من العلم أخطاء والتباس يكون من الأولى غض الطرف عنها. # والمقصود من بيان هذا الأمر الأساسي المهم هو: # أولا: تفنيد الكلمات الفاسدة التي يمكن أن تعترض على المقام من قبل جاهل ~~عار عن المعارف الإلهية. # ثانيا: بيان أن نسبة هذا التردد والترجح للدوافع والحوافز، الحاصل لدى ~~بعض الملكوتيين، إلى الحق سبحانه يكون أتما، من نسبة الأمور الطبيعية التي ~~تحدث في هذا العالم إليه سبحانه. # وثالثا: أن على الإنسان العارف بالحقائق، أن يحدد جهة الكمال والنقص، في ~~هذا التردد، وترجح الدواعي، فينسب الكمال إلى الحق، ويسلب عنه النقص. # تتميم: في بيان توجيه آخر عن حديث التردد # وفي هذا المقام توجيه آخر لهذا الحديث الشريف الذي ينسب التردد إلى الحق ~~المتعالي، قد خطر على فكري القاصر في سالف الأيام وهو: PageV01P328 # إن العباد إما أن يكونوا عرفاء وأولياء لله، وينخرطوا لدى سيرهم إلى الله، ~~في سلك أصحاب القلوب، فيكونون مجذوبين للحق، وتواقين لجماله الذي لا مثيل ~~له ومستقبلين ذاته المقدس في كل تطلعاتهم وآمالهم ولا يلتفتون إلى غيره ~~سبحانه من العوالم، بل لا يفكرون في أنفسهم وكمالاتهم. # وأما ينغمرون في زخارف الدنيا ويغوصون في ظلمات حب الجاه والمال وتكون ~~قلوبهم متجهة نحو الأنانية والإنية من دون أن يعبأوا بالعالم الأقدس، ~~ويأبهوا بالملكوت الأعلى وهم الملحدون في أسماء الله. # والطائفة الثالثة من المؤمنين هم الذين ينتبهون إلى العالم الأرفع نتيجة ~~نور إيمانهم، ويكرهون الموت لإلتفاتهم إلى هذا العالم. وقد عبر الله سبحانه ~~عن هذا التجاذب بين الملك والملكوت، والغيب والمادة والآخرة والدنيا، ~~بالتردد، ومن # المعلوم أن التردد قائم بطرفي القضية. فكأنه يقول: لا يوجد في أي كائن من ~~الموجودات هذا التجاذب بين الملك والملكوت، بمثل ما هو موجود لدى العبد ~~المؤمن فمن ناحية يكره الموت، لأنه قد وجه وجهه إلى عالم الملك والدنيا، ~~ومن ناحية أخرى تشده الجاذبة الإلهية نحوها، لإيصاله إلى كماله. فالحق ~~المتعالي يكره إساءته التي تساوي بقاؤه في عالم الطبيعة ويكره المؤمن الموت. # وأما الناس الآخرون ms455 فلا يكونون كذلك، حيث لا يكون لأولياء الله الانجذاب ~~نحو عالم الملك والطبيعة، ولا يكون للمنغمسين في الدنيا الانجذاب نحو عالم ~~الملكوت والغيب. # وتكون نسبة هذا التجاذب والتردد إلى الحق سبحانه على أساس ما ذكرناه في ~~الوجه السابق قبل هذا التتميم . # وللمحقق الكبير والسيد الجليل المير محمد باقر داماد وتلميذه محمد بن ~~ابراهيم المعروف بصدر المتألهين أبحاث دقيقة يوجب ذكرها التفصيل والإطالة. # فصل: في بيان أن الحق المتعالي يصلح أحوال المؤمنين بالفقر والغناء ~~وغيرهما # يفهم من هذا الحديث الشريف القائل: «وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه ~~إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه ~~إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك» إن كل ما يوفره الحق سبحانه ~~للمؤمنين من الغنى والفقر، والصحة والمرض والأمن والاضطراب وغير ذلك، فهو ~~لأجل إصلاح المؤمنين وصيرورة قلوبهم لله سبحانه. # ولا يتنافى هذا الحديث الشريف مع الأحاديث الأخرى الكثيرة الواردة في باب ~~شدة ابتلاء المؤمنين بالأسقام والأوجاع والفقر والفاقة وكافة البلايا. لأن ~~الحق المتعالي نتيجة لرحمته الواسعة وفضله العميم، يعامل كل إنسان حسب وضعه ~~وظروفه حتى يكون الإنسان بعيدا من الدنيا. مثله في ذلك مثل الطبيب الذي ~~يعالج مرضاه لإبعادهم عما لا يكون صالحا لهم. # فقد يعطي لأحد ثروة، وفي الوقت نفسه يصيبه ببلايا أخر حسب شدة إيمانه # وضعفه، كماله ونقصه، بل أن ثروته وغناه تحف بمصائب ومحن تصرفه عن الدنيا ~~وحبها. إن تكوين هذا الشخص يكون على شاكلة، لو كان فقيرا لأصبح من الهالكين ~~بصورة دائمة، لأنه يرى السعادة في المال والجاه، وأن أهل الدنيا هم السعداء ~~فيتوجه إلى الدنيا وينهمك فيها، ولكنه لو تمكن من الدنيا، المحفوفة ~~بالمكاره والآلام الخارجية والداخلية لانصرف عنها. # كان يقول أحد مشايخنا العظام: يحسب الإنسان أن في تعدد الزوجات دخولا في ~~الدنيا ورغبة فيها، في حين أن من الإبداع الفريد هو أن الإنسان عندما يدخل ~~ويبتلي بها يخرج منها وينصرف عنها. PageV01P329 # فإذن قد يصيب الله المؤمنين بالفقر، لإصلاحهم ولإبعادهم ms456 عن الدنيا مع أنه ~~سبحانه يسليهم ويهون عليهم الفقر، وقد يغدق عليهم الثراء والغنى ويتراءى ~~للآخرين بأن الأثرياء في رفاه ورغد وبهجة وراحة، ولكنهم يعيشون في محن ~~وصعوبات وضيق. ولا منافاة في أن يكون أجر الفقراء المسلمين عند الحق ~~المتعالي أكثر أيضا. كما نفهم من الروايات. وقد ذكرنا نبذة من هذا الموضوع ~~في شرح حديث من الأحاديث السابقة. # فصل: في بيان أن الفرائض والنوافل تقرب الإنسان من الله # وآثار ذلك حسب رأي أهل السلوك والعرفان اعلم أن للسالك إلى الله، ~~والمهاجر من بيت النفس المظلم، إلى الكعبة الحقيقية، سفرا روحانيا وسلوكا ~~عرفانيا، حيث يكون مبدأ هذه الرحلة بيت النفس والأنانية، ومنازل هذه الرحلة ~~مراتب التعينات الآفاقية والأنفسية والملكية والملكوتية التي عبر عنها ~~بالحجب النورانية والظلمانية «إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة» أي ~~أنوار الوجود، وظلمات التعين أو أنوار الملكوت وظلمات الملك أو الظلمة ~~الناتجة عن التعلقات النفسية والأنوار الطاهرة الباعثة عن التعلقات ~~القلبية. وقد يعبر عن سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، بحجب سبعة بصورة مضغوطة ~~كما ورد عن الأئمة الأطهار عليهم السلام في التكبيرات الافتتاحية السبعة للصلاة # والتي تخرق كل تكبيرة حجابا. وورد في السجود على التربة الحسينية ~~المطهرة، خرق للحجب السبع. (1)يقول العارف المشهور عطار النيسابوري: بيت شعر: # جاب عطار مدن العشق السبعة * * * ولا نزال نحن في منعطف زقاق واحد # وعبر عن الحجب السبعة في الإنسان الصغير باللطائف السبعة. وقد يخفضون عدد ~~الحجب إلى ثلاث حجب كلية ويصطلحون عليها في عالم الآفاق، بالعوالم الثلاث. ~~وفي عالم الأنفس بالمراتب الثلاثة. وقد يعبر عن الحجب على أساس الحدود ~~المتوسطة بألف منزل معروف لدى السالكين. وبمائة منزل حسب اعتبار آخر. ~~وبعشرة منازل على ضوء اعتبار ثالث. وقرر الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي ~~دام ظله لكل منزل من منازل السائرين المائة، بيوتا عشرة ببيان بديع فيصير ~~المجموع ألف بيت. وإن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام قد أوجز ذلك السفر ~~الروحاني نحو الحق المتعالي الذي يقصه القرآن بمنازل ثلاثة: أحدهما الكوكب ms457 ~~والآخر القمر والثالث الشمس. # وعلى أي حال إن مبدأ السفر الروحاني إلى الله سبحانه هو بيت النفس ~~المظلم. ومنازل هذه الرحلة، المراتب الآفاقية والمراحل الأنفسية. ونهاية ~~هذا السفر الذات الحق المقدس حيث يكون للإنسان الكامل في المرحلة الأولى ~~الذات مع جميع الصفات والأسماء. وفي المرحلة الأخيرة الذات مضمحلا فيه ~~الأسماء والصفات. ولغير الإنسان الكامل الذات المقدس مع اسم وصفة وتعين من ~~الأسماء والصفات والتعينات. PageV01P330 # وبعد أن يطأ الإنسان السالك برجله على هامة إنيته وأنانيته، ويغادر البيت ~~المظلم ويتجاوز المنازل ومراحل التعينات عند بحثه عن المقصد الأصلي وطلبه ~~لله سبحانه ويطأ بقدميه على رأس كل ذلك، ويخرق الحجب الظلمانية والنورانية ~~ويقطع آماله من كل الموجودات والكائنات، ويحطم الأصنام من كعبة قلبه بيد ~~قدرة ولايته، وتغيب الكواكب والأقمار والشموس من أفق قلبه ويغدو قلبه إلهيا ~~ذا وجه واحدة من دون أن يعكر صفوها التعلق بالغير، ويبلغ مستوى (إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض) (1). ويفنى في الأسماء والذات والأفعال. ~~وبعد هذه المراحل التي يجتازها، ينسلخ عن نفسه ويحصل له المحو الكلي وتظهر ~~له حالة الصعق، ويصير الحق المتعالي فيه فعالا. حيث يسمع بسمع الحق ويبصر ~~بعين الحق ويبطش بيد قدرة الحق وينطق بلسان الحق، ويرى الحق ولا يرى غيره، ~~ويتكلم بالحق دون غيره فيكون تجاه غير الحق أعمى وأصم وأبكم وتجاه الحق ~~بصيرا وسميعا وناطقا. # ولا يحصل هذا المقام إلا مع الجذب الربوبي وجذوة نار العشق، حيث يتقرب ~~بها إلى الحق بصورة مستمرة، ويسعف بواسطة الجذبة الربوبية التي تحصل إثر حب ~~الذات المقدس، حتى لا ينزلق في وادي الحيرة، ولا يبتلي بالشطحات وغيرها ~~التي تكون من رواسب الأنانية. وقد أشير إلى هذين الأمرين في قوله «وإنه ~~يتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه». # فإن تقرب العبد إلى الله من آثار جذوة العشق. وأن الجذبة الإلهية للحق ~~سبحانه من نتائج الحب: # إذا لم تكن جذبة من طرف المعشوق * * * لما أفلحت مساعي العاشق المسكين # فيوجب التقرب بالنوافل، الفناء الكلي والاضمحلال المطلق والانصهار التام ~~وتكون نتيجته «كنت ms458 سمعه الذي يسمع به إلخ» وبعد هذا الفناء التام، والمحو ~~الكلي، والمحق المطلق، والصعق التام، قد تشمله العناية الأزلية ويرجع إليه ~~وعيه، ويعيده إلى عالمه ويعتريه الصحو، وتحصل له حال الأنس والطمأنينة، ~~وتنكشف له سبحات الجمال والجلال، وفي هذه الحال من الصحو تتجلى في مرآة ~~الذات، الصفات وفيها تنكشف الأعيان الثابتة ولوازمها، ويكون وضع أهل السلوك ~~في هذا المقام مثل المقام الأول في أن عينه الثابتة، تفنى في الاسم الذي ~~تتبعه، وتبقى معه وينكشف عليه حين الصحو الاسم نفسه والعين الثابتة التابعة ~~لذلك الاسم. # إذن تنكشف عن الإنسان الكامل، المنطوي تحت الاسم الجامع الأعظم، مطلق ~~الأعيان الثابتة مع لوازمها أزلا وأبدا، وتنكشف له حالات الكائنات ~~واستعداداتها، وكيفية سلوكها وطريقة وصولها وتليق به زينة الخاتمية والنبوة ~~الخاتمة اللتان تكونتا نتيجة الكشف المطلق، وتنكشف على بقية الأنبياء كل ~~حسب مظهريته لإسم من الأسماء الإلهية، وحسب إحاطة وسعة ذلك الاسم، تنكشف، ~~الأعيان التابعة لذلك الإسم، وتنطلق منها سعة دائرة الدعوة وضيقها، والكمال ~~والنقص، والأشرفية وغيرها، وتعود إلى التبعية للأسماء الإلهية. كما ذكرنا ~~تفصيل ذلك في كتاب «مصباح الهداية». # ومجمل الكلام، بعد أن يتحقق الصحو بعد المحو، يتحول وجوده إلى وجود حق، ~~يرى الحق سبحانه في مرآة جماله، الموجودات الأخرى، بل يتحول إلى موجود ~~منسجم مع المشيئة. وإذا كان الإنسان كاملا، انسجم مع المشيئة المطلقة، ~~وصارت روحانيته عين مقام الظهور الفعلي للحق عز وجل. وفي هذه الصورة يرى به ~~الحق المتعالي ويسمع ويبطش، ويصير هو الإرادة النافذة للحق ومشيئته ~~الكاملة، وعلمه الفعلي «فالحق يسمع به ويبصر به إلى آخره»، «علي عين الله ~~وسمع الله وجنب الله» إلى غير ذلك. PageV01P331 # إذن إن التقرب بالفرائض يقود الإنسان إلى الصحو بعد المحو، وتكون ثماره ما سمعته. # ويجب أن يعلم أن هذا الصحو بعد المحو والعود إلى عالم الكثرة، تسمى ~~بالقرب، لأن هذا الصحو بعد المحو، يختلف عن حالة الغفلة التي نعيشها، وأن ~~الوقوع في عالم الكثرة بعد المحو، يغاير عالم كثرتنا الذي نعيش فيه لأن هذه ~~الكثرة ms459 تكون حجابا لنا عن وجه الحق، ومرآة المشاهدة لهم. «ما رأيت شيئا إلا ~~ورأيت الله معه وفيه وقبله وبعده». # ونستطيع أن نعتبر القرب الحاصل بالنوافل فناءا إسميا، والقرب الحاصل ~~بالفرائض، فناءا ذاتيا، وعليه تكون النتيجة للتقرب عن طريق الفرائض المحو ~~المطلق. # وليس من المناسب في هذا المقام إطالة البحث أكثر من ذلك، كما أن هذا ~~القدر من الكلام، يكون خروجا عن طاقة استيعاب هذا الكتاب. # فصل: في نقل كلام الشيخ الأجل البهائي رضي الله عنه # قال الشيخ الجليل العارف البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب ~~(الأربعون) لدى شرحه لهذه الرواية الشريفة: لأصحاب القلوب في هذا المقام ~~كلمات سنية وإشارات سرية وتلويحات ذوقية تعطر مشام الأرواح وتحيي رميم ~~الأشباح، لا يهتدي إلى معناها ولا يطلع على مغزاها إلا من أتعب بدنه في ~~الرياضات، وعنى نفسه بالمجاهدات حتى ذاق مشربهم وعرف مطلبهم. وأما من لم ~~يفهم تلك الرموز ولم يهتد إلى هاتيك الكنوز لعكوفه على الحظوظ الدنية ~~وإنهماكه في اللذات البدنية، فهو عند سماع تلك الكلمات على خطر عظيم من ~~التردي في غياهب الإلحاد والوقوع في مهاوي الحلول والاتحاد. تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. ونحن نتكلم في هذا المقام بما يسهل تناوله على الإفهام. ~~فنقول: هذا مبالغة في القرب، وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد ~~وباطنه، وسره وعلانيته فالمراد والله أعلم: إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى ~~محل الأنس وصرفته إلى عالم القدس، وصيرت فكره مستغرقا في أسرار الملكوت ~~وحواسه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فيثبت حينئذ في مقام القرب قدمه ~~ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه، إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حسه فيتلاشى ~~الأغيار من نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال: # جنوني فيك لا يخفى * * * وناري منك لا تخبو # فأنت السمع والأبصار * * * والأركان والقلب (1) # في نقل كلام المحقق الطوسي # قال أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمين الخواجه نصير الدين الطوسي قدس سره ~~القدوسي (العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في ms460 ~~قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه ~~شيء من الموجودات وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من ~~الممكنات، بل كل وجود وكل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق ~~حينئذ بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به وقدرته التي يفعل بها وعلمه ~~الذي يعلم به، وجوده الذي يجود به، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله ~~في الحقيقة) انتهى كلامه زيد في علو مقامه. (2) # في نقل كلام المرحوم المجلسي # ولحضرة المحقق المجلسي في الموضوع كلام أيضا هو (3) : PageV01P332 # أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان وقلبه وروحه قوى ضعيفة هي في معرض الانحلال ~~والاختلال والانقضاء والفناء، فإذا اكتفى بها وصرفها في شهوات النفس والهوى ~~تفنى كلها، ولا يبقى معه شيء منها ومن ثمراتها إلا الحسرة والندامة. وإذا ~~استعملها في طاعة ربه وصرفها في طاعة محبوبه أبدله الله خيرا منها، وأقوى ~~وأبقى تكون معه في الدنيا والعقبى (لئن شكرتم لأزيدنكم) (1). فمنها قوة ~~السمع إذا بذلها في طاعة النفس والشيطان وما يلهي عن الرحمن بطل سمعه ~~الروحاني وهذا السمع الجسماني في معرض الفناء ولذا قال سبحانه فيهم (أم ~~تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (2). ~~فهم صم بكم عمي في الدنيا والآخرة فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاءا ونداءا فهم في الدنيا أيضا كذلك، فإذا أبطل بالموت حسهم، لم يبق لهم ~~إلا الضلال والوبال، وإذا صرفها في طاعة ربه أبدله الله سمعا كاملا روحانيا ~~لا يذهب بالصمم ولا بالموت فهو يسمع كلام الملائكة، ويصغي إلى خطاب الرب ~~تعالى في الآخرة والأولى، ويفهم كلام الله وكلام الأنبياء والأوصياء عليهم ~~السلام فما منحه الله تعالى، سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن ولا يذهب ~~بالموت وبه يسمع في القبر الخطاب ويعد الجواب ويناديه الحبيب كما نادى ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهل القليب. # وكذا أودع الله سبحانه حسا ضعيفا في البصر فإذا ms461 صرفه في مشتهيات نفسه ذهب ~~الله بنوره وأعمى عين قلبه فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، وإذا بذله في ~~طاعة ربه نور الله عين قلبه، وأعطى بصره نورا أعلى وأقوى ينظر به إلى ~~الملكوت الأعلى ويتوسم في وجوه الخلق ما لا يعرف غيره، ويرى الملائكة ~~الروحانيين كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اتقوا فراسة المؤمن ~~فإنه ينظر بنور الله) وقال تعالى (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (3). # وكذا قوة البطش البدنية إذا صرفها في طاعة الله وقربه ونهكها بالرياضات ~~الحقة أعطاه الله قوة روحانية لا تضعف بالأمراض، ولا تذهب بالموت فيها يقدر ~~على التصرف في عالم الملك والملكوت كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ما ~~قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، بل بقوة ربانية). # وكذا النطق إذا صدق فيه وكان موافقا لعمله ومصادفا لرضا ربه فتح الله به ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فظهر معنى قوله سبحانه: (كنت سمعه وبصره ~~وغير ذلك على ألطف الوجوه لمن كان قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (4). انتهى. # ولا يخلو كلام المجلسي هذا من الغرابة. # تتمة: # يقول الشيخ الأجل البهائي قدس سره: إن (هذا صريح في أن الواجبات أكثر ~~ثوابا من المندوبات ثم قال إن قلت: مدلول هذا الكلام هو أن غير الواجب ليس ~~أحب إلى الله سبحانه من الواجب، لا إن الواجب أحب إليه من غيره فلعلهما ~~متساويان؟ قلت: الذي يستفيده أهل اللسان من مثل هذا الكلام هو تفضيل الواجب ~~على غيره. ثم قال في نهاية دراسته للحديث واستثنى منه الشهيد رضوان الله ~~عليه صورا: # أولها: الإبراء من الدين فإنه مستحب وهو أفضل من إنظار المعسر وهو واجب. # ثانيها: السلام ابتداء فإنه أفضل من رده وهو واجب. PageV01P333 # ثالثها: إعادة المنفرد صلاته جماعة. فإن الجماعة مطلقا تفضل صلاة الفرد ~~بسبع وعشرين درجة فصلاة الجماعة مستحبة وهي أفضل من الصلاة التي سبقت وهي ~~واجبة إلى غير ذلك انتهى(1). # وقد ناقش بعض في كل منها ولا حاجة لبيان تلك المناقشات. # ولا بد من معرفة أن ms462 الظاهر من الحديث الشريف هو أن الواجبات أفضل من ~~المستحبات، وإن لم يكونا من سنخ واحد فمثلا: رد السلام الواجب، أفضل من ~~الحج المندوب، ومن تشييد المدارس العظيمة، وزيارة أهل الله من المؤمنين. ~~وإن ترائى هذا الأمر بعيدا، ولهذا قال المرحوم المجلسي رحمه الله (يمكن ~~تخصيص الأخبار وكلام الأصحاب بكون الواجب أفضل من المستحب من نوعه وصنفه) (2). # ولكن عندما يدل الدليل على ذلك فلا مجال لمثل هذا الاستبعاد. # ويمكن ادعاء انصراف الفريضة إلى الفرائض التعبدية المحضة مثل الصلاة ~~والصوم والحج والزكاة وأمثالها، لا الفرائض الأخرى من أمثال إمهال المعسر، ~~ورد السلام وغيرهما، رغم عدم خلو هذا الكلام أيضا من الاعتراض. والحمد لله ~~أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الخامس والثلاثون: الحسنات من الله والسيئات من الإنسان # بالسند المتصل إلى عماد الإسلام والمسلمين محمد بن يعقوب الكليني رضوان ~~الله عليه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: قال أبو ~~الحسن الرضا عليه السلام: «قال الله يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ~~لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا ~~بصيرا قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك ~~أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذاك أنني لا أسأل عما أفعل ~~وهم يسألون». (3) # الشرح: # في هذا الحديث الشريف أبحاث سامية، وأمور هامة من العلوم العالية لما ~~وراء الطبيعة التي إذا أردنا أن نبسط الحديث فيها مع بيان المقدمات لطال ~~بنا المقام، ولخرج الكتاب عن حجة المناسب. # إذن نضطر سلوك الطريق الوسط، واللجوء إلى الاختصار فنذكر نتائج البراهين ~~العلمية لبعض المسائل ضمن فصول عديدة. وعلى الله التكلان. # فصل: في بيان الأسماء الحق سبحانه مقامين # إعلم أن لمشيئة الحق المتعالي جلت عظمته، بل لكل الأسماء والصفات مثل ~~العلم والحياة والقدرة وغيرها مقامين: أحدهما: مقام الأسماء والصفات ~~الذاتية. وقد ثبت بالبرهان أن الذات المقدس الواجب الوجود بحيثية واحدة، ~~وجهة بسيطة محضة، مستجمع لجميع الأسماء والصفات، وعين كل الكمالات. ms463 وإن ~~جميع الكمالات والأسماء. وصفات الجمال والجلال يعود إلى حيثية الوجود ~~البسيطة. وكل ما هو وراء الوجود فهو نقص وقصور وعدم، حيث أن ذاته المقدس ~~صرف، الوجود. ووجود صرف كان الكمال وكمال صرف «علم كله، قدرة كله، حياة كله». PageV01P334 # ثانيهما: مقام الأسماء والصفات الفعلية، الذي هو مقام الظهور بالأسماء ~~والصفات الذاتية، ومرتبة التجلي بالصفات الجمالية والجلالية. وهذا المقام ~~هو مقام معية القيومية. (هو معكم) (1). (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم) (2). ومقام وجه الله (فأينما تولوا فثم وجه الله) (3). ومقام ~~النورية (الله نور السماوات والأرض) (4). ومقام المشيئة المطلقة (وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) (5). «خلق الله الأشياء ~~بالمشية بنفسها» (6)، ولهذا المقام اصطلاحات وألقاب أخرى على ألسنة أهل الله. # وقد أشير إلى هذين المقامين في الآية الشريفة من الكتاب الإلهي: (هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) (7). # ومجمل القول إن مقام المشيئة الفعلية المطلقة، ذو إحاطة قيومية لجميع ~~الموجودات الملكية والملكوتية. وإن جميع الموجودات من ناحية تكون من ~~تعيناتة ومن ناحية أخرى من مظاهره. وقد قال هذا الحديث الشريف، عن مقام ~~المشيئة الفعلية والمظهرية، وفناء مشيئة العباد في ذلك، بل مظهرية ومرآتية ~~العباد وجميع شؤونهم عن ذلك: (يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ~~ما تشاء، وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا ~~قويا). إن ذاتك وكمالات ذاتك بمشيئتي وقوتي، بل إنك بنفسك وكمالاتك من ~~مظاهر وتعينات مشيئتي (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). # ولهذا الموضوع العرفاني شواهد كثيرة من القرآن والسنة، لا حاجة لذكرها ~~ويرى الشيخ الجليل السهروردي الأشراقي قدس سره، أن العلم التفضيلي للحق ~~المتعالي بالأشياء هو هذا المقام من العلم الفعلي. وتبعه في هذا الموضوع ~~المحقق الطوسي قدس سره. ويرى صدر المتألهين قدس سره أن العلم التفضيلي هو ~~مقام الذات البسيط، ولا يوافق قدس سره هذين الجليلين على موقفهما بصورة مطلقة. # وأرى بأن جوهر كلامهما، واحد وأن النزاع لفظي ولا يناسب المقام بيان ذلك. ms464 # وتبين من هذا العرض أن كل ما يحصل في هذا العالم الوجودي سواء كان من ~~الجواهر القدسية الإلهية أو الملكية الطبيعية أو الاعراض أو كان من الذوات ~~والأوصاف والأفعال، فإن كل ذلك يتحقق بقيومية الحق سبحانه ونفوذ قدرته ~~وإحاطة قوته. وعليه يصح القول «بقوتي أديت فرائضي» ومقام المشيئة المطلقة ~~هذه، مقام الرحمة الواسعة والنعمة الجامعة كما يقول «وبنعمتي قويت على ~~معصيتي». # فصل: في الإشارة إلى مسألتي الجبر والتفويض PageV01P335 أشار الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف بكل وضوح إلى ~~مسألتي الجبر والتفويض والمذهب الحق وهو الأمر بين الأمرين، والمنزلة بين ~~المنزلتين، الموافق لمسلك أهل المعرفة، وأصحاب القلوب، لأنه أثبت المشيئة ~~والقوة للعبد، وفي نفس الوقت جعلها مشيئة الحق سبحانه. قائلا «يا ابن آدم ~~بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت فرائضي وبنعمتي قويت ~~على معصيتي» فلا تنتفي الأفعال والأوصاف والوجودات بصورة مطلقة، كما لا ~~يثبت للإنسان كل تلك الأمور بصورة مطلقة. انك شئت، ومشيئتك قد فنيت في ~~ومشيئتك مظهر مشيئتي وتعينك مظهر تعيني. وتنهض بقوتك على طاعتي ومعصيتي، مع ~~العلم بأن قوتك وقدرتك مظهر قدرتي وقوتي. # ولما كان هناك توهم اشكال واعتراض وهو أنه بناءا على هذا العرض المذكور ~~تنسب إلى الحق المتعالي النقائص والرذائل والمعاصي أيضا كما تنسب الكمالات ~~والفضائل. # أجاب عليه السلام على هذا الزعم على أساس فلسفي برهاني وذوقي عرفاني، من ~~أن الحق عز وجل لما كان كمال صرف وخير محض وعين الجمال # والبهاء، كانت الكمالات والخيرات من ناحيته، بل إن نظام الوجود، حقيقته ~~في عالم الغيب والشهود، عين الكمال وأصل الجمال والتمام. وما يعود إلى ~~النقص والرذيله والشر والوبال، فهو عائد إلى العدم والتعين ومن لوازم ~~الماهية. غير مجعول ومفاض من الحق سبحانه. بل إن الشرور الحاصلة في عالم ~~الطبيعة وهذه النشأة الملكية الضيقة نتيجة التضاد بين الموجودات، وضيق هذا ~~العالم، وأن التضاد بين الكائنات لا يكون مجعولا. فما هو من الخيرات ~~والكمالات والحسنات فمن الحق، وما هو نقص وشر ومعصية ms465 فمن الخلق. كما قال ~~علية السلام «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك». # إذن إن جميع أنواع السعادة الدنيوية والأخروية، وجميع أنواع الخير ~~الملكية والملكوتية قد أفيضت من ينبوع الخير والسعادة. وإن كافة أنواع ~~الشقاء الدنيوي والأخروي وشرور هذا العالم والعوالم الأخرى من القصور ~~الذاتي للموجودات ونقصها. وما هو المعروف أن السعادة والشقاء لا يكونان ~~مجعولين بجعل الجاعل، بل إنهما ذاتي الأشياء، فلا أساس له بالنسبة إلى ~~السعادة، لأنها مجعولة ومفاضة من قبل الحق المتعال، إذ أن كل ذات من الذوات ~~أو ماهية من الماهيات لا يكون سعيدا بل هو هلاك محض. # وأما بالنسبة إلى الشقاء، فلأن الشقاء التام راجع إلى حيثية الماهية وهي ~~غير مجعولة، لا لأنها ذاتية بل لأنها أدون من مرتبة الجعل، فلا يتعلق بها ~~الجعل. وأما الحديث المعروف «السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن ~~أمه» فله معنى آخر يعود إلى العلم بالأسماء والأسماء والصفات ولا يناسب ~~المقام ذكره. # وبعد هذا البيان الصحيح المستدل، نواجه شبهة مظنونة أخرى وهي أننا حسب ~~البيان المذكور عزلنا الكائنات الموجودة عن الخير والسعادة، عندما ربطناها ~~بالحق المتعالي وهذا من الجبر المرفوض. وجعلنا الشر والشقاء من الإنسان ~~وعزلناها عن القدرة الواجبة وهذا من التفويض المستنكر، وذاك الرفض وهذا ~~الاستنكار ثابتان على مذهب العرفاء وعلى ضوء الأدلة الفلسفية فكيف يتم ~~التوفيق بين الكلام السابق وما يلازمه من الجبر أو التفويض؟. # فأجاب الإمام صلوات الله وسلامه عليه حسب الدليل المذكور في الكلام الذي ~~قلنا وتحقيق ذلك. إن الحق المتعال أولى بالحسنات من العباد وهم أولى ~~بالسيئات من الذات المقدس للحق، وفي إثبات هاتين الأولوتين، إثبات الانتساب ~~إلى الطرفين. PageV01P336 # أما بيان أولوية الحق سبحانه في الخير من عباده، فلأجل أن نسبة الخير إلى ~~مبدأ المبادئ بنية وجودية بالذات، فإن الخير ذاتي الوجود وهو في الواجب عين ~~الذات، وفي الممكن بالجعل والإفاضة، وعليه يكون مصدر إفاضة الخير من الواجب ~~تعالى، ولكن مرآة ظهوره، ومظهره يكون الممكن. وتلك النسبة ms466 الظاهرية ~~والمفيضة، أتم من هذه النسبة المظهرية والقابلية. # وأما في السيئات والشرور فيكون الأمر معكوسا رغم صحة الانتساب إلى ~~الطرفين لأن ما يفاض من الحق يكون خيرا، ويلازمه تخلل الشر على أساس ~~الانجرار والتبعية فتكون نسبة الشر إلى الحق بالعرض وإلى الماهية بالذات ~~لنقصانها وقصورها. وقد تولت الآية الكريمة بيان هاتين النسبتين. فعندما ~~تتحكم الواحدة وتتلاشى الكثرات والنقائص يقول سبحانه (قل كل من عند الله) ~~(1). ولدى مراعاة الكثرات بالعرض والوسائط يقول الله عز وجل (ما أصابك من ~~حسنة فمن الله) (2). # فصل: في بيان أن الحق تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # إعلم: يقول المحققون من الفلاسفة أنه لا يوجد غرض وغاية لأفعال الحق ~~المتعالي سوى ذاته، وتجلياته الذاتية، ولا يمكن أن يكون لذاته الأقدس في ~~إيجاد الأشياء هدف آخر وراء ذاته وظهوره وتجليه المقدس. لأن كل فاعل عندما ~~أوجد شيئا وابتغى من عمله غير ذاته مهما كانت هذه الغاية حتى إذا كانت ~~إيصال الفائدة والمثوبة للغير، أو كان الغاية العبادة والمعرفة أو الثناء ~~والحمد كان هذا الفاعل مستكملا بهذه الغاية وكان وجود هذا الهدف بالنسبة ~~إليه أولى من عدمه، وهذا يستلزم النقص والقصور فيه وانتفاع الفاعل به، وهو ~~محال على الذات المقدس الكامل على الإطلاق، الغني بالذات الواجب من جميع ~~الجهات، فلا يستفسر عن أفعاله ولا يوجه إليه لم و«لا يسأل عما يفعل». وأما ~~الموجودات الأخرى فإنها تستبطن في أفعالها أغراض ومقاصد أخرى غير ذواتها. ~~فإن عشاق جمال الحق والمقربين إليه والمجذوبين نحوه يكون هدفهم البلوغ إلى ~~باب الله، والوصول إلى لقاء الله، والتقرب نحو ساحة قدسه الإلهي. وإن ~~الكائنات الأخرى فهي حسب كمالها ونقصانها وقوتها وضعفها أن تستهدف، ما هو ~~زائد على ذواتها. # وخلاصة القول إن ما يكون كمالا مطلقا وواجبا بالذات، كان واجبا من جميع ~~الجهات. وعندما لا يصح توجيه الاستفسار نحو ذاته المقدس كانت أفعاله أيضا ~~بعيدة عن توجيه السؤال نحوها. على خلاف سائر الموجودات فإنه يصح السؤال عن ~~سبب وجودها كما يصح الاستفهام عن أفعالها. ms467 # وأيضا لما كان ذاته المقدس كاملا مطلقا وجميلا مطلقا، صار كعبة لآمال ~~كافة الموجودات وهدفا منشودا لجميع الكائنات، في حين أنه سبحانه لا مقصد من ~~خلقه وأفعاله ولا كعبة لآماله وراء ذاته، لأن الموجودات الأخرى ناقصة ~~بالذات، وإن كل ناقص مهروب عنه بالفطرة كما أن كل كامل مرغوب فيه، فالذات ~~المقدس غاية جميع الحركات والأفعال، ولا توجد غاية وراء ذاته المقدس (لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون) (3). PageV01P337 # وأيضا لما كان ذاته المقدس في المنتهى الأقصى من الجمال والكمال، كان نظام ~~دائرة الوجود الذي هو ظل ذلك الجمال الحق سبحانه، في الغاية القصوى من ~~الكمال الممكن، وعليه يكون هذا النظام الكلي المجود أتم الأنظمة المتصورة، ~~فيكون الاستفهام عن الغاية والغرض والفائدة، منبعثا عن الجهل والنقص. كما ~~أن إبليس اللعين وجه أسئلة سبعة معروفة من جراء جهله، وأجابه الله سبحانه ~~إجمالا وعلى أساس (وجادلهم بالتي هي أحسن) جوابا واحدا عن أسئلته السبعة ~~(1) فالله سبحانه لا يسأل لأن فعله في منتهى الكمال وتسأل الكائنات الأخرى ~~لنقصها الذاتي والفعلي. # وأيضا إن الحق المتعالي حكيم بصورة مطلقة، فما يصدر منه من الأفعال يكون ~~في منتهى الإتقان فلا يسأل، في حين أن الموجودات الأخرى تسأل لأنها ليست كذلك. # وأيضا إن كل ما يصدر من وجوده المقدس، فهو صادر من حقيقة ذاته وأصل ~~حقيقته، بينما لم تكن الكائنات الأخرى كذلك، فهو فاعل بالذات ولا يصح ~~السؤال عمن هو فاعل بالذات. أما الموجودات الأخرى فهي فاعلة بالعرض ويصح ~~السؤال عن فعلها. وحيث أن الإرادة، والمشيئة، والقدرة عين ذاته المقدس، ~~كانت الفاعلية بالذات عين الفاعلية بالإرادة والقدرة. ولا يرد هنا اعتراض ~~الفاعل بالطبع. وهذا من الأبحاث الشريفة التي ثبتت بالبرهان في محله، وبه ~~تحل الكثير من اعتراضات المتكلمين في أبواب مختلفة من المعارف الإلهية. # ويستفاد من البيان الذي ذكرناه، ارتباط الجمل المذكورة في الحديث الشريف ~~بعضها مع البعض الآخر على أساس الرابطة العلية، وذلك أن الحق لا يسأل عن ~~فعله لأن فعله كامل تام، يحتوي على نظام أتم، وأما ms468 الآخرون فليسوا كذلك ~~فيسألون وذلك لأنه سبحانه أولى بالحسنات والعبد أولى بالسيئات وهو علة # لصدور السيئات مهما كانت فمن العبد وأما الحسنات فمن الحق عز وجل. # وهناك بيانات أخرى أيضا تبين نوعية الارتباط بين الفاعل والفعل لم نذكرها ~~هنا. والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث السادس والثلاثون: الصفات الذاتية لله سبحانه PageV01P338 بالسند المتصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، ~~عن محمد بن خالد الطيالسي، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير ~~قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ~~ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ~~ذاته ولا مقدور؛ فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ~~والسمع على المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدور. قال: قلت: فلم ~~يزل الله متحركا؟ قال: فقال: تعالى الله عن ذلك، إن الحركة صفة محدثة ~~بالفعل. قال: فقلت: فلم يزل الله متكلما؟ قال: فقال: إن الكلام صفة محدثة ~~ليست بأزلية كان الله عز وجل ولا متكلم» (1). # الشرح: # قوله: «لم يزل الله عز وجل ربنا» إن ربنا حسب الظاهر خبر (لم يزل) وجملة ~~(والعلم ذاته) حال لربنا، ولكن هذا المعنى الظاهر لا يكون بليغا ولا ~~مقصودا، لأن الهدف ليس هو إثبات أزلية صفة الربوبية بل المنشود إثبات أزلية ~~صفة العلم قبل حصول المعلوم. ويمكن أن نقول بأنه يستفاد المقصود من مجموع ~~هذه الجمل وهو إثبات الإزلية للعلم. كما يحتمل أن يكون (ربنا) مرفوعا على ~~التبعية لاسم (زال) ويكون الخبر محذوفا دلت عليه جملة (والعلم ذاته) ويكون ~~التقدير هكذا لم يزل الله ربنا عالما والعلم ذاته. # ومن المحتمل أن تكون (زال) تامة تقتصر على الاسم المرفوع فيكون المضارع ~~(يزول) وعليه لا يحتاج إلي الخبر ولا يكون مضارعه (يزال) الذي يكون ماضيه ~~زال والذي يعد من الأفعال الناقصة دائما، على خلاف يزول الذي يكون تاما دائما. # قوله عليه السلام: «وكان المعلوم» إن كان هنا تامة ms469 ومعناها لما أوجد ~~الأشياء وتحقق المعلوم... # قوله عليه السلام: «محدثة بالفعل» من الممكن أن يكون معنى بالفعل ما ~~يقابل القوة أي المعنى المصدري فالمفهوم هو: أن الصفة التي تتحقق بالإيجاد ~~والخلق، لا يمكن أن تكون صفة للخلق سبحانه. # وفي هذا الحديث أبحاث شريفة نذكر بعضها حسب المناسبة والمقام. # فصل: في بيان عينية صفات الحق سبحانه مع الذات المتعالي # إعلم أنه قد أشير في هذا الحديث الشريف إلي عينية الذات المقدس للحق مع ~~الصفات الكمالية الحقيقية. مثل العلم والقدرة والسمع والبصر. وهذا من ~~المباحث المهمة التي يكون الإسهاب فيها خارجا عن حدود هذا الكتاب. ونحن ~~نشير إلى المذهب الحق الموافق للبراهين السديدة للفلاسفة والمطابق لمنهج ~~أهل المعرفة. # إعلم أنه قد ثبت في محله، أن ما هو من سنخ الكمال والجمال والتمام، فهو ~~راجع إلي عين الوجود، وحقيقته، وأن الشيء الوحيد الأصيل الشريف في هذا ~~الكون الذي يكون مصدرا لكل الكمالات ومصدرا لكافة الخيرات هو حقيقة الوجود. ~~وذلك أنه إذا لم تكن الكمالات عين حقيقة الوجود وكانت مغايرة في حاق الواقع ~~مع حقيقة الوجود، للزم تحقق أصلين في عالم الوجود، ولبعث على مفاسد كثيرة. ~~فكل ما يمون كمالا، لا يكون بحسب المفهوم والماهية كمالا، وإنما يكون كمالا ~~بواسطة تحققه وتحصله في عالم الأعيان، وما هو موجود ومتحقق في حاق الأعيان ~~ونفس الأمر هو أصل واحد، وهو الوجود فيعود كل ما هو كمال إلي أصل واحد وهو ~~حقيقة الوجود. PageV01P339 # وقد ثبت أيضا أن حقيقة الوجود، أمر بسيط من جميع الجهات، وبرىء من التركيب ~~بصورة مطلقة، ما دام محافظا وباقيا على ذاته الأصلية، وحقيقته الخالصة. ~~وإذا تنزل عن أصالته وحقيقته، لغدا مركبا عقليا أو خارجيا حسب مقامه ~~ومنزلته. فهو بسيط ذاتا ومركب نتيجة طرو أمر غريب عرضي خارج عن ذاته. ~~وتستفاد من هذا البيان المذكور، قاعدتان: # القاعدة الأولي: أن البسيط من جميع الجهات هو بنفسه جميع الكمالات من ~~حيثية واحدة، وجهة فريدة، فمن الحيثية التي بها صار البسيط من جميع الجهات ~~موجودا، يكون عالما ms470 وقادرا وحيا ومريدا، ويصدق عليه جميع الأسماء والصفات ~~الجمالية والجلالية، فهو عالم من حيث أنه قادر، وقادر من حيث أنه عالم من دون # أدنى اختلاف حتى لدى العقل. وأما تغاير مفاهيم الأسماء، والموضوع له ~~الألفاظ في اللغة، والتي تكون مفاهيم عقلية متصورة على نحو لا بشرط من دون ~~تقييدها بالمدلول البسيط أو المركب أما هذا التغاير فلا يتسرب إلي الحقيقة ~~العينية ومن الواضح أن المفاهيم المختلفة للكمال، تنتزع من شيء واحد، بل ~~حسب البيان المتقدم (أن بسيط الحقيقة، بسيط من جميع الجهات) وعليه لا بد من ~~انتزاع كل المفاهيم الكمالية من حيثية واحدة. وإذا انتزعت مفاهيم الكمال من ~~حيثيات مختلفة ومصادر متعددة كما هو شأن بعض الممكنات، لكان هذا التغاير ~~أمرا عارضا طارئا وناتجا من تنزل حقيقة الوجود، وتشابكه مع العدم بالعرض. # القاعدة الثانية: إن الكامل من جميع الجهات وإن ما هو صرف الكمال والخير ~~لا بد وأن يكون بسيطا من جميع الجهات. # وتستفاد أيضا بالتبع قاعدتان أخريتان هما: # إن المركب مهما كان نوعه، لا يكون كاملا من جميع الجهات، إذ أن النقص ~~والعدم قد تسربا إليه. # وأن الناقص لا يكون بسيطا بصورة مطلقة. # إذن لما كان الحق المتعالي بسيطا تاما، وبعيدا كل البعد عما يستلزم ~~الإمكان والفقر والتعلق بالغير، كان كاملا من جميع الجهات، ومشتملا على ~~جميع الأسماء والصفات، وحقيقة أصيلة، ووجودا صريحا من دون أن يخامره غير ~~الوجود، ويخالط الكمال غير الكمال، فهو وجود صرف، إذ لو تدخل غير الوجود ~~فيه لتحقق شر التراكيب وهو عبارة عن التركيب بين الوجود والعدم. فهو صرف ~~العلم وصرف الحياة وصرف القدرة وصرف البصر والسمع وكافة الكمالات. وعليه ~~يصح كلام الإمام الصادق عليه السلام: «والعلم ذاته والقدرة والسمع والبصر ذاته». # نقل وتحقيق # في كلام الفلاسفة في تقسيم أوصاف الحق عز وجل # إعلم أن الفلاسفة الإلهيين الحكماء، قد قسموا صفات الحق سبحانه على أقسام ثلاثة: # الأول: الصفات الحقيقية. وصنفوها إلي صنفين: # (أ) الصفات الحقيقية المحضة مثل الحياة والثبات والبقاء والأزلية وأمثال ذلك. # (ب) ms471 الصفات الحقيقية ذات الإضافة، مثل العلم والقدرة والإرادة. وهذه ~~الصفات قد أضيفت إلي شيء آخر وهو المعلوم والمقدور والمراد فلا يكون علم أو ~~قدرة أو إرادة إلا إذا كان هناك متعلق. وهذان الصنفان من الصفات الحقيقية ~~يعتبران عين الذات. # الثاني: الصفات الإضافية المحضة، مثل المبدئية والرازقية والراحمية، ~~والعالمية، والقادرية وأمثالها. # الثالث: الصفات السلبية المحضة مثل القدوسية والفردية والسبوحية ~~وأمثالها. ويعتبر هذين النوعين الثاني والثالث من الصفات الزائدة على ~~الذات المقدس. كما وأنهم يرجعون جميع الصفات السلبية إلي سلب واحد هو سلب ~~الإمكان. وجميع الصفات الإضافية إلي إضافة واحدة هي الموجدية، ويرون أن ~~مبدأ الإضافات يعود إلي الإضافة الإشراقية والإفاضة النورية صدور المعلول ~~من العلة . PageV01P340 # ولا تكون هذه الأقسام: من العينية في الصفات الحقيقية، والزيادة في الصفات ~~الإضافية والسلبية، حسب البيان الذي شرحوه وعلى ضوء البراهين التي أقاموها، ~~بصحيحة عندي. كما لا تتطابق مع الأدلة القويمة الفلسفية، والاعتبار ~~العرفاني الصحيح. وذلك إننا إذا حدثنا في صفات الله سبحانه، على أساس ~~مفاهيم الأسماء والصفات، وملاحظة المفاهيم المتكثرة، للزم أن لا نجعل صفة ~~من الصفات حتى الصفات الحقيقية عين ذاته المقدس. وإذا جعلنا الذات عين ~~مفاهيم الأوصاف الإضافية أو السلبية، للزم أن يكون الحق سبحانه، إضافة محضة ~~وحيثية سلبية. وكذلك إذا جعلنا الذات عين مفاهيم الصفات الحقيقة، للزم أن ~~يكون الحق عز وجل نفس المفاهيم الاعتبارية والمعاني العقلية. تعالى عن ذلك. ~~وإن لاحظنا حقائق الأوصاف لا مفاهيمها والمصداق المتحقق للأسماء والصفات ~~لكانت الأسماء والصفات الإضافية والحقيقية بأسرها عين الذات # المقدس، لأن الفرق بين العالمية والعالم، والقادرية والقادر، اعتباري ~~ومفهومي. وأن الأوصاف الإضافية كافة، تعود إلي الرحيمية والرحمانية ~~الذاتيتين، حتى الرازقية والخالقية وغيرهما. # وأما أرجاع جميع الصفات السلبية إلي صفة واحدة هي سلب الإمكان، والصفات ~~الإضافية إلى إضافة واحدة هي الموجدية، وعدم إرجاع الأوصاف الحقيقة إلي ~~شيء، فكذلك لأنه إذا بحثنا الموضوع على ضوء المفاهيم، لما عادت صفة من تلك ~~الصفات إلي أخرى، لا في الصفات السلبية ولا الصفات الإضافية ولا الصفات ~~الحقيقية. ولو ms472 درسنا الموضوع على أساس الحقائق لا المفاهيم، لرجعت جميع ~~الأوصاف على ماهي من الأقسام والأنواع إلي صفة واجبة واحدة. # في تحقيق عينية الصفات مع الذات المقدسة # وملخص الكلام أن التحقيق في أوصاف الحق سبحانه في ظل الفلسفة لنظرية، ~~يفضي إلى القول بأن الأوصاف الحقيقة والإضافية، على ضوء المفاهيم، متغايرة ~~ومختلفة ولا تكون إحداها عين الأخرى. وعلى ضوء الحقيقة والواقع فإن جميع ~~الأوصاف تعود جميعا إلى الذات المقدس وتكون عينه. ولكن توجد للأوصاف ~~مرتبتان: # أحدهما: مرتبة الذات والأوصاف الذاتية، حيث نستطيع أن ننتزع من هذه ~~المرتبة العلم والعالمية والقدرة والقادرية. # وأما الأوصاف السلبية مثل القدوس والسبوح والأسماء التنزيهية فإنها من ~~لوازم الذات المقدس، ويكون الذات المقدس مصداقا بالعرض لتلك الأوصاف ~~السلبية، لأن الحق المتعالي كمال مطلق ويصدق عليه سبحانه الكمال المطلق ~~بالذات لا بالعرض لأنه سبحانه أساس الحقيقة وأصلها، ومن لوازمه سلب ~~النقائص، فيكون الكمال مصداقا عرضيا لسلب النقائص. # ويرى أهل المعرفة وأصحاب القلوب أن مقام التجلي بالفيض الأقدس مبدأ ~~للأسماء الذاتية. وأن مقام التجلي بالفيض المقدس، مبدأ للأوصاف الفعلية، ~~ويعتقدون بأن هذا المقام التجلي بالفيض المقدس لا يكون (غيرا) غير الذات ~~كما لا يكون (عينا) عين الذات . # والبحث في هذا الموضوع يفضي إلي البحث عن الأسماء والصفات على مسلك ~~الفلاسفة، ويخرج عما هو مقصود في هذا الكتاب. # لقد أرجع بعض العلماء صفات الحق المتعالي إلي الأمور العدمية، وفسروا ~~العلم بعدم الجهل، والقدرة بعدم العجز. ورأيت من العرفاء شخصا يصر على هذا ~~المعنى وهو المرحوم العارف الجليل (قاضي سعيد القمي) حيث يتبع حسب الظاهر ~~أستاذه (رجب علي) بالبيان المذكور بكتاب (شرح التوحيد). ونحن في سالف ~~الزمان قد أجبنا على أدلته وعلى الأخبار التي يتمسكوا بظاهرها إجابة حاسمة. # فصل: في بيان أن العلم قبل الإيجاد PageV01P341 ومن الأبحاث الشريفة التي أشار إليها هذا الحديث الشريف هو علم الله سبحانه ~~بمخلوقاته في الأزل قبل إيجادها. لقد حصل خلاف عظيم في أصل هذا العلم ~~وكيفيته من أنه يكون على نحو الإجمال أو التفصيل؟ وهل إن ms473 هذا العلم يكون ~~زائدا على الذات أو عينه؟ وهل هو قبل الإيجاد أو معه؟ وتفصيل ذلك موجود في ~~كتب الفلاسفة. ونحن نقتصر على التحقيق في هذا الموضوع ونتجنب عرض الأقوال ~~الأخرى ومناقشتها. # إعلم أنه قد ثبت لدى أصحاب البرهان الفلاسفة وأرباب العرفان العرفاء ~~بأن هذا الحديث الشريف قد أومأ إلي أن العلم بالمعلوم قد كان في الأزل قبل ~~الإيجاد، وأن هذا العلم عين الذات المقدس، وأن علمه سبحانه تفصيلي وليس ~~بإجمالي حيث قال (والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر) ومن الواضح ~~أن البصر والسمع شهود للمبصر والمسموع بصورة تفصيلية. وأشير أيضا في هذا ~~الحديث إلي علمه التفصيلي سبحانه عندما يقول عليه السلام: «فإذا أحدث ~~الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم إلخ» لأنه سبحانه لم يجدد ~~علمه بعد الإيجاد، وإنما وقع العلم منه على المعلوم بعد حدوثه ونحن سنذكر ~~معنا وقوع العلم على المعلوم. # وأما بيان هذا الموضوع الإيماني الشريف على مسلك المحققين من الفلاسفة ~~فهو أنه بعد أن تبين في الفصل السابق، أن الحق سبحانه وجود صرف وكمال صرف ~~وأن الوجود الصرف مع بساطته ووحدته التامة، جامع لجميع الكمالات، ومستجمع ~~لكمال جميع الموجودات، وأن ما يكون خارجا عن إحاطته الوجودية فهو عدم ونقص ~~وقصور ولا شيئية، وأن نسبة المراتب الأخرى الوجودية إلي ذاته المقدس نسبة ~~النقص إلي الكمال. بعد هذا نقول بأن العلم بالكمال المطلق علم بمطلق الكمال ~~من دون نقص وقصور، ومثل هذا العلم، عين الكشف التفصيلي الكلي البسيط، من ~~دون أن يخرج من إحاطة علمه، ذرة من الموجودات، أزلا وأبدا من دون أن تتطرق ~~إليه سبحانه الكثرة والتركيب. # وأما على مسلك العرفاء، فهو أن الحق سبحانه وتعالى مستجمع لجميع الأسماء ~~والصفات، في مقام الواحدية، ومقام جمع الأسماء، وأن الأعيان الثابتة لجميع ~~الموجودات، من لوازم الأسماء الإلهية في مقام جمع الأسماء في الأزل، قبل ~~الإيجاد. وأن التجلي المطلق للذات سبحانه في مقام الأحدية وغيب الهوية، هو ~~كشف لجميع الأسماء والصفات ولوازمها من الأعيان الثابتة لكافة ms474 الموجودات، ~~بتجلي واحد، وكشف بسيط مطلق. إذن يتم من خلال الكشف العلمي بواسطة تجلي ~~الفيض الأقدس، كشف الذات والأسماء والصفات والأعيان من دون حصول كثرة ~~وتركيب. # وهذان المسلكان في منتهى الإتقان والسداد والرفعة. ولكنه من جهة ~~صعوبتهما، وتوقفهما على استيعاب مبادئ فلسفية كثيرة وفهم مصلحات أهل الله، ~~وأصحاب القلوب العرفاء ومن جهة أنه لولا معرفة تلك المقدمات والأنس التام ~~والكامل بها وممارستها وحسن الظن الكامل بالعلماء بالله لما أستفيد شيء من ~~هذه الأبحاث، بل ازداد التحير، وتضاعف التعقيد. فالأولي اللجوء في توضيح ~~الموضوع إلي بيان سهل قريب إلي إفهام الناس. PageV01P342 # فنقول: أن علية واجب الوجود تعالى شأنه، ومبدئيته، تختلف عن علية الفاعل ~~الطبيعي، حيث أن العلة الطبيعية تركب المواد الموجودة، وتجزأها، مثل النجار ~~الذي يغير القطعة الخشبية، فيزيد قطعة وينقص أخرى. ومثل البناء الذي يجمع ~~ويركب المواد الموجودة، ولكن الحق المتعالي فاعل إلهي يخلق الأشياء بإرادته ~~من دون حاجة إلي مواد أولية مسبقة، وأن علمه وإرادته علة ظهور الأشياء ~~ووجودها، فدار التحقق محاطة بعلمه، وتخرج من غيب الهوية، عندما يريد الله ~~سبحانه إظهارها (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) (1). # يقال أن مثل عالم الأعيان الخارجية بالنسبة إلي ذاته المقدس جل جلاله، ~~مثل الذهن بالنسبة إلي نفس الإنسان، حيث تخلق النفس في الذهن بإرادتها ما ~~تريد، وتظهر ما هو مكنون في غيب الهوية. # فجميع العوالم الموجودة محاطة بعلمه، وتظهر منه، وتعود إليه (إنا لله ~~وإنا إليه راجعون). # وبعبارة أوضح: إن العلم يسبب الشيء وعلته التامة، يستلزم العلم بذلك ~~الشيء، فإن علم المنجم بالخسوف والكسوف في ساعة محددة من يوم معلوم، يكون ~~نتيجة علمه بالأسباب، حيث يرصد حركة الشمس والقمر، وحيلولة القمر بين الأرض ~~والشمس، فيحصل له العلم بالكسوف والخسوف، وإذا كان رصده دقيقا لما تخلف ~~الكسوف والخسوف عن علمه. # ولما كانت حلقات الأسباب والمسببات من هذا العلم تنتهي إلى الذات المقدس ~~المبدأ لكل المبادئ، وكان الحق سبحانه عالما بذاته، وأن علمه بذاته الذي هو ~~سبب لجميع الموجودات، علم بالمسبب أيضا، ms475 ولما كانت كذلك، كان الله سبحانه ~~عالما بكل الأشياء، وكان علمه بنفسه سببا لظهور وخلق جميع الأشياء. # هذه هي الوجوه المذكورة في المقام لإثبات علمه سبحانه بالأشياء قبل خلقها ~~وإيجادها، ويستطيع كل واحد حسب نشأته أن يختار وجها منها، رغم أن بعض ~~الوجوه اسد وأوفى بكل المقصود. # فصل: في معنى سمع الحق سبحانه وبصره # من المباحث في باب أسماء الحق سبحانه وصفاته، الدائرة بين الفلاسفة ~~العظام هو إثبات السمع والبصر للحق المتعالي، حيث أرجع جمهور الفلاسفة ~~والمتكلمين السمع والبصر إلي العلم، ولكن الشيخ السهروردي الإشراقي، أرجع ~~العلم إلي البصر والسمع على ضوء بيان يسبب ذكره الخروج عن الاختصار المنشود ~~في الكتاب. ونحن نتولى بيان المسلك الصحيح والمذهب القيم كي يتضح من خلاله ~~الحق، في مطلق الأسماء والصفات. # إعلم أن كثيرا من الفلاسفة والكبار نتيجة الإهمال والغفلة عن بعض ~~الحيثيات اختلفوا فيما بينهم، وأرجع كل منهم بعض الأسماء والصفات إلي البعض ~~الآخر، حيث أن المعروف والمسلم به عندهم تفسير إرادة الحق تعالى بعلمه ~~سبحانه بالمصلحة والنظام الأتم. وإرجاع بعضهم السمع والبصر إلي العلم، ~~وبعضهم الآخر، أرجع العلم إلي السمع والبصر. # ولكن هذه الآراء والتوجهات مخالفة لما يستدعيه التحقيق، وناجمة عن إهمال ~~الحيثيات. لأنه إذا كان المقصود من إرجاع الإرادة، إلي العلم بالمصلحة، أو ~~إرجاع العلم إلي السمع أو السمع إلي العلم، هو أن لا إرادة للحق سبحانه ولا ~~سمع له ولا بصر وأن له سبحانه العلم وأن إرادته وسمعه وبصره قد سميت ~~بالعلم، فهذا باطل وتقول فظيع على الحق سبحانه، لأنه يستلزم أن يكون الحق ~~المتعالي مبدأ للوجود من دون أن تكون له إرادة واختيار. PageV01P343 # مضافا إلى ذلك: أن المقياس في باب إتصاف الحق سبحانه بالأوصاف الكمالية هو ~~أن تلك الصفة لا بد وأن تثبت للموجود بما أنه موجود، حتى تكون الصفة ~~كمالية، أي تكون الصفة، نفس حقيقة الوجود، ومن كمالات أصل ذات الوجود. ولا ~~ريب أن الإرادة من الصفات الكمالية للحقيقة المطلقة الوجودية. ومن هنا كلما ~~تنزل الوجود نحو المنازل ms476 السافلة، كلما ضعفت الإرادة فيه، حتى يصل إلي درجة ~~تسلب منه الإرادة، ويراه الناس عديم الإرادة، كما هو حال الأمور الطبيعية ~~مثل المعادن والنباتات. في حين أن الوجود كلما سما نحو الكمالات # وتصاعد نحو الأفق الأعلى كلما ظهرت الإرادة فيه أكثر وأقوى، كما نلمس ذلك ~~في تسلسل الموجودات الطبيعية حيث أنه عندما نتجاوز مقام الهيولى والجسم ~~والعنصر والمعدن والنبات نظهر الإرادة والعلم وكلما صعدنا أكثر كملت هذه ~~الجوهرة أكثر، حتى أن الإنسان الكامل يملك إرادة كاملة يستطيع أن يحول ~~العنصر إلي عنصر آخر فإن عالم الطبيعة خاضع لإرادته، فنكتشف بأن الإرادة من ~~الصفات الكمالية للوجود، وللموجود بما أنه موجود، ونثبت هذه الحقيقة للذات ~~المقدس الحق من دون رجوع إلى حقيقة أخرى. # وهكذا نجد بعد الدراسات العميقة الجديرة بالإذعان والتصديق، أن السماع ~~والبصر من كمالات الموجود المطلق، فإن حقيقة السمع والبصر لا تقوم بالأدوات ~~الجسمية ولا تكون من العلوم المادية المرتبطة بالآلات والأدوات، وإنما ~~تحتاج النفس إلي الآلات عندما تكون في عالم الطبيعة وترتبط بالبدن، حتى يتم ~~ظهور السمع والبصر. # كما أنها في مقام العلم تحتاج أيضا إلي أداة تدعى بأم الدماغ، لكي يتحقق ~~العلم ويظهر في علم الملك والطبيعة، وهذا الاحتياج والنقص ينجم عن عالم ~~الطبيعة والملك وليس من قصور ونقص في العلم والسمع والبصر. ثم إن السمع ~~والبصر لو تجردا، واستغنيا عن المادة، لاستطاعا البلوغ إلي مستوى رؤية ~~حقائق عالم الغيب، وسماع كلام الملكوتيين من الملائكة والروحانيين في الملأ ~~الأعلى. كما أن موسى كليم الله في مناجاته، كان يسمع كلام الحق وأن خاتم ~~المرسلين المكرم كان يتحدث مع الملائكة، ويرى الصورة الملكوتية لجبرائيل، ~~من دون تسمع أذن أحد ذلك الحديث حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~جبرائيل وتبصرعين ذلك المشهد رغم حضور بعض الناس لدى نزول الوحي على ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم لم يبصروا المشهد. # وملخص القول إن السمع والبصر من العلوم الزائدة على أصل العلم، وأنهما ~~يغايران حقيقة العلم ويعتبران من الكمالات المطلقة ms477 للوجود، فلا بد من ~~إثباتهما للحق المتعالي الذي يعد مبدأ للوجود، ومصدرا لكمالاته. # وإن كان مقصودهم من إرجاع الإرادة والسمع والبصر إلى العلم، أو العلم PageV01P344 إلى الإرادة والسمع والبصر، هو أن حيثية العلم والإرادة في الحق سبحانه ~~حيثية واحدة وأنه لا حيثيات مختلفة للبصر والسمع والعلم في الحق المتعالي، ~~فهو كلام صحيح وموافق للبرهان، ولكنه لا وجه لاختصاص هذا الكلام بهذه ~~الأوصاف لأن جميع الأوصاف المتغايرة الكثيرة لذات الحق سبحانه، بل يكون ~~مؤكدا وداعما لها، لأننا بينا بأن الوجود كلما كان أقرب إلي أفق الوحدة ~~وأبعد من دائرة الكثرة كلما كان أجمع وأشمل تجاه الأسماء والصفات، إلى أن ~~نبلغ مقام صرف الوجود، والحقيقة البسيطة الواجبة جلت عظمته وعظمت قدرته ~~الذي هو في منتهى الوحدة والبساطة، ومستجمعا لجميع الكمالات، وجامعا لجميع ~~الأسماء والصفات، حيث تصدق جميع مفاهيم الكمال ومعاني الجلال والجمال على ~~نحو الحقيقة لا المجاز عليه سبحانه، ويكون صدقها على الذات المقدس الحق، ~~أولى وأجدر بكل معاني ومراتب الأحقية والأولوية من صدقها على غيره سبحانه. # وخلاصة البيان أن الوحدة كلما كانت في الوجود أقوى وأتم، كلما كان صدق ~~مفاهيم الكمال عليه أوفى، وعدد الأسماء والصفات فيه أوفر. وعلى العكس، كلما ~~كان الموجود إلى الكثرات أقرب، كان صدق مفاهيم الكمال عليه أقل وكان ما ~~تصدق عليه من مفاهيم الكمال أوهى. وأقرب إلي المجاز دون الحقيقة وكل ذلك ~~من أجل أن الوحدة تساوي الوجود، وتعتبر من كمالات الموجود بما هو موجود، ~~ومعنى مساواة الوحدة للوجود، هو أن الوجود مع الوحدة وإن اختلفتا مفهوما، ~~ولكن حقيقة الوجود نفس حقيقة الوحدة في الخارج، كما أنه أينما كانت الكثرات ~~كان هناك النقص والعدم والشر والضعف والفتور. # ولهذا كلما تهاوى الوجود في منحدر المراتب النازلة كانت الكثرات أكثر من ~~جميع مراتب الوجود. وعليه يتنزه مقام الربوبية وساحته المقدسة جل وعلا التي ~~تكون صرف الوجود والذي هو صرف الوحدة والبساطة، من الكثرة والتركيب. وقد ~~أشرنا سابقا بأن الوجود، مبدأ حقيقة الكمال، وينبوع الجلال والجمال. فصرف ~~الوجود هو ms478 صرف الوحدة وصرف الكمال، وصرف الوحدة هو صرف الكمال أيضا. وكلما ~~كانت الوحدة في أسمى مراتبها في الموجود، كانت مفاهيم الأسماء والصفات ~~والكمالات بأسرها صادقة عليه، وكان صدق مفهوم كل واحد منها عليه # أولى وأحسن. وعلى العكس كل موجود يدنو من الكثرات أكثر، يكون نقصه أكثر، ~~وصدق مفاهيم الكمال والأسماء والصفات له أقل، وملاك الصدق وكيفيته أوهن. # فالحق المتعالي يستجمع جميع الكمالات والأسماء والصفات، من دون رجوع ~~إحداها إلى الأخرى، بل يصدق حقيقة كل من الكمالات والأسماء والصفات على ~~الذات المقدس فكل من سمعه سبحانه وبصره وإرادته وعلمه. يشتمل على مداليله ~~ومعانيه على نحو الحقيقة، ويصدق على الذات عز وجل كل منها حقيقة من دون أن ~~تستلزم كثرة في ذاته سبحانه بوجه من الوجوه. فله الأسماء الحسنى والأمثال ~~العليا والكبرياء والآلاء. # فصل: في بيان كيفية تعلق علمه سبحانه بالمعلوم PageV01P345 إعلم أنه على ضوء ما أشرنا إليه من قبل، تنكشف على الحق المتعالي من خلال ~~علمه البسيط الذاتي والكشف الواحد الأزلي، جميع الموجودات بما أنها موجودات ~~وجهات وجودية كمالية بما أنها كمالية، ويتم له سبحانه العلم. وهذا الكشف ~~رغم كونه بسيطا وواحدا تاما، يكون تفصيليا على نحو لا تخرج عن حيطة علمه ~~سبحانه ذرة من سماوات الأرواح، وأراضي الأشباح أزلا وأبدا. وهذا العلم ~~والكشف يكون منذ الأزل، ويكون عين ذاته المقدس. والمعلوم المتعين والمحدود، ~~الذي يعود تعيينه وتحديده إلي العدم والنقص، يتحقق بالعرض عندما يتعلق به ~~الإيجاد، ويصير معلوما بالعرض، فيكون التعلق بالعرض بعد الإيجاد. وأشار ~~عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلي هذا المعنى عندما قال: «فلما أحدث ~~الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم». # كما يحتمل أن تكون هذه الجمل إشارة إلي العلم الفعلي الذي يحصل نتيجة ~~التجلي للفيض المقدس. ويكون المقصود من المعلوم، المعلوم بالذات، الذي هو ~~هويات وجودية قد تعلق بها الفيض المقدس، وتجل، ظهوري، نوري. # فعلى الاحتمال الأول يكون معنى هذه الجملة (فلما تجلى بفيضه المقدس وظهر ~~الكون بالعرض وقع العلم على المعلوم، أي ظهر ms479 الفيض في مرآة المستفيض ~~بالعرض). # وعلى الاحتمال الثاني يكون المعنى (فلما تجلى بفيضه المقدس وظهر وجود ~~الكون بالذات، أي بلا حيثية تقييدية وقع الفيض على المستفيض بالذات). # وعلى كلا الاحتمالين، لا يكون هذا التجلي الذي يحصل بالفيض المقدس من ~~جراء الحوادث الزمانية والظروف المتغيرة، فإن إيجاد الحق سبحانه مقدس ومنزه ~~من كل ما فيه شائبة الحدوث والتغيير بل التعين والتحديد. فكما أن العلم ~~الذاتي بسيط من جميع الجهات، ومحيط بتمام الحيثيات، فكذلك العلم الفعلي ~~الذي هو آية حقيقية للحق المتعالي، وظهور لعلمه الذاتي ومرآة له، يكون ~~بسيطا تاما، وواحدا بالمطلق، ومحيطا بجميع دائرة الكون والتحقق، من دون أن ~~يحدث فيه تعين وتجدد وتركيب، غاية الأمر أن هذا العلم الفعلي متقوم بالذات ~~بذاته المقدس سبحانه، وأنه تعلق محض. ولهذا يكون فانيا في كبرياء الحق عز ~~وجل وحضورا في محضر ذي الجلال. ومن هذا المنطلق يعتبرونه علم الحق سبحانه. ~~كما أنه إيجاد النفس الناطقة للحقائق العقلية في عالم العقل والمثل ~~الخيالية في لوح الخيال، علم فعلي للنفس وفان فيها. # وقال الحكماء: إن نسبة عالم نفس الأمر إلى الحق سبحانه، تضاهي نسبة الصور ~~العلمية إلى النفس. ومن أجل هذه الإحاطة والسعة والبساطة والنفوذ للحق ~~سبحانه، ذهبوا إلى أن الحق المتعالي يعلم الجزئيات بالعلم الكلي أي أن ~~جزئية المعلوم ومحدوديته ومحاطيته، لا تبعث على محدودية في العلم. فعلمه ~~سبحانه: محيط وقديم وأزلي وغير متغير وأما المعلوم فهو محاط ومحدود وحادث ~~ومتغير. والذي لم يعرف أسلوب كلام الحكماء، يحسب أنهم قد نفوا علمه عز وجل ~~بالجزئيات، حيث فسروا الكلية والجزئية، بالمعنى الرائج لدى المناطقة ~~واللغويين ولم يعلموا أن هناك معنى آخر للكلي والجزئي في مصطلح أهل العرفان ~~وقد يتبعهم أحيانا الفلاسفة في ذلك المصطلح، بل استعار الحكماء هذا المعنى ~~من أهل المعرفة العرفاء في باب علم واجب الوجود جل اسمه وتعالى شأنه. # فصل: في بيان المقياس في الصفات الثبوتية والسلبية PageV01P346 إن المقياس في الصفات الثبوتية للذات المقدس الواجب جل اسمه، والصفات ~~السلبية، هو أن كل ms480 صفة من الأوصاف الكمالية، والنعوت الجمالية التي تعود ~~حقيقة الوجود وذاته الصرف، من دون أن تتعين بتعين، وتتواجد في عالم دون ~~آخر، تعود لهوية الوجود ذاته النورية، يعتبر من الصفات اللازمة الثبوت ~~والواجبة التحقق، للذات المقدس تعالى شأنه، لأن هذه الصفات لو لم تثبت ~~للذات المقدس للزم إما أن يكون الذات المتعالي، وجودا صرفا ومحضا، أو لا ~~يكون الوجود الصرف محض كمال وجمال. وهذان الأمران باطلان لدى العرفاء ~~والحكماء. كما تقرر في محله. # وإن كل صفة ونعت لا تثبت للموجود، إلا بعد تنزله إلى منزلة من منازل ~~التعينات، وتقارنه بشكل من إشكال التقييد، وتعانقه بمرتبة من مراتب القصور ~~وتلازمه مع حد من حدود الوهن والفتور، ومجمل القول إن كل صفة لا تعد من ~~حقيقة الوجود، بل كانت راجعة إلى الماهية، لكانت من الصفات المسلوبة التي ~~يمتنع تحققها في الذات الكامل المطلق، لأن الذات الكامل المطلق والوجود ~~الصرف كما يكون مصداقا للكمال الصرف، يكون مصداقا لسلب النقائص والحدود ~~والأعدام والماهيات. # هذا الكلام وما أشتهر لدى المحققين من أن جميع الصفات السلبية، تعود إلى ~~سلب واحد هو سلب الإمكان، لا يكون سديدا وصائبا لدى الكاتب فكما أن ذاته ~~المقدس سبحانه يكون مصداقا ذاتيا حقيقيا لكل واحد من الصفات الكمالية، من ~~دون أن يرجع بعضها إلي البعض الآخر كما بيناه سابقا فكذلك يكون الذات ~~المقدس مصداقا بالعرض لكل واحد من الصفات السلبية أيضا. # ولا نستطيع أن نقول بأن الأعدام والنقائص حيثية واحدة وأنه (لا ميز في ~~الاعدام)، لأننا إذا درسنا هذا الموضوع على أساس الواقع ونفس الأمر، فكما ~~أن العدم المطلق حيثية واحدة رغم كونه كل الاعدام، فكذلك الوجود المطلق ~~أيضا حيثية واحدة وكل الكمالات، فلا نستطيع إثبات صفة للحق سبحانه، في ~~مرحلة إعتبار الاحدية، وغيب الغيوب، لا الصفات الحقيقية الثبوتية، ولا ~~الصفات السلبية الجلالية. # وإذا درسناه على أساس مقام الواحدية وجمع الأسماء والصفات، فكما أن ~~الصفات الثبوتية الكمالية متكثرة ومتعددة، كانت الصفات السلبية متكثرة أيضا ~~لأن في مقابل كل صفة كمالية، صفة ms481 ناقصة مسلوبة. فالذات المقدس سبحانه كما ~~يكون مصداقا للعالم بالذات، يكون مصداقا لعدم كونه جاهلا بالعرض. وكما يكون ~~قادرا يكون ليس بعاجز، وكما تقرر في علم الأسماء، أن للأسماء والصفات ~~الثبوتية اعتبار المحيطية والمحاطية والرئاسة والمرؤوسية فكذلك تكون ~~للأسماء والصفات السلبية هذه الإعتبارات بالتبع أيضا. # ومجمل الحديث أنه بعدما اتضح المقياس في الصفات الثبوتية والسلبية، ~~نستطيع أن نفهم بأن الحركة التي تتقوم بالقوة والهيولى، وأن الحدوث والتجدد ~~المتغلغل في ذات القوة، لا تتسرب إلي ذاته المقدس جل جلاله. # والتكلم بمعناه الدارج العرفي الذي يكون محلا لسؤال الراوي في الحديث ~~الشريف فهو صفة محدثة متجددة يتنزه الحق المتعال ويتبرأ عنها. وهذا لا ~~يتهافت مع إثبات الكلام والتكلم الذاتي للحق سبحانه في مقام الذات على نحو ~~ينسجم مع تنزهه سبحانه عن التجدد وبراءته من الحدوث. # وخلاصة هذا البحث الشريف أن حقيقة التكلم، لا تتوقف على خروج الأحرف من ~~المخارج الخاصة في الحنجرة والفم. وما هو شائع لدى أبناء اللغة وعرف ~~الجمهور من الناس من أن التكلم يتقيد وينصرف إلى خروج الأحرف الأبجدية من ~~مخارجها، فهو ناتج عن العادة وأنس ذهن الناس بمثل هذا التفسير. وقد ساعد ~~أوهام الناس وأفكارهم على ذلك. وأما أصل معنى التكلم فلا يتقيد بالأحرف أبدا. PageV01P347 # إن حقيقة العلم عبارة عن ظهور الشيء لدى العالم، من غير أن يتقيد بالإدراك ~~بواسطة الأدوات البادية الظاهرة مثل الدماغ أو الآلات المعنوية مثل الحس ~~المشترك والخيال. فإذا فرضنا أن شخصا قد حصل على العلم بشيء بواسطة يده أو ~~رجله أو رأى شيئا أو سمع صوت شيء، لصدق عليه العلم والسمع والبصر. وهكذا ~~إذا رأى في عالم الرؤيا شيئا أو سمع صوت شيء أو تكلم أو أحس، لصدق عليه أنه ~~رأى وسمع وتكلم وأحس حقيقة، من دون شائبة المجاز مع أن الرؤية والسمع ~~والتكلم والإحساس قد تم من دون الاستعانة بالأدوات الحسية الخاصة التي # تستعمل في هذه الموارد حالة اليقظة. فالمقياس في صدق الرؤية والتكلم ~~والسمع والإحساس هو نفس الإدراك الخاص. # وحقيقة التكلم ms482 هو إظهار المكنون في الخاطر وإبراز ما في الضمير من دون أن ~~تكون لآلة خاصة دور في ذلك. ولو فرضنا أن إطلاق التكلم والسمع والبصر على ~~حصول العلم من دون الاستعانة بآلاتها، كان مجازا في اللغة ولدى العرف، ولكن ~~حقيقة معاني هذه الأمور نفس الحقائق لم تكن مقيدة بالأدوات الخاصة ويكون ~~السمع والبصر والتكلم و... صادقا عليها عقلا. ولا يكون البحث في باب ~~الأسماء والصفات بحثا لغويا، بل المقصود هو إثبات نفس الحقائق حتى إذا لم ~~تسعف اللغة والعرف بذلك. # إذا نقول إن حقيقة الكلام هي إظهار ما في الضمير، عبر الأدوات المادية ~~الحسية أو من دونها، وسواء كان الكلام من مقولة الصوت واللفظ والنفس ~~المتصاعد من الداخل والرئة أو لا. وعليه يكون الكلام من الأوصاف الكمالية ~~للوجود، لأن الظهور والإظهار من حقيقة الوجود ويعودان إلى حقيقة الوجود. ~~وكلما كان الوجود أكمل وأقوى كلما كان الظهور والإظهار أكثر، إلى أن يصل ~~الأمر إلى الأفق الأعلى والمقام الواجب الأسنى، الذي هو نور الأنوار ونور ~~على نور، وظهور على ظهور. وبواسطة الفيض المقدس وكلمة (كن الوجودية) يتم ~~إظهار ما في الغيب من مقام الواحدية. ومن خلال الفيض الأقدس والتجلي الذاتي ~~الأحدي، يتم إظهار الغيب المطلق، ومقام اللامقام من الأحدية، وفي هذا ~~التجلي الأحدي، يكون المتكلم: هو الذات المقدس الأحدي، والكلام: هو الفيض ~~الأقدس والتجلي الذاتي، والسامع: الأسماء والصفات. وبنفس هذا التجلي تتم ~~طاعة تعينات الأسماء والصفات وتتحقق علميا. وفي التجلي الواحدي بالفيض ~~المقدس يكون المتكلم، الذات المقدس الواحد المستجمع لجميع الأسماء والصفات، ~~والكلام، نفس التجلي، والسامع والمطيع هما تحقيق الأعيان العلمية، الملازمة ~~للأسماء والصفات واللذان تحققا بواسطة أمر «كن» تحققا خارجيا عينيا (فإذا ~~قال لكل عين أراد إيجادها: كن، فيطيع الأمر الإلهي فيكون ويتحقق). ولم ~~نستعرض الشواهد النقلية في هذا الموضوع ولم نتطرق إليها. والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث السابع والثلاثون: معرفة الله بالله والرسول بالرسالة # بالسند المتصل الى محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عمن ذكره، عن أحمد بن ms483 ~~عيسى، عن محمد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبدالله عليه السلام ~~قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إعرفوا الله بالله، والرسول ~~بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان» (1). PageV01P348 # الشرح: # هناك فرق واضح بين العرفان، والعلم، بين التعرف على شيء وبين العلم به. ~~يقال إن العلم في اللغة يختص بالكليات، والمعرفة خاصة بالجزئيات والتشخص، ~~ويقال إن العارف بالله هو الذي يتعرف على الحق سبحانه بالمشاهدة الحضورية، ~~وإن العالم بالله هو الذي ينتهي إلى الحق سبحانه من خلال البراهين ~~الفلسفية. # وذهب البعض إلى أن الفارق بين العلم والعرفان من وجهين: الأول من ناحية ~~متعلق كل منهما كما ذكرنا متعلق العلم كلي ومتعلق المعرفه جزئي . والثاني ~~أنه أخذ في المعرفة نسيان الشيء المعلوم سابقا. في حين أن العلم هو ما ~~يدركه الإنسان ابتداءا. وأما الشيء الذي كان معلوما فغفل عنه ونسيه ثم ~~أدركه ثانيا يقال له أنه قد عرفه، وإنما يقال للعارف عارفا، لأنه يتذكر ~~الأكوان السالفة، والنشئآت السابقة على كونه الملكي ونشأته الطبيعية. # وادعى بعض أهل السلوك العرفاء أن سبب التسميه هو تذكر عالم الذر، ويقول ~~بأنه لو أزيح حجاب الطبيعه الباعث على الغفلة والنسيان عن أعين السالك، ~~لتذكر العوالم السابقة. # وقال بعض العرفاء: إن حقيقة المعراج المعنوي والروحاني، هي تذكر الأيام ~~السالفة، فنحن أذا قفلنا راجعين الى الوراء للإطلال على أيام الطفولة ~~والمراهقة والشباب و... لوجدنا أن كل شخص يسترجع فترة من حياته ويتذكر بعض ~~الأيام، فهناك من يتذكر أيام عامه السابع من حياته وما بعدها وهناك من ~~يتذكر أيام السنة الخامسة من عمره، وبعض يذهب إلى أبعد من ذلك ويدعي تذكر ~~أيام حوله الثالث، ومن النادر من يسترجع إلى ذاكرته أبعد من أعوامه الثلاثة ~~الأولى. # لقد نقل عن الشيخ الرئيس ابن سينا، أنه كان يدعي تذكر أول لحظة ولادته، ~~وكان يقول يمكن للإنسان أن يتذكر أبعد من ذلك فيتذكر فترة تواجده جنينا في ~~رحم الأم أو فترة وجوده في صلب الأب، وهكذا يرجع إلى الوراء ويتذكر جميع ms484 ~~الأحوال التي مر بها في عالم الملك، حتى يصل متقهقرا إلى أكوان عالم ~~الملكوت الأعلى والجبروت، إلى عالم الجبروت الأعلى وهكذا يقفل ويتقهقر حتى ~~يتذكر نشأة العلم الربوبي ومثل هذا التذكر، هو حقيقة المعراج ومنتهى العروج ~~الروحاني) انتهى بيانه. # وهذا الموضوع حتى إذا كان صحيحا في نفسه، ولكن تفسير حقيقة المعراج ~~الروحاني بالرجوع القهقرائي لدى أهل العرفان وأرباب القلوب والأفئدة غير ~~سديد، لأن حقيقة المعراج الروحاني، هي حركة معنوية انعطافية، تتم بها دائرة ~~الوجود وينتهي إلى عالم الغيب جميع ما في سلسلة الشهود. ويحدث ذلك في ~~القاموس الصعودي، والحركة الإنعطافية. في حين تعتبر هذه الحركة التقهقرية ~~التي ذكرت لتفسير المعراج الروحاني، على خلاف سنة الله الجارية في ~~الكائنات، وخاصة في الأنبياء، وعلى الأخص في النبي الخاتم صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعليهم أجمعين. وإنما يشبه هذا السلوك، حال المجذوبية المتوفرة ~~في صنف من الملائكة المهيمة المتحيرة في ذات ذي الجلال، الذين غفلوا نهائيا ~~عن الكثرات، ولم ينتبهوا إلى أن هناك مخلوقا باسم الإنسان والعالم. # يقول الشيخ العارف الكامل شاه آبادي روحي فداه (إن الحالة الروحية ~~للنبي آدم عليه السلام كانت تجذبه نحو عالم الغيب والمقام المقدس، وتبعده ~~عن عالم ملكه وعالمه الطبيعي، ومثل هذه الحركة الجذبية كانت تبعث على سلب ~~الآدمية عم آدم عليه السلام، فسلط الحق المتعالي، الشيطان عليه لكي ينتبه ~~إلى شجرة الطبيعة وينعطف عن الجذبة الملكوتية، وينصرف إلى عالم الملك ~~والطبيعة). PageV01P349 # قوله عليه السلام: «والعدل والإحسان» الظاهر أنهما معطوفان على قوله «الأمر ~~بالمعروف» أي: إعرفوهم بالأمر بالمعروف وبالعدل والإحسان. ويحتمل أن يكون ~~معطوفا على قوله «المعروف» أي: إعرفوهم بالأمر بالمعروف وبالأمر بالعدل ~~والإحسان. # فصل: في بيان المقصود من قوله: إعرفوا الله بالله # إعلم إن كل واحد من العلماء رضوان الله تعالى عليهم قد تناول هذه الجملة ~~«إعرفوا الله بالله» وشرحها على ضوء مسلكه العلمي أو مذهبه الفلسفي. ونحن ~~لأجل التبرك بكلام الأجلاء نذكر بصورة مختصرة بعض تلك الآراء وهي: # الأول: قال ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى ms485 عليه ومعنى قوله عليه ~~السلام اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر ~~والأعيان فالأعيان الأبدان والجواهر الأرواح وهو جل وعز لا يشبه جسما ولا ~~روحا وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب وهو المتفرد بخلق ~~الأرواح والأجسام فإذا نفي عنه الشبهين: «شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف ~~الله بالله وإذا شبه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله» (1). # ومن الغريب أن صدر المتألهين قدس سره اعتبر هذا الكلام من تتمة الحديث ~~فأخذ بشرحه وتفسيره على أساس مذهبه في الفلسفة. # الثاني: قال الشيخ الصدوق رضوان الله عليه بعد إيراد الخبر، ما حاصله: ~~«عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز ~~وجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم ~~حججا وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها فبه عرفناه» (2). الثالث: ~~ماأشار إليه صدر المتألهين. حيث قال إن هناك سبيلان لمعرفة الحق المتعالي ~~(أحدهما: المشاهدة وصريح العرفان. ثانيهما: التنزيه والتقديس، وحيث أن ~~السبيل الأول لا يتيسر إلا للأنبياء والكملين اختار عليه الصلاة والسلام ~~بيان الطريق الثاني في الحديث) انتهى. # ويتوقف هذا التفسير على اعتبار كلام الشيخ الكليني جزءا من الحديث ~~الشريف، واعتبار حديث الإمام الصادق عليه السلام، كلام الإمام أمير ~~المؤمنين عليه السلام. PageV01P350 # الرابع: قال المحقق فيض الكاشاني عليه الرحمة: إن لكل شيء ماهية هو بها هو، ~~وهي وجهه الذي إلى ذاته كذلك لكل شيء حقيقة محيطة به، بها قوام ذاته وبها ~~ظهور آثاره وصفاته، وبها حوله عما يرد به ويضره وقوته على ما ينفعه ويسره ~~وهي وجهه الذي إلى الله سبحانه، وإليهما أشير بقوله عز وجل (إنه بكل شيء ~~محيط) (1). وبقوله سبحانه (وهو معكم أين ما كنتم) (2). وبقوله (ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد) (3). وبقوله سبحانه (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون) (4). وبقوله (كل شيء هالك إلا وجهه) (5). فإن تلك الحقيقة التي ~~تبقى بعد فناء الأشياء فقوله عليه السلام اعرفوا الله بالله معناه ms486 انظروا ~~في الأشياء إلى وجوهها التي إلى الله سبحانه بعد أن أثبتم أن لها ربا صانعا ~~فاطلبوا معرفته بأمارة فيها من حيث تدبيره لها وقيوميته عليها وتسخيره لها ~~أو إحاطته بها وقهره إياها حتى تعرفوا الله بهذه الصفات القائمة به ولا ~~تنظروا إلى وجوهها التي إلى نفسها أعني من حيث أنها أشياء لها ماهيات لا ~~يمكن أن توجد بذواتها، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها فإنكم إذا نظرتم إليها من ~~هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء، فلن تعرفوه إذن حق المعرفة، فإن ~~معرفة مجرد كون الشيء مفتقرا إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة. # على أن ذلك غير محتاج إليه لما عرفت أنها فطرية بخلاف النظر الأول فإنكم ~~تنظرون في الأشياء أولا إلى الله عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره، ثم إلى ~~الأشياء وافتقارها في أنفسها(6). # الخامس: الاحتمال الذي قد خطر على بال الكاتب وهو يبتني على مقدمة مذكورة ~~في علم الأسماء والصفات، وهي أن للذات المقدس الحق عز جلاله اعتبارات، وأن ~~لكل اعتبار إصطلاحا خاصا به. هي: # منها: اعتبار الذات من حيث هو، أي الذات المجهول بصورة مطلقة، من دون أن ~~يكون له اسم أو رسم ومن دون إمكان بلوغ آمال العرفاء، وذوي القلوب ~~والأولياء إليه. وقد يعبر عنه حينا لدى أرباب المعرفة بعنقاء المغرب. قال ~~الشاعر: # أيها الصياد انتبه بأن العنقاء لا * * * يسقط في الفخ فاسحب مصيدتك # وحينا آخر بالعماء أو العمى، روي أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«أين كان ربك قبل أن يخلق الخلق؟ قال: في عماء». وحينا ثالثا بغيب الغيوب ~~والغيب المطلق وغير ذلك، فإن كل هذه التعبيرات والمصطلحات، تكون قاصرة على ~~أداء المعنى. وأن العنقاء والعماء والتعبيرات الأخرى المذكورة لدي العرفاء ~~الموافقة لنوع من الأدلة والبراهين، غير مرتبطة بهذا المقام. # ومنها: اعتبار الذات حسب مقام التعين الغيبي، وعدم الظهور المطلق، المسمى ~~بمقام الأحدية. والتعبيرات المذكورة في الاعتبار السابق تتلاءم مع هذا ~~المقام. ويتحول في هذا المقام اعتبار الأسماء الذاتية، حسب ms487 اصطلاح العلماء، ~~إلى الأسماء مثل: الباطن المطلق، والأول المطلق، والعلي والعظيم، كما ~~يستفاد من حديث (الكافي) أن أول اسم اتخذه الحق لنفسه هو العلي والعظيم. PageV01P351 # ومنها: اعتبار الذات حسب مقام الواحدية، ومقام جمع الأسماء والصفات، الذي ~~عبر عنه بمقام الواحدية ومقام الأحدية لجمع الأسماء وجمع الجمع وغير ذلك. ~~ويقال لهذا المقام باعتبار مقام أحدية الجمع، مقام الاسم الأعظم والاسم ~~الجامع «الله» ومنها: إعتبار الذات حسب مرتبة التجلي بالفيض المقدس، ومقام ~~ظهور الأسماء والصفات في مرائي الأعيان، كما أن مقام الواحدية يكون بسبب ~~تجلي الفيض الأقدس. ويقال لهذا المقام الذي هو مقام ظهور الأسماء، مقام ~~الظهور الإطلاقي ومقام الألوهية ومقام الله أيضا حسب الاعتبارات المقررة في ~~الأسماء والصفات. وقد شرحناها في كتاب (مصباح الهداية). # ولا بد من معرفة أن هذه الاعتبارات المذكورة على ألسنة أهل المعرفة ~~وأصحاب القلوب، إخبار عن دور تجليات الحق سبحانه على قلوبهم الصافية، وتكون ~~تلك التجليات حسب مراتب ومقامات سلوك الأولياء، وحسب منازل سير السائرين ~~إلى الله ومراحله، مبتدئة من مقام ظهور الأسماء والصفات، الذي هو مقام ~~الإلوهية والمسمى ب «الله» والتي تكون آية (الله نور السماوات والأرض مثل ~~نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ~~نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم) (1). إشارة إلى ذلك، ومنتهية بمقام الغيب الأحدي، ومرتبة الأسماء ~~الذاتية والاسم المستأثر، الذي يكون نهاية السير والمقصد. ويمكن أن يكون ~~قوله تعالى (وأدنى) (2). إشارة إلى هذا المقام. # وبعد هذه المقدمة نقول: إن الإنسان عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في ~~طلبه للحق وسيره إلى الله، يكون سيره عقليا عمليا، ولا يكون من نوع سير أهل ~~المعرفة وأرباب العرفان، لأنه سقط في الحجاب الأكبر والأعظم، من دون فرق ~~بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها، والتي تعتبر الحجب الظلمانية، ويبحث ~~عن الحق المتعالي من خلالها، أو ينظر ms488 إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي ~~تكون حجبا نورانية وهي التي يشير إليها المرحوم الفيض الكاشاني في الاحتمال ~~الرابع المتقدم. # إن الشرط الأول في السير إلى الله، وهو الخروج من البيت المظلم للنفس ~~والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس، لا ~~يكون مسافرا مادام هو في مكانه وبيته رغم تخيله السفر وتحدثه عن كونه ~~مسافرا، بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال أنه مسافر، وكما أن ~~السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره، فكذلك لا يتحقق ~~هذا السفر العرفاني إلى الله، والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت ~~المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها، لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة ~~وأصوات الكثرات مسموعة، لا يكون الإنسان مسافرا، بل أنه تخيل السفر ودواعى ~~السير والسلوك قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) (3). PageV01P352 # فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة من بيت ~~النفس، ولم يصطحب معه في هذا الخروج العلقة الدنيوية، والتعينات، ويتحقق له ~~السفر إلى الله سبحانه، يتجلى له الحق المتعالي قبل كل شيء، على قلبه ~~المقدس بالألوهية ومقام ظهور الأسماء والصفات. ويكون هذا التجلي أيضا مرتبا ~~ومنظما، حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مرورا بالأسماء المحيطة حسب شدة ~~السير وضعفه وحسب قوة قلب السالك وضعفه على التفصيل الذي لا يستوعبه هذا ~~الكتاب المختصر، حتى ينتهي إلى رفض كل تعينات عالم الوجود سواء كانت تعينات ~~تعود إلى نفسه أو تعينات راجعة إلى غيره والتي تعتبر أي هذه التعيينات ~~الغيرية في المنازل والمراحل التالية من التعينات العائدة إلى نفسه أيضا ~~وبعدالرفض المطلق، يتم التجلي بالألوهية، ومقام الله الذي هو مقام أحدية ~~جمع ظهور الأسماء، وتظهر «إعرفوا الله بالله» في مرتبتها الأولى النازلة. # ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة، يفنى في هذا التجلي، فإذا ~~وسعته العناية الأزلية، لحصل للعارف الفاني في هذا التجلي، إستيناسا، ~~ولزالت عنه وحشة الطريق ونصب ms489 السفر، واستفاق، فلم يقتنع بهذا المقام، ~~ويسيتمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق، وفي سفر العشق هذا يكون الحق المتعالي ~~مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر، وتتم خطواته في أنوار التجلي، ~~فيسمع هاتفا يقول له «تقدم» ويستمر في التقدم إلى أن تتجلى في قلبه بصورة ~~مرتبة ومنظمة، الأسماء والصفات في مقتم الواحدية، حتى يبلغ مقام الأحدية ~~ومقام الإسم الأعظم الذي هو إسم الله، فيتحقق في هذا المقام «إعرفوا الله ~~بالله» في مرتبة عالية. ويوجد أيضا بعد هذا المقام، مقام آخر لا مجال لذكره فعلا. # ومع هذا الذي ذكرنا، أضفى مقام عرفان الرسول على االرسالة وأولى الأمر ~~بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان، ترتيبا عرفانيا بديعيا يحتاج إلي شرح ~~مقام الرسالة والولاية. وهو لا يتناسب مع مستوى هذا الكتاب. وقد تولى ~~التفصيل في ذلك كتاب (مصباح الهداية) الذي ذكرته سلفا. # دفع وهم: في بيان عدم حمل الأحاديث المأثورة على المعاني الدارجة # لا يظن بأن مقصودنا من شرح الحديث الشريف على ضوء مسلك أهل العرفان، هو ~~حصر معنى الحديث في ذلك، حتى يكون من قبيل الرجم بالغيب والتفسير بالرأي، ~~بل هو من أجل دفع توهم حصر معاني الأحاديث المنقولة في باب معارف أصول ~~الدين، في المعاني الرائجة العرفية. # وإن الملم بأحاديث الأئمة عليهم السلام يعرف بأن تفسيرالأخبار المأثورة ~~عنهم عليهم السلام في العقائد ومعارف أصول الدين على أساس الفهم العرفي ~~الشائع لا يكون سديدا وصحيحا، بل إنها تحتوي على أدق المعاني الفلسفية، ~~وقمة معارف أهل المعرفة. ومن يرجع إلى كتاب (أصول الكافي) وكتاب (التوحيد) ~~للشيخ الصدوق عليه الرحمة، يذعن لما قلناه. # ولا يتنافى هذا التفسير الدقيق العرفاني مع صياغة أئمة أهل المعرفة، ~~العلماء بالله لكلامهم الشريف في أسلوب جامع، تقطف كل طائفة حسب مسلكها ~~قدرا من الثمار، ولا يحق لأحد أن يقصر الحديث في المعنى الذي ارتآه. مثلا: ~~نستطيع أن نشرح الحديث الشريف المذكور شرحا عرفيا رائجا يتطابق مع ظهور ~~الألفاظ وفهم الناس بأن نقول أن معنى «إعرفوا الله بالله» هو إعرفوا الله ~~بآثار صنعه ms490 واتقان عمله اللذين يكونان من آثار الألوهية. كما أنه يجب معرفة ~~النبي بالرسالة وآثاره المتقنة لدعوته، ومعرفة أولي الأمر بكيفية أعمالهم ~~من قبيل الأمر بالمعروف والعدالة. حيث نتعرف من خلال الآثار على أصحابها. ~~وهذا لا يتنافي مع وجود PageV01P353 معنى أدق للحديث، يكون بمثابة البطن له. ووجود معنى آخر أيضا أدق من المعنى ~~الثاني يكون بمنزلة بطن البطن. # وعلى أي حال إن مقارنة كلام الأولياء عليهم السلام بكلام أمثالنا غير ~~صحيحة، كما أن قياس أشخاصهم عليهم السلام على أشخاص من أمثالنا مجحف وباطل. ~~ولا أستطيع أن أشرح هذا الموضوع الغامض بصورة مفصلة مع بيان فلسفته وسببه. # ومن غرائب الأمور: أن بعضا يطعن في هذه المعاني الرقيقة العرفانية ~~والفلسفية ويعترض عليها قائلا: إن أحاديث أئمة الهدى عليهم السلام لتوجيه ~~الناس، فلابد وأن تتوافق مع الفهم العرفي، ويجب أن لا تصدر عنهم المفاهيم ~~الفلسفية أو العرفانية التي لا ينالها الفهم العرفي لعامة الناس. # إن هذا افتراء مستنكر وتهمة بذيئة نجمت عن قلة التدبر في أخبار أهل البيت ~~عليهم السلام ومعارف الأنبياء وعدم التجوال فيها. # فواعجبا لو أن الأنبياء والأولياء عليهم السلام لم يقصدوا تعليم الناس، ~~دقائق توحيد، ومعارف الأنبياء فمن كان بإمكانه أن ينهض بمثل هذا التعليم؟ # هل أن التوحيد والمعارف الأخرى العقائدية، لا تستبطن الدقائق العلمية، ~~وإن الناس جميعا في استيعابهم للمعارف على مستوى واحد؟ # هل أن معارف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، مع معارفنا في درجة ~~واحدة؟ وأن معارفه صلوات الله وسلامه عليه، هي المعارف الشائعة الموجودة ~~لدى الناس أو إنها تختلف عن معارفنا؟ # وهل أن تعليم تلك المعارف والعلوم المختزنة لدى أهل البيت عليهم السلام ~~غير ضروري بل غير محبذ؟ أو أنه لا يكون واحدا مما تقدم وأن الأئمة عليهم ~~السلام لم يهتموا لهذه المعارف؟ # وهل من المعقول أن من لا يتوانى في بيان الآداب المستحبة للنوم والأكل ~~وبيت الخلاء و... قد غفل عن بيان المعارف الإلهية التي هي منتهى أمل ~~الأولياء؟. # والأغرب من ذلك أن بعض هؤلاء المعترضين الرافضين ms491 لهذه المعاني الدقيقة قد ~~تناولوا الأخبار الفقهية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ودققوا فيها ~~بدرجة يعجز عن فهمها العقل فضلا عن العرف وينسبون المعنى العميق الذي ~~استخلصوه إلى الارتكاز العرفي رغم أنه من المسلم به أن فهم الأخبار الفقهية ~~موكول إلى العرف. ومن ينكر ما ذكرته، فعليه مراجعة المباحث التي وردت في ~~قاعدة (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) وأمثالها من القواعد الفقهية الكلية ~~وخاصة المرتبطة منها بالمعاملات، حتى يفهم مستوى التعمق والتدقيق في كلمات ~~الأئمة عليهم السلام في الأحكام وفروع الدين. # وعلى أي حال إن البحث قد خرج من أيدينا، والقلم قد تمرد علينا، والكاتب ~~يشهد الله عز وجل على أنه لا يقصد من هذا الكلام إلا تعريف أخوانه في الله ~~بالمعارف الإلهية. وأستغر الله من الزلل والفشل والكسل، والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الثامن والثلاثون: ان الله خلق آدم على صورته # بالسند المتصل إلى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ~~رضوان الله عليه عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن ~~عبدالله بن بحر، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ~~عليه السلام عما يروون أن الله خلق آدم عليه السلام على صورته، فقال: هي ~~صورة محدثة مخلوقة [و] اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة ~~فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: «بيتي» ~~و(نفخت فيه من روحي) (1). PageV01P354 # الشرح: # إن صدر هذا الحديث من الأحاديث المشهورة في أيام الأئمة عليهم السلام إلى ~~يومنا هذا. وأن الفريقين السنة والشيعة يستشهدون في كتبهما. وقد أيد الإمام ~~الباقر سلام الله عليه صدور هذا الحديث وصدقه وتولى بيان المقصد منه: # وهناك حديث آخر رواه الصدوق في كتاب (عيون أخبار الرضا) عليه السلام ~~بسنده إلى ثامن الحجج عليهم السلام (عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه ~~السلام: يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال ms492 إن الله خلق آدم على صورته فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول ~~الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر برجلين يتسابان فسمع ~~أحدهما يقول لصاحبه قبح الله وجهك ووجه من يشبهك فقال عليه السلام: يا عبد ~~الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته) (1). # ولأجل هذا قال المرحوم المجلسي (أو لم يتعرض لنفيه تقية) (مرآة العقول ج ~~2، ص 84) واحتمل أيضا رحمه الله أن الإمام عليه السلام (أجاب هكذا على ~~تقدير تسليم الخبر) (2)ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا. # ويحتمل أن يكون الحديث المروي عن الأمام الرضا عليه السلام)، قد أرجع إلى ~~الحديث الأول ويكون المقصود من «آدم» في نهاية الخبر «إن الله خلق آدم على ~~صورته» هو نوع الإنسان، ويعود الضمير في قوله «على صورته» إلى الحق ~~المتعالي، ولما علم الإمام الرضا عليه السلام بأن الراوي ليس في مستوى ~~الاستيعاب والفهم لمدلول الحديث الشريف اقتصر صلوات الله عليه على ذكر صدر ~~الحديث، حتى يتخيل الراوي بأن المقصود من آدم، هو أبو البشر، وأن ضمير على ~~صورته يرجع إليه. تأمل. # ولعل الحديثين قد صدرا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث ~~الإمام الرضا عليه السلام. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حدث ~~تارة من دون ذكر أول الحديث وهو ما رواه الأمام الباقر عليه السلام بصورة ~~مختصرة. وحدث صلى الله عليه وآله وسلم مرة أخرى مع تلك البداية وذلك ~~المدخل. وحيث أن الإمام الرضا عليه السلام قد عرف بأن الراوي لا يستوعب ~~معنى الحديث، أشار عليه السلام إلى الحديث الشريف المبدو بذلك المدخل. ~~والشاهد عليه أن بعض الروايات تشتمل على جملة (صورة الرحمن) بدلا عن ~~(صورتة) وهذا لا ينسجم مع الحديث المروي في كتاب (عيون الرضا) الظاهر في أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أتى على ذكر على صورته مع الضمير مرتين. # وإذا فرضنا بأن الحديث الشريف المذكور لم يصدر عن رسول الله صلى ms493 الله ~~عليه وآله وسلم، ولكن معناه موجود في الأحاديث الشريفة الأخرى كما نشرح ذلك ~~إن شاء الله. # فلنرجع إلى شرح ألفاظ الحديث الشريف: # قوله عليه السلام: «آدم» يقول الجوهري في (صحاحه) : (أصله) أأدم على وزن ~~أفعل، بدلت الهمزة الثانية إلى الألف وتحول الألف إلى الواو لدى تحريكها. ~~وجمعها أوادم). ويحتمل أن يكون وجه تسمية أبي البشر ب (آدم) هو أنه عليه ~~السلام كان أسمر اللون ففي اللغة الآدم من الناس: الأسمر. وفي بعض الروايات ~~أن سبب التسمية بآدم هو أنه من أديم الأرض أي من على وجه الأرض. PageV01P355 # قوله عليه السلام: «على صورته». إن الصورة في اللغة، بمعنى المثل والهيئة. ~~ونستطيع أن نقول بأن للصورة معنى عاما مشتركا بين الأمور، وذلك المعنى ~~المشترك هو شيئية الشيء وفعليته، غاية الأمر أن لكل شيء فعلية خاصة به. ومن ~~هذا المنطلق يقال للشيء بذي الصورة وللفعلية بالصورة. وما قيل في الفلسفة ~~في معنى الصورة الذي تعمه وتشمله فعلية الشيء وشيئيته، لا يتنافى مع المعنى ~~اللغوي، ولا يكون من قبيل تقارن وضعين للفظ واحد على معنى واحد في نوعين من ~~العلم كي يكون اللفظ مصطلحا في كل واحد من المعنيين. # قال الشيخ أبو علي ابن سينا رئيس فلاسفة الإسلام في إلهيات كتابه (الشفا) ~~: «ويقال صورة لكل هيئة وفعل يكون في قابل وحداني أو بالتركيب، حتى تكون ~~الحركات والأعراض صورا. ويقال صورة لما تتقدم به المادة بالفعل فلا تكون ~~حينئذ الجواهر العقلية والأعراض صورا. ويقال صورة لما تكمل به المادة وان ~~لم تكن متقدمة بها بالفعل، مثل الصورة وما يتحرك بها إليها بالطبع. ويقال ~~صورة خاصة لما يحدث في المواد بالصناعة من الأشكال وغيرها. ويقال صورة لنوع ~~الشيء ولجنسه ولفصله ولجميع ذلك، وتكون كلية الكلي صورة للأجزاء أيضا» (1). # ويستفاد بعد التأمل في كل موارد استعمال الصورة، أن المعنى في جميع تلك ~~الموارد، هو الفعلية التي ذكرناها فيكون استعمال الصورة في هذه الموارد على ~~أساس الاشتراك المعنوي. ويقال للحق المتعالي صورة الصور. # قوله عليه السلام: «اصطفاها» ms494 تكون «الصفوة» بمعنى الخالص من الشوائب، ~~والصافي من الكدر و«الاصطفاء» هو أخذ الخالص والصافي هو يلازم الخالص، ولكن ~~رأي الجوهري وغيره أن «الاصطفاء» بمعنى الاختيار، كما فسروا في اللغة ~~«الاختيار» ب «الاصطفاء» هذا أيضا من التفسير باللازم، لأن الاختيار أيضا ~~بمعنى أخذ ما هو خير وحسن، فيكون لازما لواقع الاصطفاء في الخارج، وليس ~~بمدلول مطابقي للإختيار. # قوله عليه السلام: «الكعبة». إن الكعبة اسم لبيت الله. وانما سمي البيت ~~بالكعبة لما قاله بعض بأنه يضاهي الجسم المكعب أو لكونه مربعا. والمكعب لدى ~~الرياضيين هو الجسم المحفوف بسطوح ستة تكون الزوايا فيها قائمة. # قوله عليه السلام: «والروح». إن الروح لدى الأطباء عبارة عن البخار ~~اللطيف الناجم عن حرارة دم الحيوان في القلب. ويقال إن للقلب تجويفين: ~~الأول في الجانب الأيمن حيث يتدفق الدم من الكبد باتجاه هذا التجويف ومن ~~جراء حرارة القلب يتبخر الدم، ويتسرب البخار إلى التجويف الثاني الكائن في ~~الجانب الأيسر من القلب، فيتلطف من وراء حركات القلب، فيتكون الروح ~~الحيواني منه، وتسري في الشرايين نتيجة ضخ القلب بالبسط والقبض، حسب البيان ~~المذكور في محله. فإذن مصدر الروح الحيواني هو القلب، ومجراها الشرايين. # وقد تطلق الروح على الدم المتجمع في الكبد. والذي يمشي في الأوردة، ويسمى ~~بالروح الطبيعية. كما أنه قد تستعمل الروح في مصطلح الحكماء، في الروح ~~النفسية التي تنبعث من الدماغ، وتجري في الأعصاب، وتكون مظهرا ومرتبة نازلة ~~من الروح المجرد، التي هي السر السبحاني، وروح الله المشار إليها بقوله ~~تعالى: (ونفخت فيه من روحي). وبعد هذا نستعرض ونبين بأن هذه الروح تنفخ ~~بالنفخة الإلهية، وتصطفى لدى الحق جل وعلا وتصير مختارة لديه سبحانه. PageV01P356 ### || AUTO فصل: في بيان أن الإنسان مظهر تام لله وأنه الاسم الأعظم للحق ~~جل وعلا # اعلم: يقول أرباب المعرفة وأصحاب القلوب، بأن لكل أسم من الأسماء الإلهية ~~لدى الحضرة الواحدية، صورة، تابعة للتجلي بالفيض الأقدس لدى الحضرة ~~العلمية، وذلك بواسطة الحب الذاتي وطلب مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا ~~هو، ويعبر لدى أهل الله ms495 عن تلك الصورة ب «العين الثابتة» وتحصل أولا، من ~~جراء هذا التجلي بالفيض الأقدس، التعينات الاسمائية، والاسم الأول الذي ~~يبرز ويظهر مع مرآته، بتجلي الأحدية، والفيض الأقدس، لدى حضرة العلمية ~~الواحدية، هو الاسم الأعظم الجامع الإلهي، والمقام المسمى ب «الله» الذي ~~يكون من الناحية الغيبية عين التجلي بالفيض الأقدس. وفي التجلي الظهوري يكون # كمال الجلاء والاستجلاء عين مقام جمع الواحدية باعتبار، وعين الكثرة ~~الأسمية باعتبار آخر. وإن تعين الاسم الجامع وصورته، عبارة عن العين ~~الثابتة للإنسان الكامل، وعين الحقيقة المحمدية للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. كما أن مظهر التجلي الحقيقي للفيض الأقدس هو الفيض المقدس، وأن مظهر ~~التجلي لمقام الواحدية، هو مقام الالوهية، وأن مظهر التجلي لحقيقة الإنسان ~~الكامل الثابتة، هي الروح الأعظم، وأن كافة الموجودات الاسمية والعلمية ~~والعينية الخارجية تكون مظاهر كلية وجزئية لهذه الحقائق والرقائق على ~~أساس ترتيب بديع لا يسعه هذا الكتاب المختصر وإنما ذكرناه في كتاب (مصباح ~~الهداية). # ويستفاد مما ذكرناه بان الإنسان الكامل مظهر الاسم الجامع، ومرآة تجلي ~~الاسم الأعظم، كما أشير إلى هذا المعنى في الكتاب والسنة كثيرا. قال الله ~~تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) (1). وقد تم هذا التعليم الإلهي على يدي ~~الجمال والجلال تجاه باطن آدم بواسطة التخمير الغيبي الجمعي لدى الحضرة ~~الواحدية، كما أنه تم التعليم الإلهي تجاه صورة آدم وظاهره، في عالم ~~الشهادة بمظهره الطبيعي المادي، بواسطة ظهور يدي الجلال والجمال. قال ~~تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (2). PageV01P357 # وتكون الأمانة لدى العرفاء الولاية المطلقة التي لا يليق بها غير الإنسان، ~~وهذه الولاية المطلقة، هي مقام الفيض المقدس. وقد أشير إليه في القرآن ~~الكريم بقوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) (1). وفي كتاب (الكافي) بسنده ~~إلى (أسود بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فأنشأ يقول ابتداءا ~~منه من غير أن أسأله نحن حجة الله، ونحن باب الله، ونحن لسان الله ونحن وجه ~~الله ونحن عين ms496 الله في خلقه ونحن ولاة أمر الله في عباده) (2)وفي دعاء ~~الندبة «أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء؟ أين السبب المتصل بين أهل ~~الأرض والسماء» (3). وفي زيارة الجامعة الكبيرة «والمثل الأعلى» (4). وهذا ~~المثل الأعلى وذلك الوجه الإلهي، هو الوارد في الحديث الشريف «إن الله خلق ~~آدم على صورته» ومعناه أن الإنسان هو المثل الأعلى للحق سبحانه، وآيته ~~الكبرى، ومظهره الأتم، وأنه مرآة لتجلي الأسماء والصفات وأنه وجه الله وعين ~~الله ويد الله وجنب الله، «هو يسمع ويبصر ويبطش بالله، والله يبصر ويسمع ~~ويبطش به». ووجه الله هذا هو النور المذكور في قوله تعالى (الله نور ~~السماوات والأرض) (5). وقال الأمام الباقرعليه السلام كما في كتاب (الكافي) ~~بسنده إلى أبي خالد الكابلي (قال سألت أبا جعفرعليه السلام عن قول الله عز ~~وجل (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) فقال يا أبا خالد النور ~~والله نور الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وهم والله ~~نور الله الذي أنزل، وهم والله نور الله في السموات والأرض) (6)وفي كتاب ~~الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الباقر روحي لتراب مقدمه الفداء في تفسيره ~~عليه السلام للآية الشريفة (عم يتسائلون * عن النبأ العظيم) قائلا: «هي في ~~أمير المؤمنين، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: ما لله تعالى آية ~~هي أكبر مني، ولا لله من نبأ أعظم مني» (7). # وملخص الحديث أن الإنسان الكامل الذي يكون آدم أبو البشر فردا منه، أكبر ~~آية ومظهر لأسماء وصفات الحق سبحانه، وأنه مثل الحق المتعالي وآيته. ولابد ~~من تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن المثل بمعنى الشبه ولا يلزم تنزيه ذاته ~~المقدس عن المثل الذي هو بمعنى الآية والعلامة (وله المثل الأعلى) (8). # إن كافة ذرات الكون، آيات ومرآة تجلي ذاك الجمال الجميل عز وجل كل حسب ~~حجمه ومنزلته الوجودية. ولكن لا يكون شيء آية للاسم الأعظم الجامع أي ~~«الله» عدا الكون الجامع، والبرزخية الكبرى المقدسة جلت عظمته بعظمة باريه. PageV01P358 # فالله تعالى خلق الإنسان الكامل والآدم الأول على ms497 صورته الجامعة وجعله مرآة ~~أسمائه وصفاته. قال الشيخ الكبير: فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من ~~الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ~~وبه قامت الحجة لله على الملائكة. # وتبين من بحثنا هذا السالف الذكر، السبب في اصطفاء واختيار الحق المتعالي ~~للصورة الجامعة الإنسانية من كل الصور المختلفة للكائنات بأسرها. كما تبين ~~السر في تفصيل الحق سبحانه لآدم عليه السلام على الملائكة، وتكريمه دون ~~كافة المخلوقات وفلسفة نسبة روحه إليه في الآية الكريمة (ونفخت فيه من ~~روحي) (1). وحيث أن هذا الكتاب قد التزم على نفسه الاختصار، غضضنا الطرف عن ~~بيان حقيقة النفخة الإلهية، وكيفيتها في آدم، وسبب اختصاصها به دون ~~الموجودات الأخرى. والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث التاسع والثلاثون: الخير والشر # بالسند المتصل إلى ركن الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رضوان الله عليه ~~عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب وعلي بن الحكم، ~~عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «إن مما أوحى ~~الله إلى موسى عليه السلام وأنزل عليه في التوراة: أني أنا الله لا إله إلا ~~أنا، خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب، فطوبى لمن أجريته على ~~يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يدي من ~~أريده، فويل لمن أجريته على يديه» (2). # الشرح: # قوله: إله: يكون «أله» بفتح الهمزة واللام إلهة على وزن عبد عبادة. ~~ويكون إله بكسر الهمزة على وزن فعال بمعنى المفعول أي المعبود مثل الإمام ~~بمعنى من يؤتم به. وأن «إله» أساس اشتقاق «الله» حيث أدخلت الألف واللام ~~وحذفت الهمزة تخفيفا. وقال البعض أن الألف واللام أدخلتا عوضا عن الهمزة ~~التي حذفت. ولكل من القولين دليل لغوي لا حاجة لذكره. فتطلق «الإلهية ~~والألوهية» غالبا في لسان أهل الله العرفاء على مقام التجلي بالفعل، وعلى ~~مقام الفيض القدس. وتطلق عندهم «الله» : اسم الجلالة، غالبا على مقام الذات ~~المستجمع للصفات. وقد يستعملون ms498 على العكس من ذلك فتطلق الألوهية والإلهية ~~على مقام الذات والله على مقام التجلي بالفعل ومقام الفيض المقدس . # ويحتمل أن يكون «الإله» في هذا الحديث الشريف بمعناه اللغوي العرفي أي ~~(أنا المعبود ولا معبود غيري) وعليه يكون قصر العبودية في الله سبحانه إما ~~على أساس أن غيره لا يستحق العبادة حتى وان أخطأ الناس ورأوا غيره معبودا. ~~وأما على مذهب أهل القلوب وأرباب المعرفة من أن العبادة في أي صورة ومظهر ~~كانت، تكون للكامل المطلق، وأن الإنسان حسب (فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها) يطلب الجميل المطلق، وأن كان الإنسان العابد محجوبا عن هذه الفطرة، ~~وزاعما أنه قد ارتبط بالمتعين والمحدود من غير الإله سبحانه . PageV01P359 # ولعل المقصود من الإله حسب ما ورد في ذيل الحديث الشريف من نسبة الخير ~~والشر إليه سبحانه، هو مقام الألوهية الذي يكون إشارة إلى مقام توحيد ~~الأفعال، والذي عبر عنه الحكماء العظام بقولهم (لا مؤثر في الوجود إلا ~~الله) كما سنشير إليه بعد قليل ان شاء الله تعالى. # قوله: «الخير» قال محقق المحدثين المجلسي رحمه الله في ذيل هذا الحديث ~~الشريف: (والخير والشر يطلقان على الطاعة والمعصية وعلى أسبابهما ودواعيهما ~~وعلى المخلوقات النافعة كالحبوب والثمار والحيوانات المأكولة والضارة ~~كالسموم والحيات والعقارب وعلى النعم والبلايا. وذهب الأشاعرة إلى ان جميع ~~ذلك من فعله تعالى. والمعتزلة والإمامية خالفوهم في أفعال العباد وأولوا ما ~~ورد في أنه تعالى خلق الخير والشر بالمعنيين الأخيرين ثم قال وأما ~~الحكماء فأكثرهم يقولون لا مؤثر في الوجود إلا الله، وإرادة العبد معدة ~~لإيجاده تعالى الفعل على يده فهي موافقة لمذاهبهم ومذاهب الأشاعرة ويمكن ~~حمله على التقية) (1)انتهى كلامه رفع مقامه. # في تحقيق الخير والشر # إن الخير والشر في موارد استعماليهما يكونان بمعنى الكمال والنقص في ~~الذات أو الصفات وفي الوجود وكمالاته، وأن جميع ما هو خير بحسب ذاته، فهو ~~عائد إلى حقيقة الوجود وإذا أطلق على غيره، فهو من أجل الوجود. كما أن الشر ~~بالذات، هو عدم الوجود أو عدم كمال الوجود، ms499 وإطلاقه على غير ذلك مثل ~~الموجودات المؤذية والحيوانات الضارة، فإنما هو إطلاق بالعرض والمجاز لا ~~بالذات والحقيقة. ولو تصورنا هذا الموضوع مع مبادئه ومنطلقاته، للزم أن ~~يكون تصديقه ضروريا، رغم وجود البرهان السديد أيضا على ذلك. # وما قاله المحقق المجلسي رضوان الله تعالى عليه في موضوع «خلق أفعال ~~العباد» من أن الأمامية والمعتزلة قد خالفوا الأشاعرة، وأنهم قاموا بتأويل ~~الآيات والأحاديث التي تنسب الخير والشر إلى الحق سبحانه. ففيه بعض ~~الملاحظات: إذ أن مخالفة الإماميه والمعتزلة، للأشاعرة القائلين بالجبر، ~~الذاهبين إلى مسلك مخالف للعقل والبرهان والوجدان، هذه المخالفة تكون صحيحة ~~ولكن لا وجه لتأويل الآيات والأخبار، على مذهب المعتزلة القائلين بالتفويض ~~الذي يكون أسوأ وأشنع من مذهب الأشاعرة. # وكذلك لا يحتاج الشيعة رضوان الله تعالى عليهم، الذين استناروا بنور ~~هداية أهل البيت العظام، واختاروا بسبب بركة أهل بيت الوحي والعصمة مسلك ~~الحق الموافق للآيات الكريمة، والبراهين المتقنة والمطابقة مع مذهب العرفاء ~~الشامخين ومسلك أصحاب القلوب، هؤلاء لا يحتاجون إلى تأويل هذه الأخبار ~~والآيات الكثيرة، وخاصة التأويل الذي عرضه المحدث المذكور رحمه الله والذي ~~يعتبر مرفوضا وغير ممكن. بل إن الإمامية وأئمتهم عليهم السلام، لا يعزلون ~~إرادة الحق سبحانه عن أي فعل من أفعال العباد، ولا يرون تفويض أي أمر من ~~الأشياء إلى العباد. # وأما ما ذكره في نهاية كلامه: (أكثر الحكماء يقولون بأنه لا مؤثر في ~~الوجود إلا الله، وهذا يتطابق مع مذهبهم ومذهب الأشاعرة). # فإن هذه الكلمة «لا مؤثر في الوجود إلا الله» صحيحة لدى أكثر الحكماء، بل ~~لدى جميع الحكماء وأهل المعرفة بل يقولون إن من لم يذعن لهذه القضية من ~~الفلاسفة، لم ينفذ نور الحكمة في قلبه، ولم يشعر عمق قلبه بالمعرفة ولكن ~~ليس معناها أن إرادة العبد من الأمور المعدة لإيجاد الحق سبحانه، الفعل في ~~العبد، كما هو واضح لدى أهل العلم والفلسفة. PageV01P360 # وقوله (ويوافق مع مذهب الأشاعرة) غير صحيح فإن من الغرابة بمكان عطف مذهب ~~الأشاعرة على مذهب الحكماء، لوجود البعد الشاسع بين مذهب الحكماء ms500 ومذهب ~~الأشاعرة، ولا تجد حكيما محققا لم يطعن في مذهب الأشاعرة ولم يخالفه. # وأما ما ذكره (يمكن حمل هذه الأخبار على التقية) فتتوجه نحوه الملاحظات ~~التالية: # أولا: لا مجال لمثل هذا التوجيه، لأن ظواهر الأخبار تتوافق مع مذهب الحق ~~والبرهان القويم. # ثانيا: إن هذه الأخبار تتطابق مع آيات كثيرة من القرآن الكريم، ولا معنى ~~لتوجيه الآيات والأخبار الموافقة لها على التقية. # ثالثا: لا توجد أخبار تتعارض مع هذه الأخبار، حتى نحملها على التقية التي ~~تكون من المرجحات في باب التعارض، إذ يمكن الجمع بينها وبين ما يدل على أن ~~الإنسان فاعل للخير والشر. # رابعا: إن هذه الأخبار تنسجم حسب زعمه مع مذهب الأشاعرة الذي لم يعتنقه ~~الغالب من الناس فلا مسوغ لحمل الأخبار على التقية. # خامسا: أن المرجحات لدى تعارض الخبرين لا تجري على الموضوع الذي نحن فيه ~~من المسائل العقائدية كما هو واضح. # قوله: طوبى. قال الجوهري (إن طوبى على وزن فعلى وأنه مشتق من الطيب، ~~فبمناسبة الضمة السابقة على الطاء انقلبت الياء إلى الواو). وفي مجمع ~~البحرين: (طوبى لهم أي طيب العيش، وقيل طوبى الخير وأقصى الأمنية. وقيل ~~طوبى اسم للجنة بلغة أهل الهند. وقيل طوبى شجرة في الجنة. ويقال طوبى لك ~~وطوباك على نحو الاضافة إلى ضمير المخاطب. وفي الخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: (طوبى شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها في دار علي فقيل ~~له في ذلك فقال لي داري ودار علي في الجنة بمكان واحد). # قوله: ويل. قال الجوهري (إن ويح كلمة رحمة كما أن ويل كلمة عذاب) وقال ~~اليزدي هما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل لزيد ترفعهما على الابتداء ~~وتنصبهما بإضمار فعل مثل ألزمه الله الويل. ويقال ويل واد في جهنم لو أرسلت ~~فيه الجبال لذابت من حره. وقيل انه اسم بئر في جهنم. # فصل: في بيان أن كلا من الخير والشر يتعلق به الإيجاد والخلق وبيان كيفية ذلك # وفيه إشارة إلى كيفية وقوع الشر في القضاء الإلهي إعلم ms501 انه قد ثبت بكل ~~وضوح في الفلسفة المتعالية، أن نظام الكون في أسمى مرتبة من الكمال والخير، ~~وأقصى درجة من الحسن والجمال. وبرهن على ذلك بنوع من البرهان اللمي على نحو ~~إجمالي تارة، وعلى نحو تبسيطي وتفصيلي أخرى. والوقوف على تفاصيل ذلك بصورة ~~دقيقة، مختص بالخالق تقدست أسماؤه أو بمن يوحي له الله سبحانه ويخبره عن ~~ذلك. ولكن ما يستدعيه الكتاب في هذا الموضوع هو ما أومأنا إليه سابقا: من ~~أن ما هو من سنخ الكمال والجمال والخير، لا يكون خارجا عن نطاق حقيقة ~~الوجود لأنه المتحقق، دون غيره. ومن الواضح أن ما يقابل حقيقة الوجود، هو ~~العدم أو الماهية، وكل منهما حسب ذاته وفي نفسه لا شيء، وبطلان محض، أو ~~اعتبار محض، ولا يكون لهما ثبوت إلا إذا تنورا بنور الوجود، وظهرا بظهوره، ~~ومن دون الوجود لا ثبوت في ذاتهما ولا في صفاتهما وآثارهما، وعندما يلقي ~~الوجود بظله على رؤوسهما، ويمسح بيد رحمته الواسعة على وجههما، يصبح لكل ~~منهما ظهورا وخصائص وآثارا. فإذن تكون كافة الكمالات نتيجة جمال الجميل ~~المطلق، وتجلي النور المقدس للكامل المطلق. وأما الكائنات الأخرى فهلاك في ~~نفسه، وفقر محض وبطلان مطلق. فجميع الكمالات تصدر من الوجود وتعود إلى ~~الوجود. PageV01P361 # وتقرر أيضا في محله أن الصادر من الذات المقدس هو أصل حاق الوجود، وصرفه من ~~دون أن يكون محدودا بحدود عدمية أو ماهوية، لأن العدم أو الماهية لا يكونان ~~صادرين من شيء، وأن التحديد المفروض على الفيض، يكون ناشئا من المفيض ~~المحدود. ومن تدبر في شرح أهل المعرفة حول كيفية الإفاضة والفيض، لأذعن ~~بأنه لا يمكن بتاتا تصور التقييد والتحديد في الفيض النازل من الباري عز ~~وجل. فكما أن ذاته القدسية منزهة من كل نقص وإمكان وتقييد، فكذلك يجب تنزيه ~~فيضه المقدس وتقديسه من كافة الحدود والإمكانيه، والأمور المنبثقة من ~~الماهيات والتحديدات الراجعة إلى الحدود والنقائص. إذن فيضه الذي هو ظل # للجميل المطلق، يكون جميلا مطلقا، وجمالا تاما، وكمالا تاما، فهو جميل في ~~ذاته وصفاته وأفعاله، ms502 فلا يتعلق الجعل والإيجاد إلا بالوجود. # وقد برهن أيضا في محله، أن جميع الشرور والإحترام الموت المبكر والهلاك ~~والأمراض والحوادث الغربية والمهلكة والحيوانات المؤذية وغير ذلك من ~~المصائب والآلام الموجودة في هذا العالم المادي الطبيعي، وفي هذه الهاوية ~~الضيقة المظلمة، ينشأ من التضاد والاصطدام الحاصل بين الموجودات، هذا ~~التضاد، الذي لم يكن نتيجة الجهة الوجودية للموجودات بل يحصل من جراء النقص ~~في هذه النشأة وضيق المحل والمقر للموجودات، ويعود ذلك إلى الحدود والنقائص ~~الخارجة عن إطار نور الجعل بل تكون في الحقيقة دون الجعل. # إن الوجود هو الحقيقة وهو كل شيء وهو البريء والمقدس من كل الشرور ~~والعيوب والنواقص وأن النقائص والشرور والأشياء الضارة والمؤذية التي تعود ~~إلى جهة النقص والضرر، وإن كانت غير مجعولة بالذات، ولكنها مجعولة بالعرض ~~حسب الأدلة والبراهين. لأنه لو لم يتحقق أصل العالم المادي ولم يتعلق الجعل ~~للجهة الوجودية من عالم الطبيعة لما كان هناك نقص وشر كما أنه لم يكن نفع ~~وخير وكمال، لأن هذه النقائص والأعدام لم تكن من الأعدام المطلقة، بل هي من ~~نوع الأعدام المضافة التي تتحقق بالعرض تبعا لملكاتها، والقضية التي تتألف ~~من الأعدام المضافة تعتبر من القضايا المعدولة أو القضايا الموجبة السالبة ~~المحمول وليست من السالبة المحصلة. # وملخص الكلام أن ما هو مخلوق ومجعول بالذات لله سبحانه هو الخير والكمال، ~~وإن تخلل الشرور والمضار وغيرها في القضاء الإلهي، يكون بالتبع والانجرار. ~~وقد أشارت الآية الكريمة التالية القرآن الكريم (ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (1). إلى المقام الأول الوجود مصدر الخير ~~والكمال وأنه (قل كل من عند الله) (2). إلى المقام الثاني مجعول بالذات ~~والشرور والنقائص مجعولة بالعرض ووردت في الآيات الشريفة وأحاديث أهل # بيت العصمة عليهم السلام إشارات كثيرة إلى هذين الاعتبارين، ومن تلك ~~الأخبار هذا الحديث الشريف الذي يحتوي على هذه الجملة (خلقت الخلق وخلقت الشر). # فصل: في بيان كيفية إجراء الحق سبحانه الخير والشر على أيادي عباده # يتبين لأصحاب العلم والتحقيق بعد ms503 التأمل في الأبحاث السابقة، كيفية إجراء ~~الحق سبحانه، الخير والشرعلى أيدي مخلوقه، من دون أن يستلزم الجبر وآثاره ~~الباطلة. والتحقيق في ذلك على مستوى يتضح الموضوع وتندفع الملاحظات، يستدعي ~~ذكر مقدمات كثيرة، وعرض المذاهب الفلسفية بصورة مسهبة، في حين أن هذا ~~الكتاب لا يسع ذلك، فاعتذر عن الخوض فيه بصورة مفصلة، ولكنني سأشير بصورة ~~مجملة تنسجم مع بحثنا هذا فنقول: PageV01P362 # اعلم أنه لا يمكن أن يكون موجودا من الكائنات مستقلا في عمل من الأعمال، ~~إلا بعد أن ينهض الموجد والفاعل، بسد كافة أبواب العدم التي قد تنفتح على ~~المعلول. مثلا إذا كان لوجود معلول وتحققه مائة شرط مثلا، وقامت العلة ~~بتوفير تسع وتسعين شرطا أي بإغلاق تسع وتسعين بابا من العدم المنفتحة على ~~المعلول المفروض إذ في عدم تحقق كل شرط عدم للمعلول ولم يبق الا باب ~~واحد، لما أمكن أن تكون العلة مستقلة في إيجاد المعلول، فالاستقلال في ~~العلية يتوقف على قيام العلة بسد أبواب العدم الممكن فتحها على المعلول سدا ~~نهائيا، حتى يصل المعلول إلى حد الوجوب لكي يصير موجودا الشيء ما لم يجب لم يوجد . # ومن المعلوم بالضرورة والبرهان، أن القوى الفعالة الظاهرية والباطنية من ~~جميع الممكنات في هذا العالم من أهل عالم الجبروت العظمى والملكوت العليا ~~حتى سكان عالم الملك والمادة، قاصرون وعاجزون عن القيام بمثل هذا العمل، ~~لأن العدم الأول الذي يمكن أن ينفتح على المعلول، هو عدم المعلول عند عدم ~~علته الفاعلة والمؤثرة، ولا تجد في سلسلة الممكنات، موجودا يستطيع أن يغلق ~~هذا الباب بنفسه، لأن ذلك يوجب انقلاب ما هو ممكن بالذات إلى ما هو واجب # بالذات، وخروج الممكن عن حدود بقعة الإمكان، وهو محال بالبداهة والضرورة، ~~لدى العقل. فاتضح بأن الاستقلال في الإيجاد يتطلب الاستقلال في الوجود، ~~وهذا الشيء لا يتحقق في عالم الممكنات. # ويتبين بأنه لا يمكن التفويض في الإيجاد، في أي شأن من الشؤون الوجودية، ~~ولأي موجود، من الكائنات، وأن عدم الإمكان هذا، لا يختص بالمكلفين ~~وأفعالهم، كما يفهم ذلك ms504 من الكلمات الجارية على ألسنة المتكلمين، ولكن ~~ملاحظة أقوالهم في الأبواب المختلفة، تفيد أن عدم الإمكان هذا يعم المكلف ~~وأفعاله وغيرهما. # وحيث أن أصحاب علم الكلام قد اهتموا بأفعال المكلفين وجعلوها محور بحثهم، ~~نجد بأن دراساتهم تدور حول أفعال المكلفين. # والخلاصة أننا لا نقترب من أقوال المتكلمين وأبحاثهم، وإنما نبحث عن قول ~~الحق في الموضوع، وقد ثبت واتضح عدم امكان التفويض في أي أمر من الأمور ~~ولأي موجود من الكائنات. # في إبطال الجبر PageV01P363 ويعلم بطلان مذهب الجبر أيضا، بعد أن نشير إليه وهو: (أنه لا دور لأي واسطة ~~وجودية في خلق الكائنات والموجودات، وإنما يتوهم الإنسان ذلك. مثلا: إن ~~النار لا تؤثر أبدا في الحرارة ولا توجدها، وإنما جرت سنة الله على تحقق ~~الحرارة إثر تحقق النار، من دون أن يكون للنار دور في ذلك. ولو كانت سنة ~~الله جارية على تحقق البرودة عقيب تحقق النار، لما اختلفت الأمور عما هو ~~عليه الآن. والخلاصة أن الحق سبحانه من دون أي واسطة، يباشر جميع أفعال ~~المكلفين، ويخلق آثار الكائنات). ويزعمون أنهم ارتأوا هذا المذهب كي ينزهوا ~~الحق المتعالي ويقدسوه، حتى لا تكون يد الله مغلولة (غلت أيديهم ولعنوا) ~~(1). ولكن يستلزم هذا الضرب من التنزيه والتقديس، النقص والتشبيه، كما ثبت ~~ذلك بالأدلة والبراهين، ولدى مذهب أهل العرفان. ويستلزم التفويض المذكور ~~التعطيل، كما أشير إليه في الفصل المتقدم حيث قلنا: بأن الحق سبحانه كمال ~~مطلق، ووجود صرف، ولا يتصور الحد والنقص في ذاته وصفاته، وأن متعلق إيجاده ~~عز وجل وجعله، الموجود المطلق، والفيض المقدس الإطلاقي، ولا يمكن صدور ~~الموجود المحدود الناقص من الذات المقدس، ونشوئه من النقص في الإيجاد، بل ~~هو نتيجة النقص في المعلول والمستفاض، وهذا لا يتنافى مع الفاعل بالإرادة ~~كما يزعم المتكلمون منافاته. وقد ثبت ذلك في محله، فما يمكن أن يكون مرتبطا ~~من الموجود والمعلول، بالذات المقدس الحق المتعالي مباشرة هو الموجود ~~المطلق وصريح الوجود وهو إما الفيض المقدس بناء على مسلك العرفاء، أو العقل ~~المجرد أو النور الشريف ms505 الأول بناءا على مذهب الحكماء والفلاسفة، وأما ~~الوجودات الأخرى فتوجد مع الوسائط لا بالمباشرة. # وبعبارة أخرى لاشك في أن الموجودات تختلف فيما بينها من جهة تقبل الوجود، ~~فبعض الموجودات، تقبل الوجود ابتداءا واستقلالا مثل الجواهر، وبعض ~~الموجودات لا تقبل الوجود الا بعد موجودية شيء آخر، وتبعا لموجود آخر، مثل ~~الأعراض والأشياء التي يكون وجودها ضعيفا، مثل تكلم زيد، حيث لا يتحقق ولا ~~يوجد إلا تبعا لزيد. ومثل الأعراض والأوصاف التي تأبى الوجود من دون وجود ~~الجواهر والموصوف، وترفض التحقق لوحدها. ويكون هذا الرفض نتيجة النقص ~~الذاتي، والنقص الوجودي لهذا الموجود، وليس من آثار نقص الفاعل وموجدية ~~الحق تعالى شأنه. فتبين أن الجبر ونفي الوسائط الوجودية غير ممكن في سلسلة ~~الكائنات الموجودة بل هناك وسائط في الإيجاد. # ومن البراهين القوية السديدة في موضوع بطلان الجبر هو أن الماهيات في ~~نفسها عديمة التأثير والتأثر، وغير مجعولة بالذات، في حين أن حقيقة الوجود ~~بذاته منشأ للتأثير وأن سلب التأثير عنه بصورة مطلقة يستلزم الانقلاب ~~الذاتي أي سلب ما هو من ذاته التأثير عن ذاته كي يتحول إلى عدم التأثير. ~~فإيجاد مراتب من الوجود غير مؤثرة ومسلوبة التأثير كليا، غير ممكن، وموجب ~~لنفي الشيء عن ذاته بل تكون مؤثرة وموجدة حسب الوسائط والمراتب. # فتبين بصورة مجملة أن مذهب التفويض والجبر نتيجة البراهين القاطعة، ~~والمقاييس العقلية يكونا باطلين وممتنعين، وأن مذهب الأمر بين الأمرين لدى ~~أهل المعرفة والفلسفة العلية هو الثابت والصحيح. PageV01P364 # غير أن العلماء رضوان الله عليهم قد اختلفوا في معنى الأمر بين الأمرين ~~اختلافا عظيما، والقول السديد المتقن، الذي يكون أبعد من المناقشات وأقرب ~~إلى التوحيد، هو رأي العرفاء الشامخين وأصحاب القلوب. ولكن مسلك العرفاء في ~~كل موضوع من المعارف الإلهية من قبيل (السهل الممتنع) حيث لا يمكن فهمه على ~~أساس البحث والبرهان، ولا استيعابه من دون التقوى الكاملة والسداد الإلهي، ~~ولهذا نتركه لأهله الذين هم أولياء الحق سبحانه، ونسلك منهج الأصحاب في ~~البحث وهو: # أننا نرفض كلا من التفويض الذي هو عبارة ms506 عن استقلال الموجودات في ~~التأثير، والجبر الذي هو عدم تأثير الموجودات نهائيا ونؤمن بالمنزلة بين ~~المنزلتين التي هي إثبات التأثير ونفي الاستقلال في التأثير، ونقول: # إن منزلة الإيجاد مثل الوجود وأوصافه، فكما أن الكائنات موجودة وليست ~~بمستقلة في الوجود، وأن الأوصاف ثابتة لها وغير مستقلة فيها، وأن الآثار ~~والأفعال ثابتة فيها وصادرة عنها ولكنها غير مستقلة في الوجود، فكذلك ~~الفاعل والموجد، يفعل ويوجد ولكنه غير مستقل في الفاعلية والإيجاد. # ولا بد من معرفة أنه قد اتضح بعد التدبر في البيان المذكور في الفصل ~~المتقدم بأن كلا من الخير والشر يصح أن ينتسب إلى كل من الحق والخلق، ولهذا ~~قال عليه السلام في الحديث الشريف «وخلقت الخير وأجريته على يدي من أحب ~~فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت ~~الشر وأجريته على يدي من أريد» ومع ذلك تكون نسبة الخير إلى الحق سبحانه، ~~بالذات، وإلى العباد والكائنات، بالعرض، في حين أن نسبة الشرور إلى ~~الموجودات الأخرى بالذات، وإلى الحق سبحانه بالعرض، وقد أشار إلى هذا ~~المعنى الحديث القدسي القائل «يا بني آدم أنا أولى منك بحسناتك وأنت أولى ~~بسيئاتك مني» وقد أشرنا إلى هذا المعنى قبل ذلك، ونغض الطرف عنه هنا فعلا. ~~والحمد لله أولا وآخرا. ### | AUTO الحديث الموفى للأربعين: تفسير سورة التوحيد والآيات الأولى من ~~سورة الحديد # بالسند المتصل إلى الشيخ الأقدم والركن الأعظم محمد بن يعقوب الكليني ~~رضوان الله عنه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ~~النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد قال: «سئل علي بن الحسين عليهما السلام عن ~~التوحيد، فقال: إن الله عز وجل علم أنه سيكون في آخر الزمان أقوام متعمقون ~~فأنزل الله تعالى:[قل هو الله أحد] والآيات من سورة الحديد إلى قوله [وهو ~~عليم بذات الصدور] فمن رام وراء ذلك فقد هلك» (1). # الشرح: # قال صدر المتألهين قدس سره «أن الراوي عاصم بن حميد لم يرو مباشرة عن ~~الإمام السجاد عليه ms507 السلام لأنه لم يعاصره فلا يكون الحديث مسندا بل ~~مرفوعا» انتهى كلامه. # إن تكرار لفظ «قال» في الحديث الشريف إما لأجل تقطيع وقع في الحديث ~~الشريف. وإما لحصول غلط من النساخ والكتاب وإما أن الفاعل للفعل كان مذكورا ~~في الكلام، ولكنه سقط لدى الكتابة وإما أن الفاعل قد حذف، لأن حذف ما يعلم ~~جايز، وإما أن فاعل الأول ضمير يعود إلى نضر بن سويد وهذا الاحتمال بعيد جدا. PageV01P365 # قوله: التوحيد. إن التوحيد على وزن تفعيل، وهو إما لأجل التشديد في الوحدة ~~ومعناه الاهتمام البالغ والأكيد بالوحدة والبساطة. أو من أجل الانتساب ~~المفعول من وقع عليه الفعل إلى الفعل مثل التكفير والتفسيق. وذهب بعض ~~الفضلاء إلى أن باب التفعيل لم يستعمل لانتساب المفعول إلى الفعل، وإن ~~استعمال التفسيق والتكفير بهذا المعنى يكون أيضا خطأ وإنما هو بمعنى الدعوة ~~إلى الفسق والكفر. وأما الإكفار فهو لانتساب المفعول إلى الفعل ولا بد من ~~استعمال الأكفار بدلا عن التكفير. ولم يستعمل صاحب كتاب «القاموس» مادة ~~الكفر في التكفير بمعنى الانتساب إلى الكفر. # يقول الكاتب: إنني لم أقف في كتاب «القاموس» على استعمال التكفير في ~~الانتساب إلى الكفر، بل لم يستعمل علامة اللغويين الجوهري أيضا، التكفير في # الانتساب إلى الفعل، وإنما جعل الأكفار، للانتساب كما يقول هذا الفاضل ~~الكريم. ولكن المشهود في الكتب الأدبية هو أن من معاني باب التفعيل ~~الانتساب إلى الفعل ومثلوا لذلك بالتفسيق. وعلى أي حال يكون التوحيد بمعنى ~~الانتساب إلى الوحدة. # قوله: «متعمقون» : العمق والعمق بفتح العين وضمها قعر البئر، ولهذا ~~الاعتبار يعتبر الرياضيون، العمق بعدا ثالثا للجسم ومعناه المسافة بين سطحي ~~الفوق والتحت، كما يقصدون من البعد الأول، الطول ومن البعد الثاني العرض. ~~وعلى أساس هذا الاعتبار، يصفون الإنسان الذي له رأي ثاقب، بالمتعمق، ~~وينعتون النظر الثاقب بالنظر العميق، ويقولون للرأي السطحي بأنه غير عميق، ~~فكأن للأبحاث العلمية أيضا عمق وقعر، حيث أن الشخص المتعمق الدقيق النظر، ~~يغور في العمق، ويستخرج الحقائق من الأعماق، بينما يبقى الإنسان العادي على ~~السطح ms508 من دون أن يتغلغل في العمق. # قوله: فمن رام: إن رام يروم يكون بمعنى الطلب، والمرام يستعمل بمعنى ~~المطلب. # قوله: وراء ذلك: يكون وراء بمعنى الخلف وقد تستعمل في الأمام، فتكون هذه ~~الكلمة من الأضداد. ولكنها استعملت في هذه المجالات بالمعنى الأول. # فصل: إشارة مختصرة إلى تفسير سورة التوحيد المباركة # إعلم أن تفسير هذه السورة المباركة سورة التوحيد والآيات الأولى من ~~سورة الحديد، أكبر من طاقة استيعاب أمثالنا، وأعظم من قدراتنا الفكرية ~~والعقلية. والتطرق إلى ذلك يكون خارجا عن وظيفتنا. وعليه فهل الإنصاف يسمح ~~لأمثالي الولوج في تفسير ما أنزله الحق المتعالي على أشخاص متعمقين وعلماء ~~محققين؟. ففي «تفسير البرهان» عن الإمام باقر العلوم عليه السلام بعد عرضه ~~صلوات الله عليه نبذة من أسرار حروف الصمد المباركة أنه قال: «لو وجدت ~~لعلمي الذي آتاني الله عز وجل لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين ~~والشرائع من الصمد»(1). # يقول الفيلسوف الكبير صدر المتألهين في خصوص الآيات الأولى من سورة ~~الحديد: # (إعلم أن كل آية من الآيات الست التي أشير إليها في هذا الحديث، تشتمل ~~على علم غزير في التوحيد والألوهية وتتضمن معارف كثيرة من العلوم الصمدية ~~والربوبية، فلو ساعد الزمان وأعان الدهر عارفا ربانيا، أو حكيما إلهيا الذي ~~استوحى علمه من مشكاة النبوة المحمدية على الصادع بها وآله أفضل السلام ~~والتحية، واستقى فلسفته من أحاديث أهل العصمة والطهارة، سلام الله عليهم، ~~لكان من حق ذلك العارف أو الحكيم ومن حق تلك الآيات، أن يضع لتفسير كل آية ~~مجلدا واسعا بل مجلدات كثيرة). PageV01P366 # وملخص القول: أن أمثال الكاتب ليس من فرسان هذا الميدان، ولكن العقل يحكم ~~بأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فلا بد من عرض نبذة يسيرة ومختصرة مما ~~تلقيته من العلماء العظام، وكتب أرباب المعرفة، ومصابيح أنوار الهداية، أهل ~~بيت العصمة عليهم السلام ومن الله الهداية: # ليعلم أن «بسم الله» من كل سورة، تتعلق على مذهب أهل العرفان بنفس السورة ~~المبدوءة بها، ولا تكون متعلقة ب «أستعين» أو أمثاله. لأن اسم «الله» يكون ms509 ~~تمام المشيئة حسب مقام الظهور، ويكون مقام الفيض الأقدس، حسب تجلي الأحد، ~~ومقام جمع أسماء الأحد، حسب مقام الواحد. ويكون جميع العالم، حسب اعتبار ~~أحدية الجمع الذي هو الكون الجامع. وهو مراتب الوجود في السلسلة الطولية: ~~الصعودية والنزولية، وأنه كل واحد من الهويات العينية في السلسلة العرضية. ~~وبناءا على ذلك يختلف معنى «الله» حسب اختلاف الاعتبارات في الاسم، لأن ~~«الله» يكون المسمى لتلك الأسماء فعند اختلاف الاعتبارات، يختلف المفهوم من ~~«الله» وعليه، يختلف معنى بسم الله في كل سورة لاختلاف متعلقه من سورة ~~لأخرى من السور القرآنية في اللفظ ومظهره في المعنى. بل يختلف معناه، على ~~ضوء اختلاف الأفعال والأعمال التي تصدر من الإنسان والتي تبتدئ ببسم الله، ~~لأنه يتعلق ويرتبط بذلك العمل الخاص والفعل المعين الذي أبتدأ ببسم الله. ~~والعارف بالمظاهر. وظهور الأسماء الإلهية، يرى ويشاهد بأن جميع الأفعال ~~والأعمال والأعيان والأعراض ظاهرة ومتحققة بالاسم الشريف الأعظم، وبمقام ~~المشيئة المطلقة. وعند إنجازه وإيجاده لفعل وعمل يتذكر بقلبه العارف، هذا ~~المعنى، ويسرى به متنازلا حتى مرتبة ملكه وطبيعته ثم يقول بسم الله أي بسبب ~~مقام المشيئة المطلقة، لصاحب مقام الرحمانية الذي هو بسط الوجود، ومقام ~~الرحيمية الذي هو بسط مقام كمال الوجود. أو بسبب مقام المشيئة المطلقة ~~لصاحب مقام الرحمانية الذي هو مقام التجلي بالظهور وبسط الوجود، ومقام ~~الرحيمية الذي هو مقام التجلي بالباطن وقبض الوجود، آكل وأشرب وأكتب، وأفعل ~~كذا وكذا... # فالسالك إلى الله والعارف بالله يرى من جهة، ظهور المشيئة المطلقة في ~~جميع الأفعال والموجودات وفناء تلك المشيئة فيها، ويرى من خلال هذا المنظار ~~هيمنة سلطان الوحدة، ويكون لديه معنى بسم الله في جميع السور القرآنية ~~والأعمال والأفعال بمعنى واحد. ومن جهة أخرى عندما يلتفت إلى عالم الفرق ~~الكثرة والاختلاف وفرق الفرق، يرى لكل واحد من «بسم الله» في أول كل سورة ~~وبدء كل عمل، معنى يغاير المعنى الآخر. # وفي هذا المقام الذي نحن بصدد تفسير سورة التوحيد المباركة، نستطيع أن ~~نجعل «بسم الله»، متعلقة ب «قل» هذه ms510 الكلمة الشريفة، وعليه يكون المقصود من ~~«بسم الله» عند كسوة التجريد، وغلبة التوحيد، مقام المشيئة المطلقة. وعند ~~كسوة التكثير يكون مقام المقصود الانتباه إلى كثرات التعينات. وفي مقام ~~الجمع بين المقامين الذي هو مقام البرزخية الكبرى، يكون المقصود المشيئة في ~~مقام الوحدة والكثرة، ومقام الظهور والبطون ومقام الرحمانية والرحيمية على ~~المعنى الثاني المتقدم قبل أسطر . وحيث أن الآية الشريفة[قل هو الله أحد] ~~تجمع بين الأحدية الغيبية، والألوهية الأسمائية، كان المقصود من «اسم ~~الله»، المقام الثالث وهو مقام البرزخية الكبرى. PageV01P367 # ثم يأتي الخطاب بعد مقام الغيب الأحدي، متوجها إلى القلب التقي النقي ~~الأحدي الأحمدي المحمدي، قائلا (قل)، ويكون هذا الخطاب حسب هذه النشأة ~~البرزخية الكبرى التي هي مظهر اسم الله، الذي هو مقام المشيئة المطلقة ~~وصاحب التعين وظهور الرحمانية في عين الرحيمية، وصاحب البسط في نفس الوقت ~~الذي هو صاحب القبض. # هو: وهذه الكلمة الشريفة، إشارة إلى مقام الهوية المطلقة من حيث هي هي من ~~دون أن تتعين بتعين الصفات أو تتجلى بتجلي الأسماء، حتى الأسماء الذاتية ~~التي تعتبر في مقام الأحدية، ولا يمكن أن تكون هذه الإشارة من غير صاحب ذلك ~~القلب التقي النقي الأحدي الأحمدي ومن غير صاحب هذا المقام العظيم، وإن لم ~~يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مأمورا بإظهار نسب الحق المتعالي، ~~لما تفوه بهذه الكلمة الشريفة في الأزل والأبد. ولكن جرى في قضاء الله ~~سبحانه أن ينطق النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، بهذه الإشارة هو . # ولما لم يستمر صلى الله عليه وآله وسلم في الجذبة المطلقة، وحاز على مقام ~~البرزخية قال صلوات الله عليه «الله أحد». # و«الله» هو الاسم، الجامع الأعظم، للرب المطلق، للخاتم. وإن ما ترى العين ~~البرزخية، من كثرة الأسماء في مقام ظهور الواحدية، هي نفس التجلي الغيبي ~~الخفي في مقام الأحدية، فلا غلبة، في قلب مثل هذا السالك لمقام الأحدية على ~~مقام الواحدية، ولا غلبة لمقام الواحدية على مقام الأحدية. # ولعل السبب في تقديم «الله» على «أحد» مع أن ms511 الأسماء الذاتية الله ~~متقدمة اعتبارا على الأسماء الصفاتية أحد إنما هو لأجل الإشارة إلى مقام ~~التجلي في قلب السالك، حيث أن التجليات الذاتية على قلوب الأولياء تبتدئ ~~أولا بتجلي الأسماء الصفاتية الموجودة لدى حضرة الواحد الأسماء الصفاتية ~~الواحدية ، ثم يتم التجلي بالأسماء الذاتية الأحدية. # والسر في انتقاء اسم «الله» من مجموع أسمائه سبحانه مع أن قلب السالك ~~حسب كيفية السلوك، وكيفية التجلي، يتجلى أولا بكافة الأسماء على ضوء ~~مناسبات قلب السالك، هذه الأسماء التي تكون مظاهر لاسم الله سبحانه ثم ~~يتجلى القلب في نهاية السلوك في الأسماء الصفاتية باسم الله والسر في ~~اصطفاء هذا الاسم المبارك يمكن أن يعود إلى أحد أمرين: # إما إشارة إلى أن التجلي بأي اسم من أسماء الله، هو تجلي باسم «الله» من ~~باب اتحاد الظاهر والمظهر، خصوصا لدى الحضرة الإلهية. # وإما إشارة إلى نهاية سلوك الواحدي، حيث أنه لو لم تتحقق لما ابتدأ ~~بالسلوك الأحدي. # وملخص الكلام: أنه بناء على البيان المذكور يكون ضمير (هو) إشارة إلى ~~مقام إنقطعت عنه آمال العارفين وإيماءاتهم، ويتقدس عن كل اسم ورسم ويتنزه ~~عن كل تجل وظهور. «وأحد» إشارة إلى تجلي الأسماء الباطنية الغيبية. و«الله» ~~إشارة إلى تجلي الأسماء الظاهرية. وبهذه الأمور الثلاثة: هو الله أحد ~~تتحصل الاعتبارات الأولية لحضرة الربوبية. وأن الأسماء الأربعة الأخرى ~~الصمد لم يلد لم يولد لم يكن له كفوءا التي يكون «الصمد» جامعا لها، من ~~الأسماء السلبية التنزيهية، التي تعتبر تبعا للأسماء الثبوتية الجمالية، ~~كما أشير إليه في نهاية حديث من الأحاديث المتقدمة. # هذا كله على القول بأن «بسم الله» متعلق بالكلمة الشريفة «قل». # ونستطيع أن نجعل «بسم الله» متعلقا بكل واحد من كلمات هذه السورة ~~المباركة وعليه يختلف تفسير هذه السورة وتفسير بسم الله من متعلق إلى آخر. ~~وحيث أن عرض ذلك يسبب التفصيل والتطويل، غضضنا الطرف عنه. PageV01P368 # يقول شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه: (إن «هو» برهان على ~~الأسماء والكمالات الستة المذكورة عقيب هذه الكلمة المباركة هو في سورة ~~التوحيد الشريفة. ms512 لأن الذات المقدس حيث أنه يكون مطلقا مثل «هو» الذي يعتبر ~~إشارة إلى صرف الوجود يكون مستجمعا لجميع كمالات الأسماء. فيكون «الله». ~~وحيث أن صرف الوجود، ببساطة حقيقته يكون جامعا لكل الأوصاف والأسماء، من ~~دون أن تثلم هذه الكثرات الأسمائية لوحدة الذات المقدس، كان أحدا. وحيث أنه # لا ماهية لصرف الوجود كان صمدا. وحيث أن صرف الوجود لا ينتقص. ولا يحصل ~~من الغير ولا يتكرر (لم يكن والدا ولا مولودا وليس له كفوءا) انتهى. # ولا بد من معرفة أنه قد ورد في الأحاديث الشريفة معاني وأسرار كثيرة ل ~~«الصمد» لو أردنا عرضها وبيانها، لخرجنا عن نطاق حجم الكتاب، ولإفتقرنا إلى ~~وضع رسالة أخرى في ذلك. ولكننا نشير إلى أمر واحد هو: أن «الصمد» لو كان ~~إشارة إلى نفس الماهية، حسب بعض الاعتبارات ومعاني «الله» في «الله الصمد» ~~لكان الصمد من اعتبارات مقام الواحدية ومقام أحدية جميع الأسماء. وإن كان ~~إشارة إلى صفة إضافية كما يستفاد من بعض الروايات لكان الصمد إشارة إلى ~~أحدية جمع الأسماء لدى التجلى بالفيض المقدس، ولكان معناه موافقا مع قوله ~~تعالى: (الله نور السموات). # فصل: في إشارة مختصرة إلى تفسير الآيات الستة الشريفة # أما الآية الشريفة الأولى: (سبح لله ما فى السموات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم) فتدل على تسبيح جميع الكائنات حتى النباتات والجمادات لله سبحانه. ~~ومن خص التسبيح بذوي العقول من الموجودات، فهو نتيجة احتجاب عقول ذوي ~~العقول. ولو فرضنا بأن هذه الآية المباركة تقبل التوجيه والتأويل لتسبيح ~~الكائنات، ولكن هناك آيات شريفة أخرى لا تقبل التأويل والتفسير مثل قوله ~~تعالى: (ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) (1). وإن تأويل ~~التسبيح إلى التسبيح التكويني أو الفطري، يكون من التأويل البعيد الموهون، ~~حيث تأباه الأحاديث والآيات الشريفة، وترفضه البراهين السديدة الفلسفية، ~~وينكره المسلك العرفاني الجميل. # والعجيب من الفيلسوف الكبير، والعالم الجليل صدر المتألهين قدس سره الذي ~~لا يرى التسبيح في هذه الآيات، ms513 تسبيحا نطقيا، مفسرا نطق بعض الجمادات مثل ~~الأحجار الصغيرة، بإنشاء النفس المقدسة للولي، الأصوات والألفاظ حسب وضع ~~الجماد والنبات. ورأى بأن قول بعض أهل المعرفة أن لجميع الكائنات نطقا، ~~مخالف للبراهين، وملازم للتعطيل ودوام القسر. # رغم أن الكلام يغاير المبادئ والأصول التي ارتآها، وانطلق منها. مع العلم ~~بأن صريح الحق ولب لباب العرفان ينسجم مع دعوى السابق من دون أن يستلزم ~~مفسدة. ولولا خشية التطويل والتفصيل لشرحنا ذلك بكل مقدماته وملابساته. ~~ولكننا نرتضي الإشارة الإجمالية إليها ونقتنع بها. PageV01P369 # لقد أشرنا في الماضي إلى هذا المعنى بأنه حقيقة الوجود عين الشعور والعلم ~~والإرادة والقدرة والحياة وكافة الشؤون الحياتية، فإذا لم يكن لشيء علم ولا ~~حياة نهائيا فليس له وجود. ومن ذاق طعم حقيقة أصالة الوجود واشتراكه ~~المعنوي، على مسلك العرفاء مثل العلم والإرادة والتكلم و... وإذا بلغ مقام ~~المشاهدة بواسطة ترويض النفس والحالات المعنوية، لشاهد بأم عينه وسمع دوي ~~تسبيح الموجودات وتقديسها. ومن المؤسف أن سكر المادة والطبيعة قد أوهن ~~العين والسمع والحواس الأخرى، ومنعنا من الوقوف على الحقائق الوجودية ~~والهويات العينية. فكما أن بيننا وبين الحق عز وجل حجبا من الظلام وحجبا من ~~النور تمنعنا من مشاهدة ألطاف الحق سبحانه، فكذلك بيننا وبين الكائنات ~~الأخرى بل بيننا وبين أنفسنا حجب تفصلنا عن إدراك حياتها وعلمها وكافة ~~شؤوناتها. والأسوء من كل الحجب هو حجاب إنكار حياة الموجودات وعلمها ~~وشؤونها الأخرى انطلاقا من الأفكار المحجوبة التي تمنع الإنسان من كل شيء. ~~وخير وسيلة لأمثالنا المحجوبين هو التسليم والتصديق لآيات الله الكريمة ~~وأحاديث أوليائه، وسد باب تفسير القرآن بالرأي، وتطبيقه على الواقع الخارجي ~~عبر هذه العقول الضعيفة. # إذا فرضنا إمكان تأويل آيات التسبيح، على أساس التسبيح التكويني أو ~~الفطري فكيف نستطيع أن نفعل مع هذه الآية المباركة (قالت نملة ياأيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) (1). أو الآية ~~المباركة (فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين، إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها ms514 عرش عظيم) (2). أو الأخبار المأثورة عن أهل ~~بيت الطهارة والعصمة الموجودة في أبواب مختلفة والصريحة في وعي الحيوانات ~~والكائنات الأخرى، والتي تمتنع التأويل؟. # وملخص الكلام أنه لابد من اعتبار حياة الكائنات وتسبيحها عن وعي وإدراك، ~~من البديهيات والضروريات في الفلسفة العالية، ومن مسلمات أصحاب الشرائع ~~والعرفان. ولكن لكيفية تسبيح كل موجود، وللأذكار الخاصة بكل واحد من ~~الكائنات، وأن للإنسان الذكر الجامع ولكافة الموجودات أذكار تتناسب مع ~~نشأتها وتكوينها، ولكيفية تسبيح كل موجود، لكل ذلك أبحاث ودراسات: إجمالها ~~أن هناك مقياسا علميا وعرفانيا يرتبط بعلم الأسماء وتفصيلها يرتبط بالعلوم ~~التي تشهد بالعيان وتكشف على الإنسان، وهي مختصة بالأولياء الكاملين. # وقد بينا في الفصل السابق بأن «بسم الله» من كل سورة، يتعلق بنفس تلك ~~السورة المبدوءة به، وعليه يكون «بسم الله» من هذه السورة، سورة الحديد، ~~متعلقا ب «سبح لله». ويستفاد من الآية المباركة المذهب الحق في مسألة الجبر ~~والتفويض، لأن فيها نسبتان: نسبة إلى الله الذي هو مقام المشيئة الفعلية، ~~ونسبة إلى الأشياء الموجودة في السماوات والأرض، بصوره لطيفه تعد منتهى كشف ~~أرباب الشهود والمعرفة. وتقديم النسبة إلى مشيئة الله لأجل إفهام قيومية ~~الحق، وتقديم حيثية «يلي الله» على حيثية «يلي الخلق». PageV01P370 # ولولا مخافة الإطالة والإسهاب في الحديث لذكرت حقيقة التسبيح وملازمته ~~للتحميد، وأن صدور كل تسبيح وتحميد من كل مسبح وحامد، يكون لأجل الحق عز ~~وجل، وان التسبيح والتحميد يكونان باسم الله ولاسم الله، وإن إسمي:العزيز ~~الحكيم، مختصان بالله، لشرحت العلاقة القائمة بينهما وبين الله، والفرق ~~الموجود بين الله في التسمية والله المذكور في الآية الشريفة (سبح لله)، ~~والمقصود من السموات والأرض وما فيها وما في الأرض على ضوء مذاهب أهل ~~العرفان والفلسفة، ولبينت الفرق بين «هو» في هذه الآية الشريفة و«هو» في ~~الآية المباركة (قل هو الله أحد) حسب الذوق العذب العرفاني ولكنني آليت على ~~نفسي الاختصار والإجمال في هذا الكتاب. وأما الآية الثانية الشريفة: (له ~~ملك السماوات والأرض يحي ويميت وهو على كل شيء قدير). فهي إشارة إلى ms515 مالكية ~~الحق جل جلاله لملكوت السماوات والأرض. ومن المعلوم أنه يتم الإحياء ~~والإماتة والظهور والرجوع والبسط والقبض، تبعا لهذه المالكية، والإحاطة في ~~السلطة، ونفوذ القدرة والتصرف. وهذه النظرة تستوجب استهلاك واضمحلال جميع ~~التصرفات وأنواع التدبير، في تصرف الحق وتدبيره، الذي يكون منتهى التوحيد ~~الفعلي. ولهذا نسب إلى نفسه: مالكية الذات المقدس، الإحياء والإماتة ~~الأمرين اللذين يعدان من المظاهر العظيمة للتصرف الملكوتي أو هما القبض ~~والبسط ونسبة الأحياء والإماتة إلى المالكية (له ملك السموات ولأرض يحيي ~~ويميت) رغم أن الإحياء والإماتة من شؤون الرحمانية والإماتة من الشؤون ~~المالكية، يمكن أن يكون للتنبيه إلى أمر عرفاني جليل، وهو استجماع كل إسم ~~لجميع الأسماء على وجه الأحدية، والجهة الغيبية التي لا مجال لذكرها فعلا. # ويمكن أن يكون صدر الآية وذيلها، إشاره إلى الوحدة في الكثرة، والكثرة في ~~الوحدة في مقام التجلي الفعلي بالفيض المقدس، كما هو واضح عند أهله. ويعود ~~ضمير «له» على ما يبدو إلى «الله» كما يحتمل إرجاعه إلى «العزيز الحكيم» ~~وعليه يختلف معنى الآية الشريفة على ضوء هذين الاحتمالين، ويتضح ذلك ~~بالتمعن فيها لدى أهل الفلسفة والتحقيق. # وأما بيان كيفية مالكية الحق سبحانه، وسبب صياغة الحياة والممات في صيغة ~~المضارع (يحيي ويميت) الدالة على التجدد والاستمرار، وبيان مرجع ضمير «هو» ~~واختلاف معنى الضمير عند اختلاف مرجعه، وإن المحيي والمميت والقادر من ~~أسماء الذات أو الأوصاف أو الأفعال، فمتروك إلى محله وموضعه المناسب. كما ~~أن لبيان كل من كيفية الإحياء والإماتة، وحقيقة صور إسرافيل نفختي الإحياء ~~والإماتة ودور الملك إسرافيل والملك عزرائيل وموقعهما وكيفية إحيائهما ~~وإماتتهما إن لكل ذلك بيانات عرفانية وبراهين فلسفيه طويلة ومفصلة، لا يسع ~~المقام ذكرها. PageV01P371 # وأما الآية الثالثة المباركة (هو الأول والآخر والباطن وهو بكل شيء عليم) ~~فقد علم العارف بالمعارف الحقة لأصحاب المعرفة واليقين، والسالك لطريق ~~أصحاب القلوب والسالكين، أن منتهى سلوك السالكين، وغاية آمال العارفين، هو ~~فهم هذه الآية الشريفة المحكمة. وقسما بذاته العزيز، لا توجد للتعبير عن ~~حقيقة التوحيد الذاتي، آسمى وأفضل من هذا ms516 التعبير. وينبغي على كل أصحاب ~~المعارف، السجود أمام هذا العرفان التام النبوي المحمدي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وأمام هذا الكشف الجامع الأحمدي وهذه الآية المحكمة الإلهية، والسقوط ~~على التراب إذلالا لها. وقسما بحقيقة العرفان والعشق، وأن العارف المجذوب ~~والعاشق لجمال المحبوب، عندما يسمع هذه الآية الشريفة، تستولي عليه هزة ~~ملكوتية، وانبساط إلهي، يقتصر عن استيعابه أي موجود من الكائنات، ويعجز عن ~~شرحه البيان. فسبحان الله ما أعظم شأنه وأجل سلطانه وأكرم قدره وأمنع عزه ~~أعز جنابه !. # إن الذين يأخذون على أحاديث العرفاء الشامخين، وكلمات العلماء بالله، ~~أولياء الرحمن، من أنهم تجاوزوا حدودهم فمن اللياقة أن يمتعنوا في كلمات ~~العرفاء الربانيين، والسالكين المجذوبين، ليتبينوا هل أن واحدا منهم استطاع ~~أن يقدم، أكثر مما تضمنت هذه الآية التامة الشريفة، وهذا القران الكريم؟ أو ~~أنهم عرضوا متاعا جديدا في سوق المعارف؟ إليكم هذه الآية الإلهية القرآن ~~المجيد والكتب المشحونة من عرفان العرفاء للمقارنة بين المعارف المدونة ~~فيهما حتى يتبين بأنهم يستوحون من القرآن الكريم. # في حين أن هذه السورة المباركة، سورة الحديد، وخاصة هذه الآيات المباركة ~~منها تحتوي على معارف تقصر عنها أيادي آمال العارفين. وفي عقيدة هذا الكتاب ~~تستبطن هذه الآية الشريفة على خصوصية تتفوق الآيات الأخرى وهي: بيان أن ~~الحق سبحانه هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ولكن البلاغة قاصرة عن شرحها ~~والقلم عاجز عن الخوض فيها. فلنتجاوز ونترك إدراك واستيعاب ذلك لقلوب ~~الأولياء والمحبين. # وأما الآية الشريفة الرابعة: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما # يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير). فهي إشارة إلى ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام واستوائه سبحانه على العرش. # لقد تحيرت في تفسير هذه الآية المباركة عقول أرباب العقل حيث اتخذ كل حسب ~~مسلكه في العلم وهواه في العرفان تفسيرا لهذه الآية المباركة. فذهب العلماء ~~الظاهريون إلى أن المقصود من الخلق في ms517 ستة أيام هو أنه لو قدرنا فترة خلق ~~السموات والأرض وإنشائها لتطابق مع ستة أيام. وذهب الفيلسوف العظيم الشأن ~~صدر المتأهلين قدس سره إلى تطبيق تلك الأيام الستة على أيام الربوبية حيث ~~يعد كل يوم منها، ألف سنه من سنيننا، واعتبر رضوان الله تعالى عليه منذ ~~نزول آدم حتى بزوغ الشمس النبوي المحمدي صلى الله عليه وآله يوم الجمعة ~~ويوم الجمع الذي هو اليوم السابع وأول يوم القيامة، وبدء استواء الرحمن على ~~العرش. وقد تولى صدر المتألهين بيان ذلك بصورة مختصره في شرحه على كتاب ~~(أصول الكافي) وبصوره مفصلة في كتاب تفسيره لهذه السورة المباركة. # وذهب بعض أهل المعرفة إلى أن الأيام الستة عبارة عن مراتب سير نور شمس ~~الوجود في مرائي ومظاهر وقوس الصعود والنزول. PageV01P372 # وأما على ضوء مسلك بعض العرفاء الذين يرون للوجود مراتب نازلة، حتى آخر ~~مرتبة منها، وهي مرتبة احتجاب شمس الوجود في حجب التعينات، وهي حقيقة ليلة ~~القدر وابتداء يوم القيامة من المرتبة الأولى منه إلى مرتبة رجوع الملك إلى ~~الملكوت، وخرق حجب التعينات حتى نهاية مراتب الظهور والرجوع الذي هو الظهور ~~التام للقيامة الكبرى فإن هذه الأيام الستة التي تم فيها خلق السموات ~~والأرض وانتهى به الأمر إلى عرش الله الرحمن الذي هو غاية غايات الاستيلاء ~~والاستواء والقهارية للحق المتعالي، هذه الأيام الستة الصعودية في العالم ~~الكبير. عرش استواء الحق، الظاهر بالقهارية التامة والملكية، وهي مرتبة ~~المشيئة والفيض المقدس الرحماني الذي هو الظهور التام بعد انسلاخ التعينات ~~والفراغ من خلق السموات والأرضين. وما دامت السماوات والأرضون موجودة، لم ~~يتم خلقها عند أهل المعرفة حسب قوله تعالى (كل يوم هو في شأن) (1). وحسب ~~عدم حصول التكرر في التجلي. # وتكون المراتب الستة في الإنسان الكبير والعالم الأكبر من المرتبة ~~السابعة اللطيفة التي هي عرش الرحمن والذي هو مرتبة القلب الحقيقي. ولولا ~~خشية التفصيل لذكرت بصوره مسهبة بأن الأفضل من كل الوجوه هو هذا الوجه ~~المذكور. ومن المعلوم أن علم الكتاب الإلهي موجود لدى الحق المتعالي وخاص ms518 ~~بمن خوطب به، ولكننا نتحدث على أساس المناسبات والاحتمالات بعد تعذر حمل ~~الآية على ظاهرها. # وهنا احتمال آخر لا يتنافى مع ما ذكره العرفاء، وهو ينسجم مع نظرية ~~العلوم الحديثة في علم الهيئة التي فندت ودحضت آراء بطلميوس في علم الهيئة، ~~وهو أن وراء منظومتنا الشمسية، منظومات شمسية أخرى كثيرة، لا يحصي عددها ~~إلا الله كما ورد بيان ذلك في الكتب الحديثة من علم الأفلاك. فيكون المقصود ~~من السموات والأرض هذه المنظومة الشمسية وكواكبها وأفلاكها، ويكون المقصود ~~من ستة أيام المحددة في الآية الكريمة، الأيام الستة على ضوء منظومة شمسية ~~أخرى. وهذا الاحتمال أقرب إلى الظاهر والفهم من كافة الاحتمالات الأخرى من ~~دون أن يتضارب مع الاحتمالات العرفانية، لأنه يعتبر بطنا من بطون القرآن. # وأشير في نهاية الآية المباركة بقوله: (يعلم ما يلج في الأرض) إلى علم ~~الحق المتعالي بكل جزئي من مراتب الوجود في سلسلة عالم الغيب والشهود في ~~قوس النزول والصعود. وأشير بقوله: (وهو معكم) إلى المعية القومية للحق ~~سبحانه. ولا يعرف أحد كيفية علم الحق سبحانه بالجزئيات، الذي يكون على أساس ~~الإحاطة الوجودية، والسعة القومية، وكذلك لا يعرف أحد إدراك حقيقة هذه ~~القيومية للحق سبحانه، إلا الخواص من أوليائه تعالى. # وأما الآية المباركة الخامسة (له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور) فهي إشارة إلى مالكيه الحق، وعود كل نظام دائرة الوجود إليه عز ~~وجل، كما تكون إشارة إلى أن نظام الوجود راجع ومرتبط باسم المالك. كما ذكر ~~في سورة الحمد المباركة (مالك يوم الدين). # ويحتاج تفسير كل واحد من ذلك وتفصيل الكلام فيه إلى مجال آخر. وأما الآية ~~الشريفة السادسة: (ولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم ~~بذات الصدور) (2). فهي إشارة إلى اختلاف الليل والنهار وأن القدر الذي ينقص ~~من أحدهما يضاف إلى الآخر، وأن كل ما يضاف على أحدهما ينقص من الآخر، وأن ~~في هذا الاختلاف منافع كثيرة، يوجب ذكرها الخروج عن وظيفتنا. وللآية ~~الشريفة معنى عرفاني آخر امتنعنا عن ذكره. # خاتمه: ms519 PageV01P373 # إن ما ورد في ذيل الحديث الشريف من قوله عليه السلام: «من رام وراء ذلك فقد ~~هلك» إشاره إلى أن هذا المستوى من المعارف المذكورة في هذه الآيات الشريفة ~~وسورة التوحيد المباركة، أو منتهى العلوم البشرية، وغايتها القصوى. فلو ظن ~~أحد بأن فوق هذا المستوى من المعارف، معارف أخرى لسقط في الخطأ. كما وأن ~~الأقل من هذا المستوى الأعلى من المعارف التي تتوفر في هذه الآيات ~~المباركة، بعد أيضا من الهلاك والموت ومن الجهل بمقام الربوبية. # ومن الواضح أن هذا الحديث الشريف يحث الإنسان على التأمل والتفكر في هذه ~~الآيات المباركات. ولكن لكل علم، أهل. ولكن ميدان، فارس، ولا يحسبن إنسان ~~بأنه يستطيع بفكره وتأمله وعلى أساس الظهور العرفي، استيعاب آيات التوحيد: ~~سواء كانت في سورة التوحيد المباركة، أوفي هذه الآيات المباركة أو في آيات ~~قرآنية أخرى أو استيعاب الأخبار الشريفة والخطب والأدعية ومناجاة الأئمة ~~عليهم السلام المعبأة والمشحونة بالمعارف إن هو إلا وهم فارغ، ووسوسة ~~شيطانية. وأن الشيطان الصاد لطريق الإنسانية قد نصب كمينا للإنسان، حجتي ~~يمنعه عن المعارف، ويوصد عليه أبواب الحكمة والمعرفة ويتركه في وادي ~~الضلالة والحيرة، بمثل هذه الأوهام الواهية التي يلقي بها الإنسان من أنه ~~يستطيع أن يفهم القرآن بنفسه ويتعرف على المعارف الإلهية بمراجعة آيات الله ~~الكريمة والأحاديث الشريفة، من دون الحاجة إلى فلسفه ترويض ومجاهدة. # والله شهيد على ما أقول وكفى به شهيدا إنني لا أروم من هذا الكلام ~~التشجيع على دراسة الفلسفة التقليدية أو العرفان التقليدي، بل المقصود، هو ~~دفع إخواني المؤمنين وخاصة أهل العلم، نحو معارف أهل البيت عليهم السلام، ~~وحثهم على قراءة القرآن وعدم الابتعاد عنه، فإن الهدف الأهم والأسمى لبعثة ~~الرسل وإنزال الكتب هو معرفة الله، التي تتوفر في ظلها سعادة الدنيا ~~والآخرة. ولكن المؤسف أن الإنسان ما دام يعيش في هذا العالم، فهو واقع في ~~الحجب المختلفة، التي تمنعه من رؤية طريق السعادة. وكلما دعاه الأولياء ~~والأنبياء والعلماء ونصحوه لم يفق من نومه، ولم يصغ لهذه الإرشادات. وعندما ms520 ~~يستيقظ، يجد السعادة قد أفلتت من يديه ولا يملك إلا الحسرة والندامة. # دعاء وختام: # إلهي أنت الذي ملأت قلوب الأولياء بنور المحبة، وأخرست ألسنة عشاق الجمال ~~من التحدث عن أنفسهم والآخرين. وأبعدت أيادي الأنانيين المنحطين عن أذيال ~~كبريائك. إلهي أيقظنا من سكر غرور الدنيا، من النوم العميق الذي غمرنا من ~~جراء الانغماس في عالم المادة والطبيعة، ومزق لنا بإشارة واحدة الحجب ~~الغليظة والستائر السميكة من الإعجاب والذاتية، وخذ بأيدينا إلى مجلس ~~الطاهرين لدى ساحتك، ومحفل المخلصين المقدسين، وأبعد عنا شراسة الطبيعة ~~وسوء الخلق، وغلظ اللسان، والنفاق والانحراف، وأقرن حركاتنا وسكناتنا ~~وأفعالنا وأعمالنا وأولنا وآخرنا وظاهرنا وباطننا بالإخلاص والصفاء. # إلهي إن نعمك قد ابتدأت علينا (لا يشترط عطاء الحق بقابلية المعطي له) ~~وعطاياك غير متناهية وباب رحمتك مشرعه ومائدة نعمك اللامتناهية مبسوطة، هب ~~لنا حالا مضطربا، وقلبا ملتهبا وعينا تذرف الدموع، ورأسا لا يعرف القرار ~~وصدرا ينفث بالهموم والآلام واختم حياتنا بالإخلاص إليك والحب إلى خواص ~~ساحتك وهم مقدمة كتاب الوجود وخاتمه نظام الغيب والشهود محمد وأهل بيته ~~الطاهرين # صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. # والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. PageV01P374 # قد تم هذا الكتاب على يد الفاني المؤلف الفقير في عصر يوم الجمعة الرابع من ~~شهر محرم الحرام عام ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة القمرية(1). وعلى ~~الله التكلان في الافتتاح والاختتام. PageV01P375 ### |EDITOR| ENDNOTES PageV01P001: (1) صحيفة الرضا ح 114 وفي كتاب عيون أخبار الرضا ج2 ح99. من حفظ من أمتي بدلا على أمتي. (2) فروع الكافي ج 5 كتاب الجهاد باب وجوه الجهاد ص 3). (3) لم يذكر الإمام رضوان الله تعالى عليه تاريخ بداية التأليف. ولكن قدس سره قد ذكر في نهاية كتابه هذا أنه فرغ منه يوم الجمعة 4 محرم 1358 ه الموافق 24 2 1939 م وعليه بمضي على تأليف الكتاب نصف قرن تقريبا. PageV01P002: (1) فروع الكافي، ج 5، كتاب الجهاد، باب وجوه الجهاد، ص 3. PageV01P009: (1) سورة طه آية 125 126. PageV01P013: (1) سورة الكهف، آية 49. (2) عن أبي عبدالله عليه السلام أن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر، ms521 شكا إلى الله عز وجل شدة حره فسأله أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم. أصول الكافي المجلد الثاني باب الكبر ح 10. (3) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب الحسد ح 2. (4) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب حب الدنيا والحرص عليها ح2. PageV01P014: (1) سورة الزمر، آية 56. (2) سورة الحج، آية: 2. PageV01P015: (1) علم اليقين فيض الكاشاني المقصد 4 الباب 15 فصل 6 ص 1032. PageV01P016: (1) بحار الأنوار المجلد الثاني ص 138 139. (2) بحار الأنوار المجلد الثاني ص 138 139. PageV01P017: (1) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب الرياء ح 3. PageV01P018: (1) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب الرياء ح 9. PageV01P019: (1) سورة الهمزة: آية 6 7. PageV01P020: (1) سورة الكهف، آية: 11. (2) أصول الكافي المجلد الثاني باب الرياء ح4. PageV01P021: (1) سورة النبأ، آية: 40. (2) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب الرياء ح 7. PageV01P022: (1) سورة الروم، آية: 30. (2) سورة آل عمران، آية: 97. PageV01P023: (1) سورة الحجرات، الآيتان: 17 18. PageV01P024: (1) سورة العنكبوت، آية 69. (2) إحياء العلوم المجلد الثالث ص12. اتحاف السادة المتقين المجلد السابع ص 234 غوالي اللئالي المجلد الرابع ص7 وفيه (ولكن يسعني). (3) صحيح مسلم المجلد 18 ص 51. إحياء العلوم المجلد الأول ص 76. الجامع الصغير المجلد الأول ص 83 والمجلد الثامن ص 151. PageV01P025: (1) المنهج القوي المجلد الخامس ص 516. علم اليقين المجلد الأول ص 381. PageV01P029: (1) الشيخ محمد علي الشاه آبادي. (2) بحار الأنوار المجلد 70 ص 242. (3) إن الله لا يغفر أن يشرك به. (4) سورة الحج، آية: 73. PageV01P030: (1) سورة طه، آية: 251. (2) وسائل الشيعة. المجلد الأول الباب الحادي عشر من أبواب مقدمة العبادات ح 14 ص 50. PageV01P031: (1) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والفر بال الرياء ح 8. PageV01P032: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر باب في أصول الكفر وأركانه ح. PageV01P033: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 3. (2) الوسائل في مقصد العبادات، باب تحريم الإعجاب بالنفس، ويقول العلامة المجلسي، " من الممكن أن يكون (أبو الحسن) المذكور في هذا الحديث الشريف هو الإمام الرضا عليه السلام لأن علي بن سويد يروي عنهما كليهما (عليهما السلام) الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا وإن يروي عن ms522 الكاظم عليه السلام أكثر من روايته عن الإمام الرضا عليه السلام. عفى الله عنه ". (3) نقلا عن بحار الأنوار، المجلد 72، ص306. PageV01P034: (1) في هذا الفصل نشرح العجب في الخصال الحسنة، وسنشرح في بعض الفصول القادمة، العجب بالخصال التي تقابل الصفات الحسنة. أيضا (منه عفى عنه). PageV01P035: (1) سورة فاطر، آية: 8. (2) الكهف: 103 105. PageV01P036: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 1 ص 212. PageV01P037: (1) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات ح 18. (2) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات ح 8. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب العجب، ح 8. (4) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86. (5) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86. PageV01P039: (1) النساء، آية: 79. PageV01P041: (1) الكافي، المجلد الثاني، باب العجب، ح1 ص 314. PageV01P042: (1) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162. (2) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162. PageV01P043: (1) " أصول الكافي " المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر باب الكبر ح 1. PageV01P044: (1) سورة المؤمنون، آية: 47. (2) سورة الزخرف، آية: 31. PageV01P045: (1) لا يخفى أن لترك القبول ناحيتان: إحديهما تكبر على أوامر الله. وثانيهما تكبر على عباد الله تعالى. (منه عفي عنه). PageV01P048: (1) " أصول الكافي " المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر ح 16. (2) " أصول الكافي " المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر ح 11. (3) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 9. (4) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 14. (5) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6. (6) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 2. PageV01P049: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6. PageV01P050: (1) سورة النحل، آية: 28. (2) فوائد الأدب في تاج العروس (ج1 9 ص249) في مادة (سمن). (3) النمل: 34. PageV01P051: (1) إشارة الى الشطر الثاني من هذا البيت: " العلم الرسمي هو الاشتغال بالقيل والقال ......فلم تحصل منه على كيفية ولا حال ". كشكول البهائي, ج1 ص209. (2) الأسفار الأربعة, ج1 ص23. (3) النمل: 34. (4) نهج البلاغة قصار الحكم 80 (الشيخ صبحي الصالح). (5) البقرة: 269. (6) مير محمد باقر بن شمس الدين محمد المعروف بالداماد (1041ه. ق) ولد في اصفهان ودفن في النجف, من علماء الإمامية الأفذاذ وفيلسوف تحرير ms523 جمع المعقول والمنقول تفرد في حل العديد من المعضلات الفقهية والحديثية, وان رواج فلسفة أبي علي " ابن سينا " والاشراقيين في القرن الحادي عشر وتهيئة الارضية الملائمة لظهور الحكمة المتعالية لملا صدرا (تلميذ المير داماد) مديونة لجهود هذا الفيلسوف الكبير. من تأليفاته : القبسات, التقديسات, سدرة المنتهى حاشية على كتاب من لا يحضره الفقيه اختار لنفسه في أشعاره اسم " اشراق ". PageV01P054: (1) إشارة للحديث : " قلت لأبي عبد الله " ع " : " أني سمعتك وانت تقول كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم " قال " ع " : " صدقت كلهم والله في الجنة, قال : قلت: جعلت فداك أن الذنوب كثير, كبار, فقال " ع " : أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ولكني والله أتخوف عليكم في البرزع, قلت وما البرزخ؟ قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة. فروع الكافي, ج3 ص242 : كتاب الجنائر, باب ما ينطق به موضع القبر " الحديث 3. PageV01P055: (1) الفتوحات المكية, ج1 فصل 1 الباب 61. (2) في روايات متعددة أشير إلى خلق وسلوك رسول الله " ص " بعضها وردت في هذا الكتاب. عن أنس بن مالك قال : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله " ص " وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته " ". " وعن ابن عباس قال : كان رسول الله " ص " يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك ويقول " ص " : أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس ا لعبد " كتاب مكرام الأخلاق, ص12 الفصل الثاني. (3) كان يجلس على الأرض وينام عليها ويأكل عليها وكان يخصف النعل ويرفع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبها ويطحن مع الخادم إذا اعيى... ويخدم في مهنه أهله ويقطع اللحم, وإذا جلس على طعام جلس محقرا... يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار.. يجالس الفقراء والسماكين ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده. بحار الأنوار, ج16 ص226 " تاريخ نبينا " ص " , باب مكارم أخلاقه " الحديث: 34. (4) كشف الغمة في معرفة الأئمة ج1 ص162172 " في وصف زهده في ms524 الدنيا ". PageV01P056: (1) آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (13761355ه. ق) من الفقهاء الكبار ومراجع التقليد لدى الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري فهو وبعد أن أنهى دراسة المقدمات سافر إلى النجف وسامراء ودرس هناك على أيدي كبار العلماء كالميرزا الشيرازي الكبير والميرزا محمد تقي الشيرازي والآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الاصفهاني القشاركي. عاد إلى آراك عام 1332ه. ق, وفي عام 1340 قدم إلى قم وبعد إلحاح أعينان الناس عليه آنذاك وبعد الاستخارة ألقى برحله في مدينة قم وأسس فيها الحوزة العلمية, وقد تربى في حوزة درسه علماء كبار في مقدمتهم الإمام الخميني (ره) من آثاره: درر الفوائد في الأصول, الصلوة في الفقه, النكاح, الرضاع, والمواريث. (2) 1920م (المترجم). (3) 1935م (المترجم). PageV01P057: (1) كما جاء في الحديث النبوي (ص) : " الصراط ادق من الشعر واحد من السيف وأظلم من الليل " علم اليقين, ج2 ص969. " المقصد الرابع في معنى الصراط " وبنفس هذا المعنى جاء في الرواية المروية عن الإمام الصادق " ع " في آمالي الصدوق, ص177 " المجلس " 33 الحديث 4 وكذلك في بحار الأنوار, ج8 ص65 " كتاب العدل والمعاد " الباب 22. (2) 1935م (المترجم). PageV01P058: (1) الهمزة: 6، 7. (2) الأعراف: 12. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ح 2) PageV01P059: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 6) PageV01P060: (1) بحار الأنوار، المجلد الثالث والسبعون، ص 240). (2) يس: 15. (3) المؤمنون: 47. (4) بحار الأنوار, ج70 ص240 " كتاب الإيمان والكفر, باتب الحسد " مرآة العقول ج10 ص159 " كتاب الإيمان والكفر, باب الحسد ". (5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 5) PageV01P061: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 1) (2) إحياء العلوم، المجلد الثالث، ص 12. إتحاف السادة المتقين، المجلد السابع ص 234. غوالي اللئالي، المجلد الرابع ص 7) PageV01P063: (1) عن الإمام الصادق " ع " عن آبائه عن أمير المؤمنين " ع " انه قال: كان رسول الله " ص " ذات يوم جالسا في مسجده إذ دخل عليه رجل من اليهود... قال اليهودي: فان كان ربك لا يظلم فكيف يخلد في النار أبد الآبدين من لم يعصه إلا اياما معدودة ؟ قال ms525 " ص " : يخلده على نيته, فمن علم الله نيته انه لو بقي في النار إلى أنفضائها كان يعصي الله عز وجل, خلده في ناره, على نيته, ويته في ذلك شر من عمله وكذلك يخلد من يخلد في الجنة بأنه ينوي انه لو بقي في الدنيا أياما لأطاع الله أبدا ونيته خير من عمله, فبالثبات يخلد أهل الجنة في الجنة واهل النار في النار. التوحيد ص398, 399 " باب الأطفال " الحديث 14. (2) الحديث 2, ص57 فصل " في بيان أن العلم يغاير الإيمان ". PageV01P064: (1) الاسفار الأربعة , ج7 ص55, 105 السفر الثالث, الموقف الثامن, الفصل 1 إلى 9. (2) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد, ص234 المقصد الثالث, الفصل الثاني. PageV01P066: (1) روضة الكافي, ج8 ص108 الحديث 86, سائل الشيعة, ج11 ص293 " كتاب الجهاد " الباب 55 الحديث 8. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 15. (3) بحار الأنوار، المجلد 73، باب حب الدنيا، ص 63. PageV01P067: (1) بحار الأنوار، المجلد 73، باب حب الدنيا، ص 25. (2) نهج البلاغة، الحكمة رقم 131 (الشيخ صبحي الصالح). PageV01P068: (1) سورة النمل، آية: 30. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح1 و3. (3) نهج البلاغة الخطبة 5 (الشيخ صبحي الصالح). PageV01P069: (1) نهج البلاغة الخطبة 5 (الشيخ صبحي الصالح). (2) نهاية ابن أثير، ص 180، ج 3. الجامع الصغير، ج 1 ص 103. صحيح مسلم، ج 8 ص 72. PageV01P070: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا ح 54. (2) قبسات ميرداماد، ص 72. PageV01P071: (1) نهاية ابن الأثير، المجلد الأول، ص 440، مادة " همز " أهمزها أي أقواها وأشدها. PageV01P072: (1) سورة الأنعام، آية: 79. (2) إشارة إلى الحديث المشهور المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل) راجع كتاب أحاديث المنوي. PageV01P073: (1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 16 وح17. (2) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 16 وح17. (3) نهج البلاغة الخطبة 193 (الشيخ صبحي الصالح). (4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 3. (5) تهذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه، ص 193 منشورات الجامعة ms526 الأمريكية بيروت. PageV01P074: (1) تهذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه، ص 195 منشورات الجامعة الأمريكية بيروت. (2) في كتاب (الأربعون حديثا) وأما بقراط... وفي كتاب تهذيب الأخلاق وأما سقراطيس... (المترجم). (3) سورة الفتح، آية: 29. PageV01P075: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 1. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 12. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 7. PageV01P076: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، ص289. (2) سورة الفرقان، آية: 44. (3) سورة البقرة، آية 74. (4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 4. PageV01P077: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 4. PageV01P078: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح12. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 2. PageV01P080: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 3. PageV01P081: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 2. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 4. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، ح 5. PageV01P082: (1) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، الباب الثامن من أبواب مقدمات وآداب النكاح، ح 5. PageV01P083: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية ح 6. PageV01P084: (1) سورة الجمعة، آية 5. PageV01P085: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر باب ذي اللسانين، ح 1. PageV01P086: (1) سورة الأعراف آية: 21. PageV01P087: (1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص316 " عقاب من كان ذا وجهين ولسانين ". (2) الرعد: 25. (3) البقرة: 191. (4) أصول الكافي، ج2 ص369 " كتاب الإيمان والكفر، باب النميمة " الحديث 2. (5) يا أبا ذر، أياك والغيبة فأن الغيبة أشد من الزنا، قلت يا رسول الله ولم ذاك بأبي وأنت وأمي؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها. بحار الأنوار، ج74 ص89 " كتاب الروضة، باب مواعظ النبي (ص) ". PageV01P088: (1) سورة الزلزلة، آية 7 8. (2) سورة المؤمنون، آية: 99. (3) وسائل الشيعة، المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي ص 100 101. (4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي ص 100 101. PageV01P089: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته ح 12. PageV01P090: (1) الاحتجاج، المجلد ms527 الثاني، احتجاجات الإمام الحسن العسكري عليه السلام ص 458. (2) إحياء العلوم، المجلد الرابع، ص 256. PageV01P091: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، الإيمان والكفر، باب إتباع الهوى، ح 3. (2) يبدو هنا سقط في الكلام (في نسخة الأصل). PageV01P092: (1) ورد مثل هذا الحديث في كتاب غوالي اللئالي المجلد 4 ص97. وفي كتاب علم اليقين، المجلد 1، ص282. PageV01P093: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب اتباع الهوى، ح 2. (2) نهج البلاغة، خطبة 42 (الشيخ بصحي الصالح). (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب إتباع الهوى، ح1. (4) " مستدرك وسائل الشيعة " كتاب النكاح الباب الأول من أبواب مقدمات النكاح ح17. لا تجد في الحديث هنا كلمة (ولو بالسقط). ورد في تفسير أبو الفتوح الرازي (سورة النور آيه 32) " تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط ". PageV01P094: (1) سورة هود، آية 112. (2) تفسير مجمع البيان المجلد الخامس ص 140. (3) بحار الأنوار ج 36 ح 12 ص 11. PageV01P095: (1) سورة الجاثية، آية 23. PageV01P096: (1) سورة طه، آية: 1 2. PageV01P097: (1) نهج البلاغة الخطبة 204 (الشيخ صبحي الصالح). (2) مفاتيح الجنان، دعاء ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. (3) أصول الكافي، ج2 ص12 "كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد" الحديث 3. (4) الروم: 30 PageV01P098: (1) أصول الكافي، ج2 ص12، 13 «كتاب الإيمان والكفر، فطرة الخلق على التوحيد» الحديث 1، 5. التوحيد، ص 328 331 الباب 53 الأحاديث 1، 2، 4 8. تفسير البرهان، ج3 ص 261 263 ذيل الآية 30 من سورة الروم. (2) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل «فطرة الله التي فطر الناس عليها» ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام. فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد. قال: «ألست بربكم» وفيه المؤمن والكافر. (3) عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل: «حنفاء الله غير مشركين به» قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله. قال: فطرهم على المعرفة به، ... قال: قال رسول الله (ص) : كل مولود يولد على الفطرة. يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه كذلك قوله ms528 «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله». (4) قال (ص) : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». عوالي اللئالي، ج1 ص35 الفصل الرابع، الحديث 18. PageV01P099: (1) رشحات البحار، ص28 31 «كتاب الإنسان والفطرة». PageV01P101: (1) النور: 35. (2) علم اليقين، ج1 ص54 المقصد الأول، الباب 3 الفصل 5. PageV01P102: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح 3) PageV01P103: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح 1) (2) الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي (396481) من المحدثين والعرفاء الكبار ومن مريدي الشيخ أبي الحسن الخرقاني حيث خلفه بعد موته, من مصنافته منازل السائرين, زاد العارفين, رسالة دل وجان (فارسي). PageV01P104: (1) للمزيد من الإطلاع يمكن الرجوع إلى كتاب تهذيب الأصول تقريرات الأصول للإمام الخميني «قده» ج1 ص30 بحث «الحقيقة والمجاز». (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح 3) (3) أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة, ص207. PageV01P106: (1) شرح أصول الكافي , صدر المتألهين ج1 ص251 «كتاب التوحيد باب النهي عن الكلام في الكيفية» ونقد النصوص في شرح الفصوص, الجامي, ص27, 28. (2) محمد بن إبراهيم الشيرازي (9791050) الملقب ب «صدر الدين» و«صدر المتألهين» والمعروف ب صدرا أو «ملا صدرا» من كبار الحكماء والفلاسفة الإسلاميين ومؤسس «الحكمة المتعالية» وصاحب الآراء البديعة في الفلسفة, بعد وفاته طغى مذهبه الفلسفي على بقية المذاهب الفلسفية آنذاك ويمكن القول وبجرأة أن أكثر الحكماء والفلاسفة الاسلامين من بعده هم من أنصار مذهبه في الفلسفة, ومن ابرز آثاره ومؤلفاته: الاسفار الأربعة والتي تضم قسطا كبيرا من آراءه ونظرياته الفلسفية ومن مصنافته الأخرى, تفسير القرآن الكريم شرح أصول الكافي, المبدأ والمعاد, مفاتيخ الغيب , الشواهد الربوبية, أسرار الآيات, حاشية على الشفاء. (3) تفسير القرآن الكريم ج4 ص421 ونقل هذا المفهوم بعبارات مختلفة. أصول الكافي ج1 ص93 «كتاب التوحيد , باب النهي عن الكلام في الكيفية» الحديث 7, توحيد الصدوق, ص454 457, المحجة البيضاء, ح8 ص193, 210. PageV01P107: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكل ام في الكيفية، ح1) (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ms529 ح 1 وح 7). (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1 وح 7). (3) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1و ح 7) (4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح3) (5) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح 3) PageV01P113: (1) وسائل الش يعة، المجلد 17، كتاب الفرائض والمواريث، ح 32365. PageV01P114: (1) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح1. (2) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب الصلوات المندوبة، ح3. (3) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30. (4) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30. (5) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30. PageV01P115: (1) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 40، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح13. PageV01P116: (1) " مفاتيح الجنان " أعمال ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب إختلاف الحديث، ح9. (3) وسائل الشيعة، المجلد 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى، ح39. (4) سورة هود، آية: 112. PageV01P117: (1) سورة التوبة، آية: 35. (2) سورة يوسف: آية 52. PageV01P118: (1) سورة الحشر، آية: 8. PageV01P119: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، ح 5. (2) " منازل السائرين " التوكل. PageV01P122: (1) سورة آل عمران، آية:173 (2) كتاب من لا يحضره الفقيه، ح 1351. PageV01P123: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، ح 1. (2) سورة، النساء، آية: 79. (3) سورة النساء، آية: 78. PageV01P124: (1) " سفينة البحار " ج 2 ص 180 وما بعدها. (2) " سفينة البحار " ج 2 ص 181 وما بعدها. PageV01P126: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الظن بالله، ح 1. (2) سورة الزمر، آية: 53. (3) مقتبس من آية 156 في سورة الأعراف. PageV01P127: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء ح 5 وح 11. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء ح 5 وح 11. PageV01P128: (1) سورة البقرة، آية: 218. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء ms530 ح 5 وح 11. (3) بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف والرجاء ص355. (4) بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف والرجاء ص355. PageV01P129: (1) بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف والرجاء ص355. (2) سورة يونس، آية: 62. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح29) PageV01P130: (1) مرآة العقول ج9 ص321 " كتاب الإيمان والكفر " الحديث 1. PageV01P131: (1) نهج البلاغة. خطبة 16 (الشيخ صبحي صالح). (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2، ح3، ح4) (3) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2، ح 3، ح4 PageV01P132: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2، ح3، ح4) (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة باب الابتلاء والاختبار، ح1، ح2) (3) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الابتلاء والاختبار، ح 1، ح2) PageV01P133: (1) عن زرارة عن أبي جعفر " ع " قال: " ما من عبد إلا وفي قلبه نقطعة بيضاء فإذا اذنب خرج في النقطة نقطة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض, فإذا تغطى البياض لم يرجع إلى صاحبه إلى خير أبدا ". أصول الكافي, ج2 ص273 " كتاب الإيمان والكفر, باب الذنوب " الحديث 20. (2) إشارة للحديث المنقول عن علي بن الحسين " ع " : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " أصول الكافي, ج2 ص131 " كتاب الإيمان والكفر, باب ذم الدنيا والزهد فيها " الحديث 11. PageV01P134: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح17) (2) ورد في الحديث القدسي " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " بحار الأنوار, ج3 ص313 " كتاب التوحيد " الباب 14. كنز العمال ج1, ص225 الحديث 135. PageV01P135: (1) نهج البلاغة, الخطبة 192 ص285 " الخطبة القاصعة " الشيخ صبحي الصالح ". (2) إشارة للحديث " وهبط مع جبريل ملك لم يطأ الأرض قط, معه مفاتيخ خزائن الأرض فقال: يا محمد إن ربك يقرئسك السلام ويقول هذه مفاتيح خزائن الأرض, فإن شئت فكن نبيا عبدا وان شئت فكن نبيا ملكا, فاشار إليه جبرئيل " ع " أن تواضع يا محمد فقال: بل اكون نبيا عبدا ثمك صعد إلى السماء " آمالي الصدوق, المجلس 69 الحديث 3. (3) أصول الكافي، ms531 المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح 28) (4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح23 وح3) (5) بحار الأنوار، المجلد 67، ص250) (6) إشكما ورد في حديث " المعراج " عن الإمام الصادق " ع " أن رسول الله " ص " قال: فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث, وهم يأكلون الخبيث ويدعون الكيب, فسألت جبرئيل من هؤلاء فقال: الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال من أمتك, قال: ثم مررت بأقوام لهم مشاخر كمشاهر الابل يقرض اللحم من اجسامهم ويلقى في أفواههم, فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هم الهمازون اللمازون ثم مررت بأقوام ترضخ وجوههم وصخورهم بالصخر, فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: الذين يتركون صلاة العشاء. بحار الأنوار , ج6 ص239 " كتاب العدل والمعاد, باب احوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله ". وكذلك جاء في علم اليقين ج3 ص884 " المقصد الرابع " الباب 3. PageV01P136: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح23 وح3) (2) بحار الأنوار، المجلد67، ص250) (3) محمد بن حسن الطوسي المعروف بال " خواجة نصير " والمحقق الطوسي " (597672) من مشاهير حكماء وعلماء الإسلام ومن المتبحرين في الفلسفة والكلام والرياضيات والهيئة, من تلامذته: العلامة الحلي, قطب الدين الشيرازي والسيد عبد الكريم بن طاووس وصل الينا من مصنفاته وآثاره: شرح الاشارات, تحرير أقليدس, تحرير المجسطي, أخلاق ناصري. (4) بحار الأنوار، المجلد67، ص250) (5) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد , ص218 " المقصد الرابع في وجود العصمة. PageV01P137: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح12) (2) بحار الأنوار، المجلد 67 ص 250) (3) روى عن الإمام الصادق " ع " عن أبيه الباقر " ع " أن ايوب ابتلى سبع سنين من غير ذنب وان الأنبياء لا يذنبون لانهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيفون ولا يرتكبون نبا صغيرا أو كبيرا. وقال " ع " أن ايوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة, ولات قبحت له صورة, ولا خرجت منه مدة من دم ولا قبح ولا استقذره احد رآه, ولا استوحش منه احد شاهده ولا ندود ms532 شيء من جسده وهكذا يصنع الله عز وجمل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر امره لجهلهم بما له عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج ". PageV01P139: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 6) (2) نهج البلاغة, الخطبة 229 " صبحي الصلاح " , وكذلك في النهاية لأبن الاثير, ج2 ص128. PageV01P140: (1) الحديث 1, ص23 الهامش 3. (2) مرآة العقول ج8 صذ130. (3) وسائل الشيعة ج2 ص903 " كتاب الطهارة, أبواب الطهارة, أبواب الدفن " الباب 76 الحديث 7. (4) بحار الأنوار، المجلد 71، ص70) (5) بحار الأنوار، المجلد 71، ص70) PageV01P142: (1) علل الشرائع، المجلد الأول، باب 165، العلة التي من أجلها سمي علي بن الحسين زين العابدين. PageV01P144: (1) علم اليقين ج1 ص347 " المقصد الثالث " الباب الأول الفصل 8 وكذلك ورد في إحياء العلوم ج4 ص19 " كتاب التوبة ". (2) إشارة للحديث عن أبي عبد الله " ع " انه قال: الدنيا سجن المؤمن ". (3) بيت شعر باللغة الفارسية للشاعر الإيراني " سعدي ". PageV01P145: (1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص218 " المقصد الرابع في وجوب العصمة ". (2) اوصاف الاشراف, ص108 الفصل 5 الباب 3. (3) منازل السائرين, ص38 باب الصبر. (4) رضي الدين علي بن موسى بن جعفر (589664) المعروف ب (ابن طاووس) من مشاهير علماء الشيعة وأعاظمهم عالم, عابد, زاهد ومن ذوي المقامات والكرامات وكان من خواص الحجة " ع " في زمن الغيبة الصغرى, له كتب قيمة في الكثير من العلوم وبالخصوص في الأخلاق والعبادات منها: مهج الدعوات, الاقبال, جمال الأسبوع, كشف المحجة, اليقين وفلاح المسائل. PageV01P146: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 2) (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 4) PageV01P148: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 10) (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 17) (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح8) PageV01P149: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 15) (2) إشارة للآية الكريمة " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض اعدت للمتقين ". آل عمران/ 133. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ms533 ح 12) PageV01P150: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التوبة، ح 1. PageV01P151: (1) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب التوبة، ج 10. (2) سورة آل عمران، آية: 54. PageV01P153: (1) سورة البقرة، آية: 222. (2) الحديث السابع عشر المذكور لدى أول هذا البحث (التوبة). (3) راجع معجم الأحاديث النبوية ج 1، ص 304. PageV01P154: (1) نهج البلاغة، قصار الحكم، الرقم 417، (الشيخ صبحي الصالح). PageV01P157: (1) بحار الأنوار المجلد 16 ص 17 الطباعة الحديثة. PageV01P158: (1) يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) (الجمعة1). (2) القدرة، الإرادة، الرحمانيه، الرحيميه، القيوم (المترجم). (3) سورة هود، آية: 56. PageV01P159: (1) أصول الكافي، المجلد كتاب الثاني، الدعاء، باب ما يجب من ذكر الله في كل مجلس، ح4. (2) مرآة العقول، المجلد 12، ص122. (3) سورة البقرة، آية: 168. (4) سورة ق، آية: 16. PageV01P160: (1) سورة الاعراف، آية: 205. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر الله عز وجل في الغافلين، ح1. (3) عدة الداعي، ص242. (4) سورة طه، آية 126. PageV01P162: (1) سورة هود، آية: 41. PageV01P163: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ما يجب ذكر الله في كل مجلس، ح 1. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ما يجب ذكر الله في كل مجلس، ح 3. (3) جامع الأحاديث، كتاب الصلاة، ح 3487. (4) وسائل الشيعة، المجلد 15، ح 28901. (5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر الله في السر، ح 3. PageV01P164: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب الاشتغال بذكر الله، ح 1. (2) عدة الداعي، ص238. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبهت، ح1. (4) بحار الأنوار المجلد 75 ص 221. (5) بحار الأنوار المجلد 75 ص 221. (6) بحار الأنوار، المجلد 75، ص220. PageV01P165: (1) بحار الأنوار، المجلد 75، ص221. (2) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، باب 152 من أبواب أحكام العشرة ح 9. (3) المحجة البيضاء، المجلد 5، ص 256. PageV01P166: (1) وسائل الشيعة، المجلد 8، ح16312. (2) جامع السعادات، المجلد 2، ص 294. PageV01P167: (1) سورة الحجرات، آية: 12. (2) القعص: القتل. (3) المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص253. (4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 16. (5) عقاب الأعمال، ص340. PageV01P168: (1) وسائل الشيعة، المجلد 8 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح13. (2) المحجة البيضاء، المجلد 5، ص251. (3) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، ح2. (4) أصول ms534 الكافي، المجلد 2، كتاب الغيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح 8. (5) بحار الأنوار، المجلد 75، باب الغيبة، ح 12. (6) المنقول عن أصول الكافي. PageV01P169: (1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح9. (2) المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 وص 264. (3) المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 وص 264. PageV01P170: (1) جامع الأخبار، ص 171. (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، رواية تضاهي هذه الرواية. (3) سورة الحجرات، آية: 10. PageV01P171: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3. PageV01P173: (1) المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 254. PageV01P174: (1) المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 264. (2) المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 260. (3) غرر الحكم، المجلد الثاني: 12. (4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151، من أبواب أحكام العشرة، ح 13. (5) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151، من أبواب أحكام العشرة، ح 1. (6) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151، من أبواب أحكام العشرة، ح 5. (7) المكاسب، شرح السيد الكلانتر المجلد الرابع، ص69. PageV01P175: (1) كشف الريبة، عن أحكام الغيبة، ص 197 198، طباعة دار الحوراء، بيروت. PageV01P176: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذي اللسانين، ح1. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، ح 4. (3) سورة تبارك، آيات: 1 و2. PageV01P178: (1) نهاية ابن الأثير، المجلد 1 ص 440. (2) سورة المائدة، آية: 27. PageV01P180: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، ح 5. (2) وسائل الشيعة، المجلد 3، أبواب أحكام الملابس، باب 61، ص 409، وقد أفتى صاحب الوسائل بعدم الجواز إلا في عدد الركعات. لكن سوق الرواية يشهد على الكراهية (منه عفى الله عنه). PageV01P181: (1) سورة الزمر، آية: 3. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء، ح 16. PageV01P182: (1) سورة يوسف، آية: 53. PageV01P183: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، ح 2. PageV01P184: (1) سورة النساء، آية: 100. (2) أصول الكافي المجلد الأول كتاب الإيمان والكفر باب الشكر، ح6. (3) سورة الفتح، آية: 1 2. (4) نقلا عن الطبرسي رحمة الله، المجلد 17، ص 76. PageV01P185: (1) بحار الأنوار، المجلد 17، ص76. ms535 (2) سورة النساء، آية: 79. (3) سورة النساء، آية: 79. (4) بحار الأنوار، المجلد 24، ح11 ص4. (5) بحار الأنوار، مجلد 16، ح1 ص 402. (6) بحار الأنوار، مجلد 15، ح 44 ص 25. (7) عيون أخبار الرضا ج1 ص 263. (8) بحار الأنوار، مجلد 26، ح 13 ص 247. (9) علم اليقين، ج1، ص 381. (10) توحيد الصدوق ص150. (11) أمالي المفيد، مجلس 28، ح 5، ص 245، طباعة دار المرتضى. PageV01P186: (1) سورة الضحى، آية: 5. (2) مجمع البيان، ج10، ص 505. (3) مجمع البيان، ج9، ص11. (4) بحار الأنوار، المجلد 17، ص 75. (5) بحار الأنوار، المجلد 17، ص 75. (6) بحار الأنوار، المجلد 17، ص 74. (7) سورة ص، آيات: 5 7. PageV01P187: (1) عيون أخبار الرضا. PageV01P188: (1) صحيح مسلم، كتاب الذكر، ص41. وفي الحديث 22 من كتاب أربعين الشيخ البهائي " ماءة مرة ". (2) سفينة البحار، المجلد الثاني، ص 322. (3) تفسير نور الثقلين المجلد الخامس ص689. (4) بحار الأنوار، المجلد 71، ص22. PageV01P189: (1) بحار الأنوار، المجلد 71، ص 22. PageV01P190: (1) سورة المائدة، آية: 64. (2) سورة سبأ، آية: 13. PageV01P191: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 1. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 7. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 16. (4) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 11. (5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 10. PageV01P192: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 18. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، ح 8. (3) إن قيامه صلى الله عليه وآله وسلم على أصابع رجليه كما في الأحاديث. وقيامه على رجل واحدة كما في بعض روايات أخرى لعله من الأحكام الخاصة به صلى الله عليه وآله وسلم أو كان مشتركا بينه وبين غيره ولكنه نسخ. والله العالم (منه عفى عنه). (4) تفسير علي بن إبراهيم، المجلد الثاني، ص 58. PageV01P193: (1) احتجاج الطبرسي، المجلد الأول، ص 326. (2) سورة القصص، آية: 56. PageV01P194: (1) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب محاسبة العمل، ح 20. PageV01P195: (1) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب الإيمان والكفر، باب محاسبة العمل، ح 2. PageV01P196: (1) وتفسير البرهان ج1 ح 3 ح25 ص 46، ص 51. (2) زيارة الجامعة الكبيرة الموجودة في معظم كتب الأدعية والزيارات. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب محاسبة العمل، ح 6. (4) نهج البلاغة ms536 الخطبة 5 (الشيخ صبحي الصالح). PageV01P197: (1) أمالي الصدوق ص 366 المجلد 69. (2) بحار الأنوار، المجلد 18، ص 292. PageV01P198: (1) سورة الكهف، آية: 49. (2) علم اليقين، المجلد 2، ص884. PageV01P199: (1) أصول الكافي، المجلد 1، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح 5. PageV01P200: (1) المقصود أن تعريف صاحب المراء بالممارى، وأصحاب الخدعة، بذوي الخدعة من قبيل تعريف الشيء بنفسه وهذا ليس بصحيح لدى المناطقة. ونحن سنبين وجه ذلك بعد حين لدحض هذه العقدة (منه). PageV01P202: (1) بحار الأنوار، مجلد 1، ص 225. (2) سورة البقرة آية: 282. (3) كتاب (شرح مائة كلمة قصار) لابن ميثم البحراني ص 54. PageV01P203: (1) أصول الكافي مجلد 1، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه، ح 2. (2) أصول الكافي مجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب المراء والخصومة، ح 1. (3) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المراء والخصومة، ح 8. PageV01P204: (1) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المراء والخصومة، ح 6. (2) سنن الدارمي، المجلد 2، ص 320. (3) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب العشرة، باب من تركه مجالسته، ح 13 و3. (4) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب العشرة، باب من تركه مجالسته، ح 13 و3. (5) أصول الكافي المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح 8. PageV01P206: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب 10، ح 12. (2) وسائل الشيعة، المجلد 18، الباب 11، من أبواب صفات التآخي، ح 22. (3) سنن الدارمي، المجلد 1، ص 100. PageV01P207: (1) سورة فاطر، آية: 28. PageV01P208: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضلة، ح 1. PageV01P211: (1) غرر الحكم، باب الراء. PageV01P212: (1) سورة النحل، آية: 11. (2) سورة يونس، آية: 24. (3) سورة الرعد، آية: 4. PageV01P213: (1) سورة طه، آية: 124. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح 2. PageV01P215: (1) إحياء العلوم للغزالي، المجلد الأول، ص 19 طباعة دار المعرفة بيروت. PageV01P216: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب العقل والجهل، ح 10. PageV01P217: (1) مجمع البيان، المجلد العاشر، ص 571. (2) مجمع البحرين، مادة خنس، ص 305. PageV01P219: (1) وسائل الشيعة، المجلد 18 الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي، ح 9. PageV01P222: (1) فروع الكافي، المجلد 3، ص 358 و359. (2) فروع الكافي، المجلد 3، ص 358 و359. (3) فروع الكافي، المجلد 3 ص 359. PageV01P223: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلم، ح1. (2) سورة الزخرف، آية: 71. PageV01P224: (1) سورة الكهف، ms537 آية: 42. (2) سورة الزلزلة، آية: 7 و8. (3) سورة النساء، آية: 78. (4) سورة المدثر، آية: 31. (5) سورة القلم، آية: 1. PageV01P225: (1) سورة الصافات، آية: 1. (2) سورة فاطر، آية: 1. (3) غوالي الئالئ، المجلد الأول، ص106. PageV01P226: (1) بحار الأنوار، المجلد الثامن عشر، ص382. (2) سورة الجمعة، آية: 1. (3) سورة الإسراء، آية: 44. PageV01P227: (1) فروع الكافي، المجد 3، ص 233. (2) سورة الأنعام، آية: 75. PageV01P228: (1) سورة النور، آية: 35 و40. (2) سورة النور، آية: 35 و40. (3) توحيد الصدوق، ص175. (4) تفسير نور الثقلين، المجلد الثالث، ص 105. (5) تفسير البرهان، المجلد 3: ص 135. (6) بحار الأنوار، المجلد الأول، ص225. PageV01P229: (1) سورة الكهف، آية: 110. (2) مسند أحمد، ج2، ص463. PageV01P230: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العبادة، ح1. PageV01P231: (1) فروع الكافي، المجلد الثالث، ص 269 270. (2) فروع الكافي، المجلد الثالث، ص 269 270. PageV01P232: (1) فروع الكافي، المجلد الثالث، ص 363. PageV01P233: (1) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثالث من أبواب أفعال الصلاة، ح 6 وح 4. (2) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثالث من أبواب أفعال الصلاة، ح 6 وح 4. (3) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني من أبواب أفعال الصلاة، ح5. (4) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني من أبواب أفعال الصلاة، ح6 (5) مفاتيح الجنان، المناجات الشعبانية. PageV01P234: (1) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني والثالث من أبواب أفعال الصلاة، ح7 وح5. (2) وسائل الشيعة، المجلد الرابع، الباب الثاني والثالث من أبواب أفعال الصلاة، ح7 وح5. PageV01P235: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب أن الإرادة من صفات الفعل، ج4. PageV01P236: (1) أخبار العلوم، المجلد الرابع، ص256. (2) سورة النساء، آية: 100. (3) سورة المدثر، آيات: 1 و2. PageV01P237: (1) فلاح السائل ص107. (2) كتاب أحاديث المثنوى. (3) سورة الزلزلة، آيات: 7 8. (4) سورة الكهف، آية: 49. (5) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب الثالث من أبواب المواقيت، ح 17، ص90. PageV01P238: (1) سورة العنكبوت: آية: 64. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الأيمان والكفر، باب أدخال السرور على المؤمنين، ح8. (3) أربعين الشيخ البهائي ص 200، شرح حديث 33 عن مرآة العقول ج 9 ص 94. (4) سورة مريم، آية: 17. PageV01P239: (1) وسائل الشيعه، المجلد الثلث، باب 17 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح 10. (2) قوله (بقدر ما سها) أن المقصود من هذا الحديث الشريف كما هو في الروايات الأخرى، هو أنه يرتفع من الصلاة ويقبل ms538 منها بقدر توجه القلب. فقوله (بقدر ما لها) لأجل بيان أصل النسبة وليس لبيان القدر المرفوع. ويحتمل أن يكون السهو بمعنى سكون القلب ولينه لأن السكون قد يكون بمعنى اللين كما ذكره الجوهري. (منه عفى عنه). (3) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح 12. PageV01P240: (1) الإرشاد ص255 256. (2) الإرشاد ص256. PageV01P241: (1) سورة فاطر، آية: 15. PageV01P242: (1) الخطبة 224 من نهج البلاغة. (2) سورة المنافقون، آية: 9. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من أذى المسلمين، ح8. PageV01P243: (1) " فروع الكافي " المجلد الثالث، ص 134. (2) سورة الفتح، آية: 2. (3) شرح الحديث الواحد والعشرون. PageV01P245: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب أخوة المؤمن، ح4. (2) مفاتيح الجنان، المناجاة الشعبانية. (3) سورة النجم، آية: 8 و9. PageV01P246: (1) مفاتيح الجنان، دعاء كميل. PageV01P248: (1) علم اليقين للفيض الكاشاني، المجلد الثاني، ص 853. PageV01P250: (1) علم اليقين، المجلد 2، ص854 856. (2) سنن الترمذي، المجلد الرابع، ص 640 باب 26 كتاب صفة القيامة. PageV01P251: (1) سورة الزلزلة، آية: 7. (2) هذه الرواية منقولة عن عبدالله بن مسعود كما في مجمع البيان المجلد الخامس ص 525. PageV01P253: (1) أصول الكافي، المجلد 1، كتاب فضلالعلم، باب النوادر، ح5. PageV01P255: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 3. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 4. (3) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138، باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة، ح 11 و12. (4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138، باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة، ح 11 و12. PageV01P256: (1) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140، باب تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والهزل عدا ما استثنى. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 2. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 11. (4) وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة ح 4 ص 577. (5) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الآثار، ح 10. (6) أمالي الشيخ الصدوق المجلس 76 ص 411 طباعة الأعلى. PageV01P257: (1) وسائل الشيعة، المجلد 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح9 عن أبي عبد الله في حديث قال: وإنما الأمور ثلاثة أمر بين غية فيجتنب ms539 وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح11. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح 3. (4) وسائل الشيعة، المجلد 11، باب 21 من أبواب جهاد النفس ح17و11. PageV01P258: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، باب 21 من أبواب جهاد النفس ح17و11. (2) سورة الأحزاب، آية: 72. PageV01P259: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح12. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح5. (3) كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4. PageV01P260: (1) كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4. (2) وسائل الشيعة، المجلد 13، باب وجوب أداء الأمانة، من كتاب أحكام الوديعة ح 13 (3) وسائل الشيعة، المجلد 13، الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2. (4) وسائل الشيعة، المجلد 13، الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2. (5) وسائل الشيعة، المجلد 13، الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح5. PageV01P261: (1) إتحاف السادة المتقين، المجلد 7، ص 234. (2) إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض. PageV01P262: (1) وسائل الشيعة المجلد الرابع ص 688. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، ح 2. PageV01P264: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 15، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 1، ص 175. (2) وسائل الشيعة، المجلد 4، ص 588. (3) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 15، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 10، ص 178. (4) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 15، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 11، ص 178. PageV01P265: (1) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 15، من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ح 11، ص 178. (2) سورة القدر، آية: 3. (3) سورة البقرة، آية: 261. PageV01P266: (1) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 13، من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ح5 ص 32. PageV01P267: (1) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ص 41. (2) وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ص 42. (3) وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 1 (4) وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 8. PageV01P268: (1) وسائل ms540 الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح4. (2) فروع الكافي، المجلد، ص9. PageV01P269: (1) فروع الكافي، المجلد 4، ص3. (2) البحار المجلد 96، باب فضل الصدقة وانواعها وآدابها، ح 44، ص 127. PageV01P270: (1) فروع الكافي، المجلد 4، ص 2، ح1 وص 10 ح 4. (2) فروع الكافي، المجلد 4، ص 2، ح1 وص 10 ح 4. (3) فروع الكافي، المجلد 4، ص 10 ح 5. (4) البحار، المجلد 96، باب فضل الصدقة وأنواعها، ح 55، ص 130. (5) البحار، المجلد 96، باب فضل الصد قه وأنواعها، ح17ص119. (6) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 18 من أبواب الصدقة، ح 10 ص 196 (7) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 160 (8) مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7، الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 170 (9) فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 7. (10) فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 7. (11) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 2 من أبواب الصدقة، ح1 ص 260. PageV01P271: (1) وسائل الشيعة، المجلد 16، الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4. (2) وسائل الشيعة، المجلد 16، الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4. (3) سورة آل عمران، آية: 92. (4) مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 472، طباعة دار إحياء التراث العربي، بيروت. (5) مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 472، طباعة دار إحياء التراث العربي، بيروت. (6) تفسير الصافي، المجلد الأول، ص 329 طباعة الأعلمي بيروت. (7) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 43 من أبواب الصدقة، ح 1، ص 326. (8) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 43 من أبواب الصدقة، ح 1، ص 324. PageV01P272: (1) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 42 من أبواب الصدقة، ح 3 و1 و4 ص 322. (2) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 42 من أبواب الصدقة، ح 3 و1 و4 ص 322. (3) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 42 من أبواب الصدقة، ح 3 و1 و4 ص 322. (4) فروع الكافي، المجلد 4، ص8. PageV01P273: (1) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 13 من أبواب الصدقة، ح11. (2) فروع الكافي، المجلد 4، ص 10. (3) فروع الكافي، المجلد 4، ص 10. (4) وسائل الشيعة، المجلد 6، الباب 20 من أبواب الصدقة، ح 4 ص 286. (5) وسائل الشيعة، ج6 الباب 52 من أبواب الصدقة، ص336 الحديث 1. (6) وسائل الشيعة، ج6 الباب 43 من أبواب الصدقة، ص324 الحديث 1. (7) وسائل الشيعة، ج6 ms541 الباب 43 من أبواب الصدقة، ص322 الحديث 3، 1، 4. PageV01P274: (1) وسيائل الشيعة، ج6 الباب 42 من أبوب الصدقة، 323 الحديث 4. (2) الحديث 12، ص231، فصل " في فضيلة صلاة الليل ". (3) وسائل الشيعة، ج5 الباب 39 من أبواب بقية الصلاة المندوبة، ص268 الأحاديث 2، 3. (4) وسائل الشيعة، ج5 الباب 39 من أبوب بقية الصلاة المندوبة، ص268 الأحاديث 2، 3. (5) وسائل الشيعة، ج5 الباب 39 من أبواب بقية الصلاة المندوبة، ص276 الأحاديث 34، 35. (6) وسائل الشيعة، ج5 الباب 39 من أبواب بقية الصلاة المندوبة، ص276 الأحاديث 34، 35. (7) سورة البقرة، آية: 238. PageV01P275: (1) وسائل الشيعة، المجلد 3، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض وأوقاتها، ح2 ص 21. PageV01P276: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب في قراءته ح1، 2. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب في قراءته ح1، 2. (3) سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، آية: 24. (4) بحار الأنوار المجلد 92 ص 211. PageV01P277: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب ثواب قراءة القرآن، ح 5. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ح4 ص603. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ح4 ص603. PageV01P278: (1) يضاهي هذا الحديث ما ورد في البحار، المجلد 24، ح 14 ص 303، عن داوود بن كثير قال قلت أبي عبدالله عليه السلام، أنتم الصلاة في كتاب الله عز وجل وأنتم الزكاة وأنتم الحج؟ فقال يا داوود نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل ونحن الزكاة ونحن الصيام و.... (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب فضل القرآن، ح 5. PageV01P279: (1) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 3 من أبواب قراءة القرآن، ح6. (2) أصول الكافي المجلد الثاني كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ح4. (3) أصول الكافين المجلد2، ص604، كتاب فضل القرآن باب النادر، ح1، ص627. (4) وسائل الشيعة، المجلد 4، ص 837. PageV01P280: (1) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام - ح 7 و11 ص 727. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، ص 614. PageV01P281: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب ترتيل القرآن، ح 4. (2) سورة الكوثر، آية: 2. (3) عن أبي جعفر في قوله[فصل لربك] قال الصلاة[وانحر] قال يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح. وعن عمر بن يزيد ms542 قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قوله[فصل لربك وانحر] هو رفع يديك حذاء وجهك. تفسير الميزان، المجلد 20، ص 374. (المترجم). PageV01P282: (1) عن الفضيل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال إنما ترفع اليدان بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الإبتهال والتبتل والتضرع فأحب الله عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا متضرعا مبتهلا ولأن في رفع اليدين إحضار النية وإقبال القلب على ما قال ((وسائل الشيعة - كتاب الصلاة - الباب التاسع من أبواب تكبيرة الإحرام المجلد -4 - ص 727 ج 11 وص 726 ح7)) (المترجم) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 11. (2) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: قال على الإمام أن يرفع يده في الصلاة ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة ((وسائل الشيعة - كتاب الصلاة - الباب التاسع من أبواب تكبيرة الإحرام المجلد -4 - ص 727 ج 11 وص 726 ح 7)). (المترجم). وسائل الشيعة، المجلد4، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 11، وسائل الشيعة، المجلد 4، باب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 7. PageV01P283: (1) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 13 و14. (2) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 11. (3) سورة الأنعام، آية: 79. PageV01P284: (1) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 5. (2) وسائل الشيعة، المجلد 4، الباب 7 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 7. PageV01P285: (1) فروع الكافي، المجلد 6، كتاب الزي والتجمل، باب السواك، ح6. (2) فروع الكافي، المجلد 6، الباب 2 من أبواب السواك من كتاب الزي والتجمل، ح 8. (3) وسائل الشيعة، المجلد 1، الباب 3 من أبواب السواك، ح 4. (4) وسائل الشيعة، المجلد 1، الباب 6 من أبواب السواك، ح 1. (5) وسائل الشيعة، المجلد 1، الباب 5 من أبواب السواك. (6) وسائل الشيعة، المجلد 1، الباب 1 من أبواب السواك، الأحاديث من ح1 - ج 40. PageV01P287: (1) تفسير مجمع البيان، المجلد 10، ص333. PageV01P288: (1) الوالد هو المولى مهدي بن أبي ذر الكاشاني النراقي صاحب كتاب " جامع السعادات " المتوفى عام 1209 ه. والولد هو أحمد بن مهدي صاحب كتاب ms543 " معراج السعادة " المتوفى عام 1245 ه (المترجم). (2) كتاب من لا يحضره الفقيه، المجلد الثالث، رقم الحديث 4901. (3) وسائل الشيعة، المجلد 11، الباب 6 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، ح 8. (4) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق، ح 2. (5) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق، ح 6. (6) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق، ح 6، 8، 12. (7) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق ح6، 8، 12. (8) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق ح6، 8، 12. PageV01P289: (1) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب سوء الخلق ح 3 و1 و2 و4. (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب سوء الخلق ح 3 و1 و2 و4. (3) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب سوء الخلق ح 3 و1و 2 و4. (4) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب سوء الخلق ح 3 و1و 2 و4. (5) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح2. PageV01P290: (1) إعلم أنه ليس المقصود من هذا العرض عدم جدوى علم الأخلاق ومنجيات النفس ومهلكاتها، بل المقصود أن يكون مقدمة للعمل وليس بشيء مستقل حتى يستنزف منا الوقت في سبيل تجميع المصطلحات ويمنعنا من بلوغ الهدف (منه عفى عنه). PageV01P291: (1) الجامع الصغير، ج2، ص37. PageV01P292: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، باب في ظلمة قلب المنافق، كتاب الإيمان والكفر، ح3.. PageV01P293: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح1. (2) سورة هود، آية: 56. PageV01P295: (1) سورة الملك، آية: 22. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح91. (3) روضة الكافي، ح434. (4) وقلب مفتوح فيه مصابيح تزهر. أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب في ظلمة قلب المنافق، ح3 ص423. PageV01P297: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح16. (2) سورة الأنعام، آية: 91. PageV01P298: (1) مرآة العقول، المجلد 9، ص70، ط دار الكتب الإسلامية - طهران. (2) مرآة العقول، المجلد 9، ص70 71 ط، دار الكتب الإسلامية - طهران. (3) الوافي، ج5 ص613. PageV01P299: (1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة، ح1.. ms544 PageV01P300: (1) سورة الاعراف، آية: 180. PageV01P301: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام، ح2. (2) الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الروح التي يسدد الله... ح1. (3) بحار الأنوار، المجلد 39، ص313. PageV01P302: (1) مرآة العقول، المجلد 9، ص71 طباعة دار الكتب الإسلامية طهران. (2) مرآة العقول، المجلد 9، ص71 دار الكتب الإسلامية طهران.. PageV01P303: (1) أصول الكافي، المجلد1، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله، ح7. PageV01P304: (1) أصول الكافي، المجلد1، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ح3. (2) مرآة العقول، المجلد 3، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ح3. (3) مرآة العقول، المجلد 3، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ح3. (4) مرآة العقول، المجلد 3، ص143، طباعة دار الكتب الإسلامية طهران. PageV01P305: (1) نجد في كتاب أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح 7 من الأحاديث ما يكون مرادفا لهذا الكلام. PageV01P306: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ح5 و7. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ح5 و7. PageV01P307: (1) نهج البلاغة، الخطبة 224. (الشيخ صبحي الصالح). (2) العنقاء المغرب، وعنقاء مغرب ومغربة على النعت، وعنقاء مغرب على الإضافة، طائر معروف الاسم، مجهول الجسم (أقرب الموارد مادة عنق المترجم). (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الكفر والإيمان، باب المصافحة، ح4 وح2. PageV01P308: (1) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الكفر والإيمان، باب المصافحة، ح4 وح2. (2) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح14. (3) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين، ح2). (4) مرآة العقول، المجلد 7، ص359 ط دار الكتب الإسلامية طهران). PageV01P309: (1) مرآة العقول، المجلد 7، ص356 ط دار الكتب الإسلامية طهران). (2) مرآة العقول، المجلد 7، ص356 ط دار الكتب الإسلامية طهران). (3) مرآة العقول، المجلد 7، ص357 ط دار الكتب الإسلامية طهران). (4) وسائل الشيعة، المجلد 12، الباب 5، من أبواب مقدمات التجارة، ح7). PageV01P314: (1) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب أن الإيمان لا يضر ms545 معه سيئة، ح5). PageV01P316: (1) الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته، ح 7). (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته، ح 9). (3) أمالي الطوسي، المجلد 1، ص 380). (4) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح 1 و3) PageV01P317: (1) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح 6). (2) روضة الكافي ص 159 ح 205). (3) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح 6). (4) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح3) PageV01P318: (1) بحار الأنوار، المجلد 46، ص 82). (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سيئة، ح 4). (3) مرآة العقول، المجلد 11، ص 396). PageV01P319: (1) أصول الكافي، المجلد 2، باب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سيئة، ح 2، 6) (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سيئة، ح 2، 6). (3) كتاب مناقب ابن شهر آشوب، المجلد 3، ص197). PageV01P320: (1) كتاب أمالي الشيخ الطوسي، المجلد 1، ص 70). PageV01P322: (1) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام، ح5) (2) وسائل الشيعة، الباب 69، من أبواب مقدمة العبادات ح 3 و5) (3) وسائل الشيعة، الباب 69، من أبواب مقدمة العبادات ح 3 و5) (4) وسائل الشيعة، الباب 31، من أبواب مقدمة العبادات ح 1 و5) PageV01P323: (1) وسائل الشيعة، الباب 31، من أبواب مقدمة العبادات ح 1 و5) (2) أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح 8. (3) سورة الإسراء، آية: 1. PageV01P324: (1) سورة البقرة، آية: (2) مرآة العقول، المجلد 10، ص387. (3) مرآة العقول، المجلد 10، ص388. PageV01P325: (1) تعرض الشيخ البهائي رحمه الله لهذا الموضوع عند تفسيره للحديث الخامس والثلاثين من كتابه الأربعين قال: وهم وتنبيه قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا وأمثاله من أن المؤمن الخالص يكره الموت، ويرغب في الحياة وبين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله، من أحب لقاء الله أحب الله لقاؤه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاؤه، فإنه يدل بظاهره على أن المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه، كما نقل عن أمير المؤمنين أنه كان يقول: إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، وأنه قال ms546 حين ضربه ابن ملجم فزت ورب الكعبة، وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد طاب ثراه في الذكرى فقال: إن حب لقاء الله غير مقيد بوقت، فحمل على حال الاحتضار ومعانيه وما يحب، كما روينا عن الصادق عليه السلام. (المترجم). (2) تعرض الشيخ البهائي رحمه الله لهذا الموضوع عند تفسيره للحديث الخامس والثلاثين من كتابه الأربعين قال: وهم وتنبيه قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا وأمثاله من أن المؤمن الخالص يكره الموت، ويرغب في الحياة وبين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله، من أحب لقاء الله أحب الله لقاؤه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاؤه، فإنه يدل بظاهره على أن المؤمن الحقيقي لا يكره الموت بل يرغب فيه، كما نقل عن أمير المؤمنين أنه كان يقول: إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، وأنه قال حين ضربه ابن ملجم فزت ورب الكعبة، وقد أجاب عنه شيخنا الشهيد طاب ثراه في الذكرى فقال: إن حب لقاء الله غير مقيد بوقت، فحمل على حال الاحتضار ومعانيه وما يحب، كما روينا عن الصادق عليه السلام. (المترجم). (3) مرآة العقول، المجلد 10 وهو أن النوافل جمع نافلة وهي الأعمال الغير واجبة مما يفعل لوجه الله سبحانه وأما تخصيصها بالصلوات المندوبة فعرف طارئ. PageV01P326: (1) المرجع السابق في ص613. (2) مرآة العقول، المجلد 10، ص 384. PageV01P327: (1) سورة الانفال، آية: 17. (2) سورة الكهف، آية: 79 82. (3) سورة الزمر، آية: 42. (4) سورة النمل، آية: 93. (5) سورة الرعد، آية: 7. (6) سورة الزخرف، آية: 84. PageV01P330: (1) عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: إن السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع (المترجم) وسائل الشيعة، المجلد 3، باب 16 من أبواب ما يسجد عليه، ح 3. PageV01P331: (1) سورة الأنعام، آية: 79. PageV01P332: (1) مرآة العقول، المجلد 10، ص 390، ط. دار الكتب الإسلامية طهران. (2) مرآة العقول، المجلد 10، ص 395، ط. دار الكتب الإسلامية طهران. (3) نقل الإمام قدس سره كلام المجلسي بصورة مختصرة. نقلناه من دون اختزال واختصار (المترجم). PageV01P333: (1) سورة إبراهيم، آية: 7. (2) سورة الفرقان، آية: 44. (3) سورة الحجر، آية: 75. (4) مرآة العقول، المجلد 10، ص ms547 392 393، ط. دار الكتب الإسلامية طهران. PageV01P334: (1) مرآة العقول، المجلد 10، ص 382 و383، ط. دار الكتب الإسلامية طهران. (2) مرآة العقول، المجلد 10، ص 383، ط. دار الكتب الإسلامية طهران. (3) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة، ح6. PageV01P335: (1) سورة الحديد، آية: 4. (2) سورة المجادلة، آية: 7. (3) سورة البقرة، آية: 115. (4) سورة القلم، آية: 35. (5) سورة الدهر، آية: 30. (6) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب الإرادة أنها من صفات الفعل، ح4. (7) سورة الحديد، آية: 3. PageV01P337: (1) سورة النساء، آية: 78. (2) سورة النساء، آية: 79. (3) سورة الأنبياء، آية: 23. PageV01P338: (1) والأسئلة السبعة على ذكر السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ستة منها نقلا عن روح المعاني للآلوسي هي: 1 ما الحكمة في الخلق لا سيما وقد كان عالما أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار؟ 2 ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ 3 هب إنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ 4 لما عصيته في ترك السجود فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ 5 أنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده وأمكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ 6 لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني ومعلوم أنه لو كان العالم خاليا الشر لكان ذلك خيرا؟ (راجع تفسير الميزان المجلد الثامن ص 44 من الطباعة الخامسة لمؤسسة الأعلمي لمطبوعات بيروت) (المترجم). PageV01P339: (1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح 1. PageV01P343: (1) سورة الأنعام، آية: 59. PageV01P348: (1) أصول الكافي، المجلد 1، كتاب التوحيد، باب أنه لا يعرف إلا به، ح 1. PageV01P350: (1) أصول الكافي، المجلد 1، باب أنه لا يعرف إلا به، ح 1. (2) مرآة العقول، المجلد1، ص298. PageV01P351: (1) سورة فصلت: آية: 54. (2) سورة الحديد، آية: 4. (3) سورة ق، آية: 16. (4) سورة الواقعة، آية: 85. (5) سورة القصص، آية: 88. (6) كتاب الوافي، ص 75 منشورات مكتبة المرعشي - قم. PageV01P352: (1) سورة النور، آية: 35. (2) سورة النجم، آية: 9. (3) سورة النساء، آية: 100. PageV01P354: (1) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب الروح، ح4. PageV01P355: (1) بحار الأنوار، المجلد الرابع، الباب 3، من كتاب التوحيد ms548 ح 1، ص 11. (2) مرآة العقول ج 2، ص 84. PageV01P356: (1) الشفاء، المجلد الثاني من الإلهيات، ص 282، منشورات مكتبة المرعشي، قم. PageV01P357: (1) سورة البقرة: آية: 31. (2) سورة الأحزاب، آية: 72. PageV01P358: (1) سورة القصص، آية: 88. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النوادر، ح7. (3) مفاتيح الجنان، دعاء الندبة. (4) مفاتيح الجنان، زيارة الجامعة الكبيرة. (5) سورة النور، آية: 35. (6) اصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب أن الائمة نور الله، ح1. (7) اصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب ان الآيات التي ذكرها الله في كتابه، ح3. (8) سورة الروم، آية: 27. PageV01P359: (1) سورة الحجرات، آية: 29. (2) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب الخير والشر، ح1. PageV01P360: (1) مرآة العقول، المجلد 2، ص 172. PageV01P362: (1) سورة النساء، آيات: 79 78. (2) سورة النساء، آيات: 79 78. PageV01P364: (1) سورة المائدة، آية: 64. PageV01P365: (1) أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح3. PageV01P366: (1) تفسير البرهان، المجلد 4، ص 526. PageV01P369: (1) سورة الحج، آية: 18. PageV01P370: (1) سورة النمل، آية: 18. (2) سورة النمل، آية: 23. PageV01P373: (1) سورة الرحمن، آية: 29. (2) سورة الحديد، آية: 6. ms549